الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 62

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 62


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثاني والستون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم { أبواب } { الدواجن وقد مضت منها الانعام } { باب } { استحباب اتخاذ الدواجن في البيوت } 1 - قرب الاسناد: عن سعد بن طريف (1) عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: كانوا يحبون أن يكون في البيت الشئ الداجن مثل الحمام والدجاج أو العناق ليعبث به صبيان الجن ولا يعبثون بصبيانهم (2). 2 - طب الائمة: عن المظفر بن محمد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن سليمان بن جعفر عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكثروا من الدواجن في بيوتكم تتشاغل (3) بها الشياطين عن صبيانكم (4)


(1) هكذا في الكتاب في مطبوعة ومخطوطه وفيه تصحيف والصحيح كما في المصدر: الحسن بن ظريف. (2) قرب الاسناد: 45. (3) في المخطوطة: لتشاغل. (4) طب الائمة: 117.

[2]

بيان: قال الجوهري: دجن بالمكان دجونا: أقام به وأدجن مثله، وقال ابن السكيت: شاة داجن وراجن: إذا ألفت البيوت واستأنست، قال: ومن العرب من يقولها بالهاء وكذلك غير الشاة، قال لبيد: حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا * غضفا دواجن قافلا أعصامها أراد به كلاب الصيد. وقال في النهاية: فيه: " لعن الله من مثل بدواجنه " هي جمع داجن وهو الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم يقال: شاة داجن، ودجنت تدجن دجونا، والمداجنة حسن المخالطة وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها والمثلة بها: أن يخصيها ويجدعها انتهى (1). وقال الدميري: الداجن: الشاة التى يعلفها الناس في منازلهم، وكذلك الناقة والحمام البيوتي، والانثى داجنة، والجمع دواجن، وقال أهل اللغة: دواجن البيوت: ما ألفها من الطير والشاة وغيرهما، وقد دجن في بيته: إذا لزمه (2).


(1) النهاية 2: 14. (2) حياة الحيوان 1: 236.

[3]

(2) - { باب } { فضل اتخاذ الديك وأنواعها واتخاذ الدجاج في البيت وأحكامهما } 1 - العيون والخصال: عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد الاشعري عن إبراهيم بن حمويه عن اليقطيني قال: قال الرضا عليه السلام في الديك الابيض خمس خصال من خصال الانبياء: معرفته بأوقات الصلاة والغيرة والسخاء والشجاعة وكثرة الطروقة (1). 2 - مجالس الصدوق: في مناهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نهى عن سب الديك وقال: إنه يوقظ للصلاة (2). 3 - المكارم: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تعلموا من الديك خمس خصال: محافظته على أوقات الصلاة والغيرة والسخاء والشجاعة وكثرة الطروقة (3). 4 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي: عن حميد بن شعيب عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن لله ديكا رجلاه في الارض ورأسه تحت العرش، جناح له في المشرق، وجناح له في المغرب، يقول: " سبحان الملك القدوس " فإذا قال ذلك: صاحت الديوك وأجابته فإذا سمع صوت الديك فليقل أحدكم: سبحان ربي الملك القدوس (4). 5 - الكافي: عن العدة عن البرقي عن محمد بن علي عن أبي جميلة عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ديك أفرق أبيض يحفظ (5) دويرة


(1) عيون الاخبار: ج 1: 277 الخصال 1: 298. (2) مجالس الصدوق: 254 (662) ورواه في الفقيه 4: 3 باسناد المناهى. (3) مكارم الاخلاق: 154. (4) كتاب جعفر بن محمد بن شريح: (5) في المصدر: ديك ابيض افرق يحرس.

[4]

أهله وسبع دويرات حوله (1). بيان: قال في القاموس: ديك أفرق بين الفرق، عرفه مفروق. 6 - الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن علي بن سليمان بن رشيد عن القاسم بن عبد الرحمن الهاشمي عن محمد بن مخلد الاهوازي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ديك أفرق أبيض (2) يحرس دويرته وسبع دويرات حوله ولنفضة من حمامة منمرة (3) أفضل من سبع ديوك فرق بيض (4). 7 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد بن خالد عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم الجعفري قال: ذكر عند أبي الحسن عليه السلام حسن الطاووس، فقال: لا يزيدك على حسن الديك الابيض بشئ، قال: وسمعته يقول: الديك أحسن صوتا من الطاووس وهو أعظم بركة، ينبهك في مواقيت الصلاة، وإنما يدعو الطاووس بالويل بخطيئته التي ابتلي بها (5). 8 - ومنه: عن علي عن بعض أصحابه (6) رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الديك الابيض صديقي وصديق كل مؤمن (7). 9 - ومنه: عن علي (8) عن بعض أصحابه عن أبي شعيب المحاملي عن أبي الحسن عليه السلام قال: في الديك خمس خصال من خصال الانبياء: السخاء والشجاعة (9)


(1) فروع الكافي 6: 549. (2) في المصدر: ديك أبيض أفرق. (3) طير منمر: فيه نقط سود. (4) فروع الكافي 6: 550. (5) فروع الكافي 6: 550 فيه: لخطيئة. (6) في المصدر: " عنه عن بعض اصحابه " ومرجع الضمير غير معلوم. (7) فروع الكافي 6: 550. (8) في المصدر: " عنه عن بعض اصحابه " ومرجع الضمير غير معلوم. (9) زاد في المصدر بعد الشجاعة: القناعة. والظاهر انه زائد والا تزيد عن خمس.

[5]

والمعرفة بأوقات الصلاة (1) وكثرة الطروقة والغيرة (2). بيان: كثرة الطروقة بفتح الطاء من قولهم: طروقة الفحل أي انثاه، فالمراد كثرة الازواج، أو بالضم مصدر طرق الفحل الناقة: إذا نزا عليها، فالمراد كثرة الجماع. 10 - الكافي: عن علي وعدة (3) من أصحابه عن سهل بن زيد جميعا عن جعفر ابن محمد الاشعري عن ابن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام صياح الديك صلاته، وضربه بجناحه ركوعه وسجوده (4). بيان: كأنه إشارة إلى قوله تعالى: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " كما مر، وقد مر استحباب اتخاذ الدجاج في الباب السابق. 11 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد بن خالد عن عمرو بن عثمان رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الوز: جاموس الطير، والدجاج: خنزير الطير، والدراج حبش الطير، وأين أنت عن فرخين ناهضين ربتهما امرأة من ربيعة بفضل قوتها (5). بيان: الوز لغة في الاوز وكونه جاموس الطير لانسه بالحماءة والمياه، وشبه الدجاج بالخنزير في أكل العذرة وكون الدراج حبش الطير لسواده، وكأن التخصيص بامرأة ربيعة لكون طيرهم أجود أو كونهم أحذق في ذلك أو كون الشائع في ذلك الزمان وجود هذا الطير أو كثرته عندهم.


(1) في المصدر: باوقات الصلوات. (2) فروع الكافي 6: 550. (3) في المصدر: عنه وعن عدة من اصحابنا. (4) فروع الكافي 6: 550. (5) فروع الكافي 6: 312. ورواه البرقى في المحاسن: 474. وروى باسناده عن ابن الحسن النهدي عن على بن أسباط رفعه إلى امير المؤمنين (ع) انه ذكر عنده لحم الطير فقال: اطيب اللحم لحم فرخ غذته فتاة من ربيعة بفضل قوتها.

[6]

10 - الكافي: عن أحمد عن السياري رفعه قال: ذكرت اللحمان بين يدي عمر: فقال عمر: إن أطيب اللحمان لحم الدجاج، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كلا إن ذلك خنازير الطير، وإن أطيب اللحمان لحم فرخ نهض أو كاد ينهض (1). 11 - المحاسن: عن محمد بن علي عن يونس بن يعقوب عن عبد الاعلى قال: أكلت مع أبي عبد الله عليه السلام فدعا واتي بدجاجة محشوة وبخبيص، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هذه اهديت لفاطمة، ثم قال: يا جارية ايتنا بطعامنا المعروف فجاء بتريد وخل وزيت (2). 12 - مجمع البيان: روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل (3). بيان: أكثر الاخبار تدل على كراهة لحم الدجاج، ولم أرمن تعرض لها غير أن الشهيد - رحمه الله - في الدروس ذكر الرواية المتقدمة، ويمكن حمل أخبار الذم على ما إذا كانت جلالة أو قريبة من الجلل ولم يستبرء، فمع الاستبراء ثلاثة أيام يزول التحريم أو الكراهة، كما روى الدميري عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك انتهى (4). والتعليل الوارد في الاخبار المتقدمة ربما يشعر بذلك. 13 - حياة الحيوان: الديك ذكر الدجاج، وجمعه ديوك وديكة، وتصغيره دويك، ويسمى الانيس والمؤانس، ومن شأنه أنه لا يحنو على ولده ولا يألف زوجة واحدة، وهو أبله الطبيعة، وذلك إنه إذا سقط من حائط لم تكن له هداية تر شده إلى دار أهله، وفيه من الخصال الحميدة أن يسوي بين دجاجه ولا يؤثر واحدة على واحدة إلا نادرا.


(1) فروع الكافي 6: 312. ورواه البرقى في المحاسن: 475 عن السيارى. (2) المحاسن: 400 فيه: بثريد. (3) مجمع البيان 3: 236 ط الصيداء. (4) حياة الحيوان 1: 241.

[7]

وأعظم ما فيه من العجائب معرفة الاوقات الليلية، فيقسط أصواته عليها تقسيطا لا يكاد يغادر منه شيئا سواء طال أو قصر، ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده فسبحان من هداه لذلك، ولهذا أفتى القاضي حسين والمتولي والرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلاة (1)، ومن غرائب أمره أنه إذا كانت الديكة بمكان و دخل عليهم ديك غريب سفدته كلها. قال الجاحظ: ويدخل في الديك الهندي والجلاسي والنبطي والسندي والزنجي قال: وزعم أهل التجربة أن الديك الابيض الافرق من خواصه أن يحفظ الدار التي هو فيها، وزعموا أن الرجل إذا ذبح الديك الابيض الافرق لم يزل ينكب (2) في أهله وماله. روى عبد الحق بن قانع باسناده إلى جابر بن أثوب - بسكون الثاء المثلثة وفتح الواو وهو أثوب بن عتبة - أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الديك الابيض خليلي. وإسناده لا يثبت، ورواه غيره بلفظ: الديك الابيض صديقي وعدو الشيطان يحرس صاحبه وسبع دور خلفه. وكان النبي صلى الله عليه وآله يقتنيه في البيت والمسجد. وفي ترجمة البزي الراوي عن ابن كثير عن الحسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول: الديك الابيض الافرق حبيبي وحبيب جبرئيل، يحرس بيته وستة عشر بيتا من جيرانه. وروى الشيخ محب الدين الطبري أن النبي صلى الله عليه وآله كان له ديك أبيض وكانت الصحابة يسافرون بالديكة لتعرفهم أوقات الصلاة. وفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمدي والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فانها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا:


(1) في المصدر: في اوقات الصلوات. (2) أي يصيبه النكبة أي المصيبة.

[8]

قال القاضي: سببه رجاء تأمين الملائكة على الدعاء واستغفارهم وشهادتهم له بالاخلاض والتضرع والابتهال، وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك بهم، وإنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير لان الشيطان يخاف من شره عند حضوره، فينبغي أن يتعوذ منه انتهى. وفي معجم الطبراني وتاريخ إصبهان عن النبي صلى الله عليه وآله قال إن لله ديكا أبيض جناحاه موشيان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، و رأسه تحت العرش وقوائمه في الهواء ويؤذن كل سحر فيسمع تلك الصيحة أهل السماوات والارض إلا الثقلين: الجن والانس فعند ذلك يجيبه ديوك الارض، فإذا دنايوم القيامة قال الله تعالى: ضم جناحك وغض صوتك، فيعلم أهل السماوات والارض إلا الثقلين أن الساعة قد اقتربت. وروى الطبراني والبيهقي في الشعب عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن لله ديكا رجلاه في التخوم ورأسه (1) تحت العرش مطوية، فإذا كان هنة (2) من الليل صاح: " سبوح قدوس " فتصيح الديكة. وفي كتاب فضل الذكر للحافظ جعفر بن محمد بن الحسن الفرياني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن لله ديكا براثنه (3) في الارض السفلى، وعنقه مثني تحت العرش وجناحاه في الهواء يخفق بهما في السحر كل ليلة يقول: سبحان الملك القدوس ربنا الرحمن (4) الملك لا إله غيره (5). وروى الثعلبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثلاثة أصواب يحبها الله تعالى: صوت


(1) في المصدر: وعنقه. (2) الهنة: الطائفة من الليل. (3) في المصدر: رجلاه. (4) في المصدر: ربنا الملك الرحمن. (5) هذه وامثالها من روايات العامة لم تثبت من طريق الخاصة وفيها غرابة شديدة ولعل المراد بالديك ملك يشابهه وعلى أي فالسكوت عنها طريق النجاة.

[9]

الديك وصوت قارئ القرآن وصوت المستغفرين بالاسحار. وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تسبوا الديك فانه يوقظ للصلاة. إسناده جيد، وفي لفظ: فانه يدعو إلى الصلاة. قال الامام الحليمي قوله صلى الله عليه وآله: " فانه يدعو إلى الصلاة " فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب ويستهان، بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالاحسان، وليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أن يقول بصراخه حقيقة: الصلاة أوقد حانت الصلاة، بل معناه أن العادة قد جرت بأن يصرخ صرخات متتابعة عند الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها فتذكر الناس بصراخه الصلاة، ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواه إلا من جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة والله أعلم انتهى. وروى الحاكم في المستدرك (1) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى أذن لي أن احدث عن ديك رجلاه في الارض وعنقه مثنية تحت العرش وهو يقول: " سبحانك ما أعظم شأنك ؟ " قال: فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بي لاذبا. وروى أبو طالب المكي والغزالي عن ميمون بن مهران أنه قال: بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك رأسه من لؤلؤة، وجناحاه من زبرجد أخضر (2)، فإذا مضى ثلث الليل الاول ضرب بجناحيه وزقا (3) وقال: ليقم القائمون، فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم المصلون، فإذا طلع الفجر ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم الغافلون: وعليهم أوزارهم. ومعنى زقا: صاح.


(1) زاد في المصدر: في أوائل كتاب الايمان والطبراني ورجاله رجال الصحيح. (2) في المصدر: براثنه من لؤلؤ صيصيته من زبرجد أخضر. (3) زقا الطائر: صاح.

[10]

وعن عبد الله بن نافع أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن إخصاء الخيل والغنم والديك (1) وقال: إنما النماء في الخيل وتحرم المنافرة بالديكة (2). وقال: الدجاج مثلث الدال الواحدة دجاجة، الذكر والانثى فيه سواء والهاء فيه كبطة وحمامة ومن عجيب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا يخشاها، فإذا مربها ابن آوي وهي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه، وتوصف بسرعة الانتباه وقوة (3) النوم ويقال: إن نومها واستيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه ويقال: إنما تفعل ذلك من شدة الجبن، وأكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الارض بل ترتفع على رف أو جذع أو جدار أو ما قارب ذلك، والدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم والذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويأكل الخبز ويلقظ الحب وذلك من طباع بهائم الطير (4)، والفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن وتارة بأن يدفن في الزبل (5) ونحوه. وروى ابن ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله أمر الاغنياء باتخاذ الغنم وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج (6).


(1) في المصدر: وفى الكامل في ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن خصاء الديك والغنم والخيل. (2) حياة الحيوان 1: 249 و 250. (3) في المصدر: وتوصف الدجاحة بقلة النوم وسرعة الانتباه. (4) زاد في المصدر: ويعرف الديك من الدجاجة وهو في البيضة وذلك ان البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الاطراف فهى مخرج الاناث وان كانت مستديرة عريضة الاطراف فهى مخرج الذكور. (5) الزبل: السرجين أو السرقين: يستفاد من ذلك أن انتاج الدجاج من وضع البيض تحت حرارة، كان معمولا سابقا، ولعل المعاصرين تفطنوا من ذلك لاختراعهم الجديدة. (6) زاد في المصدر: وقال: " عند اتخاذ الاغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى " وفيه: يعنى ان الاغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم وخالطوهم في معايشهم تعطل سببهم وهلكوا وفى هلاك الفقراء بوار وفى ذلك هلاك القرى وبوارها.

[11]

ويحل أكل الدجاج لما روى الشيخان والترمدي والنسائي عن إبراهيم بن رهدم بن المصرم الحرمي (1) قال: كنا عند أبي موسى الاشعري فدعا بمائدة عليها لحم دجاجة فخرج من بنى تيم الله أحمر شبيه بالموالي فقال: هلم فتلكأ (2) فقال: هلم فاني رأيت النبي صلى الله عليه وآله يأكل منه. وفي لفظ: يأكل دجاجة. وهذا الرجل إنما تلكأ لانها تأكل العذرة (2) فقذره، ويحتمل أن يكون تردد لا لتباس الحكم عليه أولم يكن عنده دليل فتوقف حتى يعلم حكم الله تعالى.


(1) في المخطوطة: عن ابن رهدم مصرم الحرمى وفى المصدر: عن زهدم بن مضرم الجرمى. (2) أي أبطأ وتوقف. (3) في المصدر: وهذا الرجل تلكأ لانه رآه يأكل العذرة.

[12]

3 - { باب } { الحمام وأنواعه من الفواخت والقمارى والدباسى } { والوراشى وغيرها } 1 - العلل: عن محمد بن موسى المتوكل عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقى عن أبيه عن يونس عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الشئ إذا اختلف لم يلقح، قلت: فان الناس يزعمون الطير الراعبي (1) أحد أبويه ورشان وقد نراه يبيض ويفرخ، قال كذبوا إنه قد يلقى الورشان على الطير فيتزاوج ويبيض ويفرخ ولا يفرخ نسله أبدا (2). تبيان: قوله: " إن الشئ إذا اختلف لم يلقح " أي إذا تولد الحيوان من جنسين مختلفين يكون عقيما لا يلد، فقال الراوي: الراعبي مع كونه من جنسين مختلفين يبيض ويفرخ، وجوابه عليه السلام يحتمل وجهين: أحدهما تكذيب الناس في ذلك وإفادة أنه لا يبيض ولا يفرخ بل كل راعبي يتولد من جنسين، وثانيهما أن يكون المعنى أن ما يحصل من الورشان والجنس الآخر هو غير الراعبي ولا يفرخ، ولعله أظهر. وقال الدميري: الراعبي: طائر متولد بين الورشان والحمام وهو شكل عجيب قاله القزويني (3). وقال: الورشان هو ساق حر، وقيل: طائر متولد بين الفاختة والحمامة، و بعضهم يسميه الوراشين، وهو أصناف منها النوبي وهو أسود حجازى إلا أنه أشجى صوتا من الورشان يوصف بالحنو على الاولاد حتى أنه ربما قتل نفسه إذا رآها


(1) في المصدر: ان الطير الراعبى. (2) الخصال 2: 181 (طبعة قم). (3) حياة الحيوان 1: 265.

[13]

في يد القانص (1). وقال: ساق حر: الورشان وهو ذكر القماري لا يختلفون في ذلك (2). 2 - العيون والعلل: بالاسناد المتقدم سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى هدير الحمام الراعبية، فقال: تدعو على أهل المعازف والقيان والمزامير والعيدان (3). بيان: في القاموس: المعازف: الملاهي كالعود والطنبور والواحد عزف أو معزف كمنبر ومكنسة، والقيان جمع القينة: الامة المغنية، فهو عطف على الاهل، ويقدر المضاف في الاخيرين. 3 - الاختصاص والبصائر: عن أحمد بن محمد عن البزنطي عن بعض أصحابنا قال: اهدي إلى أبي عبد الله عليه السلام فاختة وورشان وطير راعبي فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما الفاختة فتقول: " فقدتكم فقدتكم " فافقدوها قبل أن تفقدكم فأمر بها فذبحت، وأما الورشان فيقول: " قد ستم قد ستم " فوهبه لبعض أصحابه، والطير الراعبي يكون عندي أسر به (4). بيان: قال الدميري: الفاختة واحدة الفواخت من ذوات الاطواق، زعموا أن الحيات تهرب من صوتها وهى عراقية وليست حجازية، وفيها فصاحة وحسن صوت وفي طبعها الانس، وتعيش في الدور، والعرب تصفها بالكذب، فان صوتها عندهم هذا أو ان الرطب تقول ذلك والنخل لم تطلع وتعمر (5) وقد ظهر منه ما عاش خمسة و عشرين سنة وما عاش أربعين سنة (6).


(1) حياة الحيوان 2: 284. (2) حياة الحيوان 2: 8. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 246 علل الشرائع 2: 283 و 284 فيه: القينات. (4) الاختصاص: 294 فيه: انسى به، بصائر الدرجات: 234 ط التبريز. (5) في المصدر: وهذا الطائر يعمر كثيرا. (6) حياة الحيوان 2: 137 و 138.

[14]

4 - البصائر: عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر عن الحلبي عن ابن مسكان عن أبي أحمد عن شعيب بن الحسن قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام جالسا فسمع صوتا من الفاختة فقال: تدرون ما تقول ؟ قال: قلت: لا قال: تقول: " فقدتكم " فافقدوها قبل أن تفقدكم (1). ومنه: عن البرقي عن النضر عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن أبي أحمد عن سعد بن الحسن عن أبي جعفر عليه السلام مثله (2). 5 - ومنه: عن أحمد بن محمد عن سعيد بن جناح عن ابن أبي عمير عن حفص ابن البختري عن بعض أصحابنا قال: سمعت فاختة تصيح من دار أبي عبد الله عليه السلام فقال: أتدرون ما تقول هذه الفاختة ؟ قال: قلت: لا، قال: تقول: فقدتكم أما أنا لنفقدنها قبل أن تفقدنا، قال: فأمر بها فذبحت (3). 6 - ومنه: عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد والبرقي عن النضر عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن داود بن فرقد عن علي بن سنان قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فسمع صوت فاختة في الدار فقال: أين هذه التي أسمع صوتها ؟ قلنا: هي في الدار اهديت لبعضهم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما لنفقدنك قبل أن تفقدنا قال: ثم أمر بها فاخرجت من الدار (4). بيان: ربما يحمل دعاؤها على صاحب البيت بأنها لخساستها وبعض جهات الشر فيها في صوتها نحوسة تترتب عليها الجلاء والهلاك، فكأنها تدعو على صاحب البيت، ولا ضرورة في ارتكاب هذه التكلفات كما عرفت سابقا. 7 - كامل الزيارة: عن أبيه وعلي بن الحسين عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتخذوا الحمام الراعبية في


(1) بصائر الدرجات: 343. (2) بصائر الدرجات: 344. (3) بصائر الدرجات. 344. (4) بصائر الدرجات: 346.

[15]

بيوتكم، فانها تلعن قتلة الحسين عليه السلام (1). الكافي: عن علي بن إبراهيم مثله (2). 8 - الكامل: عن أبيه وأخيه وعلي بن الحسين ومحمد بن الحسن جميعا عن أحمد ابن إدريس عن الجامورانى عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن صندل عن داود بن فرقد قال: كنت جالسا في بيت أبي عبد الله عليه السلام فنظرت إلى الحمام الراعبي يقرقر طويلا، فنظر إلى أبو عبد الله عليه السلام طويلا فقال: يا داود أتدري ما يقول هذا الطير ؟ قلت: لا والله جعلت فداك، قال: يدعو على قتلة الحسين عليه السلام فاتخذوه في منازلكم (3) الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد بن الجاموراني مثله (4). 9 - إرشاد المفيد: عن علي بن سعيد عن محمد بن كرامة عن أبي حمزة الثمالي قال: كانت لابن ابنتي حمامات فذبحتهن غضبا ثم خرجت إلى مكة فدخلت على أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام قبل طلوع الشمس فلما طلعت رأيت فيها حماما كثيرا، قال: قلت: أسأله مسائل وأكتب ما يجيبني عنها وقلبي متفكر فيما صنعت بالكوفة وذبحي لتلك الحمامات من غير معنى، وقلت في نفسي: لو لم يكن في الحمام خير لما أمسكهن. فقال لي أبو جعفر عليه السلام: مالك يا با حمزة ؟ قلت: يابن رسول الله خير، قال: كأن قلبك في مكان آخر ؟ قلت: إي والله، وقصصت عليه القصة وحدثته بأني ذبحتهن فالآن أنا أعجب بكثرة ما عندك منها، قال: فقال الباقر عليه السلام: بئس ما صنعت يا أبا حمزة أما علمت إنه إذا كان من أهل الارض عبثا بصبياننا ندفع عنهم الضرر بانتفاض الحمام، وإنهن يؤذن بالصلاة في آخر الليل، فتصدق عن كل واحدة منهن دينارا فانك قتلتهن غضبا (5).


(1) كامل الزيارات: 98. (2) فروع الكافي 6: 547 و 548 زاد في آخره: ولعن الله قاتله. (3) كامل الزيارات: 98. (4) فروع الكافي 6: 547 فيه: إلى حمام راعبي يقرقر فنظر. (5) ارشاد المفيد.

[16]

بيان: انتفاض الحمام: تحركها ونفض أجنحتها، ويدل على لزوم الكفارة إذا قتل الحمام غضبا، ولعله محمول على الاستحباب ولم أرمن تعرض له. 10 - طب الائمة: عن علي بن سعيد عن محمد بن كرامة قال: رأيت في منزل موسى بن جعفر عليه السلام زوج حمام أما الذكر فانه كان أخضر به شئ من السمر، وأما الانثى فسوداء ورأيته يفت لهما الخبز وهو على الخوان ويقول: إنهما ليحر كان من الليل ويؤنسان وما من انتفاضة ينتفضانها من الليل إلا دفع الله بها من دخل البيت من الارواح. بيان: الارواح: الجن. 11 - مشارق الانوار: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: عادانا من كل شئ حتى من الطيور الفاختة ومن الايام الاربعاء (2). 12 - الكافي: عن العدة عن سهل عن علي بن سليمان عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن مخلد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لنفضة من حمامة منمرة أفضل من سبع ديوك فرق بيض (3). بيان: قال في القاموس: النمرة بالضم: النكتة من أي لون كان، والانمر: ما فيه نمرة بيضاء واخرى سوداء وهي نمراء، والنمر ككتف وبالكسر: سبع معروف سمي للنمر التي فيه. 13 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن بكر بن صالح عن محمد بن أبي حمزة عن عثمان الاصبهاني قال: أهديت لاسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام صلصلا، فدخل أبو عبد الله عليه السلام فلما رآه قال: هذا الطير المشؤم أخرجوه فانه يقول: " فقدتكم " فافقدوه قبل أن يفقدكم (4).


(1) طب الائمة: (2) مشارق الانوار: ليست عندي نسخته. (3) فروع الكافي 6: 549 و 550 فيه: " على بن سليمان بن رشيد " وفيه: " القاسم ابن عبد الرحمن الهاشمي " وتقدم الحديث بتمامه في الباب السابق. (4) فروع الكافي 6: 551.

[17]

البصائر: عن أحمد بن محمد عن بكر بن صالح عن محمد بن أبي حمزة عن عمر بن محمد الاصبهاني مثله (1). بيان: قال الدميري: الصلصل بالضم: الفاختة، وكذا ذكره الجوهري وغيره، وقال الفيروز آبادي: الصلصل كهدهد: طائر أو الفاختة. 14 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم وابن محبوب عن معاوية بن وهب قال: الحمام من طيور الانبياء عليهم السلام (2). 15 - ومنه: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء عن حماد بن عثمان عن عبد الا على مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أول حمام كان بمكة حمام كان لاسماعيل عليه السلام (3). 16 - ومنه: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام إن أصل حمام الحرم بقية حمام كان لاسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام اتخذها كان يأنس بها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يستحب أن يتخذ طيرا مقصوصا يأنس به مخافة الهوام (4). بيان: الهوام جمع الهامة وهي كل ذات سم يقتل، وقد يقع الهوام على كل ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل، وكأن المراد هنا الجن وإن احتمل أن يكون نافعا لدفع الهوام أيضا. 17 - الكافي: عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن الوشاء عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: هذه الحمام حمام الحرم هي من نسل حمام إسماعيل بن إبراهيم التي كانت له (5).


(1) بصائر الدرجات: 345. (2) فروع الكافي 6: 546. (3) فروع الكافي 6: 546 فيه: حمام لاسماعيل (ع). (4) فروع الكافي 6: 564 فيه: تأنس به. (5) فروع الكافي 6: 546.

[18]

18 - ومنه: عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد والحسين بن محمد عن معلى ابن محمد جميعا عن الوشاء عن ابن عائذ عن أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس من بيت فيه حمام إلا لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام ويدعون الانسان (1). 19 - ومنه: عن على بن إبراهيم عن محمد بن عيسي عن عبيد الله الدهقان عن درست عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شكى رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله (2) الوحشة فأمره أن يتخذ في بيته زوج حمام (3). 20 - ومنه: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد عن أبي عبد الله الجاموراني عن الحسن بن على بن أبي حمزة عن أبيه عن صندل عن زيد الشحام قال: ذكرت الحمام عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: اتخذوها في منازلكم فانها محبوبة لحقتها دعوة نوح عليه السلام وهي آنس شئ في البيوت. 21 - ومنه: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن رجل عن عمر بن يزيد عن أبى سلمة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الحمام طير من طيور الانبياء عليهم السلام التي كانوا يمسكون في بيوتهم، وليس من بيت فيه حمام إلا لم يصب (4) أهل ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام ويدعون الناس قال: فرأيت في بيت أبي عبد الله عليه السلام حماما لابنه إسماعيل عليه السلام (5). 22 - ومنه: عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن يعقوب بن جعفر قال: قال أبو الحسن الاول عليه السلام: ونظرت (6)


(1) فروع الكافي 6: 546. (2) في المصدر: إلى رسول الله (ص). (3) فروع الكافي: 6: 546. وروى الصدوق نحوه مرسلا في الفقيه 3: 220. (4) في المصدر: الالم تصب. (5) فروع الكافي 6: 547 فيه: بيوت. (6) في المصدر: ونظر.

[19]

إلى حمام في بيته - ما من انتفاض ينتفض بها إلا نفر الله بها من دخل البيت من عزمة أهل الارض (1). بيان: العزمة بالضم: اسرة الرجل وقبيلته، والجمع كصرد وبالتحريك: المصححون للمودة، وكأن المراد هنا طائفة من الجن يدخلون البيوت ويوادون أهلها. 23 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن محمد بن على عن رجل عن يحيى الازرق قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن خفيق (2) أجنحة الحمام ليطرد الشياطين (3). بيان: خفيق جناح الطائر: صوته، ويقال: خفق الطائر أي طار، وأخفق: إذا ضرب بجناحيه. 24 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل يدفع بالحمام عن هدة الدار (4). بيان: عن هدة الدار أي كسرها وهدمها، أو يدفع الضرر عن ضعفاء الدار كالنساء والصبيان، وفي القاموس: الهد: الهدم الشديد، والكسر، والصوت الغليظ والرجل الضعيف والهدهد بفتحتين: أصوات الجن بلا واحد انتهى. وفي بعض النسخ: " عن أهل هذه الدار " وهو أظهر. 25 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد عن بكر بن صالح عن محمد ابن أبي حمزة عن عثمان بن الاصبهاني (5) قال: استهداني إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام


(1) فروع الكافي 6: 547. (2) في المصدر: الخفيف بالفائين. (3) فروع الكافي 6: 547 فيه: لتطرد. ورواه الصدوق في الفقيه 3: 220 مرسلا عن امير المؤمنين (ع) وفيه حفيف. (4) فروع الكافي 6: 547. (5) في المصدر: عن عثمان الاصبهاني.

[20]

فأهديت له طيرا راعبيا، فدخل أبو عبد الله عليه السلام فقال: اجعلوا هذا الطير الرعبي معي في البيت يؤنسني قال: وقال عثمان: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وبين يديه حمام يفت لهن خبزا (1). بيان: في القاموس: الفت: الدق والكسر بالاصابع انتهى. ويدل على استحباب (2) إطعام الحمام الراعبية وفت الخبز لها. 26 - الكافي: عن العدة عن سهل عن بكر بن صالح عن أشعث بن محمد البارقي عن عبد الكريم بن صالح قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر قد ذرقن على الفراش، فقلت: جعلت فداك هؤلاء الحمام تقذر الفراش فقال: لا إنه يستحب أن يمسكن (3) في البيت (4). بيان: ذرق الطائر قد يكون بالذال والزاى، والفعل كضرب ونصر. 27 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن بعض أصحابه عن أبان عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان في منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوج حمام أحمر (5). 28 - ومنه: عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير (6) عن ابن أبي نجران عن محمد بن عمر (7) عن إبراهيم بن السندي (8) عن يحيى الازرق قال: قال أبو عبد الله عليه السلام احتفر أمير المؤمنين عليه السلام بئرا فرموا فيها فاخبر بذلك فجاء حتى وقف عليها فقال: لتكفن أولا سكننها الحمام، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام إن خفيق (9) أجنحتها يطرد


(1) فروع الكافي 6: 548. (2) استفادة الاستحباب الشرعي من أمثال تلك الافعال بعيد، الا أن يستفاد ذلك من استحباب اتخاذه في البيت التزاما. (3) في المصدر: ان تسكن في البيت. (4 و 5) فروع الكافي 6: 548. (6) لم يذكر في المصدر: عن ابن أبى عمير. (7) في نسخة من المصدر: عمرو. (8) في المصدر: ابراهيم السندي. (9) في المصدر: حفيف.

[21]

الشياطين (1). بيان: الخطاب للجن والشياطين الذين كان الرمي منهم. 29 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه (2) قال: ذكر الحمام عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له رجل: إنه بلغني أن عمر رأى حماما يطير و رجل تحته يعدو، فقال عمر: شيطان يعدو تحته شيطان، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما كان إسماعيل عندكم ؟ فقيل: صديق: فقال: فان بقية حمام الحرم من حمام إسماعيل عليه السلام (3). 30 - ومنه: عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من اتخذ طيرا في بيته فليتخذ ورشانا فانه أكثر شئ ذكرا لله عزوجل وأكثر تسبيحا وهو طير يحبنا أهل البيت (4). 31 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد عن بكر بن صالح عن محمد بن أبي حمزة عن عثمان بن الاصبهاني قال: استهداني إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام طيرا من طيور العراق فأهديت له ورشانا فدخل أبو عبد الله عليه السلام فرآه فقال: إن الورشان يقول: بوركتم بوركتم فأمسكوه (5). 32 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد عن الجامورانى عن ابن أبى حمزة عن سيف عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام إنه نهى ابنه إسماعيل


(1) فروع الكافي 6: 548. (2) في المصدر: عن بعض أصحابنا. (3) فروع الكافي 6: 548 فيه: ان بقية. (4) فروع الكافي 6: 550 فيه: من اتخذ في بيته طيرا فليتخذ ورشانا فانه أكثر شيئا لذكر الله. (5) فروع الكافي 6: 551 فيه: عثمان الاصبهاني.

[22]

عن اتخاذ الفاختة وقال: وإن كنت ولابد متخذا فاتخذ ورشانا فانه كثير الذكر لله عزوجل (1). بيان: كأنه عليه السلام لم يكن يعلم صلاح إسماعيل في اتخاذ الحمام مطلقا كما يؤمي إليه الخبر. 33 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت في دار أبي جعفر عليه السلام فاختة فسمعها يوما وهي تصيح فقال لهم: أتدرون ما تقول هذه الفاختة ؟ فقالوا: لا، قال: تقول: فقدتكم فقدتكم، ثم قال: لنفقدنها قبل أن تفقدنا، ثم أمر بها فذبحت (2). 34 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد بن خالد عن الجامورانى عن أبي حمزة (3) عن سيف بن عميرة عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: يا با محمد اذهب بنا إلى إسماعيل نعوده وكان شاكيا فقمنا فدخلنا على إسماعيل فإذا في منزله فاختة في قفص تصيح، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا بني ما يدعوك إلى إمساك هذه الفاختة ؟ أو ما علمت أنها مشومة ؟ أو ما تدري ما تقول ؟ قال إسماعيل: لا، قال: إنما تدعو على أربابها فتقول: فقدتكم فقدتكم، فأخرجوها (4). الخرائج: عن أبي بصير مثله (5). 35 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن عذافر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطير يرسل من البلد البعيد الذي لم يره قط فيأتي فقال: يابن عذافر هو يأتي منزل صاحبه من ثلاثين فرسخا على


(1) فروع الكافي 6: 551 فيه: وقال: ان كنت لابد. (2) فروع الكافي 6: 551. (3) في المصدر: عن ابن أبى حمزة. (4) فروع الكافي 6: 551 و 552. (5) الخرائج.

[23]

معرفته وحسه (1) فإذا زادت على ثلاثين فرسخا جاءت إلى أربابها بأرزاقها (2). بيان: قوله عليه السلام: بأرزاقها، أي تأتي بسبب أنه قدر رزقها في بيت صاحبها بتسبيب الله تعالى من غير معرفة لها بالطريق [والرواية] الآتية أيضا هذا مغزاها، والاكل بالضم وبضمتين: الثمر والرزق والحظ من الدنيا كما ذكره الفيروز آبادي. 36 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما أتى من ثلاثين فرسخا فبالهداية، وما كان أكثر من ذلك فبالاكل (3). 37 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن سيف بن عميرة عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الطير يجيئ من المكان البعيد، قال: إنما يجيئ لرزقه (4). 38 - ومنه: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن جمهور عن على بن داود الحداد عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت الحمام يرسلن من المواضع البعيدة فتأتي ويرسلن من المكان القريب فلا تأتي، فقال: إذا انقطع أكله فلا تأتى (5). بيان: إذا انقطع أكله، أي من الدنيا فيموت، أو من بيت صاحبه فيذهب إلى مكان آخر. 39 - دلائل الطبري: عن أحمد بن إبراهيم (6) عن خالد عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو جعفر محمد بن على الباقر في طريق مكة ومعه أبو أمية الانصاري وهو زميله في محمله فنظر إلى زوج ورشان في جانب المحمل معه فرفع أبو أمية يده لينحية فقال له أبو جعفر: مهلا فان هذا


(1) في المصدر: وحسبه. (2) فروع الكافي: 6: 549. (3 - 5) فروع الكافي 6: 549. (6) في المصدر: " موسى بن الحسن عن احمد بن الحسين عن احمد بن ابراهيم " والاسناد معلق على ما قبله راجعه.

[24]

الطير جاء يستجير بنا أهل البيت فان حية تؤذيه وتأكل فراخه كل سنة وقد دعوت الله أن يدفع عنه وقد فعل (1). 40 - مشارق الانوار: عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبى جعفر عليه السلام إذ وقع عليه ورشانان ثم هدلا (2) فرد عليهما فطارا، فقلت: جعلت فداك ما هذا ؟ فقال: هذا طائر ظن في زوجته سوء فحلفت له فقال لها: لا أرضى إلا بمولاي محمد بن علي فجاءت فحلفت له بالولاية أنها لم تخنه فصدقها، وما من أحد يحلف بالولاية إلا صدق إلا الانسان فانه حلاف مهين (3). 41 - دلائل الطبري: عن أحمد بن محمد عن محمد بن يوسف عن علي بن داود الحذاء عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت عنده إذ نظرت إلى زوج حمام عنده يهدر الذكر على الانثى، فقال: أتدري ما يقول ؟ قلت: لا، قال: يقول: يا سكني و عرسي ما خلق الله خلقا أحب إلي منك إلا أن يكون جعفر بن محمد عليه السلام (4). 42 - حياة الحيوان: الحمام قال الجوهري: وهو عند العرب ذوات الاطواق نحو الفواخت والقماري وساق حر والقطا والوراشين وأشباه ذلك، يقع على الذكر والانثى، لان الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس لا للتأنيث، وعند العامة أنها الدواجن فقط، الواحد حمامة، وحكى أبو حاتم عن الاصمعي في كتاب الطير الكبير أن الحمام هو اليمام البرى (5) الواحدة يمامة وهو ضروب، والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام أن في أسفل ذنب الحمامة مما يلي ظهرها بياض وأسفل ذنب اليمامة لا بياض فيه انتهى. ونقل النووي في التحرير عن الاصمعي أن كل ذات طوق فهو حمام، والمراد


(1) دلائل الامامة، 98 (ط 2) فيه، جاء يستخفر بنا. (2) هدل الحمام: صوت. (3) مشارق الانوار: ليست عندي نسخته. (4) دلائل الامامة: 134 و 135. (5) في المصدر: ان اليمام هو الحمام البرى. (*)

[25]

بالطوق الخضرة أو الحمرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة في طوقها، وكان الكسائي يقول: الحمام هو البري، واليمام ما يألف البيوت، والصواب ما قاله الاصمعي ونقل الازهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عب وهدر وإن تفرقت أسماؤه في الطائر عب (1) ولا يقال: شرب والهدر جمع الصوت (2) ومواصلته من غير تقطيع له، قال الرافعي: والاشبه أن ماعب هدر، ولو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم ويدل عليه أن الشافعي ذكر في عيون المسائل وماعب من الماء عبا فهو حمام، وما شرب قطرة قطرة كالدجاج فليس بحمام انتهى. وفيما قاله الرافعي نظر لانه لا يلزم من العب الهدير، وقال الشاعر: على حويضي نغر مكب * إذا فترت فترة يعب وحمرات شربهن عب وصف النغر بالعب مع أنه لا يهدرو إلا كان حماما، والنغر نوع من العصفور (3). إذا علمت ذلك انتظم لك كلام الشافعي، وأهل اللغة يقولون: إن الحمام يقع على الذي يألف البيوت ويستفرخ فيها وعلى اليمام والقماري وساق حر وهو ذكر القمري والفواخت والدبسي (4) والقطا والوراشين واليعاقيب (5) والسنفين (6)


(1) في المصدر: والعب بالعين المهملة: شدة جرع الماء من غير تنفس، قال ابن سيده: يقال في الطائر: عب. (2) في المصدر: ترجيع الصوت. (3) يكون حمر المناقير. (4) الدبسي بفتح الدال وكسر السين المهملة ويقال ايضا بضم الدال: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب والادبس من الطير والخيل: الذى في لونه غبرة بين السواد والحمرة وهذا النوع قسم من الحمام البرى، وقيل هو ذكر اليمام قال الجاحظ: قال صاحب منطق الطير: يقال في الوحشى من القمارى والفواخت وما اشبه ذلك: دباسى. (5) جمع اليعقوب: ذكر الحجل. (6) هكذا في المطبوع وفي المخطوط: " السفنين " وكلاهما مصحفان والصحيح

[26]

والواعي (1) والورداني والطوراني وسيأتي إنشاء الله تعالى بيان ذلك كل واحد في بابه، والكلام الآن في الحمام الذي يألف البيت وهو قسمان: أحدهما البري الذي يلازم البروج وما أشبه ذلك وهو كثير النفور، سمي بريا لذلك، والثاني الاهلى وهو أنواع مختلفة وأشكال متباينة، منها المراعيش والرواعب والعداد والمضرب (2) والقلاب والمنسوب، وهو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل وتلك كالبراذين، قال الجاحظ: الفقيع من الحمام كالصقلابي من الناس وهو الابيض. روى أبو داود وابن ماجة والطبراني وابن حبان باسناد جيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانه. وروي: شيطان يتبعه شيطان. قال البيهقي: وحمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام على الاشتغال به (3) والارتقاء به على الاسطحة التي يشرف منها على بيوت الجيران (4). وروي عن اسامة (5) بن زيد قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يأمر بالحمام الطائرة فتذبح وتترك المقصصات. وروى ابن قانع والطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعجبه النظر إلى الاترج والحمام الاحمر ورواه الحاكم في تاريخ نيسابور عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الحمام الاحمر.


" الشفنين " قال الدميري: الشفنين كالبشنين بكسر الشين المعجمة وهو متولد بين نوعين مأكولين وعدة الجاحظ في انواع الحمام وبعضهم يقول: هو الذى تسميه العامة اليمام، وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزين. (1) هكذا في الكتاب وفي المصدر: والزاغ. (2) في المصدر: العداد والسداد والمضرب. (3) في المصدر: على اطارته والاشتغال به. (4) زاد في المصدر بعد ذلك: وحرمهم لاجله. (5) في المصدر: " وروى البيهقى عن اسامة بن زيد " وفيه: بالحمام الطيار.

[27]

قال ابن قانع والحافظ أبو موسى: قال هلال بن العلاء: الحمام الاحمر: التفاح قال أبو موسى: وهذا التفسير لم أره لغيره، وكان في منزله صلى الله عليه وآله حمام أحمر اسمه وردان. وفي عمل اليوم والليلة لابن السني عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل أن عليا شكى إلى النبي صلى الله عليه وآله الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام وأن يذكر الله تعالى عند هديره. ورواه الحافظ ابن عساكر وقال: إنه غريب جدا وسنده ضعيف. وروى ابن عدي في كامله في ترجمة ميمون بن موسى عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه اشتكى (1) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله الوحشة فقال له: اتخذ زوجا من حمام تؤنسك وتوقظك للصلاة بتغريدها (2)، واتخذ ديكا يؤنسك ويوقظك للصلاة. وروى أيضا في ترجمة محمد بن زياد الطحان عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اتخذوا الحمام المقاصيص (3) في بيوتكم فانها تلهي الجن عن صبيانكم. وقال عبادة بن الصامت: شكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحشة فقال له النبي صلى الله عليه وآله: اتخذ زوجا من حمام (4). رواه الطبراني وفيه الصلت بن الجراح لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي كامل ابن عدي في ترجمة سهل بن وزير (5) عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: شكت الكعبة إلى الله تعالى قلة زوارها فأوحى الله تعالى إليها لابعثن (6) أقواما يحنون إليها كما تحن الحمامة إلى فراخها. وفي سنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عباس باسناد جيد أن النبي


(1) في المصدر: شكى. (2) في المصدر: من حمام تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة. (3) أي مقطوع الجناح. (4) وروى الصدوق نحوه في الفقيه 3: 220. (5) في المخطوطة: " درين وفى المصدر: فرير. (6) في المصدر: لابعثن اليك.

[28]

صلى الله عليه وآله قال: يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحوامل الحمام لا يريحون رائحة الجنة. ومن طبعه أنه يألف وكره ولو ارسل من ألف فرسخ ويحمل الاخبار ويأتي بها من المسافة البعيدة (1) في المدة القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد، وربما اصطيد وغاب عن وطنه عشر حجج وأكثر، ثم هو على ثبات عقله وقوة حفظه ونزوعه إلى وطنه حتى يجد فرصة فيصير إليه، وسباع الطير تطلبه أشد طلب، وخوفه من الشواهين أشد من خوفه من غيره، وهو أطير منه ومن سائر الطير كله، لكنه يذعر منه، ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الاسد والشاة إذا رأت الذئب والفأر إذا رأت الهر، ومن عجيب الطبيعة فيه ما حكاه ابن قتيبة في عيون الاخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام، ما رأيت حمامة إلا تريد ذكرها، ولا ذكرا إلا يريد انثاه إلى أن يهلك أحدهما أو يفقد، ورأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن آخر ما تعدوه، ورأيت حمامة تقمط (2) حمامة، ويقال: إنها تبيض عن ذلك، لكن لا يكون لذلك البيض فراخ، ورأيت ذكرا يقمط ذكرا، ورأيت ذكرا يقمط من كل لقى (3) ولا يزوج، وانثى يقمطها كل من رآها من الذكور ولا تزوج (4). وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الانسان والحمام وهو عفيف السفاد يجر ذنبه ليعفي أثر الانثى كأنه قد علم ما فعلت ويجتهد في إخفائه (5)، وقد يسفد لتمام ستة أشهر، والانثى تحضن (6) أربعة عشر يوما، وتبيض


(1) في المصدر: من البلاد البعيدة. (2) قمطه طعم الشئ: ذاقه. (3) في المصدر: ورأيت ذكرا يقمط كل مالقى ولا يزاوج. (4) في المصدر: كل ما رآها من الذكور ولا تزاوج. (5) في المصدر: فيجتهد في اخفائه. (6) في المصدر: والانثى تحمل.

[29]

بيضتين يخرج من الاولى ذكر ومن الثانية انثى (1)، وبين الاولى والثانية يوم وليلة، والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزء من النهار، والانثى بقية النهار وكذلك في الليل، وإذا باضت الانثى وأبت الدخول على بيضها لامر ما، ضربها الذكر واضطرها إلى الدخول، وإذا أراد الذكر أن يسفد الانثى أخرج فراخه عن الوكر وقد الهم هذا النوع أن فراخه إذا خرجت من البيض بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا ويطعمها إياه ليسهل به سبيل المطعم، فسبحان اللطيف الخبير الذي آتى كل نفس هداها. وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمان سنين، وذكر الثعلبي وغيره عن وهب ابن منبه في قوله تعالى: " وربك يخلق ما يشاء ويختار (2) " قال: اختار من الغنم الضأن، ومن الطير الحمام. وذكر أهل التاريخ أن المسترشد لما حبس رأى في منامه على يده حمامة مطوقة فأتاه آت وقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن سكينة (3) الامام فقال له: ما أولته، قال: أولته ببيت أبي تمام: هن الحمام فان كسرت عيافه * من حائهن فانهن حمام وخلاصي في حمامي فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة (4).


(1) في المصدر: احداهما ذكر والثانية انثى. (2) القصص: 68. (3) في المصدر: لابن السكينة. (4) حياة الحيوان 1: 186 و 187.

[30]

(4) { باب الطاووس } 1 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام يذكر فيه عجيب خلقة الطاووس: ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان وموات وساكن وذي حركات، فأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته وعظيم قدرته ما انقادت له العقول معترفة به ومسلمة له، ونعقت في أسماعنا دلائله على وحدانيته، وما ذرأ من مختلف صور الاطيار التي أسكنها أخاديد الارض وخروق فجاجها ورواسي أعلامها من ذوات أجنحة مختلفة (1) وهيئآت مختلفة متباينة مصرفة في زمام التسخير، ومرفرفة بأجنحتها في مخارق الجو المنفسح والفضاء المنفرج، كونها بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة، وركبها في حقاق مفاصل محتجبة، ومنع بعضها بعبالة خلقه أن يسمو في الهواء خفوفا وجعله يدف دفيفا، ونسقها على اختلافها في الاصابيغ بلطيف قدرته ودقيق صنعته فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه، ومنها مغموس في لون صبغ قد طوق بخلاف ما صبغ به. ومن أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد بجناح أشرج قصبه وذنب أطال مسحبه إذا درج إلى الانثى نشره من طيه وسمابه مطلا على رأسه (2)، كأنه قلع داري عنجه نوتيه، يختال بألوانه ويميس بزيفانه، يفضي كافضاء الديكة، ويؤر بملاقحة أر الفحول المغتلمة للضراب، احيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيل على ضعيف إسناده، ولو كان كزعم من يزعم أنه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه، فتقف في ضفتي جفونه، وإن انثاه تطعم ذلك ثم يبيض، لا من لقاح


(1) في المصدر: من ذات اجنحة مختلفة وهيئات متباينة. (2) في المصدر: مظلا على رأسه.

[31]

فحل سوى الدمع المنبجس، لما كان ذلك باعجب من مطاعمة الغراب، تخال قصبه مدارى من فضة، وما أنبت عليها من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلذ الزبرجد. فان شبهته بما أنبتت الارض قلت: جني من زهرة كل ربيع (1)، وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل أو مونق عصب اليمن (2)، وإن شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات ألوان قد نطقت باللجين المكلل، يمشي مشي المرح المختال، ويتصفح ذنبه وجناحه (3) فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه، فاذار مى ببصره إلى قوائمه زقا معولا بصوت يكاد يبين عن استغاثته ويشهد بصادق توجعه، لان قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية وقد نجمت من ظنبوت ساقه صيصية خفية، وله في موضع العرف قنزعة خضراء موشاة، ومخرج عنقه كالابريق، ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال، وكأنه متلفع بمعجر أسحم إلا أنه يخيل لكثرة مائه وشدة بريقه أن الخضرة الناضرة ممتزجة به ومع فتق سمعه خط كمستدق القلم في لون الاقحوان أبيض يقق فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق، وقل صبغ إلا وقد أخذ منه بقسط، علاه بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه، فهو كالازاهير المبثوثة لم تربها أمطار ربيع ولا شموس قيظ، وقد يتحسر من ريشه ويعرى من لباسه فيسقط تترى وينبت تباعا فينحت من قصبه انحتات أوراق الاغصان، ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف سائر ألوانه (4) ولا يقع لون في غير مكانه، وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه أرتك


(1) في المصدر: جنى جنى من زهرة كل ربيع. (2) في المصدر: أو كمونق عصب اليمن. (3) في المصدر: وجناحيه. (4) هكذا في الكتاب مطبوعه ومخطوطه، ولكن في المصدر المطبوع: " سالف ألوانه " ويظهر مما سيجئ عن المصنف في تفسير الحديث أن الاصل كان: " سالف الوانه " وفى بعض النسخ: سائر الوانه.

[32]

مرة حمرة وردية، وتارة خضرة زبر جدية، وأحيانا صفرة عسجدية، فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن، أو تبلغه قرائح العقول، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين ؟ وأقل أجزائه قد أعجز الاوهام أن تدركه والالسنة أن تصفه فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدودا مكونا ومؤلفا ملونا، وأعجز الالسن عن تلخيص صفته وقعد بها عن تأدية نعته، وسبحان من أدمج قوائم الذرة والهمجة إلى ما فوقهما من خلق الحيتان والافيلة، ووأى على نفسه أن لا يضطرب شبح مما أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده والفناء غايته (1). قال السيد رضي الله عنه: تفسير بعض ما جاء فيها من الغريب: " ويؤر بملاقحة " الار كناية عن النكاح، يقال: أر المرأة (2) يؤرها: إذا نكحها زوجها وقوله: " كأنه قلع داري عنجه نوتيه " القلع: شراع السفينة، وداري منسوب إلى دارين وهي بلدة على البحر يجلب منها الطيب، وعنجه أي عطفه، يقال: عنجت الناقة أعنجها عنجا: إذا عطفتها، والنوتي: الملاح، وقوله عليه السلام: " ضفتي جفونه " أراد جانبي جفونه والضفتان: الجانبان، وقوله عليه السلام: " وفلذ الزبرجد " الفلذ جمع فلذة وهي القطعة وقوله: " كبائس اللؤلؤ الرطب " الكبائس جمع الكباسة العذق، والعساليج الغصون واحدها عسلوج (3). توضيح: الطاووس على فاعول وتصغيره طويس، وطوست المرأة أي تزينت، والحيوان بالتحريك: جنس الحي ويكون بمعنى الحياة، والموات. كسحاب: ما لا روح فيه، وأرض لم تحي بعد، والتي لا مالك لها ولا ساكن كالارض والجبال وذي حركات كالماء والنار، أي المتحرك بطبعه، أو الاعم، ولا يضر التداخل، واللطيف: الدقيق و " ما " مفعول " أقام " والضمير عائد إلى ما في " به " و " له " راجع إلى الله، ويحتمل أن يعود إلى " ما " و " نعقت " أي صاحت والغرض الاشعار


(1) نهج البلاغة: 520 - 525 (طبع فيض) فيه: والفيلة. (2) في المصدر: أر الرجل المرأة. (3) نهج البلاغة: 529 (طبع فيض).

[33]

بوضوح الدلائل. والضمير في دلائله راجع إلى الله أو إلى " ما " و " ما ذرأ " أي خلق، وقيل: الذرء مختص بخلق الذرية. والاخاديد جمع اخدود بالضم وهو الشق في الارض، والطير الذي يسكن الاخدود كالقطا، والفجاج بالكسر جمع فج بالفتح وهو الطريق الواسع بين جبلين، والقبج يسكن الفجاج، والاعلام: الجبال، ورواسيها: ثوابتها، والعقبان والصقور ونحوهما تسكن الجبال الراسية. والتصريف: التقليب والتحويل من حال إلى حال، و " مصرفة " منصوبة على الحالية وفي بعض النسخ مجرور على أنه صفة لذوات أجنحة، وكذلك مرفرفة، وزمه: شده، والزمام ككتاب: ما يزم به، وزمام البعير: خطامه، وزمام التسخير: القدرة الكاملة. ورفرف الطائر بجناحيه: إذا بسطهما عند السقوط على شئ يحوم عليه ليقع فوقه، ومخارق الجو: أمكنتها التي تخرق الهواء فتدخلها، والمنفسخ: الواسع، والفضاء بالفتح: المكان الواسع: والحقاق بالكسر جمع حق بالضم وهو مجمع المفصلين من الاعضاء، واحتجاب المفاصل: استتارها باللحم والجلد ونحوهما وعبل الشئ بالضم عبالة بالفتح فيهما مثل ضخم ضخامة وزنا ومعنى، " أن يسمو " أي يعلو في السماء أي في جهة العلو، وفي بعض النسخ: في الهواء، والخفوق بالضم: سرعة الحركة، ودف الطائر كمد: حرك جناحيه لطيرانه ومعناه ضرب بهمادفيه وهما جناحاه، قيل وذلك إذا أسرع مشيا ورجلاه على وجه الارض ثم يستقل طيرانا، ودفيف الطائر: طيرانه فوق الارض (1)، يقال: عقاب دفوف ودفت الحمامة كفرت: إذا سارت سيرا لينا، كذا في المصباح، ويظهر من كلام بعضهم أن الفعل كمد فيهما، و " يدف " فيما عندنا من النسخ بكسر العين، ونسقها أي رتبها، يقال: نسقت الدر كنصرت أي نظمتها، ونسقت الكلام أي عطفت بعضه على بعض، والاصابيغ جمع أصباغ بالفتح جمع صبغ بالكسر وهو اللون أي جعل كلا منها على لون خاص على وفق الحكمة البالغة، وغمسه في الماء كضربه:، دخله، والاغتماس: الارتماس:


(1) في النسخة المخطوطة: فوق الارض.

[34]

شبه الطير بالثوب الذي دقه الصباغ إذا أراد صبغه، والقالب بالفتح كما في النسخ قالب الخف وغيره كالخاتم والطابع، وبالكسر: البسر الاحمر، وفي القاموس: القالب: البسر الاحمر، وكالمثال يفرغ فيه الجواهر، وفتح لامه أكثر، وشاة قالب لون: على غير لون امها، وفي " حديث شعيب وموسى عليهما السلام: لك من غنمي ما جاءت به قالب لون " تفسيره في الحديث أنها جاءت على غير ألوان امهاتها كأن لونها قد انقلب، ومنه حديث علي عليه السلام في صفة الطيور: " فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه " انتهى (1). والاظهر أن الغمس في قالب اللون عبارة عن إحاطة اللون الواحد بجميع أجزائه كما يحيط القالب بالاشياء المصوغة بالصب فيه من نحاس ونحوه، وعلى الكسر يمكن أن يكون المراد بقالب اللون اللون الذي يقلب اللون إلى لون آخر، و " لون صبغ " في بعض النسخ بجر " لون " مضافا إلى " صبغ " على الاضافة البيانية، وفي بعضها بالجر منونا و " صبغ " على صيغة الماضي المجهول، أي صبغ ذلك المغموس. والطوق: حلي للعنق وكل ما استدار بشئ، وهذا النوع كالفواخت ونحوها، والتعديل: التسوية، ومنه تعديل القسمة، والمراد إعطاء كل شئ منه في الخلق ما يستحقه وخلقه خاليا من نقص ونضد متاعه كنصر ونضده بالتشديد أي جعل بعضه فوق بعض، أي رتب ألوانه " بجناح أشرج قصبه " أي ركب بعضها في بعض كما يشرج العيبة أي يداخل بين أشراجها وهي عراها. وسحبه كمنعه: جره على وجه الارض، وسحبت المرأة ذيلها: إذا درج أي مشى، وطوى الصحيفة كرمى ضد نشرها وسما كدعا أي ارتفع، وسمابه أي أعلاه و رفعه، وأطل عليه أي أشرف والقلع بالكسر: الشراح، والداري منسوب إلى دارين وهو موضع في البحر كان يؤتى منه الطيب من الهند وهو الآن خراب لاعمارة به ولا سكنى وفيه آثار قديمة، والنسبة إليه لانه كان مرسى (2) السفن في زمانه عليه السلام،


(1) النهاية 3: 304. (2) المرسى: محل وقوف السفن.

[35]

وعنجه كنصره أي عطفه، وقيل: هو أن يجذب الراكب خطام البعير فيرده على رجليه. وفي النهاية: النوتي: الملاح: الذي يدبر السفينة في البحر وقدنات ينوت نوتا: إذا تمايل من النعاس، كأن النوتي يميل السفينة من جانب إلى جانب انتهى (1) ولطف التشبيه واضح. واختال أي تكبر وأعجب بنفسه، ويميس أي يتبختر، وزاف يزيف زيفانا، أي تبختر في مشيه، ويفضي أي يسفد، ويقال: أفضى المرأة أي جامعها أو خلابها، و الديكة كقردة جمع ديك بالكسر وفي بعض النسخ وفي نهاية ابن الاثير: كافضاء الديكة ويأر كيمد أرا بالفتح أي يجامع، وألقح الفحل الناقة أي أحبلها، والملاقحة مفاعلة منه وفي بعض النسخ: " بملاقحه " على صيغة الجمع مضافا إلى الضمير، أي بآلات تناسله وأعضآئه، والفحل: الذكر من كل حيوان، وغلم كعلم أي اشتد شبقه، واغتلم البعير: إذا هاج من شدة شهوة الضراب. وقوله عليه السلام: " أر الفحول المغتلمة " ليس في بعض النسخ، والاحالة من الحوالة " على ضعيف إسناده " أي إسناده الضعيف، وفي بعض النسخ: " على ضعف " بصيغة المصدر مبالغة ويقال: سفحت الدم كمنعت أي أرقته، والدمع أي أرسلته، وفي بعض النسخ: " تنشجها " كتضرب، يقال: نشج القدر والزق أي غلى ما فيه حتى سمع له صوت، ولعل الاول أوضح، فان الفعل ليس متعديا بنفسه على ما في كتب اللغة، وضفتا جفونه: جانباها، وكذلك ضفتا النهر والوادي، و " تطعم " على صيغة التفعل بحذف إحدى التائين، وبجس الماء تبجيسا: فجره فتبجس وانبجس ويوجد الكلمة في النسخ بهما أي الدمع المنفجر. قال بعض الشارحين: زعم قوم أن اللقاح في الطاووس بالدمعة وأمير المؤمنين عليه السلام لم يحل ذلك، ولكنه قال ليس بأعجب من مطاعمة الغراب، والعرب تزعم أن الغراب لا يسفد، ومن أمثالهم: " أخفى من سفاد الغراب " فيزعمون أن اللقاح


(1) النهاية 4: 191 وفيه: " في حديث على (ع) كانه قطع دارى عنجه نوتيه " ثم ذكر التفسير.

[36]

من المطاعمة وانتقال جزء من الماء الذي في قانصة الذكر إلى الانثى من منقاره، وأما الحكماء فقل أن يصدقوا بذلك على أنهم قد قالوا في كتبهم ما يقرب من هذا، قال ابن سينا: والقبجة تحبلها ريح تهب من ناحية الحجل الذكر ومن سماع صوته، قال: والنوع المسمى مالاقيا (1) تتلاصق بأفواهها ثم تتشابك فذاك سفادها، ولا يخفى أن المثل المذكور لا يدل على أن الغراب لا يسفد، بل الظاهر منه خلافه إلا أن يكون مراد القائل أيضا ذلك، وأما كلامه عليه السلام فالظاهر منه أن الطاووس لقاحه بالسفاد لقوله عليه السلام: " يؤر بملاقحة " ولتعبيره عن القول الآخر بالزعم، وأن الغراب لقاحه بالمطاعمة. وفي القاموس: الحمام إذا أدخل فمه في فم انثاه فقد تطاعما وطاعما، وخال الشئ كخاف أي ظنه، وخاله يخيله لغة فيه، وتقول في المضارع للمتكلم إخال بكسر الهمزه على غير قياس وهو أكثر استعمالا وبنو أسد يفتحون على القياس، والمداري بالدال المهملة على ما في أكثر النسخ جمع مدرى بكسر الميم، قال ابن الاثير: المدرى والمدراة: شئ من حديد (2) أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبد ويستعمله من لا مشط له (3). وكان في نسخة ابن ميثم بالذال المعجمة، قال: وهي خشبة ذات أطراف كأصابع الكف ينقى به الطعام، والدارة: هالة القمر، وما أحاط بالشئ كالدائرة. والعقيان بالضم: الذهب الخالص، وقيل: ما ينبت منه نباتا، والفلذ كعنب جمع فلذة بالكسر وهي القطعة من الذهب والفضة وغيرهما، وفلذت له من الشئ كضربت أي قطعت، والزبرجد: جوهر معروف، قيل: ويسميه الناس البلخش، وقيل: هو الزمرد، و جنيت الثمرة والزهرة واجتنيتها بمعنى، والجني فعيل منه وفي بعض النسخ: جنى كحصى وهو ما يجنى من الشجر مادام غضا بمعنى فعيل، ولفظة الفعل المجهول ليست


(1) في المخطوطة: ملاقيا. (2) في المصدر: شئ يعمل. (3) النهاية 2: 23.

[37]

في بعض النسخ، وزهر البنات بالفتح: نوره، والواحدة زهرة كتمر وتمرة، قالوا: ولا يسمى زهرا حتى تفتح، والمضاهاة والمشاكلة والمشابهة بمعنى، واستعمال فاعل بمعنى فعل بالتشديد كثير لاسيما في كلامه عليه السلام، واللباس واللبس بالكسر فيهما والملبس واحد. والوشي: نقش الثوب من كل لون، والموشي كمرمي: المنقش، والحلل كصرد جمع حلة بالضم وهي إزار ورداء من برد أو غيره فلا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة، وشئ أنيق أي حسن معجب، والمونق مفعل منه قلبت الهمزة واوا والعصب بالفتح: ضرب من البرود، والحلي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي بالفتح والتخفيف وهو ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، والفصوص جمع فص كفلس وفلوس، قال ابن السكيت: كسر الفاء ردي، وقال الفيروز آبادي الفص: للخاتم، مثلثة والكسر غير لحن، ونطقت باللجين أي جعلت الفضة كالنطاق لها وهو ككتاب شبه إزار فيه تكة تلبسه المرأة، وقيل: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها بحبل وترسل الاعلى على الاسفل إلى الارض، والاسفل ينجر على الارض (1) وكلل فلانا ألبسه الاكليل وهو بالكسر: التاج، وشبه عصابة زين بالجوهر. وقال بعض الشارحين: شبه عليه السلام بالفصوص المختلفة الالوان المنطقة في الفضة أي المرصعة في صفائح الفضة، والمكلل: الذي جعل كالاكليل، وحاصل الكلام أنه عليه السلام شبه قصب ريشه بصفائح من فضة رصعت بالفصوص المختلفة الالوان، فهي كالاكليل بذلك الترصيع والاظهر أن المكلل وصف للجين، ومرح كفرح وزنا ومعنى فهو مرح ككتف، وقيل: المرح أشد من الفرح (2)، وقيل: هو النشاط، وتصفحت الكتاب أي قلبت صفحاته، وقه كفر أي ضحك، وقال في ضحكه: قه بالسكون فإذا كرر قيل قهقه قهقهة مثل دحرج دحرجة، والجمال: الحسن في الخلق والخلق، والسر بال بالكسر: القميص أو كل ما لبس، والوشاح ككتاب: شئ ينسج من أديم ويرصع


(1) في المخطوطة: يجر على الارض. (2) في المخطوطة: اشد الفرح.

[38]

شبه قلادة تلبسه النساء، وزقا يزقو أي صاح، وأعول أي رفع صوته بالبكاء والصياح واستغاث: طلب العون والنصر، وتوجع أي تفج أو تشكو لان قوائمه حمش أي دقاق، يقال: رجل أحمش الساقين، والخلاسية بالكسر: هي التي بين الدجاجة الهندية والفارسية، والولد بين أبوين أبيض وسوداء وأسود وبيضاء، ذكره في العين ونجم النبات وغيره كقعد نجوما أي ظهر وطلع، والظنبوت بالضم: حرف العظم اليابس من قدم الساق ذكره الجوهري، وفي القاموس: حرف الساق من قدم أو عظمه أو حرف عظمه والصيصة في الاصل: شوكة الحائك التي بها يسوي السداة واللحمة، قال الجوهري ومنه صيصية الديك التي في رجله، والعرف بالضم: شعر عنق الفرس وغيره، والقنزعة بضم القاف والزاي: ما ارتفع من الشعر، وقيل: الخصلة من الشعر يترك على رأس الصبي. موشاة أي منقشة، والمخرج: اسم مكان أي محل خروج عنقه كمحل خروج عنق الابريق، ويشعر بأن عنقه كعنق الابريق، أو مصدر أي خروج عنقه كخروج عنق الابريق، فالاشعار أقوى، والابريق فارسي معرب (1)، وغرزته كضربت أي أثبته في الارض، ومغرزها مبتدء خبره كصبغ الوسمة، وبطنه مبتدء خبر محذوف أي مغرزها إلى حيث بطنه موجودا وممتدا ومنتهى إليه كصبغ إلى آخره، و " حيث " تضاف إلى الجملة غالبا وهو في المعنى مضافة إلى المصدر الذي تضمنته الجملة، قالوا: " حيث " وإن كانت مضافة إلى الجملة في الظاهر لكن لما كانت في المعنى مضافة إلى المصدر فاضافتها إليها كلا إضافة، ولذا بنيت على الضم كالغايات على الاعرف، فقال الرضي رضي الله عنه: حذف خبر المبتدء الذي بعد حيث غير قليل. والوسمة بكسر السين كما في بعض النسخ وهي لغة الحجاز وأفصح من السكون وأنكر الازهري السكون، وبالسكون كما في بعض النسخ وجوزه بعضهم: نبت يختضب بورقه، وقيل: هو ورق النيل، والصقال ككتاب: اسم من صقله كنصر أي


(1) معرب آبريز وهو الذى يقال له بالفارسية: آفتابه.

[39]

جلاه، فهو مصقول وصقيل، واللفاع ككتاب: الملحفة أو الكساء أو كل ما تتلفع به المرأة، وتلفع الرجل بالثوب. إذا اشتمل به وتغطى، وفي بعض النسخ: متقنع والمقنع والمقنعة بالكسر فيهما: ما تتقنع به المرأة، والقناع ككتاب أوسع منهما، و المعجر كمنبر: ثوب أصغر من الرداء تلبسه المرأة، وقال المطرزي: ثوب كالعصابة تلفه المرأة على استدارة رأسها، والسحم بالتحريك والسحمة بالضم: السواد، والاسحم الاسود، وخيل له كذا بالبناء للمفعول من الخيال بمعنى الوهم والظن أي لبس عليه وفي بعض النسخ " يخيل " على صيغة المعلوم فالفاعل ضمير الطاووس، والبريق: اللمعان. واستدق أي صار دقيقا وهو ضد الغليظ، والمستدق على صيغة اسم الفاعل وفي بعض النسخ على صيغة اسم المفعول، قال ابن الاثير: استدق الدنيا أي احتقرها واستصغرها، وهو استفعل من الشئ الدقيق الصغير، والمشبه على الاول القلم، وعلى الثاني المرقوم، ويمكن أن تكون الاضافة على الاول لادنى ملابسة فان الرقم الدقيق له نسبة إلى القلم، والاقحوان بالضم: البابونج وأبيض يقق بالتحريك أي شديد البياض، وائتلق وتألق أي التمع، وعلا فلان فلانا أي غلبه وارتفع عليه، وبص كفر أي برق ولمع، والديباج: ثوب سداه ولحمته أبريسم وقيل: هو معرب ثم كثر حتى اشتقت العرب منه فقالوا: دبج الغيث الارض دبجا: إذا سقاها فأنبت أزهارا مختلفة لانه اسم للمنقش، ورونق الشئ ماؤه وحسنه أي أخذ من كل لون نصيبا وزاد على اللون بالبريق واللمعان، والزهرة بالفتح وبالتحريك: النبات ونوره والجمع أزهار وجمع الجمع أزاهر (1). والبث: النشر والتفريق، ورب فلان الامر أي أصلحه وقام بتدبيره، ورب الدهن أي طيبه، والقيظ: فصل الصيف وشدة الحر، ولعل الجمع في الامطار باعتبار الدفعات وفي الشموس بتعدد الاشراق في الايام أو باعتبار أن الشمس الطالع في كل يوم فرد عليحدة لاختلاف التأثير في نضج الثمار وتربية النبات باختلاف الحر


(1) في النسخة المخطوطة. أزاهير.

[40]

والبرد وغير ذلك، وتحسر البعير على صيغة التفعل أي سقط من الاعياء، وفي بعض النسخ: " تنحسر " على صيغة الانفعال تقول: حسره كضربه ونصره فانحسر أي كشفه فانكشف، والعرى بالضم خلاف اللبس والفعل كرضي، وتترى فيه لغتان تنون ولا تنون مثل علقى فمن ترك صرفها في المعرفة جعل ألفها ألف التأنيث وهو أجود، وأصلها وترى من الوتر، وهو الفرد قال الله تعالى: " ثم أرسلنا رسلنا تترى (1) " أي واحدا بعد واحد، ومن نونها جعل ألفها ملحقة ذكره الجوهري، وقال بعض شارحي النهج: تترى أي شيئا بعد شئ وبينهما فترة، وهذا مما يغلط فيه قوم فيعتقدون أن " تترى " للمواصلة والالتصاق، وينبت تباعا أي لا فترات بينهما، وكذلك حال الريش الساقط، والتباع بالكسر: الولاء وانحتت ورق الشجر أي سقطت. وقوله عليه السلام: " سالف ألوانه " في بعض النسخ: " سائر ألوانه " قال الجوهري: سائر الناس أي جميعهم، وفي المصباح: قال الازهري: اتفق أهل اللغة أن سائر الشئ باقيه قليلا كان أو كثيرا، ولعل المراد عدم مخالفة لون الريش النابت للباقي من السوالف، أو المراد عدم التخالف بين الارياش النابتة، وما في الاصل أوضح، والورد بالفتح من كل شجرة: نورها، وغلب على الورد الاحمر، والتارة: الحين والزمان والعسجد كجعفر: الذهب، والعمق بالضم وبالفتح: قعر البئر ونحوها، والفطن كعنب جمع فطنة بالكسر وهى الحذق والعلم بوجوه الامور، وعمائق الفطن: الاذهان الثاقبة والقريحة: أول ما يستنبط من البئر ومنه قولهم: " لفلان قريحة جيدة " يراد استنباط العلم بجودة الطبع، واقترحت الشئ أي ابتدعته من غير سبق مثال، والواو في قوله عليه السلام: " وأقل " للحال، ولاريب أن الشعرة أقل الاجزاء التي بها قوام الحيوان والمراد بعجز الاوهام العجز عن وصف علل هذه الالوان واختلافها واختصاص كل بموضعه، وسائر ما أشار عليه السلام إليه، أو العجز عن إدراك جزئيات الاوصاف المذكورة وتشريح الهيئات الظاهرة والخصوصيات الخفية في خلق ذلك الحيوان كما هو المناسب لما بعده، وبهره كمنعه أي غلبه، وجلاه بالتشديد والتخفيف على اختلاف النسخ أي


(1) المؤمنون: 44.

[41]

كشفه، والتكوين: الاحداث والايجاد، وقعدبها أي أقعدها وأعجزها، والغرض الدلالة على عجز العقول عن إدراك ذاته سبحانه فانها إذا عجزت عن إدرك مخلوق ظاهر للعيون على الصفات المذكورة فهي بالعجز عن إدراكه سبحانه ووصفه أحرى، وكذلك الالسن في تلخيص صفته وتأدية نعته. ودمج الشئ كنصر دموجا: دخل في الشئ واستحكم فيه وأدمجه غيره، والذرة واحدة الذروهي صغار النمل والهمجة واحدة الهمج كذلك وهو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمر وأعينها، والحيتان جمع حوت، والافيلة جمع فيل، والمعروف بين أهل اللغة فيلة كعنبة كما في بعض النسخ، وأفيال وفيول، وقال ابن السكيت: ولا تقل أفيلة، ووأى أي وعد، واضطرب أي تحرك، والشبح: الشخص، وأولج أي وأدخل والحمام ككتاب: قضاء الموت وقدره. 2 - تنبيه الخاطر للورام: دخل طاووس اليماني على جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقال له: أنت طاووس ؟ قال: نعم، فقال: طاووس طير مشوم ما نزل بساحة قوم إلا آذنهم بالرحيل (1). بيان: يدل على تأثير الطيرة في الجملة. 3 - الكافي: عن العدة عن البرقي عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن يعقوب بن جعفر الجعري قال: ذكر عند أبي الحسن عليه السلام حسن الطاووس فقال: لا يزيدك على حسن الديك الابيض بشئ (2)، قال: وسمعته يقول: الديك أحسن صوتا من الطاووس وهو أعظم بركة ينبهك في مواقيت الصلاة، وإنما يدعو الطاووس بالويل بخطيئته (3) التي ابتلي بها (4). وقال الدميري: الطاووس: طائر معروف تصغيره طويس، وكنيته أبو الحسن


(1) تنبيه الخاطر: (2) في المصدر: شئ. (3) في المصدر: لخطيئة. (4) فروع الكافي 6: 550. (*)

[42]

وأبو الوشي، وهو من الطير كالفرس من الدواب (1) عز أو حسنا وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق لا سيما إذا كانت الانثى ناظرة إليه، والانثى تبيض بعد أن يمضى لها من العمر ثلاث سنين، وفي ذلك الاوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه، وتبيض الانثى مرة واحدة في السنة اثنتي عشرة بيضة وأكثر (2)، ويفسد في أيام الربيع ويلقي ريشه في الخريف كلما يلقى الشجر ورقه، فإذا بدا طلوع الاوراق في الشجرة طلع ريشه، وهو كثير العبث بالانثى إذا حضنت، وربما كسر البيض، ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، ولا تقوى الدجاجة على حضن أكثر من بيضتين، وينبغي أن تتعاهد الدجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الاكل والشرب مخافة أن تقوم عنه فيفسده الهواء، والفرخ الذي يخرج من حضن الدجاجة يكون قليل الحسن ناقص الخلق وناقص الجثة، ومدة حضنه ثلاثون يوما، وأعجب الامور أنه مع حسنه يتشأم به، وكان هذا والله أعلم أنه لما كان سببا لدخول إبليس الجنة وخروج آدم منها وسببا لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا كرهت إقامته في الدور بسبب ذلك (3). 4 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد بن بكر بن صالح عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: الطاووس مسخ كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤمن تحبه فوقع بها ثم راسلته بعد فمسخهما الله عزوجل طاووسين انثى وذكرا فلا تأكل لحمه ولا بيضه (4).


(1) في المصدر: وهو في الطير كالفرس في الدواب. (2) في المصدر: واقل واكثر ولا تبيض متتابعا. (3) حياة الحيوان 2: 59 و 60. (4) فروع الكافي 6: 247 فيه: " ولا يؤكل " ورواه ايضا بالاسناد في ص 245 الا انه اقتصر فقال: الطاووس لا يحل اكله ولا بيضه.

[43]

5 - { باب } الدراج والقطا والقبج وغيرها من الطيور وفضل لحم بعضها على بعض 1 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن محمد بن موسى عن علي بن سليمان عن ابن أبي عمير عن محمد بن حكيم عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: اطعموا المحموم لحم القباج فانه يقوي الساقين ويطرد الحمى طردا (1). 2 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن علي بن مهزيار قال: تغديت مع أبي جعفر عليه السلام فاتي بقطاط فقال: إنه مبارك وكان أبي يعجبه وكان يأمر أن يطعم صاحب اليرقان يشوى له فانه ينفعه (2). 3 - الخرائج: روي عن الحسن عليه السلام أن عليا عليه السلام كان يوما بأرض قفر فرأى دراجا فقال: يا دراج منذكم أنت في هذه البرية ؟ ومن أين مطعمك ومشربك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنا في هذه البرية منذ مائة سنة إذا جعت اصلي عليكم فأشبع وإذا عطشت أدعو على ظالميكم فأروي (3). 4 - المحاسن: عن أبي الحسن النهدي عن ابن أسباط رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه ذكر عنده لحم الطير فقال: أطيب اللحم لحم فرخ غذته فتاة من ربيعة بفضل قوتها (4).


(1) فروع الكافي 6: 312. (2) فروع الكافي 6: 312. (3) الخرائج. (4) المحاسن 474. (*)

[44]

5 - ومنه: عن عمرو بن عثمان رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: الاوز (1) جاموس الطيور، والدجاج خنزير الطير، والدراج حبش الطير، فأين أنت عن فرخين ناهضين ربتهما امرأة من ربيعة بفضل قوتها (2). 6 - ومنه: عن السياري رفعه قال: ذكرت اللحمان عند أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وعمر حاضر فقال عمر: إن أطيب اللحمان لحم الدجاج، وقال (3) أمير المؤمنين عليه السلام: كلا إن ذلك خنازير الطير، وإن أطيب اللحم لحم فرخ حمام قد نهض أو كاد ينهض (4). 7 - ومنه: عن السياري عمن رواه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سره أن يقتل غيظه، فليأكل لحم الدراج (5). الكافي: عن العدة عن البرقي عن السياري مثله (6). 8 - الطب: عن مروان بن محمد عن علي بن النعمان عن علي بن الحسن عن موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سره أن يقتل (7) غيظه فليأكل الدراج (8). 9 - وعنه عليه السلام قال: من اشتكى فؤاده وكثر غمه فليأكل الدراج (9). 10 - حياة الحيوان: الدراج بالضم كرمان واحدته دراجة وهو طائر مبارك


(1) في المصدر: الوز جاموس الطير. (2) المحاسن: 474. (3) في المصدر: فقال. (4) و (5) المحاسن: 475. وروى نحوه الكليني عن العدة عن البرقى في الفروع 6: 312. (6) الفروع 6: 312 فيه: " عمن رواه عن ابى عبد الله (ع) " وفيه: أن يقل. (7) في النسخة المخطوطة: أن يقل غيظه. (8) طب الائمة: (9) طب الائمة.

[45]

كثير النتاج مبشر بالربيع (1) وتطيب نفسه على الهواء الصافي وهبوب الشمال، ويسوء حاله بهبوت الجنوب حتى أنه لا يقدر على الطيران، وهو طائر أسود باطن الجناحين وظاهرهما أغبر على خلقة القطا إلا أنه ألطف منه، والجاحظ جعله من أقسام الحمام ومن شأنه أنه لا يجعل بيضه في موضع واحد بل ينقله لئلا يعرف أحد مكانه، قال ابن سينا: لحمه أفضل من لحوم الفواخت وأعدل وألطف، وأكله يزيد في الدماغ والفهم والمني (2). وقال: القبج بفتح القاف وإسكان الباء: الحجل، والقبجة اسم جنس يقع على الذكر والانثى حتى تقول: يعقوب (3) فيختص بالذكر، وكذلك الدراجة حتى تقول: الحيقطان (4)، والنحلة حتى تقول: يعسوب، ومثله كثير (5)، والذكر يوصف بالقوة على السفاد، ولكثرة سفاده يقصد موضع البيض فيكسره لئلا تشتغل الانثى بحضنه عنه، ولذا الانثى إذا أتى أوان بيضها تهرب وتختبئ رغبة في الفرخ وهي إذا هربت بهذا السبب ضاربت الذكور بعضها بعضا وكثر صياحها، ثم إن المقهور يتبع القاهر ويفسد القوي الضعيف، والقبج يغير أصواته بأنواع شتى بقدر حاجته إلى ذلك، وتعمر خمسة عشر سنة (6)، ومن عجيب أمرها أنها إذا قصدها الصياد خبأت راسها تحت الثلج وتحسب أن الصياد لا يراها، وذكورها شديد الغيرة على اناثها، والانثى تلقح من رائحة الذكر، وهذا النوع كله يحب الغناء والاصوات


(1) زاد في المصدر: وهو القائل: " بالشكر تدوم النعم " وصوته مقطع على هذه الكلمات. (2) حياة الحيوان 2: 243. (3) يعقوب: ذكر الحجل. (4) في المصدر: حتى تقول: حيقطان والبومة حتى تقول: صدى أو فياد، والحبارى حتى تقول: خرب، وكذا النعامة حتى تقول: ظليم، والنحلة. (5) في المصدر هنا زيادة منها: واناثه تبيض خمس عشرة بيضة. (6) في المصدر: ويعمر خمس عشرة سنة.

[46]

الطيبة، وربما وقعت من أوكارها عند سماع ذلك فيأخذها الصياد (1). وقال: القطا معروف واحدة قطاة، وهو نوعان كدري وجوني، وزاد الجوهري نوعا ثالثا وهو القطاط (2)، والكدري أغبر اللون رقش الظهر والبطون صفر الحلوق قصار الاذناب، وهي ألطف من الجونية، والجونية سود بطون الاجنحة والقوادم، وظهرها أغبر أرقط تعلوه صفرة (3)، وإنما سميت جونية لانها لا تفصح بصوتها إذا صوتت، وإنما تغرغر بصوت في حلقها، والكدرية فصيحة تنادي باسمها (4)، وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من أفاحيصها أسرابا (5) لا متفرقة عند طلوع الفجر فتقطع إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل فحينئذ تقع على الماء فتشرب نهلا (6)، والعرب تصف القطا بحسن المشي وتشبه مشي النساء الخفرات بمشيها (7)، وروى ابن حيان وغيره من حديث أبي ذر رضي الله عنه وابن ماجة من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله تعالى له بيتا في الجنة. مفحص القطاة بفتح الميم: موضعها الذي تجثم (8) فيه وتبيض كأنها تفحص


(1) حياة الحيوان 2: 168 و 169 زاد فيه: وحكمها: حل الاكل لانها من الطيبات. (2) هكذا في الكتاب والصحيح كما في المصدر: الغطاة. (3) زاد في المصدر: وهى أكبر من الكدرى تعدل جونية بكدرتين. (4) زاد في المصدر: ولا تضع القطاط بيضها الا افرادا. (5) جمع السرب: القطيع من الظباء والطير وغيرهما. (6) زاد في المصدر: والنهل: شرب الابل والغنم أول مرة، فإذا شربت اقامت حول الماء متشاغلة إلى مقدار ساعتين أو ثلاث ثم تعود إلى الماء ثانية. (7) في المصدر: " بحسن المشى لتقارب خطاها ومشيها يشبه مشى النساء الخفرات بمشيتهن ". أقول: خفرت الجارية: استحيت اشد الحياء فهى خفر وخفرة ومخفار. (8) جثم الطائر: تلبد بالارض، والمجثم: محل الجثوم.

[47]

عنه التراب أي تكشفه، والفحص: البحث والكشف، وخصت القطا بهذا لانها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل إنما تجعل مجثمها على بسيط الارض دون تلك الطيور (1)، فلذلك شبه به المسجد، ولانها توصف بالصدق، كأنه أشار بذلك إلى الاخلاص في بنائه، وقيل: إنما شبه بذلك لان أفحوصها يشبه محراب المسجد في استدارته وتكوينه، وقيل: خرج ذلك مخرج الترغيب بالقليل من مخرج الكثير كما خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير كقوله صلى الله عليه وآله. " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده " ولان الشارع يضرب المثل بما لا يكاد يقع كقوله: " ولو سرقت فاطمة بنت محمد " وهي عليها السلام لا يتوهم عليها السرقة (2).


(1) في المصدر: دون سائر الطيور. (2) حياة الحيوان 2: 180 و 181 فيه: منها السرقة. (*)

[48]

{ أبواب } { الوحوش والسباع من الدواجن وغيرها } 1 باب { الكلاب وأنواعها وصفاتها وأحكامها والسنانير والخنازير } { في بدء خلقها وأحكامها } الآيات: المائدة 5: " قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله 4 ". الاعراف 7 " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا " 175 و 176. الكهف 18 " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد - إلى قوله تعالى: - سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ". الآية 18 - 22. تفسير: سيأتي تفسير الآية الاولى. وقال الدميري: دل على أن للعالم فضيلة ليست للجاهل لان الكلب إذا علم تحصل له فضيلة على غير المعلم فالانسان أولى بذلك لا سيما (1) إذا عمل بما علم


في المصدر: والانسان إذا كان له علم اولى أن يكون له فضل على غيره كالجاهل لاسيما.

[49]

كما قال علي عليه السلام: " لكل شئ قيمة وقيمة المرء ما يحسنه (1) " وأما آيات الاعراف فالمشهور أنها في بلعم بن باعورا كما مرت قصته في المجلد الخامس. قال الدميري: قال قتادة: هذا مثل ضربه الله تعالى لكل من عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله " ولو شئنا لرفعناه بها " أي وفقناه للعمل بها فكان (2) يرفع بذلك منزلته في الدنيا والآخرة " ولكنه أخلد إلى الارض " أي ركن إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها فعوقب في الدنيا بأنه كان يلهث كما يلهث الكلب يشبه (3) به صورة وهيئة. قال القتيبي: كل شئ يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فانه يلهث في حال الكلال (3) وحال الراحة وفي حال الري وفي حال العطش فضربه الله تعالى مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تتركه على حاله لهث انتهى. واللهث: نفس (5) بسرعة وحركة اعضاء الفم معها وامتداد اللسان (6)، قال الواحدي وغيره: هذه الآية من أشد الآي على أهل العلم، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه آتاه من (7) اسمه الاعظم والدعوات المستجابات والعلم والحكمة فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعم (8) بالانسلاخ عنها ومن ذا الذي (9)


(1) حياة الحيوان 2: 220. (2) في المصدر: فكنا نرفع. (3) في المصدر: فشبه به. (4) في المصدر: في حال التعب. (5) في الصصدر: تنفس. (6) زاد في المصدر: وخلقة الكلب انه يلهث على كل حال. (7) في المصدر: آتاه آياته من اسمه. (8) في المصدر: تغيير النعمة عليه. (9) في المصدر: ومن الذى.

[50]

يسلم من هاتين الحالتين إلا من عصمه الله (1). وقال: أكثر أهل التفسير على ان كلب أهل الكهف كان من جنس الكلاب، وروي عن ابن جريح (2) أنه قال: كان أسدا ويسمى الاسد كلبا، وقال قوم: كان رجلا طباخا لهم حكاه الطبري، ويضعفه بسط الذارعين فانه في العرف من صفة الكلب وروي أن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قرأ: " كلبهم " فيحتمل أن يريد هذا الرجل وقال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب سوى كلب أهل الكهف وحمار عزير وناقة صالح، وقيل: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل صحبهم ذكره الله تعالى في القرآن معهم. والوصيد: فناء الكهف، وقيل: هو التراب، وقيل: هو الباب: وقيل: عتبة الباب، وقيل: إن الكلب كان لهم وقيل: مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مرارا (3) فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي ونطق فقال: لا تخافوا مني فاني احب أحباء الله فنوموا حتى أحرسكم. وقال السدي: لما خرجوا مروا براع ومعه كلب فقال الراعي: إني أتبعكم على أن أعبد الله تعالى معكم، قالوا: سر، فسار معهم وتبعهم الكلب، فقالوا: يا راعي هذا الكلب ينبح علينا وينبه بنا فمالنا به من حاجة فطردوه فأبى إلا أن يلحق بهم فرجموه فرفع يديه كالداعي فأنطقه الله تعالى فقال: يا قوم لم تطردونني ؟ لم ترجمونني ؟ لم تضربونني ؟ فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة، فتعجبوا من ذلك وزادهم الله بذلك هدى، قال محمد الباقر عليه السلام: كان أصحاب الكهف صياقلة (4). قال عمرو بن دينار: إن مما اخذ على العقرب أن لا تضر أحدا في ليل أو


(1) حياة الحيوان 2: 222. (2) الصحيح كما في المصدر: ابن جريج. بالجيم في الاول والاخر. (3) في المصدر: مرارا وهو يعود. (4) حياة الحيوان 2: 204 و 205.

[51]

نهار صلى على نوح (1)، ومما اخذ على الكلب أن لا يضر أحدا حمل عليه في ليل أو نهار قرأ (2): " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " وقال القرطبي: بلغنا عمن تقدم أن في سورة الرحمن آية يقرؤها الانسان على الكلب إذا حمل عليه فلا يؤذيه باذن الله عزوجل وهي " يا معشر الجن والانس " الآية (3). 11 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يكره أن يكون في دار الرجل المسلم الكلب (4). 12 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من أحد يتخذ كلبا إلا نقص في كل يوم من عمل صاحبه قيراط. بيان: لعله محمول على الكراهة كما يشير إليه الخبر السابق، وعلى كلب لم يكن في اتخاذه منفعة أو لم يكن بينه وبينه باب مغلق، مع أنه يحتمل أن يكون مع الحالين أخف كراهة. قال الدميري: لا يجوز اقتناء الكلب الذي لا نفع فيه وذلك لما في اقتنائها من مفاسد الترويع والعقر للمار، ولعل ذلك لمجانبة الملائكة لمحلها ومجانبة الملائكة أمر شديد لما في مخالطتهم من الالهام إلى الخير والدعاء إليه، واختلف الاصحاب في جواز اتخاذ الكلب لحفظ الدرب والدور على وجهين: أصحهما الجواز واتفقوا على جواز اتخاذه للزارع (6) والماشية والصيد، لكن يحرم اقتناء كلب


(1) في موضع من المصدر: أن لا يضر باحد في ليل ولا نهار قال: سلام على نوح. (2) في موضع من المصدر: باحد ممن حمل عليه إذا قال. (3) حياة الحيوان 2: 214 و 218. (4) فروع الكافي 6: 552. (5) فروع الكافي 6: 552. (6) في النسخة المخطوطة: " للمزارع " وفى المصدر: للزراعة.

[52]

الماشية قبل شرائها، وكذلك كلب الزرع والصيد لمن لا يزرع ولا يصيد، فلو خالف واقتنى نقص من أجره كل يوم قيراط، وفي رواية " قيراطان " وكلاهما في الصحيح وحمل ذلك على نوع من الكلاب بعضها (1) أشد أذى من بعض، أو لمعنى فيها، أو يكون ذلك مختلفا باختلاف المواضع، فيكون القيراطان في المدن ونحوها، والقيراط في البوادي، أو يكون ذلك في زمنين ذكر القيراط أولا، ثم ذكر التغليظ (2) فذكر القيراطين، والمراد بالقيراط مقدار معلوم عند الله تعالى ينقص من أجر عمله، واختلفوا في المراد بما نقص منه فقيل: مما مضى من عمله، وقيل: من مستقبله، وقيل: قيراط من عمل الليل وقيراط من عمل النهار، وقيل: قيراط من عمل الفرض وقيراط من عمل النفل، وأول من اتخذ الكلب للحراسة نوح عليه السلام قال: يا رب أمرتني أن أصنع الفلك وأنا في صناعته أصنع أياما فيجيئوني بالليل فيفسدون كل ما عملت، فمتى يلتئم لي ما أمرتني به فقد طال علي أمري ؟ فأوحى الله إليه: يا نوح اتخذ كلبا يحرسك، فاتخذ نوح كلبا وكان يعمل بالنهار وينام بالليل، فإذا جاء قومه ليفسدوا بالليل (3) ينبحهم الكلب فينتبه نوح فيأخذ الهراوة ويثب لهم ويهربون منه فالتأم له ما أراد (4). 13 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألته عن الكلب يمسك في الدار ؟ قال: لا (5). 14 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن يوسف بن عقيل عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا خير في الكلب


(1) في المصدر: إذ بعضها. (2) في المصدر: فذكر القيراط اولا ثم زاد في التغليظ. (3) في المصدر: ليفسدوا بالليل عمله. (4) حياة الحيوان 2: 219 فيه: فيهربون. (5) فروع الكافي 6: 552 فيه: نمسكه في الدار.

[53]

إلا كلب الصيد أو كلب ماشية (1). 15 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن النضر بن سويد عن القاسم بن سليمان عن جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تمسك كلب الصيد في الدار إلا أن يكون بينك وبينه باب (2). بيان: كأن المراد بالباب الباب المغلق عليه لما روى الصدوق عليه الرحمة في الفقيه عن الصادق عليه السلام: لا تصل في دار فيها كلب إلا أن يكون كلب الصيد وأغلقت دونه بابا فلا بأس فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا بيتا فيه تماثيل ولا بيتا فيه بول مجموع في آنية (3) انتهى. ويحتمل أن يكون المراد أن كون الكلب في بيت آخر لا يوجب نقص صلاة المصلي وإن كان بين البيت الذي فيه الكلب وبين البيت الذي يصلى فيه باب، فانهما لا يصيران بذلك بيتا واحدا، والاول أظهر لما مر، ولما رواه الكليني أيضا عن العدة عن البرقي عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألته عن كلب الصيد يمسك في الدار ؟ قال: إذا كان يغلق دونه الباب فلا بأس (4). وقال العلامة قدس سره في المنتهى: يكره الصلاة في بيت فيه كلب لما رواه ابن بابويه عن الصادق عليه السلام، وذكر الخبر المتقدم ثم قال: وروى الشيخ عن محمد ابن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل أتاني فقال: " إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تماثيل جسد ولا إناء يبال فيه " ونفور الملائكة يؤذن بكونه ليس هو موضع رحمة فلا يصلح أن يتخذ للعبادة انتهى (5)


(1) فروع الكافي 6: 552 فيه: في الكلاب. (2) فروع الكافي 6: 552. (3) من لا يحضره الفقيه 1: 159. (4) فروع الكافي 6: 552. (5) المنتهى.

[54]

ونحوه قال الشهيد نور الله مرقده في الذكرى (1). وقال الدميري: قال أبو عمرو بن الصلاح: لا تصحب الملائكة رفقة فيه كلب ولا جرس، ثم قال: وأما قوله صلى الله عليه وآله: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة فقال العلماء: سبب امتناعهم من البيت الذي فيه الصورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة خلق الله تعالى (2) وبعضها في صورة ما يعبدون من دون الله عزوجل، وسبب امتناعهم من البيت الذي فيه الكلب لكثرة أكله النجاسات، ولان بعض الكلاب يسمى شيطانا، كما جاء في الحديث، والملائكة ضد الشيطان، ولقبح رائحة الكلب أو لملائكة تكره الرائحة الخبيثة، ولانها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة عليه (3) وصلاتها فيه واستغفارها له وتبركها عليه في بيته ودفعها أذى الشياطين. والملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب ولا صورة هم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبرك والاستغفار، وأما الحفظة والموكلون بقبض الارواح فيدخلون في كل بيت، ولا تفارق الحفظة الآدمي في حال (4) لانهم مأمورون باحصاء أعمالهم وكتابتها. قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، وأما ما ليس اقتناؤه بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرها فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه، وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي، وقال النووي: والاظهر أنه عام في كل كلب وصورة وإنهم يمتنعون من الجميع لاطلاق الاحاديث، وأما الجرو


(1) الذكرى. (2) في المصدر: وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى. (3) في المصدر: بيته. (4) في المصدر: ولا تفارق الحفظة بنى آدم في حال من الاحوال.

[55]

الذي كان في بيت النبي صلى الله عليه وآله تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر فانه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبرئيل عليه السلام من دخول البيت بسببه، فلو كان العذر في وجود الكلب والصورة لا يمنعهم لم يمتنع جبرئيل عليه السلام (1). 16 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله رخص لاهل القاصية في الكلب يتخذونه (2) بيان: القاصية: البعيدة عن المعمورة. 17 - الكافي: عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن العلا عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب السلوقي فقال: إذا مسسته فاغسل يدك (3). بيان: غسل اليدين إذا كان رطبا على الوجوب، وإذا كان يابسا على الاستحباب على المشهور، وسيأتي الكلام فيه في كتاب الطهارة. وقال الدميري في حياة الحيوان: الكلب حيوان معروف، وربما وصف به فقيل للرجل: كلب، وللمرأة كلبة، والجمع أكلب وكلاب وكليب مثل أعبد وعباد وعبيد، وهو جمع عزيز، والاكالب جمع أكلب، قال ابن سيدة: وقد قالوا في جمع كلاب كلابات (4). وهو نوعان: أهلي وسلوقي، نسبة إلى سلوق وهي مدينة باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية، وكلا النوعين في الطبع سواء، وفي طبعه الاحتلام وتحيض اناثه وتحمل الانثى ستين يوما، ومنها ما يقل عن ذلك، وتضع جراءها عميا فلا تفتح عيونها إلا بعد اثنى عشر يوما، والذكور تهيج قبل الاناث، وينزو الذكر إذا كمل له سنة، وربما تسفد قبل ذلك، وإذا سفد الكلبة كلاب مختلفة الالوان أدت إلى كل كلب شبهه.


(1) حياة الحيوان 2: 219 و 220. (2) و (3) فروع الكافي 6: 553. (4) في المصدر: في جمع كلب: كلاب.

[56]

وفي الكلب من اقتفاء الاثر وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات و الجيفة أحب إليه من اللحم الغريض، ويأكل العذرة ويرجع في قيئه، وبينه وبين الضبع عداوة شديدة، وذلك إذا كان في موضع مرتفع ووطئعت الضبع ظله في القمر رمى بنفسه إليها مخذولا فتأكله، وإذا دهن كلب بشحمها جن واختلط، وإذا حمل إنسان لسان ضبع لم تنبح عليه الكلاب، ومن طبعه أنه يحرس ربه ويحمي حرمه شاهدا وغائبا ذاكرا وغافلا نائما ويقظانا، وهو أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجته إلى النوم، وإنما غالب نومه نهارا عند الاستغناء عن الحراسة، وهو في نومه أسمع من فرس وأحذر من عقعق، وإذا نام كسر أجفان عينيه ولا يطبقهما وذلك لخفة نومه وسبب خفته أن دماغه بارد بالنسبة إلى دماغ الانسان، ومن عجيب طباعه أنه يكرم الجلة من الناس وأهل الوجاهة ولا ينبح على أحد منهم وربما حاد عن طريقه وينبح على الاسود من الناس والدنس الثياب والضعيف الحال، ومن طباعه البصبصة والترضي والتودد والتألف بحث إذا دعي بعد الضرب وطرد رجع، وإذا لاعبه ربه عضه العض الذي لا يؤلم، وأضراسه لو أنشبها في الحجر لنشبت، ويقبل التأديب والتلقين والتعليم حتى لو وضعت على رأسه مسرجة وطرح له مأكول لم يلتفت إليه ما دام على تلك الحالة، فإذا أخذت المسرجة عن رأسه وثب إلى مأكوله، وتعرض له أمراض سودارية في زمن مخصوص ويعرض للكلب الكلب وهو بفتح اللام، وهو داء يشبه الجنون. وعلامة ذلك أن تحمر عيناه وتعلوهما غشاوة وتسترخي اذناه ويندلع لسانه ويكثر لعابه وسيلان أنفه ويطاطئ رأسه وينحدب ظهره ويتعوج صلبه إلى جانب، ولا يزال يدخل ذنبه بين رجليه ويمشي خائفا مغموما كأنه سكران ويجوع فلا يأكل ويعطش فلا يشرب، وربما رأى الماء فيفزع منه، وربما يموت منه خوفا وإذا لاح له شبح حمل عليه من غير نبح والكلاب تهرب منه فان دنا منها غفلة بصبصت له وخضعت وخشعت بين يديه، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له أمراض ردية:

[57]

منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا ولا يزال يستسقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه، فإذا استحكمت هذه العلة به فقعد للبول خرج منه شئ على هيئة صورة الكلاب الصغار (1)، قال صاحب الموجز في الطب: الكلب حالة كالجذام تعرض للكلب والذئب وابن آوي وابن عرس والثعلب، ثم ذكر غالب ما تقدم، وقال غيره: الكلب: جنون يصيب الكلاب فتموت وتقتل كل شئ عضته إلا الانسان فانه قد يعالج فيسلم، قال: وداء الكلب يعرض للحمار ويقع في الابل أيضا، فيقال: كلبت الابل تكلب كلبا، وأكلب القوم: إذا وقع في ابلهم، ويقال: كلب الكلب واستكلب: إذا ضرى (2) وتعود أكل الناس انتهى. وذكر القزويني في عجائب المخلوقات أن بقرية من أعمال حلب بئرا يقال لها: بئر الكلب إذا شرب منها من عضه كلب الكلب (3) برئ وهي مشهورة. وأما السلوقي فمن طباعه أنه إذا عاين الظباء قريبة منه أو بعيدة عرف المقبل من المدبر ومشي الذكر من مشي الانثى، ويعرف الميت من الناس والمتماوت حتى أن الروم لا تدفن ميتا حتى تعرضه على الكلاب فيظهر لهم من شمها إياه علامة يستدل بها على حياته أو موته، ويقال: إن هذا لا يوجد إلا في نوع منها يقال له: القلطي وهو صغير الجرم قصير القوائم جدا ويسمى الصيني، وإناث السلوقي أسرع تعلما من الذكور، والفهد بالعكس، والسود من الكلاب أقل صبرا من غيرها. وفي كتاب فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب لمحمد بن خلف المرزبان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا قتيلا فقال: ما شأنه ؟ فقالوا: إنه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة فوثب عليه كلب الماشية


(1) في المصدر: على هيئة الكلاب الصغار. (2) ضرى الكلب بالصيد: تعوده واولع به. (3) في المصدر: الكلب الكلب.

[58]

فقتله، فقال صلى الله عليه وآله: قتل نفسه وأضاع دينه (1) وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خيرا منه. وقال ابن عباس: كلب أمين خير من صاحب خؤون، قال: وكان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه فتخلف منهم واحد فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين فعرف الامر فأنشأ يقول: فيا عجبا للخل يهتك حرمتي * ويا عجبا للكلب كيف يصون وما زال يرعى ذمتي ويحوطني * ويحفظ عرسي والخليل يخون وذكر الامام أبو الفرج ابن الجوزي في بعض مصنفاته أن رجلا خرج في بعض أسفاره فمر على قبة مبنية أحسن بناء بالقرب من ضيعة هناك وعليها مكتوب: من أحب أن يعلم سبب بنائها فليدخل القرية، فدخل القرية وسأل أهلها عن سبب بناء القبة فلم يجد عند أحد خبرا من ذلك إلى أن دل على رجل قد بلغ من العمر مائتي سنة فسأله فأخبره عن أبيه أنه حدثه أن ملكا كان بتلك الارض وكان له كلب لا يفارقه في سفر ولا حضر ولا نوم ولا يقظة، وكانت له جارية خرساء مقعدة، فخرج ذات يوم في تنزهاته (2) وأمر بربط الكلب لئلا يذهب معه، وأمر طباخه أن يصنع له طعاما من اللبن كان يهواه، وإن الطباخ صنعه وجاء به فوضعه عند الجارية والكلب وتركه مكشوفا، وذهب، فأقبلت حية عظيمة إلى الاناء فشربت من ذلك الطعام وردته وذهبت، فأقبل الملك من نزهته (3) وأمر بالطعام فوضع بين يديه فجعلت الجارية تصفق بيديها وتشير إلى الملك: أن لا يأكله، فلم يعلم أحد ما تريد فوضع الملك يده في الصحفة وجعل الكلب يعوي ويصيح ويجذب نفسه من السلسلة


(1) في المصدر: واضاع ديته. (2) في المخطوطة: " إلى متنزهاته " في المصدر: إلى بعض متنزهاته. (3) في المصدر: من متنزهه.

[59]

حتى كاد أن يقتل نفسه، فعجب الملك (1) من ذلك وأمر باطلاقه فاطلق فغدا إلى الملك وقد رفع يده باللقمة إلى فيه فوثب الكلب وضربه على يده فطار اللقمة منها فغضب الملك وأخذ طبرا كان بجنبه وهم أن يضرب به الكلب، فأدخل الكلب رأسه في الاناء وولغ من ذلك الطعام وانقلب على جنبه وقد تناثر لحمه، فعجب الملك ثم التفت إلى الجارية فأشارت إليه بما كان من أمر الحية، ففهم الملك الامر وأمر باراقة الطعام وتأديب الطباخ لكونه ترك الآنية مكشوقة، وأمر بدفن الكلب وببناء القبة عليه، وبتلك الكتابة التي رأيتها، قال: وهي أغرب ما يحكى. وفي كتاب النشور (2) عن أبي عثمان المديني قال: إنه كان في بغداد رجل يلعب بالكلاب فأسحر يوما في حاجة له وتبعه كلب كان يختصه من كلابه فرده فلم يرجع فتركه ومشى حتى انتهى إلى قوم كان بينه وبينهم عداوة فصادفوه بغير عدة فقبضوا عليه والكلب يراهم وأدخلوه الدار، فدخل الكلب معهم فقتلوا الرجل وألقوه في بئر وطموا رأس البئر وضربوا الكلب وأخرجوه وطردوه، فخرج يسعى إلى بيت صاحبه فعوى فلم يعبأوا به وافتقدت ام الرجل ابنها وعلمت أنه قد تلف فأقامت عليه المأتم وطردت الكلاب عن بابها، فلزم ذلك الكلب الباب ولم ينطرد، فاجتاز يوما بعض قتلة صاحبه بالباب والكلب رابض فلما رآه وثب إليه وخمش (3) ساقيه ونهشه وتعلق به واجتهد المجتازون في تخليصه منه فلم يمكنهم، وارتفعت للناس ضجة عظيمة وجاء حارث الدرب فقال: لم يتعلق هذا الكلب بالرجل إلا وله معه قصة، ولعلة هو الذي جرحه، وسمعت ام القتيل الكلام فخرجت فحين رأيت الكلب متعلقا بالرجل تأملت الرجل فذكرت (4) أنه كان أحد أعداء ابنها وممن يتطلبه فوقع في نفسها أنه قاتل ابنها فتعلقت به، فرفعوهما إلى الراضي بالله فادعت عليه


(2) في المصدر: فتعجب الملك. (3) في المصدر: وفى كتاب النشوان. (4) خمش الوجه: خدشه ولطمه. (1) في المصدر: فتذكرت. (*)

[60]

القتل فأمر بحبسه بعد أن ضربه فلم يقر فلزم الكلب باب الحبس، فلما كان بعد أيام أمر الراضي باطلاقه، فلما خرج من باب الحبس تعلق الكلب (1) كما فعل أولا فعجب الناس من ذلك وجهدوا على خلاصه منه فلم يقدروا على ذلك إلا بعد جهد جهيد، واخبر الراضي بذلك فأمر بعض غلمانه أن يطلق الرجل ويرسل الكلب خلفه ويتبعه فإذا دخل الرجل داره بادره ودخل وأدخل الكلب (2) ومهما رأى الكلب يعمل يعلمه بذلك، ففعل ما أمره به، فلما دخل الرجل داره بادره غلام الخليفة ودخل وأدخل الكلب معه ففتش البيت فلم ير أثره ولا خبره (3) وأقبل الكلب ينبح ويبحث عن موضع البئر التي طرح فيها القتيل، فعجب (4) الغلام من ذلك وأخبر الراضي بأمر الكلب فأمر بنبشه فنبشه الغلام فوجد الرجل قتيلا، فأخذ (5) صاحب الدار إلى بين يدي الراضي فأمر بضربه فأقر على نفسه وعلى جماعة بالقتل فقتل فطلب الباقون فهربوا. وفي عجائب المخلوقات أن شخصا قتل شخصا باصبهان وألقاه في بئر وللمقتول كلب يرى ذلك، فكان يأتي كل يوم إلى رأس البئر وينحي التراب عنها ويشير إليها، وإذا رأى القاتل نبح عليه، فلما تكرر ذلك منه حفروا البئر فوجدوا القتيل بها، ثم أخذوا الرجل وقرروه فأقر فقتلوه به. وذكر ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس وأنس الجالس أنه قيل لجعفر الصادق عليه السلام: وهو أحد الائمة الاثنى عشر: كم تتأخر الرؤيا ؟ فقال: خمسين سنة لان النبي صلى الله عليه وآله رأى كأن كلبا أبقع ولغ في دمه فأوله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته فكان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين عليه السلام، وكان أبرص فتأخرت


(1) في المصدر: " تعلق به الكلب " وفيه: فتعجب. (2) في المصدر: وادخل الكلب معه، فمهما. (3) في المصدر: فلم ير اثرا ولا خبرا. (4) في المصدر: فتعجب. (5) في المصدر: فنبشوها فوجدوا الرجل قتيلا فأخذوا.

[61]

الرؤيا بعد خمسين سنة. وفي رسالة القشيري في باب الجود والسخاء: إن عبد الله بن جعفر خرج إلى ضيعة فنزل على نخيل قوم وفيهم غلام أسود يعمل عليها إذ اتى الغلام بغدائه وهو ثلاثة أقراص، فرمى بقرص منها إلى كلب كان هناك فأكله، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكلهما وعبد الله بن جعفر ينظر فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم ؟ قال: ما رأيت، قال: فلم آثرت هذا الكلب ؟ قال: إن هذه الارض ليست بأرض كلاب وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده، فقال له عبد الله بن جعفر: فما أنت صانع اليوم ؟ قال: أطوي (1) يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر لاصحابه: الام على السخاء وهذا أسخى مني، ثم إنه اشترى الغلام فأعتقه واشترى الحائط وما فيه ووهب ذلك له (2). ودخل أبو العلاء المعري يوما على الشريف المرتضى فعثر برجل فقال الرجل: من هذا الكلب ؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما، فقربه المرتضى واختبره فوجده علامة، وإنه جرى (3) ذكر المتنبي يوما فتنقصه الشريف المرتضى وذكر معايبه فقال أبو العلاء المعري: لو لم يكن من شعر المتنبي إلا قوله (4). لك يا منازل في القلوب منازل. لكفاه شرفا وفضلا، فغضب الشريف المرتضى وأمر بسحبه (5) وإخراجه من مجلسه، ثم قال لمن حضر مجلسه: أتدرون أي شئ أراد هذا الاعمى بذكر هذه


(1) طوى الرجل: تعمد الجوع وقصده. (2) حياة الحيوان 2: 197 - 200. (3) في المصدر: ثم جرى. (4) في المصدر: لو لم يكن للمتنبي من الشعر الا قوله. (5) في المصدر: وامر بسحبه برجله.

[62]

القصيدة وللمتنبي أحسن منها (1) ولم يذكرها ؟ قالوا: لا، قال: إنما أراد قوله فيها (2): وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل (3) 18 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرا إلا سويته ولا كلبا إلا قتلته (4). بيان: قال الدميري: روى مسلم عن عبد الله بن معقل (5) قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالكم وبال الكلاب، ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، فحمل الاصحاب الامر بقتلها على الكلب الكلب والكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لاضرر فيه منها، فقال القاضي حسين وإمام الحرمين والماوردي والنووي ومسلم: لا يجوز قتلها، وقيل: إن الامر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة اقتصر الرافعي في الشرح وتبعه في الروضة وزاد: إنها كراهية تنزيه (6) لا تحريم، لكن قال الشافعي: واقتل الكلاب التي لا نفع فيها حيث وجدتها وهذا هو الراجح في المهمات (7). 19 - العلل: عن محمد بن شاذان بن أحمد البراوذي (8) عن محمد بن محمد بن الحارث


(1) في المصدر: أجود منها. (2) في المصدر: انما أراد أن يذمنى بقوله فيها. (3) حياة الحيوان 2: 203. (4) فروع الكافي 6: 528. وفيه روايات اخرى راجعها. (5) في المصدر: مغفل. (6) في المصدر: كراهة تنزيه. (7) حياة الحيوان 2: 219 فيه: " واقتلوا " وفيه: وجدتموها. (8) لعله مصحف البردادى نسبة إلى برداد: قرية من قرى سمرقند.

[63]

السمرقندي عن صالح بن سعد الترمذي عن عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه اليماني قال: لما ركب نوح عليه السلام في السفينة ألقى الله عزوجل السكينة على ما فيها من الدواب والطير والوحش، فلم يكن شئ فيها يضر شيئا كانت الشاة تحتك بالذئب، والبقرة تحتك بالاسد، والعصفور يقع على الحية فلا يضر شئ شيئا ولا يهيجه، ولم يكن لها (1) ضجر ولا صخب (2) ولا سبة ولا لعن قد أهمتهم أنفسهم، وأذهب الله عزوجل حمة كل ذي حمة، فلم يزالوا كذلك في السفينة حتى خرجوا منها، وكان الفأر قد كثر في السفينة والعذرة، فأوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام: أن يمسح الاسد، فمسحه فعطس فخرج من منخريه هران ذكر وانثى فخفف الفأر، ومسح وجه الفيل فعطس فخرج من منخريه خنزيران ذكر وانثى فخفف العذرة (3). بيان: في القاموس: الحمة كثبة: السم أو الابرة يضرب بها الزنبور والحية ونحو ذلك أو يلذع بها، والجمع حمات وحمى. 20 - العلل: عن أحمد بن محمد بن عيسى العلوي عن محمد بن إبراهيم بن أسباط عن أحمد بن محمد بن زياد القطان عن أبي الطيب أحمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن جعفر العلوي العمري عن آبائه عن عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله سئل مما خلق الله عزوجل الكلب ؟ قال: خلقه من بزاق إبليس قيل: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال: لما أهبط الله عزوجل آدم وحوا إلى الارض أهبطهما كالفرخين المرتعشين فعدا إبليس الملعون إلى السباع وكانوا قبل آدم في الارض فقال لهم: إن طيرين قد وقعا من السماء لم ير الراؤن أعظم منهما تعالوا فكلوهما.


(1) في المصدر: ولم يكن فيها. (2) الصخب بالتحريك: اختلاط الاصوات. (3) علل الشرائع 2: 181 و 182.

[64]

فتعاوت السباع معه وجعل إبليس يحثهم ويصيح ويعدهم بقرب المسافة فوقع من فيه من عجلة كلامه بزاق، فخلق الله عزوجل من ذلك البزاق كلبين أحدهما ذكر والآخر انثى، فقاما حول آدم وحوا، الكلبة بجدة، والكلب بالهند فلم يتركوا السباع أن يقربوهما، ومن ذلك اليوم الكلب عدو السبع والسبع عدو الكلب (1). 21 - ومنه: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار وعن محمد بن أحمد الاشعري عن البرقي عن رجل عن ابن أسباط عن عمه (2) رفع الحديث إلى علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فانهم (3) يرون ولا ترون، فافعلوا ما تؤمرون (4) الخبر. 22 - القصص: بالاسناد عن الصدوق عن أبيه عن محمد العطار عن ابن أبان (5) عن ابن اورمة عن أبي أحمد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قوم نوح عليه السلام شكوا إلى نوح عليه السلام الفأر فأمر الله تعالى الفهد فعطس فطرح السنور فأكل الفأر، وشكوا إليه العذرة فأمر الله الفيل أن يعطس فسقط الخنزير (6). 23 - ثواب الاعمال: عن ابن مسرور عن ابن عامر عن عمه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن امرأة عذبت في هرة ربطتها حتى ماتت عطشا (7).


(1) علل الشرائع 2: 182 و 183. (2) في المصدر: عن عمه يعقوب. (3) في نسخة من المصدر: فانهن. (4) علل الشرائع 2: 270 في نسخة منه: يرون ما لا ترون. (5) في النسخة المخطوطة: عن ابان. (6) قصص الانبياء: مخطوط. (7) ثواب الاعمال:

[65]

24 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل الرؤياني عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الاشعث عن موسى ابن إسماعيل بن موسى عن أبيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت في النار صاحب العباء التي قد غلها، ورأيت في النار صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاج بمحجنه، ورأيت في النار صاحبة الهرة تنهشها مقبلة ومدبرة، كانت أو ثقتها لم تكن تطعمها ولم ترسلها تأكل من حشاش الارض ودخلت الجنة فرأيت صاحب الكلب الذي أرواه من الماء (1). تبيان: قال في النهاية: المحجن: عصا معقفة الرأس كالصولجان والميم زائدة ومنه الحديث: كان يسرق الحاج بمحجنه فإذا فطن به قال: تعلق بمحجني انتهى (2) وأقول: صاحب الكلب إشارة إلى ما رواه الدميري عن مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: بينما امرأة تمشي بفلاة من الارض إذا اشتدت عليها العطش فنزلت بئرا فشربت ثم صعدت فوجدت كلبا يأكل الثرى من العطش، فقالت: لقد بلغ بهذا الكلب مثل الذي بلغ بي، ثم نزلت البئر فملات خفها وأمسكته بفيها، ثم صعدت فسقته فشكر الله لها ذلك وغفر لها، فقالوا: يا رسول الله أو لنا في البهائم أجر ؟ قال: نعم في كل كبد رطبة أجر (3). وقال في النهاية: وفيه: " فإذا كلب يأكل الثرى من العطش " أي التراب الندي (4). أقول: فالظاهر على هذا صاحبة الكلب التي أروته إلا أن يكون إشارة إلى قصة اخرى شبيهة بذلك.


(1) نوادر الراوندي: 28. (2) النهاية 1: 238. (3) حياة الحيوان 2: 197 و 198. (4) النهاية 1: 148.

[66]

25 - الدر المنثور: عن ابن عباس قال الحواريون لعيسى بن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثب (1) من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب وقال: أتدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم باذان الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب (2)، قال له عيسى: هكذا هلكت ؟ قال: لا، مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت، قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الانس، وطبقة فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح: أن اضرب عيني الاسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت ؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في انس وأمان فمن ثم تألف البيوت، فقالوا: يا روح الله ألا تنطلق به إلى أهالينا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له، ثم قال له: عد باذن الله، فعاد ترابا. وعن عكرمة قال: لما حمل نوح في السفينة الاسد قال: يا رب إنه يسألني الطعام من أين أطعمه ؟ قال: إني سوف أشغله عن الطعام، فسلط الله عليه الحمى فكان نوح يأتي بالكبش فيقول: كل، فيقول الاسد: آه. وعن وهب بن منبه قال: لما امر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين قال:


(1) الكثب: التل من الرمل. (2) شاب: ابيض شعره.

[67]

كيف أصنع بالاسد والبقر ؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب ؟ وكيف أصنع بالحمام والهر (1) ؟ قال: من ألقى بينهم العداوة ؟ قال: أنت يا رب، قال: فاني اؤلف بينهم حتى لا يتضادون (2). توضيح: خرز السفينة: الخيوط التي تخاط بها. 26 - حياة الحيوان: السنور بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة واحد السنانير: حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأرة، قيل: إن أعرابيا صاد سنورا فلم يعرفه فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور ؟ ولقى آخر فقال: ما هذا القط ؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الهر ؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الضيون ؟ ثم لقى آخر فقال: ما هذا الخيدع ؟ ثم لقى آخر فقال: ما هذا الخيطل ؟ ثم لقى آخر فقال: ما هذا الدم ؟ فقال الاعرابي: أحمله وأبيعه لعل الله تعالى أن يجعل فيه مالا كثيرا، فلما أتى به إلى السوق قيل له: بكم هذا ؟ فقال: بمائة درهم فقيل له: إنه يساوي نصف درهم، فرمى به وقال: لعنه الله ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه وهذه الاسماء للذكر قاله في الكفاية، وقال ابن قتيبة يقال في الانثى: سنورة. وروى الحاكم عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يأتي دار قوم من الانصار ودونه دور لا يأتيها، فشق عليهم ذلك فكلموه فقال: إن في داركم كلبا، قالوا: فان في دارهم سنورا، فقال: السنور سبع. وفي رواية اخرى: قال: الهرة ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم " والطوافون: الخدم، والطوافات: الخدامات، جعلها بمنزلة المماليك، وقيل: إن أهل سفينة نوح عليه السلام تأذوا من الفأر فمسح نوح جبهة الاسد فعطس ورمى بالسنور فلذلك هو أشبه شئ بالاسد بحيث لا يمكن أن يصور الهر إلا جاء أسدا، وهو ظريف


(1) هذا يخالف ما تقدم من أن الهر لم يكن قبل ذلك بل وجد في السفينة. (2) الدر المنثور ج 3 ص 328 و 329 و 330.

[68]

لطيف يمسح بالعابه وجهه (1)، وإذا جاعت الانثى أكلت أولادها، وقد يخلق الله في قلب الفيل الهرب (2) منه، فهو إذا رأى سنورا هرب. وحكي أن جماعة من الهند هزموا بذلك. والسنور ثلاثة أنواع: أهلي ووحشي والسنور الزباد ويناسب الانسان في أمور: منها أن يعطس ويتثأب ويتمطى ويتناول الشئ بيده، وذكر القزويني عن ابن الفقيه أن لبعض السنانير أجنحة كأجنحة الخفافيش من أصل الاذن إلى الذنب قال العلماء: اتخاذ السنور وتربيته مستحب (3). 27 - الكافي: عن العدة أن أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: الكلاب السود البهم من الجن (4). 28 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن علي ابن الحكم عن مالك بن عطية عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة إذا التفت عن يساره فإذا كلب أسود بهيم، فقال: مالك قبحك الله ؟ ما أشد مسارعتك ؟ فإذا هو شبه بالطائر، فقلت: ما هذا جعلت فداك ؟ فقال: هذا عثم (5) بريد الجن، مات هشام الساعة، فهو يطير ينعاه في كل بلدة (6). 29 - ومنه: عن العدة عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن عن مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) زاد في المصدر: وإذا تلطخ شئ من بدنه نظفه وهو في آخر الشتاء تهيج شهوته فيتألم ألما شديدا من لذع مادة النطفة فلا يزال يصيح حتى يلقى تلك المادة. (2) في المصدر: وقد جعل الله تعالى في قلب الفيل الفرق منه. (3) حياة الحيوان 2: 24 و 25. (4) الفروع 6: 552. (5) في المصدر: غثيم. (6) فروع الكافي 6: 553 فيه: وهو.

[69]

الكلاب من ضعفة الجن، فإذا أكل أحدكم طعاما وشئ منها بين يديه فليطعمه أو ليطرده فان لها أنفس سوء (1). 30 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن سالم بن أبي سلمة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الكلاب فقال: كل اسود بهيم وكل أحمر بهيم وكل أبيض بهيم، فلذلك خلق الكلاب من الجن، وما كان أبلق فهو مسخ من الجن والانس (2). بيان: كون الكلب الاسود وغيره من الجن يحتمل أن يكون المعنى أنه على صفتها أو أنه قد تتصور الجن بصورته. أو مسخ من الجن، أي كان في الاصل جنيا فمسخ بتلك الصورة، وأما كون الابلق مسخا من الجن والانس فهو أيضا يحتمل تطير الوجوه المذكورة بأنه على صفة شرار الجن والانس معا، أو قد يكون ممسوخا من الجن، وقد يكون ممسوخا من الانس أو متولدا من ممسوخ الجن وممسوخ الانس. قال الدميري: روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الاسود، قيل لابي ذر: ما بال الكلب الاسود من الكلب الاحمر من الكلب الاصفر ؟ قال: يابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عما سألتني عنه (3)، فقال: الكلب الاسود شيطان. فحمله بعض أهل العلم على ظاهره، وقال: الشيطان يتصور بصورة الكلاب السود، ولذا قال عليه السلام: " اقتلوا منهن كل أسود بهيم " وقيل: لما كان الكلب الاسود أشد ضررا من غيره وأشد ترويعا كان المصلي إذا رآه اشتغل عن صلاته فانقطعت عليه لذلك، وكذلك تأول الجمهور قوله صلى الله عليه وآله: " يقطع الصلاة المرأة


(1) فروع الكافي 6: 553 فيه: الطعام. (2) فروع الكافي 6: 553. (3) في المصدر: مثل ما سألتنى.

[70]

والحمار " فان ذلك (1) مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل عن المذكورات وذلك أن (2) المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب الاسود يروع ويشوش الفكر فلما كانت هذه الامور آئلة إلى القطع جعلها قاطعة، واحتج أحمد بحديث الكلب الاسود على أنه لا يجوز صيده ولا يحل لانه شيطان (3). وقال: الخنزير مشترك بين البهيمية والسبعية، فالذي فيه من السبع الناب وأكل الجيف، والذي فيه من البهيمية الظلف وأكل العشب والعلف، ويقال: إنه ليس شئ من ذوات الاذناب (4) ما للخنزير من قوة نابه حتى أنه يضرب بنابه صاحب السيف والرمح فيقطع كل ما لاقى جسده من عظم وعصب. ومن عجيب أمره إذا قلعت إحدى عينيه مات سريعا. وروى ابن ماجة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والدر (5). وقال في الاحياء: جاء رجل إلى ابن سيرين وقال: رأيت كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها (6).


(1) في المصدر: بان ذلك (2) في المصدر: وافسادها من الشغل بهذه المذكورات وذلك لان. (3) حياة الحيوان 2: 218 و 219. (4) في المصدر: من ذوات الانياب والاذناب. (5) في المصدر: والدر والذهب. (6) حياة الحيوان 1: 219 و 220.

[71]

(1) { باب } { الثعلب والارنب والذئب والاسد } 1 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن بعض أصحابه عن أبي جميلة عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " ومن عاد فينتقم الله منه (1) " قال: إن رجلا انطلق وهو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار إلى وجهه، وجعل الثعلب يصيح ويحدث من إسته، وجعل أصحابه ينهونه عما يصنع، ثم أرسله بعد ذلك فبينما الرجل نام إذ جاءته حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلت (2) عنه. 2 - دلائل الطبري: عن محمد بن الحسن عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم عن هشام بن سالم عن محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام بين مكة والمدينة نسير أنا على حمار لي وهو على بغلة له (3) إذ أقبل ذئب من رأس الجبل حتى انتهى إلى أبي جعفر عليه السلام فحبس له البغلة حتى دنا منه فوضع يده (4) على قربوس السرج ومد عنقه إليه، وأدنى أبو جعفر عليه السلام اذنه منه ساعة، ثم قال له: امض فقد فعلت، فرجع مهرولا، فقلت: جعلت فداك لقد رأيت عجبا، فقال: هل تدري ما قال ؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال: ذكر أن زوجته في هذا الجبل وقد عسر عليها ولادتها فادع الله عزوجل أن يخلصها وأن لا يسلط شيئا من نسلي


(1) المائدة: 95. (2) فروع الكافي 4: 397. (3) في المصدر: فبينا نسير بين مكة والمدينة وانا على حمار وهو على بغلة. (4) في المصدر: فدنا منه حتى وضع.

[72]

على أحد من شيعتكم أهل البيت، فقلت: قد فعلت (1). 3 - ومنه: عن القاضي أبي الفرج المعافى عن الحسين بن القاسم الكوكبي عن أحمد بن وهب عن عمرو بن محمد الازدي عن ثمامة بن أشرس عن محمد بن راشد عن أبيه قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: يابن رسول الله حكيم بن عباس الكلبي ينشد الناس بالكوفة هجاءكم، فقال: هل علقت منه بشئ ؟ قال: بلى فأنشده: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم نر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من علي وأطيب فرفع أبو عبد الله عليه السلام يديه إلى السماء وهما ينتفضان رعدة فقال: اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبك، قال: فخرج حكيم من الكوفة فأدلج (2) فلقيه الاسد فأكله، فجاؤا (3) بالبشير أبا عبد الله عليه السلام وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فخر لله ساجدا وقال: الحمد لله الذي صدقنا وعده (4). بيان: في النهاية: في حديث حليمة: ركبت أتانا لي فخرجت أما الركب حتى ما يعلق بها أحد منهم أي ما يتصل بها ويلحقها، وفي حديث ابن مسعود: إن أميرا كان بمكة يسلم تسليمتين فقال: أنى علقها فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعلها أي من أين تعلمها وممن أخذها (5). 4 - الدلائل: عن الحسين عن أحمد بن محمد عن محمد بن علي عن محمد بن عمرو بن


(1) دلائل الامامة: 98 فيه: فقد رأيت عجبا فقال عليه السلام: هذا الذئب ذكر لى ان زوجته في هذا الجبل قد عسر عليها ولادها وسألني أن أدعو الله ليحفظها ولا يسلط شيئا من نسلها على شيعتنا. (2) أي سار في الليل كله أو في آخره. (3) في المصدر: فجاء البشير. (4) دلائل الامامة: 115 فيه: " عمر بن محمد الازدي " وفيه: فسلط عليه كلبا من كلابك. (5) النهاية 3: 138. (*)

[73]

ميثم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه خرج إلى ضيعة له مع بعض أصحابه فبينما هم يسيرون إذا ذئب قد أقبل إليه، فلما رأى غلمانه أقبلوا إليه قال: دعوه فان له حاجة. فدنا منه حتى وضع كفه على دابته وتطاول بخطمه وطأطأ رأسه أبو عبد الله عليه السلام فكلمه الذئب بكلام لا يعرف، فرد عليه أبو عبد الله عليه السلام مثل كلامه، فرجع يعدو (1)، فقال له أصحابه: قد رأينا عجبا، فقال: إنه أخبرني أنه خلف زوجته خلف هذا الجبل في كهف وقد ضربها الطلق وخاف عليها فسألني الدعاء لها بالخلاص وأن يرزقه الله ذكرا يكون لنا وليا ومحبا، فضمنت له ذلك، قال: فانطلق أبو عبد الله عليه السلام وانطلقنا معه إلى ضيعته وقال: إن الذئب قد ولد له جرو ذكر، قال: فمكثنا في ضيعته معه شهرا ثم رجع مع أصحابه فبيناهم راجعون إذا هم بالذئب وزوجته وجروه فعووا في وجه أبي عبد الله عليه السلام فأجابهم بمثله، ورأوا أصحاب أبي عبد الله عليه السلام الجرو وعلموا أنه قد قال لهم الحق، وقال لهم أبو عبد الله عليه السلام: تدرون ما قالوا ؟ قالوا: لا، قال: كانوا يدعون الله لي ولكم بحسن الصحابة، ودعوت لهم بمثله، وأمرتهم أن لا يؤذوا لي وليا ولا لاهل بيتي فضمنوا لي ذلك (2). 5 - ومنه: عن محمد بن هارون التلعكبري عن أبيه عن محمد بن همام عن أحمد ابن الحسين المعروف بابن أبي القاسم عن أبيه عن بعض رجاله عن الحسن بن علي ابن يقطين عن سعدان بن مسلم عن المفضل بن عمر قال: كان المنصور قد وفد بأبي عبد الله عليه السلام إلى الكوفة فلما أذن له قال لي: يا مفضل هل لك في مرافقتي ؟ فقلت: نعم جعلت فداك، قال: إذا كانت الليلة فصر إلي، فلما كان في نصف الليل خرج وخرجت معه فإذا أنا بأسدين مسرجين ملجمين، قال: فخرجت فضرب بيده إلى


(1) فرجع يعوو. (2) دلائل الامامة: 119 و 120.

[74]

عيني (1) فشدها ثم حملني رديفا فأصبح بالمدينة وأنا معه، فلم يزل في منزله حتى قدم عياله (2). 6 - ومنه: بالاسناد عن أحمد بن الحسين عن أخيه عن بعض رجاله عن عبد الله ابن محمد بن منصور بن نوح (3) عن إسماعيل بن جابر عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: يا با خالد خذ رقعتي فأت غيضة قد سماها فانشرها، فأي سبع جاء معك فجئني به، قال: قلت: اعفني (4) جعلت فداك، قال: فقال لي: اذهب يابا خالد، قال: فقلت في نفسي: يابا خالد لو أمرك جبار عنيف (5) ثم خالفته إذا كيف يكون حالك ؟ قال: ففعلت ذلك حتى إذا صرت إلى الغيضة ونشرت الرقعة جاء معي واحد منها، فلما صار بين يدي أبي عبد الله عليه السلام نظرت إليه واقفا ما يحرك من شعره شعرة، فأومأ بكلام لم أفهمه، قال: فلبثت عنده وأنا متعجب من سكون السبع بين يديه، فقال لي: يابا خالد مالك تتفكر ؟ قال: قلت: افكر في إعظام السبع، قال: ثم مضى السبع فما لبثت إلا وقتا قليلا حتى طلع السبع ومعه كيس في فيه، قال: قلت: جعلت فداك إن هذا لشئ عجيب، قال: يابا خالد هذا كيس وجه به إلي فلان (6) مع المفضل بن عمر، واحتجت إلى ما فيه وكان الطريق مخوفا فبعثت هذا السبع فجاء به، قال: فقلت في نفسي: والله لا أبرح حتى يقدم المفضل بن عمر وأعلم ذلك، قال: فضحك أبو عبد الله عليه السلام ثم قال لي: نعم يابا خالد لا تبرح حتى يأتي المفضل، قال: فقد اخلني والله من ذلك حيرة، ثم


(1) في المصدر: على عينى. (2) دلائل الامامة: 125 و 126. (3) في المصدر ": عن عبد الله بن محمد بن منصور بزج " أقول: لعل بزج مصحف بزرج وهو معرب بزرگ، ومنصور بن بزرج مذكور في الرجال. (4) في المصدر: اعفنى من ذلك. (5) في المصدر: جبار عنيد. (6) في المصدر: فلان بن فلان.

[75]

قلت: أقلني جعلت فداك، وأقمت أياما، ثم قدم المفضل وبعث إلي أبو عبد الله عليه السلام فقال المفضل: جعلني الله فداك إن فلانا بعث معي كيسا فيه مال، فلما صرت في موضع كذا وكذا جاء سبع وحال بيننا وبين رحالنا فلما مضى السبع طلبت الكيس في الرحل فلم أجده، قال أبو عبد الله عليه السلام: يا مفضل أتعرف الكيس ؟ قال: نعم جعلني الله فداك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا جارية هاتي الكيس فأتت به الجارية، فلما نظر إليه المفضل قال: نعم هذا هو الكيس، ثم قال: يا مفضل تعرف السبع ؟ قال: جعلني الله فداك كان في قلبي في ذلك الوقت رعب، فقال له: ادن مني، فدنا منه ثم وضع يده على ثم قال لابي خالد: امض برقعتي إلى الغيضة فائتنا بالسبع، فلما صرت إلى الغيضة ففعلت مثل الفعل الاول جاء السبع معي، فلما صار بين يدي أبي عبد الله عليه السلام نظرت إلى إعظامه إياه فاستغفرت في نفسي ثم قال: يا مفضل هذا هو، قال: نعم جعلني الله فداك، فقال: يا مفضل أبشر فأنت معنا (1). بيان: كأن وضع اليد لذهاب الرعب. 7 - المهج: عن المفضل بن الربيع قال: اصطبح الرشيد يوما ثم استدعى حاجبه فقال له: امض إلى علي بن موسى العلوي وأخرجه من الحبس وألقه بركة السباع - وساق الحديث إلى أن قال: - لما انتهيت إلى البركة فتحت بابها وأدخلته فيها وفيها أربعون سبعا - وساق الحديث إلى قال: - فعدت إليه فإذا هو قائم يصلي والسباع حوله. إلى آخر الخبر الطويل الذي تقدم في باب معجزاته عليه السلام. وقال السيد (2) رضي الله عنه: ربما كان هذا الحديث عن الكاظم عليه السلام لانه كان محبوسا عند الرشيد لكني ذكرت هذا كما وجدته (3). 8 - الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن عبد الرحمن بن


(1) دلائل الامامة: 128 و 129. (2) أي السيد ابن طاووس. (3) مهج الدعوات:

[76]

أبي هاشم عن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام مع أصحابه في طريق مكة فمر به ثعلب وهم يتغدون فقال علي بن الحسين عليه السلام لهم: هل لكم أن تعطوني موثقا من الله لا تهيجون هذا الثعلب حتى أدعوه فيجئ إلينا ؟ فحلفوا له فقال: يا ثعلب تعال - أو قال: ائتنا - فجاء الثعلب حتى وقع بين يديه فطرح إليه عراقا (1) فولى به ليأكله، فقال لهم: هل لكم أن تعطوني موثقا من الله وأدعوه أيضا فيجئ ؟ فأعطوه، فدعا فجاء فكلح رجل منهم في وجهه فخرج يعدو ؟ فقال علي بن الحسين عليه السلام: من الذي خفر (2) ذمتي ؟ فقال رجل منهم: يابن رسول الله أنا كلحت في وجهه ولم أدر فأستغفر الله فسكت (3). أقول: قال الدميري: الثعلب معروف والانثى ثعلبة والجمع ثعالب وأثعل، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله " شر السباع هذه الاثعل " يعني الثعالب. ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده، وحيلته هذه لا تتم في كلب الصيد، وقيل: للثعلب مالك تعدو أكثر من الكلب ؟ فقال: أعدو لنفسي والكلب يعدو لغيره. قال الجاحظ: ومن العجب في قسمة الارزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله والثعلب يصيد القنفذ ويأكله، والقنفذ يصيد الافعى ويأكلها، والافعى تصيد العصفور وتأكله، والعصفور يصيد الجراد ويأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير ويأكلها، والزنبور يصيد النحلة، والنحلة يصيد الذبابة ويأكلها، والذبابة تصيد البعوضة وتأكلها، والعنكبوت يصيد الذبابة (4) ويأكلها، والذئب يطلب أولاد الثعلب، فإذا ولد


(1) العراق بالضم: العظم اكل لحمه. (2) خفر فلانا: نقض عهده. غدر به. (3) الاختصاص: 298 فيه: ايكم الذى خفر ذمتي. (4) المصدر خال عن قوله: والعنكبوت اه‍ ولعل الصحيح: ليصيد البعوضة.

[77]

وضع أوراق العنصل على باب وجاره ليهرب الذئب منها (1). وعن أبي هريرة قال: نهاني (2) رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة عن ثلاث: نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كاقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب (3). 9 - الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم عن هشام بن سالم عن محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام بين مكة والمدينة وأنا أسير على حمار لي وهو على بغلة له إذ أقبل ذئب من رأس الجبل حتى انتهى إلى أبي جعفر عليه السلام فحبس البغلة ودنا الذئب منه حتى وضع يده على قربوس سرجه ومد عنقه إلى اذنه، وأدنى أبو جعفر عليه السلام اذنه منه ساعة ثم قال له: امض فقد فعلت، فرجع مهرولا، فقلت له: رأيت عجيبا، قال: وتدري ما قال ؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، قال: إنه قال: يابن رسول الله إن زوجتي في ذلك الجبل وقد تعسر عليها ولادها فادع الله أن يخلصها وأن لا يسلط شيئا من نسلي على أحد من شيعتكم، فقلت: قد فعلت (4). 10 - حياة الحيوان: الذئب يهمز ولا يهمز وأصله الهمز والانثى ذئبة وجمع القلة أذؤب والكثير ذئاب وذؤبان، والاسد والذئب يختلفان في الجوع والصبر عليه (5) فالاسد شديد النهم حريص شره، وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا يأكل شيئا، والذئب وإن كان أقفر منزلا وأقل خصبا وأكثر كدا إذا لم يجد شيئا اكتفى بالنسيم فيقتات به، وجوفه يذيب العظم المصمت ولا يذيب نوى التمر، ومن عجيب


(1) حياة الحيوان 1: 127 و 128. (2) في المصدر: نهانا. (3) حياة الحيوان 1: 130. (4) الاختصاص: 300. (5) في المصدر: وللاسد والذئب في الصبر على الجوع ما ليس لغيرهما من الحيوان لكن الاسد.

[78]

أمره أنه ينام باحدى عينيه (1) والاخرى يقظي حتى تكتفي العين النائمة من النوم ثم يفتحها وينام بالاخرى ليحترس باليقظي وتستريح النائمة، ومتى وطئ ورق العنصل مات من ساعته، وعداوته للغنم بحيث أنه إذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعط جلد الشاة، والذئب إذا غلب عليه الجوع عوى فتجتمع له الذئاب ويقف بعضها إلى بعض فمن ولي منها وثب الباقون عليه فأكلوه، وإذا عرض للانسان وخاف العجز عنه عواعواء استغاثة فتسمعه الذئاب فتقبل على الانسان إقبالا واحدا وهم سواء في الحرص على أكله، فان أدمى الانسان واحدا منها وثب الباقون على المدمى فمزقوه وتركوا الانسان. وروى الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد قال: بينما راع يرعى بالحرة إذ عدا الذئب على شاة فحال الراعي بين الذئب وبينها فأقعى الذئب على ذنبه وقال: يا عبد الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الرجل: يا عجباه ذئب يكلمني، فقال: ألا اخبرك بأعجب مني ؟ رسول الله صلى الله عليه وآله بنى الحرتين يخبر الناس بأنباء ما سبق فزوى الراعي شياهه إلى زاوية من زوايا المدينة ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الناس فقال: صدق والذي نفسي بيده. قال ابن عبد البر وغيره: كلم الذئب من الصحابة ثلاثة: رافع بن عميرة، وسلمة بن الاكوع، واهبان بن أوس الاسلمي، قال: ولذلك تقول العرب: هو كذئب اهبان، يتعجبون منه، وذلك أن اهبان بن أوس المذكور كان في غنم له فشد الذئب على شاة منها فصاح به اهبان فأقعى له الذئب وقال: أتنزع مني رزقا رزقنيه الله تعالى ؟ فقال اهبان: ما سمعت ولا رأيت أعجب من هذا ذئب يتكلم ؟ فقال (3): أتعجب من هذا ورسول الله صلى الله عليه وآله بين هذه النخلات - وأومأ بيده إلى


(1) في المصدر: باحدى مقلتيه. (2) في المصدر: هذا رسول الله " ص ". (3) في المصدر: فقال الذئب.

[79]

المدينة - يحدث بما كان ويكون ويدعو إلى الله وعبادته ولا يجيبونه (1)، قال: فجئت النبي صلى الله عليه وآله وأخبرته بالقصة وأسلمت، قال النبي صلى الله عليه وآله: حدث به الناس. قال عبد الله بن أبي داود السجستاني الحافظ: فيقال لاهبان: مكلم الذئب، ولاولاده أولاد مكلم الذئب، ومحمد بن الاشعث الخزاعي من ولده، واتفق مثل ذلك لرافع بن عميرة وسلمة بن الاكوع. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: كانت امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، فقالت الاخرى: إنما ذهب بابنك أنت، فتحاكما إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه بذلك فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما (2)، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله ما سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية. وفي تاريخ ابن النجار عن وهب بن منبه قال: بينما امرأة من بني إسرائيل على ساحل البحر تغسل ثيابها وصبي لها يدب بين يديها إذا جاء سائل فأعطته لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب فالتقم الصبي فجعلت تعدو خلفه وهي تقول: يا ذئب ابني يا ذئب ابني، فبعث الله ملكا انتزع الصبي من فم الذئب ورمى به إليها، وقال: لقمة بلقمة. وهو في الحلية عن مالك بن دينار قال: أخذ السبع صبيا لا مرأة فتصدقت بلقمة فالقيها السبع فنوديت: لقمة بلقمة (3). وقال: الارنب واحدة الارانب، وهو حيوان يشبه العناق قصير اليدين طويل الرجلين، وهو اسم جنس يطلق على الذكر والانثى، ويقال: إنها إذا رأت البحر


(1) في المصدر: وبما يكون ويدعو الناس إلى الله والى عبادته وهم لا يجيبونه. (2) في المصدر: " بينكما نصفين " وفيه: لا ويرحمك الله. (3) حياة الحيوان 1: 260 - 262.

[80]

ماتت، ولذلك لا توجد بالسواحل، وهذا لا يصح عندي. وتزعم العرب في أكاذيبها أن الجن تهرب منها لموضع حيضها، والتي تحيض من الحيوان أربع: المرأة والضبع والخفاش والارنب، ويقال: إن الكلبة تحيض ومن أمثالهم المشهورة قولهم: " في بيته يؤتى الحكم " وهو مما وضعته العرب على ألسنة البهائم: قالوا: إن الارنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الارنب: يا أبا حسل ! فقال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم (1)، قال: عادلا حكمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: أخذت بحقك، قالت: فلطمني: قال: حر انتصر (2)، قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها مثلا. ومثل هذا إن عدي بن أرطاة أتى شريحا القاضي في مجلس حكمه فقال: أين أنت ؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: اسمع مني، قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين، قال: وشرط أهلها أني لا أخرج من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال: فاني اريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من حكمت ؟ قال: على ابن امك، قال: بشهادة من ؟ قال: بشهادة ابن اخت خالتك (3). وقال: الاسد من السباع معروف، وجمعه أسود واسد واسد، والانثى أسدة وله أسماء كثيرة، قال ابن خالويه: للاسد خمسمائة اسم وصفة، وزاد عليه علي بن قاسم اللغوي مائة وثلاثين اسما، وهو أشرف الحيوان المتوحشة إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وشراسة خلقه، ولذلك يضرب بها


(1) في المصدر: لنختصم اليك. (2) في المصدر: انتصر لنفسه. (3) حياة الحيوان 1: 14 و 15.

[81]

المثل في القوة والنجدة والبسالة وشدة الاقدام والصولة (1)، وقيل لحمزة: أسد الله، ويقال: من نبل الاسد أنه اشتق لحمزة من اسمه، وللاسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، ولا يأكل (2) من فريسة غيره، وإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلا من الطعام ارتاض، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب، وهو ينهش ولا يأكل، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر ويوصف بالشجاعة والجبن، فمن جبنه أنه يفرق من صوت الديك ونقر الطست ومن السنور، ويتحير عند رؤية النار، وهو شديد البطش ولا يألف شيئا من السباع لانه لا يرى فيها ما يكافئه، ومتى وضع جلدها على شئ من جلودها تساقطت شعورها، ولا يدنو من المرأة الطامث ولو بلغه الجهد (3) ويعمر كثيرا، وعلامة كبرة سقوط أسنانه. وفي الحلية لابي نعيم قال: بلغني أن الاسد لا يأكل إلا من أتى محرما. وروى محمد بن المنكدر عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ركبت سفينة في البحر فانكسرت فركبت لوحا فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا تائه، فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق ثم همهم فظننت أنه السلام. ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله على عتبة بن أبي لهب فقال: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فافترسه الاسد بازرقاء من أرض الشام. وروى الحافظ أبو نعيم بسنده عن الاسود بن هبار قال: تعجز أبو لهب وابنه عتبة نحو الشام فخرجت معهما فنزلنا السراة قريبا من صومعة راهب فقال الراهب: ما أنزلكم ههنا ؟ هنا سباع، فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني وحقي، قلنا: أجل، قال: إن محمدا دعا على ابني فأجمعوا متاعكم على هذه الصومعة ثم افرشوا لابني عليه


(1) في المصدر: والجرأة والصولة. (2) في المصدر: ومن شرف نفسه انه لا يأكل. (3) في المصدر: ولو بلغه الجهد ولا يزال محموما. (*)

[82]

ونوموا حوله ففعلنا ذلك، وجمعنا المتاع حتى ارتفع ودرنا حوله وبات عتبة فوق المتاع فجاء الاسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه، فقال: سيفي يا كلب ولم يقدر على غير ذلك. وفي رواية: فضربه (1) بيده ضربة واحدة فخدشه، فقال: قتلني، فمات من ساعته وطلبنا الاسد فلم نجده. وإنما سماه النبي صلى الله عليه وآله كلبا لانه شبهه (2) في رفع رجله عند البول. وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: فر من المجذوم فرارك من الاسد (3). وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وآله أخذ بيد مجذوم وقال: " بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه " وأدخلها معه الصحفة. قال الشافعي في عيوب الزوجين: إن الجذام والبرص يعدي، وقال: إن ولد المجذوم قل ما يسلم منه. قلت: معنى قوله: إنه يعدي أي بتأثير الله تعالى لا بنفسه، لان الله تعالى أجرى العادة بابتلاء السليم عند مخالطة المبتلى، وقد يوافق قدرا وقضاءا فيظن أنه عدوى وقد قال صلى الله عليه وآله: " لا عدوى ولا طيرة " وقوله في الولد: " قل ما يسلم منه " فقد قال الصيدلاني: معناه أن الولد قد ينزعه عرق من الاب فيصير أجذم، وقد قال صلى الله عليه وآله لرجل - قد قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود -: لعل عرقا نزعه. وبهذا الطريق يحصل الجمع بين هده الاحاديث، وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه وآله قال: " لا يورد ذو عاهة على مصح " والذي ذكره أنه صلى الله عليه وآله أتاه مجذوم ليبايعه فلم


(1) في المصدر: فوثب الاسد فضربه. (2) في المصدر: لانه يشبهه. (3) رواه الصدوق في الفقيه 4: 258 باسناده عن حماد بن عمرو وانس بن محمد عن ابيه جميعا عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عن على بن ابى طالب عليه السلام عن النبي " ص ".

[83]

يمد يده إليه، بل قال: امسك يدك فقد بايعتك. وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تطيلوا النظر إلى المجذوم وإذا كلمتموه فليكن بينكم وبينه قيد رمح (1). وقد ذكر الشيح صلاح الدين في القواعد أن الام إذا كان بها جذام أو برص سقط حقها من الحضانة لانه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها. وروى الطبراني وغيره (2) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتدرون ما يقول الاسد في زئيره ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه يقول: اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف. وعن ابن عباس (3) قال: إذا كنت بواد تخاف فيه الاسد فقل: أعوذ بدانيال وبالجب من شر الاسد انتهى. أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب أن دانيال عليه السلام طرح في الجب والقيت عليه السباع فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال له دانيال (4): الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. وروى ابن أبي الدنيا أن بخت نصر ضرى (5) أسدين وألقاهما في جب وأمر بدانيال فالقي عليهما، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى الطعام والشراب فأوحى الله تعالى إلى أرميا وهو بالشام أن يذهب إلى دانيال بطعام وشراب وهو بأرض العراق فذهب إليه (6) حتى وقف على رأس الجب وقال: دانيال دانيال ! فقال: من هذا ؟


(1) في المصدر: قدر رمح. (2) في المصدر: الطبراني وابو منصور الديلمى والحافظ المنذرى. (3) في المصدر: روى ابن السنى في عمل اليوم والليلة من حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن على عليه السلام. (4) في المصدر: فاتاه ملك فقال له: يا دانيال، فقال: من أنت ؟ قال: أنا رسول ربك ارسلني اليك بطعام، فقال دانيال. (5) ضرى الكلب بالصيد: عوده اياه واغراه به. (6) في المصدر: فذهب به إليه.

[84]

قال: إرميا، قال: ما جاء بك ؟ قال: أرسلني إليك ربك، قال دانيال: " الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى سواه، والحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا ". وروى ابن أبي الدنيا من وجه آخر: أن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم وأخبروه أنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك فأمر بقتل من ولد في تلك الليلة فلما ولد دانيال ألقته امه في أجمة أسد، فبات الاسد ولبوته يلحسانه نجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ، وكان من أمره ما قدره العزيز العليم (1).


(1) حياة الحيوان 1: 2 - 4.

[85]

(3) { باب } { الظبى وسائر الوحوش } 1 - الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن علي عن علي ابن محمد الخياط (1) عن محمد بن سكين عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا علي بن الحسين عليه السلام مع أصحابه إذ أقبل ظبي من الصحراء حتى قام حذاءه وحمحم فقال بعض القوم: يابن رسول الله ما تقول هذه الظبية ؟ قال: تقول: إن فلانا القرشي أخذ خشفها بالامس، وإنها لم ترضعه من أمس شيئا، فبعث إليه علي بن الحسين عليه السلام: أرسل إلي بالخشف، فبعث به، فلما رأته حمحمت وضربت بيديها ثم رضع منها فوهبه علي بن الحسين عليه السلام لها، وكلمها بكلام نحو كلامها فتحمحمت وضربت بيديها وانطلقت والخشف معها، فقالوا له: يابن رسول الله ما الذي قالت ؟ فقال: دعت الله لكم وجزتكم خيرا (2). أقول: قد مر مثله بأسانيد في باب المعجزات. 2 - المحاسن: عن سعد بن سعد قال: سألت الرضا عليه السلام عن الآمص فقال: ما هو ؟ فذهبت أصفه فقال: أليس اليحامير ؟ قلت: بلى، قال أليس تأكلونه (3) بالخل والخردل والابزار ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به (4). بيان: كذا في أكثر النسخ: اليحامير، وهو جمع اليحمور وهو حمار الوحش، وفي القاموس: الآمص والآميص: طعام يتخذ من لحم عجل بجلده أو مرق السكباج


(1) في المصدر: " الحناط " وفى نسخة: عن محمد بن مسكين. (2) الاختصاص: 299. (3) في المصدر: أليس يأكلونه. (4) المحاسن: 472.

[86]

المبرد المصفى من الدهن معربا خامير انتهى. فلعلهم كانوا يعملون الآمص من لحوم اليحامير، وفي بعض النسخ: " الخامير " مكان " اليحامير " وهو أنسب بما ذكره الفيروزآبادي، لكن ظاهر العنوان في المحاسن الاول، حيث قال: لحوم الظباء واليحامير، وذكر هذه الرواية فقط (1) وضم الظباء مع الخامير غير مناسب وسيأتي الكلام في حل الظباء وأشباهها في الابواب الآتية. 3 - حياة الحيوان: اليحمور: دابة وحشية (2) لها قرنان طويلان كأنهما منشاران ينشر بهما الشجر، إذا عطش وورد الفرات يجد الشجر ملتفة فينشرها بهما، وقيل: إنه اليامور نفسه، وقرونه كقرون الايل يلقيها في كل سنة وهي صامتة لا تجويف فيها ولونه إلى الحمرة وهو أسرع من الايل، وقال الجوهري: اليحمور حمار الوحش، ودهنه ينفع من الاسترخاء الحاصل في أحد شقي الانسان، إذا استعمل مع دهن البلسان نفع. وذكر ابن الجوزي في كتاب العرائس أن بعض طلبة العلم خرج من بلاده فرأى (3) شخصا في الطريق فلما كان قريبا من المدينة التي قصدها قال له ذلك الشخص: قد صار لي عليك حق وذمام، وأنا رجل من الجان ولي إليك حاجة، فقال: ما هي ؟ قال: إذا أتيت إلى مكان كذا وكذا فانك تجد فيه دجاجا بينها ديك فاسأل عن صاحبه واشتره منه واذبحه فهذه حاجتي إليك، قال: فقلت له: يا أخي وأنا أيضا أسألك حاجة قال: وما هي ؟ قلت: إذا كان الشيطان ماردا لا تعمل فيه العزائم وألح بالاذى منا ما دواؤه ؟ فقال: دواؤه أن يؤخذ قدر فتر من جلد يحمور (4) ويشدبه أبهاما المصاب من يديه شدا وثيقا ثم يؤخذ له من دهن السداب


(1) وليس في الرواية ذكر للظباء ولعله كانت في المحاسن الاصلى رواية تدل على الظباء ولم يظفر بها النساخ. (2) في المصدر: وحشية نافرة. (3) في المصدر: فرافق. (4) في المصدر: ان يؤخذ له وتر قدر شبر من جلد يحمور.

[87]

البري فتقطر في أنفه الايمن أربعا وفي الايسر ثلاثا، فان السالك (1) له يموت ولا يعود إليه بعده. قال: فلما دخلت المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت الديك لعجوز فسألتها بيعه فأبت، فاشتريته منها بأضعاف ثمنه، فلما اشتريته تمثل لي من بعيد وقال لي بالاشارة: اذبحه، فذبحته، فخرج عند ذلك رجال ونساء وجعلوا يضربونني ويقولون: يا ساحر، فقلت: لست بساحر، فقالوا: إنك منذ ذبحت الديك اصيبت شابة عندنا بجني وإنه منذ سلكها (2) لم يفارقها فطلبت وترا قدر شبر من جلد يحمور ودهن السداب البري (3) فأتوني بهما فشددت أبهامي يد الشابة شدا وثيقا فصاح (4) وقال: أنا علمتك على نفسي، قال: ثم قطرت الدهن في أنفها الايمن أربعا وفي الايسر ثلاثا فخر ميتا من ساعته وشفى الله تعالى تلك الشابة ولم يعاودها بعده شيطان (5). 4 - الدلائل للطبري: عن محمد بن إبراهيم عن بشر بن محمد بن حمران بن أعين قال: كنت قاعدا عند علي بن الحسين عليه السلام ومعه جماعة من أصحابه فجاءت ظبية فتبصبصت وضربت بذنبها فقال: هل تدرون ما تقول هذه الظبية ؟ قلنا: ما ندري (6) فقال تزعم أن رجلا اصطاد خشفا (7) لها وهي تسألني أن اكلمه أن يرده عليها فقام وقمنا معه حتى جاء إلى باب الرجل فخرج إليه والظبية معنا، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: إن هذه الظبية زعمت كذا وكذا، وأنا أسألك أن ترده عليها، فدخل


(1) في المصدر: فان الماسك به. (2) في المصدر: منذ مسكها. (3) في المصدر: وشيئا من دهن السداب البرى. (4) في المصدر: فلما فعلت بها ذلك صاح. (5) حياة الحيوان 2: 294 و 295. (6) في المصدر: فقلنا: لا. (7) الخشف بتثليث الخاء: ولد الظبى اول ما يولد.

[88]

الرجل مسرعا داره وأخرج إليه الخشف وسيبه (1) ومضت الظبية والخشف معها وأقبلت تحرك ذنبها (2)، فقال علي بن الحسين: هل تدرون ما تقول ؟ فقلنا: ما ندري ؟ فقال: إنها تقول: رد الله عليكم كل حق غصبتم عليه أو كل غائب وكل سبب ترجونه، وغفر لعلي بن الحسين كما رد علي ولدي (3). 5 - حياة الحيوان: ذكر ابن خلكان في ترجمة جعفر الصادق عليه السلام أنه سأل أبا حنيفة ما تقول: في محرم كسر رباعية ظبي ؟ فقال: يابن بنت رسول الله لا أعلم (4) فيه، فقال: إن الظبي لا يكون له رباعيا وهو ثني أبدا. كذا حكاه كشاجم في كتاب المصائد والمطارد. وقال الجوهري: في مادة سنن في قول الشاعر في وصف إبل. فجاءت كسن الظبي لم أر مثلها * سناء قتيل (5) أو حلوبة جائع أي هي ثنيان لان الثني هو الذي يلقي ثنيته والظبي لا تثبت له ثنية قط فهي ثني أبدا. وروى الدارقطني والطبراني في معجمه الاوسط عن أنس بن مالك والبيهقي في سننه (6) عن أبي سعيد الخدري قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله على قوم قد صادوا ظبية وشدوها إلى عمود فسطاط فقالت: يا رسول الله إني وضعت ولي خشفان فاستأذن لي أن أرضعهما ثم أعود إليهم فقال صلى الله عليه وآله: خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وتأتي إليكم قالوا ومن لنا بذلك يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله: أنا، فأطلقوها فذهبت فأرضعتهما


(1) سيبه أي تركه مرت حيث شاءت. (2) في المصدر: فمضت الظبية ومعها خشفها وهى تحرك ذنبها. (3) دلائل الامامة: 89 فيه قلنا لا قال: تقول. (4) في المصدر: لا اعلم ما فيه. (5) في المصدر: شفاء عليل. (6) في المصدر: " في شعبه " أقول: أي في كتاب شعب الايمان.

[89]

ثما عادت إليهم فأوثقوها، فقال صلى الله عليه وآله: أتبيعونيها ؟ قالوا: هي لك يا رسول الله ! فخلوا عنها فأطلقها. وفي رواية عن زيد بن أرقم قال: لما أطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله رأيتها تسبح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى الطبراني عن ام سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الصحراء فإذا مناد ينادي يا رسول الله فالتفت فلم ير أحدا، ثم التفت فإذا ظبية موثوقة، فقالت: ادن مني يا رسول الله فدنا منها، فقال: ما حاجتك ؟ فقالت: إن لي خشفتين في هذا الجبل فخلني حتى أذهب إليهما فأرضعهما ثم أرجع إليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وتفعلين ؟ فقالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها، وانبته الاعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله ؟ قال: نعم تطلق هذه، فأطلقها فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وفي دلائل النبوة للبيهقي عن أبي سعيد قال: مر النبي صلى الله عليه وآله بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول الله خلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أرجع فتربطني فقال صلى الله عليه وآله: صيد قوم وربيطة قوم فأخذ عليها فحلفت له فحلها فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أتى خباء أصحابها (1) فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها، ثم قال عليه السلام: لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا أبدا. وذكر الازرقي في تعظيم صيد الحرم عن عبد العزيز بن أبي داود (2) أن قوما انتهوا إلى ذي طوى ونزلوا بها فإذا ظبي من ظباء الحرم قد دنا منهم فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه، فقال له أصحابه: ويلك أرسله، فجعل يضحك وأبى أن يرسله


(1) في المصدر: ثم أتى خباء اصحابها. (2) في المصدر: ابى رواد.

[90]

فبعر الظبي وبال ثم أرسله، فناموا في القائلة فانتبه بعضهم فإذا هو بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: ويلك لا تحرك فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث ما كان من الظبي. ثم روى عن مجاهد قال: دخل قوم مكة تجارا من الشام (1) في الجاهلية بعد قصي بن كلاب فنزلوا بوادي طوى تحت سمرات يستظلون بها فاختبزوا ملة (2) لهم ولم يكن معهم أدم فقام رجل منهم إلى قوسه فوضع عليها سهما ثم رمى به ظبية من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى، فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها ليأتدموا بها، فبينما هم كذلك وقدرهم على النار تغلي بها وبعضهم يشوى إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعا ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها. ورأيت في مختصر الاحياء للشيخ شرف الدين بن يونس شارح التنبيه في باب الاخلاص أن من أخلص لله تعالى في العمل وإن لم ينو (3) ظهرت آثار بركته عليه وعلى عقبه إلى يوم القيامة، كما قيل: إنه لما اهبط آدم عليه السلام إلى الارض جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو لكل جنس بما يليق به، فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر منهن نوافج المسك، فلما رأى ما فيها من ذلك غزلان اخر فقالوا (4): من أين هذا لكن ؟ فقلن: زرنا صفي الله آدم


(1) في المصدر: دخل مكة قوم تجار من الشام. (2) الملة، الجمر. الرماد، الحار، خبز ملة: هو الذى يخبز فيها، وفى المصدر فاختبزوا على ملة لهم. (3) في المصدر: ولم ينو به مقابلا. (4) في المصدر: فلما رأى بواقيها ذلك قلن.

[91]

فدعا لنا ومسح على ظهورنا، فمضى البواقي إليه فدعا لهن ومسح على ظهورهن فلم يظهر لهن من ذلك شئ، فقالوا: قد سلمنا كما فعلتم فلم نر شيئا مما حصل لكم ؟ فقالوا: أنتم كان عملكم لتنالوا كما نال إخوانكم، واولئك كان عملهم لله من غير شئ فظهر ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة (1) انتهى.


(1) حياة الحيوان 2: 70 - 74 فيه: فقلن قد فعلنا كما فعلتن فلم نر شيئا مما حصل لكن، فقيل: انتن كان عملكن لتنلن كما نال اخوانكن واولئك كان عملهن لله من غير شئ فظهر ذلك في نسلهن وعقبهن إلى يوم القيامة.

[92]

{ ابواب } { الصيد والذبائح وما يحل وما يحرم من الحيوان وغيره } 1 { باب } { جوامع ما يحل وما يحرم من المأكولات والمشروبات } { وحكم المشتبه بالحرام وما اضطروا إليه } الآيات: البقرة 2: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم 22. وقال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا 29. وقال تعالى: كلوا واشربوا من رزق الله 60. وقال تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين 168. وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم 172 و 173. آل عمران 3: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون 93 و 94.

[93]

المائدة 5: احلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم 1. وقال تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالازلام ذلكم فسق - إلى قوله تعالى: - فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم * يسألونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات 3 و 4. وقال: اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم 5. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون 87 و 88. وقال تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين 93. وقال تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا اولي الالباب لعلكم تفلحون 100. الانعام: ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين 119. هو الذي (1) أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا اكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا


(1) الظاهر انه سقط هنا قوله: " وقال تعالى " على ما هو من دأبه عند فصل الايات.

[94]

حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المغز اثنين قل آلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * قل لا أحد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم * وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون 141 - 146. الاعراف 7: ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون 10. وقال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون 31 و 32. وقال تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث 157. يونس 10: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات 93. إبراهيم 14: فأخرج به من الثمرات رزقا لكم - إلى قوله: - وسخر لكم الانهار 32. الحجر 15: وجعل لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين 20. النحل 16: والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون 5. وقال تعالى: وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا

[95]

ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون 66 و 67. وقال تعالى: ورزقكم من الطيبات 72. وقال تعالى: فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم * ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وحرام لتفتروا على الله الكذب 114 - 116. طه 20: فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم 53 و 54. وقال تعالى: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي 81. المؤمنون 23: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون * وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين * وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون 18 - 21. لقمان 31: ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة 20. التنزيل 32: أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون 27. فاطر 35: ومن كل تأكلون لحما طريا 12. يس 36: وأخرجنا منه حبا فمنه يأكلون - إلى قوله تعالى: - ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون 33 - 35. المؤمن 40: الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون 79 و 80. عبس 80: فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولانعامكم 27 - 32.

[96]

تفسير: " الذي جعل لكم الارض فراشا " يدل على جواز الانتفاع بالارض على أي وجه كان من السكنى والزراعة والعمارة وحفر الانهار وإجراء القنوات و غيرها من وجوه الانتفاعات إلا ما أخرجه الدليل. وقوله: " رزقا لكم " (1) يدل على حلية جميع الثمرات وبيعها وسائر الانتفاعات " ولكم " صفة " رزقا " إن اريد به المرزوق، ومفعول له إن اريد به المصدر، كأنه قال: رزقه إياكم، ويدل تتمة الآية على وجوب شكر المنعم " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " امتن سبحانه على عباده بخلق جميع ما في الارض لهم، وهذا يدل على صحة انتفاعهم بكل ما فيها من وجوه المصالح إذا خلاعن المفسدة، ومنه يستدل على أن الاصل في الاشياء الاباحة إذ هي مباحة لمن خلقت له، وقيل: الامتنان بخلق الجميع يقتضي حل الجميع، وأن لكل شئ منها فائدة ونفعا، وما يقال: من أن ما لا نفع به كالسم والعقرب وبعض الحشرات خارج عن ذلك ففيه نظر، وإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، ووجود ضرر في شئ لا يدل على انتفاء النفع فيه، ألا ترى أن المأكولات الطيبة تضر المريض غاية المضرة ؟ ومن تأمل في حكمته تعالى لم يتجاسر بمثل هذا المقال، فلعل المراد أن ليس في الخلق ما هو ضرر محض خال عن النفع، بل إنما فيه من جهة ضررا، وجهة خلا من ذلك الوجه من المنفعة لا يقع به امتنان من تلك الجهة بل الامتنان من جهة النفع مع الخلو عن الضرر و " الطيب " في بعض الآيات إشارة إلى ذلك كما فسره الطبرسي أن المراد الطاهر من كل شبهة خبث وضرر والله أعلم انتهى. وقال البيضاوي: معنى " لكم " لاجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط، أو دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، فهو يقتضي إباحة الاشياء النافعة، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لاسباب عارضة، فانه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل


(1) قوله: " جعل لكم " و " رزقا لكم " وأمثالهما تدل على أن ما في الارض يعم كل فرد من الانسان وانهم مشتركون فيه بالسوية على الاصل، الا ما اخرج بالدليل.

[97]

واحد لكل واحد و " ما " يعم كل ما في الارض لا الارض إلا إذا اريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو و " جميعا " حال من الموصول الثاني " كلوا واشربوا " ظاهر الخطاب لبني اسرائيل فالمراد ما رزقهم الله من المن والسلوى والعيون، و يمكن الاستدلال على العموم بوجه لا يخلو من تكلف (1). " يا أيها الناس كلوا مما في الارض " قال الطبرسي رحمه الله: عن ابن عباس أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج لما حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة والسائبة والوصيلة (2). وقال قدس سره: اختلف الناس في المآكل والمنافع لا ضرر على أحد فيها (3)، فمنهم من ذهب إلى أنها على الحظر (4)، ومنهم من ذهب إلى أنها على الاباحة، و اختاره المرتضى - رحمه الله - ومنهم من وقف بين الامرين وجوز كل واحد منهما وهذه الآية دالة على إباحة المآكل إلا مادل الدليل على حظره فجاءت مؤكدة لما في العقل انتهى (5). والمراد بالاكل إما خصوص الاكل اللغوي أو مطلق الانتفاع فانه مجاز شائع والحلال هو الجائز من أفعال العباد ونظيره المباح، والطيب يقال: لمعان: الاول ما حلله الشارع الثاني ما كان طاهرا. الثالث ما خلا عن الاذى في النفس والبدن. الرابع ما يستلذه الطبع المستقيم ولا يتنفر عنه. الخامس ما لم يكن فيه جهة قبح توجب المنع عنه كما نفهم من أكثر موارد استعماله، وستعرفه، والخطاب هنا عام لجميع المكلفين من بني آدم


(1) انوار التنزيل. (2) مجمع البيان 1: 252 فيه: والوصيلة فنهاهم الله عن ذلك. (3) في المصدر: والمنافع التى لا ضرر على احد فيها. (4) الحظر: المنع. (5) مجمع البيان 1: 252.

[98]

والامر في " كلوا " للاباحة ولما كان في المأكول ما يحرم وما يحل بين ما يجب أن يكون عليه من الصفة فقال: " حلالا " وقيل: الامر للوجوب نظرا إلى مراعاة القيد " طيبا " قيل: هو الحلال أيضا، جمع بينهما لاختلاف اللفظين تأكيدا، وقيل: ما تستطيبونه وتلذونه في العاجل والآجل وفي الكشاف والجوامع: طاهرا من كل شبهة، قيل: ولا يبعد على تقدير مفعولية " حلالا " وحاليته أن يراد بالحلال ما خلا من جهة الحظر بحسب ذاته وأحواله الغالبة والطيب ما خلا من جهة الحظر من كل وجه (1). وأقول: على تقدير حالية الطيب وحمل الامر على الرجحان الاظهر أن يكون الحلال للاحتراز عن الحرام والطيب للاحتراز عن الشبهات ثم قوله: " حلالا " إما مفعول " كلوا " و " من " حينئذ ابتدائية أو بيانية وظاهر الكشاف أنها تبعيضية، ومنع منه التفتاراني لان من التبعضية في موقع المفعول أي كلوا بعض ما في الارض. قال: فان قيل: لم لا يجوز أن يكون حالا من حلالا ؟ قلنا: لان كون " من " التبعيضية ظرفا مستقرا وكون اللغو حالا مما لا تقول به النحاة، وقيل: فيه نظر لان كون " من " التبعيضية في موضع المفعول ليس معناه أنه مفعول به من حيث الاعراب مغن عن المفعول به. بل إنما يتحد مع المفعول به انتهى. أو حال من المفعول وهو " مما في الارض " فيكون المراد بما في الارض المأكولات المحللة، أو صفة مصدر محذوف أي كلوا أكلا حلالا و " من " للتبعيض أو ابتدائية أما كونه مفعولا له أو تميزا كما زعم بعضهم فغير واضح " وطيبا " مثل " حلالا " أو صفته. أقول: هذا ما ذكره القوم والاظهر عندي أن " حلالا وطيبا " للتأكيد لا للتقييد سواء جعلا حالين مؤكدتين أو غيره، لان التقييد مع حمل الامر على الاباحة كما ذكره الاكثر يجعل الكلام خاليا عن الفائدة إذ حاصله حينئذ: احل لكم ما احل لكم إذ يجوز لكم الانتفاع بما احل لكم. فان قيل: كيف يستقيم هذا مع أنه معلوم أن ما في الارض مشتمل على


(1) تفسير الكشاف.

[99]

محرمات كثيرة ؟ قلنا: إذا حملنا " من " على التبعيض لا يرد ذلك، وايضا يمكن أن يكون هذا قبل تحريم ما حرم من الاشياء فانه يظهر من بعض الاخبار أنه لم يجب قبل الهجرة شئ سوى الشهادتين وما يتبعهما من العقائد ولم يحرم سوى الشرك وإنكار النبوة وما يلزمهما، وبعد الهجرة نزلت الواجبات والمحرمات تدريجا، على أنه يمكن أن يكون عاما مخصصا كما في سائر العمومات: فتدل على حل ما في الارض جميعا إلا ما أخرجه الدليل. وقيل: يظهر من عمومات الخطاب حل المحللات للكفار والفساق أيضا وجواز إعطائهم منها إلا ما دل على المنع منه دليل. " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي لا تتبعوا وساوس الشيطان في تحريم ما أحل الله، أو في ترك شكر ما أنعم الله، ويؤيد الاول قوله: " وأن تقولوا على الله " وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن خطوات الشيطان الحلف بالطلاق والنذر في المعاصي وكل يمين بغير الله (1). أقول: يحتمل أن يكون المراد الحلف والنذر على تحريم المحللات بقرينة صدر الآية. وقيل: في هذا النهي تنبيه على أن المراد بحلالا في الامر التقييد لا إطلاق حل ما في الارض والمأكول منه أو الاكل، وهو يعم مخالفة الامر بالتعدي إلى أكل غير الحلال، وباجتناب أكل الحلال وفعل غير ذلك من المحرمات انتهى. وضعفه ظاهر مما ذكرنا " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " مضمون صدر الآية قريب مما تقدم إلا أنها خاصة باعتبار الخطاب للمؤمنين، وقيل: الامر للترغيب أو لاباحة أكل ما يستلذه المؤمنون ويستطيبونه ويعدونه طيبا لا خبيثا ينفر عنه الطبع ويجزم العقل بقبح أكله مثل الدم والبول والمني والحشرات وغيرها، فيفهم منه كونه طاهرا أيضا إذ النجس خبيث وليس مما يعدونه طيبا، فهو في الدلالة على


(1) مجمع البيان 2: 252.

[100]

إباحة جميع ما يعده العقل طيبا ولا يجد فيه ضررا وخبثا مما يسمى رزقا لبني آدم، أي ينتفع به في الاكل، أصرح مما تقدم ففهم كون الاشيآء على أصل الحلية منها أولى. أقول: على سياق ما قدمنا يكون الحاصل كلوا مما لم يدل دليل شرعي على تحريمه فيما رزقناكم ومكناكم من التصرف فيه، أو مما لم يكن فيه جهة قبح واقعي فيرجع إلى الاول، لانه يعلم ذلك ببيان الشارع أو مما لم يكن مضرا بالنفس والبدن أو مما يستلذه الطبع المستقيم ولا يتنفر عنه، إما بناء على الغالب من أنه لا يرغب إلى غير ذلك، أو بناء على أن سياق الآية مشتمل على الامتنان وعمدة الامتنان به لا بما تتنفر الطباع عنه، أو لمرجوحية أكل الخبائث غير المحرمة بناء على أن الامر للاباحة الصرفة أو لرجحان التصرف في الطيبات وأكلها، بناء على أن الامر للاستحباب. وبالجملة يشكل الاستدلال بأمثاله على تحريم ما تتنفر عنه عامة الطباع. وقال الرازي: اعلم أن الاكل قد يكون واجبا وذلك عند دفع الضرر، وقد يكون مندوبا وذلك أن الضيف قد يمتنع من الاكل إذا انفرد وينبسط إذا سوعد فهذا مندوب، وقد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، والاصل في الشئ أن يكون خاليا عن العوارض فلا جرم كان مسمى الاكل مباحا، وإذا كان الامر كذلك كان الامر كذلك. ثم قال: احتج الاصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله: " من طيبات ما رزقناكم " بأن الطيب هو الحلال، فلو كان رزق حلالا لكان المعنى كلوا من محللات ما حللنا لكم فيكون تكرارا، وهو خلاف الاصل، وأجابوا عنه بأن الطيب في اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه فأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائدما أحللنا لكم، فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى انتهى (1).


(1) تفسير الرازي.

[101]

ومضمون باقي الآية تعليق وجوب الشكر لله على عبادتهم إياه، وتلخيصه أن العبادة له إن كانت واجبة عليكم لانه الهكم فالشكر له أيضا واجب عليكم فانه منعم محسن إليكم كذا ذكره الطبرسي (1) - رحمه الله - وقال الرازي: فيه وجوه: أحدها: واشكروا الله إن كنتم عارفين بالله ونعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته اطلاقا لاسم الاثر على المؤثر. وثانيها: معناه إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه فان الشكر رئيس العبادات. وثالثها: واشكروا الله الذي رزقكم هذه النعمة إن كنتم إياه تعبدون، أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه هو سبحانه الهكم لا غير انتهى (2). وأقول: يحتمل أن يكون الغرض أن شكركم إنما يصح ويستقيم بترك الشرك وإخلاص العبادة له تعالى. " إنما حرم عليكم الميتة " كأن هذه الآية كالاستثناء عن عموم ما تقدم أو أنه سبحانه لما أمر في الآية بأكل الطيبات بين في هذه الآية الخبائث ليعلم أن ما سواها من الطيبات، و " إنما " على المشهور بين أهل العربية والاصوليين للحصر فيدل على حصر المحرمات من المأكولات في هذه الاشيآء، فهي حجة في حل ما سواها إلا ما أخرجه الدليل. وقال البيضاوى: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الاشياء ما لم تضطروا إليها انتهى (3). ويمكن أن يكون التحريم في هذا الوقت مقصورا على ما ذكر فحرم بعد ذلك غيرها كما مر، والاول من المحرمات في تلك الآية الميتة، وهي على المشهور ما فارقه


(1) مجمع البيان 2: 252. (2) تفسير الرازي. (3) انوار التنزيل.

[102]

الروح لاعلى وجه التذكية الشرعية. وفي المجمع: هي كل ماله نفس سائلة من دواب البر وطيره مما أباح الله أكله إنسيهما ووحشيهما (1) فارقه روحه من غير تذكية، وقيل: الميتة كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سمى الجراد والسمك ميتا، فقال ميتتان مباحتان: الجراد والسمك انتهى (2). ولا يبعد أن يكون إطلاق الميتة على السمك والجراد على المجاز فان إخراج الاول من الماء وقبض الثاني تذكيتهما. واستدل بهذه الآية وأمثالها على حرمة جميع انتفاعات الميتة إلا ما أخرجه الدليل، لان الحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفا حرمة التصرف فيها مطلقا، وقيل: الحرمة المضافة إلى كل عين تفيد تحريم الانتفاع المتعارف الغالب فيه، فان المتبادر في تحريم الميتة الاكل لا سيما مع ذكرها مع الدم ولحم الخنزير، وفي تحريم الامهات الوطئ وهكذا، وكان هذا أقوى، وحملوا الميتة عليها وعلى أجزائها التى تحل فيها الحياة فلا تحرم ما لا تحل فيه الحياة منها إلا ما كان خبيثا على المشهور لا لذلك بل لكونه خبيثا على رأيهم وحمل عليه كل ما ابين من حي مما حلت فيه الحياة. والثاني الدم وقيد بالمسفوح لتقييده به في الآية الاخرى، والمطلق محمول على المقيد والمسفوح هو الذي يخرج بقوة عند قطع عرق الحيوان أو ذبحه، من سفحت الماء: إذا صببته أي المصبوب، واحترز به عما يخرج من الحيوان بتثاقل كدم السمك فلا يكون نجسا. واختلفوا في حرمته فقيل: هو حرام لا طلاق هذه الآية وقد عرفت جوابه، ولانه من الخبائث وقد منع ذلك، وستسمع الكلام في الخبائث وحرمتها. وأما الدم المتخلف في الذبيحة في الحيوان مأكول اللحم فلا أعرف خلافا بين


(1) في المصدر: اهليها ووحشيها. (2) مجمع البيان 3: 157.

[103]

الاصحاب في كونه حلالا، ونقل العلامة الاجماع عليه، وما يجذبه النفس إلى باطن الذبيحة ليس في حكم المتخلف في الحل والطهارة، وفي تحريم المتخلف في الكبد والقلب وجهان ولا يبعد ترجيح عدم التحريم لظاهر الآية إلا أن يثبت كونه خبيثا، وحرمة مطلق الخبيث والدم المتخلف في حيوان غير مأكول اللحم تابع لذلك الحيوان، وظاهر الاصحاب الحكم بنجاسته، ونقل عن بعض المتأخرين التوقف فيها، وما عدا المذكورات من الدماء التي لم تخرج بقوة من عرق ولالها كثرة انصباب لكنه مما له نفس فظاهر الاصحاب الاتفاق على نجاسته، وظاهر الفاضلين دعوى الاجماع عليه ويستفاد من بعض الاخبار أيضا، فيلزم التحريم أيضا، وأما دم غير السمك مما لا نفس له فقد نقل جماعة من الاصحاب الاجماع على طهارته، والكلام في حله وحرمته كالكلام في دم السمك. الثالث لحم الخنزير قيل: خص اللحم وإن كان كل أجزائه محرما لانه هو المقصود بالاكل، وغيره تابع، ولشدة حرص الكفرة ومزيد اعتقادهم بحسنه وبركته فخصه ردا عليهم. الرابع ما أهل به لغير الله أي ما رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله كالصنم والمسيح وغيرهما، والاهلال أصله رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته، لكن لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير إذا رئي سمي ذلك إهلالا، ثم قيل: لرفع الصوت وإن كان لغيره، وقال في موضع آخر: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " قيل: فهذا مطلق والاول مقيد فيحمل الثاني على الاول أو بينهما عموم وخصوص من وجه فجمع بينهما بمقتضى الروايات المعتبرة، وسيأتي أحكام التسمية إن شاء الله. " فمن اضطر " أي إلى أكل هذه الاشياء قال الطبرسي رحمه الله: ضرورة مجاعة عن أكثر المفسرين، وقيل: ضرورة إكراه عن مجاهد، وتقديره: فمن خاف على النفس من الجوع ولا يجد مأكولا يسد به الرمق، وقوله: " غير باغ ولا عاد " فيه ثلاثة أقوال.

[104]

أحدها: غير باغ لذة ولا عاد سد الجوعة. وثانيها: غير باغ في الافراط ولا عاد في التقصير. وثالثها: غير باغ على المسلمين (1) ولا عاد عليه بالمعصية وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انتهى (2). وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق، لا تحل لهما الميتة (3). وفي التهذيب: الباغي: باغي الصيد. والعادي: السارق ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما (4). وفي الفقيه عن الجواد عليه السلام: قال: العادي: السارق، والباغي: الذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر (5). وقال البيضاوي: وغير باغ بالاستيثار على مضطر آخر، ولا عاد سد الرمق والجوعة، وقيل: غير باغ على الوالي، ولا عاد بقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح على العاصي بالسفر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد (6).


(1) في المصدر: غير باغ على امام المسلمين. (2) مجمع البيان 1: 257. (3) فروع الكافي 6: 265 رواه الكليني باسناده عن العدة عن سهل بن زياد عن احمد بن محمد بن أبى نصر عمن ذكره عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 78. (5) من لا يحضره الفقيه 3: 217 رواه الصدوق في حديث طويل باسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى عن أبى جعفر محمد بن على الرضا عليه السلام. (6) انوار التنزيل.

[105]

" فلا إثم عليه " قال الطبرسي رحمه الله: أي لا حرج عليه، وإنما ذكر هذا اللفظ لتبيين أنه ليس بمباح في الاصل، وإنما رفع الحرج للضرورة " إن الله غفور رحيم " إنما ذكر المغفرة لاجل أمرين: إما لتبيين أنه إذا كان يغفر المعصية فانه لا يؤاخذ فيما رخص فيه، واما لانه وعد بالمغفرة عند الانابة إلى الطاعة مما كانوا عليه من تحريم ما لم يحرمه الله من السائبة وغيرها انتهى (1). وأقول: وان كان ظاهر بعض الاخبار اختصاص الحكم بالاضطرار في المخمصة لكن لفظ الآية شامل لكل اضطرار من مجاعة أو خوف قتل أو ضرر عظيم لا يتحمل عادة. " كل الطعام " في المجمع: كل المأكولات " كان حلا " أي حلالا " لبني اسرائيل " واسرائيل هو يعقوب عليه السلام " إلا ما حرم اسرائيل على نفسه " اختلفوا في ذلك الطعام فقيل: ان يعقوب عليه السلام أخذه وجع العرق الذي يقال له: عرق النساء فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق ولحم الابل وهو أحب الطعام إليه عن ابن عباس وغيره، وقيل: حرم اسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله وسأل الله أن يجيز له فحرم الله تعالى ذلك على ولده، عن الحسن، وقيل: حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما حملته الظهور عن عكرمة، واختلف في أنه كيف حرمه على نفسه ؟ فقيل: بالاجتهاد، وقيل: بالنذر، وقيل: بنص ورد عليه، وقيل: حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه " من قبل أن تنزل التوراة " أي كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة على موسى فانها تضمنت تحريم ما كان حلالا (2) لبني إسرائيل، واختلفوا فيما حرم عليهم وحالها بعد نزول التوراة. فقيل: إنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب عن السدي.


(1) مجمع البيان 1: 257 فيه: " ليبين " وفيه: " بما رخص فيه " وفيه: إلى طاعة الله. (2) في المصدر: بعض ما كان حلالا.

[106]

وقيل: لم يحرمه الله عليهم في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا وصب عليهم رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم " (1). وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لابيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى (2) فاحتج عليهم بالتوراة وأمرهم بالاتيان بها وبأن يقرأوا ما فيها فانه كان في التوراة أنها كانت حلالا للانبياء، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه فلم يجسروا على إتيانها لعلمهم بصدقه صلى الله عليه وآله وكذبهم وكان ذلك دليلا على صحة نبوته " من بعد ذلك " أي بعد قيام الحجة " فاولئك هم الظالمون " لانفسهم (3). وأقول: ظاهره على بعض الوجوه تحليل ما حرموه على أنفسهم فتأمل. " احلت لكم بهيمة الانعام " قد مر تفسيره في باب الانعام. " إلا ما يتلى عليكم " قيل: أي إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله: " حرمت عليكم الميتة " أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه " غير محلي الصيد " حال من الضمير في " لكم " وقيل: من واو " أوفوا " وقيل: استثناء، وهو تعسف، والصيد يحتمل المصدر والمفعول " وأنتم حرم " حال عما استكن في " محلي " والحرم جمع حرام وهو المحرم، وسيأتي تفسير الآيات في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. " والمنخنقة " قال الطبرسي رحمه الله تعالى: هي التي تدخل رأسها بين شعبين من شجر فتختنق (4) وتموت عن السدي، وقيل: هي التي تخنق بحبل الصائد وتموت


(1) النساء: 160. (2) اضاف في المصدر: وقال: قل يا محمد: " فأتوا بالتوراة فاتلوها " حتى يتبين انه كما قلت لا كما قلتم " ان كنتم صادقين " في دعواكم، فاحتج. (3) مجمع البيان 2: 475. (4) في المصدر: بين شعبتين من شجرة فتنخنق.

[107]

عن الضحاك وقتادة، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقونها فيأكلونها " والموقوذة " هي التي تضرب حتى تموت عن ابن عباس، والسدي، والوقذ: شدة الضرب يقال: وقذتها أقذها وقذا وأوقذتها إيقاذا: إذا أثخنتها ضربا. " والمتردية " وهي التي تقع من جبل أو موضع عال أو تقع في بئر فتموت عن ابن عباس وغيره، ومتى وقع في بئر ولا يقدر على تذكيته جاز أن يطعن ويضرب (1) في غير المذبح حتى يبرد ثم يؤكل. " والنطيحة " وهي التي تنطحها غيرها فتموت، وإنما تثبت فيها الهاء، وإن كان فعيل بمعنى المفعول لا تثبت فيها الهاء، مثل لحية دهين وعين كحيل وكف خضيب لانها ادخلت في حيز الاسماء، وقال بعض الكوفيين: إنما تحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها مثل كف خضيب وعين كحيل، فأما إذا حذف الكف والعين وما يكون فعيل نعتا له واجتزؤا بفعيل أثبتوا فيه ها التأنيث ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة لمؤنث فيقال: رأينا كحيلة وخضيبة. " وما أكل السبع " أي وحرم عليكم ما أكله السبع بمعنى قتله السبع، وهو فريسة السبع عن ابن عباس وغيره. " إلا ما ذكيتم " يعني الا ما أدركتم ذكاته فذكيتموه من هذه الاشياء، وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام أن أدنى ما تدرك به الذكاة أن تدركه يتحرك اذنه أو ذنبه أو يطرف عينه. واختلف في الاستثناء إلى ماذا يرجع ؟ فقيل: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل من الخنزير (2) والدم عن علي عليه السلام وابن عباس. وقيل: هو استثناء من التحريم لا من المحرمات لان الميتة لا ذكاة لها وللخنزير فمعناه حرمت عليكم سائر ما ذكر الا ما ذكيتم مما أحله الله لكم بالتذكية فانه


(1) في المصدر: ويضرب بالسكين. (2) في المصدر: سوى ما لا يقبل الذكاة من الخنزير.

[108]

حلال لكم انتهى (1). وقيل: الاستثناء راجع إلى الاخير فقط. ثم قال رحمه الله: ومتى قيل ما وجه التكرار في قوله: " والمنخنقة والموقوذة " إلى آخر ما عدد تحريمه مع أنه افتتح الآية بقوله: " حرمت عليكم الميتة " وهي تعم جميع ذلك، وان اختلفت أسباب الموت من خنق أو ترد أو نطح أو إهلال لغير الله به أو أكل سبع. فالجواب: أن الفائدة في ذلك أنهم كانوا لا يعدون الميتة الا ما مات حتف أنفه من دون شئ من هذه الاسباب، فأعلمهم الله سبحانه أن حكم الجميع واحد، وأن وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط. قال السدي: إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك ولا يعدونه ميتا: إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. " وما ذبح على النصب " أي الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الاوثان يعني حرم عليكم ما ذبح على اسم الاوثان، وقيل: معناه ما ذبح للاوثان تقربا إليها واللام وعلى يتعاقبان، ألا ترى إلى قوله سبحانه: " فسلام لك من أصحاب اليمين (2) " بمعنى عليك، وكانوا يقربون ويلطخون الاوثان بدمائها، قال ابن جريح (3): ليست النصب أصناما إنما الاصنام ما يصور وينقش، بل كانت حجارة منصوبة حول الكعبة (4) وكانت ثلاثمائة وستين حجرا، وقيل: كانت ثلثمائة منها لخزاعة، وكانوا إذا ما ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا الدم (5) وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق بتعظيمه فأنزل الله


(1) مجمع البيان 3: 156 - 158. (2) الواقعة: 91. (3) الصحيح: ابن جريج بالجيم في أوله وآخره. (4) في المصدر: ما تصور وتنقش بل كانت احجارا منصوبة حول الكعبة. (5) في المصدر: وشرحوا اللحم.

[109]

سبحانه: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم (1) ". " وأن تستقسموا بالازلام " موضعه رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام بالازلام ومعناه طلب قسم الارزاق بالقداح التي كانوا يتفألون بها في أسفارهم وابتداء امورهم وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي وبعضها غفل (2) لم يكتب عليها شئ فإذا أرادوا سفرا أو أمرا يهتمون به ضربوا تلك القداح فان خرج السهم الذي عليه: " أمرني ربي " مضى الرجل لحاجته، وإن خرج الذي عليه " نهانى ربي " لم يمض، وإن خرج ما ليس عليه شئ أعادوها، فبين الله تعالى أن العمل بذلك حرام عن الحسن وجماعة من المفسرين، ثم ذكر ما سيأتي عن علي بن إبراهيم، ثم قال: وقيل: هي كعاب فارس والروم التي كانوا يتقامرون بها عن مجاهد، وقيل: الشطرنج عن سفيان بن وكيع " ذلكم فسق " معناه أن جميع ما سبق ذكره فسق، أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله إلى معصيته عن ابن عباس، وقيل: إن " ذلكم " إشارة إلى الاستقسام بالازلام، أي أن ذلك الاستقسام فسق وهو الاظهر انتهى (3). وقيل على الاول: وسبب التحريم أنه دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أن ذلك طريق إليه، وافتراء على الله إن اريد بربي الله، وجهالة وشرك إن اريد به الصنم، وعلى هذا يفهم منه تحريم الاستخارة المشهورة التي قال الاكثر بجوازها بل باستحبابها وتدل عليه الروايات: فلا يكون سبب التحريم ما ذكر بل مجرد النص المخصوص و تكون الاستخارة خارجة عنه بالنص، فان الظاهر أن خصوص ما كانوا يفعلونه من اقتراح أنفسهم لا طريق إليه شرعا، والروايات طرق شرعية وحجة بالغة، وليس هذا مثل ذلك كذا ذكره بعض المحققين.


(1) الحج: 37. (2) الغفل: مالا علامة فيه من القداح والدواب وغيرهما. (3) مجمع البيان 3: 157 و 158.

[110]

وأقول: يظهر من بعض الاخبار أيضا أنهم كانوا يضربون بالقداح عند آلهتهم ويتوسلون في ذلك إليهم فيمكن أن يكون كونه فسقا من هذه الجهة أيضا. ثم إن الآيات المعترضة بين تلك الآيات وبين قوله: " فمن اضطر " اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والاسلام المرضي. وأقول: لا يبعد تغيير نظم الآيات عن الترتيب المنزل لدلالة الروايات المتواترة من طرق الخاصة والعامة أنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام التى نزلت يوم الغدير، فلعلهم تعمدوا ذلك تبعيدا للاذهان عن فهم المراد. " فمن اضطر في مخمصة " في المجمع معناه فمن دعته الضرورة في مجاعة حتى لا يمكنه الامتناع من أكله عن ابن عباس وغيره " غير متجانف لاثم " أي غير مائل إلى إثم، وهو نصب على الحال، يعني فمن اضطر إلى أكل الميتة وما عدد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمد لذلك ولا مختار له ولا مستحل (1) فان الله سبحانه أباح تناول ذلك له قدر ما يمسك به رمقه بلا زيادة عليه عن ابن عباس وغيره، وبه قال أهل العراق، وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة، وقيل: إن معنى قوله: " غير متجانف لاثم " غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا أو خارجا في معصية عن قتادة. " فان الله غفور رحيم " في الكلام محذوف دل ما ذكر عليه، والمعنى فمن اضطر إلى ما حرمت عليه غير متجانف لاثم فأكله فان الله غفور لذنوبه ساتر عليه أكله لا يؤاخذه به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك الاكل ولا يستحق (2) العقاب على فعل المباح، وهو رحيم أي رفيق بعباده، ومن رحمته أباح لهم ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس. " يسألونك " يا محمد " ماذا احل لهم " معناه أي


(1) في المصدر: ولا مستحل له. (2) في المصدر: لانه اباحه له ولا يستحق.

[111]

شئ احل لهم ؟ أي يستخبرك المؤمنون ماذا احل لهم من المطاعم والمآكل ؟ وقيل: من الصيد والذبائح " قل احل لكم الطيبات " منها وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من المأكولات والذبائح والصيد عن الجبائي وأبي مسلم، وقيل: مما لم يرد بتحريمه كتاب ولا سنة، وهذا أولى لما ورد أن الاشياء كلها على الاطلاق والاباحة حتى يرد الشرع بالتحريم، وقال البلخي: الطيبات ما يستلذ (1). " اليوم احل لكم الطيبات " قال رحمه الله: هذا يقتضي تحليل كل مستطاب من الاطعمة إلا ما قام الدليل على تحريمه (2). أقول: سيأتي تفسير الآية في باب ذبائح الكفار إن شاء الله. " لا تحرموا " قال في المجمع: هو يحتمل وجوها: منها: أن يريد لا تعتقدوا تحريمها. ومنها: أن يريد لا تظهروا تحريمها. ومنها: أن يريد لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم. ومنها: أن لا تجروها مجرى المحرمات في شدة الاجتناب. ومنها: أن يريد لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين، فوجب حمل الآية على جميع هذه الوجوه، والطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب وقد يقال: الطيب بمعنى الحلال كما يقال: يطيب له كذا أي يحل له، ولا يليق ذلك بهذا الموضع (3). أقول: فيه نظر وقد مضى الكلام منا فيه، ويحتمل أن يكون المراد بالطيب ما لم يكن فيه جهة قبح وخبث معنوي، وكل ما أحله الله فهو كذلك فذكره لتعليل الحكم، فكأنه قال: لا تحرموا ما أحل الله لكم فان كل ما أحله لكم ليس فيه قبح وخباثة، فلم تحرمونها على أنفسكم ؟


(1) مجمع البيان: 3: 159 - 161. (2) مجمع البيان 3: 162. (3) مجمع البيان 3: 236.

[112]

" وكلوا مما رزقكم الله " قال المحقق الاردبيلي رحمه الله: أي لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم ورزقكم ولا تجتنبوا منه تنزها بل كلوا فان جميع ما رزقكم الله حلال طيب، فحلالا حال مبينة لا مقيدة وكذلك طيبا، ويحتمل التقييد ويكون سبب التقييد ما تقدم فيما قبل من قوله: " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " حيث نهى هناك عن تحريم طيبات ما أحل الله، أي ما طاب ولذ منه، فانه قيل: الظاهر أن قيد طيبات ما أحل الله للوقوع وأنه محل للتحريم وإلا جعل جميع ما أحل الله حراما منهيا، ويحتمل أن يكون الاضافة بيانية أيضا، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه وصف القيامة لاصحابه يوما وبالغ في إنذارهم فرقوا فاجتمعت جماعة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين وأن لا يأكلوا اللحم ولا يناموا على الفراش ولا يقربوا النساء والطيب ويرفضوا لذات الدنيا ويلبسوا المسوح، أي الصوف، ويسيحوا في الارض أي يسيروا، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فقال: إني لم اؤمر بذلك، إن لانفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فاني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، فمن رغب عن سنتي فليس مني والرواية مشهورة. أو لان النفس إليه أميل فهو مظنة التحريم فلا دلالة في الآية على أن الرزق قد يكون حلالا وقد يكون حراما، فالحرام أيضا يكون رزقا كما هو معتقد الجهال والعوام الذين يأكلون أموال الناس ويقولون: هذا رزقنا الله إياه، وهو مقتضى مذهب الاشاعرة وأشار إليه البيضاوي بأنه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة، وهو خيال باطل إذ ما يحتاج ذكر كل شئ إلى فائدة زائدة مع وجودها، وهي هنا الاشارة إلى عدم معقولية المنع بأن ذلك حلال رزقكم الله فلا معنى للتحريم والمنع. وبالجملة القيد قد يكون للكشف والبيان، وقد يكون للاشارة إلى عدم معقولية الاجتناب، وأن ذلك الوصف هو الباعث لمذمة التارك، وقد يكون لغير ذلك، وهنا يكفي الاولان فالآية دلت على عدم جواز التجاوز عن حدود الله والتشريع

[113]

وعدم حسن الاجتناب عما أحل الله، ويحتمل أن يكون باعتقاد التحريم أو المرجوحية فلا ينافي الترك للتزهد ولئلا يصير سببا للنوم والكسل وقساوة القلب، ولهذا نقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أكل خبز الحنطة ولا شبع من خبز الشعير، وزهد أمير المؤمنين عليه السلام مشهور، ولكن ينبغي أن يكون ذلك باعتقاد التأسي إلا أنه إذا اجتنب لبعض الفوائد مثل كونه سببا لقلة النوم وإصلاح النفس وتذليلها فالظاهر أنه لا بأس به مع اعتقاد الحلية انتهى. (1) وقال في المجمع: روي أن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نزلت في على عليه السلام و بلال وعثمان بن مظعون، فاما علي فانه حلف أن لاينام الليل أبدا إلا ما شاء الله، وأما بلال فانه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون فانه حلف أن لا ينكح أبدا. وقال ابن عباس: يريد من طيبات الرزق اللحم وغيره. " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه، وتقديره: أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فتكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا في تحريم ما أحل الله لكم وفي جميع معاصيه من به تؤمنون وهو الله سبحانه، وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الارض، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال: إن المؤمن حلو يحب الحلاوة، وقال: إن في بطن المؤمن زاوية لا يملاها إلا الحلواء. (2) " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح " في المجمع أي إثم وحرج " فيما طعموا " من الخمر والميسر قبل نزول التحريم. وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام: " فيما طعموا من الحلال " وهذه اللفظة صالحة للاكل والشرب جميعا، روي عن ابن


(1) زبدة البيان 621 - 622 ط المكتبة المرتضوية. (2) مجمع البيان: 236 3.

[114]

وأنس وابن عازب ومجاهد وقتادة والضحاك أنه لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة: يا رسول الله ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ؟ فانزلت هذه الآية، وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره فبين الله لهم أنه لا جناح في تناول المباح مع اجتناب المحرمات " إذا ما اتقوا " شربها بعد التحريم " وآمنوا " بالله " وعملوا الصالحات " أي الطاعات " ثم اتقوا " أي داموا على الاتقاء " وآمنوا " أي داموا على الايمان " ثم أتقوا " بفعل الفرائض " وأحسنوا " بفعل النوافل، وعلى هذا يكون الاتقاء الاول اتقاء الشرب بعد التحريم والاتقآء الثاني هو الدوام على ذلك، والاتقاء الثالث اتقاء جميع المعاصي وضم الاحسان إليه، وقيل: إن الاتقاء الاول هو اتقاء المعاصي العقلية التي يختص المكلف ولا يتعداه، والايمان الاول الايمان بالله تعالى، وبما أوجب الله الايمان به والايمان بقبح هذه المعاصي ووجوب تجنبها، والاتقاء الثاني هو الاتقاء عن المعاصي السمعية والايمان بقبحها ووجوب اجتنابها، والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد، وربما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد. وقال أبو علي الجبائي: إن الشرط الاول يتعلق بالزمان الماضي والشرط الثاني يتعلق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد، ثم استدل على أن هذه الاتقاء يختص بالمظالم (1) بقوله: " وأحسنوا " فان الاحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون المعاصي التي امروا باتقائها قبله أيضا متعدية وهذا ضعيف لانه لا تصريح في الآية بأن المراد به الاحسان المتعدي ولا يمتنع أن يريد بالاحسان فعل الحسن والمبالغة فيه وإن اختص الفاعل ولا يتعداه، كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن: أحسنت وأجملت، ثم لو سلم أن المراد به الاحسان المتعدي فلم لا يجوز أن يعطف فعل متعد على فعل لا يتعدى ؟ ولو صرح سبحانه وقال: واتقوا القبائح كلها وأحسنوا إلى غيرهم لم يمتنع، ولعل أبا علي إنما عدل في الشرط


(1) في المصدر: بمظالم العباد.

[115]

الثالث عن ذكر الاحوال لما ظن أنه لا يمكن فيه ما أمكن في الاول والثاني، و هذا ممكن غير ممتنع بأن يحمل الشرط الاول على الماضي، والثاني على الحال والثالث على المنتظر المستقبل، ومتى قيل: إن المتكلمين عندهم لا واسطة بين الماضي والمستقبل، فان الفعل إما أن يكون موجودا فيكون ماضيا، وإما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، وإنما ذكر الاحوال الثلاث النحويون، فجوابه أن الصحيح أنه لا واسطة في الوجود (1) كما ذكرت غير أن الموجود في أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، ونفرق بينه وبين الغابر السالف والغابر المنتظر انتهى. (2) وقال بعض المحققين: للايمان درجات ومنازل كما دلت عليه الاخبار الكثيرة وأوائل درجات الايمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه على اختلاف مراتبها ويمكن معها الشرك " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (3) وعنها يعبر بالاسلام في الاكثر " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (4) وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة " الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " (5) وأكثر إطلاق الايمان عليها خاصة " انما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " (6). وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة لله سبحانه وشوق تام إلى حضرته المقدسة " يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من


(1) في المصدر: لا واسطة في الموجود بين المعدوم والموجود. (2) مجمع البيان: 3: 240 و 241. (3) يوسف: 106. (4) الحجرات: 14. (5) الحجرات: 15. (6) الانفال: 2.

[116]

يشاء " (1) وعنها العبارة تارة بالاحسان " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك " واخرى بالايقان " وبالاخرة هم يوقنون " (2) وإلى المراتب الثلاثة الاشارة بقوله عزوجل: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذ ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " (3) وإلى مقابلاته التي هي مراتب الكفر الاشاره بقوله جل وعز: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ". (4) أقول: وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الايمان والكفر. وقال الرازي: فان قيل: لم شرط رفع الجناح على تناول المطعومات بشرط الايمان والتقوى مع أن من المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم يتق ثم تناول شيئا من المباحات فانه لا جناح عليه في ذلك التناول، بلى عليه جناح في ترك الايمان و في ترك التقوى ؟ قلنا: ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الاقوام الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم. (5) وقال الطبرسي: والاجل المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه ذكر في بعض مسائله أن المفسرين تشاغلوا بايضاح الوجه في التكرار الذي تضمنه هذه الآية وظنوا أنه المشكل فيها وتركوا ما هو أشد إشكالا من التكرار وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والايمان وعمل الصالحات والايمان وعمل الصالحات ليس بشرط في نفي الجناح، فان المباح إذا وقع من الكافر فلا إثم عليه ولا وزر.


(1) المائدة: 54. (2) البقرة: 4. (3) المائدة: 93. (4) النساء: 137. (5) تفسير الرازي.

[117]

وقال: ولنا في حل هذه الشبهة طريقان: أحدهما أن يضم إلى المشروط المصرح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما شرط فيكون تقدير الآية: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات لان الشرط في نفي الجناح لابد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح، وقد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم فهو الشرط الذى لا زيادة عليه، ولما ولي ذكر الاتقاء الايمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما في نفي الجناح علمنا انه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط ويطابق المشروط، لان من اتقى الحرام فيما لا يطعم لا جناح عليه فيما يطعمه، ولكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخل به من واجب أو ضيعه من فرض، فإذا شرطنا أنه وقع اتقاء القبيح ممن آمن بالله وعمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كل وجه، وليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى ويكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به، ومثله قول الشاعر: تراه كأن الله يجدع أنفه * وعينيه ان مولاه بات (1) له وفر لما كان الجدع لا يليق بالعين وكانت معطوفة على الانف الذي يليق الجدع به أضمر ما يليق بالعين من الفقوء وما جرى مجراه (2). والطريق الثاني: هو أن يجعل الايمان وعمل الصالحات هنا ليس بشرط حقيقي وإن كان معطوفا على الشرط، فكأنه تعالى لما أراد أن يبين وجوب الايمان وعمل الصالحات عطفه على ما هو واجب من اتقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب، وإن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم، وهذا توسع في البلاغة يحار فيه العقل استحسانا واستغرابا انتهى كلامه رحمه الله. وقد قيل أيضا في الجواب في ذلك: إن المؤمن يصح أن يطلق عليه أنه لا جناح عليه والكافر مستحق للعقاب مغمور فلا يطلق عليه هذا اللفظ، وأيضا فان الكافر قد سد


(1) في المصدر: ثاب له وفر. (2) في المصدر: من البخص وما يجرى مجراه.

[118]

على نفسه طريق معرفة التحليل والتحريم فلذلك خص المؤمن بالذكر، وقوله " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم وإجلالهم واكرامهم وتجليلهم، ويروى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر بن الخطاب فأراد أن يقيم عليه الحد فقال: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح " الآية، فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد فقال علي عليه السلام أديروه على الصحابة فان لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية التحريم فادرأوا عنه الحد، وإن كان قد سمع فاستتيبوه وأقيموا عليه الحد فان لم يتب وجب عليه القتل (1). وأقول: يمكن أن يقال في جواب الشبهة التي أوردها السيد رضي الله عنه: لا نسلم أن المباح على الكافر مباح، ويمكن أن تكون الاباحة مشروطة بالايمان كما أن صحة العبادات مشروطة به كما يظهر من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر مع محمد بن أبي بكر وغيره من الاخبار أن الله لا يحاسب المؤمن على لذات الدنيا و يحاسب غيره عليها، وإنما أباحها للمؤمنين، فالمراد بعمل الصالحات ولاية الائمة عليهم والسلام وبالتقوى ترك الاطعمة المحرمة فيستفاد من الآية عدم الجناح على المؤمنين في أي شئ أكلوا وشربوا إذا اجتنبوا المأكولات والمشروبات المحرمة، وثبوت الجناح على المؤمنين إذا أكلوا وشربوا الحرام، وعلى غيرهم مطلقا لعدم حصول شرط الاباحة فيهم ويحتمل على وجه بعيد أن يكون المراد أن صرف المستلذات لا يضر لمن كمل إيمانه وإنما يضر الناقصين الذين يصير ذلك سببا لطغيان نفوسهم وغلبة الشهوات المحرمة عليهم، فالرياضات البدنية مستحبة مطلوبة لامثال هؤلاء لتكميل نفوسهم وإخراج الشهوات وحب اللذات عن قلوبهم. " قل لا يستوي الخبيث والطيب " قال في المجمع (2): لما بين سبحانه الحلال و الحرام بين أنهما لا يستويان، فقال سبحانه: " قل " يا محمد: " لا يستوى " أي لا يتساوى " الخبيث والطيب " أي الحرام والحلال عن الحسن والجبائي، وقيل: الكافر والمؤمن


(1) مجمع البيان 3: 240 - 242. (2) مجمع البيان 3: 249.

[119]

عن السدي " ولو أعجبك " أيها السامع أو أيها الانسان " كثرة الخبيث " أي كثرة ما تراه من الحرام لانه لا يكون في الكثير من الحرام بركة، ويكون في القليل من الحلال بركة، وقيل: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد امته " فاتقوا الله " أي فاجتنبوا ما حرم الله عليكم " يا اولي الالباب " يا ذوي العقول " لعلكم تفلحون " أي لتفلحوا و تفوزوا بالثواب العظيم والنعيم المقيم انتهى. وأقول: يمكن تعميم الطيب والخبيث بحيث يشمل كل ما فيه جهة خبث ورداءة واقعية سواء كان إنسانا أو مالا أو مأكولا أو مشروبا، فانه لا يستوي مع الطيب الطاهر من ذلك الجنس وإن كان الخبيث أكثر، أي ليس مدار القبول والكمال على الكثرة بل على الحسن والطيب الواقعيين، ولا يخفى أنه لا يدخل فيهما الخبيث والطيب اللذين اصطلح عليها الاصحاب من كون الشئ مرغوبا للناس أو عدمه " ما حرم عليكم أي بقوله: " حرمت عليكم الميتة ". " إلا ما اضطررتم إليه " مما حرم عليكم فانه أيضا حلال حال الضرورة " وإن كثيرا ليضلون " بتحليل الحرام وتحريم الحلال " بأهوائهم بغير علم " أي بتشهيهم بغير تعلق بدليل يفيد العلم " إن ربك هو أعلم بالمعتدين " أي المتجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام. أقول: ويدل على أن الاصل في المأكولات لا سيما في الذبايح الحل ولا يجوز الحكم بالتحريم إلا بدليل، وأنه تحل المحرمات عند الضرورة أي ضرورة كانت. " هو الذي أنشأ " في المجمع: أي خلق وابتدأ على مثال: (1) " جنات " أي بساتين فيها الاشجار المختلفة " معروشات " مرفوعات بالدعائم، قيل: هو ما عرشه من الكروم ونحوها عن ابن عباس، وقيل: عرشها أن يجعل لها حظائر كالحيطان " وغير معروشات " يعني ما خرج من قبل نفسه في البراري والجبال من أنواع الاشجار عن ابن عباس، وقيل: غير مرفوعات بل قائمة على اصولها مستغنية عن التعريش " والنخل


(1) في المصدر: خلق وابتدع لاعلى مثال.

[120]

والزرع " أي أنشأ النخل والزرع " مختلفا اكله " أي طعمه، وقيل: ثمره، وقيل: هذا وصف للنخل والزرع جميعا فخلق سبحانه بعضها مختلف اللون والطعم والرائحة والصورة، وبعضها مختلفا في الصورة متفقا في الطعم، وبعضها مختلفا في الطعم متفقا في الصورة، وكل ذلك يدل على توحيده وعلى أنه قادر على ما يشاء عالم بكل شئ " والزيتون والرمان متشابها " (1) في الطعم واللون والصورة " وغير متشابه " إذا أثمر فيها، وإنما قرن الزيتون إلى الرمان لانهما متشابهان باكتنان (2) الاوراق في أغصانها " كلوا من ثمره إذا أثمر " المراد به الاباحة وإن كان بلفظ الامر، قال الجبائي وجماعة: هذا يدل على جواز الاكل من الثمر وإن كان فيه حق الفقراء انتهى (3). وأقول: الضمير في " ثمره " راجع إلى كل من المذكورات فيدل على إباحة الجميع مع أن ذكرها في مقام الامتنان أيضا يدل على ذلك: " وآتوا حقه يوم حصاده " قيل: هي الزكاة، وفي أخبارنا أنه غير الزكاة، وسيأتي إنشاء الله في محله " ولا تسرفوا " أي في الاتيان والصدقة أو في الاكل قبل الحصاد أو مطلقا، وقيل: أي لا تنفقوا في المعصية وقد مر تفسير سائر الآيات في باب الانعام إلى قوله تعالى: " قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " أي طعاما محرما على آكل يأكله، والمراد بالوحي ما في القرآن أو الاعم، وفيه تنبيه على أن لا تحريم إلا بوحي لا بغيره فانه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " إلا " أن يكون الطعام " ميتة أو دما مسفوحا ". قال الطبرسي - رحمه الله - أي مصبوبا وإنما خص المصبوت بالذكر لان ما يختلط باللحم منه مما لا يمكن تخليصه منه معفو مباح (4) " أو لحم خنزير " إنما خص الاشياء الثلاثة هنا بذكر التحريم مع أن غيرها محرم فانه سبحانه ذكر في المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وغيرها، لان جميع ذلك


(1) في المصدر: " والزيتون والرمان " أي وأنشأ الزيتون والرمان " متشابها ". (2) في النسخة المخطوطة: " باكثار " وفى المصدر: باكتناز. (3) مجمع البيان 4: 374 و 375. (4) في المصدر: معفو عنه مباح.

[121]

يقع عليه اسم الميتة فيكون في حكمها فأجمل ههنا وفصل هناك وأجود من هذا أن يقال: خص هذه الاشياء بالتحريم تعظيما لحرمتها، وبين تحريم ما عداها في مواضع اخر: إما بنص القرآن أو بوحي غير القرآن وأيضا فان هذه السورة مكية والمائدة مدنية فيجوز أن يكون غير ما في الآية من المحرمات إنما حرم فيما بعد. والميتة عبارة عما كان فيه حياة ففقدت من غير تذكية شرعية " فانه رجس " أي نجس، والرجس: اسم لكل شئ مستقذر منفور عنه، والرجس أيضا: العذاب، والهاء في قوله: " فانه " عائد إلى ما تقدم ذكره انتهى (1). وقيل: الضمير راجع إلى الخنزير أو لحمه وقذارته لتعوده أكل النجاسة. " أو فسقا " قال البيضاوي: عطف على لحم خنزير، وما بينهما اعتراض للتعليل " اهل لغير الله به " صفة له موضحة، وإنما سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغله في الفسق ويجوز أن يكون " فسقا " مفعولا له من " اهل " وهو عطف على " يكون " والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في " يكون " (2). " وعلى الذين هادوا " أي على اليهود في أيام موسى عليه السلام " حرمنا كل ذي ظفر " في المجمع: اختلف في معناه فقيل هو كل ما ليس بمنفرج الاصابع كالابل والنعام والاوز والبط عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما، وقيل: هو الابل فقط وقيل يدخل فيه كل السباع والكلاب والسنانير وما يصطاد بظفره وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب " ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما " من الثرب (3) وشحم الكلى وغير ذالك " إلا ما حملت ظهورهما " من الشحم وهو اللحم السمين فانه لم يحرم عليهم " أو الحوايا " أي ما حملته الحوايا من الشحم، والحوايا هي المباعر، وقيل: هي بنات اللبن وقيل: هي الامعاء التي عليها الشحوم (4).


(1) مجمع البيان 4: 378. (2) انوار التنزيل: (3) الثرب: الشحم الرقيق الذى على الكرش والامعاء. (4) مجمع البيان 4: 379. (*)

[122]

وقال البيضاوي: هي جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء وقواصع أو حوية كسفينة وسفائن، وقيل: هو عطف على " شحومهما " و " أو " بمعنى الواو. (1) " أو ما اختلط بعظم " في الكشاف وغيره: هو شحم الالية لاتصالها بالعصعص (2) وقيل: المخ، وفي الكنز: هو شحم الجنب والالية لانها مركبة على العصعص، ودخول شحم الجنب فيما حملت الظهور أظهر، وقيل: وفي الآية دلالة على حل هذه الاشياء في شريعتنا، وإلا لما كان لتخصيص اليهود بالتحريم معنى، ويدل أيضا على التخصيص قوله سبحانه: " ذلك جزيناهم ببغيهم " مع معاونة قرائن لا تخفى. (3) " وإنا لصادقون " في المجمع: أي في الاخبار عن التحريم وعن بغيهم وفي كل شئ وفي أن ذلك التحريم عقوبة لاوائلهم ومصلحة لما بعدهم إلى وقت النسخ. (4) وقال رحمه الله في قوله: " ولقد مكناكم في الارض ": أي مكناكم من التصرف فيهما وملكناكموها وجعلناها لكم قرارا " وجعلنا لكم فيها معايش " أي ما تعيشون به من أنواع الرزق ووجوه النعم والمنافع، وقيل: يريد المكاسب والاقدار عليها بالعلم والقدرة والآلات " قليلا ما تشكرون " أي أنتم مع هذه النعم التي أنعمناها عليكم لتشكروا قد قل شكركم (5) " وكلوا واشربوا " صورته صورة الامر والمراد به الاباحة وهو عام في جميع المباحات " ولا تسرفوا " أي ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، قال مجاهد: لو أنفقت مثل أحد في طاعة الله لم تكن مسرفا، ولو أنفقت درهما أو مدا في معصية الله لكان إسرافا، وقيل: معناه لا تخرجوا عن حد الاستواء في زيادة المقدار


(1) انوار التنزيل. (2) العصعص: عظم الذنب. (3) الكشاف. (4) مجمع البيان 4: 379 فيه: لمن بعدهم. (5) مجمع البيان 4: 400.

[123]

وقد حكي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال ذات يوم لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شئ ؟ والعلم علمان: علم الاديان وعلم الابدان فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله: " كلوا و اشربوا ولا تسرفوا " وجمع نبينا صلى الله عليه وآله الطب في قوله: المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته " فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. وقيل: معناه لا تأكلوا محرما ولا باطلا على وجه لا يحل، وأكل الحرام وإن قل إسراف ومجاوزة الحد وما استقبحه العقلاء وعاد بالضرر عليكم فهو إسراف أيضا لا يحل كمن يطبخ القدر بماء الورد ويطرح فيها المسك، وكمن لا يملك إلا دينارا فاشترى به طيبا وتطيب به وترك عياله محتاجين " إنه لا يحب المسرفين " أي يبغضهم. ولما حث سبحانه على تناول الزينة عند كل مسجد وندب إليه وأباح الاكل والشرب ونهى عن الاسراف وكان قوم من العرب يحرمون كثيرا من هذا الجنس، حتى أنهم كانوا يحرمون السمون والالبان في الاحرام وكانوا يحرمون السوائب والبحائر أنكر عز اسمه ذلك عليهم فقال: " قل " يا محمد: " من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " أي من حرم الثياب التي يتزين بها الناس مما أخرجها الله من الارض لعباده " والطيبات من الرزق " قيل: هي المستلذات من الرزق، وقيل: هي المحللات والاول أظهر لخلوصها يوم القيمة للمؤمنين " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " قال ابن عباس: يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا فأكلوا من طيبات طعامهم ولبسوا من جياد ثيابهم ونكحوا من صالح نسائهم ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شئ، وقيل: معناه قل: هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من الهموم والاحزان والمشقة

[124]

وهي خالصة يوم القيامة عن ذلك " كذلك نفصل الآيات " أي كما نميز لكم الآيات وندلكم بها على منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الآيات " لقوم يعلمون " انتهى (1). وأقول: يمكن أن يكون تقدير الآية: هي للذين آمنوا مخصوصة بهم وخلقناها لهم حال كونها خالصة لهم يوم القيامة أي يشركهم الكفار والمخالفون في الدنيا غصبا وخالصة لهم في القيامة لا يشركونهم فيها، فيؤيد ما ذكرنا في قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا " الآية وكأنه يؤمي إلى هذا ما ذكره أمير المؤمنين في كتابه إلى أهل مصر: واعلموا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا على دنياهم ولم يشاركهم أهل الآخرة في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم، قال الله عز اسمه: " قل من حرم زينة الله " الآية. قال الرازي: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم لان المشركين شركاؤهم فيها، خالصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد، فإن قيل: هلا قيل: للذين آمنوا ولغيرهم ؟ قلنا: للتنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الاصالة وأن الكفرة تبع لهم كقوله " ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار " ثم قال: قرأ نافع: خالصة بالرفع والباقون بالنصب، قال الزجاج: الرفع على أنه خبر بعد خبر، والمعنى قل: هي ثابتة للذين آمنوا خالصة يوم القيامة. قال أبو علي: يجوز أن يكون " خالصة " خبر المبتدا، وقوله: " للذين آمنوا " متعلقا بخالصة، والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وأما النصب فعلى الحال، والمعنى أنها ثابته للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة انتهى (2). روى الكليني باسناده (3) عن يونس بن ظبيان أو المعلى بن خنيس قال: قلت


(1) مجمع البيان 4: 413. (2) تفسير الرازي. (3) والاسناد هكذا: محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله بن أحمد عن على بن النعمان عن صالح بن حمزة عن ابان بن مصعب عن يونس بن ظبيان.

[125]

لابي عبد الله عليه السلام: مالكم من هذه الارض ؟ فتبسم ثم قال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الارض، منها سيحان وجيحون وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدونا منها شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه، يعني بين السماء والارض ثم تلا هذه الآية: " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا " المغصوبين عليها " خالصة " لهم " يوم القيامة " بلا غصب (1). ثم قال الطبرسي رحمه الله: في هذه الآية دلالة على جواز لبس الثياب الفاخرة وأكل الاطعمة الطيبة من الحلال. وروى العياشي باسناده عن الحسين بن زيد عن عمه عمر بن علي عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يشتري كساء بخمسين دينارا، فإذا أصاف (2) تصدق به لا يرى بذلك بأسا، ويقول: قل من حرم زينة الله الآية. وباسناده عن يوسف بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعليه جبة خز وطيلسان خز فنظر إلي فقلت: جعلت فداك هذا خز ما تقول فيه ؟ فقال: وما بأس بالخز، قلت: وسداه إبريسم، قال: لا بأس به فقد أصيب الحسين عليه السلام وعليه جبة خز، ثم قال: إن عبد الله بن عباس لما بعثه أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أفضل مراكبه فخرج إليهم فواقفهم. قالوا: يابن عباس بينا أنت خير الناس إذا أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم ؟ فتلا هذه الآية: " قل من حرم زينة الله " إلى آخرها: فالبس وتجمل فان الله جميل ويحب الجمال وليكن من الحلال. وفي هذه الآية أيضا دلالة على أن الاشياء على الاباحة لقوله تعالى: " من


(1) اصول الكافي 1: 409. (2) أي دخل في الصيف.

[126]

حرم " فالسمع ورد مؤكدا لما في العقل انتهى (1). ثم حصر سبحانه المحرمات بقوله: " قل حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وكأنه إشارة إلى أن أكل الطيبات والتمتع بالمستلذات المحللة ليس بحرام، بل الحكم بكونه حراما حرام لانه قول على الله بغير علم. وقيل: الفواحش جميع القبائح والكبائر ما علن منها وما خفي، وقيل: هي الزنا، وقيل: الطواف عاريا، وقيل: الاثم الذنوب والمعاصي، وقيل: ما دون الحد وقيل: الخمر والبغي الظلم والفساد، وقوله: " بغير الحق " تأكيد. قوله سبحانه: " ويحل لهم الطيبات " في مجمع البيان: معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة ويحرم علهيم القبائح وما تعافه الانفس، وقيل: يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب ويحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث، وقيل: يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم (2) وأحبارهم وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب، ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها انتهى (3). وأقول: استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الاشياء التي تستقذرها طباع أكثر الخلق بهذه الآية، وفيه نظر إذ الظاهر من سياق الآية مدح النبي صلى الله عليه وآله وشريعته بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا وإن لم نفهم طيبه، وما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا وإن لم نعلم خبثه، كالطعام اللذيذ الذي عمل من مال السرقة تستلذه الطباع وهو خبيث واقعا، وأكثر الادوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة والنكارة وتستقذرها الطباع ولم أر قائلا بتحريمها فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص ويكون موافقا لقواعد الامامية من الحسن والقبح العقليين أولى من الحمل على معنى يحتاج إلى تخصيصات كثيرة، بل ما يخرج عنهما أكثر مما يدخل فيهما


(1) مجمع البيان 4: 413. (2) جمع البرهان. (3) مجمع البيان 4: 487.

[127]

كما لا يخفى على من تتبع مواردهما، ويمكن أن يقال: هذه الآية كالصريحة في الحسن والقبح العقليين ولم يستدل بها الاصحاب رضي الله عنهم. وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته في المسالك: والطيب يطلق على الحلال قال تعالى: " كلوا من طيبات ما رزقناكم " أي من الحلال وعلى الطاهر قال تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (1) أي طاهرا، وعلى ما لا أذى فيه كالزمان الذي لا حر فيه ولا برد يقال: هذا زمان طيب، وما تستطيبه النفس ولا تنفر منه كقوله تعالى: " يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات " (2) إذ ليس المراد منها هنا الحلال لعدم الفائدة في الجواب على تقديره لانهم سألوه أن يبين لهم لهم الحلال، فلا يقول في الجواب: الحلال، ولا الطاهر لانه إنما يعرف من الشرع توقيفا، ولا ما لا أذى فيه لان المأكول لا يوصف به، فتعين المراد ردهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه لردهم إلى عادتهم وما هو مقرر في طباعهم، ولان ذلك هو المتبادر من معنى الطيب عرفا، وفي الاخبار ما ينبه عليه، والمراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الاوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي وذوي الاضطرار من جفاة العرب فانهم يستطيبون ما دب ودرج كما سئل بعضهم مما يأكلون، فقال: كل ما دب ودرج إلا ام جنين. فقال بعضهم: ليهن ام جنين العافية لكونها أمنت أن تؤكل، هذا خلاصة ما قرره الشيخ في المبسوط وغيره إلا أنه فصل أولا المحلل إلى حيوان وغيره وقسم الحيوان إلى حي وغيره، وقال: ما كان من الحيوان حيا فهو حرام حيث لم يرد به الشرع، محتجا بأن ذبح الحيوان محظور، وما كان من الحيوان غير حي أو من غيره فهو على أصل الاباحة وفي استثناء الحيوان الحى من ذلك نظر لعموم الادلة والاستناد إلى تحريم ذبحه بدون الشرع في حيز المنع، فهذا هو الاصل الذي يرجع إليه في باب الاطعمة انتهى (3).


(1) النساء: 43. (2) المائدة: 4. (3) المسالك.

[128]

وأقول: قد عرفت ضعف بعض هذا الكلام فيما مضى، ونقول أيضا: قوله: " ليس المراد الحلال " في محل المنع لاحتمال أن يكون اللام للعهد، أي ما بينا لكم حله، ثم ذكر سائر المحللات بعده، وذكره لعنوان الطيبات لبيان أن ما أحللناه لكم هو الطيب واقعا فكذا ما أحللناه لكم، وقوله: " لانه إنما يعرف من الشرع " لا يصلح دليلا لعدم حمل الجواب عليه بعد بيان الله في كتابه وعلى لسان نبيه النجاسات فيفيد أن غير النجاسات المنصوص عليها حلال وما خرج عنها بدليل، ثم قوله: " لان المأكول لا يوصف به " في محل المنع لان كثيرا من المأكولات والمشروبات تفسد العقل أو البدن، وأيضا حصر معنى الطيب فيما ذكره ممنوع إذ يحتمل أن يكون المراد بالطيب ما لم يكن فيه خبث معنوي وقبح واقعي لتضمنه ضررا دينيا أو دنيويا وإن أمكن إرجاعه إلى ما لا أذى فيه. " ورزقناهم من الطيبات " يحتمل بعض الوجوه المتقدمة " فأخرج لكم من الثمرات رزقا لكم " إنما قال: " من الثمرات " لان جميعها لا تصلح لذلك، ويحتمل البيان. قال البيضاوي: رزقا لكم تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس وهو مفعول " أخرج " و " من الثمرات " بيان أو حال منه، ويحتمل عكس ذلك، ويجوز أن يراد به المصدر فينصب بالعلة أو المصدر لان " أخرج " في معنى " رزق ". " وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره " أي بمشيته إلى حيث توجهتم " وسخر لكم الانهار " فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم، وقيل: تسخيرها هذه الاشياء تعليم كيفية اتخاذها (1). وأقول: الآية تدل على حل ثمرات ما يخرج من الارض وجواز الانتفاع بها أكلا وشربا ولبسا، وعلى جواز اتخاذ الفلك وركوبها، وعلى جواز الشرب من الانهار والوضوء والغسل وسائر الانتفاعات بها إلا ما أخرجه الدليل، وكذا سقي الزروع والاشجار ورشها على الارض وغير ذلك من الانتفاعات التي لم يرد نهي عنها


(1) انوار التنزيل:

[129]

وجعلنا لكم قبلها (1) والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون. وجعلنا لكم فيها معايش " تعيشون بها، وفي المجمع: أي خلقنا لكم في الارض معايش من زرع أو نبات، وقيل: معناه أي مطاعم ومشارب تعيشون بها، وقيل: هي التصرف في أسباب الرزق في مدة الحياة " ومن لستم له برازقين " يعني العبيد و الدواب يرزقهم الله تعالى ولا ترزقونهم (2). وقال البيضاوى: عطف على " معايش " أو محل " لكم ". " فأسقيناكموه " أي جعلناه لكم سقيا " وما أنتم له بخازنين " أي بحافظين و لا محرزين بل الله يحفظه ثم يرسله من السماء ثم يحفظه في الارض ثم يخرجه من العيون بقدر الحاجة. (3) " وإن لكم في الانعام لعبرة " قال البيضاوى: أي دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم " نسقيكم مما في بطونه " استيناف لبيان العبرة وإنما ذكر الضمير ووحده هنا للفظه وأنثه في سورة المؤمنين للمعنى، فان الانعام اسم جمع، ومن قال: إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فان اللبن لبعضها دون جميعها، أو الواحدة أوله على المعنى فان المراد به الجنس وقرأ جماعة بالفتح " من بين فرث ودم لبنا " فانه يخلق من بعض الاجزاء الدم المتولد من الاجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي الاشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش، وعن ابن عباس أن البهيمة إذا انعلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما، ولعله إن صح فالمراد أو وسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن، لانهما لا يتكونان في الكرش ويبقى ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا فيحدث أخلاط أربعة معها مائية فيميز القوة المميزة تلك المائية مما زاد على قدر الحاجة من المريتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم يوزع الباقي على الاعضاء بتجبنها فيجري


(1) هكذا في النسخ ولعل الصحيح: جعلنا لكم قبلها الارض. (2) مجمع البيان 6: 333. (3) انوار التنزيل:

[130]

إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم، ثم إن كان الحيوان انثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرودة والرطوبة على مزاجها فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لاجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع فيبيض بمجاورة لحومها البيض فيصير لبنا، ومن تدبر صنع الله في إحداث الاخلاط والالبان وإعداد مقارها ومجاريها والاسباب المولدة والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق اضطر إلى الاقرار بكمال حكمته وسبوغ رحمته، و " من " الاولى تبعيضية لان اللبن بعض ما في بطنها، والثانية ابتدائية كقولك: " سقيت من الحوض " لان بين الفرث والدم المحل الذي يبتدئ منه الاستسقاء وهى متعلقة " بنسقيكم " أو حال من " لبنا " قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة " خالصا " صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث، أو مصفى عما يصحبه من الاجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه " سائغا للشاربين " سهل المرور في حلقهم انتهى (1). وقال الرازي في تأويل الآية: المراد أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من الاجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الاشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، فهذا اللبن متولد من الاجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولا ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيا، وصفاه الله تعالى عن تلك الاجزاء الكثيفة الغليظة، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبنا موافقا لبدن الطفل انتهى (2). " ومن ثمرات النخيل والاعناب " قيل: متعلق بمحذوف، أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والاعناب من عصيرهما، وقيل: أي ولكم عبرة فيما أخرج الله لكم من ثمرات النخيل والاعناب، وقيل: معناه من ثمرات النخيل والاعناب ما تتخذون منه سكرا، والعرب تضمر ما الموصولة كثيرا، والاعناب عطف على الثمرات، والسكر


(1) انوار التنزيل: (2) تفسير الرازي:

[131]

اختلف المفسرون في معناه فقيل: السكر: الخمر، والرزق الحسن: التمر والزبيب والدبس والسيلان والخل، وقيل: " سكرا " مفعول " تتخذون " على جهة الاستفهام وعامل " رزقا " مقدر، والتقدير: تتخذون منه سكرا وقد رزقناكم منه رزقا حسنا ؟ فيكون فيه جمع بين المعاتبة والمنة، ولذلك أسند الاتخاذ إليهم، وقيل: السكر: الخل، والرزق الحسن: ما هو خير منه، وقيل: السكر: كل ما حرم الله من ثمارها خمرا كان أو غيره كالنبيذ والفقاع وما أشبههما، والرزق الحسن: ما أحله الله من ثمارهما وقيل: السكر: ما يشبع ويسد الجوع. وقال علي بن إبراهيم: السكر: الخل، وروي عن الصادق عليه السلام أنها نزلت قبل آية التحريم فنسخت بها (1). وفيه دلالة على أن المراد به الخمر، وقد جاء بالمعنيين جميعا، قيل: وعلى إرادة الخمر لا يستلزم حلها في وقت لجواز أن يكون عتابا ومنة قبل بيان تحريمها، ومعنى النسخ نسخ السكوت عن التحريم، فلا ينافي ما جاء في أنها لم تكن حلالا قط، وفي مقابلتها بالرزق الحسن تنبيه على قبحها " إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات. " ورزقكم من الطيبات " قال البيضاوى: أي من اللذائذ والحلالات، و " من " للتبعيض فان المرزوق في الدنيا أنموذج منها " أفبالباطل يؤمنون " وهو أن الاصنام ينفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم عليهم كالسوائب والبحائر " وبنعمة الله يكفرون " حيث أضافوا نعمه إلى الاصنام أو حرموا ما أحل الله لهم " فكلوا مما رزقكم الله " قال: أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعد ما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه ثم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال: " ولا تقولوا لما تصف به ألسنتكم " كما قالوا: " ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا " الآية، وسياق الكلام وتصدير الجملة بانما يفيد حصر المحرمات


(1) تفسير القمى:

[132]

في الاجناس الاربعة إلا ما ضم إليه دليل كالسباع، وانتصاب " الكذب " " بلا تقولوا " و " هذا حلال وهذا حرام " مفعول " لا تقولوا " أو " الكذب " منتصب " بتصف " و " ما " مصدرية، أي لا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، كما أن حقيقة الكذب كانت مجهولة، وألسنتهم تصفها و تعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من فصيح الكلام كقولهم: " وجهها يصف الجمال، وعينها يصف السحر ". " لتفتروا " تعليل لا يتضمن الغرض " أزواجا " أي أصنافا سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض " من نبات " بيان أو صفة لازواجا وكذلك " شتى " ويحتمل أن يكون صفة للنبات فانه من حيث أنه مصدر في الاصل يستوي فيه الواحد والجمع، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى، أي متفرقات في الصور والاعراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم، فلذلك قال: " كلوا وارعوا أنعامكم " وهو حال من ضمير " فأخرجنا " على إرادة القول، أي أخرجنا أصناف النبات قائلين: كلوا وارعوا، والمعنى معدبها لانتفاعكم بالاكل والعلف آذنين فيه (1). " كلوا من طيبات ما رزقناكم " في المجمع: صورته الامر والمراد به الاباحة " ولا تطغوا فيه " أي ولا تتعدوا فيه فتأكلوه على الوجه المحرم عليكم، وقيل: أي لا تتجاوزوا عن الحلال إلى الحرام أو لا تتناولوا من الحلال للاستعانة به على المعصية " فيحل عليكم غضبي " أي فيجب عليكم عقوبتي، ومن ضم الحاء فالمعنى فتنزل عليكم عقوبتي (2) " ماء بقدر " قيل: بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره أو بمقدار ما علمناه من صلاحهم " فأسكناه " فجعلناه ثابتا مستقرا في الارض " وإنا على ذهاب به " أي على إزالته بالافساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه " لقادرون " كما كنا قادرين على إنزاله " فأنشانا لكم به " أي بالماء " لكم فيها " في الجنات " فواكه كثيرة " تتفكهون بها " ومنها " أي ومن الجنات ثمارها وزروعها " تأكلون " تغذيا أو ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم: فلان يأكل من حرفته


(1) انوار التنزيل: (2) مجمع البيان ج 7 ص 33.

[133]

ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والاعناب، أي لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه " وشجرة " عطف على جنات " تخرج من طور سيناء " جبل موسى بين مصر وايله، وقيل: بفلسطين " تنبت بالدهن " أي متلبسا بالدهن مستصحبا له، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية لتنبت كما في قولك: ذهبت بزيد. " وصبغ للآكلين " عطف على الدهن جار على إعرابه، عطف أحد وصفي الشئ على الآخر، أي تنبت بالشئ الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج به، وكونه إداما يصبغ به الخبز أي يغمس به للائتدام " سخر لكم ما في السموات " بأن جعله أسبابا (1)، محصلة لمنافعكم " وما في الارض " بأن مكنكم من الانتفاع به أو بوسط أو بغير وسط " ظاهرة وباطنة " أي محسوسة ومعقولة أو ما تعرفونه وما لا تعرفونه " إلى الارض الجرز " أي التي جرز نباتها، أي قطع وازيل لا التي لا تنبت لقوله: " فنخرج به زرعا " وقيل: اسم موضع باليمن " تأكل منها " أي من الزرع " أنعامهم " كالتبن والورق " وأنفسهم " كالحب والثمر " أفلا يبصرون " فيستدلون به على كمال قدرته وفضله " وأخرجنا منها حبا " جنس الحب " فمنه يأكلون " قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به " ليأكلوا من ثمره " أي ثمر ما ذكرو هو الحبات، وقيل: الضمير لله على طريقة الالتفات والاضافة إليه لان الثمر بخلقه " وما عملته أيديهم " عطف على الثمر والمراد ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما، وقيل: " ما " نافية، والمراد أن التمر بخلق الله لا بفعلهم " أفلا يشكرون " أمر بالشكر لانه إنكار لتركه " خلق الازواج كلها " أي الانواع والاصناف " مما تنبت الارض " من النبات والشجر " ومن أنفسهم " الذكر والانثى " ومما لا يعلمون " وأزواجا ومما لم يطلعهم الله عليه


(1) زاد في المصدر: ومكنكم من الانتفاع به والعروج إليه بسلطان العلم والقدرة كما قال سبحانه: لا تنفذون الا بسلطان.

[134]

ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته (1) " فأنبتنا فيها حبا " كالحنطة والشعير " وعنبا وقضبا " يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه: إذا قطعه لانها تقضب مرة بعد اخرى " وحدائق غلبا " أي عظاما، وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لانها ذات أشجار غلاظ، مستعار من وصف الرقاب " وفاكهة وأبا " أي مرعى من أب: إذا أم لانه يؤم وينتجع، أو من أب لكذا: إذا تهيأ له لانه مهيأ للرعي، أو فاكهة يابسة تؤب للشتاء " متاعا لكم ولانعامكم " فان الانواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف. 1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه القاسم بن محمد عن المنقري عن حفص ابن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها. الخبر (2). 2 - المحاسن: عن محمد بن علي عن محمد بن أسلم عن عبد الرحمن بن سالم عن المفضل بن عمر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني جعلت فداك لم حرم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم سواه من رغبة منه فيما حرم عليهم، ولا زهد (3) فيما أحل لهم، ولكنه عزوجل خلق الخلق وعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله لهم وأباحه تفضلا منه عليهم به تبارك وتعالى لمصلحتهم، وعلى عزوجل ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر وأباحه له في الوقت (4) الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك، ثم قال: أما الميتة فلا يدمنها (5) أحد


(1) ومن القوى أن يكون معناه انه خلق الزواج كلها مما تنبت الارض ومن انفسهم ومما لا يعلمونه مما له تأثير في خلقها. (2) تفسير القمى: (3) في المصدر: " ولا زاهدا " وفى الكافي: رغبة منها فيما حرم عليهم ولا زاهدا. (4) في المصدر والكافي: واحله في الوقت. (5) ادمن الشئ: أدامه.

[135]

إلا ضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوته وانقطع نسله ولا يموت آكل الميتة إلا فجأة، وأما الدم فانه يورث أكله الماء الاصفر ويبخر الفم (1) ويسئ الخلق ويورث الكلب (2) والقسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه ولا يؤمن على حميمه ولا يؤمن على من يصحبه. وأما لحم الخنزير فان الله تبارك وتعالى مسخ قوما في صور شتى شبه الخنزير والدب والقرد وما كان من الامساخ (3)، ثم نهى عن أكل المثلة نسلها (4) لكيلا ينتفع الناس بها ولا يستخف بعقوبته. وأما الخمر فانه حرمها لفعلها وفسادها وقال: مد من الخمر يورثه الارتعاش ويذهب بنوره ويهدم مروءته ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر أن يثب (5) على حرمه ولا يعقل ذلك، والخمر لا تزيد شاربها إلا كل شر (6). الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن عمرو ابن عثمان عن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام وعدة من أصحابنا أيضا عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن أسلم عن عبد الرحمن بن سالم عن مفضل ابن عمر مثله (7). بيان: يظهر من سند المحاسن أنه سقط: " عن محمد بن علي " قبل " عن محمد


(1) في المصدر والكافي: ويبخر الفم وينتن الريح ويسئ الخلق. (2) في المحاسن: " الكلف " ولعله مصحف. (3) في الكافي: من المسوخ. (4) في المخطوطة: " ثم نهى عن أكلها وأكل نسلها " وفى المحاسن: " عن أكلها أكل شبهها وفى الكافي: ثم نهى عن أكله للمثلة. (5) وثب يثب: نهض وقام، قفز وطفر. ولعله كناية عن الزنا أو القتل. (6) المحاسن: 314. (7) فروع الكافي 6: 242.

[136]

ابن أسلم " في نسخ الكافي. وفي القاموس: البلغة بالضم: ما يتبلغ به من العيش، وقال: الكلب بالتحريك العطش والحرص والشدة والاكل الكثير بلا شبع، وصياح من عضه الكلب الكلب وجنون الكلاب المعترى من أكل لحم الانسان وشبه جنونها المعترى للانسان من عضها انتهى وكأن المراد إما العطش أو الحرص في الاكل أو جنون يشبه حالة من عضه الكلب. وفي القاموس: مثل بفلان مثلا ومثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا، وهي المثلة بضم الثاء وسكونها، والوثوب: كناية عن الجماع، والحرم بضم الحاء وفتح الراء: اللواتي تحريم نكاحهن، ويحتمل أن يراد بالوثوب القتل، وبالحرمة نساؤه كما في القاموس. 3 - معاني الاخبار: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " (1) قال الباغي: الذي يخرج على الامام، والعادي: الذي يقطع الطريق، لا يحل لهما الميتة (2). 4 - وقد روي أن العادي اللص، والباغي الذي يبغي الصيد لا يجوز لهما التقصير في السفر ولا أكل الميتة في حال الاضطرار (3). 5 - العياشي: عن محمد بن إسماعيل رفع إلى ابي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الظالم، والعادي: الغاصب (4). [6 - ومنه عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر


(1) البقرة: 173. والانعام: 145. (2) معاني الاخبار: 214 (طبعة الغفاري). (3) معاني الاخبار: 214. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 74.

[137]

غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق لا يحل لهما الميتة. 7 - وقد روي أن العادي: اللص، والباغي: الذي يبغي الصيد، لا يجوز لهما التقصير في السفر ولا أكل الميتة في حال الاضطرار. 8 - دعائم الاسلام: عن محمد بن اسماعيل رفع إلى أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الظالم، والعادي: الغاصب]. 9 - ومنه (1) عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " (2) قال الباغي: الخارج على الامام، والعادي: اللص (3). بيان: الذي يتلخص من مجموع الاخبار هو أن السفر الذي لا يجوز فيه قصر الصلاة والصوم للمعصية والعدوان لا يحل أكل الميتة إذا اضطر فيه إليها. 10 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه ذكر ما يحل أكله وما يحرم بقول مجمل فقال: أما ما يحل للانسان أكله مما خرجت الارض فثلاثة أصناف من الاغذية: صنف منها جميع صنوف الحب (4) كله كالحنطة والارز والقطنية وغيرها والثاني: صنوف الثمار كلها، والثالث: صنوف البقول والنبات، فكل شئ من هذه الاشياء فيه غذاء للانسان ومنفعة وقوة فحلال أكله، وما كان فيه المضرة (5) فحرام أكله إلا في حال التداوي به، وأما ما يحل أكله من لحوم الحيوان فلحم البقر والغنم والابل، ومن لحوم الوحش كل ما ليس له ناب ولا مخلب، ومن لحوم الطير كل ما


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 74. (2) ما جعلناه بين العلامتين زائد من سهو المقابلة راجع ط كمباني ص 765. (ب) (3) لم يذكر الحديثان المرويان عن دعائم الاسلام في النسخة المخطوطة: والكتاب ليس عندي. (4) في المخطوطة: جميع صنوف الحبوب. (5) في المخطوطة: من المضرة.

[138]

كانت له قانصة، ومن صيد البحر كل ماله قشر، وما عدا ذلك كله من هذه الاصناف فحرام أكله، وما كان من البيض مختلف الطرفين فحلال أكله، وما يستوي طرفاه فهو من بيض ما لا يؤكل لحمه (1). بيان: قال في النهاية: " فيه كان يأخذ من القطنية العشر " هي بالكسر والتشديد واحدة القطاني كالعدس والحمص واللوبيا ونحوها (2). وفي القاموس: القطنية بالضم والكسر: النبات وحبوب الارض أو ما سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر، أو هي الحبوب التي تطبخ. الشافعي: العدس والخلر (3) والفول والدجر والحمص، الجمع القطاني، أو هي الخلف وخضر الصيف. 11 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: المضطر يأكل الميتة وكل محرم إذا اضطر إليه (4). 12 - وقال جعفر بن محمد عليه السلام: إذا اضطر المضطر إلى أكل الميتة أكل حتى يشبع وإذا اضطر إلى الخمر شرب حتى يروي، وليس له أن يعود إلى ذلك حتى يضطر إليه أيضا (5). 13 - ومنه: عن أبي جعفر عليه السلام أنه ذكر الجبن الذي يعمله المشركون وأنهم يجعلون فيه الانفحة من الميتة ومما لم يذكر اسم الله عليه، قال: إذا علم ذلك لم يؤكل وإن كان الجبن مجهولا لا يعلم من عمله وبيع في سوق المسلمين فكله (6). 14 - تفسير النعماني: بأسانيده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: وأما ما في القرآن تأويله في تنزيله فهو كل آية محكمة نزلت في تحريم شئ من الامور المتعارفة التي كانت في أيام العرب، تأويلها في تنزيلها، فليس يحتاج فيها إلى تفسير أكثر من تأويلها، وذلك مثل قوله تعالى في التحريم: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم


(1) دعائم الاسلام: ليس عندي. (2) النهاية 3: 298. (3) الخلر: نبات، وقيل: انه الفول أو الماش. (4 - 6) دعائم الاسلام: ليس عندي. (*)

[139]

وأخواتكم " (1) إلى آخر الآية، وقوله: " انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " (2) الآية، وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " (3) الآية إلى قوله: " أحل الله البيع وحرم الربا " (4) وقوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم " (5) إلى آخر الآية، ومثل ذلك في القرآن كثير مما حرم الله سبحانه لا يحتاج المستمع له إلى مسألة عنه، وقوله عزوجل في معنى التحليل: " احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " (6) وقوله: " وإذا حللتم فاصطادوا " (7) وقوله تعالى: " يسئلونك ماذا احل لهم " إلى قوله: " مما علمكم الله " (8) وقوله: وطعامكم حل لهم " (9) وقوله: " أوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم " (10) وقوله: " واحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " (11) وقوله: " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " (12) ومثله كثير (13). تفسير علي بن إبراهيم مرسلا مثله (14). 15 - المحاسن: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثر لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، فقال: يقوم ما فيها ثم يؤكل لانه يفسد وليس له بقاء، فان جاء طالب لها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري


(1) النساء: 3. (2) البقرة: 173. (3) البقرة: 278. (4) البقرة: 275. (5) الانعام: 151. (6) المائدة: 96. (7) المائدة: 2. (8) المائدة: 4. (9) المائدة: 5. (10) المائدة: 1. (11) البقرة: 187. (12) المائدة: 87. (13) المحكم والمتشابه: (14) تفسير القمى:

[140]

سفرة مسلم أو سفرة مجوسي ؟ فقال: هم في سعة حتى يعلموا (1). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي مثله (2). 16 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل الرؤياني عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الاشعث عن موسى بن إسماعيل عن أبيه اسماعيل بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: سئل علي عليه السلام عن سفرة وجدت في الطريق فيها لحم كثير وخبز كثير وبيض وفيها سكين، فقال: يقوم ما فيها ثم يؤكل لانه يفسد، فإذا جاء طالبها غرم له، فقالوا له: يا امير المؤمنين لا نعلم أسفرة ذمي هي أم مجوسي ؟ فقال: هم في سعة من أكله حتى يعلموا (3). ومنه بهذا الاسناد قال: سئل علي عليه السلام عن شاه مسلوخة واخرى مذبوحة عمي على صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة، فقال: يرمى بهما جميعا إلى الكلاب (4). 18 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إن وجدت لحما ولم تعلم أنه ذكى أو ميتة فألق منه قطعة على النار فان تقبض فهو ذكي وإن استرخى على النار فهو ميت، وكل صيد إذا اصطدته في البر والبحر حلال سوى ما قد بينت لك مما جاء في الخبر بأن أكله مكروه (5). توضيح وتبيين: اعلم أنه يستفاد من هذه الاخبار أحكام مهمة: الاول يستفاد من رواية السكوني والديباجي أن الاصل في اللحم المطروح التذكية ما لم يعلم أنه ميتة، كما هو الظاهر مما مر من عمومات الآيات والاخبار، ومن


(1) المحاسن. 452. (2) فروع الكافي 6: 297. (3) نوادر الراوندي: 50 فيه: هم في سعة ما لم يعلموا. (4) نوادر الروندى: 46. (5) فقه الرضا:

[141]

حصر المحرمات في أشياء معدودة ليس هذا منها، ويمكن تقييده بما إذا كان في بلاد المسلمين، وكأنه الظاهر بل يمكن تخصيصه بما إذا دلت القرائن على أنها كانت من مسلم، ولا ينافيه قول السائل: " أو سفرة مجوسي " إذ محض الاحتمال يكفي لهذا السؤال، لكن قوله: " حتى يعلموا " يدل على أن مع الظن بكونه من كافر يجوز أكله إلا أن يحمل العلم على ما يعم الظن، والمشهور بين الاصحاب خلافه، والاصل عندهم عدم التذكية حتى يعلم بها أو يؤخذ من يد مسلم أو من سوق المسلمين، حتى بالغ بعضهم بأن جلد المصحف إذا وجد في مسجد جلده في حكم الميتة، وذهب بعض الاصحاب إلى أنه يجوز التعويل على الامارات المفيدة للظن في ذلك، قال الشهيد الثاني قدس سره في التقاط النعلين والاداوة والسوط: لا يخفى أن الاغلب على النعل، أن يكون من الجلد وكذا الاداوة والسوط، وإطلاق الحكم بجواز التقاطها إما محمول على ما لا يكون منها من الجلد لان المطروح منه مجهولا ميتة لاصالة عدم التذكية، أو محمول على ظهور أمارات تدل على ذكاته، فقد ذهب بعض الاصحاب إلى جواز التعويل عليها. وقال العلامة رحمه الله في التحرير لو وجد ذبيحة مطروحة لم يحل له أكلها ما لم يعلم أنها تذكية مسلم أو يوجد في يده (1). وقال المحقق الاردبيلي نور الله ضريحه في شرح الارشاد: دليل اجتناب اللحم المطروح غير معلوم الذبح هي أن الاصل في الميتة التحريم، لان زوال الروح معلوم والتذكية مشروطة بامور كثيرة وجودية والاصل عدمها، ولكن قد يعلم بالقرائن و لهذا يعلم الهدي إذا ذبح، ويدل عليه بعض الاخبار أيضا عموما مثل صحيحة عبد الله بن سنان من تغليب الحلال وخصوصا رواية السكوني - وذكر هذه الرواية - ثم قال: وضعف السند لا يضر لانها موافقة للعقل ولغيرها، وفيها أحكام كثيرة: منها طهارة اللحم المطروح والجلد كذلك، ويحمل على وجود القرينة الدالة على كونهما كانا في


(1) تحرير الاحكام:

[142]

يد المسلم، وكون اللحم في يد المجوسي غير ظاهر فيحل ذبيحة الكافر فافهم، وجواز التصرف بالاكل في مال الناس إذا علم الهلاك من غير إذن الحاكم مع التقويم على نفسه، وعدم اشتراط العدالة في المقوم والمتصرف، والغرامة للصاحب، وكون الجاهل معذورا حتى يعلم فتأمل وبالجملة القرينة المفيدة للظن الغالب معتبرة فكيف ما يفيد العلم والظن المتاخم له إنتهى (1). ثم اعلم أنه قال المحقق رحمه الله في الشرائع: إذا وجد لحم ولا يدرى، أذكى هو أم ميت قيل: يطرح في النار فان انقبض به فهو ذكى، وإن انبسط فهو ميت (2). وقال العلامة طاب ثراه في القواعد: لو وجد لحم مطروح لا يعلم ذكاته اجتنب، وقيل: يطرح في النار فان انقبض فهو ذكى، وإن انبسط فميت (3). وقال الشهيد الثاني رفعت درجته في المسالك بعد إيراد كلام المحقق: هذا القول هو المشهور بين الاصحاب خصوصا المتقدمين. قال الشهيد رحمه الله في الشرح: لم أجد أحدا خالف فيه إلا المحقق في الشرايع والفاضل فانهما أورداها بلفظ قيل، المشعر بالضعف، مع أن المحقق وافقهم في النافع، وفي المختلف لم يذكرها في مسائل الخلاف ولعله لذلك، واستدل بعضهم عليه بالاجماع، قال الشهيد: وهو غير بعيد، ويؤيده موافقة ابن إدريس عليه فانه لا يعتمد على أخبار الآحاد، فلو لا فهمه الاجماع لما ذهب إليه، والاصل فيه رواية محمد بن يعقوب باسناده إلى إسماعيل بن عمر عن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل دخل قرية فأصاب فيها لحما لم يدر أذكى هو أم ميت، قال: فاطرحه على النار فكل ما انقبض فهو ذكى، وكل ما انبسط فهو ميت (4).


(1) شرح الارشاد: (2) شرائع الاسلام: (3) قواعد الاحكام: (4) رواه الكليني في فروع الكافي 6: 26 باسناده عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن اسماعيل بن عمر.

[143]

ومع هذا الاشتهار فطريقها لا يخلو من ضعف فلتوقف المصنف عن موافقتهم في الحكم وجه وجيه، وظاهر الرواية أنه لا يحكم بحل اللحم وعدمه باختبار بعضه بل لابد من اختبار كل قطعة منه على حدة، ويلزم كل واحدة حكمها بدليل قوله " كل ما انقبض فهو حلال وكل ما انبسط فهو حرام " ومن هنا مال الشهيد رحمه الله في الدروس إلى تعديتها إلى اللحم المشتبه منه الذكي بغيره فيتميز بالنار كذلك انتهى (1). وأقول عبارة الفقه أحسن من عبارة هذا الخبر، ويدل على الاكتفاء بالقطعة في الحكم على الكل، ومما ذكره رحمه الله من امتحان كل قطعة إن كان مراده القطعات المتصلة ففي غاية البعد، ويلزم أن نفصل حيث أمكن ونختبر بل إلى الاجزاء التي لا تتجزى مع إمكان وجودها، وإن أراد القطعات المنفصلة فان لم تعلم كونها من حيوان واحد فلا ريب أنه كذلك ومع العلم فيه إشكال والاحوط التعدد. ثم اعلم أنه لا تنافي بين رواية شعيب ورواية السكوني فان الاولى ظاهرة في الني غير المطبوخ، والثانية في المطبوخ، وبعد الطبخ لا يفيد الامتحان إذ الظاهر أن الانقباض في المذكى لانه يخرج منه أكثر الدم الكائن في العروق فينجمد على النار، والميتة غالبا لا يخرج منه الدم فينجمد في العروق، فإذا مسته النار تسيل الدماء وتنبسط اللحم وبعد الطبخ تخرج منه الرطوبات ولا يبقى فيه شئ حتى يمكن امتحانه بذلك. فان قيل: جوابه عليه السلام يشمل هذا المورد أيضا. قلت: قوله: " هم في سعة " لا عموم فيه، ولو قيل: برجوع الضمير إلى الناس فيمكن حمل هذا الخبر على الاستحباب، أو يقال كونهم في سعة إذا لم يكن لهم طريق إلى العلم، وههنا لهم طريق إليه.


(1) المسالك.

[144]

الثاني ذهب أكثر الاصحاب إلى أنه إذا اختلط الذكي بالميت وجب الامتناع من الجميع حتى يعلم الذكى بعينه، لكن خصوا الحكم بما إذا كان محصورا دفعا للحرج لوجوب اجتناب الميت ولا يتم إلا باجتناب الجميع، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال " ويرد عليه أن وجوب اجتناب الميتة مطلقا ممنوع، لجواز كون التحريم مخصوصا بما إذا كان عينه معلوما (1) كما تدل عليه الاخبار الصحيحة وأما الرواية فهي عامية مخالفة للروايات المعتبرة، والاصل والعمومات وحصر المحرمات يرجح الحل، مع أنه يمكن قراءة الحرام منصوبا ليكون مفعولا وموافقا لغيرها كما ذكره المحقق الاردبيلي رحمه الله. وقيل: يباع ممن يستحل الميتة، ذهب إليه الشيخ في النهاية وتبعه ابن حمزة والعلامة في المختلف، ومال إليه المحقق قدس الله روحه في الشرايع مع قصده لبيع المذكى، والمستند صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال سمعته يقول: إذا اختلط الذكي بالميتة باعه ممن يستحل الميتة (2). وحسنة الحلبي (3) أيضا يدل عليه، ومنع ابن إدريس من بيعه والانتفاع به


(1) فيه اشكال إذ الاحكام تتعلق بذات الموضوعات مجردة عن وصفى العلم والجهل والروايات المتقدمة عدا واحدة منها في الشك البدوى الذى لا يعلم أن هذا اللحم من ذبيحة المسلم أو من غيره، ولا تشمل موردا يعلم بوجودا اللحم الميت في البين، نعم واحد منها ورد في مورد يعلم اجمالا بوجود الميت فحكم فيه بوجوب الاجتناب، واما الحديث النبوى فظاهره أن الحرام مرفوع وكونه منصوبا خلاف الظاهر لا يقال به الا بقرينة ودليل. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 260 باسناده عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن على بن الحكم عن ابى المغرا عن الحلبي وزاد في آخره: ويأكل ثمنه. (3) وهى ما رواه ايضا الكليني في الفروع 6: 260 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن حماد عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) أنه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكى منها فيعزله ويعزل الميتة ثم ان الميتة والذكى اختلطا فكيف يصنع به ؟ فقال: يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه فانه لا بأس به.

[145]

مطلقا لمخالفة الرواية لاصول المذهب، والمحقق رحمه الله وجه الرواية بما إذا قصد بيع المذكى حسب، واستشكل بأنه مع عدم التمييز يكون المبيع مجهولا، ولا يمكن إقباضه فلا يصح بيعه منفردا وأجاب في المختلف بأنه ليس بيعا حقيقيا، بل هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه فكان سائغا، وإنما اطلق عليه اسم البيع لمشابهته له في الصورة من حيث أنه بذل مال في مقابلة عوض، واعترض عليه بأن مستحل الميتة أعم ممن يباح ماله إذ لو كان ذميا كان ماله محترما (1) فلا يصح إطلاق القول ببيعه كذلك على مستحل الميتة، فالاولى العمل بالرواية الصحيحة وترك تلك المعارضات في مقابلها، نعم رواية الراوندي ظاهرها عدم جواز البيع، لكن لا تعارض هذه الصحيحة سندا مع أنه لا تعارض بينهما حقيقة فان الظاهر أن الرمي إلى الكلاب كناية عن عدم جواز استعمالهما وأكلهما (2) فلا ينافي جواز إعطائهما من يشبه الكلاب، وكأنه لم يقل أحد بتعين إطعامهما الكلاب كسائر الميتات. ومال الشهيد إلى عرضه على النار واختباره بالانبساط والانقباض كما مر في اللحم المجهول، وضعف ببطلان القياس مع وجود الفارق، وهو أن اللحم المطروح يحتمل كونه بأجمعه مذكى وكونه غير مذكى فكونه ميتة غير معلوم بخلاف المتنازع فيه فانه مشتمل على الميتة قطعا فلا يلزم من الحكم في المشتبه تحريمه كونه كذلك في المعلوم التحريم، وقال المحقق الاردبيلي رحمه الله: هو محل تأمل لما علم من الرواية العلة وهي حصول العلم بتعين إحداهما وهو أعم من المطروح المشتبه بالميتة على أنه ليس بفارق فان المطروح بحكم الميتة شرعا عندهم وإن كل واحد من الميتة والمشتبه يحتمل أن يكون ميتة فوجود الميتة يقينا هنا لا ينفع، فلا بد أن يمنع استقلال العلة مع الاشتباه، ومثله يرد في جميع القياسات المنصوصة العلة أو


(1) في المخطوطة: كان ماله محقونا. (2) يمكن أن يقال: انها تدل على اعم من الاكل والبيع فيبقى ؟ التنافى بحاله.

[146]

يمنع الاصل انتهى (1). الثالث: يدل الخبران الاولان على ما ذكره الاصحاب من أنه إذا التقط ما لا يبقى كالطعام فهو مخير بين أن يتملكه بالقيمة أو يبيعه ويأخذ ثمنه ثم يعرفه وبين أن يدفعه إلى الحاكم ليعمل فيه ما هو الحظ للمالك. ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من التقط طعاما فليأكله " لكن الخبران إنما يدلان على جواز الاكل، والاول على أنه إذا جاء صاحبه غرم له الثمن (2)، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله في محله. الرابع قوله عليه السلام: كل صيد الخ يدل على أن الاصل في الحيوان كونه حلالا وقابلا للتذكية إلا ما أخرجه الدليل. وقال الشهيد الثاني قدس سره: الاصل فيما يحل أكله وما يحرم أن يرجع إلى الشرع، فما أباحه فهو مباح وما حظره فهو محظور، وما لم يكن له في الشرع ذكر كان المرجع فيه إلى عادة العرب، فما استطابته فهو حلال، وما استخبثته فهو حرام، ثم استدل رحمه الله بالآيات المتقدمة وقد مر هنا الكلام فيه. وقال المحقق الاردبيلي طاب ثراه: قد توافق دليل العقل والنقل على إباحة أكل كل شئ خال عن الضرر، وقد تبين دلالة العقل على أن الاشياء خالية عن الضرر مباحة ما لم يرد ما يخرجه عن ذلك، والآيات الشريفة في ذلك كثيرة أيضا، مثل: " خلق لكم ما في الارض جميعا (3) - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا " (4) هما حالان مؤكدان لا مقيدان، وهو ظاهر، والاخبار أيضا كثيرة، والاجماع أيضا واقع، فالاشياء كلها على الاباحة بالعقل والنقل كتابا وسنة وإجماعا إلا ما ورد النص بتحريمه


(1) شرح الارشاد: (2) كلاهما تدل على جواز الاكل بعد التقويم، والغرامة لصاحبه ان جاء وطالب. (3) البقرة: 29. (4) المائدة: 88.

[147]

إما بالعموم مثل: " وحرم عليكم الخبائث " (1) فما علم أنه خبيث فهو حرام، ولكن معنى الخبيث غير ظاهر، إذ الشرع ما بينه واللغة غير مراد والعرف غير منضبط، فيمكن أن يقال: المراد عرف أوساط الناس وأكثرهم حال الاختبار مثل أهل المدن والدور لا أهل البادية لانه لا خبيث عندهم بل يطيبون جميع ما يمكن أكله ولا اعتداد بهم. وإما بالخصوص مثل: " حرمت عليكم الميتة " (2) الآية وبالجملة الظاهر الحل حتى يعلم أنه حرام لخبثه أو لغيره لما تقدم، ولصحيحة ابن سنان، ويؤيده حصر المحرمات مثل: " قل لا أجد " (3) الآية، فالذي يفهم من غير شك هو الحل ما لم يعلم وجه التحريم حتى في المذبوح من الحيوان وأجزاء الميتة، فما علم أنه ميتة أو ما ذبح على الوجه الشرعي فهو أيضا حرام إلا ما يستثنى، وأما المشتبه والمجهول غير المستثنى فالظاهر من كلامهم أنه حرام أيضا وفيه تأمل قد مر إليه الاشارة، هذه الضابطة على العموم من غير نظر إلى دليل خاص، وما ورد فيه دليل الخصوصية مفصلا فهو تابع لدليله تحريما وتحليلا فتأمل (4) انتهى كلامه قدس سره، وهو في غايه المتانة. 19 - الفقيه والتهذيب: عن أبي الحسين الاسدي عن سهل بن زياد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام أنه قال: سألته عما أهل لغير الله به، قال: ما ذبح لصنم أو وثن أو شجر حرم الله ذلك كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه أن يأكل الميتة، قال: فقلت له: يابن رسول الله صلى الله عليه وآله متى تحل للمضطر الميتة ؟ فقال:


(1) الصحيح: " ويحرم عليكم الخبائث " راجع الاعراف: 157. (2) المائدة: 3. (3) الانعام: 145. (4) شرح الارشاد:

[148]

حدثني أبي عن أبيه آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل فقيل: يا رسول الله إنا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة ؟ قال: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفؤا بقلا فشأنكم بها. قال عبد العظيم: فقلت له: يابن رسول الله ما معنى قوله عزوجل: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " (1) قال: العادي السارق، والباغي الذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذ اضطرا، هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر، فقلت: فقوله: " والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " (2) قال: المنخنقة: التي انخنقت بأخناقها حتى تموت، والموقوذة: التي مرضت ووقذها المرض حتى لم يكن بها حركة، والمتردية التي تتردى من مكان مرتفع إلى أسفل أو تتردى من جبل أو في بئر فتموت، والنطيحة: التي تنطحها بهيمة اخرى فتموت، وما أكل السبع منها فمات، وما ذبح على النصب على حجر أو صنم إلا ما أدركت زكاته (3) فذكي، قلت: " وأن تستقسموا بالازلام " (4) قال: كانوا في الجاهلية يشترون بعيرا فيما بين عشرة أنفس ويستقسمون عليه بالقداح وكانت عشرة، سبعة لها أنصباء (5) وثلاثة لا أنصباء لها، أما التي لها أنصباء فالفذ والتوأم والنافس والحلس والمسبل والمعلى والرقيب، وأما التي لا أنصباء لها فالسفيح والمنيح والوغد (6)، فكانوا يجيلون السهام بين عشرة، فمن خرج باسمه


(1) البقرة: 173. (2) المائدة: 4. (3) في الفقيه: الا ما ادرك زكاته. (4) المائدة: 4. (5) الانصباء جمع النصيب: الحظ، الحصة من الشئ. (6) هذه اسام لسهام الميسر.

[149]

سهم من التي لا أنصباء لها الزم ثلث ثمن البعير فلا يزالون كذلك حتى تقع السهام الثلاثة لا أنصباء لها إلى ثلاثة منهم فيلزمونهم ثمن البعير ثم ينحرونه ويأكله السبعة الذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا، ولم يطعموا منه الثلاثة الذين نقدوا ثمنه شيئا، فلما جاء الاسلام حرم الله تعالى ذكره ذلك فيما حرم، وقال عزوجل " وأن تستقسموا بالازلام ذلكم فسق " يعني حراما (1). تبيين: المخمصة: المجاعة: قوله عليه السلام: " ما لم تصطبحوا " هذا الخبر روته العامة أيضا عن أبي واقد عن النبي صلى الله عليه وآله واختلفوا في تفسيره: قال في النهاية: ومنه الحديث أنه سئل متى تحل لنا الميتة ؟ فقال: " ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفؤا بها بقلا " الاصطباح ههنا: أكل الصبوح وهو الغداء، والغبوق: العشاء، وأصلهما في الشرب ثم استعملا في الاكل، أي ليس لكم أن تجمعوهما من الميتة، قال الازهري: قد أنكر هذا على أبي عبيد وفسر أنه أراد إذا لم تجدوا لبنية تصطبحونها أو شرابا تغتبقونه ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة، وقال: هذا هو الصحيح (2). وقال في باب الحاء مع الفاء: قال أبو سعيد الضرير: صوابه " ما لم تحتفوا بها " بغير همز من أحفى الشعر، ومن قال: " تحتفئوا " مهموزا من الحفأ وهو البرري فباطل لان البرري ليس من البقول، وقال أبو عبيد: هو من الحفأ مهموز مقصور و هو أصل البرري الابيض الرطب منه، وقد يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه، ويروى ما لم تحتفوا بتشديد الفاء من احتففت الشئ: إذا أخذته كله كما تحف المرأة وجهها من الشعر (3). وقال في باب الجيم مع الفاء: ومنه الحديث: " متى تحل لنا الميتة ؟ قال: ما لم تجتفئوا بقلا " أي تقتلعوه وترموا به من جفأت القدر: إذا رميت بما يجتمع


(1) من لا يحضره الفقيه 3: 216 و 217 تهذيب الاحكام: (2) النهاية 2: 271. (3) النهايه 1: 276.

[150]

على رأسها من الزبد والوسخ (1). وقال في باب الخاء مع الفاء: " أو تختفوا بقلا " أي تظهرونه يقال: اختفيت الشئ: إذا أظهرته، وأخفيته: إذا سترته انتهى (2). وقال الطيبي: " تحتفوا بها " أي بالارض، فشأنكم بها: أي الزموا الميتة و " أو " بمعنى الواو، فيجب نفي الخلال الثلاث حتى تحل لنا الميتة، و " ما " للمدة أي يحل لكم مدة عدم اصطباحكم انتهى. وأقول: في بعض نسخ الفقيه بالواو في الموضعين فلا يحتاج إلى تكلف، وعلى الحاء المهملة يحتمل أن تكون كنايه عن استيصال البقل فان هذا شايع في عرفنا على التمثيل، فلعله كان في عرفهم أيضا كذلك، وفي بعض نسخ التهذيب " تحتقبوا " بالحاء المهملة والقاف والباء الموحدة فالمراد به الادخار، قال في القاموس احتقبه: ادخره وقال: الحقيبة كل ما شد في مؤخر رحل أو قتب، والظاهر أنه تصحيف. " باخناقها " كأنه على بناء الافعال، أي بأن يخنقها غيره أو بأن يختنق في مضيق، أو بالفتح على صيغة الجمع أي بأسباب خنقها، قال الجوهري: الخنق بكسر النون مصدر قولك خنقه يخنقه وكذلك خنقه، ومنه الخناق وأخنق هو واختنقت الشاة بنفسها فهي منخنقة. وفي القاموس: الزلم محركة: قدح لا ريش عليه، والانصباء جمع النصيب والاسماء السبعة المذكورة في الخبر على خلاف الترتيب المشهور، ولعله من الرواة أو يقال: انه عليه السلام لم يكن بصدد تعليمه بل أشار مجملا إلى ما كانوا يعملونه، بل يمكن أن يكون عليه السلام تعمد ذلك لئلا يكون تعليما للقمار وإن أمكن الاستدلال به على جواز تعليم القمار وتعلمه لغير العمل، قال الجوهري: سهام الميسرة عشرة: أولها الفذ، ثم التوأم، ثم الرقيب، ثم الحلس ثم النافس ثم المسبل ثم المعلى،


(1) النهاية 1: 195. (2) النهاية 1: 343.

[151]

وثلاثة لا أنصباء لها وهي السفيح والمنيح والوغد انتهى. مع أن بينهم أيضا خلافا في بعضها: قال الفيروز آبادي: المسبل كمحسن: السادس أو الخامس من قداح الميسر (1). 20 - تحف العقول: في خبر طويل عن الصادق عليه السلام قال: أما ما يحل للانسان أكله مما أخرجت الارض فثلاثة صنوف من الاغذية: صنف منها جميع الحب كله من الحنطة والشعير والارز والحمص وغير ذلك من صنوف الحب وصنوف السماسم وغيرها، كل شئ من الحب مما يكون فيه غذاء الانسان في بدنه وقوته فحلال أكله، وكل شئ تكون فيه المضرة على الانسان في بدنه فحرام أكله إلا في حال الضرورة. والصنف الثاني: مما أخرجت الارض صنوف الثمار كلها مما يكون فيه غذاء الانسان ومنفعة له وقوته به فحلال أكله، وما كان فيه المضرة على الانسان في أكله فحرام أكله. والصنف الثالث جميع صنوف البقول والنبات وكل شئ تنبت الارض من البقول كلها مما فيه منافع الانسان وغذاؤه فحلال أكله، وما كان من صنوف البقول مما فيه المضرة على الانسان في أكله نظير بقول السموم القاتلة ونظير الدفلى (2) وغير ذلك من صنوف السم القاتل فحرام أكله. وأما ما يحل أكله من لحوم الحيوان فلحوم البقر والغنم والابل، وما يحل من لحوم الوحش كل ما ليس فيه ناب ولا له مخلب، وما يحل من لحوم الطير كل ما كانت له قانصة فحلال أكله، وما لم يكن له قانصة فحرام أكله، ولا بأس بأكل صنوف الجراد.


(1) وفي النافس ايضا اختلاف انه الخامس أو الرابع. (2) الدفلى بكسر اوله مقصورا: نبت زهره اعتياديا كالورد الاحمر وحمله كالخرنوب يقال له بالفارسية: خرزهره.

[152]

وأما ما يجوز أكله من البيض فكل ما اختلف طرفاه فحلال أكله وما استوى طرفاه فحرام أكله. وما يجوز أكله من صيد البحر من صنوف السمك ما كان له قشور فحلال أكله وما لم يكن له قشور فحرام أكله. وما يجوز من الاشربة من جميع صنوفها فما لا يغير العقل كثيره فلا بأس بشربه، وكل شئ يغير منها العقل كثيره فالقليل منه حرام (1). بيان: جمع السماسم إما باعتبار أنواعها من البري والبستاني أو باعتبار معانيه على المجاز أو باعتبار إطلاقها على ما يشبهها من الحبوب الصغار توسعا. قال الفيروزآبادي: السمسم بالكسر، حب الحل والبري منه يعرف بخلبهنك والجلجلان وحبه، وقال: الدفل بالكسر وكذكرى: نبت مر فارسيه: خرزهره (2) قتال، زهره كالورد الاحمر، وحمله كالخرنوب نافع للجرب والحكة طلاء ولوجع الركبة والظهر ضمادا، ولطرد البراغيث والارض (3) رشا بطبيخه، ولازالة البرص طلاء بلبه اثنى عشرة مرة بعد الانقاء. 21 - المحاسن: عن ابن محبوب عن عبد الله بن سليمان (4) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقال: لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثم أعطى الغلام دراهم (5) فقال: يا غلام ابتع لي جبنا ودعا بالغداء فتغدينا معه واتي بالجبن فقال: كل (6) فلما فرغ من الغداء قلت: ما تقول في الجبن ؟ قال أو لم ترني أكلته ؟ قلت: بلى،


(1) تحف العقول: 337 و 338. (2) في المخطوطة: يقال بفارسيه: خرزهره. (3) الارض جمع الارضة: دويبة تأكل الخشب. (4) في المصدر: ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن عبد الله بن سليمان. (5) في الكافي: درهما. (6) الكافي: فاتى بالجبن فأكل وأكلنا معه فلما فرغنا.

[153]

ولكني احب أن أسمعه منك، فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه (1) - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب مثله (2). بيان: في القاموس: الجبن بالضم وبضمتين وكعتل معروف انتهى، والظاهر أن السؤال عن الجبن لان العامة كانوا يتنزهون عنه لاحتمال أن تكون الانفحة التي يأخذون منها الجبن مأخوذة من ميتة، والانفحة عندنا من المستثنيات من الميتة فيمكن أن يكون جوابه عليه السلام على سبيل التنزل، أي لو كانت الانفحة بحكم الميتة لكان يجوز لنا أكل الجبن لعدم العلم باتخاذه منها، فكيف وهي لا يجري فيها حكم الميتة ؟ أو باعتبار نجاستها قبل الغسل على القول بها أو باعتبار أن المجوس كانوا يعملونها غالبا كما يظهر من بعض الاخبار. وقال في النهاية في حديث ابن الحنفية: " كل الجبن عرضا " أي اشتره ممن وجدته ولا تسأل عمن عمله من مسلم أو غيره مأخوذ من عرض الشئ أي ناحيته. (3) 22 - المحاسن: عن أبيه عن محمد بن سنان عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن وقلت له: أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة، فقال: من أجل (4) مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين ؟ إذا علمت أنه ميتة فلا تأكله، وإن لم تعلم فاشتر وكل (5)، والله إني لاعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجبن، والله ما أظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان (6).


(1) المحاسن: 495. (2) فروع الكافي 6: 339 وفيه: ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن عبد الله بن سليمان. (3) النهاية 3: 93. (4) في المصدر: أمن اجل. (5) في المصدر: فاشتر وبع وكل. (6) المحاسن: 945.

[154]

تبيين: اعتراض السوق أن يأتيه ويشتري من أي بايع كان من غير تفحص وسؤال، قال الجوهري: وخرجوا يضربون الناس عن عرض، أي عن شق وناحية كيفما اتفق لا يبالون من ضربوا، وقال محمد بن الحنفية: " كل الجبن عرضا " قال الاصمعي: يعني اعترضه (1) واشتره ممن وجدته ولا تسأل عن عمله (2)، أمن عمل أهل الكتاب أم عمل المجوس ؟ ويقال: استعرض العرب، أي سل من شئت منهم. وفي القاموس: بربرجيل والجمع البرابرة وهم امة بالمغرب، وامة اخرى بين الحبوش و الزنج يقطعون مذاكير الرجال ويجعلونها مهور نسائهم انتهى ثم إن الخبر يدل على جواز شراء اللحوم وأمثالها من سوق المسلمين، ومرجوحية التفحص والسؤال، و قال المحقق رحمه الله وغيره: ما يباع في أسواق المسلمين من الذبائح واللحوم يجوز شراؤه، ولا يلزم الفحص عن حاله، وقال في المسالك: لا فرق في ذلك بين ما يوجد بيد رجل معلوم الاسلام ومجهوله، ولا في المسلم بين كونه ممن يستحل ذبيحة الكتابي وغيره على أصح القولين عملا بعموم النصوص والفتاوى، ومستند الحكم أخبار كثيرة ومثله ما يوجد بأيديهم من الجلود، واعتبر في التحرير كون المسلم ممن لا يستحل ذبايح أهل الكتاب، وهو ضعيف جدا لان جميع المخالفين يستحلون ذبائحهم فيلزم على هذا أن لا يجوز أخذه من المخالفين مطلقا، والاخبار ناطقة بخلافه، واعلم أنه ليس في كلام الاصحاب ما يعرف به سوق الاسلام من غيره، فكان الرجوع فيه إلى العرف، وفي موثقة إسحاق بن عمار عن الكاظم عليه السلام أنه قال: لا بأس بالفرو اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، قلت له: وإن كان فيها غير أهل الاسلام ؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس. وعلى هذا ينبغي أن يكون العمل وهو غير مناف للعرف أيضا فيتميز سوق الاسلام بأغلبية المسلمين فيه، سواء كان حاكمهم مسلما وحكمه نافذا أم لا، عملا


(1) في المخطوطة: اعرضه. (2) ولعله تصحيف: من عمله.

[155]

بالعموم، وكما يجوز شراء اللحم والجلد من سوق الاسلام لا يلزم البحث عنه هل ذابحه مسلم أم لا ؟ وأنه هل سمى واستقبل بذبيحته القبلة أم لا ؟ ولا يستحب، و لو قيل: بالكراهة كان وجها للنهي عنه في الخبر الذي أقل مراتبه الكراهة، وفي الدروس اقتصر على نفي الاستحباب. 23 - المحاسن: عن أبيه عن صفوان عن منصور بن حازم عن بكر بن حبيب قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الجبن وأنه توضع فيه الانفحة من الميتة (1) قال: لا يصلح، ثم أرسل بدرهم قال (2): اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شئ (3). 24 - ومنه: عن اليقطيني عن صفوان عن معاوية (4) عن رجل من أصحابنا قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فسأله رجل من أصحابنا عن الجبن فقال أبو جعفر عليه السلام: إنه لطعام يعجبني فسأخبرك عن الجبن وغيره، كل شئ فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه. (5) 25 - السرائر: نقلا من كتاب المشيخة لابن محبوب عن أبي أيوب عن ضريس الكناسي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن السمن والجبن نجده في أرض المشركين في الروم أناكله ؟ قال: فقال: أما ما علمت أنه قد خالطه الحرام فلا تأكله، وأما ما لم تعلم فكله حتى تعلم أنه حرام. (6) 26 - ومنه: عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) في المحاسن: وانه يصنع فيه الانفحة قال: (2) في المصدر: فقال. (3) المحاسن: 496. (4) في المصدر: عن معاوية بن عمار. (5) المحاسن: 496. (6) السرائر:

[156]

كل شئ يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبدا حتى تعرف منه الحرام بعينه فدعه (1). 27 - تفسير الامام عليه السلام: قال عليه السلام: قال الله تعالى: " يا أيها الناس كلوا مما في الارض " من ثمارها وأطعمتها " حلالا طيبا " لكم إذا أطعتم ربكم في تعظيم من عظمه والاستخفاف بمن أهانه وصغره. (2) 28 - ومنه: قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا " بتوحيد الله ونبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وإمامة علي ولي الله: " كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله " على ما رزقكم منها بالمقام على ولاية محمد وعلي ليقيكم الله بذلك شرور الشياطين المتمردة على ربه عزوجل. (3) 29 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل (4): قال: سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه. (5) 30 - ومنه: عن أحمد بن محمد الكوفي عن محمد بن أحمد النهدي عن محمد بن الوليد عن أبان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام في الجبن قال: كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة. (6) بيان: يدل على أن أمثال هذه من قبيل ما تقبل فيه الشهادة لا الرواية وقد اختلف الاصحاب فيه.


(1) السرائر: (2) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 265 في ط. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (ع): 266. (4) تقدم الحديث بتمامه عنه وعن المحاسن تحت الرقم 21. (5) و (6) فروع الكافي 6: 339.

[157]

31 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن محرم الحلال كمحل الحرام. (1) الضوء: فائدة الحديث الامر بالانتهاء إلى ما حده الله في التحليل والتحريم، وإعلام أن من حرم الحلال عوقب معاقبة من حلل الحرام. والراوي ابن عمر. (2) 32 - المحاسن: عن حماد بن عيسى عن ابن اذينة عن محمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي وعدة قالوا: سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: التقية في كل شئ وكل شئ اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له (3). 33 - العياشي: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المضطر لا يشرب الخمر لانها لا تزيده إلا شرا، فان شربها قتلته فلا تشربن منها قطرة (4). العلل: عن علي بن حاتم عن محمد بن عمر عن علي بن محمد بن زياد عن أحمد بن الفضل (5) عن يونس بن عبد الرحمن عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير مثله، وفيه: ولانه إن شربها قتلته فلا يشرب منه قطرة (6). 34 - وروي: لا تزيده إلا عطشا (7). ثم قال الصدوق رحمه الله: جاء هذا الحديث هكذا كما أوردته، وشرب الخمر في حال الاضطرار مباح مطلق مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، وإنما أوردته لما فيه من العلة ولا قوة إلا بالله (8). 35 - العياشي: عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال: الباغي: طالب الصيد، والعادي: السارق، ليس لهما أن يقصرا


(1) الشهاب: ليست نسخته عندي موجودة. (2) الضوء ليست نسخته عندي موجودة. (3) المحاسن: 259. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 74. (5) في المصدر احمد بن الفضل المعروف بأبى عمر (و) طيبة. (6) - (8) علل الشرائع 2: 154.

[158]

من الصلاة، وليس لهما إذا اضطرا إلى الميتة أن يأكلاها ولا يحل لهما ما يحل للناس إذا اضطروا (1). 36 - تفسير الامام: قال عليه السلام قال الله عزوجل: " إنما حرم عليكم الميتة " التي ماتت حتف أنفها. بالاذباحة من حيث أذن الله فيها " والدم ولحم الخنزير " أن يأكلوه " وما اهل به لغير الله " ما ذكر اسم غير الله عليه من الذبايح وهي التى يتقرب بها الكفار بأسامي أندادهم التي اتخذوها من دون الله، ثم قال عزوجل: " فمن اضطر " إلى شئ من هذه المحرمات " غير باغ " وهو غير باغ عند ضرورته على إمام هدى " ولا عاد " ولا معتد قوال بالباطل في نبوة من ليس بنبي ولا إمامة من ليس بامام " فلا إثم عليه " في تناول هذه الاشياء " إن الله غفور " ستار لعيوبكم أيها المؤمنون " رحيم " بكم حين أباح لكم في الضرورة ما حرمه في الرخاء (2). تبيين وتفصيل:: اعلم أنه لا خلاف في الجملة في أن تحريم تناول المحرمات مختص بحال الاختيار، ومع الضرورة يسوغ التناول (3) إلا للباغي والعادي، وقد مضت الاقوال فيهما في تفسير الآية، واختلف الاصحاب أيضا فيهما فقيل: الباغي: الخارج على إمام زمانه، والعادي: الذي يقطع الطريق، وقيل: الباغي: الآخذ عن مضطر مثله بأن يكون لمضطر آخر شئ لسد رمقه فيأخذه منه، وذلك غير جائز بل يترك نفسه حتى يموت ولا يميت الغير والعادي: الذي يتجاوز مقدار الضرورة، قيل: الباغي الطالب للميتة أو الطالب للذة، والعادي: الذي يتجاوز مقدار الشبع


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 75. (2) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (ع): 268. (3) بل الظاهر من رواية لزوم ذلك، والرواية: ذكرها الصدوق في الفقيه 3: 218 وكان المناسب أن يذكرها المصنف في الباب ولعله غفل عنها وهى: قال الصادق (ع): من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل شيئا من ذلك حتى يموت فهو كافر. و هذا في نوادر الحكمة لمحمد بن احمد بن يحيى بن عمران الاشعري.

[159]

وقد عرفت ما ورد في الاخبار من تفسيرهما، والاضطرار يحصل بخوف التلف، وهل يشترط فيه الظن أو يكفي مجرد الخوف ؟ فيه إشكال، وألحق الاكثر بخوف التلف خوف المرض الذي ليس بيسير وكذا زيادته أو طوله، وكذا خوف العجز بترك التناول عن المشي الضروري أو مصاحبة الرفقة الضرورية حيث يخاف بالتخلف عنهم على نفسه أو عرضه وكذا الخوف على من معه، وربما يلحق بها الخوف على تلف المال على بعض الوجوه لحصول معنى الاضطرار في هذه الصورة وقال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فان خاف ذلك أكل ما يمسك به الرمق ولا يمتلي منه، ووافقه جماعة من الاصحاب، ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فان التناول حينئذ لا ينفع، ولا يختص جواز تناول المحرم في حال الاضطرار بنوع منه، لكن بعض المحرمات مقدم على بعض كما سيأتي، ولا ريب ولا خلاف في أن المضطر يجوز له أن يتناول قدر سد الرمق يعنى ما يحفظ نفسه عن الهلاك، ولا يجوز له أن يزيد على الشبع اتفاقا، وهل يجوز له أن يزيد عن سد الرمق إلى الشبع ؟ ظاهر الاكثر العدم، وهو حسن إن اندفعت به الحاجة، أما لو دعت الضرورة إلى الشبع كما لو كان في بادية وخاف أن لا يقوى على قطعها لو لم يشبع أو احتاج إلى المشي أو العدو وتوقف على الشبع جاز تناول ما دعت الضرورة إليه، ويجوز التزود منه إذا خاف عدم الوصول إلى الحلال، ثم هل التناول في موضع الضرورة على وجه الوجوب أو على سبيل الرخصة فله التنزه عنه ؟ الاقرب الاول لان تركه يوجب إعانته على نفسه وقد نهي عنه في الكتاب والسنة (1)، وإذا تمكن المضطر من أخذ مال الغير فان كان الغير محتاجا مثله فلا يجوز الاخذ عنه ظلما، وهو أحد معاني الباغي كما سبق ويحتمل عدم جواز الاخذ عنه مطلقا لانه يوجب هلاكه فهو كاهلاك الغير لابقاء نفسه، والاقرب أنه لا يجوز إيثار الغير إذا كان ذلك موجبا لهلاك نفسه لقوله تعالى: " ولا تلقوا " (2) الآية.


(1) اوردنا ما يدل على ذلك عن الفقيه قبل ذلك. (2) البقرة: 195. (*)

[160]

وقيل: يجوز لقوله تعالى: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (1) " وضعف بأن الخاص حاكم على العام، ولو لم يكن المالك مضطرا إليه وكان هناك مضطر وجب على المالك بذله له إن كان المضطر مسلما، وكذا إذا كان ذميا أو مستأمنا على المعروف بينهم، ولو ظن الاحتياج إليه في ثاني الحال ففي وجوب البذل للمضطر في الحال نظر، ولو منع المالك جاز للمضطر الاخذ عنه قهرا، بل يجب عليه ذلك، بل المقاتلة عليه، ولو كان للمضطر ثمن لم يجب على المالك البذل مجانا، ولو طلب المالك الثمن حينئذ وجب على المضطر بذله، وإن طلب زيادة عن ثمن المثل، قال الشيخ لا تجب الزيادة، ولعل الاقرب الوجوب لارتفاع الضرورة بالتمكن ولو لم يكن للمضطر ثمن ففي وجوب البذل عليه عند القدرة قولان، ولو وجدت ميتة وطعام الغير فان بذل له الغير طعامه بغير عوض أو بعوض هو قادر عليه لم تحل الميتة، وإن كان العوض أكثر من ثمن المثل على الاقرب، وإن لم يبذل المالك و قدر على الاخذ منه قهرا أو كان المالك غالبا ففي تقديم أكل الميتة أو مال الغير أو التخيير أوجه. ولو لم يوجد إلا الخمر قال الشيخ في المبسوط لا يجوز رفع الضرورة بها، و ذهب جماعة منهم الشيخ في النهاية إلى الجواز ترجيحا لحفظ النفس، ويدل عليه ما سيأتي من خبر محمد بن عذافر وغيره، وهي وإن كان فيه جهالة لكنها مروية بأسانيد يؤيد بعضها بعضا، ويدل على الاول ما تقدم من رواية أبي بصير التي رواها العياشي والصدوق وفي سندها ضعف، ويمكن حملها على تحريم التداوي بها وإن كانت التتمة التي رواها الصدوق مرسلا ظاهرا شمولها للعطش أيضا، وأما التداوي بالخمر وسائر المحرمات فقد مر الكلام فيه في أبواب الطب وقد مر أيضا أن عند الضرورة البول مقدم على الخمر، وبول نفسه على بول غيره على قول وقالوا: لو لم يجد إلا آدميا ميتا جاز له الاكل منه، واستثنى بعضهم ما إذا كان الميت نبيا، ولو وجد المضطر ميتة ولحم آدمي أكل الميتة دون الآدمي، ولو


(1) الحشر: 9.

[161]

وجد آدميا حيا فان كان معصوم الدم لم يجز، وإن كان كافرا كالذمي والمعاهد، وكذا لا يجوز للسيد أكل عبده، ولا للوالد أكل ولده، وإن لم يكن معصوم الدم كالحربي والمرتد جاز له قتله وأكله، وإن كان قتله متوقفا على إذن الامام لان ذلك مخصوص بحالة الاختيار وفي معناهما الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة مستحلا وغيرهم ممن يباح قتله، ولو كان له على غيره قصاص ووجده في حالة الاضطرار فله قتله قصاصا وأكله، وأما المرأة الحربية وصبيان أهل الحرب ففي جواز قتلهم وأكلهم وجهان، ورجح بعض المتأخرين الجواز لانهم ليسوا بمعصومين، وليس المنع من قتلهم في غير حالة الضرورة لحرمة روحهم، ولهذا لا يتعلق به كفارة ولا دية، بخلاف الذمي والمعاهد، وإذا لم يجد المضطر سوى نفسه بأن يقطع فلذة من فخذه ونحوه من المواضع اللحمة فان كان الخوف فيه كالخوف على النفس بترك الاكل أو أشد حرم القطع قطعا، وإن كان أرجى للسلامة ففيه وجهان.

[162]

2 { باب } { علل تحريم المحرمات من المأكولات والمشروبات } 1 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: لم حرم الله الخمر ولا لذة أفضل منها ؟ قال: حرمها لانها ام الخبائث ورأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه ولا يعرف ربه ولا يترك معصية إلا ركبها ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحما ماسة إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان إن أمره أن يسجد للاوثان سجد، وينقاد حيث ما قاده. قال: فلم حرم الدم المسفوح ؟ قال: لانه يورث القساوة ويسلب الفؤاد رحمته ويعفن البدن ويغير اللون، وأكثر ما يصيب الانسان الجذام يكون من أكل الدم. قال: فأكل الغدد، قال: يورث الجذام. قال: فالميتة لم حرمها ؟ قال: فرقا بينها وبين ما يذكر اسم الله عليه، والميتة قد جمد فيها الدم وتراجع إلى بدنها فلحمها ثقيل غير مرئ لانها يؤكل لحمها بدمها قال: فالسمك ميتة، قال: إن السمك ذكاته إخراجه حيا من الماء ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه، وذلك أنه ليس له دم وكذلك الجراد (1). بيان: في القاموس: بينهم رحم ماسة: قرابة قريبة. قوله عليه السلام: فرقا بينها، أقول: لما كان للموت الذي هو سبب التحريم سببان: أحدهما عدم رعاية شرائط الذبح والنحر كالتسمية والاستقبال، وثانيهما عدم الذبح والنحر أصلا، فذكر عليه السلام لكل واحد منهما علة، فعلل الاول بعلة دينية روحانية وهو إطاعة أمر الله والبركات المترتبة عليها للبدن والروح في الدنيا والاخرة


(1) الاحتجاج: ص.

[163]

مع أنه يمكن أن يكون لرعاية تلك الشرائط لا سيما التسمية مدخلا في منافع أجزاء الذبيحة وموافقتها للابدان. وعلل الثاني بأنه مع عدم الذبح والنحر تتفرق الدماء التي في العروق في اللحم فتؤكل معه فيترتب عليه المفاسد المترتبة على شرب الدم، فاعترض السائل بأنه على هذا يلزم حرمة السمك لانه لا ذبح فيه ولا يخرج عنه الدم، فأجاب عليه السلام بأنه ليس فيه دم كثير سائل ليحتاج إلى الذبح لاخراجه، والدم القليل الذي فيه كالدم المتخلف في اللحم فيما له نفس سائلة، قكما لا يضر الدم المتخلف ولا يحرم أكله فكذا هذا الدم. 2 - العلل والمجالس للصدوق: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبى الخطاب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن محمد بن عذافر عن أبيه قال: قلت لابي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام: لم حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر (1) ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده و أحل لهم ما سوى ذلك من رغبة فيما أحل لهم ولا زهد فيما حرم عليهم، ولكنه عزوجل خلق الخلق وعلم (2) ما تقوم به أبدانهم وما يصلحها (3) فأحله لهم وأباحه وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه (4)، ثم أحله للمضطر في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأحله له بقدر البلغة (5) لا غير ذلك، ثم قال عليه السلام: أما الميتة فانه لم ينل أحد منها إلا ضعف بدنه وأوهنت قوته وانقطع نسله ولا يموت آكل الميتة إلا فجأة


(1) الفاظ الحديث من المجالس، واما هي في العلل فتختلف مع المجالس في بعض المواضع منها ههنا ففيه: محمد بن عذافر عن بعض رجاله عن ابن جعفر عليه السلام قال: قلت له: لم حرم الله عزوجل الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير. (2) في المصدرين: فعلم. (3) في المصدرين والاختصاص: وما يصلحهم. (4) في العلل والاختصاص: فنهاهم عنه وحرمه عليهم. (5) في العلل والاختصاص: فأمره أن ينال منه بقدر البلغة.

[164]

وأما الدم فانه يورث أكله الماء الاصفر ويورث الكلب (1) وقساوة القلب وقلة الرأفة والرحمة، ثم لا يؤمن على حميمه ولا يؤمن على من صحبه، وأما لحم الخنزير فان الله تبارك وتعالى مسخ قوما في صور شتى مثل الخنزير والقرد والدب ثم نهى عن أكل المثلة (2) لكيلا ينتفع بها ولا يستخف بعقوبتها، وأما الخمر فانه حرمها لفعلها وفسادها، ثم قال عليه السلام: إن مدمن الخمر كعابد وثن ويورثه الارتعاش ويهدم مروءته وتحمله على التجسر (3) على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا حتى لا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه وهو لا يعقل ذلك والخمر لا تزيد شاربها إلا كل شر (4). العلل: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم جميعا عن ابن بزيع عن محمد بن عذافر عن أبيه عن أبى جعفر عليه السلام سواء (5). أقول: روى في العلل الخبر بالسند الاول وفيه عن بعض رجاله مكان: عن أبيه. الاختصاص: عن محمد بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (6).


(1) الكلب: العطش الشديد وداء يشبه الجنون يأخذ الكلاب فتعض الناس، ويعرض ذلك للانسان الذى عضه ذلك الكلب. (2) في نسخة من المجالس وفى الاختصاص: عن أكل مثله. (3) في المصدرين: على أن يجسر. (4) علل الشرائع 2: 169 و 170، المجالس: 395 (م 95). (5) علل الشرائع 2: 170. (6) الاختصاص: 103 فيه: " من رغبة فيما حرم عليهم ولا رهبة فيما أحل لهم " وفيه: " وأباحه لهم تفضلا منه عليهم لمصلحتهم " وفيه: " ثم اباحه للمضطر واحله له في الوقت " وفيه " فانها لا يدنو منها أحد ولا يأكل الاضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوته وانقطع نسله ولا يموت الافجاة " وفيه: " واما الدم فانه يورث أكله الماء الاصفر ويبخر الفم وينتن الريح ويسيئ الخلق ويورث الكلب والقسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه ولا يؤمن على حميمه وعلى من صحبه " وفيه: " في صورة شئ شبه الخنزير والقرد والدب وكان من الامساخ " وفيه: يذهب بقوته ويهدم مروءته.

[165]

العياشي: عن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابه عن أبى عبد الله عليه السلام مثله. (1) العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم عن أبيه عن جده إبراهيم بن هاشم عن محمد بن عيسى بن عبيد عن عمر بن عثمان عن محمد بن علي عن بعض أصحابنا قال: قلت الابي عبد الله عليه السلام وذكر مثله (2). 3 - العيون والعلل: عن علي بن أحمد بن محمد عن محمد بن أبي عبد الله الكوفى عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن علي بن العباس عن القاسم بن ربيع، وروى في العيون عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه عن محمد بن علي الكوفي عن محمد بن سنان قال: وحدثنا علي بن أحمد الدقاق ومحمد بن أحمد السناني وعلي بن عبد الله الوراق والحسين بن إبراهيم المكتب رضى الله عنهم عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل عن علي بن العباس عن القاسم بن الربيع عن محمد بن سنان، وحدثنا علي بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي وعلي بن عيسى المجاور في مسجد الكوفة ومحمد بن موسى البرقي عن علي بن محمد ماجيلويه عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام أنه كتب إليه: حرم الخنزير لانه مشوه جعله عزوجل عظة للخلق وعبرة وتخويفا ودليلا على ما مسخ على خلقته ولان غذاءه أقذر الاقذار مع علل كثيرة وكذلك حرم القرد لانه مسخ مثل الخنزير جعل عظة وعبرة للخلق دليلا على ما مسخ على خلقته و صورته، وجعل فيه شبها من الانسان ليدل على أنه (3) من الخلق المغضوب عليهم. وكتب إليه أيضا من جواب مسائله: حرمت الميتة لما فيها من إفساد الابدان والآفة، ولما أراد الله عزوجل أن يجعل التسمية سببا للتحليل وفرقا بين الحلال والحرام وحرم الله عزوجل الدم كتحريم الميتة لما فيه من فساد الابدان، ولانه يورث الماء الاصفر ويبخر الفم وينتن الريح ويسيئ الخلق ويورث القسوة للقلب


(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 291. (2) العلل مخطوط ليست نسخته عندي. (3) في النسخة المخطوطة: دليلا على انه.

[166]

وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالده وصاحبه، وحرم الطحال لما فيه من الدم ولان علته وعلة الدم والميتة واحدة لانه يجري مجراها في الفساد (1). بيان: قوله: ولما أراد الله، أشار إلى العلة الدينية التي ذكرناها في الخبر الاول. 4 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم يرحمك الله أن الله تبارك وتعالى لم يبح أكلا ولا شربا إلا ما فيه من المنفعة والصلاح، ولم يحرم إلا ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكل نافع مقو للجسم فيه قوة للبدن فحلال، وكل مضر يذهب بالقوة أو قاتل فحرام مثل السموم والميتة والدم ولحم الخنزير وذي ناب من السباع ومخلب من الطير ومالا قانصة له منها، ومثل البيض إذ استوى طرفاه، والسمك الذي لا فلوس له فحرام كله إلا عند الضرورة، والعلة في تحريم الجري وما أجرى مجراه من سائر المسوخ البرية والبحرية ما فيها من الضرر للجسم لان الله تقدست أسماؤه مثل على صورها مسوخا فأراد أن لا يستخف بمثله، والميتة تورث الكلب وموت الفجأة والاكلة، والدم يقسي القلب ويورث الداء الدبيلة، وأما السموم فقاتلة، والخمر تورث قساوة القلب ويسود الاسنان ويبخر الفم ويبعد من الله ويقرب من سخطه، وهو من شراب إبليس وقال صلى الله عليه وآله وسلم: شارب الخمر ملعون، شارب الخمر كعبدة الاوثان يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان (2). 5 - العلل: عن علي بن أحمد عن محمد بن أبي عبد الله عن محمد بن إسماعيل عن علي بن العباس عن القاسم بن الربيع عن محمد بن سنان قال: كتب إليه الرضا عليه السلام فيما كتب إليه من العلل: إنا وجدنا كل ما أحل الله تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم ولهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها، ووجدنا المحرم من الاشياء لا حاجة للعباد


(1) علل الشرائع 2: 170 و 171. (2) فقه الرضا:

[167]

إليه، ووجدناه مفسدا داعيا إلى الفناء والهلاك، ثم رأيناه تبارك وتعالى قد أحل بعض ما حرم في وقت الحاجة لما فيه من الصلاح في ذلك الوقت، نظير ما أحل من الميتة والدم ولحم الخنزير إذا اضطر إليه المضطر لما في ذلك الوقت من الصلاح والعصمة ودفع الموت، فكيف الدليل على أنه لم يحل ما يحل إلا لما فيه من المصلحة للابدان، وحرم ما حرم لما فيه من الفساد (1). أقول: تمام الخبر مع ما يؤيد ذلك من الاخبار أوردناها في باب علل الشرايع والاحكام من كتاب العدل.


(1) علل الشرائع 2: 279.

[168]

3 - { باب } { ما يحل من الطيور وسائر الحيوان وما لا يحل } 1 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحكم بن مسكين عن أبي سعيد المكاري عن سلمة بياع الجواري قال: سألني رجل من أصحابنا أن أقوم له في بيدر وأحفظه فكان إلى جانبي دير فكنت أقوم إذا زالت الشمس فأتوضأ واصلي فناداني الديراني ذات يوم فقال: ما هذه الصلاة التي تصلي ؟ فما أرى احدا يصليها، فقلت: أخذناها عن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: وعالم هو ؟ فقلت: نعم، فقال: سله عن ثلاث خصال: عن البيض أي شئ يحرم منه، وعن السمك أي شئ يحرم منه ؟ وعن الطير أي شئ يحرم منه ؟ قال فحججت من سنتي فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: إن رجلا سألني أن أسألك عن ثلاث خصال، قال: وما هي ؟ قلت: قال لي: سله عن البيض أي شئ يحرم منه ؟ وعن السمك أي شئ يحرم منه ؟ وعن الطير أي شئ يحرم منه ؟ فقال: قل له: أما البيض كل ما لم تعرف رأسه من إسته فلا تأكله، وأما السمك فما لم يكن له قشر فلا تأكله وأما الطير فما لم تكن له قانصة فلا تأكله، قال: فرجعت من مكة فخرجت إلى الديراني متعمدا فأخبرته بما قال، فقال: هذا والله نبي أو وصي نبي. قال الصدوق رحمه الله: يؤكل من طير الماء ما كانت له قانصة أو صيصية ويؤكل من طير البر ما دف ولا يؤكل ما صف، فان كان الطير يصف ويدف وكان دفيفه أكثر من صفيفه اكل، وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه لم يؤكل (1). بيان: المعروف بين الاصحاب أن بيض الطيور تابع لها في الحل أو الحرمة ومع الاشتباه يؤكل ما اختلف طرفاه ولا يؤكل ما اتفقا، ويدل عليه أخبار كثيرة


(1) الخصال ج 1 ص 139 و 140.

[169]

وسيأتي حكم السمك إن شاء الله. وقال الجوهري: القانصة واحدة القوانص وهي للطير بمنزلة المصارين لغيرها وقال: المصير المعا وهو فعيل والجمع المصران مثل رغيف ورغفان والمصارين جمع الجمع انتهى. ويظهر من حديث سماعة أنها بمنزلة المعدة للانسان حيث روى عن الرضا عليه السلام أنه قال: كل من طير البر ما كان له حوصلة، ومن طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام، لا كمعدة الانسان. وقال الشهيد الثاني قدس سره: والصيصية بكسر أوله بغير همز: الاصبع الزائدة في باطن رجل الطائر بمنزلة الابهام من بني آدم لانها شوكته، ويقال للشوكة صيصية أيضا انتهى. ثم اعلم أن المعروف من مذهب الاصحاب أنه يحرم من الطير ما كان صفيفه في الطيران أكثر من دفيفه، ولو تساويا أو كان الدفيف أكثر لم يحرم، والمتساوي غير مذكور في الروايات وكأنه لندرة وقوعه وصعوبة استعلامه، لكن يدل على الحل عموم الآيات والروايات، والمعروف من مذهبهم أيضا أن ما ليست له قانصة ولا حوصلة ولا صيصية فهو حرام، وما له إحداها فهو حلال ولا فرق فيه وفي الضابطة السابقة بين طير البر والماء. وقال الشهيد الثاني رحمه الله عند قول المحقق قدس الله روحه: " وما له أحدها فهو حلال ما لم ينص على تحريمه ": نبه بقوله: " ما لم ينص على تحريمه " على أن هذه العلامات إنما تعتبر في الطائر المجهول، أما ما نص على تحريمه، فلا عبرة فيه بوجود هذا، والظاهر أن الامر لا يختلف، ولا يعرف طير محرم له أحد هذه ومحلل خال عنها، لكن المصنف رحمه الله تبع في ذلك مورد النص حيث قال الرضا عليه السلام: والقانصة والحوصلة يمتحن بها من الطير ما لا يعرف طيرانه وكل طير مجهول. ثم قال: يقال: دف الطائر في طيرانه: إذا حرك جناحيه كأنه يضرب بهما

[170]

دفه يعني جنبه، وصف: إذا لم يتحرك كما تفعل الجوارح. وقال: الحوصلة بتشديد اللام وتخفيفها: ما يجمع فيها الحب مكان المعدة لغيره. 2 - الخصال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم ابن يحيى عن جده الحسن عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: تنزهوا عن أكل الطير الذي ليست له قانصة ولا صيصية ولا حوصلة، واتقوا كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير (1). توضيح: المراد بذي الناب: كل ما له ناب أو الناب الذي يفترس به، قال في المصباح: الناب من الانسان هو الذي يلي الرباعيات، قال ابن سينا: ولا يجمع في حيوان ناب وقرن معا. وقال الشهيد الثاني رحمه الله: المراد من ذي الناب يعدو به على الحيوان ويقوى به وهو شامل للضعيف منه والقوي فيدخل فيه الكلب والاسد والنمر والفهد والدب والقرد والفيل والذئب والثعلب والضبع وابن آوي لانها عادية بأنيابها، وخالف في الجميع مالك فكره السباع كلها من غير تحريم، ووافقنا أبو حنيفة على تحريم جميع ذلك، وفرق الشافعية بين ضعيف الناب منها كالثعلب والضبع وابن آوي وقويها فحرم الثاني دون الاول انتهى. وفي القاموس: المخلب: ظفر كل سبع من الماشي والطائر، أو هو لما يصيد من الطير والظفر لما لا يصيد انتهى. وعد المحقق قدس نفسه من محرمات الطير ما كان له مخلاب يقوى به على الطير كالبازي والصقر والعقاب والشاهين والباشق أو ضعيفا كالنسر والرخمة والبغاث وقال في المسالك: تحريم ما كان له مخلاب من الطير عندنا موضع وفاق، ومالك على أصله في حله. 3 - العلل: عن علي بن أحمد عن محمد بن أبي عبد الله عن محمد بن إسماعيل عن


(1) الخصال 2: 615 والحديث من اجزاء حديث اربعمائة.

[171]

علي بن العباس عن القاسم بن الربيع عن محمد بن سنان أن الرضا عليه السلام كتب إليه: حرم سباع الطير والوحوش كلها لاكلها من الجيف ولحوم الناس والعذرة وما أشبه ذلك فجعل الله عزوجل دلائل ما أحل من الوحش والطير وما حرم كما قال أبي عليه السلام: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام، وكل ما كان له قانصة من الطير فحلال. وعلة اخرى تفرق بين ما أحل من الطير وما حرم قوله كل ما دف ولا تأكل ما صف، وحرم الارنب لانها بمنزلة السنور ولها مخالب كمخالب السنور وسباع الوحوش فجرت مجراها في قذرها في نفسها وما يكون منها من الدم كما يكون من النساء لانها مسخ (1). العيون بالاسانيد المتقدمة في الباب السابق عن ابن سنان مثله (2). توضيح: فجعل الله، المفعول الثاني لجعل، قوله: كل ذي ناب الخ، أي لما كانت العلة في حرمتها افتراسها الحيوانات وأكلها اللحوم جعل الفرق بينها وبين غيرها ما يدل عليه من الناب والمخلب، وكذا القانصة دليل على أكلها الحبوب دون اللحوم فان ما يأكل اللحم فله معدة كمعدة الانسان. وقوله عليه السلام: وعلة اخرى، يمكن أن يكون بيانا لقاعدة اخرى ذكرها استطرادا، فيكون المراد بالعلة القاعدة توسعا أو يكون الصفيف أيضا من علامات الجلادة والسبعية كما هو الظاهر، ويحتمل أن يكون " وعلة اخرى " كلام ابن سنان، لكنه بعيد، وقوله عليه السلام: " وما يكون منها " كأنه معطوف على أنها فيكون علة اخرى للتحريم، ويحتمل أن يكون الموصول مبتدا وقوله: " لانها مسخ " خبر فيستفاد منها علة للتحريم أيضا. 4 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن لحوم الحمر الاهلية أتؤكل ؟ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما نهى عنها


(1) علل الشرائع: 167 و 168 فيه. وسباع الوحش. (2) عيون الاخبار: ج 2 ص 93. (*)

[172]

لانهم كانوا يعملون عليها فكره أن يفنوها (1). كتاب المسائل باسناده مثله (2). بيان: المعروف بين الاصحاب حتى كاد أن يكون إجماعا حل لحوم الخيل والبغال والحمير الاهلية، وذهب أبو الصلاح إلى تحريم البغال، والاشهر أقوى لعموم الآيات وخصوص الاخبار، واختلف في أشدها كراهة بعد اتفاقهم على كراهة الجميع فقيل: البغال، وقيل: الحمير، وكأن الاقرب الاخير. 5 - العلل: عن جعفر بن محمد بن مسرور عن الحسين بن محمد بن عامر عن المعلى بن محمد البصري عن بسطام بن مرة عن إسحاق بن حسان عن الهيثم بن واقد عن علي بن الحسن العبدي عن أبي سعيد الخدري (3) أنه سئل ما قولك في هذا السمك الذي يزعم إخواننا من أهل الكوفة أنه حرام ؟ فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الكوفة جمجمة العرب ورمح الله تبارك وتعالى وكنز الايمان فخذ عنهم، اخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكث (4) بمكة يوما وليلة بذي طوى ثم خرج وخرجت معه فمررنا برفقة جلوس يتغدون فقالوا: يا رسول الله الغداء، فقال لهم: افرجوا لنبيكم، فجلس بين رجلين وجلست وتناول رغيفا فصدع نصفه ثم نظر إلى ادمهم فقال: ما ادمكم ؟ فقالوا: الجريث يا رسول الله، فرمى بالكسرة من يده وقام. قال أبو سعيد: وتخلفت بعده لانظر ما رأى الناس فاختلف الناس فيما بينهم فقالت طائفة: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجريث، وقالت طائفة: لم يحرمه ولكن عافه ولو كان حرمه لنهانا عن أكله، قال: فحفظت مقالة القوم وتبعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


(1) قرب الاسناد: 117. (2) بحار الانوار 10: (3) رواه الكليني في فروع الكافي 6: 243 عن الحسين بن محمد. وفيه: على بن الحسن العبدى عن ابى هارون عن ابى سعيد الخدرى. (4) في المصدر: " انه مكث " وفى الكافي: اخبرك ان رسول الله (ص) مكث بمكة يوما وليلة يطوى.

[173]

حتى لحقته ثم غشينا رفقة اخرى يتغدون فقالوا: يا رسول الله الغداء، فقال: نعم (1) افرجوا لنبيكم، فجلس بين رجلين وجلست معه فلما تناول كسرة القوم نظر إلى ادمهم فقال: ما ادمكم هذا ؟ قالوا ضب يا رسول الله فرمى بالكسرة وقام، قال أبو سعيد: فتخلفت بعده فإذا بالناس (2) فرقتان قال فرقة: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الضب فمن هناك لم يأكله، وقالت فرقة اخرى: إنما عافه ولو حرمه لنهانا عنه، قال: ثم تبعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحقته فمررنا بأصل الصفا وفيها قدور تغلى، فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو تكرمت علينا حتى تدرك قدورنا، قال: وما في قدوركم ؟ قالوا حمرلنا كنا نركبها فقامت فذبحناها، فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القدور فأكفأها برجله، ثم انطلق جوادا وتخلفت بعده فقال بعضهم: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحم الحمر، وقال بعضهم: كلا إنما أفرغ قدوركم حتى لا تعودوه فتذبحوا دوابكم، قال أبو سعيد: فتبعت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يابا سعيد ادع بلالا فلما جاءه بلال (3) قال يا بلال اصعد أبا قبيس فناد عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله حرم الجري والضب والحمر الاهلية ألا فاتقوا الله ولا تأكلوا من السمك إلا ما كان له قشرو مع القشر فلوس، إن الله تبارك وتعالى مسخ سبعمائة امة عصوا الاوصياء بعد الرسل فأخذ أربعمائة امة منهم برا وثلاثمائة منهم بحرا ثم تلا هذه الآية " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق " (4). توضيح: جمجمة العرب أي محل جماجم العرب وأشرافها، والتشبيه بالرمح لانه بها يدفع الله البلايا عن العرب، في القاموس: الجمجمة بالضم: القحف، والجماجم السادات والقبائل التى تنسب إليها البطون، وفي النهاية يقال للسادات: جماجم، ومنه


(1) في الكافي: فقال لهم: نعم افرجوا. (2) في الكافي: فإذا الناس. (3) في المصدر: فلما جئته ببلال. (4) علل الشرائع 2: 146 و 147، والاية في سبا: 19.

[174]

حديث عمر: ائت الكوفة فان بها جمجمة العرب، أي ساداتها، لان الجمجمة الرأس وهو أشرف الاعضاء، وقيل: جماجم العرب التى تجمع البطون فتنسب إليها، وقال فيه السلطان ظل الله ورمحه، استوعب بهاتين الكلمتين نوعي ما على الوالي للرعية: إحداهما الانتصار من الظالم والاعانة، والآخر إرهاب العدو ليرتدع عن قصد الرعية وأذاهم ويأمنوا بمكانه من الشر، والعرب تجعل الرمح كناية عن الدفع والمنع، وفي القاموس: ذو طوى مثلثة الطاء وينون: موضع قرب مكة، وفي النهاية بضم الطاء وفتح الواو المخففة: موضع عند باب مكة يستحب لمن دخل مكة أن يغتسل به انتهى (1). وفي الكافي: يطوى بصيغة المضارع من طوى من الجوع يطوي طوى فهو طاو أي خالي البطن جائع لم يأكل. الغداء بالنصب أي احضر وتغد معنا، وفي المصباح: الادام: ما يؤتدم به مايعا كان أو جامدا، وجمعه ادم مثل كتاب وكتب يسكن للتخفيف فيعامل معاملة المفرد ويجمع على آدام مثل قفل وأقفال، والجريث كسكيت: سمك لا فلس له. وفي القاموس: عاف الطعام أو الشراب وقد يقال في غير هما يعافه ويعيفه: كرهه فلم يشربه، وفي الكافي: وتبعت رسول الله صلى الله عليه وآله جوادا. قال في النهاية: فيه في حديث سليم بن صرد: فسرت إليه جوادا، أي سريعا كالفرس الجواد، ويجوز أن يريد سيرا جوادا كما يقال سرنا عقبة جوادا أي بعيدة (2). ثم غشينا بالكسر بصيغة المتكلم من غشيه أي جاءه. قوله: " لو تكرمت علينا " في الكافي: " لو عرجت علينا " في النهاية: فيه لم اعرج عليه، أي لم أقم ولم أحتبس (3) " حتى تدرك قدورنا " برفع القدور من قولهم


(1) النهاية 3: 54. (2) النهاية 1: 216. (3) النهاية 3: 89.

[175]

أدرك الشئ أي بلغ وقته كقولهم: إدراك الثمرات، أو بالنصب أي تلحقها وتأكلها، وعلى التقديرين المراد بالقدور وما فيها، ويقال: قامت الدابة أي وقفت. " حتى لا تعودوه " من باب التفعيل من العادة، وفي الكافي: " كيلا تعودوا " (1) من العود. قوله: " فبعث " في أكثر نسخ الكافي: " فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلي فلما جئته قال: يابا سعيد " وكأن المراد بالقشر الجلد الصلب (2) " فجعلناهم أحاديث " الآية في قصة قوم سبأ أي جعلناهم بحيث يتعجب الناس بهم تعجبا، وضرب مثل فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ " ومزقناهم كل ممزق " أي فرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والازد بعمان، ولعل تحريم الحمر محمول على الكراهة الشديدة أو على النسخ بأن كانت محرمة ثم نسخ. 6 - العلل: عن أبيه عن محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي الكوفي عن عبد الرحمن بن سالم عن المفضل بن عمر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني لم حرم الله عزوجل لحم الخنزير ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى مسخ قوما في صور شتى مثل الخنزير والقرد والدب ثم نهى عن أكل المثلة لكيلا ينتفع بها ولا يستخف بعقوبته (3). 7 - العلل والعيون: بالاسانيد المتقدمة عن محمد بن سنان فيما رواه من العلل أنه كتب الرضا عليه السلام إليه: أحل الله عزوجل البقر والغنم والابل لكثرتها وإمكان وجودها وتحليل بقر الوحش وغيرها من أصناف ما يؤكل من الوحش المحللة لان غذاءها غير مكروه ولا محرم، ولا هي مضرة بعضها ببعض ولا مضرة بالانس ولا في خلقها تشويه (4).


(1) في الكافي: حتى لا تعودوا. (2) ولعله الذى يقال له بالفارسية، پولك وفلس. (3) علل الشرائع 2: 170. (4) علل الشرائع 2: 248.

[176]

8 - الخصال: عن ستة من مشايخه (1) منهم أحمد بن الحسن القطان عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن أبي معاوية عن الاعمش عن الصادق عليه السلام قال: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فأكله حرام (2). 9 - العيون: عن عبد الواحد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون يحرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير (3). 10 - العلل: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبى عمير عن ابن اذينة عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن أكل الحمر الاهلية فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أكلها يوم خيبر، وإنما نهى عن أكلها لانها كانت حمولة للناس، وإنما الحرام ما حرم الله عزوجل في القرآن (4). بيان: لعل الحصر إضافي، أو المعنى ما حرم الله في القرآن أعم من أن يكون في ظهر القرآن ونفهمه أو في بطنه وبينه الحجج عليهم السلام لنا. 11 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أكل لحوم الحمر وإنما نهى عنها من أجل ظهورها مخافة أن يفنوها، وليست الحمير بحرام ثم قرأ هذه الآية: " قل لا (5) أجد فيما اوحي إلي


(1) هم احمد بن محمد بن الهيثم العجلى واحمد بن الحسن ومحمد بن احمد السنائى والحسين بن ابراهيم بن احمد بن هشام المكتب وعبد الله بن محمد الصائغ وعلى بن عبد الله الوراق عن ابى العباس احمد بن يحيى بن زكريا القطان. (2) الخصال 2: 603 و 609. (3) عيون اخبار الرضا ج 2 ص 162. (4) علل الشرائع 2: 149 و 25. (5) الانعام: 145.

[177]

محرما على طاعم يطعمه " إلى آخر الاية (1). المقنع: مرسلا مثله (2). 12 - العلل: عن أبيه عن عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عن أبي الحسن الليثي عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: سئل أبي عليه السلام عن لحوم الحمر الاهلية قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أكلها لانها كانت حمولة الناس (3) يومئذ، وإنما الحرام ما حرم الله في القرآن (4). 13 - العيون والعل: بالاسانيد المتقدمة (5) عن محمد بن سنان فيما رواه من العلل قال: كتب إليه الرضا عليه السلام كره أكل لحوم البغال والحمر الاهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من إفنائها لقلتها لا لقذر خلقتها ولا قذر غذائها (6). 14 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن عبد الله بن الصلت عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تأكل جريثا ولا مار ماهيجا ولا طافيا ولا إربيان ولا طحالا لانه بيت الدم ومضغة الشيطان (7). بيان: الجريث كسكيت: سمك، وقيل: هو الجري كذمي وهما والمارماهي أسماء لنوع واحد من السمك غير ذي فلس، قال الدميري: والجريث بكسر الجيم والراء المهملة وبالثاء المثلثة هو هذا السمك الذي يشبه الثعبان وجمعة جراري ويقال له أيضا: الجري بالكسر والتشديد، وهو نوع من السمك يشبه الحية ويسمى بالفارسية مارماهي انتهى، وظاهر الخبر مغايرة الجريث للمارماهيج وهو معرب


(1) علل الشرائع 2: 250. (2) المقنع. (3) في الصدر: " للناس " وزاد في نسخة في آخر الحديث: والا فلا. (4) علل الشرائع 2: 250. (5) في الخبر الثالث. (6) علل الشرائع 2: 250 فيه: " والخوف من فنائها " عيون الاخبار: (7) علل الشرائع 2: 249.

[178]

المارماهي، ويمكن أن يكون العطف للتفسير وظاهر بعض الاصحاب أيضا المغايرة والطافي: الذي يموت في الماء ويعلو فوقه. والاربيان بالكسر: سمك كالدود ذكره الفيروزآبادي. وأقول: المشهور حله وله فلس ويأكله أهل البحرين ويذكرون له خواصا كثيرة، قال الدميري: روبيان هو سمك صغار جدا أحمر وذكر له خواصا. وقال العلامة رحمه الله في التحرير: يجوز أكل الاربيان بكسر الالف وهو أبيض كالدود وكالجراد انتهى. ولعل الخبر محمول على الكراهة والمضغة بالضم: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وإنما نسب إلى الشيطان لان ابراهيم عليه السلام أعطاه إبليس كما سيأتي إن شاء الله. 15 - العيون والعلل: عن محمد بن عمر البصري عن محمد بن عبد الله بن جبلة الواعظ عن عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن الرضا عليه السلام عن آبائه: في حديث اسؤلة الشامي أمير المؤمنين عليه السلام قال: قد نهى عن أكل الصرد والخطاف (1). 16 - المحاسن: عن أبيه عن صفوان عن العلا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام وسئل عن لحم الخيل والبغال والحمر فقال: حلال ولكن تعافونها (2). 17 - ومنه: عن علي بن الحكم عن داود الرقي قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن لحوم البخت وألبانهن، فكتب: لا بأس (3). بيان: في القاموس: البخت بالضم: الابل الخراسانية كالبختية والجمع بخاتى وبخاتي وبخات انتهى، وربما يفهم من نفي البأس الكراهة، وفيه نظر نعم نفيه لا ينافي الكراهة في عرف الاخبار إن كان عموم النكرة في سياق النفي يقتضي الكراهة


(1) علل الشرائع 2: 281. عيون الاخبار ج 1 ص 243. (2) المحاسن: 473. (3) المحاسن: 473.

[179]

أيضا لانها بأس. وقال في الدروس: قال ابن إدريس والفاضل بكراهة الحمار الوحشي، والحلي بكراهة الابل والجواميس، والذي في مكاتبة أبي الحسن عليه السلام في لحم حمر الوحش تركه أفضل، وروي في لحم الجاموس: لا بأس به انتهى. وأقول: الذي وجدته في الكافي لابي الصلاح رحمه الله يكره أكل الجواميس والبخت وحمر الوحش والاهلية انتهى. فنسبة الشهيد قدس سره إليه القول بكراهة مطلق الابل سهو، وكيف يقول بذلك مع أن مدار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام كان على أكل لحومها والتضحية بها، لكن الغالب في تلك البلاد الابل العربية لا الخراسانية، والقول بكراهة لحم البخاتي له وجه لما رواه الكليني بسند فيه ضعف عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: لا آكل لحوم البخاتي ولا آمر أحدا بأكلها. 18 - فقه الرضا: قال عليه السلام يؤكل من الطير ما يدف بجناحيه ولا يؤكل ما يصف، وإن كان الطير يدف ويصف وكان دفيفه أكثر من صفيفه اكل، وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه لم يؤكل (1). 19 - العياشي: عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من زرع حنطة في أرض فلم يزك في زرعه أو خرج زرعه كثير الشعير فبظلم عمله في ملك رقبة الارض أو بظلم مزارعه واكرته لان الله يقول: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم " يعني لحوم الابل والبقر والغنم، وقال: إن إسرائيل كان إذا أكل من لحوم البقر هيج عليه وجع الخاصرة فحرم على نفسه لحم الابل، وذلك من قبل أن تنزل التوراة، فلما انزلت التوراة لم يحرمه ولم يأكله (2). بيان: الاستشهاد بالآية من جهة أن بني إسرائيل لما عملوا بالمعاصي حرم الله


(1) فقه الرضا: (2) تفسير العياشي ج 1 ص 284.

[180]

عليهم بعض ما احل لهم، ولما لم يكن في هذه الامة نسخ لم يحرم عليهم ولكن حرمهم الطيبات وسلب عنهم البركات، وعلى القول بأن الله لم يحرم عليهم ولكن حرموا على أنفسهم فالمعنى أن الله سلب عنهم التوفيق حتى حرموها على أنفسهم فحرموا بذلك من الطيبات، فالاستشهاد بالآية أظهر " ولم يأكله " أي موسى عليه السلام بقرينة المقام أو إسرائيل. 20 - العياشي: عن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا سئل عن أكل لحم الفيل والدب والقرد فقال: ليس هذا من بهيمة الانعام التي تؤكل (1). 21 - ومنه: عن أيوب بن نوح بن دراج قال: سألت أبا الحسن الثالث عن الجاموس وأعلمته أن أهل العراق يقولون: إنه مسخ، فقال: أو ما سمعت قول الله: ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين. وكتبت إلى أبي الحسن عليه السلام بعد مقدمي من خراسان أسأله عما حدثني به أيوب في الجاموس، فكتب: هو ما قال لك (2). بيان: ظاهره أن الاثنين من البقر الجاموس والنوع المأنوس، وهذا التفسير لم أره في كلام المفسرين، ويحتمل أن يكون المراد أن الله أحل البقر الاهلي والوحشي أو الذكر والانثى من الاهلي، والجاموس صنف من الاهلي كما صرح به الدميري وغيره، فاطلاق الآية يشمله، وقوله: " وكتبت " كلام الراوي عن أيوب ومن أسقط السند أسقطه. 22 - العياشي: عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكرنا القنافذ والوطواط والحمير والبغال والخيل، فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل لحوم الحمير وإنما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه، وليس الحمير بحرام، وقال: اقرأ هذه الآية: " قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 290. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 380.

[181]

دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به (1). بيان: روى في المقنع مرسلا مثله (2)، وروى الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن حريز عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام مثله " (3). وفي القاموس: الوطواط: ضرب من خطاطيف الجبال والخفاش. وقال الدميري: الوطواط الخفاش (4)، وقال في التهذيب بعد إيراد هذه الرواية: قوله عليه السلام: " ليس الحرام " إلى آخره المعنى فيه انه ليس الحرام المخصوص المغلظ الشديد الحظر إلا ما ذكره الله تعالى في القرآن وإن كان فيما عداه أيضا محرمات كثيرة إلا أنه دونه في التغليظ انتهى (5). وربما يحمل على أن الجواب مخصوص بالخيل والبغال والحمير، وقد يحمل ما ورد في السباع على قبولها للتذكية، وجواز استعمال جلودها في غير الصلاة بخلاف ما هو محرم في القرآن كالخنزير، ولا يخفى ما في الجميع من البعد ولعل الحمل على التقية أظهر. 23 - العياشي: عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حرم على بني إسرائيل كل ذي ظفر والشحوم إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم (6). 24 - ومنه: عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن أبوال الخيل والبغال والحمير قال: نكرهها، فقلت: أليس لحمها حلالا ؟ قال: فقال: أليس قد بين الله لكم " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون " وقال: " والخيل والبغال و الحمير لتركبوعا وزينة " ؟ فجعل للاكل الانعام التي قص الله في الكتاب، وجعل


(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 382. (2) المقنع: (3) و (5) تهذيب الاحكام: (4) حياة الحيوان 2: 290. (6) تفسير العياشي: ج 1 ص 383.

[182]

للركوب الخيل والبغال والحمير وليس لحومها بحرام ولكن الناس عافوها (1). 25 - المكارم: قال زرارة: سألت أبا جعفر عليه السلام ما يؤكل من الطير فقال: كل ما دف، ولا تأكل ما صف، قال: قلت: البيض في الآجام، قال: ما استوى طرفاه فلا تأكل وما اختلف طرفاه فكل، قلت: فطير الماء قال: ما كانت له قانصة فكل وما لم تكن له قانصة فلا تأكل (2). 26 - وفي حديث آخر: إن كان الطير يصف ويدف وكان دفيفه أكثر من صفيفه اكل، وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه لم يؤكل، ويؤكل من صيد الماء ما كانت له قانصة أو صيصية، ولا يؤكل ما ليست له قانصة ولا صيصية (3). 27 - الهداية: كل من الطير ما دف ولا تأكل ما صف، فان كان الطير يصف ويدف وكان دفيفه أكثر من صفيفه اكل، وان كان صفيفه أكثر من دفيفه لم يؤكل، و قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير والحمر الانسية فحرام ويؤكل من طير الماء ما كانت له قانصة حيا أو ميتا (4). بيان: أو ميتا أي مذبوحا. 28 - المقنع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير والحمر الانسية حرام (5). 29 - المحاسن: عن السياري رفعه قال: أكل لحم الجزور يذهب بالقرم (6). 30 - وفي حديث مروي قال: من تمام حب الاسلام حب لحم الجزور (7). بيان: قال في القاموس: الجزور: البعير أو خاص بالناقة المجزورة وما يذبح من الشاة. وقال الجوهري: الجزور من الابل يقع على الذكر والانثى وهي تؤنث


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 255. (2) و (3) مكارم الاخلاف: 84. (4) الهداية: (5) المقنع: (6 و 7) المحاسن: 474.

[183]

والجمع الجزر. وقال الدميري بعد ذكر هذا: وقال ابن سيدة: الجزور الناقة التى تجزر وفي كتاب العين: الجزر من الضأن والمعز خاصة مأخوذة من الجزر وهو القطع (1) وفي المصباح المنير: الجزور من الابل خاصة يقع على الذكر والانثى، قال ابن الانباري وزاد الصغاني: والجزور الناقة التى تنحر وجزرت الجزور وغيرها من باب قتل نحرتها، والفاعل جزار انتهى، والمراد هنا مطلق البعير أو الناقة، وفي الصحاح القرم بالتحريك: شدة شهوة اللحم. 31 - العلل: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن يحيى الخزاز عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه كره أكل لحم الغراب لانه فاسق (2). توضيح: لعل المراد بفسقه أكله الجيف والخبائث، قال في النهاية: فيه: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، أصل الفسوق الخروج عن الاستقامة والجور، وبه سمي العاصي فاسقا وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعاره لخبثهن، وقيل: لخروجهن من الحرمة في الحل والحرم، أي لا حرمة لهن بحال، ومنه حديث عائشة: وسألت عن أكل الغراب فقالت: ومن يأكله بعد قوله: فاسق ؟ وقال الخطابي: أراد بتفسيقها تحريم أكلها (3). 32 - كتاب المسائل: بإسناده إلى علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الغراب الابقع والاسود أيحل أكلهما ؟ فقال: لا يحل أكل شئ من الغربان زاغ ولا غيره (4). تبيين: اعلم أنه اختلف الاصحاب في حل الغراب بأنواعه بسبب اختلاف الروايات فيه، فذهب الشيخ في الخلاف إلى تحريم الجميع محتجا بالاخبار وإجماع


(1) حياة الحيوان 1: 140. (2) علل الشرائع 2: 171 طبعة قم (3) النهاية 3: 225 و 226. (4) بحار الانوار 10:

[184]

الفرقة وتبعه جماعة منهم العلامة في المختلف وولده، وكرهه مطلقا الشيخ في النهاية وكتابي الحديث (1)، والقاضي والمحقق في النافع، وفصل آخرون منهم الشيخ في المبسوط على الظاهر منه، وابن إدريس والعلامة في أحد قوليه، فحرموا الاسود الكبير والابقع، وأحلوا الزاغ والغداف وهو الاغبر الرمادي، واحتج المحللون برواية زرارة عن أحدهما عليه السلام قال: إن أكل الغراب ليس بحرام إنما الحرام ما حرمه الله في كتابه، ولكن الانفس تتنزه عن كثير من ذلك تقذرا، وحجة المحرمين مطلقا صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، وأولها الشيخ رحمه الله بأن المراد أنه لا يحل حلالا طلقا، وإنما يحل مع ضرب من الكراهة وحاول بذلك الجمع بين الخبرين، وربما تحمل رواية زرارة على نفي التحريم المستند إلى كتاب الله، فلا ينافي تحريمه بالسنة. وأما المفصلون فليس لهم عليهذا (2) رواية بخصوصها، وإن كان في المبسوط قد ادعى ذلك، وليس فيه جمع بين الروايات للتصريح بالتعميم في الجانبين، وربما احتج له بأن الاولين من الخبائث، لانهما يأكلان الجيف والاخيرين من الطيبات لانهما يأكلان الحب، وبهذا احتج من فصل من العامة، وابن إدريس استدل على تحريم الاولين بأنهما من سباع الطير بخلاف الاخيرين لعدم الدليل على تحريمهما فان الاخبار ليست على هذا الوجه حجة عنده، وبالجملة الحل مطلقا وإن كان أقوى لموافقته لعموم الآيات والاخبار كما عرفت، والاخبار المخصوصة متعارضة، وأصل الحل قوي، لكن الاحتياط في الاجتناب عن الجميع، ويقوى ذلك شمول كل ذي مخلب من الطير لاكثرها بل لجميعها، واحتمال التقية في أخبار الحل أيضا وإن كان بينهم أيضا خلاف في ذلك لكن الحل بينهم أشهر، قال الشيخ في الخلاف: الغراب كله حرام على الظاهر في الروايات، وقد روي في بعضها رخص وهو الزاغ و هو غراب الزرع، والغداف وهو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، وقال الشافعي:


(1) أي التهذيب والاستبصار. (2) في النسخة المخطوطة: فليس لهم عليه.

[185]

الاسود والابقع حرام، والزاغ والغداف على وجهين: أحدهما حرام، والثاني حلال، وبه قال أبو حنيفة، دليلنا: إجماع الفرقة وعموم الاخبار في تحريم الغداف، وطريقة الاحتياط يقتضي أيضا ذلك انتهى. ثم اعلم أن المعروف المعدود في الكتب تحريم الخفاش والوطواط والطاووس والزنابير والذباب والبق والارنب والضب والحشار كلها كالحية والعقرب والفأرة والجرزان والخنافس والصراصر وبنات وردان والبراغيث والقمل واليربوع و القنفذ والوبر والخزو الفنك والسمور والسنجاب، وإقامة الدليل على أكثرها لا يخلو من إشكال، والمعروف بينهم حل الحمام كلها كالقماري والدباسي والورشان، وحل الجحل والقبج والدراج، والقطا والطيهوج والدجاج والكروان و الكركي والصعوة والبط، وقد مرت العمومات الواردة في التحليل والتحريم والله الهادي إلى الصراط المستقيم. 33 - دعائم الاسلام: عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير حرام (1). 34 - وعن على عليه السلام أنه قال: لا يؤكل الذئب ولا النمر ولا الفهد ولا الاسد ولا ابن آوي ولا الدب ولا الضبع ولا شئ له مخلب (2). 35 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه اوتي بضب فلم يأكل منه وقذره (3). 36 - وعن علي عليه السلام أنه نهى عن الضب والقنفذ وغيره من حرشة الارض كالضب وغيره (4). 37 - وعنه أنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار وهو قائم على فرس له يكيد بنفسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: اذبحه يكن لك أجر بذبحك إياه وأجر باحتسابك له، فقال: يا رسول الله ألي منه شئ ؟ قال: نعم كل وأطعمني فأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله منه فخذا فأكل وأطعمنا (5).


(1 - 5) دعائم الاسلام، ليست عندي نسخته.

[186]

38 - وروينا عن جعفر بن محمد عليه السلام انه نهى عن ذبح الخيل (1). قال المؤلف: فيشبه - والله أعلم - أن يكون نهيه عن ذلك إنما هو استهلاك السالم السوي منها، لان الله عزوجل أمر باعدادها وارتباطها في سبيله، والذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما هو فيما أشفى على الموت (2) وخيف عليه الهلاك منها والله اعلم. 39 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن أكل لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر (3). 40 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لا تؤكل البغال (4). توضيح: من حرشة الارض أي من صيدها، في القاموس حرش الضب يحرشه حرشا وحراشا وتحراشا: صاده، كاحترشه، وذلك بأن يحرك يده على باب جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه انتهى. وفي بعض النسخ: حشرات الارض وهو أظهر، والظاهر زيادة الضب في الاول أو في الاخير، وفي النهاية: فيه أنه دخل على سعد وهو يكيد بنفسه أي يجود بها، يريد النزع، والكيد: السوق. ومنه حديث عمر: " تخرج المرأة إلى أبيها يكيد بنفسه، أي عند نزع روحه وموته (5). " يكن لك أجر " لعل المراد توجر بأصل الذبح وإن لم تقصد به القربة، و مع قصد القربة لك أجران، أو المراد به اذبحه للصدقة أو لاطعام المؤمنين فيكون لك أجر لتخليصك إياه من المشقة لله وأجر آخر لما قصدت من الخير، أو المراد إعطاء الاجرين لفعل واحد هو الذبح لله، أو المراد بالاحتساب الصبر على الموت و


(1) دعائم الاسلام: ليست عندي نسخته. (2) أشفى عليه: أشرف. أي قارب الموت. (3 و 4) دعائم الاسلام: ليست عندي نسخته. (5) النهاية 4: 44.

[187]

تلف المال، أي لو لم تذبحه كان لك أجر بأصل المصيبة ويحصل لك بالذبح أجر آخر. وقال الفاضل المحدث الاسترابادي رحمه الله: أي لك أجران لتخليصك إياه من الالم، ولتفريقك لحمه حسبة لله تعالى، فتردد الانصاري في أنه أمره بتفريق كل لحمه أم بتفريق بعضه. وروى هذا الحديث في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي جعفر عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام مثله إلا أن فيه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: انحره يضعف لك به أجران بنحرك إياه (1) الخ، وما هنا أظهر، ولابد من تأويل النحر الوارد هناك بالذبح للاجماع على أنه لا يجزي النحر في الفرس. فذلكة: لا ريب في حل الانعام الثلاثة والمعروف بين الاصحاب حتى كاد أن يكون اتفاقيا حل لحوم الدواب الثلاثة إلا قول أبي الصلاح بتحريم البغال وهو ضعيف، ويكره أن يذبح بيده ما رباه من النعم، ويؤكل من الوحشية البقر والكباش الجبلية والحمر والغزلان واليحامير، وقال الفاضل بكراهة الحمار الوحشي، وفي بعض الروايات تركه أفضل. ويحرم الكلب والخنزير للنص والاتفاق، ولا يعرف خلاف بين الاصحاب في تحريم كل سبع سواء كان له ناب أو ظفر كالاسد والنمر والفهد والذئب والسنور والثعلب والضبع وابن آوي، ويدل عليه الاخبار، ولا أعرف أيضا خلافا بيننا في تحريم المسوخات، لكن قد وردت أخبار كثيرة في حل كثير من السباع وغيرها، وحملها الاصحاب على وجوه قد أشرنا إلى بعضها، والمعروف المذكور في أكثر الكتب تحريم الارنب والضب والحشار كلها كالحية والعقرب والفأرة والجرز والخنافس والصراصر وبنات وردان والبراغيث والقمل واليربوع والقنفذ والوبر والخز


(1) تهذيب الاحكام:

[188]

والفنك والسمور والسنجاب والعظاية، وإقامة الدليل عليها لا يخلو من إشكال، والعمل على المشهور، رعاية للاحتياط وبعدا عن مذهب المخالفين، ولا أعرف أيضا خلافا بيننا في تحريم كل ذي مخلب من الطير سواء كان قويا كالبازي والصقر و العقاب والشاهين والباشق، أو ضعيفا كالنسر والرخمة والبغاث، وقد مر ما يدل على ذلك.

[189]

4 - { باب } { الجراد والسمك وسائر حيوان الماء } الآيات: النحل 16: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا 14. فاطر 35: ومن كل تأكلون لحما طريا 12. تفسير: " سخر البحر " قيل: أي جعله بحيث يتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص " لتأكلوا منه لحما طريا " سمى لحما جريا على اللغة، وعرفا يطلق مقيدا فيقال: لحم السمك، ويقابل به المطلق فيقال: أكلت لحما وسمكا، وتقيده بالطري ليس مخصصا له بالتحليل للاجماع على حل غيره أيضا، لكن لما خرجت مخرج الامتنان وكان في طراوته ألذكان التقييد به أليق، وقيل: وصفه بالطري لسرعة تطرق التغيير إليه، ولا ريب أنه أطرى اللحوم، واستدل مالك و الثوري بالآية على أن السمك لحم فإذا حلف لا يأكل لحما حنث بالسمك، واجيب بأنه لحم لغة لا عرفا، والايمان مبنية على العرف لكونه طاريا على اللغة ناسخا لحكمها، وفيه إشكال " ومن كل " أي من البحرين " تأكلون لحما طريا " الكلام فيه كما مر. وقال الدميري: السمك من خلق الماء، الواحدة سمكة، والجمع أسماك و سموك، وهو أنواع كثيرة، ولكل نوع اسم خاص، قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الله خلق ألف امة: ستمائة منها في البحر، وأربعمائة في البر، ومن أنواع الاسماك ما لا يدرك الطرف أولها وآخرها لكبرها، ومالا يدركها الطرف لصغرها، وكله يأوي الماء ويستنشقه كما يستنشق بنو آدم وحيوان البر الهواء إلا أن حيوان البر يستنشق الهواء بالانوف، ويصل ذلك إلى قصبة الرئة، والسمك يستنشق بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء، وإنما استغنى عن الهواء في إقامة

[190]

الحيوان ولم نستغن نحن وما أشبهنا من الحيوان عنه لانه من عالم الماء والارض دون عالم الهواء، ونحن من عالم الماء والهواء والارض، ونسيم البر لو مر على السمك ساعة لهلك (1)، وهو بجملته شره كثير الاكل لبرد مزاج معدته، وقربها من فمه، وإنه ليس له عنق ولا صوت إذ لا يدخل إلى جوفه هواء البتة، ولذلك يقول بعضهم: إن السمك لارئة له، كما أن الفرس لا طحال له، والجمل لا مرارة له: والنعامة لا مخ له. وصغار السمك تحترس من كباره، فلذلك تطلب ماء الشطوط والماء القليل الذي لا يحمل الكبير وهو شديد الحركة لان قوته المحركة للارادة تجري في مسلك واحد لا ينقسم في عضو خاص، وهذا بعينه موجود في الحيات، ومن السمك ما يتولد بسفاد، ومنها ما يتولد بغيره إما من الطين، أو من الرمل، وهو الغالب في أنواعه وغالبا يتولد من العفونات، وبيض السمك ليس له بياض ولا صفرة إنما هو لون واحد وفي البحر من العجائب ما لا يستطاع حصره: حكى القزوني في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون المغربي قال: ركبت بحر المغرب فوصلت إلى موضع يقال له: البرطون وكان معنا غلام صقلي له صنارة (2) فألقاها في البحر فصادبها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف اذنها اليمنى مكتوب: " لا إله إلا الله " وفي قفاها: " محمد " وفي خلف اذنها اليسرى: رسول الله صلى الله عليه وآله (3). 1 - دعائم الاسلام: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إدمان أكل السمك الطري يذيب الجسد، وكان إذا أكل السمك قال: اللهم تبارك لنا فيه وأبدلنا خيرا منه (4). 2 - وقال جعفر بن محمد عليه السلام: أكل التمر بعده يذهب أذاه (5). 3 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه نهى عن أكل ما صاده المجوس من الحوت و


(1) في المصدر: ونسيم البر الذى يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة قتله. (2) صنارة الصياد: قطعة ملتوية من نحاس أو حديد تنشب في حلق الصيد. (3) حياة الحيوان 2: 20. (4 - 5) دعائم الاسلام: نسخته ليست عندي.

[191]

الجراد لانه لا يأكل منه إلا ما اخذ حيا (1). 4 - الهداية: كل من السمك ما كان له فلوس، ولا تأكل ما ليس له فلس، وذكاة السمك والجراد أخذه، ولا تأكل الدبا من الجراد وهو الذي لا يستقل بالطيران، ولا تأكل من السمك الجريث ولا المارماهي ولا الطافي ولا (2) الزمير (3). 5 - وسئل الصادق عليه السلام عن الربيثا فقال: لا تأكلها فانا لا نعرفها في السمك (4). بيان: هذا الخبر المرسل رواه الشيخ بسند موثق عن عمار الساباطي (5) وحمله على الكراهة، وظاهر الاصحاب أن الربيثا غير الاربيان، ويظهر من خبر سيأتي أنهما واحد، ولم يذكر الربيثا فيما عندنا من كتب اللغة ولا كتب الحيوان، لكنه مذكور في أخبارنا وكتب أصحابنا ولم يختلفوا في حله، قال في السرائر: لا بأس بأكل الكنعت ويقال أيضا: الكنعد بالدال غير المعجمة، ولا بأس أيضا بأكل الربيثا بفتح الراء وكسر الباء، وكذلك لا بأس بأكل الاربيان بكسر الالف وتسكين الراء وكسر الباء، وهو ضرب من السمك البحري أبيض كالدود والجراد والواحدة إربيانة انتهى (6) وقد مضى خبر آخر في النهي عن الاربيان. 6 - كتاب عاصم بن حميد: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (7) كان أصحاب المغيرة يكتبون إلي أن أسأله عن الجريث والمارماهي والزمير وما ليس له قشر من السمك حرام هو أم لا ؟ فسألته عن ذلك فقال لي: اقرأ هذه الآية التي في


(1) دعائم الاسلام: (2) الزمير بكسر الزاء وفتحها وتشديد الميم: نوع من السمك له شوك ناتئ على ظهره وأكثر ما يكون في المياه العذبة. (3) الهداية: 17. (4) الهداية: 7 في نسخة: من السمك. (5) تهذيب الاحكام 9: 80 (طبعة الاخوندى) رواه باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن احمد بن الحسن بن على بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى. (6) السرائر: 358 باب ما يستباح اكله. (7) القائل محمد بن مسلم والمسؤول أبو جعفر الباقر عليه السلام.

[192]

الانعام فقرأتها حتى فرغت منها، قال: فقال لي: إنما الحرام ما حرم الله في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون الشئ ونحن نعافه (1). التهذيب: بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي نجران عن عاصم مثله إلا أنه زاد بعد قوله في الانعام: " قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم " قال: فقرأتها الخ (2). بيان: في القاموس: الزمير كسكيت: نوع من السمك، وذكر أكثر أصحابنا الزمار، واعلم أنه لا خلاف بين المسلمين في حل السمك الذي له فلس، والمعروف من مذهب الاصحاب تحريم ما ليس على صورة السمك من أنواع الحيوان البحري، وادعى الشهيد الثاني رحمه الله نفي الخلاف بين أصحابنا في تحريمه، وتأمل فيه بعض المتأخرين لعدم ثبوت الاجماع عليه، وشمول الادلة العامة في التحليل (3) له كما عرفت، ولا ريب في أن العمل بما ذكره الاصحاب أولى وأحوط، واختلف الاصحاب فيما لا فلس له من السمك، فذهب الاكثر ومنهم الشيخ في أكثر كتبه إلى تحريمه مطلقا، وذهب الشيخ في كتاب الاخبار (4) إلى الاباحة ما عدا الجري، وحمل الاخبار الدالة على تحريمها على الكراهة لروايات صحيحة دالة على الحل، منها هذه الرواية، والمحرمون حملوها على التقية وهو أحوط. 7 - الدر المنثور: عن عكرمة قال: قال ابن عباس: مكتوب على الجرادة بالسريانية: إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي اسلطه على من أشاء من عبادي (5). 8 - وعن أبي زهير قال: لا تقتلوا الجراد فانه جند من جند الله الاعظم (6).


(1) كتاب عاصم بن حميد: 25 فيه صدر وذيل اسقطهما المصنف وفيه: والمارماهيك. (2) تهذيب الاحكام 9: 6 فيه: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الجرى والمارماهى. (3) في النسخة المخطوطة: في التعليل له. (4) أي التهذيب والاستبصار. (5 و 6) الدر المنثور:

[193]

9 - وعن الحسين بن علي عليه السلام: قال: كنا على مائدة أنا وأخي محمد بن الحنفية وبني عمي عبد الله بن عباس وقثم والفضل فوقعت جرادة فأخذها عبد الله بن عباس فقال للحسن: تعلم ما مكتوب على جناح الجرادة ؟ فقال: سألت أبي فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: على جناح الجرادة مكتوب: إني أنا الله لا إله إلا أنا رب الجرادة ورازقها إذا شئت بعثتها رزقا لقوم، وإن شئت (1) على قوم بلاء " فقال ابن عباس: هذا والله من مكنون العلم. 10 - حياة الحيوان: بإسناد الطبراني عن الحسن بن علي عليه السلام قال: كنا على مائدة، وذكر نحوه (2). بيان: يحتمل أن يكون الكتابة المذكورة كناية عن أن خلقتها على الهيئة المذكورة تدل على وجود الصانع ووحدته وكونه رب الجرادة وغيرها، وإنها تكون نعمة وبلاء وفيها استعدادهما والله يعلم (3). 11 - كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الجري يحل أكله ؟ فقال: إنا وجدناه في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام حراما (4). 12 - كتاب صفات الشيعة: عن علي بن أحمد بن عبد الله عن أبيه عن جده أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن عمرو بن شمر عن عبيد الله عن الصادق عليه السلام قال: من أقر بسبعة أشياء فهو مؤمن: البراءة من الجبت والطاغوت (5)، والاقرار بالولاية، والايمان


(1) في المصدر: وان شئت بعثتها بلاء على قوم. (2) حياة الحيوان 1: 136. (3) وانما ذكر انه مكتوب على جناحه لان قوته وطيرانه وبعثه رزقا لقوم وبلاء لاخرين تكون به. (4) بحار الانوار 10: 254، طبعة الاخوندى. (5) الجبت: الصنم وكل ما يعبد من دون الله ويطاع من غير اذن الله، والطاغوت: كل متعد ويعبر عنه بالديكتاتور، رأس الضلال، الصارف عن طريق الخير. كل معبود دون - الله، والبراءة عنهما: الخروج عن طاعتهما والقيام لاعدامهما، وفي قبال ذلك الاقرار بأن الولاية والحكومة ليست الا لاولياء الله وخلصائه، ولمن جعلهم الله خلفاءه على الناس وهم الائمة عليهم السلام.

[194]

بالرجعة، والاستحلال للمتعة، وتحريم الجري، والمسح على الخفين (1). 13 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الجراد نصيبه ميتا في الصحراء أو في الماء أيؤكل ؟ قال: لا تأكله. قال: وسألته عن الجراد نصيده فيموت بعد ما نصيده فيؤكل ؟ قال: لا بأس. قال: وسالته عن الدبى من الجراد أيؤكل ؟ قال: لا: حتى يستقل بالطيران (2). كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام مثل الجميع إلا أنه قال في الاخير: قال: سألته عن الدبى هل يحل أكله ؟ قال: لا يحل أكله حتى يطير (3). بيان: الدبى بفتح الدال وتخفيف البآء مقصورا هو الجراد قبل أن يطير و ظهر جناحه (4)، والواحدة دباة بفتح الدال أيضا. وقال في النهاية: وقيل: هو نوع يشبه الجراد (5). ويظهر من الاخبار الاول، ولا خلاف ظاهرا في أن ذكاة الجراد أخذه حيا باليد أو بالآلة، والمشهور أنه لا يشترط اسلام الآخذ إذا شاهده المسلم، وذهب ابن زهرة إلى المنع من صيد غير المسلم له مطلقا، ولعل الاشهر أقوى، ولو مات في الماء أو في الصحراء قبل أخذه لم يحل، ولو وقع في اجمة نار فأحرقتها وفيها جراد لم تحل وإن قصده المحرق، لا أعرف فيه خلافا بينهم، وتدل عليه رواية عمار (6)، ولا خلاف أيضا في عدم حل الدبى والمشهور أنه يباح أكله حيا وبما فيه كالسمك، واشترط بعضهم في حله الموت وسيأتي ما يدل على عدم الاشتراط.


(1) صفات الشيعة: 178 فيه: " البراءة من الطواغيت " وفيه: وترك المسح على الخفين. (2) قرب الاسناد: 116. (3) بحار الانوار 10: 287 و 252 (طبعة الاخوندى). (4) في المخطوطة: وأن ظهر جناحه. (5) النهاية 2: 13. (6) لم يذكر في المخطوطة: " عمار " بل قال: وتدل عليه رواية. (*)

[195]

14 - دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام أنه قال: النون ذكي، والجراد ذكي و أخذه حيا ذكاة. 15 - وعنه صلوات الله عليه أنه نهى عن الطافى وهو ما مات في البحر من صيده قبل أن يؤخذ. 16 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لا يؤكل من دواب البحر إلا ما كان له قشر وكره السلحفاة والسرطان والجري، وما كان في الاصداف وما جانس ذلك (1). 17 - كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عما صادت المجوس من الجراد والسمك أيحل أكله ؟ قال: صيده ذكاته لا بأس، وسألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر والفرات أيؤكل ؟ فقال: ذلك لحم الضفادع لا يصلح أكله (2). قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر مثل السؤال الاخير إلا أن فيه: لا يحل أكله (3)، كما في الكافي. بيان: ذلك لحم الضفادع، أي شبيه به وحكمه حكمه، وفيه إشعار بكونه حيوانا، وقال الدميري: الصدف من حيوانات البحر، وفي حديث ابن عباس: إذا مطرت السماء فتحت الصدف أفواهما وهو غلاف اللؤلؤ، الواحدة صدفة. 18 - قرب الاسناد وكتاب المسائل بإسنادهما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن أكل السلحفاة والسرطان والجري أيحل أكله ؟ قال: لا يحل أكل السلحفاة، والسرطان والجري (4).


(1) دعائم الاسلام: ليست عندي نسخته. (2) بحار الانوار 10: 277 فيه: " عما اصاب " و 261 فيه: فلا يصلح اكله (3) قرب الاسناد: 118 وفيه: في أجواف البحر. (4) قرب الاسناد: 118، بحار الانوار 10: 261 فيه: عن اكل السلحفاة والسرطان والجرى، قال: اما الجرى فلا يؤكل ولا السلحفاة ولا السرطان.

[196]

فائدة: قال الدميري: السلحفاة البرية بفتح اللام واحدة السلاحف، قال أبو عبيدة: وحكى الراوي سلحفة وسلحفاة (1)، وهي بالهاء عند الكافة، وعند ابن عبدوس السلحفا بغير هاء، وذكرها يقال له: غيلم، وهذا الحيوان يبيض في البر فما نزل في البحر كان لجأة وما استمر في البر كان سلحفاة، ويعظم الصنفان جدا إلى أن يصير كل واحد منهما حمل جمل، وإذا أراد الذكر السفاد والانثى لا تطيعه يأتي الذكر بحشيشة في فيه خاصيتها أن صاحبها يكون مقبولا فعند ذلك تطاوعه، وهذه الحشيشة لا يعرفها إلا قليل من الناس، وهي إذا باضت صرفت همتها إلى بيضها بالنظر إليه ولا تزال كذلك حتى يخلق الولد منها إذ ليس لها أن تحضنه حتى يكمل بحرارتها لان أسفلها صلب لا حرارة فيه، وربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية وتقمع رأسها من ذنبها (2)، والحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة وعلى الارض حتى تموت، ولذكرها ذكران وللانثى فرجان، والذكر يطيل المكث في السفاد، والسلحفاة مولعة بأكل الحيات، فإذا أكلتها أكلت بعدها سعترا، والترس الذي على ظهرها وقايتها (3). وقال: السلحفاة البحرية: اللجاة بالجيم وهي تعيش في البر والبحر، و اللجاة البحرية لها لسان في صدورها من أصابته به من الحيوان قتله، ولها حيلة عجيبة في صيدها من طائر أو غيره، وذلك أنها تغوص في الماء، ثم تتمرغ في التراب، ثم تكمن للظبى (4) في مواضع شربها فيختفي عليه لونها فتمسكه وتغوص به في الماء حتى يموت، وقال أرسطاطاليس في النعوت: ما خرج من بيض اللجاة مستقبل البحر صار إلى البحر وما خرج مستقبل البر صار إلى البر، وكلهن يردن الماء لانهن


(1) في المصدر: وحكى الرواسى سلحفية مثل بلهنية. (2) في المصدر: فتقطع رأسها وتمضغ من ذنبها. (3) حياة الحيوان 2: 17. (4) في المصدر: للطير.

[197]

من خلق الماء، قال: وهي تأكل الثعابين (1). وقال: السرطان بفتح السين والزاء المهملتين وبالنون في آخره: حيوان معروف ويسمى عقرب الماء، وكنيته أبو بحر، وهو من خلق الماء ويعيش في البر أيضا، وهو جيد المشي سريع العدو، ذوفكين ومخالب وأظفار حداد كثير الاسنان صلب الظهر من رآه رأى حيوانا بلا رأس ولا ذنب، عيناه في كتفه وفمه في صدره، وفكاه مستويان من الجانب (2) وله ثمانية أرجل، وهو يمشي على جانب واحد، و يستنشق الماء والهواء معا، ويسلخ جلده في السنة ست مرات، ويتخذ لجحره بابين: أحدهما إلى الماء والآخر إلى اليبس فإذا سلخ جلده سد عليه ما يلي الماء خوفا على نفسه من سباع السمك، وترك ما يلي اليبس مفتوحا ليصل إليه الريح، فتجف رطوبته ويشتد، فإذا اشتد فتح ما يلي الماء وطلب معاشه. وقال أرسطاطاليس في النعوت: وزعموا أنه إذا وجد سرطان ميت في حفرة مستلقيا على ظهره في قرية أو أرض تأمن تلك البقعة من الآفات السماوية، وإذا علق على الاشجار يكثر ثمرها (3). 19 - الكافي (4) المكارم: عن ابن نباته عن علي عليه السلام أنه قال: لا تبيعوا الجري ولا المارماهي ولا الطافي. 20 - المحاسن: عن أبي أيوب المديني وغيره عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحوت ذكي حيه وميته (5). ومنه: عن أبيه عن عون بن حريز عن عمرو بن مروان الثقفي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (6).


(1) حياة الحيوان 2: 227. (2) في المصدر: مشقوقان من الجانبين. (3) حياة الحيوان 2: 14. (4) لم يذكر في المخطوطة: الكافي. (5 - 6) المحاسن: 475.

[198]

بيان: يدل على أن الحوت يحل أكله حيا كما هو المشهور بين الاصحاب وذهب الشيخ في المبسوط إلى توقف حله على الموت خارج الماء استنادا إلى أن ذكاته إخراجه من الماء حيا وموته خارجه فقبل موته لم تحصل الذكاة، ولهذا لو عاد إلى الماء ومات فيه حرم، ولو كان قد تمت ذكاته لما حرم بعدها، وأجيب بمنع كون ذكاته يحصل بالامرين معابل بالاول خاصة بشرط عدم عوده إلى الماء وموته فيه، مع أن عمومات الحل يشمله. 21 - فقه الرضا: فقال إن وجدت سمكة ولم تدر أذكي هو أم غير ذكي - وذكاته أن يخرج من الماء حيا - فخذ منه واطرحه في الماء فان طفا على رأس الماء مستلقيا على ظهره فهو غير ذكي، وإن كان على وجهه فهو ذكي (1). بيان: ذكر هذه العبارة بعينها الصدوق رحمه الله في الفقيه والمقنع (2) وقال في الدروس: ويحرم الطافي إذا علم أنه مات في الماء، ولو علم كونه مات خارج الماء حل، ولو اشتبه فالاقرب التحريم، ثم ذكر كلام المقنع وقال: واختاره الفاضل انتهى. وقال يحيى بن سعيد في الجامع: إذا نصب شبكة فاجتمع فيها سمك جاز أكله فان علم أن فيه ميتا في الماء ولم يتميز القي ذلك في الماء، فان طفا على ظهره لم يؤكل، وإن طفا على وجهه اكل وكذلك صيد الحظائر. وقال ابن حمزة في الوسيلة: إن وجدت سمكة على شاطئ الماء ولم تعلم حالها القيت في الماء، فان طفت على الظهر فهي ميتة، وإن طفت على الوجه فذكية (3)، ونحوه قال سلار في المراسم (4)، وعد ابن البراج في المهذب في السموك المحللة كل ما وجد منه على ساحل البحر والقى في الماء فرسب أسفله ولم يطف عليه انتهى.


(1) فقه الرضا: 40. (2) من لا يحضره الفقيه 3: 207، المقنع: 35 فيهما: " ولم تعلم أذكى " والظاهر من الكتابين انه من كلام الصدوق. (3) الوسيلة: 70. (4) المراسم: 28.

[199]

وكأنه حمل هذا الخبر على هذا المعنى، ولا يخفى ما فيه ولعل السر فيما ورد في الخبر أن الذي يموت في الماء يتنفخ بطنه غالبا فيقع في الماء على ظهره دون ما مات خارج الماء، والظاهر أن وقوع السمك الطري الميت على وجهه في الماء في غاية الندرة، وأما غير الطري فهو يرسب في الماء سواء مات خارج الماء أو داخله ولعله لذلك أعرض عنه أكثر المتأخرين. 21 - المكارم: عن أحمد بن اسحاق قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام سألته عن الاسقنقور يدخل في دواء الباه له مخاليب وذنب أيجوز أن يشرب ؟ فقال: إذا كان له قشور فلا بأس (1). توضيح: قال في القاموس: اسقنقور: دابة تنشأ بشاطئ بحر النيل لحمها باهي. وقال الدميري في الاسقنقور: قال بختيشوع: إنه التمساح البري لحمه حار في الطبقة الثانية (2) إذا ملح وشرب منه مثقال زاد في الباه وتهيج الشهوة ويسخن الكلى الباردة، وقال ابن زهير: هي دابة بمصر شكلها كالوزغة على عظيم خلقته، وإذا علقت عينها على من يفزع بالليل أبرأته إذا لم يكن من خلط. وقال أرسطاطاليس في كتاب الحيوان الكبير: إن شربه يهيج الباه ويزيد في الانعاظ في سائر البلاد إلا بمصر، وهو أنفس ما يهدى منها لملوك الهند فانهم يذبحونه بسكين من ذهب ويحشونه من ملح مصر ويحملونه كذلك إلى أرضهم، فإذا وضعوا منه مثقالا (3) على بيض أو لحم واكل نفع من ذلك نفعا بليغا (4). والتمساح: تبيض في البر فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا وما بقي صار


(1) مكارم الاخلاق: 83 و 84 فيه: ان كان له. (2) في المصدر: في الدرجة الثانية. (3) في المصدر: مثقالا من ذلك الملح. (4) حياة الحيوان 1: 17.

[200]

سقنقورا (1). وقال: السقنقور نوعان: هندي ومصري، منه ما يتولد ببحر القلزم وبلاد الحبشة، وهو يغتذى بالسمك في الماء، وفي البر بالقطا يسترطه (2) كالحيات، وانثاه تبيض عشرين بيضة تدفنها في الرمل فيكون ذلك حضنا لها، ومن عجيب أمره أنه إذا عض إنسانا وسبقه إلى الماء (3) واغتسل منه مات السقنقور، وإن سبق السقنقور إلى الماء مات الانسان، والمختار من أعضائه ما يلي ذنبه من ظهره فهو أبلغ نفعا، وهذا الحيوان مادام رطبا (4) لحمه حار رطب في الدرجة الثانية، وأما مملوحه المجفف فانه أشد حرارة وأقل رطوبة. قال في المفردات: السقنقور الهندي نحو ذراعين طولا وعرضه نحو نصف ذراع، ولحمه إذا أكل منه اثنان بينهما عداوة زالت وصارا متحابين وخاصية لحمه وشحمه إنهاض شهوة الجماع وتقوية الانعاظ والنفع من الامراض الباردة التي بالعصب، وقال أرسطو: لحم السقنقور الهندي إذا طبخ باسفيداج نفخ اللحم وأسمن، ولحمه يذهب وجمع الصلب ووجع الكليتين ويدر المني وخوزته الوسطى إذا علقت على صلب إنسان هيجت الاحليل وزادت الجماع (5). 22 - جامع الشرايع ليحيى بن سعيد: عن جعفر بن محمد عليه السلام: كل ما كان في البحر مما يؤكل في البر مثله فجائز أكله، وكل ما كان في البحر مما لا يجوز أكله في البر لم يجز أكله (6). بيان: لم أر قائلا بهذا الخبر إلا أن الفاضل المذكور نقله رواية، وقد قال قبل ذلك: لا يحل من صيد البحر سوى السمك - فقد قيل فيه مثل كل ما في البر -


(1) حياة الحيوان 1: 117. (2) أي يبتلعه. (3) في المصدر: وسبقه الانسان إلى الماء. (4) في المصدر: ما دام طريا فهو حار. (5) حياة الحيوان 2: 16. (6) جامع الشرائع: ليست عندي نسخته.

[201]

ولا من السمك إلا ذو فلس (1). 23 - قرب الاسناد: عن محمد بن عيسى والحسن بن ظريف وعلي بن إسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عن أبيه عليه السلام قال: قال: الحيتان والجراد ذكي كله (2). بيان: الذكي فعيل بمعنى مفعول من التذكية وهي قطع الاوداج، وكأن المعنى أنهما لا يحتاجان إلى الذبح والنحر بل يكفي أخذهما كما سيأتي انشاء الله. 24 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه سئل عن أكل الجراد فقال: لا بأس بأكله، ثم قال: إنه نثرة من حوتة البحر، ثم قال: إن عليا عليه السلام قال: إن الجراد والسمك إذا خرج من الماء فهو ذكي، والارض للجراد مصيدة والسمك أيضا قد يكون (3). بيان: قال في النهاية: في حديث ابن عباس: الجراد نثرة الحوت أي عطسته وحديث كعب إنما هو نثرة حوت (4). وفي جامع الاصول: النثرة للدواب: شبه العطسة، نثرت الدابة: إذا طرحت ما في أنفها من الاذى. وقال الدميري: اختلف في الجراد هل هو صيد بري أو بحري، فقيل: بحري لما روى ابن ماجة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله دعا على الجراد فقال: " اللهم أهلك كباره وأفسد صغاره واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا " (5) فقال: إن الجراد نثرة الحوت من البحر أي عطسته، والمراد أن الجراد من صيد البحر يحل للمحرم أن يصيده، وحكى الموفق بن طاهر قولا غريبا أنه من صيد البحر


(1) في المخطوطة: الا ذو الفلس. (2) قرب الاسناد: 10. (3) قرب الاسناد: 24. (4) النهاية 4: 133. (5) زاد في المصدر: انك سميع الدعاء.

[202]

لانه يتولد من روث السمك وهو شاذ انتهى (1). أقول: كأن بعض أفراد الجراد يتولد من نثرة الحوت، أو هو على سبيل التشبيه، أي هو في الخلق والطيب شبيه بالسمك، فكأنه يتولد من نثرته وقوله: إذا خرج، متعلق بالسمك، أو بهما إذا تولد الجراد من الماء، ويؤيده أن الجراد في الكافي مؤخر عن السمك، فقوله: " والارض للجراد مصيدة " أي غالبا، قوله عليه السلام " والسمك أيضا قد يكون " في الكافي: " وللسمك قد تكون أيضا " وهو أظهر، أي الارض قد تكون مصيدة للسمك أيضا كما إذا وثب على الساحل فأدركه إنسان فأخذه قبل موته. 25 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: سئل جعفر عليه السلام (2) عن الربيثا فقال: لا بأس بأكلها وددنا أن عندنا منها (3). 26 - ومنه: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سئلته عن سمكة وثبت من النهر فوقعت على الجد (4) فماتت هل يصلح أكلها ؟ قال: إن أخذتها (5) قبل أن تموت فكلها، وإن ماتت قبل أن تأخذها فلا تأكلها (6)، وسألته عما حسر الماء عنه من صيد البحر وهو ميت هل يحل أكله ؟ قال: لا، وسألته عن السمك يصاد ثم يوثق فيرد إلى الماء حتى يجئ من يشتريه فيموت بعضه أيحل أكله ؟ قال: لا لانه مات في الذي فيه حياته ورسالته عن الصيد يحبسه فيموت في مصيدته أيحل أكله ؟ قال: إذا كان محبوسا فكل فلا بأس (7).


(1) حياة الحيوان 1: 137 و 138. (2) في المصدر: قال: سمعت جعفرا يقول وسئل عن الربيثا. (3) قرب الاسناد: 26. (4) في المصدر: على الجرف. (5) في المصدر: إذا اخذتها. (6) قرب الاسناد: 117. (7) قرب الاسناد: 118.

[203]

كتاب المسائل مثل الجميع (1). تبيين: لا خلاف بين الاصحاب في عدم حل ما مات من السمك في غير الشبكة والحظيرة، والمشهور بينهم أن ذكاة السمك أخذه حيا سواء أخذه من الماء أو ثبت اليد عليه خارج الماء حيا، ولا فرق بين أن يكون المخرج من الماء مسلما أو كافرا على المشهور، نعم لا يحل ما وجد في يد الكافر حتى يعلم أنه مات بعد إخراجه من الماء. وظاهر المفيد تحريم ما أخرجه الكافر مطلقا، وقال ابن زهرة: الاحتياط تحريم ما أخرجه الكافر، ويظهر من الشيخ في الاستبصار: الحل إذا أخذه منه المسلم حيا، والاول اظهر وقيل: المعتبر خروجه من الماء حيا سواء أخرجه من الماء مخرج أم لا، واختاره المحقق رحمه الله في النكت، ويدل عليه رواية زرارة قال: قلت: " السمكة تثب من الماء فتقع على الشط فتضطرب حتى تموت، فقال: كلها " ورواية اخرى، وتدل صدر هذه على عدم حلها إن مات قبل أخذها وهو أحوط، وإن أمكن حمله على الكراهة، ولا يشترط في حل السمك التسمية وغيرها مما يعتبر في الذبح، وقال صاحب الوسيلة: التسمية مستحبة فيه، ولو اخذوا عيد في الماء فمات فيه لم يحل كما يدل عليه هذا الخبر، وكذا لو نضب الماء عنه لا خلاف في حرمته، وأما إذا نصب شبكة فمات بعض ما حصل فيها واشتبه الحي بالميت فقد قيل حل الجميع حتى يعلم الميت بعينه، اختاره الشيخ في النهاية والقاضي، واستحسنه المحقق لدلالة الاخبار الصحيحة عليه، وذهب ابن أبي عقيل إلى الحل مع التميز (2) أيضا وهو الظاهر من الاخبار، وإن المعتبر في حله قصد الاصطياد، ويدل عليه آخر الخبر أيضا، وذهب ابن إدريس والعلامة وأكثر المتأخرين إلى تحريم الجميع لان ما مات في الماء حرام والمجموع محصور، وقد اشتبه الحلال بالحرام فيكون الجميع حراما، ولو لم يشتبه


(1) بحار الانوار 10: 281. (2) في المخطوطة: مع التمييز. (*)

[204]

فأولى بتحريم الميت، وأجابوا عن الاخبار بعدم صراحتها في الموت في الماء فلعله مات خارج الماء أو على الشك في موته في الماء فان الاصل بقاء الحياة إلى أن فارقته والاصل الاباحة. وأقول: حرمة المشتبه بالحرام ممنوع، وقد مضت الاخبار الدالة على خلافها، والاحتياط طريق النجاة. 26 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب عن الحكم بن مسكين عن أبي سعيد المكاري عن سلمة بياع الجواري قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أما السمك فما لم يكن له قشر فلا تأكله الخبر (1). 27 - ومنه: عن أحمد بن الحسن القطان وخمسة اخرى عن مشايخه (2) عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن أبي معاوية عن الاعمش عن الصادق عليه السلام قال: يؤكل من الجراد ما استقل بالطيران، وذكاة السمك والجراد أخذه (3). وقال عليه السلام: الجري والمارماهي والطافي والزمير حرام، وكل سمك لا تكون له فلوس فأكله حرام (4). 28 - العيون: (5) عن عبد الواحد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون: يحرم الجري والسمك والطافي والمارماهي


(1) الخصال 1: 139 و 140 (طبعة الغفاري) والحديث طويل. (2) وهم: احمد بن محمد بن الهيثم العجلى ومحمد بن أحمد السنانى والحسين بن ابراهيم بن أحمد بن هشام المكتب و عبد الله بن محمد الصائغ وعلى بن عبد الله الوراق رضى الله عنهم. (3) الخصال 2: 610 (طبعة الغفاري). (4) الخصال 2: 609 و 610 طبعة الغفاري. (5) عيون اخبار الرضا 2: 126 (طبعة قم) باب ما كتبه الرضا (ع) للمأمون.

[205]

والزمير وكل سمك لا يكون له فلس. 29 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: قال الصادق عليه السلام في جواب ما سأل الزنديق: إن السمك ذكاته إخراجه حيا من الماء ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه، وذلك أنه ليس له دم وكذلك الجراد، الخبر (1). 30 - العيون: عن جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمه عن محمد بن شاذان (2) عن الفضل بن شاذان عن ابن بزيع قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام: اختلف الناس علي في الربيثا فما تأمرني فيها ؟ فكتب: لا بأس بها (3). 31 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الصفار عن عبد الله بن الصلت عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تأكل جريثا ولا مارماهيجا ولا إربيان ولا طحالا لانه بيت الدم ومضغة الشيطان (4). 32 - تحف العقول: قال الصادق عليه السلام: لا بأس بأكل صنوف الجراد وما يجوز أكله من صيد البحر من صنوف السمك ما كان له قشور فحلال أكله وما لم يكن له قشور فحرام أكله (5). 33 - إكمال الدين: عن علي بن أحمد الدقاق عن الكليني عن علي بن محمد عن محمد ابن إسماعيل بن موسى (6) عن أحمد بن القاسم العجلي عن أحمد بن يحيى المعروف ببرد (7) عن محمد بن خداهي عن عبد الله بن أيوب عن عبد الله بن هشام عن عبد الكريم بن عمر


(1) الاحتجاج: 190 (طبعة المرتضوية). (2) في المصدر: قال حدثنى عمى أبو عبد الله محمد بن شاذان. (3) عيون اخبار الرضا: 190 و 191 (طبع نجم الدولة). (4) علل الشرائع 2: 249 (طبعة قم). (5) تحف العقول: 337 و 338. (6) في المصدر: والكافي: موسى بن جعفر. (7) في الكافي: عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد عن عبد الله بن ايوب عن عبد الله ابن هاشم عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي.

[206]

الجعفي عن حبابة الوالبية قالت: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في شرطة الخميس ومعه درة يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمير (1) والطافي ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بنى إسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف فقال له: يا أمير المؤمنين وما جندبني مروان ؟ فقال له أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب (2). 34 - صحيفة الرضا: باسناده عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: كنا أنا وأخي الحسن وأخي محمد بن الحنفية وبنو عمي: عبد الله بن عباس وقثم والفضل على مائدة (3) نأكل فوقعت جرادة على المائدة فأخذها عبد الله بن عباس فقال للحسن: يا سيدي ما المكتوب (4) على جناح الجرادة ؟ قال: سألت أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سألت جدك صلى الله عليه وآله فقال: على جناح الجرادة مكتوب: " إني أنا الله لا إله إلا أنا رب الجرادة ورازقها، إذا شئت بعثتها لقوم رزقا، وإذا شئت بعثتها على قوم بلاء " فقام عبد الله بن عباس فقبل رأس الحسن بن علي عليه السلام ثم قال: هذا والله من مكنون العلم (5). دعوات الراوني عن الحسين عليه السلام مثله. 35 - المحاسن: عن الوشاء عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس بكواميخ المجوس ولا بأس بصيدهم للسمك (6). بيان: حمله الشيخ وغيره على ما إذا أخذ المسلم منهم حيا أو شاهد المسلم إخراجه من الماء، والظاهر أن الكواميخ هي المتخذة من السمك، وهذا التأويل فيه في غاية


(1) في المصدر والكافي: الزمار. (2) كمال الدين: 269 (ط 1) وج 2: 536 (ط 2) واصول الكافي 1: 346. (3) في المصدر: على مائدة واحدة. (4) في المصدر تعلم: ما المكتوب. (5) صحيفة الرضا: 41. (6) دعوات الراوندي: مخطوط. (7) المحاسن: 454.

[207]

البعد، ويمكن حمله على التقية أو على ما ادعوا عدم ملاقاتهم لها مع حمل الكامخ على غير المتخذ من السمك. 36 - المحاسن: عن يعقوب بن يزيد عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: عليكم بالسمك فانه إن أكلته بغير خبز أجزأك، وإن أكلته بخبز أمرأك (1). بيان: في النهاية مرأني الطعام وأمرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبا (2). قال الفراء: يقال هنأني الطعام ومرأني بغير ألف فإذا أفردوها عن هنأني قالوا: أمرأني. 37 - المحاسن: عن نوح النيسابوري عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أكل السمك قال: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به خيرا منه (3). 38 - ومنه: عن أبي القاسم ويعقوب بن زيد عن العبدي (4) عن ابن سنان وأبي البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السمك الطري يذيب الجسد (5). 39 - ومنه: عن علي بن حسان عن موسى بن بكر القصير عن أبي الحسن عليه السلام مثله (6). 40 - ومنه: عن البزنطي عن عبد الله بن محمد الشامي عن حسين بن حنظلة عن أحدهما قال: السمك يذيب الجسد (7). 41 - ومنه عن محمد بن عيسى عن أبي بصير وأحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن محمد بن سوقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال أكل الحيتان يذيب


(1) المحاسن: 475. (2) النهاية 4: 92. (3) المحاسن: 475 و 676. (4) في المصدر: عن القندى. (5 - 7) المحاسن: 476.

[208]

الجسد (1). 42 - ومنه عن بعض أصحابه عن عبد الله بن عبد الرحمن عن شعيب عن ابى بصير رفعه قال قال امير المؤمنين عليه السلام مثله (2). 43 - ومنه: عن بعض أصحابه عن ابن اخت الاوزاعي عن مسعدة بن اليسع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: السمك الطري يذيب اللحم (3). 44 - ومنه: عن عثمان بن عيسى رفعه قال: السمك (4) يذيب شحم العين (5). 45 - وفي حديث اخرى: عن مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السمك الطري يذيب بمخ العين (6). 26 - وفي حديث آخر: يذبل الجسد (7). 47 - ومنه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أكل الحيتان يورث السل (8). 48 - ومنه: عن نوح النيسابوري عن سعيد بن جناح عن مولى لابي عبد الله عليه السلام (9) قال: دعا بتمر في الليل فأكله ثم قال: ما بي شهوته ولكني أكلت سمكا، ثم قال: ومن بات وفي جوفه سمك ولم يتبعه بتمر أو عسل لم يزل عرق الفالج يضرب


(1) المحاسن: 486. أقول: كان المنصف قدس سره أدرج بين متن واسناد من غيره والموجود في المصدر: عن بعض أصحابنا عن عبد الله بن عبد الرحمن عن شعيب عن ابى بصير رفعه قال أمير المؤمنين " ع ": اكل الحيتان يذيب الجسد. ثم ذكر حديث محمد بن سوقه عن أبى عبد الله " ع " وقال: السمك يذيب البدن. (2) المحاسن: 476 ذكرنا متنه في التعليقة المتقدمة. (3) المحاسن: 476. (4) في المصدر: السمك الطرى. (5 - 8) المحاسن: 476. (9) في المخطوطة: عن كامل مولى لابي عبد الله " ع " ظ.

[209]

عليه حتى يصبح (1). 49 - ومنه: عن أبيه عن صفوان عن منصور بن حازم عن سمرة بن سعيد قال: خرج أمير المؤمنين على بغلة رسول الله عليه السلام وخرجنا معه نمشي حتى انتهينا إلى أصحاب السمك فجمعهم فقال: أتدرون لاي شئ جمعتكم ؟ قالوا: لا، قال: لا تشتروا الجري ولا المارماهي ولا الطافي على الماء ولا تبيعوه (2). 50 - ومنه: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يركب بغلة رسول الله عليه السلام ثم يمر بسوق الحيتان فيقول: ألا لا تأكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر (3). ومنه: عن هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: إذا ضرب صاحب الشبكة فما أصاب فيها من حى وميت (4) فهو حلال ما خلا ما ليس له قشر، ولا يؤكل الطافي من السمك (5). بيان: قال الشيخ في التهذيب: هذا الخبر محمول على أنه حلال له الحي والميت إذا لم يتميز له، فأما مع تميزه فلا يجوز أكل ما مات فيه انتهى (6). وربما يحمل على ما إذا لم يعلم موته قبل الخروج من الماء وبعده. وروى الشيخ بسند صحيح (7) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل نصب


(1 - 3) المحاسن: 477. (4) في المصدر: أو ميت. (5) المحاسن: 477. (6) تهذيب الاحكام 9: 12 طبعة الاخوندى، والحديث رواه الشيخ في التهذيب والاستبصار 4: 62 باسناده عن محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن هارون بن مسلم. ورواه الكليني في الكافي 2: 144. (7) والاسناد هكذا: الحسين بن سعيد عن فضاله عن القاسم بن بريد عن محمد ابن مسلم.

[210]

شبكة في الماء ثم رجع إلى بيته وتركها منصوبة فأتاها بعد ذلك وقد وقع فيها سمك فيموتن (1) فقال: ما عملت يده فلا بأس بأكل ما وقع فيها. (2) وقد عرفت ما ذكره الاصحاب فيه. وأقول يحتمل أن يكون نصب تلك الشبكة في المواضع التي تزيد الماء فيها ثم تنقص بالمد والجزر كالبصرة فعند المد تدخل الحيتان في الشبكة وعند الجزر تبقى فيها ويخرج منها الماء فحينئذ لا يكون موتها في الماء. فقوله عليه السلام: " ما عملت يده " لبيان أن الموت فيها بمنزلة الاخذ باليد، وهذا وجه قريب شائع. 52 - المحاسن: عن محمد بن علي الهمداني عن معتب قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام يوما: يا معتب اطلب لنا حيتانا طرية فاني اريد أن أحتجم، فطلبتها له فأتيته بها، فقال لي: يا معتب سكبج لي شطرها واشولي شطرها، قال: فتغدى منها أبو الحسن عليه السلام وتعشى (3). بيان: سكبج أي اطبخ به سكباجا وهو بالكسر معرب. (4) 53 - المحاسن: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن عمر بن حنظلة قالت: حملت الربيثا في صرة إلى أبي عبد الله عليه السلام فسألته عنها فقال: كلها، وقال: لها قشر. (5) 54 - ومنه: عن أحمد بن محمد عن جعفر بن يحيى الاحول عن بعض أصحابه قال: شهدت أبا الحسن موسى عليه السلام يأكل مع جماعة فاتي بسكرجات فمد يده إلى سكرجة فيها ربيثا فأكل منها، فقال بعضهم: جعلت فداك أردت أن أسألك عنها وقد رأيتك أكلتها


(1) في المصدر: فيمتن. (2) تهذيب الاحكام 9: 11 " طبعة الاخوندى " ورواه في الاستبصار 4: 61، ورواه الصدوق في الفقيه 3: 206 والكليني في الفروع 6: 217. (3) المحاسن 477. (4) في نسخة: معروف. (5) المحاسن: 478 فيه: وقد رأيتك.

[211]

فقال: لا بأس بأكلها. (1) توضيح: قال في النهاية: فيه: " لا آكل في سكرجة " هي بضم السين والكاف والراء والتشديد: إناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الادم وهي فارسية، وأكثر ما يوضع فيها الكواميخ ونحوها. (2) 55 - المحاسن: عن أبيه عن صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج عن علي بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الربيثا فقال: قد سألني عنها غير واحد واختلفوا علي في صفتها، قال فرجعت فأمرت بها فجعلت. (3) ثم حملتها إليه فسألته عنها فرد علي مثل الذي رد، فقلت: قد جئتك بها، فضحك، فأريتها إياه فقال: ليس به بأس. (4) 56 - ومنه: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الربيثا فقال: لا بأس بأكلها ولوددت أن عندنا منها. (5) 57 - ومنه: عن السياري عن محمد بن جمهور باسناد له قال: حمل رجل من أهل البصرة الاربيان إلى أبي عبد الله عليه السلام وقال: إن هذا نتخذ منه عندنا شئ (6) يقال له: الربيثا يستطاب أكله ويؤكل رطبا ويابسا وطبيخا، وإن أصحابنا يختلفون منه فمنهم من يقول: إن أكله لا يجوز، ومنهم من يأكله، فقال لي: كله فانه جنس من السمك، أما تراها تقلقل في قشرها ؟. (7). بيان: " تقلقل " أي يسمع لها صوت إذا حركت في صرة ونحوها، وذلك بسبب أن لها قشرا وإذا كان لها قشرو فلوس فهي حلال. في القاموس: قلقل: صوت،


(1) المحاسن: 478. (2) النهاية 2: 185. (3) في المصدر: فجعلت في وعاء. (4) المحاسن: 478. (5) المحاسن: 478. (6) في المصدر: وقال له: ان هذا يتخذ منه عندنا شئ. (7) المحاسن: 478 و 479.

[212]

والشئ قلقلة، وقلقالا بالكسر ويفتح: حركه. وفي النهاية: فيه: ونفسه تقلقل في صدره، أي تتحرك لا بصوت شديد (1)، وأصله الحركة والاضطراب (2). 58 - المحاسن: عن بعض العراقيين عن جعفر بن الزبير عن جعفر بن محمد بن الحكيم عن أبيه عن حديد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أكلت السمك فاشرب عليه الماء (3). 59 - ومنه: عن محمد بن سهل بن اليسع والنوفلي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن عمر بن علي عن أبي الحسن الاول عن أبيه عن جده عن محمد بن علي ابن الحنفية قال: كنت أنا وعبد الله بن العباس بالطائف نأكل إذ جاءت جرادة فوقعت على المائدة فأخذها عبد الله بن العباس ثم قال: يا محمد ما سمعت والدك يحدث في هذا الكتاب الذي على جناح الجرادة ؟ فقلت: قال عليه السلام: إن عليه مكتوبا: إني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الجراد جندا من جنودي واسلطه على من شئت من خلقي (4). 60 - ومنه: عن محمد بن علي عن أحمد بن عمر بن مسلم عن الحسن بن إسماعيل الميثمي عن يحيى بن ميمون البصري عن رجل عن مقسم مولى ابن عباس قال: لما سير ابن الزبير عبد الله بن العباس إلى الطائف وزاره محمد بن علي بن الحنفية قال: فبينا هو ذات يوم عنده إذ جيئ بالخوان للغداء فجاءت جرادة ضخمة حتى تقع على المائدة، فسمع ابن عباس صوت وقعها فقال: ما هذا الصوت الذي أسمع (5) ؟ قالوا: جرادة سقطت على المائدة، قال: فمن تناوله ؟ قالوا: مقسم قال: يا مقسم انشر جناحيها


(1) في المصدر: أي تتحرك بصوت شديد. (2) النهاية 3: 308. (3) المحاسن: 479. (4) المحاسن: 479. (5) يظهر من السياق أن الواقعة كانت بعد عمى ابن عباس فانه كان في اواخر عمره مكفوفا.

[213]

فانظر ما ذاترى تحتها، قال: أرى نقطا سودا، قال: (1) فضرب بيده على فخذ محمد بن علي وكان إلى جنبه فقال: هل عندكم في هذا شئ ؟ فقال: حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ليس شئ من جرادة إلا وتحت جناحها مكتوب بالسريانية: " إني أنا الله رب العالمين قاصم الجبابرة، خلقت الجراد جندا من جنودي (2) اهلك به من شئت من خلقي " قال: فتبسم ابن عباس ثم قال: يابن عم هذا والله من مكنون علمنا فاحتفظ به. (3) 61 - ومنه: عن أبي أيوب المدينى وغيره عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الجراد ذكى حيه وميته (4). 62 - ومنه: عن عبد الله بن الصلت عن أنس عن عياض (5) الليثي عن جعفر عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يقول: الجراد ذكى والحيتان ذكى، فما مات في البحر فهو ميث (6). 63 - ومنه: عن أبيه عن عون بن جرير عن عمرو بن هارون الثقفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الجراد ذكى كله والحيتان ذكى كله، وأما ما هلك في البحر فلا تأكله (7). 64 - فقه الرضا: قال عليه السلام يؤكل من السمك ما كان له فلوس، وذكاة السمك والجراد أخذه، ولا يؤكل ما يموت في الماء من سمك وجراد وغيره، وإذا اصطدت سمكا وفي جوفه اخرى أكلت إذا كان لها فلوس، وروي لا يؤكل ما في جوفه لانه


(1) في المصدر: فقال: صدقت، قال. (2) في المصدر: خلقت الجراد وجعلته جندا من جنودي. (3) المحاسن: 479 و 480. (4) المحاسن: 480. (5) في المصدر: عن انس بن عياض الليثى. (6) المحاسن: 480. (7) المحاسن: 480.

[214]

طعمه (1)، ولا يؤكل الجري ولا المارماهي ولا الزمار ولا الطافي وهو الذي يموت في الماء فيطفو على رأس الماء (2). تفصيل وتبيين: قوله: " إذا اصطدت سمكا " أقول: ورد بهذا المضمون روايتان إحداها ما روى الشيخ باسناده (3) عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام إن عليا سئل عن سمكة شق بطنها فوجد فيها سمكة اخرى فقال: كلها جميعا (4)، والاخرى ما رواه بسند مرسل (5) يمكن أن يعد في الموثقات عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: رجل أصاب سمكة وفي جوفها سمكة قال: يؤكلان (6) جميعا. وعمل بها الشيخ في النهاية والمفيد وجماعة، ومنع ابن إدريس من حلها ما لم تخرج من بطنها حية لان شرط حل السمك أخذه من الماء حيا والجهل بالشرط يقتضي الجهل بالمشروط، ووافقه العلامة في المختلف والتحرير وولده، وفي القواعد رجح مذهب الشيخ، والمحقق في النافع ومال إليه في الشرائع والعمل بالروايتين أقوى ويؤيده هذه الرواية. وقوله عليه السلام: إذا كان له فلوس، أي كانت من الحيتان التي لها فلس ويحتمل أن يكون المعنى: لم تتسلخ فلوسها فانها حينئذ تغيرت وصارت خبيثة،


(1) في المصدر: لانه طعمة. (2) فقه الرضا: 40. (3) الاسناد هكذا محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني. (4) تهذيب الاحكام: 9: 8. (5) والسند هكذا: محمد بن يعقوب عن أبى على الاشعري عن الحسن بن على الكوفى عن العباس بن عامر عن ابان عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع). أقول: ويوجد الحديثان في فروع الكافي: 144 2 (ط 1). (6) في المصدر: تؤكلان جميعا.

[215]

كما روى الشيخ بسند (1) فيه جهالة عن أيوب بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في حية ابتلعت سمكة ثم طرحتها وهي حية تضطرب، آكلها ؟ قال: إن كان فلوسها قد تسلخت فلا تأكلها، وإن لم تكن تسلخت فكلها (2). وذهب الشيخ في النهاية إلى حلها مطلقا ما لم تتسلخ، ولم يعتبر إدراكها حية وفي المختلف عمل بموجب الرواية، واعتبر المحقق وابن إدريس وجماعة في الحل أخذها حية وهو أحوط، وإن كان العمل بالرواية حسنا، واعتبار عدم التسلخ هنا إما للخباثة أو لتأثير السم فيها ولعله أظهر، والرواية التي رواها لم أجدها فيما عندنا من الكتب، ولعلها محمولة على التسلخ بقرينة التعليل إذ الظاهر أن قوله: لانه طعمه، أراد به أنه صار غداءه فهو إشارة إلى تغيره. 65 - طب الائمه: عن أحمد بن الجارود العبدي من ولد الحكم بن المنذر عن عثمان بن عيسى عن ميسر الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السمك يذيب شحمة العين (3). 66 - وعنه عن أبيه عليه السلام قال: إن هذا السمك لردي لغشاوة العين، وإن هذا اللحم الطري ينبت اللحم (4). 67 - ومنه: عن أبي جعفر عليه السلام قال: أقلوا من أكل السمك فان لحمه يذبل البدن ويكثر البلغم ويغلظ النفس (5). بيان: كأن غلظ النفس كناية عن البلادة وسوء الفهم أو الهم والحزن، ويمكن أن يقرأ النفس بالتحريك كناية عن بطئه.


(1) والاسناد هكذا: محمد بن يعقوب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن أحمد بن المبارك عن صالح بن اعين عن الوشا عن أبى عبد الله (ع). (2) تهذيب الاحكام 9: 8 ورواه الكليني في الفروع 2: 144 (ط ا). (3 و 4) طب الائمة: 84. طبعة النجف. (5) طب الائمة: 173.

[216]

68 - العياشي: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قد كان أصحاب المغيرة يكتبون إلي أن أسأله عن الجري والمارماهي والزمير وما ليس له قشر من السمك أحرام هو أم لا ؟ قال: فسألته عن ذلك فقال: يا محمد اقرأ هذه الآية التي في الانعام: " قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير " قال: فقرأتها حتى فرغت منها فقال: إنما الحرام ما حرم الله في كتابه، ولكنهم كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها (1). 69 - ومنه: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجري فقال: وما الجري ؟ فنعته له فقال: " لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " إلى آخر الآية، ثم قال: لم يحرم الله شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شئ من البحر ليس فيه قشر، قال: قلت: وما القشر ؟ قال: هو الذي مثل الورق وليس هو بحرام إنما هو مكروه (2). 70 - ومنه: عن الاصبغ عن على عليه السلام قال: أمتان مسختا من بني إسرائيل: فأما التي اخذت البحر فهي الجريث (3)، وأما الذي أخذت البر فهو الضبات (4). 71 - ومنه: عن هارون بن عبد (5) رفعه إلى أحدهم قال: جاء قوم إلى أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وقالوا له: يا أمير المؤمنين إن هذه الجراري تباع في أسواقنا، قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ضاحكا ثم قال: قوموا لاريكم عجبا ولا تقولوا في وصيكم إلا خيرا، فقاموا معه فأتوا شاطئ الفرات (6) فتفل فيه تفلة وتكلم


(1) تفسير العياشي 1: 382. (2) تفسير العياشي 1: 383. (3) في نسخة: فهى الجرارى. (4) تفسير العياشي 2: 34. (5) في المصدر: " هارون بن عبيد " وفى الوسائل: " هارون بن عبد ربه " وفى البرهان: هارون بن عبد العزيز. (6) في " المصدر: فأتوا شاطئ بحر.

[217]

بكلمات فإذا بجريثة (1) رافعة رأسها فاتحة فاها فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: من أنت ؟ الويل لك ولقومك، فقال: نحن من أهل القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يقول الله في كتابه: " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا " (2) الآية، فعرض الله علينا ولايتك فقعدنا عنها فمسخنا الله فبعضنا في البر وبعضنا في البحر، فأما الذين في البحر فنحن الجرارى، وأما الذين في البر فالضب واليربوع، قال: ثم التفت أمير المؤمنين عليه السلام إلينا فقال: أسمعتم مقالتها ؟ قلنا: اللهم نعم، قال: والذى بعث محمدا بالنبوة لتحيض كما تحيض نساؤكم (3). 72 - المكارم: عن الصادق عليه السلام قال: أكل الحيتان يورث السل (4). 73 - عنه عليه السلام قال: أكل السمك الطري يذيب الجسد (5). 74 - عنه عليه السلام: قال: كان رسول الله إذا أكل السمك قال: اللهم بارك لنا فيه وابدلنا خيرا منه (6). 75 - عن الحميري قال: كتبت إلى أبى محمد أشكو إليه أن بي دما وصفراء فإذا احتجمت هاجت الصفراء، وإذا أخرت الحجامة أضربي الدم فما ترى في ذلك ؟ فكتب إلى: احتجم وكل على أثر الحجامة سمكا طريا، فأعدت عليه المسألة، فكتب إلى: احتجم وكل على أثر الحجامة سمكا طريا بماء وملح فاستعملت ذلك فكنت في عافية وصار غذائي (7). 76 - ومنه: عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام كان يقول: الجراد ذكى


(1) في الصدر: فإذا بجرية. (2) الاعراف: 163. (3) تفسير العياشي 2: 35. (4) مكارم الاخلاق: 83 (طبعة التفرشى) فيه: لحم الحيتان. (5 و 6) مكارم الاخلاق: 83. (7) مكارم الاخلاق: 83 في نسخة: وصار ذلك غذائي.

[218]

والحيتان ذكى وما مات في البحر فهو ميتة (1). 77 - عنه أيضا قال: الحيتان والجراد ذكى كله (2). 78 - روي عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: " تفرقوا وكبروا (3) " ففعلوا ذلك فذهب الجراد (4). 79 - الكشى: عن محمد بن مسعود عن جعفر بن أحمد عن العمركي عن أحمد بن شيبة عن يحيى بن المثنى عن على بن الحسن وزياد عن حريز قال: دخلت على أبي حنيفة فقال لي أسألك عن مسألة لا يكون فيها شئ، فما تقول في جمل اخرج من البحر فقلت: إنشاء فليكن جملا وإن شاء فليكن بقرة إن كانت عليه فلوس أكلناه وإلا فلا (5). الاختصاص: عن جعفر بن الحسين المؤمن عن حيدر بن محمد بن نعيم عن ابن قولويه عن ابن العياشي جميعا عن محمد بن مسعود مثله (6). أقول: تمامه في باب مناظرات أصحاب أبي عبد الله عليه السلام مع المخالفين. 80 - الدلائل للحميري: عن أخيه عن أحمد بن على المعروف بابن البغدادي قال: وجدت في كتاب المعضلات رواية أبي طالب محمد بن الحسين بن زيد عن أبيه عن ابن رباح يرفعه عن رجاله عن محمد بن ثابت قال: كنت جالسا في مجلس سيدنا أبي الحسن على بن الحسين زين العابدين عليه السلام إذ وقف به (7) عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له: يا على بن الحسين بلغني أنك تدعي أن يونس بن متى عرض عليه ولاية أبيك فلم يقبله فحبس في بطن الحوت، قال له علي بن الحسين: يا عبد الله بن عمر ! وما


(1 و 2) مكارم الاخلاق: 84. (3) هي رقية لتفرق الجراد. (4) مكارم الاخلاق: 84. (5) رجال الكشى: 244 (ط 1) و 328 (ط 2). (6) الاختصاص: 206 و 207. (7) في المصدر: إذ وقف عليه.

[219]

أنكرت من ذلك ؟ قال: إني لا أقبله، فقال: أتريد أن يصح لك ذلك ؟ قال: نعم، قال له: اجلس ثم دعا غلامه فقال له: جئنا بعصابتين، وقال لي: يا محمد شد عين عبد الله بإحدى العصابتين واشدد عينك بالاحرى، فشددنا أعيننا، فتكلم بكلام ثم قال: حلوا أعينكم، فحللناها فوجدنا انفسنا على بساط ونحن على ساحل البحر فتكلم بكلام فاستجاب له حيتان البحر إذ ظهرت فيهن حوتة، عظيمة (1)، فقال لها: ما اسمك ؟ فقالت: اسمي نون، فقال لها: لم حبس يونس في بطنك ؟ فقالت له: عرض عليه ولاية أبيك فانكرها فحبس في بطني فلما اقر بها وأذعن امرت فقذفته، وكذلك من أنكر ولايتكم أهل البيت يخلد في نار الجحيم، فقال له: يا عبد الله أسمعت وشهدت ؟ فقال له: نعم (2)، فقال: شدوا أعينكم، فشددناها فتكلم بكلام ثم قال: حلوها فحللناها فإذا نحن على البساط في مجلسه فودعه عبد الله وانصرف، فقلت له: يا سيدي لقد رأيت في يومي عجبا وآمنت به، فترى عبد الله بن عمر يؤمن بما آمنت به (3) ؟ فقال لي: ألا تحب أن تعرف ذلك ؟ فقلت: نعم، قال: قم فاتبعه وماشه واسمع ما يقول لك، فتبعته في الطريق ومشيت معه فقال لى: إنك لو عرفت سحر بني عبد المطلب لما كان هذا بشئ في نفسك، هؤلاء قوم يتوارثون السحر كابرا عن كابر فعند ذلك علمت أن الامام لا يقول إلا حقا (4).


(1) في المصدر: ثم تكلم بكلام فاجابه حيتان البر وظهرت حوتة عظيمة. (2) في المصدر: فالتفت إلى عبد الله وقال له: أسمعت وشهدت ؟ قال: نعم. (3) في المصدر: أترى ان عبد الله بن عمر يؤمن به ! (4) دلائل الامامة: 92 فيه: فرجعت وانا عالم ان الامام لا يقول الا حقا.

[220]

5 - { باب } باب أنواع المسوخ وأحكامها وعلل مسخها: 1 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن أحمد بن إسماعيل العلوي عن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: حدثنا علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر بن محمد عليه السلام قال: المسوخ ثلاثة عشر: الفيل والدب والارنب والعقرب والضب والعنكبوت والدعموص (1) والجري والوطواط والقرد والخنزير والزهرة وسهيل، قيل: يابن رسول الله ما كان سبب مسخ هؤلاء ؟ قال: أما الفيل فكان رجلا جبارا لوطيا لا يدع رطبا ولا يابسا، وأما الدب فكان رجلا مؤنثا يدعو الرجال إلى نفسه، وأما الارنب فكانت امرأة قذرة لا تغتسل من حيض (2) ولا غير ذلك، وأما العقرب فكان رجلا همازا لا يسلم منه أحد، وأما الضب فكان رجلا أعرابيا يسرق الحجاج بمحجنه، وأما العنكبوت فكانت امرأة سحرت زوجها، وأما الدعموص فكان رجلا نماما يقطع بين الاحبة، وأما الجري فكان رجلا ديوثا يجلب الرجال على حلائله، وأما الوطواط فكان رجلا سارقا يسرق الرطب من رؤس النخل، وأما القردة فاليهود اعتدوا في السبت (3) وأما الخنازير فالنصارى حين سألوا المائدة فكانوا بعد نزولها أشد ما كانوا تكذيبا، وأما سهيل فكان رجلا عشارا باليمن، وأما الزهرة فانها كانت امرأة تسمى ناهيد، وهي التي تقول الناس: إنه افتتن بها هاروت وماروت (4).


(1) الدعموص بالضم: دودة سوداء تكون في الغدران إذا نشت، والعامة تسميها البلعط. (2) في المصدر: من حيض ولا جنابة. (3) في نسخة: حين اعتدوا في السبت. (4) علل الشرائع 2: 172 طبعة قم.

[221]

بيان: لا يدع رطبا ولا يابسا، أي كان يطأ كل من يقدر عليه من الرجال، والمحجن كمنبر: العطا المعوجة قوله عليه السلام: وهي التي الخ يدل على أنه مما اشتهر عند العامة ولا أصل له، فما سيأتي محمول على التقية كما مر، والديوث بفتح الدال وتشديد الياء هو ما ذكر في الخبر. 2 - العلل: عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مهران عن محمد بن الحسن بن زعلان قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المسوخ فقال: اثنا عشر صنفا ولها علل، فأما الفيل فانه مسخ كان ملكا زناء لوطيا، ومسخ الدب لانه كان أعرابيا ديوثا، ومسخت الارنب لانها كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيض ولا جنابة، ومسخ الوطواط لانه كان يسوق تمور الناس، ومسخ سهيل لانه كان عشارا باليمن ومسخت الزهرة لانها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت، وأما القردة والخنازير فانهم قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، وأما الجري والضب ففرقة من بني إسرائيل حين نزلت المائدة على عيسى عليه السلام لم يؤمنوا به فتاهوا فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، وأما العقرب فانه كان رجلا نماما، وأما الزنبور فكان لحاما يسرق في الميزان (1). بيان: مسخ أصحاب السبت خنازير مخالف لظاهر الآية، وما مر أصوب، و يمكن الجمع بأن التعبير في الآية بالقردة لكون أكثرهم مسخوا بها، وأما أصحاب المائدة فيمكن أن يكون فيهم أيضا خنازير لم يذكر في هذا الخبر وسائر الاختلافات في تلك الاخبار يمكن حمل بعضها على التقية وبعضها على تعدد وقوع المسخ. 3 - العلل: عن علي بن عبد الله الوراق عن سعد بن عبد الله عن عباد بن سليمان عن محمد بن سليمان الديلمي عن الرضا عليه السلام أنه قال: كان الخفاش امرأة سحرت ضرة لها فمسخها الله عزوجل خفاشا وإن الفأر كان سبطا من اليهود غضب الله عزوجل عليهم فمسخهم فأرا، وإن البعوض كان رجلا يستهزئ بالانبياء فمسخه الله (2) عزوجل


(1) علل الشرايع 2: 171 طبعة قم. (2) في المصدر: يستهزئ بالانبياء ويكلح في وجوههم ويصفق بيديه فمسخه الله. (*)

[222]

بعوضا، وإن القملة هي من الجسد (1) وإن نبيا من أنبياء بني إسرائيل كان قائما يصلي إذ أقبل إليه سفيه من سفهاء بني إسرائيل فجعل يهزأ به ويكلح في وجهه فما برح من مكانه حتى مسخه الله عزوجل قملة وإن الوزغ كان سبطا من أسباط بني إسرائيل يسبون أولاد الانبياء ويبغضونهم فمسخهم الله أوزاغا، وأما العنقاء فمن غضب الله عزوجل عليه فمسخه وجعله مثلة، فنعوذ بالله من غضب الله ونقمته (2). بيان: هي من الجسد، أي تتولد من جسد الانسان، ولكن شبيهها كانت من مسوخ بني إسرائيل وفي بعض النسخ بالحاء المهملة أي كان: سبب مسخها الحسد، و في القاموس: كلح كمنع كلوحا بالضم: تكشر (3) في عبوس، وتكلح: تبسم: 4 - المحاسن والعلل: عن محمد بن على ما جيلويه عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط عن علي بن جعفر عن مغيرة عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا: منهم القردة والخنازير والخفاش (4) والضب والدب والفيل والدعموص والجريث والعقرب وسهيل وقنفذ والزهرة والعنكبوت، فأما القردة فكانوا قوما ينزلون بلدة على شاطئ البحر اعتدوا في السبت فصادوا الحيتان فمسخهم الله عزوجل قردة، وأما الخنازير فكانوا قوما من بني إسرائيل دعا عليهم عيسى بن مريم عليه السلام فمسخهم الله عزوجل خنازير، وأما الخفاش (5) فكانت امرأة مع ضرة لها فسحرتها فمسخها الله عزوجل خفاشا (6) وأما الضب فكان أعرابيا بدويا لا يرع عن قتل من مربه من الناس فمسخه الله عزوجل ضبا، وأما الفيل فكان رجلا ينكح البهائم


(1) في نسخة من المصدر: هي من الحسد. (2) علل الشرايع 2 ر 172 ط قم. (3) كشر وكشر عن اسنانه: كشف عنها وأبداها. (4) في المصدر: الخشاف. (5) في المصدر: واما الخشاف. (6) في العلل: خشافا.

[223]

فمسخه الله عزوجل فيلا، وأما الدعموص فكان رجلا زاني الفرج لا يدع (1) من شئ فمسخه الله عزوجل دعموصا، وأما الجريث فكان رجلا نماما فمسخه الله عزوجل جريثا، وأما العقرب فكان رجلا همازا لمازا فمسخه الله عزوجل عقربا، وأما الدب فكان رجلا يسرق الحاج فمسخه الله عزوجل دبا وأما السهيل (2) فكان رجلا عشارا صاحب مكاس فمسخه الله عزوجل سهيلا وأما الزهرة فكانت امرأة فتنت بها هاروت وماروت فمسخها الله عزوجل زهرة وأما العنكبوت فكانت امرأة سيئة الخلق عاصية لزوجها مولية عنه فمسخها الله عزوجل عنكبوتا، وأما القنذ فكان رجلا سئ الخلق فمسخه الله عزوجل قنفذا (3). توضيح: " لا يرع " من الورع أي لا يتقي ولا يكف، الهمز واللمز: العيب والاشارة بالعين والحاجب ونحوهما، واللمزة من يعيبك في وجهك، والهمزة من يعيبك في الغيب، والمكس: النقص والظلم، وتماكسا في البيع: تشاحا، ودون ذلك مكاس و عكاس بكسرهما وهو أن تأخذ بناصيته ويأخذ بناصيتك. 5 - المجالس والعلل: عن علي بن عبد الله الاسواري عن مكي بن أحمد بن سعدويه البردعي عن أبي محمد زكريا بن يحيى بن عبيد العطار عن القلانسي عن عبد العزيز بن عبد الله الاويسي عن علي بن جعفر عن معتب مولى جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن المسوخ قال هم ثلاثة عشر: الدب والفيل والخنزير والقرد والجريث والضب والوطواط والدعموس والعقرب والعنكبوت والارنب وزهرة (4) وسهيل، فقيل: يا رسول الله ما كان سبب مسخهم ؟ قال: أما الفيل فكان رجلا لوطيا لا يدع رطبا ولا يابسا، وأما الدب فكان رجلا مؤنثا


(1) في نسخة من العلل: لا يرع. (2) في المصدر: واما سهيل. (3) علل الشرائع 2: 173. المجالس... (4) في نسخة من العلل: والزهرة.

[224]

يدعو الرجال إلى نفسه، وأما الخنزير فقوم نصارى سألوا ربهم عزوجل إنزال (1) المائدة عليهم فلما نزلت عليهم كانوا أشد كفرا وأشد تكذيبا، وأما القردة فقوم اعتدوا في السبت وأما الجريث فكان ديوثا يدعو الرجال إلى أهله، وأما الضب فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط فكان يسرق الثمار من رؤوس النخل، وأما الدعموص فكان نماما يفرق بين الاحبة، وأما العقرب فكان رجلا لذاعا لا يسلم على لسانه (2) أحد، وأما العنكبوت فكانت امرأة سحرت زوجها، وأما الارنب فكانت امرأة لا تطهر من حيض ولا غيره، وأما سهيل فكان عشارا باليمن، وأما الزهرة فكانت امرأة نصرانية وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل وهي التي فتن بها هاروت وماروت و كان اسمها ناهيل، والناس يقولون: ناهيد (3). قال الصدوق رضي الله عنه: إن الناس يغلطون في الزهرة وسهيل ويقولون: إنهما كوكبان وليساكما يقولون، ولكنهما دابتان من دواب البحر سميا بكوكبين كما سمي الحمل والثور والسرطان والاسد والعقرب والحوت والجدي وهذه حيوانات سميت على أسماء الكواكب، وكذلك الزهرة وسهيل، وإنما غلط الناس فيهما دون غيرهما لتعذر مشاهدتهما والنظر إليهما، لانهما من البحر المطيف بالدنيا بحيث لا تبلغه سفينة ولا تعمل فيه حيلة، وما كان الله عزوجل ليمسخ العصاة أنوارا مضيئة فيبقيهما ما بقيت الارض والسماء والمسوخ لم تبق أكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت وهذه الحيوانات التي تسمى المسوخ فالمسوخية لها اسم مستعار مجازي، بل هي مثل المسوخ التي حرم الله تعالى أكل لحومها لما فيه من المضار، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: نهى الله عزوجل عن أكل المثلة لكيلا ينتفع بها ولا يستخف بعقوبته (4).


(1) في العلل: ان ينزل. (2) في نسخة من العلل: من لسانه. (3) علل الشرائع 2: 174 (ط قم) ولم نجد الحديث في المجالس ولعله مصحف الخصال. راجع الخصال 2: 88 (ط 1). (4) علل الشرائع 2: 174.

[225]

6 - العلل: عن محمد بن على بن بشار القزويني عن المظفر بن أحمد القزويني قال: سمعت أبا الحسين محمد بن جعفر الاسدي الكوفي يقول في سهيل وزهرة: إنهما دابتان من دواب البحر المطيف بالدنيا في موضع لا تبلغه سفينة ولا تعمل فيه حيلة، وهما المسخان المذكوران في أصناف المسوخ، ويغلط من يزعم أنهما الكوكبان المعروفان بسهيل والزهرة، وإن هاروت وماروت كانا روحانيين قد هيئا ورشحا للملائكة ولم يبلغ بهما حد الملائكة فاختار (1) المحنة والابتلاء فكان من أمرهما ما كان، ولو كانا ملكين لعصما فلم يعصيا، وإنما سماهما الله عزوجل في كتابه ملكين بمعنى أنهما خلقا ليكونا ملكين، كما قال الله عزوجل لنبيه " إنك ميت وإنهم ميتون (2) " بمعنى ستكون ميتا ويكونون موتى (3). توضيح: قال الجوهري: " فلان يرشح للوزارة " أي يربى ويؤهل لها، قوله للملائكة، أي لكونهم منهم، والاظهر للملكية. 7 - الاختصاص والبصائر: عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن الحسن بن علي عن كرام عن عبد الله بن طلحة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوزغ فقال: هو رجس وهو مسخ فإذا قتلته فاغتسل، ثم قال: إن أبي كان قاعدا في الحجر ومعه رجل يحدثه فإذا وزغ يولول بلسانه فقال أبي للرجل: أتدري ما يقول هذا الوزغ ؟ فقال الرجل: لاعلم لي بما يقول، قال: فانه يقول: والله لئن ذكرت عثمانا لاسبن عليا أبدا حتى يقوم من ههنا (4). دلائل الطبري: عن علي بن هبة الله عن الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن


(1) هكذا في الكتاب وأكثر نسخ المصدر، وفى بعض نسخ المصدر، " فاختارا " بصيغة التثنية. (2) الزمر: 30. (3) علل الشرائع 2: 175 ط قم. (4) الاختصاص: 301 بصائر الدرجات: 103 " ط 1 ".

[226]

أحمد بن محمد مثله. (1) كا: عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن الحسن بن علي مثله وزاد في آخره قال: وقال أبي: ليس يموت من بني امية ميت إلا مسخ وزغا (2). 8 - المحاسن: عن محمد بن علي أبي سمينة (3) عن محمد بن أسلم عن الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام هل يحل أكل لحم الفيل ؟ فقال: لا، فقلت: ولم ؟ قال لانه مثلة، وقد حرم الله لحوم الامساخ ولحوم ما مثل به في صورها (4). العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن محمد بن أسلم الجبلي مثله (5). 9 - الاختصاص: عن محمد بن أبي عاتكة الدمشقي عن الوليد بن سلمة عن موسى ابن عبد الرحمن القرشي (6) عن حذيفة بن اليمان قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال: إن الله تبارك وتعالى مسخ من بني إسرائيل (7) اثنى عشر جزءا فمسخ منهم القردة والخنازير والسهيل والزهرة والعقرب والفيل والجري - وهو سمك لا يؤكل - والدعموص والدب والضب والعنكبوت والقنفذ، قال حذيفة بأبي أنت وامي يا رسول الله فسر لنا هذا كيف مسخوا ؟ قال صلى الله عليه وآله: أما القردة فمسخوا لانهم اصطادوا الحيتان في السبت على عهد داود النبي عليه السلام، وأما الخنازير فمسخوا لانهم كفروا


(1) دلائل الامامة: 99. (2) الروضة: 232 (ط الاخوندى) فيه: " فقال رجس وهو مسخ كله " وفيه لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لاشتمن عليا. (3) في المصدر: عن بكر بن صالح ومحمد بن على عن محمد بن اسلم الطبري. (4) المحاسن: 472. (5) علل الشرائع 2: 171. (6) في المصدر: عن عبد الرحمن القرشى. (7) في المصدر: من بنى آدم.

[227]

بالمائدة التي نزلت من السماء على عيسى بن مريم عليه السلام، وأما السهيل فمسخ لانه كان رجلا عشارا فمر به عابد من عباد ذلك الزمان، فقال العشار: دلني على اسم الله الذي يمشى به على وجه الماء ويصعد به إلى السماء فدله على ذلك، فقال العشار: قد ينبغي لمن عرف هذا الاسم أن لا يكون في الارض بل يصعد به إلى السماء فمسخه الله وجعله آية للعالمين (1). وأما الزهرة فمسخت لانها هي المرأة التي فتنت هاروت وماروت الملكين، وأما العقرب فمسخ لانه كان رجلا نماما يسعى بين الناس بالنميمة ويغري بينهم العداوة (2)، وأما الفيل فانه كان رجلا جميلا فمسخ لانه كان ينكح البهائم البقر والغنم شهوة من دون النساء، وأما الجري فمسخ لانه كان رجلا من التجار، وكان يبخس الناس في المكيال والميزان، وأما الدعموص فمسخ لانه كان رجلا إذا جامع النساء (3) لم يغتسل من الجنابة ويترك الصلاة، فجعل الله قراره في الماء إلى يوم القيامة من جزعه عن البرد. وأما الدب فمسخ لانه كان رجلا يقطع الطريق لا يرحم غريبا ولا فقيرا إلا صلبه (4) وأما الضب فمسخ لانه كان رجلا من الاعراب وكانت خيمته على ظهر الطريق وكان إذا مرت القافلة تقول له: يا عبد الله كيف نأخذ الطريق إلى كذا وكذا، فان أراد القوم المشرق ردهم إلى المغرب، وإن أرادوا المغرب ردهم إلى المشرق وتركهم يهيمون (5) لم يرشدهم إلى سبيل الخير، وأما العنكبوت فمسخت


(1) قد تقدم بيان للصدوق عليه الرحمة يبطل ذلك، وأن مقالة كون الكوكبين السهيل والزهرة مسوختان من أغاليط الناس. والرواية كما ترى من رواة العامة ذكرها المفيد في كتابه. (2) أي القاها وافسد بينهم. (3) في المصدر: إذا حضر النساء. (4) في المصدر: لا يرحم غنيا ولا فقيرا الا سلبه. (5) هام على وجهه: ذهب لا يدرى أين يتوجه.

[228]

لانها كانت خائنة للبعل وكانت تمكن فرجها سواه، وأما القنفذ فانه كان رجلا من صناديد العرب فمسخ لانه إذا نزل به الضيف رد الباب في وجهه ويقول لجاريته: اخرجي إلى الضيف فقولي له: إن مولاي غائب عن المنزل، فيبيت الضيف بالباب جوعا ويبيت أهل البيت شباعا مخصبين (1). 10 - البصائر عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن الحسن بن علي الوشا عن كرام عن عبد الله بن طلحة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوزغ فقال: رجس وهو مسخ كله: فإذا قتلته فاغتسل (2). 11 - كتاب محمد بن المثنى عن عبد السلام بن سالم عن ابن أبي البلاد (3) عن عمار بن عاصم السجستاني قال: جئت إلى باب أبي عبد الله عليه السلام فدخلت عليه فقلت (4): أخبرني عن الحية والعقرب والخنفس وما أشبه ذلك، قال: فقال: أما تقرأ كتاب الله ؟ قال: قلت: وما كل كتاب الله أعرف، فقال: أو ما تقرأ: " أو لم يرواكم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآية أفلا يتذكرون "، قال: فقال: هم اولئك خرجوا من الدار فقيل لهم: كونوا شيئا (5). 12 - الكافي: عن الحسين بن محمد عن المعلى عن الحسن (6) عن أبان عن عبد الرحمن


(1) الاختصاص: 138. (2) بصائر الدرجات: 103 فيه: " وإذا قتلته " والحديث تقدم آنفا. (3) في المصدر: عن أبى البلاد. (4) في المصدر: جئت إلى باب أبى عبد الله (ع) وأردت الا أستأذن عليه فأقعد وأقول لعله يرانى بعض من يدخل فيخبره فيأذن لى، قال: فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه شباب ادم في ازر وأردية، ثم لم أرهم خرجوا، فخرج عيسى شلقان فرأني، فقال: أبا عاصم ! أنت ههنا ؟ فدخل واستأذن، فدخلت عليه فقال أبو عبد الله (ع): مذمتي أنت ههنا يا عمار ؟ قال فقلت: من قبل أن يدخل اليك شباب الادم لم أرهم خرجوا، فقال أبو عبد الله (ع): هؤلاء قوم من الجن جاؤا يسألون عن أمر دينهم، قال: فقلت. (5) كتاب محمد بن المثنى: 92 فيه: أحرجوا من النار فقيل لهم: كونوا نششا. (6) أي الحسن بن على الوشاء.

[229]

ابن أبي عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من حجرته ومروان وأبوه يستمعان إلى حديثه (1)، فقال له: الوزغ بن الوزغ، قال أبو عبد الله عليه السلام فمن يومئذ يرون أن الوزغ يمسع الحديث (2). بيان: أي لما شبههما صلى الله عليه وآله بالوزغ حين استمعا إلى حديثه فهو أن الوزغ أيضا تفعل ذلك. 13 - الكافي: عن العدة عن أحمد البرقي عن بكر بن صالح عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: الطاووس مسخ، كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤمن تحبه فوقع بها ثم راسلته بعد فمسخهما الله طاووسين انثى وذكرا فلا تأكل لحمه ولا بيضه (3). 14 - ومنه عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن علي عن سماعة بن مهران عن الكلبي النسابة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجري فقال: إن الله مسخ طائفة من بني إسرائيل فما أخذ منهم بحرا (4) فهو الجري والزمير والمارماهي وما سوى ذلك، وما أخذ منهم برا (5) فالقردة والخنازير والورك وما سوى ذلك (6). 15 - دلائل الطبري: عن أبي المفضل محمد بن عبد الله عن محمد بن جعفر الزيات عن محمد بن الحسين عن الحسن بن محبوب عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام وهو راكب وأنا أمشي معه فمررنا بعبدالله بن الحسن وهو راكب فلما بصربنا شال المقرعة ليضرب بها فخذ أبي عبد الله عليه السلام فأومأ إليها الصادق عليه السلام


(1) أي كانا يسترقان السمع ليسمعا ما يقول الرسول الله (ص) لازواجه وأهل بيته ويخبرا به المنافقين فيذيعونه. (2) الروضة: 238. (3) فروع الكافي 6: 247 فيه: ولا يؤكل لحمه ولا بيضه. (4) في المصدر: البحر. (5) في المصدر: البر. (6) فروع الكافي 6: 221 فيه: والخنازير والوبر والورل وما سوى ذلك.

[230]

فجفت يمينه والمقرعة فيها، فقال له: يا أبا عبد الله بالرحم إلا عفوت عني، فأومأ إليه بيده فرجعت يده ثم أقبل علي وقال لي: يا مفضل: - وقد مرت عظاية من العظاء - ما يقول الناس في هذه ؟ قلت: يقولون: إنها حملت الماء فأطفات نار إبراهيم فتبسم عليه السلام ثم قال لي: يا مفضل ولكن هذا عبد الله وولده (1) وإنما يرق الناس عليهم لما مسهم من الولادة والرحم (2). بيان: كأن المعنى أنهم أرجاس أعداء لاهل البيت عليهم السلام مثل هذه المسوخ وضمير " عليهم " إما راجع إلى عبد الله وولده، أو إلى المسوخ. تذييل: اعلم أن أنواع المسوخ غير مضبوطة في كلام أكثر الاصحاب، بل أحالوها على هذه الروايات وإن كان في أكثرها ضعفا على مصطلحهم، فالذي يحصل من جميعها ثلاثون صنفا: الفيل والدب والارنب والعقرب والضب والوزغ والعظاية والعنكبوت والدعموص والجري والوطواط والقرد والخنزير والكلب والزهرة وسهيل وطاووس والزنبور والبعوض والخفاش والفأر والقملة والعنقاء والقنفذ والحية والخنفساء والزمير والمارماهي والوبر والورل لكن يرجع بعضها إلى بعض. قال الدميري: الفيل معروف وجمعه أفيال وفيول وفيلة، وقال ابن السكيت ولا تقل: أفيلة، والفيلة ضربان: فيل وزندفيل (3) وهما كالبخاتي والعراب، وبعضهم يقول: الفيل الذكر، والزند (4) فيل الانثي، وهذا النوع لا يلاقح إلا في بلاده ومعادنه وإن صار أهليا، وهو إذا اغتلم أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى تتورم رأسه ولم يكن لسواسه (5) غير الهرب منه، والذكر ينزو إذا مضى من عمره خمس سنين. وزمان نزوه


(1) لعل المعنى أن هذه الدابة مع حيوانيتها كانت تدفع عن ابراهيم، وانى مع أنه من ذريته وذرية محمد (ص) وعلى وفاطمة (ع) يفعل بى عبد الله بن الحسن ما ترى، ثم ذكر عليه السلام بعد ذلك ما يكون سببا لرقة الناس عليهم وتعظيمهم. (2) دلائل الامامة: 144 و 145. (3) في المصدر: وزند بيل. (4) في المصدر: والزند بيل. (5) في المصدر: لسائسه الا الهرب منه.

[231]

الربيع، والانثى تحمل سنتين، فإذا حملت لا يقربها الذكر ولا يمسها ولا ينزو عليها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين، وقال عبد اللطيف البغدادي: إنها تحمل سبع سنين ولا ينزو إلا على فيلة واحدة، وله عليها خيرة شديدة، وإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها لانها تلد وهي قائمة (1) ولا فواصل لقوائمها، والذكر عند ذلك يحرسها وولدها من الحيات، ويقال الفيل يحقد كالجمل فربما قتل سائسه حقدا عليه. تزعم الهند أن لسان الفيل مقلوب، ولولا ذلك لتكلم، ويعظم ناباه وربما بلغ الواحد منهما مائة من، وخرطومه من غضروف، وهو أنفه ويده التي يوصل بها الطعام والشراب إلى فيه ويقاتل بها، ويصيح وليس صياحه على مقدار جثته وإنه كصياح الصبي، وله فيه من القوة بحيث يقلع به الشجر من منابتها، وفيه من الفهم ما يقبل به التأديب ويفعل ما يأمره به سائسه من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب، وفيه من الاخلاق أنه يقاتل بعضه بعضا، والمقهور منهما يخضع للقاهر، والهند تعظمه لما اشتمل عليه من الخصال المحمودة من علو سمكه وعظم صورته وبديع منظره وطول خرطومه وسعة اذنه (2) وطول عمره وثقل حمله وخفة وطئه، فانه ربما مر بالانسان فلا يشعر به من حسن خطوه واستقامته. ولطول عمره حكى أرسطو أن فيلا ظهر أن عمره أربعمائة سنة، واعتبر ذلك بالوسم وبينه وبين السنور عداوة طبيعية حتى أن الفيل يهرب منه، كما أن السبع يهرب من الديك الابيض، وكما أن العقرب متى أبصرت الوزغة ماتت. وفي الحلية في ترجمة أبي عبد الله القلانسي أنه ركب البحر في بعض سياحاته فعصفت عليهم الريح فتضرع أهل السفينة إلى الله تعالى ونذروا النذور إن نجاهم الله تعالى، فألحوا على أبي عبد الله في النذر فأجرى الله على لسانه أن قال: إن خلصني الله


(1) في المصدر: لانها لا تلد الاوهى قائمة. (2) في المصدر: وسعة اذنيه.

[232]

تعالى مما أنا فيه لا آكل لحم الفيل، فانكسرت السفينة وأنجاه الله وجماعة من أهلها إلى الساحل فأقاموا بها أياما من غير زاد، فبينماهم كذلك إذا هم بفيل صغير فذبحوه وأكلوا لحمه سوى أبي عبد الله فلم يأكل منه وفاء بالعهد الذي كان منه، فلما نام القوم جاءتهم ام ذلك الفيل تتبع أثره وتشم الرائحة فمن وجدت منه رائحة لحمه داسته بيديها ورجليها إلى أن تقتله، قال: فقتلت الجميع ثم جاءت إلى فلم تجد مني رائحة اللحم فأشارت إلي: أن أركبها، فركبتها فسارت بى سيرا شديدا الليل كله، ثم أصبحت في أرض ذات حرث وزرع، فأشارت إلى: أن انزل، فنزلت عن ظهرها فحملني اولئك القوم إلى ملكهم فسألني ترجمانه فأخبرته بالقصة، فقال لي: إن الفيلة سارت بك في هذه الليلة مسيرة ثمانيه أيام، قال: فكنت عندهم إلى أن حملت ورجعت إلى أهلي. ولما كان في أول المحرم سنه اثنين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حملا في بطن امه حضر أبرهة (1) ملك الحبشة يريد هدم الكعبة ومعه (2) جيش عظيم ومعه فيله محمود وكان قويا عظيما واثنا عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية، وساق الحديث كما مر في كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله إلى أن قال: ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعا الله تعالى ثم قال: لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك ثم أرسل حلقة الباب وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال وأبرهة (3)


(1) في المصدر: وكان النبي (ص) يومئذ حملا في بطن امه حضر ابرهة الاشرم. (2) في المصدر: يريد هدم الكعبة وكان قد بنى كنيسة بصنعاء وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج رجل من بنى كنانة فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك وحلف ليهدمن الكعبة فخرج ومعه. (3) في المصدر: إلى الجبال ينظرون ما ابرهة فاعل بمكة إذا دخلها، فحينئذ جاءت قدرة الواحد الاحد القادر المقتدر فاصبح ابرهة.

[233]

متهيأ لدخولها وهدمها (1) وقدم فيله محمودا أمام جيشه، فلما وجه الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب فأخذ باذن الفيل وقال: ابرك محمودا وارجع راشدا فانك في بلد الله الحرام، ثم أرسل اذنه فبرك الفيل وضربوه بالحديد حتى أدموه، ليقوم فأبى فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك (2)، فعند ذلك أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فتساقطوا بكل طريق و هلكوا على كل منهل، واصيب أبرهة حتى تساقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر حتى انصدع صدره عن قلبه (3)، وانفلت وزيره وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما انتهى وقع عليه الحجر فخر ميتا باذن الله بين يديه. قال السهيلي: قوله: فبرك الفيل، فيه نظر، فان الفيل لا يبرك كما يبرك الجمل، فيحتمل أن يكون بروكه سقوطه إلى الارض لما جاء من أمر الله سبحانه، و يحتمل أن يكون فعل فعل البارك الذي يلزم موضعه ولا يبرح، فعبر بالبارك عن ذلك، قال: وقد سمعت من يقول: إن في الفيلة صنفا يبرك كما يبرك الجمل، فان صح وإلا فتأويله ما قدمناه، قال وقول عبد المطلب: " لاهم " إلى آخره، العرب تحذف الالف واللام من اللهم، ويكتفى بما بقي، والحلال: متاع البيت، وأراد به سكان الحرم، ومعنى محالك كيدك وقوتك (4). وقال: الدب من السباع، والانثى دبة، وهو يحب العزلة، فإذا جاء الشتاء دخل وجاره (5) الذي اتخذه في الغيران، ولا يخرج حتى يطيب الهواء، وإذا جاع يمص (6) يديه ورجليه فيندفع بذلك عنه الجوع ويخرج في الربيع أسمن ما


(1) في المصدر: لدخول مكة وهدم البيت. (2) زاد في المصدر: فوجهوه إلى مكة فبرك. (3) في المصدر: فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره. (4) حياة الحيوان 2: 160 - 163. (5) الوجار بالفتح والكسر: جحر الضبع. (6) في المصدر: يمتص.

[234]

كان، وهو مختلف الطباع لانه يأكل ما تأكله السباع وما ترعاه البهائم وما يأكله الانسان، وفي طبعه فطنة عجيبة لقبول التأديب، لكنه لا يطيع معلمه إلا بعنف عظيم وضرب شديد (1). وقال: الضب بفتح الضاد: حيوان برى معروف يشبه الورل، قال ابن خالويه: الضب لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال: إنه يبول في كل أربعين يوما قطرة ولا يسقط له سن، ويقال: إن سنه قطعة واحدة ليست بمفرجة (2)، قال عبد اللطيف البغدادي: الورل والضب والحرباء وشحمة الارض والوزغ كلها متناسبة في الخلق، وللضب ذكران وللانثى فرجان كما للورل والحرذون، والضب يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحدق للشمس ويغتذي بالنسيم، ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم وفناء الرطوبات ونقص الحرارات، وبينه وبين العقرب مودة، فلذلك يهيأ في جحره لتلسع المتحرض (4) إذا أدخل يده لاخذه، ولا يتخذ جحره إلا في كدية حجر خوفا من السيل والحافر، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة وذلك لحفر الاماكن الصعبة (5)، وفي طبعه النسيان وعدم الهداية، وبه يضرب المثل في الحيرة، ولذلك لا يحفر جحره إلا عند اكمة أو صخرة لئلا يضل عنه إذا خرج لطلب الطعم، ويوصف بالعقوق لانه يأكل حسوله (6) وهو طويل العمر، ومن هذه الجهات يناسب الحيات والافاعي، ومن شأنه أنه لا يخرج في الشتاء من جحره، روى الدارقطني والبيهقي والحاكم وابن عدي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في محفل من الصحابة إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا وجعله في كمله ليذهب


(1) حياة الحيوان 1: 236 و 237. (2) في المصدر: ان اسنانه قطعة واحدة ليست مفرقة. (3) في المصدر: يؤويها. (4) أي الصائد للضباب. (5) في المصدر: لحفره بها في الاماكن الصعبة. (6) الحسول جمع الحسل: ولد الضب.

[235]

به إلى رحله فرأى جماعة (1) فقال: على من هؤلاء الجماعة ؟ فقالوا: على هذا الذي يزعم أنه نبي فأتاه فقال: يا محمد ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن يسميني العرب عجولا لقتلتك وسررت الناس بقتلك أجمعين، فقال عمر: يا رسول الله دعني أقتله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا، أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا، ثم أقبل الاعرابي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب (2)، وأخرج الضب من كمه فطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن آمن بك أمنت بك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا ضب فكلمه الضب بلسان طلق فصيح عربي مبين يفهمه القوم جميعا، لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، فقال صلى الله عليه وآله: من تعبد: قال الذي في السماء عرشه وفي الارض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عذابه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فمن أنا يا ضب ؟ قال: أنت رسول الله وخاتم النبيين قد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك، فقال الاعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقا، والله لقد أتيتك وما على وجه الارض أحد هو أبغض إلي منك، ووالله لانت الساعة أحب إلي من نفسي ومن ولدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي هداك إلى هذا الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقرآن، قال: فعلمني فعلمه النبي صلى الله عليه وآله سورة الفاتحة وسورة الاخلاص، فقال: يا رسول الله ما سمعت في البسيط ولا في الوجيز أحسن من هذا، فقال صلى الله عليه وآله: إن هذا كلام رب العالمين، وليس بشعر إذا قرأت قل هو الله أحد فكأنما قرأت ثلث القرآن، وإذا قرأتها مرتين فكأنما قرأث ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاثا فكأنما قرأت القرآن كله، فقال الاعرابي: إن إلهنا يقبل اليسير ويعطي الكثير، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله: ألك مال ؟ فقال: ما في بني سليم قاطبة رجل أفقر مني، فقال صلى الله عليه وآله لاصحابه: أعطوه فأعطوه حتى أبطروه (3)،


(1) في المصدر: فرأى جماعة محتفين بالنبي (ص). (2) في المصدر: حتى يؤمن هذا الضب. (3) أبطره: صيره بطرا. والبطر: الدهشة والحيرة عند هجوم النعمة.

[236]

فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله أنا اعطيه ناقة عشراء (1) تلحق ولا تلحق اهديت إلي يوم تبوك، فخرج الاعرابي من عند رسول الله صلى الله عليه وآله فتلقاه ألف أعرابي على ألف دابة بألف سيف، فقال لهم: أين تريدون ؟ فقالوا نريد هذا لذي يكذب ويزعم أنه نبي فقال الاعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فقالوا له: صبوت (2)، فحدثهم بحديثه فقالوا كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم أتوا النبي فقالوا: يا رسول الله مرنا بأمرك، فقال صلى الله عليه وآله: كونوا تحت راية خالد بن الوليد، فلم يؤمن في أيامه صلى الله عليه وآله من العرب ولا من غيرهم ألف غيرهم. وقال في الحكم: يحل أكل الضب بالاجماع، وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه (3). وقال: الوزغة بفتح الواو والزاي والغين المعجمة: دويبة معروفة، وهي وسام أبرص جنس، فسام أبرص كباره، واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات وجمع الوزغة وزغ وأوزاغ ووزغان وأزغان على البدل، وروى البخاري ومسلم و النسائي وابن ماجه عن ام شريك أنها استأمرت (4) النبي صلى الله عليه وآله في قتل الوزغان فأمرها بذلك. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا، وقال: كان ينفخ النار على إبراهيم. وكذلك رواه أحمد في مسنده. وروى الحاكم (5) في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كان لا يولد لاحد مولود إلا أتى به النبي صلى الله عليه وآله فيدعو له، فادخل عليه مروان بن الحكم فقال:


(1) العشراء من النوق بضم العين: التى مضى لحملها عشرة اشهر أو ثمانية أو هي كالنفساء من النساء. (2) صبأ: خرج من دين إلى دين، والمعنى ارتددت. (3) حياة الحيوان 2: 52 - 54. (4) أي شاورته. (5) في المصدر: وروى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من المستدرك.

[237]

هو الوزغ بن الوزغ الملعون ابن الملعون، ثم قال: صحيح الاسناد وروى بعده بيسير عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر (1)، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: " والذي قال لوالديه اف لكما (2) " فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب و الله ما هو به، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا مروان ومروان في صلبه. ثم روى عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه وآله فعرف صوته فقال: ائذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم وقليل ماهم، يسرفون في الدنيا ويضيعون في الآخرة، ذوومكر وخديعة، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. وأما تسمية الوزغ فويسقا فنظيره الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم، وأصل الفسق: الخروج، وهذه المذكورات خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضرر والاذى، وذكر أصحاب الآثار أن الوزغ أصم، قالوا: والسبب في صممه ما تقدم من نفخه النار على إبراهيم فصم لاجل ذلك وبرص، ومن طبعه أنه لا يدخل بيتا فيه رائحة الزعفران، والحيات تألفه كما تألف العقارب الخنافس، وهو يلقح بفيه ويبيض كما تبيض الحيات ويقيم في جحره زمن الشتاء لا يطعم شيئا (3). وقال: العظاءة بالظاء المعجمة والمد: دويبة اكبر من الوزغة، وقال الازهري: هي دويبة ملساء تعدو وتتردد كثيرا، تشبه بسام أبرص إلا أنها أحسن منه ولا تؤذي (4) وهي أنواع كثيرة منها الابيض والاحمر والاصفر والاخضر وكلها منقطة بالسواد، وفي طبعها محبة الشمس لتصلب فيها (5).


(1) وفى ذلك دلالة على أن سنة الاسلام في نصب الخليفة تخالف سنة الملوك، فسنة الاسلام في ذلك على وجدان الفضيلة والصلاحية في الخليفة، وسنة الملوك على الوراثة قط. (2) الاحقاف: 17. (3) حياة الحيوان 2: 288. (4) زاد في المصدر: وتسمى شحمة الارض وشحمة الرمل. (5) حياة الحيوان 2: 84.

[238]

وقال: السام (1) أبرص بتشديد الميم، قال أهل اللغة: هو من كبار الوزغ (2). وقال الدعموص بفتح الدال: دويبه كالخنفساء (3)، وبضم الدال دويبة تغوص في الماء، والجمع الدعاميص، قال السهيلي: الدعموص: سمكة صغيرة كحية الماء، وفي الحديث إن رجلا زنا فمسخه الله تعالى دعموصا. قال الجاحظ: إذا كبر الناموس صار دعاميص، وهو تتولد من الماء الراكد، وإذا كبر صار فراشا، ولعل هذا هو عمدة من جعل الجراذ بحريا، والدعموص هو من الخلق الذي لا يعيش في ابتداء أمره إلا في الماء ثم بعد ذلك يستحيل بعوضا وناموسا (4). وقال الوطواط الخفاش انتهى (5). وقال الفيروزآبادي: الوطواط: الخفاش وضرب من خطاطيف الجبال. وقال الدميري: القرد حيوان معروف، وجمعه قرود وقد يجمع على قردة بكسر القاف وفتح الراء المهملة، والانثى قردة، بكسر القاف وإسكان الراء، وجمعها قرد بكسر القاف وفتح الراء، وهو حيوان قبيح مليح ذكي سريع الفهم يتعلم الصنعة، أهدى ملك النوبة إلى المتوكل قردا خياطا وآخر صائغا، وأهل اليمن يعلمون القرد القيام بحوائجهم حتى أن البقال والقصاب يعلم القرد حفظ الدكان حتى يعود صاحبه، ويعلم السرقة فيسرق والقردة تلد في البطن الواحد عشرة واثنى عشر، والذكر ذو غيرة شديدة على الاناث، وهذا الحيوان شبيه بالانسان في غالب حالاته، فانه يضحك ويطرب و يقعي ويحكي ويتناول الشئ بيده، وله أصابع مفصلة إلى أنامل وأظفار، ويقبل التلقين والتعليم، ويأنس بالناس، ويمشي على رجلين حينا يسيرا ويمشى على أربع مشيه المعتاد، ولشفر عينيه الاسفل أهداب، وليس ذلك لشئ من الحيوان سواه، وهو


(1) في المصدر: " سام ابرص " بلا حرف تعريف. (2) حياة الحيوان 2: 8. (3) فيه تصحيف، وهى تفسير للدعسوقة على ما في المصدر. (4) حياة الحيوان 1: 244. (5) حياة الحيوان 2: 290.

[239]

كالانسان إذا سقط في الماء غرق كالانسان الذي لا يحسن السباحة (1)، ويأخذ نفسه بالزواج والغيرة على الاناث وهما خصلتان من مفاخر الانسان، وإذا زاد به الشبق استمنى بفيه، وتحمل الانثى ولدها كما تحمل المرأة، وفيه من قبول التأديب والتعليم ما لا يخفى، ولقد درب قرد ليزيد على ركوب الحمار وسابق به مع الخيل، وروى ابن عدي في كامله عن أحمد بن طاهر أنه قال: شهدت بالرملة قردا صائغا، (2) فإذا أراد أن ينفخ أشار إلى رجل حتى ينفخ له. وروى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تشوبوا اللبن بالماء فان رجلا كان فيمن كان قبلكم يبيع اللبن ويشوبه بالماء فاشترى قردا وركب البحر حتى إذا لحج فيه ألهم الله تعالى القرد صرة الدنانير فأخذها وصعد الدقل ففتح الصرة و صاحبها ينظر إليه، فأخذ دينارا ورمى به في البحر ودينارا في السفينة حتى قسمها نصفين، فألقى ثمن الماء في البحر وثمن اللبن في السفينة. وروى الحاكم في المستدرك عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس وهو يقرأ في المصحف قبل ذهاب بصره ويبكي، فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداك ؟ قال: هذه الآية: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت " (3) قال: ثم قال: أتعرف أيلة ؟ قلت: وما أيلة قال: قرية كان بها اناس من اليهود فحرم الله تعالى عليهم صيد الحيتان يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأمثال المخاض، فإذا كان غير يوم السبت لا يجدونها ولم يدركوها (4) إلا بمشقة ومؤنة، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا يوم السبت فربطه إلى وتد في الساحل وتركه في الماء حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، ففعل ذلك أهل بيت منهم فأخذوا وشووا، فوجد جيرانهم ريح الشواء ففعلوا كفغلهم، وكثر ذلك فيهم، فافترقوا فرقا فرقة أكلت، وفرقة نهت


(1) في المصدر: وإذا سقط في الماء غرق كالآدمي الذى لا يحسن السباحة. (2) في المصدر: قردا يصوغ. (3) الاعراف: 163. (4) في المصدر: ولا يدركونها.

[240]

وفرقة قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم (1) " الآية، وقالت الفرقة التي نهت: إنما نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، والله ما نساكنكم في مكان أنتم فيه وخرجوا من السور، ثم غدوا عليه من الغد فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد، وتسور إنسان منهم السور فقال: قردة والله، لها أذناب تتعاوى، ثم نزل وفتح الباب، ودخل الناس عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس، ولم تعرف الانس أنسابها من القردة، قال: فيأتي القردة إلى نسيبه وقريبه فيحتك به ويلصق إليه فيقول له: أنت فلان ؟ فيشير برأسه أن نعم و يبكي وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها الانسي فيقول: أنت فلانة ؟ فيشير برأسها: أن نعم وتبكي، قال ابن عباس: فأسمع الله تعالى يقول: " فأنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " (2) فلا أدرى ما فعلت الفرقة الثالثة فكم قد رأينا منكرا فلم ننه عنه (3) فقال عكرمة: فقلت: ما ترى جعلني الله فداك إنهم قد أنكروا وكرهوا حين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا " فأعجبه قولي ذلك وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما. ثم قال: هذا صحيح الاسناد، وأيلة: بين مدين والطور على شاطئ البحر و قال الزهري: القرية طبرية الشام. وفي المستدرك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: رأيت في منامي كان بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة. فما رئي صلى الله عليه وآله ضاحكا حتى مات (4). ثم قال: صحيح الاسناد عن شرط مسلم.


(3) الاعراف: 164. (4) الاعرف: 165. (1) في المصدر: من منكر ولم ننه عنه. (2) في المصدر: فما رئى النبي صلى الله عليه وآله مستجمعا ضاحكا حتى مات.

[241]

وروى الطبراني في معجمه (1) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في آخر الزمان تأتي المرأة فتجد زوجها قد مسخ قردا، لانه لا يؤمن بالقدر. واختلف العلماء في الممسوخ هل يعقب أم لا ؟ على قولين: أحدهما نعم، وهو قول الزجاج والقاضي أبي بكر المغربي المالكي، وقال الجمهور: لا يكون ذلك، قال ابن عباس: لم يعش ممسوخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب (2). وقال: الخنزير مشترك بين البهيمية والسبعية، فالذي فيه من السبع الناب وأكل الجيف، والذي فيه من البهيمة الظلف وأكل العشب والعلف، ويقال: إنه ليس لشئ من ذوات الاذناب (3) ما للخنزير من قوة نابه حتى إنه يضرب بنابه صاحب السيف والرمح فيقطع كل ما لاقى من جسده من عظم وعصب، وربما طال ناباه فيلتقيان فيموت عند ذلك جوعا لانهما يمنعانه من الاكل، ويأكل الحيات أكلا ذريعا (4) ولا تؤثر فيه سمومها، ومن عجيب أمره إذا قلعت إحدى عينيه مات سريعا. وذكر أهل التفسير أن عيسى عليه السلام استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا: جاء الساحر ابن الساحرة وقذفوه وامه، فدعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير. وروى ابن ماجة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والدر (5). قال في الاحياء جاء رجل إلى ابن سيربن وقال: رأيت كأني اقلد الدر أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها وقال: القمل معروف، واحدته قملة. قال الجوهري: والقمل المعروف يتولد من العرق والوسخ إذا اصاب ثوبا أو


(1) في المصدر: من معجم الاوسط. (2) حياة الحيوان 2: 172 و 173. (3) في المصدر: من ذوات الانياب والاذناب ما للخنزير من القوة في نابه. (4) يقال: موت ذريع أي فاش أو سريع، وقتل ذريع أي فظيع. (5) حياة الحيوان 2: 219 و 220.

[242]

بدنا أو ريشا أو شعرا حتى يصير المكان عفنا. قال الجاحظ: وربما كان الانسان قمل الطباع وإن تنظف وتعطر وبدل الثياب، قال: ومن طبعه أنه يكون في شعر الرأس في الاحمر أحمر، وفي الاسود الاسود وفي الابيض أبيض، ومتى تغير الشعر تغير إلى لونه، وهو من الحيوان الذي اناثه أكبر من ذكوره، ويقال: ذكوره الصيبان، وقيل: الصيبان بيضه (1). وقال: عنقاء مغرب (2) قال بعضهم: هو طائر غريب يبيض بيضا كالجبال وتبعد في طيرانها، وقيل: سميت بذلك لانه كان في عنقها بياض كالطوق، وقيل: هو طائر يكون عند مغرب الشمس، وقال القزويني: إنها أعظم الطير جثة وأكبرها خلقة تختطف الفيل كما تختطف الحدأة الفأرة: وكانت في قديم الزمان بين الناس فتأذوا منها إلى أن سلب يوما عروسا بحليها فدعا عليها حنظلة النبي فذهب الله بها إلى بعض جزائر البحر المحيط وراء خط الاستواء وهي جزيرة لا يصل إليه الناس، وفيها حيوان كثير كالفيل والكركدن والجاموس والببر والسماع (3) وجوارح الطير، وعند طيران عنقاء مغرب يسمع لاجنحتها دوي كدوي الرعد العاصف (4) والسيل، وتعيش ألفي سنة وتتزاوج إذا مضى لها خمسمائة سنة، فإذا كان وقت بيضها ظهر بها ألم شديد ثم أطال في وصفها. وذكر أرسطاطاليس في النعوت أن العنقاء قد تصاد فيصنع من مخاليبها أقداح عظام للشرب، قال: وكيفية صيدها أنهم يوقفون ثورين ويجعلون بينهما عجلة و يثقلونها بالحجارة العظام ويتخذون بين يدي العجلة بيتا يختبأ فيه رجل معه نار فتنزل العنقاء على الثورين لتخطفهما فإذا نشبت أظفارها في الثورين أو أحدهما لم تقدر على اقتلاعهما لما عليهما من الحجارة الثقيلة ولم تقدر على الاستقلال لتخلص بمخاليبها (5)


(1) حياة الحيوان 2: 183. (2) في المصدر: عنقاء مغرب ومغربة من الالفاظ الدالة على غير معنى. (3) في المصدر: والبقر وسائر انواع السباع. (4) في المصدر: كدوى الرعد القاصف. (5) في المصدر: لتخلص مخالبها. (*)

[243]

فيخرج الرجل بالنار فيحرق أجنحتها، قال: والعنقاء لها بطن كبطن الثور وعظام كعظام السبع، وهي من أعظم سباع الطير انتهى. وقال العكبري في شرح المقامات: إن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له: مخ، صاعد في السماء قدر ميل، وكان به طيور كثيرة، وكانت العنقاء به، وهي عظيمة الخلق لها وجه كوجه الانسان، وفيها من كل حيوان شبه، وهي من أحسن الطير، وكانت تأتي في السنة مرة هذا الجبل فتلتقط طيوره فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم ذهب بجارية اخرى، فشكوا ذلك إلى نبيهم حنظلة بن صفوان فدعا علهيا فأصابتها صاعقة فاحترقت، وكان حنظلة في زمن الفتره بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفي ربيع الابرار (1) في باب الطير عن ابن عباس أن الله تعالى خلق في زمن موسى طائرا اسمها العنقاء لها أربعة أجنحة من كل جانب ووجهها كوجه الانسان وأعطاها من كل شئ قسطا، وخلق لها ذكرا مثلها، وأوحى إليه، أنى خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، وجعلتهما زيادة فيما وصلت به بني إسرائيل، وتناسلا وكثر نسلهما، فلما توفى موسى عليه السلام انتقلت فوقعت بنجد والحجاز فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان إلى أن بنى (2) خالد بن سنان العبسي من بني عبس قبل النبي صلى الله عليه وآله فشكوا إليه ما يلقون منها فدعا الله عليها فانقطع نسلها وانقرضت فلا توجد اليوم (3). وقال: القنفذ بالذال المعجمة وبضم القاف وبفتحها (4) هو صنفان: قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفأر، وقنفذ (5) يكون بأرض الشام والعراق بقدر الكلب القلطى، و


(1) في المصدر: وفي اخر ربيع الابرار. (2) هكذا في الكتاب، وفي المصدر: " إلى ان نبئ " والظاهر انهما مصحفان و الصحيح: " إلى ان نبأ " أو إلى أن أنبا. (3) حياة الحيوان 2: 112 و 113. (4) الصحيح كما في المصدر: بضم الفاء وفتحها. (5) في المصدر: ودلدل يكون بارض الشام.

[244]

بينهما كالفرق بين الفأر والجراد (1)، وهو لا يظهر إلا ليلا، وهو مولع بأكل الافاعى، ولا يتألم بها وإذا لذعته الحية أكل السعتر البري فيبرأ، وله خمسة أسنان في فيه، والبرية منها تسفد قائمة وظهر الذكر لاصق ببطن الانثى. وروى الطبراني وغيره (2) عن قتاده بن النعمان أنه قال: كانت ليلة شديدة الظلمة والمطر فقلت: لو اغتنمت الليلة شهود العتمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ففعلت، فلما رآني قال: قتادة ؟ قلت: لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قلت: علمت أن شاهد الصلوة في هذه الليلة قليل فأحببت أن أشهدها معك، فقال صلى الله عليه وآله: إذا انصرفت فأتني، فلما فرغت من الصلوة أتيت إليه فأعطاني عرجونا كان في يده، فقال: هذا يضئ أمامك عشرا ومن خلفك عشرا، ثم قال: إن الشيطان قد خلفك في أهلك فاذهب بهذا العرجون فاستضئ به حتى تأتي بيتك فتجده في زاوية البيت فاضربه بالعرجون، قال: فخرجت من المسجد فأضاء العرجون مثل الشمعة نورا فاستضأت به وأتيت أهلى فوجدتهم قد رقدوا فنظرت إلى الزاوية فإذا فيها قنفذ فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج، ورواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح (3). وقال: الوبر بفتح الواو وتسكين الباء الموحدة: دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون لا ذنب لها تقيم في البيوت، وجمعها وبور وبيرر وبار (4) والانثى وبرة، وقول الجوهري: لا ذنب له أي لا ذنب طويل وإلا فالوبر له ذنب قصير جدا، والناس يسمون الوبر بغنم بني إسرائيل، ويزعمون أنها مسخت لان ذنبها مع صغره يشبه إلية الخروف وهو قول شاذ لا يلتفت إليه (5). وقال: الورل بفتح الواو والراء المهملة وباللام في آخره: دابة على خلقة الضب


(1) هكذا في المطبوع والمخطوط وفيه تصحيف والصحيح كما في المصدر: كالفرق بين الجرذ والفأر. (2) في المصدر: روى الطبراني في معجمه الكبير والحافظ ابن منير الحلبي وغيرهما. (3) حياة الحيوان 2: 187 و 188. (4) في المصدر: جمعها وبور ووبار ووبارة. (5) حياة الحيوان 2: 281.

[245]

إلا أنه أعظم منه، والجمع أورال وورلان، والانثى ورلة. وقال القزويني: إنه أعظم من الوزغ وسام أبرص طويل الذنب سريع السير خفيف الحركة. وقال عبد اللطيف: الورل والضب والحرباء وشحمة الارض والوزغ كلها متناسبة في الخلق، فأما الورل وهو الحرذون فليس في الحيوان أكثر سفادا منه، وبينه وبين الضب عداوة فيغلب الورل الضب ويقتله، لكنه لا يأكله كما يفعل بالحية وهو لا يتخذ بيتا لنفسه ولا يحفر جحرا بل يخرج الضب من جحره صاغرا ويستولى عليه وإن كان أقوى براثن منه لكن الظلم يمنعه من الحفر ولهذا يضرب به المثل في الظلم، ويقال: أظلم أو أجبر من ورل، ويكفي في ظلمه أنه يغصب الحية جحرها ويبلعها، وربما قتل فوجد في جوفه الحية العظيمة، وهو لا يبتلعها حتى يشدخ رأسها ويقال: إنه يقاتل الضب. والجاحظ يقول: الحرذون غير الورل، ووصفه بأنه دابة تكون بناحية مصر مليحة موشاة بألوان كثيرة، ولها كف ككف الانسان مقسومة أصابعها إلى الانامل (1).


(1) حياة الحيوان 2: 285 و 286. (*)

[246]

6 - { باب } { الاسباب العارضة المقتضية للتحريم } 1 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الاشعث عن موسى بن اسمعيل بن موسى بن جعفر عن جده موسي عن آبائه عليهم السلام قال: سئل على عليه السلام عن حمل غذي بلبن خنزيرة فقال: قيدوه (1) واعلفوه الكسب والنوى والخبز إن كان استغنى عن اللبن وإن لم يكن استغنى عن اللبن فيلقى على ضرع شاة سبعة أيام (2). 2 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي - عبد الله عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله (3). بيان: الكسب بالضم: عصارة الدهن وقوله: " سبعة أيام " كأنه متعلق بالشقين معا، كما يستفاد من كلام الاصحاب وستعرف. 3 - قرب الاسناد: عن محمد بن عبد الحميد وعبد الصمد بن محمد معا عن حنان ابن سدير قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن حمل يرضع (4) من خنزيرة ثم استفحل الحمل في غنم فخرج له نسل ما قولك في نسله ؟ فقال: ما علمت أنه من نسله بعينه فلا تقربه، وأما ما لم تعلم أنه منه فهو بمنزلة الجبن كل ولا تسأل عنه (5).


(1) في المصدر: " عودوه " والظاهر انه مصحف. (2) نوادر الراوندي: 50. (3) فروع الكافي 6: 250 فيه: " والنوى والشعير والخبز " وفيه: سبعة ايام ثم يؤكل لحمه. (4) في المصدر: رضع. (5) قرب الاسناد: 47، (*)

[247]

4 - المقنع: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جدي رضع من خنزيرة (1) حتى كبر وشب واشتد عظمه، ثم إن رجلا استفحله في غنمه فأخرج له نسلا (2)، فقال: أما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، وأما ما لا تعرفه فكله ولا تسأل عنه فانه بمنزلة الجبن (3). بيان: رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حنان بن سدير قال: سئل أبو عبد الله وأنا حاضر عنده عن جدي رضع. وذكر نحوا من المقنع (4). 5 - وروى أيضا عن محمد بن يحيى عن الوشاء عن عبد الله بن سنان عن أبي حمزة رفعه قال: لا تأكل من لحم حمل رضع من لبن خنزيرة (5). واعلم أن المعروف بين الاصحاب أن الحيوان إذا شرب لبن خنزيرة فان لم يشتد بأن ينبت عليه لحمه ويشتد عظمه وتزيد قوته كره لحمه، ويستحب استبراؤه بسبعة أيام بأن يعلف بغيره في المدة المذكورة، ولو كان في محل الرضاع ارضع من حيوان محلل كذلك، وإن اشتد حرم لحمه ولحم نسله ذكرا كان الشارب أم انثى، وذهبوا أن الاستبراء في هذا القسم لا ينفع، وبهذا الوجه جمع الشيخ بين الاخبار، وتبعه القوم ويمكن الجمع بينها بحمل النهي عن ما قبل الاستبراء، وتعميم الاستبراء أو تخصيصه بصورة الاشتداد، ومع التعميم يكون قبل الاستبراء مع عدم الاشتداد مكروها ومعه حراما، ويدل خبر حنان على أن المشتبه بالنسل لا يجب اجتنابه وهو الظاهر من كلام القوم، وان مقتضى قواعدهم وجوب اجتناب الجميع من باب المقدمة، وقد


(1) في المصدر: من لبن خنزيرة. (2) في المصدر والكافي: " فاخرج له نسل " وفى نسخة من المصدر: فخرج له نسل. (3) المقنع: 35. (4) فروع الكافي 6: 249 فيه: فلا تقربنه واما ما لم تعرفه فكله فهو بمنزلة الجبن ولا تسأل عنه. (5) فروع الكافي 6: 250 فيه: يرضع.

[248]

عرفت أن ظاهر الآيات والاخبار خلافه، وقال في الروضة: ولا يتعدى الحكم إلى غير الخنزيرة عملا بالاصل وإن ساواه في الحكم كالكلب مع احتماله انتهى. واعلم أن جماعة من الاصحاب حكموا بكراهة لحم حيوان رضع من امرأة حتى اشتد عظمه، قال في التحرير: ولو شرب من لبن امرأة واشتد كره لحمه ولم يكن محظورا انتهى، ومستندهم صحيحة أحمد بن محمد بن عيسى قال: كتبت إليه جعلت فداك من كل سوء امرأة أرضعت عناقا حتى فطمت وكبرت وضربها الفحل ثم وضعت أيجوز أن يؤكل لحمها ولبنها ؟ فكتب عليه السلام: فعل مكروه لا بأس به (1). وفي الفقيه: كتب أحمد بن محمد بن عيسى إلى علي بن محمد امرأة أرضعت عناقا بلبنها (2) حتى فطمتها فكتب عليه السلام: فعل مكروه ولا بأس به (3). أقول: الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن الارضاع فعل مكروه والاكل لا بأس به، وعبارة الفقيه بهذا أنسب، والثاني أن الاكل مكروه ليس بحرام، وهذا بعبارة التهذيب حيث حذف الواو أنسب (4)، ثم على ما في الفقيه (5) إن كان السؤال عن اللحم فالمراد عدم البأس بلحم العناق على المعنى الاول وعلى ما في التهذيب يحتمل العناق والاولاد والاعم، ويؤيد كون المراد عدم البأس بلحمها ما رواه في التهذيب أيضا بسند مرسل عن أبي عبد الله عليه السلام في جدي رضع من لبن امرأة حتى اشتد عظمه ونبت


(1) رواه الشيخ في التهذيب 9: 45 وفيه: " جعلني الله فداك " ورواه الكليني في فروع الكافي 9: 250 عن العدة عن أحمد بن محمد. وفيهما جميعا: ولا بأس به: ورواه الشيخ في التهذيب 7: 325 باسناد آخر والفاظ غيره وفيه: يجوز ان يؤكل لبنها وتباع وتذبح ويؤكل لحمها فكتب (ع): فعل مكروه ولا بأس به. (2) في المصدر: ارضعت عناقا من الغنم بلبنها. (3) من لا يحضره الفقيه 3: 212. (4) قد عرفت أن الواو موجود في التهذيب والكافي. (5) الظاهر بقرينة الكافي والتهذيب أن الحديث المروى في الفقيه منقول بالاختصار فالعمل على الموجود في الكافي والتهذيب اصوب.

[249]

لحمه، قال لا بأس بلحمه (1)، قال المحقق الاردبيلي قدس سره بعد إيراد خبر التهذيب الاول: فيها إن المكروه لا بأس به، وأنه مع الكبر والشدة مكروه، فبدونهما يجوز بالطريق الاولى ويحتمل الكراهة مطلقا، والظاهر أن المراد لحمها ولحم نسلها فتأمل (2). 5 - الدعائم: عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن لحوم الجلالة وألبانها وبيضها حتى تستبرأ والجلالة (3) هي التي تجلل (4) المزابل فتأكل العذرة (5). 6 - وعن علي عليه السلام أنه قال: الناقة الجلالة تحبس على العلف أربعين يوما والبقرة عشرين يوما، والشاة سبعة أيام، والبطة خمسة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام تم تؤكل بعد ذلك لحومها وتشرب ألبان ذوات الالبان منها، ويؤكل بيض ما يبيض منها (6). 7 - نوادر الراوندي: بالاسناد المتقدم عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال علي عليه السلام: الناقة الجلالة لا يحج على ظهرها ولا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها حتى يقيد أربعين يوما، والبقرة الجلالة عشرين يوما، والبطة الجلالة خمسة أيام، والدجاج ثلاثة أيام (7). 8 - المقنع: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تشرب من ألبان الابل الجلالة وإن أصابك شئ من عرقها فاغسله (8).


(1) رواه الشيخ في التهذيب 7: 324 باسناده عن محمد بن على بن محبوب عن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عمن رواه عن أبى عبد الله (ع). (2) شرح الارشاد: كتاب الاطعمة. (3) لعل التفسير من صاحب الدعائم. (4) في النسخة المخطوطة: تتخلل المزابل. (5 و 6) الدعائم لم يكن عندي. (7) نوادر الرواندى: 51 فيه: " والدجاجة " وقد سقطت عن المطبوع جملة. (8) المقنع: 35 فيه: لا تشرب من لبن.

[250]

تفصيل: قال في النهاية: فيه أنه نهى عن أكل الجلالة وركوبها، الجلالة من الحيوان التي تأكل العذرة، والجلة البعر فوضع موضع العذرة يقال: جلت الدابة الجلة واجتلتها فهي جالة وجلالة: إذا التقطها (1). فأما أكل الجلالة فحلال إن لم يظهر النتن في لحمها، وأما ركوبها فلعله لما يكثر من أكلها العذرة والبعر وتكثر النجاسة على أجسامها وأفواهها وتلمس راكبها بفمها وثوبه بعرقها وفيه أثر العذرة والبعر فيتنجس والله أعلم انتهى (2). ثم اعلم أن المشهور بين الاصحاب أن الجلل يوجب تحريم اللحم، وذهب الشيخ وابن الجنيد إلى الكراهة، وكلام الشيخ في المبسوط مشعر باتفاقها عليه، وقيل بالتحريم إن كان الغذاء بالعذرة محضا، والكراهة إن كان غالبا، والتحريم أحوط مع الاغتذاء بالعذرة محضا، وإن كان إثباته بحسب الدليل مشكلا، وأما الحج عليها أو ركوبها مطلقا فالظاهر أنه محمول على الكراهة، ويمكن أن يكون لكراهة عرقها. قال ابن الجنيد رحمه الله: والجلال من سائر الحيوان مكروه أكله وكذلك شرب ألبانها والركوب عليها انتهى، واختلفوا فيما يحصل به الجلل فالمشهور أنه يحصل بأن يغتذي الحيوان بعذرة الانسان لاغير، وألحق أبو الصلاح بالعذرة غيرها من النجاسات وهو ضعيف، والنصوص والفتاوى المعتبرة خالية عن تقدير المدة التي يحصل فيها ذلك لكن يستفاد من بعض الروايات المعتبرة في ذلك أن تكون العذرة غذاءه، ومن بعضها أن الخلط لا يوجب الجلل، وقدره بعضهم بأن ينمو ذلك في بدنه ويصير جزء منه وبعضهم بيوم وليلة وقال يحبى بن سعيد: بأكل العذرة خالصة يومها أجمع وقدر آخرون بأن يظهر النتن في لحمه وجلده يعني رائحة العذرة، وقال الشيخ في المبسوط والخلاف إن الجلالة هي التي تكون أكثر علفها العذرة فلم يعتبر تمحض العذرة، والظاهر في مثله الرجوع إلى صدق الجلل عرفا، وفي معرفته إشكال، والاشهر طهارة الجلال بل


(1) في المصدر: إذا التقطتها. (2) النهاية 1: 201.

[251]

القائل بالنجاسة غير معلوم، لكن تدل عليها بعض الاخبار، وحملت على الكراهة، والاقرب وقوع التذكية عليه لعموم الادلة، ثم إن تحريم الجلال على القول به أو الكراهة ليس بالذات، بل بسبب الاغتذاء بالعذرة فليس مستقرا بل إلى أن يقطع ذلك الاغتذاء ويغتذى بغيره بحيث يزول عنه اسم الجلل والنصوص الواردة في هذا الباب غير نقي الاسانيد، وفتاوى الاصحاب في بعضها متفقة، وفي بعضها مختلفة، فالمتفق عليه استبراء الناقة بأربعين يوما، ويدل عليه الروايات، ومن المختلف فيه البقرة: قيل يستبرأ بأربعين كالناقة، ويدل عليه زائدا على ما تقدم رواية مسمع (1) وقيل: بعشرين يوما، وهو أشهر لرواية السكوني (2) ومرفوعة يعقوب (3) ورواية يونس (4)، ومنه الشاة


(1) المذكور في الكافي 6: 253 والتهذيب 9: 45 والاستبصار 4: 77 رواه الكليني عن العدة عن سهل عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن عن مسمع عن أبى عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): " الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى أربعين يوما والبقرة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى ثلاثين يوما والشاة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى عشرة أيام، والبطة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تربط خمسة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام " هكذا الحديث في الكافي واما الحديث في التهذيب فيختلف حكم البقرة في نسختها ففى المطبوع بالنجف: " عشرين يوما، وفى الطبع الاول أيضا: عشرون ولكن ذكر في هامشه عن نسخة: " أربعين " وعن اخرى " ثلاثين " وفى الاستبصار أيضا: " أربعين يوما " وحكم الشاة في التهذيب والاستبصار: خمسة أيام. (2) رواه الكليني في الكافي 6: 251 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبى عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد ثلاثة أيام والبطة الجلالة خمسة أيام، والشاة الجلالة عشرة أيام والبقرة الجلالة عشرين يوما، والناقة أربعين يوما. ورواه الشيح في التهذيب 9: 46 وفى الاستبصار 4: 77 عن محمد بن يعقوب. (3) الموجود فيه: ثلاثون كما رواه الكليني في الكافي 6: 252 عن العدة عن سهل عن يعقوب بن يزيد رفعه قال: قال أبو عبد الله (ع): الابل الجلالة إذا أردت نحرها تحبس البعير أربعين يوما والبقرة ثلاثين يوما والشاة عشرة أيام. (4) رواه الكليني في الفروع 6: 252 باسناده عن الحسين بن محمد عن السيارى =

[252]

والمشهور أن استبراءها بعشرة لرواية السكوني ومرفوعة يعقوب ورواية مسمع، وقيل: بسبعة (1) وقيل: بخمسة، وفي رواية يونس: أربعة عشر، وفي رواية مسمع: البطة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تربط خمسة أيام، وفي رواية السكوني: الدجاحة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد ثلاثة أيام والبطة خمسة أيام، واكتفى الصدوق في المقنع للبطة بثلاثة أيام ورواه في الفقيه عن القاسم بن محمد الجوهري (2)، ومن الاصحاب من اعتبر في الدجاجة خمسة أيام، وقيل: أكثر ومستند الكل لا يخلو من ضعف على المشهور، وقيل: مراعات العرف متجه والاحوط مراعاة أكثر الامرين من زوال الجلل العرفي وأكثر المقدرات، وفي كلام الاصحاب الربط والعلف بالطاهر في المدة المقدرة، وربما اعتبر الطاهر بالاصالة، والمذكور في بعض الروايات الحبس حسب، والظاهر أن الغرض زوال الجلل فلا يتوقف على الربط ولا على الطهارة، بل الظاهر حصوله بالاغتذاء بغير العذرة، والاحوط مراعاة المشهور، ولا يؤكل الجلال من السمك حتى يستبرأ يوما وليلة عند الاكثر استنادا إلى رواية يونس عن الرضا واكتفى الصدوق بيوم إلى الليل لرواية الجوهري. وقال أبو الصلاح في الكافي في عداد المحرمات: وما أدمن شرب النجاسات حتى يمنع منها عشرا، وجلالة الغائط حتى تحبس الابل والبقر أربعين يوما، والشاة سبعة أيام، والبطة والدجاج خمسة (3) أيام، وروي في الدجاج خاصة بثلاثة أيام، وجلالة ما عدا العذرة من النجاسات حتى تحبس


= عن أحمد بن الفضل عن يونس عن الرضا (ع) في السمك الجلال أنه سأله عنه فقال: ينتظر به يوما وليلة، وقال السيارى: ان هذا لا يكون الا بالبصرة، وقال في الدجاج: يحبس ثلاثة أيام والبطة سبعة أيام والشاة أربعه عشر يوما والبقرة ثلاثين يوما والابل أربعين يوما ثم تذبح. (1) في النسخة المطبوعة: بتسعة. (2) الفاظ الحديث: ان البقرة تربط عشرين يوما والشاة تربط عشرة أيام والبطة تربط ثلاثة أيام، وروى ستة أيام، والدجاجة تربط ثلاثة أيام والسمك الجلال يربط يوما إلى الليل في الماء راجع الفقيه 3: 214. (3) في المختلف: عشرة أيام.

[253]

الانعام سبعا، والطير يوما وليلة. وقال العلامة رحمه الله في المختلف (1) بعد نقل هذه العبارة: والذي ورد في ذلك ما رواه موسى بن أكيل (2) عن بعض أصحابه عن الباقر عليه السلام في شاة شربت بولا ثم ذبحت فقال: يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به وكذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم تكن جلالة والجلالة التي يكون ذلك غذاؤها وقول أبي الصلاح لم تقم عليه دلالة عندي انتهى (3). والمشهور بين الاصحاب أنه لو شرب الحيوان المحلل خمرا لم يؤكل ما في جوفه من الامعاء والقلب والكبد، ويجب غسل اللحم لرواية زيد الشحام (4) عن الصادق عليه السلام أنه قال في شاة شربت خمرا حتى سكرت ثم ذبحت على تلك الحال: لا يؤكل ما في بطنها. والرواية مع ضعفها على المشهور أخص من المدعى من وجوه، وأنكر الحكم المذكور ابن إدريس وقال بالكراهة، ولعله أقرب، والمشهور أنه إذا شرب بولا غسل ما في بطنه وأكل لرواية ابن أكيل المتقدمة، وهي على طريقة الاصحاب ضعيفة من وجوه إلا أنه لا أعرف رادا للحكم وقيل: إن هذا إنما يكون إذا ذبح في الحال بعد الشرب بخلاف ما إذا تأخر بحيث صار جزء من بدنه، وهو ظاهر غير بعيد عن سياق الخبر. 9 - نوادر الراوندي (5): بالاسناد المتقدم عن الكاظم عن آبائه عليهم السلام سئل على عليه السلام


(1 و 2) المختلف 2: 127. (3) رواه الكليني في الفروع 6: 251 عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن بعض أصحابنا عن على بن حسان عن على بن عقبة عن موسى بن اكيل، ورواه الشيخ في التهذيب 9: 47، والاستبصار 4: 78 عن محمد بن أحمد بن يحيى. (4) رواه الكليني في الفروع 6: 251 عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن أبى جميلة عن زيد الشحام. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 43 عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عبد الجبار عن أبى جميلة. (5) نوادر الراوندي: 50 فيه: عن قدر فيها فأرة.

[254]

عن قدر طبخت فإذا فيها فأرة ميتة قال يهراق المرق ويغسل اللحم وينقى ويؤكل. بيان: رواه الشيخ (1) بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام وليس فيه " وينقى " وعليه عمل الاصحاب وربما يستشكل بأنه مع الطبخ والغليان ينفذ الماء النجس في أعماق اللحم والتوابل فكيف تطهر بمجرد الغسل (2) ؟ ويمكن أن يحمل على أن ينقع في الماء الطاهر حتى يصل إلى كل ما وصل إليه النجس، ويمكن أن يكون قوله عليه السلام " وينقى " إشاره إلى ذلك، لكن كلام الاصحاب ورواية السكوني غير مقيدة بذلك، وان كان أحوط. 10 - تحف العقول: سأل يحيى بن أكثم موسى المبرقع عن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأى الراعي ينزو على شاة منها فلما بصر بصاحبها خلى سبيلها فدخلت بين الغنم كيف تذبح ؟ وهل يجوز أكلها أم لا ؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن الثالث عليه السلام فقال: إنه إن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف الآخر ثم يفرق النصف الآخر فلا يزال كذلك حتى تبقى شاتان فيقرع بينهما فأيهما وقع السهم بها ذبحت واحرقت ونجا سائر الغنم (3). بيان: روى الشيخ هذا الخبر بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن الرجل عليه السلام أنه سئل عن رجل نظر إلي راع نزا على شاة قال: إن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتى يقع السهم بها فتذبح و تحرق وقد نجت سائرها (4).


(1) رواه الشيخ في التهذيب 9: 86 باسناده عن محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني: ورواه الكليني في الفروع 6: 261. (2) يرد هذا الاشكال على نسخة المصنف من النوادر والتهذيب والفروع وأما على النسخة المطبوعة من النوادر فلا نعم الاشكال وارد على نقل الشيخ والكليني. (3) تحف العقول: 477 و 480. (4) تهذيب الاحكام 9: 43.

[255]

وأقول: الظاهر أن الرجل أبو الحسن عليه السلام، وهذا مختصر من الحديث الذي رويناه أولا وقال في المسالك بمضمون الرواية عمل الاصحاب، مع أنها لا تخلو من ضعف وإرسال، لان راويها محمد بن عيسى عن الرجل ومحمد بن عيسى مشترك (1) بين الاشعري الثقة واليقطيني وهو ضعيف، فان كان المراد بالرجل الكاظم عليه السلام كما هو الغالب فهي مع ضعفها بالاشتراك (2) مرسلة لان كلا الرجلين لم يدرك (3) الكاظم عليه السلام، وإن اريد به غيره أو كان مبهما كما هو مقتضى لفظه فهي مع ذلك مقطوعة انتهى (4). وأقول: يرد عليه أن الظاهر أنه اليقطيني كما يظهر من الامارات والشواهد الرجالية لكن الظاهر ثقته والقدح غير ثابت، وجل الاصحاب يعدون حديثه صحيحا وكون المراد بالرجل الكاظم عليه السلام غير معروف ؟ ؟ الغالب التعبير بالرجل والغريم وأمثالهما عند شدة التقية بعد زمان ؟ ؟ عليه السلام كما لا يخفى، وهذا بقرينة الراوي يحتمل الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، لكن الظاهر الهادي عليه السلام بقرينة الرواية الاولى، فظهر أن الخبر صحيح، مع أنه لم يرده أحد من الاصحاب. وقال في المسالك ولو لم يعمل بها، فمقتضى القواعد الشرعية أن المشتبه فيه إن كان محصورا حرم الجميع، وإن كان غير محصور جاز أكله إلى أن تبقى واحدة كما في نظائره انتهى (5). وأقول: تحريم الجميع في المحصور غير معلوم كما عرفت، والعمل بالقرعة في الامور المشتبهة غير بعيد عن القواعد الشرعية، وقد ورد في كثير من نظائره، ثم إن الاصحاب قالوا: إذا وطئ الانسان حيوانا مأكولا حرم لحمه ولحم نسله، ولو اشتبه بغيره قسم فرقتين واقرع عليه مرة بعد اخرى حتى تبقى واحدة، وقال في


(1) في المصدر، لان راويها محمد بن عيسى مشترك. (2) في المصدر، باشتراك الراوى بين الثقة وغيره. (3) في المصدر: لم يدركا. (4 و 5) المسالك 2. 239.

[256]

المسالك: إطلاق الانسان يشمل الصغير والكبير والمنزل وغيره، وكذلك الحيوان يشمل الذكر والانثى ذات الاربع وغيره كالطير لكن الرواية وردت بنكاح البهيمة، وهي لغة اسم لذات الاربع من حيوان البر والبحر فينبغي أن يكون العمل عليه تمسكا بالاصل في موضع السك، ويحتمل العموم لوجود السبب المحرم وعدم الخصوصية للمحل، وهو الذي يشعر به إطلاق كلام المصنف وغيره، ولا فرق في ذلك بين العالم بالحكم والجاهل، ثم إن علم الموطوء بعينه اجتنب وسرى إلى نسله، وإن اشتبه أقرع للرواية، ثم قال بعدما مر: وعلى تقدير العمل بالرواية (1) فيعتبر في القسم كونه نصفين كما ذكر فيها، وإن كان قولهم (2): فريقين، أعم منه، ثم إن كان العدد زوجا فالنصف حقيقة ممكن، وإن كان فردا اغتفر زيادة الواحدة في أحد النصفين، وكذا القول بعد الانتهاء إلى عدد فرد كثلاثة (3). 11 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إذا جعلت سمكة مع الجرى في السفود إن كانت السمكة فوقه فكلها، وإن كانت تحته فلا تأكل، وإذا كان اللحم مع الطحال في السفود أكل اللحم والجوذابة لان الطحال في حجاب ولا ينزل منه شئ إلا أن يثقب فان ثقب سال منه ولم يؤكل ما تحته من الجوذابة ولا غيره ويؤكل ما فوقه (4). 12 - المقنع: إذا كان اللحم مع الطحال في سفود أكل اللحم إذا كان فوق الطحال، فان كان أسفل من الطحال لم يؤكل ويؤكل جواذبه لان الطحال في حجاب ولا ينزل منه شئ إلا أن يثقب، فان ثقب سال منه ولم يؤكل ما تحته من الجوذاب، وإن جعلت سمكة يجوز أكلها مع جري أو غيرها مما لا يجوز أكله في سفود أكلت التي لها فلس إذا كانت في السفود فوق الجري وفوق التي لا تؤكل، فان كانت أسفل من الجري لم تؤكل (5).


(1) في المصدر: وعلى تقدير العمل بالرواية كما هو المشهور. (2) في المصدر: وان كان قول المصنف: فريقين. (3) المسالك 2: 239. (4) فقه الرضا: 40. (5) المقنع، 35.

[257]

الفقيه: قال الصادق عليه السلام: إذا كان اللحم مع الطحال. وذكر مثل ما في المقنع (1). تبيين: السفود كتنور: الحديدة التي تشوى بها اللحم، وفي القاموس: الجوذاب بالضم: طعام السكرو أرز ولحم انتهى. والظاهر أن المراد هنا الخبز المشرود تحت الطحال واللحم اللذين على السفود ليجري عليها ما ينفصل منهما وعمل بما ورد في الفقيه أكثر الاصحاب، والاصل فيه عندهم ما رواه الشيخ (2) في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الطحال أيحل أكله ؟ قال: لا تأكله فهو دم، قلت، فان كان الطعام (3) في سفود مع لحم وتحته خبز وهو الجوذاب أيؤكل ما تحته ؟ قال: نعم يؤكل اللحم والجوذاب ويرمى بالطحال لان الطحال في حجاب لا يسيل منه، فان كان الطحال مشقوقا أو مثقوبا فلا نأكل مما يسيل عليه الطحال، وعن الجري يكون في السفود مع السمك قال: يؤكل ما كان فوق الجري، ويرمى بما سال عليه الجري. وهذا مطابق لما في الفقيه، وأما ما ذكره الصدوق رحمه الله في الكتابين فهو مخالف للخبرين فان عبارته تدل على عدم حل اللحم إذا كان تحت الطحال وإن لم يكن مثقوبا، والروايتان تدلان على الحل مطلقا إذا لم يكن مثقوبا، قال في الدروس: إذا شوى الطحال مع اللحم فان لم يكن مثقوبا أو كان اللحم فوقه فلا بأس، وإن كان مثقوبا واللحم تحته حرم ما تحته من لحم وغيره. وقال الصدوق رحمه الله: إذا لم يثقب لم يؤكل اللحم إذا كان أسفل ويؤكل الجوذاب وهو الخبز (4).


(1) من لا يحضره الفقيه 3: 214 و 215. (2) رواه الشيخ في التهذيب 9: 81 باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن على بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) في المصدر: فان كان الطحال. (4) الدروس: كتاب الاطعمة: الدرس الثالث.

[258]

وقال قدس سره أيضا: روى عمار عن الصادق عليه السلام في الجري مع السمك في سفود - بالتشديد مع فتح السين - يؤكل ما فوق الجري ويرمى ما سال عليه، وعليها ابنا بابويه، وطرد الحكم في مجامعه ما يحل أكلها لما يحرم، قال الفاضل: لم يعتبر علماؤنا ذلك والجري طاهر، والرواية ضعيفة السند انتهى (1). وأقول: عدم نجاسة الجري لا ينافي الحكم المذكور فانه ليس باعتبار النجاسة بل باعتبار أنه يجري من الطحال والجري وغيرهما دم وأجزاء مايعة بعد تأثير الحرارة ويتشرب منها ما تحته وضعف الروايات في هذا الباب منجبر بالشهرة بين الاصحاب، وحل ما يحكم بالحل فيها مؤيد بالاصل والعمومات.


(1) الدروس: كتاب الاطعمة: الدرس الاول.

[259]

7 - { باب } { الصيد وأحكامه وآدابه: } الايات: المائدة 5: غير محلي الصيد وأنتم حرم 1. قوله سبحانه: وإذا حللتم فاصطادوا 2. وقال تعالى: يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ان الله سريع الحساب 4. وقال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم 6. تفسير: قد مر تفسير بعض الآيات في كتاب الحج (1)، ومر بعضها في الابواب السابقة " وما علمتم من الجوارح " قالوا: يحتمل أن يكون عطفا على " الطيبات " بأخذ " ما " موصولة، ولكن بحذف مضاف أي مصيده، أو صيده. أي صيد الكلاب التي تصيدون بها بقرينة قوله: " مكلبين " فانه مشتق من الكلب، أي حال كونكم صاحبي الصيد بالكلاب أو أصحاب التعليم للكلاب، فيلزم كون الجوارح كلابا فيحل ما ذبحه الكلب المعلم. وذهب أكثر المخالفين إلى أن المراد بالجوارح كلاب الصيد على أهلها من الطيور وذوات الاربع من السباع وإطلاق المكلبين باعتبار كون المعلم في الاغلب كلبا أو لان كل سبع يسمى كلبا، قال النبي صلى الله عليه وآله في دعائه: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فسلط الله عليه الاسد، لكنه خلاف الظاهر، وستأتى الاخبار الكثيرة في ذلك، قال في مجمع البيان: الجوارح هي الكلاب فقط، عن ابن


(1) كتاب الحج لم يتقدم قبلا، بل يأتي في المجلد 21، ولعل قوله: " مر " اشتباه من النساخ أو كان دونه المنصف قبلا.

[260]

عمر والضحاك والسدى، والمروي عن أئمتنا عليهم السلام فانهم قالوا: هنا الكلب المعلم خاصة أحل الله صيدها إن أدركه صاحبه وقد قتل لقوله " فكلوا مما أمسكن عليكم " (1). وقوله: " مكلبين " منصوب على الحال، وقوله " تعلمونهن " حال ثانية أو استيناف " مما علمكم الله " متعلق " بتعلمونهن " أي مما ألهمكم الله من الحيل وطرق التأديب، فان العلم به إلهام منه تعالى أو اكتساب بالعقل الذي هو عطية من الله تعالى أيضا، وقيل: أي مما عرفكم الله أن تعلموهن من اتباع الصيد بارسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه " فكلوا مما أمسكن عليكم " متفرع على ما تقدم، ويحتمل كونه جزاء لقوله: " وما علمتم " فتكون ما شرطية، أي كلوا مما أمسكت الجوارح عليكم. قال البيضاوي: وهو ما لم يأكل منه لقوله صلى الله عليه وآله لعدي بن حاتم: " وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه " فاشترط في حله أن يكون الكلب ما أكل منه فلو أكل حرم. ثم قال: وإليه ذهب أكثر الفقهاء، وقال بعضهم: لا يشترط ذلك في سباع الطير لان تأديبها إلى هذا الحد متعذر، وقال آخرون: لا يشترط مطلقا انتهى (2). " واذكروا اسم الله عليه " الضمير لما علمتم، والمعنى سموا عليه عند إرساله أو لما أمسكن بمعنى سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو سموا عند أكله، والاول أظهر وأشهر كما سيأتي " واتقوا الله " في أوامره ونواهيه فلا تخالفوها بوجه " إن الله سريع الحساب " لانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، والعبد في مقام التقصير فيما دق وجل، ففيه كمال التنبيه على كمال الغفلة وغاية الاهتمام بسرعة الامتثال فقد أعذر من أنذر، كذا قيل، ثم اعلم أنه يستفاد من الآيات


(1) مجمع البيان 3: 161 فيه: احله الله إذا ادركه صاحبه وقد قتله. (2) انوار التنزيل 1: 324.

[261]

أحكام: الاول تدل الآيات منطوقا ومفهوما على إباحة الصيد والمصيد في الجملة، وادعوا عليها إجماع الامة، والروايات في ذلك مستفيضة من طرق الخاصة والعامة، واستثنى منها صيد البر في حال الاحرام، على التفصيل المتقدم في كتاب الحج، وظاهر الاصحاب أن صيد اللهو فعله حرام، لكن الظاهر أن مصيده لا يكون حراما لان حرمة الفعل لا يستلزم تحريمه، بل يمكن المناقشة في تحريم الفعل أيضا، لان عدم قصر الصلاة والصوم لا يستلزم التحريم، لكن الظاهر أنه لا خلاف بينهم فيه، وفي بعض الروايات إشعار به. الثاني: ظاهر الآية اشتراط كون الجارح كلبا كما عرفت، قال الشهيد الثاني رحمه الله: الاصطياد يطلق على معنيين: أحدهما إثبات اليد على الحيوان الوحشي بالاصالة المحلل المزيل لامتناعه بآلة الاصطياد اللغوي وإن بقي بعد ذلك على الحياة وأمكن تذكيته بالذبح. والثاني: عقره المزهق لروحه بآلة الصيد على وجه يحل اكله، فالصيد بالمعنى الاول جائز اجماعا بكل آلة يتوصل بها إليه من كلب وسبع وجارح وغيرها وإنما الكلام في الاصطياد بالمعنى الثاني والاجماع واقع أيضا على تحققه بالكلب المعلم من جملة الحيوان بمعنى ما أخذه وجرحه وأدركه صاحبه ميتا أو في حركة المذبوح يحل أكله، ويقوم إرسال الصائد وجرح الكلب في أي موضع كان مكان الذبح في المقدور عليه، واختلفوا في غيره من جوارح الطير والسباع فالمشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه المرتضى إجماعهم على عدم وقوعه بها للآية، فان الجوارح وإن كانت عامة إلا أن الحال في قوله: " مكلبين " الواقع من ضمير " علمتم خصص الجوارح بالكلاب فان المكلب مؤدب الكلاب لاجل الصيد، وذهب الحسن بن أبي عقيل إلى حل صيد ما أشبه الكلب من الفهد والنمر وغيرهما لعموم الجوارح، ولورود أخبار صحيحة وغيرها بأن الفهد كالكلب في ذلك، واختلف تأويل الشيخ لها فتارة خصها بموردها، وجوز صيد الفهد كالكلب محتجا بأن الفهد يسمى كلبا في اللغة، وتارة حملها على التقية، وثالثة على حال الضرورة، ووردت أخبار بحل صيد

[262]

غير الفهد أيضا وحملها على إحدى الاخيرتين. الثالث: ظاهر الآية شمولها لكل الكلب سلوقيا كان أو غيره، ولا خلاف فيه ظاهرا بيننا، وسواء كان أسود أو غيره، وهو أصح القولين، واستثنى ابن الجنيد رحمه الله الكلب الاسود، وقال: لا يجوز الاصطياد به، وهو مذهب أحمد وبعض الشافعية محتجا بالرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا يؤكل صيده، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقتله. الرابع: يستفاد من الآية الكريمة أن الكلب الذي يحل مقتوله لابد أن يكون معلما، إذ التقدير: واحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، فعلق حل صيدها على كونه معلما، واعتبروا في صيرورة الكلب معلما ثلاثة امور: أحدها أن يسترسل باسترسال صاحبه وإشارته والثاني أن ينزجر بزجره، وهكذا أطلق أكثرهم، وقيده في الدروس بما إذا لم يكن بعد إرساله على الصيد لانه لا يكاد أن ينفك حينئذ واستحسنه الشهيد الثاني - رحمه الله - وقريب منه في التحرير وهو غير بعيد. الثالث أن يمسك الصيد ولا يأكل منه، وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه، وذهب جماعة من الاصحاب منهم الصدوقان والحسن إلى أن عدم الاكل ليس بشرط، وبه روايات كثيرة، ولا يخلو من قوة، فيحمل أخبار عدم الاكل على الكراهة أو التقية وهو أظهر لصحيحة حكم بن حكيم (1). " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الكلب يصيد الصيد فيقتله ؟ قال:


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 203 باسناده عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى عن جميل بن دراج عن حكم بن حكيم الصيرفى وفيه: " لا بأس باكله " وفيه: يقولون: انه إذا قتله وأكل منه. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 23 والاستبصار 4: 69 باسناده عن محمد بن يعقوب وفيها: لا بأس كل.

[263]

لا بأس كل، قال: قلت: إنهم يقولون: إذا أكل منه فانما أمسك على نفسه فلا تأكله فقال: كل، أو ليس قد جامعوكم على أن قتله ذكاته ؟ قال: قلت بلى، قال: فما تقولون في شاة ذبحها رجل أذكاها ؟ قال: قلت: نعم، قال: فان السبع جاء بعد ما ذكاها فأكل بعضها، أتؤكل البقية ؟ قلت: نعم، قال: فإذا أجابوك إلى هذا فقل لهم: كيف تقولون إذا ذكى ذلك فأكل منها لم تأكلوا، وإذا ذكى هذا وأكل أكلتم ؟ ". وحمل الشيخ هذا الاخبار على الاكل نادرا وهو بعيد، وفرق ابن الجنيد بين أكله منه قبل موت الصيد وبعده، وجعل الاول قادحا في التعليم دون الثاني، وهذا أيضا وجه للجمع بين الاخبار، وكأنه يؤمي إليه خبر ابن حكيم، والعامة أيضا مختلفون في هذا الحكم بسبب اختلاف الاحاديث النبوية، وإن كان الاشهر بينهم الاشتراط وقد يستدل على الاشتراط بقوله تعالى: " وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " والظاهر أنه مخصص بقوله تعالى: " وما علمتم من الجوارح مكلبين " بشهادة الاخبار الكثيرة، وعلى القول باعتبار عدم الاكل لا يضر شرب الدم، والامور المعتبرة في التعليم لابد أن تتكرر مرة بعد اخرى ليغلب على الظن تأرب الكلب، ولم يقدر أكثر الاصحاب عدد المرات، واكتفى بعضهم بالتكرار مرتين، واعتبر آخرون ثلاث مرات، وكأن الاقوى الرجوع في أمثاله إلى العرف لفقد النص على التحديد، وحيث تحقق التعليم لو خالف في بعض الصفات مرة لم يقدح فيه، فان عاد ثانيا بني على أن التعلم هل يكفي فيه المرتان أم لا، فان اكتفينا بهما زال بهما، وإن اعتبرنا الثلاث فكذلك هنا، وكذا إن اعتبرنا العرف، كذا ذكره الشهيد الثاني قدس الله روحه. الخامس: الآية تؤمي إلى عدم حل صيد الكفار لان الخطاب فيها متوجه إلى المسلمين، فكأنه قيد الحل بما أمسك على المسلمين، ولا خلاف في تحريم صيد غير أهل الكتاب من الكفار، وأما أهل الكتاب فالخلاف فيهم هنا كالخلاف فيهم في ذبائحهم كما سيأتي. السادس: المشهور بين الاصحاب أن الاعتبار في حل الصيد بالمرسل لا المعلم فان كان المرسل مسلما فقتل حل، ولو كان المعلم مجوسيا أو وثنيا، ولو كان المرسل

[264]

غير مسلم لم يحل، ولو كان المعلم مسلما، بل ادعى عليه الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة، ويدل عليه صحيحة سليمان بن خالد (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن كلب المجوسى يأخذه المسلم فيسمي حين يرسله يأكل مما أمسك عليه ؟ فقال: نعم لانه مكلب وذكر اسم الله عليه. وقال في المبسوط: لا يحل مقتول ما علمه المجوسي محتجا بقوله تعالى: " تعلمونهن مما علمكم الله " وهذا لم يعلمه المسلم، وبرواية عبد الرحمن (2) ابن سيابة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: كلب مجوسي أستعيره فأصيد به، قال لا تأكل من صيده إلا أن يكون علمه مسلم. واجيب بأن الآية خرجت مخرج الغالب لا على وجه الاشتراط، والنهي في الخبر محمولة على الكراهة جمعا، مع أن الراوي مجهول، والشيخ في كتابي الاخبار جمع بينهما بحمل الاول على ما إذا علمه المسلم بعد أخذه، والثاني على ما إذا لم يعلمه واستشهد للجمع برواية السكوني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كلب المجوسي لا


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 208 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد، ورواه الصدوق في القفيه 3: 202 ورواه الشيخ في التهذيب 9: 30 والاستبصار 4: 70 عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن هشام ابن سالم وفيها: " الرجل المسلم " وفيها أيضا: أيأكل. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 209 عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن على بن الحكم عن منصور بن يونس عن عبد الرحمن بن سيابة، ورواه الشيخ في التهذيب 9: 30 وفى الاستبصار 4: 70 باسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن سيف بن عميرة عن منصور بن حازم عن عبد الرحمن بن سيابة واللفظ المنقول من الشيخ، وأما الكافي ففيه: قال: قلت لابي عبد الله (ع): انى استعير كلب المجوسى. وفيه أيضا: علمه مسلم فتعلمه. (3) رواه الكليني في الفروع 6: 209 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 30 وفى الاستبصار 4: 70 باسناده عن محمد بن يعقوب، وفى ذيل الحديث: وكلاب أهل الذمة وبزاتهم حلال للمسلمين أن يأكلوا صيدها.

[265]

تأكل صيده إلا أن يأخذه المسلم فيعلمه ويرسله، وكذلك البازي. وهذا يدل على أن مذهبه في كتابي الاخبار كمذهبه في المبسوط، والاحوط ذلك وإن كان الاظهر حمل أخبار المنع على التقية، فانه مذهب الحسن والثوري وجماعة من العامة. السابع: دلت الآية على وجوب التسمية، وحملها على التسمية عند الاكل بعيد جدا، ولا خلاف في وجوب التسمية واشتراطها في حل ما يقتله الكلب والسهم عندنا وعند كل من أوجبها في الذبيحة، وقد اشتركا في الدلالة من قوله تعالى: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " واختص هذا المحل بتلك الآية، ولا خلاف أيضا في إجزائها إذا وقعت عند الارسال لا نطباق جميع الادلة عليه، ولتصريحه عليه السلام في صحيحة أبي عبيدة: (1) " ويسمي إذ سرحه " لان " إذا " ظرف زمان وفيها معنى الشرط غالبا واختلفوا في إجزائها إذا وقعت في الوقت الذي بين الارسال وعضة الكلب أو إصابة السهم، واختار أكثر المتأخرين الاجزاء لان ضمير " عليه " راجع إلى القيد المضمر في قوله: " مما أمسكن عليكم " وهو يصدق بذكر اسم الله في جميع الوقت المذكور، ومحل الخلاف ما إذا تعمد تأخيرها عن الارسال أما لو نسي وذكر في الاثناء فلا شبهة في اعتبارها حينئذ. إذا تقرر ذلك فلو ترك التسمية عمدا لم يحل للنهي عن أكله المقتضي للتحريم، ولو نسي التسمية حل أكله كما سيأتي في الذبح إنشاء الله. واختلف في الجاهل فمنهم من ألحقه بالناسي، ومنهم من ألحقه بالعامد. الثامن: ذكر الاصحاب أن الحيوان المحلل لحمه المحرم ميتته إما أن يكون


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 203 باسناده عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد " عن سالم " وعلى بن ابراهيم عن أبيه ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن على بن رئاب عن أبى عبيدة الحذاء. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 26 باسناده عن الحسن بن محبوب.

[266]

مقدورا على ذبحه أو ما في معناه، أو غير مقدور بأن كان متنفرا متوحشا، فالمقدور عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق أو اللبة على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، ولا فرق بين ما هو إنسي في الاصل وبين الوحشي إذا استأنس أو حصل الظفر به، والمتوحش كالصيد جميع أجزائه مذبح مادام على الوحشية حتى إذا رمى إليه سهما أو ارسل كلبا فأصاب شيئا من بدنه فمات حل، وهو في الصيد الوحشي موضع وفاق بين المسلمين وفى الانسى إذا توحش كما إذا ند بعير موضع وفاق منا وأكثر العامة وخالف فيه مالك فقال: لا يحل إلا بقطع الحلقوم كذا ذكره الشهيد الثاني قدس سره. أقول: الانسى كالوحش إذا لم يقدر على ذبحه أو نحره لا ريب في أنه يجوز صيده وقتله بالسيف والرمح وأمثالهما لاخبار كثيرة دالة عليه، وإن كان أكثرها في البعير و البقر والقتل بالسيف والحربة لكن الظاهر شمول الحكم لغير البعير والغنم وللسهم أيضا، وإن استشكل المحقق الاردبيلي - رحمه الله - في السهم، وأما اصطيادها بالكلب فمشكل إذ لم أر في الاخبار المعتبرة ما يدل عليه، ويشكل الحكم بدخوله في الصيد المذكور في الآيات، وظاهر التذكية ما كان بلا واسطة مع أنه داخل فيما أكل السبع والاستثناء غير معلوم، وما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " كل إنسية توحشت فذكها ذكاة الوحشية " عامي، وفي دلالته أيضا نظر، نعم سيأني في خبر في باب التذكية وسنتكلم عليه ان شاء الله بل لم أر في قدماء الاصحاب ما يدل عليه أيضا، بل إنما ذكروا العقر بالآلة، قال الشيخ في الخلاف: كل حيوان مقدور على ذكاته إذا لم يقدر عليه بأن يصير مثل الصيد أو يتردى في بئر فلا يقدر على موضع ذكاته كان عقره ذكاته في أي موضع وقع منه (1)، وبه قال من الصحابة علي عليه السلام وابن مسعود وابن عمر وابن عباس و من التابعين عطا وطاووس والحسن، ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وذهبت طائفة إلى أن ذكاته في الحلق واللبة مثل المقدور عليه فان عقره فقتله فان كان في غيرهما لم يحل أكله (2).


(1) في المصدر: وقع فيه. (2) في المصدر: فان عقره فقتله في غيرهما لم يحل اكله.

[267]

ذهب إليه سعيد بن المسيب وربيعة ومالك والليث ابن سعد، ودليلنا إجماع الفرقه وأخبارهم (1). ثم روى أخبارا من طريق العامة دالة على جواز القتل بالسهم والطعن في الفخذو نحوهما. وقال صاحب الجامع: إن استعصى الثور أو اغتلم البعير أو تردى في بئر اخذ بالسيف والسهم كالصيد ونحوه ذكر الاكثر. التاسع: ذهب الشيخ قدس سره في المبسوط واخلاف إلى أن معض الكلب من الصيد طاهر لقوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم " ولم يأمر بالغسل (2)، وهو مذهب بعض العامة، والمشهور بين الاصحاب نجاسته لان الكلب نجس وقد لاقى الصيد برطوبة وأجابوا عن الاستدلال بالآية بأن الاذن في الاكل من حيث أنه صيد لا ينافي المنع من أكله لمانع آخر كالنجاسة، كما أن قوله تعالى: " فكلوا مما غنمتم، وكلوا واشربوا " وأمثالها لا ينافي المنع من الاكل من المأذون لعارض النجاسة. وغيرها. وأقول: إن استدل بالفاء بانها للتعقيب بلا تراخ فالجواب أن الفاء هنا ليس للتعقيب بل للتفريع، ولو سلم فلا ينافي التعقيب العرفي الفاصلة بالغسل كما أنه لا ينافي الفصل بالسلخ والقطع والطبخ. العاشر: إذا أرسل كلبه المعلم أو سلاحه من سهم وسيف وغيرهما فأصابه فعليه أن يسارع إليه بالمعتاد فان لم يدركه حيا حل وإن أدركه حيا فان لم يبق فيه حياة مستقرة بأن كان قد قطع حلقومه ومريه أو أجافه (3) وخرق أمعاءه فتركه حتى مات حل، وإن بقيت فيه حياة مستقرة وجبت المبادرة إلى ذبحه بالمعتاد، فان أدرك ذكاته حل، وإن تعذر من غير تقصير الصائد حتى مات فهو كما لو لم يدركه حيا على المشهور وذهب الشيخ في الخلاف وابن إدريس والعلامة إلى تحريمه، والاول أقوى، وإن


(1) الخلاف 2: 204 (ط 1). (2) الخلاف 2: 202 المبسوط: كتاب الصيد، وفيه: أن النجاسة احوط. (3) اجافه الطعنة أو بالطعنة: بلغ بها جوفه.

[268]

لم يتعذر وتركه حتى مات فهو حرام كذا ذكره الاكثر. وقال في المسالك التفصيل باستقرار الحياة وعدمه هو المشهور بين الاصحاب والاخبار خالية من قيد الاستقرار بل منها ما هو المطلق في أنه إذا أدرك ذكاته ذكاه، ومنها ما هو دال على الاكتفاء بكونه حيا، وكلاهما لا يدل على الاستقرار. ومنها: ما هو مصرح بالاكتفاء في إدراك تذكيته بأن يجده يركض برجله أو يطرف عينه أو يتحرك ذنبه، قال الشيخ يحيى بن سعيد: اعتبار استقرار الحياة ليس من المذهب، وعلى هذا ينبغى أن يكون العمل، ثم على تقدير إدراكه حيا وإمكان تذكيته لا يحل حتى يذكى ولا يعذر بعدم وجود الآلة لكن هنا قال الشيخ في النهاية: إنه يترك الكلب حتى يقتله ثم ليأكل إن شاء واختار جماعة منهم الصدوق وابن الجنيد والعلامة في المختلف استنادا إلى عموم قوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم " وخصوص صحيحة جميل (1) عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن الرجل يرسل الكلب على الصيد فيأخذه ولا يكون معه سكين فيذكيه بها أفيدعه حتى يقتله ويأكل منه ؟ قال: لا بأس، قال الله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم ". وأجيب عن الآية بأنها لا تدل على العموم وإلا لجاز مع وجود آلة الذبح، وعن الرواية بأنها لا تدل على المطلوب لان الضمير المستكن في قوله: " فيأخذه " راجع إلى الكلب لا إلى الصائد، والبارز راجع إلى الصيد، والتقدير فيأخذ الكلب الصيد وهذا لا يدل على إبطال امتناعه، بل جاز أن يبقى امتناعه والكلب ممسك له فإذا قتله حينئذ فقد قتل ما هو ممتنع فيحل بالقتل، وفيه نظر: لان تخصيص الآية بعدم الجواز مع وجود آلة الذبح بالاجماع، والادلة لا تدل على تخصيصها في محل النزاع، لان الاستدلال حينئذ بعمومها من جهة كون العام المخصوص حجة في الباقي فلا يبطل تخصيصها بالمتفق عليه دلالتها على غيره، والرواية ظاهرة في صيرورة الصيد غير ممتنع من جهات إحداها قوله: " ولا يكون معه سكين " فان مقتضاه أن المانع له من تذكيته عدم


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 204 باسناده عن العدة عن سهل بن زياد وعلى بن ابراهيم عن ابيه، ومحمد بن يحيى عن احمد بن محمد جميعا عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن جميل بن دراج ورواه الشيخ في التهذيب 9: 23 باسناده عن محمد بن يعقوب.

[269]

السكين لا عدم القدرة عليه لكونه ممتنعا، ولو كان حينئذ ممتنعا لما كان لقوله: " ولا يكون معه سكين " فائدة أصلا. والثانية: قوله: " فيذكيه بها " ظاهر أيضا في أنه لو كان معه سكين لذكاه بها، فيدل على إبطال امتناعه. والثالثة: قوله: " أفيدعه حتى يقتله " ظاهر أيضا في أنه قادر على أن لا يدعه يقتله وإنه إنما يترك تذكيته ويدع الكلب يقتله لعدم السكين. 1 - قرب الاسناد: عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: ما أخذ البازي والصقر فقتله فلا تأكل منه إلا ما أدركت ذكاته أنت، وقال عليه السلام: إذا رميت صيدا فتغيب عنك فوجدت سهمك فيه في موضع مقتل فكل ولا تأكل ما قتله الحجر والبندق والمعراض إلا ما ذكيت (1). بيان: قال في القاموس: الباز والبازي: ضرب من الصقور، والجمع بواز وبزاة كأنه من بزى يبزو: إذا تطاول وتأنس، والرجل: قهره وبطش به كأبزى به. وقال الدميري: البازي: أفصح لغاته بازي مخففة الياء، والثانية باز، والثالثة بازي بتشديد الياء وهو مذكر، ويقال في التثنية: بازان (2) وفي الجمع بزاة كقاض وقضاة (3)، ويقال للبزاة والشواهين وغيرها مما يصيد: صقور، ولفظه مشتق من البزوان وهو الوثب. وقال في عجائب المخلوقات: يقال: إنه لا يكون إلا انثى، وذكرها من أنواع اخر من الحدأة والشواهين (4)، ولهذا اختلف أشكالها (5). وقال: الصقر: الطائر الذي يصاد به، وقال ابن سيدة: الصقر كل شئ يصيد من البزاة والشواهين، والجمع أصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارة.


(1) قرب الاسناد: 51. (2) في المصدر: بازيان. (3) في المصدر: كقاضيان وقضاة. (4) في المصدر: من نوع آخر كالحداء والشواهين. (5) حياة الحيوان 1: 77.

[270]

قال سيبويه: جاؤا بالهاء في هذا الجمع توكيدا (1) نحو فعولة، والانثى صقرة والصقر هو الاجدل، ويقال له: القطامى وهو أحد أنواع الجوارح الاربعة، وهي الصقر والشاهين والعقاب والبازي، والعرب يسمى كل طائر يصيد صقرا. ما خلا النسر والعقاب، وتسميه الاكدر والاجدل، وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب لانه أصبر على الشدة وأحمل لغليظ الغذاء (2) وأحسن إلفا وأشد إقداما على جملة الطير من الكركي وغيره، ولبرد مزاجه لا يشرب ماء ولو أقام دهرا انتهى (3). واعلم أن الآلات التي يصاد بها ويحصل بها الحل قسمان: حيوان وجماد، وقد تقدم بعض الكلام في القسم الاول، والكلام هنا في الثاني، وهو إما مشتمل على نصل كالسيف والرمح والسهم، أو خال عن النصل ولكنه محدد بشئ يصلح للخرق، أو مثقل يقتل بثقله كالحجر والبندق والخشبة غير المحددة، والاول يحل مقتوله سواء مات بجرحه أم لا كما لو أصاب معترضا، ولا خلاف فيه بين أصحابنا صريحا، وتدل عليه الاخبار الكثيرة. وقال سلار في المراسم العلية: اعلم أن الصيد على ضربين: أحدهما تؤخذ بمعلم الكلاب أو الفهد أو الصقر أو البازى أو النبل أو النشاب أو الرمح أو السيف أو المعراض أو الحبالة والشبكة. والآخر ما يصاد بالبندق والحجارة والخشب، فالاول كله إذا لحق ذكاته حل إلا ما يقتله معلم الكلاب، فانه حل أيضا، وإن أكل منه الكلب نادرا حل وإن اعتاد الاكل لم يحل منه إلا ما يذكي. والثاني: لا يؤكل منه إلا ما يلحق ذكاته، وهو بخلاف الاول لانه يكره،


(1) في المصدر: في مثل هذا الجمع تأكيدا. (2) في المصدر: لغليظ الغذى والاذى. (3) حياة الحيوان 2: 44.

[271]

وقد روي تحريم ما يصاد بقسي البندق، وروي جواز أكل ما قتل بسهم أو سيف أو رمح إذا سمى القاتل انتهى (1). وظاهره التوقف في حل ما قتله السهم والسيف والرمح وهو ضعيف. والثاني: يحل مقتوله بشرط أن يخرقه بأن يدخل فيه ولو يسيرا ويموت بذلك فلو لم يخرق لم يحل. والثالث: لا يحل مقتوله مطلقا سواء خدش أو لم يخدش، وسواء قطعت البندقة رأسها أم عضوا آخر منه، كما يدل عليه هذا الخبر. ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعدي بن حاتم: ولا تأكل من البندق إلا ما ذكيت. وفي حديث آخر عنه: إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقئ العين. والمعراض كمفتاح: سهم لا ريش فيه ذكره في المصباح، وفي القاموس: المعراض كمحراب: سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه انتهى. وأقول: هنا محمول على ما إذا أصاب بالعرض ولم يكن له نصل لما رواه أبو عبيدة (2) في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا رميت بالمعراض فخرق (3) فكل


(1) المراسم العلية: 28. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 212 عن العدة عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى عن احمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبى عبيدة. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 35 عن الحسن بن محبوب. (3) هكذا في المصدر بالراء المهملة، وذكر الجزرى نحو الحديث في النهاية 1: 327 وفيه: بالزاء المعجمة قال: في حديث عدى: قلت: يا رسول الله انا نرمى بالمعراض فقال: كل ما خزق وما اصاب بعرضه فلا تأكل. خزق السهم وخسق: إذا اصاب الرمية ونفذ فيها، وسهم خازق وخاسق، وفى حديث سلمة بن الاكوع: فإذا كنت في الشجراء خزقتهم بالنبل أي اصبتهم بها، وفى حديث الحسن: لا تأكل من صيد المعراض الا ان يخزق وقد تكرر في الحديث.

[272]

وإن لم يخرق واعترض فلا تأكل. ورووا (1) عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن صيد المعراض فقال: إن قتل بحده فكل، وإن قتل بثقله فلا تأكل. وروى الحلبي في الصحيح (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله وقد سمى حين رماه ولم تصبه الحديدة فقال: إن كان السهم الذي أصابه هو الذي قتله فان اراد فليأكله. وأقول: في الاصطياد بالآلة المستحدثة التي حدثت في هذه الاعصار يقال له: التفنگ إشكال، ولا يبعد القول بالحل فيه، لا سيما إذا جعل فيها مكان الرصاص القطعات المحددة الصغيرة من الحديد، لعموم أدلة الحل، ودخوله تحت عموم قول أبي جعفر عليه السلام: " من قتل صيدا بسلاح " (3) وأخبار البندقه (4) مصروفة إلى المعروف في ذلك الزمان ويؤيده ما مر أنها لا تصيد صيدا الخ، والاحوط الاجتناب، ثم إن الاصحاب عدوا من الشروط المعتبرة في حل الصيد بالكلب والسهم أن يحصل موته بسبب الجرح، فلو مات بصدمة أو افتراس سبع أو أعان ذلك الجرح غيره لم يحل، ويتفرع على ذلك ما لو غاب الصيد وحياته مستقرة ثم وجده ميتا فانه لا يحل لا حتمال أن يكون مات بسبب آخر، ولا أثر لكون الكلب مضمخا بدمه فربما جرحه الكلب و أصابته آفة اخرى، ولو انتهت به الجراحة إلى حالة حركة المذبوح حل وإن غاب


(1) في النسخة المخطوطة: وروى. (2) رواه الشيخ في التهذيب 2: 347 (ط 1) و 9: 33 (ط 2) عن الحسين ابن سعيد عن صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عن الحلبي وفى الطبعة الثانية: فان رآه فليأكله. ورواه الكليني في الفروع 6: 212 عن ابى على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن صفوان بن يحيى وفيه: " فإذا رآه فليأكل " ورواه الصدوق ايضا في الفقيه 3: 203 وفيه: فإذا رآه فليأكله. (3) راجع الوسائل 16: 288 فيه: من جرح صيدا بسلاح. (4) رواها صاحب الوسائل في المجلد 16: 235 راجعها.

[273]

وكذا لو فرض علمه بأنه مات من جراحته إلا أن الفرض لما كان بعيدا أطلقوا التحريم والمعتبر من العلم هنا الظن الغالب كما لو وجد الضربة في مقتل وليس هناك سبب آخر صالح للموت كما يدل عليه هذا الخبر ورووا عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنا أهل صيد وإن أحدنا يرمى الصيد فيغيب عنه الليلتين والثلاث فيجده ميتا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وجدت فيه أثر سهمك ولم يكن فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل. 2 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن ظبي أو حمار وحش أو طير صرعه رجل ثم رماه بعد ما صرعه قال: كله ما لم يتغيب إذا سمى ورماه (1). بيان: إذا سمى أي الثاني، ويحتمل الاعم، والتخصيص بالاول بعيد، و يدل الخبر على أحكام: الاول: حل حمار الوحش. الثاني: اشتراط عدم الغيبة في حل المرمي: وكأنه محمول على عدم العلم بأنه مات برميته كما مر. الثالث: أنه إذا صرعه ورماه غيره لم يحرم ويشكل بأن الاول إن صيره بالصرع في حكم المذبوح فاشتراط التسمية في الثاني لا فائدة فيه، ولا يصير بترك التسمية حراما حينئذ كما هو المشهور إلا أن نخص التسمية بالاول، وإن لم يصر كذلك وصار مثبتا فهو حيوان غير ممتنع لابد من ذبحه، فرميه يصير سببا لحرمته، وضمان الرامي للاول إلا أن يحمل على أنه بعد الصرع لم يصر مثبتا بل هو بعد ممتنع فيجوز رميه لكنه بعيد. قال في التحرير: إذا رماه الاول فأثبته ثم رماه الثاني فان كان الاول موجبا بأن أصاب مذبحه أو وقع في قلبه فالثاني لا ضمان عليه إلا أن ينقصه برميه شيئا فيضمن بعضه و يحل، وإن كان الاول غير موجى فالثاني إن وجاه حرم إلا أن يكون قد ذبحه وإن لم يوجه فان ذكى بعد ذلك حل، وإن لم يدرك ذكاته فان كان الاول لم يقدر عليها فعلى الثاني كمال قيمته معيبا بالعيب الاول لان جرحه هو الذي حرمه فكان الضمان


(1) قرب الاسناد: 117.

[274]

عليه، وإن قدر على ذكاته وأهمل حتى مات بالجرحين فعلى الثاني نصف قيمته معيبا للاول انتهى. 3 - العياشي: عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن كلب المجوس يكلبه المسلم ويسمى ويرسله، قال: نعم إنه مكلب إذا ذكر اسم الله عليه فلا بأس (1). بيان: في القاموس: المكلب: معلم الكلاب الصيد. 4 - العياشي: عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام عن علي عليه السلام قال: الفهد من الجوارح والكلاب الكردية إذا علمت فهي بمنزلة السلوقية. (2) بيان: في القاموس: السلوق كصبور: قرية باليمن تنسب إليه الدروع والكلاب أو بلد بطرف أرمنية، أو إنما نسبتا إلى سلقية محركة: بلد للروم فغير للنسب انتهى. والخبر بظاهره يدل على حل صيد الفهد، وحمل على التقية كما عرفت، و كون الراوي عاميا يؤيده، ورواه في الكافي بإسناده إلى السكوني عنه عليه السلام قال: الكلاب الكردية (3) الخ، وليس فيه ذكر الفهد، ويحتمل كون الفقرة الاولى جملة برأسها ويكون الغرض أنه من الجوارح، لكن ليس بمكلب وإن كان بعيدا، وقال في المسالك: لا فرق في الكلب بين السلوقي وغيره إجماعا. 5 - كتاب المسائل لعلي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصيد حمام الحرم في الحل فيذبحه فيدخل الحرم فيأكله ؟ فقال: لا يصلح أكل حمام الحرم على حال (4). بيان: سيأتي حكمه في كتاب الحج انشاء الله.


(1) تفسير العياشي 1: 293. (2) تفسير العياشي 1: 294. (3) رواه الكليني في الفروع 6: 205 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني. (4) بحار الانوار 10: 251 فيه: فيدخله الحرم.

[275]

6 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: الطير وكره أمن بأمان الله، فإذا طار فصيدوه (1) إن شئتم. 7 - وقال جعفر بن محمد عليه السلام، ولا يصاد من الصيد إلا ما أضاع التسبيح. 8 - وعن علي عليه السلام أنه قال: الطير إذا ملك ثم طار ثم اخذ فهو حلال لمن أخذه، قال جعفر بن محمد عليه السلام يعني البزاة ونحوها لان أصلها مباح، ونهى عن صيد الحمام في الامصار ورخص في صيدها في القرى. 9 - وعن علي عليه السلام أنه قال: الصيد لمن سبق إلى أخذه (2). بيان: إذا أطلق الصيد من يده فان لم ينو قطع ملكه عنه فلا خلاف في بقاء ملكه عليه وإن قطع نيته عن ملكه ففي خروجه عنه قولان: أحدهما، وهو الاشهر عدمه والثاني أنه يخرج بذلك عن ملكه، ذهب إليه الشيخ في المبسوط واحتجوا عليه بأن الاصل في الصيد انفكاك الملك عنه، وإنما حصل ملكه باليد وقد زالت، ولا يخفى وهنه ويتفرع على زوال ملكه عنه ملك من يصيده ثانيا له، فليس للاول انتزاعه منه، وعلى القول بعدمه هل تكون نية رفع ملكه عنه أو تصريحه باباحته موجبا لاباحة أحد غيره له ؟ وجهان: أحدهما العدم لبقاء الملك المانع من تصرف الغير فيه وأصحهما إباحته لغيره، بمعنى أنه لا ضمان على من أكله، ولكن يجوز للمالك الرجوع فيه ما دامت عينه موجودة كنثار العرس والخبر على تقدير صحته يؤيد مختار المبسوط وكأن النهي عن صيد الحمام في الامصار لكون الغالب فيها الملك، ويمكن أن يحمل على ما إذا كان عليها أثر الملك أو على الكراهة، وفي بعض النسخ مكان القرى: العراء وهو الفضاء لا يستتر فيه بشئ وبالقصر: الناحية والجناب فالمراد به الصحارى. 10 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن قول الله عزوجل: " وما علمتم من الجوارح مكلبين " قال: هي الكلاب


(1) في النسخة المخطوطة: فتصيدوه ان شئتم. (2) الدعائم: ليس نسخته موجودة عندي.

[276]

والجارح الكاسب، ومنه قول الله عزوجل: " ويعلم ما جرحتم بالنهار (1) " أي كسبتم. 11 - وعنه عليه السلام أنه قال: ما أمسكت الكلاب المعلمة اكل وإن قتلته وما قتلت الكلاب غير المعلمة فلا يؤكل يعنى إذا سمى الله عند إرساله، ولا بأس بأكله إذا نسي التسمية (2). 12 - وعن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام أنهما رخصا في أكل ما أمسكه الكلب المعلم وإن قتله وأكل منه، ولم يرخصا فيما أكل منه الطير. 13 - وعن أبي جعفر عليه السلام قال: الصقور والبزاة من الجوارح. 14 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: الفهد المعلم كالكلب يؤكل ما أمسك. 15 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن صيد الكلب الاسود وأمر بقتله. وهذا خصوص إذا كان بهيما كله. 16 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: الكلاب كلها بمنزلة واحد إذا علم الكردي فهو كالسلوقي. 17 - وعنه عليه السلام أنه قال: من أرسل كلبا ولم يسم فلا يأكل يعني ما قتل من الصيد إذا ترك التسمية عمدا، فان نسي ذلك أو جهله فليأكل (3). 18 - وعنه عليه السلام أنه قال في الصيد يأخذه الكلب فيدركه الرجل حيا ثم يموت يعني في المكان من فعل الكلب، قال: كل، يقول الله عزوجل: " فكلوا مما أمسكن عليكم " فأما إن أخذه الصائد حيا فتوانى في ذبحه أو ذهب به إلى منزله فمات أو لم يكن الكلب الذي قتله معلم لم يجز أكله. 19 - وعن علي عليه السلام أنه قال في كلب المجوسي، لا يؤكل صيده إلا أن يأخذه


(1) الانعام: 60. (2) الظاهر ان التفسير من صاحب الدعائم. (3) التفسير من صاحب الدعائم ظاهرا.

[277]

مسلم فيقلده ويعلمه ويرسله، قال: وإن أرسله المسلم جاز أكل ما أمسك، وإن لم يكن علمه. 20 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إذا ضرب الرجل الصيد بالسيف أو طعنه بالرمح أورماه بالسهم فقتله وقد سمى الله حين فعل ذلك لا بأس بأكله وقال في الرجل يرمي الصيد فيقصر عنه فيبتدر القوم فيقطعونه بينهم يعنى بضربهم إياه بسيوفهم من قبل أخذه، قال: حلال أكله. 21 - وسئل عليه السلام عن ثور وحشي ابتدره قوم بأسيافهم وقد سموا فقطعوه بينهم، فقال: ذكاة وحية ولحم حلال. 22 - وعنه عليه السلام أنه قال في الرجل يرمي الصيد فيتحامل والسهم فيه أو الرمح أو يتحامل بشدة الضربة فيغيب عنه ثم يجده من الغد ميتا وفيه سهمه، أو يكون ضربه أو أصابه بسهم في مقتل علم أنه مات من فعله لا من فعل غيره فحلال أكله، فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ما أصميت فكل، وما أنميت فلا تأكل فالاصماء أن يصيب الرمية فيموت مكانها، والانماء أن يصيبها يتوارى عنه ثم يموت وهذا قول مجمل قد يكون نهي تأديب أو يكون في شك مما أنما هل قتله بضربته أم لا والذي ذكرناه عن جعفر بن محمد عليه السلام هو مفسر، وما لا شبهة فيه أنه إذا علم أنه قتله. فحلال أكله. 23 - وعن علي وعن أبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا في الصيد يضربه الصائد فيتحامل فيقع في ماء أو نار أو يتردى من موضع عال فيموت قال: لا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته. 24 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما قتل بالحجر والبندق وأشباه ذلك لم يؤكل إلا أن يدرك ذكاته. 25 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه كره ما قتل من الصيد بالمعراض إلا أن لا يكون له سهم غيره. والمعراض: سهم لا ريش فيه يرمى فيمضى بالعرض.

[278]

26 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن صيد المجوس وعن ذبائحهم يعني بصيدهم هذا ما قتلوه من قبل أن تدرك ذكاته أو قتلته كلابهم التي أرسلوها. 27 - وعن علي عليه السلام أنه قال: ما أخذت الحبالة فمات فيها فهي ميتة، وما أدرك حيا ذكي فأكل (1). بيان: قوله: والجارح، كأنه من كلام المؤلف، وكذا قوله: يعني في المواضع وقوله: وهذا خصوص. والبهمة: غاية السواد، والبهيم: الخالص الذي لا يخالط لونه لون، والقيد مأخوذ عما رواه الكليني والشيخ (2) باسنادهما عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الكلب الاسود البهيم لا تأكل صيده لان رسول الله عليه السلام أمر بقتله. قوله: قال: وإن أرسله، الظاهر أنه مضمون حديث آخر كما مر، ذكاة وحية قال في المصباح: الوحى: السرعة، يمد ويقصر، وموت وحي مثل سريع وزنا ومعنى فعيل بمعنى فاعل، وذكاة وحية أي سريعة، ونحوه قال في المغرب: وقال: القتل بالسيف أو حى أي أسرع، وفي أكثر نسخ التهذيب: " وجيئة " بالجيم مهموز من وجأته بالسكين: ضربته بها، وكأنه تصحيف. وقال في النهاية: " فيه كل ما أصميت ودع ما أنميت " الاصماء: أن تقتل الصيد مكانه ومعناه سرعة إزهاق الروح من قولهم للمسرع: صميان، والانماء أن تصيب إصابة غير قاتلة في الحال يقال: أنميت الرمية، ونمت بنفسها، ومعناه إذا صدت بكلب


(1) الدعائم: ليست نسخته عندي والروايات كلها مذكورة في مستدرك الوسائل راجعه. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 206 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني وفيه: " لا يؤكل " ورواه الشيخ في التهذيب 9: 80 باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن بنان عن أبيه عن ابن المغيرة عن السكوني وفيه: الكلب الاسود لا يؤكل صيده فان.

[279]

أو سهم أو غيرهما فمات وأنت تراه غير غائب عنك فكل منه، وما أصبته ثم غاب عنك فمات بعد ذلك فدعه لانك لا تدري أمات بصيدك أم بعرض آخر " (1)، انتهى. قوله عليه السلام إلا أن لا يكون الخ، ظاهره أن صيد المعراض إنما يحل مع الاضطرار وفقدان آلة غيره، وقد روى الكليني والشيخ (2) في الحسن كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عما صرع المعراض من الصيد فقال: إن لم يكن له نبل غير المعراض وذكر اسم الله عليه فليأكل مما قتل، وإن كانت له نبل غيره فلا. وفي رواية اخرى رويا (3) عن أبي جعفر عليه السلام: لا بأس إذا كان هو مرماتك أو صنعته لذلك. ولم يقل: بهذه التفاصيل ظاهرا أحد لانه إن كان له نصل قالوا: يحل مقتوله مطلقا، وإن لم يكن له نصل لا يحل مطلقا عندهم كما عرفت، ويمكن حملها على الاستحباب وعلى كونه ذا حديد أو يكون بعضهاكناية عن كونه ذا حديد، والاحوط عدم الاكتفاء بالمعراض إذا لم يخرق من غير ضرورة. وروى الشيخ في الصحيح (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا رميت بالمعراض فخرق فكل وإن لم يخرق واعترض فلا تأكل.


(1) النهاية 2: 300 فيه ام بعارض آخر. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 212 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن حماد عن الحلبي. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 35 باسناده عن محمد بن يعقوب. ورواه الصدوق في الفقيه 3: 203 باسناده عن حماد عن الحلبي. (3) أي الكليني والشيخ وهى رواية رواه الكليني في الفروع 6: 212 عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد عن على بن الحكم عن ابان عن زرارة واسماعيل الجعفي انهما سألا أبا جعفر (ع) عما قتل المعراض قال: لا بأس اه‍. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 35 باسناده عن محمد بن يعقوب.صنعته ظ. (4) في حديث أبى عبيدة وقد تقدم.

[280]

أقول: في رواياتنا والمضبوط في كتب أصحابنا بالخاء المعجمة والراء المهملة (1)، وفي روايات العامة بالزاي قال في النهاية: في حديث عدي قلت: يا رسول الله إنا نرمي بالمعراض فقال: كل ما خزق وما أصاب بعرضه فلا تأكل، خزق السهم وخسق: إذا أصاب الرمية ونفذ فيها، وسهم خازق وخاسق انتهى (2). ولا خلاف في أن ما قتلته الحبالة والشبكة أو قطعته من الصيد حرام. 28 - الخلاف للشيخ: روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما علمت من كلب ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك، قلت: فان قتل ؟ قال إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فانما أمسك عليك، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أرسلت كلبي فقال: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإلا فلا تأكل، قلت: فإني أرسلت كلبي وأجد عليه كلبا فقال: لا تأكل إنك إنما سميت على كلبك (3)، قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد وإن أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه الليلتين والثلاث فيجده ميتا وفيه سهمه، فقال: إذا وجدت فيه أثر سهمك ولم يكن فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل (4)، وقال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصيد فقال: إذا رميت الصيد وذكرت اسم الله فقتل فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل فانك لا تدرى الماء قتله أم سهمك (5). أقول: إنما أوردت هذا الخبر مع كونه عاميا لان راويه وهو عدي كان من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وكان معه في غزواته، وقال الفضل بن شاذان: إنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ولاشتماله على أحكام كثيرة مفهوما ومنطوقا، وأكثرها مما عمل به الاصحاب ومؤيدة بأخبار كثيرة من طرقنا، وبيناها


(1) أي خرق. (2) النهاية 1: 327. (3) الخلاف 2: 202. (4) الخلاف 2: 203. (5) الخلاف 2: 304.

[281]

فيما مضى وسيأتي. 29 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اتبع الصيد غفل. الضوء: معناه والله أعلم أن الذي يتبع الصيد وينقطع إليه بنفسه وراءه يصده عن العبادات الواجبة عليه، ولا شك أن للصيد ضراوة وحرصا وشهوة تصده عن جميع المهمات، وتصدف عن العبادات، ويجوز أن يكون الصيد كناية عن طلب الدنيا فيقول عليه السلام: من اتبع الصيد أي الدنيا غفل أي من حبس نفسه على الحطام وجعله من أهم الامور فكأنه يصيد صيدا (1). 30 - صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عليه السلام باسناده إلى جعفر عليه السلام قال: مر جعفر بصياد فقال: يا صياد أي شئ أكثر ما يقع في شبكتك ؟ قال الطير الزاق، قال فمر وهو يقول: هلك صاحب العيال (2). بيان: الزاق: الذي له فرخ يزقه، وزق الطائر: إطعامه فرخه. 31 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: سئل جعفر عن صيد الكلاب والبزاة والرمي فقال عليه السلام: أماما صاده الكلب المعلم وقد ذكر اسم الله عليه فكله وإن كان قد قتله وأكل منه، وقال في الذي يرمى بالسيف والحجر و النشاب والمعراض لا يؤكل إلا ما ذكي منه، وكذا ما صاد البازي والصقورة وغيرهما من الطير لا تأكل إلا ما ذكى منه (3). بيان: قوله: " والرمي " كذا في أكثر النسخ وكأنه تصحيف، وعلى تقديره أعرض عليه السلام عن جوابه، ويمكن أن يقرأ الرمي كغني وهو سحابة عظيمة القطر، فالمراد به ما سقط بالصاعقة والرمي كما لو صوت الحجر يرمى به الصبي، وهو أيضا مناسب، أو هو بالفتح والمراد بالبنادق والجلاهق، وفي القاموس: النشاب بالضم: النبل الواحدة بهاء، وبالفتح: متخذه وأقول: قد تقدم الكلام فيه.


(1) شرح الشهاب: ليس عندي. (2) صحيفة الرضا: لم نجده فيه. (3) قرب الاسناد: 39 و 40.

[282]

32 - قرب الاسناد: عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنه قال: إذا أخذ الكلب المعلم الصيد فكله، أكل منه أو لم يأكل، قتل أو لم يقتل (1). 33 - الخصال: عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ثلاث يقسين القلب: استماع اللهو وطلب الصيد وإتيان باب السلطان الخبر (2). 34 - ومنه: عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد الاشعري قال: روى عن الحسن (3) بن على بن أبي عثمان عن موسى المروزي عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أربع يفسدن القلب وينبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر استماع اللهو والبذاء، وإتيان باب السلطان، وطلب الصيد (4). بيان: البذاء الفحش والكلام القبيح. 35 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه عن عبد الواحد بن محمد عن ابن عقدة عن أحمد بن يحيى عن عبد الرحمن عن أبيه عن الحسن بن الحكم عن عدي بن ثابت عن رجل من الانصار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من بداجفا ومن تبع الصيد غفل (5) ومن لزم السلطان افتتن، وما يزداد من السلطان قربا إلا زاد من الله تعالى بعدا (6). توضيح: في النهاية " من بداجفا " أي من نزال البادية صار فيه جفاء الاعراب (7)


(1) قرب الاسناد: 51. (2) الخصال... (3) في المصدر: روى الحسن. (4) الخصال 1: 227. (5) في المصدر: ومن اتبع الصيد غفل. (6) الامالى 1: 270 طبعة النجف. (7) النهاية 1: 81. (*)

[283]

وقال: من اتبع الصيد غفل، أي يشتغل به قلبه ويستولي عليه حتى يصير فيه غفلة (1). وفي الفائق: بدوت أبدو: إذا أتيت البدو، جفا، أي صار فيه جفاء الاعراب لتوحشه وانفراده عن الناس، غفل أي شغل الصيد قلبه وألهاه حتى صارت فيه غفلة، وليس الغرض ما تزعمه جهلة الناس أن الوحش، نعم الجن فمن تعرض لها خبلته وغفلته انتهى. وقال الطيبي: من اعتاده للهو والطرب غفل لانهما يصدران من القلب الميت ومن اصطاد للقوت جاز انتهى. وأقول: يحتمل أن يكون المعنى أنه لولوعه بالصيد يغفل عن المهالك في المسالك فيخاطر بنفسه. 36 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الاشعري عن البرقي عن رجل عن ابن أسباط عن عمه رفع الحديث إلى علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تتبعوا الصيد فانكم على غرة. الخبر (2). بيان: على غرة بالكسر أي على غفلة في تلك الحالة عما يعرض لكم من المهالك كما ذكرنا في الخبر السابق، وكأن المراد اتباع الصيد إلى حيث يذهب من المسافات البعيدة، أو هي من الغرر بمعنى الهلاك، أي أنتم بمعرض هلاك، وفي بعض النسخ: " على غيره " وكأنه تصحيف. 37 - معاني الاخبار: روي أن العادي اللص، والباغي الذي يبغي الصيد لا يجوز لهما التقصير في السفر ولا أكل الميتة في حال الاضطرار (3). 38 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل لحق حمارا أو ظبيا فضربه بالسيف فقطعه نصفين هل يحل


(1) النهاية 3: 176. (2) علل الشرايع 2: 280 طبعة قم. (3) معاني الاخبار: 214 طبعة الغفاري.

[284]

أكله ؟ قال: نعم إذا سمى، وسألت عن رجل لحق حمارا أو ظبيا فضربه بالسيف فصرعه أيؤكل ؟ قال: إذا أدرك ذكاته أكل، وإن مات قبل أن يغيب عنه أكله (1). تبيان: قال في المسالك: إذا رمى الصيد بآلة كالسيف فقطع منه قطعة كعضو منه فان بقي الباقي مقدورا عليه وحياته مستقرة فلا إشكال في تحريم ما قطع منه لانه قطعة ابينت من حى قبل تذكيته، وإن لم يبق حياة الباقي مستقرة فمقتضى قواعد الصيد حل الجميع لانه مقتول به، فكان بجملته حلالا، ولو قطعه نصفين أي قطعتين وإن كانا مختلفتين في المقدار فان لم يتحركا فهما حلالان، وكذا لو تحركا حركة المذبوح سواء خرج منها دم معتدل أم من أحدهما أم لا، وكذا لو تحرك أحدهما حركة المذبوح دون الآخر وسواء في ذلك النصف الذي فيه الرأس وغيره، وإن تحرك أحدهما حركة مستقر الحياة، وذلك لا يكون إلا في النصف الذي فيه الرأس، فان كان قد أثبته بالجراحة الاولى فقد صار مقدورا عليه فتعين الذبح، ولا تجزي سائر الجراحات وتحل تلك القطعة دون المبانة، وإن لم يثبته بها ولا أدركه وذبحه بل جرحه جرحا آخر مدنفا حل الصيد دون تلك القطعة، وإن مات بهما ففي حلها وجهان: أجودهما العدم، وإن مات بالجراحة الاولى بعد مضي زمان ولم يتمكن من الذبح حل باقي البدن، وفي القطعة السابقة الوجهان، وأولى بالحل هنا لو قيل به ثمة، والاصح التحريم، هذا هو الذي تقتضيه قواعد أحكام الصيد مع قطع النظر عن الروايات الشاذة، وفي المسألة أقوال منتشرة مستندة إلى اعتبارات أو روايات شاذة مشتملة على ضعف وقطع وإرسال: منها أنه مع تحرك أحد النصفين دون الآخر فالحلال هو المتحرك خاصة، وإن حلهما معا مشروط بحركتهما أو عدم حركتهما معا مع خروج الدم، وهو قول الشيخ في النهاية. ومنها أن حلهما مشروط بتساويهما، ومع تفاوتهما يؤكل ما فيه الرأس إذا كان أكبر، ولم يشترط الحركة ولا خروج الدم، وهو قول الشيخ أيضا في كتابي الفروع.


(1) قرب الاسناد: 117 و 118.

[285]

ومنها اشتراط الحركة وخروج الدم في كل واحد من النصفين، ومتى انفرد أحدهما بالشرط أكل وترك ما لا يجمعها، فلو لم يتحرك واحد منهما حرم وهو قول القاضي. ومنها أنه مع تساويهما يشترط في حلهما خروج الدم منهما، وإن لم يخرج دم فان كان أحد الشقين أكثر ومعه الرأس حل ذلك الشق، فان تحرك أحدهما حل المتحرك وهو قول ابن حمزة، واختار المحقق وجماعة حلهما مطلقا إن لم يكن في المتحرك حياة مستقرة وهو الاقوى انتهى. وبالجملة المسألة في غاية الاشكال وصحيحة الحلبي تدل على الحل مطلقا، وكذا هذا الخبر، وسائر الاخبار مقتضى الجمع بينها أنه إذا قده بنصفين عرفا بأن لا يكون بينهما تفاوت كثير يحلان مطلقا إلا إذا تحرك أحدهما ولم يتحرك الآخر فيحل المتحرك حسب، ولو كان بينهما تفاوت كثير يحل الاكبر إذا كان من جانب الرأس دون الاصغر، ولو كان بالعكس يحلان، وبه يمكن الجمع بينها والله يعلم ويدل الحديث على جواز الاصطياد بالسيف وعلى حل حمار الوحش. قوله: إذا أدرك ذكاته، أي أدركه حيا وذكاه. 39 - تفسير علي بن إبراهيم: يسألونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله " وهو صيد الكلاب المعلمة خاصة أحلها الله إذا أدركته وقد قتله لقوله: " فكلوا مما أمسكن عليكم " وأخبرني أبي عن فضالة بن أيوب عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب قال: لا تأكلوا إلا ما ذكيتم إلا الكلاب قلت: فان قتلته قال: كل فان الله يقول: " وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم " ثم قال: كل شئ من السباع تمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب المعلمة فانها تمسك على صاحبها، وقال: إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر الله عليه فهو ذكاته (1).


(1) تفسير على بن ابراهيم: 151. طبعة التفرشى فيه: فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته.

[286]

40 - القصص: قال أبو عبد الله عليه السلام: كان ورشان يفرخ في شجرة وكان رحل يأتيه إذا أدرك الفرخان فيأخذ الفرخين، فشكى ذلك الورشان إلى الله تعالى فقال: إني سأكفيكه، قال: فأفرخ الورشان وجاء الرجل ومعه رغيفان فصعد الشجرة وعرض له سائل فأعطاه أحد الرغيفين ثم صعد فأخذ الفرخين ونزل بهما فسلمه الله لما تصدق به (1). بيان: كأن فيه إيماء إلى كراهة أخذ الفراخ من الاوكار كما ذكره الاصحاب ووردت به الروايات، قال في الدروس: يكره صيد الطير والوحش ليلا وأخذ الفراخ من أعشاشها. 41 - المحاسن: محمد بن عيسى اليقطيني عن أبي عاصم عن هاشم بن ماهويه المداري (2) عن الوليد بن أبان الرازي قال: كتب ابن زاذان فروخ إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام يسأله عن الرجل يركض في الصيد لا يريد بذلك طلب الصيد، وإنما يريد بذلك التصحيح قال: لا بأس بذلك إلا اللهو (3). بيان: الركض: تحريك الرجل والدفع واستحثاث الفرس للعدو والعدو، كذا في القاموس، والفعل كنصر. قوله: " لا يريد بذلك طلب الصيد " يحتمل وجهين: الاول أنه لا يصيد لكنه يركض خلف الصيد. والثاني أنه يصيد ليس غرضه اللهو بالصيد ولا الصيد في نفسه، وإنما غرضه طلب صحة البدن وما يوجبها كهضم الطعام و دفع فضول الرطوبات عن البدن، والاخير أظهر معني، والاول لفظا، ولا يبعد جواز هذا النوع من الصيد من فحاوي كلام الاصحاب فانهم حكموا بحرمة الصيد لهوا وبطرا، وبحل الصيد للقوت وللتجارة، ودلائلهم على تحريم الاول وجواز الاخيرين يقتضى جواز هذا وأمثاله، قال في التذكرة: اللاهي بسفره كالمتنزه بصيده بطرا ولهوا لا يقصر عند علمائنا لان اللهو حرام فالسفر له معصية، ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله وجب القصر لانه فعل مباح، ولو كان للتجارة فالوجه القصر في الصلوة والصوم


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) في المصدر: هشام بن ماهويه المدارى. (3) الحماسن: 628، فيه: لا للهو.

[287]

لانه مباح انتهى، وكون هذا المقصود مباحا ظاهر. 42 - فقه الرضا: قال عليه السلام اعلم يرحمك الله أن الطير إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه إلا أن يعرف صاحبه فيرد عليه، ولا يصلح أخذ الفراخ من أو كارها في جبل أو بئر أو أجمة حتى ينهض، وإذا أردت أن ترسل الكلب على الصيد فسم الله عليه، فان أدركته حيا فاذبحه أنت وإن أدركته وقد قتله كلبك (1) فكل منه وإن أكل بعضه لقوله: " فكلوا مما أمسكن عليكم " وإن لم يكن معك حديد تذبحه فدع الكلب على الصيد وسميت عليه حتى يقتل ثم تأكل منه. وإن أرسلت على الصيد كلبك فشاركه كلب آخر فلا تأكله إلا أن تدرك ذكاته، وإن رميت وسميت وأدركته وقد مات فكله إذا كان في السهم زج حديد، وإن وجدته من الغدو كان سهمك فيه فلا بأس بأكله إذا علمت أن سهمك قتله، وإن رميت وهو على جبل فأصابه سهمك ووقع في الماء ومات فكله إذا كان رأسه خارجا من الماء، وإن كان رأسه في الماء فلا تأكله، ولا تأكل ما اصطدت بباز أو صقر أو فهد أو عقاب أو غير ذلك إلا ما أدركت ذكاته إلا الكلب المعلم فلا بأس بأكل ما قتلته إذا كنت سميت عليه (2). تبيين: أكثر هذا الفصل أورده الصدوق في الفقيه (3). قوله: إذا ملك جناحه، أي استقل بالطيران فالتقييد لكراهة الصيد قبل الطيران وهو بعيد، أو المراد عدم كونه مقصوصا فانه علامة سبق الملك فلا يملكه الآخذ إلا بعد التعريف، وكذا إذا كان معقورا، وظاهره أن الاصل في الطير الاباحة بعد الطيران وإن علم أنه كان له مالك إلا أن يعرف المالك بعينه فيرده عليه، لكن لم أر قائلا به وقيل: المراد بملك الجناحين نهوضه من الوكر فالمراد أنه لا يجوز اصطياده بالرمي ونحوه فانه غير ممتنع، ولا يخفى بعده، قوله: " وسميت عليه " حال بتقدير " قد " أي وقد سميت عليه حين إرسال الكلب، فلا تحتاج إلى تسمية اخرى " فشاركه كلب


(1) في المصدر: الكلب. (2) فقه الرضا: 40. (3) من لا يحضره الفقيه 3: 205 راجعه ففيه اختلاف حش.

[288]

آخر " أي غير معلم أو غير مسمى عليه، وعلم أن إزهاق الروح بهما أو لم يعلم أنه بهما أو بأيهما وإذا علم أنه بالمعلم المسمى عليه لم يضر ويؤيده ما رواه الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام حيث قال: إن وجد معه كلبا غير معلم فلا يأكل منه. وعن أبي (2) بصير عنه عليه السلام قال: سألت عن قوم أرسلوا كلابهم وهي معلمة كلها وقد سموا عليها، فلما أن مضت الكلاب دخل فيها كلب غريب لا يعرفون لها صاحبا فاشتركت جميعها في الصيد، فقال: لا يؤكل منه لانك لا تدري أخذه معلم أم لا. قوله عليه السلام: إذا كان في السهم الخ، محمول على ما إذا لم يخرق بحده كما مر. قوله: " وإن رميت " في الفقيه: إن رميته وهو على جبل فسقط ومات فلا تأكله وإن رميته وأصابه سهمك ووقع في الماء فمات فكله إذا كان رأسه خارجا من الماء، وإن كان رأسه في الماء فلا تأكله. والمشهور بين الاصحاب أنه لا يحل إذا تردى من جبل أو وقع في ماء فمات، نعم لو صير حياته غير مستقرة حل. وفي صحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل يرمي صيدا و


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 203 باسناده عن العدة عن سهل وعلى بن ابراهيم عن ابيه ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن على بن رئاب عن أبى عبيدة الحذاء ورواه الشيخ في التهذيب 9: 26 عن الحسن بن محبوب. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 206 عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد عن بعض اصحابنا عن الحسن بن على بن ابى حمزة عن ابيه عن ابى بصير وفيه: ولم يعرفوا له صاحبا فاشتركن جميعا ورواه الشيخ في التهذيب 9: 26 باسناده عن محمد بن يعقوب. (3) رواه الكليني في الفروع 6: 215 عن على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عن حماد عن الحلبي. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 37 عن محمد بن يعقوب.

[289]

هو على جبل أو حائط فيخرق فيه السهم فيموت فقال: كل منه وإن وقع في الماء من رميتك فمات فلا تأكل منه. وروى نحوه بسند موثق عن سماعة (1)، وعن عبد الرحمن بن (2) الحجاج عن أبي الحسن عليه السلام قال: لا تأكل من الصيد إذا وقع في الماء فمات. وقال في المسالك: هذا أي عدم الحل إذا علم استناد موته إليهما أو إلى غير الرمية أو شك في الحال، ولو علم استناد موته إلى الرمية عادة حل لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وإن أفاد الماء في التردي تعجيلا، وقيد الصدوقات الحل بأن يموت ورأسه خارج الماء، ولا بأس به لانه أمارة على قتله بالسهم إن لم يظهر خلاف ذلك. 43 - السرائر: نقلا من كتاب موسى بن بكر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا رميت بسهمك فوجدته وليس به أثر غير أثر سهمك وترى أنه لم يقتله غير سهمك فكل تغيب عنك أو لم يتغيب عنك (3). 44 - العياشي: عن أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب فقال: لا تأكل من صيد شئ منها إلا الكلاب (4)، قلت: فانه قتله قال: كل، فإن الله يقول: " وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه " (5).


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 215 عن العدة عن احمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن سماعة. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 38 عن محمد بن يعقوب. (2) هكذا في الكتاب والموجود في المصادر: خالد بن الحجاج، روى الكليني في الفروع 6: 215 الحديث عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عيسى عن حجاج عن خالد بن الحجاج ورواه الشيخ في التهذيب 9: 37 عن احمد بن محمد بن عيسى. (3) السرائر: 464. (4) في المصدر: لا تأكل من صيد شئ منها الا ما ذكيت الا الكلاب. (5) تفسير العياشي 1: 294 ورواه الكليني والشيخ وعلى بن ابراهيم في الكافي و التهذيب والتفسير راجع الوسائل 16: 208. (*)

[290]

45 - ومنه عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل سرح الكلب المعلم ويسمي إذا سرحه، قال: يأكل مما أمسك عليه وإن أدركه وقتله وإن وجد معه كلب غير معلم فلا يأكل منه، قلت: والصقر والعقاب والبازى، قال: إن أدركت ذكاته فكل منه وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل منه، قلت فالفهد ليس بمنزلة الكلب قال: فقال: لا، ليس شئ مكلب إلا الكلب (1). 46 - ومنه: عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي يفتي وكنا نفتي ونحن نخاف في صيد البازي والصقور، فأما الآن فانا لا نخاف ولا يحل صيدهما إلا أن يدرك ذكاته وإنه لفي كتاب علي عليه السلام إن الله قال: " ما علمتم من الجوارح مكلبين " فهي الكلاب (2). بيان: " فهي الكلاب " أي الجوارح المذكورة في الآية المراد بها الكلاب لقوله " مكلبين " وقال المحدث الاسترابادي رحمه الله: يعني أن المراد من المكلبين الكلاب. وفي تفسير علي بن إبراهيم رواية اخرى يؤيد ذلك، فعلم من ذلك أن قراءة علي بفتح اللام، والقرءة الشائعة بين العامة بكسر اللام انتهى. وأقول: لا ضرورة إلى هذا التكلف وتغيير القراءة المشهورة. 47 - العياشي: عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما خلا الكلاب مما يصيد الفهود والصقور وأشباه ذلك فلا تأكلن من صيده الا ما أدركت ذكاته لان الله قال: " مكلبين " فما خلا الكلاب فليس صيده بالذى يؤكل إلا أن تدرك ذكاته (3). 48 - ومنه: عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام إن في كتاب علي عليه السلام: قال الله: إلا ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله " فهي الكلاب (4). 49 - ومنه: عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عن الصيد يأخذه الكلب


(1) تفسير العياشي 1: 294 ورواه الكليني والشيخ راجع الوسائل 16: 207. (2) تفسير العياشي 1: 294 ورواه الكليني والشيخ راجع الوسائل 16: 220. (3) تفسير العياشي 1: 295. (4) تفسير العياشي 1: 295.

[291]

فيتركه الرجل حتى يموت قال: نعم كل إن الله يقول: فكلوا مما أمسكن عليكم (1). بيان: هذا مختصر من صحيحة جميل المتقدمة في الحكم التاسع وقد مر الكلام فيه. 50 - العياشي: عن أبي جميلة عن أبي حنظلة (2) عنه عليه السلام في الصيد يأخذه الكلب فيدركه الرجل فيأخذه ثم يموت في يده أيأكل (3) ؟ قال: نعم إن الله يقول: كلوا مما أمسكن عليكم (4). بيان: كأنه محمول على عدم استقرار الحياة على طريقة القوم أو عدم إمكان الذبح لقصر الزمان أو فقد الآلة على قول، أو قتل الكلب له مع بعد على قول. 51 - العياشي: عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم و اذكروا اسم الله " قال: لا بأس بأكل ما أمسك الكلب مما لم يأكل الكلب منه. فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكله (5). 52 - ومنه: عن رفاعة عن أبي عبد الله قال: الفهد مما قال الله: مكلبين (6) 53 - ومنه: عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل ما أمسك عليك الكلب وإن بقي ثلثه (7). 54 - الهداية: كل كل ما صاد الكلب المعلم وإن قتله وأكل منه ولم يبق منه إلا بضعة واحدة، ولا تأكل ما صيد بباز أو صقر أو فهد أو عقاب إلا ما أدركت ذكاته، ومن أرسل كلبه ولم يسم تعمدا فأصاب صيدا لم يحل أكله لان الله عزوجل يقول: " ولا


(1) تفسير العياشي 1: 295. (2) في المصدر: عن ابن حنظلة. (3) في المصدر: أياكل منه. (4) تفسير العياشي 1: 295. (5 و 6) تفسير العياشي 1: 295. (7) تفسير العياشي 1: 295 فيه: ما امسك عليه الكلاب.

[292]

تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " (1) وإن نسي فليسم حين يأكل، وكذلك في الذبيحة، ولا بأس بأكل لحم الحمر الوحشية، ولا بأس بأكل ما صيد بالليل، ولا يجوز صيد الحمام بالامصار، ولا يجوز أخذ الفراخ من أو كارها في جبل أو بئر أو أجمة حتى ينهض (2). بيان: فليسم حين يأكل، محمول على الاستحباب، ولا بأس باكل، أي ليس الفعل بحرام أو المعنى أن كراهة الفعل لا يسري إلى الاكل، ولا يجوز ظاهره الحرمة ولم أر قائلا بها غيره، وكذا ذكره في المقنع أيضا، وحمله على الاصطياد بالكلب والسهم وأمثاله بعيد، نعم يمكن حمل عدم الجواز في كلامه على الكراهة الشديدة، قال في المختلف: يكره أخذ الفراخ من أعشاشهن. وقال الصدوق وأبوه: لا يجوز أخذ الفراخ من أو كارها في جبل أو بئر أو أجمة حتى ينهض، فان قصد التحريم صارت المسألة خلافية لنا الاصل عدم التحريم. 55 - السرائر: نقلا من كتاب جميل بن دراج عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل صاد حماما أهليا قال: إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه (3). 56 - ومنه: نقلا من جامع البزنطي عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي - عبد الله عليه السلام: الطير يقع في الدار فنصيده وحولنا حمام لبعضهم، فقال: إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه، قال: قلت: يقع علينا فنأخذه وقد نعلم لمن هو، قال: إذا عرفته فرده على صاحبه (4). بيان: قال في الروضة: لا يملك الصيد المقصوص أو ما عليه أثر الملك لدلالة القص والاثر على مالك سابق، والاصل بقاؤه، ويشكل بأن مطلق الاثر إنما يدل على المؤثر أما المالك فلا، لجواز وقوعه من غير مالك أو ممن لا يصلح للتملك، أو ممن لا يحترم


(1) زاد في المصدر بعد ذلك وانه لفسق يعنى حرام. (2) الهداية: 17. (3) السرائر: 468. (4) السرائر: 469 فيه: وقد نعرف لمن هو.

[293]

ماله، فكيف يحكم بمجرد الاثر بمالك محترم مع أنه أعلم، والعام لا يدل على الخاص وعلى المشهور يكون مع الاثر لقطة ومع عدم الاثر فهو لصائده، وإن كان أهليا كالحمام للاصل إلا أن يعرف مالكه فيدفعه إليه. 57 - المختلف: نقلا من كتاب عمار الساباطي عن الصادق عليه السلام خرؤ الخطاف لا بأس به وهو مما يحل أكله، ولكن كره أكله لانه استجار بك وأوى في منزلك، كل طير يستجيربك فأجره (1). بيان: يدل على كراهة صيد كل ما عشش في دار الانسان أو هرب من سبع وغيره وأوى إليه.


(1) المختلف 2: 127.

[294]

8 - { باب } { التذكية وأنواعها وأحكامها } الآيات: البقرة 2: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة - إلى قوله: - فذبحوها وما كادوا يفعلون 67 - 71. المائدة: 5 حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب 3. الانعام: 6 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم بآياته مؤمنين وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه 118 و 119. وقال تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشيطان ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون 121. وقال تعالى: وانعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون 138. وقال تعالى: أو فسقا اهل لغير الله به 145. الحج: 22 ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام 34. وقال تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها 36. الكوثر: 108 فصل لربك وانحر (2). تفسير: " أن تذبحوا بقرة " ظاهره أن البقرة مذبوحة لا منحورة، قال الطبرسي رحمه الله: الذبح فري الاوداج، وذلك في البقر والغنم، والنحر في الابل، ولا يجوز فيها عندنا غير ذلك، وفيه خلاف بين الفقهاء وقيل للصادق عليه السلام إن أهل مكة يذبحون

[295]

البقرة في اللبة فما ترى في أكل لحمها ؟ فسكت هنيئة ثم قال: قال الله: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " لا تأكل إلا من ذبح من مذبحه (1). أقول: وقد مضى تفسير آية المائدة، وتدل على وجوب التذكية وحرمة ما ذكي بغير اسم الله من الاصنام وغيرها، وسيأتي في الاخبار تفسيرها. " فكلوا " قال الطبرسي رحمه الله: إن المشركين لما قالوا للمسلمين: أتاكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتل ربكم ؟ فكأنه سبحانه قال لهم: اعرضوا عن جهلكم فكلوا والمراد به الاباحة وإن كانت الصيغة صيغة الامر " مما ذكر اسم الله عليه " يعنى ذكر الله (2) عند ذبحه دون الميتة وما ذكر عليه اسم الاصنام، والذكر هو قول: " بسم الله " وقيل: هو كل اسم يختص الله سبحانه به، أو صفة تختصه كقول باسم الرحمن أو باسم القديم أو باسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه وما يجرى مجراه والاول مجمع على جوازه، والظاهر يقتضي جواز غيره لقوله سبحانه: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعو فله الاسماء الحسنى (3) ". " إن كنتم بآياته مؤمنين " يعنى إن كنتم مؤمنين بأن عرفتم الله ورسوله وصحة ما أتاكم به من عند الله فكلوا ما أحل دون ما حرم، وفي هذه الآية دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة وعلى أن ذبائح الكفار لا يجوز أكلها لانهم لا يسمون الله عليها ومن سمى منهم لا يعتقد وجوب ذلك، ولانه يعتقد أن الذى يسميه هو الذي أبد شرع موسى أو عيسى فاذن لا يذكرون الله حقيقة " ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه " تقديره أي شئ لكم في أن لا تأكلوا، فيكون " ما " للاستفهام، وهو اختيار الزجاج وغيره من البصريين، ومعناه ما الذي يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عند ذبحه، وقيل: معناه ليس لكم أن لا تأكلوا، فيكون " ما " للنفي " وقد فصل لكم " أي بين لكم " ما حرم عليكم " قيل: هو ما ذكر في سورة المائدة من قوله: " حرمت


(1) مجمع البيان 1: 132. (2) يعنى ذكر اسم الله. (3) الاسراء: 110.

[296]

عليكم الميتة " الآية، واعترض عليه بأنها نزلت بعد الانعام بمدة إلا أن يحمل (1) على أنه بين على لسان الرسول الله صلى الله عليه وآله وبعد ذلك نزل به القرآن، وقيل: إنه ما فصل في هذه السورة في قوله: " قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما " الآية، وقرأ أهل الكوفة غير حفص: " فصل لكم " بالفتح " ما حرم " بالضم، وقرأ أهل المدينة وحفص ويعقوب وسهل " فصل لكم ما حرم " كليهما بالفتح، وقرء الباقون " فصل لكم ما حرم " بالضم فيهما " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " يعنى عند الذبح من الذبائح وهذا تصريح في وجوب التسمية على الذبيحة لانه لو لم يكن كذلك لكان ترك التسمية غير محرم لها " وإنه لفسق " يعني وإن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لفسق " وإن الشياطين " يعنى علماء الكافرين ورؤساءهم المتمردين في كفرهم " ليوحون " أي يؤمون ويشيرون " إلى أوليائهم " الذين اتبعوهم من الكفار " ليجادلوكم " في استحلال الميتة قال الحسن: كان مشركو العرب يجادلون المسلمين فيقولون لهم: كيف تأكلون ما تقتلونه أنتم ولا تأكلون مما يقتله الله وقتيل الله أولى بالاكل من قتلكم ؟ فهذه مجادلتهم وقال عكرمة: إن قوما من مجوس فارس كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوه حلال وما قتله الله حرام، فوقع ذلك في نفوسهم، فذلك إيحاؤهم إليهم، وقال ابن عباس معناه أن الشياطين من الجن وهم إبليس وجنوده ليوحون إلى أوليائهم من الانس، والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس من وجه خفى، وهم يلقون الوسوسة إلى قلوب أهل الشرك، ثم قال سبحانه: " وإن أطعتموهم " أيها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال الميتة وغيره " إنكم إذا لمشركون " لان من استحل الميتة فهو كافر بالاجماع ومن أكلها محرما لها مختارا فهو فاسق، وهو قول الحسن وجماعة المفسرين، وقال عطا: إنه مختص بذبائح العرب التي كانت تذبحها للاوثان (2). " لا يذكرون اسم الله عليها " قال البيضاوي: أي في الذبح وإنما يذكرون أسماء


(1) في المصدر: فلا يصح ان يقال: انه فصل الا أن يحمل. (2) مجمع البيان 4: 356 - 358.

[297]

الاصنام عليها، وقيل: لا يحجون على ظهورها " افتراء عليه " نصب على المصدر لان ما قالوه تقول على الله، والجار متعلق بقالوا أو بمحذوف فهو صفة له (1) أو على الحال أو المفعول له والجار متعلق به أو بالمحذوف " سيجزيهم بما كانوا يفترون " بسببه أو بدله (2) " أو فسقا " قدمر تفسيره ويدل ؟ على تحريم ما ذكر اسم غير الله عند ذبحه " ليذكروا اسم الله " يدل على أن النسك إنما يصح ويتقبل إذا ذكر عليه عند ذبحه اسم الله دون غيره، وإنما خص بالانعام إيماء إلى أن الهدي لا يكون إلا منها، ويدل على أن الهدى والاضحية وذكر اسم الله على الذبيحة كان في جميع الشرائع حيث قال: " ولكل امة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله " الخ. " فاذكروا اسم الله عليها " قال الطبرسي ره: أي في حال نحرها، وعبر به عن النحر، وقال ابن عباس: هو أن يقول: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك ولك " صواف " أي قياما مقيدة على سنة محمد صلى الله عليه وآله عن ابن عباس، وقيل: هو أن تعقل إحدى يديها وتقوم على ثلاث (3) تنحر كذلك وتسوى بين أو ظفتها (4) لئلا يتقدم بعضها على بعض، عن مجاهد، وقيل: هو أن تنحر وهي صافة أي قائمة قد ربطت يداها بين الرسغ (5) والخف إلى الركبة عن أبي عبد الله عليه السلام، هذا في الابل فأما البقر فانه تشديداها ورجلاها ويطلق ذنبها، والغنم تشد ثلاث قوائهم منها ويطلق فرد رجل منها " فإذا وجبت جنوبها " أي سقطت إلى الارض، وعبر بذلك عن تمام خروج الروح منها " فكلوا منها " وهذا إذن وليس بأمر لان أهل الجاهلية كانوا يحرمونها على نفوسهم، وقيل: إن الاكل منها واجب إذا تطوع بها انتهى (6).


(1) في المصدر: أو بمحذوف هو صفة له. (2) انوار التنزيل: 1: 405. (3) في المصدر: على ثلاثة. (4) الاوظفة جمع الوظيف: مستدق الذراع أو الساق من الخيل والابل وغيرها. (5) الرسغ: الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. المفصل ما بين الساعد والكف أو الساق والقدم ومثل ذلك من الدابة. (6) مجمع البيان 7: 86.

[298]

" فصل لربك وانحر " في المجمع: أي فصل صلاة العيد وانحر هديك وقيل: صل صلاة الغداة بجمع (1)، وانحر البدن بمنى، والجمع هو المشعر، قال محمد بن كعب: إن اناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن تكون صلاته ونحره للبدن تقربا إلى الله وخالصا له انتهى (2). وأقول: يدل هذه التفاسير على كون النحر مشروعا في البدن، بل عدم جواز غيره فيها. ولنرجع إلى تفاصيل الاحكام المستنبطة من تلك الآيات: الاول: تدل بعمومها على حل كل ما ذكر اسم الله عليه إلا ما أخرجه الدليل وقد مر الكلام فيه. الثاني: استدل بها على وجوب التسمية عند الذبح بل عند الاصطياد أيضا مطلقا إلا ما أخرجه الدليل من السمك والجراد، ولعل مرادهم بالوجوب الوجوب الشرطي بمعنى اشتراطها في حل الذبيحة، ولذا عبر الاكثر بالاشتراط، وأما الوجوب بالمعنى المصطلح فيشكل إثباته إلا بأن يتمسك بأن ترك التسمية إسراف وإتلاف للمال بغير الجهة الشرعية، وأما الاشتراط فلا خلاف فيه بين الاصحاب، فلو أخل بها عمدا لم يحل قطعا، وظاهر الآية عدم الحل مع تركها نسيانا أيضا، لكن الاصحاب خصوها بالعمد للاخبار الكثيرة الدالة على الحل مع النسيان، وفي بعضها إن كان ناسيا فليسم حين يذكر ويقول: " بسم الله على أوله وآخره " وحمل على الاستحباب إذ لا قائل ظاهرا بالوجوب، وفي الجاهل وجهان، وظاهر الاصحاب التحريم، ولعله أقرب لعموم الآية والاقوى الاكتفاء بها وإن لم يعتقد وجوبها لعموم الآية خلافا للعلامة ره في المختلف قال في الدروس: لو تركها عمدا فهو ميتة إذا كان معتقدا لوجوبها، وفي غير المعتقد نظر، وظاهر الاصحاب التحريم، ولكنه يشكل بحكمهم بحل ذبيحة المخالف على الاطلاق


(1) في المصدر: صلاة الغداة المفروضة بجمع. (2) مجمع البيان 10: 549 و 550.

[299]

ما لم يكن ناصبيا، ولا ريب أن بعضهم لا يعتقد وجوبها، ويحلل الذبيحة وإن تركها عمدا انتهى. وقال في الروضة: يمكن دفعه يأن حكمهم بحل ذبيحته من حيث هو مخالف، وذلك لا ينافي تحريمها من حيث الاخلال بشرط آخر، نعم يمكن أن يقال: بحلها منه عند اشتباه الحال عملا بأصالة الصحة وإطلاق الادلة، وترجيحا للظاهر من حيث رجحانها عند من لا يوجبها وعدم اشتراط اعتقاده الوجوب بل المعتبر فعلها، وإنما يحكم بالتحريم مع العلم بعدم تسميته وهذا حسن، ومثله القول في الاستقبال. الثالث: تدل الآية على الاكتفاء بمطلق ذكر اسمه تعالى عند الذبح أو النحر أو إرسال الكلب أو السهم ونحوه، فيكفي التكبير أو التسبيح أو التحميد أو التهليل وأشباهها كما صرح به الاكثر، ولو اقتصر على لفظة الله ففي الاكتفاء به قولان: من صدق ذكر اسم الله عليه، ومن دعوى أن العرف يقتضى كون المراد ذكر الله بصفة كمال وثناء وكذا الخلاف لو قال: " اللهم ارحمني واغفر لي " وقالوا: لو قال: " بسم الله ومحمد " بالجر لم يجز لانه شرك، وكذا لو قال: " ومحمد رسول الله " ولو رفع فيهما لم يضر لصدق التسمية بالاولى تامة، وعطف الشهادة للرسول الله صلى الله عليه وآله زيادة خير غير منافية بخلاف ما لو قصد التشريك، ولو قال: " اللهم صل على محمد وآله " فالاقوى الاجزاء، وهل يشترط التسمية بالعربية يحتمله لظاهر قوله: " اسم الله " وعدمه لان المراد من الله هنا الذات المقدسة فيجزي ذكر غيره من أسمائه وهو متحقق بأي لغة اتفقت، وعلى ذلك يتحرج ما لو قال: " بسم الرحمن " وغيره من أسمائه المختصة أو الغالبة غير لفظ الله. الرابع: ذكر الاصحاب أنه يستحب في ذبح الغنم أن يربط يداه ورجل واحد ويطلق الاخرى ويمسك صوفه أو شعره حتى يبرد، وفي البقر أن يعقل يداه ورجلاه ويطلق ذنبه، وفي الابل أن تربط خفا يديه معا إلى إبطيه وتطلق رجلاه وتنحر قائمة أو تعقل يده اليسرى من الخف إلى الركبة ويوقفها على اليمنى، ويمكن أن يفهم من الآية الكريمة استحباب كون البدن قائمة عند النحر لقوله تعالى: " صواف ". قال البيضاوي: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقرئ: " صوافن " من

[300]

صفن الفرس: إذا أقام على ثلاث وطرف سنبك الرابعة لان البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث (1). وقال الطبرسي ره: قرأ ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر الباقر عليه السلام وقتادة وعطا والضحاك: " صوافن " بالنون، وقرأ الحسن وشقيق وأبو موسى الاشعري وسليمان التيمي: " صوافي " وقال: فأما صوافن فمثل الصافنات وهي الجياد من الخيل إلا أنه استعمل ههنا في الابل والصافن: الرافع إحدى رجليه معتمدا على سنبكها والصوافي: الخوالص لوجه الله انتهى (2). وأقول: فعلى هذا القراءة المروية عن الباقر عليه السلام وغيره يدل على استحباب قيامها وعقل إحدى يديها بل على نحرها على القراءتين وأن ذبحها قائمة غير جائز جدا (3) وأما الاخبار الواردة في ذلك فقد روي بسند فيه جهالة عن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الذبح فقال: إذا ذبحت فأرسل. ولا تكتف ولا تقلب السكين لتدخلها من تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق، والارسال للطير خاصة، فان تردى في جب أو وهدة من الارض فلا تأكله ولا تطعمه فانك لا تدري التردي قتله أو الذبح، وإن كان شئ من الغنم فأمسك صوفه أو شعره ولا تمسك (4) يدا ولا رجلا، وأما البقرة فاعقلها وأطلق الذنب، وأما البعير فشد أخفافه إلى إباطه وأطلق رجليه وإن أفلتك شئ من الطير وأنت تريد ذبحه أوند (5) عليك فارم (6) بسهمك، فإذا هو سقط فذكه بمنزلة الصيد (7).


(1) أنوار التنزيل 2: 103 و 104. (2) مجمع البيان 7: 85. (3) هكذا في المطبوع، وفى النسخة المخطوطة: فان ذبحها قائمة عسر جدا. (4) في المصدر: ولا تمسكن. (5) ند البعير: نفر وذهب شاردا. (6) في المصدر: فارمه. (7) رواه الكليني في الفروع 6: 229 عن على بن ابراهيم عن أبيه عن أبى هاشم الجعفري عن أبيه عن حمران بن اعين ورواه الشيخ في التهذيب 9: 55.

[301]

وقال في المسالك: المراد بشد أخفافه إلى إباطه أن يجمع يديه ويربطهما فيها بين الخف والركبة، وبهذا صرح في رواية أبي الصباح وفي رواية أبي خديجة أنه يعقل يدها اليسرى خاصة، وليس المراد في الاول أنه يعقل خفي يديه معا إلى إباطه لانه لا يستطيع القيام حينئذ والمستحب في الابل أن تكون قائمة، والمراد في الغنم بقوله: " ولا تمسك يدا ولا رجلا " أنه يربط يديه وإحدى رجليه من غير أن يمسكها بيده انتهى. وأقول: لم أر في الاخبار شد رجلي الغنم وإحدى يديه، لكن ذكره الاصحاب فان كان له مستند كما هو الظاهر يمكن حمل هذا الخبر على عدم إمساك اليد والرجل بعد الذبح، وإنما يمسك صوفه أو شعره لئلا يتردى في بئر أو غيرها. وروى الكليني في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " واذكروا اسم الله عليها صواف " قال ذلك حين تصف للنحر تربط يديها ما بين الخف إلى الركبة ووجوب جنوبها إذا وقعت على الارض (1)، وعن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام كيف تنحر البدنة ؟ فقال: تنحر وهي قائمة من قبل اليمين (2). وعن أبي خديجة قال: رأيت أبا عبد الله وهو ينحر بدنته معقولة يدها اليسرى ثم يقوم من جانب يدها اليمنى ويقول: " بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبله مني " ثم يطعن في لبتها ثم يخرج السكين بيده فإذا وجبت قطع موضع الذبح بيده (3). الخامس: ظاهر قوله تعالى: " فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها " الاكتفاء في حلها


(1) رواه الكليني في الفروع 4: 498 عن أبى على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى عن عبد الله بن سنان. (2) رواه الكليني في الفروع 4: 497 عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن اسماعيل عن محمد بن الفضيل عن أبى الصباح الكنانى. (3) رواه الكليني في الفروع 4: 498 عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبى هاشم البجلى عن أبى خديجة.

[302]

بسقوطها على الارض، ولا يجب الصبر إلى أن يبرد أو تزول حياتها بالكلية وإن أوله الاصحاب بالموت، ولم أرمن استدل به على ذلك، فانما ذكروه تأويلا لا يصار إليه إلا بدليل. قال في المسالك: سلخ الذبيحة قبل بردها أو قطع شئ منها فيه قولان: أحدهما التحريم ذهب إليه الشيخ في النهاية، بل ذهب إلى تحريم الاكل أيضا، وتبعه ابن البراج وابن حمزة استنادا إلى رواية محمد بن يحيى رفعه قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام الشاة إذا ذبحت وسلخت أو سلخ شئ منها قبل أن تموت فليس يحل أكلها (2). والاقوى الكراهة وهو قول الاكثر للاصل، وضعف الرواية بالارسال (3) فلا يصلح دليلا على التحريم، بل الكراهة للتسامح في دليلها، وذهب الشهيد رحمه الله إلى تحريم الفعل دون الذبيحة أما الاول فلتعذيب الحيوان المنهي عنه، وأما الثاني فلعموم قوله تعالى: " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " انتهى. وقال في المختلف: عد أبو الصلاح في المحرمات ما قطع من الحيوان قبل الذكاة وبعدها قبل أن يجب جنوبها ويبرد بالموت وجعله ميتة، والذي ذكره في المقطوع قبل الذكاة جيد، أما المقطوع بعدها فهو في موضع المنع، لنا إنه امتثل الامر بالتذكية وقد وجدت، احتج بقوله: " فإذا وجبت جنوبها " والجواب أنه مفهوم خرج مخرج الاغلب فلا يكون حجة انتهى. وأقول: قيد البرد في غاية الغرابة فان نهاية ما يعتبر فيه زوال الحياة، والحرارة تبقى بعده غالبا بزمان، ولذا لم يكتفوا في وجوب الغسل بالمس بالموت بل اعتبروا البرد بعده، واعتباره في حكم خاص لا يستلزم اعتباره في جميع الاحكام. السادس: قوله تعالى: " إلا ما ذكيتم " يدل على أن ما أكل السبع أو الاعم منه


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 230 وفيه: إذا ذبحت الشاة وسلخت. (2) والحديث لا يدل على ذلك أيضا فانه اعتبر فيها الموت، وهو يحصل بزوال الحيات دون البرد.

[303]

ومما تقدم إذا أدركت تذكيته حل، واختلف الاصحاب في وقت إدراك الذكاة قال في المسالك: اختلف الاصحاب فيما به تدرك الذكاة من الحركة وخروج الدم بعد الذبح والنحر، فاعتبر المفيد وابن الجنيد في حلها الامرين معا الحركة وخروج الدم واكتفى الاكثر ومنهم الشيخ وابن إدريس والمحقق وأكثر المتأخرين بأحد الامرين ومنهم من اعتبر الحركة وحدها، ومنشأ الاختلاف الاكتفاء في بعض الروايات بالحركة وفي بعضها بخروج الدم انتهى. وأقول: كأن الاكتفاء باحدهما أظهر، وإن كانت الحركة أقوى سندا، ثم الظاهر من كلام الاصحاب أن المعتبر الحركة بعد التذكية، وفي أكثر الاخبار إجمال وصريح بعضها أن العبرة بها قبل التذكية وكأن الاحوط اعتبار البعد. وقال المحقق الاردبيلي رحمه الله: الظاهر أن كون الحركة أو الدم أو كليهما على الخلاف علامة للحل إنما هو في المشتبه لانه إن علم حياته قبل الذبح فذبح ولم يوجد أحدهما فالظاهر الحل لانه قد علم حياته وذبحه على الوجه المقرر فأزال روحه به فيحل فتأمل، فان بعض الاخبار الصحيحة تدل على اعتبار الدم بعد إبانة الرأس من غير المشتبه، ولعل ذلك أيضا للاشتباه الحاصل بعده بأن الازالة بقطع الاعضاء الاربعة أو غيره، فلا يخرج عن الاشتباه فتأمل انتهى (1). وأما استقرار الحياة التي اعتبرها جماعة من الاصحاب وأو مأنا إليه سابقا فالاخبار خالية عنه. وقال في الدروس: المشرف على الموت كالنطيحة والمتردية وأكيل السبع وما ذبح من قفاه اعتبر في حله استقرار الحياة، فلو علم بموته قطعا في الحال حرم عند الجماعة، ولو علم بقاء الحياة فهو حلال، ولو اشتبه اعتبر بالحركة وخروج (2) الدم، قال: وظاهر الاخبار والقدماء أن خروج الدم والحركة أو احدهما كاف، ولو لم يكن فيه حياة مستقرة، وفي الآية إيماء إليه من قوله تعالى: " حرمت


(1) شرح الارشاد: كتاب الصيد والذباحة. (2) في المصدر: أو خروج الدم. (*)

[304]

عليكم الميتة " إلى قوله: " إلا ما ذكيتم " ثم قال: ونقل عن الشيخ يحيى أن استقرار الحياة ليس من المذهب ونعم ما قال انتهى (1). وأقول: نعم ما قالا رضي الله عنهما، فأن الظاهر أن هذا مأخوذ من المخالفين وليس في أخبارنا منه عين ولا أثر، وتفصيل القول في ذلك أن اعتبار استقرار الحياة مذهب الشيخ وتبعة الفاضلان وفسره بعضهم بأن مثله يعيش اليوم أو الايام وقيل: نصف يوم، وهذا مما لم يدل عليه دليل ولا هو معروف بين القدماء، وأما إذا علم أنه ميت بالفعل وأن حركته حركة المذبوح كحركة الشاة بعد اخراج حشوها ففي وقوع التذكية عليه إشكال، وإن كان ظاهر الادلة وقوعها أيضا، قال المحقق الاردبيلي بعد إيراد ما في الدروس: ولا يخفى الاجمال والاغلاق في هذه المسألة، والذي معلوم أنه إذا صار الحيوان الذي يجري فيه الذبح بحيث علم أو ظن على الظاهر موته اي أنه ميت بالفعل وأن حركته حركة المذبوح مثل حركة الشاة بعد إخراج حشوها وذبحها وقطع أعضائها والطير كذلك فهو ميتة لا ينعقد الذبح (2)، وإن علم عدمه فهو حي يقبل التذكية ويصير بها طاهرا ويجري فيه أحكام المذبوح، والظاهر أنه كذلك، وإن علم أنه يموت في الحال والساعة لعموم الادلة التي تقتضي ذبح ذي الحياة فانه حي مقتول ومذبوح بالذبح الشرعي، ولا يؤثر في ذلك أنه لو لم يذبح لمات سريعا أو بعد ساعة، فما في الدروس فلو علم موته الخ محل تأمل فانه يفهم منه أن المدار على قلة الزمان وكثرته فتأمل، وبالجملة فينبغي أن يكون المدار على الحياة وعدمها لا طول زمانها وعدمه لما مر فافهم، وأما إذا اشتبه حاله ولم يعلم موته بالفعل ولا حياته وأن حركته حركة المذبوح أو حركة ذي الحياة - فيمكن الحكم بالحل للاستصحاب والتحريم للقاعدة السالفة (3). ثم أجرى رحمه الله فيه اعتبار الحركة أو الدم كما ذكرنا.


(1) الدروس: كتاب التذكية. (2) في المصدر: لا ينفعه الذبح. (3) شرح الارشاد: كتاب الصيد والذبايح.

[305]

وأقول: ما ذكره قدس سره من حركة المذبوح إن أراد بها حركة التقلص التي تكون في اللحم المسلوخ ونحوه فلا شبهة في أنه لا عبرة بها، وانه قد زالت عنه الحياة فلا تقع تذكية، وإن أراد بها الحركة التي تكون بعد فري الاوداج وشبهه و تسمى في العرف حركة المذبوح فعدم قبول التذكية أول الكلام، لانه لا شك أنه لم يفارقه الروح بعد، كمن كان في النزع وبلغت روحه حلقومه فانه لا يحكم عليه حينئذ بالموت وإن علم أنه لا يعيش ساعة بل عشرها، ولذا اختلفوا فيما إذا ذبح الابل ثم نحره بعد الذبح أو نحر الغنم أو البقر ثم ذبح بعده هل يحل أم لا، فذهب الشيخ في النهاية وجماعة إلى الحل لتحقق التذكية مع بقاء الحياة عندها فهو داخل تحت قوله تعالى: " إلا ما ذكيتم " وسائر العمومات، ومن اعتبر استقرار الحياة حكم بالحرمة والظاهر أن مراده الثاني حيث قال رحمه الله في ذيل هذه المسألة بعد ما نقل وجوه الحل: فتأمل لان الحكم بالحل والدم بعد قطع الاعضاء المهلك مشكل فإنه بعد ذلك في حكم الميت والاعتبار بتلك الحركة والدم مشكل، فان مثلهما لا يدل على الحياة الموجبة للحل، فلا ينبغي جعلها دليلا، والتحقيق ما أشرنا إليه انتهى (1). السابع: المشهور بين الاصحاب أنه يعتبر في الذبح قطع أربعة أعضاء من الحلق: الحلقوم وهو مجرى النفس دخولا وخروجا، والمرئ كأمير بالهمز وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان وهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلوم، واقتصر ابن الجنيد على قطع الحلقوم لصحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل لم يكن بحضرته سكين أفيذبح بقصبة ؟ فقال: اذبح بالحجر والعظم والقصبة والعود إذا لم تصب الحديد إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس (2).


(1) شرح الارشاد: كتاب الصيد والذباحة. (2) رواه الكليني في الفروع 6: 228 عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن زيد الشحام. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 51 وفي الاستبصار 4: 80 عن الحسن بن محبوب عن زيد الشحام.

[306]

واستدل للمشهور بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن المروة والقصبة والعود أيذبح بهن إذا لم يجدوا سكينا ؟ قال: إذا فري الاوداج فلا بأس بذلك (1). ويمكن الاعتراض عليه بوجوه: الاول أن الاوداج وإن كان جمعا فلو سلم كونه حقيقة في الثلاث فما فوقها فاطلاقه على الاثنين أيضا مجاز شايع حتى قيل: إنه حقيقة فيه، ولو لم يكن هذا أولى من تغليب الودج على الحلقوم والمري فليس أدنى منه، إذ لا شك أن اطلاق الودج عليهما مجاز. قال في القاموس: الودج محركة: عرق في العنق كالوداج بالكسر، وفي الصحاح: الودج والوداج: عرق في العنق، وهما ودجان. وفي المصباح: الودج بفتح الدال والكسر لغة عرق الاخدع الذي يقطعه الذابح فلا تبقى معه حياة ويقال: في الجسد عرق واحد حيث ما قطع مات صاحبه وله في كل عضو اسم، فهو في العنق الودج والوريد أيضا، وفي الظهر النياط، وهو عرق ممتد فيه، والابهر وهو عرق مستبطن الصلب والقلب متصل به، والوتين في البطن والنساء في الفخذ، والايجل في الرجل، والاكحل في اليد، والصافن في الساق. وقال في المجرد أيضا: الوريد عرق كبير يدور في البدن، وذكر معنى ما تقدم لكنه خالف في بعضه ثم قال: والودجان: عرقان غليظان يكتنفان بثغرة النحر، و الجمع أوداج، وفي النهاية: في حديث الشهداء وأوداجهم تشخب دما: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها ودج بالتحريك، وقيل: الودجان


(1) رواه الكليني في الفروع 6: 228 عن على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج وعن ابى على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجاج مثله. ورواه الشيخ في التهذيب 9: 52 والاستبصار 4: 80 عن محمد بن يعقوب ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 208 باسناده عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجاج.

[307]

عرقان غليظان من جانبي ثغرة النحر، ومنه الحديث: كل ما أفرى الاوداج انتهى (1). فيمكن الجمع بين الصحيحتين بالتخيير إن لم تأب عن إحداث قول لم يظهر به قائل، وبالجمع إن أبينا لانه يظهر من العلامة في المختلف الميل إليه. الثاني: أن دلالة الخبر الثاني على عدم الاجتزاء بقطع الحلقوم بالمفهوم، و دلالة الاول على الاجتزاء بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم. الثالث: أن مفهوم الخبر الثاني تحقق بأس عند عدم فري الاوداج والبأس أعم من الحرمة، فيمكن حمله على الكراهة. الرابع: أن فري الاوداج لا يقتضي قطعها رأسا الذى هو المعتبر على القول المشهور، لان الفرى: الشق وإن لم ينقطع، قال الهروي: في حديث ابن عباس: كل ما أفرى الاوداج أي شققها وأخرج ما فيها من الدم (2). قال في المسالك بعد ذكر هذا الوجه: والوجه الثاني فقد ظهر أن اعتبار قطع الاربعة لا دليل عليها إلا الشهرة، ولو عمل بالروايتين لاكتفى (3) بقطع الحلقوم وحده أو فري الاوداج بحيث يخرج منها الدم ولم يستوعبها (4) إلا أنه لا قائل بهذا الثاني من الاصحاب، نعم هو مذهب بعض العامة. وفي المختلف قال بعد نقل الخبرين: هذا أصح ما وصل إلينا في هذا الباب، ولا دلالة فيه على قطع ما زاد على الحلقوم والاوداج (5).


(1) النهاية 4: 213. (2) النهاية 3: 216 فيه خلاف ما ذكره المصنف قال: الفرى: القطع يقال: فريت الشئ افريه فريا: إذا شققته وقطعته للاصلاح. ثم قال: ومنه: حديث ابن عباس: كل ما افرى الاوداج أي ما شقها وقطعها حتى يخرج ما فيها من الدم. (3) في المصدر: ولو عمل بالروايتين واعتبر الحل لاكتفى. (4) في المصدر: وان لم يستوعبها. (5) المختلف 3: 138.

[308]

وأراد بذلك أن قطع المرئ لا دليل عليه، إذ لو أراد بالاوداج ما يشمله لم يفتقر إلى إثبات أمر آخر لان ذلك غاية ما قيل، وفيه ميل إلى قول آخر وهو اعتبار قطع الحلقوم والودجين، لكن قد عرفت أن الرواية لا تدل على اعتبار قطعها رأسا، وأن الاوداج بصيغة الجمع تطلق على الاربعة فتخصيصها بالودجين والحلقوم ليس بجيد، وكيف قرر فالوقوف مع القول المشهور هو الاحوط انتهى. واقول: إطلاق الاوداج (1) على الاربعة إطلاق مجازى من الفقهاء ولا حجر في المجاز فيمكن اطلاقها على الثلاثة أيضا بل هو أقرب إلى الحقيقة. ثم إن هذا القول وقول ابن الجنيد والقول بالتخيير الذى ذكرنا سابقا كل ذلك اوفق لعموم الآيات من المشهور فإن قوله تعالى: " كلوا مما ذكر اسم الله عليه " يشملها وأيضا قوله: " إلا ما ذكيتم " يشملها، وأيضا لان التذكية ليس إلا الذبح أو النحر ولم يثبت كونها حقيقة شرعية في المعنى الذى ذكره القوم. قال الراغب في المفردات: حقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية، لكن خص في الشرع بإبطال الحياة على وجه دون وجه، ويدل على هذا الاشتقاق قولهم في الميت: خامد وهامد، وفي النار الهامدة ميتة (2). وقال: الذبح: شق حلق الحيوانات (3). وفي الصحاح التذكية: الذبح، وقال الذبح: الشق، والذبح مصدر ذبحت الشاة انتهى، والظاهر أن التذكية والذبح لغة وعرفا يتحققان بفري الحلقوم أو الودجين. الثامن: أن إطلاق الآيات تدل على تحقق التذكية بكل آلة يتحقق بها الذبح إلا أن يقال: المطلق ينصرف إلى الفرد الشايع الغالب وهو التذكية بالحديد،


(1) في المخطوطة: اطلاق الجمع. (2) المفردات: 180. (3) المفردات: 177.

[309]

لكن الاصحاب أتفقوا على أنه لا تتحقق التذكية إلا بالحديد مع الاختيار ولا يجزي غيره وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والرصاص والفضة والذهب وغيرها. وأما مع الاضطرار فجوزوا بكل ما فرى الاعضاء من المحددات، ولو من خشب أو قصب أو حجر عدا السن والظفر، وادعوا الاجماع عليه، ودلت الاخبار الكثيرة على عدم جواز التذكية بغير الحديد في حال الاختيار، وجواز التذكية بما سوى السن والظفر في حال الاضطرار، وأما السن والظفر ففي جواز التذكية بهما عند الضرورة قولان: أحدهما: العدم، ذهب إليه الشيخ في المبسوط والخلاف، وادعى فيه إجماعنا واستدل عليه برواية رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما أنهر الدم (1) وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا ما كان من سن أو ظفر وساحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم من الانسان، وأما الظفر فمدى الحبشة. والثاني: الجواز، ذهب إليه ابن إدريس وأكثر المتأخرين للاصل وعدم ثبوت المانع فان خبره عامي، والتصريح بجوازه بالعظم في صحيحة الشحام السابقة، ودلالة التعليل الوارد في هذا الخبر على عدم الجواز بالعظم فيتعارض الخبران فيقدم الصحيح منهما، أو يحمل الآخر على الكراهة، كذا قال في المسالك. وقال: وربما فرق بى المتصلين والمنفصلين من حيث أن المنفصلين. كغيرهما من الآلات بخلاف المتصلين فان القطع بهما يخرج عن مسمى الذبح بل هو أشبه بالاكل والتقطيع، والمقتضي للذكاة هو الذبح، ويحمل النهي في الخبر على المتصلين جمعا، والشهيد في الشرح استقرب المنع من التذكية بالسن والظفر مطلقا للحديث المتقدم، وجوزها بالعظم وغيرهما لما فيه من الجمع بين الخبرين، لكن يبقى فيه منافاة التعليل لذلك.


(1) انهر الدم: اظهره وأساله.

[310]

وقال في الروضة: وعلى تقدير الجواز هل يساويان غيرهما مما يفري غير الحديد أو يترتبان على غيرهما مطلقا، مقتضى استدلال المجوز بالحديثين الاول. وفي الدروس استقرب الجواز مطلقا مع عدم غيرهما، وهو الظاهر من تعليقه الجواز بهما هنا على الضرورة، إذ لا ضرورة مع وجود غيرهما، وهذا هو الاولى انتهى. وأقول: الفرق بين المتصلين والمنفصلين كأنه مأخوذ من العامة ولم أره في كلام القوم وإن كان له وجه. 1 - قرب الاسناد: عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: أيما إنسية تردت في بئر فلم يقدر على منحرها فلينحرها من حيث يقدر عليها ويسمى الله عليها وتؤكل، قال: وسئل علي عليه السلام عما تردى على منحره فيقطع ويسمى عليه فقال: لا بأس به وأمر بأكله (1). بيان: أيما إنسية أي بدنة إنسية أو دابة، فالمراد بالنحر أعم من الذبح تغليبا " على منحره " في بعض النسخ بالخاء المعجمة، وفي بعضها بالمهملة، ولكل وجه يرجعان إلى معنى واحد، ولا خلاف في أن كل ما يتعذر ذبحه أو نحره من الحيوان إما لاستعصائه أو لحصوله في موضع لا يتمكن المذكي من الوصول إلى موضع الذكاة منه وخيف فوته جاز أن يعقر بالسيوف أو غيرهما مما يجرح ويحل وإن لم يصادف موضع الذكاة، وكما يسقط اعتبار موضع الذبح أو النحر يسقط الاستقبال به مع تعذره، ولو أمكن أحدهما وجب وسقط المتعذر. وقالوا: كما يجوز ذلك للخوف من فوته يجوز للاضطرار إلى أكله، وقيل: والمراد بالضرورة هنا مطلق الحاجة إليه. 2 - قرب الاسناد: بالاسناد المتقدم عن جعفر عن أبيه عليه السلام ان عليا عليه السلام كان يقول: لا بأس بذبيحة المرأة (2).


(1 و 2) قرب الاسناد: 51.

[311]

بيان: لا خلاف بين الاصحاب في حل ذبيحة المرأة، ولم أر من حكم بالكراهة أيضا، لكن ورد في بعض الاخبار أنها لا تذبح إلا عند الضرورة، وفي بعضها إذا كن نساء ليس معهن رجل فالتذبح أعقلهن، وفي بعضها: إذا لم يوجد من يذبح غيرها، وفي بعضها: لا بأس بذبيحة الصبي والخصي والمرأة إذا اضطروا إليه (1)، وفيها دلالة على المرجوحية والكراهة في الجملة إن لم تكن محمولة على التقية. 3 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عليه السلام ان عليا عليه السلام قال: إذا استصعبت عليكم الذبيحة فعرقبوها فان لم تقدروا أن تعرقبوها فانه يحلها ما يحل الوحش (2). بيان: فعرقبوها أي لتمكنوا من ذبحها، فانه يحلها، ظاهره الحل بصيد الكلب أيضا، لكن الرواية ضعيفة والراوي عامي. 4 - الخصال: عن محمد بن علي بن الشاه عن أحمد بن محمد بن الحسين عن أحمد ابن خالد الخالدي عن محمد بن أحمد بن صالح التميمي (3) عن أنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تذبح المرأة إلا عند الضرورة (4). التحف والمكارم مرسلا مثله (5). 5 - العيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل ابن شاذان عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون قال: الصلاة على النبي واجبة (6) في


(1) راجع وسائل الشيعة 16: 276 - 278. (2) قرب الاسناد: 68. (3) في المصدر: محمد بن احمد بن صالح التميمي قال: حدثنا أبى قال: حدثنا أبى قال: حدثنى انس بن محمد ابو مالك. (4) الخصال 2: 511 طبعة الغفاري. (5) مكارم الاخلاق: 243 والحديث لم يوجد في تحف العقول. (6) أي ثابتة.

[312]

كل موطن وعند العطاس والذبائح وغير ذلك (1). بيان: روى مثل ذلك في الخصال عن الاعمش عن الصادق عليه السلام وفيه: والرياح مكان الذبائح (2) وما في العيون أظهر، وكأنه محمول على تأكيد الاستحباب قال الشيخ في الخلاف: يستحب أن يصلى على النبي صلى الله عليه وآله عند الذبيحة وأن يقول: " اللهم تقبل مني " وبه قال الشافعي، وقال مالك: تكره الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله (3) وأن يقول: " اللهم تقبل مني " دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (4)، وأيضا قوله: " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه (5) " وذلك على عمومه إلا ما أخرجه الدليل، وقد روي في التفسير قوله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك (6) " ألا ما اذكر (7) إلا وتذكر معي وقد أجمعنا على ذكر الله فوجب أن يذكر رسول الله صلى الله عليه وآله (8). أقول: ثم ذكر رحمه الله دلائل اخرى لا تخلو من ضعف، وكأن هذا الخبر الحسن يكفي لاثبات الاستحباب مع ثبوته في جميع الاوقات، وأما قوله: " تقبل مني " فسيأتي في باب الاضحية الادعية المشتملة عليه، وروى الشيخ في الخلاف أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ الكبش فأضجعه وذبحه وقال: اللهم (9) تقبل من محمد وآل محمد و من امة محمد (10).


(1) عيون اخبار الرضا: 267 طبعة التفرشى. (2) الخصال 2: 607، (3) في المصدر: تكره الصلاة على النبي (ص) عند الذبيحة. (4) المصدر خال عن قوله: وأخبارهم. (5) الاحزاب: 56. (6) الشرح: 4. (7) في المصدر: ان لا اذكر. (8) الخلاف 2: 207 (ط 1). (9) في المصدر: بسم الله، اللهم اه‍. (10) الخلاف 2: 208. (*)

[313]

6 - كتاب المسائل: بالاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يذبح على غير قبلة قال: لا بأس إذا لم يتعمد، وإن ذبح ولم يسم فلا بأس أن يسمي إذا ذكر بسم الله على أوله وآخره ثم يأكل (1). بيان: أجمع الاصحاب على اشتراط استقبال القبلة في الذبح والنحر وأنه لو أخل به عامدا حرمت، ولو كان ناسيا لم تحرم والجاهل كالناسي، ودلت على جميع ذلك الاخبار المعتبرة منها ما رواه الكليني (2) في الحسن كالصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة، قال: كل منها، قلت له: فانه لم يوجهها (3) قال: فلا تأكل منها (4) وقال عليه السلام: إذا أردت أن تذبح فاستقبل بذبيحتك القبلة. وأيضا روى بسند (5) مثله عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذبيحة ذبحت بغير القبلة قال: كل ولا بأس بذلك ما لم يتعمده. وقال في المسالك: من لا يعتقد وجوب الاستقبال في معنى الجاهل فلا تحرم ذبيحته والمعتبر الاستقبال بمذبح الذبيحة ومقاديم بدنها، ولا يشترط استقبال الذابح وإن كان ظاهر العبارة يوهم ذلك، حيث أن ظاهر الاستقبال بها أن يستقبل هو معها أيضا على حد قولك: ذهبت بزيد وانطلقت به، بمعنى ذهابهما وانطلاقهما معا ووجه عدم اعتبار استقباله أن التعدية بالباء يفيد معنى التعدية بالهمزة كما في قوله تعالى: " ذهب الله


(1) بحار الانوار 10: 265. (2) رواه في الفروع 6: 233 عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير عن عمر ابن اذينة عن محمد بن مسلم. (3) أي عالما عامدا. (4) اختصر الحديث، والموجود في المصدر بعد ذلك: ولا تأكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم الله عزوجل عليها. (5) رواه ايضا في الفروع 6: 233 عن على بن ابراهيم عن ابيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم.

[314]

بنورهم (1) " أي أذهب نورهم، وفي الخبر الثاني ما يرشد إلى الاكتفاء بتوجهها إلى القبلة خاصة. وربما قيل بأن الواجب هنا الاستقبال بالمنحر والمذبح خاصة، وليس ببعيد ويستحب استقبال الذابح أيضا هذا كله مع العلم بجهة القبلة أما لو جهلها سقط اعتبارها لتعذرها كما يسقط اعتبارها في المستعصي لذلك انتهى (2). وأقول: الظاهر أنه يكفي الاستقبال بأي وجه كان، سواء أضجعها على اليمين أو على اليسار كما هو الشايع أو لم يضجعها وأقامتها واستقبل بمقاديمها إليها كالطير لاطلاق الاستقبال الشامل لجميع تلك الصور، وكون استقبال الملحود بالاضجاع على اليمين لا يستلزم كونه في جميع الموارد كذلك مع أن الذبح على هذا لوجه في غاية العسر غالبا إلا للاعسر (3) الذي يعمل باليد اليسرى وهو نادر بين الناس، بل يمكن أن يقال: الاطلاق ينصرف إلى الفرد الشايع الغالب وهو الاضجاع على اليسار، فيشكل الحكم بأن الاحتياط يقتضي الاضجاع على اليمين فتأمل. 7 - كتاب المسائل: بالاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن ذبيحة الجارية هل يصلح ؟ قال: إذا كانت لا تنخع (4) ولا تكسر الرقبة فلا بأس وقال: قد كانت لاهل علي بن الحسين عليه السلام جارية تذبح لهم (5). بيان: المشهور بين الاصحاب كراهة نخع الذبيحة، وهو أن يبلغ بالسكين النخاع مثلث النون، فيقطعه أو يقطعه قبل موتها، والنخاع هو الخيط الابيض وسط الفقار بالفتح ممتدا من الرقبة إلى عجب الذنب بفتح العين وسكون الجيم وهو اصله، وقيل: يحرم لورود النهي عنه في الخبر الصحيح وهو أحوط، وعلى تقديره لا تحرم الذبيحة، وربما


(1) البقرة: 17. (2) المسالك 2: 226 و 227. (3) الاعسر: الذى يعمل بشماله. (4) نخع الذبيحة: جاوز بالسكين منتهى الذبح فاصاب نخاعها. (5) بحار الانوار 10: 256 فيه: هل تصلح.

[315]

قيل بالتحريم أيضا وإنما يحرم الفعل على القول به مع تعمده، فلو سبقت يده فقطعه فلا بأس. ومن مكروهات الذبح أشياء ذكرها الاصحاب: الاول أن يقلب السكين، أي يدخلها تحت الحلقوم ويقطعه مع باقي الاعضاء إلى خارج وحرم الشيخ في التهذيب وتبعه القاضى وقد ورد النهي عنه في رواية حمران (1). الثاني: يكره أن يذبح حيوان وآخر ينظر إليه لرواية غياث بن إبراهيم (2) و حرمه الشيخ في النهاية وهو ضعيف. الثالث: يكره إيقاعها ليلا إلا أن يخاف الفوت لرواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام (3). الرابع: إيقاعها يوم الجمعة إلى الزوال إلا عن ضرورة لرواية الحلبي عن الصادق (4) عليه السلام والظاهر كراهة الفعل في جميع ذلك ولا تسري الكراهة إلى أكل المذبوح كما يوهمه كلام بعض الاصحاب إذ لا تلازم بينهما. وقال في المسالك: قد بقي للذبح وظائف منصوصة ينبغي إلحاقها بما ذكر، وهي تحديد الشفرة وسرعة القطع، وأن لا يري الشفرة للحيوان وأن يستقبل الذابح القبلة ولا يحركه ولا يجره من مكان إلى آخر بل يتركه إلى أن يفارقه الروح، وأن يساق إلى المذبح برفق، ويضجع برفق ويعرض عليه الماء قبل الذبح، ويمر السكين بقوة (5) ويجد في الاسراع ليكون أوحى وأسهل. وروى شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله كتب عليكم الاحسان في


(1) راجع الوسائل 16: 255. (2) راجع الوسائل 16: 258. (3) راجع الوسائل 16: 274. (4) راجع الوسائل 16: 247 وفى الرواية: كان رسول الله " ص " يكره الذبح واراقة الدم يوم الجمعة قبل الصلاة الا عن ضرورة. (5) زاد في المصدر بعد ذلك: وتحامل ذهابا وعودا.

[316]

كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته. وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وآله أمر أن يحد الشفار وأن يوارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز انتهى (1). وأقول: الاخبار عامية لكنها موافقه لاعتبار العقل والعمومات وما سيأتي من الاخبار. 8 - الدعائم: ومن ذبح في الحلق دون الغلصمة (2) ما يجوز ذبحه من الحيوان على ما يجب من سنة الذبح، فقطع الحلقوم والمرئ والودجين وأنهر الدم وماتت الذبيحة من فعله ذلك فهى ذكية باجماع فيما علمناه. وعن علي وأبي جعفر عليهما السلام أنهما قالا: ما قطع من الحيوان فبان عنه قبل أن يذكى فهو ميتة لا يؤكل ويذكى الحيوان ويؤكل باقيه إن أدرك ذكاته. 9 - وعن علي عليه السلام أنه قال: علامة الذكاة أن تطرف العين أو يركض الرجل أو يتحرك الذنب أو الاذن فان لم يكن من ذلك شئ، وهراق منها دم عند الذبائح وهي لا تتحرك لم تؤكل. 10 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ترفق بالذبيحة ولا يعنف بها قبل الذبح ولا بعده، وكره أن يضرب عرقوب الشاة بالسكين. 11 - وعنه عليه السلام أنه سئل عن الذبيحة تتردى بعد أن تذبح عن مكان عال أو تقع في ماء أو نار قال: إن كنت قد أجدت الذبح وبلغت الواجب فيه فكل. 12 - وعنه عليه السلام أنه نهى عن ذبيحة المرتد. 13 - وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه سئل عن الشاة تذبح قائمة قال: لا ينبغي ذاك السنة أن تضجع وتستقبل بها القبلة. 14 - وعنه عليه السلام أنه سئل عن البعير يذبح أو ينحر، قال: السنة ان ينحر


(1) المسالك 2: 228. (2) الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق.

[317]

قيل: كيف ينحر ؟ قال: يقام قائما حيال القبلة ويعقل يده الواحدة ويقوم الذي ينحره حيال القبلة فيضرب في لبته بالشفرة حتى تقطع وتفرى. 15 - وعنه عليه السلام أنه سئل عن البقر ما يصنع بها ؟ تنحر أو تذبح ؟ قال: السنة أن تذبح وتضجع للذبح، ولا بأس إن نحرت. 16 - وعنه عليه السلام سئل عن الذبيحة إن ذبحت من القفا، قال: إن لم يتعمد ذلك فلا بأس، وإن تعمده وهو يعرف سنة النبي صلى الله عليه وآله لم تؤكل ذبيحته ويحسن أدبه. 17 - وعن علي عليه السلام أنه سئل عن شاتين أحدهما ذكية والاخرى غير ذكية لم تعرف الذكية منهما قال: رمي بهما جميعا (1). بيان: في القاموس: هراق الماء يهريق بفتح الهاء هراقة بالكسر: صبه، وأصله أراقه يريقه إراقة. وقال العرقوب: عصب غليظ فوق عقب الانسان، ومن الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قوله: " لا ينبغي " ظاهره الجواز مع الكراهة، والشفرة بالفتح: السكين العظيم، والفري: الشق، قوله: " ولا بأس إن نحرت " محمول على التقية، والمشهور كراهة الذبح من القفا، وقال العلامة رحمه الله وغيره: لو قطع رقبة المذبوح من قفاه وبقيت أعضاء الذبح فان كانت حياة مستقرة ذبحت وحلت، وإن لم تبق حياة مستقرة لم تحل. وأقول: قد عرفت عدم الدليل على اشتراط استقرار الحياة، وما يتوهم من أنه اشترك في إزهاق روحه الذبح الشرعي وغيره فلاوجه له، وأنه مع تحقق الذبح و بقاء الحياة لا عبرة بذلك كأكيل السبع وغيره. 18 - قرب الاسناد: عن أحمد بن إسحاق عن بكر بن محمد الازدي قال: جاء محمد بن عبد السلام إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال له: إن رجلا ضرب بقرة بفأس فوقذها (2) ثم


(1) دعائم الاسلام: نسخته ليست عندي. (2) وقذه: صرعه، ضربه شديدا حتى أشرف على الموت.

[318]

ذبحها فلم يرسل إليه الجواب ودعا سعيدة فقال لها: إن هذا جاءني فقال: إنك أرسلت إلي في صاحب البقرة التي ضربها بفأس فان كان الدم خرج معتدلا فكلوا وأطعموا، وإن كان خرج خروجا عتيا (1) فلا تقربوه، قال: فأخذت الغلام (2) فأرادت ضربه فبعث إليها اسقيه السويق فانه ينبت اللحم ويشد العظم (3). تبيان: رواه الكليني (4) رحمه الله عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن الحسن بن مسلم (5) قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ جاءه محمد بن عبد السلام فقال له: جعلت فداك يقول لك جدي: إن رجلا ضرب بقرة بفأس فسقطت ثم ذبحها، فلم يرسل معه بالجواب، ودعا سعيدة مولاة أم فروة فقال لها: إن محمدا جاءني برسالة منك فكرهت (6) أن ارسل إليك بالجواب معه، فان كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلا فكلوا وأطعموا، وإن كان خرج خروجا متثاقلا فلا تقربوه. وروى في التهذيب أيضا بإسناده عن أحمد بن محمد (7) والظاهر أن سعيدة أرسلها إلى جد محمد والتقدير فقال لها: قولي له: إن محمدا، ويحتمل أن يكون في الاصل: " جدتي " وكانت هي سعيدة كما هو ظاهر قرب الاسناد. وفي القاموس: الوقذ: شدة الضرب وشاة وقيذ وموقوذة قتلت بالخشب، والوقيذ


(1) في المصدر: " منتنا " أقول: لعله مصحف متثاقلا. (2) لعله الرجل الذى ضرب البقرة بفأس. (3) قرب الاسناد: 21. (4) في الفروع 6: 232. (5) في المصدر: على بن الحكم عن سليم الفراء عن الحسن بن مسلم. (6) كره ان يرسل معه بالجواب اما لانه كان يتقى عنه أو كان في المجلس من يتقى عنه. (7) رواه الشيخ في التهذيب 9: 56 وفيه: احمد بن محمد عن على بن الحكم عن سليم الفراء عن الحسين بن مسلم.

[319]

السريع، والشديد المرض المشرف كالموقوذ ووقذه: صرعه وسكته وغلبه وتركه عليلا كأوقذه، وقوله عتيا تصحيف، والظاهر متثاقلا كما في الكتابين. وعلى تقديره كناية عن التثاقل، لان عتيا بضم العين وكسرها مصدر عتا بمعنى استكبر وتجاوز عن الحد، كأن الدم يستكبر عن الخروج. وفي بعض النسخ " عننا " بنونين من قولهم: عن السير فلانا أضعفه وأعناه، قال فأخذت الغلام، أي أخذت سعيدة أو الجدة إن كانت غيرها، محمدا (1) فأرادت ضربه لظنها أنه قصر في الابلاغ، أو كان السؤال بغير أمرها، والامر بسقي السويق لتلافي ما أصابه من خوف الضرب والخبر الصحيح يدل على الاكتفاء في إدراك التذكية بخروج الدم المعتدل. 19 - الخصال: عن أحمد بن زياد والحسين بن إبراهيم وعلي بن عبد الله الوراق وحمزة بن محمد العلوي جميعا عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن زياد الازدي و أحمد بن محمد البزنطي معا عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال في قوله عزوجل: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (2) " الآية، قال: الميتة والدم ولحم الخنزير معروف " وما أهل لغير الله به " يعنى ما ذبح للاصنام. وأما المنخنقة فان المجوس كانوا لا يأكلون الذبايح ويأكلون الميتة، وكانوا يخنقون البقر والغنم، فإذا اختنقت وماتت أكلوها " والمتردية " كانوا يشدون أعينها ويلقونها من السطح فإذا ماتت أكلوها، و " النطيحة " كانوا يناطحون (3) بالكباش فإذا ماتت إحداها أكلوا " وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " فكانوا يأكلوا ما يقتله الذئب والاسد (4)


(1) مفعول اخذت. أي اخذت سعيدة محمدا. أقول: تقدم منا احتمال آخر. (2) المائدة: 4. (3) نطحه الثور ونحوه: أصابه بقرنه. وناطحه بمعنى نطحه. (4) هكذا في المخطوطة والمصدر، وفى المطبوعة: " الذئب والاسد والارنب " وفى التفسير: والاسد والدب.

[320]

فحرم الله ذلك " وما ذبح على النصب " كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر والصخر فيذبحون لهما. " وأن تستقسموا بالازلام ذلكم فسق " قال: كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة: سبعة لها أنصباء (1)، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى، فالفذله سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى به سبعه أسهم. والتي لا أنصباء لها: السفيح والمنيح والوغد، وثمن الجزور على من [لم] يخرج له من الانصباء شئ وهو القمار فحرمه الله عزوجل (2). تفسير علي بن إبراهيم مرسلا مثله إلا أنه قال قبل المتردية: " والموقوذة: كانوا يشدون أرجلها ويضربونها حتى تموت فإذا ماتت أكلوها والمتردية كانوا يشدون أعينها " (3) الخ وكأنه سقط من النساخ أو الرواة. وأقول: هذا الخبر صريح في مخالفة المشهور في السبعة إلا في الاول والثاني والسابع كما عرفت قوله: عليه السلام " على من لم يخرج له من الانصباء " اللام للعهد أي الثلاثة وفي بعض النسخ: " على من لم يخرج " فالمراد بالانصباء السبعة. 20 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: سئل الصادق عن ذبيحة الاغلف فقال عليه السلام: كان علي عليه السلام لا يرى بها بأسا (4). بيان: لا خلاف فيه ظاهرا بين الاصحاب، قال في الدروس: يحل ذبيحة المميز والمرأة والخصي والخنثى والجنب والحائض والاغلف والاعمي إذا سدد لما روي


(1) أنصباء جمع النصيب: الحظ. الحصة من الشئ. (2) الخصال 2: 451 و 452. (3) تفسير القمى: 149 و 150. (4) قرب الاسناد: 24 (ط 1).

[321]

عنهما عليهما السلام وولد الزنا على الاقرب (1). 21 - قرب الاسناد: عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: كان علي عليه السلام يقول: لا بأس بذبيحة المروة والعود وأشباههما ما خلا السن والعظم (2). 22 - بالاسناد عن علي عليه السلام أنه كان يقول: إذا أسرعت السكين في الذبيحة فقطعت الرأس فلا بأس بأكلها (3). بيان: يدل الخبر الاول على جواز الذبح بالحجارة المحددة والعود وأشباههما وحمل على الضرورة، والثاني منطوقا على عدم البأس بابانة الرأس إذا كان بغير اختيار ومفهوما على مرجوحية الاكل إذا كانت الابانة عمدا، وفيه قولان: أحدهما التحريم ذهب إليه الشيخ في النهاية وابن الجنيد وجماعة لصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام أنه قال: لا تنخع ولا تقطع الرقبة بعد ما يذبح (4). قالوا: هو نهي، والاصل فيه التحريم. والثاني: الكراهة ذهب إليه الشيخ في الخلاف وابن إدريس والمحقق والعلامة في غير المختلف، ثم على تقدير التحريم هل تحرم الذبيحة أم لا ؟ فيه قولان: أحدهما التحريم ذهب إليه الشيخ في النهاية وابن زهرة، وقيل: لا يحرم لصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن ذابح طير قطع رأسه أيؤكل منه ؟ قال: نعم، ولكن لا يتعمد (5).


(1) الدروس: كتاب الصيد والذباحة. (2) قرب الاسناد: 51. (3) قرب الاسناد: 51. (4) رواه الكليني في الفروع والشيخ في التهذيب راجع الوسائل 16: 267. (5) لم نجد ذلك عن محمد بن مسلم، نعم روى مثل ذلك الصدوق في الفقيه عن حماد عن الحلبي. راجع الوسائل 16: 259.

[322]

ولو أبان الرأس بغير تعمد فلا إشكال في عدم التحريم لهذا الخبر وغيره من الاخبار. 23 - كتاب المسائل: بالاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل ذبح فقطع الرأس قبل أن تبرد الذبيحة، كان ذلك، منه خطأ أو سبقه السكين أيؤكل ذلك ؟ قال: نعم، ولكن لا يعود (1). 24 - الخصال: عن أحمد بن الحسن القطان عن الحسن بن علي السكري (2) عن محمد بن زكريا الجوهري عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السلام قال: لا تذبح المرأة إلا من اضطرار (3). 25 - مجالس ابن الشيخ عن أبيه عن الحسين بن عبيد الله عن هارون بن موسى التلعكبري عن عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة البرقي عن محمد البرقي عن زكريا المؤمن عن إسحاق بن عبد الله الاشعري قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تستعن بالمجوس ولو على أخذ قوائم شاتك وأنت تريد ذبحها (4). بيان: محمول على الكراهة، ويدل على أنه يجوز أن يأخذ غير الذابح قوائم الشاة عند الذبح. 26 - معاني الاخبار: عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن علي بن مهزيار عن فضالة عن أبان عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فإذا وجبت جنوبها " (5) قال: إذا وقعت على الارض " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " الخبر (6).


(1) بحار الانوار 10: 278 طبعة الاخوندى. (2) في المصدر: الحسن بن على العسكري. (3) الخصال: 2: 141 (ط 1) و 2، 585 طبعة الغفاري. (4) أمالى الطوسى... (5) الحج: 36. (6) معاني الاخبار: 208 طبعة الغفاري.

[323]

27 - العيون والعلل بالاسانيد المتقدمة في باب علل تحريم المحرمات عن محمد بن سنان أن أبا الحسن الرضا عليه السلام كتب إليه: حرم ما اهل به لغير الله للذي أوجب على خلقه من الاقرار به وذكر اسمه على الذبائح المحللة، ولئلا يساوى بين ما تقرب به إليه وبين ما جعل عبادة للشياطين والاوثان، لان في تسمية الله عزوجل الاقرار بربوبيته وتوحيده وما في الاهلال لغير الله من الشرك به والتقرب به إلى غيره ليكون ذكر الله وتسميته على الذبيحة فرقا بين ما أحل وبين ما حرم (1). توضيح: كأن قوله: " حرم ما أهل به " إلى قوله " المحللة " تعليل لوجوب ذكر اسمه سبحانه على الذبائح، والمعنى أنه لما كان أعظم أصول الدين الاقرار به سبحانه وكان تكرير ذلك سببا لرسوخ هذا الاعتقاد وإعلان الامر الذي به يتحقق إسلام العباد وكان الذبح مما يحتاج إليه الناس ويتكرر وقوعه، فلذا أوجب على على العباد الاقرار بذلك عنده، وبقية الكلام تعليل لتحريم ذكر اسم غيره تعالى عند الذبائح، لانه يتضمن خلاف هذا المقصود وإعلان الشرك والاقرار به، فحرم الذبيحة عند ذلك لينزجروا فقوله: " ليكون ذكر الله " كالنتيجة لما تقدم، والله يعلم. 27 - العياشي: عن يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إن أهل مكة يذبحون البقر في اللبب فما ترى في أكل لحومها ؟ قال: فسكت هنيهة ثم قال: قال الله: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " لا تأكل إلا ما ذبح من مذبحه (2). 28 - ومنه: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كل كل شئ من الحيوان غير الخنزير والنطيحة والموقوذة والمتردية وما أكل السبع وهو قول الله: " إلا ما ذكيتم " فان أدركت شيأ منها وعين تطرف أو قائمة تركض أو ذنب يمصع فذبحت فقد أدركت ذكاته فكله، قال: وإن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء


(1) عيون الاخبار: 244 (طبعة التفرشى) فيه: " لئلا يسوى " وفيه: فرقا بين ما احل الله وبين ما حرم الله. (2) تفسير العياشي 1: 47 ورواه الكليني والطوسي راجع الوسائل 16: 257.

[324]

أو من فوق بيت أو من فوق جبل إذا كنت قد أجدت الذبح فكل (1). بيان: قوله " والنطيحة " إما عطف على الخنزير فالمراد بها وبما بعدها عدم إدراك ذكاتها، أو عطف على الحيوان، أو على كل شئ، والمراد إدراك التذكية وهو أظهر وأنسب بما بعده، وعلى التقديرين مخصص بالكلب والمسوخات وغيرهما مما مر ومصعت الدابة بذنبها حركه وهو كمنع، والمراد باجادة الذبح قطع ما يجب قطعه من أعضاء الذبح، ويدل على أنه إذا وقع على الذبيحة بعد الذبح وقبل الموت ما يوجب هلاكه لو لم يذبح لم يضر. قال في التحرير: إذا قطع الاعضاء فوقع المذبوح في الماء قبل خروج الروح أو وطئه ما خرج الروح به لم يحرم. 29 - العياشي: عن الحسن بن علي الوشا عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: المتردية والنطيحة وما أكل السبع إذا أدركت ذكاته فكله (2). 30 - ومنه: عن عيوق بن قسوط عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " المنخنقة " قال: التي تختنق في رباطها، والموقوذة: المريضة التي لا تجد ألم الذبح ولا تضطرب ولا يخرج لها دم، والمتردية: التي تردى من فوق بيت أو نحوه، والنطيحة التى ينطح صاحبها (3). بيان: ينطح صاحبها أي ينطحها صاحبها. 31 - العياشي: عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يذبح الذبيحة فيهلل أو يسبح أو يحمد أو يكبر، قال: هذا كله من أسماء الله (4). 32 - العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن ذبيحة المرأة والغلام هل يؤكل ؟ قال نعم إذا كانت المرأة مسلمة وذكرت اسم الله حلت ذبيحتها


(1) تفسير العياشي 1: 291 و 292 ورواه الطوسى في التهذيب راجع الوسائل 16: 262. (2) تفسير العياشي 1: 292. (3) تفسير العياشي 1: 292. (4) تفسير العياشي 1: 375.

[325]

وإذا كان الغلام قويا على الذبح وذكر اسم الله حلت ذبيحته، وإن كان الرجل مسلما فنسي أن يسمى فلا بأس إذا لم تتهمه (1). بيان: لا خلاف في عدم حل ذبيحة المجنون والصبي غير المميز، ولا في أنه تحل ذبيحة الصبي المميز إذا أحسن الذبح وسمى، وفي بعض الاخبار: إذا تحرك و كان له خمسة أشبار وأطاق الشفرة (2)، وكان تلك الاوصاف لبيان القدرة والتميز وفي بعض الاخبار: إذا خيف فوت الذبيحة ولم يوجد غيره وفي بعضها: إذا اضطروا إليه، وكأنها محمولة على الكراهة مع عدم الضرورة وإن لم يذكرها الاصحاب، و الاحوط العمل بها، قوله عليه السلام: " إذا لم تتهمه " بأن يكون مخالفا لا يعتقد وجوب التسمية ويتهم بتركه عمدا موافقا لعقيدته. 33 - تفسير الامام: قال عليه السلام: قال الله عزوجل: " إنما حرم عليكم الميتة " التي ماتت حتف أنفها بلا ذباحة من حيث أذن الله فيها " والدم ولحم الخنزير " أن يأكلوه " وما أهل به لغير الله " ما ذكر عليه اسم غير الله من الذبايح وهي التي تتقرب بها الكفار بأسامي أندادهم التي اتخذوها من دون الله (3). 34 - النجاشي عن أحمد بن علي بن نوح عن فهد بن إبراهيم عن محمد بن الحسن عن محمد بن موسى الحرشي عن ربعي بن عبد الله بن الجارود قال: سمعت الجارود يحدث قال: كان رجل من بني رياح يقال له: سحيم بن أثيل نافر غالبا أبا الفرزدق بظهر الكوفة على أن يعقر هذا من إبله مائة إذا وردت الماء (4)، فلما وردت الماء قاموا إليها بالسيوف فجعلوا يضربون عراقيبها فخرج الناس على الحميرات والبغال يريدون اللحم، قال: و علي عليه السلام بالكوفة، قال: فجاء على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله إلينا وهو ينادي: أيها الناس


(1) تفسير العياشي 1: 375. (2) راجع الوسائل 16: 275. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (ع): 245. (4) في المصدر: على أن يعقر هذا من ابله مائة، وهذا من ابله مائة إذا وردت الماء

[326]

لا تأكلوا من لحومها وإنما اهل بها لغير الله (1). توضيح: " نافر " بالنون والفاء أي غالبه بالمراهنة بالسباق أو بالمفاخرة بالحسب أو الكرم والسخاء في القاموس: النفر: الغلبة، والنفارة بالضم ما يأخذه النافر من المنفور أي الغالب من المغلوب، وأنفره عليه ونفره: قضى له عليه بالغلبة، ونافرا: حاكما في الحسب أو المفاخرة. وفي النهاية في حديث أبي ذر نافر أخى أنيس فلانا الشاعر تنافر الرجلان: إذا تفاخرا ثم حكما بينهما واحدا، أراد أنهما تفاخرا أيهما أجود شعرا، والمنافرة المفاخرة والمحاكمة يقال: نافره فنفره ينفره بالضم: إذا غلبه انتهى (2). فالاظهر أن المراد أنهما تفاخرا فراهنا على أن من حكم عليه يعقر مائة من الابل، وقوله عليه السلام: اهل بها لغير الله لعله أراد به أنها أخذت بالمراهنة كالقمار ولا يحل أكلها، فيحمل على أنهم نحروها بعد العقر أو ذكر عليه السلام أحد أسباب حرمتها، ويحمل على أنها كانت نافرة لا يقدر عليها ولم يسموا عليها، فلذا علل بعد التسمية وكأن الاول أظهر. 35 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي عن بشيرين خيثمة عن عبد القدوس عن أبى إسحاق عن الحارث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه دخل السوق وقال: يا معشر اللحامين من نفخ منكم في اللحم فليس منا (3). بيان: النفخ في اللحم يحتمل الوجهين: الاول ما هو الشايع من النفخ في الجلد لسهولة السلخ، والثاني التدليس الذي يفعل الناس من النفخ في الجلد الرقيق الذي على اللحم ليرى سمينا، وهذا أظهر. 35 - المجازات النبوية: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث طويل عن الذبح بالسن والظفر أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة.


(1) فهرست النجاشي: 119 و 120 (ط 1). (2) النهاية 4: 173 وزاد: ونفره وأنفره: إذا حكم له بالغلبة. (3) كتاب الغارات: لم يطبع بعد.

[327]

قال السيد رضي الله عنه: وهذا استعارة والمدى السكاكين، فكأنه عليه السلام قال: والاظفار سكاكين الحبشة لانهم يذبحون بحدها ويقيمونها مقام المدى في التذكية بها والظفر ههنا اسم للجنس كالدينار والدرهم في قولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم أي الدنانير والدراهم، ولذلك صح أن يقول: مدى الحبشة، والمدى جمع لان الواحدة مدية (1). تأييد: قال في القاموس: المدية مثلثة: الشفرة، والجمع مدى ومدى. 36 - المحاسن: عن علي بن الريان عن عبيد الله بن عبد الله الواسطي عن واصل ابن سليمان عن درست (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الرأس موضع الذكاة الحديث (3). 37 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن جده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن البدنة كيف ينحرها ؟ قائمة أو باركة ؟ قال: يعقلها وإن شاء قائمة وإن شاء باركة (4). 38 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ذبح ذبيحة فليحد شفرته وليرح ذبيحته. 39 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذب البهيمة أحد الشفرة واستقبل القبلة ولا تنخعها حتى تموت، يعني بقوله: " ولا تنخعها " قطع النخاع، وهو عظم في العنق. 40 - وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا فيمن ذبح بغير القبلة: إن كان أخطا أو نسي أو جهل فلا شئ عليه وتؤكل ذبيحته، وإن تعمد ذلك فقد أساء، ولا يجب (5) أن تؤكل ذبيحته تلك إذا تعمد خلاف السنة.


(1) المجازات النبوية: 430. طبع القاهرة. (2) في المصدر: أو درست قال: ذكرنا الرؤوس عند أبى عبد الله والرأس من الشاة فقال: الرأس موضع الذكاة وأقرب من المرعى وأبعد من الاذى. (3) المحاسن: 469. (4) قرب الاسناد: 104 فيه: يعقلها ان شاء قائمة اه‍. (5) في المخطوطة: ولا يوجب.

[328]

41 - وعن علي عليه السلام أنه قال: إذا ذبح أحدكم فليقل: بسم الله والله أكبر. 42 - قال: أبو جعفر عليه السلام ويجزيه أن يذكر الله وما ذكر الله عزوجل به أجزأه وإن ترك التسمية متعمدا لم تؤكل ذبيحته، وإن جهل ذلك أو نسيه سمى إذا ذكر و أكل. 43 - وعن رسول الله عليه السلام أنه نهى عن المثلة بالحيوان وعن صبر البهائم. والصبر (4) الحبس، ومن حبس شيئا فقد صبره، ومنه قيل: قتل فلان صبرا: إذا أمسك على الموت، فالمصبورة من البهائم هي المختمة كالدجاجة وغيرها من الحيوان تربط و توضع في مكان ثم ترمى حتى تموت. 44 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: من قتل عصفورا عبثا أتى الله به يوم القيامة وله صراخ يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني بغير ذبح ؟ فليحذر أحدكم من المثلة و ليحد شفرته ولا يعذب البيهمة. 45 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن أن تسلخ الذبيحة أو تقطع رأسها حتى تموت وتهدأ. 46 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: اذبح في المذبح يعني دون الغلصمة، ولا تنخع الذبيحة ولا تكسر الرقبة حتى يموت. 47 - وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عمن ينخع الذبيحة من قبل أن تموت يعني كسر عنقها، قال: قد أساء ولا بأس بأكلها. 48 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن قطع رأس الذبيحة في وقت الذبح. 49 - وعن علي عليه السلام أنه كتب إلى رفاعة: أن يأمر القصابين أن يحسنوا الذبح، فمن صمم فليعاقبه، وليلق ما ذبح إلى الكلاب. 50 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ولا يتعمد الذابح قطع الرأس فان ذلك جهل. 51 - وعنه وعن أبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا فيمن لم يتعمد قطع رأس


(1) الظاهر أن التفسير من صاحب الدعائم.

[329]

الذبيحة في وقت الذبح ولكن سبقه السكين فأبان رأسها قالا: تؤكل إذا لم يتعمد ذلك. 52 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الذبح إلا في الحلق، يعني إذا كان ممكنا. 53 - قال أبو جعفر عليه السلام: ولا تؤكل ذبيحة لم تذبح من مذبحها. 54 - وقال أبو عبد الله عليه السلام ولو تردى ثور أو بعير في بئر أو حفرة أو هاج فلم يقدر على منحره ولا مذبحه فانه يسمى الله عليه ويطعن حيث أمكن منه ويؤكل. 55 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الذبح بغير الحديد. 56 - وعن علي وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام أنهم قالوا: لا ذكاة إلا بحديدة. 57 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كره ذبح ذات الجنين وذات الدر بغير علة. 58 - وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما رخصا في ذبيحة الغلام إذا قوى على الذبح وذبح على ما ينبغي، وكذلك الاعمى إذا سدد، وكذلك المرأة إذا أحسنت. 59 - وعن علي عليه السلام أنه سئل عن الذبح على غير طهارة فرخص فيه. 60 - وعن أبي جعفر عليه السلام أنه رخص في ذبيحة الاخرس، إذا عقل التسمية وأشار بها (1). توضيح: قال في النهاية: " فيه أنه نهى عن المثلة " يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلا: إذا قطعت أطرافه وشوهت به، والاسم المثلة، ومنه الحديث: " نهى أن يمثل بالدواب " أي تنصب فترمى، أو تقطع أطرافها وهي حية، وزاد في الرواية: وأن يؤكل الممثول بها (2).


(1) دعائم الاسلام: ليست نسخته موجودة عندي. (2) النهاية 4: 82.

[330]

وقال: فيه " انه نهى عن قتل شئ من الدواب صبرا " هو أن يمسك شئ من ذوات الروح حيا ثم يرمى بشي حتى يموت، ومنه الحديث: نهى عن المصبورة، ونهى عن صبر ذي الروح انتهى (1) وفسر بعض أصحابنا الذبح صبرا بأن يذبحه وحيوان آخر ينظر إليه، ولم أجد هذا المعنى في اللغة، وتهدأ أي تسكن، وقال الجوهري: الغلصمة: رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتي في الحلق، وغلصمه أي قطع غلصمته. " فمن صمم " كذا في النسخ، فهو إما بالتخفيف كعلم بفك الادغام كما جوز هنا أي لم يسمع ولم يقل، أو بالتشديد على بناء التفعيل أي عزم على ما هو عليه ولم ير تدع، وقال في المسالك: الاخرس إن كان له إشارة مفهمة حلت ذبيحته، وإلا فهو كغير القاصد (2). 61 - التهذيب: باسناده عن علي بن أسباط عن أبي مخلد السراج قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه معتب فقال: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما، فدخلا، فقال أحدهما: انى رجل سراج أبيع جلود النمر فقال: مدبوغة هي ؟ قال: نعم قال ليس به بأس (3). 62 - ومنه: بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: قوائم السيوف التي تسمى السفن أتخذها من جلود السمك فهل يجوز العمل بها ولسنا نأكل لحومها ؟ فكتب لا بأس (4). بيان: اعلم أن الحيوان منه ما تقع عليه الزكاة إجماعا، وهو ما يؤكل لحمه، ومنه ما لا تقع عليه إجماعا، وهو الآدمي مطلقا، ونجس العين كالكلب والخنزير


(1) النهاية 2: 272. (2) مسالك الافهام 2: 225. (3) التهذيب 6: 374. (4) التهذيب 6: 371.

[331]

بمعنى أن الآدمي لا تطهر ميتته بالذبح وإن جاز ذبحه كالكافر، ونجس العين لا يطهر بالذكاة بل تبقى على نجاسته، ومنه ما في وقوعها عليه خلاف: فمنها المسوخ فمن قال: بنجاستها كالشيخين وسلار قال: بعدم وقوع الذكاة عليها، كما لا تقع على الكلب والخنزير وهو ضعيف، ومن قال: بطهارتها كأكثر الاصحاب اختلفوا فذهب المرتضى وجماعة إلى وقوعها عليها، ونفاه جماعة، ومنها الحشرات كالفأر وابن عرس والضب، والخلاف فيه كالخلاف في سابقه. الثالث السباع كالاسد والنمر والفهد والثعلب، والمشهور بين الاصحاب وقوع الذكاة عليها بمعنى إفادتها جواز الانتفاع بجلدها لطهارته، وقال الشهيد رحمه الله: لا يعلم القائل بعدم وقوع الذكاة عليها، وقد دلت عليه أخبار وإن قدح في أسناد أكثرها وإذا قلنا بوجوب الذكاة على السباع أو غيرها من غير المأكول فالاشهر بين المتأخرين أن طهارة جلدها لا يتوقف على الدباغ، وقال الشيخان والمرتضى والقاضي وابن إدريس بافتقاره إلى الدبغ ببعض الاخبار التي يمكن حملها على الاستحباب.

[332]

بسمه تعالى انتهى الجزء التاسع من المجلد الرابع عشر - كتاب

[331]

بمعنى أن الآدمي لا تطهر ميتته بالذبح وإن جاز ذبحه كالكافر، ونجس العين لا يطهر بالذكاة بل تبقى على نجاسته، ومنه ما في وقوعها عليه خلاف: فمنها المسوخ فمن قال: بنجاستها كالشيخين وسلار قال: بعدم وقوع الذكاة عليها، كما لا تقع على الكلب والخنزير وهو ضعيف، ومن قال: بطهارتها كأكثر الاصحاب اختلفوا فذهب المرتضى وجماعة إلى وقوعها عليها، ونفاه جماعة، ومنها الحشرات كالفأر وابن عرس والضب، والخلاف فيه كالخلاف في سابقه. الثالث السباع كالاسد والنمر والفهد والثعلب، والمشهور بين الاصحاب وقوع الذكاة عليها بمعنى إفادتها جواز الانتفاع بجلدها لطهارته، وقال الشهيد رحمه الله: لا يعلم القائل بعدم وقوع الذكاة عليها، وقد دلت عليه أخبار وإن قدح في أسناد أكثرها وإذا قلنا بوجوب الذكاة على السباع أو غيرها من غير المأكول فالاشهر بين المتأخرين أن طهارة جلدها لا يتوقف على الدباغ، وقال الشيخان والمرتضى والقاضي وابن إدريس بافتقاره إلى الدبغ ببعض الاخبار التي يمكن حملها على الاستحباب.

[332]

بسمه تعالى انتهى الجزء التاسع من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الابرار، وهو الجزء الثاني والستون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة الرائقة، وقد قابلناه على النسخة التى صححها الفاضل المكرم الشيخ عبد الرحيم الربانى المحترم بما فيها من التعليق والتنميق والله ولى التوفيق. محمد الباقر البهبودى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية