الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 61

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 61


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي قدس الله سره الجزء الحادي والستون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍. 1983 م دار احياء التراث العربي

[1]

(ابواب) * (الحيوان وأصنافها وأحوالها وأحكامها) * 1 (باب) * (عموم أحوال الحيوان واصنافها) * الآيات: الانعام " 6 ": وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا امم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون 38. النحل " 16 ": ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض من دابة 49. وقال تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 79. الانبياء " 21 ": وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين 79. النور " 24 ": ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون 41. وقال تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شئ قدير 45. النمل " 27 ": وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم

[2]

يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون 16 - 18. إلى قوله تعالى: وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سباء بنباء يقين 20 - 22. إلى قوله سبحانه: قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون 27 و 28. العنكبوت " 29 ": وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم 60. لقمان " 31 ": وبث فيها من كل دابة 10. ص " 38 ": والطير محشورة كل له أواب 19. الزخرف " 43 ": والذي خلق الازواج كلها 12. الجاثية " 43 ": وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون 4. الملك " 67 " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير 19. التكوير " 81 ": وإذا الوحوش حشرت 5. الفيل " 105 ": ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. إلى آخر السورة. تفسير: قال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى: " وما من دابة في الارض ": أي ما من حيوان يمشي على وجه الارض " ولا طائر يطير بجناحيه " جمع بهذين اللفظين جميع الحيوانات لانها لا تخلو أن تكون تطير بجناحيه أو تدب، وإنما قال: " يطير بجناحيه " للتوكيد ورفع اللبس، لان القائل قد يقول: طرفي حاجتي أي أسرع فيها، أو لان السمك تطير في الماء ولا جناح لها، وإنما خرج السمك عن الطائر لانه من دواب البحر، وإنما أراد تعالى ما في الارض وما في الجو (1).


(1) مجمع البيان 4: 297. *

[3]

وأقول: قيل: إنها تشمل الحيتان أيضا، إما بدخولها في الاول لانها تدب في الماء أو في الثاني، ولا يخفى بعدهما. وقال الرازي في قوله: " إلا امم أمثالكم: " قال الفراء: يقال: كل صنف من البهائم امة، وجاء في الحديث: " لولا أن الكلاب امة تسبح لامرت (1) بقتلها " فجعل الكلاب امة، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال: المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالنا (2) في الصورة والصفة والخلقة، وذلك باطل، فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الاحوال والامور، فاختلف الناس في تفسير الامر الذي حكم الله فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور: وذكروا فيه أقوالا: الاول: نقل الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: [يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني " وإلى هذا القول ذهبت طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتسبحه، واحتجوا عليه بقوله: " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " (3) وبقوله في صفة الحيوانات: " كل قد علم صلاته وتسبيحه " (4) ولانه تعالى (5) خاطب النمل والهدهد. وعن أبي الدرداء قال: ابهمت عقول البهم عن كل شئ إلا أربعة (6) أشياء:


(1) في المصدر: لو لا ان الكلاب امة من الامم لامرت بقتلها. (2) في المصدر: امثالا لنا. (3) الاسرء: 44. (4) النور: 41. (5) في المصدر: وبما أنه تعالى (6) في المصدر: الا عن أربعة. *

[4]

معرفة الاله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والانثى، وتهيأ كل واحد منهما لصاحبه. وروي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج - إلى الله تعالى يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني فآكل من حشارة (1) الارض. الثاني أن المراد كونها أمثالكم في كونها امما وجماعات، وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض، إلا أن للسائل أن يقول: حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة، إذ معلوم لكل أحد كونها كذلك. الثالث: أن المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها، وهذا يقرب من القول الثاني فيما ذكر. الرابع: أن المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر من العمر والرزق والاجل والسعادة والشقاوة، فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الاحوال في حق كل الحيوانات، قالوا: والدليل عليه قوله تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شئ ". والخامس: أنه أراد تعالى أنها أمثالها (2) في أنها تحشر يوم القيامة وتوصل (3) إليها حقوقها كما روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: يقتص للجماء من القرناء. السادس: ما رواه الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه لما قرأ هذه الآية قال: ما في الارض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الاسد ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس


(1) في المصدر: (خشاش الارض) والمعنى واحد وهو حشرات الارض. (2) في المصدر: امثالنا. (3) في المصدر: يوصل. *

[5]

كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير، فانه لو القي إليه الطعام الطيب تركه وإذا أقام الرجل عن رجيعه ولغت (1) فيه، وكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فان أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه. ثم قال: فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الاحتراز. ثم قال: ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الارواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة وبالاخلاق الطاهرة فانها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك، فربما قالوا: إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة، وإن كانت شقية جاهلة عاصية فانها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت تلك الارواح أكثر شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعبا وشقاء واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا: صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طير إلا وهي امم أمثالنا، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية وأما الصفات العرضية المفارقة فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة. ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه وقالوا: قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما تحصل لها من السعادة والشقاوة، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها. واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور امم، ثم إنه تعالى قال: " وإن من امة إلا خلا فيها نذير " (2) وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولا أرسله الله إليه، ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد والنمل وسائر القصص المذكورة في القرآن. واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الاصول، وأما


(1) في المصدر: ولغ فيه. (2) فاطر: 24. *

[6]

هذه الآية فقد ذكرنا أنه يكفي في ضبط حصول المماثلة (1) في بعض الامور المذكورة فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ (2) انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله: " إلا امم " أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يشتمل كل صنف على العدد الكثير عن مجاهد " أمثالكم " قيل: يريد أشباهكم في إبداع الله إياها وخلقه لها ودلالته على أن لها صانعا، وقيل: إنما مثلت الامم من غير الناس بالناس في الحاجة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وأكلهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم ومصالحهم وانهم يموتون ويحشرون. وبين بهذا أنه لا يجوز للعباد أن يتعدوا في ظلم شئ منها فان الله خالقها والمنتصف لها. ثم قال في قوله سبحانه: " إلى ربهم يحشرون " معناه يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض منها و ينتصف لبعضها من بعض. وفيما رووه عن أبي هريرة أنه قال: يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شئ، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء (3)، ثم يقول: " كوني ترابا " فلذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " (4). وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا انتطحت (5) عنزان (6) فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: " أتدرون فيم انتطحا ؟ فقالوا: لا ندري قال: لكن الله يدرى


(1) في المصدر: فقد ذكرنا ما يكفى في صدق حصول المماثلة. (2) تفسير الرازي 12: 213 - 215. (3) الجماء جمع الاجم: الكبش لا قرن له. والقرناء جمع الاقرن: ماله قرنان. (4) النبأ: 40. (5) نطحه: اصابه بقرنه وانتطح الكبشان: نطح احدهما الاخر، (6) في المصدر: إذ نطحت عنزان. *

[7]

وسيقضي بينهما " وعلى (1) هذا فانما جعلت أمثالنا في الحشر والقصاص (2). واستدلت جماعة من أهل التناسخ بهذه الآية على أن البهائم والطيور مكلفة لقوله: " امم امثالكم " وهذا باطل لانا قد بينا أنها من اي جهة تكون أمثالنا ولو وجب حمل ذلك على العموم لوجب أن تكون أمثالنا في كونها على مثل صورنا وهيئاتنا وخلقتنا وأخلاقنا، فكيف يصح تكليف البهائم وهي غير عاقلة ؟ والتكليف لا يصح إلا مع كمال العقل انتهى (3). وقال الرازي: للفضلاء فيه قولان: الاول: أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لا يصال الاعواض إليها وهو قول المعتزلة، وذلك لان إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ولما كان إيصال العوض إليها واجبا فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الاعواض إليها. والقول الثاني قول أصحابنا: إن الايجاب على الله تعالى محال، بل الله يحشرها بمجرد الارادة والمشية ومقتضى الالهية. واحتجوا على أن القول: بوجوب العوض على الله باطل بامور: الاول: أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك، وكونه تعالى مستلزما للذم محال، لانه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يعقل كونه مستحقا للذم بسبب أمر منفصل، لان ما يكون لازما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج (4). الثاني: أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لاجل العوض لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لاجل التزام العوض من غير رضاه، وذلك باطل، فثبت أن القول بالعوض باطل. إذا عرفت هذا فلنذكر بعض التفاريع الذي ذكر ها القاضي في هذا الباب:


(1) الظاهر الحديث ينتهى بقوله: بينهما، وبعده من كلام الطبرسي. (2) في المصدر: والاقتصاص. (3) مجمع البيان 4: 297 و 298. (4) زاد في المصدر حجة أخرى وهى انه تعالى مالك لكل المحدثات، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض. *

[8]

الاول: قال: كل حيوان استحق العوض عن (1) الله مما لحقه من الآلام و كان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا. فانه يجب على الله حشره (2) في الآخرة ليوفر عليه العوض، والذي لا يكون كذلك فانه لا يجب حشره عقلا إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل، فمن حيث السمع يقطع بذلك، وإنما قلنا: إن في الحيوانات من لا يستحق العوض البتة لانه ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام، ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا، فانه لم يثبت بالدليل أن الموت لابد وأن يحصل معه شئ من الالام (3)، وعلى هذا التقدير فانه لا يستحق العوض البتة. الثاني: كل حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض على الله، وهي على أقسام: منها: ما أذن في ذبحها لاجل الاكل، ومنها: ما أذن في ذبحها لاجل كونها مؤذية مثل السباع العادية والحشرات المؤذية، ومنها: ما اوذي بالامراض (4). ومنها: ما أذن الله في حمل الاحمال الثقيلة عليها واستعمالها بالافعال الشاقة، وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم، وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم. فان قيل: إذا ذبح ما يؤكل لحمه لا على وجه التذكية فعلى من العوض ؟ أجاب: بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذبح الحيوان إلا لاكله (5). الثالث: المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فانها كانت ترضى به، فهذا هو العوض الذي لاجله يحسن الايلام والاضرار.


(1) في المصدر: على الله. (2) في المصدر: حشره عقلا. (3) في المصدر: من الايلام. (4) في المصدر: ما آلمهما بالامراض. (5) في المصدر: الا لمأكله. *

[9]

الرابع: مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع، قال القاضي: وهو قول أكثر المفسرين لانه قال: إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا وعنده يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " (1). قال أبو القاسم: يجب كون العوض دائما (2). واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا لمنفعة منقطعة (3)، فعلمنا أن إيصال الالم إلى الغير غير مشروط بدوام الاجر (4). واحتج البلخي على قوله بأن قال: لا يمكن قطع ذلك العوض إلا باماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الالم وذلك الالم يوجب عوضا آخر وهكذا إلى مالا آخر له. والجواب عنه، أنه لم يثبت بالدليل أن الاماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الايلام. الخامس: أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة اخرى عوضا فان كانت البهيمة الظالمة قد استحقت على الله عوضا فان الله تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم وإن لم يكن الامر كذلك فالله تعالى يكمل هذا العوض فهذا مختصر من أحكام الاعواض على قول المعتزلة انتهى كلامه في هذا المقام (5). وقال في قوله تعالى: " ولله يسجد ": قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله، وسجود عبارة عن الانقياد والخضوع (6)، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، فانه لا يرجح (7)


(1) النبأ: 40. (2) في المصدر: يجب أن يكون العوض دائما. (3) في المصدر والاجرة منقطعة. (4) في المصدر الاجرة. (5) تفسير الرازي 12: 218 - 220. (6) في المصدر: عن الانقياد لله تعالى والخضوع. (7) في المصدر وانه لا يترجح. *

[10]

أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح، فمن (1) الناس من قال: المراد هنا المعنى الثاني لان اللائق بالدابة ليس له إلا هذا السجود، ومنهم من قال: المراد هو المعنى الاول لانه اللائق بالملائكة، ومنهم من قال: هو لفظ مشترك وحمل المشترك على معنييه جائز وهو ضعيف (2). وقال في قوله تعالى: " ألم يروا إلى الطير " هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، فانه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران، و خلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيها (3) لما أمكن ذلك، فانه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره اخرى، مثل ما يعمل السابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه (4) والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا، " ما يمسكهن إلا الله " المعنى أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الامساك إلى نفسه لانه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لاجلها يتمكن الطير من تلك الافعال، فلما كان تعالى هو السبب لذلك لاجرم صحت الاضافة انتهى (5). قوله تعالى: " والطير " أي والطير أيضا تسبح، وقد مر أن تسبيحها إما محمول على الحقيقة بناء على شعورها، أو جعلها الله في هذا الوقت ذات شعور معجزة لداود عليه السلام، أو تسبيحها بلسان الحال، كما مر في تسبيح الجمادات، أو هو من السباحة قال الرازي: وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الامة على


(1) نقله المصنف من هنا إلى آخر كلامه باختصار. (2) تفسير الرازي 20: 42 و 44. (3) في المصدر: الطيران فيه. (4) في المصدر يسهل بسببها خرقه. (5) تفسير الرازي 2: 90 و 91 فيه: فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الاضافة إلى الله تعالى. *

[11]

أن المكلفين إما الجن أو الانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف، بل يكون حاله (1) كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المرافق (2). وقال الطبرسي رحمه الله: تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد، عن الجبائي وعلي بن عيسى، وقيل: إن الطير كانت تسبح معه بالغداة والعشي معجزة له عن وهب، " وكنا فاعلين " أي قادرين على فعل هذه الاشياء، ففعلناها دلالة على نبوته (3). قوله سبحانه: " ألم تر " قال الرازي: أي ألم تعلم، وظاهره الاستفهام والمراد به التقرير والبيان. واعلم: أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالته بهذه الاشياء (4) على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال (5)، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه، وفي حق الباقين النطق باللسان، والاول: أقرب وأما القسم الثالث: فهو أن يقال: استعمل اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز فلم يبق إلا الاول. فان قيل: فالتسبيح بها المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هنا بالعقلآء ؟ قلنا: لان خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه، لان العجائب فيها أكثر (6).


(1) في المصدر: بل تكون على حالة. (2) تفسير الرازي 22: 200. (3) مجمع البيان 7: 58. (4) في المصدر: دلالة هذه الاشياء. (5) زاد في المصدر: واما ان يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به. (6) في المصدر: لان العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهى العقل والنطق والفهم. *

[12]

ولما ذكر (1) أن أهل السماوات وأهل الارض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء وهو الطير يسبحون، وذلك لان إعطاء الجرم الثقيل القوة التي تقوى بها على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها سجودا منها له سبحانه وذلك يؤكد ما ذكرناه أن المراد من التسبيح دلالة هذه الامور على التنزيه لا النطق اللساني، " كل قد علم " أي علم الله ويدل عليه قوله: " والله عليم بما يفعلون " هو اختيار جمهور المتكلمين. والثاني: أن يعود الضمير في علم، والصلاة، والتسبيح، على لفظ " كل " أي انهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح. والثالث: أن تكون الهاء راجعة إلى الله (2)، يعنى قد علم كل مسبح وكل مصل صلاته (3) التي كلفه إياها، وعلى هذين التقديرين فقوله: " والله عليم " استيناف. وروي عن أبي ثابت قال: كنت جالسا عند أبي جعفر (4) الباقر عليه السلام فقال لي: أتدرى ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال (5): فانهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن. واستبعد المتكلمون ذلك، فقالوا: الطير لو كانت عارفة بالله لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، لكنها ليست كذلك فانا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصانا


(1) فيه اختصار، وتمامه على ما في المصدر: اما قوله تعالى: " والطير صافات " فلقائل أن يقول: ما وجه اتصال هذا بما قبله ؟ والجواب انه سبحانه لما ذكر. (2) في المصدر: على ذكر الله. (3) في المصدر: صلاة الله. (4) في المصدر: " محمد بن جعفر الباقر " ولعله تصحيف من النساخ. (5) في المصدر: قال: لا، قال. *

[13]

من الصبي الذين لا يعرف هذه الامور، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال. ثم ذكر كثيرا من الحيل الدقيقة الصادرة عن الحيوانات كما سيأتي، واستدل بها على شعورها وعقلها، ثم قال: والاكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها ملهمة عن الله سبحانه بمعرفته والثناء عليه وكانت (1) غير عارفة بسائر الامور التي يعرفها الناس ؟ ولله در شهاب السمعاني حيث قال: جل جناب العز والجلال، عن أن يوزن بميزان الاعتزال (2). وقال في قوله سبحانه: " والله خلق كل دابة من ماء " في هذه الآية سئوالات: الاول: قال الله: " خلق كل دابة من ماء " مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من الماء كالملائكة (3)، وهو أعظم المخلوقات عددا، وأنهم (4) مخلوقون من النور، وأما الجن فهم مخلوقون من النار، وخلق الله آدم من التراب (5) وخلق الله عيسى من الريح لقوله: " فنفخنا فيه من روحنا " (6). وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن النطفة. والجواب من وجوه: أحدها وهو الاحسن ما قاله القفال: وهو أن " من ماء " صلة " كل دابة " وليس هو من صلة " خلق " أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله. وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي " أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور "


(1) في المصدر: وان كانت. (2) تفسير الرازي 24: 10 - 12. (3) في المصدر: اما الملائكة. (4) في المصدر: وهم مخلوقون. (5) زاد في المصدر: لقوله: " خلقه من تراب " أقول: الاية في آل عمران: 59. (6) التحريم: 12. *

[14]

ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الاصل الاول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه. وثالثها: أن المراد من الدابة، الذي يدب (1) على وجه الارض ومسكنهم هناك لتخرج الملائكة والجن (2)، ولما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء إما لانها متولدة من النطفة، وإما لانها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل. الثاني: لم سمي الزحف على البطن مشيا ؟ والجواب هذا على سبيل الاستعارة كمايقال: فلان لا يمشي له أمر، وعلى طريق المشاكلة. الثالث: أنه لم تنحصر (3) القسمة، لانا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثل العناكب والعقارب ومثل الحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا الذي يسمى دخال الاذن. والجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا بالعدم، ولان الفلاسفة يقولون: ماله قوائم كثيرة فالاعتماد له إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ولان قوله: " يخلق الله ما يشاء " تنبيه على أن الحيوانات كما اختلف بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب امور اخر. ولنذكر هيهنا بعض تلك التقسيمات: التقسيم الاول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء، أما الشركة: فمثل اشتراك الانسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما، وأما التباين: فاما أن يكون في نفس العضو، أو في صفته.


(1) في المصدر: التى تدب. (3) في المصدر: فيخرج عنه الملائكة والجن. (3) في المصدر: لم يستوف القسمة. *

[15]

أما الاول، فعلى وجهين: أحدهما: أن لا يكون العضو حاصلا للآخر وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني، كالفرس والانسان، فان الفرس له ذنب، والانسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليس إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر، وكل ذلك حاصل للانسان. والثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا بذاته ولا بأجزائه، مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به وليس للانسان، وللسمك فلوس (1)، وللقنفذ شوك، وليس شئ منها للانسان. وأما التباين في صفة العضو، فأما أن يكون من باب الكمية، أو الكيفية أو الوضع، أو الفعل، أو الانفعال، أما الذي في الكمية، فاما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعن العقاب صغيرة، أو بالعدد مثل أن أرجل بعض العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذي في الكيفية فكاختلافها في الالوان والاشكال والصلابة واللين، والذي في الوضع: فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فانه قريب من الصدور، وثدي الفرس فانه عند السرة، وأما الذي في الفعل: فمثل كون اذن الفيل للذب (2) مع كونه آلة للسمع، وليس كذلك الانسان (3) وكون أنفه آلة للقبض دون أنف غيره، وأما الذي في الانفعال: فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الوضوء، وعين الخطاف خلاف ذلك. التقسيم الثاني للحيوان: إما أن يكون مائيا بأن يكون مسكنه الاصلي هو الماء، أو أرضيا، أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا، أما الحيوانات المائية: فتعتبر أحوالها من وجوه الاول: إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائيا فله بدل التنفس


(1) في المصدر، وليس للانسان ذلك وكذا للسمك فلوس. (2) في المصدر: صالحا للذب. (3) في المصدر: في الانسان. *

[16]

جذب الماء إلى بطنه ثم رده (1) ولا يعيش إذا فارقه، والسمك كله كذلك (2) أو مكانه وغذاؤه مائي، لا يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها. الثاني: الحيوانات المائية بعضها ماؤها الانهار الجارية، وبعضها ماؤها البطائح مثل الضفادع، وبعضها ماؤها مياه البحر (3). الثالث: منها لجية، ومنها شطية، ومنها طينية، ومنها صخرية. الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك، ومنه ما يعتمد في السباحة على أرجله كالضفادع ومنه ما يمشى في قعر الماء كالسرطان، ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له كالدود. وأما الحيوانات البرية: فتعتبر أحوالها أيضا من وجهين. الاول: أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم، ومنه ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر (4) مثل الزنبور والنحل. الثاني: أن الحيوانات الارضية منها: ماله مأوى معلوم، ومنها: ما مأواه كيف اتفق إلا أن تلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى: فبعضها مأواه قلة رابية (5)، وبعضها مأواه وجه الارض.


(1) في المصدر: فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائى فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده. (2) سقط هنا قسم آخر فهو على ما في المصدر: ومنه ما كان مكانه وغذاؤه مائى ولكن يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية. (3) في المصدر: بعضها مأواها مياه الانهار الجارية وبعضها مياه البطائح وبعضها مأواها مياه البحر. (4) في المصدر: بل على نحو آخر من مسامه. (5) في المصدر: فبعضها مأواه وشق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية. *

[17]

الثالث: الحيوان البري كل طائر منه ذو جناحين فانه يمشي برجليه ومن جملة ذلك مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الاسود والخفاش، وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة تطير. الرابع: الطير تختلف فبعضها تتعايش معا كالكراكي، وبعضها تعيش منفردا كالعقاب وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاجتهاد لتصيد (1) ومنها: ما تتعايش زوجا كالقطا، ومنها: ما تجتمع تارة وتنفرد اخرى، ثم ان المنفرد قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية. والانسان من بين الحيوان: هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، فان أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية، والنحل وبعض الفراش يشارك الانسان في ذلك، لكن الحدا والكراكي (2) تطيع رئيسا واحدا. والنمل: لها اجتماع ولا رئيس لها. الخامس: الطير منه آكل لحم ومنه لا قط حب ومنه آكل عشب، وقد يكون للبعض طعم معين كالنحل فان غذاءه الزهر، والعنكبوت فان غذاءه الذباب، وقد يكون بعضه متفق الطعم. وأما القسم الثالث: وهو الحيوان الذي يكون تارة مائيا واخرى بريا فيقال: إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه القسم الثالث: منه ما هو إنسي بالطبع، فمنه ما يسرع استيناسه (3) ويبقى


(1) في المصدر: إلى الاحتيال لتصيد ومنافستها فيه. (2) في المصدر: والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الانسان في ذلك لكن النحل والكراكي. (3) الظاهر أن نسخة المصنف كانت ناقصة، والصحيح كما في المصدر: الحيوان منه ما هو انسى بالطبع كالانسان ومنه ما هو انسى بالمولد كالهرة والفرس، ومنه ما هو انسى بالقسر كالفهد، ومنه مالا يأنس كالنمر، والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه. *

[18]

مستأنسا كالفيل، ومنه ما يبطئ كالاسد، ويشبه أن يكون من كل نوع صنف أنسي وصنف وحشي حتى من الناس. التقسيم الرابع: من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له، وكل مصوت فانه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتا حتى الانسان (1)، ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين. التقسيم الخامس: بعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب مثل البقر وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري، وبعضها حليم حمول كالبعير، وبعضها سريع الحركات كالحية (2)، وبعضها قوي جرئ شهم كبير النفس كريم الطبع كالاسد، ومنها قوي محتال (3) وحشي كالذئب، وبعضها محتال مكار ذي الحركات (4) كالثعلب، وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد اللين مستأنس كالفيل والقرد، وبعضها حسود مباه (5) بجماله كالطاووس وبعضها شديد الحفظ (6) كالجمل والحمار لا ينسى كل منهما الطريق الذي رآه. التقسيم السادس: من الحيوانات ما تناسله بأن تلد حيوانا (7)، وبعضها ما تناسله بأن تلد انثاه دودا (8) انتهى. وقال النيسابوري منه ولود، ومنه بيوض، وكل اذون ولود، وكل


(1) الصحيح كما في المصدر: الا الانسان. (2) في المصدر: وبعضها ردئ الحركات مغتال كالحية. (3) في المصدر: مغتال. (4) في المصدر: ردئ الحركات. (5) في المصدر: متباه. (6) في المصدر شديد التحفظ. (7) في المصدر: ان تلد انثاه حيوانا. (8) تفسير الرازي 24: 16 - 19 زاد فيه بعد ذلك: كالنحل والعنكبوت فانها تلد دودا ثم ان اعضاءه تستكمل بعده، وبعضها تناسله بأن تبيض انثاه بيضا. *

[19]

صموخ بيوض سوى الخشاف. وفي قوله: " إن الله على كل شئ قدير " إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن قادر مختار قهار (1) انتهى. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وعلمنا منطق الطير ": النطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا، وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه والتبع، كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فان الاصوات الحيوانية من حيث أنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات، سيما وفيها ما تتفاوت باختلاف الاغراض بحيث يفهمها ما من جنسه (2)، ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه (3) به، ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يتصوت ويترقص، فقال: يقول: " إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدينا العفا " وصاحت فاختة فقال: إنها تقول: " ليت الخلق لم يخلقوا " فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب، " فهم يوزعون " يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا " حتى إذا أتوا على واد النمل ": واد بالشام كثير النمل، والتعدية " بعلى " إما لان إتيانهم كان من على، أو لان المراد قطعه من قولهم: أتى الشئ: إذا أنفده وبلغ آخره، كأنهم أرادوا أن ينزلوا اخريات الوادي " قالت نملة " كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيره (4) فصاحت صيحة نبهت (5) بها ما بحضرتها من النمال فتبعتها، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم، ولذلك أجروا مجراهم، مع أنه لا يمتنع أن خلق


(1) تفسير النيسابوري 3: 91 فيه: الا عن فاعل مختار قدير قهار. (2) في المصدر: ما هو من جنسه. (3) توخى الامر: تعمده وتطلبه دون سواه. (4) في المصدر: غيرها. (5) في المصدر: تنبهت. *

[20]

الله فيها العقل والنطق (1). وقال النيسابوري: قال المفسرون: إنه تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل (2)، وليس كذلك حال الطير في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها، يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لاصحابه: إنه يقول: " أكلت نصف تمرة وعلى الدنيا العفاء " أي التراب، وصاحت فاختة فأخبر الناس أنها تقول: " ليت ذا الخلق لم يخلقوا " وصاح طاووس فقال: يقول: " كما تدين تدان " وأخبر أن الهدهد يقول: " استغفروا الله يا مذنبون " والخطاف يقول: " قدموا خيرا تجدوه " والرخمة (3) تقول: " سبحان ربي الاعلى ملء سمائه وأرضه " والقمري يقول: " سبحان ربي الاعلى " والقطاة تقول: " من سكت سلم " والببغاء (4) تقول: " ويل لمن الدنيا همه " والديك يقول: " اذكروا الله يا غافلون " والنسر يقول: " يا بن آدم عش ما شئت وآخرك الموت " والعقاب يقول: " في البعد من الناس انس " (5). وقال الطبرسي قدس سره: أهل العربية يقولون: لا يطلق النطق على غير بني آدم، وإنما يقال: الصوت لان النطق عبارة عن الكلام ولا كلام للطير إلا أنه لما فهم سليمان معنى صوت الطير سماه منطقا مجازا، وقيل: إنه أراد حقيقة


(1) انوار التنزيل 2: 194 و 195. (2) هذا بعيد في الغاية، وكأن قائل ذلك لما لم يتيسر له فهم الاية تمسك بذلك. (3) الرخمة بالتحريك: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة، وكنيتها ام جعران وام رسالة وام عجيبة وام كبير، ويقال لها: الانوق. قال الدميري: من طبع هذا الطائر انه لا يرضى من الجبال الا بالموحش منها ولا من الاماكن باسحقها وابعدها من اماكن اعدائه ولا من الهضاب الا بصخورها، والانثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها وتبيض بيضة واحدة وربما أتأمت. (4) الببغاء: طائر اخضر يسمى بالدرة والطوطى. (5) تفسير النيسابوري 3: 135. *

[21]

المنطق لان من الطير ما له كلام يهجي كالطوطي، قال المبرد: العرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا ومتكلما، وقال علي بن عيسى: إن الطير كانت تكلم سليمان معجزة له كما أخبر عن الهدهد، ومنطق الطير صوت تتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة، ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ولم تفهم هي عنا، لان أفهامنا مقصورة على تلك الامور المخصوصة، ولما جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها (1). وقال رحمه الله: واختلف في سبب تفقده (2) للهدهد من بين الطير فقيل: إنه احتاج إليه في سفره ليدله على الماء لانه يقال: إنه يرى الماء في بطن الارض كما نراه في القارورة عن ابن عباس، وروى العياشي بالاسناد: قال: قال ابو حنيفة لابي عبد الله عليه السلام: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير ؟ قال: لان الهدهد يرى الماء في بطن الارض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه وضحك، قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يضحكك ؟ قال: ظفرت بك جعلت فداك قال: وكيف ذاك ؟ قال: الذي يرى الماء في بطن الارض لا يرى الفخ في التراب حتى تأخذ بعنقه ؟ ! قال أبو عبد الله عليه السلام: يا نعمان أما علمت أنه إذا نزل القدر أغشى البصر (3). ثم قال رحمه الله في قوله: " لاعذبنه " كما صح نطق الطير وتكليفه في زمانه معجزة له جازت معاتبته على ما وقع منه من تقصير فإنه كان مأمورا بطاعته فاستحق العقاب على غيبته (4). وقال في قوله تعالى: " وزين لهم الشيطان " الآية، قال الجبائي: لم يكن


(1) مجمع البيان 7: 214. (2) في المصدر: تفقده الهدهد. (3) مجمع البيان 7: 217 و 218. (4) مجمع البيان 7: 218. *

[22]

الهدهد عارفا بالله تعالى، وإنما أخبر بذلك كما يخبر مراهقوا صبياننا لانه لا تكليف إلا على الملائكة والانس والجن، فيرانا الصبي على عبادة الله فيتصور أن ما خالفها باطل، فكذلك الهدهد تصور له أن ما خالف فعل سليمان باطل، وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر القرآن لانه لا يجوز أن يفرق بين الحق الذي هو السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وأن أحدهما حسن، والآخر قبيح إلا العارف بالله سبحانه وبما يجوز عليه وبما لا يجوز، هذا مع نسبة تزيين أعمالهم وصدهم عن طريق الحق إلى الشيطان، وهذه مقالة من يعرف العدل وأن القبيح غير جائز على الله تعالى (1). وقال قدس سره في قوله سبحانه في سورة العنكبوت: " وكأين من دابة لا تحمل رزقها ": أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا عن الحسن، وقيل: معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها وتأكل بأفواهها، عن مجاهد، وقيل، إن الحيوان أجمع من البهائم والطيور وغيرهما مما يدب على وجه الارض لا يدخر القوت لغدها إلا بني آدم والنملة والفارة، بل تأكل منها قدر كفايتها فقط، عن ابن عباس، " الله يرزقها واياكم " أي يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها ويرزقكم أيضا فلا تتركوا الهجرة بهذا السبب، عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى دخل بعض حيطان الانصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال: يا ابن عمر مالك لا تأكل ؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله، فقال: ولكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة منذ لم أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا وبقيت مع قوم يخبؤن رزق سنتهم لضعف اليقين فوالله ما برحنا حتى نزلت الآية " وهو السميع " أي لاقوالكم عند مفارقة أوطانكم " العليم " بأحوالكم لا يخفى عليه شئ من سركم وإعلانكم (2).


(1) مجمع البيان 7: 218. (2) مجمع البيان 8: 291. *

[23]

وقال قدس الله روحه: " والطير " أي وسخرنا الطير " محشورة " أي مجموعة إليه تسبح الله تعالى معه " كل " يعني كل الطير والجبال " له أواب " رجاع إلى ما يريد، مطيع له بالتسبيح معه، قال الجبائي: لا يمتنع أن يكون الله تعالى خلق في الطيور من المعارف ما يفهم به أمر داود ونهيه فيطيعه فيما يريد منها وإن لم تكن كاملة العقل مكلفة (1). وقال الرازي: فان قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل له ؟ قلنا: لا يبعد أن يقال: إن الله تعالى كان يخلق لها عقولا حتى تعرف الله فتسبحه حينئذ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام انتهى (2). " خلق الازواج كلها " قيل: يعني أزواج الحيوان من ذكر وانثى، وقيل: أي الاشكال، وقيل: أي الاصناف، وقيل: كل ممكن فهو زوج تركيبي. والواحد الحق والفرد والمطلق هو الله تعالى، " وما يبث من دابة " أي وفي خلق ما يفرق على وجه الارض من الحيوان على اختلاف أجناسها ومنافعها والمقاصد المطلوبة منها دلالات واضحات على وجوده سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته ولطفه " لقوم يوقنون " قيل: أي يطلبون علم اليقين بالتدبر والتفكر. قوله سبحانه: " صافات " قيل: أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فانهن إذا بسطنها صففن قوادمها " ويقبضن " أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحرك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الاصيل في الطيران والطاري عليه " ما يمسكهن " في الجو على خلاف طبعهن " إلا الرحمن " الشامل رحمته كل شئ بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيئاتهن للحركة في الهواء " إنه بكل شئ بصير " يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب. وأقول: في سورة الفيل وقصته دلالة على شعور الحيوانات وكونها مطيعة


(1) مجمع البيان 8: 496 فيه: [تفهم] وفيه: فتطيعه. (2) تفسير الرازي 26: 186 فيه: " لا عقل لهما " وفيه: عقلا. *

[24]

لامره سبحانه، فان الظاهر أن الطيور كانت حيوانات ولم تكن من الملائكة وإن احتملت ذلك، وكذا الفيلة حيث امتنعت من دخول الحرم وفهمت كلام عبد المطلب وسجدت له رضي الله عنه كما مر مفصلا في ذكر تلك القصة، نعم: يمكن أن يكون الله تعالى جعلها في ذلك الوقت ذوات شعور ومعرفة كرامة للبيت وعبد المطلب وإرهاصا لنبوة نبينا صلى الله عليه واله وسلم. 1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن الوشاء عن صديق بن عبد الله عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد - الله عليه السلام قال: ما من طير يصاد في بر ولابحر ولا يصاد شئ من الوحوش إلا بتضييعه التسبيح (1). العياشي: عن إسحاق مثله (2). 2 - التفسير: [والله خلق كل دابة من ماء] أي من مني (3) [فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي علي رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير] قال: على رجلين الناس، وعلى بطنه الحيات، وعلى أربع البهايم، وقال أبو عبد الله عليه السلام: ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك (4). بيان: قال الدميري: قال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام: شئ يمشي وشئ يطير، وشئ يعوم (5)، وشئ ينساخ في الارض إلا أن كل طاير يمشي (6) وليس كل شئ يمشي يطير (7) فالنوع الذي يمشي هو على ثلاثة أقسام: ناس


(1) تفسير القمى: 459. (2) تفسير العياشي (3) في التفسير المطبوع: أي من مياه. (4) تفسير القمى: 459. (5) عام في الماء: سبح. (6) في المصدر: كل شئ يطير يمشى. (7) في نسخة: وليس كل شئ يمشى فهو طائر. *

[25]

وبهائم وسباع، والطير كله سبع وبهيمة وهمج، والخشاش: ما لطف جرمه وصغر جسمه (1) وكان عديم السلاح، والهمج: ليس من الطير ولكنه يطير، وهو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي، والسبع من الطير: ما أكل اللحم خالصا، والبهيمة: ما أكل الحب خالصا، والمشترك كالعصفور فانه ليس بذي مخلب ولا منسر وهو يلقط الحب، وهو مع ذلك يصيد النمل إذا طار، ويصيد الجراد، ويأكل اللحم ولا يزق فراخه كما يزق الحمام فهو مشترك الطبيعة، وأشباه العصافير من المشترك كثيرة وليس كل ما طار بجناحين من الطير، فقد يطير الجعلان والذباب والزنابير والجراد والنمل والبعوض والفراش والارضة والنحل وغير ذلك ولا يسمى طيورا، وكذلك الملائكة تطير ولها أجنحة وليست من الطير، وكذلك جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة وليس من الطير (2). 3 - قرب الاسناد: عن سعد بن طريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إنه ما يصاد من الطير إلا بتضييعهم التسبيح (3). 4 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد بن يحيي العطار عن الحسين ابن الحسن بن أبان عن محمد بن اورمة عن عبد الله بن محمد عن حماد بن عثمان عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: كانت الوحوش والطير والسباع وكل شئ خلق الله عزوجل مختلطا بعضه ببعض، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت وفزعت فذهب كل شئ إلى شكله (4).


(1) في نسخة: وصغر شخصه. (2) حياة الحيوان: 206 (مادة الحيوان). (3) قرب الاسناد: 55 فيه: داووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا ابواب البلاء بالدعاء وحصنوا اموالكم بالزكاة فانه ما يصاد ما تصيد من الطير. (4) علل الشرائع 1: 5. *

[26]

5 - ومنه: عن أبيه عن محمد بن يحيي العطار عن محمد بن أحمد الاشعري عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي عن رجل عن ابن أسباط عن عمه يعقوب رفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق (1) الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فانهم يرون (2) ما لا ترون، فافعلوا ما تؤمرون الخبر (3). 6 - مجالس ابن الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني عن أحمد بن عبد الله بن عمار الثقفي الكاتب: عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن محمد بن الحارث (4) بن بشير الدهني، عن القاسم بن الفضل بن عمرة القيسي، عن عباد المنقري (5) عن أبي عبد الله جعفر بن محمد قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي ابن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: مر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بظبية مربوطة بطنب فسطاط، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أطلق الله عزوجل لها من لسانها فكلمته فقالت: يا رسول الله إني ام خشفين (6) عطشانين وهذا ضرعي قد امتلا لبنا فخلني حتى أنطلق (7) فأرضعهما ثم أعود فتربطني (8) كما كنت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: كيف وأنت ربيطة قوم وصيدهم ؟ قالت: بلى يا رسول الله أنا أجيئ فتربطني كما كنت أنت بيدك (9) فأخذ عليها موثقا من الله لتعودن، وخلى سبيلها


(1) في المصدر: ونهيق الحمير. (2) الصحيح كما في بعض نسخ المصدر: فانهن يرون. (3) علل الشرايع 2: 270 وللحديث صدر وذيل تركهما المنصف. (4) في نسخة من المصدر: الحرب. (5) في المصدر: [عميرة العبسى: عن حماد المقرئ] وفى بعض النسخ: عباد المقرئ. (6) الخشف بتثليث الخاء: ولد الظبى أول ما يولد. (7) في المصدر: لانطلق. (8) في المصدر: فيربطني. (9) في المصدر: سأجيئ فتربطني أنت بيدك كما كنت. *

[27]

فلم تلبث إلا يسيرا حتى رجعت قد فرغت ما في ضرعها: فربطها نبي الله كما كانت ثم سأل لمن هذا الصيد ؟ قالوا: (1) يا رسول الله هذه لبني فلان، فأتاهم النبي صلى الله عليه واله وسلم وكان الذي اقتنصها (2) منهم منافقا فرجع عن نفاقه وحسن إسلامه فكلمه النبي ليشتريها منه (3) قال: بل اخلي سبيلها فداك أبي وامي يا نبي الله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لو أن البهائم يعلمون من الموت ما تعلمون أنتم ما أكلتم منها سمينا (4). بيان: " من الموت " أي من أصل وقوعه أو من شدائد الموت والعقوبات الواقعة بعده والاهوال المتوقعة عنده وبعده، ولعله أظهر. 7 - المحاسن: عن محمد بن علي عن ابن فضال عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال يعقوب عليه السلام لابنه: يا بني لاتزن فلو أن الطيرزنى لتناثر ريشه (5). 8 - الخرائج: روي أن الحسين عليه السلام سئل في حال صغره عن أصوات الحيوانات لان من شرط الامام أن يكون عالما بجميع اللغات حتى أصوات الحيوانات، فقال: على ما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن الحسين عليه السلام أنه قال: إذا صاح النسر فانه يقول: " يا ابن آدم عش ما شئت فآخره الموت " (6) وإذا صاح البازي يقول: " يا عالم الخفيات ويا كاشف البليات " وإذا صاح الطاووس يقول: " مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي " وإذا صاح الدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى " وإذا صاح الديك يقول: " من عرف الله لم ينس ذكره " وإذا قرقرت الدجاجة تقول: " يا إله الحق أنت الحق وقولك الحق يا الله يا حق "


(1) في المصدر: فقيل له: هذه. (2) في الكتاب ومصدره اقتضها والظاهر انه مصحف " اقتنصها " أي اصطادها. (3) في المصدر: فكلمه النبي صلى الله عليه وآله في بيعها ليشتريها منه. (4) امالي ابن الشيخ 2: 68، و 289 (ط 1). (5) المحاسن: 106. (6) في النسخة المخطوطة: فان آخره الموت. *

[28]

وإذا صاح الباشق يقول: " آمنت بالله واليوم الآخر " وإذا صاحت الحداء (1) تقول: " توكل على الله ترزق " وإذا صاح العقاب يقول: " من أطاع الله لم يشق " وإذا صاح الشاهين يقول: " سبحان الله حقا حقا " وإذا صاحت البومة يقول: " البعد من الناس انس " وإذا صاح الغراب يقول: " يا رزاق ابعث الرزق الحلال " وإذا صاح الكركي يقول: اللهم احفظني من عدوي " وإذا صاح اللقلق يقول: " من تخلى عن الناس نجا من أذاهم " وإذا صاح البطة تقول: " غفرانك يا الله " وإذا صاح الهدهد يقول: " ما أشقى من عصى الله " وإذا صاح القمري يقول: " يا عالم السر والنجوى يا الله " وإذا صاح الدبسي (2) يقول: " أنت الله لا إله سواك يا الله " وإذا صاح العقعق يقول: " سبحان من لا يخفى عليه خافية " وإذا صاح الببغاء يقول: " من ذكر ربه غفر ذنبه " وإذا صاح العصفور: يقول: " استغفر الله مما يسخط الله " وإذا صاح البلبل يقول: " لا إله إلا الله حقا حقا " وإذا صاح القبجة (3) تقول: " قرب الحق قرب " وإذا صاحت السمانات (4) يقول: يا ابن آدم ما أغفلك عن الموت " وإذا صاح السوذنيق (5) يقول: " لا إله إلا الله محمد وآله خيرة الله " وإذا صاحت الفاختة: " يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد " وإذا صاح الشقراق يقول: " مولاي أعتقني من النار ". وإذا صاحت القنبرة تقول: " مولاي تب على كل مذنب من المذنبين " وإذا صاح الورشان يقول: " إن لم تغفر ذنبي شقيت " وإذا صاح الشفنين (6) يقول: " لاقوة إلا


(1) في النسخة المخطوطة: الحداءة. (2) قال الدميري: الدبسي بفتح الدال وكسر السين ويقال: بضم الدال: طائر منسوب إلى دبس الرطب، وهو قسم من الحمام البرى ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر اليمام. (3) القبجة: الحجل وهى اسم جنس يقع على الذكر والانثى. (4) في النسخة المخطوطة: السمانى تقول. (5) في حياة الحيوان: السوذنيق: الصقر. (6) قال الدميري: الشفنين بكسر الشين: هو متولد بين نوعين مأكولين وعده الجاحظ *

[29]

بالله العلي العظيم " وإذا صاحت النعامة تقول: " لا معبود سوى الله " وإذا صاحت الخطافة فانها تقرأ سورة الحمد وتقول: " يا قابل توبة التوابين يا الله لك الحمد " وإذا صاحت الزرافة تقول: " لا إله إلا الله وحده " وإذا صاح الحمل يقول: " كفى بالموت واعظا " وإذا صاح الجدي يقول: " عاجلني الموت ثقل ذنبي وازداد " وإذا صاح الاسد يقول: " أمر الله مهم مهم " وإذا صاح الثور يقول: " مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدي من يرى ولا يرى وهو الله " وإذا صاح الفيل يقول: " لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة " وإذا صاح الفهد يقول: " يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله " وإذا صاح الجمل يقول: " سبحان مذل الجبارين سبحانه " وإذا صهل الفرس يقول: " سبحان ربنا سبحانه " وإذا صاح الذئب يقول: " ما حفظ الله لن يضيع أبدا " وإذا صاح ابن آوي يقول: " الويل الويل للمذنب المصر " وإذا صاح الكلب يقول: " كفى بالمعاصي ذلا " وإذا صاح الارنب يقول: " لا تهلكني يا الله لك الحمد " وإذا صاح الثعلب يقول: " الدنيا دار غرور " وإذا صاح الغزال يقول: " نجني من الاذى " وإذا صاح الكركدن يقول: " اغثني وإلا هلكت يا مولاي " وإذا صاح الابل يقول: " حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله " وإذا صاح النمر يقول: " سبحان من تغزز بالقدرة سبحانه " وإذا سبحت الحية تقول: " ما أشقى من عصاك يا رحمن " وإذا سبحت العقرب تقول: " الشر شئ وحش ". ثم قال عليه السلام: ما خلق الله من شئ إلا وله تسبيح يحمد به ربه ثم تلا هذه الآية " وإن من شئ (1) إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " (2). بيان: قال الدميري: النسر: طائر معروف وهو عريف الطير ويقول في


في انواع الحمام وبعضهم يقول: هو الذى تسميه العامة اليمام وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزين. (1) الاسراء: 44. (2) لم نجد الحديث في الخرائج المطبوع، والذى يستفاد من مواضع من البحار أن النسخة المطبوعة من الخرائج مختصر من نسخة المصنف. *

[30]

صياحه: " ابن آدم عش ما شئت فان الموت ملاقيك " كذا قال الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: وفي هذا مناسبة لما خص النسر به من طول العمر، يقال: إنه من أطول الطير عمرا وإنه يعمر ألف سنة وفي كتاب نفحات الازهار عن علي ابن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: هبط علي جبرئيل فقال: يا محمد إن لكل شئ سيدا فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروصهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الايام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن وسيد القرآن سورة البقرة (1). وقال: البازي أفصح لغاته مخففة الياء، والثانية باز، والثالثة بازي بتشديد الياء، والتثنية بازان (2)، والجمع بزاة، وفي عجائب المخلوقات: لا يكون إلا انثى وذكرها من أنواع اخر (3) من الحداء والشواهين ولهذا اختلف أشكالها (4). وقال: طاووس في طبعه العفة وحب الزهو (5) بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا كانت الانثى ناظرة إليه، إلى آخر ما سيأتي (6). وقال في الدراج: وهو القائل: " بالشكر قدوم النعم " وصوته مقطع علي هذه الكلمات (7).


(1) حياة الحيوان: 251 و 252. (2) في المصدر: والتثنية بازيان. (3) في المصدر: من نوع آخر كالحداء. (4) حياة الحيوان: 77. (5) الزهو: الفخر. التيه والكبر. (6) حياة الحيوان 2: 59. (7) حياة الحيوان 1: 243. *

[31]

وفي القاموس: القرقرة هدير البعير وصوت الحمام انتهى (1). والباشق: معرب باشه (2) وهو معروف، والحدأة كعنبة: طائر معروف (3). وقال الدميري: إن العقاب إذا صاحت تقول: " في البعد من الناس راحة " (4). وقال: الكركي: طائر كبير معروف، والجمع الكراكي، وهو من الحيوان الذي لا يصح إلا برئيس، وفي طبعه التناصر، ولا تطير الجماعة منه متفرقة بل صفا واحدا يقدمها واحد منها كالرائس (5) وهي تتبعه يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها مقدما حتى يصير الذي كان مقدما مؤخرا (6) وقال: الدبسي بفتح الدال وضمها: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، وهو قسم من الحمام البري (7) وقال: العقعق كثعلب تسمى كندش، وهو طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب، وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذولونين: أبيض وأسود، طويل الذنب لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به، وفي طبعه الزنا والخيانة ويوصف بالسرقة والخبث (8) وقال: الببغاء بثلاث باءات موحدات اولاهن وثالثتهن مفتوحات (9) والثانية ساكنة، وبالغين المعجمة، هي الطائر الاخضر المسمى بالدرة، وهي في قدر الحمامة يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، ولها قوة على حكاية الاصوات وقبول


(1) القاموس: مادة القر. (2) القاموس: مادة بشق. (3) القاموس: مادة الحدأ. (4) حياة الحيوان 2: 87 فيه: عن الناس. (5) في المصدر: كالرئيس لها. (6) حياة الحيوان 2: 194 (7) حياة الحيوان 1: 238. (8) حياة الحيوان 2: 102. (9) في المصدر: مفتوحتان.

[32]

التلقين يتخذها الملوك والاكابر لتنم ما تسمع من الاخبار، وتتناول مأكولها برجلها (1) كما يتناول الانسان الشئ بيده (2) وفي القاموس: الببغاء وقد تشدد الباء الثانية: طائر أخضر (3). قوله: قرب الحق على بناء المجرد أو التفعيل، والحق: الرب سبحانه أو القيامة أو ضد الباطل. وقال الدميري: القبجة اسم جنس تقع على الذكر والانثى (4). وقال: السمانى بضم السين وفتح النون (5): اسم طائر يلبد بالارض ولا يكاد يطير إلا أن يطار، وإذا سمع الرعد مات، ويسكت في الشتاء وإذا أقبل الربيع يصيح (6). وفي القاموس: السوذنيق كزنجبيل ويضم أوله والسيذنوق بضم أوله وفتحه وكسر النون وفتحه، والسذانق بفتح النون وضمه، والسوذنيق: الصقر والشاهين (7). وقال الدميري: الفاختة واحدة الفواخت، من ذوات الاطواق، وهي بفتح الفاء وكسر الخاء المعجمة وبالتاء المثناة في آخرها، قاله في الكفاية، وزعمو أن الحيات تهرب من صوتها، وفيها فصاحة وحسن صوت وفي طبعها الانس بالناس وتعيش في الدور، والعرب تصفها بالكذب، فان صوتها عندهم " هذا أوان الرطب " تقول ذلك والنخل لم تطلع. وأقول: المشهور أنها بالتاء المثناة الفوقانية في القاموس وغيره، وقال الدميري: الشقراق بفتح الشين وكسرها وربما قالوا: الشرقراق: طائر هو صغير


(1) في المصدر: لينم بما يسمع من الاخبار ويتناول مأكوله برجله. (2) حياة الحيوان 1: 80. (3) القاموس: الببغاء. (4) حياة الحيوان 2: 169. (5) في المصدر: على وزن الحبارى. (6) حياة الحيوان 2: 18. (7) القاموس: السوذنيق. *

[33]

يسمي الاخيل، والعرب تتشام به، وهو أخضر مليح بقدر الحمامة، خضرته حسنة مشبعة، في أجنحته سواد، وله مشتى ومصيف، ويكون مخططا بحمرة وخضرة وسواد (1) وفي القاموس: القبر كسكر وصرد: طائر، الواحدة بهاء ويقال: القنبراء والجمع قنابر، ولا تقل: قنبرة كقنفذة أو لغية (2). وقال الدميري: الورشان: ساق حر وهو ذكر القماري، وقيل: إنه طائر متولد بين الفاختة والحمامة يوصف بالحنو على أولاده حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص، قال عطاء: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وهذه لام العاقبة مجازا (3). وقال: الشفنين بالكسر: متولد بين نوعين مأكولين، وعده الجاحظ في أنواع الحمام، وقيل: هو الذي تسميه العامة اليمام، وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزين وتحسن أصواتها إذا اختلطت، ومن طبعه إذا فقد انثاه لم يزل اغرب إلى أن يموت، وكذلك الانثى (4). وقال: ذكر الثعلبي أن آدم عليه السلام لما خرج من الجنة اشتكى الوحشة (5) فآنسه الله بالخطاف وألزمها البيوت فهي لا تفارق بني آدم انسا لهم، قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله عزوجل: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " إلى آخر السورة (6)، وتمد صوتها بقوله: " العزيز الحكيم " (7).


(1) حياة الحيوان 2: 38. (2) القاموس: القبر. (3) حياة الحيوان 2: 284. (4) حياة الحيوان 2: 36. (5) في المصدر: اشتكى إلى الله تعالى الوحشة. (6) الحشر: 20 - 24. (7) حياة الحيوان 1: 213. *

[34]

وقال: الزرافة بفتح الزاي وضمها: حسنة الخلق، طويلة اليدين قصيرة الرجلين، مجموع يديها ورجليها نحو عشرة أذرع، رأسها كرأس الابل، وقرنها كقرن البقر، وجلدها كجلد النمر، وقوائهما وأظلافها كالبقر، وذنبها كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، إنما ركبتاها في يديها، وإذا مشت قدمت الرجل اليسرى واليد اليمنى بخلاف ذوات الاربع فانها تقدم اليد اليسرى، ومن طبعها التودد والتأنس (1) ولما علم الله أن قوتها في الشجر (2) جعل يديها أطول من رجليها لتستعين بذلك على المرعى منها (3)، وقيل: هي متولدة بين ثلاثة حيوانات: الناقة الوحشية، والبقرة الوحشية، والضبعان (4). أقول: سيأتي تمام القول في ذلك إنشاء الله. وقال الدميري: الحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر: وقيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه (5). 9 - المناقب (6): تفسير الثعلبي: قال الصادق عليه السلام: قال الحسين بن علي صلوات الله عليهما: إذا صاح النسر قال: ابن آدم ! عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح الغراب قال: إن في البعد من الناس انسا، وإذا صاح القنبرة قال: اللهم العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطاف قرأ: " الحمد لله رب العالمين " ويمد " الضالين " كما يمدها القارئ (7).


(1) في المصدر: فانها تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى، ومن طبها التودد والتأنس وتجتر وتبعر. (2) في المصدر: من الشجر. (3) في المصدر: على الرعى منها بسهولة. (4) حياة الحيوان 2: 4. (5) في المصدر 1: 192. (6) في المطبوع: العياشي والمناقب، ولعله وهم. (7) مناقب آل ابى طالب 3: 223. *

[35]

10 - الكافي: عن أبي عبد الله العاصمي، عن علي بن الحسن الميثمي، عن علي بن أسباط، عن أبيه أسباط بن سالم، عن مولى أبان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من طير يصاد إلا بتركه التسبيح، وما من مال يصاب إلا بترك الزكاة (1). 11 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام، أو عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة، وإن كلام الطير فيه إذا لقي (2) بعضه بعضا: سلام سلام يوم صالح (3). 12 - الاختصاص: عن ابن عباس قال: شهدنا مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فإذا نحن بعدة من العجم فسلموا عليه فقالوا: جئناك لنسألك عن ست خصال، فان أنت أخبرتنا آمنا وصدقنا، وإلا كذبنا وجحدنا، فقال علي عليه السلام: سلوا متفقهين ولا تسألوا متعنتين، قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس: في صهيله، والحمار في نهيقه، والدراج في صياحه، والقنبرة في صفيرها، والديك في نعيقه والضفدع في نقيقه ؟ فقال علي عليه السلام: إذا التقى الجمعان ومشى الرجال إلى الرجال بالسيوف يرفع الفرس رأسه فيقول: " سبحان الملك القدوس " ويقول الحمار في نهيقه: " اللهم العن العشارين " ويقول الديك في نعيقه بالاسحار: " اذكروا الله يا غافلين " ويقول الضفدع في نقيقه: " سبحان المعبود في لجج البحار " ويقول الدراج في صياحه: " الرحمن على العرش استوى " وتقول القنبرة في صفيرها: " اللهم العن مبغضي آل محمد " قال: فقالوا: آمنا وصدقنا وما على وجه الارض من هو أعلم منك، فقال عليه السلام: ألا افيدكم ؟ قالوا: بلى يا أمير - المؤمنين، فقال: إن للفرس في كل يوم ثلاث دعوات مستجابات، يقول في أول نهاره:


(1) فروع الكافي 3: 505 طبعة الاخوندى. (2) في المصدر: إذا التقى. (3) فروع الكافي 3: 415 و 416. *

[36]

" اللهم وسع على سيدي الرزق " ويقول في وسط النهار: " اللهم اجعلني أحب إلى سيدي من أهله وماله " ويقول في آخر نهاره: اللهم ارزق سيدي على ظهري الشهادة (1). بيان: نعق الغراب بالعين المهملة والمعجمة ينعق نعيقا: صاح، ونق الضفدع ينق نقيقا: صاح. 13 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن الحسن بن فضال عن الحسن بن فضال (2) عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ناضحا (3) كان لرجل من الانصار فلما استن (4) قال بعض أهله: لو نحرتموه، فجاء البعير إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فجعل يرغو، فبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى صاحبه، فلما جاء قال له النبي: إن هذا يزعم أنه كان لكم شابا حتى إذا هرم وإنه قد نفعكم وإنكم أردتم نحره (5) فقال: صدق، فقال: لا تنحروه ودعوه (6). 14 - ومنه: عن أحمد بن محمد بن عيسى عن العباس بن معروف عن عبد الرحمن ابن حماد عن محمد بن الحسن بن أبى خالد (7) قال: خرجت مع علي بن الحسين عليه السلام


(1) الاختصاص: 136. (2) في المصدر: " احمد بن الحسن بن على بن فضال عن عبد الله بن بكير " ولعل فيه سقط، والحسن بن فضال أي الحسن بن على بن فضال. (3) الناضح: البعير الذى يستقى عليه. (4) في المصدر: " استسن " وهو الصحيح أي كبرت سنه. (5) في المصدر: ثم انكم اردتم نحره. (6) الاختصاص: 294 فيه: ودعوه فدعوه. (7) الظاهر انه هو محمد بن الحسن شنبولة القمى الاشعري المعدود من اصحاب الرضا عليه السلام، والرواية مرسلة، ورواه الصفار في البصائر: 101 عن محمد بن الحسين عن العباس بن معروف عن ابى القاسم الكوفى عن محمد بن الحسن بن محمد بن عمران زرعة عن سماعة عن ابى بصير عن رجل، ورواه ايضا الطبري في دلائل الامامة 88: عن *

[37]

إلى مكة فلما دخلنا الابواء كان على راحلته وكنت أمشي فوافى غنما وإذا نعجة قد تخلفت عن الغنم وهي تثغو ثغآء شديد وتلتفت، وإذا رخلة خلفها تثغو وتشتد في طلبها، فلما قامت الرخلة ثغت النعجة فتبعتها الرخلة، فقال علي بن الحسين عليه السلام يا عبد العزيز أتدري ما قالت النعجة ؟ قالت: لا والله، ما أدري، قال: فانها قالت: الحقي بالغنم فان اختها عام الاول تخلفت في هذا الموضع فأكلها الذئب (1). بيان: الثغاء: صياح الغنم، والرخل بكسر الراء: الانثى من سخال الضأن. 15 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن فضال (2)، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الذئاب جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تطلب أرزاقها، فقال لاصحابه: إن شئتم صالحتها على شئ تخرجوه إليها ولا ترزأ (3) من أموالكم شيئا، وإن تركتموها تعدو وعليكم حفظ أموالكم، قالوا: بل نتركها كما هي تصيب منا ما أصابت ونمنعها ما استطعنا 4). 16 - ومنه: عن عبد الله بن محمد عن محمد بن إبراهيم عن بشر وإبراهيم ابني محمد أبيهما عن حمران عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان قاعدا في جماعة من أصحابه إذا جاءته ظبية فبصبصت عنده وضربت بيديها، فقال أبو محمد عليه السلام: أتدرون ما تقول


العباس بن معروف وفيه: " الحسن بن عمران " والظاهر انه وما في البصائر مصحفان والصحيح: " الحسن بن محمد بن عمران " وهو الحسن بن محمد بن عمران بن عبد الله الاشعري، بقرينة روايته عن زرعة. وفى اسناد دلائل الامامة ايضا سقط وارسال راجعه. والظاهر من متن الاختصاص والبصائر أن الذى يروى عن الامام عليه السلام رجل اسمه عبد العزيز فتأمل. (1) الاختصاص: 294. (2) في المصدر: الحسن بن على بن فضال. (3) رزأ الرجل ماله: اصاب منه شيئا مهما كان أي نقصه. (4) الاختصاص: 595 ورواه في البصائر: 101 راجعه. *

[38]

هذه الظبية ؟ قالوا: لا، قال: تزعم هذه الظبية أن فلان ابن فلان - رجلا من قريش اصطاد خشفا لها في هذا اليوم، وإنما جاءت أن أسأله أن يضع الخشف بين يديها فترضعه. ثم قال أبو محمد عليه السلام لاصحابه: قوموا بنا، فقاموا بأجمعهم فأتوه، فخرج إليهم فقال لابي محمد: فداك أبي وامي ما جاء بك ؟ فقال: أسألك بحقي عليك إلا أخرجت إلى الخشف الذي اصطدتها اليوم، فأخرجها فوضعها بين يدي امها فأرضعتها فقال علي بن الحسين عليه السلام: أسألك يا فلان لما وهبت لنا الخشف، قال: قد فعلت فأرسل الخشف مع الظبية فمضت الظبية فبصبصت وحركت ذنبها، فقال علي بن الحسين عليه السلام: تدرون ما قالت الظبية ؟ قالوا: لا قال: قالت: رد الله عليكم كل غائب لكم وغفر لعلي - بن الحسين كما رد علي ولدي (1). بيان: بصبص الكلب: حرك ذنبه، والخشف مثلثة: ولد الظبي أول ما يولد أو أول مشيه، أو التي نفرت من أولادها وتشردت. 17 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه تمعك فرسه ذات يوم فحمحم في تمعكه، فقال أبو ذر: هي حسبك الآن فقد استجيب لك، فاسترجع القوم وقالوا: خولط أبو ذر، فقال للقوم: مالكم، قالوا: تكلم بهيمة من البهائم ؟ فقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: إذا تمعك الفرس دعا بدعوتين فيستجاب له يقول: " اللهم اجعلني أحب ماله إليه " والدعوة الثانية: " اللهم ارزقه على ظهري الشهادة " ودعوتاه مستجابتان (2). 18 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا كان يوم الجمعة نادت


(1) الاختصاص: 297 والحديث يوجد في البصائر 103 وفى دلائل الامامة 89 وفيه اختصار وفى ذيله: رد الله عليكم كل حق غصبتم عليه وكل غائب وكل سبب ترجونه وغفر الخ. (2) نوادر الراوندي: 15 فيه: اللهم ارزقه الشهادة على ظهرى. *

[39]

الطير الطير، والوحش الوحش، والسباع السباع: سلام عليكم هذا يوم صالح (1). 19 - نهج البلاغة من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوان (2): ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر ؟ انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها وضنت (3) على رزقها، تنقل الحبة إلى حجرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة برفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس، والحجر الجامس (4) ولو فكرت في مجاري اكلها وفي علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها واذنها، لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعنا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه في خلقها قادر، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته مادلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك السماء والهواء والرياح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار وتفجر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات والالسن المختلفات (5)، فالويل لمن جحد المقدر، وأنكر المدبر، زعموا أنهم


(1) نوادر الراوندي: 24. (2) في المصدر: في صفة خلق أصناف الحيوان. (3) في المصدر: ونسخة من الكتاب: وصبت. (4) الجامس: الجامد. (5) زاد في هامش طبعة الكمبانى " فالويل لمن أنكر المختلفات " ولكن سائر النسخ والمصدر خالية عنها. *

[40]

كالنبات مالهم زارع، ولا لاختلاف صورهم مانع، ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ولا تحقيق لما اوعوا، وهل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي. ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض، يرهبها الزارع في زرعهم ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون أصبعا مستدقة. فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والارض طوعا وكرها ويعفر له (1) خدا ووجها، ويلقي بالطاعة إليه سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا فالطير مسخرة لامره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس، قدر أقواتها، وأحصى أجناسها، فهذا غراب وهذا عقاب، وهذا حمام وهذا نعام، دعا كل طير باسمه، وتكفل برزقه (2)، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها وعدد قسمها، فبل الارض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها (3). تبيين، التفكير: إعمال النظر في الشئ، يقال: فكر فيه كضرب، وفكر بالتشديد وأفكر وتفكر بمعنى، والجسيم: العظيم، والحريق اسم من الاحتراق والبصائر جمع البصيرة وهي والبصر بالتحريك: العلم والخبرة، وفي بعض النسخ: الابصار موضع البصائر، والدخل بالتحريك: ما داخلك من فساد في عقل أو جسم والعيب والريبة، يقال: هذا الامر فيه دخل ودغل بمعنى، وقد دخل كفرح، ودخل على البناء للمفعول، والاحكام: الاتقان، وركبه تركيبا أي وضع بعضه على بعض فتركب، وفلق كضرب أي شق فانفلق، ومنه " فالق الحب والنوى " (4) واستوى


(1) في المصدر: ويعنو له. (2) في المصدر: وفى نسخة من الكتاب: وكفل له برزقه. (3) نهج البلاغة 1: 373 - 376. (4) الانعام: 95. *

[41]

الشئ: اعتدل، وسويته: عدلته، والنملة واحدة النمل، والجثة بالضم للانسان: شخصه قاعدا أو نائما، فان كان منتصبا فهو طل بالتحريك، والشخص عام، كذا قيل وفي القاموس: جثة الانسان: شخصه، ولطف الشئ ككرم لطافة بالفتح وقيل: هو اسم أي صغر ودق، والهيئة: حال الشئ وكيفيته، ونلته بالكسر أنيله أي أصبته، واللحظ في الاصل: النظر بمؤخر العين وهو أشد التفاتا من الشزر وفي بعض النسخ: بلحظ النظر، واستدرك الشئ وأدركه بمعنى، ذكره الجوهري واستدركت ما فات وتداركته بمعنى، واستدركت الشئ بالشئ أي حاولت إدراكه به، والفكر كعنب جمع فكرة بالكسر وهو إعمال النظر، وقيل: اسم من الافتكار كالعبرة من الاعتبار، وفي بعض النسخ: الفكر بسكون العين، ومستدرك الفكر على بناء المفعول يحتمل أن يكون مصدرا أي إدراك الكفر أو يطلبها الادراك، ولعله أنسب بقوله عليه السلام: " بلحظ البصر " وأن يكون اسم مفعول أي بالفكر الذي يدركه الانسان ويصل إليه أو يطلب إدراكه أي منتهى طلبه لا يصل إلى إدراك ذلك، وأن يكون اسم مكان، والباء بمعنى في، ودب كفر أي مشى رويدا، وصبت على بناء المفعول من الصب وهو في الاصل الاراقة، وقيل: هو على العكس أي صبت رزقها عليها والظاهر أنه لا حاجة إليه، أي كيف الهمت حتى انحطت على رزقها، واستعير له الصب لهجومها عليه، وفي بعض النسخ: " وضنت " بالضاد المعجمة والنون على بناء المعلوم أي بخلت برزقها، وذكر دبيبها لانه متوقف على القوائم والمفاصل والقوى الجزئية، وتركبها فيها مع غاية صغرها على وجه تنتظم به حركاتها السريعة المتتابعة مظهر للقدرة ولطيف الصنعة، وذكر الصب أو الضنة للدلالة على علمها بحاجتها إلى الرزق وحسن نظرها في الاعداد والحفظ، والجحرة بالضم: الحفرة التي تحتفرها الهوام والسباع لانفسها، وأعده أي هيأه، ومستقرها: موضع استقرارها، والورود في الاصل: الاشراف على الماء للشرب، والصدر بالتحريك: رجوع الشاربة من الورود كان المعنى: تجمع في أيام التمكن من الحركة لايام العجز عنها، فانها تظهر في الصيف وتخفى في الشتاء لعجزها عن البرد، وكفل كنصر وقيل: كعلم وشرف أي

[42]

ضمن، قيل: تقول: كفلته وبه وعنه: إذا تحملت به، بوفقها أي بقدر كفايتها (1) وأغفلت الشئ إغفالا أي تركته إهمالا من غير نسيان، والمنان: المنعم المعطي من المن بمعنى العطاء لا من المنة، وقد يشتق منه وهو مذموم، وحرمه كمنعه: ضد أعطاه والديان: الحاكم والقاضي، وقيل: القهار، وقيل: السائس وهو القائم على الشئ بما يصلحه كما تفعل الولاة والامراء بالرعية، ووجه المناسبة على الاخير واضح ولعله على الاول هو أن إعطاء كل شئ ما يستحقه ولو على وجه التفضل من فروع الحكم بالحق، وعلى الثاني الاشعار بأن قهره سبحانه لا يمنعه عن العطاء كما يكون في غيره أحيانا، والصفا مقصورا: الحجارة، وقيل: الحجر الصلد الضخم لا ينبت شيئا والواحدة صفاة، وجمس وجمد بمعنى، وقيل: أكثر ما يستعمل في الماء جمد، وفي السمن وغيره جمس، وصخرة جامسة أي ثابتة في موضعها، والاكل بالضم كما في بعض النسخ وبضمتين كما في بعضها: المأكول، والاكلة بالضم: اللقمة، وعلوها وسفلها بالضم فيهما في بعض النسخ، وبالكسر في بعضها، والضميران كالسوابق. قال بعض شراح النهج: علوها: رأسها وما يليه إلى الجزء المتوسط، ويحتمل رجوعهما إلى المجاري، والشراسيف: مقاط الاضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن، وقيل: الشرسوف كعصفور: غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف، ولا حاجة إلى الحمل على المجاز كما يظهر من كلام بعض الشارحين، والاذن بضمتين في النسخ، والقضاء يكون بمعنى الاداء، قال الله تعالى: " فإذا قضيتم مناسككم (2) " وقال: " فإذا قضيتم الصلاة " (3) وقضاء العجب " التعجب أو التعجب الكامل، وقال بعض الشارحين: يحتمل أن يكون بمعنى الموت من قولهم: قضى فلان أي مات، أي لقضيت نحبك من شدة تعجبك، ويكون " عجبا " نصبا على المفعول له، ولا يخفى بعده، والدعامة والدعام بالكسر فيهما: عماد البيت، والخشب المنصوب للتعريش


(1) أو بما يوافقها من الرزق. (2) البقرة: 200. (3) النساء: 103. *

[43]

وفيه تشبيه لها بالبيت المبني على الدعائم، وفي بعض النسخ: " لم يعنه " والضرب في الارض: السير فيها أو الاسراع فيه، والدلالة بالفتح كما في بعض النسخ وبالكسر كما في بعضها، الاسم من قولك: دله إلى الشئ وعليه، أي أرشده وسدده، والغامض: خلاف الواضح، والغرض من الكلام دفع توهم يسر الخلق وسهولة الابداع في بعض الاشياء للصغر وخفاء دقائق الصنع، والجليل: العظيم، يقال: جل كفر جلالة بالفتح أي عظم، والغرض استواء نسبة القدرة الكاملة إلى الانواع، كذلك السماء قيل: المشبه به الامور المتضادة السابقة، والمشبه هو السماء والهواء والرياح والماء ووجه الشبه هو حاجتها في خلقها وتركيبها وأحوالها المختلفة والمتفقة إلى صانع حكيم، ويحتمل أن يكون التشبيه في استواء نسبة القدرة. فانظر إلى الشمس والقمر الخ، أي تدبر فيما أودع في هذه الاشياء من غرائب الصنعة ولطائف الحكمة، وقيل: استدلال بامكان الاعراض على ثبوت الصانع بأن يقال: كل جسم يقبل لجسميته المشتركة بينه وبين سائر الاجسام ما يقبله غيره من الاجسام فإذا اختلف الاجسام في الاعراض فلابد من مخصص وهو الصانع الحكيم انتهى. واختلاف الليل والنهار: تعاقبهما، وفجر الماء أي فتح له طريقا فتفجر وانفجر أي جري وسال، والمراد البحار الانهار العظيمة أو البحار المعروفة، وتفجرها: جريانها لو وجدت طريقا، والقلال كجبال جمع قلة: بالضم وهي أعلى الجبل، وقيل: الجبل، وتفرق اللغات: اختلافها وتباينها كما قال عزوجل: " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " (1) والويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وعلم واد في جهنم والجملة تحتمل الاخبار والدعاء، قال سيبويه: الويل مشترك بين الدعاء والخبر. والمراد بالنبات ما ينبت في الصحارى والجبال من غير زرع، وليس المراد أن النبات ليس له مقدر ولا مدبر، بل المعنى أن النبات المذكور كما أنه ليس له مدبر من البشر يزعمون أن الانسان يحصل من غير مدبر أصلا، وقيل: المراد أنهم قاسوا


(1) الروم: 22. *

[44]

أنفسهم على النبات الذي جعلوا من الاصول المسلمة أنه لا مقدر له بل ينبت بنفسه من غير مدبر، وذكر الاختلاف في الصور لانه من الدلائل الواضحة على الصانع لم يلجأوا أي لم يستندوا، والغرض استنادهم في دعواهم إلى قياس باطل وظن ضعيف كما قال عزوجل: " وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " (1) وأوعى الشئ ووعاه على المجرد كما في بعض النسخ أي حفظه وجمعه، أي لم يرتبوا العلوم الضرورية، ولم يحصلوا المقدمات على وجهها حتى تفضي إلى نتيجة صحيحة، وجنى فلان جناية بالكسر أي جر جريرة على نفسه وقومه، ويقال: جنيت الثمرة أجنيها واجتنيتها أي اقتطفتها، واسم الفاعل منها " جان " إلا أن المصدر من الثاني " جنى " لا جناية، والغرض دعوى الضرورة في الاحتياج إلى الصانع والفاعل كالبناء والجناية لا الاستناد إلى القياس. قلت في الجرادة، أي تكلمت في بديع صنعتها وعجيب فطرتها، وأسرج لها حدقتين، أي جعلهما، مضيئتين كالسراج، قمراوين أي منيرتين كالليلة القمر آء المضيئة بالقمر، وجعل لها السمع الخفي أي من عين أعين الناظرين، وقيل: المراد بالخفي اللطيف السامع لخفي الاصوات، فوصف بالخفة مجازا من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل وهو أنسب بقوله عليه السلام: وجعل لها الحس القوي، وقيل: أراد بحسها قوتها الوهمية، وبقوته حذفتها (2) فيما ألهمت إياه من وجوه معاشها وتصرفها يقال: لفلان حس حاذق: إذا كان ذكيا فطنا دراكا، والناب في الاصل: السن خلف الرباعية، وقرض كضرب أي قطع، والمنجل كمنبر: حديدة يقضب بها الزرع وقيل: المنجلان رجلاها شبههما بالمناجل لعوجهما وخشونتهما، ورهبه كعلم أي خاف، وذب عن حريمه كمد أي دفع وحمى، وأجلبوها أي تجمعوا وتألبوا، وأجلب على فرسه أي استحثه للعدو بوكز أو صياح أو نحو ذلك، بجمعهم أي بأجمعهم، وكلمة


(1) الجاثية: 24. (2) في الشرح لابن ميثم: وبقوة حذقها. *

[45]

" لو " للوصل، والحرث: الزرع، ونزا كدعا أي وثب " وخلقها " الجملة حالية واستدق صار دقيقا، " الذي يسجد " أي حقيقة فانه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين " طوعا " حالتي الشدة والرخاء، والكفرة له كرها حال الشدة والضرورة أو أعم منها ومن السجدة المجازية وهي الخضوع والدخول تحت ذل الافتقار والحاجة كما مر مرارا، والعفر بالتحريك وقد يسكن: وجه الارض ويطلق على التراب وعفره في التراب كضرب وعفره تعفيرا أي مرغه فيه، وكان التعفير في البعض كأهل السماوات كناية عن غاية الخضوع، والالقاء بالطاعة مجاز عن الانقياد، وفي بعض النسخ بالطاعة إليه، والسلم بالكسر كما في بعض النسخ الصلح وبالتحريك كما في بعضها: الاستسلام والانقياد، والقياد بالكسر: ما يقاد به وإعطاء القياد: الانقياد، والرهبة: الخوف، وأرسى أي أثبت، والندى (1): البلل والمطر، واليبس بالتحريك: ضد الرطوبة، وطريق يبس أي لا نداوة فيه ولا بلل والحمام بالفتح: كل ذي طوق من الفواخت والقماري والوراشين وغيرها، والحمامة تقع على الذكر والانثى كالحية والنعامة، واسم الجنس من النعامة نعام بالفتح والغرض بيان عموم علمه سبحانه وقدرته، دعا كل طائر باسمه، قيل: الدعاء استعارة في أمر كل نوع بالدخول في الوجود، وقد عرفت أن ذلك الامر يعود إلى حكم القدرة الالهية عليه بالدخول في الوجود كقوله تعالى: " فقال لها وللارض ائتيا " (2) الآية، ولما استعار الدعا رشح بذكر الاسم لان الشئ إنما يدعى باسمه، ويحتمل أن يريد الاسم اللغوي، وهو العلامة، فان لكل نوع من الطير خاصة وسمة ليست للآخر، ويكون المعنى أنه تعالى أجرى عليها حكم القدرة بما لها من السمات والخواص في العلم الالهي واللوح المحفوظ، وقال بعضهم: أراد أسماء الاجناس وذلك أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل لغة تواضع عليها العباد في المستقبل وذكر


(1) الندى هنا: مقابل اليبس فيعم الماء كانه يريد ان الله جعل من الطير ما تثبت ارجله في الماء ومنه ما يمشى الاعلى الارض اليابسة. (2) فصلت: 11. *

[46]

الاسماء التي يتواضعون عليها، وذكر لكل اسم مسماه فعند إرادة خلقها نادى كل نوع باسمه فأجاب داعية وأسرع في إجابته، وكفل برزقه أي ضمن، والسحاب جمع سحابة وهي الغيم، والهطل بالفتح: تتابع المطر أو الدمع وسيلانه، وقيل: تتابع المطر المتفرق العظيم القطر، والديمة بالكسر: مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق والجمع ديم كعنب، وتعديد القسم: إحصاء ما قدر منها لكل بلد وأرض على وفق الحكمة، والبلة بالكسر: ضد الجفاف، يقال: بله فابتل: والجفوف بالضم: الجفاف بالتفح، والجدوب بالضم: انقطاع المطر ويبس الارض. 20 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم سمينا (1). الضوء: في الحديث استزادة من بني آدم وإعلام أن البهائم لو كان لها عقل لكانت أضبط منهم، وذلك لانها ليست بمكلفة، ولو علمت بالموت لم تأكل ولم تشرب فكانت تهزل وابن آدم يأكل ويشرب ويعلم أنه غدا ميت، وفيه تعيير بالقصور عن البهائم في هذه الخلة خاصة فعليك أيها العاقل بالانتباه من سنة الغفلة فان هذا الخطاب لك، وفائدة الحديث إعلام أن البهائم الخرس لو علمت الموت لما سمنت بالرتوع في المراتع ولامسكت عن الرعي (2). 21 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يصاد من الطير إلا ما ضيع التسبيح (3). 22 - أصل قديم منقول من خط التلعكبري رحمه الله قال: أخبرني محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن موسى ابن القاسم، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن مولى للقميين، قد أخبرني عمن أخبره، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رجل من اليهود لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا محمد أخبرني ما يقول الحمار في نهيقه ؟ وما يقول الفرس في


(1) لم نجد الحديث في النسخة المطبوعة التى عندي من الشهاب. (2) لم نجد نسخة كتاب الضوء. (3) الاصول الستة عشر: 77. *

[47]

صهيله ؟ وما يقول الدراج في صوته ؟ وما تقول القنبرة في صوتها ؟ وما يقول الضفدع في نقيقه ؟ وما يقول الهدهد في صوته ؟ قال: فأطرق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم قال: أعد علي يا يهودي قال: فأعاد، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أما الحمار فيلعن العشار، وأما الفرس فيقول: " الملك لله الواحد القهار " وأما الدراج فيقول: " الرحمن على العرش استوى " وأما الديك فيقول: " سبوح قدوس رب الملائكة والروح " وأما الضفدع فيقول: " اذكروا الله يا غافلين " وأما الهدهد فيقول: " رحمك الله يا داود " يعني سليمان بن داود، وأما القنبرة فيقول: " لعن الله من يبغض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1). 23 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، إنما سميت الوحش لانها استوحشت من آدم يوم هبوطه (2). 24 - المناقب: لابن شهر آشوب: روى أبو بكر الشيرازي بالاسناد عن مقاتل عن محمد بن الحنفية، عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: " إنا عرضنا الامانة " عرض الله أمانتي (3) على السماوات السمع بالثواب والعقاب، فقلن: ربنا لا نحملها (4) بالثواب والعقاب، ولكنها نحملها بلا ثواب ولا عقاب، وإن الله عرض أمانتي وولايتي على الطيور، فأول من آمن بها البزاة البيض والقنابر، وأول من جحدها البوم والعنقاء، فأما البوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبعض الطير لها، وأما العنقاء فغابت في البحار لا ترى، وإن الله عرض إمامتي على الارضين، فكل بقعة آمنت بولايتي جعلها طيبة زكية وجعل نباتها وثمرها حلوا عذبا، وجعل ماءها زلالا، وكل بقعة جحدت إمامتي وأنكرت ولايتي، جعلها سبخة وجعل نباتها مرا علقما وجعل ثمرها العوسج والحنظل، وجعل ماءها ملحا اجاجا، ثم قال: " وحملها الانسان " يعني امتك يا محمد ولاية أمير المؤمنين وإمامته بما فيها من الثواب والعقاب، " إنه كان


(1) لم نجد ذلك الاصل. (2) لم نجد العلل لمحمد بن ابراهيم. (3) هكذا في الكتاب ومصدره ولعل الصحيح: " امامتي ". (4) في المصدر: لا تحملنا. *

[48]

ظلوما " لنفسه " جهولا " (1) لامر ربه، من لم يؤدها بحقها فهو ظلوم غشوم (2). بيان: في القاموس: العلقم: الحنظل وكل شئ مر، والنبقة المرة، فإن قلت: لما أبوا أولا حملها كيف قبل بعض الطيور والارضين ؟ قلت: ليس في أول الخبر ذكر الارضين ولا في آخره العرض على السماوات، فلا تنافي، لكن يرد عليه أنه تفسير للآية، وفيها ذكر إباء السماوات والارضين والجبال جميعا، فذكر السماوات أولا على المثال، والاكتفاء في البعض لظهور البواقي، فاما أن يحمل العرض أولا على العرض على مجموع السماوات والارضين والجبال إجمالا، والثاني على العرض على كل حيوان وكل بقعة تفصيلا، أو يقال: ليس في أول الخبر إلا امتناعها عن الحمل بالثواب والعقاب، فلا ينافي قبول بعضها ورد بعضها عند العرض بلا ثواب ولا عقاب، فقوله: ولكنا نحملها قول بعضهم، أو قول الجملة باعتبار البعض، أو يحمل الاول على الظاهري والثاني على القلبي، والله يعلم. 25 - الدر المنثور: عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إن إبراهيم حين القي في النار لم تكن في الارض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ فانه كان ينفخ على إبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقتله. وعن ام شريك عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أمر بقتل الاوزاغ، وقال: كانت تنفخ على إبراهيم عليه السلام. وعن قتادة عن بعضهم عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكانت الوزغ تنفخ عليه، فنهى عن قتل هذا، وأمر بقتل الوزغ. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسبوا الضفدع، فان صوته تسبيح وتقديس وتكبير، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم فأذن للضفادع فتراكبت عليه فأبدلها الله بحر النار الماء (3).


(1) الاحزاب: 72. (2) مناقب آل ابى طالب 2: 141 و 142. (3) الدر المنثور 4: 321 و 322 فيه: بحر النار برد الماء. *

[49]

وعن ابن مسعود، عن كعب الحبر قال: جاءت هامة (1) إلى سليمان فقال: السلام عليك يا نبي الله فقال: وعليك السلام يا هام، أخبرني كيف لا تأكلين الزرع فقالت: يا نبي الله لان آدم عصي ربه بسببه فلذلك لا آكله، قال: فكيف لا تشربين الماء ؟ قالت: يا نبي الله لان الله أغرق بالماء قوم نوح، من أجل ذلك تركت شربه قال: فكيف تركت العمران وسكنت الخراب ؟ قالت: لان الخراب ميراث الله وأنا أسكن في ميراث الله، وقد (2) ذكر الله في كتابه فقال: " وكم أهلنا من قرية بطرت معيشتها " إلى قوله: " وكنا نحن الوارثين " (3). وعن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس فمر على (4) نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك ليس لنا غنى عن رزقك فاما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقاكم بدعوة غيركم (5). وعن أبي الدرداء قال: كان داود عليه السلام يقضي بين البهائم يوما وبين الناس يوما فجاءت بقرة فوضعت قرنها على حلقة الباب ثم نغمت (6) كما تنغم الوالدة على ولدها وقالت: كنت شابة كانوا ينتجوني ويستعملوني، ثم إني كبرت فأرادوا أن يذبحوني فقال داود، أحسنوا إليها لا تذبحوها، ثم قرأ (7) " علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ " (8).


(1) الهامة: طير الليل وهو الصدى: والصدى: الذكر من البوم. (2) لعله من كلام الراوى. (3) الدر المنثور 5: 103 والاية في القصص: 58. (4) في المصدر: فمر بنملة. (5) الدر المنثور 5: 103. (6) في المصدر: تنغمت. (7) أي أبا الدرداء. (8) الدر المنثور 5: 103 والاية في النمل: 16. *

[50]

وعن نوف والحكم قالا: كان النمل في زمن سليمان أمثال الذباب (1). وعن ابن عباس أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير، قال: إن سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء فأراد أن يسأله عنه ففقده، قيل: كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيدها، فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر (2). 26 - كتاب عبد الملك بن حكيم (3)، عن بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سهرداود عليه السلام ليلة يتلو الزبور فأعجبته (4) عبادته فنادته ضفدع: يا داود تعجب من سهرك ليلة، وإني لتحت هذه الصخرة منذ أربعين سنة ما جف لساني عن ذكر الله عزوجل (5). 27 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يقول: ما بهمت البهائم عنه فلم تبهم عن أربعة: معرفتها بالرب تبارك وتعالى، ومعرفتها بالموت، ومعرفتها بالانثى من الذكر، ومعرفتها بالمرعى الخصب (6).


(1 و 2) الدر المنثور 5: 104. (3) اسناد الحديث على ما في المصدر هكذا: الشيخ ابو محمد هارون بن موسى بن احمد التلعكبرى قال: اخبرنا ابو العباس احمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: اخبرنا على بن حسن بن على بن فضال قال: حدثنا جعفر بن محمد بن حكيم قال: حدثنى عمى عبد الملك بن حكيم. (4) فيه غرابة لان الانبياء عليهم السلام عندنا معصومون. (5) الاصول الستة عشر: 101. (6) الخصال 1: 260 طبعة الغفاري. *

[51]

الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن ابن محبوب مثله (1). الفقيه: باسناده الصحيح عن ابن رئاب مثله، ثم قال رحمه الله: وأما الخبر الذي روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لو عرفت البهائم من الموت ما تعرفون ما أكلتم منها سمينا قط " فليس بخلاف هذا الخبر لانها تعرف الموت، لكنها لا تعرف منه ما تعرفون (2). 28 - مجالس الشيخ: عن جماعة عن أبى المفضل الشيباني عن محمد بن صالح بن فيض عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي حمزة قال: كان على بن الحسين عليه السلام يقول: مهما ابهمت عنه البهائم فلم تبهم عن أربع: معرفتها بالرب عزوجل، ومعرفتها بالمرعى الخصب، ومعرفتها بالاثنى عن الذكر، ومعرفتها بالموت والفرار منه. قال أبو المفضل: حدثنا محمد بن صالح، عن أحمد بن محمد بجميع كتاب المشيخة عن ابن محبوب (3). 29 - الكافي: عن أبي علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن الحجال وابن فضال عن ثعلبة عن يعقوب بن سالم عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مهما ابهم على البهائم من شئ فلا يبهم عليها أربع خصال، معرفة أن لها خالقا، ومعرفة طلب الرزق، ومعرفة الذكر من الانثى، ومخافة الموت (4). 30 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن الحسن بن أبان (5) عن محمد ابن اورمة عن الحسن بن علي عن علي بن عقبة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقد شكرت الشياطين الارضة حين أكلت عصاة سليمان عليه السلام حتى


(1) الكافي 6: 539 طبعة الاخوندى. (2) من لا يحضره الفقيه 2: 188 طبعة الاخوندى. (3) المجالس والاخبار: 26 (ط 1) و 207 (ط 2). (4) الكافي 6: 539. (5) في المصدر: عن الحسين بن الحسن بن أبان. *

[52]

سقط، وقالوا: عليك الخراب وعلينا الماء والطين، فلا تكاد تراها في موضع إلا رأيت ماء وطينا (1). 31 - المناقب لا بن شهراشوب: في حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبد الله ابن عمر على زين العابدين عليه السلام وقال: يا ابن الحسين أنت تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لانه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها ؟ فقال: بلى ثكلتك امك، قال: فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة، ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا، فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك، الله الله في نفسي، فقال: هيه وأريه إن كنت من الصادقين، ثم قال: يا أيتها الحوت، قال: فاطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله، فقال: من أنت ؟ قال: أنا حوت يونس يا سيدي، قال: أنبئنا بالخبر، قال: يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد صلى الله عليه واله وسلم إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الانبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها وتمنع (2) في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية، وما لقي نوح من الغرق، وما لقي إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء، وما لقي داود من الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه: أن يا يونس تول أمير المؤمنين عليا عليه السلام والائمة الراشدين من صلبه - في كلام له - قال: فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه ؟ وذهب مغتاظا، فأوحى الله إلى: أن التقمي يونس ولا توهني له عظما، فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث ينادي (3) " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " قد قبلت


(1) علل الشرائع 1: 70 طبعة قم. (2) في المصدر: وتعتع في حملها. (3) في المصدر: انه لا اله. *

[53]

ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والائمة الراشدين من ولده، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر، فقال زين العابدين عليه السلام: ارجع أيها الحوت إلى وكرك واستوى الماء (1). أقول: قد مر شرح الخبر وتأويله في معجزات علي بن الحسين عليه السلام وباب أحوال يونس عليه السلام. 32 - توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام يا مفضل فكر في هذه الاصناف الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كل واحد منها، فالانس لما قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والنجارة والصناعة والخياطة (2) وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من القبض على الاشياء، وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لما قدر أن يكون معايشها (3) من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة (4) ذوات براثن (5) ومخاليب تصلح لاخذ الصيد ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لما قدر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد، خلقت لبعضها أظلاف تقيها (6) خشونة الارض


(1) مناقب آل ابى طالب 3: 218. (2) في النسخة المخطوطة: والصناعة (والخياطة خ) وفي كتاب التوحيد من البحار 3: 92: " والصياغة " وفي بعض النسخ: والخياطة. (3) في النسخة المخطوطة: معايشهم. (4) قال المصنف في كتاب التوحيد: مدمجة أي انضم بعضها إلى بعض قال الجوهرى دمج الشئ دموجا: إذا دخل في الشئ واستحكم فيه، وادمجت الشئ، إذا لففته في ثوب وفى بعض النسخ: مدبحة بالباء والحاء المهملة ولعل المراد معوجة من قولهم: دبح تدبيحا أي بسط ظهره وطأطأ رأسه، وهو تصحيف أقول: ويمكن أن يكون مصحف " مذبحة " كما في بعض النسخ. (5) البراثن من السباع والطير: بمنزلة الاصابع من الانسان. والمخلب. ظفر البرثن. (6) في نسخة: تقيمها. *

[54]

إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الارض ليتهيأ للركوب والحمولة. تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت (1) ذوات أسنان حداد، وبراثن شداد، وأشداق وأفواه واسعة، فانه لما قدر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك واعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد اعطيت ما لا يحتاج إليه لانها لا تصيد ولا تأكل اللحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه أعني السلاح الذي به تصيد وتتعيش، أفلا ترى كيف اعطي كل واحد من الصنفين ما يشا كل صنفه وطبقته بل ما فيه بقاؤه وصلاحه ؟ انظر الآن إلى ذوات الاربع كيف تراها تتبع امهاتها (2) مستقلة بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الانس، فمن أجل أنه ليس عند أمهاتها ما عند امهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالاكف والاصابع المهيأة لذلك، اعطيت النهوض والاستقلال بانفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج والدراج والقبج (3) تدرج وتلقط حين ينقاب عنها البيض، فأما ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام والحمر فقد جعل في الامهات فضل عطف عليها فصارت تمج الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها، فلا تزال تغذوها حتى تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق الدجاج لتقوى الام على تربية فراخها، فلا تفسد ولا تموت، فكل اعطي بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير.


(1) في النسخة المخطوطة: حيث جعلت. (2) في المخطوطة وفى التوحيد: اماتها. (3) القبج بالقاف والباء المفتوحين: طائر يشبه الحجل. *

[55]

انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتهيأ (1) للمشئ ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك، لان الماشي ينقل بعض قوائمه ويعتمد على بعض: فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة، وذو الاربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين، وذلك من خلاف لان ذا الاربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لما يثبت على الارض كما لا يثبت السرير وما اشبهه، فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الاخريين أيضا من خلاف فيثبت على الارض ولا يسقط إذا مشى. أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى كيف كان ينقاد للصبي ؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به ؟ والفرس الكريم يركب السيوف والاسنة بالمواتاة (2) لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد، ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الاصناف المسخرة للانسان، (3) فبم كانت كذلك إلا بأنها عدمت العقل والروية، فانها لو كانت تعقل وتروى (4) في الامور كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه (5) حتى يمتنع الجمل على قائده والثور على صاحبه وتتفرق الغنم عن راعيها وأشباه هذا من الامور. وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تحاجهم (6)، فمن كان يقوم للاسد، والذئاب والنمورة والدببة لو


(1) في كتاب التوحيد من البحار: لتتهيأ. (2) المواتاة: الموافقة. (3) في الموضع المتقدم: مسخرة للانسان. (4) تروى: تفكر. (5) المآرب: الحوائج. (6) هكذا في النسخ، وفى توحيد البحار: تجتاحهم، ولعله الصحيح أي تستأصلهم و تهلكهم. *

[56]

تعاونت وتظاهرت على الناس ؟ أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها (1) تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوتها إلا بالليل، فهي مع صولتها كالخائف للانس بلا مقموعة (2) ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيقت عليهم (3)، ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه وحفاظ له، فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه وذب الدغار عنه (4)، ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله، ويألفه غاية الالف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة، فلم طبع الكلب على هذه الالف إلا ليكون حارسا للانسان، له عين بأنياب ومخاليب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويحضرها (5). يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو ؟ فانك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقا شقا في أسفل الخطم ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الارض، ألا ترى أن الانسان لا يتناول بها الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقا من أسفله لتقبض به على العلف ثم تقضمه، واعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد. اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فانه بمنزلة الطبق على الدبر والحياء جميعا يواريهما ويسترهما، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه الذئاب والبعوض، فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن ذلك الموضع،


(1) نكى ينكى نكاية العدو وفى العدو: قهره بالقتل والجرح. (2) في نسخة: غير مقمعة. (3) في نسخة: وضيعت عليهم. (4) أي ودفع الهجوم عنه. وفي نسخة: وذب الذعار عنه. (5) في نسخة: (ويحفرها) ولعله مصحف: " ويخفرها " كما في التوحيد من البحار. *

[57]

ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة، فانه لما كان قيامها على الاربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة، وفيه منافع اخرى يقصر عنها الوهم، يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها، فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل (1) فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا (2) على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها، وجعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها، ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه تستطيع أن يأتيها كفاحا كما (3) يأتي الرجل المرأة ؟ تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فانه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما (4) إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الارض، لانه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام، فلما عدم العنق اعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله (5) فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذى عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه ؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة ؟ فان قال قائل: فما باله لم يخلق ذاعنق كسائر الانعام ؟ قيل له: إن رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها، فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه، فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته.


(1) أي تسقط فيه. (2) أي ملقى على وجهه (3) أي مستقبلا (4) الازدراد: البلع. (5) أي ليرسله ويرخيه. *

[58]

انظر الآن كيف حياء الانثى من الفيلة في أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل حياء الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الانعام، ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للامر الذي فيه قوام النسل ودوامه. فكر في خلق الزرافة (1) واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عزوجل أن نتاجها من فحول شتى، قالوا: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى، وهذا جهل من قائله وقلة معرفته بالباري جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع، على أنه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة عضو من الفرس، وعضو من الجمل، و أظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كالذي تراه في البغل، فانك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطابين هذه الاعضاء من الفرس والحمار وشحيجه (2) كالممتزج من صهيل ونهيق الحمار، فهذا دليل على أنه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ، وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان كلها يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في أيها شاء و يزيد في الخلقة ما شاء وينقص منها ما شاء دلالة على قدرته على الاشياء وأنه لا يعجزه شئ


(1) الزرافة: دابة يقال لها بالفارسية: اشتر گاو پلنگ. (2) شحج البغل أو الغراب: صوت أو غلظ صوته. *

[59]

أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فان منشأها ومرعاها في غياطل (1) ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الاشجار فتتقوت من ثمارها. تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يؤمي إليه (2) ويحكي كثيرا مما يرى الانسان بفعله، حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه، أن يكون (3) عبرة للانسان في نفسه، فيلعم أنه من طينة البهائم و سنخها (4) إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، ولولا أنه فضيلة (5) فضله (6) بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا اخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يحلق بالانسان لو اعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه، و الفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة (7) هو النقص في العقل والذهن والنطق. انظر يا مفضل: إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كسيت أجسامهم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد، وكثرة الآفات، والبست


(1) الغياطل جمع الغيطل وهو الشجر الكثير الملتف. (2) أي يشير إليه. (3) أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان. (4) السنخ: الاصل. (5) في المخطوطة وفى التوحيد من البحار: وانه لولا فضيلة. (6) في التوحيد من البحار: فضله الله بها. (7) أي الفصل الصحيح الذى يصلح لان يكون فاصلا. وقال المصنف: في اكثر النسخ: " وهو " وعلى هذا فلا يبعد أن تكون الصحة تصحيف القحة أي قلة الحياء. *

[60]

الاظلاف (1) والحوافر والاخفات ليقيها من الحفاء إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا: لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها، فأما الانسان فانه ذوحيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة، ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذلك صلاح من جهات: من ذلك أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية، ومنها: أنه يستريح إلى خلع كسوته (2) ولبسها إذا شاء، ومنها: أنه يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا، لها جمال وروعة (3) فيتلذذ بلبسها وتبديلها، وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه وفي ذلك معايش لمن يعلمه من الناس، ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم، فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة، والاظلاف والحوافر والاخفاف مقام الحذاء. فكر يا مفضل: في خلقة عجيبة في البهائم، فانهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شئ، وليست قليلة فتخفى لقلتها، بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق. فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظباء والمها والحمير والوعول والايائيل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الاسد والضباع و لذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الارض وكذلك سراب الطير من الغربان والقطا والاوز والكراكي (4) والحمام وسباع الطير


(1) في كتاب التوحيد من البحار: والبست قوائمها الاظلاف. (2) في التوحيد: إلى خلع كسوته إذا شاء. (3) الروعة: المسحة من الجمال. (4) الغربان جمع الغراب، والقطا جمع القطاة طائر في حجم الحمام. والاوز جمع الاوزة: طائر مائى يقال له: الوزة ايضا: والكراكي جمع الكركي: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين، ابتر الذنب، قليل اللحم، يأوى إلى الماء احيانا. *

[61]

جميعا، وكلها لا يرى منها إذا ماتت (1) إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص ويفترسه سبع، فإذا أحسوا بالموت كمنوا (2) في مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلات الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء ويحدث الامراض والوباء، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الاول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وفي البهائم وغيرها ادكارا ليسلم الناس من معرة ما (3) يحدث عليهم من الامراض والفساد. فكر يا مفضل: في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عزوجل لهم، لئلا يخلو من نعمه جل وعزأحد من خلقه لا بعقل وروية، فان الايل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه، ولو شرب لمات من ساعته فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمل الظماء الغالب خوفا من المضرة في الشرب، وذلك مما لا يكاد الانسان العاقل المميز يضبطه من نفسه، والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت و نفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه، فانه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما يقوي عليه السباع من مساورة الصيد، اعين بالدهاء (4) والفطنة والاحتيال لمعاشه، والدلفين يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذالك أن يأخذ السمك فيقتله ويشرحه (5) حتى يطفو على


(1) في كتاب التوحيد: وكلها لا يرى منها شئ إذا ماتت. (2) أي تواروا واختفوا. (3) المعرة: الاذى. (4) الدهاء: جودة الرأى والحذق. المكرو الاحتيال. (5) شرح اللحم: قطعه قطعا طوالا. *

[62]

الماء ثم يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة. قال المفضل: فقلت: خبرني يا مولاي عن التنين والسحاب، فقال عليه السلام: إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه كما يختطف حجر المقناطيس الحديد فهو لا يطلع رأسه في الارض خوفا من السحاب، ولا يخرج إلا في القيظ مرة، إذا سحت السماء فلم يكن فيها نكتة من غيمة قلت: فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده، قال: ليدفع عن الناس مضرته. قال المفضل: فقلت: قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر، فصف لي الذرة (1) والنمل والطير، فقال عليه السلام: يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها، فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره. انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده، فانك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله، أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم (2)، فان أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ثم لا يتخذ النمل الزيبة (3) إلا في نشز من الارض كي لا يفيض السيل فيغرقها (4)، فكل هذا منه بلا عقل


(1) الذرة: النملة الصغيرة الحمراء. (2) ويقطع الكسفرة ويقسمها ارباعا لما الهم من ان نصفها ايضا ينبت. (3) الزيبة بالضم: الحفرة. (4) قال الدميري: يحفر قريته بقوائمه وهى ست، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجرى إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك، وانما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الارض وفيها منازل ودهاليز وغرف و طبقات معلقة يملاها حبوبا ودخائر للشتاء. *

[63]

ولا روية، بل خلقة خلق عليها لمصلحة لطفا من الله عزوجل انظر إلى هذا الذي يقال له الليث: وتسميه العامة أسد الذباب وما اعطي من الحيلة، والرفق في معاشه، فانك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به، فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا (1) حتى يكون منه بحيث يناله وثبه ثم يثب عليه فيأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن ينجو منه فلا يزال قابضا عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه، فأما العنكبوت فانه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب، ثم يكمن في جوفه فإذا نشب (2) فيه الذباب أحال (3) عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك منه، فكذلك يحكي صيد الكلاب والنهود، وهكذا يحكى صيد الاشراك والحبائل. فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل طبعها مالا يبلغه الانسان إلا بالحيلة واستعمال آلات فيها فلا تزدر (4) بالشئ إذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فان المعنى النفيس، قد يمثل بالشئ الحقير فلا يصنع منه (5) ذلك، كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد. تأمل يا مفضل: جسم الطائر وخلقته فانه حين قدر أن يكون طائرا في


(1) في المخطوطة: دب دبيبا رقيقا. (2) نشب فيه: وقع فيما لا مخلص منه. (3) احال عليه: اقبل، وفى كتاب التوحيد " اجال عليه " أي اداره، ويحتمل ان يكون مصحفا. (4) هكذا في النسخ والظاهر انه مصحف " فلا تزدرأ " حيث قال المصنف في تفسير الحديث في كتاب التوحيد الازدراء: الاحتقار. (5) أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير، قال الفيروز آبادي: وضع عنه: حط من قدره. *

[64]

الجو خفف جمسه وادمج خلقه فاقتصر به من القوائم الاربع على اثنتين، ومن الاصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذاجؤجؤ محدد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعل السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسي كله الريش ليداخله الهواء فيقله، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الاسنان وخلق له منقار صلب جاس تيناول به طعمه فلا ينسجح من لقط الحب ولا يتقصف من نهش اللحم، ولما عدم الاسنان وصار يزدرد الحب (1) صحيحا واللحم غريضا اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغنى به عن المضغ. واعتبر ذلك بأن عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الانس صحيحا ويطحن في أجواف الطير، لا يرى له أثر، ثم جعل مما يبيض بيضا ولا يلده ولادة لكيلا يثقل عن الطيران، فانه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لاثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كل شئ من خلقه مشاكلا للامر الذي قدر أن يكون عليه، ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه اسبوعا وبعضها اسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء، ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به، فمن كلفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ؟ ولاي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي، روية ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد (2) وبقاء الذكر ؟ فهذا من فعل يشهد (3) بأنه معطوف على فراخه لعلة لا يعرفها ولا يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره.


(1) أي يبتلعه. (2) في كتاب التوحيد من البحار: " فهذا هو فعل يشهد " وفي نسخة: فهذا من فعله يشهد. (3) الرفد: النصيب. المعاونة. *

[65]

انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر (1) موطئ، بل تنبعث تنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه فتفرخ فلم كان ذلك منها إلا لاقامة النسل ؟ ومن أخذها باقامة النسل ولا روية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك ؟ اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المح (2) الاصفر الخاثر والماء الابيض الرقيق، فبعضه لينشر منه الفرخ، وبعضه ليغذي (3) به إلى أن تنقاب عنه البيضة وما في ذلك من التدبير، فانه لو كان نشو الفرخ في تلك القشرة المستحضنة (4) التي لا مساغ لشئ إليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها كمن يحبس في حصن حصين (5) لا يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه. فكر في حوصلة الطائر وما قدر له فان مسلك الطعم إلى القانصة (6) ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الاولى القانصة لطال عليه، ومتى كان يستوفي طعمه فانما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر فجعلت الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعي (7) فيها ما أدرك من الطعم بسرعة، ثم تنفذه إلى القانصة على مهل، وفي الحوصلة أيضا خلة اخرى، فان من الطائر ما يحتاج إلى أن يزق فراخه فيكون رده للطعم من قرب أسهل عليه.


(1) الوكر بفتح الواو وسكون الكاف: عش الطائر. (2) في نسخه: " المخ " بالخاء المعجمة. وقال الاصمعي: اخثرت الزبد: تركته خاثرا، وذلك إذا لم تذبه. (3) في نسخة: ليغتذى، (4) في نسخة: المستحسفة: (5) في النسخة المخطوطة وفى كتاب التوحيد من البحار: في حبس حصين. (6) القانصة للطير: كالمعدة للانسان. (7) اوعى الزاد: جعله في الوعاء. *

[66]

قال المفضل: فقلت: إن قوما من المعطلة يزعمون أن اختلاف الالوان والاشكال في الطير إنما يكون من قبل امتزاج الاخلاط واختلاف مقاديرها بالمرج (1) والاهمال. فقال: يا مفضل هذا الوشي (2) الذي تراه في الطواويس والدراج والتدراج (3) على استواء ومقابلة كنحو ما يخط بالاقلام كيف يأتي به الامتزاج (4) المهمل على شكل واحد لا يختلف ؟ ولو كان بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا. تأمل ريش الطير كيف هو ؟ فانك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك (5) دقاق قد الف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط، والشعرة إلى الشعرة، ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح، فيقل الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته، وهو القصبة التي في وسط الريشة، وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطائر ولا يعوقه عن الطيران. هل رأيت يا مفضل هذا الطائر الطويل الساقين ؟ وعرفت ماله من المنفعة في طول ساقيه ؟ فانه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء فتراه بساقين طويلين كأنه ربيئة فوق مرقب، وهو يتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات


(1) قال المصنف: المرج بالتحريك: الفساد والاضطراب والاختلاط، وفي بعض النسخ بالزاى المعجمة، والاول أظهر. (2) الوشى: نقش الثوب ويكون من كل لون. (3) التدرج والتذرج: طائر حسن الصورة ارقش طويل الذنب، والجمع تدارج، واوردنا كلام الدميري في كتاب التوحيد راجع ج 3: 105. (4) اراد عليه السلام بالامتزاج الطبيعة التى يقولها القائلون باستناد الموجودات إليها في زماننا هذا. (5) السلوك جمع السلك وهو جمع السلكة بالكسر: الخيط يخاط بها. *

[67]

رقيقا (1) حتى يتناوله، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر (2) منه فيتفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه. تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فانك تجد كل طائر طويل الساقين طويل العنق، وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الارض، ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الارض، وربما اعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الامر عليه سهولة له وإمكانا، أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة. انظر إلى العصافير كيف تطلب اكلها بالنهار فهي لا تفقده ولا هي تجده مجموعا معدا، بل تناله بالحركة والطلب، وكذلك الخلق كله، فسبحان من قدر الرزق كيف قوته (3) فلم يجعل مما لا يقدر عليه إذ جعل للخلق حاجة إليه ولم يجعله مبذولا يناله (4) بالهوينا إذا كان لا صلاح في ذلك، فانه لو كان يوجد مجموعا معدا كانت البهائم تتقلب عليه ولا تتقلع عنه حتى تبشم فتهلك، وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الاشر والبطر حتى يكثر الفساد ويظهر الفواحش. أعلمت ما طعم هذه الاصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام (5) والخفاش ؟ قلت: لا يا مولاي.


(1) في نسخة: خطوات رقيقات. (2) أي ويخاف منه. (3) في نسخة: " كيف قدره " وفي النسخة المخطوطة: كيف قدر. (4) في نسخة: " ينال بالهوينا " أقول: الهوينا " التؤدة والرفق وهى تصغير الهونى، والهونى تأنيث الاهون. (5) الهام جمع الهامة نوع من البوم الصغير تألف القبور والاماكن الخربة وتنظر من كل مكان، اينما درت ادارت رأسها، وتسمى ايضا الصدى. *

[68]

قال: إن معاشها من ضروب تنتشر في هذا الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع، واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذا شئ كثير، فمن أين يأتي ذلك كله إلا من القرب. فان قال قائل: انه يأتي من الصحاري والبراري، قيل له: كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد ؟ وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه ؟ مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج (1) من قرب، فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل موضع من الجو، فهذه الاصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها. فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظان أنها فضل لا معنى له. خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الاربع، بل هو إلى ذوات الاربع أقرب: وذلك أنه ذو اذنين ناشزتين وأسنان ووبر، وهو يلد ولادا ويرضع و يبول ويمشي إذا مشى على أربع (2) وكل هذا خلاف صفة الطير، ثم هو أيضا مما يخرج بالليل ويتقوت مما يسري في الجو من الفراش، وما أشبهه، وقد قال القائلون: إنه لا طعم للخفاش وإن غذاءه من النسيم وحده، وذلك يفسد ويبطل من جهتين: إحداهما خروج مايخرج منه من الثفل والبول، فان هذا لا يكون من غير طعم، والاخرى أنه ذو أسنان ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للاسنان فيه معنى، وليس في الخلقة شئ لا معنى له، وأما المآرب فيه فمعروفة حتى أن زبله يدخل في


(1) أي تتساقط عليه وتتابع. (2) وقال الدميري: يحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الانسان. *

[69]

بعض الاعمال، (1) ومن أعظم الارب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل ثناؤه وتصرفه فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة، فأما الطائر الصغير الذي يقال له: ابن تمرة فقد عشش في بعض الاوقات في بعض الشجر فنظر إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشته فاغرة (2) فاها لتبلعه، فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذ وجد حسكة (3) فحملها فألقاها في فم الحية فلم تزل الحية تلتوي و تتقلب حتى ماتت، أفرأيت لو لم اخبرك بذالك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة العظيمة ؟ أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة ؟ اعتبر بهذا وكثير من الاشياء تكون فيها منافع لا تعرف إلا بحادث يحدث به والخبر يسمع به (4). انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل وتهيئة البيوت المسدسة وما ترى في ذلك اجتماعه من دقايق الفطنة (5)، فانك إذا تأملت العمل رأيته عجيبا لطيفا، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غيبا جاهلا بنفسه فضلا عما سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب و الحكمة في هذه الصنعة ليست للنحل بل هي للذي طبعه عليها وسخره فيها لمصلحة الناس. انظر إلى هذه الجراد ما أضعفه وأقواه، فانك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف


(1) قال الدميري: ان زبله إذا طلى به على القوابى قلعها، وذكر لاجزائه الاخرى خواصا كثيرة. منها ان طبخ رأسه في اناء أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مرارا حتى يتهرى ويصفى ذاك الدهن عنه ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش والتورم في الجسد فانه ينفعه ذلك و يبرئه. (2) فغرفاه: فتحه. (3) الحسك: نبات شائك، (4) في التوحيد من البحار: أو خبر يسمع به. (5) في نسخة: وما ترى في اجتماعه من دقائق الفطنة. *

[70]

الاشياء وإن دلفت (1) عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه ألا ترى أن ملكا من ملوك الارض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك ؟ أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه ؟ انظر إليه كيف ينساب (2) على وجه الارض مثل السيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته، فلو كان مما يصنع بالايدي متى كان يجتمع منه هذه الكثرة ؟ وفي كم من سنة كان يرتفع ؟ فاستدل بذلك على القدرة التي لا (3) يؤودها شئ ولا يكثر عليها. تأمل خلق السمك ومشاكلته للامر الذي قدر أن يكون عليه، فانه خلق غير ذي قوائم لانه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء، وخلق غير ذي رية لانه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في (4) اللجة، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاذيف (5) جانبي السفينة، و كسي جسمه قشورا متانا متداخله كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات، فاعين بفضل حس في الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه، فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه (6) وإلا فكيف يعلم به بموضعه ؟ واعلم أن من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعب (7) الماء بفيه ويرسله من صماخيه (8) فيتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى أن تنسم هذا النسيم، فكر الآن في كثرة نسله وما خص به


(1) دلفت الكتيبة في الحرب: تقدمت. (2) انساب: جرى ومشى مسرعا. (3) لايؤودها أي لا يثقلها. (4) لجة الماء: معظمه. (5) المجذاف: ما تجرى به السفينة. (6) انتجع: طلب الكلا في موضعه. (7) أي يشرب أو يكرع بلا تنفس. (8) الصمخ: خرق الاذن الباطن الماضي إلى الرأس. *

[71]

من ذلك فانك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض مالا يحصى كثرة، والعلة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان، فان أكثرها يأكل السمك حتى أن السباع أيضا في حافات الآجام (1) عاكفة على الماء (2) أيضا كي ترصدا السمك فإذا مر بها خطفته، فلما كانت السباع تأكل السمك والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والاصداف والاصناف التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إلا الشئ بعد الشئ يدركه الناس بأسباب تحدث، مثل القرمز فانه إنما عرف الناس صبغه بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمي الحلزون فأكلته فاختضب خطمها بدمه، فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغا، وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان (3). توضيح: وأوكدها، أي أوكد الاشياء وأحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات، ويمكن أن يكون فعلا والضمير راجعا إلى جنس البشر، أي ألزمها وألهمها هذه الصناعات، ولا يبعد إرجاعه إلى الكف أيضا، والململم بفتح اللامين: المجتمع المدور المصموم، واليمام: حمام الوحش، وفي حياة الحيوان: قال الاصمعي: إنه الحمام الوحشي، الواحدة يمامة وقال الكسائي: هي التي تألف البيوت، (4) وقال: الحمر بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبالراء المهملة: ضرب من الطير كالعصفور، وروى أبو داود الطيالسي والحاكم - وقال: صحيح الاسناد - عن ابن مسعود قال: كنا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيضة حمرة فجاءت


(1) أي جوانبها. (2) عكف على الشئ: اقبل عليه مواظبا. (3) رواه المصنف بتفصيله في كتاب التوحيد راجع ج 3: 92 - 110. (4) حياة الحيوان: 2: 296 باب الياء. *

[72]

الحمرة تزف على رسول الله (1) صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه فقال لاصحابه: أيكم فجع هذه ؟ فقال رجل: يا رسول الله أخذت بيضها - وفي رواية الحاكم فريخها - (2) فقال صلى الله عليه واله وسلم: رده رده، رحمة لها انتهى (3). وفي القاموس: الحمر كصرد: طائر وتشدد الميم والمودع بفتح الدال: المستريح: ونير الفدان: الخشبة المعترضة في عنق الثورين، والدببة كعنبة جمع الدب، والعين بالفتح: الغلظ في الجسم والخشونة، والخطم بالفتح من كل دابة: مقدم أنفه وفمه، والجحفلة: بمنزلة الشفة للبغال والحمير والخيل، والحياء: الفرج، والمراد بمراقي البطن: ما ارتفع منه من وسطه أو قرب منه، والوضر: الدرن. وقال الدميري: ذكر القزويني: أن فرج الفيلة تحت إبطها فإذا كان وقت الضراب ارتفع وبرز للفحل حتى يتمكن من إتيانها، فسبحان من لا يعجزه شئ (4). أقول: سيأتي أحوال الفيل في باب المسنوخ إنشاء الله وقال الدميري: الزرافة بفتح الزاي وضمها مخففة الراء، وهي حسنة الخلق طويلة اليدين قصيرة الرجلين مجموع يديها ورجليها نحو عشرة أذرع، رأسها كرأس الابل، وقرنها كقرن البقر وجلدها كجلد النمر، وقوائمها واظلافها كالبقر، وذنبها كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، إنما ركبتاها في يديها، وإذا مشت قدمت الرجل اليسرى واليد اليمنى بخلاف ذوات الاربع كلها فانها تقدم اليد اليسرى والرجل اليمنى (5)، وفي طبعها التودد والتأنس وتجتر وتبعر، ولما علم الله تعالى أن قوتها في الشجر (6)


(1) في المصدر: تزف على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: فرخها. (3) حياة الحيوان 191 و 192 باب الحاء. (4) حياة الحيوان 2: 160. (5) في المصدر: فانها تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى ومن طبعها. (6) في المصدر: من الشجر. *

[73]

جعل يديها أطول من رجليها، وتستعين (1) بذلك على الرعي منها وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة محمد بن عبد الله العتبي البصري الاخباري الشاعر أنه كان يقول: الزرافة بفتح الزاي وضمها: الحيوان المعروف، وهي متولدة بين ثلاثة حيوانات: الناقة الوحشية (2)، والبقر الوحشية، والضبعان وهو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فيأتي بولد بين الناقة والضبع، فان كان الولد ذكرا وقع على البقرة فتأتي بالزرافة، وذلك في بلاد الحبشة ولذالك قيل لها: الزرافة، وهي في الاصل الجماعة، فلما تولدت من جماعة قيل لها ذلك، والعجم يسمونها اشتر گاو پلنگ (3) وقال قوم: إنها متولدة من حيوانات (4)، وسبب ذلك اجتماع الدواب والوحوش في القيظ عند المياه، فتتسافد فيلقح منها ما يلقح ويمتنع ما يمتنع، وربما سفد الانثى من الحيوان ذكور كثيرة فتختلط مياهها فيأتي منها خلق مختلف الصور والاشكال والالوان، والجاحظ لا يرتضي هذا القول ويقول: إنه جهل شديد لا يصدر إلا عمن لا تحصيل لديه، لان الله تعالى يخلق ما يشاء، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير، ومما يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد ذلك (5). وقال: السمع بكسر السين: ولد الذئب من الضبع، وهو سبع مركب فيه شدة الضبع وقوتها، وجرأة الذئب وخفته، ويزعمون أنه كالحية لا يعرف العلل ولا يموت حتف أنفه، وإنه أسرع عدوا من الريح (6). وقال: القرد حيوان معروف وجمعه قرود وقد يجمع على قردة بكسر القاف


(1) في المصدر: لتستعين بذلك على الرعى منها بسهولة قاله القزويني في عجائب المخلوقات. (2) في المصدر: بين الناقة الوحشية. (3): في المصدر لان اشتر: الجمل، وگاو: البقرة، وپلنگ: الضبع. (4) في المصدر: من حيوانات مختلفة. (5) حياة الحيوان 2: 4. (6) حياة الحيوان: 19. *

[74]

وفتح الراء المهملة، والانثى قردة بكسر القاف وإسكان الراء وجمعها قرد بكسر القاف وفتح الراء وبالدال في آخر مثل قربة وقرب، وكنيته أبو خالد وأبو حبيب وأبو زنة وأبوقشة، (1) وهو حيوان قبيح مليح ذكي سريع الفهم يتعلم الصنعة أهدى ملك النوبة إلى المتوكل قردا خياطا وآخر صائغا، وأهل اليمن يعلمون القردة القيام بحوائجهم حتى أن البقال والقصاب يعلم القردة حفظ الدكان حتى يعود صاحبه، ويعلم السرقة فيسرق، نقل الشيخان عن القاضي حسين أنه قال: لو علم قرد النزول إلى الدار وإخراج المتاع ثم نقب وارسل القرد فأخرج المتاع ينبغي أن لا يقطع لان للحيوان اختيارا، وروي عن أحمد بن طاهر أنه قال: شهدت بالرملة قردا صائغا فإذا أراد أن ينفخ أشار إلى رجل حتى ينفخ له انتهى (2). وسيأتي سائر أحواله في باب المسوخ. وشحيج البغل والحمار: صوتهما، والاسراب جمع السرب وهو القطيع من الظبأ والقطا والخيل ونحوها، والمها جمع المهاة وهي البقر الوحشية. قال الدميري: وقيل: المها نوع من البقر الوحشي والانثى من المها إذا حملت هربت من البقر، ومن طبعها الشبق والذكر لفرط شهوته يركب ذكرا آخر، والمها أشبه شئ بالمعز الاهلية وقرونها صلاب جدا، ومخها يطعم صاحب القولنج ينفعه نفعا، ومن استصحب معه شعبة من قرن المها نفرت منه السباع، وإذا بخر بقرنه أو جلده أو ظفره في بيت نفرت منه الحيات، ورماد قرنه يذر على السن المتأكلة يسكن وجعها، وشعره إذا بخربه بيت هربت منه الفار والخنافس، وإذا احرق قرنه وجعل في طعام صاحب حمى الربع (3) فانها تزول عنه، وإذا شرب في شئ من الاشربة زاد في الباه وقوي العصب وزاد في الانعاظ، وإذا نفخ في أنف الراعف قطع


(1) في المصدر: وابو حبيب وابو خلف وابوربه وابوقشة. (2) حياة الحيوان 2: 171 و 172. (3) في المصدر: صاحب الحمى الربع. *

[75]

دمه، وإذا احرق قرناه حتى يصيرا رمادا واديفا (1) بخل وطلي به موضع البرص مستقبل الشمس فانه يزول، وإذا استف (2) منه مقدار مثقال فانه لا يخاصم أحدا إلا غلب عليه (3). والوعل بالفتح وككتف: تيس الجبل والجمع أوعال ووعول، قال الدميري: الوعل بفتح الواو وكسر العين المهملة: الاروى وهو التيس الجبلي، وفي طبعه أنه يأوي إلى الاماكن الوعر الخشنة ولا يزال مجتمعا، فإذا كان وقت الولادة تفرق. وإذا اجتمع في ضرع انثى لبن امتصته، والذكر إذا عجز عن النزو أكل البلوط فتقوى شهوته، وإذا لم يجد الانثى انتزع المني بالامتصاص من فيه، (4) وذلك إذا جذبه الشبق، وفي طبعه أنه إذا أصابه جرح طلب الخضرة التي في الحجارة فيمصها ويجعلها في الجرح (5) فيبرأ وإذا أحس بقناص وهو في مكان مرتفع استلقى على ظهره ثم يزج نفسه فينحدر ويكون قرناه وهما في رأسه إلى عجزه يقيانه ما يخشى من الحجارة ويسرعان به لملوستهما على الصفا انتهى (6). والايل بضم الهمزة وكسرها وفتح الياء المشددة وكسيد: الذكر من الاوعال، ويقال: هو الذي يسمى بالفارسية گوزن والجمع اياييل، قال الدميري: وأكثر أحواله شبيهة ببقر الوحشي، وإذا خاف من الصياد يرمي نفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك، وعدد سني عمره العقد التي في قرنه، وإذا لسعته الحية أكل السرطان، ويصادق السمك فهو يمشي إلى الساحل ليرى السمك، والسمك يقرب من البر ليراه، والصيادون يعرفون هذا فيلبسون جلده ليقصدهم السمك فيصطادون


(1) داف وأداف الدواء: خلطه. (2) سف الدواء والسويق ونحوهما: اخذه غير ملتوت. (3) حياة الحيوان 2: 236 و 237. (4) في المصدر: بفيه. (5) في المصدر: فيمتصها ويجعلها على الجرح. (6) حياة الحيوان 2: 290 و 291. *

[76]

منه، وهو مولع بأكل الحيات يطلبها حيث وجدها وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه، يدخل الاصبع فيها فتجمد تلك الدموع فتصير كالشمع فيتخذ درياقا لسم الحيات وهو البادزهر الحيواني، وأجوده الاصفر، وأماكنه بلاد السند والهند، وفارس، وإذا وضع على لسع الحيات والعقارب نفعها، وإن أمسكه شارب السم في فيه نفعه، وله في دفع السموم خاصية عجيبة، وهذا الحيوان لا تنبت له قرون إلا بعد مضي سنتين من عمره، فإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين وفي الثالثة يتشعب (1)، ولا تزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، فحينئذ يكونان كشجرتين في رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرنيه في كل سنة مرة ثم ينبتان، فإذا نبتا تعرض بها للشمس ليصلبا والايل في نفسه جبان دائم الرعب، وهو يأكل الحيات أكلا ذريعا، وإذا أكل الحيات بدأ بأكل ذنبها إلى رأسها وهو يلقي قرونه في كل سنة، وذلك إلهام من الله تعالى لما للناس فيها من المنفعة، لان الناس يطردون بقرنه كل دابة سوء وييسر عسر الولادة وينفع الحوامل ويخرج الدود من البطن إذا احرق جزء منه ولعق بالعسل. وقال أرسطو: إن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء ولا ينام مادام يسمع ذلك، فالصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه فإذا رأوه قد استرخت اذناه أخذوه، وذكره من عصب لا لحم ولا عظم وقرنه مصمت لا تجويف فيه، ويسمن هذا الحيوان سمنا كثيرا، فإذا اتفق له ذلك هرب خوفا من أن يصاد، وإن الايايل تأكل الافاعي في الصيف فتحمى وتلتهب لحرارتها فتطلب الماء فإذا رأته امتنعت من شر به وحامت عليه تتنسمه (2) لانها لو شربته في تلك الحالة فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع من شرب الماء حتى يطول بها الزمان فيذهب ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها، وإذا بخر بقرنه طرد الهوام وكل ذي سم وإذا احرق


(1) في المصدر: وفى الثالثة يتشعبان. (2) أي تشمه ووجد نسيمه. *

[77]

قرنه واستيك به قلع الصفرة والحفر من الاسنان وشد اصولها، ومن علق عليه شيئا من أجزائه لم ينم مادام عليه، وإذا جفف قضيبه وسفي هيج الباه، وإذا شرب دمه فتتت الحصاة التي في المثانة انتهى (1). والقانص: الصائد، والمراد بالتمثيل ما ذكر الله تعالي في قصة هابيل، و المعرة: الاذى، قوله عليه السلام: لا يعقل، لعل المراد أن هذه الامور بمحض لطفه سبحانه حيث يلهمهم ذلك لا بعقل وروية. وقال الفيروز آبادي: الدلفين بالضم: دابة بحرية تنجي الغريق، وقال الدميري: الدلفين (2) ضبطه الجوهري في باب السين بضم الدال، فقال: الدخس مثل الصرد: دابة في البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها تستعين (3) على السباحة وتسمى الدلفين، وقال بعضهم: إنه خنزير البحر وهو دابة تنجي الغريق وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر المالح لانه يقذف به البحر إلى النيل، وصفته كصفة الزق المنفوخ وله رأس صغير جدا، وليس في دواب البحر دابة لها رئة سواه، ولذا يسمع منه النفخ والنفس وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الاسباب في نجاته لانه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، ولا يؤذي أحدا ولا يأكل إلا السمك، و ربما ظهر على وجه الماء كأنه الميت (4) وهو يلد ويرضع وأولاده تتبعه حيث ذهب ولا يلد إلا في الصيف، وفي طبعه الانس (5) وخاصة بالصبيان، وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده، وإذا لبث في العمق حينا حبس نفسه وصعد بعد ذلك مسرعا مثل السهم لطلب النفس فان كانت بين يديه سفينة وثب وثبة وارتفع بها عن


(1) حياة الحيوان 1: 76 و 77. (2) في المصدر: الدلفين: الدخس. (3) في المصدر: لتستعين به على السباحة. (4) في المصدر: كانه ميت. (5) في المصدر: ومن طبعه الانس بالناس. *

[78]

السفينة، ولا يرى منها ذكر إلا مع انثى انتهى (1). وقال الفيروزآبادي: التنين كسكين: حية عظيمة، وقال الدميري: ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها، (2) وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه شر من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح، وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر العينين مثل الدم واسع الفم والجوف براق العينين يبتلع كثيرا من الحيوانات يخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته، وأول أمره تكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى فإذا كثر فسادها احتملها ملك وألقاها في البحر، فتفعل في دواب البحر ما كانت تفعل (3) بدواب البر فيعظم بدنها، فيبعث الله تعالى إليها ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج، (4) وروى بعضهم أنه رأى تنينا طوله نحوفر سخين، ولونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس السمك بجناحين عظيمين على هيئة جناحي السمك ورأسه كرأس الانسان لكنه كالتل العظيم، واذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا انتهى (5). وأقول: لم أر في كلامهم اختطاف السحاب للتنين، وقال الفيروزآبادي: القيظ صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل والزبية بالضم: الحفرة. و النشز بالفتح وبالتحريك: المكان المرتفع، وقال الجوهري: الليث: الاسد و ضرب من العناكب يصطاد الذباب بالوثب، ويقال: أحال عليه بالسوط يضربه أي أقبل، قوله: فكذلك أي كفعل الليث، وقوله: هكذا أي كفعل العنكبوت، قال الدميري: العنكبوت: دويبة تنسج في الهواء، وجمعها عناكب والذكر عنكب و


(1) حياة الحيوان 1: 245. (2) زاد في المصدر: وكنيته ابو مرداس وهو ايضا نوع من السمك. (3) في المصدر: بدواب البحر ما كانت تفعله. (4) فيه غرابة شديدة وهو بالقصة اشبه. (5) حياة الحيوان 1: 120. *

[79]

وزنه فعللوت وهي قصار الارجل كبار العيون للواحد ثمانية أرجل وست أعين (1) فإذا أراد صيد الذباب لطأ بالارض وسكن أطرافه وجمع نفسه ثم وثب على الذباب فلا يخطئه. قال أفلاطون: أحرص الاشياء الذباب، وأقنع الاشياء العنكبوت، فجعل الله رزق أقنع الاشياء أحرص الاشياء. فسبحان اللطيف الخبير، وهذا النوع يسمى الذباب، ومنها نوع يضرب بالحمرة له زغب وله في رأسه اربع إبرينهش بها، وهو لا ينسج بل يحفر بيته في الارض ويخرج بالليل كسائر الهوام، منها الرتيلا قال الجاحظ: الرتيل نوع من العناكب وتسمى عقرب الحيات (2) لانها تقتل الحيات والافاعي، وقيل: انها ستة أنواع، وقيل: ثمانية، وكلها من أصناف العنكبوت وقال الجاحظ: ولد العنكبوت أعجب من الفروخ الذي يخرج إلى الدنيا كاسبا كاسيا، لان ولد العنكبوت يقوى على النسج ساعة يولد من غير تلقين ولا تعليم و يبيض ويحضن وأول ما يولد يكون دودا صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا وتكمل صورته عند ثلاثة أيام وهو يطاول للفساد، فإذا أراد الذكر الانثى جذب بعض خيوط نسجها من الوسط فإذا فعل ذلك فعلت الانثى مثله فلايز الان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذكر قبالة بطن الانثى، وهذا النوع من العناكب حكيم، ومن حكمته أنه يمد السدى ثم يعمل اللحمة ويبتدئ من الوسط ويهيئ موضعا لما يصيده من مكان آخر كالخزانة، فإذا وقع شئ فيما نسجه وتحرك عمد إليه وشبك عليه شيئا يضعفه، (3) فإذا علم ضعفه حمله وذهب به إلى خزانته فإذا خرق الصيد من النسج شيئا عاد إليه و رمه، والذي تنسجه لا يخرجه من جوفها بل من خارج جلدها وفمها مشقوق بالطول، (4) وهذا النوع ينسج بيته دائما مثلث الشكل وتكون سعة بيتها بحيث


(1) في المصدر: وست عيون. (2) في المصدر: عقرب الحيات والافاعي. (3) في المصدر: وشبك عليه حتى يضعفه. (4) في المصدر ذكر الافعال والضمائر بلفظ المذكر. *

[80]

يغيب فيه شخصها انتهى (1). ويقال: وضع عنه أي حط من قدره، وأقله أي حمله ورفعه، وجساكدعا صلب ويبس، وسحجت جلده فانسحج أي قشرته فانقشر، والتقصف: التكسر والغريض: الطري أي غير مطبوخ، والعجم بالتحريك: النوى، وتقوقى أي تصيح والمح بضم الميم والحاء المهملة: صفرة البيض، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة وتنقاب اي تنفلق، وماء ضحضاح: قريب القعر، والربيئة بالهمز: العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، والمرقب: الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب والبشم محركة: التخمة بشم كفرح، والفراش هي التي تقع في السراج، واليعسوب أمير النحل وطائر أصغر من الجرادة أو أعظم، وفي القاموس: التمرة كقبرة أو ابن تمرة طائر أصغر من العصفور، وقال: القرمز صبغ أرمنى يكون من عصارة دود في آجامهم، وقال: الحلزون محركة: دابة تكون في الرمث أي بعض مراعي الابل. أقول: ويظهر من الخبر اتحادهما، ويحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون تفطنوا باعمال القرمز للصبغ لتشابههما. قال الدميري: الحلزون: دود في جوف انبوبة حجرية يوجد في سواحل البحار وشطوط الانهار وهذه الدودة تخرج بنصف بدنها من جوف تلك الانبوبة الصدفية وتمشي يمنة ويسرة، تطلب مادة تغتدي بها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليها، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف الانبوبة الصدفية حذرا من المؤذي لجسمها، وإذا انسابت جرت بيتها معها انتهى. (2). أقول:: قد أوردنا الخبر بتمامه وشرحناه على وجه آخر في كتاب التوحيد. تذييل نفعه جليل: اعلم أنه قد ظهر من سياق هذا الخبر في مواضع أن الاعمال الصادرة عن الحيوانات العجم ليست على جهة الفهم والشعور، وإنما هي طبايع طبعت عليها، وقد لاح من ظواهر كثير من الآيات والاخبار أن لها شعورا


(1) حياة الحيوان 1: 266 و 2: 114. (2) حياة الحيوان 1: 171. *

[81]

ومعرفة، بل لهم تكاليف يعاقبون على ترك بعضها في الدنيا وعلى ترك بعضها في الآخرة لا على الدوام، بل في مدة يحصل فيها التقاص بين مظلومها وظالمها، وقد اختلف الحكماء و المتكلمون من الخاص والعام في ذلك، فالحكماء ذهبوا إلى تجرد النفوس الناطقة الانسانية، وإلى أنه لا يتأتي إدراك الكلي إلا من المجرد، فلذا خصوا إدراكه بالانسان، وأما سائر الحيوانات فتدرك بالقوى الدراكة البدنية الامور الجزئية كادراك الشاة معنى جزئيا في الذئب يوجب نفورها عنه، وأكثر المتكلمين أيضا نفوا عنها الفهم والشعور والعقل التي هي مناط التكليف، وأولوا الآيات والاخبار الواردة في ذلك كما عرفت سابقا وسيأتي، والحق أنه لم يدل دليل قاطع على نفي العقل والتكليف عنها مطلقا، بل إنما يدل على أنها ليست في درجة الانسان في إدراك المعاني الدقيقة والتكاليف العظيمة التى كلف بها الانسان والوعد بالنعيم الدائم والوعيد بالعذاب المخلد، فيحتمل أن تكون مدركة لبعض الامور الكلية والمصالح الجلية المتعلقة ببقاء نوعها وغذائها ونموها، وملهمة بمعرفة صانعها وطاعة إمام الزمان وسائر الامور الواردة في الاخبار المعتبرة، ولا استحالة في ذلك، ولا يلزم من ذلك أن تكون كسائر المكلفين مكلفة بجميع التكاليف معاقبة على ترك كلها، وأيضا في التكليف لا يدل على سلب العقول والشعور مطلقا فان المراهقين غير مكلفين قد يكون لهم من إدراك العلوم وتحقيق المطالب ما لم يحصل لكثير من المكلفين على أنه يمكن حمل بعض الآيات والاخبار على أنه تعالى لاظهار المعجز لنبي أو وصي أو الكرامة لولي أعطاها في ذلك الوقت عقلا وشعورا بها يصدر منها بعض أقوال العقلاء وأفعالهم كما مر، أو أوجد فيها كلاما أو فعلا بحيث لا تشعر لما ذكروا وإن كان بعيدا، وأما القول: بأن صدور الاعمال الوثيقة والصنايع الدقيقة منها إنما هي من طبع طبعت عليها من غير شعور بها وفائدتها ففي غاية البعد، ويمكن تأويل ما يوهم ذلك في حديث المفضل على أن المعنى أن الله تعالى يلهمها عند حاجة إلى أمر من الامور ومصلحة من المصالح ذلك، من غير أن يحصل لها ذلك العلم بالاخذ من معلم أو بتحصيل تجربة أو الرجوع إلى كتاب كما

[82]

تتفق تلك الامور لاكثر أفراد البشر العاقلين، كما أن الطفل عند الولادة يلقى عليه شهوة الغذاء والبكاء لتحصيله، ويلهم كيفية مص الثدي وأمثال ذلك مما مر شرحه وتفصيله. ولنذكر هنا بعض ما ذكره محققوا أصحابنا وغيرهم في ذلك، فمنها ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر حيث سئل ما القول في الاخبار الواردة في عمدة كتب من الاصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والارضين وذم أجناس منها، كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدراج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير، وذم الفواخت والرخم ؟ وما يحكى من أن كل جنس من هذه الاجناس المحمودة ينطق بثناء على الله تعالى وعلى أوليائه ودعاء لهم ودعاء على أعدائهم، وأن كل جنس من هذه الاجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الاولياء عليهم السلام، وكذم الجري وما شاكله من السمك وما نطق به الجري من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك، وكذم الدب والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرمة، وكذم البطيخة التى كسرها أمير المؤمنين عليه السلام فصادفها مرة فقال: من النار إلى النار (1) ودحابها من يده ففار من الموضع الذى سقطت فيه دخان، وكذم الارضين السبخة، والقول بأنها جحدت الولاية أيضا، وقد جاء في هذا المعنى ما يطول شرحه، وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الاجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه ويسوغ أمره ونهيه، وفي هذه الاخبار التى أشرنا إليها أن بعض هذه الاجناس يعتقد الحق ويدين به وبعضها يخالفه، وهذا كله مناف لظاهر ما العقلاء عليه. ومنها ما يشهد أن لهذه الاجناس منطقا مفهوما وألفاظا تفيد أغراضها وأنها بمنزلة الاعجمي والعربي اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، وإن شاهد ذلك من قول الله سبحانه فيما حكاه عن سليمان عليه السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير


(1) في نسخة: والى النار. *

[83]

واوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين " (1) وكلام النملة أيضا مما حكاه الله سبحانه، وكلام الهدهد واحتجاجه وفهمه وجوابه، فلينعم بذكر ما عنده مثابا إن شاء الله وبالله التوفيق. وأجاب رضي الله عنه ! اعلم أن المعول فيما نعتقد على (2) ما تدل الادلة عليه من نفي وإثبات، فإذا دلت الادلة على أمر من الامور وجب أن نبني كل وارد من الاخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه ونسوقه إليه ونطابق بينه وبينه ونخلي ظاهرا إن كان له، ونشرط ان كان مطلقا، ونخصه إن كان عاما، ونفضله ان كان مجملا، ونوفق بينه وبين الادلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه في ظواهر القرآن المقطوع على صحته المعلوم وروده فكيف نتوقف عن ذلك في أخبار آحاد لا توجب علما ولا تثمر يقينا ؟ فمتى ورودت عليك أخبار فأعرضها على هذه الجملة وابنها عليها وافعل فيها ما حكمت به الادلة وأوجبته الحجج العقلية، وإن تعذر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل فليس غير الاطراح لها وترك التعريج عليها، ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبر ويتفكر، وقد يجوز أن يكون المراد بذم هذه الاجناس من الطير أنها ناطقة بضد الثناء على الله وبذم أوليائه ونقص أصفيائه: ذم متخذيها (3) و مرتبطيها، وأن هؤلاء المغرين بمحبة هذه الاجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضد الثناء على الله ويذمون أولياءه وأحباءه، فاضاف النطق إلى هذه الاجناس وهو لمتخذيها أو مرتبطيها للتجاور والتقارب، وعلى سبيل التجوز والاستعارة كما أضاف الله تعالى السؤال في القرآن إلى القرية، وإنما هو لاهل القرية، وكما قال تعالى: " وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا و


(1) النمل: 16. (2) لعل كلمة (على) زائدة. (3) في المصدر: معناه ذم متخذيها. *

[84]

عذ بناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا " (1) " وفي هذا كله حذوف، وقد اضيف في الظاهر الفعل إلى من هو في الحقيقة متعلق بغيره، والقول في مدح أجناس من الطير والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله والمدح لاوليائه يجري على هذا المنهاج الذي نهجناه. فان قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الاجناس مدحا بارتباطها ومرتبط بعض آخر ذما بارتباطه حتى علقتم المدح والذم بذلك ؟ قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الاجناس حظا في استحقاق مرتبطيها مدحا ولاذما وإنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجري عادة المؤمنين الموالين لاولياء الله تعالى والمعادين لاعدائه، بأن بالغوا (2) ارتباط أجناس من الطير، وكذلك تجري عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير فيكون متخذ بعضها ممدوحا لا من أجل اتخاذه لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح فيضاف المدح إلى هذه الاجناس وهو لمرتبطها والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا، وكذلك القول في الذم المقابل للمدح. فإن قيل: فلم نهي عن اتخاذ بعض هذه الاجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، وإنما يتعلق ببعض متخذيها لكفرهم وضلالهم ؟ قلنا: يجوز أن يكون في اتخاذ هذه البهائم المنهي عن اتخاذها وارتباطها مفسدة، وليس يقبح خلقها في الاصل لهذا الوجه لانها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الذي لا يمتنع تعلق المفسدة به، ويجوز أيضا أن يكون في اتخاذ هذه الاجناس المنهي عنها شوم وطيرة، فللعرب في ذلك مذهب معروف ويصح هذا النهي أيضا على مذهب من نفي الطيرة على التحقيق، لان الطيرة والتشام وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق فان النفوس تستشعر ذلك، ويسبق


(1) الطلاق: 8 و 9. (2) في المصدر: بأن يألفوا. *

[85]

إليها ما يجب على كل حال تجنبه والتوقي عنه (1)، وعلى هذا يحمل معنى قوله عليه السلام: " لا يورد ذوعاهة على مصح " وأما تحريم السمك الجري وما أشبهه فغير ممتنع لشئ يتعلق بالمفسدة في تناوله كما نقول في سائر المحرمات، فأما القول: بأن الجري نطق بأنه مسخ لجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب من قائله والملتفت إلى مثله، فأما تحريم الدب والقرد والفيل فكتحريم كل محرم في الشريعة والوجه في التحريم لا يختلف، والقول بأنها ممسوخة إذا تكلفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة غير منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصور الشنية على سبيل التنفير عنها والزيادة عن الصد (2) في الانتفاع بها، لان بعض الاحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة، والفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حي حيا آخر غيره، وإذا اريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن اريد غيره نظرنا فيه، وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام لما ذاقها ونفر عن طعمها وزادت كراهيته له قال: " من النار وإلى النار " أي هذا من طعام أهل النار وما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبيه ويكرهه، ويجوز أن يكون فوران الدخان عند الالقاء لها على سبيل التصديق لقوله عليه السلام: " من النار وإلى النار " وإظهار المعجز له، وأما ذم الارضين السبخة والقول بأنها جحدت الولاية، فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد هذه الارض وسكانها الولاية لم يكن معقولا، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: " وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله " (3) وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول والضرورات لان هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلفة، فيكف تعتقد حقا أو باطلا ؟ وإذا ورد أثر في ظاهره شئ من هذه المحالات فالوجه فيه إما إطراح أو تأول على المعنى الصحيح، وقد نهجنا


(1) في نسخة من الكتاب ومصدره: والتوقى منه. (2) في المصدر: في الصد عن الانتفاع بها. (3) الطلاق: 8. *

[86]

طريق التأويل وبينا كيف التوصل إليه، فأما حكايته تعالى عن سليمان عليه السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ ان هذا لهو الفضل المبين " (1) فالمراد به أنه علم ما يفهم به ما تنطق به الطير وتتداعى في أصواتها وأغراضها ومقاصدها بما يقع منها من صياح على سبيل المعجزة لسليمان عليه السلام، وأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان " (2) فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول على هذا المعنى، وأشعرت باقى النمل وخوفتهم من الضرر بالمقام، وأن النجاة في الهرب إلى مساكنها، فتكون إضافة القول إليه مجازا أو استعارة، كما قال الشاعر: وشكا إلى بعيرة وتحمحم (3) وكما قال الآخر: وقالت له العينان: سمعا وطاعة ويجوز أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة كما يتكلم أحدنا يتضمن المعاني المذكورة ويكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام لان الله تعالى سخر له الطير وافهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له، وليس هذا بمنكر فان النطق بمثل هذا الكلام المسموع منا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلف (4) ولا كامل العقل، ألا ترى أن المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلمون بالكلام المتضمن للاغراض، وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين، والقول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة، فلا حاجة بنا إلى إعادتهما، وأما حكاية أنه قال: " لاعذ بنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين " (5)


(1) النمل: 16. (2) النمل: 18. (3) في المصدر: وشكا إلى بعبرة وتحمحم. (4) في المصدر: مما ليس بمكلف. (5) النمل: 21. *

[87]

وكيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد وهو غير مكلف ولا يستحق مثله العذاب ؟ فالجواب عنه: أن العذاب اسم للضرر الواقع، وان لم يكن مستحقا فليس يجري مجري العقاب الذي لا يكون إلا جزاء على أمر تقدم، فليس يمتنع أن يكون معنى " لاعذ بنه " أي لاؤلمنه، ويكون الله تعالى قد أباحه الايلام له كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة، كما سخر له الطير يصرفها في منافعه وأغراضه، وكل هذا لا ينكر في نبي مرسل تخرق له والعادات وتظهر على يده المعجزات، وإنما يشتبه على قوم يظنون أن هذه الحكايات تقتضي كون النملة والهدهد مكلفين، وقد بينا أن الامر بخلاف ذلك (1). وقال قدس الله روحه أيضا في جواب المسائل الطرابلسيات: فأما الاستبعاد في النملة أن تنذر باقي النمل بالانصراف عن الموضع، والتعجب من فهم النملة عن الاخرى، ومن أن يخبر عنها بما نطق القرآن به من قوله: " يا ايها النمل ادخلوا " الآية، فهو في غير موضعه لان البهيمة قد تفهم عن الاخرى بصوت يقع منها أو فعل كثيرا من أغراضها، ولهذا نجد الطيور وكثيرا من البهائم يدعو الذكر منها الانثى بضرب من الصوت يفرق بينه وبين غيره من الاصوات التي لا تقتضي الدعاء، والامر في ضروب الحيوانات وفهم بعضها من بعض مرادها وأغراضها بفعل يظهر أو صوت يقع أظهر من أن يخفي والتغابي عن ذلك مكابرة، فما المنكر على هذا أن يفهم باقي النمل من تلك النملة التي حكي عنها ما حكي الانذار والتخويف ؟ فقد نرى مرارا نملة تستقبل اخرى وهي متوجهة إلى جهة فإذا حاذتها وباشرها عادت من جهتها ورجعت معها، وتلك الحكاية البليغة الطويلة لا يجب أن تكون النملة قائلة لها ولا ذاهبة إليها، وإنها لما خوفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال: تلك الحكاية البليغة المرتبة، لانها لو كانت قائلة ناطقة ومخوفة بلسان وبيان لما قالت إلا مثل ذلك، وقد يحكى العربي عن الفارسي كلاما مرتبا مهذبا


(1) غرر الفوائد: 395 - 397. *

[88]

ما نطق به الفارسي، وإنما أشار إلى معناه، فقد زال التعجب من الموضعين معا وأي شئ أحسن وأبلغ وأدل على قوه البلاغة وحسن التصرف في الفصاحة من أن تشعر نملة لباقي النمل بالضرر لسليمان وجنده بما يفهم به أمثالها عنها، فيحكي هذا المعنى الذي هو التخويف التنفير بهذه الالفاظ المونقة والترتيب الرائق الصادق وإنما يضل عن فهم هذه الامور وسرعة الهجوم عليها من لا يعرف مواقع الكلام الفصيح ومراتبه ومذاهبه (1). وقال شارح المقاصد: ذهب جمهور الفلاسفة إلى أنه ليست لغير الانسان من الحيوانات نفوس مجردة مدركة للكليات، وبعضهم إلى أننا لا نعرف وجود النفس لها لعدم الدليل ولا نقطع بالانتفاء لقيام الاحتمال، وما يتوهم من أنه لو كانت لها نفوس لكانت إنسانا، لان حقيقة النفس والبدن لا غير ليس بشئ لجواز اختلاف النفسين بالحقيقة وجواز التميز بفصول آخر لا نطلع على حقيقتها، وذهب جمع من أهل النظر إلى ثبوت ذلك تمسكا بالمعقول والمنقول، أما العقول فهو أنا نشاهد منها أفعالا غريبة تدل على أن لها إدراكات عقلية كالنحل في بناء بيوته المسدسة والانقياد لرئيس، والنمل في إعداد الذخيرة، والابل والبغل والخيل والحمار في الاهتداء إلى الطريق في الليالي المظلمة، والفيل في غرائب أحوال تشاهد منه، وكثير من الطيور والحشرات في علاج أمراض تعرض لها إلى غير ذلك من الحيل العجيبة التي يعجز عنها كثير من العقلاء، وأما المنقول فكقوله تعالى: " والطير صافات " (2) الآية، وقوله تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل " (3) الآية، وقوله تعالى: " يا جبال أو بي معه والطير " (4) وقوله تعالى حكاية عن الهدهد: " أحطت بما لم تحط


(1) جواب المسائل الطرابلسيات: لم يطبع. (2) النور: 41. (3) النمل: 68. (4) السبأ: 10. *

[89]

به " (1)، وحكاية عن النملة " يا أيها النمل ادخلو (2) مساكنكم " الآية (3). وقال الرازي في المطالب العالية في البحث عن نفوس سائر الحيوانات: أما الفلاسفة المتأخرون فقد اتفقوا على أن لها قوي جسمانية وأنه يمتنع أن تكون لها نفوس مجردة، ولم يذكروا في تقريره حجة ولا شبهة، وليس لاحد أن يقول: لو كانت نفوسها مجردة لوجب كونها مساوية للنفوس البشرية في تمام الماهية فيلزم وقوع الاستواء في العلوم والاخلاق، وذلك محال، فانا نقول: الاستواء في التجرد استواء في قيد سلبي، وقد عرفت أن الاستواء في القيود السلبية لا يوجب الاستواء في تمام الماهية، وأما سائر الناس فقد اختلفوا في أنه هل لها نفوس مجردة وهل لها شئ من القوة العقلية أم لا ؟ فزعم طائفة من أهل النظر ومن أهل الاثر أن ذلك ثابت، واحتجوا على صحته بالمعقول والمنقول، أما المعقول فهو أنهم قالوا: إنا نشاهد من هذه الحيوانات أفعالا لا يصدر إلا من أفاضل العقلاء، وذلك يدل على أن لها قدرا من العقل، وبينوا ذلك بوجوه: الاول: أن الفارة تدخل ذنبها في قارورة الدهن ثم تلحسه، وهذا الفعل لا يصدر عنها إلا لعلمها بمجموع مقدمات: فأحدها أنها محتاجة إلى الدهن، وثانيها: أن رأسها لا تدخل في القارورة، وثالثها: أن ذنبها تدخل، ورابعها: أن المقصود حاصل بهذا الطريق فوجب الاقدام عليه. الثاني: أن النحل يبني البيوت المسدسة، وهذا الشكل فيه منفعتان لا يحصلان إلا من المسدس، وتقريره أن الاشكال على قسمين: منها: أشكال متى ضم بعضها إلى بعض امتلات العرصة منها، إلا أن زواياها ضيقة فتبقى معطلة، ومنها: أشكال ليست كذلك فالقسم الاول كالمثلثات والمربعات فانهما وإن امتلات العرصة منهاها إلا أن زوايا ضيقة فيبقى معطلة وأما المسبع والمثمن وغيرهما فزواياها وإن كانت واسعة إلا أنه لا تمتلى العرصة


(1) النمل: 22. (2) النمل: 18. (3) شرح المقاصد: نسخته ليست موجودة عندي. *

[90]

منها بل يبقى بينها فضاء، فأما الكشل المستجمع لكلتا المنفعتين فليس إلا المسدس، وذلك لان زواياها واسعة فلا يبقي شئ من الجوانب فيه معطلا، وإذا ضمت المسدسات بعضها إلى بعض لم يبق فيما بينها فرجة ضائعة، فإذا ثبت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هذا المسدس لا جرم اختار النحل بناء بيوتها على هذا الشكل، ولو لا أنه تعالى أعطاها من الالهام والذكاء لما حصل هذا الامر، وفيه اعجوبة ثانية وهي أن البشر لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالمسطر والبركار، والنحل يبني تلك البيوت من غير حاجة إلى شئ من الآلات والادوات. واعلم أن عجائب أحوال النحل في رياسته وفي تدبيره لاحوال الرعية، وفي كيفية خدمة الرعية لذلك الرئيس كثيرة مذكورة في كتاب الحيوان. الثالث: أن النمل يسعى في إعداد الذخيرة لنفسها: وما ذاك إلا لعلمها بأنها قد تحتاج في الازمنة المستقبلة إلى الغذاء، ولا تكون قادرة على تحصيله في تلك الاوقات فوجب السعي في تحصيله في هذا الوقت الذي حصلت فيه القدرة على تحصيل الذخيرة، ومن عجائب أحوالها امور ثلاثة: أحدها أنها إذا أحست بنداوة المكان فانها تشق الحبة بنصفين لعلمها بأن الحبة لو بقيت سالمة ووصلت النداوة إليها لنبت منها وتفسد الحبة على النملة، أما إذا صارت مشقوقة بنصفين لم تنبت، وثانيها: إذا وصلت النداوة إلى تلك الاشياء ثم طلعت الشمس فانها تخرج تلك الاشياء من حجرها وتضعها حتى تجف وثالثها: أن النملة إذا أخذت في نقل متاعها إلى داخل الحجر انذر ذلك بنزول الامطار وهبوب الرياح، وهذه الاحوال تدل على حصول ذكاء عظيم لهذا الحيوان الصغير. الرابع: أن العنكبوت تبني بيوتها على وجه عجيب وذلك لانها ما نسجت الشبكة التي هي مصيدتها إلا بعد أن تفكرت أنه كيف ينبغي وضعها حتى يصلح لاصطياد الذباب بها، وهذه الافعال فكرية ليست أقل من الافكار الانسانية. الخامس: أن الجمل والحمار إذا سلكا طريقا في الليلة الظلماء ففي المرة الثانية يقدر على سلوك ذلك الطريق من غير إرشاد مرشد ولا تعليم معلم، حتى أن

[91]

الناس إذا اختلفوا في ذلك الطريق وقدموا الجمل وتبعوه وجدوا الطريق المستقيم عند متابعته. وأيضا أن الانسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا عند الاستدلال بالعلامات المخصوصة، إما الارضية كالجبال والرياح، أو السماوية كأحوال الشمس والقمر. وأما القطا فانه يطير في الهواء من بلد إلى بلد طيرانا سويا من غير غلط ولا خطاء، وكذلك الكراكي تنتقل من طرف من أطراف العالم إلى طرف آخر لطلب الهواء الموافق من غير غلط البتة، فهذا فعل يعجز عنه أفضل البشر وهذا النوع من الحيوان قادر عليه. السادس: أن الدب إذا أراد أن يفترس الثور علم أنه لا يمكنه أن يقصده ظاهرا، فيقال: إنه يستلقي في ممر ذلك الثور، فإذا قرب الثور وأراد نطحه جعل قرنيه فيما بين ذراعيه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه، وأيضا أنه يأخذ العصا ويضرب الانسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاد يشمه ويتجسس نفسه (1) وأيضا يصعد الشجر أخف صعود ويأخذ الجوزبين كفيه ويضرب ما في أحد كفيه على ما في الكف الآخر ثم ينفخ فيه ويزيل القشور ويأكل اللب. السابع: أن الثعلب إذا اجتمع البق الكثير والبعوض الكثير على جلده أخذ بفيه قطعة من جلد حيوان ميت، ثم إنه يضع يده ورجليه في الماء ولا يزال يغوص فيه قليلا قليلا فإذا أحس البق والبعوض بالماء أخذت تصعد إلى المواضع الخارجة من الثعلب من الماء، ثم إن الثعلب لا يزال يغوص قليلا قليلا وتلك الحيوانات ترتفع قليلا قليلا، فإذا غاص كل بدنه في الماء وبقي رأسه خارج الماء تصاعد كل تلك الحيوانات إلى الراس ثم إنه يغوص رأسه في الماء قليلا قليلا فتلك الحيوانات تنتقل إلى تلك الجلدة الميتة وتجتمع فيها فإذا أحس الثعلب بانتقالها إلى تلك الجلدة رماها في الماء وخرج من الماء سليما فارغا عن تلك الحيوانات الموذية، ولا شك أنها حيلة عجيبة في دفع الموذيات.


(1) في النسخة المخطوطة: ويتحس نفسه. *

[92]

الثامن: يقال: إن من خواص الفرس أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قاتله، والكلاب تتعالج بالعشبة المعروفة لها، والفهد إذا سقي الدواء المعروف بخانق الفهد (1) طلب زبل الانسان فأكله، والتمساح تفتح فاها لطائر مخصوص يدخل في فمها وينظف ما بين أسنانها وعلى رأس ذلك الطير شئ كالشوك، فاذاهم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك ففتح فاه فخرج ذلك الطير، والسلحفات تتناول بعد أكل الحية صعتر اجبليا ثم تعود قد شوهد ذلك، وحكى بعض الثقات المحبين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الافعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا تزال تفعل ذلك، وكان ذلك الشيخ قاعدا في كن غاير كما تفعله الصيادون وكانت البقلة قريبة في ذلك الموضع، فلما اشتغل الحبارى بالافعى قلع الرجل تلك البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها فأخذت تدور حول منبتها دورانا متتابعا ثم سقطت وماتت فعلم ذلك الرجل أنها كانت تتعالج بأكلها من لسعة الافعى، وتلك البقلة هي الخس البري (2)، وأما ابن عرس فانه يستظهر في قتال الحية بأكل السداب، فان النكهة السدابية مما يكرهها الافعى، والكلاب إذا تدود بطنها أكلت سنبل الحية، وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضا عالجت تلك الجراحات بالصعتر الجبلي، فتأمل من أين حصلت لهذه الحيوانات هذا الطب وهذا العلاج. التاسع: أن القنافذ قد تحس بريح الشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى حجرتها، يحكي أنه كان بالقسطنطنية رجل قد جمع مالا كثيرا بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بذلك الانذار وكان السبب فيه قنفذ في داره يفعل الفعل المذكور. العاشر: أن الخطاف صناع حسن في اتخاذ العش لنفسه من الطين وقطع الخشب، فإذا أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ زرقها بمنقارها ويرميها عن العش ثم


(1) خانق الفهد: حشيش. (2) في نسخة: الجرجير البرى. *

[93]

تعلمها إلقاء الزرق بالتولية نحو طرف العش. الحادي عشر: إذا قرب الصائد من مكان فرخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطيعة لاجل أن يتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها. الثاني عشر: ناقر الخشب قلما يجلس على الارض، بل يجلس على الشجر وينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دودا. الثالث عشر: الغرانيق (1) تصعد في الجو جدا عند الطيران فان حصل عباب (2) أو سحاب يحجب بعضها عن بعض أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا، ويصير ذلك الصوت سببا لاجتماعها وعدم تفرقها، وإذا نامت نامت على فرد رجل قد اضطبعت (3) الرؤس إلا القائد فانه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا أحس بأحد أو صوت صاح تنبيها للباقين. الرابع عشر: النعامة إذا اجتمع لها من بيضها عشرون أو ثلاثون قسمتها ثلاثة أثلاث، فتدفن ثلثا منها في التراب، وثلثا تتركها في الشمس، وثلثا تحتضنه فإذا خرجت الفراريخ كسرت ما كان في الشمس وسقت تلك الفراريخ ما فيها من الرطوبات التي ذوبتها الشمس ورققتها، فإذا قويت تلك الفراريخ أخرجت الثلث الثاني الذي دفنته في الارض وثقبتها وقد اجتمع فيها النمل والذباب والديدان والحشرات فتجعل تلك الاشياء طعمة لتلك الفراريخ، فإذا تم ذلك فقد صارت تلك الفراريخ قادرة على الرعي والطلب، ولا شك أن هذا الطريق حيلة عجيبة في تربية الاولاد. ولنكتف من هذا النوع بهذا القدر الذى ذكرناه فان الاستقصاء فيه مذكور في كتاب الحيوان، وقد ظهر منها أن هذه الحيوانات قد تأتي بأفعال يعجز أكثر


(1) جمع الغرنيق بضم الغين وفتح النون: طائر ابيض طويل العنق من طير الماء وقيل: انه الذكر من طير الماء وقيل: هو الكراكى، وقيل: طيرسوداء في قدر البط. (2) في النسخة المخطوطة: ضباب. (3) اضطبع الشئ: أدخله تحت ضبعيه. *

[94]

الاذكياء من الناس عنها، ولو لا كونها عاقلة فاهمة لما صح شئ من ذلك، فهذا ما يتعلق بالعقل، وأما النقل فقد تمسكوا في إثبات قولهم بآيات: فاحداها قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (1) ". والثانية (2): قوله تعالى: " حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم " (3). والثالثة (4): " وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد " (5) وهذا التهديد لا يعقل إلا مع العاقل. والرابعة (6): قوله تعالى حكاية عن الهدهد: " أحطت بما لم تحط به " (7) إلى آخر الآية. والخامسة (8) قوله: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " (9) قيل: معناه كل من الطير قد علم صلاته وتسبيحه. قال بعضهم: كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قلت لا: قال: إنها تقدس ربها وتسأله قوت يومها.


(1) النمل: 16. (2) في النسخة المطبوعة: الحجة الثانية. (3) النمل: 18. (4) في النسخة المطبوعة: الحجة الثالثة. (5) النمل: 20. (6) في النسخة المطبوعة: الحجة الرابعة. (7) النمل: 22. (8) في النسخة المطبوعة: الحجة الخامسة. (9) النور: 41. *

[95]

وأقول: رأيت في بعض الكتب أن في الاوقات اشتد القحط وعظم حر الصيف والناس خرجوا إلى الاستسقاء فلما أبلحوا (1) قال: خرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوا من الماء ولعل تلك الظبية كانت تشرب منه، فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئا من الماء، وكان أثر العطش الشديد ظاهرا على تلك الظبية فوقفت وحركت رأسها إلى جانب السماء فأطبق الغيم وجاء الغيث الكثير. ثم إن أنصار هذا القول قالوا: لما بينا بالدليل أن هذه الحيوانات تهدي إلى الحيل اللطيفة فأي استبعاد في أن يقال: إنها تعرف أن لها ربا ومدبرا وخالقا ؟ وهذا تمام القول في دلائل هذه الطايفة. واحتج المنكرون لكونها عاقلة عارفة بأن قالوا: لو كانت عاقلة لوجب أن تكون آثار العقل ظاهرة في حقها، لان حصول العقل لها مع أنه لا يمكنها الانتفاع البتة بذلك العقل عبث، وذلك لا يليق بالفاعل الحكيم، إلا أن آثار العقل غير ظاهرة فيها، لانها لا تحترز عن الافعال القبيحة، ولا تميز بين ما ينفعها وبين ما يضرها فوجب القطع بأنها غير عاقلة. ولمجيب أن يجيب فيقول: إن درجات العلوم والمعارف كثيرة واختلاف النفوس في ماهيتها محتمل، فلعل خصوصية نفس كل واحد منها لا تقتضي إلا النوع المعين من العقل، وإلا القسم المخصوص من المعرفة، فان كان المراد بالعقل جميع العلوم الحاصلة للانسان فحق أنها ليست عاقلة، وإن كان المراد بالعقل معرفة نوع من هذه الانواع فظاهر أنها موصوفة بهذه المعرفة، وبالجملة فالحكم عليها بالثبوت والعدم حكم على الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله، وليكن ههنا آخر كلامنا في النفوس الحيوانية والله أعلم انتهى كلامه.


(1) في النسخة المطبوعة: " فلما افلحوا " ولعل كلاهما مصحفان والصحيح: " فلما بلحوا " أي اعيوا وعجزوا يقال: بلح وبلح على أي لم اجد عنده شيئا، أو الصحيح: فما أفلحوا. *

[96]

وقال الدميري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون، قال الجوهري والزمخشري إنه طائر أبيض من طير الماء طويل العنق (1)، وقال في النهاية: إنه الذكر من طير الماء، ويقال: غرنيق وغرنوق، وقيل: هو الكركي، وقيل: الغرانيق والغرانقة طير أسود في حد البط (2)، وقال القزويني: الغرنيق (3) من الطيور القواطع، وهي إذا أحست بتغير الزمان عزمت على الرجوع إلى بلادها، فعند ذلك تتخذ قائدا حارسا ثم تنهض معا، فإذا طارت ترتفع في الهواء حتى لا يعرض لها شئ من السباع فإذا رأت غيما أو غشيها الليل أو سقطت للطعم أمسكت عن الصياح كيلا يحس بها العدو، وإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه لعلمه بأن الجناح أحمل للصدمة من الرأس لما فيه من العين التي هي أشرف الاعضاء، والدماغ الذي هو ملاك البدن، وينام كل واحد منها قائما على إحدي رجليه حتى لا يكون نومها (1) ثقيلا، وأما قائدها وحارسها فلا ينام، ولا يدخل رأسه في جناحه، ولا يزال ينظر في جميع الجوانب فإذا أحس بأحد صاح بأعلى صوته (2) انتهى. قوله: قد اضطبعت: أي أدخلت رأسها في ضبعها.


(1) في المصدر: طائر اببض طويل العنق من طير الماء. (2) في المصدر: طيور سود في قدر البط. (3) في المصدر: الغرنوق. (1) في المصدر: نومه. (2) حياة الحيوان 2: 125 و 126. *

[97]

* 2 (باب) * * (أحوال الانعام منافعها ومضارها واتخاذها) * الآيات: المائدة " 5 ": احلت لكم بهيمة الانعام 1. الانعام: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث، والانعام نصيبا - إلى قوله: - ساء ما يحكمون 136. وقال سبحانه: وقالوا هذه أنعام - إلى قوله: - وما كانوا مهتدين 138. وقال تعالى: ومن الانعام حمولة وفرشا - إلى آخر الآية 142. النحل 16: والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فبها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس إن ربكم لرؤف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون 5 - 8. وقال سبحانه: " وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين " 80. الحج " 22 " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير - إلى قوله تعالى: - واحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلي عليكم - إلى قوله تعالى: - والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير - إلى قوله عزوجل: كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون 28 - 36. المؤمنون " 23 ": وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون * وعليها على الفلك تحملون 21 و 22. فاطر 35: ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك 28. يس " 36 ": وخلقنا لهم من مثله ما يركبون 42.

[98]

وقال عزوجل: " أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون 71 - 73. الزمر " 39 ": وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج 6. المؤمن " 40 ": الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها يأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون 79 و 80. حمعسق " 42 " جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام أزواجا يذرؤكم فيه 11. الزخرف " 33 ": وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون 12. الغاشية " 88 " أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت 17. تفسير: " بهيمة الانعام " ذهب أكثر المفسرين إلى أنها إضافة بيان أو إضافة الصفة إلى الموصوف اريد بها الازواج الثمانية، والمستفاد من أكثر الاخبار أن بيان " حل الانعام " في آيات اخر، والمراد هنا بيان الاجنة التي في بطونها، وروي في الكافي في الحسن كالصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أحدهما عليهما السلام عن قول الله عزوجل: " احلت لكم بهيمة الانعام " فقال: الجنين في بطن امه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة امه، فذلك الذي عني الله عزوجل (1). فعلى هذا الاضافة بتقدير " من " أو اللام، ويمكن حمل الخبر على أن المراد أن الجنين أيضا داخل في الآية، فيكون الغرض بيان الفرد الاخفى أو يكون تحديدا لاول تسميتها بالبهيمة وحلها، فلا ينافي التعميم، قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في تأويله على أقوال: أحدها: أن المراد به الانعام، وإنما ذكر البهيمة للتأكيد فمعناه احلت لكم الانعام: الابل والبقر والغنم. وثانيها: أن المراد بذلك أجنة الانعام التي توجد في بطون امهاتها إذا أشعرت وقد ذكيت الامهات وهي ميتة فذكاتها ذكاة امهاتها، وهو المروي عن أبي جعفر


(1) فروع الكافي 6: 234. *

[99]

وأبي عبد الله عليهما السلام. وثالثها: أن بهيمة الانعام وحشيها كالظبي (1) والبقر الوحشي وحمر الوحش والاولى حمل الآية على الجميع انتهى (2) والآية تدل على حل أكل لحوم البهائم بل سائر أجزائها بل جميع الانتفاعات منها إلا أخرجه الدليل، " وجلعوا " أي مشركو العرب " لله مما ذرأ " أي خلق " من الحرث " أي الزرع " والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم " من غير أن يؤمروا به " وهذا لشركائنا " يعني الاوثان " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم " وروي أنهم كانوا يعينون شيأ من حرث ونتاج لله ويصرفونه في الضيفان والمساكين، وشيئا منهما لآلهتهم وينفقون على سدنتها (3) ويذبحون عندها، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حبا لها، واعتلوا لذلك بأن الله أغنى، وروي في المجمع عن أئمتنا عليهم السلام أنه كان إذا اختلط ما جعل للاصنام بما جعل لله رد وه، وإذا اختلط ما جعل لله جعلوه للاصنام تركوه وقالوا: الله أغنى، وإذا انخرق الماء (4) من الذي لله في الذي للاصنام لم يسدوه، وإذا انخرق (5) من الذي للاصنام في الذي لله سدوه وقالوا: الله غنى (6) " ساء ما يحكمون " أي ساء الحكم حكمهم هذا (7) " وقالوا هذا أنعام وحرث حجر " أي حرام " لا يطعمها إلا من نشاء " (8) يعنون خدمة الاوثان والرجال دون النساء " بزعمهم أي بغير حجة " وأنعام حرمت ظهورها " (9) يعني البحائر والسوائب والحوامي " وأنعام لا يذكرون


(1) في المصدر: كالظباء وبقر الوحش. (2) مجمع البيان 3: 152. (3) أي خدمها وبوابها. (4 و 5) في المصدر: وإذا تخرق الماء. (6) في المصدر: الله اغنى. (7) مجمع البيان 4: 370. (8) أي الا من نشاء أن نأذن له أكلها. (9) يعنى الانعام التى حرموا الركوب والحمل عليها. *

[100]

اسم الله عليها " في الذبح بل يسمون آلهتهم، وقيل: لا يحجون على ظهورها " اقتراء عليه " نصب على المصدر " سيجزيهم بما كانوا يفترون * وقالوا ما في بطون هذه الانعام " يعنون أجنة البحائر والسوائب " خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " أي إن ولد حيا " وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء " أي الذكور والاناث فيه سواء " سيجزيهم وصفهم " أي جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم " إنه حكيم عليم * قد خسر الذين قتلوا أولادهم " أي بناتهم " سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله " من البحائر ونحوها " افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " إلى الحق والصواب " ومن الانعام " أي وأنشأ من الانعام. " حمولة وفرشا " قيل فيه وجوه: الاول: أن الحمولة: كبار الابل أو الاعم والفرش: صغارها الدانية من الارض مثل الفرش المفروش عليها. الثاني: أن الحمولة: ما يحمل عليه من الابل والبقر، والفرش: الغنم، الثالث: أن الحمولة: كل ما حمل من الابل والبقر والخيل والبغال والحمير والفرش: الغنم، روي ذلك عن ابن عباس فكأنه ذهب إلى أنه يدخل في الانعام الحافر على وجه التبع. والرابع: أن معناه ما ينتفعون به في الحمل وما يفترشونه في الذبح، فمعنى الافتراش الاضطجاع للذبح. والخامس: أن الفرش: ما يفرش من أصوافها وأوبارها، أي من الانعام ما يحمل عليه ومنها ما يتخذ من أوبارها وأصوافها ما يفرش ويبسط، وقيل: أي ما يفرش المنسوج من شعره وصوفه ووبره، ويدل على جواز حمل ما يقبل الحمل منها وذبح ما يستحق الذبح منها أو افتراش أصوافها وأوبارها وأشعارها (1). " كلوا مما رزقكم الله " قال الطبرسي رحمه الله: أي استحلوا الاكل مما أعطاكم الله ولا تحرموا شيئا منها كما فعله أهل الجاهلية في الحرث والانعام، وعلى هذا يكون الامر على ظاهره، ويمكن أن يكون المراد نفس الاكل فيكون بمعنى


(1) ذكر الطبرسي تلك الوجوه في مجمع البيان 4: 376. *

[101]

الاباحة (1). " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " قال البيضاوي: أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم، " إنه لكم عدو مبين " ظاهر العداوة " ثمانية أزواج " بدل من حمولة وفرشا، أو مفعول " كلوا " ولا تتبعوا معترض بينهما: أو فعل دل عليه، أو حال من " ماء " بمعنى مختلفة أو متعددة، والزوج: ما معه آخر من جنسه يزاوجه وقد يقال: لمجموعهما، والمراد الاول (2). " من الضأن اثنين ومن المعز اثنين " قال الطبرسي قدس سره: معناه ثمانية أفراد، لان كل واحد من ذلك يسمى زوجا، فالذكر: زوج الانثى والانثى زوج الذكر وقيل: معناه ثمانية أصناف " من الضأن اثنين " يعني الذكر والانثى " ومن المعز اثنين " الذكر والانثى، والضأن: ذوات الصوف من الغنم، والمعز ذوات الشعر منه، وواحد الضأن ضائن، والانثى ضائنة، وواحد المعز ماعز، وقيل: المراد بالاثنين الاهلي والوحشي من الضأن والمعز والبقر، والمراد بالاثنين من الابل العراب والبخاتي، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، " قل " يا محمد صلى الله عليه واله وسلم لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما أحل الله تعالى: " آلذكرين " من الضأن والمعز " حرم " الله " أم الانثيين " منهما " أما اشتملت عليه أرحام الانثين " أي أم حرم ما اشتمل عليه رحم الانثى من الضأن والانثى من المعز، وإنما ذكر الله هذا على وجه الاحتجاج عليهم بين به فريتهم وكذبهم على الله تعالى فيما ادعوا من أن ما في بطون الانعام حلال للذكور وحرام على الاناث وغير ذلك مما حرموه فانهم لو قالوا: حرم الذكرين لزمهم أن يكون كل ذكر حراما، ولو قالوا: حرم الانثيين لزمهم أن يكون كل انثى حراما ولو قالوا: حرام ما اشتملت عليه رحم الانثى من الضأن والمعز لزمهم تحريم الذكور والاناث، فان أرحام الاناث تشتمل على الذكور والاناث فيلزمهم بزعمهم تحريم هذا الجنس صغارا وكبارا ذكورا واناثا ولم يكونوا يفعلون ذلك بل كانوا يخصون


(1) مجمع البيان 4: 377. (2) انوار التنزيل 1: 406. *

[102]

بالتحريم بعضا دون بعض فقد لزمتهم الحجة، ثم قال: " نبئوني بعلم إن كنتم صادقين " معناه أخبروني بعلم عما ذكرتموه من تحريم ما حرمتموه وتحليل ما حللتموه إن كنتم صادقين في ذلك، " ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل " يا محمد ": آلذكرين حرم الله منهما " أم الاثنيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين أم كنتم شهداء " أي حضورا " إذ وصاكم الله بهذا " أي أمركم به وحرمه عليكم حتى تضيفوه إليه، وإنما ذكر ذلك لان طرق العلم إما الدليل الذي يشترك العقلاء في إدراك الحق به، أو المشاهدة التي يختص بها بعضهم دون بعض، فإذا لم يكن أحد من الامرين سقط المذهب، " فمن أظلم " لنفسه " ممن افترى على الله كذبا " أي أضاف إليه تحريم ما لم يحرمه وتحليل ما لم يحلله، " ليضل الناس بغير علم " أي يعمل عمل القاصد إلى إضلالهم من أجل دعائه إياهم إلى مالا يثق بصحته مما لا يأمن أن يكون فيه هلاكهم وإن لم يقصد إضلالهم، " إن الله لا يهدي القوم الظالمين " إلى الثواب لانهم مستحقون العقاب الدائم بكفرهم وضلالهم (1). أقول: وسيأتي تفسير سائر الآيات في الابواب الآتية. " والانعام خلقها " قال الطبرسي قدس سره: معناه وخلق الانعام من الماء كما خلقكم منه لقوله: " والله خلق كل دابة من ماء " (2). وأكثر ما يتناول الانعام الابل ويتناول البقر والغنم أيضا وفي اللغة هي ذوات الاخفاف والاظلاف دون ذوات الحوافر، " لكم فيها دفء " أي لباس عن ابن عباس وغيره، وقيل: ما يستدفأ به مما يعمل من صوفها ووبرها وشعرها، فيدخل فيه الاكيسة واللحف والملبوسات والمبسوطات (3) وغيرها، قال الزجاج: أخبر سبحانه أن في الانعام ما يدفئنا، ولم يقل: ولكم فيها ما يكنكم من البرد، لان ما ستر من الحر ستر من البرد، وقال


(1) مجمع البيان 4: 377. (2) النور: 45. (3) في المصدر: والملبوسات وغيرها. *

[103]

في موضع آخر: " سرابيل تقيكم الحر " (1) فعلم أنها تقي البرد أيضا فكذلك ههنا، وقيل: إن معناه وخلق الانعام لكم، أي لمنافعكم، ثم ابتدأ وأخبر فقال: " فيها دفء ومنافع " أي ولكم فيها منافع اخر من الحمل والركوب وإثارة الارض والدر (2) والنسل، " ومنها تأكلون " أي ومن لحومها تأكلون، " ولكم فيها جمال " أي حسن منظر وزينة، " حين تريحون " أي حين تردونها إلى مراحها وهو حيث تأوي إليه ليلا، " وحين تسرحون " أي ترسلونها بالغداة إلى مراعيها وأحسن ما تكون إذا راحت عظاما ضروعها ممتلية بطونها منتصبة أسنمتها (3) وكذلك إذا سرحت إلى المراعي رافعة رؤوسها فيقول الناس: هذا جمال فلان ومواشيه، فيكون له فيها جمال، " وتحمل أثقالكم " أي أمتعتكم " إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس " أي وتحمل الابل وبعض البقر أحمالكم الثقيلة إلى بلد بعيد لا يمكنكم أن تبلغوه من دون الاحمال الا بمشقة وكلفة تلحق أنفسكم، فكيف تبلغونه مع الاحمال لولا أن الله سخر هذه الانعام لكم حتى حملت أثقالكم إلى أين شئتم، وقيل: إن الشق معناه الشطر والنصف، فيكون المراد إلا بأن يذهب شطر قوتكم، أي نصف قوة الانفس، وقيل معناه تحمل أثقالكم إلى مكة لانها من بلاد الفلوات، ابن عباس وعكرمة " إن ربكم لرؤف رحيم " أي ذو رأفة ورحمة، ولذلك أنعم عليكم بخلق هذه الانعام ابتداء منه بهذا الانعام (4). " والخيل " أي وخلق لكم الخيل " والبغال والحمير لتركبوها " في حوائجكم وتصرفاتكم " وزينة " أي ولتتزينوا بها، من الله سبحانه على خلقه، بأن خلق لهم من الحيوان ما يركبونه ويتجملون به، وليس في هذا ما يدل على تحريم أكل لحومها


(1) النحل: 81. (2) هكذا في النسخ وفى المصدر: والزرع. (3) جمع السنام: حدبة في ظهر البعير. (4) مجمع البيان 6: 350. *

[104]

" ويخلق مالا تعلمون " (1) من أصناف الحيوان والنبات والجماد لمنافعكم (2) " وجعل لكم من جلود الانعام " أي الانطاع والادم " بيوتا تستخفونها " أي خياما وقبابا يخف عليكم حملها في اسفاركم " يوم ظعنكم " أي ارتحالكم من مكان إلى مكان " ويوم إقامتكم " أي اليوم الذي تنزلون موضعا تقيمون فيه أي لا يثقل عليكم في الحالين (3) " ومن أصوافها " وهي للضأن " وأوبارها " وهي للابل " وأشعارها " وهي للمعز " أثاثا " أي مالا عن ابن عباس، وقيل: أنواعا من متاع البيت من الفرش والاكيسة، وقيل: طنافس وبسطا وثيابا وكسوة، والكل متقارب " ومتاعا " تتمتعون به ومعاشا تتجرون فيه " إلى حين " أي إلى يوم القيامة أو إلى وقت الموت، ويحتمل أن يكون المراد به موت المالك أو موت الانعام، وقيل: إلى وقت البلى والفناء (4) وفيه إشارة إلى أنها فانية فلا ينبغي للعاقل أن يختارها على نعيم الآخرة انتهى (5). قوله سبحانه: " على ما رزقهم من بهيمة الانعام " يدل على حل الانعام الثلاثة والتسمية عند ذبحها على بعض الوجوه " إلا ما يتلى عليكم " أي تحريمه من الميتة و والمنخنقة والموقوذة وما لم يذكر اسم الله عليه وسائر ما سيأتي. وقال الطبرسي رحمه الله: البدن جمع بدنة وهي الابل المبدنة بالسمن، قال الزجاج: يقولون: بدنت الابل أي سمنتها وقيل: أصل البدن الضخم وكل ضخم بدن وقيل: البدن: الناقة والبقرة مما يجوز في الهدي والاضاحي " من شعائر الله " أي من أعلام دينه، وقيل: من أعلام مناسك الحج " لكم فيها خير " أي نفع في الدنيا والآخرة، وقيل: أراد


(1) فيه اشارة إلى سائر المراكب التى لم تكن موجودة في ذلك العصر، فتشمل السيارات الموجودة في عصرنا وما سيأتي بعد. (2) في المصدر: في الحالتين. (3) مجمع البيان 6: 352. (4) ويحتمل أن يكون المراد إلى حين يصلح للتمتع وهو بصلاحية الطرفين فإذا انعدم احدهما أو فسد يخرج عن الصلاحية. (5) مجمع البيان 6: 377. *

[105]

بالخير ثواب الآخرة " كذلك سخرناها لكم " أي ذللناها لكم لا تمتنع عما تريدون منها من النحر والذبح بخلاف السباع الممتنعة ولتنتفعوا بركوبها وحملها ونتاجها نعمة منا عليكم " لعلكم تشكرون " ذلك (1) " وإن لكم في الانعام لعبرة " أي دلالة تستدلون بها على قدرة الله تعالى " نسقيكم مما في بطونها " أراد به اللبن " ولكم فيها منافع كثيرة " في ظهورها وألبانها وأولادها (2) وأصوافها وأشعارها " ومنها تأكلون " أي من لحومها و أولادها والتكسب بها " وعليها " يعني على الابل خاصة " وعلى الفلك تحملون " وهذا كقوله: " وحملناهم في البر والبحر " (3) أما في البر فالابل، وأما في البحر فالسفن. (4). " ومن الناس والدواب " التي تدب على وجه الارض " والانعام " كالابل والغنم والبقر " مختلف ألوانه كذلك " أي كاختلاف الثمرات والجبال (5) " وخلقنالهم من مثله ما يركبون " أي وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح سفنا يركبون فيها، وقيل، إن المراد به الابل وهي سفن البر عن مجاهد وقيل: مثل السفينة من الدواب كالابل والبقر والحمير عن الجبائي " أولم يروا " أي أولم يعلموا " أنا خلقنا لهم " أي لمنافعهم " مما عملت أيدينا " أي مما ولينا خلقه بابداعنا وإنشائنا، لم نشارك في خلقه ولم نخلقه باعانة معين، واليد في اللغة على أقسام: منها الجارحة، ومنها النعمة، ومنها، القوة، ومنها تحقيق الاضافة، يقال في معنى النعمة: لفلان عندي يد بيضاء، وبمعنى القدرة: (6) تلقى فلان قولي باليدين أي بالقوة والتقبل. ويقولون: " هذا ما جنت يداك " وهو المعني في الآية وإذا قال الواحد منا: عملت هذا بيدي، دل ذلك على انفراده بعمله من غير أن يكله إلى


(1) مجمع البيان 7: 85 و 86. (2) في المصدر: وأوبارها. (3) الاسراء: 70. (4) مجمع البيان 7: 103. (5) مجمع البيان 8: 407 فيه: والبقر خلق مختلف ألوانه كذلك. (6) في المصدر: بمعنى القوة. *

[106]

أحد " أنعاما " يعني الابل والبقر والغنم " فهم لها مالكون " ولو لم نخلقها (1) لما ملكوها ولما انتفعوا بها وبألبانها وركوبها ولحومها، وقيل: فهم لها ضابطون قاهرون لم نخلقها وحشية نافرة منهم لا يقدرون على ضبطها فهي مسخرة لهم وهو قوله: " وذللناها لهم " أي سخرناها لهم حتى صارت منقادة " فمنها ركوبهم ومنها يأكلون " قسم الانعام بأن جعل منها ما يركب، ومنها ما يذبح فينتفع بلحمه ويؤكل، قال مقاتل: الركوب الحمولة يعني الابل والبقر " ولهم فيها منافع ومشارب " فمن منافعها لبس أصوافها وأشعارها وأوبارها وأكل لحومها وركوب ظهرها (2) إلى غير ذلك من أنواع المنافع الكثيرة فيها والمشارب من ألبانها " أفلا يشكرون " الله على هذه النعم (3). " وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج " فيه وجوه: أحدها: أن معنى الانزال هنا الاحداث والانشاء كقوله: " قد أنزلنا عليكم لباسا " (4) ولم ينزل اللباس ولكن أنزل الماء الذي هو سبب القطن والصوف، واللباس يكون منهما، فكذلك الانعام تكون بالنبات والنبات بالماء. والثاني: أنه أنزلها بعد أن خلقها في الجنة، عن الجبائي، قال: وفي الخبر الشاة من دواب الجنة، والابل من دواب الجنة والثالث: أن المعنى جعلها نزلا و رزقا لكم، ويعني بالازواج الثمانية من الانعام: الابل والبقر والغنم: الضأن والمعز من كل صنف اثنان هما زوجان (5). أقول: وقال البيضاوي: " وأنزل لكم " أي وقضى أو قسم لكم فان قضاياه توصف بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح، أو أحدث بأسباب نازلة منها كأشعة


(1) في المصدر: أي ولو لم نخلقها. (2) في المصدر: وركوب ظهورها. (3) مجمع البيان 8: 433. (4) الاعراف: 26. (5) مجمع البيان 8: 490. *

[107]

الكواكب والامطار (1) " الله الذي جعل لكم الانعام " قال في المجمع: من الابل و البقر والغنم " لتركبوا منها " أي لتنتفعوا بركوبها " ومنها تأكلون " يعني أن بعضها للركوب والاكل كالابل والبقر، وبعضها للاكل كالاغنام، وقيل: المراد بالانعام ههنا الابل خاصة، لانها التي تركب وتحمل عليها في أكثر العادات، واللام في قوله: " لتركبوا " لام الغرض، وإذا كان الله تعالى خلق هذه الانعام وأراد أن ينتفع خلقه بها وكان جل جلاله لا يريد القبيح ولا المباح فلا بد أن يكون أراد انتفاعهم بها على وجه القربة إليه والطاعة له. " ولكم فيها منافع " من جهة ألبانها وأصوافها وأوبارها وأشعارها " ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم " بأن تركبوها وتبلغوا المواضع التي تقصدونها بحوائجكم " وعليها " أي وعلى الانعام وهي الابل هنا " وعلى الفلك " أي وعلى السفن " تحملون " يعني على الابل في البر، وعلى الفلك في البحر تحملون في الاسفار. (2) " جعل لكم من أنفسكم " قال البيضاوي: من جنسكم " أزواجا " نساء " ومن الانعام أزواجا " أي وخلق للانعام من جنسها أزواجا، أو خلق لكم من الانعام اصنافا أو ذكورا وإناثا " يذرؤكم " يكثركم، من الذرء وهو البث " فيه " في هذا التدبير وهو جعل الناس والانعام أزواجا تكون بينهم توالد فانه كالمنبع للبث والتكثير. (3) " أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت " قال الطبرسي قدس سره: كانت الابل عيشا من عيشهم فيقول: أفلا يتفكرون فيها وما يخرج الله من ضروعها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، يقول: كما صنعت هذا لهم فكذلك أصنع لاهل الجنة في الجنة، وقيل: معناه أفلا يعتبرون بنظرهم إلى الابل وما ركبه الله عليه من عجيب الخلق فانه مع عظمته وقوته يذلله الصغير فينقادله بتسخير الله إياه لعباده فيبركه و يحمل عليه ثم يقول، وليس ذلك في غيره من ذوات الاربع فلا يحمل على شئ منها


(1) انوار التنزيل 2: 353. (2) مجمع البيان 8: 534. (3) انوار التنزيل 2: 394. *

[108]

إلا وهو قائم، فأراهم الله سبحانه هذه الآية فيه ليستدلوا على توحيده بذلك، وسئل الحسن عن هذه الاية وقيل له: الفيل أعظم من الابل في الاعجوبة، فقال: أما الفيل فالعرب بعيد العهد بها ثم هو خنزير لا يركب ظهرها ولا يؤكل لحمها ولا يحلب درها والابل من أعز مال العرب وأنفسه تأكل النوى والقت وتخرج اللبن ويأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها، ويحكى أن فأرة أخذت تجرها وهي تتبعها حتى دخلت الحجر فجرت الزمام وبركت الناقة فجرت فقربت فمها من جحر الفأر انتهى. (1) وقال الرازي: للابل خواص: منها أنه تعالى جعل الحيوان الذي يقتضى (2) أصنافا شتى، فتارة يقتنى ليؤكل لحمه، وتارة ليشرب لبنه، وتارة ليحمل الانسان في الاسفار، وتارة لينقل أمتعه الانسان من بلد إلى بلد، وتارة ليكون به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الابل، وإن شيئا من سائر الحيوانات لا تجتمع فيه هذه الخصال. (3) وثانيها: أنه في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا توجد فيه إلا هذه الخصلة لانها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير وإن جعلت اكولة أطعمت وأشبعت الكثير، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافة المديدة (4) ما لا يمكن قطعه بحيوان آخر، وذلك لما ركب فيها من القوة على مداومته على السير (5)، والصبر على العطش، والاجتزاء من العلوفات ما لا يجتزي (6) به حيوان آخر وإن جعلت حمولة (7) استقلت بحمل الاعمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها، ومنها:


(1) مجمع البيان 10: 480. (2) في نسخة: يقتنى به. (3) اختصره المصنف. (4) في المصدر: من المسافات المديدة. (5) في المصدر: من قوة احتمال المداومة على السير. (6) في المصدر بما لا يجتزئ حيوان آخر. (7) في المصدر: وان جعلت حملة. *

[109]

أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعا في قلوب العرب ولذلك جعلو ادية (1) قتل الانسان إبلا وكان ملوكهم إذا أرادوا (2) المبالغة في إعطاء الشاعر الذي جاء من المكان البعيد أعطوه مأة (3) بعير لان امتلاء العين منه أشد من امتلاء العين من غيره، ولهذا قال: " ولكم فيها جمال " (4) الآية، ومنها: أني كنت مع جماعة في مفازة فضللنا الطريق فقدموا جملا وتبعوه فكان ذلك الابل (5) ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب، والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل، وهذا من قوة (6) تخيل ذلك الحيوان بالمرة الواحدة (7) كيف انحفظت في خياله صورة تلك المعاطف، حتى أن الذى عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فان ذلك الحيوان اهتدى إليه. ومنها: أنها مع كونها في غاية القوة على العمل مباينة لغيرها في الانقياد والطاعة لاضعف الحيوانات كالصبي، ومباينة لغيرها أيضا في أنها يحمل عليها وهي باركة ثم تقوم، فهذه الصفات الكثيرة الموجودة فيها توجب على العاقل أن ينظر في خلقتها وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه، ثم إن العرب من أعرف الناس بأحوال الابل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارها، فلهذه الاسباب حسن من الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل في خلقتها (8). اقول: وقال الدميري في حياة الحيوان: الابل الجمال وهي اسم واحد يقع على


(1) في المصدر: ولذلك فانهم جعلوا. (2) في المصدر: وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد. (3) في المصدر (جاءه) وفيه: اعطاء مائة بعير. (4) النحل: 6. (5) في المصدر: ذلك الجمل. (6) في المصدر فتعجبنا من قوة. (7) في المصدر انه بالمرة الواحدة. (8) تفسير الرازي 31: 156 و 157. *

[110]

الجمع ليس بجمع ولا اسم جمع، إنما هو دال على الجنس، وروى ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: " الابل عز لاهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة " والابل من الحيوان العجيب (1) وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم لها، وهو أنه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به وتأخذ زمامه فأرة تذهب به حيث شاءت وتحمل على ظهره بيتا يقعد فيه الانسان (2) مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده كما في بيته وتتخذ للبيت سقفا (3) وهو يمشي بكل هذه، ولهذا قال تعالى: " أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت " وعن بعض الحكماء أنه حدث عن البعير وعظم خلقه (4) وكان قد نشأ بأرض لا إبل بها ففكر، (5) ثم قال: يوشك أن تكون طوال الاعناق، وحين أراد الله (3) بها أن تكون سفائن البر صبرها على احتمال العطش حتى أن ظمأها يرتفع إلى العشر، وجعلها ترعى كل شئ نابت في البراري والمفاوز مالا يرعاه سائر البهائم، وفي الحديث: " لاتسبوا الابل فان فيها رقوء الدم ومهر الكريمة " أي تعطى (7) في الديات فتحقن بها الدماء فتقطع عن أن يهراق (8) دم القاتل، وقال أصحاب الكلام: في طبائع الحيوان ليس لشئ من الفحول مثل ما للجمل عند هيجانه إذ يسوء خلقه ويظهر زبده ورغاؤه فلو حمل ثلاثة أضعاف عادته حمل، ويقل أكله (9)، وسئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن الصلاة


(1) في المصدر: والابل من الحيوانات العجيبة. (2) في المصدر: ويتخذ على ظهره بيت يقعد الانسان فيه. (3) في المصدر: كانه في بيته ويتخذ للبيت سقف. (4) في المصدر: وعن بديع خلقها. (5) في المصدر: ففكر ساعة. (6) في المصدر: وحيث أراد الله. (7) في المصدر: أي انها تعطى. (8) في المصدر: وتمنع من أن يهراق. (9) زاد في المصدر: ويخرج الشقشقة وهى الجلدة الحمراء التى يخرجها من جوفه وينفخ فيها فتظهر من شدقه لا يعرف ماهى اه‍. *

[111]

في مبارك الابل، فقال: لا تصلوا في مبارك الابل فانها من الشياطين (1)، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها (2) فانها بركة (3). وفي مسند أحمد والحاكم عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم دخل حائطا لبعض الانصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه واله وسلم ذرفت عيناه فمسح النبي صلى الله عليه واله وسلم سنامه (4) فسكن ثم قال: من رب هذا الجمل ؟ فجاء فتى من الانصار فقال: هولي يا رسول الله، فقال ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فانه يشكو (5) إلي أنك تجيعه وتذيبه. وروي الطبراني عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه واله في غزوة وسلم ذات الرقاع حتى إذا كنا بحرة (6) واقم أقبل جمل يرفل حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فجعل يرغو على هامته، فقال صلى الله عليه واله وسلم: إن هذا الجمل يستعديني على صاحبه يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين حتى أجربه (7) وأعجفه وكبر سنه أراد نحره، اذهب يا جابر


(1) في المصدر: فانها مأوى الشياطين. (2) في المصدر: فانها مباركة. (3) حياة الحيوان: 9 - 11. (4) في المصدر: سنامه، وفى رواية: فمسح ذفرييه فسكن. (5) في المصدر: فانه شكا. (6) في معجم البلدان: حرة واقم احدى حرتى المدينة وهى الشرقية سميت برجل من العماليق اسمه واقم نزلها في الدهر الاول، وفي هذه الحرة كانت وقعة الحرة المشهورة في ايام يزيد بن معاوية في سنة 63 وأمير الجيش من قبل يزيد مسلم بن عقبة المرى وسموه لقبيح صنيعه مسرفا، قدم المدينة فنزل حرة واقم وخرج إليه اهل المدينة يحاربونه فكسرهم وقتل من الموالى ثلاثة آلاف وخسمائة رجل، ومن الانصار الفار واربعمائة وقيل: الفا وسبعمائة، ومن قريش الفا وثلاثمائة، ودخل جنده المدينة فنهبوا الاموال وسبوا الذرية و استباحوا الفروج، وحملت منهم ثمانمائة حرة وولدن اه‍. (7) في المصدر: حتى اعجزه. *

[112]

إلى صاحبه فأت به، قال: ما أعرفه، قال: إنه سيدلك عليه، قال، فخرج بين يدي معنقا حتى وقف بي مجلس بني حطمة (1) فقلت: أين رب هذا الجمل، قالوا: هذا لفلان بن فلان فجئته فقلت: أجب رسول الله، فخرج معي حتى إذا جاء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: إن جملك يزعم انك حرثت عليه زمانا حتى إذا أجربته وأعجفته وكبر سنه أردت نحره (2)، قال: والذي بعثك بالحق إن ذلك كذلك (3)، قال صلى الله عليه واله وسلم: ما هكذا جزاء المملوك الصالح، ثم قال: بعنيه (4) قال: نعم فابتاعه منه، ثم أرسله صلى الله عليه واله في الشجر حتى نصب سنامه. وكان إذا اعتل على بعض المهاجرين والانصار من نواضحهم شئ أعطاه إياه فمكث كذلك زمانا (5). وقال: البقر اسم جنس يقع على الذكر والانثى، وإنما دخلته الهاء للوحدة والجمع بقرات، وهو حيوان شديد القوة كثير المنفعة خلقه الله ذللا (6) ولم يخلق له سلاحا شديدا كما للسباع لانه في رعاية الانسان، فالانسان يدفع عنه عدوه فلو كان له سلاح لصعب على الانسان ضبطه، والبقر الاجم (7) يعلم أن سلاحه في رأسه فيستعمل محل القرن كما ترى في العجاجيل قبل نبات قرونها تنطح برؤوسها تفعل ذلك طبعا، وهي أجناس منها الجواميس وهي أكثرها ألبانا وأعظمها أجسادا (8)، ومنها العراب وهي جرد ملس الالوان، ومنها نوع آخر يقال له: الدربانة (9)، والبقر ينزو ذكورها


(1) في المصدر: بنى خطمة. (2) في المصدر: حتى إذا أعجزته وأعجفته وكبر سنه أردت أن تنحره. (3) في المصدر: لكذلك. (4) في المصدر: تبيعه ؟ (5) حياة الحيوان 1: 145. (6) في المصدر: ذلولا. (7) أي الذى لاقرن له. (8) في المصدر: واعظمها اجساما. (9) في المصدر: وهى التى تنقل عليها الاحمال وربما كانت اسنمة. *

[113]

على إناثها إذا تمت لها سنة من عمرها في الغالب وهي كثيرة المنى، وكل الحيوان إناثه أرق صوتا من الذكور، إلا البقر، فان الانثى أفخم وأجهر، وليس لجنس البقر ثنايا عليا فهي تقطع الحشيش بالسفلى. وذكر صاحب الترغيب والترهيب والبيهقي في الشعب عن ابن عباس: أن ملكا من الملوك خرج يتصيد في مملكته مختفيا من الناس (1) فنزل على رجل له بقرة، فراحت عليه تلك البقرة فحلبت مقدار ثلاثين بقرة، فحدث الملك نفسه أن يأخذها، فلما كان من الغدغدت البقرة إلى مرعاها ثم راحت فحلبت نصف ذلك فدعا الملك صاحبها، فقال: أخبرني عن بقرتك هذه لم نقص حلابها ؟ ألم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالامس ؟ قال: بلى ولكن أرى الملك أضمر لبعض الرعية سوء فنقص لبنها، فان الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة، قال: فعاهد الملك ربه أن لا يأخذها ولا يظلم أحدا، قال: فغدت ثم راحت (2) فحلبت حلابها في اليوم الاول فاعتبر الملك بذلك وعدل وقال: إن الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة لا جرم لاعدلن ولاكونن على أفضل الحالات (3). وقال: الغنم الشاة لا واحد له من لفظه، وروى عبد بن حميد بسنده إلى عطية عن أبي سعيد الخدري، قال: افتخر أهل الابل وأهل الغنم عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الابل. وهو في الصحيحين بألفاظ مختلفة منها: " السكينة (4) في أهل الغنم، والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر وفي لفظ: الفخر والخيلاء في أصحاب الابل، والسكينة والوقار في أصحاب الشاة. أراد بالسكينة السكون، وبالوقار التواضع، وأراد بالفخر التفاخر بكثرة


(1) في المصدر: خرج من بلده يسير في مملكته وهو مستخف من الناس. (2) في المصدر: فغدت فرعت ثم راحت. (3) حياة الحيوان 1: 105 - 107. (4) في المصدر: السكينة والوقار. *

[114]

المال والجاه وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، وبالخيلاء التكبر والتعاظم، ومنه قوله تعالى: " إن الله لا يحب كل مختال فخور " (1) ومراده بالوبر أهل الابل لانه لها كالصوف للغنم (2) والشعر للمعز، ولذلك قال تعالى: " ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين " (3) وهذا منه صلى الله عليه واله وسلم إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الابل وأغلبه، وقيل: أراد به أي بأهل الغنم أهل اليمن لان أكثرهم أهل الغنم بخلاف ربيعة ومضر فانهم أصحاب إبل. والغنم على ضربين: ضائنة وماعزة، قال الجاحظ: واتفقوا على أن الضأن أفضل من الماعز، (4) واستدلوا عليه بأوجه منها: أن الله تعالى بدأ بذكر الضأن في القرآن فقال: " من الضأن اثنين ومن المعز اثنين " (5) ومنها قوله: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة " (6) ومنها: " فديناه بذبح عظيم " (7) ومما يذكر من فضلها أنها تلد في السنة مرة وتفرد غالبا، والمعز تلد مرتين وقد تثنى وتثلث، والبركه في الضأن أكثر، ومن ذلك أن الضأن إذا رعت شيئا من الكلاء فانه ينبت، وإذا رعت الماعز شيئا لا ينبت لان المعز تقلعه من اصولها والضأن ترعى ما على وجه الارض، وأيضا فان صوف الضأن أفضل من شعر المعز وأعز قيمة وليس الصوف إلا للضأن، ومنها أنهم كانوا إذا مدحوا


(1) لقمان: 18. (2) في المصدر: كالصوف للضأن. (3) النحل: 80. (4) في المصدر: من المعز. (5) الانعام: 143. (6) في المصدر: وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة. ولم يقل: تسع وتسعون عنزا ولى عنز واحدة. أقول: الاية في ص: 23. (7) زاد في المصدر: واجمعوا كما قال الحافظ انه كبش. أقول: الاية في الصافات: 107. *

[115]

شخصا قالوا: إنما هو كبش وإذا ذموه قالو: ما هو إلا تيس، (1) ومما أهان الله به التيس أن جعله مهتوك الستر مكشوف القبل والدبر بخلاف الكبش، ولذا شبه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المحلل بالتيس المستعار. ومنها: أن رؤوس الضأن أطيب وأفضل من رؤوس الماعز، وكذلك لحمها فان أكل لحم الماعز، يحرك المرة السوداء ويولد البلغم ويورث النسيان ويفسد الدم، ولحم الضأن عكس ذلك قال أبو زيد: يقال لما تضعه الغنم والمعز حالة وضعه سخلة، ذكرا كان أو انثى، وجمعها سخل بفتح السين وسخال بكسرها، ثم لا يزال اسمه ذلك مادام يرضع اللبن، ثم يقال للذكر والانثى: بهمة بفتح الباء والجمع بهم بضمها، ويقال الولد المعز حين يولد سليل وسليط فإذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن امه وأكل من البقل فان كان من أولاد المعز فهو جفر، والانثى جفرة، والجمع جفار فإذا قوي وأتى عليه حول فهو عريض، وجمعه عرضان بكسر العين، والعتود نوع منه، وجمعه أعتدة وعتدان، وهو في ذلك جدي (2) والانثى عناق إذا كان من أولاد المعز ويقال له إذا تبع امه: تلو، لانه يتلو امه، ويقال للجدي: امر، بضم الهمزة وتشديد الميم والراء المهملة في آخره، ويقال له: هلع وهلعة بضم الهاء وتشديد اللام، والبكرة: العناق أيضا، والعطعط: الجدي، فإذا أتى عليه حول فالذكر تيس، والانثى عنز، ثم يكون جذعا في السنة الثانية، والانثى جذعة، فإذا طعن في السنة الثالثة، فهو ثني، والانثى ثنية فإذا طعن في السنة الرابعة كان رباعيا والانثى رباعية، (3) ثم تكون سدسا والانثى سدسة (4)، ثم يكون ضالعا والانثى كذلك، ويقال: ضلع يضلع ضلوعا والجمع الضلع


(1) في المصدر: انما هو تيس واذ أرادوا المبالغة في الذم قالوا: انما هو تيس في سفينة. (2) في المصدر: وهو في كل ذلك جدى. (3) زاد في المصدر بعد ذلك: ثم يكون خماسيا والانثى خماسية، (4) في المصدر: ثم يكون سداسيا والانثى سداسية. *

[116]

بتشديد اللام (1)، وقال: الجلان والجلام (2): من أولاد المعز خاصة، وفي الحديث: في الارنب يصيبها المحرم جلان (3). قال الجاحظ: وقد قالوا في أولاد الضأن كما قالوا في أولاد المعز إلا في مواضع، قال الكسائي: هي خروف (4) في العريض من أولاد المعز، والانثى خروفة، ويقال له: حمل، والانثى رخل بفتخ الراء المهملة وكسر الخاء المعجمة، والجمع رخال بضم الراء، وهو مما جمع على غير قياس كما قالوا في المرضع: ظئر وظؤار، وللشاة القريبة العهد بالنتاج ربي ورباب، والبهمة للذكر والانثى من أولاد الضأن والمعز جميعا، ولا يزال كذلك حتى يأكل ويجتر، ثم هو قرقر بقافين مكسورتين، والجمع قرقار وقرقور، وهذا كله حين يأكل ويجتر، والجلام بكسر الجيم: الجدي أيضا، والبذج بفتح الباء والذال المعجمة وبالجيم في آخره: من أولاد الضأن خاصة، والجمع بذجان. وروى ابن ماجة باسناد صحيح عن ام هاني قالت: إن النبي صلى الله عليه واله قال لها: اتخذي غنما فان فيها البركة. وشكت إليه امرأة أن غنمها لا تزكو، فقال صلى الله عليه واله: ما ألوانها ؟ قالت: سود، فقال: عفري أي استبدلي أغناما بيضا فان البركة فيها. وفي الحديث: صلوا في مرابض الغنم وامسحوا رغامها. والرغام: ما يسيل من الانف. وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه واله كانت له مائة شاة لا يريد أن تزيد. وكان صلى الله عليه واله وسلم كلما ولدت سخلة ذبح مكانها شاة.


(1) في المصدر: ثم يكون صالغا والانثى كذلك، ويقال: صلغ يصلغ صلوغا والجمع الصلغ بتشديد الصاد واللام. (2) في المصدر: " الحلان والجلام " أقول: ولعل الصحيح فيهما بالحاء المهملة. (3) في المصدر: الحلان. (4) في المصدر: هو خروف. *

[117]

وروى مالك وأبو داود والبخاري والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر يفر بدينه من الفتن. شعف الجبال بفتح الشين المعجمة والعين المهملة: رؤوسها، وشعف كل شئ: أعلاه، قال أبو الزناد: خص عليه السلام الغنم من بين سائر الاشياء حضا على التواضع وتنبيها على إيثار الخمول وترك الاستعلاء والظهور، وقد رعاها الانبياء والصالحون، وقال صلى الله عليه واله: ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم (1). وأخبر صلى الله عليه واله أن السكينة في أهل الغنم. وفي الحديث أنه صلى الله عليه واله قال: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله ؟ قال: وأنا (2). قيل: والحكمة أن الله عزوجل جعل الرعي في الانبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق وتكون (3) اممهم رعايا لهم وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: رأيت غنما سودا دخلت فيها غنم كثير بيض، فقالوا: فما أولته يا رسول الله ؟ قال: العجم (4) يشركونكم في دينكم وأنسابكم، قالوا: العجم يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه واله: لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم. وفي عجائب المخلوقات عن موسى بن عمران عليه السلام أنه اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ منها ثم ارتقى الجبل ليصلي إذ أقبل فارس فشرب من ماء العين و ترك عنده كيسا فيه دراهم وذهب مارا فجاء بعده راعي غنم فرأى الكيس فأخذه ومضى، ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس وعلى رأسه حزمة حطب فوضعها هناك ثم


(1) في المصدر: الارعى غنما. (2) زاد في المصدر: وكنت أرعاها لاهل مكة بالقراريط. قال سويد: يعنى كل شاة بقيراط. (3) في المصدر: ولتكون. (4) العجم: الفرس. خلاف العرب. *

[118]

استلقى ليستريح فما كان إلا قليلا حتى عاد الفارس فطلب كيسه (1) فلم يجده فأقبل على الشيخ يطالبه فأنكر فلم يزالا كذلك حتى ضربه ولم يزل يضربه حتى قتله، فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الامور ؟ فأوحى الله إليه أن الشيخ كان قتل أبا الفارس وكان على أب الفارس دين لاب الراعي مقدار ما في الكيس فجرى بينهما القصاص و قضي الدين وأنا حكم عدل (2). 1 - الخصال: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الاشعري عن سهل بن زياد عن الحسين بن يزيد عن سفيان الحريري عن عبد المؤمن الانصاري عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: البركة عشرة أجزاء تسعة أعشارها في التجارة، والعشر الباقي في الجلود. قال الصدوق رضي الله عنه: يعني بالجلود الغنم، وتصديق ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: " تسعة أعشار الرزق في التجارة، والجزء الباقي في السابياء " يعني الغنم، حدثنا بذلك أحمد بن الحسن القطان عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن الحسين بن زيد عن أبيه زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين ابن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: تسعة أعشار الرزق في التجارة، والجزء الباقي في السابياء يعني الغنم (3). بيان: قال في النهاية بعد إيراد الرواية في السابياء: يريد به النتاج في المواشي وكثرتها، يقال: إن لآل فلان سابياء أي مواشي كثيرة، والجمع السوابي وهي في الاصل الجلدة التي يخرج فيها الولد، وقيل: هي المشيمة انتهى (4). أقول: الجلود في الخبر الاول لعله اريد به ذوات الجلود من الحيوانات، وفي


(1) في المصدر: يطلب كيسه. (2) حياة الحيوان 2: 130 - 134. (3) الخصال 2: 445 و 446 طبعة الغفاري. (4) النهاية 2: 157. *

[119]

القاموس: الجلد محركة: الشاة يموت ولدها حين تضع، كالجلدة محركة فيهما والكبار من الابل لا صغار فيها، ومن الغنم والابل ما لا أولاد لها ولا ألبان، وككتاب من الابل: الغزيرات اللبن كالمجاليد، أو ما لا لبن لها ولا نتاج، والجلد: الذكر " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا " (1) أي لفروجهم (2). 2 - الفقيه: قال: قال أمير الؤمنين عليه السلام: اتقوا الله فيما خولكم، وفي العجم من أموالكم، فقيل له: وما العجم ؟ قال: الشاة والبقر والحمام (3). 3 - تفسير علي بن ابراهيم: قال أبو الجارود في قوله: " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " (4) والدفء حواشي الابل، ويقال: بل هي الادفاء من البيوت والثياب، وقال علي بن ابراهيم في قوله: " دفء " أي ما يستدفؤن به مما يتخذ من صوفها ووبرها، قوله: " ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون " قال: حين يرجع من المرعى، وحين تسرحون: حين يخرج إلى المرعى، قوله: " وتحمل أثقالكم إلى بلدكم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس " قال: إلى مكة والمدينة وجميع البلدان، ثم قال: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها " ولم يقل عز وعلا: لتركبوها وتاكلوها (5) كما قال في الانعام " ويخلق ما لا تعلمون " قال: العجائب التي خلقها الله في البر والبحر (6). بيان: قوله: حواشي الابل أي صغار أولادها، وهذا تفسير آخر غير التفاسير المشهورة لكنه موافق للغة، قال الفيروزآبادي: الحشو صغار الابل كالحاشية (7) وقال:


(1) فصلت: 21. (2) القاموس: جلد. (3) من لا يحضره الفقيه 3: 220 وزاد فيه: واشباه ذلك. (4) النحل: 5. (5) في المصدر: ولتأكلوها. (6) تفسير القمى: 357 والايات في أوائل سورة النحل. (7) القاموس: حشو. *

[120]

الدفء بالكسر ويحرك: نقيض حدة البرد وإبل مدفئة ومدفأة ومد فأة ومدفئة: كثيرة الاوبار والشحوم، والدفء بالكسر: نتاج الابل وأوبارها والانتفاع بها (1). وقال الراغب: الدفء: خلاف البرد، قال تعالى: " لكم فيها دفء ومنافع " وهو لما يدفئ، ورجل دفآن وامرأة دفأى وبيت دفئ (2)، قوله: " من البيوت " أي الخيم من الشعر والصوف، قوله: " ولم يقل " إلى آخره كأن غرضه أنها ليست مما اعدت للاكل ورغب في أكلها إلا أنها محرمة (3) فيدل على كراهتها كما هو المشهور. 4 - الخصال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن زياد القندي عن أبي وكيع عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: عليكم بالغنم والحرث، فانهما يروحان بخير ويغدوان بخير فقيل: يا رسول الله فأين الابل ؟ قال: تلك أعنان الشياطين، ويأتيها خيرها من الجانب الاشأم، (4) قيل: يا رسول الله إن سمع الناس بذلك تركوها، فقال: إذا لا يعدمها الاشقياء الفجرة (5). بيان: قال في النهاية: سئل عليه السلام عن الابل، فقال: أعنان الشياطين، الاعنان: النواحي، كأنه قال: إنها لكثرة آفاتها كأنها من نواحي الشياطين في أخلاقها وطبائعها، وفي حديث آخر: لا تصلوا في أعطان لانها خلقت من أعنان الشياطين (6).


(1) القاموس: الدفء. (2) المفردات: 170. (3) هكذا في النسخ. ولعل الصحيح: لا انها محرمة. (3) أي من الجانب الايسر، والمراد من خيرها لبنها، لانها تحلب وتركب من الجانب الايسر. (5) الخصال 1: 45 و 46 (طبعة الغفاري). (6) النهاية 3: 153. *

[121]

5 - الخصال: عن محمد بن على ما جيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد بن يحيى عن إبراهيم بن هشام عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أي المال خير ؟ قال: زرع زرعه صاحبه وأصلحه وأدى حقه يوم حصاده، قيل: فأي المال بعد الزرع خير ؟ قال: رجل في غنمة قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، قيل: فأي المال بعد الغنم خير ؟ قال: البقر تغدو بخير وتروح بخير: قيل: فأي المال بعد البقر خير ؟ قال: الراسيات في الوحل والمطعمات في المحل، نعم الشئ النخل، من باعه فانما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف إلا أن يخلف مكانها قيل: يا رسول الله فأي المال بعد النخل خير ؟ فسكت، فقال له رجل: فأين الابل ؟ قال: فيها الشقاء والجفاء والعناء وبعد الدار، تغدو مدبرة وتروح مدبرة، ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الاشأم، أما إنها لا تعدم الاشقياء الفجرة (1). معاني الاخبار: عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه مثله. (2) الكافي: عن علي بن إبراهيم مثله. بيان: قد تبع بها " الباء " للتعدية، أو للمصاحبة: أو للسببية، أي يتبع لغنمه مواضع قطر السماء ونزول المطر فإذا رأى ماء وعشبا نزل هناك " تغدو بخير " أي بلبن أي تأتي به غدوا ورواحا، والخير كل ما يرغب فيه ويكون نافعا، وقال الراغب: الخير والشر يقالان على وجهين: أحدهما أن يكونا اسمين كقوله تعالى: " ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير " (3) والثاني: أن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير أفعل منه نحو هذا خير من ذلك وأفضل كقوله تعالى: " نأت (4) بخير منها (5) ".


(1) الخصال 1: 246. (2) معاني الاخبار: 197. (3) آل عمران: 104. (4) البقرة: 106. (5) المفردات: 160. *

[122]

قوله: " الراسيات في الوحل " أي النخيل التي نشبت عروقها في الطين وثبتت فيه وهي تطعم أي تثمر في المحل، وهو بالفتح: الجدب وانقطاع المطر، والتخصيص بها لانها تحمل العطش أكثر من سائر الاشجار، قوله: " فانما ثمنه " هو قائم مقام الخبر كأنه قيل: فلا يرى خيرا لان ثمنه، فلذا خلا عن العائد أو هو خبر بار جاع ضمير ثمنه إلى الموصول، قوله صلى الله عليه واله وسلم. " بمنزلة رماد " اقتباس من قوله تعالى: " مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ " (1) والعصف: اشتداد الريح، وصف به زمانه للمبالغة كقولهم: نهاره صائم وليله قائم " واشتدت به " أي حملته وأسرعت الذهاب به، والشاهق: المرتفع من الجبال والابنية وغيرها " إلا أن يخلف مكانها " أي مثله أو الاعم، والاول أظهر، والشقاء: الشدة والعسر، أو هو ضد السعادة. والجفاء: البعد عن الشئ وترك الصلة والبر وغلظ الطبع، وفي القاموس: جفا عليه كذا: ثقل، وجفا ماله: لم يلازمه، وأجفى الماشية: أتعبها ولم يدعها تأكل. وأقول: هنا أكثر المعاني مناسب فان فيها غلظ الطبع ومن يلازمها يصير كذلك كما يرى في الاعراب والجمالين ويبعد عن صاحبه للرعي، وإن كان المراد ببعد الدار أيضا ذلك، وتتعب صاحبها وتثقل على صاحبها لقلة منافعها، والعناء: التعب " تغدو مدبرة " لانها تطلب العلف من صاحبها غدوة وليست لها منفعة تداركه وكذا في الرواح، " أما إنها لاتعدم الاشقياء الفجرة " أي انها مع هذه الخلال لا يتركها الاشقياء ويتخذونها للشوكة والرفعة التي فيها ولا يصير قولي هذا سببا لتركهم لها، وما يروى عن الشيخ البهائي قدس سره أن المعنى أن من جملة مفاسدها أنه تكون معها غالبا شرار الناس وهم الجمالون، فهذا الخبر وإن كان يحتمله لكن سائر الاخبار مصرحة بالمعنى الاول. 6 - المعاني والخصال: عن علي بن أحمد بن موسى عن محمد الاسدي (2) عن صالح


(1) ابراهيم: 18. (2) في المصدر: محمد بن ابى عبد الله الكوفى. *

[123]

ابن أبي حماد عن إسماعيل بن مهران عن أبيه عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الغنم إذا أقبلت أقبلت وإذا أدبرت أقبلت، والبقر إذا أقبلت أقبلت وإذا أدبرت أدبرت، والابل أعنان الشياطين إذا أقبلت أدبرت وإذا أدبرت أدبرت، ولا يجئ خيرها إلا من الجانب الاشأم (1) قيل: يا رسول الله فمن يتخذها بعد ذا ؟ قال: فأين الاشقياء الفجرة. قال صالح: وأنشد إسماعيل بن مهران: هي المال لولا قلة الخفض حولها * فمن شاء داراها ومن شاء باعها (2) المعاني: عن محمد بن هارون الزنجاني عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد أنه قال: قوله: " أعنان الشياطين " أعنان كل شئ: نواحيه، وأما الذي يحكيه أبو - عمرو فأعنان الشئ نواحيه قالها أبو عمرو وغيره، فان كانت الاعنان محفوظة فأراد أن الابل من نواحي الشياطين أي أنها على أخلاقها وطبائعها، وقوله: " لا تقبل إلا مولية ولا تدبر إلا مولية " فهذا عندي كالمثل الذي يقال فيها: إنها إذا أقبلت أدبرت وإذا أدبرت، وذلك لكثرة آفاتها وسرعة فنائها، وقوله: " لا يأتي خيرها إلا من جانبها الاشأم " يعني الشمال يقال: لليد الشمال: الشؤمى (3) ومنه قول الله عزوجل: " وأصحاب المشأمة (4) " يريد أصحاب الشمال، ومعنى قوله: " لا يأتي نفعها إلا من هناك " يعني أنها لا تحلب ولا تركب إلا من شمالها وهو الجانب الذي يقال له: الوحشي، في قول الاصمعي: لانه الشمال، قال: والايمن هو الانسي، وقال بعضهم: لا ولكن الانسي هو الذي يأتيه الناس في الاحتلاب والركوب، والوحشي هو الايمن لان الدابة لا تؤتى من جانبها الايمن إنما تؤتى من الايسر،


(1) في نسخة من المعاني: الا من جانبها الاشأم. (2) معاني الاخبار: 321: الخصال 1: 246. (3) في المصدر: الشؤم. (4) الواقعة: 9. *

[124]

قال أبو عبيد: فهذا هو القول عندي، وإنما الجانب الوحشي الايمن لان الخائف انما يفر من موضع المخافة إلى موضع الامن (1). توضيح: قال الزمخشري في الفائق: " سئل عن الابل فقال: أعنان الشياطين لا تقبل إلا مولية ولا تدبر إلا مولية ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الاشأم " الاعنان: النواحي جمع عنن وعن، يقال: أخذنا كل عن وسن وفن، اخذ من " عن " كما اخذ العرض من " عرض " وفي الحديث: " إنهم كرهوا الصلاة في أعطان الابل لانها خلقت من أعنان الشياطين قال الجاحظ: يزعم بعض الناس أن الابل لكثرة آفاتها أن من شأنها إذا أقبلت أن يتعقب إقبالها الادبار، وإذا أدبرت أن يكون إدبارها ذهابا وفناء ومستأصلا، ولا يأتي نفعها يعني منفعة الركوب والحلب إلا من جانبها الذي ديدن العرب أن يتشأموا به وهو جانب الشمال، ومن ثم سموا الشمال شؤمى، قال: فانحى على شؤمى يديه فذادها فهي إذا للفتنة مظنة، وللشياطين مجال متسع، حيث تسببت أولا إلى إغراء المالكين (2) على إخلالهم بشكر النعمة العظيمة فيها، فلما زواها عنهم لكفرانهم أغرتهم أيضا على إغفال ما لزمهم من حق جميل الصبر على المرزئة بها، وسولت لهم في الجانب الذي يستملون منه نعمتي الركوب والحلب أنه الجانب الاشأم وهو في الحقيقة الايمن والابرك، وقال أيضا، قيل: أي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أي أموالنا، أفضل ؟ قال: الحرث، وقيل: يا رسول الله فالابل ؟ قال: تلك عناجيح الشياطين. العنجوج من الخيل والابل: الطويل العنق، فعلول من عنجه: إذا عطفه لانه يعطف عنقه لطولها في كل جهة ويلويها ليا، وراكبه يعجنها إليه بالعنان الزمام، يريد أنها مطايا الشياطين، ومنه قوله: إن على ذروة كل بعير شيطانا "


(1) معاني الاخبار: 321 و 322. (2) في النسخة المخطوطة: على اغرامها لمالكيهن. *

[125]

وقال في النهاية: " لا يأتي خيرها إلا من جانبها الاشأم " يعني الشمال، ومنه قولهم لليد الشمال: الشؤمى، تأنيث الاشأم، يريد بخيرها لبنها لانها إنما تحلب وتركب من الجانب الايسر (1) انتهى. وقال الجوهري: الوحشي: الجانب الايمن من كل شئ، هذا قول أبي زيد وأبي عمرو قال عنترة: وكأنما تنأى بجانب دفها * الوحشي من هزج العشي مؤوم وإنما تنأى بالجانب الوحشى لان سوط الراكب في يده اليمنى وقال الراعي: فمالت على شق وحشيها * وقد ريع جانبها الايسر ويقال: ليس شئ يفزع إلا مال على جانبه الايمن، لان الدابة لا تؤتى من جانبها الايمن وإنما تؤتى في الاحتلاب والركوب من جانبها الايسر فانما خوفه منه، والخائف إنما يفر من موضع المخافة إلى موضع الامن، وكان الاصمعي يقول: الوحشي الجانب الايسر من كل شئ، وفي المصباح المنير: الوحشي من كل دابة الجانب الايمن، قال الازهري: قال أئمة العربية: الوحشي من جميع الحيوان غير الانسان الجانب الايمن وهو الذي لا يركب منه الراكب ولا يحلب منه الحالب والانسي الجانب الآخر وهو الايسر، وروى أبو عبيدة عن الاصمعي أن الوحشي هو الذي يأتي منه الراكب ويحلب منه الحالب، لان الدابة تستوحش عنده فتفر منه إلى الجانب الايمن، قال الازهري: وهو غير صحيح عندي، قال ابن الانباري ما من شئ يفزع إلا مال إلى جانبه الايمن لان الدابة إنما تؤتى للحلب والركوب من الجانب الايسر فتخاف منه فتفر من موضع المخافة وهو الجانب الايسر إلى موضع الانس وهو الجانب الايمن، فلهذا قيل: الوحشي الجانب الايمن انتهى. وأقول: يرد في الخبر إشكال وهو أن الحلب والركوب من الجانب الايمن


(1) النهاية 2: 217. *

[126]

لا اختصاص لهما بالابل فكيف صارا سببا لذم خصوص الابل ؟ والتكلف الذي ارتكبه الجاحظ في غاية السماجة والركاكة إلا أن يقال: الركوب من بين الانعام الثلاثة مختص بالابل، والحلب وإن كان مشتركا لكن قد تحلب الشاة بل البقرة أيضا من جانب الخلف، وأيضا فيهما من السهولة والبركة ما يقاوم ذلك، وقد يقال: يمكن أن يكون كون الخبر " من الجانب الاشأم " كناية عن أن نفعها مشوب بضرر عظيم، فان اليمن منسوب إلى اليمين والشوم منسوب إلى اليسار، أو يكون الاشأم أفعل تفضيل من الشأمة ويكون الغرض موتها واستيصالها أي خيرها في عدمها مبالغة في قلة نفعها كأن عدمها أنفع من وجودها. 7 - الخصال: في الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: أفضل ما يتخذه الرجل في منزله لعياله الشاة فمن كانت في منزله شاة قد ست عليه الملائكة في كل يوم مرة ومن كانت عنده شاتان قد ست عليه الملائكة مرتين في كل يوم وكذلك في الثلاث يقول: بورك فيكم. (1) 8 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن على بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن محمد بن يحيى عن حماد بن عثمان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا نرى الدواب في بطون أيديها الرقعتين مثل الكي فمن أي شئ ذلك ؟ قال: ذلك موضع منخريه في بطن امه، وابن آدم منتصب في بطن امه وذلك قول الله عزوجل: " لقد خلقنا الانسان في كبد " (2) وما سوى ابن آدم فرأسه في دبره ويداه بين يديه (3).


(1) الخصال 2: 617، رواه الصدوق باسناده عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد ابن عيسى عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن أبى بصير ومحمد بن مسلم عن أبى عبد الله عن أبيه عن آبائه. (2) البلد: 4. (3) الخصال 2: 181 طبعة قم. *

[127]

الفقيه: عن أبيه عن سعد بن عبد الله والحميري جميعا، عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن حماد مثله إلى قوله: موضع منخريه في بطن امه (1). 9 - ثواب الاعمال: عن محمد بن علي ما جيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد البرقي عن ابن محبوب عن محمد بن مارد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من مؤمن يكون في منزله عنز حلوب إلا قدس أهل ذلك المنزل وبورك عليهم، وان كانت اثنتين قد سوا وبورك عليهم كل يوم مرتين، فقال بعض أصحابنا: وكيف يقدسون ؟ قال: يقف عليهم ملك كل صباح ومساء فيقول: قد ستم وبورك عليكم وطبتم وطاب ادامكم، فقلت له: ما معنى قد ستم قال: طهرتم (2). المحاسن: عن ابن محبوب مثله. (3). الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد محمد بن عيسى عن ابن محبوب مثله (4). بيان: العنز الانثى من المعز. 10 - المحاسن: عن أبيه عن هارون بن الجهم عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام بمعنى إذ أقبل أبو حنيفة على حمار له فاستأذن على أبي عبد الله عليه السلام فأذن له، فلما جلس قال لابي عبد الله عليه السلام: إني اريد أن اقايسك، فقال له أبو - عبد الله عليه السلام: ليس في دين الله قياس، ولكن أسألك عن حمارك هذا فيم أمره ؟ قال: وعن أي أمره تسأل ؟ قال: أخبرني عن هاتين النكتتين اللتين بين يديه ماهما ؟ فقال أبو حنيفة: خلق في الدواب كخلق اذنيك وأنفك في رأسك، فقال له أبو عبد الله عليه السلام:


(1) من لا يحضره الفقيه 2: 189 (طبعة الاخوندى) فيه: قال قلت له جعلت فداك نرى الدواب في بطون ايديها مثل الرقعتين في باطن يديها مثل الكى فاى شى هو ؟ (2) ثواب الاعمال: 93 ورواه في الفقيه 3: 220 عن الحسن بن محبوب عن محمد بن مارد باختلاف. (3) المحاسن: 640 فيه اختلاف لفظي. (4) فروع الكافي 6: 544 فيه: [يقف عليهم مالك في كل صباح فيقول] وفيه اختلاف آخر. *

[128]

خلق الله اذني لاسمع بهما، وخلق عيني لابصربهما، وخلق أنفي لاجد به الرائحة الطيبة والمنتنة ففيما خلق هذان ؟ وكيف نبت الشعر على جميع جسده ما خلا هذا الموضع ؟ فقال أبو حنيفة: سبحان الله أسألك (1) عن دين الله وتسألني عن مسائل الصبيان، فقام وخرج، قال محمد بن مسلم: فقلت له عليه السلام: جعلت فداك سألته عن أمر احب أن أعلمه، فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: " لقد خلقنا الانسان في كبد " (2) يعني منتصبا في بطن امه، مقاديمه إلى مقاديم امه، ومواخيره إلى مواخير امه، غذاؤه مما تأكل امه، ويشرب مما تشرب امه، وتنسمه تنسيما وميثاقه الذي أخذ الله عليه بين عينيه، فإذا دنا ولادته أتاه ملك يسمى الزاجر فيزجره فينقلب فتصير مقاديمه إلى مؤاخر امه ومواخيره إلى مقدم امه (3) ليسهل الله على المرأة والوالد أمره، ويصيب ذلك جميع الناس إلا إذا كان عاميا (4)، فإذا زجره فزع وانقلب ووقع إلى الارض باكيا من زجرة الزاجر ونسي الميثاق، وإن الله خلق جميع البهائم في بطون امهاتها منكوسة مقدمها إلى مؤخرامها ومؤخرها إلى مقدم امها (5)، وهي تتربص في الارحام منكوسة، قد ادخل رأسها بين يديها ورجليها، تأخذ الغذاء من امها، فإذا دنا ولادتها انسلت انسلالا وامترقت من بطون امهاتها، وهاتان التي بين أيديها (6) كلها موضع أعينها في بطون امهاتها، وما في عراقيبها موضع مناخيرها، لا ينبت عليه الشعر، وهو للدواب كلها ما خلا البعير فان عنقه طال فنفذ رأسه بين


(1) في المصدر: أتيتك أسألك. (2) البلد: 4. (3) في المصدر: إلى مقاديم امه. (4) في المصدر: عاتيا. (5) في المصدر: منكوسين مقدمها إلى مواخر امهاتها ومؤخرها إلى مقدم امهاتها. (6) في المصدر: انسلت انسلالا وموضع اعينها في بطون امهاتها وهاتان النكتتان اللتان بين أيديها. *

[129]

قوائمه في بطن امه (1). بيان: " تنسمه تنسيما " كأن المعنى: أن بنفسه مما تتنفس به امه يصل إليه أثر ذلك النسيم، قوله: " إلا إذا كان عاميا " أي أعمي البصر أو أعمى القلب مخالفا، وفي بعض النسخ: " عانيا " بالنون، أي إلا أن يقدر الله تعالى أن يكون في عناء ومشقة عليه وعلى امه الولادة، والاظهر أنه كان في الاصل إلا إذا كان يتنا أو ميتونا بتقديم المثناة التحتانية على المثناة الفوقانية ثم النون، قال في القاموس: اليتن أن تخرج رجلا المولود قبل يديه، وقد خرج يتنا، أيتنت ويتنت وهي موتن وموتنة وهو ميتون، والقياس موتن (2). وفي النهاية: اليتن: الولد الذي تخرج رجلاه من بطن امه قبل رأسه وقد أيتنت الام إذا جاءت به يتنا (3) وفي القاموس: مرق السهم من الرمية مروقا خرج من الجانب الآخر، وكانت امرأة تغزو فحبلت فذكر لها الغزو فقالت: رويد الغزو يتمرق أي أمهل الغزو حتى يخرج الولد، والامتراق: سرعة المروق (4). ثم اعلم أن الخبر يشعر بأن الانتصاب في الرحم الذي هو شأن الانسان أصعب وأشق من الهيئة التي عليها غيره فلذا فسر عليه السلام به الآية. 11 - المحاسن: عن علي بن الحكم عن عمر بن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الشاة نعم المال الشاة (5). بيان: كأن شاة الاولى منصوبة على الاغراء والاخرى تأكيد وخبره محذوف وليس في الكافي: الشاة الاولى.


(1) المحاسن: 304 و 305. (2) القاموس: اليتن. (3) النهاية 4: 380. (4) القاموس: مرق. (5) المحاسن: 640. *

[130]

12 - المحاسن: عن الوشاء عن إسحاق بن جعفر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا بني اتخذ الغنم ولا تتخذ الابل (1). 13 - ومنه: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا كانت لاهل بيت شاة قد ستهم الملائكة (2). 14 - ومنه: عن محمد بن علي عن عبيس بن هشام عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اتخذ أهل البيت الشاة قد ستهم الملائكة كل يوم تقديسة، قلت: كيف يقولون قال: يقولون: قد ستم قد ستم (3). 15 - قال: وفي حديث آخر قال: إذا أتخذ أهل البيت ثلاث شياة (4). 16 - ومنه: عن أبيه عن سليمان الجعفري رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من كانت في بيته شاة قد ستهم الملائكة تقديسة، وانتقل عنهم الفقر منقلة (5)، ومن كانت في بيته شاتان قد ستهم الملائكة مرتين، وارتحل عنهم الفقر منقلتين، فان كانت ثلاث شياة قد ستهم الملائكة ثلاث تقديسات وانتقل عنهم الفقر (6). بيان: وانتقل عنهم الفقر أي رأسا كما سيأتي (7). 17 - المحاسن: عن ابن أبي نجران وعثمان عن أبي جميلة عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم لعمته: ما يمنعك من أن تتخذي في بيتك ببركة فقالت: يا رسول الله ما البركة ؟ فقال: شاة تحلب فانه من كانت (8) في داره شاة تحلب أو نعجة أو بقرة فبركات كلهن (9) قال: وروى أبي عن أحمد بن النضر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام (10).


(1 - 4) المحاسن: 460. (5) في المصدر: منتقلة. (6) المحاسن: 640. (7) سيأتي ذلك في الخبر 20. (8) في الكافي: من كان. (9 - 10) المحاسن: 641. *

[131]

الكافي: عن العدة عن البرقي مثله إلى آخر الخبر بالسند الاول. (1) بيان: كأن المراد بالشاة المعز أو النعجة الانثى من الضأن، والشاة أعم من الضأن، والمعز تطلق على الذكر والانثى كما ذكره الفيروزآبادي، وفي الكافي أو بقرة تحلب. 18 - المحاسن: عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على ام أيمن فقال: مالي لا أرى في بيتك البركة ؟ فقالت: أو ليس في بيتي بركة ؟ قال: لست أعني لك (2) ذاك شاة تتخذيها تستغني ولدك من لبنها وتطعمين من سمنها وتصلين في مربضها (3). بيان: لست أعني أي عدم البركة مطلقا، لك أي بركة، ذاك أي الذي قلت، أو لست أعنى وأقول لك، ذاك الذي فهمت هي شاة، ولا يبعد أن يكون " ذلك " مكان " لك ". 19 - المحاسن: عن أبيه عن نصر بن مزاحم عن حميد اللالي (4) عن ام راشد مولاة ام هاني أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه دخل على ام هاني، فقالت ام هاني: قدمي لابي الحسن طعاما، فقدمت ما كان في البيت، فقال: مالى لا أرى عندكم البركة ؟ فقالت ام هاني لابي الحسن: أو ليس هذا بركة، فقال: لست أعني هذا إنما أعني الشاة، فقالت: مالنا من شاة فأكل واستسقى (5). بيان: " فقالت ام هاني " أي لمولاتها ام راشد: فقدمت على صيغة المتكلم، فأكل أي من سمنها، واستسقى أي من لبنها.


(1) فروع الكافي 6: 545. (2) في نسخة: [اعني ذلك] وفى اخرى: " اعني لك ذلك " وفي المصدر: اعني ذلك، ذاك شاة. (3) المحاسن: 641. (4) في نسخة: " السلامى " وفي المصدر: الابى. (5) المحاسن: 641. *

[132]

20 - المحاسن: عن محمد بن علي، عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اتخذ أهل البيت (1) شاة آتاهم الله برزقها وزاد في أرزاقهم وارتحل عنهم الفقر مرحلة، فان اتخذوا شاتين آتاهم الله بأرزاقها وزاد في أرزاقهم وارتحل عنهم الفقر مرحلتين، وان اتخذوا ثلاثا آتاهم الله بأرزاقها وزاد في أرزاقهم وارتحل عنهم الفقر رأسا (2). الكافي: عن أبي علي الاشعري عن الحسن بن علي عن عبيس مثله (3). 21 - المحاسن: عن أبيه عن سليمان الجعفري رفعه إلى أبى عبد الله الحسين عليه السلام قال: ما من أهل بيت تروح عليهم ثلاثين شاة إلا نزل الملائكة (4) تحرسهم حتى يصبحوا (5). 22 - ومنه: عن بعض أصحابنا عن الفضل بن المبارك عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كانت في بيته شاة عيديه (6) ارتحل الفقر عنه منقلة، ومن كانت في بيته اثنتان ارتحل عنه الفقر منقلتين، ومن كانت في بيته ثلاثة نفي الله عنهم الفقر (7). بيان: عيدية في بعض النسخ بالياء المثناة وكأن المراد نجيبة، قال الفيروز آبادي: العيد بالكسر شجر جبلي وفحل معروف منه النجائب العيدية، ا نسبته إلى العيدي بن الندعي، أو إلى عاد بن عاد، أو إلى بني عيد بن الآمري (8) وفي


(1) في الكافي: أهل بيت. (2) المحاسن: 641 و 642. (3) فروع الكافي 6: 544. (4) في المصدر: يروح عليهم ثلاثون شاة الا تنزل الملائكة. (5) المحاسن: 642. (6) في نسخة، عبدية. (7) المحاسن: 642. (8) القاموس: العود. *

[133]

بعضها بالباء الموحدة، قال في القاموس: بنو العبيد بطن، وهو عبدي كهذلي وقال: العبدي نسبة إلى عبد القيس (1) وكأن شياههم كانت أحسن وأكثر لبنا. 23 - المحاسن: عن النهيكي ويعقوب بن يزيد عن العبدي عن أبي وكيع عن أبي اسحاق عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: عليكم بالغنم والحرث فانهما يغدوان بخير ويروحان بخير (2). بيان: كان الغدو والرواح هنا كناية عن دوام المنفعة واستمرارها (3) إذ في كثير من الازمان لا يعودان بخير لا سيما في الحرث. 24 - المحاسن: عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من كانت في منزله شاة قدست عليه الملائكة في كل يوم مرة، ومن كانت اثنتين (4) قدست عليه الملائكة في كل يوم مرتين، وكذلك في الثلاثة، ويقول الله: بورك فيكم (5). 25 - ومنه: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما من أهل بيت يكون عندهم شاة لبون إلا قدسوا كل يوم مرتين، قلت وكيف يقال لهم ؟ قال: يقال لهم: بوركتم بوركتم (6). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن ابن عجلان مثله (7).


(1) القاموس: العبد. (2) المحاسن: 643. (3) في نسخة: واستقرارها. (4) في المصدر: ومن كان عنده اثنتان. (5) المحاسن: 643. (6) المحاسن: 643. (7) الفروع 6: 544. *

[134]

26 - المحاسن: عن حماد بن عيسى عن حريز عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على ام سلمة فقال لها: مالي لا أري في بيتك البركة ؟ قالت: بلي يا رسول الله والحمد لله إن البركة لفي بيتي، فقال: إن الله أنزل ثلاث بركات: الماء والنار والشاة (1). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد مثله (2). بيان: إن البركة لفي بيتي: أي بسبب وجودك، وفي القاموس: البركة محركة: النماء والزيادة والسعادة، وبارك على محمد وآل محمد: أدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، والبركة بالكسر: الشاة الحلوبة، والاثنان بركتان، والجمع بركات انتهى (3)، وبركة النار لعلها تحريص على إيقادها للطبخ في البيت فانه يوجب البركة. 27 - المحاسن: عن علي بن الحكم عن عمر بن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الابل عز لاهلها (4). 28 - ومنه: عن النهيكي ويعقوب يزيد عن أبي وكيع عن أبي إسحاق عن الحارث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: وسئل (5) عن الابل فقال: تلك أعنان الشياطين، ويأتي خيرها من الجانب الاشأم، قيل: إن سمع الناس هذا تركوها، قال: إذا لا يعدمها الاشقياء الفجرة (6). 29 - ومنه: عن الحجال، عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اشتر لي جملا وليكن أسود فانها أطول شئ أعمارا، ثم قال: لو يعلم الناس كنه حملان الله على


(1) المحاسن: 643. (2) فروع الكافي 6: 545. (3) القاموس: البركة. (4) المحاسن: 635. (5) في المصدر: وقد سئل. (6) المحاسن: 638. *

[135]

الضعيف ما غالوا ببهيمة (1). 30 - وفي حديث آخر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اشتر السود القباح منها فانها أطول شئ أعمارا (2). الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحجال مثله إلى قوله: وخذه أشوه فانه أطول شئ أعمارا، فاشتريت له جملا بثمانين درهما فأتيته به، وفي حديث آخر الخ (3). بيان: في القاموس شاه وجهه شوها وشوهة: قبح كشوه كفرخ فهو أشوه وشوهه الله: قبح وجهه، وكمعظم: القبيح الشكل (4). 31 - المحاسن: عن الحسن بن محبوب، عن حسين (5) بن عمر بن يزيد قال: اشتريت إبلا وأنا بالمدينة مقيم، فأعجبني إعجابا شديدا فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فذكرته فقال: ومالك وللابل ؟ أما علمت أنها كثيرة المصائب ؟ قال: فمن إعجابي بها أكريتها وبعثت بها غلماني إلى الكوفة، قال: فسقطت كلها، فدخلت عليه فأخبرته فقال: " فليحذر (6) الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " (7). الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب مثله، إلا أن فيه: " عن أبيه قال: اشتريت " إلى قوله: " فدخلت على أبي الحسن الاول عليه السلام فذكرتها له " إلى قوله: " فبعثت بها مع غلمان لي إلى الكوفة " (8).


(1 و 2) المحاسن: 639. (3) فروع الكافي 6: 543. (4) القاموس: شاه. (5) في المصدر: الحسين. (6) النور: 63. (7) المحاسن: 639. (8) فروع الكافي 6: 543. *

[136]

بيان: الاستشهاد بالآية مبني على أن قوله قول الله، ومخالفة أمره مخالفة لامر الله. 32 - المحاسن: عن أبيه مرسلا، عمن ذكره عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يتخطى القطار، قيل: يا رسول الله و لم ؟ قال: لانه ليس من قطار إلا وما بين البعير إلى البعير شيطان (1). 33 ومنه: عن يعقوب بن يزيد وابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبد - الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام ليبتاع الراحلة بمائة دينار ويكرم بها نفسه (2). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير مثله (3). بيان: يدل على استحباب ركوب الدابة الفارهة والمغالاة في ثمنها لاكرام النفس عند الناس. 34 - البصائر والاختصاص: عن السندي بن محمد البزاز عن أبان بن عثمان عن عمرو بن صهبان عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن جابر بن عبد الله قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من غزوة ذات الرقاع وهي غزوة بني ثعلبة (4) من غطفان أقبل حتى إذا كان قريبا من المدينة إذا بعير قد أقبل من قبل البيوت حتى انتهى (5) إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فوضع جرانه إلى الارض ثم جرجر، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: هل تدرون ما يقول هذا البعير ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فانه أخبرني أن صاحبه عمل


(1) المحاسن: 639 ورواه الكليني في الفروع 6: 543 ولم يذكر: عن أبيه. (2) المحاسن: 639. (3) فروع الكافي 6: 542. (4) في المصدر: " بنى ثعلبة " وهو الصحيح وهم بنو ثعلبة بن سعد بن قيس غزاهم رسول الله صلى الله عليه وآله سنة الرابع من الهجرة. (5) ما نقله المصنف من الحديث يوافق الفاظ الاختصاص، واما البصائر فيخالفه في الفاظ ففيه: " إذا بعير يرقل حتى انتهى " وفيه: ثم خرخر. *

[137]

عليه حتى إذا أكبره وأدبره وأهزله أراد نحره وبيع لحمه (1)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جابر اذهب به إلى صاحبه وائتني به، فقلت: لا أعرف صاحبه، فقال: هو يدلك عليه، قال: فخرجت معه حتى انتهيت إلى بني واقف فدخل في زقاق فإذا أنا بمجلس فقالوا: يا جابر كيف تركت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ وكيف تركت المسلمين ؟ قلت: هم صالحون، ولكن أيكم صاحب هذا البعير ؟ فقال بعضهم: أنا، فقلت: أجب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقال: مالي، قلت: استعدى عليك بعيرك فجئت أنا والبعير وصاحبه (2) إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: إن بعيرك يخبرني أنك عملت عليه حتى إذا أكبرته وأدبرته وأهزلته أردت نحره وبيع لحمه، فقال: قد كان ذلك يا رسول الله، قال: فبعنيه (3) قال: هو لك يا رسول الله، قال صلى الله عليه واله وسلم: بل (4) بعنيه فاشتراه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم منه، ثم ضرب على صفحته فتركه يرعى في ضواحي المدينة فكان الرجل منا إذا أراد الروحة أو الغدوة منحه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، قال جابر: رأيته بعد وقد ذهب دبره وصلح (5). بيان: أكبره أي جعله كبيرا في السن مجازا، أو وجده كبيرا، وأدبره أي جعله ذا دبر وهو بالتحريك: قرحة الدابة، وضواحي المدينة: نواحيها، وفي القاموس منحه كمنعه وضربه: أعطاه، والاسم المنحة بالكسر، ومنحه الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها، وهي المنحة والمنيحة. 35 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمد البرقي عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عمن ذكره عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما مات علي بن الحسين عليه السلام جاءت ناقة له من الرعى حتى ضربت بجرانها القبر


(1) في البصائر: اراد ان ينحره ويبيع لحمه. (2) في البصائر فجئت انا وهو والبعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) في البصائر: بعه منى قال: بل هو. (4) في البصائر: بل بعه منى. (5) بصائر الدرجات: 101 لم يذكر فيه: (وصلح) الاختصاص: 299 و 300. *

[138]

وتمرغت عليه، إن أبي كان يحج عليها ويعتمر ولم يقرعها قرعة قط (1). 36 - أصل من اصول أصحابنا: عن هارون بن موسى عن محمد بن علي عن محمد ابن الحسين عن علي بن أسباط عن ابن فضال عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: الشاة المنتجة (2) بركة (3). 37 - الكافي: عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان عن إسماعيل الجعفي وعبد الكريم بن عمرو وعبد الحميد بن ابي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حمل نوح عليه السلام في السفينة الازواج الثمانية التي قال الله عزوجل " ثمانية ازواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين " (4) فكان من الضان اثنين، زوج داجنة يربيها الناس، والزوج الآخر الضان التى تكون في الجبال الوحشية احل لهم صيدها ومن المعز اثنين زوج داجنة يربيها الناس، والزوج الآخر الظباء (5) التي تكون في المفاوز، ومن الابل اثنين البخاتي والعراب، ومن البقر اثنين زوج داجنة للناس، والزوج الآخر البقرة الوحشية، وكل طير طيب وحشي وانسي ثم غرقت الارض (6). الكافي: عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد، عن على بن السندي عن محمد بن عمرو بن سعيد عن رجل عن ابن أبي يعفور عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إياكم والابل الحمر فانها أقصر الابل أعمارا (7).


(1) الاختصاص: 301 ورواه الصفار في البصائر: 103 باسناده عن احمد بن محمد عن البرقى وابراهيم بن هاشم عن ابن ابى عمير. (2) في نسخة: المنيحة. (3) لم نجد ذلك الاصل. (4) الانعام: 143 و 144. (5) في المصدر: الظبى. (6) روضة الكافي: 283 و 284. (7) فروع الكافي 6: 543 و 544. *

[139]

المكارم: مرسلا عن الصادق عليه السلام مثله (1). 39 - الكافي: عن أبي علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن الحجال، عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لو يعلم الناس كنه حملان الله للضعيف ما غالوا ببهيمة (2). بيان: في النهاية: كنه الامر: حقيقته، وقيل: وقته وقدره، وقيل: غايته (3). وقال: قال أبو موسى: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أسأله الحملان " الحملان مصدر حمل يحمل حملانا، وذلك أنهم أنفذوه (4) يطلب منه شيئا يركبون عليه، ومنه تمام الحديث: قال النبي صلى الله عليه واله: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم أراد إفراده تعالى بالمن عليهم، وقيل: لما ساق الله إليه هذه الابل وقت حاجتهم كان هو الحامل لهم عليها، وقيل: كان ناسيا ليمينه أنه لا يحملهم، فلما أمر لهم بالابل قال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم، كما قال للصائم الذي أفطر ناسيا: الله أطعمك وسقاك انتهى (5) والحاصل هنا أنه تعالى لما كان هو المقوي للضعيف لحمل الثقيل نسب الحمل إليه سبحانه. 40 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن على ذروة كل بعير شيطانا فامتهنوها لانفسكم وذللوها واذكروا اسم الله فانما يحمل الله (6). بيان: فامتهنوها اي ابتذلوها واستخدموها.


(1) مكارم الاخلاق: 138. (2) فروع الكافي 6: 542. (3) النهاية 4: 38. (4) في المصدر: أرسلوه. (5) النهاية 1: 295. (6) فروع الكافي 4: 542. *

[140]

41 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير، عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو يعلم الحاج ماله من الحملان ما غالى أحد ببعير (1). 42 - ومنه: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عزو جل اختار من كل شئ شيئا اختار من الابل الناقة، ومن الغنم الضائنة (2). بيان: في القاموس: الضائن: خلاف الماعز من الغنم والجمع ضأن ويحرك، وكأمير وهي ضائنة والجمع ضوائن (3). 43 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه عن إسحاق بن الهيثم عن سعد بن طريف عن الاصبغ قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف حملة الكرسي: أحدها في صورة الثور (4) وهو سيد البهائم ولم يكن في هذه الصور أحسن من الثور ولا أشد انتصابا منه حتى اتخذ الملا من بني إسرائيل العجل، فلما عكفوا عليه وعبدوه من دون الله خفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبد من دون الله شئ يشبهه، وتخوف (5) أن ينزل به العذاب الخبر (6). 44 - العلل: عن محمد بن عمرو بن علي البصري عن إبراهيم بن حماد النهاوندي


(1) فروع الكافي: 542. (2) فروع الكافي 6: 544. (3) القاموس: الضائن. (4) صدر الحديث هكذا: ان عليا عليه السلام سئل عن قول الله عزوجل: " وسع كرسيه السماوات والارض " قال: السماوات والارض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي وله اربعة املاك يحملونه باذن الله، فاما ملك منهم في صورة الادميين وهى اكرم الصور على الله وهو يدعو الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبنى آدم، والملك الثاني في صورة الثور وهو سيد البهائم " إلى ان قال: " ولم يكن. (5) في المصدر: من دون الله ما يشبهه ويخاف. (6) تفسير القمى: 75 و 76 وقد اسقط المصنف من وسط الحديث وآخره جمله. *

[141]

عن أحمد بن محمد المستثنى (1) عن موسى بن الحسن عن إبراهيم بن شريح الكندي عن معاوية بن وهب عن يحيى بن أيوب عن جميل بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أكرموا البقر فانها سيد البهائم، ما رفعت طرفها إلى السماء حياء من الله عزوجل منذ عبد العجل (2). 45 - العيون والعلل: عن محمد بن عمرو بن علي البصري عن محمد بن عبد الله بن أحمد بن جبلة عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا (3) عن آبائه عليهم السلام أنه سأل (4) رجل من أهل الشام أمير المؤمنين عليه السلام عن الثور، ما باله غاض طرفه لا يرفع رأسه إلى السماء ؟ قال: حياء من الله عزوجل، لما عبد قوم موسى العجل نكس رأسه، وسأله ما بال الماعز مفرقعة الذنب بادية الحياء والعورة فقال: لان الماعز عصت نوحا عليه السلام لما ادخلت (5) السفينة فدفعها فكسر ذنبها، والنعجة مستورة الحياء والعورة لان النعجة بادرت بالدخول إلى السفينة فمسح نوح عليه السلام يده على حيائها وذنبها فاستوت الالية (6). بيان: تدل هذه الاخبار على أن الثور لم يكن قبل عبادة بني إسرائيل العجل على هذه الخلقة ولا استبعاد فيه، ويمكن أن يقال: المراد لما علم الله أنه سيعبد على هذه الخلقة، وكذا القول في الماعز والنعجة، ولكنه بعيد. 46 - المجازات النبوية: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: وقد سئل عن الابل، فقال:


(1) في المصدر: " الستيتى " وذكر اختلاف النسخ في هامشه راجع. (2) علل الشرائع 2: 180 (طبعة قم). (3) في المصدر: عن أبيه عن آبائه عن على بن ابى طالب عليه السلام. (4) في العلل: انه سأله. (5) في المصدر: لما ادخلها. (6) علل الشرائع 2: 180 و 181 عيون الاخبار: 134 و 136 فيه: فاسترت بالالية. *

[142]

أعنان الشياطين لا تقبل إلا مولية ولا تدبر إلا مولية، ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الاشأم. قال السيد الرضى رضي الله عنه: فقوله: أعنان الشياطين مجاز، والاعنان: النواحي، وقال بعضهم: الصحيح أن عنان الشئ نواحيه، فالاول قول البصريين والثاني قول الكوفيين والمراد على القولين المبالغة في وصف الابل بالاخلاق السيئة والطباع المستعصية فكأن الشياطين تنهاها وتأمرها (1)، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه واله وسلم: " الابل خلقت من الشياطين " وقوله: " إن على ذروة كل بعير شيطانا " ثم ذكر نحوا مما مر من كلام الزمخشري (2). 47 - المجازات: قال صلى الله عليه واله وسلم: " لا تسبوا الابل فإنها رقوء الدم " وإنما المراد أنها إذا اعطيت في الديات كانت سببا لانقطاع الدماء المطلولة (3) والثارات المطلوبة فشبه عليه السلام تلك الحال بالعرق العائذ (4) والدم السائل الذى إذ ترك لج واستنثر الدم، وإذا عولج انقطع ورقأ، ويروى: فا فيها رقوء الدم (5). 48 - الدر المنثور: عن زيد بن ثابت قال: امتنعت (6) على نوح الماعزة أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوفا وبد احياؤها ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها (7). بيان: عقفه كضربه: عطفه، والحياء: الفرج من ذوات الخف والظلف والسباع.


(1) في المصدر: فكان الشياطين تختلها وتنفرها وتنهاها وتأمرها. (2) المجازات النبوية: 290 (طبعة القاهرة). (3) المطلولة: المسفوكة المراقة. (4) العرق العائذ: السائل الذى لا ينقطع. (5) المجازات النبوية: 327. (6) في المصدر: استصعبت. (7) الدر المنثور 3: 329 و 330. *

[143]

49 - الدلائل للطبري: عن العباس بن معروف عن أبي الحسن الكرخي عن الحسن بن عمران عن زرعة عن سماعة عن أبي بصير قال: خرجت مع علي بن الحسين عليه السلام إلى مكة فبلغنا الابواء فإذا غنم ونعجة قد تخلفت عن القطيع وهي تثغو ثغاء شديدا، وتلتفت إلى سخلتها تثغو وتشتد في طلبها، فكلما قامت السخلة (1) ثغت النعجة فتتبعها السخلة، فقال: يا أبا بصير تدري ما تقول النعجة لسخلتها ؟ فقلت: لا والله ما أدري، فقال: إنها تقول: الحقي بالغنم فان اختك عام أول تخلفت في هذا الموضع فأكلها الذئب (2). * (باب 3) * * (البحيرة واخواتها) * الآيات: المائدة " 5 ": ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون " 103. تفسير: " ما جعل الله من بحيرة " قال الطبرسي رحمه الله: يريد ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية ولا أمر بها، والبحيرة: هي الناقة التي كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا اذنها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ولا تطرد عن ماء ولا تمنع من مرعى، فإذا لقيها المعيي لم يركبها عن الزجاج، وقيل: إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فان كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كانت انثى شقوا اذنها، فتلك البحيرة ثم لا يجز لها وبر ولا يذكر عليها اسم الله إن ذكيت ولا يحمل عليها، وحرم على النساء أن


(1) في المصدر: فكلما لعبت السخلة. (2) دلائل الامامة: 88. *

[144]

يذقن من لبنها شيئا ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت، فإذا ماتت اشتراك الرجال والنساء في أكلها عن ابن عباس، وقيل: إن البحيرة بنت السائبة عن محمد بن إسحاق " ولا سائبة " وهي ما كانوا يسيبونها فان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو لبرء من علة وما أشبه ذلك فقال: ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأن لا تخلا عن ماء ولا تمنع من رعي عن الزجاج وعلقمة (1). وقيل: هي التي تسيب للاصنام أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجئ به إلى السدنة وهم خدمة آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ونحو ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، وقيل: إن السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولا يشرب لبنها (2) إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من انثى شق اذنها ثم يخلى سبيلها مع امها وهي البحيرة عن محمد بن إسحاق، " ولا وصيلة " وهي في الغنم كانت الشاة إذا ولدت انثى فهي لهم وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فان ولدت ذكرا وانثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم عن الزجاج، وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فان كان السابع جديا ذبحوه لآلهتهم ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقا استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جديا وعناقا قالوا: إن الاخت وصلت أخاها محرمة علينا (3) فحرما جميعا، وكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود ومقاتل، وقيل: الوصيلة: الشاة إذا أتأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة فقالوا: قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الاناث، عن محمد بن إسحاق، " ولا حام " وهو الذكر من الابل، كانت العرب إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى


(1) في المصدر: عن الزجاج وهو قول علقمة. (2) في المصدر: ولم يشرب لبنها. (3) في المصدر: فحرمته علينا. *

[145]

ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا من مرعى، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقيل: إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب، عن الفراء. أعلم الله أنه لم يحرم من هذه الاشياء شيئا، قال المفسرون: روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أن عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل فاتخذ الاصنام ونصب الاوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: فلقد رأيته في النار تؤذي أهل النار ريح قصبه، ويروى يجر قصبه في النار " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " أي يكذبون على الله باد عائهم أن هذه الاشياء من فعل الله أو أمره " وأكثرهم لا يعقلون " خص الاكثر بأنهم لا يعقلون لانهم أتباع فهم لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يعقله الرؤوساء، وقيل: إن معناه أن أكثرهم لا يعقلون ما حرم عليهم وما حلل لهم يعني أن المعاند هو الاقل منهم (1. 1 - معاني الاخبار: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العباس بن معروف عن صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " (2) قال: إن أهل الجاهلية كان إذا ولدت الناقة ولدين في بطن واحد قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها وإذا ولدت عشرا جعلوها سائبة ولا يستحلون ظهرها وأكلها و " الحام " فحل الابل لم يكونوا يستحلونه، فأنزل الله عزوجل أنه لم يكن يحرم شيأ من ذا (3). العياشي: عن محمد بن مسلم مثله (4).


(1) مجمع البيان 3: 252 و 253. (2) المائدة: 103. (3) معاني الاخبار: 148 فيه: من ذلك. (4) تفسير العياشي 1: 347 فيه: ان الله لم يحرم شيئا من هذا. *

[146]

2 - المعاني: وقد روي أن البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فان كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس انثى بحروا اذنها، أي شقوه وكانت حراما على النساء والرجال لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء، والسائبة: البعيرة يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله عزوجل من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك، والوصيلة من الغنم كان إذا ولدت الشاة سبعة أبطن فان كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت انثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وانثى قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح وكان لحومها حراما على النساء إلا أن يكون يموت منها شئ فيحل أكلها للرجال والنساء، والحام: الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: حمى ظهره، وقد يروى أن الحام هو من الابل إذا نتج عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ماء (1). 3 - العياشي: عن عمار بن أبي الاحوص قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: البحيرة إذا ولدت ولد ولدها بحرت (2). 4 - تفسير علي بن إبراهيم: وأما قوله: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " فإن البحيرة كانت إذا وضعت الشاة خمسة أبطن ففي السادسة قالت العرب: قد بحرت، فجعلوها للصنم ولا تمنع ماء ولا مرعى، والوصيلة: إذا وضعت الشاة خمسة أبطن ثم وضعت في السادسة جديا وعناقا في بطن واحد جعلوا الانثى للصنم وقالوا: وصلت أخاها، وحرموا لحمها على النساء، والحام: كان إذا كان الفحل من الابل جد الجد قالوا: حمى ظهره وسموه حام، فلا يركب ولا يمنع ماء ولا مرعى ولا يحمل عليه شئ، فرد الله عليهم فقال: " ما جعل الله من بحيرة " إلى قوله: " وأكثرهم لا يعقلون " (3).


معاني الاخبار: 148. (2) تفسير العياشي 1: 348. (3) تفسير القمى: 175. *

[147]

(باب 4) * (نادر في ركوب الزوامل والجلالات) * 1 - المكارم: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن الابل الجلالة أن يؤكل لحومها، وأن يشرب لبنها، ولا يحمل عليها الادم، ولا يركبها الناس حتى تعلفت أربعين ليلة (1). بيان: سيأتي حكم أكل لحوم الجلالات وشرب ألبانها، وأما النهي عن ركوبها والحمل عليها فكأنه على الكراهية، وإنما ذكر الاصحاب كراهة الحج على الابل الجلالة، قال في المنتهى: يكره الحج والعمرة على الابل الجلالات، وهي التى تتغذى بعذرة الانسان خاصة لانها محرمة فيكره الحج عليها، ويدل عليه ما رواه الشيخ (2) عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: يكره الحج والعمرة على الابل الجلالات. 2 - معاني الاخبار: عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ركب زاملة ثم وقع منها فمات دخل النار (3). الفقيه: باسناده عن محمد بن سنان مثله (4). قال الصدوق رحمه الله فيهما: معنى ذلك أن الناس كانوا يركبون الزوامل فإذا أراد أحدهم النزول وقع من زاملته من غير أن يتعلق بشئ من الرحل، فنهوا عن


(1) مكارم الاخلاق: 138. (2) رواه الشيخ في التهذيب ج 1: 572 والكليني في الكافي 1: 313. والصدوق في من لا يحضره الفقيه 2: 307. (3) معاني الاخبار: 223 طبعة الغفاري. (4) من لا يحضره الفقيه 2: 309. *

[148]

ذلك لئلا يسقط أحدهم متعمدا فيموت فيكون قاتل نفسه ويستوجب بذلك دخول النار. وليس هذا الحديث ينهى عن ركوب الزوامل، وإنما هو نهي عن الوقوع منها من غير أن يتعلق بالرحل، والحديث الذي روي: " أن من ركب زاملة فليوص " فليس ذلك أيضا ينهي عن ركوب الزاملة، إنما هو الامر بالوصية كما قيل: " من خرج في حج أو جهاد فليوص " وليس ذلك بنهي عن الحج والجهاد، وما كان الناس يركبون إلا الزوامل، وإنما المحامل محدثة لم تعرف فيما مضى (1). بيان: في النهاية: الزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع كأنه فاعلة من الزمل: الحمل. وقال الوالد قدس سره: الظاهر كراهة الركوب عليها مع القدرة على غيرها لما فيه من التعرض للضرر غالبا كما هو شائع أنه قلما يركبها أحد ولم يسقط منها، وذكر بعضهم أن وجه النهي أنه استأجرها لحمل المتاع فلا يجوز الركوب عليها بغير رضى المكاري، لكن يأباه الخبر الثاني، والظاهر أن المراد به الجمال الصعبة التي لم تذلل بعد، وقوله رحمه الله: " إنما المحامل محدثة " لعله أراد أن شيوعها محدثة، وإن كان فيه أيضا كلام، إذ ذكر المحمل في الاخبار كثير.


(1) معاني الاخبار: 223 (طبعة الغفاري). *

[149]

(باب 5) * (آداب الحلب والرعى وفيه بعض النوادر) * 1 - معاني الاخبار: عن محمد بن هارون الزنجاني عن علي بن عبد اللعزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام رفعه أن رجلا حلب عند النبي صلى الله عليه واله وسلم ناقة فقال النبي صلى الله عليه وآله: دع داعي اللبن. يقول: أبق في الضرع شيئا لا تستوعبه كله في الحلب فان الذي تبقيه به يدعو ما فوقه من اللبن وينزله (1)، وإذا استقصى كل ما في الضرع أبطأ عليه الدر بعد ذلك (2). بيان: قال في النهاية: فيه انه أمر ضرار بن الازور أن يحلب له ناقة، وقال له: دع داعي اللبن لا تجهده. أي ابق في الضرع قليلا من اللبن (3) وذكر نحو ذلك. وفي المجازات النبوية: ومن ذلك قوله عليه السلام لرجل حلب ناقة: دع داعي اللبن، قال السيد: هذه استعارة، والمراد أمره أن يبقي في خلف الناقة (4) شيئا من لبنها من غير أن يستفرغ جميعه لان ما يبقى منه يستنزل عفافتها (5) ويستجم درتها فكأنه يدعو بقية اللبن إليه ويكون كالمثابة له وإذا استنفد الحالب ما في الخلف أبطأ غزره (6) وقلص دره (7).


(1) في نسخة من المصدر: ويدر له. (2) معاني الاخبار: 284. (3) النهاية 2: 25. (4) خلف الناقة بكسر الحاء وسكون اللام: ثديها. (5) العفافة: بقية اللبن في الضرع بعد ما حلب اكثره ويستجم درتها أي يكثر ادرارها وانزالها اللبن. (6) الغزر: الكثرة، وقلص: قل، والدر: نزول اللبن في الضرع. (7) المجازات النبوية: 250 طبعة القاهرة. *

[150]

2 - المحاسن: عن بعض أصحابه رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: نظفوا مرابض (1) الغنم وامسحوا رغامهن فانهن من دواب الجنة (2). 3 - ومنه: عن أبيه عن سليمان الجعفري رفعه (3) قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: امسحوا رغام الغنم وصلوا في مراحها فانها دابة من دواب الجنة، قال: الرغام: ما يخرج من انوفها (4). 4 - الكافي: عن أبي علي الاشعري عن الحسن بن علي عن عبيس بن هشام عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: نظفوا مرابضها وامسحوا رغامها (5). توضيح: الرغام بالضم: التراب، ولعل المعنى مسح التراب عنها وتنظيفها وفي بعض نسخ المحاسن بالعين المهملة وهو المناسب لما فسره به البرقي، لكن أكثر نسخ الكافي بالمعجمة، وهذا التفسير والاختلاف موجودان في روايات العامة أيضا، قال الجزري في الراء مع العين المهملة: فيه: " صلوا في مراح الغنم وامسحوا رعامها " الرعام: ما يسيل من انوفها (6)، ثم قال: في الراء مع الغين المعجمة: في حديث أبي هريرة: " صل في مراح الغنم، وامسح الرغام عنها " كذا رواه بعضهم بالغين المعجمة، وقال: إنه ما يسيل من الانف، بالمشهور فيه والمروي بالعين المهملة ويجوز أن يكون أراد مسح التراب عنها رعاية لها وإصلاحا لشأنها انتهى (7). 5 - العلل: عن أبيه عن سعد عن محمد بن الحسين عن الحسن بن محبوب عن


(1) المرابض جمع المربض: مأوى الغنم. (2) المحاسن: 641. (3) في المصدر: قال: قال. (4) المحاسن: 642. (5) فروع الكافي 6: 544. (6) النهاية 2: 92 و 93. (7) في المحاسن: 95. *

[151]

هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كيف كان يعلم قوم لوط أنه قد جاء لوطا رجال ؟ فقال: كانت امرأته تخرج فتصفر فإذا سمعوا التصفير جاؤا، فلذلك كره التصفير (1). 6 - المحاسن: عن بكر بن صالح عن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لا تصفر بغنمك ذاهبة، وانعق بها راجعة (2). بيان: لا تصفر من الصفير وهو الصوت المعروف، قال في القاموس: الصفير بلا هاء من الاصوات، وقد صفر يصفر صفيرا وصفر بالحمار: دعاه للماء (3)، وقال نعق بغنمه كمنع وضرب نعقا ونعيقا ونعاقا ونعقانا: صاح بها وزجرها انتهى (4). ويدل على مرجوحية الصفير للغنم، وقد مر في باب الطيرة والعدوى ما يدل على بعض الوجوه على النهي عن الصفير، وعلى جواز خلط الدابة الجرباء بغيرها وعدم الاعداء.


(1) علل الشرائع 2: 250. (2) المحاسن: 642. (3) القاموس: الصفرة، وفيه: دعاه إلى الماء. (4) القاموس: نعق. *

[152]

* (باب 6) * * (علل تسمية الدواب وبدء خلقها) * 1 - العلل: عن علي بن أحمد عن الكليني عن علان (1) باسناده رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب ما سأل اليهودي: إنما قيل للفرس: أجد، لان أول من ركب الخيل قابيل يوم قتل أخاه هابيل وأنشأ يقول: أجد اليوم وما * ترك الناس دما فقيل للفرس: " أجد " لذلك، وإنما قيل للبغل: " عد " لان أول من ركب البغل آدم عليه السلام وذلك كان له ابن يقال له: " معد " وكان عشوقا للدواب، وكان يسوق بآدم عليه السلام فإذا تقاعس البغل نادى: يا معد سقها، فألفت البغلة اسم معد، فترك الناس معد (2) وقالوا: " عد " وإنما قيل للحمار: " حر " لان أول من ركب الحمار حوا، وذلك أنه كان لها حمارة، وكانت تركبها لزيارة قبر ولدها هابيل فكانت تقول في مسيرها: " واحراه " فإذا قالت هذه الكلمات سارت الحمارة وإذا أمسكت تقاعست فترك الناس ذلك وقالوا: حر (3). بيان: قوله: أجد اليوم، كأنه من الاجادة أي أجد السعي، لان الناس لا يتركون الدم بل يطلبونه مني أو من الوجدان، أي أجد الناس اليوم لا يتركون الدم، أو بتشديد الدال بمعنى الجد والسعي فيرجع إلى المعني الاول، وربما يقال: لعل قوله: " وما " تصحيف دما، أي أجد اليوم أخذت لنفسي دما وانتقمت من


(1) في المصدر: " على بن محمد " وعلان لقب على بن محمد بن ابراهيم بن ابان الرازي الكليني، وجزم المنصف بأن على بن محمد هو علان لمكان رواية الكليني عنه. (2) في نسخة من المصدر: فترك الناس ميم معد. (3) علل الشرائع 1: 2 و 3. *

[153]

عدوى، فيكون قوله: ترك الناس دما كلامه عليه السلام، وعلى الاول والثاني الظاهر أنها كلمة زجر كما في عد، لكن المشهور أنها زجر للابل، قال في القاموس: إجد بالكسر ساكنة الدال: زجر للابل (1)، وقال: عدعد: زجر للبغل (2)، وقال الحر زجر للبعير كما يقال للضأن: الحيه (3) انتهى. وكأنه كان في أول الحال زجرا للحمار، وكذا عد كان زجرا للبغل، ولما كانت الابل أشيع وأكثر عند العرب منهما شاع استعمالهما فيها عندهم. 2 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس ابن معروف عن محمد بن سنان عن طلحة بن زيد عن عبدوس بن أبي عبيدة قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: أول من ركب الخيل إسماعيل وكانت وحشية لا تركب فحشرها الله عزوجل على إسماعيل من جبل منى، وإنما سميت الخيل العراب لان أول من ركبها إسماعيل (4). بيان: " وإنما سميت الخيل " أي نفائسها وعربيها " لان أول من ركبها إسماعيل " فانه كان أصل العرب وأباهم، فنسب الخيل إلى العرب، قال في النهاية: العرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية أو المدن، والنسب إليهما أعرابي وعربي، وفي حديث سطيح: " يقود خيلا عرابا " أي عربية منسوبة إلى العرب، فرقوا بين الخيل والناس فقالوا في الناس: عرب وأعراب: وفي الخيل عراب (5). 3 - أمان الاخطار: ذكر محمد بن صالح مولى جعفر بن سليمان في كتاب نسب


(1) القاموس: الاجاد. (2) القاموس: العد. (3) القاموس: الحر. (4) علل الشرائع 2: 70. (5) النهاية 3: 88. *

[154]

الخيل في حديث عن ابن عباس أن إسماعيل عليه السلام لما بلغ أخرج الله له من البحر مائة فرس فأقامت ترعى بمكة ما شاء الله، ثم أصبحت على بابه فرسنها وأنتجها وركبها (1). 4 - وروي في حديث آخر عن محمد بن مسلم (2) أن أول من ركب الخيل إسماعيل (3). بيان: في القاموس الرسن محركة: الحبل، وما كان من زمام على أنف ورسنها يرسنها ويرسنها وأرسنها: جعل لها رسنا ورسنها: شدها برسن (4). 5 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله عن البزنطي عن أبان بن عثمان عمن ذكره عن مجاهد عن ابن عباس قال: كانت الخيل العراب وحوشا بأرض العرب، فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت قال: إني قد أعطيتك كنزا لم اعطه أحدا كان قبلك، قال: فخرج إبراهيم وإسماعيل حتى صعدا جيادا فقالا: ألا هلا ألا هلم، فلم يبق في أرض العرب فرس إلا أتاه وتذلل له وأعطت بنواصيها، وإنما سميت جيادا لهذا، فما زالت الخيل بعد تدعو الله أن يحببها إلى أربابها، فلم تزل الخيل حتى اتخذها سليمان، فلما ألهته أمر بها أن يمسح رقابها وسوقها (5) حتى بقي أربعون فرسا (6). بيان: قال الفيروز آبادي: هلا: زجر للخيل (7)، وتهلى الفرس: أسرع


(1) الامان من اخطار الاسفار والازمان: 97. (2) في المصدر: عن مسلم بن جندب. (3) الامان من اخطار الاسفار والازمان: 97. (4) القاموس: " الرسن " فيه: أرسنها: شدها برسن. (5) في المصدر: أن تمسح أعناقها. (6) علل الشرائع 1: 35 و 36. (7) القاموس: هالاه. *

[155]

وهلهل: زجره بهلا (1)، وقال: الخيل: جماعة الافراس لا واحد له، أو واحده خائل لانه يختال، والجمع أخيال وخيول ويكسر، والفرسان (2). قال الجوهري: جاد الفرس أي صار رائعا يجود جودة بالضم فهو جواد للذكر والانثى، من خيل جياد وأجياد وأجاويد، والاجياد: جبل بمكة، سمي بذلك لموضع خيل تبع، وسمي قعيقعان، لموضع سلاحه، وفي القاموس: أجياد: شاة وأرض بمكة أو جبل بها لكونه موضع خيل تبع انتهى. والخبر (3) يدل على أن اسم الجبل كان جيادا بدون ألف، ويحتمل سقوطه من الرواة أو النساخ، ويؤيده أن الدميري رواه عن ابن عباس وفيه: فخرج إسماعيل إلى أجياد، كما سيأتي. وقوله: فلما ألهته الخ لم يكن في بعض النسخ وكان المصنف ضرب عليه أخيرا لكونه مخالفا لما اختاره في تلك القصة كما مر مفصلا في بابه، وهذا موافق لما رواه المخالفون في ذلك. 6 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن غير واحد عن أبان عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الخيل كانوا (4) وحوشا في بلاد العرب فصعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام على جبل جياد ثم صاحا: ألا هلا ألاهلم، قال: فما بقي فرس إلا أعطاهما بيده وأمكن من ناصيته (5).


(1) القاموس: الهلال. (2) القاموس: خال. (3) وكذلك الاخبار الاتية تدل على ذلك، وفى المصحف الشريف استعمل الجياد للخيل في قوله: " إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد " وذلك يؤيد الروايات التى تدل على ان اسم الجبل كان جيادا. (4) في المصدر: كانت. (5) فروع الكافي 5: 47. *

[156]

المحاسن: عن غير واحد مثله (1). 7 - حياة الحيوان: نقلا من تاريخ نيسابور روى (2) باسناده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لما أراد الله أن يخلق الخيل قال لريح الجنوب إني خالق منك خلقا أجعله عزا لاوليائي ومذلة لاعدائي وجمالا لاهل طاعتي. فقالت الريح: اخلق يا رب، فقبض منها قبضة فخلق منها فرسا، وقال: خلقتك عربيا وجعلت الخير معقود بناصيتك والغنائم محتازة على ظهرك، وبوأتك سعة من الرزق، وأيدتك على غيرك من الدواب، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطيرين بلا جناح فأنت للطلب وأنت للهرب، وإني سأجعل على ظهرك رجالا يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ويكبروني، ثم قال صلى الله عليه واله وسلم: ما من تسبيحة وتهليلة وتكبيرة يكبرها صاحبها فتسمعه (3) إلا تجيبه بمثلها، قال: فلما سمعت الملائكة بخلق الفرس قالت: يا رب نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك ونهللك (4)، فماذا لنا ؟ فخلق الله لها خيلا لها أعناق كأعناق البخت يمد بها من يشاء من أنبيائه ورسله قال: فلما استوت قوائم الفرس في الارض قال الله له: اذل بصهيلك المشركين، وأملا منه آذانهم، واذل به أعناقهم، وأرعب به قلوبهم. قال: فلما أن عرض الله على آدم كل شئ مما خلق قال له: اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس فقيل له: اخترت عزك وعز ولدك خالدا ما خلدوا وباقيا


(1) المحاسن: 630 فيه: (عن ابان الاحمر رفعه إلى أبى عبد الله عليه السلام) وفيه: (كانت الخيل وحوشا) وفيه: (الا هلم، فما فرس الا اعطى بيده) واورده المصنف بالفاظه عن المحاسن في كتاب النبوة وفيه: (على أجياد) راجع ج 12: 114. (2) في المصدر: رأيت في تاريخ نيسابور للحاكم ابى عبد الله في ترجمة ابى جعفر الحسن بن محمد بن جعفر الزاهد العابد انه روى. (3) في المصدر: فتسمعه الملائكة. (4) في المصدر: ونهللك ونكبرك. *

[157]

ما بقوا أبد الآبدين ودهر الداهرين. ثم قال: أول من ركبها إسماعيل عليه السلام ولذلك سميت العراب (1)، وكانت قبل ذلك وحشيا (2) كسائر الوحوش، فلما أذن الله تعالى لابراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت قال الله عزوجل: إني معطيكما كنزا ادخرته لكما، ثم أوحى الله تعالى إلى إسماعيل: أن اخرج فادع بذلك الكنز فخرج إلى أجياد، وكان لا يدري ما الدعاء وما الكنز، فألهمه الله عزوجل الدعاء، فلم يبق على وجه الارض فرس بأرض العرب إلا أجابته وأمكنته من نواصيها وتذللت له، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: اركبوا الخيل فانها ميراث أبيكم إسماعيل (3). 8 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن جياد لم سمي جيادا ؟ قال: لان الخيل كانت وحوشا فاحتاج إليها إبراهيم وإسماعيل (4)، فدعا الله تبارك وتعالى أن يسخرها له، فأمره أن يصعد على أبي قبيس فينادي (5): ألا هلا ألا هلم، فأقبلت حتى وقفت بجياد فنزل إليها فأخذها، فلذلك سمي جيادا (6). كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر مثله (7).


(1) في المصدر: بالعراب. (2) في المصدر: وحشية. (3) حياة الحيوان 1: 224 و 225. (4) في المصدر: كانت وحشا فاحتاج إليها اسماعيل عليه السلام. (5) في المصدر: فأمره فصعد على ابى قبيس ثم نادى. (6) قرب الاسناد: 105. (7) أورد المصنف كتاب المسائل بتمامه في كتاب الاحتجاجات راجع 10 249 - 291. *

[158]

* (باب 7) * * (فضل ارتباط الدواب وبيان انواعها وما فيه شومها وبركتها) * الآيات: الانفال " 8 ": وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم 60. النحل " 16 ": والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة 8. ص " 38 " إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق 31 - 33. تفسير: " وأعدوا لهم " أي لناقضي العهد أو للكفار " ما استطعتم من قوة " قيل: أي كل ما يتقوي به في الحرب (1)، وفي تفسير علي بن إبراهيم قال: السلاح (2) وفي الفقيه (3) قال عليه السلام: منه الخضاب بالسواد (4)، وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سيف وترس (5). وفي الكافي مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: هو


(1) هذا هو المعنى التام للقوة، واما سائر ما قيل في معناه فهو من بيان المصداق لا المفهوم الحقيقي. (2) تفسير القمى: 255. (3) من لا يحضره الفقيه 1: 70. (4) علة ذلك ان صاحبه يرى شابا فيهاب منه، ولذلك ورد في الحديث: في الخضاب ثلاثة خصال: مهيبة في الحرب، ومحبة إلى النساء، ويزيد في الباه. (5) تفسير العياشي 2: 66 رواه عن محمد بن عيسى عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام، وروى عن عبد الله بن المغيرة رفعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله " أو عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما في نسخة " أنه الرمى. *

[159]

الرمي (1) " ومن رباط الخيل " قيل: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله فعال: بمعنى مفعول أو مصدر سمي به يقال: ربطه ربطا ورابطه مرابطة ورباطا، أو جمع ربيط كفصيل وفصال. وفي مجمع البيان عن النبي صلى الله عليه واله: وارتبطوا الخيل فان ظهورها لكم عز وأجوافها كنز (2) " ترهبون " أي تخوفون " به " الضمير لما استطعتم أو للاعداد " عدو الله وعدوكم " قيل: يعني كفار مكة، وأقول: خصوص السبب لا يدل على خصوص الحكم، ويدل على رجحان رباط الخيل للجهاد ولا رهاب أعداء الله وإن كان في زمن غيبة الامام عليه السلام توقعا لظهوره (1) كما ورد في الاخبار، وقد مر تفسير الآية الثانية وكذا الثالثة في باب أحوال داود عليه السلام، وقالوا: الصافن من الخيل: الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل لا تكاد تكون إلا في العراب الخلص، والجياد جمع جواد أو جود وهو الذي يسرع في جريه، وقيل الذي يجود بالركض، وقيل: جمع جيد، والخير: المال الكثير، والمراد هنا الخيل كما قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " وفي قراءة ابن مسعود: حب الخيل " حتى توارت بالحجاب " أي الخيل أو الشمس " فطفق مسحا " قيل: أي فأخذ يمسح السيف مسحا " بالسوق والاعناق " يقطعها لانها كانت سبب فوت صلاتها، وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها وحبالها، وفي الخبر: أن الضمير للشمس، والمراد بالمسح بالسوق والاعناق الوضوء بطريق شرع لهم. 1 - الفقيه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والمنفق عليها في سبيل الله كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها، فإذا أعددت


(1) فروع الكافي 5: 29 رواه عن محمد بن يحيى عن عمران بن موسى عن الحسن ابن ظريف عن عبد الله بن المغيرة رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قول الله عزوجل: " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل " قال: الرمى. (2) مجمع البيان 4: 555. (3) أو حفاظة للدفاع عن حريم الاسلام ومنافع المسلمين. *

[160]

شيئا فأعده أقرح أرثم محجل الثلاثة طلق اليمين كميتا ثم أغر (1) تسلم وتغنم (2). توضيح: قال في النهاية: فيه (3): " خير الخيل الارثم الاقرح المحجل " الارثم: الذي أنفه أبيض وشفته العليا (4)، والاقرح: ما كان في جبهته قرحة بالضم، وهي بياض يسير في وجه الفرس دون الغرة (5). والمحجل: هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد ويجاوز الارساغ ولا يجاوز الركبتين، لانها مواضع الاحجال وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان (6). قال: وفيه: " خير الخيل الاقرح طلق اليد اليمنى " أي مطلقها ليس فيها تحجيل (7). 2 - الكافي: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن أحمد بن محمد عمن أخبره عن ابن طيفور المتطبب قال: سألني أبو الحسن عليه السلام أي شئ تركب ؟ قلت: حمارا فقال: بكم ابتعته ؟ قلت: بثلاثة عشر دينارا، قال: إن هذا لهو السرف (8) أن تشتري حمارا بثلاثة عشر دينارا وتدع برذونا، قلت: يا سيدي إن مؤونة البرذون أكثر من مؤونة الحمار، قال: فقال إن الذي يمون الحمار يمون البرذون، أما علمت أن من ارتبط دابة


(1) الكميت من الخيل للمذكر والمؤنث: ما كان لونه بين الاسود والاحمر. والاغر: ما كان في جبهته بياض. (2) الفقيه 2: 185 و 186. (3) أي في الحديث. (4) النهاية 2: 69. (5) النهاية 3: 270. (6) النهاية 1: 237. (7) النهاية 3: 47. (8) في المصدر: فقال: ان هذا هو السرف. *

[161]

متوقعا به أمرنا ويغيظ به عدونا وهو منسوب إلينا أدر الله رزقه وشرح صدره وبلغه أمله وكان عونا على حوائجه (1). بيان: في القاموس: مأن القوم: احتمل مؤونتهم، أي قوتهم، وقد لا يهمز فالفعل مانهم (2). 3 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن عبد الله ابن جندب قال: حدثني رجل من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تسعة أعشار الرزق مع صاحب الدابة (3). 4 - ومنه: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن (4) عن جعفر بن بشير عن داود الرقى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من اشترى دابة كان له ظهرها وعلى الله رزقها (5). 5 - ومنه: عن العدة عن سهل عن محمد بن الوليد عن يونس بن يعقوب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتخذ حمارا يحمل رحلك فان رزقه على الله، قال: فاتخذت حمارا وكنت أنا ويوسف أخي إذا تمت السنة حسبنا نفقاتنا فنعلم مقدارها فحسبنا بعد شراء الحمار نفقاتنا فإذا هي كما كانت في كل عام لم تزد شيئا (6). 6 - ومنه: عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه عن إبراهيم ابن أبي البلاد عن علي بن أبي المغيرة (7) عن أبي جعفر عليه السلام قال: من شقاء العيش


(1) فروع الكافي 6: 535. (2) القاموس: المأنة. (3) فروع الكافي 6: 535. (4) في المصدر: عن محمد بن الحسين. (5) فروع الكافي 6: 536. (6) فروع الكافي 6: 536. (7) في المصدر: على بن المغيرة. *

[162]

المركب السوء (1). 7 - معاني الاخبار: عن محمد بن علي بن بشار القزويني عن المظفر بن أحمد عن محمد بن جعفر الكوفي عن البرمكي عن عبد الله بن أحمد الاحمري عن جعفر بن سليمان عن ثابت بن دينار عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة (2). 8 - ومنه: عن محمد بن الحسين الديلمي عن محمد بن يعقوب الاصم عن محمد بن عبد الله المنادي (3) عن روح بن عبادة عن أبي نعامة العدوي (4) عن مسلم بن زيد (5) عن اناس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة. قوله: " سكة مأبورة " يقال: هي الطريقة المستقيمة المستوية المصطفة من النخل، ويقال: إنما سميت الازقة سككا لاصطفاف الدور فيها كطرائق النخل هذا في اللغة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: لا تسموا الطريق السكة فانه لا سكة إلا سكك الجنة.


(1) فروع الكافي 6: 637. (2) معاني الاخبار: 292 طبعة الغفاري. (3) في المصدر: " محمد بن عبيد الله المنادى " وهو الصحيح، قال ابن الاثير في اللباب 3: 179: المنادى بضم الميم: نسبة إلى من ينادى على الاشياء التى تباع والاشياء الضائعة، والمشهور بهذه النسبة ابو جعفر محمد بن ابى داود عبيد الله بن يزيد المنادى بغدادي مات في شهر رمضان سنة 272 وكانت ولادته سنه 171 وعمره 101 سنة. (4) هو عمرو بن عيسى بن سويد بن هبيرة. (5) في المصدر: " مسلم بن بديل عن اياس بن زهير " وفى اسد الغابة 2: 381 في ترجمة سويد بن هبيرة عبد الحارث الديلمى: روى عنه أياس بن زهير أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خير المال للرجل المسلم سكة مأبورة أو مهرة مأمورة. رواه كذا روح بن عبادة عن ابى نعامة عن اياس بن زهير عن سويد بن هبيرة. *

[163]

وأما " المأبورة " فهي التي قد لقحت، قال أبو عبيدة: لقحت للواحدة خفيفة وللجمع بالتثقيل " لقحت " يقال: أدبرت النخل آبرها أبرا وهي نخلة مأبورة، ويقال: ائتبرت (1) غيري: إذا سألته أن يأبر لك نخلك، وكذلك الزرع، والآبر: العامل والمؤبر (2): رب الزرع، والمأبور: الزرع والنخل الذي قد لقح، وأما " المهرة المأمورة " فانها الكثيرة النتاج، وفيها لغتان يقال: فد أمرها الله فهي مأمورة، وآمرها - ممدودة - فهي مؤمرة، وقد قرأ بعضهم: " أمرنا مترفيها " (3) غير ممدودة يكون من الامر وروي عن الحسن أنه فسرها فقال: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وقد يكون " أمرنا " بمعنى أكثرنا على قوله: مهرة مأمورة وفرس مأمورة، ومن قرأها " آمرنا " فمدها فليس معناه إلا أكثرنا، ومن قرأها مشددة فقال: " أمرنا " فهذا من التسليط، ويقال في الكلام: قد أمر القوم يأمرون: إذا كثروا وهو من قوله: مهرة مأمورة (4). تأييد: قال في القاموس: المهر بالضم: ولد الفرس أو أول ما ينتج منه ومن غيره، والانثى: مهرة، والام: ممهر (5). وفي النهاية: فيه: " خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة " المأمورة: الكثيرة النسل والنتاج، يقال: أمرهم الله فأمروا، أي كثروا، وفيه لغتان: أمرها فهي مأمورة، وآمرها فهي مؤمرة (6) والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، ومنها قيل للازقة: سكك، لاصطفاف الدور فيها (7).


(1) في نسخة من المصدر: استأبرت. (2) في المصدر: والمؤتبر. (3) الاسراء: 17. (4) معاني الاخبار: 292 و 293. (5) القاموس: المهر. (6) النهاية 1: 51. (7) النهاية 2: 186. *

[164]

والمأبورة: الملقحة، يقال: أبرت النخلة وأبرتها فهي مأبورة ومؤبرة (1) والاسم الابار، وقيل: السكة سكة الحرث، والمأبورة، المصلحة له، أراد خير المال نتاج أو زرع انتهى (4). وأقول: روى في شهاب الاخبار: " وفرس مأمورة " (3) وقال في ضوء الشهاب: وروي: " ومهرة مأمورة " وهو من أمر القوم: إذا كثروا، وأمرنا له أي كثر وأمرتهم أي أكثرتهم، على فعلتهم لغتان فان كانت الكلمة من أمر على فعل فهي على موجبها وبابها وإن كان من آمر فانما صار مأمورة لازدواج الكلام وملاءمته كما قالوا: " الغدايا والعشايا " وكان حقها " الغداوات " وكما قالوا: " هنأني الطعام ومرأني " فإذا أفردوا قالوا: " أمرأني " وكقوله عليه السلام: " ارجعن مأزورات غير مأجورات " وهو من الوزر وكان حقه " موزورات " (4) وكقوله عليه السلام: " أعوذ بالله من الهامة واللامة " وإذا افردت كانت " الملمة " لانه من ألم بالشئ، فكأنه يقول صلى الله عليه واله وسلم: " خير المال النخل والنتاج " وقال بعد تفسير السكة بالنخل " وفسر الاصمعي هذه الكلمة على وجه آخر فقال: السكة: الحديدة التي تثار بها الارض للزرع، ومأبورة على هذا أي مصلحة محددة، ولا بأس بهذا الوجه، ويكون المعنى خير المال الزرع والنتاج، وفي الحديث: " ما دخلت السكة دار قوم " يعني الزراعة واتباع أذناب البقر وترك الغزو، وإنما كان النخل أو الزرع والنتاج خير المال لاشتمال النخل والزرع على الزكوات والعشور فتتوفر (5) على المساكين والمحتاجين


(1) ضبطهما في النهاية بالتشديد من باب التفعيل. (2) النهاية 1: 11. (3) الموجود في شهاب الاخبار المطبوع بضميمة البيان: 25: " خير المال سكة مأبورة " ولم يزد على ذلك والظاهر انه غير كتاب الشهاب الذى يروى عنه المصنف. (4) هكذا في المطبوع وفى المخطوط: " مأزورات " ولعل الصحيح: موزورات. (5) في النسخة المخطوطة: فتوفر. *

[165]

والمستحقين (1) وعلى النتاج لتتوفر (2) على الغزاة والمجاهدين في سبيل الله وفايدة الحديث تفضيل النخل والزرع على ساير وجوه المعاش انتهى (3). 9 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه عن محمد بن محمد بن مخلد عن عمر بن الحسن الشيباني عن محمد بن إسماعيل الترمذي عن سعد بن عنبسة (4) عن منصور بن وردان العطار عن يوسف بن أبي إسحاق (5) عن الحارث عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ومن ارتبط فرسا في سبيل الله كان علفه، وروثه وشرابه في ميزانه يوم القيامة (6). 10 - ثواب الاعمال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن يعقوب بن جعفر (7) عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: من ارتبط فرسا عتيقا محيت عنه ثلاث سيئات في كل يوم، وكتبت له إحدى وعشرون حسنة، ومن ارتبط هجينا محيت عنه في كل يوم سيئتان وكتبت له سبع حسنات، ومن ارتبط برذونا يريد به جمالا أو قضاء حوائج أو دفع عدو عنه محيت عنه في كل يوم سيئة وكتبت له ست حسنات (8).


(1) في النسخة المخطوطة: والمحتاجين المستحقين. (2) في النسخة المخطوطة: لتوفر. (3) ضوء الشهاب: لم نجد نسخته. (4) في نسخة من المصدر: سعيد بن عنبسة. (5) في المصدر: " يوسف بن اسحاق بن ابى اسحاق " وهو الصحيح، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب 10: 316 من روات منصور بن وردان يوسف بن اسحاق بن ابى اسحاق وأورد ترجمة يوسف في التقريب والتهذيب فقال: يوسف بن اسحاق بن ابى اسحاق السبيعى وقد ينسب لجده ثقة مات سنة 157. (6) مجالس ابن الشيخ: 244. (7) في المصدر: يعقوب بن جعفر بن ابراهيم بن محمد الجعفري. (8) ثواب الاعمال: 103. *

[166]

المحاسن: عن القاسم عن جده عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم بن محمد الجعفري مثله (1) إلا أن فيه: " إحدى عشرة سنة " في الاول كما في الفقيه (2). الكافي: عن العدة عن البرقي (3) مثل المحاسن. بيان: العتيق هو الذي أبواه عربيان، قال الجوهري: العتيق: الكرم والجمال والعتيق: الكريم من كل شئ والخيار من كل شئ، وقال: الهجنة في الناس والخيل إنما تكون من قبل الام فإذا كان الاب عتيقا والام ليست كذلك كان الولد هجينا: والاقراف من قبل الاب انتهى. والبرذون: بالكسر: ما لم يكن شئ من أبويه عربيا، قال الدميري: الخيل نوعان: عتيق وهجين، والفرق بينهما أن عظم البرذون أعظم من عظم الفرس، وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون، والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون، والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذون بمنزلة الشاة، فالعتيق من الخيل ما أبواه عربيان، سمي بذلك لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه من الامور المنقصة (4).


(1) المحاسن: 631. (2) فيه وهم لان الحديث الذى روى في الفقيه يغاير ذلك اسنادا ومتنا، وهو حديث سليمان بن جعفر الجعفري، قال الصدوق في الفقيه 2: 186: وروى بكر بن صالح عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبى الحسن عليه السلام، قال: سمعته يقول: الخيل على كل منخر منها شيطان فإذا أراد احدكم ان يلجمها فليسم. ثم قال: قال: وسمعته يقول: من ربط فرسا عتيقا محيت عنه عشر سيئات وكتبت له احدى عشر حسنة في كل يوم، ومن ارتبط هجينا محيت عنه في كل يوم سيئتان، وكتب له تسع حسنات في كل يوم، ومن ارتبط برذونا يريد به جمالا أو قضاء حاجة أو دفع عدو محيت عنه في كل يوم سيئة وكتب له ست حسنات، ومن ارتبط فرسا أشقر. إلى قوله: " لا يدخل بيته حيف " فيما يأتي عن ثواب الاعمال تحت رقم 13. (3) فروع الكافي 5: 48. (4) حياة الحيوان 2: 147. *

[167]

11 - ثواب الاعمال: عن أبيه عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن علي بن الحكم عن عمر بن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة (1). 12 - ومنه: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اشتريت دابة فان منفعتها لك ورزقها على الله (2). المحاسن: عن أبيه مثله إلا أن فيه: اشتر دابة (3). 3 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل عن علي بن الحسين السعد - آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن بكر بن صالح عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن (4) عليه السلام يقول: من ارتبط فرسا أشقر أغر أو أقرح (5) - فان كان أغر سائل الغرة به وضح في قوائمه فهو أحب إلى - لم يدخل بيته فقر مادام ذلك الفرس فيه، وما دام أيضا في ملكه لا يدخل بيته حنق (6). قال: وسمته يقول: من ارتبط فرسا ليرهب به عدوا (7) أو يستعين به على جماله لم يزل معانا عليه أبدا مادام في ملكه، ولا يدخل بيته خصاصة مادام في ملكه (8).


(1) ثواب الاعمال: 103 ورواه البرقى في المحاسن: 631 عن على بن الحكم وفيه: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ورواه الكليني في الفروع 5: 48 عن العدة عن البرقى. (2) ثواب الاعمال: 103. (3) المحاسن: 625. (4) في المصدر: أبا الحسن الكاظم عليه السلام. (5) في المحاسن: " اغر اقرح " ولعله مصحف. (6) في المحاسن: والفقيه: حيف. (7) في المحاسن: لرهبة عدو. (8) ثواب الاعمال: 103. *

[168]

المحاسن: عن بكربن صالح مثله (1). بيان: في القاموس: الاشقر من الدواب: الاحمر في مغرة حمرة يحمر منها العرف والذنب (2). وقال في المصباح: الشقرة: حمرة صافية في الخيل، وقال: الغرة: في الجبهة بياض فوق الدرهم، وفرس أغر ومهرة غراء ونحوه، قال الجوهري: وقال: القرحة: في وجه الفرس ما دون الغرة، والفرس أقرح، وقال: الوضح: الضوء والبياض، يقال: بالفرس وضح: إذا كانت به وشية انتهى. والخنق: الغيظ، وفي بعض نسخ ثواب الاعمال والفقيه: " حيق " بالياء، وفي القاموس: الحيق: ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله (3)، وفي أكثر نسخ المحاسن والفقيه: " حيف (4) " أي ظلم. والخصاصة بالفتح: الفقر وفي المحاسن: ولا يزال بيته مخصبا ما دام في ملكه. 14 - المحاسن: عن أبيه عن فضالة عن أبان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام وعبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الخيل في نواصيها الخير (5). 15 - ومنه: عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون عن معمر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الخير كل الخير (6) في نواصي الخيل إلى يوم القيامة (7).


(1) المحاسن: 631 و 633. (2) القاموس: الاشقر. (3) القاموس: حاق. (4) وهو الموجود في المصدرين المطبوعين. (5) المحاسن: 630. (6) في المحاسن: " ان كل الخير " ورواه الكليني في الفروع 5: 48 عن العدة عن البرقى وفيه: الخير كله. (7) المحاسن: 630. *

[169]

16 - ومنه: عن علي بن الحكم عن عمر بن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (1). 17 - ومنه: عن بكر بن صالح عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: أهدى أمير المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أربعة أفراس من اليمن فقال (2): سمها لي، فقال: هي ألوان مختلفة، فقال: أفيها وضح ؟ فقال: نعم أشقربه وضح، قال: فأمسكه علي، قال: وفيها كميتان أوضحان، قال: أعطهما ابنيك، قال والرابع أدهم بهيم، قال: بعه واستخلف ثمنه نفقة لعيالك، إنما يمن الخيل في ذوات الاوضاح. قال: وسمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: كرهنا البهيم (3) من الدواب كلها إلا الجمل والبغل (4)، وكرهت شية أوضاح في الحمار والبغل الالوان (5)، وكرهت القرح في البغل إلا أن يكون به غرة سائلة، ولا أستثنيها على حال (6). وقال: إذا عثرت الدابة تحت الرجل فقال لها: " تعست " تقول: تعس وانتكس أعصانا لربه (7). الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعا عن بكر بن صالح مثله إلى قوله: ولا أشتهيها على حال (8).


(1) المحاسن: 631 ورواه الكليني عن العدة عن البرقى. (2) أي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام. (3) في المصدر: كرهنا البهم. (4) في الكافي: الا الحمار والبغل وكرهت شية الاوضاح. (5) في الكافي: الالون. (6) في المصدر: ولا أشتهيها على حال. (7) المحاسن: 631. (8) فروع الكافي 6: 535 و 536. *

[170]

الفقيه: باسناده عن بكر مثله إلى قوله: وفي ذوات الاوضاح (1). بيان: فقال: سمها لي بالتشديد، أي صفها، أو بالتخفيف من الوسم أي اذكر سمتها وعلامتها، وفي الفقيه: " من اليمن فأتاه فقال: يا رسول الله أهديت لك أربعة أفراس قال: صفها " وفي القاموس الوضح محركة: الغرة، والتحجيل في القوائم (2). وقال الجوهري: الكميت من الفرس يستوي فيه المذكر والمؤنث ولونه الكمتة، وهي حمرة يدخلها قنوء، قال سيبويه: سألت الخليل عن كميت فقال: إنما صغر لانه بين السواد والحمرة كأنه لم يخلص له واحد منهما فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما، والفرق بين الكميت والاشقر بالعرف والذنب، فان كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو كميت، وقال: هذا فرس بهيم وهذه فرس بهيم، أي مصمت، وهو الذي لا يخلط لونه شئ سوى لونه، والجمع بهم مثل رغيف ورغف وقال: الدهمة السواد، وقال: الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله. قوله عليه السلام: الالوان أي في جميع الالوان، وفي الكافي: " إلا لون واحد " (3) وهو أظهر، قوله عليه السلام ولا أستثنيها (4) أي لا أستثنى الغرة وحسنها على حال وفي الكافي: " ولا أشتهيها " أي ولا أشتهي الغرة والشيات فيهما على حال. 18 - المحاسن، عن بكر بن صالح بن سليمان الجعفري عن أبي الحسن عليه السلام قال: من خرج من منزله أو منزل غيره في أول الغداة فلقي فرسا أشقربه أوضاح (5)


(1) من لا يحضره الفقيه 2: 186 فيه: قال، ففيها وضح ؟ قال: نعم، قال: فيها اشقر به وضح ؟ قال: نعم قال: فامسكه على. وفيه: واستخلف قيمته لعيالك. (2) القاموس: الوضح. (3) قد ذكرنا قبل ذلك ان الموجود في الكافي: الالون. (4) قد عرفت قبل ذلك ان الموجود في المصدر: " ولا أشتهيها " وهو يماثل ما في الكافي. (5) في ثواب الاعمال: به وضح أو كانت له. *

[171]

- وإن كانت به غرة سائلة فهو العيش كل العيش - لم يلق في يومه ذلك إلا سرورا (1)، وإن توجه في حاجة فلقي الفرس قضى الله حاجته (2). ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى المتوكل عن علي بن الحسين السعد آبادي عن البرقي عن بكر مثله. وليس فيه: في أول الغداة (3). 19 - المحاسن: عن أبيه مرسلا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سعادة الرجل المسلم المركب الهنئ. (4) ومنه: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (5). الكافي: عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي مثله (6). بيان: الهنئ: ما اتي من غير مشقة، وكأن المراد هنا السريع السير الموافق. 20 - المحاسن: عن علي بن محمد عن سماعة عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سعادة المرء دابة يركبها في حوائجه ويقضي عليها حقوق إخوانه (7).


(1) لعل ذلك كناية عن فضل ارتباط دابة ذلك وصفها، لا انه عليه السلام اراد بذلك التأفل كما هو المرسوم في الجاهلية. (2) المحاسن: 633 و 634. (3) ثواب الاعمال: 103 ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه 2: 187 مع الزيادة وفيه: " به أوضاح بورك له في يومه وان كانت به غرة سائلة فهو العيش ولم يلق " وفيه: الا سرورا وقضى الله عزوجل له حاجته. (4) المحاسن: 625. (5) المحاسن: 626. (6) فروع الكافي 6: 536 فيه: المرء المسلم. (7) المحاسن: 626. *

[172]

الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن عيسى عن محمد بن سماعة عن محمد بن مروان مثله، وفيه: من سعادة المؤمن (1). 21 - المحاسن: عن النهيكي ومحمد بن عيسى عن العبدي عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتخذوا الدواب فانها زين وتقضي عليها الحوائج ورزقها على الله. قال محمد بن عيسى: وحدثني به عمار بن المبارك وزاد فيه: وتلقى عليها إخوانك (2). الكافي: عن علي بن إبراهيم وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعا عن محمد ابن عيسى عن زياد القندي عن عبد الله بن سنان مثله (3). 22 - قال: وروي أنه قال: عجبت لصاحب الدابة كيف تفوته الحاجة (4). 23 - المحاسن: عن عبد الله بن محمد (5) عن محمد بن القاسم بن الفضل (6) قال: حضرت أبا جعفر عليه السلام بصريا وهو يعرض خيلا قال: وفيها واحد شديد القوة شديد الصهيل، قال: فقال لي: يا محمد ليس هذا من دواب أبي (7). بيان: صريا: اسم قرية، وهذا إشاره إلى صاحب الصهيل، ففيه ذم (8) مثله


(1) فروع الكافي 6: 536. (2) المحاسن: 626. (3) فروع الكافي 6: 537 فيه: اتخذوا الدابة. (4) فروع الكافي 6: 537. (5) في المصدر: " عن الحجال عن ابى عبد الله بن محمد " ولعله تصحيف من النساخ أو الروات وكان اصله: عن الحجال عبد الله بن محمد. (6) في المصدر: عن محمد بن القاسم عن الفضيل بن يسار. (7) المحاسن: 635. (8) يحتمل ان لا يريد بذلك ذما بل اراد النفى حقيقة. *

[173]

أو الجميع، والغرض أنها ليست مما لسائر الورثة فيه نصيب، وليس في بعض النسخ: " ليس ". 24 - المكارم: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والمنفق عليها في سبيل الله كالباسط يده بالصدقة يقبضها (1). 25 - روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: لا تجزوا نواصي الخيل ولا أعرافها ولا أذنابها، فان الخير في نواصيها، وإن أعرافها دفؤها، وإن أذنابها مذابها (2). 26 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: يمن الخيل في كل أحوي أحمر، وفي كل أدهم أغر مطلق اليمين (3). 27 - وعن الباقر عليه السلام: قال إن أحب المطايا إلى الحمر (4)، كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يركب حمارا اسمه يعفور (5). بيان: قال في النهاية فيه: " ولدت جدياأسفع أحوى " أي أسود ليس شديد البياض، وفيه: " خير الخيل الحو " الحو جمع أحوى وهو الكميت الذي يعلوه سواد، والحوة: الكمتة، وقد حوى فهو أحوى (6). وفي الصحاح: الحوة: لون يخالط الكمتة مثل صدء الحديد، وقال الاصمعي الحوة: حمرة تضرب إلى السواد، وقد احووى الفرس يحووي احوواء، وقال بعض العرب يقول: حوي يحوى حوة، حكاه في كتاب الفرس، وفي النهاية: فيه: " خير الخيل الاقرح طلق اليد اليمنى " أي مطلقها ليس فيه تحجيل (7). 28 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل الرؤياني عن محمد بن


(1 - 3) مكارم الاخلاق: 138. (4) لعل محبوبية ذلك مختصة بغير حال الجهاد لانه تدل على التواضع، واما في الجهاد فالفضل للخيل. (5) مكارم الاخلاق: 138. (6) النهاية 1: 308. (7) النهاية 3: 47. *

[174]

الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الاشعث عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعث مع علي عليه السلام ثلاثين فرسا في غزوة ذات السلاسل وقال: يا علي أتلو عليك آية في نفقة الخيل: " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراو علانية " (1) فهي النفقة على الخيل سرا وعلانية (2). 29 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله وملائكته يصلون على أصحاب الخيل، من اتخذها لمارق في دينه أو مشرك (3). 30 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن صهيل الخيل يفزع (4) قلوب الاعداء، ورأيت جبرئيل عليه السلام تبسم عند صهيلها فقلت: يا جبرئيل لم تتبسم فقال: وما يمنعني والكفار ترجف قلوبهم في أجوافهم عند صهيلها (5) 31 - وبهذا الاسناد قال: غزا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غزاة فعطش الناس عطشا شديدا فقال النبي صلى الله عليه واله: هل من ينبعث للماء (6) ؟ فضرب الناس يمينا وشمالا فجاء رجل على فرس أشقر بين يديه قربة من ماء فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: اللهم وبارك في الاشقر (7)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شقرها خيارها، وكمتها صلابها، ودهمها ملوكها، فلعن الله من جز أعرافها، وأذنابها مذابها (8).


(1) البقرة: 274. (2) نوادر الراوندي: 33 و 34. (3) نوادر الراوندي: 34. (4) في المصدر: ليفزع. (5) نوادر الراوندي: 34. (6) في المصدر: هل من مغيث بالماء ؟ (7) زاد في المصدر: ثم جاء رجل آخر على فرس أشقر بين يديه قربة من ماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك في الاشقر. (8) نوادر الراوندي: 34. *

[175]

32 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1): الخيل معقود في نواصيها الخير إلى أن تقوم القيامة، وأهلها معانون (2) عليها، أعرافها وقارها، ونواصيها جمالها، وأذنابها مذابها (3). تبيان: " الذين ينفقون أموالهم " قال الطبرسي رحمه الله: قال ابن عباس: نزلت الآية في علي عليه السلام كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد نهارا وتصدق بواحد ليلا، وبواحد سرا وبواحد علانية، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وروي عن أبي ذر والاوزاعي أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله، وقيل: هي عامة في كل من أنفق ماله في طاعة الله على هذه الصفة، وعلى هذا فأقول: الآية نزلت في علي عليه السلام وحكمها سائر في كل من فعل مثل فعله، وله فضل السبق على ذلك انتهى (4). قوله: وأذنابها، بالنصب عطفا على أعرافها ومذابها عطف بيان لها ويحتمل رفعهما ليكون جملة (5)، وظاهره حرمة الجز، ويمكن حمله على شدة الكراهة أو على ما إذا كان الغرض التدليس كما هو الشائع. 33 - أعلام أعلام الدين: قيل: حج الرشيد فلقيه موسى عليه السلام على بغلة له فقال له الرشيد: من مثلك في حسبك ونسبك وتقدمك تلقاني على بغلة ؟ فقال: تطأطات عن خيلاء الخيل وارتفعت عن ذلة الحمير (6).


(1) ذكر في المصدر صدر للحديث وهو هكذا: قال على عليه السلام: ان رجلا من نجران كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة ومعه فرس وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستأنس إلى صهيله ففقده فبعث إليه فقال: ما فعل فرسك، قال: اشتد على شغبه فخصيته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثلت به مثلت به، الخيل. (2) في المصدر: معاونون عليها. (3) نوادر الراوندي: 34. (4) مجمع البيان 2: 388. (5) في المخطوطة: ويكون جملة. (6) اعلام الدين: مخطوط لم نجد نسخته. *

[176]

34 - كتاب الامامة والتبصرة: عن هارون بن موسى عن محمد بن علي عن محمد بن الحسين عن علي بن أسباط عن ابن فضال عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: شقرها خيارها، وكمتها صلابها، ودهمها ملوكها، فلعن الله من جز أعرافها، وأذنابها مذابها (1). 35 - الفقيه: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في قول الله عزوجل: " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (2) قال: نزلت في النفقة على الخيل. قال الصدوق رضي الله عنه: هذه الآية روي أنها نزلت في أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، وكان سبب نزولها أنه كان معه أربعة دراهم، فتصدق بدرهم منها بالليل، وبدرهم بالنهار، وبدرهم في السر، وبدرهم في العلانية، فنزلت فيه هذه الآية، والآية إذا نزلت في شئ فهي منزلة في كل ما يجري فيه، فالاعتقاد في تفسيرها أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وجرت في النفقة على الخيل وأشباه ذلك (3). 36 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة (4). 37 - وقال صلى الله عليه واله: يمن الخيل في شقرها (5). الضوء: الخير هو النفع الحسن المرغوب فيه: وبالعكس منه الشر، والخيل اسم تقع على الفرسان والافراس، فالاول كقوله صلى الله عليه واله وسلم: يا خيل الله اركبي " والثانى كقوله صلى الله عليه واله وسلم: " عفوت لك من صدقة الخيل " يعني الافراس، واشتقاق الخيل من


(1) الامامة والتبصرة مخطوط لم نجد نسخته. (2) البقرة: 274. (3) الفقيه 2: 188. (4) الشهاب... (5) الشهاب.... *

[177]

الخيلاء لان الفرس كان له خيلاء في نفسه وكذلك الفارس، ولذلك يقال: ما ركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة، وفي كلام للعجم: " إن الرستاقي إذا ركب الفرس نسي الله " والحديث مقصور على مدح الافراس للغناء الذي جعله الله فيها، و لولا الخيل ما فتحت مدينة ولا يغلب على بلد من بلاد الكفار، وبها استنجد النبي صلى الله عليه وآله وصحابته من بعده فيما تيسر لهم من الاستيلاء وفتح البلاد ونشر دعوة الاسلام فيها، ولولا تقويهم بها لما تيسر لهم ذلك ولا تمشى لهم أمر، ثم انها من أخص آلات الجهاد وأمر العدد لاعداء الاسلام. وذكر النواصي مجاز، وإنما اختصها بالذكر لانها من أول ما يستقبلك منها ويقال: " أرى في ناصية فلان خيرا " وبالعكس، وروي عن وهب ابن منبه قال: في بعض الكتب: لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إني خالق منك خلقا أجعله عزا لاوليائي، وإجلالا لاهل طاعتي، فقبض قبضة من ريح الجنوب فخلق منها فرسا، وقال: سميتك فرسا وجعلتك عربيا، الخير معقود بناصيتك، والغنم محوز على ظهرك، وجعلتك تطير بلا جناج، فأنت للطلب وأنت للهرب. وروي أن تميما الداري كان ينقي شعيرا لفرسه وهو أمير على بيت المقدس فقيل له: لو كلفت هذا غيرك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من نقى شعيرا لفرسه ثم قام به حتى يعلفه عليه كتب الله له بكل شعيرة حسنة. وعن أنس بن مالك رفعه: رباط يوم في سبيل الله خير من عبادة الرجل في أهله ثلاثمائة وستين يوما، كل يوم ألف سنة. ولم تزل العرب مكرمة لخيولها على ما تنطق به أشعارهم كما قال: تجاع لها العيال ولا تجاع وكما قال: وما تستوي والورد ساعة تفزع إلى غير ذلك مما يطول تعداده، وكان من سنتهم في الجاهلية أن يتمشى القبيلة إلى القبيلة في ثلاثة أشياء: إذا ولد لهم غلام شريف، أو نتج مهر جواد، أو *

[178]

نبغ لهم شاعر مفلق. وفائدة الحديث التنبيه على شرف منزلة الخيل، والامر باكرامها وراوي الحديث ابن عمر. رحمه الله: وقال في الحديث الثاني: اليمن: البركة والنماء، وقد يمن فلان فهو ميمون: إذا كان مباركا ويمن هو فهو يامن، وبالعكس منه شئم وشأم، وتيمنت بذلك: تبركت به، والشقرة في الانسان: حمرة صافية مع ميل البشرة إلى البياض، وهي في الخيل حمرة (1) صافية يحمر معها العرف والذنب، فإذا اسود فهو الكميت، والشقرة في الجمال: حمرة شديدة يقال: بعير أشقر، والشقر: شقائق النعمان: الواحدة الشقرة قال طرفة: وتساقى القوم كأسا مرة * وعلى الخيل (2) دماء كالشقر وشقرة لقب للحارث بن تميم بن مر، والنسب إليه شقري بفتح القاف، والاصل في الكلمة الحمرة. وروي في حديث آخر: يمن الخيل في الشقر، وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر ولا تقصوا أعرافها وأذنابها. وعن أبي قتادة الانصاري أن رجلا قال: يا رسول الله اريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري ؟ قال: اشتر أدهم أرثم محجلا مطلق اليمين، أو من الكمت على هذه الشية. وقال صلى الله عليه واله وسلم: لو جمعت خيل العرب في صعيد واحد ما سبقها إلا الاشقر. وقال: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم بعث سرية فكان أول من جاء بالفتح صاحب أشقر. ولا ريب أن أقوى الخيل الشقر والكميت ولا كثير فرق بينهما إلا بالاعراف والاذناب، وفائدة الحديث تفضيل الشقر وبيان أنها أيمن وأبرك من غيرها، وراوي الحديث عيسى بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده (3).


(1) في المخطوطة: سمرة. (2) في المخطوطة: وعلا الخيل. (3) الضوء: ليست عندي نسخته. *

[179]

38 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الشوم في المرأة والفرس والدار (1). الضوء: الشوم: نقيض اليمن، وروي هذا الحديث على وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا عدوى ولا هامة ولا صفر، وإن تكن الطيرة في شئ ففي المرأة والفرس والدار. والعدوى اسم من أعداه الجرب وغيره يعديه: إذا تجاوز منه إليه، وفي حديث آخر: " فما أعدى الاول " ولا يعني به أن بعض الامراض لا يعدي، فقد رئي مشاهدة أن الجرب يعدي والرمد يعدي وغير ذلك من الامراض، ولكن المعنى والله أعلم أنه لا ينبغي للانسان أن يعتقد أن هذه الامراض لا تكاد تحصل إلا من العدوى فحسب، بل قد تعدي وقد يبتدئها الله ابتداء من غير عدوى، فلا عدوى مطلقة بحيث لا يكون ابتداء بالمرض، والاولى أن يقال: إن الله تعالى قد أجرى العادة بأن تجرب الصحيحة إذا ماست الجربة في بعض الاحوال، ولذلك قال: " لا يوردن ذوعاهة على مصح " وتكون العدوى محمولة على هذا، ثم ذكر رحمه الله الهامة والصفر نحو ما ذكرنا سابقا في باب العدوى والطيرة، ثم قال: قيل: إن شؤم المرأة كثره مهرها وسوء خلقها وأن لا تلد، وشؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشوم الفرس أن لا يغزى عليها، وقيل: إن الشؤم في هذه الثلاثة لكثرة الانفاق عليها. وعن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا كثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار اخرى فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ذروها ذميمة ولا تأثير للدار. بل لعله صلى الله عليه واله قال ذلك حتى لا يتأذوا بهذا الاعتقاد، وفائدة الحديث إعلام أن هذه الثلاثة الاشياء يكثر الخرج عليها وتذهب البركة من المال بسببها، وراوي الحديث عبد الله بن عمر (2).


(1) الشهاب: ليست عندي نسخته. (2) الضوء: ليست عندي نسخته. *

[180]

39 - المجازات النبوية: قال صلى الله عليه واله وسلم: خير الخيل الادهم الاقرح المحجل ثلاثا طلق اليد اليمنى. قال السيد: هذه من محاسن الاستعارات لانه عليه السلام شبه الثلاث من قوائمه لالتفات التحجيل عليها بالثلاث المعقولة من قوايم البعير والمشكولة من قوائم الفرس، وشبه اليمنى منها لخلوها من التحجيل بالمطلقة من العقال أو العاطلة من الشكال (1)، يقال: ناقة طلق (2): إذا لم تكن معقولة وناقة عطل (3): إذا لم تكن مزمومة (4). 40 - حياة الحيوان: في الصحيح عن جرير بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يلوي ناصية فرس بأصبعه وهو يقول: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الاجر والغنيمة " ومعنى عقد الخير بنواصيها أنه ملازم لها كأنه معقود فيها، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة قاله الخطابي وغيره، قال (5): وكني بالناصية عن جميع ذات الفرس كما يقال: فلان مبارك الناصية وميمون الغرة، أي الذات، وروى مسلم (6) أنه صلى الله عليه واله وسلم كان يكره الشكال من الخيل.


(1) العقال: القيد: والشكال: الحبل. (2) في المصدر: ويقال، ناقة علط: إذا لم تكن موسومة، ويقال: طلق: اذالم تكن معقولة. (3) في المصدر: " وناقة علط " أقول: العلط من النوق: ما لاسمة لها ولا خطام. (4) المجازات النبوية: 121 و 122. (5) في المصدر: قالوا. (6) في المصدر: وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابى هريرة. *

[181]

والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض أو في يده اليسرى (1)، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى بياض، كذا وقع في تفسير صحيح مسلم، وهذا أحد الاقوال في الشكال، وقال أبو عبيدة وجمهور أهل اللغة والعرب: أن يكون (2) منه ثلاث قوايم محجلة وواحدة مطلقة، تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل، فانه يكون في ثلاث قوائم غالبا، وقال ابن دريد: هو أن يكون محجلا في شق واحد في يده ورجله، فان كان مخالفا قيل: شكال مخالف، وقيل: الشكال: بياض الرجلين. وقيل: بياض اليدين. قال العلماء: وإنما كرهه لانه على صورة المشكول، وقيل: يحتمل أن يكون جرب ذلك الجنس فلم تكن فيه نجابة، وقال بعض العلماء: فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة له بزوال شبه الشكال (3). وروى النسائي عن أنس (4) أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يكن شئ أحب إليه بعد النساء من الخيل. إسناده جيد. وروى الثعلبي باسناده عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: أنه قال: ما من فرس إلا ويؤذن له عند كل فجر (5): اللهم من خولتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحب ماله وأهله إليه (6).


(1) في المصدر: وفي يده اليسرى. (2) في المصدر: اهل اللغة والغريب هوأن يكون. (3) في المصدر: لزوال شبهه بالشكال. (4) ذكر في المصدر اسناده وتركه المصنف للاختصار. (5) في المصدر: عند كل فجر بدعوة يدعو بها. (6) في المصدر: وخولتني له فاجعلني احب اهله وماله إليه. *

[182]

وفي طبقات ابن سعد بسنده عن غريب (1) المليكي أن النبي صلى الله عليه واله سئل عن قوله تعالى: " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (2) من هم ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: أصحاب الخيل (3) ثم قال: المنفق على الخيل كالباسط يديه (4) بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأوراثها يوم القيامة كذكي المسك (5). وقال: الفرس واحد الخيل والجمع أفراس، الذكر والانثى في ذلك سواء وأصله التأنيث وحكى ابن جني والفراء فرسة، وتصغير الفرس فريس، وإن أردت الانثى خاصة لم تقل إلا فريسة بالهاء، ولفظها مشتق من الافتراس كأنها تفترس الارض لسرعة مشيها (6)، وراكب الفرس: فارس، وهو مثل لابن وتامر، وروى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يسمي الانثى من الخيل فرسا. قال ابن السكيت: يقال لراكب ذي الحافر من فرس أو بغل أو حمار: فارس. والفرس أشبه الحيوان بالانسان لما يوجد فيه من الكرم وشرف النفس وعلو الهمة، وتزعم العرب أنه كان وحشيا، وأول من ذلله وركبه إسماعيل عليه السلام، ومن


(1) فيه تصحيف والصحيح: " عريب " بالمهملة، ترجمه ابن الاثير في اسد الغابة 3: 407 قال: عريب أبو عبد الله المليكى عداده في اهل الشام قال البخاري: قيل: له صحبة اه‍ ثم ذكر الحديث الوارد في تفسير الاية عنه. أقول: هو بضم العين مصغرا. (2) البقرة: 274. (3) في المصدر: هم اصحاب الخيل. (4) في المصدر: يده. (5) حياة الحيوان 1: 223 و 224. (6) في المصدر: بسرعة مشيها. *

[183]

الخيل ما لا يبول ولا يروث مادام عليه راكبه (1)، ومنها ما يعرف صاحبه ولا يمكن غيره من ركوبه، وكان لسليمان عليه السلام خيل ذوات أجنحة، والخيل جنسان (2): عتيق وهجين (3)، فالعتيق ما أبواه عربيان، والعتيق: الكريم من كل شئ. والخيار من كل شئ. قال الزمخشري (4) في الحديث: إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس عتيق ولا دارا فيها فرس عتيق. وفي كتاب الخيل: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق. وعن سليمان بن موسى (5) أن النبي صلى الله عليه واله قال في هذه الآية: " وآخرين من دونهم لا تعلمونهم " (6) قال: هم الجن لا يدخلون بيتا فيها فرس عتيق. قال ابن عبد البر في التمهيد: الفرس العتيق هو الفاره عندنا. وقال صاحب العين: هو السابق. وفي المستدرك من حديث معاوية بن حديج - بالحاء المهملة المضمومة والدال المهملة المفتوحة وبالجيم في آخره، وهو الذي أحرق محمد بن أبي بكر بمصر - عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: ما من فرس عربي إلا يؤذن له كل يوم بدعوتين يقول:


(1) في المصدر: مادام راكبه عليه. (2) في المصدر: والخيل نوعان. (3) أسقط المصنف من هنا ما ذكره سابقا من الفرق بين الفرس والبرذون. (4) في المصدر: قال الزمخشري في تفسير سورة الانفال: وفي الحديث. (5) في المصدر: سليمان بن يسار. (6) الانفال: 60. *

[184]

اللهم كما خولتني من خولتني فاجعلني من أحب أهله وماله إليه. ثم قال: صحيح الاسناد. ولهذا الحديث قصة ذكرها النسائي في كتاب الخيل من سننه فقال: قال أبو - عبيدة: قال معاوية بن حديج: لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها دوابهم فمر معاوية بأبى ذر وهو يمرغ فرسا له فسلم عليه ثم قال: يا أبا ذر ماهذا الفرس ؟ قال: هذا فرس لا أراه إلا مستجاب الدعاء قال: وهل تدعو الخيل وتجاب ؟ قال: نعم ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: " رب ! إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده فاجعلني أحب إليه من أهله وولده " فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجابا. وروى الحاكم عن عقبة بن عامر مرفوعا قال: إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أدهم محجلا طلق اليمنى فانك تغنم وتسلم. ثم قال: صحيح على شرط مسلم. والهجين: الذي أبوه عربي وامه عجمية، والمقرف بضم الميم وإسكان القاف وبالراء المهملة وبالفاء في آخره: عكسه، وكذلك في بني آدم. وفي كتب الغريب أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: " إن الله يحب الرجل القوي المبدئ المعيد على الفرس المبدئ المعيد " أي الذي أبدا في غزوة وأعاد فغزا مرة اخرى بعد مرة، أي جرب الامور طورا بعد طور، والفرس المبدئ المعيد: الذي غذا عليه صاحبه مرة بعد اخرى، وقيل: هو الذي قد ريض وادب فصار طوع راكبه. وفي الصحيح إن النبي صلى الله عليه واله وسلم ركب فرسا معرورا (1) لابي طلحة وقال: إن وجدناه لبحرا.


(1) أي فرسا جربا. *

[185]

وفي الفائق: إن أهل المدينة فزعوا مرة فركب صلى الله عليه واله وسلم فرسا عريا وركض في آثارهم، فلما رجع صلى الله عليه واله وسلم قال: إن وجدناه لبحرا. قال حماد بن سلمة: كان هذا الفرس بطيئا، فلما قال صلى الله عليه واله وسلم: هذا القول، صار سابقا لا يلحق. وروى النسائي والطبراني من حديث عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم بن أبي الجعد عن جعيل الاشجعي قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه واله في بعض غزواته و أنا على فرس عجفاء، فكنت في آخر الناس فلحقني النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول الله إنها فرس عجفآء ضعيفة، فرفع صلى الله عليه واله وسلم بمخصرة (1) كانت معه فضربها بها وقال: " اللهم بارك له فيها " فلقد رأيتني ما أملك رأسها حتى صرت من قدام القوم، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا. وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الاناث لقلة صهيلها. وقال ابن محيريز: كان الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات. وقال ابن حبان في صحيحة عن ابن عامر الهوزني (2) عن أبي كبشة الانماري واسمه أصرم بن سعد (3) أنه أتاه فقال: اطرقني فرسك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم


(1) في الصدر: " مخفقة " أقول: المخفقة: الدرة يضرب بها، وقيل: سوط من خشب. والمخصرة: شئ كالسوط يتوكا عليه كالعصا. (2) الهوزنى بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الزاى نسبة إلى هوزن بن عوف بن عبد شمس بن وائل بن الغوث، بطن من ذى الكلاع من حمير. (3) هكذا في النسخ وفي المصدر: " اسمه عمرو بن سعد " قال ابن حجر في التقريب 607: أبو كبشة الانمارى هو سعيد بن عمرو، أو عمرو بن سعيد، وقيل: عمر، أو عامر بن سعد، صحابي نزل الشام. *

[186]

يقول: من أطرق فرسا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليها في سبيل الله، وإن لم يعقب له كان له كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله. وفي طبع الفرس الزهو والخيلاء والسرور بنفسه والمحبة لصاحبه، ومن أخلاقه الدالة على شرف نفسه وكرمه أنه لا يأكل بقية علف غيره، ومن علو همته أن أشقر مروان كان سائسه لا يدخل عليه إلا باذن، وهو أن يحرك له المخلاة فان حمحم دخل، وإن دخل ولم يحمحم شد عليه. والانثى من الخيل ذات شبق شديد، ولذلك تطيع الفحل من غير نوعها وجنسها. قال الجاحظ: والحيض يعرض للاناث منهن ولكنه قليل، والذكر ينزو إلى تمام أربع سنين، وربما عمر إلى التسعين، والفرس يرى المنامات كبني آدم، وفي طبعه أنه لا يشرب الماء إلا كدرا، فإذا أراه صافيا كدره، ويوصف بحدة البصر، وإذا وطئ على أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرك، ويخرج الدخان من جلده. قال الجوهري: ويقال: إن الفرس لا طحال له وهو مثل لسرعته وحركته، كما يقال: البعير لا مرارة له، أي لا جسارة له، وعن أبي عبيدة وأبي زيد قالا: الفرس لا طحال له، ولا مرارة للبعير، والظليم لامخ له، قال أبو زيد: وكذلك طير الماء وحيتان البحر لا ألسنة ولا أدمغة، والسمك لارئة له، ولذلك لا يتنفس، وكل ذي رئة يتنفس. ورووا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إن يكن الخير في شئ ففي ثلاث: المرأة والدار والفرس. وفي رواية: الشوم في ثلاث: المرأة والدار والفرس. وفي رواية: الشوم في الربع والخادم والفرس (2).


(1) في المصدر: وفي رواية: الشوم في أربع: المرأة والدار والفرس والخادم. *

[187]

واختلف العلماء فيه فقيل معناه على اعتقاد الناس في ذالك (1)، وروي ذلك عن عائشة (2) قالت: لم يحفظ أبو هريرة لانه دخل والرسول صلى الله عليه واله وسلم يقول: قاتل الله اليهود يقولون: الشوم في ثلاث الخ، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله. وقال طائفة: هي على ظاهرها فان الدار قد يجعل الله سكناها سببا للضرر والهلاك، وكذلك الفرس والخادم (3) قد يجعل الله الهلاك عندهما (4) بقضاء الله وقدره. وقال الخطابي وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم (5) فليفارق الجميع بالبيع ونحوه، وطلاق المرأة. وقال آخرون: شوم الدار ضيقها وسوء جيرانها، وشوم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشوم الفرس أن لا يغزى عليها. وقيل: حرانها (6) وغلاء ثمنها وشوم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه وقيل: المراد بالشوم هنا عدم الموافقة واعترض بعض الملحدة بحديث لا طيرة على هذا، واجاب ابن قتيبة وغيره بان هذا مخصوص من حديث طيرة (7)


(1) زاد في المصدر: لا انه خبر من النبي صلى الله عليه وآله عن اثبات الشوم. (2) زاد في المصدر: ففى مسند ابى داود الطيالسي عنها انه قيل لها: ان ابا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الشوم في ثلاث: المرأة والدار والفرس فقالت عائشة. (3) في المصدر: وكذك المرأة والفرس والخادم. (4) في المصدر: عند وجودهم. (5) في المصدر: أو فرس أو خادم يكره اقامتهما. (6) حرن الفرس: وقف ولم ينقد. (7) في المصدر: من حديث لا طيرة. *

[188]

اي لا طيرة الا في هذه الثلاثة قال الدمياطي: روينا بالاسناد الصحيح عن يوسف بن موسى القطان عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن ابيه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: البركة في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار قال يوسف: سألت ابن عيينة عن معنى هذا الحديث فقال سفيان: سألت عنه الزهري فقال الزهري: سألت عنه سالما فقال سالم: سالت عنه عبد الله بن عمر فقال (1): سألت عنه النبي صلى الله عليه واله وسلم: فقال: إذا كان الفرس ضروبا فهو مشوم وإذا كانت المراة قد عرفت زوجا غير زوجها فحنت إلى الزوج الاول فهي مشومة وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد لا يسمع فيها الاذان والاقامة فهى مشؤمة وإذا كن بغير هذا الوصف (2) فهن مباركات (3). وقال: البغل مركب من الفرس والحمار ولذالك صار له صلابة الحمار وعظم آلات الخيل وكذلك شحيجه اي صوته تولد (4) من صهيل الفرس ونهيق الحمار وهو عقيم لا يولد له لكن في تاريخ ابن البطريق في حوادث سنة اربع واربعين واربعمأة ان بغلة بنابلس ولدت - وشر الطباع ما تجاذبته الاعراق المتضادة والاخلاق المتباينة والعناصر المتباعدة وإذا كان الذكر حمارا يكون شديد الشبه بالفرس وإذا كان الذكر فرسا يكون شديد الشبه بالحمار ومن العجب ان كل عضو فرضته منه يكون بين الفرس والحمار وكذلك أخلاقه ليس له ذكاء الفرس ولا بلادة الحمار. ويقال: ان أول من أنتجها قارون. وله صبر الحمار وقوة الفرس، ويوصف برداءة الاخلاق والتلون لاجل


(1) في المصدر: فقال عبد الله بن عمر. (2) في المصدر: بغير هذه الصفات. (3) حياة الحيوان 2: 146 - 150. (4) في المصدر: مولد. *

[189]

التركيب، لكنه يوصف مع ذلك بالهداية في كل طريق يسلكه مرة واحدة، وهو مع ذلك مركب الملوك في أسفارها، وقعيدة الصعاليك في قضاء أوطارها، مع احتماله الاثقال، وصبره على طول الانقال، ولذلك يقال: مركب قاض وإمام عدل * وسيد وعالم وكهل يصلح للرجل وغير الرجل (1) وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن البغال كانت تتناسل وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم خليل الرحمن، فدعا عليها فقطع الله نسلها. وعن إسحاق بن (2) حماد بن أبى حنيفة أنه قال: كان عندنا طحان رافضي له بغلان، سمي أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه أحدهما فقتله فأخبر جدي أبو حنيفة بذلك، فقال: انظروا الذي رمحه فهو الذي سماه عمر، فوجدوه كذلك. وفي كامل ابن عدي عن أنس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم ركب بغلة فحادت (3) به فحسبها وأمر رجلا أن يقرأ عليها: " قل أعوذ برب الفلق " فسكنت. وروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن زفير النافعي (4) المصري عن علي عليه السلام


في المصدر: وعالم وسيد وكهل يصلح للرحل وغير الرحل. (2) في المصدر: " اسماعيل بن حماد " وهو الصحيح راجع التقريب: 42. (3) أي مالت به. (4) في المخطوطة: النافعى (القافقى خ ل) وفي المصدر: " عبد الله بن زرير الغافقي المصرى " والصحيح هو الذى في المصدر: قال ابن حجر في التقريب: 266: عبد الله بن زرير بتقديم الزاى مصغرا: الغافقي المصرى ثقة رمى بالتشيع مات سنة 80، أو بعدها. *

[190]

قال: اهديت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم بغلة فركبها، فقال علي عليه السلام (1): لو حملنا الحمير على الخيل لكانت لنا مثل هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. قال ابن حبان: معناه الذين لا يعلمون النهي عنه، قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك - والله أعلم - أن الحمير إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل وقل عددها وانقطع نماؤها، والخيل يحتاج إليها للركوب (2) والركض والطلب، وعليها يجاهد العدو وبها تحرز الغنائم، ولحمها مأكول، ويسهم للفرس كما يسهم للفارس وليس للبغل شئ من هذه الفضائل، فأحب النبي صلى الله عليه واله وسلم أن ينمو عدد الخيل ويكثر نسلها لما فيها من النفع والصلاح، فإذا كانت الفحول خيلا و الامهات حميرا فيحتمل أن لا يكون داخلا في النهي إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمير وكراهة اختلاط مائها بمائها، لئلا يكون منها الحيوان المركب من نوعين مختلفين، فان أكثر الحيوان المركب (3) من جنسين من الحيوان أخبث طبعا من اصولها التي تتولد منها، وأشد شراسة كالسمع ونحوه (4). ثم إن البغل حيوان عقيم ليس لها نسل ولانماء ولا يذكى ولا يزكى، ثم قال: ولا أرى هذا الرأى طائلا فان الله تعالى قال: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " (5)


(1) في المصدر: " فقالوا: لو " أقول: أي أصحابه صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: للركوب والعدو والركض. (3) في المصدر: فان أكثر الحيوانات المركبة من نوعين. (4) في المصدر: " كالسمع والعسبار ونحوهما ": أقول: السمع بكسر فسكون: ولد الذئب من الضبع: والعسبار: ولد الذئب أو ولد الضبع من الذئب. (5) النحل: 8. *

[191]

فذكر البغال وامتن علينا بها كامتنانه بالخيل والحمير، وأفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها، ونبه على ما فيها من الارب والمنفعة، والمكروه من الاشياء مذموم لا يستحق المدح ولا يقع الامتنان به، وقد استعمل صلى الله عليه واله وسلم البغل واقتناه و ركبه حضرا وسفرا، ولو كان مكروها لم يقتنه ولم يستعمله انتهى. وروى مسلم عن زيد بن ثابت قال: بينما النبي صلى الله عليه واله وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به وكادت أن تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الاقبر ؟ قال رجل: أنا، فقال صلى الله عليه واله وسلم: متى مات هؤلاء ؟ قال: ماتوا على الاشراك. فقال صلى الله عليه وآله: إن هذه الامة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل صلى الله عليه واله وسلم بوجهه الكريم إلينا (1) فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر (2)، فقال صلى الله عليه واله وسلم: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فقالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فقال صلى الله عليه واله وسلم: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، فقالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. وفي مجمع الطبراني الاوسط من حديث أنس قال: انهزم المسلمون يوم حنين ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم على بغلته الشهبآء التي يقال لها: دلدل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: دلدل اسدي، فألصقت بطنها بالارض حتى أخذ النبي حفنة (3)


(1) في المصدر: ثم اقبل النبي صلى الله عليه وآله علينا بوجهه الكريم. (2) زاد في المصدر بعد ذلك: فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. (3) هكذا في المطبوع والمخطوط، وفى المصدر، " خفة " ولعله مصحف عن " حفنة " أي ملا الكفين. *

[192]

من تراب فرمى بها وجوههم قال: " حم لا ينصرون " (1) قال: فانهزم القوم وما رميناهم بسهم ولا طعنا هم برمح ولا ضربناهم بسيف. وفيه من حديث شيبة بن عثمان أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لعمه عباس يوم حنين ناولني من البطحاء فأفقه الله البغلة كلامه فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الارض فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله من الحصباء فنفخ في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، " حم لا ينصرون " (2). وروى الطبراني وأبو نعيم من طرق صحيحة عن خزيمة بن أوس قال: هاجرت إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم وقدمت عليه عند منصرفه من تبوك فأسلمت فسمعته يقول: هذه الحيرة قد رفعت إلي وإنكم ستفتحونها، وهذه الشيماء بنت نفيلة الاسدية (3) على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فقلت: يا رسول الله ! إن نحن دخلنا الحيرة فوجدناها على هذه الصفة فهي لي ؟ قال: هي لك، فأقبلنا مع خالد بن الوليد نريد الحيرة فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء بنت نفيلة (4) كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها فقلت: هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وطلب مني خالد عليها البينة فأتيته بها فسلمها إلي، ونزل إلينا أخوها عبد المسيح فقال لي أبتيعينها قلت: نعم، قال: فاحتكم بما


(1 و 2) في المصدر: " صم لا يبصرون " والظاهر انه مصحف والصحيح ما في المتن، قال الجزرى في النهاية 1: 296: في حديث الجهاد: " إذ بيتم فقولوا: حم لا ينصرون " قيل: معناه اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر لا الدعاء لانه لو كان دعاء لقال: " لا ينصروا " مجزوما، فكأنه قال: والله لا ينصرون، وقيل: ان السور التى في اولها حم سور لها شأن فنبه ان ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله: " لا ينصرون " كلام مستأنف، كانه حين قال: قولوا: حم، قيل: ماذا يكون إذا قلناه ؟ فقال: لا ينصرون. (3) في المصدر: بنت نفيل الازدية. (2) في المصدر: بنت نفيل. *

[193]

شئت فقلت: والله لا أنقصها عن ألف درهم فدفع إلى ألف درهم فقال لي لو قلت مأة ألف درهم دفعتها إليك، فقلت لا أحب مالا فوق ألف درهم قال الطبراني وبلغني أن الشاهدين كانا محمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر. وقال في الحمار، وليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه ويلقح إلا الحمار و الفرس، وهو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرا، ومنه نوع يصلح لحمل الاثقال ونوع لين الاعطاف سريع العدو، يسبق براذين الخيل. ومن عجيب امره إذا شم رايحة الاسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف منه يريد بذلك الفرار، ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التى مشى فيها ولو مرة واحدة وبحدة السمع. وللناس في مدحه وذمه اقوال متباينة بحسب الاغراض فمن ذلك أن خالد ابن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين فاما خالد فلقيه بعض الاشراف بالبصرة على حمار فقال: ما هذا يا باصفوان ؟ فقال: هذا عير من نسل الكداد، يحمل الرجلة ويبلغني العقبة، ويقل داؤه ويخف دواؤه، و يمنعنى من أن أكون جبارا في الارض وأن أكون من المفسدين. وأما الفضل فانه سئل عن ركوبه فقال انه أقل الدواب مؤنة، وأكثرها معونة وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى، فسمع أعرابي كلامه فعارضه بقوله: الحمار شنار والعير عار، منكر الصوت، لاترقابه الدماء، ولا تمهر به النساء، وصوته أنكر الاصوات. قال الزمخشري: الحمار مثل في الذم الشنيع والشتمة ومن استيحاشهم لذكر اسمه أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به، فيقولون الطويل الاذنين كما يكنى عن الشئ المستقذر وقد عد من مساوى الآداب أن تجرى ذكر الحمار في مجلس قوم اولى المروة. ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن بلغت به الرجلة الجهد. والمروءة بالهمز وتركه قال الجوهري هي الانسانية، وقال ابن فارس الرجولية

[194]

وقيل إن ذا المروءة من يصون نفسه عن الادناس ولا يشينها عند الناس، وقيل من يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه. قال الدارمي: قيل المروءة في الحرفة، وقيل في آداب الدين كالاكل والصياح في الجم الغفير، وانتهار الشايل، وقلة فعل الخير مع القدرة عليه، وكثرة الاستهزاء والضحك ونحو ذلك انتهى. وروي عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح وكان له مع الله معاملة حسنة وكان له زوجه وكان ضنينا بها، وكانت من أجمل أهل زمانها مفرطة في الجمال والحسن، وكان يقفل عليها الباب، فنظرت يوما شابا فهويته وهواها فعمل لها مفتاحا على باب دارها، وكان يخرج ويدخل ليلا ونهارا متى شاء، وزوجها لم يشعر بذلك. فبقيا على ذلك زمانا طويلا فقال لها زوجها يوما وكان أعبد بني إسرائيل و أزهدهم إنك قد تغيرت على ولم أعلم ما سببه وقد توسوس قلبى علي وكان قد أخذها بكرا ثم قال وأشتهي منك أنك تحلفي لى أنك لم تعرفى رجلا غيرى، وكان لبنى إسرائيل جبل يقسمون به ويتحاكمون عنده، وكان الجبل خارج المدينة عنده نهر جار، وكان لا يحلف عنده أحد كاذبا إلا هلك فقالت له: ويطيب قلبك إذا حلفت لك عند الجبل ؟ قال: نعم، قالت متى شئت فعلت. فلما خرج العابد لقضاء حاجته دخل عليها الشاب فأخبرته بما جرى لها مع زوجها، وأنها تريد أن تحلف له عند الجبل، وقالت ما يمكننى أن أحلف كاذبة ولا أقول لزوجي، فبهت الشاب وتحير، وقال: فما تصنعين ؟ فقالت بكر غدا والبس ثوب مكار وخذ حمارا واجلس على باب المدينة، فإذا خرجنا فأنا أدعه يكترى منك الحمار فإذا اكتراه منك بادر واحملني وارفعني فوق الحمار حتى أحلف له وأنا صادقة أنه ما مسنى أحد غيرك وغير هذا المكارى، فقال: حبا وكرامة، وإنه لما جاء زوجها، قال لها قومي إلى الجبل لتحلفي به، قالت مالي طاقة بالمشي، فقال اخرجي فان وجدت مكاريا اكتريت لك، فقامت ولم تلبس لباسها. فلما خرج العابد وزوجته، رأت الشاب ينتظرها فصاحت به: يا مكاري أكتري

[195]

حمارك بنصف درهم إلى الجبل ؟ قال نعم، ثم تقدم ورفعها على الحمار، وساروا حتى وصلوا إلى الجبل، فقالت للشاب: أنزلني عن الحمار أصعد الجبل، فلما تقدم الشاب إليها ألقت بنفسها إلى الارض فانكشفت عورتها فشتمت الشاب فقال: والله مالي ذنب ثم مدت يدها إلى الجبل فمسكته وحلفت له أنه لم يمسها أحد ولا نظر إنسان مثل نظرك إلى مذ عرفتك غيرك وهذا المكاري، فاضطرب الجبل اضطرابا شديدا وزال عن مكانه وأنكرت بنو إسرائيل فذلك قوله تعالى " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ". وروي البيهقي في الشعب عن ابن مسعود أنه قال كانت الانبياء يركبون الحمر ويلبسون الصوف، ويحلبون الشاة، وكان للنبي صلى الله عليه واله وسلم حمار اسمه عفير بضم العين المهملة، وضبطه القاضى عياض بالغين المعجمة، واتفقوا على تغليطه، أهداه له المقوقس وكان فورة بن عمر الجذامي أهدى له حمارا يقال له يعفور، مأخوذ من العفرة، وهو لون التراب فنفق يعفور في منصرف النبي صلى الله عليه واله وسلم من حجة الوداع وذكر السهيلي أن يعفورا طرح نفسه في بئر لما مات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. وذكر ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى منصور وقال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه واله خيبر أصاب حمارا أسود فكلم الحمار رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال له: ما اسمك ؟ قال يزيد ابن شهاب أخرج الله تعالى من نسل جدي ستين حمارا لا يركبها إلا نبى، وقد كنت أتوقعك لتركبني، ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الانبياء غيرك، وقد كنت قبلك لتركبني عند رجل يهودى، وكنت أتعثر به، وكان يجيع بطني ويضرب ظهرى. فقال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: فأنت يعفور يا يعفور تشتهي الاناث ؟ قال: لا، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يركبه في حاجته، وكان يبعث به خلف من شاء من أصحابه، فيأتي الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج صاحب الدار أومأ إليه، فيعلم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرسله إليه فيأتى النبي، صلى الله عليه واله وسلم فلما قبض النبي صلى الله عليه واله وسلم جاء إلى بئر وكانت لابي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فصارت قبره. وفي كامل ابن عدى في ترجمة أحمد بن بشير وفي شعب الايمان للبيهقي عن الاعمش

[196]

عن سلمة عن عطا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تعبد رجل في صومعة فمطرت السماء وأعشبت الارض فرآى حمارا يرعى، فقال يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من بني إسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه إنما اجازي العباد على قدر عقولهم، وهو كذلك في الحلية في ترجمة زيد بن أسلم. وفي كتاب ابتلاء الاخيار أن عيسى عليه السلام لقي إبليس وهو يسوق خمسة أحمرة عليها أحمال، فسئله عن الاحمال، فقال: تجارة أطلب لها مشترين فقال وما هي التجارة ؟ قال ؟ أحدها الجور، قال ومن يشتريه ؟ قال: السلاطين، والثاني الكبر، قال: ومن يشتريه ؟ قال: الدهاقين، والثالث الحسد قال: ومن يشتريه ؟ قال العلماء، والرابع الخيانة، قال: ومن يشتريها ؟ قال عمال التجار، والخامس الكيد قال: ومن يشتريه ؟ قال النساء انتهى. وروى السنائى والحاكم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير من الليل، فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فانها ترى مالا ترون، وأقل الخروج إذا جدت فان الله يبث في الليل من خلقه ما شاء. توضيح: فرسا معرورا كذا في أكثر النسخ، والمعرور الاجرب في النهاية فيه أنه ركب فرسا لابي طلحة مقرفا، المقرف من الخيل الهجين وهو الذى امه برذونة وأبوه عربي، وقيل بالعكس، وقيل هو الذي دانى الهجنة وقاربها، وقال إن وجدناه لبحرا أي واسع الجرى وسمى البحر بحرا لسعته، وقال اطراق الفحل اعارته للضراب. 41 - الكافي عن على بن إبراهيم أو غيره رفعه قال: خرج عبد الصمد بن علي ومعه جماعة فبصر بأبي الحسن عليه السلام مقبلا راكبا بغلا، فقال لمن معه: مكانكم حتى اضحككم من موسى بن جعفر، فلما دنى منه قال: ما هذه الدابة التى لا تدرك عليها الثار، ولا تصلح عند النزال، فقال له أبو الحسن: تطأطأت عن سمو الخيل، وتجاوزت قمؤ العير وخير الامور أوسطها، فأفحم عبد الصمد فما أحار جوابا (1).


(1) الكافي ج 6 ص 540 ط الاخوندى. *

[197]

إرشاد المفيد: مرسلا مثله (1). بيان قال الجوهري قال أبو زيد قمأت الماشية تقمؤ قموءا وقموءة إذا سمنت و قمؤ الرجل بالضم قماء وقماءة صار قميئا وهو الصغير الذليل، وأقمأته صغرته و ذللته، وفي القاموس قمأ كجمع وكرم قماءة وقماء بالضم والكسر ذل وصغر، والماشية قموءا وقموءة وقماءة سمنت. أقول: لو صحت النسخة وما ذكراه كان اطلاق القموء على العير من جهة الاستعارة والعير بالفتح الحمار، وغلب على الوحشي، وعبد الصمد كانه ابن علي بن عبد الله بن العباس، وقد عد من أصحاب الصادق عليه السلام. 42 - معاني الاخبار: عن محمد بن هرون الزنجاني عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام بأسانيد متصلة إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه عليه السلام كره الشكال في الخيل يعني أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة، وواحدة مطلقة، وإنما أخذ هذا من الشكال الذي بشكل به الخيل شبه به لان الشكال إنما يكون في ثلاث قوايم أو أن تكون الثلاثة مطلقة ورجل محجلة، وليس يكون الشكال إلا في الرجل ولا يكون في اليد (2). بيان قد مر كلام في ذلك من الدميري، وقال في النهاية فيه أنه كره الشكال في الخيل، هو أن تكون ثلاثة قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة، تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل لانه يكون في ثلث قوائم غالبا، وقيل هو أن تكون الواحدة محجلة والثلاث مطلقة وقيل هو أن تكون إحدى يديه واحدى رجليه من خلاف محجلتين وإنما كرهه لانه كالمشكول صورة تفؤلا، ويمكن أن يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة، وقيل إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال والله اعلم. وفي القاموس: شكل الدابة شد قوائمها بحبل كشكلها، واسم الحبل الشكال ككتاب، والشكال وثاق بين الحقب والبطان وبين اليد والرجل، وفي الخيل أن يكون


(1) ارشاد المفيد: 278 ط الاخوندى. (2) معاني الاخبار: 284 ط مكتبة الصدوق. *

[198]

ثلاث قوايم منه محجلة والواحدة مطلقة، وعكسه أيضا. 43 - المعاني والمجالس للصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل بن زياد عن عثمان بن عيسى عن خالد بن نجيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تذاكرنا الشؤم فقال الشوم في ثلثة في المرأة والدابة والدار، فأما شؤم المرأة فكثرة مهرها وعقوق زوجها، وأما الدابة فسوء خلقها ومنعها ظهرها، وأما الدار فضيق ساحتها وشر جيرانها وكثرة عيوبها (1). 44 - المعاني: عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الشؤم في ثلثة أشياء في الدابة والمرأة والدار فأما المرأة فشومها غلاء مهرها وعسر ولادتها، وأما الدابة فشومها عللها وسوء خلقها وأما الدار فشومها ضيقها وخبث جيرانها (2). بيان قال في النهاية فيه ان كان الشؤم في شئ ففي ثلاث: المرأة والدار والفرس أي إن كان ما يكره ويخاف عاقبته ففى هذه الثلث، وتخصيصه لها لانه لما أبطل مذهب العرب في التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوهما قال فانكانت لاحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره ارتباطها، فليفارقها بأن ينتقل عن الدار ويطلق المرأة ويبيع الفرس، وقيل إن شوم الدار ضيقها وسوء جارها وشوم المرأة أن لا تلد وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها والواو في الشؤم همزة ولكنها خففت فصارت واوا وغلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزة. 45 - الكشى عن حمدويه وابراهيم ابني نصير عن محمد بن عيسى عن الحسن الوشا عن بشر بن طرخان قال: لما قدم أبو عبد الله عليه السلام الحيرة أتيته فسألني عن صناعتي فقلت نخاس فقال: نخاس الدواب ؟ فقلت نعم، وكنت رث الحال، فقال اطلب لى بغلة فضحاء بيضاء الاعفاج بيضاء البطن، فقلت ما رأيت هذه الصفة قط، فقال بلى فخرجت من عنده، فلقيت غلاما تحته بغلة بهذه الصفة، فسألته عنها فدلني على مولاه، فأتيته


(1) معاني الاخبار: 152، امالي الصدوق: 145. (2) معاني الاخبار: 152. *

[199]

فلم أبرح حتى اشتريتها ثم أتيت أبا عبد الله عليه السلام فقال: نعم هذه الصفة طلبت، ثم دعا لي فقال أنمى الله ولدك، وكثر مالك، فرزقت من ذلك ببركة دعائه، وقنيت من الاولاد ما قصرت عنه الامنية (1). 46 - الكافي: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن طرخان النخاس قال: مررت بأبى عبد الله عليه السلام وقد نزل الحيرة فقال لي ما علاجك ؟ قلت نخاس، فقال أصب لي بغلة فضحاء، قلت جعلت فداك وما الفضحاء ؟ قال دهماء بيضاء البطن، بيضاء الافجاج، بيضاء الجحفلة، قال: فقلت: والله ما رأيت مثل هذه الصفة. فرجعت من عنده فساعة دخلت الخندق، فإذا غلام قد أسقى بغلة على هذه الصفة فسألت الغلام لمن هذه البغلة فقال لمولاي، فقلت: يبيعها ؟ فقال لا أدري فتبعته حتى أتيت مولاه فاشتريتها منه، وأتيته بها، فقال: هذه الصفة التي أردتها قلت: جعلت فداك ادع الله لي، فقال اكثر الله مالك وولدك، قال: فصرت أكثر أهل الكوفة مالا وولدا. توضيح: النخاس في القاموس بياع الدواب والرقيق: وقال الحيرة بالكسر بلد قرب الكوفة، وقال الافضح الابيض لا شديدا فضح كفرح والاسم الفضحة بالضم و قال العفج وبالكسر وبالتحريك وككتف ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة والجمع أعفاج والاعفج العظيمها. واقول: ما في الكافي كانه تصحيف ويرجع بتكلف إلى ما في الكشي قال في القاموس فحج في مشيته تدانى صدور قدميه وتباعد عقباه، كفحج وهو أفحج بين الفحج محركة والتفحج التفريج بين الرجلين، وفي النسخ بالجيمين كناية عن المضيق بين الرجلين وفي القاموس الفج الطريق الواسع بين جبلين، وفججت مابين رجلي فتحت كافججت وهو يمشى مفاجا وقد تفاج وأفج أسرع، ورجل أفج بين الفجج، وهو أقبح من الفحج، وفي النهاية التفاج المبالغة في تفريج ما بين الرجلين، وهو


(1) رجال الكشى ص 311 تحقيق المصطفوى. (2) الكافي ج 6 ص 538. *

[200]

من الفج الطريق والجحفلة للحافر كالشفة للانسان، وقنى المال كرمى اكتسبه وفي بعض النسخ وكسبت. 47 - الكشى: عن حمدويه بن نصير عن محمد بن عيسى عن إبراهيم بن عبد الحميد عن هرون بن خارجة عن زيد الشحام عن عبد الله بن عطا قال: أرسل إلي أبو عبد الله عليه السلام وقد أسرج له بغل وحمار، فقال لي: هل لك أن تركب معنا إلى مالنا ؟ قلت: نعم، قال أيهما أحب إليك ؟ قلت الحمار، فقال: الحمار أرفقهما بي ؟ قال فركبت البغل وركب الحمار، ثم سرنا فبينما هو يحدثنا إذ انكب على السرج مليا ثم رفع رأسه فقلت ما أرى السرج إلا وقد ضاق عنك، فلو تحولت على البغل، فقال كلا، ولكن الحمار اختال، فصنعت كما صنع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ركب حمارا يقال له عفير، فاختال فوضع رأسه على القربوس ما شاء الله، ثم رفع رأسه فقال: يا رب هذا عمل غفير ليس هو من عملي (1). 48 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن أبى عبد الله البرقي عن ابن فضال عن عبيس بن هشام عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي عن الحكم بن محمد بن أبي القسم أنه سمع عبد الله بن عطا يقول قال أبو جعفر عليه السلام قم فأسرج دابتين حمارا وبغلا فأسرجت حمارا وبغلا وقدمت إليه البغل، فرأيت أنه أحبهما إليه فقال من أمرك أن تقدم إلى هذا البغل ؟ قلت اخترته لك، قال فأمرتك أن تختار لى ؟ ثم قال لي إن أحب المطايا إلى الحمر قال فقدمت إليه الحمار فركب وركبت الحديث (2). المحاسن عن أبى فضالة مثله (3).


(1) رجال الكشى ص 215 تحقيق المصطفوى. (2) الكافي ج 8 ص 276. (3) المحاسن: 352. *

[201]

* (باب 8) * حق الدابة على صاحبها وآداب ركوبها وحملها وبعض النوادر 1 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن إبراهيم ابن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للدابة على صاحبها خصال ست يبدء بعلفها إذا نزل ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يضرب وجهها، فانها تسبح بحمد ربها، و لا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله عزوجل، ولا يحملها فوق طاقتها ولا يكلفها من المشى إلا ما تطيق (1). 2 - الفقيه: باسناده عن إسمعيل بن أبي زياد باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: للدابة على صاحبها خصال وذكر مثله (2). تبيان: الابتداء بعلفها كانه على الاستحباب، وان كان أصل علفها بقدر لا يموت أو بالمتعارف لها واجبا على الاظهر، وكذا عرض الماء كلما مر به مستحب إن لم يعلم تضررها به، فان أصحاب الدواب يظنون تضررها به، وإن وجبا في بعض الاوقات وأصل السقي على أحد الوجهين واجب وعدم ضرب الوجه كانه على الكراهة كما يؤمئ إليه التعليل، وإن كان الاحوط الترك. قوله عليه السلام فانها تسبح قال الوالد قدس سره: أي الوجوه تسبح بالنطق الذى لها في الوجه، أو لان دلالة الوجوه على وجود الصانع تعالى وقدرته وعلمه وساير صفاته الكمالية أكثر من غيرها كما لا يخفى على من نظر في كتب التشريح أو التسبيح أمر خاص بها لا نعرفه، ويمكن إرجاع الضمير إلى الدابة، والتخصيص بالوجه لكون


(1) الخصال ج 1 ص 160. * (2) الفقيه ج 2 ص 187. ط نجف. *

[202]

الضرر والاهانه فيه أكثر، أو لما مر من أن التسبيح بالاعضاء التي في الوجه. قوله عليه السلام إلا في سبيل الله كأنه على التمثيل أو ذكر أفضل الافراد " فوق طاقتها " أي قدرتها أو وسعها بأن لا يشق عليها، والتحريم بالاول أنسب كالكراهة بالثاني و كذا الكلام في تكليف المشي. 2 - مجالس الصدوق: بالاسناد المتقدم عن الصادق عليه السلام قال: للدابة على صاحبها سبعة حقوق: لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلسا يتحدث عليه، و يبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها في وجهها، ولا يضربها في وجهها فانها تسبح ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يضربها على النفار، ويضربها على العثار لانها ترى ما لا ترون (1). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: للدابة على صاحبها ستة حقوق، إلى قوله إذا مر به، ثم قال بعد أخبار: وروي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال: اضربوها على العثار ولا تضربوها على النفار (2). المحاسن: عن النوفلي مثله وفيه ستة حقوق إلى قوله إذا مر به (3). توضيح: أقول قال الصدوق (ره) في الفقيه (4) أيضا، وروى أنه قال أي أبو عبد الله عليه السلام اضربوها على العثار الخ، وقال الوالد قدس سره روى الكليني والبرقي أخبارا عن النبي صلى الله عليه واله والصادق عليه السلام بعكس ذلك بدون ذكر التعليل، فالظاهر أنه وقع السهو من الصدوق (ره) وذكر التتمة لتوجيه ذلك مع أنه لا ذنب لها في العثار لانه إما لزلق أو حجر وأمثالهما انتهى.


(1) امالي الصدوق: 303. (2) الكافي ج 6 ص 538. (3) المحاسن: 637. (4) الفقيه ج 2 ص 187. *

[203]

واقول: يحتمل أن يكون الخبر ورد على وجهين ويكون لكل منهما مورد خاص كما إذا كان العثار بسبب كسل الدابة، والنفار لرؤية شبح من البعيد يحتمل كونه عدوا أو حيوانا موذيا وبالجملة الامر لا يخلو من غرابة. 3 - الخصال: في الاربعماة قال أمير المؤمنين عليه السلام: من سافر منكم بدابة فليبدء حين ينزل بعلفها وسقيها (1). المحاسن: عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). 4 - العلل والخصال: عن على بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن جده أحمد ابن أبي عبد الله عن أبيه عن ابن اسباط عن عمه يعقوب بن سالم يرفع الحديث إلى أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حديث طويل: لا يرتدف ثلثة على دابة فان أحدهم ملعون وهو المقدم (3). المحاسن: عدة من أصحابنا عن ابن أسباط مثله (4). بيان: كأنه محمول على الكراهة الشديدة، والتخصيص بالمقدم لانه أضر لانه يقع على العنق غالبا. 5 - المحاسن: عن النوفلي عن الكسوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله أبصر ناقة معقولة وعليها جهازها، فقال: أين صاحبها ؟ مروه فليستعد غدا للخصومة (5). 6 - ومنه الفقيه: عن ابن فضال عن حماد اللحام قال: مرقطار لابي عبد الله عليه السلام


(1) الخصال ج 2 ص 159. (2) المحاسن: 361. (3) علل الشرايع ص 194، الخصال ج 1 ص 49. (4) المحاسن: 627. (5) المحاسن 1: 36. *

[204]

فرأى زاملة قد مالت، فقال: يا غلام اعدل على هذا الجمل فان الله يحب العدل (1). بيان: في النهاية الزاملة البعير الذي يحمل عليها الطعام والمتاع، كأنه فاعلة من الزمل: وهو الحمل. 6 - المحاسن عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال حج علي بن الحسين عليه السلام على راحلته عشر حجج ما قرعها بسوط، ولقد بركت به سنة من سنواته فما قرعها بسوط (2). ومنه عن أبيه عن ابن المغيرة ومحمد بن سنان عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لكل شئ حرمة وحرمة البهايم في وجوهها (3). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عنه عليه السلام مثله (4) 7 - المحاسن عن محمد بن على عن ابن أسباط رفعه قال قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تضربوا وجوه الدواب وكل شئ فيه الروح، فانه يسبح بحمد الله (5). ومنه: عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام لا تضربوا الدواب على وجوهها، فانها تسبح بحمد ربها. وفي حديث آخر: ولا تسموها في وجوهها (6). الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن القاسم مثله (7). الخصال: في الاربعماة مثل الحديث الاول. 8 - المحاسن: عن بعض أصحابنا بلغ به أبا عبد الله عليه السلام قال: ألا يستحيي أحدكم


(1) الفقيه ج 2 ص 191، المحاسن: 361. (2) المحاسن: 361. (3) المحاسن: 632. (4) الكافي ج 6 ص 539. (5 و 6) المحاسن: 633. (7) الكافي ج 6 ص 538. *

[205]

أن يغني على دابته وهى تسبح. وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: اضربوها على النفار ولا تضربوها على العثار (1). ومنه: عن النوفلي عن السكوني عن أبى عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: للدابة على صاحبها ستة حقوق لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهورها مجالس، فيتحدث عليها، ويبدء بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يسمها في وجوهها فانها تسبح (2). ومنه: عن يعقوب بن يزيد عن يحيى بن المبارك عن علي بن حسان قال قال أبو ذر تقول الدابة: اللهم ارزقني مليك صدق يرفق بى، ويحسن إلى ويطعمني ويسقيني ولا يعنف على (3). ومنه: عن محمد بن علي عن ابن أسباط عن علي بن جعفر عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: ما من دابة يريد صاحبها أن يركبها إلا قالت اللهم اجعله بى رحيما (4). ومنه: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البخترى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا ركب العبد الدابة قالت اللهم اجعله بي رحيما (5). ومنه: عن ابن فضال عن أبي المغرا عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد فيما أظن عن أبي عبد الله عليه السلام قال رئى أبو ذر رضي الله عنه يسقى حمارا له بالربذة، فقال له بعض الناس: أمالك يا باذر من يسقى لك هذا الحمار، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول ما من دابة إلا وهى تسأل كل صباح اللهم ارزقني مليكا صالحا يشبعني من العلف، ويروينى من الماء، ولا يكلفنى فوق طاقتي، فأنا أحب أن أسقيه بنفسي (6). ومنه: عن محمد بن علي عن ابن أسباط عن سيابة بن ضريس عن سعيد بن غزوان عن: أبي عبد الله عليه السلام مثله (7). الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن ابن فضال مثله وفيه قال فيماظن (8).


(1 و 2) المحاسن: 623. (3 - 7) المحاسن: 626. (8) الكافي ج 6 ص 537. *

[206]

بيان: على نسخة الكافي الظاهر أن الشك من سليمان ويحتمل كونه من ابن سنان، وعلى ما في المحاسن كان الاخير متعين، والسؤال يحتمل أن يكون بلسان الحال كناية، عن احتياجها إلى ذلك وإضطرارها فلابد من رعايتها. 9 - المحاسن: عن ابن فضال عن صفوان الجمال قال أرسل إلى المفضل بن عمر أن أشترى لابي عبد الله عليه السلام جملا فاشتريت جملا بثمانين درهما فقدم به على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: أتراه يحمل القبة ؟ فشددت عليه القبة وركبته فاستعرضته ثم قال: لو أن الناس يعلمون كنه حملان الله على الضعيف ما غالوا ببهيمة (1). ومنه: عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن ابن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن صلوة المغرب فقال أنخ إذا غابت الشمس، قال فانه يشتد على إناخته مرتين قال: افعل فانه أصون للظهر (2). ومنه: عن بعض أصحابنا رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تضربوها على العثار واضربوها على النفار، وقال لا تغنوا على ظهورها أما يستحيي أحدكم أن يغني على ظهر دابته وهي تسبح (3). ومنه: عن بعض أصحابه رفعه إلى أبى عبد الله عليه السلام قال: قال على بن الحسين عليه السلام لابنه محمد عليه السلام حين حضرته الوفاة: إني قد حججت على ناقتي هذه عشرين حجة فلم أقرعها بسوط قرعة، فإذا نفقت فادفنها لا يأكل لحمها السباع، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: مامن بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلا جعله الله من نعم الجنة، وبارك في نسله، فلما نفقت حفر لها أبو جعفر عليه السلام ودفنها (4). بيان يدل على استحباب ترك ضرب الدواب لا سيما في طريق الحج، وكانه


(1) المحاسن: 638. (2) المحاسن: 639. (3) المحاسن: 627. (4) المحاسن: 635. *

[207]

محمول على ما إذا لم تدع إليه ضرورة، وعلى استحباب دفن الناقة التي حج عليها سبع حجج، ويحتمل شموله لجميع الدواب كما يؤمى إليه الخير الآتي، ويحتمل اختصاص الحكم بمركوبهم عليهم السلام لكن التعليل يؤمى إلى التعميم. 10 - المحاسن: عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن مرازم عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: انه ليس من دابة عرف بها خمس وقفات إلا كانت من نعم الجنة قال: روى بعضهم وقف بها ثلاث وقفات (1). ومنه عن محمد بن سنان عن عبد الاعلى عن أحدهما عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إنه ليس من بعير إلا على ذروته شيطان، فامتهنوهن ولا يقول أحدكم اريح بعيري فان الله هو الذى يحمل (2). ومنه: عن محمد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله: إن على ذروة كل بعير شيطانا فامتهنوها لانفسكم، وذللوها واذكروا اسم الله عليها، فانما يحمل الله (3). ومنه: عن أبي طالب عن أنس بن عياض الليثي، عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن على ذروة كل بعير شيطانا فامتهنوها لانفسكم، و ذللوها، واذكروا اسم الله عليها كما أمركم الله (4). بيان " كما أمركم الله " أي في قوله تعالى " والذي خلق الازواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " (5) فانه في قوة الامر كما سيأتي إنشاء الله في باب آداب الركوب. ويمكن أن يكون المراد بأمره تعالى ما يشمل أمر الرسول وأوصيائه عليهم السلام أيضا.


(1 - 4) المحاسن: 636. (5) الزخرف: 12 - 14. *

[208]

11 - المحاسن: عن جعفر بن محمد عن ابن القداح عن أبي عبد الله وعن أبيه ميمون قال: خرجنا مع أبي جعفر عليه السلام إلى أرضه بطيبة ومعه عمرو بن دينار وأناس من أصحابه، فأقمنا بطيبة ما شاء الله وركب أبو جعفر عليه السلام على جمل صعب، فقال له عمرو بن دينار ما أصعب بعيركم ؟ فقال له أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال إن على ذروة كل بعير شيطانا فامتهنوها وذللوها، وذكروا اسم الله عليها، فانما يحمل الله ثم دخل مكة ودخلنا معه بغير إحرام (1). الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد مثله (2). بيان: كان المراد بطيبة هنا غير المدينة بل هي اسم موضع قريب مكة وإنما دخل عليه السلام بغير احرام لعدم مضى شهر من الاحرام الاول، قال الفيروزآبادي طيبة أي بالفتح المدينة النبوية، وبالكسر قرية عند زرود. 12 - المحاسن: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لويعلم الحاج ماله من الحملان ما غالى أحد للبعير (3). ومنه: عن محمد بن علي عن الحجال عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لو يعلم الناس كنه حملان الله على الضعيف ما غالوا ببهيمة (4). ومنه: عن أبيه عن محمد بن عمرو عن سليمان الرحال عن ابن أبي يعفور، قال مر بى أبو عبد الله عليه السلام وأنا أمشى عن ناقتي، فقال مالك لا تركب ؟ فقلت: ضعفت ناقتي، و أردت أن اخفف عنها، فقال: رحمك الله اركب، فان الله يحمل على الضعيف والقوى (5). الكافي عن العدة عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه مثله (6). 13 - المحاسن عن بكر بن صالح عن سليمان الجعفري عن أبى الحسن عليه السلام قال


(1) المحاسن: 637. (2) الكافي ج 6 ص 543. (3 - 5) المحاسن: 637. (6) الكافي ج 6 ص 542. *

[209]

إذا عثرت الدابة تحت الرجل فقال لها: تعست تقول تعس وانتكس أعصانا لربه (1). الكافي عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد بن يسار عن عبيدالله الدهقان عن درست عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: وذكر مثله (2). توضيح: قال الجوهرى التعس الهلاك، وأصله الكب وهو ضد الانتعاش، وقد تعس بالفتح يتعس تعسا وأتعسه الله، يقال تعسا لفلان أي ألزمه الله هلاكا. وقال الفيروز آبادي التعس الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط والفعل كمنع وسمع أو إذا خاطبت قلت تعست كمنع، وإذا حكيت قلت تعس كسمع وقال: انتكس أي وقع على رأسه انتهى. وقوله " لربه " الظاهر أن المراد به الرب سبحانه كما هو المصرح به في غيره ويحتمل أن يكون المراد بالرب المالك أي ما عصيتك في هذه العثرة إذ لم تكن باختياري وأنت عصيت ربك كثيرا. 14 - المكارم: عن الرضا عليه السلام قال: على كل منخر من الدواب شيطانا فإذا أراد أحدكم أن يلجمها فليسم الله عزوجل (3). الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن يعقوب بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام وذكر مثله (4). 15 - المكارم: عن أبي عبيدة عن أحدهما عليهما السلام قال أيما دابة استصعبت على صاحبها من لجام ونفار فليقرأ في اذنها أو عليها " أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها وإليه ترجعون " وليقل " اللهم سخرها وبارك لي فيها بحق محمد وآل محمد " واقرء إنا أنزلناه (5).


(1) المحاسن: 631. (2) الكافي ج 6 ص 538. (3) مكارم الاخلاق: 303. (4) الكافي ج 6 ص 539. (5) مكارم الاخلاق: 303. *

[210]

الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي عبيدة مثله إلى قوله وإليه ترجعون (1). بيان: قوله عليه السلام: " أو عليها " أي قريبا منها إن لم يقدر على إدناء الفم من أذنها. 16 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال على عليه السلام: للدابة على صاحبها ست خصال يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مر به ولا يضربها إلا على حق ولا يحتملها إلا ما تطيق ولا يكلفها من السير إلا طاقتها، ولا يقف عليها فواقا. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي فرب دابة مركوبة خير من راكبها، وأطوع لله تعالى وأكثر ذكرا. وبهذا الاسناد قال: قال علي عليه السلام: نهي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن توسم الدواب على وجوهها فانها تسبح بحمد ربها. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قلدوا النساء ولو بسير، وقلدوا الخيل ولا تقلدوها الاوتار (2). بيان: قال الجوهري الفواق والفواق ما بين الحلبتين من الوقت لانها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فواقا. 17 - المجازات النبوية: قال عليه السلام: قلدوا الخيل ولا تقلدوها الاوتار (3). قال السيد رضي الله: عنه هذه استعاره على أحد التأويلين وهو أن يكون المراد النهي عن طلب أوتار الجاهلية على الخيل بشن الغارات وشب النائرات، ومعنى " لا تقلدوها " أي لا تجعلوها كأنها قلدت درك الوتر فتقلدته، وضمنت أخذ الثار فضمنته وذلك عبارة عن فرط جدهم في الطلب وحرصهم على الدرك، فكأنه عليه السلام قال: قلدوا


(1) الكافي ج 6 ص 540. (2) نوادر الراوندي 14 و 15. (3) المجازات النبوية: 165. *

[211]

الخيل طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية ودخول مصارع الحمية. وإذا حمل الخبر على التأويل الآخر خرج عن أن يكون مجازا وهوأن يكون المراد النهي عن تقليد الخيل أوتار القسى وقيل في وجه النهي عن ذلك قولان أحدهما أن يكون عليه السلام إنما نهى عنه لان الخيل ربما رعت الاكلاء والاشجار فنشبت الاوتار في أعناقها ببعض شعب ما ترعاه من ذلك، فخنقتها أو حبستها على عدم المأكل والمشرب حتى تقضى نحبها. والوجه الآخر أنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن تقليد الخيل بالاوتار يرفع عنها حمة عين العاين وشرارة نظر المستحسن، فتكون كالعوذلها والاحراز عليها، فأراد عليه السلام أن يعلمهم أن تلك الاوتار لا تدفع ضررا ولا تصرف حذرا وإنما الله سبحانه وتعالى الدافع الكافي والمعيذ الواقي ومما يقوى هذا التأويل ما روي من أمره عليه السلام بقطع الاوتار عن أعناق الخيل. ولتقليد الخيل وجه آخر وهو أن العرب كانت إذا قدرت وظفرت قلدت الخيل العمائم وذكر أن معوية لما تغلب على الامر ودخل الكوفة بعد صلح الحسين عليه السلام فعل ذلك بخيله. اقول: وذكر ابن الاثير في النهاية هذه الوجوه الا الاخير. 18 - المجازات: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الركب أسنتها وفي روايه أخرى فاعطوا الركاب أسنانها (1). وهذه استعارة والمراد بالاسنة هيهنا على ما قاله جماعة من علماء اللغة الاسنان وهو جمع جمع لان الاسنان جمع سن والاسنة جمع الاسنان، والركب جمع الركاب، فكأنه عليه السلام أمرهم بأن يمكنوا ركابهم زمان الخصب من الرعى في طرق أسفارهم، وعند نزولهم وارتحالهم فكنى عن ذلك باعطائها أسنانها، والمراد تمكينها من استعمال أسنانها في اجتذاب الاكلاء والاعشاب، فكأنهم بتمكينها من ذلك قد أعطوها أسنانها، وهذا كما يقول


(1) المجازات النبويه: 167. *

[212]

القائل لغيره: أعط الفرس عنانها، وأعط الراحلة زمامها: أي مكنها من التوسع في الجرى ومد العنق في الخطو. وعندي في ذلك وجه آخر وهو أن يكون المراد مكنوا الركاب في الخصب من أن يسمن بكثرة الرعي، فانهم قد عبروا في أشعارهم عن سمن الابل بالسلاح تارة، و بالاسنة تارة، فان سمنها وشارتها في عين صاحبها يمنعه من أن ينحرها للضيافة ويبذلها لطراقة، فجعل السمن لها كالسلاح الذي يدافع به عن نحرها، وتماطل به عن عقرها. 19 - الفقيه: باسناده عن أيوب بن أعين قال: سمعت الوليد بن صبيح يقول لابي عبد الله عليه السلام إن أبا حنيفة رأى هلال ذي الحجة بالقادسية وشهد معنا عرفة، فقال ما لهذا صلوة ما لهذا حج. وحج علي بن الحسين عليه السلام على ناقة له أربعين حجة فما قرعها بسوط (1). ومنه: باسناده الصحيح عن علي بن رئاب عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعقبون بعيرا بينهم وهم منطلقون إلى بدر (2). بيان: العقبة بالضم النوبة وأعقب زيد عمروا: ركبا بالنوبة. 20 - الفقيه: قال على عليه السلام في الدواب: لا تضربوها الوجوه ولا تلعنوها فان الله عزوجل لعن لا عنها. وفي خبر آخر: لا تقبحوا الوجوه. وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: إن الدواب إذا لعنت لزمتها اللعنة (3). توضيح: " لا تقبحوا الوجوه " أي لا تقولوا لها قبح الله وجهك أولا تفعلوا شيئا يصير سببا لقباحة وجهها قال في النهاية يقال قبحت فلانا إذا قلت قله قبحك الله، من


(1) الفقيه ج 2 ص 191. (2) الفقيه ج 2 ص 192. (3) الفقيه ج 2 ص 188. *

[213]

القبح وهو الابعاد، ومنه الحديث لا تقبحوا الوجه أي لا تقولوا قبح الله وجه فلان، و قيل لا تنسبوا إلى القبح ضد الحسن، لان الله قد أحسن كل شئ خلقه. قوله عليه السلام " لزمتها " أي يستجاب فيها ويصير سببا لهلاكها أو لزمتها مقابلة اللعن باللعن، قال في النهاية في حديث المرأة التي لعنت ناقتها في السفر، فقال: ضعوا عنها فانها ملعونة، قيل إنما فعل ذلك لانه استجيبت دعاؤها فيها، وقيل فعله عقوبة لصاحبتها لئلا تعود إلى مثلها، وليعتبر بها غيرها، وأصل اللعن الطرد والابعاد من الله تعالى ومن الخلق السب والدعاء. 21 - الفقيه: باسناده عن السكوني باسناده قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله تبارك وتعالى يحب الرفق ويعين عليه، فإذا ركبتم الدواب العجاف فأنزلوها منازلها فانكانت الارض مجدبة فانجوا عليها، وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها. وقال صلى الله عليه واله: من سافر منكم بدابة فليبدء حين ينزل بعلفها وسقيها (1). وقال أبو جعفر عليه السلام: إذا سرت في أرض خصبة فأرفق بالسير، وإذا سرت في أرض مجدبة فعجل بالسير (2). بيان: العجاف المهازيل، فأنزلوها منازلها أي كلفوها على قدر طاقتها ولا تتعدوا بها المنزل كما في الثاني فانجوا أي فأسرعوا لتصلوا إلى الماء والكلاء، فأرفق بالسير أي لترعى في الطريق. 22 - الكافي عن محمد بن يحيى عن علي بن إبراهيم الجعفري رفعه قال سئل الصادق عليه السلام متى أضرب دابتي تحتي ؟ فقال إذ لم تمش كمشيتها إلى مذودها (3) الفقيه: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وذكر مثله (4). بيان: في أكثر نسخ الكافي المذود بالذال المعجمة، وفي أكثر نسخ الفقيه بالزاي


(1) الفقيه ج 2 ص 189. (2) الفقيه ج 2 ص 190. (3) الكافي ج 6 ص 538. (4) الفقيه ج 2 ص 187. *

[214]

والاول أظهر، في القاموس المذود كمنبر معلف الدابة، وقال الزود تأسيس الزاد و كمنبر وعاؤه. 23 - الكافي: عن حميد بن زياد عن الخشاب عن ابن بقاح عن معاذ الجوهري عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله: لا تتور كوا على الدواب ولا تتخذوا ظهورها مجالس (1). بيان: لعل المراد بالتورك عليها الجلوس عليها على إحدى الوركين، فانها تتضرر به ويصير سببا لدبرها، أو المراد رفع إحدى الرجلين ووضعها فوق السرج للاستراحة، قال الجوهري تورك على الدابة أي ثنى رجله ووضع إحدى وركيه في السرج، وكذلك التوريك، وقال أبو عبيدة المورك والموركة الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب وفي القاموس: تورك على الدابة ثنى رجله لينزل أو ليستريح انتهى. وفي بعض النسخ: لا تتوكؤا من الاتكاء وكأنه تصحيف. 24 - الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن الاصم عن مسمع بن عبد الملك عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اضربوها على النفار ولا تضربوها على العثار (2). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن من الحق أن يقول الراكب للماشي: الطريق. وفي نسخة اخري: إن من الجور أن يقول الراكب للماشي: الطريق (3). بيان: كأن قوله: وفي نسخة اخرى، من كلام رواة الكافي، ويحتمل كونه من الكليني بأن يكون اختلاف النسخ في اصوله، وعلى التقديرين فالنسخة الاخرى محمولة على ما إذا كان هناك طريق آخر يمكنه أن يثني عنانه إليه، وعلى النسخة


(1) الكافي ج 6 ص 539. (2 و 3) فروع الكافي 6: 540. *

[215]

الاولى معناه أنه ينبغي للراكب أن يحذر الماشي ليعدل عن طريقه لئلا يصيبه ضرر ويؤيد النسخة الثانية ما سيأتي، ولم تكن النسخة الاولى في بعض نسخ الكافي وإن كانت أظهر. 25 - الخصال: عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن هشام بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: من الجور قول الراكب للماشي الطريق (1). 26 - الفقيه: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: أخروا الاحمال فان اليدين معلقة والرجلين موثقة (2). 26 - الكافي: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن أحمد بن محمد عن الحسن بن الحسين العلوي قال: قال أبو الحسن عليه السلام: من مروة الرجل أن يكون دوابه سمانا قال: وسمعته يقول: ثلاث من المروة: فراهة الدابة، وحسن وجه المملوك. والفرس السرى (3). بيان: في القاموس: فره ككرم فراهة وفراهية: حذق، فهو فاره بين الفروهة (4) والسري: النفيس الشريف. 28 - مجالس الصدوق والفقيه: في حديث المناهى عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله عن ضرب وجوه البهائم، ونهى عن قتل النحل ونهى عن الوسم في وجوه البهايم (5). 9 - إرشاد المفيد: عن أبي محمد الحسن بن محمد عن جده عن أحمد بن محمد الرافقي (6) عن إبراهيم بن علي عن أبيه قال: حججت مع أبي علي بن الحسين عليهما السلام فالتاثت عليه


(1) الخصال: 3 فيه: للراجل. (2) من لا يحضره الفقيه 2: 191. (3) فروع الكافي 6: 479. (4) القاموس: فره. (5) المجالس: 255 (م 66) من لا يحضره الفقيه 4: 5. (6) في المصدر: الرافعى. *

[216]

الناقة في سيرها فأشار إليها بالقضيب ثم قال: آه لولا القصاص، ورد يده عنها (1). بيان: في النهاية فيه إذا التاثت راحلة أحدنا أي أبطأت في سيرها (2). 30 - الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن على بن إسماعيل رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته فانهن حق، الخبر (3). 31 - الفقيه: باسناده عن أحمد بن إسحاق بن سعد عن عبد الله بن ميمون عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال الفضل بن العباس: اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بغلة أهداها له كسرى أو قيصر فركبها النبي صلى الله عليه واله وسلم بجل من شعر وأردفني خلفه، الخبر (4). 32 - كتاب المسائل: بالاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل أيصلح أن يركب الدابة عليها الجلجل ؟ قال: إن كان له صوت فلا وإن كان أصم فلا بأس (5). 33 - الفقيه: قال الصادق عليه السلام: إن على ذروة كل بعير شيطانا فاشبعه و امتهنه (6). تذنيب: ذكر العلامة قدس سره في المنتهى كثيرا من أخبار حقوق الدابة من غير تصريح بالوجوب أو الاستحباب، وقال: ويستحب اتخاذ الخيل وارتباطها


(1) الارشاد: 240 (طبعة الاخوندى). (2) النهاية: 4: 72. (3) فروع الكافي 5: 50 صدره: اركبوا وارموا وان ترموا احب إلى من أن تركبوا ثم قال: كل، ذيله: الا ان الله عزوجل ليدخل في السهم الواحد الثلاثة الجنة: عامل الخشبة والمقوى به في سبيل الله والرامي به في سبيل الله. (4) من لا يحضره الفقيه: 4: 296. (5) بحار الانوار 10: 264. (6) من لا يحضره الفقيه 2: 190. *

[217]

استحبابا مؤكدا، وقال: وينبغي اجتناب ضرب الدابة إلا مع الحاجة ولا بأس بالعقبة. وأقول: سائر الآداب المذكورة في هذه الاخبار لم ينص الاصحاب فيها بشئ فالحكم بالوجوب أو الحرمة في أكثرها مشكل، بل الظاهر أن أكثرها من السنن والآداب المستحبة المرغوبة، لكن الاحتياط يقتضي العمل بجميعها ما تيسر. وقال الدميري في حياة الحيوان: في شرح الكافية: لا يجوز بيع الخيل لاهل الحرب كالسلاح، ويكره أن يقلد الاوتار لنهي النبي صلى الله عليه واله وسلم عن ذلك وأمره بقطع قلائد الخيل، قال مالك: أراه من أجل العين، وقال غيره: إنما أمر بقطعها لانهم كانوا يعلقون فيها الاجراس، وقال آخرون: لانها تختنق بها عند شدة الركض، و يحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور والخيوط (1) على ماكان من عادتهم في الجاهلية، وقيل: معناه لا تطلبوا عليها الاوتار والذحول ولا تركضوها في طلب الثأر (2). وفي شفاء الصدور: عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: لا تضربوا وجوه الدواب فان كل شئ يسبح بحمده. وروي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إذا انفلتت دابة أحدكم بارض فلاة فليناد: " يا عباد الله احبسوا " فان لله عزوجل في الارض حاجزا سيحبسه (3). وروى الطبراني في معجمه الاوسط من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرأوا في اذنه " أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها إليه ترجعون (4) " ثم قال: يجب علي مالك الدواب علفها وسقيها (5) لحرمة الروح.


(1) في المصدر: وقيل: " معناه " إلى قوله: " في طلب الثأر " ثم زاد بعده: على ما كان من عادتهم في الجاهلية. (2) حياة الحيوان 1: 288. (3) في المصدر: حابسا يحبسها. (4) آل عمران: 83. (5) في المصدر: على مالك الدابة علفها ورعيها وسقيها. *

[218]

وفي الصحيح: " عذبت امرأة في هرة " فان لم تكن ترعى لزمه أن يعلفها و يسقيها إلى أول شبعها وريها دون غايتهما، وإن كانت ترعى لزمه إرسالها لذلك حتى تشبع وتروي بشرط فقد السباع (1) ووجود الماء، وإن اكتفت بكل من الرعي والعلف خير بينهما، وإن لم تكتف إلا بهما لزماه، وإذا احتاجت البهيمة إلى السقي ومعه ما يحتاج إليه لطهارته سقاها وتيمم، فان امتنع من العلف اجبر في مأكوله على بيع أو علف أو ذبح وفي غيرها على بيع أو علف صيانة لها عن الهلاك، فان لم تفعل فعل الحاكم ما تقتضيه المصلحة، فان كان له مال ظاهر بيع في النفقة، فان تعذر جميع ذلك فمن بيت المال. ويستحب أن يقول عند الركوب ما رواه الحاكم والترمدي وصححاه عن على ابن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب عليه السلام وقد اتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب (2) قال: " سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " ثم ضحك فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شئ ضحكت ؟ فقال: رأيت النبي صلى الله عليه واله وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك فقلت: يا رسول الله من أي شئ ضحكت ؟ فقال: إن ربك تعالى ليعجب من عبده إذا قال: " رب اغفر لي ذنوبي " يعلم (3) أنه لا يغفر الذنوب غيرى. وروى أبو القاسم الطبراني عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إذا ركب العبد الدابة ولم يذكر اسم الله ردفه الشيطان فقال: " تغن " فان كان لا يحسن الغناء قال له: " تمن " فلا يزال في امنيته حتى ينزل. وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من قال إذا ركب دابة: " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الارض ولا في السماء، سبحانه ليس له سمي سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على


(1) في المصدر: السباع العادية. (2) في المصدر: " قال بسم الله فلما استوى على ظهرها: قال الحمد لله ثم قال " وفيه: فانه. (3) أي يقول الله تعالى: يعلم عبدى انه لا يغفر الذنوب غيرى، أو تفسير للاعجاب. *

[219]

محمد وآله وعليهم السلام " إلا قالت (1) الدابة بارك الله عليك من مؤمن خففت على ظهرى وأطعت ربك، وأحسنت إلى نفسك، بارك الله لك (2) وأنجح حاجتك. وروى ابن أبى الدنيا باسناده عن عمر بن قيس أنه قال: إذا ركب الرجل الدابة قالت: " اللهم اجعله بي رفيقا رحيما " فإذا لعنها قالت: لعنة الله على أعصانا لله (3). وفي كامل ابن عدي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: اضربوا الدواب على النفار ولا تضربوها على العثار. وقال: يجوز الارداف على الدابة إذا كانت مطيقة ولا يجوز إذا لم تطقه. ففي الصحيحين عن اسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أردفه حين دفع من عرفات إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل بن العباس من مزدلفة إلى منى، وأنه صلى الله عليه واله وسلم أردف معاذا على الرحل وعلى حمار يقال له: عفير (4)، ثم قال: وإذا أردف صاحب الدابة فهو أحق بصدرها، ويكون الرديف وراءه إلا أن يرضى صاحبها بتقديمه لجلالة أو غير ذلك. وأفاد الحافظ ابن منده أن الذين أردفهم النبي صلى الله عليه واله وسلم ثلاثة وثلاثون نفسا (5). وروى الطبراني عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى أن يركب ثلاثة على دابة. وقال: يكره دوام الركوب على الدابة لغير حاجة وترك النزول عنها للحاجة لما في سنن أبى داود والبيهقي عن أبى هريرة (6) أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إياكم أن


(1) في المصدر: " وصلى الله عليه سيدنا محمد وعليه السلام قالت " وفيه: عن ظهرى. (2) في المصدر: لك في سفرك. (3) في المصدر: قالت: على اعصانا لله لعنة الله. (4) حياة الحيوان 1: 230 - 233. (5) زاد في المصدر: وامر صلى الله عليه وآله عبد الرحمن بن ابى بكران يعتمر باخته عائشة من التنعيم فاردفها وراءه على راحلته وأردف صلى الله عليه وآله صفية ام المؤمنين وراءه حين تزوجها بخيير. (6) في المصدر: من حديث ابى مريم عن ابى هريرة. *

[220]

تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فان الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس، وجعل لكم في الارض مستقرا فاقضوا عليها حاجاتكم. ويجوز الوقوف على ظهرها للحاجة ريثما تقضي لما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن ام الحصين الاخمصية (1) أنها قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حجة الوداع فرأيت اسامة وبلالا أحدهما أخذ خطام ناقة النبي صلى الله عليه واله وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الفتاوى الموصلية: النهي عن ركوب الدواب وهي واقفة محمول على ما إذا كان لغير غرض صحيح، وأما الركوب الطويل في الاغراض الصحيحة فتارة يكون مندوبا كالوقوف بعرفة، وتارة يكون واجبا كوقوف الصفوف في قتال المشركين وقتال كل من يجب قتاله، وكذلك الحراسة في الجهاد وإذا خيف هجمة العدو، وهذا لا خلاف فيه انتهى (2). أقول: سيأتي الاخبار المناسبة للباب في أبواب السفر وأبواب آداب الركوب إن شاء الله.


(1) في المصدر: الاحمسية. (2) حياة الحيوان 1: 235. *

[221]

* (باب 9) * * (اخصاء الدواب وكيها وتعرقبها (6) والاضرار بها وبسائر الحيوانات) * والتحريش بينها، وآداب انتاجها وبعض النوادر الآيات: النساء 4: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولا ضلنهم ولا منينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا 117 - 119. تفسير: " فليبتكن آذان الانعام " قيل: أي يشقونها لتحريم ما أحل الله وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب وإشارة إلى تحريم كل ما أحل و نقص كل ما خلق كاملا بالفعل أو بالقوة " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " عن وجهه صورة أو صفة، ويندرج فيه ما قيل من فقوء عين الحامي وخصاء العبيد والبهائم والوسم والوشم والوشر واللواط والسحق ونحو ذلك وعبادة الشمس والقمر وتغيير فطرة الله التي هي الاسلام واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى، وبالجملة يمكن أن يستدل به على تحريم الكي وإخصاء الانسان والحيوانات مطلقا بل التحريش بينها لانها لم تخلق لذلك إلا ما أخرجه الدليل. قال الطبرسي قدس الله روحه: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " أي لآمرنهم بتغيير خلق الله فيلغيرنه، واختلف في معناه فقيل: يريد دين الله وأمره عن ابن عباس وإبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. ويؤيده قوله سبحانه: " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله "


(1) في المخطوطة: وعرقبتها (تعرقبها خ ل). (2) الوسم: اثر الكي. والوشم: غرز الابرة في البدن وذر النيلج عليه وبالفارسية يقال: خالكوبى. والوشر: تحديد الاسنان وترقيقها. *

[222]

وأراد بذلك تحريم الحلال وتحليل الحرام، وقيل: أراد معنى الخصاء عن عكرمة و شهر بن حوشب وأبي صالح عن ابن عباس وكرهوا الاخصاء في البهائم وقيل: إنه الوشم عن ابن مسعود، وقيل: إنه أراد الشمس والقمر والحجارة عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها عن الزجاج (1). 1 - المحاسن: عن محمد بن علي عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخصاء فلم يجبني، ثم سألت أبا الحسن عليه السلام بعده فقال: لا بأس (2). الفقيه: باسناده عن الحسن بن علي بن فضال عن يونس بن يعقوب مثله وفيه عن الاخصاء (3). بيان: محمول على إخصاء الحيوانات كما سيأتي، والمشهور فيه الكراهة، وقيل بالحرمة، والمشهور أظهر، قال العلامة - رحمه الله - في المنتهى: نقل ابن ادريس عن بعض علمائنا أن إخصاء الحيوان محرم، قال: والاولى عندي تجنب ذلك وأنه مكروه دون أن يكون محرما محظورا، لانه ملك للانسان يعمل به ما شاء مما فيه الصلاح له (4)، وما روي في ذلك يحمل على الكراهية دون الحظر. 2 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد عن يونس بن يعقوب عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن إخصاء الغنم قال: لا بأس (5). 3 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا حرنت على أحدكم دابة في أرض العدو


(1) مجمع البيان 3: 113. (2) المحاسن: 628. (3) من لا يحضره الفقيه 3: 216 فيه: لا بأس به. (4) الضمير ان عاد إلى الحيوان فالتعليل صحيح واما ان عاد إلى الانسان ففى عموم التعليل نظر. (5) قرب الاسناد: 131. *

[223]

فليذبحها (1) ولا يعرقبها (2). 4 - ومنه: بالاسناد المتقدم قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: لما كان يوم مؤتة كان جعفر بن أبي طالب على فرس له فلما التقوا نزل عن فرسه فعرقبها بالسيف فكان أول من عرقب في الاسلام (3). المحاسن: عن النوفلي مثله (4). بيان: يدل على جواز العرقبة مع الضرورة. 5 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن إبراهيم عن محمد بن وهبان عن علي بن حبشي عن العباس بن محمد بن الحسين عن أبيه عن صفوان وجعفر بن عيسى عن الحسين بن أبي غندر عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رجل شيخ ناسك يعبد الله في بني إسرائيل، فبينا هو يصلي وهو في عبادته إذ بصر بغلامين صبيين قد أخذاد يكاوهما ينتفان ريشه، فأقبل على ما فيه من العبادة ولم ينههما عن ذلك، فأوحى الله إلى الارض: أن تسخي بعبدي، فساخت به الارض فهو يهوي في الدر دون أبد الآبدين ودهر الداهرين (5). بيان: الدردون لم أجده في كتب اللغة، وكأنه اسم طبقة من طبقات الارض أو طبقات جهنم، ويدل على عدم جواز الاضرار بالحيوانات بغير مصلحة، ووجوب نهي الصبيان عن مثله، وفيه مبالغة عظيمة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. 6 - المحاسن: عن أبيه عن ابن المغيرة ومحمد بن سنان عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام أنه كره إخصاء الدواب والتحريش بينها (6).


(1) في المصدر: " دابة يعنى اقامت في أرض العدو اوفى سبيل الله فليذبحها " أقول: حرنت الدابة: وقفت ولم تنقد. عرقب الرجل الدابة: قطع عرقوبها. والعرقوب: عصب غلبظ فوق العقب. (2 و 3) فروع الكافي 5: 49. (4) المحاسن: 634. (5) المجالس والاخبار: 63. (6) المحاسن: 634. *

[224]

7 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد عن محمد بن الاشعث عن موسى بن إسماعيل بن موسى عن أبيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: كان رجل من نجران مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة ومعه فرس، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يستأنس إلى صهيله ففقده فبعث إليه فقال: ما فعل فرسك ؟ فقال: اشتد على شغبه فخصيته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: مثلت به مثلت به، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى أن تقوم القيامة (1)، وأهلها معانون علهيا أعرافها وقارها ونواصيها جمالها وأذنابها مذابها (2). 8 - الكافي: عن العدة عن سهل عن البزنطي عن الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده (3) عن قطع أليات الغنم فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال: إن في كتاب علي عليه السلام إن ما قطع منها ميت لا ينتفع به (4). بيان: يفهم منه أن كل إضرار بالحيوان يصير سببا لاصلاحه جائز وإن لم ينتفع به الحيوان. 9 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن الكشوف وهو أن تضرب الناقة وولدها طفل (5) إلا أن يتصدق بولدها أو يذبح، ونهى من أن ينزى حمار على عتيقة. بيان: في القاموس: الكشوف كصبور: الناقة يضربها الفحل وهي حامل وربما ضربها وقد عظم بطنها، فان حمل عليها الفحل سنتين ولاء فذلك الكشاف بالكسر أو هو


(1) في المصدر: إلى يوم القيامة. (2) نوادر الراوندي: 34. (3) في المصدر: وانا عنده يوما. (4) فروع الكافي 6: 254 و 255. (5) لان ذلك يصير سببا لنقص لبنها وعدم رشد ولدها. *

[225]

أن تلقح حين تنتج أو أن يحمل عليها في كل عام وذلك أردأ النتاج. 10 - التهذيب: باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن عباد بن سليمان عن سعد بن سعد عن هشام بن إبراهيم قال: سألته عن الحمير ننزيها على الرمك لتنتج البغال أيحل ذلك ؟ قال: نعم انزها (1). بيان: الرمكة محركة: الفرس والبزدونة تتخذ للنسل، والجمع رمك و جمع الجمع أرماك ذكره الفيروزآبادي. وأقول: لا تنافي بين هذا الخبر وبين الخبر السابق واللاحق لان النهي فيهما متعلق بالنزو على العتيقة العربية والتجويز في هذا الخبر للبرذون، مع أن الخبر الآتي يحتمل كونه مختصا بهم عليهم السلام بل ظاهره ذلك. 11 - صحيفة الرضا: باسناد الطبرسي عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إنا أهل بيت لا تحل لنا صدقة (2)، وأمرنا باسباغ الوضوء وأن لا ننزي حمارا على عتيقة، ولا نمسح على خف (3). بيان: قال في النهاية في حديث علي عليه السلام: امرنا أن لا ننزي الحمر على الخيل أي نحملها عليه للنسل يقال: نزوت على الشئ أنزو نزوا إذا وثبت عليه وقد يكون في الاجسام والمعاني، ثم ذكر عن الخطابي بعض الوجوه التي ذكرها الدميري مما أوردته سابقا (4). 12 - المحاسن: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام مر ببهيمة وفحل يسفدها على ظهر الطريق، فأعرض على عليه السلام بوجهه، فقيل له: لم فعلت ذلك يا أمير المؤمنين فقال: إنه لا ينبغي أن تصنعوا (5) ما يصنعون


(1) تهذيب الاحكام. (2) في المخطوطة: انا اهل البيت لا تحل لنا الصدقة. (3) صحيفة الرضا: 5. (4) النهاية 4: 147. (5) في المصدر: أن يصنعوا. *

[226]

وهو من المنكر إلا أن تواروه (1) حيث لا يراه رجل ولا امرأة (2). 13 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الاشعث عن موسى بن إسماعيل بن موسى عن أبيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام مثله (3). بيان: في القاموس سفد الذكر على الانثى كضرب وعلم سفادا بالكسر نزى وأسفدته وتسافد السباع. 14 - الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعا عن ابن أبي نصر قال: سأل رجل الرضا عليه السلام عن الزوج من الحمام يفرخ عنده يتزوج الطير امه وابنته قال: لا بأس بما كان بين البهائم (4). 15 - السرائر: من كتاب أبان بن تغلب عن القاسم بن إسماعيل عن عيسى بن هشام عن أبان بن عثمان عن مسمع كردين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التحريش بين البهائم قال: أكره ذلك كله إلا الكلب (5). الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان مثله وفيه أكره ذلك إلا الكلاب (6). 16 - المحاسن: عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن أبي العباس عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التحريش بين البهائم، فقال: كله مكروه إلا الكلاب (7).


(1) في المصدر: الا أن يواروه. (2) المحاسن: 634. (3) نوادر الراوندي: 14 فيه: " على بهيمة " وفيه: " فاعرض بوجهه عنها " وفيه: أن يصنعوا ما صنعوا وهو من المنكر ولكن ينبغى لهم أن يواروه. (4) فروع الكافي 6: 548. (5) السرائر. (6) فروع الكافي 6: 554. (7) المحاسن: 628. *

[227]

الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم مثله وفيه كله يكره إلا الكلب (1). 17 - الفقيه: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن تحريش البهائم إلا الكلاب (2). بيان: قوله عليه السلام: " إلا الكلاب " كأن المراد به تحريش الكلب على الصيد لا تحريش الكلاب بعضها على بعض، والاخبار وإن وردت بلفظ الكراهة لكن قد عرفت أن الكراهة في عرف الاخبار أعم من الحرمة وهو لهو ولغو وإضرار بالحيوانات بغير مصلحة فلا يبعد القول بالتحريم والله يعلم. 18 - مجالس الصدوق والفقيه: في مناهى النبي صلى الله عليه واله وسلم: إنه نهى عن الوسم في وجوه البهائم (3). 19 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الدابة أيصلح أن يضرب وجهها أو يسمه بالنار ؟ قال: لا بأس (4). 20 - المحاسن: عن محمد بن على عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن سمة الغنم في وجوهها فقال: سمها في آذانها (5). 21 - ومنه: عن ابن محبوب عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سمة المواشي فقال: لا بأس بها إلا في الوجه (6). الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب مثله (7). 22 - المحاسن: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) فروع الكافي 6: 553 و 554 فيه: كله مكروه الا الكلب. (2) من لا يحضره الفقيه 4: 5. (3) مجالس الصدوق: 255 (م 66) من لا يحضره الفقيه 4: 5. (4) قرب الاسناد: 121. (5 و 6) المحاسن: 644. (7) فروع الكافي 6: 545 فيه: الافى الوجوه. *

[228]

قال: لا بأس بها إلا ما كان في الوجه (1). 23 - ومنه: عن أبيه عن فضالة عن أبان عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وسم المواشي فقال: توسم في غير وجهها (2). 24 - ومنه: عن محمد بن علي عن ابن أسباط عن علي بن جعفر قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الدابة يصلح أن يضرب وجهها ويسمها بالنار ؟ فقال: لا بأس (3). 25 - العياشي: عن الحسن عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن أن توسم البهائم في وجهها وأن يضرب وجوهها فانها تسبح بحمد ربها (4). 26 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أسم الغنم في وجوهها ؟ قال: سمها في آذانها (5). 27 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: لا بأس بسمة المواشي إذا تنكبتم وجوهها (6). 28 - حياة الحيوان: روي البخاري أن النبي صلى الله عليه واله مر بحمار وسم في وجهه فقال: لعن الله من فعل بهذا (7). 29 - وفي رواية: لعن الله الذي وسمه (8).


(1) المحاسن: 644 فيه: لا بأس به. (2) المحاسن، 644 فيه: في غير وجوهها. (3) المحاسن: 628. (4) تفسير العياشي 2: 294. (5) فروع الكافي 6: 545. (6) قرب الاسناد: 39 فيه: لا بأس بسمة المواشى بالنار إذا انتم تنكبتم وجوهها. (7 و 8) حياة الحيوان 1: 182 فيه: " من فعل هذا " وفيه: وسم هذا. *

[229]

* (باب 10) * النحل والنمل وسائر ما نهى عن قتله من الحيوانات، وما يحل قتله منها من الحيات والعقارب والغربان وغيرها والنهى عن حرق الحيوانات وتعذيبها الآيات: المائدة 5: فبعث الله غرابا الآية 30. النحل 16: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 68 و 69. النمل 27: حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها - إلى قوله تعالى - وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين الآيات 18 - 21. تفسير: قد مرت قصة الغراب الذي علم قابيل كيف يواري جسد هابيل عليه السلام حين قتله قوله تعالى: " وأوحى ربك " قال الرازي يقال: وحى وأوحى وهو الالهام، و المراد من الالهام أنه تعالى قرر في نفسها هذه الاعمال العجيبة التى يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الاول أنها تبنى البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار، والثاني أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فانه يبقى بالضرورة مابين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء تلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية و الدقيقة اللطيفة من الاعاجيب. *

[230]

والثالث: أن النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه، وذلك أيضا من الاعاجيب. والرابع أنها إذا ذهبت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقي، وبواسطة تلك الالحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذه أيضا حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ليس إلا على سبيل الالهام وهو حالة شبيهة بالوحي، لاجرم قال تعالى في حقها: " وأوحى ربك إلى النحل " واعلم أن الوحى قد ورد في حق الانبياء كقوله تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " (1) وفي الاولياء أيضا قال تعالى: " وإذا أوحيت إلى الحواريين (2) " وبمعنى الالهام في حق البشر " وأوحينا إلى ام موسى (3) " وفي حق سائر الحيوان خاص وقال الزجاج: يجوز أن يقال: سمى هذا الحيوان نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين الواحدة إلا الهاء " أن اتخذي " أن مفسرة لان في الايحاء معنى القول " ومما يعرشون " أي يبنون ويسقفون، وقرء بضم الراء وكسرها. واعلم أن النحل نوعان: أحدهما ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس، والنوع الثاني التي يسكن بيوت الناس ويكون في تعهدات الناس فالاول هو المراد بقوله: " أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر " والثاني هو المراد بقوله: " ومما يعرشون " وإنما قال: " من الجبال ومن الشجر " لئلا تبنى بيوتها في كل جبل وشجر بل في مساكن يوافق مصالحها ويليق بها، واختلفوا في


(1) الشورى: 51. (2) المائدة: 111. (3) القصص: 7. *

[231]

هذا الامر: فمن الناس من يقول: لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول وأن يتوجه عليها من الله أمر ونهي، وقال آخرون: ليس الامر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبايع توجب هذه الاحوال " ثم كلي من كل الثمرات " من للتبعيض أو لابتداء الغاية، رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي، ويقع ذلك الطل على أوراق الاشجار، فقد تكون تلك الاجزاء الطلية لطيفة الصور متفرقة على الاوراق والازهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة، أما القسم الثاني فانه مثل الترنجبين فانه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وذلك محسوس، وأما القسم الاول فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل تلتقط تلك الذرات من الازهار و أوراق الاشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة اخرى شيئا من تلك الاجزاء ثم تذهب بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الاجزاء الطلية شئ كثير فذاك هو العسل. ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الازهار الطيبة والاوراق العطرة أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الاجسام في داخل بطنه عسلا، ثم إنها تقئ مرة اخرى فذاك هو العسل، والقول الاول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة للاستقراء فان طبيعة الترنجبين قريبة إلى العسل في الطعم والشكل، ولاشك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الاشجار والازهار، فكذا هاهنا، وأيضا فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما تغتذي بالعسل، ولذلك فانا إذا أخرجنا العسل من بيوت النحل تركنا لها بقية من ذلك العسل لاجل أن تغتذي بها، فعلمنا أنها تعتذي بالعسل، و أنها إنما تقع على الاشجار والازهار لانها تغتذي بتلك الاجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: " كلى من كل الثمرات " كلمة " من " ها هنا تكون لابتداء الغاية ولا تكون للتبعيض على هذا القول " فاسلكي *

[232]

سبل ربك (1) أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو يكون المراد فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك، وفي قوله: " ذللا " قولان: الاول أنه حال من السبل لان الله تعالى ذللها لها ووطئها وسهلها كقوله: " هو الذي جعل لكم الارض ذلولا " (2). الثاني أنه حال من الضمير في قوله " فاسلكي " أي وائتي يا أيتها النحل ذلك منقادة لما امرت به غير ممتنعة " يخرج من بطونها " هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة، والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الاحوال أن يحتج الانسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لاحوال العالم العلوي والسفلى، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الانسان وقال: إنما ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب لاجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، ثم إنا ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الاشجار وعلى الاوراق والازهار فيلقطها الزنبور بفمه، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله: " يخرج من بطونها " أي من أفواهها، وكل تجويف في داخل البدن فانه يسمى بطنا، ألا ترى أنهم يقولون: " بطون الدماغ " وعنوابها تجاويف الدماغ فكذا ههنا " يخرج من بطونها " أي أفواهها، وأما على قول أهل الظاهر وهو أن النحل تأكل الاوراق والثمرات ثم تقئ فذلك هو العسل فالكلام ظاهر، ثم وصف العسل بكونه شرابا لانه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الاشربة، وبأنه مختلف ألوانه والمقصود منه إبطال القول بالطبع لهذا الجسم مع كونه متشابه الطبيعة، لما حدث على ألوان مختلفة، دل ذلك على حدوث تلك الالوان بتدبير الفاعل المختار، لا لاجل


(1) من العجائب التى لم يعلم رمزها إلى زماننا هذا هي أن النحل بكثرتها كيف كيف تهتدى إلى خليته مع كثرة الخلايا، واظن ان قوله: " فاسلكي سبل ربك ذللا " اشارة إلى الطريقة التى علمها ربها للاهتداء إلى ذلك. (2) الملك: 15. *

[233]

إيجاب الطبيعة، وبأن فيه شفاء للناس وفيه قولان: الاول وهو الصحيح أنه صفة للعسل. فان قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار ؟ قلنا: إنه تعالى لم يقل: إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء في الجملة، إنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله يحصل بالعجن بالعسل وأيضا فالاشربة المتخذة منه في الامراض البلغمية عظيمة النفع. والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد أن القرآن فيه شفاء للناس، و على هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: " مختلف ألوانه " ثم ابتدأ وقال: " فيه شفاء للناس " أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة مثل هذا الذي مر في قصة النحل، وعن ابن مسعود أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن فيه شفاء لما في الصدور. واعلم أن هذا القول ضعيف من وجهين الاول أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: " شراب مختلف ألوانه " وأما الحكم بعوده إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. الثاني ما روى أبو سعيد الخدري أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله وقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلا، فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم تغن عنه فقال عليه السلام: " اذهب فاسقه عسلا " وقال: " صدق الله وكذب بطن أخيك " فسقاة فبرأ كانما نشط من عقال. وحملوا قوله: " صدق الله " على قوله تعالى: " فيه شفاء للناس " وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل. فان قال قائل: فما المراد من قوله عليه السلام: صدق الله وكذب بطن أخيك ؟ قلنا: العلة أنه عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان هذا جاريا مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ انتهى (1).


(1) تفسير الرازي. *

[234]

وآيات النمل قد مر تفسيرها وتدل على شرافة في الجملة للنملة وعلى بعض ما سيأتي ذكره، وكذا آيات الهدهد تدل على كرامته وبعض ما سيأتي من أحواله وقد مضت قصته وسيأتي بعضها. وقال الدميري في حياة الحيوان: النحل: ذباب العسل، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الذباب كله في النار إلا النحل " وواحدة النحل نحلة، و قرأ يحيى بن وثاب: " وأوحى ربك إلى النحل " بفتح الحاء والجمهور بالاسكان قال الزجاج في تفسير سورة النساء: سميت نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج منها، إذا النحلة العطية، وكفاها شرفا قول الله عز وجل: " وأوحى ربك إلى النحل " فأوحى الله سبحانه وتعالى إليها فأثنى عليها، فعلمت مساقط الانوار من وراء البيداء فتقع هناك على كل نورة عبقة وزهرة أنقة ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا (1). قال في عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر: " يوم الرحمة " إذ أوحى الله تعالى فيه إلى النحل صنعة العسل فبين سبحانه أن في النحل أعظم اعتبار، وهو حيوان فهيم ذوكيس وشجاعة ونظر في العواقب ومعرفة بفصول السنة وأوقات المطر وتدبير المراتع والمطاعم، والطاعة لكبيرة والاستكانة لاميره وقائده، وبديع الصنعة و عجيب الفطرة. قال أرسطو: النحل تسعة أصناف: منها ستة يأوي بعضها إلى بعض وغذاؤها من الفضول الحلوة والرطوبات التي ترشح بها الزهر والورق، ويجمع ذلك كله ويدخره وهو العسل وأوعيته، ويجمع مع ذلك رطوبات دسمة يتخذ منها بيوت العسل وهي الشمع، وهو يلقطها بخرطومه ويحملها على فخذيه وينقلها من فخذيه إلى صلبه هكذا. قال: والقرآن يدل على أنها ترعى الزهر فيستحيل في جوفها عسلا وتلقيه


(1) في المصدر: قال القزويني في عجائب المخلوقات. *

[235]

من أفواهها، فيجمع منه القناطير المقنطرة، قال تعالى: " ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " وقوله: " من كل الثمرات " المراد به بعضها نظيره قوله: " واوتيت من كل شئ " يريد به البعض، واختلاف الالوان في العسل بحسب اختلاف النحل (1)، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى، ومن هذا المعنى قول زينب للنبى صلى الله عليه واله وسلم: " جرست نحلة العرفط " حين شبهت رائحته برائحة المغافير، والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما. ومن شأنه في تدبير معاشه أنه إذا أصاب موضعا نقيا بني فيه بيتا من الشمع ثم يبني (2) البيوت التى يأوى فيها الملوك، ثم بيوت الذكور التى لاتعمل فيها شيئا (3) والذكور أصغر جرما من الاناث، وهي تكثر المادة داخل الخلية، وهي إذا طارت تخرج بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية، والنحل تعمل الشمع أولا ثم تلقي البزر لانه له بمنزلة العش للطائر فإذا ألقته قعدت وتحضنه كما تحضن الطير (4) فيتكون من ذلك البزر دود ثم تنهض الدود فتغذي أنفسها (5) ثم تطير، والنحل لا يقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد، وتملا بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا ومن عادتها أنها إذا رأت فسادا من ملك إما أن تعزله أو تقتله، وأكثر ما تقتل خارج الخلية، والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل، والملك إذا عجز عن الطيران حملته وسيأتي بيان هذا في أواخرا كتاب في لفظ اليعسوب، ومن خصايص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، وأفضل ملوكها الشقر، وأسوأها الرقط بسواد والنحل تجتمع فتقسم الاعمال، فبعضها يعمل الشمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يسقي الماء، و بعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب الاشياء لانها مبنية على الشكل المسدس الذي


(1) في المصدر: بحسب اختلاف النحل والمرعى. (2) في المصدر: بيوتا من الشمع اولا ثم بنى. (3) في المصدر: لا تعمل شيئا. (4) في المصدر: قعدت عليه وحضنته كما يحضن الطير. (5) في المصدر: دود أبيض ثم ينهض الدود وتغذى نفسها. *

[236]

لا ينخرق (1)، كانه استنبط بقياس هندسي ثم هو في دائرة مسدسة لا يوجد فيها اختلاف فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك لان الاشكال من الثلاث إلى العشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينها فروج إلا الشكل المسدس، فانه إذا اجتمع إلى أمثاله اتصل كانه قطعة واحدة، وكل هذا بغير مقياس ولا آلة ولا فكرة (2)، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامة إياها كما قال تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " الآية. فتأمل كمال طاعتها وحسن امتثالها لامر ربها، كيف اتخذت بيوتا في هذه الامكنة الثلاثة الجبال والشجر وبيوت الناس " حيث يعرشون " أي حيث يبنون العروش فلا ترى للنحل بيتا في غير هذه الثلاثة البتة، وتأمل كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال وهي المتقدمة في الآية، ثم الاشجار وهي دون ذلك، ثم فيما يعرش الناس، وهي أقل بيوتها، فانظر كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى، وهي تتخذها أولا فإذا استقر لها بيت خرجت عنه فرعت وأكلت من كل الثمرات، ثم آوت إلى بيوتها لان ربها سبحانه وتعالى أمرها باتخاذ البيوت أولا ثم بالاكل بعد ذلك. قال في الاحياء: انظر إلى النحلة كيف أوحى الله إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الازهار والانوار واحترازها من النجاسات و الاقذار وطاعتها لواحد من جملتها وهو أكثرها شخصا وهو أميرها، ثم ما سخر الله سبحانه وتعالى أميرها من العدل والانصاف بينها حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل


(1) في المصدر: لا ينحرف. (2) في المصدر: ولا بركار. *

[237]

ما وقع منها على نجاسة لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيرا على نفسك (1)، وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك، ثم دع عنك جميع ذلك فانظر إلى بنيانها بيتها من الشمع واختيارها من جميع الاشكال المسدس فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فيه فهم المهندس (2) وهو أن أوسع الاشكال وأحوالها المسدس وما يقرب منه فان المربع يخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا يبقى الزوايا فارغة، ثم لوبناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فان الاشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة ولاشكل في الاشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذا الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده فيما هو محتاج إليه، ليتهيأ عيشه (3)، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه. وفي طبعه أنه يهرب بعضه عن بعض، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك الملسوع، وإذا هلك منها شئ داخل الخلايا أخرجته الاحياء إلى الخارج، وفي طبعه أيضا النظافة فلذلك يخرج رجيعه من الخلية لانه منتن الريح، وهو يعمل زماني الربيع والخريف، والذي يعمله (4) في الربيع أجود والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ماكان عذبا صافيا يطلبه حيث كان ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية قذفه بالماء ليكثر خوفا على نفسه من نفاده لانه إذا نفد أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك.


(1) في المصدر: في نفسك. (2) في المصدر: يقصر فهم المهندس عن درك ذلك. (3) في المصدر: ليهنأ عيشه. (4) في المصدر: يعسله. *

[238]

قال حكيم من اليونانيين لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا، قالوا: وكيف النحل ؟ (1) قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا أبعدته وأقصته عن الخلية لانه يضيق المكان ويفنى العسل، ويعلم النشيط الكسل. والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الاصوات اللذيذة المطربة، ويضره السوس، ودواؤه أن يطرح في كل خلية كف ملح، وأن يفتح في كل شهر مرة و يدخن بأخثاء البقر. وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه، وأهل مصر يحولون أبواب الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا فتخرج النحل منها و يرعى يومه أجمع فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة مكانها من الخلية لا تتخطاه (2). وروى أحمد وابن أبي شيبة والطبراني أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا وقعت فلم تكسر ولم تفسد. وفي شعب البيهقى عن مجاهد قال: صاحبت عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلا هذا الحديث: إن مثل المؤمن كمثل النحلة إن صاحبته نفعك وإن شاورته نفعك وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع وكذلك النحلة كل شأنها منافع. قال ابن الاثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة، حذق النحل وفطنته وقلة أذاه وحقارته ومنفعته وقنوعه وسعيه في النهار وتنزهه عن الاقذار وطيب أكله، و أنه لا يأكل من كسب غيره ونحوله، وطاعته لاميره، وللنحل آفات (3) تقطعه عن عمله، منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار وكذلك المؤمن له آفات


(1) في المصدر: وكيف النحل في الخلايا ؟ (2) في المصدر: من الخلية لا تتغير عنه. (3) في المصدر: وان للنحل آفات. *

[239]

تفتره عن عمله، منها ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام وماء السعة ونار الهوى. وفي مستدرك الدارمي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها (1)، وخالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزائلوهم بأعمالكم وقلوبكم فان للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب. وفيه أيضا عن ابن عباس أنه سأل كعب الاحبار كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في التوراة ؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة و يكون ملكه بالشام، ليس بفحاش ولاصخاب في الاسواق، ولا يكافئ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، امته الحامدون (2) يحمدون الله تعالى في كل سرآء وضراء، يوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوسطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء. وذكر ابن خلكان في ترجمة عبد المؤمن بن علي ملك المغرب أن أباه كان يعمل الطين فخارا، وإنه كان في صغره نائما في دار أبيه وأبوه يعمل الطين، فسمع أبوه دويا في السماء فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قدهوت مطبقة على الدار فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم فغطته وأقامت عليه مدة ثم ارتفعت عنه وما تألم منها، وكان بالقرب منه رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك فقال: يوشك أن يجتمع على ولدك أهل المغرب (3)، فكان كذلك، وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الاعلى والادنى. وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال تحقيرا للدنيا: " أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة، وأشرف


(1) في المصدر: ما فعلت ذلك بها، خالطوا. (2) في المصدر: الحمادون. (3) في المصدر: جميع أهل المغرب. *

[240]

شرابه فيها رجيع نحلة " وظاهر هذا أنه من غير الفم، كذا نقله عنه ابن عطية، والمعروف أنه (1) قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح و مشموم، فأشرف المطعوم العسل وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروب الماء ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوس الحرير وهو نسج دودة، وأشرف المركوب الفرس و عليه تقتل الرجال، وأشرف المنكوح المرأة وهو مبال في مبال، وأشرف المشموم المسك وهو دم حيوان. والتحقيق أن العسل يخرج من بطونها لكن لا ندري أمن فمها أم من غيره، ولا يتم صلاحه إلا بحمو أنفاسها (2) وقد صنع أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوى وغيره، وروينا في تفسير الكواشي الاوسط أن العسل ينزل من السماء فينبت في أماكن من الارض فيأتي النحل فيشربه، ثم يأتي الخلية فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض الناس من أن العسل من فضلات الغذا وإنه قد استحال في المعدة عسلا هذه عبارته والله أعلم (3). توضيح: عبق به الطيب: لصق، والرضاب كغراب: الريق المرشوف، جرست أي أكلت، والجرس اللحس باللسان، والعرفط: شجر الطلح وله صمغ كريه الرائحة والخلي: ما تعسل فيه النحل، والسوس: دود يقع في الصوف، والاخثاء جمع الخثى بالكسر وهو فضلة البقر. 1 - تفسير على بن ابراهيم قال الصادق عليه السلام: إن لله واديا ينبت الذهب والفضة وقد حماه الله بأضعف خلقه وهو النمل، لورامته البخاتي ما قدرت عليه (4). 2 - حياة الحيوان: النمل معروف، الواحدة نملة والجمع نمال، وأرض نملة


(1) في المصدر: والمعروف عنه أنه قال. (2) أي بحرارة انفاسها. وفى المصدر: بحمى انفاسها. (3) حياة الحيوان 2: 245 - 248. (4) تفسير القمى: 476. *

[241]

ذات نمل، وطعام منمول، أصابه النمل (1)، والنملة بالضم: النميمة، يقال: رجل نمل أي نمام، وما أحسن قول الاول: اقنع فما تبقى (2) بلا بلغة * فليس ينسى ربنا النملة إن أقبل الدهر فقم قائما * وإن تولى مدبرا فنم له (3) وسميت نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها، والنمل لا يتزاوج ولا يتلاقح إنما يسقط منه شئ حقير في الارض فينمو حتى يصير بيظا، ثم يتكون منه والبيض كله بالضاد المعجمة إلا بيض النمل فانه بالظاء المشالة، والنمل عظيم الحيلة في طلب الرزق، فإذا وجد شيئا أنذر الباقين يأتون إليه (4) وقيل: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها. ومن طبعه أنه يحتكر (5) في زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار من الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمته نصفين ماخلا الكسفرة فانه يقسمها أرباعا لما الهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الارض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في ضوء القمر، ويقال: إن حياته ليست من قبل ما يأكله ولاقوامه، وذلك أنه (6) ليس له جوف ينفذ فيه الطعام، ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحب في استنشاق ريحه فقط وذلك يكفيه و قد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شئ يخبأ قوته (7) إلا الانسان والعقعق والنمل والفأر، وبه جزم في الاحياء في باب التوكل، وعن بعضهم أن البلبل يحتكر (8).


(1) في المصدر: إذا اصابه النمل. (2) في المصدر: بما تلقى. (3) في المصدر: نم له. (4) في المصدر: ليأتوا إليه ويقال. (5) في المصدر: يحتكر قوته من زمن. (6) في المصدر: وذلك لانه. (7) في المصدر: ليس شئ يحتال لقوته. (8) في المصدر: يحتكر الطعام. *

[242]

ويقال: إن للعقعق مخابى إلا أنه ينساها، والنمل شديد الشم، ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته فإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير لانها تصيدها في حال طيرانها وقد أشار إلى ذلك أبو العتاهية بقوله: وإذا استوت للنمل أجنحة * حتى تطير فقد دنا عطبه وكان الرشيد يتمثل بذلك كثيرا عند نكبة البرامكة. وهو يحفر قرية بقوائمه وهي ست فإذا حفرها جعل فيها تعاويج لئلا يجرى إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك، وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلبل. قال البيهقي في الشعب: وكان عدي بن حاتم الطائي يفت الخبز للنمل ويقول إنهن جارات ولهن علينا حق الجوار. وسيأتي في الوحش عن الفتح بن خرشف الزاهد أنه كان يفت الخبز لهن في كل يوم فإذا كان يوم عاشورا لم تأكله. وليس في الحيوان ما يحمل ضعف بدنه مرارا غيره، على أنه لا يرضى بأضعاف الاضعاف حتى أنه تتكلف حمل (1) نوى التمر وهو لا ينتفع به، وإنما يحمله على حمله الحرص والشره وهو يجمع غذاء سنين لو عاش ولا يكون عمره أكثر من سنة، و من عجايبه اتخاذ القرية تحت الارض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقات يملاها حبوبا وذخائر للشتاء. ومنها ما يسمي الفارسي (2) وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل، ومنها ما يسمي نمل الاسد، سمي بذلك لان مقدمه يشبه وجه الاسد ومؤخره يشبه النمل، وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: نزل نبي من الانبياء عليهم السلام تحت شجرة فلذعته نملة فأمر


(1) في المصدر: لحمل نوى. (2) في المصدر: الذر الفارسى. *

[243]

بجهازه فأخرج من تحتها وأمر بها فاحرقت بالنار، فأوحى الله تعالى إليه: فهلا نملة واحدة ؟ ! قال أبو عبد الله الترمذي في نوادر الاصول: لم يعاتبه (1) على تحريقها، و إنما عاتبه لكونه أخذ البرئ بغير البرئ، وهذا النبي (2) هو موسى بن عمران عليه السلام وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع ؟ وكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها وعنده قرية نمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لذعته نملة فدلكهن بقدمه فأهلكهن وأحرق مسكنهن فأراه تعالى الآية في ذلك عبرة لما لذعته نملة، كيف اصيب الباقون بعقوبتها، يريد أن ينبهه على أن العقوبة من الله تعالى تعم الطايع والعاصي فتصير رحمة وطهارة و بركة على المطيع، وشرا ونقمة وعدوانا (3) على العاصي، وعلى هذا ليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل، فان من أذاك حل لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق الله تعالى أعظم حرمة من المؤمن وقد ابيح لك دفعه عن نفسك بضرب أو قتل على ماله من المقدار فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت للمؤمن وسلط عليها (4) فإذا آذته ابيح له قتلها. وقوله: " فهلا نملة واحدة " دليل على أن الذي يؤذي يقتل وكل قتل كان لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء، ولم يخص تلك النملة التي لذعت من غيرها لانه ليس المراد القصاص لانه لو أراد لقال: فهلا نملتك التي لذعتك، ولكن قال: " فهلا نملة " فكأن نملة تعم البرى والجاني وذلك ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألة ربه في عذاب أهل قرية فيهم المطيع والعاصي. وقد قيل: إن في شرع هذا النبي عليه الصلاة والسلام كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة، فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير لا في أصل


(1) في المصدر: لم يعاتبه الله. (2) في المصدر: قال القرطبى: هذا النبي. (3) في المصدر: وسوء ونقمة وعذابا على العاصى. (4) في المصدر: وسلط عليها وسلطت عليه.

[244]

الاحراق، ألا ترى قوله: " فهلا نملة واحدة " ؟ وهو بخلاف شرعنا فان النبي صلى الله عليه واله وسلم قد نهى عن تعذيب الحيوان بالنار وقال: " لا يعذب بالنار إلا الله تعالى " فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالاحراق فلوارثه الاقتصاص بالاحراق للجاني. وأما قتل النملة فمذهبنا لا يجوز لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. رواه أبو داود باسناد صحيح على شرط الشيخين، والمراد النمل الكبير السليماني كما قاله الخطابي والبغوي في شرح السنة، أما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل، وأطلق ابن أبى زيد جواز قتل النمل إذا آذت، وقيل: إنما عاتب الله تعالى هذا النبي لانتقامه لنفسه باهلاك جمع آذاه واحد منهم، وكان الاولى به الصفح والصبر، ولكن وقع للنبي صلى الله عليه واله وسلم أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي الطبيعي لم يعاتب، فعوتب على التشفي بذلك والله أعلم. وروى الطبراني في معجمه الاوسط والدار قطني (1) أنه قال: لما كلم الله موسى عليه السلام كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ. وروى الترمذي الحكيم في نوادره عن معقل بن يسار قال: قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الشرك فقال: هو أخفي فيكم من دبيب النمل وسأدلك على شئ إذا فعلته أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره، تقول: " اللهم إني أعوذ بك أن اشرك بك شيئا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم " (2) تقولها ثلاث مرات. وروي أيضا عن أبى أمامة الباهلي قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم رجلان أحدهما


(1) في المصدر: روى الدار قطني والطبراني في معجمه الاوسط عن أبى هريرة. (2) في المصدر: لما تعلم ولا أعلم. *

[245]

عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال: إن الله تعالى وملائكته وأهل الارض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسمعت أبا عثمان الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: عالم معلم (1) يدعي كبيرا في ملكوت السماوات. وروي أن النملة التي خاطبت سليمان عليه السلام أهدت إليه نبقة فوضعها عليه الصلاة والسلام في كفه فقالت: ألم ترنا نهدي إلى الله ماله * وإن كان عنه ذاغنى فهو قابله ولو كان يهدى للجليل بقدره * لقصر عنه البحر حين يساحله ولكننا نهدى إلى من نحبه * فيرضى به عنا ويشكر فاعله وماذاك إلا من كريم فعاله * وإلا فما في ملكنا ما يشاكله فقال سليمان عليه السلام: بارك الله فيكم، فهو بتلك الدعوة أكثر خلق الله تعالى (2). وروي أن رجلا استوقف المأمون ليستمع منه فلم يقف له، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استوقف سليمان بن داود عليه السلام لنملة ليستمع منها وما أنا عند الله تعالى بأحقر من نملة، وما أنت عند الله بأعظم من سليمان عليه السلام فقال المأمون: صدقت و وقف وسمع كلامه وقضى حاجته. وقال فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: " حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلو مساكنكم " الآية، وادي النمل بالشام كثير النمل فان قيل: لم أتى بعلى قلت: لوجهين. أحدهما أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء. التأني أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشئ إذا


(1) في المصدر: عالم عامل معلم. (2) في المصدر: اشكر خلق الله واكثر خلق الله توكلا على الله تعالى. *

[246]

بلغ آخره، تكلمت النملة بذلك، وهذا غير مستبعد فان حصول العلم والنطق لها ممكن في نفسه، والله تعالى قادر على الممكنات، وحكي عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا وهو يومئذ غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان عليه الصلاة والسلام أكانت ذكر أم انثى ؟ فافحم (1) فقال أبو حنيفة: كانت انثى، فقيل له: كيف عرفت ذلك ؟ قال: من قوله تعالى: " قالت نملة " ولو كانت ذكرا لقال: " قال نملة " لان النمل مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والانثى. ورأيت في بعض الكتب المعتمدة أن تلك النملة إنما أمر رعيتها بالدخول في مساكنهم لئلا ترى النعم فتقع (2) في كفران نعم الله تعالى عليها، وفي هذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا مخطورة. روي أن سليمان قال لها: لم قلت للنمل: ادخلوا مساكنكم ؟ أخفت عليها مني ظلما ؟ قالت: لا ولكني خشيت أن يفتنوا بما يروا من جمالك وزينتك فيشغلهم ذلك عن طاعة الله تعالى. قال الثعلبي وغيره: إنها كانت مثل الذئب في العظم وكانت عرجاء ذات جناحين وذكر عن مقاتل أن سليمان عليه السلام سمع كلامها من ثلاثة أميال، وقال بعض أهل العلم (3) إنها تكلمت لعشرة أنواع من البديع: قولها: " يا " نادت " أيها " نبهت " النمل " سمت " ادخلوا " أمرت " مساكنكم " نعتت " لا يحطمنكم " حذرت " سليمان " خصت " وجنوده " عمت " وهم " أشارت " لا يشعرون " اعتذرت. والمشهور أنه النمل الصغار، واختلف في اسمها فقيل: كان اسمها طاغية (4)، وقيل: كان اسمها خرمى، قيل: كان نمل الوادي، كالذئاب قيل: كالبخاتي.


(1) في المصدر: فسألوه فافحم. (2) في المصدر: في مساكنها لئلا ترى النعم التى أوتيها سليمان وجنوده فتقع. (3) في المصدر: وقال بعض أهل التذكير. (4) في المصدر: طاخية. *

[247]

وروي الدار قطني والحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: لا تقتلوا النملة فان سليمان عليه السلام خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين، واسقنا مطرا تنبت لنا به شجرا وتطعمنا به ثمرا " فقال سليمان عليه السلام لقومه: ارجعوا فقد كفينا وسقيتم بغيركم (1). 3 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل ما خاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله فان لم يردك فلا ترده (2). 4 - ومنه: عن علي عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبى عمير وصفوان عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: إذا أحرمت فاتق الله قتل الدواب كلها إلا الافعى والعقرب والفأرة فانها توهي السقاء وتخرق على أهل البيت، وأما العقرب فالنبي صلى الله عليه واله وسلم مد يده إلى الحجر فلسعته عقرب فقال: لعنك الله لا برا تدعين ولا فاجرا، والحية إذا أرادتك فاقتلها، فان لم تردك فلا تردها، والكلب العقور والسبع إذا أراداك (3)، فان لم يريداك فلا تردهما، والاسود الغدر فاقتله على كل حال، وارم الغراب رميا، والحدأة على ظهر بعيرك (4). بيان: قوله عليه السلام: توهي السقاء الوهي: الشق في الشئ وتخرقه استرخاء رباطه، أي تشق القربة أو تأكل رباطها فيهراق ماؤها، وتحرق على أهل البيت لانها تجر الفتيلة فتحرق ما في البيت، وفي القاموس، الاسود: الحية العظيمة، والاسودان: الحية والعقرب، والوصف بالغدر كأنه لغدره وأخذه بغتة، وقال صاحب المنتقى: قال في القاموس: غدر الليل كفرح: أظلم: فهى غدرة كفرحة، فكأنه استعير منه


(1) حياة الحيوان 2: 263 - 266. (2) فروع الكافي 4: 363. (3) في نسخة من المصدر: إذا اراداك فاقتلهما. (4) فروع الكافي 4: 363. *

[248]

الغدر لشديد السواد من الحية، والسبع تعميم بعد التخصيص، أو أراد به أكمل أفراده وهو الاسد، وقيل: المراد به الذئب. 5 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد عن أبى البخترى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليه السلام قال: يقتل المحرم ما عدا عليه من سبع أو غيره، ويقتل الزنبور والعقرب والحية والنسر والذئب والاسد وما خاف أن يعدو عليه من السباع و الكلب العقور (1). 6 - الكافي: عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقتل في الحرم والاحرام الافعى والاسود الغدر وكل حية سوء والعقرب والفأرة وهي الفويسقة وترجم الغراب والحدأة رجما، فان عرض لك لصوص امتنعت منهم (2). 7 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عبد الله عن أبيه (3) عليهما السلام قال: يقتل المحرم الزنبور والنسر والاسود الغدر والذئب وما خاف أن يعدو عليه، وقال الكلب العقور هو الذئب (4). بيان: كأنه تفسير الكلب العقور الذي وقع في كلام النبي صلى الله عليه واله وستأتي الاخبار فيما رخص في قتله وما لم يرخص فيه في كتاب الحج إنشاء الله تعالى. وقال الدميري: الافعي الانثى من الحيات، والذكر الافعوان بضم الهمزة والعين، قال الزبيدي: الافعى حية رقشاء دقيقة العنق عريضة الرأس، وربما كانت ذات قرنين، ومن عجائب أمرها ما حكاه ابن شبرمة أن أفعى نهشت غلاما في رجله فانصدعت جبهته. وقال القزويني هي حية قصيرة الذنب من أخبث الحيات إذا فقئت عينها


(1) قرب الاسناد: 66. (2) فروع الكافي 4: 363. (3) لم يذكر في المصدر المطبوع قوله: عن أبيه. (4) فروع الكافي 4: 364. *

[249]

تعود ولا تغمض حدقتها البتة، تختفي في التراب أربعة أشهر في البرد ثم تخرج وقد أظلمت عيناها قتقصد (1) شجر الرازيانج فتحك عينها به فترجع إليها ضوؤها. وقال الزمخشري: يحكى أن الافعى إذ أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح العين (2) بورق الرازيانج الرطب يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية وبينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها فتحك بها عينها فترجع باصرة باذن الله تعالى. وإذا قطع ذنبها عاد كما كان وإذا قلع نابها طلع (3) بعد ثلاثة أيام، وإن شجت (4) تبقى تتحرك ثلاثة أيام، وهي أعدى عدو للانسان وبقر الوحش يأكلها أكلا ذريعا (5)، وإذا مرضت أكلت ورق الزيتون فتشفي، ومن الافاعي ما تتسافد بأفواهها، وإذا وطي الذكر الانثى وقع مغشيا عليه فتعمد الانثى إلى موضع مذاكيره فتقطعها نهشا فيموت من ساعته (6). وقال: الاسود السالخ من الافعوان شديد السواد سمي بذلك لانه يسلخ جلده كل عام، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أمر بقتل الاسودين في الصلاة: العقرب والحية (7).


(1) في المصدر: تطلب. (2) في المصدر: أن مسح عينها. (3) في المصدر: عاد. (4) في المصدر: وإذا ذبحت. (5) زاد في المصدر: وحكى انها نهشت ناقة في مشفرها ولها فصيل ترضعها فمات الفصيل في الحال قبل موت امه. (6) حياة الحيوان 1: 19. (7) اختصر المصنف وفيما كان اختصره: روى ابو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سافر فاقبل الليل قال: يا ارض ربى وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك، اعوذ بالله من اسد واسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن شر والد وما ولد. *

[250]

وروى البيهقي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا أراد الحاجة أبعد فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه قال: ولبس أحدهما فجاء طائر فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء فانسلت منه أسود سالخ، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: هذه كرامة أكرمني الله تعالى بها، اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع، ومن (1) شر من يمشي على بطنه (2). وقال: العقرب: دويبة من الهوام تكون للذكر والانثى بلفظ واحد، واحده العقارب وقد يقال للانثى: عقربة وعقرباء ممدودا (3)، ومنها السود والخضر والصفر وهن قواتل، وأشدها بلاء الخضر، وهي مائية الطباع كثيرة الولد، وعامة هذا النوع إذا حملت الانثى منه يكون حتفها في ولادتها، لان أولادها إذا استوى خلقها يأكلون بطنها ويخرجون (4) فتموت الام، والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول: قد أخبرني من أثق به أنه رأى العقرب تلد من فيها وتحمل أولادها على ظهرها وهي على قدر القمل كثيرة العدد، والذي ذهب إليه الجاحظ هو الصواب، والعقرب أشر ما تكون إذا كانت حاملا ولها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها، ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك بشئ من بدنه، فانها عند ذلك تضربه، وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها وربما لسعت الافعى فتموت، وهي تلسع بعضها فتموت قاله الجاحظ. ومن شأنها أنها إذا لسعت الانسان فرت فرار من يخشى العقارب (5)، ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعها، ومن نوع العقارب الطيارة، قالوا:


(1) قدم في المصدر الجملة الاخيرة على الجملتين اللتين قبلها. (2) حياة الحيوان 1: 17. (3) في المصدر: واسمها بالفارسية: الرشك بضم الراء. (4) في المصدر: فتخرج. (5) في المصدر: فرار مسئ يخشى العقاب. *

[251]

وهذا النوع يقتل غالبا، وقيل: يصح بيع النمل بنصيبين لانه تعالج به العقارب الطيارة (1). وروي عن عائشة قالت: دخل علي بن أبي طالب عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يصلي فقام إلى جنبه يصلي بصلاته فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم تركته وذهبت نحو علي عليه السلام فضربها بنعله حتى قتلها (2)، فلم ير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقتلها بأسا. وروى ابن ماجة عن ابن رافع أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قتل عقربا وهو يصلي. وفيه عن عائشة قالت: لذعت النبي صلى الله عليه واله وسلم عقرب وهو في الصلاة فقال: لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غير المصلي (3) اقتلوها في الحل والحرم. وروى أبو نعيم والمستغفري والبيهقي (4) عن علي عليه السلام أنه قال: لذعت النبي صلى الله عليه واله وسلم عقرب وهو في الصلاة فلما فرغ قال: لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا نبيا و لا غيره إلا لذعته، وتناول نعله فقتلها بها ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقر أقل هو الله أحد والمعوذتين (5). وقال: الغراب معروف سمي بذلك لسواده، وهو أصناف: الغداف والزاغ والاكحل وغراب الزرع والاورق، وهذا الصنف يحكى جميع ما يسمعه، والغراب الاعصم عزيز الوجود، قالت العرب أعز من الغراب الاعصم، وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الاعصم في مائة غراب.


(1) في المصدر: العقارب الطيارة التى بها. (2) والظاهر انه عليه السلام قتله في الصلاة فعليه فقوله لم ير رسول الله صلى الله عليه وآله لقتلها بأسا أي في الصلاة. (3) في المصدر: ولا غير مصل. (4) في المصدر: ابو نعيم في تاريخ اصبهان، والمستغفري في الدعوات والبيهقي في الشعب. (5) حياة الحيوان 2: 93 - 95. *

[252]

وفي رواية: قيل: يا رسول الله ! وما الغراب الاعصم ؟ قال: الذي إحدى رجليه بيضاء. وقال في الاحياء: الاعصم: أبيض البطن، وقيل: أبيض الجناحين، وقيل: أبيض الرجلين. وغراب الليل قال الجاحظ: هو غراب ترك أخلاق الغراب (1) وتشبه بأخلاق البوم فهو من طير الليل. وقال أرسطاطاليس: الغربان أربعة أجناس: أسود حالك، وأبلق، ومطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب، وأسود طاووسي براق الريش ورجلاه كلون المرجان يعرف بالزاغ. قال صاحب المنطق: الغراب من لئام الطير وليس من كرامها ولا من أحرارها، ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو إما حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله في الناس الزنج فانهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا، والغراب الابقع أكثر معرفة منه (3)، وغراب البين: الابقع. قال الجوهري: وهو الذي فيه سواد وبياض. وقال صاحب المنطق: الغربان من الاجناس التي امر بقتلها في الحل والحرم من الفواسق، اشتق لها ذلك الاسم (3) من اسم إبليس لما يتعاطاه من الفساد الذي هو من شأن إبليس، واشتق ذلك أيضا لكل شئ اشتد أذاه، وأصل الفسق الخروج عن الشئ وفي الشرع الخروج عن الطاعة. وقال الجاحظ: غراب البين نوعان: غراب (4) صغير معروف باللؤم والضعف، و


(1) في المصدر: اخلاق الغربان. (2) في المصدر: فالغراب الشديد السواد ليس له معرفة ولا كمال والغراب الابقع كثير المعرفة وهو ألام من الاسود. (3) أي اسم الفاسق. (4) في المصدر: احدهما غراب. *

[253]

أما الآخر فانه ينزل في دور الناس ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها وبانوا (1) فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلا عند مباينتهم (2) عن منازلهم اشتقوا له هذا الاسم من البينونة. وقال المقدسي: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب وينعق ببين الخلان والاحباب إذا رأي شملا مجتمعا أنذر بشتاته، وإن شاهد ربعا عامرا بشر بخرابه ودرس عرصاته يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن، ويحذر الآكل غصة المآكل ويبشر الراحل بقرب المراحل، ينعق (3) بصوت فيه تحزين كما يصيح المعلن بالتأذين. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة (4) أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى المصلي عن نقرة الغراب وافتراش السبع (5). يريد بنقرة الغراب تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيها إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. وروى الدار قطني عن أبي أمامة قال: دعا النبي صلى الله عليه واله وسلم بخفيه ليلبسهما فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الآخر ورمى به فخرجت منه حية، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما (6). وفي طبع الغراب كله الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة ولا يعود إلى الانثى بعد ذلك لقلة وفائه، والانثى تبيض أربع بيضات أو خمسا، وإذا


(1) في المصدر: وبانوا منها. (2) في المصدر: الا عند بينونتهم. (3) في المصدر: " يتغق " ثم قال: ونغق بالغين عند جمهور أهل اللغة وهو الذى قاله ابن قتيبة، وجعل غيره خطأ ونقل البطليوسى عن صاحب المنطق انه قال: نعق الغراب ونغق قال: " وبالغين المعجمة احسن. (4) في المصدر: من حديث عبد الرحمن بن شبل. (5) زاد في المصدر: وان يوطن الرجل المكان كما يوطنه البعير. (6) حياة الحيوان 2: 119 - 121. *

[254]

خرجت الفراخ من البيض طردتها لانها تخرج قبيحة المنظر جد إذ تكون صغار الاجرام عظام الرؤوس والمناقير جرد اللون (1) متفاوتات الاعضاء، فالابوان ينكران الفراخ ويطيران لذلك ويتركانه (2) فيجعل الله قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه فيعود إليه أبواه، وعلى الانثى الحضن (3)، والذكران يأتيها بالطعم، وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصيد، بل إن وجد جيفة أكلها وإلا مات جوعا أو يتقمقم كما يتقمقم صغار الطير، وفيه حذر شديد وتنافر والغداف يقاتل البوم و يخطف بيضها ويأكله، ومن عجيب أمره أن الانسان إذا أراد أن يأخذ فراخه تحتمل الانثى (4) والذكر في أرجلهما حجارة ويتحلقان في الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه، والعرب تتشأم بالغراب، وغراب البين: الابقع، وهو الذي فيه سواد وبياض وقال صاحب المجالسة: سمي بذلك لانه بان عن نوح عليه السلام لما وجهه لينظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ولذلك تشأموا به، وذكر ابن قتيبة أنه سمي فاسقا لذلك أيضا (5). ويقال: إذا صاح الغراب مرتين فهو شر، وإذا صاح ثلاث مرات فهو خير على قدر عدد الحروف (6). وكان ابن عباس إذا نعق الغراب يقول: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك. ويقال: إن الغراب يبصر من تحت الارض بقدرة منقاره، وروي أن قابيل حمل أخاه ومشى به حتى أروح فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر.


(1) في المصدر: جرداء اللون. (2) في المصدر: فالابوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه. (3) في المصدر: ان يحضن. (4) في المصدر: يحمل الذكر والانثى. (5) حياة الحيوان 2: 119 و 120. (6) حياة الحيوان: 121. *

[255]

ثم بحث في الارض بمنقاره ودفن أخاه، فاقتدى به قابيل، فلما رجع آدم من مكة قال: أين هابيل ؟ قال: لا أدري، فقال: " اللهم العن أرضا شربت دمه " فمن ذلك الوقت ما شربت الارض دما (1). قال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير، والوحش وشاكت الاشجار وحمضت الفواكه وملحت المياه واغبرت الارض (2). ويحرم أكل الغراب الابقع الفاسق، وأما الاسود الكبير الجبلي (3) فهو حرام أيضا على الاصح وغراب الزرع حلال على الاصح. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: خمس من الدواب ليس على قاتلهن جناح: الغراب والحدأة والفأرة والحية والكلب العقور. وفي سنن ابن ماجة (4) قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الحية فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق (5). وقال: الفأر بالهمز جمع فأرة وهي أصناف: الجرذ والفأر المعروفان، ومنها اليرابيع والزباب والخلد، فالزباب صم، والخلد أعمى، واليربوع، وفأرة البيش، وفأرة الابل، وفأرة المسك، وذات النطاق، فأما فأرة البيت فهي الفويسقة التي أمر النبي صلى الله عليه واله بقتلها في الحل والحرم، وإنما سميت فواسق لخبثهن، وقيل: لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم، أي لا حرمة لهن بحال، وقيل: سميت بذلك لانها عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها.


(1) راجع المصدر فان المصنف ادخل بعض حديث في حديث آخر فأورده بشكل حديث واحد. (2) حياة الحيوان 2: 122. (3) في المصدر: وهو الجبلى. (4) في المصدر: وفى سنن ابن ماجة والبيهقي عن عائشة انها قالت: قال. (5) حياة الحيوان 2: 123 و 124. *

[256]

وروى الطحاوي عن يزيد بن أبي نعيم أنه سال أبا سعيد الخدري لم سميت الفأرة فويسقة ؟ قال: استقيظ النبي صلى الله عليه واله وسلم ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة السراج لتحرق على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم البيت، فقام صلى الله عليه واله وسلم إليها وقتلها وأحل قتلها للحلال و المحرم. وروى الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فذهبت الجارية فزجرتها (1)، فقال النبي صلى الله عليه واله: دعيها، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها موضع درهم، فقال صلى الله عليه وآله: إذا نمتم فأطفؤا سرجكم فان الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم. والخمرة السجادة التي يصلي عليها المصلي، سميت بذلك لانها تخمر الوجه أي تغطيه. وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه واله أمر باطفاء النار عند النوم، وعلل ذلك بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم نارا. والفأر نوعان جرذان وفئران، وكلاهما له حاسة السمع والبصر، وليس في الحيوانات أفسد من الفأر، ولا أعظم أذى منه، ومن شأنه أنه يأتي القارورة الضيقة الرأس فيحتال حتى يدخل فيها ذنبه، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع فيها شيئا، ولا يخفى ما بين الفأر والهر من العداوة، والسبب في ذلك أن نوحا عليه السلام لما حمل في السفينة من كل زوجين اثنين شكا أهل السفينة الفأرة وأنها تفسد طعامهم ومتاعهم فأوحى الله إلى الاسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها (2). والزباب جمع الزبابة بالفتح: الفأرة البرية تسرق كل ما تحتاج إليه وتستغني (3)


(1) في المصدر: تزجرها. (2) حياة الحيوان 2: 138 و 139. (3) في المصدر: وما تستغنى عنه. *

[257]

عنه، وقيل: هي فأرة عمياء صماء، ويشبه بها الرجل الجاهل (1). والخلد بالضم وقد يفتح ويكسر هي دويبة عمياء صماء لا تعرف ما بين يديها إلا بالشم وقيل فأر أعمى لا يدرك إلا بالشم (2)، وقال أرسطو (3): كل حيوان له عينان إلا الخلد، وإنما خلق كذلك لانها ترابي جعل الله له الارض كالماء للسمك، وغذاؤه من بطنها، وليس له في ظاهرها قوة ولا نشاط، ولما لم يكن له بصر عوضه الله تعالى حدة السمع فتدرك الوطئ الخفي من مسافة بعيدة، فإذا أحس بذلك يختفي في الارض (4)، وقيل: إن سمعه مقدار بصر غيره (5). واليربوع حيوان طويل اليدين جدا (6) وله ذنب كذنب الجرذ يرفعه صعدا لونه كلون الغزال، وهو يسكن بطن الارض لتقوم رطوبتها له مقام الماء، وهو يؤثر النسيم ويكره البخار أبدا، يتخذ حجرة في نشز من الارض ثم يحفر بيته في مهب الرياح الاربع ويتخذ فيه كوى، ويسمى النافقاء والقاصعاء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى نافق أي خرج من النافقاء وإن طلب من النافقا خرج من القاصعاء. وظاهر بيته تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر وبه سمى المنافق، قال القزويني: هو من نوع الفأر وهو من الحيوان الذي له رئيس مطاع


(1) حياة الحيوان 2: 3. (2) زاد في المصدر: فتخرج من جحرها وهى تعلم ان لا سمع لها ولا بصر فتفتح فاها وتقف عند جحرها فيأتى الذباب فيقع على شدقها ويمر بين لحييها فتدخله جوفها بنفسها فهى تتعرض لذلك في الساعات التى يكون فيها الذباب اكثر. (3) في المصدر: في كتاب النعوت. (4) في المصدر: جعل يحفر في الارض. (5) حياة الحيوان 1: 215. (6) في المصدر: طويل الرجلين قصير اليدين جدا. *

[258]

ينقاد إليه وإذا كان فيها يكون من بينها في مكان مشرف أو على صخرة ينظر إلى الطريق من كل ناحية، فان رأى ما يخافه ضرب بأسنانه (1) وصوت، فإذا سمعته انصرفت إلى حجرتها، فان قصر الرئيس حتى أدركهم أحد وصاد منهم شيئا اجتمعوا على الرئيس فقتلوه وولوا غيره - (2) وإذا خرجت لطلب المعاش خرج الرئيس أولا يشرف (3) فان لم ير شيئا يخافه مر إليها يصوت ويضرب بأسنانه فتخرج واليا (4). وروى الزمخشري عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس من الحيوان شئ يخبأ قوته إلا الانسان والنمل والفأر والعقعق. والعقعق: طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذولونين أبيض وأسود طويل الذنب ويقال له: القعقع أيضا، وهو لا يأوي تحت السقف ولا يستظل به بل يهيئ وكره في المواضع المشرفة، وفي طبعه الزنا والخيانة، ويوصف بالسرقة والخبث، والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك (5). وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: فقدت امة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها الا الفأر، ألا تراها إذا وضع لها ألبان الابل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاة شربته. قال النووي وغيره: ومعنى هذا أن لحوم الابل وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها، فدل على أن امتناع الفارة من لبن الابل دون لبن الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل. وأما فأرة البيش بالكسر وهو السم فدويبة تشبه الفأرة وليست بفأرة، ولكن هكذا تسمى، وتكون في الرياض والغياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم لتأكلها ولا


(1) في المصدر: فان رأى ما يخافه عليها صر بأسنانه. (2) في المصدر: حتى أدركها أحد وصاد منها شيئا اجتمعت على الرئيس فقتلته و ولت غيره وهى إذا. (3) في المصدر: " يتشوف " أي نظر وأشرف. (4) في المصدر: " يخافه صر باسنانه وصوت إليها فتخرج " راجع حياة الحيوان 2: 295. (5) حياة الحيوان 2: 102. *

[259]

تضرها، وكثيرا ما تطلب البيش. وأما ذات النطاق فهي فأرة منقطة ببياض وأعلاها أسود شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصتين ملونين وتشد وسطها ثم ترسل الاعلى على الاسفل قاله القزويني أيضا. وأما فأرة المسك مهموزة كفأرة الحيوان، قال: ويجوز ترك الهمزة كما في نظائره، وقال الجوهري وابن مكي: ليست مهموزة وهو شذوذ منهما، قال الجاحظ: فأرة المسك نوعان: الاول منهما دويبة تكون في بلاد التبت تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدت بعصائب وهي متدلية (1) فيجتمع فيها دمها فإذا احكم ذلك ذبحت (2) وما أكثر من يأكلها عندنا، فهي غير مهموزة لانها من فار يفور وهي النافجة كذا قاله القزويني وفي التحرير فارة المسك. والثاني جرذان سود تكون في البيوت ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة و رائحته كرائحة المسك إلا أنه لا يوجد منه المسك، وأما فأرة الابل فقال في الصحاح: هي أن يفوح منها رائحة طيبة إذا رعت العشب وزهره ثم شربت وصدرت عن الماء ففاحت (3) منها رائحة طيبة ويقال لتك الرائحة: فأرة الابل، ويحرم أكل جميع الفأر إلا اليربوع ويكره أكل سؤر الفأر (4). العياشي: عن محمد بن يوسف عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " وأوحى ربك إلى النحل " قال: إلهام (5).


(1) في المصدر: وتبقى متدلية. (2) زاد في المصدر: فإذا ماتت فورت السرة التى عصبت ثم تدفن في الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد، بعد موتها مسكا ذكيا بعد ما لا يرام نتينا. (3) في المصدر: عن الماء نديت جلودها ففاحت. (4) حياة الحيوان 2: 139 و 140. (5) تفسير العياشي ج 2 ص 263. *

[260]

9 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حنان عن أبي الخطاب عن عبد صالح عليه السلام قال: إن الناس أصابهم قحط شديد على عهد سليمان بن داود عليه السلام فشكوا ذلك إليه وطلبوا إليه أن يستسقي لهم، قال: فقال لهم: إذا صليت الغداة مضيت، فلما صلى الغداة مضى ومضوا، فلما أن كان في بعض الطريق إذا هو بنملة رافعة يدها إلى السماء واضعة قدميها على الارض وهي تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بناعن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بنى آدم " قال: فقال سليمان عليه السلام: ارجعوا فقد سقيتم بغيركم: فسقوا في ذلك العام ولم يسقوا مثله قط (1). 10 - الخرائج: عن سليمان الجعفري عن الرضا عليه السلام إن عصفورا وقع بين يديه وجعل يصيح ويضطرب، فقال: أتدري ما يقول ؟ فقلت: لا، قال: قال لي: إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت، فقم وخذ تلك النسعة (2) وادخل البيت واقتل الحية، فقمت وأخذت النسعة ودخلت البيت وإذا حية تجول في البيت فقتلتها (3). 11 - الفقيه: باسناده عن الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قتل الحيات قال: اقتل كل شئ تجده في البرية إلا الجان، ونهى عن قتل عوامر البيوت، قال: لا تدعهن مخافة تبعاتهن فان اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قالت: من قتل عامر بيت أصابه كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من تركهن مخافة تبعاتهن فليس مني، وإنما تتركها لانها لا تريدك، وقال: ربما قتلهن في بيوتهن (4). بيان: قال الدميري: الجان: حية بيضاء، وقيل: الحية الصغيرة، وقال الجوهري: حية بيضاء (5). وقال الفيروز آبادي: حية أكحل العين لا تؤذى كثيرة في البيوت.


(1) روضة الكافي: 246 فيه: ما لم يسقوا مثله قط. (2) النسع: سير أو حبل عريض تشد به الرحال، والقطعة منه، النسعة. (3) الخرائج (4) من لا يحضره الفقيه 3: 221 فيه: لا تدعوهن. (5) حياة الحيوان 1: 133. *

[261]

وفي النهاية: في حديث قتل الحيات: " إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها (1) ثلاثا " العوامر: الحيات التي تكون في البيوت، واحدها عامر وعامرة، قيل سميت عوامر لطول أعمارها (2). 12 - التهذيب: باسناده عن محمد بن أحمد عن محمد بن موسى السمان عن أيوب بن نوح عن ابن أبي عمير عن حماد عن عبيدالله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أن يؤكل ما تحمله النملة بفيها وقوائمها (3). بيان: النهي على المشهور محمول على الكراهة. قال الدميري: يكره أكل ما حملت النملة بفيها وقوائمها لما روى الحافظ أبو نعيم في الطب النبوي عن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه واله نهى عن أن يؤكل ما حملته النمل بفيها وقوائمها (4). 13 - البصائر: عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد النضر عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن عبد الله بن فرقد قال: خرجنا مع أبي عبد الله عليه السلام متوجهين إلى مكة حتى إذا كنا بسرف استقبله غراب ينعق في وجهه، فقال: مت جوعا ما تعلم شيئا إلا ونحن نعلمه إلا أنا أعلم بالله منك، فقلنا: هل كان في وجهه شئ ؟ قال: نعم سقطت ناقة بعرفات (5). دلائل الطبري: عن علي بن هبة الله عن الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن البرقي عن النضر مثله (6).


(1) حرج عليه: قال له: انت في حرج أي ضيق، وقال المصنف أي تعزم عليها و تقسم علبها بان لا تضر ولا تظهر. (2) النهاية 3: 144. (3) تهذيب الاحكام. (4) حياة الحيوان 2: 267. (5) بصائر الدرجات: 345 ط تبريز. (6) دلائل الامامة: 135. *

[262]

بيان: لعله كان متوجها إلى عرفات لاكل الناقة الميتة وكان جائعا ولم يكن علمه من جهة المشاهدة، بل بما أعطاه الله من العلم بجهة رزقه أو ببعض الوقائع كما هو المشهور في الغراب. 14 - المكارم: قال الصادق عليه السلام: تعلموا من الغراب ثلاث خصال: استتاره بالسفاد، وبكوره في طلب الرزق، وحذره (1). 15 - الخصال: باسناده عن سفيان بن أبي ليلي أن ملك الروم سأل الحسن بن علي عليهما السلام عن سبعة أشياء خلقها الله عزوجل لم تخرج من رحم، فقال: آدم وحوا وكبش إبراهيم وناقة صالح وحية الجنة والغراب الذي بعثه الله يبحث في الارض وإبليس لعنه الله (2). 16 - الفقيه: روي من قتل وزغا فعليه الغسل، وقال بعض مشايخنا: إن العلة في ذلك أنه يخرج من ذنوبه فيغتسل منها (3). 17 - حياة الحيوان: في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه واله قال: من قتل وزغة من أول ضربة فله كذا وكذا من الحسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الاولى (4)، وفيه أيضا: إن من قتلها في الاولى فله مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك. وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة. وفي حديث عائشة أنه كان في بيتها رمح موضوع فقيل لها: ما تصنعين بها ؟ فقالت: نقتل به الوزغ، فان النبي صلى الله عليه واله أخبرنا أن إبراهيم عليه السلام القي في النار


(1) مكارم الاخلاق: 154. (2) الخصال ج 2 ص 8. (3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 44. (4) في المصدر زاد: ومن قتلها في الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الثانية. *

[263]

ولم تكن في الارض دابة إلا أطفأت عنه النار غير الوزغ (1) فانه كان ينفخ عليه (2) فأمر عليه السلام بقتل الوزغ. وكذلك رواه أحمد في مسنده. وفي تاريخ ابن النجار عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: من قتل وزغة محا الله عنه سبع خطيئات. وفي الكامل: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من قتل وزغة فكأنما قتل شيطانا. ثم قال: وأما تقييد الحسنات في الضربة الاولى بمائة وفي الثانية بسبعين كما هو في بعض الروايات فجوابه أنه كقوله في صلاة الجماعة بسبع وعشرين وبخمس و عشرين أن مفهوم العدد لا يعمل به، فذكر السبعين لا يمنع المائة فلا تعارض بينهما أو لعله أخبرنا بالسبعين ثم تصدق الله بالزيادة (3) فأعلم به صلى الله عليه واله وسلم حين أوحى إليه بعد ذلك أو أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها فتكون المأة للكامل (4) منهم والسبعون لغيره. وقال يحيى بن يعمر: سبب كثرة الحسنات في المبادرة أن تكرر الضرب في قتلها يدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع، إذ لو قوي عزمه واشتدت حميته لقتلها في المرة الاولى، لانه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة مؤنة في الضرب، فحيث لم يقتلها في المرة الاولى دلت على ضعف عزمه ولذلك نقص أجره عن المائة إلى السبعين. وعلل عز الدين بن عبد السلام كثرة الحسنات في الاولى بأنه إحسان في


(1) يأتي من الخصال ان هوام الارض استأذن الله ان تصب عليه الماء فلم يأذن الله عزوجل بشئ منها الا للضفدع. (2) في المصدر: ينفخ عليه النار. (3) في المصدر: بالزيادة علينا. (4) في المصدر: للاكمل منهم. *

[264]

القتل، فدخل في قوله صلى الله عليه واله وسلم: " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة " ولانه (1) مبادرة إلى الخير فيدخل تحت قوله تعالى: " فاستبقوا الخيرات (2) " وقال: وعلى كل المعنيين (3) فالحية والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتهما (4). 18 - قرب الاسناد: عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن قتل النملة قال: لا تقتلها إلا أن تؤذيك، وسألته عن قتل الهدهد أيصلح ؟ قال: لا تؤذيه ولا تقتله ولا تذبحه فنعم الطير هو (5). 19 - اليعون والعلل: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن أبي عبد الله البرقى عن علي بن محمد القاساني عن أبي أيوب المديني عن سليمان بن جعفر الجعفري عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نهى عن قتل خمسة: الصرد والصوام والهدهد والنحلة والنملة والضفدع، وأمر بقتل خمسة: الغراب والحدأ والحية والعقرب والكلب العقور. قال الصدوق: هذا أمر إطلاق ورخصة لا أمر وجوب وفرض (6). بيان: يدل على اتحاد الصرد والصوام كما يظهر من كلام الدميري وأكثر اللغويين، لكن الفقهاء عدوهما اثنين، قال في القاموس: الصرد بضم الصاد وفتح الراء، طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير، وهو أول طائر صام لله تعالى، والجمع صردان. وقال في النهاية: فيه: " إنه نهى المحرم عن قتل الصرد " وهو طائر ضخم الرأس


(1) في المصدر: أو أنه. (2) المائدة: 48. (3) في المصدر: وعلى كلا المعنيين. (4) حياة الحيوان 2: 288. (5) قرب الاسناد: 121 فيه: عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر. (6) عيون الاخبار ج 1 ص 277 الخصال 1: 297 فيه: [الصرد الصوام] وفيه [الحدأة] ولم نجد الحديث في العلل والظاهر انه تصحيف الخصال. *

[265]

والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود، ومنه حديث ابن عباس أنه نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. قال الخطابى: إنما جاء في قتل النمل عن نوع منه خاص وهو الكبار ذوات الارجل الطوال لانها قليلة الاذى والضرر، وأما النحلة فلما فيها من المنفعة وهو العسل والشمع وأما الهدهد والصرد فلتحريم لحمهما، لان الحيوان إذا نهي عن قتله ولم يكن ذلك لاحترامه أو الضرر فيه كان لتحريم لحمه، ألا ترى أنه نهى عن قتل الحيوان لغير مأكله، ويقال: إن الهدهد منتن الريح فصار في معنى الجلالة، والصرد تتشأم به العرب وتتطير بصوته وشخصه، وقيل: إنما كرهوه من اسمه من التصريد وهو التقليل (1). وقال: فيه: " خمس (2) يقتلن في الحل والحرم " وعد منها الحدأ وهو هذا الطائر المعروف من الجوارح، واحدها حدأة بوزن عنبة (3). وقال: فيه: " خمس يقتلن في الحل والحرم " وعد منها الكلب العقور وهو كل سبع يعقر أي يجرح ويقتل ويفترس كالاسد والنمر والذئب سماها كلبا لاشتراكها في السبعية والعقور من أبنية المبالغة انتهى (4). وأقول: التعميم الذى ادعاها غير معلوم وكأن المراد بالعقور الكلب الهراش (5) الذي يضر ولا ينفع. 20 - الخصال: عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن إبراهيم بن إسحاق عن الحسن بن زياد عن داود بن كثير الرقي قال: بينما نحن قعود عند أبي


(1) النهاية 2: 281. (2) في المصدر: خمس فواسق يقتلن. (3) النهاية 1: 239. (4) النهاية 3: 131. (5) تقدم في حديث غياث بن ابراهيم المروى عن قرب الاسناد اطلاقه على الذئب أيضا. *

[266]

عبد الله عليه السلام إذ مر بنا رجل بيده خطاف مذبوح، فوثب إليه أبو عبد الله عليه السلام حتى أخذه من يده ثم دحابه الارض ثم قال: أعالمكم أمركم بهذا (1) أم فقيهكم ؟ لقد أخبرني أبي عن جدي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نهى عن قتل ستة النحلة والنملة والضفدع والصرد والهدهد والخطاف، فأما النحلة فانها تأكل طيبا وتضع طيبا وهي التي أوحى الله عزوجل إليها ليست من الجن ولا من الانس (2)، وأما النملة فانهم قحطوا على عهد سليمان بن داود عليه السلام فخرجوا يستسقون فإذا هم بنملة قائمة على رجليها مادة يدها إلى السماء وهي تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك لاغنى بنا عن فضلك فارزقنا من عندك ولا تؤاخذنا بذنوب سفهاء ولد آدم " فقال لهم سليمان: ارجعوا إلى منازلكم فان الله تبارك وتعالى قد سقاكم بدعاء غيركم، وأما الضفدع فانه لما اضرمت النار على إبراهيم عليه السلام شكت هوام الارض إلى الله عزوجل واستأذنته أن تصب عليها الماء، فلم يأذن الله عزوجل لشئ منها إلا للضفدع فاحترق منه الثلثان وبقي منه الثلث، وأما الهدهد فانه كان دليل سليمان عليه السلام إلى ملك بلقيس، وأما الصرد فانه كان دليل آدم عليه السلام من بلاد سرانديب إلى بلاد جدة شهرا، وأما الخطاف فان دورانه في السماء أسفا لما فعل بأهل بيت محمد صلى الله عليه واله وسلم وتسبيحه قراءة " الحمد لله رب العالمين " ألا ترونه وهو يقول: " ولا الضالين " (3). 21 - العلل والعيون: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق عن أحمد بن محمد الهمداني عن الحسن بن القاسم عن على بن إبراهيم بن المعلى عن محمد بن خالد عن عبد الله بن بكر المرادي عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: نهي عن أكل الصرد والخطاف (4).


(1) أي امركم بقتله. (2) أي ليست من الجن الذى اوحى إليه ولا من الانس، وحاصله أنه يوجد من اوحى إليه من غيرهما وهو النمل. (3) الخصال 1: 326. (4) علل الشرايع ج 2 ص 281، عيون الاخبار ج 1 ص 243. *

[267]

22 - العيون: عن محمد بن عمر الجعابي عن الحسن بن عبد الله التميمي عن أبيه عن الرضا عن آبائه عن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من قتل حية قتل كافرا (1). 23 - معاني الاخبار: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن فضالة عن أبان قال: سئل أبو الحسن عليه السلام عن رجل يقتل الحية، وقال له السائل: إنه قد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: من تركها تخوفا من تبعتها فليس مني ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: من تركها تخوفا من تبعتها فليس منى فانها حية لا تطلبك فلا بأس بتركها (2). 24 - مجالس الصدوق والفقيه: في مناهي النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه نهى أن يحرق شئ من الحيوان بالنار، ونهى عن قتل النحل (3). 25 - ثواب الاعمال: عن جعفر بن محمد بن مسرور عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن امرأة عذبت في هرة ربطتها حتى ماتت عطشا (4). 26 - المحاسن: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرا إلا سويته، ولا كلبا إلا قتلته (5). 27 - السرائر: من كتاب أبان بن تغلب عن القاسم بن عود البغدادي عن عبيد ابن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الذر قال: اقتلهن آذتك


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 65. (2) معاني الاخبار: 173. (3) مجالس الصدوق: 254 و 255 (م 66) من لا يحضره الفقيه 4: 3. (4) ثواب الاعمال 327 تحقيق الغفاري. (5) المحاسن: 613. *

[268]

أولم تؤذك (1). 28 - ومنه: عن أبان بن تغلب عن محمد بن غالب عن محمد الحلبي عن عبد الله ابن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس بقتل النمل آذتك أولم تؤذك (2). 29 - المكارم: من كتاب المحاسن عن الصادق عليه السلام قال: أقذر الذنوب ثلاثة: قتل البهيمة وحبس مهر المرأة، ومنع الاجير أجره (3). بيان: كأن المراد بقتل البهيمة قتلها بغير الذبح، أو عند الحاجة إليها في الجهاد وغيره (4). 30 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على قوم نصبوا دجاجة حية وهم يرمونها بالنبل، فقال: من هؤلاء لعنهم الله (5). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: رأيت في النار صاحب الهرة تنهشها مقبلة ومدبرة، كانت أوثقتها ولم تكن تطعمها ولا ترسلها تأكل من خشاشة الارض (6). بيان: قال في النهاية: في الحديث: " إن امرأة ربطت هرة فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض " أي هوامها وحشراتها وفي رواية: " من خشيشها " وهي بمعناه، ويروى بالحاء المهملة وهو يابس النبات وهو وهم، وقيل: إنما هو " خشيش " بضم الخاء المعجمة تصغير " خشاش " على الحذف، أو " خشيش " من غير حذف، ومنه حديث العصفور: " لم ينتفع بي ولم يدعني أختش من الارض " أي آكل من خشاشها (7).


(1 و 2) السرائر: 467. (3) المكارم: 123. (4) أو من غير حاجة كالصيد للتنزه ونحوه. (5) نوادر الراوندي: 43. (6) نوادر الراوندي: 28 فيه: حشاش (7) النهاية 1: 329. *

[269]

32 - الدر المنثور: عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن قتل الحيات قال: خلقت هي والانسان كل واحد منهما عدو لصاحبه إن رآها أفزعته، وإن لذعته أوجعته، فاقتلها حيث وجدتها (1). 33 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله يحب البصر النافذ عند مجئ الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، ويحب السماحة ولو على تمرات (2) ويحب الشجاعة ولو على قتل حية (3). الضوء: قوله عليه السلام: " يحب الشجاعة " هذا مثل، يعنى أنه عزوجل يحبه على قدر عنائه ومبلغ بلائه وإن لم يكن إلا يسيرا، فكثير الشجاعة عنده محمود، و قليله غير مردود، وعلى ذكر الحية فلنذكر مما ورد فيه طرفا وروي عنه صلى الله عليه واله وسلم اقتلوا الابتر وذو الطفيتين (4) فالابتر القصير الذنب: وذو الطفيتين (5) الذي على ظهره خطان كالخوصتين والطفي الخوص. وقال عليه السلام: من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا. وقال صلى الله عليه واله وسلم: اقتلوا الحيات فمن خاف اثارهن فليس منا. وسئل عن حيات البيوت فقال صلى الله عليه واله وسلم: إذا رأيتم شيئا في مساكنكم فقولوا: انشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام، انشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام أن تؤذونا فان عدن فاقتلوهن. وعن ابن مسعود: اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الابيض لانه قصبة فضة.


(1) الدر المنثور ج 1 ص 55. (2) في المخطوطة: ولو على التمرات. (3) الشهاب: ليس عندي نسخته. (4) و (5) هكذا في المطبوع وفي النخسة المخطوطة: " الطفيئتين " وفي المنجد. الطفية: ضرب من الحيات الخبيثة، والجمع طفى. وفى النهاية: فيه: " اقتلوا ذا الطفيتين والابتر " الطفية " خوصة المقل في الاصل وجمعها طفى شبه الخطين اللذين على ظهر الحية بخوصتين. *

[270]

وقال صلى الله عليه واله وسلم: " من ترك قتل الحية خشية النار فقد كفر " يعنى كفر بأمري لانى أمرت بقتلهن (1). بيان: " اثارهن " كذا في النسخ القديمة، وكأنه من الثأر بمعنى طلب الدم وفى النهاية في الحديث إنه ذكر الحيات فقال: من خشي إربهن فليس منا " الارب بكسر الهمزة وسكون الراء: الدهاء، أي من خشي غائلتها وجبن عن قتلها للذي قيل في الجاهلية: " إنها تؤذي قاتلها أو تصيبه بخبل " فقد فارق سنتنا وخالف ما نحن عليه (2). 34 - الشهاب: عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة وله صراخ حول العرش يقول: رب سل هذا فيم قتلني من غير منفعة (3). الضوء: العبث من فعل العالم: ما ليس فيه غرض مثله، وقيل: هو ما خلط به لعب، يقول صلى الله عليه واله وسلم ناهيا عن العبث، رادا من اللعب، ضاربا المثل بالعصفور الذي يقتله العابث من غير غرض صحيح: إن العصفور المقتول باطلا يجيئ يوم القيامة ويصرخ حول العرش متظلما يسأل ربه أن يسأل قاتله لم قتله من غير جلب منفعة ولا دفع مضرة ؟ وهذا مثل ضربه بالعصفور وإذا كان ظلم العصفور في صغر جسمه وحقارته لا يترك ولا يهمل بل يستوفى عوض ما أصابه من الالم فكيف بما فوقه من بني آدم وغيرهم ؟ وإذا كان الله تعالى قد مكن المؤلم من الايلام فلابد أن يكون هو المستوفي لعوضه منه، وكلام العصفور يجوز أن يكون على طريق المثل وتقريب الحال، ويكون المعنى أن الله تعالى لا شك مستوف عوض ألم القتل من القاتل، فكأنه يتظلم حول العرش وينصفه ويجوز أن يكون على حقيقته وينطقه الله تعالى فيتظلم حول العرش ويكون ذكر ذلك لطفا لمن يسمعه، وفيه أن الصيد لغير غرض قبيح، وكذلك صيد اللهو واللعب، وفى


(1) الضوء: لم نجد نسخته. (2) النهاية 1: 29. (3) الشهاب: لم نجد نسخته. *

[271]

الحديث دلالة على أن جميع الحيوانات من الوحوش والطيور تنشر، وفيه إثبات الاعواض، وفائدة الحديث تعظيم أمر الظلم وإعلام أن الله تعالى لا يهمله ولو كان بالعصفور، وراوي الحديث أنس بن مالك (1). 35 - الدر المثنور: عن خالد قال: لما حمل نوح في السفينة ما حمل جاءت العقرب فقالت: يا نبي الله أدخلني معك، قال: لا، أنت تلذعين الناس وتؤذينهم، قالت: لا، احملني معك فلك الله علي أن لا ألذع من يصلي عليك تلك الليلة (2). 36 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: وسئل (3) عن قتل الحيات والنمل في الدور إذا آذين، قال: لا بأس بقتلهن وإحراقهن إذا آذين، ولكن لا تقتلوا من الحيات عوامر البيوت، ثم قال: إن شابا من الانصار خرج مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم احد وكانت له امرأة حسناء فغاب فرجع فإذا هو بامرأته تطلع من الباب، فلما رآها أشار إليها بالرمح فقالت له: لا تفعل ولكن ادخل فانظر (3) ما في بيتك، فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه، فقالت المرأة لزوجها: هذا الذي أخرجني، فطعن الحية في رأسها ثم علقها فجعل (5) ينظر إليها وهي تضطرب، فبينما (6) هو كذلك إذ سقط فاندقت عنقه، فاخبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فنهى يومئذ عن قتلها، وأما من قال: " من تركهن مخافة تبعتهن فليس منا " لما سوى ذلك (7) فأما عمار الدار فلا تهاج لنهي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن قتلهن يومئذ (8).


(1) الضوء: لم نجد نسخته. (2) الدر المنثور ج 3 ص 330. (3) في المصدر: وسمعت جعفرا وسئل عن قتل النمل والحيات في الدور. (4) في المصدر: وانظر إلى مافى بيتك. (5) في المصدر: وجعل. (6) في المصدر: فبينا. (7) في المصدر: لما سوى ذلك منهن فاما عمار الدور. (8) قرب الاسناد: 41. *

[272]

النجاشي: عن محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد بن سعيد عن أحمد بن يوسف الجعفي عن علي بن الحسين عن إسماعيل بن محمد بن عبد الله عن إسماعيل بن الحكم الرافعي عن عبد الله بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن أبي رافع قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو نائم أو يوحى إليه وإذا حية في جانب البيت - إلى أن قال: - فاستيقظ فأخبرته خبر الحية، فقال: اقتلتها، فقتلتها الخبر (1). 38 - تحف العقول: عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في وصيته لعلي عليه السلام قال: إذا رأيت حية في رحلك فلا تقتلها حتى تحرج عليها ثلاثا، فان رأيتها الرابعة فاقتلها فانها كافرة. يا علي إذا رأيت حية في طريق فاقتلها فاني اشترطت على الجن أن لا يظهروا في صورة الحيات (2). توضيح: " حتى تحرج عليها " أي تعزم وتقسم عليها بأن لا تضر ولا تظهر، في النهاية: الحرج: الاثم والضيق: ومنه الحديث: " اللهم إني احرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة " أي اضيقه واحرمه على من ظلمهما، يقال: حرج على ظلمك أي حرمه (3). 39 - الدر المنثور: عن جويرية بن أسماء عن عمه قال: حججت مع قوم فنزلنا منزلا ومعنا امرأة فنامت وانتبهت وحية متطوقة عليها، جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها، فهالنا ذلك وارتحلنا فلم تزل متطوقة عليها لا تضرها شيئا حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت (4)، فدخلنا مكة فقضينا نسكنا وانصرفنا حتى إذا كنا بالمكان الذي تطوقت عليها فيه الحية وهو المنزل الذي نزلنا فيه فنامت فاستيقظت والحية متطوقة عليها، ثم صفرت الحية فإذا بالوادي يسيل علينا حيات فنهشتها حتى بقيت عظاما فقلت للتى كانت الجارية لها: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة، قالت: بغت ثلاث مرات


(1) فهرست النجاشي: 3. (2) تحف العقول: 12. (3) النهاية 1: 246. (4) انصاب الحرم أي اعلامها، وانساب: مشى مسرعا. *

[273]

كل مرة تلد ولدا فإذا وضعته سجرت التنور فألقته فيه (1). 40 - الخرائج: عن سليمان الجعفري عن الرضا عليه السلام إن عصفورا وقع بين يديه وجعل يصيح ويضطرب فقال: أتدري ما يقول ؟ فقلت: لا فقال: قال لي: إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت، فقم وخذ تلك النسعة وادخل البيت واقتل الحية، فقمت وأخذت النسعة ودخلت البيت وإذا حية تجول في البيت فقتلتها (2). 41 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب الخزاز عن محمد بن مسلم قال: إن العقرب لذعت (3) رسول الله صلى الله عليه واله فقال: لعنك الله، فما تبالين مؤمنا آذيت أم كافرا، ثم دعا بالملح فدلكه فهدأت، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: لو يعلم الناس ما في الملح ما بغوا (4) معه درياقا (5). بيان: هدأ كمنع: سكن. 42 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه وعمرو بن إبراهيم جميعا عن خلف بن حماد عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لذعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عقرب فنفضها وقال: لعنك الله فما يسلم منك مؤمن ولا كافر، ثم دعا بملح فوضعه على موضع اللذعة ثم عصره بابهامه حتى ذاب، ثم قال: لو يعلم الناس ما في الملح ما احتاجوا معه إلى ترياق (6). 43 - حياة الحيوان: قال أصحابنا: ما ليس مأكولا من الدواب والطيور إن كان فيه مضره متمحضة استحب قتله للمحرم وغيره كالفواسق الخمس والذئب و


(1) الدر المنثور. (2) النسخة المخطوطة خلى عن هذا الحديث، وهو الصحيح لانه تقدم تحت رقم 10. (3) في المصدر: لسعت. (4) أي ما طلبوا معه درياقا. وفي بعض النسخ: ما احتاجوا معه درياقا. (5) فروع الكافي 6: 337. (6) فروع الكافي 6: 327. *

[274]

الاسد والنمر والنسر والحدأة والبرغوث والقمل والبق وأشباهها (1)، فان كان فيه منفعة ومضرة كالفهد والكلب المعلم والعقاب والبازي والصقر ونحوها فلا يستحب قتلها لما فيها من منفعة الاصطياد، ولا يكره لما فيها من الضرر وهو الصيال على حمام الناس والعقر وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر كالخنافس والديدان والجعلان والسرطان والنعامة والرخمة والعظاءة والذباب وأشباهها فيكره قتلها، ولا يحرم على ما قطع به الجمهور، وحكى الامام وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات لانه عبث بلا حاجة (2). وقال في الحية: اسم يطلق على الذكر والانثى فان أردت التمييز قلت: هذا حية ذكر، وهذه انثى (3) قاله المبرد في الكامل، وإنما دخلته الهاء لانه واحد من جنس كبطة ودجاجة، على أنه قد روي عن بعض العرب أنه قال: رأيت حيا على حية أي ذكرا على انثى، والنسبة إلى حية حيوي، والحيوت ذكر الحيات، أنشد الاصمعي: وتأكل الحية والحيوتا * وتخنق العجوز أو تموتا وذكر ابن خالويه لها مائتي اسم، ونقل السهيلي عن المسعودي أن الله تعالى لما أهبط الحية إلى الارض أنزلها بسجستان، فهي أكثر أرض الله حيات، ولولا العربد يأكلها ويفني كثيرا منها لخلت من أهلها لكثرة الحيات. وقال كعب الاحبار: أهبط الله الحية باصبهان وإبليس بجدة وحوا بعرفة وآدم بجبل سرانديب، وهو بأعلى الصين في بحر الهند، عال يراه البحريون من مسافة أيام وفيه أثر قدم آدم عليه السلام مغموسة في الحجر، وترى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد له في كل يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم عليه السلام ويقال: إن الياقوت الاحمر يوجد على هذا الجبل فتحدره السيول والامطار من


(1) في المصدر: والقمل والزنبور والبق والقراد واشباهها. (2) حياة الحيوان 1: 233. (3) في المصدر: وهذه حية انثى. *

[275]

ذروته إلى الحضيض، ويوجد فيه ألماس أيضا، وبه يوجد العود كذا قاله القزويني. والحية أنواع: منها الرقشاء وهي التي فيها نقط سواد وبياض ويقال لها: الرقطاء أيضا، وهي من أخبث الافاعي، وتزعم الاعراب أن الافاعي صم وكذلك النعام، ومن أنواعها الازعر وهو غالب فيها، ومنها ما هو أزب ذوشعر، ومنها ذوات القرون، و أرسطو ينكر ذلك قال الراجز: وذات قرنين طحون الضرس * تنهش لو تمكنت من نهش تدير عينا كشهاب القيش (1). ومنها الشجاع بالضم والكسر، وهو الحية العظيمة التي تواثب الفارس (2) والراجل وتقوم على ذنبها وربما لقت (3) رأس الفارس وتكون بالصحاري (4)، ومنها العربد وهي حية عظيمة تأكل الحيات، ومنها الاصلة وهو عظيم جدا، وله وجه كوجه الانسان، ويقال: إنه يصير كذلك إذا مرت عليه الوف من السنين، ومن خاصية هذا أن يقتل بالنظر، ومنها الصل وسمى المكللة لانها مكللة الرأس وقيل: الصل الاول وهذه المكللة شديدة الفساد تحرق كل ما مرت عليه، ولا ينبت حول حجرها شئ من الزرع أصلا، وإذا حاذى مسكنها طائر سقط، ولا يمر حيوان بقربها إلا هلك، وتقبل بصفيرها على غلوة سهم، ومن وقع عليها بصره (5)، ولو من بعد مات، ومن نهشته مات في الحال، وضربها فارس برمحه فمات هو وفرسه، وهى كثيرة ببلاد الترك، ومنها ذو الطفيتين والابتر، في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه واله قال: اقتلوهما فانهما يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى. قال الزهري: ونرى ذلك من سمها.


(1) في المصدر: " نهس " وفيه: كشهاب القبس. راجع حياة الحيوان 1: 199. (2) في المصدر: تثب على الفارس. (3) في المصدر: وربما بلغت. (4) حياة الحيوان 2: 34. (5) في المصدر: ومن وقع عليه بصرها. *

[276]

ومنها الناظر متى وقع نظره على إنسان مات الانسان من ساعته، ومنها نوع آخر إذا سمع الانسان صوته مات، وقد جاء في حديث الخدري عن الشاب الانصاري الذى طعن الحية برمحه فماتت ومات الشاب من ساعته. ومن أسماء الحية العين والعيم (1) والاين والارقم والاصلة والجان والثعبان والشجاع والازب والازعر والابتر والناشر والافعى والافعوان الذكر من الافاعي، والارقم والارقش والصل والارقط وذو الطفيتين والعربد. قال ابن الاثير ويقال للحيات: أبوالبختري وأبو الربيع وأبو عثمان وأبو العاصي وأبو دعور وأبو وثاب وأبو يقظان وام طبق وام عافية وام عثمان وام الفتح وام محبوب وبنات طبق (3). والحية الصماء وهى شديدة الشر، والصمة: الذكر من الحيات، وبه سمي والد دريد بن الصمة. وزعم أهل الكلام في طبائع الحيوان ان الحية تعيش ألف سنة، وهي كل سنة تسلخ جلدها وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فتجمع النمل (3) فيفسد غالب بيضها ولا يصلح منه إلا القليل، وإذا لذعتها العقرب ماتت. ومن أنواعها الحريش وشرها الافاعي ومساكنها الرمال، وبيض الحيات مستطيل وهو أكدر اللون وأخضر واسود وارقط وابيض، وفي بعضه نمش (4) ولمع و السبب في اختلاف ذلك لا يعرف، وداخله شئ كالصديد: وهو في جوفها متصل (5) طولا على خط واحد، وليس للحيات سفاد يعرف، وإنما هو التواء بعضها على بعض ولسانها مشقوق، فيظن بعض الناس أن لها لسانين، وتوصف بالنهم والشرة لانها


(1) زاد في المصدر: والصم. (2) قد اسقطت من المصدر عدة من الاسماء. (3) في المصدر: فيجتمع عليه النمل. (4) النمش: نقط بيض وسود واو بقع تقع في الجلد تخالف لونه. (5) في المصدر: منضد. *

[277]

تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الاسد، ومن شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا له عظيم أتت شجرة أو نحوها فتلتوي عليه التواء شديدا حتى يتكسر ذلك في بطنها، ومن عادتها أنها إذا نهشت انقلبت فيتوهم بعض الناس أنها فعلت (1) لتفرغ سمها وليس كذلك، ومن شأنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم، وتتقات به الزمن الطويل و تبلغ الجهد من الجوع ولا تأكل إلا لحم الشئ الحي، وهي إذا كبرت صغر جرمها وأقنعت بالنسيم ولا تشتهي الطعام. ومن غرائب أمرها أنها لا تريد الماء ولا ترده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشراب إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه، فهي إذا وجدته شربت منه حتى تكسر، و ربما كان السكر سبب هلاكها، والذكر لا يقيم بموضع واحد، وإنما تقيم الانثى على بيضها حتى يخرج فراخها، وتقوى على الكسب ثم هي سائرة (2) وعينها لا تدور في رأسها كأنها مسمار مضروب في رأسها وكذلك عين الجراد، وإذا قلعت عادت وكذك نابها إذا قلع عاد بعد ثلاثة أيام وكذلك ذنبها إذا قطع نبت، ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح بالنار وتطلبها، وتتعجب من أمرها وتحب اللبن حبا شديدا، وإذا ضربت بسوط مسه عرق الخيل ماتت، وتذبح فتبقى أياما لا تموت، وإذا عميت أو خرجت من الارض (3) وهي لا تبصر طلبت الرازيانج الاخضر فتحك به بصرها فتبصر، فسبحان من قدر فهدى، قدر عليها العمى وهداها إلى ما يزيله عنها، وليس في الارض (4) مثل الحية إلا وجسم الحية أقوى منه، وكذلك إذا أدخلت صدرها في جحر أو صدع لم يستطع أقوى الناس إخراجها منه وربما تقطعت ولا تخرج، وليس لها قوائم ولا أظفار تنشب بها (5)، وإنما قوى ظهرها هذه


(1) في المصدر: انما فعلت ذلك. (2) في المصدر: ثم هي سائرة فان وجدت جحرا انسابت فيه. (3) في المصدر: من تحت الارض لا تبصر. (4) في المصدر: وليس شئ في الارض. (5) في المصدر: تتثبت بها. *

[278]

القوة بسبب كثرة أضلاعها، فان له ثلاثين ضلعا، وإذا مشت مشت على بطنها فتدافع أجزاؤها وتسعى بذلك الدفع الشديد، والحيات من أصل الطبع مائية، وتعيش في البحر بعد أن كانت برية، وفي البر بعد أن كانت بحرية. قال الجاحظ: الحيات ثلاثة انواع: منها مالا ينفع للسعته ترياق ولا غيره كالثعبان والافعى والحية الهندية ونوع منها ينفع في لسعته الدرياق، وما كان سواهما مما يقتل فانما يقتل بواسطة الفزع، كما حكي ان شخصا نام تحت شجرة فتدلت عليه حية فعضت راسه فانتبه مخمر الوجه فحك راسه وتلفت فلم ير احدا فلم يربت (1) بشئ ووضع راسه ونام، فلما كان بعد ذلك بمدة قال له بعض من رآه هل علمت مم كان انتباهك تحت الشجرة ؟ قال: لا والله ما علمت قال: إنما كان من حية تدلت عليك فعضت راسك فلما قمت فزعا تقلصت، ففزع فزعة فاتت فيها نفسه (2) قال: فهم يزعمون أن الفزع هو الذي هيج السم وفتح مسام البدن حتى مشى السم فيه انتهى. وذكر القرطبي في سورة غافر عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب الاحبار أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش قال: لم يخلق الله خلقا أعظم مني، واهتز تعاظما، فطوقه بحية لها سبعون ألف جناح في كل جناح سبعون ألف لسان (3) يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر وعدد ورق الشجر وعدد الحصى و الثرى وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة اجمعين فالتوت الحية على العرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه فتواضع عند ذلك انتهى. وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن بشر بن الفضل قال: خرجنا حجابا فمررنا


(1) هكذا في الكتاب وفى المصدر: " فلم يرتب " وهو الصحيح من ارتاب يرتاب بفلان: اتهمه ورأى منه ما يريبه. (2) في المصدر: فاضت فيها نفسه. (3) فيه تفصيل اختصره المصنف لغرابته. *

[279]

بماء من مياه العرب فوصف لنا فيه ثلاث جوار أخوات بارعات في الجمال وإنهن يتطببن ويعالجن، فأحببنا أن نراهن، فعمدنا إلى صاحب لنا فحكينا (1) ساقه بعود حتى أدميناه ثم حملناه وأتينا به إليهن وقلنا: هذا سليم فهل من راق فخرجت إلينا الاخت الصغرى فإذا جارية كالشمس الطالعة فجاءت حتى وقفت عليه ونظرته فقالت: ليس بسليم قلنا: وكيف ذلك ؟ قالت: إنه خدشه عود بال عليه حية ذكر، والدليل على ذلك أنه إذا طلعت الشمس مات، قال: فلما طلعت الشمس مات فعجبنا من ذلك وانصرفنا. وقال أيضا: إن عيسى عليه السلام مر بحواء (2) يطارد حية، فقالت الحية: يا روح الله قل له: لئن لم يلتفت عنى لاضربنه ضربة أقطعه قطعا، فمر عيسى ثم عاد فإذا الحية في سلة الحاوي (3)، فقال لها عيسى: ألست القائلة كذا وكذا ؟ فكيف صرت معه ؟ فقالت: يا روح الله إنه قد حلف لي والآن غدرني (4) فسم غدره أضر عليه من سمى. وفي عجايب المخلوقات للقزويني أن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى أنو شيروان وإنما وجد في زمانه، وسببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم إذ أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره فهموا بقتلها فقال كسرى: كفوا عنها فاني أظنها مظلومة فمرت تنساب فأتبعها كسرى بعض أساورته فلم يزل سائرة حتى نزلت على فوهة (5) بئر فنزلت فيها ثم أقبلت تتطلع فنظر الرجل فإذا في قعر البئر حية مقتولة وعلى متنها عقرب أسود فأدلى رمحه إلى العقرب ونخسها به، وأتى الملك فأخبره بحال الحية فلما كان في العام القابل أتت تلك الحية في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم وجعلت تنساب حتى وقفت بين يديه فأخرجت من (6) فيها بزرا أسود، فأمر


(1) في المصدر: فحككنا. (2) الحواء: " جامع الحيات " وفى المصدر: مربحا و. (3) الحاوى: الذى يرقى الحية. (4) في المصدر: غدر بي. (5) فوهة البئر والوادى والطريق: فمها. (6) في المصدر: فنفضت من فيها. *

[280]

الملك أن يزرع فنبت منه الريحان، وكان الملك كثير الزكام وأوجاع الدماغ فاستعمل (1) منه فنفعه جدا (2). وذكر المسعودي عن الزبير بن ركاز (3) أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين فنزلا في ظل شجرة بجنب صفاة فلما دنا الرواح خرجت لهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته إليهما فقالا: إن هذا لمن كنز هنا، فأقاما ثلاثة أيام وهي في كل يوم تخرج إليهما دينارا، فقال أحدهما للآخر: إلى متى ننتظر هذا الحية ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه، فنهاه أخوه وقال: ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال، فأبى عليه ثم أخذ فأسا ورصد الحية حتى خرجت فضربها ضربة جرح رأسها ولم يقتلها وبادرت إليه الحية فقتلته ورجعت إلى جحرها فدفنه أخوه وأقام حتى إذا كان الغد خرجت الحية معصوبا رأسها وليس معها شئ، فقال: يا هذه والله ما رضيت ما أصابك ولقد نهيت أخي عن ذلك فلم يقبل، فان رأيتي أن تجعلي الله (4) بيننا على أن لا تضرني ولا أضرك وترجعين إلى ما كنت عليه أو لا فقالت الحية: لا، قال: لاي شئ ؟ قالت: لاني أعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدا وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبدا وأنا أذكر هذه الشجة (5). وفي مسند أحمد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا بالله، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا. وقال ابن عباس: إن الحيات مسخن كما مسخت القردة من بني إسرائيل، وكذا رواه الطبراني عنه عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكذا رواه ابن حبان.


(1) من القصص المختلقة لعدل كسرى وكم له من نظير. (2) حياة الحيوان 1: 199 - 210. (3) هكذا في الكتاب وهو مصحف والصحيح كما في المصدر الزبير بن بكار. (4) في المصدر: فهل لك أن نجعل الله. (5) هذه من غرائب ابن بكار وكم له من نظير. *

[281]

وأما الحيات التي في البيوت فلا تقتل حتى تنذر ثلاثة أيام لقوله صلى الله عليه واله وسلم: إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئا فأذنوه (1) ثلاثة أيام. وحمل بعض العلماء ذلك على المدينة وحده، والصحيح أنه عام في كل بلد لا تقتل حتى تنذر. روى مسلم ومالك في آخر الموطأ وغيرهما عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري في بيته فوجدته يصلي فجلست أنتظر فراغه فسمعت حركة تحت السرير في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لاقتلها فأشار إلي: أن اجلس، فجلست، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت ؟ قلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى الخندق، وكان ذلك الفتى يستأذن على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند انتصاف النهار ويرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما، فقال له صلى الله عليه واله وسلم: خذ عليك سلاحك فاني أخشى عليك بني قريظة، فأخذ الفتى سلاحه ثم رجع إلى أهله فوجد امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وقد أصابته غيرة فقالت: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا هو بحية عظيمة مطوقة على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فوكزه (2) في الدار فاضطربت عليه وخر الفتى ميتا فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى ؟ قال: فجئنا النبي صلى الله عليه واله وسلم فأخبرناه بذلك وقلنا: ادعو (3) الله تعالى أن يحييه، فقال: استغفروا (4) لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئا فأذنوه (5) ثلاثة أيام


(1) في المخطوطة: فانذروه. (2) المصدر: فركزه. (3) في المصدر: ادع الله. (4) في المصدر: استغفروا ربكم. (5) في المخطوطة: فانذروه خ. *

[282]

فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فانما هو شيطان. واختلف العلماء في تفسير الانذار هل هو ثلاثة أيام أو ثلاث مرات، والاول عليه الجمهور، وكيفيته أن يقول: انشدكن بالعهد الذى أخذه عليكن نوح وسليمان عليهما السلام أن لا تبدوا لنا ولا تعادونا (1). وفي اسد الغابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا ظهرت الحية في المسكن فقولوا لها: " إنا نسألك بعهد نوح وبعهد سليمان عليهما السلام لا تؤذينا " فان عادت فاقتلوها. وروي عن عمران بن الحصين قال: أخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم بعمامتي من ورائي وقال: يا عمران إن الله يحب الانفاق ويبغض الاقتار فأنفق وأطعم ولا تصرصر (2) فيعسر عليك الطلب، واعلم أن الله عزوجل يحب البصر النافذ عند هجم الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات (3)، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية. وعند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لانها من الجان، وقال الطحاوي لا بأس بقتل الجميع والاولى هو الانذار (4). وقال في موضع آخر: في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: لعن الله من مثل بالحيوان. وفي رواية: لعن الله من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (5).


(1) في المخطوطة: " ولا تعودونا " وفى المصدر: ولا تؤذونا. (2) هكذا في الكتاب، يقال: صرصر الرجل أي صاح وصرصر الشئ: جمعه و ضم اطراف ما انتشر منه. وفى المصدر: ولا تعسر فيعسر عليك الطلب. (3) في المصدر: عند نزول البلايا. (4) حياة الحيوان 1: 203 - 205. (5) في المصدر: وفى رواية نهى رسول الله " ص " أن تصبر البهائم. قال العلماء: تصبير البهائم هو أن تحتبس وهى احياء لتقتل بالرمي ونحوه، وهو معنى قوله: لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا أي يرمى. *

[283]

أي يرمى إليه كالغرض من الجلود وغيرها، وهذا النهي للتحريم لان النبي صلى الله عليه وآله لعن فاعله ولانه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته و تفويت لذكاته إن كان يذكى ولمنفعته إن لم يكن يذكى (1). 44 - العيون والعلل: عن محمد بن عمر البصري عن محمد بن عبد الله بن جبلة عن عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: سأل شامي أمير - المؤمنين عليه السلام كم حج آدم من حجة ؟ فقال له: سبعين حجة ماشيا على قدميه، وأول حجة حجها كان معه الصرد يدله على مواضع الماء وخرج معه من الجنة، وقد نهي عن أكل الصرد والخطاف، وسأله ما باله لا يمشي ؟ قال: لانه ناح على بيت المقدس فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه ولم يزل يبكي مع آدم عليه السلام فمن هناك سكن البيوت، ومعه تسع آيات من كتاب الله عزوجل مما كان آدم يقرأها في الجنة وهي معه إلى يوم القيامة: ثلاث آيات من أول الكهف، وثلاث آيات من سبحان وهى " فإذا قرأت القرآن " وثلاث آيات من يس: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا " (2). 45 - العيون: عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن منصور بن عبد الله عن المنذر بن محمد عن الحسين بن محمد عن سليمان بن جعفر عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: في جناح كل هدهد خلقه الله عزوجل مكتوب بالسريانية: آل محمد خير البرية (3). 46 - البصائر: عن أحمد بن محمد عن الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن محمد بن سيف التميمي (4) عن محمد بن جعفر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: استوصوا بالصائيات خيرا يعني الخطاف، فانه آنس طير الناس بالناس، ثم قال رسول الله


(1) حياة الحيوان 1: 207. (2) عيون الاخبار ج 1 ص 243، علل الشرائع 2: 281 و 282 (ط قم). (3) عيون الاخبار ج 1 ص 261. (4) في الكافي: محمد بن يوسف التميمي. *

[284]

صلى الله عليه وآله: أتدرون ما تقول الصائية إذا ترنمت ؟ تقول: " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " حتى تقرأ ام الكتاب، فإذا كان في آخر ترنمها قالت: ولا الضالين (1) ". الكافي: عن العدة عن سهل بن بن زياد وأحمد بن أبي عبد الله جميعا عن الجاموراني مثله وفيه: استوصوا بالصئينات، وما تقول الصئينة إذا مرت وترنمت، وزاد في آخره: مد بها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم " ولا الضالين " (2). بيان: قال الدميري: السنونو بضم السين والنونين الواحدة سنونوة وهو نوع من الخطاطيف، ولذلك سمي حجر اليرقان حجر السنونو، ولكن تصحف على عجائب المخلوقات فقال: حجر الصنونو بالصاد، والصواب أنه بالسين المهملة نسبة إلى هذا النوع من الخطاطيف (3). المختلف: نقلا من كتاب عمار بن موسى الصادق عليه السلام قال: خرؤ الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه، ولكن كره أكله لانه استجار بك وآوى في منزلك وكل شئ يستجير بك فأجره (4). التهذيب: باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار مثله إلا أنه أسقط لفظة خرؤ (5). 48 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب خطافا في الصحراء أو يصيده أيأكله ؟ قال: هو مما يؤكل، وعن الوبر يؤكل ؟ قال:


(1) بصائر الدرجات 346. (2) فروع الكافي 6: 223 و 224 فيه مدبها رسول الله صوته: ولا الضالين. (3) حياة الحيوان 2: 26. (4) مختلف الاحكام ص 172. (5) تهذيب الاحكام. *

[285]

لا هو حرام (1). بيان: حمل الشيخ قوله: هو مما يؤكل على التعجب والانكار، وهو بعيد، و الاولى حمل أخبار النهي على الكراهة كما فعله الاكثر. 49 - التهذيب: بالاسناد المتقدم عن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الشقراق فقال: كره قتله لحال الحيات، قال: وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يوما يمشي فإذا شقراق قد انقض (2) فاستخرج من خفه حية (3). بيان: قوله عليه السلام: لحال الحيات، أي لانه يأكلها، وفي وجوده منفعة عظيمة فلذاكره قتله، أو لانه أخرج الحية من خفه صلى الله عليه واله وسلم فصار بذلك محترما، أو لانه يأكل الحية ففيه سميته، فالمراد بقتله قتله للاكل، والاول أظهر. 50 - الخرائج: عن أبى بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل من الخطاف، فقال: لا تؤذوه فانه لا يؤذي شيئا، وهو طير يحبنا أهل البيت (4). 51 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن علي بن سليمان عن مروك ابن عبيد عن نشيط بن صالح قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لا أرى بأكل الحبارى بأسا، وإنه جيد للبواسير ووجع الظهر وهو مما يعين على كثرة الجماع (5). 52 - حياة الحيوان: الهدهد بضم الهائين وإسكان الدال المهملة وبفتح الهاءين وإسكان الدال المهملة بينهما: طائر معروف ذو خطوط وألوان كثيرة، والجمع الهداهد بالفتح، هو طير منتن الريح طبعا لانه يبنى افحوصته (6) في الزبل، وهذا عام في جميع جنسه.


(1) تهذيب الاحكام ج 9 ص 21. (2) انقض الطائر: هوى ليقع. (3) تهذيب الاحكام ج 9 ص 21. (4) الخرائج. (5) فروع الكافي 6: 313. (6) الافحوصة: الموضع الذى تفحص القطاة التراب عنه لتبيض فيه. *

[286]

ويذكر عنه أنه يرى الماء في باطن الارض كما يراه الانسان في باطن الزجاج وزعموا أنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء، وبهذا تفقده لما فقده، وكان سبب غيبة الهدهد عن سليمان عليه السلام أنه لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز واستصحب من الجن والانس والشياطين والطير والوحش ما بلغ عسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم طول مقامه (1) خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وإنه قال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي من صفته كذا وكذا يعطى النصر على من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله ؟ قال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، قالوا: فكم بيننا وبين خروجه ؟ قال: مقدار ألف عام (2)، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فانه سيد الانبياء وخاتم الرسل. وأقام سليمان عليه السلام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسنا تزهو خضرتها فأحب النزول فيها ليصلي ويتغذي، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فنظر إلى طول الدنيا وعرضها يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد من هداهد اليمن فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان يعفور، فقال (2) ليعفور: من أين أقبلت ؟ وأين تريد ؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام، فقال: ومن سليمان ؟ قال: ملك الجن والانس والشياطين والطيور والوحوش والرياح، وذكر له من عظمة ملك سليمان


(1) المصدر: طول مقامه بمكة. (2) بين مولده صلى الله عليه وآله ونبوة سليمان (ع) اكثر من الف وخمسمائة عام، ولعل الوهم من الراوى. (3) في المصدر: فقال هدهد اليمن ليعفور. *

[287]

وما سخر له من كل شئ، فمن أين أنت ؟ قال الهدهد الآخر: أنا من هذه البلاد، ووصف له ملك بلقيس وأن تحت يدها اثنى عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف مقاتل (1)، ثم قال: فهل أنت منطلق معي تنظر إلى ملكها ؟ فقال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، فقال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فمضى معه ونظر إلى ملك بلقيس وما رجع إلى سليمان إلا بعد العصر، فكان سليمان عليه السلام قد نزل على غير ماء (3) فسأل الانس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا له خبرا، فتفقد الطير وتفقد الهدهد (3) فدعا عريف الطير وهو النسر وسأله عن الهدهد فلم يجد علمه عنده، فغضب سليمان عليه السلام عند ذلك وقال: " لاعذبنه عذابا شديدا " الآية ثم دعا بالعقاب وهو سيد الطير وقال: علي بالهدهد الساعة، فارتفع في الهواء ونظر إلى الدنيا كالقصعة في يد الرجل ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض يريده فناشده الله تعالى وقال: أسألك بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه ثم قال له: ويلك ثكلتك امك إن نبي الله قد حلف ليعذبنك أو ليذبحنك، فقال الهدهد: أوما استثنى نبي الله ؟ قال: بلى " أو ليأتيني بسلطان مبين " فقال الهدهد: فنجوت إذا. ثم طار الهدهد والعقاب حتى أتيا سليمان عليه السلام فلما قرب منه الهدهد أرخى ذنبه وجناحه يجرهما على الارض تواضعا له، فأخذ سليمان عليه السلام برأسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عزوجل، فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عن سبب غيبته فأخبره بأمر بلقيس.


(1) فيه غرابة شديدة. (2) ظاهر قوله: (رأى ارضا حسناء تزهو خضرتها) أن الارض كانت ذات ماء، و ظاهره ايضا انه نزل على تلك الارض المخضرة. (3) في المصدر: ففقده الهدهد. *

[288]

وقد تقدمت الاشارة إلى طرف من قصتها. وأما قوله: " لاعذبنه " أراد تعذيبه بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه، و قيل: كان عذاب سليمان عليه السلام للطير أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه ممعطا (1) لا يمتنع من النمل ولا من هوام الارض، وهو أظهر الاقاويل، وقيل: أن يطلى بالقطران ويشمس وقيل: أن يلقى للنمل تأكله، وقيل: إيداعه القفص، وقيل: التفريق بينه وبين إلفه وقيل: إلزامه صحبة الاضداد، وعن بعضهم أنه قال: أضيق السجون صحبة الاضداد وقيل: حبسه مع غير جنسه، وقيل: إلزامه خدمة أقرانه، وقيل: تزويجه عجوزا. فان قلت: من أين حل تعذيب الهدهد ؟ قلت: يجوز أن يبيح الله له ذلك كما أباح ذبح البهائم والطيور للاكل وغيره من المنافع. حكى القزويني أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام: اريد أن تكون في ضيافتي قال: أنا وحدي ؟ قال: لابل أنت وأهل عسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا، فحضر سليمان بجنوده، فطار الهدهد فاصطاد جرادة وخنقها ورمى بها في البحر وقال: كلوا يا نبي الله من فاته اللحم ناله المرق، فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولا كاملا. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عليه السلام عن ذبح الهدهد لانه كان بارا بوالديه ينقل الطعام إليهما فيزقهما في حالة كبرهما. قال الجاحظ: هو وفاء حفوظ ودود، وذلك أنه إذا غابت انثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشتغل بطلب طعم ولا غيره ولا يقطع الصياح حتى تعود إليه، فان حدث حادث أعدمه إياها لم يسفد بعدها انثى أبدا، ولم يزل صائحا عليها ما عاش ولم يشبع أبدا من طعم بل يناله منه ما يمسك رمعه إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيرا. وفي الكامل وشعب الايمان للبيهقي: أن نافعا سأل ابن عباس فقال: سليمان عليه السلام مع ما خوله الله تعالى من الملك كيف عني بالهدهد مع صغره ؟ فقال ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد كانت الارض له كالزجاج، فقال ابن الازرق


(1) معط الريش: نتفه. *

[289]

لابن عباس: قف يا وقاف كيف ينظر الماء من تحت الارض ولايرى الفخ إذا غطي له بقدر إصبع من تراب ؟ فقال ابن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر. ثم قال: والاصح تحريم أكله لنهي النبي صلى الله عليه واله عن قتله (1)، ولانه منتن الريح ويقتات الدود، وقيل: يحل أكله (2). وقال: الحبارى بضم الحاء المهملة: طائر معروف، وهو اسم جنس يقع على الذكر والانثى واحده وجمعه سواء، وإن شئت قلت في الجمع: حبارات، وهو من أشد الطير طيرانا وأبعدها صوتا (3)، وهو طائر طويل العنق، رمادي اللون في منقاره بعض طول، ويضرب بها المثل في الحمق (4). وقال: الصرد كرطب قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو مهمل الحروف على وزن جعل كنيته أبو كثير، وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير والجمع صردان، قاله النضر بن شميل، وهو أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود ضخم المنقار له برثن عظيم، يعنى أصابعه عظيمة، لا يرى إلا في سعفه أو في شجرة لا يقدر عليه أحد، وهو شرس النفس شديدة النقرة، غذاؤه من اللحم وله صفير مختلف يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعوا إليه شد على بعضهم وله منقار شديد، فإذا نقر واحدا قده من ساعته وأكله، ولا يزال كذلك، هذا دأبه، ومأواه الاشجار ورؤوس القلاع. ونقل أبو الفرج بن الجوزي في المدهش في قوله تعالى: " وإذ قال موسى لفتيه " الآية عن ابن عباس والضحاك ومقاتل قالوا: إن موسى عليه السلام لما أحكم التوراة وعلم ما فيها قال في نفسه: لم يبق في الارض أحد أعلم مني من غير أن يتكلم مع أحد فرأى في منامه كأن الله أرسل الماء بالماء حتى غرق ما بين المشرق والمغرب، فرأى


(1) في المصدر: عن اكله. (2) حياة الحيوان 2: 272 - 274. (3) في المصدر: وأبعدها شوطا. (4) حياة الحيوان 1: 163. *

[290]

فتاه (1) على البحر فيها صردة فكانت الصردة تجيئ للماء الذي غرق الارض فتنقل الماء بمنقارها ثم تدفعه في البحر، فلما استيقظ الكليم هاله ذلك، فجاءه جبرائيل فقال: مالي أراك يا موسى كئيبا ؟ فأخبره بالرؤيا، فقال: إنك زعمت أنك استغرقت العلم كله فلم يبق في الارض من هو أعلم منك، وإن لله عبدا علمك في علمه كالماء الذي حملته الصردة بمنقارها فدفعته في البحر، فقال: يا جبرئيل من هذا العبد ؟ فقال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب يعني إبراهيم الخليل عليه السلام قال: من أين أطلبه ؟ قال: اطلبه من وراء هذا البحر، فقال: من يدلني عليه ؟ قال: بعض زادك قالوا: فمن حرصه على رؤياه لم يستخلف في قومه (2) ومضى لوجهه وقال لفتاه يوشع: هل أنت موازري ؟ قال: نعم، اذهب فاحتمل لنا زادا، فانطلق يوشع فاحتمل أرغفة وسمكة عتيقة مالحة، سارا في البحر حتى خاضا وحلا وطينا ولقيا تعبا ونصبا حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر خلف بحر أرمنية يقال لتلك الصخرة: قلعة الحرس. فأتياها فانطلق موسى ليتوضا فاقتحم مكانا فوجد عينا من عيون الجنة في البحر فتؤضا منها وانصرف ولحيته تقطر ماء وكان عليه السلام حسن اللحية ولم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته فوقعت منها قطرة على تلك السمكة المالحة، وماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة ووثبت في البحر فسارت، فصار مجراها في البحر سربا ونسي يوشع ذكر السمكة " فلما جاوزا قال موسى لفتيه آتنا غدائنا " الآية، فذكر له أمر السمكة فقال له: ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما فأوحى الله إلى الماء فجمد وصار سربا على قامة موسى وفتاه فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر فصار مسيره لهما جادة فسلكاها فناداهما مناد من السماء: أن دعا الجادة فانه طريق الشياطين إلى عرش إبليس، وخذاذات اليمين. فأخذ ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة وعندها مصلى فقال موسى:


(1) هكذا في الكتاب وفى المصدر: " قتاة " ولعله مصحف: قنات أي نبات. (2) في المصدر: على لقياه لم يستخلف على قومه. *

[291]

ما أحسن هذا المكان ينبغي أن يكون لذلك العبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر حتى انتهى إلى ذلك المكان والبقعة، فلما قام عليها اهتزت خضرا، قالوا: وإنما سمى الخضر لانه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء، فقال موسى عليه السلام: السلام عليك يا خضر، فقال: وعليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل، فقال: ومن أدراك من أنا ؟ قال: أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان و ما قصة القرآن العظيم انتهى. وقال القرطبي: ويقال له: الصرد الصوام، روينا في معجم عبد الغني بن قانع عن أبي غليظة امية بن خلف الجمحي قال: رآني رسول الله صلى الله عليه واله وعلى يده صرد (1) فقال: هذا أول طير صام عاشورا. وكذلك أخرجه الحافظ أبو موسى، والحديث مثل اسمه غليظ، قال الحاكم: وهو من الاحاديث التى وضعها قتلة الحسين عليه السلام رواه أبو عبد الله بن معاوية بن موسى بن أبي غليظ نشيط بن مسعود بن امية بن خلف الجمحي عن أبيه عن أبي غليظ قال: رآني رسول الله صلى الله عليه واله وعلى يده صردة (2) قال: هذا أول طير صام عاشورا. وهو حديث باطل ورواته مجهولون. وقيل: لما خرج إبراهيم عليه السلام من الشام لبناء البيت كانت السكينة معه والصرد، وكان الصرد دليله على الموضع والسكينة بمقداره، فلما صار إلى موضع البيت وقفت السكينة في موضع البيت ونادت: إبن يا إبراهيم على مقدار ظلي. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه واله نهى عن قتل النحلة والنملة والهدهد والصرد. والعرب تتشأم بصوته وشخصه، قال القاضي أبو بكر: إنما نهى النبي صلى الله عليه واله عن قتله لان العرب كانت تتشأم به، فنهى عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما ثبت فيها من اعتقادهم الشوم فيه لا أنه حرام (3).


(1 و 2) في المصدر: وعلى يدى صرد. (3) حياة الحيوان 2: 41 و 42. *

[292]

وقال: الشقراق بفتح الشين وكسرها وربما قالوا: الشرقراق: طائر ضعيف (1) يسمى الاخيل، والعرب تتشأم به، وهو أخضر مليح بقدر الحمام، خضرته حسنة مشبعه، في أجنحته سواد، ويكون مخططا بحمرة وخضرة أو سواد، وفي طبعه شره و شراسة وسرقة فراخ غيره، وهو لا يزال متباعدا من الانس ويألف الروابي ورؤوس الجبال، لكنه يحضن بيضه في العمران العوالي التي لا تناله الايدي، وعشه شديد النتن. وقال الجاحظ: إنه نوع من الغربان، وفي طبعه العفة عن السفاد، وهو كثير الاستغاثة إذا حاربه طائر ضربه وصاح كأنه المضروب، ثم قال: والاكثر على تحريمه، وقال بعض الاصحاب بحله (2)، وقال الفيروز آبادي: الشقراق ويكسر الشين، والشقراق كقرطاس، والشرقراق بالفتح والكسر، والشرقرق كسفرجل: طائر معروف مرقط بخضرة وحمرة وبياض وتكون بأرض الحرم انتهى. وقال الدميري الحدأ بكسر الحاء أخس الطائر (3)، وجمعها حدأ مثل عنبة وعنب ومن ألوانها السود والرمد وهي لا تصيد، وإنما تخطف ومن طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر، وزعم بعضهم أن الحدأة والعقاب يتبد لان فتصير الحدأة عقابا أو العقاب حدأة، وقال القزويني: إنها سنة ذكر وسنة انثى. وروى البخاري ومسلم (4) أن النبي صلى الله عليه واله قال: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام - وفي رواية: ليس للمحرم في قتلهن جناح -: الحدأة والغراب الابقع والعقرب والفأرة والكلب العقور. نبه صلى الله عليه واله بذكر هذه الخمسة على جواز قتل كل مضر فيجوز قتل الفهد و النمر والذئب والصقر والباشق والشاهين والزنبور والبق والبرغوث والبعوض و الوزغ والذباب والنمل إذا آذاه (5).


(1) في المصدر: وهو طائر صغير. (2) حياة اليحوان 2: 38. (3) في المصدر: اخس الطير. (4) زاد في المصدر: من حديث ابن عمر وعائشة وحفصة. (5) حياة الحيوان 1: 165 و 166. *

[293]

وقال: الخطاف جمعه خطاطيف ويسمى زوار الهند، وهو من الطيور القواطع إلى الناس، يقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم، ثم إنها تبنى بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، وهذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة لانه زهد فيما بأيديهم من الاقوات فأحبوه، لانه إنما يتقوت بالبعوض والذباب ومن عجيب أمره أن عينه تقلع وترجع (1) ولا يرى واقفا على شئ يأكله أبدا ولا مجتمعا بانثاه، والخفاش يعاديه، فلذلك إذا أفرخ يجعل في عشه قضبان الكرفس فلا يؤذيه إذا شم رائحته، ولا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد، ويبني عشه بناء عجيبا، وذلك أنه يبني الطين مع التبن فإذا لم يجد طينا مهيا ألقى نفسه في الماء ثم يتمرغ في التراب حتى يمتلي جناحاه ويصير شبيها بالطين فإذا هيا عشه جعله على القدر الذي يحتاج إليه هو وأفراخه، ولا يلقي في عشه زبلا بل يلقيه إلى خارج، فإذا كبرت فراخه علمها ذلك، وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران، فإذا رآها صفرا ظن أن اليرقان أصابها من شدة الحر فيذهب فيأتي بحجر اليرقان من أرض الهند فيطرحه على فراخه، وهو حجر صغير فيه خطوط بين الحمرة والسواد، ويعرف بحجر السنونو فيأخذه المحتال فيعلقه عليه أو يحكه ويشرب من مائه يسيرا فانه يبرأ باذن الله تعالى، والخطاف متى سمع صوت الرعد يكاد أن يموت. وقال أرسطو في كتاب النعوت: الخطاطيف إذا عميت أكلت من شجرة يقال لها عين شمس، فيرد بصرها لما في تلك الشجرة من المنفعة للعين. وفي رسالة القشيري في آخر باب المجبة: إن خطافا راود خطافة على قبة سليمان عليه السلام فامتنعت منه فقال لها: أتمنعين على ولو شئت لقلبت القبة على سليمان ؟ فسمعه سليمان فدعاه وقال: ما حملك على ما قلت ؟ فقال: يا نبي الله العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم، قال: صدقت. وذكر الثعلبي وغيره في تفسير سورة النمل أن آدم عليه السلام لما خرج من


(1) في المصدر: ثم ترجع. *

[294]

الجنة اشتكى الوحشة فآنسه الله بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم انسا لهم، قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله العزيز وهي " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل " إلى آخر السورة، وتمد صوتها بقوله: " العزيز الحكيم " والخطاطيف أنواع منها نوع يألف سواحل البحر يحفر بيته هناك ويعشش فيه وهو صغير الجثة دون عصفور الجنة ولونه رمادي والناس يسمونه سنونو بضم السين المهملة ونونين ومنها نوع أخضر على ظهره بعض حمرة أصغر من الدرة يسميه أهل مصر الخضيري لخضرته، يقتات الفراش والذباب ونحو ذلك، ومنها نوع طويل الاجنحة رقيقها يألف الجبال ويأكل النمل، وهذا النوع يقال له: السمائم، مفرده سمامة، و منهم من يسمي هذا النوع السنونو الواحدة سنونوة، وهو كثير في المسجد الحرام يعشش في سقفه في باب (1) بنى شيبة، وبعض الناس يزعم أن ذلك هو الابابيل الذي عذب الله تعالى به أصحاب الفيل. ثم قال: يحرم أكل الخطاطيف لما روى عبد الرحمن بن معاوية عن النبي صلى الله عليه واله أنه نهى عن قتل الخطاطيف (2). وعن إبراهيم بن طهمان عن عبادة بن إسحاق عن أبيه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل الخطاطيف عواد البيوت (3). وعن ابن عمر قال: لا تقتلوا الضفادع فان نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخطاف فانه لما خرب بيت المقدس قال: رب سلطني على البحر حتى اغرقهم (4). وقال في الضفدع: هو بكسر الضاد مثل الخنصر واحد الضفادع والانثى


(1) في المصدر: في باب ابراهيم وباب. (2) زاد في المصدر: وقال: لا تقتلوا هذه العوذ انها تعوذ بكم من غيركم، ورواه البيهقى وقال: انه منقطع. قال: ورواه ابراهيم بن طهمان اه‍. (3) في المصدر: عوذ البيوت. ومن هذه الطريق رواه ابو داود في مراسيله، قال البيهقى: وهو منقطع ايضا لكن صح عن عبد الله بن عمر. اه‍. (4) حياة الحيوان 1: 212 و 213. *

[295]

ضفدعة، وناس يقولون: ضفدع بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف: درهم وهجرع - وهو الطويل - وهبلع - وهو الاكول - وقلعم و هو اسم. وقال ابن الصلاح: الاشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال وفتحها أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصية، وقد أنكره بعض أئمة اللغة، وقال البطليوسي في شرح أدب الكاتب: وحكي أيضا ضفدع بضم الضاد وفتح الدال وهو نادر حكاه المطرزي أيضا قال في الكفاية: وذكر الضفادع يقال له: العلجوم بضم العين والجيم وإسكان اللام والواو وآخره ميم، والضفدع أنواع كثيرة، وتكون من سفاد وغير سفاد، وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري ومن العفونات وعقب الامطار الغزيرة حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الاسطحة عقيب. المطر والريح، وليس ذلك عن ذكر وانثى، وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة من طباع تلك التربة، وهي من الحيوان التي لا عظام لها، ومنها من ينق ومنها ما لا ينق والذي منها ينق يخرج صوته من قرب اذنه، ويوصف بحدة السمع إذا تركت النقيق وكانت خارج الماء، وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الاسفل في الماء، ومتى دخل الماء في فيها لا تنق، قال عبد القاهر: والثعبان: يستدل بصياح الضفدع عليه فيأتى على صياحه فيأكله، وتعرض لبعض الضفادع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من رؤية النار حيرة إذا رأتها وتتعجب منها لانها تنق، فإذا أبصرت النار سكتت. ولا تزال تدمن النظر إليها وأول نشوها في الماء أن تظهر مثل حب الدخن الاسود، ثم تخرج منه وهي كالد عموس، ثم بعد ذلك ينبت لها الاعضاء، فسبحان القادر على ما يشاء وعلى ما يريد سبحانه لا إله غيره إلا هو. وفي الكامل لابن عدي عن جابر أن النبي صلى الله عليه واله قال: من قتل ضفدعا فعليه شاة محرما كان أو حلالا. قال سفيان: يقال: إنه ليس شئ أكثر ذكرا لله منه. وفيه أنه روي عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس أن ضفدعا ألقت *

[296]

نفسها في النار من مخافة الله فأثابهن الله بها برد الماء وجعل نقيقهن التسبيح، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله عن قتل الضفدع والصرد والنحلة. قال: ولا أعلم لحماد بن عبيد غير هذا الحديث، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث. وفي كتاب الزاهر لابي عبد الله القرطبي أن داود عليه السلام قال: لا سبحن الله الليلة تسبيحا ما سبحه به أحد من خلقه، فنادته ضفدعة من ساقية في داره: يا داود تفخر على الله بتسبيحك ؟ إن لي (1) لسبعين سنة ما جف لساني من ذكر الله تعالى، وإن لي لعشر ليال ما طعمت خضرا ولا شربت ماء اشتغالا بكلمتين، فقال: ماهما ؟ قالت: يا مسبحا بكل لسان ومذكورا بكل مكان، فقال داود في نفسه: وما عسى أن أقول أبلغ من هذا ؟ وروى البيهقي في شعبه عن أنس بن مالك أنه قال: إن نبي الله داود ظن في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بأفضل مما يمدحه به (2)، فأنزل الله عليه ملكا وهو قاعد في محرابه والبركة إلى جانبه، فقال: يا داود افهم ما تصوت به الضفدعة فأنصت إليها فإذا هي تقول: سبحانك وبمحدك منتهى علمك، فقال له الملك: كيف ترى ؟ فقال: والذي جعلني نبيا إني لم أمدحه بهذا. وفي كتاب فضل الذكر لجعفر بن محمد الفريابي الحافظ العلامة عن عكرمة أنه قال: صوت الضفدع تسبيح. وفيه أيضا عن الاعمش عن أبي صالح أنه سمع صوت صرير باب فقال: هذا منه تسبيح. قال الرئيس ابن سينا: إذا كثرت الضفادع في سنة وزادت عن العادة يقع الوبا عقيبها. وقال القزويني: الضفادع تبيض في الرمل مثل السلحفاة، وهي نوعان: جبلية ومائية.


(1) في المصدر: تفتخر على الله بتسبيحك وان لى. (2) في المصدر: مما مدحه به. *

[297]

ونقل الزمخشري في الفائق عن عمر بن عبد العزيز قال: سأل رجل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرآى فيما يرى النائم رجلا كالبلور يرى داخله من خارجه، ورأى اليشطان في صورة الضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله في منكبه الايسر إلى قلبه يوسوس له فإذا ذكر الله خنس. وروى ابن عدي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه واله قال: لا تقتلوا الضفادع فان نقيقها تسبيح. وقال الزمخشري: إنها تقول في نقيقها: سبحان الملك القدوس. وعن أنس: لا تقتلوا الضفادع فانها مرت بنار إبراهيم عليه السلام فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار. وفي الشفاء الصدور عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه واله قال: لا تقتلوا الضفادع فان نقيقهن تسبيح (1). فذلكة: اعلم أن أكثر الاصحاب حكموا بكراهة أكل الهدهد والفاختة و القبرة والحبارى والصرد والصوام والشقراق، واختلفوا في الخطاف فذهب أكثر المتأخرين إلى الكراهة، وذهب الشيخ في النهاية والقاضي وابن ادريس إلى التحريم بل ادعى ابن ادريس عليه الاجماع، واستدلوا على كراهة أكثر ما ذكر بما مر من الاخبار الناهية عن قتلها وإيذائها، ولا يخفى أنها لا تدل على كراهة أكل لحمها بعد القتل، فان الظاهر أن ذلك لكرامتها واحترامها، لا لكراهة لحومها وحرمتها والاخبار الآتية في الفاختة إنما تدل على كراهة إيوائها في البيوت، بل ربما يشعر بحسن قتلها وأكلها، قال المحقق الاردبيلي قدس سره بعد إيراد روايات النهي عن قتل الهدهد: وظاهر الدليل هو التحريم، والحمل على الكراهة كأنه للاصل والعمومات وحصر المحرمات ولعدم القائل بالتحريم على الظاهر تأمل. ثم اعلم أن الكلام في كراهة أكل اللحم والدليل ما دل عليه بل على النهي عن أذاه وقتله، وهو غير مستلزم للنهي عن أكل لحمه، وهو ظاهر، فان في أكله بعد


(1) حياة الحيوان 2: 57 و 58. *

[298]

القتل ليس أذاه، وأيضا يحتمل أن يكون المراد بالنهي قتله لا للاكل بل لاذاه، يؤيده قوله: " لا يؤذى " والعلة أيضا فان كونه " نعم الطير " لا يستلزم عدم قتله للاكل، فان الغنم أيضا موصوف بأنه نعم المال أو مال مبارك ونحو ذلك، مع أنه خلق للاكل، ولا شك أن الاجتناب عن أذاه أولى وأحوط. ثم قال رحمه الله في حديث الخطاف المتقدم: يفهم منه أن المراد بالنهي عن القتل النهي عن الاكل حيث دحابه بعد أن كان مذبوحا (1)، ثم نقل النهي عن القتل فتأمل، ولكن في السند جهالة واضطراب. وقال قدس سره: وأما كراهة الحبارى فليس عليها دليل واضح سوى أنه مذكور في أكثر الكتب، قال في التحرير: وبها رواية شاذة، نعم في صحيحة عبد الله ابن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا أسمع ما تقول في الحبارى ؟ قال: إن كانت له قانصة فكل. الخبر. وهي مشعرة بعدم ظهور حالها فالاجتناب أولى فتأمل انتهى. وأقول: كأن وجه التأمل أنه لا إشعار في كلامه عليه السلام بالكراهة، بل الظاهر أن غرضه عليه السلام بيان القاعدة الكلية لبعد عدم علمه عليه السلام بذلك، ويحتمل أن يكون في هذا التعبير مصلحة اخرى كتقية ونحوها، وبالجملة عدم الكراهة أظهر لما ورد في الصحيح عن كردين المسمعي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحبارى قال: لوددت أن عندي منه فآكل حتى أمتلي (2). ولرواية بسطام بن صالح. وأما الحيات فالظاهر جواز قتلها مطلقا إلا عوامر البيوت إذا لم تؤذ أصحاب البيت، فانه يحتمل أن تكون فيها كراهة، لكن ينبغي أن لا يكون الاحتراز عن قتلهن لتوهم إثم في قتلهن أو ضرر منهن، وأما التفاصيل الواردة في أخبار العامة


(1) ولعل ذلك كان لشدة غضبه عليه السلام على قتله فلا يدل على حرمة الاكل بعد ذبحه. (2) من لا يحضره الفقيه 3: 206. *

[299]

فلم نجده في أخبارنا، وأما سائر المؤذيات فلا بأس بقتلهن وما لم يؤذ منها فلعل الافضل الاجتناب عن قتلها تنزها لا تحريما للتعليلات الواردة في بعض الاخبار فتفطن. وأما تعذيب الحيوان الحي بلا مصلحة داعية إلى ذلك فهو قبيح عقلا، ويشعر فحاوي بعض الاخبار بالمنع عنه فالاحوط تركه، ولم يتعرض أكثر أصحابنا لتلك الاحكام إلا نادرا. *

[300]

* (باب 11) * القبرة والعصفور وأشباههما 1 - الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن أبي عبد الله الجاموراني عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: لا تقتلوا القبرة (1) ولا تأكلوا لحمها فانها كثيرة التسبيح، وتقول في آخر تسبيحها: لعن الله مبغضي آل محمد عليهم السلام (2). 2 - ومنه: عن محمد بن الحسن وعلي بن إبراهيم الهاشمي عن بعض أصحابنا عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال على بن الحسين عليهما السلام (3) القنزعة التي هي على رأس القبرة (4) من مسحة سليمان بن داود عليه السلام، وذلك أن الذكر أراد أن يسفد انثاه فامتنعت عليه فقال لها: لا تمتنعي ما اريد (5) إلا أن يخرج الله عزوجل مني نسمة يذكر ربه (6)، فأجابته إلى ما طلب فلما أرادت أن تبيض قال لها: أين تريدين أن تبيضين ؟ فقالت له: لا أدري انحيه عن الطريق، فقال لها: إني خائف أن يمر بك مار الطريق، ولكني أرى لك أن تبيضي قرب الطريق فمن رآك (7) قربه توهم أنك تعرضين للقط الحب من الطريق فأجابته إلى ذلك وباضت وحضنت حتى أشرفت على النقاب (8) فبينما هما كذلك إذ


(1) في المصدر: القنبرة. (2) فروع الكافي 6: 225. (3) القنزعة: الخصلة من الشعر تترك على الرأس. (4) في المصدر: القنبرة. (5) في المصدر: فما اريد. (6) في المخطوطة: " يذكر به " وفي المصدر: تذكر به. (7) في المصدر: فمن يراك. (8) النقاب: شق البيضة عن الفرخ. *

[301]

طلع سليمان بن داود عليه السلام في جنوده والطير تظله، فقالت له: هذا سليمان قد طلع علينا في جنوده ولا آمن أن يحطمنا ويحطم بيضنا، فقال لها: إن سليمان عليه السلام لرجل رحيم بنا، فهل عندك شئ هيأته لفراخك (1) إذا نقبن ؟ قالت: نعم عندي جرادة خبأتها منك أنتظر بها فراخي إذا نقبن، فهل عندك أنت شئ (2) ؟ قال: نعم عندي تمرة خبأتها منك لفراخنا، فقالت: خذ أنت تمرتك وآخذ أنا جرادتي ونعرض لسليمان عليه السلام فنهديهما له فانه رجل يحب الهدية، فأخذ التمرة في منقاره، و أخذت هي الجرادة في رجليها، ثم تعرضا لسليمان عليه السلام، فلما رآهما وهو على عرشه بسط يديه لهما فأقبلا فوقع الذكر على اليمنى ووقعت الانثى على اليسرى (3) فسألهما عن حالهما فأخبره فقبل هديتهما وجنب جنوده عن بيضهما (4) فمسح على رأسهما ودعا لهما بالبركة، فحدثت القنزعة على رأسهما من مسحة سليمان عليه السلام (5). تبيان: قال الجوهري: القبرة واحدة القبر، وهو ضرب من الطير والقنبراء لغة فيها، والجمع القنابر، والعامة تقول: القنبرة. أقول: الاخبار تدل على أنها مع النون أيضا لغة فصيحة كما مر عن القاموس قولا، ونقل الدميري عن البطليوسي في شرح أدب الكاتب أنها أيضا لغة فصيحة، قال: وفي طبعه أنه لا يهوله صوت صائح، وربما رمي بالحجر فاستخف بالرامي و لطئ بالارض حتى يجاوزه الحجر، وهو يضع وكره على الجادة حبا للانس انتهى (6). وقال الجوهري: حضن الطائر بيضة يحضنه: إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه


(1) في بعض النسخ: خبأته لفراخك. (2) في المصدر: فهل عند أنت شئ. (3) في المصدر: " على اليمين " وعلى اليسار وسألهما. (4) في المصدر: وجنب جنده عنهما وعن بيضهما ومسح. (5) فروه الكافي 6: 225 و 226. (6) حياة الحيوان 2: 169 و 170. *

[302]

على النقاب: أي شق البيضة عن الفرخ. والحطم: الكسر، ولعل الخوف لاحتمال النزول أو لاجتماع الناس للنظر إلى شوكته وزينته وغرايب أمره فيحطمون، فالاسناد إليه إسناد إلى السبب البعيد. وقال المحقق الاردبيلي روح الله روحه بعد إيراد الرواية الاخيرة: فيها أحكام مثل قصد النسل من النكاح، والتجنب عن كسر بيض الطيور وأخذها، والهدية و قبولها وإن كان قليلا جدا وكان لصاحبها طلب من المهدى إليه والدعاء له بالبركة و غيرها، وإن كان في شرع سليمان عليه السلام فتأمل انتهى. وقال شارح اللمعة نور الله ضريحه: كراهة القبرة منضمة إلى البركة بخلاف الفاختة. 3 - دلائل الطبري: عن أحمد بن محمد المعروف بغزال قال: كنت جالسا مع أبي - الحسن عليه السلام في حائط له إذ جاء عصفور فوقع بين يديه وأخذ يصيح ويكثر الصياح ويضطرب، فقال لي: تدري ما يقول هذا العصفور ؟ قلت: الله ورسوله ووليه أعلم فقال: يقول: يا مولاي إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت، فقم بناء ندفعها عنه وعن فراخه فقمنا ودخلنا البيت فإذا حية تجول في البيت فقتلناها (1). 4 - البصائر: عن يعقوب بن يزيد عن الوشاء عمن رواه عن الميثمي عن منصور عن الثمالي قال: كنت مع علي بن الحسين عليه السلام في داره وفيها عصافيروهن يصحن فقال لي: أتدري ما يقلن هؤلاء العصافير ؟ قلت: لا أدري، قال: يسبحن ربهن و يطلبن رزقهن (2). دلايل الطبري: عن ابن زيد عن الوشاء عمن رواه عن الميثمي عن علي بن منصور عن الثمالي مثله إلى قوله: يسبحن ربهن ويهللن ويسألنه قوت يومهن، ثم قال: يا باحمزة " علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ " (3).


(1) دلائل الامامة: 172. (2) بصائر الدرجات 99 ط حجر. (3) دلائل الامامة: 88. *

[303]

5 - البصائر: عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ثعلبة عن سالم مولى أبان بياع الزطي قال: كنا في حائط لابي عبد الله عليه السلام ونفر معي قال فصاحت العصافير فقال: أتدري ما تقول ؟ فقلنا: جعلنا الله فداك لا ندري ما تقول فقال: تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لابد لنا من رزقك فأطعمنا واسقنا (1). 6 - مشارق الانوار: باسناده عن محمد بن مسلم قال: خرجت مع أبي جعفر عليه السلام فإذا نحن بقاع مجدب يتوقد حرا وهناك عصافير فتطايرن حول بغلته، فزجرها فقال: لا ولا كرامة، قال: ثم سار إلى مقصده، فلما رجعنا من الغد وعدنا إلى القاع فإذا العصافير قد طارت ودارت حول بغلته ورفرفت، فسمعته يقول: اشربي واروي، قال: فنظرت وإذا في القاع ضحضاح من الماء، فقلت: يا سيدي بالامس منعتها واليوم سقيتها، فقال: اعلم أن اليوم خالطها القنابر فسقيتها، ولولا القنابر لما سقيتها. فقلت: يا سيدي وما الفرق بين القنابر والعصافير ؟ فقال: ويحك أما العصافير فانهم موالي عمر لانهم منه، وأما القنابر فانهم من موالينا أهل البيت وإنهم يقولون في صفيرهم: " بوركتم أهل البيت وبوركت شيعتكم ولعن الله أعداءكم " ثم قال: عادانا من كل شئ حتى من الطيور الفاختة ومن الايام الاربعاء (2). 7 - مجالس الشيخ: عن محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان عن أبيه عن محمد بن الحسن عن محمد بن أبي القاسم عن أحمد البرقي عن علي بن محمد القاساني عن أبي أيوب المدني (3) عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: لا تأكلوا القنبرة ولا تسبوها ولا تعطوها الصبيان يلعبون بها فانها كثيرة التسبيح لله، وتسبيحها: لعن الله مبغضي آل محمد (4).


(1) بصائر الدرجات (2) مشارق الانوار: 114. (3) في المخطوطة وفي الكافي: " المدينى " وفي المصدر: المدائني. (4) المجالس والاخبار: 71 فيه: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: لا تقتلوا القبرة ولا تأكلوا لحمها فانها كثيرة التسبيح وتقول في آخر تسبيحها: لعن اه‍. *

[304]

8 - وبهذا الاسناد قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: ما أزرع الزرع لطلب الفضل وفيه وما أزرعه إلا ليتناوله الفقير وذو الحاجة وليتناول منه القنبرة خاصة من الطير (1). الكافي: عن العدة عن أحمد بن أبي عبد الله عن علي بن محمد بن سليمان عن أبي أيوب مثل الخبرين (2). تبيين: يظهر من المجالس أن علي بن محمد بن سليمان هو القاساني وأن سليمان تصحيف: شيرة " فان القاساني هو علي بن محمد بن شيرة كما ذكره النجاشي ثم اعلم أنه لا يبعد أن تكون الاخبار الواردة في حب بعض الحيوانات والنباتات والجمادات لهم عليهم السلام وبغض بعضها لهم وكونها منسوبة إلى اعدائهم محمولة على أنه للاشياء الحسنة ارتباط واقعي منسوب بعضها إلى بعض: وللاجناس الخبيثة ربط واقعي لبعضها إلى بعض، سواء كانت من الانسان والحيوانات أو الجمادات (3) أو الاعمال أو الافعال أو الاخلاق أو غيرها، فالطيور الحسنة مثلا من جهة حسنها الواقعي، كأنها تحب المقدسين من البشر لاشتراكها معهم في الحسن، وكذا النباتات والجمادات وغيرها، والامور القبيحة والاشياء الخبيثة لها مناسبة بالملعونين من البشر فكأنها تحبهم لمناسبتهم لهم وتبغض الائمة وشيعتهم لمباينتها إياهم، والتسليم لها مجملا وتفويض علمها إليهم أحوط وأولى، وقد مر بعض القول في مثله. 9 - حياة الحيوان: العصفور بضم العين وحكى ابن رشيق الفتح أيضا، والانثى عصفورة، قال حمزة: سمي عصفورا لانه عصى وفر، وهو أنواع: منها ما يطرب بصوته، ومنها ما يعجب بصوته وحسنه، والصعفور الصوار هو الذي يجيب إذا دعي وعصفور الجنة هو الخطاف، وأما العصفور الدوري فانه في طباعه اختلافا وذلك أن فيه من الطباع ما يشبه طباع السباع وهو أكل اللحم ولا يزق فراخه، ومن


(1) المجالس والاخبار: 71. (2) فروع الكافي 6: 225 فيه: ليناله المعتر. (3) في المخطوطة: والحيوانات والجمادات. *

[305]

البهائم أنه ليس بذي مخلب ولا منسر ويأكل الحب وإذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاث وأخر الدابرة وساير سباع الطير (1) تقدم أصبعين وتفرج أصبعين، ويأكل الحب والبقول، ويتميز الذكر منها بلحية سوداء كما مر للرجل والتيس والديك وليس في الارض طائر ولا سبع ولا بهيمة أحنى من العصفور على ولده ولا أشد له عشقا وذلك مشاهد عند أخذ فراخها، ووكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح وإذا خلت مدينة من أهلها ذهبت العصافير منها فإذا عادوا إليها عادت العصافير بها والعصفور لا يعرف المشي وإنما يثب وثبا، وهو كثير السفاد، فربما سفد في الساعة الواحدة مائة مرة، ولذلك قصر عمره فانه لا يعيش في الغالب أكثر من سنة، ولفرخه تدرب على الطيران حتى أنه يدعى فيجيب. قال الجاحظ: بلغني أنه يرجع من فرسخ. ومن أنواعه عصفور الشوك ومأواه السباخ، وزعم أرسطو أن بينه وبين الحمار عداوة، لان الحمار إذا كان به دبر حكه بالشوك الذي يأوي إليه هذا العصفور فيقتله وربما نهق الحمار فتسقط فراخه أو بيضه من جوف وكره، فلذلك هذا العصفور إذا رأى الحمار رفرف فوق رأسه وعلى عينيه وآذاه بطيرانه وصياحه. ومن أنواعه القبرة وحسون (2) وهو ذو ألوان بحمرة وصفرة وبياض وسواد وزرقة وخضرة، وهو يقبل التعليم فيتعلم أخذ الشئ من يد الانسان المتباعد ويأتي به إلى مالكه (3). ومنها البلبل والصعوة والحمرة والعندليب والمكاكي والصافر والتنوط و الوضع والبرقش والقبعة. وروى البيهقي وابن عساكر بسندهما إلى أبي مالك قال: مر سليمان بن داود عليه السلام بعصفور يدور حول عصفورة قال لاصحابه: أتدرون ما يقول ؟ قالوا: وما


(1) في المصدر: وسائر أنواع الطير. (2) حياة الحيوان 2: 80. (3) حياة الحيوان 1: 169. *

[306]

يقول يا نبي الله قال: يخطبها إلى نفسه ويقول: تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت، قال سليمان: وقصور دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها، لكن كل خاطب كذاب. وروى ابن قانع أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة ويقول: يا رب عبدك قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة. وفي الحلية للحافظ أبي نعيم: قال أبو حمزة الثمالي: كنت عند علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام إذا عصافير يطرن حوله ويصرخن فقال: يا باحمزة هل تدري ما تقول هذه العصافير ؟ قلت: لا، قال: إنها تقدس ربها جل وعلا وتسأله قوت يومها. وقال ابن عباس: لما ركب موسى والخضر عليهما السلام السفينة جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثم نقر في البحر (1) فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل (2) ما نقص هذا العصفور من البحر. قال العلماء: لفظ النقص ليس هنا على ظاهره، وإنما معناه إنما علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقره (3) هذا العصفور من هذا البحر، قلت: وهذا على التقريب إلى الافهام وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر. وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها، قيل: يا رسول الله وما حقها ؟ قال: أن يذبحها فيأكلها وأن لا يقطع رأسها ويرمي (4) به رواه النسائي. ولحم العصافير حار يابس أجود من لحم الدجاج، وأجودها الشتوية السمان وأكلها يزيد في المني والباه، لكنها تضر أصحاب الرطوبات الاصلية، ويدفع ضررها دهن اللوز، وهي تولد خلطا صفراويا توافق من الانسان الشيوخ، ومن الامزجة


(1) في المصدر: فنقر نقرة أو نقرتين في البحر. (2) في المصدر: الا كنقرة هذا العصفور. وفى الرواية الاخرى: الا مثل اه‍. (3) في المصدر: ما نقص. (4) في المصدر: فيرمى به. *

[307]

الباردة، ومن الازمان الشتا (1). وروى الحافظ أبو نعيم وصاحب الترغيب والترهيب من حديث مالك بن دينار أن سليمان بن داود عليه السلام مر على بلبل فوق شجرة تصفر وتحرك رأسها وتميل ذنبها، فقال لاصحابه: أتدرون ما يقول ؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: أكلت نصف تمرة وعلى الدنيا العفا وهو الدروس وذهاب الاثر وقيل: التراب (2). وقال: الصعوة من صغار العصافير أحمر الرأس (3)، وقال: الحمر بضم الحاء المهملة وتشديد الميم والراء المهملة: ضرب من الطير كالعصفور. وروي (4) عن ابن مسعود قال: كنا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيضة حمرة (5) فجاءت الحمرة ترفرف على رسول الله (6) صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه، فقال لاصحابه: أيكم فجع هذه ؟ فقال رجل أنا يا رسول الله أخذت بيضها - وفي رواية فريخها (7) - فقال: رده رده رحمة لها. في الترمذي وابن ماجة عن عامر الدارمي مثله (8). وقال: العندليب: الهزار، والجمع العنادل، والبلبل يعندل إذا صوت (9). وقال: المكاء (10) بالمد والتشديد طائر وجمعه المكاكي، والمكاء: الصغير، وهذا


(1) حياة الحيوان 2: 80 - 82. (2) حياة الحيوان 1: 112. (3) حياة الحيوان 2: 43. (4) في المصدر: روى ابو داود والطيالسي والحاكم وقال: صحيح عن ابن مسعود. (5) في المصدر: بيض حمرة. (6) في المصدر: ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله. (7) في المصدر: وفى رواية الحاكم: أخذت فرخها. (8) حياة الحيوان 1: 191 و 192. (9) حياة الحيوان 2: 110. (10) في المصدر: بضم الميم. *

[308]

الطائر يصفر ويصوت كثيرا (1). وقال القزويني: هو من طير البادية يتخذا فحوصة عجيبا وبينه وبين الحية معاداة، فان الحية تأكل بيضه وفراخه، وحدث هشام بن سالم أن حية أكلت بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر (2) على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها ألقى في فيها حسكة فأخذت بحلق الحية فماتت (3). وقال: الصافر ويقال: الصفار (4) طائر معروف من أنواع العصافير، ومن شأنه أنه إذا أقبل الليل يأخذ بغصن شجرة ويضم عليه رجليه وينكس رأسه، ثم لا يزل يصيح حتى يطلع الفجر ويظهر النور، قال القزويني: إنما يصيح خوفا من السماء أن تقع عليه، قال غيره: الصافر: التنوط وإنه إن كان له وكر جعله كالخريطة، و إن لم يكن له وكرشرع يتعلق بالاغصان كما ذكرناه (5). وقال: التنوط بضم التاء وكسرها وقد يفتح وفتح النون وضم الواو والمشددة، وقيل: يجور الفتح أيضا، قال الاصمعي إنما سمي بذلك لانه يدلي خيطا من شجرة يفرخ فيها، والواحدة تنوطة، ومن شأنه إذا أقبل عليه الليل ينتقل في زوايا بيته ويدور فيها ولا يأخذه قرار إلى الصبح خوفا على نفسه (6). وقال: الوضع بفتح الواو والضاد المعجمة (7) والعين المهملة: الصعوة، وقيل: هو طائر أصغر من العصفور. وفي الحديث إن إسرافيل عليه السلام له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وإن العرش


(1) في المصدر: قال البغوي: اسم طائر ابيض يكون بالحجاز له صفير. (2) أي يرفرف. (3) حياة الحيوان 2: 236. (4) في المصدر: الصفارية. (5) حياة الحيوان 2: 39. (6) حياة الحيوان 1: 120. (7) في المصدر: الوصع بفتح الواو والصاد المهملة. *

[309]

على منكب إسرافيل ليتضاءل الاحيان لعظمة الله تعالى حتى يصير مثل الوضع (1) والبرقش بالكسر: طائر صغير مثل العصفور، ويسميه أهل الحجاز السرسوز (2) وقال: القبعة بضم القاف وتخفيف الباء الموحدة والعين المهملة المفتوحتين: طوير أبقع مثل العصفور، ويكون عنده حجرة الجرذان فإذا فرغ أو رمي بحجر انقبع فيها قاله ابن السكيت وقوله: انقبع فيها أي دخل الجحر فالتجأ فيه (3).


(1) حياة الحيوان 2: 289 و 290 فيه: مثل الوصع. (2) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر: شرشور: راجع حياة الحيوان 1: 88. (3) حياة الحيوان 2: 171. *

[310]

باب 12 الذباب والبق والبرغوث والزنبور والخنفساء والقملة والقرد والحلم وأشباهها الآيات: البقرة 2: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها 26. الحج: 27 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوه اذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز 72. تفسير: " أن يضرب مثلا ما " أي للحق يوضحه به لعباده المؤمنين أي مثل كان ما بعوضة فما فوقها وهو الذباب، رد بذلك على من طعن في ضربه الامثال بالذباب وبالعنكبوت وبمستوقد النار والصيب في كتابه وفي مجمع البيان عن الصادق عليه السلام إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لانها على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق الله في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين (1)، فأراد الله أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه " فاستمعوا له " أي استماع تدبر وتفكر " إن الذين تدعون من دون الله " يعني الاصنام " لن يخلقوا ذبابا " أي لا يقدرون على خلقه مع صغره " ولو اجتمعوا له " أي ولو تعاونوا على خلقه " وإن يسلبهم الذباب " الخ أي فكيف يكونون آلهة قادرين على المقدورات كلها ؟ وروي في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: كانت قريش تلطخ الاصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر وكان يغوث قبال الباب، ويعوق عن يمين الكعبة، و نسرعن يسارها، وكانوا إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث ولا ينحنون، ثم يستديرون


(1) سيأتي في الحديث: " أنه فضل على الفيل بالجناحين " وفى كلام الدميري: ان للبعوض مضافا إلى اعضاء الفيل رجلين زائدتين واربعة اجنحة وخرطوم الفيل مصمت وخرطومه مجوف نافذ للجوف. *

[311]

بحيالهم إلى يعوق، ثم يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر ثم يلبون فيقولون: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك " قال: فبعث الله ذبابا أخضر له أربعة أجنحة فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلا أكله فأنزل الله " يا أيها الناس ضرب مثل " الآية " ما قدروا الله حق قدره " أي ما عظموه حق تعظيمه، أو ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الاشياء عنه مناسبة (1). 1 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد عن ابن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بقتل البرغوث والقملة والبقة في الحرم (2). 2 - ومنه عن العدة عن سهل عن البزنطي عن مثنى بن عبد السسلام عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا أذياه ؟ قال: نعم (3). 3 - التهذيب: باسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الذباب يقع في الدهن والسمن والطعام، فقال. لا بأس كل (4). 4 - السرائر: نقلا من كتاب البزنطي عن جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يقتل البقة والبراغيث إذا أذياه ؟ قال: نعم (5). 5 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عمن ذكره عن الربيع صاحب المنصور قال: قال المنصور


(1) رواه الكليني في الكافي في باب النوادر من الحج عن محمد بن يحيى عن بعض اصحابه عن العباس بن عامر عن احمد بن رزق الغمشانى عن عبد الرحمن بن الاشل بياع الانماط راجع فروع الكافي 4: 542. (2) فروع الكافي 4: 364 فيه عن بعض اصحابنا عن زرارة. (3) في المصدر 4: 364 فيه: إذا أراده. (4) تهذيب الاحكام ج 9 ص 86 ط النجف. (5) السرائر: 466. *

[312]

يوما لابي عبد الله عليه السلام وقد وقع على المنصور ذباب فذبه عنه ثم وقع عليه فذبه عنه (1)، فقال: يا أبا عبد الله لاي شئ خلق الله عزوجل الذباب ؟ قال: ليذل به الجبارين (2). 6 - ومنه: عن الحسين بن أحمد بن إدريس عن أبيه عن محمد بن أبي الصهبان عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لولا (3) ما يقع من الذباب على طعام الناس ما وجد منهم إلا مجذوما (4). 7 - طب الائمة: عن سهل بن أحمد عن محمد بن اورمة عن صالح بن محمد عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فيه فان في إحدى جناحيه شفاء وفي الاخرى سما وإنه يغمس جناحه المسموم في الشراب ولا يغمس الذي فيه الشفاء فاغمسوها لئلا يضركم (5). وقال عليه السلام: لولا الذباب الذي يقع في اطعمة الناس من حيث لا يعلمون لاسرع فيهم الجذام (6). 8 - وعن محمد بن علي الباقر عليه السلام: لولا أن الناس يأكلون الذباب من حيث لا يعلمون لجذموا، أو قال: لجذم (7) عامتهم (8). 9 - التهذيب: باسناده عن محمد بن أحمد عن محمد بن الحسين عن علي بن النعمان عن هارون بن خارجة عن شعيب عن عيسى بن حسان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت


(1) كرر في المصدر قوله: ثم وقع عليه فذبه عنه. (2) علل الشرائع 2: 182. (3) من هذا الحديث والاحاديث التى تأتى بعده يستفاد ان في الذباب مادة تضاد الجذام وتدافعه وهذا مما لم يهتد إليه إلى الان العلوم العصرية، وحقيق ذلك بأن يبحث عنه ويجرب. (4) علل الشرائع 2: 182. (5 و 6) طب الائمة: 106. (7) في المخطوطة -: لجذموا عامتهم. (8) طب الائمة: 106. *

[313]

عنده إذ أقبلت خنفساء فقال: نحها فانها قشة من قشاش النار (1). بيان: في القاموس: القشة بالكسر: دويبة كالخنفساء. وقال الدميري: الخنفساء بفتح الفاء ممدودة والانثى خنفساة بالهاء (2): تتولد من عفونة الارض وبينها وبين العقرب صداقة، وهي أنواع منها الجعل وحمار قبان و بنات وردان والحنطب وهو ذكر الخنافس، والخنفساء مخصوصة بكسرة الفسو. وروى ابن عدي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية أو ليكونن أبغض إلى الله من الخنافس. وحكى القزويني أن رجلا رأى خنفساء فقال: ما يريد (3) الله من خلق هذه ؟ أحسن وشكلها (4) أو طيب ريحها ؟ فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الاطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين وهو ينادي في الدرب فقال: هاتوه حتى ينظر في أمري، فقالوا: ما تصنع بطريقي (5) وقد عجز عنك حذاق الاطباء ؟ فقال: لابد لي منه، فلما أحضروه ورأى القرحة استدعى بخنفساء فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال: احضروا له ما طلب فان الرجل على بصيرة (6) فأحرقها وذر رمادها على قرحته فبرئ باذن الله تعالى، فقال للحاضرين: إن الله تعالى أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الادوية (7). وقال: الذباب معروف واحدته ذبابة وجمعه أذبة وذبان بكسر الذال وتشديد الباء الموحدة وبالنون في آخره قال أفلاطون: إن الذباب أحرص الاشياء


(1) تهذيب الاحكام ج 9 ص 82. (2) زاد في المصدر: دويبة سوداء اصغر من الجعل منتنة الريح. (3) في المصدر: ماذا يريد الله تعالى. (4) في المصدر: الحسن شكلها أو لطيب ريحها. (5) في المصدر: بطرفي. (6) في المصدر: على بصيرة من أمره فاحضروها له فاحرقها (7) حياة الحيوان 1: 222 و 223. *

[314]

ولم يخلق للذباب أجفان لصغر أحداقها، ومن شأن الاجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار فجعل الله لها عوض الاجفان يدين تصقل بهما مرآة حدقتها، فلذا ترى الذباب يمسح بيديه عينيه، وهو أصناف كثيرة متولدة من العفونة، قال الجاحظ: الذباب عند العرب يقع على الزنابير والبعوض (1) بأنواعه كالبق والبراغيث والقمل والصواب والناموس والفراش والنمل، والذباب المعروف عند الاطلاق العرفي وهو أصناف: النغر والقمع والخازباز والشعراء وذباب الكلاب وذباب الرياض، وذباب الكلاء والذباب الذي يخالط الناس يخلق من السفاد، وقد يخلق من الاجسام، ويقال إن الباقلا إذا عتق في موضع استحال كله ذبابا فطار من الكوى التي في ذلك الموضع ولا يبقى فيه غير القشر. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل. قيل: كونه في النار ليس بعذاب، وإنما هو ليعذب به أهل النار لوقوعه عليهم. وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه، فمن ذلك سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب في يوم الصائف، ولو بدوا لكم لرأيتموهم على كل سهل وجبل كل باسط يده فاغرفاه، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لا ختطفته الشياطين. والعرب يجعل الذباب والفراش والدبر ونحوه كلها واحدا وجالينوس يقول: إنه ألوان فللابل ذباب وللبقر ذباب وأصله دود صغار تخرج من أبدانهن فتصير ذبابا وزنابير وذباب الناس يتولد من الزبل إذا هاجت (2) ريح الجنوب ويخلق في تلك الساعة، و إذا هبت ريح الشمال خف وتلاشى، وهو من ذوات الخراطيم كالبعوض انتهى. ومن عجيب أمره أنه يلقى رجيعه على الابيض أسود وعلى الاسود أبيض،


(1) في المصدر: على الزنابير والبعوض. (2) في المصدر: ويكثر الذباب. *

[315]

ولا يقع على شجرة اليقطين، ولذلك أنبتها الله على يونس عليه السلام حين خرج من بطن الحوت، ولو وقعت عليه ذبابة لآلمته فمنع الله تعالى عنه الذباب فلم يزل كذلك حتى تصلب جسمه، ولا يظهر كثيرا إلا في الاماكن العفنة ومبدأ خلقه منها ثم من السفاد وربما بقي الذكر على الانثى عامة اليوم، ومن الحيوان الشمسية (1) لانه يخفى شتاء ويظهر صيفا. وروى البخاري وغيره (2) أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله فان في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنه يتقي بجناحه الذى فيه الداء. وفى رواية النسائي وابن ماجة أن إحدى جناحي الذباب سم والآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فانه يقدم السم ويؤخر الشفاء. وقال الخطابي: وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له وقال: كيف يكون هذا وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي ذبابة ؟ وكيف تعلم ذلك في نفسها حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء وما أداها إلى ذلك ؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل فان الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان (3) قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسد، ثم يرى الله (4) سبحانه قد ألف بينها و قهرها على الاجتماع وجعل منها قوى الحيوان التى منها بقاؤه وصلاحه لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزئين من حيوان واحد، وإن الذي ألهم النحلة أن نتخذ البيت العجيب الصنعة وأن تعسل فيه، وألهم الذرة أن تكتسب قوتها وتدخره لاوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا وتؤخر


(1) في المصدر: وهو من الحيوانات الشمسية. (2) في المصدر: وروى البخاري وابو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان. (3) في المصدر: ونفس سائر الحيوانات. (4) في المصدر: ثم يرى ان الله. *

[316]

جناحا (1) لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان الذي هو مضمار التكليف، وله في كل شئ حكمة وعنوان، وما يذكر إلا اولو الالباب انتهى. وقد تأملت الذباب فوجدته يتقي بجناحه الايسر وهو مناسب للدآء، كما أن الايمن مناسب للشفاء، وقد استفيد من الحديث أنه إذا وقع في المايع لا ينجسه لانه ليست له نفس سائلة. ولو وقع الزنبور أو الفراش أو النحل أو أشباه ذلك في الطعام فهل يؤمر بغمسه لعموم قوله صلى الله عليه واله وسلم: " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم " الحديث، وهذه الانوع كلها يقع عليها اسم الذباب في اللغة كما تقدم، وقد قال على عليه السلام في العسل: " إنه مذقة ذبابة " وقد مر أن الذباب كله في النار إلا النحل، فسمي الكل ذبابا، فإذا كان كذلك فالظاهر وجوب حمل الامر بالغمس على الجميع إلا النحل، فان الغمس قد يؤدي إلى قتله. وفي شفاء الصدور وتاريخ ابن النجار مسندا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان لا يقع على جسده ولا على ثيابه ذبابا أصلا. والذباب أجهل الخلق لانه يلقي نفسه في الهلكة (2). وقال: البق المعروف هو الفسافس، يقال: إنه يتولد من النفس الحار و


(1) اعلم انه قد أورد حديث الذباب كل من الخاصة والعامة في كتبهم المعتبرة وتكلم عليه كثير ممن شأنهم الاعتراض بكل ما لم يوافق نظره، واعترض على سابقا بعض الاطباء ايضا فاجبته بانك ما جريت هذا حتى يمكنك نفيه، واستنكارك ليس الاصرف الاستبعاد والعلم لم يكشف عن ذلك قناعه فاى مانع في ان الله جعل فيه مادة مضرة يقال لها: ميكروب، وجعل فيه ضده ودافعه، ولعل تقديمه الجناح الذى فيه الداء لازالته عن نفسه. وظفرت بعد هذه المحاورة بكتاب كل ما في صحيح البخاري صحيح ورأيت انه تكلم على هذا الحديث وما اعترض عليه، واجاب بأن بعض الاطباء العصرى استكشف أن في الذباب مادة يوجب الداء وفيه ما يدفعه أقول: ولعله يستفاد من تقديم الجناح الذى فيه الداء أن الماء يدفع ذلك الداء وهو ضده ورافعه. (2) حياة الحيوان 1: 254 - 259. *

[317]

لشدة رغبته في الانسان إذا شم رائحته رمى بنفسه عليه (1). وفي حديث الطبراني باسناد جيد عن أبي هريرة قال: سمعت اذناي هاتان وأبصرت عيناى هاتان رسول الله صلى الله عليه واله وهو آخذ بكفيه جميعا حسنا أو حسينا وقدماه على قدمي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يقول: " حزقة حزقة ترق عين بقة ". فيرقى الغلام فيضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم قال: افتح قال، ثم قبله، ثم قال: من أحبه فانى احبه. رواه البزار ببعض هذا اللفظ. والحزقة: الضعيف المتقارب الخطو، ذكر له ذلك على سبيل المداعبة والتأنيس، وترق معناه اصعد وعين بقة كناية عن ضعف العين (2)، مرفوع خبر مبتدء محذوف. وفي تاريخ ابن النجار عن ابن نباته قال: سمعت على بن أبي طالب عليه السلام يقول في خطبته: ابن آدم تؤلمه بقة. وتنتنه عرقة (3)، وتقتله شرقة (4). وقال: الزنبور: الدبر، وهي تؤنث، والزنابير لغة فيها، وربما سميت النحلة زنبورا، والجمع الزنابير وهو صنفان جبلي وسهلي، فالجبلي يأوى الجبال ويعيش في الشجر (5) ولونه إلى السواد، وبداءة خلقه دود حتى يصير كذلك ويتخذ بيوتا من تراب كبيوت النحل، ويجعل لبيوته أربعة أبواب لمهاب الرياح الاربع وله حمة يلسع بها، وغذاؤه من الثمار والازهار، ويتميز ذكورها من إناثها بكبر الجثة، والسهلي لونه أحمر، ويتخذ عشه تحت الارض ويخرج التراب منه كما يفعل النمل، ويختفى في الشتاء لانه متى ظهر فيه هلك، فهو ينام طول الشتاء كالميتة ولا يجمع القوت للشتاء بخلاف النمل، فإذا جاء الربيع وقد صار من البرد وعدم


(1) في المصدر: في الانسان لا يتمالك إذا شم رائحته الا رمى نفسه عليه. (2) في المصدر: عن صغر العين، مرفوع على أنه خبر. (3) في المصدر: وتتبعه حرقة. (4) حياة الحيوان 1: 110 و 111. (5) في المصدر: ويعشش في الشجر. *

[318]

القوت كالخشب اليابس نفخ الله في تلك الجثة الحياة فعاشت مثل العام الاول، وذلك دأبها، وفي هذا النوع صنف مختلف اللون مستطيل الجسد في طبعه الحرص والشرة يطلب المطابخ ويأكل ما فيها من اللحوم ويطير مفردا (1) ويسكن بطن الارض و الجدران، وهذا الحيوان بأسره مقسوم في وسطه، ولذلك لا يتنفس من جوفه البتة ومتى غمس في الدهن سكنت حركته، وإنما ذلك لضيق منافذه فان طرح في الخل عاش (2)، ويحرم أكله، ويستحب قتله لما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: من قتل زنبورا اكتسب ثلاث حسنات. لكن يكره إحراق بيوتها بالنار، وسئل أحمد عن تدخين بيوت الزنابير، فقال: إذا يخشى أذاها فلا بأس وهو أحب إلى من تحريقه (3). وقال: الدبر بفتح الدال: جماعة النحل، قال السهيلي: الدبر: الزنابير، وقال الاصمعي: لا واحد له من لفظه، ويقال: إن واحده خشرمة. وفي الفائق أن سكينة بنت الحسين عليه السلام جاءت إلى امها الرباب وهي صغيرة تبكى، فقالت: ما بك ؟ قالت: مرت بي دبيرة فلسعتني بابيره. أرادت تصغير دبرة وهي النحلة، سميت بذلك لتدبيرها في عمل العسل (4). وقال: البرغوث واحد البراغيث وضم بائه أكثر من كسرها، وحكى الجاحظ أن البرغوث من الحيوان الذى يعرض له الطيران كما يعرض للنحل، وهو يطيل السفاد ويبيض فيفرخ بعد أن يتولد، وهو ينشأ أولا من التراب لاسيما في الاماكن المظلمة، وسلطانه في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع، ويقال: إنه على صورة الفيل، وله أنياب يعض بها وخرطوم يمص به، ولا يسب لما روي عن أنس أن النبي


(1) في المصدر: ويطير منفردا. (2) في المصدر: فإذا طرح في الخل عاش وطار ويحرم اكله لاستخباثه. (3) حياة الحيوان 2: 6 و 7 فيه: من تحريقها ولا يصح بيعها لانها من الحشرات. (4) حياة الحيوان 1: 237 و 238. *

[319]

صلى الله عليه وآله سمع رجلا يسب برغوثا فقال: لا تسبه فانه أيقظ نبيا لصلاة الفجر. ومن معجم الطبراني عن علي عليه السلام قال: نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تسبوها فنعمت الدابة فانها أيقظتكم لذكر الله وفي دعوات المستغفري عن أبي ذر (1) أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: إذا آذاك البرغوث فخذ قدحا من ماء واقرأ عليه سبع مرات: " وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا " الآية ثم يقول: إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا، ثم ترشه حول فراشك فانك تبيت آمنا من شرها، ويستحب قتله للمحل والمحرم (2). 10 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن سعيد بن جناح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما خلق الله عزوجل خلقا أصغر من البعوض والجرجس أصغر من البعوض، والذي نسميه نحن الولع أصغر من الجرجس، وما في الفيل إلا وفيه مثله وفضل على الفيل بالجناحين (3). بيان: قال الجوهري: الجرجس لغة في القرقس وهو البعوض الصغار. وأقول: لعل قوله عليه السلام: أصغر من البعوض يعني به أصغر من سائر أنواعه ليستقيم قوله عليه السلام: " ما خلق الله خلقا أصغر من البعوض " ويوافق كلام أهل اللغة على أنه يحتمل أن يكون الحصر في الاول اضافيا كما أن الظاهر أنه لابد من تخصيصه بالطيور إذ قد يحس من الحيوانات ما هو أصغر من البعوض (4) إلا أن يقال:


(1) في المصدر: وفى كتاب الدعوات للمستغفرى عن ابى الدرداء وفى شرح المقامات للمسعودي عن ابى ذر رضى الله عنه. (2) حياة الحيوان 1: 87 و 88. (3) روضة الكافي: 248. (4) قد ورد في الحديث في وجه تسمية الله باللطيف: لانه خلق ما لا يعرف ذكره من انثاه وما لا يكاد يستبينه العيون لصغره، وفى الصحيفة السجادية: وامزج مياههم بالوباء، وهما يدلان على وجود حيوانات ذرية. *

[320]

يمكن أن يكون للبعوض أنواع صغار لا يكون شئ من الحيوانات أصغر منها، و الوالع غير مذكور في كتب اللغة، والظاهر أنه أيضا صنف من البعوض. وقال الدميري: البعوض: دويبة. وقال الجوهري: إنه البق الواحدة بعوضة، وهو وهم، والحق أنهما صنفان صنف كالقراد، لكن له أرجل خفية (1) ورطوبة ظاهرة يسمى بالعراق والشام الجرجس، قال الجوهري: وهو لغة في القرقس وهو البعوض الصغار. والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء منه، فان للفيل أربعة أرجل وخرطوما وذنبا وللبعوض مع هذه الاعضاء رجلان زائدتان وأربعة أجنحة، وخرطوم الفيل مصمت و خرطومة مجوف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الانسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه، فهو له كالبلعوم والحلقوم، فلذلك اشتد عضها وقويت على خرق الجلود الغلاظ، ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو من أعضاء الانسان لا يزال يتوخى بخرطومه المسام التي يخرج منها العرق لانها أرق بشرة من جلد الانسان، فإذا وجدها وضع خرطومه فيها وفيه من الشرة أن يمص الدم إلى ينشق ويموت أو إلى أن يعجز عن الطيران فيكون ذلك سبب هلاكه، ومن ظريف (2) أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الاربع فيبقى طريحا في الصحراء فيجتمع حوله السباع والطير مما يأكل الجيف (3)، فمتى أكل منها شيئا مات لوقته. وكان بعض جبابرة الملوك بالعراق يعذب بالبعوض فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجردا إلى بعض الآجام التي بالبطائح ويتركه فيها مكتوفا فيقتل في أسرع وقت. وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء. وروى وهب بن منبه: أرسل الله (4) البعوض على نمرود، واجتمع منه في عسكره


(1) في المصدر: خفيفة. (2) في المصدر: ومن عجيب امره. (3) في المصدر: والطير التى تأكل الجيف. (4) في المصدر: " لما ارسل الله البعوض على النمرود اجتمع ". *

[321]

مالا يحصى عددا، فلما عاين نمرود (1) ذلك انفرد عن جيشه ودخل بيته وأغلق الباب وأرخى الستور ونام على قفاه مفكرا فدخلت بعوضة في أنفه فصعدت إلى دماغه فتعذب (2) بها أربعين يوما إلى أن كان يضرب برأسه الارض، وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه، ثم سقط منه كالفرخ وهو يقول: كذلك يسلط الله رسله على من يشاء من عباده ثم هلك حينئذ. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام: قال نظر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الانصار فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ارفق بصاحبي فانه مؤمن قال: إنى بكل مؤمن رفيق، وما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، ولو أنى أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون من الله الامر بقبضها. قال جعفر بن محمد: بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة ومن هذا يعلم أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل روح (3) والبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله تعالى في مقدم دماغها قوة الحفظ، و في وسطه قوة الفكر، وفي مؤخره قوة الذكر، وخلق لها حاسة البصر وحاسة اللمس وحاسة الشم، وخلق لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة، وخلق لها جوفا ومعاء و عظاما، فسبحان من قدر فهدى ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى (4).


(1) في المصدر: النمرود. (2) في المصدر: فعذب. (3) في المصدر: كل ذى روح. (4) حياة الحيوان 1: 90 - 92. *

[322]

(باب 13) الخفاش وغرايب خلقه وعجايب أمره الآيات: آل عمران: 3 " إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا باذن الله " 49. تقسير: المشهور بين المفسرين من الخاصة والعامة أن الطير كان هو الخفاش، قال أبو الليث في تفسيره: إن الناس سألوا عيسى على وجه التعنت فقالوا له: اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا أن كنت من الصادقين، فأخذ طينا وجعل خفاشا ونفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والارض، وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى عليه السلام، والخلق من الله تعالى، ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش لانه أعجب من سائر الخلق: ومن عجائبه أنه دم ولحم يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، ويكون له الضرع، ويخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا، ويضحك كما يضحك الانسان، وتحيض كما تحيض المرأة، فلما رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا: هذا سحر مبين، فذاهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك فقال: آمنوا به الخبر. 1 - العيون والعلل: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن ستة لم يركضوا في رحم فقال: آدم وحوا وكبش إسماعيل (1) وعصا موسى وناقة صالح و


(1) في الخصال والعلل: " وكبش ابراهيم " والنسخة المخطوطة اكتفى فيها بذكر مسألة الخفاش فقط. *

[323]

الخفاش الذي عمله عيسى بن مريم عليه السلام فطار باذن الله تعالى (1). 2 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام يذكر فيها بديع خلقة الخفاش: الحمد لله الذى انحسرت الاوصاف عن كنه معرفته، وردعت عظمته العقول فلم يجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته، هو الله الملك الحق المبين أحق وأبين مما ترى العيون، لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها، ولم تقع عليه الاوهام بتقدير فيكون ممثلا، خلق الخلق على غير تمثيل ولا مشورة مشير ولا معونة معين، فتم خلقه بأمره وأذعن بطاعته فأجاب ولم يدافع وانقاد فلا ينازع (2)، ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التى يقبضها الضياء الباسط لكل شئ، ويبسطها الظلام القابض لكل حي، وكيف غشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس (3) المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها، وتصل (4) بعلانية برهان الشمس إلى معارفها، وردعها بتلالوء ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها، وأكنها في مكامنها عن الذهاب في بلج إئتلاقها، فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها، وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها، فلا يرد أبصارها أسداف ظلمته ولا تمتنع من المضي فيه لغسق دجنته، فإذا ألقت الشمس قناعها وبدت أوضاح نهارها ودخل من إشراق نورها على الضباب في وجارها أطبقت الاجفان على مأقيها، وتبلغت بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها، فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا والنهار سكنا وقرارا، وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان غير ذوات ريش ولا قصب، إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما لها جناحان لما


(1) علل الشرائع 2: 282 عيون الاخبار ج 1 ص 244. ورواه ايضا في الخصال 1: 323 والحديث مسند راجع. (2) في المخطوطة: ولم ينازع. (3) في المخطوطة: من ان تستمد عن الشمس. (4) في نسخة: ويتصل. *

[324]

يرقا فينشقا، ولم يغلظا فيثقلا، تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها يقع إذا وقعت ويرتفع إذا ارتفعت، لا يفارقها حتى تشتد أركانها ويحمله للنهوض جناحه، ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه، فسبحان البارئ لكل شئ على غير مثال خلا من غيره (1). تبيان: الخفاش كرمان معروف، وحسر حسورا كقعد: كل لطول مدى و نحوه. وحسرته أنا يتعدى ولا يتعدى، وانحسرت أي كلت وأعيت وكنه الشئ: حقيقته ونهايته، وردعت كمنعت لفظا ومعنا والمساغ: المسلك، والملكوت: العز والسلطان، والحق: المتحقق وجوده، أو الموجود حقيقة، وأبين أي أوضح، وكونه سبحانه أحق وأبين مما ترى العيون، لان العلم بوجوده سبحانه عقلي يقيني لا يتطرق إليه ما يتطرق إلى المحسوسات من الغلط، والحد في اللغة: المنع، والحاجز بين الشيئين ونهاية الشئ وطرفه، وفي عرف المنطقيين: التعريف بالذاتي، والمراد بالتحديد هنا إما إثبات النهاية والطرف المستلزم للمشابهة بالاجسام، أو التحديد المنطقي والاول أنسب بعرفهم والتقدير: إثبات المقدار، وكأن المراد بالتمثيل إيجاد الخلق على حذو ما قد خلقه غيره، أو أنه لم يجعل لخلقه مثالا قبل الايجاد كما يفعله البناء تصويرا لما يريد بناءه، والمشورة: مفعلة من أشار إليه بكذا، أي أمره به، والمشهورة بضم الشين كما في بعض النسخ والشورى بمعناه والمعونة الاسم من أعانه وعونه، فتم خلقه: أي بلغ كل مخلوق إلى كماله الذي أراده الله سبحانه منه، أو خرج جميع ما أراده من العدم إلى الوجود بمجرد أمره، وأذعن أي خضع وأقر وأسرع في الطاعة وانقاد، والجملتان كالتفسير للاذعان، ولعل المراد بالاذعان دخوله تحت القدرة الالهية وعدم الاستطاعة للامتناع. وقوله عليه السلام: " لم يدافع " بيان للاجابة، كما أن " لم ينازع " بيان للانقياد، وإلا لكان العكس أنسب، ويحتمل أن يكون إشارة إلى تسبيحهم بلسان الحال كقوله تعالى


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 153 من قسم الخطب. *

[325]

" وإن من شئ إلا يسبح بحمده (1) " كما مر، واللطائف جمع لطيفة، وهى ما صغرودق والعجائب جمع عجيبة، وعجيب قيل: يجمع على عجائب كأفيل وأفايل، وقيل: لا يجمع عجيب ولا عجب، والغامض: خلاف الواضح وكل شئ خفي مأخذه. وقال بعضهم: حاصل الكلام التعجب من مخالفتها لجميع الحيوانات في الانقباض عن الضوء والاشارة إلى خفاء العلة في ذلك، والمراد بالانقباض انقباض أعينها في الضوء، ويكون ذلك عن إفراط التحلل في الروح النوري لحر النهار، ثم يستدرك ذلك برد الليل فيعود الابصار. وقيل: الاظهر أنه ليس لمجرد الحر وإلا لزم أن لا يعرضه الانقباض في الشتاء إلا إذا ظهرت الحرارة في الهواء، وفي الصيف أيضا في أوائل النهار، بل ذلك لضعف في قوتها الباصرة، ونوع من التضاد والتنافر بينها وبين النور كالعجز العارض لسائر القوى المبصرة عن النظر إلى جرم الشمس، وأما أن علة التنافر ماذا ؟ ففيه خفاء، وهو منشأ التعجب الذي يشير إليه الكلام، ويمكن أن يعود الضيمر إليها من غير تقدير مضاف، ويكون المراد بانقباضها ما هو منشأ اختفائها نهارا وإن كان ذلك ناشيا من جهة الابصار، والعشي بالفتح مقصورا سوء البصر بالنهار أو بالليل والنهار أو العمي، والمعنى كيف عجزت وعميت عن أن تستمد ؟ أي تستعين وتتقوى تقول: أمددته بمدد: إذا أعنته وقويته. ومذاهبها: طرق معاشها ومسالكها في سيرها وانتفاعها: و " تصل " بالنصب عطفا على " تستمد " وفي بعض النسخ بالرفع عطفا على " تهتدي " وفي بعضها: " وتتصل " والاتصال إلى الشئ: الوصول إليه. والبرهان: الدليل، ومعارفها: ما تعرفه من طرق انتفاعها، وردعها: أي كفها وردها، وتلالا البرق أي لمع، والسبحات بضمتين جمع سبحة بالضم وهي النور وقيل: سبحات الوجه محاسنه لانك إذا رأيت الوجه الحسن قلت: سبحان الله، و قيل: سبحان الله تنزيه له، أي سبحان وجهه، والكن بالكسر: الستر وأكنه: ستره، واستكن: استتر، وكمن كنصر ومنع أي استخفى، والمكمن: الموضع، والبلج


(1) اسراء: 44. *

[326]

بالتحريك مصدربلج كتعب أي ظهر ووضح، وصبح أبلج بين البلج أي مشرق ومضئ ذكره الجوهري وقيل: البلج جمع بلجة بالضم وهو أول ضوء الصبح، وجاء بلجة أيضا بالفتح ولم أجده في كلامهم، والائتلاق: اللمعان، يقال: ائتلق وتألق: إذا التمع وسدل ثوبه يسدله وأسدله أي أرسله وأرخاه والجفن، بالفتح: غطاء العين من أعلاها وأسفلها، والجمع أجفان وجفون وأجفن والحدقة محركة: سواد العين، وتجمع على حداق كما في بعض النسخ، وعلى أحداق كما في بعضها، وإسدال جفونها لانقباضها و تأثر حاستها عن الضياء، وقيل: لان تحلل الروح الحامل للقوة الباصرة سبب للنوم أيضا فيكون ذلك الاسدال ضربا من النوم، والالتماس: الطلب، وأسدف الليل أي أظلم، وفي بعض النسخ " أسداف " بفتح الهمزة جمع سدف بالتحريك كجمل وأجمال وهو الظلمة، والاضافة للمبالغة، والضمير في " فيه " راجع إلى الليل، والغسق بالتحريك ظلمة أول الليل، والدجنة بضم الدال المهملة والجيم وتشديد النون كحزقة و الدجن كعتل: الظلمة، وحاصل الكلام التعجب من كون حالها في الابصار والتماس الرزق على عكس سائر الحيوانات، وقناع الشمس: كناية عن الظلمة أو ما يحجبها من الآفاق، وإلقاء القناع: طلوعها، والوضح بالتحريك: البياض من كل شئ و بياض الصبح والقمر وفي بعض النسخ: " دخل من إشراق نورها " أي دخل الشئ من إشراق نورها. والضباب بالكسر جمع الضب: الدابة المعروفة، ووجارها بالكسر: جحرها الذي تأوي إليه، ومن عادتها الخروج من وجارها عند طلوع الشمس لمواجهة النور على عكس الخفافيش، ومأقيها بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر القاف وسكون الياء كما في أكثر النسخ لغة في المؤق بضم الميم وسكون الهمزة أي طرف عينها مما يلي الانف، وهو مجرى الدمع من العين، وقيل: مؤخرها وقال الازهري: أجمع أهل اللغة أن المؤق والمأق بالضم والفتح: طرف العين الذي يلي الانف، وأن الذي يلي الصدغ يقال له: اللحاظ والمأقي لغة فيه، وقال ابن القطاع، مأقى العين فعلى، وقد غلط فيه جماعة من العلماء فقالوا: هو مفعل، وليس كذلك بل الياء في آخره

[327]

للالحاق، قال الجوهري: وليس هو مفعل لان الميم أصلية وإنما زيدت في آخره الياء للالحاق، ولما كان فعلى بكسر اللام نادرا لا اخت لها الحق بمفعل، ولهذا جمع على مآقي على التوهم، وفي بعض النسخ: " مآقيها " على صيغة الجمع، و " تبلغ بكذا " أي اكتفى. والمعاش: ما يعاش به وما يعاش فيه، ومصدر بمعنى الحياة، والمناسب ههنا الاول، وفيما سيجي الثاني، وفي بعض النسخ " ليلها " موضع " لياليها " والسكن بالتحريك: ما تسكن إليه النفس وتطمئن، وقر الشئ كفر أي استقر بالمكان والاسم القرار بالفتح، وقيل: هو اسم مصدر (1)، والشظية: الفلقة من الشئ فعيلة من قولك تشظت العصا: إذا صارت فلقا، والجمع شظايا، والقصب الذي في أسفل الريش للطيور. والاعلام جمع علم بالتحريك وهو طراز الثوب، ورسم الشئ ورقمه و " أعلاما " في المعنى كالتأكيد لبينة، وكلمة " لها " غير موجودة في بعض النسخ، فيكون قوله: " جناحان " خبر مبتدء محذوف، أي جناحاه لم يجعلا رقيقين بالغين في الرقة ولا في الغلظ حذرا من الانشقاق والثقل المانع من الطيران، ولجأ إلى الشئ أي لاذواعتصم به، ووقوع الطير: ضد ارتفاعه. وأركان كل شئ: جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها، والنهوض: التحرك بالقيام، ونهض الطائر: إذا بسط جناحه ليطير، والعيش: الحياة، ومصالح الشئ: ما فيه صلاحه ضد الفساد، والبارئ: الخالق، ومثال الشئ شبهه، وخلا أي مضى وسبق، أي لم يخلق الاشياء على حذو خالق سبقه بل ابتدعها على مقتضى الحكمة والمصلحة. قال الدميري: الخفاش بضم الخاء وتشديد الفاء واحد الخفافيش: التي تطير في الليل وهو غريب الشكل والوصف، والخفش: صغر العين وضيق البصر، والاخفش صغير العين ضعيف البصر، وقيل هو عكس الاعشى، وقيل: هو من يبصر في الغيم دون الصحو، وقال الجوهري هو نوعان، فالاعشى: من يبصر نهارا لا ليلا، والعمش: ضعف الرؤية مع


(1) في المخطوطة: هو مصدر. *

[328]

سيلان الدمع غالب الاوقاق، والعور معروف. قال البطليوسى: الخفاش له أربعة أسماء: خفاش وخشاف وخطاف ووطواط وتسميته خفاشا يحتمل أن يكون مأخوذا من الخفش، والاخفش في اللغة نوعان: ضعيف البصر خلقه، والثاني لعلة حدثت، وهو الذي يبصر بالليل دون النهار، وفي يوم الغيم دون الصحو. وما ذكره من أن الخفاش هو الخطاف فيه نظر، والحق أنه صنفان (1). وقال قوم: الخفاش الصغير، والوطواط الكبير، وهو لا يبصر في ضوء القمر و ولا في ضوء النهار، ولما كان لا يبصر نهارا التمس الوقت الذي لا يكون فيه ظلمة ولا ضوء وهو قريب غروب الشمس لانه وقت هيجان البعوض، فان البعوض يخرج ذلك الوقت يطلب قوته وهو دماء الحيوان، والخفاش يطلب الطعم (2) فيقع طالب رزق على طالب رزق، والخفاش ليس هو من الطير في شئ لانه ذوا ذنين وأسنان وخصيتين ويحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الانسان، ويبول كما تبول ذوات الاربع، ويرضع ولده ولا ريش له. قال بعض المفسرين: لما كان الخفاش هو الذي خلقه عيسى بن مريم عليه السلام باذن الله تعالى، كان مباينا لصنعة الله تعالى ولهذا جميع الطير تقهره وتبغضه، فما كان منها يأكل اللحم أكله ومالايأ كل اللحم قتله، فلذلك لا يطير إلا ليلا. وقيل: لم يخلق عيسى عليه السلام غيره لانه أكمل الطير خلقا وهو أبلغ في القدرة لان له ثديا وأسنانا واذنا (4)، وقيل: إنما طلبوا خلق الخفاش لانه من أعجب الطير (5) إذ هو لحم ودم يطير بغير ريش وهو شديد الطيران سريع التقلب


(1) في المصدر: صنفان وهو الوطواط. (2) في المصدر: والخفاش يخرج طالبا للطعم. (3) في المصدر: وخصيتين ومنقار. (4) زاد في المصدر: وتحيض كما تحيض المرأة. (5) في المصدر: من اعجب الطير خلقة. *

[329]

يقتات بالبعوض والذباب وبعض الفواكه، وهو مع ذلك موصف بطول العمر، فيقال: إنه أطول عمرا من النسر ومن حمارا الوحش، وتلدا نثاه مابين ثلاثة أفراخ وسبعة، وكثيرا ما يسفدو هو طائر في الهواء، وليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره والقرد والانسان، ويحمله تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه وهو من حنوه عليه وإشفاقه عليه، وربما أرضعت الانثى ولدها وهي طائرة، وفي طبعه أنه متى أصابه ورق الدلب حذرو لم يطر، ويوصف بالحمق، ومن ذلك إذا قيل له: " اطرق كرا " التصق بالارض (1). * (باب البوم 14) * 1 - كامل الزيارة: عن محمد بن الحسن بن الوليد وجماعة مشايخي عن سعد بن عبد الله عن اليقطيني عن صفوان عن الحسين بن أبي غندر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول في البومة فقال: هل أحد منكم رآها نهارا (2) ؟ قيل له: لا تكاد تظهر بالنهار ولا تظهر إلا ليلا، قال: أما إنها لم تزل تأوي العمران فلما أن قتل الحسين عليه السلام آلت على نفسها أن لا تأوي العمران أبدا، ولا تأوي إلا الخراب، فلا تزال نهارها صائمة حزينة حتى يجنها الليل، فإذا جنها الليل فلا تزال ترن على الحسين عليه السلام حتى تصبح (3). 2 - ومنه: عن حكيم بن داود بن حكيم عن سلمة عن الحسين بن علي بن صاعد البربري وكان قيما لقبر الرضا عليه السلام قال: حدثني أبي قال: دخلت على الرضا عليه السلام فقال لي: ما يقول الناس ؟ قال: قلت: جعلت فداك جئنا نسألك، قال: فقال: ترى هذه البومة (4) كانت على عهد جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تأوي المنازل والقصور والدور


(1) حياة الحيوان 1: 214 و 215. (2) في المصدر: بالنهار. (3) كامل الزيارة: 99. (4) في المصدر: فقال لى: ترى هذه البومة ؟ ما يقول الناس ؟ قال: قلت: جعلت فداك جئنا نسألك. فقال: هذه البومة. *

[330]

وكانت إذا أكل الناس الطعام تطير فتقع أمامهم فيرمى إليها بالطعام وتسقي ثم ترجع إلى مكانها، ولما قتل الحسين بن علي عليهما السلام خرجت من العمران إلى الخراب والجبال والبراري وقالت: بئس الامة أنتم قتلتم ابن نبيكم ولا آمنكم على نفسي (1). 3 - ومنه: عن محمد بن جعفر الرزاز عن ابن أبي الخطاب عن ابن فضال عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن البومة لتصوم النهار، فإذا أفطرت تدلهت (2) على الحسين عليه السلام حتى تصبح (3). بيان: " تدلهت " كذا في أكثر النسخ بالدال المهملة، وفي القاموس: الدله و الدلهة محركة، والدلوة: ذهاب الفؤاد من هم ونحوه، ودلهه العشق بكذا تدليها فتدله والمدله كمعظم: الساهي القلب الذاهب العقل من عشق ونحوه، وفي بعض النسخ بالواو. وفي القاموس: الوله محركة: الحزن وذهاب العقل حزنا، والحيرة والخوف، وله كورث ووجل ووعد فهو ولهان وواله وتوله واتله وهي ولهى و والهة وواله وميلاه: شديدة الحزن والجزع على ولدها. 4 - الكامل: عن علي بن الحسين عن سعد بن موسى بن عمر عن الحسن بن علي الميثمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا بايعقوب رأيت بومة قط تنفس بالنهار فقال: لا، قال وتدري لم ذلك ؟ قال: لا، قال: لانها تظل يومها صائمة، فإذا جنها الليل أفطرت على ما رزقت، ثم لم تزل ترنم على الحسين عليه السلام حتى تصبح (4). بيان: تنفس كذا في أكثر النسخ بالنون والفاء وكأنه كناية عن التصويت و الترنم، ولا يبعد أن يكون " تنغش " بالنون والغين المعجمة، قال في القاموس: النغش: تحرك الشئ من مكانه، كالانتغاش والتنغش، وكل طائر أوهامة تحرك في مكانه فقد تنغش.


(1) كامل الزيارة: 99. (2) في المصدر: اندبت على الحسين بن على عليه السلام (3 و 4) كامل الزيارة: 99. *

[331]

5 - دلايل الطبري: عن الحسن بن علي الوشاء عن عبد الصمد بن بشير عن عطية أخي أبي العوام قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام في مسجد الرسول صلى الله عليه واله إذ أقبل أعرابي على لقوح (1) له فعقله ثم دخل فضرب ببصره يمينا وشمالا كأنه طائر العقل، فهتف به أبو جعفر عليه السلام فلم يسمعه فأخذ كفا من حصى فحصبه (2)، فأقبل الاعرابي حتى نزل بين يديه، فقال له: يا أعرابي من أين أقبلت ؟ قال: من أقصى الارض، فقال له أبو جعفر: الارض أوسع من ذلك، فمن أين أقبلت ؟ قال: من أقصى الدنيا وما خلفي من شئ، أقبلت من الاحقاف، قال: أي الاحقاف ؟ قال: أحقاف عاد، قال: يا أعرابي فما مررت به في طريقك ؟ قال، مررت بكذا، فقال ابو جعفر عليه السلام: ومررت بكذا، قال الاعرابي نعم، قال أبو جعفر عليه السلام: ومررت بكذا فلم يزل يقول الاعرابي: إني مررت ويقول له أبو جعفر عليه السلام: ومررت بكذا إلى أن قال له أبو جعفر: فمررت بشجرة يقال له: شجرة الرقاق، قال: فوثب الاعرابي على رجليه ثم صفق بيده وقال: والله ما رأيت رجلا أعلم بالبلاد منك أوطئتها ؟ قال: لا يا أعرابي، ولكنها عندي في كتاب، يا أعرابي إن من ورائكم لواديا يقال له: البرهوت تسكنه البوم والهام يعذب فيه أرواح المشركين إلى يوم القيامة (3). 6 - حياة الحيوان: البوم بضم الباء طائر يقع على الذكر والانثى حتى تقول صدى أو قيادا (4) فيختص بالذكر، كنية الانثى ام الخراب وام الصبيان، ويقال لها غراب الليل، ومن طبعها أن تدخل على كل طائر في وكره وتخرجه منه وتأكل فراخه وبيضه، وهي قوية السلطان في الليل لا يحتملها شئ من الطير ولا تنام الليل فإذا رآها الطير في النهار قتلوها ونتفوا ريشها للعداوة التي بينها وبينهم، ومن


(1) اللقوح: الفحل من الخيل والابل. (2) أي رماه بالحصباء أي الحصى. (3) دلائل الامامة: 101. (4) هكذا في الكتاب، والصحيح: فياد بالفاء قال الدميري: الفياد كصياد: ذكر البوم. *

[332]

أجل ذلك صار الصيادون يجعلونها تحت شباكهم ليقع لهم الطير، ونقل المسعودي عن الجاحظ أن البومة لا تطير (1) بالنهار خوفا من أن تصاب بالعين لحسنها وجمالها ولما تصور في نفسها أنها أحسن الطير لم تظهر إلا بالليل، وتزعم العرب في أكاذيبها أن الانسان إذا مات أو قتل يتصور (2) نفسه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشة لجسدها. والبوم أصناف وكلها تحب الخلوة بنفسها (3) والتفرد، وفي أصل طبعها عداوة الغربان. وفي تاريخ ابن النجار أن كسرى قال لعامل له: صد لي شر الطير واشوه بشر الوقود وأطعمه شر الناس، فصاد بومة وشواها بحطب الدفلى وأطعمها ساعيا. وفي سراج الملوك لابي بكر الطرطوسي أن عبد الملك بن مروان أرق (4) ليلة فاستدعى سميرا (5) له يحدثه فكان فيما حدثه به أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلا أن تجعل لى صداقها مائة ضيعة خراب، فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا علينا سلمه الله تعالى سنة واحدة فعلت ذلك فاستيقظ لها عبد الملك وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم عن بعض، وتفقد أمر الولاة. ورأيت في بعض المجاميع بخط بعض العلماء الاكابر أن المأمون أشرف يوما من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون


(1) في المصدر: لا تظهر بالنهار. (2) في المصدر: " تتصور " وفيه: تصرخ. (3) في المصدر: بانفسها. (4) أرق: ذهب عنه النوم في الليل. (5) السمير: صاحب السمر، والسمر: الحديث ليلا. *

[333]

لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل فانظر ما كتب (1) وائتنى به، فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه وتأمل ما كتب فإذا هو: يا قصر جمع فيك الشوم واللوم * حتى يعشش في أركانك البوم يوما يعشش فيك البوم من فرحي * أكون أول من يرعاك مرغوم (2) ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين، فقال له الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه، فقال الخادم: لابد من ذلك (3)، فلما مثله بين يدي المأمون أعلمه بما كتب، فقال له المأمون: ويلك ما حملك على هذا ؟ قال: يا أمير المؤمنين إنه لن يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزاين الاموال والحلي والحلل والطعام والشراب و الفرش والاواني والامتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي، وإني يا أمير المؤمنين قد مررت عليه الآن وأنا في غاية من الجوع والفاقة فوقفت متفكرا في أمري، فقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال وأنا جائع ولا فائدة لي فيه، فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم منه رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه وأتقوت بثمنه، أو ما علم أمير المؤمنين ما قال الشاعر: إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ * نصيب ولا حظ تمنى زوالها وما ذاك من بغض له (4) غير أنه * يرجى سواها فهو يهوي انتقالها فقال المأمون: يا غلام أعطه ألف دينار، ثم قال له: هي لك في كل سنة مادام قصرنا عامرا بأهله (5).


(1) في المصدر: وانظر ما يكتب. (2) في المصدر: من ينعيك. (3) في المصدر: ثم ذهب به. (4) في المصدر من بغض لها. (5) حياة الحيوان 1: 115. *

[334]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد فقد وفقنا الله تبارك وتعالى لتصحيح هذا الجزء من كتاب بحار الانوار وهو الجزء الحادي والستون حسب تجزئتنا، قد بذلنا الجهد والمجهود في تصحيحه وتنميقه ومقابلته بالنسخ وبمصادره، وعلقنا عليه تعليقا مختصرا تتميما لما لم يذكره المصنف من غريب اللغة وغيره، وتبيانا لما اختلف في مصادره من نصوصه، وكان المرجع في تصحيحنا مضافا إلى النسخة المطبوعة المعروفة بطبعة أمين الضرب، والنسخة المعروفة بطبعة الخونساري نسخة وهو الجزء الحادي والستون حسب تجزئتنا، قد بذلنا الجهد والمجهود في تصحيحه وتنميقه ومقابلته بالنسخ وبمصادره، وعلقنا عليه تعليقا مختصرا تتميما لما لم يذكره المصنف من غريب اللغة وغيره، وتبيانا لما اختلف في مصادره من نصوصه، وكان المرجع في تصحيحنا مضافا إلى النسخة المطبوعة المعروفة بطبعة أمين الضرب، والنسخة المعروفة بطبعة الخونساري نسخة مخطوطة أرسلها الفاضل المحترم السيد جلال الدين الارموي دامت توفيقاته استكتبها أبو القاسم الرضوي الموسوي الخونساري في سنة 1235، نشكر الله تعالى على توفيقنا لذلك ونسأله المزيد من توفيقه وإفضاله، إنه ذو الفضل العظيم. عبد الرحيم الرباني الشيرازي عفى عنه وعن والديه ربيع الاول 1392 ق

[335]

بسمه تعالى انتهى الجزء الثامن من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الابرار، وهو الجزء الواحد والستون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة النفيسة الرائقة، وقد قابلناه على النسخة التى صححها الفاضل الخبير الشيخ عبد الرحيم الرباني المحترم بما فيها من التعليق والتنميق والله ولى التوفيق. محمد الباقر البهبودى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية