الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 60

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 60


[1]

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الستون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب 1457 - هاتف: 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (باب) (تأثير السحر والعين وحقيقتهما زائدا على ما تقدم في باب) (عصمة الملائكة) الايات: البقرة: يعلمون الناس السحر - إلى قوله - فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله (1). الاعراف: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم. (2) يونس: ولا يفلح الساحرون. (3) وقال تعالى: وقال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. (4) يوسف: وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما اغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب


(1) البقرة: 102. (2) الاعراف: 116. (3) يونس 77. (4) يونس: 81.

[2]

قضيها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (1). طه: قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - إلى قوله تعالى - إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (2). القلم: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون. وما هو إلا ذكر للعالمين (3). الفلق: ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد " (4). تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " يعلمون الناس السحر " السحر والكهانة والحيلة نظائر، يقال: سحره يسحره سحرا. وقال صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشياطين، ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى تظن أن الامر كما ترى وليس الامر كما ترى. فالسحر عمل خفي لخفاء سببه، يصور الشئ بخلاف صورته، ويقلبه عن جنسه في الظاهر، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألا ترى إلى قوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " (5). وقال في قوله: " ما يفرقون به ": فيه وجوه: أحدها أنهم يوجدون أحدهما على صاحبه ويبغضونه إليه فيؤدي ذلك إلى الفرقة عن قتادة. وثانيها: أنهم يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرق بينهما على اختلاف النحلة وتباين الملة. و ثالثها أنهم يسعون بين الزوجين بالنميمة والوشاية حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة و المباينة. " إلا بإذن الله " أي يعلم الله فيكون تهديدا أو بتخلية الله (6).


(1) يوسف 67، 68. (2) طه: 66 - 69. (3) القلم: 51 - 52. (4) الفلق: 4، 5. (5) مجمع البيان: ج 1 ص 17. (6) مجمع البيان: ج 1 ص 176 (بتلخيص).

[3]

وقال البيضاوي: المراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا يميز الساحر عن النبي والولي. وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحرآ على التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه (1). وقال الشيخ - قدس سره - في التبيان: قيل في معنى السحر أربعة أقوال: أحدها أنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة. والثاني أنه أخذ بالعين على وجه الحيلة. والثالث أنه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، وإنشاء الأجسام على وجه الاختراع، فيمكن الساحر أن يقلب الإنسان حمارا وينشئ أجساما. والرابع أنه ضرب من خدمة الجن. وأقرب الأقوال الأول لأن كل شئ خرج عن العادة الجارية فإنه سحر لا يجوز أن يتأتى من الساحر، ومن جوز شيئا من هذا فقد كفر، لأنه لا يمكن مع ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات، لأنه أجاز مثله على جهة الحيلة والسحر (2). وقال النيسابوري: السحر في اللغة عبار عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، ومنه الساحر العالم، وسحره خدعه، والسحر الرئة. وفي الشرع مختص بكل أمر يختفي سببه ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع. وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد، وهو السحر الحلال. قال صلى الله عليه وآله: إن من البيان لسحرا. ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات


(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 102. (2) التبيان 1: 374.

[4]

والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم. ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض، لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر، والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء. ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية، وهو المسمى بالعزائم وتسخير الجن. ومنها التخييلات الآخذة بالعيون، وتسمى بالشعبدة. (1) ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضرورة الخلاء. ومن هذا الباب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال. وهذا لا يعد من السحر عرفا لأن لها أسبابا معلومة يقينية. ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار. ومنها تعليق القلب، وهو أن يدعى الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم، و أن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في قلبه نوع من الرعب وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء. ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة - انتهى -. وهذا فذلكة مما نقلنا عن الرازي في باب عصمة الملائكة.


(1) بالشعوذة (خ).

[5]

وقال أيضا في قوله سبحانه " فيتعلمون ": أي فيتعلم الناس من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه، إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرق بينهما بالتمويه والاحتيال، كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لأن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " أي بإرادته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئا من أفعاله، وإن شاء لم يحدث. وكان الذي يتعلمون منهما لم يكن مقصورا على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى - انتهى -. وقد مر من تفسير الإمام عليه السلام " فيتعلمون " يعني طالبي السحر " منهما " يعني مما كتبت الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات، ومما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، يتعلمون من هذين الصنفين " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " هذا من يتعلم للإضرار بالناس، يتعلمون التضريب بضروب الحيل والنمائم والايهام أنه قد دفن في موضع كذا وعمل كذا ليحبب المرأة إلى الرجل، والرجل إلى المرأة، أو يؤدي إلى الفراق بينهما. " وما هم بضارين به " أي ما المتعلمون لذلك بضارين به " من أحد إلا بإذن الله " يعني بتخلية الله وعلمه، فإنه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر. وقال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " فلما ألقوا " أي فلما ألقى السحرة ما عندهم من السحر احتالوا في تحريك العصي والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق، حتى تحركت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس، وخيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية. وإنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته، وخفي ذلك عليهم لبعده منهم، لأنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. وفي هذا دلالة على أن السحر لا حقيقة له، لأنه لو صارت حيات حقيقة لم يقل الله سبحانه " سحروا أعين الناس " بل كان يقول " فلما ألقوا صارت حيات " - انتهى - (1).


(1) مجمع البيان: ج 4، ص 461.

[6]

وقال الرازي: احتج القائلون بأن السحر محض التمويه بهذه الآية. قال القاضي: لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم، فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة، مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه. قال الواحدي: بل المراد سحروا أعين الناس أي قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات (1). وقال الطبرسي: " ولا يفلح الساحرون " أي لا يظفرون بحجة، ولا يأتون على ما يدعونه ببينة، وإنما هو تمويه على الضعفة. " ما جئتم به السحر " أي الذين جئتم به من الحبال والعصي السحر، لا ما جئت به. " إن الله سيبطل هذا السحر الذي عظمتموه (2). " إن الله لا يصلح عمل المفسدين " إن الله لا يهيئ عمل من قصد إفساد الدين ولا يمضيه، ويبطله حتى يظهر الحق من الباطل (3). وقال في قوله " لا تدخلوا من باب واحد " خاف عليهم العين، لأنهم كانوا ذوي جمال، وهيئة وكمال، وهم إخوة، أولاد رجل واحد، عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبو مسلم. وقيل: خاف عليهم حسد الناس إياهم، وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم، فيحبسهم أو يقتلهم خوفا على ملكه، عن الجبائي، وأنكر العين وذكر أنه لم يثبت بحجة، وجوزه كثير من المحققين، ورووا فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله " إن العين حق تستنزل الحالق " والحالق المكان المرتفع من الجبل وغيره، فجعل عليه السلام العين كأنها تحط ذروة الجبل، من قوة أخذها، وشدة بطشها. وورد في الخبر أنه صلى الله عليه وآله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بأن يقول " اعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " وروي أن إبراهيم


تفسير الرازي ج 14: 203. (2) في المصدر: فعلتموه. (3) مجمع البيان: ج 5: ص 126. (*)

[7]

عليه السلام عوذ ابنيه، وأن موسى عليه السلام عوذ ابني هارون بهذه العوذة، وروي أن بني جعفر بن أبيطالب كانوا غلمانا بيضا، فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن العين إليهم سريعة، أفأسترقي لهم من العين ؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. وروي أن جبرئيل عليه السلام رقى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمه الرقية، وهي: " بسم الله أرقيك من كل عين حاسد الله يشفيك " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين. ثم اختلفوا في وجه تأثير الإصابة بالعين، فروي عن عمرو بن بحر الجاحظ أنه قال: لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشئ المستحسن أجزاء لطيفة تتصل به وتؤثر فيه، ويكون هذا المعنى خاصة في بعض الأعين كالخواص في بعض الأشياء. وقد اعترض على ذلك بأنه لو كان كذلك لما اختص ذلك ببعض الأشياء دون بعض، ولأن الأجزاء تكون جواهر، والجواهر متماثلة، ولا يؤثر بعضها في بعض. وقال أبو هاشم: إنه فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة، وهو قول القاضي. ورأيت في شرح هذا للشريف الأجل الرضي الموسوي - قدس الله روحه - كلاما أحببت إيراده في هذا الموضع. قال: إن الله يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها، فغير ممتنع أن يكون تغييره نعمة زيد مصلحة لعمرو، وإذا كان تعالى يعلم من حال عمرو أنه لو لم يسلب زيدا نعمته أقبل على الدنيا بوجهه، ونأى عن الآخرة بعطفه. وإذا سلب نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه (1) عنها، وأعطاه بدلا منها عاجلا وآجلا، فيمكن أن يتأول قوله عليه السلام " العين حق " على هذا الوجه. على أنه قد روي عنه عليه السلام ما يدل على أن الشئ إذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره، وصغر أمره، وإذا كان الأمر على هذا فلا ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه، واستحسانه له، وعظمه في صدره، وفخامته في عينه، كما روي أنه قال - لما سبقت ناقته العضباء، وكانت إذا سوبق بها لم تسبق -: " ما رفع العباد من شئ إلا وضع الله منه " ويجوز


(1) فيه عوضه غيرها وأعطاه بدلا منها عاجلا أو آجلا.

[8]

أن يكون ما أمر به المستحسن للشئ عند الرؤية من تعويذه بالله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشئ المستحسن، فلا تغيير (1) عند ذلك، لأن الرائي لذلك قد أظهر الرجوع إلى الله تعالى والإعاذة به فكأنه غير راكن إلى الدنيا، ولا مغتر بها - انتهى كلامه رضي الله عنه -. " وما اغني عنكم من الله من شئ " أي وما أدفع من قضاء الله من شئ، إن كان قد قضا عليكم الإصابة بالعين أو غير ذلك. " إن الحكم إلا لله " أي ما الحكم إلا لله. " عليه توكلت " فهو القادر على أن يحفظكم من العين، أو من الحسد، ويردكم علي سالمين. " وعليه فليتوكل المتوكلون " أي ليفوضوا أمورهم (2) إليه وليثقوا به. " ولما دخلوا مصر من حيث أمرهم أبوهم " أي من أبواب متفرقة كما أمرهم [أبوهم] يعقوب " ما كان يغني عنهم - إلخ - " أي لم يكن دخولهم مصر كذلك يغني عنهم (3) أي يدفع عنهم شيئا أراد الله إيقاعه، من حسد أو إصابة عين، وهو عليه السلام كان عالما بأنه لا ينفع حذر من قدر، ولكن كان ما قاله لبنيه حاجة في قلبه، فقضى يعقوب تلك الحاجة، أي أزال به اضطراب قلبه، لأن لا يحال على العين مكروه يصيبهم. وقيل: معناه أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم مجتمعين. قال: " وحاجة " استثناء ليس من الأول بمعنى ولكن حاجة " وإنه لذو علم " أي لذو يقين ومعرفة بالله " لما علمناه " من أجل تعليمنا إياه، أو يعلم ما علمناه فيعمل به " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " مرتبة يعقوب في العلم (4).


(1) فلا يغتر (خ). (2) أمرهم (خ). (3) في المصدر: أو. (4) مجمع البيان: ج 5، ص 249 - 250.

[9]

قال البيضاوي: لا يعلمون سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر (1). وقال الرازي: قال جمهور المفسرين إنه خاف من العين عليهم، ولنا ههنا مقامان: المقام الأول إثبات أن العين حق. والذي يدل عليه وجهان: الأول إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك. والثاني ما روي أن النبي صلى الله عليه وإله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام. ثم ذكر بعض ما مر من الأحبار - إلى أن قال -: والخامس دخل رسول الله صلى الله عليه وآله بيت ام سلمة وعندها صبي يشتكي فقال (2): يا رسول الله أصابته العين، فقال صلى الله عليه وآله: أما تسترقون له من العين ؟ السادس قوله صلى الله عليه وآله " العين حق، ولو كان شئ يسبق القدر لسبقت العين القدر ". السابع قالت عائشة: كان يأمر العاين أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين الذي اصيب بالعين. المقام الثاني في الكشف عن ماهيته، فنقول: إن الجبائي أنكر هذا المعنى إنكارا بليغا، ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة. وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوها: الاول قال الجاحظ: تمتد من العين أجزاء، فتتصل بالشخص المستحسن، فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار، وإن كان مخالفا في وجه التأثير لهذه الأشياء. قال القاضيي: وهذا ضعيف، لأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن. واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف، وذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه، وقد يكره بقاءه، كما إذا استحسن الحاسد بحصول شئ حسن لعدوه، فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف


(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 603. (2) فقالت (ظ).

[10]

شديد من زواله، والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب، فحينئذ يسخن القلب والروح جدا، وتحصل في الروح الباصر كيفية قوة مسخنة، وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه، والحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب وتحصل فيه سخونة شديدة. فثبت أن عند الاستحسان القوي يسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين، بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة، فظهر الفرق بين الصورتين. ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وآله العاين بالوضوء، ومن أصابته العين بالاغتسال. اقول: على ما ذكره، إذا عاين شيئا عند استحسان شئ إخر وحصول تلك الحالة فيه أو عند حصول غضب شديد على رجل آخر، أو حصول هم شديد من مصيبة أو خوف عظيم من عدو أو يؤثر نظره إليه وإى كل شئ يعاينه، ومعلوم أنه ليس كذلك. ثم قال الرازي: الثاني قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن يكون العين حقا، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشئ واعجب به استحسانا كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشخص أو ذلك الشئ حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، فهذا التغيير غير ممتنع. ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وبعد عن الإعجاب وسأل ربه فعنده تتغير المصلحة، والله سبحانه يبقيه ولا يفنيه، ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل: " العين حق ". الوجه الثالث: هو قول الحكماء. قالوا: هذا الكلام مبنى على مقدمة، وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانيا ومحضا، ولا تكون القوى الجسمانية لها تعلق به والذى يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه، ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من

[11]

السقوط منه يوجب سقوطه منه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة. وأيضا إن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه، وسخن مزاجه، فمبدء تلك السخونة ليس إلا ذاك التصور النفساني. ولأن مبدء الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية. ولما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان. فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان. وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية، فلا يمتنع أن تكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه وتتعجب منه. فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه، والنصوص النبوية نطقت به، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك. وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده. (1) قوله تعالى: " يخيل " قال الطبرسي: الضمير (2) راجع إلى موسى عليه السلام وقيل: إلى فرعون، أي يرى الحبال والعصي من سحرهم أنها تسعى (3) وتعدو مثل سير الحيات. وإنما قال " يخيل إليه " لأنها لم تكن تسعى حقيقة، وإنما تحركت لأنهم جعلوا داخلها الزئبق، فلما حميت الشمس طلب الزئبق الصعود فحركت الشمس ذلك فظن أنها تسعى (4). " إنما صنعوا " أي إن الذي صنعوه أو إن صنيعهم " كيد ساحر " أي مكره و حيلته. " ولا يفلح الساحر " أي لا يظفر ببغيته، إذ لا حقيقة للسحر " حيث أتى " أي حيث كان من الأرض، وقيل: لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره، لأن الحق يبطله (5).


(1) تفسير الرازي 18: 172 - 174. (2) في المصدر: الضمير في " إليه ". (3) فيه: تسير وتعدو. (4) مجمع البيان: ج 7، ص 18. (5) المصدر: ج 7، ص 20.

[12]

وقال - قدس سره - في قوله تعالى " وإن يكاد الذين كفروا ": " إن " هي المخففة من الثقيلة (1) " ليزلقونك " أي (2) يقتلونك ويهلكونك، عن ابن عباس وكان يقرأها كذلك. وقيل: ليصرعونك، عن الكلبي. وقيل: يصيبونك بأعينهم، عن السدي. والكل يرجع في المعنى إلى الإصابة بالعين، والمفسرون كلهم على أنه المراد في الآية، وأنكر الجبائي ذلك وقال: إن إصابة العين لا تصح. وقال الرماني: وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، وعليه إجماع المفسرين، وجوزه العقلاء فلا مانع منه. وقيل: إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام، ثم كان يصفه فيصرعه بذلك، وذلك بأن يقول الذي (3) أراد أن يصيبه بالعين: لا أرى كاليوم إبلا أو شاتا أو ما أراد، أي كإبل أراها اليوم. فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله كما كانوا يقولون (4) لما أرادوا أن يصيبوه بالعين، عن الفراء والزجاج. وقيل: معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن والدعاء إلى التوحيد نظر عداوة وبغض وانكار لما يسمعونه وتعجب منه، فيكادون يصرعونك بحدة نظرهم ويزيلونك عن موضعك. وهذا مستعمل في الكلام، يقولون: نظر إلى فلان نظرا يكاد يصرعني ونظرا يكاد يأكلني فيه. وتاويله كله أنه نظر إلى نظرا لو أمكنه معه أكلي أو أن يصرعني لفعل، عن الزجاج. " لما سمعوا الذكر " يعني القرآن " ويقولون " مع ذلك " إنه لمجنون وما هو " أي القرآن " إلا ذكر " أي شرف " للعالمين " إلى أن تقوم الساعة، أو مذكر لهم. قال


(1) المثقلة (خ). (2) فيه: ليزهقونك. (3) في المصدر: للذى يريد. (4) فيه: لما يريدون.

[13]

الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية - انتهى - (1). قوله " أي كإبل " كأنه حمل قوله " أو ما أراد " على تغيير تركيب الكلام، ولا يخفى بعده، بل الظاهر أن المعنى: أو ما أراد أن يصيبه بالعين سوى الإبل، فيذكره مكانهما. وقال - رحمه الله - في نزول سورة الفلق: قيل: إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر (2) رسول الله صلى الله عليه وآله ثم دس ذلك في بئر لبني زريق، فمرض رسول الله صلى الله عليه وآله فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فأخبراه بذلك وأنه في بئر ذروان في جف طلعة تحت راعوفة - والجف قشر الطلع، والراعوفة حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح (3). فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث عليا عليه السلام والزبير وعمارا فنزحوا، ماء تلك البئر ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فنزلت هاتان السورتان، فجعل كلما يقرء آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله خفة، فقام فكأنما انشط من عقال. وجعل جبرئيل عليه السلام يقول: " بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من حاسد وعين، والله يشفيك ". ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس. وهذا لا يجوز، لأن من وصف بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله، قد أبى الله سبحانه ذلك في قوله " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا " (4) ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه واطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله على ما فعلوه من التمويه حتى استخرج وكان ذلك دلالة


(1) مجمع البيان: ج 10، ص 341. (2) فيه: لرسول الله. (3) ماح يميح ميحا وميحوحة: اغترف الماء بكفه.

[14]

على صدقه صلى الله عليه وآله وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ؟ ! ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلا كثيرا من المؤمنين مع شده عداوتهم لهم ! وقال في قوله سبحانه " ومن شر النفاثات في العقد " معناه: ومن شر النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد. وإنما امر بالتعوذ من شر السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون ويصحون ويفعلون أشياء (1) من النفع والضرر والخير والشر وعامة الناس يصدقونهم، فيعظم بذلك الضرر في الدين، ولأنهم يموهون (2) أنهم يخدمون الجن ويعلمون الغيب، وذلك فساد في الدين ظاهر، فلأجل هذا الضرر امر بالتعوذ من شرهم. وقال أبو مسلم: النفاثات النساء اللاتي يملن آراء الرجال ويصرفنهم عن مرادهم ويردونهم إلى آرائهن، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد، فعبر عن حلهما بالنفث، فإن العادة جرت أن من حل عقدا نفث فيه. " ومن شر حاسد إذا حسد " فإنه يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فامر بالتعوذ من شره. وقيل: إنه أراد من شر نفس الحاسد ومن شر عينه فإنه ربما أصاب بهما فعان وضر. وقد جاء في الحديث أن العين حق. وقد مضى الكلام فيه. وروي أن العضباء ناقة النبي صلى الله عليه وآله لم تكن تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابق بها فسبقها، فشق ذلك على الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، وروى أنس أن النبيي صلى الله عليه وآله قال: من رأى شيئا يعجبه فقال: " الله الصمد، ما شاء الله لا قوة إلا بالله " لم يضر شيئا. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله كان كثيرا ما يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بهاتين السورتين - انتهى - (3).


(1) فيه: شيئا. (2) فيه: يوهمون. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 568 - 569.

[15]

وأقول: قال في النهاية: في حديث سحر النبي صلى الله عليه وآله " بئر ذروان " بفتح الذال وسكون الراء، بئر لبني زريق بالمدينة. وقال: الراعوفة هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ناتئة هناك، فأذا أرادوا تنقية البئر جلس عليها المنقي. وقيل: هي حجر يكون على رأس البئر يقوم المستقي عليه، ويروى بالثاء المثلثة بمعناها. وقال: في حديث سحر النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل في جف طلعة. الجف وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون فوقه، يروى في جب طلعة أي في داخلها. وقال: القعود من الدواب ما يقتعده الرجل للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا، والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب. وقال البيضاوي: " ومن شر النفاثات في العقد " ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها. والنفث - بالفتح - النفخ مع ريق، وتخصيصه لما روي أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وآله في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر، فمرض عليه السلام، فنزلت المعوذتان وأخبره جبرئيل بموضع السحر، فأرسل عليا عليه السلام فجاء به، فقرأهما عليه، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد بعض الخفة. ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر. وقيل: المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل، مستعار من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حلها. " ومن شر حاسد إذا حسد " إذا أظهر حسده، وعمل بمقتضاه (1). وقال الرازي: اختلفوا في أنه هل يجوز الاستعاذة بالرقى والعوذة أم لا ؟ منهم من قال انه يجوز - ثم ذكر احتجاجهم بالروايات المتقدمة وغيرها - ومن الناس من منع من الرقى، لما روي عن جابر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرقى. وقال عليه السلام:


(1) أنوار التنزيل: ج 2، ص 627.

[16]

إن لله عبادا لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. وقال عليه السلام: لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى ؟ ! واختلفوا في التعليق أيضا، فمنهم من منع لبعض الأخبار، ومنهم من جوز. سئل الباقر عليه السلام عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه. واختلفوا في النفث أيضا فمنهم من أنكر، عن عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد إلى آخر ما قال - (1). 1 تفسير على بن ابراهيم في هجرة جعفر بن أبيطالب وأصحابه إلى الحبشة وبعثت (2) قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردهم - وساق الخبر الطويل إلى أن قال - وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة - وكان فتى جميلا - فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك ! فراسلها، فأجابته، فقال عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا. فقال لها فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيب وأدخله على النجاشي وأخبره بما جرى بين عمارة وبين الوصيفة، ثم وضع الطيب بين يديه. فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة، ثم قال: لا يجوز قتله، فإنهم دخلوا بلادي بأمان، فدعا السحرة فقال لهم: اعملوا (به) شيئا أشد عليه من القتل، فأخذوه فنفخوا (3) في إحليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك: فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش، فأخدوه فما زال يضطرب في أيديهم و يصيح حتى مات - الخبر - (4). 2 جنة الامان: في رواية أدعية السر القدسية: يا محمد !، إن السحر لم


(1) مفاتيح الغيب: ج 32، ص 190. (2) بعث (خ). (3) ونفخوا (خ). (4) تفسير القمى: 165.

[17]

يزل قديما وليس يضر شيئا إلا بإذني، فمن أحب أن يكون من أهل عافيتي من السحر فليقل: " اللهم رب موسى - الدعاء - " فإنه إذا قال ذلك لم يضره سحر ساحر جني ولا إنسي أبدا. 3 - ومنه: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن العين حق، وأنها تدخل الجمل والثور التنور. وفي كتاب الغرة أن رجلا عيانا (1) رأى رجلا راكبا، فقال: ما أحسنه ! فسقطت الدابة وماتت ومات الرجل. وعن أبي الحسن المخلدي قال: كان لي أكار (2) ردئ العين، فأبصر بيدي خاتما فقال: ما أحسنه ! فسقط الفص، فحملته فقال: ما أحسنه ! فانشق بنصفين. وعن الأصمعي قال: كان عندنا عيانان، فمر أحدهما بحوض من حجارة، فقال: بالله ما رأيت كاليوم مثله. فانصدع فلقين، فضبب بحديد، فمر عليه ثانيا فقال راسلا (3): لعلك ما ضررت أهلك (4) فيك ! فتطاير أربع فلقات. وسمع الثاني صوت بول من وراء الحائط، فقال: إنك لشر شخب ! فقيل: هو ابنك، فقال: وا انقطاع ظهراه ! والله لا يبول بعدها، فمات من ساعته. وسمع أيضا صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال: أيتهن هذه ؟ فوري بأخرى، فهلكتا جميعا: المورى بها، والمورى عنها. وقصة البعير والأعرابي مشهورة معروفة. 4 وفى زبدة البيان أن يعقوب عليه السلام خاف على بنيه من العين لجمالهم، فقال: " يا بني لا تدخلوا من باب واحد - الآية - ". 5 وفيه عن النبي صلى الله عليه وآله: العين تنزل الحالق - وهو ذروة - الجبل - من قوة أخذها وشدة بطشها.


(1) العيان بتشديد الياء: الشديد الاصابة بالعين. (2) الاكار: الحراث، والجمع " الاكرة " قال الجوهرى: كأنه جمع " آكر " في التقدير. (3) في بعض النسخ: فقال: رأسك. (4) في بعضها: بأهلك.

[18]

6 - ومنه: ذكر عبد الكريم بن محمد بن المظفر السمعاني في كتابه أن جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وآله فرآه مغتما، فسأله عن غمه، فقال له: إن الحسنين عليهما السلام أصابتهما عين. فقال له: يا محمد، العين حق فعوذهما بهذه العوذة، وذكرها. 7 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى، ثم يقول: اعيذكما بكلمات الله التامة، من شر كل شيطان (و) هامة، ومن شر (كل) عين لامة " ثم يقول: هكذا كان إبراهيم أبي عليه السلام يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام. 8 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الرقى بغير كتاب الله عزوجل وما يعرف من ذكره. وقال: إن هذه الرقى مما أخذه سليمان بن داود عليهما السلام على الجن والهوام. 9 وعنه عليه السلام أنه قال: لا رقى إلا في ثلاث: في حمة، أو عين، أو دم لا يرقأ (1). والحمة السم. 10 - وعنه عليه السلام أنه قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هام، والعين حق، والفأل حق، فإذا نظر أحدكم إلى إنسان أو دابة أو إلى شئ حسن فأعجبه فليقل " آمنت بالله وصلى الله على محمد وآله " فإنه لا يضره عينه. 11 - وعنه صلى الله عليه وآله نهى عن التمائم والتول. فالتمائم ما يعلق من الكتب والخرز وغير ذلك، والتول ما تتحبب به النساء إلى أزواجهن كالكهانة وأشباهها، ونهى عن السحر. توضيح: في النهاية: فيه أنه كان يتفأل ولا يتطير. الفأل مهموز فيما يسر ويسوء، والطيرة لا يكون إلا فيما يسوء. وربما استعملت فيما يسر، وقد أولع الناس بترك الهمزة تخفيفا. وإنما أحب الفأل لأن الناس إذا أملوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإن الرجاء


(1) أي لا ينقطع.

[19]

لهم خير، وإذا قطعوا أملهم أو رجاءهم من الله كان ذلك من الشر. وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء. ومعنى التفأل مثل أن يكون رجل مريض فيتفأل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول " يا سالم " أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول " يا واجد " فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه، أو يجد ضالته. وقال: في حديث عبد الله " التمائم والرقى من الشرك " التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام. وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه. وقال: في حديت عبد الله " التولة من الشرك " التولة - بكسر التاء وفتح الواو - ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى. وفي القاموس: التولة - كهمزة -: السحر أو شبهه، وخرز تتحبب معها المرأة إلى زوجها كالتولة - كعنبة - فيهما. 12 - الشهاب: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا رقية إلا من حمة أو عين. الضوء: " عين " مصدر عانه إذا أصابه بعينه إذا نظر إليه نظر معجب حاسد مستعظم. والحمة السم، وأصلها حمو وحمى، والهاء عوض فيها عن الساقط، وبهذا الكلام يشير إلى ما كانت نساء العرب يدعينه من تأخيذ الرجال عن الأزواج، وكانت لهن رقى تضحك الثكلان، فقال صلى الله عليه وآله " لا رقية " أي لا تصح تأثير الرقية إلا في العين التي تعين الشئ، إي تصيبه. وإصل ذلك إنها تستحسنه فيغيره الله تعالى عند (1) ذلك، لما للناظر إليه فيه من اللطف، أو لغيره من المعتبرين، إذا رآه غب اللطافة والطراوة والإعجاب بخلاف ما رآه، فيستدل بذلك على أنه لا بقاء لما في الدنيا، وأن نعيمها زائل. وأما ما يذكر من أن العاين ينظر إلى الشئ فيتصل به شعاع هو المؤثر فيه، فلا تلتفت إليه، لأنا نعلم قطعا أن الشعاع اللطيف لا يعمل في الحديد والحجر وغير


(1) عن‍ (خ).

[20]

ذلك، بل ذلك كله من فعل الله تعالى على سبيل اللطف والإعلام بأن نعيم الدنيا إلى انقراض. والرقيه (1) التي فيها اسم الله تعالى أو اسم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو آية من كتاب الله تعالى يشفيه، وكذلك من السموم التي يستضر بها الانسان من لسع الهوام. وهذا غير مدفوع، وما سوى ذلك فمخاريق يجلبون بها أموال الناس. وليس قوله صلى الله عليه وآله " لا رقيقة " إلى آخره قطعا لأن تكون رقية الحق ناجعة في غير ذلك من الأدواء، بل المعنى إن الرقية لها تأثير قوي فيهما كما في قوله " لا سيف إلا ذو الفقار " وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة ! قال: أما إنك لو قلت حين أمسيت " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " لم تضرك. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمنا من الأوجاع كلها أن نقول " بسم الله الأكبر، أعوذ بالله العظيم، من شر عرق نعار (2) ومن شر حر النار " وفائدة الحديث أن الرقية في غير العين والحمة لا تنجع، وراوي الحديث جابر رضي الله عنه. 13 الشهاب: قال صلى الله عليه وآله: إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل (3) القدر. الضوء: قد تقدم الكلام فيه، وأن المؤثر فيما يعينه العاين قدرة الله عز وجل الذي يفعل ما يشاء، ويغير المستحسن من الأشياء عن حاله، اعتبارا للناظر، وإعلاما أن الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا يبقى ما فيها على وتيرة واحدة. والعين ماذا تكاد تفعل بنظرها ليت شعري ؟ ! ولو كان للعين نفسها أثر لكان يصح أن ينظر العاين إلى بعض أعدائه الذين يريد إهلاكهم وقلعهم، فيهلكهم بالنظر، وهذا باطل والعين كالجماد إذا انفردت عن الجملة فماذا تصنع ؟ ! وللفلاسفة في هذا كلام لا اريد أن أطواه. وفائدة الحديث إعلام أن الله تعالى قد يغير بعض ما يستحسنه الإنسان أظهارا


(1) فالرقبة (خ). (2) النعار. العرق الذى يفور منه الدم. (3) في بعض النسخ " وتدخل الجمل ".

[21]

لقدرته، واعتبارا للمعتبر من خليقته، وراوي الحديث جابر. 14 الاحتجاج: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فيما سأله فقال: إخبرني عن السحر ما أصله ؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل ؟ قال إن السحر على وجوه شتى: وجه منها بمنزلة الطب، كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حلية. ونوع (1) منه آخر خطفة وسرعة ومخاريق وخفة. ونوع (2) منه ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم. قال: فمن أين علم الشياطين السحر ؟ قال: من حيث عرف الأطباء الطب وبعضه تجربة، وبعضه علاج. قال: فما تقول في الملكين: هاروت وماروت، وما يقول الناس بأنهما يعلمان (الناس) السحر ؟ قال: إنهما موضع ابتلاء وموقف فتنة، تسبيحهما اليوم لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا، أصناف سحر (3)،. فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم: أنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم. قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك ؟ قال: هو أعجز من ذلك، وأضعف من أن يغير خلق الله ! إن من أبطل ما ركبه الله وصوره غيره فهو شريك لله (4) (في خلقه) تعالى عن ذلك علوا كبيرا ! لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته. وإن من أكبر السحر النميمة ! يفرق بها بين المتحابين، ويجلب العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء ويهدم بها الدور، ويكشف بها الستور. والنمام أشر من وطئ على الأرض بقدم ! فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب. إن الساحر عالج فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك


(1 و 2) في المصدر: نوع آخر منه. (3) في المصدر: السحر. (4) فيه: شريك الله في خلقه، تعالى الله عن ذلك..

[22]

العلاج فأبرأ (1). 15 - تفسير الفرات: عن عبد الرحمان بن محمد العلوي ومحمد بن عمرو الخزاز، عن إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن عيسى بن محمد، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سحر لبيد بن أعصم اليهودي وأم عبد الله اليهودية رسول الله صلى الله عليه وآله (2) فعقدوا له في إحدى عشرة عقدة، وجعلوه في جف من طلع (3)، ثم أدخلوه في بئر بواد بالمدينة في مراقي البئر تحت (4) حجر، فأقام النبي صلى الله عليه وآله لا يأكل ولا يشرب ولا يسمع ولا يبصر ولا يأتي النساء. فنزل (5) جبرئيل عليه السلام وأنزل معه المعوذات، فقال له: يا محمد، ما شأنك ؟ قال: ما أدري، أنا بالحال الذي ترى. قال: فإن أم عبد الله ولبيد بن أعصم سحراك، وأخبره بالسحر. وحيث هو. ثم قرأ جبرئيل " بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذاك، فانحلت عقدة، ثم لم يزل يقرأ آية ويقرأ (6) رسول الله صلى الله عليه وآله. وتنحل عقدة، حتى قرأها عليه إحدى عشرة آية وانحلت إحدى عشرة عقدة، وجلس النبي ودخل أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما أخبره جبرئيل عليه السلام وقال: انطلق وائتني (7) بالسحر، فجاء به فأمر به النبي صلى الله عليه وآله فنقض، ثم تفل عليه وأرسل إلى لبيد (8) وأم عبد الله، فقال: ما دعاكم إلى ما صنعتما ؟ ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله على لبيد وقال: لا أخرجك الله من


(1) الاحتجاج: 185. (2) في المصدر: في عقد من قز أحمر وأخضر وأصفر فعقدوا.. (3) فيه: ثم جعلوه في جف من طلع يعنى قشور اللوز. (4) فيه: تحت راعوفة - يعنى الحجر الخارج - فأقام النبي صلى الله عليه وآله ثلاثا لا يأكل.. (5) فيه: فنزل عليه جبرئيل ونزل معه بالعمعوذات. (6) فيه: النبي صلى الله عليه وآله. (7) فيه: فائتني بالسحر، فخرج على (ع) فجاء به، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله.. (8) في المصدر: إلى لبيد بن أعصم وأم عبد الله اليهودية.

[23]

الدنيا سالما. قال: وكان موسرا كثير المال، فمر به غلام (1) في اذنه قرط قيمته دينار فجذبه (2)، فخرم اذن الصبي وأخذه فقطعت يده فيه (3). بيان: في القاموس: الجف بالضم - وعاء الطلع. أقول: قد مر الكلام في تأثير السحر في الأنبياء والائمة عليهم السلام وأن المشهور عدمه. دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام مثله - إلى قوله - وجعلاه في مراقي البئر بالمدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم ولا يتكلم ولا يأكل ولا يشرب، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام بمعوذات - وساق نحوه إلى قوله - فقطعت يده فكوي منها فمات. 16 طب الائمة: عن محمد بن جعفر البرسي، عن أحمد بن يحيى الأرمني عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا محمد، قال لبيك يا جبرئيل قال: إن فلانا اليهودي سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه - يعني إلى البئر - أوثق الناس عندك، وأعظمهم في عينك، وهو عديل نفسك، حتى يأتيك بالسحر. وقال: فبعث النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: انطلق إلى بئر " ذروان " فإن فيها سحرا سحرني به لبيد بن أعصم اليهودي، فائتني به. قال على عليه السلام: فانطلقت في حاجة رسول الله صلى الله عليه وآله فهبطت فإذا ماء البئر قد صار كأنه ماء الحناء من السحر، فطلبته مستعجلا حتى انتهيت إلى أسفل القليب (4) ولم أظفر


(1) فيه: غلام يسعى. (2) فيه: فجاذبه فخرم اذن الصبى فأخذه وقطعت يده فمات من وقته. (3) تفسير فرات: 233. (4) فلم (خ).

[24]

به. قال الذين معي: ما فيه شئ فاصعد، فقلت: لا والله، ما كذبت (1) ولا كذبت، وما يقيني به مثل يقينكم يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ثم طلبت طلبا بلطف، فاستخرجت حقا، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فقال: افتحه، ففتحته فإذا في الحق قطعة كرب النخل، في وتر عليها إحدى وعشرون عقدة. وكان جبرئيل عليه السلام أنزل يومئذ المعوذتين على النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي اقرأهما على الوتر، فجعل أمير المؤمنين كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى فرغ منها وكشف الله عزوجل عن نبيه ما سحر به وعافاه. ويروى أن جبرئيل وميكائيل عليهما السلام أتيا إلى النبي صلى الله عليه وآله فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال جبرئيل لميكائيل: ما وجع الرجل ؟ فقال ميكائيل هو مطبوب، فقال جبرئيل عليه السلام: ومن طبه ؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، ثم ذكر الحديث إلى آخره (2). بيان: في القاموس: الكرب - بالتحريك - أصول السعف الغلاظ. وفي النهاية رجل مطبوب أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفألا بالبرء. 17 - الطب: عن إبراهيم بن البيطار، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد - الرحمان - ويقال له يونس المصلي لكثرة صلاته - عن ابن مسكان، عن زرارة، قال: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: إن السحرة لم يسلطوا على شئ إلا العين (3). 18 - وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: أنه سئل عن المعوذتين: أنهما من القرآن ؟ فقال الصادق عليه السلام: هما من القرآن. فقال الرجل: أنهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أخطأ ابن مسعود - أو قال: كذب ابن مسعود - هما من القرآن. قال الرجل: فأقرأ بهما يا ابن رسول الله في المكتوبة ؟ قال: نعم، وهل تدري ما معنى المعوذتين وفي أي شئ نزلتا ؟ إن رسول الله سحره


(1) في المصدر: ما كذب وما كذبت. (2) الطب: 113 - 114. (3) الطب: 114.

[25]

لبيد بن أعصم اليهودي. فقال إبو بصير لأبي عبد الله عليه السلام: وما كان (1) ذا ؟ وما عسى أن يبلغ من سحره ؟ ! فقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: بلى، كان البني صلى الله عليه وآله يرى يجامع وليس يجامع، وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده والسحر حق وما سلط السحر إلا على العين والفرج. فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخبره بذلك، فدعا عليا عليه السلام وبعثه ليستخرج ذلك من بئر (2) ازوان، وذكر الحديث بطوله إلى آخره (3). 19 - ومنه: عن محمد بن سليمان بن مهران، عن زياد بن هارون العبدي، عن عبد الله بن محمد البجلي، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أعجبه شئ من أخيه المؤمن (4) فليثمد عليه، فإن العين حق (5). 20 ومنه: عن محمد بن ميمون المكي، عن عثمان بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: لو نبش لكم عن القبور لرأيتم أن أكثر موتاهم بالعين، لأن العين حق، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: العين حق، فمن أعجبله من أخيه شئ فليذكر الله في ذلك، فأنه أذا ذكر الله لم يضره (6). 21 ومنه: عن سهل بن محمد بن سهل، عن عبد ربه بن محمد بن إبراهيم، عن ابن اورمة، عن ابن مسكان، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النشرة للمسحور، فقال: ما كان أبي عليه السلام يرى بها بأسا (7). 22 - المكارم: عن معمر بن خلاد، قال: كنت مع الرضا عليه السلام بخراسان


(1) في المصدر: وما كاد أو عسى. (2) فيه: ذروان. (3) الطب: 114. (4) في المصدر: فليكبر. (5 و 6) الطب: 121. (7) المصدر: 114.

[26]

على نفقاته، فأمرني أن أتخذ له غالية، فلما اتخذتها فاعجب بها فنظر إليها فقال لي: يا معمر، إن العين حق فاكتب في رقعة الحمد وقل هو الله أحد والمعوذتين وآية الكرسي واجعلها في غلاف القارورة (1). 23 - ومنه: روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: العين حق، وليس تأمنها منك على نفسك ولا منك على غيرك، فإذا خفت شيئا من ذلك فقل: " ما شاء الله (لا حول و) لا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثلاثا (2). 24 - وعنه عليه السلام قال: من أعجبه من أخيه شئ فليبارك عليه، فإن العين حق (3). 25 ومنه: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن العين ليدخل الرجل القبر، والجمل القدر (4). وقال صلى الله عليه وآله: لا رقية إلا من حمة والعين (5). 27 - ومنه: عن الصادق عليه السلام: لو كان شئ يسبق القدر لسبقه العين (6). 28 - الخصال: بإسناده عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا رقى إلا في ثلاثة: في حمة، أو عين، أو دم لا يرقأ (7) 29 - جامع الاخبار: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العين لتدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر (8). 30 - وجاء في الخبر أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن بني


(1) مكارم الاخلاق: 445. (2 و 4) مكارم الاخلاق: 445. (5) المصدر: 446، وفيه " والعين حق ". (6) المصدر: 479. (7) الخصال: 74. (8) جامع الاخبار: 157 طبعة الحيدرية.

[27]

جعفر تصيبهم العين، فأسترقي لهم ؟ قال: نعم، فلو كان شئ يسبق القدر لسبقت العين (1). 31 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رفع الناس أبصارهم إلى شئ إلا وضعه الله (2). 32 - النهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما قال الناس لشئ طوبى له إلا وقد خبأ الدهر له يوم سوء (3). بيان: " طوبى " كلمة تستعمل في مقام المدح والاستحسان والتعجب من حسن الشئ وكماله. وخبأت الشئ أخبوه: أخفيته. " يوم سوء " بالفتح إي يوم نقص وبلية وزوال. وإخفاء الدهر ذلك اليوم كناية عن جهل الناس بأسبابه وأنه يأتيهم بغته، أو غفلتهم عن عدم ثبات زخارف الدنيا وسرعة زوالها. ثم إنه يحتمل أن يكون ما ورد في هذا الخبر والخبر السابق إشارة إلى تأثير العيون كما مر، أو إلى أن من لوازم الدنيا أنه إذا انتهت فيها حال شخص في الرافعة والعزة إلى غاية الكمال فلا بد أن يرجع إلى النقص والزوال، فقولهم طوبى له واستحسانهم إياه ورفع أبصارهم إليه من شواهد الرفعة والكمال، وهو علامة الاخذ في الهبوط والاضمحلال. وقد يخطر بالبال أن ما ورد في العين وتأثيرها يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى، وإن كان بعيدا من بعض الآيات والأخبار، ويمكن تأويلها إليه وتطبيقها عليه كما لا يخفى على أولي الأبصار، وما ورد من ذكر الله والدعاء عند ذلك لا ينافيه بل يؤيده، فإن أمثال ذلك موجبة لدوام النعمة واستمرارها، والله يعلم حقائق الامور ودقائق الأسرار.


(1) جامع الاخبار: 157 فيه. أفاسترقى. (2) نوادر الراوندي: 17. (3) نهج البلاغة: ج 2، ص 205.

[28]

نقل وتحقيق اعلم أن أصحابنا والمخالفين اختلفوا في حقيقة السحر، وأنه هل له حقيقة أو محض توهم. ولنذكر بعض كلماتهم في ذلك. قال الشيخ قدس سره في الخلاف: السحر له حقيقة، ويصح منه أن يعقد ويؤثر ويسحر فيقتل ويمرض ويكوع (1) الأيدي ويفرق بين الرجل وزوجته، و يتفق له أن يسحر بالعراق رجلا بخراسان فيقتله عند أكثر أهل العلم وأبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي. وقال أبو جعفر الإسترآبادي: لا حقيقة له، وإنما هو تخييل وشعبدة. وبه قال المغربي من أهل الظاهر، وهو الذي يقوى في نفسي. ويدل عليه قوله تعالى " فإذا حبالهم - الآية - " (2) وذلك أن القوم جعلوا من الحبال كهيئات الحيات، وطلوا عليها الزيبق وأخذوا الموعد على وقت تطلع فيه الشمس، حتى إذا وقعت على الزيبق تحرك فخيل لموسى عليه السلام أنها حيات ولم يكن لها حقيقة، وكان هذا في أشد وقت الحر فألقى موسى عصاه فأبطل عليهم السحر، فآمنوا به. وأيضا فإن الواحد منا لا يصح أن يفعل في غيره وليس بينه وبينه اتصال ولا اتصال بما يتصل بما يفعل فيه، فكيف يفعل من هو ببغداد فيمن هو بالحجاز وأبعد منها ؟ ! ولا يفني هذا قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " (3) لأن ذلك لا نمنع منه، وإنما الذي منعنا منه أن يؤثر الساحر الذي يدعونه، فأما أن يفعلوا ما يتخيل عنه أشياء فلا نمنع منه. ورووا عن عائشة.. أقول: ثم ذكر نحوا مما مر من سحر اليهودي النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: وهذه أخبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى، وقد روي عن عائشة أنها قالت: سحر


(1) كوع - كسمع -: عظم كوعه - وهو طرف الزند الذى يلى الابهام - واعوج. (2) طه: 76. (3) البقرة: 102. (*).

[29]

رسول الله صلى الله عليه وآله فما عمل فيه السحر، وهذا معارض ذلك. ثم قال قدس سره: إذا أقر أنه سحر فقتل بسحره متعمدا لا يجب عليه القود، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجب عليه القود. دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وأن هذا مما يقتل به يحتاج إلى دليل. وأيضا فقد بينا أن الواحد لا يصح أن يقتل غيره بما لا يباشره به، إلا أن يسقيه ما يقتل به على العادة مثل السم، وليس السحر بشئ من ذلك. وقد روى أصحابنا أن الساحر يقتل، والوجه فيه أن هذا فساد في الأرض والسعي فيها به، فلاجل ذلك وجب فيه (1) القتل. وقال العلامة نور الله مرقده - في التحرير: السحر عقد ورمي كلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة، وقد يحصل به القتل والمرض والتفريق بين الرجل والمرأة وبغض أحدهما لصاحبه ومحبة أحد الشخصين للآخر، وهل له حقيقة أم لا ؟ فيه نظر. ثم قال: والسحر الذي يجب فيه (2) القتل هو ما يعد في العرف سحرا، كما نقل الأموي في مغازيه أن النجاشي دعا السواحر فنفخن في إحليل عمارة بن الوليد فهام مع الوحش، فلم يزل معها إلى أمارة عمر بن الخطاب، فأمسكه إنسان، فقال: خلني وإلا مت، فلم يخله فمات من ساعته. وقيل: إن ساحرة أخذها بعض الأمراء، فجاء زوجها كالهائم، فقال قولوا لها تخل عني، فقالت: ائتوني بخيوط وباب، فأتوا بذلك فجلست وجعلت تعقد، فطار بها الباب فلم يقدروا عليها، وأمثال ذلك. وأما الذي يعزم على المصروع ويزعم أنه يجمع الجن ويأسرها فتطيعه، فلا يتعلق به حكم، والذي يحل السحر بشئ من القرآن والذكر والأقسام فلا بأس به، وإن كان بالسحر حرم على إشكال. وقال في موضع آخر منه: الذي اختاره الشيخ - رحمه الله - أنه لا حقيقة


(1) به (خ). (2) الخلاف 2: 423 و 424.

[30]

للسحر، وفي الأحاديث ما يدل على أن له حقيقة، فعلى ما ورد في الأخبار لو سحره فمات بسحره ففي القود إشكال، والأقرب الدية - إلى آخر ما قال -. وقال في المنتهى نحوا من أول الكلام، ثم قال: واختلف في أنه له حقيقة أم لا. قال الشيخ رحمه الله: لا حقيقة له: وإنما هو تخييل، وهو قول بعض الشافعية وقال الشافعي: له حقيقة، وقال، أصحاب أبي حنيفة: إن كان يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ما يؤثر في نفس المسحور من قتل أو مرض أو أخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطيها أو يفرق بينهما أو يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحببه إليه، فأما أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شئ فلا يجوز ذلك. ثم ذكر - رحمه الله - احتجاج الطرفين بآية " يخيل إليه " وسورة الفلق، ثم قال: وروى الجمهور عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله سحر حتى يرى أنه يفعل الشئ ولا يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته إنه أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل ؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه ؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي في مشط ومشاطة في جف طلعة في بئر ذي أزوان. رواه البخاري. وجف الطلعة وعاؤها، والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس وغيره إذا مشط، فقد أثبت لهم سحرا. وهذا القول عندي باطل، والروايات ضيعفة، خصوصا رواية عائشة، لاستحالة تطرق السحر إلى الأنبياء عليهم السلام. ثم قال: إن كان للسحر حقيقة فهو ما يعد في العرف سحرا، ثم ذكر القصتين للنجاشي والساحرة. ثم قال: فهذا وأمثاله مثل أن يعقد الرجل المزوج فلا يطيق وطي امرأته هو السحر المختلف فيه، فأما الذي يقال من العزم على المصروع فلا يدخل تحت هذا الحكم، وهو عندي باطل لا حقيقة له، وإنما هو من الخرافات. وقال الشهيد - رفع الله درجته - في الدروس: تحرم الكهانة والسحر بالكلام والكتابة والرقية والدخنة بعقاقير الكواكب وتصفية النفس والتصوير والعقد والنفث

[31]

والأقسام والعزائم بما لا يفهم معناه ويضر بالغير فعله. ومن السحر الاستخدام للملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائب وعلاج المصاب، ومنه الاستحضار بتلبيس الروح ببدن منفعل كالصبي والمرأة وكشف الغائب عن لسانه. ومنه النيرنجات، وهي إظهار غرائب خواص الامتزاجات وأسرار النيرين. وتلحق به الطلسمات، وهي تمزيج القوى العالية الفاعلة بالقوى السافلة المنفعلة، ليحدث عنها فعل غريب. فعمل هذا كله والتكسب به حرام، والأكثر على أنه لا حقيقة له، بل هو تخييل، وقيل: أكثره تخييل، وبعضه حقيقي، لأنه تعالى وصفه بالعظمة في سحرة فرعون، ومن التخييل إحداث خيالات لا وجود لها في الحس المشترك للتأثير في شئ آخر، وربما ظهر إلى الحس. وتلحق به الشعبذة، وهي الأفعال العجيبة المرتبة على سرعة اليد بالحركة، فيلبس على الحس، وقيل: الطلسمات كانت معجزات للأنبياء. وأما الكيمياء فيحرم المسمى بالتكليس بالزيبق والكبريت والزاج والتصدية وبالشعر والبيض والمرار والأدهان كما تفعله الجهال، أما سلب الجواهر خواصها. وإفادتها خواص اخرى بالدواء المسمى بالإكسير أو بالنار الملينة الموقدة على أصل الفلزات أو لمراعاة نسبها في الحجم والوزن، فهذا مما لا يعلم صحته، وتجنب ذلك كله أولى وأحرى (1). وقال الشهيد الثاني - رفع الله مقامه -: السحر هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام وعزائم ونحوها يحدث بسببها ضرر على الغير، ومنه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطيها، وإلقاء البغضاء بينهما، ومنه استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب، واستحضارهم وتلبسهم ببدن صبي أو امرأة وكشف الغائب على لسانه، فتعلم ذلك وأشباهه وعمله وتعليمه كله حرام والتكسب به سحت، ويقتل مستحله. ولو تعلمه ليتوقى به أو ليدفع به المتنبي بالسحر فالظاهر جوازه، وربما وجب على الكفاية كما هو خيرة الدروس، ويجوز


(1) الدروس: كتاب المكاسب. (*)

[32]

حله بالقرآن والأقسام كما ورد في رواية القلا. وهل له حقيقة، أو هو تخييل ؟ الأكثر على الثاني، ويشكل بوجدان أثره في كثير من الناس على الحقيقة، والتأثر بالوهم إنما بتم لو سبق للقابل علم بوقوعه، ونحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلا حتى يضر به، ولو حمل تخييله على ما تظهر من تأثيره في حركات الحيات والطيران ونحوهما أمكن، لا في مطلق التأثير وإحضار الجان وشبه ذلك فإنه أمر معلم لا يتوجه دفعه. ثم قال: والكهانة عمل بوجوب طاعة بعض الجان له واتباعه (له) بحيث يأتيه بالأخبار، وهو قريب من السحر. ثم قال: والشعبذة عرفوها بأنها الحركات السريعة التي تترتب عليها الأفعال العجيبة، بحيث يتلبس (1) على الحس الفرق بين الشئ وشبهه لسرعة الانتقال منه إلى شبهه. أقول: ونحو ذلك قال المحقق الأردبيلي روح الله روحه في شرح الإرشاد وقال: الظاهر أن له حقيقة بمعنى أنه يؤثر بالحقيقة لا أنه إنما يتأثر بالوهم فقط ولهذا نقل تأثيره في شخص لم يعرف ولا يشعر بوقوعه فيه، نعم يمكن أن لا حقيقة له بمعنى أن لا يوجد حيوان بفعله، بل يتخيل، كقوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " (2) مع أنه لا ثمرة في ذلك، إذ لا شك في عقابه ولزوم الدية وعوض ما يفوت بفعل الساحر عليه. وقال ابن حجر في " فتح الباري " في العين تقول: عنت الرجل أصبته بعينك، فهو معيون ومعين، ورجل عاين ومعيان وعيون. والعين يضر باستحسان مشوب بحسد من حيث الطبع يحصل للمبصور منه ضرر. وقد استشكل ذلك على بعض الناس فقال: كيف يعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون ؟ والجواب أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العاين في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال: إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت


(1) يلتبس. (2) طه: 66.

[33]

حرارة تخرج من عيني ! ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من العروش من غير أن تمسها. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمد فيرمد، ويتثأب (1) بحضرته فيتثأب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال. وقال الخطابي: في الحديث أن للعين تأثيرا في النفوس، وأبطال قول الطباعيين إنه لا شئ إلا ما تدركه الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له. وقال المازري: زعم بعض الطباعيين أن العاين تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد، وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العاين بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضر عند مقابلة شخص لآخر وهل ثم جواهر خفية أولا، هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العاين فتتصل بالمعيون وتتخلل مسام جسمه فيخلق البارئ الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه جائز أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة انتهى. وهو كلام سديد، وقد بالغ ابن العربي في إنكاره فقال: ذهبت الفلاسفة إلى أن الإصابة بالعين صادرة عن تأئير النفس بقوتها فيه، فأول ما يؤثر في نفسها ثم يؤثر في غيرها. وقيل: إنما هو سم في عين العاين يصيبه بلفحه (2) عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به. ثم رد الأول بأنه لو كان كذلك لما تخلفت الإصابة في كل حال، والواقع بخلافه. والثاني بأن سم الأفعى جزء منها، وكلها قاتل، والعاين ليس يقتل منه


(1) التثاؤب معروف، وهو أن يسترخى فيفتح فمه بلا قصد، والاسم الثؤباء. (2) لفحت النار أو السموم فلانا: أصاب حرها وجهه وأحرقه.

[34]

شئ في قولهم إلا بصره، وهو معنى خارج عن ذلك. قال: والحق أن الله يخلق عند بصر العاين إليه وإعجابه (به) إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقية أو بالاغتسال أو بغير ذلك انتهى كلامه -. وفيه: (بعض) ما يتعقب، فإن الذي مثل بالأفعى لم يرد أنها تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن جنسا من الأفاعي اشتهر أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العاين. وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي تذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزاز بسند حسن عن جابر رفعه قال: أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس. قال الراوي: يعني بالعين. وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فترى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند روية من يخافه، وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه ويضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح. والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة. والحاصل أن التأثير بأرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، واخرى بمجرد الرؤية، واخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل. والذي يخرج من عين العاين سهم معنوي إن صادف بدنا لا وقاية له أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء. وقال في بيان السحر: قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان: أحدها

[35]

ما دق ولطف، ومنه سحرت الصبي: خدعته واستملته، فكل من استمال شيئا فقد سحره: إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس: ومنه قول الأطباء " الطبيعة ساحرة " ومنه قوله تعالى " بل نحن قوم مسحورون (1) " أي مصروفون عن المعرفة: ومنه حديث " إن من البيان لسحرا ". الثاني ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " (2) وقوله تعالى " سحروا أعين الناس " (3) ومن هناك سموا موسى عليه السلام ساحرا، وقد يستعان في ذلك بما يكون فيه خاصية كحجر المقناطيس. الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " (4). الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واشتراك روحانياتها بزعمهم، قال ابن حزم: ومنه ما يؤخذ من الطلسمات كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب، فيفنع من لدغة العقرب، وقد يجمع بعضهم بين الامرين: الاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم. ثم السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرقي والنفث، وتارة تكون من المحسوسات كتصوير صورة على صورة المسحور، وتارة يجمع الأمرين الحسي والمعنوي، وهو أبلغ. واختلف في السحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وقال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة


(1) الحجر: 15. (2) طه: 66. (3) الاعراف: 116. (4) البقرة: 102.

[36]

المشهورة - انتهى. لكن محل النزاع أنه هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا، فمن قال إنه تخييل فقط منع من ذلك، ومن قال له حقيقة اختلفوا [في أنه] هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه. فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف فإن كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه. ونقل الخطابي أن قوما أنكروا السحر مطلقا، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة. وقال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأن له حقيقة ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر ولأن العقل لا ينكر أن الله تعالى قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق وتركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " (1) لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع أكثر من ذلك لذكره. قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك قال: والآية ليست نصا في منع الزيادة ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك. ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقع غالبا انفاقا، وأما المعجزة فتمتاز من الكرامة بالتحدي. ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا عن فاسق، والكرامة


(1) البقرة: 102.

[37]

لا تظهر عن (1) الفاسق. ونقل النووي في زيادات الروضة عن المستولي (2) نحو ذلك وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر، لأنه ينشأ عن أحد أنواعه كاعانة الشياطين. وقال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس. ومادتها الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبتها وأوقاته، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون " وجاؤا بسحر عظيم " (3) مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب، كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر في الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانا وعكسه بسحر الساحر ونحو ذلك انتهى. وقال شارح المقاصد: السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيها التعلم والتلمذ، وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة، وبأنه لا يكون بحسب اقتراح المعترض، وبأنه يختص ببعض الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط، وبأنه قد يتصدى لمعارضته ويبذل الجهد في الإتيان بمثله وبأن صاحبه ربما يعلن بالفسق، ويتصف بالرجس في الظاهر والباطن، والخزي في الدنيا والآخرة، إلى غير ذلك من وجوه المفارقة. وهو عند أهل الحق جائز عقلا ثابت سمعا وكذلك الإصابة بالعين. وقالت المعتزلة: هو مجرد إراءة ما لا حقيقة له بمنزلة الشعبذة التي سببها خفة حركات اليد أو خفاء وجه الحيلة فيه.


(1) في إكثر النسخ: على فاسق. (2) المستوفى (خ). (3) الاعراف: 116.

[38]

لنا على الجواز ما مر في الإعجاز، من إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة الله له، فإنه هو الخالق، وإنما الساحر فاعل وكاسب. وأيضا إجماع الفقهاء، وإنما اختلفوا في الحكم. وعلى الوقوع وجوه: منها قوله تعالى " يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت إلى قوله - فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " (1) وفيه إشعار بأنه ثبات حقيقة، ليس مجرد إراءة وتمويه وبأن المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده. ومنها سورة الفلق، فقد اتفق جمهور المسلمين على أنها نزلت فيما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى مرض ثلاث ليال. ومنها ما روي أن جارية سحرت عايشة، وأنه سحر ابن عمر حتى تكوعت يده. فإن قيل: لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين، ولحصلوا لأنفسهم الملك العظيم، وكيف يصح أن يسحر النبي صلى الله عليه وآله وقد قال الله " والله يعصمك من الناس " (2) " ولا يفلح الساحر حيث أتى " وكانت الكفرة يعيبون النبي صلى الله عليه وآله بأنه مسحور، مع القطع بأنهم كاذبون. قلنا: ليس الساحر يوجد في كل عصر وزمان، وبكل قطر ومكان، ولا ينفذ حكمه كل أوان، ولا له يد في كل شئ (3) والنبي صلى الله عليه وآله معصوم من أن يهلكه الناس أو يوقع خللا في نبوته، لا أن يوصل ضررا وألما إلى بدنه، ومراد الكفار بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بالسحر حيث ترك دينهم. فان قيل: قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام " يخيل إليه من سحرهم أنها


(1) البقرة: 102. (2) المائدة: 67. (3) شان (خ).

[39]

تسعى " (1) يدل على أنه لا حقيقة للسحر، وإنما هو تخييل وتمويه. قلنا: يجوز أن يكون سحرهم إيقاع ذلك التخيل وقد تحقق، ولو سلم فكون أثره في تلك الصورة هو التخييل لا يدل على أنه لا حقيقة له أصلا. وأما الإصابة بالعين وهو أن يكون لبعض النفوس خاصية أنها إذا استحسنت شيئا لحقه الآفة، فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله " العين حق يدخل الرجل القبر والجمل القدر " وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون (2) - الآية " نزلت في ذلك. وقالوا: كان العين في بني أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شئ يقول فيه " لم أر كاليوم " إلا عانه، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصنعة أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك، فعصمه الله. واعترض الجبائي أن القوم ما كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه واله نظر استحسان بل مقت ونقص. والجواب أنهم كانوا يستحسنون منه الفصاحة وكثيرا من الصفات، وإن كانوا يبغضونه من جهة الدين. ثم للقائلين بالسحر والعين اختلاف في جواز الاستعانة بالرقى والعوذ، وفي جواز تعليق التمائم، وفي جواز النفث والمسح. ولكل من الطرفين أخبار وآثار، والجواز هو الأرجح، والمسألة بالفقهيات أشبه - انتهى -. وأقول: الذي ظهر لنا مما مضى من الآيات والأخبار والآثار أن. للسحر تأثيرا ما في بعض الأشخاص والأبدان، كإحداث حب أو بغض أو هم أو فرح، وأما تأثيره في إحياء شخص، أو قلب حقيقة إلى أخرى، كجعل الإنسان بهيمة، فلا ريب في نفيهما، وأنهما من المعجزات. وكذا في كل ما يكون من هذا القبيل، كإبراء


(1) طه: 66. (2) القلم: 51. (*)

[40]

الأكمه والأبرص، وإسقاط يد بغير جارحة أو وصل يد مقطوع، أو إجراء الماء الكثير من بين الأصابع أو من حجر صغير وأشباه ذلك. والظاهر أن الاماتة أيضا كذلك، فإنه بعيد أن يقدر الإنسان على أن يقتل رجلا بغير ضرب وجرح وسم وتأثير ظاهر في بدنه، وإن أمكن أن يكون الله تعالى جعل لبعض الأشياء تأثيرا في ذلك ونهى عن فعله، كما أنه سبحانه جعل الخمر مسكرا ونهى عن شربه، وجعل الحديد قاطعا ومنع من استعماله في غير ما أحله، وكذا التمريض، لكنه أقل استبعادا. فان قيل: مع تجويز ذلك يبطل كثير من المعجزات، ويحتمل فيه السحر. قلنا: قد مر أن المعجزة تحدث عند طلبها بلا آلات وأدوات ومرور زمان يمكن فيه تلك الأعمال، بخلاف السحر، فإنه لا يحصل إلا بعد استعمال تلك الأمور ومرور زمان. وأيضا الفرق بين السحر والمعجز [ة] بين عند العارف بالسحر وحقيقته ولذا حكم بعض الأصحاب بوجوب تعلمه كفاية. ويروى عن شيخنا البهائي قدس الله روحه أنه لو كان خروج الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله مع قبض يده وصم أصابعه إلى كفه كان يحتمل السحر، وأما مع بسط الأصابع وتفريجها فلا يحتمل السحر، وذلك واضح وعند من له دربة (1) في صناعة السحر. وأيضا معجزات الأنبياء لا تقع على وجه تكون فيه شبهة لأحد، إلا أن يقول معاند بلسانه ما ليس في قلبه، فإن الساحر ربما يخيل ويظهر قطرات من الماء من بين أصابعه أو كفه أن من حجر صغير، وأما أن يجري أنهار كبيرة بمحض ضرب العصا أو يروي كثيرا من الناس والدواب بما يجري من بين أصابعه بلا معاناة عمل أو استعانة بآلة، فهذا مما يعرف كل عاقل أنه لا يكون من السحر. وكذا إذا دعا على أحد فمات أو مرض من ساعته، فإن مثل هذا لا يكون سحرا بديهة. وأما جهة تأثيره فما كان من قبيل التخييلات والشعبدة فأسبابها ظاهرة عند العاملين بها تفصيلا، وعند غيرهم إجمالا، كما مر في سحر سحرة فرعون، واستعانتهم


(1) درب دربا ودربة: كان حاذقا في صناعته.

[41]

بالزئبق أو إرائتهم أشياء بسرعة اليد لا حقيقة لها. وأما حدوث الحب والبغض والهم وأمثالها، فالظاهر أن الله تعالى جعل لها تأثيرا وحرمها كما أومانأ إليه، وهذا مما لا ينكره العقل، ويحتمل أن يكون للشياطين أيضا مدخلا (1) في ذلك. ويقل أو يبطل تأثيرها بالتوكل والدعاء والآيات والتعويذات. ولذا كان شيوع السحر والكهانة وأمثالهما في الفترات بين الرسل وخفاء آثار النبوة واستيلاء الشياطين أكثر، وتضعف وتخفى تلك الأمور عند نشر آثار الأنبياء وسطوع أنوارهم كأمثال تلك الإزمنة، فإنه ليس من دار ولا بيت إلا وفيه مصاحف كثيرة وكتب جمة من الأدعية والأحاديث، وليس من أحد إلا ومعه مصحف أو عوذة أو سورة شريفة، وقلوبهم وصدورهم مشحونة بذلك، فلذا لا نرى منها أثرا بينا في تلك البلاد إلا نادرا في البلهاء والضعفاء والمنهمكين في المعاصي، وقد نسمع ظهور بعض آثارها في أقاصي البلاد، لظهور آثار الكفر وندور أنوار الإيمان فيها، كأقاصي بلاد الهند والصين والترك. وأما تأثير السحر في النبي والإمام - صلوات الله عليهما - فالظاهر عدم وقوعه وإن لم يقم برهان على امتناعه إذا لم ينته إلى حد يخل بغرض البعثة، كالتخبيط والتخليط، فإنه إذا كان الله سبحانه أقدر الكفار لمصالح التكليف على حبس الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وضربهم وجرحهم وقتلهم بأشنع الوجوه فأي استحالة على أن يقدروا على فعل يؤثر فيهم هما ومرضا ؟ لكن لما عرفت أن السحر يندفع بالعوذ والآيات والتوكل، وهم عليهم السلام معادن جميع ذلك، فتأثيره فيهم مستبعد، والأخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية أو ضعيفة ومعارضة بمثلها، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك. وأما ما يذكر من بلاد الترك أنهم يعملون ما يحدث به السحب والأمطار فتأثير أعمال مثل هؤلاء الكفرة في الآثار العلوية وما به نظام العالم مما يأبى عنه العقول


(1) كذا.

[42]

السليمة، والأفهام القويمة، ولم يثبت عندنا بخبر من يوثق بقوله. وأما العين فالظاهر من الآيات والأخبار أن لها تحققا أيضا، إما بأن جعل الله تعالى لذلك تأثيرا وجعل علاجه التوكل والتوسل بالآيات والأدعية الواردة في ذلك أو بأن الله تعالى يفعل في المعين فعلا عند حدوث ذلك لضرب من المصلحة، وقد أومأنا إلى وجه آخر فيما مر. وبالجملة لا يمكن إنكار ذلك رأسا، لما يشاهد من ذلك عينا، وورود الأخبار به مستفيضا، والله يعلم وحججه عليهم السلام حقائق الأمور. 2 باب (حقيقة الجن واحوالهم) (1) الايات الانعام: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (2). وقال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم


(1) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله. يقول افقر العباد إلى رحمة ربه الباري عبد الرحيم الربانى الشيرازي عفى عنه وعن والديه: هذه تعليقة وجيزة عملت فيها ايضاح بعض غرائب اللغة ومشكلاتها مما لم يذكره المصنف قدس سره وخرجت الاحاديث من مصادرها وقابلت نصوصها عليها، وذكرت ما اختلف فيها وربما شرحت بعض الاحاديث واسانيدها مستعينا من الله الموفق الصواب والسداد وراجيا منه العفو يوم الحساب انه ولى التوفيق وعليه التكلان. (2) الانعام: 100.

[43]

آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا و شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (1). الاعراف: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم (2). الحجر: والجان خلقناه من قبل من نار السموم (3). الشعراء: هل انبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (4). النمل: وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (5). وقال تعالى: قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (6). التنزيل: لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين (7). سبأ: ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (8). وقال سبحانه: بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (9).


(1) الانعام: 128 - 130. (2) الاعراف: 116. (3) الحجر: 27. (4) الشعراء: 121 - 123. (5) النمل: 17. (6) النمل: 39. (7) السجدة: 13. (8) سبأ: 12 - 14. (9) سبأ: 41.

[44]

الاحقاف: أولئك الذين حق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (1). وقال سبحانه: وإذ صرفنا إليك نفرامن الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولو إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (2). الرحمن وخلق الجان من مارج من نار (3). وقال عزوجل: يا معشر الجن والإنس إن استطعتهم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (4). وقال سبحانه: ولمن خاف مقام ربه جنتان (5). وقال تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (6) في موضعين. الجن: قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (7) إلى آخر السورة. تفسير: " وجعلوا لله شركاء الجن " قال الرازي في تفسيره: إن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف: فالأولى عبدة الأصنام فهم يقولون: الأصنام شركاء لله في المعبودية ولكنهم


(1) الاحقاف: 18. (2) الاحقاف: 29 - 32. (3) الرحمن: 15. (4) الرحمن: 33. (5) الرحمن: 46. (6) الرحمن: 56 و 74. (7) الجن: 1 - 28.

[45]

يعترفون (1) بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والايجاد والتكوين. والثانية الذين يقولون مدبر هذا العالم هو الكواكب، وهؤلاء فريقان منهم من يقول: إنها واجبة الوجود لذواتها (2)، ومنهم من يقول إنها ممكنة الوجود محدثة (3) وخالقها هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهم الذين ناظرهم الخليل (4). والثالثة من المشركين الذين قالوا: لجملة هذا العالم بما فيه من السماوات والأرض إلهان: أحدهما فاعل الخير، وثانيهما فاعل الشر، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء، فروي عن ابن عباس أنه قال قوله تعالى " وجعلوا لله شركاء الجن نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس أخوان، فالله تعالى خالق النار والدواب والانعام والخيرات، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور. واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة قال ابن عباس: والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا (5) " وإنما وصف بكونه من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، والملئكة والروحانيون لا يرون بالعيون، فصارت كأنها مستترة من العيون فبهذا (6) اطلق لفظ الجن عليها:


(1) في المصدر: معترفون. (2) في المصدر: لذاتها. (3) في المصدر: ممكنة الوجود لذواتها محدثة. (4) في المصدر: وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل صلى الله عليه وآله وسلم ناظرهم بقوله: لا احب الافلين. (5) الصافات: 158. قد سقطت هذه الاية عن قلمه الشريف، وكان يلزم أن يذكرها تلو الايات. (6) في المصدر: فبهذا التأويل.

[46]

وأقول: هذا مذهب المجوس وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زردشت (1) أنه نزل عليه من عند الله مسمى بالزند والمنسوب إليه يسمى بالزندي (2) ثم عرب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة. واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وكل ما فيه من الشرور من أهرمن، وهو المسمى بابليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة، والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير العالم فخيرات هذا العالم من الله وشروره من إبليس. فان قيل: فعلى هذا التقدير القوم أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس، فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء ؟ والجواب أنهم يقولون عسكر الله هم الملائكة وعسكر إبليس هم الشياطين، والملائكة فيهم كثرة عظيمة، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهي (3) تلهم الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات، والشياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي الوسواس الخبيثة إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين، فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن. فإذا عرفت هذا فقوله " وخلقهم " إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكا لله في ملكه، وتقريره من وجهين: الأول أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث وكل محدث فله خالق وما ذاك إلا الله سبحانه، فيلزمهم القطع


(1) في المصدر: زرادشت. (2) في المصدر: بالزندى. (3) في المصدر: وهم يلهمون تلك الارواح.

[47]

بأن خالق إبليس هو الله تعالى، ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والقبائح (1) فيلزمهم أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والمفاسد، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لابد من إلهين يكون أحدهما فاعل الخيرات، والثاني فاعلا للشرور وبهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الأعظم. والثاني ما بينا في كتبنا (2) أن ما سوى الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده موصوفون بالحدوث، وحصول الوجود بعد العدم، فيعود الالزام المذكور على ما قررنا. وقيل: المراد بالآية أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وأطلق الجن عليهم لكونهم مستترين عن الأعين، وقال الحسن وطائفة: إن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام، وإلى القول بالشرك فقبلوا من الجن هذا القول، وأطاعوهم فصاروا من هذا الوجه قائلين بكون الجن شركاء لله، والحق هو القول الأول (3). " وخرقوا له بنين " قال الفراء: معنى خرقوا: افتعلوا وافتروا، فاما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى، وقوم من اليهود، وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب، قالوا الملائكة بنات الله، وقوله: بغير علم " كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع على فساد هذا القول، لأن الولد (4) يشعر بكونه متولدا عن جزء من أجزاء الوالد،


(1) في المصدر: لجميع الشرور والافات والمفاسد والقبائح. والمجوس سلموا ان خالقه هو الله تعالى فحينئذ قد سلموا ان اله العالم هو الخالق لما هو اصل الشرور والقبائح والمفاسد. (2) في المصدر: في هذا الكتاب وفى كتاب الاربعين في اصول الدين. (3) التفسير الكبير 13: 112 - 115، اختصره رحمه الله في بعض المواضع. (4) ذكر الرازي في فساد هذا القول وجوه، والذى ذكره المصنف هو الوجه الثالث اما الاولان فقال الرازي: الحجة الاولى: ان الا له يجب ان يكون واجب الوجود لذاته فولده اما ان يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون، فان كان واجب الوجود لذاته - - -

[48]

وذلك إنما يعقل في حق من يكون مركبا ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه، وذلك في حق الأحد (1) الفرد محال. فحاصل الكلام أن من علم أن الاله ما حقيقته، استحال أن يقول: له ولد، فقوله: " بغير علم " إشارة إلى هذه الدقيقة، وسبحانه " تنزيه لله عن كل ما لا يليق به " وتعالى " أي هو متعال عن كل اعتقاد باطل (2)، وقول فاسد (3). قوله سبحانه " ويوم يحشرهم جميعا " أي جميع الخلق أو الانس والجن " يا معشر الجن " أي يا جماعة الجن " قد استكثرتم من الانس " أي من إغوائهم وإضلالهم، أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم " وقال أولياؤهم من الانس " الذين أطاعوهم " ربنا استمتع بعضنا ببعض " أي انتفع الانس بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، والجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم وقيل استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز عند المخاوف واستمتاعهم بالانس اعتراف بأنهم يقدرون على إجارتهم. " وبلغنا أجلنا الذي أجلت " أي البعث " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا "


- - - - - كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا تعلق له في وجوده بالاخر، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لان الولد مشعر بالفرعية والحاجة، واما ان كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بايجاد واجب الوجود لذاته، ومن كان كذلك فيكون عبد الله لا والدا له فثبت ان من عرف ان الاله ما هو امتنع منه ان يثبت له البنات والبنين. الحجة الثانية ان الولد يحتاج إليه ان يقوم مقامه بعد فنائه، وهذا يعقل في حق من يفنى، اما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه. (1) في المصدر: في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال. (2) فيه اختصار والموجود في المصدر: واما قوله: (وتعالى) فلا شك انه لا يفيد العلو في المكان، لان المقصود هاهنا تنزيه الله تعالى عن هذه الاقوال الفاسدة والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى فثبت ان المراد هاهنا التعالى عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد. (3) التفسير الكبير 13: 116 و 117.

[49]

أي نكل بعضهم إلى بعض، أو يجعل (1) بعضهم يتولى بعضا فيغويهم أو أولياء بعض وقرنائهم في العذاب، كما كانوا في الدنيا. " ألم يأتكم رسل منكم " قال الطبرسي رحمه الله: قوله " منكم " وإن كان خطابا لجميعهم والرسل من الانس خاصة فانه يحتمل أن يكون لتغليب أحدهما على الآخر، كما قال سبحانه: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (2) " وإن كان اللؤلؤ يخرج من الملح دون العذاب، وكما يقال أكلت الخبز واللبن، وإنما يأكل الخبز ويشرب اللبن، وهو قول أكثر المفسرين، وقيل: إنه أرسل رسلا إلى الجن كما أرسل إلى الإنس عن الضحاك، وعن الكلبى كان الرسل يرسلون إلى الإنس ثم بعث محمد صلى الله عليه وآله إلى الإنس والجن وقال ابن عباس إنما بعث الرسول من الإنس ثم كان يرسل هو إلى الجن رسولا من الجن، وقال مجاهد الرسل من الإنس والنذر من الجن (3). وأقول: قد مر تفسير الآيات في كتاب المعاد. وقال الرازي في قوله تعالى: " سحروا أعين الناس ": احتج بهذه الآية القائلون بأن السحر محض التمويه: قال القاضي لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على ما وفق ما تخيلوه (4). " والجان " قال البيضاوي: أي الجن. وقيل: إبليس ويجوز أن يراد به كون الجنس بأسره مخلوقا منها، وانتصابه بفعل يفسره " خلقناه من قبل " أي من قبل خلق الانسان " من نار السموم " أي من


(1) في المخطوطة: أو نجعل. (2) الرحمن: 22. (3) مجمع البيان 4: 367. أقول: هذه كلها اقوال من غير دليل. (4) التفسير الكبير 14: 203.

[50]

نار الحر الشديد النافذ في المسام، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجردة، فضلا عن الاجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري، فانها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي، وقوله: من نار " باعتبار الجزء الغالب كقوله " خلقكم من تراب " (1). وقال الرازي: اختلفوا في أن الجان من هو ؟ قال عطاء: عن ابن عباس: يريد إبليس، وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة. وقال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أبو الجن، وهو قول الأكثرين وسمي جانا لتواريه عن الأعين كما سمي الجن جنا لهذا السبب (2)، والجنين متوار في بطن امه، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك جن الشئ إذا ستره فالجان المذكور هنا يحتمل أن يكون جانا لأنه يستر نفسه عن بني (3) آدم أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول، كما تقول في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية، واختلفوا في الجن فقال بعضهم إنه جنس غير الشياطين، والاصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمنا فانه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم كافرا يسمى بهذا الإسم. والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاجتنان بمعنى الاستتار فكل من كان كذلك كان من الجن. والسموم في اللغة الريح الحارة تكون بالنهار، وقد تكون بالليل، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لهب، على ما ورد في الخبر أنها من فيح جهنم (4) قيل: سميت سموما لأنها بلطفها تدخل مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون


(1) انوار التنزيل 1: 647 فيه: ابا الجن. (2) في المصدر: كما سمى الجنين جنينا لهذا السبب. (3) في المصدر: عن اعين بنى آدم. (4) في المصدر: فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار على ما ورد في الخبر انها لفح جهنم.

[51]

في جلد الانسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه. قال ابن مسعود: هذا السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي منها الجان (1) وتلا هذه الاية. فان قيل: كيف يعقل حصول الحيوان (2) من النار ؟ قلنا هذا على مذهبنا ظاهر لأن البنية عندنا ليست شرطا لامكان حصول الحياة، فإنه تعالى قادر على خلق الحياة والعقل والعلم في الجوهر الفرد، وكذلك يكون قادرا على خلق الحياة والعقل في الجسم الحار (3). " هل انبئكم " قال البيضاوي: لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك بأن بين أن محمدا " صلى الله عليه وآله لا يصح أن يتنزلوا عليه من وجهين أحدهما أنه إنما يكون (4) على شرير كذاب كثير الإثم فان اتصال الإنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد، وحال محمد صلى الله عليه وآله على خلاف ذلك، وثانيهما قوله: " يلقون السمع وأكثرهم كاذبون " أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وأمارات لنقصان علمهم فينضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها كما جاء في الحديث الكلمة يختطفها الجني فيقرؤها (5) في اذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة ولا كذلك محمد صلى الله عليه وآله فانه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها. وقد فسر الأكثر بالكل، كقوله " كل أفاك " والأظهر أن الاكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني وقيل الضماير للشياطين أي يلقون السمع إلى الملاء الأعلى قبل أن رجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات.


(1) في المصدر: خلق الله بها الجان. (2) في المصدر: خلق الجان. (3) التفسير الكبير 19: 180 و 181. (4) في المصدر: لا يصلح لان تنزلوا عليه من وجهين احدهما انه يكون. (5) في المصدر: فيقرها.

[52]

" يوحون (1) إلى أوليائهم " أي يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم " وأكثرهم كاذبون " فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم لا على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو أفهامهم (2). قال " عفريت " قال البيضاوي: خبيث مارد " من الجن " بيان له لأنه يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر أقرانه وكان اسمه ذكوان أو صخر (3) " قبل أن تقوم من مقامك " مجلسك للحكومة، وكان يجلس إلى نصف النهار " وإني عليه " على حمله " لقوي أمين " لا أختزل منه شيئا ولا ابدله انتهى (4). قوله تعالى: " من الجنة " يدل على أن الجن مكلفون ومعذبون بالنار مع سائر الكفار. " ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه " قال الطبرسي رحمه الله: المعنى وسخرنا له من الجن من يعمل (5) بحضرته وأمام عينه ما يأمرهم به من الأعمال كما يعمل الآدمي بين يدي الآدمي بأمر ربه تعالى، وكان يكلفهم الأعمال الشاقة مثل عمل الطين وغيره: وقال ابن عباس: سخرهم الله لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، وفي هذا دلالة على أنه قد كان من الجن من هو غير مسخر له. " ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير " أي ومن يعدل من هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان عما أمرناهم به من طاعة سليمان " نذقه من عذاب السعير " أي عذاب النار في الآخرة عن أكثر المفسرين. وفي هذا دلالة على أنهم قد كانوا مكلفين.


(1) في المصدر: يوحون به. (2) انوار التنزيل 2: 190. (3) في المصدر: أو صخرا. (4) انوار التنزيل: 2: 199. (5) في المصدر: من يعمل له.

[53]

وقيل: معناه: نذيقه العذاب في الدنيا، وأن الله سبحانه وكل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته. " يعملون له ما يشاء من محاريب " وهي بيوت الشريعة. وقيل: هي القصور والمساجد يتعبد فيها، وكان مما عملوه بيت المقدس " وتماثيل " يعني صورا من نحاس وشبه، وزجاج، ورخام، كانت الجن تعملها. وقال بعضهم (1) كانت صورا للحيوانات. وقال آخرون: كانوا يعملون صور السباع والبهائم على كرسيه ليكون أهيب له. قال الحسن: ولم يكن يومئذ التصاوير محرمة، وهي محظورة في شريعة نبينا صلى الله عليه وآله. وقال ابن عباس: كانوا يعملون صور الأنبياء والعباد في المساجد ليقتدي بهم، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنها الشجر وما أشبهه. " وجفان كالجواب " أي صحاف كالحياض يجبى فيها الماء أي: يجمع. وقيل: إنه كان يجتمع على كل جفنة ألف رجل يأكلون بين يديه " وقدور راسيات " أي ثابتات لا تزلن عن أمكنتهن لعظمتهن " فلما قضينا عليه الموت " أي فلما حكمنا على سليمان بالموت. وقيل: معناه أوجبنا على سليمان (2) " ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته " أي ما دل الجن على موته إلا الأرضة، ولم يعلموا موته حتى أكلت عصاه فسقط فعلموا أنه ميت. وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سليمان أمر الشياطين فعملوا له قبة من قوارير فبينما هو قائم متكئ على عصاه في القبة ينظر إلى الجن كيف يعملون


(1) في المصدر: ثم اختلفوا فقال بعضهم. (2) في المصدر: على سليمان الموت.

[54]

وهم ينظرون إليه لا يصلون إليه إذا رجل معه في القبة، فقال: من أنت ؟ قال: أنا الذي لا أقبل الرشى، ولا أهاب الملوك، فقبضه وهو قائم متكئ على عصاه في القبة. قال: فمكثوا سنة يعملون له حتى بعث الله الأرضة فأكلت منسأته. وفي حديث آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فكان آصف يدبر أمره حتى دبت الأرضة " فلما خر " أي سقط سليمان ميتا " تبينت الجن " أي ظهرت الجن فانكشفت (1) للناس " أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " معناه في الأعمال الشاقة. وقيل: إن المعنى تبينت عامة الجن وضعفاؤهم أن رؤساءهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب. وقيل معناه: تبينت الانس أن الجن كانوا لا يعلمون الغيب فانهم كانوا يوهمون الانس أنا نعلم الغيب، وإنما قال: " تبينت الجن " كما يقول من يناظر غيره ويلزمه الحجة: هل تبين لك أنك باطل ؟ (2) ويؤيده قراءة علي بن الحسين، وأبي عبد الله عليهما السلام، وابن عباس، والضحاك " تبينت الانس " (3) وأما الوجه في عمل الجن تلك الأعمال العظيمة، فهو أن الله تعالى زاد في أجسامهم وقوتهم وغير خلقهم عن خلق الجن الذين لا يرون للطافتهم ورقة أجسامهم على سبيل الاعجاز الدال على نبوة سليمان، فكانوا بمنزلة الاسراء في يده، وكانوا يتهيأ لهم الاعمال التي كان يكلفها إياهم، ثم لما مات عليه السلام جعل الله خلقهم على ما كانوا عليه فلا يتهيأ لهم في هذا الزمان من ذلك شئ (4). وقال في قوله تعالى: " بل كانوا يعبدون الجن " بطاعتهم إياهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة.


(1) في المصدر: فانكشف. (2) في المصدر على باطل. (3) ذكر الطبرسي هذه القراءة في بحث القراءة. (4) مجمع البيان 8: 380 و 382 - 384.

[55]

وقيل: المراد بالجن إبليس وذريته وأعوانه. " أكثرهم بهم مؤمنون " مصدقون بالشياطين مطيعون لهم (1). وقال في قوله تعالى: " فحق عليهم القول (2) " أي كلمة العذاب " في أمم " أي مع امم " قد خلت من قبلهم من الجن والانس " على مثل حالهم واعتقادهم. قال قتادة: قال الحسن: الجن لا يموتون، فقلت: " اولئك الذين حق عليهم القول في امم " الآية تدل على خلافه (3). قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " قال الرازي في كيفية هذه الواقعة قولان: الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشئ حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون السبب. وكان قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وآله لما آيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الاسلام، فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن نخلة (4) أقام به يقرأ القرآن، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين كان ابليس بعثهم ليعرف (5) السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم فتسمعوا (6) القرآن وعرفوا أن ذلك السبب. الثاني: أن الله أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله تعالى إليه نفرا من الجن ليسمعوا (7) القرآن وينذروا قومهم.


(1) مجمع البيان 8: 395. (2) هكذا في النسخ المطبوعة، والمخطوطة خيالة عنه، والصحيح: [حق عليهم] كما في المصحف الشريف. (3) مجمع البيان 9: 87. (4) في المصدر: قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر. (5) في المصدر: ليعرفوا. (6) في النسخة المطبوعة بتبريز: [فتستمعوا] وفى المصدر: فسمعوا القرآن وعرفوا ان ذلك هو السبب. (7) في المصدر: ليستمعوا منه.

[56]

ويتفرع على ما ذكرناه فروع: الأول: نقل القاضي في تفسيره عن الجن: أنهم كانوا يهودا لأن في الجن مللا كما في الانس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان (2) وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون، سئل ابن عباس هل للجن ثواب ؟ قال: نعم لهم ثواب وعليهم عذاب، (3) يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. الثاني: قال صاحب الكشاف: النفر: دون العشرة ويجمع أنفارا، ثم روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أن اولئك الجن كانوا سبعة أنفار من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وآله رسلا إلى قومهم. وعن زر بن حبيش، كانوا تسعة أحدهم زوبعة (4). الثالث: اختلفوا في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن أم لا ؟ والروايات فيه مختلفة. الرابع: روى القاضي في تفسيره عن أنس قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله في جبال مكة إذ أقبل شيخ متوكئ على عكازة فقال صلى الله عليه وآله: مشية جني ونغمته، فقال: أجل، فقال: من أي الجن أنت ؟ فقال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال: لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين، فكم أتى عليك ؟ قال: أكلت عمر الدنيا إلا أقلها، وكنت وقت قابيل وهابيل (5) أمشي بين الآكام وذكر كثيرا مما مر به، وذكر في جملته أن قال: قال لي عيسى: إن لقيت محمدا " صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: نقل عن القاضى في تفسيره الجن. (2) في المصدر: وعبدة الاصنام. (3) في المصدر: وعليهم عقاب. (4) في المخطوطة: [ذويقة] وفى المصدر: [ذويعة] ولعل الصحيح ما في المتن وهو يناسب معناه اللغوى وهو هيجان الارياح وتصاعدها إلى السماء يقال له بالفارسية: گردباد. (5) في المصدر: وقت قتل قابيل.

[57]

فاقرأه عني السلام، وقد بلغت سلامه وآمنت بك (1) فقال: إن موسى عليه السلام علمني التوارة وعيسى عليه السلام علمني الانجيل، فعلمني القرآن ! فعلمه عشر سور، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ولم تتمه (2). واختلفوا في تفسير قوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " فقال بعضهم: لما لم يقصد الرسول قراءة القرآن عليهم فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا إلى القرآن وداعية إلى استماعه. فلهذا السبب قال: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ". " فلما حضروه " الضمير للقرآن أو للرسول " قالوا " أي قال بعضهم لبعض: " انصتوا " أي اسكتوا مستمعين، فلما فرغ من القراءة " ولوا إلى قومهم منذرين " ينذرونهم، وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا بوعيده (3). " قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا " الخ وصفه (4) بوصفين: الأول: كونه مصدقا لكتب الأنبياء عليهم السلام، فهو يماثل سائر الكتب الإلهية في الدعوة إلى المطالب العالية الشريفة. والثاني: أن هذه المطالب حقة في أنفسها (5)، يعلم كل أحد بصريح عقله


(1) زاد في المصدر بعد ذلك: فقال عليه السلام: وعلى عيسى السلام وعليك يا هامة، ما حاجتك. (2) في المخطوطة: [ولم يتمه] وفى المصدر: ولم ينعه قال عمر بن الخطاب: ولا اراه الا حيا. (3) في المصدر: [فعنده] مكان بوعيده. (4) في المصدر: ووصفوه. (5) الموجود في المصدر هكذا: الاول: كونه مصدقا لما بين يديه، أي مصدقا لكتب الانبياء، والمعنى ان كتب سائر الانبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد والامر بتطهير الاخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني. الثاني قوله: [يهدى إلى الحق والى طريق مستقيم] واعلم ان الوصف الاول يفيد ان هذا الكتاب يماثل

[58]

كونها كذلك. وإنما قالوا: " من بعد موسى " لأنهم كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس: أن الجن ما سمعت أمر عيسى، فلذا قالوا: " من بعد موسى ". " أجيبوا داعي الله " أي الرسول، أو الواسطة الذي يبلغ عنه. ويدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن كما كانم مبعوثا إلى الانس، قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيا إلى الانس والجن قبله (1). واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ قيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم، واحتجوا بقوله تعالى: " ويجركم من عذاب أليم " وهو قول أبي حنيفة، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، وهذا قول أبي ليلي (2) ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة، قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. والدليل على صحة هذا القول: كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن والفرق بين البابين بعيد جدا انتهى (3). وقال البيضاوي في قوله: " يغفر لكم من ذنوبكم ": وهو بعض ذنوبكم وهو ما يكون في خالص حق الله، فان المظالم لا يغفر بالايمان. " ويجركم من عذاب أليم " هو معد للكفار " فليس بمعجز في الأرض " إذ لا ينجي منه مهرب " وليس له من دونه أولياء " يمنعونه منه " في ضلال مبين " حيث اعترضوا عن إجابة من هذا شأنه (4).


- - - - سائر الكتب الالهية في الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة، والوصف الثاني يفيد ان هذه المطالب التى اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في انفسها. (1) اختصر المصنف كلام الرازي. (2) الصحيح كما في المصدر: ابن ابى ليلى. (3) التفسير الكبير 28: 31 - 33. (4) انوار التنزيل 2: 432.

[59]

وقال الطبرسي رحمه الله: قوله تعالى: " وخلق الجان " أي أبا الجن، قال الحسن: هو إبليس أبو الجن، وهو مخلوق من لهب النار كما أن آدم مخلوق من طين " من مارج من نار " أي نار مختلط أحمر وأسود وأبيض عن مجاهد. وقيل: المارج: الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه (1). " سنفرغ لكم أيها الثقلان " أي سنقصد لحسابكم أيها الجن والانس، والثقلان أصله من الثقل، وكل شئ له وزن وقدر فهو ثقل، وإنما سميا " ثقلين " لعظم خطرهما وجلالة شأنهما بالاضافة إلى ما في الأرض من الحيوانات، ولثقل وزنهما بالعقل والتمييز. وقيل: لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتا "، ومنه قوله تعالى: " وأخرجت الارض أثقالها " أي أخرجت ما فيها من الموتى. " أن تنفذوا " أي تخرجوا هاربين من الموت " من أقطار السماوات والأرض " أي جوانبهما ونواحيهما " فانفذوا " أي فاخرجوا فلن تستطيعوا أن تهربوا منه " لا تنفذون إلا بسلطان " أي حيث توجهتم فثم ملكي ولا تخرجون من سلطاني فأنا آخذكم بالموت (2). وقيل: أي لا تخرجون إلا بقدرة من الله وقوة يعطيكموها بأن يخلق لكم مكانا آخر سوى السماوات والأرض ويجعل لكم قوة تخرجون بها إليه (3). " لم يطمثهن " أي لم يقتضهن، والاقتضاض: النكاح بالتدمية (4) أي لم يطأهن ولم يغشهن " إنس قبلهم ولا جان " فهن أبكار لأنهن خلقن في الجنة. فعلى هذا القول هؤلاء من حور الجنة. وقيل: هن من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشأن خلق، قال الزجاج:


(1) مجمع البيان 9: 201. (2) ويحتمل أن يكون ذلك جملة مستانفة. (3) مجمع البيان 9: 204 و 205. (4) في المصدر: لم يفتضهن، والافتضاض: النكاح بالتدمية.

[60]

وفيها دلالة على أن الجني يغشى كما يغشى الانسي، وقال ضمرة بن حبيب: وفيها دليل على أن للجن ثوابا وأزواجا من الحور، فالانسيات للانس والجنيات للجن. وقال البلخي: والمعنى أن ما يهب الله لمؤمني الانس من الحور لم يطمثهن إنس، وما يهب الله لمؤمني الجن من الحور لم يطمثهن جان انتهى (1). وقال الرازي في قوله تعالى: " فبأي آلاء ربكما ": الخطاب للانس والجن أو الذكر والأنثى. أو المراد التكرار للتأكيد. أو المراد العموم، لأن العام يدخل فيه قسمان كالحاضر وغير الحاضر، والسواد وغير السواد، والبياض وغيره وهكذا، أو القلب واللسان، فان التكذيب قد يكون بالقلب وقد يكون باللسان، أو التكذيب للدلائل السمعية والعقلية، والظاهر منها الثقلان لقوله: " سنفرغ لكم أيها الثقلان " وقوله: " يا مشعر الجن والانس " وقوله: " خلق الانسان وخلق الجان " (2). وقال في قوله تعالى: " لم يطمثهن " إلى آخره: ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع ؟ نقول: ليس كذلك بل الجن لهم أولاد وذرية، وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الانس أم لا ؟ والمشهور أنهم يواقعون، ولما كانت الجنة فيها الانس والجن كانت مواقعة الانس إياهن كمواقعة الجن، فوجبت الاشارة إلى نفيهما انتهى (3). وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ولمن خاف مقام ربه جنتان ": جنة للخائف


(1) مجمع البيان 9: 208: بيانه انه تعالى لما بين انهم لا يمكن لهم أن يهربوا من الموت بالامر التعجيزى بالانفاذ من اقطار السماوات والارض استأنف الكلام ببيان أن النفوذ إلى اقطار السماوات والارض لا يمكن الا بسلطان العلم والقدرة. (2) التفسير الكبير 29: 94 و 95. واختصره المصنف. (3) التفسير الكبير 29: 130 فيه: والا لما كان في الجنة احساب ولا انساب فكان مواقعة الانس اياهن كمواقعة الجن من حيث الاشارة إلى نفيها.

[61]

الانسي، والأخرى للخائف الجني، فان الخطاب للفريقين. والمعنى لكل خائفين منكما. أو لكل واحد جنة لعقيدته، واخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات، واخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها، واخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية (1). وقال في قوله تعالى: " أنه استمع نفر من الجن ": النفر: ما بين الثلاثة والشعرة، والجن أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية أو الهوائية. وقيل: نوع من الأرواح المجردة، وقيل: نفوس بشرية مفارقة عن أبادنها، وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وآله ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله به رسوله، فقالوا: " إنا سمعنا قرآنا " كتابا " عجبا " بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه، وهو مصدر وصف به للمبالغة. " يهدي إلى الرشد " إلى الحق والصواب " فآمنا به " بالقرآن " ولم نشرك بربنا أحدا " على ما نطق به الدلائل القاطعة على التوحيد. " وأنه تعالى جد ربنا " قرأ ابن كثير والبصريان بالكسر على أنه من جملة المحكي بعد القول وكذا ما بعده إلا قوله: " وأن لو استقاموا. وأن المساجد. وأنه لما قام " فانه من جملة الموحى به، ووافقهم نافع وأبو بكر إلا في قوله: " إنه لما قام " على أنه استئناف أو مقول، وفتح الباقون الكل إلا ما صدر بالفاء على أن ما كان من قولهم فمعطوف على محل الجار والمجرور في " به " كأنه قيل: صدقناه وصدقنا " أنه تعالى جد ربنا " أي عظمته، من جد فلان في عيني: إذا عظم (2) أو سلطانه أو غناه، مستعار من الجد الذي هو البخت. والمعنى: وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته أو سلطانه أو لغناه، وقوله: " ما اتخذ صاحبة ولا ولدا " بيان لذلك " وأنه كان يقول سفيهنا " إبليس أو مردة الجن " على الله شططا " قولا ذا شطط وهو البعد ومجاوزة الحد، أو هو شطط لفرط


(1) انوار التنزيل 2: 487. (2) في المصدر: أي عظم ملكه وسلطانه.

[62]

ما أشط فيه وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى. " وأنا ظننا أن لن يقول الانس والجن على الله كذبا " اعتذار عن اتباعهم للسفيه في ذلك لظنهم أن أحدا لا يكذب على الله و " كذبا " نصب على المصدر لأنه نوع من القول، أو الوصف بمحذوف أي قولا مكذوبا فيه. " وأنه كان رجال من الانس يعوذن برجال من الجن " فان الرجل كان إذا مشى بقفر قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه " فزادوهم " فزادوا الجن باستعاذتهم بهم " رهقا " كبرا وعتوا "، أو فزاد الجن الانس غيا " بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، والرهق في الأصل، غشيان الشئ. " وأنهم " وأن الانس " ظنوا كما ظننتم " أيها الجن أو بالعكس، والايتان من كلام الجن بعضهم لبعض، أو استيناف كلام من الله، ومن فتح " أن " فيهما جعلهما من الموحى به " أن لن يبعث الله أحدا " ساد مسد مفعولي " ظنوا ". " وأنا لمسنا السماء " طلبنا بلوغ السماء، أو خبرها، واللمس مستعار من المس للطلب كالحس يقال: لمسه وألمسه وتلمسه، كطلبه وأطلبه وتطلبه " فوجدناها ملئت حرسا شديدا " حرسا اسم جمع كالخدم " شديدا " قويا "، وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها " وشهبا " جمع شهاب وهو المضئ المتولد من النار. " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع " مقاعد خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للرصد (1) والاستماع " وللسمع " صلة " لنقعد " أو صفة " لمقاعد ". " فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " أي شهابا راصدا له، ولأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم، أو ذي شهاب راصدين على أنه اسم جمع للراصد " وأنا لا ندري أشر اريد بمن في الارض " بحراسة السماء " أم أراد بهم ربهم رشدا " خيرا " وأنا منا الصالحون " المؤمنون الأبرار " ومنا دون ذلك " قوم دون ذلك، فحذف الموصوف وهم المقتصدون " كنا طرائق " ذوي طرائق، أي مذاهب أو مثل طرائق في اختلاف


(1) في المصدر: أو صالحة للترصد.

[63]

الأحوال، أو كانت طرائقنا طرائق " قددا " متفرقة مختلفة جمع " قدة " من قد: إذا قطع. " وأنا ظننا " علمنا " أن لن نعجز الله في الأرض " كائنين في الأرض أينما كنا (1) " ولن نعجزه هربا " هاربين منها إلى السماء أو لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا، أو لن نعجزه هربا إن طلبنا " وأنا لما سمعنا الهدى " أي القرآن " آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف " فهو لا يخاف " بخسا ولا رهقا " نقصا في الجزاء ولا أن ترهقه ذلة أو جزاء نقص (2) لأنه لم يبخس حقا ولم يرهق ظلما، لأن من حق الايمان بالقرآن أن يجتنب ذلك. " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون " الجائرون عن طريق الحق وهو الايمان والطاعة " فمن أسلم فاولئك تحروا رشدا " توخوا رشدا عظيما يبلغهم إلى دار الثواب " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " توقد بهم كما توقد بكفار الانس " وأن لو استقاموا أي أن الشأن لو استقام الانس أو الجن أو كلاهما " علي الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا " على الطريقة المثلى لوسعنا عليهم الرزق، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة، وعزة وجوده بين العرب " لنفتنهم فيه " لنختبرهم كيف يشكرونه. وقيل: معناه وأن لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين بهم لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفرانهم " ومن يعرض عن ذكر ربه " عن عبادته أو موعظته أو وحيه " يسلكه " أي يدخله " عذابا صعدا " شاقا " يعلو المعذب ويغلبه، مصدر وصف به " وأن المساجد لله " مختصة به " فلا تدعوا مع الله أحدا " فلا تعبدوا فيها غيره. وقيل: اراد بالمساجد الأرض كلها، وقيل: مسجد الحرام لأنه قبلة المساجد


(1) في المصدر: اينما كنا فيها. (2) في المصدر: أو جزاء بخس ولا راهق.

[64]

ومواضع السجود (1) على أن المراد النهي عن السجود لغير الله، وأراد به (2) السبعة والسجدات على أنه جمع مسجد. " وأنه لما قام عبد الله " أي النبي، وإنما ذكر لفظ " العبد " للتواضع لأنه واقع موقع كلامه عن نفسه والاشعار بما هو المقتضي لقيامه " يدعوه " يعبده " كادوا " كاد الجن " يكونون عليه لبدا " متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبا مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته، أو كاد الانس والجن يكونون عليه مجتمعين لا بطال أمره وهو جمع " لبدة " وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد. أقول: قد مضى تفسير الآيات على وجه آخر في أبواب معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وغيرها. 1 - دلائل الطبري: عن محمد بن عبد الله العطار، عن محمد بن الحسن، يرفعه إلى معتب مولى أبي عبد الله عليه السلام، قال: إنى لواقف يوما خارجا من المدينة، وكان يوم التروية، فدنا مني رجل فناولني كتابا طينه رطب، والكتاب من أبي عبد الله عليه السلام وهو بمكة حاج، ففضضته وقرأته فإذا فيه " إذا كان غدا افعل كذا وكذا " ونظرت إلى الرجل لأسأله متى عهدك به فلم أر شيئا، فلما قدم أبو عبد الله عليه السلام سألته عن ذلك، فقال ذلك من شيعتنا من مؤمني الجن إذا كانت لنا حاجة مهمة أرسلناهم فيها (3). 2 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى عن السعد آبادي عن أحمد البرقي عن أبيه عن فضالة عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل ذكر فيه مرض النبي صلى الله عليه وآله، وأنه عاده الحسنان عليهما السلام، فافتقدهما وطلبهما حتى أتى حديقة نبي النجار، فإذا هما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه (4)، وقد اكتنفتهما


(1) في المصدر: أو مواضع السجود. (2) في المصدر: أو اراد به السبعة والسجدات. (3) دلائل الطبري: 132. (4) في المصدر: وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق فهى تمطر كاشد مطر ما رآه الناس قط وقد منع الله عزوجل المطر منهما في البقعة التى هما فيها نائمان لا يمطر عليهما قطرة وقد اكتنفتهما.

[65]

حية لها شعرات كآجام القصب، وجناحان: جناح قد غطت به الحسن، وجناح قد غطت به الحسين عليهما السلام. فلما أن بصر بهما النبي صلى الله عليه وآله تنحنح فانسابت الحية وهي تقول: اللهم إني اشهدك واشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه ودفعتهما إليه سالمين صحيحين. فقال لها النبي: أيتها الحية فمن أنت (1) ؟ قالت: أنا رسول الجن إليك، فقال: وأي الجن ؟ قالت: جن نصيبين نفر من بني مليح، نسينا آية من كتاب الله عزوجل، فبعثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله. فلما بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي: أيتها الحية إن هذين شبلا نبيك (2) فاحفظهما من العاهات والآفات، ومن طوارق الليل والنهار، وقد حفظتهما (3) وسلمتهما إليك سالمين صحيحين، وأخذت الحية الآية وانصرفت الخبر (4). ومنه باسناده (5) عن حبيب بن أبي ثابت عن ام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله قالت: ما سمعت نوح الجن منذ قبض النبي صلى الله عليه وآله إلا الليلة (6)، ولا أراني إلا وقد اصبت بابني، قالت: وجاءت الجنية منهم تقول: ألا يا عين فانهملي بجهد * * فمن يبكي على الشهداء بعدي ؟ على رهط تقودهم المنايا * * إلى متجبر في ملك عبد (7)


(1) في المصدر: ممن أنت ؟ (2) في المصدر: هذان شبلا رسول الله. (3) في المصدر: فقد حفظتهما. (4) مجالس الصدوق: 266 و 267 والحديث طويل. (5) والاسناد هكذا: محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن ابى الخطاب عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن عمرو بن ثابت عن حبيب بن ابى ثابت. (6) أي ليلة عاشوراء، والمراد بابنها هو الحسين بن على عليه السلام. (7) مجالس الصدوق: 85.

[66]

4 - الكافي: عن محمد بن يحيي وأحمد بن محمد عن محمد بن الحسن (1) عن إبراهيم ابن هاشم عن عمرو بن عمثان عن إبراهيم بن أيوب عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينما (2) أمير المؤمنين على المنبر إذ أقبل ثعبان من ناحية باب من أبواب المسجد، فهم الناس أن يقتلوه، فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام أن كفوا، فكفوا. وأقبل الثعبان ينساب (3) حتى انتهى إلى المنبر فتطاول فسلم على أمير المؤمنين فأشار امير المؤمنين عليه السلام إليه: أن يقف حتى يفرغ من خطبته، ولما فرغ من خطبته أقبل عليه، فقال: من أنت، فقال: أنا عمرو بن عثمان خليفتك على الجن، وإن أبي مات وأوصاني أن آتيك فأستطلع رأيك، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين، فما تأمرني به ؟ وما ترى ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أوصيك بتقوى الله، وأن تنصرف فتقوم مقام أبيك في الجن، فانك خليفتي عليهم، قال: فودع عمرو أمير المؤمنين عليه السلام وانصرف فهو خليفته على الجن، فقلت له: جعلت فداك فيأتيك عمرو، وذاك الواجب عليه ؟ قال: نعم (4). 5 - ومنه: عن على بن محمد عن سهل بن زياد عن علي بن حسان عن إبراهيم ابن إسماعيل عن ابن جبل عن أبي عبد الله عليه السلام قال كنا ببابه فخرج علينا قوم أشباه الزط (5) عليهم ازر وأكسية، فسألنا أبا عبد الله عليه السلام، فقال: هؤلاء إخوانكم من الجن (6).


(1) في بعض نسخ المصدر: محمد بن حسين. (2) في المصدر: بينا. (3) انساب: جرى ومشى مسرعا. (4) اصول الكافي 1: 396. (5) الزط بالضم: جيل من الهند معرب جت بالفتح والقياس يقتضى فتح معربه ايضا قاله الفيروز آبادي. (6) اصول الكافي 1: 394.

[67]

6 - ومنه: عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن عن سهل بن زياد عمن ذكره عن محمد بن حجرش (1) قال: حدثتني حكيمة بنت موسى قالت: رأيت الرضا عليه السلام واقفا على باب بيت الحطب وهو يناجي، ولست أرى أحدا ". فقلت: يا سيدي لمن تناجي ؟ فقال: هذا عامر الزهرائي، أتاني يسألني ويشكو إلي، فقلت: يا سيدي احب أن أسمع كلامه، فقال لي: إنك إن سمعت كلامه (2) حممت سنة، فقلت: يا سيدي احب أن أسمعه، فقال لي: اسمعي فاستمعت فسمعت شبه الصفير وركبتني الحمى فحممت سنة (3). بيان: لعل لخصوص المتكلم أو السامع صنفا أو شخصا مدخلا في الحمى. 7 البصائر: عن علي بن حسان عن موسى بن بكر (4) عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم الأحد للجن ليس تظهر فيه لأحد غيرنا (5). 8 - ومنه: عن أحمد بن محمد عن القاسم بن يحيى عن الحسن بن راشد عن يعقوب ابن إبراهيم الجعفري (6) قال: سمعت إبراهيم بن وهب وهو يقول: خرجت وأنا اريد أبا الحسن بالعريض، فانطلقت حتى أشرفت على قصر بنى سراة، ثم انحدرت الوادي فسمعت صوتا لا أرى شخصه وهو يقول: يا أبا جعفر: صاحبك خلف القصر عند السدة فاقرأه مني السلام.


(1) هكذا في النسخ، وفى المصدر: (جحرش) بتقديم الجيم. قال في القاموس جحرش كجعفر: غليظ مجتمع الخلق. (2) في المصدر: ان سمعت به. (3) اصول كافى 1: 395 و 396. (4) في المصدر: [موسى بن بكير] والظاهر انه مصحف وانه موسى بن بكر الواسطي. (5) بصائر الدرجات: 27 و 95 (ط 2). (6) في المصدر: [يعقوب بن ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن ابى طالب] وفى الكافي في باب مولد ابى الحسن موسى عليه السلام: يعقوب بن جعفر بن ابراهيم.

[68]

فالتفت فلم أر أحدا "، ثم رد علي الصوت باللفظ الذي كان، ثم فعل ذلك ثلاثا، فاقشعر جلدي، ثم انحدرت في الوادي حتى أتيت قصد الطريق الذي خلف القصر ثم أتيت السد نحو السمرات، ثم انطلقت قصد الغدير، فوجدت خمسين حيات روافع (1) من عند الغدير. ثم استمعت فسمعت كلاما " ومراجعة، فطفقت (2) بنعلي ليسمع وطئي، فسمعت أبا الحسن عليه السلام يتنحنح، فتنحنحت وأجبته. ثم هجمت (3) فإذا حية متعلقة بساق شجرة، فقال: لا تخشي (4) ولا ضائر، فرمت بنفسها ثم نهضت على منكبه، ثم أدخلت رأسها في اذنه فأكثرت من الصفير فأجاب: بلى قد فصلت بينكم، ولا يبغي (5) خلاف ما أقول إلا ظالم، ومن ظلم في دنياه فله عذاب النار في آخرته مع عقاب شديد، اعاقبه إياه وآخذ ماله (6) إن كان له حتى يتوب ". فقلت: بأبي أنت وامي ألكم عليهم طاعة ؟ فقال: نعم والذي أكرم محمدا " صلى الله عليه وآله بالنبوة، وأعز عليا عليه السلام بالوصية والولاية، إنهم لاطوع لنا منكم يا معشر الانس وقليل ما هم (7). بيان: السراة بالفتح اسم جمع للسرى بمعنى الشريف، واسم لمواضع " والسمرة " بضم الميم شجرة معروفة، " روافع " بالفاء والعين المهملة، أي رفعت رؤوسها، أو بالغين المعجمة من الرفع، وهو سعة العيش أي مطمئنة غير خائفة، أو بالقاف والعين المهملة أي ملونة بألوان مختلفة.


(1) في الطبعة الثانية: روافع، وفى نسخة بدله: رواقع. (2) في نسخة من الكتاب ومن المصدر: فصفقت. (3) في المصدر: ثم نظرت وهجمت. (4) في نسخة: [لا عسى] وهو مصحف. (5) أي لا يطلب. (6) في نسخة: مالا. (7) بصائر الدرجات: 29 و 103 (ط 2).

[69]

ويحتمل أن يكون في الأصل بالتاء والعين المهملة، أي ترتع حول الغدير " فطفقت " بنعلي أي شرعت أضرب به. والظاهر: أنه بالصاد كما في بعض النسخ. والصفق: الضرب يسمع له صوت، " لا تخشي ولا ضائر " أي لا تخافي فانه ليس هنا أحد يضرك، يقال: ضاره أي ضره، وفي بعض النسخ " لا عسى " وهو تصحيف " وقليل ما هم " أي المطيعون من الانس، أو من الجن بالنسبة إلى غيرهم من المخلوقات. 9 - تفسير الفرات: باسناده عن قبيصة (1) قال: دخلت على الصادق عليه السلام وعنده جماعة فلسمت وجلست وقلت: يابن رسول الله أين كنتم قبل أن يخلق الله سماء مبينة، وأرضا مدحية، أو ظلمة أو نورا ؟ قال: يا قبيصة (2) لم سألتني عن هذا الحديث في مثل هذا الوقت ؟ أما علمت أن حبنا قد اكتتم وبغضنا قد فشا، وإن لنا أعداء من الجن (3) يخرجون حديثنا إلى أعدائنا من الانس، وإن الحيطان لها آذان كآذان الناس. الخبر (4). 10 - تفسير على بن ابراهيم: في قوله تعالى: " وكذلك جلعنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن " الآية قال: يعني ما بعث الله نبيا إلا وفي امته شياطين الانس والجن " يوحي بعضهم إلى بعض " أي يقول بعضهم لبعض: لا تؤمنوا بزخرف القول غرورا، فهذا وحي كذب (5). 11 - تفسير النعماني: باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: وأما ما حرف من الكتاب فقوله: " فلما خر تبينت الانس أن لو كانت الجن يعلمون الغيب


(1) في المصدر: [فيضة بن يزيد الجعفي] ولم يذكرهما الرجاليون. وفيه: قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وعنده البوس بن ابى الدرس وابن ظبيان والقاسم ابن الصيرفى. (2) في المصدر: يا فيضة. (3) لعله تعريض بجلساء المجلس. (4) تفسير فرات: 207. (5) تفسير القمى: 202 و 201.

[70]

ما لبثوا في العذاب المهين " (1). 12 - الكافي: بسنده الصحيح (2) عن الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل أوحى إلى سليمان بن داود عليه السلام: أن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس، يقال لها: الحزنوبة، قال: فنظر سليمان يوما: فإذا الشجرة الحزنوبة قد طلعت في بيت المقدس، فقال لها: ما اسمك ؟ قالت: الحزنوبة قال: فولى سليمان مدبرا إلى محرابه، فقام فيه متكئا على عصاه، فقبض روحه من ساعته، قال: فجعلت الانس والجن يخدمونه، ويسعون في أمره كما كانوا، وهم يظنون أنه حي لم يمت، يغدون ويروحون وهو قائم ثابت، حتى دنت (3) الأرضة من عصاه فأكلت منسأته (4) فانكسرت وخر سليمان إلى الأرض، أفلا تسمع لقوله عزوجل: " فلما خر تبيت الجن " الآية (5). 13 - العلل والعيون: باسناده (6)، عن الرضا عليه السلام قال: كان (7) نقش خاتم سليمان بن داود: سبحان من ألجم الجن بكلماته (8). 14 - تفسير على بن ابراهيم: في قصة بلقيس قال: فارتحلت وخرجت نحو سليمان، فلما علم سليمان قدومها (9) إليه قال للجن والشياطين: " أيكم يأتيني بعرشها


(1) المحكم والمتشابه: 34 فيه: " تيبنت الجن والانس] ولعله مصحف. (2) الاسناد على ما في المصدر هكذا: محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن جميل بن صالح عن الوليد بن صبيح. (3) في المصدر: [حتى دبت] أقول: الارضة: دويبة تأكل الخشب. (4) المنسأة: العصا. (5) روضة الكافي: 144 ذكرت الاية فيه بتمامه. (6) الاسناد على ما في المصدر هكذا: حدثنا ابى رضى الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن خالد عن محمد بن على الكوفى عن الحسن بن ابى عقبة الصيرفى عن الحسين بن خالد الصيرفى. (7) في الوسائل: وكان نقش خاتم سليمان عليه السلام حرفين اشتقهما من الزبور: سبحان اه‍. (8) عيون اخبار الرضا: 218. (9) في المصدر: وارتحلت نحو سليمان فلما علم سليمان باقبالها نحوه.

[71]

قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين " قال سليمان: اريد أسرع من ذلك فقال آصف بن برخيا: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " القصة (1). 15 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد ابن عيسى جميعا عن ابن أبي عمير عن إسماعيل البصري عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن نفرا من المسلمين خرجوا إلى سفر فضلوا الطريق فأصابهم عطش شديد فتكفنوا (2) ولزموا اصول الشجر، فجاءهم شيخ عليه ثياب بيض فقال: قوموا فلا بأس عليكم، فهذا الماء، فقاموا وشربوا وارتووا، فقالوا: من أنت يرحمك الله ؟ فقال: أنا من الجن الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله " فلم تكونوا تضيعوا بحضرتي (3). بيان: " فتكفنوا " أي لفوا أثوابهم على أنفسهم بمنزلة الكفن، ووطنوا أنفسهم على الموت، وفي بعض النسخ بتقديم النون على الفاء، أي ذهب كل منهم إلى كنف وجانب (4). 15 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن زكريا المؤمن عن أبي سعيد المكارى عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند حوض زمزم فأتاني رجل فقال لى: لا تشرب من هذا الماء يا أبا حمزة، فإن هذا يشترك فيه الجن والانس وهذا لا يشرك فيه إلا الانس. قال: فتعجبت من قوله وقلت: من أين علم هذا ؟ قال: ثم قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما كان من قول الرجل لي، فقال: إن ذلك رجل من الجن أراد إرشادك (5).


(1) تفسير القمى: 477 و 478. (2) في نسخة من الكتاب ومصدره: فتكنفوا. (3) اصول الكافي 1: 167. (4) ويؤيد التوجيه الاول ما سيأتي من خبر المحاسن، هو بعينه هذا الخبر فتأمل منه قدس سره. (5) فروع الكافي 6: 390 فيه: فقال عليه السلام لى.

[72]

16 - المحاسن: عن أبيه عن محمد بن أبي القاسم عن علي بن سليمان بن رشيد عن علي بن الحسين القلانسي عن محمد بن سنان عن عمر بن يزيد قال: ضللنا سنة من السنين ونحن في طريق مكة، فأقمنا ثلاثة أيام نطلب الطريق فلم نجده، فلما أن كان في اليوم الثالث وقد نفد ما كان معنا من الماء عمدنا إلى ما كان معنا من ثياب الاحرام ومن الحنوط فتحنطنا وتكفنا بإزار إحرامنا. فقام رجل من أصحابنا فنادى: يا صالح يا أبا الحسن، فأجابه مجيب من بعد فقلنا له: من أنت يرحمك الله ؟ فقال: أنا من النفر الذي قال الله في كتابه: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " إلى آخر الآية، ولم يبق منهم غيري فأنا مرشد الضال إلى الطريق، قال: فلم نزل نتبع الصوت حتى خرجنا إلى الطريق (1). 17 - ومنه: عن أبيه عن عبيد الله بن الحسن الزرندي عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام (2) قال: إذا ضللت في الطريق فناد: يا صالح، يابا صالح ارشدونا إلى الطريق رحمكم الله، قال عبيد الله: فأصابنا ذلك فأمرنا بعض من معنا أن يتنحى وينادي كذلك قال: فتنحى فنادى ثم أتانا فأخبرنا أنه سمع صوتا برز (3) دقيقا يقول: الطريق يمنة، أو قال: يسرة، فوجدناه كما قال. وحدثني به أبي أنهم حادوا عن الطريق بالبادية، ففعلنا ذلك فأرشدونا، وقال صاحبنا: سمعت صوتا دقيقا يقال: الطريق يمنة، فما سرنا إلا قليلا حتى عارضنا الطريق (4). بيان: في القاموس، " الرز " بالكسر: الصوت تسمعه من بعيد أو الأعم. 18 - الفقيه: لا يجوز الاستنجاء بالروث والعظم، لأن وفد الجن جاؤا إلى


(1) المحاسن: 379 و 380. (2) في المصدر: عن ابى عبد الله عليه السلام. وفيه: ويا با صالح ارشدانا إلى الطريق رحمكما الله. (3) في المصدر: يرد دقيقا. (4) المحاسن: 362 و 363.

[73]

رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله متعنا، فأعطاهم الروث والعظم فلذلك لا ينبغي أن يستنجي بهما (1). 19 - التهذيب: باسناده عن موسى بن أكيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن والشياطين فحرم على الرجل المسلم أن يلبسه في الصلاة إلا أن يكون المسلم في قتال عدو فلا بأس به (2). 20 - قرب الاسناد: عن الحسن بن ظريف عن معمر عن الرضا عن أبيه عليهم السلام قال: إن الجن كانوا يسترقون السمع قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله فمنعت في أوان رسالته بالرجوم، وانقضاص النجوم، وبطلان الكهنة والسحر، الخبر (3). 21 - التفسير في قوله تعالى: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " قال: في الظاهر مخاطبة للجن والانس، وفي الباطن فلان وفلان (4). 22 العلل: باسناده (5) عن أبي الربيع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الاكراد حي من الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطهم (6).


(1) الفقية 1: 20. (2) التهذيب 2: 227، في الحديث تقطيع وتمامه يأتي في كتاب الصلاة مع اسناده. (3) قرب الاسناد: 133 والحديث طويل. (4) تفسير القمى: 659، لا يناسب ذكره ههنا لانه من كلام القمى وليس بحديث. (5) اسقط المصنف اسناد الحديث وصدره وهما هكذا: ابى رحمه الله قال: حدثنا سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن على بن الحكم عمن حدثه عن ابى الربيع الشامي قال: سألت ابا عبد الله فقلت له: ان عندنا قوما من الاكراد يجيؤنا بالبيع ونبايعهم فقال: يا ربيع لا تخالطهم فان الاكراد اه‍. وروى نحوه ايضا باسناده عن محمد بن الحسن عن الحسن بن متيل عن محمد بن الحسن عن جعفر بن بشير عن حفص عمن حدثه عن ابى الربيع. (6) علل الشرائع: 178 و 2: 214 (ط قم).

[74]

23 - ومنه: باسناده (1) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا خلع أحدكم ثيابه فليسم، لئلا تلبسها الجن، فانه إن لم يسم عليها لبستها الجن حتى تصبح (2). 24 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: كانوا يحبون أن يكون في البيت الشئ الداجن مثل الحمام، أو الدجاج، أو العناق، ليعبث به صبيان الجن ولا يعبثون بصبيانهم (3). 25 طب الائمة: (4) باسناده عن إبراهيم بن أبي يحيى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من رمى أو رمته الجن فليأخذ الحجر الذي رمي به فليرم من حيث رمي وليقل: " حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى " وقال صلى الله عليه وآله: أكثروا من الدواجن في بيوتكم تتشاغل بها عن صبيانكم (5). بيان: في الصحاح: دجن بالمكان: أقام، تقول: شاة داجن: إذا ألفت البيوت. 26 - المكارم: عن أبى جعفر عليه السلام، أتى رجل (6) فشكى إليه: أخرجتنا الجن من منازلنا، يعني عمار منازلهم (7) فقال: اجعلوا سقوف بيوتكم سبعة أذرع واجعلوا الحمام في أكناف الدار، قال الرجل، ففعلنا فما رأينا شيئا نكرهه (8).


(1) اسناد الحديث هكذا: ابى قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد قال: حدثنى ابو جعفر احمد بن ابى عبد الله عن رجل عن على بن اسباط عن عمه يعقوب رفع الحديث إلى على بن ابى طالب عليه السلام. (2) علل الشرائع: 194 و 2: 270 (ط قم) والحديث طويل يأتي في موضعه. (3) قرب الاسناد: 45. (4) الاسناد هكذا: حدثنا المظفر بن محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا عبد الرحمن ابن ابى نجران عن سليمان بن جعفر عن ابراهيم بن ابى يحيى المدنى. (5) طب الائمة: 117 فيه: يتشاغل بها الشياطين عن صبيانكم. (6) في المصدر: أتاه رجل [فشكى إليه] فقال. (7) ولعل المراد عوامر البيوت أي الحيات، وهى المراد من الجن. (8) مكارم الاخلاق 1: 146.

[75]

27 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس من بيت نبي إلا وفيه حمامان (1) لأن سفهاء الجن يعبثون بصبيان البيت فإذا كان فيه حمام عبثوا بالحمام وتركوا الناس (2). 28 - مجالس الشيخ: باسناده عن أبي الحسن العسكري عن آبائه عليهم السلام قال: دخل أشجع السلمي على الصادق عليه السلام فقال: يا سيدي أنا أحصل في المواضع المفزعة (3) فعلمني شيئا " ما آمن به على نفسي قال: فإذا خفت أمرا فاترك يمينك على ام رأسك واقرأ برفيع صوتك " أفغير دين الله يبغون " (4) الآية. قال أشجع: فحصلت (5) في واد فيه الجن فسمعت قائلا يقول: خذوه، فقرأتها فقال قائل: كيف نأخذه وقد احتجز بآية طيبة (6). 29 - منتخب البصائر: باسناده عن المفضل بن عمر في خبر طويل في الرجعة وأحوال القائم عليه السلام. قال المفضل: قلت يا سيدي: فمن يخاطبه ؟ قال: الملائكة والمؤمنون من الجن، وساق إلى قوله، قال المفضل: يا سيدي وتظهر الملائكة والجن للناس ؟ قال:


(1) في المصدر: حمام. (2) مكارم الاخلاق 1: 149. (3) في المطبوع: المواضع المتعددة المفزعة. (4) في المصدر: افغير دين الله تبغون وله اسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها واليه ترجعون. (5) في المصدر: فحصلت في دار تعبث فيه الجن. (6) مجالس الشيخ 1: 288. واسناد الحديث هكذا: ابن الشيخ عن ابيه عن ابى محمد الحسن بن محمد بن يحيى الفحام عن ابى الحسن محمد بن احمد بن عبد الله الهاشمي المنصوري قال: حدثنى عم ابى ابو موسى بن احمد بن عيسى بن المنصور قال: حدثنى الامام على بن محمد العسكري اه‍ وللحديث صدر لم يذكره المصنف لانه لا يناسب الباب.

[76]

إي والله يا مفضل، ويخاطبونهم كما يكون الرجل مع حاشيته وأهله. قلت: يا سيدي ويسيرون معه ؟ قال: إي والله يا مفضل، ولينزلن أرض الهجرة ما بين الكوفة والنجف، وعدد أصحابه عليه السلام ستة وأربعون ألفا من الملائكة، وستة آلاف من الجن (1)، والنقباء ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا الحديث (2). 30 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم فيما سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام قال: فمن أين يصل (3) الكهانة ؟ ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟ قال: إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم فيخبرهم بأشياء تحدث، وذلك في وجوه (4) شتى من فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس وفطنة الروح، مع قذف في قلبه لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف. وأما أخبار السماء فان الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك وهي لا تحجب وترجم بالنجوم، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء ولبس (5) على أهل الأرض ما جاءهم عن الله


(1) الموجود في المصدر المطبوع: " ومثلها من الجن " والحديث طويل غير خال من الغرائب منها انه نص فيه على وكالة محمد بن نصير النميري مع أن الرجل من الغلاة الملعونين ومن المدعين الكاذبين للبابية، واسناد الحديث ايضا مشتمل على المجهول والغالي وهو: الحسين بن حمدان (أي الحضيني الفاسد المذهب) عن محمد بن اسماعيل وعلي ابن عبد الله الحسنيين عن ابى شعيب محمد بن نصر عن عمر بن الفرات عن محمد بن المفضل عن المفضل بن عمر. (2) مختصر بصائر الدرجات: 179 - 192 راجعه. (3) في نسخة: اصل. (4) في المصدر: من وجوه شتى. (5) في المصدر: سبب تشاكل الوحى من خبر السماء فيلبس.

[77]

لاثبات الحجة وفي الشبه. وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه فيختطفها ثم يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده فيختلط الحق بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما أداه (1) إليه شيطانه مما سمعه، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة. واليوم: إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا " للناس مما يتحدثون به وما يحدثونه، والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق، ومن قاتل قتل، ومن غائب غاب، وهم بمنزلة الناس أيضا صدوق وكذوب. فقال: كيف صعدت الشياطين إلى السماء، وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود عليه السلام من البنآء ما يعجز عنه ولد آدم ؟ قال: غلظوا لسليمان كما سخروا، وهم خلق رقيق غذاؤهم التنسم (2)، والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلا بسلم أو سبب (3). 31 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن الحسن بن ظريف عن أبي عبد الرحمن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الآباء ثلاثة آدم ولد مؤمنا، والجان ولد كافرا (4)، وإبليس ولد كافرا، وليس فيهم نتاج إنما يبيض ويفرخ وولده ذكور ليس فيهم اناث (5).


(1) في نسخة: " ما اداه به " وفى المصدر: ما اداه إليه الشيطان. (2) في المصدر: غذاؤهم النسيم. (3) الاحتجاج: 185 فيه: أو بسبب. (4) في المصدر: والجان ولد مؤمنا وكافرا. (5) الخصال 1: 152.

[78]

32 ومنه: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن ابن محبوب، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الجن على ثلاثة أجزاء: فجزء مع الملائكة، وجزء يطيرون في الهواء وجزء كلاب وحيات الخبر (1). 33 - العلل والعيون: عن محمد بن عمر (2) بن علي البصري، عن محمد بن عبد الله ابن أحمد بن جبلة الواعظ، عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن اسم أبي الجن، فقال: شومان (3)، وهو الذي خلق من مارج من نار، وسأله: هل بعث الله نبيا إلى الجن ؟ فقال: نعم، بعث إليهم نبيا " يقال له: يوسف (4)، فدعاهم إلى الله عزوجل فقتلوه (5) 34 - العلل والعيون: عن أحمد بن زياد الهمداني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن أبيه موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه جعفر عليهم السلام (6) قال: إن سليمان بن داود عليه السلام قال ذات يوم لأصحابه: إن الله تبارك وتعالى قد وهب لي ملكا " لا ينبغي لأحد من بعدي، سخر لي الريح والانس والجن والطير والوحوش، وعلمني منطق


(1) الخصال 1: 154 ذيله: والانس على ثلاثة اجزاء فجزء تحت ظل العرش يوم لا ظل الا ظله، وجزء عليهم الحساب والعذاب وجزء وجوههم وجوه الادميين وقلوبهم قلوب الشياطين (2) في نسخة من الكتاب وفى عيون الاخبار: عمرو. (3) في نسخة: شونان. (4) لعل المراد به يوسف النبي الذى ورد اسمه في القرآن في سورة المؤمن بقوله تعالى: " ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب " منه قدس سره. (5) علل الشرائع: 198 عيون اخبار الرضا: 134. (6) في العيون: عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن على.

[79]

الطير، وآتاني كل شئ، ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تم لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببت أن أدخل قصري في غد وأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لأحد علي لئلا يرد علي ما ينغص علي يومي، قالوا: نعم. فلما كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، ووقف متكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه مسرورا (1) بما أوتي، فرحا بما أعطي، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره. فلما بصر به (2) سليمان عليه السلام قال له: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم ؟ فباذن من دخلت ؟ فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربه وباذنه دخلت، فقال: ربه أحق به مني، فمن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، قال عليه السلام: وفيما جئت ؟ قال: جئت لاقبض روحك، قال: امض لما أمرت به، فهذا يوم سروري أبى الله عز وجل أن يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه. فبقي سليمان متكئا على عصاه وهو ميت ما شاء الله والناس ينظرون إليه وهم يقدرون أنه حي، فافتتنوا فيه واختلفوا فمنهم من قال: إن سليمان قد بقي متكا " على عصاه هذه الأيام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب ؟ إنه لربنا الذي يجب علينا أن نعبده، وقال قوم: إن سليمان ساحر، وأنه يرينا أنه واقف متكئ على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلك، فقال المؤمنون: إن سليمان هو عبد الله ونبيه يدبر الله أمره بما شاء. فلما اختلفوا بعث الله عزوجل الأرضة فدبت في عصاه (3) فلما أكلت جوفها انكسرت العصا وخر سليمان من قصره على وجهه، فشكر الجن للارضة صنيعها (4)


(1) في نسخة: " سرورا " " وكذلك في العلل. (2) في العلل: " ابصره " وفى العيون: ابصر به. (3) في المصدر: في عصا سليمان. (4) في العيون: على صنيعها.

[80]

فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلا وعندها ماء وطين، وذلك قول الله عزوجل: " فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته " يعني عصاه " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ". ثم قال الصادق عليه السلام: والله ما نزلت هذه الآية هكذا، وإنما نزلت " فلما خر تبينت الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " (1). 35 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الحميد العطار عن محمد بن راشد البرمكي، عن عمر بن سهل الأسدي، عن سهيل بن غزوان البصري قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن امرأة من الجن كان يقال لها: عفراء وكانت تنتاب (2) النبي صلى الله عليه وآله فتسمع من كلامه، فتأتي صالحي الجن فيسلمون على يديها، وإنها فقدها النبي صلى الله عليه وآله فسأل عنها جبرئيل، فقال: إنها زارت اختا لها تحبها في الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: طوبى للمتحابين في الله، إن الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عمودا " من ياقوتة حمراء عليه سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف غرفة، خلقها الله عزوجل للمتحابين والمتزاورين في الله، ثم قال: يا عفراء أي شئ رأيت ؟ قالت: رأيت عجائب كثيرة، قال: فأعجب ما رأيت ؟ قالت: رأيت إبليس في البحر الأخضر على صخرة بيضاء، مادا يديه إلى السماء وهو يقول: إلهي إذا بررت قسمك وأدخلتني نار جهنم، فأسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إلا خلصتني منها وحشرتني معهم. فقلت: يا حارث ما هذه الأسماء التي تدعو بها ؟ قال لي: رأيتها على ساق العرش من قبل أن يخلق الله آدم بسبعة آلاف سنة، فعلمت أنهم أكرم الخلق على الله عزوجل، فأنا أسأله بحقهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: والله لو أقسم أهل الأرض بهذه


(1) علل الشرائع: 36 عيون اخبار الرضا. 146. والاية في سبأ: 24. (2) في نسخة: [يأتي] وكذلك في الخصال المطبوع.

[81]

الاسماء لأجابهم (1). بيان: قال في القاموس: انتابهم انتيابا " أتاهم مرة بعد مرة، لو أقسم أهل الأرض أي جميعهم. 36 - تفسير على بن ابراهيم: في قوله تعالى حكاية عن الجن: " يا قومنا إنا سمعنا " إلى قوله: " اولئك في ضلال مبين " فهو (2) كله حكاية عن الجن. وكان سبب نزول هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه زيد بن حارثة، يدعو الناس إلى الإسلام، فلم يجبه أحد ولم يجد من يقبله (3) ثم رجع إلى مكة، فلما بلغ موضعا يقال له: وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل، فمر به نفر من الجن، فلما سمعوا قراءة رسول الله استمعوا له، فلما سمعوا قراءته قال بعضهم لبعض: " أنصتوا " يعنى اسكتوا. " فلما قضى " أي فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من القراءة " ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا " انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلي الحق وإلى طريق مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به " إلى قوله: " اولئك في ضلال مبين " فجاؤا إلى رسول الله (4) فأسلموا وآمنوا، وعلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله شرائع الاسلام. فأنزل الله على نبيه: " قل اوحي إلى أنه استمع نفر من الجن " السورة كلها، فحكى الله قولهم وولى رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم منهم، وكانوا يعودون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في كل وقت، فأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن يعلمهم ويفقههم فمنهم مؤمنون وكافرون وناصبون ويهود ونصارى ومجوس وهم ولد الجان. وسئل العالم صلوات الله عليه عن مؤمني الجن: أيدخلون الجنة ؟ فقال: لا، ولكن


(1) الخصال 2: 171. (2) في نسخة: [فهذا] وهو الموجود في المصدر (3) في المصدر: ولم يجد احدا يقبله. (4) في المصدر: فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يطلبون شرائع الاسلام.

[82]

لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنو الجن وفساق الشيعة (1). 37 - الكافي: عن محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن خالد، عن أحمد بن عبدوس، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن ليث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود، قال: أما العظم والروث فطعام الجن وذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: لا يصلح بشئ من ذلك (2). 38 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لما أحب أن يخلق خلقا " بيده وذلك بعد ما مضى للجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، قال: ولما كان من شأن الله أن يخلق آدم للذي أراد من التدبير والتقدير لما هو مكونه في السماوات والأرض وعلمه لما أراده من ذلك كله كشط عن أطباق السماوات، ثم قال للملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجن والنسناس. فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق، عظم ذلك عليهم وغضبوا لله وأسفوا على أهل الأرض ولم يملكوا غضبهم أن قالوا: يا رب أنت العزيز القادر الجابر القاهر العظيم الشأن، وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك يتقلبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويستمتعون (3) بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام لا تأسف ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك. فلما سمع الله عزوجل ذلك من الملائكة قال: " إني جاعل في الأرض خليفة، لي عليهم فيكون حجة لي عليهم في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة: " سبحانك


(1) تفسير القمى: 623 و 624. (2) لم نجد الحديث في الكافي والظاهر ان المصنف وهم في ذلك والصحيح [التهذيب] راجع التهذيب 1: 101 (ط 1) و 354 (ط 2). (3) في نسخة: ويتمتعون.

[83]

أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " وقالوا: فاجعله منا فانا لا نفسد في الأرض ولا نسفك الدماء. قال الله جل جلاله: يا ملائكتي " إني أعلم ما لا تعلمون " إني اريد أن أخلق خلقا بيدي أجعل ذريته أنبياء مرسلين، وعبادا صالحين، وأئمة مهتدين، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معاصي (1)، وينذرونهم عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلى، وأجعلهم حجة لي عذرا أو نذرا، وابين النسناس (2) من أرضي فاطهرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريتي وخلقي وخيرتي، واسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض لا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا، ولا يرى نسل خلقي الجن ولا يؤانسونهم ولا يخالطونهم (3)، فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم لنفسي أسكنتهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم ولا أبالي، فقالت الملائكة: يا رب افعل ما شئت " لا علم لنا إلا بما علمتنا (4) إنك أنت العليم الحكم " الخبر. أقول: قد مضى تمامه في باب ما به قوام بدن الانسان (5). 39 - تفسير على بن ابراهيم: في قوله تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " قال: أبو إبليس، وقال: الجن من ولد الجان منهم مؤمنون وكافرون ويهود ونصارى، ويختلف أديانهم، والشياطين من ولد إبليس وليس فيهم مؤمنون إلا واحد، اسمه هام بن هيم بن لا قيس بن إبليس، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرآه جسيما عظيما وامرءا مهولا، فقال له: من أنت ؟ قال: أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس، كنت يوم قتل هابيل غلام ابن أعوام أنهى عن الاعتصام وآمر بافساد الطعام.


(1) في المصدر: عن المعاصي. (2) أي اقطع النسناس من ارضى، وفى نسخة: [أبير] أي اهلكهم. (3) في نسخة: ولما يجالسونهم. (4) في المصدر: ما علمتنا. (5) علل الشرائع 1: 98.

[84]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بئس لعمري الشاب المؤمل والكهل المؤمر، فقال: دع عنك هذا يا محمد، فقد جرت توبتي على يد نوح، ولقد كنت معه في السفينة فعاتبته على دعائه على قومه، ولقد كنت مع إبراهيم حيث القي في النار فجعلها الله بردا " وسلاما "، ولقد كنت مع موسى حين غرق الله فرعون ونجى بني إسرائيل، ولقد كنت مع هود حين دعا على قومه فعاتبته، ولقد كنت مع صالح (1) فعاتبته على دعائه على قومه، ولقد قرأت الكتب فكلها تبشرني بك والانبياء يقرأونك السلام ويقولون: أنت أفضل الأنبياء وأكرمهم، فعلمني مما أنزل الله عليك شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: علمه فقال هام: يا محمد إنا لا نطيع إلا نبيا أو وصي نبي، فمن هذا ؟ قال: هذا أخي ووصيي ووزيري ووارثي علي بن أبي طالب، قال: نعم نجد اسمه في الكتب اليا فعلمه أمير المؤمنين، فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين (2). 40 - دلايل الطبري والبصائر: عن محمد بن إسماعيل عن علي بن الحكم عن مالك بن عطية عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة، إذا التفت (3) عن يساره فإذا كلب أسود، فقال: مالك قبحك الله ما أشد مسارعتك ؟ فإذا هو شبيه بالطائر، فقلت: ما هو (4) جعلت فداك ؟ فقال: هذا عثم بريد الجن، مات هشام الساعة فهو يطير ينعاه (5) في كل بلدة (6). الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل مثله (7).


(1) في المصدر: ولقد قرأت الكتب مع صالح. (2) تفسير القمى: 351. (3) في الدلائل: فالتفت. (4) في نسخة: [ما هذا] وفى الدلائل: ما هذا جعلني الله فداك. (5) في نسخة: [ينعى به] وهو الموجود في الدلائل. (6) دلائل الامامة: 132 بصائر الدرجات: 22. (7) فروع الكافي 6: 553 (ط آخوندى) فيه: [اسود بهيم] وفيه: [ما هذا] وفيه: غثيم.

[85]

41 - المناقب لابن شهر آشوب: قال: قال أبو جعفر عليه السلام: خدم أبو خالد الكابلي علي بن الحسين عليه السلام دهرا " من عمره، ثم إنه أراد أن ينصرف إلى أهله فأتى على بن الحسين عليه السلام وشكى إليه شدة شوقه إلى والديه، فقال: يا أبا خالد يقدم غدا " رجل من أهل الشام له قدر ومال كثير وقد أصاب بنتا " له عارض من أهل الأرض (1) ويريدون أن يطلبوا معالجا يعالجها، فإذا أنت سمعت قدومه فأته وقل له: أنا اعالجها لك على أن أشترط لك أني اعالجها على ديتها عشرة آلاف درهم فلا تطمئن إليهم وسيعطونك ما تطلب منهم. فلما أصبحوا قدم الرجل ومن معه، وكان من عظماء أهل الشام في المال والمقدرة فقال: أما من معالج يعالج بنت هذا الرجل ؟ فقال له أبو خالد: أنا اعالجها على عشرة آلاف درهم، فان أنتم وفيتم وفيت لكم على أن لا يعود إليها أبدا "، فشرطوا أن يعطوه عشرة آلاف درهم، فأقبل إلى علي بن الحسين فأخبره الخبر. فقال: إنى أعلم أنهم سيغدرون بك ولا يفون لك، انطلق يا أبا خالد، فخذ باذن الجارية اليسرى ثم قل: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين: اخرج من هذه الجارية ولا تعد، ففعل أبو خالد ما أمره وخرج منها فأفاقت الجارية، وطلب أبو خالد الذي شرطوا له فلم يعطوه، فرجع مغتما " كئيبا، فقال له علي بن الحسين: مالي أراك كئيبا " يا أبا خالد ؟ ألم أقل لك: إنهم يغدرون بك ؟ دعهم فانهم سيعودون إليك فإذا لقوك فقل: لست اعالجها حتى تضعوا المال على يدي علي بن الحسين (2). فعادوا إلى أبي خالد يلتمسون مداواتها، فقال لهم: إني لا اعالجها حتى تضعوا المال على يدي علي بن الحسين عليه السلام فانه لي ولكم ثقة، فرضوا ووضعوا المال على


(1) في الخرائج: قد اصابها عارض من الجن. (2) في المصدر: [على يدى على بن الحسين فانه لى ولكم ثقة (فاصيبت الجارية وعادوا إليه وقال: ما امره به فرضوا) ووضعوا المال على يدى على بن الحسين فرجع] والظاهر انه مصحف لان الظاهر ان ابن شهر آشوب اخرج الحديث من رجال الكشى والفاظة يوافق المتن.

[86]

يدي علي بن الحسين عليه السلام: فرجع أبو خالد إلى الجارية فأخذ بأذنها اليسرى، ثم قال: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين عليه السلام: اخرج من هذه الجارية ولا تعرض لها إلا بسبيل خير فانك إن عدت أحرقتك بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة فخرج منها، ودفع المال إلى أبي خالد فخرج إلى بلاده (1). الخرائج: عن أبي الصباح الكناني عنه عليه السلام مثله (2). الكشى: وجدت بخط جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن محمد بن علي، عن علي بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن الكناني مثله (3). 42 - الارشاد للمفيد، واعلام الورى: جاء في الآثار عن ابن عباس (4) قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى بني المصطلق جنب عن الطريق وأدركه الليل فنزل بقرب واد وعر (5)، فلما كان آخر الليل هبط عليه جبرئيل يخبره أن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا الوادي يريدون كيده عليه السلام وإيقاع الشر بأصحابه عند سلوكهم إياه. فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: اذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من أعداء الله الجن من يريدك فادفعه بالقوة التي أعطاك الله عزوجل إياها وتحصن منهم بأسماء الله التي خصك بعلمها (6)، وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس، وقال


(1) مناقب آل ابى طالب 3: 386. (2) الخرائج والجرائح: 195 فيه اختلافات لفظية كثيرة راجعه. (3) رجال الكشى: 81 (ط 1) و 112 و 113 (ط 2) فيه: [ولم يعد إليها] والفاظه يوافق ما في الصلب. (4) رواه المفيد عن محمد بن ابى السرى التيممى عن احمد بن الفرج عن الحسن ابن موسى النهدي عن ابيه عن وبرة بن الحارث عن ابن عباس. (5) الوعر: الصعب وزنا ومعنى. (6) في الارشاد واعلام الورى: خصك بها وبعلمها.

[87]

لهم: كونوا معه وامتثلوا أمره، فتوجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي، فلما قرب (1) شفيره أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم. ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوذ بالله من أعدائه وسمى الله تعالى بأحسن أسمائه وأومأ إلى القوم الذين اتبعوه أن يقربوا منه، فقربوا كان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة (2)، ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد القوم يقعون على وجوههم لشدتها ولم تثبت أقدامهم على الارض من هول الخصم ومن هول ما لحقهم (3) فصاح أمير المؤمنين عليه السلام: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وصي رسول الله وابن عمه، اثبتوا إن شئتم. وظهر للقوم أشخاص على صور الزط يخيل (4) في أيديهم شعل النار قد اطمأنوا بجنبات الوادي فتوغل (5) أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يتلو القرآن ويؤمي بسيفه يمينا " وشمالا "، فما لبث الأشخاص حتى صارت كالدخان الأسود، وكبر أمير المؤمنين عليه السلام ثم صعد من حيث انهبط، فقام مع الذين اتبعوه حتى أسفر الموضع عما اعتراه. فقال له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: ما لقيت يا أبا الحسن ؟ فلقد كدنا (6) أن نهلك خوفا " وإشفاقا " (7) عليك أكثر مما لحقنا، فقال عليه السلام لهم: إنه لما تراءى لي العدو وجهرت فيهم بأسماء الله فتضاءلوا (8) وعلمت ما حل بهم من الجزع، فتوغلت الوادي


(1) في نسخة: فلما قارب. (2) الغلوة: رمية سهم ابعد ما تقدر عليه. (3) في الاعلام: على الارض من هول ما لحقهم. (4) في الاعلام: تخيل. (5) توغل في البلاد: ذهب وأبعد. (6) في نسخة من الكتاب وفى اعلام الورى: فقد كدنا. (7) في اعلام الورى: واشفاقا عليه فقال. (8) أي فتصاغروا.

[88]

غير خائف منهم، ولو بقوا على هيأتهم لأتيت على آخرهم، وقد كفى الله كيدهم وكفى المسلمين شرهم وسيسبقني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فيؤمنون به، وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبره الخبر فسري عنه ودعا له بخير، و قال له: قد سبقك يا علي إلى من أخافه الله بك فأسلم وقبلت إسلامه (1). 43 - الارشاد: وهذا الحديث روته العامة كما روته الخاصة ولم يتناكروا شيئا " منه، والمعتزلة لميلها إلى مذهب البراهمة تدفعه، ولبعدها عن معرفة الأخبار تنكره، وهي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن وما تضمنه من أخبار الجن وإيمانهم بالله ورسوله، وما قص الله تعالى من نبأهم في القرآن في سورة الجن وقولهم: " إنا سمعنا قرآنا " عجبا " إلى آخر ما تضمنه الخبر عنهم في هذه السورة. وإذا بطل اعتراض الزنادقة (2) في ذلك مع إعجاز القرآن والاعجوبة الباهرة فيه كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة في الخبر الذي رويناه لعدم استحالة مضمونه في العقول، وفي مجيئه من طريقين مختلفين وبرواية فريقين متباينين برهان صحته وليس في إنكار من عدل عن الانصاف في النظر من المعتزلة والمجبرة قدح فيما ذكرناه من وجوب العمل عليه، كما أنه ليس في جحد الملاحدة وأصناف الزنادقة واليهود والنصارى والمجوس والصابئين ما جاء في صحته من الأخبار بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله كانشقاق القمر وحنين الجذع وتسبيح الحصى في كفه وشكوى البعير وكلام الذراع ومجيئ الشجرة وخروج الماء من بين أصابعه عليه السلام في الميضأة (3)، إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل قدح في صحتها وصدق رواتها وثبوت الحجة بها. وساق الكلام إلى قوله: ولا زال أجد الجاهل من الناصبة والمعاند يظهر التعجب من الخبر بملاقاة أمير المؤمنين عليه السلام الجن وكفه شرهم عن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه، و


(1) ارشاد المفيد: 181 (ط 1) و 160 (ط آخوندى) اعلام الورى 182. (2) المصدر زيادة: بتجويز العقول وجود الجن وامكان تكليفهم وثبوت ذلك. (3) الميضاة بالقصر وكسر الميم وقد تمد: مطهرة كبيرة يتوضأ منها.

[89]

يتضاحك لذلك وينسب الرواية إلى الخرافات الباطلة، ويصنع مثل ذلك في الأخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته عليه السلام ويقول: إنها من موضوعات الشيعة وتخرص من افتراه منهم للتكسب بذلك أو التعصب. وهذا بعينه مقال الزنادقة وكافة أعداء الاسلام فيما نطق به القرآن من خبر الجن وإسلامهم وقولهم (1): " إنا سمعنا قرآنا " عجبا " إلى آخره، وفيما ثبت به الخبر عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن ومشاهدته لهم كالزط وفى غير ذلك من معجزات الرسول صلى الله عليه وآله فانهم يظهرون التعجب من جميع ذلك ويتضاحكون عند سماع الخبر به والاحتجاج بصحته، ويستهزؤن ويلغطون فيما يسرفون به من سب الاسلام وأهله (2) ونسبتهم إياهم إلى العجز والجهل ووضع الأباطيل (3) إلى آخر ما أفاده قدس سره. بيان: الشفير: ناحية الوادي، وغلوة السهم: مرماه، وتوغل في الوادي: ذهب وبالغ وأبعد، وتضاءل: تصاغر، وانسرى الهم عني وسري: انكشف، كل ذلك ذكره الفيروز آبادي. 44 - كتاب الدلائل للطبري: عن عبد الله بن أحمد الخازن، عن محمد بن عمر التميمي، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن أحمد بن جيرويه، عن محمد بن أبي البهلول، عن صالح بن أبي الأسود، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: خرج أبو محمد علي بن الحسين عليه السلام إلى مكة في جماعة من مواليه وناس من سواهم، فلما بلغ عسفان ضرب مواليه فسطاطه في موضع منها، فلما دنا علي بن الحسين عليه السلام من ذلك الموضع قال لمواليه: كيف ضربتم في هذا الموضع ؟ وهذا موضع قوم من الجن هم لنا أولياء ولنا شيعة، وذلك يضر بهم ويضيق عليهم (4).


(1) في المصدر، وقوله. (2) زاد في المصدر: واستحماق معتقديه والناصرين لهم. (3) ارشاد المفيد 182 - 184 و 161 - 163 (آخوندى). (4) قوله: وهذا موضع إلى هنا، يوافق نسخة امان الاخطار واما الدلائل فموجود فيه هكذا: [انه موضع فيه اولياؤنا من الجن ولنا شيعة وقد ضيقتم مضربهم عليهم فقالوا] وفى النجوم: وفيه قوم من الجن وهم اولياء لنا وشيعة وقد اضررنا بهم وضيقنا عليهم فقالوا.

[90]

فقلنا: (1) ما علمنا ذلك، وعزموا (2) إلى قلع الفسطاط وإذا هاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول: يابن رسول الله لا تحول فسطاطك من موضعه فانا نحتمل لك ذلك، وهذا الطف (3) قد أهديناه إليك ونحب أن تنال منه لنتشرف (4) بذلك فإذا جانب الفسطاط طبق عظيم وأطباق معه فيها عنب ورمان وموز وفاكهة كثيرة فدعا أبو محمد عليه السلام من كان معه فأكل وأكلوا من تلك الفاكهة (5). أمان الأخطار: نقلا من كتاب الدلائل مرسلا مثله (6). النجوم: روينا باسنادنا إلى سعيد بن هبة الله الراوندي يرفعه إلي علي بن الحسين عليه السلام وذكر مثله (7). بيان: يدل على جواز التصرف فيما أتى به الجن كما يقتضيه الأصل. 45 - عيون المعجزات: للسيد المرتضى (8) من كتاب الأنوار عن أحمد بن محمد ابن عبدويه (9) عن سليمان بن علي الدمشقي عن أبي هاشم الزبالي (10)، عن زاذان


(1) في المصادر: فقالوا. (2) في نسخة من الكتاب وامان الاخطار: وعمدوا. (3) في نسخة: [لطف] وفى الدلائل: [الطبق] وفى امان الاخطار: [اللطف] وفى النجوم، شئ بعثنا به اليك فنظروا وإذا بجانب الفسطاط طبق عظيم وفيه اطباق من عنب ورطب ورمان وفواكه كثيرة من الموز وغيره فدعا على بن الحسين عليه السلام رجلا معه واستحضر الناس فاكلوا وارتحلنا. (4) في نسخة: [لنستر] وفى الدلائل: [لنتشرف فإذا بجانب] وفى امان الاخطار: لنستر بذلك فإذا في جانب. (5) دلائل الامامة: 93. (6) امان الاخطار، 124. (7) فرج المهموم، 228. (8) بل الصحيح انه للشيخ حسين بن عبد الوهاب المعاصر للمرتضى والرضى. (9) في المصدر: عبد ربه. (10) في نسخة: [الزياتي] وفى المصدر: الرماني.

[91]

عن سلمان قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم جالسا بالابطح وعنده جماعة من أصحابه وهو مقبل علينا بالحديث إذ نظرنا إلى زوبعة (1) قد ارتفعت فأثارت الغبار وما زالت تدنو والغبار يعلو إلى أن وقف بحذاء النبي صلى الله عليه وآله ثم برز منها شخص كان فيها. ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني وافد قومي استجرنا بك فأجرنا وابعث معي من قبلك من يشرف على قومنا فإن بعضهم قد بغى علينا ليحكم (2) بيننا وبينهم بحكم الله وكتابه وخذ علي العهود والمواثيق المؤكدة أن أرده إليك سالما في غداة غد إلا أن تحدث علي حادثة من عند الله. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: من أنت ؟ ومن قومك ؟ قال: أنا عرفطة بن شمراخ (3) أحد بني نجاح، وأنا وجماعة من أهلي كنا نسترق السمع، فلما منعنا من ذلك آمنا ولما بعثك الله نبيا " آمنا بك على ما علمته وقد صدقناك، وقد خالفنا بعض القوم وأقاموا على ما كانوا عليه فوقع بيننا وبينهم الخلاف، وهم أكثر منا عددا " وقوة وقد غلبوا على الماء والمراعي وأضروا بنا وبدوا بنا، فابعث معي من يحكم بيننا بالحق. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: فاكشف لنا عن وجهك حتى نراك على هيئتك التي أنت عليها، قال: فكشف لنا عن صورته فنظرنا فإذا شخص عليه شعر كثير، وإذا رأسه طويل، طويل العينين عيناه في طول رأسه، صغير الحدقتين، وله أسنان كأنها أسنان السباع، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله أخذ عليه العهد والميثاق على أن يرد عليه في غد من يبعث به معه. فلما فرغ من ذلك التفت إلى أبي بكر فقال له: صر مع أخينا عرفطة (4) وانظر إلى ما هم عليه واحكم بينهم بالحق، فقال: يا رسول الله وأين هم ؟ قال: هم تحت


(1) الزوبعة: هيجان الرياح وتصاعدها إلى السماء. (2) في المصدر: فيحكم. (3) في المصدر: غطرفة بن شمراخ. (4) في المصدر: غطرفة.

[92]

الأرض، فقال أبو بكر: فكيف أطيق النزول تحت الأرض ؟ وكيف أحكم بينهم ولا احسن (1) كلامهم، ثم التفت إلى عمر بن الخطاب فقال له: مثل قوله لأبي بكر، فأجاب مثل جواب أبي بكر، ثم أقبل على عثمان، وقال له مثل قوله لهما فأجابه كجوابهما. ثم استدعى بعلي عليه السلام وقال له: يا علي صر مع أخينا عرفطة (2) وتشرف على قومه وتنظر إلى ما هم عليه وتحكم بينهم بالحق، فقام أمير المؤمنين عليه السلام مع عرفطة وقد تقلد سيفه: قال سلمان رضي الله عنه: فتبعتهما إلى أن صارا إلى الوادي فلما توسطا، نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: قد شكر الله تعالى سعيك يا أبا عبد الله فارجع، فوقفت أنظر إليهما فانشقت الأرض ودخلا فيها وعدت إلى ما كنت (3) ورجعت وتداخلني من الحسرة ما الله أعلم به كل ذلك إشفاقا " على أمير المؤمنين عليه السلام. وأصبح النبي صلى الله عليه وآله وصلى بالناس الغداة وجاء وجلس على الصفا وحف به أصحابه، وتأخر أمير المؤمنين عليه السلام وارتفع النهار وأكثر الكلام إلى أن زالت الشمس وقالوا: إن الجني احتال على النبي صلى الله عليه وآله وقد أراحنا الله من أبي تراب وذهب عنا افتخاره بابن عمه علينا، وأكثروا الكلام إلى أن صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الأولى وعاد إلى مكانه وجلس على الصفا، وما زال مع أصحابه بالحديث إلى أن وجبت صلاة العصر، وأكثروا القوم الكلام وأظهروا اليأس من أمير المؤمنين عليه السلام. فصلى النبي صلى الله عليه وآله صلاة العصر وجاء وجلس على الصفا وأظهر الفكر في أمير المؤمنين عليه السلام وظهرت شماتة المنافقين بأمير المؤمنين عليه السلام وكادت الشمس تغرب فتيقن القوم أنه قد هلك، إذا وقد انشق الصفا وطلع أمير المؤمنين منه وسيفه يقطر دما ومعه عرفطة (4).


(1) في نسخة: ولا احس كلامهم. (2) في المصدر: غطرفة. (3) في المصدر: وعادت إلى ما كانت. (4) في المصدر: غطرفة.

[93]

فقام إليه النبي صلى الله عليه وآله وقبل بين عينيه وجبينيه، وقال له: ما الذي حبسك عني إلي هذا الوقت ؟ قال عليه السلام: صرت إلى جن كثير قد بغوا إلى عرفطة (1) وقومه من المنافقين، فدعوتهم إلى ثلاث خصال فأبوا علي، وذلك أني دعوتهم إلى الايمان بالله تعالى، والاقرار بنبوتك ورسالتك فأبوا، فدعوتهم إلى أداء الجزية فأبوا، فسألتهم أن يصالحوا عرفطة (2) وقومه فيكون بعض المرعى لعرفطة (3) وقومه وكذلك الماء فأبوا ذلك كله، فوضعت سيفي فيهم وقتلت منهم ثمانين ألفا، (4) فلما نظروا إلى ما حل بهم طلبوا الأمان والصلح، ثم آمنوا وصاروا إخوانا (5) وزال الخلاف وما زلت معهم إلى الساعة، فقال عرفطة (6): يا رسول الله جزاك الله وأمير المؤمنين عليه السلام عنا خيرا (7). 46 - الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد والحسين بن محمد عن المعلى، جميعا " عن الوشاء، عن ابن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس من بيت فيه حمام إلا لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام ويدعون الانسان (8). 47 - ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: الكلاب السود البهم من الجن (9).


(1 - 3) في المصدر: غطرفة. (4) في المصدر: زهاء ثمانين الفا. (5) في نسخة: اعوانا. (6) في المصدر: غطرفة. (7) عيون المعجزات: 37 - 39. (8) فروع الكافي 6: 546 (ط آخوندى) فيه: [ويتركون الانسان] ونقل في الهامش عن بعض النسخ: يدعون الانسان. (9) فروع الكافي 6: 552: البهيم من الجن.

[94]

38 - ومنه: عن العدة عن سهل عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن عن مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الكلاب من ضعفة الجن فإذا أكل أحدكم طعاما (1) وشئ منها بين يديه فليطعمه أو ليطرده فان لها أنفس سوء (2). 49 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن سالم بن أبي سلمة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الكلاب فقال: كل أسود بهيم، وكل أحمر بهيم، وكل أبيض بهيم فذلك (3) خلق من الكلاب من الجن، وما كان أبلق فهو مسخ من الجن والانس (4). بيان: يحتمل أن يكون المعنى أن أصل خلق الكلب من الجن لما سيأتي أنه خلق من بزاق إبليس، أو أنه في الصفات شبيه بهم، أو أن الجن يتصور بصورتهم، أو أنه لما كان الكلب من المسوخ فبعضهم مسخوا من الانس وبعضهم من الجن. 50 - الاختصاص: عن المعلى بن محمد عن بعض أصحابنا يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق الملائكة من أنوار (5)، وخلق الجان من نار وخلق الجن صنفا من الجان من الريح، وخلق الجن صنفا " من الجن من الماء (6). أقول: تمامه في باب قوام بدن الانسان. 51 - تقريب المعارف: لأبي الصلاح الحلبي نقلا " من تاريخ الواقدي عن عبد الله بن السائب قال. لما قتل عثمان اتى حذيفة وهو بالمدائن فقيل: يا أبا عبد الله لقيت رجلا آنفا على الجسر فحدثني أن عثمان قتل، قال: هل تعرف الرجل ؟ قلت: أظنني أعرفه وما أثبته، قال حذيفة: إن ذلك عيثم الجني وهو الذي يسير بالاخبار


(1) في المصدر: الطعام. (2 و 4) فروع الكافي 6: 553. (3) في نسخة: فلذا. (5) في نسخة: [من نور] وفى المصدر: من النور وخلق الجان من النار. (6) الاختصاص: 109.

[95]

فحفظوا ذلك اليوم ووجدوه (1) قتل في ذلك اليوم (2). 51 - العلل لمحمد بن على بن ابراهيم: العلة في الجن أنهم لا يدخلون الجنة أنهم خلقوا من النار، والجنة هي نور فلا تجتمع النار والنور، وسئل العالم عليه السلام فقيل له، فإذا لم يدخلوا الجنة فأين يكونون ؟ فقال: إن الله جعل حظائر بين الجنة والنار يكونون فيها مؤمنوا الجن (3) وفساق الشيعة (4). 53 - تفسير علي بن ابراهيم: في قوله تعالى: " خلق السماوات والأرض في ستة أيام " قال: وخلق الجان وهو ابو الجن وانواع الطيور يوم الأربعاء (5) 54 - الاحتجاج: مرسلا " عن أبي بصير، عن أبى جعفر عليه السلام في أجوبته عن مسائل طاووس اليماني قال: فلم سمي الجن جنا ؟ قال: لأنهم استجنوا فلم يروا (6). 55 - تفسير الامام: قيل له: لم يكن إبليس ملكا ؟ قال: لا، بل كان من الجن، أما تسمعان الله يقول: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن " وهو الذي قال الله: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " (7). 56 - تفسير الفرات: عن عبد الله بن محمد بن هاشم، معنعنا " عن محمد بن علي عن آبائه عليهم السلام قال: هبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في منزل ام


(1) في نسخة: فوجدوه. (2) تقريب المعارف: مخطوط لم نجد نسخته. (3) في نسخة: ويكونون فيها مؤمنى الجن. (4) العلل: مخطوط لم نظفر بنسخته. (5) تفسير القمى: 298 فيه: وهو ابو الجن في يوم السبت وخلق الطير في يوم الاربعاء. (6) الاحتجاج: 179. (7) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 194 فيه: [قالا: قلنا له: فعلى هذا لم يكن] وفيه: [اما تسمعان ان الله] وفيه: [كان من الجن فاخبر انه كان من الجن وهو] والاية الاولى في البقرة: 24 والثانية في الحجر: 27.

[96]

سلمة فقال: يا محمد ملا ملائكة السماء الرابعة (1) يجادلون في شئ حتى كثر بينهم الجدال فيه وهم (2) من الجن من قوم إبليس الذين قال الله في كتابه: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ". فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قد كثر جدالكم، فتراضوا بحكم من الآدميين يحكم بينكم، قالوا: قد رضينا بحكم من امة محمد صلى الله عليه وآله، فأوحى الله إليهم بمن ترضون من أمة محمد صلى الله عليه وآله: قالوا: رضينا بعلي بن أبي طالب عليه السلام، فأهبط الله ملكا من ملائكة السماء الدنيا ببساط وأريكتين فهبط إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بالذي جاء فيه. فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأقعده على البساط ووسده بالأريكتين ثم تفل في فيه، ثم قال: يا علي ثبت الله قلبك وجعل حجتك بين عينيك ثم عرج به إلى السماء، فإذا نزل قال: يا محمد الله يقرأك السلام ويقول لك: " نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم " (3). 57 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى عن خالد بن إسماعيل عن رجل من أصحابنا من أهل الجبل عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكرت المجوس وإنهم يقولون: نكاح كنكاح ولد آدم، وأنهم يحاجون بذلك، فقال: أما إنهم (4) لا يحاجونكم به، لما أدرك هبة الله قال آدم: يا رب زوج هبة الله، فأهبط الله له حوراء فولدت أربعة غلمة، ثم رفعها الله. فلما أدرك ولد هبة الله قال: يا رب زوج ولد هبة الله، فأوحى الله إليه أن يخطب إلى رجل من الجن وكان مسلما أربع بنات له على ولد هبة الله، فزوجهن


(1) في المصدر: ان ملكا من ملائكة السماء. (2) ظاهره ان الضمير يرجع إلى الملائكة، فاطلق لفظة الملائكة على الجن مجازا. (3) تفسير فرات: 70 و 71 والاية الاولى في الكهف: 50 والثانية في يوسف: 76. (4) في المصدر: اما انتم فلا يحاجونكم به.

[97]

فما كان من جمال وحلم فمن قبل الحوراء والنبوة، وما كان من سفه أو حدة فمن الجن (1). 58 - العياشي: عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن آدم ولد له أربعة ذكور، فأهبط الله إليهم أربعة من الحور العين، فزوج كل واحد منهم واحدة فتوالدوا، ثم إن الله رفعهن، وزج هؤلاء الأربعة أربعة من الجن فصار النسل فيهم، فما كان من حلم فمن آدم، وما كان من جمال فمن قبل الحور العين، وما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجن (2). 59 - الفقيه: عن أبيه، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، عن القاسم بن عروة، عن بريد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل على آدم حوراء من الجنة فزوجها أحد ابنيه، وتزوج الآخر ابنة الجان، فما كان في الناس من جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء، وما كان من سوء خلق فهو من ابنة الجان (3). 60 الاحتجاج: عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليه وعليهم السلام في أجوبة أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل اليهودي في فضل محمد صلى الله عليه وآله على جميع الأنبياء - إلى أن قال: - قال له اليهودي: فان هذا سليمان سخرت له الشياطين يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد اعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الشياطين سخرت لسليمان وهي مقيمة على كفرها، ولقد سخرت لنبوة محمد صلى الله عليه وآله الشياطين بالايمان، فأقبل إليه الجن التسعة من أشرافهم، من جن نصيبين واليمن


(1) فروع الكافي 5: 569. (2) تفسير العياشي 1: 215. (3) الفقيه 3: 240 (ط آخوندى) فيه: " وروى القاسم بن عروة " ولم يذكر فيه صدر الاسناد، وفيه: وما كان فيهم من سوء.

[98]

من بني عمرو بن عامر (1) من الا حجة منهم شصاه، ومصاه (2)، والهملكان، والمرزبان والمازمان، ونضاه، وهاصب، وهاضب (3)، وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " وهم تسعة " يستمعون القرآن " فأقبل إليه الجن والنبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل، فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله احدا. ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على الصوم والصلاة والزكاة والحج والجهاد ونصح المسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا: على الله شططا، وهذا أفضل مما اعطي سليمان، سبحان (4) من سخرها لنبوة محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانت تتمرد وتزعم أن لله ولدا، فلقد (5) شمل مبعثه من الجن والانس ما لا يحصى (6). 61 - تفسير على بن ابراهيم: عن علي بن الحسين عن أحمد بن أبي عبد الله عن الحسين بن سعيد عن النضر عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الجن: " وأنه تعالى جد ربنا " فقال: شئ كذبه الجن فقصه الله تعالى كما قال. وعنه: عن أحمد بن الحسين، عن فضالة، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " قال: كان الرجل ينطلق إلى الكاهن الذي يوحي إليه الشيطان فيقول: قل لشيطانك: فلان (7) قد عاذ بك. وقال علي بن إبراهيم في قوله: " وأنه كان رجال " الاية، قال: كان الجن


(1) في المصدر: واحد من جن نصيبين والثمان من بنى عمرو بن عامر. (2) في المصدر: شضاة ومضاة (شصاة ومصاة خ ل). (3) في المصدر: هاضب وهضب. (4) في المصدر: فسبحان. (5) في المصدر: ولقد شمل. (6) الاحتجاج: 118. (7) في المصدر: ان فلانا.

[99]

ينزلون على قوم من الانس ويخبرونهم الأخبار التي يسمعونها في السماء من قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان الناس يكهنون بما خبرهم الجن، وقوله: " فزادوهم رهقا " أي خسرانا "، وقال: البخس: النقصان، والرهق: العذاب، وقوله: " كنا طرائق قددا " أي على مذاهب مختلفة (1). 62 - بصائر الدرجات: عن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن اسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالس، إذ أتاه رجل طويل كأنه نخلة فسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: يشبه (2) الجن وكلامهم، فمن أنت يا عبد الله ؟ فقال: أنا الهام بن الهيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بينك وبين إبليس إلا أبوان ؟ فقال: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فكم أتى لك ؟ قال: أكلت عمر الدنيا إلا أقله، أنا أيام قتل قابيل هابيل غلام أفهم الكلام وأنهى عن الاعتصام وأطوف الأجسام (3) وآمر بقطيعة الأرحام وافسد الطعام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: بئس سيرة الشيخ المتأمل والغلام المقبل. فقال: يا رسول الله صلى الله إني تائب، قال صلى الله عليه وآله: على يد من جرى (4) توبتك من الأنبياء ؟ قال: على يدي نوح وكنت معه في سفينته وعاتبته على دعائه على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. ثم كنت مع هود عليه السلام في مسجده مع الذين آمنوا معه فعاتبته على دعائه على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ثم كنت مع إبراهيم حين كاده قومه فألقوه في النار فجعلها الله


(1) تفسير القمى: 698 و 699. (2) في نسخة من الكتاب وفى المصدر: بشبه الجن. (3) هكذا في الكتاب والمصدر، ولعل الصحيح: واطوف الاجام. (4) في نسخة: جرت.

[100]

عليه بردا " وسلاما، ثم كنت مع يوسف عليه السلام حين حسده إخوته فألقوه في الجب فبادرته إلى قعر الجب فوضعته وضعا رفيقا، ثم كنت معه في السجن أؤنسه فيه حتى أخرجه الله منه. ثم كنت مع موسى عليه السلام وعلمني سفرا " من التوارة وقال: إن أدركت عيسى عليه السلام فاقرأه مني السلام، فلقيته وأقرأته من موسى عليه السلام السلام، وعلمني سفرا " من الانجيل وقال: إن أدركت محمدا " صلى الله عليه وآله فاقرأه مني السلام، فعيسى عليه السلام يا رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ عليك السلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وعلى عيسى روح الله وكلمته وجميع أنبياء الله ورسله ما دامت السماوات والأرض السلام، وعليك يا هام بما بلغت السلام، فارفع إلينا حوائجك. قال: حاجتي أن يبقيك الله لأمتك ويصلحهم لك ويرزقهم الاستقامة لوصيك من بعدك، فان الأمم السالفة إنما هلكت بعصيان الأوصياء وحاجتي يا رسول الله أن تعلمني سورا " من القرآن أصلي بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي علم الهام وارفق به، فقال هام: يا رسول الله صلى الله عليه وآله من هذا الذي ضممتني إليه ؟ فإنا معاشر الجن قد امرنا أن لا نكلم (1) إلا نبيا أو وصي نبي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا هام من وجدتم في الكتاب وصي آدم ؟ قال: شيث بن آدم، قال: من وجدتم وصي نوح ؟ قال: سام بن نوح، قال: فمن كان وصي هود ؟ قال: يوحنا بن خزان (2) ابن عم هود، قال: فمن كان وصي إبراهيم ؟ قال: إسحاق بن إبراهيم (3)، قال فمن كان وصي موسى ؟ قال: يوشع بن نون، قال: فمن كان وصي عيسى عليه السلام ؟ قال: شمعون بن حمون الصفا ابن عم مريم.


(1) في نسخة: ان لا نطيع. (2) في المصدر: " يوحنا بن حنان " وذكر في اثبات الوصية وغيره ان وصى هود ابنه فالغ. (3) ذكر المسعودي في اثبات الوصية: 28، ان وصى ابراهيم اسماعيل وبعده قام اسحاق مقامه.

[101]

قال: فمن وجدتم في الكتاب وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: هو في التوراة " اليا " قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا " اليا " هو علي وصيي، قال الهام: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فله اسم غير هذا ؟ قال: نعم هو حيدرة، فلم تسألني عن ذلك ؟ قال: إنا وجدنا في كتاب الأنبياء أنه في الانجيل " هيدارا " قال: هو " حيدرة " قال: فعلمه علي عليه السلام سورا " من القرآن، فقال هام: يا علي يا وصي محمد صلى الله عليه وآله أكتفي بما علمتني من القرآن ؟ قال: نعم يا هام قليل القرآن (1) كثير، ثم قام هام إلى النبي صلى الله عليه وآله فودعه فلم يعد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبض (2) صلى الله عليه وآله. بيان: قد يستدل بقوله: " قد امرنا أن لا نكلم " الخ، على أن ما يخبر به الناس من كلام الجن كذب ولا يسمع كلامهم غير الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، وفيه نظر لأن كونهم مأمورين بذلك لا يدل على عدم وقوع خلافه، إذ الجن والشياطين ليسوا بمعصومين، مع أن في بعض روايات هذه القصة " لا نطيع " مكان " لا نكلم " وأيضا " الروايات الكثيرة مما أوردنا في هذا الباب وغيرها دلت على وقوع التكلم مع سائر الناس، فلا بد من تأويل فيه، إما بحمله على الكلام على وجه الطاعة والانقياد أو معاينة مع معرفة كونهم من الجن، أو بالتخصيص ببعض الأنواع منهم أو غير ذلك. 63 - البصائر: عن عبد الله بن محمد عن محمد بن إبراهيم عن بشر عن فضالة عن محمد بن مسلم عن المفضل بن عمر قال: حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام مال من خراسان مع رجلين من أصحابه لا يزالا يتفقدان المال حتى مرا بالري فدفع إليهما رجل من أصحابهما كيسا فيه ألف (3) درهم فجعلا يتفقدان في كل يوم الكيس حتى دنيا من المدينة، فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى ننظر ما حال المال، فنظرا فإذا المال على حاله ما خلا كيس الرازي، فقال أحدهما لصاحبه: الله المستعان، ما نقول الساعة لأبي عبد الله عليه السلام ؟ فقال أحدهما: إنه كريم، وأنا أرجو أن يكون علم ما نقول


(1) في المصدر: قليل من القرآن. (2) بصائر الدرجات: 28 قوله: حتى قبض أي رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) في المصدر: فيه الفا درهم.

[102]

عنده، فلما دخلا المدينة قصدا إليه فسلما إليه المال، فقال لهما: أين كيس الرازي ؟ فأخبرا بالقصة، فقال لهما: إن رأيتما الكيس تعرفانه ؟ قالا: نعم، قال: يا جارية علي بكيس كذا وكذا، فأخرجت الكيس فرفعه أبو عبد الله عليه السلام إليهما، فقال: أتعرفانه ؟ قالا: هو ذاك، قال: إنى احتجت في جوف الليل إلى مال فوجهت رجلا من الجن من شيعتنا فأتاني بهذا الكيس من متاعكما (1). 64 - ومنه: عن الحسن بن علي بن عبد الله عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض أصحابنا عن سعد الاسكاف قال: أتيت أبا جعفر عليه السلام اريد الاذن عليه فإذا رواحل على الباب مصفوفة، وإذا أصوات قد ارتفعت، فخرجت علي قوم معتمون بالعمائم يشبهون الزط. قال: فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك يابن رسول الله أبطأ إذنك اليوم ؟ وقد رأيت قوما " خرجوا علي معتمين بالعمائم فأنكرتهم، فقال: أو تدري من أولئك يا سعد ؟ قال: قلت: لا، قال: إخوانك من الجن يأتوننا يسألوننا عن حلالهم وحرامهم ومعالم دينهم (2). 65 - ومنه: عن محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن عمار السجستاني قال: كنت لا أستأذن عليه، يعني أبا عبد الله عليه السلام فجئت ذات يوم وليلة فجلست في فسطاطه بمنى، قال: فاستوذن لشباب كأنهم رجال الزط، فخرج عيسى شلقان فذكرنا له فأذن لي. قال: فقال لي: يا أبا عاصم متى جئت ؟ قلت: قبل أولئك (3) الذين دخلا عليك وما رأيتهم خرجوا، قال: اولئك قوم من الجن فسألوا عن مسائلهم ثم ذهبوا (4). 66 - البصائر ودلائل الامامة للطبري: عن محمد بن الحسين عن إبراهيم ابن أبي البلاد عن سدير الصيرفي قال: أوصاني أبو جعفر عليه السلام بحوائج له بالمدينة،


(1 و 2) بصائر الدرجات: 28. (3) في المصدر: قبيل اولئك. (4) بصائر الدرجات: 28.

[103]

فبينا أنا في فج الروحآء على راحلتي إذا إنسان يلوي بثوبه، قال: فقمت له (1) وظننت أنه عطشان فناولته الأداوة فقال: لا حاجة لي بها، وناولني كتابا طينه رطب، فنظرت إلى الخاتم فإذا خاتم أبي جعفر عليه السلام، فقلت له: متى عهدك بصاحب الكتاب ؟ قال: الساعة. قال: فإذا فيه أشياء يأمرني بها، قال: ثم " التفت " فإذا ليس عندي أحد، قال: فقدم أبو جعفر عليه السلام فلقيته فقلت له: جعلت فداك رجل أتاني بكتاب وطينه رطب، فقال: إذا عجل بنا أمر أرسلت بعضهم يعني الجن. (2)، وفي رواية اخرى: إنا أهل البيت أعطينا أعوانا من الجن إذا عجلت بنا الحاجة بعثناهم فيها (3). 67 - الدلائل: عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم وعلي بن جرير عن منصور بن حازم عن سعد الاسكاف قال: طلبت الاذن على أبي جعفر عليه السلام مع أصحاب لنا لندخل عليه (4) فإذا ثمانية نفر كأنهم من أب وام عليهم ثياب زرابي وأقبية طاقية وعمآئم صفر دخلوا فما احتبسوا حتى خرجوا (5)، فقال لي: يا سعد رأيتهم ؟ قلت: نعم جعلت فداك من هؤلاء ؟ قال: إخوانكم من الجن، أتونا يستفتونا في حلالهم وحرامهم كما تأتونا وتستفتونا في حلالكم وحرامكم، فقلت: جعلت فداك ويظهرون لكم ؟ قال: نعم (6). البصائر: عن محمد بن إسماعيل عن ابن سنان عن ابن مسكان عن سعد مثله (7).


(1) في البصائر: فملت إليه. وفى الدلائل: إذا انا بانسان يتلوني فقمت إلى الاداوة (2) بصائر الدرجات: 27 دلائل الائمة: 100 فيه خلاصة من الحديث. (3) بصائر الدرجات: 27، الموجود فيه هكذا: وزاد فيه محمد بن الحسين بهذا الاسناد: يا سدير اما لنا خدما من الجن فإذا اردنا السرعة بعثناهم. (4) في المصدر: مع اصحاب لى فدخلت عليه. فإذا عن يمينه نفر (5) في المصدر: وعمائم صفر فما لبثوا أن خرجوا. (6) دلائل الائمة 101. (7) بصائر الدرجات: 27. ذكر الصفار في البصائر روايتين عن سعد الاسكاف فالتى - >

[104]

68 - الاختصاص: أبو محمد عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن الأصبغ بن نباته قال: كنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوم الجمعة في المسجد بعد العصر إذ أقبل رجل طوال كأنه بدوي فسلم عليه، فقال له علي عليه السلام: ما فعل جنيك الذي كان يأتيك ؟ قال: إنه ليأتيني إلى أن وقفت بين يديك يا أمير المؤمنين، قال علي عليه السلام: فحدث القوم بما كان منه، فجلس وسمعنا له فقال: إني لراقد باليمن قبل أن يبعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا جني أتاني نصف الليل فرفسني (1) برجله وقال: اجلس، فجلست ذعرا، فقال: اسمع، قلت: وما أسمع ؟ قال: عجبت للجن وإبلاسها * * وركبها العيس بأحلاسها (2) تهوي إلى مكة تبغي الهدى * * ما طاهر الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * * وارم بعينيك إلى رأسها (3) قال: فقلت: والله لقد حدث في ولد هاشم شئ أو يحدث وما أفصح (4) لي،


< - يوافق متنها به هو رواية محمد بن اسماعيل عن على بن حديد عن منصور بن حازم عن سعد الاسكاف الا انه لم يذكر فيها ذيله: فقلت الخ. واما الرواية التى أورد المصنف اسنادها هنا فهى هكذا، سعد الاسكاف قال: طلبت الاذن عن ابى جعفر عليه السلام فبعث إلى لا تعجل فان عندي قوما من اخوانكم فلم البث ان خرج على اثنا عشر رجلا يشبهون الزط عليهم اقبية طبقين وخفاف فسلموا ومروا ودخلت على ابى جعفر عليه السلام قلت: جعلت فداك من هؤلاء الذين خرجوا من عندك ؟ قال: هؤلاء قوم من اخوانكم من الجن، قلت: ويظهرون لكم ؟ قال: نعم. (1) رفسه: ضربه في صدره. (2) العيس بالكسر: الابل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة. والاحلاس جمع حلس وهو كساء يطرح على ظهر البعير. (3) الضمير يرجع إلى القبيلة. (4) أي ما بين مراده ولا اوضحه.

[105]

وإني لأرجو أن يفصح لي، فأرقت (1) ليلتي وأصبحت كئيبا، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله وقال: اجلس فجلست ذعرا، فقال: اسمع فقلت: وما أسمع ؟ قال: عجبت للجن وأخبارها * * وركبها العيس بأكوارها (2) تهوي إلى مكة تبغي الهدى * * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * * بين روابيها (3) وأحجارها فقلت: والله لقد حدث في ولد هاشم أو يحدث، وما أفصح لي وإني لأرجو أن يفصح لي، فأرقت ليلتي وأصبحت كئيبا، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله وقال: اجلس فجلست وأنا ذعر، فقال: اسمع، قلت: وما أسمع ؟ قال: عجبت للجن وإلبابها * * وركبها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * * ما صادقوا الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم * * أحمد إذ هو خير أربابها (4) قلت: عدو الله (5) أفصحت، فأين هو ؟ قال: ظهر بمكة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا " رسول الله، فأصبحت ورحلت ناقتي ووجهتها قبل مكة فأول ما دخلتها لقيت أبا سفيان، وكان شيخا ضالا فسلمت عليه وسألته عن الحي، فقال: والله إنهم مخصبون إلا أن يتيم أبي طالب قد أفسد علينا ديننا، قلت: وما اسمه ؟ قال: محمد، أحمد، قلت: وأين هو ؟ قال: تزوج بخديجة ابنة (6) خويلد فهو عليها نازل


(1) ارق: ذهب عنه النوم في الليل. (2) الاكوار جمع الكور بالضم وهو الرحل باداته. (3) الروابي جمع الرابية: ما ارتفع من الارض. (4) في نسخة: ليس قداماها كاذبا بها. (5) في المصدر: قلت: قد والله افصحت. (6) في نسخة: بنت.

[106]

فأخذت بخطام ناقتي ثم انتهيت إلى بابها فعقلت ناقتي ثم ضربت الباب فأجابتني: من هذا ؟ فقلت: أنا أردت محمدا، فقالت: اذهب إلى عملك (1)، فقلت: يرحمك الله إني رجل أقبلت من اليمن وعسى الله أن يكون من علي به فلا تحرميني النظر إليه، و كان صلى الله عليه وآله رحيما " فسمعته يقول: يا خديجة افتحي الباب، ففتحت، فدخلت فرأيت النور في وجهه ساطعا " نور في نور ثم درت خلفه فإذا أنا بخاتم النبوة معجون (2) على كتفه الأيمن فقبلته، ثم قمت بين يديه وأنشأت أقول: اتاني نجي (3) بعد هدء ورقدة * * ولم يك فيما قد تلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * * أتاك رسول من لوءي بن غالب فشمرت من ذيلي الازار ووسطت * * بي الذعلب الوجناء بين السباسب (4) فمرنا بما يأتيك يا خير قادر * * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب (5) وأشهد أن الله لا شئ غيره * * وأنك مأمون (6) على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة * * إلى الله يابن الأكرمين الأطائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * * إلى الله يغني عن سواد بن قارب وكان اسم الرجل سواد بن قارب (7) فرحت والله مؤمنا به صلى الله عليه وآله ثم " خرج إلى صفين


(1) في المصدر وفى ابواب المعجزات: اذهب إلى عملك ما تذرون محمدا يأويه ظل بيت قد طردتموه وهربتموه وحصنتموه اذهب إلى عملك. قلت. (2) في المصدر: مختوم. (3) النجى: المحدث، وفى المصدر: [بجنى] والهدء: السكون. (4) الذعلب: الناقة القوية. والوجناء: الناقة الصلبة. والسباسب جمع سبسب وهو القفر والمفازة. (5) في المصدر: [فيما جاتشيب الذوائب] فعليه: جا مخفف جاء، والمعنى أي قبلنا وصدقنا بما يأتيك به الوحى من الله وان كان فيه امور شداد تشيب منها الذوائب والذوائب جمع الذؤابة أي الناصية. (6) في نسخة من الكتاب وفى المصدر: مأمور. (7) التفسير من صاحب كتاب الاختصاص أو من الروات.

[107]

فاستشهد مع أمير المؤمنين (1) عليه السلام. أقول: قد مر شرحه في المجلد السادس في أبواب المعجزات (2). 69 - ووجدته في كتاب مسلم بن محمود مرويا عن ابن عباس قال: وفد سوادة ابن قارب على عمر بن الخطاب وسلم عليه فرد عليه السلام وقال عمر: يا سوادة ما بقي من كهانتك ؟ فغضب وقال: ما أظنك استقبلت بهذا الكلام غيري، فلما رأى عمر الكراهة في وجهه قال: يا سوادة إن الذي كنا عليه من عبادة الأوثان أعظم من الكهانة، فحدثني بحديث كنت أشتهي أن أسمعه منك، قال: نعم بينا أنا في إبلي بالسراة وكان لي نجي من الجن يأتيني بالأخبار، وإنى لنائم ذات ليلة إذ وكزني برجله، فقال: قم يا سوادة فقد ظهر الداعي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، فقلت: أنا ناعس، فرجع عني وهو يقول: عجبت للجن وتسيارها * * وشدها العيس بأكوارها إلى قوله: وأحجارها، فلما كان في الليلة الثانية أتاني فقال لي: مثل ذلك (3) فقلت: أنا ناعس (4) فولى عني وأنشأ يقول: عجبت للجن وقطرابها (5) * * وحملها العيس بأقتابها إلى قوله: من هاشم * * ليس قداماها كأذنابها. فلما كانت في الليلة الثالثة، قال لي: مثل مقالته الأولى فقلت: أنا ناعس فتولى عني وهو يقول:


(1) الاختصاص: 181 - 183. وفى نسخة منه: فرجعت. (2) المجلد 18: 98 - 100 من طبعنا هذا. (3) في نسخة: مثل ذلك القول. (4) نعس الرجل: أخذته فترة في حواسه فقارب النوم. (5) في نسخة: [وتطرا بها] والقطرب: ذكر الغيلان وصغار الجن، وقطرب: أسرع.

[108]

عجبت للجن وتحساسها (1) * * وشدها العيس بأحلاسها إلى قوله: إلى رأسها. فلما أصبحت أنفذت إلى راحلة من إبلي فركبت عليها حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فمثلت بين يديه وأنشأت أقول: أتاني نجي بعد هدء ورقدة * * ولم يك فيما قد عهدت بكاذب إلى قوله: غالب. فشمرت عن ساقي الازار وأرقلت * * بي الذعبل الوجناء بين السباسب فمرني بما أحببت يا خير مرسل * * ولو كان فيما قلت شيب الذوائب إلى قوله: لا ذو شفاعة * * سواك بمغن عن سواد بن قارب (2) 70 - كتاب محمد بن المثني بن القاسم: عن عبد السلام بن سالم عن ابن أبي البلاد (3) عن عمار بن عاصم السجستاني قال: جئت إلى باب أبي عبد الله وأردت أن لا أستأذن عليه فأقعد فأقول: (4) لعله يراني بعض من يدخل فيخبره فيأذن لي، قال: فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه شباب ادم في ازر وأردية ثم لم أرهم خرجوا، فخرج عيسى شلقان فرآني فقال: يا أبا عاصم أنت ههنا ؟ فدخل فاستأذن لي فدخلت عليه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: منذ متى أنت ههنا يا عمار ؟ قال: فقلت: من قبل أن يدخل عليك الشباب الأدم، ثم لم أرهم خرجوا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هؤلاء قوم من الجن جاؤا يسألون عن أمر دينهم. 71 - الدر المنثور: عن أبي عامر المكي قال: خلق الملائكة من نور، وخلق


(1) ذكره المصنف قبلا في ابواب المعجزات عن رواية اخرى وفيها: تجساسها. (2) كتاب مسلم بن محمود ليس عندي. وذكر القصة المصنف في ابواب المعجزات بصورة اخرى راجعها. (3) في المصدر: عن ابى البلاد. (4) في المصدر: وأقول. (5) الاصول الستة عشر: 92.

[109]

الجان من نار، وخلق البهائم من ماء، وخلق آدم من طين، فجعل الطاعة في الملائكة والبهائم (1)، وجعل المعصية في الانس والجن (2). 72 - تفسير النيسابوري: روى الزهري عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: بينا النبي صلى الله عليه وآله جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا ؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يرمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم، ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون، فما جاؤا به فهو حق ولكنهم يزيدون (3). 73 كتاب زيد الزراد: قال: حججنا سنة فلما صرنا في خرابات المدينة بين الحيطان افتقدنا رفيقا لنا من إخواننا، فطلبناه فلم نجده، فقال لنا الناس بالمدينة: إن صاحبكم اختطفته الجن، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأخبرته بحاله وبقول أهل المدينة، فقال: اخرج إلى المكان الذي اختطف، أو قال: افتقد، فقل بأعلى صوتك يا صالح بن علي، إن جعفر بن محمد يقول لك: أهكذا عاهدت وعاقدت الجن علي ابن طالب ؟ اطلب فلانا حتى تؤديه إلى رفقائه، ثم قل: يا معشر الجن عزمت عليكم بما عزم عليكم علي بن أبي طالب عليه السلام لما خليتم عن صاحبي وأرشدتموه إلى الطريق. قال: ففعلت ذلك فلم ألبث إذا بصاحبي قد خرج علي من بعض الخرابات فقال:


(1) اقتصر في المصدر بذكر الملائكة، ولعل لفظة: البهائم، اسقطت عن المطبوع. (2) الدر المنثور 1: 51 فيه: اخرج ابن ابى حاتم عن محمد بن عامر المكى قال خلق الله. (3) تفسير النيسابوري.. ليست نسخته عندي.

[110]

إن شخصا تراءى لي ما رأيت صورة إلا وهو أحسن (1) منها، فقال: يا فتى أظنك تتولى آل محمد صلى الله عليه وآله ؟ فقلت: نعم فقال: إن هيهنا رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله هل لك أن توجر وتسلم عليه ؟ فقلت: بلى، فأدخلني من هذه الحيطان (2) وهو يمشي أمامي. فلما أن سار غير بعيد نظرت فلم أر شيئا " وغشي على فبقيت مغشيا علي لا أدري أين أنا من أرض الله حتى كان الآن، فإذا قد أتاني آت وحملني حتى أخرجني إلى الطريق، فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بذلك فقال: ذلك الغوال، (3) أو الغول نوع من الجن يغتال الانسان، فإذا رأيت الشخص الواحد فلا تسترشده وإن أرشدكم فخالفوه (4) وإذا رأيته في خراب وقد خرج عليك أو في فلاة من الأرض فأذن في وجهه وارفع صوتك وقل: " سبحان الذي جعل في السماء نجوما رجوما (5) للشياطين، عزمت عليك يا خبيث بعزيمة الله التي عزم بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ورميت بسهم الله المصيب الذي لا يخطئ، وجعلت سمع الله على سمعك وبصرك، وذللتك بعزة الله، وقهرت سلطانك بسلطان الله، يا خبيث لا سبيل لك " فانك تقهره إن شاء الله وتصرفه عنك. فإذا ضللت الطريق فأذن بأعلى صوتك وقل: " يا سيارة الله دلونا على الطريق يرحمكم الله أرشدونا يرشدكم الله " فإن اصبت وإلا فناد: " يا عتاة الجن ويا مردة الشياطين أرشدوني ودلوني على الطريق وإلا أشرعت (6) لكم بسهم الله المصيب إياكم عزيمة علي أبي طالب، يا مردة الشياطين " إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان مبين " الله غالبكم


(1) في المصدر: احسن منه. (2) في المصدر: بين هذه الحيطان. (3) هكذا في الكتاب ومصدره ولعله مصحف والصحيح: ذلك الغول. (4) في نسخة من المصدر: فخالفه. (5) في المصدر: ورجوما. (6) في المصدر: انتزعت (اسرعت خ ل).

[111]

بجنده الغالب، وقاهركم بسلطانه القاهر، ومذللكم بعزته المتين، فان تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " وارفع صوتك بالاذان ترشد وتصيب الطريق إن شاء الله (1). 74 - ومنه: قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: الجن يخطفون الانسان ؟ فقال: ما لهم إلى ذلك سبيل، لمن تكلم بهذه الكلمات وذكر الدعاء (2). 75 - الدر المنثور: عن طارق بن (3) حبيب قال: كنا جلو سامع عبد الله عمرو بن العاص في الحجر، إذ قلص (4) الظل وقامت المجالس إذا نحن ببريق أيم طالع من هذا الباب يعني باب بني شيبة - والأيم: الحية الذكر - فاشرأبت له أعين الناس، فطاف بالبيت سبعا وصلى ركعتين وراء المقام فقمت إليه فقلنا: أيها المعتمر قد قضى الله نسكك، وإنما بأرضنا عبيد (5) وسفهاء، وإنما نخشى عليك منهم، فكوم برأسه كومة بطحاء فوضع ذنبه عليها فسما في السماء حتى ما نراه (6). 76 - وأخرج الأزرقي عن أبي الطفيل قال: كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى وكان لها ابن ولم يكن لها ولد غيره فكانت تحبه حبا شديدا وكان شريفا في قومه فتزوج وأتى زوجته، فلما كان يوم سابعة قال لأمه: يا امه إني اريد أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا، قالت له امه: أي " بني " إني أخاف عليك سفهاء قريش فقال: أرجو السلامة فأذنت له فولى في صورة جان فمضى نحو الطواف فطاف بالبيت


(1) الاصول الستة عشر: 11 و 12. (2) الاصول الستة عشر: 9 والدعاء طويل. (3) في المصدر: طلق بن حبيب، وهو الصحيح ترجمه ابن حجر في تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب وقال: طلق بسكون اللام ابن حبيب العنزي بصرى صدوق عابد رمى بالارجاء مات بعد التسعين. (4) قلص الظل: انقبض. (6) في المصدر: وان بارضنا عبيدا وسفهاء. (6) الدر المنثور 1: 120.

[112]

سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ثم أقبل منقلبا فعرض له شاب من بني سهم فقتله فثارت بمكة غبرة حتى لم تبصر لها الجبال، قال أبو الطفيل: وبلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عن موت عظيم (1) من الجن، قال: فأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قتلى الجن فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى الشباب (2). 77 - وعن ابن مسعود قال: خرج رجل من الانس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني ؟ فان صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه الانسي، فقال: تقرأ آية الكرسي، فانه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان له خبج كخبج الحمار (3). 78 - وعن معاذ بن جبل (4) قال: ضم إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمر الصدقة فجعلته في غرفة لي فكنت أجد فيه كل يوم نقصانا فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: هو عمل الشيطان فارصده فرصدته ليلا، فلما ذهب هوي من الليل أقبل على صورة الفيل فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت على ثيابي فتوسطته فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فاخذته وكانوا أحق به منك لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيفضحك، فعاهدني أن لا يعود. فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك ؟ فقلت: عاهدني أن لا يعود ؟ فقال: إنه عائد فارصده، فرصدته الليلة الثانية ففعل مثل ذلك (5) فعاهدني أن لا يعود


(1) في المصدر: عند موت. (2) الدر المنثور 1: 120. (3) الدر المنثور 1: 323 فيه: اخرج ابو عبيد في فضائله والدارمى والطبراني و ابو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي عن ابن مسعود. (4) في المصدر: اخرج ابن ابى الدنيا في مكائد الشيطان ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وابو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن معاذ بن جبل. (5) في المصدر: فصنع مثل ذلك وصنعت مثل ذلك فعاهدني.

[113]

فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: إنه عائد فارصده، فرصدته الليلة الثالثة فصنع مثل ذلك وصنعت مثل ذلك فقلت: يا عدو الله عاهدتني مرتين وهذه الثالثة. فقال: إني ذو عيال وما أتيتك إلا من نصيبين ولو أصبت شيئا دونه ما أتيتك ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم فلما نزلت عليه آيتان نفرنا (1) منها فوقعنا بنصيبين، ولا يقرأن في بيت إلا لم يلج فيها شيطان ثلاثا، فان خليت سبيلي علمتكهما، قلت: نعم، قال: آية الكرسي وآخر سورة البقرة: " آمن الرسول " إلى آخرها، فخليت سبيله، قم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بما قال، فقال: صدق الخبيث وهو كذوب، قال: فكنت أقرأهما عليه بعد ذلك فلا أجد فيه نقصانا " (2). 79 - وعن ابن عباس (3) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله نازلا " على أبي أيوب في غرفة وكان طعامه في سلة في المخدع، فكانت تجئ من الكوة كهيئة السنور تأخذ الطعام من السلة، فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: تلك الغول، فإذا جاءت فقل: " عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا تبرحي " فجاءت فقال لها أبو أيوب: " عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا تبرحي " فقالت: يا أبا أيوب دعني هذه المرة فوالله لا أعود، فتركها. ثم قالت: هل لك أن اعلمك كلمات إذا قلتهن لا يقرب بيتك شيطان تلك الليلة وذلك اليوم ومن الغد ؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ آية الكرسي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره فقال: صدقت وهي كذوب (4). 80 - وعن حمزة الزيات (5) قال: خرجت ذات ليلة اريد الكوفة فآواني


(1) في المصدر: انفرتنا منها. (2) الدر المنثور 1: 324. (3) في المصدر: اخرج الحاكم عن ابن عباس. (4) الدر المنثور 1: 325، وذكر فيه حكايات أخر. (5) في المصدر: اخرج ابو الشيخ في العظمة عن حمزة.

[114]

الليل إلى خرابة فدخلتها فبينما، أنا فيها إذ دخل علي عفريتان من الجن فقال أحدهما لصاحبه: هذا حمزة بن حبيب الزيات الذي يقرئ الناس بالكوفة، قال: نعم والله لاقتلنه، قال: دعه المسكين يعيش، قال: لأقتلنه، فلما أزمع على قتلي قلت: " بسم الله الرحمن الرحيم شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة " إلى قوله: " العزيز الحكيم وأنا على ذلك من الشاهدين " فقال له صاحبه: دونك الآن فاحفظه راغما " إلى لصباح (1). 81 - وعن ابن عباس قال: الخلق أربعة: فخلق في الجنة كلهم، وخلق في النار كلهم، وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالجن والانس لهم الثواب وعليهم العقاب (2). 82 - وعن أبي ثعلبة (3)، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون (4) 83 - وعن وهب (5) أنه سئل عن الجن هل يأكلون ويشربون، أو يموتون أو يتناكحون ؟ قال: هم أجناس، أما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون. ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون وهي هذه التي منها


(1) الدر المنثور 2: 12. (2) الدر المنثور 3: 46 فيه: اخرج ابو الشيخ عن ابن عباس. (3) في المصدر: واخرج الحكيم الترمذي في نوادر الاصول وابن ابى حاتم وابو الشيخ والطبراني والحاكم واللالكانى في السنة والبيهقي في الاسماء والصفات عن ابى ثعلبة الخشنى. (4) الدر المنثور 3: 46. (5) في المصدر: اخرج ابن جرير عن وهب ابن منبه. وفيه: ويموتون ويتناكحون فقال.

[115]

السعالى والغول وأشباه ذلك (1). 84 - وعن يزيد بن جابر قال: ما من أهل بيت من المسلمين إلا وفي سقف بيتهم أهل بيت من الجن من المسلمين، إذا وضع غداؤهم نزلوا وتغدوا، وإذا وضع عشاؤهم نزلوا فتعشوا معهم (2). 85 - وعن عكرمة بن خالد قال: بينما أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس إذا نفز يطوفون عليهم ثياب بيض لم أر بياض ثيابهم بشئ قط، فلما فرغوا صلوا قريبا مني، فالتفت بعضهم فقال لأصحابه: اذهبوا بنا نشرب من شراب الأبرار فقاموا فدخلوا زمزم فقلت: والله لو دخلت على القوم فسألتهم، فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر (3). 86 - وعن الزبير في قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا " من الجن يستمعون القرآن " قال: بنخلة رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبدا ". 87 - وعن ابن مسعود قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وآله وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: " أنصتوا (4) " وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله " وإذ صرفنا إليك نفرا " الآية (5). 88 - وعن ابن عباس قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله


(1) الدر المنثور 3: 47. (2) الدر المنثور 3: 47 فيه: اخرج ابو الشيخ عن يزيد بن جابر. أقول: يوجد فيه حكايات أخر. (3) الدر المنثور 6: 46 فيه: اخرج احمد وابن ابى حاتم وابن مردويه عن الزبير. (4) في المصدر: قالوا: انصتوا قالوا: صه. (5) الدر المنثور 6: 44: فيه اخرج ابن ابى شيبه وابن منيع والحاكم وصححه وابن مردويه وابو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن مسعود.

[116]

صلى الله عليه وآله رسلا إلى قومهم (1). 89 - وعنه أيضا قال: صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين وكانوا أشراف الجن بنصيبين (2). 90 - وعن ابن مسعود أنه سئل أين قرأ رسول الله على الجن ؟ قال: قرأ عليهم بشعب يقال له: الحجون (3). 91 - وعن عكرمة قال: كانوا اثني عشر ألفا جاؤا من جزيرة الموصل (4). 92 - وعن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجا فلما كان بالعرج إذا نحن بحية تضطرب، فما لبثت أن ماتت فلفها رجل في خرقة فدفنها، ثم قدمنا مكة فانا لبالمسجد الحرام إذ وقف علينا شخص فقال: أيكم صاحب عمرو ؟ قلنا: ما نعرف عمرا، قال: أيكم صاحب الجان ؟ قالوا: هذا، قال: أما إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله يستمعون القرآن (5). 93 - وعن كعب الاحبار قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة (6) جاؤا قومهم منذرين، فخرجوا بعد وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم


(1) الدر المنثور 6: 44 فيه: اخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس واذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الاية قال. (2) الدر المنثور: 44 فيه: واخرج الطبراني في الاوسط وابن مردويه عن ابن عباس. (3) الدر المنثور 6: 44 فيه: اخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود. (4) الدر المنثور 6: 45 فيه: اخراج ابن ابى حاتم عن عكرمة في قوله: واذ صرفنا اليك نفرا من الجن قال. (5) الدر المنثور 6: 45 فيه: اخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه عن صفوان ابن المعطل. (6) في المصدر ؟ وهم فلان وفلان وفلان والاردوانيان والاحقب.

[117]

ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأخضب (1) فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقوك، فواعده رسول الله لساعة من الليل بالحجون (2). 94 - وعن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: ما لي أراكم سكوتا ؟ لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كلما أتيت على قوله: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " فقالوا: ولا بشئ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد (3). وعن ابن عمر أيضا مثله (4). 95 - وعن عبد الملك قال: لم تحرس الجن في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حرست السماء الدنيا ورميت الجن بالشهاب واجتمعت إلى إبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فتعرفوا فأخبرونا ما هذا الحدث، فبعث هؤلاء النفر إلي تهامة وإلى جانب اليمن وهم أشراف الجن وسادتهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الغداة بنخلة، فسمعوه يتلوا القرآن، فلما حضروه قالوا: " أنصتوا، فلما قضى " يعني بذلك أنه فرغ من صلاة الصبح " ولوا إلى قومهم منذرين " مؤمنين لم يشعر بهم حتى نزل: " قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " يقال: سبعة من أهل نصيبين (5).


(1) في المصدر: " فجاء الاحقب " وفيه: يلقونك. (2) الدر المنثور 6: 45 فيه: " اخرج الواقدي وابو نعيم عن كعب " أقول: يوجد فيه حكايات اخر لم يذكرها المصنف. (3) الدر المنثور 6: 140 فيه: اخرج الترمذي وابن المنذر وابو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله. (4) الدر المنثور 6: 140 فيه: اخرج البزاز وابن جرير وابن المنذر والدار - قطني في الافراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه بسند صحيح عن ابن عمر. وفيه: لا بشئ من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. (5) الدر المنثور 6: 270 فيه: اخرج ابن المنذر عن عبد الملك

[118]

96 - وعن سهل بن عبد الله قال: كنت في ناحية ديار عاد إذ رأيت مدينة من حجر منقور في وسطها قصر من حجارة تأويه الجن، فدخلت فإذا شيخ عظيم الخلق يصلي نحو الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة، فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبي من طراوة جبته، فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال: يا سهل إن الابدان لا تخلق الثياب وإنما تخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت، وإن هذه الجبة علي منذ سبعمائة سنة لقيت بها عيسى ومحمدا صلى الله عليه وآله فآمنت بهما، فقلت له: ومن أنت ؟ قال: أنا من الذين نزلت فيهم: " قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " (1). 97 - وعن عبد الله بن مسعود في قوله: " قل اوحى إلي أنه استمع نفر من الجن " قال: كانوا من جن نصيبين (2). 98 - وعن كردم ابن أبي السائب الانصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، فآويت إلى راعي غنم (3) فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك (4) فنادى مناد لا نراه: ياسرحان أرسل، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن " الآية (5). 99 - وعن ابن عباس أن رجلا من بني تميم كان جريا على الليل والرمال (6)


(1) الدر المنثور 6: 270 فيه: اخرج ابن الجوزى في كتاب صفوة الصفوة بسنده عن سهل. (2) الدر المنثور 6: 270 قد سقط الحديث من المطبوع وبقى قوله: قال: كانوا من جن نصيبين. (3) في المصدر: فآوانا المبيت إلى راعى غنم. (4) في المصدر: انا جار دارك. وفيه: ارسله. (5) الدر المنثور 6: 271 فيه اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم والعقيلي في الضعفاء والطبراني وابو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن كردم. (6) في المصدر [جريئا على الليل والرجال] أقول: لعل الصحيح: الرحال.

[119]

وأنه سار ليلة فنزل في أرض مجنة فاستوحش فعقل راحلته ثم توسد ذراعها وقال " أعوذ بأعز أهل هذا الوادي (1) من شر أهله " فأجاره شيخ منهم وكان فيهم شاب وكان سيدا في الجن فغضب الشاب لما أجاره الشيخ، فأخذ حربة له قد سقاها السم لينحر بها ناقة الرجل، فتلقاه الشيخ دون الناقة، فقال: يا مالك بن مهلهل مهلا * * فذلك محجري وإزاري عن ناقة الانسان لا تعرض لها * * فاكفف يمينك راشدا عن جاري (2) تسعى إليه بحربة مسمومة * * أف لقربك يا أبا القيطار (3) وأنشد أبياتا أخر في ذلك، فقال الفتى: أردت أن تعلو وتخفض ذكرنا * * في غير مرزية أبا الغيراري (4) متنحلا أمرا لغير فضيلة * * فارحل فان المجد للمراري 5) من كان منكم سيدا في ما مضى * * إن الخيار هم بنو الأخيار فاقصد لقصدك يامعيكر إنما * * كان المجير مهلهل بن دياري فقال الشيخ: صدقت كان أبوك سيدنا وأفضلنا، دع هذا الرجل لا أنازعك بعده أحدا، فتركه فأتى الرجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وقص عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أصاب أحدا منكم وحشة أو نزل بأرض مجنة فليقل: " أعوذ بكلمات الله التامات


(1) في المصدر: ذراعيها، وقال: اعوذ بسيد هذا الوادي. (2) في المصدر هكذا: عن ناقة الانسان لا تعرض لها * * واختر إذا ورد المها اثواري انى ضمنت له سلامة رحله * * فاكفف يمينك راشدا عن جارى ولقد اتيت إلى ما لم احتسب * * الا رعيت قرابتي وجواري (3) ذكر في المصدر بيتا آخر هو: لولا الحياء وان اهلك جيرة * * لنمزقنك بقوة اظفاري (4) في المصدر: أتريد. وفيه: أبا العيزار. (5) في المصدر: للمرار. فيه: بنو الاخيار وفيه: مهلهل بن وبار.

[120]

التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن الليل ومن طوارق النهار إلا طارقا يطرق بخير " فأنزل الله في ذلك: " وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ". قال أبو نصر: غريب جدا لم نكتبه إلا من هذا الوجه (1). 100 - وعن سعيد بن جبير أن رجلا من بني تميم يقال له: رافع بن عمير حدث عن بدء إسلامه قال: إني لاسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبني النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومي، وقلت: " أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن " فرأيت في منامي رجلا بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعا فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت: هذا حلم، ثم عدت فغفوت (2) فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا، فإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك. فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب، والتفت فإذا برجل شاب كالذي رأيته في المنام بيده حربة، ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها، فبينما هما يتنازعان إذا طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الانسي فقام الفتى فأخذ منها ثورا (3) وانصرف، ثم التفت إلي الشيخ وقال: يا هذا إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل: " أعوذ بالله رب محمد صلى الله عليه وآله من هول هذا الوادي " ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها، فقلت له: ومن محمد هذا ؟ قال: نبي عربي لا شرقي ولا غربي بعث يوم الاثنين، قلت: أين مسكنه ؟ قال: يثرب ذات النخل. فركبت راحلتي حين ترقى لى الصبح (4)، وجددت السير حتى أتيت المدينة


(1) الدر المنثور 6: 271 فيه: اخرج ابو نصر السجزى في الابانة من طريق مجاهد عن ابن عباس. (2) غفا يغفو: نعس. نام نومة خفيفة. (3) في المصدر: ثورا عظيما. (4) في المخطوطة: [حين ترقى لى الصبح] وفى المصدر: حين برق الصبح.

[121]

فرآني رسول الله صلى الله عليه وآله فحدثني بالحديث قبل أن أذكر له منه شيئا، ودعاني إلى الاسلام فأسلمت، قال سعيد بن جبير: وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " (1). 101 - وعن ابن عباس في قوله: " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن " قال: كان رجال من الانس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي " فزادوهم رهقا (2). 102 - وعن الحسن في قوله: " وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن " قال: كان أحدهم فإذا نزل الوادي قال: " أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه " فيأمن في نفسه يومه وليلته (3). 103 - وعن ربيع بن أنس: " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " قال: كانوا يقولون: فلان رب هذا الوادي من الجن، فكان أحدهم إذا دخل ذلك الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله فيزيده بذلك رهقا، أي خوفا (4). 104 - وعن ابن عباس قال: كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زاد فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لابليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم: ما هذا إلا من أمر (5) حدث في الارض، فبعث


(1) الدر المنثور 6: 272 فيه: اخرج الخرائطي في كتاب الهواتف عن سعيد ابن جبير. (2) الدر المنثور 6: 272 فيه: اخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس. (3) الدر المنثور 6: 272 فيه: اخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن وفيه: إذا نزل. (4) الدر المنثور 6: 272 فيه: اخرج عبد بن حميد عن الربيع بن انس. (5) في المصدر: ما هذا الامر الا لامر حدث.

[122]

جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله قائما يصلي بين جبلين بمكة (1) فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض (2) 105 - وعن ابن عباس قال: لم يكن السماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله حرست السماء الدنيا حرسا شديدا ورجمت الشياطين فأنكروا ذلك فقالوا: " لا ندري أشر اريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ". فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمعت إليه الجن فقال: تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الحد ث الذي حدث في السماء، وكان أول بعث بعث ركب من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم فبعثهم إلى تهامة فاندفعوا حتى (3) تلقوا الوادي وادي نخلة، فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوا، فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: " أنصتوا " ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وآله يعلم أنهم استمعوا له وهو يقرأ القرآن " فلما قضي " يقول: فلما فرغ من الصلاة " ولوا إلى قومهم منذرين " يقول: مؤمنين (4). 106 - وعن ابن عمر قال: لما كان اليوم الذى تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب (5). 107 - وعن ابن عباس قال: كانت الجن قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستمعون


(1) في المصدر: بين جبلى نخلة. (2) الدر المنثور 6: 273 فيه: اخرج ابن ابى شيبة واحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه وابو نعيم والبيهقي معا في دلائل النبوة عن ابن عباس. (3) في المصدر: حتى بلغوا. (4) الدر المنثور 6: 273 فيه: اخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لم تكن. (5) الدر المنثور: 6: 273 فيه: اخرج الواقدي وابو نعيم في الدلائل عن ابن عمرو.

[123]

من السماء، فلما بعث حرست فلم يستطيعوا أن يستمعوا فجاؤا إلى قومهم يقول للذين (1) لم يستمعوا فقالوا: " إنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا " وهم الملائكة " وشهبا " وهي الكواكب " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " يقول: نجما قد أرصد له يرمى به، قال: فلما رموا بالنجوم قالوا لقومهم: " أنا لا ندري أشر اريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا " (2). 108 - وعن الأعمش قال: قالت الجن: يا رسول الله أتأذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك ؟ فأنزل الله: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " يقول: صلوا لا تخالطوا الناس (3). 109 - وعن سعيد بن جبير قال: قالت الجن للني صلى الله عليه وآله: كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤن عنك ؟ وكيف نشهد الصلاة ونحن ناؤن عنك ؟ فنزلت: " وأن المساجد لله " الآيه (4). 110 - وعن ابن مسعود قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الهجرة إلى نواحى مكة فخط لي خطا وقال: لا تحدثن شيئا حتى آتيك ثم قال: لا يهولنك شئ تراه فتقدم شيئا ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط وكانوا كما قال الله: " كادوا يكونون عليه لبدا " (5). 111 - وعن ابن عباس في قوله: " وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا " قال: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وآله يتلوا القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه، (6) فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرأ: " قل اوحي إلي أنه استمع


(1) في المصدر: يقولون. (2) الدر المنثور 6: 273 فيه: اخرج ابن مردويه عن ابن عباس. (3) الدر المنثور 6: 274 فيه: اخرج ابن ابى حاتم عن الاعمش. (4) الدر المنثور 6: 274 فيه: اخرج ابن جرير عن سعيد. وفيه: أو كيف. (5) الدر المنثور 6: 274 فيه: اخرج ابو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود. (6) في المصدر: لما سمعوه يتلو القرآن ودنوا منه فلم يعلم.

[124]

نفر من الجن " (1). 112 - وعن ابن عباس في قوله: " وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا " قال: لما أتى الجن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له، فقالوا لقومهم: لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (2). 113 - وعن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطا ثم تقدم إليهم فازدادوا عليه (3)، فقال سيدهم يقال له: وردان: ألا أرحلهم عنك يا رسول الله ؟ فقال: إنه لن يجيرني من الله أحدا (4). بيان: قال الفيروز آبادي: الايم ككيس، الحية الأبيض اللطيف، أو عام كالايم بالكسر، وقال: اشرأب إليه: مد عنقه لينظر أو ارتفع، وقال: كوم التراب تكويما: جعله كومة كومة، بالضم: أي قطعة قطعة ورفع رأسها، وقال في النهاية: في حديث عمر: إذا اقيمت الصلاة ولى الشيطان وله خبج، " الخبج " بالتحريك: الضراط، ويروى بالحاء المهملة، وفي حديث آخر: من قرأ آية الكرسي خرج الشيطان وله خبج كخبج الحمار. وقال: الهوي بالفتح: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص بالليل " فتوسطته " أي دخلت وقمت وسط البيت، وفي النهاية: المخدع هو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير وتضم ميمه وتفتح.


(1) الدر المنثور 6: 275 فيه: اخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس. (2) الدر المنثور 6: 275 فيه: اخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس. (3) في المصدر: فازدحموا عليه. (4) الدر المنثور 6: 275 فيه: اخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود. اقول: وقد ذكر فيه حكايات وروايات كثيرة لم يذكرها المصنف.

[125]

وقال: فيه لا غول ولا صفر ولكن السعالى، هي جمع سعلاة وهم سحرة الجن أي أن الغول لا تقدر على أن تغول أحدا أو تضله، ولكن في الجن سحرة كسحرة الانس لهم تلبيس وتخييل، وفي القاموس: الزوبعة " اسم شيطان أو رئيس للجن، و منه سمي الاعصار زوبعة، وقال: " الحجون " جبل بمعلاة مكة. 114 - حياة الحيوان: روى البيهقي في دلائل النبوة عن أبي دجانة واسمه سماك بن خرشة قال: شكوت إلى النبي صلى الله عليه وآله أني نمت في فراشي فسمعت صريرا كصرير الرحا، ودويا كدوي النحل، ولمعانا كلمع البرق، فرفعت رأسي فإذا أنا بظل أسود يعلو ويطول بصحن داري، فمسست جلده فإذا هو كجلد القنفذ فرمى في وجهي مثل شرر النار، فقال صلى الله عليه وآله: عامر دارك يا أبا دجانة، ثم طلب دواة وقرطاسا، وأمر عليا عليه السلام أن يكتب " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من رسول رب العالمين إلى من طرق الدار (1) من العمار والزوار إلا طارقا يطرق بخير، أما بعد: فان لنا ولكم في الحق سعة فان يكن عاشقا مولعا أو فاجر مقتحما فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، إن رسلنا (2) يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام وإلى من يزعم أن مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، حم لا يبصرون، حمعسق، تفرق أعداء الله، وبلغت حجة الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ". قال أبو دجانة: فأخذت الكتاب وأدرجته وحملته إلى داري وجعلته تحت رأسي فبت ليلتي فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة أحرقتنا بهذه الكلمات فبحق صاحبك إلا ما رفعت عنا هذا الكتاب، فلا عود لنا في دارك ولا في جوارك ولا


(1) في المصدر: يطرق. (2) في المصدر: ورسلنا.

[126]

في موضع يكون فيه هذا الكتاب، قال أبو دجانة: (1) لا أرفعه حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله. قال أبو دجانة: ولقد طالت علي ليلتي مما سمعت من أنين الجن وصراخهم وبكائهم حتى أصبحت، فغدوت فصليت الصبح مع رسول الله وأخبرته بما سمعت من الجن ليلتي وما قلت لهم، فقال: يا أبا دجانة ارفع عن القوم، فوالذي بعثني بالحق نبيا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة، ورواه الوابلي الحافظ في كتاب الابانة والقرطبي في كتاب التذكرة (2). 115 - الفردوس: عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رأيت حية في الطريق فاقتلها فاني قد شرطت على الجن أن لا يظهروا في صورة الحيات، فمن ظهر فقد أحل بنفسه (3). بيان: قال في النهاية: فيه أحل بمن أحل بك، أي من ترك إحرامه وأحل بك فقاتلك فاحلل أنت أيضا به وقاتله، وقيل: معناه إذا أحل رجل ما حرم الله عليه منك فادفعه أنت من نفسك بما قدرت عليه، وفي كتاب أبي عبيد عن النخعي في المحرم يعدو عليه السبع أو اللص أحل بمن أحل بك، وفيه أنت محل بقومك، أي أنك قد أبحت حريمهم وعرضتهم للهلاك. 116 - وأقول: مما يناسب ذلك ويؤيده ما ذكره شارح ديوان أمير المؤمنين في فواتحه حيث قال: نقل أستادنا العلامة مولانا جلال الدين محمد الدواني، عن الشيخ العالم العامل النقي الكامل السيد صفي الدين عبد الرحمن الايجي أنه قال: ذكر لي الفاضل العالم المتقي شيخ ابو بكر، عن الشيخ برهان الدين الموصلي، وهو رجل


(1) في المصدر: فقلت: والله لا أرفعه. (2) حياة الحيوان: في القنفذ. وفيه: قال البيهقى: وقد ورد في حرز ابى دجانة حديث طويل غير هذا موضع لا تحل روايته، وهذا الذى رواه البيهقى رواه الديلمى الحافظ في كتاب الانابة والقرطبى في كتاب التذكار في افضل الاذكار. (3) فردوس الاخبار: لم يطبع وليست عندي نسخته.

[127]

عالم فاضل صالح ورع، أنا توجهنا من مصر إلى مكة نريد الحج فنزلنا منزلا وخرج علينا ثعبان فثار الناس إلى قتله، فقتله ابن عمي: فاختطف ونحن نرى سعيه وتبادر الناس على الخيل والركاب يريدون رده فلم يقدروا على ذلك، فحصل لنا من ذلك أمر عظيم. فلما كان آخر النهار جاء وعليه السكينة والوقار فسألناه ما شأنك ؟ فقال: ما هو إلا أن قتلت هذا الثعبان الذي رأيتموه فصنع بي ما رأيتم، وإذا أنا بين قوم من الجن يقول بعضهم: قتلت أبي، وبعضهم قتلت أخي، وبعضهم قتلت ابن عمي، فتكاثروا علي وإذا رجل لصق بي وقال لي: قل: أنا أرضى بالله وبالشريعة المحمدية، فقلت: ذلك، فأشار إليهم: أن سيروا إلى الشرع. فسرنا حتى وصلنا إلى شيخ كبير على مصطبة، فلما صرنا بين يديه قال: خلوا سبيله وادعوا عليه، فقال الأولاد: ندعي عليه أنه قتل أبانا، فقلت: حاش لله إنا نحن وفد بيت الله الحرام نزلنا هذا المنزل فخرج علينا ثعبان فتبادر الناس إلى قتله فضربته فقتلته، فلما سمع الشيخ مقالتي قال: خلوا سبيله، سمعت ببطن نخلة عن النبي صلى الله عليه وآله: من تزيى بغير زيه فقتل فلا دية ولا قود انتهى. وأقول: أخبرني والدي قدس سره، عن الشيخ الأجل البهي الشيخ بهاء الدين محمد العاملي روح الله روحه، عن المولى الفاضل جمال الدين محمود رحمه الله، عن استاده العلامة الدواني، عن بعض أصحابه أنه جرى عليه تلك الواقعة إلا أنه قال: ذهبت إلى الخلاء فظهرت لي حية فقتلتها فاجتمع علي جم غفير وأخذوني وذهبوا إلى ملكهم وهو جالس على كرسي وادعوا علي قتل والدهم وولدهم وقريبهم كما مر فسألني عن ديني فقلت: أنا من أهل الاسلام فقال: اذهبوا به إلى ملك المسلمين فليس لي أن أقضي عليهم بعهد من رسول الله. فذهبوا بي إلى شيخ أبيض الرأس واللحية جالس على سرير، وقعت حاجباه على عينيه فرفعهما، ولما قصصنا عليه القصة قال: اذهبوا به إلى المكان الذي أخذتموه منه

[128]

وخلوا سبيله، فاني سمعت رسول الله قال: من تزيي بغير زيه فدمه هدر، فجاؤا بي إلى هذا المكان وخلوا سبيلي (1). 117 - وأقول: وجدت في كتاب أخبار الجن للشيخ مسلم بن محمود من قدماء المخالفين روى باسناده عن دعبل بن علي الخزاعي قال: هربت من الخليفة المعتصم فبت ليلة بنيسابور وحدي وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة، وإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ألج، يرحمك الله، فاقشعر بدني من ذلك ونالني أمر عظيم، فقال: لا ترع عافاك الله فاني رجل من الجن إخوانك ثم من ساكني اليمن، طرا إلينا طار من أهل العراق وأنشدنا قصيدتك وأحببت أن أسمعها منك فأنشدته. مدارس آيات خلت من تلاوة * * ومنزل وحي مقفر العرصات اناس علي الخير منهم وجعفر * * وحمزة والسجاد ذو الثفنات إذا فخروا يوما أتوا بمحمد * * وجبريل والفرقان والسورات فأنشدته إلى آخرها، فبكى حتى خر مغشيا عليه ثم قال: رحمك الله ألا احدثك حديثا يزيد في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك ؟ قلت: بلى قال: مكثت حينا أسمع بذكر جعفر بن محمد صلى الله عليه وآله فصرت إلى المدينة فسمعته يقول: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي وأهل بيته الفائزون، ثم ودعني لينصرف فقلت: رحمك الله إن رأيت أن تخبرني باسمك، قال: أنا ظبيان بن عامر. 118 - ومنه: عن المفضل قال: ركبنا في بحر الخزر حتى إذا كنا غير بعيد لجج مركبنا وساقته الشمال شهرا في اللجة ثم انكسر بنا فوقعت أنا ورجل من قريش إلى جزيرة من جزائر البحر ليس بها أنيس، فجعلنا نطمع في الحياة وأشرفنا على هوة فإذا بشيخ مستند إلى شجرة عظيمة، فلما رآنا تحسحس وأناف إلينا ففزعنا منه فدنونا فقلنا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فآنسنا به وجلسنا إليه فقال: ما خطبكما ؟


(1) شرح ديوان: ليست عندي نسخته

[129]

فأخبرناه، فضحك وقال: ما وطئ هذه الأرض من ولد آدم قط أحد إلا أنتما، فمن أنتما ؟ قلنا: من العرب، فقال: بأبي وأمي العرب، فمن أيها أنتما، فقلت: أما أنا فرجل من خزاعة، وأما صاحبي فمن قريش، قال: بأبي وامي قريشا وأحمدها، يا أخا خزاعة من القائل: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * * أنيس ولم يسمر بمكة سامر ؟ قلت: نعم ذلك الحارث ابن مصاص الجرهمي، قال: هو ذلك، يا أخا قريش أولد عبد المطلب بن هاشم ؟ قال: قلت: أين يذهب بك يرحمك الله ؟ فقال: أرى زمانا قد تقاربت أيامه، أفولد ابنه عبد الله ؟ قلت: إنك تسأل مسألة من كان من الموتى (1) قال: فتزايد، ثم قال: فابنه محمد الهادي عليه السلام ؟ قال: قلت: مات رسول الله صلى الله عليه وآله منذ أربعين سنة، فشهق شهقة حتى ظننا أن نفسه خرجت، وانخفض حتى صار كالفرخ فأنشأ يقول: ولرب راج حيل دون رجائه * * ومؤمل ذهبت به الآمال ثم جعل ينوح ويبكي حتى بل دمعه لحيته، فبكينا لبكائه، ثم قلنا: أيها الشيخ قد سألتنا فأخبرناك، فسألناك بالله إلا أخبرتنا من أنت ؟ قال: أنا السفاح بن زفرات الجني لم أزل مؤمنا بالله وبرسوله ومصدقا، وكنت أعرف التوراة والانجيل، وكنت أرجو أني أرى محمدا، وإني لما تعفرتت (2) الجن وتطلقت الطوالق منها خبأت نفسي في هذه الجزيرة لعبادة الله وتوحيده وانتصار نبيه محمد صلى الله عليه وآله وآليت على نفسي أن لا أبرح ههنا حتى أسمع بخروجه، ولقد تقاصرت أعمار الآدميين بعدي لما صرت في هذه الجزيرة منذ أربعمائة سنة، وعبد مناف إذ ذاك غلام يفع ما ظننت أنه ولد له، وذلك أنا نجد علم الأحاديث ولا يعلم الآجال إلا الله. وأما أنتما أيها الرجلان فبينكما وبين الآدميين مسيرة أكثر من سنة ولكن


(1) في المخطوطة: مسألة من الموتى. (2) تعفرت: صار عفريتا. والعفريت: الخبيث المنكر. النافذ الامر مع دهاء وذلك من الجن والانس والشياطين. (*)

[130]

خذ هذا العود وأخرج من تحت رجله عودا فاكتفلاه كالدابة فانه يؤديكما إلى بلادكما، فاقرئا على رسول الله صلى الله عليه وآله مني السلام فاني طامع بجوا قبره، قال: ففعلنا ما أمرناه به فأصبحنا في آمد (1). بيان: طرا أي أتى من مكان بعيد، ولجج تلجيجا: خاض اللجة وهي معظم الماء، وتحسحس أي تحرك، وأناف عليه: أشرف وكان فيه تضمينا، والعفريت بالكسر: الخبيث، والنافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء، وقد تعفرت فهي عفريتة، وتطلقت الطوالق أي نجت من الحبس وشرعت في الفساد. في القاموس: الطالقة من الابل ناقة ترسل في الحي ترعى من جنابهم حيث شاءت. وقال: الكفل بالكسر: مركب للرجال يؤخذ كساء فيعقد طرفاه فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره مما يلي العجز، أو شئ مستدير يتخذ من خرق وغيرها ويوضع على سنام البعير، واكتفل البعير: جعل عليه كفلا، وقال: آمد: بلد بالثغور.


(1) اخبار الجن: ليست نسخة عندي.

[131]

3 (باب) (ابليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و) (أحوال ذريته والاحتراز عنهم، اعاذنا الله من شرورهم) الآيات: البقرة " 2 ": ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (1). وقال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (2). وقال سبحانه: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس (3). آل عمران " 3 ": وإنى اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (4). وقال: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (5). النساء " 4 ": ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (6). وقال تعالى: فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (7) وقال:


(1) البقرة: 168 و 169. (2) البقرة: 268. (3) البقرة: 275. (4) آل عمران: 26. (5) آل عمران: 157. (6) النساء: 37. (7) النساء: 76.

[132]

ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (1)، وقال تعالى: إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا * لعنه الله وقال: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * اولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (2). المائدة " 5 ": إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (3). الأنعام " 6 ": وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (4) وقال: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم (5)، وقال تعالى: ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (6). الأعراف " 7 ": ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين * قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين * قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم أجمعين (7) إلى آخر


(1) النساء: 83. (2) النساء: 117 - 121. (3) المائدة: 91. (4) الانعام: 112. (5) الانعام: 121. (6) الانعام: 142. (7) الاعراف: 11 - 18.

[133]

ما مر في قصة آدم. وقال تعالى: وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (1). وقال تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (2) * وقال تعالى: إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله (3) وقال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (4). الأنفال " 8 ": وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (5). يوسف " 13 ": إن الشيطان للانسان عدو مبين (6) وقال تعالى: فأنساه الشيطان ذكر ربه (7) وقال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي (8). إبراهيم " 14 ": وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن


(1) الاعراف: 22. (2) الاعراف: 27. (3) الاعراف: 30. (4) الاعراف: 199 - 201. (5) الانفال: 48. (6) يوسف: 5. (7) يوسف: 42. (8) يوسف: 100.

[134]

الظالمين لهم عذاب أليم (1). الحجر " 15 ": وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (2). وقال سبحانه: وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حماء مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس ما لك أن لا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون * قال فاخرج منها فانك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم * قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم لموعدهم أجمعين (3). النحل " 16 ": فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم (4)، وقال تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (5). الأسرى " 17 ": إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (6) وقال تعالى: إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا


(1) ابراهيم: 22. (2) الحجر: 17 و 18. (3) الحجر: 28 - 42. (4) النحل: 62. (5) النحل: 98. (6) الاسراء: 27. (*)

[135]

مبينا (1) وقال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءإسجد لمن خلقت طينا * قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (2). الكهف " 18 ": وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا * ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (3) وقال تعالى: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره (4). مريم " 19 ": يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (5). وقال تعالى: فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (6) وقال تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (7). طه " 20 " فسجدوا إلا إبليس - إلى قوله تعالى: - فوسوس إليه الشيطان (8). الأنبياء " 21 ": ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا


(1) الاسراء: 53. (2) الاسراء: 60 - 65. (3) الكهف: 50 و 51. (4) الكهف: 63. (5) مريم: 44 و 45. (6) مريم: 68. (7) مريم: 83. (8) طه: 116 - 120.

[136]

لهم حافظين (1). الحج " 22 ": ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه تولاه فانه يضله ويهديهه إلى عذاب السعير (2)، وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم * ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم (3). المؤمنون " 23 ": وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون (4). النور " 24 ": يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر (5). الشعراء " 26 ": فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون (6) وقال تعالى: وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون - إلى قوله تعالى: - هل انبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (7). النمل " 27 ": وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل (8).


(1) الانبياء: 82. (2) الحج: 3 و 4. (3) الحج: 52 و 53. (4) المؤمنون: 97 و 98. (5) النور: 21. (6) الشعراء: 94 و 95. (7) الشعراء: 110 - 123. (8) النمل: 24.

[137]

القصص " 28 ": قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (1). سبأ " 24 ": ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ (2). فاطر " 35 ": إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (3). يس " 36 ": ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (4). الصافات " 37 ": وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملاء الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (5) وقال تعالى: طلعها كأنه رؤوس الشياطين (6). ص " 38 ": والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد (7) وقال تعالى: إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (8). وقال تعالى: إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس


(1) القصص: 15. (2) سبا: 20 و 21. (3) فاطر: 6. (4) يس: 60 - 62. (5) الصافات: 7 - 10. (6) الصافات: 65. (7) ص: 37 و 38. (8) ص: 41.

[138]

استكبر وكان من الكافرين * قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاخرج منها فانك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فانك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لاملئن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين (1). السجدة " 41 ": وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (2). الزخرف " 43 ": ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (3). وقال تعالى: ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (4). محمد " 47 ": الشيطان سول لهم وأملى لهم (5). المجادلة " 58 ": استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (6). الحشر " 59 ": كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك اني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (7).


(1) ص: 71 - 85. (2) فصلت: 46. (3) الزخرف: 26. (4) الزخرف: 62. (5) محمد: 25. (6) المجادلة: 19. (7) الحشر: 16 و 17.

[139]

الملك: " 67 " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير * وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير * إذا القوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير * فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير (1). الناس " 114 ": من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس (2). تفسير: " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " قال البيضاوي: لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام " إنه لكم عدو مبين " ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه وليا في قوله: " أولياؤهم الطاغوت ". " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء " بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم، والسوء والفحشاء: ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين فانه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه. وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يجاوز الحد في القبح من الكبائر. وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني ما شرع فيه الحد. " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " كاتخاذ الانداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات (3). وقال الرازي: اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها في أنفسنا، وقد اختلف الناس في هذه الخواطر من وجوه:


(1) الملك: 5 - 9. (2) الناس: 4 - 6. (3) انوار التنزيل 1: 128.

[140]

أحدها: اختلفوا في ماهياتها، فقال بعض: إنها حروف وأصوات خفية، قالت الفلاسفة (1): إنها تصورات الحروف والأصوات وأشباهها وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا فان تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه وإن لم تكن مشابهة لها من كل الوجوه، ولقائل أن يقول: صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفا أو لا تشبهها ؟ فان كان الأول فتصور (2) الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية، وإن كان الثاني لم يكن تصورات هذه الحروف حروفا لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتطامها في الخارج والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، وكذا الأعجمي (3)، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها في الخارج (4)، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية. وثانيها: أن فاعل هذه الخواطر من هو ؟ أما على أصلنا أن خالق (5) الحوادث بأسرها هو الله تعالى فالأمر ظاهر. وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك. وأيضا فان المتكلم عندهم من فعل الكلام، فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى وفيها ما يكون كذبا (6) لزم كون الله تعالى موصوفا بذلك تعالى الله عنه. ولا يمكن أن يقال أن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر ويحتال في دفعها عن نفسه، مع أنها البتة لا يندفع بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، فإذا لا بد ههنا من شئ آخر، وهو إما الملك وإما الشيطان، فلعلهما متكلمان بهذا


(1) في المصدر: وقال الفلاسفة. (2) في المصدر: فصور الحروف. (3) في المصدر: وكذا العجمي. (4) في المصدر: وتواليها لا يكون الا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج. (5) في المصدر: وهو ان خالق. (6) في المصدر: كذبا وسخفا.

[141]

الكلام في أقصى الدماغ، أو في أقصى القلب، حتى أن الإنسان وإن كان في غاية الصمم فانه يسمع هذه الحروف والأصوات. ثم إن قلنا: بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها غير متحيزة البتة لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، وإن قلنا: بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضا أن يقال: إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر. ولا يبعد أيضا أن يقال: إنها لغاية لطافتها يقدر على النفوذ في مضائق بواطن البشر ومخارق جسمه، وتوصل الكلام إلى قلبه ودماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالا لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضائق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها، وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها، والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا (1) " أي ألهموهم بالثبات (2)، ويدل عليه من الأخبار قوله صلى الله عليه وآله: " للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ". وفي الحديث أيضا: " إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطانا وقرن الله به ملكا فالشيطان جاثم على اذن قلبه الأيسر، والملك قائم (3) على اذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه ". ومن الصوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة الشهوانية والغضبية، ودلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأن الله تعالى ذكره بكلمة إنما وهي للحصر، وقال بعض العارفين: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر، وذلك إلى


(1) الانفال: 12. (2) في المصدر: بالثبات وشجعوهم على اعدائهم. (3) في المصدر: والملك جاثم.

[142]

أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل السهل أو من السهل إلى الأفضل الأشق (1) ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية (2). وقال في قوله تعالى: " إن الشيطان يعدكم الفقر " اختلفوا في الشيطان فقيل: إبليس، وقيل: سائر الشياطين، وقيل: شياطين الجن والانس، وقيل: النفس الأمارة بالسوء، والوعد يستعمل في الخير والشر، ويمكن أن يكون هذا محمولا على التهكم وقد مر الكلام في حقيقة الوسوسة في تفسير الاستعاذة. وروى ابن مسعود أن للشيطان لمة وهي الايعاد بالشر، وللملك لمة وهي الوعد بالخير، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ هذه الآية، وروى الحسن قال بعض المهاجرين: من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في فعل المنكر. والفحشاء: البخل، والفاحش عند العرب: البخل (3) وقال في قوله تعالى: " إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " التخبط معناه التصرف على غير استواء وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون، و الخبل: خبطة، والمس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجننه، ثم سمي الجنون مسا كما أن الشيطان يتخبطه ويطأه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد. وقال الجبائي: والناس يقولون: المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه، وهذا باطل لأن قدرة الشيطان ضعيفة (4) لا يقدر على صرع


(1) في المصدر: اما ان يجره من الافضل إلى الفاضل ليتمكن من ان يخرجه من الفاضل إلى الشر، واما ان يجره من الفاضل الاسهل إلى الافضل الاشق. (2) تفسير الرازي 5: 4 و 5 (ط مصر بالمطبعة البهية). (3) تفسير الرازي 7: 68 و 69 وفيه اختصار. (4) في المصدر: لان الشيطان ضعيف. (*)

[143]

الناس وقتلهم، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشيطان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والايذاء. والثاني: أن الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فان كان الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها، وذلك جهالة عظيمة، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الانسان، وأما إن كان جسما لطيفا كالهواء فمثل هذا يمتنع أن تكون فيه صلابة وقوة فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الانسان ويقتله. الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع الانسان فيقتله لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء وذلك يجر الطعن في النبوة. الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولا يخبطهم (1) من شدة عداوته مع أهل الايمان ؟ ولم لا يغصب أموالهم ويفسد أحوالهم ويفشي أسرارهم ويزيل عقولهم ؟ وكل ذلك ظاهر الفساد. واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الاشيآء بوجهين: الأول: ما روي أن الشياطين في زمان سليمان عليه السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله عنهم: إنهم كانوا " يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " والجواب عنه أنه تعالى كثف (2) أجسامهم في زمان سليمان عليه السلام. والثاني: أن هذه الآية وهي قوله تعالى: " يتخبطه الشيطان من المس " صريح في أن تخبطه كان من الشيطان ومسه مسببا (3) عنه.


(1) في المصدر: لم لا يخبطهم. (2) في المصدر: انه كلفهم. (3) في المصدر: صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسه.

[144]

والجواب عنه: أن الشيطان يمسه بالوسوسة الموذية التي يحدث عندها الصرع وهو كقول أيوب " إني مسني الشيطان بنصب وعذاب " وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة، فلا جرم فيصرع عند تلك الوسوسة (1) كما يفزع الجبان من الموضع الخالي وبهذا المعنى (2) لا يوجد هذا الخبط من الفضلاء الكاملين وأهل الحزم والعقل، وإنما يوجد فيمن به نقص في المزاج وخلل في الدماغ، وهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب. وذكر القفال وجها آخر فيه، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن فخوطبوا على ما تعارفوه من هذا. وأيضا من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شئ يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى: " طلعها كأنه رؤوس الشياطين " وقال الطبرسي قدس سره: قيل: إن هذا على وجه التشبيه، لأن الشيطان لا يصرع الانسان على الحقيقة، ولكن من غلب عليه المرة السوداء وضعف (3) ربما يخيل إليه الشيطان امورا هائلة ويوسوس إليه، فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله تعالى، ونسب ذلك إلى الشيطان مجازا لما كان ذلك عند وسوسته عن الجبائي. وقيل: يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض عن أبي الهذيل وابن الأخشيد، قالا: لأن الظاهر من القرآن يشهد به وليس في العقل ما يمنع منه ولا يمنع الله سبحانه الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس وعقوبة لبعض على ذنب ألم به ولم يتب منه كما يسلط بعض الناس على بعض فيظلمه ويأخذ ماله ولا يمنعه الله منه (4).


(1) في المصدر: وانما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة لان الله تعالى خلقه من ضعف الطباع وغلبة السوداء عليه بحيث عند الوسوسة فلا يجترئ فيصرع عند تلك الوسوسة. (2) في المصدر: ولهذا المعنى. (3) في المصدر: أو ضعف عقله. (4) مجمع البيان 2: 389.

[145]

" واني اعيذهخا بك " قال البيضاوي: اجيرها بحفظك " الرجيم ": المطرود، وأصل الرجم: الرمي بالحجارة، وعن النبي صلى الله عليه وآله: " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه إلا مريم وابنها " ومعناه أن الشيطان يطمع في اغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها، فان الله تعالى عصمها (1) ببركة هذه الاستعاذة (2). " إنما ذلك الشيطان يخوف " قال الرازي: قوله: " الشيطان " خبر " ذلكم " بمعنى إنما ذلكم المثبط هو الشيطان " يخوف أولياء، " جملة مستأنفة بيان لشيطنته أو الشيطان صفة لاسم الاشارة، ويخوف الخبر، والمراد بالشيطان الركب، وقيل: نعيم بن مسعود وسمي شيطانا لعتوة وتمرده في الكفر، كقوله: " شياطين الانس والجن " وقيل: هو الشيطان يخوف أولياءه بالوسوسة (3). وقال في قوله سبحانه: " إن كيد الشيطان كان ضعيفا " لأن الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليآئه أضعف من نصرة الله لاوليائه ألا ترى أن أهل الخير والدين بقى ذكرهم الحميد على وجه الدهر وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرضوا (4) ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم " والكيد ": السعي في فساد الحال على جهة الحيلة، وفائدة إدخال " كان " للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة (5). وقال البيضاوي: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " بارسال الرسول وإنزال الكتاب " لاتبعتم الشيطان " بالكفر والضلال " إلا قليلا " إلا قليلا منكم تفضل الله عليه بعقل راجح اهتدى به إلى الحق والصواب وعصمه عن متابعة الشيطان، كزيد بن نفيل


(1) في المصدر: عصمهما. (2) انوار التنزيل 1: 203. (3) تفسير الرازي 9: 102. (4) في المصدر: انقرض أثرهم. (5) تفسير الرازي 10: 184.

[146]

وورقة بن نوفل، أو إلا اتباعا قليلا على الندور (1). وقال في قوله سبحانه: " إن يدعون من دونه إلا إناثا " يعني اللات والعزى مناة ونحوها، كان لكل حي صنم يعبدونه ويسمونه انثى بني فلان، وذلك إما لتأنيث أسمائها، أو لأنها كانت جمادات، والجمادات تؤنث من حيث أنها ضاهت الاناث لا نفعا لها، ولعله تعالى ذكرها بهذا الاسم تنبيها على أنهم يعبدون ما يسمونه إناثا لأنه ينفعل ولا يفعل، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، ليكون دليلا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم. وقيل: المراد الملائكة لقولهم: بنات الله " وإن يدعون " وإن يعبدون بعبادتها " إلا شيطانا مريدا " لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكان طاعته في ذلك عبادة له، والمارد والمريد: الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد. وشجرة مردآء للتي تناثر ورقها " لعنه الله " صفة ثانية للشيطان " وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا " عطف عليه، أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الدال على فرط عداوته للناس. ولاضلنهم " عن الحق " ولأمنينهم " الأماني الباطلة كطول (2) البقاء وأن لا بعث ولا عقاب " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " يشقونها لتحريم ما أحله الله وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر (3) والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله ونقص كل ما خلق كاملا بالفعل أو بالقوة " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " عن وجهه صورة أو صفة، ويندرج فيه ما قيل: من فق ء عين الحامي وخصاء العبيد والوشر والوشم (4) واللواط والسحق ونحو ذلك، وعبادة الشمس والقمر، وتغيير فطرة الله


(1) انوار التنزيل 1: 291. (2) في المصدر: كطول الحياة. (3) البحائر جمع البحيرة أي مشقوق الاذان كما كانت العرب تفعلها في الجاهلية بانعامهم. (4) الوشم: غرز الابره في البدن وذر النيل عليه. يقال له بالفارسية: خال كوبى. والوشر: تحديد الاسنان وترقيقها.

[147]

التي هي الاسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفا، وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا أو أتاه فعلا. " ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله " بايثاره ما يدعوه إليه على ما أمره الله به ومجاوزته عن طاعة الله إلى طاعته " فقد خسر خسرانا مبينا " إذ ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار " يعدهم " ما لا ينجز " ويمنيهم " ما لا ينالون " وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه " ولا يجدون عنها محيصا " معدلا ومهربا (1). وقال الرازي بعد إيراد كلام المفسرين: ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشئ يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان، فادعى الشيطان إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين وضرر الدين وهو قوله: " ولأمنينهم " ثم إن هذا المرض لابد وأن يكون على أحد العلل الثلاثة التي ذكرناها وهي التشوش والنقصان والبطلان. فأما التشوش فالاشارة إليه بقوله: " ولأمنينهم " وذلك لأن صاحب الأماني يستعمل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش. وأما النقصان فالاشارة إليه بقوله: " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " وذلك لأن بتك الآذان نوع من النقصان، وهذا لأن الانسان إذا صار بحيث يستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة. وأما البطلان فالاشارة بقوله: " فليغيرن خلق الله " وذلك لأن التغيير (2) يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المرة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات الروحانية فلا يزال يشتد في قلبه الرغبة في الدنيا


(1) انوار التنزيل 1: 303 و 304. (2) في المصدر: التغيير.

[148]

والنفرة عن الآخرة، ولا يزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة فتكون حركته وسكونه وقوله (1) لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغير الخلقة (2)، لأن الأرواح البشرية إنما دخلت هذا العالم الجسماني على سبيل السفر وهي متوجهة إلى عالم القيامة. فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغير الخلقة (3)، وهو كما قال تعالى: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم " وقال: " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " (4). وقال في قوله تعالى: " إنما يريد الشيطان " الخ أما وجه العداوة في الخمر فان الظاهر فيمن يشربها أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، وكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك ينقلب في الأغلب إلى الضد، لأن الخمر تزيل العقل وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين اولئك الأحباب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش وذلك يوجب أشد (5) العداوة والبغضاء (6). وأما الميسر ففيه بازاء التوسعة على المحتاجين الاجحاف بأرباب الأموال، لأن. من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه على رجاء أنه ربما صار غالبا


(1) في المصدر: وقوله وفعله. (2) في المصدر: تغيير اللخلقة. (3) في المصدر: تغييرا للخلقة. (4) تفسير الرازي 11: 49 و 50. (5) في المصدر: يورث. (6) زاد في المصدر: فالشيطان يسول ان الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الالفة والمحبة، وبالاخرة انقلب الامر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء.

[149]

فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شئ من المال وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه يبقى بعد ذلك فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له، فظهر أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن وكل ذلك مضار لمصالح العالم. وأشار إلى المفاسد الدينية بقوله تعالى: " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة (1). قوله: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا " قيل: المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن والانس، ومتى أمر الله رسوله بسعادة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداء له. وقيل: معناه حكمنا بأنهم أعداء وأخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم. وقيل: أي خلينا بينهم وبين اختيارهم العداوة لم نمنعهم من ذلك جبرا. وقيل: إنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل وأمرهم بدعائهم إلى الاسلام وخلع الأنداد نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه، فلذا أضاف تعالى إلى نفسه والمراد بشياطين الانس والجن مردة الكفار من الفريقين. وقيل: إن شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن الذين هم من ولد إبليس. وقال الطبرسي رحمه الله: في تفسير الكلبي عن ابن عباس: ان إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الانس، وفريقا إلي الجن، فشياطين الانس والجن أعداء الرسل والمؤمنين، فتلقى (2) شياطين الانس وشياطين الجن في كل حين فيقول بعضهم لبعض: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثلها، فكذلك يوحي بعضهم إلى بعض،


(1) تفسير الرازي 12: 80 و 81. (2) في المصدر فيلتقي.

[150]

وروي عن أبي جعفر عليه السلام أيضا أنه قال: إن الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيلقي إليه ما يغوي به الخلق حتى يتعلم بعضهم من بعض " يوحي " أي يوسوس ويلقي خفية " زخرف القول " أي المموه المزين الذي يستحسن ظاهره ولا حقيقة له ولا أصل " غرورا " أي يغرونهم بذلك غرورا أو ليغروهم بذلك (1). وقال الرازي: اعلم أنه لا يجب أن يكون كل معصية تصدر عن إنسان فانها تكون بسبب وسوسة شيطان، وإلا لزم التسلسل أو الدور (2)، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر، إذا ثبت هذا فنقول: إن اولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الانس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضا، وللناس فيه مذاهب: منهم من قال: الأرواح إما فلكية وإما أرضية، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة (3)، ومنها خبيثة قذرة شريرة تأمر بالمعاصي والقبائح وهم الشياطين. ثم إن تلك الارواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بالطاعات، والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بتك القبائح والزيادة فيها، وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام بالنفوس البشرية وإذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت في جنس الأرواح الخبيثة فتنتظم (4) إليها.


(1) مجمع البيان 4: 352. (2) في المصدر: والا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين. (3) في المصدر: طاهرة خيرة، آمرة بالطاعة والافعال الحسنة وهم الملائكة الارضية (4) هكذا في المصدر المطبوع والمخطوط، والصحيح كما في المصدر: فالنفوس البشرية إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الارواح الطاهرة فتنضم إليها، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الارواح الخبيثة فتنضم إليها ثم ان صفات الطهارة.

[151]

ثم إن صفات الطهر كثيرة وصفات النقص والخسران (1) كثيرة وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية. وبحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه، فان كان ذلك في أفعال الخير كان الحاصل (2) عليها ملكا، وكان تقوية ذلك الخاطر إلهاما، وإن كان في باب الشر كان الحاصل (3) عليها شيطانا، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة، و يقال (4): فلان يزخرف كلامه: إذا زينه بالباطل والكذب، وكل شئ حسن مموه فهو مزخرف. وتحقيقه: أن الانسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملا على خير راجح ونفع زائد فانه لا يرغب فيه، ولذلك سمي الفاعل المختار مختارا لكونه طالبا للخير والنفع، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقا للمعتقد فهو الحق والصدق والالهام وإن كان صادرا من الملك، وإن لم يكن مطابقا للمعتقد فحينئذ يكون ظاهره مزينا لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح ويكون باطنه فاسدا لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفا (5). قوله تعالى: " وإن الشياطين " قال الطبرسي قدس سره: يعني علماء الكافرين ورؤوساءهم المتمردين في كفرهم " ليوحون " أي يوحون ويشيرون " إلى أوليائهم " الذين اتبعوهم من الكفار " ليجادلوكم " في استحلال الميتة، وقال ابن عباس، معناه وإن الشياطين من الجن وهم إبليس وجنوده ليوحون إلى أوليائهم من الانس والوحي: إلقاء


(1) في المصدر: وصفات الخبث والنقصان. (2 و 3) في المصدر: الحامل عليها. (3) اختصره المصنف وتمامه: إذا عرفت هذا الاصل فنقول: انه تعالى عبر من هذه الحالة المذكورة بقوله: [يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا] فيجب علينا تفسير الفاظ ثلاثة: الاول الوحى وهو عبارة عن الايماء والقول السريع. والثانى الزخرف وهو الذى يكون باطنه باطلا، وظاهره مزينا ظاهرا يقال: (5) تفسير الرازي 13: 154 و 155.

[152]

المعنى إلى النفس من وجه خفي، وهم يلقون الوسوسة إلى قلوب أهل الشرك (1). قوله: " فبما أغويتني " قيل: أي خيبتني من رحمتك وجنتك، وقيل: أي صرت سببا لغوايتي بأن أمرتني بالسجود لآدم فغويت عنده، وقيل: أي أهلكتني بلعنك إياي، وقيل: هذا جري على اعتقاد إبليس فانه كان مجبرا " لاقعدن لهم " أي أرصد لهم لأقطع سبيلهم " صراطك المستقيم " أي دين الحق أو الاعم، وهو منصوب على الظرفية، وقيل: تقديره على صراطك " ثم لآتينهم من بين أيديهم " الخ أي من جميع الجهات، وبأي وجه أمكنه. وقيل: من جهة دنياهم وآخرتهم ومن جهة حسناتهم وسيآتهم عن ابن عباس وغيره. وحاصله: إني ازين لهم الدنيا واخوفهم بالفقر وأقول لهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب واثبطهم عن الحسنات وأشغلهم عنها واحبب إليهم السيآت وأحثهم عليها، قال ابن عباس، وإنما لم يقل: ومن فوقهم، لأن فوقهم جهة نزول الرحمة من السماء، فلا سبيل له إلى ذلك، ولم يقل: من تحت أرجلهم لأن الاتيان منه موحش. وقيل: " من بين أيديهم وعن أيمانهم " من حيث يبصرون، " ومن خلفهم وعن شمائلهم " من حيث لا يبصرون، وروي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ثم لآتينهم من بين أيديهم " معناه أهون عليهم أمر الآخرة " ومن خلفهم " آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " وعن أيمانهم " افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " وعن شمائلهم " بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم (2). وقال البيضاوي: " من بين أيديهم " من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز


(1) مجمع البيان 4: 358. (2) الظاهر انه يتم إلى ههنا كلام ابى جعفر عليه السلام، وذكر الاقوال والرواية الطبرسي في مجمع البيان 4: 404.

[153]

عنه " ومن خلفهم " من حيث لا يعلمون ولا يقدرون " وعن أيمانهم وعن شمائلهم " من حيث يتيسر لهم أن يعلموا أو يتحرزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم و احتياطهم، وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة لأن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه " ولا تجد أكثرهم شاكرين " مطيعين، وإنما قاله ظنا لقوله: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " لما رأى مبدأ الشر فيهم متعددا ومبدأ الخير واحدا، وقيل: سمعه من الملائكة " مذؤما " أي مذموما " مدحورا " مطرودا (1). وقال الرازي بعد ذكر بعض هذه الوجوه: أما حكماء الاسلام فقد ذكروا فيها وجوها اخرى: أولها: وهو الأشرف الأقوى أن في البدن قوى أربعا هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: فاحداها القوة الخيالية التي تجمع فيها صور المحسوسات ومثلها، وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها، وإليه الاشارة بقوله: " من بين أيديهم " والقوة الثانية القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسة للمحسوسات، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ وإليه الاشارة بقوله: " ومن خلفهم " والقوة الثالثة الشهوة، وهي موضوعة في الكبد وهي يمين (2) البدن، والقوة الرابعة الغضب، وهي موضوعة في البطن الأيسر من القلب فهذه القوى الأربع هي التي تتولد منها أحوال توجب زوال السعادة الروحانية، والشياطين الخارجية ما لم تستعن بشئ من هذه القوى الأربع لم يقدر على إلقآء الوسوسة، فهذا هو السبب في تعيين الجهات الأربع وهو وجه حقيقي شريف.


(1) انوار التنزيل 1: 417. (2) في المصدر: وهى من يمين البدن.

[154]

وثانيها: أن قوله " لاتينهم من بين أيديهم " المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه، إما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة، وإما في الأفعال مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح " ومن خلفهم " المراد منه الشبهات الناشئة من التعطيل. أما الأول: فلان الانسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها وهي حاضرة بين يديه فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويا لهذا الشاهد، وهذا يوجب أن يكون " من خلفهم " كناية عن التعليل لأنه خلافه، وأما قوله: " عن أيمانهم " فالمراد به الترغيب في ترك المأمورات " وعن شمائلهم " الترغيب في ترك المنهيات (1). وثالثها: نقل عن شقيق أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع: من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي: أما بين يدي فيقول: لا تخف فان الله غفور رحيم، فأقرأ: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا (2) " وأما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (3) " وأما قبل يميني فيأتني من قبل النساء (4) فأقرأ " والعاقبة للمتقين (5) " وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ " وحيل بينهم وبين ما يشتهون (6) " ثم قال: فالغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الاسلام فقال له: تدع دين آبائك: فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغرب ؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح


(1) في المصدر: في فعل المنهيات. (2) طه: 82. (3) هود: 6. (4) في المصدر: من قبل الثناء. (5) القصص: 83. (6) سبأ: 54.

[155]

امرأتك ؟ فعصاه فقاتل. فهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب. فان قيل: فلم لم يذكر من فوقهم ومن تحتهم ؟ قلنا: أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفوت (1) السعادات الروحانية فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة. وأما في الظاهر فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام: رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الانسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع ؟ فأوحى الله تعالى إليهم إنه بقي للانسان جهتان: الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة. وقال في نكتة التعدية " بمن " في الأولين " وبعن " في الآخرين: قد ذكرنا (2) أن المراد من قوله: " من بين أيديهم ومن خلفهم " الخيال والوهم، والضرر الناشي منهما هو حصول العقائد الباطلة وهو الكفر، ومن قوله: " عن أيمانهم وعن شمائلهم " الشهوة والغضب وذلك هو المعصية، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم لأن عقابه دائم، وأما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأن عقابه منقطع، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة " عن " تنبيها على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول. وقال في وجه معرفة إبليس كون أكثرهم غير شاكرين: إنه جعل للنفس تسع (3)


(1) في المصدر: تفويت. (2) وقد ذكر قبل ذلك انه إذا قيل: جلس عن يمينه، معناه انه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به. (3) وذكر وجوها اخرى لذلك منها انه رآه في اللوح المحفوظ، ومنها انه قال على سبيل الظن.

[156]

عشر قوة، وكلها تدعو النفس إلى اللذات الجسمانية والطيبات الشهوانية، فعشرة منها الحواس الظاهرة والباطنة، واثنان: الشهوة والغضب، وسبعة هي القوى الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة ؟ فمجموعها تسعة عشر، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وترغبها في طلب اللذات البدنية وأما العقل فهو قوة واحدة وهي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادة الروحانية، ولا شك أن استيلاء تسع عشر قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة (1). قوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله " قال الطبرسي رحمه الله أي نسله، يدل عليه قوله: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " وقيل: جنوده وأتباعه من الجن والشياطين " من حيث لا ترونهم " قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: " الذي يوسوس في صدور الناس " فهم يرون بنى آدم وبنو آدم لا يرونهم (2)، وإنما لا يراهم البشر لأن أجسامهم شفافة لطيفة يحتاج في رؤيتها إلى فضل شعاع. وقال أبو بكر بن الأخشيد وأبو الهذيل: يجوز أن يمكنهم الله سبحانه فيتكثفوا فيراهم حينئذ من يحضرهم، وإليه ذهب علي بن عيسى، وقال: إنهم ممكنون من ذلك وهو الذي نصره الشيخ المفيد أبو عبد الله، قال الشيخ أبو جعفر قدس الله روحه: وهو الأقوى عندي، وقال الجبائي: لا يجوز أن يرى الشياطين والجن لأن الله تعالى قال: " لا ترونهم " وإنما يجوز أن يروا في زمن الأنبياء عليهم السلام بأن يكثف الله أجسادهم علما (3) للأنبياء كما يجوز أن يرى الناس الملائكة في زمن الانبياء " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " أي حكمنا بذلك لانهم يتناصرون على الباطل (4). وقال الرازي: قال أصحابنا: إنهم يرون الانسان لانه تعالى خلق في عيونهم


(1) تفسير الرازي 14: 41 - 43. (2) إلى هنا ينتهى كلام ابن عباس. (3) في المصدر: اجسادهم على الانبياء. (4) مجمع البيان 4: 409 و 410.

[157]

إدراكا، والانس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الادراك في عيون الانس، وقالت المعتزلة: الوجه في أن الانس لا يرون الجن لرقة أجسام الجن (1) ولطافتها والوجه في رؤية الجن للانس كثافة أجسام الانس، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضا، أن الله تعالى يقوى شعاع أبصار الجن ويزيد فيه، ولو زاد الله في قوة (2) بصرنا لرأيناهم كما يرى بعضهم بعضا، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم. فعلى هذا كون الانس مبصرا للجن موقوف عند المعتزلة إما على ازدياد كثافة أجسام الجن، أو على ازدياد قوة أبصار الانس، وقوله تعالى: " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الانس لا يرون الجن، لأن قوله: " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الانس لا يرون الجن، لأن قوله: " من حيث لا ترونهم " يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء: لو قدر الجن على تغير (3) صور أنفسهم بأي صورة شاؤا أو أرادوا لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي نشاهده وحكم (4) عليه بأنه ولدي أو زوجتي جني صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتى. وعلى هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الاشخاص، وأيضا فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة العقل مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الانس فلم لا يفعلون ذلك في حق اكثر البشر وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد ؟ لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى، ولما لم يوجد شئ من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه، ويتأكد هذا بقوله: " ما كان لي عليكم


(1) في المصدر: رقة اجسام الجن. (2) في المصدر: أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا. (3) في المصدر: على تغيير. (4) في المصدر: [شاؤا وارادوا] وفيه: اشاهده واحكم عليه.

[158]

من سلطان إلا أن دعوتكم فاسستجبتم لي " قال مجاهد: قال إبليس: أعطنا (1) أربع خصال: نرى، ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى (2). قوله تعالى: " وإما ينزغنك " قال الطبرسي قدس سره: معناه يا محمد إن نالك من الشيطان وسوسة في القلب. والنزغ: الازعاج بالاغواء (3) وأكثرها ما يكون ذلك عند الغضب، وأصله الازعاج بالحركة. وقيل: النزغ: الفساد، ومنه " نزغ الشيطان بينى وبين إخوتي " أي أفسد قال الزجاج: النزغ " أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة " فاستعذ بالله " أي سل الله عز اسمه أن يعيذك منه " إنه سميع " للمسموعات " عليم " بالخفيات. وقيل: سميع لدعائك، عليم بما عرض لك، وقيل: النزغ: أول الوسوسة، والمس لا يكون إلا بعد التمكن، ولذلك فصل الله سبحانه بين النبي وغيره فقال للنبي صلى الله عليه وآله: " وإما ينزغنك " وقال للناس: " إذا مسهم طائف " معناه إذا وسوس إليهم الشيطان وأغراهم بمعاصيه " تذكروا " ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبونه ويتركونه، قال الحسن: يعني إذا طاف عليهم الشيطان بوساوسه، وقال ابن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيتذكر ويكظم غيظه. وقيل: طائف غضب وطيف جنون. وقيل: معناهما واحد " فإذا هم مبصرون " للرشد " وإخوانهم يمدونهم في الغي " معناه وإخوان المشركين من شياطين الجن والانس يمدونهم في الضلال والمعاصي، أي يزيدونهم فيه ويزينون لهم ما هم فيه " ثم لا يقصرون " ثم لا يكفون يعني الشياطين عن استغوائهم ولا يرحمونهم، وقيل: معناه وإخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي: ثم لا يقصرون هؤلاء (4) كما يقصر الذين اتقوا، وقيل: معناه ثم لا يقصر


(1) في المصدر: اعطينا. (2) تفسير الرازي 14: 54. (3) في المصدر: وسوسة ونخسة في القلب. والنزع: الازعاج بالاغراء. (4) في المصدر: ثم لا يقصر هؤلاء مع ذلك.

[159]

الشياطين عن إغوائهم ولا يقصرونهم عن ارتكاب الفواحش (1). وقال رحمه الله في قوله سبحانه: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " أي واذكروا إذ زين الشيطان للمشركين أعمالهم، أي حسنها في نفوسهم، وذلك أن إبليس حسن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النبي صلى الله عليه وآله، " وقال لا غالب لكم اليوم من الناس " أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم وقوتكم " وإني " مع ذلك " جار لكم " أي ناصر لكم ودافع عنكم السوء، وإني عاقد لكم (2) عقد الامان من عدوكم، " فلما تراءت الفئتان " أي التقت الفرقتان " نكص على عقبيه " أي رجع القهقرى منهزما وراءه " وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون " أي رجعت عما ضمنت لكم من الامان والسلامة لأني أرى من الملائكة الذين جاؤا لنصر المسلمين " ما لا ترون " وكان إبليس يعرف الملائكة وهم كانوا يعرفونه " إني أخاف الله " أي أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم " والله شديد العقاب " لا يطاق عقابه. أقول: ثم ذكر رحمه الله كيفية ظهور الشيطان لهم كما ذكرناه في باب قصة بدر ثم قال: ورأيت في كلام الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - ره - أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن ومن جرى مجراهم على أن يتجمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى يتمكن الناس من رؤيتهم ويتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان، لأن أجسامهم من الرقة على ما يمكن ذلك فيها، وقد وجدنا الانسان يجمع الهوى ويفرقه ويغير صور الاجسام الرخوة ضروربا من التغيير وأعيانها لم تزد ولم تنقص، وقد استفاض الخبر بأن إبليس تراءى الاهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، وحضر يوم بدر في صورة سراقة، وأن جبرئيل عليه السلام ظهر لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي، قال: وغير محال أيضا أن يغير الله صورهم ويكثفها في بعض الاحوال فيراهم


(1) مجمع البيان 4: 513 و 514. (2) في المصدر: وقيل: واني عاقد لكم.

[160]

الناس لضرب من الامتحان (1). وقال الرازي في قوله تعالى: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " في كيفية هذا التزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة إنسان، وهو قول الحسن والأصم. الثاني: أنه ظهر في صورة إنسان، قالوا: إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم من بني بكر بن كنانة و كان من أشرافهم في جند من الشياطين ومعه رآية وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني مجيركم من بني كنانة، ولما رأى إبليس الملائكة تنزل نكص (2). وقيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام فلما نكص قال له الحارث: أتخذلنا في هذه الحال ؟ " فقال إني أرى ما لا ترون " ودفع في صدر الحارث وانهزموا، وفي هذه القصة سؤالات: الأول: ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة ؟ والجواب: فيه معجزة عظيمة للرسول، وذلك لان كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا: هزم الناس سراقة فقال: (3) ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطانا. الثاني: أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطانا بل صار بشرا. والجواب: لا نسلم فان الانسان إنما كا إنسانا بجوهر نفسه الناطقة، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر، فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الانسان ليس إنسان بحسب بنيته الظاهرة وصورته


(1) مجمع البيان 4: 549 و 550. (2) في المصدر: فلما رأى ابليس نزول الملائكة نكص على عقبيه. (3) في نسخة: فبلغ ذلك سراقة فقال.

[161]

المخصوصة (1) إلى آخر كلامه في هذا المقام. قوله تعالى: " من بعد أن نزغ الشيطان بيني " في الكشاف: نزغ: أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحملها على الجري (2). قوله تعالى: " وقال الشيطان لما قضي الأمر " قال الرازي: قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار فيشرع الناس في لوم إبليس (3) وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول: ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: " وقال الشيطان ". وقيل: إن المراد لما انقضت المحاسبة، والأول أولى، والمراد بالشيطان إبليس، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه إذا جمع الله الخلق وقضي الأمر بينهم (4)، يقول الكافر: قد وجد المسلمون من شفع لهم (5)، فمن يشفع لنا ؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول (6)، " إن الله وعدكم وعد الحق " هو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم " ووعدتكم " خلاف ذلك " فأخلفتكم ". وتقدير الكلام (7) أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية، والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال: " والآخرة خير وأبقى " (8) وقوله: " وعد الحق " من قبيل إضافة الشئ إلى


(1) تفسير الرازي 15: 174 و 175. (2) في النهاية: نزغ الشيطان بينهم أي افسد وأغرى، ونزغه بكلمة سوء أي رماه بها وطعن فيه ومنه الحديث: صباح المولود حين يقع نزغة من الشيطان، أي نخسة وطعنة. (3) في المصدر: اخذ اهل النار في لوم ابليس. (4) في المصدر: وقضى بينهم. (5) في المصدر: من يشفع. (6) إلى هنا ينتهى الحديث. (7) في المصدر: وتقرير الكلام. (8) الاعلى: 17.

[162]

نعته (1): كقوله: " حب الحصيد " (2). وأما قوله: " ما كان لي عليكم من سلطان " أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر فأقهركم على الكفر والمعاصي والجئكم إليها، " إلا أن دعوتكم " إلا دعائي إليكم إلى الضلالة (3) بوسوستي وتزييني، والاستثناء منقطع أو متصل، لأن قدرة الانسان على حمل الغير على عمل من الاعمال تارة تكون بالقهر والقسر، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بالقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسليط (4)، إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الانسان، ولا على تعويج أعضائه وجوارحه ولا على إزالة العقل عنه كما تقوله العوام والحشوية، ثم قال: " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجئ أنبياء الله، فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلى، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب. وفي هذه الآية مسألتان: الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أشياء: الأول: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله تعالى لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا على أنفسكم فان الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. والثاني: ظاهر هذه الآية تدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الانسان وعلى تعويج أعضائه ولا على إزالة العقل عنه كما تقوله العوام والحشوية. والثالث: هذه الآية تدل على أن الانسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم. وأجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا القول الشيطان فلا يجوز التمسك


(1) في المصدر: [إلى نفسه] والظاهر انه مصحف من الطابع. (2) ق: 9. (3) في المصدر: الا دعائي اياكم إلى الضلالة. (4) في المصدر: من انواع التسلط.

[163]

به، وأجاب الخصم عنه بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله تعالى بطلانه وأظهر إنكاره وأيضا أي فائدة في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد ؟ ألا ترى أن قوله: " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم " كلام حق ؟ وقوله: " وما كان لي عليكم من سلطان " قول حق ؟ بدليل قوله: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ". الثانية: هذه الآية تدل على أن الشيطان الاصلي هو النفس، وذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسة تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس. فان قال قائل: بينوا لنا حقيقة الوسوسة. قلنا: الفعل إنما يصدر عن الانسان لحصول (1) امور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيبا لازما طبيعيا. بيانه: أن أعضاء الانسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك والاقدام والاجحام، فلما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فانه يمتنع صدور الفعل، وذلك الميل هو الارادة الجازمة والقصد الجازم، ثم إن تلك الارادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم واعتقاد (2) أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر، فان لم يحصل فيه الاعتقاد لم يحصل ميل، لا إلى الفعل ولا إلى الترك. فالحاصل: أن الانسان إذا أحس بشئ ترتب عليه شعور بكونه ملائما له أو بكونه منافرا له، أو بكونه غير ملائم ولا منافر، فان حصل الشعور بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل، وإن حصل الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل ميل لا إلى الشئ


(1) في النسخة: [عن الانسان لامور] وفى المصدر: عند حصول امور اربعة. (2) في المصدر: أو اعتقاد.

[164]

ولا إلى ضده، بل بقي الانسان كما كان، وعند حصول ذلك الميل الجازم يصير القدرة مع ذلك الميل موجبا للفعل، إذا عرفت هذا فنقول: صدور الفعل عن مجموعي القدرة والداعي الخالص أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه، وصدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا أمر واجب، فلا يكون للشيطان مدخل فيه، وحصول تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا غير مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه، فلم يبق للشيطان مدخل في هذه المقامات (1) إلا في أن أذكره شيئا (2) بأن يلقي إليه حديثه مثل أن كان الانسان غافلا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره، والشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " يعني ما كان مني إلا هجس (3) هذه الدعوة، فأما بقية المراتب ما صدرت مني وما كان لي أثر البتة. بقي في هذا المقام سؤالان: الأول: كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الانسان وإلقاء الوسوسة إليه. والجواب: للناس في الملائكة والشياطين قولان: الأول: ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة: المتحيز، والحال في المتحيز، والذي لا يكون متحيزا ولا حالا فيه. وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل البتة على فساد القول به، بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به، وهذا هو المسمى بالارواح فهذه الارواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات المقدسة (4) فهم الملائكة، وإن كانت خبيثة داعية إلى


(1) في المصدر: في شئ من هذه المقامات. (2) في النسخة المخطوطة والمطبوعة بتبريز: [أن ذكره شيئا] وفى المصدر: ان يذكره شيئا. (3) هجس الشئ في صدره: خطر بباله. وفى المصدر: الا مجرد هذه الدعوة. (4) في المصدر: الروحانيات القدسية.

[165]

الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين. إذا عرفت هذا فنقول: فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن، بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر، والنفس الانسانية أيضا كذلك، فلا يبعد على هذا التقدير أن يلقي شئ من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والاباطيل إلى جوهر النفس الانسانية. وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالا ثانيا وهو أن النفس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع، فهي طوائف وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الاخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والسرور وسهولة الأمر، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الارواح السماوية وطائفة اخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقسوة والغلظة وعدم المبالاة بأمر من الأمور وهى تكون منتسبة إلى روح اخرى من الأرواح السماوية، وهذه الارواح البشرية كالعون (1) لتلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة وكالفروع المتفرعة عليها، وتلك الروح السماوية هي التي تتولى إرشادها إلى مصالحها، وهى التي تخصها (2) بالالهامات في حالتي النوم واليقظة، والقدماء كانوا يسمون تلك السماوي بالطباع التام ولا شك أن لتلك الروح السماوية (3) التي هي الأصل والينبوع شعب كثيرة ونتايج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الانسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضا على الاعمال اللائقة بها والافعال المناسبة لطبائعها. ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الاعانة مسماة بالالهام، وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الاعمال كانت شياطين، وكانت تلك الاعانة مسماة بالوسوسة، وذكر بعض العلماء أيضا فيه احتمالا ثالثا وهو أن النفوس البشرية


(1) في المصدر: كالاولاد لذلك الروح السماوي. (2) في المصدر: وذلك الروح هو الذى يتولى ارشادها إلى مصالحها وهو الذى. (3) في المصدر: [ذلك الروح السماوي] وفيه: ولا شك ان لذلك الروح السماوي الذى هو الاصل.

[166]

والارواح الانسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس اخري مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدنا لتلك النفس المفارقة تعلق شديد (1) بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة. ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبر كان ذلك إلهاما، وإن كان من باب (2) الشر كان ذلك وسوسة، فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول باثبات جواهر قدسية مبرأة من الحجمية والتحيز، (3) والقول بالارواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا صلوات الله عليه. وأما القول الثاني، وهو أن الملائكة والشياطين لابد وأن تكون أجساما، فنقول على هذا التقدير يمتنع أن يقال: إنها أجسام كثيفة، بل لابد من القول بأنها أجسام لطيفة، والله سبحانه ركبها تركيبا عجيبا، وهي أن تكون مع لطافتها لا يقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان، ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد، ألا ترى أن الروح الانسانية جسم لطيف ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن، وإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن ؟ أليس أن جرم النار سرى في جرم الفحم، وماء الورد سرى في ورق الورد، ودهن السمسم سرى في جسم السمسم فكذا ههنا (4) فظهر بما قررنا أن القول باثبات الجن والشياطين


(1) في المصدر: فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن. (2) في المصدر: وان كان في باب الشر. (3) في المصدر: مبرأة عن الجسمية والتحيز. (4) ويمكن ان يستدل لذلك بوجود الاصوات التى نسمعها من المسافات البعيدة فهى مع لطافتها وعبورها عن مصادمات كثيرة لا نتفرق ولا نتمزق: ولا تدخلها الفساد.

[167]

أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل، وأن الاصرار على الانكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة. ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول: الاخلق والاولى أن يقال: الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور وأن الشياطين مخلوقون من الدخان واللهب كما قال تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم (1) " وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا صلوات الله عليه ؟ انتهى (2). وقال البيضاوي: " فلا تلوموني " بوسوستي فان من صرح العداوة لايلام بأمثال ذلك " ولوموا أنفسكم " حيث أطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم " ما أنا بمصرخكم " بمغيثكم من العذاب " وما أنتم بمصرخي " بمغيثي " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " ما إما مصدرية وهي متعلقة بأشركتموني، أي كفرت اليوم باشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه واستكبرته (3) كقوله تعالى: " ويوم القيامة يكفرون بشرككم " أو موصولة بمعنى " من " ومن متعلقة بكفرت أي كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الاصنام وغيرها من قبل إشراككم حين رددت أمره بالسجود لآدم. وأشرك: منقول من شركت زيدا للتعدية إلى مفعول ثان " إن الظالمين " تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله (4). وقال في قوله سبحانه: " وحفظناها من كل شيطان رجيم ": فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها " إلا من استرق السمع " بدل من " كل شيطان " واستراق السمع: اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان


(1) الحجر: 27. (2) تفسير الرازي 19: 112 - 114. (3) في المصدر: واستنكرته. (4) انوار التنزيل 1: 634.

[168]

السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، ولما ولد محمد صلى الله عليه وآله منعوا من كلها بالشهب، ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن تكون لها أسباب أخر. وقيل: الاستثناء منقطع: أي ولكن من استرق السمع " فأتبعه " أي فتبعه ولحقه " شهاب مبين " ظاهر للمبصرين. والشهاب: شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فوقها من البريق (1). وقال الرازي في قوله: " إلا إبليس ": أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا (2) ؟ وظاهره أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة، وأن إبليس تكلم مع الله بغير واسطة، فكيف يعقل هذا ؟ مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفر ورئيسهم ؟ لعل الجواب عنه: أن مكالمة الله تعالى إنما كان منصبا عاليا إذا كان على سبيل الاكرام والاعظام فأما إذا كان على سبيل الاهانة والاذلال فلا (3). قوله: " فاخرج منها " قال البيضاوي: أي من السماء أو من الجنة، أو من زمرة الملائكة، " فانك رجيم " مطرود عن الخير والكرامة، فان من يطرد يرجم بالحجر، أو شيطان يرجم بالشهب، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته، " وإن عليك اللعنة " هذا الطرد والابعاد " إلى يوم الدين " فانه منتهى أمد اللعن لأنه يناسب أيام التكليف لازمان الجزاء.


(1) انوار التنزيل 1: 645 و 646. (2) احال الرازي جوابه إلى ما تقدم في سورة البقرة. (3) تفسير الرازي 19: 182 و 183.

[169]

وقيل: وما في قوله: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " بمعنى آخر ينسى عنده هذه. وقيل: إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضربها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسي اللعن معه فيصير كالزائل " قال رب فأنظرني " فأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه: فاخرج منها فانك رجيم " إلى يوم يبعثون " أراد أن يجد فسحة في الاغواء ونجاة عن الموت إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، " قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " المسمى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلهم هو النفخة الأولى عند الجمهور، ويجوز أن يكون الايام الثلاثة يوم القيامة (1) واختلاف العبارات لاختلاق الاعتبارات، فعبر عنه أولا بيوم الجزاء لما عرفت، وثانيا بيوم البعث إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين ولا يلزم منه أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث الخلائق في تضاعيفه (2). " قال رب بما أغويتني " البآء للقسم وما مصدرية وجوابه " لأزينن لهم في الأرض " والمعنى اقسم باغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور لقوله (3): " أخلد إلى الأرض (4) " وقيل: للسببية، والمعتزلة أو لوا الأغواء بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام أو باضلاله عن طريق الجنة (5).


(1) في المصدر: ويجوز ان يراد بالايام الثلاثة يوم القيامة. (2) ثم ذكرنا ما ذكره الرازي قبلا من الوجه لمخاطبة الله اياه فقال: وهذه المخاطبة وان لم تكن بواسطة لم تدل على علو منصب ابليس لان خطاب الله تعالى له على سبيل الاهانة والادلال. (3) في المصدر: كقوله. (4) الاعراف: 175. (5) انوار التنزيل 1: 648 و 649.

[170]

وقال الرازي: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويضله عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى يوم القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا (1) لاغواء بني آدم وإضلالهم، وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب، ولو كان تعالى يراعي صلاح المكلفين في (2) الدنيا لما أمهله هذا الزمان الطويل ولما أمكنه من الاغواء والاضلال والوسوسة. والثاني: أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون مجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق وإن إبليس ورهطه وشيعته مجدون مجتهدون في الاغواء فلو كان مراد الله هو الارشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحقين، وإهلاك المضلين والمغوين وحيث فعل بالضد علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر. ثم قال: أما الاشكال الأول فللمعتزلة فيه طريقان: الأول وهو طريقة الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة لأنه تعالى علم أنه لا تتفاوف أحوال الناس بسبب وسوسته في الكفر والمعصية البتة، وعلم أن كل من كفر وعصى عند وسوسته فانه بتقدير (3) أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته فان ذلك الكافر والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية، فلما كان الأمر كذلك لا جرم أمهله هذه المدة الطويلة. الثاني وهو طريقة أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعاصي إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر وتلك المعاصي، غاية (4) ما في هذا البأب أن يقال: الاحتراز عن القبائح حال عدم


(1) في المصدر: هذا الامهال والابقاء. (2) في المصدر: مصالح المكلفين في الدين. (3) في المصدر: [علم انه لا يتفاوت احوال الناس بسبب وسوسته فبتقدير ان لا يوجد ابليس] وقد سقط عنه ما بقى، أو كان الزيادة في نسخة المضف من قبل الناسخ. (4) في المصدر: ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية، اقصى ما في الباب.

[171]

الوسوسة أسهل منه حال وجودها إلا أنه على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله كما أن إنزال المشاق والمشتبهات سبب الشبهات (1)، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني (2). " إلا عبادك منهم المخلصين " استثناهم لانه علم أن كيده لا يعمل فيهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر بكسر اللام والباقون بالفتح، فعلى الأول أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم من كل شائب يناقض الايمان والتوحيد، وعلى الثاني معناه الذين أخلصهم الله بالهداية والايمان. " هذا صراط علي مستقيم " فيه وجوه: الأول: أن إبليس لما قال: " إلا عبادك منهم المخلصين " فلفظ " المخلصين " يدل على الاخلاص فقوله " هذا " عائد إليه، والمعنى أن الاخلاص طريق علي وإلى أي يؤدي إلى كرامتي، وقال الحسن: معناه هذا صراط إلي مستقيم، وقال آخرون: هذا صراط من مر عليه، فكأنه مر على رضواني وكرامتي، وهو كما يقال: طريقك علي. الثاني: أن الاخلاص طريق العبودية، فقوله: " هذا صراط علي مستقيم " أي هذا الطريق في العبودية طريق على مستقيم قال بعضهم: لما ذكر أن إبليس يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته، فقال تعالى " هذا صراط علي " أي تفويض الأمور إلى إرادتي " طريق مستقيم ". " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " اعلم أن إبليس لما قال: " لازينن لهم في الارض إلا عبادك (3) منهم المخلصين " أو هم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين، فبين الله تعالى أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا


(1) في المصدر: وانزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات. (2) تفسير الرازي 19: 182 - 188. (3) في المصدر: لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين الا عبادك.

[172]

مخلصين أو لم يكونوا مخلصين بل من اتبع منهم ابليس باختياره صار تبعا له، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس (1) أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا فبين تعالى كذبه وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس: " وما كان لي عليكم من سلطان " الآية، وقوله: " ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " وقال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما تقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة، وقال: ذلك خلاف نص القرآن، وفي الآية قول آخر: وهو أن إبليس لما قال: " إلا عبادك منهم المخلصين " فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله وقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " فلهذا قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس. واعلم أنه على القول الأول يمكن أن يكون قوله: " إلا من اتبعك " استثناء لأن المعنى أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، فان لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي، وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء بل يكون إلا بمعنى لكن " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه ومن اتبعه من الغاوين (2) " فزين لهم الشيطان أعمالهم " قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه (3) شتى.


(1) في العبارة سقط والصحيح كما في المصدر: ولكن حصول تلك المتابعة ايضا ليس لاجل أن ابليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول ان ابليس اوهم. (2) التفاسير مأخوذة من تفسير الرازي باختصار، راجع تفسير الرازي 19: 190 و 191. (3) ذكر الرازي في تفسيره 20: 61 وقال: الاول لانه إذا كان خالق اعمالهم هو الله تعالى فلا فائدة في التزيين. والثانى: ان ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى - -

[173]

" فهو وليهم اليوم " فيه احتمالات (1): الأول أن المراد منه كفار مكة، يقول: الشيطان وليهم اليوم يتولى إغواءهم وصرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك. الثاني: أنه أراد باليوم " يوم القيامة يقول: فهو ولي اولئك الذين زين لهم أعمالهم يوم القيامة فلا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر (2). " فإذا قرأت القرآن " ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الاستعاذة بعد القراءة، وأما الاكثرون فقد اتفقوا على أن الاستعاذة متقدمة. فالمعنى: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، والمراد بالشيطان في هذه الآية قيل: إبليس، والأقرب أنه للجنس لان لجميع المردة من الشياطين حظا من الوسوسة ولما أمر الله رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس، فأزال الله تعالى هذا الوهم وبين أنه لا قدرة له البتة إلا على الوسوسة، فقال: " إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ". ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا خطر في قلب الانسان كونه ضعيفا وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله. " إنما سلطانه على الذين يتولونه " قال ابن عباس: يطيعونه، يقال: توليته أي أطعته، وتوليت عنه أي أعرضت عنه. " والذين هم به مشركون " الضمير راجع إلى ربهم أو إلى الشيطان، أي بسببه


- - - - لم يجز ذم الشيطان بسببه، والثالث: ان التزيين هو الذى يدعو الانسان إلى الفعل وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا. والرابع: ان على قولهم الخالق لذلك اجد ران يكون وليا لهم من الداعي إليه. والخامس: انه تعالى اضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت اضافته إلى الشيطان كذبا. (1) الصحيح: فيه احتمالان، كما في التفسير. (2) اختصره من تفسير الرازي 20: 61 و 62.

[174]

مشركون بالله (1) " كانوا إخوان الشياطين " المراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لا العرب يسمون الملازم للشئ أخا له فيقول: فلان أخو الكرم والجود وأخو الشعر، إذا كان مواظبا على هذه الأفعال. وقيل: أي قرناءهم في الدنيا والآخرة " وكان الشيطان لربه كفورا " معنى كون الشيطان كفورا لربه هو أن يستعمل بدنه في المعاصي والافساد في الأرض والاضلال للناس. وكذلك من رزقه الله مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضات الله كان كفورا لنعمة الله، والمقصود أن المبذرين موافقون للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور بربه فلزم كون المبذر كفورا بربه (2). " إن الشيطان ينزغ بينهم " أي يفسد بينهم ويغري بينهم " إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا " أي العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الانسان عداوة قديمة. وقال البيضاوي في قوله: " لمن خلقت طينا ": لمن خلقته من طين، فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول، أي خلقته وهو طين أو منه، أئ أسجد له وأصله طين ؟ وفيه على الوجوه إيماء بعلة الانكار " قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي " الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الاعراب، وهذا مفعول أول، والذي صفته، والمفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته على ؟ " لئن أخرتن إلى يوم القيامة " كلام مبتدء واللام موطئة للقسم وجوابه " لاحتنكن ذريته إلا قليلا " أي لأستأصلنهم بالاغواء إلا قليلا لا أقدر أن اقاوم شكيمتهم، من احتنك الجراد الأرض: إذا جرد ما عليها أكلا، مأخوذ من الحنك، وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطا من قول الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها " (3) مع التقرير، أو تفرسا من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب " قال اذهب " امض لما قصدته، وهو طرد


(1) مختصر مما في تفسير الرازي 20: 114 و 115. (2) مختصر مما في تفسير الرازي 20: 193 و 194. (3) البقرة: 30.

[175]

وتخلية بينه وبين ما سولته له نفسه " فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم " جزاؤك وجزاؤهم، فغلب المخاطب على الغائب، ويمكن أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات " جزاء موفورا " مكملا من قولهم: " فر لصاحبك عرضه " (1) وانتصاب جزاء على المصدر باضمار فعله، أو بما في جزاءكم من معنى تجازون، أو حال موطئة لقوله: " موفورا " " واستفزز " واستخف " من استطعت منهم " أن تستفزه. والفز: الخفيف " بصوتك " بدعائك إلى الفساد (2). وقال الرازي: يقال: أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله. وقيل: أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب، والأمر للتهديد " وأجلب عليهم " قال الفراء إنه من الجلبة وهي الصياح، وقال الزجاج في فعل وأفعل: أجلب على العدو إجلابا: إذا جمع عليه الخيول، وقال ابن السكيت: يقال: هم يجلبون عليه ويجلبون عليه بمعنى أي يعينون عليه (3) وعن ابن الاعرابي: أجلب الرجل (4) الرجل: إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، فالمعنى على قول الفراء: صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج، أجمع عليهم كل ما تقدر من مكائدك، فالباء زائدة، وعلى قول ابن السكيت أعن عليهم (5)، ومفعول الاجلاب محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله وهذا يقرب من قول ابن الأعرابي، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروي عن ابن عباس أنه قال: كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فخيله ورجله كل من شاركه في الدعاء


(1) يقال: فر لصاحبك عرضه أي اثن عليه ولا تعبد. (2) انوار التنزيل 1: 703 و 704. (3) في المصدر: بمعنى انهم يعينون عليه. (4) في المصدر: اجلب الرجل على الرجل. (5) في المصدر: اعن عليهم بخيلك ورجلك. (*)

[176]

إلى المعصية، ويحتمل أن يكون لابليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل. أو المراد منه ضرب المثل، وهذا أقرب، والخيل يقع على الفرسان وعلى الأفراس والرجل جمع راجل كالصحب والركب " وشاركهم في الأموال " هي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال، سواء كان ذلك القبح بسبب أخذه من غير حقه أ وضعه في غير حقه، ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة، كذا قاله القاضي، وقال قتادة: هي أن جعلوا بحيرة وسائبة، وقال عكرمة: هي تبكيتهم آذان الأنعام. وقيل: هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير الله كما قال تعالى: " فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا " والأصوب ما قاله القاضي. وأما المشاركة في الاولاد: فقالوا: إنه الدعاء إلى الزنا أو أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى، أو أن يرغبوا أولادهم في الاديان الباطلة، أو إقدامهم على قتل الاولاد ووأدهم، أو ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش، أو ترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة. والضابط أن يقال: إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يتأدى ذلك إلى ارتكاب منكر وقبيح. فهو داخل فيه. قوله تعالى عزوجل: " وعدهم " اعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن اعتقاد الحق وعمل (1) الحق ومعلوم أن الترغيب في الشئ لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فانه يفيد المنافع العظيمة، والتنفير عن الشئ لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة، فإذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة، وذلك لا يمكن إلا إذا قال: لا معاد ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد هذه


(1) في المصدر: الاعتقاد الحق والعمل الحق. (2) في المصدر: ولا حياة للانسان في هذه الدنيا الا به.

[177]

الحياة، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي، وإذا فرغ من هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة للانسان إلا في هذه الدنيا فتفويتها غبن وخسران، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن قرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه من وجهين (1): الأول أنه لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب. والثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد ولا للمعبود فكانت عبثا محضا وإذا فرغ من هذا المقام قال: إنها يوجب التعب والمحنة، وذلك أعظم المضار، فهذه مجامع تلبيس الشيطان، فقوله: " وعدهم " يتناول كل هذه الاقسام: قال المفسرون: " وعدهم " (2) بأنه لا جنة ولا نار، أو بتسويف التوبة، أو بشفاعة الاصنام عند الله، أو بالانساب الشريفة، أو إيثار العاجل على الآجل. وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه " وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " لأنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة امور: قضاء الشهوة وإمضاء الغضب، وطلب الرياسة والرفعة (3)، ولا يدعو البتة إلى معرفة الله ولا إلى خدمته وتلك الاشياء الثلاثة معيوبة من وجوه كثيرة: أحدها: أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام. وثانيها: أنها وإنه كانت لذات ولكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس. وثالثها: أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض. ورابعها: أنها لا تحصل إلا بعد متاعب كثيرة ومشاق عظيمة. وخامسها: أن لذات البطن والفرج لا يتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة.


(1) في المصدر: وتقريره من وجهين: الاول أن يقول: لا جنة. (2) في المصدر: أي بانه لا جنة. (3) في المصدر: وعلو الدرجة.

[178]

وسادسها: أنها غير باقية بل يمنعها (1) الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت، فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخافات الجسيمة كانت الترغيب فيها تغريرا " إن عبادي " أي كلهم أو أهل الفضل والايمان منهم كما مر " وكفى بربك وكيلا " لما أمكن إبليس (2) بأن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الانسان قال: " وكفى بربك وكيلا " ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرا فالله أقدر منه وأرحم بعباده من الل، فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه، وفيها دلالة على أن المعصوم من عصمه الله، وأن الانسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال (3). وقال في قوله تعالى: " إنه كان من الجن ": للناس في هذه المسألة أقوال: الأول: أنه من الملائكة ولا ينافي ذلك كونه من الجن، ولهم فيه وجوه: الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك بدليل قوله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا (4) " وقوله تعالى: " وجعلوا لله شركاء الجن " (5). والثاني: أن الجن سمي جنا للاستتار، فهم داخلون في الجنة (6). الثالث: أنه كان خازن الجنة فنسب إلى الجنة، كقولهم: كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير: كان من الجانين الذين يعملون في الجنان جن من الملائكة (7) يصوغون حلي أهل الجنة مذ خلقوا، رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن ابن جبير.


(1) في المصدر: بل يتبعها. (2) في المصدر: من أن يأتي. (3) تفسير الرازي 21: 5 - 9. (4) الصافات: 158. (5) الانعام: 100. (6) في المصدر: والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن. (7) في نسخة: [من جن الملائكة] وفي المصدر: حى من الملائكة.

[179]

والثاني (1) أنه من الجن الذينهم الشياطين والذين خلقوا من النار وهو أبوهم. والثالث: قول من قال: كان من الملائكة فمسخ وغير (2). وقال البيضاوي: " كان من الجن " حال باضمار " قد " أو استيناف للتعليل كأنه قيل: ما له لم يسجد ؟ فقيل: كان من الجن " ففسق عن أمر ربه " فخرج عن أمره بترك السجود، والفاء للتسبب، وفيه دليل على أن الملك لا يعصي البتة وإنما عصى إبليس لانه كان جنيا في أصله، " أفتتخذونه " أعقيب ما وجد منه تتخذونه ؟ والهمزة للانكار والتعجب " وذريته " أولاده وأتباعه، وسماهم ذريته مجازا " أولياء من دوني " فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي " بئس للظالمين بدلا " من الله إبليس وذريته " ما أشهدتهم " الخ نفي إحضار إبليس وذريته " خلق السماوات والأرض " وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله: " وما كنت متخذ المضلين عضدا " أي أعوانا ردا لاتخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة، فان استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها. وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعمون فلا يلتفت (3) إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين، فانه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين (4) لديني. وقال في قوله: " وما أنسانيه " الخ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن " أذكره " بدل من الضمير وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوسواسه (5) ولعله


(1) أي الثاني من الاقوال. (2) تفسير الرازي 21: 136 نقله باختصار. (3) في المصدر: فلا تلتفت. (4) انوار التنزيل 2: 17. (5) في المصدر: بوساوسه والحال وان كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة امثالها عند موسى والفها قل اهتمامه بها.

[180]

نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه، أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان (1) انتهى، قوله تعالى: " لا تعبد الشيطان " أي لا تطعه في عبادة الآلهة، ثم علل ذلك بأن الشيطان عاص لله والمطاوع للعاصي عاص، " وليا " أي قرينا في اللعن أو العذاب تليه ويليك، أو ثابتا في موالاته فانه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب. قوله: " والشياطين " قال البيضاوي: عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة " جثيا " على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع، أو لانه من توابع التواقف للحساب (2). " إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين " قال الطبرسي: أي خلينا (3) بينهم و بين الشياطين إذا وسوسوا إليهم ودعوهم إلى الضلال حتى أغووهم ولم يحل بينهم وبينهم بالالجاء ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على سبيل المجاز والتوسع، وقيل: معناه سلطانهم عليهم ويكون في معنى التخلية أيضا " تؤزهم أزا " أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية عن ابن عباس. وقيل: تغريهم إغراء بالشئ (4) تقول: امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار عن ابن جبير (5). قوله سبحانه: " ومن الشياطين من يغوصون له " قال الرازي: المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزن ذلك إلى الأعمال المهين (6)


(1) انوار التنزيل 2: 20. (2) انوار التنزيل 2: 43. (3) في نسخة: [ولم يخل] وفى المصدر: ولم نحل. (4) في نسخة: [تغويهم اغواء بالشئ] وفى المصدر: تغريهم اغراء بالشر. (5) مجمع البيان 6: 530 و 531. (6) في المصدر: إلى الاعمال والمهن.

[181]

وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل " وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون، وليس في الظاهر إلا أنه سخرهم، لكنه قدر روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين، وهو الأقرب من وجهين: أحدهما، إطلاق لفظ الشياطين، والثاني: قوله: " وكنا لهم حافظين " فان المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر. وفي قوله: " وكنا لهم حافظين وجوه: أحدها: أنه تعالى وكل بهم جمعا من الملائكة أو جمعا من مؤمني الجن. وثانيها: سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته. وثالثها: قال ابن عباس: يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء. فان قيل: وعن أي شئ كانوا محفظين ؟ (1). قلنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوا وثانيها كان يحفظهم من أن يهيجوا أحدا في زمانه، وثالثها: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا وكان دأبهم أنهم يعملونه في النهار ثم يفسدونه في الليل، وسأل الجبائي نفسه وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟ وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزادهم في عظمهم (2) فيكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام، فلما مات سليمان عليه السلام ردهم إلى الخلقة الأولى لأنه تعالى لو أبقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس، ولو ادعى متنبئ النبوة وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل، فلذلك ردهم إلى خلقهم الأولى. واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه: أحدها لم قلت: إن الجن من الأجسام ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم ؟


(1) في المصدر: محفوظين. (2) في المصدر: وزاد في عظمهم.

[182]

فان قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للباري تعالى. قلت: هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم السلبية (1)، سلمنا أنه جسم لكن لم لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف ؟ وكلامه بناء على أن البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف، سلمنا أنه لابد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت: إنه لابد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام وقوله: لأنه يفضي إلى التلبيس (2)، قلنا: التلبيس غير لازم لأن المتنبئ إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعو (3) أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك ؟ ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبئ من الاستدلال به (4). وقال البيضاوي: " ويتبع " في المجادلة أو في عامة أحواله " كل شيطان مريد " متجرد للفساد، وأصله العري (5) " كتب عليه " على الشيطان " من تولاه " تبعه والضمير للشأن " فانه يضله " خبر لمن أو جواب له، والمعنى كتب عليه إضلال من تولاه لأنه جبل عليه " ويهديه إلى عذاب السعير " بالحمل على ما يؤدي إليه (6). وقال في قوله: " في امنيته " في تشهيه بما يوجب (7) اشتغاله بالدنيا، كما قال


(1) فيه اختصار والموجود في المصدر: لان الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم السلبية ؟ (2) في المصدر: فان قال: لئلا يفضى إلى التلبيس. (3) في المصدر: فللمدعى. (4) تفسير الرازي 22: 201 - 203. (5) يقال: شجرة مرداء أي لا ورق لها، ورملة مرداء: لا نبت عليها وغلام أمرد لم تنبت لحيته. ومردت الغصن: القيت عنه لحاءه. (6) انوار التنزيل 2: 95. (7) في المصدر: ما يوجب.

[183]

صلى الله عليه وآله: وإنه ليغان (1) على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون والارشاد إلى ما يزيحه " ثم يحكم الله آياته " ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة " والله عليم " بأحوال الناس " حكيم " فيما يفعله بهم " ليجعل ما يلقي الشيطان " علة لتمكين الشيطان منه " للذين في قلوبهم مرض " شك ونفاق " والقاسية قلوبهم " المشركين (2). أقول: قد مضت الأقوال في نزول الآية في المجلد السادس. " من همزات الشياطين " أي وساوسهم " أن يحضرون " أن يحوموا حولي في شئ من الأحوال (3) " فكبكبوا فيها هم والغاوون " أي الآلهة وعبدتهم، والكبكبة تكرير الكب، معناه أنه القي في النار ينكب مرة بعد اخرى حتى يستقر في قعرها " و جنود إبليس " متبعوه من عصاة الثقلين أو شياطينه (4) " وما تنزلت به الشياطين " كما زعمت المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشيطان إلى الكهنة " وما ينبغي لهم " وما يصلح لهم أن ينزلوا به " وما يستطيعون " وما يقدرون " إنهم عن السمع " لكلام الملائكة " لمعزولون " أي مصروفون عن استماع القرآن من السماء قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب. قيل: وذلك لانه مشروط بمشاركة في صفات الذات وقبول فيضان الحق


(1) في النهاية: فيه: انه ليغان على قلبى حتى استغفر الله في اليوم سبعين مرة، الغين: الغيم وغينت السماء تغان: إذا اطبق عليها الغيم، وقيل: الغين: شجر ملتف. اراد ما يغشاه من السهو الذى لا يخلو منه البشر لان قلبه أبدا كان مشغولا بالله تعالى فان عرض له وقتا ما عارض بشرى يشغله: من امور الامة والملة ومصالحهما عد ذلك ذنبا وتقصيرا فيفزع إلى الاستغفار انتهى أقول: لعل الصحيح انه اراد توجهه إلى الخلق إلى المأكل والمشرب ولوازمها وما يطرأ على الانسان من اللوازم البشرية. (2) انوار التنزيل 2: 107 و 108 (3) انوار التنزيل 2: 127 و 128. (4) انوار التنزيل 2: 182.

[184]

ونفوسهم حينئذ ظلمانية شريرة (1) ثم لما بين سبحانه أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك ببيان من تنزلت عليه فقال: " هل انبئكم " إلى قوله: " على كل أفاك أثيم " أي كذاب شديد الاثم " يلقون السمع وأكثرهم كاذبون " أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وأمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق، كذا قيل (2). وفي الكافي في خبر طويل عن الباقر عليه السلام قال: ليس من يوم وليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلال، ويزور أئمة الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر، فهبط (3) فيها من الملائكة إلى اولي الأمر خلق الله، أو قال: قيض الله من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا فلو سأل ولي الامر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا حتى يفسر له تفسيرا ويعلمه الضلالة التي هو عليها (4). " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " صدق في ظنه وهو قوله: " لأضلنهم ولأغوينهم " وقرئ بالتشديد أي حققه " إلا فريقا من المؤمنين " أي إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه، وتقليلهم بالاضافة إلى الكفار، أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون " من سلطان " أي من تسلط واستيلاء " إلا لنعلم " الخ أي


(1) ذكره البيضاوى في تفسيره 1: 189 فيه: وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصور الملكوتية ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك والقرآن مشتمل على حقائق ومغيبات لا يمكن تلقيها الا من الملائكة. (2) القائل هو البيضاوى في انوار التنزيل 2: 190 وفيه: اكد ذلك بأن بين ان محمدا صلى الله عليه وسلم لا يصلح لان تنزلوا عليه من وجهين: احدهما انه يكون على شرير كذاب كثير الاثم فان اتصال الانسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد وحال محمد صلى الله عليه وسلم على خلاف ذلك، وثانيهما قوله يلقون اه‍. (3) في المصدر: فيهبط. (4) اصول الكافي 1: 253.

[185]

إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا يترتب عليه الجزاء، أو ليتميز المؤمن من الشاك، والمراد من حصول العلم حصول متعلقة مبالغة (1). وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: كان تأويل هذه الآية، لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله والظن من إبليس حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: " إنه ينطق عن الهوى " فظن بهم إبليس ظنا فصدقوا ظنه (2). وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن ينصب أمير المؤمنين عليه السلام للناس في قوله: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك " في علي بغدير خم، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر وحثوا التراب على رؤوسهم فقال لهم إبليس: ما لكم ؟ قالوا: إن هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شئ إلى يوم القيامة، فقال لهم إبليس: كلا إن الذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني، فأنزل الله عزوجل على رسوله: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " الآية (3). " إن الشيطان لكم عدو " عداوة عامة قديمة، " فاتخذوه عدوا " في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم " إنما يدعوا " الخ تقدير لعداوته وبيان لغرضه (4). " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " هو من جملة ما يقال لهم يوم القيامة تقريعا وإلزاما للحجة، وعهده إليهم ما نصب لهم من الدلائل العقلية والسمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره، وجعلها عبادة الشيطان لأنه الآمر بها المزين لها.


(1) اختصره من انوار التنزيل 2: 288 و 289. (2) الحديث طويل رواه الكليني في الروضة: 345. (3) تفسير القمى: 538 رواه عن ابيه عن ابن ابى عمير عن ابن سنان. (4) انوار التنزيل 2: 297.

[186]

" إنه لكم عدو مبين " تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه " وأن اعبدوني " عطف على أن لا تعبدوا " هذا صراط مستقيم " إشارة إلى ما عهد إليهم، أو إلى عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه، والجملة استيناف لبيان المقتضي للعهد " ولقد أضل منكم جبلا كثيرا " رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي، والجبل: الخلق (1). قوله سبحانه: " وحفظا من كل شيطان مارد " قال البيضاوي: " حفظا " منصوب باضمار فعله أو العطف على زينة باعتبار المعنى، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من كل شيطان مارد، خارج عن الطاعة برمي الشهب (2). قال الرازي: قال ابن عباس: يريد حفظ السماء بالكواكب (3) من كل شيطان تمرد على الله، قال المفسرون: الشياطين يصعدون (4) إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب، وكانوا يخبرون به ضعفاءهم ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب، فمنعهم الله تعالى عن الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب، فانه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها. وبقي ههنا سؤالات: الأول هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا ؟ و الأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل، فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة


(1) أخذه من انوار التنزيل 2: 315. (2) انوار التنزيل: 2: 320. (3) إلى هنا انتهى كلام ابن عباس. (4) في المصدر: الشياطين كانوا يصعدون.

[187]

في الفلك، فهذا أيضا مشكل لانه تعالى قال في سورة تبارك: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين " والضمير عائد إلى المصابيح. والجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية، وأما قوله: " ولقد زينا " الخ فنقول: كل منير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد، ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين (1). الثاني: كيف يجوز أن يذهب الشياطين إلى السماء حيث يعلمون بالتجربة أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة ؟ وهل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشاطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة ؟ والجواب: أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين، وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة، ومواضعها مختلفة، فربما أن صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعضها، جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، هذا ما ذكره الجبائي في تفسيره. ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا فاما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غير ذلك الموضع، فان وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا، وإن وصلوا إلى غيرها لم يفوزوا بمقصود أصلا (2)، فبعد هذه التجزية وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل.


(1) ويمكن ان يقال: ان تلك الشهب هي الاحجار السماوية التى تقطعت عن كوكب أو قطع من بقايا كوكب متهشم موجودة في جهة من الجو مجذوبة للشمس متى مرت الارض بجانبها وصارت في متناول جاذبيتها انجذبت إليها واحترقت من سرعة هويها ولم يصل الارض منها شئ، وربما وصلت قطعة فغارت في الارض على ما قيل. (2) في المصدر: لم يفوزوا بمقصودهم اصلا.

[188]

والأقرب في الجواب أن نقول: هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لم يشتهر بين الشياطين. الثالث: قالوا: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك (1) فان الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجئ النبي صلى الله عليه وآله بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه. وأجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي لكنها كثرت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فصار بسبب الكثرة معجزا (2) انتهى. وأقول: يمكن أن يقال في الجواب عن السؤال الأول: أما أولا فبأنه على تقدير كون المراد بالمصابيح الكواكب نمنع عدم التغير في أعدادها، لان جميعها غير مرصودة لا سيما على القول بأن المجرة مركبة من الكواكب الصغيرة. وأما ثانيا فبأن يقال: يجوز أن يخلق الله تعالى في موضع الكوكب الذي يرمى به الشياطين كوكبا آخر فلا يحس بزواله. وأما ثالثا فبأن يقال: لعله ينفصل من الكوكب جسم يحرق الشياطين ويهلكهم مع بقاء الكوكب، كما ينفصل عن النار شعل محرقة مع بقائها، والشهاب في الأصل شعلة نار ساطعة، ومنه قوله تعالى: " آتيكم بشهاب قبس ". وأما السؤال الثاني فأجاب الشيخ رحمه الله في التبيان عنه بأنهم ربما جوزوا أن يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب، أو اعتقدوا أن ذلك غير صحيح ولم يصدقوا من أخبرهم أنهم رموا حين أرادوا الصعود. وقيل في الجواب: إذا جاء القضا عمي البصر، فإذا قضى الله عليه شيطان بالحرق قبض (3) الله من نفسه ما يبعثه على الاقدام على الهلكة، وربما غفل عن التجربة لشدة حرصه على درك المقصود، وقد يقال في الجواب عن الثالث: بأن ما حدث بولادته صلى الله عليه وآله


(1) لم يذكر في المصدر قوله: ولذلك. (2) تفسير الرازي 26: 120 و 121. (3) هكذا في النسخ ولعل الصحيح: فيض الله، أي قدر الله.

[189]

وبعثه هو طرد الشياطين بالشهب الثواقب لا وجودها، مع أن طائفة زعموا أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل البعث، ورووه عن ابن عباس وأبي بن كعب قالوا: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى بن مريم عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله فرمي بها، فرأت قريش أمرا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم يظنون إبان الفنآء، فبلغ ذلك بعض أكابرهم فقال: لم فعلتم ذلك ؟ فقالوا: رمي بالنجوم فرأينا تتهافت في السماء فقال: اصبروا فان تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الدنيا، وإن كانت نجوم لا تعرف فهو أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: في الأمر مهلة، وهذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم أبو سفيان على أخواله وأخبر أولئك الأقوام أنه ظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ويدعي أنه نبي مرسل، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات، فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا منهم في هذه المعجزة، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم لذلك. قوله تعالى: " لا يسمعون إلى الملا الاعلى " قال البيضاوي: كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم، ولا يجوز جعله صفة " لكل شيطان " فانه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، والضمير لكل باعتبار المعنى، وتعدية السماع بالى لتضمنه معنى الاصغاء مبالغة لنفيه وتهويلا لما يمنعهم، ويدل عليه قراءة حمزة و الكسائي وحفص بالتشديد من التسمع وهو طلب السماع، والملأ الأ على الملائكة أو أشرافهم " ويقذفون " يرمون " من كل جانب " من السماء إذا قصدوا صعوده " دحورا " علة أي للدحور وهو الطرد، أو مصدر لأنه والقذف متقاربان، أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر وهو ما يطرد به، ويقويه القراءة بالفتح، وهو يحتمل أيضا أن يكون مصدرا كالقبول أو صفة له، أي قذفا دحورا " ولهم عذاب واصب " أي عذاب آخر دائم أو شديد وهو عذاب الآخرة " إلا من خطف الخطفة " استثناء من " واو " يسمعون ومن بدل منه، والخطف: الاختلاس، والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة و " أتبع " بمعنى تبع والثاقب المضئ (1).


(1) انوار التنزيل 2: 320 و 321 وفيه اختصار.

[190]

أقول: وقد مر بعض الكلام في بعض هذه الآيات. وقال البيضاوي: " طلعها " أي حملها: مستعار من طلع الثمر لمشاركته إياه في الشكل أو لطلوعه من الشجر " كأنها رؤوس الشياطين " في تناهي القبح والهول وهو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك، وقيل: الشياطين حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف، ولعلها سميت بها لذلك (1). وقال: " والشياطين " عطف على الريح " كل بناء وغواص " بدل منه " وآخرين مقرنين في الأصفاد " عطف على " كل " كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر، ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى، ويمكن تقييدها، هذا والأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالأقران في الصفد وهو القيد (2). وقال الرازي: وههنا بحث وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة وبسبب تلك القوة قدروا على بناء الابنية القوية التي لا يقدر عليها البشر وقدروا على الغوص في البحار، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم، ولقائل أن يقول: هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فان كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم فليجز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة لا نراها ولا نسمعها، وذلك دخول في السفسطة فان كان الثاني: وهو أن أجسادهم ليست كثيفة بل لطيفة رقيقة، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة، وأيضا لزم أن تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال، وذلك يمنع وصفهم بالآلات القوية (3). وأيضا الجن والشياطين إن كانو موصوفين بهذه الشدة والقوة فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا ؟ ولم لا يخربون ديار الناس مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنتهم وعداوتهم، وحيث لا يحس شئ من ذلك علمنا أن القول باثبات الجن والشياطين ضعيف.


(1) انوار التنزيل 2: 326، (2) انوار التنزيل 2: 346. (3) في المصدر: وذلك يمنع من وصفهم ببناء الابنية القوية.

[191]

واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها، وأيضا لا يبعد أن يقال: أجسامهم لطيفه بمعنى عدم اللون، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق، وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان عليه السلام، ثم إنهم لما توفي سليمان عليه السلام أمات الله تلك الجن والشياطين وخلق نوعا آخر من الجن والشياطين، والموجود في زماننا ليس إلا من هذا الجنس (1) والله أعلم انتهى (2). قال الطبرسي رحمه الله: " وآخرين " أي وسخرنا له آخرين من الشياطين مشددين (3) في الاغلال والسلاسل من الحديد، وكان يجمع بين اثنين وثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم عند تمردهم. وقيل: إنه إنما كان يفعل ذلك بكفارهم فإذا آمنوا أطلقهم (4). " بنصب وعذاب " أي بتعب ومكروه ومشقة وقيل: بوسوسة، فيقول له: طال مرضك ولا يرحمك ربك انتهى (5). وقال البيضاوي في قوله تعالى: " فإذا سويته " عدلت خلقته " استكبر " تعظم و " كان " أي وصار، أو في علم الله " فبعزتك " فبسلطانك وقهرك " فالحق والحق أقول " أي فأحق الحق وأقوله. وقيل: الحق الاول اسم الله تعالى، ونصب بحذف حرف القسم وجوابه " لأملئن جهنم منك وممن تبعك منهم أجعين " وما بينهما اعتراض، وهو على الأول جواب محذوف، والجملة تفسير للحق المقول، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول على الابتداء


(1) في المصدر: من الجن والشياطين تكون اجسامهم في غاية الرقة ولا يكون لهم شئ من القوة والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس الا من هذا الجن. (2) تفسر الرازي 26: 210 و 211. (3) في المصدر: مشدودين. (4) مجمع البيان 8: 477. (5) مجمع البيان 8: 478.

[192]

أي الحق يميني أو قسمي أو الخبر أي أنا الحق (1) " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " أي نخس به شبه وسوسته لانها بعث على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ، وجعل النزغ نازغا على طريقة جد جده، أو اريد به نازغ وصفا للشيطان بالمصدر " فاستعذ بالله إنه هو السميع " لا ستعاذتك " العليم " بنيتك أو بصلاحك (2) ومن يعش عن ذكر الرحمن " يتعامى (3) ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات أو انهماكه في الشهوات " نقيض " نقدر ونسبب له " شيطانا فهو له قرين " يوسوسه ويغويه (4) دائما. أقول: وفي الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام: من تصدى بالاثم أعشى عن ذكر الله تعالى، ومن ترك الأخذ عمن أمر الله بطاعته قيض له شيطانا فهو له قرين (5). " سول لهم " قيل أي سهل لهم اقتراف الكبائر، وقيل: حملهم على الشهوات " وأملى لهم " أي وأمد لهم في الآمال والأماني أو أمهلهم الله ولم يعاجلهم بالعقوبة (6) " استحوذ عليهم الشيطان " أي استولى عليهم وهو مما جاء على الأصل " فأنساهم ذكر الله " لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم " اولئك حزب الشيطان " جنوده وأتباعه " ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون " لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد (7). " كمثل الشيطان " قال البيضاوي: أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان " إذ قال للانسان اكفر " أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور " فلما


(1) انوار التنزيل 2: 350 و 351. (2) انوار التنزيل 2: 389. (3) في المصدر: [يتعام] وهو الصحيح. (4) انوار التنزيل 2: 408. (5) الخصال 2: 633 و 634 طبعة الغفاري وفيها: [من صدئ] وفيها: [قيض الله له] والحديث من أجزاء حديث اربعمائة. (6) انوار التنزيل 2: 438. (7) انوار التنزيل 2: 507.

[193]

كفر قال إني برئ منك " تبرأ عنه مخافة أن يشاركه في العذاب ولا ينفعه ذلك كما قال: " إني أخاف الله رب العالمين " إلى قوله: " جزاء الظالمين " والمراد من الانسان الجنس وقيل: أبو جهل قال له إبليس يوم بدر: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم الآية، وقيل: راهب حمله على الفجور والارتداد (1). ولقد زينا " أقول: قد مر الكلام فيها في باب السماوات. " من شر الوسواس الخناس " قال الطبرسي رحمه الله فيه أقوال: أحدها: أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة التي يوسوسها في صدور الناس، فيكون فاعل يوسوس ضمير الجنة، وإنما ذكر لأن الجنة والجن واحد وجازت الكناية عنه وإن كان متأخرا لأنه في نية التقدم. وثانيها: أن معناه من شر ذي الوسواس وهو الشيطان، كما جاء في الاثر " أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس ". ثم وصفه الله تعالى بقوله: " الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس " أي بالكلام الخفى الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع، ثم ذكر أن هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة وهم الشياطين كما قال سبحانه: " إلا إبليس كان من الجن (2) " ثم عطف بقوله: " والناس " على الوسواس، والمعنى من شر الوسواس، ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والانس. وثالثها: أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس، ثم فسره بقوله: " من الجنة والناس " كما تقول نعوذ بالله من شر كل ما رد من الجن والانس، وعلى هذا فيكون وسواس الجنة هو وسواس الشيطان، وفي وسواس الانس وجهان: أحدهما أنه وسوسة الانسان نفسه. والثاني إغواء من يغويه من الناس، ويدل عليه قوله: " شياطين الانس والجن " (3)


(1) انوار التنزيل 2: 511 و 512. (2) الكهف: 51. (3) الانعام: 112.

[194]

فشيطان الجن يوسوس، وشيطان الانس يأتي علانية ويري أنه ينصح وقصده الشر، قال مجاهد: الخناس: الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض، وإذا لم يذكر الله انبسط على القلب، ويؤيده ما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله سبحانه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس. وقيل: الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور وهو المستتر المختفي عن أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين، وروى العياشي باسناده، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره اذنان: اذن ينفث فيها الملك، واذن ينفث فيها الوسواس الخناس، فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله سبحانه: " وأيدهم بروح منه (1) ". 1 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله تعالى: " والشياطين كل بناء وغواص " أي في البحر " وآخرين مقرنين في الأصفاد " يعنى مقيدين قد شد بعضهم إلى بعض، وهم الذين عصوا سليمان عليه السلام حين سلبه الله ملكه، قال الصادق عليه السلام: جعل الله عزوجل ملك سليمان في خاتمه، فكان إذا لبسه حضرته الجن والانس والشياطين وجميع الطير والوحش وأطاعوه ويبعث الله (2) رياحا تحمل الكرسي بجميع ما عليه من الشياطين والطير والانس والدواب والخيل، فتمر بها في الهواء إلى موضع يريده سليمان، وكان يصلي الغداة بالشام والظهر بفارس، وكان يأمر الشياطين أن يحملوا الحجارة من فارس يبيعونها بالشام فلما مسح أعناق الخيل وسوقها بالسيف سلبه الله ملكه فجاء شيطان فأخذ من خادمه خاتمه حيث دخل الخلاء (3) - وساق الحديث إلى قوله: - فلما رد عليه الخاتم ولبسه (4) حوت


(1) مجمع البيان 10: 570 و 571. (2) في المصدر: وأطاعوه فيقعد على كرسيه ويبعث الله. (3) في المصدر: [سلبه الله ملكه وكان إذا دخل الخلاء دفع خاتمه إلى بعض من يخدمه فجاء شيطان فخدع خادمه واخذ من يده الخاتم فلبسه اه‍] والحديث طويل فيه غرابة شديدة. بل فيه ما يخالف ضرورة المذهب راجعه. (4) في المصدر: [فخرت] وما قبل ذلك نقل بالمعنى راجع المصدر.

[195]

عليه الشياطين والجن والانس والطير والوحوش ورجع إلى ماكان، فطلب ذلك بالشيطان وجنوده الذين كانوا معه، فقيدهم وحبس بعضهم في جوف الماء وبعضهم في جوف الصخر بأسامي الله، فهم محبوسون معذبون إلى يوم القيامة (1). 2 - القصص: بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان سليمان عليه السلام يأمر الشياطين فتحمل له الحجارة من موضع إلى موضع فقال لهم ابليس: كيف أنتم ؟ قالوا: ما لنا طاقة بما نحن فيه، فقال إبليس: أليس تذهبون بالحجارة وترجعون فراغا ؟ قالوا: نعم قال: فأنتم في راحة، فأبلغت الريح سليمان ما قال إبليس للشياطين، فأمرهم يحملون الحجارة ذاهبين ويحملون الطين راجعين إلى موضعها، فتراءى لهم إبليس فقال: كيف أنتم ؟ فشكوا إليه فقال: ألستم تنامون بالليل ؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم في راحة، فابلغت الريح ما قالت الشياطين وإبليس، فأمرهم أن يعملوا بالليل والنهار فما لبثوا إلا يسيرا حتى مات سليمان صلوات الله عليه (2). 3 - العيون والعلل: باسناده عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن اسم ابليس ما كان في السماء ؟ فقال: كان اسمه الحارث، وسأله عن أول من كفر، فقال: إبليس لعنه الله (3). 4 - التفسير: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: " فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " قال: الرجيم أخبث الشياطين، قيل: ولم سمي رجيما ؟ قال: لأنه يرجم (4) 5 - القصص للراوندي: باسناده عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) تفسير القمى: 566. (2) قصص الانبياء: مخطوط. واخرجه المصنف بتمامه مع اسناده في كتاب النبوة. راجع ج 14: 72. (3) عيون اخبار الرضا: 133 - 135 علل الشرائع: 197 و 198 والحديث طويل رواه الصدوق باسناده عن ابى الحسن محمد بن عمرو بن على بن عبد الله البصري عن ابى عبد الله محمد بن عبد الله بن احمد بن جبلة الواعظ عن ابى القاسم عبد الله بن احمد بن عامر الطائى عن ابيه عن على بن موسى الرضا عليه السلام. (4) تفسير القمى: 365.

[196]

عن ذي الكفل، فقال كان رجلا من حضرموت واسمه عويد ابن أديم، وكان في زمن نبي من الأنبياء (1) قال: من يلي (2) أمر الناس بعدي على أن لا يغضب ؟ فقام فتى فقال: أنا، فلم يلتفت إليه، ثم قال: كذلك، فقام الفتى، فمات ذلك النبي وبقي ذلك الفتى وجعله الله نبيا، وكان الفتى يقضي أول النهار فقال إبليس لأتباعه: من له ؟ فقال واحد منهم يقال له: الأبيض: أنا، فقال إبليس: فاذهب إليه لعلك تغضبه، فلما انتصف النهار جاء الابيض إلى ذي الكفل وقد أخذ مضجعه فصاح وقال: إني مظلوم، فقال: قل له: تعالى ! فقال: لا أنصرف، قال: فأعطاه خاتمه فقال: اذهب وأتني بصاحبك، فذهب حتى إذا كان من الغد جاء تلك الساعة التي أخذ هو مضجعه فصاح إني مظلوم وإن خصمى لم يلتفت إلى خاتمك، فقال له الحاجب: ويحك دعه ينم فانه لم ينم البارحة ولا أمس، قال: لا أدعه ينام وأنا مظلوم، فدخل الحاجب وأعلمه فكتب له كتابا وختمه ودفعه إليه، فذهب حتى إذا كان من الغد حين أخذ مضجعه جاء فصاح فقال: ما التفت إلى شئ من أمرك ولم يزل يصيح حتى قام وأخذ بيده في يوم شديد الحر لو وضعت فيه بضعة لحم على الشمس لنضجت، فلما رأى الابيض ذلك انتزع يده من يده ويئس منه أن يغضب، فأنزل الله جل وعلا قصته على نبيه ليصبر على الأذى كما صبر الأنبياء صلوات الله عليهم على البلاء (3) بيان: كأنه سقط من أول الخبر شئ (4)، والقائل: هو (5) نبي آخر غير ذي


(1) في كتاب النبوة: فقيل له: ما كان ذو الكفل ؟ فقال: كان رجل من حضرموت واسمه عويديا بن ادريم قال: من يلى. (2) أي ذلك النبي. (3) اخرجه المصنف مسندا في كتاب النبوة في باب قصص ذى الكفل، راجع ج 13: 405 وذكر الطبرسي في مجمع البيان ان اسمه عدويا بن ادارين. (4) الحديث على النسخة التى ذكرت ههنا ليس فيها غموض لان الضمير في كان يرجع إلى ذى الكفل واسمه عويديا، ولكن النسخة التى ذكرت في كتاب النبوة فيها اشكال حيث ان الظاهر ان عويديا غير ذى الكفل وعلى ذلك لا يحتاج ههنا إلى بيان. (5) أي القائل: من يلى والقائل الثاني هو الذى قال: انا.

[197]

الكفل، والقائل: هو عليه السلام كما بيناه في المجلد الخامس. 6 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن عبد الله الحميري، عن موسى بن جعفر ابن وهب، عن علي بن سليمان النوفلي (1) عن فطر بن خليفة، عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " (2) صعد إبليس جبلا بمكة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيدنا لم دعوتنا ؟ قال: نزلت هذه الآية، فمن لها ؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال: مثل ذلك، فقال: لست لها، فقال الوسواس الخناس: أنا لها، قال: بماذا ؟ قال: أعدهم وامنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة (3). بيان: في القاموس: رجل عفر وعفرية وعفريت بكسرهن خبيث منكر والعفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء. 7 - العلل: باسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الخناس قال: إن إبليس يلتقم القلب فإذا ذكر الله خنس فلذلك سمي الخناس (4). 8 - تفسير الفرات (5): باسناده عن الحسن عليه السلام فيما سأل كعب الأحبار


(1) هكذا في نسخة امين الضرب وفى غيرها: [موسى بن جعفر بن وهب عن على بن وهب عن على بن سليمان النوفلي] وفى المصدر: موسى بن جعفر بن وهب البغدادي عن على بن معبد عن على بن سليمان النوفلي. (2) آل عمران: 135. (3) مجالس الصدوق: 287 (م 71). (4) علل الشرائع: 178 وج 2: 213 (ط قم) رواه باسناده عن ابيه عن سعد ابن عبد الله عن ابى بصير. (5) في النسخة المطبوعة: الخصال وتفسير الفرات، ولم نجد الحديث في الخصال. والظاهر أن الزيادة من الطابع. (*)

[198]

أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما أراد الله تعالى خلق آدم بعث جبرئيل فأخذ من أديم الارض قبضة فعجنه بالماء العذب والمالح وركب فيه الطبايع قبل أن ينفخ فيه الروح، فخلقه من أديم الأرض فطرحه كالجبل العظيم، وكان إبليس يومئذ خازنا على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره، ثم يضرب بيده على بطنه فيقول: لأي أمر خلقت ؟ لئن جعلت فوقي لا أطعتك، ولئن جعلت أسفل مني لأعينك (1) فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح الحديث (2). 9 - الكافي: باسناده عن مسعدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن الكفر والشرك أيهما أقدم ؟ فقال: الكفر أقدم ؟ وذلك أن إبليس أول من كفر وكان كفره غير شرك لأنه لم يدع إلى عبادة غير الله، وإنما دعا (3) إلى ذلك بعد فأشرك (4). 10 - ومنه: باسناده عن عبد الحميد أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا محمد والله لو أن ابليس سجد لله بعد المعصية والتكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك، ولا قبله الله عزوجل منه ما لم يسجد لآدم كما أمره الله أن يسجد له الحديث (5). 11 - العلل: باسناده قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس ؟ قال نعم: أنا أقيس، قال: ويلك لا تقس إن أول من قاس إبليس، قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " قاس ما بين النار والطين


(1) في المصدر: لا ابقيتك. (2) تفسير فرات: 67. (3) في المصدر: وانما دعى. (4) اصول الكافي 2: 386 رواه باسناده عن على بن ابراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة. (5) روضة الكافي. 270، رواه الكليني باسناده عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد وعدة من اصحابنا عن سهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن عبد الحميد بن ابى العلاء. وللحديث صدر وذيل لم يذكرهما المصنف.

[199]

ولو قاس نورية آدم بنور النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدها على الآخر (1). 12 - العياشي: عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إبليس أول من تغنى، وأول من ناح، لما أكل آدم من الشجرة تغنى (2). 13 - العلل: باسناده عن يزيد بن سلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: الخميس يوم خامس من الدنيا وهو يوم أنيس لعن فيه إبليس ورفع فيه إدريس (3) الخبر. 14 - الكافي: باسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين المسلمين، فشد عليه جبرئيل بالسيف فهرب منه وهو يقول: يا جبرئيل إني مؤجل، حتى وقع في البحر قال زرارة: فقلت لابي جعفر عليه السلام: لأي شئ كان يخاف وهو مؤجل ؟ قال: على أن يقطع بعض أطرافه (4). 15 - ومنه (5): باسناده عن علي عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تؤووا


(1) علل الشرائع: 40 و 82 (ط قم) والحديث طويل لم يذكر تمامه رواه الصدوق باسناده عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن ابى عبد الله البرقى عن محمد بن على عن عن عيسى بن عبد الله القرشى رفعه قال: دخل. (2) تفسير العياشي 1: 40 فيه: [جابر بن عبد الله] وفيه: [كان ابليس] وفيه واول من ناح واول من حدا، لما اكل من الشجرة تغنى، فلما هبط حدا فلما استتر على الارض ناح يذكره ما في الجنة. (3) علل الشرائع: 161 و 2: 155 (ط قم) والحديث طويل رواه الصدوق باسناده عن الحسين بن يحيى بن ضريس البجلى عن أبيه عن ابى جعفر عمارة عن ابراهيم ابن عاصم عن عبد الله بن هارون الكرخي عن ابى جعفر احمد بن عبد الله بن يزيد بن سلام بن عبيد الله عن ابيه عن يزيد بن سلام. (4) الروضة: 277، اورده المصنف باسناده في غزوة بدر الكبرى راجع ج 19: 304. (5) الظاهر ان الضمير يرجع إلى الكافي، ولم نجده بتمامه في الكافي نعم يوجد الحكم الاول في باب النوادر من الاطعمة والاشربة والحكم الثاني في باب النوادر من الزى - - -

[200]

منديل اللحم في البيت فانه مربض الشيطان، ولا توووا التراب خلف الباب فانه مأوى الشيطان، فإذا بلغ (1) أحدكم باب حجرته فليسم فانه يفر الشيطان، وإذا سمعتم نياح الكلاب ونهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فانهم يرون ولا ترون فافعلوا ما تؤمرون الخبر (2). 16 - العلل: باسناده عن عبد العظيم الحسني قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام أسأله عن علة الغائط ونتنه، قال: إن الله تعالى خلق آدم وكان جسده طيبا وبقي أربعين سنة ملقى تمر به الملائكة فتقول: لأمر ما خلقت، وكان إبليس يدخل في فيه ويخرج من دبره فلذلك صار ما في جوف آدم منتنا خبيثا غير طيب (3). 17 - العلل: عن ما جيلويه عن عمه عن أحمد البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما كانت بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا لنعمة أنعم الله بها عليه فأدى شكرها، وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش، فلما صعد عمل أيوب بأداء شكر النعمة حسده إبليس فقال: يا رب إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، فلو حلت بينه وبين دنياه ما أدى إليك شكر نعمة، فسلطني على دنياه تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة فقال: قد سلطتك على دنياه، فلم يدع له دنيا ولا ولدا إلا أهلك ذلك (4) وهو يحمد


- - - - والتجمل، والصحيح ان يرجع الضمير إلى العلل فانه ذكر الحديث فيه في ص 194 وفى ج 2: 270 مفصلا مع احكام اخر لم يذكرها المصنف ههنا، والحديث مروى فيه باسناده عن ابيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد عن ابى جعفر احمد بن ابى عبد الله عن رجل عن على بن اسباط عن عمه يعقوب رفع الحديث إلى على بن ابى طالب عليه السلام. (1) في العلل: [وإذا] وفيه: فانهن يرون. (2) فروع الكافي 6: 299 و 531. (3) علل الشرايع: 101 وج 1: 261 (ط قم) رواه عن على بن احمد بن محمد عن محمد بن ابى عبد الله الكوفى عن سهل بن زياد الادمى عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى قال: كتبت إلى ابى جعفر محمد بن على بن موسى عليه السلام. (4) في المصدر: الا اهلكه. كل ذلك.

[201]

الله عزوجل. ثم رجع إليه فقال: يا رب إن أيوب يعلم أنك سترد عليه دنياه التي أخذتها منه فسلطني على بدنه حتى تعلم أنه لا يودي شكر نعمة، قال عزوجل: قد سلطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه وسمعه، فقال أبو بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام: فانقض مبادرا خشية أن تدركه رحمة الله عزوجل فيحول بينه وبينه فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا (1). 18 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن عثمان النوا عمن ذكره عن أبى عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل يبتلي المؤمن بكل بلية ويميته بكل ميتة ولا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيوب كيف سلط إبليس على ماله وعلى ولده وعلى أهله وعلى كل شئ منه ولم يسلط على عقله ؟ ترك له يوحد الله به (2). 19 - الفقيه: قال الصادق عليه السلام: إذا أتى أحدكم أهله فليذكر الله فان من لم يذكر الله عند الجماع فكان (3) منه ولد كان شرك شيطان ويعرف ذلك بحبنا وبغضنا (4). 20 - ومنه: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا انكشف أحدكم لبول أو لغير ذلك فليقل: بسم الله فان الشيطان يغض بصره عنه حتى يفرغ (5). 21 - ومنه: باسناده عن علي بن أسباط، عن الرضا عليه السلام قال: قال لي: إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل: بسم الله آمنت بالله توكلت على الله ما شاء


(1) علل الشرائع: 36 وج 1: 71 (ط قم). (2) اصول الكافي 2: 256 فيه: ليوحد الله به. (3) في المصدر: وكان. (4) الفقيه 3: 256 (ط آخوندى). (5) الفقيه 1: 18 فيه: بسم الله وبالله.

[202]

الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم (1)، فتلقاه الشياطين فتضرب الملائكة وجوهها وتقول: ما سبيلكم عليه وقد سمى الله وآمن به وتوكل على الله ؟ وقال: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله (2). 22 - الكافي: باسناده عن حفص بن القاسم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن على ذروة كل جسر شيطانا، فإذا انتهيت إليه فقل: " بسم الله " يرحل عنك (3). 23 - التهذيب: باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل إذا أتى المرأة (4) وجلس مجلسه حضره الشيطان فإن هو ذكر اسم الله تنحى الشيطان عنه، وإن فعل ولم يسم أدخل الشيطان ذكره فكان العمل منهما جميعا والنطفة واحدة قلت: فبأي شئ يعرف هذا جعلت فداك ؟ قال: بحبنا وبغضنا (5). 24 - ومنه: باسناده عن أبي حمزة قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الامام فيقول: هل ذكر ربه ؟ فان قال: نعم ذهب، وإن قال: لا ركب على كتفيه فكان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال: فقلت: جعلت فداك ليس يقرأون القرآن ؟ قال: بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي إنما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (6).


(1) لم يرد في المصدر قوله: العلى العظيم. (2) الفقيه 2: 177 و 178 (ط آخوندى) (3) فروع الكافي 4: 287 رواه عن على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن أبى عمير عن قاسم الصيرفى عن حفص بن القاسم ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن جعفر بن القاسم والبرقي في المحاسن: 373 عن ابيه عن ابن ابى عمير. (4) في المصدر: إذا دنا من المرأة. (5) تهذيب الاحكام 7: 407 (ط الاخوندى) الحديث طويل رواه عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن مثنى بن الوليد الحناط عن ابى بصير ورواه الكليني والصدوق ايضا في الكافي والفقيه. (6) تهذيب الاحكام 2: 290، رواه عن احمد بن محمد عن ابن ابى نجران عن صباح الحذاء عن رجل عن ابى حمزة.

[203]

بيان: قرين الامام: الملك الذي يحفظ عمله، أو الشيطان الذي وكل به. 25 - المحاسن: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أكلت الطعام فقل: بسم الله في أوله وفي آخره، فان العبد إذا سمى في طعامه قبل أن يأكل لم يأكل معه الشيطان (1) وإذا سمى بعد ما يأكل وأكل الشيطان منه تقيأ ما كان أكل (2). 16 - ومنه: باسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا وضع الغداء والعشاء فقل: " بسم الله " فان الشيطان يقول لأصحابه: اخرجوا فليس هنا عشاء ولا مبيت، وإن هو نسي أن يسمي قال لأصحابه: تعالوا فان لكم هنا عشاء ومبيتا (3). 27 - وقال عليه السلام: في خبر آخر إذا توضأ أحدكم ولم يسم كان للشيطان في وضوئه شرك، وإن أكل أو شرب أو لبس (4) لباسا ينبغي أن يسمي عليه، فان لم يفعل كان للشيطان فيه شرك (5). 28 - الفقيه: في وصايا النبي صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي النوم على أربعة: نوم الأنبياء على أقفيتهم، ونوم المؤمنين على أيمانهم، ونوم الكفار والمنافقين على يسارهم ونوم الشياطين على وجوههم (6).


(1) زاد في المصدر: وإذا لم يسم اكل معه الشيطان. (2) المحاسن: 432 رواه عن ابى ايوب المدائني عن محمد بن ابى عمير عن حسين ابن مختار عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام. (3) المحاسن: 432 رواه عن ابن فضال عن ابى جميلة عن محمد بن مروان ورواه ايضا عن محمد بن سنان عن العلاء بن فضيل عن ابى عبد الله عليه السلام ورواه ايضا عن محمد بن سنان عن حماد بن عثمان عن ربعى بن عبد الله عن الفضيل عن ابى عبد الله عليه السلام مثله وزاد فيه: فقال: إذا توضأ. إلى آخر الحديث الاتى. (4) في المصدر: أو لبس وكل شئ صنعه ينبغى. (5) المحاسن: 432 و 433. (6) الفقيه 4: 264.

[204]

29 - تفسير الامام: قال عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فان من تعوذ بالله أعاذه الله، وتعوذوا من همزاته ونفخاته ونفثاته، أتدرون ما هي ؟ أما همزاته: فما يلقيه في قلوبكم من بغضنا أهل البيت، قالوا: يارسول الله وكيف نبغضكم بعد ما عرفنا محلكم من الله ومنزلتكم ؟ قال: أن تبغضوا (1) أولياءنا وتحبوا أعداءنا. قيل: يا رسول الله وما نفخاتهم ؟ قال: هي ما ينفخون به عند الغضب في الانسان الذي يحملونه على هلاكه في دينه ودنياه، وقد ينفخون في غير حال الغضب بما يهلكون به، أتدرون ما أشد ما ينفخون ؟ وهو (2) ما ينفخون بأن يوهموا أن أحدا من هذه الأمة فاضل علينا أو عدل لنا أهل البيت، وأما نفثاته: فانه يرى أحدكم أن شيئا بعد القرآن أشفى له من ذكرنا أهل البيت ومن الصلاة علينا (3). 30 - العلل: باسناده عن جابر الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اغلقوا أبوابكم (4) وخمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم، فان الشيطان لا يكشف غطاء ولا يحل وكاء (5). 31 - الكافي: باسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال رسول الله: إذا ركب الرجل الدابة فسمى ردفه ملك يحفظه حتى ينزل، وإذا ركب ولم يسم ردفه شيطان فيقول له: تغن، فان قال له: لا احسن قال له: تمن


(1) في المصدر: بأن تبغصوا. (2) في المصدر: [هو ما ينفخون] بلا عاطف. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 244، اختصره المصنف. (4) في المصدر: [اجيفوا ابوابكم] أقول: اجاف الباب: رده، وخمروا آنيتكم أي غطوها. والوكاء: ما يشد به. (5) علل الشرائع: 194 و 2: 269 (ط قم) رواه عن ابيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد عن محمد بن عبد الحميد عن يونس بن يعقوب عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه عن جابر بن عبد الله الانصاري. وللحديث ذيل لم يذكره المصنف هنا. (*)

[205]

فلا يزال يتمنى حتى ينزل (1). 32 - العيون: باسناده عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في أول يوم من شهر رمضان تغل مردة الشياطين (2). 33 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن على بن أسباط (3) عن أبي عبد الرحمن قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ربما (4) حزنت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد، وربما فرحت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد فقال: إنه ليس من أحد إلا ومعه ملك وشيطان فإذا كان فرحه كان دنو الملك منه وإذا كان حزنه كان دنوا الشيطان منه، وذلك قول الله تبارك وتعالى (5) " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " (6). بيان: كأن المراد أن هذا الهم لأجل وساوس الشيطان لكنه لا يتفطن به الانسان فيظن أنه بلا سبب. أو المراد: أنه لما كان شأن الشيطان ذلك يصير محض دنوه سببا للهم، أو أراد السائل عدم كونه لفوت تلك الأمور في الماضي ويجري جميع الأمور في الملك أيضا. 34 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من قلب إلا وله اذنان على أحدهما ملك مرشد، وعلى الاخرى


(1) فروع الكافي 6: 540 رواه عن على بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن الدهقان عن درست عن ابراهيم. وللحديث ذيل لم يذكره المصنف ههنا. (2) عيون اخبار الرضا: 228 وفيه: [المردة من الشياطين] والحديث باسناده و تمامه يأتي في باب فضل شهر رجب (3) في نسخة: [عن اسباط] وفى المصدر: عن عباس عن اسباط وفى نسخة منه: الحسن بن على بن عباس. (4) في المصدر: انى ربما. (5) البقرة: 268. (6) علل الشرائع: 42.

[206]

شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وهو قول الله عزوجل: " عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (1). 35 - ومنه: باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقلب اذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الايمان: لا تفعل، وقال له الشيطان: افعل، وإذا كان على بطنها نزع منه روح الايمان (2). 36 - المحاسن: عن أبي طالب عن أنس عن عياض الليثي (3) عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن على ذروة كل بعير شيطانا فامتهنوها لأنفسكم وذللوها، واذكروا اسم الله عليها كما أمركم الله (4). 37 - ومنه: عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن يعقوب بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام قال: الخيل على كل منخر منها شيطان فإذا أراد أحكم أن يلجمها فليسم الله (5). 38 طب الائمة: باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثروا من الدواجن في بيوتكم تتشاغل بها الشياطين عن صبيانكم (6). 39 - الكافي: باسناده عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال


(1) اصول الكافي 2: 266، والاية في سورة ق: 18. (2) اصول الكافي 2: 267 رواه عن الحسين بن محمد عن احمد بن اسحاق عن سعدان عن ابى بصير. قوله: وإذا كان على بطنها، فسره في هامش البحار بقوله: يعنى ان المرء إذا كان مشغولا بالزنا نزع روح الايمان كما هو احد الوجوه في قوله: لا يزنى الزانى وهو مؤمن. (3) الصحيح كما في المصدر: انس بن عياض الليثى. (4) المحاسن: 636. (5) المحاسن: 634. (6) طب الائمة: 117.

[207]

رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فانك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان، قيل: يا رسول الله وفى الناس شرك شيطان ؟ فقال صلى الله عليه وآله: أما تقرأ قول الله عزوجل: " وشاركهم في الأموال والأولاد " الخبر (1). بيان: في القاموس: ولد غية ويكسر: زنية. 40 - الكافي: باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام حيث علمه الدعاء إذا دخلت عليه امرأته، وقال فيه: ولا تجعل فيه شركا للشيطان، قال: قلت: وبأي شئ يعرف ذلك ؟ قال: أما تقرأ كتاب الله عزوجل: " وشاركهم في الأموال والأولاد " ثم قال: إن الشيطان ليجئ حتى يقعد من المرأة كما يقعد الرجل منها ويحدث كما يحدث وينكح كما ينكح، قلت: بأي شئ يعرف ذلك ؟ قال: بحبنا وبغضنا فمن أحبنا كان نطفة العبد، ومن أبغضنا كان نطفة الشيطان (2). 41 - وقال في حديث آخر: وإن الشيطان يجيئ فيقعد كما يقعد الرجل وينزل كما ينزل الرجل (3). 42 - وفي رواية اخرى عن هشام، عنه عليه السلام في النطفتين اللتين للآدمي والشيطان إذا اشتركا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ربما خلق من أحدهما وربما خلق منهما جميعا (4).


(1) اصول الكافي 2: 323 و 324. رواه عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد ابن خالد عن عثمان بن عيسى عن عمر بن اذينة عن ابان بن ابى عياش عن سليم. (2) فروع الكافي 5: 502 رواه الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد وعدة من اصحابنا عن احمد بن محمد جميعا عن الوشاء عن موسى بن بكر عن ابى بصير، الحديث طويل اورده في كتاب النكاح. (3) فروع الكافي 5: 503 رواه الكليني عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن ابيه عن حمزة بن عبد الله عن جميل بن دراج عن ابى الوليد عن ابى بصير، اورد تمام الحديث في كتاب النكاح. (4) فروع الكافي 5: 503 رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن على بن الحكم عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام.

[208]

43 - تفسير الفرات: باسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: رأى أمير المؤمنين عليه السلام على بابه شيخا فعرفه أنه الشيطان فصارعه (1) وصرعه قال: قم عني يا علي حتى ابشرك فقام عنه فقال: بم تبشرني يا ملعون ؟ قال: إذا كان يوم القيامة صار الحسن عن يمين العرش والحسين عن يسار العرش، يعطيان شيعتهما الجواز من النار، قال: فقام إليه وقال: اصارعك ؟ قال: مرة اخرى (2)، قال: نعم، فصرعه أمير المؤمنين قال: قم عني حتى ابشرك، فقام عنه فقال: لما خلق الله آدم خرج ذريته من ظهره مثل الذر فأخذ ميثاقهم فقال: " ألست بربكم قالوا بلى " قال: فأشهدهم على أنفسهم فأخذ ميثاق محمد وميثاقك فعرف وجهك الوجوه وروحك الأرواح، فلا يقول لك أحد: احبك، إلا عرفته، ولا يقول لك أحد: ابغضك، إلا عرفته، قال: قم صار عني، قال: ثلاثة (3)، قال: نعم فصارعه وصرعه فقال (4): يا علي لا تبغضني وقم عني حتى ابشرك قال: بلى وأبرأ منك وألعنك، قال: والله يابن أبي طالب ما أحد يبغضك إلا شركت في رحم امه وفي ولده، فقال له: أما قرأت كتاب الله " وشاركهم في الأموال والأولاد " الآية (5). 44 - تفسير علي بن إبراهيم: باسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (6) في قصة طويلة في


(1) في المصدر: [حدثنى اسماعيل بن ابراهيم الفارسى معنعنا عن ابى جعفر محمد بن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا على قال: لبيك، قال له: اتى الشيطان الوادي فدار فيه: فلم ير احدا حتى إذا صار على بابه لقى شيخا فقال: ما تصنع هنا ؟ قال: ارسلني رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تعرفني ؟ قال: ينبغى ان تكون انت يا ملعون فما بد أن اصارعك قال: لا بد منه، فصارعه] أقول: الظاهر ان صدر الحديث سقط عنه شئ. (2) في المصدر: فقال: اصارعك مرة اخرى. (3) في المصدر: ثالثة. (4) في المصدر. فصارعه فاعرقه ثم صرعه امير المؤمنين عليه السلام قال. (5) تفسير فرات: 40 والاية في الاسراء: 64. (6) فيه وهم والموجود في المصدر: حدثنى ابى عن فضالة بن ايوب عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام. وذكره المصنف صحيحا في كتاب النبوة.

[209]

حج إبراهيم وذبحه ابنه إلى أن قال: وسلما لأمر الله، وأقبل شيخ فقال: يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام ؟ قال: اريد أن أذبحه، فقال: سبحان الله تذبح غلاما لم يعص الله عزوجل طرفة عين ؟ فقال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك، فقال: ربك ينهاك عن ذلك، وإنما أمرك بهذا الشيطان، فقال له إبراهيم إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به والكلام الذي وقع في اذني (1)، فقال: لا والله ما أمرك بهذا إلا الشيطان فقال إبراهيم: لا والله لا اكلمك. ثم عزم إبراهيم على الذبح فقال: يا إبراهيم إنك إمام يقتدى بك، وإنك إذا ذبحته ذبح الناس أولادهم، فلم يكلمه وأقبل على الغلام واستشاره في الذبح - وساق الحديث في الفداء إلى قوله - ولحق إبليس بام الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي بحذاء البيت فقال لها: ما شيخ رأيته، قالت: إن ذلك بعلي، قال: فوصيف رأيته معه، قالت: ذلك ابني، قال: فاني رأيته وقد أضجعه وأخذ المدية ليذبحه فقالت: كذبت إن إبراهيم أرحم الناس كيف يذبح ابنه ؟ قال: فورب السماء والأرض ورب هذا البيت لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية، فقالت: ولم ؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك، قالت: فحق له أن يطيع ربه، فوقع في نفسها أنه قد امر في ابنها بأمر. فلما قضت مناسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى وهي واضعة يدها على رأسها تقول: ربي لا تؤآخدني بما عملت بام إسماعيل (2) الحديث. 45 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم


(1) لعله معطوف على الموصول المتقدم أي الكلام الذى وقع في اذنى امرني بهذا فيكون كالتفسير لقوله: الذى بلغني هذا المبلغ، أو المراد بالاول الرب تعالى وبالثانى وحيه ويحتمل ان يكون خبرا لمبتدء محذوف أي وهو الكلام الذى وقع في اذنى، وفى الكافي: ويلك الكلام الذى سمعت هو الذى بلغ بى ما ترى. قاله المصنف. (2) تفسير القمى: 557 - 559 اورده المصنف بتمامه في كتاب النبوة راجع ج 12. 125 - 127.

[210]

عليه السلام لما هبط من الجنة اشتهى من ثمارها فأنزل الله تبارك وتعالى عليه قضيبين من عنب فغرسهما فلما أورقا وأثمرا وبلغا جاء إبليس فحاط عليهما حائط، فقال له آدم: ما لك يا ملعون ؟ فقال له إبليس: إنهما لي، فقال: كذبت، فرضيا بينها بروح القدس فلما انتهيا إليه قص آدم عليه السلام قصته فأخذ روح القدس شيئا من نار فرمى بها عليهما فالتهبت في أغصانهما حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شئ إلا احترق وظن إبليس مثل ذلك قال: فدخلت النار حيث دخلت وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح: أما ما ذهب منهما فحظ إبليس لعنه الله وما بقي فلك يا آدم (1). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعدة من أصحابه عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب مثله (2). 46 - ومنه: عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن أبي حمزة (3) عن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم عليه السلام أمره بالحرث والزرع وطرح إليه غرسا من غروس الجنة فأعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها لتكون لعقبه وذريته فأكل هو من ثمارها، فقال له إبليس لعنه الله: يا آدم ما هذا الغرس الذي لم أكن أعرفه في الأرض وقد كنت بها قبلك ؟ ائذن لي آكل منه شيئا، فأبى أن يطعمه (4)، فجاء عند آخر عمر آدم فقال لحوا: إنه قد أجهدني الجوع والعطش، فقالت له (5) حواء عليها السلام: إن آدم عهد إلي


(1) علل الشرائع: 163 وج 2: 162 (ط قم) فيه: فحظ لابليس. (2) فروع الكافي 9: 393 فيه: [قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اصل الخمر كيف كان بدء حلالها وحرامها ومتى اتخذ الخمر ؟ فقال: ان] وفيه: (ما حالك يا ملعون) وفيه: [ضغثا من نار ورمى به والعنب في اغصانهما] وفيه: لم يبق منهما. (3) في المصدر: عن على بن ابى حمزة. (4) في المصدر: فابى آدم عليه السلام أن يدعه فجاء ابليس. (5) في المصدر: فقالت له حواء: فما الذى تريد ؟ قال: اريد ان تذيقني من هذه الثمار فقالت حواء.

[211]

أن لا اطعمك شيئا من هذا الغرس لأنه من الجنة ولا ينبغي لك أن تأكل (1) منه فقال لها: فاعصري في كفي منه شيئا فأبت عليه، فقال: ذريني أمصه ولا آكله، فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصه ولم يأكل منه شيئا، لما كانت حواء قد أكدت عليه، فلما ذهب يعضه جذبته (2) حواء من فيه فأوحى الله عزوجل إلى آدم عليه السلام إن العنب قد مصه عدوي وعدوك إبليس لعنه الله وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس إبليس، فحرمت الخمر لأن عدو الله إبليس مكر بحواء حتى مص العنبة (3)، ولو أكلها لحرمت الكرمة من أولها إلى آخرها وجميع ثمارها (4) وما يأكل (5) منها، ثم إنه قال لحواء عليها السلام: فلو أمصصتني شيئا من هذا التمر كما أمصصتني من العنب، فأعطته تمرة فمصها، وكانت (6) العنبة والتمر أشد رائحة وأزكى من المسك الأذفر وأحلى من العسل، فلما مصهما عدو الله ذهبت رائحتهما وانتقصت حلاوتهما. قال أبو عبد الله عليه السلام: ثم إن إبليس الملعون ذهب (7) بعد وفاة آدم عليه السلام فبال في أصل الكرمة والنخلة فجرى الماء في عروقهما (8) ببول عدو الله، فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله عزوجل على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو الله في النخلة والعنب وصار كل مختمر خمرا لأن الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله ابليس لعنه الله (9).


(1) في المصدر: منه شيئا. (2) هكذا في النسخ وفيه وهم والصحيح كما في المصدر: فلما ذهب يعض عليه جذبته. (3) في المصدر: العنب. (4) في المصدر: وجميع ثمرها. (5) في المصدر: وما يخرج منها. (6) في المصدر: وكانت العنب. (7) في المصدر: ثم ان ابليس ذهب. (8) في المصدر: على عروقهما من بول عدو الله. (9) فروع الكافي 6: 392 و 394.

[212]

بيان قوله عليه السلام: فمن ثم يختمر العنب، أي يغلي وينتن ويصير مسكرا. قوله عليه السلام: لأن الماء اختمر في النخلة، أي غلى وتغير وأنتن من رائحة بول عدو الله. قال الفيروز آبادي: الخمر بالتحريك: التغير عما كان عليه، وقال: اختمار الخمر: إدراكها وغليانها انتهى. ويحتمل أن يكون المراد باختمار العنب والتمر: تغطية أوانيهما ليصيرا خمرا وكذا اختمار الماء المراد به احتباسه في الشجرة لكنه بعيد. وأقول: الأخبار بهذا المضمون كثيرة سيأتي بعضها في محالها. 47 - تفسير الامام: قيل للامام عليه السلام: فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا فقال: لا بل من الجن، أما تسمعون (1) الله عزوجل يقول: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس كان من الجن " (2) وهو الذي قال الله عزوجل: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " إلى آخر ما مر في قصة هاروت وماروت (3). 48 - النهج: في خطبة يذكر فيها خلقة آدم عليه السلام قال صلوات الله عليه: واستأدى الله سبحانه وتعالى الملائكة وديعته لديهم وعهد وصيته إليهم في الاذعان بالسجود له والخنوع (4) لتكرمته فقال: " اسجدوا لآدم " فسجدوا إلا ابليس وقبيله (5) اعترتهم الحمية وغلبت عليهم الشقوة (6) وتعززوا بخلقة النار واستوهنوا خلق الصلصال


(1) في المصدر: اما تسمعان. (2) زاد في المصدر بعد الاية: فاخبر انه كان من الجن. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 194 والاية الاولى في الكهف: 50 والثانية في الحجر: 27. (4) في نسخة من المصدر: الخشوع. (5) لم يذكر كلمة [وقبيله] في النسخة المطبوعة بمصر ولا في الشرح لابن ابى الحديد، وذكر فيهما الضمائر الاتية كلها بلفظ المفرد. (6) الشقوة بكسر الشين وفتحها: ما حتم عليه من الشقاء والشقاء ضد السعادة وهو النصب الدائم والالم الملازم.

[213]

فأعطاه النظرة (1) استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية وإنجازا للعدة فقال: " انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " (2) ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه وآمن فيها محلته وحذره إبلس وعداوته، فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة (3) الابرار (4). توضيح، استأدى وديعته أي طلب أداءها، والوديعة اشارة إلى قوله تعالى: " وان قال ربك للملائكة إني خالق بشرا " (5) الآية، والخنوع: الخضوع. والقبيل في الاصل: الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، فان كانوا من أب واحد فهم قبيلة، وضم القبيل (6) هنا إلى ابليس غريب فانه لم يكن له في هذا الوقت ذرية ولم يكن أشباهه في السماء فيمكن أن يكون المراد به أشباهه من الجن في الأرض بأن يكونوا مأمورين بالسجود أيضا، وعدم ذكرهم في الآيات وسائر الأخبار لعدم الاعتناء بشأنهم، أو المراد به طائفة خلقها الله تعالى في السماء غير الملائكة، ويمكن أن يكون المراد بالقبيل ذريته ويكون إسناد عدم السجود إليهم لرضاهم بفعله كما قال عليه السلام في موضع آخر: إنما يجمع الناس الرضا والسخط وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه: " فعقروها (7) فأصبحوا نادمين " (8).


(1) النظرة المهلة. (2) ص: 80 و 81. (3) أي مرافقته مع الملائكة الابرار، أو اعم منهم وممن يأتي بعد ذلك من الانبياء والصلحاء. (4) نهج البلاغة 1: 24 و 25. (5) الحجر: 28. (6) قد عرفت أن النسخة المطبوعة بمصر والشرح لابن ابى الحديد هما خاليان عنها. (7) الشعراء: 157. (8) نهج البلاغة 1: 442.

[214]

اعترتهم أي غشيتهم، والتعزز: التكبر، واستوهنه أي عده وهنا ضعيفا، نفاسة أي بخلا. 49 - النهج: في الخطبة القاصعة قال أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء واختارهما لنفسه دون خلقه وجعلهما حمى (1) وحرما على غيره واصطفاهما لجلاله وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب: " إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس " (2) اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأصله، فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية (3) ونازع الله رداء الجبرية وادرع لباس التعزز وخلع قناع التذلل - إلى قوله -: فاعتبروا بما كان من فعل الله بابليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة عن كبر (4) ساعة واحدة، فمن بعد إبليس يسلم (5) على الله بمثل معصيته ؟ كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به ملكا، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة (6) في إباحة حمى حرمه على العالمين: فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعديكم (7) بدائه وأن


(1) الحمى ما حميته عن وصول الغير إليه والتصرف فيه. (2) ص: 71 - 74. (3) أبان عليه السلام ان العصبية بكل معانيه من التعصب القومي والجنسى واللونى من الشيطان فالاسلام برئ من كل تعصب. (4) متعلق باحبط أي اضاع عمله بسبب كبر ساعة. (5) أي يسلم من عقابه. (6) الهوادة: اللين والرخصة. (7) اعداه من علة أو خلق: اكسبه مثل ما به من العلة أو الخلق.

[215]

يستفزكم (1) بخيله ورجله، فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد وأغرق بكم بالنزع الشديد (2) ورماكم من مكان قريب (3)، وقال: " رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين " (4) قذفا بغيب بعيد ورجما بظن غير مصيب (5) فصدقه به أبناء الحمية واخوان العصبية وفرسان الكبر والجاهلية - إلى قوله عليه السلام: - فاجعلوا عليه حدكم (6) وله جدكم فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ووقع في حسبكم ودفع في نسبكم وأجلب بخيله عليكم وقصد برجله سبيلكم (7). إلى آخر الخطبة. بيان: لا يدرى. على صيغة المجهول، وفي بعض النسخ على المتكلم المعلوم، فعلى الأول لا يدل على عدم علمه عليه السلام وعلى الثاني أيضا المراد به غيره وأدخل نفسه تغليبا، والابهام لمصلحة كعدم تحاشي السامعين من طول المدة أو غيره. قوله عليه السلام: اخرج به منها ملكا، ظاهره أن ابليس كان من الملائكة، ويمكن الجواب بان اطلاق الملك عليه لكونه من الملائكة بالولآء. وقال بعض شراح النهج: يسلم على الله أي يرجع إليه سالما من طرده ولعنه تقول: سلم علي هذا الشئ: إذا رجع إليك سالما ولم يلحقه تلف، والباء للمصاحبة كما في قوله: بأمر، وأما الباء في " به " فيحتمل المصاحبة والسببية وقد مر تمام الخطبة وشرحها. 50 - المحاسن: عن عبد الله بن الصلت عن أبي هدية (8) عن أنس بن مالك ان


(1) في المصدر: وان يستفزكم بندائه وان يجلب عليكم بخيله ورجله. (2) اغرق النازع: إذا استوفى مد قوسه. (3) لانه يجرى من ابن آدم مجرى الدم. (4) الحجر: 39. (5) في المصدر: بظن مصيب. (6) أي غضبكم وحدتكم. (7) نهج البلاغة 1: 396 - 399. (8) هكذا في الكتاب ومصدره والظاهر انه مصحف والصحيح: هدبة بالباء وهو ابراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسى صاحب أنس ترجمه ابن حجر في لسان الميزان 1: 119 و 120 وقال: بقى إلى سنة مائتين: وترجمه ايضا ابو نعيم في تاريخ اصبهان 1: 170.

[216]

رسول الله صلى الله عليه وآله كان ذات يوم جالسا على باب الدار معه علي بن أبي طالب عليه السلام إذ أقبل شيخ فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انصرف فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أتعرف الشيخ: فقال له على: ما أعرفه، فقال صلى الله عليه وآله: هذا إبليس، فقال علي عليه السلام: لو علمت (1) يا رسول الله لضربته ضربة بالسيف فخلصت امتك منه، قال: فانصرف إبليس إلى علي عليه السلام فقال له: ظلمتني يا أبا الحسن، أما سمعت الله عزوجل يقول: " فشاركهم في الأموال والأولاد " ؟ فوالله ما شركت أحدا أحبك في امه (2). 51 - ومنه عن علي بن حسان الواسطي رفع الحديث قال: أتت امرأة من الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآمنت به وحسن اسلامها فجعلت تجيئه في كل اسبوع فغابت عنه أربعين يوما ثم أتته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما الذي أبطأ بك يا جنية فقالت: يا رسول الله أتيت البحر الذي هو محيط بالدنيا في أمر أردته، فرأيت على شط ذلك البحر صخرة خضراء وعليها رجل جالس قد رفع يديه إلى السماء وهو يقول: " اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا ما غفرت لي " فقلت له: من أنت ؟ قال: أنا إبليس، فقلت: ومن أين تعرف هؤلاء ؟ قال: إني عبدت ربي في الأرض كذا وكذا سنة، وعبدت ربي في السماء كذا وكذا سنة، ما رأيت في السماء اسطوانة إلا وعليها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله علي أمير المؤمنين أيدته به (3). 52 - ومنه عن القاسم بن محمد الأصفهاني عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ظهر ابليس ليحيى بن زكريا عليه السلام وإذا عليه معاليق من كل شئ، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق يا إبليس ؟ فقال: هذه الشهوات التي أصبتها من ابن آدم، قال: فهل لي منها شئ ؟ قال: ربما شبعت فثقلتك عن الصلاة والذكر قال يحيى: لله علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا، فقال إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حفص ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يملؤا بطونهم من طعام أبدا ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يعملوا للدنيا أبدا (4).


(1) في نسخة: لو علمته. (2) المحاسن: 332. (4) المحاسن: 439 و 440.

[217]

بيان: ثقلتك، على صيغة الغيبة أي الشبعة، ويحتمل التكلم بحذف العائد. 53 - المحاسن: عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: إن لابليس كحلا وسفوفا ولعوقا، فاما كحله فالنوم وأما سفوفه فالغضب وأما لعوقه فالكذب (1). بيان: مناسبة الكحل للنوم ظاهر، وأما السفوف للغضب فلان أكثر السفوفات من المسهلات التي توجب خروج الأمور الردية، والغضب أيضا يوجب صدور ما لا ينبغي من الانسان وبروز الاخلاق الذميمة به ويكثر منه، وفي القاموس: سففت الدواء بالكسر سفا واستففته: قمحته أو أخذته غير ملتوت، وهو سفوف كصبور انتهى، وأما اللعوق فلانه غالبا مما يتلذذ به ويكثر منه، والكذب كذلك، وفي النهاية: فيه إن للشيطان لعوقا ودسوما، اللعوق بالفتح: اسم لما يلعق به أي يؤكل بالملعقة، والدسام بالكسر: ما يسد به الاذن فلا تعي ذكرا ولا موعظة (2). 54 - العياشي: عن جميل بن دراج قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن إبليس أكان من الملائكة أو كان يلي شيئا من أمر السماء ؟ فقال: لم يكن من الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ولا كرامة فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكر وقال: كيف لا يكون من الملائكة والله يقول للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " فدخل عليه الطيار فسأله وأنا عنده فقال له: جعلت فداك قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا " (3) في غير مكان


(1) المحاسن: (2) وفى النهاية: كل شئ سددته فقد دسمته يعنى ان وساوس الشيطان مهما وجدت منفذا دخلت فيه. (3) الظاهر أن الطيار سأل عن هذه الاية توطئة لان يستشكل عليه عليه السلام زعما انه عليه السلام يقول بخروج المنافقين عن الخطاب في قوله: يا ايها الذين آمنوا، فيستشكل بأن المنافقين حيث انهم خارجون عن هذه المخاطبة فكذلك ابليس ايضا خارج عن الملائكة، وحيث انه عليه السلام ابان أن المنافقين داخلون في قوله: يا ايها الذين آمنوا، لم يجد للاشكال سبيلا. - - -

[218]

في مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذه المنافقون ؟ قال: نعم يدخل في هذه المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة (1). كا: أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن علي بن حديد عن جميل مثله (2). 55 - العياشي: عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن إبليس أكان من الملائكة أو هل كان يلي شيئا من أمر السماء ؟ قال: لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء وكان من الجن وكان مع الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها وكان الله يعلم أنه ليس منها، فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان (3). بيان: قوله عليه السلام: ترى أنه منهم أي في طاعة الله وعدم العصيان لمواظبته على


- - - وقال المصنف في كتاب النبوة ذيل الخبر: حاصل الحديث ان الله تعالى انما ادخله في لفظ الملائكة لانه كان مخلوطا بهم وكونه ظاهرا منهم، وانما وجه الخظاب في الأمر بالسجود إلى هؤلاء الحاضرين وكان من بينهم فشمله الأمر، أو المراد انه خاطبهم بيا ايها الملائكة مثلا وكان ابليس ايضا مأمورا لكونه ظاهرا منهم ومظهرا لصفاتهم، كما ان الخطاب يا ايها الذين آمنوا يشمل المنافقين لكونهم ظاهرا من المؤمنين، واما ظن الملائكة فيحتمل أن يكون المراد انهم ظنوا انه منهم في الطاعة وعدم العصيان لأنه يبعد أن لا يعلم الملائكة انه ليس منهم مع انهم رفعوه إلى السماء واهلكوا قومه فيكن من قبيل قولهم: " سلمان منا اهل البيت " على انه يحتمل أن يكون الملائكة ظنوا انه كان ملكا جعله الله حاكما على الجان، ويحتمل أن يكون هذا الظن من بعض الملائكة الذين لم يكونوا بين جماعة منهم قتلوا الجان ورفعوا ابليس. راجع ج 11: 148. (1) تفسير العياشي 1: 33. (2) الروضة: 274 فيه: [فقال: لم يكن من الملائكة ولم يكن يلى شيئا من امر السماء ولا كرامة فاتيت] وفيه: [فانكره] وفيه: [واذ قلنا للملائكة اسجدوا الخ] وفيه، جعلت فداك رأيت قوله عزوجل، وفيه: من مخاطبة. (3) تفسير العياشي 1: 34،

[219]

عبادته سبحانه أزمنة متطاولة لبعد عدم علم الملائكة بأنه ليس منهم بعد أن أسروه من الجن ورفعوه إلى السماء فيكون من قبيل قولهم عليهم السلام: " سلمان منا أهل البيت " أو أنهم لما رأوا تباين أخلاقه ظاهرا للجن وتكريم الله تعالى إياه وجعله من بينهم بل جعله رئيسا على بعضهم كما قيل ظنوا أنه كان منهم وقع بين الجن، أو أن الظان كان بعض الملائكة. 56 - العياشي: عن يونس (1) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " قال: أمر الله بما أمر به (2). 57 - ومنه عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " قال: دين الله (3). بيان: فسر عليه السلام في الخبر الأول خلق الله بأمر الله وفي الثاني بدين الله، وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: يريد دين الله وأمره عن ابن عباس وابراهيم ومجاهد والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، ويؤيده قوله سبحانه: " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " (4) وأراد بذلك تحريم الحلال وتحليل الحرام، وقيل: أراد الخصاء، وقيل: إنه الوشم، وقيل: إنه أراد الشمس والقمر والحجارة عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها (5). 58 - العياشي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى وأول من حدا، قال: لما أكل آدم من الشجرة تغنى، فلما أهبط حدا به، فلما استقر على الأرض ناح فأذكره ما في الجنة، فقال آدم: رب هذا الذي جعلت بينى وبينه العداوة لم أقو عليه وأنا في الجنة وإن لم تعني عليه لم أقو عليه، فقال الله:


(1) في المصدر: محمد بن يونس. (2) تفسير العياشي 1: 276. (3) المصدر 1: 276. (4) الروم: 30. (5) مجمع البيان 3: 113.

[220]

السيئة بالسيئة والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة قال: رب زدنى قال: لا يولد لك ولد إلا جعلت معه ملكا (1) أو ملكين يحفظانه، قال: رب زدني، قال: التوبة مفروضة (2) في الجسد ما دام فيها الروح، قال: رب زدني، قال: أغفر الذنوب ولا ابالي قال: حسبي قال: فقال ابليس: رب هذا الذي كرمت علي وفضلته وإن لم تفضل علي لم أقو عليه قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولدان، قال: رب زدني، قال: قال تجري منه مجرى الدم في العروق، قال ربي زدني، قال تتخذ أنت وذريتك في صدورهم مساكن قال: رب زدني، قال: تعدهم وتمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (3). 59 - ومنه عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنه ليس منهم فاستخرج الله ما في نفسه بالحمية فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين (4). 60 - ومنه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصراط الذي قال إبليس: " لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم " الآية، هو علي عليه السلام (5). 61 - ومنه عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: يا بني آدم، قالا: هي عامة (6). أقول: ذكر الخبر في قوله تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان (7) 62 - ومنه عن بكر بن محمد الأزدي عن عمه عبد السلام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: يا عبد السلام احذر الناس ونفسك، فقلت: بأبي أنت وامي أما الناس فقد أقدر على أن أحذرهم وأما نفسي فكيف ؟ قال: إن الخبيث يسترق السمع يجيئك


(1) لم يذكر في المصدر قوله: ملكا. (2) في المصدر: معروضة. (3) تفسير العياشي 1: 276. (4 و 5) تفسير العياشي 2: 9 والاية في سورة الاعراف: 26. (6) تفسير العياشي 2: 11. (7) الاعراف: 27.

[221]

فيسترق ثم يخرج في صورة آدمي فيقول: قال عبد السلام: فقلت: بأبي أنت وامي هذا ما لا حيلة له، قال: هو ذاك (1). بيان: الظاهر أن المراد به ما تلفظ به من معايب الناس وغيرها من الأمور التي يريد إخفاءها فيكون مبالغ في التقية، ويحتمل شموله لما يخطر بالبال فيكون الغرض رفع الاستبعاد عما يخفيه الانسان عن غيره ثم يسمعه من الناس وهذا كثير والمراد بالخبيث الشيطان. 63 - تأويل الآيات الباهرة: بحذف الاسناد مرفوعا إلى وهب بن جميع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن إبليس وقوله: " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فانك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم " أي يوم هو ؟ قال: يا وهب أتحسب أنه يوم يبعث الله الناس ؟ لا ولكن الله عزوجل أنظره إلى يوم يبعث الله قائمنا فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك اليوم هو الوقت المعلوم (2). 64 - الكافي: عن العدة عن البرقي عن عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه (3). 65 - ومنه عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن هارون بن خارجة عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويله (4) أطاع وعصيت وسجد وأبيت (5). توضيح: قال في النهاية: في حديث أبي هريرة: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله.


(1) تفسير العياشي 2: 239. (2) تأويل الايات الباهرة: 268 و 287 من نسختي، والاية في سورة ص: 79 - 81. (3) اصول الكافي 1: 38. (4) في المصدر: يا ويلاه. (5) الفروع 3: 264 (طبعة الاخوندى).

[222]

الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ومعنى النداء فيه: يا ويلي ويا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع والشدة (1)، وعدل عن حكاية قول ابليس يا ويلى، كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه (2). 66 - الخصال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن ابن عيسى عن الحسن بن علي عن عمر عن أبان بن عثمان (3) عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط نوح عليه السلام من السفينة أتاه إبليس فقال له: ما في الأرض رجل أعظم منة علي منك، دعوت الله على هولاء الفساق فأرحتني منهم، ألا اعلمك خصلتين ؟ إياك والحسد فهو الذي عمل بي ما عمل، وإياك والحرص فهو الذي عمل بآدم ما عمل (4). 67 - ومنه: بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد عن محمد البرقي عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما دعا نوح عليه السلام ربه عزوجل على قومه أتاه إبليس لعنه الله فقال: يا نوح إن لك عندي يدا اريد أن اكافيك عليها، فقال نوح عليه السلام: إنه ليبغض (5) إلي أن يكون لك عندي يد، فما هي ؟ قال: بلى دعوت الله على قومك فاغرقتهم فلم يبق أحد اغويه فأنا مستريح حتى ينشأ قرن آخر واغويهم (6) فقال له نوح عليه السلام: ما الذي تريد أن تكافئني به ؟ قال: اذكرني


(1) في النهاية: من الامر الفظيع وهو الندم على ترك السجود لادم عليه السلام، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على المعنى، وعدل. (2) النهاية 4: 250. (3) هكذا في النسخ وفيه وهم والصحيح كما في طبعة الغفاري وفى مشيخة الفقيه: سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن على عن ابان بن عثمان. (4) الخصال 1: 50 طبعة الغفاري. (5) في المصدر: والله انى ليبغض. (6) في المصدر: فاغويهم.

[223]

في ثلاث مواطن (1) فاني أقرب ما أكون إلى العبد إذا كان في إحداهن: اذكرني إذا غضبت، واذكرني إذا حكمت بين اثنين، واذكرني إذا كنت مع امرأة خاليا ليس معكما أحد (2). 68 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن محمد البرقي عن عبد الرحمن بن محمد العرزمي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول إبليس لعنه الله: ما أعياني في ابن آدم فلم يعيني منه واحدة من ثلاثة: أخذ مال من غير حله، أو منعه من حقه، أو وضعه في غير وجهه (4). بيان: أي أي شئ أعجزني في إضلال ابن ادم في أمر من الأمور ومعصية من المعاصي فلا أعجز عن إضلاله في أحد هذه الأمور الثلاثة فاغويه في واحدة منها أي غالبا. 69 - الخصال: عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن ظريف عن أبي عبد الرحمن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الآباء ثلاثة: آدم ولد مؤمنا، والجان، ولد كافرا (5) وإبليس ولد كافرا وليس فيهم نتاج، إنما يبيض ويفرخ، وولده ذكور ليس فيهم إناث (6). 70 - مجالس ابن الشيخ: عن أحمد بن هارون بن الصلت عن أحمد بن محمد بن


(1) في المصدر: في ثلاثة مواطن. (2) الخصال 1: 132. (3) العرزمى بتقديم الراء المهملة على الزاى المعجمة نسبة إلى عرزم: بطن من فزارة وجبانة عرزم بالكوفة معروفة ولعل هذا البطن نزلوا بها فنسب إليهم. (4) الخصال 1: 132. (5) في المصدر: والجان ولد مؤمنا وكافرا. (6) الخصال 1: 152.

[224]

سعيد عن الحسن بن القاسم عن شبير بن إبراهيم (1) عن سليم (2) بن بلال المدني عن الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ان إبليس كان يأتي الأنبياء عليهم السلام من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث الله المسيح عليه السلام يتحدث عندهم ويسائلهم ولم يكن بأحد منهم أشد انسا منه بيحيى بن زكريا عليه السلام فقال له يحيى: يا أبا مرة إن لي إليك حاجة فقال له: أنت أعظم قدرا من أن أردك بمسألة، فاسألني ما شئت فاني غير مخالفك في أمر تريده. فقال يحيى: يا أبا مرة احب أن تعرض علي مصائدك وفخوخك التي تصطاد بها بني آدم، فقال له إبليس: حبا وكرامة، وواعده لغد فلما أصبح يحيى عليه السلام قعد في بيته ينتظر الموعد وأغلق عليه الباب (3) اغلاقا، فما شعر حتى ساواه من خوخة كانت في بيته، فإذا وجهه صورة وجه القرد، وجسده على صورة الخنزير، وإذا عيناه مشقوقتان طولا، وإذا أسنانه وفمه مشقوقا طولا عظما واحدا بلا ذقن ولا لحية (4) وله أربعة أيد: يدان في صدره، ويدان في منكبه، وإذا عراقيبه قوادمه، وأصابعه خلفه وعليه قباء قد شد وسطه بمنطقة فيها خيوط معلقة بين أحمر وأصفر وأخضر وجميع الالوان، وإذا بيده جرس عظيم، وعلى رأسه بيضة، وإذا في البيضة حديدة معلقة شبيهة بالكلاب. فلما تأمله يحيى عليه السلام قال له: ما هذه المنطقة التي في وسطك ؟


(1) في المطبوع: [شبير بن ابراهيم] والرجل غير مذكور في الرجال (2) في النسخة المخطوطة: [سليم] ولعله مصحف، وسليمان بن بلال المدنى مترجم في كتب الفريقين الا ان طبقته لا يناسب روايته عن الرضا عليه السلام لأنه مات سنة 177 ولذا عده الشيخ وغيره من رجال الصادق عليه السلام، واورده ابن داود في أصحاب الرضا عليه السلام نقلا عن رجال الشيخ ولكنه وهم. (3) في المصدر: وأجاف عليه الباب. (4) في المصدر: وإذا عيناه مشقوقتان طولا وفمه مشقوق طولا واسنانه وفمه عظما واحدا بلا ذقن ولا لحية. (*)

[225]

فقال: هذه المجوسية أنا الذي سننتها وزينتها لهم، فقال له: ما هذه الخيوط الألوان قال له: هذه جميع أصناع النساء لا تزال المرأة تصنع الصنيع (1) حتى يقع مع لونها فأفتن (2) الناس بها ؟ فقال له: فما هذا الجرس الذي بيدك ؟ قال: هذا مجمع كل لذة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل وناى وصرناي، وإن القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذونه فاحرك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه استخفهم الطرب فمن بين من يرقص ومن بين من يفرقع أصابعه ومن بين من يشق ثيابه، فقال له: وأي الاشياء أقر لعينك ؟ قال: النساء هن فخوخي ومصائدي، فاني إذا اجتمعت على دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن، فقال له يحيى عليه السلام: فما هذه البيضة التي على رأسك ؟ قال: بها أتوقى دعوة المؤمنين، قال: فما هذه الحديدة التي أرى فيها ؟ قال: بهذه اقلب قلوب الصالحين، قال يحيى عليه السلام: فهل ظفرت بي ساعة قط قال: لا ولكن فيك خصلة تعجبني، قال يحيى: فما هي ؟ قال: أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت (3) فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل، قال يحيى عليه السلام: فاني اعطي الله عهدا أني لا أشبع من الطعام حتى ألقاه، قال له إبليس: وأنا أعطي الله عهدا أني لا أنصح مسلما حتى ألقاه، ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك (4). بيان: قوله: وحبا، الظاهر زيادة الواو أو هو عطف على مفعول له الآخر مثله أي أفعله طاعة وحبا، حتى ساواه أي حاذاه محاذ، يقال: ساواه مساواة: ماثله وعادله قدرا أو قيمة، وفي القاموس: الخوخة: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترق ما بين كل دارين ما عليه باب، والكلاب كتفاح: ما يقال له بالفارسية: قلاب قوله: أصناع النساء، في أكثر النسخ بالصاد والعين المهملتين والنون، وفي بعضها بالصاد


(1) في المصدر: اصباغ النساء لا تزال المرأة تصبغ الصبغ. (2) في المصدر: فافتتن. (3) لعل المراد بها الشبع لان الاكل على حد التخمة مناف لزهادة يحيى عليه السلام وعلمه بانه مضر للجسد، أو الصحيح ما في بعض النسخ من انه: ونمت. (4) مجالس ابن الشيخ: 216.

[226]

والباء والغين المعجمة وبعده: " لا تزال المرأة تصنع الصنيع " على الأول، و " تصبغ الصبغ " على الثاني، ولعله أظهر، أي تتبع الأصباغ والألوان في ثيابها وبدنها حتى يوافق لونها، وعلى الأول أيضا يؤل إليه، قال الفيروز آباد: صنع الشئ صنعا: عمله، وما أحسن صنيع (1) الله عندك وصنعة الفرس: حسن القيام عليه، صنعت فرسي صنعا وصنعة، والصنيع: ذلك الفرس، والاحسان، وهو صنيعي وصنيعتي أي اصطنعته وربيته، وصنعت الجارية كعني: احسن إليها حتى سمنت، وصنع الجارية أي أحسن إليها وسمنها، ورجل صنيع اليدين: حاذق في الصنعة، من قوم أصناع الأيدى والصنع بالكسر: الثوب والعمامة، والجمع، أصناع، والتصنع: التزين. وقال: المعازف: الملاهي كالعود والطنبور، الواحد عزف أو معزف كمنبر ومكنسة، وقال: البشم محركة: التخمة والسامة، بشم كفرح وأبشمه الطعام، وفي بعض النسخ: ونمت. 71 - وأقول: وجدت هذا الخبر في كتاب غور الأمور للترمذي على وجه أبسط فأحببت إيراده هنا، قال: حدثنا أبو مقاتل عن صالح بن سعيد عن أبي سهل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن إبليس عدو الله كان يأتي الأنبياء ويتحدث إليهم من لدن نوح إلى عيسى بن مريم وما بين ذلك من الأنبياء، غير أنه لم يكن لاحد أكثر زيارة ولا أشد استيناسا منه إلى يحيى بن زكريا عليه السلام، وإنه دخل عليه ذات يوم فلما أراد الانصراف من عنده قال له يحيى: يابا مرة، واسمه الحارث وكنيته أبو مرة وإنما سماه الله إبليس لانه أبلس من الخير كله يوم آدم عليه السلام. فقال له: يابا مرة إني سائلك حاجة فأحببت (2) أن لا تردني عنها، فقال له: ولك ذلك يا نبي الله فسل (3)، فقال له يحيى بن: زكريا: إني احبك (4) تجيئني


(1) في المصدر: صنع الله بالضم وصنيع الله عندك. (2) في نسخة: فاحب. (3) في نسخة: فاسأل. (4) في نسخة: احب أن تجيئني.

[227]

في صورتك وخلقك وتعرض علي مصائدك (1) التي بها تهلك الناس، قال إبليس: سألتني أمرا عظيما ضقت به ذرعا (2) وتفاقم خطبه عندي ولكنك أعز علي وأمن من أن أردك بمسألة ولا أجيبك بحاجة، ولكني أحب أن تخلو برؤيتي فلا يكون معك أحد غيرك، فتواعدا لغد عند ارتفاع النهار، صدر (3) من عنده على ذلك، فلما كان من الغد في تلك الساعة تمثل بين يديده قائما فنظر إلى أمر من أمر الله عظيم، إذا هو ممسوخ منكوس مقبوح هائل كريه، جسده على أمثال أجساد الخنازير، ووجهه على وجه القردة، وشق عينيه طولا وشق فاه طولا، حيال رأسه وأسنانه كلها عظم واحد لا ذقن له أصلا ولا لحية، وشعر رأسه مقلل (4) مقلوب المنبت نحو السماء، وله أربعة أيدي: يدان في منكبيه، ويدان في جنبيه، وأصابعه مما يليه من القدم خلفه، وعراقيبه (5) أمامه وأصابع يديه ستة، وخده أصلت (6)، ومنخرا أنفه نحو السماء، له خرطوم كخرطوم الطير، ووجهه قبل القفاء، أعمش العينين، أعرج معوج، له جناح، وإذا عليه قميص مقلص (7) قد تمنطق فوقه بعد (8) المجوس، وإذا أكواز صغار قد علقه من منطقته، وحوالي قميصه خياعيل (9) شبه الشرب (10) في ألوان شتى من بياض وسواد وحمرة


(1) المصائد جمع المصيدة: ما يصاد به. (2) أي لم اقدر على رده. وتفاقم الامر: عظم. (3) أي رجع. (4) أي قليل. (5) العراقيب جمع العرقوب: عصب غليظ فوق العقب. (6) جبين صلت: واضح مستو بارز. (7) قلص قميصه فقلص هو: شمره ورفعه فارتفع وتشمر. (8) هكذا في الكتاب ولعله من عد، أي بمثل المجوس. (9) الخياعيل جمع الخيعل: الفرو، أو ثوب غير مخيط الفرجن، أو درع يخاط أحد شقيه ويترك الاخر تلبسه المرأة كالقميص، أو قميص لا كمى له، قاله الفيروز آبادى ولعل المراد به هنا غيرها. (10) لعله جمع الشرابة هي ضمة من خيوط يعلق على اطراف الثوب يقال لها بالفارسية ريشه، وكلابتون.

[228]

وصفرة وخضرة، وبيده جرس ضخم، وعلى رأسه بيضة في قلتها حديدة مستطيلة معقفة الطرف. فقال له يحيى: أخبرني يابا مرة عما أسألك مما أرى، قال: يا نبي الله ما دخلت عليك على هذه الحالة إلا وأنا احب أن اخبرك بكل شئ تسألني عليه ثم لا أعمى عليك، فقال: حدثني يابا مرة عن إنطاقك هذا فوق القميص ما هو ؟ قال: يا نبي الله تشبه بالمجوس، أنا وضعت المجوسية فدنت بها. قال: فأخبرني ما هذه الأكواز الصغار التي هي معلقة من منطقتك مقدمة. قال: يا نبي الله فيها شهواتي وخياعيل مصائدي، فأول ما أصيد به المؤمن من قبل النساء فان هو اعتصم بطاعة الله أقبلت عليه من قبل جمع المال من الحرام طمعا فيه حرصا عليه فان هو اعتصم بطاعة الله وأجنبني بالزهادة أقبلت عليه من قبل الشراب هذا المسكر حتى اكرر عليه هذه الشهوات كلها ولابد أن يواقع بعضها ولو كان من أورع الناس، قال: فما هذه الخياعيل إلى طرف قميصك ؟ قال: يا نبي الله هذه ألوان أصباغ النساء وزينتهن فلا يزال إحداهن تتلون (1) ثيابها حتى تأتي على ما يليق بها فهناك افتتن الرجال إلى ما عليها من الزينة. قال: فما هذا الجرس بيدك ؟ قال: يا نبي الله هذا معدن الطرب وجماعات أصوات المعازف من بين بربط وطنبور ومزامير وطبول ودفوف ونوح وغناء، وإن القوم يجتمعون على محفل شر وعندهم بعض ما ذكرت من هذه المعازف، فلا يكادون يتنعمون في مجلس ويستلذون ويطربون، فإذا رأيت ذلك منهم حركت هذا الجرس فيختلط ذلك الصوت بمعازفهم، فهناك يزيد استلذاذهم وتطريبهم، فمنهم من إذا سمع هذا يفرقع أصابعه، ومنهم من يهز رأسه، ومنهم من يصفق بيديه، فما زال هذا دأبهم حتى ابرتهم (2).


(1) في النسخة المخطوطة: تلون. (2) أي حتى أهلكتهم.

[229]

قال: فما هذه البيضة على رأسك ؟ قال: يا نبي الله احترز مني ومن مصائدي التي وصفت لك الأنبياء والصالحون والنساك وأهل الورع، كما أحرز رأسي هذه البيضة من كل نكبة، قال: وما النكبة ؟ قال: اللعنة، قال: فما هذه الحديدة المستطيلة التي في قلتها ؟ قال: يا نبي الله هي التي اقلب بها قلوب الصالحين، قال: بقيت حاجة قال: قل، قال: ما بال خلقك وصورتك على ما أرى من القبح والتقليب والانكار ؟ قال: يا نبي الله هذا بسبب أبيك آدم، إني كنت من الملائكة المكرمين ممن لم أرفع رأسي من سجدة واحدة أربعمائة ألف سنة، وعصيت ربي في أمر سجودي لآدم أبيك فغضب الله علي ولعنني، فحولت من صورة الملائكة إلى صورة الشياطين ولم يكن في الملائكة أحسن صورة مني فصرت ممسوخا منكوسا مقبوحا مقلوبا هائلا كريها كما ترى. قال: فهل أريت صورتك هذه أحدا قط، ومصائدك بهذه الصورة ؟ قال: لا وعزة ربي إن هذا الشئ ما نظر إليه آدمي قط، ولقد أكرمتك بهذه دون الناس كلهم، قال: فتمم إكرامك إياى بمسئلتين أسألك عنهما، إحداهما عامة، والأخرى خاصة، قال: ولك ذلك يا نبي الله فسل، قال: حدثني أي الأشياء أرجى عندك وأدعمه لظهرك وأسلاه لكأبتك (1) وأقره لعينك وأشد لركنك وأفرحه لقلبك ؟ قال: يا نبي الله إني أخاف أن تخبر به أحدا فيحفظون ذلك فيعتصمون به ويضيع كيدي (2). قال: إن الله قد أنزل في الكتاب شأنك وكيدك وبين لأنبيائه وأوليائه. فاحترزوا ما احترزوا، وأما الغاوون فأنت أولى بهم قد تلعب بهم كالصوالجة بالكرة فليس قولك عندهم أدعى وأعز من قول الله. قال: يا نبي الله إن. أرجى الاشياء عندي وأدعمه لظهري وأقره لعيني النساء


(1) دعم الشئ: أسنده لئلا يميل: دعمه: أعانه وقواه. أسلاه عن همه: كشفه عنه. الكأبة: الحزن الشديد. (2) في النسخة المخطوطة: فيضيع كيدى.

[230]

فانها حبالتي ومصائدي وسهمي الذي به لا أخطئ، بأبي هن، لو لم يكن هن ما أطقت إضلال أدنى آدمي، قرة عيني، بهن أظفر بمقراتي (1) وبهن اوقع في المهالك، يا حبذاهن إذا اغتممت ليست على النساك (2) والعباد والعلماء غلبوني بعد ما أرسلت عليهم الجيوش فانهزموا وبعد ما ركبت وقهرت ذكرت النساء طابت نفسي وسكن غضبي واطمأن كظمي وانكشف غيظي وسلت كأبتي وقرت عيني واشتد أزري (3)، و لولاهن من نسل آدم لسجدتهن فهن سيداتي وعلى عنقي سكناهن وعلي ماهن (4) ما اشتهت امرأة من حبالتي (5) حاجة إلا كنت أسعي برأسي دون رجلي في إسعافها بحاجتها لأنهن رجائي وظهري وعصمتي ومسندي وثقتي وغوثي، قال: وما نفعك وفرحك في ضلالة الآدمي ؟ وبأي شئ سلبت عليه (6) ؟ قال: خلق الله الافراح والاحزان والحلال والحرام، وخيرني فيهما يوم آدم فاخترت الشهوات والافراح واخترت الحرام والفحش والمناكير صارت تلك نهمتي (7) وهواي، وخير آدم فاختار الأحزان والعبادة والحلال، فصار ذلك له نهمة ومنية، فذلك منيته ونهمته، وهذا هواي ونهمتي وشهوتي، فذلك شيئه وماله ومتاعه، وهذا شيئي ومالي ومتاعي وبضاعتي، وشئ المرء كنفسه لأن فيه نهمته وشهوته، ونهمة المرء وشهوته حياته فإذا سلب الحياة هلك المرء، فكم (8) نرى من خلق الله سلب منهم نهمته وهمته مات


(1) هكذا في النسخ ولعله مصحف: بمغزاتى. والمغزاة: الغزو. ومغزى الكلام: مقصده. (2) هكذا في النسخ ولعله مصحف: إذا اهتممت على النساك، أو إذا اغتممت أن النساك. (3) أي ظهرى. (4) في المطبوع: [وعلى تمماهن] ولعله مصحف تمامهن. (5) في النسخة المخطوطة: من حيالتى. (6) في النسخة المخطوطة: [سلت عليه]. (7) النهمة: الحاجة. بلوغ الهمة والشهوة في الشئ. (8) في النسخة المخطوطة: وكم يرى.

[231]

وهلك، فكذلك هذا، إن ما اخترت صار ذلك شهوتي وهواي وحياتي، فمهما سلبت هلكت، ومهما ظفرت به فرحت وحييت، فإذا رأيت شهوتي وهواي وحياتي عند غيرى قد سلبها مني أجتهد كل الجهد حتى أظفر بها ليكون بها قوامي يدي (1) للآدمي سلب حياتي وهي الشهوة (2) والهوى فجعلها في كنه (3) وحرزه وقد تهيأ واستعد يقاتلني ويحاربني فهل بد من المحاربة ليصل المحق إلى حقه ويقهر الظالم فهذه حالتي وشأني (4) وسبب فرحي إذا غلبته. قال له: وما ظلمه حيث تقول: يقهر الظالم ؟ قال: فيظلمني إذا سلب هواي فجعله في كنه، لولاه كيف لا أطمع أنا في حربه وحلاله كما طمع في حرامي وهواي ؟ قال له: أليس بمحال (5) أن تقول: أنا اريد استرداد هواي فتفرح إن هو استعمله وتحزن إن لم يستعمل هواك في شؤنه ؟ قال: إذا استعمل هواي لست أحزن ولكني أفرح لأنه قد أعطاني نهمتي الفرح، إنما أحزن حتى لا يستعمله (6)، لست أطلب نهمتي لأخذه مني فاني قد أمنت أن لا يرد لأنه قد خيل عليه، ولكننى اريد استعماله فإذا استعمله أعطاني منيتي ومختاري وحياتي فهو نفسي فإذا استعمل منيتي أحياني وفرحني، وإنه استعمله على جهته، وإذا لم يستعمله فهو في كنه كالمسجون، فإذا كان هو في كنه مسجونا مقيدا وهو حياتي كنت كأني المسجون المقيد وصرت حربا (7) لانه أبدلني بمكان حياتي الموت، فلابد أن أحتال بكل حيلة آتية بكل خدعة واهيئ وازين الآلة


(1) استظهر المنصف انه مصحف: يريد. أقول: الظاهر أن [للادمي] ايضا مصحف الادمى. (2) في نسخة: وهى شهوتي. (3) الكن: وقاء كل شئ وستره. البيت. (4) في النسخة المخطوطة: [وثباتي] ولعله مصحف. (5) أي أليس بمحال في الحكمة. (6) لعله مصحف: حين لا يستعمله. (7) في النسخة المخطوطة: وقد صرت حزنا. (*)

[232]

والأدوات، واخرج (1) الملاهي والأدوات وأضربها واحركها وألوحها لعله يرى ذلك فيطرب ويذكر وينشط ويغتر ويهيج (2) فيستعمل الهواء الذي فيه، وهي حياتي وشهوتي فأحيى وابهج حتى يجد هو السبيل إلى التحرك والخلاص من السجن وهذا ما لم أذكر لأحد قط منذ خلقت، ولولا ما أرى لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله. قال يحيى عليه السلام: فالمسألة الخاصة التي سألتك، قال: نعم سل، قال: هل أصبت مني فرصتك قط في لحظة من بصر أو لفظة بلسان أو هم بقلب ؟ قال: اللهم لا، إلا أنه كان يعجبني منك خصلة فكثر ذلك عنك ووقع عندي موقعا شريفا، فتغير لون يحيى من قوله وتبلد وتقاصرت إليه نفسه (3) وارتعدت فرائصه وغشي عليه، قال: وما ذلك يابا مرة ؟ قال: أنت رجل أكول وكنت أحيانا تكثر الطعام فتبشم منه ويعتريك الوهن والنوم والثقل والكسل والنعاس فكنت تنام على جنبك أحيانا من الأوقات التي كنت تقوم فيها من الليل، هذا يعجبني منك. قال: وبهذا كنت تجد علي الفرصة ؟ قال: نعم، قال: ما أشد لفرحك وما أشد لحركتك (4) ؟ قال: قد ذكرت لك فلم تحفظه، ولكن أجملك، جميع ما يكره الله فهو مختاري، وجميع ما يحب فهو منبوذي، لم أتمالك حتى أحتال بكل حيلة حتى ينبذه، وازين له مختاري حتى يرفعه، لأن حياتي في استعمال مختاري، ومماتي وهلاكي وذلي وضعفي في استعماله مرفضي ومنبوذي وهو الحلال الطيب من الاشياء والأحزان، ومختاري الحرام والخبث من الأشياء والأفراح، بها قد خطر الله عليه. ثم قال إبليس: حسبك يا يحيى، فرحا بما قد أظهر ليحيى أنه قد وجد عليه


(1) في النسخة المخطوطة: فاخرج الملاهي وأدواته. (2) في النسخة المخطوطة: ويبهج. (3) تبلد: تردد متحيرا. تلهف. صفق بكفيه. تقاصرت نفسه: تضاءلت. (4) في النسخة المخطوطة: لحزنك.

[233]

فرصة (1)، قال يحيى: ولم تجد علي الفرصة من عمري إلا الذي ذكرت ؟ قال: اللهم لا إلا ذلك، قال يحيى: عاهدت عزوجل نذرا واجبا على أن أخرج من الدنيا ولا أشبع من الطعام، قال: فغضب إبليس وحزن على ما أخبره، فاحترز يحيى واعتصم قال: خدعتني يا بن آدم وكسرت ظهري بما خدعتني وأنا اعاهد الله ربي نذرا واجبا على أن لا أنصح آدميا، ولقد غلبتني يا ابن آدم وكسرت ظهري بما خدعتني حتى سلمت مني وخرج من عنده غضبانا (2). انتهى. وأقول: كانت النسخة سقيمة جدا فأثبته كما وجدته تأكيدا وتوضيحا لما روي من طرق أهل البيت عليهم السلام. 72 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه عن المفيد عن أبي عبد الله بن أبي رافع عن جعفر بن محمد بن جعفر الحسيني عن عيسي بن مهران عن يحيى بن الحسن بن فرات عن ثعلبة بن زيد الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله يقول: تمثل إبليس لعنه الله في أربع صور: تمثل يوم بدر في صورة سراقة بن جعشم المدلجي فقال لقريش: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم " (3) وتصور يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج فنادى: إن محمدا والصباة (4) معه عند العقبة فأدركوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصار: لا تخافوا فان صوته لن يعدوه، وتصور يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد وأشار عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بما أشار، فأنزل الله تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوا أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " (5) وتصور يوم قبض النبي صلى الله عليه وآله في صورة المغيرة بن شعبة


(1) في النسخة المخطوطة: ساعة فرصة. (2) غور الامور: لم نجد نسخته. (3) الانفال: 48. (4) الصباة جمع صابئ: من خرج من دين إلى دين آخر. (5) الانفال: 30.

[234]

فقال: أيها الناس لا تجعلوها كسروانية ولما قيصرانية وسعوها تتسع فلا تردوها في بني هاشم فينتظر بها الحبالى (1). بيان: فينتظر بها الحبالى أي إذا كانت الخلافة مخصوصة ببني هاشم صار الأمر بحيث ينتظر الناس أن تلد الحبالى أحدا منهم فيصير خليفة ولم يعطوها غيرهم. 73 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عما ندب الله الخلق إليه أدخل فيه الضلال (2) ؟ قال: نعم و الكافرون دخلوا فيه، لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في أمره الملائكة وإبليس، فإن إبليس كان من الملائكة (3) في السماء يعبد الله وكانت الملائكة تظن أنه منهم ولم يكن منهم، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد فعلمت الملائكة عند ذلك أن إبليس لم يكن منهم، فقيل له: فكيف وقع الأمر على إبليس، وإنما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فقال: كان ابليس منهم بالولاء ولم يكن من جنس الملائكة، وذلك أن الله خلق خلقا قبل آدم وكان إبليس فيهم حاكما في الارض فعتوا وأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه إلى السماء فكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله تبارك وتعالى آدم (4). 74 - ومنه: في قوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " قال: الرجيم أخبث الشياطين، فقلت له: ولم سمي رجيما ؟ قال: لانه يرجم (5).


(1) مجالس ابن الشيخ: 111 و 112 فيه: فتنتظر. (2) لعله بتشديد اللام جمع الضال، ومراد السائل أن الخطابات الواردة في الشرع هل يشمل الضلال والكافرون ام لا ؟ فاجابه بالشمول ومثل ذلك بالخطاب الوارد بالسجود لادم حيث دخل فيه ابليس. (3) في المصدر: كان مع الملائكة. (4) تفسير القمى: 32. (5) تفسير القمى: 365.

[235]

بيان: أي يرجم بالشهب أو باللعن أو في زمن القائم عليه السلام. 75 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوا وقد كان ولا عدو له، فخلق كما زعمت إبليس فسلطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته ويأمرهم بمعصيته وجعل له من القوة كما زعمت يصل (1) بلطف الحيلة إلى قلوبهم فيوسوس إليهم فيشككهم في ربهم ويلبس عليهم دينهم فيزيلهم عن معرفته حتى أنكر قوم لما وسوس إليهم ربوبيته وعبدوا سواه فلم سلط عدوه على عبيده وجعل له السبيل إلى إغوائهم ؟ قال: إن هذا العدو الذي ذكرت لا يضره (2) عداوته ولا ينفعه ولايته، وعداوته لا تنقص من ملكه شيئا، وولايته لا تزيد فيه شيئا، وإنما يتقى العدو إذا كان في قوة يضر وينفع، إن هم بملك أخذه أو بسلطان قهره، فأما إبليس فعبد خلقه ليعبده ويوحده وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه، فلم يمل يعبده مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم فامتنع من ذلك حسدا وشقاوة غلبت عليه، فلعنه عند ذلك وأخرجه عن صفوف الملائكة وأنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا، فصار عدو آدم وولده بذلك السبب، وماله من السلطنة على ولده إلا الوسوسة والدعاء إلى غير السبيل وقد أقر مع معصيته لربه بربوبيته (3). 76 - ومنه: في اسؤلة الزنديق المدعي للتناقض في القرآن، قال أمير المؤمنين عليه السلام: الايمان بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل فانه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة، فكذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحق (4). الخبر


(1) في المصدر. ما يصل. (2) في المصدر: [لا تضره] بالتأنيث وكذا: ولا تنفعه. (3) الاحتجاج 2: 80 طبعة دار النعمان. (4) الاحتجاج 1: 368 فيه: [ولم يرد] وفيه: فلذلك.

[236]

77 - مجالس الصدوق: عن محمد بن هارون الفامي عن محمد بن عبد الله الحميري عن أبيه عن إبراهيم بن هاشم ابن أبي عمير عن إبراهيم بن زياد الكرخي قال: قال الصادق عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته (1). 78 - ومنه: عن أحمد بن محمد العطار عن سعد بن عبد الله عن القاسم بن محمد الاصبهاني عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: جاء إبليس إلى موسى بن عمران عليه السلام وهو يناجى ربه، فقال له ملك من الملائكة: ما ترجو منه وهو في هذه الحال يناجي ربه ؟ فقال: أرجو منه مارجوت من أبيه آدم (2). الخبر 79 - تفسير على بن ابراهيم: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " قال: إذا ذكرهم الشيطان المعاصي وحملهم عليها يذكرون اسم الله فإذا هم مبصرون (3). 80 - العلل: عن الحسين بن محمد (4) بن سعيد الهاشمي عن فرات بن إبراهيم الكوفي عن محمد بن علي بن معتمر (5) عن أحمد بن علي بن محمد الرملي عن أحمد بن موسى عن يعقوب بن إسحاق المروزي عن عمر بن منصور (6) عن اسماعيل بن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن أبي هارون العبدي عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: كنا بمنى مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ بصرنا برجل ساجد وراكع ومتضرع، فقلنا: يا رسول الله ما أحسن صلاته ؟


(1) المجالس: 123 فيه: أحمد بن هارون. (2) المجالس: 395. (3) تفسير القمى: 234 والاية في الاعراف: 200. (4) في المصدر: الحسن بن محمد. (5) في المصدر: محمد بن على بن معمر. (6) في المصدر: عمرو بن منصور.

[237]

فقال صلى الله عليه وآله: هو الذي أخرج أباكم من الجنة، فمضى إليه علي عليه السلام غير مكترث (1) فهزه هزة أدخل أضلاعه اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى، ثم قال: لأقتلنك إن شاء الله تعالى، فقال: لن تقدر على ذلك إلى أجل معلوم من عند ربي، مالك تريد قتلي ؟ فو الله ما أبغضك أحد إلا سبقت نطفتي إلى رحم امه قبل نطفة أبيه، ولقد شاركت مبغضيك في الأموال والأولاد، وهو قول الله عزوجل في محكم كتابه: " وشاركهم في الأموال والأولاد " (2) قال النبي صلى الله عليه وآله: صدق يا علي لا يبغضك من قريش إلا سفاحي ولا من الانصار إلا يهودي ولا من العرب إلا دعي ولا من سائر الناس إلا شقي ولا من النساء إلا سلقلقية وهي التي تحيض من دبرها، ثم أطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: معاشر الانصار ! اعرضوا أولادكم على محبة علي (3)، قال جابر بن عبد الله: فكنا نعرض حب علي عليه السلام على أولادنا، فمن أحب عليا علمنا أنه من أولادنا ومن أبغض عليا انتفينا منه (4). 81 - العلل والمجالس للصدوق: عن الحسين بن أحمد العلوي عن علي بن أحمد ابن موسى عن أحمد بن علي عن الحسن بن إبراهيم العباسي عن عمير بن مرداس الدولقي (5) عن جعفر بن بشير المكى عن وكيع عن المسعودي رفعه إلى سلمان الفارسي رحمه الله قال: مر إبليس لعنه الله بنفر بتناولون أمير المؤمنين عليه السلام فوقف أمامهم فقال القوم: من الذي وقف أمامنا ؟ فقال: أنا أبو مرة، فقالوا: يا أبا مرة أما تسمع كلامنا فقال: سوأة لكم تسبون مولاكم على بن أبي طالب ؟ قالوا له: من أين علمت أنه


(1) أي غير مبال به. (2) الاسراء: 64. (3) زاد في نسخة من المصدر: فان اجابوا فهم منكم وان أبوا فليسوا منكم. (4) علل الشرائع 1: 135 و 136 طبعة قم. (5) هكذا في الكتاب وبعض نسخ المصدر، وفى المصدر المطبوع بقم: الدونقى وهو الصحيح صرح بذلك ابن الاثير في اللباب قال: الدونقى بضم الدال وسكون الواو وفتح النون نسبة إلى دونق: قرية من قرى نهاوند، والدونقى هو عمير بن مرداس.

[238]

مولانا ؟ قال: من قول نبيكم صلى الله عليه وآله: [من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله] فقالوا له: فأنت من مواليه وشيعته ؟ فقال: ما أنا من مواليه ولا من شيعته، ولكني احبه، ولا يبغضه أحد إلا شاركته في المال والولد، فقالوا له: يابا مرة فتقول في علي شيئا ؟ فقال لهم: اسمعوا مني (1) معاشر الناكثين والقاسطين والمارقين، عبدت الله عزوجل في الجان اثني عشر ألف سنة فلما أهلك الله الجان شكوت إلى الله عز وجل الوحدة، فعرج بي إلى السماء الدنيا فعبدت الله في السماء الدنيا إثنى عشر ألف سنة اخرى في جملة الملائكة، فبينا نحن كذلك نسبح الله عزوجل ونقدسه إذ مر بنا نور شعشعانى فخرت الملائكة لذلك النور سجدا فقالوا: سبوح قدوس هذا نور ملك مقرب أو نبى مرسل، فإذا بالنداء من قبل الله عزوجل: ما هذا نور ملك مقرب ولا نبي مرسل، هذا نور طينة علي بن أبي طالب عليه السلام (2). بيان: كأن اللعين ذكر ذلك لهم لتكون الحجة عليهم أتم وعذابهم أشد لعلمه بأنهم لا يؤمنون بذلك. 82 - العلل: عن علي بن عبد الله الوراق عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد ابن عيسى والفضل بن عامر الأشعري معا عن سليمان بن مقبل عن محمد بن زياد الأزدي عن عيسى بن عبد الله الأشعري عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بى إلى السماء حملني جبرئيل على كتفه الأيمن فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحسن لونا من الزعفران وأطيب ريحا من المسك، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس، فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة الحمراء التي هي أحسن لونا من الزعفران وأطيب ريحا من المسك ؟ قال: بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي، فقلت: من الشيخ صاحب البرنس ؟ قال: إبليس، قال: فما يريد


(1) في نسخة: كلامي. (2) علل الشرائع 1: 136 و 137، المجالس: 209 فيه: لا نور.

[239]

منهم ؟ قال: يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين ويدعوهم إلى الفسق والفجور فقلت: يا جبرئيل أهو بنا إليهم، فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف والبصر اللامح، فقلت: قم يا ملعون فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم فان شيعتي وشيعة علي ليس لك عليهم سلطان، فسميت (1) قم (2). 83 - مجالس الصدوق: عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مضى لعيسى عليه السلام ثلاثون سنة بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل فلقيه إبليس لعنه الله على عقبة بيت المقدس وهي عقبة افيق، فقال له: يا عيسى أنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أن تكونت من غير أب ؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي كونني وكذلك كون آدم وحواء، قال إبليس: يا عيسى فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبيا ؟ قال عيسى عليه السلام: يا إبليس بل العظمة للذي أنطقني في صغري ولو شاء لأبكمني، قال إبليس، فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيصير طيرا ؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي خلقني وخلق ما سخر لي، قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تشفي المرضى ؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي باذنه أشفيهم وإذا شاء أمرضني، قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى ؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي باذنه احييهم ولابد من أن يميت ما أحييت ويميتني، قال إبليس: يا عيسى فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تعبر البحر فلا تبتل قدماك ولا ترسخ فيه ؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي ذلله ولو شاء أغرقني قال إبليس: يا عيسى فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنه سيأتي عليك يوم تكون السماوات والارض ومن فيهن دونك وأنت فوق ذلك كله، تدبر الأمر وتقسم الأرزاق


(1) أي هذه البقعة. (2) علل الشرائع 2: 259.

[240]

فأعظم عيسى عليه السلام ذلك من قول إبليس الكافر اللعين، فقال عيسى عليه السلام: سبحان الله ملا سماواته وأرضه ومداد كلماته وزنة عرشه ورضا نفسه، قال: فلما سمع إبليس لعنه الله ذلك ذهب على وجهه لا يملك من نفسه شيئا حتي وقع في اللجة الخضراء. قال ابن عباس: فخرجت امرأة من الجن تمشي على شاطئ البحر فإذا هي بابليس ساجدا على صخرة صماء تسيل دموعه على خديه، فقامت تنظر إليه تعجبا، ثم قالت له: ويحك يا إبليس ما ترجو بطول السجود ؟ فقال لها: أيتها المرأة الصالحة ابنة الرجل الصالح أرجو إذا بررني عزوجل قسمه وأدخلني نار جهنم أن يخرجني من النار برحمته (1). 84 - العلل: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن حسان عن علي بن عطية قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن إبليس عبد الله في السماء سبعة الاف سنة في ركعتين فأعطاه الله ما أعطاه ثوابا له بعبادته (2). 85 - ومنه بالاسناد المذكور (3) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: حدثنى كيف قال الله عزوجل لابليس: (4) " فانك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم " قال: لشئ كان تقدم شكره عليه، قلت: وما هو ؟ قال: ركعتان ركعهما في السماء في ألفي سنة أو في (5) أربعة آلاف سنة (6). 86 وفي رواية اخرى: عبد الله في السماء سبعة آلاف سنة في ركعتين فأعطاه الله ما أعطاه ثوابا له بعبادته (7). بيان: يمكن رفع التنافي بين أزمنة الصلاة والسجود بوقوع الجميع وبصدور


(1) المجالس: 122 و 123 فيه: إذا ابر ربى. (2) علل الشرائع 2: 213. (3) الاسناد في المصدر هكذا: ابى رحمه الله قال: حدثنا سعد بن عبد الله عن الحسن بن عطية قال. (4) ص: 81 و 82. (5) الترديد من الراوى. (6) علل الشرائع 2: 212. (7) لم يذكر المصنف مصدر الحديث.

[241]

البعض موافقا لأقوال العامة تقية. 87 - تفسير علي بن إبراهيم في خبر ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما رأت الشياطين ما حدث من الآيات لولادته ونزول الملائكة ورمي الشياطين بالشهب أنكروا ذلك واجتمعوا إلى إبليس فقالوا: قد منعنا من السماء وقد (1) رمينا بالشهب فقال: اطلبوا فان أمرا قد حدث في الدنيا فرجعوا وقالوا: لم نر شيئا، فقال إبليس،: أنا لها بنفسي فجال بين (2) المشرق والمغرب حتى انتهى إلى الحرم فرآه محفوفا بالملائكة وجبرئيل على باب الحرم بيده حرية، فأراد إبليس أن يدخل فصاح به جبرئيل فقال: اخسأ يا ملعون، فجاء من قبل حرا فصار مثل الصر، فقال: يا جبرئيل حرف أسألك عنه، قال: ما هو ؟ قال: ما هذا ؟ وما اجتماعكم في الدنيا ؟ فقال: هذا نبي هذه الأمة قد ولد وهو آخر الانبياء وأفضلهم قال: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا، قال ؟ ففي امته ؟ قال: بلى، قال: قد رضيت (3). بيان: الصر بالفتح: طائر كالعصفور أصفر. 88 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام أن إبليس عدو الله رن أربع رنات: يوم لعن، ويوم اهبط إلى الأرض ويوم بعث النبي صلى الله عليه وآله ويوم الغدير (4). بيان: الرنة بالفتح: الصوت ويطلق غالبا على ما يكون عند مصيبة أو داهية شديدة. 89 - معاني الأخبار: عن المظفر بن جعفر العلوي عن جعفر بن محمد بن مسعود العياشي عن أبيه عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن الوليد عن العباس بن هلال عن الرضا عليه السلام انه ذكر أن اسم إبليس الحارث، وإنما قول الله عزوجل: يا إبليس:


(1) في المصدر: ورمينا. (2) في المصدر: ما بين. (3) تفسير القمى: 350 والحديث طويل أخرجه المصنف عنه وعن كمال الدين في كتاب النبوة في باب تاريخ ولادته راجع ج 15: 269 - 271. (4) قرب الاسناد.

[242]

يا عاصى، وسمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله (1). بيان: قال الراغب: الابلاس: الحزن المعترض من شدة اليأس، يقال: أبلس ومنه اشتق إبليس فيما قيل، قال تعالى: ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (2). 90 - المعاني: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن ابن فضال رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لابليس كحلا ولعوقا وسعوطا، فكحله النعاس ولعوقه الكذب وسعوطه الكبر (3). 91 - ومنه: عن محمد بن أحمد الشيباني (4) عن محمد بن جعفر الأسدي عن سهل بن زياد عن عبد العظيم الحسني قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام يقول: معنى الرجيم أنه مرجوم باللعن، مطرود من مواضع الخير، لا يذكره مؤمن إلا لعنه، وإن في علم الله السابق أنه إذا خرج القائم عليه السلام لا يبقى مؤمن في زمانه إلا رجمه بالحجارة كما كان قبل ذلك مرجوما باللعن (5). 92 - العلل: عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن الحلبي قال سألت: أبا عبد الله عليه السلام لم سمي الرجيم رجيما ؟ قال: لأنه يرجم، فقلت: فهل ينقلب إذا رجم ؟ قال: لا ولكنه يكون في العلم مرجوما (6). بيان: قوله: فهل ينقلب أي يرجع إلى الحياة والبقاء بعد الرجم، فقال عليه السلام:


(1) معاني الاخبار: 138 طبعة الغفاري. (2) المفردات: 60 والاية في الروم: 12. (3) معاني الاخبار: 138. (4) هكذا في الكتاب ومصدره والظاهر انه مصحف السنانى نسبة إلى جده الاعلى محمد بن سنان المعروف والرجل هو أبو عيسى محمد بن أحمد بن محمد بن سنان الزاهرى نزيل الرى المترجم في رجال الشيخ في باب من لم يرو عنهم، راجع ما حققناه في مقدمة معاني الاخبار: 60. (5) معاني الاخبار: 139. (6) علل الشرائع 2: 213.

[243]

لا، والاستدراك لأنه توهم السائل أن الرجم في هذه الأزمنة، فرفع عليه السلام وهمه بأنه إنما يسمى الآن رجيما لأنه في علم الله أنه يصير بعد ذلك رجيما عند قيام القائم عليه السلام كما مر في الخبر السابق، ويحتمل أن يكون في الأصل " فهل ينفلت " وسيأتي في رواية العياشي ما يؤيده. 93 - تفسير على بن إبراهيم: " لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " أما بين أيديهم فهو من قبل الآخرة لأخبرنهم أنه لا جنة ولا نار ولا نشور، وأما خلفهم يقول: من قبل دنياهم آمرهم بجمع الأموال وآمرهم أن لا يصلوا في أموالهم رحما ولا يعطوا منه حقا، وآمرهم أن لا ينفقوا على ذراريهم واخوفهم على الضيعة (1) وأما عن أيمانهم يقول: من قبل دينهم، فان كانوا على ضلالة زينتها، وإن كانوا على الهدى جهدت عليهم حتى اخرجهم منه، وأما عن شمائلهم يقول: من قبل اللذات والشهوات، يقول الله تعالى: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " (2) وأما قوله: " اخرج منها مذؤما مدحورا " فالمذؤم المعيب، والمدحور المقصي أي ملقى في جهنم (3). 94 - المعاني: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد عن يعقوب بن يزيد عن علي بن النعمان عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " قال: ليس له على هذه العصابة خاصة سلطان، قالت قلت فكيف جعلت فداك وفيهم ما فيهم ؟ قال: ليس حيث تذهب، إنما قوله: " ليس لك عليهم سلطان " أن يحبب إليهم الكفر ويبغض إليهم الايمان (4). المحاسن والعياشي: عن علي بن النعمان عمن ذكره عنه عليه السلام مثله (5).


(1) في المصدر: على ذراريهم واخوانهم وأخوف عليهم الضيعة. (2) سبأ: 20. (3) تفسير القمى: 212 والاية في الاعراف: 17 و 18. (4) معاني الاخبار: 158 والاية في الحجر: 42. (5) المحاسن: 171 وتفسير العياشي 2: 242 في المصادر كلها: قلت: وكيف.

[244]

95 - التفسير: عن أبيه عن سعيد (1) عن إسحاق بن جرير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أي شئ يقول أصحابك في قول إبليس: " خلقتني من نار وخلقته من طين " قلت: جعلت فداك قد قال ذلك وذكره الله في كتابه، قال: كذب يا إسحاق (2) ما خلقه الله إلا من طين، ثم قال: قال الله: " الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (3) " خلقه الله من ذلك النار ومن تلك الشجره، والشجرة أصلها من طين (4). بيان: لعل المعنى أن الطين داخل في طينته وإن كان النار فيه أغلب. 96 - التفسير: عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد عن محمد بن يونس عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " أنظرني (5) إلى يوم يبعثون * قال فانك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم " قال: يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله صلى الله عليه وآله على الصخرة التي في بيت المقدس (6). 97 - العيون: عن محمد بن أحمد بن الحسين بن يوسف البغدادي عن علي بن محمد بن عنبسة مولى الرشيد عن دارم بن قبيصة عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يأكل الطلع والجمار (7) بالتمر، ويقول: إن إبليس لعنه الله يشتد غضبه ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل العتيق بالحديث (8). 98 - ومنه بهذا الاسناد عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كنت جالسا عند الكعبة


(1) في المصدر: سعيد بن ابى سعيد. (2) في المصدر: كذب ابليس يا اسحاق. (3) يس: 80. (4) تفسير القمى: 573 فيه: من تلك النار. (5) في المصدر وفى المصحف: فانظرني. (6) تفسير القمى: 573 والايات في ص: 79 - 81. (7) الطلع من النخل: شئ يخرج كانه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود. والجمار بضم الجيم وتشديد الميم: شحم النخلة. (8) عيون الاخبار: 229.

[245]

فإذا شيخ محدودب قد سقط حاجباه على عينيه من شدة الكبر وفي يده عكازة وعلى رأسه برنس أحمر، وعليه مدرعة من الشعر، فدنا إلى النبي صلى الله عليه وآله والنبي مسند ظهره على الكعبة (1) فقال: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: خاب سعيك يا شيخ وضل علمك (2)، فلما تولى الشيخ قال لي: يا أبا الحسن أتعرفه ؟ قلت: لا (3)، قال: ذلك اللعين إبليس، قال علي عليه السلام: فعدوت خلفه حتى لحقته وصرعته إلى الأرض وجلست على صدره ووضعت يدي في حلقه لأخنقه، ققال لي: لا تفعل يا أبا الحسن فاني من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، والله يا على إني لأحبك جدا وما أبغضك أحد إلا شركت أباه في امه فصار ولد زنا، فضحكت وخليت سبيله (4). بيان: في القاموس: الحدب محركة: خروج الظهر ودخول الصدر والبطن حدب واحدودب، وقال: العكاز: عصا ذات زج، وقال: البرنس بالضم: قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه. وقال: المدرعة: كمكنسة: ثوب كالدراعة ولا يكون إلا من صوف. 99 - التفسير: " قل أعوذ برب الناس " وإنما هو أعوذ برب الناس (5) " ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس " اسم الشيطان، في صدور الناس (6) يوسوس فيها ويؤيسهم من الخير ويعدهم الفقر ويحملهم على المعاصي والفواحش، وهو قول الله: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (7) ". وقال الصادق عليه السلام: ما من قلب إلا وله اذنان على أحدهما ملك مرشد، وعلى


(1) في المصدر: وهو مسند ظهره إلى الكعبة. (2) في المصدر: عملك. (3) في المصدر: قلت: اللهم لا. (4) عيون الاخبار: 229 فيه: ولد الزنا. (5) المصدر خال من قوله: وانما هو اعوذ برب الناس. (6) في المصدر: هو في صدور الناس. (7) البقرة: 286.

[246]

الآخر شيطان مفتر (1)، هذا يأمره وذا يزجره، كذلك من الناس شيطان يحمل الناس على المعاصي كما يحمل الشيطان من الجن (2). بيان: قوله: وإنما هو، لعل المراد أن ما قرأه الرسول صلى الله عليه وآله عند التعوذ بها أسقط منها كلمة: قل، أو ينبغي ذلك لكل من قرأها لذلك، أو ينبغي إعادة تلك الفقرة ثانية بدون " قل " كما روى الطبرسي رحمه الله عن أبي عبد الله عليه السلام إذا قرأت: " قل أعوذ برب الفلق " فقل في نفسك: أعوذ برب الفلق، وإذا قرأت: " قل أعوذ برب الناس " فقل في نفسك: أعوذ برب الناس (3). 100 - التفسير: عن سعيد بن محمد عن بكر بن سهل عن عبد الغني بن سعيد الثقفي عن موسى بن عبد الرحمن عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس في قوله: " من شر الوسواس الخناس " يريد الشيطان على قلب ابن آدم له خرطوم مثل خرطوم الخنزير، يوسوس ابن آدم إذا أقبل على الدنيا وما لا يحب الله، فإذا ذكر الله عزوجل انخنس، يريد رجع، قال الله: " الذي يوسوس في صدور الناس " ثم أخبر أنه من الجن والانس، فقال عزوجل: " من الجنة والناس " يريد من الجن والانس (4). 101 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد عن أبى جعفر عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل حين أمر آدم أن يهبط هبط آدم وزوجتة، وهبط إبليس ولا زوجة له، وهبطت الحية ولا زوج لها، فكان أول من يلوط بنفسه إبليس، فكانت ذريته من نفسه، وكذلك الحية، وكانت ذرية آدم من


(1) أي يحملهم على الفتور وفى بعض النسخ: مفتن. (2) تفسير القمى: 744. (3) مجمع البيان 10. 571. (4) تفسير القمى: 744.

[247]

زوجته فأخبرهما أنهما عدوان لهما (1). 102 - ومنه: عن محمد بن موسى عن بعد الله الحميري عن محمد بن الحسين عن أحمد بن محمد البزنطي عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قول لوط: " إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين " فقال: إبليس أتاهم في صورة حسنة فيه تأنيث عليه ثياب حسنة، فجاء إلى شباب منهم فأمرهم أن يقعوا به، ولو طلب إليهم أن يقع بهم لابوا عليه، ولكن طلب إليهم أن يقعوا به، فلما وقعوا به التذوه، ثم ذهب عنهم وتركهم فأحال بعضهم على بعض (2). 103 - العيون والعلل: باسناده قال: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن اسم إبليس ما كان في السماء ؟ فقال: كان اسمه الحارث، وسأله عن أول من عمل عمل قوم لوط فقال: إبليس فانه أمكن من نفسه (3). 104 - الخصال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن على بن فضال عن علي بن عقبة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رن إبليس أربع رنات: أولهن يوم لعن، وحين اهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد صلى الله عليه وآله على حين فترة من الرسل، وحين انزلت ام الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، وحين اهبط من الجنة (4). القصص: باسناده عن الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عنه عليه السلام مثله (5). بيان: مخالفة الرنة الرابعة لما سبق (6) لا ضير فيها، لعدم التصريح فيهما بالحصر


(1) علل الشرائع 2: 234. (2) علل الشرائع: 234 والاية في العنكبوت: 28 (3) عيون الاخيار: 134 و 136، علل الشرائع 2: 281 و 283. (4) الخصال 1: 263. (5) قصص الانبياء: مخطوط. (6) أي في خبر قرب الاسناد لان فيه: يوم الغدير راجع الرقم 88.

[248]

والنخير صوت بالانف يصات به عند الفرح، والمرأة تفعله عند الجماع، ولذا تكرهه بعض العرب قال في القاموس: نخر ينخر وينخر نخيرا: مد الصوت في خياشيمه. 105 - الخصال: عن أحمد بن هارون الفامي عن محمد بن جعفر بن بطة عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه عن صفوان بن يحيى رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهن حيلة، وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نية صادقة واتكل عليه في جميع اموره، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، ومن رضي لاخيه المؤمن ما يرضاه لنفسه، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتم لرزقه (1). 106 - ومنه عن محمد بن علي ماجيلويه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن اليشكري عن محمد بن زياد الأزدي عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن سفيان بن أبي ليلى عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال في حديث طويل له مع ملك الروم: إن ملك الروم سأله فيما سأله عن سبعة أشياء خلقها الله عزوجل لم تخرج من رحم، فقال: آدم وحوا وكبش إبراهيم وناقة صالح وحية الجنة والغراب الذي بعثه الله عزوجل يبحث في الأرض وإبليس لعنه الله (2). 107 - ومنه (3) عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد عن موسى بن جعفر البغدادي (4) عن علي بن معبد عن عبيد الله الدهقان عن درست عن عطية أخي أبي العرام (5) قال: ذكرت لابي عبد الله عليه السلام المنكوح من الرجال قال: ليس


(1) الخصال 1: 285 فيه: بما يرضاه. (2) الخصال 2: 353. (3) هكذا في النسخ، ولم نجد الحديث في الخصال والظاهر انه وهم من المصنف وصحيحه: العلل. (4) في المصدر: موسى بن جعفر [بن الحسين] السعد آبادى. (5) في العلل: أخى أبى المغراء.

[249]

يبلي الله عزوجل بهذا البلاء أحدا وله فيه حاجة إن في أدبارهم أرحاما منكوسة وحياء أدبارهم كحياء المرأة، وقد شرك فيه ابن لابليس يقال له: زوال، فمن شرك فيه من الرجال كان منكوحا، ومن شرك فيه من النساء كان من الموارد (1) الخبر (2). الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن علي بن معبد مثله (3). بيان: الموارد: المجاري والطرق إلى الماء، جمع مورد من الورود استعير هنا للنساء الزواني اللاتي لا يمنعن ورود وارد عليهن. 108 - العلل: عن أبيه عن عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا ولد ولي الله خرج إبليس لعنه الله فصرخ (4) صرخة يفزع لها شياطينه قال: فقالت له: يا سيدنا مالك صرخت هذه الصرخة ؟ قال: فقال: ولد ولي الله قال: فقالوا: وما عليك من ذلك ؟ قال: إنه إن عاش حتى يبلغ مبلغ الرجال هدى الله به قوما كثيرا، قال: فقالوا له، أولا تأذن لنا فنقتله ؟ قال: لا، فيقولون له: ولم وأنت تكرهه ؟ قال: لأن بقاءنا بأولياء الله، فإذا لم يكن في الأرض من ولي قامت القيامة فصرنا إلى النار، فما لنا نتعجل إلى النار (5) ؟ 109 - قصص الراوندي: بالاسناد إلى الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب ابن يزيد عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أكان إبليس من الملائكة أم من الجن ؟ قال: كانت الملائكة ترى أنه منها وكان الله يعلم أنه ليس منها، فلما أمره بالسجود كان منه الذي كان (6).


(1) في المصدر: كانت [عقيما خ] من المولود، ونقل عن نسخة بدل ذلك: من الموارد. (2) علل الشرائع: 238 و 239. (3) فروع الكافي 5: 549. (4) في المصدر: إذا ولد ولى الله صرخ ابليس. (5) علل الشرائع 2: 264 فيه: فإذا لم يكن لله في الارض ولى. (6) قصص الانبياء: مخطوط.

[250]

110 - ومنه بالاسناد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام قال: أمر الله إبليس بالسجود لآدم فقال: يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأ عبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها، قال الله جل جلاله: إني احب أن اطاع من حيث اريد (1). 111 - ومنه بالاسناد عن الصدوق عن أبيه عن محمد العطار عن الحسين بن الحسن بن أبان عن محمد بن اورمة عن مصعب بن يزيد عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء نوح عليه السلام إلى الحمار ليدخله السفينة فامتنع عليه، وكان إبليس بين أرجل الحمار فقال: يا شيطان ادخل، فدخل الحمار ودخل الشيطان، فقال إبليس: اعلمك خصلتين فقال نوح عليه السلام: لا حاجة لي في كلامك، فقال إبليس: إياك والحرص فانه أخرج أبويك من الجنة، وإياك والحسد فانه أخرجني من الجنة، فأوحى الله: اقبلهما وإن كان ملعونا (2). 112 - ومنه بالاسناد عن الصدوق عن على بن أحمد بن موسى عن محمد بن جعفر الأسدي عن سهل بن زياد عن عبد العظيم الحسني عن علي بن محمد العسكري عليه السلام قال: جاء إبليس إلى نوح عليه السلام فقال: إن لك عندي يدا عظيمة فانتصحني فاني لا أخونك، فتأثم نوح بكلامه ومساءلته، فأوحى الله إليه: أن كلمه وسله فاني سانطقه بحجة عليه، فقال نوح عليه السلام: تكلم، فقال إبليس: إذا وجدنا ابن آدم شحيحا (3) أو حريصا أو حسودا أو جبارا أو عجولا تلقفناه تلقف الكرة، فان اجتمعت لنا هذه الاخلاق سميناه شيطانا مريدا، فقال نوح عليه السلام: ما اليد العظيمة التي صنعت ؟ قال: إنك دعوت الله على أهل الارض فألحقتهم في ساعة بالنار، فصرت فارغا، ولولا دعوتك لشغلت بهم دهرا طويلا (4). توضيح: الانتصاح: قبول النصيحة، والتألم: التحرج والامتناع مخافة


(1 و 2 و 4) قصص الانبياء: مخطوط. (3) الشحيح: البحيل.

[251]

الاثم. والتلقف: الأخذ بسرعة. 113 - القصص: بالاسناد إلى الصدوق باسناده إلى ابن عباس قال: قال إبليس لنوح عليه السلام: لك عندي يد، ساعلمك خصالا، قال نوح، وما يدي عندك ؟ قال: دعوتك على قومك حتى أهلكهم الله جميعا، فاياك والكبر، وإياك والحرص، وإياك والحسد، فان الكبر هو الذي حملني على أن تركت السجود لآدم فأكفرني وجعلني شيطانا رجيما وإياك والحرص فان آدم ابيح له الجنة ونهى عن شجرة واحدة فحمله الحرص على أن أكل منها، وإياك والحسد فان ابن آدم حسد أخاه فقتله، فقال نوح عليه السلام: فأخبرني متى تكون أقدر على ابن آدم ؟ قال: عند الغضب (1). 114 - ومنه بالاسناد إلى الصدوق عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمد عمن ذكره عن درست عمن ذكره عنهم عليهم السلام قال: بينا موسى جالس إذ أقبل إبليس وعليه برنس (2) فوضعه ودنا من موسى وسلم، فقال له موسى: من أنت ؟ قال: إبليس، قال: لا قرب الله دارك، لماذا البرنس (3) ؟ قال: اختطفت (4) به قلوب بني آدم، فقال له موسى عليه السلام: أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت (5) عليه، قال: ذلك إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في نفسه ذنبه، وقال: يا موسى (6) لا تخل بامرأة لا تحل لك (7) فانه لا يخلو رجل بامرأة لا تحل (8) له إلا كنت صاحبه دون أصحابي، وإياك أن تعاهد الله عهدا فانه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحل بينه وبين الوفاء


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) في المجالس: برنس ذولون فلما دنا من موسى خلع البرنس وأقبل عليه فسلم عليه. (3) في المجالس: فلا قرب الله دارك فيم جئت ؟ قال: انما جئت لاسلم عليك لمكانك من الله عزوجل، فقال له موسى: فما هذا البرنس ؟ (4) في النسخة المخطوطة: أختطف به (5) استحوذ عليه: غلبه واستولى عليه، (6) في المجالس: وصغر في عينه ذنبه، ثم قال له: اوصيك بثلاث خصال يا موسى. (7) في المجالس: ولا تخلو بك. (8) في المجالس: ولا تخلو به.

[252]

به، وإذا هممت بصدقة فأمضها، فإذا هم العبد بصدقة كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبينها (1). مجالس المفيد: عن جعفر بن محمد بن قولويه عن الكليني عن على بن إبراهيم عن اليقطيني عن يونس عن سعدان عن أبي عبد الله عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله مثله، وزاد في آخره: ثم ولى إبليس وهو يقول: يا ويله يا عوله، علمت موسى ما يعلمه بني آدم (2) وقد أوردناه في باب جوامع المساوى. 115 - القصص: باسناده إلى الصدوق باسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن علي بن عتبة عن بريد القصراني قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: صعد عيسى عليه السلام على جبل بالشام يقال له: أريحا، فأتاه إبليس في صورة ملك فلسطين فقال له: يا روح الله أحييت الموتى وأبرأت الأكمه والأبرص، فاطرح نفسك عن الجبل فقال عليه السلام: إن ذلك اذن لي فيه، وإن هذا لم يؤذن لي فيه (3). ومنه: عن الصدوق عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الصفار عن محمد بن خالد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام قال: جاء إبليس إلى عيسى فقال: أليس تزعم أنك تحيي الموتى ؟ قال عيسى: بلى قال إبليس: فاطرح نفسك من فوق الحائط، فقال عيسى عليه السلام: ويلك إن العبد لا يجرب ربه وقال إبليس: يا عيسى هل يقدر ربك على أن يدخل الأرض في بيضة والبيضة كهيئتها ؟ فقال: إن الله تعالى عز وعلا لا يوصف بالعجز، والذي قلت لا يكون (4). قال الراوندي رحمه الله: يعني هو مستحيل في نفسه كجمع الضدين (5). 116 - المحاسن: عن ابن محبوب عن حنان بن سدير وابن رئاب عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام قوله: " لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) مجالس المفيد: 93 فيه: [سعدان بن مسلم] وفيه. ما لا يعلمه بنى آدم. (3 و 4) قصص الانبياء: مخطوط. (5) أراد عليه السلام ان ذلك يكون لنقص القابل لا لنقص الفاعل.

[253]

أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (1) " فقال أبو جعفر عليه السلام: يا زرارة إنما صمد (2) لك ولأصحابك، فاما الآخرين (3) فقد فرغ منهم (4). العياشي: عن زرارة مثله (5). 117 - المناقب: في حديث طويل عن علي بن محمد الصوفي أنه لقي إبليس وسأله فقال له: من أنت ؟ قال: أنا من ولد آدم، فقال: لا إله إلا الله، أنت من قوم يزعمون أنهم يحبون الله ويعصونه ويبغضون إبليس ويطيعونه، فقال: من أنت ؟ فقال: أنا صاحب الميسم والاسم الكبير والطبل العظيم، وأنا قاتل هابيل، وأنا الراكب مع نوح في الفلك أنا عاقر ناقة صالح، أنا صاحب نار إبراهيم، أنا مدبر قتل يحيى، أنا ممكن قوم فرعون من النيل أنا مخيل السحر وقائده إلى موسى، أنا صانع العجل لبني إسرائيل، أنا صاحب منشار زكريا، أنا السائر مع أبرهة إلى الكعبة بالفيل، أنا المجمع لقتال محمد يوم أحد و حنين، أنا ملقي الحسد يوم السقيفة في قلوب المنافقين، أنا صاحب الهودج يوم الخريبة (6) والبعير، أنا الواقف في عسكر صفين، أنا الشامت يوم كربلا بالمؤمنين، أنا إمام المنافقين، أنا مهلك الأولين، أنا مضل الآخرين، أنا شيخ الناكثين، أنا ركن القاسطين أنا ظل المارقين، أنا أبو مرة مخلوق من نار لا من طين، أنا الذي غضب الله عليه رب العالمين. فقال الصوفي: بحق الله عليك إلا دللتني على عمل أتقرب به إلى الله وأستعين به على نوائب دهري، فقال: اقنع من دنياك بالعفاف والكفاف، واستعن على الاخرة بحب على بن أبي طالب عليه السلام وبغض أعدائه، فاني عبدت الله في سبع سماواته وعصيته في سبع أرضيه


(1) الاعراف: 16 و 17. (2) في نسخة من العياشي: [عمد] وكلاهما بمعنى قصد. (3) في العياشي: واما الاخرون. (4) المحاسن: 171. (5) تفسير العياشي 2: 9. (6) في المصدر: يوم البصرة والبعير. أنا صاحب المواقف.

[254]

فلا وجدت ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا إلا وهو يتقرب بحبه، قال: ثم غاب عن بصرى فأتيت أبا جعفر فأخبرته بخبره، فقال: آمن الملعون بلسانه وكفر بقلبه (1). بيان: في القاموس: الخريبة كجهينة: موضع بالبصرة يسمى البصرة الصغرى، والمراد بالهودج ما ركبته عائشة يوم الجمل. 118 - العياشي: عن الحسن بن عطية قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن إبليس عبد الله في السماء الرابعة في ركعتين ستة آلاف سنة، وكان إنظار الله إياه إلى يوم الوقت المعلوم بما سبق من تلك العبادة (2). 119 - ومنه: عن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول إبليس: " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " قال له وهب: جعلت فداك أي يوم هو ؟ قال: يا وهب أتحسب أنه يوم يبعث الله فيه الناس ؟ إن الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتى يجثو بين يديه على ركبتيه فيقول: يا ويله من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم (3). 120 - ومنه: عن أبي جميلة عن أبي عبد الله عليه السلام (4) وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: أرأيت قول الله: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " ما تفسير هذا ؟ قال: قال الله: إنك لا تملك أن تدخلهم جنة ولا نارا (5). بيان: كأن المعنى لا تقدر على إجبارهم على ما يوجب الجنة أو النار. 121 - العياشي: عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: وإذا


(1) مناقب آل ابى طالب 2: 89. (2) تفسير العياشي 2: 241. (3) تفسير العياشي 2: 242. (4) ذكر الحديث في المصدر بالاسناد الثاني فقط، واما الاسناد الاول فله متن آخر غير ذلك راجعه. (5) تفسير العياشي 2: 242. (*)

[255]

قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " قال: فقال: يا با محمد يسلط والله من المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على أديانهم، قد سلط على أيوب فشوه خلقه ولم يسلط على دينه، قلت له: قوله: " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " قال: الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم (1). الكافي: عن علي بن محمد عن علي بن العباس عن الحسن بن عبد الرحمن عن منصور بن يونس عن أبي بصير مثله (2). 122 - العياشي: عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " قلت: كيف أقول ؟ قال: تقول: " أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " قال: إن الرجيم أخبث الشياطين، قلت: لم يسمى الرجيم ؟ قال: لأنه يرجم، قلت: فما ينفلت منها شئ (3) ؟ قال: لا، قلت: فكيف سمي الرجيم ولم يرجم بعد ؟ قال: يكون في العلم أنه رجيم (4). 123 - ومنه: عن حماد بن عيسى رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " قال: ليس له أن يزيلهم عن الولاية، فأما الذنوب وأشباه ذلك فانه ينال منهم كما ينال من غيرهم (5).


(1) تفسير العياشي 2: 269 والاية في النحل 98 - 100. (2) روضة الكافي: 288 راجع متنه واسناده. وأورد المصنف رواية الكافي بعد ذلك راجع رقم 148. (3) في النسخة المخطوطة: [فما يفيت منها شئ] وفى المصدر: فانفلت منها بشئ ؟ (4) تفسير العياشي 2: 270. (5) تفسير العياشي 2: 270 فيه: سألته عن قول الله: انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * انما سلطانه.

[256]

124 - ومنه: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: كان الحجاج ابن شيطان يباضع ذي الردهة، ثم قال: إن يوسف دخل على أم الحجاج فأراد أن يصيبها، فقالت: أليس إنما عهدك بذلك الساعة ؟ فأمسك عنها فولدت الحجاج (1). بيان: يباضع أي يجامع، وذي الردهة نعت أو عطف بيان للشيطان إن لم يكن في الكلام تصحيف. قال في النهاية: في حديث علي عليه السلام أنه ذكر ذا الثدية فقال: شيطان الردهة. والردهة: النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، وقيل: الردهة قلة الرابية وفي حديثه: وأما شيطان الردهة فقد كفيته سمعت لها وجيب قلبه، قيل: أراد به معاوية لما انهزم أهل الشام يوم صفين وأخلد إلى لمحاكمة انتهى (2). وقال ابن أبي الحديد: وقال قوم: شيطان الردهة أحد الابالسة المردة من أعوان عدو الله إبليس، ورووا في ذلك خبرا عن النبي صلى الله عليه وآله وأنه كان يتعوذ منه، وهذا مثل قوله: هذا أزب العقبة أي شيطانها، ولعل أزب العقبة هو شيطان الردهة بعينه، وقال قوم: إنه عفريت مارد يتصور في صورة حية ويكون في الردهة (3). 125 - العياشي: عن جعفر بن محمد الخزاعى عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يذكر في حديث غدير خم أنه لما قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام ما قال وأقامه للناس صرخ إبليس صرخة فاجتمعت له العفاريت فقالوا: يا سيدنا ما هذه الصرخة ؟ فقال: ويلكم يومكم كيوم عيسى، والله لأضلن فيه الخلق، قال: فنزل القرآن: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين " فقال: فصرخ إبليس صرخة فرجعت إليه العفاريت فقالوا: يا سيدنا ما هذه الصرخة الاخرى ؟ فقال: ويحكم حكى الله والله كلامي


(1) تفسير العياشي 2: 301. ورواه ايضا في ص 299 باسناده عن زرارة قال: كان يوسف أبو الحجاج صديقا لعلى بن الحسين صلوات الله عليه وأنه دخل على امرأته فاراد أن يصيبها أعنى ام الحجاج قال: فقالت له: أليس انما عهدك بذلك الساعة، قال: فأتى على بن الحسين فأخبره فأمره أن يمسك عنها فامسك عنها فولدت بالحجاج وهو ابن شيطان ذى الردهة. (2) النهاية 2: 82. (3) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 2: 245 طبعة دار الكتب العربية الكبرى.

[257]

قرآنا وأنزل عليه: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين " ثم رفع رأسه إلى السماء ثم قال: وعزتك وجلالك لا لحقن الفريق بالجميع، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله: بسم الله الرحمن الرحيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. قال: ثم صرخ إبليس صرخة فرجعت إليه العفاريت فقالوا: يا سيدنا ما هذه الصرخة الثالثة ؟ قال: والله من أصحاب علي، ولكن وعزتك وجلالك يا رب لازينن لهم المعاصي حتي أبغضهم إليك قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: والذي بعث بالحق محمدا للعفاريت والابالسة على المؤمن اكثر من الزنابير على اللحم، والمؤمن أشد من الجبل، والجبل تدنو إليه بالفأس فتنحت منه، والمؤمن لا يستقل عن دينه (1). 126 - العياشي: عن عبد الرحمن بن سالم في قول الله: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا " قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ونحن نرجو أن يجري لمن أحب الله من عباده المسلمين (2). 127 - الكافي: عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن أبي جميلة عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن إبليس عليه لعائن الله يبث جنود الليل من حين تغيب الشمس وتطلع، فأكثروا ذكر الله عزوجل في هاتين الساعتين وتعوذوا بالله من شر إبليس وجنوده، وعوذوا صغاركم في هاتين الساعتين فانهما ساعتا غفلة (3). 128 - ومنه: عن علي بن محمد بن ما بنداد عن أحمد بن أبي عبد الله عن محمد بن علي عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من أحد يحضره الموت إلا كل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حتى يموت (4).


(1) تفسير العياشي 2: 301 والايات مذكورة في صدر الباب راجع موضعها. (2) تفسير العياشي 2: 302 و 303 والاية في الاسراء: 65. (3) اصول الكافي 2: 522. (4) الكافي 3: 123.

[258]

129 - وفي رواية اخرى قال فلقنه كلمات الفرج والشهادتين وتسمى له الاقرار بالائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام (1). 130 - ومنه: عن الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى جميعا عن على بن محمد بن إسماعيل (2) عن محمد بن مسلم عن أحمد بن زكريا عن محمد بن خالد بن ميمون عن عبد الله بن سنان عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما اجتمع ثلاثة من المؤمنين فصاعدا إلا حضر من الملائكة مثلهم فان دعوا بخير أمنوا، وإن استعاذوا من شر دعوا الله ليصرفه عنهم، وإن سألوا حاجة تشفعوا إلى الله وسألوه قضاها، وما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلا حضرهم عشرة أضعافهم من الشياطين، فان تكلموا تكلم الشياطين بنحو كلامهم وإذا ضحكوا ضحكوا معهم، وإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم، فمن ابتلى من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم ولا يكن شرك شيطان ولا جليسه فان غضب الله عزوجل لا يقوم له شئ ولعنته لا يردها شئ، ثم قال عليه السلام: فان لم يستطع فلينكر بقلبه وليقم ولو حلب شاة أو فواق ناقة (3). بيان: الفواق كغراب: بين الحلبتين من الوقت، ويفتح، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع. 131 - الكافي: بالاسناد المتقدم عن محمد بن سليمان عن محمد بن محفوظ عن أبي المغرا قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: ليس شئ أنكى لابليس وجنوده من زيارة الاخوان في الله بعضهم لبعض، وقال: وإن المؤمنين يلتقيان فيذكر ان الله ثم يذكران فضلنا أهل البيت فلا يبقى على وجه ابليس مضغة الا تخدد حتى أن روحه لتستغيث (4) من شدة ما تجد من الألم فتحس ملائكة السماء وخزان الجنان فيلعنونه حتى لا يبقى ملك مقرب


(1) الكافي 3: 124. (2) في المصدر: [على بن محمد بن سعد] وفى هامشه: في بعض النسخ: [محمد بن اسماعيل] وفى بعضها: محمد بن سعيد. (3) اصول الكافي 2: 187 و 188. (4) في المصدر: تستغيث من شدة ما يجد.

[259]

إلا لعنه فيقع خاسئا حسيرا مدحورا (1). بيان: في القاموس: نكى العدو فيه نكاية: قتل وجرح، والقرحة نكاها أي قشرها قبل أن تبرأ فنديت وقال: خدد لحمه وتخدد: هزل ونقص. وقال: خسأ الكلب طرده، والحسير: الكال والمتلهف والمعيي، والدحر: الطرد والابعاد والدفع. 132 - الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن محمد بن بكر عن زكريا المؤمن عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال اطووا ثيابكم بالليل فانها إذا كانت منشورة لبسها الشيطان (2). 133 - ومنه: عن العدة عن أحد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن فضالة عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب، فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين (3). 134 - ومنه: عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينما موسى عليه السلام جالس إذ أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان، فلما دنا من موسى خلع البرنس وقام إلى موسى فسلم عليه، فقال له موسى: من أنت ؟ قال: أنا إبليس، قال: أنت ؟ فلا قرب الله دارك، قال: إني إنما جئت لأسلم عليك لمكانك من الله، قال: فقال له موسى: فما هذا البرنس ؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم، فقال له موسى: فأخبرني عن الذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت (4) عليه، قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينيه ذنبه (5).


(1) الاصول 2: 188. (2) الكافي 6: 480 فيه: [لبسها الشيطان بالليل] أقول: لعل المراد بالشيطان في أمثال ذلك الموضع هو معنى آخر غير ما هو المشهور، وتناسب الحكم والموضوع في أمثال المقام هو معنى يشبه ما يقال في زماننا بالميكروبات والذرات المضرة (3) اصول الكافي 2: 308. (4) خطفه: استلبه بسرعة. واستحوذ عليه: غلبه. (5) اصول الكافي 2: 314.

[260]

135 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن يحيى الخزاز عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته (1). بيان: جثم الانسان والطائر: لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره. 136 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي فانهما يعدلان (2) عند الله الشرك (3). 137 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن سلمة بن الخطاب عن إبراهيم بن ميمون عن عيسى بن عبد الله عن جده قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بيت الشيطان من بيوتكم بيوت العنكبوت (4). 138 ومنه: عن العدة عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إغلاق الأبواب وإيكاء الأواني وإطفاء السراج، فقال: أغلق بابك فان الشيطان (5) لا يكشف مخمرا يعني مغطى (6).


(1) اصول الكافي 2: 315. (2) أي في الاخراج من الدين والعقوبة والتأثير في فساد نظام العالم، إذا كثر المفاسد التى نشأت في العالم من مخالفة الانبياء والاوصيآء عليهم السلام وترك طاعتهم وشيوع المعاصي انما نشأت من هذين الخصلتين. (3) اصول الكافي 2: 327. (4) الكافي 6: 532. (5) في المصدر: فان الشيطان لا يفتح بابا، واطف السراج من الفويسقة وهى الفارة لا تحرق بيتك، وأوك الاناء، وروى أن الشيطان لا يكشف مخمرا يعنى مغطى. (6) الكافي 6: 532 وفيه: عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن على بن أسباط عن عمه يعقوب بن سالم رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تؤووا التراب خلف الباب فانه مأوى الشياطين الكافي 6: 531.

[261]

139 - ومنه: عن العدة عن سهل بن زياد عن أحمد بن أبي محمد بن نصر عن صفوان عن العلا عن محمد بن مسلم عن أحدهما أنه قال: لا تشرب وأنت قائم ولا تبل في ماء نقيع، ولا تطف بقبر ولا تخل في بيت وحدك، ولا تمش بنعل واحدة (1)، فان الشيطان أسرع ما يكون إلى العبد إذا كان على بعض هذه الأحوال، وقال: إنه ما أصاب أحدا شئ على هذه الحال فكاد أن يفارقه إلا أن يشاء الله عزوجل (2). بيان: لا تطف بقبر، كأن المعنى لا تتغوط عليه، قال في النهاية: الطوف: الحدث من الطعام، ومنه الحديث: نهى عن محدثين على طوفهما أي عند الغائط. وفي القاموس الطوف: الغائط، وطاف: ذهب ليتغوط كأطاف على افتعل. 140 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: ألا اخبركم بشئ إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا: بلى، قال: الصوم يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والموازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه (3). بيان: في النهاية. يقطع دابرهم أي جميعهم حتى لا يبقى منهم أحد، ودابر القوم: آخر من يبقى منهم ويجئ في آخرهم، وقال: الوتين: عرق في القلب إذا قطع مات صاحبه. 141 - الكافي: عن العدة عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا طلع هلال شهر رمضان غلت مردة الشياطين (4).


(1) في المصدر: في نعل واحد. (2) الكافي 6: 534. أقول: وفى هذا الباب روايات اخرى لم يذكرها المصنف راجعه. (3) الكافي 4: 62 ذيله: ولكل شئ زكاة وزكاة الابدان الصيام. (4) الكافي 4: 67 فيه: [قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل بوجهه إلى الناس فيقول: يا معشر الناس إذا طلع] وللحديث ذيل يأتي في كتاب الصيام. (*)

[262]

142 - ومنه: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل قال: كان الطيار يقول لي: إبليس ليس من الملائكة، وإنما امرت الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فقال إبليس: لا أسجد، فما لابليس يعصي حين لم يسجد وليس هو من الملائكة ؟ قال: فدخلت أنا وهو على أبي عبد الله عليه السلام قال: فأحسن والله في المسألة، فقال: جعلت فداك أرأيت ماندب الله إليه المؤمنين من قوله: " يا أيها الذين آمنوا " أدخل في ذلك المنافقون معهم ؟ قال: نعم والضلال كل من أقر بالدعوة الظاهرة، وكان إبليس ممن أقر بالدعوة الظاهرة معهم (1). 143 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل وعلي بن إبراهيم عن أبيه عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: إياك أن تركب ميثرة حمراء فانها ميثرة إبليس (2). بيان: في النهاية: فيه أنه نهى عن ميثرة الارجوان، الميثرة بالكسر مفعلة من الوثارة، يقال: وثروثارة فهو وثير أي وطيئ لين، وهي من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج يحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال. 144 - التهذيب: عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن صفوان عن العلا عن محمد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ليس من عبد إلا ويوقظ في كل ليلة


(1) اصول الكافي 2: 412 أقول: ورواه الكليني في كتاب الروضة: 274 بنحو آخر ذكره باسناده عن ابى على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن على بن حديد عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ابليس أكان من الملائكة ام كان يلى شيئا من أمر السماء ؟ فقال: لم يكن من الملائكة ولم يكن يلى شيئا من امر السماء ولا كرامة، فأتيت الطيار فاخبرته بما سمعت فانكره وقال: وكيف لا يكون من الملائكة والله عزوجل يقول: " واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس " ؟ فدخل عليه الطيار فسأله وانا عنده فقال له: جعلت فداك رأيت قوله عزوجل: " يا ايها الذين آمنوا " في غير مكان من مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذا المنافقون ؟ قال: نعم يدخل في هذا المنافقون والضلال وكل من اقر بالدعوة الظاهرة. (2) الكافي 6: 541.

[263]

مرة أو مرتين أو مرارا، فان قام كان ذلك، وإلا فحج الشيطان فبال في اذنه، أو لا يرى أحدكم أنه إذا قام ولم يكن ذلك منه قام وهو متخثر ثقيل كسلان (1) ؟ توضيح: كأن بول الشيطان كناية عن قوة استيلائه وغلبته عليه، وإن احتمل الحقيقة أيضا، قال في النهاية: فيه " أنه بال قائما ففحج رجليه " أي فرقهما وباعد ما بينهما، والفحج: تباعد ما بين الفخذين (2)، وقال: فيه " من نام حتى أصبح فقد بال الشيطان في اذنه " قيل: معناه سخر منه وظهر عليه حتى نام عن طاعة الله، كقول الشاعر: بال سهيل في الفضيح ففسد. أي لما كان الفضيح يفسد بطلوع سهيل كان ظهوره عليه مفسدا له، وفي حديث آخر عن الحسن مرسلا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: فإذا نام شغر الشيطان برجله فبال في اذنه، وحديث ابن مسعود: " كفى بالرجل شرا أن يبول الشيطان في اذنه " وكل هذا على سبيل المجاز والتمثيل انتهى. (3). وقال الطيبي: فيه تمثيل لتثاقل نومه وعدم تنبهه بصوت المؤذن بحال من بول في اذنه وفسد حسه. وقال النووي: قال القاضي: لا يبعد حمله على ظاهره وخص الاذن لانها حساسة الانتباه. 145 - الكافي: عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لابليس عونا يقال له: تمريح، إذا جاء الليل ملا ما بين الخافقين (4).


(1) تهذيب الاحكام 2: 334 والحديث مروى ايضا في المحاسن: 86 وفى من لا يحضره الفقيه. (2) النهاية 3: 200. (3) النهاية 1: 119. (4) الروضة: 232. قال المصنف: أي لا ضلال الناس واضرارهم أو للوساوس في المنام كما رواه الصدوق رحمه الله في اماليه عن ابيه باسناده عن ابى جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ان لابليس شيطانا يقال له: هزع يملا المشرق والمغرب في كل ليلة يأتي الناس في المنام. ولعله هذا الخبر فسقط عنه بعض الكلمات في المتن والسند ووقع فيه بعض التصحيف.

[264]

146 - نوادر الرواندي: باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله ما الذي يباعد الشيطان منا ؟ قال: الصوم لله يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله تعالى والمواظبة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه (1). 147 - النهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحى عليه عليه صلى الله عليه وآله، فقلت: يارسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير (2). 148 - الكافي: عن على بن محمد عن علي بن العباس عن الحسن بن عبد الرحمن عن منصور بن يونس عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: " وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (3) " فقال: يا أبا محمد يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه، قد سلط على أيوب عليه السلام فشوه خلقه ولم يسلط على دينه، وقد يسلط من المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على دينهم قلت له: قول الله عزوجل: " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " قال: الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم (4). تبيين: قد مر الكلام في تفسير الآية، ولما كانت الاستعاذة الكاملة ملزومة للايمان الكامل بالله وقدرته وعلمه وكماله والاقرار بعجز نفسه وافتقاره في جميع اموره إلى معونته تعالى وتوكله في كل أحواله عليه، فلذا ذكر بعد الاستعاذة أنه ليس له


(1) نوادر الروندى: 19. (2) نهج البلاغة 1: 417. (3) النحل: 98 - 100. (4) روضة الكافي: 288 راجع المصدر فان اسناد الحديث فيه يخالفه وقد ذكر المصنف الحديث ذيل الحديث 121.

[265]

سلطنة واستيلاء على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فالمستعيذ به تعالى في أمانه وحفظه إذا راعى شرائط الاستعاذة. وقوله عليه السلام: ولا يسلط على دينه، أي في اصول عقائده أو الأعم منها ومن الأعمال فانه إذا كان على حقيقة الايمان وارتكب باغوائه بعض المعاصي فالله يوفقه للتوبة و الانابة، ويصير ذلك سببا لمزيد رفعته في الايمان وبعده عن وساوس الشيطان، ويدل الخبر على أن ضمير " به " راجع إلى الرب كما هو الأظهر لا إلى الشيطان. 149 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فان رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك (1). 150 - حياة الحيوان: قال وهب (2) بن الورد: بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليه السلام فقال له: أنصحك ؟ فقال: لا اريد ذلك، ولكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم أشد الاصناف عندنا، نقبل على أحدهم حتى نفتنه في دينه ونستمكن (3) منه، فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شئ نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود إلى الاستغفار والتوبة فلا نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن معه في عناء، وصنف (4) هم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفينا مؤنة أنفسهم، وصنف منهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شئ (5).


(1) اصول الكافي 2: 304 و 305. (2) في المصدر: وهيب بن الورد. (3) في المصدر: ونتمكن منه. (4) في المصدر: وصنف منهم. (5) حياة الحيوان: باب الخاء الخشاش.

[266]

151 - المتهجد: عن جماعة عن أبي المفضل عن عبد الله بن الحسين العلوي (1) عن عبد العظيم الحسني أن أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام كتب هذه العوذة لأبنه أبي الحسن عليه السلام وساق الدعاء الطويل إلى قوله: أمتنع من شياطين الانس والجن ومن رجلهم وخيلهم وركضهم وعطفهم ورجعتهم وكيدهم وشرهم وشر ما يأتون به تحت الليل وتحت النهار من البعد والقرب ومن شر الغائب والحاضر إلى قوله: ومن شر الدناهش والحس واللمس واللبس (2) ومن عين الجن والانس (3) ومن شر كل صورة وخيال أو بياض أو سواد أو مثال (4) أو معاهد أو غير معاهد ممن يسكن (5) الهواء والسحاب والظلمات والنور والظل والحرور والبر والبحور والسهل والوعور والخراب والعمران والاكام والآجام والمغائض والكنائس والنواويس والفلوات والجبانات من الصادرين والواردين ممن يبدو بالليل وينتشر (6) بالنهار وبالعشي والأبكار والغدو والآصال والمريبين والاسامرة والافاترة (7) وابن فطرة، (8) والفراعنة والابالسة ومن جنودهم وأزواجهم وعشائرهم وقبائلهم، ومن همزهم ولمزهم ونفثهم ووقاعهم وأخذهم وسحرهم وضربهم وعينهم (9) ولمحهم واحتيالهم واحلافهم (10)، ومن شر كل ذي شر من السحرة والغيلان وام الصبيان


(1) في المصدر: قال حدثنا ابى قال: حدثنى عبد العظيم. (2) الموجود في المصدر: [اللمس] فقط، وجعل [اللبس] في هامش الكتاب بدله. (3) اسقط المصنف هنا جملة وهي: وبالاسم الذى اهتز به عرش بلقيس، واعيذ دينى ونفسي وجميع ما تحوطه عنايتي. (4) في هامش المصدر: تمثال خ. (5) في هامش المصدر: سكن خ. (6) في المصدر: [ينشر] وفى هامشه: ينتشر خ. (7) في المصدر: [والافاتنة] وفى هامشه: والافاترة. (8) هكذا في المطبوع، والنسخة المخطوطة والمصدر خاليتان عنه، والظاهر انه من زيادة النساخ. (9) في المصدر: [وعبثهم] وفى هامشه: وعينهم خ. (10) في المصدر: [واخلافهم] وفى هامشه: واخلاقهم خ.

[267]

وما ولدوا (1) وما وردوا إلى آخر الدعاء (2). توضيح: قال الكفعمي رحمه الله: الدناهش: جنس من أجناس الجن، والحس: الصوت الخفي، وبرد يحرق الكلاء والقتل، والتمثال: الصورة والمعاهد: الذي حصل منه الامان، والآكام جمع أكمة وهي الرابية، والآجام جمع اجمة وهي منبت الشجر والقصب الملتف والمغائض جمع مغيضة وهي الاجمة. وكنايس اليهود معروفة. والنواويس: مقابر النصارى. والمريبين: الذين يأتون بالريبة والتهمة والاسامرة: الذين يتحدثون بالليل، والافاترة: الابالسة، وابن فطرة: حية خبيثة. والفراعنة: العتاة. والابالسة: هم الشياطين وهم ذكور واناث يتوالدون ولا يموتون ويخلدون في الدنيا كما خلد إبليس وإبليس هو أبو الجن، والجن ذكور واناث ويتوالدون ويموتون، وأما الجان فهو أبو الجن، وقيل: هو إبليس، وقيل: إنه مسخ الجن كما أن القردة والخنازير مسخ الانس، والكل خلقوا قبل آدم عليه السلام، والعرب تنزل الجن مراتب، فإذا ذكروا الجنس قالوا: جن، فان أرادوا أنه يسكن مع الناس قالوا: عامر والجمع عمار، فان كانوا ممن يتعرض للصبيان قالوا: أرواح، فان خبث فهو شيطان فان زاد على ذلك قالوا: مارد، فان زاد على القوة قالوا عفريت، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خلق الله الجن خمسة أصناف: صنف كالريح في الهواء، وصنف حيات، وصنف عقارب، وصنف حشرات الارض، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب. والغيلان: سحرة الجن. وام الصبيان: ريح تعرض لهم. أقول: وسيأتي الدعاء بتمامه مشروحا في كتاب الدعاء إن شاء الله. 152 - الفقيه: قال: قال الصادق عليه السلام: إذا تغولت بكم الغول فأذنوا (3). 153 - المحاسن: عن عبيد بن يحيى بن المغيرة عن محمد بن سنان (4) عن سلام


(1) لم يذكر في المصدر قوله: وما ولدوا. (2) مصباح المتهجد: 340 و 341. (3) من لا يحضره الفقيه 1: 195 فيه: تغولت لكم. (4) في المصدر: سهل بن سنان.

[268]

المدائني عن جابر الجعفي عن محمد بن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة. بيان: قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: في الجعفريات عن النبي صلى الله عليه وآله إذا تغولت (1) بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة (2). ورواه العامة وفسره الهروي بأن العرب تقول: إن الغيلان في الفلوات تراءى للناس، تتغول تغولا أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم. وروي في الحديث. " لا غول " وفيه إبطال لكلام العرب فيمكن أن يكون الاذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات وإن لم تكن له حقيقة، وفي مضمر سليمان الجعفري سمعته يقول: " أذن في بيتك فانه يطرد الشيطان، ويستحب من أجل الصبيان " وهذا يمكن حمله على أذان الصلاة (3). وفي النهاية: فيه " لاغول ولا صفر " الغول: أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين وكانت العرب تزعم أن الغول تتراءى للناس، فتتغول تغولا أي تتلون تلونا في صور شتى، وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبطله، وقيل: قوله: [لا غول] ليس نفيا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال مزعم العرب وتلونه بالصور المختلفة واغتياله: فيكون المعني بقوله: " ولا غول " إنها لا تستطيع أن تضل أحدا ويشهد له الحديث الآخر: " لا غول ولكن السعالى " السعالى: سحرة الجن أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان " أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها. 154 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (4).


(1) في المصدر: تغولت لكم. (2) المحاسن: 49. (3) الذكرى: 175. (4) لم نجد الحديث في النسخة المطبوعة من الشهاب المنضمة مع كتاب البيان للشهيد وليست عندي طبعة اخرى ولعل النسخة كانت سقيمة.

[269]

الضوء: الشيطان: فيعال من شطن: إذا تباعد، فكأنه يتباعد إذا ذكر الله تعالى وقيل: إنه فعلان من شاط يشيط: إذا احترق غضبا لأنه يحترق ويغضب إذا أطاع العبد فيقول صلى الله عليه وآله: إن الشيطان لا يزال يراقب العبد ويوسوس إليه في نومه ويقظته، وهو جسم لطيف هوائي يمكنه أن يصل إلى ذلك، والانسان غاو غافل فيوصل كلامه ووسواسه إلى باطن اذنه فيصير إلى قلبه، والله تعالى هو العالم بكيفية ذلك، فأما وسواسه فلا شك فيه، والشيطان هنا اسم جنس ولا يريد به إبليس فحسب وذلك لأن له أولادا وأعوانا وذكر جريانه من ابن آدم مجرى الدم مثل، ولا يعني به أنه يدخل عروقه وأوراده وتجاويف أعضائه، بل المعنى أنه لا يزايله كما يقال: فلان يلازمني ملازمة الظل وملازمة الحفيظين وملازمة الروح الجسد وملازمة القرن الشاة إلى غير ذلك، كلام العرب إشارات وتلويحات والكلام إذا ذهب عنه المجاز والاستعارة زالت طلاوته (1) وفارقه رونقه وبقي مغسولا وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله من أفصح الناس، وفي كلام بعضهم: احترس من الشيطان فانه عدو مبين يراك ولا تراه ويكيدك وأنت لا تعلم وهو قديم وأنت حديث، وأنت سليم الصدر وهو خبيث. وفائد الحديث إعلام أن الشيطان يلازمك ويراصدك من حيث لا تعلم، فعليك بالاحتراز منه والتوقي من مكره وكيده ووسوسته، والراوي أنس بن مالك (2). 155 - الكافي: باسناده عن عطية أبي العرام (3) قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام المنكوح من الرجال فقال: ليس يبلي الله بهذا البلاء أحدا وله فيه حاجة ان في أدبارهم أرحاما منكوسة وحياء (4) أدبارهم كحياء المرأة قد شرك فيهم ابن لابليس يقال له: زوال فمن شرك فيه من الرجال كان منكوحا، ومن شارك فيه من النساء كانت من الموارد


(1) الطلاوة: الحسن والبهجة. (2) كتاب الضوء: لم نجد نسخته. (3) رواه الكليني باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن على بن معبد عن عبد الله الدهقان عن درست بن ابى منصور عن عطية أخى أبى العرام. (4) الحياء: فرج المرأة.

[270]

العامل على هذا من الرجال إذا بلغ أربعين سنة لم يتركه (1) الخبر. 156 - ومنه باسناده عن يعقوب بن جعفر (2) قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام أو أبا إبراهيم عليه السلام عن المرأة تساحق المرأة وكان متكائا فجلس فقال: ملعونة ملعونة الراكبة والمركوبة - وساق الحديث إلى أن قال قاتل الله لاقيس بنت إبليس ماذا جاءت به ؟ فقال الرجل: هذا ما جاء به أهل العراق، فقال: والله لقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن يكون العراق (3) الخبر. 157 نوادر علي بن أسباط: عن سعيد بن عمرو بن أبي نصر عن أبي حمزة الثمالي عن على بن الحسين عليه السلام قال: كان عابد من بني إسرائيل فقال إبليس لجنده من له فانه قد غمني، فقال واحد منهم: أنا له، فقال: في أي شئ ؟ قال: أزين له الدنيا، قال: لست بصاحبه، قال الآخر: فأنا له، قال: في أي شئ ؟ قال: في النساء، قال: لست بصاحبه، قال الثالث: أنا له، قال: في أي شئ ؟ قال: في عبادته قال: أنت له (4)، فلما جنه الليل طرقه فقال: ضيف، فأدخله، فمكث ليلته يصلي حتى أصبح، فمكث ثلاثا يصلي ولا يأكل ولا يشرب، فقال له العابد: يا عبد الله ما رأيت مثلك، فقال له: إنك لم تصب شيئا من الذنوب وأنت ضعيف العبادة، قال: وما الذنوب التي اصيبها ؟ قال: خذ أربعة دراهم فتأتي فلانة البغية فتعطيها درهما للحم، ودرهما للشراب، ودرهما لطيبها ودرهما لها فتقضي حاجتك منها ؟ قال: فنزل وأخذ أربعة دراهم فأتى بابها فقال: يا فلانة يا فلانة، فخرجت فلما رأته قالت: مفتون والله، مفتون والله، قالت له: ما تريد ؟ قال: خذي أربعة دراهم فهيئي لي طعاما وشرابا وطيبا وتعالي حتى آتيك، فذهبت فدارت فإذا هي بقطعة من حمار ميت


(1) الكافي 5: 549. والحديث له ذيل راجعه. (2) رواه الكليني باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن على بن القاسم عن جعفر بن محمد عن الحسين بن زياد عن يعقوب بن جعفر. (3) الكافي 5: 552، وللحديث قطعات اخرى لم يذكرها المصنف ههنا. (4) في المصدر: انت له انت له.

[271]

فأخذته، ثم عمدت إلى بول عتيق فجعلته في كوز، ثم جاءت به إليه، فقال: هذا طعامك ؟ قالت: نعم قال: لا حاجه لي فيه، وهذا شرابك ؟ فلا حاجة لي فيه، اذهبي فتهيئي، فتقذرت جهدها، ثم جاءته فلما شمها قال: لا حاجة لي فيك، فلما أصبحت كتب على بابها: إن الله قد غفر لفلانة البغية بفلان العابد (1). 158 - تفسير الامام: قال عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا فاذكروا يا امة محمد محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصر الله بهم ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم، فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته وملك عن يساره يكتب سيئاته ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه فإذا وسوسا في قلبه ذكر الله وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله حبس (2) الشيطانان ثم سار إلى إبليس فشكواه وقالا له: قد أعيانا أمره فأمددنا بالمردة، فلا يزال يمدهما (3) حتى يمدهما بألف مارد فيأتونه، فكلما راموه ذكر الله وصلى على محمد وآله الطيبين لم يجدوا عليه طريقا ولا منفذا، قالوا لابليس: ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه وتغويه، فيقصده إبليس بجنوده فيقول الله تعالى للملائكة: هذا إبليس قد قصد عبدي فلانا أو أمتي فلانة بجنوده، ألا فقاتلوه (4)، فيقاتلهم بازاء كل شيطان رجيم منهم مائة ألف ملك وهم على أفراس من نار بأيديهم سيوف من نار ورماح من نار وقسي ونشاشيب وسكاكين واسلحتهم من نار (5)، فلا يزالون يخرجونهم ويقتلونهم بها ويأسرون إبليس فيضعون عليه تلك الاسلحة فيقول: يا رب وعدك وعدك، قد أجلتني إلى يوم الوقت المعلوم، فيقول الله تعالى للملائكة: وعدته أن لا اميته، ولم


(1) نوادر على بن أسباط: 127. (2) في المصدر: خنس الشيطانان. (3) في المصدر: فلا يزال يمدهما بالمردة. (4) في المصدر: فقاتلوهم. (5) في المصدر: واسلحة من نار.

[272]

أعده أن لا اسلط عليه السلاح والعذاب والآلام، اشتفوا (1) منه ضربا بأسلحتكم فاني لا اميته، فيثخنونه بالجراحات، ثم يدعونه فلا يزال سخين العين على نفسه وأولاده المقتولين المقتلين (2)، ولا يندمل شئ من جراحاته إلا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم فان بقي هذا المؤمن على طاعة الله وذكره والصلاة على محمد وآله بقي إبليس على تلك الجراحات (3)، وإن زال العبد عن ذلك وانهمك في مخالفة الله عزوجل ومعاصيه اندملت جراحات إبليس ثم قوي على ذلك العبد حتى يلجمه ويسرج على ظهره ويركبه ثم ينزل عنه ويركب ظهره شيطانا من شياطينه ويقول لأصحابه: أما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا ؟ ذل. وانقاد لنا الآن حتى صار يركبه هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فان أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه (4) وألم جراحاته فداوموا على طاعة الله وذكره والصلاة على محمد وآله، وإن زلتم عن ذلك كنتم اسراء فيركب أقفيتكم بعض مردته (5). بيان: النشاشيب جمع النشاب بالضم والتشديد وهو النبل. وقال الجوهرى: سخنة العين نقيض قرتها، قد سخنت عينه بالكسر فهو سخين العين، وأسخن الله عينه أي أبكاه، والمقتلين على بناء المفعول من باب الافعال أي المعرضين للقتل، أو التفعيل تأكيدا لبيان كثرة مقتوليهم. قال الجوهري: أقتلت فلانا: عرضته للقتل، وقتلوا تقتيلا: شدد للكثرة. 159 - تفسير الامام: قال عليه السلام: الشيطان هو البعيد من كل، خير، الرجيم: المرجوم باللعن، المطرود من بقاع الخير (6).


(1) في نسخة من المصدر: استبقوا. (2) المصدر خال عن قوله: مقتلين. (3) في المصدر: بقى على ابليس تلك الجراحات. (4) في المصدر: من سخنة عينه. (5) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 159 و 160. (6) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 5.

[273]

160 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عما ندب الله الخلق إليه أدخل فيه الضلال ؟ قال: نعم، والكافرون دخلوا فيه، لان الله تبارك وتعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في أمره الملائكة وإبليس، فان إبليس كان مع الملائكة في السماء يعبد الله وكانت الملائكة تظن أنه منهم ولم يكن منهم، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد، فعلمت الملائكة عند ذلك أن إبليس لم يكن منهم، فقيل له عليه السلام: فكيف وقع الأمر على إبليس وإنما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ؟ فقال: كان إبليس منم بالولاء ولم يكن من جنس الملائكة، وذلك أن الله خلق خلقا قبل آدم وكان إبليس فيهم حاكما في الأرض فعتوا وأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه إلى السماء، وكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله آدم (1). 161 - ومنه: عن أبيه عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن ثابت الحذاء عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقا بيده، وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة - وساق الحديث إلى أن قال تعالى: - إني اريد أن أخلق خلقا بيدي وأجعل من ذريته أنبياء ومرسلين وعبادا صالحين وأئمة مهتدين، وأجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي (2)، وابيد النسناس من أرضي واطهرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة من بريتي وخلقي وخيرتي، واسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم - وساق الحديث إلى قوله: - فخلق الله آدم فبقي


(1) تفسير القمى: 32. (2) أسقط المصنف هنا من الحديث من دون اشارة وهو: ينهونهم عن معصيتى وينذرونهم من عذابي ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلى وأجعلهم لى حجة عذرا و نذرا وابيد.

[274]

أربعين سنة مصورا، فكان يمر به إبليس اللعين فيقول: لأمر ما خلقت، فقال العالم عليه السلام فقال إبليس: لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته (1)، ثم نفخ فيه (2) ثم قال للملائكة " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " (3) فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد، فقال الله عزوجل: " ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " (4). قال الصادق عليه السلام: أول من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أول معصية عصى الله بها (5). قال: فقال إبليس: يا رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال الله تبارك وتعالى: لا حاجة لي إلى عبادتك إنما إريد أن اعبد من حيث اريد لا من حيث تريد (6)، فأبي أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: " اخرج منها فانك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين " قال إبليس: يا رب وكيف وأنت العدل الذي لا تجوز ولا تظلم ؟ فثواب عملي بطل ؟ قال: لا ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثوابا لعملك فاعطيك، فأول ما سأل البقاء إلى يوم الدين، فقال الله: قد أعطيتك، قال: سلطني على ولد آدم، قال: سلطتك قال: أجرني فيهم مجرى الدم في العروق، قال: قد: أجريتك، قال: لا يولد لهم ولد


(1) في المصدر: لاعصينه. (2) اسقط المصنف أيضا من هنا جملة من دون اشارة وهى: فلما بلغت الروح إلى دماغه عطس فقال: الحمد لله، فقال الله تعالى: يرحمك الله، قال الصادق عليه السلام: فسبقت له من الله تعالى: الرحمة ثم قال الله. (3) البقرة: 34. والاعراف: 11. (4) الاعراف: 12. (5) أي بعد خلق آدم عليه السلام والا فقبله ذكر في الحديث أن الجن والنسناس عملوا المعاصي من سفك الدماء والفساد في الارض بغير الحق. (6) لم تذكر في المصدر المطبوع جملة: لا من حيث تريد.

[275]

إلا ولد لي اثنان، وأراهم ولا يروني، وأتصور لهم في كل صورة شئت، فقال: قد أعطيتك، قال: يا رب زدني، قال: قد جعلت لك ولذريتك في صدورهم أوطانا، قال: رب حسبي، فقال إبليس عند ذلك: فوعزتك (1) لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * ثم لآتينهم (2) من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (3). 162 - ومنه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أعطى الله تبارك وتعالى إبليس ما أعطاه من القوة قال آدم: يا رب سلطت إبليس على ولدي وأجريته فيهم مجرى الدم في العروق، وأعطيته ما أعطيته فما لي ولولدي ؟ فقال: لك ولولدك السيئة بواحدة والحسنة بعشرة أمثالها، قال: يا رب زدني، قال: التوبة مبسوطة إلى حين تبلغ النفس الحلقوم، قال: يا رب زدني قال: اغفر ولا أبالي، قال: حسبي، قال: قلت: جعلت فداك بماذا استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه ؟ قال: بشئ كان منه شكره الله عليه، قلت: وما كان منه جعلت فداك ؟ قال: ركعتان ركعهما في السماء أربعة آلاف سنة (4). 163 - دلائل الطبري: عن محمد بن هارون بن موسى عن أبيه عن محمد بن همام عن أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم عن أبيه عن بعض رجاله عن الحسن بن شعيب عن علي بن هاشم عن المفضل بن عمر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما لابليس من السلطان ؟ قال: ما يوسوس في قلوب الناس، قلت: فما لملك الموت قال: يقبض أرواح الناس، قلت: وهما مسلطان على من في المشرق والمغرب ؟ قال: نعم، قلت: فما لك أنت جعلت فداك من السلطان ؟ قال: أعلم ما في المشرق والمغرب وما في السماوات


(1) هكذا في الكتاب ومصدره والصحيح: [فبعزتك] راجع سورة ص: 82. (2) الاعراف: 17. (3) تفسير القمى: 32 - 35 والحديث طويل ذكره في باب خلقه آدم عليه السلام. (4) تفسير القمى: 35.

[276]

والأرض وما في البر والبحر وعدد ما فيهن، وليس ذلك لابليس ولا لملك الموت (1). 164 - الكافي: باسناده عن الحسن بن العباس بن الجريش (2) قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لما يزور (3) من بعثه الله للشقاء على أهل الضلالة من أجناد الشياطين وأرواحهم أكثر مما يزور (4) خليفة الله الذي بعثه للعدل والصواب من الملائكة قيل: يا أبا جعفر وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة ؟ قال: كما شاء الله عزوجل، قال السائل: يا أبا جعفر إني لو حدثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه، قال: كيف ينكرونه ؟ قال يقولون: إن الملائكة عليهم السلام أكثر من الشياطين، قال: صدقت افهم عني ما أقول، إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلالة ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلي ولي الأمر، خلق الله أو قال: قيض الله عزوجل من الشياطين بعددهم، ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالافك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا، فلو سئل ولي الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك كذا وكذا حتى يفسر له تفسيرها ويعلمه الضلالة التي هو عليها (5). الحديث. 165 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن محمد بن


(1) دلائل الامة: 125. (2) هكذا في النسخ والصحيح ما في المصدر بالحاء المهملة: الحريش وزان زبير، والرجل مذكور في فهرست الشيخ والنجاشى وقال الثاني: ضعيف جدا له كتاب انا انزلناه في ليلة القدر، وهو كتاب ردى الحديث مضطرب الالفاظ الخ وقال ابن الغضائري: ضعيف جدا يروى عن ابى جعفر الثاني فضل انا انزلناه في ليلة القدر، وله كتاب مصنف فاسد الالفاظ تشهد مخائله على أنه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب من حديثه انتهى أقول: هذا الحديث من كتابه المذكور. (3) في المصدر: لما ترون. (4) في المصدر: مما ترون. (5) اصول الكافي 1: 252 و 253.

[277]

سنان عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عابد في بني إسرئيل لم يقارف من أمر الدنيا شيئا فنخر إبليس نخرة فاجتمعت إليه جنوده فقال: من لي بفلان ؟ فقال بعضهم: أنا (1)، فقال: من أين تأتيه ؟ فقال: من ناحية النساء، قال: لست له لم يجرب النساء، فقال له آخر: فأنا له، قال: من أين تأتيه ؟ قال: من ناحية الشراب واللذات قال لست له ليس، هذا بهذا قال آخر، فأنا له، قال من أين تأتيه ؟ قال: من ناحية البر، قال: انطلق فأنت صاحبه، فانطلق إلى موضع الرجل فأقام حذاءه يصلي، قال: وكان الرجل ينام، والشيطان لا ينام، ويستريح والشيطان لا يستريح. فتحول إليه الرجل وقد تقاصرت إليه نفسه واستصغر عمله، فقال: يا عبد الله بأي شئ قويت على هذه الصلاة: فلم يجبه، ثم عاد عليه فلم يجبه، ثم عاد عليه فقال: يا عبد الله إني أذنبت ذنبا وأنا تائب منه، فإذا ذكرت الذنب قويت على الصلاة، قال: فأخبرني بذنب حتى أعمله وأتوب، فإذا فعلته قويت على الصلاة، فقال: ادخل المدينة فسل عن فلانة البغية فأعطها درهمين ونل منها، قال: ومن أين لي درهمين ؟ ما أدري ما الدرهمين ؟ فتناول الشيطان من تحت قدمه درهمين فناوله إياهما، فقام فدخل المدينة بجلابيبه يسأل عن فلانة البغية (2) فأرشدوه الناس وظنوا أنه جاء يعظها، فأرشدوه فجاء إليها فرمى إليها بالدرهمين وقال: قومي، فقامت فدخلت منزلها وقالت: ادخل، وقالت: إنك جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها، فأخبرني بخبرك، فأخبرها، فقال له: يا عبد الله إن ترك الذنب أهون من طلب التوبة، وليس كل من طلب التوبة وجدها، وإنما ينبغي أن يكون هذا شيطانا مثل لك، فانصرف فانك لا ترى شيئا، فانصرف وماتت من ليلتها فأصبحت فإذا على بابها مكتوب: احضروا فلانة فانها من أهل الجنة، فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا لا يدفنونها ارتيابا في أمرها، فأوحى الله عزوجل إلى نبي من الأنبياء لا أعلمه إلا موسى بن عمران عليه السلام أن أئت فلانة فصل عليها ومر الناس أن يصلوا عليها


(1) في المصدر: أنا له. (2) في المصدر: يسأل عن منزل فلانة البغية فارشده الناس.

[278]

فاني قد غفرت لها وأوجبت لها الجنة بتثبيطها (1) عبدي فلانا عن معصيتي (2). 166 - ومنه: عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن سعيد عن زكريا بن محمد عن أبيه عن عمرو عن أبي جعفر عليه السلام: قال كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم الله، فطلبهم إبليس الطلب الشديد، وكان من فضلهم وخيرتهم أنهم إذا خرجوا إلى العمل خرجوا بأجمعهم وتبقى النساء خلفهم، فلم يزل إبليس يعتادهم وكانوا (3) إذا رجعوا خرب إبليس ما يعملون، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نرصد هذا الذي يخرب متاعنا، فرصدوه فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان، فقالوا له: أنت الذي تخرب متاعنا مرة بعد اخرى ؟ فأجمع رأيهم (4) على أن يقتلوه، فبيتوه عند رجل فلما كان الليل صاح فقال له: ما لك ؟ فقال: كان أبي ينومني على بطنه، فقال له: تعال فنم على بطني، قال فلم يزل يدلك الرجل حتى علمه أن يفعل بنفسه (5)، فأولا علمه إبليس، والثانية علمه هو، ثم انسل ففر منهم فأصبحوا فجعل الرجل يخبر بما فعل بالغلام ويعجبهم منه وهم لا يعرفونه، فوضعوا أيديهم فيه حتى اكتفى الرجال (6) بعضهم ببعض، ثم جعلوا يرصدون مارة الطريق يفعلون بهم حتى تنكب مدينتهم الناس، ثم تركوا نساءهم وأقبلوا على الغلمان، فلما رأى أنه قد أحكم أمره في الرجال جاء إلى النساء فصير نفسه امرأة، ثم قال: إن رجالكن يفعل بعضهم ببعض ؟ قالوا: نعم قد رأينا ذلك، وكل ذلك يعظهم لوط عليه السلام ويوصيهم وإبليس يغويهم حتى استغنى النساء بالنساء (7) الحديث الطويل.


(1) ثبطة عن الامر: عوقه وشغله عنه. (2) روضة الكافي: 384 و 385. (3) في المصدر: فكانوا. (4) في المصدر: فاجتمع رأيهم. (5) في المصدر: حتى علمه انه يفعل بنفسه. (6) في المصدر: حتى اكتفى الرجال بالرجال. (7) الكافي 5: 544.

[279]

بيان: يعتادهم أي يعتاد المجئ إليهم أو ينتابهم كلما رجعوا أقبل اللعين، قال في القاموس: العود: انتياب الشئ كالاعتياد، وفي المحاسن: فلما حسدهم إبليس لعبادتهم كانوا إذا رجعوا (1) " وفي ثواب الاعمال: " فأتى إبليس عبادتهم ". " فأولا علمه (2) " كذا في النسخ بتقديم اللام على الميم في الموضعين ولعل الأظهر تقديم الميم (3)، أي أو لا أدخل إبليس ذكر الرجل، وثانيا أدخل الرجل ذكره، وعلى ما في النسخ كأن المعنى أنه كان أولا معلم هذا الفعل حيث علمه ذلك الرجل ثم صار الرجل معلم الناس. 167 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سليمان بن داود أمر الجن فبنوا له بيتا من قوارير فبينا هو متكئ على عصاه ينظر إلى الشياطين كيف يعملون وينظرون إليه إذ حانت (4) منه التفاتة فإذا هو برجل معه في القبة ففزع منه وقال: من أنت ؟ قال: أنا الذي لا أقبل الرشى ولا أهاب الملوك، أنا ملك الموت، فقبضه وهو متكئ على عصاه فمكثوا سنة يبنون وينظرون إليه ويدأبون له ويعملون حتى بعث الله الارضة فأكلت منسأته وهي العصا، فلما خر تبينت الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا سنة في العذاب المهين فالجن تشكر الارضة بما عملت بعصا سليمان، قال: فلا تكاد تراها في مكان إلا وجد عندها ماء وطين، فلما هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره: هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، ثم دفنه تحت السرير ثم استشاره (5) لهم فقرأه فقال الكافرون: ما كان سليمان عليه السلام يغلبنا إلا بهذا، وقال المؤمنون: بل هو


(1) المحاسن: 110. (2) في عقاب الاعمال والمحاسن: " فاولا عمله ابليس والثانية عمله هو " راجع عقاب الاعمال: باب عقاب الوطى. (3) قد عرفت انه الموجود في عقاب الاعمال والمحاسن. (4) في المصدر: خانت عنه، (5) هكذا في الكتاب ومصدره ولعل الصحيح كما في البرهان: استثاره أي اظهره لهم.

[280]

عبد الله ونبيه (1). 168 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ذات ليلة إذ رمي ينجم فاستنار، فقال للقوم: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رأيتم مثل هذا ؟ قالوا: كنا نقول: مات عظيم وولد عظيم، قال: فانه لا يرمى به لموت أحد ولحياة أحد ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش وقالوا: قضى ربنا بكذا، فيسمع ذلك أهل السماء التي تليهم فيقولون ذلك حتى يبلغ ذلك أهل السماء الدنيا فيسترق الشياطين السمع فربما اعتلقوا شيئا فأتوا به الكهنة فيزيدون وينقصون، فتخطئ الكهنة وتصيب ثم إن الله عزوجل منع السماء بهذه النجوم فانقطعت الكهانه فلا كهانة، وتلا جعفر بن محمد عليه السلام: " إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ثاقب (2) وقوله: " وإنا كنا نقعد منها مقاعد (3) للسمع " الآية (4). بيان: فربما اعتلقوا شيئا أي أحبوه أو تعلموه أو تعلقوا به، في القاموس: اعتلقه أي أحبه وتعلقه وتعلق به بمعنى، وفي النهاية: أنى علقها أي من أين تعلمها ممن أخذها. 169 - الدر المنثور للسيوطي: عن ابن عمر قال: لقي إبليس موسى فقال لموسى: (5) أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما، أذنبت وأنا اريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي، قال موسى: نعم، فدعا موسى ربه فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك: فلقي موسى إبليس وقال: قد امرت أن تسجد بقبر آدم ويتاب عليك، فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حيا، أسجد له ميتا ؟ ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا اهلكك فيمن اهلك (6): اذكرني


(1) تفسير القمى: 46 و 47. (2) هكذا في الكتاب ولعله وهم النساخ والصحيح: " شهاب مبين " راجع الحجر 18. (3) الجن: 9. (4) دعائم الاسلام: ليست عندي نسخته. (5) في المصدر: فقال: يا موسى. (6) في المصدر: لا أهلكك فيهن.

[281]

حين تغضب فاني أجري منك مجرى الدم. واذكرني حين تلقى الزحف فاني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره ولده وزوجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امراة ليست بذات محرم فاني رسولها إليك ورسولك إليها (1). 170 - وعن أنس قال: إن نوحا لما ركب السفينة أتاه إبليس فقال له نوح: من أنت ؟ قال أنا إبليس، قال: فما جاء بك ؟ قال: جئت تسأل لي ربك هل لي من توبة ؟ فأوحى الله إليه: أن توبته أن يأتي قبر آدم فيسجد له، قال: أما أنا لم أسجد له حيا أسجد له ميتا ؟ قال فاستكبر وكان من الكافرين (2). 171 - وعن جنادة بن أبي امية قال: أول خطيئة كانت الحسد: حسد إبليس آدم أن يسجد له حين أمره فحمله الحسد على المعصية (3). 172 وعن قتادة: قال: لما هبط إبليس قال آدم: أي رب قد لعنته فما علمه ؟ قال: السحر قال: فما قراءته ؟ قال: الشعر، قال: فما كتابته (4) ؟ قال: الوشم، قال: فما طعامه ؟ قال: كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابه ؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكنه ؟ قال: الحمام، قال: فاين مجلسه ؟ قال: الاسواق، قال: فما صوته ؟ قال: المزمار قال: فما مصائده ؟ قال النساء (5). 173 - وعن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال إبليس لربه تعالى: يا رب قد اهبط آدم وقد علمت أنه سيكون كتب ورسل، فما كتبهم ورسلهم ؟ قال: رسلهم الملائكة والنبيون، وكتبهم التوراة والانجيل والزبور والفرقان، قال: فما كتابي ؟ قال: كتابك الوشم، وقراءتك الشعر، ورسلك الكهنة، وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه وشرابك كل مسكر، وصدقك الكذب، وبيتك الحمام، ومصائدك النساء، ومؤذنك المزمار، ومسجدك الاسواق (6).


(1 - 3) الدر المنثور 1: 51. (4) في المصدر: فما كتابه ؟ (5 و 6) الدر المنثور 1: 63.

[282]

174 - وعن ابن عباس: قال: جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم " وأقبل جبريل على إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده (1) وولى مدبرا وشيعته فقال الرجل: يا سراقه إنك جار لنا، فقال: إني أرى ما لا ترون، وذلك حين رأى الملائكة " اني أخاف الله والله شديد العقاب " (2). 175 - وعن رفاعة الانصاري: قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة ابن مالك فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر يرفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك اياي (3). 176 - وعن أبي التياح (4): قال: قال رجل لعبد الرحمن بن خنيش كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وآله كادته الشياطين ؟ قال: نعم تحدرت الشياطين من الجبال والأودية يريدون رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله فزع منهم وجاءه جبرئيل فقال: يا محمد قل: ما أقول: " أعوذ بكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الارض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن " قال: فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله عزوجل (5).


(1) في المصدر: وأقبل جبرئيل عليه السلام على ابليس وكانت يده في يد رجل من المشركين فلما رأى جبريل انتزغ يده وولى مدبرا هو وشيعته. (2) الدر المنثور 2: 190. (3) الدر المنثور 3: 190. (4) قال ابن حجر في التقريب: أبوالتياح بفتح اوله وتشديد التحتانية اسمه يزيد ابن حميد. (5) الدر المنثور:

[283]

177 - وعن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن في يده شعلة من نار فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن فلا يزداد إلا قربا، فقال له جبرئيل: ألا اعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفئ شعلته ؟ قل: أعوذ بوجه الله الكريم وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. فقالها فانكب لفيه وطفيت شعلته (1). تتمة: تشمل على فوائد جمة: الاولى: لا خلاف بين الامامية بل بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة يرون في بعض الاحيان ولا يرون في بعضها، ولهم حركات سريعة وقدرة على أعمال قوية ويجرون في أجساد بني آدم مجرى الدم، وقد يشكلهم الله بحسب المصالح بأشكال مختلفة وصور متنوعة كما ذهب إليه السيد المرتضى رضي الله عنه، أو جعل الله لهم القدرة على ذلك كما هو الأظهر من الأخبار والآثار. قال صاحب المقاصد: ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الافعال الشاقة - وساق الكلام إلى قوله: - والجن أجسام لطيفة هوائية متشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء النفس في الفساد والغواية بتذكير أسباب المعاصي واللذات وإنساء منافع الطاعات وما أشبه ذلك على ما قال تعالى حكاية عن الشيطان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " (2) وقيل: تركيب الأنواع الثلاثة من امتزاج العناصر الأربعة إلا أن الغالب على الشيطان عنصر النار، وعلى الآخرين عنصر الهواء، وذلك أن امتزاج العناصر قد لا يكون على القرب من الاعتدال بل على قدر صالح من غلبة أحدهما، فان كانت الغلبة


(1) الدر المنثور: (2) ابراهيم: 22.

[284]

للأرضية يكون الممتزج مائلا إلى عنصر الأرض، وإن كانت للمائية فالى الماء أو للهوائية فالى الهواء أو للنارية فالى النار، لا يبرح ولا يفارق إلا بالاجبار، أو أبان يكون حيوانا فيفارق بالاختيار، وليس لهذه الغلبة حد معين بل تختلف إلى مراتب بحسب أنواع الممتزجات التي تسكن هذا العنصر، ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والشفيف، كانت الملائكة والجن والشياطين بحيث يدخلون المنافذ والمضايق حتى أجواف الانسان ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات الأخر التي تغلب عليها الأرضية والمائية جلابيب وغواشي فيرون في أبدان كأبدان الناس أو غيره من الحيوانات، والملائكة كثيرا ما تعاون الانسان على أعمال يعجز هو عنها بقوته كالغلبة على الأعداء والطيران في الهواء والمشي على الماء، ويحفظه خصوصا المضطرين عن كثير من الآفات. وأما الجن والشياطين فيخالطون بعض الأناسي ويعاونونهم على السحر والطلسمات والنيرنجات، ثم تعرض لدفع الشبهة الواردة على هذا القول وهي أن الملائكة والجن والشياطين إن كانت أجساما ممتزجة من العناصر يجب أن تكون مرئية لكل سليم الحس كسائر المركبات وإلا لجاز أن تكون بحضرتنا جبال شاهقة وأصوات هائلة لا نبصرها ولا نسمعها، والعقل جازم ببطلان ذلك على ما هو شأن العلوم العادية وإن كانت غلبته اللطيف بحيث لا تجوز رؤية الممتزج يلزم أن لا يروا أصلا، وأن تتمزق أبدانهم وتنحل تراكيبهم بأدنى سبب، واللازم باطل لما تواتر من مشاهدة بعض الاولياء والأنبياء (1) إياهم ومكالمتهم ومن بقائهم زمانا طويلا مع هبوب الرياح العاصفة والدخول في المضائق الضيقة، وأيضا لو كان من المركبات المزاجية لكانت لهم صور نوعية وأمزجة مخصوصة تقتضي أشكالا مخصوصة كما في سائر الممتزجات، فلا يتصور التصور بأشكال مختلفة (2). والجواب: منع الملازمات: أما على القول باستناد الممكنات إلى القادر المختار


(1) في النسخة المخطوطة: بعض الانبياء والاولياء. (2) في النسخة المخطوطة: بالاشكال المختلفة.

[285]

فظاهر، لجواز أن يخلق رؤيتهم في بعض الابصار والاحوال دون البعض، وأن يحفظ بالقدرة والارادة تركيبهم ويبدل أشكالهم. وأما على القول بالايجاب فلجواز أن يكون فيهم من العنصر الكثيف ما يحصل منه الرؤية لبعض الابصار دون البعض وفي بعض الاحوال دون البعض، أو يظهروا أحيانا في أجسام كثيفة هي بمنزلة الغشاء والجلباب لهم فيبصروا وأن يكون نفوسهم أو أمزجتهم أو صورهم النوعية تقتضي حفظ تركيبهم عن الانحلال وتبدل أشكالهم بحسب اختلاف الاوضاع والاحوال ويكون فيهم من الفطنة والذكاء ما يعرفون به جهات هبوب الرياح وسائر أسباب انحلال التركيب، فيحترزون عنها ويأوون إلى أماكن لا يلحقهم ضرر. وأما الجواب بأنه يجوز أن تكون لطافتهم بمعنى الشفافية دون رقة القوام فلا يلائم ما يحكى عنهم من النفوذ في المنافذ الضيقة والظهور في ساعة واحدة في صور مختلفة بالصغر والكبر ونحو ذلك. ثم ذكر مذاهب الحكماء في ذلك فقال: والقائلون من الفلاسة بالجن والشيطان زعموا أن الجن جواهر مجردة لها تصرف وتأثير في الاجسام العنصرية من غير تعلق بها تعلق النفوس البشرية بأبدانها والشياطين هي القوى المتخيلة في أفراد الانسان من حيث استيلائها على القوى العقلية وصرفها عن جانب القدس واكتساب الكمالات العقلية إلى اتباع الشهوات واللذات الحسية والوهمية. ومنهم من زعم أن النفوس البشرية بعد مفارقتها عن الابدان وقطع العلاقة عنها إن كانت خيرة مطيعة للدواعي العقلية فهم الجن، وإن كانت شريرة باعثة على الشرور والقبائح معينة على الضلال والانهماك في الغواية فهم الشياطين وبالجمة فالقول بوجود الملائكة والشياطين مما انعقد عليه إجماع الاراء ونطق به كلام الله تعالى و كلام الأنبياء عليهم السلام وحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء فلا وجه لنفيها كما لا سبيل إلى إثباتها بالأدلة العقلية، ثم ذكر طريقة المتألهين من الحكماء وقولهم بالعالم بين العالمين وعالم المثال، وانهم جعلوا الملائكة والجن والشياطين والغيلان من هذا العالم وقد مضى بعض الكلام فيه.

[286]

الثانية: اختلف أصحابنا والمخالفون في أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أصحابنا وغيرهم أنه لم يكن من الملائكة، وقد مرت الأخبار الدالة عليه. قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب المقالات: إن إبليس من الجن خاصة وإنه ليس من الملائكة ولا كان منها، قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن (1) " وجاءت الاخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام بذلك، وهو مذهب الامامية كلها وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث (2) انتهى. وذهب طائفة من المتكلمين إلى أنه منهم، واختاره من أصحابنا شيخ الطائفة روح الله روحه في التبيان وقال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام والظاهر في تفاسيرنا، ثم قال رحمه الله: ثم اختلف من قال: كان منهم. فمنهم من قال: إنه كان خازنا على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، ومنهم من قال: إنه كان يوسوس ما بين السماء والأرض (3) انتهى. واحتج الأولون بوجوه: أحدها قوله تعالى: " إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " قالوا: ومتى اطلق لفظ الجن لم يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف الذي يقابل بالانس في الكتاب الكريم. وأجيب عنه بوجهين: الأول أن معنى " كان من الجن " صار من الجن كما أن قوله: " وكان من الكافرين " معناه صار من الكافرين ذكر ذلك الأخفش وجماعة من أهل اللغة. الثاني: أن إبليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة وقيل: سموا جنا لاجتنانهم من العيون، واستشهدوا بقول الأعشى في سليمان عليه السلام: وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر


(1) الكهف: 51. (2) اوائل المقالات: 110. (3) التبيان 1: 150 و 151.

[287]

ورد الأول بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا لدليل (1). وثانيها: قوله تعالى: " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (2) " فنفى عن الملائكة المعصية نفيا عاما فوجب أن لا يكون إبليس منهم. واجيب عنه بأنه قوله تعالى: " لا يعصون " صفة لخزنة النيران لا لمطلق الملائكة يدل عليه قوله تعالى: " عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم (3) " ولا يلزم من كونهم معصومين كون الجميع كذلك، ويرد عليه أن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة كثيرة وقد مر كثير منها. وثالثها: أن إبليس له نسل وذرية قال تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " (4) والملائكة لا ذرية لهم لانه ليس فيهم انثى لقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (5) " والذرية إنما تحصل من الذكر والانثى. ويمكن الجواب عنه بعد تسليم دلالة الآية على السلب الكلي بأن انتفاء الأنثى فيهم لا يدل على انتفاء الذرية، كما أن الشياطين ليس فيهم انثى مع أن لهم ذرية كما مر أن ذرية إبليس من نفسه وأنه يبيض ويفرخ. وقال الشيخ رحمه الله في التبيان: من قال: إن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون، فقد عول على خبر غير معلوم (6). ورابعها: أن الملائكة رسول الله لقوله: " جاعل الملائكة رسلا (7) " ورسل الله معصومون لقوله سبحانه ": الله أعلم حيث يجعل رسالته (8) " ولا يجوز على رسل الله الكفر


(1) في النسخة المخطوطة: بدليل. (2 و 3) التحريم: 9. (4) الكهف: 51. (5) الزخرف: 15. (6) التبيان 7: 57. (7) فاطر: 1. (8) الانعام: 124.

[288]

والعصيان ملائكة كانوا أم بشرا. واجيب بأنه ليس المراد بالآية العموم لقوله تعالى: " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس (1) " قال في التبيان: وكلمة " من " للتبعيض بلا خلاف (2). ولو لم يكن كذلك لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله تعالى: " إلا إبليس " لأن حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز كما أن تخصيص العموم مجاز وإذا تعارضا سقطا لو لم يكن التخصيص أولى (3). واستدلوا على مغايرة الجن للملائكة بأن الملائكة روحانيون مخلوقون من الريح في قول بعضهم ومن النور في قول بعضهم ولا يطعمون ولا يشربون، والجن خلقوا من النار لقوله تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم (4) " وقد ورد في الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث لكونهما طعاما لهم ولدوابهم. واجيب بمنع المقدمات، قال في التبيان: الاكل والشرب لو علم فقدهما في الملائكة فلا نعلم أن إبليس كان يأكل ويشرب، وقد قيل: إنهم يتشمون الطعام ولا يأكلونه (5) انتهى. واستدل أيضا بقوله تعالى: " ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (6) " وعورض بقوله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا (7) " لأن قريشا قالت: الملائكه بنات الله، فرد الله عليهم بقوله: " سبحان الله عما يصفون (8) "


(1) الحج: 75. (2) لم يذكر فيه قوله: بلا خلاف، نعم ذكر في ج 7: 342: عند أهل اللغة. (3) التبيان 1: 153. (4) الحجر: 27. (5) التبيان 7: 57: لم يذكر فيه قوله: وقد قيل ولعله في موضع آخر. (6) سبأ: 40 و 41. (7 و 8) الصافات: 159 و 160.

[289]

واجيب بالمنع فانه فسرت الآية بوجوه اخرى: منها أن المراد به قول الزنادقة: إن الله وإبليس أخوان أو إن الله خلق النور والخير والحيوان النافع، وإبليس خلق الظلمة والشر والحيوان الضار، وبعضهم أشركوا الشيطان في عبادة الله تعالى، وذلك هو النسب الذي جعلوه بينه سبحانه وبين الجنة. ومنها أنهم قالوا: صاهر الله الجن فحدثت الملائكة. واحتج القائلون بأنه من الملائكة بوجهين: الأول أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب كونه من الملائكة. واجيب بأن الاستثناء ههنا منقطع، وهو مشهور في كلام العرب، كثير في كلامه تعالى، قال سبحانه: " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما (1) " وقال: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (2) " وايضا فلانه كان جنيا واحدا بين الالوف من الملائكة فغلبوا عليه في قوله: " فسجدوا " ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم وقد كان مأمورا بالسجود معهم، فلما دخل معهمم في الأمر جاز إخراجه بالاستثناء منهم. ورد بأن كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات، ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا حمل الاستثناء على المنقطع، ومعلوم أن تخصيص العموم أكثر في كتاب الله من حمل الاستثناء على المنقطع فكان قولي أولى، وأما قولكم: إنه جني واحد بين الالوف من الملائكة فغلبوا عليه فنقول: إنما يغلب الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه، وأما إذا كان معظم الحديث ليس إلا عن ذلك الواحد لم يجز تغليب غيره عليه، وفيه نظر. الثاني أنه لو لم يكن من الملائكة لما كان قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة


(1) الواقعة: 26. (2) النساء: 28.

[290]

اسجدوا " متناولا له، فلا يكون تركه للسجود إباء واستكبارا ومعصية، ولما استحق الذم والعقاب فعلم أن الخطاب كان متناولا له، ولا يتناوله الخطاب إلا إذا كان من الملائكة. وأجيب بأنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ منهم وطالت خلطته بهم والتصق بهم فلا جرم تناوله ذلك الخطاب، وأيضا يجوز أن يكون مأمورا بالسجود بأمر آخر ويكون قوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " إشارة إلى ذلك الأمر، ورد الأول بأن مخالطته لهم لا يوجب توجه الخطاب إليه كما حقق في موضعه، والثاني بأن ظاهر قوله تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " الآية أن الاباء والعصيان إنما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر. هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام. لكن الظاهر من أكثر الأخبار والآثار عدم كونه من الملائكة، وإنه لما كان مخلوطا بهم وتوجه الخطاب إليهم شمله هذا الخطاب، وقوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة " مبني على التغليب الشايع في الكلام وأما ما يشعر به كلام الشيخ رحمه الله في التبيان من ورود الأخبار (1) بأن إبليس كان من الملائكة فلم نظفر بها وإن ورد في بعضها فهو نادر مأول. وقال رحمه الله: وأما ما روي عن ابن عباس من أن الملائكة كانت تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة (2) فتعبد معها، فلما امروا بالسجود لآدم سجدوا إلا إبليس (3) فلذلك قال تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " فانه خبر واحد لا يصح، والمعروف عن ابن عباس أنه كان (4) من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين (5).


(1) راجع التبيان 1: 150 و 151 (2) في المصدر: " كان صغيرا مع الملائكة. (3) في المصدر: الا ابليس أبى. (4) في المصدر: ما قلناه انه كان. (5) التبيان 1: 153.

[291]

الثالثة: لا خلاف في أن الجن والشياطين مكلفون، وأن كفارهم في النار معذبون، وأما أن مؤمنهم يدخلون الجنة فقد اختلف فيه العامة، ولم أر لأصحابنا فيه تصريحا. قال علي بن إبراهيم في تفسيره: سئل العالم عليه السلام عن مؤمني الجن يدخلون الجنة ؟ فقال: لا، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنوا الجن وفساق الشيعة (1). ولا خلاف في أن نبينا صلى الله عليه وآله مبعوث عليهم، وأما سائر أولي العزم عليهم السلام فلم يتحقق عندي بعثهم عليهم نفيا أو إثباتا، وإن كان بعض الأخبار يشعر بكونهم مبعوثين عليهم، ولا بد في إثبات الحجة عليهم من بعثة نبي عليهم منهم أو بعثة الانبياء من الانس عليهم أيضا، وقد مر أنه بعث فيهم نبي يقال له: يوسف، وقد مضى كلام الطبرسي رحمه الله والأقوال التي ذكرها في ذلك. الرابعة: فيما ذكره المخالفون في ذلك ورواياتهم التي رووها في خواصهم و أنواعهم وأحكامهم، قال الدميري في كتاب حياة الحيوان: إن الجن أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وأفهام وقدرة على الكلام والأعمال الشاقة وهم خلاف الانس، الواحد جني، ويقال: إنما سميت بذلك لانها تبقى ولا ترى وروى الطبراني باسناد حسن عن ثعلبة الحسني (2) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات، وصنف يحلون ويظعنون، وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الاسناد وروى أبو الدنيا في كتاب مكائد الشيطان من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش


(1) تفسير القمى: 664. (2) هكذا في الكتاب وفيه وهم والصحيح كما في المصدر: [عن ابى ثعلبة الخشنى] قال ابن الأثير في اللباب 1: 374: الخشنى بضم الخاء وفتح الشين وفى آخرها نون. هذه النسبة إلى قبيلة وقرية، أما القبيله فهى من قضاعة نسبة إلى خشين بن النمر بن وبرة بن تغلب بن عمران بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، منها أبو ثعلبة الخشنى.

[292]

الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب، وخلق الله الانس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم (1) لهم قلوب لا يفقهون بها، وله آذان لا يسمعون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف كالملائكة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله. وأجمع المسلمون على أن نبينا محمد صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الانس، قال الله تعالى: " واوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ (2) " والجن بلغهم القرآن، وقال تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن (3) " الآية، وقال: " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (4) " قال: " وما أرسلناك إلا رحمة (5) للعالمين (6) وما أرسلناك إلا كافة للناس (7) " وقال الجوهري: الناس قد تكون من الجن والانس، وقال تعالى خطابا لفريقين: " سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان (8) " والثقلان: الجن والانس، سميا بذلك لأنهما ثقلا الارض، وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب وقال: " ولمن خاف مقام ربه جنتان (9) " ولذلك قيل: إن من الجن مقربين و أبرارا، كما أن من الانس كذلك، وخالف في ذلك أبو حنيفة والليث فقال: ثواب


(1) في المصدر: كالبهائم قال الله عزوجل: ان هم الا كالانعام بل هم أضل سبيلا. وقال تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ذكر الاية بتمامها. (2) الانعام: 19. (3) الاحقاف: 29. (4) الفرقان: 1. (5) الانبياء: 107. (6) في المصدر: وقال تعالى. (7) سبأ: 28. (8) الرحمن: 31 و 32. (9) الرحمن: 46.

[293]

المؤمنين منهم أن يجاروا من العذاب، وخالفهم الاكثرون (1) حتى أبو يوسف ومحمد وليس لابي حنيفة والليث حجة إلا قوله تعالى: " يجركم من عذاب أليم (2) " وقول: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا " (2) فلم يذكر في الآيتين ثوابا غير النجاة من العذاب. والجواب من وجهين: أحدهما أن الثواب مسكوت عنه. والثاني أن ذلك من قول الجن، ويجوز أن يكونوا لم يطلعوا إلى على ذلك وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب، وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الانس بل يكونون في ربضها (4)، وفي الحديث عن ابن عباس: قال: الخلق كلهم أربعة أصناف فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة، وخلق في النار كلهم وهم الشياطين، وخلق في الجنة والنار وهم الجن والانس لهم الثواب وعليهم العقاب، وفيه شئ (5): وهو أن الملائكة لا يثابون بنعيم الجنة. ومن المستغربات ما رواه أحمد بن مروان المالكي الدينوري عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة، فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون بل يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب. ويدل على عموم بعثته صلى الله عليه وآله من السنة أحاديث: منها ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: اعطيت جوامع الكلم وارسلت إلى الناس (6) كافة.


(1) في المصدر: وخالفهما الاكثرون. (2) الاحقاف: 31. (3) الجن: 13. (4) الربض: مأوى الغنم. مسكن القوم. ما حول المدينة من بيوت ومساكن. سور المدينة. (5) أي في الحديث شئ من الغرابة. (6) بناء على ما تقدم من قول الجوهرى: الناس قد تكون من الجن والانس.

[294]

وفيه: من حديث جابر: وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وفيه: عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، قال: أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن فانطلق بنا فارانا آثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تأخذونه فيقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، وكل بعر علف لدوابكم، قال: فلا تستنجوا بهما فانهما طعام إخوانكم الجن. وروى الطبراني باسناد حسن عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟ فسكت القوم ولم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثا، فمر بى يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى يتباعد (1) عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز وإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري (2) ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاى من الفرق (3)، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله صلى الله عليه وآله بابهام رجله في الأرض خطا وقال لي: اقعد في وسطه، فلما جلست ذهب عنى كل شئ أجده من ريبة، وبقي صلى الله عليه وآله (4) بيني وبينهم فتلا قرآنا رفيعا حتى طلع الفجر ثم أقبل حتى مر بي فقال: الحق بي، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال (5): التفت فانظر هل ترى حيث كان اولئك من أحد ؟ قلت يا رسول الله أرى سوادا كثيرة، فخفض رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إلى الأرض


(1) في المصادر: حتى تباعدت. (2) في المصدر: مستدثرى. (3) الفرق: الفزع. (4) في المصدر: ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) في المصدر: فقال صلى الله عليه وآله لى.

[295]

فنظم (1) عظما بروثة فرمى (2) به إليهم، ثم قال: هؤلاء وفد جن نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة. قال الزبير: ولا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة. ثم روى أيضا عن ابن مسعود قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة فقال: إن نفرا من الجن خمسة عشر بنو إخوة وبنو عم يأتون الليلة فأقرأ عليهم القرآن، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فجعل لي خطا ثم أجلسني فيه وقال: لا تخرجن من هذا فبت فيه حتى أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله من السحر (3) وفي يده عظم حائل وروثة وجمجمة، وقال: إذا أتيت الخلا فلا تستنج بشئ من هذا، قال فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله فذهبت فرأيت موضع سبعين بعيرا. وفي كتاب خبر البشر بخير البشر للعلامة محمد بن ظفر عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (4) وهو بمكة: من أحب منكم أن يحصر الليلة أمر الجن (5) ؟ فانطلقت معه حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي خطا ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسود كثيرة فحالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا يتقطعون مثل قطع السحاب (6) ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل الرهط ؟ قلت: هم اولئك يا رسول الله، فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياه، ونهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث. وفي إسناده ضعف. وفيه أيضا عن بلال بن الحارث. قال: نزلنا مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره بالعرج فتوجهت نحوه فلما قاربته سمعت لغطا (7) وخصومة


(1) المصدر: فنظر عظما وروثا. (2) في المصدر: فرمى بهما. (3) في المصدر: مع السحر. (4) في المصدر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه. (5) في المصدر: أمر الجن فلينطلق معى. (6) في المصدر: كما يتقطع السحاب. (7) في المصدر: سمعت لغة.

[296]

رجال لم أسمع أحد من ألسنتهم، فوقفت حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله وهو يضحك فقال: اختصم إلي الجن المسلمون والجن المشركون وسألوني أن اسكنهم، فأسكنت المشركين الغور (1) كل مرتفع من الارض: جلس ونجد، وكل منخفض غور وروي أيضا عن ابن عباس أنه قال: انطلق النبي صلى الله عليه وآله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم قد حيل (2) بيننا وبين خبر السماء وارسلت علينا الشهب ؟ قالوا (3): ما ذاك إلا من شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فالتقى الذين أخذوا نحو تهامة النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن أنصتوا (5)، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ورجعوا إلى قومهم فقالوا: " إنا سمعنا قرآنا عجبا " الايتين (5). وهذا الذي ذكره ابن عباس أول ما كان من أمر الجن مع النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله رآهم إذ ذاك، إنما اوحي إليه بما كان منهم. روى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما وتزوجت امرأته ثم أتى المدينة فسأله عمر عن ذلك فقال: اختطفتني الجن فلبثت فيهم زمانا طويلا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم فسبوا منهم سبايا وسبوني معهم فقالوا: نراك رجلا مسلما ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم أو القفول إلى أهلي فاخترت أهلي، فأتوا بي إلى المدينة، فقال له عمر: ما كان طعامهم (6) ؟


(1) في المصدر: [فأسكنت المسلمين الجلس واسكنت المشركين الغور] أقول: الظاهر أن الحديث ينتهى بذلك، والباقى كلام الدميري. (2) في المصدر: فقالوا: مالكم ؟ قالوا حيل. (3) في المصدر: فقالوا. (4) في المصدر: انصتوا له: (5) الجن: 1 و 2. (6) أي طعام مشركيهم، لان مؤمنيهم قد مر ان طعامهم مما يذكر اسم الله عليه.

[297]

قال: الفول (1) وما لم يذكر اسم الله عليه قال: فما كان شرابهم ؟ قال: الجذف، وهو الرغوة لأنها تجذف عن الماء، وقيل: نبات يقطع ويؤكل، وقيل: كل إناء كشف عنه غطاؤه. وأما الاجماع فنقل ابن عطية وغيره الاتفاق على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص، وأن نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث إلى الثقلين. فان قيل: لو كانت الاحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي صلى الله عليه وآله يتعلمونها (2)، ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة، وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة. قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه من غير أن يراهم المؤمنون، ويكون (4) صلى الله عليه وآله يراهم هو، ولا يراهم أصحابه، فان الله تعالى يقول عن رأس الجن: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " (3) فقد يراهم هو صلى الله عليه وآله بقوة يعطيها الله له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة الشيطان الذي يسرق (5) من زكاة رمضان، كما رواه البخاري. فان قيل: فما تقول فيما حكي عن بعض المعتزلة أنه ينكر وجود الجن ؟ قلنا عجب (6) أن يثبت ذلك عمن صدق بالقرآن وهو ناطق بوجودهم، وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة يريد أن يقطع علي صلاتي فذعته - بالذال المعجمة والعين المهملة أي خنقته - وأردت أن أربطه في سواري المسجد فذكرت قول أخي سليمان عليه السلام وقال: إن


(1) الفول: الباقلى. (2) في المصدر: حتى يتعلمونها. (3) في المصدر: ويكون هو صلى الله عليه وآله يراهم. (4) الاعراف: 26. (5) في المصدر: الشيطان الذى أتاه ليسرق. (6) في المصدر: عجيب.

[298]

بالمدينة جنا قد أسلموا. وقال: لا يسمع نداء صوت المؤذن (1) جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة. وروى المسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله ؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير. وروي: فأسلم بفتح الميم وضمها وصحح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وأجمعت الامة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، وأعلمنا أنه معنا لنتحرز منه بحسب الامكان، والأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر، ثم إنه أمر لا يحيله العقل ولا يكذبه الحس، ولذلك جرت التكاليف عليهم، ومما اشتهر أن سعد بن عبادة (2) لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر سار إلى الشام فنزل حوران وأقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة، ولم يختلفوا في أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران وأنهم لم يشعروا بموته (3) حتى سمعوا قائلا يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * فرميناه بسهمين ولم نخط فؤاده. فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرا.


(1) في المصدر: مدى صوت المؤذن. (2) لما تخلف سعد عن بيعة ابى بكر وبعده عن بيعة عمر كان ذلك قدحا في امرهما فأرسل عمر محمد بن سلمة الانصاري وخالد بن الوليد من المدينة ليقتلاه فرمى كل واحد منهما إليه سهما فقتلاه، وكان مصلحة الوقت يوجب ستره عن العامة فنسبوه إلى الجن، قال ابن ابى الحديد في شرح النهج: ان رجلا من العامة سأل شيعيا: لم سكت على عليه السلام عن المطالبة بحقه الذى تزعمونه حتى أمات نفسه وهو صاحب ما هو صاحبه من المآثر المشهورة ؟ فقال له: انه خاف أن تقتله الجن ! (3) في المصدر: وانهم لم يشعروا بموته بمدينة. (*)

[299]

وروي عن حجاج بن علاط السلمي أنه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخوف موحش فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا لاصحابك، فجعل لا ينام بل يطوف بالركب ويقول: اعيذ نفسي واعيذ صحبي * * من كل جني بهذا النقب حتى أعود سالما وركبي فسمع قائلا يقول: " يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض " الآية (1)، فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا: صبأت (2) يا أبا كلاب، إن هذا يزعم أنه انزل على محمد (3)، فقال: والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي ثم أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة وابتنى بها مسجدا يعرف به. وقال محمد بن الحسن الابرسي: قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " إلا أن يكون الزاعم نبيا. وعد ابن سعد والطبراني والحافظ وأبو موسى (4) وغيرهم عمرو بن جابر الجني في الصحابة فرووا بأسانيدهم عن صفوان بن المعطل السلمي أنه قال: خرجنا حجاجا فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب، فلم نلبث أن ماتت فأخرج لها رجل منا خرقة فلفها فيها ثم حفر لها في الأرض ثم قدمنا مكة فأتينا المسجد الحرام فوقف علينا رجل فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر ؟ قلنا: ما نعرفه، قال: أيكم صاحب الجان ؟ قالوا: هذا، قال: جزاك الله (5) خيرا أما إنه كان آخر التسعة الجن (6)


(1) الرحمن: 33. (2) صبأ الرجل: خرج من دين إلى دين آخر. تدين بدين الصابئين، وكان مشركو مكة يسمون من دخل في الاسلام صابئا. (3) في المصدر: ان هذا الذى قلته يزعم محمد انه انزل عليه. (4) في المصدر: والحافظ ابى موسى. (5) في المصدر: جزاك الله عنا خيرا. (6) في المصدر: من الجن.

[300]

الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وآله موتا. وكذا رواه الحاكم في المستدرك. وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عليه فسقاها ثم إنها ماتت فدفنها فأتي له من الليل فسلم عليه وشكر وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا صالحا من جن نصيبين اسمه زوبعة. قال: وبلغنا من فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة فإذا حية ميتة فكفنها فضلة من ردائه (1) فإذا قائل يقول: يا سرق أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لك: ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال: ومن أنت يرحمك الله ؟ فقال: أنا من الجن الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبق منهم إلا أنا (2) وهذا الذي قد مات (3). وروى البيهقي في دلائله عن الحسن أن عمار بن ياسر قال: قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الانس والجن (4) فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بئر أستقي منها فلقيت (5) الشيطان في صورته حتى قاتلني (6) فصرعته ثم جعلت ادمي أنفه بفهر كان معي أو حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: إن عمارا لقي الشيطان عند بئر فقاتله، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، وكان أبو هريرة يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وهذا الذي أشار إليه البخاري بما رواه (7)


(1) في المصدر: من ردائه ودفنها. (2) في المصدر: وسرق هذا. (3) قد عرفت في حكاية صفوان قبل ذلك أن آخر التسعة مات في زمانها فلم يبق أحد من التسعة حتى يكفنه ويدفنه عمر بن عبد العزيز هذا، وصفوان بن المعطل من الصحابة مات سنة ثمان وخمسين على ما قيل وعمر بن عبد العزيز مات سنة احدى ومائة وله أربعون سنة. (4) في المصدر: الجن والانس. (5) في المصدر: فرأيت. (6) في المصدر: فصارعني. (7) في المصدر: وقد اشار إليه البخاري فيما رواه.

[301]

عن إبراهيم النخعي قال: ذهب علقمة إلى الشام فلما دخل المسجد قال: اللهم ارزقني (1) جليسا صالحا، فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء: ممن أنت ؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ؟ يعني حذيفة، قال: قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ؟ يعني عمارا، قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السواك أو السوار (2) ؟ قلت: بلى، قال: كيف كان عبد الله يقرأ: " والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى " ؟ قلت: " والذكر والأنثى " الحديث. وفي كتاب خبر البشر بخير البشر: عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود يريدون (3) الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا حية بيضاء تثني علي الطريق يفوح منها ريح المسك فقال: قلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أرى ماذا يصير إليه أمره، فما لبثت أن ماتت فظننت به الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنته في خرقة ثم نحيتها عن الطريق وأدركت أصحابي في المتعشى، قال: فوالله أنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمروا ؟ فقلنا: من عمرو ؟ فقالت: أيكم دفن الحية ؟ قال: قلت ؟ أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما يؤمن بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة، قال: فحمدت الله ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر فأخبرته خبر الحية (4) فقال: صدقت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيه هذا. فيه أيضا عن ابن عمر قال: كنت عند عثمان إذ جاءه رجل فقال: ألا احدثك بعجب (5) ؟ قال: بلى، قال: بينما أنا بفلاة من الأرض رأيت عصابتين قد التقتا ثم


(1) في المصدر: اللهم يسر لى. (2) في المصدر: والوساد. (3) في المصدر: وأنا معهم يريدون. (4) في المصدر: الحية والمرأة. (5) في المصدر: بعجيب.

[302]

افترقتا قال: فجئت معتركهما قال: فإذا أنا من الحيات شئ ما رأيت مثله قط، وإذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة، وظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها فلففتها في عمامتي ثم دفنتها فبينما أنا أمشي إذا مناديا (1) ينادي: هداك الله إن هذين حيان من أحياء (2) الجن كان بينهما قتال، فاستشهدت الحية التي دفنت وهو من الذين استمعوا الوحي من رسول الله صلى الله عليه وآله. وفيه أيضا: أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت: كان تابع (3) من الجن وكان إذا اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما فجاءني يوما فوقع (4) على الجدار ولم يصنع كما يصنع، فقلت له: ما بالك لم تصنع كما كنت تصنع صنيعك قبل ؟ فقال: إنه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا. وروى أبو بكر في رباعياته والقاضي أبو يعلى عن عبد الله بن الحسين المصيصي قال: دخلت على طرطوس فقيل له (5): ههنا امرأة يقال لها: نهوس (6) رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها، فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم، حدثني علية بن (7) سمحج وسماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (8): ما من مريض يقرأ


(1) في المصدر: إذا بمناد. (2) في نسخة من حيات. (3) في المصدر: قد كان لى تابع. (4) في المصدر: فوقف. (5) في المصدر: دخلت طرطوس فقيل لى. (6) في اسد الغابة: منوس. (7) في نسخة: [عبد علية بن سمج] وفى المصدر: [حدثنى سمحج] وهو الصحيح راجع اسد الغابة 2: 353. (8) في المصدر: قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل السماوات والارض ؟ قال: على حوت من نور يتلجلج في النور، قالت: قال: تعنى سمحج وسمعته صلى الله عليه وآله يقول: ما من مريض.

[303]

عنده يس إلا مات ودخل قبره ريانا وحشره يوم القيامة ريانا (1). وفي اسد الغابة: عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا من جبال مكة إذ أقبل شيخ متكئ (2) على عكازة فقال النبي صلى الله عليه وآله: مشية جني ونغمته قال: أجل، قال: من أي الجن ؟ قال: أنا هامة بن الهيم أو أبي هيم بن لاقيس بن إبليس، قال: لا أرى بينك وبينه إلا أبوين، قال: أجل. قال: كم أتى عليك ؟ قال: أكلت الدنيا إلا أقلها، كنت ليالي قتل قابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أستوي (3) على الآكام واورش بين الأنام، فقال صلى الله عليه وآله: بئس العمل، فقال: يا رسول الله دعني من العتب فاني ممن آمن بنوح عليه السلام وتبت على يديه، وإني عاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال: إني والله من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولقيت هودا وآمنت به ولقيت ابراهيم وكنت معه في النار إذ القي فيها، وكنت مع يوسف إذ القي في الجب فسبقته إلى قعره وكنت مع شعيب وموسى ولقيت عيسى بن مريم وقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأه مني السلام، وقد بلغت رسالته وآمنت بك، فقال رسول الله: وعلى عيسى وعليك السلام ما حاجتك يا هامة ؟ قال: إن موسى علمني التوارة، وإن عيسى علمني الانجيل فعلمني القرآن فعلمه. وفي رواية: علمه عشر سور من القرآن، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينعه إلينا فلا نراه والله أعلم إلا حيا. وفيه أيضا أن عمر بن الخطاب قال ذات يوم لابن عباس: حدثني بحديث تعجبني به، فقال: حدثني خريم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في ابرق الغراف وسمي بذلك بأنه يسمع به غريف الجن قال: فعقلتها وتوسدت ذراع بكر منها ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا المكان، وفي رواية: بكبير هذا الوادي، وإذا بهاتف يهتف ويقول:


(1) في المصدر: الا مات ريان ودخل قبره ريان وحشر يوم القيامة ريان. (2) في المصدر: يتوكأ. (3) في المصدر: أتشوف.

[304]

تعوذن بالله ذي الجلال (1) * * منزل الحرام والحلال ووحد الله ولا تبال * * ما هول ذى الجن من الأهوال فقلت: يا أيها الداعي ما تخييل (2) * * أرشد عنك (3) أم تضليل ؟ فقال: هذا رسو الله ذو الخيرات * * جاء بياسين وحاميمات وسور بعد مفصلات * * يدعو إلى الجنة والنجاة يأمر بالصوم وبالصلاة * * ويزجر الناس عن الهنات قال: فقلت: من أنت (4) يرحمك الله ؟ قال: أنا مالك بن مالك، بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله على جن (5) أهل نجد، قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لاتيته حتى اؤمن به، قال: أنا أكفيكها (6) حتى اؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء الله فاقتعدت (7) بعيرا منها حتى أتيت النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة فوافقت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة فاني انيخ راحلتي إذ خرج إلى أبو ذر فقال لي: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وآله: ادخل فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك


(1) في المصدر: ويحك عذ بالله ذى الجلال. (2) في المصدر: فما تخييل. (3) في المصدر: عندك. (4) في المصدر: من أنت أيها الهاتف. (5) في المصدر: إلى جن. (6) في المصدر: فقال: ان أردت الاسلام فأنا أكفيكها حتى أردها. (7) في نسخة [فاعتلقت] وفى المصدر: فامتطيت راحلتي وقصدت المدينة فقدمتها في يوم جمعة فأتيت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب فأنخت راحلتي بباب المسجد وقلت: ألبث حتى يفرغ من خطبته فإذا ابو ذر قد خرج فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أرسلني اليك وهو يقول لك: مرحبا بك قد بلغني اسلامك فادخل فصل مع الناس، قال: فتطهرت و دخلت فصليت ثم دعاني وقال: ما فعل.

[305]

أن يرد إبلك إلى أهلك ؟ أما إنه قد أداها (1) إلى أهلك سالمة، فقلت: رحمه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أجل رحمه الله فأسلم وحسن إسلامه. وفي مسند الدارمي عن الشعبى قال: قال عبد الله بن مسعود: لقي رجل من أصحاب رسول الله (2) صلى الله عليه واله وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الانسى فقال له الانسي: إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك ؟ قال: لا والله إني من بينهم لضليع، ولكن عاودني الثانية فان صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال: نعم، قال: فعاوده فصرعه فقال له: أتقرأ: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ؟ قال: نعم، قال: فانك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخل (3) حتى يصبح. قال الدارمي: الضئيل: الرقيق (4) والشخيت: المهزول. والضليع: جيد الأضلاع. والخبج: الريح. قال أبو عبيدة: الخبج: الضراط. ثم قال الدميري: يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا، سواء كانوا من الجن أو من الانس أو منهما. قال القمولي: لكن نقل (5) في مناقب الشافعي: إنه كان يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن ردت شهادته، وعزر لمخالفته قوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم (6) " إلا أن يكون الزاعم نبيا، ويحمل قوله على من


(1) في المصدر: قد ردها. (2) في المصدر وفى نسخة: محمد. (3) في المصدر: لا يدخله. (4) في المصدر: الدقيق. (5) في المصدر: نقل الشيخ ابو الحسن محمد بن الحسين الابرى في مناقب الشافعي التى الفها عن الربيع أنه قال: سمعت الشافعي يقول. (6) الاعراف: 27.

[306]

ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه، وقول القمولي على ما إذا تصورا (1) صور بني آدم. والمشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة، لأن الملائكة لا يتناسلون لأنهم ليس فيهم إناث، وقيل: الجن جنس وإبليس واحد منهم، ولا شك أن لهم ذرية (2) بنص القرآن ومن كفر من الجن يقال له: شيطان. وفي الحديث: لما أراد الله تعالى أن يخلق لابليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منه امرأته. ونقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل جمال ومعه دن فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي ؟ قلت: نعم، قال: أخبرني هل لابليس زوجة ؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته، قال: ثم ذكرت قوله تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " فقلت: إنه لا يكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم، فأخذ دنه وانطلق، قال: فرأيته يختبرني (3). وروي أن الله تعالى قال لابليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس أحد من ولد آدم (4) إلا وله شيطان قد قرن به. وقيل: إن الشياطين فيهم الذكور والاناث يتوالدون من ذلك، وأما إبليس فان الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذه بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات (5). وذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لا قيس وولها (6) وهو صاحب الطهارة


(1) في المصدر: في صورة. (2) في المصدر: ولا شك ان الجن ذريته. (3) في المصدر: فرأيت انه مجتاز بى. (4) في المصدر: فليس من ولد آدم احد الا. (5) زاد في المصدر: يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة. (6) في المصدر: وولهان.

[307]

والصلاة، والهفاف وهو صاحب الصحارى، ومرة به يكنى، وزلنبور وهو صاحب الأسواق ويزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلعة. وبثر وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والابيض وهو الذي يوسوس للأنبياء، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى دخل معه ووسوس له فألقى الشر بينه وبين أهله، فان أكل ولم يذكر اسم الله تعالى أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله ورأى شيئا يكره (1) فليقل: " داسم داسم أعوذ بالله منه " ومطرش (2) وهو صاحب الاخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يكن لها أصل ولا حقيقة. والاقبض (3) وامهم طرطبة، وقال النقاش: بل هي حاضنتهم، ويقال: إنه باض ثلاثين بيضة: عشرا في المشرق، وعشرا في المغرب، وعشرا في وسط الأرض، وإنه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة (4) والجان و أسماء مختلفة، كلهم عدو لبني آدم لقوله تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو (5) " إلا من آمن منهم، وكنية إبليس أبو مرة. واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة (6) يقال لهم: الجن أم ليس من الملائكة، وفي أنه اسم عربي أو عجمي (7)، فقال ابن عباس وابن مسعود وابن


(1) في المصدر: يكرهه وخاصم أهله فليقل. (2) في المصدر: ومطوس. (3) في المصدر: والاقنص. (4) في المصدر: كالغيلان والعقارب والقطارب. (5) الكهف: 51. (6) في المصدر: واختلف العلماء في انه هل من الملائكة من طائفة. (7) وفى المصدر: وفي اسمه هل هو اسم اعجمي ام عربي.

[308]

المسيب وقتادة وابن جريح (1) والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن وكان اسمه بالعبرانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض (2) نعوذ بالله من خذلانه، قالوا: وقوله تعالى: " كان من الجن (3) " أي من طائفة من الملائكة هم الجن (4). وقال ابن جبير والحسن: لم يكن من الملائكة طرفة عين وانه لأصل الجن كما أن آدم أصل الانس. وقال عبد الرحمن بن زيد وشهر بن حوشب (5): وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء. وقال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي إبليس لانه أبلس من رحمة الله، والصحيح كما قاله الامام النووي وغيره من الائمة الاعلام: أنه من الملائكة وأنه اسم أعجمي، والاستثناء متصل لانه لم يقل: (6): إن غيرهم امر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه. وقال القاضي عياض: الاكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، والاستثناء من غير الجنس شايع في كلام العرب، قال تعالى: " ما لهم به علم إلا اتباع الظن "


(1) هكذا في الكتاب والصحيح اما ابن جريج أو ابن جرير، والموجود في المصدر الثاني. (2) زاد في المصدر: فرأى بذلك لنفسه شرفا عظيما وعظمة فذاك الذى دعاه إلى الكبر فعصى وكفر فمسخه الله شيطانا رجيما ملعونا. (3) الكهف: 51. (4) في المصدر: يقال لهم: الجن. (5) في المصدر: ما كان من الملائكة قط والاستثناء منقطع وزاد ابن حوشب: وانما (6) في المصدر: لم ينقل.

[309]

والصحيح المختار على ما سبق عن النووي ومن وافقه، وعن محمد بن كعب القرظي: إنه قال: الجن مؤمنون والشياطين كفار وأصلهم واحد، وسئل وهب بن منبه عن الجن ما هم ؟ وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون ؟ فقال: هم أجناس، فأما الصميم الخالص من الجن فانهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون (1) في الدنيا ولا يتوالدون ولهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون وهم السعالى والغيلاب والقطارب وأشباه ذلك. وقال القرافي: اتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم عليه السلام وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا، وليس كذلك، ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا، وقد اشكل ذلك على جماعة من الفقهاء (2) فضلا عن غيرهم، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبة الحق جل جلاله إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، وأظهر ذلك من فحوى قوله: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (3) " ومراده على ما قاله الأئمة المحققون من المفسرين وغيرهم ؟ أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، فهذا وجه كفره لعنه الله، وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى وتنزه كافر. واختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أولا ؟ فقيل: لا وإنه أول من كفر، قيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الارض انتهى. وقد اختلفوا في كفر إبليس هل كان جهلا أو عنادا على قولين لأهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره، فمن قال: إنه كفر جهلا قال: إنه سلب


(1) في المصدر: ولا ينامون. (2) على جماعة من متأخرى الفقهاء. (3) الاعراف: 11.

[310]

العلم الذي كان عنده عند كفره، ومن قال: كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه، قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز ولا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء. وذكر البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في قوله تعالى: " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله (1) " عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله تعالى أن لا يعصى لم يخلق إبليس وقد بين ذلك في آية من كتابه وفصلها علمها من علمها وجهلها من جهلها وهي قوله تعالى " ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم (2) " ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبى بكر: يا أبا بكر لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس انتهى. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس: فقال: لو نام لوجدنا راحة، ولا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى. وقال في الاحياء: (3) من غفل عن ذكر الله تعالى ولو لحظة ليس له قرين في تلك اللحظة الا الشيطان، قال تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (4) ". واختلفوا هل بعث الله إليهم من الجن رسلا قبل بعثة نبينا محمد ؟ فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: " يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم (5) " وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط، وإنما الرسل من الانس خاصة، وهذا هو الصحيح المشهور، أما الجن ففيهم النذر، وأما الآية فمعناها


(1) الانعام: 111. (2) الصافات: 162 و 163. (3) في المصدر: في الاحياء قبيل بيانه دواء الصبر. (4) الزخرف: 36. (5) الانعام: 130.

[311]

من أحد الفريقين كقوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (1) " وإنما يخرجان من المالح دون العذب. وقال منذر بن سعيد البلوطي: قال ابن مسعود: إن الذين لقوا النبي صلى الله عليه وآله من الجن كانوا رسلا إلى قومهم، وقال مجاهد: النذر من الجن والرسل من الانس، ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى: " أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين " (2) وقوله تعالى: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون (3) " قيل: المراد مؤمنوا الفريقين فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته، ولا خلق الاشقياء إلا للشقاوة ولا مانع من إطلاق العام وارادة الخاص، وقيل: معناه إلا لأمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها، وقيل: إلا ليوحدوني. فان قيل: لم اقتصر على الفريقين ولم يذكر الملائكة فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين بخلاف الملائكة فان الله تعالى عصمهم كما تقدم. فان قيل: لم قدم الجن على الانس في هذه الآية ؟ فالجواب أن لفظ الانس أخف لمكان النون الخفيفة والسين الهموسة وكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وراحته. فرع: كان الشيخ عماد الدين يونس يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ويقول: لا يجوز للانسي أن يتزوج لقوله تعالى: " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكونوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة (4) " فالمودة الجماع، والرحمة الولد


(1) الرحمن: 22. (2) الاحقاف: 18. (3) الذاريات: 56. (4) هكذا في الكتاب مطبوعه ومخطوطه، وفيه وهم والمصحيح كما في المصدر: " والله جعل لكم من انفسكم ازواجا " وقال تعالى: " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " انتهى أقول: الاية الاولى في النحل: 72، والثانية في الروم: 21.

[312]

ونص على منعه جماعة من الحنابلة، وفي الفتاوى السراجية (1): لا يجوز ذلك لاختلاف الجني، وفي القنية: سئل البصري عنه فقال: يجوز بحضرة شاهدين. وفي مسائل ابن حرب عن الحسن وقتادة أنهما كرها ذلك، ثم روى بسند فيه ابن لهيعة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن نكاح الجن. وعن زيد العمي أنه كان يقول: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كانت (2). وذكر ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام عن الطحاوي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن ولم اعد إلى ذلك (3). وروى في ترجمة سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أحد أبوي بلقيس كان جنيا. قال الشيخ نجم الدين القمولي: وفي المنع عن التزويج نظر، لأن التكليف يعم الفريقين، قال: وقد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية انتهى. قلت: وقد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن والعلم تزوج (4) أربعا من الجن واحدة بعد واحدة، لكن يبقى النظر في حكم طلاقها ولعانها والايلاء منها وعدتها ونفقتها وكسوتها والجمع بينها وبين أربع سواها وما يتعلق بذلك، وكل ذلك فيه نظر لا يخفى. قال شيخ الاسلام شمس الدين الذهبي: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري يقول: وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت أبا الفتح القشيري يقول: سمعت الشيخ عز الدين عبد السلام يقول وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب،


(1) في المصدر: الفتاوى السرجية. (2) في المصدر: حيثما كنت. (3) في المصدر: فلم أرجع إليه. (4) المصدر: اخبرني انه تزوج.

[313]

فقال (1): وكذاب أيضا ؟ قال نعم تذاكرنا يوما نكاح الجن فقال: الجن روح لطيف والانس جسم كثيف فكيف يجتمعان ؟ ثم غاب عنا مدة وجاء وفي رأسه شجة فقيل له في ذلك فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني وبينها شئ فشجني هذه الشحة قال الامام الذهبي بعد ذلك: وما أظن عن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضة. فرع: روى أبو عبيد في كتاب الأموال والبيهقي عن الزهري عن النبي أنه نهى عن ذبائح الجن، وذبائح الجن هو أن يشتري الرجل الدار ويستخرج العين وما أشبه ذلك فيذبح لها ذبيحة للطيرة وكانوا في الجاهلية يقولون، إذا فعل الرجل ذلك لا يضر أهلها الجن، فأبطل صلى الله عليه وآله ذلك ونهى عنه. وقال الدميري: لا تدخل الجن بيتا فيه اترج، قال: وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجن لا يدخلون دارا فيه فرس عتيق (2). وأقول: قال: السعلاة: أخبث الغيلان وكذلك السعلآء يمد ويقصر والجمع السعالى. قال الجاحظ: كان عمرو بن يربوع متولدا من السعلاة والانسان، قال: وذكروا أن جرهما كان من نتاج الملائكة وبنات آدم، قال: وكان الملائكة إذا عصى ربه أهبط إلى الارض في صورة رجل كما صنع بهاروت وماروت فولدت منهما جرهما (3). قال: ومن هذا الضرب كانت بلقيس ملكة سبا، وكذلك كان ذو القرنين كانت امه آدمية وأبوه من الملائكة، ولذلك لما سمع عمر رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة، انتهى. والحق في ذلك أن الملائكة معصومون من الصغائر والكبائر كالأنبياء عليهم السلام كما


(1) في المصدر: فقيل له. (2) حياة الحيوان 1: 147 - 155 باب الجيم في الجن. (3) في المصدر: وماروت فوقع بعض الملائكة على بعض بنات آدم فولدت جرهما.

[314]

قاله القاضي عياض وغيره وما ذكروه من أمر جرهم وذي القرنين وبلقيس فممنوع، واستدلالهم بقصة هارون وماروت ليس بشئ فانها لم تثبت على الوجه الذي أرادوه (1) بل قال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقال الجاحظ: وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والانس لقوله تعالى: " وشاركهم في الأموال والأولاد (2) " وهذا ظاهر، وذلك أن الجنية إنما تصرع رجال الانس (3) على جهة العشق في طلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء الانس ولولا ذلك لعرض الرجال للرجال والنساء للنساء قال تعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (4) " فلولا كان الجان تقتض الآدميات (5) ولم يكن ذلك في تركيبه لما قال الله تعالى هذا القول، وذكروا أن الواق واق نتاج ما بين بعض النباتات وبعض الحيوان. وقال السهيلي: السعلاة: ما يتراءى للناس بالنهار، والغول: الذي يتراءى بالليل (6). وقال القزويني: السعلاة نوع من المتشيطنة مغاير للغول، وأكثر ما توجد السعلاة في الغياض إذا ظفرت بانسان ترقصه وتلعب به، كما يلعب القط بالفأر، وقال: وربما اصطادها الذئب بالليل فأكلها فإذا افترسها ترفع صوتها وتقول: أدركوني فان الذئب قد أكلني، وربما تقول: من يخلصنى ومعي ألف دينار يأخذها ؟ والناس يعرفون أنه كلام السعلاة فلا يخلصها أحد فيأكلها الذئب (7).


(1) في المصدر: اوردوه. (2) الاسراء: 64. (3) في المصدر: وذلك أن الجنيات انما تتعرض لصرع رجال الانس. (4) الرحمن: 74. (5) في المصدر: ولو كان الجان لا يفتض الادميات. (6) في المصدر: للناس بالليل. (7) حياة الحيوان 2: 14 - 16 باب السين.

[315]

وقال الدميري أيضا الغول واحد الغيلان وهو جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم، قال الجوهري: هو من السعالى والجمع أغوال وغيلان وكل من اغتال الانسان فأهلكه فهو غول، والتغول: التلون. وروى الطبراني وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان فان الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص أي ضراط. قال النووي في الأذكار: إنه حديث صحيح أرشد صلى الله عليه وآله إلى دفع ضررها بذكر الله. ورواه النسائي في آخر سننه الكبرى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله قال عليكم بالدلجة فان الارض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان. قال النووي: وكذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للانسان شيطان، لما روى مسلم عن سهل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا، أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لابي فقال: لو شعرت أنك تلقى (1) هذا لم ارسلك، ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فاني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: إن الشيطان إذا نوي بالصلاة أدبر. وروى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا عدوى ولا طيرة ولا غول. قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول تغولا، أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم فأبطل النبي صلى الله عليه وآله ذلك، وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، و إنما معناه إبطال ما تزعم (2) العرب من تلون الغول بالصور المختلفة، قالوا: ومعنى لا غول، أي لا تستطيع أن تضل أحدا، ويشهد له حديث آخر:


(1) في المصدر: ترى هذا أرسلتك. (2) في المصدر: ما تزعمه.

[316]

" لا غول ولكن السعالى " قال العلماء: السعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة من سحرة الجن، ومنه ما روى الترمذي والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: كانت لي سهوة فيها تمر فكانت تجيئ الغول كهيئة السنور فتأخذ منه، فشكونا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اذهب فإذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله " فأخذتها (1) فحلفت أن لا نعود، فأرسلها (2) ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك ؟ قال: حلفت أن لا تعود، قال صلى الله عليه وآله: كذبت وهي معاودة للكذب فأخذها وقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: إني ذاكرة لك شيئا: آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك ؟ فأخبره بما قال، قال صلى الله عليه وآله، صدقك وهو كذوب (3). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهذا روى مثله البخاري عن أبى هريرة وفي آخره: تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال: لا، قال: صلى الله عليه وآله: ذاك الشيطان. وروى الحاكم وابن حبان عن ابي بن كعب أنه كان له جرين تمر وكان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم قال: فسلمت فرد علي السلام، فقلت: ما أنت ناولني يدك، فإذا (4) يد كلب وشعر كلب، فقلت: أجني أم إنسي ؟ فقال بل جني، قلت: إني أراك ضئيل الخلقة، أهكذا خلق الجن ؟ قال: لقد علمت الجن


(1) في المصدر: فأخذها. (2) زاد في المصدر: وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك ؟ قال: حلفت أن لا تعود قال صلى الله عليه وآله: كذبت وهى معاودة للكذب، قال: فأخذها مرة اخرى فحلفت أن لا تعود فأرسلها، ثم جاء. (3) في المصدر: بما قالت فقال صلى الله عليه وآله: صدقت وهى كذوب. (4) في المصدر: فناولني فإذا.

[317]

أن ما فيهم أشد مني فقلت، ما يحملك (1) على ما صنعت ؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببت أن اصيب من طعامك، فقلت: فما يجيرنا منكم ؟ قال: تقرأ آية الكرسي فانك إن قرأتها غدوة اجرت منا حتى تمسي، وإن قرأتها حين تمسي اجرت منا حتى تصبح، قال: فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: صدق الخبيث. وتزعم العرب أنه إذا انفرد الرجل في الصحراء ظهرت له في خلقة إنسان فلا يزال يتبعها حتى تضله عن الطريق وتدنو له وتتمثل له في صور مختلفة فتهلكه روعا، وقالوا: إذا أرادت أن تضل إنسانا أو قدت له نارا فيقصدها فيفعل ذلك (2)، قالوا: وخلقتها خلقة إنسان ورجلاها رجلا حمار. وقال القزويني: ورأى الغول جماعة من الصحابة منهم عمر حين سافر إلى الشام قبل الاسلام فضربها بالسيف. وذكر عن ثابت بن جابر الفهري أنه رأى الغول، وذكر أبياته النونية في ذلك (3). وقال الدميري أيضا: قطرب: طائر يجول الليل كله لا ينام. وقال ابن سيدة: إنه الذكر من السعالى، وقيل: هم صغار الجن، وقيل: القطارب: صغائر الكلاب واحدها قطرب: دويبة لا تستريح نهارها سعيا، وقال محمد بن ظفر: القطرب حيوان يكون بالصعيد في أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا إلا لم ينته حتى ينكحه، فإذا نكحه هلك، وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروع، فان قال: منكوح يئسوا منه (4)، وإن قال: مروع عالجوه، قال: وقد رأيت أهل مصر يلهجون بذكره (5) انتهى ما أخرجته من كتاب


(1) في المصدر: ما حملك. (2) في المصدر: فتفعل به ذلك. (3) حياة الحيوان 2: 134 - 137 باب الغين. (4) في المصدر: آيسوا من حياته. (5) حياة الحيوان 2: 181 باب القاف.

[318]

حياة الحيوان. ولنبين بعض ما ربما يحتاج إلى البيان: الحشاش مثلثة: حشرات الارض، وفي النهاية: مستطير أي منتشر متفرق كأنه طائر في نواحيها، ومنه حديث ابن مسعود فقدنا رسول الله ليلة فقلنا: اغتيل استطير أي ذهب به بسرعة، كأن الطير حملته أو اغتاله أحد، والاستطارة والتطاير: التفرق والذهاب، والاغتيال: أن يخدع فيقتل في موضع لا يراه فيه أحد، قوله: أو فرما كان قال الآبي: الاظهر انه مما يبقى عليه بدع الاكل، ويحتمل أنه تعالى يخلق ذلك عليها، والنظر في أنه هل يستحب أن لا يستقصى العظام بتقشير ما عليها وهل يثاب مثله له، والاظهر ان انتفاعهم إنما هو بالشم لانه لا يبقى ع ؟ ليه ما يقولون إلا أن يكونوا في القوت بخلاف الانس انتهى. وفي النهاية في صفة الجن: فإذا نحن برجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم هو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه. وقال: العرج بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة، وقال: اللغط: صوت وضجة لا يفهم معناه، وقال: الجلس: كل مرتفع من الارض، والغور: ما انخفض من الارض. وقال: فيه ذكر عكاظ وهي موضع بقرب مكة كانت تقام به في الجاهلية سوق يقيمون فيها أياما. وقال: في حديث عمر أنه سأل رجلا استهوته الجن فقال: ما كان طعامهم ؟ قال: الفول وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما كان شرابهم ؟ قال: الجذف. الفول هو الباقلى والجذف بالتحريك: نبات يكون باليمن لا يحتاج آكله معه إلى شرب ماء، وقيل: هو كل ما لا يغطى من الشراب وغيره قال القتيبي: أصله من الجدف: القطع، أراد ما يرمى به عن الشراب من زبد أو رغوة أو قذى كأنه قطع من الشراب فرمي به، هكذا حكاه الهروي عنه، والذي جاء في صحاح الجوهري: أن القطع هو الجذف بالذال المعجمة، ولم يذكره في الدال المهملة، وأثبته الأزهري فيهما.

[319]

وقال: تفلت علي أي تعرض في صلاتي فجأة. وقال في ذعت: فأمكنني الله منه فذعته أي خنقته، والذعت والدعت بالذال والدال: الدفع العنيف، والذعت أيضا: المعك في التراب. وقال: وفيه ما من آدمي إلا ومعه شيطان، قيل: ومعك ؟ قال: نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم، وفي رواية: حتى أسلم أي انقاد وكف عن وسوستي، وقيل: دخل في الاسلام فسلمت من شره، وقيل: إنما هو فأسلم بضم الميم على أنه فعل مستقبل أي أسلم أنا منه ومن شره، ويشهد للاول الحديث الآخر: كان شيطان آدم كافرا وكان شيطاني مسلما انتهى. وأقول: قصة سعد مما افترى على الجن، وإنما قتله من بعثه عمر ليقتله كما ذكرناه في كتاب الفتن مفصلا. وفي النهاية: يقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره، وكانت العرب تسمي النبي صلى الله عليه وآله الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام ويسمون المسلمين الصباة بغير همز. وقال: لهث الكلب وغيره يلهث لهثا: إذا أخرج لسانه من شدة العطش والحر وقال الفهر: الحجر ملء الكف، وقيل: هو الحجر مطلقا. وفي القاموس: الغريف: صوت الجن وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وكشداد رمل لبني سعد أو جبل بالدهناء على اثني عشر ميلا من المدينة سمي به لأنه كان يسمع به غريف الجن، وأبرق الغراف، ماء لبني أسد. وقال: القعدة بالضم من الابل: ما يقتعده الراعي في كل حاجة، واقتعده، اتخذه قعدة. وفي النهاية: قال للجني: إني أراك ضئيلا شخيتا، الضئيل: النحيف الدقيق والشخت والشخيت: النحيف الجسم الدقيق. وقال: إني منهم لضليع رأي عظيم الخلق، وقيل: هو العظيم الصدر الواسع الجبينين، وقال: الشظية: الفلقة من العصا ونحوها، وقال الفيروز آبادى: القط بالكسر السنور.

[320]

وقال في النهاية: الحصاص: شدة العدو وحدته، وقيل: هو أن يمصع بذنبه ويصر باذنيه ويعدو، وقيل: هو الضراط وقال: السهوة: بيت صغير منحدر في الارض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة وقيل: هو كالصفة يكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف والطاق يوضع فيه شئ وقال: الجرين هو موضع تجويف التمر وهو له كالبيدر للحنطة. وقال الرازي في مفتتح تفسيره في تحقيق الاستعاذة من الشيطان وفي بيان المستعاذ منه قال: وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في وجود الجن والشياطين، فمن الناس من ينكر الجن والشياطين، واعلم أنه لا بد من البحث أولا عن ماهية الجن والشياطين، فنقول: أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيئ وتذهب مثل الناس والبهائم، بل القول المحصل فيه قولان: الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة. والقول الثاني أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز، وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية، ثم إن هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الاجسام بالكلية، وهي الملائكة المقربون كما قال تعالى: " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون " (1) وتليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الاجسام، وأشرفها حملة العرش كما قال تعالى: " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (2) ". والمرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى: " وترى الملائكة حافين من حول العرش " (3).


(1) الانبياء: 19. (2) الحاقه: 17. (3) الزمر: 75.

[321]

المرتبة الثالثة: ملائكة الكرسي. والمرتبة الرابعة: ملائكة السماوات طبقة فطبقة. والمرتبة الخامسة: ملائكة كرة الاثير. والمرتبة السادسة: ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم. والمرتبة السابعة: ملائكة كرة الزمهرير. والمرتبة الثامنة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار. والمرتبة التاسعة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال. والمرتبة العاشرة: مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم. واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن، وقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية وهي المسماة بالشياطين. واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه: الحجة الاولى أن الشيطان لو كان موجودا لكان إما أن يكون جسما لطيفا أو كثيفا، والقسمان باطلان فيبطل القول بوجوده، وإنما قلنا: إنه يمتنع أن يكون كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس، إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئته ورعود وبروق، مع أنا لا نشاهد شيئا منها، ومن جوز ذلك كان خارجا عن العقل. وإنما قلنا: إنه لا يجوز كونها أجساما لطيفة لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمزق ويتفرق (1) عند هبوب الرياح العاصفة القوية، وأيضا يلزم أن لا يكون لها قدرة وقوة على الأعمال الشاقة ومثبتوا الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة، ولما


(1) في المصدر: تتمزق وتتفرق.

[322]

بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن. والحجة الثانية: أن هذه الاشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم ومخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة وإما عداوة، فان حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة، إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة، وهؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الاكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثرا من هذا الجن، وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء، وسمعت ممن تاب عن هذه الصنعة قال: إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الايام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها، ثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثرا ولا خبرا. الحجة الثالثة: أن الطريق إلى معرفة هذه الأشياء إما الحس وإما الخبر وإما الدليل، أما الحس فلم يدل دليل على وجود هذه الأشياء (1)، فإذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الاحساس بها، والذين يقولون: إنا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان: المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوها، والكاذبون المنحرفون. وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة أخبار الأنبياء والرسل عليهم السلام فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء، فان على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال: إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل باعانة الجن والشياطين، وكل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الانسان فلم لا يجوز أن يقال: إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين ؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول صلى الله عليه وآله لأجل أن الشيطان دخل في بطنها وتكلم ؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الشجرة إنما انقلعت من


(1) زاد في المصدر بعد ذلك: لان وجودها اما بالصورة أو الصوت.

[323]

أصلها لأن الشيطان اقتلعها، فثبت أن القول باثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء عليهم السلام، وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن والشياطين فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الاشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه الاشياء باطلا، فهذا جملة شبه منكري الجن والشياطين. والجواب عن الأول بأنا نقول: إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال: إنه جوهر مجرد عن الجسمية ؟ واعلم أن القائلين بهذا القول فرق: الأولى: الذين قالوا: النفوس الناطقة البشرية المفارقة للابدان قد تكون خيرة، وقد تكون شريرة، فان كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة (1) وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المتشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها فان كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاما، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الألهام والوسوسة على قول هؤلاء. الفريق الثاني: الذين قالوا: الجن والشياطين جواهر مجردة عن الجسمية وعلائقها، وجنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية، ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضا، فان كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الارضية وهم المسمون بصالحي الجن، وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية، إذا عرفت هذا فنقول: الجنسية علة الضم، فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم. إليها تلك الأرواح النورانية الطاهرة (2)، وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير والبر والتقوى


(1) في المصدر: تلك النفوس المفارقة. (2) في المصدر: الطاهرة النورانية.

[324]

والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الارواح الخبيثة الشريرة وتعينها علي أعمالها التي هي من باب الشر والاثم والعدوان. الفريق الثالث: وهم الذين ينكرون وجود الارواح السفلية، ولكنهم أثبتوا الارواح (1) المجردة الفلكية، وزعموا أن تلك الارواح أرواح عالية قاهرة قوية وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها، فكما أن لكل روح من الارواح البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين، وهو ذلك الفلك المعين، وكما أن الروح البشري (2) يتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك العلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك وإلى كلية ذلك العالم، وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الارواح تتأدى في الشرائين والاعصاب إلى أجزاء البدن وتصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس والحركة إلى كل جزء من أجزاء الاعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوطا شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتأدى قوة ذلك (3) الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم، وكما أن بواسطة الارواح الفائضة من القلب والدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من أجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي الغاذية والنامية والمولدة والحساسة فتكون هذه القوى كالنتائج والاولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن، فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الاجزاء نفوس مخصوصة، مثل نفس زيد ونفس عمرو، وهذه النفوس كالاولاد لتلك النفوس الفلكية ولما كات النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة، والنفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة


(1) في المصدر: وجود الارواح. (2) في المصدر: الروح البشرية تتعلق. (3) في المصدر: تلك.

[325]

اخرى، فتكون النفوس المنسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة، ويحصل بينها مودة ومحبة (1)، وتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشترى، وإذا عرفت هذا فنقول: قالوا: إن العلة تكون أقوى من المعلول، فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة وهي تكون معلولة لروح من تلك الارواح الفلكية، وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية، وتلك الروح (2) الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم، فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على صلاحها (3) وتهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا والأخرى (4) في اليقظة على سبيل الالهام. ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوي اتصاله بالروح الفلكي. الذي هو أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات، فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن والشياطين، ويزعم أنها موجودات ليست أجساما ولا جسما. واعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات، والمجردات يمتنع كونها فاعلة للافعال الجزئية. واعلم أن هذا باطل لوجهين: الأول أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس، والقاضي على الشيئين لابد وأن يحضره المقضي عليهما، فههنا شئ واحد هو مدرك للكلي وهو النفس، فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس.


(1) في المصدر: محبة ومودة. (2) في المصدر: وتلك الارواح. (3) في المصدر: على مصالحها. (4) في المصدر: واخرى.

[326]

الثاني: هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء، لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الالات الجسمانية، فلم لا يجوز أن يقال: إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الاثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الالات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان. فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذهب. وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا: الاجسام متساوية في الحجمية والمقدار، وهذان المعنيان أعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض والأشياء المختلفة في الماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم، فلم لا يجوز أن يقال: إن الاجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة، وإن كانت مشتركه في قبول الحجمية والمقدار. وإذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال: أحد أنواع الاجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الاعمال الشاقة لذواتها، وهي غير قابلة للتفرق والتمزق ؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الاجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة، ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها والاجسام الكثيفة لا تفرقها، أليس أن الفلاسفة قالوا: إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الاحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر ؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة ؟ وعلى هذا التقدير فان الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس، وعلى التصرف فيها، وإنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الاجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال الاحتمالا ت ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها، فلم يجز المصير إلى القول بابطالها. والجواب عن الشبهة الثانية أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد، وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه، أما حال غيره فانه لا يعلمها، فبقى هذا الأمر في حيز الاحتمال.

[327]

فأما الجواب (1) عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول: لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الانبياء عليهم السلام، وسيظهر الجواب عن الشبهة (2) التي ذكرتموها فيما بعد ذلك، فهذا آخر الكلام في الجواب عن هذه الشبهات. المسألة الثانية: اعلم أن القرآن والاخبار يدلان على وجود الجن والشياطين أما القرآن فآيات: الآيه الاولى قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ويهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم " (3). وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن وعلى أنهم أنذروا قومهم. والآية الثانية: قوله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان (4). والآية الثالثة: قوله تعالى في قصة سليمان: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " (5). وقال تعالى: والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد (6). وقال تعالى: ولسليمان الريح - إلى قوله تعالى: ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه (7). والآية الرابعة: قوله تعالى: يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من


(1) في المصدر: وأما الجواب. (2) في المصدر: عن الاجوبة التى. (3) الاحقاف: 29 و 30. (4) البقرة 102. (5) سبا: 13. (6) ص: 38. (7) سبا: 12.

[328]

أقطار السموات والارض (1). والاية الخامسة: قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * و حفظا من كل شيطان مارد (2). وأما الأخبار فكثيرة: الخبر الأول: روى مالك في الموطأ عن صيفي بن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، قال: فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا هي حية نفرت فهممت أن أقتلها (3)، فأشار أبو سعيد: أن أجلس (4)، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال: ترى هذا البيت ؟ قلت: نعم، قال: إنه كان فيه فتى من الانصار حديث عهد بعرس - وساق الحديث إلى أن قال: - فرأى امرأته واقفة بين البابين (5) فهيأ الرمح ليطعنها بسبب الغيرة، فقالت امرأته: ادخل بيتك لترى، فدخل بيته فإذا هو بحية على فراشها فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى فما يدرى (6) أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية ؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله (7) فقال: إن بالمدينة جنيا قد أسلموا فمن بدا لكم منهم فأذنوا ثلاثة أيام فان عاد فاقتلوه فانه شيطان (8).


(1) الرحمن: 33. (2) الصافات: 6 و 7. (3) في المصدر: فقمت لاقتلها. (4) في المصدر: أن اجلس فلما انصرف. (5) في المصدر: بين الناس فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت: لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه. (6) في المصدر: وخر الفتى ميتا فما ندرى. (7) في المصدر: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله. (8) في المصدر: فأذنوه ثلاثة ايام فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فانما هو شيطان.

[329]

والخبر الثاني: روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من النار كلما التفت رآه فقال جبرئيل عليه السلام: ألا اعلمك كلمات إذا قلتهن طفيت شعلته وصرفته ؟ (1) ؟ قل: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات (2) الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ينزل إلى الارض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. والخبر الثالث: روى أيضا مالك في الموطأ أن كعب الاحبار كان يقول: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شئ أعظم منه وبكلماته (3) التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ. والخبر الرابع: روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إني اروع في منامي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. والخبر الخامس: ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن وقراءته عليهم ودعوته إياهم إلى الاسلام. والخبر السادس: روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بنى آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه. والخبر السابع: قوله عليه السلام: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وقال: ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قيل: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا إلا


(1) في المصدر: وخر لفيه. (2) في المصدر: وبكلماته. (3) في المصدر: وبكلمات الله.

[330]

أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم. والأحاديث في ذلك كثيرة والقدر الذي ذكرناه كاف. المسألة الثالثة: في بيا أن الجن مخلوق من النار، والدليل عليه قوله تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " وقال تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين ". واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد، ألا ترى أن الأطباء قالوا: ان المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح وهما في غاية السخونة، وقال جالينوس: إني بقرت مرة بطن قرد وأدخلت يدي في بطنه وأدخلت اصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة (1)، ونقول: أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية وقال بعضهم: الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوة من الروحانيات. المسألة الرابعة: ذكروا قولين في أنهم لم سموا بالجن ؟ الاول: أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار، ومنه الجنة لاستتار أرضها بالاشجار ومنه الجنة لانها (2) ساترة للانسان ومنه الجن لاستتارهم عن العيون، ومنه المجنون لاستتار عقله، ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى: " اتخذوا أيمانهم جنة (3) أي وقاية وسترا. واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال: إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف. والقول الثاني: أنهم سموا بهذا الاسم لانهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى. المسألة الخامسة: اعلم أن طوائف المكلفين أربعة: الملائكة والانس والجن و


(1) في المصدر: في غاية السخونة بل تزيد. (2) في المصدر: لكونها. (3) المنافقون: 2.

[331]

الشياطين، واختلفوا في الجن والشياطين فقيل: الشياطين جنس، والجن جنس آخر كما أن الانسان جنس والفرس جنس آخر، وقيل: الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين اسم لاشرار الجن. المسألة السادسة: المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك، وأما المثبتون فقد احتجوا بوجوه: الأول: أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه، وذلك غير مستبعد، وإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه في باطن بني آدم غير ممتنع قياسا على النفس وغيره. الثاني قوله تعالى: " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس (1) " الثالث: قوله عليه السلام: إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم. أما المنكرون فقد احتجوا بامور: الأول قوله تعالى حكاية عن إبليس: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي (2) " صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد، وهو إلقاء الوسوسة والدعوة إلى الباطل. والثاني: لا شك أن الانبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان والبراءة منه، فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع العداوة، فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشرو على إيصال البلاء والشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من تضرر كل أحد، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل. المسألة السابعة: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأما الجن والشياطين فانهم يأكلون ويشربون، قال


(1) البقرة: 275. (2) ابراهيم: 22.

[332]

صلى الله عليه وآله في الروث والعظم: إنه زاد إخوانكم من الجن، وأيضا فانهم يتوالدون قال تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " والله أعلم. المسألة الثامنة: في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الاثار، ذكروا أنه يغوص في باطن الانسان ويضع رأسه على حبة قلبه ويلقي إليه الوسوسة، واحتجوا عليه بما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع. وقال صلى الله عليه وآله: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والارض (1). ومن الناس من قال: هذه الأخبار لابد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها واحتج عليه بوجوه: الأول أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال لانه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الاجسام. والثاني: ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لم يخصهم بمزيد الضرر ؟ الثالث: أن الشيطان مخلوق من النار، فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن، ومعلوم أنا لا نحس بذلك (2). الرابع: أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق، ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الكفر والفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة وبالجملة فلا نرى من عداوتهم ضررا ولا نجد من صداقتهم نفعا (3). وأجاب مثبتوا الشياطين عن السؤال الأول بأن على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل، وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل.


(1) المصدر خال عن كلمة: والارض. (2) في المصدر ومعلوم أنه لا يحس بذلك. (3) في المصدر: لا من عداوتهم ضررا ولا من صداقتهم نفعا.

[333]

وعن الثاني: لا يبعد أن يقال: إن الله والملائكة (1) يمنعونهم من إيذاء علماء البشر. وعن الثالث: أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم: " يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم (2) " فلم لا يجوز مثله ههنا ؟ وعن الرابع: أن الشياطين مختارون ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض. المسألة التاسعة: في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الاحياء قال: القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب، أو مثل هدف ترمى إليه السهام من كل جانب، أو مثل مرآة منصوبة يجتاز عليها الاشخاص فيتراءى (3) فيها صورة بعد صورة، أو مثل حوض ينصب (4) إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة، واعلم أن مداخل هذه الاثار المجددة (5) في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس، وإما من الباطن كالخيال والشهوة والغضب والاخلاق المركبة في مزاج الانسان فانه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب، وأما إذا منع الانسان عن الادراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من الشئ إلى الشئ (6) وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال، فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الاسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الافكار والاذكار، وأعني بهذا إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر، فانما (7) تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن


(1) في المصدر: وملائكته. (2) الانبياء: 69. (3) في المصدر: [تجتاز] وفيه: فتتراءى. (4) في المصدر: تنصب. (5) في المصدر: [المتجددة] وفى النسخة المخطوطة: المحددة. (6) في المصدر: من شئ إلى شئ. (7) في المصدر: وانما.

[334]

كان القلب غافلا عنها، فالخواطر هي المحركات للارادات، والارادات محركة للأعضاء ثم إن هذه الخواطر المحركة لهذه الارادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر، أعني إلى ما يضر في العاقبة إلى الخير أعني ما ينفع في العاقبة، فهما خاطران مختلفان فافتقر إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يسمى إلهاما، والمذموم يسمى وسواسا، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب، والتسلسل محال، فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود، هذا مخلص كلام الغزالي، وقد حذفنا التطويل منه (1). المسألة العاشرة: في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي، واعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول: لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات، فالمقدمة الأولى لا شك أن ههنا مطلوبا ومهروبا وكل مطلوب فاما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره وأن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل، وهما محالان، فثبت أنه لابد من الاعتراف بوجود شئ يكون مطلوبا لذاته ووجود (2) شئ يكون مهروبا عنه لذاته. والمقدمة الثانية: أن الاستقراء يدل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور والمطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما، والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن، و المهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما. والمقدمة الثالثة: أن اللذيد عند كل قوة من القوى النفسانية شئ آخر فاللذيد عند القوة الباصرة شئ واللذيد عند القوة السامعة شئ آخر، واللذيد عند القوة الشهوانية شئ ثالث، واللذيد عند القوة الغضبية شئ رابع، واللذيد عند القوة العاقلة شئ خامس.


(1) في المصدر: بعد حذف التطويلات منه. (2) في المصدر: وبوجود شئ. (*)

[335]

والمقدمة الرابعة: أن القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الادراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي، وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيدا أو مولما أو خاليا عنهما فان حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله، وإن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه وإن لم يحصل العلم بكونه مؤلما ولا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه ولا رغبة إلى تحصيله. المقدمة الخامسة: أن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل والرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض والمعاوق، فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء، مثاله: إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الاقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضررا زائد، أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد، فعندئذ يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح فايهما غلب على ظنه أنه راجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان، ومثال آخر لهذا المعنى أن الانسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم آخر أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها، فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مولما إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض. المقدمة السادسة في بيان أن التقرير الذي بيناه يدل على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مترتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا، وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل والترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك وللترك بدلا عن الفعل، الا بضميمة تنضم إليها وهي الارادات ثم إن تلك الاردات إنما توجد وتحدث لاجل العلم بكونها لذيذة أو مولمة، ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل انسان عاد البحث الأول فيه ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان، وإما الانتهاء إلى علوم وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من

[336]

الأسباب الخارجة، وهي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي فهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات والعلوم في القلب، فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان، إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشياطين ونفاة الوسوسة قالوا: ثبت أن المصدر القريب للافعال الحيوانية هو هذه القوى المركوزة (1) في العضلات والاوتاد (2) وثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام الميل والارادة إليها وثبت أن تلك الارادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشئ لذيذا أو مؤلما، وثبت أن حصول ذلك الشعور لابد وأن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه، وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا، فانه إذا أحس بالشئ وعرف كونه ملائما مال طبعه إليه، وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب، وإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة، فلو قدرنا شيطانا من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الاثر، لانه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أولم يحصل وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أولم يحصل، فعلمنا أن القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل، بل الحق أن نقول: إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالالهام، وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة، هذا تمام الكلام في تقرير هذا الاشكال. والجواب أن كل ما ذكرتموه حق وصدق إلا انه لا يبعد أن يكون الانسان غافلا عن الشئ، فإذا ذكره الشيطان ذلك الشئ تذكره ثم عند التذكر ترتب عليه الميل إليه وترتب (3) الفعل على حصول ذلك الميل، فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر، وإليه الاشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: " وما كان لي عليكم من سلطان


(1) في المصدر: المذكورة. (2) في المصدر: والاوتار. (3) في المصدر: يترتب الميل عليه ويترتب.

[337]

إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي (1) " إلا أنه بقي لقائل أن يقول: فالانسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان، فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم التسلسل (2) وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لاجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه، ولابد لذلك الاعتقاد الحادث من محدث، وما ذاك إلا الله تعالى، وعند هذا يظهر أن الكل من عند الله تعالى، فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق، وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل صلى الله عليه وآله وهو قوله: " وأعوذ بك منك " والله أعلم. المسألة الحادية عشر: اعلم أن الانسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتا خفية وحروفا خفية وكأن متكلما يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه، وهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة: إن هذه الأشياء ليست حروفا ولا أصواتا، وإنما هي تخيلات الأصوات والحروف، وتخيل الشئ عبارة عن حضور رسمه ومثاله في الخيال، وهذا كما أنا إذا تخيلنا صورة البحار والاشخاص، فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب، بل الموجود في العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها، وهي على سبيل التمثيل جارية مجمرى الصورة المرتسمة في المرآة، فإذا أحسسنا صورة الفلك والشمس والقمر في المرآة فان ذلك ليس بأنه حضرت (3) ذوات هذه الأشياء في المرآة فان ذلك محال، وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وصورها وأمثلتها فإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك، فهذا قول جمهور الفلاسفة، ولقائل أن يقول: هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحروف والكلمة في الماهية أولا ؟ فان حصلت المساواة فقد عاد


(1) ابراهيم: 22. (2) في المصدر: لزم تسلسل الشياطين. (3) في المصدر: فإذا احسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لاجل انه حضرت.

[338]

الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات، وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء، وإن كان الحق هو الثاني وهو أن الحاصل في الخيال شئ آخر مخالف للمبصرات والمسموعات، فحينئذ يعود السؤال وهو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات ؟ وكيف نجد من أنفسنا هذه الكلمات والعبارات وجد انا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل متعاقبة على الذهن ؟ فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة، وأما الجمهور الاعظم من أهل العلم فانهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات خفية (1). واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا: فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الانسان أو إنسان آخر، وإما شئ روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والاصوات إلى هذا الانسان، سواء قيل: إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك، وإما أن يقال: خالق تلك الحروف والاصوات هو الله تعالى، أما القسم الأول وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الانسان فهذا قول باطل، لأن الذي يحصل باختيار الانسان يكون قادرا على تركه، فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الانسان لكان الانسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه، ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فانه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره. وأما القسم الثاني وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر فهو ظاهر الفساد، ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى، وأما الذين قالوا: إن الله لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا: إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى، فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين وأما الذين قالوا: إنه لا يقبح من الله شئ فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من نسبة


(1) في المصدر: وأصوات حقيقة.

[339]

إسناد (1) هذه الخواطر إلى الله تعالى. واعلم أن الثنوية يقولون: للعالم إلهان: أحدهما خير وعسكره الملائكة والثاني شر (2) وعسكره الشياطين، وهما يتنازعان أبدا، وكل (3) شئ في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به، فالخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان، واعلم أن القول باثبات إلهين قول باطل على ما ثبت فساده بالدلائل، فهذا منتهى القول في هذا الباب. المسألة الثانية عشر: من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الاحياء وعلى الاماتة وعلى خلق الاجسام وعلى تغيير الاشخاص عن صورتها الاصلية وخلقتها الاولوية (4) ومنهم من أنكر هذه الاحوال وقال: إنه لا قدرة لها على شئ من هذه الاحوال، وأما أصحابنا فقد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الايجاد والتكوين والاحداث ليست إلا لله، فبطلت هذه المذاهب كلها بالكلية، وأما المعتزلة فقد سلموا أن الانسان قادر على إيجاد بعض الحوادث، فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الاجسام والحياة، ودليلهم هو أن قالوا الشيطان جسم، وكل جسم فانه قادر بالقدرة، والقدرة التي لنا لا تحصل لايجاد الاجسام، فهذه مقدمات ثلاث، فالمقدمة الاولى أن الشيطان جسم، فقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله إما متحيز وإما حال في المتحيز، وليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة. وأما المقدمة الثانية وهى قولهم: الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة، فقد بنوا


(1) في النسخة المخطوطة: [من نسبة انشاء هذه الخواطر] وفى المصدر: من اسناد هذه الخواطر. (2) المصدر: شرير. (3) في المصدر: [كل] بلا عاطف. (4) في المصدر: الاولية.

[340]

هذا على أن الاجسام متماثلة (1)، فلو كان شئ منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته وبناء هذه المقدمة على تماثل الاجسام. وأما المقدمة الثالثة وهي قولهم: هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الاجسام، فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الاجسام وهذا أيضا ضعيف، لانه يقال لهم: لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا، وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الاجسام ؟ فانه لا يلزم من عدم وجود الشئ في الحال امتناع وجوده، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. المسألة الثالثة عشر: اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب ؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته، وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب، ومن الناس من يقول: إنهم يعلمون الغيب، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن فيهم من يصعد إلى السماوات أو يقرب منها و يتلقى بعض تلك الغيوب (2) على ألسنة الملائكة، ومنهم من قال: إن لهم طرقا اخرى في معرفة الغيوب عن الله تعالى (3). اعلم أن فتح الباب في مثل هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات، والعالم يحقائقها هو الله سبحانه وتعالى (4). وقال أيضا في تفسير سورة الجن: اختلف الناس قديما وحديثا في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، وذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء: الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، ثم قال: وهذا شرح للاسم. فقوله: فهذا شرح للاسم، يدل على أن هذا الحد شرح المراد من هذا اللفظ


(1) في المصدر: مما تستلزم مماثلة. (2) في المصدر: ويخبر ببعض الغيوب. (3) في المصدر: في معرفة الغيوب لا يعلمها الا الله. (4) تفسير الرازي 1: 76 - 89.

[341]

وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج (1). وأما جمهور أرباب الملل والمصدقين للانبياء عليهم السلام فقد اعترفوا بوجود الجن واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالارواح السفلية، وزعموا أن الأرواح السفلية أسرع اجابة إلا أنها أضعف، وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى. واختلف المثبتون على قولين: فمنهم من زعم أنها ليست أجساما ولا حالة في الاجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها، قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لان كونها ليست أجساما ولا جسمانية سلوب، والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية، قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذه السلوب أنواع مختلف بالماهية كاختلاف ماهيات الاعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وبعضها كريمة حرة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله تعالى، قالوا: وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخيرات (2) قادرة على الافعال، فهذه الارواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الافعال الخيرة (3)، فيفعل (4) الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لاجرم لا يبعد (5) أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها قدرة البشر، ولا يبعد أيضا أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، وكما أنه دلت الدلائل الطبيعية على أن التعلق (6)


(1) هذا لا يدل على ذلك بل المراد انه ليس حدا ذاتيا له بل هو شرح للاسم، وذلك اعم من أن يكون له وجود في الخارج أم لا. (2) في المصدر: عالمة بالخبريات. (3) في المصدر: [وتعلم الاحوال الخبرية] وفى النسخ المخطوطة: الاحوال الخيرة. (4) في المصدر: وتفعل. (5) في المصدر: لم يبعد. (6) في المصدر: المتعلق الأول.

[342]

الاول للنفس الناطقة التي ليس للانسان (1) إلا هي، هي الأرواح وهي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب، ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الارواح لم يبعد أيضا أنه يكون (2) لكل واحد من هؤلاء هو المتعلق الأول لذلك الروح، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق تصرف في تلك الاجسام الكثيفة. ومن الناس من ذكر في الجن طريقة اخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبادنها، ازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن فبسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فان الجنسية علة الضم، فان اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الاعانة إلهاما، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمى ذلك المعين شيطانا وتلك الاعانة وسوسة. والقول الثاني في الجن أنهم أجسام، ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين: منهم من زعم أن الاجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة، وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد، قالوا: وليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال: الجسم من حيث أنه جسم له حد واحد وحقيقة واحدة، فيلزم أن لا يصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث


(1) في المصدر: الانسان. (2) في المصدر: أن يكون.

[343]

هو جسم، بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك، وأيضا فلانه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف والعلوي والسفلي، ومورد التقسيم مشترك بين الاقسام فالاقسام كلها مشتركة في الجسمية، والتفاوت إنما يحصل بهذه الصفات وهي اللطافة والكثافة وكونها علوية وسفلية، قالوا: وهاتان الحجتان ضعيفتان. أما الحجة الأولى فلانا نقول: كما أن الجسم من حيث أنه جسم له حد واحد وحقيقة واحدة، فكذا العرض من حيث أنه عرض له حد واحد وحقيقة واحدة، فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للاعراض البتة قدر مشترك بينها من الذاتيات، إذ لو حصل بينها قدر مشترك لكان ذلك المشترك جنسا لها، ولو كان كذلك لما كانت التسعة أجناسا عالية بل كانت أنواع جنس واحد. إذا ثبت هذا فنقول: الاعراض من حيث أنها أعراض لها حقيقة واحدة، ولم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلا، فضلا عن أن تكون متساوية في تمام الماهية، فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك، فانه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية، ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض، وهو كونه عارضا لموضوعاتها، فكذا من الجائز أن يكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها، ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض وهو كونها مشارا إليها بالحس وحاصلة في الحيز والمكان، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة، فهذا الاحتمال لا دافع له أصلا. وأما الحجة الثانية وهي قولهم: إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف فهي أيضا منقوضة بالعرض، فانه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلا عن التساوي في كل الذاتيات، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هنا أيضا كذلك، وإذا ثبت أنه لا امتناع في كون الاجسام مختلفة ولم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال، وحينئذ قالوا: لا يمتنع في بعض الاجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية، ثم يكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، وعلى هذا التقدير يكون

[344]

القول بالجن ظاهر الاحتمال، وتكون قدرتها على التشكل بالاشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال. القول الثاني: قول من قال: الاجسام متساوية في تمام الماهية، والقائلون بهذا المذهب أيضا فرقتان: الفرقة الأولى الذين زعموا أن البنية ليست شرطا في الحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه، وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية، قالوا: لو كانت البنية شرطا في الحياة (1) لكان إما أن يقال: إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الاجزاء، أو يقال قام بكل واحدة من الاجزاء حياة واحدة على حدة، والأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول. والثاني أيضا باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها متساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر، وحكم الشئ حكم مثله، فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء يحصل (2) هذا الافتقار من الجانب الآخر، فيلزم وقوع الدور، وهو محال، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني، وإذا بطل هذا التوقيف (3) ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة والعلم وفي القدرة والارادة وبطل القول بأن البنية شرط، قالوا: وأما دليل المعتزلة وهو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء، وهو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة، ومتى لم تفسد بقيت الحياة، فوجب توقف الحياة على حصول البنية، إلا أن هذا ركيك، فان الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب، فما الدليل على أن حال ما لم يشاهد كحال ما شوهد وأيضا فلان هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات، أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه، والفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة وجعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه، فثبت أن البنية ليست شرطا في الحياة


(1) في المصدر: للحياة. (2) في المصدر: لحصل. (3) في المصدر ؟ هذا التوقف.

[345]

وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بامور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة وعند هذا ظهر القول بامكان وجود الجن، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة، وسواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة. القول الثاني: إن البنية شرط الحياة، وإنه لابد من صلابة في البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة. فههنا مسألة اخرى: وهي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضرا، والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة، وتكون الحاسة سليمة، ثم مع هذا لا يحصل الادراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا ؟ أما الأشعري وأتباعه فقد جوزوه، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا، واستدل الأشعري على قوله بوجوه عقلية ونقلية أما العقلية فأمران: الأول: أنا نرى الكبير من البعيد صغيرا، وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض، مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الاجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الاجزاء التي هي غير مرئية، فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الادراك واجبا. الثاني: إن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الاجزاء المتألفة، فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الاجزاء، فأما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أولا يكون، فان كان الأول لزم الدور، لأن الأجزاء متساوية، فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء، فيقع الدور، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحيئذ رؤية الجوهر الفرد على القدر من المسافة تكون ممكنة. ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فانه لا يرى، فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط (1) لا يكون واجبا بل جائزا.


(1) في المصدر: عند اجتماع الشرائط.

[346]

وأما المعتزلة فقد عولوا على أنا إن جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولا نراها ولا نسمعها، وإذا عارضناهم بسائر الامور العادية وقلنا لهم فجوزوا أن يقال: انقلبت مياه البحار ذهبا وفضة والجبال ياقوتا وزبرجدا، وحصل (1) في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس وقمر، ثم كما فتحت العين أعدمها الله تعالى عجزوا عن الفرق، والسبب في هذا التشويش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات فزعموا (2) أن بعضها واجبة، وبعضها غير واجب، فلما لم يجدوا قانونا مستقيما ومأخذا سليما بين البابين تشوش الامر عليهم، بل الواجب أن يسوي بين الكل فيحكم على الكل بالوجوب، كما هو قول الفلاسفة، أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري، فأما التحكم في الفرق فهو بعيد. إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن وأن أجسامهم وإن كانت كثيفة قوية إلا أنه لا يمتنع أن لا نراها وإن كانوا حاضرين، هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه. وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك والجن مع استمرارهم على مذاهبهم، وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة والجن أيضا كذلك، وهذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة، فإذا يجب في الملك والجن أن يكونوا كذلك، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا وهم الكرام الكاتبون والحفظة، ويحضرون أيضا عند قبض الأرواح وقد كانوا يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أحدا من القوم ما كان يراهم، وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا، فان وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها ؟ وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصوفين بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل قولهم: إن البنية شرط الحياة، فان قالوا: إنها أجسام لطيفة ولكنها للطافتها لا تقدر على الاعمال الشاقة، فهذا إنكار لصريح القرآن، وبالجملة فحالهم في الاقرار بالملك والجن مع هذه المذاهب عجيبة (3).


(1) في المصدر: أو حصلت. (2) في المصدر: فوهموا (3) تفسير الرازي 30: 148 - 152.

[347]

بيان: (1) أقول: إنما أوردت هذه الاقوال الركيكة لتطلع على مذاهب جميع الفرق في ذلك، وقد عرفت ما دلت عليه الآيات والأخبار المعتبرة، وأشرنا إلى ما هو الحق الحقيق بالاذعان ولم نتعرض لتزييف الأقوال السخيفة حذرا من الاطناب. قوله: فأذنوه ثلاثة أيام، أي فأعلموه وأتموا الحجة عليه، قال النووي: فانه إذا لم يذهب بالانذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن، بل هو شيطان فاقتلوه ولن يجعل الله له سبيلا إلى الانتصار عليكم بثاره بخلاف العوامر وصفة الانذار أن يقول: انشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان أن تؤذونا وأن تظهروا لنا " قالوا: لا تقتل حيات المدينة إلا بالانذار، وفي غيرها يقتل بغيره، بسبب أن طائفة من الجن أسلم بها، وقيل: النهي في حيات البيوت في جميع البلاد، وما ليس في البيوت يقتل بدونه انتهى. وأقول: وفي بعض رواياتهم: " فليحرج عليها " قال في النهاية: قوله عليه السلام في قتل الحيات: فليحرج عليها، هو أن يقول لها: أنت في حرج أي ضيق، إن عدت إلينا فلا تلومينا، إن ضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل انتهى. وقال النووي: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا قتل الحيات: فليحرج عليها، هو أن يقول لها: أنت في حرج أي ضيق، إن عدت إلينا فلا تلومينا، إن ضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل انتهى. وقال النووي: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا ولا تظهروا لنا فان لم يذهب أو عاد بعده فاقتلوه، فانه إما جني كافر أو حية. وقوله: شيطان، أي ولد من أولاد إبليس أو حية (2).


(1) في النسخة المخطوطة: تنبيه. (2) أقول: هذا آخر الجزء الثالث والستون من كتاب بحار الانوار من المجلد السماء والعالم ويأتى بعده الجزء الرابع والستون وأوله أبواب الحيوان وأصنافها، والحمد لله أولا وآخرا ونصلي على رسوله وآله. قم المشرفة: عبد الرحيم الربانى الشيرازي عفى عنه وعن والديه.

[348]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد فقد وفقنا الله تبارك وتعالى لتصحيح هذا الجزء من كتاب بحار الانوار وهو الجزء الستون حسب تجزئتنا، قد بذلنا الجهد والمجهود في تصحيحه وتنميقه ومقابلته بالنسخ وبمصادره، وعلقنا عليه تعليقا مختصرا تتميما لما لم يذكره المصنف من غريب اللغة وغيره، وتبيانا لما اختلف في مصادره من نصوصه، وكان المرجع في تصحيحنا مضافا إلى النسخة المطبوعة المعروفة بطبعة أمين الضرب، والنسخة المعروفة بطبعة الخونسارى نسخة مخطوطة أرسلها الفاضل المحترم السيد جلال الدين الارموى دامت توفيقاته استكتبها أبو القاسم الرضوي الموسوي الخونسارى في سنة 1235، نشكر الله تعالى على توفيقنا لذلك ونسأله المزيد من توفيقه وإفضاله، إنه ذو الفضل العظيم. قم المشرفة: عبد الرحيم الربانى الشيرازي عفى عنه وعن والديه رمضان 1390 ق

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية