الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 58

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 58


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثامن والخمسون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ 1983 م مؤسسة الوفاء بيروت لبنان صرب: 1457 هاتف: 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 42 { باب } * (حقيقة النفس والروح وأحوالهما) * الايات: الاسراء: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا (1). الزمر: الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (2). الواقعة: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون (3). الملك: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا (4). تفسير: " ويسألونك عن الروح " قال الطبرسي - روح الله روحه - اختلف في الروح المسؤول عنه على أقوال: أحدها أنهم سألوه عن الروح الذي في بدن الانسان ما هو ولم يجبهم، وسأله عن ذلك قوم من اليهود، عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة، واختاره الجبائي، وعلى هذا فإنما عدل النبي صلى الله عليه وآله عن جوابهم لعلمه بأن ذلك أدعى لهم إلى الصلاح في الدين، ولانهم كانوا بسؤالهم متعنتين لا مستفيدين، فلو صدر


(1) الاسراء: 85. (2) الزمر: 42. (3) الواقعة: 83. (4) الملك: 2.

[2]

الجواب لازدادوا عنادا وقيل: إن اليهود قالت لقريش (1): سلوا محمدا عن الروح، فإن أجابكم فليس بنبي، وإن لم يجبكم فهو نبي، فإنا نجد في كتبنا ذلك، فأمر الله سبحانه بالعدول عن جوابهم، وأن يكلمهم (2) في معرفة الروح إلى ما في عقولهم، ليكون ذلك علما على صدقه ودلالة لنبوته. وثانيها: أنهم سألوه عن الروح: أهي مخلوقة محدثة أم ليست كذلك ؟ فقال سبحانه " قل الروح من أمر ربي " أي من فعله وخلقه، وكان هذا جوابا لهم عما سألوه عنه بعينه. وعلى هذا فيجوز أن يكون الروح الذي سألوه عنه هو الذي به قوام الجسد على قول ابن عباس وغيره، أم جبرئيل على قول الحسن وقتادة، أم ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، يسبح الله تعالى بجميع ذلك على ما روي عن على عليه السلام، أم عيسى عليه السلام فإنه سمي بالروح. وثالثها: أن المشركين سألوه عن الروح الذي هو القرآن كيف يلقاك به الملك ؟ وكيف صار معجزا ؟ وكيف صار نظمه وترتيبه مخالفا لانواع كلامنا من الخطب و الاشعار ؟ وقد سمى الله سبحانه القرآن روحا في قوله " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا (3) " فقال سبحانه: قل يا محمد إن الروح الذي هو القرآن من أمر ربي، أنزله علي دلالة على نبوتي، وليس من فعل المخلوقين، ولا مما يدخل في إمكانهم. وعلى هذا فقد وقع الجواب أيضا موقعه، وأما على القول الاول فيكون معنى قوله " الروح من أمر ربي " هو الامر الذي يعلمه ربي ولم يطلع عليه أحدا. واختلف العلماء في مهية الروح، فقيل: إنه جسم رقيق هوائي متردد في مخارق الحيوان، وهو مذهب أكثر المتكلمين، واختاره المرتضى - قدس الله روحه -. وقيل: هو جسم هوائي على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة، عن علي بن عيسى، قال: فلكل حيوان روح وبدن، إلا أن منهم من الاغلب عليه الروح، ومنهم من الاغلب


(1) في المجمع: لكفار قريش (2) فيه: ويكلهم. (3) الشورى: 52.

[3]

عليه البدن. وقيل: إن الروح عرض، ثم اختلف فيه، فقيل: هو الحياة التي يتهيأ بها المحل لوجود العلم والقدرة والاختيار، وهو مذهب الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - رضي الله عنه - والبلخي وجماعة من المعتزلة البغدادين وقيل: هو معنى في القلب، عن الاسواري. وقيل: إن الروح الانسان، وهو الحي المكلف، عن ابن الاخشيد والنظام. وقال بعض العلماء: إن الله خلق الروح منه ستة أشياء: من جوهر النور والطيب، والبقاء، والحيوة، والعلم، والعلو. ألا ترى أنه مادام في الجسد كان الجسد نورانيا، يبصر بالعينين، ويسمع بالاذنين، ويكون طيبا فإذا خرج من الجسد نتن البدن، ويكون باقيا فإذا فارقه الروح بلي وفنى، ويكون حيا وبخروجه يصير ميتا ويكون عالما فإذا خرج منه الروح لم يعلم شيئا، ويكون علويا لطيفا توجد به الحياة بدلالة قوله تعالى في صفة الشهداء " بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين " (1) وأجسادهم قد بليت في التراب. وقوله " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا " قيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وغيره، إذ لم يبين له الروح، ومعناه: وما اوتيتم من العلم المنصوص عليه إلا قليلا، أي شيئا يسيرا، لان غير المنصوص عليه أكثر، فإن معلومات الله تعالى لا نهاية لها. وقيل: خطاب لليهود الذين سألوه، فقالت اليهود عند ذلك: كيف وقد أعطانا الله التوراة ؟ فقال: التوراة في علم الله قليل. (2) وقال الرازي: للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال وأظهرها أن المراد منه الروح الذي هو سبب الحياة، ثم ذكر رواية سؤال اليهود وإبهام النبي صلى الله عليه وآله قصة الروح، وزيفها بوجوه ضعيفة، ثم قال: بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله عليه وآله أجابهم عنه على أحسن الوجوه. وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عنه يقع على وجوه كثيرة أحدها أن يقال: ماهية الروح أهو


(1) آل عمران: 170. (2) مجمع البيان: ج 6، ص 347 و 438.

[4]

متحيز، أو حال في المتحيز، أو موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز ؟ وثانيها أن يقال: الارواح قديمة أو حادثة ؟ وثالثها أن يقال: الارواح هل تبقى بعد موت الاجساد أو تفنى ؟ ورابعها أن يقال: ما هي حقيقة سعادة الارواح وشقاوتها ؟ وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وقول " ويسألونك عن الروح " ليس فيه ما يدل على أنهم عن أي هذه المسائل سألوا. إلا أن جوابه تعالى لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها: إحديهما السؤال عن ماهية الروح، والثانية عن قدمها وحدثها. أما البحث الاول فهو أنهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته ؟ أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع والاخلاط، أو عبارة عن نفس هذا المزج والتركيب، أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الاجسام، أو هو عبارة عن موجود مغائر لهذه الاجسام ولهذه الاعراض ؟ فأجاب الله عنه بأنه موجود مغائر لهذه الاجسام ولهذه الاعراض، وذلك لان هذه الاجسام وهذه الاعراض أشياء تحدث من امتزاج الاخلاط والعناصر، وأما الروح فإنه ليس كذلك، بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله كن فيكون: فقالوا: لم كان شيئا مغائرا لهذه الاجسام ولهذه الاعراض ؟ فأجاب الله بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الاشياء وماهياتها مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، وهذا هو المراد بقوله " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا ". وأما البحث الثاني فهو أن لفظ الامر قد جاء بمعنى الفعل، قال تعالى " وما أمر فرعون برشيد " وقال " لما جاء أمرنا " أي فعلنا، فقوله " قل الروح من أمر ربي " من فعل ربي، وهذا الجواب يدل على أنهم سألوا أن الروح قديمة أو حادثة ؟ فقال: بل هي حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده. ثم احتج على حدوث الروح بقوله " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا " بمعنى أن الارواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم، ثم تحصل فيها المعارف والعلوم، فهي لا تزال تكون في التغير من حال

[5]

إلى حال، وفي التبديل من نقصان إلى كمال، والتغير والتبدل من أمارات الحدوث. فقوله " قل الروح من أمر ربي " يدل على أنهم سألوا أن الروح هل هي حادثة أم لا ؟ فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وتكوينه، ثم استدل على حدوث الارواح بتغيرها من حال إلى حال، فهذا ما نقوله في هذا الباب، والله أعلم بالصواب (1). اقول: ثم ذكر الاقوال الاخرى في تفسير الروح في هذه الآية فمنها أنه القرآن كما مر، ومنها أنه ملك من الملائكة هو أعظمهم قدرا وقوة، وهو المراد من قوله تعالى: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " (2)، ونقلوا عن علي عليه السلام أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، ويخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. قالوا: ولم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله يبتلع السماوات السبع والارضين السبع بلقمة واحدة. ثم اعترض على هذا الوجه و على الرواية بوجوه سخيفة، ثم ذكر من الوجوه أنه جبرئيل عليه السلام، ووجها رابعا عن مجاهد: أنه خلق ليسوا بالملائكة على صورة بنى آدم، يأكلون ولهم أيد وأرجل و رؤوس، وقال أبو صالح: يشبهون الناس وليسوا بالناس، ولم أجد في القرآن ولا في الاخبار الصحيحة شيئا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول. ثم قال في شرح مذاهب الناس في حقيقة الانسان: اعلم أن العلم الضرورى حاصل بأن ههنا شيئا إليه يشير الانسان بقوله " أنا " وإذا قال الانسان " علمت وفهمت وأبصرت وسمعت وذقت وشممت ولمست وغضبت " فالمشار إليه لكل أحد بقوله " أنا " إما أن يكون جسما أو عرضا، أو مجموع الجسم والعرض، أو ما تركب (3) من الجسم و العرض، وذلك الشئ الثالث، فهذا ضبط معقول. أما القسم الاول وهو أن يقال: الانسان جسم، فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه البنية، أو جسما داخلا في هذه


(1) مفاتيح الغيب: ج 21، ص 37 - 38 (ملخصا). (2) النبأ: 38. (3) في المصدر: أو شيئا مغائرا للجسم والعرض أو من ذلك الشئ الثالث.

[6]

البنية أو جسما خارجا عنها. أما القائلون بأن الانسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وهذا الهيكل المجسم المحسوس، فإذا أبطلنا كون الانسان عبارة عن هذا الجسم وأبطلنا كون الانسان محسوسا فقد بطل كلامهم بالكلية. والذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الانسان عبارة عن هذا الجسم وجوه: الاول: أن العلم البديهى حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة بالزيادة والنقصان تارة بحسب النمو والذبول، وتارة بحسب السمن والهزال، والعلم الضرورى حاصل بأن المتبدل المتغير مغائر للثابت الباقي، ويحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاث العلم القطعي بأنه ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة. الثاني: أن الانسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجه الهمة نحو أمر مخصوص، فإنه في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة، بدليل أنه في تلك الحالة قد يقول: غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك، و " تاء " الضمير كناية عن نفسه المخصوصة، فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة، وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه وأبعاضه. الثالث: أن كل أحد يحكم بصريح عقله بإضافة كل واحد من هذه الاعضاء إلى نفسه، فيقول: رأسي، وعيني، ويدي، ورجلي، ولساني، وقلبي، وبدني. والمضاف غير المضاف إليه، فوجب أن يكون الشئ الذي هو الانسان مغائرا لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الاعضاء، فان قالوا: فقد يقول: نفسي وذاتي، فيضيف النفس والذات إلى نفسه، فيلزم أن نفس الشئ وذاته مغائرة لنفسه وذاته وذلك محال قلنا: قد يراد بنفس الشئ وذاته هذا البدن المخصوص، وقد يراد بنفس الشئ وذاته الحقيقة المخصوصة التي إليها يشير كل احد بقوله " أنا " فإذا قال: نفسي و ذاتي، كان المراد منه البدن، وعندنا أنه مغائر لجوهر الانسان. الرابع: أن كل دليل يدل على أن الانسان يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم، وسيأتي تقرير تلك الدلائل. الخامس: أن الانسان قد يكون حيا حال ما يكون البدن ميتا، فوجب

[7]

كون الانسان مغايرا لهذا البدن والدليل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (1) " فهذا النص صريح في أن اولئك المقتولين أحياء، والحس يدل على أن هذا الجسد ميتة. السادس: أن قوله تعالى: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (2) وقوله: " أغرقوا فادخلوا نارا (3) " يدل على أن الانسان حى بعد الموت، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله " الانبياء لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار " وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران " وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " من مات فقد قامت قيامته " [وإن] كل هذه النصوص يدل على أن الانسان حى يبقى بعد موت الجسد وبديهة العقل والفطرة شاهدتان بأن هذا الجسد ميت، ولو جوزنا كونه حيا كان يجوز مثله في جميع الجمادات، وذلك عين السفسطة، وإذا ثبت أن الانسان حى ما كان الجسد ميتا لزم أن الانسان شئ غير هذا الجسد. السابع: قوله صلى الله عليه وآله في خطبة طويلة له " حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حله ومن غير حله، فالمهنأ (4) لغيري والتبعة على، فاحذروا مثل ما حل بي " وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وآله صرح بأن حال كون الجسد محمولا على النعش بقي هناك شئ ينادي ويقول " يا أهلي ويا ولدي جمعت المال من حله و غير حله.. " ومعلوم أن الذي كان الاهل أهلا له، وكان الولد ولدا له، وكان جامعا للمال من الحرام والحلال، والذي بقي في ربقته الوبال، ليس إلا ذلك الانسان فهذا تصريح بأن في الوقت الذي كان الجسد ميتا محمولا على النعش كان ذلك الانسان حيا باقيا فاهما، وذلك تصريح بأن الانسان شئ مغائر لهذا الجسد والهيكل.


(1) آل عمران: 165. (2) غافر: 46. (3) نوح: 25. (4) في المصدر: فالغنى.

[8]

الثامن: قوله تعالى " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية (1) " والخطاب بقوله: " ارجعي " إنما يتوجه إليها حال الموت، فدل هذا على أن الشئ الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد يكون راضيا مرضيا عند الله، والذي يكون راضيا مرضيا ليس إلا الانسان، فهذا يدل على أن الانسان بقي حيا بعد موت الجسد، والحى غير الميت، فالانسان مغائر لهذا الجسد. التاسع: قوله تعالى " حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم رد وا إلى الله موليهم الحق (2) " أثبت كونهم مردودين إلى الله الذي هو موليهم الحق عند كون الجسد ميتا، فوجب أن يكون ذلك المردود إلى الله مغائرا لذلك الجسد الميت. العاشر: ترى جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل والنحل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وسائر فرق العالم وطوائفهم يتصدقون عن موتاهم ويدعون لهم بالخير ويذهبون إلى زياراتهم، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدق لهم عبثا، ولكان الدعاء لهم عبثا، ولكان الذهاب إلى زيارتهم عبثا، فإطباق الكل على هذه الصدقة والدعاء والزيارة يدل على أن فطرتهم الاصلية السليمة شاهدة بأن الانسان شئ غير هذا الجسد، وأن ذلك الشئ لا يموت بموت هذا الجسد. الحادى عشر: أن كثيرا من الناس يرى أباه وابنه في المنام ويقول له: اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبا دفنته لك، وقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه، ثم عند اليقظة إذا فتش عنه كان كما رآه في النوم من غير تفاوت، ولولا أن الانسان باق حي بعد الموت لما كان كذلك، ولما دل هذا الدليل على أن الانسان حي بعد الموت ودل الحس على أن الجسد ميت كان الانسان مغائرا لهذا الجسد. الثاني عشر: أن الانسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه ورجلاه


(1) الفجر: 27 - 28. (2) الانعام: 61 - 62.

[9]

وتقلع عيناه، وتقطع اذناه، إلى غيرها من الاعضاء، فإن ذلك الانسان يجد من قلبه وعقله أنه هو عين ذلك الانسان من غير تفاوت البته، حتى أنه يقول: أنا ذلك الانسان الذي كنت موجودا قبل ذلك، إلا أنهم قطعوا يدي ورجلي، وذلك برهان يقيني على أن ذلك الانسان شئ مغائر لهذه الاعضاء والابعاض، وذلك يبطل قول من يقول: الانسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة. الثالث عشر: أن القرآن والاحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم الله، وجعلهم في صورة القردة والخنازير، فنقول: ذلك الانسان هل بقي حال ذلك المسخ أولم يبق ؟ فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الانسان وخلق خنزير أو قردة وليس هذا من المسخ في شئ وإن قلنا: إن ذلك الانسان بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول: فعلى هذا التقدير الانسان باق وتلك البنية وذلك الهيكل غير باق، فوجب أن يكون ذلك الانسان شيئا مغائرا لتلك البنية. الرابع عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرى جبرئيل في صورة دحية الكلبي وكان يرى إبليس في صورة الشيخ النجدي، فهنا بنية الانسان وهيكله وشكله حاصل مع أن الحقيقة (1) الانسانية غير حاصلة، وهذا يدل على أن الانسان ليس عبارة عن هذه البنية وهذا الهيكل. الخامس عشر: أن الزاني يزني بفرجه ويضرب على ظهره، فوجب أن يكون الانسان شيئا آخر سوى الفرج وسوى الظهر، ويقال: إن ذلك الشئ يستعمل الفرج في عمل والظهر في عمل آخر، فيكون الملتذ والمتألم هو ذلك الشئ، إلا أنه يحصل اللذة بواسطة ذلك العضو ويتألم بواسطة الضرب على هذا العضو. السادس عشر: أني إذا تكلمت مع زيد وقلت له: افعل كذا، ولا تفعل كذا ! فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهي ليس هو جبهة زيد ولا حدقته ولا أنفه ولافمه ولا شئ من أعضائه بعينه، فوجب أن يكون المأمور والمنهي والمخاطب شيئا مغائرا لهذه الاعضاء، وذلك يدل على أن ذلك المأمور والمنهي غير هذا الجسد. فإن قالوا:


(1) في المصدر: حقيقة الانسان.

[10]

لم لا يجوز أن يكون المأمور والمنهي جملة هذا البدن لا شئ من أجزائه وأبعاضه ؟ قلنا: توجيه التكليف إلى الجملة إنما يصح لو كانت الجملة فاهمة عالمة، فنقول: لو كانت الجملة عالمة، فإما أن يقوم بمجموع البدن علم واحد، أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم عليحدة، والاول يقتضي قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة وهو محال، والثاني يقتضي أن يكون كل واحد من أجزاء البدن عالما فاهما على سبيل الاستقلال، وقد بينا أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالما فاهما مدركا بالاستقلال، فسقط هذا السؤال. السابع عشر: الانسان يجب أن يكون عالما، والعلم لا يحصل إلا في القلب فيلزم أن يكون الانسان عبارة عن الشئ الموجود في القلب، وإذا ثبت هذا بطل القول بأن الانسان عبارة عن هذا الهيكل وهذه الجثة. إنما قلنا إن الانسان يجب أن يكون عالما، لانه فاعل مختار، والفاعل المختار هو الذي يفعل بواسطة القصد إلى تكوينه، وهما مشروطان بالعلم، لان ما لا يكون متصورا امتنع القصد إلى تكوينه فثبت أن الانسان يجب أن يكون عالما بالاشياء. وإنما قلنا إن العلم لا يوجد إلا في القلب، للبرهان والقرآن، أما البرهان: فلانا نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب. وأما القرآن: فآيات نحو قوله تعالى: " لهم قلوب لا يفقهون بها (1) " وقوله: " كتب في قلوبهم الايمان " (2) وقوله: " نزل به الروح الامين على قلبك " (3) وإذا ثبت أن الانسان يجب أن يكون عالما، وثبت أن العلم ليس إلا في القلب، [ثبت أن الانسان شئ في القلب] أو شئ له تعلق بالقلب، وعلى التقديرين فإنه بطل قول من يقول: إن الانسان هو هذا الجسد وهذا الهيكل. وأما البحث الثاني: وهو بيان أن الانسان غير محسوس، هو أن حقيقة الانسان شئ مغائر للسطح واللون، وكل ما هو مرئي فهو إما السطح وإما اللون، وهما مقدمتان


(1) الاعراف: 178. (2) المجادلة: 22. (3) الشعراء: 193 - 194.

[11]

قطعيتان، ينتج هذا القياس أن حقيقة الانسان غير مرئية ولا محسوسة، وهذا برهان يقيني. ثم قال في شرح مذاهب القائلين بأن الانسان جسم موجود في داخل البدن: اعلم أن الاجسام الموجودة في هذا العالم السفلي، إما أن يكون أحد العناصر الاربعة أو ما يكون متولدا من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدن الانساني جسم عنصري خالص، بل لابد وأن يكون الحاصل جسما متولدا من امتزاجات هذه الاربعة، فنقول: أما الجسم الذي تغلب عليه الارضية فهو الاعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والعصب و الوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا إن الانسان شئ مغائر لهذا الجسد، بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الاعضاء، وذلك لان هذه الاعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية، فلاجرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الانسان عبارة عن أحد هذه الاعضاء وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية، فهو الاخلاط الاربعة، ولم يقع (1) في شئ منها أنه الانسان إلا في الدم، فإن فيهم من قال: إنه الروح بدليل أنه إذا خرج لزمه الموت. أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية فهي الارواح، وهي نوعان: أحد هما أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية، متولدة إما في القلب أوفي الدماغ وقالوا: إنها هي الروح الانساني، ثم [إنهم] اختلفوا فمنهم من يقول: الانسان هو الروح الذي في القلب، ومنهم من يقول: إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الارواح القلبية والدماغية، وتلك الاجزاء النارية هي المسماة بالحرارة الغريزية، وهي الانسان. ومن الناس من يقول: الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوء الشمس، وهي لاتقبل التحلل والتبدل ولا التفرق والتمزق، فإذا تكون البدن وثم استعداده - وهو المراد بقوله: " فإذا سويته " - نفذت تلك الاجسام الشريفة السماوية الالهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم، ونفاذ دهن السمسم في


(1) في المصدر: ولم يقل أحد في..

[12]

السمسم، ونفاذ ماء الورد في جسم الورد، ونفاذ تلك الاجسام (1) السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله " ونفخت فيه من روحي (2) ". ثم إن البدن مادام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الاجسام الشريفة فيه بقي حيا، فإذا تولد في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الاخلاط الغليظة من سريان تلك الاجسام الشريفة، فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت، فهذا مذهب قوي وقول شريف يجب التأمل فيه، فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الالهية من أحوال الموت والحياة، فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الانسان جسم موجود في داخل البدن، وأما أن الانسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف احدا ذهب إلى هذا القول. واما القسم الثاني: وهو أن يقال: الانسان عرض حال في البدن فهذا لا يقوله عاقل، لانه من المعلوم بالضرورة أن الانسان جوهر لانه موصوف بالعلم والقدرة والتدبير والتصرف، وكل من كان هذا شأنه كان جوهرا، والجوهر لا يكون عرضا، بل الذي يمكن أن يقال له عاقل هو الانسان بشرط (3) أن يكون موصوفا بأعضاء مخصوصة. وعلى هذا التقدير فللناس فيه أقوال: القول الاول: أن العناصر الاربعة إذا امتزجت وانكسرت سورة كل واحد منها بسورة اخرى حصلت كيفية معتدلة هي المزاج، ومراتب هذا المزاج غير متناهية، فبعضها هي الانسانية، وبعضها هي الفرسية، فالانسان عبارة عن أجسام موصوفة بكيفياب مخصوصة متولدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، وهذا قول جمهور الاطباء ومنكري بقاء النفس، ومن المعتزلة قول أبي الحسين البصري. والقول الثاني: أن الانسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة، والحياة عرض قائم بالجسم، وهؤلاء أنكروا الروح والنفس


(1) في بعض النسخ " الاجزاء ". (2) الحجر: 29، ص: 72. (3) كذا في نسخ الكتاب، وفى المصدر " بل الذى يمكن ان يقول به كل عاقل هو ان الانسان يشترط.. "

[13]

وقالوا: ليس ههنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بصفة الحياة، وبهذه الاعراض المخصوصة وهي الحياة والعلم والقدرة، وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة. والقول الثالث: أن الانسان عبارة عن أجسام مخصوصة بأشكال مخصوصة وبشرط أن تكون أيضا موصوفة بالحياة والعلم والقدرة، والانسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه وأجزائه، إلا أن هذا مشكل، فإن الملائكة قد يتشبهون بصور الناس، فهنا صورة الانسان حاصلة مع عدم الانسانية، وفي صورة المسخ معنى الانسانية حاصلة مع أن هذه الصورة غير حاصلة، فقد بطل اعتبار هذا الشكل والصورة في حصول معنى الانسانية طردا وعكسا. اما القسم الثالث: وهو أن يقال: الانسان موجود ليس بجسم ولا جسماني، وهذا قول أكثر الالهيين من الفلاسفة القائلين ببقاء النفس المثبتين للنفس معادا روحانيا وثوابا وعقابا روحانيا، ذهب إليه جماعة من علماء المسلمين، مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الاصفهاني، والشيخ أبي حامد الغزالي، ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد، ومن الكرامية جماعة. واعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان: الاول وهم المحققون منهم قالوا: الانسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص، وهذا البدن آلته ومنزله ومركبه، وعلى هذا التقدير فالانسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير. والفريق الثاني الذين قالوا: النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن، فصارت النفس عين البدن والبدن عين النفس، ومجموعهما عند الاتحاد هو الانسان، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن. فهذا جملة مذاهب الناس في الانسان، وكان " ثابت بن قرة " يثبت النفس ويقول: إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق، وأن تلك الاجسام تكون سارية في البدن، وهن موجودات في داخل البدن (1). وأما أن


(1) مفاتيح الغيب: ج 21، ص 45.

[14]

الانسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى ذلك. اقول: ثم ذكر حججا عقلية طويلة الذيل على إثبات النفس ومغارتها للبدن. منها: أن النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب أن تكون مغائرة لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه، أما كونها واحدة فتارة ادعى البداهة فيه، وتارة استدل عليه بوجوه: منها أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين، يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص، امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص به مانعا لاشتغال الآخر بفعله الخاص به، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان محل إلا دراك والفكر جوهرا ومحل الغضب جوهرا آخر ومحل الشهوة جوهرا ثالثا، وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها ولا بالعكس، لكن التالي باطل، فإن اشتغال الانسان بالشهوة وانصبابه إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب والانصباب إليه وبالعكس، فعلمنا أن هذه الامور الثلاثة ليست مبادئ مستقلة، بل هي صفات مختلفة لجوهر واحد، فلاجرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الافعال عائقا له عن الاشتغال بالفعل الآخر. ومنها: أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالارادة فالنفس لا يمكنها أن تتحرك بالارادة إلا عند حصول الداعي، ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه، أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن يكون المتحرك بالارادة هو بعينه مدركا للخير والشر والملذ والموذي والنافع والضار، فثبت بما ذكرنا أن النفس الانسانية شئ واحد، وثبت أن ذلك الشئ هو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتفكر، والمتذكر والمشتهي والغاضب، وهو الموصوف بجميع الادراكات لكل المدركات، وهو الموصوف بجميع الافعال الاختيارية والحركات الارادية. ثم قال: وأما المقدمة الثانية فهى في بيان أنه لما كانت النفس شيئا واحدا وجب أن لا يكون النفس هذا البدن ولا شيئا من أجزائه، وأما امتناع كونها جملة هذا البدن فتقريره: أنا نعلم بالضرورة أن القوة الباصرة غير سارية في كل البدن

[15]

وكذا القوة السامعة وكذا سائر القوى كالتخيل والتذكر والتفكر، والعلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل هومن أقوى العلوم البديهية، وأما بيان أنه يمتنع أن يكون النفس جزء من أجزاء البدن: فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء واحد هو بعينه موصوف بالابصار والسماع والفكر والذكر، بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن الابصار مخصوص بالعين لا بسائر الاعضاء، والسماع مخصوص بالاذن لا بسائر الاعضاء، والصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الاعضاء، وكذلك القول في سائر الادراكات وسائر الافعال، فأما أن يقال: إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الادراكات وكل هذه الافعال، فالعلم الضروري حاصل أنه ليس الامر كذلك، فثبت بما ذكر ناه أن النفس الانسانية شي ء واحد موصوف بجملة هذه الادراكات وبجملة هذه الافعال، وثبت بالبديهة أن جملة البدن ليست كذلك، وثبت أيضا أن شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك، فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شئ مغائر لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه وهو المطلوب. ولنقرر هذا البرهان بعبارة اخرى، نقول: إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه، وإذا عرفناه اشتهيناه، وإذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه، فوجب القطع بأن الذي أبصر هو الذي عرف، وأن الذي عرف هو الذي اشتهى، وأن الذي اشتهى هو الذي حرك إلى القرب منه، فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشئ والعارف به والمشتهي إليه والمحرك إلى القرب منه شئ واحد، إذ لو كان المبصر شيئا والعارف شيئا ثانيا والمشتهي شيئا ثالثا والمحرك شيئا رابعا، لكان الذي أبصرلم يعرف والذي عرف لم يشته والذي اشتهى لم يحرك، لكن من المعلوم أن كون شئ مبصرا لشئ لا يقتضي صيرورة شئ آخر عالما بذلك الشئ، وكذلك القول في سائر المراتب. وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات " أنا " وإني لما رأيتها عرفتها، ولما عرفتها اشتهيتها، ولما اشتهيتها طلبتها وحركت الاعضاء إلى القرب منها، ونعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية وبهذا العلم وبهذه الشهوة وبهذا التحريك " أنا " لا غيري. وأيضا العقلاء قالوا: الحيوان لابد وأن يكون حساسا متحركا بالارادة،

[16]

فإن لم يحس بشئ لم يشعر بكونه ملائما وبكونه منافرا، وإذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريدا للجذب أو الدفع، فثبت أن الشئ الذي يكون متحركا بالارادة فإنه بعينه يجب أن يكون حساسا، فثبت أن المدرك لجميع المدركات بجميع أنواع الادراكات وأن المباشر لجميع التحريكات الاختيارية شئ واحد. وأيضا فإنا إذا تكلمنا بكلام لقصد تفهيم الغير معاني تلك الكلمات فقد عقلناها وأردنا تعريف غيرنا تلك المعاني، ولما حصلت هذه الارادة في قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف والاصوات في الوجود، لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعاني. إذا ثبت هذا فنقول: إن كان محل العلم والارادة ومحل تلك الحروف و الاصوات جسما واحد، لزم أن يقال: إن محل العلوم والارادات هو الحنجرة و اللهاة واللسان، ومعلوم أنه ليس كذلك. وإن قلنا: إن محل العلوم والارادات هو القلب لزم أن يكون محل الصوت هو القلب أيضا، وذلك باطل أيضا بالضرورة. وإن قلنا: إن محل الكلام هو الحنجرة واللهاة واللسان ومحل العلوم والارادات هو القلب ومحل القدرة هو الاعصاب والاوتار والعضلات كنا قد وزعنا هذه الامور على هذه الاعضاء المختلفة، لكنا أبطلنا ذلك وبينا أن المدرك لجميع الادراكات والارادات والمحرك لجميع الاعضاء بجميع أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئا واحدا، فلم يبق إلا أن يقال: محل الادراك والقدرة على التحريك شئ سوى هذا البدن وسوى أجزاء هذا البدن، وأن هذه الاعضاء جارية مجرى الآلات والادوات، فكما أن النجار يفعل أفعالا مختلفة بواسطة آلات مختلفة، فكذلك النفس تبصر بالعين وتسمع بالاذن وتتفكر بالدماغ وتعقل بالقلب، فهذه الاعضاء آلات النفس وأدوات لها، وذات النفس جوهر مغائر لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف والتدبير، وهذا البرهان برهان شريف يقيني في هذا المطلوب وبالله التوفيق. ومنها أنه لو كان الانسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم بكل واحد من الاجزاء حياة وعلم وقدرة عليحدة، أو يقوم بجميع الاجزاء حياة وعلم وقدرة واحدة والقسمان باطلان، أما الاول فلانه يقتضي كون كل واحد من أجزاء الجسد حيا

[17]

عالما قادرا على سبيل الاستقلال، فوجب أن لا يكون الانسان الواحد حيوانا واحدا، بل أحياء عالمين قادرين، وحينئذ لا يبقى فرق بين الانسان الواحد وبين أشخاص كثيرين من الناس ربط بعضهم بالبعض بالسلسلة، لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لاني أجد ذاتي ذاتا واحدة وحيوانا لا حيوانات كثيرين. وأيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا عليحدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منها خبر عن حال صاحبه، فلا يمتنع أن يريد هذا الجزء أن يتحرك إلى هذا الجانب ويريد الجزء الآخر أن يتحرك إلى الجانب الآخر، فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الانسان الواحد كما يقع بين الشخصين، وفساد ذلك معلوم بالبديهة وأما الثاني فلانه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وذلك معلوم البطلان بالضرورة، مع أنه يعود المحذور السابق أيضا. ومنها أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم وذلك يدل على أن النفس ليست جسما، وتقرير هذه المنافاة من وجوه: الاول أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة اخرى من جنس الصورة الاولى إلا بعد زوال الصورة الاولى عنه زوالا تاما، مثاله أن البصر إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع والتدوير إلا بعد زوال الشكل الاول عنه. ثم إنا وجدنا الحال في قبول النفس لصور المعقولات بالضد من ذلك، فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية البتة يعسر قبولها لشئ من الصور العقلية، فإذا قبلت صورة واحدة كان قبولها للصورة الثانية أسهل، وإذا قبلت الصورة الثانية صار قبولها للصورة الثالثة أسهل، ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف البتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر، كان قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل وأسرع ولهذا السبب يزداد الانسان فهما وإدراكا كلما ازداد تخريجا وارتياضا للعلوم، فثبت أن قبول النفس للصورة العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة، وذلك يوهم أن النفس ليست بجسم. والثانى أن المواظبة على الافكار الدقيقة لها أثر في النفس وأثر في البدن، أما

[18]

أثرها في النفس فهو تأثيرها في إخراج النفس عن القوة إلى الفعل في التعقلات والادراكات، وكلما كانت الافكار أكثر كان حصول هذه الاحوال أكمل، وذلك غاية كمالها ونهاية شرفها وجلالتها. وأما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن واستيلاء الذبول عليه، وهذه الحالة لو استمرت لانتهت إلى الماليخوليا وموت البدن (1)، فثبت بما ذكرنا أن هذه الافكار توجب حياة النفس وشرفها، وتوجب نقصان البدن وموته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشئ الواحد بالنسبة إلى الشئ الواحد سببا لكماله ونقصانه معا ولحياته وموته معا وإنه محال. والثالث أنا شاهدنا أنه ربما كان بدن الانسان ضعيفا نحيفا، فإذا لاح نور من الانوار القدسية وتجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الانسان جرأة عظيمة وسلطنة قوية ولم يعبأ بحضور أكبر السلاطين ولم يقم له وزنا، ولولا أن النفس شئ سوى البدن، والنفس إنما تحيى وتبقى بغير ما به يقوى البدن ويحيى لما كان الامر كذلك. والرابع أن أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وتجويع الجسد قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف الالهية، وكلما أمعن الانسان في الاكل والشرب وقضاء الشهوات الجسدانية صار كالبهيمة وبقي محروما عن آثار النظر والعقل والفهم والمعرفة (2)، ولولا أن النفس غير البدن لما كان الامر كذلك. والخامس أنا نرى النفس تفعل أفاعليها بآلات بدنية، فإنها تبصر بالعين وتسمع بالاذن، وتأخذ باليد، وتمشي بالرجل. أما إذا آل الامر إلى التعقل و الادراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شئ من الآلات، ولذلك فإن الانسان يمكنه أن لا يبصر شيئا إذا غمض عينيه، وأن لا يسمع شيئا إذا سد اذنيه، ولا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالما به، فعلمنا أن النفس


(1) في المصدر: وسوق الموت. (2) في المصدر: عن آثار النطق والعقل والمعرفة.

[19]

غنية بذاتها في العلوم والمعارف عن شئ من الآلات البدنية، فهذه الوجوه أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم. ثم ذكر في إثبات أن النفس ليست بجسم وجوها من الدلائل السمعية: الاول قوله تعالى: " ولا تكونوا كالذين نسو الله فأنساهم أنفسهم " (1) ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد، فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الانسان عند فرط الجهل شئ آخر غير هذا البدن. الثاني قوله تعالى: " أخرجوا أنفسكم " وهذا صريح في أن النفس غير هذا الجسد. الثالث أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين - إلى قوله - فكسونا العظام لحما " ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الاحوال الجسمانية، ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال " ثم أنشأناه خلقا آخر " وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغائر لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الاحوال الجسمانية، وذلك يدل على أن الروح شئ مغائر للبدن. فإن قالوا: هذه الآية حجة عليكم، لانه تعالى قال " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " وكلمة " من " للتبعيض، وهذا يدل على أن الانسان بعض من أبعاض الطين قلنا: كلمة " من " أصلها لابتداء الغاية، كقولك: خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الانسان حاصلا من هذه السلالة، ونحن نقول بموجبه، لانه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح، فيكون ابتداء تخليقه من سلالة. الرابع قوله " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " ميز تعالى بين التسوية وبين نفخ الروح، فالتسوية عبارة عن تخليق الابعاض والاعضاء، ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله " من روحي " دل ذلك على أن جوهر الروح شئ مغائر لجوهر الجسد.


(1) الحشر: 19.

[20]

الخامس قوله تعالى " ونفس وما سويها فألهمها فجورها وتقويها " وهذه الآية صريحة في وجود النفس موصوفة بالادراك والتحريك معا، لان الالهام عبارة عن الادراك، وأما الفجور والتقوى فهو فعل، وهذه الآية صريحة في أن الانسان شئ واحد وهو موصوف بالادراك والتحريك، وهو موصوف أيضا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى اخرى، ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين، وليس في البدن عضو واحد موصوف بهذين الوصفين، فلابد من إثبات جوهر واحد يكون موصوفا بكل هذه الامور. السادس قوله تعالى " إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " فهذا تصريح بأن الانسان شي ء واحد وذلك الشئ الواحد هو المبتلى بالتكاليف الالهية والامور الربانية، وهو الموصوف بالسمع والبصر، ومجموع البدن ليس كذلك، وليس عضو من أعضاء البدن كذلك، فالنفس شئ مغائر جملة البدن ومغائر أجزاء (1) البدن وهو الموصوف بهذه الصفات. واعلم أن الاحاديث الواردة في صفة الارواح قبل تعلقها بالاجساد وبعد انفصالها من الاجساد كثيرة، وكل ذلك يدل على أن النفس غير هذا الجسد، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الاخبار الكثيرة ثم يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وما كان يعرف ما الروح ! وهذا من العجائب. ثم استدل بهذه الآية التي بصدد تفسيرها على هذا المذهب، وتقريره: أن الروح لو كان جسما منتقلا من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساويا للبدن في كونه متولدا من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات اخر، فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا حتى صار روحا، مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة، فلما لم يقل ذلك بل قال " إنه من أمر ربي " بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لاجل أن الله تعالى قال له " كن فيكون " دل ذلك على أنه جوهر ليس


(1) كذا، وفى المصدر: مغائر لجملة البدن ومغائر لاجزاء..

[21]

من جنس الاجسام، بل هو جوهر قدسي مجرد. واعلم أن أكثر العارفين الكاملين من أصحاب الرياضات وأصحاب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب. ثم قال: واحتج المنكرون بوجوه: الحجة الاولى: لو كانت مساوية لذات الله تعالى في كونه ليس بجسم ولا عرض لكان مساويا له في تمام الماهية، وذلك محال. الثانية قوله تعالى " قتل الانسان ما أكفره من أي شئ خلقه - إلى قوله - ثم إذا شاء أنشره " وهذا تصريح بأن الانسان شئ مخلوق من نطفة، وأنه يموت ودخل القبر، ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الانسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الاحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالثة قوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا - إلى قوله - يرزقون فرحين " وهذا يدل على أن الروح جسم، لان الارتزاق والفرح من صفات الاجسام. والجواب عن الاول: أن المساواة في أنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز مساواة في صفات سلبية، والمساواة في الصفات السلبية لا توجب المماثلة. واعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلا للاله أو جزء من الاله، وذلك جهل فاحش وغلط قبيح، و تحقيقه ما ذكرنا من أن المساواة في السلوب لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات، فإن كان ماهيتين مختلفتين لابد وأن يشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما. والجواب عن الثاني: أنه لما كان الانسان في العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة اطلق عليه اسم الانسان، وأيضا فلقائل أن يقول: هب أنا نجعل اسم الانسان عبارة عن هذه الجثة إلا أنا قد دللنا على أن محل العلم والقدرة ليس هو هذه الجثة.

[22]

والجواب عن الثالث: أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفة الله ومحبته. بل نقول: هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا، لان أبدانهم قد بليت تحت التراب والله تعالى يقول: إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش. فهذا يدل على أن الروح غير البدن (1). وقال في قوله سبحانه " نزل به الروح الامين على قلبك ": فيه قولان: الاول أنه إنما قال " على قلبك " وإن كان إنما أنزله عليه، ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ والمرسول (2) متمكن في قلبه لا يجوز عليه التغير، فيوثق [عليه] بالانذار الواقع مع (3) الذي بين الله تعالى أنه المقصود، ولذلك قال " لتكون من المنذرين ". الثاني أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لانه موضع التمييز والاختيار، وأما سائر الاعضاء فمسخرة له، والدليل عليه القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فآيات: إحداها في سورة البقرة " نزله على قلبك " (4)، وقال ههنا " نزل به الروح الامين على قلبك " وقال: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (5). وثانيها أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب من المساعي، فقال: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم (6) " وقال: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " (7) والتقوى في القلب لانه تعالى قال: اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " (8) وقال تعالى: " وحصل ما في الصدور " (9). وثالثها قوله حكاية عن


(1) مفتاح الغيب: ج 21، ص 53. (2) في المصدر: للرسول. (3) فيه: منه (4) البقرة: 97. (5) ق: 37. (6) البقرة: 225. (7) الحج: 37. (8) الحجرات: 3. (9) العاديات: 10.

[23]

أهل النار: " لو كنا نسمع أو نعقل ماكنا في أصحاب السعير " (1) ومعلوم أن العقل في القلب والسمع منفذ إليه، وقال: " إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا " (2) ومعلوم أن السمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، فكان السؤال عنهما في الحقيقة سؤالا عن القلب. وقال: " يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور (3) " ولم تخن الاعين إلا بما تضمر القلوب عند التحديق بها. ورابعها قوله: " وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون " (4) فخص هذه الثلاثة بإلزام الحجة واستدعاء الشكر عليها، وقد قلنا لا طائل في السمع والابصار إلا بما يؤديانه إلى القلوب ليكون القلب هو القاضي والمتحكم عليه. وقال تعالى: " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ " (5) فجعل هذه الثلاثة تمام ما ألزمهم من حجة، والمقصود من ذلك هو الفؤاد القاضي فيما يؤدي إلى السمع والبصر. وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال: سمعته صلى الله عليه وآله يقول: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. وأما المعقول فوجوه: أحدها أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع سائر الاعضاء لم يحصل الشعور به، وإذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل بالاعضاء من الآفات، فدل ذلك على أن الاعضاء تبع القلب، ولذلك فإن القلب إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الاعضاء عند ذلك، وكذا القول في سائر الاعراض النفسانية. وثانيها أن القلب منبع المشيئات الباعثة على الافعال الصادرة من سائر الاعضاء وإذا كانت المشيئات مبادئ الافعال ومنبعها هو القلب فالآمر المطلق هو القلب.


(1) الملك: 10. (2) الاسراء: 36. (3) غافر: 19. (4) السجدة: 19. (5) الاحقاف: 26.

[24]

وثالثها أن معدن العقل هو القلب، وإذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب، أما المقدمة الاولى ففيها النزاع، فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ، والذي يدل على قولنا وجوه: الاول قوله تعالى " أولم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها (1) " وقوله " لهم قلوب لا يفقهون بها (2) " وقوله " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (3) " أي عقل، اطلق على العقل لما أنه معدن له. الثاني أنه تعالى أضاف أضداد العقل إلى القلب، فقال: " في قلوبهم مرض (4) " " ختم الله على قلوبهم (5) "، " وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم (6) "، " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم (7) "، " يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم (8) "، " كلا بل ران على قلوبهم (9) "، " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (10) "، " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (11) " فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب، فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضا هو القلب. الثالث أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر والروية أحس من قلبه ضيقا وضجرا حتى كأنه يتألم بذلك، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب، لان التكليف مشروط بالعقل والفهم.


(1) الحج: 46. (2) الاعراف: 178. (3) ق: 37. (4) البقرة: 10. (5) البقرة: 7. (6) البقرة: 88. (7) التوبة: 65. (8) آل عمران: 167. (9) المطففين: 14. (10) محمد: 24. (11) الحج: 46.

[25]

الرابع أن القلب هو أول الاعضاء تكونا وآخرها موتا، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولانه متمكن في الصدر الذي هو الاوسط في الجسد، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة، لتكتنفهم الحواشي من الجوانب ليكونوا أبعد من الآفات. واحتج من قال: العقل في الدماغ، بوجوه: أحدها أن الحواس التي هي الآلات للادراك نافذة إلى الدماغ دون القلب. وثانيها أن الاعضاء (1) التي هي آلات الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب. وثالثها أن الآفة إذا دخلت في الدماغ اختل العقل. ورابعها أن في العرف كل من اريد وصفه بقلة العقل يقال: إنه خفيف الدماغ خفيف العقل (2). وخامسها أن العقل أشرف فيكون مكانها أشرف، و الاعلى هو الاشرف وذلك هو الدماغ لا القلب، فوجب أن يكون محل العقل الدماغ لا القلب. والجواب عن الاول: لم لا يجوز أن يقال: الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب، والدماغ آلة قريبه للقلب (3) والحواس آلة بعيدة، والحس يخدم الدماغ، والدماغ يخدم القلب ؟ وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الامر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه، فإن الاعضاء تتحرك عند ذلك، ونحن (4) عند التعقلات نحس من جانب الدماغ. وعن الثاني: أنه لا يبعد أن يتأدى الاثر من القلب إلى الدماغ، ثم الدماغ يحرك الاعضاء بواسطة الاعصاب النابتة منه. وعن الثالث: لا يبعد أن تكون سلامة الدماغ شرطا لوصول تأثير القلب إلى سائر الاعضاء.


(1) كذا، وفى المصدر " الاعصاب " وهو الصواب. (2) في المصدر: خفيف الرأس (3) للعقل (خ). (4) كذا، وفى المصدر " ونحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ.

[26]

وعن الرابع: أن ذلك العرف إنما كان لان القلب إنما يعتدل مزاجه بما يستمده من الدماغ من برودته، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضا، إما لزيادة حرارته عن القدر الواجب، أو لنقصان حرارته عن ذلك القدر، فحينئذ يختل العقل. وعن الخامس: أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع القلب هو القحف (2) ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم (3) - انتهى -. وأقول بعد تسليم مقدمات دلائله وعدم التعرض لتزييفها ومنعها إنما تدل على أن الروح غير البدن وأجزائه والحواس الظاهرة والباطنة، ولا تدل على تجردها، لم لا يجوز أن تكون جسما لطيفا من عالم الملكوت تتعلق بالبدن أو تدخله وتخرج عند الموت وتبقى محفوظة إلى النشور ؟ كما سنحققه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى " الله يتوفى الانفس حين موتها " قال الطبرسي - قدس الله سره - أي يقبضها إليه وقت موتها وانقضاء آجالها، والمعنى: حين موت أبدانها وأجسادها على حذف المضاف " والتي لم تمت في منامها " أي يتوفى الانفس التي لم تمت في منامها والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، فهي التي تفارق النائم فلا يعقل، والتي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس، فالفرق بين قبض النوم وقبض الموت أن قبض النوم يضاد اليقظ وقبض الموت يضاد الحياة، وقبض النوم يكون الروح معه، وقبض الموت يخرج الروح من البدن " فيمسك التي قضى عليها الموت " إلى يوم القيامة " ويرسل الاخرى " يعني الانفس التي لم يقض على موتها، يريد نفس النائم " إلى أجل مسمى " قد سمي لموته " إن في ذلك لآيات " أي دلالات واضحات على توحيد الله وكمال قدرته " لقوم يتفكرون " في الادلة، إذ لا يقدر على قبض النفوس تارة بالنوم وتارة بالموت غير الله تعالى. قال ابن عباس: في بني آدم نفس و


(1) القحف - بكسر القاف -: عظيم فوق الدماغ. (2) مفاتيح الغيب: ج 23، ص 166 - 168.

[27]

روح، وبينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، وإذا مات قبض الله نفسه وروحه. ويؤيده ما رواه العياشي بالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مامن أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه وصار بينهما سبب كشعاع الشمس، فإذا أذن الله في قبض الارواح أجابت الروح والنفس (1)، وإن أذن الله في رد الروح أجابت النفس والروح وهو قوله سبحانه: " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تأويل، وما رأت فيما بين السماء والارض فهو مما يخيله الشيطان ولا تأويل له (2). وقال الرازي: النفس الانسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الاعضاء وهو الحياة، فنقول: إن وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن وعن باطنه وذلك هو الموت، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن، فثبت أن النوم والموت من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه، إذا ثبت هذا ظهر أن القادر العالم القديم الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه: أحدها أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه، وذلك هو اليقظة. وثانيها أن ينقطع ضوء النفس عن البدن بالكليه، وهو الموت. وثالثها أن ينقطع ضوء النفس عن ظاهر البدن دون باطنه وهو النوم (3). " فلولا إذا بلغت الحلقوم " قال الطبرسي - رحمه الله -: أي فهلا إذا بلغت النفس الحلقوم عند الموت " وأنتم " يا أهل الميت " حينئذ تنظرون " أي ترون تلك الحال و


(1) كذا، والظاهر زيادة الواو في الموضعين: فالصواب " أجابت الروح النفس. أجابت النفس الروح ". (2) مجمع البيان: ج 8، ص 500 - 501. (3) مفاتيح الغيب: ج 26، ص 284.

[28]

قد صار إلى أن تخرج نفسه، وقيل: معناه تنظرون لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا (1). " الذي خلق الموت والحياة " قال الرازي: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، و احتجوا بهذه الاية لان العدم لا يكون مخلوقا (2). [الاخبار]. 1 - معاني الاخبار: قال: حدثني غير واحد من أصحابنا، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن، عن بكر، عن القاسم بن عروة عن عبد الحميد الطائي، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل " ونفخت فيه من روحي " كيف هذا النفخ ؟ فقال: إن الروح متحرك كالريح، وإنما سمي روحا لانه اشتق اسمه من الريح، وإنما أخرجه على لفظة الريح لان الروح مجانس للريح (3) وإنما أضافه إلى نفسه لانه اصطفاه على سائر الارواح، كما اصطفى بيتا من البيوت فقال: بيتي، وقال لرسول من الرسل: خليلي، وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر (4). الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن العروة مثله (5). الاحتجاج: عن محمد بن مسلم مثله (6). بيان: لعل " إخرجه على لفظة الريح " كما في الكافي عبارة عن التعبير عن إيجاده


(1) مجمع البيان: ج 9، ص 227. (2) مفاتيح الغيب: ج 30، ص 54. (3) في الكافي: الارواح مجانسة الريح. (4) معاني الاخبار: 17. (5) الكافي: ج 1، ص 131. (6) الاحتجاج: 176.

[29]

في البدن بالنفخ فيه، لمناسبة الروح للريح ومجانسته إياه. واعلم أن الروح قد تطلق على النفس الناطقة التي تزعم الحكماء أنها مجردة، وهي محل العلوم و الكمالات، ومدبرة للبدن، وقد تطلق على الروح الحيوانى وهو البخار اللطيف المنبعث من القلب الساري في جميع الجسد، وهذا الخبر وأمثاله يحتملهما وإن كانت بالاخيرة بعضها أنسب، وقيل: الروح وإن لم تكن في أصل جوهرها من هذا العالم، إلا أن لها مظاهر ومجالي في الجسد، وأول مظهر لها فيه بخار لطيف دخاني شبيه في لطافته واعتداله بالجرم السماوي، ويقال له " الروح الحيواني " وهو مستوى الروح الربانى الذي هو من عالم الامر ومركبه ومطية قواه، فعبر عليه السلام عن الروح بمظهره، تقريبا إلى الافهام، لانها قاصرة عن فهم حقيقته كما اشير إليه بقوله تعالى " قل الروح من أمر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا " و لان مظهره هذا هو المنفوخ دون أصله. وقال البيضاوي: " فإذا سويته " عدلت خلقه وهياته لنفخ الروح " ونفخت فيه من روحي " حتى جرى آثاره في تجاويف أعصابه (1) فحيى، وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه نفخا (2). وقال النيسابوري: النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال: إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لاجل تعلق النفس الناطقة به. قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيى به فيه ولا خلاف في أن الاضافة في قوله " روحي " للتشريف والتكريم مثل " ناقة الله " و " بيت الله ".


(1) في المصدر: أعضائه. (2) انوار التنزيل: ج 1، ص 648.

[30]

وقال الرازي: قوله تعالى " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين: التسوية أولا ثم نفخ الروح ثانيا، وهذا حق لان الانسان مركب من جسد ونفس، أما الجسد فإنه يتولد من المني، والمني إنما يتولد من دم الطمث، وهو إنما يتولد من الاخلاط، وهي إنما تتولد من الاركان الاربعة، فلابد في حصول هذه التسوية من رعاية المدة التي في مثلها يحصل ذلك المزاج الذي لاجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة. فأما النفس فإليها الاشارة بقوله " ونفخت فيه من روحي " ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي. وذهبت الحلولية إلى أن كلمة " من " تدل على التبعيض وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله، وهذا في غاية الفساد، لان كل ماله جزء فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث. وأما كيفية نفخ الروح فاعلم أن الاقوى أن جوهر النفس عبارة عن أجرام شفافة نورانية علوية العنصر قدسية الجواهر وهي تسري في هذا البدن سريان الضوء في الهواء والنار في الفحم، فهذا القدر معلوم، أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى (1). 2 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام: إن روح آدم عليه السلام لما امرت أن تدخل فيه كرهته، فأمرها أن تدخل كرها وتخرج كرها (2). بيان: لا يبعد أن يكون المعنى أن الروح لما كانت في عالم الملكوت وهي لا تناسب البدن، فلما خلقها الله خلقا تحتاج في تصرفها وأعمالها وترقياتها إلى البدن فكأنها تعلقت به كرها، فلما أنست به ونسيت ما كانت عليه صعبت عليها مفارقتها للبدن أو أنه لما كانت محتاجة إلى البدن ورأته ضائعة مختلة لا يمكنها إعمالها فيما تريد فارقته كرها.


(1) بناء على تكامل النفس بالحركة الجوهرية إلى مرتبة التجرد يمكن أن يكون التعبير بالنفخ إشارة إلى تكونها التدريجي. (2) قرب الاسناد: 53.

[31]

3 - العلل والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ينام الرجل (1) و هو جنب، ولا ينام إلا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد، فإن روح المؤمن ترفع إلى الله تبارك وتعالى فيقبلها ويبارك عليها، فإن كان أجلها قد حضر جعلها في كنوز (2) رحمته وإن لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع امنائه من ملائكته فيردونها في جسدها (3). 4 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابه، عن زكريا بن يحيى، عن معاوية بن عمار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحق، وما رأت في الهواء فهو الاضغاث، ألا وإن الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف (4)، فإذا كانت الروح في السماء تعارفت


(1) في العلل: المسلم. (2) في العلل: مكنون. (3) الخصال: 175، العلل: ج 1، ص 279. (4) توجد هذه الجملة " الارواح جنود - الخ - " في عدة من رواياتنا، ورويت بطرق عامية عن النبي صلى الله عليه وآله وسيأتى نقلها عن الشهاب تحت الرقم (50) وقد ذكر في بيانها وجوه مختلفة غير مستندة إلى ظاهر اللفظ. والذى يظهر بالتأمل في نفس الرواية امور: (الف) ان الارواح جنود لاجند واحد، فهى في صفوف مختلفة كل صف يشتمل على عدة ارواح (ب) ان التعارف والتناكر في الارواح يرتبطان بتجندها في جنود مختلفة، ولا سيما بالنظر إلى لفظة الفاء في الرواية. (ج) ان الائتلاف والاختلاف واقعان في هذا العالم الجسماني وباعتبار تعلقها بالابدان كما ان التعارف والتناكر المتفرعين على التجند في الجنود يتصف بهما الارواح مع قطع النظر عن تعلقها بالابدان، ويؤيده بل يدل عليه ذيل هذه الرواية كما انه يؤيده ايضا ما ورد في شأن صدور الرواية النبوية كما سيجئ نقلها عن " الضوء ". ويتحصل من هذه الامور ان للارواح وعاء تكون هي في ذلك الوعاء مصطفة في صفوف - >

[32]

وتباغضت، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الارض، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الارض (1). 5 - التوحيد: عن محمد بن أحمد السناني وغيره، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عبيس بن هشام، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " قال: إن الله عزوجل خلق خلقا وخلق روحا، ثم أمر ملكا فنفخ فيه فليست بالتي نقصت من قدرة الله شيئا، هي من قدرته (2). 6 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن القاسم النوفلي قال: قلت لابي عبد الله الصادق عليه السلام: المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها، وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا. فقال إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق، وكلما رآه في الارض فهو أضغاث أحلام. فقلت له: وتصعد روح


- > مختلفة، واصطفاف عدة من الارواح في صف واحد يوجب معرفة بعضها لبعض كما ان الاختلاف في الصفوف يلازم التناكر وعدم التعارف ومن هذا التعارف والتناكر ينشأ الائتلاف و الاختلاف في هذا العالم فمنشأ التعارف هو الاصطفاف في صف واحد وبعبارة اخرى هو اتحاد مرتبة الوجود أو تقارب المراتب، كما ان منشأ التناكر هو الاختلاف في الصف وبعبارة اخرى هو اختلاف مرتبة الوجود أو تباعد المراتب. ثم ان الظاهر من قوله " الارواح جنود. " انها بالفعل تكون في الصفوف المختلفة لا انها كانت في الماضي كذلك، فالظاهر منها - الذى يوجبه حمل اللفظ مادة وهيئة على المعنى الحقيقي - انها مع كونها متعلقة بالابدان لها وعاء آخر تكون هي في ذلك الوعاء مصطفة في صفوف مختلفة، وهذا لا يستقيم الا على القول بتجردها فان الاجسام اللطيفة المفروضة بعد حلولها في الابدان لا يتصور لها اصطفاف وتعارف حقيقيان (2) الامالى: 88. (3) التوحيد: 113.

[33]

المؤمن إلى السماء ؟ قال: نعم. قلت: حتى لا يبقى (1) شئ في بدنه ؟ فقال: لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها (2) شئ إذا لمات. قلت: فكيف تخرج (3) ؟ فقال: أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الارض ؟ فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة (4). بيان: فقه هذه الاخبار موقوف على تحقيق حقيقة الروح، وقد مضى بعض القول فيها وسيأتي تمامه إن شاء الله. 7 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم أنه سأل الصادق عليه السلام قال: فأخبرني عمن قال بتناسخ الارواح من أي شئ قالوا ذلك ؟ وبأي حجة قاموا على مذاهبهم ؟ قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدين، وزينوا لانفسهم الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات، وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجة من روى " أن الله عزوجل خلق آدم على صورته " وأنه لاجنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، إن كان محسنا في القالب الاول اعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلا درجة الدنيا، وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة الخلقة، وليس عليهم صوم ولا صلوة ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم: من فروج النساء وغير ذلك من الاخوات، والبنات والخالات و ذوات البعولة، وكذلك الميتة والخمر والدم. فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الامم، فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة ولعنهم الفرقان وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الارواح الازلية هي التي


(1) في المصدر: لا يبقى منه شئ. (2) فيه: منه. (3) فيه: يخرج. (4) الامالى: 88.

[34]

كانت في آدم ثم هلم جرا إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه ؟ وقالوا: إن الملائكة من ولد آدم، كل من صار في أعلا درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك، فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية. يقولون: إن الاشياء على غير الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لان الدواب عندهم كلها من ولد آدم حولوا في صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القربات (1) ! وساق الحديث الطويل إلى أن قال: أخبرني عن السراج إذا انطفى أين يذهب نوره ؟ قال: يذهب فلا يعود. قال: فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفى ؟ قال: لم تصب القياس، إن النار في الاجسام كامنة والاجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت (2) من بينهما نار يقتبس منها سراج له الضوء، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب، والروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت إن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف وركب فيه ضروبا مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك هو يحييه بعد موته ويعيده بعد فنائه. قال: فأين الروح ؟ قال: في بطن الارض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث. قال: فمن صلب أين روحه ؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الارض. قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم ؟ قال: نعم، الروح على ما وصفت لك مادته من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم وصفاء اللون وحسن الصوت وكثرة الضحك فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن ؟ قال: الروح بمنزلة الريح في الزق إذا نفخت فيه امتلا الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن.


(1) الاحتجاج: 188. (2) في المصدر: سقطت.

[35]

قال: فأخبرني ماجوهر الريح (1) ؟ قال: الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا فإذا سكن سمي هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كف الريح ثلاثه أيام لفسد كل شئ على وجه الارض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج من البدن نتن البدن وتغير، تبارك الله أحسن الخالقين. قال: أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق ؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الاشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم اعيدت الاشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلي والاعضاء قد تفرقت: فعضو ببلدة تأكلها سباعها وعضو باخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط ؟ ! قال: إن الذي أنشأه من غير شئ وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك، قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض ويعلم عدد الاشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الارض مطر النشور، فتربو الارض ثم تمخض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب فينقل بإذن [الله] القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. (2). بيان: " من فروج النساء " أي الاجانب غير ذات البعولة، وظاهر الخبر أن الروح جسم لطيف، وأوله بعض القائلين بالتجرد بتأويلات ستأتي الاشارة إلى بعضها


(1) عن جوهر الروح (خ). (2) الاحتجاج، 191 - 192.

[36]

وكذا أولوا ماروي عن الصادق عليه السلام في وصف الروح أنه قال " وبها يؤم البدن وينهى ويثاب ويعاقب وقد تفارقه ويلبسها الله سبحانه غيره كما تقتضيه حكمته " وقال بعضهم: قوله عليه السلام " وقد تفارقه ويلبسها الله غيره " صريح في أنها مجردة عن البدن مستقلة، وأنه ليس المراد بها الروح البخارية، قال: وأما إطلاق الجسم عليه فلان نشأة الملكوت أيضا جسمانية من حيث الصورة وإن لم تكن مادية. 8 - العلل والعيون: عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبي هاشم داود بن قاسم الجعفري، عن أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليه السلام قال: أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم ومعه الحسن بن علي عليه السلام وسلمان الفارسي رحمه الله وأمير المؤمنين متكئ على يد سلمان، ودخل مسجد الحرام، (1) إذا أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين عليه السلام فرد عليه السلام فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا مأمونين في دنيا هم ولا في آخرتهم، وإن تكن الاخرى علمت أنك وهم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عما بدالك. فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى ؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الاعمام والاخوال ؟ فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام فقال: يا أبا محمد أجبه فقال عليه السلام: أما ما سألت عنه من أمر الانسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن روحه متعلقة (2) بالريح، والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة فإن أذن الله عزوجل برد تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الروح الريح وجذبت تلك الريح الهواء، فرجعت الروح فاستكنت (3) في بدن صاحبها، فإن لم يأذن الله عز


(1) في العلل والاحتجاج، فجلس. (2) في العلل " معلقة " في الموضعين. (3) في العيون " فاسكنت " وفى الاحتجاج " فسكنت ".

[37]

وجل برد تلك الروح على صاحبها جذب الهواء الريح، فجذبت الريح الروح، فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث. وأما ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان: فإن قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق، فإن صلى الرجل عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسي، وإن هو لم يصل على محمد وآل محمد أو نقص من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق فأظلم القلب ونسي الرجل ما كان ذكره. وأما ما ذكرت من أمر المولود (1) الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإن الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب فاستكنت تلك النطفة في جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه وامه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب اضطرابت النطفة (2) فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق فإن وقعت على عرق من عروق الاعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الاخوال أشبه الولد أخواله. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل أشهد بها، أشهد أن محمدا عبده (3) ورسوله ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسوله والقائم بحجته - وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - و أشار إلى الحسن عليه السلام وأشهد أن الحسين بن علي وصي أبيك والقائم بحجته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن


(1) في العلل، الرجل الذى يشبه ولده اعمامه. (2) في العل، اضطربت تلك النطفة في جوف تلك الرحم فوقعت على عرق من العروق فان. (3) في المصادر الثلاثه، رسول الله.

[38]

موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسي، وأشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن (1) بن علي لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر أمره فيلمؤها (2) عدلا كما ملئت جورا أنه القائم بأمر الحسن بن علي، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قام ومضى فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد ؟ فخرج الحسن بن علي عليه السلام في أثره، قال فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله عزوجل، فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمته، فقال يا أبا محمد أتعرفه ؟ قلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر. (3) الاحتجاج: مرسلا مثله (4). المحاسن: عن أبيه، عن داوود بن القاسم مثله (5). بيان: " فإن روحه متعلقة بالريح " يحتمل أن يكون المراد بالروح الروح الحيوانية، وبالريح النفس، وبالهواء الهواء الخارج المنجذب بالنفس، وأن يكون المراد بالروح النفس، مجردة كانت أم مادية، وبالريح الروح الحيوانية لشباهتها بالريح في لطافتها وتحركها ونفوذها في مجاري البدن، وبالهواء النفس. والحق جمع حقه - بالضم فيهما - وهي وعاء من خشب ولعل الجمعية هنا لاشتمال القلب الصنوبري على تجاويف وأغشية، أو لاشتمال محله عليها، أو هي باعتبار الافراد والحق مخفف حقه، والطبق محركة -: غطاء كل شئ ولا يبعد أن يكون الكلام مبنيا على الاستعارة والتمثيل، فإن الصلوة على محمد وآل محمد لما كانت سببا للقرب من المبدأ و استعداد النفس لافاضة العلوم عليها، فكان الشواغل النفسانية الموجبة للبعد عن الحق


(1) في العلل: الحسين. (2) في الاحتجاج: فيملؤ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. (3) علل الشرائع: ج 1، ص 90 - 92، العيون: ج 1، 65 - 68. (4) الاحتجاج: 142 - 143. (5) المحاسن: 332.

[39]

تعالى طبق عليها فتصير الصلاة سببا لكشفه وتنور القلب واستعداده لفيض الحق إما بإفاضة الصورة ثانية أو باستردادها من الخزانة. 9 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: أقبل أمير المؤمنين عليه السلام يوما ويده على عاتق سلمان معه الحسن عليه السلام حتى دخل المسجد، فلما جلس جاء رجل عليه برد حسن، فسلم وجلس بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين اريد أن أسألك عن مسائل فإن أنت أجبت (1) منها علمت أن القوم نالوا منك وأنت أحق بهذا الامر من غيرك، وإن لم تجبني (2) عنها علمت أنك والقوم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سل ابني هذا - يعني الحسن - فأقبل الرجل بوجهه على الحسن عليه السلام فقال له: يا بني أخبرني عن الرجل إذا نام أين يكون روحه ؟ وعن الرجل يسمع الشئ فيذكره دهرا ثم ينساه في وقت الحاجة إليه كيف هذا ؟ وأخبرني عن الرجل يلد له الاولاد، منهم من يشبه أباه وعمومته، ومنهم من يشبه امه وأخواله فكيف هذا فقال له الحسن عليه السلام: نعم أما الرجل إذا نام فإن روحه يخرج مثل شعاع الشمس فيتعلق بالريح، والريح بالهواء فإذا أراد الله أن ترجع جذب الهواء الريح وجذب الريح الروح فرجعت إلى البدن فإذا أراد الله أن يقبضها جذب الهواء الريح وجذب الريج الروح فقبضها (3). وأما الرجل الذي ينسى الشئ ثم يذكره فما من أحد إلا على رأس فؤاده حقة مفتوحة الرأس فإذا سمع الشئ وقع فيها، فإذا أراد الله أن ينساها طبق عليها، وإذا أراد أن يذكره فتحها وهذا دليل الالهية. وأما الرجل الذي يلد له الاولاد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة فإن الولد يشبه أباه وعمومته، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل يشبه امه وأخواله (4) فالتفت الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أقولها، وأشهد


(1) في المصدر: خرجت. (2) فيه: لم تخرج منها. (3) في المصدر: فيقبضها إليه. (4) فيه، خؤولته.

[40]

أن محمد رسول الله (1) ولم أزل أقولها، وأشهد أنك وصي محمد وخليفته في امته وأمير المؤمنين حقا، وأن الحسن القائم بأمرك، وأن الحسين القائم من بعده بأمره، وأن على بن الحسين القائم بأمره من بعده وأن محمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي ووصي الحسن بن علي القائم بالقسط المنتظر الذي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. ثم قام وخرج من باب المسجد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للحسن: هذا أخي الخضر (2). بيان: " وهذا دليل الا لهية " أي كون الذكر والنسيان بيد الله ومن قبله دليل على وجود الصانع، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: عرفت الله بفسخ العزائم. وفي بعض النسخ " الا لهامية " أي العلوم الا لهامية، فإنه إذا كان الذكر من قبله تعالى فالعلوم كلها منه، ويجوز أن يلهم من يشاء من عباده ما يشاء، والاول أظهر. 10 - التوحيد: عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكراني (3) عن محمد بن زكريا الجوهرى، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن للجسم ستة أحوال: الصحة، والمرض والموت، والحياة، والنوم، واليقظة. كذلك الروح، فحياتها علمها، وموتها جهلها ومرضها شكها، وصحتها يقينها، ونومها غفلتها، ويقظتها حفظها (4). 11 - منتخب البصائر: عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين وموسى بن عمر عن محمد بن سنان، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مثل روح المؤمن وبدنه كجوهرة في صندوق إذا أخرجت (5) الجوهرة منه طرح الصندوق ولم يعبأ به. وقال: إن الارواح


(1) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: عبده ورسوله. (2) تفسير القمى 405 - 406. (3) في المصدر وبعض نسخ الكتاب " السكرى " وفى بعضها " السكران " ولم نجدلة ذكرا في كتاب الرجال. (4) التوحيد: 219. (5) في البصائر: خرجت.

[41]

لا تمازج البدن ولا تواكله (1) وإنما هي كلل (2) للبدن محيطة به. البصائر: عن بعض أصحابنا، عن المفضل مثله (3). بيان: استدل بآخر هذه الرواية على تجرد الروح، إذ لم يقل أحد بكونها جسما خارجا من البدن، ويمكن أن يكون هذا بيان حالها بعد الموت فإن أول الخبر ظاهره الدخول. 12 - المناقب: لابن شهر اشوب: سأل أبا بكر نصرانيان: ما الفرق بين الحب والبغض ومعدنهما واحد ؟ وما الفرق بين الرؤيا الكاذبة ومعدنهما واحد ؟ فأشار إلى عمر، فلما سألاه أشار إلى علي، فلما سألاه عن الحب والبغض قال: إن الله تعالى خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام فأسكنها الهواء، فمهما تعارف هناك ائتلف ههنا، ومهما تناكر هناك اختلف ههنا. ثم سألاة عن الحفظ والنسيان فقال: إن الله تعالى خلق ابن آدم وجعل لقلبه غاشية، فمهما مر بالقلب والغاشية منفتحة حفظ وأحصى، ومهما مر بالقلب والغاشية منطبقة لم يحفظ ولم يحص. ثم سألاه عن الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة فقال عليه السلام: إن الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطانا فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الروح وبقي سلطانه، فيمر به جيل من الملائكة وجيل من الجن، فمهما كان من الرؤيا الصادقة فمن الملائكة، ومهما كان من الرؤيا الكاذبة فمن الجن، فأسلما على يديه وقتلا معه يوم صفين. (4). بيان: يحتمل أن تكون الغاشية كناية عما يعرض القلب من الخيالات الفاسدة والتعلقات الباطلة، لانها شاغلة للنفس عن إدراك العلوم والمعارف كما ينبغي وعن حفظها كما مر. والمراد بالنفس هنا إما الروح البخارية الحيوانية وبالروح النفس الناطقة فالمراد بقوله " سلطانها " السلطان المنسوب من قبلها على البدن، وأنها مسلطة على


(1) في البصائر: لاتداخله. (2) فيه: كالكلل. (3) بصائر الدرجات: 463. (4) المناقب، ج 2، ص 357.

[42]

الروح من جهة أن تعلقها بالبدن مشروطة (1) بها وتابعة لها، فإذا زالت الحيوانية انقطع تعلق الناطقة أو خرجت عن البدن، ويحتمل العكس، فالمراد بخروج الروح خروجها من الاعضاء الظاهرة وميلها إلى الباطن، وتسلط الناطقة على الحيوانية ظاهر لكونها المدبرة للبدن وجميع أجزائه. والتفريح في قوله عليه السلام " فيمر به " على الوجهين ظاهر، فإنه لبقاء السلطان في البدن لم تذهب الحياة بالكلية وبقيت الحواس الباطنة مدركة، فإلهام الملائكة ووساوس الشياطين أيضا باقية. 13 - العياشي: عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: خلق من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء. (2) بيان: يمكن حمل الخبر على الروح الانساني وإن كان ظاهره الملك أو خلق أعظم منه كما مر. 14 - العياشي: عن أبي بصير، عن أحد هما عليهما السلام قال: سألته عن قوله " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال (3): التي في الدواب والناس. قلت: وماهي ؟ قال: هي من الملكوت، من القدرة (4). 15 - وعن أسباط ابن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، وهو مع الائمة يفقههم. وهو من الملكوت. 16 - المناقب: يونس في حديثه قال: سأل ابن أبي العوجاء أبا عبد الله عليه السلام: لم يميل القلب إلى الخضرة أكثر مما يميل إلى غيرها ؟ قال: من قبل أن الله تعالى خلق القلب أخضر، ومن شأن الشئ أن يميل إلى شكله (5).


(1) كذا، والصواب: مشروط بها وتابع لها. (2) تفسير العياشي: ج 2، ص 316. (3) في المصدر: ما الروح ؟ قال. (4) تفسير العياشي: ج 2، ص 317. (5) المناقب، ج 4، ص 256.

[43]

17 - جامع الاخبار: سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام: الرجل نائم هنا والمرأة النائمة يريان أنهما بمكة أو بمصر من الامصار، أرواحهما خارج (1) من أبدانهما ؟ قال: لا يا أبا بصير، فإن الروح إذا فارقت البدن لم تعد إليه غير أنها بمنزلة عين الشمس هي مركبة (2) في السماء في كبدها وشعاعها في الدنيا. 18 - عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء الدنيا، فما رأت الروح في السماء الدنيا فهو الحق، وما رأت في الهواء فهو الاضغاث. 19 - روي عن أبي الحسن عليه السلام يقول: إن المرء إذا نام فإن روح الحيوان باقية في البدن، والذى يخرج منه روح العقل. فقال عبد الغفار الاسلمي: يقول الله عزوجل " الله يتوفى الانفس حين موتها - إلى قوله - إلى أجل مسمى " أفليس ترى الارواح كلها تصير إليه عند منامها فيمسك ما يشاء ويرسل ما يشاء ؟ فقال له أبو الحسن عليه السلام: إنما يصير إليه أرواح العقول، فأما أرواح الحياة فإنها في الابدان لا يخرج إلا بالموت، ولكنه إذا قضى على نفس الموت قبض الروح الذي فيه العقل ولو كانت روح الحياة خارجة لكان بدنا ملقى لا يتحرك، ولقد ضرب الله لهذا مثلا في كتابه في أصحاب الكهف حيث قال: " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " أفلا ترى أن أرواحهم فيهم بالحركات ؟. توضيح: الظاهر أن الروح التي في خبر أبي بصير المراد بها " روح الحياة " أو المراد بالخروج في الاخبار الاخر إعراضها عن البدن وتوجهها إلى عالمها الاصلية وهي عالم الملكوت، كما يظهر من التمثيل بالشمس. قوله عليه السلام " ولكنه إذا قضى.. " أي بالنوم، وكأن فيه سقطا. 20 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن أبي نهشل عن محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك


(1) كذا. (2) مركوزة (خ).

[44]

فقلوبهم تهوي إلينا لانها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلا هذه الآية: " كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون (1) ". وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم لانها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلاهذه الآية: " كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدريك ما سجين كتاب مرقوم (2) ". بيان: اختلف المفسرون في تفسير " عليين " فقيل: إنها مراتب عالية محفوفة بالجلالة، وقيل: السماء السابعة، وقيل: سدرة المنتهى، وقيل: الجنة، وقيل: أعلى مراتبها، وقيل: لوح من زبرجد أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه. و " السجين " الارض السابعة، أو أسفل منها، أوجب في جهنم. والمراد أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب منها في " عليين " أي في دفتر أعمالهم، أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الامكنة الشريفة، وعلى الاخير فيه حذف مضاف، أي: وما أدراك ما كتاب عليين. وأما الاستشهاد بالآيتين في الخبر فيحتمل وجهين: أحدهما: أن دفتر أعمالهم موضوع في مكان اخذت منه طينتهم. وثانيهما: أن يكون على تفسيره عليه السلام المراد بالكتاب الروح، لان الروح هو الكتاب الذي فيه علوم المقربين ومعارفهم، وجهالات المضلين وخرافاتهم. 21 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك، وخلق أرواح شيعتنا من عليين وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحن إلينا (3). بيان: " خلقنا " أي أبداننا، " من فوق ذلك " أي أعلى عليين، " من دون ذلك " أي أدنى عليين. " فمن أجل ذلك " أي من أجل كون أبداننا وأرواحنا مخلوقة


(1) المطففين: 18 - 21. (2) المطففين: 9 7، الكافي: ج 1، ص 390. (3) الكافي: ج 1، ص 389.

[45]

من عليين، وكون أرواحهم وأجسادهم أيضا مخلوقة من عليين. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " من فوق ذلك " من مكان أرفع من عليين، وبقوله: " من دون ذلك " من مكان أسفل من عليين، فالقرابة من حيث كون أرواحنا وأبدانهم من عليين. قوله " تحن " أي تهوي كما قال تعالى: " واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم (1) ". 22 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن شعيب، عن عمران بن إسحاق الزعفراني، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة (2)، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين لم يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا (3) نصيب، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة، ولم يجعل الله لاحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا إلا للا نبياء، فلذلك صرنا نحن وهم الناس، وسائر (4) الناس همج، للنار وإلى النار (5). توضيح: " إن الله خلقنا " أي أرواحنا " من نور عظمته " أي من نور يدل على كمال عظمته وقدرته " ثم صور خلقنا " أي خلق لنا أجسادا مثالية شبيهة بالاجساد الاصلية، فهي صور خلقهم وأمثلته، فيدل على أن لهم أجسادا مثالية قبل تعلق أرواحهم المقدسة بأبدانهم المطهرة وبعد مفارقتها إياه بل معها أيضا، كما أن لنا بعد موتنا أجسادا مثالية تتعلق أرواحنا بها كما مر في كتاب المعاد، بل يمكن أن تكون أجسادنا المثالية أيضا كذلك ويكون ما نرى في المنام فيها كما هو رأي جماعة، ومن فسر التصوير في هذا الخبر بتصوير الاجساد الاصلية فقد أبعد. " فكنا خلقا وبشرا


(1) ابراهيم: 37. (2) في المصدر: مكنونة من تحت العرش. (3) فيه: خلقنا منه. (4) في المصدر: وصار سائر. (5) الكافي: ج 1، ص 389.

[46]

نورانيين " فالخلق للروح، والبشر للجسد المثالي، فإنه بصورة البشر، وكونهما نورانيين بناء على كونهما جسمين لطيفين منو رين من عالم الملكوت بناء على كون الروح جسما وعلى القول بتجردها كناية عن خلوة عن الظلمة الهيولائية وقبوله للانوار القدسية والافاضات الربانية. " في مثل الذي خلقنا " أي خلق أرواحنا منه. " من طينتنا " أي طينة أجسادنا. والخبر يدل على فضلهم على الانبياء عليهم السلام بل يومئ إلى مساواة شيعتهم لهم. والمراد بالناس أولا الناس بحقيقة الانسانية، وثانيا ما يطلق عليه الانسان في العرف العام. والهمج - محركة -: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الاغنام والحمير، ولعله عليه السلام شبههم بهم، لاز دحامهم دفعة على كل ناعق و براحهم عنه بأدنى سبب. " للنار " أي خلقوا لها، واللام للعاقبة. " وإلى النار " أي مصير هم إليها. 23 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن حسان، ومحمد بن يحيى، عن سلمة بن خطاب وغيره، عن علي بن حسان، عن علي بن عطية، عن علي بن رئاب رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن لله نهرا دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور نوره، وإن في حافتي النهر روحين مخلوقين: روح القدس، وروح من أمره. وإن لله عشر طينات، خمسة من الجنة، وخمسة من الارض. ففسر الجنان وفسر الارض، ثم قال: ما من نبي ولاملك من بعده جبله إلا نفخ فيه من إحدى الروحين، وجعل النبي من إحدى الطينتين. قلت لابي الحسن الاول عليه السلام: ما الجبل ؟ فقال: الخلق غيرنا أهل البيت، فإن الله عزوجل خلقنا من العشر طينات ونفخ فينا من الروحين جميعا فأطيب بها طيبا. وروى غيره عن أبي الصامت قال: طين الجنان: جنة عدن، وجنة المأوى والنعيم (2)، والفردوس، والخلد، وطين الارض: مكة، والمدينة، والكوفة، وبيت المقدس، والحير (3).


(1) في بعض النسخ " برائهم ". (2) في المصدر: وجنة النعيم. (3) فيه " والحائر ". الكافي: ج 1، ص 389.

[47]

بيان: " دون عرشه " أي عنده. " نوره " ماض من التفعيل، والمستتر فيه راجع إلى النور، والبارز إلى النهر أو العرش، أو المستتر إلى الله، والبارز إلى النور مبالغة في إضاءته ولمعانه. وفي البصائر " نور من نوره " وكأنه أصوب، أي من الانوار التي خلقها الله سبحانه. حافتا النهر - بالتخفيف - جانباه " مخلوقين " إبطال لقول النصارى أن عيسى روح الله غير مخلوق. " روح القدس " أي هما روح القدس وروح من أمره أي الروح الذي قال الله فيه " قل الروح من أمر ربي " وستأتي الاقوال فيه. وظاهر الخبر إما الروح الانساني أو الروح الذي يؤيد الله به الائمة عليهم السلام. " ففسر الجنان " الظاهر أنه كلام ابن رئاب، والضمير المستتر لامير المؤمنين عليه السلام وقيل: لابي الحسن عليه السلام، والتفسير إشارة إلى ما ذكر بعده في خبر أبي الصامت " ثم قال " أي " أمير المؤمنين عليه السلام " ولاملك " بالتحريك، وقد يقرؤها (1) بكسر اللام أي إمام كما قال تعالى: " وآتينا هم ملكا عظيما " وهو بعيد، وجملة " من بعده جبله " نعت " ملك " وضمير " بعده " لنبي، وضمير " جبله " للملك، إشارة إلى أن النبي أفضل من الملك فالمراد بالبعدية ماهي بحسب الرتبة وجعل النبي. إنما لم يذكر الملك هنا لذكره سابقا وقيل: لانه ليس للملك جسد مثل جسد الانسان. قوله: " ما الجبل ؟ " هو - بفتح الجيم وسكون الباء - سؤال عن مصدر الفعل المتقدم، وهو كلام ابن رئاب، ففسره عليه السلام بالخلق، والاظهر عندي أن " غيرنا " تتمة الكلام السابق على الاستثناء المنقطع، واعتراض السؤال والجواب بين الكلام قبل تمامه، وليس تتمة لتفسير الجبل كما توهمه الاكثر. قال الشيخ البهائي - قدس سره -: يعنى مادة بدننا لا تسمى جبلة بل طينة لانها خلق من العشر طينات (انتهى). قال الفيروز آبادي: الجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة: الخلقة والطبيعة، وككتاب: الجسد والبدن، وجبلهم الله يجبل ويجبل خلقهم، وعلى الشئ: طبعه وجبره كأجبله (انتهى). " وأطيب بها " صيغة التعجب و " طيبا " منصوب على الاختصاص. وفي بعض


(1) في بعض النسخ " يقرأ ".

[48]

نسخ البصائر " طينا " بالنون، فالنصب على التميز أي ما أطيبها من طينة. " وروى غيره " كأنه كلام ابن عطية، ويحتمل بعض أصحاب الكتب قبله. وضمير " غيره " لا بن رئاب، وأبو الصامت راوي الباقر والصادق عليهما السلام والظاهر أنه رواه عن أحد هما. و " الحير " حائر الحسين عليه السلام. وقال بعضهم: كأنه عليه السلام شبه علم الانبياء عليهم السلام بالنهر لمناسبة ما بينهما في كون أحدهما مادة حياة الروح، والآخر مادة حياة الجسم وعبر عنه بالنور لاضاءته، وعبر عن علم من دونهم من العلماء بنور النور لانه من شعاع ذلك النور، وكما أن حافتي النهر يحفظان الماء في النهر ويحيطان به فيجري إلى مستقره كذلك الروحان يحفظان العلم ويحيطان به ليجري إلى مستقره وهو قلب النبي أو الوصي. والطينات الجنانية كأنها من الملكوت والارضية من الملك، فإن من مزجهما خلق أبدان نبينا صلى الله عليه وآله والاوصياء عليهم السلام من أهل البيت، بخلاف سائر الانبياء والملائكة فإنهم خلقوا من إحدى الطينتين كما أن لهم إحدى الروحين خاصة. 24 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، (1) عن سدير الصيرفي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يا ابن رسول الله هل يكره المؤمن على قبض روحه ؟ قال: لا والله، [إنه] إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا ولي الله لا تجزع، فو الذي بعث محمدا لانا أبربك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر، قال: يتمثل له رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ذريتهم عليهم السلام فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والائمة عليهم السلام رفقاؤك، قال: فيفتح عينيه فينظر، فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول: " يا أيتها النفس المطمئنة " إلى محمد وأهل بيته " ارجعي إلى ربك راضية " بالولاية " مرضية " بالثواب " فادخلي في عبادي " يعني محمدا وأهل بيته " وادخلي جنتي " فما شئ أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي (2).


(1) في المصدر: عن أبيه عن سدير. (2) الكافي: ج 3، ص 127.

[49]

25 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن خالد بن عمار، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن شاء الله، فجلس رسول الله عن يمينه والآخر عن يساره، فيقول رسول الله: أما ماكنت ترجو فهوذا أمامك، وأما ما كنت تخاف فقد أمنت منه ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة، فيقول: لا حاجة لي في الدنيا - وساق إلى قوله - فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فيختار الآخرة، فيغسله فيمن يغسله ويقلبه فيمن يقلبه، فإذا ادرج في أكفانه ووضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدما وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له - جل ثناؤه - من النعيم، فإذا وصع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه، ثم يسأل عما يعلم فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صلى الله عليه وآله فيدخل عليه من نورها (1) وبردها وطيب ريحها (الحديث). (2) 26 - ومنه: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن آية المؤمن إذا حضره الموت ببياض (3) وجهه أشد من بياض لونه، ويرشح جبينه ويسيل من عينيه كهيئة الدموع، فيكون ذلك خروج نفسه، وإن الكافر تخرج نفسه سيلا (4) من شدقه كزبد البعير، أوكما تخرج نفس البعير. (5) 27 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن ملك الموت إذا انزل لقبض


(1) في المصدر: وضوئها. (2) الكافي: ج 3، ص 129. (3) فيه: يبياض. (4) في الكافي: سلا. (5) الكافي: ج 3، ص 134.

[50]

روح الكافر نزل ومعه سفود من نار فينزع روحه فيصيح جهنم (الحديث) (1). 28 - الفقيه: قال: قال الصادق عليه السلام: إذا قبضت الروح فهي مظلة فوق الجسد - روح المؤمن وغيره - ينظر إلى كل شئ يصنع به، فإذا كفن ووضع على السرير و حمل على أعناق الرجال عادت الروح إليه فدخلت فيه فيمد له في بصره فينظر إلى موضعه من الجنة أو من النار، فينادي بأعلى صوته إن كان من أهل الجنة: عجلوني ! عجلوني ! وإن كان من أهل النار: ردوني ! ردوني ! وهو يعلم كل شئ يصنع به ويسمع الكلام. (2) 29 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك، يروون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش، فقال: لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم (3). 30 - ومنه: بإسناده عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فإذا قبضه الله عزوجل صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا (4). 31 - ومنه: بسند موثق عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا نتحدث عن أرواح المؤمنين أنها في حواصل طيور خضر ترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل تحت العرش، فقال: لا، إذا ماهي في حواصل طير. قلت: فأين هي ؟ قال: في روضة كهيئة الاجساد في الجنة. (5) 32 - وفي رواية اخرى عن أبي بصير عنه عليه السلام قال: إن الارواح في صفة الاجساد


(1) المصدر: ج 3، 253. (2) الفقيه: 51. (3) الكافي: ج 3، ص 244. (4 و 5) الكافي: ج 3، ص 245.

[51]

في شجر في الجنة تعارف وتسأل. (1) 33 - ومنه: بسند صحيح عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله جنة خلقها الله في المغرب وماء فراتكم هذه يخرج منها، وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كل مساء، فتسقط على ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف فإذا طلع الفجر هاجت من الجنة فكانت في الهواء فيما بين السماء والارض تطير ذاهبة وجائية، وتعهد حفرها إذا طلعت الشمس وتتلاقى في الهواء وتتعارف. قال: وإن لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار، ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلعت الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له " برهوت " أشد حرا من نيران الدنيا كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون، فإذا كان المساء عادوا إلى النار، فهم كذلك إلى يوم القيامة (الحديث). (2) 34 - ومنه: بإسناده عن حبة العرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر، فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لاقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولا، ثم جلست حتى مللت ثم قمت وجمعت ردائي فقلت: يا أمير المؤمنين ! إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه، فقال لي: يا حبة، إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته. قال: قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك ؟ قال: نعم، ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون. فقلت: أجسام أم أرواح ؟ فقال: أرواح، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الارض إلا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن. (3) 35 - المحاسن: عن ابن فضال، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر الارواح أرواح المؤمنين، فقال: يلتقون، فقلت: يلتقون ؟


(1) الكافي: ج 3، ص 244. (2) المصدر: ج 3، ص 247. (3) المصدر: ج 3، ص 243.

[52]

قال: يلتقون ويتساءلون ويتعارفون حتى إذا رأيته قلت: فلان. (1) 36 - الفقيه: بسنده الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يرفع إلى إبراهيم وسارة أطفال المؤمنين يغذونهم بشجر في الجنة لها أخلاف كأخلاف البقر في قصر من در، فإذا كان يوم القيامة البسوا وطيبوا وهدوا إلى آبائهم، فهم ملوك في الجنة مع آبائهم، وهو قول الله عزوجل: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم (2) ". 37 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أخيه إسحاق، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الايام، قال: كذلك هو، قلت: جعلت فداك كيف ذلك ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا ركدت الشمس عذب الله أرواح المشركين بركود الشمس ساعة، فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود، رفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة. فلا يكون للشمس ركود. (3) 38 - ومنه: عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي بصير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب، قال: وفيهم (4) من يزور كل جمعة، ومنهم من يزور على قدر عمله. (5) 39 - ومنه: عن العدة، عن سهل، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: سألته عن الميت يزور أهله ؟ قال: نعم، فقلت: في كم يزور ؟ قال: في الجمعة، وفي الشهر، وفي السنة على قدر منزلته. فقلت: في أي صورة يأتيهم ؟ قال: في صورة طائر لطيف يسقط على جدر هم ويشرف عليهم، فإن رآهم بخير


(1) المحاسن: 178. (2) الفقية: 439، والاية في سورة الطور: 21. (3) الكافي: ج 3، ص 416. (4) في المصدر: منهم. (5) الكافي ج 3 ص 230.

[53]

فرح، وإن رآهم بشر وحاجة حزن واغتم. (1) وفي رواية اخرى عن إسحاق [قال:] قلت: في أي صورة ؟ قال: في صورة العصفور أو أصغر من ذلك. (2) أقول: قد أوردت أمثال هذه الاخبار مشروحة في كتاب المعاد، وإنما أوردت قليلا منها ههنا لدلالتها على حقيقة الروح والنفس وأحوالهما. 40 دعوات الراوندي: روي أن في العرش تمثالا لكل عبد، فإذا اشتغل العبد بالعبادة رأت الملائكة تمثاله، وإذا اشتغل بالمعصية أمر الله بعض الملائكة حتى يحجبوه بأجنحتهم لئلا تراه الملائكة، فذلك معنى قوله صلى الله عليه وآله " يامن أظهر الجميل و ستر القبيح ". بيان: ربما يستدل به على أن الجسد المثالي موجود في حال الحياة أيضا. 41 - الكافي: عن علي بن محمد، (3) عن صالح بن أبي حماد، عن الوشاء، عن كرام، عن عبد الله بن طلحة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوزغ، فقال: رجس وهو مسخ كله، فإذا قتلته فاغتسل. وقال: إن أبي كان قاعدا في الحجر ومعه رجل يحدثه، فإذا هو بوزغ يولول بلسانه، فقال أبي للرجل: أتدري ما يقول هذا الوزغ ؟ فقال: لا علم لي بما يقول، قال: فانه يقول: والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لاشتمن عليا حتى بقوم من ههنا، قال: وقال أبي: ليس يموت من بني امية ميت إلا مسخ وزغا. قال: وقال: إن عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا فذهب من بين يدي من كان عنده، وكان عنده ولده، فلما أن فقدوه عظم ذلك عليهم فلم يدروا كيف يصنعون، ثم اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جذعا فيصنعوه كهيئة الرجل، قال: ففعلوا ذلك و ألبسوا الجذع درع حديد ثم ألقوه (4) في الاكفان، فلم يطلع عليه أحد من الناس إلا


(1) الكافي، ج 3، ص 230. (2) المصدر: ج 231 3. (3) الظاهر انه على بن محمد بن ابراهيم بن أبان الكليني المعروف بعلان، وهو ثقه، لكن الرواية مجهولة بعبدالله بن طلحة. (4) في المصدر " لفوه " وهو الصواب.

[54]

أنا وولده. (1) بيان: المشهور استحباب ذلك الغسل، واستندوا في ذلك إلى رواية مرسلة رواها الصدوق في الفقيه، وقيل: إن العلة في ذلك أنه يخرج من ذنوبه فيغسل كغسل التوبة وقال المحقق في المعتبر: وعندي أن ما ذكره ابن بابويه ليس بحجة، وما ذكره المعلل ليس طائلا. أقول: كأنهم غفلوا عن هذا الخبر إذ لم يذكروه في مقام الاحتجاج وإن كان مجهولا. " يولول " أي يصوت. " والشتيمة " الاسم من الشتم. " إلا مسخ وزغا " إما بمسخه قبل موته، أو بتعلق روحه بجسد مثالي على صورة الوزغ، وهما ليسا تناسخا كما مر وسيأتي، أو بتغيير جسده الاصلي إلى تلك الصورة، كما هو ظاهر آخر الخبر لكن يشكل تعلق الروح به قبل الرجعة والبعث. ويمكن أن يكون قد ذهب بجسده إلى الجحيم أو احرق وتصور لهم جسده المثالي. وإلباس الجذع درع الحديد ليصير ثقيلا، أو لانه إن مسه أحد فوق الكفن لا يحس بأنه خشب. 42 - الكافي: عن علي إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو ابن أبي المقدام، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلا أصعد الله روحه إلى السماء فيبارك (2) عليها، فإن كان قد أتى عليها أجلها (3) جعلها في كنوز رحمته وفي رياض جنته وفي ظل عرشه، وإن كان أجلها متأخرا بعث بها مع أمنته من الملائكة ليردها إلى الجسد الذي خرجت منه لتسكن فيه (الحديث). (4) مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة


(1) روضة الكافي: 232. (2) هذه الجملة (فيبارك عليها) غير موجودة في المجالس. (3) الضمائر كلها في المجالس على صيغة المذكر. (4) روضة الكافي: 213.

[55]

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام مثله. (1) 43 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وساق الحديث إلى أن قال: يا علي إن أرواح شيعتك لتصعد إلى السماء في رقادهم ووفاتهم، فتنظر الملائكة إليها كما ينظر الناس إلى الهلال، شوقا إليهم ولما يرون منزلتهم عند الله عزوجل (2) (الخبر). 44 الفقيه: بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء وعن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " فقال: لعلك ترى أن القوم لم يكونوا ينامون ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: لابد لهذا البدن أن تريحه حتى تخرج نفسه، فإذا خرج النفس استراح البدن ورجعت الروح فيه وفيه قوة على العمل (الحديث) (3). بيان: قال بعض المحققين: الفرق بين الموت والنوم أن في الموت ينقطع تعلق النفس الناطقة، وفي النوم يبطل تصرفها، فالمراد من خروج النفس الناطقة هنا بطلان تصرفها في البدن، والمراد من الروح هذا الجسم البخاري اللطيف الذي يكون من لطافة الاغذية وبخاراتها وله مدخل عظيم في نظام البدن. 45 - في رسالة الا هليلجة التي كتب الصادق عليه السلام إلى المفضل بن عمر وذكر فيها احتجاجه في إثبات الصانع تعالى على الطبيب الهندي قال عليه السلام: قلت: أفتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شئ من ذلك ؟ قال: إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الامر. قلت: أما إذا أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الاشياء لا تدرك إلا بالحواس فإني اخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الاشياء ولا فيها معرفة إلا بالقلب، فإنه دليلها ومعرفها الاشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها، فقال: أما إذا نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص والتفحص منه


(1) المجالس: 373. (2) المجالس: 336. (3) الفقيه: 127.

[56]

بإيضاح وبيان وحجة وبرهان. قلت: فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهبت الحواس أو بعضها ودبر القلب للاشياء التي فيها المضرة والمنفعة من الامور العلانية والخفية فأمر بها ونهى، فنفذ فيها أمره وصح فيها قضاؤه. قال: إنك تقول في هذا قولا يشبه الحجة، ولكني احب أن توضحه لي غير هذا الايضاح قلت: ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس ؟ قال: نعم، ولكن يبقى بغير دليل على الاشياء التي تدل عليها الحواس. قلت: فلست تعلم أن الطفل تضعه امه مضغة ليس تدله الحواس على شئ يسمع ولا يبصر ولا يذاق ولا يلمس ولا يشم ؟ قال: بلى. قلت: فأية الحواس دلته على طلب اللبن إذا جاع، والضحك بعد البكاء إذا روي من اللبن، وأي حواس سباع الطير ولا قط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحب فتأوي سباعها إلى اللحم والآخرون إلى الحب ؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت وإذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت والحواس واحدة، فيكف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته على السباحة ولم ينتفع طير البر في الماء بحواسها ؟ وما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت ؟ فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرا عليك، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقا وللبر خلقا. أم أخبرني ما بال الذرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح وتلقي الانسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال وأعقلهم لم تتعلم السباحة فيغرق كيف لم يدله عقله ولبه وتجاربه وبصره بالاشياء مع اجتماع حواسه وصحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة، إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس ؟ أفليس ينبغى لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي الذي وصفت وغيره مما سمعت من الحيوان هو الذى يهيج الصبي إلى طلب الرضاع والطير اللاقط على لقط الحب والسباع على ابتلاع اللحم ؟ !

[57]

قال: لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس. قلت: أما إذا أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا نقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الاشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الاعلى سبحانه وتعالى، فأما ما يخفى ولا يظهر فلست تعرفه. وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد، وجعل الحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمديرى ولا دعائم تمسكها، لا تؤخر مرة فتنكشط، ولا تقدم اخرى فتزول، ولا تهبط مرة فتدنو، ولا ترتفع اخرى فتنأى، لا تتغير لطول الامل (1) ولا تخلق لاختلاف الليالي والايام، ولا يتداعى منها ناحية، ولا ينهار منها طرف، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك وتنقلها في البروج يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة، منها السريع ومنها البطئ ومنها المعتدل السير، ثم رجوعها واستقامتها وأخذها عرضا وطولا وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت، وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما، يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمته، يعرف ذووا الالباب أنها ليست من حكمة الانس ولا تفتيش الاوهام ولا تقليب التفكر، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوي إلى الارض، وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الارض فدلت القلب على (2) ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الارض الممهدة أن تزول أو تهوي في الهواء، أو هو يرى الريشة ترمى بها فتسقط مكانها وهي الخفة على ماهي عليه هو الذي يمسك السماء التي فوقها وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والانام والاشجار والبحور والرمال، فعرف القلب


(1) الاجل خ. (2) إلى خ.

[58]

بدلالة العين أن مدبر الارض هو مدبر السماء. ثم سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة واللينة الطيبة، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان وتسفي من ثقال الرمال تخلي منها ناحية وتصبها في اخرى بلا سائق تبصره العين ولا تسمعه الاذن ولا يدرك بشئ من الحواس، وليست مجسدة تلمس، ولا محدودة تعاين، فلم تزد العين والاذن وسائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه، فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها، وأنها لو كانت هي المحركة لم يكفف عن التحرك، ولم تهدم طائفة وتعفي اخرى، ولم تقلع شجرة وتدع اخرى إلى جنبها، ولم تصب أرضا وتنصرف عن اخرى فلما تفكر القلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء ويسكنها إذا شاء ويصيب بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء، فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء وما فيها من الآيات، فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الارض والسماء هو خالق الريح ومحركها إذا شاء وممسكها كيف شاء ومسلطها على من يشاء. وكذلك دلت العين والاذن القلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغير هما من حواسه حين حركته، فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الارض في غلظها وثقلها وطولها وعرضها وما عليها من ثقل الجبال والمياه والانام وغير ذلك و إنما يتحرك في ناحية ولم يتحرك في ناحية اخرى وهي ملتحمة جسدا واحدا وخلقا متصلا بلا فصل ولا وصل تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم اخرى، فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما أمسك منها، وهو محرك الريح وممسكها، وهو مدبر السماء والارض وما بينهما، وأن الارض لو كانت هي المتزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت، ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء. ثم نظر العين إلى العظيم من الآيات من السحاب المسخر بين السماء والارض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشئ من الارض والجبال يتخلل الشجرة، فلا يحرك منها شيئا، ولا يهصر منها غصنا، ولا يعلق منها بشئ، يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته، ويحتمل من

[59]

ثقل الماء وكثرته ما لا يقدر على صفته، مع ما فيه من الصواعق الصادعة، والبروق اللامعة والرعد والثلج والبرد والجليد مالا تبلغ الاوهام صفته، ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه، ويلتحم بعد تزايله، تفرقه الرياح من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها، يسفل مرة ويعلو اخرى متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور، يمر على الاراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة حتى ينتهي إلى مالا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة، وسيلا بعد سيل، متتابع على رسله حتى ينقع البرك وتمتلئ الفجاج، وتعتلي الاودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها، مصمخة الآذان لدويها وهديرها، فتحيى بها الارض الميتة فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة ومعيشة بعد أن كانت مجدبة، قد كسبت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس والانعام. فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرق وذهب حيث لايعاين ولا يدرى أين توارى، فأدت العين ذلك إلى القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر ولارسله فيما هو أقرب من ذلك، ولما أرسله قطرة بعد قطرة بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان، ويفسد النبات، ولما جاز إلى بلد وترك آخر دونه، فعرف القلب بالاعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الامور واحد، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الازمنة والابد والدهر اختلاف في التدبير، وتناقض في الامور، ولتأخر بعض وتقدم بعض، ولكان تسفل بعض ما قد علا، ولعلا بعض ما قد سفل، ولطلع شئ وغاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله، فعرف القلب بذلك أن مدبر الاشياء ما غاب منها وما ظهر هو [الله] الاول خالق السماء وممسكها، وفارش الارض وداحيها، وصانع ما بين ذلك مما عددنا وغير ذلك مما لم يحص. وكذلك عاينت العين اختلاف الليل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرهما، ولا يتغيران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما، النهار في نوره وضيائه والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية

[60]

محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة واحدة ومجرى واحد، مع سكون من يسكن في الليل وانتشار من ينتشر في النهار، وانتشار من ينتشر في الليل وسكون من يسكن في النهار. ثم الحر والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتى تكون الحر بردا والبرد حرا في وقته وإبانه، فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أن مدبر هذه الاشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال، وأنه لو كان في السماوات والارضين آلهة معه سبحانه لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد كل واحد منهم على صاحبه. وكذلك سمعت الاذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقا لما أدركته القلوب بعقولها وتوفيق الله إياها، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك فأدت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الانبياء إلى القلب. فقال: قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك، إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الايضاح والحجة القوية بما وصفت لي وفسرت وقلت: أما إذا حجبت عن الجواب واختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئا إلا بالقلب، فهل رأيت في المنام أنك تأكل و تشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك ؟ قال: نعم، قلت: فهل رأيت أنك تضحك و تبكي وتجول في البلدان التي لم ترها والتي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها ؟ قال: نعم، مالا احصي. قلت: فهل رأيت أحدا من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت ؟ قال: أكثر من الكثير. قلت: فأخبرني أي حواسك أدرك هذه الاشياء في منامك حتى دلت قلبك على معاينة الموتى وكلامهم وأكل طعامهم والجولان في البلدان والضحك والبكاء وغير ذلك ؟ قال: ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئا منه، وكيف تدرك وهي بمنزلة الميت لا تسمع ولا تبصر ؟ ! قلت: فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه وتقصه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفا ؟ قال: إنه كما تقول، وربما رأيت الشئ في منامي ثم لا امسي حتى أراه في يقظتي كما

[61]

رأيته في منامي قلت: فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت ؟ قال: إن هذا الامر ما دخلت فيه الحواس. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الاشياء وحفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد ؟ ! قال: إن الذي رأيت في منامي ليس بشئ، إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشك أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئا، فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة. قلت: كيف شبهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض وما رأيت من الفرح والحزن ؟ قال: لان السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شئ وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت. قلت: فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أن الامر على ما وصفت لك ؟ قال: بلى قلت: فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك (1) عرفتها أم لم تعرفها ؟ قال: بلى، مالا احصيه. قلت: ألست وجدت لذلك لذة على قدر لذتك ؟ في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتى يخرج منك بقدر ما يخرج في اليقظة ؟ هذا كسر بحجتك في السراب. قال: ما يرى المحتلم في منامه شيئا إلا ما كانت حواسه دلت عليه في اليقظة. قلت: ما زدت على أن قويت مقالتي وزعمت أن القلب يعقل الاشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواس وموتها، فكيف أنكرت أن القلب يعرف الاشياء وهو يقظان مجتمعة له حواسه ؟ وما الذي عرفه إياها بعد موت الحواس وهو لا يسمع ولا يبصر ؟ ولكنت حقيقا أن لا تنكر له المعرفة وحواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها وأصاب لذته منها، فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالاشياء والحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس وملكها ورأسها والقاضي عليها، فإنه ما جهل الانسان من شئ فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها ولا على اللسان أن تقطعه، وأنه ليس يقدر شئ من الحواس


(1) أي شهوتك.

[62]

أن يفعل بشئ من الجسد شيئا بغير إذن القلب ودلالته وتدبيره، لان الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبرا للجسد، به يسمع، وبه يبصر، وهو القاضي والامير عليه، لا يتقدم الجسد إن هو تأخر، ولا يتأخر إن هو تقدم، وبه سمعت الحواس وأبصرت، إن أمرها ائتمرت، وإن نهاها انتهت، وبه ينزل الفرح والحزن، وبه ينزل الالم، إن فسد شئ من الحواس بقي على حاله، وإن فسد القلب ذهب جميعها حتى لا يسمع ولا يبصر. قال: لقد كنت أظنك لا تتخلص من هذه المسألة وقد جئت بشئ لا أقدر على رده ! قلت: وأنا اعطيك تصاديق ما أنباتك به وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة قال: افعل، فإني قد تحيرت في هذه المسألة. قلت: أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شئ تأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك ؟ قال: نعم. قلت: فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسك ؟ قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق ؟ قال: اليقين هو، فزدني ما يذهب الشك عني ويزيل الشبهة من قلبي. أقول: قد عرفت أن القلب يطلق في لسان الشرع في الآيات والاخبار على النفس الناطقة، ولما كان السائل منكرا لادراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه عليه السلام على خطائه بمدركات الحواس الباطنة التي هي من آلات النفس. وقد مر شرح الفقرات وتمام الحديث في كتاب التوحيد. 46 - الدر المنثور: عن ابن عباس في قوله: " الله يتوفى الانفس - الآية - " قال: نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه ويدع الروح في جوفه يتقلب ويعيش، فإن بدا لله أن يقبضه قبض الروح فمات، وإن أخر أجله رد النفس إلى مكانها من جوفه (1). 47 - وعن ابن عباس في قوله: " الله يتوفى الانفس - الآية - " قال: كل نفس لها سبب تجري فيه، فإذا قضى عليها الموت نامت حتى ينقطع السبب والتي لم تمت تترك. (2)


(1 و 2) الدر المنثور: ج 5: ص 329.

[63]

48 - وعن ابن عباس في الآية قال: سبب ممدود (1) ما بين المشرق والمغرب بين السماء والارض، فأرواح الموتى وأرواح الاحياء تأوي إلى ذلك السبب، فتعلق النفس الميتة بالنفس الحية، فإذا اذن لهذه الحية بالانصراف إلى جسدها تستكمل رزقها أمسكت النفس الميتة وأرسلت الاخرى (2). 49 - وعن أبي جحيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس، ثم قال: إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم. (3) 50 - شهاب الاخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: الارواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. ضوء الشهاب: هذا الحديث مما تسكب فيه العبرات، ولا تؤمن في تفسيره العثرات، وأنا مورد فيه بقدر ما رزقني الله تعالى من العلم به، فأقول: إن أصل كلمة " روح " موضوع للطيب والطهارة، فتسمى روح الانسان " روحا " والملائكة المطهرون " أرواحا " وروح القدس " جبرئيل " عليه السلام " والروح " اسم ملك آخر، قال تعالى: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " وعيسى عليه السلام " روح الله " والنسبة إلى الملائكة والجن " روحاني " بالضم وهم الروحانيون، ويقال لكل ذي روح: " روحاني " قاله أبو عبيدة والروح: الراحة، ومكان روحاني: طيب، والريح واحدة الرياح، والارواح أصلها " روح " فقلبت الواو ياء لمكان كسرة الراء، والراح والرياح - بفتح الراء -: الخمر، وروح وريحان: أي رحمة ورزق، والروح: النسيم، والريحان: المشموم ومن ذلك الروح التي يحيى بها الانسان، سميت بذلك لطهارتها وطيبها في الخلقة وفي مبدأ التكوين. وقال أصحاب الاصول: الروح النفس المتردد في مخارق الحي وعلى ذلك قال الشاعر. فقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك واجعلها له قبة (4) قدرا


(1) في المصدر، ممدود بين السماء والارض. (2 و 3) الدر المنثور: ج 5، ص 329. (4) في بعض النسخ " لها قتبة ".

[64]

وما يقوله قوم من أن الارواح قائمة بالاجساد، وأنها كانت قبل الاجساد بكذا وكذا عاما، وأنها غير داخلة في الاجساد ولا خارجة منها، وأنها تفنى إلى غير ذلك، فنحن مستغنون عن ذكره فيما نحن بصدده، وكتب الاصول والجدل أولى بذكر ذلك. فقال بعض من تكلم في هذا الحديث: إنه على حذف المضاف، والتقدير: ذووا الارواح، وهذا قريب المأخذ، وعند جماعة من محققي أصحاب الاصول: أنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى إذا استشهد الشهيد أو توفي النبي أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية فيها فيردها إلى تلك الاجزاء فتصير حيا وإن كانت جثه صغيرة، فيرفعه إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة، وظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك حيث يقول تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء - إلى قوله تعالى - ولا هم يحزنون (1) " وفي الحديث: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ورق الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وهذا [الحديث] مما يعضد هذه المقالة، فعلى هذا تتعارف هذه الاجساد اللطيفة بعد موت صاحبها، كما كانت في دار الدنيا تعرف بعضها بعضا فتتباشر فتأتلف وبالعكس. وروت عائشة في سبب هذا الحديث. أن مخنثا قدم المدينة فنزل على مخنث من غير أن يعلم أنه مخنث، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: الارواح جنود مجندة (الحديث). وروي عنه صلى الله عليه وآله: الارواح جنود مجندة فتشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. فلو أن مؤمنا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق ليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، أوكما قال، وروي عن عائشة أنها قالت: كانت امرأة بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرت إلى المدينة دخلت المدينة فدخلت علي قلت: فلانة ! ما أقدمك ؟ قالت: إليكن، قلت: فأين نزلت ؟ قالت: على فلانة امرأة مضحكة بالمدينة فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله دخلت فلانة المضحكة. قال: صلى الله عليه وآله فعلى من نزلت ؟ قلت: على فلانة. قال:


(1) آل عمران: 169.

[65]

المضحكة ؟ قلت: نعم، قال: الحمدلله، إن الارواح جنود مجندة (الحديث). وفى كلام بعضهم: الروح نقاب، أي يعلم بالاشياء، وهذه كناية عن العلم والفطنة والذكاء والمعرفة والدهاء، والعرب تعبر بالروح عن الحياة والله الموفق. وأقول: إن تحقيق أمر الروح عسير، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا من خلقه وأوجده وركبه، وما اوتيتم من العلم إلا قليلا، ولو أراد الله تعالى أن يعلم حقيقتة وماهيته بكنهه لاعلمناه، وقال: " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " فقال حتى نسكت عما أسكت الله عنه، وقد أوردت بعض ما سمعت فيه وعلمت وأنت محكم، فانظر فيه واحكم، والتوقف فيه فرض من لافرض له، والله أعلم وأحكم ثم رسوله صلى الله عليه وآله وفائدة الحديث إعلام أن الجنس إلى الجنس أميل، وإليه أسوق وأشوق، والتعارف مما يجر الائتلاف وبالعكس، وراوية الحديث عائشة. 51 شهاب الاخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة. الضوء: المعدن، مستقر الجوهر، من قولك: عدن بالمكان إذا أقام فيه، ومنه " جنات عدن " أي إقامة. والذهب: الجسد المعروف الذي ذهب الناس فيه، والقطعة ذهبة. وذهب الرجل: إذا رأي القطعة الكبيرة من الذهب في المعدن فدهش. والفضة: أحد الثمنين، وهو أحد الاجساد أيضا، فيقول صلى الله عليه وآله: الناس متفاوتون كتفاوت المعادن متفاضلون كتفاضل الجواهر المجلوبة منها، فمنها الذهب والفضة والنحاس والحديد و الا سرب والرصاص والزرنيخ والفيروزج وغير ذلك. وكان الغرض النبوي أن يعلمك أن الناس متفاوتون أمثال الفلز والخرز ليسوا بأمثال وإن كانوا من جنس واحد، و مورد هذا الحديث على العكس من مورد الحديث الذي قبله يعني قوله صلى الله عليه وآله " الناس كأسنان المشط " - فكأنه صلى الله عليه وآله يقول: إذا صادفت أحدا فتعرف أحواله وتجسس أفعاله وأقواله، فإن كان صالحا فعليك به فهو من المعدن النفيس، فإن كان صالحا فالهرب الهرب منه فهو من المعدن الخسيس. وفائدة الحديث الاعلام بتفاوت الناس على أنهم بنوا الرجل، وراوي الحديث أبو هريرة، وتمام الحديث: حيارهم في الجاهلية خيارهم

[66]

في الاسلام إذا فقهوا. يعني أن الخيار منهم في الجاهلية إذا تفقهوا فهم الخيار في الاسلام والله أعلم. بيان: قال الطيبي: هو تشبيه بليغ، فكمعادن الذهب تأكيد أو مجاز عن التفاوت أي الناس متفاوتون في النسب بالشرف والضعة كتفاوت المعدن في الذهب والفضة وما دونهما وتفاوتهم في الاسلام بالقبول لفيض الله بحسب العلم والحكمة على مراتب وعدم قبوله. وقيد " إذا فقهوا " يفيد أن الايمان يرفع تفاوت الجاهلية، فإذا تحلى (1) بالعلم استجلب النسب الاصلي فيجتمع شرف النسب والحسب، وفيه أن الوضيع العالم أرفع من الشريف الجاهل. 52 الشهاب: الناس كإبل مائة لاتجد فيها راحلة واحدة. الضوء: الناس أصله " اناس " فخفف وليس الالف واللام عوضا من الهمزة المحذوفة، لانهما تجتمعان مع الهمزة كقوله " إن المنايا يطلعن على الاناس الآمنينا " والناس بن مضربن نزار اسم قيس عيلان. والا بل: البعران الكثيرة، ولا واحد له من لفظه، وأبل الوحشي يأبل ابولا، وأبل يأبل أبلا: اجتزء عن الماء، شبهت بالابل في الصبر عن الماء، وتأبل الرجل عن امرأته: إذا ترك مقاربتها، ورجل ابل [وابل]: حسن القيام على إبله، وإبل مأبلة: [أي] مجموعة. والراحلة: البعير الذي يصلح للارتحال، وراحله: عاونه على رحلته، والمعنى والله أعلم: أنه ذم للناس، وأنه قلما يقع فيهم من هو كامل في بابه وقال أبو عبيد: يعني أنهم متساوون ليس لاحد منهم فضل على أحد في النسب، ولكنهم أشباه وأمثال كإبل مائة ليس فيها راحلة تتبين فيها وتتميز منها بالتمام وحسن المنظر. والراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب والناقة النجيبة يختارها الرجل لمركبه، ودخول الهاء في الراحلة للمبالغة، كما تقول: رجل داهية، وراوية للشعر، وعلامة ونسابة. ويقال: إنها إنما سميت راحلة لانها ترحل، كما قال تعالى: " في عيشة راضية " أي مرضية. وكما قال تعالى: " من ماء دافق " أي مدفوق، قال: ويقال: لفلان إبل إذا كانت له مائة من الابل. وإبلان:


(1) تجلى (خ).

[67]

إذا كانت له مائتان، ويقال للمائة منها " هنيدة " معرفة لا تنصرف. وقال أبو سليمان الخطابي: يقال للمأتين " هنيد " بغير هاء والعهدة عليه وقال ابن قتيبة: الراحلة هي التي تختارها الرجل لمركبة ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الابل عرفت، يقول: الناس متساوون ليس لاحد منهم فضل في النسب ولكنهم أشباه كإبل مائة ليس فيها راحلة، وقد خطأه أبو منصور الازهري لفظا ومعنى أما اللفظة فمن حيث جعل الناقة هي الراحلة، قال: وليس الجمل عنده راحلة، و الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب والناقة النجيبة، وأما المعنى أنه يعزفيهم الكامل الفاضل زاهدا في الدنيا ورغبة في الآخرة. هذا معنى كلام الازهري. وفائدة الحديث ذم الناس وأن الكامل فيهم قلما يوجد. وراوي الحديث عبد الله بن عمر. بيان: قال في النهاية: يعني أن المرضي المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الابل القوي على الاحمال والاسفار الذي لا يوجد في كثير من الابل. قال الازهري: الذي عندي فيه أن الله تعالى ذم الدنيا وحذر العباد سوء مغبتها (1). وضرب لهم فيها الامثال ليعتبروا ويحذروا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرهم ما حذرهم الله ويزهدهم فيها، فرغب أصحابه بعده فيها وتنافسوا عليها، حتى كان الزهد في النادر القليل منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: تجدون الناس من بعدي كإبل مائة ليس فيها راحلة، أي أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الابل، والراحلة: هي البعير القوي على الاسفار والاحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر، ويقع على الذكر والانثى، والهاء فيه للمبالغة (انتهى). وقال الكرماني: وقيل: أي الناس في أحكام الدين سواء، لافضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كإبل لا راحلة فيها، وهي التي ترحل لتركب، أي كلها تصلح للحمل لا للركوب. أقول: قد مر بعض الاخبار المناسبة لهذا الباب في أبواب المعاد وأبواب خلق أرواح النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، وسيأتي بعضها في الابواب الآتية إن شاء الله [تعالى].


(1) أي عاقبتها.

[68]

تذييل وتفصيل في بيان أقوال الحكماء والصوفية والمتكلمين من الخاصة والعامة في حقيقة النفس والروح، ثم بيان ما ظهر من الآيات والاخبار في ذلك. قال شارح المقاصد في بيان آراء الحكماء والمتكلمين في النفس: لما عرفت أن الجوهر المجرد إن تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف فنفس، وإلا فعقل. وقد يطلق لفظ النفس على ما ليس بمجرد بل مادي كالنفس النباتية التي هي مبدأ أفاعيله من التغذية والتنمية والتوليد، والنفس الحيوانية التي هي مبدأ الحس والحركة الارادية ويجعل النفس الارضية اسما لها، والنفس الناطقة الانسانية، فيفسر بأنها كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة ثم قال: مقتضى قواعدهم أي الفلاسفة أن يكون في الانسان نفس هي مبدأ تعقل الكليات، واخرى مبدأ الحركات والاحساسات واخرى مبدأ التغذية والتنمية وتوليد المثل (1). لكن ذكر في شرح الاشارات وغيره: أن ليس الامر كذلك، بل المركبات منها ما له صورة معدنية يقتصر فعلها على حفظ المواد المجتمعة من الاسطقسات المتضادة بكيفياتها المتداعية إلى الانفكاك، لاختلاف ميولها إلى أمكنتها المختلفة. ومنها: ما له صورة تسمى نفسا نباتية يصدر عنها مع الحفظ المذكور جمع أجزاء اخر من الاسطقسات وإضافتها إلى مواد المركب وصرفها في وجوه التغذية والانماء والتوليد. ومنها: ماله صورة تسمى نفسا حيوانية يصدر عنها مع الافعال النباتية والحفظ المذكور، الحس والحركة الارادية. ومنها ماله نفس مجردة يصدر عنها مع الافعال السابقة كلها النطق وما يتبعه. ثم قال: ولما لم يثبت عند المتكلمين اختلاف أنواع الاجسام واستناد الآثار إليها ليحتاج إلى فصول منوعة ومباد مختلفة، بنوا إثبات النفس على الادلة السمعية


(1) غاية ما تقتضيه قواعد الفلسفة اثبات مبادئ لهذه الافاعيل، لكن هذا لا ينافي اتحاد جميع هذه المبادى، بالنفس اتحاد المراتب الناقصة بالكاملة، فقد اثبتوا ان النفس في وحدتها كل القوى واقاموا عليها براهين مذكورة في محالها.

[69]

والتنبهات العقلية، مثل أن البدن وأعضاءه الظاهرة والباطنة دائما في التبدل والتحلل والنفس بحالها، وأن الانسان الصحيح العقل قد يغفل عن البدن وأجزائه، ولا يغفل بحال عن وجود ذاته، وأنه قد يريد ما يمانعه البدن مثل الحركة إلى العلو. وبالجملة قد اختلفت كلمة الفريقين في حقيقة النفس، فقيل: هي النار السارية في الهيكل المحسوس، وقيل الهواء، وقيل: الماء، وقيل: العناصر الاربعة والمحبة والغلبة أي الشهوة والغضب، وقيل: الاخلاط الاربعة وقيل: الدم، وقيل: نفس كل شخص مزاجه الخاص، وقيل: جزء لا يتجزأ في القلب، وكثير من المتكلمين على أنها الاجزاء الاصلية الباقية من أول العمر إلى آخره، وكأن هذا مراد من قال: هي هذا الهيكل المخصوص والبنية المحسوسة، أي التي من شأنها أن يحس بها، وجمهور هم على أنه جسم مخالف بالماهية للجسم الذي يتولد منه الاعضاء، نوراني علوي خفيف حي لذاته، نافذ في جواهر الاعضاء، سار فيها سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم، لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال، بقاؤه في الاعضاء حياة، وانتقاله عنها إلى عالم الارواح موت. وقيل: إنها أجسام لطيفة متكونة في القلب سارية في الاعضاء من طريق الشرايين - أي العروق الضاربة - أو متكونة في الدماغ نافذة في الاعصاب الثابتة منه إلى جملة البدن. واختار المحققون من الفلاسفة وأهل الاسلام إلى (1) أنها جوهر مجرد في ذاته متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، ومتعلقه أولا هو ما ذكره المتكلمون من الروح القلبي المتكون في جوفه الايسر من بخار الاغذية ولطيفه، ويفيده قوة بها يسري في جميع البدن، فيفيد كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى المذكورة فيما سبق. احتج القائلون بأنها من قبيل الاجسام بوجوه: الاول: أن المدرك للكليات - أعني النفس - هو بعينه المدرك للجزئيات، لانا نحكم بالكلي على الجزئي كقولنا: هذه الحرارة حرارة، والحاكم بين الشيئين لابد أن يتصورهما، والمدرك للجزئيات جسم، لانا نعلم بالضرورة أنا إذا لمسنا النار كان المدرك لحرارتها هو العضو اللامس


(1) كذا، والظاهر زيادة لفظة " إلى ".

[70]

ولان غير الانسان من الحيوانات يدرك الجزئيات مع أن الاتفاق على أنا لا نثبت لها نفوسا مجردة. ورد بأنا لا نسلم أن المدرك لهذه الحرارة هو العضو اللامس، بل النفس بواسطته ونحن لا ننازع في أن المدرك للكليات والجزئيات هو النفس، لكن للكليات بالذات وللجزئيات بالآلات. وإذا لم نجعل العضو مدركا أصلا لا يلزم أن يكون الادراك مرتين والانسان مدركين على ما قيل. ويمكن دفعه بأنه يستلزم إما إثبات النفوس المجردة للحيوانات الاخر، وإما جعل احساساتها للقوى والاعضاء، وإحساسات الانسان للنفس بواسطتها، مع القطع بعدم التفاوت (1). الثاني: أن كل واحد منا يعلم قطعا أن المشار إليه ب‍ " أنا " وهو النفس يتصف بأنه حاضر هناك وقائم وقاعد وماش وواقف ونحوذ لك من خواص الاجسام، و المتصف بخاصة الجسم جسم. وقريب من ذلك ما يقال: إن للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار إليه بأناأعني النفس، مثل إدراك حرارة النار وبرودة الجمد وحلاوة العسل وغير ذلك من المحسوسات، فلو كانت النفس مجردة أو مغائرة للبدن امتنع أن تكون صفتها غير صفته. والجواب: أن المشار إليه ب‍ " أنا " وإن كان هو النفس على الحقيقة، لكن كثيرا ما يشار به إلى البدن أيضا لشدة ما بينهما من التعلق، فحيث يوصف بخواص الاجسام


(1) ثبوت مرتبة من التجرد لنفوس سائر الحيوانات مثل ما تثبت لنفوس الاطفال مما لا ينفيه برهان إن لم يكن مما يثبته: واما دعوى القطع بعدم الفرق بين ادراك الانسان وسائر الحيوانات فغير مقبولة، فان القطع لو حصل فانما يحصل بمشابهة مبادئ الاحساس في جميع الحيوانات " واما عدم اتحاد بعض هذه المبادى بمبدأ أقوى وأكمل في بعضها - وهو لنفس الناطقة في الانسان - فمما لا يسمع دعوى القطع فيه. والافعال الصادرة من الانسان كلها مستندة إلى النفس، ومنها ما يشترك بينها وبين النبات، فهل يصح دعوى القطع بعدم التفاوت بين الافعال المشتركة بينهما ؟.

[71]

كالقيام والقعود وكإدراك المحسوسات عند من يجعل المدرك نفس الاعضاء والقوى لا النفس بواسطتها، فالمراد به البدن، وليس معنى هذا الكلام أنها لشدة تعلقها بالبدن واستغراقها في أحواله يغفل فيحكم عليها بما هو من خواص الاجسام كما فهمه صاحب الصحائف ليلزم كونها في غاية الغفلة. الثالث: أنها لو كانت مجردة لكانت نسبتها إلى جميع البدن على السواء فلم يتعلق ببدن دون آخر، وعلى تقدير التعلق جاز أن ينتقل من بدن إلى بدن آخر وحينئذ لم يصح الحكم بأن زيدا الآن هو الذي كان بالامس. ورد بأنا لا نسلم أن نسبتها إلى الكل على السواء، بل لكل نفس بدن لا يليق بمزاجه واعتداله إلا لتلك النفس الفائضة عليه، بحسب استعداده الحاصل باعتداله الخاص (1). الرابع: النصوص الظاهرة من الكتاب والسنة تدل على أنها تبقى بعد خراب البدن وتتصف بما هو من خواص الاجسام كالدخول في النار وعرضها عليها، وكالترفرف حول الجنازة، وككونها في قناديل من نور أو في جوف طيور خضر وأمثال ذلك. ولا خفاء في احتمال التأويل وكونها على طريق التمثيل، ولهذا تمسك بها القائلون بتجرد النفوس زعما منهم أن مجرد مغايرتها للبدن يفيد ذلك. وقد يستدل: بأنه لا دليل على تجردها فيجب أن لا تكون مجردة، لان الشئ إنما يثبت بدليل. وهو مع ابتنائه على القاعدة الواهية معارض بأنه لا دليل على كونها جسما أو جسمانيا، فيجب أن لا يكون كذلك. ثم قال: واحتج القائلون بتجرد النفس بوجوه: الاول: أنها تكون محلا لامور يمتنع حلولها في الماديات، وكل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة. أما بيان كونها محلا لامور هذا شأنها فلانها تتعقلها وقد سبق أن التعقل إنما يكون بحلول الصورة وانطباع المثال، والمادي لا يكون


(1) هذا بناء على تجرد النفس منذ اول وجودها، وأما بناء على تجردها بالحركة الجوهرية واتحادها بالبدن فالجواب يصير أوضح بكثير.

[72]

صورة لغير المادي ومثالا له. وأما بيان تلك الامور وامتناع حلولها في المادة فهو أن من جملة معقولاتها الواجب وإن لم تعقله بالكنه، والجواهر المجردة وإن لم نقل بوجودها في الخارج إذ ربما تعقل المعنى فتحكم عليه بأنه موجود أو ليس بموجود ولا خفاء في امتناع حلول صورة المجرد في المادي. ومنها المعاني الكلية التي لا تمنع نفس صورها (1) الشركة، كالانسانية المتناولة لزيد وعمرو، فإنها يمتنع اختصاصها بشئ من المقادير والاوضاع والكيفيات وغير ذلك مما لا ينفك عنه الشئ المادي في الخارج، بل يجب تجردها عن جميع ذلك وإلا لم تكن متناولة لما ليس له ذلك. والحاصل أن الحلول في المادة يستلزم الاختصاص بشئ من المقادير والاوضاع والكيفيات، والكلية تنافي ذلك، فلولم تكن النفس مجردة لم تكن محلا للصورة الكلية، عاقلة لها. واللازم باطل. ومنها المعاني التي لاتقبل الانقسام كالوجود والوحدة والنقطة وغير ذلك، و إلا لكان كل معقول مركبا من أجزاء غير متناهيه بالفعل وهو محال، ومعذلك فالمطلوب وهو وجود ما لا ينقسم حاصل، لان الكثرة عبارة عن الوحدات، وإذا كان من المعقولات ما هو واحد غير منقسم لزم أن يكون محله العاقل له غير جسم بل مجردا، لان الجسم والجسماني منقسم، وانقسام المحل مستلزم لانقسام الحال فيما يكون الحلول لذات المحل كحلول السواد والحركة والمقدار في الجسم لا لطبيعة تلحقه كحلول النقطة في الخط لتناهيه، وكحلول الشكل في السطح لكونه ذانهاية أو أكثر، وكحلول المحاذاة في الجسم من حيث وجود جسم آخر على وضع مامنه وكحلول الوحدة في الاجزاء من حيث هي مجموع. ومنها: المعاني التي لا يمكن اجتماعها إلا في المجردات دون الجسم كالضدين وكعدة من الصور والاشكال، فإنه لا تزاحم بينها في التعقل، بل يتصورها ويحكم فيما بينها بامتناع الاجتماع في محل واحد من المواد الخارجية حكما ضروريا. وهذا الوجه


(1) تصورها (ظ).

[73]

من الاحتجاج يمكن أن يجعل وجوها أربعة: بأن يقال: لو كانت النفس جسما لما كانت عاقلة للمجردات، أو للكليات، أو للبسائط، أو للمتمانعين. والجواب: أن مبنى هذا الاحتجاج على مقدمات غير مسلمة عند الخصم. منها أن تعقل الشئ يكون بحلول صورة في العاقل لا بمجرد إضافة بين العاقل والمعقول. ومنها: أن النفس لو لم تكن مجردة لكانت منقسمة ولم يجز أن يكون جوهرا وضعيا غير منقسم كالجزء الذي لا يتجزى. ومنها: أن الشئ إذا كان مجردا كانت صورته الادراكية مجردة يمتنع حلولها في المادي، ولم يجز أن تكون حالة في جسم عاقل لكنها إذا وجدت في الخارج كانت ذلك الشئ المجرد ومنها: أن صورة الشئ إذا اختصت بوضع ومقدار وكيفية بحلولها في جسم كذلك كان الشئ أيضا مختصا بذلك، ولم يجز أن يكون في ذاته غير مختص بشئ من الاوضاع والكيفيات و المقادير. ومنها: أن الشئ إذا لم يقبل الانقسام كانت صورته الحاصلة في العاقل كذلك ولم يجز أن تكون منقسمة بانقسام [المحل] العاقل مع كون الشئ غير منقسم لذاته ولا لحلوله في منقسم. ومنها. أن الشيئين إذا كانا بحيث يمتنع اجتماعهما في محل كالسواد والبياض كانت الصورتان الحاصلتان منهما في الجوهر العاقل كذلك، وقد سبق أن صورة الشئ قد تخالفه في كثير من الاحكام. ومنها: أن اجتماعهما في العاقل لا يجوز أن يكون بقيام كل منهما بجزء منه. ومنها: أن انقسام المحل يستلزم انقسام الحال فيه لذاته ليمتنع حلول البسيط في العاقل الجسماني المنقسم البتة بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزى. ولا يخفى أن بعض هذه المقدمات مما قامت عليه الحجة. أقول: ثم ذكر حججا اخرى لهم أعرضنا عنها وعن أجوبتها حذرا من الاطناب (1). وقال شارح المواقف: مذاهب المنكرين لتجرد النفس الناطقة كثيرة، لكن المشهور منها تسعة:


(1) ذكر الحكماء لاثبات تجرد النفس عشرة براهين اخرى، فعلى من أراد الاطلاع عليها الرجوع إلى كتبهم المفصلة لا سيما الاسفار الاربعة.

[74]

الاول: لابن الراوندي: أنه جزء لا يتجزى في القلب، بدليل عدم الانقسام مع نفي المجردات الممكنة. الثاني للنظام: أنه أجزاء هي أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في الورد، باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها تحلل وتبدل. حتى إذا قطع جزء من البدن انقبض ما فيه من تلك الاجزاء إلى سائر الاعضاء، إنما المتحلل والمتبدل من البدن فضل ينضم إليه وينفصل عنه، إذ كل أحد يعلم أنه باق من أول عمره إلى آخره، ولاشك أن المتبدل ليس كذلك. الثالث: أنه قوة في الدماغ، وقيل في القلب. الرابع: أنه ثلاث قوى: إحديها في القلب وهي الحيوانية، والثانية في الكبد وهي النباتية، والثالثة في الدماغ وهي النفسانية. الخامس: أنه الهيكل المخصوص، وهو المختار عند جمهور المتكلمين. السادس: أنها الاخلاط الاربعة المعتدلة كما وكيفا. السابع: أنه اعتدال المزاج النوعي. الثامن: أنه الدم المعتدل، إذ بكثرته واعتداله تقوى الحياة وبالعكس. التاسع: أنه الهواء، إذ بانقطاعها طرفة عين تنقطع الحياة، فالبدن بمنزلة الزق المنفوخ فيه. ثم قال: واعلم أن شيئا من ذلك لم يقم عليه دليل، وما ذكروه لا يصلح للتعويل عليه ثم قال: تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا ضعيفا يسهل زواله بأدنى سبب مع بقاء المتعلق بحاله كتعلق الجسم بمكانه، وإلا تمكنت النفس من مفارقة البدن بمجرد المشيئة من غير حاجة إلى أمر آخر، وليس أيضا تعلقا في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق، مثل تعلق الاعراض والصور المادية بمحالها، لما عرفت من أنها مجردة بذاتها غنية عما يحل فيه، بل هو تعلق متوسط بين بين كتعلق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في أفعاله المختلفة، ومن ثم قيل: هو تعلق العاشق بالمعشوق عشقا جليا إلهاميا، فلا ينقطع مادام البدن صالحا لان يتعلق به النفس، ألا ترى أنه

[75]

تحبة ولا تمله مع طول الصحبة وتكره مفارقته، وذلك لتوقف كمالاتها ولذاتها العقلية والحسية عليه، فإنها في مبدأ خلقتها خالية عن الصفات الفاضلة كلها، فاحتاجت إلى آلات تعينها على اكتساب تلك الكمالات، وإلى أن تكون تلك الآلات مختلفة فيكون لها بحسب كل آلة فعل خاص، حتى إذا حاولت فعلا خاصا كالا بصار مثلا التفتت إلى العين فتقوى بها على الابصار التام، وكذا الحال في سائر الافعال، ولو اتحدت الآلة لاختلطت الافعال ولم يحصل لها شئ منها على الكمال. وإذا حصلت لها الاحساسات توصلت منها إلى الادراكات الكلية، ونالت حظها من العلوم والاخلاق المرضية، وترقت إلى لذاتها العقلية، بعد احتظائها باللذات الحسية، فتعلقها بالبدن على وجه التدبير كتعلق العاشق في القوة بل أقوى منه بكثير. وإنما تتعلق من البدن أولا بالروح القلبي المتكون في جوفه الايسر من بخار الغذاء ولطيفه، فإن القلب له تجويف في جانبه الايسر يجذب إليه لطيف الدم فيبخره بحرارته المفرطة فذلك البخار هو المسمى بالروح عند الاطباء، وعرف كونه أول متعلق للنفس بأن شد الاعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما وراء موضع الشد، ولا يبطلهما مما يلي جهة الدماغ. وأيضا التجارب الطبية تشهد بذلك وتفيد النفس الروح بواسطة التعلق قوة بها يسري الروح إلى جميع البدن، فيفيد الروح الحامل لتلك القوة كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى التي فصلناها فيما قبل، وهذا كله عندنا للقادر المختار ابتداء ولا حاجة إلى إثبات القوى كما مر مرارا (انتهى). وقال المحقق القاساني في روض الجنان: اعلم أن المذاهب في حقيقة النفس كما هي الدائرة في الالسنة والمذكورة في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهبا: الاول: هذا الهيكل المحسوس المعبر عنه بالبدن. الثاني: أنها القلب أعني العضو الصنوبري اللحماني المخصوص. الثالث: أنها الدماغ. الرابع: أنها أجزاء لاتتجزى في القلب، وهو مذهب النظام ومتابعيه. الخامس: أنها الاجزاء الاصلية المتولدة من المني.

[76]

السادس: أنها المزاج. السابع: أنها الروح الحيواني، ويقرب منه ما قيل: إنها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد والدهن في السمسم. الثامن: أنها الماء. التاسع: أنها النار والحرارة الغريزية. العاشر: أنها النفس. الحادى عشر: أنها هي الواجب تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. الثاني عشر: أنها الاركان الاربعة. الثالث عشر: أنها صورة نوعية قائمة بمادة البدن وهو مذهب الطبيعيين. الرابع عشر: أنها جوهر مجرد عن المادة الجسمية وعوارض الجسم، لها تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، والموت إنما هو قطع هذا التعلق، وهذا هو مذهب الحكماء الالهيين وأكابر الصوفية والاشراقيين، وعليه استقر رأي المحققين المتكلمين كالرازي والغزالي والمحقق الطوسي وغيرهم من الاعلام، وهو الذي أشارت إليه الكتب السماوية وانطوت عليه الانباء النبوية، وقادت عليه الامارات الحدسية والمكاشفات الذوقية (انتهى). وقال في الصحائف الالهية: النفس إما أن يكون جسما، أو جسمانيا، أولا هذا ولا ذاك. فإن كان جسما فإما أن يكون هذا الهيكل المحسوس ومال إليه كثير من المتكلمين وهو ضعيف، وإما يكون جسما داخلا فيه، وفيه عشرة أقوال: الاول: قول " أفلو طرخس " أنه النار السارية فيه، لان خاصية النار الاشراق والحركة، وخاصية النفس الحركة والادراك، والادراك إشراق، ويتأيد بقول الاطباء: مدبر البدن الحرارة الغريزية. الثاني: قول " ديو جامس " أنه الهواء، لانه لطيف نافذ في المنافذ الضيقة قابل للاشكال المختلفة، ويحرك الجسم الذي هو فيه كالزق المنفوخ فيه، والنفس كذلك فالنفس الهواء.

[77]

الثالث: قول " ثاليس الملطي " أنه الماء، لان الماء سبب النمو والنشوء والنفس كذلك وهذه الوجوه ضعيفة، لانها مركبة من موجبتين في الشكل الثاني. الرابع: قول " أنباذ قلس " أنه العناصر الاربعة والمحبة والغلبة. الخامس: قول طائفة من الطبيعيين: أنه الاخلاط الاربعة، لان بقاءها بكيفياتها وكمياتها المخصوصة سبب لبقاء الحياة بالدوران. وهو ضعيف إذ الدوران لا يفيد اليقين. السادس: أنه الدم، لانه أشرف الاخلاط. السابع: أنه أجسام لطيفة حية لذواتها سارية في الاعضاء والاخلاط لا يتطرق إليها انحلال وتبدل، وبقاؤها فيها هو الحياة، وانفصالها عنها هو الموت. الثامن: أنه أجسام لطيفة متكونة في البطن يشوب القلب وينفذ من الشرايين إلى جملة البدن. التاسع: أنه أرواح متكونة في الدماغ تصلح لقبول قوى الحس والحركة تنفذ في الاعصاب إلى جملة البدن. العاشر: أنه أجزاء أصلية باقية من أول العمر إلى آخره، وهو اختيار محققي المتكلمين. وإن كان جسمانيا ففيها أقوال: الاول: أنه المزاج وهو قول أكثر الاطباء. الثاني: أنه صفة للحياة. الثالث: أنه الشكل والتخطيط. الرابع: أنه تناسب الاركان والاخلاط. وإن لم يكن جسما ولا جسمانيا فهو إما متحيز وهو قول ابن الراوندي، لانه قال: إنه جزء لا يتجزى في القلب، أو غير متحيز وهو قول جمهور الفلاسفة، ومعمر من قدماء المعتزلة، وأكثر الامامية، والغزالي، والراغب. وذهب فرفوريوس إلى اتحاد النفس بالبدن.

[78]

ثم قال بعد إيراد بعض الدلائل والاجوبة من الجانبين: فالحق أنها جوهر لطيف نوراني مدرك للجزئيات والكليات، حاصل في البدن، متصرف فيه، غني عن الاغتذاء، برئ عن التحلل والنماء، ولم يبعد أن يبقى مثل هذا الجوهر بعد فناء البدن ويلتذ بما يلائمه، ويتألم بما يباينه. هذا تحقيق ما تحقق عندي من حقيقة النفس (انتهى). وقال الصدوق - رضي الله عنه - في رسالة العقائد: اعتقادنا في النفوس أنها الارواح التي بها الحياة، وأنها الخلق الاول لقول النبي صلى الله عليه وآله: " أول ما أبدع الله سبحانه وتعالى هي النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده، ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه " واعتقادنا فيها خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء لقول النبي صلى الله عليه وآله: " ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار " وأنها في الارض غريبة وفي الابدان مسجونة. واعتقادنا فيها أنها إذا فارقت الابدان فهي باقية منها منعمة ومنها معذبة إلى أن يردها الله عزوجل بقدرته إلى أبدانها. وقال عيسى بن مريم للحواريين: بحق أقول لكم إنه لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها. وقال الله جل ثناؤه: " ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه (1) " فما لم ترفع منها إلى الملكوت بقي هو في الهاوية، وذلك لان الجنة درجات، والنار دركات، وقال الله عزوجل: " تعرج الملائكة والروح إليه (2) " وقال عزوجل: " إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر (3) " وقال الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون (4) " وقال الله تعالى: " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (5) " وقال النبي صلى الله عليه وآله


(1) الاعراف 176. (2) المعارج: 4. (3) القمر: 54 - 55. (4) آل عمران: 169 - 170. (5) البقرة: 154.

[79]

" الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وقال الصادق عليه السلام: إن الله تعالى آخى بين الارواح في الاظلة قبل أن يخلق الابدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورث الاخ الذي آخى بينهما في الاظلة ولم يرث الاخ من الولادة. وقال الصادق عليه السلام: إن الارواح لتلتقي في الهواء فتتعارف وتساءل، فإذا أقبل روح من الارض قالت الارواح: دعوه، فقد أفلت من هول عظيم، ثم سألوه ما فعل فلان ؟ وما فعل فلان ؟ فكلما قال: قد بقي، رجوه أن يلحق بهم، وكلما قال: قد مات، قالوا: هوى، هوى. ثم قال قدس سره: والاعتقاد في الروح أنه ليس من جنس البدن، فإنه خلق آخر لقوله تعالى: " ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (1) ". واعتقادنا في الانبياء والرسل والائمة عليهم السلام أن فيهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الايمان وروح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج، وفي المؤمنين أربعة أرواح: روح الايمان وروح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج، وفي الكافرين والبهائم ثلاثة أرواح: روح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج. وأما قوله تعالى " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي (2) " فإنه خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع الائمة عليهم السلام وهو من الملكوت. وقال الشيخ المفيد - نور الله ضريحه - في شرحه على العقائد: كلام أبي جعفر في النفس والروح على مذهب الحدس دون التحقيق، ولو اقتصر على الاخبار ولم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يصنيق عنه سلوكه ثم قال - رحمه الله -: النفس عبارة عن معان أحدها ذات الشئ، والآخر الدم السائل، والآخر النفس الذي هو الهواء، والرابع هو الهوى وميل الطبع، فأما شاهد المعنى الاول فهو قولهم: هذا نفس الشئ، أي ذاته وعينه، وشاهد الثاني قولهم: كلما كانت النفس سائلة فحكمه كذا وكذا، وشاهد الثالث قولهم: فلان هلكت نفسه إذا انقطع نفسه ولم يبق


(1) المؤمنون: 14. (2) الاسراء. 85.

[80]

في جسمه هواء يخرج من حواسه، وشاهد الرابع قول الله تعالى: " إن النفس لامارة بالسوء (1) " يعني الهوى داع إلى القبيح، وقد يعبر عن النفس بالنقم قال الله تعالى: " ويحذركم الله نفسه (2) " يريد نقمته وعقابه. فأما الروح فعبارة عن معان: أحدها الحياة، والثاني القرآن، والثالث ملك من ملائكة الله تعالى، والرابع جبرئيل عليه السلام فشاهد الاول قولهم: كل ذي روح فحكمه كذا، يريدون كل ذي حياة، وقولهم فيمن مات: قد خرجت منه الروح، يعنون الحياة، وقولهم في الجنين: صورة لم يلجه الروح، يريدون لم تلجه الحياة، وشاهد الثاني قوله تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا (3) " يعني القرآن، وشاهد الثالث قوله " يوم يقوم الروح والملائكة - الآية - (4) " وشاهد الرابع قوله تعالى " قل نزله روح القدس (5) " يعني جبرئيل عليه السلام. وأماما ذكره أبو جعفر ورواه: أن الارواح مخلوقة قبل الاجساد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فهو حديث من (6) أحاديث الآحاد وخبر من طرق الافراد، وله وجه غير ما ظنه من لا علم له بحقائق الاشياء، وهو أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بألفي عام، فما تعارف منها قبل خلق البشر أئتلف عند خلق البشر، وما لم يتعارف منها إذ ذاك اختلف بعد خلق البشر، وليس الامر كما ظنه أصحاب التناسخ ودخلت الشبهة فيه على حشوية الشيعة، فتوهموا أن الذوات الفعالة المأمورة المنهية كانت مخلوقة في الذر وتتعارف وتعقل وتفهم وتنطق ثم خلق الله لها أجسادا من بعد ذلك فركبها فيها، ولو كان ذلك كذلك لكنا نعرف نحن ما كنا عليه، وإذا ذكرنا به ذكرناه، ولا يخفى علينا الحال فيه. ألا ترى أن من نشأ ببلد من البلاد فأقام فيه حولا ثم انتقل إلى غيره لم يذهب عنه علم ذلك وإن خفي


(1) يوسف: 53. (2) آل عمران: 28 - 30. (3) الشورى: 52. (4) النبأ: 38. (5) النحل: 102. (6) الاحاديث (ظ).

[81]

عليه لسهوه عند فيذكر به ذكره، ولولا أن الامر كذلك لجاز أن يولد منا إنسان ببغداد وينشأ بها ويقيم عشرين سنة فيها ثم ينتقل إلى مصر آخر فينسى حاله ببغداد ولا يذكر منها شيئا، وإن ذكر به وعدد عليه علامات حاله ومكانه ونشوئه، وهذا مالا يذهب إليه عاقل. والذي صرح به أبو جعفر - رحمه الله - في معنى الروح والنفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم، فالجناية بذلك على نفسه وغيره عظيمة. فأما ما ذكره من أن الانفس باقية فعبارة مذمومة ولفظ يضاد ألفاظ القرآن، قال الله تعالى " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام (1) " والذي حكاه من ذلك وتوهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين زعموا أن الانفس لا يلحقها الكون والفساد، وأنها باقية وإنما تفنى وتفسد الاجسام المركبة، وإلى هذا ذهب بعض أصحاب التناسخ، وزعموا أن الانفس لم تزل تتكرر في الصور والهياكل لم تحدث ولم تفن ولن تعدم وأنها باقية غير فانية، وهذا من أخبث قول وأبعده من الصواب وما دونه في الشناعة والفساد شنع به الناصبة على الشيعة ونسبوهم به إلى الزندقة، ولو عرف مثبته ما فيه لما تعرض له، لكن أصحابنا المتعلقين بالاخبار أصحاب سلامة وبعد ذهن وقلة فطنة، يمرون على وجوههم فيما سمعوه من الاحاديث، ولا ينظرون في سندها ولا يفرقون بين حقها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها والذي ثبت من الحديث في هذا الباب أن الارواح بعد موت الاجساد على ضربين: منها ما ينقل إلى الثواب والعقاب، ومنها ما يبطل فلا يشعر بثواب ولا عقاب وقد روي عن الصادق عليه السلام ما ذكرنا في هذا المعنى وبيناه، وسئل عمن مات في هذه الدار: أين تكون روحه ؟ فقال: من مات وهو ماحض للايمان محضا أو ماحض للكفر محضا نقلت روحه من هيكله إلى مثله في الصورة وجوزي بأعماله إلى يوم القيامة، فإذا بعث الله من في القبور أنشأ جسمه ورد روحه إلى جسده وحشره ليوفيه أعماله، فالمؤمن ينتقل روحه من جسده إلى مثل جسده في الصورة، فيجعل في جنان من جنان الله يتنعم


(1) الرحمن: 26 - 27.

[82]

فيها إلى يوم المآب، والكافر ينتقل روحه من جسده إلى مثله بعينه ويجعل في النار فيعذب بها إلى يوم القيامة. وشاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى " قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي (1) " وشاهد ما ذكرناه في الكافر قوله تعالى " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (2) " فأخبر سبحانه أن مؤمنا قال بعد موته وقد ادخل الجنة: ياليت قومي يعلمون، وأخبر أن كافرا يعذب بعد موته غدوا وعشيا، ويوم يقوم الساعة يخلد في النار. والضرب الآخر من يلهى عنه ويعدم نفسه عند فساد جسمه فلا يشعر بشئ حتى يبعث، وهو من لم يمحض الايمان محضا ولا الكفر محضا، وقد بين الله ذلك عند قوله: " إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (3) " فبين أن قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور حتى يظن بعضهم أن ذلك كان عشرا، ويظن بعضهم أن ذلك كان يوما وليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذب إلى بعثه ونعم إلى بعثه، لان من لم يزل منعما أو معذبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل به ولا يلتبس عليه الامر في بقائه بعد وفاته، وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما يسأل في قبره من محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا، فأما ما سوى هذين فإنه يلهى عنه. وقال في الرجعة: إنما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم من محض الايمان أو محض الكفر محضا، فأما ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب. وقد اختلف أصحابنا فيمن ينعم ويعذب بعد موته، فقال بعضهم: المعذب والمنعم هو الروح التي توجه إليها الامر والنهي والتكليف، سموها جوهرا. وقال آخرون: بل الروح الحياة، جعلت في جسد كجسده في دار الدنيا. وكلا الامرين يجوزان في العقل، والاظهر عندي قول من قال: إنها الجوهر المخاطب، وهو الذي


(1) يس: 26 - 27. (2) المومن: 46. (3) طه: 104.

[83]

يسميه الفلاسفة " البسيط " وقد جاء في الحديث أن الانبياء (1) خاصة والائمة من بعده ينقلون بأجسادهم وأرواحهم من الارض إلى السماء، فيتنعمون في أجسادهم التي كانوا فيها عند مقامهم في الدنيا، وهذا خاص لحجج الله دون من سواهم من الناس وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى علي من عند قبري سمعته، ومن صلى علي من بعيد بلغته وقال صلى الله عليه وآله: من صلى علي مرة صليت عليه عشرا، ومن صلى علي عشرا صليت عليه مائة مرة، فيلكثر امرؤ منكم الصلوة علي، أو فليقل. فبين أنه صلى الله عليه وآله بعد خروجه من الدنيا يسمع الصلوة عليه ولا يكون كذلك إلا وهو حي عند الله تعالى، وكذلك أئمة الهدى يسمعون سلام المسلم عليهم من قرب ويبلغهم سلامه من بعد، وبذلك جاءت الآثار الصادقة عنهم، وقد قال الله: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء - الآية (2) - " إلى آخر ما مر في كتاب المعاد. أقول: وقد تكلمنا عليه هناك فلا نعيده. وقال المفيد - قدس الله روحه - في كتاب المسائل: القول في تنعم أصحاب القبور وتعذيبهم: على أي شئ يكون الثواب لهم والعقاب ومن أي وجه يصل إليهم ذلك وكيف تكون صورهم في تلك الاحوال: وأقول: إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها، ويعذب كفارهم وفساقهم فيها، دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق وتندرس وتبلى على مرور الاوقات، وينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور وهذا يستمر على مذهبي في النفس، ومعنى الانسان المكلف عندي، وهو الشئ المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر والاعراض، ومضى به روايات عن الصادقين من آل محمد عليهم السلام ولست أعرف لمتكلم من الامامية قبلي فيه مذهبا فاحكمه ولا أعلم بيني وبين فقهاء الامامية وأصحاب الحديث فيه اختلافا. وقال السيد المرتضى - رضي الله عنه - في أجوبة المسائل العكبرية حين سئل عن


(1) كذا، والظاهران الصواب " نبينا " بقرينة قوله " من بعده ". (2) آل عمران: 169.

[84]

قول الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " (1) وقال: فهل يكون الرزق لغير جسم ؟ وما صورة هذه الحياة ؟ فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن والكافر ؟ فأجاب - قدس الله لطيفه -: إن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان، والحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات اخرجوا في هذه الدار إلى الاجساد، وتعذر عليهم كثير من الافعال إلا بها وصارت آلتهم في الافعال الاجساد، فإن اغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا تحصل لهم اللذات، وإن ردوا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء. فأما قوله " ما صورة هذه الحياة ؟ " فالحياة لاصورة لها، لانها عرض من الاعراض وهي تقوم بالذات الفعال دون الاجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلم والقدرة ونحو هما من الاعراض. وقوله " إنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى " فليس ذلك كما ظن، ولو كان الامر فيه ما توهم لامتنع أن يوجد الحياة الجواهر ويرفع عن بعض، كما يوجد حياة النمو لبعض الاجساد ويرفع عن بعض على الاتفاق. ولو قلنا: إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار يعم أهل الكفر والايمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين فكانت الحياة لاهل الايمان شرطا في وصول اللذات إليهم، والحياة لاهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب. وقال - رضي الله عنه - في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري حين سئل عن الروح: الصحيح عندنا أن الروح عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي منا الذي لا يثبت كونه حيا إلا مع تردده، ولهذا لا يسمى ما يتردد في مخارق الجماد روحا فالروح جسم على هذه القاعدة. أقول: وقد روى بعض الصوفية في كتبهم عن كميل بن زياد أنه قال: سألت (1) آل عمران: 169.

[85]

مولانا أمير المؤمنين عليا عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين اريد أن تعرفني نفسي. قال: يا كميل ! وأي الانفس تريد أن اعرفك ؟ قلت: يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة ؟ قال: يا كميل إنما هي أربعة: النامية النباتية، والحسية الحيوانية، والناطقة القدسية، والكلية الالهية، ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان، فالنامية النباتية لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربية، ولها خاصيتان: الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد. والحسية الحيوانية لها خمس قوى: سمع وبصر، وشم، وذوق، ولمس، ولها خاصيتان: الرضا والغضب، وانبعاثها من القلب. والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر، وذكر، وعلم، وحلم، ونباهة، وليس لها انبعاث، وهي أشبه الاشياء بالنفوس الفلكية، ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة. والكلية الالهية لها خمس قوى: بهاء في فناء، ونعيم في شقاء، وعز في ذل، وفقر في غناء، وصبر في بلاء، ولها خاصيتان: الرضا والتسليم، وهذه التي مبدؤها من الله وإليه تعود، قال الله تعالى: " ونفخت فيه من روحي (1) " وقال تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية (2) " والعقل في وسط الكل. أقول: هذه الاصطلاحات لم تكد توجد في الاخبار المعتبرة المتداولة، وهي شبيهة بأضغاث أحلام الصوفية، وقال بعضهم في شرح هذا الخبر: النفسان الاوليان في كلامه عليه السلام مختصان بالجهة الحيوانية التي هي محل اللذه والا لم في الدنيا والآخرة والاخيرتان بالجهة الانسانية، وهما سعيدة في النشأتين وسيما الاخيرة، فإنها لاحظ لها من الشقاء، لانها ليست من عالم الشقاء، بل هي منفوخة من روح الله فلا يتطرق إليها ألم هناك من وجه وليست هي موجودة في أكثر الناس، بل ربما لم يبلغ من الوف كثيرة واحد إليها، وكذلك الاعضاء والجوارح بمعزل عن اللذة والالم، ألا ترى إلى المريض إذا نام وهو حي والحس عنده موجود والجرح الذي يتألم به في يقظته موجود في العضو ومع هذا لا يجد ألما ؟ لان الواجد للا لم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة


(1) الحجر: 29. (2) الفجر: 27 - 28.

[86]

إلى البرزخ فما عنده خير، فإذا استيقظ المريض أي رجع إلى عالم الشهادة ونزل منزل الحواس قامت به الاوجاع والآلام، فإن كان في البرزخ في ألم كما في رؤيا مفزعة مولمة أو في لذة كما في رؤيا حسنة ملذة انتقل منه الا لم واللذة حيث انتقل، وكذلك حاله في الآخرة - انتهى -. وقال العلامة الحلي - نور الله مرقده - في كتاب معارج الفهم اختلف الناس في حقيقة النفس ماهي، وتحرير الاقوال الممكنة فيها أن النفس إما أن تكون جوهرا أو عرضا أو مركبا منهما، وإن كانت جوهرا فإما أن تكون متحيزة، أو غير متحيزة وإن كانت متحيزة فإما أن تكون منقسمة، أولاتكون، وقد صار إلى كل من هذه الاقوال قائل والمشهور مذهبان: أحدهما أن النفس جوهر مجرد ليس بجسم ولا حال في الجسم، وهو مدبر لهذا البدن، وهو قول جمهور الحكماء، ومأثور عن شيخنا المفيد وبني نوبخت من أصحابنا. والثاني أنها جوهر أصلية في هذا البدن حاصلة فيه من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها التغير ولا الزيادة ولا النقصان. وعند المعتزلة عبارة عن الهيكل المشاهد المحسوس، وههنا مذاهب اخرى. منها أن النفس هو الله تعالى، ومنها أنها هي المزاج، ومنها أنها النفس، ومنها أنها النار، ومنها أنها الهواء، وغير ذلك من المذاهب السخيفة - انتهى -. وقال المحقق الطوسي - قدس الله روحه - في التجريد: هي جوهر مجرد. وقال العلامة - رفع الله مقامه - في شرحه: اختلف الناس في ماهية النفس وأنها هل هي جوهر أم لا، والقائلون بأنها جوهر اختلفوا في أنها هل هي مجردة أم لا، والمشهور عند الاوائل وجماعة من المتكلمين كبني نوبخت من الامامية والمفيد منهم والغزالي من الاشاعرة أنها جوهر مجرد ليس بجسم ولا جسماني، وهو الذي اختاره المصنف - انتهى -. وقال المحقق الطوسى - رحمه الله - أيضا في كتاب الفصول: الذي يشير إليه الانسان حال قوله " أنا " لو كان عرضا لاحتاج إلى محل يتصف به، لكن لا يتصف بالانسان شئ بالضرورة بل يتصف هو بأوصاف هي غيره، فيكون جوهرا، ولو كان

[87]

هو البدن أو شئ من جوارحه لم يتصف بالعلم، لكنه يتصف به بالضرورة فيكون جوهرا عالما والبدن وسائر الجوارح آلاته في أفعاله، ونحن نسميه ههنا الروح - انتهى. وتوقف - رحمه الله - في رسالة " قواعد العقائد " واكتفى بذكر الاقوال حيث قال: المسألة الثانية في أقوال الناس في حقيقة الانسان وأنها أي شئ هي ؟ اختلفوا في حقيقته، فبعضهم قالوا إن الانسان هو الهيكل المشاهد، وبعضهم قالوا: هو أجزاء أصلية داخلية في تركيب الانسان لا يزيد بالنمو ولا ينقص بالذبول، وقال النظام: هو جسم لطيف في داخل الانسان سار في أعضائه، فإذا قطع منه عضو تقلص ما فيه إلى باقي ذلك الجسم، وإذا قطع بحيث انقطع ذلك الجسم مات الانسان. وقال ابن الراوندي: هو جوهر لا يتجزى في القلب. وبعضهم قالوا: هو الاخلاط الاربعة، و بعضهم قالوا: هو الروح، وهو جوهر مركب من بخارية الاخلاط ولطيفها، مسكنه الاعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ والكبد، ومنها ينفذ الروح في العروق والاعصاب إلى سائر الاعضاء، وجميع ذلك جواهر جسمانية، وبعضهم قالوا: هو المزاج المعتدل الانساني. وبعضهم قالوا: تخاطيط الاعضاء وتشكيل الانسان الذي لا يتغير من أول عمره إلى آخره. وبعضهم قالوا: العرض المسمى بالحياة، وجميع ذلك أعراض، والحكماء وجمع من (1) المحققين من غير هم قالوا: إنه جوهر غير جسماني لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، وهذه هي المذاهب، وبعضها ظاهر الفساد - انتهى -. وقال الشيخ السديد المفيد - طيب الله ترتبه حين سأله السائل في المسائل الرؤية: ما قوله - أدام الله تعالى علوه - في الارواح ومائيتها وحقيقة كيفياتها (2) وما لها عند مفارقتها الاجساد - وهي حياة النمو وقبول الغذاء - ؟ والحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى أم لا ؟. الجواب: أن الارواح عندنا هي أعراض لابقاء لها وإنما عبد الله (3) تعالى منها الحي حالا بحال، فإذا قطع امتداد المحيى بها جاءت (4) الموت الذي هو ضد


(1) جميع المحققين (خ). (2) كيفيتها (خ). (3) كذا، والظاهر " يمد ". (4) كذا، والصواب " جاء ".

[88]

الحياة، ولم يكن للارواح وجود، فإذا أحيى الله تعالى الاموات ابتدأ فيهم الحياة التي هي الروح. والحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى يصحح العلم والقدرة. وهي شرط في كون العالم عالما والقادر قادرا، وليست من نوع الحياة التي تكون (1) ثم قال - قدس سره - حين سأل السائل: ما قوله - حرس الله تعالى عزه - في الانسان ؟ أهو هذا الشخص المرئي المدرك على ما يذكره أصحاب أبي هاشم، أم جزء حال في القلب حساس دراك كما يحكى عن أبي بكر بن الاخشاد ؟ والجواب: أن الانسان هو ما ذكره بنو نوبخت، وقد حكي عن هشام بن الحكم، والاخبار عن موالينا عليهم السلام تدل على ما أذهب إليه، وهي شئ قائم بنفسه لاحجم له ولاحيز، لا يصح عليه التركيب، ولا الحركة والسكون، ولا الاجتماع ولا الافتراق، وهو الشئ الذي كانت تسميه الحكماء الاوائل " الجوهر البسيط " وكذلك كل حي فعال محدث فهو جوهر بسيط، وليس كما قال الجبائي وابنه وأصحابهما أنه جملة مؤلفة، ولا كما قال ابن الاخشاد أنه جسم متخلخل في الجملة الظاهرة، ولا كما قال الاعوازي أنه جزء لا يتجزى. وقوله (2) فيه قول معمر من المعتزلة وبني نوبخت من الشيعة على ما قدمت ذكره وهو شئ يحتمل العلم والقدرة والحياة والارادة والكراهة والبغض والحب قائم بنفسه، محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد. والوصف له بأنه حي يصح عليه القول بأنه عالم قادر، وليس الوصف له بالحياة كالوصف للاجساد بالحياة حسب ما قد مناه، وقد يعبر عنه بالروح. وعلى هذا المعنى جاءت الاخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت وعذبت، والمراد الانسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح وعليه الثواب والعقاب، وإليه يوجه الامر والنهي والوعد والوعيد، وقد دل القرآن على ذلك بقوله " يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك


(1) كذا. (2) في بعض النسخ " وفيه ".

[89]

في أي صورة ما شاء ركبك " (1) فأخبر تعالى أنه غير الصورة وأنه مركب فيها، ولو كان الانسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى " في أي صورة ما شاء ركبك " معنى، لان المركب في الشئ غير الشئ المركب فيه، ومحال أن تكون الصورة مركبة في نفسها وعينها لما ذكرناه، وقد قال سبحانه في مؤمن آل يس (2) " قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي (3) " فأخبر أنه حي ناطق منعم وإن كان جسمه على ظهر الارض أوفي بطنها، وقال تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين (4) " فأخبر أنهم أحياء وإن كانت أجسادهم على وجه الارض مواتا لا حياة فيها. وروي عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: إذا فارقت أرواح المؤمنين أجسادهم أسكنها الله تعالى في [مثل] أجسادهم التي فارقوها فينعمهم في جنة وأنكروا ما ادعته العامة من أنها تسكن في حواصل الطيور الخضر، وقالوا: المؤمن أكرم على الله من ذلك، ولنا على المذهب الذي وصفناه أدلة عقلية لا يطعن المخالف فيها، ونظائر لما ذكرناه من الادلة السمعية، وبالله أستعين - انتهى كلامه رفع الله مقامه -. وقال الغزالي في الاربعين: الروح هي نفسك وحقيقتك، وهي أخفى الاشياء عليك، وأعني بنفسك روحك التي هي خاصة الانسان، المضافة إلى الله تعالى بقوله " قل الروح من أمر ربي " (5) وقوله: " ونفخت فيه من روحي " (6) دون الروح الجسماني اللطيف الذي هو حامل قوة الحس والحركة، التي تنبعث من القلب و تنتشر في جملة البدن في تجويف العروق والضوارب، فيفيض منها نور حس البصر على العين ونور السمع على الاذن وكذلك سائر القوى والحركات والحواس، كما يفيض من السراج


(1) الانفطار: 6 - 8. (2) كذا. (3) يس: 26 - 27. (4) آل عمران: 169. (5) الاسراء: 85. (6) الحجر: 29.

[90]

نور على حيطان البيت إذا ادير في جوانبه، فإن هذه الروح تتشارك البهائم فيها وتنمحق بالموت، لانه بخار اعتدال نضجه عند اعتدال مزاج الاخلاط، فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند إطفاء السراج بانقطاع الدهن عنه أو بالنفخ فيه وانقطاع الغذاء عن الحيوان يفسد هذه الروح، لان الغذاء له كالدهن للسراج والقتل له كالنفخ في السراج، وهذه الروح هي التي يتصرف في تقويمها وتعديلها علم الطب، ولا تحمل هذه الروح المعرفة والامانة، بل الحامل للامانة الروح الخاصة للانسان، ونعني بالامانة تقلد عهدة التكليف بأن تعرض لخطر الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية. وهذه الروح لا تفنى ولا تموت، بل تبقى بعد الموت، إما في نعيم وسعادة أو في جحيم وشقاوة، فإنه محل المعرفة، والتراب لا يأكل محل المعرفة والايمان أصلا، وقد نطقت به الاخبار، وشهدت له شواهد الاستبصار، ولم يأذن الشارع في تحقيق صفته - إلى أن قال - وهذه الروح لا تفنى ولا تموت، بل يتبدل بالموت حالها فقط ولا يتبدل منزلها، والقبر في حقها إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها للبدن، أو اقتناصها أوائل المعرفة بواسطة شبكة الحواس، فالبدن آلتها ومركبها وشبكتها، وبطلان الآلة والشبكه والمركب لا يوجب بطلان الصائد نعم إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانها غنيمة، إذ يتخلص من حمله وثقله، ولذا قال عليه السلام " تحفة المؤمن الموت " وإن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة والندامة والالم، ولذلك يقول المقصر " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت (1) كلا " بل من كان ألف الشبكة وأحبها وتعلق قلبه بحسن صورتها وصنعتها وما يتعلق بسببها كان له من العذاب ضعفين (2): أحدهما حسرة فوات الصيد الذي لا يقتنص إلا بشبكة البدن، والثاني زوال الشبكة مع تعلق القلب بها وإلفه لها وهذا مبدأ من مبادئ معرفة عذاب القبر - انتهى -.


(1) المؤمنون: 101. (2) ضعفان، ظ.

[91]

أقول: لما كانت رسالة " الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح " للشيخ الفاضل الرضي علي بن يونس العاملي - روح الله روحه - جمة الفوائد، كثيرة العوائد مشتملة على جل ما قيل في هذا الباب من غير إسهاب وإطناب أوردت ههنا جميعا وهي هذه: الحمدلله الذي خلق النفوس وحجب حقيقتها عنا، فإن العين تبصر غيرها ويتعذر إدراك نفسها منها، فأوجب ذلك خبط العلماء فيها، ولم يصل أكثرهم بدقيق الفكر إليها، وقد قال العالم الرباني الذي أوجب الله حقه " من عرف نفسه فقد عرف ربه " أشار بامتناع معرفة نفسه مع قربه إلى امتناع الاحاطة بكنه ربه، وما قيل في تفسيره: من عرفها بالمخلوقية عرفه بالخالقية، لا يدفع ما قصد ناه، ولا يمتنع ما ذكرناه، إذ معرفتها بصفة حدوثها لا يستلزم معرفة عينها، فإن معرفتها ليست ضروريا بلا خلاف لوجود الخلاف فيها، ولا كسبية لامتناع صدق الجنس والفصل عليها، بل الاعتراف بالعجز عن وجدانها أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها، والانسان ضعيف القوة محدود الجملة، معلومه أقل من مظنونه، وتخمينه أكثر من يقينه، لكن من كان نظره أعلا، ونقده أجلا، ونوره أصنع، وفكره أشيع، كان من الشك أنجى، ومن الشبهة أنأى، وثاقب بصره الاسنى إلى النفس أدنى. وهذا الانسان الضعيف الصغير فيه ذلك البسيط اللطيف جزء يسير، فكيف يدرك بجزء منه كله، ويقبل منه جميعه وهذا يتعذر أن يكون معلوما، ويبعد وإن لم يكن معدوما، بل يكفي أن يعلم أنها قوة إلهية مسببة واسطة بين الطبيعة المصرفة والعناصر المركبة، والمثير لها، الطالع عليها، السائغ فيها، الممتزج بها، فالانسان ذوطبيعة لآثارها البادية في بدنه، وذو نفس لآثارها الظاهرة في مطلبه ومأربه، وذو عقل لتميزه وغضبه وشكه ويقينه، وها أنا ذاواضع لك في هذا المختصر المسمى ب‍ " الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح " ما بلغني من أقاويل الاوائل، وما أوردوا من الشبهات والدلائل، راج من واهب المواهب، الاشارة إلى مأخذ تلك المذاهب، مورد ما حضرني من دخل فيها.

[92]

فهنا مقصدان: الاول في النفس مقدمة: اسم النفس مشترك بالاشتراك اللفظي بين معان: منها ذات الشئ " فعل ذلك بنفسه " ومنها الانفة " ليس لفلان نفس " ومنها الارادة " نفس فلان في كذا " ومنها العين، قال ابن القيس: يتقي أهلها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقى والتميم ومنها مقدار دبغة من الدباغ، تقول: أعطني نفسا، أي قدر ما أدبغ به مرة ومنها العيب " إني لا أعلم نفس فلان " أي عيبه، ومنها العقوبة " ويحذ ركم الله نفسه " ومنها ما يفوت الحياة بفواته كنفس الحيوان " كل نفس ذائقة الموت " وهذه هي المبحوث عنها المختلف فيها. واعلم أن الاحتمالات التي اقتضاها التقسيم بمناسبة إما جوهر مادي، أو جوهر مجرد، أو مادي وعرض، أو مجرد وعرض، أو مادي ومجرد وعرض. المذهب الاول: الجوهر المادي قال به جماعة المعتزلة وكثير من المتكلمين ثم اختلفوا على مذاهب: ذهب جمهور المسلمين إلى أنه مجموع الهيكل المحسوس هذا كما ترى ليس هو جوهر فقط بل مضاف إليه عرض لان الجسم كذلك، واختاره القزويني. قال: لاجماع أهل اللغة أنهم عند إطلاق نفسه يشيرون إليه، واتفاق الامة على وقوع الادراكات بالصبر عليه، ونصوص القرآن أيضا واردة فيه، مثل " إنا خلقنا الانسان من نطفة، خلق من ماء دافق، ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين إني خالق بشرا من صلصال " وإنه هو الذي يمات ويقبر في قوله " ثم أماته فأقبره " فمن يخرج عن هذه النصوص إلى غير مدلولاتها كيف يكون مسلما ؟ ! وقد أجمعت الامة على أن من رأى هذه البنية وحلف أنه ما رأى إنسانا حنث، ولكن اختلف في أن الانسان هل هو هذه الجملة، أو شئ له هذه الجملة ؟ قال: الاقرب الثاني، والفائدة في الملك إذا جاء فيها فإنه ليس بإنسان، وكذلك المصور لها من خشب وغيره

[93]

وإنما جرى اسم الانسان على الهيكل تبعا لذلك الشئ الذي له الهيكل آدم وأولاده وهذا الذي قربه مخالف لما صوره. وقال شارح النظم: أطبق العقلاء على بطلان هذا القول، لان مقطوع اليد باق ويمتنع بقاء الماهية عند عدم جزئها، ولانها دائما تتحلل وتستخلف، فالفائت له ثواب وعليه عقاب، فإن حشرت كلها لزم المحال، وإن لم تحشر لزم الظلم والاضلال. ذهب أهل هذا التقسيم إلى أنه بعض الهيكل، ثم اختلفوا على أقوال: قال ابن الراوندي، إنه جزء في القلب، قال النظام، إنه أجزاء لطيفة في القلب، وكأنهما نظرا إلى أن الانسان إذا رجع إلى نفسه وجد قلبه محل ذكره فظناها ذلك. وهو خطأ لعدم إنتاج الشكل الثاني من الموجبتين. قال الاطباء: إنه الروح الذي في القلب من الجانب الايسر، نظرا إلى أن جانب الانسان الايسر أخطر من الايمن وهو ضعيف لجواز كون محله غير القلب، وسلامة القلب شرط فيه. قال بعضهم: إنه الدم لفوات الحياة بفواته، وعليه قول السموءل: " تسيل على حد الضباة نفوسنا " قلنا: لا يلزم من عدم شئ عند عدم آخر اتحاد هما كالجوهر والعرض، ولا حجة في الشعر لاحتماله المجاز. وقيل: هو الاخلاط بشرط أن يكون لكل واحد منها قدر معين ومأخذ هذا وجوابه قريب مما سلف. قال بعض الفلاسفة: إنه الجزء الناري، لان خاصة النار الاشراق والحركة وخاصة النفس الادراك والحركة، والادراك من جنس الاشراق، ولذلك قالت الاطباء: إن مدبر هذا البدن الحرارة العزيزية. قلنا: لا يلزم من الاشتراك في الخاصة الاشتراك. في ذي الخاصة، فإن العناصر مع اختلاف ماهياتها تشترك في كيفياتها. قال البلاقلاني: هو الجزء الهوائي، وهو النفس المتردد في المخارق، وإنه متى انقطع انقطعت الحياة، فالنفس هو النفس. قلنا: قد أسلفنا أن التلازم لا يستلزم الاتحاد. قيل: هو الجزء المائي لانه سبب النمو فالنفس كذلك. قلنا: وهذا من

[94]

موجبتين في الشكل الثاني فهو عقيم، ولا ينحصر النمو في الماء فإنه يوجد في الشمس والهواء. قيل: هو أجزاء لطيفة سارية في البدن كسريان الدهن في السمسم، وماء الورد في ورقه. قلنا: هذا مجرد خيال خال عن دليل. قال النظام وابن الاخشيد: إنه الروح الدماغي الصالح لقبول الحس والفكر والحفظ والذكر، وهو الحي المكلف الفاعل للافعال، وهو مركب من بخارية الاخلاط ولطيفها، ومسكنه الاعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ والكبد وما ينفذ في العروق والاعصاب إلى سائر الاعضاء. قلنا: قد علمنا أن الاذن هي السامعة والعين هي الباصرة، والبدن راكع وساجد، فكيف يقال: الفاعل غيرها، ولم حد الزاني ولم قتل المرتد، إذا كان هو غير [هذا] المشاهد ؟ قال النظام أيضا: إنه جزء لطيف داخل البدن، سار في أعضائه، فإذا قطع منه عضو تقلص ذلك اللطيف، فإذا قطع اللطيف معه مات الانسان. وهذا نظر إلى فقد الحياة بفقدانه، وقد عرفت ضعفه. قال هشام بن الحكم: هو جسم لطيف يختص بالقلب وسماه نورا، وإن الجسد موات، وإن الروح هو الحي الفعال المدرك. وقد عرفت مأخذه وضعفه مما سلف. قال ابن الاخشيد أيضا: إنه جسم منبث في الجملة وفيه ما فيما قبله. قالت الصوفية: إنه جسم لطيف كهيئة الانسان ملبس كالثوب على الجسد، و كأنهم نظروا إلى الافعال الصادرة عنه، وإلى أنه إذا قطع بعضه لم يمت، فجعلوه شيئا ملازما للجملة. وهذا خرص محض. قالت الثنوية: هو جوهران ممتزجان: أحدهما خير هومن النور، والآخر شر هو من الظلمة، بناء منهم على قدم هذين وتدبير هما. وقد عرفت بطلان مبناه في الكلام. قالت المرقونية: إنه ثلاثة جواهر: نور وظلمة وثالث بينهما، وهو الفاعل دونهما.

[95]

قالت الصابئة هو الحواس الخمس، لانه شاعر وهذه مشاعر. وهو من موجبتين في الثاني، ويلزمهم أنه متى ذهب بعضها ذهب الانسان لبطلان المركب ببطلان جزئه والحس يكذبه. قال قوم من الدهرية: هو الطبائع الاربع، فهذا الضرب من الاختلاف كان إنسانا. قال بعض الدهرية: هو الطبائع الاربع وخامس آخر هو المنطق والتمييز والفعل. قال بعض أصحاب الهيولى: هو الجوهر الحي الناطق، وهو في هذا الجوهر شئ ليس بمماس ولا مبائن وهو المدبر له. قالت الملكائية من النصارى: هو النفس والعقل والجرم. قال معمر: هو عين من الاعيان لا يجوز عليه الانتقال، ولا يجوز له محل ولا مكان، يدبر هذا العالم ويحركه، ولا يجوز إدراكه ورؤيته. فقد قيل: إنه جعل الانسان بمثابة القديم غير أنه لما سئل: كيف يختص تدبيره بهذا البدن دون غيره ؟ دهش وقال: إنه مدبر لسائر أبدان العالم، وهذه صفة الاله سبحانه فزعم حينئذ أنه ربه، وهذا هو الذي عناه شارح نظم البراهين بقوله " وقيل: إن النفس هو الاله ". قالوا: يجوز كون النفس مختلفة بالحقيقة، والابدان مختلفة بالمزاج، فتعلق كل نفس بما يناسبها من المزاج. قلنا: الابدان الانسانية قريبة المزاج، وربما اتحد أكثرها في المزاج، فيلزم أن يتعلق بالجميع (1). وهذه الاقوال لادراكها مأخذ إلا أنها عند تحرير المبحث، منها ما يرجع إلى الجوهر المجرد، ومنها ما يرجع إلى الاجزاء الاصلية. قال أكثر المحققين كأبي الحسين البصري وجمال الدين الحلي وكمال الدين البحراني وسالم بن عزيزة السوراوي، إن الانسان أجزاء أصلية في البدن باقية من أول العمر إلى آخره، لا يجوز عليها التبدل والتغير، لا مجموع البدن، لانه دائما في التبدل والاستخلاف مع بقاء النفس، والباقي غير الزائل. ولو كان هو جملة البدن


(1) بالجمع (خ).

[96]

لزم الظلم، حيث إن المعدوم منه لا يمكن إعادته، لما عرفت من امتناع إعادة المعدوم فلا يصل إليه ما يستحقه، ولانا متى استحضرنا العلوم وجد ناها في ناحية صدورنا، فلو كان محل علومنا شئ خارج عن شئ من أجسامنا لزم قيام صفاتنا بغيرنا، ولان الانسان لو كان مجردا - كما قيل - لزم أن لا يعلم الانسان الآخر، لانه لو علم الانسان الآخر علم ذلك المجرد وهو ظاهر البطلان، ولانا نعلم هذا الانسان والانسان المطلق جزء منه، فلو لم نعلم الجزء لم نعلم الكل، وينعكس إلى أنا لما علمنا الكل علمنا الجزء، والمجرد لا يعلم فليس بجزء، ولانا ندرك الالم بأجسامنا عند تقريبنا إلى النار مثلا ونحكم عليها به، والمحكوم عليه هو الانسان، فهو معلوم والمجرد غير معلوم. قالوا: الانسان يدرك الكليات لامتناع حصر الكل الذي لا ينحصر في الجسم المنحصر فيكون هو المجرد. قلنا: إن العلم ليس صورة حالة في العالم، وإنما هو الوصول إلى المعلوم والنظر إليه، ولا نسلم له أن العلم بالكل كلي، إنما الكلي في الحقيقة هو المعلوم، وإن اطلق عليه فبالمجاز، لان عروض جميع الافراد مستحيلة على القوة العقلية، وإنما يحصل لها لقيامها بالجسم بعوارض محصورة، لانها صور جزئية في نفس جزئية موصوفة بالحدوث في وقت مخصوص، وإذا كانت في النفس بهذه العوارض فهي ليست كلية. قالوا: القوة العقلية تقوى من الافعال على ما لا يتناهى، والجسمية لا تقوى على مالا يتناهى، أنتج من الشكل الثاني: القوة العقلية ليست جسمية. قلنا: لا نسلم أن القوة العقلية تقوى على فعل، فضلا عن أن يقوى على ما لا يتناهى، لان تعلقها بالمعقول عندكم حصول صورة فيها، وذلك انفعال لافعل، ولو سلمنا أصل قوتها منعنا عدم تناهيها، لانكم إن أردتم أنها تقوى في الوقت الواحد على ما لا يتناهى منعناه فإنا نجد في أنفسنا تعذر ذلك علينا، وإن أردتم بعدم النهاية أنه ما من وقت إلا و يمكننا أن نفعل فيه، فالقوة الجسمية تقوى لذلك، إذ ما من آن يفرض إلا ويمكن أو يجب أن يحصل لها فيه فعل فيقوى على مالا يتناهى، فتكون القوة العاقلة جسمية. قالوا: لوقويت الجسمية على مالا يتناهى وكان جزؤها يقوى على مالا يتناهى.

[97]

ساوى الجزء الكل، وإن قوي على ما يتناهى تناهي الكل، لان نسبة الكل إلى الجزء معلومة، فيكون نسبة تأثيره إلى تأثير الجزء معلومة، ونسبة تأثير الجزء متناهية فنسبة تأثير الكل متناهية. قلنا: لا يلزم من كون تأثير الجزء أقل تناهيه، فإن الجزء المؤثر الدائم الاثر له تأثير دائم، ولا يلزم من دوامه مساواته الكل، لان له تأثيرا دائما لكنه ضعيف قليل لانه واقف على حد. قال جمهور الفلاسفة، ومعمر بن عباد السلمي من قدماء المعتزلة، والغزالي، و أبو القاسم الراغب، والشيخ المفيد، وبنو نوبخت، والاسواري، ونصير الدين الطوسي: إنه جوهر مجرد عن المكان والجهة والمحل، متعلق بالبدن تعلق العاشق بمعشوقه، و الملك بمدينته، ويفعل أفعاله بواسطته، وإن النفس تدرك حقائق الموجودات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وإن النفس الفلكية تفيض على الاشخاص، كالشمس تدخل عند طلوعها كل كوة. بل قال الغزالي: لاهو داخل البدن ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه، لان مصحح ذلك الجسمية والتحيز المنفيان عنه، كما أن الجماد لا عالم ولا جاهل، لنفي المصحح عنه وهو الحياة. قال: ومن نفاه نفاه لغلبة العامية على طبعه. ولهذا إن الكرامية والحنبلية جعلوا الا له جسما موجودا، إذ لم يعقلوا إلا جسما يشار إليه، ومن ترقى عن ذلك قليلا نفى الجسمية ولم يطق ينظر في عوارضها، فأثبت الجهة لله سبحانه، فإذا منعوا ذلك في صفات الله كيف يجيزونه في غيره ؟ ! قالوا: لو تجرد شئ شاركه القديم في أخص صفاته فيشاركه في ذاته. قلنا: نمنع كون التجرد أخص الصفات، بل كونه قيوما لقيامه بذاته وقيام غيره به. احتجوا على اثبات المجرد بأن هنا معلومات بسيطة كالوحدة والنقطة، فالعلم بها بسيط، إذ لو تركب فإن تعلق جزؤه به أجمع ساوى الجزء الكل، ولزم وجود العلم قبل وجوده، وإن تعلق ببعضه لزم تركب ما فرض بساطته، وإن لم يتعلق بشئ ظهر أنه ليس بعلم، إذ الكلام في باقي الاجزاء كالكلام فيه، فعند الجمع بينهما إن لم تحصل هيئة جديدة كان العلم المفروض محض ما ليس بعلم، وإن حصلت الهيئة المفروضة علما فإن كانت من الجزئين فالتركيب في فاعلهما، وإن حصلت عند هما قائمة بهما فالتركيب

[98]

في قابلهما لا فيهما، إذا لو كانت مركبة عاد الكلام في أجزائها، فمحل هذه المفروضة علما هو النفس وهي بسيطة، لانها لو تركبت فإن حل العلم البسيط في مجموعها انقسم العلم، إذ الحال في أحد الجزئين غير الحال في الآخر، ولو كان هو الحال في الآخر لزم حلول العرض الواحد في محلين، وإن حل في أحد الجزئين فإن كان هو النفس فالمطلوب، وإن كان هو جزؤها فالجزء الآخر خال منه، فلزم أن نعلم شيئا ونجهله في وقت واحد، فظهر أن المحل وهو النفس بسيط. ولا شئ من الجسم والجسماني ببسيط ينتج من الشكل الثاني أن محل العلم ليس بجسم ولا جسماني. والجواب: أما المقدمة الاولى وهي أن هنا معلوما بسيطا فمسلم، أما الباقيات فممنوعات، أما الثانية فلان الجزء يجوز مساواته للكل في التعلق وإن لم يساوه في الحقيقة كالادلة المتواترة على شئ واحد وإن واحدها تعلق بما تعلق به مجموعها. وفيه نظر، لان الجزء الثاني من العلم إن زاد المعلوم به انكشافا تعلق بغير ما تعلق به الاول، وإن لم يزد كان وجوده مثل عدمه. والاصوب في المنع أن قولهم: إن لم يتعلق الجزء بشئ ظهر أنه ليس بعلم فعند الجمع إن لم يحصل هيئة كان المفروض علما محض ما ليس بعلم وإن حصلت منه - إلخ - نفي كل مركب، فيقال في الحيوان مثلا ليس بمركب لان جزءه إما حيوان فيتقدم الحيوان على نفسه وساوى الجزء الكل، أو ليس بحيوان فبعد الجمع بالجزء الآخر إن لم تحصل هيئة كان الحيوان محض ما ليس بحيوان، وإن حصلت فهي بسيطة، لانه لو كان لها جزء عاد التقسيم المذكور فيكون التركيب في فاعلها أو قابلها لا فيها، وليس لهم عن هذه المعارضة مذهب. وأما الثالثة وهو أنه يلزم من بساطة الحال بساطة المحل، فلانا لا نسلم أن العلم على هيئة الحلول والصورة، وإنما هو إدراك ووصول ونظر إلى المعلوم، ولو سلم لم يلزم من بساطة الحال بساطة المحل، فإن النقطة والوحدة موجودتان في الجسم المركب. نعم إنما يلزم ذلك إذا كان الحلول على نعت السريان، ولم يقم على السريان في محل النزاع برهان. ويلزم مما قالوا كون النفس جسما أو جسمانية، لانها تعلم المركب في صورة

[99]

المركبة مركبة، فيلزم كون محلها مركبا لامتناع حلول المركب في البسيط، وهذه معارضة اخرى لا محيص عنها. وأما الرابعة فنمنع انقسام كل جسم وجسماني، لما ثبت في الكلام جواهر لاتقبل الانقسام. المذهب الثاني: أنها عرض، فذهب جالينوس إلى أنه المزاج الذي هو اعتدال الاركان. وهذا نظر إلى فوات الحياة بفواته وقد سلف جوابه. وقيل: إنه تشكيل البدن وتخطيطه. وهذا قول سخيف جدا منقوض بمقطوع اليد مثلا، فإن فوات تخطيطها يلزم منه عدم النفس، لعدم الكل بعدم الجزء. وقيل: إنه الحياة، وهذا مأخوذ من التلازم بينهما وقد عرفت أنه لا يوجب الاتحاد. وقيل: إنه النسبة الواقعة بين الاركان في الكميات والكيفيات. أما تركبه من الجسم والمجرد، أو من العرض والمجرد أو من الجسم والعرض والمجرد فقال سديد الدين محفوظ: لاأعلم به قائلا، إلا أن تفسير الفلاسفة لحقيقة الانسان بأنه الحيوان الناطق يقتضي كون الانسان عبارة عن البدن والنفس معا، لان الحياة جنس حلته أعراض والناطق هو النفس، فعلى هذا يكون الانسان مركبا من هذه تركيبا ثلاثيا وهذا مذهب تاسع وعشرون. والثلاثون: قال بشر بن معتمر وهشام النوطي: إنه الجسم والروح الذي هو الحياة، وإنهما الفاعلان للا فعال، وعلى هذا قيل: في الانسان نفس وروح، فإذا نام خرجت نفسه، وإذا مات خرجتا معا، وهذا يؤدي إلى أن النفس والروح غير الانسان. خاتمة قوله عليه السلام: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " قال بعض العلماء: الروح لطيفة لاهوتية في صفة ناسوتية، دالة من عشرة أوجه على وحدانية ربانية: 1 - لما حركت الهيكل ودبرته علمنا أنه للعالم من محرك ومدبر. 2 - دلت وحدتها على وحدته.

[100]

3 - دل تحريكها للجسد على قدرته. 4 - دل اطلاعها على ما في الجسد على علمه. 5 - دل استواؤها إلى الاعضاء على استوائه إلى خلقه. 6 - دل تقدمها عليه وبقاؤها بعده على أزله وأبده. 7 - دل عدم العلم بكيفيتها على عدم الاحاطة به. 8 - دل عدم العلم بمحلها من الجسد على عدم أينيته. 9 - دل عدم مسها على امتناع مسه. 10 - دل عدم إبصارها على استحالة رؤيته. المقصد الثاني: الروح فزعمت الفلاسفة أن في البدن أرواحا وأنفسا يعبرون عنها بالقوى: منها الروح الطبيعي التي يشترك فيها جميع الاجساد النامية، ومحلها الكبد. منها الروح الحيواني وهي التي يشترك فيها الحيوانات، ومحلها من الانسان القلب. ومنها النفساني وهي من فيض النفس الناطقة أو العقل، ومحلها الدماغ، وهي المدبرة للبدن. وعندنا أن هذه الارواح معان يخلقها الله تعالى في هذه المحال، ثم أثبتوا قوى اخر في المعدة: الماسكة، والهاضمة، والجاذبة، والدافعة. وعندنا أيضا أنها معان وليست جواهر، لتماثل الجواهر، ولو كان بعض الجواهر روحا لنفسه لكان كل جوهر كذلك فيستغني كل جزء عن أن يكون له روح غير نفسه، فبطل بذلك كون روح الجسد من نفسه. إن قالوا الروح الباقي عرض واعتراض في الروح الاول. قلنا: فلم لا يجوز أن يكون روح هذا الجسد الظاهر عرضا هو الحياة ؟ والله خالق الموت والحياة، فإن كانت جوهرا والموت عرض امتنع أن يبطل حكمها، لان العرض لا يضاد الجوهر، وعند معظم أهل الفلاسفة والطب: أن الروح من بخار الدم تتصاعد فتبقى ببقائها.

[101]

واعلم أن اسم الروح مشترك باللفظ بين عشر معان: (1) الوحي (ب) جبرئيل (ج) عيسى (د) الاسم الاعظم (ه‍) ملك عظيم الجثة (و) الرحمة (ز) الراحة (ح) الانجيل (ط) القرآن (ى) الحياة أو سببها. وقال الباقلاني والاسفراني وابن كيال وغيرهم: إن الروح هي الحياة، وهي عرض خاص، وليست شيئا من بقية الاعراض المعتدلة والمحسوسة، لجواز زوالها مع بقاء الروح. ان قيل: فكيف يكون الروح هو الحياة والله له حياة وليس له روح ؟ قلنا: أسماء الله تعالى سبحانه توقيفية لا تبلغ من الآراء، فإن الله تعالى عليم ولا يسمى داريا ولا شاعرا ولا فقيها ولا فهيما، والله تعالى قادر مبين ولا يسمى شجاعا ولا مستطيعا. ان قيل: كيف يكون الروح هو الحياة وفي الاخبار أن الارواح تنتقل إلى عليين وإلى سجين وإلى قناديل تحت العرش وإلى حواصل طير خضر، والحياة لا تنتقل ؟ قلنا: يجوز أن تنتقل أجزاء أحياء وتسمى أرواحا لانها محال الروح وهي الحياة تسمية للمحل باسم معنى فيه، كما يسمى المسجد صلاة في قوله تعالى: " لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى (1) " أو نقول: المنتقل أمثال الارواح، يخلقها الله وتسمى " أرواحا نورانية " إن كانت قائمة بذوات المطيعين طيبة تصلي عليها الملائكة، و " ظلمانية منتنة " إن كانت قائمة بذوات المسيئين تلعنها الملائكة، مثل ما ورد في الاخبار: تصعد صلاة المحسن طيبة مضيئة، وصلاة المسئ منتنة مظلمة، وأن سورة البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان، والله تبعث الايام على هيئتها، وتبعث يوم الجمعة أزهر، وأنه يؤتى بكبش أملح فيذبح ويقال: هذا الموت، وإن الاعمال توزن. وإنما هي أمثلة يخلقها الله. ان قيل: إن الله وصف النفس التي هي الروح بالارسال والامساك في قوله


(1) النساء: 42.

[102]

تعالى: " يتوفى الانفس " - الآية - (1) والحياة لاتوصف بذلك. قلنا: قد سلف أن النفس يقال على معان منها الروح، ومنها العقل والتمييز وهذان هما المراد من قوله: " يتوفى الانفس - الآية - " واطلق على النائم لعدم الدفع والنفع، ومنه سمى الله الكفار أمواتا في قوله: " إنك لا تسمع الموتى (2) " لعدم النفع. ان قيل: في الحديث: ان الارواح جنود في الهواء، والحياة لا تكون في الهواء. قلنا: محمول على الذرية التي خرجت من آدم. وفي هذا نظر لمخالفة ظاهر الآية، إذ فيها: " وإذ أخذ ربك من بني آدم (3) ". أو أن الارواح هنا القلوب، لان التعارف والتساكن (4) فيها. ان قيل: في الحديث: خلق الله الارواح قبل الاجساد، ولا يصح ذلك في الحياة. قلنا: لا يعلم صحته، أو المراد بالارواح الملائكة، فإن جبرئيل روح والملك العظيم الجثة روح، والروحانيون صنف منهم أيضا. والظاهر من كلام أبي الحسن وجماعة أن الروح أجسام لطيفة. فقيل: ليست معينة. وقال الجويني: في ماسكة الاجسام المحسوسة، أجرى الله العادة باستمرار الحياة ما استمرت. وكان ابن فورك يقول: هو ما يجري في تجاويف الاعضاء، ولهذا جوز " أبو منصور البغدادي " قيام الحياة بالشعر، إذ لا يشترط في محلها التجويف، ولم يجوز قيام الروح لاشتراط التجويف، وليس في الشعر تجويف. واستدلوا على كونها جسما بوصف الله لها ببلوغ الحلقوم، وبالارسال، وبالرجوع، وبالفزع، وبقوله: من نام على وضوء يؤذن لروحه أن تسجد عند العرش. وعلى هذا اختلف في تكليفها: فقيل: ليست مكلفة، وقيل: بل مكلفة بأفعال غير أفعال البدن: المحبة وضدها، وأن له


(1) الزمر: 42. (2) النمل: 80. (3) الاعراف: 171. (4) التناكر (ظ).

[103]

حياة وأفعالها اقتناء الافعال (1) الحميدة واجتناب الذميمة، وأوردوا في ذلك ما أورده الخيري في تفسيره قوله تعالى: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها (2) " أن النفس والروح يجيئان بين يدي الله فيختصمان، فتقول النفس: كنت كالثوب لم أقترف ذنبا ما لم تدخل في، ويقول الروح: كنت مخلوقا قبلك بدهور ولم أدرما الذنب إلى أن دخلت فيك، فيمثل الله لهما أعمى ومقعدا وكرما على الجدار ويأمرهما بالاقتطاف، فيقول الاعمى: لا ابصر، ويقول المقعد: لاأمشي. فيقول له: اركب الاعمى واقتطف. فيقول: هذا مثالكما، فكما صار العنب بكما مقطوفا صار الذنب بكما معروفا. ومن قال الروح هي الحياة قال المراد بالروح في هذا القول القلب، لانه به حياة الجسد. وقد روى في حلية الاولياء عن سلمان - رضي الله عنه - أنه قال: مثل القلب والجسد مثل الاعمى والمقعد، قال المقعد: أرى ثمرة ولا أستطيع القيام فاحملني، فحمله فأكل وأطعمه. وهذا أولى لان فعل الجسد إنما يكون طاعة ومعصية بعزيمة القلب، ولهذا قال عليه السلام: إن في الجسم (3) لمضغة إذا صلحت صلح سائره، وإذا فسدت فسد سائره و هي القلب. تذنيب قوله تعالى: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي (4) " إن قيل: كيف أبهم الله الجواب ؟ قلنا: فيه وجوه: (1) قال الكتابيون للمشركين: اسألوا محمدا عنه فإن توقف فيه فهو نبي فسألوه فأجاب بذلك، وقوله: " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا " عنى اليهود، قالوا: اوتينا التوراة وفيها علم كل شئ. (ب) كان قصد هم بالسؤال تخجيل النبي صلى الله عليه وآله فإن الروح لما قيل على معان


(1) الاخلاق (خ). (2) النحل: 111. (3) الجسد (خ). (4) الاسراء: 85.

[104]

مختلفة كما سلف، حتى لو أجاب بواحد منها قالوا. ما نريد هذا، فأبهموا السؤال فأبهم الجواب بما ينطبق على الجميع بأنه من أمر الله، أي إنه أحدثه بقوله " كن " أو هو من شأنه وخلفه. (ج) عن ابن عباس أنهم سألوا عن جبرئيل لانهم كانوا يدعون معاداته. (د) عن علي عليه السلام: أنهم سألوا عن الملك العظيم الجثة. (ه‍) لو اريد الروح التي في البدن لم يكن في الآية دليل على أنه لا يعلمها إلا الله. هذا آخر ما وجدنا من الرسالة، ولم نتكلم على ما فيها إحالة على أفهام الناظرين فخذ منها ما صفي، ودع ماكدر. تتمة أقول: بعد ما أحطت خبرا بما قيل في هذا الباب من الاقوال المتشتته، والآراء المتخالفة، وبعض دلائلهم عليها، لا يخفى عليك أنه لم يقم دليل عقلي على التجرد ولا على المادية، وظواهر الآيات والاخبار تدل على تجسم الروح والنفس وإن كان بعضها قابلا للتأويل، وما استدلوا به على التجرد لا يدل دلالة صريحة عليه وإن كان في بعضها إيماء إليه، فما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرد إفراط وتحكم كيف وقد قال به جماعة من علماء الامامية ونحارير هم ؟ ! وجزم القائلين بالتجرد أيضا بمحض شبهات ضعيفة مع أن ظواهر الآيات والاخبار تنفيه أيضا جرأة وتفريط فالامر مردد بين أن يكون جسما لطيفا نورانيا ملكوتيا داخلا في البدن، تقبضه الملائكة عند الموت، وتبقى معذبا أو منعما بنفسه أو بجسد مثالي يتعلق به كما مر في الاخبار، أو يلهى عنه إلى أن ينفخ في الصور - كما في المستضعفين - ولا استبعاد في أن يخلق الله جسما لطيفا يبقيه أزمنة متطاولة، كما يقول المسلمون في الملائكة والجن، ويمكن أن يرى في بعض الاحوال بنفسه أو بجسده المثالي، ولا يرى في بعض الاحوال بنفسه أو بجسده بقدرة الله سبحانه. أو يكون مجردا يتعلق بعد قطع تعلقه عن جسده الاصلي بجسد مثالي، ويكون قبض الروح وبلوغها الحلقوم وأمثال ذلك تجوزا عن

[105]

قطع تعلقها، أو اجري عليها أحكام ما تعلقت أولا به - هو الروح الحيواني البخاري - مجازا. ثم الظاهر من الاخبار أن النفس الانساني. غير الروح الحيواني، وغير سائر أجزاء البدن المعروفة وأما كونها جسما لطيفا خارجا من البدن محيطا به أو متعلقا به فهو بعيد، ولم يقل به أحد، وإن كان يستفاد من ظواهر بعض الاخبار كما عرفت. وقد يستدل على بطلان القول بوجود مجرد سوى الله بقوله سبحانه " ليس كمثله شئ (1) " وهو ضعيف، إذ يمكن أن يكون تجرده سبحانه مبائنا لتجرد غيره، كما قول في السمع والبصر والقدرة وغيرها. وقد يستدل على نفيه بما سبق من الاخبار الدالة على أن الوحدة مختصة به تعالى، وأن غيره سبحانه متجزئ كخبر فتح بن يزيد، عن أبي الحسن عليه السلام وقال في آخره: والانسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى، والله جل جلاله هو واحد لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا زيادة ولا نقصان، وأما الانسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى، غير أنه بالاجتماع شئ واحد. وعن أبي جعفر الثاني عليه السلام في حديث طويل: ولكنه القديم في ذاته، وما سوى الواحد متجزئ، والله الواحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: لاتشبه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شئ، ولا يقال شئ فوقه، أمام كل شئ ولا يقال له أمام، داخل في الاشياء لا كشئ داخل، وخارج من الاشياء لا كشئ خارج، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره. فإن هذه الاخبار وغيرها مما مر في كتاب التوحيد تدل على اختصاص تلك الصفات بالله تعالى، وعلى القول بوجود مجرد سوى الله كانت مشتركة مع الله سبحانه فيها، لا سيما في العقول التي ينفون عنها التغير والتبدل. ولا يخلو من قوة، لكن


(1) الشورى: 11.

[106]

للكلام فيه مجال والله يعلم حقائق الامور وحججه عليهم السلام. وأقول: لما انتهى الكلام في هذا الباب إلي بعض الاطناب لكونه من أهم المطالب وأقصى المآرب فلا بأس بأن نذكر بعض المطالب المهمة من أحوال النفس وشؤونها في فوائد: الاولى: في بيان اتحاد حقيقة النفوس البشرية بالنوع. قال نصير الملة والدين - رحمه الله - في التجريد: ودخولها تحت حد واحد يقتضي وحدتها. وقال العلامة - رفع الله مقامه -: اختلف الناس في ذلك فذهب الاكثر إلى أن النفوس البشرية متحدة في النوع، متكثرة بالشخص، وهو مذهب أرسطو، وذهب جماعة من القدماء إلى أنها مختلفة بالنوع، واحتج المصنف على وحدتها بأنها يشملها حد واحد والامور المختلفة يستحيل اجتماعها تحت حد واحد، وعندي في هذا نظر. وقال شارح المقاصد: ذهب جمع من قدماء الفلاسفة إلى أن النفوس الحيوانية والانسانية متماثلة متحدة الماهية، واختلاف الافعال والادراكات عائد إلى اختلاف الآلات، وهذا لازم على القائلين بأنها أجسام، والاجسام متماثلة، إذ لا تختلف إلا بالعوارض. وأما القائلون بأن النفوس الانسانية مجردة فذهب الجمهور منهم إلى أنها متحدة الماهية، وإنما تختلف في الصفات والملكات واختلاف الامزجة والادوات، وذهب بعضهم إلى أنها مختلفة بالماهية، بمعنى أنها جنس تحته أنواع مختلفة، تحت كل نوع أفراد متحدة الماهية، متناسبة الاحوال، بحسب ما يقتضيه الروح العلوي، المسمى بالطباع التام لذلك النوع. ويشبه أن يكون قوله عليه السلام " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وقوله عليه السلام " الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " إشارة إلى هذا. وذكر الامام في المطالب العالية: أن هذا المذهب هو المختار عندنا. وأما بمعنى أن يكون كل فرد منها مخالفا بالماهية لسائر الافراد، حتى لا يشترك منهم اثنان في الحقيقة، فلم يقل به قائل تصريحا، كذا ذكره أبو البركات في المعتبر.

[107]

احتج الجمهور: بأن ما يعقل من النفس ويجعل لها حدا معنى واحد مثل الجوهر المجرد المتعلق بالبدن، والحد تمام الماهية. وهذا ضعيف، لان مجرد التحديد بحد واحد لا يوجب الوحدة النوعية، إذ المعاني الجنسية أيضا كذلك كقولنا: الحيوان جسم حساس متحرك بالارادة. وإن ادعي أن هذا مقول في جواب السؤال بما هو عن أي فرد وأي طائفة تفرض فهو ممنوع، بل ربما يحتاج إلى ضم مميز جوهري. وقد يحتج بأنها مشاركة في كونها نفوسا بشرية، فلو تخالفت بفصول مميزة لكانت من المركبات دون المجردات. والجواب بعد تسليم كون النفسية من الذاتيات دون العرضيات: أن التركيب العقلي من الجنس والفصل لا ينافي التجرد ولا يستلزم الجسمية. واحتج الاخرون: بأن اختلاف النفوس في صفاتها لو لم يكن لاختلاف ماهياتها بل لاختلاف الامزجة والاحوال البدنية والاسباب الخارجية لكانت الاشخاص المتقاربة جدا في أحوال البدن والاسباب الخارجة متقاربة البتة في الملكات والاخلاق من الرحمة والقسوة والكرم والبخل والعفة والفجور وبالعكس، واللازم باطل، إذ كثيرا ما يوجد الامر بخلاف ذلك، بل ربما يوجد الانسان الواحد يبدل مزاجه جدا وهو على غريزته الاولى. ولا خفاء في أن هذا من الاقناعيات الضعيفة، لجواز أن يكون ذلك لاسباب اخر لا نطلع على تفاصيلها. الثانية: تساوي الارواح والابدان. قال شارح المقاصد: كل نفس يعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس اخرى تدبر أمره، وأن ليس لها تدبير وتصرف في بدن آخر، فالنفس مع البدن على التساوي، ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة، ولا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد. أما على سبيل الاجتماع فظاهر، وأما على سبيل التبادل والانتقال من بدن إلى آخر فلوجوه: الاول: أن النفس المتعلقة بهذا البدن لو كانت منتقلة إليه من بدن آخر لزم أن يتذكر شيئا من أحوال ذلك البدن، لان العلم والحفظ والتذكر من الصفات القائمة بجوهرها الذي لا يختلف باختلاف أحوال البدن، واللازم باطل قطعا.

[108]

الثاني: أنها لو تعلقت بعد مفارقة هذا البدن ببدن آخر لزم أن يكون عدد الابدان الهالكة مساويا لعدد الابدان الحادثة، لئلا يلزم تعطل بعض النفوس، أو اجتماع عدة منها على التعلق ببدن واحد، أو تعلق واحدة منها بأبدان كثيرة معا لكنا نعم قطعا بأنه قد يهلك في مثل الطوفان العام أبدان كثيرة لا يحدث مثلها إلا في أعصار متطاولة. الثالث: أنه لو انتقل نفس إلى بدن لزم أن يجتمع فيه نفسان: منتقلة، و حادثة، لان حدوث النفس عن العلة القديمة يتوقف على حصول الاستعداد في القابل أعني البدن، ذلك بحصول المزاج الصالح، وعند حصول الاستعداد في القابل يجب حدوث النفس، لما تقرر من لزوم وجود المعلول عند تمام العلة. لا يقال: لابد مع ذلك من عدم المانع، ولعل تعلق المنتقلة مانع، وتكون لها الاولوية في المنع لها من الكمال. لانا نقول: لادخل للكمال في اقتضاء التعلق، بل ربما يكون الامر بالعكس فإذن ليس منع الانتقال للحدوث أولى من منع الحدوث للانتقال. واعترض: على الوجوه الثلاثة بعد تسليم مقدماتها: بأنها إنما تدل على أن النفس بعد مفارقة البدن لا تنتقل إلى بدن آخر إنساني، ولا يدل على أنها لا تنتقل إلى حيوان آخر من البهائم والسباع وغير هما على ما جوزه بعض التناسخية وسماه مسخا، ولا إلى نبات على ما جوزه بعضهم وسماه فسخا، ولا إلى جماد على ما جوزه آخر وسماه رسخا، ولا إلى جرم سماوي على ما يراه بعض الفلاسفة. وإنما قلنا: بعد تسليم المقدمات، لانه ربما يعترض على الوجه الاول بمنع لزوم التذكر، وإنما يلزم لو لم يكن التعلق بذلك البدن شرطا، والاستغراق في تدبير البدن الآخر مانعا، أو طول العهد منسيا. وعلى الثاني بمنع لزوم التساوي، وإنما يلزم لو كان التعلق ببدن آخر لازما البته وعلى الفور، وأما إذا كان جائزا أو لازما ولو بعد حين فلا، لجواز أن لا ينتقل نفوس الهالكين الكثيرين، أو ينتقل بعد حدوث الابدان الكثيرة. وما توهم من التعطيل مع أنه لا حجة على بطلانه فليس بلازم، لان

[109]

الابتهاج بالكمالات أو التألم بالجهالات شغل. وعلى الثالث: بأنه مبني على حدوث النفس وكون المزاج مع الفاعل تمام العلة، بحيث لا مانع أصلا والكل في حيز المنع ثم قال: وليس للتناسخية دليل يعتد به، وغاية ما تمسكوا به في إثبات التناسخ على الاطلاق أي انتقال النفس بعد المفارقة إلى جسم آخر إنساني أو غيره وجوه: الاول: أنها لو لم تتعلق لكانت معطلة، ولا تعطيل في الوجود. وكلتا المقدمتين ممنوعة. الثاني: أنها مجبولة على الاستكمال، والاستكمال لا يكون إلا بالتعلق، لان ذلك شأن النفوس، وإلا كانت عقلا لا نفسا. ورد بأنه ربما كان الشئ طالبا لكماله ولا يحصل لزوال الاسباب والآلات، بحيث لا يحصل لها البدن. الثالث: أنها قديمة، فتكون متناهية العدد، لامتناع وجود ما لا يتناهى بالفعل بخلاف ما لا يتناهى من الحوادث كالحركات والاوضاع وما يستند إليها، فإنها إنما تكون على سبيل التعاقب دون الاجتماع، والابدان مطلقا بل الابدان الانسانية خاصة غير متناهية، لانها من الحوادث المتعاقبة، المستندة إلى ما لا يتناهى من الدورات الفلكية وأوضاعها. فلولم يتعلق كل نفس إلا ببدن واحد لزم توزع ما يتناهى على ما لا يتناهى، وهو محال بالضرورة. ورد بمنع قدم النفوس، ومنع لزوم تناهي القدماء لو ثبت، فإن الادلة إنما تمت فيما له وضع وترتيب، ومنع لا تناهي الابدان وعللها، ومنع لزوم أن يتعلق بكل بدن نفس. وإن اريد الابدان التي صارت إنسانا بالفعل اقتصر على منع لا تناهيها. ثم قال: وقد يتوهم أن من شريعتنا القول بالتناسخ، فإن مسخ أهل المائدة قردة وخنازير رد لنفوسهم إلى أبدان حيوانات اخر، والمعاد الجسماني رد لنفوس الكل إلى أبدان اخر إنسانية، للقطع بأن الابدان المحشورة لا تكون الابدان الهالكة بعينها، لتبدل الصور والاشكال بلا نزاع. والجواب: أن المتنازع هو أن النفوس بعد مفارقتها الابدان تتعلق في الدنيا

[110]

بأبدان اخر للتدبير والتصرف والاكتساب، لا أن تتبدل صور الابدان كما في المسخ أو أن تجتمع أجزاؤها الاصلية بعد الاصلية بعد التفرق، فترد إليها النفوس كما في المعادن على الاطلاق، وكما في إحياء عيسى عليه السلام بعض الاشخاص. وقال السيد المرتضى - رضي الله عنه - حين سأله سائل: تأول سيدنا - أدام الله نعماءه - ما ورد في المسوخ مثل الدب والقرد والفيل والخنزير وما شاكل ذلك، على أنها كانت على خلق جميلة غير منفور عنها، ثم جعلت هذه الصور المسيئة على سبيل التنفير عنها والزيادة في الصد عن الا نتفاع بها وقال: لان بعض الاحياء لا يجوز أن يصير حيا آخر غيره، إذا اريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن اريد غيره نظرنا فيه، فما جواب من سأل عند سماع هذا عن الاخبار الواردة عن النبي والائمة عليهم السلام بأن الله تعالى يمسخ قوما من هذه الامة قبل يوم القيامة كما مسخ في الامم المتقدمة، وهي كثيرة لا يمكن الاطالة بحصرها في كتاب. وقد سلم الشيخ المفيد - رضي الله عنه - صحتها وضمن ذلك الكتاب الذي وسمه بالتمهيد، وأحال القول بالتناسخ، وذكر أن الاخبار المعول عليها لم ترد إلا بأن الله تعالى يمسخ قوما قبل يوم القيامة. وقد روى النعماني كثيرا من ذلك، ويحتمل النسخ والمسخ معا، فمما رواه ما أورده في كتاب " التسلي والتقوى " وأسنده إلى الصادق عليه السلام حديث طويل يقول في آخره: وإذا احتضر الكافر حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وجبرئيل وملك الموت عليهما السلام، فيد نو إليه علي عليه السلام فيقول: يارسول الله ! إن هذا كان يبغضننا أهل البيت فأبغضه. فيقول رسول الله: يا جبرئيل ! إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه. فيقول جبرئيل لملك الموت: إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيته فأبغضه واعنف به، فيد نو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله ! أخذت فكاك رقبتك ؟ أخذت أمان براءتك ؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في دار الحياة الدنيا ؟ فيقول: وماهي ؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فيقول: ما أعرفها ولا أعتقد بها. فيقول له جبرئيل: يا عدو الله وما كنت تعتقد ؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول له جبرئيل: أبشر يا عدو الله بسخط الله وعذابه في النار ! [و] أما ما كنت ترجو فقد فاتك، وأما الذي كنت تخافة فقد نزل بك، ثم يسل

[111]

نفسه سلاعنيفا، ثم يوكل بروحه مائة شيطان كلهم يبصق في وجهه ويتأذى بريحه، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار، يدخل عليه (1) من فوح ريحها ولهبها. ثم إنه يؤتى بروحه إلى جبال برهوت، ثم إنه يصير في المركبات حتى أنه يصير في دودة بعد أن يجري في كل مسخ مسخوط عليه، حتى يقوم قائمنا أهل البيت فيبعثه الله ليضرب عنقه وذلك قوله: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " (2) والله لقد اتي بعمر بن سعد بعد ما قتل، وإنه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة فجعل يعرف أهل الدار وهم لا يعرفونه، والله لا يذهب الدنيا حتى يمسخ عدونا مسخا ظاهرا، حتى أن الرجل منهم ليمسخ في حياته قردا أو خنزيرا، ومن ورائهم عذاب غليظ ومن ورائهم جهنم وساءت مصيرا. والاخبار في هذا المعنى كثيرة قد جازت عن حد الآحاد فإن استحال النسخ وعو لنا على أنه الحق بها ودلس (3) فيها واضيف إليها فما ذايحيل المسخ وقد صرح به فيها وفي قوله " أفانبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير " (4) " وقوله " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (5) " وقوله " ولو نشاء لمسخنا هم على مكانتهم (6) " ؟ والاخبار ناطقة بأن معنى هذا المسخ هو إحالة التغيير عن بنية الانسانية إلى ما سواها. وفي الخبر المشهور عن حذيفة أنه كان يقول: أرأيتم لو قلت لكم إنه يكون فيكم قردة وخنازير أكنتم مصدقي ؟ فقال رجل: يكون فينا قردة وخنازير ؟ ! قال: وما يؤمنك من ذلك لا ام لك. وهذا تصريح بالمسخ، وقد تواتر الاخبار بما يفيد أن معناه تغيير الهيئة والصورة. وفي الاحاديث أن رجلا قال لامير المؤمنين عليه السلام


(1) إليه (خ). (2) غافر: 11. (3) دس (ظ). (4) المائدة: 63. (5) البقرة: 65. (6) يس: 67.

[112]

وقد حكم عليه بحكم: والله ما حكمت بالحق ! فقال له: إخسأ كلبا، وإن الاثواب تطايرت عنه وصار كلبا يمصع (1) بذنبه. وإذا جاز أن يجعل الله جل وعز الجماد حيوانا فمن ذا الذي يحيل جعل حيوان في صورة حيوان آخر ؟. فأجاب - قدس سره -: اعلم أنا لم نحل المسخ، وإنما أحلنا أن يصير الحي الذى كان إنسانا الحي الذي كان قردا أو خنزيرا، والمسخ أن يغير صورة الحي الذي كان إنسانا يصير بهيمة، لا أنه يتغير صورته إلى صورة إلى صورة البهيمة والاصل في المسخ قوله تعالى: " كونوا قردة خاسئين " (2) وقوله تعالى: " وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت (3) " وقد تأول قوم من المفسرين آيات القرآن التي في ظاهرها المسخ على أن المراد بها أنا حكمنا بنجاستهم، وخسة منزلتهم، وإيضاع أقدارهم لما كفروا وخالفوا، فجروا بذلك مجرى القرود التي لها هذه الاحكام، كما يقول أحد نا لغيره: ناظرت فلانا وأقمت عليه الحجة حتى مسخته كلبا، على هذا المعنى. وقال آخرون: بل أراد بالمسخ أن الله تعالى غير صورهم وجعلهم على صور القرود على سبيل العقوبة لهم والتنفير عنهم وذلك جائز مقدور لا مانع له. وهو أشبه بالظاهر وأمر عليه، والتأويل الاول ترك الظاهر وإنما تترك الظواهر لضرورة، وليست ههنا. فإن قيل: فكيف يكون ما ذكرتم عقوبة ؟. قلنا: هذه الخلقة إذا ابتدئت لم تكن عقوبة، وإذا غير الحي المخلوق على الخلقة التامة الجميلة إليها كان ذلك عقوبة لان تغير الحال إلى ما ذكرناه يقتضي الغم والحسرة. فإن قيل: فيجب أن يكون مع تغير الصورة ناسا قردة، وذلك متناف. قلنا: متى تغيرت صورة الانسان إلى صورة القرد لم يكن في تلك الحال إنسانا، بل كان إنسانا مع البنية الاولى، واستحق الوصف بأنه قرد لما صار على صورته، وإن كان الحي واحدا في الحالين لم يتغير، ويجب فيمن مسخ قردا على سبيل العقوبة له أن يذمه مع تغير


(1) مصع بذنبه - كفتح -: حركة. (2) البقرة: 65. (3) المائدة: 63.

[113]

الصورة على ما كان منه من القبائح، لان تغير الهيئة والصورة لا يوجب الخروج عن استحقاق الذم، كما لا يخرج المهزول إذا سمن عما كان يستحقه من الذم، وكذا السمين إذا هزل. فإن قيل: فيقولون إن هؤلاء الممسوحين تناسلوا، وإن القردة في أزما ننا هذه من نسل اولئك. قلنا: ليس يمتنع أن يتناسلوا بعد أن مسخوا، لكن الاجماع حاصل على أنه ليس شئ من البهائم من أولاد آدم، ولو لا هذا الاجماع لجوزنا ما ذكر. وعلى هذه الجملة التي قررناها لا ينكر صحة الاخبار الواردة من طرقنا بالمسخ لانها كلها يتضمن وقوع ذلك على من يستحق العقوبة والذم من الاعداء والمخالفين. فإن قيل: أفتجوزون أن يغير الله تعالى صورة حيوان جميلة إلي صورة اخرى غير جميلة، بل مشوهة منفور عنها، أم لا تجوزون ؟. قلنا: إنما أجزنا في الاول ذلك على سبيل العقوبة لصاحب هذه الخلقة التي كانت جميلة ثم تغيرت، لانه يغتم بذلك ويتأسف، وهذا الغرض لايتم في الحيوان التي (1) ليس بمكلف، فتغيير صورهم عبث، فإن كان في ذلك غرض يحسن لمثله جاز (انتهى). وظاهر كلامه - رحمه الله - أولا وآخرا أنه عند المسخ يخرج عن حقيقة الانسانية ويدخل في نوع آخر، فيه نظر، والحق أن امتياز نوع الانسان إذا كان بهذا الهيكل المخصوص وهذا الشكل والتخطيط والهيئة فلا يكون هذا إنسانا، بل قردة (2) وخنزيرا وإن كان امتيازه بالروح المجرد أو الساري في البدن - كما هو الاصوب - كانت الانسانية باقية غير ذاهبة، وكان إنسانا في صورة حيوان، ولم يخرج من نوع الانسان ولم يدخل في نوع آخر. وقد روي عن أبي جعفر عليه السلام: أن الفرقة المعتزلة عن أهل السبت لما دخلوا قريتهم بعد مسخهم، عرفت القردة أنسابها من الانس، ولم يعرف الانس أنسابها من القردة، فقال القوم للقردة: ألم ننهكم ؟. وفي تفسير العسكري عليه السلام: فمسخهم الله كلهم قردة وبقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منهم أحد ولا يدخل إليهم أحد، وتسامع


(1) كذا. والصواب " الذى ". (2) كذا، والصواب " قردا ".

[114]

بذلك أهل القرى، فقصدوهم وتسنموا حيطان البلد فاطلعوا عليهم، فإذا كلهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض، يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم وقراباتهم وخلطاءهم يقول المطلع لبعضهم: أنت فلان، أنت فلان ؟ فتدمع عينيه ويومئ برأسه، أي نعم. فهذان الخبران يدلان على أنهم لم يتخلعوا من الانسانية، وكان فيهم العقل والشعور إلا أنهم كانوا لا يقدرون على التكلم. قال النيسابوري في قوله سبحانه " كونوا قردة خاسئين (1) ": عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم، بمعنى الطبع والختم، لا أنه مسخ صورهم، وهو مثل قوله " كمثل الحمار يحمل أسفارا (2) ". واحتج: بأن الانسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الاعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنسانا وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قردا. وأيضا لوجوزنا ذلك لم نؤمن في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك شك في المشاهدات. واجيب: بأن الانسان ليس هذا الهيكل، لتبدله بالسمن والهزال، فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما تقوله الفلاسفة، وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشئ مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل، وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول صلى الله عليه وآله ولانه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة، والعقل والفهم باق، فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية: من تغير الخلقة، وتشويه الصورة، وعدم القدرة على النطق، وسائر الخواص الانسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون. ثم اولئك القرود بقوا أو أفنا هم الله ؟ وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا ؟ الكل سائر (3) عقلا، إلا أن الرواية عن ابن عباس: أنهم


(1) البقرة: 65. (2) الجمعة: 5. (3) سائغ (ظ).

[115]

ما مكثوا إلا ثلاثة أيام، ثم هلكوا (انتهى). أقول: قد ورد في أخبارنا أيضا موافقا لما روي عن ابن عباس، كما في تفسير العسكري عليه السلام: كانوا كذلك ثلاثة أيام، ثم بعث الله عليهم ريحا ومطرا فجر بهم إلى البحر وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام، وأما التي ترون من هذه المصورات بصورها فانما هي أشباهها لاهي بأعيانها ولا من نسلها. وروى الصدوق في العلل بإسناده عن عبد الله بن الفضل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام قول الله عزوجل " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " قال: إن اولئك مسخوا ثلاثة أيام، ثم ماتوا ولم يتناسلوا، وإن القردة اليوم مثل اولئك، وكذلك الخنزير وسائر المسوخ ما وجد منها اليوم من شئ فهو مثله، لا يحل أن يؤكل لحمه (1) (الخبر). وروى في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: سمعت المأمون يسأل الرضا عليه السلام عما يرويه الناس من أمر الزهرة، وأنها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت، وما يروونه من أمر سهيل: أنه كان عشارا باليمن. فقال عليه السلام: كذبوا في قولهم أنهما كوكبان، وإنهما كانتا دابتين من دواب البحر، فغلط الناس وظنوا أنهما الكوكبان، وما كان الله ليمسخ أعداءه أنوارا مضيئة، ثم يبقيهما ما بقيت السماء والارض، وإن المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت، وما تناسل منها شئ، وما على وجه الارض اليوم مسخ، وإن التي وقعت عليها اسم المسوخية مثل القرد والخنزير والدب وأشباهها، إنما هي مثل ما مسخ الله عزوجل على صورها قوما غضب الله عليهم ولعنهم، بإنكارهم توحيد الله وتكذيبهم رسله (الخبر) (2). أقول: فقد ثبت بهذه الاخبار أن هذه الحيوانات ليست من نسل هؤلاء المسوخ ولا من نوعهم، وإنما هي على صورهم. وقد عرفت أن المسخ ليس تناسخا، لان الروح لم ينتقل إلى بدن آخر، وإنما تغيرت صورة البدن، وأما التناسخ بمعنى انتقال


(1) إلم نجد الرواية بعينها في العلل، ويوجد ما هو قريب المضمون بها في: ج 2، ص 170. (2) العيون ج 1 ص 271.

[116]

الروح من بدن إلى بدن غير الابدان المثالية. فمما أجمع على نفيه جميع المسلمين وأما الاخبار الشاذة الواردة في ذلك فيشكل التعلق بظواهرها، كالخبر الذي أورده السائل، فهي إما مؤولة بالمسخ، أو بتصور الاجساد المثالية بتلك الصور، كما ذكرنا سابقا، وأما في الاجساد المثالية فقد تقدم القول فيها في كتاب المعاد، والله الهادي إلى الرشاد. قال شارح المقاصد: القول بالتناسخ في الجملة محكي عن كثير من الفلاسفة إلا أنه حكاية لاتعضدها شبهة فضلا عن حجة، ومع ذلك فالنصوص القاطعة من الكتاب والسنة ناطقة بخلافها، وذلك أنهم ينكرون المعاد الجسماني، أعني حشر الاجساد وكون الجنة والنار داري ثواب وعقاب، ولذات وآلام حسية، ويجعلون المعاد عبارة عن مفارقة النفوس الابدان، والجنة عن ابتهاجها بكمالاتها، والنار عن تعلقها بأبدان حيوانات اخر يناسبها فيما اكتسب من الاخلاق وتمكنت فيها من الهيئات، معذبة بما يلقى فيها من الذل والهوان، مثلا تتعلق نفس الحريص بالخنزير، والسارق بالفأر والمعجب بالطاووس، والشرير بالكلب، ويكون لها تدريج في ذلك بحسب الانواع و الاشخاص، أي ينزل من بدن إلى بدن هو أدنى في تلك الهيئة المناسبة، مثلا يبتدئ نفس الحريص من التعلق ببدن الخنزير ثم إلى ما دونه في ذلك، حتى ينتهي إلى النمل ثم يتصل بعالم العقول عند زوال تلك الهيئة بالكلية. ثم إن من المنتمين من التناسخية إلى دين الاسلام يروجون هذا الرأي بالعبارات المهذبة، والاستعارات المستعذبة، ويصرفون به إليه بعض الآيات الوارة في أصحاب العقوبات اجتراء على الله وافتراء على ما هو دأب الملاحدة والزنادقة، ومن يجري مجراهم من الغاوين المغوين، الذين هم شياطين الانس الذين يوحون إلى العوام والقاصرين من المحصلين زخرف القول غرورا. فمن جملة ذلك ما قالوا في قوله تعالى " كلما نضجت جلودهم - أي بالفساد - بد لنا هم جلودا غيرها (1) أي - بالكون - " وفي قوله تعالى " كلما أرادوا أن يخرجوا منها (2) "


(1) النساء: 55. (2) الحج: 22.

[117]

أي من دركات جهنم التي هي أبدان الحيوانات، وكذا في قوله " فهل إلى خروج من سبيل (1) " وقوله تعالى " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (2) " وفي قوله تعالى " وما من دابة في الارض - الآية - (3) " معناه: أنهم كانوا مثلكم في الخلق والعلوم والمعايش والصناعات، فانتقلوا إلى أبدان هذه الحيوانات، وفي قوله تعالى " كونوا قردة خاسئين (4) " أي بعد المفارقة، وفي قوله تعالى " ونحشر هم يوم القيامة على وجوهم (5) " أي على صور الحيوانات المتنكسة الرؤوس، إلى غير ذلك من الآيات. ومن نظر في كتب التفسير بل في سياق الآيات لا يخفى عليه فساد هذه الهذيانات. وجوز بعض الفلاسفة تعلق النفوس المفارقة ببعض الاجرام السماوية للاستكمال وبعضهم على أن نفوس الكاملين تتصل بعالم المجردات، ونفوس المتوسطين تتخلص إلى عالم المثل المعلقة في مظاهر الاجرام العلوية على اختلاف مراتبهم في ذلك، ونفوس الاشقياء إلى هذا العالم في مظاهر الظلمانيات في الصور المستكرهة بحسب اختلاف مراتبهم في الشقاوة، فيبقى بعضهم في تلك الظلمات أبدا لكون الشقاوة في الغاية، وبعضهم ينتقل بالتدريج إلى عالم الانوار المجردة. الثالثة: أن النفس لا تفنى بفناء البدن. قال في شرح المقاصد: فناء البدن لا يوجب فناء النفس المغائرة له مجردة كانت أو مادية أي جسما حالا فيه، لان كونها مدبرة له متصرفة فيه لا يقتضي فناءها بفنائه، لكن مجرد ذلك لا يدل على كونها باقية البتة، فلهذا احتيج في ذلك إلى دليل، وهو عندنا النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الامة، وهي من الكثرة والظهور بحيث لا يفتقر إلى الذكر. وقد أورد الامام في المطالب العالية من الشواهد العقلية والنقلية في هذا الباب ما يفضي ذكره إلى الاطناب وأما الفلاسفة فزعموا أنه يمتنع فناء النفس.


(1) المؤمن: 11. (2) المؤمنون: 107 (3) الانعام: 38. (4) البقرة: 65. (5) الاسراء: 97.

[118]

أقول: ثم ذكر بعض دلائلهم على ذلك، لا حاجة بنا إلى إيرادها. الرابعة: في كيفية تعقل النفس وإدراكها. قال في التجريد: وتعقل بذاتها و تدرك بالآلات. وقال شارح المقاصد: لا نزاع في أن مدرك الكليات من الانسان هو النفس، وأما مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات فعندنا النفس وعند الفلاسفة الحواس (1). ثم قال بعد إيراد الحجج من الجانبين: لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات، فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات، ضرورة، انتفاء المشروط بانتفاء الشرط. وعندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات، إما لانه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس، وإما لانه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس، بل الظاهر من قواعد الاسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات متجددة جزئية، واطلاع على بعض جزئيات أحوال الاحياء، سيما الذين كان بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الاخيار من الاموات، في استنزال الخيرات، واستدفاع الملمات فان النفس بعد المفارقة تعلقا ما بالبدن، وبالتربة التي دفنت فيها، فإذا زار الحي تلك التربة وتوجهت تلقاءه نفس الميت حصل بين النفسين علاقات وإفاضات. الخامسة: في كمالات النفس ومراتبها. قال في شرح المقاصد: قد سبق أن لفظ القوة كما يطلق على مبدأ التغيير والفعل فكذا يطلق على مبدأ التغير والانفعال، فقوة النفس باعتبارها تأثرها عما فوقها من المبادئ للاستكمال بالعلوم والادراكات يسمى عقلا نظريا، وباعتبار تأثيرها في البدن لتكميل جوهره - وإن كان ذلك أيضا عائدا إلى


(1) ذهب المشاؤن إلى أن النفس تدرك الجزئيات بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة وذهب شيخ الاشراق إلى أن حصول الاوضاع والاضافات الخاصة بين الحواس والمحسوسات شروط لادراك النفس لمدركاتها الجزئية المحسوسة في عالم المثال، وذهب صدر المتألهين إلى أن للنفس مرتبة مثالية تدرك الجزئيات المحسوسة فيها، والحواس إنما هي آلات لادراك المحسوسات المادية ومعدات تعد النفس لادراكها في عالمها المثالي، واما الجزئيات المتخيلة والموجودة في عالم المثال الاعظم فتدركها بنفسها من دون حاجة إلى آلة وتبعه على ذلك أتباع مدرسته وأصحاب الحكمة المتعالية. وعليه يصح ادراك النفس للجزئيات بعد مفارقة البدن أيضا.

[119]

تكميل النفس من جهة أن البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل - يسمى عقلا عمليا والمشهور أن مراتب النفس أربع، لانه إما كمال، وإما استعداد نحو الكمال قوي أو متوسط، أو ضعيف. فالضعيف وهو محض قابلية النفس للادراكات يسمى عقلا هيولانيا، تشبيها بالهيولى الاولى الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة لها، بمنزلة قوة الطفل للكتابة. والمتوسط وهو استعدادها لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات تسمى عقلا بالملكة، لما حصل لها من ملكة الانتقال إلى النظريات، بمنزلة الشخص المستعد لتعلم الكتابة. وتختلف مراتب الناس في ذلك اختلافا عظيما بحسب اختلاف درجات الاستعدادات. والقوي وهو الاقتدار على استحضار النظريات متى شاءت من غير افتقار إلى كسب جديد لكونها مكتسبة مخزونة تحضر بمجرد الالتفات، بمنزلة القادر على الكتابة حين لا يكتب، وله أن يكتب متى شاء، ويسمى عقلا بالفعل لشدة قربه من الفعل. وأما الكمال فهو أن يحصل النظريات مشاهدة بمنزلة الكاتب حين يكتب، ويسمى عقلا مستفادا، أي من خارج هو العقل الفعال الذي يخرج نفوسنا من القوة إلى الفعل فيما له من الكمالات، ونسبته إلينا نسبة الشمس إلى أبصارنا. وتختلف عبارات القوم في أن المذكورات أسام لهذه الاستعدادات والكمال، أو للنفس باعتبار اتصافها بها، أو لقوى في النفس هي مبادئها، مثلا يقال تارة: إن العقل الهيولاني هو استعداد النفس لقبول العلوم الضرورية. وتارة: إنها قوة استعدادية، أو قوة من شأنها الاستعداد المحض. وتارة: إنه النفس في مبدأ الفطرة من حيث قابليتها للعلوم وكذا في البواقي. وربما يقال: إن العقل بالملكة هو حصول الضروريات من حيث يتأدى إلى النظريات. وقال ابن سينا: هو صورة المعقولات الاولى، وتتبعها القوة على كسب غيرها بمنزلة الضوء للابصار، والمستفاد هو المعقولات عند حصولها بالفعل. وقال في كتاب " المبدأ والمعاد ": إن العقل بالفعل والعقل المستفاد واحد بالذات مختلف بالاعتبار، فإنه من جهة تحصيله للنظريات عقل بالفعل، ومن جهة حصولها

[120]

فيه بالفعل عقل مستفاد، وربما قيل: هو عقل بالفعل بالقياس إلى ذاته، ومستفاد بالقياس إلى فاعله. واختلفوا أيضا في أن المعتبر في المستفاد هو حصول النظريات الممكنة للنفس بحيث لا يغيب أصلا، حتى قالوا: إنه آخر المراتب البشرية، وأول منازل الملكية وأنه يمتنع أو يستبعد جدا ما دامت النفس متعلقة بالبدن، أو مجرد الحضور حتى يكون قبل العقل بالفعل بحسب الوجود - على ما صرح به الامام - وإن كان بحسب الشرف هو الغاية والرئيس المطلق الذي يخدمه سائر القوى الانسانية والحيوانية والنباتية ولا يخفى أن هذا أشبه بما اتفقوا عليه من حصر المراتب في الاربع، نعم حضور الكل بحيث لا يغيب أصلا هو كمال مرتبة المستفاد. ثم قال أما العملي فهو قوة بها يتمكن الانسان من استنباط الصناعات والتصرفات في موضوعاتها التي هي بمنزلة المواد، كالخشب للنجار، وتميز مصالحه التي يجب الاتيان بها من المفاسد التي يجب الاجتناب عنها لينتظم بذلك أمر معاشه ومعاده، وبالجملة هي مبدأ حركة بدن الانسان إلى الافاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء تخصها صلاحيته، ولها نسبة إلى القوة النزوعية، ومنها يتولد الضحك والخجل والبكاء ونحوها، ونسبة إلى الحواس الباطنة وهي استعمالها في استخراج امور مصلحة وصناعات وغيرها، ونسبة إلى القوة النظرية وهي أن أفاعليه أعني أعماله الاختيارية تنبعث عن آراء جزئية تستند إلى آراء كلية تستنبط من مقدمات أولية أو تجربية أو ذائعة أو ظنية تحكم بها القوة النظرية، مثلا يستنبط من قولنا: بذل الدرهم جميل والفعل الجميل ينبغي أن يصدر عنا، ينتج أن بذل الدرهم ينبغي أن يصدر عنا، ثم يحكم بأن هذا الدرهم ينبغي أن أبذله لهذا المستحق، فينبعث من ذلك شوق وإرادة إلى بذله، فتقدم القوة المحركة على دفعه إلى المستحق. ثم قال: وكمال القوة النظرية معرفة أعيان الموجودات وأحوالها وأحكامها كما هي أي على الوجه الذي هي عليه في نفس الامر بقدر الطاقة البشرية، وسمي حكمة نظرية، وكمال القوة العملية القيام بالامور على ما ينبغي، أي على الوجه الذي

[121]

يرتضيه العقل الصحيح بقدر الطاقة البشرية، وسمي حكمة عملية. وفسروا الحكمة على ما يشمل القسمين بأنها خروج النفس من القوة إلى الفعل في كمالها الممكن علما وعملا. إلا أنه لما كثر الخلاف وفشا الباطل والضلال في شأن الكمال، وفي كون الاشياء كما هي والامور على ما ينبغي، لزم الاقتداء في ذلك بمن ثبت بالمعجزات الباهرة أنهم على هدى من الله تعالى، وكانت الحكمة الحقيقية هي الشريعة، لكن لا بمعنى مجرد الاحكام العملية، بل بمعنى معرفة النفس مالها وما عليها والعمل بها، على ما ذهب إليه أهل التحقيق: من أن المشار إليها في قوله " ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا " (1) هو الفقه، وأنه اسم للعلم والعمل جميعا. وقد تقسم الحكمة المفسرة بمعرفة الاشياء كما هي إلى النظرية والعملية، لانها إن كانت علما بالاصول المتعلقة بقدرتنا واختيارنا فعملية، وغايتها العمل وتحصيل الخير، وإلا فنظرية وغايتها إدراك الحق وكل منهما ينقسم بالقسمة الاولية إلى ثلاثة أقسام، فالنظرية إلى الالهى والرياضي والطبيعي، والعملية إلى علم الاخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم سياسة المدينة. لان النظرية إن كان علما بأحوال الموجودات من حيث يتعلق بالمادة تصورا وقواما فهي العلم الطبيعي، وإن كان من حيث يتعلق بها قواما لا تصورا فالرياضي، كالبحث عن الخطوط والسطوح وغيرهما مما يفتقر إلى المادة في الوجود لا في التصور، وإن كان من حيث لا يتعلق بها لا قواما ولا تصورا فالالهي ويسمى العلم الاعلى وعلم ما بعد الطبيعة، كالبحث عن الواجب والمجردات وما يتعلق بذلك. والحكمة العملية إن تعلقت بآراء ينتظم بها حال الشخص وذكاء نفسه فالحكمة الخلقية، وإلا فإن تعلقت بانتظام المشاركة الانسانية الخاصة فالحكمة المنزلية والعامة فالحكمة المدنية والسياسة. ثم قال: للانسان قوة شهوية هي مبدأ جذب المنافع ودفع المضار من المآكل والمشارب وغيرها، وتسمى القوة البهيمية والنفس الامارة، وقوة غضبية هي


(1) البقرة: 269.

[122]

مبدأ الاقدام على الاهوال والشوق إلى التسلط والترفع، وتسمى السبعية والنفس اللوامة، وقوة نطقية هي مبدأ إدراك الحقائق والشوق إلى النظر في العواقب ليتميز بين المصالح والمفاسد. ويحدث من اعتدال حركة الاولى العفة، وهي أن تكون تصرفات البهيمية على وفق اقتضاء النطقية، ليسلم عن أن تستعبدها الهوى، وتستخدمها اللذات ولها طرف إفراط هي الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ازدياد اللذات على مالا ينبغي وطرف تفريط هي الخمود، أي السكون عن طلب ما رخص فيه العقل والشرع من اللذات إيثارا لا خلقة. ومن اعتدال حركة السبعية الشجاعة، وهي انقيادها للنطقية ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الامور الهائلة، ولها طرف إفراط هو التهور أي الاقدام على مالا ينبغي، وتفريط هو الجبن أي الحذر عما لا ينبغي. ومن اعتدال حركة النطقية وهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة، و طرف إفراطها الجربزة، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي، وطرف تفريطها الغباوة وهي تعطيل الفكر بالارادة والوقوف على اكتساب العلوم، فالاوساط فضائل والاطراف رذائل، وإذا امتزجت الفضائل حصل من اجتماعها حال متشابهة هي العدالة. فاصول الفضائل: العفة، والشجاعة، والحكمة، والعدالة. ولكل منها شعب وفروع مذكورة في كتب الاخلاق، وكذا الرذائل الستة (انتهى). تتميم قال الرازي في " المطالب العالية " في تعديد خواص النفس الانسانية: ونحن نذكر منها عشرة: القسم الاول من الخواص النطق وفيه أبحاث: الاول: أن الانسان الواحد لو لم يكن في الوجود إلا هو وإلا الامور الموجودة في الطبيعة لهلك أو ساءت معيشته، بل الانسان محتاج إلى امور أزيد مما في الطبيعة مثل الغذاء المعمول، فإن الاغذية الطبيعية لا يلائم الانسان، والملابس أيضا لا يصلح للانسان إلا بعد صيرورتها صناعية، فكذلك يحتاج الانسان إلى جملة من الصناعات حتى تنتظم أسباب معيشته، والانسان الواحد لا يمكنه القيام بمجموع تلك الصناعات

[123]

بل لابد من المشاركة حتى يخبز هذا لذاك، وينسج ذاك لهذا، فلهذه الاسباب احتاج الانسان إلى أن تكون له قدرة على أن يعرف الاخر الذي هو شريكه ما في نفسه بعلامة وضعية، وهي أقسام: فالاول أصلحها وأشرفها الاصوات المركبة، والسبب في شرفها أن بدن الانسان لا يتم ولا يكمل إلا بالقلب الذي هو معدن الحرارة الغريزية، ولابد من وصول النسيم البارد إليه ساعة فساعة حتى يبقى على اعتداله ولا يحترق، فخلقت آلات في بدنه بحيث يقدر الانسان على استدخال النسيم البارد في قلبه، فإذا مكث ذلك النسيم لحظة تسخن وفسد فوجب إخراجه، فالصانع الحكيم جعل النفس الخارج سببا لحدوث الصوت، فلا جرم سهل تحصيل الصوت بهذا الطريق، ثم إن ذلك الصوت سهل تقطيعه في المحابس المختلفة فحصلت هيآت مخصوصة بسبب تقطيع ذلك الصوت في تلك المحابس، وتلك الهيئات المخصوصة هي الحروف، فحصلت الحروف والاصوات بهذا الطريق، ثم تركب الحروف فحصلت الكلمات بهذا الطريق، ثم جعلوا كل كلمة مخصوصة معرفة لمعنى مخصوص، فلا جرم صار تعريف المعاني المخصوصة بهذا الطريق في غاية السهولة من وجوه: الاول: أن إدخالها في الوجود في غاية السهولة. والثاني أن تكون الكلمات الكثيرة الواقعة في مقابلة المعلومات الكثيرة في غاية السهولة. والثالث: أن عند الحاجة إلى التعريف تدخل في الوجود وعند الاستغناء عن ذكرها تعدم، لان الاصوات لا تبقى. والقسم الثاني من طرق التعريف الاشارة، والنطق أفضل بوجوه: الاول: أن الاشارة إنما تكون إلى موجود حاضر عند المشير محسوس، وأما النطق فإنه يتناول المعدوم يتناول مالا يصح الاشارة إليه، ويتناول ما يصح الاشارة إليه أيضا. والثاني: أن الاشارة عبارة عن تحريك الحدقة إلى جانب معين، فالاشارة نوع واحد. أو نوعان فلا يصح لتعريف الاشياء المختلفة، بخلاف النطق، فإن الاصوات والحروف البسيطة والمركبة كثيرة. والثالث: أنه إذا أشار إلى شئ فذلك الشئ ذات قامت به صفات كثيرة، فلا يعرف بسبب تلك الاشارة أن المراد تعريف الذات وحدها أو الصفة الفلانية

[124]

أو الصفة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو المجموع، وأما النطق فإنه واف بتعريف كل واحدة من هذه الاحوال بعينها. والقسم الثالث: الكتابة، وظاهر أنه المؤنة في إدخالها في الوجود صعبة، ومع ذلك فإنها مفرعة على النطق، وذلك لانا لو افتقرنا إلى أن نصنع لتعريف كل معنى من المعاني البسيطة والمركبة نقشا لافتقرنا إلى حفظ نقوش غير متناهية، وذلك غير ممكن، فدبروا فيه طريقا لطيفا وهو أنهم وضعوا بإزاء كل واحد من الحروف النطقية البسيطة نقشا خاصا، ثم جعلوا النقوش المركبة في مقابلة الحروف المركبة فسهلت المؤونة في الكتابة بهذا الطريق، إلا أن على هذا التقدير صارت الكتابة مفرعة على النطق، إلا أنه حصل في الكتابة منفعة عظيمة، وهي أن عقل الانسان الواحد لا يفي باستنباط العلوم الكثيرة، فالانسان الواحد إذا استنبط مقدارا من العلم وأبثته في الكتاب بواسطة الكتابة فإذا جاء بعده إنسان آخر ووقف عليه قدر على استنباط أشياء اخر زائدة على ذلك الاول، فظهر أن العلوم إنما كثرت بإعانة الكتابة، فلهذا قال عليه السلام: قيدوا العلم بالكتابة. فهذا بيان حقيقة النطق و الاشارة والكتابة. البحث الثاني مما يتعلق بهذا الباب أن المشهور أنه يقال في حد الانسان: إنه حيوان ناطق فقال بعضهم: إن هذا التعريف باطل طردا وعكسا. أما الطرد فلان بعض الحيوانات قد تنطق، وأما العكس فهو بعض الناس لا ينطق، فاجيب عنه: بأن المراد منه النطق العقلي، ولم يذكروا لهذا النطق العقلي تفسيرا ملخصا، فنقول الحيوان نوعان: منه ما إذا عرف شيئا فإنه لا يقدر على أن يعرف غيره حال نفسه مثل البهائم وغيرها، فانها إذا وجدت من نفسها أحوالا مخصوصة لا تقدر على أن تعرف غيرها تلك الاحوال، وأما الانسان فإذا وجد من نفسه حالة مخصوصة قدر على أن يعرف غيره تلك الحالة الموجودة في نفسه، فالناطق الذي جعل فصلا مقوما هو هذا المعنى، والسبب فيه أن أكمل طرق التعريف هو النطق، فعبر عن هذه القدرة بأكمل الطرق الدالة عليها، وبهذا التقرير فإن تلك السؤال لا يتوجه والله أعلم بالصواب.

[125]

البحث الثالث: أن هذه الالفاظ والكلمات لها أسماء كثيرة، فالاول اللفظ، وفيه وجهان أحدهما أن هذه الالفاظ إنما تولد بسبب أن ذلك الانسان لفظ ذلك الهواء من حلقه، فلما كان سبب حدوث هذه الاصوات هو لفظ ذلك الهواء لاجرم سميت باللفظ. والثاني أن تلك المعاني كانت كامنة في قلب ذلك الانسان فلما ذكر هذه الالفاظ صارت تلك المعاني الكامنة معلومة، فكان ذلك الانسان لفظها من الداخل إلى الخارج. والاسم الثاني: الكلام، واشتقاق هذه اللفظة من الكلم وهو الجرح، والسبب أن الانسان إذا سمع تلك اللفظة تأثر جسمه بسماعها، وتأثر عقله بفهم معناها فلهذا السبب سمي بالكلمة. والاسم الثالث: العبارة، وهي مأخوذة من العبور والمجاوزة، وفيه وجهان: الاول: أن ذلك النفس لما خرج منه فكأن جاوزه وعبر عليه. الثاني: أن ذلك المعنى عبر من القائل إلى فهم المستمع. والاسم الرابع: القول، وهذا التركيب يفيد الشدة والقوة، ولاشك أن تلك اللفظة لها قوة، إما لسبب خروجها إلى الخارج، وإما لسبب أنها تقوى على التأثير في السمع وعلى التأثير في العقل، والله اعلم. النوع الثاني من خواص الانسان قدرته على استنباط الصنائع العجيبة، ولهذه القدرة مبدءا وآلة. أما المبدأ فهو الخيال القادر على تركيب الصور بعضها ببعض، و أما الآلة فهي اليدان، وقد سماهما الحكيم أرسطاطاليس " الآلة المباحة " وسنذكر هذه اللفظة في علم التشريح إن شاء الله، وقد يحصل ما يشبه هذه الحالة للحيوانات الاخر كالنحل في بناء البيوت المسدسة، إلا أن ذلك لا يصدر من استنباط وقياس، بل إلهام وتسخير، ولذلك لا يختلف ولا يتنوع. هكذا قاله الشيخ، وهو منقوض بالحركة الفلكية وسنفرد لهذا البحث فصلا على الاستقصاء. النوع الثالث من خواص الانسان الاعراض النفسانية المختلفة، وهي على أقسام: فأحدها أنه إذا رأى شيئا لم يعرف سببه حصلت حالة مخصوصة في نفسه مسماة

[126]

بالتعجب. وثانيها: أنه إذا أحس بحصول الملائم حصلت حالة مخصوصة وتتبعها أحوال جسمانية، وهي تمدد في عضلات الوجه مع أصوات مخصوصة وهي الضحك، فإن أحس بحصول المنافي والموذي حزن فانعصر دم قلبه في الداخل فينعصر أيضا دماغه، وتنفصل عنه قطرة من الماء وتخرج من العين وهي البكاء. وثالثها: أن الانسان إذا اعتقد في غيره أنه اعتقد فيه أنه أقدم على شئ من القبائح حصلت حالة مخصوصة تسمى بالخجالة. ورابعها: أنه إذا اعتقد في فعل مخصوص أنه قبيح فامتنع عنه لقبحه حصلت حالة مخصوصة هي الحياء. وبالجملة فاستقصاء القول في تعديد الاحوال النفسانية مذكور في باب الكيفيات النفسانية. والنوع الرابع من خواص الانسان الحكم بحسن بعض الاشياء وقبح بعضها إما لان صريح العقل يوجب ذلك عند من يقول به، وإما لاجل أن المصلحة الحاصلة بسبب المشاركة الانسانية اقتضت تقريرها، لتبقى مصالح العالم مرعية. وأما سائر الحيوانات فإنها إن تركت بعض الاشياء مثل الاسد فإنه لا يفترس صاحبه فليس ذلك مشابها للحالة الحاصلة للانسان، بل هيئة اخرى، لان كل حيوان فهو يحب بالطبع كل من ينفعه، فلهذا السبب الشخص الذي أطعمه محبوب عنده، فيصير ذلك مانعا له عن افتراسه. النوع الخامس من خواص الانسان تذكر الامور الماضية، وقيل: إن هذه الحالة لا تحصل لسائر الحيوانات، والجزم في هذا الباب بالنفي والاثبات مشكل. والنوع السادس: الفكر والروية، وهذا الفكر على قسمين: أحدهما أن يتفكر لاجل أن يعرف حاله. وهذا النوع من الفكر ممكن في الماضي والمستقبل والحاضر. والنوع الثاني: التفكر في كيفية إيجاده وتكوينه. وهذا النوع من الفكر لا يمكن في الواجب والممتنع، وإنما يمكن في الممكن، ثم لا يمكن في الممكن الماضي والحاضر، وإنما يمكن في الممكن المستقبل، وإذا حكمت هذه القوة تبع حكمها حصول الارادة الجازمة، ويتبعها تأثير القوة والقدرة في تحريك البدن. وهل لشئ من الحيوانات شئ من الكيفيات ؟ المشهور إنكاره، وفيه موضع بحث، فإنها راغبة في

[127]

كل ما يكون لذيذا عندها نافرة عن كل ما يكون مولما عندها، فوجب أن يتقرر عندها أن كل لذيذ مطلوب، وأن كل مولم مكروه. فاجيب عنه: بأن رغبتها إنما يكون في هذا اللذيذ، فكل لذيذ حضر عنده فإنه يرغب فيه من حيث إنه ذلك الشئ، فأما أن يعتقد أن كل لذيذ فهو مطلوب فهذا ليس عنده. واعلم أن الحكم في هذه الاشياء بالنفي والاثبات حكم على الغيب، والعلم بها ليس إلا لله العلي العليم، والله أعلم. الفصل الثاني والعشرون في بيان أن اللذات العقلية أشرف وأكمل من اللذات الحسية. اعلم أن الغالب على الطباع العامية أن أقوى اللذات وأكمل السعادات لذة المطعم والمنكح، ولذلك فإن جمهور الناس لا يعبدون الله إلا ليجدوا المطاعم اللذيذة في الآخرة، وإلا ليجدوا المناكح الشهية هناك. وهذا القول مردود عند المحققين من أهل الحكمة وأرباب الرياضة، ويدل عليه وجوه: الحجة الاولى: لو كانت سعادة الانسان متعلقة بقضاء الشهوة وإمضاء الغضب لكان الحيوان الذي يكون أقوى في هذا الباب من الانسان أشرف منه، لكن الجمل أكثر أكلا من الناس، والذئب أقوى في الايداء من الانسان، والعصفور أقوى على السفاد من الانسان، فوجب كون هذه الاشياء أشرف من الانسان، لكن التالي معلوم البطلان بالضرورة، فوجب الجزم بأن سعادة الانسان غير متعلقة بهذه الامور. الحجة الثانية: كل شئ يكون سببا لحصول السعادة والكمال فكلما كان ذلك الشئ أكثر حصولا كانت السعادة والكمال أكثر حصولا، فلو كان قضاء شهوة البطن والفرج سببا لكمال حال الانسان ولسعادته لكان الانسان كلما أكثر اشتغالا بقضاء شهوة البطن والفرج وأكثر استغراقا فيه كان أعلى درجة وأكمل فضيلة، لكن التالي باطل، لان الانسان الذي جعل عمره وقفا على الاكل والشرب والبعال يعد من البهيمة ويقضى عليه بالدناءة والخساسة، وكل ذلك يدل على أن الاشتغال بقضاء هاتين الشهوتين ليس من باب السعادات والكمالات، بل من باب دفع الحاجات والآفات. الحجة الثالثة أن الانسان يشاركه في لذة الاكل والشرب جميع الحيوانات

[128]

الخسيسة، فإنه كما أن الانسان يلتذ بأكل السكر فكذلك الجعل يلتذ بتناول السرقين، فلو كانت هذه اللذات البدنية هي السعادة الكبرى للانسان لوجب أن لا يكون للانسان فضيلة على هذه الحيوانات الخسيسة، بل نزيد ونقول: لو كانت سعادة الانسان متعلقة بهذه اللذات الخسيسة لوجب أن يكون الانسان أخس الحيوانات، والتالي باطل فالمقدم مثله. وبيان وجه الملازمة أن الحيوانات الخسيسة مشاركة للانسان في هذه اللذات الخسيسة البدنية، إلا أن الانسان يتنغص عليه المطالب بسبب العقل فإن العقل سمي عقلا لكونه عقالا له وحبسا له عن أكثر ما يشتهيه ويميل طبعه إليه فإذا كان التقدير أن كمال السعادة ليس إلا في هذه اللذات الخسيسة ثم بينا أن هذه اللذات الخسيسة حاصلة على سبيل الكمال والتمام للبهائم والسباع من غير معارض و مدافع وهي حاصلة للانسان مع المنازع القوي والمعارض الكامل وجب أن يكون الانسان أخس الحيوانات، ولما كان هذا معلوم الفساد بالبديهة ثبت أن هذه اللذات الخسيسة ليست موجبة للبهجة والسعادة. الحجة الرابعة أن هذه اللذات الخسيسة إذا بحث عنها فهي في الحقيقة ليست لذات، بل حاصلها يرجع إلى دفع الالم، والدليل عليه أن الانسان كلما كان أكثر جوعا كان التذاذه بالاكل أكمل، وكلما كان ألم الجوع أقل كان الالتذاذ بالاكل أقل وأيضا إذا طال عهد الانسان بالوقاع واجتمع المني الكثير في أوعية المني حصلت في تلك الاوعية دغدغة شديدة وتمدد وثقل، وكلما كانت هذه الاحوال الموذية أكثر كانت اللذة الحاصلة عند اندفاع ذلك المني أقوى، ولهذا السبب فإن لذة الوقاع في حق من طال عهده بالوقاع يكون أكمل منها في حق من قرب عهده به. فثبت أن هذه الاحوال التي يظن أنها لذات جسمانية فهي في الحقيقة ليست إلا دفع الالم، و هكذا القول في اللذة الحاصلة بسبب لبس الثياب، فإنه لا حاصل لتلك اللذة إلا دفع ألم الحر والبرد. وإذا ثبت أنه لا حاصل لهذه اللذات إلا دفع الآلام فنقول: ظهر أنه ليس فيها سعادة، لان الحالة السابقة هي حصول الالم، والحالة الحاضرة عدم الالم، وهذا العدم كان حاصلا عند العدم الاصلي، فثبت أن هذه الاحوال ليست

[129]

سعادات ولا كمالات البته. الحجة الخامسة: أن الانسان من حيث يأكل ويشرب ويجامع ويؤذي يشاركه سائر الحيوانات، وإنما يمتاز عنها بالانسانية، وهي مانعة من تكميل تلك الاحوال وموجبة لنقصانها وتقليلها، فلو كانت هذه الاحوال عين السعادة لكان الانسان من حيث إنه إنسان ناقصا شقيا خسيسا، ولما حكمت البديهة بفساد هذا التالي ثبت فساد المقدم. الحجة السادسة: أن العلم الضروري حاصل بأن بهجة الملائكة وسعادتهم أكمل وأشرف من بهجة الحمار وسعادته ومن بهجة الديدان والذباب وسائر الحيوانات والحشرات، ثم لا نزاع أن الملائكة ليس لها هذه اللذات، فلو كانت السعادة القصوى ليست إلا هذه اللذات لزم كون هذه الحيوانات الخسيسة أعلى حالا وأكمل درجة من الملائكة المقربين، ولما كان هذا التالي باطلا كان المقدم مثله، بل ههنا ما هو أعلى وأقوى مما ذكرناه، وهو أنه لانسبة لكمال واجب الوجود وجلاله وشرفه وعزته إلى أحوال غيره، مع أن هذه اللذات الحسية ممتنعة عليه، فثبت أن الكمال والشرف قد يحصلان سوى هذه اللذات الجسمية. فإن قالوا: ذلك الكمال لاجل حصول الالهية، وذلك في حق الخلق محال. فنقول: لا نزاع أن حصول الالهية في حق الخلق محال، إلا أنه قال عليه السلام. " تخلقوا بأخلاق الله " والفلاسفة قالوا: " الفلسفة عبارة عن التشبه بالاله بقدر الطاقة البشرية " فيجب عليه أن يعرف تفسير هذا التخلق وهذا التشبه، ومعلوم أنه لا معنى لهما إلا تقليل الحاجات وإضافة الخيرات والحسنات لا بالاستكثار من اللذات والشهوات. الحجة السابعة: أن هؤلاء الذين حكموا بأن سعادة الانسان ليس إلا في تحصيل هذه اللذات البدنية والراحات الجسمانية إذا رأوا إنسانا أعرض عن طلبها مثل أن يكون مواظبا للصوم مكتفيا بما جاءت الارض عظم اعتقادهم فيه، وزعموا أنه ليس من جنس الانسان بل من زمرة الملائكة، ويعدون أنفسهم بالنسبة إليه أشقياء أراذل، وإذا رأوا إنسانا مستغرق الفكر والهمة في طلب الاكل والشرب والوقاع، مصروف الهمة إلى تحصيل أسباب هذه الاحوال معرضا عن العلم والزهد والعبادة قضوا بالبهيمية

[130]

والخزي والنكال، ولولا أنه تقرر في عقولهم أن الاشتغال بتحصيل هذه اللذات الجسدانية نقص ودناءة، وأن الترفع عن الالتفات إليها كمال وسعادة لما كان الامر على ما ذكرنا، ولكان يجب أن يحكموا على المعرض عن تحصيل هذه اللذات بالخزي والنكال، وعلى المستغرق فيها بالسعادة والكمال، وفساد التالى يدل على فساد المقدم. الحجة الثامنة: كل شئ يكون في نفسه كمالا وسعادة وجب أن لا يستحيى من إظهاره، بل يجب أن يفتخر بإظهاره ويتبجح بفعله، ونحن نعلم بالضرورة أن أحدا من العقلاء لا يفتخر بكثرة الاكل، ولا بكثرة المباشرة، ولا بكونه مستغرق الوقت و الزمان في هذه الاعمال، وأيضا فالعاقل لا يقدر على الوقاع إلا في الخلوة، فأما عند حضور الناس فإن أحدا من العقلاء لا يجد في نفسه تجويز الاقدام عليه، وذلك يدل على أنه تقرر في عقول الخلق أنه فعل خسيس وعمل قبيح فيجب إخفاؤه عن العيون، وأيضا فقد جرت عادة السفهاء بأنه لا يشتم بعضهم بعضا إلا بذكر ألفاظ الوقاع، وذلك يدل على أنه مرتبة خسيسة ودرجة قبيحة، وأيضا لو أن واحدا من السفهاء أخذ يحكي عند حضور الجمع العظيم فلانا كيف يواقع زوجته، فإن ذلك الرجل يستحيي من ذلك الكلام ويتأذي من ذلك القائل، وكل هذا يدل على أن ذلك الفعل ليس من الكمالات والسعادات، بل هو عمل باطل وفعل قبيح. الحجة التاسعة: كل فرس وحمار كان ميله إلى كل والشرب والا يذاء أكثر وكان قبوله للرياضة أقل، كان قيمته أقل، وكل حيوان كان أقل رغبة في الا كل والشرب وكان أسرع قبولا للرياضة كانت قيمته أكثر. ألا ترى أن الفرس الذي يقبل الرياضة في الكر والفر والعدو الشديد فإنه يشترى بثمن رفيع، وكل فرس لا يقبل هذه الرياضة يوضع على ظهره الاكاف، ويسوى بينه وبين الحمار، ولا يشترى إلا بثمن قليل، فلما كانت الحيوانات التي هي غير ناطقة لا تظهر فضائلها بسبب الاكل والشرب والوقاع، بل بسبب تقليلها وبسبب قبول الادب وحسن الخدمة لمولاه، فما ظنك بالحيوان الناطق العاقل ؟ الحجة العاشرة: أن سكان أطراف الارض لما لم تكمل عقولهم ومعارفهم و

[131]

أخلاقهم لاجرم كانوا في غاية الخسة والدناءة، أن سكان الاقليم السابع وهم الصقالبة لما قل نصيبهم من المعارف الحقيقة والاخلاق الفاضلة فلاجرم تقرر في عقول العقلاء خسة درجاتهم ودناءة مراتبهم. وأما سكان وسط المعمورة لما فازوا بالمعارف الحقيقة والاخلاق الفاضلة لاجرم أقر كل أحد بأنهم أفضل طوائف البشر وأكملهم وذلك يدل على أن فضيلة الانسان وكماله لا يظهر إلا بالعلوم الحقيقة والاخلاق الفاضلة. { 43 باب آخر } * (في خلق الارواح قبل الاجساد، وعلة تعلقها بها، وبعض) * * (شؤونها من ائتلافها واختلافها وحبها وبعضها وغير ذلك من أحوالها) * 1 - البصائر: عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن آدم أبي الحسين (1) عن إسماعيل بن أبي حمزة، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لاحبك، فقال: كذبت. فقال الرجل: سبحان الله ! كأنك تعرف ما في قلبي. فقال علي عليه السلام: إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام ثم عرضهم علينا، فأين كنت لم أرك (2) ؟ ! 2 - ومنه: عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الرحمان بن أبي هاشم عن سلام بن أبي عمير (3)، عن عمارة، قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل رجل فسلم عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين والله إني لاحبك، فسأله ثم قال له:


(1) في المصدر: أبي الحسن. (2) البصائر: 87. (3) كذا في جميع النسخ، والظاهر انه " سلام بن أبى عمرة " لعدم ذكر " سلام بن أبى عمير " في كتب الرجال، واما عمارة فلم نعرف أنه من هو، ومن المعلوم انه غير عمارة بن أبي سلامة الهمداني شهيد الطف، وعلى فرض كونه اياه فلا يمكن رواية سلام عنه بلا واسطة، وكيف كان فلا تخلو الرواية عن ضعف أو ارسال كسابقتها ولاحقاتها.

[132]

إن الارواح خلقت قبل الابدان بألفي عام، ثم اسكنت الهواء، فما تعارف منها ثم ائتلف ههنا، وما تناكر منها ثم اختلف ههنا، وإن روحي أنكر روحك (1). 3 - ومنه: عن أبي محمد، عن عمران بن موسى، عن يونس بن جعفر، عن على ابن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا قال لامير المؤمنين عليه السلام: والله إني لاحبك - ثلاث مرات - فقال علي عليه السلام: والله ما تحبني، فغضب الرجل فقال: كأنك والله تخبرني ما في نفسي ! قال له علي عليه السلام: لا، ولكن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام، فلم أر روحك فيها (2). 4 - الكشى: وجدت في كتاب جبرئيل بن أحمد بخطه: حدثني محمد بن عيسى عن محمد بن الفضيل (3)، عن عبد الله ابن عبد الرحمان، عن الهيثم بن واقد، عن ميمون ابن عبد الله، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلق الله الارواح قبل الاجساد بألفي عام، ثم أسكنها الهواء، فما تعارف منها ثم ائتلف ههنا، وما تناكر ثم اختلف ههنا. أقول: قد أوردنا أمثال هذه الاخبار في باب إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بشهادته، وباب أنهم عليهم السلام يعرفون الناس بحقيقة الايمان والنفاق، وباب أنهم المتوسمون. 5 - البصائر: عن بعض أصحابنا، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن أيوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق الارواح قبل الابدان بألفي (4) عام فلما ركب الارواح في أبدانها كتب بين أعينهم مؤمن أو كافر، وما هم به مبتلون (5)، و


(1) البصائر: 88. (2) المصدر: 88. (3) مشترك بين جماعة من الضعفاء والمجهولين كعبد الله بن عبد الرحمن، وفى بعض النسخ " ابى عبد الله بن عبد الرحمان ". (4) في تفسير الفرات: بألف. (5) فيه: مبتلين بقدر اذن فأرة.

[133]

ما هم عليه من سيئ أعمالهم وحسنها في قدر اذن الفأرة، ثم أنزل بذلك قرآنا على نبيه فقال: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين (1) " وكان رسول صلى عليه وآله هو المتوسم، وأنا بعده. والائمة من ذريتي هم المتوسمون. (2) تفسير الفرات: عن أحمد بن يحيى، معنعنا عن أبي جعفر عليه السلام مثله (3). 6 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن جعفر بن سليمان، عن أبي أيوب الخزاز، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لاي علة جعل الله عزوجل الارواح في الابدان بعد كونها في ملكوته الاعلى في أرفع محل ؟ فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى علم أن الارواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عزوجل فجعلها بقدرته في الابدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظر لها ورحمة بها، وأحوج بعضها إلى بعض، وعلق بعضها على بعض، ورفع بعضها على بعض، ورفع بعضها فوق بعض درجات، وكفى (4) بعضها ببعض، وبعث إليهم رسله، واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين، يأمرون بتعاطي العبودية والتواضع لمعبود هم بالانواع التي تعبدهم بها، و نصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل، ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل ليرغبهم بذلك في الخير ويزهدهم في الشر، وليذلهم (5) بطلب المعاش والمكاسب، فيعلموا بذلك أنهم بها مربوبون وعباد مخلوقون، ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الا بد وجنة الخلد، ويأمنوا من النزوع إلى ما ليس لهم بحق. ثم قال عليه السلام: يا ابن الفضل ! إن الله تبارك وتعالى أحسن نظرا لعباده منهم لانفسهم، ألا ترى أنك لاتري فيهم إلا محبا للعلو على غيره حتى أنه يكون منهم


(1) الحجر: 75. (2) البصائر: 356. (3) تفسير الفرات: 81. (4) كفأ (ظ). (5) في بعض النسخ " ليدلهم " بالدال المهملة.

[134]

لمن قد نزع إلى دعوى الربوبية، ومنهم من (1) نزع إلى دعوى النبوة بغير حقها، و منهم من (2) نزع إلى دعوي الامامة بغير حقها، وذلك مع ما برون في أنفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام والمناوبة عليهم والموت الغالب لهم و القاهر لجميعهم - يا ابن الفضل إن الله تبارك وتعالى لا يفعل بعبادة إلا الاصلح لهم، و لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (3). بيان: في القاموس: نزع إلى أهله نزاعا ونزاعة ونزوعا - بالضم -: اشتاق. و في المصباح: نزع إلى الشئ نزاعا: ذهب إليه. والمناوبة عليهم أي إنزال المصائب عليهم بالنوبة نوعا بعد نوع، أو معاقبتهم بذلك. قال في القاموس: النوب: نزول الامر كالنوبة، والنوبة: الدولة، وناوبه: عاقبه. ويحتمل أن يكون المنادبة بالدال من الندبة والنوحة. 7 - الاختصاص: بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام فأتاه رجل فسلم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين: إني والله لاحبك في الله، واحبك في السر كما احبك في العلانية، وأدين الله بولايتك في السر كما أدين بها في العلانية - وبيد أمير المؤمنين عود - فطأطأ رأسه ثم نكت بالعود ساعة في الارض ثم رفع رأسه إليه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني بألف حديث، لكل حديث ألف باب، وأن أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشم وتتعارف، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وبحق الله لقد كذبت، فما أعرف في الوجوه (4) وجهك، ولا اسمك في الاسماء. ثم دخل عليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إني لاحبك (5) في الله، واحبك في السر كما احبك في العلانية. قال: فنكت الثانية


(1 و 2) في المصدر: من قد نزع. (3) العلل: ج 1، ص 15 و 16. (4) في المصدر: وجهك في الوجوه. (5) ليس في المصدر هذه الجملة " لاحبك في الله ".

[135]

بعوده في الارض ثم رفع رأسه إليه فقال له: صدقت، إن طينتنا طينة مخزونة أخذ الله ميثاقها من صلب آدم، فلم يشذ منها شاذ، ولا يدخل فيها داخل من غيرها، اذهب فاتخذ للفقر جلبابا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي بن أبي طالب ! والله الفقر أسرع إلى محبينا من السيل إلى بطن الوادي (1). بيان: في النهاية: شاممت فلانا [إذا] قاربته وعرفت ما عنده بالاختبار والكشف وهي مفاعلة من الشم كأنك تشم ما عنده ويشم ما عندك لتعملا بمقتضى ذلك. وقال في حديث علي عليه السلام: من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا، أي ليز هد في الدنيا وليصبر على الفقر والقلة (الحديث). والجلباب: الازار والرداء. وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب، كنى به عن الصبر لانه يستر [عن] الفقر كما يستر الجلباب البدن. وقيل: إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر، أي فليلبس إزار الفقر ويكون منه على حالة تعمه وتشتمله، لان الغناء من أحوال أهل الدنيا ولا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا وحب أهل البيت. 8 العل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: العلة في خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام قال إنما عنى به أن الارواح خلقت قبل آدم بألفي عام. 9 - كتاب محمد بن المثنى الحضرمي: عن جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي عن حميد بن شعيب، عن جابر بن يزيد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها عند الله ائتلف في الارض، وما تناكر عند الله اختلف في الارض. 10 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن بكير بن أعين، قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر يوم أخذ الميثاق على الذر بالاقرار (2) بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، وعرض الله عزوجل على محمد امته في الطين وهم أظلة، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم


(1) الاختصاص: 311. (2) في المصدر: له بالربوبية.

[136]

وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، عرضهم عليه وعرفهم رسول الله، و عرفهم عليا، ونحن نعرفهم في لحن القول (1). بيان: " في الطين " أي حين كان النبي صلى الله عليه وآله في الطين، أو الامة، أوهما معا وهو أظهر والمراد قبل خلق الجسد. " عرضهم عليه " أي على الله أو على النبي " في لحن القول " إشارة إلى قوله تعالى " ولتعرفنهم في لحن القول (2) " قال البيضاوي: لحن القول اسلوبه وإمالته إلى جهة تعريض وتورية، منه قيل للمخطئ " لاحن " لانه يعدل الكلام عن الصواب (3). 11 - معاني الاخبار: عن أحمد بن محمد بن الهيثم، عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة بعدهم عليهم السلام فعرضها على السماوات والارض والجبال فغشيها نورهم (4) (الحديث). 12 - البصائر: عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن أبي محمد المشهدي من آل رجاء البجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل لامير المؤمنين عليه السلام، أنا والله لا حبك. فقال له: كذبت إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام فأسكنها الهواء ثم عرضها علينا أهل البيت، فو الله ما منها روح إلا وقد عرفنا بدنه، فو الله ما رأيتك فيها فأين كنت (5) ؟ (الخبر). 13 - البصائر: عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم: عن أبي جعفر قال: بينا أمير المؤمنين جالس في مسجد الكوفة وقد احتبى بسيفه


(1) الكافي: ج 1، ص 437. (2) محمد: 30. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 439. (4) معاني الاخبار: 108. (5) البصائر: 87.

[137]

وألقى ترسه خلف ظهره إذا أتته امرأة تستعدي على زوجها، ففضى للزوج عليها، فغضبت فقالت: والله ما هو كما قضيت، والله ما تقضي بالسوية، ولا تعدل في الرعية، ولاقضيتك عند الله بالمرضية. قال: فعضب أمير المؤمنين عليه السلام فنظر إليها مليا ثم قال: كذبت يا جرية ! يابذية ! يا سلسع ! يا سلفع ! يا التي لا تحيض مثل النساء ! قال: فولت هاربة وهي تقول: ويلي ! ويلي ! فتبعها عمرو بن حريث فقال: يا أمة الله، قد استقبلت ابن أبي طالب بكلام سررتني به، ثم، نزغك بكلمة فوليت منه هاربة تولولين ! قال: فقالت: يا هذا، ابن أبي طالب أخبرني (1) بالحق، والله ما رأيت حيضا كما تراه المرأة قال: فرجع عمرو بن حريث إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا ابن أبي طالب ما هذا التكهن ؟ قال: ويلك يا ابن حريث ليس مني هذا كهانة، إن الله تبارك وتعالى خلق الارواح قبل الابدان (2) بألفي عام، ثم كتب بين أعينها مؤمن أو كافر، هم أنزل بذلك قرآنا على محمد صلى الله عليه وآله: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين " (3) فكان رسول الله صلى الله عليه وآله من المتوسمين، وأنا بعده والائمة من ذريتي منهم (4). ومنه: عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن أيوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى - قوله -: يا عمرو ويلك ! إنها ليست بالكهانة، ولكن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام، فلما ركب الارواح في أبدانها كتب بين أعينهم: مؤمن (5) أم كافر، وما هم به مبتلون، وما هم عليه من شر (6) أعمالهم وحسنته في قدراذن الفأرة، ثم أنزل بذلك قرآنا على نبيه فقال: إن في ذلك لآيات للمتوسمين " فكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المتوسم، ثم أنا من ذريتي من


(1) في المصدر: أخبرني والله بما هو في، لا والله ما رأيت.. (2) الاجساد (خ). (3) الحجر: 75. (4) البصائر: 356. (5) في الاختصاص: كافر ومؤمن وما هم مبتلين وما هم عليه من سيئ عملهم وحسنه. (6) في البصائر: سيئ.

[138]

بعدي هم المتوسمون، فلما تأملتها عرفت ماهي (1) عليها بسيماها (2). الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان مثله (3). 14 البصائر: عن أبي محمد، عن عمران بن موسى، عن إبراهيم بن مهزيار عن محمد بن عبد الوهاب، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن أبيه، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قال: دخل عبد الرحمان بن ملجم - لعنه الله - على أمير المؤمنين عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال: - قال عليه السلام: إن الله خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام فأسكنها الهواء، فما تعارف منها هنالك ائتلف في الدنيا، وما تناكر منها هناك اختلف في الدنيا، وإن روحي لا تعرف روحك (4) (الخبر). 15 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله عليه السلام: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو مع أصحابه فسلم عليه ثم قال: (5) أما والله احبك وأتولاك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنت كما قلت، ويلك إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام عرض علينا المحب لنا فو الله ما رأيت روحك فيمن عرض علينا، فأين كنت ؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه (6). 16 - ومنه: عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن عيسى بن هشام، عن عبد الكريم عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لاحبك. قال: ما تفعل. قال:


(1) فيه: عرفت ما فيها وما هي عليه. (2) البصائر: 354. (3) الاختصاص: 308. (4) البصائر: 88 - 89. (5) في بعض النسخ وفى المصدر: أنا. (6) البصائر: 87.

[139]

بلى والله الذي لاإله إلا هو، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما تحبني. فقال: يا أمير المؤمنين إني أحلف بالله أني احبك وأنت تحلف بالله ما احبك ! والله كأنك تخبرني أنك أعلم بما في نفسي ! قال: فغضب أمير المؤمنين عليه السلام وإنما كان الحديث العظيم يخرج منه عند الغضب - قال: فرفع يده إلى السماء وقال كيف يكون ذلك وهو ربنا تبارك وتعالى خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب من المبغض فو الله ما رأيتك فيمن احب، فأين كنت (1) ؟. بيان: " ما تفعل " أي ما تحب، أوما تعمل بمقتضاه، أو للاستفهام أي: أي شئ تقصد بإظهار الحب ؟ فيكون تعريضا بالنفي، والاول أظهر. 17 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الارواح جنود مجندة فما تعارف منها في الميثاق ائتلف ههنا، وما تناكر منها في الميثاق اختلف ههنا، والميثاق هو في هذا الحجر الاسود (2) (الخبر). 18 - ومنه: بهذا الاسناد، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحسين بن أبي العلا، عن حبيب قال: حدثنا الثقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد وهم أظلة قبل الميلاد، فما تعارف من الارواح ائتلف، وما تناكر منها اختلف (3). 19 - ومنه: بهذا الاسناد عن حبيب، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما تقول في الارواح أنها جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟ قال: فقلت إنا نقول ذلك. قال: فإنه كذلك، إن الله عزوجل أخذ على (4) العباد


(1) البصائر: 87 - 88. (2) العلل: ج 2: ص 111. (3) المصدر: ج 1، ص 80. (4) في المصدر: من.

[140]

ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد، وهو قوله عزوجل: " وإخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم - إلى آخر الآية (1) قال: فمن أقر له يومئذ جاءت الفته ههنا، ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا (2). بيان: قال في النهاية: فيه " الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف (3) ". " مجندة " أي مجموعة، كما يقال: الوف مؤلفة، وقناطير مقنطرة، ومعناه الاخبار عن مبدأ كون الارواح وتقدمها على الاجساد، أي إنها خلقت أول خلقها على قسمين: من ائتلاف واختلاف، كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابل الارواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والاخلاق في مبدأ الخلق، يقول: إن الاجساد التي فيها الارواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، ولهذا ترى الخير يحب الاخيار ويميل إليهم، والشرير يحب الاشرار ويميل إليهم (انتهي). وقال الكرماني في شرح البخاري: أي خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسامها فمن وافق الصفة ألفه، ومن باعد نافره. وقال الخطابي: خلقت قبلها فكانت تلتقي فلما التبست بها تعارفت بالذكر الاول فصار كل إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد. وقال النووي: مجندة أي جموع مجتمعة، وأنواع مختلفة، وتعارفها لامر جعلها الله عليه، وقيل: موافقة صفاتها وتناسبها في شيمها. وقال الطيبي: الفاء في " فما تعارف " تدل على تقدم اشتباك في الازل، ثم تفرق فيما لا يزال أزمنة متطاولة ثم ائتلاف بعد تناكر كمن فقد أنيسه ثم اتصل به فلزمه وأنس به، وإن لم يسبق له اختلاط معه اشمأز منه. ودل التشبيه بالجنود على أن ذلك الاجتماع في الازل كان لامر عظيم من فتح بلاد، وقهر أعداء، ودل على أن أحد الحزبين حزب الله، والآخر


الاعراف: 171. (2) العلل: ج 1، ص 80. (3) قدمر منابيان موجز في شرح الحديث في ذيل الرواية الرابعة من الباب السابق فراجع.

[141]

حزب الشيطان، وهذا التعارف إلهامات من الله من غير إشعار منهم بالسابقة (انتهى). وقد مر كلام قطب الدين الراوندي - رحمه الله - في هذا الخبر. اعلم أن ما تقدم من الاخبار المعتبرة في هذا الباب وما أسلفناه في أبواب بدء خلق الرسول صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام - وهي قريبة من التواتر - دلت على تقادم (1) خلق الارواح على الاجساد، وما ذكروه من الادلة على حدوث الارواح عند خلق الابدان مدخولة لا يمكن رد تلك الروايات لاجلها (2).


(1) تقدم (خ). (2) الكلام حول روايات خلق الارواح قبل الابدان يقع في جهات: (الف) في صدورها: هل تكون مقطوعة الصدور أو لا ؟ وعلى فرض عدم القطع بصدورها هل يوجد دليل على وجوب التعبد بها أولا (ب) في دلالتها، هل تدل دلالة صريحة على تقدم وجود الارواح على أبدانها خارجا بالتقدم الزمانى أولا. (ج) في توافقها مع الادلة العقلية. فنقول: أما من الجهة الاولى فهى غير بالغة حد التواتر، فلا يحصل القطع بصدورها عادة وادلة حجية الخبر الواحد قاصرة عن غير ما يتعلق بالاحكام الفرعية العملية، فلا يوجد دليل على وجوب التعبد بها. وأما من الجهة الثانية فلا ريب في ظهورها في ذلك في حد نفسها وإن لم يبلغ إلى مرتبة النص. وقد أول الشيخ المفيد - على ما يأتي حكايته عنه - الخلق بالتقدير، كما أنه يمكن حملها على نوع من التمثيل والاستعارة إذا وجد دليل قطعي معارض لمدلولها. وأما من الجهة الثالثة فقد دار البحث بين الفلاسفة حول حدوث النفس وقدمها، وذهب أصحاب مدرسة صدر المتألهين إلى انها تحدث بحدوث البدن غير بالغة حد التجرد العقلي متحركة نحوه، ولا مجال لذكر أدلتهم ونقدها ههنا. وهناك أمر يتعلق بمعرفة شؤون النفس يستعصى على الاذهان المتوغلة في الماديات، و لعل إجادة التأمل فيه يعين على حل العويصة وهو أن النفس وإن كانت أمرا متعلقا بالمادة بل ناشئا عنها ومتحدا بها وبهذا الاعتبار صح مقايستها بالحوادث واتصافها بالمقارنة والتقدم والتأخر زمانا إلا أنها حين ما تدخل في حظيرة التجرد تجد نفسها محيطة بالبدن من ناحية البدء والنهاية وأن شعاعها يمتد إلى ما قبل حدوث البدن كما انه يمتد إلى ما بعد انحلاله. فالذي ينظر إلى جوهرها المجرد من فوق عالم الطبيعة يجدها خارجة عن وعاء الزمان محيطة به، وإذا قايسها - >

[142]

20 - الكافي: عن الحسين بن محمد (1)، عن عبد الله، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر، إن الله أول ما خلق خلق محمدا وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الاشباح ؟ قال: ظل النور، أبدان نورية بلا أرواح، وكان مؤيدا بروح واحد وهي روح القدس (2) فبه كان يعبد الله وعترته، لذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل، ويصلون الصلاة ويحجون ويصومون (3). بيان: " أول " منصوب بالظرفية و " المهتدين " صفة، وكونه مفعول الهداة بعيد " فكانوا أشباح نور " الاضافة إما بيانية أي أشباحا هي أنوار، والاشباح: جمع الشبح - بالتحريك - وهو سواد الانسان أو غيره تراه من بعيد، فالمراد إما الاجساد المثالية فالمراد بقوله: " بلا أرواح " بلا أرواح الحيوانية، أو الروح مجردا كان أو جسما


< - إلى ظاهرة مادية واقعة في ظرف الزمان كالبدن يجدها موجودة معها وقبلها وبعدها، فيصح له أن يحكم بتقدم وجودها على وجود البدن مع أن من ينظر إليها من نافذة عالم المادة ويعتبرها أمرا متعلقا بالبدن بل مرتبة كاملة له انتهى إليها بالحركة الجوهرية وبهذا الاعتبار يسميها نفسا، يحكم بحدوثها عند حدوث البدن وحصول التجرد لها بعد ذلك ولا منافاة بين النظرين، و بهذا يمكن الجمع بين القولين. ومما ينبغى الالتفات إليه أن في تقدم خلق الارواح على الابدان بألفى عام - على حد التعبير الوارد في الروايات - لم يعتبر كل روح إلى بدنه بحيث يكون خلق كل روح قبل خلق بدنه بألفى عام كامل لا أزيد ولا أنقص والا لزم عدم وجود جميع الارواح في زمن على عليه السلام فضلا عما قبله، ضرورة حدوث كثير من الابدان بعد زمنه بآلاف سنة ولا يبعد أن يكون ذكر الالفين لا جل التكثير، وتثنية الالف للاشارة إلى التقدم العقلي والمثالي. (1) في المصدر " الحسين [عن محمد] بن عبد الله " وهو مصحف، والصواب ما في نسخ الكتاب كما أثبتناه، وهو الحسين بن محمد بن عامر بن ابى بكر الاشعري الثقة ويروى عن عمه " عبد الله بن عامر " وعن غيره. (2) فيه (خ). (3) الكافي: ج 1، ص 442.

[143]

لطيفا، فيستقيم أيضا، لان الارواح ما لم تتعلق بالابدان فهي مستقلة بنفسها، أرواح من جهة وأجساد من جهة، فهي أبدان نورانية لم تتعلق بها أرواح اخر، وعلى هذا فظل النور أيضا إضافته للبيان أو لامية، والمراد بالنور نور ذاته تعالى، فإنها من آئار ذلك النور الاقدس وظلاله، والمعنى دقيق. وربما يؤول النار بالعقل الفعال على طريقة الفلاسفة. " وكان مؤيدا بروح واحد " [أي] في عالم الارواح، أو في عالم الاجساد، والاول أظهر " ولذلك " أي لتأيدهم بذلك الروح في أول الفطرة الروحانية خلقهم في الفطرة الجسمانية " حلماء علماء - إلخ - " " ويصلون " كأنه تأكيد لما مر، أو المراد بقوله " خلقهم " خلقهم في عالم الارواح، أي كانوا يعبدون الله في هذا العالم وكانوا فيه علماء بخلاف سائر الارواح لتأيدهم حينئذ بروح القدس، فقوله عليه السلام " ويصلون " أي في عالم الاجساد فلا تكرار. اقول: قد مرت أخبار كثيرة في ذلك في باب حدوث العالم. قال شارح المقاصد: النفوس الانسانية سواء جعلناها مجردة أو مادية، حادثة عندنا لكونها أثر القادر المختار. وإنما الكلام في أن حدوثها قبل البدن لقوله صلى الله عليه وآله: " خلق الله الارواح قبل الاجساد بألفي عام " أو بعده لقوله تعالى - بعد ذكر أطوار البدن -: " ثم أنشأناه خلقا آخر " (1) إشارة إلى إفاضة النفس، ولا دلالة في الحديث مع كونه خبر واحد على أن المراد بالارواح النفوس البشرية أو الجوهر (2) العلوية، ولا في الآية على أن المراد إحداث النفس أو إحداث تعلقها بالبدن. وأما الفلاسفة فمنهم من جعلها قديمة، وذهب أرسطو وشيعته إلى أنها حادثة. ثم ذكر دلائل الطرفين واعترض عليها بوجوه أعرضنا عن ذكرها.


(1) المؤمنون: 14. (2) كذا في بعض النسخ، وفى بعضها " الجوهرية العلوية " والظاهران الصواب " الجواهر العلوية ".

[144]

وقال الشيخ المفيد قدس الله نفسه - في أجوبة المسائل الروية (1): فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد، وقد روته العامة كما روته الخاصة، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الارواح في علمه قبل اختراع الاجساد، واختراع الاجساد واخترع لها الارواح، فالخلق للارواح قبل الاجساد خلق تقدير في العلم كما قد مناه وليس بخلق لذواتها كما وصفناه، والخلق لها بالاحداث والاختراع بعد خلق الاجسام والصور التي تدبرها الارواح. ولولا أن ذلك كذلك لكانت الارواح تقوم بأنفسها ولا تحتاج إلى آلات تعلقها، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الارواح قبل خلق الاجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الاجساد، وهذا محال لاخفاء بفساده. وأما الحديث بأن الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فالمعنى فيه أن الارواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف، وما تناكر منها بمباينة في الرأي والهوى اختلف، و هذا موجود حسا ومشاهد، وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما ذهبت إليه الحشوية كما بيناه من أنه لاعلم للانسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم، ولو ذكر بكل شئ ما ذكر ذلك، فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه والله الموفق للصواب (انتهى). وأقول: قيام الارواح بأنفسها أو تعلقها بالاجساد المثالية ثم تعلقها بالاجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه، وأما عدم تذكر الاحوال السابقة فلعله لتقلبها في الاطوار المختلفة، أو لعدم القوى البدنية، أو كون تلك القوى قائمة بما فارقته من الاجساد المثالية، أو لاذهاب الله تعالى تذكر هذه الامور عنها لنوع من المصلحة كما ورد أن الذكر والنسيان من صنعه تعالى، مع أن الانسان لا يتذكر كثيرا من أحوال الطفولية والولادة. والتأويل الذي ذكره للحديث في غاية البعد لا سيما مع الاضافات الواردة في الاخبار المتقدمة.


(1) السرويه (خ).

[145]

21 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن علي، عن عباس، عن أسباط، عن أبي عبد الرحمان قال: قلت لا بي عبد الله عليه السلام: إني ربما حزنت فلا أعرف في أهل ولا مال ولاولد، وربما فرحت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد. فقال: إنه ليس من أحد إلا ومعه ملك وشيطان، فإذا كان فرحه كان (1) دنو الملك منه، وإذا كان حزنه كان (2) دنو الشيطان منه، وذلك قول الله تبارك وتعالى: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (3) ". بيان: لعل المراد أن هذا لهم من أجل وساوس الشيطان وأمانيه في امور الدنيا الفانية وإن لم يتفطن به الانسان فيظن أنه لاسبب له، أو يكون غرض السائل فوت الاهل والمال والولد في الماضي، فلا ينافي الهم للتفكر فيها لاجل ما يستقبل، أو المراد أنه لما كان شأن الشيطان ذلك يصير محض دنوه سببا للهم، وفي الملك بعكس ذلك في الوجهين. 22 العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن مدين من ولد مالك بن الحارث الاشتر، عن محمد بن عمار، عن أبيه، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي رجل من أصحابنا فقلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني لاغتم وأحزن من غير أن أعرف لذلك سببا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن ذلك الحزن والفرح يصل إليكم منا، لانا إذا دخل علينا حزن أو سرور كان ذلك داخلا عليكم، ولا نا وإياكم من نور الله عزوجل، فجعلنا وطينتنا وطينتكم واحدة، ولو تركت طينتكم كما اخذت لكنا وأنتم سواء، ولكن مزجت طينتكم بطينة أعدائكم، فلولا ذلك ما أذنبتم ذنبا أبدا. قال: قلت: جعلت فداك فتعود (4) طينتنا ونورنا كما بدئ ؟ فقال: إي والله يا عبد الله، أخبرني عن هذا الشعاع


(1 و 2) في المصدر كان من دنو. (3) العلل: ج 1، ص 87، والاية في سورة البقرة: 268. (4) في المصدر: أفتعود.

[146]

الزاخر من القرص إذا طلع أهو متصل به أو بائن منه ؟ فقلت له: جعلت فداك بل هو بائن منه. فقال: أفليس إذا غابت الشمس وسقط القرص عاد إليه فاتصل به كما بدأ منه ؟ فقلت له: نعم. فقال: كذلك والله شيعتنا من نور الله خلقوا وإليه يعودون، والله إنكم لملحقون بنا يوم القيامة، وإنا لنشفع فنشفع، ووالله إنكم لتشفعون فتشفعون، وما من رجل منكم إلا وسترفع له نار عن شماله وجنة عن يمينه فيدخل أحباءه الجنة وأعداءه النار (1). بيان: " يا عبد الله " ليس هذا اسم أبي بصير، فإن المشهور بهذا اللقب اثنان أحد هما ليث المرادي، والآخر يحيى بن القاسم، وليس كنية واحد منهما أبا عبد الله حتى يمكن أن يقال: كان أبا عبد الله فسقط " أبا " من النساخ، ولكن كنيتهما " أبو محمد " فالظاهر أن أبا بصير هذا ليس شيئا منهما، بل هو عبد الله بن محمد الاسدي الكوفي المكنى بأبي بصير، كما ذكره الشيخ في الرجال وإن كان ذكره في أصحاب الباقر عليه السلام لانه كثيرا ما يذكر الرجل في أصحاب إمام ثم يذكره في أصحاب إمام آخر، وكثيرا ما يكتفي بأحدهما، ولو كان أحد المشهورين يمكن أن يكون المراد المركب الاضافي لا التسمية، وقد شاع النداء بهذا عند الضجر في عرف العرب والعجم، وفي القاموس: زخر البحر - كمنع -: طما وتملا، والوادي: مد جدا وارتفع، والشئ: ملاه، والقوم جاشوا لنفير أو حرب، والقدر والحرب: جاشتا، والنبات: طال، والرجل بما عنده فخر (انتهى) وأكثر المعاني مناسبة. وفي بعض النسخ بالجيم، ولا يستقيم إلا بتكلف. قوله " عاد إليه " كأنه على المجاز، كما أن في المشبه أيضا كذلك، فإن الظاهر عود الضمير في (2) " إليه " إلى الله، ويحتمل عوده إلى النور، والمراد بنور الله النور المشرق [و] المكرم الذي اصطفاه وخلقه، ولا يبعد أن يكون المراد أنوار الائمة عليهم السلام كما قال عليه السلام، إنكم لملحقون بنا، أو المراد بنور الله رحمته. والتشفيع قبول الشفاعة.


(1) العلل: ج 1: ص 87. (2) من (خ).

[147]

23 - المحاسن: عن أبيه، عن فضالة، عن عمر بن أبان، عن جابر الجعفي قال تنفست بين يدي أبي جعفر عليه السلام ثم قلت: يا ابن رسول الله أهتم من غير مصيبة تصيبني أو أمر نزل (1) بي حتى تعرف (2) ذلك أهلي في وجهي ويعرفه صديقي. قال: نعم يا جابر. قلت: ومم ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال: وما تصنع بذلك، قلت: احب أن أعلمه. فقال: يا جابر إن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لابيه وامه، فإذا أصاب تلك الارواح في بلد من البلدان شئ حزنت عليه الارواح لانها منه (3). بيان: " تنفست " أي تأوهت، وفي الكافي " تقبضت " بمعنى الانبساط كما سيأتي. " من ريح روحه " بالضم أي من رحمة ذاته، أو نسيم روحه الذي اصطفاه كما مر، أو بالفتح أي رحمته، كما ورد في خبر آخر: وأجرى فيهم من روح رحمته. ويؤيد الاول بعض الاخبار. " لابيه وامه " لان الطينة بمنزلة الام، والروح بمنزلة الاب وهما متحدان نوعا أو صنفا فيهما. 24 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن عمر بن أبان، عن جابر الجعفي قال: تقبضت بين يدي أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك، ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو ألم (4) ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي. فقال: نعم يا جابر، إن الله عزوجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لابيه وامه، فإذا أصاب روحا من تلك الارواح في بلد من البلدان حزن، حزنت هذه لانها منها (5).


(1) في المصدر: ينزل. (2) فيه: يعرف. (3) المحاسن: 133. (4) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: أمر. (5) الكافي: ج 2، ص 166.

[148]

25 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، جميعا عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة، وإن روح المؤمن لاشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها (1). الاختصاص: عنه عليه السلام مرسلا مثله (2). تبيين: قوله عليه السلام " كالجسد الواحد " كأنه عليه السلام ترقى عن الاحوة إلى الاتحاد أوبين أن اخوتهم ليست مثل سائر الاخوات، بل هم بمنزلة أعضاء جسد واحد تعلق بها روح واحد، فكما أنه بتألم عضو واحد تتألم وتتعطل سائر الاعضاء، فكذا بتألم واحد من المؤمنين يحزن ويتألم سائرهم كما مر، فقوله عليه السلام " كالجسد الواحد " تقديره: كعضوي جسد واحد، وقوله " إن اشتكى " ظاهره أنه بيان لحال المشبه به والضميران المستتران فيه وفي " وجد " راجعان إلى المرء والانسان، أو الروح الذي يدل عليه الجسد. وضمير " منه " للجسد. وضمير " أرواحهما " لشئ وسائر الجسد والجمعية باعتبار جمعية السائر، أو من إطلاق الجمع على التثنية مجازا. وفي الاختصاص: " وان روحهما " وهو أظهر. والمراد بالروح الواحد إن كان الروح الحيوانية فمن للتبعيض، وإن كان النفس الناطقة فمن للتعليل، فإن روحهما الروح الحيوانية هذا إذا كان قوله " وأرواحهما " من تتمة بيان المشبه به، ويحتمل تعلقه بالمشبه فالضمير للاخوين المذكورين في أول الخبر، والغرض إما بيان شدة اتصال الروحين كأنهما روح واحدة، أو أن روحيهما من روح واحدة هي روح الائمة عليهم السلام وهو نور الله كما مر في خبر أبي بصير الذي هو كالشرح لهذا الخبر، ويحتمل أن يكون " إن اشتكى " أيضا لبيان حال المشبه لاتضاح وجه الشبه، وعلى التقادير المراد بروح الله ايضا الروح التي اصطفاها الله وجعلها في الائمة عليهم السلام كما مر في قوله تعالى


(1) الكافي: ج 2، ص 166. (2) الاختصاص: 32.

[149]

" ونفخت فيه من روحي " أن يكون المراد بروحه ذاته سبحانه إشارة إلى شدة ارتباط ارواح المقربين والمحبين من الشيعة المخلصين بجناب الحق تعالى، حيث لا يغفلون عن ربهم ساعة، ويفيض عليهم منه سبحانه آنا فآنا وساعة فساعة العلم والحكم والكمالات والهدايات، بل الارادة (1) أيضا لتخليهم عن إرادتهم وتفويضهم جميع امورهم إلى ربهم كما قال فيهم: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " (2) وقال في الحديث القدسي " فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه " وسيأتي تمام القول فيه في محله إن شاء الله تعالى بحسب فهمي والله الموفق. 26 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفرا عليه السلام وسئل: هل يكون أن يحب الرجل الشئ ولم يره ؟ قال: نعم، فقيل له: مثل أي شئ ؟ فقال: مثل اللون من الطعام يوصف للانسان ولم يأكله فيحبه، وما أشبه ذلك مثل الرجل يحب الشئ يذكر لاصحابه، ومالك أكثر مما تدع. بيان: لعل المعنى: إذا تفكرت في أمثلة ذلك كان مالك منها أكثر مما تتركه كناية عن كثرة أمثلة ذلك وظهورها، ويمكن أن يكون تصحيف " تسمع " ويمكن أن يكون غرض السائل السؤال عن حب المؤمن أخاه من غير سابقة كما في سائر الاخبار. 27 - مجالس الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي عن عبد الله بن أحمد بن نهيك، عن عبد الله بن جبلة، عن حميد بن شعيب، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه فأوصاهم ثم قال: يا بني إن القلوب جنود مجندة، تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه. 28 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن حنان


(1) في نسختين مخطوطتين: الارادات. (2) التكوير: 29.

[150]

بن سدير، عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إني لالقى الرجل لم أره ولم يرني فيما مضى قبل يومه ذلك فاحبه حبا شديدا، فإذا كلمته وجدته لي مثل ما أنا عليه له، ويخبرني أنه يجد لي مثل الذي أجد له. فقال: صدقت يا سدير، إن ائتلاف قلوب الابرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر الماء على مياه الانهار، وإن بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا وإن أظهروا التودد بألسنتهم كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على مزود واحد. بيان: المزود - كمنبر - وعاء الزاد. 28 - الشهاب: قال رسول الله صلى لله عليه وآله: مثل المؤمن في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى. 29 - وقال صلى الله عليه وآله: مثل القلب مثل ريشة بأرض تقلبها الرياح. الضوء: يقال " تداعت الحيطان " إذا تهادمت أو تهيأت للسقوط بأن تميل أو تتهور. يقول صلى الله عليه وآله: المؤمنون متحدون متآزرون متضافرون كأنهم نفس واحدة ولذلك قال صلى الله عليه وآله: المؤمن للمؤمن بمنزلة البنيان يشد بعضه بعضا. وقال صلى الله عليه وآله: المؤمنون يد واحدة على من سواهم. شبه عليه السلام المؤمنين في اتحادهم وموازرتهم بالجسد المجتمع من آلات وأعضاء، إذا اشتكى بعضه كانت الجملة ألمة سقيمة مساهرة محمومة لاتصال بعضه ببعض، ولان الالم هو الجملة وهو في حكم الجزء الواحد بسبب الحياة التي هي كالمسمار يضم أجزاءها وينتظهما، ولفظ الحديث خبر وتشبيه، والمعنى أمر يأمرهم به أن يتوادوا ويتحابوا ويرحم بعضهم بعضا، وفائدة الحديث الامر بالتناصر والتعاون، وراوي الحديث النعمان بن بشير. وقال - ره - في الحديث الثاني وروي بأرض فلاة -: شبه عليه السلام القلب بريشة ساقطة بأرض عراء لا حاجز بها ولا مانع، فالريح تطيرها هنا وثم، وذلك للاعتقادات والاحوال التي يتقلب لها، ولسرعة انقلابه وقلة ثبوته ودوامه على حالة واحدة. وقد قيل: إنما سمي قلبا لتقلبه. وفائدة الحديث إعلام أن القلب سريع الانقلاب لا يبقى على وجه واحد. وراوي الحديث أنس بن مالك.

[151]

{ 44 باب } * (حقيقة الرؤيا وتعبيرها وفضل الرؤيا الصادقة) * * (وعلتها وعلة الكاذبة) * الايات: يونس: الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (1). يوسف: إذا قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك - إلى قوله تعالى - وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث (2). وقال تعالى: ولنعلمه من تأويل الاحاديث (3). وقال تعالى: ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي - إلى قوله تعالى - يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان - إلى قوله تعالى - قال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد امة أنا انبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات


(1) يونس: 64. (2) يوسف: 8. (3) =: 23.

[152]

لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (1). الاسراء وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس (2). الروم: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله (3). الصافات: قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك (4). الفتح: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق (5). المجادلة: إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (6). النبأ: وجعلنا نومكم سباتا (7). تفسير: " الذين آمنوا " أي بجميع ما يجب الايمان به " وكانوا يتقون " مع ذلك معاصيه " لهم البشرى " قال الطبرسي - رحمه الله -: قيل فيه أقوال: أحدها أن البشرى في الحياة الدنيا هي ما بشرهم الله تعالى به في القرآن على الاعمال الصالحة. وثانيها أن البشارة في الحياة الدنيا بشارة الملائكة للمؤمنين عند موتهم بأن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. وثالثها: أنها في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وفي الآخرة بالجنة وهي ما تبشرهم الملائكة عند خروجهم من القبور وفي القيامة إلى أن يدخلوا الجنة، يبشرونهم بها حالا بعد حال. وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وروي ذلك في حديث مرفوعا عن النبي صلى الله عليه آله (8). " لا تقصص رؤياك " قال البيضاوي الرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في


(1) يوسف: 38 - 51. (2) الاسراء: 60. (3) الروم: 23. (4) الصافات: 102. (5) الفتح: 27. (6) المجادلة: 10. (7) النبأ: 9. (8) مجمع البيان: ج 5، ص 120.

[153]

النوم وفرق بينهما بحرف التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من افق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها (1) من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه. " من تأويل الاحاديث " أي من تعبير الرؤيا، لانها أحاديث الملك إن كانت صادقة، وأحاديث النفس والشيطان إن كانت كاذبة، أو من تأويل غوامض كتب الله وسنن الانبياء وكلمات الحكماء (2). وقال الطبرسي - رحمه الله - قيل: إنه كان بين رؤياه وبين مصير أبيه وإخوته إلى مصر أربعون سنة، عن ابن عباس وأكثر المفسرين. وقيل: ثمانون، عن الحسن (3) وقال النيسابوري: قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب لكيلا يبقى المؤمن في الحزن والغم، والرؤيا الجيدة يبطئ تأثيرها لتكون بهجة المؤمن أدوم. " قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا " قال الطبرسي - رحمه الله -: هو من رؤيا المنام. كان يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لاهله: إني أعبر الرؤيا، فقال أحد العبدين وهو الساقي: رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته إياها، وقال صاحب الطعام إني رأيت كان فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وأنواع الاطعمة وسباع الطير تنهش منه " نبئنا بتأويله " أي أخبرنا بتعبيره وما يؤل إليه أمره " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه " في منامكما " إلا نبأتكما بتأويله " في اليقظة قبل أن يأتيكما التأويل " أما أحدكما فيسقي ربه خمرا " روي أنه قال:


(1) كذا في المصدر، وفى نسخ الكتاب " فراغه ". (2) انوار التنزيل: ج 1، ص 585. (3) مجمع البيان: ج 5، ص 209.

[154]

أما العناقيد الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك في يوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه والرب المالك. وأما الآخر أي صاحب الطعام روي أنه قال: بئس ما رأيت، أما السلاسل الثلاث فانها ثلاثة أيام تبقى في السجن فيخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك، فقال عند ذلك: ما رأيت شيئا وكنت ألعب فقال يوسف " قضي الامر الذي فيه تستفتيان " أي فرغ من الامر الذي تسألان وتطلبان معرفته وما قلته لكما فإنه نازل بكما وهو كائن لا محالة (1). " وقال الملك " قال النيسابوري: لمادنا فرج يوسف أراه الله في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهريابس، وسبع بقرات عجاف، فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعا اخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليا بسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لان فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي منذر بنوع من أنواع الشر، إلا أنه لم يعرف تفصيله فجمع الكهنة والمعبرين وقال: " يا أيها الملا أفتوني في رؤياي " ثم إنه تعالى إذا أراد أمراهيأ أسبابه، فأعجز الله اولئك الملا عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى قالوا: إنها أضغاث أحلام ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها. واعلم أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الافلاك ومطالعة اللوح المحفوظ، والمانع لها من ذلك هو اشتغالها بتدبير البدن وما يرد عليها من طريق الحواس، وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة، فإذا وقفت النفس على حالة من تلك الاحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم تحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة للادراك الروحاني إلى عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر. ثم منها ما هي متسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالاضغاث وبالحقيقة الاضغاث ما يكون مبدءها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية


(1) مجمع البيان: ج 5، ص 232 - 235 (ملخصا).

[155]

ولورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد تعد من الاضغاث من حيث أنها أعيت المعبر عن تأويلها (انتهى). " وقال الذي نجا منهما " قال البيضاوي: أي من صاحبي السجن وهو الشرابي " وادكر بعد امة " وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أو (1) مدة طويلة " فأرسلون " إلى من عنده علمه، أو إلى السجن " لعلي أرجع إلى الناس " أي إلى الملك ومن عنده " لعلهم يعلمون " تأويله أو فضلك ومكانك " دأبا " أي على عادتكم المستمرة. وانتصابه على الحال بمعنى دائبين، أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأبا وتكون الجملة حالا " فذروه في سنبله " لئلا يأكله السوس " إلا قليلا مما تأكلون " في تلك السنين " ثم يأتي من بعد ذلك عام يأكلن ما قدمتم لهن " أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لاجلهن، فنسب (2) إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به " إلا قليلا مما تحصنون " أي تحرزون لبذور الزراعة " فيه يغاث الناس " أي يمطرون من الغيث، أو يغاثون من القحط من الغوث " وفيه يعصرون " ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار وقيل: يحلبون الضروع (3). " وما جعلنا الرؤيا " قيل: المراد رؤية العين، والاكثر على أنه رؤية المنام. وقال الطبرسي - رحمه الله -: روي عن ابن عباس أنها رؤيا نوم رآها أنه سيدخل مكة وهو بالمدينة، فقصدها، فصده المشركون في الحديبية عن دخولها حتى شك قوم ودخلت عليهم الشبهة فقالوا: يارسول الله أليس قد أخبرتنا أنا ندخل المسجد الحرام آمنين ؟ ! فقال: أو قلت لكم أنكم تدخلونها العام ؟ قالوا: لا فقال: لندخلنها إن شاء الله ورجع ثم دخل مكة في العام القابل فنزل: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " (4) وقيل: رأى صلى الله عليه وآله في منامه أن قرودا تصعد منبره وتنزل فساءه ذلك واغتم به، فلم (5).


(1) في المصدر: أي. (2) في المصدر: فأسند. (3) انوار التنزيل: ج 1، ص 597 - 598. (4) الفتح: 27. (5) في المجمع: فلم يسمع بعد ذلك ضاحكا حتى مات.

[156]

ير بعد ذلك ضاحكا حتى توفي (1). أقول: وقد مرت أخبار كثيرة في ذلك. وقال الرازي: قال سعيد بن المسيب: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني امية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، وهذا قول ابن عباس في رواية عطا. " ومن آياته منامكم بالليل والنهار " أي منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية، وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة، ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه. " إني أرى في المنام " يدل على أن نوم الانبياء عليهم السلام بمنزلة الوحي، وكذا الآية التالية. " إنما النجوى من الشيطان " قال الطبرسي - رحمه الله - يعني نجوى المنافقين والكفار بما يسوء المؤمنين ويغمهم من وساوس الشيطان وبدعائه وإغوائه. وقيل: المراد بها أحلام المنام التي يراها الانسان في منامه ويحزنه (2). أقول: سيأتي ذلك في الرواية: " وجعلنا نومكم سباتا " قال السيد المرتضى رحمه الله: إن سأل سائل عن قوله تعالى: " وجعلنا نومكم سباتا " فقال: إذا كان المراد بالسبات هو النوم فكأنه قال: وجعلنا نومكم نوما، وهذا مما لا فائدة فيه. الجواب: قلنا: في هذه الآية وجوه: منها أن يكون المراد بالسبات الراحة والدعة، وقد قال قوم: إن اجتماع الخلق كان في يوم الجمعة والفراغ منه في يوم السبت، فسمي اليوم بالسبت للفراغ الذي كان فيه، ولان الله تعالى أمر بني إسرائيل فيه بالاستراحة من الاعمال. قيل: وأصل السبات التمدد يقال " سبتت المرأة شعرها " إذا حلته من العقص وأرسلته. قال الشاعر: وإن سبتته مال جثلا كأنه * سدى واهلات من نواسج خثعما أراد: إن أرسلته. ومنها: أن يكون المراد بذل القطع. والسبت أيضا الحلق


(1) مجمع البيان: ج 6، ص 424. (2) مجمع البيان: ج 9، ص 251.

[157]

يقال: سبت شعره إذا حلقه، وهو يرجع إلى معنى القطع، والنعال السبتية: التي لا شعر عليها [قال عنترة: بطل كان ثيابه في سرحة * يحذي نعال السبت ليس بتوام] ويقال لكل أرض مرتفعة منقطعة مما حولها " سبتاء " وجمعها سباتى. فيكون المعنى على هذا الجواب: جعلنا نومكم قطعا لاعمالكم وتصرفكم. ومنها: أن يكون المراد بذلك: إنا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت، لان النائم قد يفقد من علومه وقصوده وأحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت، فأراد سبحانه أن يمتن علينا بأن جعل نومنا الذي يضاهي فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة ولا يخرج لنا عن الحياة والادراك، فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفي الموت وسادامسد قوله: وجعلنا نومكم ليس بموت. ويمكن في الآية وجه آخر لم يذكر فيها هوأن السبات ليس هو كل نوم، وإنما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه، والسبات هو النوم الممتد الطويل السكون، ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم: إنه مسبوت وبه سبات ولا يقال ذلك في كل نائم، وإذا كان الامر على هذا لم يجر قوله تعالى " وجعلنا نومكم سباتا " مجرى أن يقول: وجعلنا نومكم نوما. والوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلا ظاهر، وهو لما في ذلك لنا من المنفعة والراحة، لان التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة، بل يصحبهما في الاكثر القلق والانزعاج، والهموم هي التي تقلل النوم وتنزره، وفراغ القلب ورخاء البال تكون معهما غزارة النوم وامتداده، وهذا واضح. قال السيد - قدس الله روحه -: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الانباري يطعن على الجواب الذي ذكرناه أولا ويقول: إن ابن قتيبة أخطأ في اعتماده، لان الراحة لا يقال لها: سبات، ولا يقال: سبت الرجل بمعنى استراح وأراح، ويعتمد على الجواب الذي ثنينا بذكره، ويقول في ما استشهد به ابن قتيبة من قوله " سبتت المرأه شعرها أن معناه أيضا القطع، لان ذلك إنما يكون بإزالة الشداد الذي كان مجموعابه

[158]

وقطعه. والمقدار الذي ذكره ابن الانباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة، لانه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة والدعة إذا كانتا عن نوم، وإن لم توصف كل راحة بأنها سبات، ويكون هذا الاسم يخص الراحة إذا كانت على هذا الوجه، ولهذا نظائر كثيرة في الاسماء، وإذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم سبت الرجل، بمعنى استراح في كل موضع دلالة على أن السبات لا يكون اسما للراحة عند النوم، والذي يبقى على ابن قتيبة أن يبين أن السبات هو الراحة والدعة، ويستشهد على ذلك بشعر أو لغة فإن البيت الذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع، دون التمدد والاسترسال. فإن قيل: فما الفرق بين جواب ابن قتيبة وجوابكم الذي ذكر تموه أخيرا ؟ قلنا: الفرق بينهما بين، لان ابن قتيبة جعل السبات نفسه راحة، وجعله عبارة عنها وأخذ يستشهد على ذلك بالتمدد دون غيره، ونحن جعلنا السبات نفسه من صفات النوم والراحة واقعة عنده للامتداد وطول السكون فيه، فلا يلزمنا أن نقول: سبت الرجل بمعنى استراح، لان الشئ لا يسمى بما يقع عنده حقيقة، والاستراحة تقع على جوابنا عند السبات، وليس السبات إياها بعينها. على أن في الجواب الذي اختاره ابن الانباري ضربا من الكلام، لان السبت وإن كان القطع على ما ذكره فلم يسمع فيه البناء الذي ذكره وهو السبات، ويحتاج في إثبات مثل هذا البناء إلى سمع عن أهل اللغة، وقد كان يجب أن يورد من أي وجه إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى، ولم نره فعل ذلك (1). 1 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن محمد بن عمربن علي بن أبي طالب عليه السلام عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فر بما كانت حقا، وربما كانت باطلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ما من عبد ينام إلاعرج بروحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى حسده، فصارت الروح بين السماء والارض، فما


(1) الغرر والدر ج 1 ص 337 - 340.

[159]

رأته فهو أضغاث أحلام (1). 2 - ومنه: بإ سناده عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان قال: وحد ثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محسن بن أحمد، عن أبان بن عثمان - عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إن لابليس شيطانا يقال له " هزع " يملا المشرق والمغرب، في كل ليلة يأتي الناس في المنام (2). 3 قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من رأى أنه في الحرم وكان خائفا أمن. 4 - تفسير على بن ابراهيم: في قوله تعالى " لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة " قال: في الحياة الدنيا الرؤيا الحسنة يراها المؤمن وفي الآخرة عند الموت (3). 5 - المحاسن: عن أبيه، عن صفوان، عن داوود، عن أخيه عبد الله قال: بعثني إنسان إلى أبي عبد الله عليه السلام زعم أنه يفزع في منامه من امرأة تأتيه، قال: فصحت حتى سمع الجيران، فقال أبو عبد الله عليه السلام: اذهب فقل: إنك لا تؤدي الزكاة، قال: بلى والله إني لاؤديها، فقال: قل له: إن كنت تؤديها لا تؤديها إلى أهلها (4). 6 - الخرائج: روي أن أبا عمارة المعروف بالطيان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رأيت في النوم كان معي قناة، قال كان فيها زج ؟ قلت: لا، قال: لو رأيت فيها زجا لولد (5) لك غلام، لكنه (6) تولد جارية، ثم سكت ساعة، ثم قال: كم في القناة من كعب ؟ قلت: اثنا عشر كعبا، قال: تلد الجارية اثني عشر بنتا. قال محمد بن يحيى: فحد ثت بهذا الحديث العباس بن الوليد، فقال: أنا من


(1) الامالى: 89. (2) الامالى: 89. وزاد: " ولهذا يرى الاضغاث ". (3) تفسير القمى: 289. (4) المحاسن: 87. (5) يولد (خ). (6) لكن (خ).

[160]

واحدة منهن، ولي أحد عشر خالة، وأبو عمارة جدي. 7 - المناقب: عن ياسر الخادم قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: رأيت في النوم كأن قفصا فيه سبعة عشر قارورة، إذ وقع القفص فتكسرت القوارير. فقال: إن صدقت رؤياك يخرج رجل من أهل بيتي يملك سبعه عشر يوما ثم يموت. فخرج محمد بن إبراهيم بالكوفة مع أبي السرايا، فمكث سبعة عشر يوما ثم مات (1). الكافي: عن الحسين، عن أحمد بن هلال، عن ياسر مثله (2). بيان: " إن صدقت رؤياك " أي لم تكن من أضغاث الاحلام التي لا تعبير لها أولم تكذب في نقلها، والاول أظهر. و " محمد بن إبراهيم " هو طبا طبا، بايعه أولا أبو السرايا وخرج، ولما مات بايع محمد بن محمد بن زيد وقال الطبري في تاريخه: كان اسم أبي السرايا " سري بن منصور " وكان من أولاد هاني بن قبيصة الذي عصى على كسرى ابرويز، وكان أبو السرايا من امراء المأمون، ثم عصى في الكوفة على أمير العراق وبايع محمد بن محمد بن زيد بن على بن الحسين عليه السلام ثم أرسل إليه حسن بن سهل أمير العراق جندا فقاتلوه واسروقتل. 8 - الكشي: عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى قال: قال لي يا سر الخادم: إن أبا الحسن الثاني عليه السلام أصبح في بعض الايام، قال: فقال لي: رأيت البارحة مولى لعلي بن يقطين وبين عينيه غرة بيضاء فتأولت ذلك على الدين. 9 - دعوات الراوندي: حدث أبو بكر بن عياش قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاءه رجل فقال: رأيتك في النوم كأني أقول لك: كم بقي من أجلي ؟ فقلت لي بيدك: هكذا - وأو مأ إلى خمس - وقد شغل ذلك قلبي. فقال عليه السلام: إنك سألتني عن شئ لا يعلمه إلا الله عزوجل، وهي خمس تفرد الله بها " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري


(1) المناقب: ج 4 ص 352. (2) روضة الكافي: 275.

[161]

نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير " (1) بيان: قال الطبرسي - رحمه الله -: جاء في الحديث: إن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله وقرأ هذه الآية. وقد روي عن أئمة الهدى: إن هذه الاشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى (2). أقول: هذا لا ينافي ما أخبروا عليهم السلام به من هذه الاشياء على سبيل الاعجاز لانه كان بالوحي والالهام، وكان عدم الاخبار في هذا المقام لعدم وصول الخبر من الله تعالى إليه في تلك الواقعة أو لمصلحة، وقد مر القول فيه في كتاب الامامة. 10 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، أن رجلا دخل على أبي عبد الله عليه السلام فقال: رأيت كان الشمس طالعة على رأسي دون جسدي. فقال: تنال أمرا جسيما، ونورا ساطعا، ودينا شاملا، فلو غطتك لا نغمست فيه، ولكنها غطت رأسك. أما قرأت " فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي (3) " فلما أفلت تبرأ منها إبراهيم عليه السلام. قال: قلت: جعلت فداك إنهم يقولون إن الشمس خليفة أو ملك. فقال: ما أراك تنال الخلافة، ولم يكن في آبائك وأجدادك ملك، وأي خلافة وملوكية أكثر (4) من الدين والنور ترجو به دخول الجنة، إنهم يغلطون. فقلت (5): صدقت جعلت فداك (6). بيان: " بازغة " أي طالعة، ولعل استشهاده عليه السلام كان بأن إبراهيم عليه السلام بعد رؤية الشمس واختلاف أحوالها اهتدى، أو أظهر الاهتداء وهدى قومه إلى التوحيد فطلوع الشمس على رأسك علامة لا هتدائك إلى الدين القويم، أو بأن الشمس لما


(1) لقمان: 34. (2) مجمع البيان: ج 8، ص 324. (3) الانعام: 78. (4) في المصدر، أكبر. (5) في بعض النسخ والمصدر: قلت. (6) روضة الكافي: 291 - 292.

[162]

كان في عالم المحسوسات أضوء الانوار، حتى أن إبراهيم عليه السلام قال لموافقة قومه وإتمام الحجة عليهم: " هذا ربي " لغلبة نورها وظهورها، ووصفها بالكبر ثم تبرأ منها لتغير أحوالها الدالة علي إمكانها وحدوثها، وفي الرؤيا تتمثل الامور المعنوية بالامور المحسوسة المناسبة لها، فينبغي أن يكون هذا النور أضوء الانوار المعنوية فليس إلا الدين الحق، والاول أظهر لفظا، والثاني معني. قوله عليه السلام " ولم يكن في آبائك " يظهر منه أن تعبير الرؤيا يختلف باختلاف الاشخاص، ويحتمل أن يكون الغرض بيان خطأ أصل تعبير هم، بأن ذلك غير محتمل لاأنه لا يستقيم في خصوص تلك المادة. 11 - الكافي: بإلاسناد المتقدم، عن ابن اذينة، عن رجل رأى كأن الشمس طالعة على قدميه دون جسده، قال: مال يناله من نبات (1) الارض من بر أو تمر يطأه بقدميه ويتسع فيه وهو حلال إلا أنه يكدفيه كما كد آدم عليه السلام (2). 12 - ومنه: عن علي، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن أبي جعفر الصائغ عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة، فقال: يا ابن مسلم هاتها، فإن العالم بها جالس - وأومأ بيده إلى أبي حنيفة -. قال: فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزا كثيرا ونثرته علي، فتعجبت من هذه الرؤيا. فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتجادل لئاما في مواريث أهلك، فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أصبت والله يا أبا حنيفة. قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوءك الله، فما يواطئ تعبير هم تعبيرنا، ولا تعبيرنا تعبيرهم، وليس التعبير كما عبره. قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ ؟ ! قال: نعم، حلفت عليه أنه أصاب الخطاء، قال: فقلت له فما تأويلها ؟ قال: يا ابن مسلم


(1) في المصدر: نبات من الارض. (2) روضة الكافي: 275.

[163]

إنك تتمتع بامرأة فتعلم بها أهلك فتخرق (1) عليك ثيابا جددا فان القشر كسوة اللب. قال ابن مسلم: فو الله ما كان بين تعبيره وتصحيح الرؤيا إلا صبيحة الجمعة، فلما كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرت بي جارية فأمرت غلامي فردها ثم أدخلها داري فتمتعت بها، فأحست بي وبها أهلي، فدخلت علينا البيت، فبادرت الجارية نحو الباب فبقيت أنا، فبقيت أنا، فمزقت علي ثيابا جددا كنت ألبسها في الاعياد. وجاء موسى الزوار العطار إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا ابن رسول الله رأيت رؤيا هالتني: رأيت صهرا لي ميتا وقد عانقني، وقد خفت أن يكون الاجل قد اقترب. فقال: يا موسى توقع الموت صباحا ومساء فإنه ملاقينا، ومعانقة الاموات للاحياء أطول لاعمارهم، فما كان اسم صهرك ؟ قال: حسين، فقال: أما إن رؤياك تدل على بقائك وزيارتك أبا عبد الله عليه السلام، فإن كل من عانق سمي الحسين عليه السلام يزوره إن شاء الله تعالى. وذكر إسماعيل بن عبد الله القرشي قال: أتى إلى أبي عبد الله عليه السلام رجل فقال (2): يا ابن رسول الله، رأيت في منامي كأني خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه، وكان شيخا (3) من خشب أو رجلا منحوتا من خشب على فرس من خشب يلوح بسيفه وأنا اشاهده فزعا مذعورا مرعوبا. فقال عليه السلام: أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك فقال الرجل: أشهد أنك قد اوتيت علما واستنبطته من معدنه، اخبرك يا ابن رسول الله عما قد فسرت لي: إن رجلا من جيراني جاء ني وعرض علي ضيعته، فهممت أن أملكها بوكس (4) كثير لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: وصاحبك يتولانا ويبرأ من عدونا ؟ فقال: نعم، يا ابن رسول الله، رجل البصيرة مستحكم الدين، وأنا


(1) في المصدر: فتمزق. (2) في المصدر: فقال له. (3) فيه: شبحا. (4) الوكس: النقص.

[164]

تائب إلى الله عزوجل وإليك مما هممت به ونويته. فأخبرني يا ابن رسول الله لو كان ناصبيا (1) حل لي اغتياله ؟ فقال: أد الامانة لمن ائتمنك وأراد منك النصيحة، ولو إلى قاتل الحسين عليه السلام (2). بيان: الظاهر أن الراوي عن الزوار والقرشي هو محمد بن مسلم، ويحتمل الارسال من الكليني. قوله: " أو رجلا " كان الترديد من الراوي. ويقال: لوح بسيفه - على بناء التفعيل - أي لمع به. 13 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الرؤيا على ما تعبر، فقلت له: إن بعض أصحابنا روى أن رؤيا الملك كانت أضغاث أحلام، فقال أبو الحسن عليه السلام: إن امرأة رأت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أن جذع بيتها انكسر (3)، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقصت عليه الرؤيا فقال لها النبي صلى الله عليه وآله يقدم زوجك ويأتي وهو صالح - وقد كان زوجها غائبا - فقدم كما قال النبي صلى الله عليه وآله، ثم غاب عنها زوجها غيبة اخرى، فرأت في المنام كأن جذع بيتها قد انكسر (4)، فأتت النبي صلى الله عليه وآله فقصت عليه الرؤيا فقال لها: يقدم زوجك ويأتي صالحا، فقدم على ما قال، ثم غاب زوجها ثالثة فرأت في منامها أن جذع بيتها قدانكسر، فلقيت رجلا أعسر فقصت عليه الرؤيا، فقال لها الرجل السوء: يموت زوجك، فبلغ النبي (5) صلى الله عليه وآله فقال: ألا كان عبرلها خيرا ؟ ! (6). توضيح: " أضغاث أحلام " أي لم تكن لها حقيقة، وإنما وقعت كذلك لتعبير يوسف عليه السلام، وإنما أورد الراوي تلك الرواية تأييدا لما ذكره. قوله صلى الله عليه وآله " يقدم


(1) فيه، ناصبا. (2) روضة الكافي: 293. (3) في المصدر: قد انكسر. (4) في بعض النسخ " انكسرت " في المواضع الثلاثة. (5) في المصدر: قال: فبلغ ذلك النبي. (6) روضة الكافي: 335.

[165]

زوجك " لعله صلى الله عليه وآله عبر انكسار اسطوانة بيتها بفوات ما كان لها من التمكن والتصرف في غيبته. وقال الفيروز ابادي: يوم عسر وعسير وأعسر: شديد أو شؤم، أعسر يسر: يعمل بيديه جميعا، فإن عمل بالشمال فهو أعسر. والمراد هنا الشوم، أو من يعمل باليسار فإنه أيضا مشوم. ويظهر من أخبار المخالفين أن هذا الاعسر كان أبا بكر ولعله صلى الله عليه وآله لم يصرح باسمه تقية. قال في النهاية فيه: إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: رأيت كأن جائز ييتي انكسر، فقال: يرد الله غائبك، فرجع زوجها ثم غاب فرأت مثل ذلك فأتت النبي صلى الله عليه وآله فلم تجده ووجدت أبا بكر فأخبرته، فقال: يموت زوجك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هل قصصتها على أحد ؟ قلت: نعم، قال: هو كما قيل لك. الجائز الخشبة التي توضع عليها أطراف العوارض في سقف البيت والجمع أجوزة. 14 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: رأيت كأني على رأس جبل والناس يصعدون إليه من كل جانب، حتى إذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء وجعل الناس يتساقطون عنه من كل جانب حتى لم يبق منهم أحد إلا عصابة يسيرة، ففعل ذلك خمس مرات في كل ذلك يتساقط عنه الناس وتبقى تلك العصابة أما إن قيس بن عبد الله بن عجلان في تلك العصابة. فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من خمس حتى هلك (1). بيان: كان تأويل الرؤيا الفتن التي حدثت بعده - صلوات الله عليه - في الشيعة فارتدوا. وأقول: وروى الكشي عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن النضر مثله. وفيه: أما إن ميسر بن عبد العزيز وعبد الله بن عجلان في تلك العصابة، فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من سنتين حتى هلك عليه السلام وقيس غير مذكور في كتب الرجال. 15 - المحاسن: عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله، عن جميل بن دراج قال: قال


(1) روضة الكافي: 182 - 183.

[166]

أبو عبد الله عليه السلام: إن المؤمنين إذا أخذوا مضاجعهم صعد (1) الله بأرواحهم إليه، فمن قضى عليه بالموت جعله في رياض الجنة بنور (2) رحمته ونور عزته، وإن لم يقدر عليه الموت بعث بها مع امنائه من الملائكة إلى إلابدان التي هي فيها (3). 16 - العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأت فاطمة عليها السلام في النوم كأن الحسن والحسين عليهما السلام ذبحا أو قتلا، فأحزنها ذلك، فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رؤيا، فتمثلت بين يديه قال: أنت أريت فاطمة هذا البلاء ؟ قالت: لا. فقال: يا أضغاث وأنت أريت فاطمة هذا البلاء ؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: ما (4) أردت بذلك ؟ قالت: أردت (5) احزنها، فقال صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: اسمعي ليس هذا بشئ (6). بيان: كأن خطابه صلى الله عليه وآله كان لملك الرؤيا وشيطان الاضغاث، لقوله سبحانه " إنما النجوى من الشيطان "، أو تمثل بإعجازه صلى الله عليه وآله لكل منهما مثال وتعلق به روح فسأله، ومثل هذا التسلط الذي يذهب أثره سريعا من الشيطان ولم يوجب معصية على المعصومين عليهم السلام لم يدل دليل على نفيه، ولا ينافيه قوله تعالى " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (7) " وقد مر بعض القول فيه في كتاب النبوة وسيأتي أيضا إن شاء الله تعالى. 17 - فرج المهموم: نقلا من كتاب تعبير الرؤيا للكليني، بإسناده عن محمد ابن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قوم يقولون: النجوم أصح من الرؤيا، وذلك (8) كانت صحيحة حين لم يرد الشمس على يوشع بن نون وعلى أمير المؤمنين عليه السلام فلما رد الله عزوجل الشمس عليهما ضل فيهما علماء النجوم، فمنهم مصيب ومنهم مخطئ. 18 - البصائر: عن علي بن حسان، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: من الرسول ؟ ومن النبي ؟ ومن المحدث ؟ فقال: الرسول الذي يأتيه


(1) في المصدر: أصعد. (2) فيه: في كنوز رحمته. (3) المحاسن: 178. (4) في المصدر: فما اردت. (5) فيه: اردت أن أحزنها. (6) تفسير العياشي: ج 2، ص 172. (7) الحجر: 41. (8) كذا.

[167]

جبرئيل فيكلمه قبلا فيراه كما يرى أحدكم يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه، فهذا الرسول والنبي الذي يؤتى في النوم نحو رؤيا إبراهيم، ونحو ما كان يأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله من السبات إذا أتاه جبرئيل في النوم فهكذا النبي، ومنهم من تجمع (1) له الرسالة والنبوة فكان رسول الله صلى الله عليه وآله رسولا نبيا يأتيه جبرئيل قبلا فيكلمه ويراه ويأتيه في النوم. وأما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير أن يراه ومن غير أن يأتيه في النوم (2). أقول: قد مضى مثله بأسانيد جمة في كتاب النبوة وكتاب الامامة وغير هما. 19 - الاختصاص: قال الصادق عليه السلام: إذا كان العبد على معصية الله عزوجل وأراد الله به خيرا أراه في منامه رؤيا تروعه فينزجر بها عن تلك المعصية، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة (3). 20 - ومنه: عن أبي الفرج، عن سهل بن زياد، عن رجل، عن عبد الله بن جبلة عن أبي المغرا، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سمعته يقول: من كانت له إلى الله حاجة وأراد أن يرانا وأن يعرف موضعه فليغتسل ثلاثة ليال يناجي بنا فإنه يرانا ويغفر له بنا ولا يخفى عليه موضعه. قلت: سيدي فإن رجلا رآك في المنام وهو يشرب النبيذ ؟ قال: ليس النبيذ يفسد عليه دينه، إنما يفسد عليه تركنا وتخلفه عنا (4) (الخبر). 21 - مجالس الصدوق: عن الحسين بن إبراهيم بن ناتانه (5)، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي قال: قلت للصادق جعفر ابن محمد عليهما السلام: إن رجلا رأى ربه عزوجل في منامه فما يكون ذلك ؟ فقال: ذلك


(1) في البصائر: يجتمع. (2) بصائر الدرجات: 371. (3) الاختصاص: 241. (4) المصدر: 90. (5) بالنون أولا وآخرا والتاء في الوسط كما حكى في التعليقة عن جده المجلسي الاول - ره - وقيل في ضبطه وجوه اخرى.

[168]

رجل لادين له، إن الله تبارك وتعالى لا يرى في اليقظة ولا في المنام ولا في الدنيا ولا في الآخرة (1). 22 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن على بن حديد، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: أصبح رسول الله يوما كئيبا حزينا، فقال له على عليه السلام: مالي أراك يا رسول الله كئيبا حزينا ؟ فقال صلى الله عليه وآله: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني امية يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الاسلام القهقرى ؟ ! فقلت: يا رب في حياتي أو بعد موتي ؟ فقال: بعد موتك (2). 23 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسين، عن محمد بن الوليد، و محسن بن أحمد، عن يونس بن يعقوب، عن علي بن عيسى القماط، عن عمه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأى (3) رسول الله صلى الله عليه وآله بني امية يصعدون على منبره من بعده ويضلون الناس عن الصراط القهقرى: فأصبح كئيبا حزينا، قال: فهبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله ما لي أراك كئيبا حزينا ؟ قال: يا جبرئيل إني رأيت بني امية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا إن هذا شئ ما اطلعت عليه، فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يونسه بها قال: " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وأنزل عليه: " إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر " جعل الله عزوجل ليلة القدر لنبيه صلى الله عليه وآله خيرا من ألف شهر ملك بني امية (4).


(1) البصائر: 363. (2) روضة الكافي: 345. (3) في أكثر النسخ: أرى. (4) لم تجد الرواية بعينها في الكافي، وفى الروضه (ص 222) رواية تتحد معها مضمونا وتفترق عنها في مواضع من السند والمتن، اما السند فهى عن سهل بن زياد عن - >

[169]

24 - كتاب سليم بن قيس: عن عبد الله بن جعفر قال: كنت عند معاوية - وساق الحديث إلى أن قال -: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسئل عن هذه الآية " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن (1) " فقال: إني رأيت اثني عشر رجلا من أئمة الضلال يصعدون منبري وينزلون، يردون امتي على أدبارهم القهقرى، فيهم رجلان من حيين من قريش مختلفين وثلاثة من بني امية وسبعة من ولد الحكم بن العاص، إذا بلغوا خمسة عشر رجلا جعلوا كتاب الله دخلا وعباد الله خولا (الحديث). 25 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن ابن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الفرق من السنة ؟ قال: لا. قلت: هل فرق رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم، قلت: كيف (2) ذلك ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين صد عن البيت وقد كان ساق الهدي وأحرم أراه الله الرؤيا التي أخبر الله في كتابه إذ يقول: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين (3) " فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله أنه سيفي له بما أراه، فمن ثم وفر ذلك الشعر الذي كان على رأسه حين أحرم انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده الله عزوجل، فلما حلقه لم يعد توفير (4) الشعر ولا كان ذلك من قبله (5).


< - محمد بن عبد الحميد عن يونس.. الخ، وأما المتن فتبتدأ هكذا: قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله صلى الله عليه وآله كئيب حزين.. ولعله وقع سهو في ذكر المصدر. (1) الاسراء: 60. (2) في المصدر: كيف فرق رسول الله صلى اله عليه وآله ليس من السنة ؟ قال: من أصابه ما أصاب رسول الله صلى اله عليه وآله يفرق كما فرق رسول الله ص فقد أصاب سنة رسول الله ص والا فلا قلت له: كيف ذلك ؟.. (3) الفتح: 27. (4) في المصدر، في توفير. (5) الكافي: ج 6، ص 486.

[170]

26 - مجالس الصدوق: بإسناده عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خروجه إلى صفين، فلما نزل نينوى - وهو بشط الفرات - توضأ وصلى ثم نعس فانتبه فقال: رأيت في منامي كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلدوا سيوفهم وهي بيض تلمع، وقد خطوا حول هذه الارض خطة، ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الارض يضطرب بدم عبيط، وكأني بالحسين فرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه يستغيث فلا يغاث، وكان الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبرا آل الرسول، فإنكم تقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة، ثم يعزونني (1) ويقولون: يا أبا الحسن أبشر، فقد أقر الله (2) عينك به يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم انتبهت هكذا والذي نفس علي بيده لقد نبأني الصادق المصدق أبو القاسم صلى الله عليه وآله أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلا من ولدي وولد فاطمة (3) (والحديث مختصر). 27 - المكارم: روي أن علي بن الحسين عليه السلام قال: كنت أدعو الله سنة عقيب كل صلاة أن يعلمني الاسم الاعظم، فإني (4) ذات يوم قد صليت الفجر فغلبتني عيناى وأنا قاعد، إذا أنا برجل قائم بين يدي يقول لي: سألت الله تعالى أن يعلمك الاسم الاعظم ؟ قال (5): نعم. قال: قل: " اللهم إني أسألك باسمك الله الله الله الله (6) الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم " قال: فوالله ما دعوت بها لشئ إلا رأيت نجحه (7).


(1) يعزونى (خ). (2) في الامالى: اقر الله به عينك يوم القيامة. (3) الامالى: 356. (4) في المصدر: فبينا أنا ذات.. (5) في المصدر " قلت " وهو الصواب. (6) في المصدر تكرر لفظة الجلالة خمس مرات. (7) مكارم الاخلاق: 408.

[171]

أقول: قد مر رؤيا عبد المطلب في بشارة النبي صلى الله عليه وآله أنه رأي أن شجرة قد نبتت على ظهره قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها الشرق والغرب، وأن نورا يزهر منها أعظم من نور الشمس، وأن العرب والعجم ساجدة لها وهى كل يوم تز داد عظما ونورا، وأن رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها يأخذهم شاب من أحسن الناس وجها ويكسر ظهورهم ويقلع أعينهم، فقالت الكاهنة: لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب وينبأ في الناس. وقد مر أيضا رؤياه في حفر زمزم والسيوف، وهي طويلة. وقد مرت منامات آمنة في ولادة النبي صلى الله عليه وآله ومضى رؤيا العباس في بشارة النبي صلى الله عليه وآله أنه رأى أنه خرج من منخر عبد الله بن عبد المطلب طائر أبيض فطار وبلغ المشرق والمغرب، ثم رجع حتى سقط على بيت الكعبة فسجدت له قريش كلها، فصار نورا بين السماء والارض وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب، فقالت كاهنة بني مخزوم: يا عباس لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا له. وتقدم في غزوة بدر أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت أن راكبا قد دخل مكة ينادي ثلاث مرات: يا آل عدي ! يا آل فهر ! اغدو إلى مصارعكم. فأخذ حجرا فدهدهه من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابته منه فلذة، وكأن وادي مكة قد صار من أسفله دما، فوافى زمزم بعد ثلاث ونادى فيهم: أدركوا العير، فكانت غزوة بدر. ومر في ولادة الحسين عليه السلام أن ام أيمن قالت: يا رسول الله رأيت في ليلتي هذه كأن بعض أعضائك ملقى في بيتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تلد فاطمة الحسين فتربينه وتلفينه فيكون بعض أعضائي في بيتك. وتقدم أيضا أن امرأة حنظلة بن أبي عامر الراهب رأت في المنام كأن السماء انفرجت فوقع فيها حنظلة ثم انضمت، فذهب حنظلة إلى احد فاستشهد. وتقدم أيضا منامات غريبة من بخت نصر، منها: أنه رأى في المنام كأن ملائكة السماء هبطت إلى الارض أفواجا إلى الجب الذي حبس فيه دانيال عليه السلام مسلمين عليه يبشرونه بالفرج، فندم على ما فعل وأخرجه من الجب. ومنها: أنه رأي في نومه كأن رأسه من حديد ورجليه من نحاس وصدره من ذهب، فعبرها دانيال بأنه يذهب ملكه ويقتل بعد ثلاث

[172]

يقتله رجل من ولد فارس، فكان كذلك ورأى المؤبد ان في ولادة النبي صلى الله عليه وآله في المنام إبلا صعابا يقود خيلا عرابا. 28 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان في بني إسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه غلاما ثلاث سنين، فلما رأى أن الله لا يجيبه قال: يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم قريب أنت مني فلا تجيبني ؟ قال: فأتاه آت في منامه فقال: إنك تدعوا الله عزوجل منذ ثلاث سنين بلسان بذي وقلب عات غير تقي ونية غير صادقة، فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك ولتحسن نيتك. قال: ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله فولد له الغلام. (1) 29 - مجالس الشيخ: بإسناده عن شمر بن عطية فال: كان أبي ينال من علي ابن أبي طالب عليه السلام فاتي في المنام فقيل له: أنت الساب عليا ؟ فحنق حتى أحدث في فراشه ثلاثا. 30 - قصص الراوندي: بإسناده عن طربال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أمر الملك بحبس يوسف عليه السلام في السجن ألهمه الله تأويل الرؤيا، فكان يعبر لاهل السجن رؤياهم. 31 - مجالس ابن الشيخ: عن والده، عن ابن مخلد، عن أبي عمرو، عن الحسن ابن سلام، عن قبيصة، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا تقارب الزمان لم تكذب رؤيا المؤمن، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا. بيان: هذه الرواية رواها من طرق المخالفين. قال في النهاية: فيه " إذا تقارب الزمان - وفي رواية: اقترب الزمان - لم تكد رؤيا المؤمن تكذب " أراد: اقتراب الساعة وقيل: اعتدال الليل والنهار، وتكون الرؤيا فيه صحيحة لاعتدال الزمان. و " اقترب " افتعل من القرب، و " تقارب " تفاعل منه، ويقال للشئ إذا ولى وأدبر: تقارب، ومنه حديث المهدي: يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر (انتهى).


(1) الكافي: ج 2، ص 324.

[173]

وقال الخطابي في أعلام الحديث: قوله " إذا اقترب الزمان " فيه قولان: أحدهما أن يكون معناه تقارب زمان الليل والنهار وقت استوائهما أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الاربع غالبا، وكذلك هو في الخريف، والمعبرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار وينعها. والوجه الآخر: أن اقتراب الزمان انتهاء مدة إذا دنا قيام الساعة. " وأصدقهم رؤيا " قال النووي في شرح الصحيح: ظاهره الاطلاق، وقيد القاضي بآخر الزمان عند انقطاع العلم بموت العلماء والصالحين، فجعله الله جابرا ومنبها لهم والاول أظهر، لان غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها. 32 الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: ربما رأيت الرؤيا فأعبرها، والرؤيا على ما تعبر. (1) بيان: قال في النهاية: فيه " الرؤيا لاول عابر " يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبرا وعبرتها تعبيرا إذا أولتها وفسرتها وخبرت بآخر ما يؤل إليه أمرها. يقال: هو عابر الرؤيا وعابر للرؤيا، وهذه اللام تسمى لام التعقيب لانها عقبت الاضافة. والعابر: الناظر في الشئ، والمعبر: المستدل بالشئ على الشئ، ومنه الحديث: للرؤيا كنى وأسماء فكنوها بكناها واعتبروها بأسمائها. ومنه حديث ابن سيرين كان يقول: إني أعتبر الحديث، المعنى فيه أنه يعبر الرؤيا على الحديث ويعتبر به كما يعتبرها بالقرآن في تأويلها، مثل أن يعبر الغراب بالرجل الفاسق، والضلع بالمرأة، لان النبي صلى الله عليه وآله سمى الغراب فاسقا وجعل المرأة كالضلع ونحو ذلك من الكنى والاسماء (انتهى). قوله عليه السلام " على ما تعبر " أي تقع موافقة لما عبرت به. 33 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله ابن غالب، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء والارض


(1) روضة الكافي: 335.

[174]

على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أو يعبرها له مثله، فإذا عبرت لزمت الارض فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل (1). بيان: في القاموس " رف الطائر " أي بسط جناحيه كرفرف، والرفرفة تحريك الظليم جناحيه حول الشئ يريد أن يقع عليه (انتهى). وفي تشبيه الرؤيا بالطير وإثبات الرفرفة وترشيحه بالقص الذي هو قطع الجناح وبلزوم الارض لطائف لا تخفى. وفي النهاية: في حديث " الرؤيا لا تقصها إلا على واد " يقال: قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها أقصها قصا، والقص: البيان. 34 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن عروة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى عليه وآله: الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي (1). بيان: إنما اشترط عليه السلام ذلك لئلا يتعمد المعبر تعبيرها بالسوء حسدا وبغيا. أقول: روى البغوي في شرح السنة عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل وهو يخطب فقال: يا رسول الله رأيت فيما يرى النائم البارحة كأن عنقي ضربت فسقط رأسي فاتبعته فأخذته ثم أعدته مكانه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدثن به الناس. وعن أبي سلمة قال: كنت أرى الرؤيا فيهمني، حتى سمعت أبي قتادة يقول: كنت أرى الرؤيا فيمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به ولينقل (2) عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شر ما رأى فإنها لن تضره. ثم قال: فيه إرشاد للمستعبر لموضع رؤياه، فإن رأى ما يكره لا يحدث به حتى لا يستقبله في تعبيرها ما يزداد به هما، فإن رأى ما يحبه فلا يحدث به إلا من يحبه، لانه لا يأمن ممن لا يحبه أن يعبره حسدا على غير وجهه فيغمه أو يكيده بأمر، كما أخبر الله تعالى عن يعقوب حين قص عليه يوسف رؤياه:


(1 و 2) الروضة: 336. (3) وليتفل ظ.

[175]

" لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا " وروي عن أبي رزين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، وهي على رجل طائر فإذا حدثت بها وقعت، وأحسبه قال: لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا. وفي رواية اخرى: الرؤيا على رجل طائر ما لم يعبر، فإذا عبرت وقعت، قال: وأحسبه قال: ولا تقصها إلا على واد أوذي رأي. الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب وإن لم يكن عالما بالعبارة لم يعجل لك بما يغمك، وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها، فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب مما تعلم منها، ولعله أن يكون في تفسيرها موعظة يردعك عن قبيح ما أنت عليه، أو يكون فيها بشرى فتشكر الله عليها. قال: وروى أبو أيوب مرسلا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الرؤيا يقع على ما عبر ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، وإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما (انتهى). وقال في النهاية: فيه " الرؤيا لاول عابر وهي على رجل طائر ". " لاول عابر " أي إذا عبرها برصادق عالم باصولها وفروعها واجتهد فيها وقعت له دون غيره ممن فسرها بعده " وهي على رجل طائر " أي إنها على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر، وان ذلك هو الذي قسمه الله تعالى لصاحبها، من قولهم " اقتسموا دارا فطار سهم فلان في ناحيتها " أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو شئ يجري لك فهو طائر. والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الاول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة. 35 - غوالى اللئالى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بينا أنا نائم إذا اتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى أني لارى الري يخرج من بين أظافيرى. قالوا: بما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال: العلم. بيان: قال في فتح الباري: وفي رواية " من أطرافي " ويحتمل أن يكون بصر به وهو الظاهر، وأن يكون علمه، ويؤيد الاول ما في رواية اخرى " فشربت منه حتى

[176]

رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم " على أنه محتمل أيضا. وقال في حديث أبي هريرة: اللبن في المنام فطرة. وفي رواية أبي بكرة: من رأى أنه يشرب لبنا فهو الفطرة وفي حديث الاسراء حين اتي بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له جبرئيل: أخذت الفطرة. وقال: إن من الرؤيا ما يدل على الماضي والحال والمستقبل وهذه اولت على الماضي، فإن رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع، لان الذي اعطيه من العلم كان قد حصل له. قال: وذكر الدينوري أن اللبن المذكور فيها يختص بالابل وإنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة. قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة، ولبن السباع غير محمود، إلا أن لبن اللبؤة (1) مال مع عداوة لذي أمر. 36 - جامع الاخبار: في كتاب التعبير عن الائمة عليهم السلام أن رؤيا المؤمن صحيحة لان نفسه طيبة، ويقينه صحيح، وتخرج فتتلقى من الملائكة، فهي وحي من الله العزيز الجبار. وقال عليه السلام: انقطع الوحي وبقي المبشرات ألاوهي نوم الصالحين والصالحات. ولقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رآني في منامه فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة. 37 - كمال الدين: يروى في الاخبار الصحيحة عن أئمتنا عليهم السلام أن من رأي رسول الله صلى الله عليه وآله أو أحدا من الائمة عليهم السلام (2) قد دخل مدينة أو قرية في منامه فإنه أمن لاهل المدينة أو القرية مما يخافون ويحذرون، وبلوغ لما يأملون ويرجون. 38 - الفقيه: قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل من أهل البادية له جسم وجمال فقال يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزوجل " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة (3) " فقال: أما قوله " لهم البشرى في الحيوة الدنيا " فهي


(1) اللبؤة: انثى الاسد. (2) صلوات الله عليهم (خ). (3) يونس: 63 - 64.

[177]

الرؤيا الحسنة يراها المؤمن فيبشر بها في دنياه، وأما قول الله عزوجل " وفي الآخرة " فإنها بشارة المؤمن (1) عند الموت، يبشر بها عند موته أن الله قد غفر لك ولمن يحملك إلى قبرك (2). 39 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد عن الرضا عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا (3) أصبح قال لاصحابه: هل من مبشرات ؟ يعني به الرؤيا (4). بيان: روت العامة أيضا هذه الرواية باسنادهم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة. 40 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزء من أجزاء النبوة (5). بيان: لما غيب الله تعالى في آخر الزمان عن الناس حجتهم، تفضل عليهم و أعطاهم رأيا في استنباط الاحكام الشرعية مما وصل إليهم من أئمتهم عليهم السلام ولما حجب عنهم الوحي وخزانه أعطاهم الرؤيا الصادقة أزيد مما كان لغيرهم، ليظهر عليهم بعض الحوادث قبل حدوثها. وقيل: إنما يكون هذا في زمان القائم عليهم السلام " على سبعين جزء " لعل المراد أن للنبوة أجزاء كثيرة، سبعون منها من قبل الرأي أي الاستنباط اليقيني، لا الاجتهاد والتظني، والرؤيا الصادقة، فهذا المعنى الحاصل لاهل آخر الزمان على نحو تلك السبعين ومشابه لها وإن كان في النبي أقوى. ويحتمل أن يكون المعنى: على نحو بعض أجزاء السبعين، كما ورد أن رؤيا الصادقة جزء من سبعين


(1) في المصدر، للمؤمن. (2) الفقيه: 32. (3) في المصدر: كان إذا.. (4 و 5) روضة الكافي: 90.

[178]

جزء من النبوة. وقد روت العامة بأسانيد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة. قال البغوي في شرح السنة: أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزء من النبوة في حق الانبياء دون غيرهم. قال عبيد بن عمير: رؤيا الانبياء وحي وقرأ: " إني أري في المنام - الآية - " وقيل: إنها جزء من أجزاء علم النبوة، وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية، أو أراد به أنها كالنبوة في الحكم بالصحة، كما قال صلى الله عليه وآله: الهدى الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزء من النبوة. أي هذه الخصال في الحسن والاستحباب كجزء من أجزاء النبوة، وهذه الخلال جزء من شمائل الانبياء وجزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا فيها بهم، لا أنها حقيقة نبوة، لان النبوة لا تتجزى ولا نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله وهو معنى قوله عليه السلام: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو يرى له. وقيل: معنى قوله " جزء من ستة وأربعين " أن مدة الوحي على رسول الله من حين بدأ إلى أن فارق الدنيا كان ثلاثا وعشرين سنة، وكان ستة أشهر منها في أول الامر يوحى إليه في النوم - وهو نصف سنة - فكانت مدة وحيه في النوم جزء من ستة و أربعين جزء من أيام الوحي (انتهى). وقال الجزري في النهاية: الجزء القطعة والنصيب من الشئ، ومنه الحديث " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة " وإنما خص هذا العدد لان عمر النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الروايات الصحيحة كان ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة نبوته منها ثلاثا وعشرين سنة، لانه بعث عند استيفاء الاربعين وكان في أول العمريرى الوحي في المنام ودام كذلك نصف سنة، ثم رأى الملك في اليقظة، فإذا نسب مدة الوحي في النوم وهي نصف سنة - إلى مدة نبوته - وهي ثلاث وعشرون سنة - كانت نصف جزء من ثلاثة وعشرين جزء، وذلك جزء واحد من ستة وأربعين جزء، وقد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا بهذا العدد، وجاء في بعضها " من خمسة وأربعين جزء " ووجه ذلك أن عمره لم يكن قد استكمل ثلاثا وستين، ومات في أثناء السنة الثالثة والستين، ونسبة نصف السنة إلى اثنتين وعشرين سنة وبعض الاخرى نسبة جزء من خمسة وأربعين. وفي

[179]

بعض الروايات: " جزء من أربعين " ويكون محمولا على من روى أن عمره كان ستين سنة، فيكون نسبة نصف إلى عشرين سنة كنسبة جزء إلى أربعين (انتهى). وقال الخطابي في أعلام الحديث: هذا وإن كان وجها قد يحتمله الحساب والعدد فإن أول ما يجب من الشرط فيه أن يثبت ما قاله من ذلك بخبر أو رواية، ولم نسمع فيه خبرا ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرا، فهو كأنه ظن وحسبان والظن لا يغني من الحق شيئا، ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه من هذه القسمة، لقد كان يجب أن يلحق بها سائر الاوقات التي كان يوحى إليه في منامه في تضاعيف أيام حياته، وأن تلتقط وتلفق وتز داد في أصل الحساب، وإذا صرنا إلى أصل هذه القضية بطلت هذه القسمة وسقط هذا الحساب من أصله، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث من روايات كثيرة أنه كان يرى الرؤيا المختلفة في امور الشريعة ومهمات أسباب الدين فيقصها على أصحابه، فكان يقول لهم إذا أصبح: من رأى منكم رؤيا ؟ فيقصونها عليه، وقال لهم يوم احد: رأيت في سيفي ثلمة ورأيت كأني مردف كبشا، فتأولت ثلمة السيف أنه يصاب في أصحابه، وأنه يقتل كبش القوم. - ثم ذكر رؤيا كثيرة فقال: وهذه كلها بعد الهجرة، وأعلى هذه كلها ما نطق به الكتاب من رؤيا الفتح في قوله عزوجل: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق - الآية (1) - " وقوله " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس - الآية (2) - " فدل ما ذكرناه من هذا وما تركناه من هذا الباب على ضعف هذا التأويل. ونقول: إن هذا الحديث صحيح وجملة ما فيه حق، وليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا حجته، وقد نرى أعداد ركعات الصلوات وأيام الصيام ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم، وليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت هذه الاعداد دون ما هو أكثر منها أو أقل فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها، ومعنى الحديث تحقيق أمر الرؤيا وأنها مما كان الانبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزء


(1) الفتح: 27. (2) الاسراء: 60.

[180]

من أجزاء الذي كان يأتيهم والانباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم (انتهى). وقال بعض شراح البخاري " الرؤيا جزء من النبوة " أي في حق الانبياء فإنهم يوحى إليهم في المنام، وقيل: الرؤيا تأتي على وفق النبوة، لا أنها جزء باق منها، وقيل: هي من الانباء، أي إنباء صدق من الله لاكذب فيه، ولا حرج في الاخذ بظاهره، فإن أجزاء النبوة لا تكون نبوة، فلا ينا في حينئذ " ذهبت (1) النبوة " ثم رؤيا الكافر قد يصدق لكن لا يكون جزء منها، إذ المراد الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح جزء منها. وقال النووي في شرح صحيح المسلم: وجه الطبري اختلاف الراويات في عددما هو جزء منه باختلاف حال الرائي بالصلاح والفسق، وقيل: باعتبار الخفي والجلي من الرؤيا، وقيل: إن للمنامات شبها بما حصل له وميزبه من النبوة بجزء من ستة وأربعين. 41 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله في قول الله عزوجل " لهم البشرى في الحيوة الدنيا " قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه (2). بيان: روى في شرح السنة بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو يرى له. ولا تنا في بينه وبين ما ورد في بعض الاخبار أنها هي البشارة عند الموت، لاحتمال شمولها لهما. 42 - الكافي: عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان، وأضغاث أحلام (3).


(1) كذا. (2 و 3) روضة الكافي: 90.

[181]

بيان: لعل المراد بتحذير الشيطان أنه يحذر ويخوف عن ارتكاب الاعمال الصالحة، أو المراد به الاحلام الهائلة المخوفة. والظاهر أنه تصحيف " تحزين " لآية النجوى وقوله " ليحزن الذين آمنوا " ولرواية محمد بن الاشعث الآتية، ولما رواه في شرح السنة بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان آخر الزمان لم يكد رؤيا المؤمن يكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، والرؤيا ثلاثه: رؤيا بشرى من الله، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا من تحزين الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به وليقم وليصل، والقيد في المنام ثبات في الدين: والغل أكرهه. ثم قال: قوله " والقيد ثبات في الدين " لان القيد يمنع عن النهوض والتقلب [و] كذلك الورع يمنعه مما لا يوافق الدين، وهذا إذا كان مقيدا في مسجد أو سبيل الخير، وإن رآه مسافر فهو إقامة عن السفر، وكذلك إذا رأي دابته مقيدة. وإن رآه مريض أو محبوس طال مرضه وحبسه، أو مكروب طال كربه والغل كفر لقوله تعالى " غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا " (1) وقد يكون بخلا قال تعالى " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك (2) " وقد يكون كفا عن المعاصي إذا كان في الرؤيا ما يدل على الصلاح بأن يرى ذلك لرجل صالح. 43 - مجالس أبن الشيخ: عن والده، عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد الحسنى (3)، عن جعفر بن محمد بن عيسى، عن عبيدالله بن علي، عن الرضا عن علي عليهم السلام قال: رؤيا الانبياء وحي. 44 - ومنه: عن والده، عن أبي القاسم بن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن


(1) يس: 8. (2) الاسراء: 29. (3) في بعض النسخ " الحسينى " والظاهران الصواب مأ اثبتناه موافقا لبعض النسخ المخطوطة، وهو على بن محمد الحسنى الخجندى نزيل الرى، ولم نجد ذكرا من " الحسينى " في كتب الرجال.

[182]

إبراهيم بن إسحاق، عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن خالد، عن على بن النعمان عن يزيد بن إسحاق شعر، عن هارون بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن منالمن ينكت في قلبه، وإن منالمن يؤتى في منامه، وإن منالمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة في الطشت (1)، وإن منالمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل عليهما السلام. 45 - المكارم: قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله كثير الرؤيا، ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. 46 - مجالس الصدوق: عن محمد بن عمر البغدادي، عن الحسن بن عثمان، عن إبراهيم بن عبيدالله بن موسى، عن مريسة بنت موسى بن يونس، عن صفية بنت يونس، عن بهجة بنت الحارث، عن خالها عبد الله ابن منصور قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن مقتل الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حدثني أبي، عن أبيه، وساق الحديث الطويل في قصة كربلا وسفره [صلوات الله عليه] إلى العراق إلى أن قال: فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق فلما أقبل الليل راح إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله ليود ع القبر، فقام يصلي فأطال، فنعس وهو ساجد، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وهو في منامه، فأخذ الحسين عليه السلام وضمه إلى صدره وجعل يقبل عينيه ويقول: بأبي أنت، كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الامة يرجون شفاعتي ! مالهم عند الله من خلاق. يا بني إنك قادم على أبيك وامك وأخيك وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة. فانتبه الحسين عليه السلام من نومه باكيا، فأتى أهل بيته فأخبر هم بالرؤيا وودعهم - وساق إلى أن قال -: ثم سار حتى نزل العذيب، فقال فيها قائلة الظهيرة، ثم انتبه من نومه باكيا فقال له ابنه: ما يبكيك يا أبه ؟ فقال: يا بني إنها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها، وإنه عرض لي في منامي عارض فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة (الحديث). 47 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن


(1) في بعض النسخ " الطست " بالمهملة.

[183]

يعقوب بن يزيد، عن محمد بن الحسن المثنى، عن هشام بن أحمد وعبد الله بن مسكان ومحمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من صور صورة من الحيوان حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها، والذي يكذب في منامه يعذب حتى يعقد بين شعيرتين وليس بعاقدهما، والمستمع من قوم وهم له كارهون يصب في اذينه الآنك وهو الا سرب. 48 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا كان على أميال من المدينة، فرأى في منامه، فقيل له: انطلق فصل على أبي جعفر، فإن الملائكة تغسله في البقيع. فجاء الرجل فوجد أبا جعفر عليه السلام قد توفي (1) 49 - توحيد المفضل: فكر يا مفضل في الاحلام كيف دبر الامر فيها، فمزج صادقها بكاذبها، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلا لا معنى له، فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يتحذر (2) منها، وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد. 50 - مناقب الخوارزمي: قال: لما كان وقت السحر في الليلة التي حوصر فيها الحسين عليه السلام خفق برأسة خفقة ثم استيقظ فقال: رأيت في منامي الساعة كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني، وفيها كلب أبقع (3) رأيته أشدها علي، وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم (الخبر). 51 - دعوات الراوندي: حدث أبو عمر القاضي أن أبا يوسف اعتل فقال ليلة: رأيت قائلا يقول: كل لا واشرب لا، فإنك تبرأ. فأرسلنا إلى أبي علي الخياط فقال: ما سمعت بأعجب من هذا، والمنامات تعبر من القرآن والحديث، فانظروني حتى


(1) الروضة: 183. (2) يتحرز (خ). (3) أي فيه سواد وبياض.

[184]

افكر. فلما كان من الغد جاءنا فقال: مررت البارحة على هذه الآية " شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية " فنظرت إلى " لا " يتردد فيها وهي شجرة الزيتون، اسقوه زيتا وأطعموه زيتا. قال: ففعلنا هذا فكان سبب عافيته. 52 - وعن سمرة (1) بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله مما يكثر أن يقول لاصحابه: هل رأى منكم أحد رؤيا ؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لناذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، فقالالي: انطلق، فانطلقت معهم، فأخرجاني إلى الارض المقدسة، فأتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، فإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ (2) رأسه فيتدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الاولى. قلت لهما: سبحان الله ما هذان ؟ ! قالالي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشر شر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل في الجانب الاول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الاولى. قلت: سبحان الله. ما هذان ؟ ! قالالي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط (3) وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فاذاهم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا (4). قلت لهما: ما هؤلاء ؟ قالالي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على


(1) سمرة - بفتح السين المهملة وضم الميم - ابن جندب بن هلال الفزارى صاحب القضية المعروفة مع النصارى، كان واليا على البصرة من قبل زياد بن أبيه، فقتل في ايام امارته - وهى ستة أشهر - ثمانية آلاف رجل من الشيعة، وعن ابن ابى الحديد انه عاش حتى حضر مقتل الحسين عليه السلام وكان من شرطة ابن زياد، وكان أيام مسير الحسين عليه السلام إلى العراق يحرض الناس على الخروج إلى قتاله. (2) أي يشدخ رأسه ويكسره. (3) اللغط - بفتحتين -: أصوات مبهمة لاتفهم. (4) أي أحدثوا ضوضاء، وهو أصوات الناس في الحرب والازدحام.

[185]

نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر (1) له فاه فيلقمه حجرا، فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه، وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا. قلت لهما: ما هذان ؟ قالالي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نار له يحشها ويسعى حولها، قلت لهما: ماهذا ؟ فقالالي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان [ما] رأيتهم قط، قلت لهما: ما هؤلاء ؟ قالالي: انطلق، فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قالالي: ارق فيها فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فإذا نهر معترض يجري كان ماؤه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، فذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة. قالالي: هذه جنة عدن وهناك منزلك، فسما بصري صعدا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالالي: هذا منزلك، قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني أدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت ؟ ! قالالي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الاول الذي أتيت [عليه] فيثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، يفعل به إلى يوم القيامة. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشر شر شدقة إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها


(1) فغرفاه: فتحه.

[186]

فإنه مالك، خازن النار. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الوالدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم، وأنا جبرئيل وهذا ميكائيل. تبيين: أقول: هذه الرواية رواها الخطابي في كتاب أعلام الدين وزاد بعد قوله " مات على الفطرة " قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأولاد المشركين. وقال الجزري في النهاية: الثلغ: الشدخ، وهو ضربك الشئ الرطب بالشئ اليا بس حتى يتشدخ، ومنه حديث الرؤيا " وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ بها رأسه " وقال في حديث الرؤيا " فيتدهدى الحجر " فيتبعه فيأخذه أي يتدحرج، يقال: دهديت الحجر ودهدهته. وقال " الكلوب " بالتشديد حديدة معوجة الرأس. وقال " فيشرشر شدقة " أي يشقه ويقطعه، والشدق طرف الفم. وقال " اللغط " صوت وضجة لا يفهم معناه. وقال " ضوضوا " أي ضجوا واستغاثوا، والضوضاة أصوات الناس وغلبتهم (1)، وهي مصدر. وقال " فيفغرفاه " أي يفتحه. وقال " كريه المرآة " أي قبيح المنظر يقال: رجل حسن المنظر والمرآة، وحسن في مرآة العين وهي مفعلة من الرؤية. وقال " يحشها " أي يوقدها، يقال: حششت النار أحشها إذا ألهبتها وأضرمتها. وقال " على روضة معتمة " أي وافية النبات طويلة (انتهى). وقال الخطابي: يعني كافية النبات، والعميم الطويل من النبات كقول الاعشى " مؤزر بعميم النبت مكتهل " ويقال: جارية عميمة أي طويلة القد. وفي النهاية: المحض في اللغة اللبن الخالص غير مشوب بشئ. وقال: الربابة - بالفتح -: السحابة التي ركب بعضها بعضا. وقال الخطابي: وأما قوله صلى الله عليه وآله " وأولاد المشركين " فظاهره أنه ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، وإن كان قد حكم بحكم آبائهم في الدنيا وذلك أنه سئل عن ذراري المشركين فقال: هم من آبائهم. وللناس فيهم اختلاف


(1) كذا في نسخ الكتاب، والصواب " جلبتهم " والجلبة: الضجة واختلاط أصوات الناس.

[187]

وعامة أهل السنة على أن حكمهم حكم آبائهم في الكفر، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أنهم في الآخرة من أهل الجنة. وقد رويت آثار عن نفر من الصحابة، واحتجوا لهذه المقالة بحديث النبي صلى الله عليه وآله " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " واحتجوا بقول الله عزوجل " وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت " (1) واحتجوا بقول الله عزوجل " يطوف عليهم ولدان مخلدون " (2) قال بعض أهل التفسير: إنهم أطفال الكفار، واحتجوا لذلك بأن اسم الولدان يشتق من الولادة ولا ولادة في الجنة، فكانوا هم الذين نالتهم الولادة في الدنيا، وروي عن بعضهم أنهم إن كانوا سبيا وخدما للمسلمين في الدنيا فهم كذلك خدم لهم في الجنة. 53 - تفسير على بن ابراهيم: في قوله تعالى " إنما النجوى من الشيطان " حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان سبب نزول هذه الآية أن فاطمة عليه السلام رأت في منامها أن رسول الله صلى الله عليه وآله هم أن يخرج هوو فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة، فخرجوا حتى جاوزوا من حيطان المدينة فتعرض لهم طريقان، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ذات اليمين حتى انتهى بهم إلى موضع فيه نخل وماء، فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله شاة كبراء وهي التي في إحدى اذنيها نقط بيض، فأمر بذبحها فلما أكلوا ما توا في مكانهم، فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله بذلك. فلما أصبحت جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بحمار فأركب عليه فاطمة عليها السلام وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة كما رأت فاطمة عليها السلام في نومها. فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض له (3) طريقان، فأخذ رسول الله ذات اليمين كما رأت فاطمة عليها السلام حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله شاة كبراء كما رأت فاطمة، فأمر بذبحها فذبحت وشويت فلما أرادوا أكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا، فطلبها


(1) التكوير: 9 - 10. (2) الواقعة: 17. (3) في المصدر: لهم.

[188]

رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقع (1) عليها وهي تبكي، فقال: ما شأنك يا بنية ؟ قالت يا رسول الله [إني] رأيت كذا وكذا في نومي وقد فعلت أنت كما (2) رأيته فتحنيت عنكم فلا أراكم (3) تموتون. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى ركعتين ثم ناجى ربه، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد هذا شيطان يقول (4) له الدهار (5)، وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به، فأمر جبرئيل فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: أنت أريت فاطمة هذه الرؤيا ؟ فقال: نعم يا محمد، فبزق (6) عليه ثلاث بزقات، فشجه في ثلاث مواضع. ثم قال جبرئيل لمحمد: قل يا محمد إذا رأيت في منامك شيئا تكرهه، أو رأى أحد من المؤمنين، فليقل: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه (7) المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن (8) رؤياي وتقرأ الحمد والمعوذتين وقل هو الله أحد وتتفل عن يسارك ثلاث تفلات، فإنه لا يضره ما رأى، (9) وأنزل الله على رسوله: " إنما النجوى من الشيطان - الآية - " (10) بيان: ما رأيت الكبراء بهذا المعنى فيما عندنا من كتب اللغة. وتعرض الشيطان لفاطمة عليها السلام وكون منامها المضاهي للوحي شيطانيا وإن كان بعيدا، لكن باعتبار عدم بقاء الشبهة وزوالها سريعا وترتب المعجز من الرسول صلى الله عليه وآله في ذلك، والمنفعة المستمرة للامة ببركتها يقل الاستبعاد. والحديث مشهور ومتكرر في الاصول، والله يعلم. 54 - البصائر: عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن فلان الواقفي (11)، قال: كان لي ابن عم يقال له الحسن ابن عبد الله، وكان زاهدا، وكان من أعبد أهل زمانه وكان يلقاه السلطان، وربما استقبل السلطان بالكلام الصعب يعظه ويأمر بالمعروف


(1) وقف (خ). (2) في المصدر، كل مارأتيه. (3) فيه: لان لا أراكم. (4) كذا. (5) الزها (خ). (6) في المصدر: فبصق عليه ثلاث بصقات. (7) وأنبياء الله (خ). (8) فيه: من رؤيا.. (9) فيه فأنزل.. (10) تفسير القمى: 668 - 669. (11) في بعض النسخ: الرافقى.

[189]

وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه، فلم يزل هذه حاله حتى كان يوما دخل أبو الحسن موسى عليه السلام المسجد فرآه فدنا إليه ثم قال له: يا با علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني بك ! إلا أنه ليست بك معرفة، فاذهب فاطلب المعرفة. قال: جعلت فداك وما المعرفة ؟ قال له: اذهب وتفقه واطلب الحديث، قال: عمن ؟ قال: عن مالك بن أنس وعن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض الحديث علي. قال: فذهب فتكلم معهم ثم جاءه فقرأه عليه، فأسقطه كله، ثم قال له: اذهب واطلب المعرفة، وكان الرجل معنيا بدينه، فلم يزل يترصد أبا الحسن عليه السلام حتى خرج إلى ضيعة له فتبعه ولحقه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إني أحتج عليك بين يدي الله، فدلني على المعرفة. قال فأخبره بأمير المؤمنين وقال له: كان أمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بأمر أبي بكر وعمر فقبل منه، ثم قال: فمن كان بعد أمير المؤمنين ؟ قال: الحسن، ثم الحسين، حتى انتهى إلى نفسه عليه السلام ثم سكت. قال: جعلت فداك، فمن هو اليوم ؟ قال: إن أخبرتك تقبل ؟ قال: بلى جعلت فداك، فقال. أناهو. قال: جعلت فداك، فشئ أستدل به. قال: اذهب إلى تلك الشجرة - وأشار إلى ام غيلان - فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر أقبلي. قال فأتيتها، قال: فرأيتها والله تجب الارض جبوبا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت. قال: فأقر به ثم لزم السكوت، فكان لا يراه أحد يتكلم بعد ذلك. وكان من قبل ذلك يرى الرؤيا الحسنة وترى له، ثم انقطعت عنه الرؤيا، فرأى ليلة أبا عبد الله عليه السلام فيما يرى النائم فشكى إليه انقطاع الرؤيا، فقال: لا تغتم فإن المؤمن إذا رسخ في الايمان رفع عنه الرؤيا. بيان: الجب القطع. 55 - الكافي: عن بعض أصحابه، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبد الرحمان، عن أبي الحسن الاول (1) عليه السلام قال: إن الا حلام لم تكن في ما مضى في أول الخلق، وإنما حدثت. فقلت: وما العلة في ذلك ؟ فقال: إن الله عز ذكره - بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعا هم إلى عبادة الله وطاعته، فقالوا: إن فعلنا ذلك فمالنا ؟


(1) ليس في المصدر لفظة " الاول ".

[190]

فوالله ما أنت بأكثرنا مالا ولا بأعزنا عشيرة. فقال: إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة وإن عصيتموني أدخلكم الله النار. فقالوا: وما الجنة وما النار ؟ فوصف لهم ذلك فقالوا: متى نصير إلى ذلك ؟ فقال: إذا متم. فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا، فازدادوا له تكذيبا وبه استخفافا، فأحدث الله عزوجل فيهم الاحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك، فقال: إن الله عز ذكره أراد أن يحتج عليكم بهذا، هكذا تكون أرواحكم إذا متم، وإن بليت أبدانكم تصير الارواح إلى عقاب حتى تبعث الابدان (1). بيان: الرفات: كل ما دق وكسر. " وما أنكروا من ذلك " أي استغرابهم من ذلك، أو ما أصابوا من المنكر والعذاب في النوم، أو ما أنكروا أولا من عذاب البرزخ، والاول أظهر. " هكذا تكون أرواحكم " كما أن في النوم تتألم أرواحكم بما لم يظهر أثره على أجسادكم ولا يطلع من ينظر إليكم عليه، كذلك نعيم البرزخ وعذابه. وقد مر الكلام فيه في كتاب المعاد. 56 - الدرة الباهرة: قال أبو محمد العسكري عليه السلام: من (2) أكثر المنام رأى الاحلام. بيان: قال مؤلفة - قدس سره - الظاهر أنه عليه السلام يعنى أن طلب الدنيا كالنوم وما يصير منها كالحلم (انتهى). أقول: يتحمل أن يكون المعنى: أن كثرة الغفلة عن ذكر الله وعن الموت وامور الآخرة موجبة للاماني الباطلة والخيالات الفاسدة التي هي كأضغاث الاحلام ولا يلتفت إليها الكرام. مع أن الحمل على ظاهره أظهر وأصوب بحمل الاحلامم على الفاسدة منها، كما ورد أن الحلم من الشيطان. 57 - كتاب الغايات: لجعفر بن أحمد القمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خياركم اولوا النهي. قيل: يا رسول الله، ومن أولوا النهى ؟ فقال: اولو النهى اولو الاحلام الصادقة.


(1) روضة الكافي: 90. (2) في بعض النسخ " في ".

[191]

58 - كتاب التصبرة لعلى بن بابويه: عن سهل بن أحمد، عن محمد بن محمد بن الاشعث، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، والذي يحدث به الانسان نفسه فيراه في منامه. وقال صلى الله عليه وآله: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. 59 - كتاب المؤمن: للحسين بن سعيد: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأي المؤمن ورؤياه جزء من سبعين جزء من النبوة، ومنهم من يعطى على الثلث (1). بيان: " ومنهم من يعطى " لعل المعنى أن بعض الكمل من المؤمنين يكون رأية ورؤياه ثلثا من أجزاء النبوة. 60 - الدر المنثور: من عدة كتب بأسانيد عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه آله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة " قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة (2). وروى مثله بأسانيد عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وغيرهم. 61 - وعن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحيوة الدنيا " قال: الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها وادا، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليخرنه فلينفث عن يساره ثلاثا ولا يخبر بها أحدا. (3) 62 - وعن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفي الاخرة " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما قوله " لهم البشرى في الحيواة الدنيا " فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه، وأما قوله " وفي


(1) يحتمل أن يقرأ " الثلاث " وكذا في بيان المؤلف - ره. (2 و 3) الدر المنثور: ج 3، ص 311.

[192]

الآخرة " فإنها بشارة المؤمن عند الموت أن الله قد غفر لك ولمن يحملك إلى قبرك (1) 63 - وعن ابن عباس " لهم البشرى في الحيوة الدنيا " قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه. (2) 64 - وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله: قال: ألا إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له (3). 65 - وعن أبي الطفيل عنه صلى الله عليه وآله قال: لا نبوة بعدي إلا المبشرات. قيل يا رسول الله، وما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة. (4) 66 - وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا الصالحة بشرى من الله وهي جزء من أجزاء النبوة (5). 67 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة. والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يحدث الرجل نفسه. وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس. واحب القيد في النوم، وأكره الغل، القيد ثبات في الدين. فإن رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي (6). 68 - وعن عباد بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رؤيا المؤمن جزء من ستة. وأربعين جزء من النبوة (7). وعن أنس مثله. 69 - وعن أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وآله قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لاحد فإنها لا تضره (8). 70 - وعن أبي سعيد أيضا عنه صلى الله عليه وآله قال: الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزء من النبوة (9).


(1 - 9) الدر المنثور: ج 3، ص 312.

[193]

71 - وعن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام (1). 72 - وعن أبي قتادة قال: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ثم ليستعذ بالله من شرها فإنها لا تضره (2). 73 - وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا على ثلاثة: منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنها الامر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنها جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة (3). 74 - وعن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال: العجب من رؤيا الرجل إنه يبيت فيرى الشئ لم يخطر له على بال، فيكون رؤياه كأخذ باليد. ويرى الرجل الرؤيا فلا يكون رؤياه شيئا. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أفلا اخبرك بذلك يا أمير المؤمنين ؟ إن الله يقول: " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى " فالله يتوفى الانفس كلها، فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا ارسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالاباطيل فكذبت فيها. فعجب عمر من قوله (4). بيان: " فيلنفث " أي فليتفل تفلا خفيفا وإن لم يخرج معه شئ من البزاق. 75 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد، قال: صدقت، أما الكاذبة المختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة، وإنما هي شئ


(1 و 2) المصدر: ج 3، 313. (3) الدر المنثور: ج 3، 313. (4) المصدر: ج 5، ص 329.

[194]

يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها، وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة - وذلك قبل السحر - فهي صادقة لا تختلف (1) إن شاء الله، إلا أن يكون جنبا أو يكون (2) على غير طهور أو لم يذكر الله عزوجل حقيقة ذكره، فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها. (3) بيان: قوله " مخرجهما من موضع واحد " لعل المراد أن ارتسامهما في محل واحد، أو أن علتهما معا الارتسام لكن علة الارتسام فيهما مختلفة، وقيل: يعني كليهما صورة علمية يخلقها الله تعالى في قلب عباده بأسباب روحانية أو شيطانية أو طبيعية. قوله عليه السلام في " سلطان المردة الفسقة " أي في أول الليل يستولي على الانسان شهوات ما رآه في النهار، وكثرت في ذهنه الصور الخيالية واختلطت بعضها ببعض، و بسبب كثرة مزاولة الامور الدنيوية بعد عن ربه وغلبت عليه القوى النفسانية والطبيعية فبسبب هذه الامور تبعد عنه ملائكة الرحمان وتستولي عليه جنود الشيطان، فإذا كان وقت السحر سكنت قواه وزالت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانية، فأقبل عليه مولاه بالفضل والاحسان، وأرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان، فلذا أمره الله تعالى في ذلك الوقت بعبادته ومناجاته، وقال: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا (4) " فما يراه في الحالة الاولى فهو من التسويلات والتخييلات الشيطانية، ومن الوساوس النفسانية، وما يراه في الحالة الثانية فهو من الافاضات الرحمانية بتوسط الملائكة الروحانية. ثم ذكر عليه السلام علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر، فقال: إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى، فإنها توجب البعد عن الله و استيلاء الشيطان. وقال في شرح السنة: قال أرباب التعبير: رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار، و


(1) في المصدر: لا تخلف. (2) فيه، أو ينام على غير طهور ولم يذكر. (3) روضة الكافي: 91. (4) المزمل: 6.

[195]

أصدق ساعات الرؤيا وقت السحر. وروي عن أبي سعيد قال: أصدق الرؤيا بالاسحار. وقال ابن حجر - في فتح الباري -: ذكر الدينوري أن رؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع، وإن أسرعها تأويلا وقت السحر ولا سيما عند طلوع الفجر. وعن جعفر الصادق عليه السلام: أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة. تفصيل وتبيين ولما كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها مما اختلفت فيه أقاويل الناس، (1) فلا بأس


(1) مسألة الرؤيا من غوامض المسائل النفسية، وقد بقيت بعد جهات منها في قيد الابهام. ولنبدأ بالاشارة إلى جوانب بينة منها لعلها تساعد على توضيح بعض جوانبها الاخرى. فنقول: لا ريب ان النائم عند ما يرى شيئا من المنامات تحصل له إدراكات من غير طرق الحواس الظاهرة وتسمية تلك الادراكات بالخيالات لا تخرجها عن واقعها، فان الخيال حتى الفاسد الباطل منه له حصول في الذهن ووجود علمي للنفس، وإنما فساده وبطلانه من ناحية عدم انطباقه على الخارج. ولا ريب في حكاية كثير من المنامات عن وقوع أشياء في الخارج في ما مضى أو ما يأتي مع عدم سبيل للرائى حتى في حال يقظته إلى الاطلاع على شئ منها، وهى اكثر من ان يمكن حملها على الصدفة والاتفاق، وخاصة منامات الانبياء والاولياء المشتملة على الوحى والالهام كما أنه لا ريب في ان كثيرا منها تمثلات ذهنبة لاميال وآمال وتركيبات وتحليلات لما اختزن من الصور في خزانة الخيال. وهذه النوع الاخير من الرؤيا - وإن انقسم إلى اقسام مختلفة - يرجع إلى بروز ماكمن في النفس إلى ساحة الحواس الباطنة وادراك النفس لها بتوسيط تلك الحواس مرة اخرى. ومعرفة علل هذا الافاعيل النفسية ومدى ارتباطها بالحالات البدنية والروحية رهينة لتجارب كثيرة لا يزال علماء النفس مشتغلين بها. اما النوع الاول منه فلا يمكن تعليله بأمثال تلك العلل فحسب كما لا يخفى. وبعبارة اخرى حصول هذا النوع من الادراكات للنفس ليس معلولا لحالات فسيولوجية أو ظاهرات بسيكولوجية معينة. فأى حاله بدنية أو نفسية توجب العلم بوجود كنز على المقدار معين في مكان خاص أو بحدوث حادثة مشخصة في زمان خاص في المستقبل ؟ ! وما هو الذى يمكن أن يجعل وجه الربط بين الظاهرات الجسمية والروحية في الانسان وبين العلم بقضايا عازبة عن ذهنه بموضوعاتها ومحمولاتها ؟ ! فهذه المعلومات ليست مما يستقل به النفس من الادراك بصرف النظر عما هو خارج عن ذاتها رأسا والغير الذى يمكن أن يشارك النفس في حصول هذه الادراكات لها بوجه - >

[196]

أن نذكر ههنا بعض أقوال المتكلمين والحكماء، ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الانام عليهم السلام. فأما الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية، وصور الكليات في العقول المجردة، وقالوا: إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة، فهذه هي الرؤيا الصادقة، وقد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض، فهذه هي الرؤيا الكاذبة. وقال بعضهم: إن للنفوس الانسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق، وليس ذلك بسبب الفكر، فإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن يقصر عن تحصيل مثل ذلك، فكيف في حال النوم، بل بسبب أن النفوس الانسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال، ولها أن تتصل بها اتصالا روحانيا وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها، لان اشتغال النفس ببعض أفاعليها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الافاعيل، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية، لان أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن، و لا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية مادام البدن صالحا لتدبيرها، إلا أنه قد يسكن


< - إما أن يكون امرا عقليا محضا، أو مثاليا برزخيا، ولا يكون أمرا ماديا البتة، للقطع بعدم حصول ارتباط مادى بين الانسان وبين موجود مادى آخر مما يقع تحت الحواس في حال النوم بحيث يمكن إسناد تلك العلوم إليه بوجه. فعلى فرض جعل المشارك للنفس امرا عقليا يصير الرؤيا اتصالا للنفس بموجود عقلي في المنام وتمثل ما تستفيد منه حسب استعدادها بصور جزئية في عالمها المثالي. وان شئت قلت: في ساحة الحواس الباطنة ولوح الذهن وعلى فرض جعل المشارك أمرا مثاليا يصير الرؤيا إشرافا للنفس على عالم المثال ومشاهدة امور هناك مباشرة. وكلاهما مما يصح فرضه عقلا، ولا ينفيه دليل شرعى، بل يوجد في الاخبار ما يؤيدهما بل يدل عليهما، فعليك باجادة التدبر فيها. وسيأتى في المتن أقوال عدة من العلماء والباحثين تعرف مواقع النظر فيها مما تلونا عليك، فلا نتصدى لنقدها بالتفصيل حذرا من التطويل.

[197]

أحد الشاغلين في حالة النوم، فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين و ينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل الادراك بها، وهذه الحالة هي اليقظة فتشتغل النفس بتلك الادراكات، فإذا انخنس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس وهذه الحالة هي النوم، وبتعطلها يخف إحدى شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها، فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصالا روحانيا، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ مما استعدت هي لان تكون منتقشة به، كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض، والقوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية مناسبة لها، ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة، وهذه هي الرؤيا الصادقة. ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس وبين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في الكلية والجزئية، كانت الرؤيا غنية عن التعبير، وإن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما، كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة. وأما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس وبين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلا لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلا، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الاحلام، و لهذا قالوا: لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب، لان قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة (انتهى). ولا يخفى أن هذا رجم بالغيب، وتقول بالظن والريب، ولم يستند إلى دليل وبرهان، ولا إلى مشاهدة وعيان، ولا إلى وحي إلهي، مع ابتنائه على إثبات العقول المجردة والنفوس الفلكية المنطبعة، وهما مما نفتهما الشريعة المقدسة، كما تقرر في محله. وقال الرازي في - المطالب العالية - في بيان طريقة الفلاسفة في كيفية صدور

[198]

المعجزات والكرامات عن الانبياء والاولياء: قالوا: قد عرفت أن انطباع الصور في الحس المشترك على وجهين: أحدهما أن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الموجودة في الخارج وأدتها إلى الحس المشترك فحينئذ تنطبع في الحس المشترك و تصير مشاهدة له. والثاني: أن القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور بعضها بالبعض إذا ركبت صورة فإن تلك الصورة قد تنطبع في الحس المشترك، ومتى حصل الانطباع وجب أن تصير مشاهدة، وذلك لان في القسم الاول إنما صارت تلك الصورة مشاهدة لاجل أن تلك الصور انطبعت في الحس المشترك، لا لاجل أنها وردت عليه من الخارج، وإذا كان كذلك وجب أيضا في الصور المنحدرة عليه من جانب المتخيلة أن تصير مشاهدة. ومثال الحس المشترك المرآة، فإن كل صورة تنطبع فيها من أي جانب كان صارت مشاهدة، فكذلك الصور المنطبعة في الحس المشترك إذا انطبعت فيه من أي جانب كان وجب أن تصير محسوسة. إذا عرفت هذا فنقول: الصور التي تشاهدها الابرار والكهنة والنائمون والممرورون ليست موجودة في الخارج. فإنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يراها كل من كان سليم الحس، بناء على أنه متى كانت الحاسة سليمة وكان الشئ الحاضر بحيث تصح رؤيته ولم يحصل القرب القريب والبعد البعيد واللطافة والصغر وحصلت المقابلة فعند حضور هذه الشرائط يكون الادراك والابصار واجبا، إذلو جاز أن لا يحصل الادراك عند حضور هذه الشرائط لجاز أن يصير عندنا جبال عظيمة وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها، ومعلوم أن تجويزه يوجب الجهالات العظيمة. فثبت بهذا أن تلك الصور غير موجودة في الخارج، فيجب الجزم بأن ورودها على الحس المشترك إنما كان من الداخل، وهو أن القوة المتخيلة ركبت تلك الصور فانحدرت إلى الحس المشترك فصارت مرئية. وقد كان الواجب أن تحصل هذه الحاصلة أبدا، إلا أن العائق عنه أمران: الاول أن الحس المشترك إذا حصلت فيه الصور المأخوذة من الخارج لم يتسع للصور التي يركبها المتخيلة، فحينئذ تصير الصور التي يركبها المتخيلة بحيث لا يمكن انطباعها في الحس المشترك. والثانى أن القوة

[199]

العاقلة تكون مسلطة على القوة المتخيلة فيمنعها عن تركيب تلك الصور. إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا انتفى الشاغلان معا أو أحدهما فإنه يحصل ذلك التلويح وذاك التشبيح، أما في وقت النوم فقد زال أحد الشاغلين وهو الحس الظاهر، فلا ينتقل من الحواس الظاهرة إلى الحس المشترك شئ من الصور، فيبقى لوح الحس المشترك خاليا عن النقوش الخارجية، فيستعد لقبول الصور التي تركبها المتخيلة، فتنحدر تلك الصورة من المتخيلة إلى لوح الحس المشترك، فتصير محسوسة. وأما في وقت المرض فإن النفس تصير مشغولة بتدبير البدن فلا تتفرغ لمنع القوة المتخيلة من تركيب تلك الصور، فحينئذ تقوى القوة المتخيلة على عملها، وإذا قويت على هذا العمل عصت الحس المشترك عن قبول الصور الخارجية، فوردت عليه هذه الصور، فتصير مشاهدة محسوسة. والصور الهائلة التي تصير مشاهدة في حالة الخوف فهي من هذا الباب، فإن الخوف المستولي على النفس يصدها عن تأديب المتخيلة، فلا جرم تقدر المتخيلة على رسم صورها في الحس المشترك كصورة الغول وغيرها. وكذلك قد يستولي على النفوس الضعيفة العقل قوى اخرى كشهوة شئ، فتشتد تلك الشهوة حتى تغلب العقل، فالمتخيلة تركب صورة ذلك المشتهى، وتنطبع تلك الصورة في لوح الحس المشترك فتصير محسوسة. إذا عرفت هذا فنقول: إنه يتفرع عليه أشياء كثيرة: الفرع الاول: في سبب المنامات الصادقة والكاذبة اعلم أن الصور التي تركبها المتخيلة قد تكون كاذبة وقد تكون صادقة، أما الكاذبة فوقوعها على ثلاثة أوجه: الاول أن الانسان إذا أحس بشئ وبقيت صورة ذلك المحسوس في خزانة الخيال فعند النوم ترتسم تلك الصورة في الحس المشترك فتصير مشاهدة محسوسة. والثاني أن القوة المفكرة إذا ألفت صورة ارتسمت تلك الصورة في الخيال، ثم وقت النوم تنتقل تلك إلى الحس المشترك فتصير محسوسة، كما أن الانسان إذا تفكر في الانتقال من بلد إلى بلد وحصل في خاطرة شئ أو خوف عن شئ فإنه يرى تلك الاحوال في النوم والثالث أن مزاج الروح الحامل للقوة المفكرة إذا تغير فإنه تتغير أحوال القوة

[200]

المفكرة، ولهذا السبب فإن الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى في النوم النيران والحريق والدخان ومن مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الامطار، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى التراب والالوان المظلمة. فهذه الانواع الثلاثة لا عبرة بها البته، بل هي من قبيل أضغاث الاحلام. وأما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها متفرع على مقدمتين: احداهما أن جميع الامور الكائنة في هذا العالم الاسفل مما كان ومما سيكون ومما هو كائن موجود في علم الباري تعالى وعلم الملائكة العقلية والنفوس السماوية. والثانية: أن النفس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ وعدم حصول هذا المعنى ليس لاجل البخل من تلك المبادئ، أو لاجل أن النفس الناطقة غير قابلة لتلك الصور، بل لاجل أن استغراق النفس في تدبير البدن صار مانعا من ذلك الاتصال العام. إذا عرفت هذا فنقول: النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بتلك المبادئ، فينطبع فيها بعض تلك الصور الحاضرة عند تلك المبادئ وهو الصور التي هي أليق بتلك النفس، ومعلوم أن أليق الاحوال بها ما يتعلق بأحوال ذلك الانسان وبأصحابه وبأهل بلده وإقليمه. وأما إن كان ذلك الانسان منجذب الهمة إلى تحصيل علوم المعقولات لاحت له منها أشياء، ومن كانت همته مصالح الناس رآها. ثم إذا انطبعت تلك الصور في جوهر النفس الناطقة أخذت المتخيلة التي من طباعها محاكاة الامور، في حكاية تلك الصور المنطبعة في النفس بصور جزئية يناسبها (1). ثم إن تلك الصور تنطبع في الحس المشترك فتصير مشاهدة، فهذا هو سبب الرؤيا في المنام. ثم إن تلك الصور التي ركبتها المتخيلة لاجل تلك المعاني قد تكون شديدة المناسبة لتلك المعاني، فتكون هذه الرؤيا غنية عن التعبير، وقد لا تكون كذلك إلا أنها أيضا مناسبة لتلك المعاني من بعض الوجوه، وههنا تحتاج هذه المنامات إلى التعبير. وفائدة التعبير التحليل بالعكس، يعني أن يرجع المعبر من


(1) تناسبها (ظ).

[201]

هذا الصور الحاضرة في الخيال إلى تلك المعاني. والقسم الثالث أن لا تكون هذه الصور مناسبة لتلك المعاني البتة، وذلك يكون لاحد وجهين: أحدهما أن يكون حدوث هذا الخيال الغريب إنما كان لوجه واحد من الوجوه الثلاثة المذكورة في سبب أضغاث الاحلام. والثاني: أن يكون ذلك لاجل أن القوة المتخيلة ركبت لاجل ذلك المعنى صورة، ثم ركبت لاجل تلك الصورة صورة ثانية، وللثانية ثالثة، وأمعنت في هذه الانتقالات، فانتهت بالاخرة إلى صورة لا تناسب المعنى التي أدركته النفس أولا البتة، وحينئذ يصير هذا القسم أيضا من باب أضغاث الاحلام، ولهذا السبب قيل: إنه لا اعتماد على رؤيا الكاذب والشاعر، لان القوة المتخيلة منهما قد عودت الانتقالات الكاذبة الباطلة - والله اعلم -. الفرع الثاني في كيفية الاخبار عن الغيب. اعلم أن النفس الناطقة إذا كانت كاملة القوة وافية في الوصول إلى الجوانب العالية والسافلة، وتكون في القوة بحيث لا يصير اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالمبادئ المفارقة، ثم اتفق أيضا أن كانت قوته (1) الفكرية [قوية] قادرة على انتزاع لوح الحس المشترك عن الحواس الظاهرة، فحينئذ لا يبعد أن يقع لمثل هذه النفس في حال اليقظة مثل ما يقع للنائمين من الاتصال بالمبادئ المفارقة، فحينئذ يرتسم عن بعض تلك المفارقات صور تدل على وقائع هذا العالم في جوهر النفس الناطقة. ثم إن القوة لاجل قوتها تركب صورة مناسبة لها، ثم تنحدر تلك الصورة إلى لوح الحس المشترك فتصير مشاهدة، وعند هذه الحال يسمع ذلك الانسان كلاما منظوما من هاتف، وقد يشاهد منظرا في أكمل هيئة وأجل صورة تخاطبه تلك الصورة بما يهمه من أحوال من يتصل به. ثم إن كانت هذه الصورة المحسوسة منطبقة على تلك المعاني التي أدركتها النفس الناطقة كان ذلك وحيا صريحا، وإن كانت الصورة الخيالية مخالفة لذلك المعنى العقلي من بعض الوجوه كان ذلك وحيا محتاجا إلى التأويل. والصارف للقوة المتخيلة عن هذا التغير والتبديل أمران:


(1) كذا، والظاهر " قوتها ".

[202]

الاول: أن الصورة المنطبقة (1) في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادئ العالية لما فاضت على غاية الجلاء والوضوح صارت تلك القوة مانعة للخيال عن التصرف فيها، كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج إذا كانت في غاية القوة فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصورة بالتغيير والتبديل. النوع الثاني: أن النفوس التي ليس لها من القوة ما يقوى علي الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة فر بما استعانت في حال اليقظة بما يدهش الحس ويحير الخيال كما يستعين بعضهم بشد حثيث، وبعضهم بتأمل شئ شفاف أو برق لامع يورث البصر ارتعاشا، فإن كل ذلك مما يدهش الخيال فيستعد النفس بسبب حيرتها وانقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن لانتهاز فرصة إدراك الغيب. والشرط في هذا أن يكون ذلك الانسان ضعيف العقل مصدقا لكل ما يحكى له من مسيس الجن، مثل الصبيان والنسوان والبله، فهؤلاء إذا ضعفت حواسهم وكانت أوها مهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين، فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب، ويتأمل ذلك المطلوب، فتارة يسمع خطابا ويظن أنه جني، وتارة تتراءى له صور مشاهدة فيظن أنها من إخوان الجن، فيلقى إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء الغشي فيأخذه السامعون ويبنون عليه تدابير هم في مهماتهم. فهذا ما قرره الشيخ الرئيس في هذا الباب واعلم أن الاصل في جملة هذه التفاريع أمران: الاول أن يقال: هذه الصور التي تشاهدها الانبياء والاولياء وغير هم ليست موجودة في الخارج، لانها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يدركها كل من كان [له] سليم الحس، إذلو جوزنا أن لا يحصل الادراك مع حصول هذه الشرائط لجاز أن تكون بحضرتنا جبال ورعود ونحن لا نراها ولا نسمعها، وذلك يوجب السفسطة. ولا يخفى أن الجهالات التي ألزمتموها على هذا القول هي على قولكم ألزم، وذلك لانا لوجوزنا أن يرى الانسان صورا ويشاهدها ويتكلم معها ويسمع أصواتها ويرى


(1) المنطبعة (ظ).

[203]

أشكالها ثم إنها لا تكون موجودة البته في الخارج، جاز أيضا في كل هذه الاشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود أن لا يكون لشئ منها وجود في الخارج، بل يكون محض الخيالات ومحض الصور المرتسمة في الحس المشترك، ومعلوم أن القول به محض السفسطة. بل نقول: هذا في البعد عن الحق والغوص في الجهالة أشد من الاول، لان على القول الذي نقول نحن جازمون بأن كل ما رأيناه فهو موجود حق، إلا أنه يلزمنا تجويز أن يكون قد حضر عندنا أشياء ونحن لا نراها، وتجويز هذا لا يوجب الشك في وجود ما رأيناه وسمعناه، أما على القول الذي يقولونه فإنه يلزم وقوع الشك في وجود كل صورة رأيناها وكل صوت سمعناه وذلك هو الجهالة والسفسطة الكاملة. فثبت أن القول الذي اختر تموه في غاية الفساد. فإن قالوا: إن حصول هذه الحالة لحصول أحوال، منها أن يكون كامل النفس قوي العقل كما في حق الانبياء والاولياء، فإذا لم يحصل شئ من هذه الاحوال وكان الانسان باقيا على مقتضى المزاج المعتدل لم يحصل شئ من هذه الاحوال، فحينئذ يحصل القطع بوجود هذه الاشياء في الخارج. فنقول في الجواب: إن بالطريق الذي ذكرتم ظهر أنه لا يمتنع أن يحس الانسان بوجود صور مع أنها لا تكون موجودة أصلا وإذا ظهر جواز هذا المعنى فنحن إنما يمكننا انتفاء هذه الحالة إذا دللنا على أن الاسباب الموجبة لحصول هذه الحالة محصورة في كذا وكذا، ونقيم علي هذا الحصر برهانا يقينيا، ثم نبين في المقام الثاني أنها بأسرها منتفية زائلة بالبرهان اليقيني ثم نبين في المقام الثالث أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن السبب، فإن (1) بتقدير أن يكون الامر كذلك لم يلزم من زوال تلك الاسباب زوال هذه الحالة، ثم على تقدير إقامة البراهين القاطعة على صحة هذه المقدمات يصير جزمنا بحصول هذه المحسوسات في الخارج موقوفا على إثبات هذه المقدمات النظرية الغامضة، والموقوف على النظري الغامض أولى أن يكون نظريا غامضا، وحينئذ تبطل هذه العلوم المستفادة


(1) فانه (ظ).

[204]

من الحواس بطلانا كليا، فثبت أن القول الذي ذكر تموه قول باطل يوجب التزام السفسطة. واعلم أن الذي حمل هؤلاء الفلاسفة على ذكر هذه العلل والاسباب إطباقهم على إنكار الملائكة وعلى إنكار الجن، وقد بينا في كتاب الارواح أنه ليس لهم شبهة ولا خيال يدل على نفي هذه الاشياء، وإذا كان أصل هذه الاقوال نفي الملائكة والجن - وقد عرفت أنه ليس لهم فيه دليل وفرعه مما يوجب القول بالسفسطة - كان هذا القول في غاية الفساد والبطلان. فهذا تمام الكلام في هذا الاصل. وأما الاصل الثاني فهو أن هذه الكلمات متفرعة على إثبات إدراك الحواس الباطنة، ونحن قد بينا بالبرهان القاهر القاطع أن المدرك لجميع الادراكات هو النفس الناطقة، وأن القول بتوزيع الادراكات على قوى متفرقة قول باطل وكلام فاسد، فثبت بهذه البيانات أن كلامهم في غاية الضعف والفساد. والحق أن هذا الباب يحتمل وجوها كثيرة: فأحدها أنا بينا أن النفوس الناطقة أنواع كثيرة ذو طوائف مختلفة، ولكل طائفة منها روح فلكي كلي هو العلة لوجودها، وهو المتكفل بإصلاح أحوالها، وذلك الروح الفلكي كالاصل والمعدن والينبوع بالنسبة إليها، وسميناه بالطباع التام، فلا يمتنع أن يكون الذي يراها في المنامات وفي اليقظة اخرى، وعلى سبيل الالهامات ثالثا هو ذلك الطباع التام، ولا يمتنع كون ذلك الطباع التام قادرا على أن يتشكل بأشكال مختلفة بحسب جسم مخصوص هوائي في جميع أعماله. وثانيها أن تثبت طوائف الملائكة وطوائف الجن، ونحكم بكونها قادرة على أن تأتي بأعمال مخصوصة عندها يظهرون للبشر، وعلى أعمال اخرى عندها يحتجبون عن البشر، فهذا ما نقوله في هذا الباب (انتهى). وقال في المواقف وشرحه: وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين أي جمهورهم أما عند المعتزلة شرائط الادراك حالة النوم من المقابلة وإثبات الشعاع وتوسط الهواء الشفاف والبنية المخصوصة وانتفاء الحجاب، إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الادراكات، فما يراه النائم ليس من الادراكات في شئ بل هو من قبيل الخيالات

[205]

الفاسدة والاوهام الباطلة. وأما عند الاصحاب إذا لم يشترطوا في الادراك شيئا من ذلك فلانه خلاف العادة: أي لم تجر عادته تعالى بخلق الادراكات في الشخص وهو نائم ولان النوم ضد للادراك فلا يجامعه، فلا يكون الرؤيا إدراكا حقيقة، بل هو من قبيل الخيال الباطل. وقال الاستاد أبو إسحاق: إنه إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من إبصار المبصرات وسمع المسموعات (1) وذوق وغيرها من الادراكات، وبين ما يجده اليقظان في إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيه لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الامور المعلومة حقيقتها بالبديهة، ولم يخالف الاستاد في كون النوم ضدا للادراك، لكنه زعم أن الادراك يقوم بجزء من أجزاء الانسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد. أقول: ثم ذكر ما زعمته الفلاسفة في ذلك نحوا مما مر. وقال بعض المحققين من الحكماء والصوفية الجامعين بزعمهم بين الشرع والحكمة: سبب الرؤيا انخناس الروح البخاري من الظاهر إلى الباطن بأسباب شتى، مثل طلب الاستراحة عن كثرة الحركة، وميل الاشتغال بتأثيره في الباطن لينفتح السد، ولهذا يغلب النوم عند امتلاء المعدة، ومثل أن يكون الروح قليلا ناقصا فلا يفي بالظاهر والباطن جميعا. ولزيادته ونقصانه أسباب طبية مذكورة في كتب الاطباء. فإدا انخنس الروح إلى الباطن وركدت الحواس بسبب من الاسباب بقيت النفس فارغة عن الشغل الحواس، لانها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما تورده الحواس عليها، فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفعت عنها الموانع فإن كانت عالية معتادة بالصدق أو مائلة إلى العالم الروحاني العقلي، متوجهة إلى الحق، مطهرة عن النقائص، معرضة عن الشواغل البدنية، متصفة بالمحامد أو غير ذلك مما جب تنويرها وتقويتها وقدرتها على خرق العالم الحسي من الاتيان بالطاعات والعبادات، واستعمال القوى والآلات بموجب الاوامر الالهية، وحفظ الاعتدال بين طرفي الافراط والتفريط فيها، ودوام الوضوء والذكر خصوصا من أول


(1) في اكثر النسخ " للمسموعات ".

[206]

الليل إلى وقت النوم، وصحة البدن، واعتدال مزاجه الشخصي والدماغي، اتصلت بالجواهر الروحانية الشريفة التي فيها نقوش جميع الموجودات كلية وجزئية، والمسماة بالكتاب المبين وام الكتاب، فانتقشت بما فيها من صور الاشياء، لا سيما ما ناسب أغراضها ويكون مهما لها، فإن النفس بمنزلة مرآة ينطبع فيها كل ما قابلها من مرآة اخرى عند حصول الاسباب وارتفاع الحجاب بينهما، والحجاب ههنا اشتغال النفس بما تورده الحواس، فإذا ارتفع ظهر فيها من تلك المرائي ما يناسبها ويحاذيها، فإن كانت تلك الصور جزئية وبقيت في النفس بحفظ الحافظة إياها على وجهها ولم تتصرف فيه القوة المتخيلة الحاكية للاشياء بمثلها فتصدق هذه الرؤيا ولا تحتاج إلى التعبير، وإن كانت المتخيلة غالبة وإدراك النفس للصورة ضعيفا صارت المتخيلة بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال، كتبديل العلم باللبن، وتبديل العدو بالحية، وتبديل الملك بالبحر والجبل، إلى غير ذلك، وذلك لما دريت أن لكل معنى صورة في نشأة غير صورته في النشأة الاخرى، وأن النشآت متطابقة. نقل أن رجلا جاء إلى ابن سيرين وقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فقال: إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان قبل الفجر فقال: صدقت. وجاء آخر فقال: كأني صببت الزيت في الزيتون، فقال: إن كانت تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإنها امك، لان الزيتون أصل الزيت فهو رد إلى الاصل، فنظر فإذا جاريته كانت امه وقد سبيت في صغره. وقال آخر له: كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير، فقال: كأنك تعلم الحكمة غير أهلها، وكان كما قال. وربما تبدل المتخيلة الاشياء المرئية في النوم بما يشابهها ويناسبها مناسبة ما أوما يضادها، كما من رأى أنه ولدله ابن فتولد له بنت، وبالعكس، وهذه الرؤيا تحتاج إلى مزيد تصرف في تعبيره فيحلل بالعكس، أي يرجع من الصور الخيالية الجزئية إلى المعاني النفسانية الكلية. وربما لم تكن انتقالات المتخيلة مضبوطة بنوع مخصوص فانشعبت وجوه التعبير فصار مختلفا بالاشخاص والاحوال والصناعات وفصول السنة وصحة النائم ومرضه، وصاحب التعبير لا ينال إلا بضرب من الحدس، ويغلط فيه كثيرا للالتباس.

[207]

وإن كانت النفس سفلية متعلقة بالدنيا، منهمكة في الشهوات، حريصة على المخالفات مستعملة للمتخيلة في التخيلات الفاسدة وغير ذلك مما يوجب الظلمة وازدياد الحجب أو سوء مزاج الدماغ، فلا تتصل بالجواهر الروحانية بمجرد ذلك، فتفعل باختراعها بقوتها المتخيلة في مملكتها وعالمها الباطني صورا وأشخاصا جسمانية بعضها مطابقة لما يوجد في الخارج، وبعضها خرافات لا أصل لها في شئ من العوالم، بل هو من دعابات المتخيلة واضطراباتها التي لا تفتر عنها في أكثر الاحوال، ثم انتقلت منها وحاكتها بامور اخرى في النوم، فبقيت مشغولة بمحاكاتها كما تبقى مشغولة بالحواس في اليقظة، و خصوصا إذا كانت ضعيفة منفعلة عن آثار القوى، وهي أضغاث الاحلام. ولمحاكاتها أسباب من أحوال البدن ومزاجه، فإن غلبت على مزاجه الصفراء حاكاها بالاشياء الصفر وإن كان فيه الحرارة حاكاها بالنار والحمام الحار، وإن غلبت البرودة حاكاها بالثلج والشتاء ونظائرهما، وإن غلبت السوداء حاكاها بالاشياء السود والامور الهائلة. قال بعض العلماء: وإنما حصلت صورة النار مثلا في التخيل عند غلبة الحرارة، لان الحرارة التي في موضع تتعدى إلى المجاور لها كما يتعدى نور الشمس إلى الاجسام، بمعنى أنه سيكون سببا لحدوثه إذ خلقت الاشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره والقوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار فيتأثر به تأثرا يليق بطبعها، لان كل شئ قابل يتأثر من شئ فإنما يتأثر منه بشئ يناسب جوهر هذا القابل وطبعه، فالمتخيلة ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما في طبعها القبول وهو صورة الحار فهذا هو السبب فيه. ثم قال: والاتصال بالجواهر الروحانية كما يكون في المنام فكذلك قد يكون في اليقظة أيضا، كما أن الاختراعات الخيالية تكون في الحالتين، وذلك لان رفع الحجاب بين مرآة النفس وذلك العالم كما يكون في المنام فكذلك قد يكون بأسباب اخر، مثل صفاء النفس بسبب أصل الفطرة، ومثل انزعاج النفس وانزجارها عن هذا العالم بسبب ما يكدرها وينقص (1) عيشها الدنياوي من المؤلمات والمنفرات، فيتوجه


(1) ينغص (ظ).

[208]

إلى عالمها هربا من هذه الامور الموحشة، فيرتفع الحجاب بينها وبين عالمها، ومثل الرياضات العملية والعملية التي توجب المكاشفات الصورية والمعنوية، أي ظهور الحوادث والحقائق، ومثل الموت الارادي الذي يكون للاولياء، ومثل الموت الطبيعي الذى يوجب كشف الغطاء للجميع، سواء كانوا سعداء أو أشقياء، ومثل مالو غلب على المزاج اليبوسة والحرارة وقل الروح البخاري حتى صرفت النفس لغلبة السوداء وقلة الروح عن موارد الحواس، فيكون مع فتح العين وسائر أبواب الحواس كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى ويسمع، وذلك لضعف خروج الروح إلى الظاهر فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف لنفسه من الجواهر الروحانية شئ من الغيب، فيحدث به ويجري على لسانه فكأنه أيضا غافل عما يحدث به، وهذا يوجد في بعض المجانين و المصروعين وبعض الكهنة، فيحدثون بما يكون موافقا لما سيكون. ثم ما تتلقاه النفس في اليقظة على وجهين: فإن كانت النفس قوية وافية بضبط الجوانب، لا تشغلها المشاعر السفلية عن المدارك العالية، وتكون متخيلتها قوية على استخلاص الحس المشترك عن مشاهدة الظواهر إلى مشاهدة ما يراها في الباطن، فلا يبعد أن يقع لها ما يقع للنائم من غير تفاوت، فمنه ما هو وحي صريح لا يفتقر إلى التأويل ومنه ما ليس كذلك فيفتقر إليه، أو يكون شبيها بالمنامات التي هي أضغاث أحلام إن أمعنت المتخيلة في الانتقال والمحاكات. وإن لم يكن كذلك فلا يخلو إما أن يستعين بما يقع للحس دهشة وللخيال حيرة، أولا، بل كانت لضعف طبيعي في الحواس أو مرض طار، فالاول كفعل المستنطقين المشغلين للصبيان والنساء ذوات المدارك الضعيفة بامور مترقرقة أو بأشياء ملطخة سود مدهشة محيرة للحس مرعشة للبصر برجرجتها أو شفيفها، وكاستعانة بعض المتصوفة والمتكهنة برقص وتصفيق وتطريب، فكل هذه موهنة للحواس مخلة بها، وربما يستعينون أيضا بالابهام بالعزائم وبأدعية غير مفهومة الالفاظ يوجب الترهيب بالحس (1) إذا استنطقوا غيرهم. والثاني كما للمصروعين والممرورين ومن في قواه ضعف وفي دماغه رطوبة قابلة، وقد يجتمع الشيئان: ضعف


(1) بالجن (خ).

[209]

الفائق (1) وقوة النفس بتطريب وغيره كالكثير من المرتاضين من اولي الكد، وهذا حسن، وما للكهنة والممرورين نقص أو ضلال أو تعطيل للقوى كما خلقت لاجله، وأما الفضلاء فرياضاتهم وعلومهم مرموزة مكتومة عن المحجوبين. وقال الكراجكي - رحمه الله - في كتاب كنز الفوائد: وجدت لشيخنا المفيد - رضي الله عنه - في بعض كتبه أن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيز، وتهاون أهل النضر به شديد، والبلية بذلك عظيمة، وصدق القول فيه أصل جليل. والرؤيا في المنام يكون من أربع جهات: أحدها حديث النفس بالشئ والفكر فيه حتى يحصل كالمنطبع في النفس فيتخيل إلى النائم ذلك بعينه وأشكاله ونتائجه، وهذا معروف بالاعتبار. الجهة الثانية من الطباع وما يكون من قهر بعضها لبعض، فيضطرب له المزاج ويتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب من مأكول ومشروب ومرئي وملبوس ومبهج ومزعج. وقد ترى تأثير الطبع الغالب في اليقظة والشاهد، حتى أن من غلب عليه الصفراء يصعب عليه الصعود إلى المكان العالي، يتخيل له من وقوعه منه، ويناله من الهلع والزمع مالا ينال غيره، ومن غلبت عليه السوداء يتخيل له أنه قد صعد في الهواء وناجته الملائكة، ويظن صحة ذلك، حتى أنه ربما اعتقد في نفسه النبوة وأن الوحي يأتيه من السماء وما أشبه ذلك. والجهة الثالثة ألطاف من الله عزوجل لبعض خلقه من تنبيه وتيسير، وإعذار وإنذار، فيلقي في روعه ما ينتج له تخييلات امور تدعوه إلى الطاعة، والشكر على النعمة، وتزجره عن المعصية، وتخوفه الآخرة، ويحصل له بها مصحلة، وزيادة فائدة وفكر يحدث له معرفة. والجهة الرابعة أسباب من الشيطان، ووسوسة يفعلها للانسان، يذكره بها امورا تحزنه، وأسباب تغمه فيما لا يناله، أو يدعوه إلى ارتكاب محظور يكون فيه عطبه، أو تخيل شبهة في دينه يكون منها هلاكه، وذلك مختص بمن عدم التوفيق


(1) العائق (خ).

[210]

لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه، ولن ينجو من باطل المنامات وأحلامها إلا الانبياء والائمة عليهم السلام ومن رسخ في العلم من الصالحين. وقد كان شيخي - رضي الله عنه - قال لي: إن كل من كثر علمه واتسع فهمه قلت مناماته، فإن رأى مع ذلك مناما وكان جسمه من العوارض سليما فلا يكون منامه إلا حقا. يريد بسلامة الجسم عدم الامراض المهيجة للطباع وغلبة بعضها على ما تقدم به البيان. والسكران أيضا لا يصح منامه، وكذلك الممتلئ من الطعام لانه كالسكران ولذلك قيل: إن المنامات قل ما يصح في ليالي شهر رمضان. فأما منامات الانبياء عليهم السلام فلا تكون إلا صادقة، وهي وحي في الحقيقة، ومنامات الائمة عليهم السلام جارية مجرى الوحي إن لم تسم وحيا، ولا تكون قط إلا حقا وصدقا. وإذا صح منام المؤمن فإنه من قبل الله تعالى كما ذكرناه، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: رؤيا المؤمن جزء من سبعة وسبعين جزء من النبوة. وروي عنه عليه السلام أنه قال: رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام تكلم به الرب عنده. فأما وسوسة شياطين الجن فقد ورد السمع بذكرها، قال الله تعالى: " من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس (1) " وقال: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم (2) " وقال: " شياطين (3) الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (4) " وورد السمع به فلا طريق إلى دفعه. فأما كيفية وسوسة الجني للانسي فهو أن الجن أجسام رقاق لطاف، فيصح أن يتوصل أحدهم برقة جسمه ولطافته إلى غاية سمع الانسان ونهايته، فيوقع فيه كلاما يلبس عليه إذا سمعه ويشتبه عليه بخواطره، لانه لا يرد عليه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه. ويصح أن يفعل هذا بالنائم واليقظان جميعا، وليس هو في العقل


(1) الناس: 4 - 6. (2) الانعام: 121. (3) صدرها: " وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين " الخ. (4) الانعام: 112.

[211]

مستحيلا. روى جابر بن عبد الله أنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب إذ قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني رأيت كأن رأسي قد قطع، وهو يتد حرج وأنا أتبعه فقال له رسول الله صلى الله عليه وله: لا تحدث بلعب الشيطان بك، ثم قال: إذا لعب الشيطان أحدكم (1) في منامه فلا يحدثن به أحدا. وأما رؤية الانسان للنبي صلى الله عليه وآله أو لاحد الائمة عليهم السلام في المنام فإن ذلك عندي على ثلاثة أقسام: قسم أقطع على صحته، وقسم أقطع على بطلانه، وقسم اجوز فيه الصحة والبطلان، فلا أقطع فيه على حال. فأما الذي أقطع على صحته فهو كل منام رأى فيه النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الائمة عليهم السلام وهو الفاعل لطاعة أو آمر بها، وناه عن معصية (2) أو مبين لقبحها، وقائل لحق أو داع إليه، وزاجر عن باطل أو ذام لمن هو عليه، وأما الذي أقطع على بطلانه فهو كل ما كان ضد ذلك، لعلمنا أن النبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام صاحبا حق، وصاحب الحق بعيد عن الباطل وأما الذي اجوز فيه الصحة والبطلان فهو المنام الذي يرى فيه النبي والامام عليهما السلام وليس هو آمرا ولا ناهيا وعلى حال يختص بالديانات، مثل أن يراه راكبا أو ماشيا أو جالسا ونحو ذلك. وأما الخبر الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وآله من قول " من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي " فإنه إن كان المراد به المنام يحمل على التخصيص دون أن يكون في كل حال ويكون المراد به القسم الاول من الثلاثة الاقسام، لان الشيطان لا يتشبه بالنبي صلى الله عليه وآله في شئ من الحق والطاعات، وأما ما روي عنه صلى الله عليه وآله من قوله " من رآني نائما رآني يقظانا " فإنه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد به رؤية المنام، ويكون خاصا كالخبر الاول على القسم الذي قدمناه والثاني أن يكون أراد به رؤية اليقظة دون المنام، ويكون قوله " نائما " حالا للنبي وليست حالا لمن رآه فكأنه قال: من رآني وأنا نائم فكأنما رآني وأنا منتبه. والفائدة في هذا المقال أن يعلمهم بأنه يدرك في الحالتين إدراكا واحدا، فيمنعهم ذلك إذا حضروا عنده وهو نائم


(1) بأحدكم (ظ) (2) في اكثر النسخ " معصيته ".

[212]

أن يفيضوا فيما لا يحسن أن يذكروه بحضرته وهو منتبه، وقد روي عنه عليه السلام أنه غفا ثم قام يصلي من غير تجديد وضوء، فسئل عن ذلك فقال: إني لست كأحدكم، تنام عيناي ولا ينام قلبي. وجميع هذه الروايات أخبار آحاد، فإن سلمت فعلى هذا المنهاج، وقد كان شيخي - رحمه الله - يقول: إذا جاز من بشر أن يدعي في اليقظة أنه إله كفرعون ومن جرى مجراه مع قلة حيلة البشر وزوال اللبس في اليقظة، فما المانع من أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسة له أنه نبي ؟ مع تمكن إبليس مما لا يتمكن منه البشر وكثرة اللبس المعترض في المنام. ومما يوضح لك أن المنامات التي يتخيل للانسان أنه قد رأى فيها رسول الله والائمة منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، أنك ترى الشيعي يقول: رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يأمرني بالاقتداء به دون غيره، ويعلمني أنه خليفته من بعده وأن أبا بكر وعمر وعثمان ظالموه وأعداؤه، وينهاني عن موالاتهم ويأمرني بالبراءة منهم، ونحو ذلك مما يختص بمذهب الشيعة، ثم يرى الناصبي يقول: رأيت رسول الله في النوم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، وهو يأمرني بمحبتهم وينهاني عن بغضهم، ويعلمني أنهم أصحابه في الدنيا والآخرة، وأنهم معه في الجنة. ونحو ذلك مما يختص بمذهب الناصبية فنعلم لا محالة أن أحد المنامين حق والآخر باطل، فأولى الاشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت الدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه، والباطل ما أوضحت الحجة عن فساده وبطلانه. وليس يمكن الشيعي أن يقول للناصبي: إنك كذبت في قولك: إنك رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله لانه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه، وقد شاهدنا ناصبيا يتشيع وأخبرنا في حال تشيعه بأنه يرى منامات بالضد مما كان يراه في حال نصبه فبان بذلك أن أحد المنامين باطل، وأنه من نتيجة حديث النفس، أو من وسوسة إبليس ونحو ذلك، وأن المنام الصحيحة (1) هو لطف من الله تعالى بعبده على المعنى المتقدم


(1) كذا.

[213]

وصفه، وقولنا في المنام الصحيح أن الانسان رأى في نومه النبي صلى الله عليه وآله إنما معناه أنه كأن قد رآه، وليس المراد به التحقق في اتصال شعاع بصره بجسد النبي صلى الله عليه وآله، وأي بصر يدرك به في حال نومه ؟ وإنما هي معاني تصورت، وفي نفسه تخيل له فيها أمر لطف الله تعالى له به قام مقام العلم، وليس هذا بمناف للخبر الذي روي من قوله " من رآني فقد رآني " لان معناه: فكأنما رآني، وليس يغلط في هذا المكان إلا من ليس له من عقله اعتبار. قال المازري من العامة، في شرح قول النبي: " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ": مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه النوم واليقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على امور اخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره، كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر، والجميع خلق الله تعالى، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها وإن كان لا فعل له حقيقة. وقال البغوي في شرح السنة: ليس كل ما يراه الانسان صحيحا ويجوز تعبيره بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة ام الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع: قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالانسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكائد يحزن بها نبي آدم، كما قال تعالى: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا " ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل، وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرقة يرى نفسه في ذلك الامر، والعاشق يرى معشوقه ونحوه، وقد يكون من مزاج الطبيعة، كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة و الرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ومن غلب عليه الصفراء يرى النار و

[214]

الشمع والسراج والاشياء الصفر والطيران في الهواء ونحوه، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والاشياء السود وصيد الوحش والاحوال والاموات والقبور والمواضع الخربة وكونه في مضيق لا منفذ له أو تحت ثقل ونحوه، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والانداء والثلج والوحل فلا تأويل لشئ منها. وقال السيد المرتضي - رحمه الله - في كتاب الغرر والدرر في جواب سائل سأله: ما القول في المنامات ؟ أصحيحة هي أم باطلة ؟ ومن فعل من هي ؟ وما وجه صحتها في الاكثر ؟ وما وجه الانزال عند رؤية المباشرة في المنام ؟ وإن كان فيها صحيح وباطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر ؟: الجواب: اعلم أن النائم غير كامل العقل، لان النوم ضرب من السهو، والسهو ينفي العلوم، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله وفقد علومه، وجميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدئها (1) النائم في نفسه، ولا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه، لان من عداه من المحدثين، سواء كانوا بشرا أو ملائكة أوجنا، أجسام والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء بل ولا شيئا من الاجناس على هذا الوجه، وإنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء. وإنما قلنا: إنه لا يفعل في غير جنس الاعتقادات متولدا، لان الذي يعدي الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الاسباب إنما هو الاعتمادات، وليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات، ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شئ من الاعتقادات، وقد بين ذلك وشرح في مواضع كثيرة. والقديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات، ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا، لان أكثر اعتقادات النائم جهل، ويتأول الشئ على خلاف ما هو به، لانه يعتقد أنه يرى ويمشي وأنه راكب وعلى صفات كثيرة، وكل ذلك على خلاف ما هو به، وهو تعالى لا يفعل الجهل فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم. وقد ذكر في المقالات أن المعروف بصالح قبة كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة، وهذا جهل منه


(1) في اكثر النسخ " يبتدئ بها "

[215]

يضاهي جهل السوفسطائية، لان النائم يرى أن رأسه مقطوع وأنه قد مات وأنه قد صعد إلى السماء، ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله. وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء، وفي المردي (1) إذا كان في الماء أنه مكسور، وهو على الحقيقة صحيح، لضرب من الشبهة واللبس فألاجاز ذلك في النائم وهو من الكمال أبعد ومن النقص أقرب ؟ وينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة: منها ما يكون من غير سبب يقتضيه ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ ومنها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه. فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم. ومنها ما يكون سببه والداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله، ومعنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمن ذلك الكلام. والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة، كما أنما يقتضي الشر منها الاولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة. وقد يجوز على هذا في ما يراه النائم في منامه ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه وفي كل منام يصح تأويله، أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه، فإذا صح تأويله على ما يراه. فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه. فإن قيل: أليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات: إن الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثرة فيها، لان الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شئ، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الانسان وهو مستيقظ مالا


(1) خشبة يدفع بها الملاح السفينة.

[216]

أصل له ؟ قلنا: قد قال ذلك أبو علي وهو خطأ، لان تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع فهو من فعل الله تعالى، فكيف نضيف التخيل الباطل والاعتقاد الفاسد إلى فعل الله تعالى ؟ فأما المستيقظ الذي استشهد به فالكلام فيه والكلام في النائم واحد، ولا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم ولا يقظان. فأما ما يتخيل من الفاسد وهو غير نائم فلابد من أن يكون ناقص العقل في الحال وفاقد التمييز بسهو وما يجري مجراه، فيبتدئ اعتقاد الاصل له كما قلناه في النائم. فإن قيل: فما قولكم في منامات الانبياء عليهم السلام ؟ وما السبب في صحتها حتى عد ما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي ؟ قلنا: الاخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها، ولا هي مما توجب العلم، وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم أني ساريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه، فيقطع على صحته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام. وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه، ولو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنه متعبد بذبح ولده ؟ فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه عليه السلام من قوله " من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي " وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبي صلى اله عليه في النوم ويخبر كل واحد منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا ؟ قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معول على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة، لان الشيطان لا يتمثل بي لليقظان. فقد قيل: إن الشيطان ربما تمثلت بصورة البشر. وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر، لانه قال من رآني فقد رآني، فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية، وفي النوم لا رائي له في الحقيقة ولا

[217]

مرئي، وإنما ذلك في اليقظة. ولو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يراني في منامه، وإن كان غير راء له على الحقيقة، فهو في الحكم كأنه قد رآني. وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته. وهذا الذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسد تحقيقا من كل شئ قيل في أسباب المنامات، وما سطر في ذلك معروف غير محصل ولا محقق. فأما ما يهذي إليه الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلى، لانهم ينسبون ما صح من المنامات - لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه - إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون، وهذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط، فكيف إذا اضيف (1) إليه الاطلاع على عالمها، وما هذا الاطلاع ؟ وإلى أي شئ يشيرون بعالم النفس ؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع ؟ فكل هذا زخرفة ومخرقة، وتهاويل لا يتحصل منها شئ. وقول صالح قبة مع أنه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة، لان صالحا ادعى أنه النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه فلم يشر إلى أمر غير معقول ولا مفهوم، بل ادعى ما ليس بصحيح وإن كان مفهوما، وهؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، ولا يعقل مع قوة التأمل، والفرق بينهما واضح. فأما سبب الانزال فيجب أن يبنى على شئ يحقق سبب الانزال في اليقظة مع الجماع، ليس هذا مما يهذي به أصحاب الطبائع، لانا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له وأن الاحالة فيه على سراب لا يتحصل، وإنما سبب الانزال أن الله تعالى أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد أنه يجامع وإن كان هذا الاعتقاد باطلا (2) (انتهى كلامه قدس الله روحه). ولنكتف بذكر هذه الاقوال ولا نشتغل بنقدها وتفصيلها، ولا بردها وتحصيلها، لان ذلك مما يؤدي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب. ولنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الاخبار المنتمية إلى الائمة الاخيار عليهم السلام فهو أن الرؤيا تستند إلى امور شتى:


(1) في اكثر النسخ " ضيف ". (2) الامالى ج 2 ص 392 - 395.

[218]

فمنها أن للروح في حالة النوم حركة إلى السماء، إما بنفسها بناء على تجسمها كما هو الظاهر من الاخبار، أو بتعلقها بجسد مثالي إن قلنا به في حال الحياة أيضا بأن يكون للروح جسدان أصلي ومثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الاصلي، ويضعف تعلقها بالآخر، وينعكس الامر في حال النوم، أو بتوجهها وإقبالها إلى عالم الارواح بعد ضعف تعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي، وعلى تقدير التجسم أيضا يحتمل ذلك كما يومى ء إليه بعض الاخبار، بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد وإقبالها إلى عالم آخر وتوجهها إلى نشأة اخرى، وبعد حركتها بأي معنى كانت ترى أشياء في الملكوت الاعلى، وتطالع بعض الالواح التي اثبتت فيها التقديرات. فإن كان لها صفاء ولعينها ضياء يرى الاشياء كما اثبتت، فلا تحتاج رؤياه إلى تعبير، وإن استدلت على عين قلبه أغطية أرماد التعلقات الجسمانية و الشهوات النفسانية فيرى الاشياء بصور شبيهة لها، كما أن ضعيف البصر ومؤف العين يرى الاشياء على غير ما هي عليه، والعارف بعلته (1) يعرف أن هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لاي شئ. فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص وعلته ويمكن أيضا أن يظهر الله عليه الاشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة، كما أن الانسان قد يرى المال في نوم بصورة حية، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة، ليعرف أنهما يضران وهما مستقذران واقعا، فينبغي أن يتحرز عنهما ويجتنبهما. وقد ترى في الهواء أشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها، ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الامور المألوفة والشهوات والخيالات الباطلة، وقد مضى ما يدل على هذين النوعين في رواية محمد بن القاسم ورواية معاوية بن عمار وغيرهما. ومنهما ما هو بسبب إفاضة الله تعالى عليه في منامه إما بتوسط الملائكة أو بدونه كما يومئ إليه خبر أبي بصير وسعد بن أبي خلف. ومنها ما هو بسبب وسواس الشيطان واستيلائه عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة أو الطاعات التي تركها فيها أو الكثافات والنجاسات الظاهرية والباطنية التي


(1) بعقله (خ).

[219]

لوث نفسه بها، كما مر في رواية هزع ورواية تارك الزكاة وغيرهما، وتدل عليه آية النجوى على بعض الوجوه. ومنها ما هو سبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية والامور الباطلة و يومئ إليه خبر ابن أبي خلف وغيره. وأما ما وراء ذلك مما سبق ذكره وإن كان بعضها محتملا ويمكن تطبيق الآيات والاخبار عليه، لكن لم يدل عليه دليل، والتجويز والامكان لا يقومان مقام البرهان مع أنه ليس من الامور التي يجب تحقيقها والاذهان بكيفيتها. خاتمة نورد فيها بعض ما ذكره أرباب التعبير والتأويل، وإن لم يكن لاكثرها مأخذ يصلح للتعويل. قال بعضهم: السحاب حكمة، فمن ركبه علا في الحكمة، وإن أصاب منها شيئا أصاب حكمة، وإن خالطه ولم يصب شيئا خالط الحكماء. فإن كان في السحاب سواد أو ظلمة أو رياح أو شئ من هيئته العذاب فهو عذاب، وإن كان فيه غيث فهو رحمة. والسمن والعسل قد يكون مالا في التأويل، وقد يكون علما وحكمة. روي أن رجلا سأل ابن سيرين قال: رأيت كأني ألعق عسلا من جام من جوهر، فقال: اتق الله وعاود القرآن، فقد قرأته ثم نسيته. والعلو إلى السماء رفعة، قال تعالى: " ورفعناه مكانا عليا (1) " ومن رأى أنه صعد السماء ودخلها نال شرفا وذكرا وشهادة. والطيران في الهواء: عزم سفر أو نيل شرف. وقال بعضهم: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء من غير تعريج ناله ضرر، وإن غاب في السماء ولم يرجع مات وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه، وإن كان بجناح فهو مال وسلطان يسافر في كنفه، وإن كان بغير جناح دل على التعزير في ما


(1) مريم: 57.

[220]

يدخل (1) فيه: وقالوا: إن الطيران للشرار دليل ردي والحبل: العهد والامان لقوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا (2) ". واعلم أن التأويل قد يكون بدلالة كتاب أو سنة أو من الامثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الاسماء والمعاني، وقد يقع على الضد، فالتأويل بدلالة القرآن كالحبل يعبر بالعهد كما مر، والسفينة بالنجاة قال تعالى " فأنجيناه وأصحاب السفينة (3) ". والخشبة بالنفاق لقوله تعالى " كأنهم خشب مسندة (4) " والحجارة بالقسوة لقوله تعالى " أو أشد قسوة (5) " والمرض بالنفاق لقوله " في قلوبهم مرض (6) " والماء بالفتنة في حال، لقوله " لاسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم (7) " وأكل اللحم الني بالغيبة لقوله " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا (8) " ودخول الملك محلة أو بلدا أو دارا يصغر عن قدره وينكر دخول مثله مثلها يعبر بمصيبة وذل ينال أهله، لقوله " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " (9) والبيض بالنساء لقوله " كأنهن بيض مكنون " (10) وكذلك اللباس لقوله " هن لباس لكم " (11) واستفتاح الباب بالدعاء لقوله " إن تستفتحوا " (12) أي تدعوا. والتأويل بدلالة الحديث كالغراب بالرجل الفاسق، لان النبي صلى الله عليه وآله سماه فاسقا. والفارة بالمرأة الفاسقة، لانه صلى الله عليه وآله سماه فويسقة. والضلع بالمرأة لقوله صلى الله عليه وآله: إنها خلقت من ضلع أعوج. والقوارير بالنساء لقوله صلى الله عليه آله: رويدك سوقا بالقوارير. والتأويل بالامثال كالصائغ بالكذاب، لقولهم: أكذب الناس الصواغون. وحفر الحفرة بالمكر لقولهم: من حفر حفرة لاخيه وقع فيها، قال تعالى " ولا يحيق


(1) يدخله فيه (خ). (2) آل عمران: 103. (3) العنكبوت: 15. (4) المنافقون: 4. (5) البقرة: 74. (6) البقرة: 10. (7) الجن: 16. (8) الحجرات: 12. (9) النمل: 34. (10) الصافات: 49. (11) البقرة. 187. (12) الانفال: 19.

[221]

المكر السيئ إلا بأهله " (1) والحاطب بالنمام لقولهم لمن نم ووشي: إنه يحطب عليه، وفسروا قوله " حمالة الحطب " (2) بالنميمة وطول اليد بصنائع المعروف لقولهم فلان أطول يدا من فلان. ويعبر الرمي بالحجارة والسهم بالقذف، لقولهم: رمى فلانا بفاحشة، قال الله تعالى: " والذين يرمون المحصنات " (3) وغسل اليد باليأس عما يؤمل (4)، لقولهم: غسلت يدي عنك. والتأويل بالاسامي كمن رأى من يسمى راشدا يعبر بالرشد وسالما بالسلامة. وروي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فاتينا برطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة وأن ديننا قد طاب وقال ابن سيرين: نوى التمر نية السفر، وقد يعبر السفرجل بالسفر إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المرض والسوسن بالسوء، لان أوله سوء إذا عدل به مما ينسب إليه في التأويل. والتأويل بالمعنى كالاترج يعبر بالنفاق لمخالفة باطنه ظاهره، إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المال. وكالورد والنرجس بقلة البقاء إن عدل به عما نسب إليه لسرعة ذهابه. والآس بالبقاء لانه يدوم. روي أن امرأة بالاهواز رأت كأن زوجها ناولها نرجسا وناول ضرتها آسا. فقال المعبر: يطلقك ويتمسك بضرتك، أما سمعت قول الشاعر: ليس للنرجس عهد إنما العهد للآس. وأما التأويل بالضد فكما أن الخوف يعبر بالامن، لقوله " وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا " (5) والامن بالخوف والبكاء بالفرح إذا لم يكن معه رنة، والضحك بالحزن إلا أن يكون تبسما، والطاعون بالحرب، والحرب بالطاعون، والعجلة بالندم [والندم بالعجلة]، والعشق بالجنون، والجنون بالعشق، والنكاح بالتجارة، والتجارة بالنكاح، والحجامة بكتبة الصك، والصك بالحجامة، والتحول عن المنزل بالسفر


(1) فاطر: 43. (2) المسد: 4. (3) النور: 4. (4) يأمل (خ). (5) النور: 55.

[222]

والسفر بالتحول عن المنزل. ومن هنا أن العطش خير من الري، والفقر من الغنا والمضروب والمجروح والمقذوف أحسن حالا من الفاعل. وقد يتغير بالزيادة والنقصان، كالبكاء إنه فرح، وإن كان معه صوت ورنة فمصيبة، وفي الضحك إنه حزن، فإن كان تبسما فصالح، وفي الجوز مال مكنون فإن سمعت له قعقعة فهو خصومة، والدهن في الرأس زينة، فإن سال عن الوجه فهو غم والزعفران ثناء حسن، فإن ظهر له لون فهو مرض أو هم، والمريض يخرج من منزله ولا يتكلم فهو موته فإن تكلم برأ، والفأر نساء، فإن اختلفت ألوانها إلى البيض و السود فهي الايام والليالي، والسمك نساء، فإذا عرف عددها فإن كثر فغنيمة. وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر. وقال ابن سيرين: نقول في الرجل يخطب على المنبر يصيب سلطانا، فان لم يكن من أهله يصلب، وسأل رجل ابن سيرين عن الاذان فقال: الحج، وسأله آخر فأول بقطع السرقة، وقال رأيت الاول في سيماء حسنة فتأولت " وأذن في الناس بالحج " (1) ولم أرض هيئة الثاني فأولت: فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون " (2). وقد يرى فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية أو حج أو قدوم غائب أو خير أو نكبة وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله عام الفتح فكان كذلك، قال تعالى: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا " (3) وروى الزهري عن ابن خزيمة بن ثابت عن عمه: أن خزيمة رأى أنه سجد على جبهة النبي صلى الله عليه وآله فأخبره، فاضطجع له وقال: صدق رؤياك، فسجد على جبهته. وقد يرى في المنام الشئ فيكون لولده أو قريبه أو سميه. فقد أرى النبي صلى الله عليه وآله متابعة أبي جهل معه فكان لابنه عكرمة، فلما أسلم قال صلى الله عليه وآله: هو هذا. ورأى لاسيد بن العاص ولاية مكة فكان لابنه عتاب ولاه النبي صلى الله عليه وآله مكة. وروى البخاري بإسناده عن ابن سيرين عن قيس بن عباد قال: كنت جالسا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فدخل


(1) الحج: 27. (2) يوسف: 70. (3) الفتح: 27.

[223]

رجل على (1) وجهه أثر الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما ثم خرج، وتبعته فقلت له: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا من أهل الجنة. قال: والله ما ينبغي لاحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك بم ذاك: رأيت رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وآله فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة، ذكر من سعتها وخضرتها، في وسطها عمود من حديد أسفله في الارض وأعلاه في السماء وأعلاه عروة فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني منصف، فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت بالعروة، فقيل: استمسك، فاستيقظت وإنها لفي يدي. فقصصتها على النبي صلى الله عليه وآله فقال: تلك الروضة الاسلام، وذلك العمود عمود الاسلام وتلك العروة العروة الوثقى، فأنت على الاسلام حتى تموت. والرجل عبد الله بن سلام. قال في النهاية: في الحديث " تجوزوا في الصلاة " أي خففوها وأسرعوا بها وقيل: إنه من الجواز، القطع والسير. وقال: المنصف - بكسر الميم -: الخادم، وقد يفتح. وقال في شرح السنة: من رأى في النوم أنه قد صعد السماء فدخلها نال شرفا وذكرا ونال الشهادة، فإن رأى نفسه فيها لا يدري متى صعد إليها فهو شرف معجل وشهادة مؤجلة. والشمس ملك عظيم، ومن رأى فيها من تغير أو كسوف فهو حدث بالملك من هم أو مرض أو نحوه. والقمر وزير الملك في التأويل. والزهرة امرأته. وعطارد كاتبه، والمريخ صاحب حربه، وزحل صاحب عذابه، والمشترى صاحب ماله وسائر النجوم العظام أشراف الناس. وإنما يكون القمر وزيرا ما رؤي في السماء، فإن رآه عنده أو في حجره أو في بيته تزوج زوجا يغلب ضوءه، رجلا كان أو امرأة. وكانت الشمس في تأويل رؤيا يوسف أباه، والقمر امه أو خالته، والكواكب الاحد عشر إخوته، كما قال تعالى " فرفع أبويه على العرش - الآية - " (2) وكان رؤياه في صباه فظهر تأويلها بعد أربعين سنة. ويقال: بعد ثمانين سنة. وروي أن ابن سيرين رأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا، فأخذ في


(1) في (خ) (2) يوسف، 100.

[224]

الوصية وقال: يموت الحسن، وأموت بعده وهو أشرف مني. وسأل رجل ابن سيرين فقال: رأيت كأني أطير بين السماء والارض، فقال: أنت رجل كثير المنى، وقالوا: من رأى القيامة قد قامت في موضع فإن العدل يبسط في ذلك المكان، فإن كانوا مظلومين نصروا، وإن كانوا ظالمين انتقم منهم، لانه العدل، ويوم القيامة يوم الفصل والعدل. قال تعالى " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " (1). ومن رأى دخل الجنة فهو البشرى من الله بالجنة، فإن أكل شيئا من ثمارها أو أصابها فهو خير يناله في دينه ودنياه وعلم ينتفع به، فإن أعطاها غيره ينتفع بعلمه غيره. ودخول جهنم إنذار للعاصي ليتوب، فإن رأى أنه تناول شيئا من طعامها أو شرابها فهو خلاف أعمال البر منه، أو علم يصير عليه وبالا. والغسل والوضوء بالماء البارد توبة، وشفاء من المرض وخروج من الحبس، وقضاء للدين، وأمن من الخوف. غير أن الغسل أقوى من الوضوء قال تعالى لايوب عليه السلام: " هذا مغتسل بارد وشراب " (2) فلما اغتسل خرج من المكاره. والغسل والوضوء بالماء المسخن هم أو مرض. والاذان حج لقوله تعال " وأذن في الناس بالحج " (3) وربما كان سلطانا في الدين وقوة. والصلاة في النوم استقامة الرأي في الدين والسنة إذا كانت إلى الكعبة. والامامة رئاسة وولاية إن استقامت قبلته وتمت صلاته. والركوع توبة لقوله تعالى " خر راكعا وأناب " (4) والسجود قربة لقوله تعالى " واسجد واقترب " (5). وإن صلى منحرفا عن سمت القبلة شرقا أو غربا فانحراف عن السنة، فإن جعلها وراء ظهره فهو نبذه الاسلام لقوله تعالى " فنبذوه وراء ظهورهم " (6) فإن رأى أنه لا يعرف القبلة فهو حيرة منه في الدين. ومن رأى نفسه فوق الكعبة فلا دين له، والكعبة الامام العادل، فمن أم الكعبة فقد أم الامام. والمسجد الجامع هو السلطان. ومن رأى نفسه يطوف بالكعبة أو يأتي بشئ من المناسك فهو صلاح في دينه بقدر عمله. ودخول الحرم أمن لقوله " ومن دخله كان آمنا " (7)


(1) الانبياء: 47. (2) ص: 42. (3) الحج: 27. (4) ص: 24. (5) العلق: 20. (6) آل عمران: 185. (7) آل عمران: 91.

[225]

والاضحية فك الرقبة، فمن ضحى وكان عبدا اعتق، وإن كان أسيرا نجا، أو خائفا أمن، أو مديونا قضى دينه، أو مريضا شفاه الله أو صرورة حج. وقال: من رأى في المنام أنه تزوج امرأة عاينها أو عرفها أو نسبت إليه أصاب سلطانا، وإن تزوج امرأة لم يعاينها ولم يعرفها ولم تنسب إليه إلا أنه يسمى عروسا فهو موته أو يقتل إنسانا. ومن طلق امرأة عزل عن سلطنته، ومن تزوج امرأة ميتة ظفر بأمر ميت. ومن رأى أنه نكح امرأة من محارمها يصل رحمها. ومن أصاب زانية أصاب دنيا حراما. فإن رآه رجل من الصالحين أصاب علما. فإن رأت امرأة أنها تزوجت أصابت خيرا، فإن رأت أن زانيا نكحها فهو نقصان مالها وتشتت أمرها. وروى البخاري عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة وهي الجحفة. وقال أصحاب التعبير: الرجل المعروف في النوم هو ذلك الرجل أو سميه أو نظيره، والمجهول إن كان شابا فهو عدو، وإن كان شيخا فهو جدة. والمرأة العجوزة المجهولة هي الدنيا، فإن كانت ذات هيئة وسمت حسن كانت حلالا، وإن كانت على غير سمت الاسلام كانت دنيا حراما، وإن كانت شعثة قبيحة فلا دين ولا دينا، والمرأة سنة، والجارية خير، والصبى هم. والمرأة الزانية هي الدنيا لطالب الدنيا، وعلم لاهل الصلاح والعلم. والخصيان هم الملائكة إذا رآهم في سمت حسن. وسأل رجل ابن سيرين فقال: رأيت في النوم صبيا في حجري يصيح، فقال: اتق الله ولا تضرب بالعود. فأما الاعضاء: فرأس الرجل رئيسه، والوجه جاهه، والشيب وقاره وطول الشعر هم، إلا أن يكون ممن يلبس السلاح (1)، فهو له زينة، وحلق الرأس كفارة الذنوب إن كان في حرم أو أيام موسم، وإن كان مديونا أو في كرب ففرج، وإن لم يكن


(1) الصلاح (خ).

[226]

شيئا منها فهو هتك أو عزل رئيسه، وطول اللحية فوق القدر دين أو هم، وخضاب الرأس واللحية تغطية أمر، وشعر الشارب والابط زيادة مكروهه (1)، ونقصانه محمود. والاذن امرأة الرجل وابنته، والسمع والبصر دينه، والصوت صيته في الناس، وما حدث عن شيئ منه كان ذلك فيما ينسب إليه. والعين دين فإن رأى أنه أعمى ضل عن الاسلام، وإن رأى أنه أعور ذهب نصف دينه، أو أصاب إثما عظيما، والرمد حدث في الدين، وأشفار العين وقاية الدين، وكذا الاكتحال. والجبهة والانف من الجاه والفم مفتاح أمره وخاتمته، والقلب القائم بأمره ومدبره، واللسان ترجمانه والمبلغ عنه وقد يكون حجته، وقطعه انقطاع حجته في المنازعة، وقد يكون اللسان ذكره، قال تعالى: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " (2) وقطع اللسان للنساء محمود يدل على الستر والحياء، والاسنان أهل البيت والقرابات، لتقاربها وتلاصقها، والثنايا أقربهم، والابعد منها أبعدهم، والعليا رجال القرابة، والسفلى نساؤها وما حدث فيها من حسن أو فساد أو كلال ففي القرابة، فإن رأى أن أسنانه سقطت فصارت في يده تكثر نساء أهله، فإن سقطت وذهبت فهو موتهم قبله، والعنق موضع الامانة والدين، وضعفه عجز عن احتمال الامانة والدين. والعضد أخ أو ولد قد أدرك، واليد أخ، وقطعها موته، وقد يؤول طول اليد بصنائع المعروف، وإذا نسبت اليد إلى الاخ كانت الاصابع أولادا لاخ وإذا انفردت الاصابع عن ذكر اليد فهي الصلوات الخمس، ونقصانها حدث في الصلاة فالابهام الصبح، والسبابة الظهر، والوسطى العصر، والبنصر المغرب، والخنصر العشاء والصدر حلم الرجل [واحتماله]. والثدي البنت، والبطن والامعاء مال وولد، فإن رأى ظهور شئ من أمعائه من جوفه فهو ظهور ماله. والكبد كنز، وفي الحديث: يخرج الارض أفلاذ كبدها، أي كنوزها، وكذلك الدماغ والمخ. والاضلاع النساء لان المرأة خلقت من ضلع. والظهر سند الرجل وقوته، ومن المملوك سيده. و


(1) في بعض النسخ " زيادته مكروهة ". (2) الشعراء: 84.

[227]

الصلب القوة، وقد يكون الولد، لان الولد يخرج منه. والذكر ذكره، وقد يكون ولده. والخصيتان الاعداء، فإن رأى قطعهما ظفر به أعداؤه، فإن (1) عظمتا كان منيعا، وقد يكون انقطاع الخصيتين انقطاع إناث الولد. والفخذ عشيرة الرجل وقومه والركبة موضع كده ونصبه في المعيشة. والقروح، والبثر، والجراح، والورم في البدن، والجنون، والجذام كلها مال. والبرص مال وكسوة، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن ورقة، فقالت خديجة: إنه قد صدقك ولكن مات قبل أن تظهر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيته (2) في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك. قال المعبرون: القميص على الرجل دينه على لسان صاحب الشرع، وقد يعبر القميص بشأنه في مكسبه ومعيشته، وما رأى في قميصه صفاقة أو خرق أو وسخ فهو صلاح معيشته أو فساده. والسراويل جارية أعجمية. والازار امرأة. وأفضل الثياب ما كان جديدا صفيقا واسعا. والبياض في الثياب جمال في الدين والدنيا. والحمرة في الثياب صالحة للنساء، وتكره للرجال إلا أن تكون في ملحفة أو إزار أو فراش، فهو حينئذ سرور وفرح. والصفرة في الثياب مرض. والخضرة حياة في الدين، لانها لباس أهل الجنة. والسواد سود (3) وسلطان لمن يلبس السواد في اليقظة، ولمن لا يلبسها مكروه. والصوف مال كثير، والبرد من القطن يجمع خير الدين والدنيا، وأجود البرود الحبرة. فإن كان البرد من أبريشم فهو مال حرام وفساد من الدين. والقطن و الكتان والشعر والوبر كلها مال والعمامة ولاية، والفراش امرأة حرة أو أمة، والوسائد والمرافق والمقادم والمناديل خدم، والسرير سلطان إذا كان ممن يصلح لذلك وإلا فهو شهرة. ويقال: المرأة فضيحة. والستور على الابواب هم وحزن، والنعل امرأة، وخمار


(1) وإن (خ) (2) في اكثر النسخ " اريته ". (3) سودد (خ).

[228]

المرأة زوجها، فإن لم يكن لها زوج فوليها. وروي عن ام العلا الانصارية قالت: رأيت في النوم لعثمان بن مظعون - رضي الله عنه - بعد موته عينا تجري، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ذاك علمه (1). وقال أصحاب التعبير: الساقية التي لا يغرق في مثلها حياة طيبة، والبحر الملك الاعظم، فإن استقى منه ماء أصاب من الملك مالا، والنهر رجل يقدر (2) عظمته، والماء الصافي إذا شرب خير وحياة طيبة، وإن كان كدرا أصابه مرض، وشرب الماء المسخن ودخول الحمام هم ومرض، والماء الراكد أضعف في التأويل من الجاري. والمطر غياث ورحمة إن كان عاما، وإن كان خاصا في موضع فهو أوجاع يكون (3) في ذلك الموضع. والطين والوحل والماء الكدر هم وحزن، والسيل عود يتسلط، والثلج والبرد والجليد هم وعذاب إلا أن يكون الثلج قليلا في موضعه وحينه، فيكون خصبا لاهل ذلك الموضع. والسباحة احتباس أمر، والمشي على الماء قوة نفس، ومن غمره الماء أصابه هم غالب، والغرق فيه إذا لم يمت غرق في أمر الدنيا. وانفجار العيون من الدار والحائط وحيث ينكر انفجارها هم وحزن ومصيبة بقدر قوة العين. والخمر مال حرام، فإن سكر منها أصاب معه سلطانا. والسكر من غير الشراب خوف. ومن اعتصر خمرا خدم السطان وأخصب وجرت على يده امور عظام، قال تعالى " إني أراني أعصر خمرا " (4) فأوله يوسف بأنه يسقي ربه خمرا. وشرب اللبن فطرة، وهو يكون مالا حلالا. وقد ورد في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله أول اللبن بالعلم. وروي أن امرأة رأت في المنام أنها كانت تحلب حية، فسألت ابن سيرين فقال: هذه يدخل عليها أهل الاهواء. اللبن فطرة، والحية عدو وليست من الفطرة في شئ والاشجار. رجال أحوالهم


(1) في بعض النسخ " عمله " وهو أظهر. (2) في بعض النسخ " بقدر ". (3) كذا. (4) يوسف: 36.

[229]

كأحوال الشجر في الطبع والنفع وطيب الريح، فمن رأى شجرا أو أصاب شيئا من ثمره أصاب من رجل في مثل حال ذلك الشجر. والنخل رجل شريف. والتمر مال. وشجر الجوز رجل أعجمي شحيح، والجوز نفسه مال مكنون. وشجرة السدر رجل شريف، وشجرة الزيتون رجل مبارك نفاع، وثمر الزيتون هم وحزن. والكرم والبستان امرأة. والعنب الابيض في وقته غضارة الدنيا وخيرها، وفي غير وقته مال يناله قبل وقته الذي يرجوه. والاشجار العظام التي لا ثمر لها كالدلب والصنوبر إن رأى فهو رجل ضخم بعيد الصوت قليل الخير والمال. والشجرة ذات الشوك رجل صعب المرام. والصفر من الثمار مثل المشمش والكمثرى والزعرور الاصفر ونحوها أمراض والحامض منها هم وحزن. والحبوب كلها مال. والحشيش مال. والزرع عمله في دينه أو دنياه. والثوم والبصل والجزر والشلجم هم وحزن، والرياحين كلها بكاء وحزن إلا ما يرى منها ثابتا في موضعه من غير أن يمسه وهو يجد ريحه. وروى البخاري وغيره من المخالفين بأسنادهم عن النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت في المنام أني اهاجر من مكة إلى أرض لها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما اصيب من المؤمنين يوم احد، ثم هززته اخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين. ورأيت أيضا فيها بقرا والله (1) خير فإذا هم النفر من المؤمنين يوم احد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي أتانا الله بعد يوم بدر. قال في النهاية: وهل إلى الشئ بالفتح، يهل بالكسر، وهلا بالسكون، إذا ذهب وهمه إليه (انتهى). وضبطه النووي بالتحريك، وقال: الوهل - بالتحريك - معناه الوهم والاعتقاد. وسائر اللغويين على الاول. ورووا أيضا عن جابر في خبر غزوة احد أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر. فأولت الدرع الحصينة بالمدينة، البقر بقرة والله


(1) كذا في جميع النسخ، ولعله سقط منه شئ.

[230]

خير. وأولوا ذبح البقرة بالمسلمين الذين استشهدوا يوم احد. قال ابن حجر: هذه اللفظة الاخيرة هي بفتح الموحدة وسكون القاف مصدر بقره يبقرا. ومنهم من ضبطها بفتح النون والفاء. وقال أهل التعبير: السيف سلطان في المنام، وإن رآه قد رفعه فوق رأسه نال سلطانا مشهورا، وإن لم يكن ممن ينبغي له فهو ولد. وكذلك كل من اعطي سكينا أو رمحا أو قوسا ليس معه سلاح فهو ولد، وإن كان معه سلاح فهو سلطان. وما حدث في السيف من انكسار أو ثلمة أو كدورة فهو حدث فيما ينسب السيف إليه. وإن رأى أنه سل سيفا من غمد ولدت امرأته غلاما، فإن انكسر السيف في الغمد مات الولد فإن انكسر الغمد دون السيف ماتت الام وسلم الولد. والرمي عن القوس نفوذ كتبه في السلطان (1) بالامر والنهي، وانكسار القوس مصيبة. والبقر سنون، فإن كانت سمانا كانت مخاصب، وإن كانت عجافا كانت مجادب كما في تأويل يوسف عليه السلام ومن ركب ثورا أصاب مالا من عمل السلطان، أو استمكن من عامل، وإن رأى ثورا من العوامل ذبح وقسم لحمه فهو موت عامل وقسمة تركته فإن كان من غير العوامل كان رجلا ضخما. والبعير رجل ضخم، والناقة امرأة، ومن رأى أنه راكب بعير مجهول سافر، وإن نزل عنه مرض، وإن دخل جماعة من الابل أرضا دخلها عدو، وربما كان أوجاعا. ومن رأى أنه يرعى غنما سودا فهو اناس من اناس العرب وإن كانت بيضا فمن العجم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رأيت غنما كثيرة سودا دخل فيها غنم كثير بيض. قالوا: فما أولته يا رسول الله ؟ قال: العجم يشاركونكم في دينكم وأنسابكم، والذي نفسي بيده لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم فأسعدهم به فارس. والكبش رجل ضخم والنعجة امرأة شريفة، والعنز يجري مجرى النعجة إذا كان في الرؤيا ما يدل على المرأة، إلا أن العنز دون النعجة في الشرف والحسب، وقد يجري مجرى النعجة (2) في كونها سنة مخصبة إن كانت سمينة، ومجدبة إن كانت عجافا.


(1) في بعض النسخ، في سلطانه. (2) البقر (ظ).

[231]

والفرس عز وسلطان، والانثى امرأة شريفة. والبغل سفر. والحمار جد الرجل الذي يسعى به، فمن رأى أنه ذبح حماره ليأكل من لحمه أصاب ما لا يجده. والفيل سلطان أعجمي، فإن ركبه في أرض حرب كانت الدبرة على أصحاب الفيل، قال تعالى: " ألم تركيف فعل ربك " ومن أصاب حمار وحش أو وعلا وصغيره (1) أنه يريد أكله يصيب غنيمة، ومن رأى أنه راكب حمار وحش يصرفه كيف شاء فهو راكب معصية أو يفارق رأي الجماعة. والاسد عدو قاهر. والخنزير رجل دني شديد الشوكة. والضبع امرأة قبيحة سوء، والدب عدو دني أحمق. والذئب سلطان غشوم، أو لص ضعيف كذاب والثعلب كثير الاختلاف، فمن رأى أنه ينازعه خاصم ذاقرابة، وإن طلب ثعلبا أصابه وجع، وإن طلبه ثعلب أصابه فزع، ومن رأى ثعلبا يهرب منه فهو عزيمة يراوغه، و من أصاب ثعلبا أصاب امرأة يحبها حبا ضعيفا، وابن آوي كالثعلب وأضعف. والسنور لص، وابن عرس في معناه وأضعف. والكلب عدو دني غير مبالغ في العداوة. والقرد عدو ملعون. والحية عدو مكاتم للعداوة، والعقرب عدو ضعيف لا تجاوز عداوته لسانه وكذلك سائر الهوام أعداء على منازلهم، وذو السم أبلغ. والنسر والعقاب سلطان قوي. والحدأة ملك خامل الذكر شديد الشوكة، والبازي سلطان غشوم. والصقر قريب منه. والغراب إنسان فاسق كذوب. والعقعق إنسان لا عهد له ولا حفاظ ولادين والطاووس الذكر ملك أعجمي، والانثى امرأة حسناء أعجمية. والحمامة امرأة أو خادمة. والفاختة امرأة غير آلفة. والدجاج خدم. والديك رجل أعجمي من نسل الملوك. قال عمر: رأيت أن ديكا نقربي نقرتين، فأولت أن رجلا من العجم سيقتلني فقتله أبو لؤلؤة. والعصفور رجل صخاب (2) دني. والبلبل غلام صغير، والببغاء ولد يناغي. والخفاش عابد مجتهد، والزرزور صاحب أسفار. والهدهد كاتب يتعاطى دقيق العلم ولادين له، والثناء عليه قبيح لنتن ريحه. والزنابير والذباب سفلة الناس وغوغاؤهم


(1) ضميره (خ). (2) الصخاب، الشديد الصياح.

[232]

والنحلة إنسان كسوب عظيم الخطرو البركة. وطير الماء أفضل الطير في التأويل، لانها أكثرها ريشا وأقلها غائلة، ولها سلطانان في البر والماء. والسمك الطري الكبار إذأ كثر عددها مال وغنيمة، وصغارها هموم كالصبيان. ومن أصاب سمكة طرية أو سمكتين أصاب امرأة أو امرأتين، فان أصاب في بطنها لؤلؤة أصاب منها غلاما. والضفدع إنسان عابد مجتهد، فإن كثر من الضفادع فعذاب والجراد جند، والجنود إذا دخلوا موضعا فهو خراب. وروى مسلم و البخاري في صحيحيهما بأسناد هما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نحن الآخرون السابقون بينا أنا نائم إذ اوتيت خزائن الارض، فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فطارا. فأو لتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة. وفي رواية الترمذي قال: رأيت في المنام كأن في يدي سوارين، فأولتهما كاذبين يخرجان من بعدي، يقال لاحدهما مسيلمة صاحب اليمامة، والعبسي صاحب صنعاء. وقال علماء التعبير: من رأى عليه سوارين من ذهب أصابه ضيق في ذات يده، ومن الفضة خير من الذهب، فإن رأى عليه خلخالا من ذهب أو فضة أصابه حبس أو خوف أو قيد، وليس يصلح للرجال في المنام من الحلي إلا القلادة والتاج والعقد والقرط والخاتم وللنساء كله زينة. والقلادة ولاية وأمانة، واللؤلؤ المنظوم كلام الله أو من كلام البر وإن كان منثورا فهو ولد وغلمان، وربما كان اللؤلؤ جارية أو امرأة. والقرط زينة وجمال، والخاتم إذا كان معروف الصياغة والنقش سلطان صاحبه. فإن اعطي خاتما فتختم به ملك شيئا وربما كان الخاتم امرأة ومالا أو ولدا. وفص الخاتم وجه ما يعبر الخاتم به. وإن كان الخاتم من ذهب كان ما نسب إليه حراما، فإن رأى حلقته انكسرت وسقطت وبقي الفص ذهب سلطانه وبقي الذكر والجمال. ومن رأى أنه أصاب ذهبا يصيبه غرم ويذهب ماله، فإن كان الذهب معمولا من إناء أو نحوه كان أضعف في التأويل. والدراهم مختلفة التأويل على اختلاف الطبائع، فمنهم من يراها في المنام فيصيبها في اليقظة، ومنهم من يعبرها بالكلام، فإن كانت بيضا فهي كلام حسن، وإن كانت ردية فكلام سوء ومنهم من

[233]

لا يوافقه شئ منهما. والدراهم في الجملة خير من الدنايز، فقد يكون الدينار الواحد والدرهم الواحد يكون ولدا صغيرا. انتهى ما أخرجناه من كتبهم المعتبرة عندهم، ولا يعتمد على أكثرها، لابتنائها على مناسبات خفية وأوهام ردية، والاخبار التي رووها أكثرها غير ثابتة. وقد جرت التجربة في كثير منها على خلاف ما ذكروه، فكثيرا ما رأينا ماء صافيا فأصبنا علما ودخلنا بستانا أخضر فأصبنا معرفة، ووجدنا الحية دنيا كما شبه أمير المؤمنين عليه السلام الدنيا بها: فإنها لين لمسها، وفي جوفها السم الناقع، يهوي إليها الصبي الجاهل ويهرب منها الفطن العاقل. وكثيرا ما ترى العذرة في المنام يقع على الانسان أو يتلوث يده بها فيصيب مالا، وسقوط الاسنان العليا لموت أقارب الاب، والسفلى لاقارب الام وكسر الظهر لفوت الاخ، كما قال سيد الشهداء عليه السلام حين استشهد العباس - قدس الله روحه -: الآن انكسر ظهري. وكثيرا ما يرى الانسان أنه يدخل الحمام. فيوفق لزيارة أحد الائمة عليهم السلام فإنها موجبة لتطهير الارواح عن لوث الخطايا والذنوب، كالحمام لتطهير الاجساد. وتناثر النجوم لكثرة فوت العلماء ولذا سموا ابتداء الغيبة الكبرى سنة تناثر النجوم، لفوت كثير من أكابر العلماء فيها كالكليني وعلي بن بابويه والسمري آخر السفراء وغيرهم - رضي الله عنهم -. ثم إنها تختلف كثيرا باختلاف الاشخاص والاحوال والازمان، ولذا كان هذا العلم من معجزات الانبياء والاولياء (1) عليهم السلام وليس لغير هم من ذلك إلا حظ يسير لا يسمن ولا يغني من جوع. وأما أضغاث الاحلام الناشئة من الاغذية الردية والاخلاط البدنية فهي كثيرة معلومة بالتجارب، ولقد أتي رجل والدي - قدس سره - فزعا مهموما وقال: رأيت الليلة أسدا أبيض في عنقه حية سوداء يحملان علي ويريدان قتلي، فقال والدي - رحمه الله -: لعلك أكلت البارحة طعام الاقط مع رب الرمان ؟ قال: نعم، قال: لا بأس عليك، الطعامان المؤذيان صورا لك في المنام. وأمثال ذلك كثيرة جربها كل إنسان من نفسه، والله ولي التوفيق.


(1) في بعض النسخ، الاوصياء.

[234]

{ 45 باب آخر } * (في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام وسائر) * * (الانبياء والاولياء في المنام) * 1 - العيون والمجالس للصدوق: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال له رجل من أهل خراسان: يا ابن رسول الله، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بعضي (1) واستحفظتم وديعتي وغيب في ترابكم (2) نجمي ؟ فقال له الرضا عليه السلام: أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة من نبيكم، وأنا الوديعة والنجم. ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاءه يوم القيامة نجا، ولو كان عليه مثل وزر الثقلين: الجن، والانس. ولقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رآني (3) في منامه فقد رآني (4)، لان الشيطان لا يتمثل في صورتي، ولا في صورة أحد من أوصيائي، ولا في صورة أحد من شيعتهم. وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة (5). تبيان: يدل الخبر على عدم تمثل الشيطان في المنام بصورة النبي صلى الله عليه وآله والائمة، بل بصورة شيعتهم أيضا، ولعله محمول على خلص شيعتهم كسلمان وأبي ذر والمقداد وأضرابهم. وقد روى المخالفون أيضا مثله بأسانيد عن ابن (6) عمر وأبي


(1) في المجالس، بضعتي. (2) في بعض النسخ وفى المصدرين، ثراكم. (3 و 4) في العيون، زارني. (5) العيون: ج 2، ص 257. الامالى: 39. (6) في اكثر النسخ: أبى عمر.

[235]

هريرة وابن مسعود وجابر وأبي سعيد وأبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وآله برواية أبي داود والبخاري ومسلم والترمدي بألفاظ مختلفة، منها: من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي. ومنها: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي. ومنها: من رآني في النوم فقد رآني فانه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي. وفي رواية: أن يتشبه بي. ومنها: من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتراءى بي. وقال في النهاية: الحق ضد الباطل. ومنه الحديث " من رآني فقد رأى الحق " أي رؤيا صادقة ليست من أضغاث الاحلام. وقيل: فقد رآني حقيقة غير مشتبه. (انتهى). واعلم أن العلماء اختلفوا في أن المراد رؤيتهم عليهم السلام في صورهم الاصلية، أو بأي صورة كانت. ولا يخفى أن ظاهر حديث الرضا عليه السلام التعميم، لان الرائي لم يكن رأى النبي صلى الله عليه وآله ولم يسأله عليهم السلام: في أي صورة رأيته ؟ وحمله على أنه عليهم السلام علم أنه رآه بصورته الاصلية بعيد عن السياق، فإن من رأى أحدا من الائمة عليهم السلام في المنام لم يحصل له علم في المنام بأنه رآه، ويقال في العرف واللغة أنه رآهم، وإن رأى الشخص الواحد بصور مختلفة، قيقال: رآه بصورة فلان، ولا يعدون هذا الكلام من المتناقض. والعامة أيضا اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: المراد رؤيته صلى الله عليه وآله بصورته الاصلية وأيدوه عن ابن سيرين أنه إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره. وبعضهم قال بالتعميم وأيده بما رووه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رآني في المنام فقد رآني، فإني ارى في كل صورة. وقال القرطبي: اختلف في معنى الحديث، فقال قوم: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال: وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن

[236]

واحد في مكانين، وأن يحيى (1) الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الاسواق، ويخاطب الناس ويخاطبونه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره عن جسده فلا يبقى فيه منه شئ ويزار مجرد القبر ويسلم على غائب، لانه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الاوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزمها من له أدنى مسكة من العقل (2). وقالت طائفة: معناه أن من رآه على صورته التي كان عليها، ويلزم منه أن من رآه على غير صفته أن يكون رؤياه من الاضغاث، ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حاله في الدنيا من الاحوال اللائقة، وتقع تلك الرؤيا حقا، كما لو رأى امتلاء دارا (3) بجسمه مثلا، فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير، ولو تمكن الشيطان من التمثل بشئ مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله " فإن الشيطان لا يتمثل بي " فالاولى تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شئ منه أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته. قال: و الصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة، ولا أضغاث أحلام، بل هي حق في نفسها، ولو رأى على غير صورته، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله. قال: وهذا قول القاضي أبي بكر وغيره، و يؤيده قوله " فقد رأى الحق " أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي فيه، فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها، لانها إما بشرى بخير أو إنذار من شر، وإما تنبيه على حكم ينفع له في دينه أو دنياه. وقال الغزالي: لا يريد أنه رأى، بل رأى مثالا صار آلة يتأدى بها معنى في نفسي إليه وصار واسطة بيني وبينه في تعريف الحق إياه، بل البدن في اليقظة أيضا ليس إلا آلة النفس، والحق أن ما يراه حقيقة روحه المقدس صلى الله عليه وسلم ويعلم الرائي كونه صلى الله عليه وسلم بخلق علم لا غير.


(1) في اكثر النسخ: يجئ. (2) عقل (خ). (3) دار (ظ).

[237]

وقال الكرماني في شرح البخاري: " فقد رأني " أي رؤيته ليست أضغاث أحلام ولا تخييلات الشيطان، كما روي: فقد رأى الحق. ثم الرؤية بخلق الله لا يشترط فيها مواجهة ولا مقابلة. فإن قيل: كثيرا ما يرى على خلاف صفته، ويراه شخصان في حالة في مكانين. قلت: ذلك ظن الرائي أنه كذلك، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيا لكونه مرتبطا بما يراه عادة، فذاته الشريفة هي مرئية قطعا لا خيال فيه ولا ظن فإن قلت: الجزاء هو الشرط. قلت: أراد لازمه، أي فليستبشر فإنه رآني. وقال الطيبي: اتحاد الشرط والجزاء يدل على المبالغة، أي رأى حقيقتي على كمالها. قال: وقال القاضي: لعله مقيد بما رآه على صفته، فإن خالف كان رؤيا تأويل رؤيا حقيقة، وهو ضعيف. انتهى كلماتهم الواهية. والظاهر أنها ليست رؤية بالحقيقة، إنما هو بحصول الصورة في الحس المشترك أو غيره بقدرة الله تعالى. والغرض من هذه العبارة بيان حقيقة الرؤيا وأنها من الله لامن الشيطان، وهذا المعنى هو الشائع في مثل هذه العبارة، كأن يقول رجل: من أراد أن يراني فلير فلانا، أو من رأى فلانا فقد رآني، أو من وصل فلانا فقد وصلني فإن كل هذه محمولة على التجوز والمبالغة، ولم يرد بها معناها حقيقة. وأما التأويل الذي ذكره المفيد - قدس الله روحه - فيما نقلنا عنه في الباب السابق فلا يخفى بعده، مع أنه غير محتمل في خبر الرضا عليه السلام أصلا، بل في بعض ألفاظ الروايات العامية أيضا. بقي الكلام في أنه هل يكون حجة في الاحكام الشرعية ؟ فيه إشكال، فإنه قدورد بأسانيد صحيحة عن الصادق عليه السلام في حديث الاذان أن دين الله تبارك وتعالى أعز من أن يرى في النوم. ويمكن أن يقال: المراد أنه لا يثبت أصل شرعية الاحكام بالنوم، بل إنما هي بالوحي الجلي، ومع ذلك ينبغي أن يخص بنوم غير الانبياء والائمة عليهم السلام لما مر أن نومهم بمنزلة الوحي، لكن هذه الاخبار ليست بصريحة في وجوب العمل به، إذ لعله مع العلم بكونه منهم عليهم السلام لم يجب العمل به، إذ مناط الاحكام الشرعية العلوم الظاهرة، كما أن النبي والائمة عليهم السلام كانوا يعرفون كفر

[238]

المنافقين وفسق الفاسقين ونجاسة أكثر الاشياء، لكن الظاهر أنهم لم يكونوا مأمورين بالعمل بهذا العلم، بل كانوا يستندون في تلك الاحكام إلى الامور الظاهرة من المشاهدة و سماع البينة. مع أن الظاهر أن هذا من مسائل الاصول، ولا بد فيه من العلم، ولا يثبت بأخبار الآحاد المفيدة للظن وأيضا ما يرى في المنام قد يحتاج إلى تعبير وتأويل، فلعل ما رأه مما له تعبير وهولا يعرفه وإن لم يكن من قبيل الاضغاث. ولقد سأل السيد مهنا بن سنان العلامة الحلي - قدس الله روحه -: ما يقول سيدنا فيمن رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله أو بعض الائمة عليهم السلام وهو يأمره بشئ وينهاه عن شئ ؟ هل يجب عليه امتثال ما أمره به أو اجتناب ما نهاه عنه أم لا يجب ذلك ؟ مع ماصح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من رآني في منامه فقدر آني فإن الشيطان لم يتمثل بي. وغير ذلك من الاحاديث. وما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى عنه على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة ؟ هل بين الحالين فرق أم لا ؟ أفتنا في ذلك مبينا، جعل الله كل صعب عليك هينا. فأجاب - نور الله ضريحه -: أما ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه، وأما ما يوافق الظاهر فالاولى المتابعة من غير وجوب، لان رؤيته عليه السلام لا يعطي وجوب الاتباع في المنام (انتهى). وقال البغوي في شرح السنة: رؤية النبي صلى الله عليه وآله في المنام حق، وكذلك جميع الانبياء والملائكة، وكذلك الشمس والقمرو النجوم المضيئة والسحاب الذي فيه الغيث ومن رأى نزول الملائكة بمكان فهو نصرة لاهله إن كانوا في كرب وجدب، وكذلك رؤية الانبياء، ومن رأى ملكا يكلمه ببر أو عظة أو بصلة أو يبشره فهو شرف في الدنيا وشهادة في العاقبة، ورؤية الانبياء كالملائكة، إلا في الشهادة، لان الانبياء كانوا يخالطون الناس كما قال: " إن الذين عند ربك لا يستكبرون (1) - الاية - " وقال في


(1) الاعراف: 206.

[239]

الشهداء: " والشهداء عند ربهم " (1) ورؤية النبي صلى الله عليه وآله في مكان سعة لاهله إن كانوا في ضيق ونصرة إن كانوا في ظلم، وكذلك الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ورؤية أهل الدين بركة وخير على قدر منازلهم في الدين، ومن رأى النبي كثيرا في المنام لم يزل خفيف الحال مقلا في دنيا (2) من غير حاجة فادحة ولاخذ لان، قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلي منتهاه. ورؤية الامام إصابة خير وشرف. 2 - قرب الاسناد: عن معاوية بن حكيم، عن الحسن بن علي بن بنت الياس قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام بخراسان: رأيت رسول صلى الله عليه وآله والتزمته (3). 3 - وبهذا الاسناد عليه السلام قال: قال لي ابتداء: إن أبي كان عندي البارحة قلت: أبوك ؟ قال: أبي، قلت: أبوك ؟ ! قال: في المنام، إن جعفرا كان يجيئ إلى أبي فيقول: يا بني افعل كذا، يا بني افعل كذا. قال: فدخلت عليه بعد ذلك فقال لي: يا حسن، إن منامنا ويقظتنا واحدة (4). 4 - الكافي: عن محمد بن يحيى (5)، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان عن سويد القلا، عن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني رأيت في المنام أني قلت لك: إن القتال مع غير الامام المفترض الطاعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، فقلت لي: نعم، هو كذلك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو كذلك (6). 5 - تفسير الفرات: عن سعيد بن عمر القرشي، عن الحسين بن عمر الجعفري عن أبيه قال: كنت ادمن الحج فأمر على علي بن الحسين عليه السلام فاسلم عليه، فدخلت (7).


(1) الحديد: 19. (2) دنياه (ظ). (3) قرب الاسناد: 203. وفيه: رايت رسول الله صلى الله عليه وآله ههنا والتزمته. (4) المصدر: 202. (5) في الكافي: محمد بن الحسن الطاطرى، عمن ذكره، عن على بن النعمان، عن سويد القلانسى - الخ -. (6) الكافي: ج 5، ص 23. وفيه: هو كذلك، هو كذلك. (7) في المصدر: ففى بعض حججى غدا علينا على بن الحسين (ع) ووجهه مشرق فقال: جاءني رسول الله..

[240]

في بعض حججي عليه فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلتي هذه حتى أخذ بيدي فأدخلني الجنة فزوجني حوراء فواقعتها فعلقت فصاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله يا على بن الحسين سم المولود منها زيدا، قال: فما قمنا (1) من ذلك المجلس حتى أرسل المختار بن أبي عبيد هدية إلى علي بن الحسين عليهما السلام شراها بثلاثين ألفا، فلما رأينا إشعافه بها تفرقنا من المجلس فلما كان من قابل حججت ومررت على علي بن الحسين لا سلم عليه، فخرج بزيد على كتفه الايسر وله ثلاثة أشهر وهو يتلو هذه الآية ويومئ بيده إلى زيد، وهو يقول: " هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ". 6 - مجالس الصدوق: عن محمد بن بكران النقاش، عن أحمد بن محمد البرد الهمداني، عن المنذر بن محمد، عن أحمد بن رشيد، عن عمه سعيد بن خثيم، عن أبي حمزة الثمالي، قال: حججت فأتيت علي بن الحسين [عليهما السلام] فقال: يا أبا حمزة، ألا احد ثك عن رؤيا رأيتها ؟ رأيت كأني ادخلت الجنة، فاوتيت بحوراء لم أر أحسن منها فبينا أنا متكئ على أريكتي إذ سمعت قائلا يقول: يا علي بن الحسين ليهنئك زيد ليهنئك زيد. قال أبو حمزة: ثم حججت بعده فأتيت علي بن الحسين، فقرعت الباب، ففتح لي ودخلت فإذا هو حامل زيدا على يده - أوقال: حاملا غلاما على يده فقال لي: يا أبا حمزة، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا (2). 7 - كتاب سليم بن قيس: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لعبدالله بن عمر: ما قال لك أبوك حين دعانا رجلا رجلا ؟ فقال: أما أدنى شهادتي فانه قال: إن بايعوا أصلع بني هاشم حملهم على المحجة البيضاء وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم. ثم قال: يا ابن عمر، فما قلت أنت عند ذلك ؟ قال: قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه ؟ قال: فمارد عليك ؟ قال: ورد علي شيئا أكتمه، قال علي عليه السلام: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد رآه في اليقظة. قال فما أخبرك ؟ قال: انشدك الله يا ابن عمر لئن حدثتك لتصد قن ؟


(1) في المصدر. (2) الامالى: 202.

[241]

قال: أو أسكت قال: فإنه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه ؟ قال: الصحيفة التي كتبناها بيننا والعهد في الكعبة في حجة الوداع. فسكت ابن عمر وقال: أسألك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله لما أمسكت عني (الخبر). 8 - ومنه: عن عبد الرحمان بن غنم الازدي - وساق قصة وفاة معاذ بن جبل وأبي بكر إلى أن قال: - دعا بالويل والثبور وقال: هذا محمد وعلي صلوات الله عليهما يبشراني بالنار، بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: لقد وفيت بها، فظاهرت على ولي الله وأصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين. قال سليم: فقلت لمحمد بن أبي بكر: فمن ترى حدث أمير المؤمنين عن هؤلاء الخسمة بما قالوا ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله إنه يراه في منامه كل ليلة، وحديثه إياه في المنام مثل حديثه إياه في اليقظة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رآني في المنام فقد رآني، فان الشيطان لا يتمثل بي في نوم ولا يقظة، ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة. قال سليم: فقلت لمحمد بن أبي بكر: من حد ثك بهذا ؟ قال علي عليه السلام فقلت: سمعت أنا أيضا كما سمعت أنت، قلت لمحمد: فلعل ملكا من الملائكة حدثه. قال: أو ذاك - وساقه إلى أن قال سليم: - فلما قتل محمد بن أبي بكر بمصر وعزينا أمير المؤمنين عليه السلام حدثته بما حدثني به محمد وخبرته بما خبرني به عبد الرحمان بن غنم، قال: صدق محمد - رحمه الله - أما إنه شهيد يرزق (الحديث). 9 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عمن سمع حنان بن سدير الصيرفي قال: سمعت أبي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يرى النائم وبين يديه طبق مغطى بمنديل، فدنوت منه وسلمت عليه، فرد السلام ثم كشف المنديل عن الطبق، فإذا فيه رطب فجعل يأكل منه، فدنوت منه فقلت: يا رسول الله، ناولني رطبة. فناولني واحدة، فأكلتها ثم قلت: يا رسول الله ناولني اخرى، فناولنيها فأكلتها، فجعلت كلما أكلت واحدة سألته اخرى، حتى أعطاني ثمانية رطبات فأكلتها ثم طلبت منه اخرى، فقال لي: حسبك. قال: فانتبهت من منامي، فلما كان من

[242]

الغد دخلت على جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وبين يديه طبق مغطى بمنديل كأنه الذي رأيته في المنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فسلمت عليه، فرد علي السلام ثم كشف الطبق فإذا فيه رطب. فجعل يأكل منه، فعجبت لذلك وقلت: جعلت فداك، ناولني رطبة. فناولني فأكلتها، ثم طلبت اخرى حتى أكلت ثماني رطبات، ثم طلبت منه اخرى فقال لي: لو زادك جدي رسول صلى الله عليه وآله لزدناك. فأخبرته فتبسم تبسم عارف بما كان. 10 - ومنه: بإسناده عن سلمان في أجوبة أمير المؤ منين عليه السلام عن مسائل الجاثليق - وساق إلى أن طلب الجاثليق منه عليه السلام المعجز فقال أمير المؤمنين: خرجت أيها النصراني من مستقرك مضمرا خلاف ما أظهرت الآن من الطلب والاسترشاد فاريت في منامك مقامي، وحدثت فيه كلامي، وحذرت فيه من خلافي، وامرت فيه باتباعي. قال: صدقت والله الذي بعث المسيح، ما اطلع على ما أخبر تني به غير الله تعالى. ثم أسلم وأسلم الذين كانوا معه. أقول: قدمر في أبواب معجزات الائمة عليهم السلام أخبار كثيرة في ذلك تركناها مخافة الاطناب والتكرار، وستأتي رؤيا ام داوود في باب عمل الاستفتاح. 11 - التوحيد للصدوق: بإسناده عن وهب بن وهب القرشي، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: رأيت الخضر عليه السلام (1) قبل بدر بليلة فقلت له: علمني شيئا انصربه على الاعداء، فقال: (2) ياهو يا من لاهو إلا هو. فلما أصبحت قصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي علمت الاسم الاعظم. وكان على لساني يوم بدر (3) (الخبر). 12 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن ابن حشيش، عن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد بن مخلد، عن أحمد بن ميثم، عن يحيي بن عبد الحميد الحمانى، عن


(1) في المصدر، في المنام. (2) فيه، قل ياهو.. (3) التوحيد: 49.

[243]

أبي بكر بن عياش، قال: إني رأيت في منامي حين وجه موسى بن عيسى إلى قبر الحسين عليه السلام من كربه وكرب جميع أرض الحائر وزرع الزرع فيها: كأني خرجت إلى قومي بني غاضرة، فلما صرت بقنطرة الكوفة اعترضتني خنازير عشرة تريدني فأغا ثني الله برجل كنت أعرفه من بني أسد، فدفعها عني، فمضيت لوجهي فلما صرت إلى شاهي ضللت الطريق، فرأيت هناك عجوزا، فقالت لي: أين تريد أيها الشيخ ؟ قلت: اريد الغاضرية، قالت لي: تنظر هذا الوادي، فإنك إذا أتيت إلى آخره اتضح لك الطريق. فمضيت وفعلت ذلك، فلما صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت: من أين أنت أيها الشيخ ؟ فقال لي: أنا من أهل هذه القرية فقلت: كم تعد من السنين ؟ قال: ما أحفظ ما مر من سني وعمري، ولكن أبعد ذكري أني رأيت الحسين بن علي عليهما السلام ومن كان معه من أهله ومن تبعه يمنعون الماء الذي تراه ولا تمنع الكلاب ولا الوحوش شربه. فاستفظعت ذلك وقلت له: ويحك أنت رأيت هذا ؟ قال: إي والذي سمك السماء لقد رأيت هذا أيها الشيخ وعاينته، وإنك وأصحابك الذين تعينون على ما قد رأينا مما أقرح عيون المسلمين إن كان في الدنيا مسلم. فقلت: ويحك وما هو ؟ قال: حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه. قلت: وما جرى ؟ قال: أيكرب قبر ابن النبي صلى الله عليه وآله ويحرث أرضه ؟ قلت: وأين القبر ؟ قال: ها هوذا أنت واقف في أرضه، وأما القبر فقد عمي عن أن يعرف موضعه. قال ابن عياش: وما كنت رأيت القبر قبل ذلك الوقت قط، ولا أتيته في طول عمري. قلت: من لي بمعرفته ؟ فمضى معي الشيخ حتى وقف بي على حير له باب وآذن، وإذا جماعة كثيرة على الباب، فقلت للآذن: اريد الدخول على ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت. قلت: ولم ؟ قال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل الله ومحمد رسول الله ومعهما جبرئيل وميكائيل في رعيل من الملائكة كثير. قال ابن عياش: فانتبهت وقد دخلني روع شديد وحزن وكآبة، ومضت بي الايام حتى كدت أن أنسى المنام، ثم اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدين

[244]

كان لي على رجل منهم، فخرجت وأنا لا أذكر الحديث حتى صرت بقنطرة الكوفة ولقيني عشرة من اللصوص، فحين رأيتهم ذكرت الحديث ورعبت من خشيتي لهم. فقالوا لي: ألق ما معك وانج بنفسك. وكان معي نفيقة، فقلت: ويحكم أنا أبو بكر بن عياش وإنما خرجت في طلب دين لي، والله لا تقطعوني عن طلب ديني وتصرفاتي في نفقتي فإني شديد الاضافة. فنادى رجل منهم: مولاي ورب الكعبة لا تعرض له، ثم قال لبعض فتيانهم: كن معه حتى تصير به إلى الطريق الايمن. قال أبو بكر: فجعلت أتذكر ما رأيته في المنام، وأتعجب من تأويل الخنازير حتى صرت إلى نينوى، فرأيت والله الذي لاإله إلا هو، الشيخ الذى كنت رأيته في منامي بصورته وهيئته، رأيته في اليقظة كما رأيته في المنام سواء، فحين رأيته ذكرت الامر والرؤيا، فقلت: لاإله إلا الله ماكان هذا إلا وحيا، (1) ثم سألته كمسألتي إياه في المنام، فأجابني بما كان أجابني، ثم قال لي: امض بنا، فمضيت فوقفت معه على الموضع وهو مكروب، فلم يفتني شئ من منامي إلا الآذن والحير، فإني لم أر حيرا ولم أر آذنا. ثم قال أبو بكر: إن أبا حصين حد ثني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رآني في المنام فإياي رأى، فإن الشيطان لا يتشبه بي. تمام الخبر. بيان: تقول " كرب الارض " إذا قلبتها للحرث. والرعيل القطعة من الخيل. والاضافة الضيافة. أقول: وقد مضت أخبار كثيرة من هذا الباب في أبواب معجزات الائمة ومعجزات ضرائحهم المقدسة.


(1) في اكثر النسخ " وصيا " والظاهر انه تصحيف.

[245]

{ 46 باب } * (قوى النفس ومشاعرها من الحواس الظاهرة والباطنة وسائر) * * (القوى البدنية) * الآيات. البقرة: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (1). النحل: والله أخرجكم من بطون امها تكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون (2). المؤمنون: وهو الذي أنشأ لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون (3) الروم: من آياته خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (4). تفسير: " ختم الله على قلوبهم " قال النيسابوري: القلب تارة يراد به اللحم الصنوبري المودع في التجويف الايسر من الصدر، وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة، وينبعث منه إلى سائر الاعضاء بتوسط الاوردة والشرايين ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الانسان إنسانا، وبها يستعد لا متثال الاوامر والنواهي والقيام بموجب (5) التكليف. " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (6) وهي من عالم الامر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده


(1) البقرة: 7. (2) النحل: 78. (3) المؤمنون: 78. (4) الروم: 22. (5) بمواجب (خ). (6) ق: 37.

[246]

" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (1) كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق وهو نقيض ذلك " ألاله الخلق والامر " (2) وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة " ونفس ما سواها فألهمها فجورها وتقواها " (3) وبالروح " قل الروح من أمر ربي " (4)، " و نفخت فيه من روحي (5) - ثم قال بعد تفسير السمع والبصر -: والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من القلب والعين نور، أما نور العين فمنطبع فيها لانه من عالم الخلق، فهو نور جزئي، ومدركه في ذلك النور. ولكل منهما بل لكل فرد منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه أو يدر كه أصغر مما هو عليه - انتهى -. أقول: وقد مضى تفسير الختم وتأويله في كتاب العدل. " لا تعلمون شيئا " قال الزمخشري: هو في موضع الحال، أي غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة " وجعل لكم " معناه: وركب فيكم هذه الاشياء آلات لازالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم. وقال النيسابوري، اعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الانسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم، إلا أنه تعالى خلق السممع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه. ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافيا في جزم الذهن بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الاحكام علوم بديهية. وإن لم يكن


(1) يس: 82. والاية كانت في المتن بجميع نسخه هكذا: إنما أمرنا لشئ إذا اردناه ان نقول له كن فيكون. (2) الاعراف: 54. (3) الشمس: 7 - 8. (4) الاسراء: 85. (5) ص 72: الجر: 29.

[247]

كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها - ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل - فهي علوم كسبية. فظهر أن السبب الاو ل لحدوث هذه المعارف في النفوس الانسانية هو أنه تعالى أعطى الحواس والقوى الداركة للصور الجزئية. وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة هي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارها عليها، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية، فالمراد بقوله " لا تعلمون شيئا " أنه لا يظهر أثر العلم عليهم، ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب سائر العلوم، ومعنى " لعلكم تشكرون " أن تصرفوا كل آلة في ما خلق لاجله، وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف " جعل " على " أخرج " أن يكون جعل السمع والبصر والافئدة متأخرا عن الاخراج من البطن. " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " قال الرازي: لما أشار إلى دلائل الانفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الانفس بالاختلاف الذي بين ألوان الانسان فإن واحدا منهم مع كثرة عددهم وصغر حجمهم، خدودهم وقدودهم لا تشتبه بغيرهم. والثاني اختلاف كلامهم فإن عربيين هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر، حتى أن من يكون محجوبا عنهما لا يبصر هما يقول: هنا صوت فلان. وفيه حكمة بالغة، وذلك لان الانسان يحتاج إلى التمييز بين الاشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره، والعدو من الصديق، ليحتزر قبل وصول العدو إليه، وليقبل علي الصديق (1) قبل أن يفوته الاقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور، وقد يكون بالسمع فخلق اختلاف الاصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو والصديق فلا يقع التمييز (2) ومن الناس من قال: إن المراد اختلاف اللغات كالعربية والفارسية والرومية وغيرها، والاول أصح - انتهى -. وعلى الثاني المراد أنه علم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها وأقدره عليها.


(1) في اكثر النسخ " ليحترز قبل.. " وهو خطا من النساخ ظاهر. (2) في اكثر النسخ " التميز ".

[248]

الاخبار: 1 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب. فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، قال: لبيك يا ابن رسول الله، قال: ألا تحدثني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته ؟ قال هشام: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوا (1). قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة. وعظم ذلك علي، فخرجت إليه ودخلت البصرة في يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متزربها من صوف، وشملة مرتد بها (2). فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم، أنا رجل غريب، تأذن لي فأسألك عن مسألة ؟ قال: فقال: نعم، قال: قلت له: ألك عين ؟ قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال ؟ ! فقلت: هكذا مسألتي. فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء. قلت: أجبني فيها، قال: فقال لي: سل، قلت: ألك عين ؟ قال: نعم، قلت: فما ترى بها ؟ قال: الالوان والاشخاص. قال: قلت (3): فلك أنف ؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به ؟ قال: أتشمم بها الرائحة. قال: قلت: ألك فم ؟ قال: نعم، قلت: وما (4) تصنع به ؟ قال: أعرف به طعم الاشياء. قال: قلت: ألك لسان ؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به ؟ قال: أتكلم به، قال: قلت: ألك اذن ؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها ؟ قال: أسمع بها الاصوات. قال: قلت:


(1) في المصدر: فافعلوه. (2) زاد فيه: والناس يسألونه. (3) فقلت: ألك. (4) فما (خ).

[249]

ألك يد ؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها ؟ قال: أبطش بها. قال: قلت: ألك قلب ؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به ؟ قال: اميز كل ما ورد على هذه الجوارح. قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟ قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته رد ته إلى القلب فييقن اليقين ويبطل الشك. قال: فقلت: إنما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟ قال: نعم، قال: قلت: فلابد من القلب وإلا لم تستقم الجوارح ؟ قال: نعم، قال: فقلت: يا أبا مروان إن الله - تعالى ذكره - لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وييقين ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك ؟ ! قال: فسكت ولم يقل شيئا. قال: ثم التفت إلي فقال: أنت هشام ؟ فقلت: لا، فقال لي: أجالسته ؟ فقلت: لا، قال: فمن أين أنت ؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذا هو، قال: ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت. فضحك أبو عبد الله الصادق عليه السلام ثم قال: يا هشام من علمك هذا ؟ قال: قلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني. قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. (1) 2 - العلل: عن محمد بن موسى البرقي، عن علي بن محمد ماجيلويه، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول لرجل: اعلم يا فلان أن منزلة القلب (2) من الجسد بمنزلة الامام من الناس الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أن جميع جوارح الجسد شرط للقلب و تراجمة له مؤدية عنه: الاذنان والعينان والانف (3) واليدان والرجلان والفرج فإن القلب إذا هم بالنظر فتح الرجل عينيه، وإذاهم بالاستماع حرك اذنيه وفتح


(1) الامالى: 351 - 352. (2) في بعض النسخ " والجسد " والصواب ما أثبتناه موافقا لنسخ اخرى وللمصدر. (3) زاد في المصدر: " والفم ".

[250]

مسامعه فسمع، وإذا هم القلب بالشم استنشق بأنفه فأدى تلك الرائحة إلى القلب وإذا هم بالنطق تكلم باللسان، وإذا هم بالحركة سعت الرجلان، وإذا هم بالشهوة تحرك الذكر، فهذه كلها مؤدية عن القلب بالتحريك، وكذا ينبغي للامام أن يطاع للامر منه. (1) بيان: قال في القاموس: الشرطة - بالضم -: واحد الشرط - كصرد - وهم أول كتبية تشهد الحرب وتتهيأ للموت، وطائفة من أعوان الولاة. 3 - التوحيد والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القسم بن محمد الاصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث طويل يقول فيه: ألا إن للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه. (2) أقول: أوردت الاخبار في أحوال القلب وصلاحه وفساده وكذا أحوال النفس و درجاتها في الصلاح والفساد في أبواب مكارم الاخلاق من كتاب الكفر والايمان. 4 - المناقب لابن شهر آشوب: مما أجاب الرضا عليه السلام بحضرة المأمون لضباع ابن نصر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما: قال عمران: العين نور مركبة أم الروح تبصر الاشياء من منظرها ؟ قال عليه السلام: العين شحمة، وهو البياض والسواد، والنظر للروح. دليله أنك تنظر فيه فترى صورتك في وسطه، والانسان لا يرى صورته إلا في ماء أو مرآة وما أشبه ذلك. قال ضباع: فإذا عميت العين كيف صارت الروح قائمة والنظر ذاهب ؟ قال: كالشمس طالعة يغشاها الظلام. قالا (3): أين تذهب الروح ؟ قال: أين يذهب الضوء الطالع من الكوة في البيت إذا سدت الكوة ؟ قال: أوضح لي


(1) علل الشرائع: ج 1، ص 103. (2) الخصال: 112. (3) في المصدر: قال.

[251]

ذلك قال: الروح مسكنها في الدماغ وشعاعها منبث في الجسد بمنزلة الشمس دارتها في السماء وشعاعها منبسط على الارض، فإذا غابت الدارة فلا شمس، وإذا قطعت الرأس فلا روح. (1) بيان: " نور مركبة " أي مدرك ركب في هذا العضو وهو يدرك المبصرات، أم المدرك الروح وهذا منظره ؟ واختار عليه السلام الثاني، ويدل على أن المدرك النفس وهذه آلاتها كما مر أنه المشهور. ويحتمل أن يكون المراد به الروح الحيواني بأن يكون المراد أن المدرك هو الروح الذي في العين لا نفس الضوء (2) فلا ينفي المذهب الآخر كما يومئ إليه قوله " الروح مسكنها في الدماغ " وهو يدل على أن محل الروح ومنشأه الدماغ كما قيل، وكأن النزاع لفظي، المراد هنا الروح النفساني النازل من الدماغ بتوسط الاعصاب إلى جميع البدن، ومنشأ الجميع القلب. قال بعض المحققين: خلق الله سبحانه بلطيف صنعه جرما حارا لطيفا نورانيا شفافا يسمى بالروح البخاري، وجعله مركبا للنفس وقواها، وكرسيا لملائكتها حيا بحياتها، باقيا بتعلقها به، فانيا برحلتها عنه لا كسائر الاجرام التي تزول عنها الحياة وهي باقية، وبه حياة البدن من الواهب بواسطة النفس. فكل موضع يفيض عليه من سلطان نوره يحيى وإلا فيموت. واعتبر بالسدد، فلو لا أن قوة الحس والحركة قائمة بهذا الجسم اللطيف لما كانت السدد يمنعها، وقد يخدر العضو بالسدة بحيث لا يتألم بجرح وضرب، وربما ينقطع فتبطل الحياة منه، ولولا أنه شديد اللطافة لما نفذ في شباك العصب. ومن أخذ بعض عروقه يحس بجري جسم لطيف حار فيه وتراجعه عنه، وهذا هو الروح، ومنبعه القلب الصنوبري، ومنه يتوزع على الاعضاء العالية والسافلة من البدن، فما يصعد إلى معدن الدماغ على أيدي خوادم الشرايين معتدلا بتبريده فائضا إلى الاعضاء المدركة المتحركة منبثا في جميع البدن يسمى روحا نفسانيا، وما يسفل منه إلى الكبد بأيدي سفراء الاوردة الذي هو مبدأ


(1) المناقب: ج 4، ص 353. (2) العصو خ.

[252]

القوى النباتية منبثا في أعراق البدن يسمى روحا طبيعيا - انتهى -. قوله " دليله أنك تنظر فيه " كأن الغرض التنبيه على أن هذا العضو بنفسه ليس شاعرا لشئ، لانه مثل سائر الاجسام الصقيلة التي يرى فيها الوجه كالماء والمرآة فكما أنها ليست مدركة لما ينطبع فيها فكذا العين وغيرها من المشاعر، أو دفع (1) لتوهم كون الانطباع دليلا على كونها شاعرة، فيكون سندا للمنع. قوله " دارتها " أي جرمها المستدير. في القاموس: الدار: المحل، يجمع البناء والعرصة، كالدارة، وبالهاء ما أحاط بالشئ كالدائرة، ومن الرمل ما استدار منه وهالة القمر. وفي المصباح: الدارة دارة القمر وغيره، سميت بذلك لاستدارتها - انتهى -. والرأس مذكر، وتأنيث الفعل كأنه لاشتماله على الاعضاء الكثيرة إن لم يكن من تصحيف النساخ. 5 - التوحيد: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن أبي إسحاق، عن عدة من أصحابنا أن عبد الله الديصاني أتى هشام بن الحكم فقال له: ألك رب ؟ فقال: بلى، قال: قادر ؟ قال: بلى (2) قادر قاهر، قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها في البيضة لا تكبر (3) البيضة ولا تصغر الدنيا ؟ فقال هشام: النظرة. فقال له: قد أنظرتك حولا ! ثم خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له، فقال: يا ابن رسول الله، أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: عماذا سألك ؟ فقال: قال لي كيت وكيت. فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، كم حواسك ؟ قال: خمس، فقال: أيها أصغر ؟ فقال: الناظر. قال: وكم قدر الناظر ؟ قال: مثل العدسة أو أقل منها، فقال: يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى. فقال: أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وترابا وجبالا وأنهارا، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن الذي قدر أن يدخل


(1) رفع خ. (2) في المصدر: نعم. (3) في المصدر " لا يكبر في البيضة " والصواب ما في المتن.

[253]

الذي تراه العدسة (1) أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة ولا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة. فانكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال: حسبي يا ابن رسول الله. فانصرف إلى منزله وغدا عليه الديصاني فقال له: يا هشام، إني جئتك مسلما ولم أجئك متقاضيا للجواب. فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب (2) - الخبر -. تبيين: أقول: في حل هذا الخبر وجوه أرودتها في كتاب التوحيد، وعلى التقادير يدل على أن الابصار بالانطباع، وعلى بعض الوجوه المتقدمة يحتمل أن يكون إقناعيا مبنيا على المقدمة المشهورة بين الجمهور أن الرؤية بدخول صور المرئيات في العضو البصري، فلا ينافي كون الابصار حقيقة بخروج الشعاع. 6 - الاختصاص: قال العالم عليه السلام: خلق الله عالمين متصلين: فعالم علوي وعالم سفلي. وركب العالمين جميعا في ابن آدم، وخلقه كريا (3) مدورا فخلق الله رأس ابن آدم كقبة الفلك، وشعره كعدد النجوم، وعينيه كالشمس والقمر، ومنخريه كالشمال والجنوب، واذنيه كالمشرق والمغرب، وجعل لمحه كالبرق، وكلامه كالرعد ومشيه كسير الكواكب، وقعوده كشرفها، وغفوه كهبوطها، وموته كاحتراقها. وخلق في ظهره أربعة وعشرين فقرة كعدد ساعات الليل والنهار، وخلق له ثلاثين معى كعدد الهلال ثلاثين يوما، وخلق له اثني عشر وصلا (4) كعدد السنة اثني عشر شهرا، وخلق له ثلاثمائة وستين عرقا كعدد السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق له سبعمائة عصبة واثني عشر عضوا وهو مقدار ما يقيم الجنين في بطن امه. وعجنه من مياه أربعة: فخل المالح في عينيه، فهما لا يذوبان في الحر ولا يجمدان في البرد، وخلق المر في اذنيه لكي لا تقربهما الهوام، وخلق المني في ظهره ليكلا يعتريه الفساد، وخلق


(1) فيه: العدس. (2) التوحيد: 75. (3) في المصدر: كرويا. (4) من هنا إلى " واثنى عشر " غير موجود في المصدر.

[254]

العذب في لسانه (1) ليجد طعم الطعام والشراب، وخلقه بنفس وجسد وروح، فروحه التي لا تفارقه إلا بفراق الدنيا، ونفسه التي تريه (2) الاحلام والمنامات، وجسمه هو الذي يبلى ويرجع إلى التراب (3). بيان: " وغفوه " أي نومه. وفي بعض النسخ " فقره " وكأنه تصحيف. " وهو مقدار ما يقيم " أي الاثنا عشر، فإن أكثر الحمل اثنا عشر شهرا على الاشهر. وكأن الروح هو الحيواني، والنفس هي الناطقة. 7 - تحف العقول: سأل يحيى بن أكثم عن قول علي عليه السلام " إن الخنثى يورث من المبال " وقال: فمن ينظر إذا بال إليه ؟ مع أنه عسى أن تكون امرأة وقد نظر إليها الرجال، أو عسى أن يكون رجلا وقد نظرت إليه النساء، وهذا مالا يحل. فأجاب أبو الحسن الثالث عليه السلام: إن قول علي عليه السلام حق، وينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة، فينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه (4). بيان: ظاهره أن الرؤية بالانطباع لا بخروج الشعاع، لقوله عليه السلام " فيرون الشبح " ولانه إذا كان بخروج الشعاع فلا ينفع النظر في المرآة، لان المرئي حينئذ هو الفرج أيضا. ويمكن الجواب بوجهين: الاول: أن مبنى الاحكام الشرعية الحقائق العرفية واللغوية لا الدقائق الحكمية، ومن رأى امرأة في الماء لا يقال لغة ولا عرفا: أنه رآها، وإنما يقال: رأى صورتها وشبحها. والنصوص الدالة على تحريم النظر إلى العورة إنما تدل على تحريم الرؤية المتعارفة، وشمولها لهذا النوع من الرؤية غير معلوم. فيمكن أن يكون كلامه عليه السلام مبنيا على ذلك لا على كون الرؤية بالانطباع، ويكون قوله " فيرون الشبح "


(1) في المصدر: فشهد آدم أن لا إله إلا الله فخلقه بنفس - الخ -. (2) فيه: يرى بها الاحلام. (3) الاختصاص: 142 - 143. (4) تحف العقول: السؤال في ص 477، والجواب في ص 480.

[255]

مبنيا على ما يحكم به أهل العرف، وذكره لبيان أن مثل تلك الرؤية لا تسمى رؤية حقيقية (1) لا عرفا ولا لغة. والثانى أنه يحتمل أن يكون الحكم مبنيا على الضرورة، ويجوز في حال الضرورة مالا يجوز في غيرها، فيجوز النظر إلى العورة كنظر الطبيب والقابلة وأمثالهما ولما كان هذا النوع من الرؤية أخف شناعة وأقل مفسدة اختاره عليه السلام لدفع الضرورة هناك بها، فلا يدل على الجواز عند فقد الضرورة، وعلى الانطباع. والاول أظهر. ومع ذلك لا يمكن دفع كون ظاهر الخبر الانطباع، وسنتكلم في أصل الحكم في موضعه إن شاء الله تعالى. 8 - توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في الافعال التي جعلت في الانسان من الطعم النوم والجماع وما دبر فيها، فإنه جعل لكل واحد منهما في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به. فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه، والكرى (2) يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه، ولو كان الانسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل، حتى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء لشئ مما يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت: وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه حتى ينهك بدنه. ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع. فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل (3) به. فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الافعال التي بها قوام الانسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه كذلك ويحدوه عليه.


(1) حقيقة (خ). (2) الكرى - بفتحتين -: النعاس. (3) أي لا يبالى ولا يهتم به، وفى نسخة " لا يحتمل به " وفى اخرى " ولا بمجفل به "

[256]

واعلم أن في الانسان قوى أربعا: قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها. ففكر في تقدير هذه القوى الاربع التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والارب فيها وما في ذلك من التدبير والحكمة. ولولا الجاذبة كيف يتحرك الانسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن ؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة ؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ منه حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله ؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا ؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه ؟ وسامثل في ذلك مثالا: إن البدن بمنزلة دار الملك، وله فيها حشم وصبية (1) وقوام موكلون بالدار، فواحد لافضاء (2) حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الاقذار وإخراجه منها فالملك هو الخلاق الحكيم ملك العالمين والدار هي البدن، والحشم هي الاعضاء، والقوام هي هذه القوى الاربع: ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الاربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الاطباء، ولا قولنا فيه كقولهم، لانهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الابدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي، كالذي أوضحته بالوصف الثاني والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها. تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس وموقها من الانسان أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال الحفظ وحده


(1) الصبية - بالتثليث: جمع الصبى. (2) في بعض النسخ " لا قضاء " وهو تصحيف.

[257]

كيف كانت تكون حاله ؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في اموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ماله وعليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال، وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساءه، وما نفعه مما ضره. ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه مالا يحصى، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره، ولا يعتقد دينا، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا ! فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال أو كيف موقع الواحدة منها دون الجميع. وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ، النعمة في النسيان ! فإنه لو لا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشئ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات، ولا رجاء غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادان، جعل له في كل منهما ضرب من المصلحة ؟ ! وما عسى أن يقول الذين قسموا الاشياء بين خالقين متضادين في هذه الاشياء المتضادة المتبائنة وقد تراها تجمع على ما فيه الصلاح والمنفعة ؟ انظر يا مفضل إلى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء، فلولاه لم يقر ضيف، ولم يوف بالعدات، ولم تقض الحوائج، ولم يتحر الجميل، ولم يتنكب القبيح في شئ من الاشياء، حتى أن كثيرا من الامور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء، فإن من الناس لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذارحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعف عن فاحشة. أفلا ترى كيف وفي الانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره. تأمل يا مفضل ما أنعم الله - تقدست أسماؤه - به على الانسان من هذا النطق الذي يعبر به عما في ضميره وما يخطر بقلبه وينتجه فكره، وبه يفهم من غيره ما في نفسه، ولو لا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ ولا تفهم عن مخبر شيئا. وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الانسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطع أخبار بعض الازمنة

[258]

عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم، وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في امورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما روي لهم مما لا يسعهم جهله، ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما اعطيه الانسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنما هو شئ يصطلح عليه الناس فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الامم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة ككتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في الامم، إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام فيقال لمن ادعى ذلك: إن الانسان وإن كان له في الامرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشئ الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عزوجل له في خلقه فإنه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للامور لم يكن ليتكلم أبدا ولو لم يكن له كف مهيأة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدا. واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة. فأصل ذلك فطرة البارئ عزوجل، وما تفضل به على خلقه. فمن شكر اثيب، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. فكر يا مفضل في ما اعطي الانسان علمه وما منع، فإنه اعطي علم جميع ما فيه صلاح دينه ودنياه. فمما فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارك وتعالى بالدلائل والشواهد القائمة في الخلق، ومعرفة الواجب عليه من العدل على الناس كافة، وبر الوالدين، وأداء الامانة، ومواساة أهل الخلة، وأشباه ذلك مما قد توجب معرفته والاقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كل امة موافقة أو مخالفة. وكذلك اعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة، والغراس، واستخراج الارضين، واقتناء الاغنام والانعام، واستنباط المياه، ومعرفة العقاقير التي يستشفي بها من ضروب الاسقام، والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر، وركوب السفن، والغوص في البحر. وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرف في الصناعات ووجوه المتاجر والمكاسب وغير ذلك مما يطول شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار. فاعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه ومنع ما سوى ذلك مما ليس فيه

[259]

شأنه ولا طاقته أن يعلم، كعلم الغيب وما هو كائن، وبعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء، وما تحت الارض، وما في لجج البحار وأقطار العالم، وما في قلوب الناس، وما في الارحام، وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه. وقداد عت طائفة من الناس هذه الامور فأبطل دعواهم ما يبين من خطأهم في ما يقضون عليه ويحكمون به في ما ادعوا علمه. فانظر كيف اعطي الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه ! وكلا الامرين فيها صلاحه. تأمل الآن يا مفضل ماستر عن الانسان علمه من مدة حياته، فإنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر. على أن الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال، لان من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس. وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء، وانهمك في اللذات والمعاصي، وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله. ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الامور في كل الاوقات على تصرف الحالات. فإن قلت: أو ليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته ؟ قلنا: إن ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات له لو تركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ويبني عليه أمره، فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة. فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بداله ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع، بأن يتسلف التلذذ في العاجل، ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولانه لا يفي بما يعد من ذلك، فإن النزوع من الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة ولاسيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب، ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته بالتوبة أن

[260]

يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الاجل وقد نفذ المال، فيبقى الدين قائما عليه. فكان خير الانسان أن يستر عنه مبلغ عمره، فيكون طول عمره يترقب الموت، فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح. فإن قلت: وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش وينتهك المحارم. قلنا: إن وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الامر فيه، فإن كان الانسان مع ذلك لا يرعوي ولا ينصرف عن المساوي فإنما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه، لا من خطأ في التدبير. كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به، فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه لم (1) ينتفع بصفته، ولم يكن الاساءة في ذلك للطبيب، بل للمريض حيث لم يقبل منه. ولئن كان الانسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر القطعية (2) فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء. ثم إن ترقب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي، ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالاموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع اولئك حظهم منها. تذنيب ولنذكر بعض ما ذكره الحكماء في تحقيق القوى البدنية الانسانية، لتوقف فهم الآيات والاخبار عليها في الجملة، واشتمالها على الحكم الربانية. قالوا: الحيوان جسم مركب مختص من بين المركبات بالنفس الحيوانية لكون مزاجه أقرب إلى الاعتدال جدا من النباتات والمعادن، فبعد أن يستوفي درجة


(1) في بعض النسخ، ولم ينتفع بصفته فلم يكن. (2) الفظيعة (خ).

[261]

الجماد والنبات يقبل صورة أشرف من صورتهما. وعرفوا النفس الحيوانية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالارادة. ولها قوتان: مدركة، ومحركة. أما المدركة فهي إما في الظاهر أو في الباطن. أما التي في الظاهر فهي خمس بحكم الاستقراء. وقيل: لان الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا وقد استكملت جميع ما في تلك المرتبة، فلو كان في الامكان حس آخر لكان حاصلا للانسان، فلما لم يحصل علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس. فمنها السمع وهو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ، ويتوقف على وصول الهواء المنضغط بين القارع والمقروع و (1) القالع والمقلوع مع مقاومة المتكيف بكيفية الصوت المعلول لتموج ذلك الهواء إلى الصماخ. وليس مرادهم بوصوله ما هو المتبادر منه، بل إن ذلك الهواء بتموجه يموج الهواء المجاور له ويكيفه بالصوت، ثم يتموج المجاور لهذا المجاور وهكذا إلى أن يتموج الهواء الراكد في الصماخ. وقيل: لا ينحصر المتوسط في الهواء، بل كل جسم سيال كالماء أيضا. ومنها البصر وهو قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين النابتتين من غور البطنين المقدمين من الدماغ، يتيامن النابت منهما يسارا، ويتياسر النابت منهما يمينا، فيلتقيان ويصير تجويفهما واحدا، ثم ينعطف النابت منهما يمينا إلى الحدقة اليمنى، والنابت منهما يسارا إلى الحدقة اليسرى، ويسمى الملتقى بمجمع النور. والفلاسفة اختلفوا في كيفية الابصار، فالطبيعيون منهم ذهبوا إلى أنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي بمنزلة البرد والجمد في الصقالة المرآتية، فإذا قابلها متلون مستنير انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الانسان في المرآة، لا بأن ينفصل من المتلون شئ ويميل إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في عين الناظر، ويكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف.


(1) أو (خ)

[262]

والرياضيون ذهبوا إلى أنه بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند العين وقاعدته عند المرئي، ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة. وقال بعضهم بأن الخارج من العين خط واحد مستقيم لكن يثبت طرفه الذي يلي العين ويضطرب طرفه الاخرى على المرئي فيتخيل منه هيئة مخروط. والاشراقيون قالوا: لاشعاع ولا انطباع، وإنما الابصار مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة، فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم حضوري إشراقي على المبصر، فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية. لكن المشهور من آراء الفلاسفة الانطباع والشعاع. تمسك الاولون بوجوه: أحدها - وهو العمدة - أن العين جسم صقيل نوراني وكل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة. أما الكبرى فظاهر وأما الصغرى فلما نشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه، ولان الانسان إذا نظر نحو أنفه قديري عليه دائرة مثل الضياء، وإذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه ثم يفقده، وذلك لا متلاء العين من النور. وإن غمضنا إحدى العينين اتسمع مثقب العين الاخرى، فيعلم أنه يملؤه جوهر نوري. ولولا انصباب أجسام نورانية من الدماغ إلى العين لكان تجويف العصبتين عديم الفائدة. وثانيها أن الاحساس بسائر الحواس ليس لاجل خروج شئ من المحسوس بل لاجل أن يأتيها صورة المحسوس، فكذا حكم الابصار. وثالثها أن كون رؤية الاشياء الكبيرة من البعيد صغيرة لضيق زاوية الرؤية لا يتأتى إلا مع القول بكون موضع الرؤية هو الزاوية كما هو رأي أصحاب الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي القائلين بخروج الشعاع، فإنها لا تتفاوت. ورابعها أن من حدق النظر إلى الشمس ثم انصرف عنها يبقى في عينه صورتها زمانا، وذلك يوجب ما قلناه وخامسها أن الممرورين يرون صورا مخصوصة لا وجود لها في الخارج، فإذن

[263]

حصولها في البصر. واجيب عن الاول بأنه بعد تمامه لا يفيد إلا انطباع الشبح، وأما كون الابصار به فلا. وعن الثاني أنه تمثيل بلا جامع. وعن الثالث بأن كون العلة ما ذكرتم غير مسلم، كيف وأصحاب الشعاع يذكرون له وجها آخر. وعن الرابع بأن الصورة غير باقية في الباصرة بل في الخيال، وأين أحدهما من الآخر. وعن الخامس أنه إنما يدل على إثبات الانطباع في هذا النحو من الرؤية التي هي من قبيل الرؤيا ومشاهدة الامور الغائبة عن الابصار بوقوع أشباحها في الخيال، ولا يدل على أن الابصار للموجودات في الخارج بالانطباع، وقياس أحدهما على الآخر غير ملتفت إليه في العلوم. وتمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه: احدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في (1) البعيد، ومن كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح، لان الحركة في المسافة البعيدة تفيد رقة وصفاء، ولو كان الابصار بالانطباع لما تفاوت الحال. وثانيها أن الاجهر يبصر بالليل دون النهار، لان شعاع بصره لقلته يتخلل نهارا شعاع الشمس فلا يبصر، ويجتمع ليلا فيقوى على الابصار، والاعمش بالعكس لان شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الابصار إلا إذا أفادته الشمس رقة وصفاء. وثالثها أن الانسان إذا نظر إلى ورقة ورآها كلها لم يظهر له إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر وما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا. ورابعها أن الانسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل عن عينه وأشرق على أنفه، وإذا غمض عينه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه والسراج. والجواب عن الكل أنها لاتدل على المطلوب، أعني كون الابصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا، ونحن لا ننكر أن في آلات الابصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة، وإن أنكرها محمد بن زكريا زعما أن النور لا يوجد إلا في النار


(1) للبعيد (ح).

[264]

وفي الكواكب، وأما الاجسام الكثيفة وما في بواطنها فالاولى بها الظلمة، وكيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب جسم نوراني ؟ أما ابن سينا فقد اعترت بذلك، لان جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي مر ذكرها على خروج الشعاع من العين [و] أجاب عنه بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين ولا نزاع فيه لكن قلتم إن ذلك الشعاع يخرج فحينئذ نقول: آلة الابصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين والمرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية وتشتد حركته عند رؤية البعيد، فيتخلل لطيفها، فيفتقر إلى تلطيف إذا غلظ، وتكثيف إذا لطف ورق فوق ما ينبغي، ويحدث منها في المقابل القابل أشعة وأضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي ولشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر، وإدراكه أقوى وأكمل، ويشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به الشيخ، وإلا فهو باطل قطعا، أما إذا اريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الاعراض فظاهر، وإن اريد جسم شعاعر يتحرك من العين إلى المرئي فلانا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم، ثم إذا طبق الجفن عاد إليها أو انعدم، ثم إذا فتح خرج مثله وهكذا، وأن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر أو إرادة إلى جميع الجهات، وأن ينفذ في الافلاك ويخرقها ليرى الكواكب، وأن لا يتشوش لهبوب الرياح ولا يتصل بغير المقابل، كما في الاصوات حيث يميلها الرياح إلى الجهات، ولانه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب التفاوت بينهما، وليس كذلك بل يرى الافلاك بما فيها من الكواكب دفعة. ثم إن للقائلين بالشعاع مذهبا آخر، وهو أن المشف الذي بين البصر والمرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر، ويصير بذلك آلة للابصار. ويرد عليه المفاسد المتقدمة مع زيادة. وقال صاحب المقاصد: الحق أن الابصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين. ثم اعلم أنه يعرض في الرؤية امور غريبة قد يستدل ببعضها على أحد المذهبين

[265]

منها اختلاف الاقدار بسبب تفاوت الابعاد، والسبب فيه على كلا المذهبين اختلاف زاوية مركز الجليدية انفراجا وحدة، فانه إذا قابل المبصر البصر توهمنا خطين مستقيمين واصلين بين مركز الجليدية وطرفي المبصر، فيحصل زاوية البتة عند مركز الجليدية، فكلما كانت تلك الزاوية أعظم يرى المرئي أصغر، ولا يخفى على المتدرب أن قرب المرئي سبب لعظم تلك الزاوية، وبعده سبب لصغرها، أو بزيادة القرب يزيد عظمها وبزيادة البعد يزيد صغرها، فالخطوط التي هي أضلاع الزوايا موجودة عند الرياضيين، موهومة عند المشائين، وكل من أصحاب المذهبين جعل هذا مؤيدا لمذهبه، وله وجه وإن كان بمذهب المشائين أنسب. وقال بعض المحققين: قد قرر الحكماء عن آخر هم أن تفاوت أقدار المبصرات بتفاوت أقدار الزاوية المذكورة، ويتبع تفاوت إحداهما تفاوت الاخرى على نسبتها من غير انثلام في اتساق النسبة، وبنوا عليه علم المناظر وغيره من معظمات المسائل. وفيه شبهة، وهو أنا إذا قربنا جسما صغيرا طوله مثل طول البصر أو أزيد بقليل كالا صبع من البصر بحيث يصل إلى رؤس شعر الجفن فيرى بزاوية عظيمة جدا ويحجب الجبل العظيم جدا، فزاويته أعظم من زاوية الجبل، فيجب أن يرى أعظم، مع أن الامر بخلافه ضرورة. والجواب أنه في الرؤية أعظم إلا أنه يعلم بحكم العقل أنه صغير جدا ورؤي عظيما بسبب كمال قربه - انتهى -. ومنها رؤية المرئيات في المرايا والاجسام الصقيلة، واختلف في سببه وتفرق آراؤهم إلى مذاهب أربعة: الاول مذهب أصحاب الشعاع حيث ذهبوا إلى أنه بانعكاس الخطوط الشعاعية، وتفصيله أنا نعلم تجربة أن الشعاع ينعكس من الجسم الصقيل، كما ينعكس شعاع الشمس من الماء إلى الجدار، ومن المرآة إلى مقابلها، فإذا وقع شعاع البصر على المرآة مثلا ينعكس منها إلى جسم آخر وضعه من المرآة وضع المرآة من البصر على وجه تتساوى زاويتا الشعاع والانعكاس، فإذا قابلت المرآة وجه المبصر وكان سهم المخروط الشعاعي عمودا على سطح المرآة وجب انعكاس ذلك الخط العمود من سمته بعينه إلى مركز الجليدية، إذ لو انعكس إلى غيره لزم تساوى زاوية قائمة مع زاوية

[266]

حادة، وانعكست الخطوط القريبة منه إلى باقي أجزاء الوجه فيرى الوجه. وإذا كانت المرآة غير مقابلة للبصر على الوجه المذكور لم ينعكس الشعاع إليه، بل إلى جسم آخر من شأنه أن تتساوى به الزاويتان المذكورتان. فالمرئي في المرآة إنما هو الامر الخارجي لكن لما رؤي بالشعاع الذي رؤي به المرآة يظن أنه في المرآة وليس موجودا في المرآة، وإذا كان الوجه قريبا من المرآة والخطوط المنعكسة قصيرة يظن أن صورة المرئي قريبة من سطح المرآة، وإذا كان الوجه بعيدا عنها والخطوط المنعكسة طويلة يظن الصورة غائرة فيها. واورد عليه وجوه من الايراد المذكورة في محالها. الثاني مذهب أصحاب الانطباع، وتوضيحه أنه كما أن القوة الباصرة بحيث إذا قابلت جسما ملونا مضيئا ارتسمت صورته فيها، فكذلك هي بحيث إذا قابلت جسما صقيلا ارتسمت صورتها في الباصرة مع صورة مقابل ذلك الجسم الصقيل وترتسم في جزء ارتسمت فيه صورة المرآة. وشرط الانعكاس عندهم أيضا ما مر من كون الجسم المقابل من المرآة مثل مقابلة المرآة للمبصر بحيث تتساوى زاويتا الشعاع والانعكاس من الخطوط الشعاعية الموهومة المفروضة المستقيمة. الثالث مذهب سخيف ضعيف، وهو أن الصورة ينطبع في المرآة. الرابع مذهب أفلاطون ومن سبقه وتبعه من الاشراقيين، حيث أثبتوا عالما آخر سوى هذا العالم الجسماني الذي هو المحدد للجهات مع ما فيه من الاجرام الفلكية والاجسام العنصرية، وهو عالم متوسط بينه وبين عالم المجردات العقلية الصرفة المنزهة عن المقدار والحيز والجهة والشكل. فإن أشخاص هذا العالم صور مثالية، وأشباح برزخية، مجردة عن الطبائع والمواد، نورانية، يسمى ذلك العالم عالم المثال. وقالوا: إن الصور المرئية في المرايا وغيرها من الاجسام الصقيلة والصور المتخيلة وأمثالها صور موجودة قائمة بنفسها، إذ لو كانت الصور في المرآة لما اختلف رؤية الشئ باختلاف مواضع نظرنا إليها، ولو كانت في الهواء لم يمكن أن ترى لان الهواء شفاف لم يمكن أن يرى وكذا ما حل فيه، وليست هي صورتك بعينها بأن ينعكس الشعاع من المرآة إليك لبطلان القول بالشعاع لوجوه مذكورة في كتب

[267]

القوم ولا في القوة الباصرة أو غيرها من القوى البدنية لوجوه ذكروها، فهي صور جسمانية موجودة في عالم آخر متوسط بين عالمي الحس والعقل يسمى بعالم المثال وهي قائمة بذاتها معلقة لا في محل ولا في مكان، لها مظاهر كالمرآة في الصور المرئية المرآتية والخيال في الصور الخيالية. ووافقهم الصوفية في إثبات هذا العالم وقد مرت الاشارة إليه. قال القيصري في شرح الفصوص: اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا، وبالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيا، وليس بجسم مركب مادي ولا جوهر مجرد عقلي، لانه برزخ وحد فاصل بينهما، وكل ما هو برزخ بين الشيئين لابد وأن يكون غيرهما، بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه. اللهم إلا أن يفال إنه جسم نوري في غاية ما يمكن من اللطافة، فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة وبين الجواهر الجسمانية الكثيفة، وإن كان بعض هذه الاجسام ألطف من البعض كالسماوات بالنسبة إلى غيرها - انتهى -. ومنها رؤية الشئ شيئين كما في الاحول، وفي من مد طرف عينه، أو غمض إصبعه في طرف من العين، فإنه يرى كل شئ اثنين. واختلفت الآراء في تعليله ولنذكر منها مذهبين: الاول مذهب أصحاب الشعاع، فإنهم يقولون إنه يخرج من كل عين مخروط شعاعي له سهم، فان وقع السهمان على موضع واحد من المرئي يرى شيئا واحدا، وإن اختلف موقعاهما يرى اثنين. الثاني مذهب أصحاب الانطباع ومداره على مقدمة، وهي أن القوة البصرية قائمة بالروح الحيواني المصبوب في العصبتين المجوفتين النابتتين من مقدم الدماغ المتقاطعتين، وعند التقاطع يتحد التجويفان، وهناك مجمع النور، فإذا قابل البصر المبصر انطبعت صورته في الجليديتين ولا يكفي ذلك في الابصار، وإلا لرؤي الشئ الواحد شيئين، بل يجب أن تتأدى صورة اخرى مثل تلك الصورة إلى مجمع النور فتحصل الابصار. ثم إن هذا الروح الذي في مجمع النور يؤدي صورة المرئي إلى الحس المشترك، وهناك يتم كمال الابصار.

[268]

ثم بعد هذه المقدمة نقول: إن لادراك الشئ الواحد اثنين أربعة أسباب: الاول انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبتين، فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد، بل ينتهي كل إلى جزء آخر من الروح الباصرة لان خطي الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ملتقى العصبتين، وإذا اختص كل بجزء آخر من الروح الباصرة فكأ نهما شبحان لشيئين، ولانه يختلف موضع الشبح في الروح الباصرة يرى الاثنين في الاثنين. الثاني حركة الروح الباصرة التي في الملتقى وتموجها يمينا ويسارا، حتى يتقدم مركزها المرسوم [له] في الطبع إلى جهتي الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح قبل تقاطع المخروطين، فينطبع من الشئ الواحد شبحان، ويرى كشيئين مفترقين. وهذا مثل ارتسام شبح الشمس في الماء الساكن الراكد مرة واحدة وفي الماء المتوج متكررا. الثالث اضطراب روح الباصرة التي في مقدم الدماغ وحركته قداما إلى صوب ملتقى العصبتين وخلفا إلى الحس المشترك، فإذا نظر في تلك الحالة إلى المرئي انطبع شبحه في جزء من الروح الحاصل في مركزه الذي له وضع مخصوص بالقياس إلى ذلك المرئي، فإذا تحرك ذلك الجزء ووقع جزء آخر في موضعه فلا جرم انطبع شبحه في ذلك الجزء أيضا ولم يزل بعد عن الجزء الاول، فتجتمع هناك صورتان ويرى شيئان. ولمثل هذا السبب يرى الشئ السريع الحركة إلى جانبين كشيئين، لانه قبل انمحاء صورته عن الحس المشترك وهو في جانب يراه البصر في جانب آخر، فتتوافي (1) إدراكاته في الجابنين معا. ومن هذا القبيل رؤية القطرة النازلة خطا مستقيما، والشعلة الجوالة دائرة. ونظير الحركة الدورية لصاحب الدوار، فانه لسبب من الاسباب الطبية (2) يتحرك الروح الذي في تجويف مقدم الدماغ على الدور، فحينئذ إن انطبعت فيه صورة، تزول بسرعة لتحركه، كزوال الضوء عن أجزاء الكرة المقابلة


(1) فتتواخى (خ). (2) الطبيعية (ظ).

[269]

للكوة التي تشرق منها الشمس على الكرة إذا دارت الكرة، لكن قبل زوالها عن ذلك الجزء تحصل صورة في الجزء الذي حصل مكانه فيظن أن المرئي يدور حول نفسه، وما ذلك إلا لحركة الرائي. الرابع اضطراب يعرض للثقبة العنبية، فان الطبقة العنبية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع بها الثقبة تارة وتضيق اخرى، تارة إلى خارج وتارة إلى داخل، فإن تحرك إلى خارج يعرض للثقبة اتساع، وإن تحرك إلى داخل يعرض لها تضيق، فإن ضاقت يرى الشئ أكبر، وإن اتسعت يرى أصغر، فيرى المرئي أولا غير المرئي ثانيا، خصوصا إذا تمثلت قبل انمحاء الاول فيرى اثنين. وفي حال ضيق الثقبة يتكاثف الروح البصري والنور الشعاعي، فيرى أكبر، كما يرى الشئ في البخار أعظم. وفي حال السعة يتلطف الروح ويتخلخل ويرق فيرى أصغر. ومنها انعطاف الشعاع، وبيان ذلك أن الخطوط الشعاعية التي هي على سطح المخروط تنفذ على الاستقامة إلى طرفي المرئي إذا كان الشفاف المتوسط متشابه الغلظ والرقة فإن فرض هناك تفاوت بأن يكون مما يلي الرائي هواء ومما يلي المرئي ماء أو بخارا، فإن تلك الخطوط إذا وصلت إلى ذلك الماء مثلا انعطفت ومالت إلى سهم المخروط، ثم وصلت إلى طرفي المرئي، ولو انعكس الفرض مالت الخطوط إلى خلاف جانب السهم، ومن لوازم الانعطاف رؤية الشئ في الماء والبخار أعظم مما يرى في الهواء. فإن العنبة ترى في الماء كالاجاصة، والكوكب يرى في الافق أعظم مما يرى في وسط السماء. وذلك لان الخطوط إذا انعطفت ومالت إلى جانب السهم تكون زاوية رأس المخروط أعظم منها إذا نفذت الخطوط على الاستقامة، لانه يجب أن تتباعد الخطوط بحيث إذا انعطفت ومالت إلى السهم وصلت إلى طرفي المرئي، فيكون المرئي بها أعظم من المرئي بالاخرى. ومنها رؤية الشجر على الشط منتكسا، وذلك لان الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار الالة الحدباء المسماة بالفارسية، " چنگ " فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع

[270]

إلى رأس الشجر من موضع أقرب من الرائي، وإلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه وهكذا، وإذا كان الشجر على طرف الرائي كان الامر في الانعكاس على عكس ما ذكر. ألا ترى أنك إذا سترت سطح الماء من جانبك يستر عنك رأس الشجر في الصورة الاولى وقاعدتها في الصورة الثانية، فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول من جميع تلك الخطوط المنعكسة إلى ما دونه، ويكون ما هو أقرب منه أطول مما هو أبعد منه على الترتيب، حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجرة، وذلك لتساوي زاويتي الشعاع والانعكاس. ولنفرض خط " اب " عرض النهرو خط " ج ب " الشجر القائم على شطه، " وه‍ " الحدقة، ونفرض على " اب " نقطتي " د " و " و " وعلى " ج ب " " ح " و " ط " فإذا خرج من " ه‍ " خط شعاعي إلى " و " وآخر إلى " د " وجب أن ينعكس الاول إلى نقطة " ط " مثلا فتكون الزاوية الشعاعية أعني زاوية " ه‍ وا " كالزاوية الانعكاسية أعني زاوية " ط وب " وأن ينعكس الآخر إلى نقطة " ح " وتتساوى أيضا شعاعية " ه‍ دا " وانعكاسية " ح د ب ". ثم إن النفس لا تدرك الانعكاس، لتعودها في رؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة، فتحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء، ولا نفوذ [حينئذ] هناك، إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيحسب لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء، لكون الشعاع المنعكس إليه أطول، وكذا الحال في باقي الاجزاء على الترتيب فتراه كأنه منتكس تحت سطح الماء. ومنها الشامة وهي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة. وقيل: بتبخر أجزاء

[271]

لطيفة من ذي الرائحة تختلط بالهواء وتصل معه إلى الخشيوم. وقيل: بفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء ولا تبخر وانفصال أجزاء. ورد الثاني بأن القليل من المسك يشم على طول الازمنة وكثرة الامكنة من غير نقصان في وزنه وحجمه و الثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة ويحرق ويفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الاول أزمنة متطاولة. ويؤيد ذلك ما حكى أرسطو أن الرخمة (1) قد انتقلت من مسافة مائتي فرسخ برائحة جيفة من حرب وقع بين اليونانيين، ودلهم على انتقالها من تلك المسافة عدم كون الرخمة في تلك الارض إلا في نحو من هذا الحد من المسافة. وقد يقال: لعل المتحلل منه أجزاء صغار جدا تختلط بجميع تلك الاجزاء الهوائية، والاستبعاد غير كاف في المباحث العلمية. على أن الشيخ اعترض عليه في الشفاء بقوله " يجوز أن يكون إدراكها للجيف بالباصرة حين هي محلقة في الجو العالي ". ومنها الذائقة وهي قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان، وهي تالية للامسة، إذ منفعتها أيضا في الفعل الذي به يتقوم البدن، وهي تشهية الغذاء واختياره وبالجملة يتمكن به على جذب الملائم ودفع المنافر من المطعومات، كما أن اللامسة يتمكن بها على مثل ذلك من الملموسات. وهى توافق اللامسة في الاحتياج إلى الملامسة وتفارقها في أن نفس ملامسة المطعوم لا يؤدي الطعم كما أن نفس ملامسة الحار تؤدي الحرارة، بل تفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية المنبعثة عن الآلة التي تسمى الملعبة ويشترط أن تكون هذه الرطوبة خالية عن مثل طعم المطعوم وضده، بل عن غير ما يؤدي طعم المذوق كما هو إلى الذائقة، فإن المريض إذا تكيف لعا به بطعم الخلط الغالب عليه لا يدرك طعوم الاشياء المأكولة والمشروبة إلا مشوبة بذلك الطعوم، فإن الممرور إنما يجد طعم العسل مرا. واختلفوا في أن توسطها إما بأن يخالطها أجزاء لطيفة من ذي الطعم ثم تغوص هذه الرطوبة معها في جرم اللسان إلى الذائقة، فالمحسوس حينئذ هو كيفية ذي الطعم


(1) الرخمة - بالتحريك -: طائر من الجوارح العظيمة الجثة.

[272]

وتكون الرطوبة واسطة لتسهل وصول جوهر المحسوس الحامل للكيفية إلى الحاسة أو بأن يتكيف نفس الرطوبة بالطعم بسبب المجاورة فتغوص وحدها فيكون المحسوس كيفيتها، وعلى التقديرين لا واسطة بين الذائقة ومحسوسها حقيقة بخلاف الابصار المحتاج إلى توسط الجسم الشفاف. ومنها اللامسة وهي منبثة في البدن كله من شأنها إدراك الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك، بأن ينفعل عنها العضو اللامس عند الملامسة بحكم الاستقراء. قال الشيخ: أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أن للنبات قوة غاذية يجوز أن يفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان، لان صلاح مزاجه من الكيفيات الملموسة وفساده باختلالها، والحس طليعة للنفس فيجب أن يكون الطليعة الاولى هو ما يدل على ما منع به الفساد ويحفظ به الصلاح، وأن يكون قبل الطلائع التي تدل على امور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام، ومضرة خارجة عن الفساد. والذوق وإن كان دالا على الشئ الذي به يستبقى الحياة من المطعومات فقد يجوز أن يبقى الحيوان بدونه لارشاد الحواس الاخر على الغذاء الموافق واجتناب المضار. وليس شئ منها يعين على أن الهواء محرق أو مجمد. ولشدة الاحتياج إليه كان بمعونة الاعصاب ساريا في جميع الاعضاء إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد والطحال والكلية، لئلا تتأذى بما يلا قيها من الحاد اللذاع، فإن الكبد مولد للصفراء والسوداء، والطحال والكلية مصبان لما فيه لذع، وكالرئة فإنها دائمة الحركة فتتألم باصطكاك بعضها ببعض، وكالعظام فإنها أساس البدن ودعامة الحركات، فلو أحست لتألمت بالضغط والمزاحمة وبما يرد عليها من المصاكات. ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن اللامسة قوة واحدة بها يدرك جميع الملموسات كسائر الحواس، فإن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف الادراكات ليستدل بذلك على تعدد مبادئها. وذهب كثير من المحققين ومنهم الشيخ إلى أنها قوى متعددة بناء على ما مهدوه في تكثير القوى من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أكثر من واحد

[273]

فقالوا: ههنا ملموسات مختلفة الاجناس متضادة [الاجناس] فلابد لها من قوى مدركة مختلفة تحكم بالتضاد بينها، فأثبتوا لكل ضد ين منها قوة واحدة هي الحاكمة بين الحرارة والبرودة، والحاكمة بين الرطوبة واليبوسة، والحاكمة بين الخشونة والملاسة والحاكمة بين اللين والصلابة. ومنهم من زاد الحاكمة بين الثقل والخفة. قالوا: ويجوز أن يكون لهذه القوى بأسرها آلة واحدة مشتركة بينها وأن يكون هناك في الآلات انقسام غير محسوس، فلذا توهم اتحاد القوى. ويرد عليه أن المدرك بالحس هو المتضادان كالحرارة والبرودة دون التضاد فإنه من المعاني المدركة بالعقل أو الوهم، وإذا جاز إدراك قوة واحدة للضدين فقد صدر عنها اثنان. فلم لا يجوز أن يصدر عنها ما هو أكثر من ذلك ؟ وأيضا فإن الطعوم والروائح والالوان أجناس مختلفة متضادة مع اتحاد القوى المدركة لها، وكون التضاد في ما بين الملموسات أكثر وأقوى لا يجدي نفعا. واما الحواس الباطنة فهي أيضا خمس عندهم بشهادة الاستقراء: الاول الحس المشترك ويسمى باليونانية " بنطاسيا " أي لوح النفس، وهي قوة مرتبة في مقدم التجويف الاول من التجاويف الثلاثة التي في الدماغ تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة بالتأدي إليها من طريق الحواس، فهو كحوض ينصب فيه أنهار خمسة. واستدلوا على وجوده بوجوه: الاول: أنا نشاهد القطرة النازلة خطا مستقيما، والنقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا، وليس ارتسامها (1) في البصر، إذ لا يرتسم فيه إلا المقابل وهو القطرة والنقطة، فإذن ارتسامها (2) إنما يكون في قوة اخرى غير البصر حصل فيها الارتسامات المتتالية بعضها ببعض فيشاهد خطا. الثاني: أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على بعض، كالحكم بأن هذا الابيض هو هذا الحلو، وهذا الاصفر هو هذا الحار، وكل من الحواس الظاهرة


(1 و 2) ارتسامهما (خ).

[274]

لا يحضر عندها إلا نوع مدركاتها، فلا بد من قوة يحضر عندها جميع الانواع ليصح الحكم بينها. الثالث: أن المبرسم أي من به المرضى المسمى بذات الجنب إذا قوي مرضه وتعطلت حواسه الظاهرة بغلبة المرض يرى أشياء لا تحقق لها في الخارج على سبيل المشاهدة دون التخيل، فإنه قديري سباعا وأشخاصا حاضرة عنده ولا يراها أحد ممن سلم حواسه وليست هذه الصور مرتسمة في بصره، إذ لا يرتسم فيه إلا ما هو موجود مقابل إياه. ولما كان إدراكها كإدراك ما يرتسم من الخارج بلا فرق عند المدرك دل ذلك أيضا على أن الابصار إنما هو بالحس المشترك، ولما كان الابصار بارتسام الصورة في الحس المشترك لم يتميز الحال عند المدرك بين أن يرد عليه الصورة من الخارج كما هو الغالب وبين أن ترد عليه من داخل كما في المبرسم، فإنه لما اشتغل نفسه بمزاولة المرض بحيث تعطلت حواسه الظاهرة استولت المتخيلة ونقشت في لوح الحس المشترك صورا كانت مخزونة في الخيال، وصورا ركبتها من الصور المخزونة على طريق انتقاشها فيه من الخارج، ولما لم يكن لها شعور بانتقاشها فيه من داخل لم يفرق بينها وبين الصور المنتقشة فيه من خارج، فيحسب الاشياء التي هذه صورها موجودة في الخارج حاضرة عنده كما في الصحة بلا فرق. واعترض على الاول بأنه يجوز أن يكون اتصال الارتسام في الباصرة بأن يرتسم المقابل الآخر قبل أن يزول المرتسم قبله، بسرعة لحوق الثاني وقوة ارتسام الاول، فيكونان معا. قيل: وهذا مكابرة للقطع بأنه لا ارتسام في البصر عند زوال المقابلة. وعلى الثاني بأنه لا يلزم من عدم كون الارتسام في الباصرة كونه في قوة اخرى جسمانية، لجواز أن يكون في النفس. ألا ترى أنا نحكم بالكلي على الجزئي كحكمنا بأن زيدا إنسان مع القطع بأن مدرك الكلي هو النفس، ويجوز أن يكون حضورهما عند النفس وحكمها بينهما لارتسامهما في آلتين كما أن الحكم بين الكلي والجزئي تكون لارتسام الكلي في النفس والجزئي في الآلة.

[275]

وعلى الثالث أنه لا يلزم من ذلك وجود حس مشترك، غاية الامر أن لا تكفي الحواس الظاهرة لمشاهدة الصور حالتي الغيبة والحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس باطن. الثاني الخيال وهي قوة مرتبة في مؤخر التجويف الاول من الدماغ بحسب المشهور، وعند المحققين الروح المصبوب في التجويف الاول آلة للحس المشترك والخيال، إلا أن المشاهدة اختص بما في مقدمه والتخيل بما في مؤخره. وهو يحفظ جميع صور المحسوسات ويمثلها بعد الغيبة عن الحواس المختصة والحس المشترك وهي خزانة الحس المشترك لبقاء الصور المحسوسة فيها بعد زوالها عنه. وإنما جعلت خزانة للحس المشترك مع أن مدركات جميع الحواس الظاهرة تختزن فيها، لان الحواس الظاهرة لا تدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال بل بإحساس جديد من خارج فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها بخلاف الحس المشترك، فإنا إذا شاهدنا صورة في اليقظة أو النوم ذهلنا عنها ثم شاهدناها مرة اخرى نحكم عليها بأنها هي التي شاهدناها قبل ذلك، فلو لم تكن الصور محفوظة لم يكن هذا الحكم، كما لو صارت منسية. وإنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم ولا يشتبه الضار بالنافع إذا لم يعلم أنه المبصر أولا، وينفسد المعاملات وغيرها. والدليل على مغايرتها للحس المشترك وجهان: أحدهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ، فرب قابل النقش كالماء لم يحفظ، لوجود رطوبة فيه هي شرط سرعة القبول، وعدم اليبس الذي هو شرط الحفظ. وثانيهما أن استحضار الصور، والذهول عنها من غير نسيان، والنسيان يوجب تغاير القوتين، ليكون الاستحضار حصول الصورة فيهما، والذهول حصولها في إحداهما دون الاخرى، والنسيان زوالها عنهما. واعترض عليهما بوجوه وأجابوا منها وهي مذكورة في محالها. واحتج الرازي على إبطال الخيال بأن من طاف في العالم ورأى البلاد والاشخاص الغير المعدودة فلو انطبقت صورها في الروح الدماغي فإما أن يحصل جميع تلك الصور في محل واحد فليزم الاختلاط وعدم التمايز، وإنما أن يكون لكل صورة

[276]

محل فيلزم ارتسام صورة في غاية العظم في جزء في غاية الصغر. واجيب بأنه قياس للصور على الاعيان وهو باطل، فإنه لا استحالة ولا استبعاد في توارد الصور على محل واحد مع تمايزها، ولا في ارتسام صورة العظيم في المحل الصغير، وإنما ذلك في الاعيان الحالة في محالها، حلول العرض في الموضوع، أو الجسم في المكان. الثالث الوهم وهي القوة المدركة للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات كالعداوة المعينة من زيد، وقيد بذلك لان مدرك العداوة الكلية هو النفس. والمراد بالمعاني مالا يدرك بالحواس الظاهرة، فيقابل الصور أعني ما يدرك بها. فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها، وكونها مما لم يتأد من الحواس دليل على مغايرتها للحس المشترك، وكونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس الناطقة بناء على أنها لا تدرك الجزئيات بالذات. هذا مع وجودها في الحيوانات العجم كإدراك الشاة معنى في الذئب. بقي الكلام في أن القوة الواحدة لما جاز أن تكون آلة لادراك أنواع المحسوسات لم لا يجوز أن تكون آلة لادراك معانيها أيضا ؟ وأما إثبات ذلك بأنهم جعلوا من أحكام الوهم ما إذا رأينا شيئا أصفر فحكمنا بأنه عسل وحلو فيكون الوهم مدركا للحلاوة والصفرة العسل جميعا ليصح الحكم وبأن مدرك عداوة الشخص مدرك له ضرورة. فضعيف لان الحاكم حقيقة هو النفس فيكون المجموع من الصور والمعاني حاضرا عندها بواسطة الآلات كل منها بآلتها الخاصة، ولا يلزم كون محل الصورو المعاني قوة واحدة. لكن يشكل بأن مثل هذا الحكم قد يكون للحيوانات العجم التي لا يعلم وجود النفس الناطقة لها. كذا ذكره في شرح المقاصد. وقد يستدل على وجودها بأن في الانسان شيئا ينازع عقله في قضاياه، كما يخاف الانفراد بميت يقتضي عقله الامن منه، وربما يغلب التخويف على التأمين. فهو قوة باطنية غير عقله. وقيل: محل هذه القوة التجويف الاوسط من الدماغ وآلتها الدماغ كله، لانها الرئيس المطلق في الحيوان، ومستخدمة سائر القوى

[277]

الحيوانية التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي، فيكون كل الدماغ آلة. لكن الاخص بها التجويف الاوسط، لاستخدامها المتخيلة، ومحلها مؤخر ذلك التجويف ولا يستلزم كون الشئ آلة القوة كونه محلا لها، ليلزم توارد القوى على محل واحد كما توهم. الرابع الحافظة وهي للوهم كالخيال للحس المشترك، ووجه تغايرهما (1) أن قوة القبول غير قوة الحفظ، والحافظة للمعاني غير الحافظة للصور. والكلام فيه كالكلام في ما تقدم. ويسميها قوم " ذاكرة " إذ بها الذكر، أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول، و " متذكرة " إذ بها التذكر أي الاحتيال لاستعراض الصور بعدما اندرست. ومحلها أول التجويف الآخر من الدماغ. والخامس المتخيلة المركبة للصور المحسوسة الجزئية المتعلقة بها بعضها مع بعض، والمفصلة بعضها عن بعض. تركيب الصورة بالصورة كما في قولك " صاحب هذا اللون المخصوص له هذا الطعم المخصوص " وتركيب المعنى بالمعنى كما في قولك " ماله هذه العداوة له هذه النفرة " وتركيب الصورة بالمعنى كما في قولك " صاحب هذه الصداقة له هذا اللون " وتفصيل الصورة عن الصورة كما في قولك " هذا اللون ليس هذا الطعم " وقس على هذا. وقال بعضهم: هي مرتبة في مقدم التجويف الاوسط من الدماغ، من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور والمعاني مع بعض وتفصيل بعضها عن بعض، فتجمع أجزاء أنواع مختلفة، كجعلها حيوانا من رأس إنسان وعنق جمل وظهر نمر، ويفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس، ولا يسكن عن فعلها دائما لا نوما ولا يقظة، وهي المحاكية للمدركات والهيئات المزاجية، وتنتقل إلى الضد والشبيه، فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها، ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما، بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أرادت، فتسمى عند استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة، وعند استعمالها إياها بواسطة القوة


(1) تغايرها (خ).

[278]

العقلية بالمفكرة، بها تستنبط العلوم والصناعات، وتقتض الحدود الوسطى باستعراض ما في الحافظة. خاتمة قال بعض المحققين: قد علم بالتشريح أن الدماغ بطونا ثلاثة، أعظمها البطن المقدم، وأصغرها البطن الاوسط، وهو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر. فآلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مقدم البطن المقدم، وآلة الخيال هو الروح المصبوب في مؤخره، ولما كان الوهم سلطان القوى الحسية ومستخدما لسائر القوى الحيوانية كان الدماغ كله آلة له، وإن كان له اختصاص بآخر التجويف الاوسط. وآلة المتصرفة مقدم التجويف الاوسط، وآلة الحافظة مقدم التجويف الاخير. وأما مؤخر هذا التجويف فلم يودع فيه شئ من هذه القوى، إذا لا حارس هناك من الحواس الظاهرة، فلو اودع فيه شئ من هذه القوى لكثر فيه المصادمات الموجبة لاختلال القوة. قال المحقق الشريف: فانظر إلى حكمة البارئ حيث قدم ما يدرك به الصور الجزئية، ووضع تحته ما يحفظها، وأخر ما يدرك به المعاني المنتزعة من تلك صور وقرنه بما يحفظها، وأقعد المتصرف فيهما بينهما فسبحانه جلت قدرته وعظمت حكمته انتهى -. وهو إشارة إلى ما قيل في تعيين محال تلك القوى بطريق الحكمة والغاية، من أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا، والخيال خلفه لان خزانة الشئ ينبغي أن يكون كذلك. ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها الجزئية، والحافظة بعده لانها خزانته، والمتخيلة في الوسط لتكون قريبة من الصور والمعاني فيمكنها الاخذ منهما (1) بسهولة. وأما القوى المحركة فعندهم تنقسم إلى فاعلة وباعثة. أما الباعثة المسماة


(1) منها (خ).

[279]

بالشوقية فهي القوة التي إذا ارتسمت في الخيال صورة مطلوبة أو مهروبة عنها حملت القوة الفاعلة على تحريك آلات الحركة. والشوقية ذات شعبتين شهوية، وغضبية. لانها إن حملت الفاعلة على تحريك يطلب بها الاشياء المتخيلة التي اعتقد أنها نافعة - سواء كانت ضارة بحسب الواقع أو نافعة - طلبا لحصول اللذة تسمى قوة شهوانية وإن حملت القوة الشوقية القوى المباشرة على تحريك يدفع به الشئ المتخيل - ضارا كان بحسب الواقع أو مفيدا - دفعا على سبيل الغلبة تسمى قوة غضبية. وأما الفاعلة المباشرة للتحريك فهي التي من شأنها أن تعد العضلات للتحريك. وكيفية ذلك الاعداد منها أن تبسط العضل بإرخاء الاعصاب إلى خلاف جهة مبدئها لينبسط العضو المتحرك، أي يزداد طولا وينتقص عرضا، أو تقبضه بتمديد الاعصاب إلى جهة مبدئها، لينقبض العضو المتحرك أي يزداد عرضا وينتقص طولا. ثم اعلم أن للحركات الاختيارية مبادئ مترتبة، أبعدها القوى المدركة التي هي الخيال أو الوهم في الحيوان، والعقل بتوسطهما في الانسان وفي الفلك - بزعمهم - وتليها القوة الشوقية، وهي الرئيسة في القوة المحركة الفاعلة، كما أن الوهم رئيسة في القوى المدركة. وبعد الشوقية وقبل الفاعلة قوة اخرى هي مبدأ العزم والاجماع المسماة بالارادة والكراهة، وهي التي تصمم بعد التردد في الفعل والترك عند وجود ما يترجح به أحد طرفيهما المتساوي نسبتهما إلى القادر عليهما. ويدل على مغايرة الشوق للادراك تحقق الادراك بدونه، وعلى مغايرة الشوق للاجماع أنه قد يكون شوق (1) ولا إرادة. قيل: إنه لا تغاير بينهما إلا بالشدة والضعف، فإن الشوق قد يكون ضعيفا ثم يقوى فيصير عزما، فالعزم كمال الشوق. وما قيل من أنه قد يحصل كمال الشوق بدون الارادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب للشهوة فغير مسلم، بل الشوق العقلي فيه إلى جانب الترك أقوى من الميل الشهوي إلى خلافه. ويدل على مغايرة الفاعلة لسائر المبادئ كون الانسان المشتاق العازم غير قادر على التحريك، وكون القادر على ذلك غير مشتاق.


(1) في بعض النسخ " شوقا " والصواب ما في المتن.

[280]

وقال الشيخ المفيد [قدس الله روحه] في كتاب " المسائل ": الحس كله مماسة ما تحس به المحسوس واتصال به أو بما يتصل به أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه، وذلك كالبصر، فإن شعاعه لابد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه. ولو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر والحاجز ولما ضرت الظلمة، ولكان وجود ذلك وعدمه في وقوع العلم سواء. فإن قال قائل: أفيتصل شعاع البصر بالمشتري وزحل على بعدهما ؟ قيل له: لا، لكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما، فيصيران كالشئ الواحد لتجانسهما وتشاكلهما. وأما الصوت فإنه إذا حدث في أول الهواء الذي يلي الاجسام المصطكة وكذا في ما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع. ومما يدل على ذلك أن القصار يضرب الثوب على الحجر، فترى مماسة الثوب للحجر ويصل الصوت بعد ذلك. فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ. وأما الرائحة فإنه ينفصل من الجسم ذي الرائحة أجزاء لطاف وتتفرق في الهواء فما صار منه في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه. وأما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان واللهوات ولذلك لا يوجد طعم مالا ينحل منه الشئ كاليواقيت والزجاج ونحوهما. والطعم والرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة. واللمس في الحقيقة هو طلب الشئ ليشعر به، وحقيقته الشعور. وهذه جملة على اعتقادنا وأبي القاسم البلخي وجمهور أهل العدل. وأبو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها. وأقول: قال الحكماء [أيضا]: للنفس الناطقة قوى تشارك بها الحيوان الاعجم والنبات، وقوى اخرى أخص يحصل بها الادراك للجزئي، وهي قوى تشارك بها الحيوان الاعجم دون النبات، وهي الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة، ولها قوة اخرى من الاوليين لانها تختص بالانسان، وهي قوة يحصل بها الادراك للكلي.

[281]

فأما القوى التي تشارك بها النبات والحيوان الاعجم فاصولها ثلاثة: اثنتان لاجل الشخص، وهما. الغاذية، والنامية، وواحدة لاجل النوع، وهي المولدة. وهذه القوى الثلاثة تسمى نباتية، لا لاختصاص النبات بها، بل لانحصار قواه فيها وتسمى طبيعية أيضا. فأما الغاذية فهي التي تحيل الغذاء إلى مشاكلة المغتذي، ويتم فعلها بأفعال جزئية ثلاثة أحدها تحصيل جوهر البدل وهي الدم والخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل، وبالالزاق وهو أن يلصق ذلك الحاصل بالعضو ويجعله جزءا منه، وبالتشبية بالعضو المغتذي حتى في قوامه ولونه. وقد تخل بكل واحد من هذه الافعال الثلاثة أما الاول فكما في علة تسمى " اطروقيا " وهي عدم الغذاء، وأما الثاني فكما في الاستسقاء اللحمي، وأما الثالث فكما في البرص والبهق، فإن البدل والالصاق موجودان فيهما والتشبه غير موجود. فهذه الافعال الثلاثة لابد وأن تكون بقوى ثلاث، لكن القوة الغاذية هي مجموعها أو قوة اخرى هي تستخدم كل واحدة منها. والقوة التي بصدر منها التشبيه يسمونها " مغيرة ثانية " وهي واحدة بالجنس في الانسان وغيره من المركبات التي لها أجزاء وأعضاء مختلفة بالحقيقة بمنزلة الاعضاء وتختلف بالنوع، إذ في كل عضو منها قوة تغير الغذاء إلى تشبيه مخالف لتشبيه قوة اخرى. وأما النامية فهي التي تداخل الغذاء بين أجزاء المغتذي، فيزيد في الاقطار الثلاثة بنسبة طبيعية، بأن يزيد في الاعضاء الاصلية أعني ما يتولد عن المني كالعظم والعصب والرباط وغيرها. وبذلك يظهر الفرق بين النمو والسمن، فإن السمن إنما هو زيادة في الاعضاء المتولدة من الدم كاللحم والشحم والسمين، لا في الاعضاء الاصلية. وبقولنا " بنسبة طبيعية " يخرج الورم، فإنه ليس على نسبة طبيعية بل خارج عن المجرى الطبيعي. وأما المولدة فالمراد بها قوتان فوحدتهما اعتبارية كما في الغاذية: إحداهما ما يجعل فضلة الهضم الرابع منيا، وهذه القوة فعلها في الانثيين، لان ذلك الدم

[282]

يصير منيا فيها، وثانيهما ما يهيئ كل جزء من المني من الذكر والانثى في الرحم بعضو مخصوص، بأن يجعل بعضه مستعدا للعظمية، وبعضه مستعدا للعصبية، وبعضه للرباطية إلى غير ذلك. وهذه القوة تسمى " المغيرة الاولى " وفعلها إنما يكون حال كون المني في الرحم، ليصادف ذلك فعل القوة المصورة، لانها تعد مواد الاعضاء والمصورة تلبسها صورها الخاصة بها. وإنما احتيج إلى هذه القوى، أما إلى الغاذية فلان بقاء البدن بدون الغذاء محال، لان البدن إنما يمكن تكونه من جسم رطب ليكون قابلا للتشكيل والتمديد ولابد من حرارة عاقدة منضجة محللة للفضول يلزمها لا محالة أن تحلل الرطوبة ويعينها على ذلك الهواء الخارجي والحركات البدنية والنفسانية. فلو لا أن الغذاء يخلف بدل ما يتحلل منه لم يمكن بقاؤه مدة تمام التكون فضلا عما بعد ذلك. وليس يوجد في الخارج جسم إذا مس جسد الانسان استحال بطبيعته، فلابد إذن من أن يكون للنفس قوة من شأنها أن تحيل الوارد إلى مشابهة جوهر أعضاء البدن ليخلف بذلك بدل ما يتحلل منه، وهي القوة الغاذية. وأما إلى المولدة فلما ثبت من أن الموت ضروري، وحدوث الانسان بالتولد مما يندر وجوده، فوجب أن يكون للنفس قوة تفصل من المادة التي تحصلها الغاذية ما بعده مادة لشخص آخر، ولما كانت المادة المنفصلة أقل من المقدار الواجب لشخص كامل جعلت النفس ذات قوة تضيف من المادة التي تحصلها الغاذية شيئا فشيئا إلى المادة المفصولة، فيزيد بها مقدارها في الاقطار على تناسب طبيعي يليق بأشخاص ذلك النوع إلى أن يتم الشخص. وتخدم الغاذية قوى أربع، هي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة. أما الاحتياج إلى الجاذبة فظاهر، لان الغذاء لا يمكن أن يصل بنفسه إلى جميع الاعضاء، لانه لا يخلو إما أن يكون ثقيلا فلا يصل إلى الاعضاء العالية، وإما أن يكون خفيفا فلا يصل إلى الاعضاء السافلة ووجودها في بعض الاعضاء معلوم بالحس فإن المنتكس إذا اشتدت حاجته إلى الغذاء يجده ينجذب من فمه إلى المعدة من غير

[283]

إرادته، بل مع إرادة إمساكه في فمه. وأيضا إن الحلو يخرج بالقئ بعد غيره وإن تناوله أولا، وما ذلك إلا بجذب المعدة اللذيذة إلى قعرها. وأيضا الرحم إذا كانت خالية عن الفضول بعيدة العهد من الجماع يحس الانسان وقت الجماع أن إحليله ينجذب إلى الداخل. وأما إلى الماسكة فلان الغذاء لابد فيه من الاستحالة حتى يصير شبيها بجوهر المغتذي، والاستحالة حركة، وكل حركة في زمان، فلابد من زمان في مثله يستحيل الغذاء إلى جوهر المغتذي. ولان الخلط جسم رطب سيال استحال أن يقف بنفسه زمانا، فلابد من قاسر يقسره على الوقوف، وذلك القاسر هو الماسكة. ووجودها في بعض الاعضاء معلوم بالحس، فإن أرباب التشريح قالوا: إذا شرحنا الحيوان حال ما تناول الغذاء وجدنا معدته محتوية على الغذاء بحيث لا يمكن أن يسيل من ذلك الغذاء شئ. وأيضا قالوا: إذا شققنا بطن الحامل من تحت السرة وجدنا رحمها منضمة انضماما شديدا بحيث لا يسع أن يدخل فيها طرف الميل. وأيضا فإن المني إذا استقر في الرحم لا ينزل عنها مع ثقله. وأما إلى الهاضمة فلان إحالة القوة المغيرة إنما يكون لما هو متقارب الاستعداد للصورة العضوية، وإنما يكون ذلك بعد فعل القوة التي تجعله متقارب الاستعداد، وتلك هي القوة الهاضمة. ومراتب الهضم أربع: أولها في المعدة، فإن الغذاء يصير فيها كيلوسا أي جوهرا شبيها بماء الكشك الثخين إما بمخالطة المشروب وذلك في أكثر الحيوانات وإما بلا مخالطة المشروب كما في جوارح الصيد. وابتداء ذلك الهضم في الفم، ولهذا كانت الحنطة الممضوغة تفعل في إنضاج الدماميل مالا تفعله المطبوخة ولا المدقوقة المخلوطة باللعاب. وثانيها في الكبد، فإن الكيلوس إذا تم انهضامه في المعدة انجذبت لطائفة بالعروق المسماة بالماساريقا إلى الكبد، وتداخلت في العروق المتصغرة المتضائلة المنتشرة في جميع أجزاء الكبد بحيث يلاقي الكبد بكلية الكيلوس، فينهضم هناك انهضاما ثانيا، وتتخلع صورته النوعية الغذائية ويستحيل إلى الاخلاط ويسمى

[284]

كيموسا، وابتداء هذا الهضم في الماساريقا. وثالثها في العروق، وابتداؤه من حين صعود الخلط في العرق العظيم الطالع من حدبة الكبد. ورابعها في الاعضاء وابتداؤه من حين ما ترشح الدم من فوهات العروق. وأما إلى الدافعة فلانه ليس غذاء يصير بتمامه جزءا من المغتذي، بل يفضل منه ما يضيق المكان، ويمنع ما يرد من الغذاء عن الوصول إلى الاعضاء، ويوجب ثقل البدن، بل يفسد ويفسد، فلابد من قوة تدفع تلك الفضلات. ووجودها ظاهر عند الحس في حال التبرز والقئ وإراقة البول. وقد تتضاعف هذه القوى لبعض الاعضاء كما للمعدة، فإن فيها الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعه بالنسبة إلى غذاء جميع البدن، وفيها أيضا هذه القوى بالنسبة إلى ما تغتدي (1) به خاصة. ثم اعلم أن الحكماء عدوا من القوى المولدة القوة المصورة، وأنكرها جماعة منهم المحقق الطوسي - قدس سره - والفخر الرازي والغزالي وغيرهم. قال في المقاصد: المولدة هي قوة شأنها تحصيل البزر (1)، وتفصيله إلى أجزاء مختلفة وهيئات مناسبة، وذلك بأن يفرز جزءا من الغذاء بعد الهضم التام ليصير مبدءا لشخص آخر من نوع المغتذي أو جنسه. ثم يفصل ما فيه من الكيفيات المزاجيه، فيمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو، ثم يفيده بعد الاستحالات، الصور والقوى والاعراض الحاصلة للنوع الذي انفصل عنه البزر أو لجنسه كما في البغل. والمحققون على أن هذه الافعال مستندة إلى قوى ثلاث بينوا حالها على ما عرفت في الانسان وكثير من الحيوانات: الاولى التي تجذب الدم إلى الانثيين وتتصرف فيه إلى أن يصير منيا، وهي لا تفارق الانثيين وتخص باسم المحصلة.


(1) في اكثر النسخ " تقتضي " وهو تصحيف. (2) البرز بالباء المكسورة والزاى المعجمة الساكنة ثم الراء المهملة: ما يبذر من الحبوب.

[285]

والثانية التي تتصرف في المني فتفصل كيفياتها المزاجية وتمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو، فتعين للعصب مثلا مزاجا خاصا، للشريان مزاجا خاصا وللعظم مزاجا خاصا، وبالجملة تعد مواد الاعضاء، وتخص هذه باسم المفصلة والمغيرة الاولى، تمييزا عن المغيرة التي هي من جملة الغاذية. والثالثة التي تفيد تمييز الاجزاء وتشكيلها على مقاديرها وأوضاع بعضها عن بعض وكيفياتها، وبالجملة تلبس كل عضو صورته الخاصة به يستكمل وجود الاعضاء وهذه تخص باسم المصورة، وفعلها إنما يكون في الرحم - انتهى -. وقال المحقق الطوسي - قدس سره -: والمصورة عندي باطلة، لا ستحالة صدور هذه الافعال المحكمة المركبة عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلا - انتهى -. والغزالي بالع في ذلك حتى أبطل القوى مطلقا، وادعى أن الافعال المنسوبة إلى القوى صادرة عن ملائكة موكلة بهذه الافعال تفعلها بالشعور والاختيار، كما هو ظاهر النصوص الواردة في هذا الباب. وقال الشارح القوشجي بعد إيراد الكلام المتقدم: يرد عليه أنا لا نسلم أن المصورة قوة واحدة بسيطة، لم لا يجوز أن تكون وحدتها بالجنس ؟ كما أن المغيرة واحدة بالجنس مختلفة بالنوع. ولو سلم فلم لا يجوز أن يكون صدور هذه الافعال عنها بحسب استعداد المادة ؟ فإن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع في الاعضاء، ففضلة هضم كل عضو إنما تستعد لصورة ذلك العضو. لكن الانصاف أن تلك الافعال المتقنة المحكمة على النظام من الصور العجيبة والاشكال الغريبة والنقوش المؤتلفة والالوان المختلفة وما روعي فيها من حكم ومصالح لقد تحيرت فيها الاوهام، وعجزت عن إدراكها العقول والافهام، قد بلغ المدون منها - كما علم في علم التشريح ومنافع خلقة الناس - خمسة آلاف، مع أن ما لم يعلم منها أكثر مما قد علم، كما لا يخفى على ذي حدس كامل. كما لا يكاد يذعن العقل بصدورها عن القوة التي سموها " مصورة " وإن فرضنا كونها مركبة والمواد

[286]

مختلفة، بل يحكم بأن أمثال تلك الامور لا يمكن أن تصدر إلا عن حكيم عليم خبير قدير. ثم أطال الكلام في الاعتراض على دلائلهم في إثبات تلك القوى وتعددها تركناها مخافة الاطناب والاسهاب. { 47 باب } * (ما به قوام بدن الانسان وأجزائه وتشريح أعضائة ومنافعها وما يترتب) * * (عليها من أحوال النفس) * 1 - العلل: عن محمد بن شاذان (1) بن عثمان بن أحمد البراوذي، عن محمد بن محمد بن الحرث بن سفيان (2) السمرقندي. عن صالح بن سعيد الترمذي، عن عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه وجد في التوراة صفة خلق آدم عليه السلام حين خلقه الله عزوجل وابتدعه. قال الله تبارك وتعالى: إني خلقت آدم وركبت جسده من أربعة أشياء، ثم جعلتها وراثة في ولده تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة. وركبت جسده حين خلقته من رطب ويابس وسخن وبارد، وذلك أني خلقته من تراب وماء، ثم جعلت فيه نفسا وروحا، فيبوسة كل جسد من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح. ثم خلقت في الجسد بعد هذا الخلق الاول أربعة أنواع، وهن ملاك الجسد وقوامه بإذني، لا يقوم الجسد الا بهن، ولا تقوم منهن واحدة إلا بالاخرى، منها المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم، ثم اسكن بعض هذا الخلق في بعض، فجعل مسكن اليبوسة في المرة


(1) في المصدر " محمد بن شاذان بن أحمد بن عثمان المرواذى " ولم نجد له ذكرا في كتب الرجال من العامة والخاصة. (2) في المصدر وبعض نسخ الكتاب سفين.

[287]

السوداء، ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء، ومسكن الحرارة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم. فأيما جسد اعتدلت به (1) هذه الانواع الاربع التي جعلتها ملاكه وقوامه وكانت كل واحدة منهن أربعا لا تزيد ولا تنقص كملت صحته واعتدل بنيانه، فإن زاد منهن واحدة عليهن فقهرتهن ومالت بهن ودخل [على] البدن السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإذا كانت ناقصة نقل (2) عنهن حتى تضعف من طاقتهن وتعجز عن مقارنتهن (3) وجعل عقله في دماغه، وشرهه (4) في كليته، وغضبه في كبده، وصرامته (5) في قلبه ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه وحزنه وكربه في وجهه. وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا. قال وهب: فالطبيب العالم بالداء والدواء يعلم من حيث يأتي السقم، من قبل زيادة تكون في إحدى هذه الفطر (6) الاربع أو نقصان منها، ويعلم الدواء الذي به يعالجهن، فيزيد في الناقصة منهن أو ينقص من الزائدة، حتى يستقيم الجسد على فطرته، ويعتدل الشئ بأقرانه. ثم تصير هذه الاخلاق التي ركب عليها الجسد فطرا عليه تبنى أخلاق بني آدم وبها توصف. فمن التراب العزم. ومن الماء اللين، ومن الحرارة الحدة، ومن البرودة الاناة. فإن مالت به اليبوسة كان عزمه القسوة، وإن مالت به الرطوبة كانت لينة مهانة، وإن مالت به الحرارة كانت حد ته طيشا وسفها، وإن مالت به البرودة كانت أناته ريبا وبلدا. فإن اعتدلت أخلاقه وكن سواءا واستقامت فطرته كان حازما في أمره، لينا في عزمه، حادا في لينه، متأنيا في حدثه، لا يغلبه خلق من أخلاقه ولا يميل به، من أيها شاء استكثر


(1) فيه (خ). (2) في المصدر، تقل. (3) مقاومتهن (خ). (4) في بعض النسخ " وشره " وفى بعضها " وسوءه في طينته ". (5) شرهه (خ). (6) في اكثر النسخ " الفطرة ".

[288]

ومن أيها شاء أقل، ومن أيها شاء عدل، ويعلم كل خلق منها إذا علا عليه بأي شئ يمزجه ويقومه، فأخلاقه كلها معتدله كما يجب أن يكون. فمن التراب قسوته وبخله وحصره وفظاظته وبرمه وشحه وبأسه وقنوطه وعزمه و إصراره، ومن الماء كرمه ومعروفه (1) وتوسعه وسهولته وتوسله (2) وقربه وقبوله و رجاؤه واستبشاره. فإذا خاف ذو العقل أن يغلب عليه أخلاق التراب ويميل به ألزم كل خلق منها خلقا من أخلاق الماء يمزجه به بلينه: يلزم القسوة اللين، والحصر التوسع، والبخل العطاء، والفظاظة الكرم، والبرم الترسل، (3) والشح السماح، واليأس الرجاء والقنوط الاستبشار، والعزم القبول، والاصرار القرب. ثم من النفس حدته وخفته وشهوته ولهوه ولعبه وضحكه وسفهه وخداعه وعنفه وخوفه، ومن الروح حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وبهاؤه وفهمه وكرمه وصدقه ورفقه وكبره. وإذا خاف ذو العقل أن تغلب عليه أخلاق النفس وتميل به ألزم كل خلق منها خلقا من أخلاق الروح يقومه به: يلزم الحدة الحلم، والخفة الوقار، والشهوة العفاف، واللعب الحياء، والضحك الفهم، والسفه الكرم، والخداع الصدق، والعنف الرفق، والخوف الصبر. ثم بالنفس سمع ابن آدم وأبصر، وأكل وشرب، وقام وقعد، وضحك وبكى، وفرح وحزن، وبالروح عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، والصواب من الخطاء، وبه علم وتعلم وحكم وعقل واستحيى وتكرم وتفقه وتفهم وتحذر وتقدم. ثم يقرن إلى أخلاقه عشرة خصال اخرى: الايمان، والحلم، والعقل، والعلم، والعمل، واللين، والورع، والصدق، والصبر، والرفق. ففي هذه الاخلاق العشر جميع الدين كله. ولكل خلق منها عدو: فعدو الايمان الكفر، وعدو الحلم الحمق، وعدو العقل الغي، وعدو العلم الجهل، وعدو العمل الكسل، وعدو اللين العجلة، وعدو الورع الفجور،


(1) معرفته (خ). (2) ترسله " ظ ". (3) التوسل " ظ ".

[289]

وعدو الصدق الكذب، وعدو الصبر الجزع، وعدو الرفق العنف. فإذا وهن الايمان تسلط عليه الكفر وتعبده وحال بينه وبين كل شئ يرجو منفعته، وإذا صلب الايمان وهن له الكفر وتعبد واستكان واعترف الايمان. وإذا ضعف الحلم علا الحمق وحاطه وذبذبه وألبسه الهوان بعد الكرامة، وإذا استقام الحلم فضح الحمق وتبين عورته وأبدى سوأته وكشف ستره وأكثر مذمته. فإذا استقام اللين تكرم من الخفة والعجلة واطردت الحدة، وظهر الوقار والعفاف وعرفت السكينة، وإذا ضعف الورع تسلط عليه الفجور وظهر الاثم وتبين العدوان وكثر الظلم ونزل الحمق وعمل بالباطل. وإذا ضعف الصدق كثر الكذب وفشت الفرية وجاء الافك بكل وجه البهتان (1)، وإذا حصل الصدق اختسأ الكذب وذل وصمت للافك (2) واميتت (3) الفرية واهين البهتان، ودنا البر واقترب الخير وطردت الشرة. وإذا وهن الصبر وهن الدين وكثر الحزن ورهق الجزع واميتت الحسنة وذهب الاجر. وإذا صلب الصبر خلص الدين وذهب الحزن واخر الجزع و احييت الحسنة وعظم الاجر وتبين الحزم وذهب الوهن. وإذا ترك الرفق ظهر الغش وجاءت الفظاظة واشتدت الغلظة وكثر (4) الغشم وترك العدل وفشا المنكر وترك المعروف وظهر السفه ورفض الحلم (5) وذهب العقل وترك العلم وفتر العمل ومات اللين وضعف الصبر وغلب الورع ووهن الصدق وبطل تعبد أهل الايمان. فمن أخلاق العقل عشرة أخلاق صالحة: الحلم، والعلم، والرشد، والعفاف، والصيانة، والحياء، والرزانة، والمداومة على الخير، وكراهة الشر، وطاعة الناصح. فهذه عشرة أخلاق صالحة، ثم يتشعب (6) كل خلق منها عشر خصال: فالحلم يتشعب منه حسن العواقب، والمحمدة في الناس، وتشرف المنزلة، والسلب عن السلفة، وركوب


(1) في المصدر: والبهتان (2) في المصدر " الافك " وهو الظاهر. (3) واميت (خ). (4) في جميع النسخ " وكسر " وهو تصحيف. (5) في المصدر " الحكم " والظاهر انه تصحيف. (6) في المصدر " من كل " وهو الصواب.

[290]

الجميل، وصحبة الابرار، والارتداع (1) عن الضيعة (2)، والارتفاع عن الخساسة، وشهرة (3) اللين، والقرب من معالي الدرجات. ويتشعب من العلم الشرف وإن كان دنيا، والعز وإن كان مهينا، والغنى وإن كان فقيرا، والقوة وإن كان ضعيفا، والنيل وإن كان حقيرا، والقرب وإن كان قصيا، والجود وإن كان بخيلا، والحياء وإن كان صلفا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سفيها. ويتشعب من الرشد السداد، والهدى والبر، والتقوى، والعبادة، والقصد، والاقتصاد، والقناعة، والكرم، والصدق. و يتشعب من العفاف الكفاية (4) والاستكانة والمصادقة والمراقبة والصبر والنصر واليقين والرضا والراحة والتسليم. ويتشعب من الصيانة الكف والورع وحسن الثناء والتذكية والمروءة والكرم والغبطة والسرور والمنالة والتفكر. ويتشعب من الحياء اللين والرأفة والرحمة والمداومة والبشاشة والمطاوعة وذل النفس والنهى والورع وحسن الخلق. ويتشعب من المداومة على الخير الصلاح والاقتدار والعز والاخبات والانابة والسؤدد والامن والرضا في الناس وحسن العاقبة. ويتشعب من كراهة الشر حسن الامانة وترك الخيانة واجتناب السوء وتحصين الفرج وصدق اللسان والتواضع والتضرع لمن هو فوقه، والانصاف لمن هو دونه، وحسن الجوار، ومجانبة إخوان السوء ويتشعب من الرزانة التوقر والسكون والتأني والعلم والتمكين والحظوة والمحبة والفلح (5) والزكاية والانابة. ويتشعب من طاعة الناصح زيادة العقل وكمال اللب ومحمدة الناس والامتعاض من اللوم والبعد من البطش واستصلاح الحال ومراقبة ما هو نازل والاستعداد للعدو والاستقامة على المنهاج والمداومة على الرشاد. فهذه مائة خصلة من أخلاق العاقل (6). بيان: " الصرامة " بالصاد المهلة: الشجاعة والحدة والعزم، وفي بعض النسخ


(1) في بعض النسخ " والارتداد ". (2) في المصدر " الضعة ". (3) وشهوة (خ). (4) الكفاف (خ). (5) في المصدر، الفلج. (6) علل الشرائع: ج 1، ص 104 - 108.

[291]

بالمعجمة من " ضرم " - كفرح -: اشتد جوعه، أو من " ضرم عليه " احتد غضبا في وجهه أي تظهر فيه. وفي القاموس: التبلد التجلد، بلد - ككرم وفرح - فهو بليد وأبلد. وقال: الحصر - كالنصر والضرب -: التضييق، وبالتحريك ضيق الصدر والبخل والعي في المنطق. وقال: الفظ: الغليظ الجانب، السيئ الخلق القاسي الخشن الكلام، وفظ بين الفظاظة والفظاظ بالكسر. قوله " يلزم القسوة اللين الخ " أي يختار الوسط بينهما ويكسر سورة (1) كل منهما بالآخر، وهي العدالة المطلوبة في الاخلاق، أو يستعمل كلا منها في موقعه كما قال تعالى في وصف أمير المؤمنين عليه السلام وأضرابه " أذلة على المؤمنين أعزة علي الكافرين " وهو التخلق بأخلاق رب العالمين كما قال سبحانه " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الاليم ". " والبرم التوسل " أي التقرب إلى الناس أو إلى الله بالصبر على أخلاق الناس، ولعله كان بالراء وهو الاستئناس، فإنه أنسب. " والعزم بالقبول " أي إذا عزم في أمر فنصحه صادق يقبل منه. " والاصرار القرب " أي من الله بالتوبة أو الاعم، قوله " وكبره " أي على أعداء الدين، والظاهر " صبره " كما يظهر من قوله " والخوف الصبر " ويحتمل أن يكون التصحيف في ما سيأتي، ويكون المراد بالكبر الشجاعة لمقابلة الخوف. ثم الظاهر أن المراد بالنفس في هذا الحديث الروح الحيواني، وبالروح الناطقة. ونسبة البرد إليها لانه يلزم تعلقها تحرك النفس الذي يحصل البرد بسببه. و " تقدم " أي إلى الخير والسعادة والكمال. وفي القاموس: الذبذبة تردد الشئ المعلق في الهواء وحماية الجوار والاهل، وايذاء الخلق والتحريك. وقال: تكرم عنه: تنزه. وقال: الطرد: الابعاد. وقال: خسأ الكلب طرده. " صمت للافك " أي عنه. وشرة الشباب - بالكسر -: نشاطه. والرزانة: الوقار، والارتداع: الانزجار، ولا يبعد أن يكون مكان الضيعة الضعة، كما مر في كتاب العقل. وفي القاموس: الصلف - بالتحريك -: التكلم بما يكرهه صاحبك،


(1) في بعض النسخ " سورة في كل.. "

[292]

والتمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة حد الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبرا (انتهى) " والمنالة " لعل المراد بها الدرجة التي تنال بها أشرف المقاصد من القرب والفوز و السعادة، من النيل: الاصابة. والاخبات: الخشوع والخضوع للرب تعالى. والحظوة بالضم والكسر -: المكانة والمنزلة. والفلح - بالمهملة محركة - والفلاح: الفوز والنجاة والبقاء في الخير، وبالمعجمة بالفتح: الظفر والفوز، والاسم بالضم. والزكاية: النمو والطهارة، وفي بعض النسخ " الركانة " بالراء المهملة والنون، وهي العلو والرفعة والوقار، ولعله أصوب. وفي القاموس: معض من الامر - كفرح - غضب وشق عليه، فهو ماعض ومعض، وأمعضه ومعضه تمعيضا فامتعض. أقول: إنما لم نعط شرح هذا الخبر حقه لانه من الاخبار العامية المنسوبة إلى أهل الكتاب، وقد مر قريب منه في كتاب العقل، وشرحناه هناك بما ينفع في هذا المقام. 2 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد ابن أحمد الاشعري، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن علي بن الحسن الطاطري، عن سعيد بن محمد، عن درست، عن أبي الاصبغ. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بني الجسد على أربعة أشياء: الروح: والعقل، والدم، والنفس. فإذا خرج الروح تبعه العقل فإذا (1) رأى الروح شيئا حفظه عليه العقل، وبقي الدم والنفس (2). بيان: كأن المراد بالروح النفس الناطقة وبالعقل الحالات والصفات الحالة فيها ولابد لها منها في العلوم والادراكات، فإذا فارق الروح البدن تبعتها تلك الاحوال لانها في البرزخ لا تفارقها العلوم والمعارف، بل تترقى فيها كما يظهر من الاخبار. وبالنفس الروح الحيوانية فهي مع الدم الحامل لها تبقيان في البدن وتضمحلان. وقوله " فإذا رأى الروح " أي بعد مفارقة (3) البدن، والرؤية بمعنى العلم أو بعين الجسد المثالي.


(1) في المصدر: وإذا. (2) الخصال: 106. (3) بل الظاهران المراد ما تراه الروح في حال الرؤيا، والمراد ببقاء النفس بقاؤها في البدن حال النوم.

[293]

3 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قوام الانسان وبقاؤه بأربعة: بالنار والنور والريح والماء. فبالنار يأكل ويشرب، و بالنور يبصر ويعقل، وبالريح يسمع ويشم، وبالماء يجد لذة الطعام والشراب. فلولا النار في معدته لما هضمت الطعام والشراب، ولولا أن النور في بصره لما أبصر ولاعقل ولولا الريح لما التهبت نار المعدة، ولولا الماء لم يجد لذة الطعام والشراب. قال: وسألته عن النيران: فقال: النيران أربعة: نار تأكل وتشرب. ونار تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل. ونار لا تأكل ولا تشرب. فالنار التي تأكل وتشرب [فنار] ابن آدم وجميع الحيوان، والتي تأكل ولا تشرب فنار الوقود، والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة والتي لا تأكل ولا تشرب فنار القداحة والحباحب (1). بيان " فبالنار يأكل ويشرب " أي بالحرارة الغريزية التي تتولد من النارو يسمونها نار الله، والمراد بالنور إما نور البصر أو الاعم منه ومن سائر القوى والمشاعر، فإن النور ما يصير سببا لظهور الاشياء كما عرفت مرارا. " وبالريح يسمع ويشم " لان الهواء حامل للصوت والكيفيات المشمومة. " بالماء يجد لذة الطعام والشراب " أي الماء الذي في الفم، فإنه الموصل للكيفيات المذوقة إلى الذائقة كما مر. " فلولا النار في معدته " أي الحرارة المفرطة. " فنار ابن آدم " أي الحرارة العزيزية فإنها الداعية إلى الاكل والشرب وتحيل المأكول والمشروب. " فنار الوقود " أي النيران التي توقدها الناس فإنها تأكل الحطب وكل ما تقع فيه. أي تحيلها وتكسرها، ولا تشرب لان الماء غالبا يطفئها. " والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة " أي النار التي تورى من الشجر الاخضر كما مر في تفسير قوله تعالى " الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا " فإنها تشرب الماء الذي (2) يسقى الشجر، ولا تأكل أي لا يحيل شيئا ترد (3) عليه بحرارتها


(1) الخصال، 106. (2) في جميع نسخ الكتاب، التى. (3) يرد عليها (ظ).

[294]

وقد مر الكلام فيها. وفي القاموس: قدح بالزند: رام الايراء به كاقتدح، والمقدح و القداح والمقداح حديدته، والقداح والقداحة حجره. وقال الجوهري: الحباحب اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان، فضربوا بها المثل حتى قالوا نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها (انتهى). ولعل المعنى أنها لما كانت تخرج من بين الحديد والحجر ولا ينفذ الماء فيهما ولا يحيلان شيئا فكأنهما لا تأكل ولا تشرب. وقد مر الكلام فيه من باب النار. 4 - العيون: عن هاني بن محمد بن محمود العبدي عن أبيه بإسناده رفعه أن موسى بن جعفر عليهما السلام دخل على الرشيد، فقال له الرشيد: يا ابن رسول الله: أخبرني عن الطبائع الاربع. فقال موسى عليه السلام: أما الريح فإنه ملك يدارى، وأما الدم فإنه عبد عارم (1) وربما قتل العبد مولاه، وأما البلغم فإنه خصم جدل، إن سددته من جانب انفتح من آخر، وأما المرة فإنها أرض إذا اهتزت رجفت بما فوقها. فقال له هارون: يا ابن رسول الله، تنفق على الناس من كنوز الله ورسوله (2). بيان: يحتمل أن يكون المراد بالريح المرة الصفراء لحدتها ولطافتها وسرعة تأثيرها، فينبغي أن يدارى لئلا تغلب وتهلك، أو المراد بها الروح الحيوانية، وبالمرة، الصفراء والسوداء معا، فإنه تطلق عليهما المرة، فيكون اصطلاحا آخر في الطبائع و تقسيما آخر لها. و " العارم " سيئ الخلق الشديد، يقال: عرم الصبي علينا، أي أشر ومرح، أو بطر أو فسد (3) ولعل المعنى أنه خادم للبدن نافع له لكن ربما كانت غلبته سببا للهلاك، فينبغي أن يصلح ويكون الانسان على حذر منه. " فإنه خصم جدل " كناية عن بطء علاجه وعدم اندفاعه بسهولة. " إذا اهتزت " أي غلبت وتحركت " رجفت بما فوقها " كما في حمى النائبة من الغب والربع وغيرهما، فإنها تزلزل البدن وتحركها. ورأيت مثل هذا الكلام في كتب الاطباء والحكماء الاقدمين.


(1) في المصدر " غارم " بالمعجمة، والظاهر أنه تصحيف. (2) العيون، ج 1، ص 81. (3) أفسد (خ).

[295]

5 - العيون والعلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقى عن غير واحد، عن أبي طاهر بن أبي حمزة، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: الطبائع أربع: فمنهن البلغم، وهو خصم جدل، ومنهم الدم، وهو عبد وربما قتل العبد سيده، ومنهن الريح، وهو (1) ملك يدارى، ومنهن المرة، وهيهات [و] هيهات، هي الارض إذا ارتجت ارتجت بما عليها (2). 6 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن [عمه] الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما صار الانسان يأكل ويشرب بالنار. ويبصر ويعمل (3) بالنور، ويسمع ويشم بالريح، ويجد لذة (4) الطعام والشراب بالماء، ويتحرك بالروح. ولولا أن النار في معدته ما هضمت - أوقال: حطمت - الطعام والشراب في جوفه ولولا الريح ما التهبت نار المعدة ولا خرج الثفل من بطنه، ولولا الروح ما تحرك ولا جاء ولا ذهب، ولولا برد الماء لاحترقه (5) نار المعدة، ولولا النور ما أبصر ولا عقل. فالطين صورته، والعظم في جسده بمنزلة الشجر في الارض والدم في جسده بمنزلة الماء في الارض ولا قوام للارض إلا بالماء، ولا قوام لجسد الانسان إلا بالدم، والمخ دسم الدم وزبده. فهكذا (6) الانسان خلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة، فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الارض، لانه نزل من شأن السماء إلى الدنيا، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت، ترد شأن الاخرى (7) إلى السماء، فالحياة في الارض، والموت في السماء،


(1) في المصدر: هي. (2) العلل: ج 1، ص 100. (3) يعقل (ظ). (4) في المصدر: طعم. (5) في المصدر: " لا حرقته " وهو الصواب. (6) فكذا (خ). (7) في بعض النسخ " الاخرة ".

[296]

وذلك أنه يفرق بين الارواح والجسد، فردت الروح والنور إلى القدرة (1) الاولى وترك الجسد لانه من شأن الدنيا. وإنما [فسد] الجسد في الدنيا لان الريح تنشف الماء فييبس، فيبقى الطين فيصير رفاتا ويبلى ويرجع كل إلى جوهره الاول. وتحركت الروح بالنفس حركتها من الريح، فما كان من نفس المؤمن فهو نور مؤيد بالعقل، وما كان من نفس الكافر فهو نار مؤيد بالنكراء، فهذه صورة نار، وهذه صورة نور. والموت رحمة من الله عزوجل لعباده المؤمنين، ونقمة (2) على الكافرين. ولله عقوبتان: إحداهما [من] أمر الروح، والاخرى تسليط بعض الناس على بعض، فما كان من قبل الروح فهو السقم والفقر، وما كان من تسليط فهو النقمة، وذلك قوله تعالى " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون " (3) من الذنوب. فما كان من ذنب الروح، من ذلك سقم وفقر، وما كان من تسليط فهو النقمة، وكل ذلك للمؤمن عقوبة له في الدنيا وعذاب له فيها، وأما الكافر فنقمة عليه في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة، ولا يكون ذلك إلا بذنب، والذنب من الشهوة، وهي من المؤمن خطأ ونسيان وأن يكون مستكرها وما لا يطيق، وما كان في الكافر فعمد وجحود واعتداء وحسد، وذلك قول الله عزوجل " كفارا حسدا من عند أنفسهم " (4). بيان: " أو قال " الترديد من الراوي، والحطم: الكسر، " ولولا الريح " أي التي تدخل المعدة مع الطعام والشراب، أو المتولدة في المعدة، أو الالتهاب من الاولى، و خروج الثفل من الثانية، كما ذكر الاطباء أن الرياح المتولدة فيها تعين على إحدار الثفل. " فالطين صورته " أي مادته التي تقبل صورته. وقال الفيروز آبادي: وتستعمل الصور بمعنى النوع والصفة. " خلق من شأن الدنيا " أي البدن " وشأن الآخرة " أي الروح " فإذا جمع الله بينهما " أي بين النشأتين " صارت حياته في الارض " أي تعلقت روحه السماوية


(1) القدس (خ) (2) نقمته (خ) (3) سورة الانعام، الاية 129. (4) العلل: ج 1، ص 102 101، والاية في سورة البقرة: 109.

[297]

بالجسد الارضي، فتدخل فيه - على الجسمية - أو تظهر آثارها في الارض بتوسط البدن - على التجرد - " ترد شأن الآخرة " أي الروح إلى السماء " فالحياة في الارض " أي بسبب كون الروح أو تعلقها في الارض " والموت في السماء " أي بسبب عروج الروح إلى السماء، أو الروح في حال حياة في الارض، وبعد الموت في السماء. " فردت الروح والنور إلى القدرة الاولى " أي إلى عالم الارواح التي هي اولى مخلوقاته تعالى، و في بعض النسخ " إلى القدس الاولى " أي إلى عوالم القدس الاولى. " ويرجع كل " أي من العناصر " إلى جوهره الاول " قبل الامتزاج، أو كل من الروح والبدن إلى الجوهر الاول. " وتحركت الروح بالنفس " كأن المراد بالروح هنا الحيوانية. وبالنفس، الناطقة أي عند الموت تتحرك الروح إلى السماء بسبب حركة النفس أو قطع تعلقها كحركة الروح في حال الحياة في البدن من الريح التي هي النفس، أو المراد حركتها في حال الحياة، أي الروح الحيوانية إنما تتحرك وتجري في مجاري البدن بسبب النفس حركتها التي بسبب الريح والتنفس (1). ويمكن أن يقرأ " بالنفس " بالتحريك، أي حركة الروح الحيوانية تابعة للنفس، كما أن النفس وتحركه تابع للريح، فيرتكب تأويل في تأنيث الضمير كالانفاس ونحوه، وعلى هذا يحتمل وجها آخر بأن يكون المراد خروج الحيوانية بالنفس، وخروجه كحركة الروح بالريح إلى السماء بعد خروجها والروح في قوله " فردت الروح " يمكن [أيضا] حملها على الحيوانية، فالمراد بالنور الناطقة، ويدل عليه قوله " فهو نور مؤيد بالعقل " وإذا حملناها على الناطقة فالمراد بالنور كمالاتها وعلمها وإدراكاتها، والاول في أكثر أجزاء الخبر أظهر. والنكراء - بالفتح الحيل والخداع والفطنة في الباطل، قال في القاموس: النكر والنكارة والنكراء والنكر - بالضم -: الدهاء والفتنة والمنكر. وقد مر في الحديث أنها شبهة (2) بالعقل وليست به. قوله " إحداهما من الروح " أي ما يصيب روحه من الآلام الجمسانية والروحانية


(1) النفس (خ). (2) شبيهة (ظ).

[298]

بلا توسط أحد، والاخرى ما يصيبه بسبب تسلط الغير عليه " فهو النقمة " أي ينتقم الله منه بغيره وعقوبة المؤمن منحصرة فيهما، وأما الكافر فيجتمع عليه عقاب الدنيا وعذاب الآخرة ويحتمل أن تكون " ان مخففة وكان المعنى: إنما يفعله باستكراه الشهوة وعدم طاقته لمقاومتها لعسر تركها عليه لا بسبب اختياره وخروجه عن التكليف، وأما الكافر فيفعلها عمدا واعتداء واستهانة بأمر الله ونهيه، كما ورد في خبر آخر " فإذا وقع الاستخفاف فهو الكفر ". " حسدا من عند أنفسهم " الاية في سورة البقرة هكذا: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا " قال البيضاوي: علة ود. " من عند أنفسهم " يجوز أن يتعلق ب‍ " ود " أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، أو ب‍ " حسدا " أي حسدا بالغا منبعثا من أصل نفوسهم (1) (انتهى). وظاهر الخبر أن الاستشهاد بقوله " من عند أنفسهم " أي باختيارهم لا باستكراه واضطرار وخطأ ونسيان، فيدل على أن المؤمن لا يرتكب المعصية إلا على أحد هذه الوجوه، فالمراد بالمؤمن الكامل، وهو الذي لا يخاف عليه العذاب في الاخرة، وعلى ما أولنا يشمل غيره أيضا. ولا يخفى ما في الخبر من التشويش، وكأنه من الرواة، وهو مع ذلك مشتمل على رموز خفية، وأسرار غيبية، وحكم ربانية، وحقائق إيمانية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. 7 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبى المقدام، عن جابر، عن أبي (2) عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لما أحب أن يخلق خلقا بيده، وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الارض سبعة آلاف سنة، قال: ولما كان من شأن الله أن يخلق آدم للذي أراد من التدبير والتقدير لما هو مكونه في السماوات والارض وعلمه لما أراد من ذلك كله كشط عن أطباق السماوات ثم قال للملائكة: انظروا إلى أهل


(1) أنوار التنزيل: ج 1 ص 106. (2) في المصدر: عن أبى جعفر عليه السلام

[299]

الارض من خلقي من الجن والنسناس، فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الارض بغير الحق، عظم ذلك عليهم وغضبوا لله وأسفوا على أهل الارض ولم يملكوا غضبهم أن قالوا: يا رب أنت العزيز القادر الجبار (1) القاهر العظيم الشأن، وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك يتقلب (2) في قبضتك، ويعيشون برزقك، ويستمتعون بعافيتك، وهم يعصونك بمثل هذا الذنوب العظام، لا تأسف ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى ! وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك. فلما سمع الله عزوجل من الملائكة قال: إني جاعل في الارض خليفة لي عليهم، فيكون حجة لي عليهم في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة: سبحانك ! أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قالوا: (3) فاجعله منا فإنا لا نفسد في الارض ولا نسفك الدماء. قال الله - جل جلاله -: يا ملائكتي إني أعلم مالا تعلمون، إني اريد أن أخلق خلقا بيدي، أجعل ذريته أنبياء مرسلين، وعبادا صالحين، وأئمة مهتدين، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معاصي (4)، وينذرونهم عذابي، و يهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، وأجعلهم حجة لي عذرا أو نذرا، وابين (5) النسناس من أرضي فاطهرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريتي و خلقي وخيرتي، واسكنهم في الهواء وفي أقطار الارض لا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا، ولا يرى نسل خلقي الجن ولا يؤانسونهم ولا يخالطونهم فمن (6) عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم لنفسي أسكنتهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم ولا ابالي.


(1) المختار (خ). (2) في المصدر: يتقلبون. (3) في المصدر: وقالوا. (4) فيه: المعاصي. (5) سيأتي في البيان عن بعض النسخ " ابير " وعن بعضها " ابيد ". (6) زاد في المصدر: ولا يجالسونهم

[300]

فقالت الملائكة يا ربنا افعل ما شئت، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم (1) الحكيم. فقال الله - جل جلاله - للملائكة: إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. وكان ذلك من أمر الله عزوجل تقد (2) إلى الملائكة في آدم من قبل أن يخلقه، احتجابا منه عليهم. قال فاعترف - تبارك وتعالى - غرفة من الماء العذب الفرات فصلصلها فجمدت، ثم قال لها: منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والائمة المهتدين الدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا ابالي، ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون يعني بذلك خلقه أنه سيسألهم. ثم اغترف غرفة من الماء المالح الاجاج، فصلصلها فجمدت، ثم قال لها: منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة (3) إخوان الشياطين والدعاة إلى النار يوم (4) القيامة وأتباعهم ولا ابالي، ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون. قال: وشرط في ذلك البداء، ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء. ثم خلط الماءين فصلصلهما ثم ألقاهما قدام عرشه وهما ثلة من طين. ثم أمر الملائكة الاربعة: الشمال والدبور والصبا والجنوب، أن جولوا على هذه السلالة (5) الطين وابرأوها وأنشئوها (6) ثم جزئوها وفصلوها وأجروا فيها (7) الطبائع الاربعة: الريح، والمرة، والدم والبلغم. قال: فجالت الملائكة عليها وهي الشمال والصبا والجنوب والدبور، فأجروا فيها الطبائع الاربعة. قال: والريح في الطبائع الاربعة [في البدن] من ناحية الشمال. قال والبلغم في الطبائع الاربعة في البدن من ناحية الصبا. قال: والمرة في الطبائع الاربعة في البدن من ناحية الدبور. قال: والدم في الطبائع الاربعة في البدن من ناحية الجنوب. قال: فاستقلت النسمة وكمل البدن. قال: فلزمه


(1) العلى (خ). (2) تقدمة (خ). (3) في المصدر، واخوان. (4) فيه: إلى يوم القيامة. (5) فيه: الثلة. (6) فيه: وانسموها. (7) فيه: وأجروا إليها.

[301]

من ناحية الريح حب الحياة وطول الامل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب واللين والرفق، ولزمه من ناحية المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب النساء واللذات وركوب المحارم والشهوات. قال عمرو: أخبرني جابر أن أبا جعفر عليه السلام قال: وجدناه في كتاب من كتب علي عليه السلام (1). تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن ثابت الحداد، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام مثله بأدنى تغيير، وقد أوردناه بلفظ التفسير في باب خلق آدم عليه السلام (2). بيان: " لما هو مكونه " متعلق بالتقدير والتدبير على التنازع، و " علمه " معطوف على " الذي " أو على " شأن الله " أو " علمه " بصيغة الماضي عطفا على " هومكونه " و " لما أراد " بالتشديد تأكيد لقوله " لما أحب " لبعد العهد بين الشرط والجزاء. وقال الجوهري: كشطت الجل عن ظهر الفرس والغطاء عن الشئ إذا كشفته عنه. وفي المصباح: أسف غضب وزنا ومعنى. " أن قالوا " أي إلى أن قالوا، و " أن " ليس في التفسير، وفيه " يتقلبون " وهو أظهر، وما هنا لرعاية إفراد لفظ الخلق، وفيه " خليفة يكون حجة لي في أرضي على خلقي ". " بيدي " أي بقدرتي. " وابين النسناس " أي اخرجهم، وفي بعض النسخ " ابير " أي اهلك، وفي التفسير " ابيد " بمعناه. والمردة جمع المارد وهو العاتي. وفي الصحاح: الصلصال الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف. والحمأ: الطين الاسود، والمسنون: المتغير المنتن. وقال: ثلة البئر ما اخرج من ترابها، والثلة - بالضم - الجماعة من الناس (انتهى) وفي التفسير " سلالة من طين " وسلالة الشي ء ما استل منه. " أن جولوا " من الجولان، وفي التفسير " أن يجولوا " و " ابروها " من البري بمعنى النحت، أو بالهمز أي اجعلوها مستعدة لان أبرأها وانشئها - مجازا - والبر: التراب، ويمكن


(1) العلل: ج 1، ص 98 - 100. (2) تفسير القمى: 31.

[302]

أن يكون من التأبير، وفي القاموس: أبر النخل والزرع كأبره أصلحه. ولعل المراد بالريح المرة الصفراء وبالمرة السوداء، كما مر أو بالعكس، أو المراد بالريح الروح الحيواني وبالمرة المرتان، وفي التفسير الصغير لعلي بن إبراهيم " وأجروا فيها الطبائع الاربع: المرتين والدم والبلغم - إلى قوله - فالدم من ناحية الصبا، والبلغم من ناحية الشمال، والمرة الصفراء من ناحية الجنوب، والمرة السوداء من ناحية الدبور ". 8 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابنا رفعه (1)، قال: قال أبو عبد الله: عرفان المرء نفسه أن يعرفها بأربع طبائع وأربع دعائم وأربعة أركان، وطبائعه: الدم، والمرة، والريح، والبلغم. ودعائمه: العقل - ومن العقل الفطنة - والفهم، والحفظ، والعلم. وأركانه: النور، والنار، والروح، والماء. فأبصر وسمع و عقل بالنور، وأكل وشرب بالنار، وجامع وتحرك بالروح، ووجد طعم الذوق والطعم بالماء: فهذا تأسيس صورته. فإذا كان عالما حافظا ذكيا فطنا فهما عرف في ما هو ومن أين تأتيه الاشياء ولاي شئ هو ههنا ولما هو (2) صائر بإخلاص الوحدانية والاقرار بالطاعة وقد جرى فيه النفس وهي حارة وتجري فيه وهي باردة. فإذا حلت به الحرارة أشر وبطر وارتاح وقتل وسرق ونصح (3) واستبشر وفجر وزنا واهتز وبذخ، وإذا كانت باردة اهتم وحزن واستكان وذبل ونسي وأيس. فهي العوارض التي تكون منها (4) الاسقام، فإنه سبيلها، ولا يكون أول ذلك إلا لخطيئة عملها فيوافق ذلك مأكل أو مشرب في إحدى ساعات لا تكون تلك الساعة موافقة لذلك المأكل والمشرب بحال الخطيئة فيستوجب الالم من ألوان الاسقام. وقال: جوارح الانسان وعروقه وأعضاؤه جنود لله (5)


(1) في المصدر: يرفعه. (2) والى ما (خ) (3) في المصدر: " وبهج " وهو الظاهر. (4) فيه وفى بعض نسخ الكتاب، فيها. (5) جنود الله (خ)

[303]

مجندة عليه، فإذا أراد الله به سقما سلطها عليه فأسقمه من حيث يريد به ذلك السقم (1). بيان: قوله " والفهم " عطف على العقل أوعد العقل أربعا باعتبار شعبه، والاول أظهر. وقال الراغب في مفرداته: النور الضوء المنتشر الذي يعين على الابصار، وذلك ضربان: دنيوي واخروي فالدنيوي ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الامور الالهية كنور العقل ونور القرآن، ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الاجسام النيرة كالقمر والنجوم والنيران، فمن النور الالهي قوله عزوجل " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " (2) وقال " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " (3) وقال " ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا " (4) وقال " فهو على نور من ربه " (5) وقال " نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " (6) ثم قال ومن النور الاخروي قوله " يسعى نورهم بين أيديهم " (7) وقوله " انظرونا نقتبس من نوركم " (8) وسمى الله نفسه نورا فقال " الله نور السماوات والارض " (9) - انتهى -. " عرف في ما هو " أي فناء الدنيا ودناءتها وأحوال نفسه وضعفه وعجزه " ومن أين تأتيه الاشياء " أي يؤمن بالقضاء والقدر ويعلم أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة " ولاي شئ هو ههنا " أي في الدنيا للمعرفة والطاعة " وإلى ما هو صائر " من الآخرة. وقوله " بإخلاص الطاعة " إما حال عن فاعل " عرف " أي متلبسا به، أو متعلق ب‍ " صائر " أي يعلم أن مصيره إلى الجنة إذا أخلص الوحدانية، أو متعلق بالمعرفة علة لها.


(1) العلل: ج 1، ص 102 - 103. (2) المائدة: 15. (3) الانعام: 122. (4) الشورى: 52. (5) الزمر: 22. (6) النور: 35. (7) الحديد: 12. (8) الحديد: 13. (9) النور: 35.

[304]

والارتياج: النشاط، والبذخ: الكبر، بذخ كفرح. وذبل: ذوى وضمر (1) " بحال الخطيئة " أي تلك الموافقة بسبب الخطيئة. وقال الجوهري: الجند الانصار والاعوان، وفلان جند الجنود. 9 - العلل: عن محمد بن موسى البرقي، عن علي محمد ماجيلويه، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول لرجل: اعلم يا فلان أن منزلة القلب من الجسد بمنزلة الامام من الناس الواجب الطاعة عليهم. ألا تري أن جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدية عنه: الاذنان، والعينان، والانف، والفم، واليدان، والرجلان، والفرج فإن القلب إذا هم بالنظر فتح الرجل عينيه، وإذا هم بالاستماع حرك اذنيه وفتح مسامعه فسمع، وإذا هم القلب بالشم استنشق بأنفه فأدى تلك الرائحة إلى القلب، وإذا هم بالنطق تكلم باللسان (2)، وإذا هم بالحركة سعت الرجلان، وإذا هم بالشهوة تحرك الذكر، فهذه كلها مؤدية عن القلب بالتحريك، وكذلك ينبغي الامام (3) أن يطاع للامر منه (4). بيان: الشرط - كصرد - طائفة من أعوان الولاة. 10 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبي جميلة، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الغلطة في الكبد، والحياء في الريح، والعقل مسكنه القلب (5). 11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر والحسن بن


(1) ذوى - كضرب وفرح - ذويا: نشف ماؤه، وضمر - كنصر وكرم - هزل. (2) زاد في المصدر: وإذا هم بالبطش عملت اليدان. (3) فيه: للامام. (4) العلل: ج 1، ص 103. (5) المصدر: ج 1، ص 101.

[305]

فضال، عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحزم في القلب، والرحمة والغلظة (1) في الكبد، والحياء في الرئة. وفي حديث آخر لابي جميلة: العقل مسكنه في القلب (2). بيان: الحزم ضبط الامر والاخذ فيه بالثقة، ونسبته إلى القلب إما لان المراد بالقلب النفس وهو ظاهر، إما لان لقوة القلب مدخلا في حسن التدبير. والرحمة والغلظة منسوبتان إلى الاخلاط المتولدة في الكبد، فلذا نسبهما (3) إليه. ويحتمل أن يكون لبعض صفاته مدخلا (4) فيهما كما هو المعروف بين الناس، وكذا الرئة. ولا يبعد أن يكون الريح في الخبر السابق تصحيف الرئة، لاتحاد الراوي، وعلى تقدير صحته المراد المرة السوداء أو الصفراء، والاول أنسب. 11 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله الحميري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن بعض أصحابنا رفع الحديث قال: لما خلق الله عزوجل طينة آدم أمر الرياح الاربع فجرت عليها فأخذت من كل ريح طبيعتها (5). 12 - النصوص: عن علي بن الحسن، عن هارون بن موسى، عن علي بن محمد بن مخلد عن الحسن بن علي بن بزيع، عن يحيى بن الحسن بن فرات، عن علي بن هاشم البريد عن محمد بن مسلم، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام في صغره عند أبيه عليه السلام: يا ابن رسول الله من أين الضحك ؟ قال: يا محمد ! العقل من القلب، والحزن من الكبد، والنفس من الرئة والضحك من الطحال. فقمت وقبلت رأسه. 13 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، قال: سمعت


(1) الغضب (خ) (2) روضة الكافي: 190. (3) نسبتهما (خ) (4) كذا في جميع النسخ، والصواب " مدخل ". (5) العلل: ج 1، ص 101.

[306]

أبا الحسن عليه السلام يقول: طبائع الجسم على أربعة: فمنها الهواء الذي لا تحيى (1) النفس إلا به وبنسيمه، ويخرج ما في الجسم من داء وعفونة، والارض التي قد تولد اليبس والحرارة، والطعام ومنه يتولد الدم، ألا يرى (2) أنه يصير إلى المعدة فيغذيه حتى يلين ثم يصفو، فيأخذ (3) الطبيعة صفوه دما، ثم ينحدر الثفل والماء وهو يولد البلغم (4). 13 - بيان: " طبائع الجسم على أربعة " أي مبنى طبائع جسد الانسان وصلاحها على أربعة أشياء، ويحتمل أن يكون المراد بالطبائع ماله مدخل في قوام البدن وإن كان خارجا عنه، فالمراد أنها على أربعة أقسام: " ويخرج ما في الجسم " يدل على أن لتحرك النفس مدخلا في دفع الادواء ورفع العفونات عن الجسد كما هو الظاهر. " والارض " أي الثانية منها الارض وهي تولد اليبس بطبعها، والحرارة بانعكاس أشعة الشمس والكواكب عنها، فلها مدخل في تولد المرة الصفراء والمرة السوداء " والطعام " هذا هو الثالثة، وإنما نسب الدم فقط إليها لانها أدخل في قوام البدن من سائر الاخلاط مع عدم مدخلية الاشياء الخارجة كثيرا فيها. " والماء " هو الرابعة، ومدخليتها في تولد البلغم ظاهرة. 14 - الاختصاص: عن المعلى بن محمد، عن بعض أصحابنا يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أول من قاس إبليس، فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، ولو علم إبليس ما خلق الله (5) في آدم لم يفتخر عليه. ثم قال: إن الله عزوجل خلق الملائكة من نور (6)، وخلق الجان من النار، وخلق الجن صنفا من الجان من الريح، وخلق الجن (7) صنفا من الجن من الماء، وخلق آدم من صفحة الطين، ثم أجرى في آدم النور


(1) لا تجيئ (خ). (2) في المصدر: ألا ترى. (3) فيه: فتأخذ. (4) روضة الكافي: 230. (5) في المصدر: ما جعل. (6) في المصدر: من النور. (7) كذا وفى المصدر، وخلق صنفا.

[307]

والنار والريح والماء، فبالنور أبصر وعقل وفهم، وبالنار أكل وشرب، ولولا أن النار في المعدة لم يطحن المعدة الطعام، ولولا أن الريح في جوف آدم تلهب نار المعدة لم تلتهب، ولولا أن الماء في جوف ابن آدم يطفئ حر نار المعدة لاحرقت النار جوف ابن آدم. فجمع الله ذلك في آدم الخمس الخصال (1) وكانت في إبليس خصلة فافتخر بها (2). 15 - نهج: قال عليه السلام: اعجبوا لهذا الانسان ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم ! (3) 16 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم رفعه، قال: سألته عن الموت مما هو ومن أي شئ هو ؟ فقال: هو من الطبائع الاربع التي هي مركبة في الانسان، وهي: المرتان، والدم، والريح. فإذا كان يوم القيامة نزعن هذه الطبائع من الانسان فيخلق منها الموت فيؤتى به في صورة كبش أملح - أي أغبر - فيذبح بين الجنة والنار، فلا يكون في الانسان هذه الطبائع الاربع فلا يموت أبدا. 17 - الخصال والعلل: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي عن عباد بن صهيب، عن أبيه، عن جده، عن الربيع صاحب المنصور، قال: حضر أبو عبد الله عليه السلام مجلس المنصور يوما وعنده رجل من الهند يقرأ كتب الطب، فجعل أبو عبد الله عليه السلام ينصت لقراءته، فلما فرغ الهندي قال له: يا أبا عبد الله أتريد مما معي شيئا ؟ قال: لا، فإن معي ما هو خير مما مع ؟ قال: وما هو ؟ قال: اداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وأرد الامر كله إلى الله عزوجل، وأستعمل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله " واعلم أن المعدة بيت الداء، وإن الحمية هي الدواء " واعود البدن ما أعتاد. فقال الهندي وهل الطب إلا هذا ؟ ! فقال الصادق عليه السلام: أفتراني من كتب


(1) خصال (خ) (2) الاختصاص: 109، وفيه، فافتخر بها على آدم عليه السلام. (3) نهج البلاغة الرقم 7 من الحكم.

[308]

الطب أخذت ؟ قال: نعم، قال: لا والله، ما أخذت إلا عن الله سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطب أم أنت ؟ قال الهندي: لا، بل أنا. قال الصادق عليه السلام: فأسألك شيئا، قال: سل. قال [الصادق] عليه السلام: أخبرني يا هندي لم كان في الرأس شؤون ؟ قال: لا أعلم قال: فلم جعل الشعر عليه من فوق، قال: لا أعلم، قال: فلم خلت الجبهة من الشعر ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان لها تخاطيط (1) وأسارير ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان الحاجبان [من] فوق العينين (2) ؟ قال: لا أعلم، قال فلم جعل العينان كاللوزتين ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم جعل الانف (3) بينهما ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان ثقب الانف في أسفله ؟ قال، لا أعلم قال: فلم جعلت الشفة والشارب من فوق الفم ؟ قال: لا أعلم، قال فلم احتد السن وعرض الضرس و طال (4) الناب ؟ قال: لا أعلم، قال فلم جعلت اللحية للرجال ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم خلت الكفان من الشعر ؟ قال: لا أعلم، قال فلم خلا الظفر والشعر من الحياة ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان القلب كحب الصنوبر ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كانت الرئة قطعتين وجعل حركتها في موضعها ؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كانت الكبد حدباء ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كانت الكلية كحب اللوبيا ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم جعل طي الركبة إلى خلف ؟ قال: لا أعلم، قال: فلم انخصرت (5) القدم ؟ قال: لا أعلم. فقال الصادق عليه السلام: لكني أعلم. قال: فأجب. فقال الصادق عليه السلام: كان في الرأس شؤون لان المجوف إذا كان بلا فصل أسرع إليه الصداع (6)، فإذا جعل ذا فصول كان الصداع (7) منه أبعد. وجعل الشعر من فوقه ليوصل بوصوله الادهان إلى الدماغ، و


(1) تخطيط (خ) (2) فوق العين (خ) (3) في ما بينهما (خ) (4) أطال (خ) (5) في العلل تخصرت. (6 و 7) في العلل والخصال: الصدع.

[309]

يخرج بأطرافه البخار منه، ويرد (1) الحر والبرد الواردين عليه. وخلت الجبهة من الشعر لانها مصب النور إلى العينين. وجعل فيها التخاطيط (2) والاسارير ليحبس العرق الوارد من الرأس عن العين قدر ما يميطه الانسان عن (3) نفسه كالانهار في الارض التي تحبس المياه. وجعل الحاجبان من فوق العينين ليردا (4) عليهما من النور قدر الكفاية، ألا ترى يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كقايتهما منه. وجعل الانف في ما بينهما ليقسم النور قسمين إلى كل عين سواء. وكانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء، ولو كانت مربعة أو مدورة ما جرى فيها الميل وما وصل إليها دواء ولا خرج منها داء. وجعل ثقب الانف في أسفله لينزل منه الادواء المنحدرة من الدماغ، ويصعد (5) فيها الاراييح (6) إلى المشام، ولو كان في أعلاه لما نزل داء ولا وجد رائحة. وجعل الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم، لئلا يتنغص على الانسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه. وجعلت اللحية للرجال ليستغني بها عن الكشف في المنظر ويعلم بها الذكر من (7) الانثى. وجعل السن حادا لان به يقع العض، وجعل الضرس عريضا لان به يقع الطحن والمضغ، وكان الناب طويلا ليشد (8) الاضراس والاسنان كالاسطوانة في البناء. وخلا الكفان من الشعر لان بهما يقع اللمس، فلو كان بهما شعر ما درى الانسان ما يقابله ويلمسه. وخلا الشعر والظفر من الحياة لان طولهما سمج يقبح وقصهما حسن، فلو كان فيهما حياة لالم الانسان لقصهما. وكان (9) القلب كحب الصنوبر لانه منكس، فجعل


(1) في العلل: ويرد عنه الحر. (2) التخطيط (خ) (3) من نفسه (خ) (4) في العلل: " ليوردا " وفى الخصال: " ليرد ". (5) في العلل. وتصعد فيها الروائح. (6) الارياح (خ) (7) والانثى (خ) (8) في الخصال: " ليشيد " وفى بعض النسخ " ليسند ". (9) وجعل (خ)

[310]

رأسه دقيقا ليدخل في الرئة فيتروح عنه ببردها لئلا يشيط الدماغ بحره. وجعلت الرئة قطعتين ليدخل بين مضاغطها (1) فتروح عنه بحركتها. وكانت الكبد حدباء لتثقل المعدة وتقع جميعها عليها فتعصرها فيخرج ما فيها من البخار. وجعلت الكلية كحب اللوبيا لان عليها مصب المني نقطة بعد نقطة، فلو كانت مربعة أو مدورة لاحتبست النقطة الاولى الثانية، فلا يلتذ بخروجها الحي، إذ المني ينزل من فقار الظهر إلى الكلية فهي كالدودة تنقبض وتنبسط، ترميه أولا فأولا إلى المثانة كالبندقة من القوس وجعل طي الركبة إلى خلف لان الانسان يمشي إلى ما بين يديه فتعتدل الحركات، ولولا ذلك لسقط في المشي. وجعلت القدم متخصرة لان الشئ إذا وقع على الارض جميعه ثقل ثقل حجر الرحا، إذا كان على حرفه دفعه الصبي، وإذا وقع على وجهه صعب ثقله على الرجل. فقال الهندي: من أين لك هذا العلم ؟ فقال عليه السلام: أخذته عن آبائي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عليه السلام عن رب العالمين - جل جلاله - الذي خلق الاجساد والارواح (2). فقال الهندي: صدقت، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وعبده. وأنك أعلم أهل زمانك (3). بيان: قال في القاموس: المعدة: - ككلمة وبالكسر -: موضع الطعام. وقال الجوهري: الشأن واحد الشؤون وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاها، ومنها تجئ الدموع. وقال: السرر أيضا واحد " أسرار الكف والجبهة " وهي خطوطها، وجمع الجمع أسارير. والذي يظهر من كلام اللغويين أن السن والضرس مترادفان، ويظهر من إطلاقات الاخبار وغيرها اختصاص السن بالمقاديم الحداد، والضرس بالمآخير العراض وفي المصباح حدب الانسان من باب تعب إذا خرج ظهره وارتفع عن الاستواء، والرجل أحدب و المرأة حدباء وقال الجوهري: رجل مخصر القدمين إذا كانت قدمه تمس الارض من مقدمها


(1) مساقطها (خ). (2) في العلل والخصال، الاجسام. (3) العلل: ج 1، ص 92 - 95: الخصال 98 - 100.

[311]

وعقبها وتخوى (1) أخمصها مع دقة فيه. قوله عليه السلام " ليوصل بوصوله " أي بسبب وصول الشعر إلى الدماغ تصل إليه الادهان، أو هو جمع الوصل إلى منابته واصوله، ولا يبعد أن يكون في الاصل " باصوله " فصحف، بقرينة مقابلة " أطرافه ". قوله عليه السلام " لانها مصب النور " وذلك لان طول الشعر من الجانب الاعلى إليهما، وأكثر الانوار السماوية ترد من الجهة العليا، أو أن الاعصاب التي ترد منها الروح إليهما في باطن الجبهة، ومع نبات الشعر تصل منابتها إلى تلك الاعصاب فتمنع ورود الروح التي هي محل النور، أو أنه مزاج الروح الحامل للنور حار رطب، والشعر يتولد من المواد الباردة اليابسة فلا يتوافقان، والاول أظهر. ويقال: ماطه يميطه وأماطه أي نحاه وأبعده. وفي القاموس: الريح معروف، والجمع أرواح، وأرياح، ورياح وريح - كعنب - وجمع الجمع أروايح وأراييح. قوله عليه السلام " فيميطه عن نفسه " أي فيحتاج إلى أن يميط ما ينزل من الدماغ في أثناء الاكل والشرب عن نفسه، أو فيميط الشارب والشفة ما ينزل عنه، وهو بعيد " ليستغني بها عن الكشف " أي [عن] كشف العورة لاستعلام كونه ذكرا أم انثى وقوله " في المنظر " متعلق بقوله " يستغني " لا بالكشف. " ليشد الاضراس " وفي بعض النسخ " ليسند " وفي المصباح: السند - بفتحتين -: ما استندت إليه من حائط وغيره، يقال: أسندته إلى الشئ فسند هو - انتهى - وعلى التقديرين لعل وجه كونه سندا من بين سائر الاسنان أنه لطوله يمنع وقوع الاسنان بعضه على بعض في بعض الاحوال، كما أن الاسطوانة تمنع السقف من السقوط، أو أنها لطولها وقوتها تكون أثبت من غيرها فتمنعها من التزلزل والسقوط لاتصالها كالاسطوانة التي تنصب في الارض ويجعل بينها التخاتج فتمسكها، ويؤيده أن هذا السن يسقط غالبا بعد سائرها، فهو أقوى منها وأثبت. " ما يقابله " كأنه كان " يعامله " فصحف، مع أن أكثر ما يلمس يكون مقابلا. " ليدخل " أي القلب " بين مضاغطها " أي بين قطعتي الرئة " فتروح " أي الرئة " عنه " أي القلب. وفي القاموس: شاط يشيط شيطا احترق، وفلان هلك - انتهى -. واستعيرت


(1) يخوى (خ)

[312]

" النقطة " هنا للشئ القليل والقطرة. والاحتباس يكون لازما ومتعديا " إلى الثانية " أي منضمة إليها: وهذا موافق لما مر من مذهب جالينوس في ذلك، وكأنه كان مكان المثانة " الانثيين " لانهم لم يذكروا مرور المني على المثانة كما عرفت إلا أن يكون المراد رمية قريبا من المثانة كما مر وقال الشيخ في القانون في ذكر أوعية المني: وهذه الاوعية تصعد أولا ثم تتصل برقبة المثانة أسفل من مجرى البول، مع أن أكثر ما ذكروه مبني على الظن والتخمين، فإن صح الخبر وضبطه كان قولهم في ذلك باطلا. قوله عليه السلام " يمشي إلى ما بين يديه " أي يميل في المشي إلى قدامه فلو كان طي الركبة من القدام لانثنى أيضا من هذا الجانب فيسقط. قوله " إذا وقع على الارض جميعه " وذلك لامتناع الخلاء، لانه إذا لم يكن بين السطحين هواء أصلا وانطبقتا لم يكن رفع أحدهما عن الآخر فيرتفعان معا، ولو كان بينهما هواء قليل يرتفع لكن يعسر (1) لتوقفه على تخلخل هذا الهواء ودخول الهواء من خارج أيضا، فتخصر القدم يوجب وجود هواء كثير تحت القدم. فإذا رفع القدم يدخل تحت ما لصق بالارض من قدام القدم وعقبه الهواء من الاطراف بسرعة وسهولة فلا يعسر رفعه. 18 - العلل: عن الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن أبي عبد الله الداري، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سفيان الحريري، عن معاذ، عن بشر بن يحيى العامري، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي نعمان، فقال أبو عبد الله عليه السلام: من الذي معك ؟ فقلت: جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة له نظر ونفاذ (2) رأي يقال له نعمان (3). قال: فلعل هذا


(1) يتعسر (خ) (2) في المصدر: ونقاد ورأى. (3) يعنى أبا حنيفة، وهو نعمان بن ثابت بن مرزبان مولى تيم الله، وانحرافه عن الامام الصادق مشهور بين الفريقين، ينسب إليه مكتب الرأى والقياس، قال الغزالي: فأما ابو حنيفة فقد قلب الشريعة ظهر البطن وشوش مسلكها وغير نظامها وأردف جميع قواعد الشريعة بأصل هدم به شرع محمد المصطفى صلى الله عليه وآله ومن فعل شيئا من هذا مستحلا كفر ومن فعل غير مستحل فسق، ثم جرى في الطعن عليه بما لا يسع ذكره المجال من اراده راجع كتابه المسمى " المنخول في الاصول "، وقد ألف شيخنا المفيد - ره - رسالة في مخالفته لنصوص كتاب الله وسنة رسوله من باب الطهارة إلى الديات.

[313]

الذي يقيس الاشياء برأيه، فقلت: نعم، قال: يا نعمان، هل تحسن أن تقيس رأسك ؟ فقال: لا، فقال: ما أراك تحسن شيئا ولا فرضك إلا من عند غيرك، فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان ؟ قال: لا، قال: فهل عرفت ما الملوحة في العينين والمرارة في الاذنين، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين ؟ قال: لا. قال ابن أبي ليلى: فقلت: جعلت فداك، فسر لنا جميع ما وصفت. قال: حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أن الله تبارك وتعالى خلق عيني ابن آدم من شحمتين فجعل فيهما الملوحة، ولو لا ذلك لذابتا، فالملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى. وجعل المرارة في الاذنين حجابا من الدماغ، فليس من دابة تقع فيه إلا التمست الخروج، ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ. وجعلت العذوبة في الشفتين منا من الله عزوجل على ابن آدم يجد (1) بذلك عذوبة الريق وطعم الطعام والشراب. وجعل البرودة في المنخرين لئلا تدع في الرأس شيئا إلا أخرجته. قلت: فما الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان ؟ قال: قول الرجل " لا إله إلا الله " أولها كفر وآخرها إيمان. ثم قال: يا نعمان، إياك والقياس، فقد حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " من قاس شيئا بشئ قرنه الله عزوجل مع إبليس في النار فإنه أول من قاس على ربه " فدع الرأي والقياس، فإن الدين لم يوضع بالقياس و (2) بالرأي (3). بيان: [أقول] قد مرت أخبار كثيرة في هذا المعنى في باب البدع والمقاييس، وفي بعضها: جعل الاذنين مرتين لئلا يدخلهما شئ إلا مات، لولا ذلك لقتل ابن آدم الهوام وجعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو والمر، وجعل العينين مالحتين لانهما شحمتان ولولا ملوحتهما لذابتا، وجعل الانف باردا سائلا لئلا يدع في الرأس داء إلا أخرجه ولولا ذلك لثقل الدماغ وتدود، وفي بعضها: [و] جعل الماء في المنخرين


(1) في المصدر: فيجد. (2) فيه: ولا بالرأى. (3) العلل: ج 1، ص 86.

[314]

ليصعد منه النفس وينزل ويجد منه الريح الطيبة من الخبيثة. قوله عليه السلام " ولا فرضك " أي ما أراك تحسن ما افترض الله عليك إلا إذا أخذته من غيرك. وقوله " فالملوحة تلفظ " علة اخرى. " وجعل البرودة " أي الماء البارد، فإن السيلان علة لاخراج ما في الرأس لا البرودة (1)، وهي علة لعدم سيلان الدماغ كما اشير إليه في الخبر الآخر. 19 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عمر بن عبدالعزير، قال: حدثنا هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: ما العلة في بطن الراحة لا ينبت فيه الشعر وينبت في ظاهرها ؟ فقال: لعلتين: أما إحداهما فلان الناس يعلمون الارض التي تداس ويكثر عليها المشي لا تنبت شيئا، والعلة الاخرى لانها جعلت من الابواب التي تلاقي الاشياء، فتركت لا ينبت عليها الشعر لتجد مس اللين والخشن ولا يحجبها الشعر عن وجود الاشياء، ولا يكون بقاء الخلق إلا على ذلك (2). بيان: " الارض التي تداس " كأنه علة لعدم نبات الشعر بعد الكبر لا ابتداء والدوس: الوطئ بالرجل. " من الابواب التي تلاقي الاشياء " أي من أسباب العلم التي تدرك بها الاشياء بالملاقاة، أو من الاعضاء التي تلاقي الاشياء كثيرا. " عن وجود الاشياء " أي وجدان كيفياتها، في القاموس: وجد المطلوب كوعد وجدا ووجودا و وجدانا وإجدانا - بكسرهما -: أدركه. 20 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله القرشي رفعه، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا باحنيفة (3)، بلغني أنك تقيس، قال: نعم أنا أقيس. فقال: ويلك لا تقس فان أول من قاس إبليس، قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " قاس


(1) لعل المراد أن البرودة هي التى بسببها تتقطر الابخرة المتصاعدة إلى الدماغ فتسيل من المنخرين. (2) العلل: ج 1 ص 95. (3) يا أبا حنيفة (خ)

[315]

ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنور النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر، ولكن قس لي رأسك مع جسدك: أخبرني عن اذنيك مالهما مرتان ؟ وعن عينيك مالهما مالحتان ؟ وعن شفتيك مالهما عذبتان ؟ وعن أنفك ماله بارد ؟ فقال: لا أدري. فقال له: أنت لا تحسن (1) تقيس رأسك، تقيس الحلال والحرام ؟ ! فقال: يا ابن رسول الله، أخبرني كيف ذلك. فقال: إن الله عزوجل جعل الاذنين مرتين لئلا يدخلهما شئ إلا مات، ولولا ذلك لقتلت الدواب ابن آدم. وجعل العينين مالحتين لانها شحمتان ولولا ملوحتهما لذابتا. وجعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو والمر. وجعل الانف باردا سائلا لئلا يدع في الرأس داء إلا أخرجه ولولا ذلك لثقل الدماغ وتدود. وقال البرقي: وروى بعضهم أنه قال في الاذنين: لامتناعهما من العلاج. وقال في موضع ذكر الشفتين الريق: فإنما عذب الريق ليميز [به] بين الطعام و الشراب وقال في ذكر الانف: لولا برد ماء (2) الانف وإمساكه الدماغ لسال الدماغ من حرارته (3). ومنه: عن أبيه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن هاشم عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي، رفع الحديث وذكر مثله إلى قوله " وتدود " (4). بيان: " وتدود " أي تولد فيه الدود، " لامتناعهما من العلاج " أي لتكونا بطبعهما آبيتين (5) ممتنعتين عن أن يعالج الدواب فيهما بعد دخولهما بل تموت أو تخرج أو لانهما لكونهما غائرتين في الرأس يشكل علاجهما إذا لذعتهما هامة أو دابة فينفذ السم سريعا إلى الدماغ فيهلك.


(1) في المصدر: لا تحسن أن تقيس رأسك، فكيف تقيس الحلال والحرام ؟ (2) ما في الانف (خ) (3) العلل: ج 1، ص 82. (4) المصدر: 81. (5) في نسخ الكتاب: آيتين.

[316]

21 - المناقب: مما أجاب الرضا عليه السلام بحضرة المأمون لضباع بن نصر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما، قالا: فما بال الرجل يلتحي دون المرأة ؟ قال عليه السلام: زين الله الرجال باللحى وجعلها فصلا يستدل بها على الرجال (1) والنساء (2). 22 - مجالس الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد الموسوي عن عبيدالله (3) بن أحمد بن نهيك، عن محمد بن أبي عمير، عن سبرة بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في ابن آدم ثلاثمائة وستون عرقا منها مائة وثمانون متحركة، ومائة وثمانون ساكنة، فلو سكن المتحرك لم يبق الانسان ولو تحرك الساكن لهلك الانسان - الخبر -. المكارم عن علي عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله مثله (4). 23 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في زيادة ضلع المرءة على ضلع الرجل لمكان الجنين كي يتسع جوفها للولد. 24 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الانباري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحمد الله في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة عدد عروق الجسد، يقول: الحمد لله رب العالمين كثيرا على كل حال (5). 25 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وحميد بن زياد، عن الحسن بن محمد جميعا عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن يعقوب بن شعيب، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في ابن آدم ثلاثمائة وستين عرقا، منها مائة وثمانون متحركة


(1) من النساء (2) المناقب: ج 4، ص 354. (3) كذا ذكره النجاشي، وعن الفاضل الجزائري في الحاوى أن ضبطه مصغرا سهو إن لم يكن رجلا آخر، واحتمل بعضهم كونه مسمى باسمين (4) المكارم: 357. (5) الكافي: ج 2، ص 503.

[317]

ومنها مائة وثمانون ساكنة، فلو سكن المتحرك لم ينم، ولو تحرك الساكن لم ينم. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أصبح قال: " الحمد لله رب العالمين كثيرا على كل حال " ثلاثمائة وستين مرة، وإذا أمسى قال مثل ذلك (1). العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن الميثمي مثله (2). 26 - المناقب لابن شهر اشوب: عن سالم الضرير أن نصرانيا سأل (3) الصادق عليه السلام عن أسرار الطب ثم سأله عن تفصيل الجسم، فقال عليه السلام: إن الله خلق الانسان على اثني عشر وصلا، وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظما، وعلى ثلاثمائة وستين عرقا. فالعروق هي التي تسقي الجسد كله، والعظام تمسكها، واللحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم وجعل في يديه اثنين وثمانين عظما في كل يد أحد وأربعون عظما، منها في كفه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساعده اثنان، وفي عضده واحد. وفي كتفه ثلاثة، فذلك أحد و أربعون عظما، وكذلك في الاخرى، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظما، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساقه اثنان، وفي ركبته ثلاثة، وفي فخذه واحد وفي وركه اثنان. وكذلك في الاخرى. وفي صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد (4) من جنبيه تسعة أضلاع، وفي وقصته (5) ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظما، وفي فيه ثمانية وعشرون أو اثنان وثلاثون [عظما] (6). تبيين: يمكن أن يكون المراد وصل الاعضاء العظيمة بعضها ببعض كالرأس والعنق العضدين والساعدين والوركين مع الفخذين والساقين والاضلاع من اليمين والاضلاع


(1) الكافي: ج 2: ص 503. (2) العلل: ج 2، ص 42. (3) في المصدر: سأل الصادق (ع) عن تفصيل. (4) واحدة (خ). (5) في المصدر: وفى عنقه. (6) المناقب: ج 4، ص 256.

[318]

من الشمال وكأن المراد بالوقصة العنق. قال الفيروز ابادي: وقص عنقه - كوعد -: كسرها والوقص - بالتحريك -: قصر العنق - انتهى -. فعدها ثمانية باعتبار ضم بعض فقرات الظهر إليها لقربها منها وانحنائها ويحتمل أن يكون في الاصل " وفي وقيصته " وهي عظام وسط الظهر، وهي على المشهور سبعة فتكون الثمانية بضم الترقوة إليها. وفي بعض النسخ في أول الخبر " وستة وأربعين عظما " وهو تصحيف، لانه لا يستقيم الحساب والاسنان غير داخلة في عدد العظام، فيدل على أنها ليست بعظم، وقد اختلف الاطباء في ذلك اختلافا عظيما: فمنهم من ذهب إلى أنها عظم، وقيل: هو عصب، وقيل: عضو مركب. وظاهر الاخبار أنها نوع آخر غير العظم والعصب، لانهم عليهم السلام عدوها في مالا تحله الحياة من الحيوان مقابلا للقرن والعظم والظلف والحافر وغيرها وهو لا ينافي المذهب الاخير كثيرا وظاهر الاخبار أنه لاحس لها ولم تحلها الحياة كما ذهب إليه بعض الاطباء وقال بعضهم: لها حس. قال في القانون: ليس لشئ من العظام حس البتة إلا للاسنان فإن جالينوس قال: بل التجربة تشهد أن لها حسا اعينت به بقوة تأتيها من الدماغ ليميز أيضا بين الحار والبارد. وقال القرشي: قال جالينوس: ليس بشئ (1) من العظام حس إلا للاسنان، لان قوة الحس تأتيها في عصب لين. وهذا عجب، فإنه كيف جعل لينا وهو مخالط للعظام، وينبغي أن يكون شبيها بجرمها فيكون صلبا لئلا تتضرر بمماستها. وقال: بقي ههنا بحث، وهو أن الاسنان عظام أو ليس بعظام ؟ وقد شنع جالينوس على من لا يجعلها عظاما وجعلهم سوفسطائية، واستدل على أنها عظام بما هو عين السفسطة، وذلك لانه قال ما هذا معناه: لانها لو لم تكن عظاما لكانت إما أن تكون عروقا أو شرايين أو لحما أو عصبا، ومعلوم أنها ليست كذلك. وهذا غير لازم، فإن القائلين بأنها ليست بعظام يجعلونها من الاعضاء المؤلفة لامن هذه المفردة، ويستدلون على تركيبها بما يشاهد فيها من الشظايا، وتلك رباطية و عصبية. قالوا: وهذا يوجد في أسنان الحيوانات الكبار ظاهرا.


(1) لشئ (خ).

[319]

وقوله عليه السلام " وفي فيه ثمانية وعشرون " أي في بدء الانبات، ثم ينبت في قريب من العشرين أربعة اخرى تسمى " أسنان الحلم " بالكسر بمعنى العقل، أو بالضم بمعنى الاحتلام يعني البلوغ، ولذا قال عليه السلام بعده " واثنان وثلاثون " ويحتمل أن يكون باعتبار اختلافها في الاشخاص. قال في القانون: الاسنان اثنان وثلاثون سنا، وربما عدمت النواجد منها في بعض الناس، وهي الاربعة الطرفانية، فكانت ثمانية وعشرين سنا. فمن الاسنان ثنيتان ورباعيتان من فوق، ومثلهما من أسفل للقطع، ونابان من فوق ونابان من تحت للكسر، وأضراس للطحن في كل جانب فوقاني وسفلاني أربعة أو خمسة، فكل ذلك اثنان وثلاثون سنا أو ثمانية وعشرون. والنواجد تنبت في الاكثر في وسط زمان النمو، وهو بعد البلوغ إلى الوقف. وذلك أن الوقوف قريب من ثلاثين سنة، ولذلك تسمى أسنان الحلم. 27 - الكافي: عن محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن العزرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لله عبادا في أصلابهم أرحام كأرحام النساء. قال: فسئل: فمالهم لا يحملون ؟ فقال: إنها منكوسة، ولهم في أدبارهم غدة كغدة الجمل أو البعير، فإذا هاجت هاجوا، وإذا سكنت سكنوا (1). 28 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن رفاعة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل ضرب رجلا فنقص بعض نفسه، بأي شئ يعرف ذلك ؟ قال: ذلك بالساعات. قلت: وكيف الساعات (2) قال: إن النفس يطلع الفجر وهو في الشق الايمن من الانف، فإذا مضت الساعة صار إلى الشق الايسر، فتنظر (3) ما بين نفسك ونفسه ثم يحسب فيؤخذ بحساب ذلك منه (4).


(1) الكافي: ج 5، ص 549. (2) في المصدر: وكيف بالساعات، قال: فان.. (3) فيه: فتنتظر ما بين نفسك ونفسه ثم يحتسب فيؤخذ... (4) الكافي: ج 7، ص 324.

[320]

بيان: كأن المراد به أنه في أول اليوم يكون النفس في الشق الايمن أكثر ولعل هذا إنما ذكر استطرادا، فإن استعلام عدد النفس لا يتوقف عليه، ولم أرمن عمل به سوى الشيخ يحيى بن سعيد في جامعه. وقال العلامة - ره - في التحرير: في انقطاع النفس الدية، وفي بعضه بحسب ما يراه. 29 - التهذيب: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: لا تواروا إلا كميشا - يعني به من كان ذكره صغيرا - وقال: لا يكون ذلك إلا في اكرام الناس. 30 - توحيد المفضل: فكر يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر و الانثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشرة تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم، إذا كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في (1) غيره. وخلق للانثى وعاء قعر ليشتمل على المائين جميعا، ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم. أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف ؟ ! سبحانه وتعالى عما يشركون. فكريا مفضل في أعضاء البدن أجمع، وتدبير كل منها للارب: فاليدان للعلاج والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص والمنافذ لتنفيذ الفضول، والاوعية لحملها، والفرج لاقامة النسل، وكذلك جميع الاعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة. قال المفضل: فقلت: يا مولاي ! إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة. فقال: سلهم عن هذه الطبيعة: أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الافعال أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق. فإن هذه صفته (2) وإن زعموا أنها تفعل هذه الافعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه (3) من


(1) إلى غيره (خ). (2) صنعته (خ). (3) تراد (خ).

[321]

الصواب والحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه، الجارية على ما أجراها عليه. فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في (1) عروق رقاق واشجة بينهما قد جعلت كالمصفي للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكاها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد ثقيلة، فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء حتى يطرد إلى (2) الارض كلها، وينفذ ما يخرج منه [من] الخبث والفضول إلى مغائض (3) قد اعدت لذلك: فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة. فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الاعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الاوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتقسمه وتنهكه. فتبارك من أحسن التقدير، وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه. قال المفضل: [فقلت:] صف نشوء الابدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السلام: أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الاحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف. فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمى بجميع أعضائه وهو ثابت على شكله وهيئته لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره، أو يستوفي مدته قبل ذلك. هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة ؟ ! يا مفضل انظر إلى ما خص به الانسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم فإنه


(1) وعروق دقاق (خ). (2) في (خ). (3) جمع " مغيض " المكان الذى يغيض فيه الماء، وفى بعض النسخ " مفائض " أي المجاري.

[322]

خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ليستقبل الاشياء بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الاربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الاعمال. انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الاشياء، ولم تجعل في الاعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات و تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها. ولا في الاعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الاشياء. فلما لم يكن لها في شئ من هذه الاعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها. فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا لكيلا يفوتها شئ من المحسوسات: فخلق البصر ليدرك الالوان، فلو كانت الالوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة، وخلق السمع ليدرك الاصوات فلو كانت الاصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب، وكذلك سائر الحواس ثم هذا يرجع متكافئا: فلو كان بصرا ولم يكن ألوانا لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع. فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه، ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء، فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون. ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت. فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة أشياء اخربها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير ؟ فكر يا مفضل في من عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في اموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الالوان وبين المنظر الحسن و القبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها، ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له

[323]

سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة، حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى. وكذلك من عدم السمع يختل في امور كثيرة، فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الاصوات واللحون الشجية المطربة، ويعظم المؤنة على الناس في محاورته حتى يتبرموا (1) به، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي. فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم، بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم ! أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الانسان، والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل، يوافي خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئا منها. فلم كان كذلك إلا لانه خلق بعلم وتقدير. قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي ؟ قال عليه السلام: ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم. ثم إن للذين تنزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا و أنابوا لما (2) يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب. فكر يا مفضل في الاعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة و التقدير والصواب في التدبير. فالرأس مما خلق فردا، ولم يكن للانسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد. ألا ترى أنه لو اضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لان الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد. ثم كان الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان، فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي


(1) أي يتضجروا. (2) ما (خ).

[324]

ذلك يأخذ، و [كان] أشباه هذا من الاختلاط. واليدان مما خلق أزواجا، ولم يكن للانسان خير في أن يكون له يد واحدة، لان ذلك كان يخل به في ما يحتاج إلى معالجته من الاشياء. ألا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل أطل الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الاسنان. فالحنجرة كالانبوبة (1) لخروج الصوت، واللسان والشفتان والاسنان لصياغة الحروف والنغم. ألا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء. وأشبه شئ بذلك المزمار الاعظم، فالحنجرة يشبه (2) قصبة المزمار، والرئة يشبه (3) الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض [على] الرئة ليخرج الصوت كالاصابع التي تقبض على الزق حتى تجري (4) الريح في المزمار، والشفتان والاسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالاصابع التي تختلف في [فم] المزمار، فتصوغ صفيره ألحانا، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف، فإن المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت. قد أنبأتك بما في الاعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف. وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب اخرى. فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرئة فتروح عن الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو حبس شيئا يسيرا لهلك الانسان وباللسان تذاق الطعوم، فيميز بينها، ويعرف كل واحد منها: حلوها من مرها، وحامضها من مزها، ومالحها من عذبها، وطيبها من خبيثها. وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب. والاسنان تمضغ الطعام حتى يلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك


(1) الانبوبة - كالارجوزة -: ما بين العقدتين من القصب أو الرمح، وأنابيب الرئة مخارج النفس منها. (2 و 3) تشبه (ظ) (4) تخرج (خ)

[325]

كالسند للشفتين تسمكهما وتدعمهما من داخل الفم. واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخى الشفة ومضطربها، وبالشفتين يترشف الشراب، حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر، لا يثج (1) ثجا فيغص به الشارب أو ينكأ في الجوف. ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الانسان إذا شاء ويطبقهما إذا شاء. ففي ما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه الاعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرف الاداة الواحدة في أعمال شتى، وذلك كالفأس يستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الاعمال. لو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الاعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفته هد الصدمة (2) والصكة (3) التي ربما وقعت في الرأس. ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صار بمنزلة الفرو للرأس تستر من شدة الحر والبرد فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس والمستحق للحيطة والصيانة لعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته ؟ ! [تأمل] يا مفضل الجفن على العين كيف جعل كالغشاء، والاشفار كالاشراج، وأولجها في هذا الغار، وأظلها بالحجاب وما عليه من الشعر ! [فكر] يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر وكساه المدرعة التي هي غشاؤه وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكأه ؟ من جعل في الحلق منفذين: أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرئة، والآخر منفذ للغذاء وهو المرئ المتصل بالمعدة، الموصل الغذاء إليها، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرئة فيقتل ؟ من جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تفتر ولا تخل لكيلا


(1) ثج الماء: سال. (2) حد (خ) - (3) الصكة الضربة الشديدة، واللطمة.

[326]

تتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف ؟ من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجا تضبطهما لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الانسان عيشه ؟ فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا ! بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر. من جعل المعدة عصبانية شديدة وقدرها لهضم الطعام الغليظ ؟ ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء، ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر ؟ أترى [من] الاهمال يأتي بشئ من ذلك ؟ كلا بل هو تدبير من مدبر حكيم قادر عليم بالاشياء قبل خلقه إياها لا يعجزه شئ وهو اللطيف الخبير. فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام ؟ هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه ؟ لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض ؟ لم صارت (1) الاظفار على أطراف الاصابع إلا وقاية لها ومعونة على العمل ؟ لم صار داخل الاذن ملتويا كهئية اللولب (2) إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليكسر حمة الريح فلا ينكأ في السمع ؟ لم حمل الانسان على فخذيه وإليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الارض فلا يتألم من الجلوس عليها كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الارض حائل يوقيه صلابتها ؟ من جعل الانسان ذكرا وانثى إلا من خلقه متناسلا ؟ ومن خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا ؟ ومن أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا ومن خلقه عاملا إلا من جعله محتاجا ؟ ومن جعله محتاجا إلا من ضربه بالحاجة ؟ ومن ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه ؟ من خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء ؟ من وهب له الحيلة إلا من ملكه الحول ؟ ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة ؟ من يكفيه مالا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ (3) مدى شكره ؟ فكر


(1) صار الاظفار (خ) (2) اللولب آلة من خشب أو حديد ذات دوائر ناتئة - وهو الذكر - أو داخلة - وهو الانثى - وفي أكثر نسخ الكتاب " الكوكب " والظاهر أنه تصحيف، ويمكن ان يكون بمعنى المحبس أو ينبوع البئر. (3) لا يبلغ (خ)

[327]

وتدبر ما وصفته، هل تجد الاهمال على هذا النظام والترتيب ؟ ! تبارك الله عما يصفون. أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد. اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرئة تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب فتزايل (1) بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الانسان، فيستجير ذو فكروروية أن يزعم أن مثل هذا يكون بالاهمال، ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه عن هذا القول. لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب (2) أكنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى ؟ بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقى فردا آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة. وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ (3) من فرد انثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه. فتبا وخيبة وتسعا لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتى أنكروا التدبير والعمد فيها ! لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف [كان] يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه، ولو كان منعظا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش ويمشي بين الناس و شئ شاخص أمامه ! ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال والنساء جميعا. فقدر الله - جل اسمه - أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت، ولا يكون على الرجال منه مؤنة، بل جعل فيه القوة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك لما قدر أن يكون فيه من دوام النسل وبقائه. اعتبر الآن يا مفضل بعظم النعمة على الانسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الاذى. أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها ؟ فهكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الانسان في أستر موضع منه فلم يجعله بارزا من خلقه ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن مستور محجوب يلتقي


(1) وتزايل (خ) (2) الكلوب: خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد. (3) مهنأ (خ)

[328]

عليه الفخذان وتحجبه الاليتان بما عليهما من اللحم فيواريانه. فإذا احتاج الانسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منصبا مهيأ لانحدار الثفل. فتبارك [الله] من تظاهرت آلاؤه، ولا تحصى نعماؤه. فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للانسان، فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضه، فلم ينقص واحد (1) من الصفتين إذا كان محتاجا إليهما جميعا. تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والاظفار، فإنهما لما كانا مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا جعلا عديمي الحس لئلا يؤلم الانسان الاخذ منهما. ولو كان قص الشعر وتقليم الاظفار مما يوجد له مس ذلك لكان الانسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كل واحد منهما حتى يطول فيتثقل عليه، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه. قال المفضل: فقلت: فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد فيحتاج الانسان إلى النقصان منه ؟ فقال عليه السلام: إن لله تبارك وتعالى في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها. اعلم أن آلام البدن وأدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه وبخروج الاظفار من أناملها. ولذلك امر الانسان بالنورة وحلق الرأس وقص الاظفار في كل اسبوع ليسرع الشعر والاظفار في النبات فتخرج الآلام والادواء بخروجهما. وإذا طالا تحيزا وقل خروجهما فاحتبست الآلام والادواء في البدن فأحدثت عللا وأوجاعا، ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي يضر بالانسان ويحدث عليه الفساد والضرر: لو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمى البصر ؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سينغص على الانسان طعامه وشرابه ؟ ولو نبت في باطن الكف ألم يكن سيعوقه عن صحة اللمس وبعض الاعمال ؟ ولو نبت في فرج المرأة وعلى ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع ؟ فانظر كيف تنكب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة. ثم ليس هذا في الانسان فقط، بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات، فإنك ترى أجسامهن مجللة بالشعر، وترى هذه


(1) واحدا (خ).

[329]

المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه. فتأمل الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطاء والمضرة وتأتي بالصواب والمنفعة. إن المنانية (1) وأشباهم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والابطين ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر كما ينبت العشب في مستنقع المياه. أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها. ثم إن هذه تعد مما يحمل الانسان من مؤنة هذا البدن وتكاليفه لماله في ذلك من المصلحة، فإن اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته، ويكف عاديته، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الاشر والبطالة. تأمل الريق وما فيه من المنفعة، فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا يجف، فإن هذه المواضع لو جعلت كذلك، كان فيه هلاك الانسان ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة واعلم أن الرطوبة مطية الغذاء، وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للانسان، ولو يبست المرة لهلك الانسان ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التمييز وقصور العلم: لو كان بطن الانسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت ؟ فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل من الامراض والموت وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة، فيخرجه ذلك إلى العتو والاشر. ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الانسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه.


(1) في بعض النسخ " المنابة " بتقديم الموحدة التحتانية على المثناة الفوقانية، وفى بعضها " المانوية ".

[330]

ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف، فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الاحشاء، فكان في ذلك هلاك الانسان. أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الاوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل !. أقول: قد مر شرح الجميع في كتاب التوحيد. من أراد ذلك فليرجع إليه (1). 31 - الدر المنثور: عن وهب بن منبه، قال: خلق الله ابن آدم كما شاء و بما شاء (2)، فكان كذلك، فتبارك الله أحسن الخالقين. خلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشعره وعظامه وجسده، فهذا (3) بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم ثم جعلت فيه النفس، فبها يقوم ويقعد، ويسمع ويبصر، ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقي ما تتقي. ثم جعلت فيه الروح، فبه عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، وبه حذر وتقدم واستتر وتعلم ودبر الامور كلها. فمن التراب يبوسته، ومن الماء رطوبته. فهذا بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم كما أحب أن يكون. ثم جعل فيه من هذه الفطر الاربع أنواعا من الخلق (4) في جسد ابن آدم، فهي قوام جسده وملاكه بإذن الله وهي المرة السوداء، والمرة الصفراء والدم والبلغم. فيبوسته وحرارته من قبل النفس ومسكنها في الدم، ورطوبته وبرودته من قبل الروح ومسكنه (5) في البلغم. فإذا اعتدلت هذه الفطر في الجسد فكان كل واحد ربع كان جلدا (6) كاملا وجسما صحيحا، و إن كثر واحد منها على صاحبه علاها وقهرها وادخل (7) عليها السقم من ناحيته، وإن قل عنها واحد (8) منها غلبت عليه وقهرته ومالت به، فضعف عن قوتها وعجز عن طاقتها


(1) راجع الجزء الثالث من هذه الطبعة، الصفحه 66 - 78. (2) في المصدر: مما شاء. (3) فيه: فذلك. (4) فيه: أنواعا من الخلق أربعة في.. (5) مسكنها (خ). (6) في المصدر: جسدا. (7) دخل (خ). (8) فيه: واخذ عنها.

[331]

وأدخل عليها السقم من ناحيته. فالطبيب العالم بالداء والدواء يعلم من الجسد حيث أتى سقمه، أمن نقصان أو من زيادة (1). 32 - وعن ابن عباس، قال: إن الله أوحى إلى داود أن يسأل سليمان عن أربع عشرة كلمة، فإن أجاب ورثه العلم والنبوة. قال: أخبرني يا بني أين موضع العقل منك ؟ قال: الدماغ، قال: أين موضع الحياء منك ؟ قال: العينان، قال: أين موضع الباطل منك ؟ قال: الاذنان، قال: أين باب الخطيئة منك ؟ قال: اللسان، قال: أين طريق الريح منك ؟ قال: المنخران، قال: أين موضع الادب والبيان منك ؟ قال: الكلوتان، قال: أين باب الفظاظة والغلظة منك ؟ قال: الكبد، قال: أين بيت الريح

[331]

وأدخل عليها السقم من ناحيته. فالطبيب العالم بالداء والدواء يعلم من الجسد حيث أتى سقمه، أمن نقصان أو من زيادة (1). 32 - وعن ابن عباس، قال: إن الله أوحى إلى داود أن يسأل سليمان عن أربع عشرة كلمة، فإن أجاب ورثه العلم والنبوة. قال: أخبرني يا بني أين موضع العقل منك ؟ قال: الدماغ، قال: أين موضع الحياء منك ؟ قال: العينان، قال: أين موضع الباطل منك ؟ قال: الاذنان، قال: أين باب الخطيئة منك ؟ قال: اللسان، قال: أين طريق الريح منك ؟ قال: المنخران، قال: أين موضع الادب والبيان منك ؟ قال: الكلوتان، قال: أين باب الفظاظة والغلظة منك ؟ قال: الكبد، قال: أين بيت الريح منك ؟ قال: الرئة، قال: أين باب الفرح منك ؟ قال الطحال، قال: أين باب الكسب منك ؟ قال: اليدان قال: أين باب النصب منك ؟ قال: الرجلان، قال: أين باب الشهوة منك ؟ قال: الفرج، قال: أين باب الذرية منك ؟ قال: الصلب. قال: أين باب العلم والفهم والحكمة ؟ قال: القلب، إذا صلح القلب، صلح ذلك كله، وإذا فسد القلب فسد ذلك كله. بسمه تعالى إلى هنا تم الجزء الخامس من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار وهو الجزء الثامن والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية النفيسة، وقد قابلناه على النسخة التي نمقها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدى بما فيها من التعليق، والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى


(1) الدر المنثور: ج 5، ص 7.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية