الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 57

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 57


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السابع والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (29) (باب) * (الرياح وأسبابها وأنواعها) * الآيات: البقرة: وتصريف الرياح (1). الاعراف: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (2). الحجر: وأرسلنا الرياح لواقح (3). الاسراء: فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم (4). الانبياء: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها (5). الفرقان: وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (6). النمل: ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (7). الروم: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري


(1) البقرة: 164. (2) الاعراف: 57. (3) الحجر: 22. (4) الاسراء: 69. (5) الانبياء: 81. (6) الفرقان: 48. (7) النمل: 63.

[2]

الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (1). وقال تعالى: ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (2). الذاريات: والذاريات ذروا (2). وقال سبحانه: وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (4). القمر: إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (5). المرسلات: والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا فالناشرات نشرا (6) تفسير: " وهو الذي أرسل الرياح بشرا " قال الرازي: حد الريح أنه هواء متحرك، فنقول: كون هذا الهواء متحركا ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته، فلا بد وأن يكون بتحريك الفاعل المختار وهو الله جل جلاله. قالت الفلاسفة: ههنا سبب آخر، وهو أنه يرتفع من الارض أجزاء أرضية لطيفة مسخنة (7) تسخينا قويا شديدا، فبسبب تلك السخونة الشديدة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعر (8) الفلك متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء، فهي تمنع هذه الادخنة من الصعود بل تردها عن سمت حركتها، فحينئذ ترجع تلك الادخنة وتتفرق في الجوانب وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح، ثم كلما كانت تلك الادخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضا أشد حركة فكانت الرياح أشد وأقوى. هذا حاصل ما ذكروه وهو باطل، ويدل على بطلانه وجوه:


(1) الروم: 44. (2) الروم: 51. (3) الذاريات: 1. (4) الذاريات: 41. (5) القمر: 19. (6) المرسلات: 1 - 3. (7) في المصدر: تسخنه. (8) بقعر (خ).

[3]

الاول: أن صعود الاجزاء الارضية إنما يكون لشدة تسخنها، ولا شك أن ذلك التسخن عرضي، لان الارض باردة يابسة بالطبع، فإذا كانت تلك الاجزاء الارضية متصغرة جدا كانت سريعة الانفعال، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرده جدا، وءدا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك، فبطل مال ذكروه. الثاني: هب أن تلك الاجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك، لكنها لما رجعت وجب أن تنزل على الاستقامة، لان الارض جسم ثقيل، والثقيل إنما يتحرك بالاستقامة، والرياح ليست كذلك، فإنها تتحرك يمنة ويسرة. الثالث: أن حركة تلك الاجزاء الارضية النازلة لا تكون حركة قاهرة، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها وترى هذه الرياح تقلع الاشجار وتهدم الجبال وتموج البحار. الرابع: أنه لو كان الامر على ما قالوه لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الاجزاء الغبارية الارضية أكثر، لكنه ليس الامر كذلك، لان الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر مع أن الحس يشهد بأنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شئ من الغبار والكدرة، فبطل ما قالوه. وقال المنجمون: إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها وذلك أيضا بعيد، لان الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة، وإن كان الموجب هو طبيعة الكواكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم وليس كذلك. وأيضا قد بينا أن الاجسام متماثلة فاختصاص الكوكب المعين والبرج المعين والطبيعة التي لاجلها اقتضت ذلك الاثر الخاص لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار فثبت أن محرك الرياح هو الله سبحانه، وثبت بالدليل العقلي أيضا صحة قوله " وهو الذي يرسل الرياح ".

[4]

قوله " نشرا " أي منتشرة متفرقة، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة، وجزء آخر يذهب يسرة، وكذا القول في سائر الاجزاء، فإن كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول: لاشك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة الافلاك والانجم والطبائع إلى كل واحد من الاجزاء من ذلك الريح نسبة واحدة، فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار (1). " بين يدي رحمته " أي بين يدي المطر الذي هو رحمته، فإن قيل: فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح، قلنا: ليس في الآية أن هذا التقدم حاصل في كل الاحوال فلم يتوجه السؤال. وأيضا فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح وإن كنا لا نشعر بها. وعن ابن عمر: الرياح ثمان، أربع منها عذاب وهو: القاصف، والعاصف، والصرصر، و العقيم، وأربع منها رحمة: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: نصرت بالصبا، واهلك عاد بالدبور، والجنوب من ريح الجنة. و عن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لانتن أكثر الارض (2). " فيرسل عليكم قاصفا من الريح " قال الطبرسي - ره -: أي فإذا ركبتم البحر أرسل عليكم ريحا شديده كاسرة للسفينة، وقيل: الحاصب: الريح المهلكة في البر والقاصف: المهلكة في البحر. فيغرقكم بما كفرتم " من نعم الله (3). " أن يرسل الرياح " قال البيضاوي: أي الشمال والصبا والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " وقرأ ابن كثير والحمزة والكسائي " الريح " على إرادة الجنس " مبشرات " بالمطر " وليذيقكم من رحمته " يعني المنافع التابعة لها، وقيل: الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها، والعطف على علة


(1) مفاتيح الغيب: ج 14، ص 140 (من المطبوع بمصر) (2) مفاتيح الغيب: ج 14، ص 141. (3) مجمع البيان: ج 6، ص 428.

[5]

محذوفة دل عليها " مبشرات " أو عليها باعتبار المعنى، أو على " يرسل " بإضمار فعل معلل دل عليه. " ولتبتغوا من فضله " يعني تجارة البحر (1). " فرأوه مصفرا " أي فرأوا الاثر والزرع، فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل: السحاب لانه إذا كان مصفرا لم يمطر، واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط. وقوله " لظلوا من بعده يكفرون " جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال وهذه الآية (2) ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلجؤوا (3) إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولم ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ولم يكفروا نعمه (4). أقول: وقد مر تفسير الذاريات بالرياح التي تذرو التراب وهشيم النبت. وقال الطبرسي - ره -: الريح العقيم هي التي عقمت عن أن تأتي بخير، [و] من تنشئة سحاب، أو تلقيح شجر، أو تذرية طعام، أو نفع حيوان، فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة، إذ هي ريح الاهلاك (5). وقال في قوله تعالى " ريحا صرصرا " أي شديدة الهبوب، وقيل: باردة من الصر وهو البرد " في يوم نحس (6) مستمر " أي دائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسته " سبع ليال وثمانية أيام " حتى أتت عليهم، وقيل: إنه كان يوما الاربعاء آخر الشهر لا يدور، رواه العياشي بالاسناد عن أبي جعفر عليه السلام (7).


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 248. (2) في المصدر: الايات. (3) في المصدر: يلتجئوا. (4) انوار التنزيل: ج 2، ص 249. (5) مجمع البيان: ج 9، ص 159. (6) في المصدر: أي في يوم شوم. (7) مجمع البيان: ج 9، ص 190.

[6]

أقول: وقد مر أيضا تفسير " المرسلات عرفا " بالرياح ارسلت متتابعة كعرف الفرس، و " العاصفات عصفا " بالرياح الشديدات الهبوب، و " الناشرات نشرا " بالرياح التي تأتي بالمطر تنشر السحاب نشرا للغيث. 1 - الفقيه: قال علي عليه السلام: للريح رأس وجناحان (1). بيان: لعل الكلام مبني على الاستعارة، أي يشبه الطائر في أنها تطير إلى كل جانب، وفي أنها في بدء حدوثها قليلة ثم تنتشر كالطائر الذي بسط جناحه، و الله يعلم. 2 - الفقيه: عن كامل، قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام بالعريض، فهبت ريح شديدة، فجعل أبو جعفر عليه السلام يكبر، ثم قال: إن التكبير يرد الريح. وقال عليه السلام: ما بعث الله ريحا إلا رحمة أو عذابا، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما ارسلت له، ونعوذ بك من شرها وشر ما ارسلت له، وكبروا وارفعوا أصواتكم بالتكبير فإنه يكسرها (2). 3 - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما خرجت ريح قط إلا بمكيال إلا زمن عاد، فإنها عتت على خزانها فخرجت في مثل خرق الابرة فأهلكت قوم عاد (3). 4 - وقال الصادق عليه السلام: نعم الريح الجنوب، تكسر البرد عن المساكين، و تلقح الشجر، وتسيل الاودية (4). 5 - وقال على عليه السلام: الرياح خمسة، منها العقيم فنعوذ بالله من شرها، و كان النبي صلى الله عليه واله إذا هبت ريح صفراء أو حمراء أو سوداء تغير وجهه واصفر، وكان كالخائف الوجل حتى ينزل من السماء قطرة من مطر فيرجع إليه لونه، ويقول: جاءتكم بالرحمة (5). 6 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: انبهك يا مفضل على الريح وما فيها، ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب الذي يكاد يأتي على


(1 و 2) الفقيه: 142. (3 و 4 و 5) الفقيه: 143.

[7]

النفوس، ويحرض الاصحاء، وينهك المرضى، ويفسد الثمار، ويعفن البقول، و يعقب الوباء في الابدان والآفة في الغلات ؟ ففي هذا بيان أن هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق، وانبئك عن الهواء بخلة اخرى، فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الاجسام في الهواء، والهواء يؤديه إلى المسامع، والناس يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلا العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس، لان ما يلقى من الكلام أكثر مما يكتب، فجعل الخلاق الحكيم - جل قدسه - هذا الهواء قرطاسا خفيفا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم (1) حاجتهم، ثم يمحى فيعود جديدا نقيا ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع، وحسبك بهذا النسيم لمسمى هواء عبرة وما فيه من المصالح، فإنه حياة هذه الابدان والممسك لها من داخل بما يستنشق منه، ومن خارج بما تباشر من روحه، وفيه تطرد هذه الاصوات فيؤدي بها من البعيد، وهو الحامل لهذه الاراييح ينقلها من موضع إلى موضع. ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح ؟ فكذلك الصوت، وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين يعتقبان على العالم لصلاحه، ومنه هذه الريح الهابة، فالريح تروح عن الاجسام، وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعم نفعه حتى يستكثف فيمطر وتفضه حتى يستخف فيتفشى وتلقح الشجر، وتسير السفن، وترخي الاطعمة، وتبرد الماء وتشب النار، و تجفف الاشياء الندية، وبالجملة إنها تحيي كل ما في الارض، فلولا الريح لذرى النبات، ومات الحيوان، وحمت الاشياء وفسدت. بيان: ركود الريح سكونها، والتحريض إفساد البدن، ونهكته الحمى أي أضنته وهزلته وقوله " والهواء يؤديه " يدل على ما هو المذهب المنصور من تكيف الهواء بكيفية الصوت كما فصل في محله. ويقال: كربه الامر أي شق عليه، وفدحه


(1) العام (خ).

[8]

الدين أي أثقله، وريث ما فعل كذا أي قدر ما فعله، و " يبلغ " إما على بناء المجرد فالعالم فاعله، أو على التفعيل فالهواء فاعله، والروح - بالفتح - الراحة ونسيم الريح. واطرد الشئ: تبع بعضه بعضا وجرى. والاراييح: جمع جمع للريح. وتزجي السحاب - على بناء الافعال - أي تسوقه، وتفضه أي تفرقه، والتفشي: الانتشار، وترخي الاطعمة - على [بناء] التفعيل أو الافعال - أي تصيرها رخوة لطيفة، وتشب النار أي توقدها. 7 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحق التاجر، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن الحسين، عن محمد بن فضيل، عن العرزمي، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام جالسا في الحجر تحت الميزاب ورجل يخاصم رجلا وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما تدري من أين تهب الريح، فلما أكثر عليه فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هل تدري أنت من أين تهب الريح (1) ؟ فقال: لا، ولكني أسمع الناس يقولون، فقلت أنا لابي عبد الله عليه السلام: من أين تهب الريح (2) ؟ فقال: إن الريح مسجونة تحت الركن (3) الشامي، فإذا أراد الله عزوجل أن يرسل (4) منها شيئا أخرجه إما جنوبا فجنوب، وإما شمالا فشمال، وإما صباء فصباء، وإما دبورا فدبور، ثم قال: وآية ذلك أنك ترى (5) هذا الركن متحركا أبدا في الصيف والشتاء (6) والليل والنهار (7). معاني الاخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن


(1) في الكافي: هل تدرى انت فقال لا. (2) في معاني الاخبار: من اين تهب الريح جعلت فداك. (3) في الكافي والمعاني: تحت هذا الركن. (4) في الكافي: يخرج. (5) في المصادر: لا تزال ترى. (6) لفظه " الشتاء " في المصادر مقدمة على " الصيف ". (7) علل الشرائع: ج 2، ص 133.

[9]

العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن محمد بن الحسين (1) عن محمد بن الفضيل عن العرزمي مثله (2). الكافي: عن أبي علي الاشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن الفضيل مثله (3) بيان: قوله " مسجونة " يحتمل أن يكون كناية عن قيام الملائكة الذين بهم تهب تلك الرياح فوقه عند إرادة ذلك كما سيأتي، ولعل المراد بحركة الركن حركة الثوب المعلق عليه. 8 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي عن السكوني، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسبوا الرياح فإنها مأمورة، ولا تسبوا الجبال ولا الساعات ولا الايام ولا الليالي فتأثموا وترجع عليكم (4). بيان: الغرض النهي عن سب الرياح والبقاع والجبال والايام والساعات فإنها مقهورة تحت قدرة الله سبحانه مسخرة له تعالى لا يملكون تأخرا عما قدمهم إليه ولا تقدما إلى ما أخرهم عنه، فسبهم سب لمن (5) لا يستحقه، ولعن من لا يستحق اللعن يوجب رجوع اللعنة على اللاعن، بل هو مظنة الكفر والشرك لولا غفلتهم عما يؤول إليه، كما ورد في الخبر: لاتسبوا الدهر فإنه هو الله، أي فاعل الافعال التي تنسبونها إلى الدهر وتسبونه بسببها هو الله تعالى. 9 - تفسير على بن ابراهيم: " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم " التي لا تلقح الشجر ولا تنبت النبات، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا " والصرصر: الباردة، في أيام نحسات " أيام مياشبم (6).


(1) في المعاني: محمد بن الحصين. (2) معاني الاخبار: 385. (3) الكافي: ج 8، ص 271 (4) علل الشرائع: ج 2، ص 264. (5) من (خ). (6) تفسير القمى: 448.

[10]

10 - ومنه: " وأرسلنا الرياح لواقح " قال: التي تلقح الاشجار (1). 11 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن السياري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لم سميت ريح الشمال ؟ قال: لانها تأتي من شمال العرش (2). بيان: كون ريح الشمال من شمال العرش لانها تهب من قبل الركن الشامي وهو في يسار الكعبة إذا فرضت رجلا مواجها إلينا والحجر الاسود عن يمين الكعبة وقد ورد في الخبر أن العرش محاذ للكعبة، فيمينه يمينها ويساره يسارها، ويوضح ذلك ما رواه الصدوق أيضا في العلل بإسناده عن بريد العجلى، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف صار الناس يستلمون الحجر والركن اليماني ولا يستلمون الركنين الآخرين ؟ قال: إن الحجر الاسود والركن اليماني عن يمين العرش، وإنما أمر الله تبارك وتعالى أن يستلم ما عن يمين عرشه، قلت: فكيف صار مقام إبراهيم عن يساره ؟ قال: لان لابراهيم مقاما في القيامة ولمحمد صلى الله عليه واله مقاما، فمقام محمد صلى الله عليه واله عن يمين عرش ربنا عزوجل ومقام إبراهيم عليه السلام عن شمال عرشه، فمقام إبراهيم في مقامه يوم القيامة وعرش ربنا مقبل غير مدبر. وحاصله أنه ينبغي أن يتصور أن البيت بإزاء العرش وحذائه في الدنيا والآخرة، والبيت بمنزلة رجل وجهه إلى الناس، ووجهه الطرف الذي فيه الباب فإذا توجه إنسان إلى البيت من جهة الباب كان المقام والركن الشامي عن يمينه والحجر [الاسود] والركن اليماني عن يساره، فإذا فرض البيت إنسانا مواجها تنعكس النسبة، فيمينه يحاذي يسارنا وبالعكس. " وعرش ربنا مقبل " أي بمنزلة رجل مقبل، ويمكن أن يكون تسمية الجانب الذي يلي الشامي شمالا في خبر السياري لانه أضعف جانبي الكعبة كما أن الشمال أضعف جانبي الانسان، لان أشرف


(1) المصدر: 350. (2) علل الشرائع: ج 2، ص 264.

[11]

أجزاء الكعبه وهي الحجر والركن اليماني واقعة على الجانب المقابل، فهو بمنزلة اليمين. 12 - العلل: بالاسناد إلى وهب، قال: إن الريح العقيم تحت هذه الارض التي نحن عليها قدزمت بسبعين ألف زمام من حديد، قد وكل بكل زمام سبعون ألف ملك، فلما سلطها الله عزوجل على عاد استأذنت خزنة الريح ربها عزوجل أن تخرج منها في مثل منخر الثور، ولو أذن الله عزوجل لها ما تركت شيئا على ظهر الارض إلا أحرقته، فأوحى الله عزوجل إلى خزنة الريح أن أخرجوا منها في مثل ثقب الخاتم فاهلكوا بها، وبها ينسف الله عزوجل الجبال نسفا، والتلال والآكام والمدائن والقصور يوم القيامة، وذلك قوله عزوجل " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (1) " والقاع الذي لانبات فيه، و الصفصف الذي لاعوج فيه، والامت المرتفع. وإنما سميت العقيم لانها تلقحت بالعذاب وتعقمت عن الرحمة كتعقم الرجل (2) إذا كان عقيما لا يولد له - الخبر - (3). بيان: قال الجوهري: نسفت البناء نسفا: قلعته. وقال: القاع المستوى من الارض وكذا الصفصف. وقال: الامت المكان المرتفع، وقوله تعالى " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " أي لا انخفاض فيها ولا اقاع ؟. 13 - قصص الرواندى: بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا هاجت الرياح فجاءت بالسافي الابيض والاسود والاصفر فإنه رميم قوم عاد. بيان: في القاموس: سفت الريح التراب تسفيه: ذرته، أو حملته - كأسفته - فهو ساف وسفى (انتهى) اقول: يمكن تخصيصه ببعض البلاد القريبة من بلادهم كمدينة ضاعف الله شرفها - ولابعد في التعميم أيضا.


(1) طه: 105 - 107. (2) الرحم (خ). (3) علل الشرائع: ج 1 ص 31. والخبر موقوف لا اعتداد به.

[12]

14 - العياشي: عن ابن وكيع، عن رجل، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسبوا الريح، فإنها بشر، وإنها نذر، وإنها لواقح، فاسألوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها. بيان: أي إنها مأمورة مبعوثة بأمر الله إما للبشارة بالمطر وغيره، أو للانذار أولا لقاح الاشجار، أو لسوق السحب إلى الاقطار كما مر، فسبها باطل لا ينفعكم بل يضركم، فاسألوا الله الذي بعثها ليجعلها نافعة لكم، ويصرف شرها عنكم. 15 - العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لله رياح رحمة لواقح ينشرها بين يدي رحمته. 16 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن رئاب. (1) وهشام بن سالم، عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرياح الاربع: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور، وقلت له: إن الناس يذكرون أن الشمال من الجنة والجنوب من النار، فقال: إن لله عزوجل جنودا من رياح يعذب بها من يشاء ممن عصاه، فلكل ريح منها ملك موكل بها، فإذا أراد الله عز ذكره أن يعذب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم بها، قال: فيأمرها الملك فتهيج كما يهيج الاسد المغضب. وقال: ولكل ريح منهن اسم، أما تسمع قوله عزوجل " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر " (2) وقال " الريح العقيم (3) " وقال " ريح فيها عذاب أليم (4) " وقال " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت (5) " وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها من عصاه. وقال: ولله عز


(1) في المصدر " على بن رئاب " والظاهر أنه الصحيح لعدم ذكر من " محمد بن رئاب " في كتب الرجال. (2) القمر: 19 (3) الذاريات: 41. (4) الاحقاف: 24. (5) البقرة: 266.

[13]

ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته، منها ما يهيج السحاب للمطر ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والارض، ورياح تعصر السحاب فتمطر بإذن الله، ومنها رياح تفرق السحاب، ومنها رياح مما عدد (1) الله في الكتاب، فأما الرياح الاربع الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه (2)، فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر، (3) فإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام، فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه (4)، فتفرقت (5) ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله، وإذا أراد الله أن يبعث (6) الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه (7) فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله عزوجل في البر والبحر، وإذا أراد الله أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي، فضرب بجناحه (8) فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: أما تسمع لقوله: ريح الشمال، وريح الصبا، وريح الصبا، وريح الدبور إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها (9). الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن ابن محبوب مثله، إلى قوله " فكيف كان عذابي ونذر " وذكر رياحا في العذاب ثم قال: فريح الشمال وريح الصبا وريح الجنوب وريح الدبور أيضا


(1) عد الله (خ). (2 و 4 و 7 و 8) بجناحيه (خ). (3) في المصدر: وإذا. (5) فتفرق (خ). (6) في المصدر: ريح الصبا. (9) الكافي: ج، ص 92.

[14]

تضاف إلى الملائكة الموكلين بها (1). بيان: قال الفيروز آبادي: الشمال بالفتح ويكسر: الريح التي تهب من قبل الحجر، أو ما استقبلك عن يمينك وأنت مستقبل القبلة، والصحيح أنه ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات النعش، أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر، ويكون اسما وصفة، ولا تكاد تهب ليلا، وقال: الجنوب ريح تخالف الشمال، مهبه (2) من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا. وقال: الصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش وقال: الدبور ريح تقابل الصبا. وقال الشهيد - قدس سره - في الذكرى: الجنوب محلها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتدالين، والصبا محلها ما بين الشمس إلى الجدي، والشمال محلها من الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدال، والدبور محلها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل. قوله تعالى " ونذر " أي إنذار لهم بالعذاب قبل نزولها، أو لمن بعدهم في تعذيبهم. والريح العقيم قيل هي الدبور، وقيل هي الجنوب وقيل: النكباء. وقال الجوهري: الاعصار ريح تثير الغبار إلى السماء كأنه عمود وقيل هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق. قوله عليه السلام " فتفرقت ريح الشمال " لا يتوهم أنه يلزم من ذلك أن يكون مهب جميع الرياح جهة القبلة، وذلك لانه لعظمة الملك وجناحه يمكن أن يتحرك رأس جناحه بأي موضع أراد، ويرسلها إلى أي جهة امر بالارسال إليها، وإنما امر بالقيام على الكعبة لشرافتها وكونها في محل رحماته تعالى ومصدرها. وقيل: ضرب الجناح علامة أمر الملك الريح للهبوب. قوله عليه السلام " أما تسمع لقوله " أي لقول القائل، وكأنه عليه السلام استدل بهذه العبارات الشائعة على ما ذكره من أنها أسماء الملائكة، إذ الظاهر من الاضافة كونها لامية والبيانية نادرة وإن كان القائلون لم يعرفوا هذا المعنى لانهم سمعوا ممن تقدمهم وهكذا إلى أن ينتهي إلى من أطلق ذلك على وجه المعرفة.


(1) الخصال: 123. (2) في القاموس: مهبها.

[15]

17 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله تبارك وتعالى ريحا يقال لها " الازيب " لو ارسل منها مقدار منخر الثور لاثارت ما بين السماء والارض وهي الجنوب (1). بيان: قوله " وهي الجنوب " من كلام بعض الرواة أو من كلامه عليه السلام، وعلى التقديرين لعل المراد به أنها نوع منها أو قريب منها. قال في القاموس: الازيب كالاحمر الجنوب (2) والنكباء تجري بينها وبين الصبا. وقال: النكباء ريح انحرفت ووقعت بين ريحين، أو بين الصبا والشمال، أو نكب الرياح الاربع، الازيب: نكباء الصبا والجنوب، والصابية - وتسمى النكيباء أيضا -: نكباء الصبا والشمال، و الجربياء: نكباء الشمال والدبور وهي نيحة الازيب، والهيف: نكباء الجنوب والدبور وهي نيحة النكيباء. ونحوه قال الجوهري. وقال: كل ريح استطالت أثرا فهبت عليه ريحا طولا فهي نيحة، فإن اعترضته فهي نسيجته. 18 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: نصرت بالصبا، واهلكت عاد بالدبور، وما هاجت الجنوب إلا سقى الله بها غيثا وأسال بها واديا. 19 - الاحتجاج: قال الصادق عليه السلام للزنديق الذي سأله مسائل: الريح لو حبست أياما لفسدت الاشياء جميعا وتغيرت (3). وسأله عن جوهر الريح فقال: الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا، فإذا سكن سمي هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كفت (4) الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الارض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزله الروح إذا


(1) الكافي: ج 8، ص 217. (2) في المصدر، أو. (3) الاحتجاج، 7، 1. (4) في المخطوطة: كثفت.

[16]

خرج عن البدن نتن البدن وتغير، تبارك الله أحسن الخالقين (1) 20 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله ابن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله عزوجل رياح رحمته ورياح عذاب، فإن شاء الله أن يجعل الرياح من (2) العذاب رحمة فعل، قال: ولن يجعل الله الرحمة من الريح عذابا، قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم عن طاعته. قال: وكذلك فعل بقوم يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه، ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة، فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم، وذلك لما آمنوا به وتضرعوا إليه. قال: وأما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الارحام ولا شيئا من النبات، وهي ريح تخرج من تحت الارضين السبع، وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم، فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم، قال: فعتت على الخزان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيضا منها على قوم عاد، قال: فضج الخزان إلى الله عزوجل من ذلك فقالوا: ربنا إنها قد عتت عن أمرنا، إنا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك ! قال: فبعث الله إليها جبرئيل، فاستقبلها بجناحه، فردها إلى موضعها وقال لها: اخرجي على ما امرت به، قال: فخرجت على ما امرت به، وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم (3). 21 - الشهاب: عن النبي صلى الله عليه واله قال: نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور. الضوء: الصبا هي الريح التي تضرب قفا المصلي، وبإزائها الدبور، والشمال التي تضرب يمين المصلي، وبإزائها الجنوب، وقالوا: مهب الصبا المستوي أن تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وزعموا أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا فوضعته بعضه على بعض حتى تصير


(1) الاحتجاج: 192. (2) في المصدر: ان يجعل العذاب من الرياح. (3) الكافي: ج 8، ص 92.

[17]

كسفا واحدا، والجنوب تلحق روادفه به وتمده من المدد، والشمال تمزق السحاب. والنكباء هي التي بين الصبا والشمال، والذي في الحديث إشارة إلى نصرة الله تعالى رسوله بالصبا لما أرسلها على الاحزاب. 22 - وعن ابن عمر: الرياح ثمانية: أربع منها رحمة وأربع عذاب، فأما الرحمة فالناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات، وأما العذاب فالعقيم، و الصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف في البحر. 23 - وروي أنه فتح على عاد من الريح التي أهلكتهم مثل حلقة الخاتم. 24 - وعن مجاهد: ما بعث الله عزوجل ريحا إلا بمكيال، إلا يوم عاد فإنها عتت على الخزانة فلم يدر ما مقدارها. 25 - وفي الحديث: إن الله تعالى خلق في الجنة ريحا، وإن من دونها بابا مغلقا، ولو فتح ذلك الباب لاذرت ما بين السماء والارض وهي الازيب، وهي عندكم الجنوب. 26 - وعن العوام بن حوشب أنه قال: تخرج الجنوب من الجنة فتمر على جهنم فغمها منه وبركتها من الجنة، وتخرج الشمال من جهنم فتمر على الجنة، فروحها من الجنة وشرها من النار. قلت: وقد سمعت أن السموم لا تكون إلا الشمال تهب على الرمال المضطرمة والارضين المتوجهة فتكتسي للطافتها ورقتها منها زيادة الحرارة، فتهب نارا ملتهبة فتقتل وتسود الجلود. 27 - وقال كعب: لو حبس الله الريح من الارض ثلاثة أيام لانتن ما بين السماء والارض. 28 - وكان النبي صلى الله عليه واله إذا رأى الريح قد هاجت يقول: اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. وأكثر ما في القرآن من الرياح للخير والريح بالعكس من ذلك. وقيل: الريح الهواء المتحرك. وفائدة الحديث الانباء بأن الله تعالى خلق نصره في الاحزاب بريح الصبا، تكبهم على وجوههم، وتثير السافياء في أعينهم، فيعجزون عن مقاومة أصحاب

[18]

النبي صلى الله عليه وسلم. وراوي الحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس. 29 - الدر المنثور: عن ابي بن كعب، قال: كل شئ في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شئ في القرآن من الريح فهو عذاب (1). 30 - وعن ابن عباس، قال: الماء والريح جندان من جنود الله، والريح جند الله الاعظم (2). 31 - وعن ابن عباس، وعن ابن عمر قالا: الريح ثمان، أربع منها رحمة وأربع منها عذاب، فأما الرحمة فالناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وأما العذاب فالعقيم، والصرصر وهما في البر، والعاصف، والقاصف وهما في البحر. وفي رواية ابن عباس مكان الذاريات " الرخاء " (3). 32 - وفي رواية اخرى: الرياح سبع: الصبا، والدبور، والجنوب، والشمال والحزوق، والنكباء، وريح القائم، فأما الصبا فتجئ من المشرق، وأما الدبور فتجئ من المغرب، وأما الجنوب فتجئ عن يسار القبلة، والشمال (4) عن يمين القبلة، وأما النكباء فبين الصبا والجنوب، وأما الحزوق فبين الشمال والدبور، وأما رياح القائم فأنفاس الخلق (5). 33 - وعن الحسن، قال: جعلت الرياح على الكعبة. فإذا أردت أن تعلم ذلك فأسند ظهرك إلى باب الكعبة، فإن الشمال عن شمالك، وهي مما يلي الحجر والجنوب عن يمينك وهي مما يلي الحجر الاسود، والصبا عن مقابلك وهي مستقبل باب الكعبة، والدبور من دبر الكعبة (6). 34 - وعن حسن (7) بن علي الجعفي، قال: سألت إسرائيل بن يونس، على


(1 و 2 و 3) الدر المنثور: ج 1، ص 164. (4) في المصدر: فيجئ عن. (5) الدر المنثور: ج 1، ص 164. (6) الدر المنثور ج 1 ص 164. (7) في المصدر: حسين.

[19]

أي شئ سميت الريح ؟ قال: على القبلة، شماله الشمال، وجنوبه الجنوب، و الصبا ما جاء من قبل وجهها، والدبور ما جاء من خلفها (1). 35 - وعن ابن عباس، قال: الشمال ما بين الجدي ومطلع الشمس، والجنوب مابين مطلع الشمس وسهيل، والصبا ما بين مغرب الشمس إلى الجدي، والدبور ما بين مغرب الشمس إلى سهيل. 36 - وعن كعب: لو احتبست الريح عن الناس ثلاثة أيام لانتن ما بين السماء والارض (2). 37 - وعن صفوان بن سليم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الريح وعوذوا بالله من شرها (3). 38 - وعن ابن عباس أن رجلا لعن الريح فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعن الريح فإنها مأمورة، فإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه (4). 39 - وعن ابن عباس، قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. قال ابن عباس: تفسير (5) ذلك في كتاب الله: " أرسلنا ريحا صرصرا " " فأرسلنا عليهم الريح العقيم " وقال: " وأرسلنا الرياح لواقح " " وأرسلنا عليهم الرياح مبشرات (6) ". 40 - وعن مجاهد، قال: هاجت ريح فسبوها، فقال ابن عباس: لا تسبوها فإنها تجئ بالرحمة وتجئ بالعذاب، ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا (7). 41 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتسبوا الليل والنهار، ولا الشمس، ولا القمر، ولا الريح، فإنها تبعث عذابا على قوم ورحمة على آخرين (8).


(1 - 3) الدر المنثور: ج 1، ص 164. (4) الدر المنثور: ج 1، ص 164. (5) في المصدر: والله ان تفسير.. (5 - 8) الدر المنثور: ج 1، ص 165.

[20]

42 - وعن ابن عباس، قال: الريح العقيم الشديدة التي لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، ولا بركة فيها ولا منفعة، ولا ينزل منها غيث ولا يلقح بها شجر (1). 43 - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الريح مسجنة في الارض الثانية، فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا قال: أي رب ! ارسل عليهم من الريح قدر منخر الثور ؟ قال له الجبار: لا، إذا تكفأ الارض ومن عليها ! ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم (2) ". 44 - وعن سعيد بن المسيب، قال ؟ هي الجنوب. 45 - وعن علي عليه السلام قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بمكيال على يد (3) ملك إلا يوم الطوفان (4) فإنه اذن لها دون الخزان فخرجت، وذلك (5) قوله " إنا لما طغى الماء " ولم ينزل شئ من الريح إلا بمكيال (6) على يد (7) ملك إلا يوم عاد فإنه اذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله " بريح صرصر عاتية " عتت على الخزان (8). 46 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور. وقال: ما امر الخزان أن يرسلوا على عاد إلا مثل موضع الخاتم من الريح، فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الابواب، فذلك قول الله " بريح صرصر عاتية " قال: عتوها عتت على الخزان فبدأت بأهل البادية منهم، فحملتهم بمواشيهم وبيوتهم فأقبلت بهم إلى


(1 و 2) الدر المنثور: ج 6، ص 115. والاولى منهما ثلاث روايات عن ابن عباس جمعها المؤلف - ره - في رواية واحدة. (3) في المصدر: يدى ملك. (4) في المصدر: نوح. (5) في المصدر:.. دون الخزان، فطغا الماء على الخزان فخرج، فذلك (6) في المصدر: الا بكيل. (7) في المصدر: يدى ملك (8) الدر المنثور: ج 6، ص 259.

[21]

الحاضرة، فلما رأوها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنت الريح أظلتهم استبقوا (1) الناس والمواشي فيها فألقت البادية على أهل الحاضرة فقصفتهم (2) فهلكوا جميعا (3). 47 - وعن قبيصة بن ذؤيب، قال: ما يخرج من الريح شئ إلا عليها خزان يعلمون قدرها وعددها ووزنها وكيلها حتى كانت الريح التي ارسلت إلى عاد، فاندفق منها شئ لا يعلمون قدره ولا وزنه ولا كيله غضبا لله، ولذلك سميت عاتية، والماء كذلك حتى (4) كان أمر نوح عليه السلام ولذلك سمي طاغية (5). 48 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرياح ثمان، أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة، فالعذاب منها: العاصف والصرصر و العقيم والقاصف، والرحمة منها: الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل المبشرات فتلقح السحاب، ثم يرسل الذاريات فتحمل السحاب فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر وهن اللواقح. ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراد (6). 49 - وعن خالد بن عرعرة، قال: قام رجل إلى علي فقال: ما العاصفات عصفا ؟ قال: الرياح (7). بيان: في القاموس: الحزيق: الريح الباردة الشديدة الهبابة كالحزوق واللينة السهلة ضد والراجعة المستمرة السير أو الطويلة الهبوب، واللقحه - بالفتح والكسر -: الناقة الحلوب. ذنابة ذكر الفلاسفة في سبب حدوث الرياح على اصولهم أن البخار إذا ثقل بواسطة


(1) في المصدر: استبق. (2) في المصدر: تقصفهم. (3) الدر المنثور: ج 6، ص 259. (4) في المصدر: حين كان. (5) المصدر: ج 6، ص 259. (6 و 7) الدر المنثور: ج 6، ص 303.

[22]

البرودة المكتسبة من الطبقة الزمهريرية واندفع إلى أسفل فصار لتسخنه بالحركة الموجبة لتلطيفه هواء متحركا وهو الريح، وقد يكون الاندفاع يعرض بسبب تراكم السحب الموجبة لحركة ما يليها من الهواء لامتناع الخلا، فيصير السحاب من جانب إلى جهة اخرى، وقد يكون لانبساط الهواء بالتخلخل في جهة واندفاعه من جهة اخرى، وقد يكون بسبب برد الدخان المتصاعد بعد وصوله إلى الطبقة الزمهريرية ونزوله. قالوا: ومن الرياح ما يكون سموما محرقا لاحتراقه في نفسه بالاشعة السماوية أو لحدوثه من بقية مادة الشهب، أو لمروره بالارض الحارة جدا لاجل غلبة نارية عليها. وقد يقع تقاوم في ما بين ريحين متقابلتين قويتين تلتقيان فتستديران، أو في ما بين رياح مختلفة الجهة حادثة، فتدافع تلك الرياح الاجزاء الارضية المشتملة عليها فتضغط تلك الاجزاء بينها مرتفعة كأنها تلتوي على نفسها، فيحصل الدوران المسمى بالزوبعة والاعصار، وربما اشتملت الزوابع العظام على قطعة من السحاب بل على بخار مرتفع (1) فترى نارا تدور، ومهاب الرياح اثنا عشر، وهي حدود الافق الحاصلة من تقاطعه مع كل من دائرة نصف النهار والموازيتين لها المماستين للدائمة الظهور والخفاء، ودائرة المشرق والمغرب الاعتداليين والموازيتين لها المساويتين (2) برأس السرطان والجدي، ولكل ريح منها اسم، والمشهورات عند العرب أربعة: ريح الشمال، وريح الجنوب وريح الصبا وهي الشرقية، ريح الدبور وهي الغربية والبواقي تسمى نكباء.


(1) مشتعل (خ). (2) في المخطوطة: المارتين.

[23]

(30) (باب) * (الماء وانواعه والبحار وغرائبها وما ينعقد فيها، وعلة المد) * * والجزر، والممدوح من الانهار والمذموم منها) * الآيات: ابراهيم: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار (1). النحل: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وأنهارا (2). الفرقان: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح اجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (3). النمل: وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا (4). فاطر: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج و من كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (5). حمعسق: ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير


(1) ابراهيم: 32. (2) النحل: 14 - 15. (3) الفرقان: 53. (4) النمل: 61. (5) فاطر: 12.

[24]

ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص (1). الجاثية: الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (2). الطور: والبحر المسجور (3). الرحمن: مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوار المنشآت في البحر كالاعلام (4). الملك: قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (5). المرسلات: وأسقيناكم ماء فراتا (6). تفسير: " وسخر لكم الفلك " إنما نسب إليه سبحانه مع أنه من أعمال العباد لانه لولا أنه تعالى خلق الاشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن، ولولا خلقة الحديد وسائر الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتخذونها، ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة فيه، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها، ولولا أنه وسع الانهار وجعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها ; لما وقع الانتفاع بالسفن، فصار لاجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الاحوال وهو المدبر لهذه الامور والمسخر لها حسنت إضافته إليه، وقيل: لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له. " بأمره " أي بقدرته وإرادته.


(1) الشورى: 22 - 25. (2) الجاثية: 12. (3) الطور: 6. (4) الرحمن: 19 - 24. (5) الملك: 30. (6) المرسلات: 27.

[25]

" وسخر لكم الانهار " لما كان ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لاجرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الانهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع والنبات. وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب والصالح لهذا مياه الانهار. " وهو الذي سخر البحر " أي جعلها بحيث يتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. " لتأكلوا منه لحما طريا " هو السمك، ووصفه بالطراوة لانه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ولاظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق. " حلية تلبسونها " كاللؤلؤ والمرجان. " وترى الفلك " أي السفن " مواخر فيه " أي جواري فيه يشقه بخرومها من المخر وهو شق الماء، وقيل: صوت جري الفلك. " ولتبتغوا من فضله " أي من سعة رزقه بركوبها للتجارة " ولعلكم تشكرون " أي تعرفون نعم الله فتقومون بحقها. " وهو الذي مرج البحرين " قال البيضاوي: خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته إذا خلاها. " هذا عذب فرات " قامع للعطش من فرط عذوبته " وهذا ملح اجاج " بليغ الملاحة (1) " وجعل بينهما برزخا " حاجزا من قدرته " وحجرا محجورا " وتنافرا بليغا كأن كلا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ عليه، وقيل: حدا محدودا، وذلك كدجلة يدخل البحر فيشقه فيجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمهما (2). وقيل: المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل، و بالبحر الملح البحر الكبير، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الارض، فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة، مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت و تشابهت في الكيفيية (3) (انتهى) ويقال: إن نهر آمل تدخل بحر الخزر ويبقى على عذوبته ولا يختلط بالمالح، ويأخذون منه الماء العذب في وسط البحر، فيمكن على تقدير صحته أن يكون داخلا تحت الآية أيضا.


(1) في المصدر: الملوحة. (2) طعمها (خ). (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 167.

[26]

" وما يستوي البحران " ضرب مثل للمؤمن والكافر، والفرات: الذي يكسر العطش، والسائع: الذي يسهل انحداره، والاجاج: الذي يحرق بملوحته " ومن كل تأكلون " استطراد في صفة البحرين وما فيهما، أو تمام التمثيل، والمعنى: كما أنهما وإن اشتر كا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان في ما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته لا يساوي المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما في ما هو الخاصية العظمى وبقاء أحدهما على الفطرة الاصلية دون الآخر، أو تفضيل للاجاج على الكافر بما يشارك العذب من المنافع، والمراد بالحلية اللآلي واليواقيت. " ومن آياته الجوار في البحر " قرأ نافع وأبو عمرو " الجواري " بياء في الوصل والوقف، والباقون بحذفها على التخفيف " كالاعلام " أي كالجبال، فهذه السفن العظيمة التي تكون كأنها الجبال تجري على وجه الماء عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه وعند سكونها تقف، ففيه دلالة على وجود الصانع المسبب لتلك الاسباب وقدرته الكاملة وحكمته التامة، لانه تعالى خص كل جانب من جوانب الارض بنوع من الامتعة وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة. " فيظللن رواكد " أي فيبقين ثوابت " على ظهره " أي ظهر البحر. " لكل صبار " أي لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه، أو لكل مؤمن كامل، فإنه روي أن الايمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. " أو يوبقهن " أي يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرفة، والمراد إهلاك أهلها لقوله " بما كسبوا " وأصله: أو يرسلها فيوبقهن لانه قسيم " يسكن الريح " فاقتصر فيه على المقصود، كما في قوله " ويعف عن كثير " إذ المعنى: أو يرسلها عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم وينجي ناسا على العفو منهم، وقرئ " يعفو " على الاستئناف. " ويعلم الذين يجادلون في آياتنا " عطف على علة مقدرة، مثل: لينتقم منهم ويعلم... أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جوابا للاشياء الستة لانه أيضا غير واجب، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف، وقرئ بالجزم عطفا على " يعف " فيكون

[27]

المعنى: أو يجمع بين إهلاك وإنجاء قوم وتحذير آخرين. " مالهم من محيص " من محيد من العذاب. " الله الذي سخر لكم البحر " بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالاخشاب ولا يمنع الغوص فيه " لتجري الفلك فيه بأمره " أي بتسخيره وأنتم راكبوها " ولتبتغوا من فضله " بالتجارة والغوص والصيد وغيرها " وأنتم تشكرون " هذه النعم. " والبحر المسجور " أي المملو وهو المحيط، أو الموقد من قوله " وإذا البحار سجرت " كما روي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار نارا يسجر بها جهنم، أو المختلط، من السجير وهو الخليط، وقيل: هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان. " مرج البحرين " أي أرسلهما، والمعنى: أرسل البحر الملح والبحر العذب " يلتقيان " أي يتجاوران وتتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لانهما خليجان يتشعبان منه " بينهما برزخ " أي حاجز من قدرة الله تعالى أو من الارض " لا يبغيان " أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية أو لا يتجاوزان حديهما، أو بإغراق ما بينهما. وقال الطبرسي - ره -: قيل: المراد بالبحرين بحر السماء وبحر الارض، فإن في السماء بحرا يمسكه الله بقدرته ينزل منه المطر فيلتقيان في كل سنة، وبينهما حاجز يمنع بحر السماء من النزول وبحر الارض من الصعود، عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنهما بحر فارس وبحر الروم فإن آخر طرف هذا يتصل بآخر طرف ذلك والبرزخ بينهما الجزائر، وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند التقائهما من غير أن يختلط جملتهما " لا يبغيان " أي لا يطلبان أن يختلطا (1). " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " أي كبار الدر وصغاره، وقيل: المرجان الخرر


(1) مجمع البيان: ج 9، ص 201.

[28]

الاحمر، وإن صح أن الدر يخرج من المالح (1) فعلى الاول إنما قال " منهما " لانه يخرج من مجتمع المالح (2) والعذب، أو لانهما لما اجتمعا صارا كالشئ الواحد وكان المخرج من أحدهما كالمخرج منها، ذكره البيضاوي (3). وقال الرازي: اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال " منهما " ؟ نقول: الجواب عنه من وجوه (4): الاول ظاهر كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس الذي لا يوثق بقوله، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب ؟ غاية علمكم (5) أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح، و لكن لم قلتم (6) إن الصدف لا يخرج اللؤلؤ بأمر الله من الماء العذب إلى الماء المالح ؟ وكيف يمكن الجزم به، والامور الارضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا يخفى عليهم ما في قعور البحور ؟ الثاني أن نقول: إن صح قولهم أنه لا يخرج إلا من الماء المالح فنقول فيه وجوه: أحدها أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من ماء المطر وهو بحر السماء، ثانيها أنه يتولد في ملتقاهما ثم يدخل الصدف في البحر المالح عند انعقاد الدر فيه لحال الملوحة، كالمتوخمة التي تشتهي في أوائل الحمل فتثقل هناك فلا يمكنه الدخلول في العذب (7). ثم ذكر بعض الوجوه المتقدمة. وقال الطبرسي - ره -: قيل: يخرج منهما أي من ماء السماء وماء البحر، فإن القطر إذا جاء من السماء تفتحت الاصداف فكان من ذلك القطر اللؤلؤ، عن ابن عباس ولذلك حمل البحرين على بحر السماء وبحر الارض، وقيل: إن العذب والملح يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج اللؤلؤ إلا من الموضع الذي يلتقي


(1 و 2) في انوار التنزيل: الملح. (3) انوار التنزيل: ج 2، 485. (4) في المصدر: من وجهين. (5) في المصدر: وهب ان.. (6) عمارة المصدر هكذا " لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في الغير. سلمنا لم قلتم ان الصدف يخرج بامر الله من الماء العذب الى الماء المالح " وكأن فيه تصحيفا. (7) مفاتيح الغيب: ج 29، ص 101.

[29]

فيه العذب والملح، وذلك معروف عند الملاحين (1) (انتهى). اقول: " وله الجوار " أي السفن جمع جارية " المنشآت " أي المرفوعات الشرع أو المصنوعات. وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الامواج أو السير " كالاعلام " جمع علم وهو الجبل الطويل " فبأي آلاء ربكما تكذبان " من خلق مواد السفن والارشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره تعالى. " إن أصبح ماؤكم غورا " أي غائرا في الارض بحيث لا تناله الدلاء، مصدر وصف به " بماء معين " أي جار، أو ظاهر سهل المأخذ. " وأسقيناكم ماء فراتا " بخلق الانهار والمنافع فيها. 1 - العلل والعيون: عن محمد بن عمرو بن علي البصري، عن محمد بن عبد الله ابن أحمد الواعظ، عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: سأل رجل من أهل الشام أمير المؤمنين عليه السلام عن المد والجزر ما هما ؟ فقال: ملك (2) موكل بالبحار يقال له " رومان " فإذا وضع قدميه في البحر فاض، وإذا أخرجهما غاض (3). 2 - العلل: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس، أنه سئل عن المد والجزر فقال: إن الله عزوجل وكل ملكا بقاموس البحر، فإذا وضح رجليه (4) فيه فاض وإذا أخرجهما (5) غاض (6).


(1) في المصدر " الغواصين " مجمع البيان: ج 9، ص 201. (2) في العيون، ملك من ملائكة الله عزوجل. (3) العل: ج 2، ص 240 والعيون: ج 1، ص 242. (4) في المصدر: رجله. (5) في المصدر: اخرجها. (6) العلل: ج 2، ص 240

[30]

بيان: قال الجزري: قاموس البحر وسطه ومعظمه، ومنه حديث ابن عباس وسئل عن المد والجزر - وذكر الخبر - ثم قال: أي زاد ونقص وهو فاعول من القمس (انتهى) وأقول: اختلف الحكماء في سبب المد والجزر على أقوال شتى، وليس شئ منها مما يسمن أو يغني من جوع أو يروي من عطش. وما ذكر في الخبر أظهرها وأصحها عقلا أيضا، وقد سمعت من بعض الثقات أنه قال: إني رأيت شيئا عظيما يمتد من الجو إلى البحر فيمتد ماؤه ثم إذا ذهب ذلك شرع في الجزر (1). وأما ما ذكره الحكماء في ذلك ففي رسائل إخوان الصفا: أما علة هيجان البحار وارتفاع مياهها ومدودها على سواحلها وشدة تلاطم أمواجها وهبوب الرياح في وقت هيجانها إلى الجهات في أوقات مختلفة من الشتاء والصيف والربيع والخريف وأوائل الشهور وأواخرها وساعات الليل والنهار فهي من أجل أن مياهها إذا حميت من قرارها وسكنت ولطفت وتخلخلت وطلبت مكانا أوسع مما كان فيه، فتدافعت بعض أجزائها بعضا إلى الجهات الخمس فوقا وشرقا وغربا وجنوبا وشمالا للاتساع فيكون في الوقت الواحد على سواحلها أمواج مختلفة في جهات مختلفة، وأما علة هيجانها في وقت دون وقت فهو بحسب تشكل الفلك والكواكب ومطارح شعاعاتها على سطوح تلك البحار في الآفاق والاوتاد الاربعة واتصالات القمر بها عند حلوله في منازله الثمانية و العشرين كما هو المذكور في كتب أحكام النجوم، وأما علة مدود بعض البحار في وقت طلوعات القمر ومغيبه دون غيرها من البحار فهو من أجل أن تلك البحار


(1) لو كان ما ادعى رؤيته مما يرى بالحس لرآه كل من يسكن السواحل ولتواتر نقله فافهم، ويمكن أنه كان قد رأى شيئا من الابخرة المتصاعدة من بعيد مقارنا للمد فتوهم انه هو الذى يوجب المد والاسباب المادية لحصول الجزر والمد وسائر ما يحدث في الارض والبحار والجو صارت اليوم ببركة العلوم التحربية من الواضحات بل تكاد تكون بديهية ولا ينافى ذلك ما ذكر في الروايات من استنادها إلى ارادة الله تعالى أو أفعال الملائكة، فانها علل طولية تنتهى بالاخرة إلى من إليه المنتهى، ولا يخفى ان كثيرا من الروايات الواردة في امثال هذه المعاني لم تسلم عن الدس والوضع مضافا إلى المناقشة في شمول ادلة حجية الخبر الواحد لغير ما يتضمن بيان الاحكام الفرعية.

[31]

في قرارها صخور صلبة وأحجار صلدة، فإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح شعاعاته إلى تلك الصخور والاحجار التي في قرارها، ثم انعكست من هناك راجعة، فسخنت تلك المياه وحمت ولطفت وطلبت مكانا أوسع وارتفع إلى فوق ودفع بعضها بعضا إلى فوق، وتموجت إلى سواحلها، وفاضت عل سطوحها، ورجعت مياه تلك الانهار التي كانت تنصب إليها إلى خلف راجعة، فلا يزال ذلك دأبها مادام القمر مرتفعا إلى وتد سمائه، فإذا انتهى إلى هناك وأخذ ينحط سكن عند ذلك غليان تلك المياه وبردت وانضمت تلك الاجزاء وغلظت فرجعت إلى قرارها وجرت الانهار على عادتها، فلا يزال ذلك دأبها إلى أن يبلغ القمر إلى الافق الغربي من تلك البحار ثم يبتدئ المد على عادته وهو في الافق الشرقي، فلا يزال ذلك دأبه حتى يبلغ القمر إلى وتد الارض، فينتهي المد من الرأس، ثم إذا زال القمر من وتد الارض أخذ المد راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى افقه الشرقي من الرأس. فإن قيل: لم لا يكون المد والجزر عند طلوعات الشمس وإشرافاتها على سطح هذه البحار ؟ فقد بينا علل ذلك في رسالة العلل والمعلولات (انتهى). وقال المسعودي في مروج الذهب: المد هو مضي الماء بسجيته وسنن جريه والجزر هو رجوع الماء على ضد سنن مضيه وانعكاس ما يمضي عليه في نهجه وهما يكونان في البحر الحبشي (1) الذي هو الصيني والهندي وبحر البصرة وفارس، وذلك أن البحار على ثلاثة أصناف: منها ما يأتي فيه الجزر والمد ويظهر ظهورا بينا، ومنها مالا يتبين فيه الجزر والمد ويكون خفيا مستترا، ومنها مالا يجزر ولا يمد، وقد تنازع الناس في علتهما، فمنهم من ذهب إلى أن علة ذلك القمر، لانه مجانس للماء وهو يسخنه فيبسط، وشبهوا ذلك بالنار إذا سخنت ما في القدر وأغلته، وأن الماء يكون فيها على قدر النصف أو الثلثين، فإذا غلى الماء انبسط في القدر وارتفع وتدافع حتى يفور فتتضاعف كميته في الحس لان من شرط الحرارة أن تبسط الاجسام، ومن شرط


(1) في المصدر: وانكشاف ما مضى عليه في هيجه وذلك كبحر الحبش...

[32]

البرودة أن تضغطها (1) وذلك أن قعور البحار تحمى فتتولد في أرضها (2) عذوبة وتستحيل وتحمي كما يعرض ذلك في البلاليع والآبار، فإذا حمى ذلك الماء انبسط، وإذا انبسط زاد، وإذا زاد دفع (3) كل جزء منه صاحبه فطفر عن سطحه (4) وبان عن قعره واحتاج إلى أكثر من وهدته، وأن القمر إذا امتلا أحمى الجو حميا شديدا فظهر زيادة الماء فسمي ذلك المد الشهري. وقالت طائفة اخرى: لو كان الجزر والمد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القدر وبسطته فيطلب أوسع منه فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الارض بطبعه فيرجع اضطرارا بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرجل والقمقم إذا فاض لكان بالشمس أشد سخونة، ولو كانت الشمس علة مده لكان بدؤه مع بدء طلوع الشمس والجزر عند غيبوبتها. وزعم هؤلاء أن علة المد والجزر الابخرة التي تتولد في بطن الارض، فإنها لا تزال تتولد وتكثف وتكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها، فلا تزال على ذلك حتى تنقص موادها من أسفل، فإذا انقطعت موادها من أسفل تراجع الماء حينئذ إلى قعور البحر، وكان الجزر من أجل ذلك والمد ليلا ونهارا وشتاء وصيفا وفي غيبوبة القمر وطلوعه وفي غيبوبة الشمس وطلوعها. قالوا: وهذا يدرك بحس البصر (5) لانه ليس يستكمل الجزر آخره حتى يبدو أول المد، ولا يفنى (6) آخر المد حتى يبدو أول الجرز، لانه لا يفتر تولد تلك البخارات حتى إذا خرجت تولد مكانها غيرها وذلك أن البحر إذا غارت مياهه ورجعت إلى قعره تولدت تلك الابخرة لمكان ما يتصل منها من الارض بمائه، فكلما عاد تولدت وكلما فاض تنفست (7).


(1) في المصدر تضمها. (2) الارض (خ). (3) في المصدر: وإذا زاد ارتفع فدفع. (4) في المصدر: فطفا على سطحه. (5) في المصدر: بالحس. (6) في المصدر: لا ينقضى (7) تنقصت (خ)

[33]

وذهب آخرون من أهل الديانات: أن كل ما لا يعلم له في الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فله فعل إلهي يدل على توحيد الله عزوجل وحكمته وليس للمد والجزر علة في الطبيعة البتة ولا قياس. وقال آخرون: ما هيجان ماء البحر إلا كهيجان بعض الطبائع، فإنك ترى صاحب الصفراء وصاحب الدم وغيرهما تهتاج طبيعته وتسكن ولذلك مواد تمدها حالا بعد حال، فإذا قويت هاجت ثم تسكن قليلا قليلا حتى تعود. وذهب طائفة إلى إبطال سائر ما وصفنا من القول وزعموا أن الهواء المطل على البحر يستحيل دائما، فإذا استحال عظم ماء البحر وفار (1) عند ذلك، فإذا فار فاض وإذا فاض فهو المد، فعند ذلك يستحيل ماؤه ويتفشى واستحال هواء فعاد (2) إلى ما كان عليه وهو الجزر وهو دائم لا يفتر، متصل مترادف متعاقب، لان الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء، وقد يجوز أن يكون ذلك عند امتلاء القمر أكثر لان القمر إذا امتلا استحال ماء أكثر مما كان يستحيل قبل ذلك وإنما القمر علة لكثرة المد لا للمد نفسه، لانه قد يكون والقمر في محاقه والمد والجزر في بحر فارس يكون على مطالع الفجر في أغلب الاوقات. وقد ذهب أكثر من أرباب السفن ممن يقطع هذا البحر ويختلف إلى جزائره أن المد والجزر لا يكون في معظم هذا البحر إلا مرتين في السنة، مرة يمد في شهور الصيف شرقا بالشمال ستة أشهر، فإذا كان ذلك طما الماء في مشارق البحر والصين وما والى ذلك الصقع، ومرة يمد في شهور الشتاء غربا بالجنوب ستة أشهر، وإذا كان ذلك طما الماء في مغارب البحر والجزر بالصين، وقد يتحرك البحر بتحريك الرياح فإن الشمس إذا كانت في الجهة الشمالية تحرك الهواء إلى الجهة الجنوبية، فلذلك تكون البحار في جهة الجنوب في الصيف لهبوب الشمال طامية عالية، وتقل المياه في جهة البحور (3) الشمالية وكذلك إذا كانت الشمس في الجنوب وسار (4) الهواء من الجنوب إلى جهة الشمال فسال (5) معه ماء البحر من الجهة الجنوبية إلى الجهة الشمالية


(1) في المصدر: وفاض عند ذلك، وإذا فاض البحر فهو المد. (2) في المصدر: يتنفس فيستحيل هواء فيعود.. (3) في المصدر: البحار. (4 و 5) في المصدر: سال.

[34]

قلت المياه في الجهة الجنوبية، وتنقل (1) ماء البحر في هذين الميلين أعني في جهة (2) الشمال والجنوب يسمى جزرا ومدا (3)، وذلك أن مد الجنوب جزر الشمال ومد الشمال جزر الجنوب، فإن وافق القمر بعض الكواكب السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان وقوي الحر واشتد لذلك (4) انقلاب ماء البحر إلى الجهة المخالفة للجهة التي فيها الشمس، وهذا رأي الكندي وأحمد بن الخصيب السرخسي في ما حكي عنهما (5) أن البحر يتحرك بتحرك الرياح (6) (انتهى). وجملة القول فيه أن نهر البصرة والانهار المقاربة له يمد في كل يوم وليلة مرتين ويدور ذلك في اليوم واليلة ولا يخص وقتا كطلوع الشمس وغروبها وارتفاعها وانخفاضها، ويسمى ذلك بالمد اليومي، ويكون المد عند زيادة نور القمر أشد ويسمى ذلك بالمد الشهري وهذا المد يمكن استناده إلى القمر لكونه تابعا له في الغالب، بمعنى أنه يحصل في أيام زيادة نور القمر، لكن الظاهر أنه لو كانت العلة زيادة نوره لكان هذا المد مقارنا لها أو بعدها بزمان يتم فيه فعل القمر وتأثيره في البحر والظاهر أنه ليس تابعا له بهذا المعنى، وعلى تقدير صحة استناده إليه فلا ريب في بطلان ما جعله القائل الاول مناطا له من سخونة البحر بنور القمر لانه مجانس للماء وكذا سخونة الجو به، بل ربما يدعى أن نور القمر يبرد الجو والاجسام كما هو المجرب، نعم ربما يجوز العقل تأثير القمر في المد لنوع من المناسبة والارتباط بين نوره وبين الماء وإن لم نعلمها بخصوصها، لكن يقدح فيه ما ذكرناه من عدم انضباط المقارنة (7) والتأخر على الوجه المذكور. وأما المد اليومي فبطلان استناده إلى القمر واضح واستناده


(1) في المصدر: ينتقل. (2) في المصدر: جهتى. (3) في المصدر: ومدا شتويا. (4) في المصدر: واشتد لذلك سيلان الهواء فاشتد لذلك انقلاب... (5) في المصدر: في ما حكاه عنه. (6) مروج الذهب: ج 1، ص 68 - 70. (7) أو (خ).

[35]

إلى الكواكب على انفرادها أو بمشاركة القمر بعيد غاية البعد، وكون الكواكب عللا له من حيث الحرارة ظاهر الفساد. وما ذكره الطائفة الثانية من أنه للابخرة الحادثة في باطن الارض فيرد عليه أن الابخرة الكثيرة الكثيفة التي تفور البحر مع عظمته لخروجها لو اجتمعت واحتبست في باطن الارض ثم خرجت دفعة كما هو الظاهر من كلامه لزم انشقاق الارض منها انشقاقا فاحشا ثم التئامها في كل يوم وليلة، لعله مما لا يرتاب أحد في أنه خلاف الواقع ولا يظهر للعقل سبب لالتئام الارض بعد الانشقاق، وكون كل التئام مستندا إلى انشقاق حادث في موضع آخر من الارض قريب من موضع الاول في غاية البعد، ولو خرجت تدريجا لاستلزمت غليانا وفورانا في البحر دائما لا هذا النوع من الحركة والامتلاء وهو واضح. وما ذكره الطائفة الثالثة من أنه كهيجان الطبائع فيرد عليه أنه لو كان المراد أنه والطبائع تهيج بلا سبب فباطل، ولو قيل بأن ذلك مقتضى الطبيعة فذلك مما لم يقل به أحد، ولو اريد أنه بسبب ولو لم يكن معلوما لنا، فذلك مما لا ثمرة له إذ الكلام في خصوص السبب وما ذكره الطائفة الرابعة من أنه للانقلاب فلا يظهر له وجه ولا ينطبق على تلك الخصوصيات. فالاوجه أن يقال: إنها بقدرة الله وتدبيره وحكمته إما بتوسط الملك إن صح الخبر، أو بما رأى المصلحة فيه من العلل والاسباب، فإنه تعالى المسبب لها والمقدر لاوقاتها، ولم نكلف بالخوض في عللها وإن أمكنت مدخلية بعض تلك الوجوه التي تقدم ذكرها، والعالم بها هو المدبر لها، ويكفينا ما ظهر لنا من منافعها وفوائدها. 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن هلال (1)، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه عن آبائه (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أربعة أنهار من الجنة: الفرات والنيل وسيحان وجيحان، فالفرات الماء في الدنيا والآخرة


(1) احمد بن هلال أبو جعفر العبرتائى ضعيف جدا، قال الشيخ في التهذيب: ان احمد بن هلال مشهور باللعنة والغلو. وروى الكشى عن ابى الحسن العسكري عليه السلام رواية تشتمل على لعنه والتبرى منه كقوله عليه السلام " ونحن نبرأ الى الله من ابن هلال لارحمه الله ومن لا يبرأ منه ". (2) في الخصال: عن على عليه السلام.

[36]

والنيل العسل، وسيحان الخمر، وجيحان اللبن (1). بيان: الفرات أفضل الانهار بحسب الاخبار، وقد أوردتها في كتاب المزار والنيل بمصر معروف، وسيحان وجيحان قال في النهاية: هما نهران بالعواصم عند المصيصة والطرسوس. وفي القاموس: سيحان نهر بالشام وآخر بالبصرة، وسيحون نهر بما وراء النهر ونهر بالهند، وقال: جيحون نهر خوارزم وجيحان نهر بالشام والروم معرب " جهان " (انتهى). وذكر المولى عبد العلي البرجندي في بعض رسائله: إن نهر الفرات يخرج من جبال " أرزن الروم " (2) ثم يسيل نحو المشرق إلى " ملطية " ثم إلى " سميساط " حتى ينتهي إلى الكوفة ثم تمر حتى ينصب في البطائح. وقال: النيل أفضل الانهار لبعد منبعه ومروره على الاحجار والحصيات، وليس فيه وحل ولا يخضر الحجر فيه كغيره، ويمر من الجنوب إلى الشمال وهو سريع الجري، وزيادته في أيام نقص سائر المياه، ومنبعه مواضع غير معمورة في جنوب خط الاستواء، ولذا لم يعلم منبعه على التحقيق. ونقل عن بعض حكماء اليونان: أن ماءه يجتمع من عشرة أنهار، بين كل نهرين منها اثنان وعشرون فرسخا، فتنصب تلك الانهار في بحيرة ثم منها يخرج نهر مصر متوجها إلى الشمال حتى ينتهي إلى مصر، فإذا جازها وبلغ " شنطوف " انقسم قسمين ينصبان في البحر. وقال: سيحان منبعه من موضع طوله ثمان وخمسون درجة وعرضه أربع وأربعون درجة، ويمر في بلاد الروم من الشمال إلى الجنوب إلى بلاد أرمن، ثم إلى قرب " مصيصة " ثم يجتمع مع جيحان وينصبان في بحر الروم فيما بين أياس وطرسوس، ونهر جيحان منبعه من موضع طوله ثمان و خمسون درجه، وعرضه ست وأربعون درجة وهو قريب من نهر الفرات في العظمة ويمر من الشمال إلى الجنوب بين جبال في حدود الروم إلى أن يمر إلى شمال مصيصة وينصب في البحر (انتهى). ثم اعلم أن هذه الرواية مروية في طرق المخالفين أيضا، إلا أنه ليس فيها


(1) الخصال: 117. (2) أرزن روم (خ).

[37]

" فالفرات " إلى آخر الخبر، واختلفوا في تأويله: قال الطيبي في شرح المشكاة في شرح هذا الخبر: سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون، وهما نهران عظيمان جدا وخص الاربعة لعذوبة مائها وكثرة منافعها كأنها من أنهار الجنة، أو يراد أنها أربعة أنهار هي اصول أنهار الجنة سماها بأسامي الانهار العظام من أعذب أنهار الدنيا وأفيدها على التشبيه، فإن ما في الدنيا من المنافع فنموذات لما في الآخرة، وكذا مضارها. وقال القاضي: معنى كونها من أنهار الجنة: أن الايمان يعم بلادها وأن شاربيها صائرة إليها، والاصح أنه على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة. وفي معالم التنزيل: أنزلها الله تعالى من الجنة واستودعها الجبال لقوله تعالى " فأسكناه ". أقول: المشبه في الوجه الاول أنهار الدنيا، ووجه الشبه العذوبة والهضم والبركة. وفي الثاني: أنهار الجنة، ووجهه الشهرة والفائدة والعذوبة. وفي الثالث وجهه المجاورة والانتفاع (انتهى). وأقول: ظاهر الخبر مع التتمة التي في الخصال اشتراك الاسم، وإنما سميت بأسماء أنهار الجنة لفضلها وبركتها وكثرة الانتفاع بها، ويحتمل أن يكون المعنى أن أصل هذه الانهار ومادتها من الجنة، فلما صارت في الدنيا انقلبت ماء، ولا ينافى ذلك معلومية منابعها إذ يمكن أن يكون أول حدوثها بسبب ماء الجنة، أو يصب فيها بحيث لا نعلم، أو يكون المراد بالجنة جنة الدنيا كما مر في كتاب المعاد وتجري من تحت الارض إلى تلك المنابع ثم يظهر منها. ويؤيد تلك الوجوه في الجملة ما رواه الكليني بسند كالموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يدفق في الفرات في كل يوم دفقات من الجنة (1)، وبسند آخر رفعه إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: نهركم هذا - يعني ماء الفرات - يصب فيه ميزابان من ميازيب الجنة (2). وعن علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال: إن ملكا يهبط من السماء في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل مسك (3) من مسك الجنة فيطرحها في الفرات، وما من نهر في شرق الارض ولا غربها أعظم بركة


(1 و 2) الكافي: 6، ص 388. (3) في المصدر: مسكا.

[38]

منه (1). وأما التأويل بكون أهلها وشاربيها صائرين إلى الجنة فهو في خصوص الفرات ظاهر، إذ أكثر القرى والبلاد الواقعة عليه وبقربه من الامامية والمحبين لاهل البيت عليهم السلام كما تشهد به التجربة، وقد روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما إخال أحدا يحنك بماء الفرات إلا أحبنا أهل البيت. وقال عليه السلام: ما سقي أهل الكوفة ماء الفرات إلا لامر ما، وقال: يصب فيه ميزابان من الجنة (2) أقول: قوله عليه السلام " لامر ما " أي لرسوخ ولاية أهل البيت عليهم السلام في قلوب أهلها. وعن أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - قال: أما إن أهل الكوفة لو حنكوا أولادهم بماء الفرات لكانوا لنا شيعة (3). وأما الانهار الثلاثة الاخرى فلم أر لها في غير هذا الخبر فضلا، بل روى الكليني عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ماء نيل مصر يميت القلب (4). 2 - الدر المنثور: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله قال: أنزل الله من الجنة إلى الارض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبرائيل فاستودعها الجبال وأجراها في الارض وجعلها منافع للناس في أصناف معائشهم، فذلك قوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض " (5). فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوح أرسل الله جبرئيل فرفع من الارض القرآن والعلم كله والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الانهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: " وإنا على ذهاب به لقادرون " فإذا رفعت هذه الاشياء من الارض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة (6).


(1) الكافي: ج 6، ص 389. (2) الكافي: ج 6، ص 388. (3) الكافي ج 6، ص 389. (4) الكافي: ج 6، ص 391. (5) المؤمنون: 19. (6) الدر المنثور: ج 5، ص 8.

[39]

3 - شرح النهج لابن ميثم: قال لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه واله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال: يا أهل البصرة - ! يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة ! - وساق الخطبة كما مر في كتاب الفتن وسيأتي إلى قوله عليه السلام - سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم والبحر سببا لكثرة أموالكم. بيان: قوله عليه السلام: " الماء يغدو عليكم ويروح " إشارة إلى المد والجزر. وقوله " صلاحا لمعاشكم " إلى فائدتهما، إذ لو كان الماء دائما على حد النقصان ولم يصل إلى حد المد لما سقي زروعهم ونخيلهم، ولو كان دائما على حد الزيادة لغرقت أراضيهم بأنهارهم، وفي نقص الانهار بعد زيادتها فائدة اخرى، هي غسل الاقذار وإزالة الخبائث عن شطوطها، وربما كان فيهما فوائد اخرى كتأثيرهما في حركة السفن و نحو ذلك. 4 - اعلام الورى: بإسناده عن الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله ابن القاسم. عن حيان السراج، عن داود بن سليمان الكسائي، (1) عن أبي الطفيل قال: سأل في أول خلافة عمر يهودي من أولاد هارون أمير المؤمنين عليه السلام عن أول قطرة قطرت على وجه الارض (2)، وأول عين فاضت على وجه الارض، (3) وأول شجر اهتز على وجه الارض. (4) فقال عليه السلام يا هاروني أما أنتم فتقولون: أول قطرة قطرت على وجه الارض حيث قتل أحد ابني آدم صاحبه وليس كذلك ولكنه حيث طمثت حواء وذلك قبل أن تلد ابنيها، وأما أنتم فتقولون أول عين فاضت على وجه الارض العين التي ببيت المقدس، وليس هو كذلك ولكنها


(1) في المصدر: الكنانى. (2) في المصدر: أي قطرة هي ؟ (3) في المصدر: أي عين هي ؟ (4) في المصدر: أي شجرة هي ؟

[40]

عين الحياة التي وقف عليها موسى وفتاه ومعهما النون المالح فسقط فيها فحيي، وهذا الماء لا يصيب ميتا إلا حيي. وأما أنتم فتقولون: أول شجر اهتز على وجه الارض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح، وليس كذلك ولكنها النخلة التي هبطت (1) من الجنة وهي العجوة، ومنها تفرع كل ما ترى من أنواع النخل، فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لاجد هذا في كتب أبي هارون عليه السلام كتابة (2) يده وأملا عمي موسى عليه السلام (3). 5 - اكمال الدين: عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، ومحمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ويعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم جميعا عن الحسن بن علي بن فضال، عن أيمن ابن محرز، عن محمد بن سماعة، عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، إلا أنه قال: قال اليهودي: أخبرني عن أول شجرة نبتت على وجه الارض، وعن أول عين نبعت على وجه الارض وعن أول حجر وضع على وجه الارض، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما أول شجرة نبتت على وجه الارض فإن اليهود يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا، وإنما هي النخلة من العجوة هبط بها آدم عليه السلام معه من الجنة فغرسها وأصل النخلة كلة منها. وأما أول عين نبعت على وجه الارض فإن اليهود يزعمون أنها العين التي ببيت المقدس وتحت الحجر وكذبوا، هي عين الحياة التي ما انتهى إليها أحد إلا حيي، وكان الخضر على مقدمة ذي القرنين فطلب عين الحياة فوجدها الخضر عليه السلام وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين. وأما أول حجر وضع على وجه الارض فإن اليهود يزعمون أنه الحجر الذي ببيت المقدس وكذبوا، إنما هو الحجر الاسود هبط به آدم عليه السلام معه من الجنة فوضعه في الركن، والناس يستلمونه وكان أشد بياضا من الثلج فاسود من خطايا بني آدم.


(1) في المصدر: اهبطت. (2) كتابته بيده (خ) (3) اعلام الورى: 368.

[41]

اقول: الخبران طويلان أوردتهما بأسانيدهما في باب نص أمير المؤمنين عليه السلام على الاثني عشر عليهم السلام في المجلد التاسع. كتاب الاقاليم والبلدان والانهار: للفرات فضائل كثيرة: 6 - روي أن أربعة من أنهار الجنة: سيحون وجيحون والنيل والفرات. 7 - وعن علي عليه السلام قال: يا أهل الكوفة نهركم هذا ينصب إليه ميزابان من الجنة. 8 - وروي عن جعفر الصادق عليه السلام أنه شرب من ماء الفرات ثم استزاد وحمد الله تعالى، قال: ما أعظم بركته لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب ما انغمس فيه ذو عاهة إلا برئ. وعن السدي أن الفرات مد في زمن عمر فألقى رمانة عظيمة منها كرمان الحب فأمر المسلمين أن يقسموها بينهم، فكانوا يزعمون أنها من الجنة. 9 - وقال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يخرج لوجدتم من ورقها. وقال في وصف بعض البحار نقلا عن صاحب كتاب عجائب الاخبار: هذا البحر فيه طائر مكرم لابويه، فإنهما إذا كبرا وعجزا عن القيام بأمر أنفسهما، يجتمع عليهما فرخان من فراخهما فيحملانهما على ظهورهما إلى مكان حصين، ويبنيان لهما عشا ويتعاهدانهما الزاد والماء إلى أن يموتا، فإن مات الفرخان قبلهما يأتي إليهما فرخان آخران من فراخهما ويفعلان بهما كما فعل الفرخان الاولان، وهلم جرا وهذا دأبهما. 10 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه (1) عليهم السلام قال: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا امطرت ففتحت (2) الاصداف أفواهها في البحر، فيقع فيها من ماء المطر


(1) في المصدر: عن على عليه السلام. (2) في المصدر: فتحت.

[42]

فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة (1). 11 - كامل الزيارة: عن أبيه، عن الحسن بن متيل (2)، عن عمران بن موسى عن الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نهران مؤمنان، ونهران كافران، نهران كافران نهر بلخ ودجلة، و المؤمنان نيل مصر والفرات، فحنكوا أولادكم بماء الفرات. بيان: قال الجزري في النهاية: فيه " نهران مؤمنان ونهران كافران، أما المؤمنان فالنيل والفرات، وأما الكافران فدجلة ونهر بلخ " جعلهما مؤمنين على التشبيه لانهما يفيضان على الارض فيسقيان الحرث بلا مؤنة، وجعل الآخرين كافرين لانهما لا يسقيان ولا ينتفع بهما إلا بمؤنة وكلفة، فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين، وهذان في قلة النفع كالكافرين (انتهى). وأقول: ربما يومئ التفريع بقوله " فحنكوا " إلى أن المراد أن للاولين مدخلا في الايمان وللآخرين (3) في الكفر وهو في الفرات ظاهر كما عرفت، وأما في النيل فلعل شقاوة أهله لسوء تربة مصر كما ورد في الاخبار فلو جرى في غيره لم يكن كذلك، ونهر بلغ هو نهر جيحون. وقال البرجندي: ويخرج عموده من حدود " بدخشان " من موضع طوله أربع وتسعون درجة وعرضه سبع وثلاثون درجة ثم يجتمع معه أنهار كثيرة ويذهب إلى جهة المغرب والشمال إلى حدود بلخ ثم يجاوزه إلى " ترمد " ثم يذهب إلى المغرب والجنوب إلى ولاية " زم " (4) وطوله تسع وثمانون درجة وعرضه سبع وثلاثون، ثم يمر إلى المغرب والشمال إلى موضع


(1) قرب الاسناد: 85 (2) بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوق وسكون الياء المثناة من تحت على ما ضبطه العلامة في الخلاصة والايضاح، وحكى عن ابن داود ضم الميم وفتح التاء المشددة. قال النجاشي الحسن بن متيل وجه من وجوه أصحابنا كثير الحديث، وصحح العلامة حديثه، وتصحيح حديثه لا يقصر عن توثيقه. (3) الاخيرين (خ). (4) بفتح الزاى وتشديد الميم، بليدة على طريق جيحون بين ترمذ وآمل (مراصد الاطلاع).

[43]

طوله ثمان وثمانون درجة وعرضه تسع وثلاثون، ثم يمر إلى أن ينصب (1) في بحيرة خوارزم. ونهر دجلة مشهور ويخرج من بلاد الروم من شمال " ميارقين " (2) من تحت حصار ذي القرنين، ويذهب من جهة الشمال والمغرب إلى جهة الجنوب والمشرق ويمر بمدينة " آمد " والموصل وسر من رأى وبغداد ثم إلى " واسط " ثم ينصب في بحر فارس. 12 - العياشي: عن إبراهيم بن أبي العلا، عن غير واحد، عن أحدهما عليهما السلام قال: لما قال الله " يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي " قال الارض: إنما امرت أن أبلع مائي أنا فقط، ولم اومر أن أبلع ماء السماء، قال: فبلعت الارض ماءها وبقي ماء السماء فصير بحرا حول الدنيا. 13 - الكافي: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان وعلي بن إبراهيم عن أبيه، جميعا عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جبرئيل عليه السلام كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللامام. والبحر المطيف بالدنيا (3). بيان: قال البرجندي: نهر مهران هو نهر السند يمر أولا في ناحية " ملتان " ثم يميل إلى الجنوب ويمر بالمنصورة ثم يمر حتى ينصب في بحر " ديبل " من جانب المشرق، وهو نهر عظيم وماؤه في غاية العذوبة وشبيه بنيل مصر ويكون فيه التمساح كالنيل، وقيل: إذا وصل إلى موضع طوله مأة وسبع درجات وعرضه ثلاث وعشرون درجة ينقسم إلى شعبتين، ينصب إحداهما في بحر الهند والاخرى تمر وتنصب فيه بعد مسافة أيضا. " فما سقت " أي بأنفسها " أو سقي منها " أي سقى الناس منها. وهذا الخبر رواه في الفقيه بسند صحيح عن أبي البختري (4) وزاد في آخره


(1) في اكثر النسخ: يصب. (2) كذا: والظاهر أنه مصحف " ميافارقين " اسم مدينة ببلاد الروم. (3) الكافي: ج 1، ص 409. (4) الفقيه: 159.

[44]

" وهو أفسبكون " ولعله من الصدوق فصار سببا للاشكال، لان " أفسبكون " معرب " آبسكون " وهو بحر الخزر، ويقال له: بحر جرجان وبحر طبرستان وبحر مازندران، و طوله ثمانمأة ميل وعرضه ستمائة ميل، وينصب فيه أنهار كثيرة منها نهر آتل (1) وهذا البحر غير محيط بالدنيا بل محاط بالارض من جميع الجوانب ولا يتصل بالمحيط، و لعله إنما تكلف ذلك لانه لا يحصل من المحيط شئ وهو غير مسلم. وقرأ بعض الافاضل المطيف - بضم الميم وسكون الطاء وفتح الياء - اسم مفعول أو اسم مكان من الطواف ولا يخفى ضعفه فإن اسم المفعول منه مطاف بالضم أو مطوف، واسم المكان كالاول أو مطاف بالفتح، وربما يقرأ " مطيف " بتشديد الياء المفتوحة، وهو أيضا غير مستقيم لانه بالمعنى المشهور واوي فالمفعول من باب التفعيل مطوف، وأيضا كان ينبغي أن يقال: المطيف به الدنيا، نعم قال في القاموس: طيف تطييفا وطوف: أكثر الطواف (انتهى) لكن حمله على هذا أيضا يحتاج إلى تكلف شديد، وما في الكافي أظهر وأصوب والمعنى: أن البحر المحيط بالدنيا أيضا للامام عليه السلام. 14 - نوادر الراوندي: بإسناده عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: شر اليهود يهود بيسان، وشر النصارى نصارى نجران، وخير ماء نبع على وجه الارض ماء زمزم، وشر ماء نبع على وجه الارض ماء برهوت، واد بحضرموت يرد عليه هام الكفار وصداهم. بيان: في القاموس: بيسان قرية بالشام، وقرية بمرو، وموضع باليمامة. ولعل الاول هنا أظهر، ونجران موضع باليمن. وفي النهاية: فيه " لا عدوى ولا هامة " الهامة الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث وذلك أنهم كانوا يتشأمون بها وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول: اسقوني ! اسقوني ! فإذا أدرك بثأره طارت. و قيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة فتطير ويسمونه " الصدى " فنفاه الاسلام ونهاهم عنه. وفي القاموس: الصدى الجسد من الآدمي بعد موته، و


(1) آمل (خ).

[45]

طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهلية. 15 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي: رفعه عن الاصبغ بن نباته قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن أول شئ ضج على الارض، قال: واد باليمن هو أول واد فار منه الماء. 16 - كتاب النوادر لعلي بن أسباط: عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: قال عليه السلام: لو عدل في الفرات لسقي (1) ما على الارض كله. بيان: يحتمل أن يكون المراد بها الاراضي التي على شطه وبالقرب منه. 17 - الدر المنثور: عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ماء زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله. قال الحكيم الترمذي: وحدثني أبي قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الاقذار وذلك أيام الحاج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتبلعت منه فذهب عني إلى الصباح (2). 18 - ومنه: عن ابن عباس " مرج البحرين " قال: أرسل البحرين " بينهما برزخ " قال: حاجز " لا يبغيان " قال: لا يختلطان، وروي أيضا عنه قال: بحر السماء وبحر الارض يلتقيان كل عام. " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، قال: إذا مطرت السماء فتحت الاصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ (3). 19 - وعن ابن جبير قال: إذا نزل القطر من السماء تفتحت له الاصداف فكان لؤلؤا (4). 20 - وعن علي بن أبي طالب قال: المرجان عظام اللؤلؤ. وعن ابن عباس مثله (5).


(1) لاسقى (خ). (2) الدر المنثور: ج 3، ص 221. (3 - 5) الدر المنثور: ج 6، ص 142.

[46]

21 - وفي رواية اخرى عنه: المرجان اللؤلؤ الصغار (1). 22 - وعن ابن مسعود: المرجان الخزر الاحمر (2). 23 - وعن عمير بن سعد قال: كنا مع علي على شط الفرات فمرت سفينة فقرأ هذه الآية: " وله الجوار المنشئات في البحر كالاعلام (3) ". 24 - مجمع البيان: روى مقاتل عن عكرمة وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة وأجراها في الارض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معائشهم وذلك قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون (4) ". 25 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن أحمد عن علي بن النعمان، عن صالح بن حمزة، عن أبان بن مصعب، عن يونس بن ظبيان أو المعلى بن خنيس قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: مالكم من هذه الانهار (5) ؟ فتبسم وقال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الارض منها: سيحان، وجيحان وهو نهر بلخ، والخشوع وهو نحر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر، ودجلة، والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع مما بين ذه إلى ذه - يعني بين السماء والارض - ثم تلا هذه الآية " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا " المغصوبين عليها " خالصة " لهم " يوم القيامة " بلا غصب. توضيح: لعل التبسم لاجل " من " التبعيضية " يخرق " كينصر ويضرب أي


(1 و 2) الدر المنثور: ج 6 ص 142. (3) الدر المنثور ج 6، ص 143. (4) مجمع البيان: ج 7، ص 102. (5) في المصدر: الارض.

[47]

يشق ويحفر، ومنهم من حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الانهار ونحوها مستندة إلى قدرة الله تعالى ردا على الفلاسفة الذين يسندونها إلى الطبائع، وفي أكثر النسخ هنا " جيحان " بالالف وفي بعضها بالواو، وهو أصوب لما عرفت أن نهر بلخ بالواو، وعلى الاول إن كان التفسير من بعض الرواة فيمكن أن يكون اشتباها منه، و لو كان من الامام عليه السلام وصح الضبط كان الاشتباه من اللغويين. و " الشاش " بلد بما وراء النهر كما في القاموس ونهره على ما ذكره البرجندي بقدر ثلثي الجيحون، ومنبعه من بلاد الترك من موضع عرضه اثنتان وأربعون درجة وطوله إحدى وسبعون درجة ويمر إلى المغرب مائلا إلى الجنوب إلى خجند ثم إلى فاراب ثم ينصب في بحيرة خوارزم، وتسميته بالخشوع غير مذكور فيما رأينا من كتب اللغة وغيرها " فما سقت " أي سقته من الاشجار والاراضي والزروع " أو استقت " أي منه، أي أخذت الانهار منه وهو بحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء، فالمقصود أن أصلها وفرعها لنا، أو ضمير " استقت " راجع إلى " ما " باعتبار تأنيث معناه، والتقدير: استقت منها، وضمير " منها " المقدر للانهار، فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير عمل، وبما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب وشبهه، ونسبة الاستسقاء (1) إليها على المجاز، كذا خطر بالبال وهو أظهر. وقيل: ضمير " استقت " راجع إلى الانهار على الاسناد المجازي لان الاستقاء فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر والدولاب. يقال: استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها. وبالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في السقي من الكسب والمبالغة في الاعتمال " إلا ما غصب عليه " على بناء المعلوم والضمير للعدو أي غصبنا عليه أو على بناء المجهول أي إلا شئ صار مغصوبا عليه، يقال غصبه على الشئ أي قهره، و الاستثناء منقطع إن كان اللام للاستحقاق، وإن كان للانتفاع فالاستثناء متصل و " ذه " إشارة إلى المؤنث أصلها ذي قلبت الياء هاء " المغصوبين عليها " الحاصل أن " خالصة " حال مقدرة من قبيل قولهم: جاءني زيد صائدا صقره غدا. قال في مجمع البيان: قال ابن عباس يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا ثم يخلص الله


(1) الاستقاء (ظ).

[48]

الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شئ (1) (انتهى). ثم اعلم أنه عليه السلام ذكر في الاول ثمانية وإنما ذكر في التفصيل سبعة، فيحتمل أن يكون ترك واحدا منها لانه لم يكن في مقام تفصيل الجميع بل قال: منها سيحان - الخبر - وقيل: لما كان سيحان اسما لنهرين: نهر بالشام، ونهر بالبصرة، أراد هنا كليهما، من قبيل استعمال المشترك في معنييه، وهو بعيد، ولعله سقط واحد منها من الرواة، وكأنه كان " جيحان وجيحون " فظن بعض النساخ والرواة زيادة أحدهما فأسقطه وحينئذ يستقيم التفسير أيضا. فائدة: قال: النيسابوري في تفسير قوله تعالى " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ": قد سلف أن الماء المحيط (2) بأكثر جوانب القدر المعمور من الارض فذلك هو البحر المحيط، وقد دخل في ذلك الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط الشرقي ومنقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خليجات: الاول إذا ابتدأ من المغرب الخليج البربري لكونه في حدود بربر من أرض الحبشة، طوله من الجنوب إلى الشمال مأة وستون فرسخا وعرضه خمسة وثلاثون فرسخا، وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة. والثاني الخليج الاحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخا، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرق النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بعض بلاد البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول صلى الله عليه وآله لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز ثم سواحل اليمن ثم عدن على الذوابة الشرقية منه. الثالث: خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا، وعرضه قريب من مائة وثمانين فرسخا، وعلى سواحل ضلعه الغربي بلاد عمان، ولهذا ينسب البحر هناك إليها، وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا


(1) مجمع البيان: ج 4، ص 413. (2) محيط (ظ).

[49]

البحر والشرقي من الخليج الاحمر، فلهذا سميت العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة - زادها الله شرفا - وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس، ثم هرموز ثم مكران، ثم سواحل السند. الرابع الخليج الاخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال، ضلعه الشرقي بلاد فارس، ثم هرموز، ثم مكران متصل بالمحيط الشرقي وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريبا وعلى سواحل هذا الضلع ولايات الصين، ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الغربية إلي زاوية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولايتهم على سواحله. وأيضا فقد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد الروس والجلالقة والصقالبة إلى بلاد الروم [والشام] ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي " بلغار " يسمى بحر " ورنك " طوله المعلوم مائة فرسخ وعرضه ثلاث وثلاثون وإذا جاوز تلك النواحي امتد نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأرض غير مسكونة، وتتشعب (1) منه أيضا شعبة يسمى بحر طرابزون. فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط، وأما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الابواب والخزر وأبسيكون (2)، لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مأتين وخمسين فرسخا، ومن الجنوب إلى الشمال بقرب من مأتين. ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الاعظام والانواع والاصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها، فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة ألف وثلاثمأة وسبعون منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق، وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرانديب (3) دورها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الاحمر، وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن


(1) تنشعب (خ). (2) آبسكون (خ). (3) سرنديب (خ).

[50]

وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة " كله " التي يجلب منها الرصاص القلعي وجزيرة " سريرة " التي يجلب منها الكافور، وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج. وسئل بعض العقلاء: ما رأيت من عجائب البحر ؟ قال: سلامتي منه. تتمة: قالت الحكماء في سبب انفجار العيون من الارض: إن البخار إذا احتبس في داخل من الارض لما فيها من ثقب وفرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية، فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الارض أوجب انشقاق الارض وانفجرت منها العيون، أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها، أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء وفاض إلى وجه الارض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء ويفيض وهكذا استتبع كل جزء منه جزء آخر. وأما العيون الراكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من كثرة موادها وقوتها أن يحصل منها معاونة شديدة، أو يدفع اللاحق السابق. وأما مياه القنى (1) والآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن يشق الارض، فإذا ازيل ثقل الارض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة، فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر، وإن جعل فهو القناة، ونسبة القنى إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة، ويمكن أن تكون هذه المياه متولدة - كما قاله أبو - البركات البغدادي - من أجزاء مائية متولدة من أجزاء متفرقة في ثقب أعماق الارض ومنافذها إذا اجتمعت، بل هذا أولى لكون مياه العيون والآبار والقنوات تزيد بزيادة الثلوج والامطار. قال الشيخ في النجاة: وهذه الابخرة إذا انبعثت عيونا أمدت البحار بصب الانهار إليها، ثم ارتفع من البحار والبطائح والانهار وبطون الجبال خاصة أبخرة اخرى ثم قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلل منها على الدور دائما.


(1) القنى والقناء - بكسر القاف فيهما -: جمع القناة، وهى ما يحفر من الارض ليجرى فيها الماء.

[51]

(31) (باب) * (الارض وكيفيتها وما أعد الله للناس فيها وجوامع أحوال) * * (العناصر وما تحت الارضين) * الآيات: البقرة: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (1). الرعد: وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ابراهيم: الله الذي خلق السماوات والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتيكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار (3). الحجر: والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (4). النحل: هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون


(1) البقرة: 21 - 22. (2) الرعد: 3 - 4. (3) ابراهيم: 32 - 34. (4) الحجر: 19 - 20.

[52]

ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في الارض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون - إلى قوله تعالى - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (1). الكهف: إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (2). طه: له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (3). وقال تعالى: الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى (4). الانبياء: وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (5). الشعراء: أو لم يروا إلى الارض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (6). وقال تعالى. أتتركون فيما ههنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (7).


(1) النحل: 10 - 18. (2) الكهف: 7. (3) طه: 6. (4) طه: 53 - 55. (5) الانبياء: 31. (6) الشعراء: 7 - 8. (7) الشعراء: 144 - 149.

[53]

النمل: أم من خلق السموات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرهاءإله مع الله بل هم قوم يعدلون أم من جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (1). لقمان: خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (2). فاطر: ألم تر أن الله أنزل من السما ماء فأخرجنا به ثمرات مخلتفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (3). يس: وآية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (4). المؤمن: الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء (5). السجدة: ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير (6). حمعسق: ومن آياته خلق السموات والارض وما بث فيهما من دابة وهو على


(1) النمل: 60 - 61. (2) لقمان: 10 - 11. (3) فاطر: 27 - 28. (4) يس: 33 - 36. (5) المؤمن: 64. (6) فصلت: 39.

[54]

جمعهم إذا يشاء قدير (1). الزخرف: الذي جعل لكم الارض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (2). الجاثية: وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3). ق: والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (4). الذاريات: والارض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (5). الرحمن: والارض وضعها للانام فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان (6). الحديد: اعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (7). الطلاق: الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما (8). الملك: هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (9).


(1) الشورى: 29. (2) الزخرف: 10. (3) الجاثية: 13. (4) ق: 7 - 8. (5) الذاريات: 48 - 49. (6) الرحمن: 10 - 13. (7) الحديد: 17. (8) الطلاق: 12. (9) الملك: 15.

[55]

نوح: والله جعل لكم الارض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا (1). المرسلات: ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين (2). النبأ: ألم نجعل الارض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات الفافا (3). الطارق: والارض ذات الصدع (4). الغاشية: أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الارض كيف سطحت (5). الشمس: والارض وما طحيها (6). تفسير: " الذي خلقكم " قيل: إنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل اثنين من الانفس، وهما خلقهم وخلق اصولهم، وثلاثة من الآفاق: بجعل الارض فراشا، والسماء بناء، والامور الحاصلة من مجموعهما، وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر، لان أقرب الاشياء إلى الانسان نفسه، ثم مأمنه ومنشأه وأصله، ثم الارض التي هي مكانه ومستقره يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي كالقبة المضروبة والخيمة المبنية على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والاخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان ألوان الغذاء


(1) نوح: 19 - 20. (2) المرسلات: 25 - 28. (3) النبأ: 6 - 16. (4) الطارق: 12. (5) الغاشية: 17 - 20 (6) الشمس: 6.

[56]

وأنواع الثمار رزقا لبني آدم. وأيضا خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم وأما خلق الارض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الاصول مقدم على ذكر الفروع. وأيضا كل ما كان في السماء والارض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الانسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم. والفراش: اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحا مستويا كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك وعلى شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها، ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الافلاك، لان الاثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الارض في ما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لان ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فإذن لا حاجة في سكون الارض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها، وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره " إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ". ومما من الله على عباده في خلق الارض أن لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الابنية منها، ويتأتى حفر الآبار وإجراء الانهار. ومنها أن لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الانوار عليها وتتسخن منها فيمكن جوازها (1). ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها - وهو قريب من ربعها - أن لم تخلق صحيحة الاستدارة، بل خلقت هي والماء بمنزلة كرة واحدة، يدل على ذلك في ما بين الخافقين


(1) جوارها (خ)

[57]

تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على طلوعها وغروبها للمغربيين، وفي ما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين، إلى غير ذلك من الاعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر و راكب البحر، وهذه الجبال وإن شمخت لا تخرجها عن أصل الاستدارة، لانها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. ومنها الاشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها، ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الحاجات والاغراض " وفي الارض قطع متجاورات " ومنها اختلاف ألوانها " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ". ومنها انصداعها بالنبات " والارض ذات الصدع ". ومنها جذبها للماء المنزل من السماء " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض ". ومنها العيون والانهار العظام التي فيها " والارض مددناها " ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة، تأخذ واحدة وترد سبعمائة " كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة " ومنها حياتها وموتها " وآية لهم الارض الميتة أحييناها " ومنها الدواب المختلفة " وبث فيها من كل دابة " ومنها النباتات المتنوعة " وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر ومنها قوت البهائم " كلوا وارعوا أنعامكم " ومنها الطعام، ومنها الادام، ومنها الدواء ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والابريسم والجلود، ومنها الاحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للابنية، فانظر إلى الحجر الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الاحمر مع عزته وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير، وقلة النفع بهذا الخطير، ومنها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة. ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة، والصنائع الجليلة، واستخرجوا

[58]

السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، وعجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة، والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة، والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة، فلذلك ضرب الله دونهما بابا مسدودا، ومن ههنا اشتهر في الالسنة: من طلب المال بالكيمياء أفلس. ومنها ما يوجد على الجبال والاراضي من الاشجار الصالحة للبناء والسقف والحطب، وما اشتد إليه الحاجة في الخبز والطبخ، ولعل ما تركناه من الفوائد أكثر مما عددناه، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويبصر ويعتبر. واما منافع السماء: فان الله تعالى زينها بمصابيح " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " وبالقمر " وجعل القمر فيهن نورا " وبالشمس " وجعل الشمس سراجا " وبالعرش " رب العرش العظيم " وبالكرسي " وسع كرسيه السماوات والارض " وباللوح " في لوح محفوظ " وبالقلم " ن والقلم وما يسطرون ". وسماها سقفا محفوظا وسبعا طباقا، وسبعا شدادا، وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة، وغايات صحيحة " ربنا ما خلقت هذا باطلا " " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا " وجعلها مصعد الاعمال ومهبط الانوار، وقبلة الدعاء، ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الالوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الاشكال وهو المستدير ونجومها رجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعا وسهل معه التقلب لقضاء الاوطار في الاطراف، وغروبا يصلح معه الهدء والقرار في الاكناف، لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الاعضاء. و أيضا لولا الطلوع لا نجمدت المياه، وغلبت البرودة والكثافة، وأفضت إلى جمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الارض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة السراج يوضع لاهل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا، فصار النور والظلمة مع تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الارض.

[59]

وأما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا لاقامة الفصول الاربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويستكثف الهواء فيكثر السحاب والمطر. وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن، وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء وينور الشجر، ويهيج الحيوان للسفاد. وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، و تتحلل فضول الابدان، ويجف وجه الارض ويتهيأ للعمارة والزراعة. وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار، وتستعد الابدان قليلا قليلا للشتاء. وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها، وبه يعلم عدد السنين والحساب، وتضبط المواقيت الشرعية، ومنه يحصل النماء والرواء، وقد جعل الله في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة. يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر وقال: إن الله صورك ونورك، وعلى البروج دورك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كورك، فلا أعلم مزيدا أسأله لك، فإن أهديت إلي سرورا فقد أهدى الله إليك نورا. ثم أنشأ في ذلك أبياتا. وقال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والارض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح والانسان كما لك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية. ثم إنهم اختلفوا في أن السماء أفضل أم الارض، قال بعضهم: السماء أفضل لانها معبد الملائكة، وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم بالمعصية اهبط من الجنة وقال الله: لا يسكن في جواري من عصاني ! وقال تعالى " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " وقال " تبارك الذي جعل في السماء بروجا " وورد في الاكثر ذكر السماء مقدما على ذكر الارض. والسماوات مؤثرة والارضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر.

[60]

وقال آخرون: بل الارض أفضل، لانه تعالى وصف بقاعا من الارض بالبركة " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا " " في البقعه المباركة " " إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله " مشارق الارض ومغاربها التي باركنا حولها " يعنى أرض الشام، ووصف جملة الارض بالبركة " وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ". فإن قيل: أي بركه في المفاوز المهلكة ؟ قلت: إنها مساكن الوحوش ومراعيها ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى. فلهذه البركات قال " وفي الارض آيات للموقنين " تشريفا لهم، لانهم هم المنتفعون بها كما قال " هدى للمتقين " وخلق الانبياء منها " منها خلقناكم " وأودعهم فيها " وفيها نعيدكم " وأكرم نبيه المصطفى فجعل الارض كلها له مسجدا وطهورا. ومعنى إخراج الثمرات بالماء - وإنما خرجت بقدرته ومشيته - أنه جعل الماء سببا في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد، وهو قادر على إنشاء الاشياء بلا أسباب ومواد، كما أنشأ نفوس الاسباب والمواد، ولكن له في هذا التدريج والتسبيب حكما يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن لها من يعتبر. " ومن " في " من الثمرات " للتبعيض، كما أنه قصد بتنكير " ماء " و " رزقا " معنى البعضية، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم. ويجوز أن يكون للبيان، كقولك: أنفقت من الدراهم ألفا والند: المثل المناوي. " وأنتم تعلمون " حال من ضمير " فلا تجعلوا " ومفعول " تعلمون " مطروح، أي حالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي، فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات، منفرد بوجود الذات، متعال عن مشابهة المخلوقات. أو منوي، وهو: أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله. " وهو الذي مد الارض " قال الرازي: أي جعل الارض (1) بذلك المقدار المعين الحاصل لا أزيد ولا أنقص، والدليل عليه هو أن كون الارض أزيد مقدارا مما هو الآن أو أنقص منه أمر جائز، فاختصاصه بذلك المقدار المعين لابد وأن يكون


(1) في المصدر: مختصة بذلك..

[61]

بتخصيص مخصص، وبتقدير مقدر. وقال أبو بكر الاصم: المد البسط إلى ما يدرك منتهاه، أي جعل حجمها عظيما وإلا لما كمل الانتفاع بها. وقال قوم: كانت الارض مدورة فمدها ودحاها من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا. وهذا إنما يتم إذا كانت الارض مسطحة لا كرة، وهو خلاف ما ثبت بالدليل. ومد الارض لا ينافي كونها كرة، ولان الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح (1). " وجعل فيها رواسي " أي جبالا ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أمكنتها. والاستدلال بها على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه: الاول أن طبيعة الارض طبيعة واحدة، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لابد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم. قال (2) الفلاسفة: هذه الجبال إنما تولدت لان البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكان يتولد من البحر طين لزج. ثم يقوى تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما نشاهد في كوز الفقاع. ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال. قالوا: وإنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لان أوج الشمس وحضيضها متحركان، ففي الدهر الاقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال، والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الارض فكان التسخين أقوى، وشدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال، والآن لما انتقل الاوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب، فبقيت هذه الجبال في الشمال هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه: الاول: أن حصول الطين في البحر أمر عام، فلم حصل الجبل في بعض الجوانب دون بعض (3) ؟. الثاني: هو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الاحجار موضوعة سافا (4)


(1) مفاتيح الغيب: ج 19، ص 2 (ملخصا). (2) في المصدر: قالت. (3) في المصدر: البعض. (4) الساف والسافة - بالفاء: الصف من الطين واللبن.

[62]

فسافا، كأن البناء بناه من لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض، ويبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه. الثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان، فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريبا من تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير إن الجبال كانت في هذه المدة الطويلة في التفتت، فوجب أن لا يبقى من الاحجار شئ، لكن ليس الامر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف. والوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة، ومواضع الجواهر النفيسة، وقد يحصل منها معادن الزاجات والاملاح، وقد تحصل معادن النفط والقير والكبريت، فكون الارض واحدة في الطبيعة وكون الجبل واحدا في الطبيعة (1) وكون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل دلالة ظاهرة على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة الممكنات والمحدثات. والوجه الثالث أن بسببها تتولد الانهار على وجه الارض، وذلك لان الحجر جسم صلب، فإذا تصاعدت الابخرة من قعر الارض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك ولا يزال يتكامل الامر (2) فيحصل تحت الجبال مياه كثيرة، ثم إنها لكثرتها وقوتها تنقب (3) وتخرج وتسيل على وجه الارض، فمنفعة الجبال في تولد الانهار هو من هذا الوجه، ولهذا السبب في أكثر الامر أينما ذكر الله تعالى الجبال قرن بها ذكر الانهار مثل هذه الآية ومثل قوله " وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ". ثم استدل سبحانه بعجائب خلقة النبات بقوله " ومن كل الثمرات - الخ - فإن الحبة إذا وقعت (4) في الارض وأثرت فيها نداوة الارض ربت وكبرت، وبسبب


(1) في المصدر: الطبع. (2) في المصدر: فلا تزال تتكامل فيحصل.. (3) فيه: تثقب. (4) فيه: وضعت.

[63]

ذلك ينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من الشق الاعلى الشجرة الصاعدة، ومن الشق الاسفل العروق الغائصة في أسفل الارض. وهذا من العجائب (1) ان طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والافلاك والكواكب فيها واحد، ثم إنه خرج من الجانب الاعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء، ومن الجانب الاسفل منه جرم غائص في الارض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك كان بسبب تدبير المدبر الحكيم والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية. ثم إن الشجرة النابتة في تلك الحبة بعضها يكون خشبة، وبعضها نورا، وبعضها ثمرة. ثم إن تلك الثمرة أيضا تحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور: القشر الاعلى، وتحته القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة باللب، وتحت تلك القشرة قشرة اخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز واللوز رطبا. وأيضا فقد تحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة، فالاترج قشره حار يابس، ولحمه حار رطب، وحماضه بارد يابس، وبذره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان، ولحمه وماؤه حار رطب (2)، فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الانجم والافلاك لابد وأن يكون لاجل الحكيم القديم (3). والمراد بزوجين اثنين صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو و الحامض، أو الطبيعة كالحار والبارد، أو اللون كالابيض والاسود. وفائدة قوله " اثنين " بيان أن كل نوع حصل من فردين كالانسان من آدم وحواء، وهكذا. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " إنما قال ذلك لان الفلاسفة يسندون الحوادث إلى اختلافات الاشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لايتم المقصود، ودفعه بوجهين: الاول أنه إن سلمنا جوار ذلك فلابد من استناد


(1) فيه: لان. (2) في المصدر: حاران رطبان. (3) فيه: لاجل تدبير الحكيم القادر القديم.

[64]

الافلاك وأوضاعها إلى واجب الوجود بالذات القادر الحكيم، والثاني ما يذكر في الآيات الآتية حيث قال " وفي الارض قطع متجاورات - الآية - " وتقريره من وجهين: الاول أنه حصل في الارض قطع مختلفة بالطبيعة وهي مع ذلك متجاورة، فبعضها تكون سبخة وبعضها حرة، وبعضها صلبة وبعضها حجرية أو رملية وبعضها طينا لزجا ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع على السوية، ودل هذا على اختلافها في صفاتها بتقدير المقدر العليم. والثاني أن القطعة الواحدة من الارض تسقى بماء واحد يكون تأثير الشمس فيها متشابها (1)، ثم إن تلك الثمار تجيئ مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقودا من العنب وتكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا الحبة الواحدة فإنها بقيت حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والافلاك إلى الكل على السوية بل نقول ههنا ما يعد أعجب منه، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة والوجه الثاني في غاية السواد، مع أن ذلك الورد في غاية الرقة والنعومة، فيستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتقدير الفاعل المختار، لا بسبب الاتصالات الفلكية، وهو المراد من قوله تعالى " يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل " فبهذا تمت الحجة، فإن هذه الحوادث السفلية لابد لها من مؤثر وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والافلاك والطبائع، فعند هذا يجب القطع بأنه لابد من فاعل مختار آخر سوى هذه الاشياء، فعند هذا يتم الدليل ولا يبقى بعده للتفكر مقام، فلهذا قال ههنا " إن في ذلك لقوم يعقلون " لان لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال إنها حدثت لا لمؤثر ولا يقوله عاقل. والجنة: البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع، والصنوان: جمع صنو، مثل قنوان وقنو، والصنو أن يكون الاصل واحدا وتنبت منه النخلتان والثلاثة وأكثر، فكل واحد صنو، وعن ابن الاعرابي: الصنو: المثل، أي متشابهة وغير متشابهة وعن الزجاج: الاكل: الثمر الذي


(1) في المصدر: متساويا.

[65]

يؤكل، وعن غيره: الاكل: المهيا للاكل (1). و " الله الذي خلق السماوات والارض " مبتدأ وخبر. " وسخر لكم الفلك " امتن على عباده بتسخير الفلك، لان انتفاع العباد يتوقف (2) عليها، لانه تعالى خص كل طرف من أطراف الارض بنوع آخر من النعمة، حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الارض أو بالعكس كثر الربح في التجارات، ولا يمكن هذا إلا بسفن البر وهي الجمال، أو بسفن البحر وهي الفلك. ونسبة التسخير إلى نفسه لانه سبحانه خلق الاشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن، ولولا خلقه الحديد وسائر الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتخذونه، ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة (3) التي باعتبارها يصح جري السفينة، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها، ولولا أنه وسع الانهار وجعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن، فصار لاجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الاحوال وهو المدبر لهذه الامور والمسخر لها حسنت إضافته إليه. وأضاف التسخير إلى أمره لان الملك العظيم قل ما يوصف أنه فعل، وإنما يقال فيه: إنه أمر بكذا، تعظيما لشأنه. " وسخر لكم الانهار " لما كان ماء البحر قل ما ينتفع في الزراعات لعمقه و ملوحته ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الانهار والعيون، حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع والنباتات، وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب. " وآتيكم من كل ما سألتموه " قيل: أي بلسان حالكم بحسب استعداداتكم وقابلياتكم " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " قال الرازي: اعلم أن الانسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع فعليه أن يتأمل في شئ واحد ليعرف عجز نفسه. ونحن نذكر منه مثالين: المثال الاول: أن الاطباء ذكروا أن الاعصاب قسمان: منها دماغية، ومنها


(1) مفاتيح الغيب: ج 19، ص 3 - 8 (ملخصا ونقلا بالمعنى). (2) في المصدر: انما يكمل بوجود الفلك.. (3) في المصدر السيلان.

[66]

نخاعية، أما الدماغية فإنها سبعة، ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الارواح السبعة، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من تلك الارواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة، وكل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب دقيقة أدق من الشعر، ولكل واحد منها ممر إلى الاعضاء، ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية والكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية. ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جدا، ولكل واحد منها حكمة مخصوصة، فإذا نظر الانسان في هذا المعنى عرف أن لله بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه، وعرف قطعا أنه لا سبيل له إلى الوقوف عليها و الاطلاع على أحوالها، وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والاوردة في كل واحد من الاعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والانفعال، وأقسام هذا الباب بحر لا يساحل. وإذا اعتبرت هذا في بدن الانسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وفي روحه، فإن عجائب عالم الارواح أكثر من عجائب عالم الاجساد. ثم لما اعتبرت حال الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الافلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلا واحدا، ثم بذلك العقل يتأمل الانسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الاشياء لما أدرك منها إلا القليل ! فسبحانه وتقدس عن أوهام المتوهمين. المثال الثاني: أنه إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وما بعدها، أما الامور التي قبلها أن (1) تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الاصوب، لان الحنطة لا بد منها، وإنها لا تنبت إلا بمعونة الفصول الاربعة وتركيب الطبائع وظهور الارياح والامطار، ولا يحصل شئ منها إلا بعد دوران الافلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة


(1) في المصدر: فاعرف أن...

[67]

في الحركات، وفي كيفيتها في الجهة، وفي السرعة والبطء، ثم بعد تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال. ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات اخرى حديدية سابقة عليها ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات، فتأمل أنها كيف تكونت على الاشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الاربعة - وهي الارض والماء والهواء والنار - حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق. فهذا هو النظر في ما تقدم على هذه اللقمة ! أما النظر في ما بعد حدوثها فتأمل في تركيب بدن الحيوان، وهو أنه تعالى كيف خلق هذه الابدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان في الاكل (1) وفي أي الاعضاء تحدث تلك المضار، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الاشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية. فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة هذه الامور، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث، فظهر بالبراهين (2) الباهرة صحة قوله تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (3) (انتهى كلامه). وأقول: يمكن سلوك طريق آخر في ذلك أدق وأوسع مما ذكره، بأن يقال: بعد أن عرفت النعم التي على إنسان واحد كزيد مثلا من السماوات والكواكب والعرش والكرسي وجميع الارضيات فإن لها جميعا مدخلا في وجوده وبقائه و نموه فنقول: جميع هذه النعم متعلقة بعمرو أيضا لمدخليتها في وجوده وبقائه أيضا، وكل هذه أيضا نعمة لزيد لتوقف وجود زيد وبقائه على وجود عمرو لكون الانسان مدنيا بالنوع، وكذا بالنسبة إلى بكر وخالد، وكذا كل نعمة لله على كل حيوان من الحيونات التي لها مدخل في نظام أحوال الانسان فهي نعمة على زيد مرة


(1) فيه: بالاكل. (2) في المصدر: بهذا البرهان القاهر. (3) مفاتيح الغيب: ج 19، ص 129 - 130.

[68]

بذاته، ومرة باعتبار كونها نعمة على كل واحد واحد من أفراد البشر، لمدخلية وجودهم في وجوده ونظام أحواله، فيضرب عدد تلك النعم في عدد الاشخاص والحيوانات مرات لا تتناهى. ثم لما كان وجود زيد موقوفا على وجود أبويه فكل نعمة على كل من أبويه وعلى كل من كان في عصر أبويه نعمة عليه، وكذا كل نعمة على والدي بكر وخالد نعمة عليه لتوقف وجوده وبقائه ونظام أحواله على وجود بكر، ووجوده متوقف على وجود والديه ووجودهما وبقاؤهما وسائر امورهما متوقفة على جميع النعم على أهل عصرهما، فمن هذه الجهة أيضا جميعها نعمة عليه، فيضرب جميع هذه الاعداد الغير المتناهية في جميع تلك الاعداد الغير المتناهية مرات غير متناهية ! ثم ننقل الكلام في كل عصر من الاعصار وآباء كل منهم إلى أن ينتهي إلى آدم وحواء عليهما السلام ويضرب كل من تلك المراتب في ما حصل من المراتب السابقة، وهذا حساب لا يحيط به علم البشر، ولو اجتمع جميع المحاسبين من الثقلين وأرادوا استيفاء حساب مرتبة من هذا المراتب لا يقدرون عليه، مع أن كل قطرة من قطرات البحار وكل ذرة من ذرات الجو والارض نعمة على كل شخص من الاشخاص. فسبحان من لا يقدر على إحصاء شعبة واحدة من شعب نعمه الغير المتناهية إلا هو ! وله الحمد بعدد كل نعمة له علينا وعلى كل خلق من مخلوقاته. " إن الانسان لظلوم " يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان " كفار " شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. " من كل شئ موزون " قيل: أي بميزان الحكمة، ومقدر بقدر الحاجة وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فاطلق اسم السبب على المسبب. وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة، وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها. وقيل: أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة، يقال كلام موزون أي متناسب، وفلان موزون الحركات. وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

[69]

" وجعلنا لكم فيها " أي في الارض، أو في الجبال، أو في تلك الموزونات " معايش " ما يتوصل به إلى المعيشة " ومن لستم له برازقين " عطف على محل " لكم " أو على " معايش " أي وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء والسادات والمخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول من الانعام والدواب والوحوش والطير، كقوله " و ما من دابة إلا على الله رزقها ". " ينبت لكم به الزرع " الذي هو الغذاء الاصلي " والزيتون " الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن " والنخيل والاعناب " اللتين هما أشرف الفواكه، ثم أشار إلى سائر الثمرات بقوله " ومن كل الثمرات " قال الزمخشري: إنما لم يقل: وكل الثمرات، لان كلها لا تكون إلا في الجنة. وقيل: قدم الغذاء الحيواني في قوله سبحانه " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون " على الغذاء النباتي لان النعمة فيه أعظم لانه أسرع تشبها ببدن الانسان، وفي ذكر الغذاء النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الانسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الاخلاق، وهو أن يكون اهتمام الانسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه. " وما ذرأ لكم في الارض " أي خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك " مختلفا ألوانه " فإن ذرء هذه الاشياء على حالة اختلاف الالوان والاشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها آية على وجود الصانع تعالى شأنه. " رواسي " أي جبالا ثوابت " أن تميد بكم " أي كراهة أن تميد بكم وتضطرب " وأنهارا " أي وجعل فيها أنهارا، لان " ألقى " فيه معناه " وسبلا لعلكم تهتدون " لمقاصدكم أو إلى معرفة الله " وعلامات " أي معالم تستدل بها السابلة من جبل ومنهل وريح ونحو ذلك " وبالنجم هم يهتدون " بالليل في البراري والبحار " إن الله لغفور " حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها " رحيم " لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم

[70]

بالعقوبة على كفرانها. " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها " قيل: ما على الارض، المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيونات، وأشرفها الانسان، وقيل: لا يدخل المكلف فيه، لان ما على الارض ليس زينة لها على الحقيقة، وإنما هو لاهلها لغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجا عن الزينة " لنبلوهم أيهم أحسن عملا " في تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بالكفاف. " له ما في السماوات " قال الرازي: مالك لما في السماوات من ملك ونجم وغيرهما ومالك لما في الارض من المعادن والفلزات، ومالك لما بينهما من الهواء، ومالك لما تحت الثرى. فإن قيل: الثرى هو السطح الاخير من العالم فلا يكون تحته شئ فكيف يكون الله تعالى مالكا له ؟ قلنا: الثرى في اللغة هو التراب الندي، فيحتمل أن تكون تحته شئ، فهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات (1) (انتهى). وقال الطبرسي - ره -: الثرى التراب الندي، يعني: وما وارى الثرى من كل شئ، وقيل: يعنى ما في ضمن الارض من الكنوز والاموات (2). " الذي جعل لكم الارض مهدا " أي كالمهد تتمهدونها " وسلك لكم فيها سبلا " أي وحصل لكم فيها سبلا بين الجبال والاودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. " وأنزل من السماء ماء " أي مطرا " فأخرجنا به " قيل: عدل من لفظ الغيبة إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الاشياء المختلفة بمشيته. " أزواجا " أي أصنافا " من نبات " بيان وصفة ل‍ " أزواجا " وكذلك " شتى " ويحتمل أن يكون صفة للنبات، فإنه من حيث إنه مصدر في الاصل يستوي فيه الواحد والجمع وهو جمع " شتيت " كمريض ومرضى، أي متفرقات في الصور والاعراض والمنافع


(1) مفاتيح الغيب: ج 22، ص 8. (2) مجمع البيان ج 7، ص 2.

[71]

يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم، فلذلك قال " كلوا وارعوا أنعامكم " وهو حال من ضمير " فأخرجنا " على إرادة القول، أي أخرجنا أصناف النبات قائلين: كلوا وارعوا [أنعامكم] والمعنى: معديها لانتفاعكم بالاكل والعلف آذنين فيه " لاولي النهى " أي لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح، جمع نهية، وعن الصادق عليه السلام: نحن اولوا النهى. وعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خياركم اولوا النهى، قيل: يا رسول الله ! ومن اولوا النهى ؟ قال: هم اولوا الاخلاق الحسنة والاحلام الرزينة، وصلة الارحام، والبررة بالامهات والآباء والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون. " منها خلقناكم " فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم، وأول مواد أبدانكم وسيأتي وجه آخر في الخبر إن شاء الله. " وفيها نعيدكم " بالموت وتفكيك الاجزاء " ومنها نخرجكم تارة اخرى " بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الارواح فيها. " وجعلنا فيها " أي في الارض، أو في الرواسي " فجاجا سبلا " مسالك واسعة، و إنما قدم " فجاجا " وهو وصف له ليصير حالا يدل على أنه حين خلقها كذلك، أو ليبدل منها " سبلا " فيدل ضمنا على أنه خلقها ووسعها للسابلة، مع ما يكون فيه من التأكيد " لعلهم يهتدون " إلى مصالحهم. " أولم يروا إلى الارض " أي أولم ينظروا في عجائبها ؟ " من كل زوج كريم " أي محمود كثير المنفعة، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى. قيل: وههنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة، وأن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا وله فائدة إما وحده أو مع غيره. و " كل " لاحاطة الازواج، و " كم " لكثرتها. " إن في ذلك " أي في إثبات (1) تلك الاصناف، أو في كل واحد " لآية " على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة.


(1) انبات (ظ).

[72]

" أتتركون " إنكار لان يتركوا كذلك، أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم و أسباب تنعمهم آمنين، ثم فسر بقوله " في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم " أي لطيف لين، للطف التمر، أو لان النخل انثى وطلع إناث النخل ألطف وهو يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، أو متدل منكسر من كثرة الحمل " فارهين " أي حاذقين، أو بطرين. " حدائق ذات بهجة " أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه ولم يقل: ذوات بهجة، لانه أراد تأنيث الجماعة، ولو أراد تأنيث الاعيان لقال: ذوات... " قوم يعدلون " أي يشركون بالله غيره " قرارا " أي مستقرا لا تميل ولا تميد بأهلها " وجعل خلالها " أي في وسط الارض وفي مسالكها ونواحيها " أنهارا " جارية ينبت بها الزرع ويحيى به الخلق " وجعل لها رواسي " أي ثوابت اثبتت بها الارض " وجعل بين البحرين حاجزا " أي مانعا من قدرته بين العذب والمالح، فلا يختلط أحدهما بالآخر " مختلفة ألوانها " قيل: أي أجناسها، أو أوصافها على أن كلا منها لها أصناف مختلفة أو هيآتها من الصفرة والخضرة ونحوهما. " من الجبال جدد " أي ذو جدد وخطوط وطرائق، يقال: جدة الحمار، للخطة السوداء على ظهره " مختلف ألوانها " بالشدة والضعف " وغرابيب سود " عطف على " بيض " أو على " جدد " كأنه قيل: ومن الجبال ذو جدد مختلف اللون، ومنها غرابيب متحدة اللون، وهو تأكيد مضمر يفسره، فإن الغربيب تأكيد للاسود وحق التأكيد أن يتبع المؤكد. " مختلف ألوانه كذلك " أي كاختلاف الثمار والجبال. " إنما يخشى الله من عباده العلماء " إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه " إن الله عزيز غفور " تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه. " وأخرجنا منها حبا " المراد جنس الحب " فمنه يأكلون " قيل: قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به " من نخيل وأعناب " أي من أنواع النخل والعنب " من العيون " أي شيئا من العيون، و " من " مزيدة عند الاخفش " من ثمره " أي من ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل: الضمير لله عليه طريقة الالتفات، و

[73]

الاضافة إليه لان الثمر مخلوقه " وما عملته أيديهم " عطف على الثمر، والمراد ما يتخذ منه العصير والدبس ونحوهما، وقيل: " ما " نافية، والمراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم " أفلا يشكرون " أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه. " خلق الازواج كلها " أي الانواع والاصناف " مما تنبت الارض " من النبات والشجر " ومن أنفسهم " الذكر والانثى " ومما لا يعلمون " أي وأزواجا مما لم يطلعهم الله عليه ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته. " ترى الارض خاشعة " أي يابسة متطأمنة، مستعار من الخشوع بمعنى التذلل " اهتزت " أي تحركت بالنبات " وربت " أي انتفخت وارتفعت قبل أن تنبت، وقيل اهتزت بالنبات وربت بكثرة ريعها. " وما بث " عطف على السماوات أو الخلق " من دابة " قيل: أي من حي على إطلاق اسم السبب على المسبب، أو مما يدب على الارض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة " إذا يشاء " أي في أي وقت يشاء " قدير " متمكن منه. " وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا " بأن خلقها نافعة لكم " منه " حال من " ما " أي سخر هذه الاشياء كائنة منه، أو خبر لمحذوف أي هي جميعا منه، أو لما في السماوات و " سخر لكم " تكرير للتأكيد، أو لما في الارض. " من كل زوج بهيج " أي من كل صنف حسن " لكل عبد منيب " أي راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه. " والارض فرشناها " أي مهدناها ليستقروا عليها " فنعم الماهدون " أي نحن " ومن كل خلقنا زوجين " أي نوعين " لعلكم تذكرون " فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل الانقسام والتعدد. وروي عن الرضا عليه السلام في خطبة طويلة قد تقدم في كتاب التوحيد مشروحا: وبمضادته بين الاشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الاشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة واليبس بالبلل، والخشن باللين، والصرد بالحرور، مؤلفا بين متعادياتها، مفرقا بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله " ومن كل

[74]

شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ". " والارض وضعها " أي حفظها مدحوة " للانام " للخلق، وقيل: الانام كل ذي روح " فيها فاكهة " أي ضروب مما يتفكه به " والنخل ذات الاكمام " هي أوعية التمر جمع " كم " أو كل ما يكم أي يغطى من ليف وسعف وكفرى (1) فإنه ينتفع به كالمكموم وكالجذع. " والحب " كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به " ذوالعصف " هو ورق النبات اليابس كالتين " والريحان " يعني المشموم، أو الرزق من قولهم: خرجت أطلب ريحان الله وعن الرضا عليه السلام " والارض وضعها للانام " قال: للناس " فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام " قال: يكبر ثمر النخل في القمع ثم يطلع منه. قوله " والحب ذو العصف والريحان " قال: الحب الحنطة والشعير والحبوب، والعصف التين، و الريحان ما يؤكل منه. " فبأي آلاء ربكما تكذبان " المخاطبة للثقلين، وفي الحديث أنه في الباطن مخاطبة للاولين، والمعنى: فبأي النعمتين تكفران بمحمد أم بعلي ؟ وفي خبر آخر: بالنبي أم بالوصى ؟. " ومن الارض مثلهن " قال الطبرسي - ره -: وفي (2) الارض خلق مثلهن في العدد لا في الكيفية، لان كيفية السماء مخالفة لكيفية الارض، وليس في القرآن آية تدل على أن الارضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية، ولا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء، وأما الارضون فقال قوم: إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات، لانها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة، وفي كل أرض خلق خلقهم الله تعالى كيف شاء، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينهن البحار، وتظل جميعهن السماء والله سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه واشتبه على خلقه. وقد روى العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: بسط كفيه ثم وضع اليمنى عليها فقال: هذه الارض الدنيا والسماء


(1) كفرى - بضم الاولين وفتحهما وكسرهما وتشديد الراء المفتوحة -، وعاء طلع النخل. (2) كذا في نسخ الكتاب، وفى المجمع: وخلق من الارض مثلهن..

[75]

الدنيا عليها قبة، والارض الثانية فوق سماء (1) الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة، و الارض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبة، حتى ذكر الرابعة و الخامسة والسادسة فقال: والارض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبة، وعرش الرحمن فوق السماء السابعة، وهو قوله " سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن " وإنما صاحب الامر النبي صلى الله عليه واله وهو على وجه الارض وإنما ينزل (2) الامر من فوق من بين السماوات والارضين، فعلى هذا يكون المعنى: تتنزل الملائكة بأوامره إلى الانبياء، وقيل: معناه ينزل (3) الامر بين السماوات و الارضين من الله سبحانه بحيوة بعض وموت بعض، وسلامة حي وهلاك آخر، وغنى إنسان وفقر آخر، وتصريف الامور على الحكمة (4) (انتهى). وقال الرازي: قال الكلبي: خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض مثل القبة " ومن الارض مثلهن " في كونها طبقات (5) متلاصقة كما هو المشهور أن الارض ثلاث طبقات: طبقة أرضية محضة، وطبقة طينية وهي غير محضة، وطبقة منكشفة بعضها في البر وبعضها في البحر وهي المعمورة. ولا يبعد من قوله " ومن الارض مثلهن " كونها سبعة أقاليم على (6) سبع سماوات وسبعة كواكب فيها وهي السيارة، فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل أقاليم الارض، فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل، وما عداها من الوجوه المنقولة من أهل التفسير فمما يأباه العقل مثل ما يقال: السماوات السبع أولها موج مكفوف وثانيها صخر، وثالثها حديد، ورابعها نحاس، وخامسها فضة، وسادسها ذهب، و سابعها ياقوت، وقول من قال: بين كل واحدة منها وبين الاخرى مائة (7) عام وغلظ


(1) في بعض النسخ وفى المصدر: السماء. (2 و 3) في المصدر: يتنزل. (4) مجمع البيان: ج 10، ص 310. (5) في المصدر: طباقا. (6) فيه: على حسب.. (7) فيه: خمسمائة سنة.

[76]

كل واحد منها كذلك، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق ويمكن أن يكون أكثر من ذلك، والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو (1) (انتهى). واقول: وقد مر بعض الوجوه في الارضين السبع في باب الهواء. " لتعلموا " علة الخلق، أو يتنزل (2) أو يعمها، فإن كلا منهما يدل على كمال قدرته وعلمه. " ذلولا " قيل: أي لينة فسهل (3) لكم السلوك فيها " فامشوا في مناكبها " أي في جوانبها وجبالها، وهو مثل لفرط التذليل، فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له، فإذا جعل الارض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شئ لم يتذلل. " وكلوا من رزقه " أي والتمسوا من نعم الله " وإليه النشور " أي المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم. " بساطا " أي مبسوطة ليمكنكم المشي عليها والاستقرار فيها. " سبلا فجاجا " أي طرقا واسعة، وقيل: طرقا مختلفة، عن ابن عباس، وقيل: سبلا في الصحاري، وفجاجا في الجبال. " كفاتا " قال الطبرسي - ره -: كفت الشئ يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه، و منه الحديث " اكفتوا صبيانكم " أي ضموهم إلى أنفسكم، ويقال للوعاء كفت وكفيت قال أبو عبيد: كفاتا أي أوعية. والمعنى: جعلنا الارض كفاتا للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتا في بطنها أي تحوزهم وتضمهم. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه نظر إلى الجبانة (4) فقال: هذه كفات الاموات، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء. وقوله " أحياء وأمواتا " أي منها ما ينبت و منها مالا ينبت، فعلى هذا يكون أحياء وأمواتا نصبا على الحال، وعلى القول الاول على المفعول به. " رواسي شامخات " أي جبالا ثابتة عالية " وأسقيناكم ماء فراتا " أي


(1) مفاتيح الغيب: ج 30، ص 40 (2) التنزل (ظ). (3) كذا، والاظهر " يسهل ". (4) الجبانة - بتشديد الباء الموحدة من تحت -: المقبرة.

[77]

وجعلنا لكم سقيا من الماء العذب، عن ابن عباس. " ويل يومئذ للمكذبين " بهذه النعم وأنها من جهة الله (1). " مهادا " أي وطاء وقرارا ومهيأ للتصرف فيه من غير أذية، والمصدر بمعنى المفعول، أو الحمل على المبالغة، أو المعنى ذات مهاد. " وخلقناكم أزواجا " أي أشكالا كل واحد شكل للآخر، أو ذكرانا وإناثا حتى يصح منكم التناسل ويتمتع بعضكم ببعض، أو أصنافا أبيض وأسود، وصغيرا وكبيرا، إلى غير ذلك. " وجعلنا نومكم سباتا " أي راحة ودعة لاجسادكم، أو قطعا لاعمالكم وتصرفكم أي سباتا ليس بموت على الحقيقة ولا مخرج عن الحياة والادراك " وجعلنا الليل لباسا " أي غطاء وسترة يستر كل شئ بظلمته وسواده. " وجعلنا النهار معاشا " أي مطلب معاش، أو وقت معاشكم. وبنينا فوقكم سبعا شدادا " أي سبع سماوات محكمة أحكمنا صنعها وأوثقنا بناءها. " وجعلنا سراجا وهاجا " يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلالئا بالنور يستضيئون بها. وقيل: الوهج مجمع (2) النور والحر. " و أنزلنا من المعصرات " أي من الرياح ذات الاعاصير، وذلك أن الريح يستدر المطر. وقيل: المعصرات السحائب إذا اعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولهم أحصد الزرع، أي حان له أن يحصد " ماء ثجاجا " أي منصبا بكثرة " لنخرج به حبا ونباتا " فالحب كل ما تضمنه كمام الزرع الذي يحصد، والنبات الكلا من الحشيش والزروع ونحوها، قيل: حبا يأكله الناس، ونباتا تنبته الارض مما تأكله الانعام " وجنات ألفافا " أي بساتين ملتفة بالشجر، أو بعضها ببعض، وإنما سميت جنة لان الشجر تجنها أي تسترها. " ذات الصدع " أي ما يتصدع عنه الارض من النبات، أو الشق بالنبات والعيون. أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت " خلقا دالا على كمال قدرته وحسن


(1) مجمع البيان: ج 10، ص 417 (ملخصا). (2) يجمع (خ).

[78]

تدبيره، حيث خلقها لجر الثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة، باركة للحمل ناهضة به، منقادة لمن اقتادها، طوال الاعنان لتنوء بالاوقار، ترعى كل نابت، وتحمل العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتى لها قطع البراري والمفاوز مع مالها من منافع اخر فلذا خصت بالذكر، ولانها أعجب ما عند العرب من هذا النوع. وقيل: المراد بها السحاب على الاستعارة. " وإلى السماء كيف رفعت " بلا عمد " وإلى الجبال كيف نصبت " فهي راسخة لا تميل " وإلى الارض كيف سطحت " أي بسطت حتى صارت مهادا. " وما طحيها " أي ومن طحيها، أو مصدرية، وطحوها تسطيحها وبسطها. 1 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق في ما سأل أبا عبد الله عليه السلام: فقال النهار قبل الليل ؟ فقال: نعم، خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر، والارض قبل السماء، ووضع الارض على الحوت، والحوت في الماء والماء في صخرة مجوفة. والصخرة على عاتق ملك، والملك على الثرى، والثرى على الريح (1) والريح على الهواء، والهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلا الهواء والظلمات، ولا وراء ذلك سعة ولا ضيق ولا شئ يتوهم، ثم خلق الكرسي فحشاه السماوات والارض، والكرسي أكبر من كل شئ خلق (2)، ثم خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي (3). 2 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن علي بن مهزيار، عن علا المكفوف عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الارض على أي شئ هي ؟ قال الحوت، فقيل له: فالحوت على أي شئ هو ؟ قال: على الماء، فقيل له: فالماء على أي شئ هو ؟ قال: على الثرى، قيل له: فالثرى على أي شئ هو ؟ قال: عند ذلك انقضى علم العلماء (4).


(1) في المصدر: الريح العقيم. (2) في المصدر: خلقه الله. (3) الاحتجاج: 193. (4) تفسير القمى: 418.

[79]

3 - ومنه: عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبان بن تغلب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الارض على أي شئ هي ؟ قال: على الحوت، قلت: فالحوت على أي شئ هو ؟ قال: على الماء قلت: فالماء على أي شئ هو ؟ قال: على الصخرة، قلت: فالصخرة على أي شئ هي ؟ قال: على قرن ثور أملس، قلت: فعلى أي شئ الثور ؟ قال: على الثرى، قلت: فعلى أي شئ الثرى ؟ فقال: هيهات ! عند ذلك ضل علم العلماء (1). الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب مثله (2). بيان: الاملس: الصحيح الظهر، ولعل المراد هنا أنه لم يلحقه من هذا الحمل دبر وجراحة في ظهره. وفي القاموس: الثرى: الندى، والتراب الندي أو الذي إذا بل لم يصر طينا، والخير (انتهى). " ضل علم العلماء " أي غير المعصومين أو المراد بالعلماءهم، والمعنى أنهم امروا بكتمانه عن سائر الخلق فكأنه ضل علمهم عن الخلق وقد يقال: المراد بالثرى هنا الخير الكامل يعني القدرة، فإن استقرار جميع الاشياء على قدرة الله تعالى، وقيل: المراد بالثرى هنا ما هو منتهى الموجودات، ولما كان تعقل النفي الصرف صعبا على الافهام قال: عند ذلك ضل علم العلماء، لالف الناس بالابعاد القارة وجسم خلف جسم، ولذا ذهب بعض المتكلمين إلى أبعاد موهومة غير متناهية وقالوا بالخلا. 4 - التفسير: عن أبيه، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: أخبرني عن قول الله " والسماء ذات الجبك " فقال: هي محبوكة إلى الارض - وشبك بين أصابعه - فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الارض والله يقول " رفع السماوات بغير عمد ترونها " ؟ فقال: سبحان الله ! أليس يقول " بغير عمد ترونها " ؟ قلت: بلى فقال: فثم عمد ولكن لاترونها. قلت: كيف ذلك جعلني الله فداك ؟ قال: فبسط


(1) تفسير القمى: 418. (2) الكافي: ج 8، ص 89.

[80]

كفه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها، فقال: هذه أرض الدنيا، والسماء الدنيا عليها (1) فوقها قبة ; والارض الثانية فوق السماء الدنيا، والسماء الثانية فوقها قبة ; والارض الثالثة فوق السماء الثانية، والسماء الثالثة فوقها قبة، والارض الرابعة فوق السماء الثالثة، والسماء الرابعة فوقها قبة ; والارض الخامسة فوق السماء الرابعة، والسماء الخامسة فوقها قبة ; والارض السادسة فوق السماء الخامسة، والسماء السادسة فوقها قبة ; والارض السابعة فوق السماء السادسة، والسماء السابعة فوقها قبة ; وعرش الرحمان تبارك وتعالى فوق السماء السابعة وهو قول الله " الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن " فأما صاحب الامر (2) فهو رسول الله صلى الله عليه واله والوصي بعد رسول الله صلى الله عليه واله قائم هو على وجه الارض، فإنما ينزل الامر إليه من فوق السماء من بين السماوات والارضين، قلت: فما تحتنا إلا أرض واحدة ؟ فقال: ما تحتنا إلا أرض واحدة، وإن الست لهن (3) فوقنا (4). العياشي: عن الحسين بن خالد مثله. بيان: قال الفيروز آبادي: " الحبك " الشد والاحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب، يحبكه ويحبكه فهو حبيك ومحبوك، والحبك من السماء طرائق النجوم والتحبيك التوثيق والتخطيط (انتهى). فالمراد بكونها محبوكة: أنها متصلة بالارض معتمدة عليها، وأن كل سماء على كل أرض كالقبة الموضوعة عليها، ولما كان هذا ظاهرا مخالفا للحس والعيان، فيمكن تأويله بوجهين: أولهما - وهو أقربهما وأوفقهما للشواهد العقلية - أن يكون المراد بالارض ما سوى السماء من العناصر، ويكون المراد نفي توهم أن بين السماء والارض خلا، بل هو مملو من سائر العناصر، والمراد بالارضين السبع هذه الارض وستة من السماوات التي فوقنا، فإن الارض ما يستقر عليه


(1) كذا. (2) الارض (خ). (3) في المصدر: لهى. (4) تفسير القمى: 646.

[81]

الحيوانات وسائر الاشياء، والسماء ما يظلهم ويكون فوقهم، فسطح هذه الارض أرض لنا والسماء الاولى سماء لنا تظلنا، والسطح المحدب للسماء الاولى أرض للملائكة المستقرين عليها، والسماء الثانية سماء لهم، وهكذا محدب كل سماء أرض لما فوقها ومقعر السماء الذي فوقها سماء بالنسبة إليها إلى السماء السابعة، فإنها سماء وليست بأرض، والارض التي نحن عليها أرض وليست بسماء، والسماوات الستة الباقية كل منها سماء من جهة وأرض من جهة. وثانيهما: أن يكون المعنى أن السماوات سبع كرات في جوف كل سماء أرض وليست السماوات بعضها في جوف بعض كما هو المشهور بل بعضها فوق بعض معتمدا بعضها على بعض، فالمراد بقوله " إلى الارض " أي مع الارض، أو إلى أن ينتهي إلى هذه الارض التي نحن عليها. قوله عليه السلام " فأما صاحب الامر " أي الذي ينزل هذا الامر إليه. 5 - العيون والعلل: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن الارض مم خلق ؟ قال: من زبد الماء (1). 6 - العياشي: عن الخطاب الاعور، رفعه إلى أهل العلم والفقه من آل محمد عليهم السلام قال: " وفي الارض قطع متجاورات " يعني هذه الارض الطيبة يجاورها هذه المالحة وليست منها كما يجاور القوم القوم وليسوا منهم. 7 - الاختصاص: عن ابن عباس. سأل ابن سلام النبي صلى الله عليه واله ما الستون ؟ قال: الارض لها ستون عرقا والناس خلقوا على ستين لونا (2). 8 - معاني الاخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الاصبهاني عن سليمان بن داوود المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه نظر إلى المقابر فقال: يا حماد هذه كفات الاموات، ونظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء ثم تلا " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا (3) ". وروي أنه دفن الشعر والظفر (4).


(1) العيون: ج 1، ص 241، علل الشرائع: ج 2، ص 280. (2) الاختصاص: 4 (3) المرسلات: 25 - 26. (4) معاني الاخبار: 342.

[82]

بيان: لعل المعنى أن دفن الشعر والظفر في الارض لما كان مستحبا فهذا أيضا داخل في كفات الاحياء، أو في كفات الاموات لعدم حلول الحياة فيهما، و الاول أظهر. 9 - العيون: عن المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري عن آبائه عن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله عزوجل: " الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء " قال: جعلها ملائمة لطبائعكم موافقة لاجسادكم، ولم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم (2) و أبنيتكم وقبور (3) موتاكم ولكنه عزوجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به [وتتماسكون] وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها (4) ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم فذلك " جعل الارض فراشا " ثم قال: " والسماء بناء " سقفا (5) محفوظا من فوقكم يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم. ثم قال عزوجل: " وأنزل من السماء ماء " يعني المطر ينزله من علي (6) ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا لتنشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم، ثم قال عزوجل " فأخرج به من الثمرات رزقا لكم " يعني مما يخرجه من الارض رزقا لكم " فلا تجعلوا لله أندادا " أي أشباها وأمثالا من الاصنام التي لاتعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شئ " وأنتم تعلمون " أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم تبارك وتعالى (7). الاحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد عليه السلام مثله (8).


(1) البقرة: 22. (2) في الاحتجاج: حرثكم. (3) فيه: دفن موتاكم. (4) فيه: من اللين ما تنقاد به لحرثكم. (5) فيه: يعنى سقفا.. (6) فيه: علو. (7) العيون: ج 1، ص 137. (8) لاحتجاج: 253. (*)

[83]

تفسير الامام: عليه السلام مثله. بيان: " فتصدع " على بناء التفعيل من الصداع. وأعطبه: أهلكه، والرذاذ - كسحاب -: المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار، والوابل: المطر الشديد الضخم، والهطل، المطر الضعيف الدائم، والطل: المطر الضعيف أو أخف المطر وأضعفه والندى أو فوقه ودون المطر، كل ذلك ذكره الفيروز آبادي. 10 - التوحيد: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم وغيره عن خلف بن حماد، عن الحسن بن زيد الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء رسول الله صلى الله عليه واله وبناته وكانت تبيع منهن العطر فدخل (1) رسول الله صلى الله عليه واله وهي عندهن فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، فقال: إذا بعت فاحشي (2) ولا تغشي، فإنه أتقى وأبقى للمال، فقالت: ماجئت (3) لشئ من بيعي وإنما جئتك أسألك عن عظمة الله، قال: جل جلاله، سأحدثك عن بعض ذلك، ثم قال: إن هذه الارض بمن فيها (4) ومن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة (5) في فلاة قي، وهاتان ومن فيهما ومن عليهما عند التي تحتهما كحلقة (6) في فلاة قي، والثالثة حتى انتهى إلى السابعة ثم تلا هذه الآية: " خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن " والسبع (7) ومن فيهن ومن عليهن على ظهر الديك كحلقة (8) في فلاة قي، والديك له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ورجلاه في التخوم، والسبع والديك بمن فيه ومن عليه على الصخرة كحلقة (9) في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة بمن فيها ومن عليها على ظهر الحوت كحلقة (10) في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة والحوت عند البحر المظلم كحلقة (11) في فلاة


(1) في الكافي: فجاء. (2) في التوحيد والكافي: فأحسني. (3) في الكافي: فقالت: يا رسول الله ما أتيت بشئ من بيعي وإنما أتيت. (4) فيه: بمن عليها. (5) في التوحيد. كحلقة في فلاة.. (6) في الكافي: كحلقة ملقاة.. (7) في الكافي: والسبع الارضين بمن... (8 - 11) فيه: كحلقة ملقاة.

[84]

قي، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم عند الهواء كحلقة (1) في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء عند الثرى كحلقة (2) في فلاة قي ثم تلاهذه الآية: " له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (3) " ثم انقطع الخبر (4) والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الاولى كحلقة في فلاة قي، وهذا و السماء (5) الدنيا ومن فيها ومن عليها عند التي فوقها كحلقة في فلاة قي، وهذا و هاتان السماوان عند الثالثة كحلقة في فلاة قي، وهذا وهذه الثلاث عند الرابعة بمن فيهن ومن عليهن كحلقة في فلاة قي حتى انتهى إلى السابعة، وهذه السبع (6) و من فيهن ومن عليهن عند البحر المكفوف عن أهل الارض كحلقة في فلاة قي، و السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية: " و ينزل من السماء من جبال فيها من برد (7) " وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد (8) عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهو سبعون ألف حجاب يذهب نورها بالابصار، وهذا والسبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء والحجب عند الهواء الذي تحار قيه القلوب كحلقة في فلاة قي، والسبع والبحر المكفوف وجبال البرد و الهواء (9) والحجب في الكرسي كحلقة في فلاة قي، ثم تلاهذه الآية: " وسع كرسيه السماوات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم (10) " وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء والحجب والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة قي


(1 و 2) وفيه: كحلقة ملقاة. (3) طه: 6. (4) في الكافي: عند الثرى. (5) في التوحيد والكافي: سماء. (6) في الكافي: وهن. (7) النور: 43. (8) في الكافي: وجبال البرد عند الهواء. (9) في الكافي:. والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قى، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي. (10) البقرة: 255.

[85]

ثم تلا هذه الآية: " الرحمان على العرش استوى (1) " ما تحمله الاملاك إلا بقول لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم (2)]. الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمان بن أبي نجران عن صفوان، عن خلف بن حماد مثله. بيان: " فإنه أتقى " أي أقرب إلى التقوى وأنسب بها، أو أحفظ لصاحبه عن مفاسد الدنيا والآخرة. وقال الجوهري: الفلاة المفازة. وقال: القي بالكسر والتشديد " فعل " من القواء وهي الارض القفر الخالية. وقال: التخم منتهى كل قرية أو أرض يقال: فلان على تخم من الارض، والجمع تخوم. قوله عليه السلام " ثم انقطع الخبر " وفي الكافي " عند الثرى " والمعنى أنا لم نخبر به أو لم نؤمر بالاخبار به. قوله " المكفوف عن أهل الارض " أي ممنوع عنهم لا ينزل منه ماء إليهم، وفي الكافي بعد قوله: " من جبال فيها من برد " هكذا: وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي - إلى قوله -: وتلا هذه الآية: " الرحمان على العرش استوى " ثم قال: وفي رواية الحسن: الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب، أي كانت الرواية في كتاب الحسن بن محبوب هكذا موافقا لما نقله الصدوق. ثم اعلم أن الخبر يدل على أن الارضين طبقات بعضها فوق بعض، وقد يستشكل فيما اشتمل عليه هذا الخبر من أن الارضين السبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى عند السماء الاولى كحلقة في فلاة قي، فيدل على أن جميع ذلك ليس لها قدر محسوس عند فلك القمر، مع أن الارض وحدها لها قدر محسوس


(1) الكافي: ج 8، ص 153، والاية في سورة طه: 5. (2) التوحيد: 199.

[86]

عنده بدلالة الخسوف واختلاف المنظر وغير ذلك مما علم في الابعاد والاجرام. وقد يجاب عن ذلك بأنه لما لم يمكن أن تحمل النسب التي ذكرت بين هذه الموجودات في هذا الحديث على النسب المقدارية التي اعتبر مثلها بين الحلقة والفلاة اللتين هما المشبه بهما في جميع المراتب فإنه خلاف ما دل عليه العقول الصحيحة السليمة بعد التأمل في البراهين الهندسية والحسابية التي لا يحوم حولها الشك أصلا ولا تعتريها الشبهة قطعا، فيمكن أن يأول ويحمل على أن المعنى أن نسبة الحكم والمصالح المرعية في خلق كل من تلك المراتب إلى ماروعي فيما ذكر بعده كنسبة مقدار الحلقة إلى الفلاة ليدل على أن ما يمكننا أن نشاهد أو ندرك من آثار صنعه وعجائب حكمته في الشواهد ليس له نسبة محسوسة إلى أدنى ما هو محجوب عنا فكيف إلى ما فوقه. وأجاب آخرون: بأن المعنى ارتفاع ثقل كل من تلك الموجودات عما اتصل به، فالطبقة الاولى من الارض رفع الله ثقلها عن الطبقة الثانية فليس ثقلها عليها إلا كثقل حلقة على فلاة سواء كانت أكبر منها حجما أو أصغر. وأقول: على ما احتملنا سابقا من كون جميع الافلاك أجزاء من السماء الدنيا داخلة فيها كما هو ظاهر الآية الكريمة يمكن حمل هذا التشبيه على ظاهره من غير تأويل، والله يعلم حقائق الموجودات. 11 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل فيما خلق الله عزوجل عليه هذه الجواهر الاربعة ليتسع ما يحتاج إليه منها فمن ذلك سعة هذه الارض وامتدادها، فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيمة غناؤها، ولعل من ينكر هذه الفلوات الخالية (1) والقفار الموحشة يقول: ما المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومرعاها، ثم فيها بعد متنفس ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم، وكم بيداءوكم فدفد حالت قصورا وجنانا بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها، ولولا سعة الارض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد


(1) في بعض النسخ " الخاوية " والظاهر من بيان المؤلف انه كان كذلك في نسخته

[87]

مندوحة عن وطنه إذا أحزنه (1) أمر يضطره إلى الانتقال عنه. ثم فكر في خلق هذه الارض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة، فيكون موطنا مستقرا للاشياء فيتمكن الناس من السعي عليها في مأربهم، والجلوس عليها لراحتهم، والنوم لهدوئهم، والاتقان لاعمالهم، فإنها لو كانت رجراجة متكفئة لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك، بل كانوا لا يتهنؤن بالعيش والارض ترتج من تحتهم واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلة مكثها حتى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها. فإن قال قائل: فلم صارت هذه الارض تزلزل ؟ قيل له: إن الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب بها الناس ليرعوا عن المعاصي، وكذلك ما ينزل بهم من البلاء في أبدانهم وأموالهم يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم ويدخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله شئ من امور الدنيا، وربما عجل ذلك في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحا للعامة والخاصة. ثم إن الارض في طباعها الذي طبعها الله عليه باردة يابسة وكذلك الحجارة، و إنما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة، أفرأيت لو أن اليبس أفرط على الارض قليلا حتى تكون حجرا صلدا أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان وكان يمكن بها حرث أو بناء ؟ أفلا ترى كيف نقصت عن (2) يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من اللين والرخاوة وليتهيأ للاعتماد، ومن تدبير الحكيم - جل وعلا - في خلقة الارض أن مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب، فلم يجعل الله عزوجل كذلك إلا لتنحدر المياه على وجه الارض فتسقيها وترويها ثم يفيض آخر ذلك إلى البحر، فكما يرفع أحد جانبي السطح ويخفض (3) الآخر لينحدر الماء عنه ولا تقوم عليه كذلك جعل مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها، ولولا ذلك لبقي الماء متحيرا على وجه الارض فكان يمنع الناس من أعمالها ويقطع الطرق والمسالك. ثم الماء لولا كثرته وتدفقه في العيون والاودية والانهار لضاق عما يحتاج الناس


(1) في بعض النسخ " حزبه " والظاهر من بيان المؤلف انه موافق لنسخته. (2) من (خ). (3) ينخفض (خ).

[88]

إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم، و شرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء، وفيه منافع اخر أنت بها عارف، وعن عظم موقعها غافل، فإنه سوى الامر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الارض من الحيوان والنبات يمزج بالاشربة فتلين وتطيب لشاربها، وبه تنظف الابدان والامتعة من الدرن الذي يغشاها، وبه يبل التراب فيصلح للاعتمال، وبه نكف عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه وبه يستحم المتعب الكال فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها. فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت: ما الارب فيه ؟ فاعلم أنه مكتنف ومضطرب مالا يحصى من أصناف السمك ودواب البحر ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر وأصناف شتى تستخرج من البحر وفي سواحله منابت العود اليلنجوج وضروب من الطيب والعقاقير، ثم هو بعد مركب الناس ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق، ومن العراق إلى العراق، فإن هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت (1) وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها، لان أجر حملها كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها، وكان يجتمع في ذلك أمران: أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها، والآخر: انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها. و هكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الانام من الدخان والبخار التي يتحير فيه ويعجز عما يخول إلى السحاب والضبات أولا أولا، وقد تقدم من صفته ما فيه كفاية. والنار أيضا كذلك، فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه ولم يكن بد من ظهورها في الاحايين لغنائها في كثير من المصالح، فجعلت كالمخزونة في الاخشاب تلتمس عند الحاجة إليها وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبوا، فلا هي تمسك بالمادة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كلما هي فيه، بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها


(1) بار السوق أو السلعة: كسدت.

[89]

والسلامة من ضررها. ثم فيها خلة اخرى وهي أنها مما خص به الانسان دون جميع الحيوان لماله فيها من المصلحة، فإنه لو فقد النار لعظم يدخل عليه من الضرر في معاشه، فأما البهائم فلا تستعمل النار ولا تستمتع بها، ولما قدر الله عزوجل أن يكون هذا هكذا خلق للانسان كفا وأصابع مهيأة لقدح النار واستعمالها، ولم يعط البهائم مثل ذلك، لكنها اغنيت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش لكيلا ينالها في فقد النار ما ينال الانسان. وانبئك من منافع النار على خلة صغيرة عظيم موقعها، وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخلة لكان الناس تصرف أعمارهم بمنزلة من في القبور، فمن كان يستطيع أن يكتب أو يحفظ أو ينسج في ظلمة الليل ؟ وكيف كانت حال من عرض له وجع في وقت من أوقات الليل فاحتاج إلى أن يعالج ضمادا أو سفوفا أو شيئا يستشفى به ؟ فأما منافعها في نضج الاطعمة ودفأ الابدان وتجفيف أشياء وتحليل أشياء وأشباه ذلك فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى. تبيان (1): العقاقير اصول الادوية، والغناء - بالفتح -: المنفعة، والخاوية: الخالية، والفدفد: الفلاة والمكان الصلب الغليظ والمرتفع والارض المستوية، والفسحة - بالضم -: السعة، ويقال: لي عن هذا الامر مندوحة ومنتدح أي سعة، وحزبه أمر أي أصابه، والراتبة: الثابتة، والراكنة: الساكنة، وهدأ هدء وهدوء: سكن، و قوله عليه السلام: رجراجة: أي متزلزلة متحركة، والتكفي: الانقلاب والتمايل والتحريك والارتجاج: الاضطراب، والارعواء: الرجوع عن الجهل والكف عن القبيح، و الصلد - ويكسر -: الصلب الاملس. قوله عليه السلام " إن مهب الشمال أرفع " أي بعد ما خرجت الارض من الكروية الحقيقية صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب، ولذا ترى أكثر الانهار - كدجلة والفرات وغيرهما - تجري من الشمال إلى الجنوب، ولما كان الماء الساكن في جوف الارض تابعا للارض في ارتفاعه وانخفاضه فلذا صارت العيون المنفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب حتى


(1) تبين (خ).

[90]

تجري على وجه الارض، ولذا حكموا بفوقية الشمال على الجنوب في حكم اجتماع البئر والبالوعة وإذا تأملت فيما ذكرنا يظهر لك ما بينه عليه السلام من الحكم في ذلك وأنه لا ينافي كروية الارض. والتدفق: التصبب. قوله عليه السلام " فإنه سوى الامر الجليل " الضمير راجع إلى الماء وهو اسم " إن " و " يمزج " خبره، أي للماء سوى النفع الجليل المعروف - وهو كونه سببا لحياة كل شئ - منافع اخرى: منها أنه يمزج مع الاشربة. وقال الجوهري: الحميم: الماء الحلو، وقد استحممت: إذا اغتسلت به ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان (انتهى). والوصب - محركة -: المرض والمكتنف - بفتح النون من الكنف بمعنى الحفظ والاحاطة، واكتنفه أي أحاط به ويظهر منه أن نوعا من الياقوت يتكون في البحر، وقيل: اطلق على المرجان مجازا ويحتمل أن يكون المراد ما يستخرج منه بالغوص وإن لم يتكون فيه. واليلنجوج: عود البخور، و " من العراق " أي البصرة " إلى العراق " أي الكوفة، أو بالعكس. قوله عليه السلام " ويعجز " أي لولا كثرة الهواء لعجز الهواء عما يستحيل الهواء إليه من السحاب والضباب التي تتكون من الهواء " أولا أولا " أي تدريجا، أي كان الهواء لا يفي بذلك أو لا يتسع لذلك، والضباب - بالفتح - ندى كالغيم، أو سحاب رقيق كالدخان. والاحايين جمع أحيان وهو جمع حين بمعنى الدهر والزمان. قوله عليه السلام " فلا هي تمسك بالمادة والحطب " أي دائما بحيث إذا انطفت لم يمكن إعادتها، و المادة: الزيادة المتصلة والمراد هنا الدهر ومثله. ودفاء الابدان (1) - بالكسر - دفع البرد عنها. 12 - الدر المنثور: سئل عن ابن عباس: هل تحت الارض خلق ؟ قال: نعم ألا ترى إلى قوله تعالى " خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن (2) ".


(1) الدفاء - بالكسر -: ما يستدفأ به (لا الاستدفاء دفع البرد) ولم نجد في كتب اللغة شاهدا على ما ذكره، والظاهر أنه هنا " الدفأ " كالظمأ بمعنى التسخن. (2) الدر المنثور: ج 6، ص 238

[91]

13 - وعن قتادة في قوله " سبع سماوات ومن الارض مثلهن قال: في كل سماء وكل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه (1). 14 - وعن مجاهد في قوله: " يتنزل الامر بينهن " قال: من السماء السابعة إلى الارض السابعة ملفوفة (2). 15 - وعن الحسن في الآية قال: بين كل سماء وأرض خلق وأمر (3). 16 - وعن ابن جريح قال: بلغني أن عرض كل سماء (4) مسيرة خمسمائة سنة، وأن بين كل أرضين مسيرة خمسمأة سنة ؟ واخبرت أن الريح بين الارض الثانية والثالثة ; والارض السابعة فوق الثرى واسمها تخوم ; وأن أرواح الكفار فيها، فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى برهوت، والثرى فوق الصخرة التي قال الله: " في صخرة " والصخرة على الثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الارض كلها يوم القيامة، و الثور على الحوت وذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الارض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش، ويقال، الارض السفلى عمد (5) بين قرني الثور، ويقال: بل على ظهره واسمها يهموت (6)، واخبرت أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه واله: على ما الحوت ؟ قال: على ماء أسود، وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار، وحدثت أن إبليس يغلغل إلى الحوت فيعظم (7) له نفسه وقال: ليس خلق بأعظم منك عزا (8) ولا أقوى منك، فوجد الحوت في نفسه فتحرك


(1 و 2) الدر المنثور: ج 6، ص 238، وليس في الثاني لفظة " ملفوفة ". (3) كذا في المصدر واكثر نسخ الكتاب، وفى طبعة امين الضرب صحح الرواية على مثل رواية قتادة، والظاهر أنه سهو من المصحح. (4) في المصدر: أرض (5) في المصدر: على عمد من قرنى الثور (6) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: به موت. (7) كذا في جميع نسخ الكتاب، وفى المصدر " تغلغل الى الحوت فعظم له نفسه " وهو الصواب. (8) في المصدر: غنى.

[92]

فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك، فبعث الله حوتا صغيرا فأسكنه في اذنه فإذا ذهب يتحرك تحرك الذي في اذنه فيسكن (1). 17 - وعن ابن عباس في قوله " ومن الارض مثلهن " قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى (2). 18 - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الارضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد ملك، والثانية مسجن الريح فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا يهلك عادا، فقال: يا رب ارسل عليهم من الريح قدر منخر الثور ؟ فقال له الجبار: إذن تكفأ الارض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم " والثالثة فيها حجارة جهنم. والرابعة فيها كبريت جهنم، فقالوا: يارسول الله أللنار كبريت ؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن فيها لاودية من كبريت لو ارسل فيها الجبال الرواسي لماعت. والخامسة فيها حيات جهنم، إن أفواهها كالاودية تلسع الكافر اللسعة فلا يبقى منه لحم على وضم. والسادسة فيها عقارب جهنم، إن أدنى عقربة منها كالبغال المؤكفة تضرب الكافر ضربة ينسيه ضربها حر جهنم. والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه (3). 19 - وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: كنف الارض مسيرة خمسمائة عام، والثانية مثل ذلك، وما بين كل أرض أرضين مثل ذلك (4). 20 - وعن ابن عباس قال: سيد السماوات السماء التي فيها العرش، وسيد


(1 و 2) الدر المنثور: ج 6، ص 238. (3) الدر المنثور: ج 6، ص 238. (4) الدر المنثور: ج 6، ص 239.

[93]

الارضين الارض التي نحن فيها (1) 21 - وعن كعب قال: الارضون السبع على صخرة، والصخرة في كف ملك والملك على جناح الحوت، والحوت في الماء (2) على الريح، والريح على الهواء ريح عقيم لا تلقح، وإن قرونها معلقة بالعرش (3). 22 - وعن أبي مالك قال: الصخرة التي تحت الارض منتهى الخلق، على أرجائها أربعة أملاك رؤوسهم تحت العرش (4). 23 - وعنه قال: الصخرة تحت الارضين على حوت، والسلسلة في اذن الحوت (5). 24 - وعن ابن عباس قال: إن أول شئ خلقه الله القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب ؟ قال: اكتب القدر يجري (6) من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السماوات، ثم خلق النون فبسطت عليه الارض، والارض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الارض فاثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الارض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس " ن والقلم وما يسطرون ". 25 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن أول ما خلق الله القلم والحوت، وقال ما أكتب ؟ قال: كل شئ كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ " ن والقلم " فالنون الحوت. 26 - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: النون السمكة التي عليها قرار الارضين والقلم الذي خط به ربنا عزوجل القدر خيره وشره ونفعه وضرره " وما يسطرون " قال: الكرام الكاتبون (7). بيان: في القاموس: ماع الشئ يميع: جرى على وجه الارض منبسطا في هينة


(1) الدر المنثور ج 6 ص 238. (2) في المصدر: والماء على الريح. (3 - 5) الدر المنثور: ج 6، ص 239. (6) في المصدر: فجرى من ذلك اليوم ما.. (7) الدر المنثور: ج 6، ص 250.

[94]

والسمن: ذاب. وقال: الوضم - محركة -: ما وقيت به اللحم عن الارض من خشب وحصير. وقال: إكاف الحمار ككتاب وغراب ووكافه: برذعته، وآكف الحمار إيكافا وأكفه تأكيفا: شده عليه. 27 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: أقبل رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال أحدهما لصاحبه: اجلس على اسم الله تعالى والبركة فقال رسول الله صلى الله عليه واله: اجلس على استك فأقبل يضرب الارض بعصا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تضربها فإنها امكم وهي بكم برة. 28 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: تمسحوا بالارض فإنها امكم وهي بكم برة. بيان: قال في النهاية: في الحديث " تمسحوا بالارض فإنها بكم برة " أي مشفقة عليكم كالوالدة البرة بأولادها، يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم وإليها بعد الموت معادكم، والتمسح أراد به التيمم، وقيل: أراد مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير حائل (انتهى). وأقول: يحتمل أن يراد به ما يشمل الجلوس على الارض بغير حائل، والاكل على الارض من غير مائدة بقرينة الخبر الاول. 29 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: العلة في أن الارض لاتقبل الدم أنه لما قتل قابيل أخاه هابيل غضب آدم على الارض فلا تقبل الدم لهذه العلة. 30 - العلل: عن علي بن أحمد الدقاق، عن الكليني، عن علان بإسناده رفعه قال: أتى علي بن أبي طالب يهودي فسأله عن مسائل فكان فيما سأله: أخبرني عن قرار هذه الارض على ما هو ؟ فقال عليه السلام: قرار هذه الارض لا يكون إلا على عاتق ملك وقدما ذلك الملك على صخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور قوائمه علي ظهر الحوت في اليم الاسفل، واليم على الظلمة، والظلمة على العقيم، والعقيم على الثرى وما يعلم تحت الثرى إلا الله عزوجل (الخبر) (1).


(1) علل الشرائع: ج 1، ص 1 - 2 (مع تقطيع).

[95]

31 - النهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة التوحيد: لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الازل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان (1). بيان: قال بعض شراح النهج في قوله عليه السلام " ولتجزأ كنهه " إشارة إلى نفي الجوهر الفرد ; وقال: قوله عليه السلام " ولكان له وراء إذ كان له أمام " يؤكد ذلك لان من أثبته يقول يصح أن تحله الحركة ولايكون أحد وجهيه غير الآخر. فائدة اعلم أن الطبيعيين والرياضيين اتفقوا على أن الارض كروية بحسب الحس وكذا الماء المحيط بها، وصارا بمنزلة كرة واحدة، فالماء ليس بتام الاستدارة بل هو على هيئة كرة مجوفة قطع بعض منها وملئت الارض على وجه صارت الارض مع الماء بمنزلة كرة واحدة، ومع ذلك ليس شئ من سطحيه صحيح الاستدارة، أما المحدب فلما فيه من الامواج، وأما المقعر فللتضاريس فيه من الارض. وقد أخرج الله تعالى قريبا من الربع من الارض من الماء بمحض عنايته الكاملة، أو لبعض الاسباب المتقدمة لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة وغيرها من المركبات المحوجة إلى غلبة العنصر اليابس الصلب لحفظ الصور والاشكال وربط الاعضاء والاوصال. ومما يدل على كروية الارض ما أومأنا إليه سابقا من طلوع الكواكب وغروبها في البقاع الشرقية قبل طلوعها وغروبها في الغربية بقدر ما تقتضيه أبعاد تلك البقاع في الجهتين على ما علم من ارصاد كسوفات بعينها لاسيما القمرية في بقاع مختلفة، فإن ذلك ليس في ساعات متساوية البعد من نصف النهار على الوجه المذكور، وكون الاختلاف متقدرا بقدر الابعاد دليل على الاستدارة المتشابهة السائرة بحدبتها المواضع التي يتلو بعضها بعضا على قياس واحد بين الخافقين، وازدياد ارتفاع القطب والكواكب الشمالية وانحطاط الجنوبية للسائرين


(1) نهج البلاغه: ج 1، ص 356.

[96]

إلى الشمال وبالعكس للسائرين إلى الجنوب بحسب سيرهما دليل على استدارتها بين الجنوب والشمال، وتركب الاختلافين يعطي الاستدارة في جميع الامتدادات. ويؤيده مشاهدة استدارة أطراف المنكسف من القمر الدالة على أن الفصل المشترك بين المستضئ من الارض وما ينبعث منه الظل دائرة، وكذلك اختلاف ساعات النهر (1) الطوال والقصار في مساكن متفقة الطول إلى غير ذلك. ولو كانت اسطوانية قاعدتاها نحو القطبين لم يكن لساكني الاستدارة كوكب أبدي الظهور، بل إما الجميع طالعة غاربة أو كانت كواكب يكون من كل واحد من القطبين على بعد تستره القاعدتان أبدية الخفاء والباقية طالعة غاربة وليس كذلك، وأيضا فالسائر إلى الشمال قد يغيب عنه دائما كواكب كانت تظهر له، وتظهر له كواكب كانت تغيب عنه بقدر إمعانه في السير، وذلك يدل على استدارتها في هاتين الجهتين أيضا. ومما يدل على استدارة سطح الماء الواقف طلوع رؤوس الجبال الشامخة على السائرين في البحر أولا ثم ما يلي رؤوسها شيئا بعد شئ في جميع الجهات. وقالوا: التضاريس التي على وجه الارض من جهة الجبال و الاغوار لا تقدح في كرويتها الحسية، إذ ارتفاع أعظم الجبال وأرفعها على ما وجدوه فرسخان وثلث فرسخ، ونسبتها إلى جرم الارض كنسبة جرم سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بل أقل من ذلك. ويظهر من كلام أكثر المتأخرين: أن عدم قدح تلك الامور في كرويتها الحسية معناه أنها لاتخل بشكل جملتها كالبيضة الزقت بها حبات شعير لم يقدح ذلك في شكل جملتها، واعترض عليه: بأن كون الارض أو البيضة حينئذ على الشكل الكروي أو البيضى عند الحس ممنوع، وكيف يمكن دعوى ذلك مع ما يرى على كل منهما ما يخرج به الشكل مما اعتبروا فيه وعرفوه به ؟ و ربما يوجه بوجه آخر وهو أن الجبال والوهاد الواقعة على سطح الارض غير محسوسة عادة عند الاحساس بجملة كرة الارض على ما هي عليه في الواقع. بيانه: أن رؤية الاشياء تختلف بالقرب والبعد، فيرى القريب أعظم مما هو الواقع والبعيد أصغر منه وهو ظاهر، وقد أطبق القائلون بالانطباع وبخروج الشعاع كلهم على أن هذا الاختلاف


(1) النهر - بضمتين -: جمع النهار.

[97]

في رؤية المرئي بسبب القرب والبعد إنما هو تابع لاختلاف الزاوية الحاصلة عند مركز الجليدية في رأس المخروط الشعاعي بحسب التوهم أو بحسب الواقع عند انطباق قاعدته على سطح المرئي، فكلما قرب المرئي عظمت تلك الزاوية، وكلما بعد صغرت. وقد تقرر أيضا بين محققيهم أن رؤية الشئ على ما هو عليه إنما هو (1) في حالة يكون البعد بين الرائي والمرئي على قدر يقتضي أن تكون الزاوية المذكورة قائمة. فبناء على ذلك إذا فرضت الزاوية المذكورة بالنسبة إلى مرئي قائمة يجب أن يكون البعد بين رأس المخروط وقاعدته المحيطة بالمرئي بقدر نصف قطر قاعدته على ما تقرر في الاصول. فلما كان قطر الارض أزيد من ألفي فرسخ بلا شبهة لا تكون مرئية على ما هي عليه من دون ألف فرسخ، ومعلوم أن الجبال والوهاد المذكورة غير محسوسة عادة عند هذا البعد من المسافة فلا يكون لها قدر محسوس عند الارض بالمعنى الذي مهدنا. ثم إنهم استعلموا بزعمهم مساحة الارض وأجزاءها ودوائرها في زمان المأمون وقبله فوجدوا مقدار محيط الدائرة العظمى من الارض ثمانية آلاف فرسخ، وقصرها ألفين وخمسمائة وخمسة وأربعين فرسخا ونصف فرسخ تقريبا، ومضروب القطر في المحيط مساحة سطح الارض وهي عشرون ألف ألف وثلاثمائة وستون ألف فرسخ وربع ذلك مساحة الربع المسكون من الارض. وأما القدر المعمور من الربع المسكون وهوما بين خط الاستواء والموضع الذي عرضه بقدر تمام الميل الكلي فمساحته ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة وخمسة وستين ألفا وأربعمائة وعشرين فرسخا وهو قريب من سدس سطح جميع الارض وسدس عشره. والفرسخ ثلاثة أميال بالاتفاق، وكل ميل أربعة آلاف ذراع عند المحدثين، وثلاثة آلاف عند القدماء، وكل ذراع أربع و عشرون إصبعا عند المحدثين، واثنان وثلاثون عند القدماء، وكل إصبع بالاتفاق مقدار ست شعيرات مضمومة بطون بعضها إلى ظهور بعض من الشعيرات المعتدلة. وذكروا أن للارض ثلاث طبقات: الاولى: الارض الصرفة المحيطة بالمركز


(1) هي (خ).

[98]

الثانية: الطبقة الطينية وهي المجاورة للماء ; الثالثة. الطبقة المنكشفة من الماء وهي التي تحتبس فيها الابخرة والادخنة وتتولد منها المعادن والنباتات والحيوانات. وزعموا أن البسائط كلها شفافة لا تحجب عن إبصار ما ورائها ما عدا الكواكب، وأن الارض الصرفة المتجاورة (1) للمركز أيضا شفافة، والطبقتان الاخريان ليستا بسيطتين فهما كثيفتان. فالارض جعل الله الطبقة الظاهرة منها ملونة كثيفة غبراء لتقبل الضياء وخلق ما فوقها من العناصر مشفة لطيفة بالطباع لينفذ فيها ويصل إلى غيرها ساطع الشعاع، فإن الكواكب وسيما الشمس والقمر أكثر تأثيراتها في العوالم السفلى بوسيلة أشعتها المستقيمة والمنعطفة والمنعكسة بإذن الله تعالى. وقالوا: الارض في وسط السماء كالمركز في الكرة فينطبق مركز حجمها على مركز العالم، وذلك لتساوي ارتفاع الكواكب وانحطاطها مدة ظهورها وظهور النصف من الفلك دائما وتطابق أظلال الشمس في وقتي طلوعها وغروبها عند كونها على المدار الذي يتساوى فيه زمان ظهورها وخفائها على خط مستقيم، أو عند كونها في جزئين متقابلين من الدائرة التي يقطعها بسيرها الخاص بها، وانخساف القمر في مقاطراته (2) الحقيقية للشمس، فإن الاول يمنع ميلها إلى أحد الخافقين، والثاني إلى أحد السمتين: الرأس والقدم، و الثالث إلى أحد القطبين، والرابع إلى شئ منها أو من غيرها من الجهات كما لا يخفى. وكما أن مركز حجمها منطبق على مركز العالم فكذا مركز ثقلها، وذلك لان الثقال تميل بطبعها إلى الوسط كما دلت عليه التجربة، فهي إذن لا تتحرك عن الوسط، بل هي ساكنة فيه متدافعة بأجزائها من جميع الجوانب إلى المركز تدافعا متساويا، فلا محالة ينطبق مركز ثقلها الحقيقي المتحد بمركز حجمها التقريبي على مركز العالم ومستقرها عند وسط العالم لتكافؤ القوى بلا تزلزل واضطراب يحدث فيها لثباتها بالسبب المذكور، ولكون الاثقال المنتقلة من جانب منها إلى الآخر في غاية الصغر بالقياس إليها لا يوجب انتقال مركز ثقلها من نقطة إلى اخرى بحركة شئ منها، وكذا الاجزاء


(1) المجاورة (خ). (2) المقاطرة: مقابلة القطرين.

[99]

المبائنة لها تهوي إليها وهي تقبلها من جميع نواحيها من دون اضطراب. هذا ما ذكروه في هذا المقام، ولا نعرف من ذلك إلا كون الجميع بقدرة القادر العليم وإرادة المدبر الحكيم كما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ المفيد - قدس سره - في كتاب المقالات: أقول: إن العالم هو السماء والارض وما بينهما وفيهما من الجواهر والاعراض، ولست أعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك. أقول: لعل مراده - قدس سره - بالسماوات ما يشمل العرش والكرسي والحجب، وغرضه نفي الجواهر المجردة التي تقول بها الحكماء. ثم قال - رحمه الله - وأقول: إن الفلك هو المحيط بالارض الدائر عليها وفيه الشمس والقمر وسائر النجوم، والارض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط الدائرة، وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وجماعة كثيرة من أهل التوحيد، ومذهب أكثر القدماء والمنجمين وقد خالف فيه جماعة من بصرية المعتزلة وغيرهم من أهل النحل. وأقول: إن المتحرك من الفلك إنما يتحرك حركة دورية كما يتحرك الدائر على الكرة، وإلى هذا ذهب البلخي وجماعة من أهل التوحيد، والارض على هيئة الكرة في وسط الفلك وهي ساكنة لا تتحرك، وعلة سكونها أنها في المركز، وهو مذهب أبي القاسم وأكثر القدماء والمنجمين، وقد خالف فيه الجبائي وابنه وجماعة غيرهما من أهل الآراء والمذاهب من المقلدة والمتكلمين. - ثم قال -: وأقول: إن العالم مملوءة من الجواهر وإنه لاخلا فيه، ولو كان فيه خلا لما صح فرق بين المجتمع والمتفرق من الجواهر والاجسام وهو مذهب أبي القاسم خاصة من البغداديين، ومذهب أكثر القدماء من المتكلمين وخالف فيه الجبائي وابنه وجماعة متكلمي أهل الحشو والجبر والتشبيه. - ثم قال -: وأقول: إن المكان هو ما أحاط بالشئ من جميع جهاته، ولا يصح تحرك الجواهر إلا في الاماكن ; والوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشئ وليس بحادث مخصوص والزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت ولا زمان، وعلى هذا القول سائر الموحدين. وسئل السيد المرتضى - رحمه الله -: الفراغ له نهاية ؟ والقديم تعالى يعلم

[100]

منتهى نهايته ؟ وهذا الفراغ أي شئ هو ؟ وكذلك الطبقة الثامنة من الارض والثامنة من السماء نقطع أن هناك فراغا أم لا ؟ فإن قلت: لا، طالبتك بما وراء الملا، القديم تعالى يعلم أن هناك نهاية، فإن قلت: نعم، طالبتك أي شئ وراء النهاية ؟ فأجاب - رحمه الله -: إن الفراغ لا يوصف بأنه منته، ولا أنه غير منته على وجه الحقيقة، وإنما يوصف بذلك مجازا واتساعا، وأما قوله: وهذا الفراغ أي شئ هو ؟ فقد علمنا (1) أنه لاجوهر ولا عرض ولاقديم ولا محدث ولا هو ذات ولا هو معلوم كالمعلومات. وأما الطبقة الثامنة من الارض فما نعرفها، والذي نطق به القرآن: " سبع سموات طباقا ومن الارض مثلهن " فأما غير ذلك فلا سبيل للقطع به من عقل ولا شرع (انتهى). وأقول: بسط الكلام في هذه الامور خروج عن مقصود الكتاب، ومحله علم الكلام. 32 (باب آخر) * (في قسمة الارض الى الاقاليم وذكر جبل قاف وسائر الجبال) * * (وكيفية خلقها وسبب الزلزلة وعلتها) * الآيات: النحل: وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم (2). الكهف: حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما - إلى قوله - وكان وعد ربي حقا (3). الانبياء: وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم


(1) قلنا (خ). (2) النحل: 15. (3) الكهف: 93 - 98.

[101]

يهتدون (1). وقال تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (2). لقمان: وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم (3). فاطر: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (4). ص: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق (5). ق: وألقينا فيها رواسي (6). الطور: والطور (7) - وقال تعالى - وتسير الجبال سيرا (8). المرسلات: وجعلنا فيها رواسي شامخات (9). النبأ: ألم نجعل الارض مهادا والجبال أوتادا (10). الغاشية: وإلى الجبال كيف نصبت (11). التين: والتين والزيتون وطور سينين (12). تفسير: " أن تميد بكم " قال المبرد: أي منع الارض أن تميد، وقيل: لئلا تميد، وقيل: أي كراهة أن تميد، وقال بعض المفسرين: الميد الاضطراب في الجهات الثلاث، وقيل: إن الارض كانت تميد وترجف رجوف السقف بالوطء فثقلها الله بالجبال الرواسي ليمنع من رجوفها، ورووا عن ابن عباس أنه قال: إن الارض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة فأرساها الله تعالى بالجبال. ثم إنهم


(1) الانبياء: 31. (2) الانبياء: 95. (3) لقمان: 100. (4) فاطر: 27. (5) ص: 18. (6) ق: 7. (7) الطور: 1. (8) الطور: 10. (9) المرسلات: 27. (10) النبأ: 6. (11) الغاشية: 19. (12) التين: 1 - 2.

[102]

اختلفوا في أنه لما صارت الجبال سببا لسكون الارض على أقوال، وذكروا لذلك وجوها ولنذكر بعضها: الاول: ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره: أن السفينة إذا القيت على وجه الماء فإنها تميل (1) من جانب إلى جانب وتضطرب فإذا وقعت الاجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء، فكذلك لما خلق الله تعالى الارض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال ووتدها بها فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال. ثم قال: لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه: الاول أن هذا المعلل إما أن يقول بأن حركات الاجسام بطباعها أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها، فعلى التقدير الاول نقول: لاشك أن الارض أثقل من الماء، والاثقل يغوص في الماء ولا يبقى طافيا عليه فامتنع أن يقال: إنها كانت تميد وتضطرب بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات غير مملوءة (2) فلذلك تميد وتضطرب على وجه الماء، فإذا ارسيت بالاجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق. وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال ليس للارض والماء طبائع توجب الثقل والرسوب، والارض إنما تنزل لان الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك، وإنما صار الماء محيطا بالارض لمجرد إجراء العادة ليس ههنا طبيعة للارض ولا للماء توجب حالة مخصوصة، فنقول: على هذا التقدير علة سكون الارض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هو أن الله تعالى يخلق فيها الحركة، فيفسد القول بأن الله تعالى خلق الجبال لتبقى الارض، ساكنة فثبت أن التعليل مشكل على كلا التقديرين. الاشكال الثاني: أن إرساء الارض بالجبال إنما يعقل لاجل أن تبقى الارض على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب، وهذا إنما يعقل إذا كان الذي استقرت الارض على وجهه واقفا. فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز


(1) في المصدر: تميد. (2) في المصدر: مملوة من الهواء.

[103]

المخصوص ؟ فإن قلت: إن طبيعته توجب وقوفه في ذلك الحيز المعين فحينئذ يفسد القول بأن الارض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى أرساها بالجبال. وإن قلت: إن المقتضي لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى أسكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فنقول: فلم لا تقول مثله في سكون الارض ؟ وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضا. الاشكال الثالث: أن مجموع الارض جسم واحد فبتقدير أن يميل بكليته ويضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس. فإن قيل: أليس أن الارض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل وتظهر تلك الحركات للناس ؟ قلنا البخارات احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الارض، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة ظهرت تلك الحركة، فإن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة يجري مجرى اختلاج عضو من بدن الانسان، أما لو تحركت كلية الارض تظهر، ألا ترى أن الساكن في سفينة لا يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت على أسرع الوجوه وأقواها (1) (انتهى كلامه). ويمكن أن يجاب عنها: أما عن الاشكال الاول فبأن يختار أنها طالبة بطبعها للمركز لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحركها بأمواجه حركة قسرية ويزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة، فكانت تميد وتضطرب بأهلها وتغوص قطعة منها وتخرج قطعة منها، ولما أرساها الله تعالى بالجبال وأثقلها قاومت الماء وأمواجه بثقلها فكانت كالاوتاد مثبتة لها. ومنه يظهر الجواب عن الاشكال الثاني، على أن توقف إرساء الارض بالجبال على سكون الماء في حيز معين ممنوع. وأما عن الاشكال الثالث فبأن يقال: ليس الامتنان بمجرد عدم ظهور حركة الارض حتى يقال: إنه على تقدير حركتها بكليتها لا يظهر للناس بل بخروج البقاع من الماء وعدم غرقها بحركة الارض وميدانها بأهلها، على أن الظاهر أن الحركة التي لا تحس إنما هي إذا كانت في جهة مخصوصة وعلى وضع واحد كحركة وضعية مستمرة أو حركة أينية على جهة


(1) مفاتيح الغيب: ج 20، ص 8

[104]

واحدة كحركة السفينة إذا كانت سائرة من غير اضطراب، وأما إذا تحركت في جهات مختلفة واضطربت فيحس بها كحركة السفينة عند تلاطم البحر واضطرابه، وهذا هو الفرق بين حالة الزلزلة وبين حركة الارض في الظهور وعدمه، فأنا لو فرضنا قطعة منها سائرة غير مضطربة في سيرها لما احس بها كما لا يحس بحركة كلها بل باضطراب الحركة وكونها في جهات مختلفة تحس الحركة، سواء كان محلها كل الارض أو بعضها. الوجه الثاني: ما ذكره الفاضل المقدم ذكره أيضا في تفسيره واختاره حيث قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: إنه ثبت بالدلائل اليقينية أن الارض كرة وأن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات وتضريسات تحصل على وجه هذه الكرة. إذا ثبت هذا فنقول: إذا فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصله بل كانت الارض كرة حقيقية خالية عن هذه الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب، لان الجرم البسيط المستدير وإن لم يجب كونه متحركا بالاستدارة عقلا، إلا أنه بأدنى سبب تتحرك على هذا الوجه، أما إذا حصل على سطح كرة الارض هذه الجبال وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة، فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم، وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الارض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على الارض كالاوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة، وكانت مانعة للارض عن الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الارض عن الحركة المستديرة، فهذا ما وصل إليه خاطري (1) في هذا الباب والله أعلم (2) (انتهى). واعترض عليه بأن كلامه لا يخلو عن تشويش واضطراب، والذي يظهر من أوائل كلامه هو أنه جعل المناط في استقرار الارض الخشونات والتضريسات من حيث إنها خشونات وتضريسات، وذلك إما لممانعة الاجزاء المائية الملاصقة لتلك التضريسات


(1) في المصدر: بحثي. (2) مفاتيح الغيب: ج 20، ص 9.

[105]

لاستلزام حركة الارض زوالها عن مواضعها، وحينئذ يكون علة السكون هي الجبال الموجودة في الماء لا ما خلقت في الربع المكشوف من الارض، ولعله خلاف الظاهر في معرض الامتنان بخلق الجبال وهو خلاف الظاهر من قوله تعالى " وجعل فيها رواسي من فوقها " والقول بأن ما في الماء أيضا فوقها فلعل المراد تلك الجبال لا يخلوا عن بعد مع أنها ربما كانت معاونة لحركة الارض، كما إذا تحركت كرة الماء بتموجها بأجمعها أو تموج أبعاضها المقاربة لتلك الخشونات، وإنما يمانعها عن الحركة أحيانا عند حركة أبعاضها، وإما لممانعة الاجزاء الهوائية المقارنة للجبال الكائنة على الربع الظاهر فكانت الاوتاد مثبتة لها في الهواء مانعة عن تحريك الماء بتموجه إياها كما يمانع الجبال المخلوقة في الماء عن تحريك الرياح إياها، وحينئذ يكون وجود الجبال في كل منهما معاونا لحركة الارض في بعض الصور معاوقا عنها في بعضها، ولا مدخل حينئذ لثقل الجبال وتركبها في سكون الارض واستقرارها، والذي يظهر من قوله " لان الجرم البسيط - الخ - " أن البساطة توجب حركة الارض، إما بانفرادها أو بمشاركة عدم الخشونة ولعله استند في ذلك إلى أن البسيط تتساوى نسبة أجزائه إلى أجزاء المكان وإنما الطبيعة تقتضي انطباق مركز الثقل من الارض على مركز العالم على أي وضع كان، والماء لا يقوى على إخراج الكرة عن مكانها نعم يحركها بالحركة المستديرة، بخلاف المركب فإنه ربما كان بعض أجزائه مقتضيا لوضع خاص كمحاذاة أحد القطبين مثلا حتى تكون الفائدة تحصل بتركب بعض أجزاء الارض وإن لم يكن هناك جبل وارتفاع، فلا يكون الامتنان بخلق الجبل من حيث أنه جبل، بل من حيث أنه مركب، إلا على تقدير كون المراد أن المقتضي للسكون هو الحالة المركبة من التركب والتضريس، و الظاهر من وصف الجبال بالشامخات في الآية مدخلية ارتفاعها في هذا المعنى، إلا أن يكون الوصف لترتب فوائد اخر عليها، وحينئذ لا مدخل لثقل الجبال في سكون الارض كما يظهر من قوله أخيرا، فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم، وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الارض من الاستدارة، ومع ذلك لا ينفع في نفي

[106]

الحركة المشرقية والمغربية بل يؤيدها، ويمكن أن يكون مراده أن العلة هي المجموع من الامور الثلاثة، ولعله جعل الطبيعية الارضية كافية في استقرارها في مكانها، وإنما احتاج إلى المانع عن حركتها بالاستدارة حركة وضعية، ولذا قال أخيرا: وكانت مانعة للارض عن الميد والاضطراب، بمعنى أنها منعت الارض عن الحركة المستديرة. الوجه الثالث: ما يخطر بالبال وهو أن يكون مدخلية الجبال لعدم اضطراب الارض بسبب اشتباكها واتصال بعضها ببعض في أعماق الارض بحيث تمنعها عن تفتت أجزائها وتفرقها، فهي بمنزلة الاوتاد المغروزة المثبتة في الابواب المركبة من قطع الخشب الكثيرة بحيث تصير سببا لالتصاق بعضها ببعض وعدم تفرقها، وهذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار في الارض فإنها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الاحجار الصلبة، و أنت ترى أكثر قطع الارض واقعة بين جبال محيطة بها، فكأنها مع ما يتصل بها من القطعة الحجرية المتصلة بها من تحت تلك القطعات كالظرف لها تمنعها عن التفتت والتفرق والاضطراب عند عروض الاسباب الداعية إلى ذلك. الوجه الرابع: ما ذكره بعض المتعسفين من أنه لما كانت فائدة الوتد أن يحفظ الموتود في بعض المواضع عن الحركة والاضطراب حتى يكون قارا ساكنا، وكان من لوازم ذلك السكون في بعض الاشياء صحة الاستقرار على ذلك والتصرف عليه، وكان من فائدة وجود الجبال والتضريسات الموجودة في وجه الارض أن لا تكون مغمورة بالماء ليحصل للحيوان الاستقرار والتصرف عليها، لا جرم كان بين الاوتاد والجبال الخارجة من الماء في الارض اشتراك في كونهما مستلزمين لصحة استقراره مانعين من عدمه، لا جرم حسنت نسبة الايتاد إلى الصخور والجبال. وأما إشعاره بالميدان فلان الحيوان كما يكون صادقا عليه أنه غير مستقر على الارض بسبب انغمارها في الماء لو لم يوجد الجبال كذلك يصدق على الارض أنها غير مستقرة تحته ومضطربة بالنسبة إليه، فثبت حينئذ أنه لولا وجود الجبال في سطح الارض لكانت مضطربة ومائدة بالنسبة إلى الحيوان، لعدم تمكنه من الاستقرار عليها.

[107]

الوجه الخامس: أن يكون المراد بالجبال الرواسي الانبياء والاولياء والعلماء، وبالارض الدنيا. أما وجه التجوز بالجبال عن الانبياء والعلماء فلان الجبال لما كانت على غاية من الثبات والاستقرار مانعة لما يكون تحتها من الحركة والاضطراب عاصمة لما يلتجئ إليها من الحيوان عما يوجب له الهرب فيسكن بذلك اضطرابه وقلقلته أشبهت الاوتاد من بعض هذه الجهات. ثم لما كانت الانبياء والعلماء هم السبب في انتظام امور الدنيا وعدم اضطراب أحوال أهلها كانوا كالاوتاد للارض، فلا جرم صحت استعارة لفظ الجبال لهم، ولذلك صح في العرف أن يقال: فلان جبل منيع يأوي إليه كل ملهوف إذا كان يرجع إليه في المهمات والحوائج، والعلماء أوتاد الله في الارض. الوجه السادس: أن يكون المقصود من جعل الجبال كالاوتاد في الارض أن يهتدى بها إلى طرقها والمقاصد فيها، فلا تميد جهاتها المشتبهة بأهلها ولا تميل بهم فيتيهون فيها عن طرقهم ومقاصدهم. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها بعض المتعسفين، و هذا دأبه في أكثر الآيات والاخبار حيث يؤولها بلا ضرورة داعية وعلة مانعة عن القول بظاهرها، وهل هذا إلا افتراء على مالك يوم الدين، وافتراء على حجج رب العالمين ؟ !. الوجه السابع: أن يقال: المراد بالارض قطعاتها وبقاعها لا مجموع كرة الارض وبكون الجبال أوتادا لها أنها حافظة لها عن الميدان والاضطراب بالزلزلة ونحوها إما لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن الله تعالى، أو لغير ذلك من الاسباب التي يعلمها مبدعها ومنشئها. وهذا وجه قريب ويؤيده ما سيأتي في باب الزلزلة من حديث ذي القرنين. أقول: وأما حديث ذي القرنين والسد وغيره من أحواله فقد مضى في المجلد الخامس في باب أحواله، ولنذكر هنا بعض ما مضى برواية اخرى: قال الثعلبي في العرائس: روى وهب بن منبه وغيره من أهل الكتب قالوا:

[108]

كان ذوالقرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه " اسكندروس " ويقال: كان اسمه " عياش " وكان عبدا صالحا، فلما استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله إليه: يا ذاالقرنين ! إني بعثتك إلى جميع الخلق ما بين الخافقين وجعلتك حجتي عليهم، وهذا تأويل رؤياك وإني باعثك إلى امم الارض كلهم وهم سبع امم مختلفة ألسنتهم، منهم امتان بينهما عرض الارض، وامتان بينهما طول الارض، وثلاث امم في وسط الارض، وهم الجن والانس ويأجوج ومأجوج. فأما الامتان اللتان بينهما طول الارض فامة عند المغرب يقال لها " ناسك " وامة اخرى بحيالها عند مطلع الشمس يقال لها " منسك " وأما اللتان بينهما عرض الارض فامة في قطر الارض الايمن يقال لها " هاويل " وامة في قطر الارض الايسر يقال لها " قاويل " فلما قال الله سبحانه ذلك قال ذوالقرنين: إلهي إنك قد ندبتني إلى أمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن الامم التي بعثتني إليها بأي قوة اكاثرهم ؟ أو بأي جمع وحيلة اكابرهم ؟ وبأي صبر اقاسيهم ؟ وبأي لسان اناطقهم ؟ وكيف لي بأن أفهم لغاتهم ؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم ؟ وبأي بصر انفذهم ؟ وبأي حجة اخاصمهم ؟ وبأي عقل أعقل عنهم ؟ وبأي قلب وحكمة ادبر امورهم ؟ وبأي قسط أعدل بينهم ؟ وبأي حلم اصابرهم ؟ وبأي معرفة أفصل بينهم ؟ وبأي علم اتقن امورهم ؟ وبأي يد أستطيل عليهم ؟ وبأي رجل أطأهم ؟ وبأي طاقة احصيهم ؟ وبأي جند اقاتلهم ؟ وبأي رفق أتألفهم ؟ وليس عندي يا إلهي شئ مما ذكرت يقوم لهم ويقوى عليهم و أنت الرؤف الرحيم الذي لا تكلف نفسا إلا وسعها ولا تكلفها إلا طاقتها. فقال الله عز وجل: إني ساطوقك ما حملتك: أشرح لك سمعك فتسمع كل شئ وتعي كل شئ وأشرح لك فهمك فنفقه كل شئ، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شئ، وأفتح لك بصرك فتنفذ كل شئ، واحصي لك فلا يفوتك شئ، وأشد لك عضدك فلا يهولك شئ وأشد لك ركنك فلا يغلبك شئ، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شئ، وأشد لك يدك فتسطو فوق كل شئ وأشد لك وطأتك فتهد على كل شئ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شئ، واسخر الظلمة من ورائك. فلما قيل له ذلك حدث نفسه بالمسير وألح

[109]

عليه قومه بالمقام فلم يفعل وقال: لا بد من طاعة الله تعالى. ثم أمرهم أن يبنوا له مسجدا وأن يجعلوا طول المسجد أربعمأة ذراع، وأمرهم أن لا ينصبوا فيه السواري. قالوا كيف نصنع ؟ قال: إذا فرغتم من بنيان الحائط فاكبسوها بالتراب حتى يستوي الكبس مع حيطان المسجد، فإذا فرغتم فرضتم من الذهب على الموسر قدره وعلى المقتر قدره، ثم قطعتموه مثل قلامة الظفر، ثم خلطتموه بذلك الكبس وجعلتم خشبا من نحاس، ووتدا من نحاس، وصفائح من نحاس تذيبون ذلك وأنتم تمكنون من العمل كيف شئتم على أرض مستوية. وجعلتم طول كل خشبة مأتي ذراع وأربعة وعشرين ذراعا: مأتا ذراع في ما بين الحائطين لكل حائط اثنا عشر ذراعا ثم تدعون المساكين لنقل التراب فيتسارعون إليه لاجل ما فيه من الذهب والفضة فمن حمل شيئا فهو له. ففعلوا ذلك، فأخرج المساكين التراب واستقر السقف بما عليه و استغنى المساكين، فجندهم أربعين ألفا، وجعلهم أربعة أجناد في كل جند عشرة آلاف ثم عرضهم فوجدهم في ما قيل ألف ألف وأربعمأة ألف رجل منهم من جنده ثمانمأة ألف ومن جند دارا (1) ستمأة ألف ومن المساكين أربعين ألفا. ثم انطلق يؤم الامة التي عند مغرب الشمس، فذلك قوله تعالى " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة " أي ذات حمأة. ومن قرأ " حامية " بالالف من غير همز فمعناها: حارة. فلما بلغ مغرب الشمس وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلا الله تعالى وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله عزوجل " ورأى ألسنة مختلفة وأهواء متشتة وذلك قول الله تعالى " ووجد عندها قوما " يعني ناسا كثيرة يقال لها " ناسك " فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد، ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى الله عزوجل وعبادته " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وانوفهم وآذانهم وأحداقهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن كل جانب منهم، فهاجوا فيه وتحيروا، فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد


(1) كذا في جميع النسخ.

[110]

فكشفها عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا في دعوته. فجند من أهل المغرب امما عظيمة فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من خلفهم والنور أمامهم يقوده ويدله وهو يسير في ناحية الارض اليمنى، وهو يريد الامة التي في قطر الارض الايمن التي يقال لها " هاويل " وسخر الله له قلبه ويده ورأيه وعقله ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا، فانطلق يقود تلك الامم وهي تتبعه، فإذا هي أتت إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار، أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الامم وتلك الجنود فإذا هي قطع الانهار والبحار فتقها. ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلم يكرثه حمله فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى " هاويل " فعمل فيها كفعله في " ناسك " فلما فرغ منها مضى على وجهه في ناحية الارض اليمنى حتى انتهى إلى " منسك " عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند جنودا كفعله في الامتين قبلهما، ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية [الارض] اليسرى وهو يريد " قاويل " وهي الامة التي بحيال " هاويل " وهما متقابلتان بينهما عرض الارض كله، فلما بلغها عمل فيها وجند فيها كفعله في ما قبلها، فذلك قوله تعالى " حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " يعني: مسكنا. قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء فكانوا إذا طلعت عليهم الشمس هووا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما تتراعى البهائم. و قال ابن جريح: وجاءهم جيش مرة وقال لهم أهلها لا يطلع عليكم الشمس وأنتم بها ! فقالوا: ما ؟ ؟ ؟ ؟ تطلع الشمس فنراها، فماتوا. وقيل: فذهبوا بها هاربين في الارض. وقال ؟ ؟ ؟: هم امة يقال لها منسك حفاة عماة عن الحق. قال: وحدثنا عمرو بن مالك ؟ ؟ قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدث الناس وهم يجتمعون حوله فسألت بعض من سمع فأخبرني أنه حدثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس.

[111]

قال: قال: خرجت حتى إذا جاوزت الصين، ثم سألت عنهم، فقيل: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليله، فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش اذنه ويلبس الاخرى وان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم، وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علي فأفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء فإذا هو يغلي كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط. فلما ارتفعت أدخلوني في سرب لهم أنا وصاحبي. فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه بالشمس فينضج. ثم قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار القدماء: لما فرغ ذوالقرنين من أمر الامم الذين هم بأطراف الارض وطاف الشرق والغرب عطف فيها إلى الامم التي في وسط الارض من الجن والانس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له امة صالحة من الانس: يا ذاالقرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الانس وهم مشابه البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع، ويأكلون حشرات الارض كلها من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الارض، وليست (1) لله تعالى خلق ينمو نماءهم. ولا يزداد كزيادتهم ! فإن أتت مدة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملؤون الارض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها ويفسدون فيها، وليست تمر بنا سنة مذ جاوزناهم إلا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أو لهم من بين هذين الجبلين " فهل نجعل لك خرجا " أي جعلا وأجرا " على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " حاجزا فلا يصلون إلينا ؟ فقال لهم ذوالقرنين " ما مكني فيه ربي خير " أي ما قواني عليه خير من خرجكم " ولكن أعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما " أي حاجزا كالحائط. قالوا: وما تلك القوة ؟ قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل وآلة (2). قالوا: وما تلك الآلة ؟ " قال آتوني زبر الحديد " يعني قطعا - واحدتها


(1) ليس (ظ). (2) الالة (خ).

[112]

زبرة - وآتوني بالنحاس. فقالوا: ومن أين لنا الحديد والنحاس ما يسع هذا العمل ؟ قال: ساريكم على (1) معادن الحديد والنحاس، فضرب لهم في جبلين حتى فلقهما ثم استخرج منهما معدنين من الحديد والنحاس. قالوا: بأي قوة نقطع الحديد والنحاس ؟ فاستخرج لهم معدنا آخر من تحت الارض يقال له " السامور " وهو أشد ما خلق الله تعالى بياضا، وهو الذي قطع به سليمان أساطين بيت المقدس وصخوره وجواهره، ثم قاس ما بين الجبلين ثم أوقد على جمع (2) من الحديد والنحاس النار، فصنع منه زبرا أمثال الصخور العظام، ثم أذاب النحاس فجعله كالطين والملاط لتلك الصخور من الحديد ثم بنى. وكيفية بنائه على ما ذكر أهل السير هو أنه لما قاس ما بين الجبلين وجد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له الاساس حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا، ثم وضع الحطب بين الجبلين ثم نسج عليه الحديد ثم نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد " حتى ساوى بين الصدفين " وهما الجبلان، ثم أمر بالنار فارسلت فيه ثم " قال انفخوا حتى جعله نارا " ثم جعل يفرغ القطر عليه وهو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب فيصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس، فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد وغبرته، فصار سدا طويلا عظيما حصينا كما قال تعالى " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ". وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: انعته لي. قال كالبرد الحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد رأيته. ويقال: إن موضع السد وراء " ملا ذجرد " بقرب مشرق الصيف (3) بينه وبين الخزرة مسيرة اثنين وسبعين يوما. وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كان ذوالقرنين قد ملك ما بين المشرق والمغرب وكان له خليل من الملائكة اسمه " رفائيل " يأتيه ويزوره، فبينما هما ذات يوم يتحدثان إذ قال ذوالقرنين: يا رفائيل ! حدثني عن عبادتكم في السماء


(1) لفظة " على " زائدة ظاهرا. (2) ما جمع (ظ). (3) كذا.

[113]

فبكى وقال: يا ذاالقرنين ! وما عبادتكم عند عبادتنا ؟ ! إن في السماء من الملائكة من هو قائم أبدا لا يجلس، ومنهم الساجد لا يرفع رأسه أبدا، ومنهم الراكع لا يستوي قائما أبدا، يقول: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، ربنا ما عبدناك حق عبادتك. فبكى ذوالقرنين بكاء شديدا ثم قال: إني لاحب أن أعيش فأبلغ من عبادة ربي حق طاعته ! فقال رفائيل: أو تحب ذلك يا ذاالقرنين ؟ قال: نعم، فقال رفائيل: فإن لله تعالى عينا في الارض تسمى " عين الحياة " فيها من الله عزوجل عزيمة أنه من شرب منها لم يمت أبدا حتى يكون هو الذي يسأل ربه الموت ! فقال ذوالقرنين هل تعلمون أنتم موضع تلك العين ؟ فقال: لا، غير أنا نتحدث في السماء أن لله تعالى في الارض ظلمة لا يطأها إنس ولا جان، فنحن نظن أن تلك العين في تلك الظلمة. فجمع ذوالقرنين علماء أهل الارض وأهل دراسة الكتب وآثار النبوة فقال لهم: أخبروني هل وجدتم في ما قرأتم من كتب الله تعالى وما جاءكم من أحاديث الانبياء و من كان قبلكم من العلماء أن الله تعالى وضع في الارض عينا سماها " عين الحياة " ؟ فقالت العلماء: لا، فقال عالم من العلماء - واسمه " فتحيز (1) " - إني قرأت وصية آدم فوجدت فيها أن الله خلق في الارض ظلمة لم يطأها إنس ولا جان ووضع فيها عين الخلد. فقال ذوالقرنين: صدقت. ثم حشد إليه الفقهاء والاشراف والملوك وسار يطلب مطلع الشمس، فسار اثني عشرة سنة إلى أن بلغ طرف الظلمة، فإذا ظلمة تفور مثل الدخان ليست بظلمة ليل، فعسكر هناك ثم جمع علماء عسكره فقال: إني اريد أن أسلك هذه الظلمة ! فقال العلماء: أيها الملك إنه من كان قبلك من الانبياء والملوك لم يطلبوا هذه الظلمة فلا تطلبها، فإنا نخاف أن ينفتق عليك أمر تكرهه ويكون فيه فساد أهل الارض. فقال: لا بد من أن أسلكها. فقالوا: أيها الملك كف عن هذه الظلمة ولا تطلبها، فإنا لو نعلم أنك إن طلبتها ظفرت بما تريد ولم يسحط الله علينا لا تبعناك ولكنا نخاف العنت من الله تعالى وفسادا في الارض ومن عليها. فقال


(1) خضر (ظ). (*)

[114]

ذوالقرنين: لا بد من أن أسلكها. فقالت العلماء: شأنك بها. فقال ذوالقرنين: أي الدواب أبصر ؟ قالوا: الخيل. قال: فأي الخيل أبصر ؟ قالوا: الاناث. قال: فأي الاناث أبصر ؟ قالوا: البكارة. فأرسل ذوالقرنين فجمع له ستة آلاف فرس انثى بكارة ثم انتخب من عسكره أهل الجلد والعقل ستة آلاف رجل، فدفع إليهم كل رجل فرسا، وعقد للخضر على مقدمته على ألفين وبقي ذوالقرنين في أربعة آلاف. وقال ذوالقرنين للناس: لا تبرحوا من معسكركم هذا اثني عشرة سنة فإن نحن رجعنا إليكم وإلا فارجعوا إلى (1) بلادكم. فقال الخضر: أيها الملك، إنا نسلك ظلمة [هو] لا ندري كم السير (2) فيها ولا يبصر بعضنا بعضا، فكيف نصنع بالضلال إذا أصابنا ؟ فدفع ذوالقرنين إلى الخضر خرزة حمراء فقال: حيث يصيبكم الضلال فاطرح هذه في الارض فإذا صاحت فليرجع أهل الضلال إليها أين صاحت. فصار الخضر بين يدي ذي القرنين يرتحل الخضر وينزل ذوالقرنين، فبينما الخضر يسير إذ عرض له واد فظن أن العين في الوادي والقي في قلبه ذلك، فقام على شفير الوادي وقال لاصحابه: قفوا ولا يبرحن رجل من موقفه ! فرمى بالخرزة فمكث طويلا ثم أجابته الخرزة فطلب صوتها فانتهى إليها، فإذا هي على جانب العين، فنزع الخضر ثيابه ثم دخل العين فإذا ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من الشهد فشرب واغتسل وتوضأ ولبس ثيابه، ثم رمى بالخرزة نحو أصحابه فوقفت الخرزة فصاحت، فرجع الخضر إلى صوتها وإلى أصحابه، فركب وقال لاصحابه: سيروا باسم الله. ومر ذوالقرنين فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوما وليلة، ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر ولا أرض حمراء ورملة خشخاشة - أي مصوتة - فإذا هو بقصر مبني في تلك الارض طوله فرسخ في فرسخ عليه باب فنزل ذوالقرنين بعسكره ثم خرج وحده حتى دخل القصر، فإذا حديدة قد وضعت طرفاها على جانب القصر من ههنا وههنا وإذا بطائر (3) أسود شبيه بالخطاف مزموم بأنفه إلى الحديدة معلق بين السماء والارض


(1) في اكثر النسخ: على. (2) نسير (خ). (3) طائر (خ):

[115]

فلما سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال: من هذا ؟ قال: أنا ذوالقرنين. فقال الطائر: يا ذاالقرنين أما كفاك ما وراك حتى وصلت إلي ؟ ! ثم قال الطائر: يا ذاالقرنين حدثني فقال ذوالقرنين: سل، فقال: هل كثر بناء الآجر والجص في الارض ؟ قال: نعم فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة، ثم قال: يا ذاالقرنين هل كثرت المعازف ؟ قال: نعم، فانتفض الطير وامتلا حتى ملا من الحديدة ثلثيها، ثم قال: هل كثرت شهادات الزور في الارض ؟ قال: نعم، فانتفض الطائر انتفاضة فملا الحديدة وسد ما بين جداري القصر، فخشي (1) وخاف ذوالقرنين وفرق فرقا شديدا، فقال الطائر: يا ذاالقرنين لا تخف ! حدثني. قال: سل، قال هل يترك (2) الناس شهادة أن لا إله إلا الله قال: لا، قال: فانضم الطائر ثلثا، ثم قال: يا ذاالقرنين هل ترك الناس الصلاة المفروضة [بعد] ؟ قال: لا، قال: فانضم الطائر ثلثا، ثم قال: يا ذاالقرنين هل ترك الناس غسل الجنابة بعد ؟ قال: لا، قال فصار الطائر كما كان. ثم قال: اسلك يا ذاالقرنين هذه الدرجة درجة إلى أعلى القصر، فسلكها ذوالقرنين وهو خائف وجل لا يدري على م يهجم، حتى استوى على صدر الدرج، فإذا سطح ممدود عليه صورة رجل شاب قائم عليه ثياب بيض، رافعا وجهه إلى السماء واضعا يديه على فيه، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال: ما هذا ؟ قال: أنا ذوالقرنين. قال: يا ذاالقرنين إن الساعة قد اقتربت، وأنا أنتظر أمر ربي يأمرني أن أنفخ فأنفخ. ثم أخذ صاحب الصور شيئا من بين يديه كأنه حجر فقال: خذها يا ذاالقرنين ! فإن شبع هذا شبعت وإن جاع هذا جعت. فأخذ ذوالقرنين الحجر ونزل إلى أصحابه، فحدثهم بأمر الطائر وما قال له وما رد عليه وما قال صاحب الصور. ثم جمع علماء عسكره فقال: أخبروني عن هذا الحجر ما أمره ؟ فقالوا: أيها الملك أخبرنا بما قال لك فيه صاحب الصور. فقال ذوالقرنين: إنه قال لي: إن شبع هذا شبعت وإن جاع جعت. فوضعت العلماء ذلك الحجر في إحدى كفتي الميزان وأخذوا حجرا مثله فوضعوه في الكفة الاخرى ثم


(1) فجثى (خ). (2) ترك (ظ).

[116]

رفعوا الميزان فإذا الذي جاء به ذوالقرنين يميل، فوضعوا معه آخر ورفعوا الميزان فإذا هو يميل بهن فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فرفعوا الميزان فمال بالالف جميعا ! فقالت العلماء: انقطع علمنا دون هذا لا ندري أسحر هذا أم علم ما لا نعلمه ! فقال الخضر وكان قد وافاه: نعم، أنا أعلمه. فأخذ الخضر الميزان بيده، ثم أخذ الحجر الذي جاء به ذوالقرنين فوضعه في إحدى الكفتين فأخذ حجرا من تلك الحجارة فوضعه في الكفة الاخرى ثم أخذ كفا من تراب فوضعه على الحجر الذي جاء به ذوالقرنين، ثم رفع الميزان فاستوى ! فخرت العلماء سجدا لله تعالى وقالوا: سبحان الله ! هذا علم لا يبلغه علمنا، والله لقد وضعنا ألفا فما استقل به. فقال الخضر: أيها الملك، إن سلطان الله عزوجل قاهر لخلقه، وأمره نافذ فيهم، وحكمه جار عليهم، فان الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ببعض: فابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، والعالم بالجاهل، والجاهل بالعالم، وإنه ابتلاك بي وابتلاني بك. فقال ذوالقرنين: صدقت، فأخبرنا عن هذا المثل. فقال الخضر: هذا مثل ضربه لك صاحب الصور: إن الله عزوجل مكن لك في البلاد وأعطاك منها ما لم يعط أحدا وأوطأك منها ما لم يوطئ أحدا فلم تشبع، فأبت نفسك شرها حتى بلغت من سلطان الله ما لم يطأه إنس ولا جان، فهذا مثل ضربه لك صاحب الصور إن ابن آدم لا يشبع أبدا دون أن يحثى عليه التراب، ولا ملا جوفه إلا التراب. فبكى ذوالقرنين، ثم قال: صدقت يا خضر في ضرب هذا المثل، لا جرم لا أطلب أثرا في البلاد بعد مسيري هذا حتى أموت. ثم انصرف راجعا حتى إذا كان في وسط الظلمة وطأ الوادي الذي فيه الزبرجد، فقال من معه لما سمعوا خشخشة تحت أقدامهم وأقدام دوابهم: ما هذا تحتنا يا أيها الملك ؟ فقال ذوالقرنين: خذوا منه فإنه من أخذ ندم ومن ترك ندم، فمنهم من أخذ الشئ ومنهم من تركه، فلما خرجوا من الظلمة إذا هو الزبرجد، فندم الآخذ والتارك. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رحم الله أخي ذاالقرنين، لو ظفر بوادي الزبرجد في مبتداه ما ترك منها شيئا حتى يخرجه إلى الناس لانه كان راغبا في الدنيا ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة له فيها. ثم رجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف

[117]

ومات في طريقه بشهر روز (1). وقال علي بن أبي طالب - صلوات الله -: ثم إنه رجع إلى " دومة الجندل " وكان منزله فأقام بها حتى مات - انتهى -. وقال الطبرسي - ره - في قوله تعالى " إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض " فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم ويأكلون لحومهم ودوابهم. وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابس إلا احتملوه، عن الكلبي - وقيل: أراد أنهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم. وورد في الخبر عن حذيفة: قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن يأجوج ومأجوج، فقال: يأجوج امة، ومأجوج امة كل امة أربعمأة امة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الآزر: قلت: يا رسول الله وما الآزر ؟ قال: شجر بالشام طويل، ومنهم طوله وعرضه (2) سواء، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالاخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه. من مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة " طبرية " قال وهب ومقاتل: إنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذوالقرنين فضرب السد فبقيت خارجته، وقال قتادة: إن ذاالقرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء والتراب يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الاب دون الام. وهذا بعيد (3). " وهم من كل حدب ينسلون " قال - ره -: أي من كل نشز من الارض يسرعون، يعني أنهم متفرقون في الارض فلا ترى أكمة إلا وقوم منهم يهبطون منها


(1) بشهر زور (خ). (2) في المصدر:... طول، وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء. (3) مجمع البيان: ج 6، ص 494.

[118]

مسرعين (1). وقال - رحمه الله - في " ق " قيل: هو اسم الجبل المحيط بالارض من زمردة خضراء خضرة السماء منها، عن الضحاك وعكرمة (2). وقال - رحمه الله -: في " والطور ": أقسم سبحانه بالجبل الذي كلم عليه موسى بالارض المقدسة، وقيل: هو الجبل أقسم به لما أودع فيه من أنواع نعمه (3). وفي قوله تعالى " وإلى الجبال كيف نصبت ": أي أفلا يتفكرون في خلق الله سبحانه الجبال أوتادا للارض ومسكنة لها، و أنه لولاها لمادت الارض بأهلها (4). 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، بإسناده رفعه إلى الصادق عليه السلام قال: الدنيا سبعة أقاليم، يأجوج ومأجوج والروم والصين والزنج وقوم موسى وأقاليم بابل (5). بيان: لعل المراد هنا بيان أقاليم الدنيا باعتبار أصناف الناس واختلاف صورهم وألوانهم وطبائعهم، والغرض إما حصرهم فيها فأقاليم بابل المراد بها ما يشمل أشباههم من العرب والعجم، والصين يشمل جميع الترك، والزنج يشمل الهنود، أو بيان غرائب الاصناف من الخلق وهو أظهر. والمراد بقوم أهل جابلقا وجابرسا كما مر. 2 - الخصال: عن القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه السراج، عن علي بن الحسن بن (6) سعيد البزاز، عن حميد (7) بن زنجويه، عن عبد الله بن يوسف، عن خالد بن يزيد بن صبيح، عن طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطا، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من الجبال التي تطايرت يوم موسى عليه السلام سبعة أجبل، فلحقت بالحجاز واليمن، منها بالمدينة: أحد، وورقان، وبمكة: ثور، وثبير وحرى، و


(1) مجمع البيان: ج 7، ص 64. (2) المصدر: ج 9، ص 141. (3) المصدر: ج 9، ص 163. (4) المصدر: ج 10: ص 480. (5) الخصال: ج 2 ص 10 (أبواب السبعة). (6) في المصدر: أبو الحسن على بن سعيد البزاز. (7) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: سعيد بن زنجويه.

[119]

باليمن: صبر، وحضور (1) توضيح: قال الفيروز ابادي: " ورقان " بكسر الراء جبل أسود بين العرج والرويثة بيمين المصعد من المدينة إلى مكة - حرسهما الله تعالى - وقال: " ثور " جبل بمكة. وقال: ثبير والاثبرة وثبير الخضراء والنصع والزنج والاعرج والاحدب وغنياء جبال بظاهر مكة. وقال: حراء - ككتاب وكعلى عن عياض يؤنث ويمنع -: جبل بمكة فيه غار تحنث فيه النبي صلى الله عليه وسلم أي تعبد واعتزل. وقال: الصبر - ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة شعر - جبل مطل على تعز. وقال: تعز - كتقل - قاعدة اليمن. وقال: حضور كصبور جبل وبلد باليمن. 3 - الخصال: عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس ومحمد ابن يحيى العطار معا، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن علي، عن زيد بن مهران، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسين بن زيد، قال: بلغني أن الله عزوجل خلق الجبل من أربعة أشياء: من البحر الاعظم المحدق بالدنيا، و من النار، ومن دموع ملك يقال له إبراهيم، ومن بئر طيبة (2). والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. بيان: " خلق الجبل " كذا في بعض النسخ بالجيم والباء الموحدة، وفي أكثر النسخ بالخاء المعجمة والياء المثناة التحتانية. وعلى التقديرين لعل فيه تجوزا واستعارة، مع أن الخبر موقوف لم يسند إلى إمام وكأن في " البئر " أيضا تحريفا. 4 - تفسير على بن ابراهيم: " ق والقرآن المجيد " قال: ق جبل محيط بالدنيا وراء يأجوج ومأجوج، وهو قسم (3). 5 - ومنه: عن أحمد بن علي وأحمد بن إدريس معا، عن محمد بن أحمد العلوي عن العمركي، عن محمد بن الجمهور، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم


(1) الخصال: ج 2 ص 3 (أبواب السبعة). (2) الخصال: 123. (3) تفسير القمي: 643.

[120]

عن يحيى بن ميسرة الخثعمي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: " عسق " عداد سني القائم (1) و " ق " جبل محيط بالدنيا من زمرد أخضر، فخضرة السماء من ذلك الجبل وعلم علي كله في " عسق " (2). 6 - العيون والعلل: في خبر الشامي: سأل أمير المؤمنين عليه السلام مما خلقت الجبال ؟ قال: من الامواج (3). 7 - البصائر: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: إن عليا عليه السلام ملك ما في الارض وما تحتها، فعرضت له السحابان: الصعب، والذلول، فاختار الصعب، فكان في الصعب ملك ما تحت الارض وفي الذلول ملك ما فوق الارض، واختار الصعب على الذلول فدارت به سبع أرضين فوجد ثلاث خراب وأربع عوامر. 8 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن أبي خالد وأبي سلام، عن سورة (4)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أما إن ذاالقرنين قد خير بين السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قال: قلت: وما الصعب ؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه. أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الاسباب أسباب السموات السبع والارضين السبع: خمس عوامر، واثنتان خرابان. بيان: لعل الخامسة عمارتها قليلة فعدت في الخبر السابق من الخراب لذلك. 9 - البصائر للصفار ومنتخب البصائر لسعد بن عبد الله عن سلمة، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سليمان، عن يقطين الجواليقي، عن قلقلة (5) عن أبي جعفر


(1) القسم (خ). (2) تفسير القمى: 595 وفيه: وعلم كل شئ في عسق. (3) العيون: ج 1، ص 241، العلل: ج 2، ص 280. (4) الظاهر أنه سورة بن كليب بن معاوية الاسدي لتصريحه في جامع الرواة برواية أبى سلام عنه ذكره العلامة في القسم الاول من الخلاصة، وروى الكشى حديثا يستشهد به لصحة عقيدته لكنه لا يصير دليلا على قبول قوله. قال الشهيد الثاني في التعليقة " لا يخفى ان الخبر لا يدل على قبول روايته لو سلم سنده فكيف مع ضعفه ". (5) لم نجد له ذكرا في كتب الرجال.

[121]

عليه السلام قال: إن الله خلق جبلا محيطا بالدنيا من زبرجد أخضر، وإنما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل، وخلق خلقا لم يفترض عليهم شيئا مما افترض على خلقه من صلاة وزكاة، وكلهم يلعن رجلين من هذه الامة وسماهما. 10 - جامع الاخبار: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن القاف وما خلفه، قال: خلفه سبعون أرضا من ذهب، وسبعون أرضا من فضة، وسبعون أرضا من مسك، خلفه سبعون أرضا سكانها الملائكة لا يكون فيها حر ولا برد، وطول كل أرض مسيرة عشرة ألف سنة. قيل: وما خلف الملائكة ؟ قال: حجاب من ظلمة، قيل: وما خلفه ؟ قال: حجاب من ريح، قيل: وما خلفه ؟ قال: حجاب من نار، قيل: وما خلفه ؟ قال: حية محيطة بالدنيا كلها تسبح الله إلى يوم القيامة وهي ملك الحيات كلها. قيل: وما خلفه ؟ قال: حجاب من نور. قيل: وما خلفه ؟ قال: علم الله وقضاؤه. وسئل صلى الله عليه وآله عن عرض قاف وطوله واستدارته، فقال: عرضه مسيرة ألف سنة من ياقوت أحمر قضيبه من فضة بيضاء وزجه (1) ومن زمردة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور: ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب، والاخرى في وسط السماء عليها مكتوب ثلاثة أسطر: الاول بسم الله الرحمن الرحيم، الثاني الحمد لله رب العالمين، الثالث لا إله إلا الله، محمد رسول الله. 11 - الدر المنثور عن كعب، في قوله " حتى توارت بالحجاب " قال: حجاب من ياقوت أخضر محيط بالخلائق، فمنه اخضرت السماء التي يقال لها: السماء الخضراء واخضر البحر من السماء فمن ثم يقال: البحر الاخضر (2). وعن ابن مسعود أيضا مثله. بيان: الاخبار المنقولة من الكتابين ضعيفة عامية وقد مر أشياهها وبعض القول فيها في باب العوالم.


(1) الزنج - بضم الزاى وتشديد الجيم -، الحديدة التى في أسفل الرمح ويقابله السنان. (2) الدر المنثور: ج 5، ص 309. وليس رواية ابن مسعود مثلها بل هي هكذا، قال: تورات بالحجاب من وراء قرية خضرة السماء منها.

[122]

12 - كتاب الاقاليم والبلدان: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون - إلى - وكذلك تخرجون " كتب له من الحسنات بعدد كل ورقة ثلج (1) على جبل سيلان. وما السيلان يا رسول الله ؟ قال: جبل بأرمنية وآذربيجان عليه عين من عيون الجنة وفيه قبر من قبور الانبياء. قال أبو حامد الاندلسي: على رأس هذا الجبل عين عظيمة مع غاية ارتفاعه، ماؤه أبرد من ماء الثلج كأنما يشبه بالعسل لشدة عذوبته، وبجوف هذا الجبل ماء يخرج من عين يصلق البيض لحرارته يقصدها الناس لمصالحهم، وبحضيض هذا الجبل شجر كثير ومراع وشئ من حشيش لا يتناوله إنسان ولا حيوان إلا مات لساعته. قال القزويني: ولقد رأيت الخيل والدواب ترعى في هذا الجبل فإذا قربت من ذلك الحشيش نفرت وولت منهزمة كالمطرودة، وقال: قال القزويني: في قرية من قرى قزوين جبل حدثني من صعده أن عليه صورة كل حيوان من الحيوان على اختلاف أجناسها وصور الآدميين على أنواع أشكالها عدد لا تحصى وقد مسخوا حجارة وفيه الراعي متكئا على عصاه، والماشية حوله كلها حجارة، وامرأة تحلب بقرة وقد تحجر، والرجل يجامع امرأته وقد تحجر، وامرأة ترضع ولدها وهلم جرا هكذا. 13 - وقال: حكي أنه دخل على جعفر الصادق عليه السلام رجل من همدان، فقال له جعفر الصادق عليه السلام: من أين أنت ؟ قال: من همدان، فقال له: أتعرف جبلها " راوند " قال له الرجل: جعلت فداك إنه " أروند " قال: نعم، إن فيه عينا من عيون الجنة. بيان: كان الجبل مسمى بكلا الاسمين، والصحيح من اسمه " راوند " وإنما صدقه لانه هكذا أعرف عندهم. وقال: جبل قاف محيط بالارض كإحاطة بياض العين بسوادها، وما وراء جبل قاف فهو من حكم الآخرة لا من حكم الدنيا. وقال بعض المفسرين: إن لله سبحانه وتعالى من وراء جبل قاف أرضا بيضاء كالفضة المجلوة طولها مسيرة أربعين يوما للشمس وبها ملائكة شاخصون إلى العرش لا يعرف الملك منهم من إلى جانبه من هيبة الله تعالى


(1) ثلج تقع على... (خ).

[123]

ولا يعرفون ما آدم وما إبليس، هكذا إلى يوم القيامة. وقيل: إن يوم القيامة تبدل أرضنا هذه بتلك الارض والله أعلم. وقال: السرنديب هو جبل بأعلى الصين في بحر الهند وهو الجبل الذي اهبط عليه آدم عليه السلام وعليه أثر قدمه غائص في الصخرة طوله سبعون شبرا، وعلى هذا الجبل ضوء كالبرق ولا يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا بد لكل يوم فيه من المطر فيغسل قدم آدم عليه السلام. وحوله من أنواع اليواقيت والاحجار النفيسة وأصناف العطر والادوية ما لا يوصف، فإن آدم خطا من هذا الجبل إلى ساحل البحر خطوة واحدة وهو مسيرة يومين. وقال: حكي عن عبادة بن الصامت قال: أرسلني أبو بكر إلى ملك الروم رسولا لادعوه إلى الاسلام، فسرت حتى دخلت بلاد الروم، فلاح لنا جبل يعرف بأهل الكهف فوصلنا إلى دير فيه وسألنا أهل الدير عنهم، فأوقفونا على سرب في الجبل فوهبنا لهم شيئا وقلنا نريد أن ننظر إليهم، فدخلوا ودخلنا معهم، وكان عليهم باب من حديد ففتحوه لنا فانتهينا إلى بيت عظيم محفور في الجبل فيه ثلاثة عشر رجلا مضطجعين على ظهورهم كأنهم رقود وعلى كل واحد منهم جبة غبراء وكساء أغبر قد غطوا بها من رؤسهم إلى أقدامهم، فلم ندر ما ثيابهم من صوف أو وبر إلا أنها كانت أصلب من الديباج فلمسناها فإذا هي تتقعقع من الصفاقة، وعلى أرجلهم الخفاف إلى أنصاف سوقهم مستنعلين بنعال مخصوفة (1) وخفافهم ونعالهم في جودة الخز ولين لجلود ما لم ير مثله. قال: فكشفنا عن وجوههم رجلا رجلا فإذا هم في وضاءة الوجوه وصفاء الالوان وحسن التخطيط، وهم كالاحياء بعضهم في نضارة الشباب، وبعضهم قد خطه الشيب، وبعضهم شعورهم مظفورة، وبعضهم شعورهم مضمومة وعلى زي المسلمين، فانتهينا إلى آخرهم فإذا فيهم مضروب على وجهه بسيف كأنما ضرب في يومه ! فسألنا عن حالهم وما يعلمون من امورهم، فذكروا أنهم يدخلون عليهم في كل عام يوما، ويجتمع أهل تلك الناحية على الباب فيدخل عليهم من ينفض التراب عن وجوههم وأكسيتهم، ويقلم أظفارهم


(1) محفوفة (خ).

[124]

ويقص شواربهم ويتركهم على هيئتهم هذه. قلنا لهم: هل تعرفون من هم وكم مدة هم ههنا ؟ فذكروا أنهم يجدون في كتبهم أنهم كانوا أنبياء بعثوا إلى هذه البلاد في زمان واحد قيل المسيح بأربعمائة سنة. وعن ابن عباس أن أصحاب الكهف سبعة. 14 - نوادر علي بن أسباط: عن إبراهيم بن علي المحمودي، عن أبيه، عن عبد الله بن موسى، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن محمد بن علي عليهم السلام، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم ونحن في مسجده فقال: من ههنا ؟ قلت: أنا يا رسول الله وسلمان الفارسي. فقال: يا سلمان ادع لي مولاك عليا، فقد جاءتني فيه عزيمة من رب العالمين. قال جابر: فذهب سلمان فاستخرج عليا من منزله، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله خلابه فأطال مناجاته، كل ذلك يسر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سرا خفيا عنا ووجه رسول الله صلى الله عليه وآله يقطر عرقا كنظم الدر يتهلل حسنا، ثم قال له لما انصرف من مناجاته: قد سمعت ووعيت فاحفظ يا علي. ثم قال: يا جابر ادع عمر وأبا بكر. قال جابر: فذهبت إليهما فدعوتهما، فلما حضراه قال: يا جابر ادع لي عبد الرحمن بن عوف. قال جابر: فدعوته، فلما أتاه قال: يا سلمان اذهب إلى بيت ام سلمة فأتني بالبساط الخيبري. قال جابر: فما لبثنا أن جاءنا سلمان بالبساط فأمره أن يبسط، ثم أمر القوم فجلس كل واحد منهم على ركن من أركانه وكانوا ثلاثة، ثم خلا رسول الله صلى الله عليه وآله فأطال مناجاته وأسر إليه سرا خفيا ثم أمره أن يجلس على الركن الرابع من البساط. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: يا على اجلس متوسطا وقل ما أمرتك به فإنك لو قلته على الجبال لسارت، أو قلته على الارض لتقطعت من ورائك، ولطويت كل من بين يديك، ولو كلمت به الموتى لاجابوك بإذن الله. فقال له بعض القوم: يا رسو ل الله هذا لعلي خاصة ؟ قال: نعم، فاعرفوا ذلك له. قال جابر: فلما أخذ كل واحد مجلسه اختلج البساط فلم أره إلا ما بين السماء والارض. فلما رجع سلمان خبرني أنهم ساروا ما بين السماء والارض لا يدرون أشرقا أم غربا حتى انقض بهم البساط على كهف عظيم عليه باب من حجر واحد. قال سلمان: فقمت بالذي أمرني به رسول الله صلى الله عليه وآله. قال جابر: فقلت لسلمان: ما أمرك رسو ل الله صلى الله عليه وآله ؟ قال:

[125]

أمرني إذا استقر البساط مكانه من الارض وصرنا عند الكهف أن آمر أبا بكر بالسلام على أهل ذلك الكهف وعلى الجميع، فأمرته، فسلم عليهم بأعلى صوته فلم يردوا عليه شيئا، ثم سلم اخرى فلم يجب، فشهد أصحابه على ذلك وشهدت عليه. ثم أمرت عمر فسلم عليهم بأعلى صوته فلم يردوا عليه شيئا، ثم سلم اخرى فلم يجب، فشهد أصحابه على ذلك وشهدت عليه، ثم أمرت عبد الرحمن بن عوف فسلم عليهم فلم يجب فشهدوا أصحابه على ذلك وشهدت عليه. ثم قمت أنا فأسمعت الحجارة والاودية صوتي فلم اجب، فقلت لعلي: فداك أبي وامي، أنت بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نرجع لك ولك السمع والطاعة، وقد أمرني أن آمرك بالسلام على أهل هذا الكهف آخر القوم، وذلك لما يريد الله لك وبك الشرف من شرف الدرجات. فقام علي فسلم بصوت خفي فانفتح الباب فسمعنا له صريرا شديدا، ونظرنا إلى داخل الغار يتوقد نارا، فملئنا رعبا وولى القوم فرارا، فقلت لهم: مكانكم ! حتى نسمع ما يقال، وإنه لا بأس عليكم. فرجعوا، فأعاد علي عليه السلام فقال: السلام عليكم أيها الفتية الذين آمنوا بربهم. فقالوا: وعليك السلام يا علي ورحمة الله وبركاته وعلى من أرسلك، بآبائنا وامهاتنا أنت يا وصي محمد خاتم النبيين وقائد المرسلين ونذير العالمين وبشير المؤمنين، أقرئه منا السلام ورحمة الله يا إمام المتقين. قد شهدنا لابن عمك بالنبوة ولك بالولاية و الامامة والسلام على محمد يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. قال: ثم أعاد علي عليه السلام فقال: السلام عليكم أيها الفتية الذين آمنوا بربهم وزدناهم هدى. فقالوا: عليك السلام ورحمة الله وبركاته يا مولانا وإمامنا. الحمد لله الذي أرانا ولايتك وأخذ ميثاقنا بذلك وزادنا إيمانا وتثبيتا على التقوى، قد سمع من بحضرتك أن الولاية لك دونهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال سلمان: فلما سمعوا ذلك أقبلوا على علي عليه السلام وقالوا: شهدنا وسمعنا فاشفع لنا إلى نبينا ليرضى عنا برضاك. ثم تكلم علي عليه السلام بما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله مادرينا أشرقا أم غربا حتى نزلنا كالطير الذي يهوي من مكان بعيد وإذا نحن على باب المسجد، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: كيف رأيتم ؟ فقال القوم: نشهد كما شهد أهل الكهف ونؤمن كما آمنوا. فقال:

[126]

إن تفعلوا تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين، فإن لم تفعلوا تختلفوا فمن وافى وافى الله (1) له، ومن نكص فعلى عقبيه ينقلب، أفبعد المعرفة والحجة ؟ ! والذي نفسي بيده لقد امرت أن آمركم ببيعته وطاعته، فبايعوه وأطيعوه، فقد نزل الوحي بذلك: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم (2) ". قال جابر: فبايعناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن استقمتم على الطريقة لعلي في ولايته اسقيتم ماء غدقا، وأكلتم من فوق رؤسكم ومن تحت أرجلكم، وأن لم تستقيموا اختلفت كلمتكم وشمت بكم عدوكم، ولتتبعن بني إسرائيل شيئا شيئا، لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم فيه ! وطوبى لمن تمسك بولاية علي من بعدي حتى يموت وبلغني وأنا عنه راض، قال جابر: وكان ذهابهم ومجيئهم من زوال الشمس إلى وقت العصر. 15 - الدر المنثور: عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء هذه الارض بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له " ق "، السماء الدنيا مترفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أيضا (3) مثل تلك الارض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له " ق " السماء الثانية مترفرفة عليه. حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل (4) قال: وذلك قوله " والبحر يمده من بعده سبعة أبحر (5) ". 16 - وعن عبد الله بن بريدة قال: " ق " جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء (6). 17 - وعن مجاهد قال: " ق " جبل محيط بالارض (7).


(1) فمن وفى وفى الله له (خ). (2) النساء: 58. (3) في المصدر " أرضا " وهو الصواب. (4) في المصدر: وسبع سماوات. (5) الدر المنثور: ج 6، ص 101، والاية في سورة لقمان: 27. (6) الدر المنثور: ج 6، ص 101. (7) الدر المنثور: ج 6، ص 102.

[127]

18 - وعن ابن عباس قال: خلق الله جبلا يقال له " ق " محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الارض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فيزلزلها ويحركها، فمن ثم تحرك القرية دون القرية (1). 19 - العلل والمجالس للصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن عيسى بن محمد، عن علي بن مهزيار عن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن حماد، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: إن ذاالقرنين لما انتهى إلى السد جاوزه فدخل في الظلمات، فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع. فقال له الملك: يا ذاالقرنين، أما كان خلفك مسلك ؟ فقال له ذوالقرنين: من أنت ؟ قال: أنا ملك من ملائكة الرحمن موكل بهذا الجبل، فليس من جبل خلقه الله عزوجل إلا وله عرق إلى هذا الجبل، فإذا أراد الله عزوجل أن يزلزل مدينة أوحى إلي فزلزلتها (2). العياشي: عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الزلزلة فقال: أخبرني أبي عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ذاالقرنين لما انتهى إلى السد - إلى آخر الخبر -. الفقيه: مرسلا مثله (3). بيان: " أما كان خلفك مسلك " أي لاي شئ جئت ههنا مع سعة الارض خلفك ؟ 20 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابه، عن محمد بن سنان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق الارض فأمر الحوت فحملتها، فقالت: حملتها بقوتي، فبعث الله عزوجل حوتا قدر شبر، فدخلت في منخرها فاضطربت أربعين صباحا ! فإذا أراد


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 102. (2) العلل: ج 2، ص 241 مرسلا. (3) من لا يحضره الفقيه: 142، وفيه: وقد تكون الزلزلة من غير ذلك.

[128]

الله عزوجل أن يزلزل أرضا تراءت لها تلك الحوتة الصغيرة فزلزلت الارض فرقا (1). الفقيه: مرسلا مثله. وفيه " قدر فتر " (2). بيان: الفتر - بالكسر -: ما بين السبابة والابهام إذا فرقتهما. وتأنيث " فحملتها " و " قالت " بتأويل الحوتة أو السمكة. و " الفرق " بالتحريك: الخوف. 21 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، بإسناد له رفعه إلى أحدهم عليهم السلام أن الله تبارك وتعالى أمر الحوت بحمل الارض وكل بلدة من البلدان على فلس من فلوسه، فإذا أراد الله عزوجل أن يزلزل أرضا أمر الحوت أن يحرك ذلك الفلس فيحركه، ولو رفع الفلس لا نقلبت الارض بإذن الله (3). الفقية: مرسلا عن الصادق عليه السلام مثله (4). بيان: قال الصدوق - قدس سره - بعد إيراد تلك الاخبار الثلاثة في الفقيه: والزلزلة تكون من هذه الوجوه الثلاثة وليست هذه الاخبار بمختلفة (انتهى) والظاهر أن مراده أن الزلزلة قد تكون بالعلة الاولى، وقد تكون بالعلة الثانية، وقد تكون بالعلة الثالثة، ويحتمل اجتماع تلك العلل في كل زلزلة، ويمكن أن تكون الثانية في الزلزلة العامة لجميع الارض كزلزلة القيامة، والثالثة في ما إذا حصل بسببها خسف وانقلاب وتغير عظيم في الارض وبالجملة الزلزلة العظيمة، والاولى في الزلازل الجزئية اليسيرة. ويؤيد الخبر الاول أن أكثر الزلازل تبتدئ من الجبال، وكل أرض تكون أقرب من الجبل فهي فيها أشد. 22 - الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن محمد بن سنان عن ابن مسكان، عن أبي بكر الحضرمي، عن تميم بن حاتم، قال: كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام فاضطربت الارض فوجأها (5) ثم قال لها: اسكني ! مالك ؟ ثم التفت إلينا فقال: أما إنها لو كانت التي قال الله لاجابتني ولكنها (6) ليست بتلك (7).


(1) العلل: ج 2، ص 241. (2) الفقيه: 142. (3) العلل: ج 2، ص 241. (4) الفقيه: 141. (5) في المصدر: فوحاها. (6) في المصدر: ولكن. (7) روضة الكافي: 256.

[129]

23 - العلل: عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن يحيى بن محمد ابن أيوب، عن علي بن مهزيار، عن ابن سنان، عن يحيى الحلبي، عن عمر بن أبان عن جابر، قال: حدثني تميم بن حذيم، قال: كنا مع علي عليه السلام حيث توجهنا إلى البصرة. قال: فبينما نحن نزول إذا اضطربت الارض فضربها علي عليه السلام بيده ثم قال لها: مالك ؟ ثم أقبل علينا بوجهه ثم قال لنا: أما إنها لو كانت الزلزلة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه لاجابتني ولكنها ليست بتلك (1) بيان: هذا إشارة إلى ما ورد في الاخبار أن " الانسان " في سورة الزلزال هو أمير المؤمنين عليه السلام يقول للارض: مالك ؟ فتحدثه الارض أخبارها. كما روى في العلل عن فاطمة عليها السلام قالت: أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر - وساقت الحديث إلى قولها - فقال لهم علي عليه السلام: كأنكم قد هالكم ما ترون ! قالوا: وكيف لا يهولنا ولم نر مثلها قط ؟ قالت: فحرك شفتيه ثم ضرب الارض بيده ثم قال: مالك ؟ اسكني. فسكنت، فقال: أنا الرجل الذي قال الله " إذا زلزلت الارض زلزالها وأخرجت الارض أثقالها وقال الانسان مالها " فأنا الانسان الذي يقول لها: مالك ؟ " يومئذ تحدث أخبارها " إياي تحدث. فهذا معنى قوله عليه السلام " إنها لو كانت الزلزلة التي ذكرها الله في كتابه " أي في سورة الزلزال وهي زلزلة القيامة " لاجابتني " أي لحدثت وتكلمت معي " ولكنها ليست بتلك " أي زلزلة القيامة (2). 24 - العلل: بالاسناد المتقدم عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحق، عن محمد بن سليمان الديلمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزلزلة ما هي ؟ قال: آية. قلت: وما سببها ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى وكل بعروق الارض ملكا فإذا أراد الله أن يزلزل أرضا أوحى إلى ذلك الملك أن حرك عروق كذا وكذا. قال: فيحرك ذلك الملك عروق تلك الارض التي أمره الله فتتحرك بأهلها. قال: قلت: فإذا كان ذلك فما أصنع ؟ قال: صل صلاة الكسوف فإذا فرغت خررت ساجدا وتقول في سجودك


(1) العلل: ج 2، ص 242. (2) المصدر: ج 2، ص 243.

[130]

" يا من يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا أمسك عنا السوء إنك على كل شئ قدير (1) ". الفقيه: بإسناده عن سليمان الديلمي مثله (2). بيان: " آية " أي علامة من علامات غضبه أو قدرته. " أن تزولا " أي كراهة أن تزولا، أو لتضمن الامساك معنى الحفظ أو المنع عدي به " إن أمسكهما " أي ما أمسكهما. وفي الفقيه بعد قوله " غفورا ": يا من يمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه أمسك.. 25 - الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد،، عن بعض أصحابه، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحوت الذي يحمل الارض أسر في نفسه أنه إنما يحمل الارض بقوته فأرسل الله عزوجل إليه حوتا أصغر من شبر وأكبر من فتر، فدخل في خياشيمه فصعق، فمكث بذلك أربعين يوما. ثم إن الله عزوجل رأف به ورحمه وخرج، فإذا أراد الله عزوجل بأرض زلزلة بعث ذلك الحوت إلى ذلك الحوت فإذا رآه اضطرب فتزلزت الارض (3). 26 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في زلزلة الارض أن الحوت الذي يحمل الارض له فلوس، فإذا أراد الله عزوجل زلزلة أرض أو مكان رفع الحوت الفلس الذي في ذلك الموضع وحركه فتزلزل الارض. 27 - توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام: فإن قال قائل: فلم صارت هذه الارض تزلزل ؟ قيل له: إن الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب بها الناس ليرعوا وينزعوا عن المعاصي. فوائد الاولى: قسمة المعمور من الارض بالاقاليم السبعة. قالوا: الدائرة العظيمة


(1) علل الشرائع: ج 2، ص 242. (2) من لا يحضره الفقيه: 142. (3) روضة الكافي: 255.

[131]

التي تحدث على سطح الارض إذا فرض معدل النهار قاطعا للعالم الجسماني تسمى خط الاستواء، وإذا فرضت عظيمة اخرى على وجه الارض تمر بقطبيها انقسمت الارض بهما أرباعا، أحد القسمين الشماليين هو الربع المسكون، والباقية إما غامرة في البحار غير مسكونة وإما عامرة غير معلومة الاحوال، وطول كل ربع بقدر نصف الدائرة العظيمة وعرضه بقدر ربعها. وهذا الربع المسكون أيضا ليس كله معمورا إذ بعضه في جانب الشمال لفرط البرد لا يمكن لحيوان التعيش فيه، وهي المواضع التي يكون عرضها أزيد من تمام الميل الكلي، وفي القدر المعمور أيضا بحار كثيرة بعضها متصل بالمحيط وبعضها غير متصل كما عرفت، وجبال وآكام وآجام وبطائح ومغايض وبراري لاتقبل العمارة، ووجدوا في جنوب خط الاستواء قليلا من العمارة من الزنج والسودان لكن لقلتها لم يعدوها من المعمورة. ومبدأ العمارة عند المنجمين من جانب الغرب وكانت هناك جزائر تسمى " الجزائر الخالدات " وهي الآن معمورة في الماء فجعلها بعضهم مبدأ الطول، وآخرون جعلوا ساحل البحر الغربي مبدأ وبينهما عشر درجات، ونهاية العمارة من الجانب الشرقي عندهم " كنك ذر " وهو مستقر الشياطين بزعمهم، وسموا ما بين النهايتين على خط الاستواء قبة الارض. ثم قسموا المعمور من هذا الربع في جانب العرض بسبعة أقاليم بدوائر موازية لخط الاستواء، طول كل إقليم ما بين الخافقين، وعرضه بقدر تفاضل نصف ساعة في النهار الاطول، لان أحوال كل إقليم متشابهة متناسبة بحسب الحر والبرد والمزاج والالوان والاخلاق. فمبدأ الاقليم الاول في العرض عند الاكثر مواضع يكون عرضها اثنتا (1) عشر درجة وثلثا درجة ونهارهم الاطول اثنتا عشر ساعة ونصف وربع ولم يعدوا من خط الاستواء إلى هذه المواضع من المعمورة لقلة المعمارة فيها، وبعضهم يجعل مبدأ الاقليم خط الاستواء، لكن على التقديرين لا خلاف في أن مبدأ الاقليم الثاني حيث عرضه عشرون درجة ونصف ونهاره الاطول ثلاث عشرة ساعة وربع. ومساحة سطح الاقليم الاول على الاول كما ذكره البرجندي ستمائة ألف واثنان وستون ألف فرسخ وأربعة وأربعون فرسخا ونصف


(1) كذا في جميع النسخ.

[132]

فرسخ. والبلاد المشهورة الواقعة فيه: نجران، وجند، وصنعاء، وصعدة، وصحار وسندان، وكولم، وعلاقى. وقال بعضهم: وهذا الاقليم يبتدئ في الطول من المشرق وأراضي الصين وتمر هناك على أنهار عظيمة ثم تمر على سواحل البحر الجنوبي و بعض أرض الصين وبعض البلاد الجنوبية من الهند والسند، ثم على جزيرة " كرك " التي والاها من قبل ملك اليمن ثم يمر على خليج فارس وجزيرة العرب وعلى أكثر بلاد اليمن كمعلى، وحضرموت، وصنعاء، وزبيد، وعدن، وشهر، وقلهات، و ظفار، وسبا، ومدينة الطيب، وصحار قصبة (1) عمان، ثم على الخليج الاحمر، و دار ملك الحبشة، وبلاد النوبة، وعلى غاية معدن الذهب من بلاد السودان (2) المغرب ثم على بلاد بربر إلى المحيط المغربي. وعدد البلاد المشهورة الواقعة في هذا الاقليم خمسون، وفيه من الجبال والانهار العظيمة عشرون جبلا وثلاثون نهرا، ولون أكثر أهله السواد، ويزعمون أن هذا الاقليم منسوب إلى زحل. ومساحة سطح ما بين خط الاستواء والاقليم الاول ألف ألف فرسخ ومائة وستة عشر ألف فرسخ وسبعمائة وخمسة وثلاثون فرسخا وسدس فرسخ. والبلاد المشهورة الواقعة فيها: عدن، وشبام وحضرموت، ومرباط، وسقوطره، وجزيرة سرنديب، وجزيرة لامرى، وجزيرة كله وغانه، وكوكو، وسقالة، وبربرا، وزغاوة من بلاد الزنج، وهدية، وزيلع كلاهما من بلاد الحبشة. ومساحة الاقليم الثاني خمسمائة ألف فرسخ واثنان وسبعون ألف فرسخ وستة وستون فرسخا وثلث فرسخ. والبلاد المشهورة فيه: مكة، والمدينة - ضاعف الله شرفهما - وتيماء من بلاد الشام، وينبع، وجدة، وخيبر، وبطن مر، والطائف والفيد، والفرع، ويمامة، والاحساء، وقطيف، والبحرين، والقفط، وصعيد


(1) في مراصد الاطلاع: صحار بالضم وآخره راء: هضبة عمان مما يلى الجبل، وقوام قصبتها مما يلى الساحل مدينة طيبة كثيرة الخيرات مبنية بالاجر والساج - انتهى - والهضبة: الجبل المنبسط على وجه الارض. (2) سودان (خ).

[133]

وأسيوط، واسوان، وإسنا، وعيذاب، ولمطه من أقصى المغرب، وسوس أقصى، و سجلماسة، وديبل من بلاد السند، ومكران، وبيرون، والمنصورة، وصنم صومنات من بلاد الهند، وكنبايت، وماهوره، وقنوج. وقال بعضهم: هذا الاقليم يأخذ في الطول من بلاد الصين ويمر بمعظم بلاد الهند، ومنها " دهلي " ثم بشمال جبال معروفة في ديارهم، ويمر بمعظم ديار السند منها " منصورة " ويصل إلى عمان، ويقطع جزيرة العرب من أرض نجد وتهامة، ويمر بالطائف ومكة - شرفها الله تعالى - ومدينة الرسول الله صلى الله عليه واله ويثرب، وهجر، وقطيف، والبحرين، وهرمز من كرمان ويقطع القلزم ويصل إلى صعيد مصر ويقطع النيل ويأخذ في أرض المغرب ويمر بأواسط بلاد إفريقية ثم ببلاد البربر ويصل إلى المحيط. والبلاد المشهورة الواقعة في هذا الاقليم أيضا خمسون، وفيه من الجبال عشرون، ومن الانهار مثلها. ولون عامة أهله بين السواد والسمرة، ويزعمون أنه منسوب إلى الشمس. ومبدأ الاقليم الثالث عرضه سبع وعشرون درجة ونصف، ونهاية طول الايام ثلاث عشرة ساعة وثلاث أرباع ساعة. ومساحة سطحه أربعمائة وستون ألف فرسخ وأحد وتسعون فرسخا وخمسا فرسخ. والبلاد المشهورة فيه: الاسكندرية، ومنفلوط من بلاد سعيد وأكثر بلادها الواقعة على النيل، ورشيد، ودمياط من بلاد مصر، وقلزم على ساحل بحر اليمن، وفسطاط من بلاد مصر، وعين الشمس منها، وأسفي (1) من أقصى المغرب، وسلا، وفاس، ومراكش (2) ودرعة، وميلة، وتاهرت. وقسطينة (3).


(1) بفتحتين وكسر الفاء: بلدة على شاطئ البحر المحيط بأقصى المغرب (مراصد الاطلاع). (2) بالفتح ثم التشديد وضم الكاف وشين معجمة: أعظم مدينة بالمغرب وأجلها وبها سرير ملوكه في وسط بلاد البربر وبينه وبين البحر عشرة أيام. ومعنى مراكش بالبريرية " أسرع المشى " لانها كانت موضع مخافة. (3) كذا في نسختين مخطوطتين، وفى بعضها " قسطنطنية " وهى غلط لانها من بلاد الروم وهى التى تسمى اليوم " استانبول " من بلاد تركيا، والظاهر ان الصواب " قسطنطينية " بضم القاف وفتح السين وسكون النون الاولى وفتح الياء المخففة الثانية وهى في افريقية مما يلى المغرب كما في مراصد الاطلاع.

[134]

وسطيف كلها من بلاد المغرب، وتينزرت، وتونس، وقابس، وقيروان، ومهدية، و صفاقس، واطرابلس، وقصر أحمد كلها من بلاد إفريقية، وغزة، وعسقلان، و قيسارية، ورملة، وبيت المقدس كلها من بلاد فلسطين ; ونابلس، وعكا، وبيسان وصور، وعمان، وكرك، وبيروت، وصيدا وأذرعات، وبصرى، ودمشق، وصرخد كلها من بلاد الشام، وهيت، والقادسية، وحيرة، والكوفة، والانبار، وبغداد، و صرصر، والمدائن، وبابل، ونعمانية، ونهروان، وقصر بن هبيرة، ونهر الملك كلها من بلاد العراق ونواحيها ; وبصرة، وابله، وعبادان، وطيب، وسوس، و قرقوب، وتستر، وحبى، وعسكر مكرم، والاهواز، ودورق، وأرجان كلها - ما عدا الثلاثة الاول - من بلاد خوزستان ; وسيف البحر، وجور، وأبرقوه، و كازرون، ونوبندجان، وفيروزآباد، وشيراز، والبيضاء، وإصطخر، وبسا (1)، و دارا بجرد كلها من بلاد فارس ونواحيها ; ويزد، وبافد، وبردسير، وجيرفت، وسيرجان وزرند، وبم، وهرموز كلها من بلاد كرمان ; وزرنج (2) وشروان (3) وبست كلها من بلاد سيستان ; وملتان من بلاد السند ; وتعبر من بلاد الهند، وزيتون من بلاد الصين وإصبهان وأردستان، وطبس، وبيروزكوه، وميمند، وغزنة وكابل. وقال بعضهم: هذا الاقليم يبتدئ من شرقي أرض الصين ودار ملكهم، وتمر بوسط مملكة الهند، و قندهار، وكشمير، ويمر بمولتان من أرض السند، وبزابل، وبست، وسيستان، و كيج، ويزده سير مدينة كرمان، وخبيص ; ويزد ; وفارس ; وإصفهان ; والاهواز وعسكر ; وكوفة ; وبصرة وواسط ; وبغداد ; والمدائن وإذا جاوز هذه البلاد يمر بديار ربيعة ومضر ; ودمشق ; وحمص ; وبيت المقدس ; والصورية ; والطبرية والقيسارية ; وعسقلان ; والمدين ; ويأخذ طرفا من أرض مصر فيه دمياط وفسطاط


(1) هي التى تسمى اليوم " فسا ". (2) في طبعة امين الضرب " زرنه ". (3) في بعض النسخ " سروان " وفى المراصد " شرواد ".

[135]

والاسكندرية ثم يمر ببلاد الافريقية (1) وبلد قيروان ; والسوس ; وطرابلس المغرب ; ثم بقبائل السرير في أرض المغرب ; وبلاد طنجة ; وينتهي إلي المحيط. و عدد البلاد المشهورة الواقعة فيه مائة وثمانية وعشرون ; وفيه من الجبال ثلاثة وثلاثون ; ومن الانهار اثنان وعشرون. ولون أكثر أهله السمرة ; ويزعمون أنه منسوب إلى عطارد. وأما الاقليم الرابع فعرض أوله ثلاث وثلاثون درجة وأربعون دقيقة، وأطول نهاره أربع عشرة ساعة وربع، ومساحة سطحه ثلاثمأة ألف وثمانية وسبعون ألفا وثمانية وثلاثون فرسخا وربع، والبلاد المشهورة فيه: قصر عبد الكريم، وطنجة وسبسته (2) وتلمسان، وبجاية من بلاد المغرب ; وبوند، وقصر أحمد، من بلاد إفريقية وإشبيله (3) وقرطبة، ومالقة، وغرناطة، وبلنسية كلها من بلاد الشام (4) وتوابعها وجزيرة يابسة، وجزيرة ما يرقه (5) فيها بحيرة محيطها تسعة أميال، وجزيرة سردانية وجزيرة صقلية، وجزيرة وسامس (6) وجزيرة رودس، وجزيرة قبرس كل هذه الجزائر في بحر الروم ; وطرسوس، وأياس، وأرطة (7) ومصيصة، وبرس برت، وتل حمدون كلها من بلاد أرمن ; وأطرابلس، وبلنباس، وبعلبك، وعرقة، وجبلة من بلاد الشام وسبس، وصهيون، وبغراس، وحارم، وحصن الاكراد، والحمص، وحماة، وشيزر ومرعش، وحصن منصور، ومنبج، ومعرة (8)، وقنسرين، وسميساط بعضها من


(1) افريقية (خ). (2) كذا، وفى المراصد " سبتة ". (3) كذا، في المراصد " اشبيلية ". (4) بل من بلاد الاندلس (اسبانيا). (5) ميورقة جزيرة في شرقي الاندلس (مراصد الاطلاع). (6) وساس (خ). (7) في بعض النسخ " ارته " وفى بعضها " أرته ". (8) في بعض النسخ " مغرة " وهى أيضا موضع بالشام.

[136]

أعمال حلب وبعضها من أعمال الشام وحلب، وحران ; ورقة كلاهما من ديار مضر ; وماردين من ديار ربيعة ; وميا فارقين من بلاد الجزيرة ; وقرقيسياء، وجيران، ونصيبين، و جزيرة ابن عمر، وسنجار من ديار ربيعة ; وتل أعفر، وموصل، والحديثة، و دقوقاء، وآمد، وعانة، وسعرت، وتكريت، وسامراء، ودسكرة، وجلولاء، و خانقين، وحلوان بعضها من العراق وبعضها من الجزائر ; ودلي من بلاد الهند ; و انطاليا من بلاد الروم ; وأرزن، وبدليس، وأرجليس (1) كلها من أرمنية ; وسلماس وخوى، ومراغه، وأوجان، وأردبيل، وميانج، ومرند، وتبريز كلها من بلاد آذربيجان ; وموقان (2) وإربل، وشهر زور، وقصر شيرين، وصيمرة، ودينور وسيروان، وما سبدان، وسهرورد، وزنجان، ونهاوند، وهمدان، وبروجرد، و أبهر، وساوه، وقزوين، وآبه، وجرباذقان، وقم، وطالقان، وقاشان، والري وكرج أكثرها من بلاد الجبل ; ولاهجان، وروذبار، وسالوس، وناتل، وأرجان وآمل، وسارية كلها من بلاد طبرستان ; وسمنان، ودامغان، وبسطام، وإستراباد وآبسكون، وجرجان، ودهستان، وخسروجرد، وقصبة سبزوار، وإسفراين، و نيسابور، ونسا، وطوس، ونوقان، وأبيورد، وقوهستان، وقاين، وزوزن، و جزجرد، وبوزجان، وسرخس، وفوشنج، وهراة، وبادغيس، ومالين، وشيورغان (3) وأسفزار، ومرورود، ومرو، وشاه جهان، وفارياب، وشهرستان، وسمنجان كلها من خراسان وأعمالها ; وبدخشان، وترمد (4) وختلان، ووخش، وصغانيان، و شومان، وآثينية كلها من بلاد المغرب ويقال إنه بلد حكماء يونان. وقال بعض الافاضل: هذا الاقليم وسط الاقاليم، ووسط معظم عمارة العالم، ويبتدئ من شمال بلاد الصين ويمر ببلاد التبت الداخل، وجرجير، وخطا، وختن، وبجبال


(6) كذا في جميع النسخ، وفى المراصد " ارجيش " بالشين المعجمة. (7) الظاهر انها هي التى تسمى اليوم " دشت مغان ". (1) كذا، والظاهر أنه " شبرقان ". (2) قال في المراصد: الناس يختلفون في هذا الاسم والمعروف انه بكسر التاء والميم وأهل تلك المدينة متداول على لسانهم بفتح التاء وكسر الميم، وبعضهم يقول بضمها - الخ -.

[137]

كشمير، وبدخشان، وصغانيان، وكابل، ويمر بطخارستان، وغور، وبلخ، وتزمد وهرات، ومرو، وشاهجهان، ومرو رود، وسرخس، وجوزجان، وفارياب ; و غرجستان (1)، وباورد (2) ونسا، وسبزوار، وطوس، ونيشابور، وإسفراين، و قهستان، وقومس، وجرجان، وطبرستان، وآمد (3) وقم، وآمل، وكاشان، و همدان، وأبهر، وقزوين، والديلم، وساوه، وألموت، وكرج، وكيلان، ومازندران وساري، وسمنان، ودامغان، واستراباد، وبسطام، ونهاوند، ودينور، وحلوان وشهرزور، وزنجان، وسلطانية، وأردبيل، والموصل، وسامره، وأرمنية (4) ومراغه، وتبريز، وسنجار، ونصيبين، وسمياط، وملطية، وأرزنجان، ورأس العين، وقاليقلا، وسميساط، وحلب، وأنطاكية، وقنسرين، وطرابلس الشام، و حمص، وطرسوس، وجزيرة قبرس، ورودس، ويمر بأرض المغرب على بلاد إفرنجة وطنجة، وينتهي إلى المحيط على الرقاق من الاندلس وبلاد المغرب. وعدد البلاد المشهورة الواقعة فيه مائتان واثنا عشر، وفيه من الجبال خمسة وعشرون، ومن الانهار اثنان وعشرون. ولون عامة أهله بين السمرة والبياض، وهو منسوب إلى المشتري على الاصح بزعمهم. وأما الاقليم الخامس فمبدأه حيث عرضه تسع وثلاثون درجة، وغاية طول نهارهم أربع عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة. ومساحة سطحه مائتا ألف وتسع وتسعون ألف فرسخ وأربعمأة وثلاثة وتسعون فرسخا وثلاثة أعشار فرسخ. ومن البلاد الواقعة فيها: اشبونه، وشنترين، وبطليوس، وماردة، وطليطلة، ومرسية، ودانية، ومدينة


(1) في المراصد: غرشستان. (2) فيه: وهى أبيورد. (3) كذا، ولعله مصحف " آمو " فان " آمد " بلد قديم تحيط دجلة بأكثره، ومن البعيد ذكره بين طبرستان وقم مع ما يشاهد من رعاية الترتيب - إلى حد ما - في ذكر اسماء البلاد. (4) ارمية (ظ).

[138]

سالم، وسرقسطة، وطرطوشة، ولاردة، وهيكل الزهرة، واربونة، وأنقورية (1) وعمورية، وآق شهر، وقونية، وقيسارية، وأقسرا (2) وملطية، وسيواس، و توقات، وأرزن، وأرزنجان، وموش، وملازجرد، وأخلاط (3) ; وشروان ; و نشوى ; وبردعة ; وشمكور ; وتفليس ; وبيلقان ; وباب الابواب ; وكنجة ; وسلطانية وفراوة ; وكركنج ; وكات ; وزمخشر ; وهزار أسب ; ودرغان ; وطواويس ; وبيكند وكرمنيه (4) ; ونخشب ; وكش ; وأربنجن ; وإشتيخن ; وسمرقند ; وكشائية ; و شاش ; وبنكث ; وإيلاقي (5) واسروشه (6) وساباط ; وخجند ; وشاوكث ; وتنكت وإمسيكث ; وكاسان ; وفرغانة ; وقبا ; وختن ; وخيوه ; ورومية الكبرى، و ماقذونية من أعمال قسطنطنية. وقال بعض الافاضل: يبتدئ هذا الاقليم من أقصى بلاد الترك ; ويمر على مواضع الاتراك المشهورة إلى حد كاشغر، وختن ; وبيت المقدس ; وفرغانة ; وطراز وخجند ; ويمر بشر وان ; وخوارزم ; وبخارا ; وشاش ; ونسف ; وسمرقند ; و كش ; وببحر خزر وديار أرمنية وبعض بلاد الروم كعمورية ; وقونية ; وأقسراي وقيصرية ; وسيواس ; وأرزن الروم ; ويمر بساحل بحر الشام وبلاد اندلس إلى أن ينتهي إلى المحيط. وعدد البلاد المشهورة الواقعة فيه مائتان، وفيه من الجبال ثلاثون، ومن الانهار خمسة عشر. ولون عامة أهله البياض، وهو منسوب إلى الزهرة بزعمهم. وأما الاقليم السادس فمبدأه حيث عرضه ثلاث وأربعون درجة ونصف، وغاية طول نهاره خمسة عشر ساعة وربع. ومساحة سطحه مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألف


(1) الظاهر انه " آنقرة " التى هي عاصمة تركيا اليوم. (2) ويقال: أقصرى، وأقصراى (3) كذا والمضبوط " خلاط ". (4) في المراصد: كرمينية. (5) كذا والمضبوط " ايلاق ". (6) كذا والمضبوط " اسروشنه " بزيادة نون بعد الشين المعجمة.

[139]

فرسخ وأربعة وثلاثون فرسخا وثلثا فرسخ. وفيه من البلاد المشهورة: تطيلة، وتبلوته وبردال، ولمريا، وجزيرة نقر بيت، وأماسية، وقسطمونيه، وسنوب، وجند، وفاراب وإسفيجاب، وطراز، وشلج، وخان بالق، وكاشغر ; وسمورة، ولنبرديه ; وبيذه ; وبندقيه وبرشان ; وقسطنطنية ; وبلنجر. وقال بعض المحققين: من بلاده معظم الروم ; و الخزر ; والتركستان ; فيبتدئ من المشرق ويمر بمساكن أتراك الشرق، ويقطع وسط بحر طبرستان، ويمر على خزر ; وموقان ; وسقسين (1) ; وعلى الصقالبة ; وبلاد آس وأران، وباب الابواب ; والروس ; ثم بمعظم بلاد الروم مثل قسطنطنية وبشمال اندلس، وينتهي إلى المحيط. وعدد البلاد المشهورة الواقعة فيه تسعون، وفيه من الجبال أحد عشر، ومن الانهار أربعون. ولون غالب أهله الشقرة، وهو عندهم منسوب إلى القمر. وأما الاقليم السابع فمبدأه حيث العرض سبع وأربعون درجة وربع ; وغاية طول نهاره خمس عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة. ومساحة سطحه مائة ألف وسبعة وثمانون ألف فرسخ وسبعمائة وواحد وعشرون فرسخا وثلثا فرسخ. وفي هذا الاقليم العمارة قليلة ; والبلاد المشهورة فيه: كرش ; وازرق ; وصراى - وهو مستقر سلطان تتر (2) - واكل ; ويلار (3) ويفص له بلغار - وأفجا كرمان ; وصارى كرمان ; وقرقر ; و صلغات ; وكفا (4) وصقجى (5) وشنتياقر (6) وهرقلة. وقال بعضهم: هذا الاقليم يأخذ في طوله من المشرق ويمر بنهايات الاتراك الشرقية ; وبشمال بلاد يأجوج ومأجوج ثم على غياض وجبال يأوي إليها أتراك كالوحوش، ثم على بلغار الروس والصقالبة ويقطع بحر الشام وينتهي إلى المحيط. وعدد بلاد هذا الاقليم اثنان وعشرون، وفيه من الجبال أحد عشر، ومن الانهار أربعون. ولون أهله بين الشقرة والبياض، وهو


(1) سفسين (خ). (2) التتر (خ). (3) بلار (خ). (4) كفى (خ). (5) عبقحى (خ). (6) في المراصد: شنت ياقب.

[140]

منسوب عندهم إلى المريخ. وأهل بعض بلاده يسكنون مدة ستة أشهر في الحمامات لشدة البرد. وآخر الاقاليم حيث عرضه خمسون درجة ونصف وغاية طول نهاره ست عشرة ساعة وربع، ثم إلى عرض التسعين لا يعدونه من الاقاليم. واعلم أن خط الاستواء يبتدئ من شرقي أرض الصين ويمر على جزيرة " چمكوت " ثم ببلاد الصين مما يلي الجنوب، وعلى " كنك ذر " الذي من أراضي الصين ثم على جزائر " زأرة " التي تسمى أرض الذهب، وعلى جنوب جزيرة سرنديب بين جزيرتي كله وسريره وعلى وسط جزائر ديويره (1) ثم على شمال جزائر الزنج ومعظم بلادهم ثم على شمال جبال القمر، وجنوب سودان المغرب إلى المحيط. وأما طول النهار لسائر البقاع سوى الاقاليم السبعة فالنهار الاطول يبلغ سبع عشرة ساعة حيث العرض أربع وخمسون درجة وكسر، ويبلغ ثماني عشرة ساعة حيث العرض ثمان وخمسون درجة، ويبلغ تسع عشرة ساعة حيث العرض إحدى وستون درجة، ويبلغ عشرين ساعة حيث العرض ثلاث وستون. وهناك جزيرة تسمى " تولي " يقال إن أهلها يسكنون الحمامات مدة كون الشمس بعيدة عن سمت رؤسهم. والمشهور أنها منتهى العمارة في العرض ويبلغ إحدى وعشرين ساعة حيث العرض أربع وستون درجة ونصف. قال بطلميوس: إن سكان هذا الموضع قوم من الصقالبة لا يعرفون. وعلى هذا يكون هو منتهى العمارة في العرض، ويبلغ اثنتين وعشرين ساعة حيث العرض خمس وستون درجة وكسر ويبلغ ثلاثا وعشرين ساعة حيث العرض ست وستون درجة، ويبلغ أربعا وعشرين ساعة حيث العرض مثل تمام الميل الكلي. ويبلغ شهرا حيث العرض سبع وستون درجة وربع، وشهرين حيث العرض سبعون درجة إلا ربعا، وثلاثة أشهر حيث العرض ثلاث وسبعون درجة ونصف وأربعة أشهر حيث العرض ثمان وسبعون درجة ونصف، وخمسة أشهر حيث العرض أربع وثمانون درجة، ونصف السنة تقريبا حيث العرض ربع الدور. و منهم من قسم ما سوى الاقاليم من الربع قسمين: قسما لم يدخل في الاقاليم ويدخل في المعمورة، وقسما لم يدخل فيهما، فالاول مبدأه حيث عرضه خمسون درجة وثلث، وغاية


(1) ديوه (خ). (*)

[141]

طول نهاره ست عشرة ساعة وربع، ومساحة سطحه سبعمائة ألف وخمسون ألف فرسخ ومائة واثنان وثلاثون فرسخا وربع فرسخ. وفيه جزيرة برطانية، وجزيرة صوداق، وجزيرة تولى ومدينة يأجوج ومأجوج. قالوا: عرض تلك المدينة ثلاث وستون درجة وطولها مائة واثنان وسبعون درجة ونصف. والقسم الثاني مبدأه حيث عرضه ست وستون درجة ونصف، وغاية طول نهاره سبع وأربعون ساعة. ومساحة سطحه أربعمائة ألف واثنان وعشرون ألف فرسخ وأربعمائة وسبعة فراسخ وخمس فرسخ. وقيل: في عرض خمس وسبعين درجة موضع أهله يسكنون في الشتاء في الحمامات، ولا يفهم كلامهم. الفائدة الثانية: في ذكر بعض خواص خط الاستواء والآفاق المائلة، فأما خط الاستواء فدوائر آفاق البقاع التي تكون عليه تنصف جميع المدارات اليومية، فلذلك يكون النهار والليل في جميع السنة متساويين، وأيضا يكون زمان ظهور كل نقطة على الفلك مساويا لزمان خفائه، فإن كان تفاوت كان بسبب اختلاف السير سرعة وبطء بالحركة الغربية في النصفين، وذلك لا يكون محسوسا. وتمر الشمس في السنة الواحدة مرتين بسمت رؤوسهم، وذلك عند كونها في نقطتي الاعتدالين، ولا تبعد الشمس عن سمت رؤوسهم إلا بقدر غاية ميل فلك البروج عن معدل النهار، وتكون الشمس نصف السنة تقريبا في جهة من جهتي الشمال والجنوب، ويكون ظل نصف النهار إلى خلاف تلك الجهة، ولكون مبدأ الصيف الوقت الذي يكون فيه الشمس إلى سمت الرأس أقرب ومبدأ الشتاء الوقت الذي يكون الشمس منه أبعد، يكون وقت كونها في نقطتي الاعتدال مبدأ صيفهم، ووقت كونها في نقطتي الانقلاب مبدأ شتائهم، ويكون مبادئ الفصلين الاخيرين أوساط الارباع، ويلزم على ذلك أن يكون لهم في كل سنة ثمانية فصول، ويكون دور الفلك هناك دولابيا، لان سطوح جميع المدارات يقطع سطح الافق على قوائم، ويسمى لذلك آفاقها آفاق الفلك المستقيم. والشيخ ابن سينا حكم بأنها أعدل البقاع، لان الشمس لا تمكث على سمت الرأس كثيرا بل إنما يمر به وقتي اجتيازها عن إحدى الجهتين إلى الاخرى، ويكون هناك حركتها في الميل والبعد عن سمت رأسهم أسرع ما يكون فلا تكون لذلك حرارة صيفهم شديدة. وأيضا لتساوي

[142]

زماني نهارهم وليلهم دائما تنكسر سورتا كل واحدة من الكيفيتين الحادثتين منهما بالاخرى فيعتدل الزمان. وحكم أيضا بأن أحر البقاع صيفا التي تكون عروضها مساوية للميل الكلي، فان الشمس تسامتها وتلبث في قرب مسامتتها قريبا من شهرين، ونهارها حينئذ يطول وليلها يقصر. ورد الفخر الرازي عليه الحكم الاول بأن قال: لبث الشمس في خط الاستواء وإن كان قليلا لكنها لا تبعد كثيرا عن المسامتة، فهي طول السنة في حكم المسامتة، ونحن نرى بقاعا أكثر ارتفاعات الشمس فيها لا يزيد على أقل ارتفاعاتها بخط الاستواء وحرارة صيفها في غاية الشدة. فيعلم من ذلك أن حرارة شتاء خط الاستواء تكون أضعاف حرارة صيف تلك البقاع. وحكم بأن أعدل البقاع هو الاقليم الرابع. وقال المحقق الطوسي - ره -: الحق في ذلك أنه إن عنى بالاعتدال تشابه الاحوال فلاشك أنه في خط الاستواء أبلغ كما ذكره الشيخ، وإن عنى به تكافؤ الكيفيتين فلا شك أن خط الاستواء ليس كذلك، يدل عليه شدة سواد لون سكانه من أهل الزنج والحبشة وشدة جعود شعورهم وغير ذلك مما تقتضيه حرارة الهواء، وأضداد ذلك في الاقليم الرابع تدل على كون هوائه أعدل. بل السبب الكلي في توفر العمارات وكثرة التوالد والتناسل في الاقاليم السبعة دون سائر المواضع المنكشفة من الارض يدل على كونها أعدل من غيرها، وما يقرب من وسطها لا محالة يكون أقرب إلى الاعتدال مما يكون على أطرافها. فإن الاحتراق والفجاجة اللازمين من الكيفيتين ظاهران في الطرفين - انتهى -. فعلى ما ذكره - قدس سره - سكان الاقليم الرابع أعدل الناس خلقا وخلقا، و أجودهم فطانة وذكاء. ومن ثمة كان معدن الحكماء والعلماء، وبعدهم سكان الاقليمين: الثالث، والخامس. وأما سائر الاقاليم فأكثرها ناقصون في الجبلة عما هو أفضل، يدل عليه سماجة صورهم وسوء أخلاقهم وشدة احتراقهم من الحر أو فجاجتهم من البرد كالحبشة والزنج في الاول والثاني، وكيأجوج ومأجوج وبعض الصقالبة في السادس والسابع. وأما الآفاق التي لها عرض أقل من الربع فهي على خمسة أقسام: الاول أن يكون عرضه أقل من الميل الكلي، الثاني أن يكون عرضه مساويا للميل الكلي

[143]

الثالث (1) أن يكون عرضه مساويا لتمام الميل الكلي، الرابع أن يكون عرضه أكثر من الميل وأقل من تمامه، الخامس أن يكون عرضه أكثر من تمام الميل. ففي جميع تلك الآفاق يكون أحد قطبي المعدل فوق الارض مرتفعا عن الافق بقدر عرض البلد والآخر منحطا عن الافق بهذا المقدار. وجميع تلك الآفاق ينصف معدل النهار على زوايا [قوائم] فيكون دور الفلك هناك حمائليا، وتقطع المدارات التي تقطعها بقطعتين مختلفتين. والقسي (2) الظاهرة للمدارات الشمالية أعظم من التي تحت الارض، و للجنوبية بالخلاف من ذلك ولا يستوي الليل والنهار فيها إلا عند بلوغ الشمس نقطتي الاعتدال، وذلك في يوم النيروز والمهرجان والمساواة في بعض الاوقات تحقيقي وفي بعضها تقريبي. ويكون النهار أطول من الليل عند كون الشمس في البروج الشمالية وعند كونها في البروج الجنوبية الامر بعكس ذلك. وكلما كان عرض البلد أكثر كان مقدار التفاوت بين الليل والنهار أكثر، وكل مدار بعده عن القطب الشمالي مثل ارتفاع القطب عن الافق فهو بجميع ما فيه وبجميع ما تحويه دائرته إلى القطب الشمالي من الكواكب والمدارات أبدي الظهور، ونظيره من ناحية الجنوب بجميع ما فيه وما تحويه دائرته إلى القطب الجنوبي أبدي الخفاء. وهذا هي الاحوال المشتركة. وأما ما يختص بالقسم الاول من الاقسام الخمسة المتقدمة وهو ما يكون العرض أقل من الميل الكلي فالمدار الذي يكون بعده عن المعدل من جهة القطب الظاهر بقدر عرض البلد يقطع منطقة البروج على نقطتين متساويتي البعد من المنقلب فإذا وصلت الشمس إلى إحدى هاتين النقطتين لا يكون في نصف نهار هذا اليوم لشئ ظل، وما دامت الشمس في القوس الذي بين تينك النقطتين في جهة القطب الظاهر يقع


(1) في أكثر النسخ هكذا: الثالث أن يكون عرضه أكثر من الميل وأقل من تمامه الرابع ان يكون عرضه مساويا لتمام الميل الكلى. (2) جمع قوس، وأصله قووس - على ما ذكره الصرفيون - فانقلب اللام مكان العين ثم قلبت الواوان يائين وادغمت الاولى في الثانية وكسرت القاف والسين فصار " قسيا ".

[144]

الظل في أنصاف النهار إلى جهة القطب الخفي، وما دامت الشمس في القوس الآخر يقع الظل في أنصاف النهار إلى جهة القطب الظاهر، ولارتفاع الشمس في النقصان غايتان: إحداهما من جهة القطب الظاهر وهو أكثر، والاخرى من جهة القطب الخفي وهو أقل، ولا تكون فصول السنة في تلك الآفاق متساوية، بل إذا كانت النقطتان المذكورتان متقاربتين كان صيفهم أطول من غيره، لان الشمس تسامت رؤسهم مرتين وليس بعدها على قدر يكون في وسطه فتور للسخونة، وإن زادت على الاربعة كما إذا كانت النقطتان متباعدتين لم تكن متشابهة لاختلاف غايتي بعد الشمس عن سمت الرأس في الجهتين بخلاف خط الاستواء لتساويهما. وأما القسم الثاني فمدار المنقلب الذي في جهة القطب الظاهر يمر بسمت الرأس ومدار المنقلب الآخر بسمت الرجل، ولا يكون لارتفاع الشمس إلا غاية واحدة في جانب النقصان، وفي جانب الزيادة يكون تسعين درجة، ويكون الظل أبدا عند الزوال في جهة القطب الظاهر، إلا في يوم واحد حين كونها في المنقلب الظاهر، فإنه لا يكون في هذا اليوم عند الزوال لشئ ظل، ويكون أحد قطبي فلك البروج أبدي الظهور والآخر أبدي الخفاء. وارتفاعات الشمس تتزايد من أحد الانقلابين إلى الآخر، ثم ترجع وتتناقص إلى أن تعود إليه وتصير فصول السنة أربعة لاغير وتكون متساوية المقادير. وأما القسم الثالث فلا تنتهي الشمس إلى سمت الرأس، ويكون لها ارتفاعان: أعلى، وهو ما يكون بقدر مجموع الميل الكلي وتمام عرض البلد. وأسفل، وهو يكون بقدر فضل تمام عرض البلد على الميل الكلي، وسائر الاحوال كما مر. وأما القسم الرابع فيصير مدار المنقلب الذي في جهة القطب الظاهر أبدي الظهور ومدار المنقلب الآخر أبدي الخفاء. ويمر مدار قطب فلك البروج الظاهر بسمت الرأس، ومدار القطب الآخر بمقابله، وفي كل دورة تنطبق منطقة البروج مرة على الافق، ثم يرتفع النصف الشرقي من المنطقة دفعة عن الافق وينحط نصفها الآخر عنه كذلك، ثم يطلع النصف الخفي جزء بعد جزء في جميع أجزاء نصف الافق الشرقي

[145]

ويغيب النصف الظاهر جزء بعد جزء كذلك في جميع نصف الافق الغربي في مدة اليوم بليلته إلى أن يعود وضع الفلك إلى حاله الاولى، ويزيد النهار في تلك الآفاق إلى أن يصير مقدار يوم بليلته نهارا كلها، وذلك عند وصول الشمس إلى المنقلب الظاهر. وهذا إذا اعتبر ابتداء النهار من وصول مركز الشمس إلى الافق، وإن اعتبر ابتداء النهار من ظهور الضوء واختفاء الثوابت كان نهارهم عند الوصول المذكور شهرا - على ما بينه " ساو ذوسيوس " في الرسالة التي بين فيها حال المساكن - ثم يحدث ليل في غاية القصر بحيث يتداخل الشفق والفجر، ويزيد شيئا فشيئا إلى أن يصير مقدار يوم بليلته ليلة كله، وبعد ذلك يحدث نهار قصير، وهكذا. وفي هذا القسم نهاية العمارة في جانب الشمال، ولا تمكن العمارة بعده لشدة البرد. وأما القسم الخامس فيكون فيه أعظم المدارات الابدية الظهور قاطعا لمنطقة البروج على نقطتين يساوي ميلهما في جهة القطب الظاهر، وأعظم المدارات الابدية الخفاء قاطعا لها على نقطتين متقابلتين لهما ; فتنقسم منطقة البروج لا محالة إلى أربع قسي يتوسطها الاعتدالان والانقلابان: إحديهما أبدي الظهور وهي التي يتوسطها المنقلب الذي في جهة القطب الظاهر، ومدة كون الشمس فيها نهارهم الاطول. والثانية أبدي الخفاء وهي التي يتوسطها المنقلب الآخر، ومدة كون الشمس فيها ليلهم الاطول وأما القوسان الباقيتان فالتي يتوسطها أول الحمل تطلع معكوسة أي يطلع آخرها قبل أولها، وتغرب مستوية أي يغرب أولها قبل آخرها إن كان القطب الظاهر شماليا وتطلع مستوية وتغرب معكوسة إن كان القطب الظاهر جنوبيا ; والتي يتوسطها أول الميزان يكون بالضد من ذلك. ومثلوا لتصوير الطلوع والغروب المعكوسين مثالا لسهولة تصورهما تركناه مع سائر أحكام هذا القسم لقلة الجدوى. وأما الموضع الذي عرضه ربع الدور وهو تسعون درجة فأوضاعه غريبة جدا وذلك لا يكون على الارض إلا عند موضعين يكون أحد قطبي المعدل على سمت الرأس والآخر على سمت القدم، فتصير لا محالة دائرة معدل النهار منطبقة على الافق، و يدور الفلك بالحركة الاولى التابعة للفلك الاعظم رحوية ولا يبقى في الافق مشرق

[146]

ولا مغرب باعتبار هذه الحركة أصلا ولا باعتبار غيرها بحيث يتميز أحدهما عن الآخر في الجهة، ولا يتعين أيضا نصف النهار، بل في جميع الجهات يمكن أن تبلغ الشمس وسائر الكواكب غاية ارتفاعها، كما يمكن أن تطلع وتغرب فيها، فيكون النصف من الفلك الذي يكون من معدل النهار في جهة القطب الظاهر أبدى الظهور، والنصف الآخر أبدي الخفاء. والشمس مادامت في النصف الظاهر من فلك البروج يكون نهارا، وما دامت في النصف الخفي منه يكون ليلا، فيكون سنة كلها يوما بليلة، و يفضل أحدهما على الآخر من جهة بطء حركتها وسرعتها وهو تقريبا سبعة أيام بلياليها من أيامنا. ففي هذه الازمنة يزيد نهاره عن ليله بمثل هذه المدة. وهذا إذا اعتبر النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، وأما إذا كان النهار من ظهور ضوئها واختفاء الثوابت إلى ضدهما فيكون نهارهم أكثر من سبعة أشهر بسبعة أيام، وليلهم قريبا من خمسة أشهر، إذ من ظهور ضوء الشمس إلى طلوعها خمسة عشر يوما وكذا من غروبها إلى اختفاء الضوء، على ما حققه " ساوذوسيوس " وأما إذا كان النهار من طلوع الصبح إلى غروب الشفق فكان نهارهم سبعة أشهر وسبعة عشر يوما من أيامنا تقريبا. وقال المحقق الطوسي - قدس سره -: ويكون مدة غروب الشفق أو طلوع الصبح في خمسين يوما من أيامنا. ويكون غاية ارتفاع الشمس وغاية انحطاطه بقدر غاية الميل. وأظلال المقاييس تفعل دوائر متوازية بالتقريب على مركز أصل المقياس أصغرها إذا كانت الشمس في المنقلب الظاهر. وأعظمها إذا كانت عند الافق بقرب الاعتدالين، ولا يكون لشئ من الكواكب طلوع ولاغروب بالحركة الاولى، بل يكون طلوعها وغروبها بالحركة الثانية المختصة بكل منها لا في موضع بعينه من الافق. و يكون للكواكب التي يكون عرضها من منطقة البروج ينقص من الميل الكلي طلوع وغروب بالحركة الخاصة، وتختلف مدة (1) الظهور والخفاء بحسب بعد مدارها عن منطقة البروج وقربها إليه، فما كان مداره أبعد عنها في جهة القطب الظاهر كان زمان ظهوره أكثر من زمان ظهور مامداره أقرب منها في هذا الجهة، وينعكس الحكم في


(1) مدتا (خ).

[147]

الجهة الاخرى. والكواكب التي عرضها مساو للميل كله تماس الافق في دور واحد من الحركة الثانية مرة واحدة إما من فوق وإما من تحت، ولا يكون لها ولا للتي يزيد عرضها في أحد جانبي فلك البروج على الميل الكلي طلوع ولا غروب، بل تكون إما ظاهرة أبدا وإما خفية أبدا. الفائدة الثالثة: قالوا: السبب الاكثري في تولد الاحجار والجبال عمل الحرارة في الطين اللزج بحيث يستحكم انعقاد رطبه بيابسه بإذن الله تعالى. وقد ينعقد الماء السيال حجرا إما لقوة معدنية محجرة أو لارضية غالبة على ذلك الماء. فإذا صادف الحر العظيم طينا كثير الرخا إما دفعة وإما على مرور الايام تكون الحجر العظيم. فإذا ارتفع بأن يجعل الزلزلة العظيمة طائفة من الارض تلا من التلال، أو يحصل من تراكم عمارات تخربت ثم تحجرت، أو يكون الطين المتحجر مختلف الاجزاء في الصلابة والرخاوة فتنحفر أجزاؤه الرخوة بالمياه والرياح وتغور تلك الحفر بالتدريح غورا شديدا وتبقى الصلبة مرتفعة أو بغير ذلك من الاسباب فهو الجبل. و قد يرى بعض الجبال منضودة ساقا فساقا كأنها سافات الجدار، فيشبه أن يكون حدوث مادة الفوقاني بعد تحجر التحتاني وقد سال على كل ساف من خلاف جوهره ما صار حائلا بينه وبين الآخر. وقد يوجد في كثير من الاحجار عند كسرها أجزاء الحيوانات المائية فيشبه أن تكون هذه المعمورة قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحر فحصل الطين اللزج الكثير وتحجر بعد الانكشاف، ولذلك كثر الجبال، ويكون انحفار ما بينها بأسباب تقتضيه كالسيول والرياح، كذا قيل، وقد مر بعض الكلام فيه سابقا. والحق أن الله تعالى خلقها بفضله وقدرته إما بغير أسباب ظاهرة أو بأسباب لا نعلمها. وهذه الاسباب المذكورة ناقصة، ولو كانت هذه أسبابها فلم لا يحدث من الازمنة التي أحصى الحكماء تلك الجبال إلى تلك الازمان جبل آخر، إلا أن يقال: لما كان في بدء خلق الارض زلزلة ورجفة واضطراب عظيم في الارض صارت أسبابا لحدوث تلك الجبال، فلما حدثت استقرت الارض وسكنت، فلهذا لا يحدث بعدها مثلها كما دلت عليه الآيات والاخبار.

[148]

ثم اعلم أن منافع الجبال كثيرة: منها كونها أوتادا للارض كما مر ; ومنها أن انبعاث العيون والسحب المستلزمة للخيرات الكثيرة منها أكثر من غيرها، بل لا تنفجر العيون إلا من أرض صلبة أو من جوار أرض صلبة، كما قال في الشفاء: إذا تتبعت الاودية المعروفة في العالم وجدتها كلها منبعثة من عيون جبلية ومنها تكون الجواهر المعدنية منها ومنها إنباتها النباتات الكثيرة والاشجار العظيمة، ومنها المغارات الحادثة فيها فإنها مأوى الحيوانات بل بعض الناس. ومنها كونها أسبابا لاهتداء الخلق في طرقهم وسبلهم، ومنها اتخاذ الاحجار منها للارحية والابنيه وغيرها، إلى غير ذلك من المنافع الكثيرة التي تصل عقول الخلق إلى بعضها وتعجز عن أكثرها. قال الصادق عليه السلام في خبر التوحيد الذي رواه عنه المفضل بن عمر: انظر يا مفضل إلى هذه الجبال المركومة من الطين والحجارة التي يحسبها الغافلون فضلا لا حاجة إليها، والمنافع فيها كثيرة: فمن ذلك أن يسقط عليها الثلوج، فتبقى في قلالها لمن يحتاج إليه ويذوب ما ذاب منه فتجري منه العيون الغزيرة التي تجتمع منها الانهار العظام، وتنبت فيها ضروب من النبات والعقاقير التي لا ينبت منها في السهل، وتكون فيها كهوف ومقائل للوحوش من السباع العادية، ويتخذ منها الحصون والقلاع المنيعة للتحرز من الاعداء وينحت منها الحجارة للبناء والارحاء، وتوجد فيها معادن لضروب من الجواهر، و فيها خلال اخرى لا يعرفها إلا المقدر لها في سابق علمه. بيان: " المقائل " كأنه من القيلولة، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة من الغيل وهو الشجر الملتف، وفي بعضها " معاقل " جمع معقل وهو الشجر الملتف (1). الفائدة الرابعة: قالوا في علة حدوث الزلزلة والرجفة: إذا غلظ البخار و بعض الادخنة والرياح في الارض بحيث لا ينفذ في مجاريها لشدة استحصافها (2) و تكاثفها اجتمع طالبا للخروج ولم يمكنه النفوذ فزلزلت الارض، وربما اشتدت الزلزلة


(1) كذا في جميع النسخ، والظاهر انه سهو القلم، فان المعقل بمعنى الملجأ و مكان عقل الابل والجبل المرتفع، والمناسب للعبارة هو " معاقل " بمعنى الملاجئ ". (2) أي استحكامها.

[149]

فخسفت الارض فتخرج منه نار لشدة الحركة الموجبة لاشتعال البخار والدخان لاسيما إذا امتزجا امتزاجا مقربا إلى الدهنية، وربما قويت المادة على شق الارض فتحدث أصوات هائلة، وربما حدثت الزلزلة من تساقط عوالي وهدات في باطن الارض فيتموج بها الهواء المحتقن فيتزلزل بها الارض، وقليلا ما تتزلزل بسقوط قلل الجبال عليها لبعض الاسباب. وقد يوجد في بعض نواحي الارض قوة كبريتية ينبعث منها دخان و في الهواء رطوبة بخارية فيحصل من اختلاط دخان الكبريت بالاجزاء الرطبة الهوائية مزاج دهني، وربما اشتعل بأشعة الكواكب وغيرها فيرى بالليل شعل مضيئة. وقال شارح المقاصد: قد يعرض لجزء من الارض حركة بسبب ما يتحرك تحتها فيحرك ما فوقه ويسمى الزلزلة، وذلك إذا تولد تحت الارض بخار أو دخان أو ريح أو ما يناسب ذلك وكان وجه الارض متكاثفا عديم المسام أو ضيقها جدا وحاول ذلك الخروج ولم يتمكن لكثافة الارض تحرك في ذاته وحرك الارض، وربما شقتها لقوته، وقد ينفصل منه نار محرقة وأصوات هائلة لشدة المحاكة والمصاكة، وقد يسمع منها دوي لشدة الريح. ولا يوجد الزلزلة في الاراضي الرخوة لسهولة خروج الابخرة وقلما تكون في الصيف لقلة تكاثف وجه الارض. والبلاد التي تكثر فيها الزلزلة إذا حفرت فيها آبار كثيرة حتى كثرت مخالص الابخرة قلت الزلزلة. وقد يصير الكسوف سببا للزلزلة لفقد الحرارة الكائنة عن الشعاع دفعة، وحصول البرد الحاقن للرياح في تجاويف الارض بالتحصيف (1) بغتة، ولا شك أن البرد الذي يعرض بغتة يفعل مالا يفعل العارض بالتدريج. قال ذلك وأمثاله نقلا عن الحكماء. ثم قال: ولعمري إن النصوص الواردة في استناد هذه الآثار إلى القادر المختار قاطعة، وطرق الهدى إلى ذلك واضحة، لكن من لم يجعل الله له نورا فماله من نور - انتهى -. وقال بعض من يدعي اقتفاء آثار الائمة الابرار وعدم الخروج عن مدلول الآيات والاخبار: ولما كانت الابخرة والادخنة المحتقنة في تجاويف الارض بمنزلة عروقها وإنما تتحرك بقوى روحانية ورد في الحديث أن الله سبحانه إذا أراد أن


(1) بالتخسيف (خ).

[150]

يزلزل الارض أمر الملك أن يحرك عروقها فيتحرك بأهلها، وما أشبه ذلك من العبارات على اختلافها، والعلم عند الله - انتهى -. وأقول: قد عرفت مرارا أن تأويل النصوص والآثار والآيات والاخبار بلا ضرورة عقلية أو معارضات نقلية جرأة على الغرير الجبار، ولا نقول في جميع ذلك إلا ما ورد عنهم صلوات الله عليهم، وما لم تصل إليه عقولنا نرد علم ذلك إليهم. (33) (باب) * (تحريم أكل الطين وما يحل أكله منه) * 1 - مجالس الصدوق: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد، ابن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن إسمعيل المنقري، عن جده زياد بن أبي زياد، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: من أكل الطين فإنه تقع الحكة في جسده، ويورثه البواسير، ويهيج عليه داء السوء، ويذهب بالقوة من ساقيه وقدميه، وما نقص من عمله في ما بينه وبين صحته قبل أن يأكله حوسب عليه وعذب به. مجالس الشيخ: عن أبيه، عن الحسين بن عبيد الله الغضائري، عن الصدوق إلى آخر السند مثله. ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى مثله (1). المحاسن: عن علي بن الحكم مثله (2). 2 - الخصال: بإسناده إلى أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام في وصايا النبي صلى الله عليه واله


(1) ثواب الاعمال: 237. (2) المحاسن: 565.

[151]

إلى علي عليه السلام: يا علي ثلاث (1) من الوسواس: أكل الطين، وتقليم الاظفار بالاسنان وأكل اللحية (2). 3 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن عبيدالله الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: أربعة من الوسواس: أكل الطين، وفت الطين، وتقليم الاظفار بالاسنان وأكل اللحية (3). بيان: " من الوسواس " أي من وسوسة الشيطان، أو من الشيطان المسمى بالوسواس كما قال تعالى " الوسواس الخناس " قال الجوهري: الوسوسة حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا بكسر الواو. والوسواس - بالفتح -: الاسم، و " الوسواس " اسم الشيطان - انتهى -. والحاصل أنها من الاعمال الشيطانية التي يولع بها الانسان ويعسر عليه تركها. 4 - العيون: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر قال: سأل بعض القواد أبا الحسن الرضا عليه السلام عن أكل الطين، وقال: إن بعض جواريه يأكلن الطين، فغضب ثم قال: أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير فانههن عن ذلك (4). 5 - مجالس ابن الشيخ: عن والده، عن علي بن محمد بن حشيش عن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن علي بن الحسن بن فضال، عن جعفر بن إبراهيم بن ناجية، عن سعد بن سعد الاشعري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الطين الذي [يؤكل] تأكله الناس، فقال: كل طين حرام كالميتة والدم وما اهل لغير الله به ما خلا طين قبر الحسين عليه السلام فإنه شفاء من كل داء. الخرائج: عن ذي الفقار بن معبد الحسني عن الشيخ أبي جعفر الطوسي عن ابن حشيش مثله.


(1) في المصدر: ثلاثة. (2) الخصال: 60. (3) الخصال: 103. (4) العيون: ج 2، ص 15.

[152]

6 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله البرقي عن الحسن بن علي، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز و جل خلق آدم من طين فحرم أكل الطين على ذريته (1). المحاسن: عن الحسن بن علي مثله (2). 7 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن رجل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الطين حرام أكله (3) كلحم الخنزير، ومن أكله ثم مات فيه لم اصل عليه، إلا طين القبر، فمن أكله شهوة لم يكن فيه شفاء (4). بيان: رواه الكليني في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد ; وابن قولويه في كامل الزيارة عن الكليني وجماعة عن مشايخه بهذا الاسناد، وفيهما " حرام كله - إلى قوله - إلا طين القبر، فإن فيه شفاء من كل داء، ومن أكله بشهوة لم يكن له فيه شفاء (5) ". وعدم صلاته عليه السلام عليه لا ينافي وجوف الصلاة عليه وأمره غيره بالصلاة عليه، وهذا من التأديبات الشرعية لانزجار الناس عن مثلها، فإن ذلك من أبلغ التعذيرات (6). 8 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من انهمك في أكل الطين فقد شرك في دم نفسه (7). المحاسن: عن ابن محبوب مثله (8). بيان: قال الجوهري: انهمك الرجل في الامر أي جد ولج.


(1) العلل: ج 2، ص 219. (2) المحاسن: 565. (3) كله (خ). (4) العلل: ج 2، ص 219. (5) الكافي: ج 6، ص 265. (6) في بعض النسخ " التقديرات " والظاهر " التحذيرات ". (7) العلل: ج 2، ص 219. (8) المحاسن: 565.

[153]

9 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمان بن كثير، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أكل طين الكوفة فقد أكل لحوم الناس، لان الكوفة كانت أجمة ثم كانت مقبرة ما حولها. وقد قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أكل الطين فهو ملعون (1). بيان: يدل على عدم جواز أكل طين قبر أمير المؤمنين عليه السلام وكان هذا التعليل لشدة حرمة خصوص طين الكوفة وحواليها، ويدل على أن طين قبر الحسين عليه السلام أيضا إذا كان من المواضع التي يظن خلط لحوم الناس وعظامهم به لا يجوز أكله، و أكثر المواضع القريبة سوى ما اتصل بالضريح المقدس في تلك الازمنة كذلك. 10 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد ابادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن الحكم، عن إسماعيل بن محمد بن أبي زياد عن جده زياد، عن أبي جعفر عليه السلام: إن من عمل الوسوسة وأكثر (2) مصائد الشيطان أكل (3) الطين. إن أكل الطين يورث السقم في الجسد، ويهيج الداء، ومن أكل الطين فضعفت قوته التي كانت قبل أن يأكله وضعف عن عمله الذي كان يعمله قبل أن يأكله حوسب على مابين ضعفه وقوته وعذب عليه (4). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم مثله (5). المحاسن: عن علي بن الحكم مثله (6). بيان: في الكافي وغيره: عن إسماعيل بن محمد عن جده زياد بن أبي زياد. وفي


(1) العلل: ج 2، ص 220. (2) في المحاسن: أكبر. (3) في ثواب الاعمال: ان عمل الوسوسة واكثر مصائد الشيطان من أكل الطين. (4) العلل: ج 2، ص 220. (5) ثواب الاعمال: 237. (6) المحاسن: 565.

[154]

الكافي: أن التمني عمل الوسوسة وأكثر مكائد الشيطان (1). وكان ما في سائر النسخ أظهر، وفي المحاسن " أكبر " بالباء الموحدة. 11 - كامل الزيارة: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الطين. قال: فقال: أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، إلا طين قبر الحسين عليه السلام فإن فيه شفاء من كل داء وأمنا من كل خوف (2). 12 - ومنه: عن محمد بن أحمد بن يعقوب، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أحدهما عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من الطين فحرم الطين على ولده. قال: فقلت: ما تقول في طين قبر الحسين عليه السلام ؟ فقال: يحرم على الناس أكل لحومهم ويحل لهم أكل لحومنا ؟ ولكن الشئ (3) منه مثل الحمصة (4). 13 - ومنه: روي عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل طين محرم على ابن آدم ما خلا طين قبر أبي عبد الله عليه السلام من أكله من وجع شفاه الله (5). 14 - المحاسن: عن عثمان بن عيسى، عن طلحة بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أكل الطين يورث النفاق (6). 15 - ومنه: عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه (7). 16 - ومنه: عن ابن فضال، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: قيل لعلي عليه السلام في رجل يأكل الطين، فنهاه وقال: لا تأكله، فإنك إن أكلته ومت فقد أعنت على نفسك (8).


(1) الكافي: ج 6، ص 266. وفيه " مصائد الشيطان ". (2) كامل الزيارة: 285. (3) في المصدر: الشئ اليسير منه. (4) كامل الزيارة: 286. (5) كامل الزيارة: 286. (6 - 8) المحاسن: 565.

[155]

17 - ومنه: عن محمد بن علي، عن كلثم بنت مسلم، قالت: ذكر الطين عند أبي الحسن عليه السلام فقال: أترين أنه ليس من مصائد الشيطان ؟ ! إنه من مصائده الكبار وأبوابه العظام (1). 18 - المكارم: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن طين الارمني أيؤخذ للكسير والمبطون أيحل أخذه ؟ قال: لا بأس به، أما إنه من طين قبر ذي القرنين، وطين قبر الحسين عليه السلام خير منه (2). المتهجد: عن محمد بن جمهور العمى عن بعض أصحابه عنه عليه السلام مثله. دعوات الرواندى: عنه عليه السلام مثله. 19 - وروى سدير عن الصادق عليه السلام أنه قال: من أكل طين قبر الحسين عليه السلام غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا. 20 - طب الائمة: عن بشر بن عبد الحميد الانصاري، عن الحسن بن علي الوشاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام ان رجلا شكى إليه الزحير، فقال له: خذ من الطين الارمني وأقله بنار لينة واستسف (3) منه فإنه يسكن عنك. 21 - وعنه عليه السلام أنه قال في الزحير: تأخذ جزء من خر بق أبيض، وجزء من بزر القطونا، وجزء من صمغ عربي، وجزء من الطين الارمني يقلى بنار لينة وتستسف (4) منه. 22 - كامل الزيارة: عن محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن جده علي بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن عبد الله الاصم، عن ابن أبي عمير، عن أبي حمزة الثمالي: عن أبي عبد الله عليه السلام في حديثه أنه سئل عن طين الحائر: هل فيه


(1) المحاسن: 565. (2) مكارم الاخلاق: 190. (3) استفات الدواء أخذه غير ملتوت، وفى بعض النسخ " واستشف منه ". (4) في بعض النسخ " تستشف منه ".

[156]

شئ من الشفاء ؟ فقال: يستشفى ما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال، وكذلك قبر جدي رسول الله صلى الله عليه واله وكذلك طين قبر الحسن وعلي ومحمد، فخذ منها فإنها شفاء من كل داء وسقم، وجنة مما تخاف، ولا يعدلها شئ من الاشياء الذي يستشفى بها إلا الدعاء. وإنما يفسدها ما يخالطها من أوعيتها وقلة اليقين لمن يعالج بها - وذكر الحديث إلى أن قال: - ولقد بلغني أن بعض من يأخذ من التربة شيئا يستخف بها حتى أن بعضهم يضعها (1) في مخلاة البغل والحمار وفي وعاء الطعام والخرج ! فكيف يستشفي به من هذا حاله عنده (2) ؟ ! بيان: أقول: قال الشيخ البهائي - قدس الله روحه - في الكشكول: مما نقله جدي من خط السيد الجليل الطاهر ذي المناقب والمفاخر السيد رضي الدين علي بن طاوس - قدس سره - من الجزء الثاني من كتاب الزيارات لمحمد بن أحمد بن داود القمي أن أبا حمزة الثمالي قال للصادق عليه السلام: إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين قبر الحسين عليه السلام يستشفون ؟ فهل في ذلك شئ مما يقولون من الشفاء ؟ فقال: يستشفى ما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال، وكذلك قبر رسول الله صلى الله عليه واله وكذلك قبر الحسن وعلي ومحمد. فخذ منها فإنها شفاء من كل سقم، وجنة مما يخاف. ثم أمر بتعظيمها وأخذها باليقين بالبرء وتختمها إذا اخذت - انتهى -. واقول: هذا الخبر بهذين السندين يدل على جواز الاستشفاء بطين قبر الرسول صلى الله عليه وآله سائر الائمة عليهم السلام ولم يقل به أحد من الاصحاب ومخالف لسائر الاخبار عموما وخصوصا، ويمكن حمله على الاستشفاء بغير الاكل كحملها والتمسح بها وأمثال ذلك. والمراد بعلي إما أمير المؤمنين أو السجاد وبمحمد الباقر عليهم السلام ويحتمل الرسول صلى الله عليه واله تأكيدا وإن كان بعيدا. 23 - المتهجد: عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من أكل طين قبر الحسين عليه السلام غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا - الحديث -.


(1) في المصدر: ليطرحها. (2) كامل الزيارة: 280.

[157]

24 - قال: وروي أن رجلا سأل الصادق عليه السلام فقال: إني سمعتك تقول: إن تربة الحسين عليه السلام من الادوية المفردة، وإنها لاتمر بداء إلا هضمته. فقال: قد قلت ذلك، فما بالك ؟ قلت: إني تناولتها فما انتفعت بها. قال: أما إن لها دعاء فمن تناولها ولم يدع به واستعملها لم يكد ينتفع بها. قال: فقال له: ما يقول إذا تناولها ؟ قال: تقبلها قبل كل شئ وتضعها على عينيك، ولا تناول أكثر من حمصة. فإن من تناول أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا ودمائنا، فإذا تناولت فقل - وذكر الدعاء -. 25 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن سليمان بن جعفر البصري عن عمرو بن واقد، عن المسيب بن زهير، عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه أخبره بموته ودفنه وقال: لا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرجات، ولا تأخذوا من تربتي شيئا لتبركوا به، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي عليه السلام فإن الله عزوجل جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا - الخبر - (1). 26 - كامل الزيارة: عن محمد بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن الاصم، عن مدلج، عن محمد بن مسلم في حديث أنه كان مريضا فبعث إليه أبو عبد الله عليه السلام بشراب فشربه، فكأنما نشط من عقال، فدخل عليه فقال: كيف وجدت الشراب ؟ فقال: لقد كنت آئسا من نفسي فشربته فأقبلت إليك فكأنما نشطت من عقال فقال: يا محمد إن الشراب الذي شربته كان فيه من طين قبور (2) آبائي، وهو أفضل ما تستشفي به، فلا تعدل به، فإنا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى منه كل الخير (3). بيان: يدل الخبر على جواز إدخال التربة في الادوية التي يستشفى بها، و


(1) العيون: ج 1، ص 104. (2) في المصدر: قبر الحسين عليه السلام. (3) كامل الزيارة: 276.

[158]

الاحوط أن لا يكون الداخل فيما يشربه أكثر من الحمصة. وإنما قلنا الاحوط في ذلك لان في دخول التراب والطين في المأكولات مع استهلاكها فيها يشكل الحكم بالحرمة كما سنشير إليه. 27 - معاني الاخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن المعاذي، عن معمر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له ما يروي الناس في الطين وكراهته، قال: إنما ذلك المبلول وذلك المدر (1). 28 - وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله نهى عن أكل المدر. حدثني بذلك محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي (2). بيان: ظاهر الخبر الاول أن حرمة الطين مخصوصة بالطين المبلول دون المدر اليابس كما فهمه الصدوق ظاهرا، وهذا مما لم يقل به صريحا أحد، ويمكن أن يحمل على أن المعنى أن المحرم إنما هو المبلول والمدر لا غيرهما مما يستهلك في الدبس ويقع على الثمار وسائر المطعومات، وعلى هذا فالحصر إما إضافي بالنسبة إلى ما ذكرنا أو المراد بالمدر ما يشمل التراب أيضا. ويحتمل أن يكون إلزاما على المخالفين النافين. للاستشفاء بتربة الحسين عليه السلام بأن ما استدللتم من الاخبار على تحريم الطين ظاهرها المبلول وإطلاقه على غيره مجاز فلا يمكنكم الاستدلال بها على تحريم التراب والمدر وعلى التقادير الكراهة محمولة على الحرمة. وقال المحدث الاسترابادي: إنما المكروه ذاك الطين المتعارف بين الناس مبلوله ويابسه لاطين الحسين عليه السلام - انتهى -. وأقول: مع قطع النظر عن الشهرة بين الاصحاب بل إجماعهم على تعميم التحريم لم يبعد القول بتخصيصه بالمبلول، إذ الظاهر أن الطين في اللغة حقيقة في المبلول، و أكثر الاخبار إنما ورد بلفظ الطين، وهذا الخبر ظاهره الاختصاص. وقال الراغب في المفردات: الطين ; التراب والماء المختلط به، وقد يسمى بذلك وإن زال عنه قوة الماء - انتهى -. لكن استثناء طين الحسين عليه السلام منه مما يؤيد التعميم، فإنه معلوم


(1 و 2) معاني الاخبار: 263.

[159]

أنه ليس الاستشفاء بخصوص المبلول، بل الغالب عدمه. وعلى أي حال لا محيص عن العمل بما هو المشهور في ذلك. قال المحقق الاردبيلي - قدس سره - الظاهر أنه لا خلاف في تحريم الطين، و ظاهر اللفظ عرفا ولغة أنه تراب مخلوط بالماء. ويؤيده صحيحة معمر بن خلاد - و ذكر الخبر ثم قال - وهذه تدل على أنه بعد اليبوسة أيضا حرام ولا يشترط بقاء الرطوبة ولكن لابد أن يكون ممتزجا فلا يحرم غير ذلك للاصل والعمومات وحصر المحرمات والمشهور بين المتفقهة أنه يحرم التراب والارض كلها حتى الرمل والاحجار. قال في المسالك: المراد به ما يشمل التراب والمدر لما فيه من الاضرار بالبدن. والضرر مطلقا غير واضح، ولعل وجه المشهور أنه إذا كان الطين حراما وليس فيه إلا الماء والتراب ومعلوم عدم تحريم الماء ولا معنى لتحريم شئ بسبب انضمام محلل، فلولم يكن التراب محرما لم يكن الطين كذلك، وإنما التراب جزء الارض فيكون كلها حراما. وفيه تأمل واضح فتأمل ولا تترك الاحتياط - انتهى -. وأقول: الوجه الذي حمل الخبر عليه غير ما ذكرنا، ومع احتمال تلك الوجوه بل أظهرية بعضها يشكل الاستدلال بهذا الوجه، ثم الحكم بتحريم ما سوى الطين والتراب من أجزاء الارض كالحجارة والياقوت والزبرجد وأنواع المعادن مما لاوجه له، والآيات والاخبار دالة على أن الاصل في الاشياء الحل، ولم يرد خبر بتحريم هذه الاشياء، وقياسها على التراب باطل. وأما المستثنى منه وهو حل طين قبر الحسين عليه السلام فالظاهر أنه لا خلاف في حله في الجملة، وإنما الكلام في شرائطه وخصوصياته ولنشر إليها وإلى بعض الاحكام المستفادة من الاخبار: الاول: المكان الذي يؤخذ منه التربة. ففي بعض الاخبار " طين القبر " وهي تدل ظاهرا على أنها التربة المأخوذة من المواضع القريبة مما جاور القبر، وفي بعضها " طين حائر الحسين عليه السلام " فيدل على جواز أخذه من جميع الحائر وعدم دخول ما خرج منه. وفي بعضها " عشرون ذراعا مكسرة " وهو أضيق، وفي بعضها " خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب من جوانب القبر " وفي بعضها " تؤخذ طين قبر الحسين عليه السلام من

[160]

عند القبر على سبعين ذراعا " وفي بعضها " فيه شفاء وإن اخذ على رأس ميل " وفي بعضها " البركة من قبره عليه السلام على عشرة أميال " وفي بعضها " حرم الحسين عليه السلام فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر " وفي بعضها " حرمه عليه السلام خمس فراسخ في (1) أربع جوانبه ". وجمع الشيخ - ره - ومن تأخر عنه بينها بالحمل على اختلاف مراتب الفضل وتجويز الجميع، وهو حسن، والاحوط في الاكل أن لا يجاوز الميل بل السبعين، و كلما كان أقرب كان أحوط وأفضل. قال المحقق الاردبيلي - طيب الله تربته - وأما المستثنى فالمشهور أنه تربة الحسين عليه السلام فكل ما يصدق عليه التربة يكون مباحا و مستثنى، وفي بعض الروايات " طين قبر الحسين عليه السلام " فالظاهر أن الذي يؤخذ من القبر الشريف حلال، ولما كان الظاهر عدم إمكان ذلك دائما فيمكن دخول ما قرب منه وحواليه فيه أيضا. ويؤيده ما ورد في بعض الاخبار " طين الحائر " وفي بعض " على سبعين ذراعا " وفي بعض " على عشرة أميال " - انتهى -. الثاني: شرائط الاخذ. فقد ورد في بعض الاخبار شرائط كثيرة من الغسل و الصلاة والدعاء والوزن المخصوص، كما سيأتي في كتاب المزار إن شاء الله تعالى. و لما كان أكثر الاخبار الواردة في ذلك خالية عن ذكر هذه الشروط والآداب فالظاهر أنها من مكملات فضلها وتأثيرها، ولا يشترط الحل بها كما هو المشهور بين الاصحاب. قال المحقق الاردبيلي - ره -: الاخبار في جواز أكلها للاستشفاء كثيرة، والاصحاب مطبقون عليه، وهل يشترط أخذه بالدعاء وقراءة " إنا أنزلناه " ؟ ظاهر بعض الروايات في كتب المزار ذلك، بل مع شرائط اخرى حتى ورد أنه قال شخص: إني أكلت و ما شفيت، فقال عليه السلام له: افعل كذا وكذا. وورد أيضا أن له غسلا وصلاة خاصة و الاخذ على وجه خاص وربطه وختمه بخاتم يكون نقشه كذا، ويكون أخذه مقدارا خاصا، ويحتمل أن يكون ذلك لزيادة الشفاء وسرعته وتبقيته لا مطلقا، فيكون مطلقا جائزا كما هو المشهور، وفي كتب الفقه مسطور. الثالث: ما يؤكل له، ولا ريب في أنه يجوز للاستشفاء من مرض حاصل وإن


(1) من (خ).

[161]

ظن إمكان المعالجة بغيره من الادوية. والظاهر الامراض الجسمانية أي مرض كان وربما يوسع بحيث يشمل الامراض الروحانية، وفيه إشكال. وأما الاكل بمحض التبرك فالظاهر عدم الجواز للتصريح به في بعض الاخبار وعموم بعضها، لكن ورد في بعض الاخبار جواز إفطار العيد به وإفطار يوم عاشورا أيضا به، وجوزه فيهما بعض الاصحاب ولا يخلو من قوة، والاحتياط في الترك إلا أن يكون له مرض يقصد الاستشفاء به أيضا. قال المحقق الاردبيلي - ره -: ولا بد أن يكون بقصد الاستشفاء وإلا فيحرم ولم يحصل له الشفاء كما في رواية أبي يحيى ويدل عليه غيرها أيضا. وقد نقل أكله يوم عاشوراء بعد العصر وكذا الافطار بها يوم العيد ولم تثبت صحته فلا يؤكل إلا للشفاء - انتهى -. وقال ابن فهد - قدس سره -: ذهب ابن إدريس إلى تحريم التناول إلا عند الحاجة، وأجاز الشيخ في المصباح الافطار عليه في عيد الفطر، وجنح العلامة إلى قول ابن إدريس لعموم النهي عن أكل الطين مطلقا، وكذا المحقق في النافع، ثم قال: يحرم التناول إلا عند الحاجة عند ابن إدريس ويجوز على قصد الاستشفاء والتبرك وإن لم يكن هناك ضرورة عند الشيخ. الرابع: المقدار المجوز للاكل. والظاهر أنه لا يجوز التجاوز في كل مرة عن قدر الحمصة وإن جاز التكرار إذا لم يحصل الشفاء بالاول، وقد مر التصريح بهذا المقدار في الاخبار، وكان الاحوط عدم التجاوز عن مقدار عدسة لما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن الناس يروون أن النبي صلى الله عليه واله قال: إن العدس بارك عليه سبعون نبيا. فقال: هو الذي تسمونه عندكم الحمص ونحن نسميه العدس (1). و في الصحيح عن رفاعة، عنه عليه السلام قال: إن الله عزوجل لما عافى أيوب عليه السلام نظر إلى بني إسرائيل قد ازدرعت، فرفع طرفه إلى السماء فقال: إلهي وسيدي، عبدك أيوب المبتلى عافيته ولم يزدرع شيئا وهذا لبني إسرائيل زرع، فأوحى الله عزوجل إليه: يا أيوب خذ من سبحتك كفا فابذره، وكانت سبحته فيها ملح، فأخذ أيوب كفا


(1) الكافي: ج 6، ص 343.

[162]

منها فبذره فخرج هذا العدس وأنتم تسمونه الحمص ونحن نسميه العدس (1) لانهما يدلان على أنه يطلق الحمص على العدس أيضا فيمكن أن يكون المراد بالحمصة في تلك الاخبار العدسة. لكن العدول عن الحقيقة لمحض إطلاقه في بعض الاخبار على غيره غير موجه، مع أن ظاهر الخبرين أنهم عليهم السلام كانوا يسمون الحمصة عدسة لا العكس، فتأمل، وكذا فهمهما الكليني حيث أوردهما في باب الحمص لا العدس. الخامس: الطين الارمني هل يجوز الاستشفاء به واستعماله في الادوية ؟ فقيل: نعم، لانه ورد في الاخبار المؤيدة بعمومات دلائل حل المحرمات عند الاضطرار، و قيل: لا، لعدم صلاحية تلك الاخبار لتخصيص أخبار التحريم، وقد ورد المنع عن التداوي بالحرام، والاكثر لم يعتنوا بهذه الاخبار، وجعلوا الخلاف فيه فرعا للخلاف في جواز التداوي بالحرام وعدمه، ولذا ألحقوا به الطين المختوم وإن لم يرد فيه خبر. قال المحقق - روح الله روحه - في الشرائع: وفي الارمني: رواية بالجواز حسنة لما فيه من المنفعة المضطر إليها. وقال الشهيد الثاني - نور الله ضريحه -: موضع التحريم في تناول الطين ما إذا لم يدع إليه حاجة، فإن في بعض الطين خواص ومنافع لا تحصل في غيره، فإذا اضطر إليه لتلك المنفعة بإخبار طبيب عارف يحصل الظن بصدقه جاز تناول ما تدعو إليه الحاجة لعموم قوله تعالى " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " وقد وردت الرواية بجواز تناول الارمني وهو طين مخصوص يجلب من أرمنية تترتب عليه منافع خصوصا في زمن الوباء وللاسهال وغيره مما هو مذكور في كتب الطب و مثله الطين المختوم، وربما قيل بالمنع لعموم ما دل على تحريم الطين، وقوله صلى الله عليه واله " ما جعل شفاؤكم في ما حرم عليكم " وقوله صلى الله عليه واله " لا شفاء في محرم " وجوابه أن الامر عام مخصوص بما ذكر، وقوله صلى الله عليه واله " لاضرر ولا إضرار " والخبران نقول بموجبهما لانا نمنع من تحريمه حال الضرورة، والمراد: مادام محرما، وموضع الخلاف ما إذا لم يخف الهلاك وإلا جاز بغير إشكال - انتهى -. وسيأتي تمام الكلام في التداوي بالحرام في بابه إن شاء الله تعالى. وقال ابن فهد - ره -: الطين الارمني


(1) الكافي: ج 6 ص 343.

[163]

إذا دعت الضرورة إليه عينا جاز تناوله خاصة دون غيره، وقيل: إنه من طين قبر إسكندر. والفرق بينه وبين التربة من وجوه: الاول أن التربة يجوز تناولها لطلب الاستشفاء من الامراض وإن لم يصفها الطبيب بل وإن حذر منها، والارمني لا يجوز تناوله إلا أن يكون موصوفا. الثاني أن التربة لا يتجاوز منها قدر الحمصة، وفي الارمني يباح القدر الذي تدعو إليه الحاجة وإن زاد عن ذلك. الثالث أن التربة محترمة لا يجوز تقريبها من النجاسة وليس كذلك الارمني. المتهجد: يستحب صوم هذا العشر، فإذا كان يوم العاشر أمسك عن الطعام والشراب إلى بعد العصر، ثم يتناول شيئا يسيرا من التربة. 29 - الاقبال: روينا بإسنادنا إلى محمد بن يعقوب الكليني بإسناده إلى علي ابن محمد بن سليمان النوفلي، قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إني أفطرت يوم الفطر على طين وتمر، قال لي: جمعت بركة وسنة. قال السيد - رضي الله عنه -: يعني بذلك التربة المقدسة على صاحبها السلام (1). 30 - دعائم الاسلام: عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه نهى عن أكل الطين وقال: إن الله عزوجل خلق آدم من طين فحرم أكل الطين على ذريته. ومن أكل الطين فقد أعان على نفسه، ومن أكله فمات لم اصل عليه. 31 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: أكل الطين يورث النفاق (2).


(1) الاقبال: 281. (2) قدمر مرسلا عن المحاسن تحت الرقم (14).

[164]

(34) (باب المعادن) * (وأحوال الجمادات والطبائع وتأثيراتها وانقلابات) * * (الجواهر وبعض النوادر) * الآيات: الحجر: وأنبتنا فيها من كل شئ مورون (1). النحل: أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (2). اسرى: تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (3). الانبياء: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (4). وقال تعالى: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون. ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها (5). الحج: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس و القمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب (6). سبأ: ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أو بي معه والطير وألنا له الحديد - إلى قوله تعالى - وأسلنا له عين القطر (7).


(1) الحجر: 19. (2) النحل: 48 - 49. (3) الاسراء: 44. (4) الانبياء: 60. (5) الانبياء: 79 - 81. (6) الحج: 18. (7) سبأ: 10 - 12.

[165]

فاطر: إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (1). ص: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق (2). وقال سبحانه: فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (3). الحديد: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (4). تفسير: " أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ " قيل: استفهام إنكار، أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع، فما بالهم لم يتفكروا ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه ؟ ! و " ما " موصولة مبهمة بيانها " يتفيؤ ظلاله " أي أولم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة " عن اليمين والشمائل " أي عن أيمانها وشمائلها، أي جانبي كل واحد منها، استعارة عن يمين الانسان وشماله، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل لاعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في " ظلاله " وجمعه في قوله " سجدا لله وهم داخرون " وهما حالان عن الضمير في " ظلاله " والمراد من السجود ; الانقياد والاستسلام، سواء كان بالطبع أو بالاختيار، يقال: سجدت النخلة: إذا مالت لكثرة الحمل ; وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب. وقال الشاعر: ترى الاكم فيها سجدا للحوافر و " سجدا " حال من الظلال " وهم داخرون " من الضمير، والمعنى: يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيوء، أو واقعة على الارض ملتصقة بها كهيئة الساجد، والاجرام في أنفسها أيضا داخرة أي صاغرة منقادة لافعال الله فيها. وجمع " داخرون لان من جملتها من يعقل، أو لان الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل: المراد باليمين والشمائل عن يمين الفلك وهو جانبه الشرقي، لان الكوكب يظهر منه أخذه في


(1) فاطر: 41. (2) ص: 18. (3) ص: 36. (4) الحديد: 25.

[166]

الارتفاع والسطوع، وشماله هو الجانب الغربي المقابل له، فإن الاظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الارض، وعند الزوال يبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الارض كما ذكره البيضاوي وغيره. وقال بعضهم: كان الحسن يقول: أما ظلك فيسجد لربك وأما أنت فلا تسجد لربك ! بئس ما صنعت. وعن مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل: ظل كل شئ يسجد لله سواء كان ذلك ساجدا أم لا. وقال الطبرسي - ره - وقيل: إن المراد بالظل هو الشخص بعينه، قال الشاعر " كأن في أظلالهن الشمس " أي في أشخاصهن، فعلى هذا يكون تأويل الظلال في الآية تأويل الاجسام التي عنها الظلال " وهم داخرون " أي أذلة صاغرون، قد نبه الله سبحانه بهذا على أن جميع الاشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها ومدبرها بما لولاه لبطلت ولم يكن لها قوام طرفة عين فهي في ذلك كالساجد من العباد بفعله الخاضع بذله - انتهى -. وقال النيسابوري في تأويلها بعد تفسيرها بمامر: " إلى ما خلق الله من شئ " هو عالم الاجسام، فإن عالم الارواح خلق من لا شئ " يتفيؤ ظلاله " فإن الاجسام ظلال الارواح، فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، واخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال " سجدا لله " منقادين لامره مسخرين لما خلقوا لاجله، وإنما وحد اليمين وجمع الشمائل لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه - انتهى -. وأقول: ويحتمل أن يكون المراد بظلاله مثاله على القول بعالم المثال كما مر. تحقيقه أو روحه كما عبر في الاخبار الكثيرة عن عالم الارواح بالظلال، فالمراد بالتفيؤ عن اليمين ميلهم إلى السعادة والتشبه بأصحاب اليمين، وبالشمائل خلافه. وهذا كلام على سبيل الاحتمال في مقابلة ما ذكروه من ذلك، والله يعلم تفسير كلامه وحججه الكرام عليهم السلام. " ولله يسجد " قال الرازي: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد والخضوع، ويرجع حاصل

[167]

هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، لانه لا يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح. إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود، ومنهم من قال: المراد بالسجود ههنا هو المعنى الاول، لان اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى، لان السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات. ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لافادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الامرين معا، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى. وهذا القول ضعيف لانه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لافادة جميع مفهوماته معا غير جائز. قوله " من دابة " قال الاخفش: يريد من الدواب، وقال ابن عباس: يريد كل مادب على الارض. فإن قيل: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر ؟ قلنا: فيه وجوه: الاول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى، لان أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وأشرفها كونها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى. والوجه الثاني: قال حكماء الاسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب فلما ميز الله الملائكة من الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة. ويمكن الجواب عنه بأن الطير بالجناح مغائر للدبيب (1) بدليل قوله تعالى " وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه (2) " - انتهى - (3).


(1) في المصدر: بان الجناح للطيران مغائر للدبيب. (2) الانعام: 31. (3) مفاتيح الغيب: ج 20، ص 43.

[168]

وأقول: التخصيص بعد التعميم أيضا شائع كعطف جبرئيل على الملائكة كما ذكره البيضاوي، وما ذكره من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه على تقدير تسليمه لا حاجة في التعميم على حمله على ذلك، بل يمكن حمله على معنى الانقياد والتواضع، وهو يشمل الانقياد لارادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا كما حمل عليه البيضاوي. وقال بعضهم: هذه الآية تدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر، وليس إلا النفوس الناطقة الانسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لامن حيث هياكلهم، فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة، ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والايدي والارجل والالسنة والسمع والبصر وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير - انتهى -. وأقول: والارواح والنفوس أيضا لها جهتان: فمن جهة مسخرة منقادة لربها في جميع ما أراد منها، ومن جهة اخرى عاصية مخالفة لربها، بل من هذه الجهة أيضا مسخرة ساجدة خاضعة لارادة ربها حيث أقدرها على ما أرادت، ودالة على وجود صانعها الذي جعلها مختارة مريدة قادرة على الاتيان بما أرادت، فهي من هذه الجهة أيضا مسبحة لربها ذاكرة لها دالة عليها منادية بلسان حالها من جهة إمكانها وحدوثها وافتقارها بأن لي ربا جعلني مريدا مختارا لحكمته وكماله وعنايته الازلية كما قال بعض العارفين بالفارسية " عين إنكار منكر إقراراست " والكلام في هذا المقام دقيق لا يمكن إجراء أكثر من ذلك منه على الاقلام، ويصعب دركها على الافهام، وقد أومأت إلى شئ منه في شرح كتاب توحيد الكافي في توضيح أخبار إرادة الله تعالى وبيان معانيها. قوله سبحانه " تسبح له السموات " قال النيسابوري: قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول " سبحان الله " واخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني. وقد تقرر في الاصول أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معا في حالة واحدة، فتعين التسبيح

[169]

ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل. هذا ما عليه المحققون، واورد عليه: أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل " ولكن لا تفقهون تسبيحهم " لان التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم. واجيب: بأن دلالة كل شئ على وجود الصانع معلومة على الاجمال دون التفصيل، فإنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلاشك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ ولكن عدد تلك الاجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله. وأيضا الخطاب للمشركين وأنهم وإن كانوا مقرين بالخالق إلا أنهم أثبتوا شريكا وأنكروا قدرته على البعث والاعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه واله فكأنهم لم يفقهوا التسبيح، إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح، ولهذا ختم الآية بقوله " إنه كان حليما غفورا " حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم. وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح لله تعالى باللسان أيضا، كل بلغته ولسانه الذي لا نعرف نحن ولا نفقه. وزعم أيضا أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح، وكذا غصن الشجرة إذا كسر. فاورد عليه أن كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا فكيف صار ذبح الحيوان مانعا عن التسبيح وكذا كسر الغصن ؟ ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شئ لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه، فإذا بطل ذلك التركيب وفكك ذلك النظم لم يبق مسبحا مطلقا أولا على ذلك النحو. وقال في تأويلها: لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت، لقوله " فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ (1) " والملكوت باطن الكون، وهو الآخرة، والآخرة حيوان لاجماد لقوله " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان (2) " فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيها لصاحبه وحمدا له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان نطق الحصا في كف النبي صلى الله عليه واله وبه تنطق الارض يوم القيامة. " يومئذ تحدث أخبارها (3) " وبه تنطق الجوارح " أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ " (4) وبه نطقت


(1) يس: 83. (2) العنكبوت: 64. (3) الزلزال: 4 (4) فصلت: 21.

[170]

السموات والارض " قالتا أتينا طائعين ". " إنه كان حليما " في الازل، إذ أخرج من العدم من يكفر به ويجحده " غفورا " لمن تاب عن كفره. " قلنا يا نار كوني بردا " قال الطبرسي. هذا مثل، فإن النار جماد لا يصح خطابه، والمراد أنا جعلنا النار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذيها شئ، كما قال سبحانه " كونوا قردة خاسئين (1) " والمعنى أنه صيرهم كذلك لا أنه خاطبهم وأمرهم بذلك. وقيل: يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم. وذكر في كون النار بردا وسلاما على إبراهيم وجوها: أحدها أن الله سبحانه أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة فيها فلم تؤذه. وثانيها أنه سبحانه حال بينها وبين إبراهيم فلم تصل إليه. وثالثها أن الاحراق يحصل بالاعتمادات التي في النار صعدا فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات. وعلى الجملة فعلمنا أن الله سبحانه منع النار من إحراقه وهو أعلم بتفاصيله (2) - انتهى -. وقال البيضاوي: انقلاب النار هواء طيبة ليس ببدع، غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته. وقيل: كانت النار بحالها لكنه تعالى دفع عنه أذاها كما في السمندر، ويشعر به قوله " على إبراهيم " (3) - انتهى -. وأقول: على مذهب الاشاعرة لا إشكال في ذلك، لانهم يقولون: لا مؤثر في الوجود إلا الله، وإنما أجرى عادته بالاحراق عند قرب شئ من النار، فإذا أراد غير ذلك لا يخلق الاحراق. وأما عند غيرهم من القائلين بتأثير الطبائع ولزوم الصفات لها فيشكل ذلك عندهم، والاولى أن يقال: إحراق النار وتبريد الثلج وقتل السموم وغير ذلك من التأثيرات لما كانت مشروطة بشروط كقابلية المادة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون مشروطة بعدم تعلق إرادة القادر المختار بخلافه (4) فإذا تعلقت


(1) البقرة: 65، والاعراف: 165. (2) مجمع البيان: ج 7، ص 54. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 86. (4) هذا تنزيل لمقام إرادته القاهرة التى بها تسببت الاسباب وانسجم نظام الكون. و يستلزم جعلها في عداد الشرائط المادية، ويترتب عليه لوازم نغمض عن ذكرها. والحق أن - >

[171]

بذلك انتفى تأثيرها، كما أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم لكن بشرط عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافه، ولذا ورد في الاخبار أنه لا يحدث شئ في السماء والارض إلا بإذنه سبحانه. قوله تعالى " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير " قال الطبرسي - ره -: قيل: معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار، فعبر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه عن كل مالا يليق به، وكذلك تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد. و قيل: إن الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير يسبح بالغداة والعشي معجزة له - انتهى (1) -. وقال الرازي: قال أصحاب المعاني: يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان


< - جميع الايات والمعجزات خرق للنظام المتعارف الذى نتعاهده معاشر الناس في حياتنا ونعرف فيه أسبابا وشرائط وجودية. وعدمية ومعدات لكن ليس خرقا للنظام العلى والمعلولي رأسا، فجعل النار بردا مثلا ليس إبطالا للنظام السببي، لمسببي الحاكم على العالم بحذافيره، بل إعمال لاسباب وشرائط لانتعاعدها ويكفى له إيجاد مانع من تأثير النار في جسمه عليه السلام أو حول بدنه أو تسخير النار لايجاد البرودة كما تسخر قوة الكهرباء اليوم له، كل ذلك لامن طريق متعارف عند الناس بل بسبب إلهى وطريق غيبي ومجرى نفسي غير مشهود للعامة، والله على كل شئ قدير. فان قيل: مرجع الاخير إلى أن الله تعالى أراد أن تتبرد النار فبردت، وهذه إبطال لسببية النار للاحراق - لعدم امكان سببية شئ واحد لضدين ومتقابلين - أو التزام بحصول معلول مادى من غير حصول علته المسانخة له قلنا: الاحتراق عبارة عن تبدل الصورة تبدلا خاصا والنار معدة له لا مفيضة للصورة الحادثة، ولا يمتنع تأثيرها في ضده كما يشاهد في الكهرباء أضف الى ذلك حديث تعدد الجهات. وأما استناد الحوادث إلى إرادة الله تعالى من غير واسطة فمخالف للسنة الالهية التى لن تجد لها تبديلا ولن تجد لها تحويلا، ومستلزم للطفرة واختلال نظام العلل والمعاليل. والحاصل أن إرادة الله تعالى فوق العلل المادية وفى طولها لافى رتبتها وهو القاهر فوق عباده. (1) مجمع البيان: ج 7، ص 58.

[172]

بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما. وأما المعتزلة فقالوا: لو حصل الكلام في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه، والاول محال لان بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حيا عالما قادرا يستحيل منه الفعل، والثاني أيضا محال، لان المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لامن كان محلا له، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله لا الجبل، فجعلوا التسبيح من السباحة وبناء التفعيل للتكثير مثل قوله " يا جبال أو بي معه " والحاصل: سيري معه. واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لاتقبل الحياة، وهذا ممنوع، و على أن التكلم من فعل الله وهو أيضا ممنوع. وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام ولكن اجتمعت الامة على أن المكلفين إما الجن (1) والانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكون حاله كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا، فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق. وأيضا دلالته على قدرة الله وعلى تنزيهه مما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال - انتهى - (2). " وعملناه صنعة لبوس لكم " أي علمناه كيف يصنع الدروع. قال قتادة: أول من صنع الدروع داود وإنما كانت صفائح، جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين فهو أول من سردها وحلقها فجمعت الخفة والتحصين. " ولسليمان " أي سخرنا له " الريح عاصفة " أي شديدة الهبوب. " ألم تر أن الله يسجد له " لعل المراد بالسجود غاية الخضوع والانقياد الممكن من الشئ، ففي الجمادات والعجم من الحيوانات يحصل منهم غاية الانقياد الذي يتأتى منهم، وكذا الملائكة وصالحوا المؤمنين. وأما الكفار والفجار فلما لم يتأت منهم غاية الانقياد أخرجهم وقال " وكثير من الناس " لانهم وإن كانوا في الاوامر التكوينية منقادين فليسوا في الاوامر التكليفية كذلك


(1) في المصدر: أو. (2) مفاتيح الغيب: ج 22، ص 200.

[173]

فالسجود محمول على معنى واحد وليس من استعمال المشترك في معنييه كما عرفت سابقا. وقال الرازي: الرؤية هنا بمعنى العلم، وفي السجود وجوه: أحدها قال الزجاج: أجود الوجوه في سجود هذه الامور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها - الآية - " " أن نقول له كن فيكون " " وإن منها لما يهبط من خشية الله " " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " " وسخرنا مع داود الجبال " والمعنى أن هذه الاجسام لما كانت قابلة لجميع الاعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود. وأما قوله " وكثير من الناس " ففيه وجوه: أحدها أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره، فلاجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها أن نقطع قوله " وكثير من الناس " عما قبله، ثم فيه ثلاثة أوجه: الاول أن نقول: تقدير الآية: ولله يسجد من في السماوات والارض و يسجد له كثير من الناس. فيكون السجود الاول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه جميعا. الثاني أن يكون قوله " وكثير من الناس " مبتدءا خبره محذوف وهو، مثاب، لان خبر مقابله يدل عليه وهو قوله " حق عليه العذاب ". والثالث أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف " كثير " على " كثير " ثم يخبر عنهم ب‍ " حق عليهم العذاب " وثالثها من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول: إن المراد بالسجود في حق الاحياء العقلاء السجود، وفي حق الجمادات الانقياد. فان قيل: قوله " من في السموات والارض " لفظ العموم فيدخل فيه الناس، فلم قال مرة اخرى " وكثير من الناس " ؟ قلنا: لو اقتصر على ما تقدم لاوهم أن كل الناس يسجدون، فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك. القول الثاني في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال:

[174]

" وأن إلى ربك المنتهى " (1) وكما أن الامكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الارض، فإن ذلك علامة وضعية للافتقار، وقد يتطرق إليه الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وهذا قول القفال. القول الثالث أن سجود هذه الاشياء سجود ظلها كقوله تعالى " يتفيؤ ظلاله - الآية - " وهذا قول مجاهد (2) - انتهى -. قوله تعالى " أو بي معه " قال البيضاوي: أي ارجعي معه التسبيح على الذنب أو النوحة، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل (3) فيها، أو: سيري معه حيث سار. و " الطير " عطف على محل " الجبال ". " وألنا له الحديد " جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بآلاته أو بقوة " عين القطر " أي النحاس المذاب أسال (4) له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سماه عينا. و [كان] ذلك باليمن (5). " إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا " أي كراهة أن تزولا، فإن الممكن حال بقائه لابد له من حافظ أو يمنعهما أن تزولا لان الامساك منع. " ولئن زالتا إن أمسكهما " أي ما أمسكهما " من أحد من بعده " أي من بعد الله أو من بعد الزوال، والجملة سادة مسد الجوابين، و " من " الاولى مزيدة، والثانية للابتداء " إنه كان حليما غفورا " حيث أمسكهما وكانتا جديرتين أن تهدا هدا، لاعمال العباد. قوله تعالى " فيه بأس شديد " فإن آلات الحرب متخذة عنه " ومنافع للناس " إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها " وليعلم الله من ينصره ورسله " باستعمال الاسلحة


(1) النجم: 42. (2) مفاتيح الغيب: ج 23، 20. (3) في المصدر: تأملها (4) فيه: أساله. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 285.

[175]

ومجاهدة الكفار، والعطف على محذوف دل عليه ما قبله، فإنه حال يتضمن تعليلا أو اللام صلة لمحذوف، أي أنزله ليعلم الله " بالغيب " حال من المستكن في " ينصره ". " إن الله قوي " على إهلاك من أراد إهلاكه " عزيز " لا يفتقر إلى نصرة، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه. وقال الرازي: وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحرب متخذة منه، وفيه أيضا منافع كثيرة منها قوله تعالى " وعلمناه صنعة لبوس لكم " ومنها أن مصالح العالم إما اصول وإما فروع، أما الاصول فأربعة: الزراعة، والحياكة، وبناء البيوت، والسلطنة. وذلك لان الانسان يضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يسكن فيه، والانسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه ليشتغل كل واحد منهم بمهم خاص فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل وذلك الانتظام لابد وأن يفضي إلى المزاحمة ولابد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الاصول الاربعة. أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد وذلك من كرب الارض وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لابد من جزها وتنقيتها وذلك لاتيم إلا بالحديد (1). ثم لابد من خبزها ولا يتم إلا بالنار ولابد فيها من المقدحة الحديدية. وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها من قشورها وقطعها على الوجوه الموافقة للاكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد. ثم يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم نفزع (2) في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، والذهب لا يقوم مقام الحديد في شئ من هذه المصالح، فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شئ من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا. ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة جعله سهل الوجدان كثير الوجود والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر جود الله ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجاتهم إليه أكثر جعل وجدانه أسهل. ولهذا قال بعض


(1) في المصدر: ثم الحبوب لابد من طحنها وذلك لايتم الا بالحديد (2) في المصدر: يحتاج.

[176]

الحكماء: إن أعظم الامور حاجة إليه هو الهواء فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة مات الانسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الاشياء وجدانا، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى أن الانسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل. وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء. وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء. ثم تتفاوت الاطعمة في درجات الحاجة والعزة، فكل ما كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا لاجرم كانت عزيزة جدا. فعلمنا أن كل شئ كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله أشد من الحاجة إلى كل شئ فنرجو من رحمة الله أن يجعلها أسهل الاشياء وجدانا (1). 1 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن محمد القاساني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن إبراهيم بن الخطاب بن الفراء رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: شكت أسافل الحيطان إلى الله عزوجل من ثقل أعاليها، فأوحى الله عزوجل إليها: يحمل بعضك بعضا (2). الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن إبراهيم الثقفي مثله (3). المحاسن: عن القاساني مثله، إلا أن فيه: يحمل بعضها بعضا (4). بيان: لعل الشكاية بلسان الافتقار والاضطرار، والوحي بالخطاب التكويني كما قيل: في قوله تعالى " وآتيكم من كل ما سألتموه " أي بلسان استعداداتكم وقابلياتكم


(1) مفاتيح الغيب: ج 29، ص 242. (2) العلل: ج 2، ص 150. (3) الكافي: ج 6، ص 532. (4) المحاسن: 623.

[177]

أو يكون استعارة تمثيلية لبيان أن الله تعالى خلق الاجزاء الارضية والترابية بحيث يلتصق بعضها ببعض، ولا يكون ثقل الجميع على الاسافل فتنهدم سريعا. 2 - المحاسن: عن علي بن أسباط، عن داود البرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قوله تعالى " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " قال: نقض الجدر تسبيحها (1). الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن أسباط مثله، إلا أن فيه: تنقض الجدر (2). 3 - المحاسن: عن ابن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عزوجل " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " قال: نقض الجدر تسبيحها ! قلت: نقض الجدر تسبيحها ؟ ! قال: نعم (3). 4 - العياشي: عن أبي الصلاح، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " قال: كل شئ يسبح بحمده، وإنا لنرى أن تنقض الجدار هو تسبيحها. ومنه: في رواية الحسين بن سعيد عنه عليه السلام مثله. 5 - ومنه: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " قال: إنا نرى أن تنقض الحيطان تسبيحها. 6 - ومنه: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أنه دخل عليه رجل فقال له: فداك أبي وامي، إني أجد الله يقول في كتابه " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " فقال: هو كما قال، فقال له: أتسبح الشجرة اليابسة ؟ فقال: نعم، أما سمعت خشب البيت تنقض ؟ وذلك تسبيحه، فسبحان الله على كل حال.


(1) المحاسن: 623. (2) الكافي: ج 6، ص 531. (3) المحاسن: 623.

[178]

7 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم، قال: بكاء السماء احمرارها من غير غيم وبكاء الارض زلازلها (1) وتسبيح الشجر حركتها من غير ريح، وتسبيح البحار زيادتها ونقصانها، وتسبيح الشجر نموه ونشوؤه. وقال أيضا: ظله يسبح الله. بيان: قد مضى من البيان في تفسير الآيات ما يمكن به فهم هذه الاخبار. و الحاصل أن تنقض الجدار لدلالتها على حدوث التغير فيها وفنائها نداء منها بلسان حالها على افتقارها إلى من يوجدها ويبقيها منزها عن صفاتها المحوجة إلى ذلك. وأيضا نقصانات الخلائق دلائل على كمالات الخالق، وكثراتها واختلافاتها ومضاداتها شواهد وحدانيته وانتفاء الشريك عنه والند والضد له كما قال أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له (2) وبمضادته بين الاشياء (3) عرف أن لاضد له، وبمقارنته بين الاشياء عرف أن لاقرين له (4) " والحاصل أن جميع المصنوعات والممكنات بصفاتها ولوازمها وآثارها دالة على صانعها وبارئها ومصورها وعلمه وحكمته، شاهدة بتنزهه عن صفاتها المستلزمة للعجز والنقصان، مطيعة لربها في ما خلقها له وأمرها به من مصالح عالم الكون، موجهة إلى ما خلقت له. فسكون الارض خدمتها وتسبيحها ; وصرير الماء وجريه تسبيحه وطاعته ; وقيام الاشجار والنباتات ونموها، وجري الريح وأصواتها، وهذه الابنية وسقوطها، وتحريق النار ولهبها، وأصوات الصواعق وإضاءة البروق وجلاجل الرعود وجري الطيور في الجو ونغماتها، كلها طاعة لخالقها وسجدة وتسبيح وتنزيه له سبحانه. قال بعض العارفين ; خلق الله الخلق ليوحدوه فأنطقهم بالتسبيح والثناء عليه والسجود فقال " ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه (5) " وقال أيضا ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في


(1) زلزالها (خ). (2) ليس هذه الجملة في النهج. (3) في النهج: الامور. (4) النهج: ج 1، ص 355. (5) النور: 41.

[179]

الارض والشمس والقمر - الآية - (1) " وخاطب بهاتين الآيتين نبيه الذي أشهده ذلك ورآه فقال " ألم تر " ولم يقل " ألم تروا " فإنا ما رأيناه، فهو لنا إيمان، و لمحمد صلى الله عليه واله عيان، فأشهده سجود كل شئ وتواضعه لله، وكل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت. هذا الخطاب. وهذا تسبيح فطري وسجود ذاتي عن تجل تجلى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي، وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه. وفي القاموس: تنقض البيت: تشقق فسمع له صوت. وقوله " بكاء السماء احمرارها " أي خارجا عن العادة فإنه من علامات غضبه تعالى، فكأنه يبكي على من استحق الغضب أو على من يستحق العباد له الغضب كما وقع بعد شهادة الحسين عليه السلام. وقوله " حركتها من غير ريح " أي عند الزلزلة، أو بالنمو فيكون ما بعده تأكيدا له. 8 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجاورد عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " وأنبتنا فيها من كل شئ موزون " فإن الله تبارك وتعالى أنبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ وأشباه هذه لاتباع إلا وزنا (2). بيان: لعل المراد بالجوهر الاحجار كالياقوت والعقيق والفيروزج وأشباهها. 9 - تفسير علي بن إبراهيم: " أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " قال: تحويل كل ظل خلقه الله هو سجوده لله لانه ليس شئ إلا له ظل يتحرك بتحريكه، وتحويله سجوده (3). 10 - ومنه: في قوله تعالى " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " فحركة كل شئ تسبيح لله عزوجل (4). 11 - ومنه: في قوله " والشجر والدواب " لفظ الشجر واحد ومعناه جمع (5).


(1) الحج: 18. (2) تفسير القمى: 250. (3) التفسير: 361. (4) تفسير القمى: 382. (5) التفسير: 437.

[180]

وفي قوله تعالى " وأسلنا له عين القطر " قال: الصفر (1). 12 - المناقب لابن شهر اشوب: قال: قال ضباع بن نصر الهندي للرضا عليه السلام ما أصل الماء ؟ قال: أصل الماء خشية الله، بعضه من السماء ويسلكه في الارض ينابيع وبعضه ماء عليه الارضون، وأصله واحد عذب فرات. قال: فكيف منها عيون نفط و كبريت وقار (2) وملح وأشباه ذلك ؟ قال: غيره الجوهر وانقلبت كانقلاب العصير خمرا، وكما انقلبت الخمر فصارت خلا، وكما يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا. قال: فمن أين اخرجت أنواع الجواهر ؟ قال: انقلبت منها كانقلاب النطفة علقة ثم مضغة ثم خلقة مجتمعة مبنية على المتضادات الاربع. قال (3): إذا كانت الارض خلقت من الماء والماء بارد رطب فكيف صارت الارض باردة يابسة ؟ قال: سلبت النداوة فصارت يابسة. قال: الحر أنفع أم البرد ؟ قال: بل الحر أنفع من البرد، لان الحر من حر الحياة والبرد من برد (4) الموت، وكذلك السموم القاتلة الحارة منها أسلم وأقل ضررا من السموم الباردة (5). توضيح: قوله " خشية الله " إشارة إلى ما ورد في بعض الكتب السماوية أن الله تعالى خلق أولا درة بيضاء فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء " ماء عليه الارضون " أي البحر الاعظم " غيره الجوهر " أي جوهر الارض التي نبع منها " من حر الحياة " أي من جنسه لان الروح الحيواني والحرارة الغريزية سببان للحياة، وزوالهما سبب للموت. وفيه إشارة إلى ما ذكره الحكماء في تولد المعادن، فلنذكر ما ذكروه في ذلك: قالوا: المركبات التي لها مزاج، ثلاثة أنواع تسمى بالمواليد، وهي: المعادن والنباتات، والحيوانات. ووجه الحصر أنه إن تحقق فيه مبدأ التغذية فإما مع تحقق مبدأ الحس والحركة الارادية فهو الحيوان، أو بدونه وهو النبات، وإن لم يتحقق


(1) التفسير: 537. (2) في المصدر: ومنها قار.. (3) في المصدر: قال عمران. (4) بعد (خ). (5) المناقب: ج 4، ص 354.

[181]

ذلك فيه فالمعادن. وقال بعضهم: وإنما قلنا مع تحقق الحس والحركة لانه لاقطع بعدمهما في النبات والمعدن، بل ربما يدعى حصول الشعور والارادة للنبات لامارات تدل على ذلك، مثل ما يشاهد في ميل النخلة الانثى إلى الذكر وتعشقها به بحيث لو لم تلقح منه لم تثمر، وميل عروق الاشجار إلى جهة الماء، وميل أغصانها في الصعود من جانب الموانع إلى الفضاء. ثم ليس هذا ببعيد عن القواعد الفلسفية، فإن تباعد الامزجة عن الاعتدال الحقيقي إنما هو على غاية من التدريج، فانتقاض استحقاق الصور الحيوانية وخواصها لابد أن يبلغ قبل الانتفاء إلى حد الضعف والخفاء، و كذا النباتية. ولهذا اتفقوا على أن من المعدنيات ما وصل إلى افق النباتية، ومن النباتات ما وصل إلى افق الحيوانية كالنخلة، وإليه الاشارة بقوله صلى الله عليه واله " أكرموا عمتكم النخلة ". وقال بعضهم: اخرى طبقات المعادن متصلة باولى طبقات النباتات كما أن المرجان التي هي من المعادن ينمو في قعر البحر، وهو قريب من النباتات التي تنبت في فصل الربيع وتذبل وتفنى سريعا. واخرى طبقات النبات تتصل باولى طبقة الحيوانات كالنخل فإنها شبيهة بالحيوان في أنها إذا غرقت في الماء أو تقطع رأسها تموت ولا تثمر كثيرا بدون اللقاح، ورائحة طلعها شبيهة برائحة المني، وتعشق بعضها بعضا بحيث لاتحمل إلا إذا صب فيها من طلعه، ويميل بعضها إلى بعض، وهي قريبة من الحيوانات المتولدة في الاراضي الندية كالخراطين وأشباهها. واخرى طبقة الحيوانات تتصل بافق الانسان كالفيل والقردة، فإنهما تتعلمان بأدنى تعليم، وفي كثير من الصفات شبيهة بالانسان، وهي قريبة من بعض أفراد الانسان كالسودان والاتراك الذين ليس فيهم من الانسانية إلا الاكل والشرب والنوم والسفاد. ثم إنهم قالوا: إن الابخرة والادخنة المحتبسة في باطن الارض إذا كثرت يتولد منها ما مر من الرجفة والزلزلة وانفجار العيون، وإذا لم تكن كثيرة اختلطت على ضروب من الاختلاطات المختلفة في الكم والكيف والمزج بحسب الامكنة والازمنة والاعدادات، فتكون منها الاجسام المعدنية بإذن الله تعالى، وهي أول ما يحدث من المركبات العنصرية التامة المزاجية. ثم إذا غلب البخار على الدخان

[182]

تتولد مثل اليشم والبلور والزيبق وغيرها من الجواهر المشفة وإن غلب الدخان يتولد الملح والزاج والكبريت والنوشادر. ثم من اختلاط بعض هذه مع بعض يتولد غيرها من المعادن، وأصنافها خمسة، لانها إما ذائبة أو غير ذائبة، والذائبة إما منطرقة أو غير منطرقة، والغير المنطرقة إما مشتعلة أو غير مشتعلة، وغير الذائبة إما عدم ذوبانه لفرط الرطوبة، أو لفرط اليبوسة، فأقسامها: ذائب منطرق، وذائب مشتعل، وذائب غير منطرق ولا مشتعل، وغير ذائب لفرط الرطوبة، وغير ذائب لفرط اليبوسة. فالذائب المنطرق هو الجسم الذي انجمد فيه الرطب واليابس بحيث لا يقدر النار على تفريقهما مع بقاء دهنية قوية بسببها يقبل ذلك الجسم الانطراق وهو الاندفاع في السحق بانبساط يعرض للجسم في الطول والعرض قليلا دون انفصال شئ، والذوبان سيلان الجسم بسبب تلازم رطبه ويابسه. والمشهور من أنواع الذائب المنطرق سبعة: الذهب، والفضة، والرصاص، والاسرب، والحديد، والنحاس، والخارصيني. وقيل: الخارصيني هو جوهر شبيه بالنحاس يتخذ منها مرايالها خواص وذكر بعضهم أنه لا يوجد في عهدنا (1) والذي يتخذ منه المرايا ويسمى بالحديد الصيني والهفتجوش فجوهر مركب من بعض الفلزات، وليس بالخارصيني. والذوبان في غير الحديد ظاهر وأما في الحديد فيكون بالحيلة كما يعرفه أرباب الصنعة. وشهدت الامارات بأن مادة الاجساد السبعة الزيبق والكبريت، واختلاف الانواع والاصناف عائد إلى اختلاف صفاتهما واختلاطهما وتأثر أحدهما عن الآخر. أما الامارات فهي أنها سيما الرصاص يذوب إلى مثل الزيبق، والزيبق ينعقد برائحة الكبريت إلى مثل الرصاص والزيبق يتعلق بهذه الاجساد. وأما كيفية تكون تلك الاجساد منهما فهي أنه إذا كان الزيبق والكبريت صافيين وكان انطباخ أحدهما بالآخر تاما فإن كان الكبريت مع بقائه أبيض غير محترق تكونت الفضة، وإن كان أحمر وفيه قوة صباغة لطيفة غير


(1) عصرنا (خ).

[183]

محترقة تكون الذهب، وإن كانا نقيين وفي الكبريت قوة صباغة لكن وصل إليه قبل كمال النضج برد مجمد عاقد تكون الخارصيني، وإن كان الزيبق نقيا والكبريت رديا فإن كان مع الرداءة فيه قوة إحراقية تكون النحاس، وإن كان غير شديد المخالطة بالزيبق بل متداخلا إياه سافا فسافا تولد الرصاص، وإن كان الزيبق والكبريت رديين فإن قوي التركيب وفي الزيبق تخلخل أرضي وفي الكبريت إحراق تكون الحديد، وإن ضعف التركيب تكون الا سرب ويسمى الرصاص الاسود. قال صاحب المواقف بعد إيراد مثل هذا التقسيم: وأنت خبير بأن القسمة غير حاصرة وأن التكون على هذا الوجه لاسبيل فيه إلى اليقين ولا يرجى له إلا الحدس والتخمين وإن سلم فتكونها على غير هذا الوجه مما لم يقم على امتناعه دليل، كيف والمهوسون بالكيمياء لهم في الاجساد السبعة والارواح التي تفيد الصورة الذهبية والفضية تفنن والكل عندنا للفاعل المختار من غير إحالة على شئ مما ذكروه - انتهى -. والثاني أي الذائب المشتعل هو الجسم الذي فيه رطوبة دهنية مع يبوسة غير مستحكم المزاج، ولذلك يقوى النار على تفريق رطبه عن يابسه وهو الاشتعال، وذلك كالكبريت المتولد من مائية تخمرت بالارضية والهوائية تخمرا شديدا بالحرارة حتى صارت تلك المائية دهنية وانعقدت بالبرد، وقيل دخانية تخمر بها بخارية تخمرا شديدا بالحر حتى حصل فيها دهنية ثم انعقدت بالبرد، وكالزرنيخ وهو كذلك إلا أن الدهنية فيه أقل. والثالث أي الذائب الذي لا ينطرق ولا يشتعل ما ضعف امتزاج رطبه ويابسه وكثرت رطوبته المنعقدة بالحر واليبس كالزاجات وتولدها من ملحية وكبريتية وحجارة، وفيها قوة بعض الاجساد الذائبة، وكالاملاح وتولدها من ماء خالطه دخان حار لطيف كثير النارية وانعقد باليبس مع غلبة الارضية الدخانية، ولهذا يتخذ الملح من الرماد المحترق بالطبخ والتصفية. والرابع أي الذي لا يذوب ولا ينطرق لرطوبته ما استحكم الامتزاج بين أجزائه الرطبة الغالبة والاجزاء اليابسة بحيث لا يقوى النار على تفريقهما كالزيبق وهو مركب

[184]

من مائية صافية جدا خالطتها دخانية كبريتية لطيفة مخالطة شديدة بحيث لا ينفصل منه سطح إلا ويغشاه من تلك اليبوسة شئ، فلذلك لا يعلق باليد ولا ينحصر انحصارا شديدا بشكل ما يحويه، ومثاله قطرات الماء الواقعة على تراب في غاية اللطافة فإنه يحيط بالقطرة سطح ترابي حاصر للماء كالغلاف له بحيث تبقى القطرة على شكلها في وجه التراب، وإذا تلاقت قطرتان منهما فربما ينخرق الغلافان ويصير الماءان في غلاف واحد. وبياض الزيبق لصفاء المائية وبياض الارضية وممازجة الهوائية. والخامس أي الذي لا يذوب ولا ينطرق ليبوسة ما اشتد الامتزاج بين أجزائه الرطبة والاجزاء اليابسة المستولية بحيث لا يقدر النار على تفريقهما مع إحالة البرد للمائية إلى الارضية بحيث لا تبقى رطوبة حسية دهنية، ولذا لا ينطرق. ولما كان تعقده باليبس لا يذوب إلا بالحيلة بحيث لا يبقى ذلك الجوهر بخلاف الحديد المذاب وذلك كالياقوت واللعل والزبرجد ونحو ذلك من الاحجار. ثم إن من المعادن ما يتولد بالصنعة بتهيئة المواد وتكميل الاستعداد كالنوشادر والملح، وإن منها ما يعمل له شبيه يعسر التميز في بادئ النظر كالذهب والفضة واللعل وكثير من الاحجار المعدنية. وهل يمكن أن يعمل حقيقة هذه الجواهر بالصنعة من غير جهة الاعجاز ؟ فذهب كثير من العقلاء إلى أن تكون الذهب والفضة بالصنعة واقع. ذهب ابن سينا إلى أنه لم يظهر له إمكان فضلا عن الوقوع، لان الفصول الذاتية التي بها تصير هذه الاجساد أنواعا امور مجهولة، والمجهول لا يمكن إيجاده. نعم يمكن أن يعمل النحاس بصبغ الفضة، والفضة بصبغ الذهب، وأن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص، لكن هذه الامور المحسوسة يجوز أن لا تكون هي الفصول بل عوارض ولوازم. واجيب بأنا لا نسلم اختلاف الاجسام بالفصول والصور النوعية بل هي متماثلة لا تختلف إلا بالعوارض التي يمكن زوالها بالتدبير. ولو سلم فإن اريد بمجهولية الصور النوعية والفصول الذاتية أنها مجهولة من كل وجه فممنوع، كيف وقد علم أنها مبادر لهذه الخواص والاعراض، وإن اريد أنها مجهولة بحقائقها وتفاصيلها فلا نسلم أن الايجاد موقوف على العلم بذلك وأنه لا يكفي العلم بجميع

[185]

المواد على وجه حصل الظن بفيضان الصور عنده لاسباب لاتعلم على التفصيل كالحية من الشعر والعقرب من البادروج ونحو ذلك، وكفى بصنعة الترياق وما فيه من الخواص والآثار شاهدا على إمكان ذلك. نعم، الكلام في الوقوع وفي العلم بجميع المواد وتحصيل الاستعداد، ولهذا جعل الكيمياء في اسم بلا مسمى. اقول: ويظهر من بعض الاخبار تحققه، لكن علم غير المعصوم به غير معلوم ومن رأينا وسمعنا ممن يدعي علم ذلك منهم أصحاب خديعة وتدليس، ومكر وتلبيس ولا يتبعهم إلا مخدوع، وصرف العمر فيه لا يسمن ولا يغني من جوع. 13 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: لو فطنوا طالبوا الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس الاثمان وغالبوا بها. 14 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله ابن عبداالرحمن، عن يحيى الحلبي، عن الثمالي، قال: مررت مع أبي عبد الله عليه السلام في سوق النحاس، فقلت: جعلت فداك، هذا النحاس أيش (1) أصله، فقال: فضة إلا أن الارض أفسدتها، فمن قدر على أن يخرج الفساد منها انتفع بها (2). 15 - المجازات النبوية للرضي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله في الجبل: ظهورها حرز، وبطونها كنز. قال السيد - ره -: هذا القول خارج عن طريق المجاز، لان بطون الجبل على الحقيقة كنز، وإنما أراد أن أصحابها يستخرجون منها من الافلاذ ما تنمى به أموالهم وتحسن معه أحوالهم. وظهورها حرز: أراد أنها منجاة من المعاطب، وملجأة عند المهارب. 16 - الخرائج: روى أحمد بن عمر الحلال قال: قلت لابي الحسن الثاني عليه السلام: جعلت فداك، إني أخاف عليك من هذا صاحب الرقة، قال: ليس علي منه بأس، إن لله بلادا تنبت الذهب قد حماها بأضعف خلقه بالذر، فلو أرادتها الفيلة ما وصلت إليها.


(1) في المصدر: أي شئ. (2) الكافي: ج 5، ص 307.

[186]

قال الوشاء: إني سألت عن هذه البلاد وقد سمعت الحديث قبل مسألتي، فاخبرت أنه بين البلخ والنبت، وأنها تنبت الذهب، وفيها نمل كبار أشباه الكلاب على حلقها قلس لا يمر بها الطير فضلا عن غيره، تكمن بالليل في حجرها وتظهر بالنهار، فربما غزوا الموضع على الدواب التي تقطع ثلاثين فرسخا في ليلة لايعرف شئ من الدواب يصبر صبرها، فيوقرون أحمالهم ويخرجون، فإذا النمل خرجت في الطلب، فلا تلحق شيئا إلا قطعته فتشبه بالريح من سرعتها، وربما شغلوهم (1) باللحم يتخذ لها إذا لحقتهم يطرح لها في الطريق إن لحقتهم قطعتهم ودوابهم. بيان: الرقة بلد على الفرات، والمراد بصاحبها هارون، لانه كان في تلك الايام فيها. والقلس حبل ضخم من ليف أو خوص أو غيرهما، وكأنه وصف المشبه به أي الكلاب المعلمة. 17 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره قال: قيل للرضا عليه السلام: إنك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دما ؟ ! فقال: إن لله واديا من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل فلو رامته البخاتي لم تصل إليه. 18 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص، والكلس، والجبسين، والزرانيخ والمرتك، والقوينا (2) والزيبق، والنحاس، والرصاص، والفضة، والذهب، و الزبرجد، والياقوت، والزمرد، وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج منها من القار، والموميا، والكبريت، والنفط وغير ذلك مما يستعمله الناس في مأربهم. فهل يخفى على ذي عقل أن هذه كلها ذخائر ذخرت للانسان في هذه الارض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها ؟ ثم قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك، فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر و يستفيض في العالم حتى تكثر الفضة والذهب، ويسقطا عند الناس، فلا يكون لهما


(1) شغلوها (ظ). (2) القوبنا (خ).

[187]

قيمة، ويبطل الانتفاع بهما في الشرى والبيع والمعاملات، ولا كان يجبي السلطان الاموال ولا يدخرهما أحد للاعقاب، وقد اعطي الناس مع هذا صنعة الشبه من النحاس والزجاج من الرمل، والفضة من الرصاص، والذهب من الفضة وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه. فانظر كيف اعطوا إرادتهم في مالا ضرر فيه، ومنعوا ذلك في ما كان ضارا لهم لو ناولوه. ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجرى منصلتا بماء غزير، لا يدرك غوره ولا حيلة في عبوره، ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة. تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم، فإنه أراد - جل ثناؤه - أن يرى العباد مقدرته (1) وسعة خزائنه، ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل، لكن لاصلاح لهم في ذلك لانه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلة انتفاعهم به. واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشئ الطريف مما يحدثه الناس من الاواني والامتعة، فما دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن، فإذا فشاوكثر في أيدي الناس سقط عندهم وخست قيمته. ونفاسة الاشياء من عزتها. بيان: الكلس - بالكسر -: الصاروج، والجبس - بالكسر -: الجص، و في أكثر النسح " الجبسين " ولم أجده في ما عندنا من كتب اللغة، لكن في لغة الطب كما في أكثر النسخ. والمرتك - كمقعد - المرداسنج، و " القوبنا " بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت، ولم أجدهما في كتب اللغة، لكن في القاموس: القونة القطعة من الحديد أو الصفر يرقع بها الاناء. وفي بعض النسخ " والتوتيا " وفي كتب اللغة أنه حجر يكتحل به. والقار: القير. وجبى الخراج جباية: جمعه. والايغال: المبالغة في الدخول والذهاب. وانصلت: مضى وسبق. تتميم نفعه عميم اعلم أن الذي يستفاد من الآيات المتظافرة والاخبار المتواترة هو أن تأثيره سبحانه في الممكنات لا يتوقف على المواد والاستعدادات، وإنما أمره إذا أراد شيئا


(1) قدرته (ظ).

[188]

أن يقول له كن فيكون (1). وهو سبحانه جعل للاشياء منافع وتأثيرات وخواص أودعها فيها، وتأثيراتها مشروطة بإذن الله تعالى وعدم تعلق إرادته القاهرة بخلافها، كما أنه أجرى عادته بخلق الانسان من اجتماع الذكر والانثى وتولد النطفة منهما وقرارها في رحم الانثى وتدرجها علقة ومضغة وهكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى، ومن غير ام أيضا كآدم وحواء، وكخفاش عيسى وطير إبراهيم وغير ذلك من المعجزات المتواترة عن الانبياء في إحياء الموتى. وجعل الاحراق في النار، فلما أراد غير ذلك قال للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وجعل الثقيل يرسب في الماء وينحدر من الهواء، فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء ورفعهم إلى السماء وجعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتى تعبر بنو إسرائيل من البحر. ومع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شئ من


(1) لا بأس بتذييل لهذا التتميم يجعل نفعه أعم وفائدته أتم، فنقول: هناك امور لا مجال للارتياب فيها لمن له قدم في العلوم الالهية. (الاول) كل ما سوى الله تعالى مخلوق له محتاج إليه في جميع شؤونه الوجودية، سواء في ذلك الشؤون العلمية والارادية وغيرها. (الثاني) ان الله تعالى غنى عن جميع ما سواه ولايحتاج إلى غيره في شئ أصلا، وليس لقدرته تعالى حد ونهاية، فهو القادر على كل أمر ممكن في ذاته، وليس لقدرته على شئ من الاشياء شرط ولا مانع، سبحانه وتعالى عما يصفون. (الثالث) كل ممكن في ذاته يستوى نسبته إلى الوجود والعدم، ولابد في ترجح أحدهما من مرجح وهذا حكم ضروري لا يكاد يشك فيه عاقل فضلا عن الانكار اللهم الا من لم يتصور طرفي القضية أو عرض له شبهة لم يستطع دفعها أو مكابر ينكر باللسان ما يعترف به قلبا. و هذا أساس جل براهين التوحيد بل المعارف الحقة. (الرابع) طريق معرفة العلل والمرجحات - سوى ما يعرفه الانسان وجدانا وبالضرورة - اختبار ارتباط وجود شئ بشئ وكشف حدود ذاك الارتباط، وهذا من معرفة صنع الله تعالى وكشف مجارى مشيئته في خلقه، لامن باب كشف شرائط قدرته تعالى على الاشياء فتفطن. و من الواضح ان معرفة سبب ما لشئ لا تنفي سببية شئ آخر له وقد ثبت في محله ان هذا ليس - >

[189]

المعجزات اليقينية المتواترة عن الانبياء والاوصياء عليهم السلام. وكذا جرى عادته على انعقاد الجواهر في المعادن بأسباب من المؤثرات الارضية والسماوية لبعض المصالح، فإذا أراد إظهار كمال قدرته ورفع شأن وليه يجعل الحصا في كفه دفعة جوهرا ثمينا، و الحديد في يد نبيه عجينا، ويخرج الاجساد البالية دفعة من التراب في يوم الحساب. فهذه كلها وأمثالها لا تستقيم مع الاذعان بقواعدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة. وقال بعضهم حذرا من التشهير والتفكير: إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة كما نطقت


< - من صدور الواحد من الكثير لمكان تعدد الحيثيات. ولا اظن أن يرتاب أحد في سببية الاسباب والعلل لمسبباتها ومعلولاتها وارتباط الثانية بالاولى ارتباطا ذاتيا وجوديا إلا ان تعرض شبهة لمن لا يستطيع على حلها كالاشاعرة حيث قالوا بان عادة الله جرت على ايجاد شئ عقيب شئ آخر دون ان يرتبط به ارتباطا وجوديا، والتزموا بذلك زعما منهم ان القول بالعلية وارتباط المعلول بالعلة ينافي التوحيد، وجهلا بأن هذا منهم هدم لاساس التوحيد وإنكار لسنة الله تعالى في خلقه. (الخامس) كل علة غير الواجب تعالى ليس مستقلا في التأثير كما أنه ليس مستقلا في الوجود، فكما انها تحتاج في ذاتها إلى علة اخرى حتى تنتهى إلى الواجب تبارك وتعالى فكذا في أفعالها وجميع شؤونها فما من اثر وجودي في شئ من الاشياء من حيث هو اثر وجودي إلا وهو مستند إلى الله تعالى قبل استناده إلى سائر علله ويشهد لهذا المعنى آيات كثيرة جدا نسب فيها افعال العباد والمخلوقات إلى الله تعالى أو انيط فيها تأثير الاشياء باذن الله تعالى ومشيئته، لكن استناد الافعال والاثار إلى الله سبحانه لا يوجب سلب انتسابها إلى عللها المتوسطة وتأثير العلل باذن ربها، فاستناد خلق الانسان إلى الله تعالى لا ينافي توسط ملائكة وتأثير اسباب ومعدات بل يستلزمها، لا لانه سبحانه يحتاج إليها وقدرته على الخلق يتوقف عليها بل لان مرتبة الفعل هي التى تقتضي ذلك، فكل معلول له مرتبة تخصه وحدود يتشخص بها بحيث لو تبدل بعضها إلى بعض لانقلب إلى شئ آخر، كما ان كل عدد له مرتبة خاصة لايتقدم عليها ولا يتأخر عنها وإلا لانقلب إلى عدد آخر، وفيض الوجود مطلق لا يقيد من ناحية ذات المفيض تعالى بشئ بل مجارى الفيض هي التى تحدده حتى تتقدر باقدار خاصة تسعها ظروف المعاليل المتأخرة " وما ننزله إلا بقدر معلوم " فتقدره انما هو عند نزوله واما عنده تعالى فالخزائن التى لا تتناهى وقد جرت سنته تعالى باجراء الامور من اسبابها ولن تجد لسنة الله تبديلا - >

[190]

به الشريعة ممكن غير مستحيل ولا استبعاد أيضا فيها ولا يلزم أن يكون حدوث لياقته واستعداده لتعلقها مما يحصل له شيئا فشيئا ككونه أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم طفلا إلى تمام الخلقة حسب ما يقتضيه التوالد والتناسل، فإن ذلك نحو خاص من الحدوث، والحدوث لا ينحصر للانسان في هذا النحو، لجواز أن يتكون دفعة تاما كاملا لاجل خصوصية بعض الازمنة والاوقات، والاوضاع الفلكية ترجح إرادة الله


< - ولن تجد لسنة الله تحويلا. نعم، من الاسباب ما يكون واضحا وكيفية تأثيره وشرائطه معروفة ومنها ما يكون خفيا لا يطلع عليها إلا الخواص بعد جهد بالغ وتجارب كثيرة، ومنها ما يكون غير عادى لا يستطاع الحصول عليه إلا لمن شاء الله تعالى فربما يدعى من لايعرف هذين النوعين من الاسباب انحصار سبب شئ في ما هو الواضح المتعارف، كما كان الناس يزعمون استحالة كثير من الامور التى حصلت اليوم ببركة العلم الحديث، وكما كان كثير من الاقوام يزعمون استحالة حدوث بعض الايات قبل مشاهدتها ويسندونها إلى سحر الاعين بعد رؤيتها. لكن العقل السليم لا يأبى وجود اسباب خفية على الناس وغير طائعة لهم كما لا ينكر تأثير نفوس قدسية بأمر الله تعالى ولا يعد المعجزات وخوارق العادات تجويزا للمحال ولا ناقضا لقانون العلية، لكن يأبى استناد الحوادث أياما كانت بلا واسطة إلى الله تعالى لاستلزام ذلك اختلال سلسلة العلل و المعاليل وتقدر الفيض من غير مقدر والترجح بلا مرجح وأما مرجحية ارادة الله تعالى و مقدريتها للفيض فالارادة ان فرضت حادثة في ذاته سبحانه استلزمت صيرورة الدات محلا للحوادث ومعرضا للكيفيات - جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - وان فرضت حادثة في خارج ذاته كانت مخلوقه له محتاجه إلى ارادة اخرى متسلسلة وتغيير العبارة والتعبير بالمشيئة لا يحل المشكلة وان فرضت قديمة لزم انفكاك المعلول عن العلة وأما الارادة المنتزعة عن مقام الفعل فمنشأ انتزاعها نفس الفعل فلا تكون مرجحة له وهذا ليس بمعنى اشتراط قدرته تعالى على الفعل بحصول الاسباب واجتماع الشرائط واستعداد المواد، فان قدرته تعالى ليست محدودة بشئ ولا متوقفة على شئ، بل بمعنى نقص المقدور ومحدوديته ذاتا وتأخره عن علله رتبة وارتباطه بها ثبوتا، وبعبارة اخرى المعلول الخاص هو الذى يكون محدودا بحدود وقيود خاصة وإلا لم يكن ذاك المعلول لا أن الله تعالى لا يكون قادرا على ايجاد هذا المعلول إلا بهذه الخصوصيات كما انه لا ينافي تكون الاشياء بنفس امر الله تعالى، فان أمره يوجب وجودها في ظروفها و - >

[191]

تعالى (1) في إيجاد الناس وتكوين أجسادهم دفعة واحدة، ونفخ أرواحهم في أجسادهم المتكونة نفخة واحدة، بتوسط بعض ملائكته. فرد الله تعالى بواسطة واهب الصور تلك الصور إلى موادها لحصول المزاج الخاص مرة اخرى كما تتكون الوف كثيرة من أصناف الحيوانات كالذباب وغيرها في الصيف من العفونات تكونا دفعيا، ولا يلزم أن يكون نحو التعلق واحدا في المبدء والاعادة، بل يجوز أن يكون التعلق الآخري إلى البدن على وجه لا يكون مانعا من حصول الافعال الغريبة والآثار العجيبة، ومشاهدة امور غيبية لم يكن من شأن النفس مشاهدتها إياها في النشأة الدنيوية، وكذا اقتدارها على إيجاد صور عجيبة غريبة حسنة أو قبيحة مناسبة لاوصافها وأخلاقها - انتهى - وأنت تعلم إذا تأملت في مجاري كلامه أنه مع إعمال التقية فيه لوح إلى مرامه. ونقل بعض قدماء الاطباء عن جالينوس في بيان تشريح الاعضاء وفوائدها أنه قال: وشعر الحاجبين أيضا مما لم يقصر فيه ولم يتوان عنه، وهو والاشفار دون سائر الشعر جعل له مقدار يقف عنده فلا يطول أكثر منه، وأما شعر الرأس واللحية فإنه يطول كثيرا، والسبب في ذلك أن شعر الرأس واللحية له منفعتان: إحديهما تغطية ما تحته من الاعضاء وسترها، والاخرى إفناء الفضول الغليظة. ومنفعته من جهة التغطية والستر تختلف على وجوه شتى، وذلك لان حاجتنا إلى التغطية والستر تختلف بقدر اختلاف


< - على حدودها، وتعين الحدود والقيود من شؤون الموجود بأمر الله تعالى لامن قيود أمره و ايجاده فافهم. إذا عرفت هذه الامور علمت ان قواعد الفلسفة لا تنفي خوارق العادات وتكون الاشياء من غير طريق اسبابها المتعارفة، كما لا توجب محدودية قدرته تعالى وتوقفها على حصول استعدادات للمواد، وان انكر ذلك منكر فلا يعاب به على القواعد العقلية كما لا يعاب بغلط المحاسب على قواعد الحساب، فنفس القواعد امر واجراؤها في مواردها امر آخر. والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. (1) لا يخفى ما في هذه العبارة، فارادة الله تعالى قاهرة للاشياء لا مقهورة لها ومترجحة بها، إلا أن يكون مراده ما أشرنا إليه سابقا.

[192]

الاسنان وأزمان السنة والبلدان وإخراج البدن، لان حاجة الرجل التام إلى طول الشعر ليست كحاجة الصبي الصغير إلى ذلك، ولا كحاجة الشيخ الفاني ولا كحاجة المرأة، وكذلك أيضا ليست الحاجة إلى طول الشعر في الصيف والشتاء سواء، ولا في البلاد الحارة والباردة، ولا حاجة من كانت عينه معتلة من الرمد أو كان رأسه يصدع إلى ذلك كحاجة من هو صحيح البدن لاعلة به، فاحتيج لذلك أن نكون نحن نجعل طول الشعر في الاوقات المختلفة بأقدار مختلفة. بحسب ما يوافق كل وقت منها. وأما الحاجبان والاشفار فإنه إن زيد فيه أو نقص منه فسدت منفعته، وذاك أن الاشفار تحوط العين بمنزلة الجدار ليحجب عنها ويمنع من أن يسقط فيها شئ من الاجرام الصغار إذا كانت مفتوحة. وشعر الحاجبين جعل يلقي ما ينحدر من الرأس قبل وصوله إلى العين بمنزلة الصور المانع، فمتى قصرت من طوله أو قللت من عدده أكثر مما ينبغي كان ما يدخل على منفعته من الفساد بحسب ما ينقص من المقدار الذي يحتاج إليه. و ذاك أن الاشفار حينئذ تطلق ما قد كانت تمنعه قبل النقصان من الوصول إلى العين، و شعر الحاجبين يرسل ما قد كان يحبسه ويمنعه من الوصول إلى العين من الاشياء التي تسيل من الرأس. فإن أنت طولت هذا الشعر وكثرته فوق المقدار الذي ينبغي لم يقم حينئذ للعين مقام الحاجب ولا مقام السور المانع، لكنه يغطي العين ويعلو عليها حتى يصير منه في مثل حبس ضيق. وذاك أنه يستر الحدقة ويحجبها حتى تظلم، والحدقة أحوج الحواس كلها إلى أن لا تحجب ولا يحال بينها وبين ما يدركه البصر. وإذا كان الامر على ما وصفت فما الذي ينبغي أن نقول فيه ؟ أنقول: إن الخالق أمر هذا الشعر أن يبقى على مقدار واحد ولا يطول أكثر منه، وأن الشعر قبل ذلك الامر فأطاع فيبقى لا يخالف ما امر به إما للفزع والخوف من المخالفة لامر الله، وإما للمجاملة والاستحياء من الله الذي أمره بهذا الامر، وإما لان الشعر نفسه يعلم أن هذا أولى به وأحمد من فعله. أما موسى فهذا رأيه في الاشياء الطبيعية، وهذا الرأي عندي أحمد وأولى أن يتمسك به من رأى أفيقورس، إلا أن الاجود الاضراب عنهما جميعا والاحتفاظ بأن الله هو مبدئ خلق

[193]

كل شئ كما قال موسى، وزيادة المبدأ الذي من المادة. فإن خالقنا إنما جعل الاشفار وشعر الحاجبين يحتاج أن يبقى على مقدار واحد من الطول، لان هكذا كان أوفق وأصلح، فلما علم أن هذا الشعر كان ينبغي أن يجعل على هذا جعل تحت الاشفار جزما صلبا يشبه الغضروف يمتد في طول الجفن، وفرش تحت الحاجبين جلدة صلبة ملزقة بغضروف الحاجبين، وذلك (1) أنه لم يكن يكتفي في بقاء الشعر على مقدار واحد من الطول بأن يشاء الخالق أن يكون هكذا، كما أنه لو شاء أن يجعل الحجر دفعة إنسانا لم يكن ذلك بممكن. والفرق في ما بين إيمان موسى وإيماننا وأفلاطون وسائر اليونانيين هو هذا: موسى يزعم أنه يكتفي بأن يشاء الله أن يزين المادة و يهيئها لاغير، فيتزين ويتهيأ على المكان، وذاك أنه يظن أن الاشياء كلها ممكنة عند الله فإنه لو شاء الله أن يخلق من الرماد فرسا أو ثورا دفعة لفعل. وأما نحن فلا نعرف هذا، ولكنا نقول: إن من الاشياء أشياء في أنفسها غير ممكنة، وهذه الاشياء لا يشاء الله أصلا أن تكون، وإنما يشاء أن تكون الاشياء الممكنة، وأيضا لا يختار إلا أجودها وأوفقها وأفضلها. ولذا لما كان الاصلح والاوفق للاشفار وشعر الحاجبين أن يبقى على مقداره من الطول على عدده الذي هو عليه دائما أبدا لسنا نقول في هذا الشعر إن الله إنما شاء أن يكون على ما هو عليه فصار من ساعته على ما شاء الله، و ذاك أنه لو شاء ألف ألف مرة أن يكون هذا الشعر على هذا لم يكن ذلك أبدا بعد أن يجعل منشأه من جلدة رخوة إلا أنه لو لم يغرس اصول الشعر في جرم صلب لكان مع ما يتغير كثير مما هو عليه لا يبقى أيضا قائما منتصبا. وإذا كان هذا هكذا فإنا نقول: إن الله سبب لامرين: أحدهما اختيار أجود الحالات وأصلحها وأوفقها لما يفعل. والثاني اختيار المادة الموافقة. ومن ذلك أنه لما كان الاصلح والاجود أن يكون شعر الاشفار قائما منتصبا وأن يدوم بقاؤه على حالة واحدة في مقدار طوله وفي عدده، جعل مغرس الشجر ومركزه في جرم صلب، ولو أنه غرسه في جرم رخو لكان أجهل من موسى، وأجهل من قائد جيش سخيف يصنع أساس سور مدينة أو حصنه


(1) ذاك (خ).

[194]

على أرض رخوة غارقة بالماء. وكذلك بقاء شعر الحاجبين ودوامه على حالة واحدة إنما جاء من قبل اختياره للمادة، وكما أن العشب وسائر النبات ما كان منه ينبت في أرض رطبة سمينة خصبة فإنه يطول وينشأ نشوءا حسنا، وما كان منه في أرض صخرية جافة فإنه لا ينمو ولا يطول، كذلك أحد الامرين - انتهى كلامه ضاعف الله عذابه وانتقامه -. وأقول: قد لاح من الكلام الردئ المشتمل على الكفر الجلي امور: الاول ما أسلفنا من أن الانبياء المخبرين عن وحي السماء لم يقولوا بتوقف تأثير الصانع - تعالى شأنه - على استعداد المواد، ولا استحالة تعلق إرادته بإيجاد شئ من شئ بدون مرور زمان أو إعداد، وله أن يخلق كل شئ كان من أي شئ أراد. الثاني أن الحكماء لم يكونوا يعتقدون نبوة الانبياء ولم يؤمنوا بهم، وأنهم يزعمون أنهم أصحاب نظر وأصحاب آراء مثلهم، يخطئون ويصيبون، ولم يكن علومهم مقتبسة من مشكاة أنوارهم كما زعمه أتباعهم. الثالث أنهم كانوا منكرين لاكثر معجزات الانبياء عليهم السلام فإن أكثرها مما عدوها من المستحيلات. الرابع: أنهم كانوا في جميع الاعصار معارضين لارباب الشرائع والديانات كما هم في تلك الازمنة كذلك (1).


(1) من الناس من يفرط في حسن الظن بفلاسفة اليونان لاسيما الاقدمين منهم، ويظن أن علومهم مأخوذة من الانبياء - عليهم السلام - بل يظن أن فيهم من كان نبيا، ثم يتعب نفسه في تفسير الكلمات المنقولة عنهم والمترجمة من كتبهم وتأويلها بما يوافق الحق في زعمه و منهم من يفرط في حقهم بل في حق من سمى فيلسوفا من علماء الاسلام، ويتهم فلاسفة الاسلام أيضا بأنهم أدخلوا انفسهم في المسلمين ليضيعوا عليهم دينهم ويفسدوا عليهم عقائدهم ! وربما يقع التصارع بين الطرفين فيتمسك كل منهما لاثبات مدعاه بما لا يليق التمسك به للمحققين. ولعمري كلاهما خارجان عن طور العدل والحكم بالقسط، والذى نرى لزوم التنبيه عليه امور. 1 - ان وقوع الاختلاف الكثير بين الفلاسفة منذ العهد الاقدم دليل على أن كل رأى - >

[195]

قال الشيخ المفيد - قدس سره - في كتاب المقالات: أقول: إن الطباع معان تحل الجسم يتهيأ بها للانفعال كالبصر وما فيه من الطبيعة التي بها يتهيأ لحلول الحس فيه والادراك. ثم قال: وإن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع وأنه لافعل على الحقيقة لشئ من الطباع، وهذا مذهب أبي القاسم الكعبي، وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع وخلاف الفلاسفة الملحدين أيضا في ما ذهبوا إليه من أفعال الطباع. ثم قال: قد ذهب كثير من الموحدين إلى أن الاجسام كلها مركبة من الطبائع الاربع، وهي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة. واحتجوا في ذلك بانحلال كل جسم إليها وبما يشاهدونه من استحالتها كاستحالة الماء بخارا، والبخار ماءا، والموات حيوانا، والحيوان مواتا، ووجود النارية والمائية الهوائية و الترابية في كل جسم وأنه لا ينفك جسم من الاجسام من ذلك ولا يعقل على خلافه ولا ينحل إلا إليه، وهذا ظاهر مكشوف لست أجد لدفعه حجة أعتمد عليها، ولا أراه مفسدا لشئ من التوحيد أو العدل أو الوعيد أو النبوات أو الشرائع فأطرحه لذلك بل


< - من كل فيلسوف ليس بحيث يعد وحيا منزلا ونصا محكما يستحق بذل الجهود في تفسيره وتأويله والتوفيق بينه وبين آراء سائر الحكماء وتطبيقه على المعارف الدينية الحقيقية. 2 - ان كثيرا من مدارك التأييد والطعن ينتهى إلى ما ترجم عن كتب لايعرف مؤلفها ومصنفها، ولا يوثق بناقلها ومترجمها، مثل ما ينسبه طبيب إلى جالينوس، أو شكاك إلى سقراط ! فربما ينسب كتاب إلى فيلسوف ويترجم بما انه حاك عن آراء مكتب خاص من المكاتب الفلسفية ثم بعد حين يشكك في النسبة وفى الترجمة وينسب إلى فيلسوف آخر من مكتب مخالف للمكتب الاول، ويلتمس له شواهد وقرائن ربما لا تترجح على شواهد النسبة الاولى. وما ندرى لعله لعبت بكثير من هذه التراجم أيدى خائنة، أو حرفتها اقلام قاصرة أو مقصرة، أضف إلى ذلك عويصة الاصطلاحات العلمية ونقلها إلى لسان آخر. فكيف نعتمد على مثلها في تعظيم رجال أو تحطيمهم ؟ لاسيما إذا انجر الامر إلى تقديسهم والحكم بلزوم اتباعهم والاقتداء بهم بما أنهم أئمة المعرفة وأصحاب الكشف واليقين، أو الى تكفيرهم والحكم عليهم بالخلود في النار ومضاعفة العذاب ! 3 - انه لو سلم إلحاد متفلسف وانكاره للشرائع والنبوات فليس ذلك بحيث يسرى الحاده إلى كل من سمي فيلسوفا حتى وان كان مصرحا بتصديق الانبياء ثم يجب علينا ان لا نقصر في - >

[196]

هو مؤيد للدين مؤكد لادلة الله تعالى على ربوبيته وحكمته وتوحيده، وممن دان به من رؤساء المتكلمين النظام، وذهب إليه البلخي ومن اتبعه في المقال. وقال الشيخ الرضي أمين الدين الطبرسي - نور الله مرقده - في مجمع البيان في تفسير سورة الفيل بعد إيراد القصة المشهورة: وفيه حجة لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة والملحدين والمنكرين للآيات الخارقة للعادات، فإنه لا يمكن نسبة شئ مما ذكره الله من أمر أصحاب الفيل إلى طبع وغيره، كما نسبوا الصيحة والريح العقيم والخسف وغيرها مما أهلك الله تعالى به الامم الخالية إلى ذلك، إذ لا يمكنهم أن يروا في أسرار الطبيعة إرسال جماعات من الطير معها أحجار معدة مهيأة لهلاك أقوام معينين قاصدات إياهم دون من سواهم، فترميهم بها حتى تهلكهم وتدمر عليهم، لا يتعدى ذلك إلى غيرهم. ولا يشك من له مسكة من عقل ولب أن هذا لا يكون إلا من فعل الله


< - قدحه والطعن عليه دون أن نحمل كلامه على التقية من المسلمين والخوف من التكفير والتشهير والحاصل أن الحكم ليس دائرا مدار الاسم، فليس طعن فقيه على الفلاسفة الملحدين دليلا على بطلان رأى كل فيلسوف في كل عصر وفى كل مسألة، كما ان تجليل حكيم للفلاسفة الالهيين لا يصير دليلا على حقية جميع آراء الفلاسفة في جميع الازمنة والامكنة ! والحق أحق أن يتبع أينما وجد. 4 - ان الذى ثبت من مدح الفلاسفة الالهيين أنهم رفعوا لواء التوحيد في عهد وفى أرض كان يسيطر فكرة الشرك والوثنية على القلوب، ووجهوا أنظار الجمهور إلى ما وراء الطبيعة بينما كان ائمة الكفر يدعون الناس إلى الطبيعة والدهر، وقادوا بالهمم إلى العالم الابدي وحياة الاخرة حينما كانت تقصر على العالم المادى وتخلد إلى الارض والحياة الدنيا. وإذا كانت علوم الطب والهندسة وامثالها ترتضع من ثدى النبوة فلا غروان تكون منشأ تلك المعارف العالية تعاليم رجال الوحى وان وقع فيها بعد حين تحريف أو سوء تعبير وتفسير. وأما أنهم هل كانوا يدينون دين الحق، أو كانوا يرفضون دعوة الانبياء ويجحدون الحق بعد ما تمت عليهم الحجة وقامت عليهم البينة، أو كانوا مختلفين في ذلك، فذلك مما لم يتحقق لنا بعد ولعل من يصر على أنهم ملحدون جاحدون للحق ويدعو عليهم بمضاعفة العذاب له حجة على مدعاه، والله عليم بذات الصدور. نستعيذ بالله تعالى من لحن القول ولهو الحديث ونسأله التوفيق لملازمة الحق وسواء الطريق.

[197]

تعالى مسبب الاسباب، ومذلل الصعاب، وليس لاحد أن ينكر هذا، لان نبينا صلى الله عليه وآله لما قرأ هذه السورة على أهل مكة لم ينكروا ذلك بل أقروا به وصدقوه مع شدة حرصهم على تكذيبه واعتنائهم بالرد عليه، وكانوا قريبي العهد بأصحاب الفيل، فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقة وأصل لانكروه وجحدوه. وكيف وإنهم قد أرخوا بذلك كما أرخوا ببناء الكعبة وموت قصي بن كعب وغير ذلك. وقد أكثر الشعراء ذكر الفيل ونظموه ونقلته الرواة عنهم. وأقول: هذه الجناية على الدين، وتشهير كتب الفلاسفة بين المسلمين، من بدع خلفاء الجور المعاندين لائمة الدين، ليصرفوا الناس عنهم وعن الشرع المبين. و يدل على ذلك ما ذكره الصفدي في شرح لامية العجم: إن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى - أظنه صاحب جزيرة قبرس - طلب منهم خزانة كتب اليونان - وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد - فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك فكلهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال: جهزها إليهم، ما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت الاختلاف بين علمائها. وقال في موضع آخر: إن المأمون لم يبتكر النقل والتعريب - أي لكتب الفلاسفة - بل نقل قبله كثير، فإن يحيى بن خالد بن برمك عرب من كتب الفرس كثيرا مثل " كليلة ودمنة " وعرب لاجله كتاب " المجسطي " من كتب اليونان. والمشهور أن أول من عرب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية لما اولع بكتب الكيمياء. ويدل على أن الخلفاء وأتباعهم كانوا مائلين إلى الفلسفة، وأن يحيى البرمكي كان محبا لهم ناصرا لمذهبهم ما رواه الكشي بإسناده عن يونس بن عبد الرحمان، قال: كان يحيى بن خالد البرمكي قد وجد على هشام شيئا من طعنه على الفلاسفة، فأحب أن يغري به هارون ويضربه على القتل - ثم ذكر قصة طويلة في ذلك أوردناها في باب أحوال أصحاب الكاظم عليه السلام وفيها: - انه أخفى هارون في بيته ودعا هشاما ليناظر العلماء وجروا الكلام إلى الامامة وأظهر الحق فيها، وأراد هارون قتله فهرب ومات من ذلك الخوف - رحمه الله -. وعد أصحاب الرجال من كتبه " كتاب الرد على أصحاب الطبائع " و

[198]

" كتاب الرد على أرسطاطا ليس " في التوحيد. وعد الشيخ منتجب الدين في فهرسه من كتب قطب الدين الراوندي " كتاب تهافت الفلاسفة " وعد النجاشي من كتب الفضل بن شاذان " كتاب رد على الفلاسفة " وهو من أجلة الاصحاب. وطعن عليهم الصدوق - ره - في مفتتح كتاب " إكمال الدين ". وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى " كلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ": فيه وجوه - ثم ذكر من جملة الوجوه - أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله صغروا علم الانبياء إلى علمهم. وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام وقيل له: أو هاجرت إليه ؟ فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة إلى من يهذبنا. وقال الرازي في " المطالب العالية ": أظن أن قول إبراهيم لابيه " يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " إنما كان لاجل أن أباه كان على دين الفلاسفة، وكان ينكر كونه تعالى قادرا وينكر كونه تعالى عالما بالجزئيات فلا جرم خاطبه بذلك الخطاب. 35 (باب نادر) 1 - الخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن النبي صلى الله عليه واله قال: ما خلق الله عزوجل خلقا إلا وقد أمر عليه آخر يغلبه به، وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق السحاب (1) فخرت وزخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل الفلك فأدارها بها وذللها. ثم إن الارض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الجبال فأثبتها في ظهرها أوتادا منعها من أن تميد بما عليها فذلت واستقرت ثم إن الجبال فخرت على الارض فشمخت واستطالت وقالت: أي شئ يغلبني فخلق الله الحديد فقطعها فقرت الجبال وذلت. ثم إن الحديد فخر على الجبال وقا


(1) في المصدر " البحار " وهو الصواب ظاهرا.

[199]

أي شئ يغلبني فخلق الله النار فأذابت الحديد فذل الحديد. ثم إن النار زفرت و شهقت وفخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الماء فأطفأها فذلت. ثم إن الماء فخر وزخر وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الريح فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره وحبسته عن مجاريه فذل الماء. ثم إن الريح فخرت وعصفت وأرخت أذيالها وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الانسان فاحتال واتخذ ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح. ثم إن الانسان طغى وقال: من أشد مني قوة ؟ فخلق الموت فقهره فذل الانسان. ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله - جل جلاله -: لا تفخر، فإني أذبحك (1) بين الفريقين: أهل الجنة والنار، ثم لا احييك أبدا، فذل وخاف (2). بيان: " فخلق الله الفلك فأدارها بها " لعل المعنى أن الافلاك بأجرامها النيرة مسلطة على السحاب تبعثها وتثيرها وتدنيها (3) وتفرقها. وقد مر برواية الكليني هكذا: " وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار السفلى فخرت وزخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الارض فسطحها على ظهرها فذلت، ثم إن الارض فخرت - إلى آخر الخبر - " وهو الظاهر، بل لا يستقيم ما في الخصال كما لا يخفى، وقد سبق شرح الخبر في الباب الاول. 2 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام: في ما سأل رسول معاوية لاسئلة ملك الروم الحسن بن علي عليهما السلام قال: وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فأشد شئ خلقه الله عزوجل الحجر، وأشد من الحجر الحديد يقطع به الحجر، و أشد من الحديد النار تذيب الحديد وأشد من النار الماء يطفئ النار، وأشد من الماء السحاب يحمل الماء، وأشد من السحاب الريح يحمل السحاب، وأشد من الريح الملك الذي يرسلها، وأشد من الملك ملك الموت الذي يميت الملك، وأشد من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، وأشد من الموت أمر [الله] رب العالمين


(1) في المصدر: ذابحك. (2) الخصال: 58. (3) تذيبها (خ).

[200]

الذي يميت الموت (1). 3 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي، عن الشعبي، قال: قال ابن الكواء لامير المؤمنين عليه السلام: أي [شئ] خلق الله أشد ؟ قال: إن أشد خلق الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد تنحت به الجبال، والنار تأكل الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والارض تحمل الماء، والريح تقل السحاب والانسان يغلب الريح يتقيها بيديه ويذهب لحاجته، والسكر يغلب الانسان، و النوم يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد خلق ربك الهم. 4 - العلل: عن أحمد بن محمد العلوي، عن محمد بن إبراهيم بن أسباط، عن أحمد ابن محمد بن زياد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن عيسى بن جعفر العلوي العمري عن آبائه عن عمر بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل: مما خلق الله عزوجل الذر الذي يدخل في كوة البيت ؟ فقال: إن موسى عليه السلام لما قال: رب أرني أنظر إليك، قال الله عزوجل: إن استقر الجبل لنوري فإنك ستقوى على أن تنظر إلي، وإن لم يستقر فلا تطيق إبصاري لضعفك، فلما تجلى الله تبارك وتعالى للجبل تقطع ثلاث قطع: فقطعة ارتفعت في السماء، وقطعة غاضت تحت الارض و قطعة تفتت، فهذا الذر من ذلك الغبار غبار الجبل (2). بيان: هذا الخبر على تقدير صحته وصدوره عن الامام، لعل المعنى أن له أيضا مدخلية في تلك الذرات في بعض البلاد أو كلها بأن تكون تفرقت بقدرة الله تعالى في جميع البلاد.


(1) الخصال: 58. (2) علل الشرائع: ج 2، ص 183.

[201]

(36) (باب) * (الممدوح من البلدان والمذموم منها وغرائبها) * الآيات: يونس: ولقد بو أنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات (1). الانبياء: ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين (2). وقال تعالى: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها (3). المؤمنون: وآوينا هما إلى ربوة ذات قرار ومعين (4). القصص: آنس من جانب الطور نارا - إلى قوله تعالى - فلما أتيها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (5). سبأ: بلدة طيبة ورب غفور - إلى قوله تعالى - وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة (6). النازعات: إذ ناديه ربه بالوادي المقدس طوى (7). البلد: لااقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد (8). التين: والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الامين (9). تفسير: " مبوء صدق " أي مكانا محمودا حسنا، وهو بيت المقدس والشام، و


(1) يونس: 93. (2) الانبياء: 71. (3) الانبياء: 81. (4) المؤمنون: 50. (5) القصص: 29 - 30. (6) سبأ: 15 - 18. (7) النازعات: 16. (8) البلد: 1 - 2. (9) التين 1 - 3.

[202]

قيل: يريد به مصر. وقال علي بن إبراهيم: ردهم إلى مصر وغرق فرعون (1). " و رزقناهم من الطيبات " أي النعم اللذيذة " إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين " قيل: هي أرض الشام، أي نجينا إبراهيم ولوطا من " كوثا " إلى الشام، وإنما قال " باركنا فيها " لانها بلاد خصب، وقيل: إلى أرض بيت المقدس لان بها مقام الانبياء. و الحاصل أن أكثر أنبياء بني إسرائيل بعثوا في الشام وبيت المقدس، فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادئ الخيرات الدينية والدنيوية. وقيل: نجاهما إلى مكة كما قال " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (2) " روي ذلك عن ابن عباس. " إلى الارض التي باركنا فيها " وهي أرض الشام لانها كانت مأواه كما ذكره المفسرون. " وآويناهما " أي عيسى وامه " إلى ربوة " قال الطبرسي - ره -: أي جعلنا مأواهما مكانا مرتفعا مستويا واسعا. والربوة هي الرملة من فلسطين، عن أبي هريرة. وقيل: دمشق، عن سعيد بن المسيب، وقيل: مصر، عن ابن زيد. و قيل: بيت المقدس، عن قتادة وكعب، قال كعب: وهي أقرب الارض إلى السماء. و قيل: هي حيرة الكوفة وسوادها، والقرار مسجد الكوفة والمعين الفرات، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. وقيل: ذات قرار أي ذات موضع قرار أي هي أرض مستوية يستقر عليها ساكنوها، وقيل: ذات ثمار، لانه لاجل الثمار يستقر فيها ساكنوها، ومعين ماء جار وظاهر للعيون (3). " في البقعة المباركة " قال الطبرسي - ره -: هي البقعة التي قال فيها لموسى اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى " وإنما كانت مباركة لانها معدن الوحي و الرسالة وكلام الله تعالى. وقيل: مباركة كثيرة (4) الثمار والاشجار والخير والنعم بها، والاول أصح (5) - انتهى - وأقول: روى في التهذيب عن الصادق عليه السلام أنه قال:


(1) تفسير القمى: 292. (2) آل عمران: 96. (3) مجمع البيان: ج 7، ص 108. (4) في المجع: لكثرة الاشجار والاثمار. (5) مجمع البيان: ج 7، ص 251.

[203]

شاطئ الوادي الايمن الذي ذكره الله في القرآن هو الفرات، والبقعة المباركة هي كربلاء " بلدة طيبة " قيل: أي هذه بلدة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات وليست بسبخة وليس فيها شئ من الهوام المؤذية. وقيل: أراد به صحة هوائها وعذوبة مائها وسلامة تربتها وأنه ليس فيها حر يؤذي في القيظ وبرد يؤذي في الشتاء. " وبين القرى التي باركنا فيها " أي بالتوسعة على أهلها، أو بما مر وهي قرى الشام، وفي تفسير علي بن إبراهيم: هي مكة (1). " قرى ظاهرة " أي متواصلة يظهر بعضها لبعض. وقد مر تأويل " القرى التي باركنا فيها " بالائمة عليهم السلام و " القرى الظاهرة " برواة أخبارهم وفقهاء شيعتهم و " السير " بالعلم " آمنين " من الشك والضلال. " بالوادي المقدس " أي المطهر " طوى " اسم الوادي الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام. " لا اقسم بهذا البلد " قال الطبرسي - ره -: أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام " وأنت حل بهذا البلد " وأنت يا محمد مقيم به وهو محلك، وهذا تنبيه على أن شرف البلد بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى توحيده وإخلاص عبادته وبيان أن تعظيمه له وقسمه به لاجله صلى الله عليه واله ولكونه حالا فيه، كما سميت المدينة " طيبة " لانها طابت به حيا وميتا. وقيل: معناه لا اقسم بهذا البلد وأنت حل فيه منتهك الحرمة، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتك حرمتك، عن أبي مسلم، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمدا فيه فقال: لا اقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد، يريد: أنهم استحلوك فيه فكذبوك وشتموك وكانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه. ويتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليدهم إياه فاستحلوا من رسول الله صلى الله عليه واله ما لم يستحلوا من غيره فعاب الله ذلك عليهم (2). وقال - قدس سره - في قوله سبحانه " والتين والزيتون ": أقسم الله سبحانه بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر منه الزيت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: التين الجبل


(1) تفسير القمى: 538. (2) مجمع البيان: ج 10، ص 492.

[204]

الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذى عليه بيت المقدس، عن قتادة. وقال عكرمة: هما جبلان، وإنما سميابهما لانهما نبتا (1) بهما، وقيل: التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس، عن كعب الاحبار وغيره. وقيل: التين مسجد نوح عليه السلام الذي بنى على الجودي، والزيتون بيت المقدس، عن ابن عباس. وقيل: التين مسجد الحرام و الزيتون المسجد الاقصى، عن الضحاك. " وطور سينين " يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام عن الحسن. وسينين وسيناء واحد، وقيل: إن سينين معناه المبارك الحسن كأنه قيل: جبل الخير الكثير لانه إضافة تعريف، عن مجاهد وقتادة. وقيل: معناه كثير النبات والشجر، عن مكرمة. وقيل: إن كل جبل فيه شجر مثمر (2) فهو سينين وسيناء بلغة النبط، عن مقاتل، وروي عن موسى بن جعفر عليه السلام: وطور سيناء " وهذا البلد الامين " يعني مكة البلد الحرام يأمن فيه الخائف في الجاهلية والاسلام فالامين بمعنى المؤمن، مؤمن (3) من يدخله، وقيل: هو بمعنى الآمن، ويؤيده قوله " إنا جعلناه حرما آمنا (4) ". الكشى: قال: وجدت بخط جبرئيل بن أحمد، حدثني محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن عبد الله بن عبد الرحمان، عن الهيثم بن واقد، عن ميمون بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام لما أراد الخروج من البصرة قام على أطرافها ثم قال: لعنك الله يا أنتن الارض ترابا، وأسرعها خرابا، و أشدها عذابا، فيك الداء الدوي ! قيل: ما هو يا أمير المؤمنين ! قال: كلام القدر الذي فيه الفرية على الله، وبغضنا أهل البيت، وفيه سخط الله وسخط نبيه، وكذبهم علينا أهل البيت واستحلالهم الكذب علينا. 2 - معاني الاخبار والخصال: عن الحسين بن (5) إدريس، عن أبيه، عن


(1) في المصدر: ينبتان. (2) فيه: وثمر. (3) في المصدر: يؤمن. (4) مجمع البيان: ج 10، ص 510. (5) كذا في الخصال، ورواها في المعاني عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن خالد عن أبى عبد الله الرازي - الخ -.

[205]

محمد بن أحمد الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله اختار من البلدان أربعة، فقال عزوجل " والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الامين " فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الامين مكة - الخبر - (1). بيان: لعله إنما كنى عن المدينة بالتين لوفوره وجودته فيها، أو لكونها من أشارف البلاد كما أن التين من أفاضل الثمار كما سيأتي. وكنى عن الكوفة بطور سينين لان ظهرها وهو النجف كان محل مناجاة سيد الاوصياء كما أن الطور كان محل مناجاة الكليم، أو لان الجبل الذي سأل عليه موسى الرؤية فتقطع وقع جزء منه هناك كما ورد في بعض الاخبار، أو أنه لما أراد ابن نوح أن يعتصم بهذا الجبل تقطع فصار بعضها في طور سيناء، أو أنه هو طور سيناء حقيقة وغلط فيه المفسرون واللغويون كما روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن الثمالى عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أن أخرجوني إلى الظهر فإذا تصوبت أقدامكم واستقبلتكم ريح فادفنوني، وهو أول طور سيناء. ففعلوا ذلك. 3 - المجالس لابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن أحمد بن محمد بن الوليد عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قتل الحسين عليه السلام بكت عليه السماوات السبع والارضون السبع وما فيهن وما بينهن ومن يتقلب في الجنة والنار وما يرى وما لا يرى إلا ثلاثة أشياء: البصرة، ودمشق، وآل الحكم بن العاص - الخبر -. بيان: بكاء البلاد والبقاع بكاء أهلها وظهور آثار الحزن فيهم. 4 - العلل: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن أكرم واد على وجه الارض، فقال له: واد يقال له " سرانديب (2) " سقط فيه آدم من السماء. و


(1) معاني الاخبار: 365، الخصال: 105. (2) سرنديب (خ).

[206]

سأله عن شر واد على وجه الارض فقال: واد باليمن يقال له " برهوت " وهو من أودية جهنم (1). بيان: قال في النهاية: في حديث علي " شر بئر في الارض برهوت " هي بفتح الباء والراء بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. وقيل: برهوت بضم الباء وسكون الراء، فتكون تاؤها على الاول زائدة وعلى الثاني أصلية، أخرجه الهروي عن علي، وأخرجه الطبراني في المعجم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله. و قال الفيروز آبادي: برهوت واد وبئر بحضرموت - انتهى - وكونه من أودية جهنم لشباهته بها ولتعذيب أرواح الكفار فيه كما ورد في الاخبار، ويحتمل أن يكون لجهنم طريق إليه. 5 - الخصال: عن أحمد بن الحسن القطان وعلي بن أحمد بن موسى، عن أحمد ابن يحيى بن زكريا القطان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية الضرير، عن الاعمش، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: ستة عشر صنفا من امة جدي لا يحبونا ولا يحببونا إلى الناس - إلى أن قال - وأهل مدينة تدعى " سجستان " هم لنا أهل عداوة ونصب، وهم شر الخلق والخليقة، عليهم من العذاب ما على فرعون وهامان وقارون، وأهل مدينة تدعى " الري " هم أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أهل بيته يرون حرب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله جهادا ومالهم مغنما و لهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا والآخرة ولهم عذاب مقيم، وأهل مدينة تدعى " الموصل " هم شر من على وجه الارض، وأهل مدينة تسمى " الزوراء " تبنى في آخر الزمان يستشفون بدمائنا، ويتقربون ببغضنا، يوالون في عداوتنا، ويرون حربنا فرضا، وقتالنا حتما. يا بني فاحذر هؤلاء ثم احذرهم فإنه لا يخلو اثنان منهم بأحد من أهلك إلا هموا بقتله - الخبر - (2). بيان: الموصل - بفتح الميم وسكون الواو - معروف، والزوراء يطلق على دجلة


(1) العلل: ج 2، ص 282. (2) الخصال: 96.

[207]

بغداد وعلى بغداد لان أبوابها الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة، ويمكن أن تتبدل أحوال أهل هذه البلاد باختلاف الازمنة ويكون ما ذكر في الخبر حالهم في ذلك الزمان. 6 - العلل: عن علي بن عبدالوراق، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد ابن عيسى والفضل بن عامر، عن سليمان بن مقبل، عن محمد بن زياد الازدي، عن عيسى بن عبد الله الاشعري عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: حدثني أبي عن جدي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما اسري بي إلى السماء حملني جبرئيل على كتفه الايمن فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحسن لونا من الزعفران وأطيب ريحا من المسك، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس، فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة الحمراء التي هي أحسن لونا من الزعفران وأطيب ريحا من المسك ؟ قال: بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي. فقلت: من الشيخ صاحب البرنس ؟ قال: إبليس. قلت: فما يريد منهم ؟ قال: يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين ويدعوهم إلى الفسق والفجور، فقلت: يا جبرئيل أهو بنا إليهم، فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف والبصر اللامح. فقلت: قم يا ملعون ! فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، فإن شيعتي وشيعة علي ليس لك عليهم سلطان. فسميت " قم " (1). بيان: البرنس قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الاسلام، ذكره الجوهري. 7 - الاختصاص: روى علي بن محمد العسكري عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لما اسري بي إلى السماء الرابعة نظرت إلى قبة من لؤلؤ لها أربعة أركان وأربعة أبواب كأنها من إستبرق أخضر، قلت: يا جبرئيل ما هذه القبة التي لم أر في السماء الرابعة أحسن منها ؟ فقال: حبيبي محمد، هذه صورة مدينة يقال لها " قم " يجتمع فيها عباد الله المؤمنون ينتظرون محمدا وشفاعته للقيامة و الحساب، يجري عليهم الغم والهم والاحزان والمكاره. قال: فسألت علي بن محمد العسكري عليه السلام: متى ينتظرون الفرج ؟ قال: إذا ظهر الماء على وجه الارض (2).


(1) العلل: ج 2، ص 259. (2) الاختصاص: 101.

[208]

تاريخ قم: عن أبي مقاتل الديلمي عنه عليه السلام مثله. بيان: المراد به إما ظهور الماء في أصل البلد، أو لم يكن في هذا الزمان فيه ماء جار أصلا، كما ذكر في تاريخ قم مبدأ حدوث الوادي بقم وأنه كانت فيه قنوات ولم يكن فيه نهر جار. 8 - تفسير على بن ابراهيم: عن الحسين بن عبد الله السكيني، عن أبي سعيد البجلي، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد الله عن آبائه - صلوات الله عليهم - قال لما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام أمر معاوية وأنه في مائة ألف، قال: من أي القوم ؟ قالوا: من أهل الشام. قال: لا تقولوا من أهل الشام، ولكن قولوا: من أهل الشوم، هم أبناء مصر لعنوا على لسان داود عليه السلام فجعل الله منهم القردة والخنازير - الخبر (1) -. بيان: يمكن الجمع بين الآيات والاخبار الواردة في مدح الشام ومصر وذمه بما أومأنا إليه سابقا من اختلاف أحوال أهله في الازمان، فإنه كان في أول الزمان محل الانبياء والصلحاء فكان من البلاد المباركة الشريفة، فلما صار أهله من أشقى الناس وأكفرهم صار من شر البلاد، كما أن يوم عاشوراء كان من الايام المتبركة - كما يظهر من بعض الاخبار - فلما قتل فيه الحسين عليه السلام صار من أنحس الايام. 9 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن البزنطي، قال: قلت للرضا عليه السلام: إن أهل مصر يزعمون أن بلادهم مقدسة. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: جعلت فداك، يزعمون أنه يحشر من جيلهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ! قال: لا، لعمري ما ذاك كذلك، وما غضب الله على بني اسرائيل إلا أدخلهم مصر، ولا رضي عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها. ولقد أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى عليه السلام أن يخرج عظام يوسف منها، فاستدل موسى على من يعرف القبر، فدل على امرأة عمياء زمنة، فسألها موسى أن تدله عليه، فأبت إلا على خصلتين: فيدعو الله فيذهب زمانتها ويصيرها معه في الجنة في الدرجة التي هو فيها، فأعظم ذلك موسى، فأوحى الله إليه


(1) تفسير القمى: 596.

[209]

وما يعظم عليك من هذا أعطها ما سألت. ففعل فتوعدته (1) طلوع القمر، فحبس الله القمر حتى جاء موسى لموعده، فأخرجه من النيل في سفط مرمر، فحمله موسى عليه السلام ولقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تغسلوا رؤسكم بطينها ولا تأكلوا في فخارها فإنه يورث الذلة ويذهب الغيرة. قلنا له: قد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه واله ؟ فقال: نعم (2). العياشي: عن علي بن أسباط عن الرضا عليه السلام مثله. 10 - البصائر: عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عرض ولايتنا على أهل الامصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة. بيان: أي قبولا كاملا كما في الخبر الآتي. 11 - البصائر: عن يعقوب بن يزيد، عن ابن سنان، عن عتيبة بياع القصب عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن ولايتنا عرضت على السموات والارض والجبال والامصار ما قبلها قبول أهل الكوفة. 12 - النهج: من كلام له عليه السلام في ذكر الكوفة: كأني بك يا كوفة تمدين مد الاديم العكاظي، تعركين بالنوازل، وتركبين بالزلازل، وإني لاعلم أنه ما أراد بك جبار سوء إلا ابتلاه الله بشاغل، ورماه بقاتل. بيان: " الاديم " الجلد أو مدبوغه، و " عكاظ " بالضم موضع بناحية مكة كانت العرب تجتمع في كل سنة ويقيمون به سوقا مدة شهر ويتعاكظون أي يتفاخرون و يتناشدون، وينسب إليه الاديم لكثرة البيع فيه، والاديم العكاظي مستحكم الدباغ شديد المد، وذلك وجه الشبه، والعرك: الدلك والحك، وعركه: أي حمل عليه الشر، وعركت القوم في الحرب: إذا مارستهم حتى أتعبتهم (3) " والنوازل " المصائب والشدائد، و " الزلازل " البلايا. و " تركبين " - على بناء المجهول كالفعلين السابقين -


(1) في المصدر وبعض نسخ الكتاب، فوعدته (2) قرب الاسناد: 220. (3) اتبعتهم (خ).

[210]

أي تجعلين مركوبة لها أو بها على أن تكون الباء للسببية كالسابقة. والشدائد التي أصابت الكوفة وأهلها معروفة مذكورة في السير. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: هذه مدينتنا ومحلنا ومقر شيعتنا. وعن الصادق صلى الله عليه واله أنه قال: تربة تحبنا ونحبها. وعنه عليه السلام: اللهم ارم من رماها، وعاد من عاداها. وقال محمد بن الحسين الكيدري في شرح النهج: فمن الجبابرة الذين ابتلاهم الله بشاغل فيها زياد، وقد جمع الناس في المسجد ليلعن عليا - صلوات الله عليه - فخرج الحاجب وقال: انصرفوا، فإن الامير مشغول، وقد أصابه الفالج في هذه الساعة ! وابنه عبيدالله بن زياد وقد أصابه الجذام، والحجاج بن يوسف وقد تولدت الحيات في بطنه حتى هلك، وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص، وخالد القسري وقد حبس فطولب حتى مات جوعا. وأما الذين رماهم الله بقاتل فعبد الله بن زياد، ومصعب بن الزبير، وأبو السرايا وغيرهم قتلوا جميعا، ويزيد بن المهلب قتل على أسوأ حال. 13 - القصص: بالاسناد إلى الصدوق، بإسناده عن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو جعفر - صلوات الله عليهما - يقول: نعم الارض الشام وبئس القوم أهلها اليوم، وبئس البلاد مصر، أما إنها سجن من سخط الله عليه من بني إسرائيل، ولم يكن دخل بنو إسرائيل مصر إلا من سخطة ومعصية منهم لله، لان الله عزوجل قال " ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم (1) " يعني الشام، فأبوا أن يدخلوها وعصوا فتاهوا في الارض أربعين سنة. قال: وما كان خروجهم من مصر ودخولهم الشام إلا من بعد توبتهم ورضا الله عنهم. ثم قال أبو جعفر - صلوات الله عليه - إني أكره أن آكل شيئا طبخ في فخار مصر، وما أحب أن أغسل رأسي من طينها مخافة أن تورثني تربتها الذل وتذهب بغيرتي. العياشي: عن داود مثله. 14 - القصص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب عن ابن أسباط، عن الحسين بن أحمد، عن أبي إبراهيم الموصلي، قال: قلت لابي


(1) المائدة: 23. (*)

[211]

عبد الله عليه السلام: إن بني (1) ينازعني مصر. فقال: مالك ومصر ؟ أما علمت أنها مصر الحتوف ؟ ! ولا أحسبه إلا قال: يساق إليها أقصر الناس أعمارا. 15 - ومنه: بهذا الاسناد، عن ابن أسباط، عن أحمد بن محمد بن الحضير، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: انتحوا مصر ولا تطلبوا المكث فيها. ولا أحسبه إلا قال: وهو يورث الدياثة. بيان: قال في القاموس: نحاه قصده كانتحاه. 16 - القصص: بالاسناد المتقدم عن ابن أسباط، عن أبي الحسن عليه السلام قال: لا تأكلوا في فخارها ولا تغسلوا رؤسكم بطينها فإنها تورث الذلة وتذهب بالغيرة. 17 - كامل الزيارة: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن الحسين بن عبيدالله عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الجبار، عن أبي سعيد، عن الحسين بن ثوير ويونس وأبي سلمة السراج والمفضل بن عمر قالوا سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول لما مضى أبو عبد الله الحسين بن علي - صلوات الله عليهما - بكى عليه جميع ما خلق الله إلا ثلاثة أشياء: البصرة، ودمشق، وآل عثمان (2). 18 - الكشى: عن محمد بن مسعود وعلي بن محمد معا، عن الحسين بن عبيدالله عن عبد الله بن على، عن أحمد بن حمزة، عن عمران القمي، عن حماد الناب قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة إذ دخل عليه عمران بن عبد الله القمي فسأله وبره وبشه، فلما أن قام قلت لابي عبد الله عليه السلام: من هذا الذي بررت به هذا البر فقال: من أهل البيت النجباء - يعني أهل قم - ما أرادهم جبار من الجبابرة إلا قصمه الله. 19 - ومنه: بهذا الاسناد، عن أحمد بن حمزة، عن المرزبان بن عمران، عن أبان بن عثمان، قال: دخل عمران بن عبد الله على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: كيف أنت ؟ وكيف ولدك ؟ وكيف أهلك ؟ وكيف بنو عمك ؟ وكيف أهل بيتك ؟ ثم حدثه مليا، فلما خرج قيل لابي عبد الله عليه السلام: من هذا ؟ قال: هذا نجيب قوم النجباء، ما


(1) ابني (خ). (2) كامل الزيارة: 80.

[212]

نصب لهم جبار إلا قصمه الله. قال حسين: عرضت هذين الحديثين على أحمد بن حمزة فقال: أعرفهما ولا أحفظ من رواهما لي. 20 - كتاب تاريخ قم تأليف الحسن بن محمد بن الحسن القمي: قال روى سعد ابن عبد الله بن أبي خلف، عن الحسن بن محمد بن سعد، عن الحسن بن علي الخزاعي عن عبد الله بن سنان، سئل أبو عبد الله عليه السلام: أين بلاد الجبل ؟ فإنا قد روينا أنه إذا رد إليكم الامر يخسف ببعضها. فقال: إن فيها موضعا يقال له " بحر " ويسمى بقم وهو معدن شيعتنا، فأما الري فويل له من جناحيه، وإن الامن فيه من جهة قم و أهله. قيل: وما جناحاه ؟ قال عليه السلام: أحدهما بغداد، والاخر خراسان، فإنه تلتقي فيه سيوف الخراسانيين وسيوف البغداديين، فيعجل الله عقوبتهم ويهلكهم فيأوي أهل الري إلى قم فيؤويهم أهله ثم ينتقلون منه إلى موضع يقال له " أردستان ". 21 - وبإسناده عن عبد الواحد البصري، عن أبي وائل، عن عبد الله الليثي عن ثابت البناني (1) عن أنس بن مالك قال: كنت ذات يوم جالسا عند النبي صلى الله عليه واله إذ دخل عليه علي بن أبي طالب عليه السلام فقال صلى الله عليه واله: إلي يا أبا الحسن، ثم اعتنقه و قبل [ما] بين عينيه وقال: يا علي إن الله عز اسمه عرض ولايتك على السماوات، فسبقت إليها السماء السابعة فزينها بالعرش، ثم سبقت إليها السماء الرابعة فزينها بالبيت المعمور، ثم سبقت إليها السماء الدنيا فزينها بالكواكب، ثم عرضها على الارضين فسبقت إليها مكة فزينها بالكعبة، ثم سبقت إليها المدينة فزينها بي، ثم سبقت إليها الكوفة فزينها بك، ثم سبق إليها قم فزينها بالعرب وفتح إليه بابا من أبواب الجنة. 22 - وعن محمد بن قتيبة الهمداني والحسن بن علي الكشمارجاني (2) عن علي ابن النعمان، عن أبي الاكراد علي بن ميمون الصائغ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) في أكثر النسخ " ثابتة الشبانى " وفى بعضها " ثابت النباتي " والظاهران الصواب ما أثبتناه في المتن وهو ثابت بن أسلم البنانى - بضم الموحدة منسوب إلى بنانه وهم بنو سعد بن لوى - وهو الذى يروى عن أنس بن مالك وغيره. (2) الكمشارجانى (خ).

[213]

إن الله احتج بالكوفة على سائر البلاد وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد واحتج ببلدة قم على سائر البلاد، وبأهلها على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والانس، ولم يدع الله قم وأهله مستضعفا بل وفقهم وأيدهم. ثم قال: إن الدين وأهله بقم ذليل، ولولا ذلك لاسرع الناس إليه فخرب قم وبطل أهله فلم يكن حجة على سائر البلاد، وإذا كان كذلك لم تستقر السماء والارض ولم ينظروا طرفة عين وإن البلايا مدفوعة عن قم وأهله، وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا عليه السلام إلى ظهوره ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها، وإن الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارين وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو، وينسي الله الجبارين في دولتهم ذكر قم وأهله كما نسوا ذكر الله. 23 - ثم قال: وروي بأسانيد عن الصادق عليه السلام أنه ذكر كوفة وقال: ستخلو كوفة من المؤمنين ويأزر عنها العلم كما تأزر الحية في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدنا للعلم والفضل حتى لا يبقى في الارض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا، فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجة، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها ولم يبق في الارض حجة، فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فيتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد على الارض لم يبلغ إليه الدين والعلم، ثم يظهر القائم عليه السلام ويسير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد، لان الله لا ينتقم من العباد إلا بعد إنكارهم حجة. 24 - وعن أبي مقاتل الديلمي نقيب الري، قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد عليه السلام يقول: إنما سمي قم به لانه لما وصلت السفينة إليه في طوفان نوح عليه السلام قامت، وهو قطعة من بيت المقدس. 25 - وعن الحسن بن يوسف، عن خالد بن يزيد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) في أكثر النسخ " خالد بن أبى يزيد " والظاهر أنه أبو يزيد خالد بن يزيد العكلى الثقة، فاشتبه على بعض النساخ كنيته بكنية أبيه.

[214]

إن الله اختار من جميع البلاد كوفة وقم وتفليس. 26 - وعن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة المفضل ابن صالح، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا عمت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها ونواحيها، فإن البلاء مدفوع عنها. 27 - وعن أحمد بن خزرج بن سعد، عن أخيه موسى بن خزرج، قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: أتعرف موضعا يقال له " وراردهار " ؟ قلت: نعم، ولي فيه ضيعتان. فقال: الزمه وتمسك به. ثم قال ثلاث مرات: نعم الموضع وراردهار. 28 - وعن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي، عن سعد بن سعد الاشعري، عن جماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا عمت البلايا فالامن في كوفة ونواحيها من السواد وقم من الجبل، ونعم الموضع قم للخائف الطائف. 29 - وعن محمد بن سهل بن اليسع، عن أبيه، عن جده، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا فقد الامن من العباد وركب الناس على الخيول واعتزلوا النساء والطيب فالهرب الهرب عن جوارهم. فقلت: جعلت فداك، إلى أين ؟ قال: إلى الكوفة ونواحيها، أو إلى قم وحواليها فإن البلاء مدفوع عنهما. 30 - وعن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة بن أعين، عن الصادق عليه السلام قال: أهل خراسان أعلامنا، وأهل قم أنصارنا، وأهل كوفة أوتادنا، وأهل هذا السواد منا ونحن منهم. 31 - وعن سهل بن زياد، عن عبد العظيم الحسني، عن إسحاق الناصح مولى جعفر، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قم عش آل محمد ومأوى شيعتهم، ولكن سيهلك جماعة من شبابهم بمعصية (1) آبائهم والاستخفاف والسخرية بكبرائهم ومشايخهم ومع ذلك يدفع الله عنهم شر الاعادي وكل سوء. 32 - وعن سهل، عن الحسين بن محمد الكوفي، عن محمد بن حمزة بن القاسم العلوي، عن عبد الله بن العباس الهاشمي، عن محمد بن جعفر، عن أبيه الصادق عليه السلام


(1) بعقوبة (خ).

[215]

قال: إذا أصابتكم بلية وعناء فعليكم بقم، فإنه مأوى الفاطميين، ومستراح المؤمنين وسيأتي زمان ينفر أولياؤنا ومحبونا عنا ويبعدون منا، وذلك مصلحة لهم لكيلا يعرفوا بولايتنا، ويحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم. وما أراد أحد بقم وأهله سوءا إلا أذله الله وأبعده من رحمته. 33 - وعن سهل، عن أحمد بن عيسى البزاز القمي، عن أبي إسحاق العلاف النيشابوري عن واسط بن سليمان، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إن للجنة ثمانية أبواب، ولاهل قم واحد منها، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، ثم طوبى لهم. 34 - وعن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنا عنده جالسين إذ قال مبتدئا: خراسان ! خراسان ! سجستان ! سجستان ! كأني أنظر إلى أهلهما راكبين على الجمال مسرعين إلى قم. 35 - وعن يعقوب بن يزيد، عن أبي الحسن الكرخي، عن سليمان بن صالح قال: كنا ذات يوم عند أبي عبد الله عليه السلام فذكر فتن بني عباس وما يصيب الناس منهم فقلنا: جعلنا فداك، فأين المفزع والمفر في ذلك الزمان ؟ فقال: إلى الكوفة وحواليها وإلى قم ونواحيها. ثم قال: في قم شيعتنا وموالينا، وتكثر فيها العمارة، ويقصده الناس ويجتمعون فيه حتى يكون الجمر بين بلدتهم. وفي بعض روايات الشيعة أن قم يبلغ من العمارة إلى أن يشترى موضع فرس بألف درهم. 36 - وفي خطبة الملاحم لامير المؤمنين عليه السلام التي خطب بها بعد وقعة الجمل بالبصرة قال: يخرج الحسني صاحب طبرستان مع جم كثير من خيله ورجله حتى يأتي نيسابور فيفتحها ويقسم أبوابها ثم يأتي إصبهان، ثم إلى قم، فيقع بينه وبين أهل قم وقعة عظيمة يقتل فيها خلق كثير فينهزم أهل قم، فينهب الحسني أموالهم ويسبي ذراريهم ونساءهم ويخرب دورهم، فيفزع أهل قم إلى جبل يقال لها " وراردهار " فيقيم الحسنى ببلدهم أربعين يوما، ويقتل منهم عشرين رجلا، ويصلب منهم رجلين ثم يرحل عنهم.

[216]

37 - وعن علي بن عيسى، عن أيوب بن يحيى الجندل، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: رجل من أهل قم يدعوا الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لاتزلهم الرياح العواصف، ولا يملون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين. 38 - وبإسناده عن عفان البصري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: أتدري لم سمي قم ؟ قلت: الله ورسوله وأنت أعلم. قال: إنما سمي قم لان أهله يجتمعون مع قائم آل محمد - صلوات الله عليه - ويقومون معه ويستقيمون عليه وينصرونه. 39 - وعن علي بن عيسى، عن علي بن محمد الربيع، عن صفوان بن يحيى بياع السابري قال: كنت يوما عند أبي الحسن عليه السلام فجرى ذكر قم وأهله وميلهم إلى المهدي عليه السلام فترحم عليهم وقال: رضي الله عنهم. ثم قال: إن للجنة ثمانية أبواب وواحد منها لاهل قم، وهم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد، خمر الله تعالى ولايتنا في طينتهم. 40 - وروى بعض أصحابنا قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا إذ قرأ هذه الآية " حتى إذا جاء، وعد اوليهما بعثنا عليهم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا " فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء ؟ فقال ثلاث مرات: هم والله أهل قم. 41 - وروي عن عدة من أهل الري أنهم دخلوا على أبي عبد الله عليه السلام وقالوا: نحن من أهل الري. فقال: مرحبا بإخواننا من أهل قم ! فقالوا: نحن من أهل الري فأعاد الكلام، قالوا ذلك مرارا وأجابهم بمثل ما أجاب به أولا، فقال: إن لله حرما وهو مكة، وإن للرسول (1) حرما وهو المدينة، وإن لامير المؤمنين حرما وهو الكوفة، وإن لنا حرما وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة


(1) لرسوله (خ).

[217]

فمن زارها وجبت له الجنة. قال الراوي: وكان هذا الكلام منه قبل أن يولد الكاظم عليه السلام. 42 - وفي روايات الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه واله لما اسري به رأى إبليس باركا بهذه البقعة فقال له: قم يا ملعون ! فسميت بذلك. 43 - وروي عن الائمة عليهم السلام: لولا القميون لضاع الدين. 44 - وروي مرفوعا إلى محمد بن يعقوب الكليني بإسناده إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: إذا عمت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها ونواحيها، فإن البلاء مرفوع عنها. 45 - وقال عليه السلام لزكريا ابن آدم القمي حين قال الشيخ عنده: يا سيدي إني اريد الخروج عن أهل بيتي، فقد كثرت السفهاء. فقال: لا تفعل، فإن البلاء يدفع بك عن أهل قم، كما يدفع البلاء عن أهل بغداد بأبي الحسن الكاظم عليه السلام. 46 - وعن سهل بن زياد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن الفضيل عن عدة من أصحابه، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن لعلى قم ملكا رفرف عليها بجناحيه لا يريدها جبار بسوء إلا أذابه الله كذوب الملح في الماء. ثم أشار إلى عيسى بن عبد الله فقال: سلام الله على أهل قم. يسقي (1) الله بلادهم الغيث، وينزل الله عليهم البركات، ويبدل الله سيئاتهم حسنات، هم أهل ركوع وسجود وقيام وقعود، هم الفقهاء العلماء الفهماء، هم أهل الدراية والرواية وحسن العبادة. 47 - وقال أبو عبد الله الفقيه الهمداني في كتاب البلدان: إن أبا موسى الاشعري روى أنه سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن أسلم المدن وخير المواضع عند نزول الفتن وظهور السيف، فقال: أسلم المواضع يومئذ أرض الجبل، فإذا اضطربت خراسان ووقعت الحرب بين أهل جرجان وطبرستان وخربت سجستان فأسلم المواضع يومئذ قصبة قم تلك البلدة التي يخرج منها أنصار خير الناس أبا واما وجدا وجدة وعما وعمة تلك التي تسمى الزهراء. بها موضع قدم جبرئيل، وهو الموضع الذي نبع منه الماء


(1) سقى (خ).

[218]

الذي من شرب منه أمن من الداء، ومن ذلك الماء عجن الطين الذي عمل منه كهيئة الطير، ومنه يغتسل الرضا عليه السلام، ومن ذلك الموضع يخرج كبش إبراهيم وعصا موسى وخاتم سليمان. 48 - ومن روايات الشيعة في فضل قم وأهلها ما رواه الحسن بن علي بن الحسين ابن موسى بن بابويه بأسانيد ذكرها عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أن رجلا دخل عليه فقال: يا ابن رسول الله إني اريد أن أسألك عن مسألة لم يسألك أحد قبلي ولا يسألك أحد بعدي ! فقال: عساك تسألني عن الحشر والنشر (1) ؟ فقال الرجل: إي والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ما أسألك إلا عنه. فقال: محشر الناس كلهم إلى بيت المقدس إلا بقعة بأرض الجبل يقال لها قم، فإنهم يحاسبون في حفرهم ويحشرون من حفرهم إلى الجنة. ثم قال: أهل قم مغفور لهم. قال: فوثب الرجل على رجليه وقال: يا ابن رسول الله هذا خاصة لاهل قم ؟ قال: نعم ومن يقول بمقالتهم. ثم قال: أزيدك ؟ قال: نعم، حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: نظرت إلى بقعة بأرض الجبل خضراء أحسن لونا من الزعفران وأطيب رائحة من المسك وإذا فيها شيخ بارك على رأسه برنس، فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه البقعة ؟ قال: فيها شيعة وصيك علي بن أبي طالب. قلت: فمن الشيخ البارك فيها ؟ قال: ذلك إبليس اللعين - عليه اللعنة - قلت: فما يريد منهم ؟ قال: يريد أن يصدهم عن ولاية وصيك علي ويدعوهم إلى الفسق والفجور. فقلت: يا جبرئيل أهو بنا إليه، فأهوى بنا إليه في أسرع من برق خاطف. فقلت له: قم يا ملعون فشارك المرجئة في نسائهم وأموالهم، لان أهل قم شيعتي وشيعة وصيي علي بن أبي طالب. 49 - وروى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن الحسن الحضرمي عن محمد بن بهلول، عن أبي مسلم العبدي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: تربة قم مقدسة وأهلها منا ونحن منهم لا يريدهم جبار بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا


(1) المحشر والمنشر (خ). (*)

[219]

إخوانهم (1) ! فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء ! أما إنهم أنصار قائمنا ودعاة (2) حقنا. ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم اعصمهم من كل فتنة ونجهم من كل هلكة. ثم ذكر صاحب التاريخ المشاهد والقبور الواقعة في بلدة قم فقال: منها قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهما السلام وروي أن زيارتها تعادل الجنة. وروى مشايخ قم أنه لما أخرج المأمون علي بن موسى الرضا عليه السلام من المدينة إلى المرو في سنة مأتين خرجت فاطمة اخته في سنة إحدى ومأتين تطلبه، فلما وصلت إلى " ساوه " مرضت فسألت: كم بيني وبين " قم " ؟ قالوا: عشرة فراسخ، فأمرت خادمها فذهب بها إلى قم وأنزلها في بيت موسى بن خزرج بن سعد. والاصح أنه لما وصل الخبر إلى آل سعد اتفقوا وخرجوا إليها أن يطلبوا منها النزول في بلدة قم، فخرج من بينهم موسى بن خزرج، فلما وصل إليها أخذ بزمام ناقتها وجرها إلى قم وأنزلها في داره، فكانت فيها ستة (3) عشر يوما ثم مضت إلى رحمة الله ورضوانه، فدفنها موسى بعد التغسيل والتكفين في أرض له، وهي التي الآن مدفنها وبنى على قبرها سقفا من البواري إلى أن بنت زينب بنت الجواد عليه السلام عليها قبة. وحدثني الحسين بن علي ابن الحسين بن موسى بن بابويه عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أنه لما توفيت فاطمة - رضي الله عنها - وغسلوها وكفنوها ذهبوا بها إلى بابلان ووضعوها على سرداب حفروه لها، فاختلف آل سعد بينهم في من يدخل السرداب ويدفنها فيه، فاتفقوا على خادم لهم شيخ كبير صالح يقال له " قادر " فلما بعثوا إليها رأوا راكبين سريعين متلثمين يأتيان من جانب الرملة، فلما قربا من الجنازة نزلا وصليا عليها ودخلا السرداب و أخذا الجنازة فدفناها، ثم خرجا وركبا وذهبا ولم يعلم أحد من هما. والمحراب الذي كانت فاطمة عليها السلام تصلي إليها موجود إلى الآن في دار موسى بن الخزرج. ثم ماتت ام محمد بنت موسى بن محمد بن علي الرضا عليه السلام فدفنوها في جنب فاطمة - رضي الله عنها -


(1) ما لم يحولوا أحوالهم (خ). (2) رعاة (خ). (3) في بعض النسخ " سبعة عشر ".

[220]

ثم توفيت ميمونة اختها فدفنوها هناك أيضا وبنوا عليهما أيضا قبة، ودفن فيها ام إسحاق جارية محمد وام حبيب جارية محمد بن أحمد الرضا واخت محمد بن موسى. ثم قال: ومنها قبر أبي جعفر موسى بن محمد بن علي الرضا عليه السلام قال: وهو أول من دخل من السادات الرضوية قم، وكان مبرقعا دائما فأخرجه العرب من قم، ثم اعتذروا منه و أدخلوه وأكرموه واشتروا من أموالهم له دارا ومزارع، وحسن حاله، واشترى من ماله أيضا قرى ومزارع، فجاءت إليه أخواته زينب وام محمد وميمونة بنات الجواد عليه السلام ثم " بريهيه " بنت موسى فدفن كلهن عند فاطمة - رضي الله عنها - وتوفي موسى ليلة الاربعاء ثامن شهر ربيع الآخر من سنة ست وتسعين ومأتين ودفن في الموضع المعروف أنه مدفنه. ومنها قبر أبي علي محمد بن أحمد بن موسى بن محمد بن علي الرضا عليه السلام توفي في سنة خمس عشر وثلثمأة، ودفن في مقبرة محمد بن موسى. ثم ذكر مقابر كثير من السادات الرضوية وكثير من أولاد محمد بن جعفر الصادق عليه السلام وكثير من أحفاد علي بن جعفر وقبور كثير من السادات الحسنية، وكان أكثر أهل قم من الاشعريين، وقال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم اغفر للاشعريين صغيرهم وكبيرهم. وقال: الاشعريون مني وأنا منهم. وروي عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الازد والاشعريون وكندة مني لا يعدلون ولا يجبنون. وبهذا الاسناد عن أبي البختري عن الزهري، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله للاشعريين لما قدموا: أنتم المهاجرون إلى الانبياء من ولد إسماعيل. ثم ذكر أخبارا كثيرة في فضائلهم، ثم قال: من مفاخرهم أن أول من أظهر التشيع بقم موسى بن عبد الله بن سعد الاشعري. ومنها أنه قال الرضا عليه السلام لزكريا بن آدم بن عبد الله بن سعد الاشعري: إن الله يدفع البلاء بك عن أهل قم كما يدفع البلاء عن أهل بغداد بقبر موسى بن جعفر عليهما السلام ومنها أنهم وقفوا المزارع والعقارات الكثيرة على الائمة عليهم السلام، ومنها أنهم أول من بعث الخمس إليهم. ومنها أنهم عليهم السلام أكرموا جماعة كثيرة منهم بالهدايا والتحف والاكفان كأبي جرير زكريا بن إدريس، وزكريا بن آدم، وعيسى بن عبد الله بن

[221]

سعد وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكلام، وشرفوا بعضهم بالخواتيم والخلع، وأنهم اشتروا من دعبل الخزاعي ثوب الرضا عليه السلام بألف دينار من الذهب. ومنها أن الصادق عليه السلام قال لعمران بن عبد الله: أظلك الله يوم لاظل إلا ظله. انتهى ما أخرجته من تاريخ قم، ومؤلفه من علماء الامامية. بيان: يظهر من هذا التاريخ أن " وراردهار " اسم بعض رساتيق قم وتوابعه وقال: فيه سبع عشرة قرية وكان من رساتيق إصبهان فالحق بقم. والجمر اسم نهر من الانهار التي كانت قبل بناء بلدة قم كما يلوح من التاريخ. وروى الكشي خبر زكريا ابن آدم عن محمد بن قولويه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن حمزة، عن زكريا بن آدم قال: قلت للرضا عليه السلام: إني اريد الخروج عن أهل بيتي فقد كثر السفهاء فيهم، فقال: لا تفعل، فإن أهل بيتك يدفع عنهم بك كما يدفع عن أهل بغداد بأبي الحسن الكاظم عليه السلام. 50 - المجازات النبوية: قال النبي صلى الله عليه واله: امرت بقرية تأكل القرى تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد. يريد عليه السلام الهجرة إلى المدينة، قال السيد - ره -: فقوله " امرت بقرية تأكل القرى " مجاز، والمراد أن أهلها يقهرون أهل القرى فيملكون بلادهم وأموالهم، فكأنهم بهذه الاحوال يأكلونهم. وخرج هذا القول على طريقة للعرب معروفة لانهم يقولون " أكل فلان جاره " إذا عدا عليه فانتهك حرمته واصطفى حريبته. وعلى ذلك قول علقة ابن عقيل بن علقة لابيه في أبيات: أكلت بيتك اكل الضب حتى * وجدت مدارة الكل (1) الوبيل ومن ذلك قوله عليه السلام في غزوة الحديبية " ويح قريش أكلهم (2) الحرب " يريد أنها قد أفنت رجالهم وانتهكت أموالهم، فكانت من هذا الوجه كأنها آكلة لهم قال ذلك في حديث طويل، والمراد بقوله " تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد " أن أهلها يتمحضون فينتفي عنها الاشرار، ويبقى فيها الاخيار، ويفارقها الاخلاط


(1) الكلا (خ). (2) اكلتهم (خ).

[222]

والاقشاب، ولا يصبر عليها إلا الصميم واللباب، فيكون بمنزلة الكير الذي ينفي الاخباث والادران، ويخلص الرصاص، وهذا أيضا مجاز. وقد ورد هذا الخبر بلفظ آخر ذكره عمر بن عبد العزيز قال: سمعنا عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: المدينة تنفي خبث الرجال كما ينفي الكير خبث الحديد. والمعنى في اللفظين واحد. 51 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن المعلى الطحان، عن محمد بن زياد، عن ميمون، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه واله أنه كان إذا دخل عليه اناس من اليمن قال: مرحبا برهط شعيب وأحبار موسى. 52 - وعنه قال: سمعت قيس بن الربيع يرفعه إلى النبي صلى الله عليه واله قال: حضرموت خير من الحارثيين. 53 - مجالس الشيخ: عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر، عن عبد الله بن الوليد، قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فسلمنا عليه وجلسنا بين يديه فسألنا: من أنتم ؟ قلنا: من أهل الكوفة فقال: أما إنه ليس من بلد من البلدان أكثر محبا لنا من أهل الكوفة ثم هذه العصابة خاصة، إن الله هداكم لامر جهله الناس، أحببتمونا وأبغضنا الناس، وصدقتمونا وكذبنا الناس، واتبعتمونا وخالفنا الناس، فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا - الخبر -. بيان: " ثم هذه العصابة " أي هم فيها أكثر من غيرها من البلدان، والمراد عصابة الشيعة فإن المحب أعم منها. والعصابة - بالكسر -: الجماعة من الناس. 54 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن التلعكبري عن محمد بن همام، عن عبد الله الحميري، عن الطيالسي، عن زريق الخلقاني قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام يوما إذا دخل عليه رجلان من أهل الكوفة من أصحابنا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أتعرفهما ؟ قلت: نعم، هما من مواليك، فقال: نعم، والحمد لله الذي جعل أجلة موالي بالعراق - الخبر -. 55 - أقول: وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجباعي - رحمه الله -: قال

[223]

الشيخ محمد بن مكي - قدس الله روحه - وجد بخط جمال الدين ابن المطهر: وجدت بخط والدي - ره - قال: وجدت رقعة عليها مكتوب بخط عتيق ما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أخبرنا به الشيخ الاجل العالم عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي ابن زهرة الحسيني الحلبي إملاء من لفظه عند نزوله بالحلة السيفية - وقد وردها حاجا سنة أربع وسبعين وخمسمائة - ورأيته يلتفت يمنة ويسرة، فسألته عن سبب ذلك، قال: إنني لاعلم أن لمدينتكم هذه فضلا جزيلا. قلت: وما هو ؟ قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن الكليني قال: حدثني على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن أبي حمزة الثمالي، عن الاصبغ بن نباته قال: صحبت مولاي أمير المؤمنين عليه السلام عند وروده إلى صفين وقد وقف على تل عرير (1) ثم أومأ إلى أجمة ما بين بابل والتل وقال: مدينة وأي مدينة ! فقلت له: يا مولاي أراك تذكر مدينة، أكان ههنا مدينة وانمحت آثارها ؟ فقال: لا، ولكن ستكون مدينة يقال لها الحلة السيفية يمدنها رجل من بني أسد يظهر بها قوم أخيار لو أقسم أحدهم على الله لابر قسمه. بيان: " عرير " بالمهملتين أي مفرد، وفي القاموس: العرير الغريب في القول أو بالمعجمتين أي منيع رفيع. والحلة - بالكسر -: بلدة معروفة، ووصفها بالسيفية لانها بناها سيف الدولة. 56 - ووجدت أيضا بخط الشيخ المتقدم نقلا من خط الشهيد - قدس سره -: قال الراوندي: قال الباقر عليه السلام: إن الله وضع تحت العرش أربعة أساطين وسماه " الضراح ثم بعث ملائكة فأمرهم ببناء بيت في الارض بمثاله وقدره، فلما كان الطوفان رفع، فكانت الانبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لابراهيم فأعلمه مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من حراء وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر. قال الطبري: وهو جبل بدمشق. بيان: قال الفيروز آبادي: الخمر - بالتحريك -: جبل بالقدس. وقال: لبنان


(1) عزيز (خ).

[224]

- بالضم -: جبل بالشام. 57 - كنز الكراجكى: قال: روى الشريف أبو محمد الحسن بن محمد الحسيني عن علي بن عثمان الاشج المعروف بأبي الدنيا (1) قال: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني. 58 - شرح النهج لابن ميثم: قال: لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل خطب الناس بالبصرة فحمد الله وأثني عليه وصلى على النبي صلى الله عليه واله ثم قال: يا أهل البصرة ! يا أهل المؤتفكة أئتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة ! يا جند المرأة وأعوان البهيمة، رغا (2) فأجبتم، وعقر فانهزمتم (3) أخلاقكم دقاق، ودينكم نفاق وماؤكم زعاق (4) بلادكم أنتن بلاد الله تربة، وأبعدها من السماء، بها تسعة أعشار الشر المحتبس فيها بذنبه، والخارج منها بعفو الله، كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر - وساق إلى قوله: إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دورا، وآجامها قصورا، فالهرب ! الهرب ! فإنه لابصرة لكم يومئذ.


(1) حكى السيد نعمة الله الجزائري عن السيد هاشم بن الحسين الاحسائي عن استاده الشيخ محمد الحرفوشى قال: لما كنت بالشام عمدت يوما إلى مسجد مشهور بعيد من العمران فرأيت شيخا أزهر الوجه عليه ثياب بيض وهيئة جميلة.. ثم تحققت منه الاسم والنسبة ثم بعد جهد طويل قال: أبا معمر أبو الدنيا المغربي صاحب أمير المؤمنين عليه السلام وحضرت معه صفين وهذه الشجة في وجهى من رمحة فرسه - سلام الله عليه - ثم ذكر لي من الصفات والعلامات ما تحققت معه صدقه في كل ما قال ثم استجزته كتب الاخبار فاجازني عن أمير المؤمنين وعن جميع ائمتنا حتى انتهى في الاجازة إلى صاحب الدار - عجل الله فرجه - وله قصص عجيبة منها ما رواها عنه أبو محمد العلوى حدثه بها في دار عمه طاهر بن يحيى، وكيف كان فحديثه يعد حسنا إن لم يكن صحيحا. (2) أي صوت وضج. (3) فهربتم (خ). (4) أي مر لا يطاق شربه.

[225]

ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الابلة ؟ فقال له المنذر بن الجارود: فداك أبي وامي: أربعة فراسخ. قال له: صدقت، فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه واله وأكرمه بالنبوة، وخصه بالرسالة، وعجل بروحه إلى الجنة لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال: يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الابلة أربعة فراسخ وسيكون في التي تسمى الابلة موضع أصحاب العشور، يقتل في ذلك الموضع من امتي سبعون ألف شهيد، هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين، ومن يقتلهم ؟ فداك أبي وأمي. قال: يقتلهم أخوان وهم جيل كأنهم الشياطين، سود ألوانهم، منتنة أرواحهم، شديد كلبهم، قليل سلبهم، طوبى لمن قتلوه. ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان، مجهولون في الارض، معروفون في السماء، تبكي السماء عليهم وسكانها، والارض وسكانها - ثم هملت عيناه بالبكاء ثم قال: - ويحك يا بصرة من جيش لارهج له ولا حس ! فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين، وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما ذكرت ؟ وما الويح ؟ فقال: هما بابان: فالويح باب رحمة، والويل باب عذاب يا ابن الجارود، نعم، تارات عظيمة: منها عصبة يقتل بعضها بعضا، ومنها فتنة يكون بها إخراب منازل وخراب ديار وانتهاك أموال وسباء نساء يذبحن ذبحا، ياويل أمرهن حديث عجيب ! ومنها أن يستحل بها الدجال الاكبر الاعور الممسوح العين اليمنى والاخرى كأنها ممزوجة بالدم لكأنها في الحمرة علقة، ناتئ الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالابلة من الشهداء، أنا جيلهم في صدورهم، يقتل من يقتل، ويهرب من يهرب، ثم رجف، ثم قذف، ثم خسف ثم مسخ، ثم الجوع الاغبر، ثم الموت الاحمر وهو الغرق. يا منذر إن للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في الزبر الاول (1) لا يعلمها إلا العلماء: منها الخريبة، ومنها تدمر، ومنها المؤتفكة - وساق إلى أن قال - يا أهل البصرة إن الله لم يجعل لاحد من أمصار المسلمين خطة شرف ولا كرم إلا وقد جعل


(1) في بعض النسخ المخطوط " زبر الاول " وهو الصواب ظاهرا.

[226]

فيكم أفضل ذلك، وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم: أنتم أقوم الناس قبلة، قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام بمكة، وقارئكم أقرأ الناس، وزاهدكم أزهد الناس، و عابدكم أعبد الناس، وتاجركم أتجر الناس وأصدقهم في تجارته، ومتصدقكم أكرم الناس صدقة، وغنيكم أشد الناس بذلا وتواضعا، وشريفكم أحسن الناس خلقا وأنتم أكثر الناس جوارا، وأقلهم تكلفا لما لا يعنيه، وأحرصهم على الصلاة في جماعة ثمرتكم أكثر الثمار، وأموالكم أكثر الاموال، وصغاركم أكيس الاولاد، ونساؤكم أمنع النساء وأحسنهن تبعلا، سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم والبحر سببا لكثرة أموالكم، فلو صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا، غير أن حكم الله ماض، وقضاؤه نافذ لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. يقول الله " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (1) " - ثم ساق الخطبة إلى قوله - إن رسول الله صلى الله عليه واله قال لي يوما وليس معه غيري: إن جبرئيل الروح الامين حملني على منكبه الايمن حتى أراني الارض ومن عليها وأعطاني أقاليدها وعلمني ما فيها وما قد كان على ظهرها وما يكون إلى يوم القيامة ولم يكبر ذلك [علي] كما لم يكبر على أبي آدم علمه الاسماء كلها ولم تعلمها الملائكة المقربون، وإني رأيت بقعة على شاطئ البحر تسمى البصرة، فإذا هي أبعد الارض من السماء وأقربها من الماء، وأنها لاسرع الارض خرابا وأخشنها ترابا وأشدها عذابا، ولقد خسف بها في القرون الخالية مرارا، و ليأتين عليها زمان، وإن لكم يا أهل البصرة وما حولكم من القرى من الماء ليوما عظيما بلاؤه، وإني لاعلم موضع منفجره من قريتكم هذه، ثم امور قبل ذلك تدهمكم عظيمة اخفيت عنكم وعلمناها، فمن خرج عنها عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له، ومن بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه وما الله بظلام للعبيد. توضيح: المؤتفكة: المنقلبة، والانقلاب هنا إما حقيقة كقرى قوم لوط أو لانها غرقت كأنها انقلبت. طبقها الماء - بالتشديد - أي غطاها وعمها و


(1) الاسراء: 58.

[227]

الاخصاص: جمع خص - بالضم - بيت يعمل من الخشب والقصب. والآجام: جمع أجمة - بالتحريك - وهي منبت القصب، وقيل: هي الشجر الكثير الملتف. والابلة - بضم الهمزة والباء وتشديد اللام -: الموضع الذي به مدينة البصرة اليوم وكان من قرى البصرة وبساتينها يومئذ، وكانوا يعدونه إحدى الجنات الاربع، وفي الابلة اليوم موضع العشارين حسب ما أخبر به. والجيل - بالكسر -: الصنف من الناس وقيل: كل قوم يختصون بلغة فهم جيل. والارواح: جمع الريح بمعنى الرائحة. و الكلب - بالتحريك -: الشر والاذى وشبه جنون يعرض لمن عضه الكلب الكلب. والسلب - بالتحريك -: ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه و معه [من] سلاح وثياب ودابة غيرها. ينفر لجهادهم: أي يخرج لقتالهم. ويقال " هملت عينه " أي فاضت بالدمع. والرهج - بالتحريك - الغبار. والحس - بالكسر - صوت المشي والصوت الخفي وهو إشارة إلى صاحب الزنج كما مر. والتارات جمع التارة بمعنى المرة، أي فتن عظيمة مرة بعد اخرى. والعصبة - بالضم -: الجماعة أو بالتحريك بمعنى الاقرباء. وانتهاك الاموال: أخذها بما لا يحل. وسباء النساء - بالكسر والمد -: أسرهن. و " يستحل بها الدجال " أي يتخذها منزلا ويسكنها. والدجال من الدجل وهو الخلط والتلبيس والكذب، ووصفه بالاكبر يدل على تعدد من يدعي الاباطيل. والاعور من ذهب إحدى عينيه. والممسوح صفة مخصصة للاعور. والناتئ: المرتفع. وطفا على الماء: علاولم يرسب. والرجفة: الزلزلة والاضطراب. والقذف: الرمي بالحجارة ونحوها. والخسف: الذهاب في الارض، وخسف المكان أن يغيب في الارض. والمسخ: تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها. ووصف الجوع بالاغبر إما لان الجوع يكون في السنين المجدبة، وسنوا الجدب تسمى غبرا لاغبرار آفاقها من قلة الامطار وأرضيها من عدم النبات، أو لان وجه الجائع يشبه الوجه المغبر. والموت الاحمر يعبر به في الاكثر عن القتل، وفسرهنا بالغرق. والخريبة - بضم الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحدة -: علم محلة من محال البصرة كانوا يسمونها البصرة الصغرى. وتدمر - كتنصر -: من الدمار بمعنى الهلاك، وفي اللغة أنها بلد بالشام.

[228]

والخطة - بالضم -: الامر والقصة. والاقاليد: جمع إقليد - بالكسر - وهو المفتاح. ولم يكبر ذلك علي: أي قويت عليه وقدرت، أولم أستعظمها من فضل ربي. والتنوين في " زمان " للتفخيم أي زمان شديد فظيع. والمرابطة: الارصاد لحفظ الثغر. 59 - اقول: وروى القاضي نور الله التستري [قدس الله روحه] في كتاب " مجالس المؤمنين " عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن لله حرما وهو مكة، ألا إن لرسول الله حرما وهو المدينة، ألا وإن لامير المؤمنين حرما وهو الكوفة، ألا وإن قم الكوفة الصغيرة. ألا إن للجنة ثمانية أبواب ثلاثة منها إلى قم، تقبض فيها امرأة من ولدي اسمها فاطمة بنت موسى، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم. 60 - وعن سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام قال: يا سعد من زارها فله الجنة. 61 - وعنه عليه السلام قال: إذا عمت البلدان الفتن والبلايا فعليكم بقم وحواليها ونواحيها، فإن البلايا مدفوع (1) عنها. 62 - وعن الرضا عليه السلام قال: للجنة ثمانية أبواب فثلاثة منها لاهل قم، فطوبى لهم ثم طوبى لهم. 63 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: صلوات الله على أهل قم، ورحمة الله على أهل قم، سقى الله بلادهم الغيث - إلى آخر ما مر عن الصادق عليه السلام. 64 - وأقول: روى الشيخ الاجل عبد الجليل الرازي في كتاب القصص بإسناده عن النبي صلى الله عليه واله قال: لما عرج بي إلى السماء مررت بأرض بيضاء كافورية شممت بها رائحة طيبة، فقلت: يا جبرئيل ما هذه البقعة ؟ قال: يقال لها " آبة " عرضت عليها رسالتك وولاية ذريتك فقبلت، وإن الله يخلق منها رجالا يتولونك ويتولون ذريتك فبارك الله عليها وعلى أهلها. 65 - معجم البلدان: قال: روي أنه في التورية مكتوب: الري باب من أبواب الارض وإليها متجر الخلق. وقال الاصمعي: الري عروس الدنيا وإليها متجر


(1) كذا في جميع النسخ التى بأيدينا، والظاهر " مدفوعة ".

[229]

الناس. قال: وروي عن جعفر الصادق عليه السلام أن الري وقزوين وساوه ملعونات شؤمات. 56 - كشف الغمة: عن ابن أعثم الكوفي، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ويحا للطالقان فإن لله تعالى بها كنوزا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته وهم أنصار المهدي في آخر الزمان. 57 - وأقول: وجدت في أصل عتيق من اصول أصحابنا أظن أنه لوالد الصدوق أو ممن عاصره عن عبد العزيز بن جعفر بن محمد، عن عبد العزيز بن يونس الموصلي، عن إبراهيم بن الحسين، عن محمد بن خلف، عن موسى بن إبراهيم عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قزوين باب من أبواب الجنة. 58 - الدر المنثور: من عدة كتب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ما أطيبك من بلدة وأحبك إلى ! لولا أن. قومك أخرجوني منك ما خرجت. وفي رواية اخرى: ما سكنت غيرك (1). 59 - وعن عبد الرحمان بن سابط قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن ينطلق إلى المدينة استلم الحجر وقام وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال: إني لاعلم ما وضع الله في الارض بيتا أحب إليه منك، وما في الارض بلد أحب إليه منك، وما خرجت عنك رغبة ولكن الذين كفروا هم أخرجوني (2). 60 - كتاب قسمة أقاليم الارض وبلدانها تأليف بعض المخالفين: قال: بلد المهدي مدينة حسنة حصينة بناها المهدي الفاطمي وحصنها وجعل لها أبوابا من حديد، في كل باب ما يزيد على المائة قنطار، ولما بناها وأحكمها قال: الآن أمنت على الفاطميين. بيان: اقول: لهذه المدينة قصة طويلة غريبة أوردتها في كتاب الغيبة. 71 - ومن الكتاب المذكور: قال دخل ذوالقرنين جزيرة عظيمة فوجد بها قوما قد أنحلتهم العبادة حتى صاروا كالحمم السود فسلم عليهم فردوا عليه السلام فسألهم: ما عيشكم يا قوم في هذا المكان ؟ قالوا: ما رزقنا الله من الاسماك وأنواع النبات ونشرب من هذه


(1) الدر المنثور: ج 1 ص 123. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 123.

[230]

المياه العذبة. قال لهم ألا أنقلكم إلى عيشة أطيب مما أنتم فيه وأخصب ؟ فقالوا له: و ما نصنع به ؟ إن عندنا في جزيرتنا هذه ما يغني جميع العالم ويكفيهم لو صاروا إليه و أقبلوا عليه ! قال: وما هو ؟ فانطلقوا إلى واد لا نهاية لطوله وعرضه وهو منضد من ألوان الدر والياقوت والزبرجد والبلخش والاحجار التي لم تر في الدنيا والجواهر التي لا تقوم، ورأى شيئا لا يحتمله العقول ولا يوصف، ولو اجتمع العالم على نقله أو بعضه لعجزوا، فقال: لا إله إلا الله وسبحان من له الملك العظيم ويخلق الله مالا يعلمه الخلائق. ثم انطلقوا به من شفير ذلك الوادي حتى أتوا به إلى مستو واسع من الارض به أصناف الاشجار، وأنواع الثمار، وألوان الازهار، وأجناس الاطيار، وخرير الانهار، وأفياء وظلال، ونسيم ذو اعتدال، ونزه ورياض، وجنات وغياض، فلما رأى ذو القرنين ذلك سبح الله العظيم واستصغر أمر الوادي وما به من الجواهر عند ذلك المنظر البهيج الزاهر. فلما تعجب قالوا له: في ملك ملك في الدنيا بعض ما ترى ؟ قال: لا وحق عالم السر والنجوى. فقالوا: كل هذا بين أيدينا ولا تميل أنفسنا إلى شئ من ذلك واقتنعنا بما نقوى به على عبادة الرب الخالق، ومن ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه، فسرعنا ودعنا بحالنا، أرشدنا الله وإياك. ثم ودعوه وفارقوه وقالوا له: دونك والوادي فاحمل منه ما تريد. فأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. قال: ثم أتى ذوالقرنين جزيرة عظيمة فرأى بها قوما لباسهم ورق الشجر، وبيوتهم كهوف في الصخر والحجر فسألهم عن مسائل في الحكمة، فأجابوه بأحسن جواب وألطف خطاب، فقال لهم: سلوا حوائجكم لتقضى، فقالوا له: نسألك الخلد في الدنيا. فقال: وأنى به لنفسي ؟ ! ومن لا يقدر على زيادة نفس من أنفاسه كيف يبلغكم الخلد ؟ ! فقال كبيرهم: نسألك صحة في أبداننا ما بقينا. فقال: وهذا أيضا لا أقدر عليه. فقالوا: فعرفنا بقية أعمارنا فقال: لا أعرف ذلك لروحي فكيف بكم ؟ فقالوا له: فرغنا نطلب ذلك ممن يقدر على ذلك وأعظم من ذلك. وجعل الناس ينظرون إلى كثرة جنوده وعظمة موكبه، وبينهم شيخ صعلوك لا يرفع رأسه، فقال له ذوالقرنين: مالك لا تنظر إلى ما ينظر إليه الناس ؟ قال الشيخ: ما أعجبني الملك الذي رأيته قبلك حتى أنظر إليك وإلى ملكك. فقال:

[231]

وما ذاك ؟ قال الشيخ: كان عندنا ملك وآخر صعلوك (1) فماتا في يوم واحد ثم جئت إليهما واجتهدت أن أعرف الملك من الصعلوك (2) فلم أعرفه. قال: فتركهم ذوالقرنين وانصرف عنهم. 62 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن أبي الصلت الهروي قال: كنت عند الرضا عليه السلام فدخل عليه قوم من أهل قم فسلموا عليه فرد عليهم وقربهم ثم قال لهم: مرحبا بكم وأهلا ! فأنتم شيعتنا حقا، فسيأتي عليكم يوم تزورون فيه تربتي بطوس، ألا فمن زارني وهو على غسل خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (3). 73 - ومنه: عن محمد بن أحمد السناني، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن سهل ابن زياد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: سمعت علي بن محمد العسكري عليه السلام يقول: أهل قم وأهل آبة مغفور لهم لزيارتهم لجدي علي بن موسى الرضا عليه السلام بطوس ألا ومن زاره فأصابه في طريقه قطرة من السماء حرم الله جسده على النار (4). 74 - الكافي: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن سالم ; وعلي بن إبراهيم عن أبيه، جميعا عن أحمد بن النضر ; ومحمد بن يحيى، عن محمد بن أبي القاسم، عن الحسين ابن أبي قتادة، جميعا عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خرج رسول الله صلى الله عليه واله لعرض الخيل - وساق الحديث إلى قوله - فمر بفرس (5) فقال عيينة ابن حصين: إن من أمر هذا الفرس كيت وكيت. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ذرنا فأنا أعلم بالخيل منك. فقال: وأنا أعلم بالرجال منك. فغضب رسول الله صلى الله عليه واله حتى ظهر الدم في وجهه، فقال له: فأي الرجال أفضل ؟ فقال عيينة بن حصين: رجال يكونون بنجد يضعون سيوفهم على عواتقهم، ورماحهم على كواثب خيلهم، ثم يضربون بها قدما.


(1) صلعوك (خ). (2) الصلعوك (خ) (3 و 4) العيون: ج 2، ص 260. (5) في بعض النسخ " فمر به فرس ".

[232]

فقال رسول الله صلى الله عليه واله: كذبت، بل رجال أهل اليمن أفضل، الايمان يماني (1)، و الحكمة يمانية، ولولا الهجرة لكنت امرءا من أهل اليمن. الجفاء والقسوة في الفدادين أصحاب الوبر ربيعة ومضر من حيث يطلع قرن الشمس، ومذحج أكثر قبيل يدخلون الجنة، وحضرموت خير من عامر بن صعصعة - وروى بعضهم: خير من الحرث بن معاوية - وبجيلة خير من رعل وذكوان، وإن يهلك لحيان فلا ابالي. ثم قال: لعن الله الملوك الاربعة: جمدا، ومخوسا، ومشرحا، وأبضعة، واختهم العمردة - و ساق الحديث إلى قوله - لعن الله رعلا وذكوان وعضلا ولحيان والمجذمين من أسد وغطفان وأبا سفيان بن حرب وشهبلا ذا الاسنان وابني مليكة (2) بن جزيم ومروان وهوذة وهونة (3). 65 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن معلى الطحان، عن بريد بن (4) يزيد ابن جابر، عن عبد الله بن بشير، عن ابن عيينة بن حصين قال: عرض رسول الله صلى الله عليه واله يوما خيلا وعنده أبي - عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر - فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أنا أبصر بالخيل منك. فقال عيينة: وأنا أبصر بالرجال منك يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: كيف ؟ قال: فقال: إن خير الرجال الذين يضعون أسيافهم على عواتقهم، ويعرضون رماحهم على مناكب خيولهم من أهل نجد. فقال النبي صلى الله عليه واله: كذبت، إن خير الرجال أهل اليمن، والايمان يمان وأنا يماني، وأكثر قبائل دخول الجنة يوم القيامة مذحج، وحضرموت خير من بني الحرث بن معاوية حي من كندة، إن يهلك لحيان فلا ابالي، فلعن الله الملوك الاربعة: جمدا، ومخوسا، ومشرحا وأبضعة، واختهم العمردة. بيان: قال الجوهري: قال أبو عبيدة: يقال " كان من الامر كيت وكيت - بالفتح -


(1) يمان (خ). (2) ملكة (خ). (3) الكافي: ج 8، ص 70 - 72. (4) وفى بعض النسخ " يزيد بن جابر " وفى بعضها " يزيد بن جابر " وأياما كان فلم نجد له ذكرا في كتب الرجال.

[233]

وكيت وكيت - بالكسر - " والتاء فيهما هاء في الاصل فصارت تاءا. وفي النهاية: الكواثب جمع كاثبة، وهي من الفرس: مجتمع كتفيه قدام السرج. وقال: رجل قدم - بضمتين - أي شجاع، ومضى قدما أي لم يعرج ولم ينثن. وقال: فيه " الايمان يمان والحكمة يمانية " إنما قال ذلك لان الايمان بدا من مكة وهي من تهامة وتهامة من أرض اليمن ولهذا يقال: الكعبة اليمانية. وقيل: إنه قال هذا القول للانصار لانهم يمانون وهم نصروا الايمان والمؤمنين وآووهم فنسب الايمان إليهم. وقال الجوهري: اليمن بلاد للعرب، والنسبة إليهم يمني، ويمان مخففة والالف عوض من ياء النسب فلا يجتمعان، قال سيبويه: وبعضهم يقول يماني بالتشديد - انتهى -. وقال في شرح السنة: هذا ثناء على أهل اليمن لاسراعهم إلى الايمان وحسن قبولهم إياه. قوله صلى الله عليه واله " لولا الهجرة " لعل المعنى: لولا أني هجرت عن مكة لكنت اليوم من أهل اليمن إذ مكة منها، أو المراد أنه لولا أن المدينة كانت أولا دار هجرتي واخترتها بأمر الله لاتخذت اليمن وطنا، أو الغرض أنه لولا أن الهجرة أشرف لعددت نفسي من الانصار. وفي النهاية: فيه أن الجفاء والقسوة في الفدادين. الفدادون بالتشديد هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، واحدهم فداد، يقال: فد الرجل يفد فديدا إذا اشتد صوته، وقيل: هم المكثرون من الابل. وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان، وقيل. إنما هو الفدادين - مخففا - واحدها فدان - مشددا - وهي البقر التي يحرث بها، وأهلها أهل جفاء وقسوة (1) - انتهى -. قوله " أصحاب الوبر " أي أهل البوادي، فإن بيوتهم يتخذونها منه. قوله: " من حيث يطلع قرن الشمس " قال الجوهري: قرن الشمس أعلاها وأول ما يبدو منها في الطلوع - انتهى - ولعل المراد أهل البوادي من هاتين القبيلتين الكائنتين في مطلع الشمس أي في شرقي المدينة. وروى في شرح السنة بإسناده عن عقبة بن عمرو قال: أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: الايمان يمان ههنا، إلا أن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند اصول أذناب الابل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر


(1) في النهاية: اهل جفاء وغلظة. ج 3، ص 187.

[234]

وبإسناده عن ابن عمر أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق ويقول: إن الفتنة ههنا ! إن الفتنة ههنا ! من حيث يطلع قرن الشيطان. وقال النووي: قرنا الشيطان قبل المشرق أي جمعاه المغويان أو شيعتاه من الكفار، يريد مزيد تسلطه في المشرق، وكان ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم ويكون حين يخرج الدجال من المشرق، وهو في ما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ومثار الترك العاتية - انتهى - ولا يبعد أن يكون في هذا الخبر أيضا " قرن الشيطان " فصحف. وقال الجوهري: مذحج - كمسجد -: أبو قبيلة من اليمن. وقال: حضرموت اسم بلد وقبيلة أيضا، وهما اسمان جعلا واحدا إن شئت بنيت الاسم الاول على الفتح وأعربت الثاني بإعراب مالا ينصرف قلت: هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الاول إلى الثاني قلت: هذا حضرموت، أعربت حضرا وخفضت موتا، وكذلك القول في سام أبرص ورام هرمز. وقال: عامر بن صعصعة أبو قبيلة وهو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وفي القاموس: بجيلة - كسفينة -: حي باليمن من معد. ورعل وذكوان قبيلتان من بني سليم. وقال: لحيان أبو قبيلة. وقال: مخوس - كمنبر - ومشرح وجمد وأبضعة بنو معدي كرب الملوك الاربعة الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعن اختهم العمردة وفدوا مع الاشعث فأسلموا ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير، فقالت نائحتهم " يا عين بكي للملوك الاربعة " وقال: العمرد - كعملس -: الطويل من كل شئ - إلى أن قال - وبهاء: اخت الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم - انتهى - و " المجذمين " لعل المراد بهم المنسوبون إلى الجذيمة، ولعل أسدا وغطفان كلتيهما منسوبتان إليها. قال الجوهري: جذيمة قبيلة من عبد القيس ينسب إليهم جذمي - بالتحريك - وكذلك إلى جذيمة بني أسد. وقال الفيروز آبادي: غطفان - محركة - حي من قيس. ولعل شهبلا - بالشين المعجمة والباء الموحدة، و في بعض النسخ السين المهملة والياء المثناة - اسم، وكذا ما بعده إلى آخر الخبر أسماء رجال. وأقول: قد مضت الاخبار الكثيرة في ذم البصرة في كتب الفتن، وسيأتي أخبار مدح الكوفة والغري وكربلا وطوس ومكة والمدينة في كتاب المزار وكتاب الحج لم نوردها ههنا حذرا من التكرار.

[235]

76 - اكمال الدين: عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن زيد الشعراني من ولد عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يقول: حكى أبو القاسم محمد بن القاسم البصري أن أبا الحسن حمادويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه من كنوز مصر ما لم يرزق أحد قبله، فاغري بالهرمين فأشار عليه ثقاته وحاشيته وبطانته أن لا يتعرض لهدم الاهرام، فإنه ما تعرض أحد لها فطال عمره فلج في ذلك، وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب وكانوا يعملون سنة حواليه حتى ضجروا وكلوا، فلما هموا بالانصراف بعد الاياس منه وترك العمل وجدوا سربا فقدروا أنه الباب الذي يطلبونه فلما بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مرمر فقدروا أنها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها، فإذا عليها كتابة يونانية، فجمعوا حكماء مصر و علماءها فلم يهتدوا لها، وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبد الله المدائني أحد حفاظ الدنيا وعلمائها، فقال لابي الحسن (1) حمادويه بن أحمد: أعرف في بلد الحبشة اسقفا قد عمر وأتى عليه ثلاثمائة وستون سنة يعرف هذا الخط، وقد كان عزم على أن يعلمنيه فلحرصي على علم العرب لم أقم عليه وهو باق. فكتب أبو الحسن إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الاسقف إليه، فأجابه أن هذا قد طعن في السن وحطمه الزمان وإنما يحفظه هذا الهواء، وخاف عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخر ولحقته حركة وتعب ومشقة السفر أن يتلف، وفي بقائه لنا شرف وفرج وسكينة، فان كان لكم شئ يقرأه أو يفسره أو (2) مسألة تسألونه فالكتب بذلك. فحملت البلاطة في قارب إلى بلد " أسوان " من الصعيد الاعلى، وحملت من أسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة وهي قريبة من أسوان، فلما وصلت قرأها الاسقف وفسر ما فيها بالحبشية ثم نقلت إلى العربية فإذا فيها مكتوب: " أنا الريان بن دومغ " فسئل أبو عبد الله عن الريان من هو ؟ قال: هو والد العزيز ملك يوسف عليه السلام واسمه الريان بن دومغ، وقد كان


(1) الجيش (خ). (2) و (خ).

[236]

عمر العزيز سبعمائة سنة وعمر الريان والده ألف وسبعمائة سنة وعمر دومغ ثلاثة آلاف سنة. فإذا فيها: " أنا الريان بن دومغ، خرجت في طلب علم النيل، لاعلم فيضه ومنبعه إذ كنت أرى مغيضه (1) فخرجت ومعي ممن صحبت أربعة آلاف [ألف] رجل، فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا، فرأيت النيل يقطع البحر المحيط ويعبر فيه ولم يكن له منفذ وتماوت أصحابي وبقيت (2) في أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي فرجعت إلى مصر وبنيت الاهرام والبرابي وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري، وقلت في ذلك شعرا: وأدرك علمي بعض ما هو كائن * ولا علم لي بالغيب والله أعلم وأتقنت ما حاولت إتقان صنعه * وأحكمته والله أقوى وأحكم وحاولت علم النيل من بدء (3) فيضه * فأعجزني والمرء بالعجز ملجم ثمانين شاهورا قطعت مسائحا * وحولي بنو حجر وجيش عرمرم إلى أن قطعت الجن والانس كلهم * وعارضني لج من البحر مظلم فأيقنت أن لا منفذا بعد منزلي * لذي هيئة بعدي ولا متقدم فأبت إلى ملكي وأرسيت ناديا * بمصر ولا الايام بؤس وأنعم أنا صاحب الاهرام في مصر كلها * وباني برابيها بهاو المقدم تركت بها آثار كفي وحكمتي * على الدهر لا تبلى ولا تتهدم وفيها كنوز جمة وعجائب * وللدهر أمر مرة وتهجم سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي * ولي لربي آخر الدهر يسجم بأكناف بيت الله تبدو اموره * ولابد أن يعلو ويسمو به السم ثمان وتسع واثنتان وأربع * وتسعون اخرى من قتيل وملجم


(1) مفيضه (خ). (2) فبقيت (خ). (3) بعد (خ).

[237]

ومن بعد هذا كر تسعون تسعة * وتلك البرابي تستخر وتهدم وتبدى كنوزي كلها غير أنني * أرى كل هذا أن يفرقه الدم رمزت مقالي في صخور قطعتها * ستفنى وأفنى بعدها ثم اعدم (1) فحينئذ قال أبو الحسن حمادويه بن أحمد: هذا شئ ليس لاحد فيها حيلة إلا القائم من آل محمد عليهم السلام وردت البلاطة مكانها كما كانت. ثم إن أبا الحسن (2) بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم على فراشه وهو سكران، ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين ومن بناهما. فهذا أصح ما يقال في خبر النيل والهرمين. بيان: السرب - بالتحريك -: الحفير تحت الارض. والبلاطة - بالفتح -: الحجارة التي تفرش في الدار. والقارب: السفينة الصغيرة. والاسوان - بالضم و يفتح - بلد بالصعيد بمصر. كل ذلك ذكره الفيروز آبادي. وقال: الهرمان - بالتحريك - بناءان أوليان بناهما إدريس عليه السلام لحفظ العلوم فيهما عن الطوفان، أو بناء سنان بن المشلشل أو بناء الاوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم وفيهما كل طب وطلسم وهنالك أهرام صغار كثيرة - انتهى -. وقال أبو ريحان في كتاب الآثار الباقية: إن الفرس وعامة المجوس أنكروا الطوفان بكليته، وزعموا أن الملك متصل فيه من لدن " كيومرث گل شاه " الذي هو الانسان الاول عندهم، ووافقهم على إنكارهم إياه الهند والصين وأصناف الامم المشرقية، وأقربه بعض الفرس ووصفوه بغير الصفة الموصوف بها في كتب الانبياء، وقالوا: كان من ذلك شئ بالشام والمغرب في زمان طهمورث لم يعم العمران كلها ولم يغرق فيه إلا امم قليلة، وإنه لم يجاوز عقبة حلوان ولم يبلغ ممالك المشرق. وقالوا: إن أهل المغرب لما أنذر به حكماؤهم بنوا أبنية كالهرمين المبنيتين في أرض مصر، وقالوا: إذا كانت الآفة من السماء دخلناها وإذا كانت من الارض صعدناها، فزعموا أن آثار ماء الطوفان وتأثيرات الامواج بينة على أنصاف هذين الهرمين لم يجاوزهما. وقيل: إن يوسف عليه السلام بناهما وجعل فيهما الطعام و


(1) عدم (خ). (2) ابا الجيش (خ).

[238]

الميرة سني القحط. وقالوا: إن طهمورث لما اتصل به الانذار وذلك قبل كونه بمأتين وإحدى وثلاثين سنة أمر باختيار موضع في مملكته صحيح الهواء والتربة، فلم يجدوا أحق بهذه الصفة من إصبهان، فأمر بتجليد العلوم ودفنها في أسلم المواضع منه، وقد يشهد لذلك ما وجد في زماننا بجئ (1) من مدينة إصبهان من التلال التي انشقت عن بيوت مملوءة أعدالا كثيرة من لحاء الشجرة التي يلتبس بها القسي والترسة ويسمى " التوز " مكتوبة بكتابة لم يدر ما هي وما فيها - انتهى -. 77 - المناقب: عن محمد بن الفيض، عن أبي عبد الله عليه السلام قال أبو جعفر الدوانيقي (2) للصادق عليه السلام: تدري ما هذا ؟ وما هو ؟ قال: جبل هناك يقطر منه [في السنة] قطرات فيجمد (3) فهو جيد للبياض يكون في العين يكحل به فيذهب بإذن الله تعالى. قال: نعم، أعرفه وإن شئت أخبرتك باسمه وحاله. هذا جبل كان عليه نبي من أنبياء بني إسرائيل هاربا من قومه، فعبد الله عليه، فعلم قومه فقتلوه، وهو يبكي على ذلك النبي، وهذه القطرات من بكائه له، ومن الجانب (4) الآخر عين تنبع من ذلك الماء بالليل والنهار ولا يوصل إلى تلك العين (5). 78 - الدر المنثور: قال: أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: عجائب الدنيا أربعة: مرآة كانت معلقة بمنارة الاسكندرية فكان يجلس الجالس تحتها فيبصر من بالقسطنطنية وبينهما عرض البحر ; وفرس كان من نحاس بأرض اندلس (6) قائلا بكفه كذا باسط يده أي ليس خلفي مسلك، فلا يطأ تلك البلاد أحد إلا أكلته النمل ; ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض


(1) يجئ (خ). (2) الدوانيق (خ). (3) كذا في جميع النسخ، والظاهر " فتجمد ". (4) في اكثر النسخ " ومن جانب الاخر " والصواب ما في المتن موافقا لنسخة مخطوطة. (5) المناقب: ج 4، ص 236. (6) الاندلس (خ).

[239]

عاد، فإذا كانت الاشهر الحرم اكرم هطل منه الماء وسقوا (1) وصبوا في الحياض فإذا انقضت الاشهر الحرم انقطع ذلك الماء ; وشجرة من نحاس عليها سودانية (2) من نحاس بأرض رومية، فإذا كان أوان الزيتون صفرت السودانية التي من نحاس فتجئ كل سودانية من الطيارات بثلاث زيتونات: زيتونتين برجليها، وزيتونة بمنقارها حتى تلقيه على تلك السودانية التي هي من نحاس، فيعصر أهل رومية ما يكفيهم لادامهم وسرجهم سنتهم إلى قابل (3) 79 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من وراء اليمن واديا يقال له " وادي برهوت " ولا يجاوز ذلك الوادي إلا الحيات السود والبوم من الطير (4) في ذلك الوادي بئر يقال لها " بلموت (5) " يغدى ويراح إليها بأرواح المشركين، يسقون من ماء الصديد، خلف ذلك الوادي قوم يقال لهم " الذريح " لما أن بعث الله عزوجل محمدا صلى الله عليه وآله صاح عجل لهم فيهم وضرب بذنبه ونادى فيهم: يا آل الذريح ! - بصوت فصيح - أتى رجل بتهامة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله. قالوا: لامر ما أنطق الله هذا العجل ! قال: فنادى فيهم ثانية، فعزموا على أن يبنوا سفينة، فبنوها و نزل فيها سبعة منهم، وحملوا من الزاد ما قذف الله في قلوبهم، ثم رفعوا شراعا (6) و سيبوها في البحر، فما زالت تسير بهم حتى رمت بهم بجدة، فأتوا النبي صلى الله عليه واله فقال لهم النبي صلى الله عليه واله: أنتم أهل الذريح نادى فيكم العجل ! قالوا: نعم، قالوا: اعرض علينا يا رسول الله الدين والكتاب، فعرض عليهم رسول الله الدين والكتاب والسنن


(1) في المصدر: فإذا كانت الاشهر الحرم هطل منه الماء فشرب الناس وسقوا.. (2) في مخطوطة " سودائية " وكذا في ما يأتي. (3) الدر المنثور: ج 3، ص 97. (4) في المصدر: الطيور. (5) في بعض النسخ وكذا في المصدر: بلهوت. (6) في بعض النسخ وكذا في المصدر: شراعها.

[240]

والفرائض والشرائع كما جاء من عند الله - عز ذكره - وولى عليهم رجلا من بني هاشم سيره معهم، فما بينهم اختلاف حتى الساعة (1). 80 - حياة الحيوان: الاهرام من عجائب أبنية الدنيا، وهي قبور الملوك، أرادوا أن يتميزوا على سائر الملوك بعد مماتهم كما تميزوا عليهم في حياتهم، قيل: إن المأمون لما وصل إلى مصر أمر بنقب أحد الهرمين فنقب بعد جهد جهيد وغرامة نفقة عظيمة فوجد داخله مراق دمها ويعسر سلوكها، ووضع في أعلاها بيت مكعب طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض فيه مائة رمة بالية قد أتت عليها العصور فكف عن نقب ما سواه. ونقل أن هرمس الاول أخنوخ وهو إدريس عليه السلام استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان، فأمر ببنيان الاهرام، ويقال: إنه ابتناها في مدة ستة أشهر وكتب فيها: قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة عام والهدم أيسر من البنيان ! وكسوناها الديباج فليكسها الحصر والحصر أيسر من الديباج. وقال ابن الجوزي في كتاب " سلوة الاحزان ": ومن عجائب الهرمين أن سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع من رخام وزمرد وفيها مكتوب: أنا بنيتها (2) بملكي فمن ادعى قوة فليهدمها (3) فإن الهدم أيسر من البناء. قال ابن المنادي: بلغنا أنهم قدروا خراج الدنيا مرارا فإذا هو لا يقوم بهدمها - والله أعلم -.


(1) روضة الكافي: 261. (2) بنيتهما (خ). (3) فليهمدهما (خ).

[241]

(37) (باب نادر) أقول: وجدت في بعض الكتب القديمة هذه الرواية، فأوردتها بلفظها، ووجدتها أيضا في كتاب " ذكر الاقاليم والبلدان والجبال والانهار والاشجار " مع اختلاف يسير في المضمون وتباين كثير في الالفاظ أشرت إلى بعضها في سياق الرواية، وهي هذه: مسائل عبد الله بن سلام وكان اسمه " اسماويل " فسماه النبي صلى الله عليه واله عبد الله، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما بعث النبي صلى الله عليه واله أمر عليا أن يكتب كتابا إلى الكفار وإلى النصارى وإلى اليهود، فكتب كتابا أملاه جبرئيل على النبي صلى الله عليه واله فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " من محمد رسول الله إلى يهود خيبر أما بعد فإن الارض لله والعاقبة للمتقين والسلام على من اتبع الهدى ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثم ختم الكتاب وأرسله إلى يهود خيبر. فلما وصل الكتاب إليهم أتوا إلى شيخهم ابن سلام فقالوا: يا ابن سلام هذا كتاب محمد إليك فاقرأه علينا فقرأه عليهم فقال لهم: ما تريدون من هذا الكلام ؟ وقد أرى فيه علامات وجدنا في التوراة أن هذا محمد الذي بشرنا به موسى ابن عمران. فقالوا: ينسخ كتابنا ويحرم علينا ما احل لنا من قبل. فقال لهم ابن سلام يا قوم اخترتم الدنيا على الآخرة والعذاب على المغفرة ! فقالوا: يا ابن سلام لو كان محمد على ديننا لكان أحب إلينا من غيره. فقال: أنا أروح إليه وأسأله عن أشياء من التوراة فإن أجابني عنها دخلت في دينه وخليت دين اليهودية، وقام وأخذ التورات واستخرج منها ألف مسألة وأربعمائة مسألة وأربع مسائل من غامض المسائل فأخذها وأتى بها إلى محمد وهو في مسجده فقال: السلام عليك يا محمد وعلى أصحابك. فقالوا: وعلى من اتبع الهدى السلام ورحمة الله وبركاته، من أنت يا هذا الرجل ؟ قال: أنا عبد الله بن سلام، و

[242]

أنا من رسل بني إسرائيل وممن قرأ التوراة، وأنا رسول اليهود إليك مع شئ لتبينه لنا ما هو وأنت من المحسنين. فقال النبي صلى الله عليه واله: اجلس يا ابن سلام وسل عما شئت وإن شئت أخبرتك عما تسألني عنه. فقال: أخبرني يا محمد فإنني أزداد فيك يقينا. فقال: يا ابن سلام جئت تسألني عن ألف مسألة وأربعمائة مسألة وأربع مسائل نسختها من التوراة. فنكس عبد الله بن سلام رأسه وبكى وقال: صدقت يا محمد. فقال: أنبي أنت أم رسول ؟ فقال: يا ابن سلام إن الله بعثني نبيا ورسولا وأنا خاتم النبيين، أفما قرأت في التوراة " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا (1) - الآية - " ؟ وأنزل علي " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين (2) " قال: صدقت يا محمد، أخبرني أكليم أنت أم وحي ؟ قال: يا ابن سلام بل وحي يأتيني به جبرائيل عن رب العالمين. قال: صدقت يا محمد، أخبرني كم خلق الله نبيا من بني آدم ؟ قال: يا ابن سلام، خلق الله مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي. قال: صدقت يا محمد، أخبرني كم المرسلون منهم ؟ قال: يا ابن سلام كان المرسلون ثلاثمأة وثلاثة عشر. قال: صدقت يا محمد فأخبرني من كان أول الانبياء ؟ قال: آدم. قال: صدقت يا محمد، أخبرني آدم كان نبيا مرسلا ؟ قال: نعم، أفما قرأت في التوراة " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم (3) - الآية - " ؟ قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن رسل العرب كم كانوا ؟ قال: ستة (4) أولهم إبراهيم وإسماعيل ولوط وصالح وشعيب ومحمد. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم كان بين موسى وعيسى من نبي ؟ قال: ألف، قال: صدقت يا محمد، فعلى أي دين كانوا ؟ قال: على دين الله تعالى ودين ملائكته ودين الاسلام. قال: وما الاسلام ؟ وما الايمان ؟ قال: أما الاسلام فتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له والاقرار بأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان والحج إلى بيت الله الحرام إن استطعت إليه سبيلا، وأما الايمان فتؤمن بالله وملائكته والكتاب والنبيين والبعث بعد الموت والقدر


(1) الفتح: 29. (2) الاحزاب: 40 (3) البقرة: 33. (4) سبعة (خ).

[243]

خيره وشره من الله تعالى. قال: صدقت يا محمد، أخبرني كم من دين الله تعالى ؟ قال: دين واحد وهو الاسلام. قال: صدقت يا محمد، فبم كانت الشرائع ؟ قال: كانت مختلفة في الامم الماضية. قال: صدقت يا محمد، فأهل الجنة يدخلون بالاسلام أم بالايمان أم بأعمالهم ؟ قال: يا ابن سلام استوجبوا الجنة بالايمان ويدخلون برحمة الله و يقسمونها (1) بأعمالهم. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم أنزل الله كتابا ؟ قال: يا ابن سلام أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني على من انزلت هذه الكتب ؟ قال: يا ابن سلام، أنزل الله عزوجل على آدم أربعة (2) عشرة صحيفة وأنزل على إبراهيم عشرين صحيفة - وفي قول أربعة (3) عشرة صحيفة - وعلى شيث بن آدم خمسين صحيفة، وأنزل على إدريس ثلاثين (4) صحيفة، وأنزل الزبور على داود وأنزل التوراة على موسى، وأنزل الانجيل على عيسى، وأنزل علي الفرقان. قال: صدقت يا محمد، فهل أنزل عليك كتابا ؟ قال: نعم، قال: وأي كتاب هو ؟ قال: الفرقان قال: يا محمد لم سماه الرب فرقانا ؟ قال: يا ابن سلام لانه يفرق الآيات والسور و انزل بغير الالواح وغير الصحف، والتوراة والانجيل والزبور كلها جملة في الالواح. قال: صدقت يا محمد، فهل في كتابك شئ من هذه الصحف ؟ قال: نعم يا ابن سلام. قال: ما هو يا محمد ؟ فقرأ النبي صلى الله عليه وآله " قد أفلح من تزكى - إلى قوله - صحف إبراهيم وموسى (5) " قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما ابتداء القرآن وما ختمه ؟ قال: يا ابن سلام ابتداؤه بسم الله الرحمن الرحيم، وختمه صدق الله [العلي] العظيم. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن خمسة أشياء خلقها الله بيده ما هي ؟ قال: يا ابن سلام إن الله عزوجل خلق جنة عدن بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وصور آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وبنى السماوات بيده - قال صدقت يا محمد - والسماوات مطويات بيمينه. قال: صدقت [قال] يا ابن سلام أما سمعت قوله تعالى " والسماء


(1) يقتسمونها (خ). (2 و 3) كذا. (4) عشرين (خ). (5) الاعلى: 19.

[244]

بنيناها بأيد وإنا لموسعون (1) " قال: صدقت يا محمد، أخبرني من أخبرك بهذا، قال: أخبرني جبرائيل. قال: عن من ؟ قال: عن ميكائيل. قال: عن من ؟ قال: عن إسرافيل. قال: عن من ؟ قال: عن اللوح المحفوظ. قال: عن من ؟ قال: عن القلم. قال: عن من ؟ قال: عن رب العالمين. قال: وكيف ذلك يا محمد ؟ قال [النبي صلى الله عليه واله]: يأمر الله القلم يكتب في اللوح، وينزل في اللوح على إسرافيل، ويبلغ إسرافيل ميكائيل ويبلغ ميكائيل جبرائيل. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن جبرائيل في زي الذكران أم في زي الاناث ؟ قال: يا ابن سلام بل هو في زي الذكران. قال: فأخبرني ما طعامه وما شرابه ؟ قال: يا ابن سلام طعامه التسبيح وشرابه التهليل. قال: صدقت يا محمد فأخبرني ما طوله ؟ وما عرضه ؟ وما صفته ؟ وما لباسه ؟ قال: يا ابن سلام على قدر الملائكة لا بالطويل الاعلى ولا بالقصير الادنى، أغر، مكحول، ضوؤه كضوء النهار عند ظلمة الليل، له أربعة وعشرون جناحا خضراء (2) مكللة بالدر والياقوت مختومة باللؤلؤ عليه وشاح بطانته من إستبرق وظهارته الوقار والكرامة، وجهه كالزعفران، أقنى الانف، مدور الحدق، (3) لا يأكل ولا يشرب ولا يمل ولا يسهو وهو قائم بوحي الله تعالى إلى يوم القيامة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن بدء خلق الدنيا، وأخبرني عن بدء خلق آدم كيف خلقه الله تعالى ؟ قال: نعم يا ابن سلام، إن الله - سبحانه و تعالى، تقدست أسماؤه ولا إله غيره - خلقه من طين بيده، وخلق الطين من الزبد، و خلق الزبد من الموج، وخلق الموج من الماء. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن آدم لم سمي آدم ؟ قال: يا ابن سلام لانه خلق من طين الارض وأديمها. قال: صدقت يا محمد، فآدم خلق من الطين كله أو بعضه أو من طين واحد ؟ قال: يا ابن سلام بل خلقه الله من الطين كله، ولؤ أن آدم خلق من طين واحد لما عرف بعضهم بعضا وكانوا على صورة واحدة. قال: صدقت يا محمد، هل لهم مثل بذلك (4) في الدنيا ؟ قال: نعم يا ابن سلام


(1) الزمر: 67. (2) خضرا (خ). (3) الحدقة (خ). (4) في مخطوطة: هل هم كذلك في الدنيا.

[245]

أفما تنظر إلى التراب منه أبيض، ومنه أسود، ومنه أحمر، ومنه أصفر، ومنه أشقر ومنه أغبر، ومنه أزرق، وفيه عذب وخشن، وفيه لين، وكذلك بنو آدم فيهم خشن وفيهم لين وفيهم عذب كذلك [التراب] قال: صدقت يا محمد، فأخبرني من آدم لما خلقه الله عزوجل من أين دخلت الروح فيه ؟ قال: يا ابن سلام دخلت من فيه. قال: صدقت يا محمد، أدخلت فيه على رضا أم على كره ؟ قال: يا ابن سلام أدخله (1) الله كرها ويخرجها كرها. قال: صدقت يا محمد، ما قال الله لآدم ؟ قال: يا ابن سلام قال الله لآدم: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. قال: صدقت يا محمد، فكم أكل منها حبة ؟ قال: حبتين قال: وكم أكلت حواء ؟ قال: حبتين. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما صفة الشجرة ! وكم لها غصن (2) ؟ وكم كان طول السنبلة ؟ قال: يا ابن سلام كان لها ثلاثة أغصان، و كان طول كل سنبلة ثلاثة أشبار. قال: صدقت يا محمد، فكم سنبلة فرك منها آدم ؟ قال: سنبلة واحدة. قال: صدقت يا محمد، فكم كان في السنبلة من حبة ؟ قال: كان فيها خمس حبات. قال: فأخبرني ما صفة الحبة ؟ قال: يا ابن سلام كانت بمنزلة البيض الكبار. قال فأخبرني عن الحبة التي بقيت مع آدم ما صنع بها ؟ قال: يا ابن سلام انزلت مع آدم من الجنة فزرع آدم تلك الحبة فتناسل من تلك الحبة البركة (3). قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن آدم أين اهبط من الارض ؟ قال: اهبط بالهند. قال: صدقت يا محمد، فأين اهبطت حواء ؟ قال: بجدة، قال: صدقت يا محمد [فأين اهبطت الحبة (4) ؟ قال: باصبهان، قال: صدقت يا محمد] فأين اهبط إبليس ؟ قال: ببيسان. قال: صدقت يا محمد، قال: ما أغزر علمك ! وما أصدق لسانك ! فأخبرني ماكان لباس آدم لما اهبط من الجنة ؟ قال: ثلاث أوراق من ورق الجنة متوشحا بالواحدة، متزرا بالاخرى متعمما بالثالثة. [قال: صدقت يا محمد، فأخبرني في أي مكان اجتمعا ؟ قال: بعرفات]


(1) كذا. (2) كذا. (3) فتناسل منها الحب في الارض فبورك فيها. (4) في بعض النسخ " الحبة ".

[246]

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني خلقت حواء من آدم أم آدم من حواء ؟ قال: يا ابن سلام خلقت حواء من آدم، ولو أن خلق آدم من حواء لكان الطلاق بيد النساء ولم يكن بيد الرجال. قال: فأخبرني خلقت من كله أو من بعضه ؟ قال: خلقت من بعضه ولو خلقت من كله لكان القضاء في النساء ولم يكن في الرجال. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن باطنه خلقت أم من ظاهره ؟ قال: يا ابن سلام بل خلقت من باطنه، ولو خلقت من ظاهره لكشفت النساء من أبدانهن كما تكشف الرجال. قال: فمن يمينه خلقت أم من شماله ؟ قال: بل خلقت من شماله، ولو خلقت من يمينه لكان حظ الانثى مثل حظ الذكر وشهادتها كشهادته، ومن أجل ذلك جعل الله للذكر مثل حظ الانثيين. قال: فأخبرني من أي موضع خلقت ؟ قال: يا ابن سلام خلقت من ضلعه الاقصر (1). قال: صدقت يا محمد، فأخبرني من كان يسكن الارض قبل آدم ؟ قال: الجن. قال: فبعد الجن ؟ قال: الملائكة. قال: فبعد الملائكة ؟ قال: آدم وذريته. قال: وكم كان بين الجن وبين آدم ؟ قال سبعة آلاف سنة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن آدم فهل حج إلى بيت الله الحرام ؟ قال: نعم، قال: فمن حلق رأس آدم ؟ قال: جبرئيل. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني هل اختتن آدم أم لا ؟ قال: نعم يا ابن سلام، ختن نفسه بيده. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الدنيا لم سميت دنيا ؟ قال: يا ابن سلام لان الدنيا خلقت من دون الآخرة، ولو خلقت مع الآخرة لم تفن كما لم تفن (2) الآخرة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن القيامة لم سميت قيامة ؟ قال: يا ابن سلام لان مقام الخلائق فيها للحساب. قال: فأخبرني لم سميت الآخرة آخرة ؟ قال: لانها متأخرة [عنها] بعد الدنيا لا يوصف سنوها، ولا تحصى أيامها ولا يموت ساكنها. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أول يوم خلق الله تعالى الدنيا فيه، قال: يوم الاحد. قال: ولم سماه أحدا ؟ قال: لان الله واحد أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. قال: صدقت يا محمد. فالاثنين لم


(1) الايسر (خ). (2) كذا والظاهر " لا تفنى ".

[247]

سمي اثنين ؟ قال: لانه ثاني يوم الدنيا. قال: فالثلاثاء لم سمي ثلاثاء ؟ قال: لانه ثالث يوم الدنيا. قال: فالاربعاء لم سمي أربعاء ؟ قال: لانه رابع يوم الدنيا. قال: فالخميس لم سمي خميسا ؟ قال: لانه خامس يوم الدنيا. قال: فالجمعة لم سمي جمعة ؟ قال: لانه يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وهو سادس يوم من أيام الدنيا. قال: فالسبت لم سمي سبتا ؟ قال: يا ابن سلام لانه يوم يوكل فيه ملك، لانه مع كل عبد ملكان: ملك عن يمينه، وملك عن شماله. فالذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن مقعد الملكين من العبد وما قلمهما ؟ ومادواتهما ؟ وما لوحهما ؟ وما مدادهما ؟ قال: يا ابن سلام مقعدهما على كتفيه، وقلمهما لسانه، ودواتهما فوه، ومدادهما ريقه، ولوحهما فؤاده، يكتبان أعماله إلى مماته. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما خلق الله في ذلك اليوم ؟ قال: ن و القلم وما يسطرون. قال: فأخبرني كم طول القلم ؟ وكم عرضه ؟ وكم أسنانه ؟ قال: يا ابن سلام طول القلم خمسمائة عام، وله ثلاثون سنا يخرج المداد من بين أسنانه و يجري في اللوح المحفوظ ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة بأمر الله عزوجل. قال: صدقت يا محمد، كم لحظة لله عزوجل في كل يوم وليلة ؟ قال: يا ابن سلام ثلاثمائة وستون لحظة: يمضي ويقضي ويرفع ويضع ويسعد ويشقي ويعز ويذل و يعلي ويقهر ويغني ويفقر. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما خلق الله تعالى بعد ذلك ؟ قال: يا ابن سلام السماء السابعة مما يلي العرش، وأمرها أن ترتفع إلى مكانها فارتفعت ثم خلق الستة الباقية، وأمر كل سماء أن تستقر مكانها فاستقرت. قال: صدقت يا محمد فلم سماها سماءا ؟ قال: لارتفاعها. قال: فأخبرني ما بال سماء الدنيا خضراء ؟ قال يا ابن سلام اخضرت من جبل قاف. قال: صدقت يا محمد. فأخبرني مم خلقت ؟ قال: خلقت من موج مكفوف. قال: وما الموج المكفوف ؟ قال: يا ابن سلام ماء قائم لا اضطراب له، وكانت (1) الاصل دخانا. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن السماوات ألها أبواب ؟ قال: نعم لها أبواب


(1) كذا والظاهر " وكان في الاصل ".

[248]

وهي مغلقة، ولها مفاتيح وهي مخزونة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أبواب السماء ماهي ؟ قال: ذهب. قال فما أقفالها ؟ قال: من نور. قال: فمفاتيحها ؟ قال: بسم الله العظيم. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن طول كل سماء وعرضها، وكم ارتفاعها ؟ وما سكانها ؟ قال: يا ابن سلام طول كل سماء خمسمائة عام وعرضها كذلك وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وسكان كل سماء جند من الملائكه لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن السماء الثانية مما خلقت ؟ قال: من الغمام. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن السماء الثالثة مم خلقت ؟ قال: من زبرجدة خضراء. قال: فالرابعة ؟ قال: من ذهب أحمر. قال: صدقت يا محمد، فالخامسة ؟ قال: من ياقوتة حمراء. قال: فالسادسة ؟ قال من فضة بيضاء. قال فالسابعة ؟ قال: من ذهب. قال صدقت يا محمد، فأخبرني ما فوق السماء السابعة ؟ قال: بحر الحيوان. قال: فما فوقه ؟ قال: بحر الظلمة. قال: فما فوقه ؟ قال: بحر النور. قال: فما فوقه ؟ قال: الحجب. قال: فما فوقه ؟ قال: سدرة المنتهى. قال: فما فوق سدرة المنتهى ؟ قال: جنة المأوى. قال: فما فوق جنة المأوى ؟ قال: حجاب المجد. قال: فما فوق حجاب المجد ؟ قال: حجاب الحمد. قال: فما فوق حجاب الحمد ؟ قال: حجاب الجبروت. قال: فما فوق حجاب الجبروت ؟ قال: حجاب العز. قال: فما فوق حجاب العز ؟ قال: حجاب العظمة. قال: فما فوق حجاب العظمة ؟ قال: حجاب الكبرياء. قال: فما فوق حجاب الكبرياء ؟ قال: الكرسي قال: صدقت يا محمد، قال: قد اوتيت علوم الاولين والآخرين وإنك لتنطق بالحق اليقين قال: فما فوق الكرسي ؟ قال: العرش. قال فما فوق العرش ؟ قال: الله تعالى وهو فوق الفوق وعلمه تحت التحت. قال: صدقت يا محمد. قال: فأخبرني هل يستوي مخلوق على عرشه ؟ قال: معاذ الله يا ابن سلام. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الشمس والقمر أهما مؤمنان أم كافران ؟ قال: يا ابن سلام بل هما مؤمنان طائعان لله عزوجل مسخران تحت قهر المشية. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني ما بال الشمس والقمر لا يستويان في الضوء والنور ؟ قال: يا ابن سلام إن الله محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة نعمة من الله وفضلا، ولولا ذلك ما عرف الليل من النهار ولا النهار من الليل.

[249]

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الليل لم سمي ليلا ؟ قال: لانه يلايل الرجال من النساء جعله الله إلفا ولباسا. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني لم سمي النهار نهارا ؟ قال: يا ابن سلام لان فيه كل من الخلق يطلب معاشه. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني عن النجوم كم جزءا هي ؟ قال: يا ابن سلام ثلاثة أجزاء: جزء منها بأركان العرش يصل ضوؤها إلى السماء السابعة، والجزء الثاني بسماء الدنيا كأمثال القناديل المعلقة وهي تضئ لسكانها وترمي الشياطين بشررها إذا استرقوا السمع، والجزء الثالث معلقة في الهواء وهي ضوء البحار وما فيها وما عليها. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما بال النجوم تبان صغارا وكبارا ؟ قال: يا ابن سلام لان بينها وبين سماء الدنيا بحارا تضرب الرياح أمواجها فتبان من تحتها صغارا أو كبارا، ومقدار النجوم كلها مقدار واحد. قال صدقت يا محمد، فأخبرني كم ريحا بيننا وبين سماء الدنيا ؟ قال: ثلاثة أرياح: الريح العقيم التي ارسلت على قوم عاد حملت الاشجار والثمار، والريح التي هي سوداء مظلمة يعذب بها أهل النار، و [ريح] تحمل البحار، وريح لاهل الارض بها حملت الاشجار والثمار تغدو في جوانبها، ولولا تلك الريح لاحترقت الارض والجبال من حر الشمس. قال: صدقت يا محمد. فأخبرني عن حملة العرش كم هم صنفا ؟ قال: ثمانون صنفا، طول كل صنف ألف ألف فرسخ، وعرضه خمسمائة عام، ورؤسهم تحت العرش وأقدامهم تحت سبع أرضين، ولو أن طائرا يطير من اذن أحدهم اليمنى إلى اليسرى ألف سنة من سنين (1) الدنيا لم يبلغ إلى الاذن الآخر حتى يموت هرما - أي شيخا - لهم ثياب من در وياقوت شعرهم كالزعفران، طعامهم التسبيح، وشرابهم التهليل. والصنف الاول نصفه ثلج ونصفه نار لا يذيب النار الثلج ولا الثلج يطفئ النار، والصنف الثاني نصفه رعد ونصفه برق، والصنف الثالث نصفه ماء ونصفه مدر لا الماء يذيب المدر ولا المدر يذيب الماء، والصنف الرابع نصفه ريح ونصفه ماء لا الريح يهيج الماء ولا الماء يسبق الريح. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن طائر يطير بين السماء والارض ليس له في السماء مكان ولا في الارض مسكن ما هم يا محمد ؟ قال: يا ابن سلام تلك حيات


(1) سنى (خ).

[250]

أعرافها كأعراف الخيل تبيض في الجو على أذنابها، وتفرخ على مناكبها في الهواء إلى يوم القيامة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن مولود أشد من أبيه. قال: يا ابن سلام ذلك الحديد يولد من الحجر وهو أشد من الحجر. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني عن بقعة أصابتها الشمس مرة واحدة فلا تعود إليها إلى يوم القيامة. قال: يا ابن سلام ذلك موضع أغرق الله فيه فرعون حين انفلق البحر وانطبق عليه. قال: صدقت يا محمد فأخبرني عن بيت له اثنا عشر بابا اخرج منه اثنا عشر عينا لاثني عشر سبطا. قال النبي صلى الله عليه واله: لما جاوز [موسى] بني (1) إسرائيل البحر ودخل بهم إلى البرية فشكوا إلى موسى العطش فمر بحجر مربع فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك الحجر، فضرب به موسى، فانفجر منه اثنتا عشرة عينا لاثني (2) عشر سبطا من بني إسرائيل، قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن نبي لامن الجن والانس، ولا من الطير ولا من الوحش قال: يا ابن سلام ذلك النملة التي أنذرت قومها حين قالت " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم (3) " قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن من أوحى الله إليه لامن الجن ولامن الملائكة ولا من الانس ولا من الوحش ما هو ؟ قال: يا ابن سلام النحل أوحى الله إليها " أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (4) " قال: صدقت يا محمد قال: فأخبرني ما أوحى الله إليه من الارض ما هو ؟ قال: يا ابن سلام أوحى الله إلى جبل طور سيناء أن ارفع موسى إلى السماء حتى يتناول الالواح من رب العالمين. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن مخلوق أوله عود وآخره روح. قال: يا ابن سلام تلك عصا موسى بن عمران، أمره الله أن يلقيها في بيت المقدس فألقاها فإذا هي حية تسعى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن ثلاث (5) ذكور لم يولدوا عن فحل. قال: يا ابن سلام ذلك عيسى بن مريم وآدم وكبش إسماعيل. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني


(1) كذا والظاهر " ببنى اسرائيل ". (2) في اكثر النسخ " لاثنتى عشرة ". (3) النمل: 18. (4) النحل: 68. (5) كذا في جميع النسخ.

[251]

عن وسط الدنيا في أي موضع هو ؟ قال: بيت المقدس، قال: وكيف ذلك ؟ قال: لان فيه المحشر والمنشر والصراط والميزان. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني عن الفلك المشحون ما هو ؟ قال: يا ابن سلام، السفن المبنية في البحر، أما قرأت في التوراة " و حملناه على ذات ألواح ودسر (1) " ؟ قال: صدقت يا محمد، قال: ما الالواح ؟ قال: الاشجار التي سفقت (2) طولا هي الالواح. فأخبرني عن الدسر. قال: يا ابن سلام المسامير والعوارض [من] الحديد. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني كم كان طول السفينة ؟ وكم عرضها ؟ وكم كان ارتفاعها ؟ قال: يا ابن سلام كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها مائة وخمسين ذراعا وارتفاعها مائتي ذراع. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني من أين ركبها نوح ؟ قال: من العراق، قال: أين ثبت ؟ قال: طافت بالبيت العتيق اسبوعا وبيت المقدس اسبوعا واستوت على الجودي. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني عن البيت المعمور أين كان لما أغرق الله الدنيا ؟ قال: يا ابن سلام رفعه الله تعالى إلى السماء السابعة قبل الطوفان. قال: صدقت يا محمد [قال: فأخبرني أين كانت الصخرة وقت الطوفان ؟] قال: وأمر الله تعالى أبا قبيس أن يحمل الصخرة في بطنه. قال: فالبيت المقدس لما أغرق الله الدنيا أين كان ؟ قال: في جبل أبي قبيس. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن مولود لم يشبه أباه وربما أشبه خاله وربما أشبه عمه. قال: يا ابن سلام إذا جامع الرجل امرأته فإن غلبت شهوة المرأة على شهوة الرجل خرج الولد إلى خاله وإن غلبت شهوة الرجل على شهوة المرأة خرج إلى عمه وإن استويا خرج الولد إلى أمه وأبيه. قال: صدقت يا محمد. أقول: في الرواية الاخرى هكذا " قال: فأخبرني عن المولود إذا لم يشبه أباه وربما يشبه خاله وعمه. قال: إذا جامع الرجل امرأته فإن غلبت شهوة الرجل شهوة المرأة خرج الرجل بأبيه أشبه وإن غلبت شهوة المرأة خرج الولد بامه أشبه، وإن استويا خرج شبيها بهما، فإن سبقت شهوة الرجل خرج الولد بعمه أشبه، وإن سبقت


(1) القمر: 13. (2) في مخطوطة " شقت ".

[252]

شهوة المرأة كان الولد بخاله أشبه. قال: صدقت " رجعنا إلى الرواية الاولى: قال: فأخبرني هل يعذب الله عبده بلا حجة ؟ قال: معاذ الله يا ابن سلام، إن الله تبارك وتعالى عدل لايجور في قضائه. قال: صدقت، قال: فأخبرني عن أطفال المشركين في الجنة أم في النار ؟ قال: يا ابن سلام، الله أولى بهم، ولكن إذا كان يوم القيامة وجمع الخلق لفصل القضاء أمر الله تعالى بأطفال المشركين فيؤتى بهم فيقول لهم: عبادي وأبناء عبادي وإمائي، من ربكم ؟ وما دينكم ؟ وما أعمالكم ؟ فيقولون: اللهم أنت ربنا وأنت خالقنا ولم نكن شيئا وأمتنا ولم تجعل لنا لسانا ننطق به ولا عقلا نعقل به ولا قوة في الاعضاء نتعبد بها ولاعلم لنا إلا ما علمتنا فيقول الله لهم - وهو أجل قائل - فالان لكم ألسنة وعقول وقوة للحركة في الاعضاء فإن أمرتكم بأمر يا عبادي تفعلوه ؟ فيقولون: السمع والطاعة لك يا إلهنا وخالقنا ورازقنا ومالكنا. فيأمر الله تعالى [مالكا] فتزجر جهنم حتى تفور ويأمر أطفال المشركين: ألقوا أنفسكم في تلك النار. فمن سبق له في علم الله أن يكون سعيدا ألقى نفسه فيها، فتكون النار عليه بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم خليل الرحمن، ومن سبق له في علم الله أن يكون شقيا امتنع أن يلقي نفسه في تلك النار فيكونون تبعا لآبائهم وامهاتهم في النار، والفرقة الاخرى يخرجون إلى الجنة مع المؤمنين، قال: صدقت، [قال: بررت وبينت وأزلت الشك يا محمد فزدني يقينا] فأخبرني عن الارض لم سميت أرضا ؟ قال: لانها أرض يداس عليها. قال: فمم خلقت ؟ قال: من زبرجد [من الزبد] قال: فالزبرجدة مم خلقت ؟ قال: من الموج، قال: فالموج مم خلق ؟ قال: من البحر. قال: صدقت يا محمد، فكيف ذلك ؟ قال: إن الله عزوجل لما خلق البحر أمر الريح أن تضرب الامواج بعضها في بعض فاضطرب الامواج حتى ظهر الزبد، ثم أمرها أن تجتمع فاجتمعت، ثم أمرها أن تلين فلانت، ثم أمرها أن تعتدل فاعتدلت، ثم أمرها أن تمتد فامتدت فصارت أرضا قال: صدقت يا محمد، فأخبرني من أين سكونها ؟ قال: من جبل قاف وهو أصل أوتاد الارض التي نحن عليها. قال: فأخبرني ما تحت هذه الارض ؟ قال: تحتها ثور، قال: وما صفته ؟ قال: يا ابن سلام، له أربع قوائم، وهو قائم على صخرة بيضاء. قال: فأخبرني

[253]

ما صفته ؟ قال: يا ابن سلام، له أربعون قرنا وأربعون سنا، رأسه بالمشرق وذنبه بالمغرب وهو ساجد لله تعالى إلى يوم القيامة، من القرن إلى القرن مسيرة خمسين ألف سنة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت الصخرة ؟ قال: تحتها جبل يقال له الصعود. قال: ولمن ذلك الجبل ؟ قال: لاهل النار، يصعده المشركون إلى يوم القيامة وهو مسيرة ألف سنة - حتى إذا بلغوا أعلا ذلك الجبل ضربوا بمقامع فيسقطون إلى أسفله فيسحبون (1) على وجوههم. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت ذلك الجبل ؟ قال: أرض، قال: وما اسمها ؟ قال: جارية، قال: وما تحتها ؟ قال: بحر، قال: وما اسمه ؟ قال: سهك. قال: صدقت يا محمد، قال: فما تحت ذلك البحر ؟ قال: أرض، قال: وما اسمها ؟ قال: ناعمة، قال: وما تحتها ؟ قال: بحر، قال: وما اسمه ؟ قال: الزاخر قال: وما تحته ؟ قال: أرض، قال: وما اسمها ؟ قال: فسيحة، قال: فصف لي هذه الارض، قال: يا ابن سلام، هي أرض بيضاء كالشمس وريحها كالمسك وضوؤها كالقمر ونباتها كالزعفران يحشرون (2) عليها المتقون يوم القيامة. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني أين تكون هذه الارض التي نحن عليها اليوم ؟ قال النبي صلى الله عليه واله: يا ابن سلام تبدل هذه الارض غيرها. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت تلك الارض ؟ قال: البحر، قال: وما اسمه ؟ قال: القمقام، قال: وما فيه ؟ قال: الحوت، قال: وما اسمه ؟ قال: يهموت (3) قال: صدقت يا محمد. قال: فصف لي الحوت. قال: يا ابن سلام رأسه بالمشرق وذنبه بالمغرب. قال: فما على ظهره ؟ قال: الارض والبحار والظلمة والجبال. قال فما بين عينيه ؟ قال: سبعة أبحر في كل بحر سبعون ألف مدينة في كل مدينة ألف لواء تحت كل لواء سبعون ألف ملك. قال فما يقولون ؟ قال يقولون لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حى لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت الريح، قال: الظلمة، قال: فما تحت الظلمة ؟ قال:


(1) في اكثر النسخ " فيسبحون " والصواب ما في المتن موافقا لنسخة مخطوطة. (2) كذا والظاهر " يحشر ". (3) في بعض المخطوطات " به موت " وفى بعضها " بلهوت ".

[254]

الثرى، قال: فما تحت الثرى ؟ قال: لا يعلمه إلا الله عزوجل. قال: صدقت يا محمد فأخبرني عن ثلاث من رياض الجنة في الارض أين تكون ؟ قال: يا ابن سلام، أولها مكة، وثانيها بيت المقدس، وثالثها مدينة محمد. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أربع مدائن من مدائن الجنة في الدنيا. قال: أولها إرم ذات العماد، والثانية المنصورية (1) وهى مدينة بالشام، والثالثة قيسارية وهي مدينة بساحل البحر في الشام، والرابعة هي البلفاء وهي أرمنية (2). قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أربع منابر من منابر الجنة في الدنيا أي موضع هي ؟ قال: يا ابن سلام، أولها قيروان وهي إفريقية، والثانية باب الابواب وهي بأرض أرمنية (3)، والثالثة عبدان (4) وهي بأرض العراق، والرابعة بخراسان وهي خلف نهر يقال له جيحون. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أربع مدائن من مدائن جهنم في الدنيا. قال: يا ابن سلام، أولها مدينة فرعون في أرض مصر، والثانية أنطاكية وهي بأرض الشام، والثالثة بأرض سيحان وهي بأرض أرمنية (5) الرابعة المدائن وهي بأرض العراق. قال: صدقت يا محمد، قال: فأخبرني عن أربعة أنهار في الدنيا وهي من أنهار الجنة. قال: أولها الفرات وهو بأرض (6) الشام، و الثاني النيل وهو بأرض مصر، والثالث نهر سيحان وهو نهر الهند، والرابع جيحون وهو بأرض بلخ. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن شئ لا شئ، وشئ بعض شئ وشئ لا يفنى (7) منه شئ. قال: يا ابن سلام. أما شئ لا شئ فهي الدنيا يذهب نعيمها ويموت ساكنها، ويخمد ضوءها ; وأما الشئ بعض الشئ وقوف الخلائق في صعيد واحد فهو شئ بعض شئ، وأما شئ لا يفنى (8) منه شئ فالجنة والنار لا يفنى (9)


(1) المنصورة من بلاد الهند (خ). (2 و 3) ارمينية (خ) (4) عبادان (خ). (5) ارمينية (خ). (6) في حدود الشام (خ). (7) في اكثر النسخ " لا يغنى "، والظاهران الصواب ما في المتن موافقا لبعض النسخ المخطوطة. (8) لا يغنى (خ). (9) يغنى (خ).

[255]

من الجنة نعيمها ولا ينقص من النار عذابها، فمن قال من العباد إن نعيمها يفنى (1) أو عذاب الله ينقضي فهو كافر بالله في كل شئ. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن جبل قاف ما خلفه ؟ وما دونه ؟ قال: يا ابن سلام، خلفه أرض ذهب وسبعون أرضا من فضة وسبعة (2) أرضين من مسك. قال: فما سكان هذه الارضين ؟ قال الملائكة قال: كم طول كل أرض منها ؟ وكم عرضها ؟ قال: طول كل أرض منها عشرة آلاف سنة وعرضها كذلك قال: صدقت يا محمد، فما وراء ذلك ؟ قال: حجاب الريح، قال: فما وراء ذلك ؟ قال [من صح] (3) كيف محيط بالدنيا كلها تسبح الله تعالى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ؟ قال نعم يا ابن سلام، مثلهم في الدنيا كمثل الجنين في بطن امه يأكل مما تأكل امه ويشرب مما تشربه ولا يبول ولا يتغوط ولوراث في بطنها وبال لانشق بطنها. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أنهار الجنة ماهي ؟ قال: يا ابن سلام، لبن لم يتغير طعمه، وخمر، وعسل مصفى، وماء غير آسن قال: صدقت يا محمد، فجامدة هي أم جارية ؟ قال: بل جارية بين أشجارها. قال: فهل تنقص أم تزيد ؟ قال لا يا ابن سلام، قال: فهل لذلك مثل في الدنيا ; قال: نعم، قال وما هو ؟ قال يا ابن سلام انظر إلى البحار تمطر فيها السماء وتمدها الانهار من الارض فلا تزيد ولا تنقص قال: وصف لي أنهار الجنة. قال: يا ابن سلام. في الجنة نهر يقال له الكوثر رائحته أطيب من رائحة المسك الاذفر والعنبر، حصاه الدر والياقوت عليه ختام من اللؤلؤ الابيض، وهو منزل أولياء الله تعالى. قال: صدقت يا محمد فصف لي أشجار الجنة. قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، أصلها من در وأغصانها من الزبرجد وثمرها الجوهر، ليس في الجنة عرفة ولا حجرة ولا موضع إلا وهي متدلية عليه. قال: صدقت يا محمد، فهل في الدنيا لها من مثل ؟ قال: نعم، الشمس المشرقة تشرق على بقاع الدنيا ولا يخلو من شعاعها مكان. قال: صدقت يا محمد، فهل في الجنة ريح ؟ قال: نعم، يا ابن سلام


(1) يغنى (خ). (2) كذا والظاهر " سبع ". (3) كذا، وكان فيه تصحيفا.

[256]

فيها ريح واحدة خلقت من نور مكتوب عليها الحياة (1) واللذات يقال لها البهاء، فإذا اشتاق أهل الجنة أن يزوروا ربهم هبت تلك الريح عليهم [التي] لم تخلق من حر ولا من برد بل خلقت من نور العرش تنفخ في وجوههم، فتبهي وجوههم وتطيب قلوبهم ويزدادوا نورا على نورهم، وتضرب أبواب الجنان، وتجري الانهار، وتسبح الاشجار وتغرد الاطيار، فلو أن من في السماوات والارض قيام يسمعون ما في الجنة من سرور وطرب لمات الخلائق شوقا إلى الجنة، والملائكة يدخلون عليهم (2) فيقولون كما قال الله عزوجل في محكم كتابه العزيز " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (3) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " (4) قال: صدقت يا محمد. قال: فأخبرني عن أرض الجنة ما هي ؟ قال: يا ابن سلام، أرضها من ذهب، و ترابها المسك والعنبر، ورضراضها الدر والياقوت، وسقفها عرش الرحمن. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني مما يأكل أهل الجنة إذا دخلوها، قال: يا ابن سلام، يأكلون من كبد الحوت الذي يحمل الارض وما عليها واسمه " به موت " قال صدقت يا محمد. قال: فأخبرني عن أهل الجنة كيف يصرفون ما يأكلون من ثمارها ؟ وكيف يخرج من أجوافهم ؟ قال: يا ابن سلام، ليس يخرج من أجوافهم شئ، بل عرقا صبا أطيب من المسك وأزكى من العنبر، ولو أن عرق رجل من أهل الجنة مزج به البحار لاسكر ما بين السماء والارض من طيب رائحته. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن لواء الحمد ما صفته ؟ وكم طوله ؟ وكم ارتفاعه ؟ قال: يا ابن سلام، طوله ألف سنة، وأسنانه من ياقوتة [حمراء وياقوتة] خضراء، قوائمه من فضة بيضاء، له ثلاث ذوائب من نور: ذؤابة بالمشرق، وذؤابة بالمغرب، والثالثة في وسط الدنيا. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم سطر فيه مكتوب ؟ قال: ثلاثة أسطر: السطر الاول بسم الله الرحمن الرحيم، والسطر


(1) الحباءات (خ). (2) في اكثر النسخ " يدخلون عليهم الملائكة ". (3) الزمر: 73. (4) الرعد: 26.

[257]

الثاني الحمد لله رب العالمين، والسطر الثالث لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الجنة والنار أيتهما خلق الله قبل ؟ قال: يا ابن سلام، خلق الله الجنة قبل النار، ولو خلق النار قبل الجنة لخلق العذاب قبل الرحمة. قال: فأخبرني عن الجنة أين هي ؟ قال: في السماء السابعة والنار في تخوم الارض السفلى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم للجنة من باب ؟ وكم للنار من باب ؟ قال: يا ابن سلام للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب. قال: فأخبرني كم بين الباب والباب من الجنة ؟ قال: مسيرة ألف سنة. قال: وكم ارتفاعه ؟ قال: خمسمائة عام، عليه سرادق من ذهب بطانته من زمرد، على كل باب جند من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله تعالى. قال: فأخبرني فما (1) يقولون ؟ قال: يقولون: طوبى لاهل الجنة وما يلقون من نعيم الله. قال: فصف لي من يدخل الجنة، قال: يا ابن سلام، يدخلونها أبناء ثلاثين وبنات ثلاثين سنة في حسن يوسف وطول آدم وخلق محمد. قال: فصف لي بعض نعيم أهل الجنة. قال: إن أدنى من في الجنة - وليس في الجنة دني - لو نزل به جميع من في الارض لاوسعهم طعاما ولا ينقص منه شئ، ولو أن رجلا من أهل الجنة يبصق في البحار المالحة لعذبت، ولو نزل من ذؤابته من السماء إلى الارض بلغ ضوءها كضوء الشمس و نور القمر. قال: صدقت يا محمد، فصف لي الحور العين. قال: يا ابن سلام، الحور العين بيض الوجوه، فحام العيون بمنزلة جناح النسر، صفاؤهن كصفاء اللؤلؤ الابيض الذي في الصدف الذي لم تمسه الايدى. قال: فصف لي النار. قال: يا ابن سلام، اوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ممزوجة بغضب الله تعالى، لا يهدأ لهيبها، ولا يخمد جمرها. يا ابن سلام لو أن جمرة من جمرها القيت في دار الدنيا لالهبت (2) ما بين المشرق والمغرب لعظم خلقها، وهي سبعة أطباق: الطبقة الاولى للمنافقين، والثانية للمجوس، والثالثة للنصارى، والرابعة لليهود، والخامسة سقر، والسادسة السعير - وأمسك النبي صلى الله عليه واله


(1) مما (خ). (2) لسدت (خ).

[258]

عن السابعة وبكى حتى ارفضت (1) دموعه على لحيته وقال - أما السابعة وهي أهونها لاهل الكبائر من امتي. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن القيامة وكيف تقوم ؟ قال: يا ابن سلام، إذا كان يوم القيامة كورت الشمس واسودت، وطمست النجوم، وسيرت الجبال، وعطلت العشار، وبدلت الارض غير الارض. قال: صدقت يا محمد. قال: النبي صلى الله عليه واله: يقام الخلائق لفصل القضاء، ويمد الصراط، وينصب الميزان، وتنشر الدواوين، ويبرز الرب لفضل القضاء. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كيف يميت الله الخلائق يوم القيامة ؟ قال: يا ابن سلام، يأمر الله ملك الموت فيقف على صخرة بيت المقدس، فيضع يمينه على السماوات ويده اليسرى تحت الثرى ويصيح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ملك مقرب ولا إنس ولا جان ولا طائر يطير إلا خر ميتا، فتبقى السماوات خالية من سكانها، والارض خرابا من عمارها، والعشار معطلة، والبحار جامدة حيتانها، والجبال مدكدكة، والشمس منكسفة، والنجوم منطمسة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن ملك الموت هل يذوق الموت أم لا ؟ قال: يا ابن سلام، إذا أمات الله الخلائق ولم يبق شئ له روح يقول الله عزوجل: يا ملك الموت ! من أبقيته من خلقي ؟ - وهو أعلم - فيقول: يا رب أنت أعلم مني بما بقي من خلقك، ما خلق إلا وقد ذاق الموت إلا عبدك الضعيف ملك الموت. فيقول الله عزوجل: يا ملك الموت أذقت عبادي وأنبيائي وأوليائي ورسلي الموت، وقد سبق في علمي القديم - وأنا علام الغيوب - أن كل شئ هالك إلا وجهي [وهذه نوبتك !] فيقول: إلهي وسيدي ارحم عبدك ملك الموت فإنه ضعيف. فيقول الله عزوجل له: يا ملك الموت، ضع يمينك تحت خدك الايمن بين الجنة والنار ومت. قال عبد الله بن سلام: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وكم بين الجنة والنار ؟ قال: مسيرة ثلاثين ألف سنة من سنين (2) الدنيا - فيضطجع ملك الموت على يمينه ويضع يده اليمنى تحت خده الايمن، ويده الشمال على وجهه ويصرخ صرخة فلو أن أهل السماوات والارض أحياء لماتوا لشدة صرخته. قال: صدقت يا محمد


(1) أي سالت وترششت. (2) سنى (خ).

[259]

فأخبرني مايصنع الله بالسماوات إذا مات سكانها ؟ قال: يطويها بيمينه كطي السجل للكتب ثم يقول الله - جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره ولا معبود سواه -: أين الملوك وأبناء الملوك ؟ أين الجبابرة وأبناء الجبابرة ؟ فلا يجيبه أحد، ثم يقول: لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: الملك لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لاظلم اليوم إن الله سريع الحساب. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كيف يحشر الله الخلائق يوم القيامة بعد موتهم ؟ قال النبي صلى الله عليه واله: يا ابن سلام، يحيي الله إسرافيل وهو أول من يحييه من خدمه وهو صاحب الصور أولا (1) فيأمره الله عزوجل أن ينفخ في الصور. قال: فأخبرني ما يقول إسرافيل في الصور ؟ قال: يا ابن سلام، يقول أيتها العظام البالية، والاعضاء المتفرقة، والشعور المنفصلة، هلموا إلى العرض على الله تعالى الملك الجبار خالق السماوات والارض ثم ينفخ في الصور (2) اخرى فإذا هم قيام ينظرون. قال: فكم طول كل نفخة ؟ قال: ميسرة أربعين ألف سنة. قال: صدقت يا محمد، فكم كلمة يتكلم فيه إسرافيل ؟ قال: ست كلمات، قال: وما تلك الكلمات ؟ قال: الكلمة الاولى يكون الناس طينا، والثانية يكونون صورا، والكلمة الثالثة تستوي الابدان، والكلمة الرابعة يجري الدم في العروق، والكلمة الخامسة ينبت الشعر والكلمة السادسة قوموا، فإذا هم قيام ينظرون. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كيف يقوم الخلائق يوم القيامة من القبور ؟ قال: يا ابن سلام، يقومون عراة حفاة أبدانهم خالية بطونهم، مظلمة أبصارهم، وجلة ! قال (3): الرجال ينظرون إلى النساء، والنساء ينظرون إلى الرجال ؟ قال: هيهات يا ابن سلام ! لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه من شدة هول القيامة. قال: صدقت يا محمد، ثم أمسك ابن سلام عن الكلام، قال: النبي صلى الله عليه واله: سل عما شئت يا ابن سلام، فقال: الحمد لله الذي من علي بالنظر إلى


(1) في مخطوطة: وهو اول من يحييه من المقربين وهو صاحب الصور فيأمره الله.. (2) فيه (خ). (3) في بعض النسخ: حال الرجال والنساء، الرجال - الخ - وفى بعضها " جال " بالجيم، وفى بعضها، قال: الرجال الى النساء والنساء الى الرجال ينظرون ؟

[260]

وجهك المليح، فأخبرني إذا كان يوم القيامة أين يحشر الخلائق ؟ قال النبي صلى الله عليه واله: يحشر الله الخلائق إلى بيت المقدس، قال: وكيف ذلك ؟ قال: يأمر الله عزوجل نارا فتحيط بالدنيا وتضرب وجوه الخلائق فيهربون منها ويمرون على وجوههم فيجتمعون إلى بيت المقدس قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما يصنع الله بالطفل الصغير والشيخ الكبير ؟ قال: يا ابن سلام، من كان مؤمنا بالله سارت به الملائكة وانقضت النار عن وجهه، ومن كان كافرا تلفح وجهه النار حتى يؤتى به إلى بيت المقدس. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم تكون صفوف الخلائق ؟ قال: يا ابن سلام، مائة وعشرون صفا. قال: فكم طول كل صف ؟ وكم عرضه ؟ قال: يا ابن سلام، طوله مسيرة أربعين ألف سنة وعرضه عشرون ألف سنة، قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم صف المؤمنين وكم صف الكافرين ؟ قال: صفوف المؤمنين ثلاث (1) صفوف، ومائة وسبعة عشر صفا للكافرين. قال: صدقت يا محمد قال: فما صفة المؤمنين ؟ وما صفة الكافرين ؟ قال: يا ابن سلام، أما المؤمنون فغر محجلون من أثر الوضوء والسجود، وأما الكافرون فمسودون الوجوه فيؤتى بهم إلى الصراط. قال: وكم طول الصراط ؟ قال: مسيرة ثلاثون (2) ألف سنة، قال: صدقت يا محمد فأخبرني كيف تمر الخلائق على الصراط، قال: يا ابن سلام، يكسو الله الخلائق نورا فأما نور المسلمين ونور المؤمنين فمن نور العرش، ونور الملائكة من نور الكرسي ونور الجنة فلا يطفأ نورهم أبدا، وأما الكافرون فمن الارض والجبال. قال: فأخبرني عن أول من يجوز على الصراط، قال: المؤمنون، قال: صدقت يا محمد، فصف لي ذلك، قال: يا ابن سلام، في المؤمنين من يجوز على الصراط عشرين عاما فإذا بلغ أولهم الجنة تركب الكفار على الصراط، حتى إذا توسطوا أطفأ الله نورهم فيبقون بلا نور، فينادون بالمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقال لهم: أليس فيكم الانبياء والاصحاب والاخوة ؟ فيقولون: أولم نكن معكم في دار الدنيا ؟ قالوا: " بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم


(1) كذا، والظاهر " ثلاثة ". (2) كذا، والظاهر " ثلاثين ".

[261]

لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي موليكم وبئس المصير (1) " فيأمر الله عزوجل جهنم فتصيح بهم صيحة على وجوههم فيقعون في النار حيارى نادمين وينجو المؤمنين (2) ببركة الله وعونه. قال: صدقت يا محمد فأخبرني ما يصنع الله بالموت ؟ قال: يا ابن سلام، إذا استوى أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار اتي بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال لاهل الجنة يا أولياء الله هذا الموت، أتعرفونه فيقولون: نعم، فيقولون لهم: نذبحه ؟ فيقولون: نعم يا ملائكة ربنا، اذبحوه حتى لا يكون موت أبدا. فيقولون لاهل النار: يا أعداء الله ! هذا الموت هل تعرفونه ؟ فيقولون: نعم، فتقول الملائكة: نذبحه ؟ فيقولون: يا ملائكة ربنا لا تذبحوه ودعوه لعل الله يقضي علينا بالموت فنستريح. قال النبي صلى الله عليه واله: ويذبح الموت بين الجنة والنار فييأس أهل النار من الخروج منها وتطمئن قلوب أهل الجنة للخلود فيها، فعندي لك أن تسلم، قال: صدقت يا محمد، [ونهض على قدميه] وقال: امدد يدك الشريفة أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك (3) رسول الله، وأن الجنة حق، والميزان حق، والحساب حق، والساعة آتية لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. فكبرت الصحابة عند ذلك وسماه رسول الله " عبد الله (4) بن سلام " وصار من الصحابة ونقمة على اليهود. توضيح: إنما أوردت هذه الرواية لاشتهارها بين الخاصة والعامة، وذكر الصدوق - ره - وغيره من أصحابنا أكثر أجزائها بأسانيدهم في مواضع، وقد مر بعضها. وإنما أوردتها في هذا المجلد لمناسبة أكثر أجزائه لابوابه، وفي بعضها مخالفة ما لسائر الاخبار، فهي إما محمولة على أنه صلى الله عليه واله أخبره موافقا لما في كتبهم ليصير سببا لاسلامه


(1) الحديد: 14 - 15. (2) كذا، في جميع النسخ، والصواب " وينجو المؤمنون " أو " وينجى المؤمنين ". (3) لرسول (خ). (4) في اكثر النسخ " عبد سلام بن سلام ".

[262]

أو غير ذلك من الوجوه والمحامل التي تظهر على الناقد البصير، وفي بعضها تصحيفات نرجو من الله الظفر بنسخة اخرى لتصحيحها. قوله " كان نبيا مرسلا " كأن المعنى: هل كان في الجنة نبيا مرسلا ؟ فأجاب صلى الله عليه وآله بأنه كان نبيا مرسلا على الملائكة حيث امر بإنبائهم. وفي عد إبراهيم من رسل العرب مخالفة للمشهور. قوله " فتشهد " أي ظاهرا. قوله " فتؤمن " أي باطنا وقلبا. قوله " أربعة كتاب " لا يوافق الاجمال التفصيل، ولعل في أحدهما خطأ أو تصحيفا. وسؤاله " هل انزل عليك كتاب " بعد قوله " وأنزل علي الفرقان " لا يخلو من شئ إلا أن يكون حمل ذلك على أنه قدر أنه سينزل. و " ختمه صدق الله.. " يعني أنه ينبغي أن يختم به، لا أنه جزؤه. وفي القاموس: " بيسان " قرية بالشام، وقرية بمرو، وموضع باليمامة. أقول: وفي بعض النسخ بالنون، والاول أظهر، وله شواهد. " ولم يكن في الرجال " أي مختصا بهم. قوله " لان الله واحد " كأنه على هذا يعني يوم الاحد يوم الله. قوله " لانه يوم " لعل المعنى: أول يوم مع أن وجه التسمية لا يلزم اطراده. قوله " وعلمه تحت التحت " أي أحاط علمه بكل تحت ولا ينافي ارتفاع ذاته وعلوه على كل شئ إحاطة علمه بكل شئ مما في العرش أو تحت الثرى. وفي القاموس: غرد الطائر - كفرح - وغرد تغريدا وأغرد وتغرد: رفع صوته وطرب به. وفي النهاية: الرضراض: الحصا الصغار. قوله " فحام العيون " لعله من الفحمة بمعنى السواد. وفي القاموس: العشراء من النوق التي مضت لحملها عشرة أشهر أو ثمانية أو هي كالنفساء من النساء، والجمع: عشراوات وعشار، والعشار اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها وبعضها ينتظر نتاجها. وقال: الدكداك (1) - و يكسر - من الرمل ما تكبس واستوى وما التبد منه بالارض أو هي أرض فيها غلظ، و


(1) في القاموس: الدكدك ويكسر والدكداك من الرمل.. الخ وينتهى الى قوله " مدعوكه ". ج 3، ص 302.

[263]

أرض مدكدكة مدعوكة كثر بها الناس فكثر آثار المال والابوال حتى تفسدها - انتهى -. وانقضاض النار عن وجهه كناية عن سرعة ذهابها عنه وعدم إضرارها به كما ينقض الطائر أو الكواكب في الهواء. و " تلفح وجهه النار " أي تحرقه. وقال في النهاية: فيه " امتي الغر المحجلون " أي بيض مواضع الوضوء من الايدي والاقدام. استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للانسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه (1).


(1) النهاية: ج 1، ص 204.

[264]

(أبواب) * (الانسان والروح والبدن وأجزائه وقواهما وأحوالهما) * 38 (باب) * (أنه لم سمى الانسان انسانا والمرأة مرأة والنساء نساءا) * * (والحواء حواء) * 1 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد بن جعفر الاسدي، عن معاوية بن حكيم عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمي الانسان إنسانا لانه ينسى، وقال الله عزوجل " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي (1) ". بيان: الانسان فعلان عند البصريين لموافقته مع الانس لفظا ومعنى، وقال الكوفيون: هو إفعان من " نسي " أصله إنسيان على إفعلان، فحذفت الياء استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم فإذا صغروه ردوه إلى أصله لان التصغير لا يكثر، و هذا الخبر يدل على مذهب الكوفيين، ورواه العامة عن ابن عباس أيضا قال الخليل في كتاب العين: سمي الانسان من النسيان، والانسان في الاصل: إنسيان، لان جماعته أناسي، وتصغيره انيسيان، بترجيع المدة التي حذفت وهو (2) الياء وكذلك إنسان العين. وحكى الشيخ في التبيان عن ابن عباس أنه قال: إنما سمي إنسانا لانه عهد إليه فنسي. قال الله تعالى " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " وقال الراغب في مفرداته: الانسان، قيل: سمي بذلك لانه خلق خلقة لاقوام


(1) العلل: ج 1، ص 14. والاية في سورة طه، آية 115. (2) كذا، والصواب: وهى.

[265]

له إلا بانس بعضهم ببعض، ولهذا قيل: الانسان مدني بالطبع، من حيث إنه لاقوام لبعضهم إلا ببعض ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل: سمي بذلك لانه يأنس بكل ما يألفه. وقيل: هو إفعلان وأصله إنسيان سمي بذلك لانه عهد إليه فنسي. 2 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سميت المرأة مرأة لانها خلقت من المرء، يعني خلقت حواء من آدم (1). 3 - معاني الاخبار: مرسلا: معنى الانسان أنه ينسى، ومعنى النساء أنهن انس للرجال، ومعنى المرأة أنها خلقت من المرء (2). بيان: كون النساء من الانس إما مبني على القلب، أو على الاشتقاق الكبير أو على أنه إذا أنسوا بهن نسوا غيرهن فاشتقاقه من النسيان. 4 - الدر المنثور: عن ابن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الارض يوم الجمعة بعد العصر، فسماه آدم، ثم عهد إليه فنسي، فسماه الانسان. قال ابن عباس فبالله ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى اهبط من الجنة. قال: وإنما سميت المرأة مرأة لانها خلقت من المرء، وسميت حواء لانها ام كل حي (3). 5 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: قال: كان مكث آدم في الجنة نصف ساعة ثم اهبط إلى الارض لتمام تسع ساعات من يوم الجمعة وذلك في وقت صلوة العصر قال: وسميت العصر لان آدم عصر بالبلاء. قال: ألقى الله النوم على آدم فأخذ ضلعه القصير (4) من جانبه الايسر فخلق منه حواء فلم يؤذه ذلك، ولو آذاه ذلك ما عطف عليها أبدا. فقال آدم: ما هذه ؟ قال: هذه امرأة لانها من المرء خلقت، قال: ما اسمها ؟ قال: حواء، لانها خلقت من شئ حي. فقال ابن عباس: سميت حواء لانها ام


(1) العلل: ج 1، ص 16. (2) معاني الاخبار: 48. (3) الدر المنثور: ج 1، ص 52. (4) القصيرى (خ).

[266]

كل حي. قال جعفر: سمين النساء لانس آدم بحواء حين اهبط إلى الارض ولم يكن له انس غيرها. فائدة: اعلم أنه قد اتفقت كلمة المليين من المسلمين واليهود والنصارى على أن أول البشر هو آدم، وأما الآخرون فخالفوا فيه على أقوال: أما الفلاسفة فزعموا أنه لا أول لنوع البشر ولا لغيرهم من الانواع المتوالدة، وأما الهند فمن كان منهم على رأي الفلاسفة فهو يوافقهم في ما ذكر، ومن لم يكن منهم على رأي الفلاسفة وقال بحدوث الاجسام لا يثبت (1) آدم ويقول: إن الله تعالى خلق الافلاك وخلق فيها طباعا محركة لها بذاتها فلما تحركت وحشوها أجسام لاستحالة الخلا وكانت الاجسام على طبيعة واحدة فاختلفت طبائعها بالحركة الفلكية، وكان القريب من الفلك أسخن و ألطف، والبعيد أبرد وأكثف، ثم اختلطت العناصر وتكونت منها المركبات، ومما تكون منه نوع البشر كما يتكون الدود في الفاكهة واللحم، والبق في البطائح و المواضع العفنة، ثم تكون البشر بعضه من بعض بالتوالد، ونسي التخليق الاول الذي كان بالتولد، ومن الممكن أن يقول: يتولد بعض البشر في بعض الاراضي القاصية مخلوقة بالتولد، وإنما انقطع التولد لان الطبيعة إذا وجدت للتكون (2) طريقا استغنت عن طريق ثان. وأما المجوس فلا يعرفون آدم، ولا نوحا ولاساما ولا حاما و [لا] يافث. وأول متكون من البشر عندهم كيومرث، ولقبه كوهشاه أي ملك الجبل وقد كان كيومرث في الجبال، ومنهم من يسميه گلشاه أي ملك الطين لانه لم يكن حينئذ بشر يملكهم. وقيل: تفسير كيومرث: حي ناطق ميت، قالوا: وكان قد رزق من الحس مالا يقع عليه بصر حيوان إلا وله واغمي عليه. ويزعمون أن مبدأ تكونه وحدوثه أن يزدان وهو الصانع الاول عندهم فكر في أمر أهر من - وهو الشيطان عندهم - فكرة أوجبت أن عرق جبينه، فمسح العرق ورمى به فصارت منه كيومرث. ولهم خبط طويل في كيفية تكون أهر من عن فكرة يزدان أو من إعجابه بنفسه أو من توحشه، و


(1) لم يثبت (خ). (2) للكون (خ).

[267]

بينهم خلاف في قدم أهر من وحدوثه. ثم اختلفوا في مدة بقاء كيومرث في الوجود، فقال الاكثرون: ثلاثون سنة، وقال الاقلون: أربعون سنة، وقال قوم منهم: إن كيومرث مكث في الجنة التي في السماء ثلاثة آلاف سنة، وهي: ألف الحمل، وألف الثور، و ألف الجوزاء ; ثم اهبط إلى الارض وكان بها آمنا مطمئنا ثلاثة آلاف سنة اخرى وهي: ألف السرطان، وألف الاسد، وألف السنبلة ; ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حرب وخصام بينه وبين أهر من حتى هلك. واختلفوا في كيفية هلاكه مع اتفاقهم على أنه هلك قتلا، فالاكثرون قالوا: إنه قتل ابنا لاهر من يسمى " جزوذه " فاستغاث أهر من منه إلى يزدان، فلم يجد بدا من أن يقاصه حفظا للعهود التي كانت بينه وبين أهرمن، فقتله بابن أهرمن. وقال قوم: بل قتله أهر من في صراع كان بينه وبين أهرمن، وذكروا في كيفيته أن كيومرث كان هو القاهر لاهر من في بادئ الحال وأنه ركبه وجعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهرمن عن أي الاشياء أخوف (1) وأهولها عنده. فقال له: باب جهنم، فلما بلغ به أهرمن إليها جمح به حتى سقط من فوقه ولم يستمسك، فعلاه وسأله عن أي الجهات يبتدئ به في الاكل، فقال له: من جهة الرجل لاكون (2) ناظرا حسن العالم مدة ما، فابتدأه أهرمن فأكله من عند رأسه فبلغ إلى موضع الخصي، وأ عية المني من الصلب، فقطر من كيومرث قطرتا نطفة على الارض، فنبت منهما ريباستان في جبل بإصطخر، ثم ظهرت على تينك الريباستين الاعضاء البشرية في أول الشهر التاسع وتمت أجزاؤه فتصور منهما بشران: ذكرو انثى، وهما ميشا وميشانه، وهما بمنزلة آدم وحواء عند المليين، ويسميهما مجوس خوارزم: مرد، ومردانه، وزعموا أنهما مكثا خمسين سنة مستغنيين عن الطعام و الشراب منعمين غير متأذيين بشئ حتى ظهر لهما أهرمن في صورة شيخ كبير فحملهما على تناول فواكه الاشجار وأكل منها وهما يبصرانه شيخا فعاد شابا، فأكلا منها حينئذ فوقعا في البلايا، وظهر فيهما الحرص حتى تزاوجا وولد لهما ولد فأكلاه حرصا ثم


(1) اخوف له (خ) (2) فاكون (خ).

[268]

ألقى الله تعالى في قلوبهما رأفة فولد بعد ذلك ستة أبطن كل بطن ذكرو انثى، وأسماؤهم في كتاب زردشت معروفة، ثم كان البطن السابع " سيامك " و " فرواك " فتزاوجا، فولد لهما الملك المعروف الذي لم يعرف قبله ملك، وهو هوشنج. وهو الذي خلف جده كيومرث وعقد التاج وجلس على السرير وبنى مدينتين: بابل، والسوس. أقول: هذه هي الخرافات التي ذكروها، والآيات والاخبار ناطقة بما هو الحق المبين وتبطل أقوال الفرق المضلين. 39 (باب) * (فضل الانسان وتفضيله على الملك وبعض جوامع أحواله) * الآيات: البقرة: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة - إلى قوله سبحانه - وكان من الكافرين (1). الانعام: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (2). الحجر: ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون (3). الاسراء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (4). الانبياء: خلق الانسان من عجل (5). الفرقان: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (6).


(1) البقرة: 30 - 34. (2) الانعام: 98. (3) الحجر: 26. (4) الاسراء: 70. (5) الانبياء: 37. (6) الفرقان: 54.

[269]

الروم: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (1). الاحزاب: إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (2). فاطر: ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك (3). يس: سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (4). الصافات: أنا خلقناهم من طين لازب (5). الزمر: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها (6). المؤمن: وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات (7). الرحمن: خلق الانسان علمه البيان (8). وقال تعالى: خلق الانسان من صلصال كالفخار (9). التغابن: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (10). البلد: لااقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الانسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين (11). التين: لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين (12).


(1) الروم: 54 (2) الاحزاب: 72 - 73. (3) فاطر: 28. (4) يس: 36. (5) الصافات: 11. (6) الزمر: 6. (7) المؤمن: 64. (8) الرحمن: 3 - 4 (9) الرحمن: 14. (10) التغابن: 2. (11) البلد: 1 - 10. (12) التين: 4 - 5

[270]

العلق: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم (1). تفسير: " وإذ قال ربك للملائكة " هذه الآيات مما استدل به على تفضيل الانسان على الملائكة، وسيأتي وجه الاستدلال بها. " من نفس واحدة " أي من آدم عليه السلام لان الله تعالى خلقنا منه جميعا، وخلق حواء من فضل طينته، أو من ضلع من أضلاعه، ومن علينا بهذا لان الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى التألف " فمستقر ومستودع " أي مستقر في الرحم إلى أن يولد ومستودع في القبر، أو مستقر في بطون الامهات ومستودع في الاصلاب، أو مستقر على ظهر الارض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، أو مستقرها أيام حياتها ومستودعها حيث (2) يموت وحيث يبعث، أو مستقر في القبر ومستودع في الدنيا، أو مستقر فيه الايمان ومستودع يسلب منه كما ورد في الخبر. " من صلصال " أي طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر، وقيل: من صلصل إذا نتن تضعيف صل. " من حمأ " من طين تغير واسود من طول مجاورة الماء. " مسنون " أي مصور من سنة الوجه، أو مصبوب لييبس، أو مصور كالجواهر المذابة تصب في القوالب من السن وهو الصب، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، قيبس حتى نقر وصلصل، ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه، أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فإن ما يسيل منهما يكون منتنا يسمى سنين. " ولقد كرمنا بني آدم " قال الرازي: اعلم أن الانسان جوهر مركب من النفس والبدن، فالنفس الانسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، لان النفس النباتية قواها الاصلية ثلاثة وهي: الاغتذاء، والنمو، والتوليد. والنفس الحيوانية لها قوتان اخريان: الحاسة، والمحركة بالاختيار. ثم إن النفس الانسانية مختصة بقوة اخرى، وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الاشياء كما هي، وهي التي يتجلى


(1) العلق: 1 - 5. (2) حين (خ).

[271]

فيها نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه، وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والامر، ويحيط بأقسام مخلوقات الله من الارواح والاجسام كما هي، وهذه القوة من سنخ الجواهر القدسية، والارواح المجردة الالهية، فهذه القوة لانسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى الخمسة النباتية والحيوانية، وإذا كان الامر كذلك ظهر أن النفس الانسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم. وأما بيان أن البدن الانساني أشرف أجسام هذا العالم فالمفسرون ذكروا أشياء: أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله " ولقد كرمنا بني آدم " قال: كل شئ يأكل بفيه إلا ابن آدم، فإنه يأكل بيديه. عن الرشيد أنه احضرت الاطعمة عنده، فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف فقال له: جاء في تفسير (1) قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم ": وجعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فاحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه. وثانيها: قال الضحاك: بالنطق والتميز (2) وتحقيق الكلام أن من عرف شيئا فإما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشئ أو يقدر على هذا التعريف أما القسم الاول فهو جملة حال الحيوان سوى الانسان، فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الاحوال تعريفا تاما وافيا. وأما القسم الثاني فهو الانسان، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه ووقف عليه وأحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقا. وبهذا البيان يظهر أن الانسان الاخرس داخل في هذا الوصف، لانه وإن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان فإنه يمكنه ذلك بطريق الاشارة وبطريق الكتابة وغيرهما، ولا يدخل فيه الببغاء، لانه وإن قدر على تعريفات قليلة فلا قدرة له على تعريف جميع الاحوال على سبيل الكمال والتمام. وثالثها: قال عطاء بامتداد القامة. واعلم أن هذا الكلام غير تمام، لان


(1) في المصدر: جاء في التفسير عن جدك في قوله.. (2) فيه: التمييز.

[272]

الاشجار أطول قامة من الانسان، بل ينبغي أن يشرط فيه شرط، وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية والقوة الحسية والحركية. ورابعها: قال يمان: بحسن الصورة، والدليل عليه قوله تعالى " وصوركم فأحسن صوركم " ولما ذكر الله تعالى خلقة الانسان قال " فتبارك الله أحسن الخالقين " وقال " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " وإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الانسان وهو العين، فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الاشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الاجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة، ثم خلق فوق الجبهة سواد الشعر. وليكن هذا المثال الواحد انموذجا لك في هذا الباب. وخامسها قال بعضهم: من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط. وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الانسان الواحد على استنباطه يكون قليلا، أما إذا استنبط الانسان علما وأودعه في الكتاب وجاء الانسان الثاني واستعان بهذا الكتاب وضم إليه من عند نفسه أشياء اخرى، ثم لا يزالون يتعاقبون وضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علوم المتقدمين، كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف، وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية أقصى الغايات وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتب، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى " اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ". وسادسها أن أجسام هذا العالم إما البسائط وإما المركبات، أما البسائط فهي الارض، والماء، والهواء، والنار. والانسان ينتفع بكل هذه الاربعة، أما الارض فهي لنا كالام الحاضنة، قال تعالى " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى " وقد سماه الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، وهي: الفراش، والمهاد، والمهد وأما الماء فانتفاعنا في الشرب والزراعة والحراثة ظاهر، وأيضا سخر البحر لنأكل لحما طريا ونستخرج منه حلية نلبسها ونرى الفلك مواخر. وأما الهواء فهو مادة حياتنا، ولولا هبوب الرياح لاستولي النتن على هذه المعمورة. وأما النار فيها طبخ

[273]

الاغذية والاشربة ونضجها، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة، وهي الدافعة لضرر البرد. وأما المركبات فهي إما الآثار (1) العلوية، وإما المعادن، وإما النبات، وإما الحيوان. والانسان كالمستولي على كل هذه الاقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها، فهذا العالم بأسرها جرى مجرى قرية معمورة وخان مغلة (2) وجميع منافعها ومصالحها مصروفة إلى الانسان والانسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، وسائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند الله بمزيد التكريم والتفضيل. وسابعها أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام: إلى ما حصلت له هذه القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية وهم الملائكة، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم، وإلى ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات، وإلى ما حصل النوعان فيه وهو الانسان، ولا شك أن الانسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية والقوة الشهوانية البهيمية والغضبية السبعية يكون أفضل من البهيمة والسبع، ولا شك أيضا أنه أفضل من الاجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الانسان على أكثر أقسام المخلوقات. بقي ههنا بحث في أن الملك أفضل من (3) البشر، والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل (4) من البشر المستجمع لهاتين القوتين، وذلك بحث آخر. وثامنها الموجود إما أن يكون أزليا وأبديا معا وهو الله سبحانه، وإما أن لا يكون أزليا ولا أبديا وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان وهذا أخس الاقسام، وإما أن يكون أزليا ولايكون أبديا، وهذا ممتنع الوجود لان ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وإما أن لا يكون أزليا ولكنه يكون أبديا وهو


(1) كذا في المصدر: وفى بعض النسخ " الاباء " وفى بعضها " الايات ". (2) في المصدر: معد. (3 و 4) في المصدر " أم " في الموضعين.

[274]

الانسان والملك، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث، وذلك يقتضي كون الانسان أشرف من أكثر المخلوقات. وتاسعها العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الانسان من جنس الارواح العلوية والجواهر القدسية، وليس في موجودات العالم السفلي شئ حصل من العالم العلوي إلا الانسان، فوجب كون الانسان أشرف موجودات العالم السفلي. وعاشرها أشرف الموجودات هو الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله أتم وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله تعالى هو الانسان، بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله، ولسانه مشرف بذكر الله، وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله، فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الانسان، ولما ثبت أن الانسان موجود ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كلما حصل للانسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله وإنعامه، فلهذا المعنى قال تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " ومن تمام كرامته على الله أنه لما خلقه في أول الامر وصف نفسه بأنه أكرم، فقال " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم " ووصف نفسه بالتكريم عند تربية الانسان فقال " ولقد كرمنا بني آدم " ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الانسان فقال: " يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم " وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى وتفضله وإحسانه مع الانسان. الحادى عشر قال بعضهم: هذ التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون، ومن كان مخلوقا بيدي الله كانت العناية به أتم، فكان (1) أكرم وأكمل، ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل. " وحملناهم في البر والبحر " قال ابن عباس: في البر على الخيل والبغال و الحمير والابل، وفي البحر على السفن، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور


(1) في بعض النسخ " أتم واكمل " وفى المصدر: كانت العناية به أتم وأكمل وكان أكرم وأكمل.

[275]

أولا، لانه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه. وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرهما ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها بما (1) يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الانسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع. " ورزقناهم من الطيبات " وذلك لان الاغذية إما حيوانية وإما إنسانية وكلا القسمين فإن الانسان إنما يغتذي بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ، وذلك مما لا يصلح إلا للانسان. " وفضلناهم " الفرق بين التفضيل والتكريم أنه تعالى فضل الانسان على سائر الحيوانات بامور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والاخلاق الفاضلة فالاول هو التكريم والثاني هو التفضيل. " على كثير ممن خلقنا تفضيلا " لم يقل: وفضلناهم على الكل، فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شئ لا يكون الانسان مفضلا عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال إنه هو الملائكة، فلزم القول بأن الملك أفضل من الانسان، و هذا القول مذهب ابن عباس واختيار الرجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين: أحدهما أن الانبياء أفضل أم الملائكة، وقد سبق القول فيه في سورة البقرة. والثانى أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل، منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة، واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم دنيا (2) يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك في الآخرة، فقال تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له " كن " فكان. فقال أبو هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده، هكذا


(1) في المصدر: مما. (2) في المصدر: الدنيا. (*)

[276]

أورده الواحدي في البسيط. وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الاطلاق فقد عولوا على هذه الآية وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب (1) (انتهى). وقال الطبرسي - قدس سره -: استدل بعضهم بهذا على أن الملائكة أفضل من الانبياء، قال: لان قوله " على كثير " يدل على أن ههنا من لم يفضلهم عليه، و ليس إلا الملائكة، لان بني آدم أفضل من كل حيوان سوى الملائكة بالاتفاق، وهذا باطل من وجوه: أحدها أن التفضيل ههنا لم يرد به الثواب، لان الثواب لا يجوز التفضيل به ابتداءا، وإنما المراد بذلك ما فضلهم الله به من فنون النعم التي عددنا بعضها. وثانيها أن المراد بالكثير الجميع، فوضع الكثير موضع الجميع، والمعنى: أنا فضلناهم على من خلقنا وهم كثير، كما يقال: بذلت له العريض من جاهي، وأبحته المنيع من حريمي. ولا يراد بذلك أني بذلت له عريض جاهي ومنعته ما ليس بعريض وأبحته منيع حريمي ولم ابحه ما ليس منيعا، بل المقصود أني بذلت له جاهي الذي من صفته أنه عريض، وفي القرآن ومحاورات العرب من ذلك مالا يحصى، ولا يخفى ذلك على من عرف كلامهم. وثالثها أنه إذا سلم أن المراد بالتفضيل زيادة الثواب وأن لفظة " من " في قوله " ممن خلقنا " تفيد التبعيض فلا يمتنع أن يكون جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، لان الفضل في الملائكة عام لجميعهم أو أكثرهم، والفضل من (2) بني آدم يختص بقليل من كثير، وعلى هذا فغير منكر أن يكون الانبياء أفضل من الملائكة وإن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم (3) (انتهى). وأقول: كلامه - ره - في هذه الآية مأخوذ مما سننقله عن السيد المرتضى - رضي الله عنه -.


(1) مفاتيح الغيب: ج 21، ص 12 - 16. (2) في المصدر: في. (3) مجمع البيان: ج 6، ص 429.

[277]

" خلق الانسان من عجل " قال البيضاوي: كأنه خلق منه لفرط استعجاله و قلة تأنيه، كقولك: خلق زيد من الكرم، وجعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع، هو منه مبالغة في لزومه له، ولذلك قيل: إنه على القلب، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجاله الوعيد (1) (انتهى) وفي تفسير علي بن إبراهيم قال: لما أجرى الله في آدم الروح (2) من قدميه فبلغت إلى ركبتيه أراد أن يقوم فلم يقدر، فقال الله: خلق الانسان من عجل (3). " خلق من الماء بشرا " قيل: يعني الذي خمر به طينة آدم ثم جعله جزءا من مادة البشر ليجتمع ويسلس ويقبل الاشكال بسهولة، أو النطفة " فجعله نسبا وصهرا " أي فقسمه قسمين: ذوي نسب، أي ذكورا ينسب إليهم ; وذوات صهر، أي إناثا يصاهر بهن " وكان ربك قديرا " حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين. وروي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من الماء العذب وخلق زوجته من سنخه فبرأها من أسفل أعضائه، فجرى بذلك الضلع بينهما سبب ونسب ثم زوجها إياه، فجرى بينهما بسبب ذلك صهر، فذلك قوله " نسبا وصهرا " فالنسب ماكان بسبب الرجال، والصهر ما كان بسبب النساء، وقد أوردنا أخبارا كثيرة في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام: أنها نزلت في النبي وأمير المؤمنين وتزويج فاطمة صلوات الله عليهم. " الله الذي خلقكم من ضعف " قيل: أي ابتدأكم ضعفاء، أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة " ثم جعل من بعد ضعف قوة " وهو بلوغكم الاشد " ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة " إذا أخذ منكم السن " يخلق ما يشاء " من ضعف وقوة و شيبة (4).


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 82. (2) في المصدر: روحه. (3) تفسير القمى: 429. (4) في بعض النسخ المخطوطة: شبيبة وشيبة.

[278]

" إنا عرضنا الامانة " هذه الآية من المتشابهات، وقد اختلف في تأويله المفسرون والروايات على وجوه: الاول: أن المراد بالامانة التكليف بالاوامر والنواهي، والمراد بعرضها على السماوات والارض والجبال العرض على أهلها، وعرضها عليهم هو تعريفه إياهم أن في تضييع الامانة الاثم العظيم، وكذلك في ترك أوامر الله تعالى وأحكامه، فبين سبحانه جرأة الانسان على المعاصي وإشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى عرضنا الامانة على أهل السماوات والارض والجبال من الملائكة والانس والجن " فأبين أن يحملنها " أي فأبى أهلهن أن يحملوا تركها وعقابها والمأثم فيها " وأشفقن منها " أي أشفق أهلهن عن (1) حملها " وحملها الانسان إنه كان ظلوما " لنفسه بارتكاب المعاصي " جهولا " بموضع الامانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها، فالمراد بحمل الامانة تضييعها. قال الزجاج: كل من خان الامانة فقد حملها، ومن لم يحمل الامانة فقد أداها. والثانى: أن معنى " عرضنا " عارضنا وقابلنا، فإن عرض الشئ على الشئ ومعارضته به سواء والمعنى أن هذه الامانة في جلالة موقعها وعظم شأنها لو قيست السماوات والارض والجبال وعورضت بها لكانت هذه الامانة أرجح وأثقل وزنا، و معنى قوله " فأبين أن يحملنها " ضعفن عن حملها كذلك " وأشفقن منها " لان الشفقة ضعف القلب، ولذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب، ثم قال: إن هذه الامانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الاشياء العظيمة تقلدها الانسان، فلم يحفظها بل حملها وضيعها لظلمه على نفسه ولجهله بمبلغ الثواب والعقاب. والثالث ما ذكره البيضاوي حيث قال: تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، و سماها أمانة من حيث إنها واجبة الاداء، والمعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الاجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لابين أن يحملنها، وحملها الانسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لاجرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين " إنه


(1) من (خ).

[279]

كان ظلوما " حيث لم يف بها ولم يراع حقها " جهولا " بكنه عاقبتها، وهذا وصف للجنس باعتبار الاغلب (1) (انتهى). وقال الطبرسي - قدس سره -: إنه على وجه التقدير أجرى (2) عليه لفظ الواقع، لان الواقع أبلغ من المقدر، معناه: لو كانت السماوات والارض والجبال عاقلة ثم عرضت عليها الامانة وهي وظائف الدين اصولا وفروعا عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها وشدتها وقوتها، ولامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها، ثم حملها الانسان مع ضعف جسمه، ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله، وعلى هذا يحمل ماروي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات والارض فامتنعت من حملها. والرابع أن معنى العرض والاباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد تعظيم شأن الامانة، لا مخاطبة الجماد، والعرب تقول " سألت الربع وخاطبت الدار فامتنعت عن الجواب " وإنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب والسؤال، وتقول " أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال " وقال سبحانه " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " وخطاب من لا يفهم لا يصح. فالامانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات والارض والجبال من الدلائل على وحدانيته وربوبيته فأظهرتها والانسان الكافر كتمها وجحدها لظلمه (3). ويرجع إليه ما قيل: المراد بالامانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية، وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم " حامل الامانة ومحتملها " لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته، قيكون الاباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه، والظلم والجهالة للخيانة والتقصير. والخامس ما قيل: إنه تعالى لما خلق هذه الاجرام فيها فهما (4) وقال لها:


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 281 - 282. (2) في المصدر: الا انه اجرى.. (3) مجمع البيان: ج 8، ص 374. (4) كذا في جميع النسخ التى بأيدينا والظاهر " جعل فيها فهما ".

[280]

إني قد فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها، ونارا لمن عصاني، فقلن: نحن مسخرات على ما خلقتنا، لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولاعقابا، ولما خلق آدم عليه السلام عرض عليه مثل ذلك فتحمله، وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته. والسادس ما قيل: إن المراد بالامانة العقل والتكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد، وبحمل الانسان قابليته واستعداده لها، وكونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين، حافظا لهما عن التعدي ومجاوزة الحد (1) ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما. والسابع أن المراد بالامانة أداء الامانة ضد الخيانة، أو قبولها، وتصحيح تتمة الآية على أحد الوجوه المتقدمة. الثامن: أن المراد بالامانة الامامة (2) والخلافة الكبرى، وحملها ادعاؤها بغير حق، والمراد بالانسان أبو بكر، وقد وردت الاخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الامامة وغيرها، فقد روي بأسانيد عن الرضا عليه السلام قال: الامانة الولاية من ادعاها بغير حق كفر، وقال علي بن إبراهيم: الامانة هي الامامة والامر والنهي، عرضت على السماوات والارض والجبال " فأبين أن يحملنها " قال: أبين أن يدعوها أو يغصبوها أهلها " وأشفقن منها وحملها الانسان " الاول " إنه كان ظلوما جهولا (1) ". وعن الصادق عليه السلام: الامانة الولاية، والانسان أبو الشرور المنافق. وعن الباقر عليه السلام: هي الولاية، أبين أن يحملنها كفرا، وحملها الانسان، والانسان أبو فلان. ومما يدل على أن المراد بها التكليف ما روي أن عليا عليه السلام كان إذا حضر وقت


(1) الحدود (خ). (2) الامارة (خ). (3) تفسير على بن ابراهيم: 535 (مقطعا).

[281]

الصلوة تغير لونه، فسئل عن ذلك فقال: حضر وقت أمانة عرضها الله على السماوات و الارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. ومما يدل على كون المراد بها الامانة المعروفة ما في نهج البلاغة في جملة وصاياه للمسلمين: ثم أداء الامانة، فقد خاب من ليس من أهلها، إنها عرضت على السماوات المبنية، والارض المدحوة، والجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعظم منها، ولو امتنع شئ منها بطول أو عرض أو قوة أوعز لامتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الانسان، إنه كان ظلوما جهولا. وعن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول: ابتع لي ثوبا، فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق، فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه، إن الله عزوجل يقول: " إنا عرضنا الامانة - الآية - ". والحق أن الجميع داخل في الآية بحسب بطونها، كما قيل: إن المراد بالامانة التكليف بالعبودية لله على وجهها والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها، وأعظمها الخلافة الالهية لاهلها، ثم تسليم من لم يكن من أهلها لاهلها، وعدم ادعاء منزلتها لنفسه، ثم سائر التكاليف، والمراد بعرضها على السماوات والارض والجبال النظر إلى استعدادهن لذلك، وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة، وتحمل الانسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبرا على أهلها، أو مع تقصيره بحسب وصف الجنس باعتبار الاغلب، فهذه معانيها الكلية وكل ما ورد في تأويلها في مقام يرجع إلى هذه الحقائق كما يظهر عند التدبر والتوفيق من الله سبحانه. قال السيد المرتضى - رضي الله عنه - في أجوبة المسائل العكبرية حيث سئل عن تفسير هذه الآية: إنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات والارض والجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول، وإنما الكلام في هذه الآية مجاز اريد به الايضاح عن عظم الامانة وثقل التكليف بها وشدته على الانسان، وإن السماوات والارض والجبال لو كانت مما يقبل لابت حمل الامانة ولم تؤد مع ذلك حقها، و

[282]

نظير ذلك قوله تعالى " تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا (1) ومعلوم أن السماوات والارض والجبال جماد لا تعرف الكفر من الايمان ولكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون، وتفوه به الضالون، وأقدم به المجرمون من الكفر بالله تعالى، وأنه من عظمه جار مجرى ما يثقل باعتماده على السماوات و الارض والجبال، وأن الوزر به كذلك، وكان الكلام في معناه ما جاء به التنزيل مجازا واستعارة كما ذكرناه، ومثل ذلك قوله تعالى " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار - الآية - (2) " ومعلوم أن الحجارة جماد لا يعلم فيخشى أو يرجو ويؤمل وإنما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله تعالى وما يجب أن يكون العبد عليه من خشية الله [تعالى] وقد بين الله ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال - الآية - (3) " فبين بهذا المثل عن جلالة القرآن وعظم قدره وعلو شانه وأنه لو كان كلام يكون به ما عده ووصفه لكان بالقرآن لعظم قدره على سائر الكلام وقد قيل: إن المعنى في قوله " إنا عرضنا الامانة " عرضها على أهل السماوات وأهل الارض وأهل الجبال، والعرب يخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع ويسميهم باسمه قال الله تعالى " واسأل القرية التي كنا فيها والعير (4) " يريد أهل القرية وأهل العير وكان العرض على أهل السماوات وأهل الارض وأهل الجبال قبل خلق آدم وخيروا بين التكليف لما كلفه آدم وبنوه فأشفقوا من التفريط فيه واستعفوا منه فاعفوا، فتكلفه الانسان ففرط فيه، وليست الآية على ما ظنه السائل أنها هي الوديعة وما في بابها ولكنها التكليف الذي وصفناه. ولقوم من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الامامة جواب تعلقوا به من جهة بعض الاخبار وهي أن الامانة هي الولاية لامير المؤمنين عليه السلام، وأنها عرضت قبل خلق آدم على السماوات والارض والجبال ليأتوا بها على شروطها فأبين من حملها على ذلك خوفا من تضييع الحق فيها وكلفها الناس فتكلفوها ولم يؤد أكثرهم حقها (انتهى).


(1) مريم: 91. (2) البقرة: 74. (3) الرعد: 33. (4) يوسف: 82.

[283]

" ليعذب الله المنافقين " تعليل للحمل من حيث إنه نتيجة كالتأديب للضرب في " ضربته تأديبا " وذكر التوبة في الوعد إشعار بأن كونهم ظلوما جهولا في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات " وكان الله غفورا رحيما " حيث تاب على فرطاتهم، وأثاب بالفوز على طاعاتهم. " كذلك " أي كاختلاف الثمار والجبال. " خلق الازواج كلها " أي الانواع والاصناف " مما تنبت الارض " من النبات والشجر " ومن أنفسهم " الذكر والانثى " ومما لا يعلمون " أي وأزواجا مما لم يطلعهم الله عليه، ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته، وسيأتي تأويل آخر برواية علي ابن إبراهيم. " من طين لازب " أي ممتزج متماسك يلزم بعضه بعضا، يقال: طين لازب يلزق باليد لاشتداده، وقال علي بن إبراهيم: يعني يلزق (1) باليد. " ثم جعل منها زوجها " أي من جزئها، أو من طينتها، أو من نوعها، أو لاجلها ولانتفاعها. " فأحسن صوركم " بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الاعضاء والتخطيطات، متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات " ورزقكم من الطيبات " أي اللذائذ. " علمه البيان " قيل: إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوانات من البيان، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع. وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام في قوله " الرحمن علم القرآن " قال: الله علم محمدا القرآن، قلت: " خلق الانسان " ؟ قال: ذلك أمير المؤمنين، قلت: " علمه البيان " ؟ قال: علمه تبيان كل شئ يحتاج الناس إليه - الخبر - (2). " من صلصال كالفخار " قيل: الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار الخزف، وقد خلق الله آدم من تراب جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا، فلا يخالف


(1) في المصدر: يلصق. تفسير القمى: 555. (2) تفسير القمى: 658.

[284]

ذلك قوله " من تراب " ونحوه. " فمنكم كافر " أي يصير كافرا، أو كان في علم الله أنه كافر. وفي الكافي وتفسير علي ابن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن تفسير هذه الآية فقال: عرف الله إيمانهم بولايتنا وكفرهم بتركها يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر (1). " لقد خلقنا الانسان في كبد " قيل: في تعب ومشقة، فإنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال علي بن إبراهيم: أي منتصبا (2). وسيأتي تفسيره في الخبر أنه منتصب في بطن امه. " ألم نجعل له عينين " يبصر بهما " ولسانا " يترجم عن ضمائره " وشفتين " يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والاكل والشرب وغيرها " وهديناه النجدين " طريقي الخير والشر، وقيل: الثديين، وأصله المكان المرتفع. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: نجد الخير والشر. وفي مجمع البيان عن أمير المؤمنين عليه السلام: سبيل الخير وسبيل الشر. وعنه عليه السلام أنه قيل له: إن اناسا يقولون في قوله " وهديناه النجدين " إنهما الثديان، فقال: لا، هما الخير والشر (3). " لقد خلقنا الانسان " قيل: يريد به الجنس " في أحسن تقويم " أي تعديل بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات " ثم رددناه أسفل سافلين " بأن جعلناه من أهل النار، أو إلى أسفل سافلين وهو النار، وقيل: أو ذل العمر، وقال علي بن إبراهيم: نزلت في الاول، وفي المناقب عن الكاظم عليه السلام قال: الانسان الاول، ثم رددناه أسفل سافلين ببغضه أمير المؤمنين. وأقول: على سبيل الاحتمال يمكن أن يكون رده إلى أسفل سافلين ابتلاؤه بالقوى الشهوانية والعلائق الجسمانية، فإن روحه كان من عالم القدس، فلما ابتلي


(1) الكافي: ج 1، ص 413، وتفسير القمى: 682. (2) تفسير القمى: 725. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 494.

[285]

بعد التعلق بالبدن بالصفات البهيمية والعلائق الدنية (1) فقد تنزل من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فهم باقون في تلك الدركات منهمكون في تلك التعلقات " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فإنهم نفضوا عن أذيالهم أدناس تلك النشأة الفانية، واختاروا الدرجات العالية، فرجعوا إلى النشأة الاولى وتعلقت أرواحهم بالملاء الاعلى، فصاروا أشرف من الملائكة المقربين، وسكنوا في غرفات الجنان آمنين. " باسم ربك الذي خلق " أي جميع المخلوقات على مقتضى حكمته. وعن الباقر عليه السلام: خلق نورك القديم قبل الاشياء " من علق " أي من دم جامد بعد النطفة " الذي علم بالقلم " قال علي بن إبراهيم علم الانسان بالكتابة (2) التي بها يتم امور الدنيا في مشارق الارض ومغاربها (3). " علم الانسان ما لم يعلم " من أنواع الهدى و البيان، وقال علي بن إبراهيم: قال: يعني علم عليا من الكتابة لك ما لم يعلم قبل ذلك (4). قيل: عدد سبحانه مبدأ أمر الانسان ومنتهاه إظهارا لما أنعم عليه من نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا لاكرميته. فائدة: اعلم أن المسلمين اختلفوا في تفضيل الملائكة على البشر أو العكس، فذهب أكثر الاشاعرة إلى أن الانبياء أفضل من الملائكة، وصرح بعضهم بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الانبياء، وذهب أكثر المعتزلة إلى أن الملائكة أفضل من جميع البشر، ولا خلاف بين الامامية في أن الانبياء والائمة عليهم السلام أفضل من جميع الملائكة، والاخبار في ذلك مستفيضة أوردنا [ها] في كتاب النبوة وسائر مجلدات الحجة، وأما سائر المؤمنين ففي فضل كلهم أو بعضهم على جميع الملائكة أو بعضهم، فلا يظهر من الآيات والاخبار ظهورا بينا يمكن الحكم بأحد الجانبين، فنحن فيه من المتوقفين. قال الشيخ المفيد - قدس الله سره (5) - في كتاب المقالات: اتفقت الامامية على أن أنبياء الله ورسله من البشر أفضل من الملائكة، ووافقهم على ذلك أصحاب


(1) المدنية (خ). (2) في المصدر: الكتابة. (3 و 4) تفسير القمى: 731. (5) روحه (خ).

[286]

الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل من الانبياء والرسل، وقال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الآخر، وكان اختلافهم في هذا الباب على ما وصفناه وإجماعهم على خلاف القطع بفضل الانبياء على الملائكة [عليهم السلام] حسب ما شرحناه. ثم قال: أما الرسل من الملائكة والانبياء عليهم السلام فقولي فيهم مع أئمة آل محمد عليهم السلام كقولي في الانبياء والرسل عليهم السلام، وأما باقي الملائكة فإنهم وإن بلغوا بالملائكة فضلا، فالائمة من آل محمد عليهم السلام أفضل منهم وأعظم ثوابا عند الله عزوجل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب (انتهى). وقال صاحب الياقوت: الانبياء أفضل من الملائكة، لاختصاصهم بشرف الرسالة مع مشقة التكليف. وقال العلامة - قدس سره - في شرحه: اختلف الناس في ذلك فذهب (1) الامامية وجماعة من الاشاعرة إلى أن الانبياء عليهم السلام أشرف من الملائكة وقالت المعتزلة والفلاسفة: بل الملائكة أشرف. وقال الصدوق - قدس سره - في رسالة العقائد: اعتقادنا في الانبياء والرسل والحجج عليهم السلام أنهم أفضل من الملائكة، ثم ذكر الدلائل وبسط القول فيها كما ذكرناه في كتاب الامامة. وقال السيد الشريف المرتضى - رضي الله عنه - في كتاب الغرر والدرر في تفضيل الانبياء على الملائكة عليهم السلام: اعلم أنه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلف على الآخر، لان الفضل المراعى في هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، ولا سبيل: إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لان الطاعتين قد تتساوى في ظاهر الامر حالهما وإن زاد ثواب واحدة على الاخرى زيادة عظيمة، وإذا لم يكن للعقل في ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السمع، فإن دل سمع مقطوع به من ذلك على شئ عول عليه، وإلا كان الواجب التوقف عنه والشك فيه، وليس في القرآن ولا في سمع مقطوع على صحته ما يدل على فضل نبي على ملك ولا ملك علي نبي. وسنبين أن آية واحدة مما يتعلق به في تفضيل الانبياء على الملائكة عليهم السلام يمكن أن يستدل بها


(1) فذهبت (خ).

[287]

على ضرب من الترتيب نذكره. والمعتمد - في القطع على أن الانبياء أفضل من الملائكة - على إجماع الشيعة الامامية على ذلك، لانهم لا يختلفون في هذا، بل يزيدون عليه ويذهبون إلى أن الائمة عليهم السلام أفضل من الملائكة أجمعين، وإجماعهم حجة، لان المعصوم في جملتهم وقد بينا في مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة، ورتبناه وأجبنا عن كل سؤال يسأل عنه فيها، وبينا كيف الطريق مع غيبة الامام إلى العلم بمذاهبه و أقواله، وشرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به ههنا. ويمكن أن يستدل على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وأنه يقتضي تعظيمه عليهم وتقديمه وإكرامه وإذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه وتقديمه على الفاضل علمنا أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة، وكل من قال إن آدم أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الانبياء عليهم السلام أفضل من جميع الملائكة، ولا أحد من الامة فصل بين الامرين. فان قيل: ومن أين أنه أمرهم بالسجود على جهة التقديم والتعظيم ؟ قلنا: لا يخلو تعبدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم، أو يكون على ما ذكرناه، فإن كان الاول لم يجز أنفة إبليس من السجود وتكبره عنه، وقوله " أرأيتك هذا الذي كرمت علي (1) " وقوله " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (2) " والقرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة، فلو لم يكن الامر على هذا لوجب أن يرده الله تعالى عنه ويعلمه أنه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له ولا تفضيله، بل على الوجه الآخر الذي لاحظ للتفضيل فيه، وما جاز إغفال ذلك وهو سبب معصية إبليس وضلالته، فلما لم يقع ذلك دل على أن الامر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل والتعظيم، وكيف يقع شك في أن الامر على ما ذكرناه وكل نبي أراد تعظيم آدم عليه السلام ووصفه بما اقتضى الفخر والشرف نفسه بإسجاد الملائكة له، وجعل


(1) أسرى: 62. (2) الاعراف: 11، ص: 76.

[288]

ذلك من أعظم فضائله، وهذا مما لاشبهة فيه. فأما اعتماد بعض أصحابنا في تفضيل الانبياء على الملائكة على أن المشقة في طاعة الانبياء عليهم السلام أكثر وأوفر من حيث كانت لهم شهوات في القبائح ونفار عن الواجبات فليس بمعتمد، لانا لانقطع على أن مشاق الانبياء أعظم من مشاق الملائكة في التكليف والشك في مثل ذلك واجب، وليس كل شئ لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه ونحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلفين فلا بد من أن تكون عليهم مشاق في تكليفهم لولا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم، والتكليف إنما يحسن في كل مكلف تعريضا للثواب، ولا يكون التكليف شاقا عليهم إلا وتكون لهم شهوات فيما حظر عليهم ونفار عما أوجب، وإذا كان الامر على هذا فمن أين يعلم أن مشاق الانبياء عليهم السلام أكثر من مشاق الملائكة، وإذا كانت المشقة عامة لتكليف الامة ولا طريق إلى القطع على زيادتها في تكليف بعض ونقصانها في تكليف آخرين فالواجب التوقف والشك، ونحن الآن نذكر شبه من فضل الملائكة على الانبياء عليهم السلام ونتكلم عليها بعون الله: فمما تعلقوا به في ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء عليهما السلام " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (1) " فرغبهما في التناول من الشجرة في منزلة الملائكة حتى تناولا وعصيا، وليس يجوز أن يرغب عاقل في أن يكون على منزلة هي دون منزلته حتى يحمله ذلك على خلاف الله تعالى ومعصيته، وهذا يقتضي فضل الملائكة على الانبياء عليهم السلام. وتعلقوا أيضا بقوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون (2) " وتأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لان العادة إنما جرت أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا ولا الخليفة، فيقدم الادون ويؤخر الاعظم، ولم تجر بأن يقال: لن يستنكف الامير أن يفعل كذا ولا الحارس، وهذا يقتضي تفضيل الملائكة


(1) الاعراف: 19. (2) النساء: 171.

[289]

على الانبياء عليهم السلام. وتعلقوا بقوله تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (1) " قالوا: وليس بعد بني آدم مخلوق يستعمل في الخبر عنه لفظة " من " التي لا تستعمل إلا في العقلاء إلا الجن والملائكة، ولما لم يقل: وفضلناهم على من، بل قال: على كثير ممن خلقنا، علم أنه إنما أخرج الملائكة عمن فضل بني آدم عليه، لانه لا خلاف في بني آدم أنه أفضل من الجن، وإذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضل بنو آدم (2) فلا شبهة في أنهم الملائكة. وتعلقوا بقوله تعالى " ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك (3) " فلولا أن حال الملائكة أفضل من حال النبي لما قال ذلك. فيقال لهم في ما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى " إلا أن تكونا ملكين " معناه: أن تصيرا أو تتقلبا إلى صفة الملائكة ؟ فإن هذه اللفظة ليست بصريح لما ذكرتم بل أحسن الاحوال أن تكون محتملة له، وما أنكرتم أن يكون المعنى أن المنهي عن تناول الشجرة غيركما، وإذا النهي يختص الملائكة والخالدين دونكما، ويجري ذلك مجرى قول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا، وإنما يعني أن المنهي هو فلان دونك، ولم يرد: إلا أن تتقلب فتصير فلانا، ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما فمن أوكد الشبهة إيهامهما أنهما لم ينهيا وإنما المنهي غيرهما. ومن وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا في أن ينقلا إلى صفة الملائكة وخلقهم كما رغبهما إبليس في ذلك، ولا تدل هذه الرغبة على أن الملائكة أفضل منهما، لانه بالتقلب إلى خلقة غيره لا يتقلب ولا يتغير الحقيقة بانقلاب الصورة والخلق، فإنه إنما يستحق الثواب على الاعمال دون الهيئات (4) وغير ممتنع أن


(1) الاسراء: 0 (2) كذا، والصواب: بنو آدم عليه. (3) الانعام: 50. (4) الهيئة (خ). (*)

[290]

يكونا رغبا في أن يصيرا على الهيئة الملائكة (1) وصورها، وليس ذلك يرغبه في الثواب ولا الفضل، فإن الثواب فضل لايتبع الهيئات والصور، ألا ترى أنهما رغبا في أن يكونا من الخالدين، وليس الخلود مما يقتضي مزية في ثواب ولا فضلا فيه، وإنما هو نفع عاجل، وكذلك لا يمتنع أن يكون الرغبة منهما في أن يصيرا ملكين إنما كانت على هذا الوجه. ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة وكل من أجاز على الانبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبي وغلطا في ذلك وكان منهما ذنبا صغيرا ؟ لان الصغائر عندكم تجوز على الانبياء، فمن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الانبياء ورغبا في ذلك أن الامر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب ؟ و ليس لهم أن يقولوا: إن الصغائر إنما تدخل في أفعال الجوارح دون القلوب، لان ذلك تحكم بغير برهان، وليس يمتنع على اصولهم أن تدخل الصغائر في أفعال القلوب والجوارح معا، لان حد الصغيرة عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله، وليس يمتنع معنى هذا الحد في أفعال القلوب كما لا يمتنع في أفعال الجوارح. ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الانبياء فاخرج الكلام على حسب اعتقادهم و اخر ذكر الملائكة لذلك ؟ ويجري هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره: لن يستنكف أبي أن يفعل كذا ولا أبوك، وإن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل، وإنما اخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب. ومما يجوز أن يقال أيضا: أنه لا تفاوت في الفضل بين الانبياء والملائكة وإن ذهبنا إلى أن الانبياء أفضل منهم، ومع التقارب والتداني يحسن أن يؤخر ذكر الافضل الذي لا تفاوت بينه وبين غيره في الفضل، وإنما مع التفاوت والتنافي لا يحسن ذلك، ألا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: ما يستنكف الامير فلان من كذا، ولا الامير


(1) في مخطوطة " على الهيئة على الملائكة " وسائر النسخ موافق للمتن، والظاهر. على هيئة الملائكة.

[291]

فلان من كذا، وإن كانا متساويين متناظرين أو متقاربين، ولا يحسن أن يقول: ما يستنكف الامير من كذا ولا الحارس، لاجل التفاوت. وأقوى من هذا أن يقال: إنما اخر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لان جميع الملائكة أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا وهذا لا يقتضي أن كل واحد منهم أفضل من المسيح عليه السلام، وإنما الخلاف في ذلك. ويقال لهم في ما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى " على كثير ممن خلقنا تفضيلا " أنا فضلناهم على من خلقنا وهم كثير ولم يرد التبعيض، و يجري ذلك مجرى قوله تعالى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا (1) " معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا فكل ثمن تأخذونه عنها قليل، ولم يرد التخصيص والمنع من الثمن القليل خاصة. ومثله قول الشاعر: من اناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع وإنما أراد نفي الفحش كله عن أخلاقهم وإن وصفه بأنه عاجل، ونفي الجزع عنهم وإن وصفه بالسوء، وهذا من غريب البلاغة ودقيقها، ونظائره في الشعر والكلام الفصيح لا تحصى، وقد كنا أملينا في تأويل هذه الآية كلاما منفردا استقصيناه وشرحنا هذا الوجه وأكثرنا من ذكر أمثلته. ووجه آخر في تأويل هذه الآية، وهو أنه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بني آدم وإن كان في جملة بني آدم من الانبياء عليهم السلام من يفضل كل واحد منهم على كل واحد من الملائكة، لان الخلاف إنما هو في فضل كل بني آدم على كل ملك، وغير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء يستحق كل واحد منهم الجزيل الاكثر من الثواب، فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بني آدم، لان الافاضل من بني آدم أقل عددا، وإن كان في بني آدم آحاد كل واحد منهم أفضل من كل واحد من الملائكة. ووجه آخر ومما يمكن أن يقال في هذه الآية أيضا: أن مفهوم الآية إذا تؤملت يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الذي هو زيادة الثواب، وإنما أراد النعم و


(1) البقرة، 41، والمائدة: 47.

[292]

المنافع الدنيوية، ألا ترى إلى قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " والكرامة إنما هي الترقية وما يجري مجراه، ثم قال " وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات " ولا شبهة في أن الحمل لهم في البر والبحر ورزق الطيبات خارج مما يستحق به الثواب ويقتضي التفضيل الذي وقع إطلاقه فيه، ويجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا في هذا الباب وفي هذا القبيل، فإنه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الاية وارد [به و] مبني عليه، وأقل الاحوال أن تكون لفظة " فضلناهم " مجتمعة للامرين، فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه. ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة في هذه الآية على أن حال الملائكة أفضل من حال الانبياء، لان الغرض في الكلام إنما هو نفي ما لم يكن عليه، لا التفضيل لذلك على ما هو عليه. ألا ترى أن أحدنا لو ظن أنه على صفة وهو ليس عليها جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ وإن كان على أحوال هي أفضل من تلك الحال و أرفع، وليس يجب إذا انتفى مما تبرأ منه من علم الغيب وكون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا في كل ما يقع النفي له والتبرؤ منه، وإذا لم يكن ملكا عنده خزائن الله تعالى جاز أن ينتفي من الامرين من غير ملاحظة، لان حاله دون هاتين الحالتين. ومما يوضح هذا ويزيل الاشكال فيه أنه تعالى حكى عنه قوله في آية اخرى " ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا (1) " ونحن نعلم أن هذه منزلة غير جليلة، وهو على كل حال أرفع منها وأعلى، فما المنكر أن يكون نفي الملكية عنه في أنه لا يقتضي أن حاله دون حال الملك بمنزلة نفي هذه المنزلة. والتعلق بهذه الآية ضعيف جدا، وفيما أوردناه كفاية وبالله التوفيق (انتهى). وذكر - رضي الله عنه - نحوا من هذا في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري. وقال الدواني في شرح العقائد: هم أي الانبياء أفضل من الملائكة العلوية عند


(1) هود: 31.

[293]

أكثر الاشاعرة، ومن الملائكة السفلية بالاتفاق، وعامة البشر من المؤمنين أيضا أفضل من عامة الملائكة، وعند المعتزلة وأبي عبد الله الحليمي (1) والقاضي أبي بكر منا الملائكة أفضل، والمراد بالافضل أكثر ثوابا، وذلك أن عبادة الملائكة فطرية لا مزاحم لهم عنها بخلاف عبادة البشر، فإن لهم مزاحمات فتكون عبادتهم أشق، وقال النبي صلى الله عليه واله " أفضل الاعمال أضرها (2) " أي أشقها. قلت: وعلى هذا يندفع ما يتوهم أن إساءة الادب مع الملائكة كفر ومع آحاد المؤمنين ليس بكفر، فتكون الملائكة أفضل، لان ذلك يدل على أن كون الملك أشرف بسبب كثرة مناسبته مع المبدأ في النزاهة وقلة الوسط، لاعلى أنه أفضل بمعنى كونه أكثر ثوابا. وقال شارح المقاصد: ذهب جمهور أصحابنا والشيعة إلى أن الانبياء أفضل من الملائكة خلافا للمعتزلة والقاضي وأبي عبد الله الحليمي، وصرح بعض أصحابنا بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الانبياء. لنا وجوه عقلية ونقلية: الاولى: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، والحكيم لا يأمر بسجود الافضل للادنى، وإباء إبليس واستكباره والتعليل بأنه خير من آدم لكونه من نار وآدم من طين يدل على أن المأمور به كان سجود تكرمة وتعظيم، لا سجود تحية وزيارة، ولا سجود الاعلى للادنى إعظاما له ورفعا لمنزلته وهضما لنفوس لساجدين. الثاني: أن آدم أنبأهم بالاسماء وبما علمه الله من الخصائص، والمعلم أفضل من المتعلم، وسوق الآية ينادي على أن الغرض إظهار ما خفي عليهم من أفضلية آدم، و دفع ما توهموا فيه من النقصان، ولذا قال تعالى " ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض (3) " وبهذا يندفع ما يقال: إن لهم أيضا علوما جمة أضعاف العلم بالاسماء


(1) الحلبي (خ). (2) احمزها (خ). (3) البقرة: 33.

[294]

لما شاهدوا من اللوح وحصلوا في الازمنة المتطاولة بالتجارب والانظار المتوالية. الثالث: قوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (1) " وقد حض من آل إبراهيم وآل عمران غير الانبياء بدليل الاجماع فيكون آدم ونوح وجميع الانبياء مصطفون (2) على العالمين الذين منهم الملائكة، إذلا مخصص للملائكة من العالمين، ولا جهة لتفسيره بالكثير من المخلوقات. الرابع: أن للبشر شواغل عن الطاعات العلمية والعملية، كالشهوة والغضب وسائر الحاجات الشاغلة والموانع الخارجة والداخلة، فالمواظبة على العبادات وتحصيل الكمالات بالقهر والغلبة على ما يضاد القوة العاقلة يكون أشق وأفضل وأبلغ في استحقاق الثواب. ولا معنى للافضلية سوى استحقاق الثواب والكرامة. لا يقال: لو سلم انتفاء الشهوة والغضب وسائر الشواغل في حق الملائكة فالعبادة مع كثرة البواعث والشواغل إنما يكون أشق وأفضل من الاخرى إذا استويا في المقدار وباقي الصفات، وعبادة الملائكة أكثر وأدوم. فإنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون والاخلاص الذي به القوام والنظام واليقين الذي هو الاساس والتقوى التي هي الثمرة فيهم أقوى وأقوم، لان طريقهم العيان لا البيان والمشاهدة لا المراسلة. لانا نقول: انتفاء الشواغل في حقهم مما لا ينازع فيه أحد، ووجود المشقة والالم في العبادة والعمل عند عدم المنافي والمضاد مما لا يعقل قلت أو كثرت، وكون باقي الصفات في حق الانبياء أضعف وأدنى مما لا يسمع ولا يقبل. وقد يتمسك بأن للملائكة عقلا بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وللانسان كليهما، فإذا ترجح شهوته على عقله يكون أدنى من البهائم لقوله تعالى " بل هم أضل " (3) "، فإذا ترجح عقله على شهوته يجب أن يكون أعلا من الملائكة، وهذا عائد إلى ما سبق لان تمام تقريره هو أن الكافر آثر النقصان مع التمكن من الكمال، وكل من فعل كذا فهو أضل


(1) آل عمران: 33. (2) كذا في جميع النسخ: والصواب " مصطفين ". (3) الفرقان: 44.

[295]

وأرذل ممن آثره بدونه، لان إيثار الشئ مع وجود المضاد والمنافي أرجح وأبلغ من إيثاره بدونه، فيلزم أن يكون من آثر الكمال مع التمكن من النقصان أفضل وأكمل ممن آثره بدونه. وأما التمسك بقوله [تعالى] " ولقد كرمنا بني آدم " والتكريم المطلق لاحد الاجناس يشعر بفضله على غيره، فضعيف، لان التكريم لا يوحب التفضيل سيما مع قوله تعالى " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا " فإنه يشير بعدم التفضيل على القليل وليس غير الملائكة بالاجماع، كيف وقد وصف الملائكة أيضا بأنهم عباد مكرمون. ثم قال: واحتج المخالفون أيضا بوجوه نقلية وعقلية: أما النقليات فمنها قوله تعالى " ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (1) " خصهم بالتواضع وترك الاستكبار في السجود، وفيه إشارة إلى أن غيرهم ليس كذلك وأن أسباب التكبر والتعظم حاصلة لهم ; ووصفهم باستمرار الخوف وامتثال الاوامر ومن جملتها اجتناب المنهيات. ومنها: قوله [تعالى] " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون (2) " وصفهم بالقرب والشرف عنده، وبالتواضع و المواظبة على الطاعة والتسبيح. ومنها قوله تعالى " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون - إلى أن قال - وهم من خشيته مشفقون (3) " وصفهم بالكرامة المطلقة والامتثال والخشية وهذه الامور أساس كافة الخيرات. والجواب: أن جميع ذلك إنما يدل على فضيلتهم لا على أفضليتهم لا سيما على الانبياء.


(1) النحل: 49 - 50. (2) الانبياء: 19 - 20. (3) الانبياء: 26 - 28.

[296]

ومنها قوله تعالى " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك (1) " فإن مثل هذا الكلام إنما يحسن إذا كان الملك أفضل. والجواب: أنه إنما قال ذلك حين استعجله قريش العذاب الذي اوعدوا به بقوله تعالى " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (2) " والمعنى أني لست بملك حتى يكون لي القوة والقدرة على إنزال العذاب بإذن الله كما كان لجبرئيل عليه السلام، أو يكون له العلم بذلك بإخبار من الله تعالى بلا واسطة. ومنها قوله تعالى " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين (3) " أي إلا كراهة أن تكونا ملكين، يعني أن الملائكة بالمرتبة العليا، وفي الاكل من الشجرة ارتقاء إليهما. والجواب: أن ذلك تمويه من الشيطان وتخييل أن ما يشاهد في الملك من حسن الصورة وعظم الخلق وكمال القوة يحصل بأكل الشجرة، ولو سلم فغايته التفضيل على آدم قبل النبوة. ومنها قوله تعالى " علمه شديد القوى (4) " يعني جبرئيل عليه السلام، والمعلم أفضل من المتعلم. والجواب: أن ذلك بطريق التبليغ وإنما التعليم من الله تعالى. ومنها قوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون (5) " أي لا يترفع عيسى من العبودية ولا من هو أرفع منه درجة، كقولك: لن يستنكف من هذا الامر الوزير ولا السلطان، ولو عكست أحلت (6) بشهادة علماء البيان، و البصراء بأساليب الكلام. وعليه قوله تعالى " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى (7) "


(1) الانعام: 50. (2) الانعام: 49. (3) الاعراف: 19. (4) النجم: 5. (5) النساء: 171. (6) حلت (خ). (7) البقرة: 120.

[297]

أي مع أنهم أقرب مودة لاهل الاسلام، ولهذا خص الملائكة بالمقربين منهم لكونهم أفضل. والجواب: أن الكلام سيق لرد مقالة النصارى وغيرهم في المسيح وادعائهم فيه مع النبوة البنوة، بل الالوهية والترفع عن العبودية، لكونه روح الله ولد بلا أب لكونه يبرئ الاكمه والابرص، والمعنى: لا يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو فوقه في هذا المعنى، وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا ام، ولا يقدرون على ما لا يقدر عليه عيسى عليه السلام، ولا دلالة على الافضلية بمعنى كثرة الثواب وسائر الكمالات ألا ترى أن فيما ذكرت من المثال لم يقصد الزيادة والرفعة في الفضل والشرف والكمال بل في ما هو مظنة الاستنكاف والرضا كالغلبة والاستكبار والاستعلاء في السلطان وقرب المودة في النصارى. ومنها: اطراد تقديم ذكر الملائكة على ذكر الانبياء والرسل، ولا تعقل له جهة سوى الافضلية. والجواب: أنه يجوز أن يكون بجهة تقدمهم في الوجود، أو في قوة الايمان بهم والاهتمام به لانه أخفى، فالايمان بهم أقوى وبالتحريص عليه أحرى. واما العقليات: فمنها أن الملائكة روحانيات مجردة في ذاتها، متعلقة بالهياكل العلوية، مبرأة عن ظلمة المادة، وعن الشهوة والغضب اللذين هما مبدءا الشرور والقبائح، متصفة بالكمالات العلمية والعملية بالفعل، من غير شوائب الجهل والنقص والخروج عن القوة إلى الفعل على التدريج ومن احتمال الغلط، قوية على الافعال العجيبة، وإحداث السحب والزلازل وأمثال ذلك، مطلعة على أسرار الغيب، سابقة إلى أنواع الخير، ولا كذلك حال البشر. والجواب: أن مبنى ذلك على قواعد الفلسفة دون الملة. ومنها: أن أعمالهم الموجبة للمثوبات أكثر لطول زمانهم، وأدوم لعدم تخلل الشواغل، وأقوم لسلامتها عن مخالطة المعاصي المنقصة للثواب، وعلومهم أكمل وأكثر لكونهم نورانيين يشاهدون اللوح المحفوظ المنتقش بالكائنات وأسرار المغيبات.

[298]

والجواب: أن هذا لا يمنع كون أعمال الانبياء وعلومهم أفضل وأكثر ثوابا لجهات اخر، كقهر المضاد والمنافي، وتحمل المتاعب والمشاق ونحو ذلك على ما مر (انتهى). واقول: والعمدة في ذلك الاخبار الكثيرة الدالة على فضل الانبياء والائمة عليهم السلام على الملائكة، وإن كان فيها ما يوهم خلاف ذلك، وهي متفرقة في أبواب مجلدات الحجة، لم نوردها ههنا حذرا من الاطناب وحجم الكتاب. 1 - الاحتجاج: في ما سأل الزنديق الصادق عليه السلام: الرسول أفضل أم الملك المرسل إليه ؟ قال عليه السلام: بل الرسول أفضل (1). 2 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني عن علي بن محمد بن الحسن النخعي، عن جده سليم بن إبراهيم بن عبيد، عن نصربن مزاحم المنقري، عن إبراهيم بن الزبرقان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه عليه السلام في قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " يقول: فضلنا بنى آدم على سائر الخلق " وحملناهم في البر والبحر " يقول: على الرطب واليابس " ورزقناهم من الطيبات " يقول: من طيبات الثمار كلها " وفضلناهم " يقول: ليس من دابة ولا طائر إلا هي تأكل وتشرب بفيها لاترفع بيدها إلى فيها طعاما ولا شرابا غير ابن آدم، فإنه يرفع إلى فيه بيده طعامه، فهذا من التفضيل. بيان: لعله أراد بالرطب الحيوانات المتحركة النامية، وباليابس الاخشاب اليابسة التي تعمل منها السفن، ويحتمل كون النشر على خلاف ترتيب اللف، فالرطب البحر، واليابس البر. 3 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن الحسن بن هارون، عن يحيى بن السري الضرير، عن محمد بن حازم أبي معاوية الضرير قال: دخلت على هارون الرشيد، قيل لي، وكانت بين يديه المائدة، فسألني عن تفسير هذه الآية " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات


(1) الاحتجاج: 191.

[299]

- الآية - " فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تأولها جدك عبد الله بن عباس، أخبرني الحجاج بن إبراهيم الخوزي، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في هذه الآية " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات " قال: كل دابة تأكل بفيها إلا ابن آدم فإنه يأكل بالاصابع. قال أبو معاوية: فبلغني أنه رمى بملعقة كانت بيده من فضة، وتناول من الطعام بإصبعه. 4 - ومنه: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران. عن ابن عباس في قوله تعالى عز وجل " ولقد كرمنا بني آدم - إلى قوله - تفضيلا " قال: ليس من دابة إلا وهي تأكل بفيها إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده. 5 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي ابن الحكم، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقلت: الملائكة أفضل أم بنوا آدم ؟ فقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إن الله عزوجل ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائهم شهوة بلا عقل، و ركب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب (1) شهوته عقله فهو شر من البهائم (2). 6 - صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل المؤمن عند الله كمثل ملك مقرب، وإن المؤمن عند الله عز وجل أعظم من الملك، وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة (3). 7 - ومنه: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن المؤمن ليعرف في السماء


(1) في المصدر: غلبت (2) علل الشرائع: ج 1، ص 5 (3) صحيفة الرضا: 6.

[300]

كما يعرف الرجل أهله وولده، وإنه أكرم عند الله (1) عزوجل من ملك مقرب (2). 8 - العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " قال: خلق كل شئ منكبا غير الانسان فإنه خلق منتصبا. 9 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن غالب بن عثمان عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزوجل: يا ابن آدم اذكرني في ملا أذكرك في ملا خير من ملاك (3). 10 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن ابن فضال، رفعه قال: قال الله عزوجل لعيسى عليه السلام: يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، واذكرني في ملاك أذكرك في ملا خير من ملا الآدميين (4). بيان: ربما يستدل بالخبرين على كون الملائكة أفضل من بني آدم، ويمكن أن يجاب بأن خيرية ملا الملائكة باعتبار كون الجميع معصومين بخلاف ملا البشر لا ينافي كون بعض البشر أفضل من الملائكة، على أنه يمكن أن يكون المراد بالملا الثاني ما يشتمل على أرواح النبيين عليهم السلام، لكن وقع التصريح في بعض الاخبار بملا من الملائكة. 11 - كتاب تفضيل أمير المؤمنين: الكراجكي، عن علي بن الحسن بن مندة، عن الحسن بن يعقوب البزاز، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال: لما حمل المأمون أبا هدية مولى أنس إلى خراسان بلغني ذلك، فخرجت في لقائه فصادفني في بعض المنازل، فرأيت رجلا طويلا خفيف العارضين منحنيا من الكبر وقد اجتمع عليه الناس، فقلت له: حدثني - رحمك الله - فإني أتيتك من بلد بعيد أسمع منك، فلم يحدثني من الزحمة التي كانت عليه، ثم رحل فتبعته إلى المرحلة الاخرى فلما نزل فقلت له: حدثني


(1) في المصدر: على الله. (2) الصحيفة: 8. (3) الكافي: ج 2، ص 498. (4) الكافي: ج 2، ص 502.

[301]

- رحمك الله تعالى - قال: أنت صاحبي بالامس ؟ قلت: نعم، قال: إذا والله لا احدثك إلا قائما لما بدامني إليك، لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: من كان عنده علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار، ثم قام قائما وقال: كنت رأيت مولاي أنس بن مالك وهو معصب بعصابة بيضاء، فقلت: وما هذه العصابة ؟ قال: هذه دعوة علي بن أبي طالب، فقلت: وكيف ؟ فقال: اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه واله طائر ورسول الله صلى الله عليه واله في بيت أم سلمة رضي الله عنها وأنا حينئذ أحجب رسول الله صلى الله عليه واله فأصلحته ام سلمة رضي الله عنها وأتت به رسول الله صلى الله عليه واله وقالت ام سلمة: الزم الباب لينال رسول الله صلى الله عليه واله منه، فلزمت الباب وقدمته إلى النبي صلى الله عليه واله، فلما وضعته بين يديه رفع رسول الله صلى الله عليه واله يديه وقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فسمعت دعوة رسول الله صلى الله عليه واله وأحببت أن يكون رجلا من قومي، فأتى علي ابن أبي طالب، فقلت: إن رسول الله عنك مشغول فانصرف، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه واله ثانية وقال: اللهم أئتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فأتى علي ابن أبي طالب، فقلت: إن رسول الله عنك مشغول فانصرف، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه واله رأسه ودعا ثالثة وقال: يا رب ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فأتى علي فقلت: رسول الله عنك مشغول، فقال: وما يشغل رسول الله صلى الله عليه واله عني ؟ ودفعني فدخل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه واله قبل ما بين عينيه وقال: يا أخي ! من الذي حبسك عني وقد دعوت الله ثلاثا أن يأتيني بأحب خلقه إليه يأكل معي من هذا الطائر ؟ فقال يا رسول الله ؟ قد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس، فقال: لم رددت عليا ؟ فقلت: يا رسول الله إني سمعت دعوتك فأحببت أن يكون رجلا من الانصار فأفتخر به إلى الابد، فقال علي عليه السلام: اللهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس، فظهر علي هذا الذي ترى وهي دعوة علي. بيان: في سائر الاخبار أن دعوة أمير المؤمنين عليه السلام عليه حين استشهده فأبى أن يشهد وهذا من الاخبار المتواترة، ومما احتج به يوم الشورى فصدقوه، ويدل على أنه عليه السلام أفضل [جميع] خلق الله، وخرج الرسول صلى الله عليه واله بالاجماع والنصوص المتواترة

[302]

فيدل على فضله الملائكة، وكل من قال بفضله قال بفضل سائر الائمة وجميع الانبياء عليهم السلام فثبت فضل الجيمع. 12 - ومن الكتاب المذكور: عن محمد بن أحمد بن شاذان، عن طلحة بن أحمد عن عبد الحميد القناد، عن هشام بن بشير، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: علي أفضل من خلق الله غيري، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما، وإن فاطمة سيدة نساء العالمين، ولو أن لفاطمة خيرا من علي لم ازوجها منه. 13 - ومنه: عن ابن شاذان، عن محمد بن عبد الله، عن جعفر بن علي الدقاق عن عبد الله بن محمد الكاتب، عن سليمان بن الربيع، عن نصر بن مزاحم، عن علي بن عبد الله، عن الاشعث، عن مرة، عن أبي ذر، قال: نظر النبي صلى الله عليه واله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: خير الاولين والآخرين من أهل السماوات والارضين، هذا سيد الصديقين، وسيد الوصيين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، إذا كان يوم القيامة جاء على ناقة من نوق الجنة، قد أضاءت القيامة من نورها، على رأسه تاج مرصع بالزبرجد والياقوت، فتقول الملائكة: هذا ملك مقرب، ويقول النبيون: هذا نبي مرسل، فينادي مناد من تحت بطنان العرش: هذا الصديق الاكبر، هذا وصي حبيب الله رب العالمين، هذا علي بن أبي طالب عليه السلام، فيجئ علي حتى يقف على متن جهنم، فيخرج منها من يحب، ويأتي أبواب الجنة فيدخل فيها أولياءه بغير حساب. 14 - ومنه: عن ابن شاذان، عن الحسن (1) بن أحمد، عن أبي بكر بن محمد عن عيسى بن مهران، عن عيسى بن عبد الحميد، عن قيس بن الربيع، عن الاعمش عن عباية، عن حميد المغربي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أنا سيد الاولين والآخرين، وأنت يا علي سيد الخلائق بعدي، أولنا كآخرنا. أقول: الاستدلال بهذه الاخبار بتقريب ما مر.


(1) الحسين (خ).

[303]

15 - ومن الكتاب المذكور: عن ابن شاذان، عن جعفر بن محمد بن مسروق اللحام، عن حسين بن محمد، عن أحمد بن علويه، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن عبد الله ابن صالح، عن حريز بن عبد الحميد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: لما اسري بي إلى السماء ما مررت بملاء من الملائكة إلا سألتني عن علي بن أبي طالب، حتى ظننت أن اسم علي بن أبي طالب في السماوات أشهر من اسمي، فلما بلغت السماء الرابعة ونظرت إلى ملك الموت قال لي: يا محمد ! ما خلق الله خلقا إلا وأنا أقبض روحه إلا أنت وعلي، فإن الله جل جلاله يقبض أرواحكما بقدرته وجزت تحت العرش إذ أنا (1) بعلي بن أبي طالب واقفا تحت العرش، فقلت: يا علي سبقتني ؟ فقال جبرئيل: من هذا الذي تكلمه يا محمد ؟ فقلت: هذا علي بن أبي طالب، فقال: يا محمد ! ليس هذا علي بن أبي طالب، ولكنه ملك من الملائكة خلقه الله تعالى على صورة علي بن أبي طالب عليه السلام فنحن الملائكة المقربون كلما اشتقنا إلى وجه علي بن أبي طالب عليه السلام زرنا هذا الملك، لكرامة علي بن أبي طالب على الله سبحانه. أقول: دلالته أولا وآخرا على فضله لا يخفى على المتأمل، ودلت عليه الاخبار المستفيضة الدالة على مباهاة الله به عليه السلام ليلة المبيت ويوم احد، وقول جبرئيل عليه السلام: أنا منكما. 16 - العيون والعلل وكمال الدين: عن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي عن فرات بن إبراهيم، عن ابن عقدة، عن العباس بن عبد الله البخاري، عن محمد بن القاسم بن إبراهيم، عن أبي الصلت الهروي، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما خلق الله عزوجل خلقا أفضل مني ولا أكرم عليه مني، قال علي عليه السلام: فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أو جبرئيل ؟ فقال صلى الله عليه واله: يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين. والفضل بعدي لك يا علي وللائمة عليهم السلام من بعدك وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي ! الذين يحملون العرش ومن حوله


(1) إذا انا (خ).

[304]

يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي ! لولا نحن ما خلق آدم، ولا حواء، ولا الجنة، ولا النار، ولا السماء، ولا الارض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؟ - وساق الحديث إلى قوله - فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون لكوننا في صلبه ؟ وإنه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرئيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد، فقلت له: يا جبرئيل ! أتقدم عليك ؟ فقال: نعم، لان الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه على الملائكة (1) أجمعين، وفضلك خاصة - إلى آخر الخبر بطوله - (2). 17 - العلل: بإسناده إلى عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان جبرئيل عليه السلام إذا أتى النبي صلى الله عليه واله قعد بين يديه قعدة العبيد (3) وكان لا يدخل حتى يستأذنه (4). 18 - الاحتجاج وتفسير الامام: قال: سأل المنافقون النبي صلى الله عليه واله فقالوا: يا رسول الله أخبرنا عن علي هو أفضل أم ملائكة الله المقربون ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: وهل شرفت الملائكة إلا [بحبها] لمحمد وعلي وقبولها لولايتهما ؟ إنه لا أحد من محبي علي نظف قلبه من قذر الغش والدغل والغل ونجاسة الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة - الخبر - (5). 19 - كمال الدين: بإسناده إلى الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أنا سيد من خلق الله، وأنا خير من جبرئيل وإسرافيل وحملة العرش وجميع الملائكة المقربين وأنبياء الله المرسلين - الحديث -.


(1) في العلل: ملائكته. (2) علل الشرائع: ج 1، ص 6، العيون: ج 1، ص 262. (3) في المصدر: العبد. (4) علل الشرائع: ج 1، ص 7. (5) الاحتجاج: 31.

[305]

وأقول: الاخبار في ذلك كثيرة قد أوردناها في أبواب فضائل النبي صلى الله عليه واله و الائمة عليهم السلام فليرجع إليها. تذييل قال السيد الاجل المرتضى في كتاب الغرر بعد أن سئل عن تفسير قوله تعالى " خلق الانسان من عجل ": قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل، نحن نذكرها و نرجح الارجح منها: فأولها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الامور، لهج باستدناء ما يجلب إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا، ولهم عادة في استعمال مثل هذا اللفظ عند المبالغة، كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلا من نوم، وما خلق فلان إلا من شر، إذا أرادوا كثرة وقوع الشر منه، وربما قالوا: إنما أنت أكل وشرب، وما أشبه ذلك. قالت الخنساء تصف بقرة: ترتع مارتعت حتى إذا ادكرت * وإنما هي إقبال وإدبار. وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الاقبال والادبار منها، ويشهد لهذا التأويل قوله عزوجل في موضع آخر " وكان الانسان عجولا " ويطابقه أيضا قوله تعالى " فلا تستعجلون " لان وصفهم بكثرة العجلة وأن من شأنهم فعلها توبيخا لهم و تقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال، وقادرين على التثبت والتأيد. وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب [بن المستنير] وغيرهما من أن في الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الانسان، واستشهدوا على ذلك بقوله سبحانه " وقد بلغني الكبر " أي قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة " و المعنى أن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو: عرضت الحوض على الناقة، ثم ذكر - ره - شواهد وابياتا كثيرة في ذلك، ثم قال: ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن

[306]

يقال: وما المعنى والفائدة في قوله عزوجل " خلق العجل من الانسان " ؟ أتريدون بذلك أن الله تعالى خلق العجلة في الانسان ؟ وهذا لا يجوز، لان العجلة فعل من أفعال الانسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره ؟ ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول " ساريكم آياتي فلا تستعجلون " لانه لا ينهاهم عما خلقه فيهم، فإن قالوا: لم يرد أنه تعالى خلقها، لكنه أراد كثرة فعل الانسان لها وأنه لا يزال يستعملها، قيل لهم: هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير، وإذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه. وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقواه، و سأل نفسه عنه وقال: كيف جاز أن يقول: فلا تستعجلون، وهو خلق العجلة فيهم ؟ وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طبائعهم وكفها، وقد يكون الانسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة، وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح، وأمرهم في كثير من الاوقات بالامتناع منه، وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره، وهو الطبع الداعي إليه، والشهوة المتناولة له، و يجب أيضا أن يكون المراد ب‍ " من " ههنا " في " لان شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الانسان، وإنما تكون فيه، وهذا تجوز على تجوز، وتوسع على توسع، لان القلب أولا مجاز، ثم هو من بعيد المجاز، وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر، و إقامة " من " مقام " في " كذلك، على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله عز وجل " فلا تستعجلون " أي معنى لتقديم قوله: إني خلقت شهوة العجلة فيهم، والطبع الداعي إليها - على ما عبر به البلخي - ؟ وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم، وأيسر الاحوال أن لا يكون عذرا ولا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى. وفي الجواب الاول حسن تقديم ذلك على طريق الذم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه عز وجل، فالجواب الاول أوضح وأصح. وثالثها جواب روي عن الحسن، قال: يعني بقوله " من عجل " أي من ضعف وهي النطفة المنتنة المهينة الضعيفة، وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل

[307]

يكون عبارة عن الضعف أو عن معناه. ورابعها ما حكي أن أبا الحسن الاخفش أجاب به، وهو أن يكون المراد أن الانسان خلق من تعجيل الامر، لانه تعالى قال: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (1) " فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد " فلا تستعجلون " ؟ قلنا: يمكن أن يكون وجه المطابقة أنه لما استعجلوا بالآيات واستبطؤوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شئ إذا أراده ولا يمتنع عليه، وأن من خلق الانسان بلا كلفة ولا مؤونة بأن قال له كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر ويحار فيها كل ناظر لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين، فكأنه تعالى قال: خلق الانسان من طين، كما قال في موضع آخر " بدأ خلق الانسان من طين (2) " واستشهد بقول الشاعر: والنبع يخرج بين الصخر ضاحية * والنخل ينبت بين الماء والعجل ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب ويقولون: ليس بمعروف أن العجل هو الطين، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة، ولم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أنشدناه يمكن أن يكون شاهدا له، وقد رواه تغلب عن ابن الاعرابي وخالف في شئ من ألفاظه، وإذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى " فلا تستعجلون " على نحو ما ذكرناه، وهو أن من خلق الانسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات، أو يكون المعنى أنه لا يجب بمن خلق من الطين المهين وكان أصله هذا الاصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله تعالى وآياته وشرائعه، لانه تعالى قال قبل هذه الآية: " وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم (3) ".


(1) النحل: 40. (2) ألم السجدة: 7. (3) الانبياء: 36.

[308]

وسادسها أن يكون المراد بالانسان آدم عليه السلام ومعنى " من عجل " أي في سرعة من خلقه، لانه تعالى لم يخلقه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق غيره وإنما ابتدأه الله ابتداء وأنشأه إنشاء، فكأنه تعالى نبه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له، وأنه عزوجل يري عباده من آياته وبيناته [أولا] أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم. وسابعها ما روي عن مجاهد وغيره أن الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شئ آخر نهار يوم الجمعة على سرعة معاجلا به غروب الشمس، وروي أن آدم عليه السلام لما نفخت فيه الروح وبلغت أعالي جسده ولم تبلغ أسافله قال: رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وثامنها ما روي عن ابن عباس والسدي أن آدم عليه السلام لما خلق وجعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى ثمار الجنة. وقال: قوم بل هم بالوثوب، فهذا معنى قوله " خلق الانسان من عجل " وهذه الاجوبة الثلاثة المتأخرة مبنية على أن المراد بالانسان فيها آدم عليه السلام دون غيره. 40 (باب آخر) نورد ما ذكره محمد بن بحر الشيباني المعروف بالدهني (1) في كتابه من قول مفضلي الانبياء والرسل [والائمة] والحجج على الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين على ما


(1) كذا في جميع نسخ البحار، والمشهور ضبطه بالراء المهملة المضمومة نسبة الى " رهنه " قرية بكرمان، وحكى ابن داود عن نسخة " الدهنى " بالدال قال النجاشي: محمد ابن بحر الرهنى: أبو الحسن الشيباني ساكن نرماشير من ارض كرمان قال اصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا ادرى من اين قيل وقال في محكى الفهرست، محمد بن بحر الرهنى من اهل سجستان وكان من المتكلمين وكان عالما بالاخبار فقيها الا انه متهم بالغلو وله نحو من خمسمائة مصنف ورسالة - انتهى - والظاهران منشأ اتهامه بالغلو مبالغته في تفضيل الائمه وعلو رتبتهم عليهم السلام ولم يثبت منه قول بحلون أو اتحاد أو تفويض ونحوها فلا يبعد كونه حسنا.

[309]

أورده الصدوق - ره - في كتاب علل الشرائع ناقلا عنه حيث قال: قال مفضلوا الانبياء والرسل والحجج على الملائكة: إنا نظرنا إلى جميع ما خلق الله عزوجل من شئ علا علوا طبعا واختيارا أو علي به قسرا واضطرارا، وما سفل شئ طبعا واختيارا أو ما سفل به قسرا واضطرارا، فإذا هي ثلاثة أشياء بأجماع: حيوان نام وجماد، وأفلاك سائرة، وبالطبع الذي طبعها عليه صانعها دائرة، وفي ما دونها عن إرادة خالقها مؤثرة. وإنهم نظروا في الانواع الثلاثة وفي الاشياء التي هي أجناس منقسمة إلى جنس الاجناس الذي هو شئ إذ يعطي كل شئ اسمه. قالوا: ونظرنا أي الثلاثة هو نوع لما فوقه وجنس لما تحته أنفع وأرفع، وأيها أدون وأوضع. فوجدنا أرفع الثلاثة الحيوان، وذلك بحق الحياة التي بان بها النامي والجماد، وإنما رفعة الحيوان عندنا في حكمة الصانع وترتيبها أن الله تقدست أسماؤه جعل النامي له أغذاء، وجعل له عند كل داء دواء، وفي ما قدر له صحة وشفاء فسبحانه ما أحسن ما دبره في ترتيب حكمته ! إذ الحيوان الرفيع مما دونه يغذو، ومنه لوقاية الحر والبرد يكسو، وعليه أيام حياته ينشو. وجعل الجماد له مركزا ومكديا فامتهنه له امتهانا، وجعل له مسرحا وأكنانا، ومجامع وبلدانا، ومصانع وأوطانا، و جعل له حزنا محتاجا وسهلا محتاجا إليه، وعلوا ينتفع بعلوه، وسفلا ينتفع به وبمكاسبه برا وبحرا. فالحيوان مستمتع، فيستمتع بما جعل له فيه من وجوه المنفعة والزيادة والزبول عند الزبول (1) وتتخذ المركز عند التجسيم والتأليف من الجسم المؤلف، تبارك الله رب العالمين. قالوا: ثم [إنا] نظرنا، فإذا الله عزوجل قد جعل المتخذ بالروح والنمو والجسم أعلى وأرفع مما يتخذ بالنمو والجسم والتأليف والتصريف، ثم جعل الحي الذي هو بالحياة التي هي غيره نوعين: ناطقا وأعجم، ثم أبان الناطق من الاعجم بالنطق والبيان اللذين جعلهما له، فجعله أعلى منه بفضيلة النطق والبيان. ثم جعل


(1) في بعض النسخ " الذبول " في الموضعين، وفى نسخة " الذلول " في الموضع الثاني.

[310]

الناطق نوعين: حجة ومحجوجا، فجعل الحجة أعلى من المحجوج، لابانة الله الحجة واختصاصه إياه بعلم علوي يخصه له دون المحجوجين، فجعله معلما من جهة باختصاصه إياه، وعلما بأمره إياه أن يعلم بأن الله عزوجل معلم الحجة دون أن يكله إلى أحد من خلقه، فهو متعال به، وبعضهم يتعالى على بعض بعلم يصل إلى المحجوجين من جهة الحجة. قالوا: ثم رأينا أصل الشئ الذي هو آدم، فوجدناه قد جعله [علما] على كل روحاني خلقه قبله، وجسماني ذرأه وبرأه منه، فعلمه علما خصه به لم يعلمهم قبل ولا بعد، وفهمه فهما لم يفهمهم قبل ولا بعد. ثم جعل ذلك العلم الذي علمه ميراثا فيه لاقامة الحجج من نسله على نسله، ثم جعل آدم لرفعة قدره وعلو أمره للملائكة الروحانيين قبلة، وأقامه لهم محنة، فابتلاهم بالسجود إليه، فجعل - لا محالة - من اسجد له له أعلى وأفضل ممن أسجدهم، ولان من جعل بلوى وحجة أفضل ممن حجهم به، و لان إسجاده جل وعز إياهم للخضوع ألزمهم الاتضاع منهم له، والمأمورين بالاتضاع بالخضوع والخشوع والاستكانة دون من أمرهم بالخضوع له، ألا ترى إلى من أبى الائتمار لذلك الخضوع ولتلك الاستكانة فأبى واستكبر ولم يخضع لمن أمره له بالخضوع كيف لعن وطرد عن الولاية، وادخل في العداوة، فلا يرجى له من كبوته الاقالة آخر الابد فرأينا السبب الذي أوجب الله عزوجل لآدم عليهم فضلا، فإذا هو العلم خصه الله عزوجل دونهم، فعلمه الاسماء، وبين له الاشياء، فعلا بعلمه من لا يعلم. ثم أمره جل وعز أن يسألهم سؤال تنبيه لا سؤال تكليف عما علمه بتعليم الله عزوجل إياه مما لم يكن علمهم، ليريهم جل وعز علو منزلة العلم ورفعة قدره، كيف خص العلم محلا وموضعا اختاره له، وأبان ذلك المحل عنهم بالرفعة والفضل. ثم علمنا أن سؤال آدم إياهم عما سألهم عنه مما ليس في وسعهم وطوقهم الجواب عنه سؤال تنبيه لا سؤال تكليف، لانه جل وعز لا يكلف ما ليس في وسع المكلف القيام به. فلما لم يطيقوا الجواب عما سألوا علمنا أن السؤال كان كالتقرير منه لهم يقرن (1)


(1) في العلل: يقرر.

[311]

به اتضاعهم بالجهالة عما علمه إياه، وعلو خطره وقدره، واختصاصه (1) إياه بعلم لم يخصهم به، فالتزموا الجواب بأن قالوا: " سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا (2) ". ثم جعل الله عزوجل آدم عليه السلام معلم الملائكة بقوله " أنبئهم " لان الانباء من النبأ تعليم، والامر بالانباء من الآمر تكليف يقتضي طاعة وعصيانا، والاصغاء من الملائكة للتعليم والتوقيف والتفهيم والتعريف تكليف يقتضي طاعة وعصيانا، فمن ذهب منكم إلى فضل المتعلم على المعلم، والموقف على الموقف، والمعرف على المعرف، كان في تفضيله تعكيس لحكمة الله عزوجل، وقلب لترتيبها التي رتبها الله عزوجل، فإنه على قياد مذهبه أن تكون الارض التى هي المركز أعلى من النامي الذي هو عليها الذي فضله الله عزوجل بالنمو، والنامي أفضل وأعلى من الحيوان الذي فضله الله جل جلاله بالحياة والنمو والروح، والحيوان الاعجم الخارج عن التكليف والامر و الزجر أعلى وأفضل من الحيوان الناطق المكلف للامر والزجر، والحيوان الذي هو المحجوج أعلى من الحجة التي هي حجة الله عزوجل فيها، والمتعلم أعلى من المعلم وقد جعل الله عزوجل آدم حجة على كل من خلق من روحاني وجسماني إلا من جعل له أولية الحجة. فقد روي لنا أن حبيب بن مظاهر الاسدي - بيض الله وجهه - أنه قال للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام: أي شئ كنتم قبل أن يخلق الله عزو جل آدم عليه السلام ؟ قال: كنا أشباح نور ندور حول عرش الرحمن، فنعلم للملائكة التسبيح والتهليل والتحميد. ولهذا تأويل دقيق ليس هذا مكان شرحه، وقد بيناه في غيره. قال مفضلوا الملائكة: إن مدار الخلق روحانيا كان أو جسمانيا على الدنو من الله عزوجل والرفعة والعلو، والزلفة والسمو، وقد وصف الله جلت عظمته الملائكة من ذلك بما لم يصف به غيرهم، ثم وصفهم بالطاعة التي عليها موضع الامر و الزجر والثواب والعقاب، فقال عزوجل " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (3) "


(1) باختصاصه (خ). (2) البقرة: 32. (3) التحريم: 6.

[312]

ثم جعل محلهم الملكوت الاعلى، فبراهينهم على توحيده أكثر، وأدلتهم عليه أشهر وأوفر، وإذا كان ذلك كذلك كان حظهم من الزلفة أجل، ومن المعرفة بالصانع أفضل. قالوا: ثم رأينا الذنوب والعيوب الموردة النار ودار البوار كلها من الجنس الذي فضلتموه على من قال الله عزوجل في نعتهم لما نعتهم ووصفهم بالطاعة لما وصفهم " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " قالوا: كيف يجوز فضل جنس فيهم كل عيب ولهم كل ذنب على من لا عيب فيهم ولا ذنب منهم لا صغائر ولا كبائر ؟ والجواب: أن مفضلي الانبياء والحجج عليهم السلام قالوا: إنا لا نفضل ههنا الجنس على الجنس، ولكنا فضلنا النوع على النوع من الجنس، كما أن الملائكة كلهم ليسوا كإبليس وهاروت وماروت لم يكن البشر كلهم كفرعون الفراعنة وكشياطين الانس المرتكبين المحارم، المقدمين على المآثم. وأما قولكم في الزلفة والقربة فإنكم إن أردتم زلفة المسافات وقربة المداناة فالله عزوجل أجل، ومما توهمتموه أنزه، و في الانبياء والحجج من هو أقرب إلى قربه بالصالحات، والقربات (1) الحسنات، و بالنيات الطاهرات من كل خلق خلقهم، والقرب والبعد من الله جلت عظمته بالمسافة والمدى تشبيه له بخلقه، وهو من ذلك نزيه. وأما قولهم في الذنوب والعيوب فإن الله جلت أسماؤه جعل الامر والزجر أسبابا وعللا، والذنوب والمعاصي وجوها، فالله جل جلاله هو الذي جعل قاعدة الذنوب من جميع المذنبين من الاولين والآخرين إبليس، وهو من حزب الملائكة وممن كان في صفوفهم، وهو رأس الابالسة، وهو الداعي إلى عصيان الصانع، والموسوس والمزين لكل من تبعه وقبل منه وركن إليه الطغيان، وقد امهل الملعون لبلوى أهل البلوى في دار الابتلاء، فكم من برية نبيه، وفي طاعة الله عزوجل وجيه، وعن معصيته بعيد وقد أقمأ إبليس وأقصاه وزجره ونفاه، فلم يلوله على أمر إذا أمره ولا انتهى عن زجر إذا زجر له لمات في قلوب الخلق مكافئ من المعاصي لمات الرحمن، فلمات الرحمن


(1) العزمات (خ).

[313]

دافعة للماته ووسوسته وخطراته، ولو كانت المحنة بالملعون واقعة بالملائكة، والابتلاء به قائما كما قام في البشر، ودائما كما دام، لكثرت من الملائكة المعاصي، وقلت فيهم الطاعات، إذا تمت فيهم الآلات، فقد رأينا المبتلى من صفوف (1) الملائكة بالامر و الزجر مع آلات الشهوات كيف انخدع بحيث دنا من طاعته، وكيف بعد مما لم يبعد منه الانبياء والحجج الذين اختارهم الله على علم على العالمين، إذ ليست هفوات البشر كهفوة إبليس في الاستكبار، وفعل هاروت وماروت في ارتكاب المزجور. قال مفضلوا الملائكة: إن الله جل جلاله وضع الخضوع والخشوع والتضرع والخنوع حلية، فجعل مداها وغايتها آدم عليه السلام ففازت الملائكة في هذه الحلية وأخذوا منها بنصيب الفضل والسبق، فجعل للطاعة فأطاعوا الله فيه، ولو كان هناك بنو آدم لما أطاعوه فيما أمر وزجر، كما لم يطعه قابيل، فصار إمام كل قاتل. جواب مفضلي الانبياء والحجج عليهم السلام، قالوا: إن الابتلاء الذي ابتلى به الله عزوجل الملائكة من الخشوع والخضوع لآدم عن غير شيطان مغو وعدو مطغي، فاصل بغوايته بين الطائعين والعاصين ; والمقيمين على الاستقامة عن الميل، وعن غير آلات المعاصي التي هي الشهوات المركبات في عباده المبتلين، وقد ابتلى من الملائكة من ابتلى فلم يعتصم بعصمة الله الوثقى، بل استرسل للخادع الذي كان أضعف منها. وقد روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن في الملائكة من باقة بقل خير منه، والانبياء والحجج يعلمون ذلك لهم وفيهم ما جهلناه، وقد أقر مفضلوا الملائكة بالتفاضل بينهم كما أقر بالتفاضل بين ذوي الفضل من البشر. ومن قال: إن الملائكة جنس من خلق الله عزوجل تقل فيهم العصاة كهاروت وماروت وكإبليس اللعين، إذ الابتلاء فيهم قل (2) فليس ذلك بموجب أن يكون فاضلهم أفضل من فاضل البشر الذين جعل الله عزوجل الملائكة خدمهم إذا صاروا إلى دار المقامة التي ليس فيها حزن ولا هم ولا نصب ولا سقم ولا فقر.


(1) في المصدر: صنوف. (2) في المصدر: قليل.

[314]

قال مفضلوا الملائكة: إن الحسن البصري يقول: إن هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وأنكر أن يكونا من الملائكة، فلم تعترضونا بالحجة بهما وبإبليس فتحتجون علينا بجني فيه. قال مفضلوا الانبياء والحجج عليهم السلام: ليس شذوذ الحسن عن جميع المفسرين من الامة بموجب أن يكون ما يقول كما يقول، وأنتم تعلمون أن الشئ لا يستثنى إلا من جنسه، وتعلمون أن الجن سموا جنا لاجتنانهم عن الرؤية إلا إذا أرادوا الترائي بما جعل الله عزوجل فيهم من القدرة على ذلك، وأن إبليس من صفوف (1) الملائكة وغير جائز في كلام العرب أن يقول قائل: جاءت الابل كلها إلا حمارا، ووردت البقر كلها إلا فرسا، فإبليس من جنس ما استثني. وقول الحسن في هاروت وماروت بأنهما علجان من أهل بابل شذوذ شذ به عن جميع أهل التفسير، وقول الله عزوجل يكذبه إذ قال " وما انزل على الملكين - بفتح اللام - ببابل هاروت وماروت " وليس في قولكم عن قول الحسن فرج لكم، فادعوا (2) ما لا فائدة فيه من علة، ولا عائدة من حجة. قال مفضلوا الملائكة: قد علمتم ما للملائكة في كتاب الله عزوجل من المدح والثناء مما بانوا به عن خلق الله جل وعلا، إذ لو لم يكن فيه إلا قوله " بل هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (3) ". قال مفضلوا الانبياء والحجج عليهم السلام: لو استقصينا آي القرآن في تفضيل الانبياء والحجج صلوات الله عليهم أجمعين لاحتجنا لذلك إلى التطويل والاكثار، وترك الايجاز والاختصار، وفي ما جئنا به من الحجج النظرية التي تزيح العلل من الجميع مقنع، إذ ذكرنا ترتيب الله عزوجل خلقه، فجعل الارض دون النامي، والنامي أعلى وأفضل من الارض، وجعل النامي دون الحيوان، والحيوان أعلى وأرفع من النامي


(1) في المصدر: صنوف. (2) فدعوا (خ). (3) الانبياء: 26 - 27. وفى المصدر بعد ذكر الاية " لكفى ".

[315]

وجعل الحيوان الاعجم دون الناطق، وجعل الحيوان الناطق أفضل من الحيوان الاعجم وجعل الحيوان الجاهل الناطق دون الحيوان العالم الناطق، وجعل الحيوان العالم الناطق المحجوج دون الحيوان العالم الحجة، ويجب على هذا الترتيب أن المعرب المبين أفضل من الاعجم غير الفصيح، ويكون المأمور المزجور مع تمام الشهوات وما فيهم من طباع حب اللذات ومنع النفس من الطلبات والبغيات ومع البلوى بعدو يمهل يمتحن بمعصيته إياه وهو يزينها له محسنا بوسوسته في قلبه وعينه أفضل من المأمور المزجور مع فقد آلة الشهوات وعدم معاداة هذا المتوصل له بتزيين المعاصي والوسوسة إليه. ثم هذا الجنس نوعان: حجة ومحجوج، والحجة أفضل من المحجوج، ولم يحجج آدم الذي هو أصل البشر بواحد من الملائكة تفضيلا من الله عزوجل إياه عليهم، وحجج جماهير الملائكة آدم، فجعله العالم بما لم يعلموا وخصه بالتعليم ليبين لهم أن المخصوص بما خصه به مما لم يخصهم أفضل من غير المخصوص بما لم يخصه به وهذا الترتيب حكمة الله عزوجل، فمن ذهب يروم إفسادها ظهر منه عناد من مذهبه وإلحاد في طلبه. فانتهى الفضل إلى محمد صلى الله عليه واله لانه ورث آدم وجميع الانبياء، ولانه الاصطفاء الذي ذكره الله عزوجل فقال " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (1) " فمحمد الصفوة والخالص، نجيب النجابة (2) من آل إبراهيم فصار خير آل ابراهيم بقوله " ذرية بعضها من بعض " واصطفى الله جل جلاله آدم ممن اصطفاه عليهم من روحاني وجسماني. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله [و] حسبنا الله ونعم الوكيل. قال الصدوق: إنما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب، وليس قولي في إبليس أنه كان من الملائكة، بل كان من الجن، إلا أنه كان يعبد الله بين الملائكة وهاروت وماروت ملكان، وليس قولي فيهما قول أهل الحشو، بل كانا عندي معصومين


(1) آل عمران: 33. (2) في المصدر: النجباء.

[316]

ومعنى هذه الآية " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان - الآية - (1) " إنما هو: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وعلى ما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وقد أخرجت في ذلك خبرا مسندا في كتاب عيون الاخبار عن الرضا عليه السلام (2). توضيح: قوله " وجماد " لعل مراده بالجماد غير الحيوان ليشمل النبات، و كأنه كان هكذا: حيوان، ونام وجماد، فقوله " وأفلاك " عطف على ثلاثة أو على جماد وهما قسم واحد، لان الافلاك أيضا على مذهب أهل الحق من الجماد. قوله " إلى جنس الاجناس " الظرف متعلق ب‍ " نظروا " ويحتمل تعلقه ب‍ " منقسمة " على شبه القلب، أي هي أقسامه، كأنه جعل جنس الاجناس مفهوم الشيئية ولا يقول بإطلاق الشئ على الواجب تعالى شأنه، وفيه نظر من وجوه، ويحتمل أن تكون كلمة " إذ " زائدة، فتأمل. قوله " هو نوع " صفة للثلاثة، أي كل منها " بان بها النامي " أي من النامي " جعل النامي له " أي للحيوان " وجعل له " أي جعله له، وكأنه كان كذلك. قوله " ومكديا " كذا في النسخ، وكأنه من الكدية، قال في النهاية: الكدية قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيها الفأس، وأكدى الحافر إذا بلغها، وفيه أن فاطمة خرجت في تعزية بعض جيرانها، فلما انصرفت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك بلغت معهم الكدى، أراد المقابر، وذلك لانها كانت مقابرهم في مواضع صلبة وهي جمع كدية (انتهى) ويشبه أن يكون فيه تصحيف. والمهنة - بالكسر والفتح والتحريك وككلمة -: الحذق بالخدمة وامتهنه: استعمله للمهنة. ذكره الفيروز آبادي. وقال: المصنعة كالحوض يجمع فيه ماء المطر كالمصنع، والمصانع: الجمع، والقرى، والمباني من القصور والحصون (انتهى). " دون من أمرهم " أي أدون منهم، والمدى: الغاية، ويطلق على المسافة أيضا وفي المصباح: نبه - بالضم - نباهة: شرف، وهو نبيه. وأقمأه: صغره وأذله. و


(1) البقرة: 102. (2) علل الشرائع: ج 1، ص 19 - 26. والحديث الذى اشار إليه في العيون: ج 1 ص 267.

[317]

في النهاية: فيه " فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد " أي لا يلتفت ولا يعطف عليه. وقال: فيه " لابن آدم لمتان: لمة من الملك، ولمة من الشيطان " اللمة: الهمة و الخطرة تقع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان. قوله " من طاعته " أي طاعة الشيطان. والهفوة: الزلة، وفي النهاية: الخانع الذليل الخاضع. قوله " حلية " في أكثر النسخ بالياء المثناة، والاظهر أنه بالباء الموحدة في القاموس: الحلبة - بالفتح -: الدفعة من الخيل في الرهان، وخيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من اصطبل واحد (انتهى). " فجعل مداها وغايتها " أي غاية الحلبة في السباق، وعلى النسخة الاولى كان المعنى أنه كان قبلة للخنوع والخضوع، فجعل على بناء المجهول، والضمير للسبق أو آدم. وفي الصحاح: استرسل إليه: انبسط واستأنس. وقال: الباقة من البقل: الحزمة منه. وفي المصباح: العلج: الرجل الضخم من كفار العجم، وبعض العرب قد يطلق العلج على الكافر مطلقا. قوله " لاجتنانهم " أي استتارهم، وفي الصحاح: زاح الشئ يزيح زيحا: بعد وذهب. 41 (باب) * (بدء خلق الانسان في الرحم الى آخر أحواله) * الآيات: آل عمران: هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (1). النساء: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء (2).


(1) آل عمران: 6. (2) النساء: 1.

[318]

الانعام: هو الذي خلقكم من طين (1). هود: هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها (2). الرعد: الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار (3). النحل: خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4). مريم: أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (5). الحج: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا (6). المؤمنون: ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (7). الروم: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (8). لقمان: حملته امه وهنا على وهن وفصاله في عامين (9). التنزيل: الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سويه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون (10).


(1) الانعام: 2. (2) هود: 61. (3) الرعد: 8. (4) النحل: 4. (5) مريم: 67. (6) الحج: 5. (7) المؤمنون: 12 - 16. (8) الروم: 20. (9) لقمان: 14. (10) السجدة: 7 - 9.

[319]

فاطر: والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من انثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (1). يس: أولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (2). الزمر: يخلقكم في بطون امهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث (3). المؤمن: هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (4). حمعسق: لله ملك السماوات والارض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (5). النجم: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم - إلى قوله تعالى - وإنه خلق الزوجين الذكر والانثى من نطفة إذا تمنى (6). الواقعة: أفرأيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (7). التغابن: وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (8). الملك: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون (9). نوح: مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا - إلى قوله تعالى - والله أنبتكم من الارض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (10).


(1) فاطر: 11. (2) يس: 77. (3) الزمر: 6. (4) المؤمن: 67. (5) الشورى: 49 - 50. (6) النجم: 32 - 46. (7) الواقعة: 58 - 59. (8) التغابن: 3. (9) الملك: 23 - 24. (10) نوح: 13 - 18.

[320]

القيامة: ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والانثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (1). الدهر: هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2). المرسلات: ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين (3). النبأ: وخلقناكم أزواجا (4). عبس: قتل الانسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره (5). الانفطار: ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسويك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك (6). الطارق: فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب و الترائب (7). تفسير: " هو الذي يصوركم " قال الطبرسي - رحمه الله -. أي يخلق صوركم " في الارحام كيف يشاء " على أي صورة شاء، وعلى أي صفة شاء، من ذكر وانثى أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير. " لا إله إلا هو العزيز " في سلطانه " الحكيم " في أفعاله. ودلت الآية على وحدانية الله سبحانه وتمام قدرته وكمال حكمته حيث صور الولد في رحم الام على هذه الصفة، وركب فيه أنواع البدائع من غير آلة ولا كلفة، وقد تقرر في عقل كل عاقل أن العالم لو اجتمعوا أن يجعلوا من الماء بعوضة و يصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه ويعرفونه لم يقدروا على ذلك ولا وجدوا إليه


(1) القيامة: 37 - 40. (2) الدهر: 1 - 2. (3) المرسلات: 20 - 24. (4) النبأ: 8. (5) عبس: 17 - 23. (6) الانفطار: 6 - 8. (7) الطارق: 5 - 7.

[321]

سبيلا، فكيف يقدرون على الخلق في الارحام ؟ فتبارك الله أحسن الخالقين. وهذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام (1). " من نفس واحدة " أي آدم " وخلق منها زوجها " حواء كما مر " وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " أي نشر وفرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالا كثيرا ونساء. وقال البيضاوي: واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر " كثيرا " حملا على الجمع (2). " خلقكم من طين " قيل أي ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الاولى، أو إن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه، أو خلق أباكم، فحذف المضاف إليه (انتهى) و يحتمل أن يكون المراد الطين الذي سيأتي في الاخبار أنه يذر في النطفة. " هو أنشأكم من الارض " قيل: أي هو كونكم منها لا غيره، فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من الارض. " واستعمركم فيها " قيل: أي عمركم فيها واستبقاكم من العمر، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها. وقيل: هو من العمرى، بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم، أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم. " الله يعلم ما تحمل كل انثى " قال الطبرسي - رحمه الله - يعلم ما في بطن كل حامل من ذكر أو انثى تام أو غير تام، ويعلم لونه وصفاته " وما تغيض الارحام " أي يعلم الوقت الذي تنقصه الارحام من المدة التي هي تسعة أشهر " وما تزداد " على ذلك، عن أكثر المفسرين، وقيل: ما تغيض الولد الذي تأتي به المرأة لاقل من ستة أشهر، وما تزداد الولد الذي تأتي به لاقصى مدة الحمل، وقيل: معناه ما تنقص الارحام من دم الحيض وهو انقطاع الحيض، وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع (4).


(1) مجمع البيان: ج 2، ص 408. (2) انوار التنزيل: ج 1، ص 255. (3) انوار التنزيل: ج 1، ص 369. (4) مجمع البيان: ج 6، ص 280.

[322]

وقال البيضاوي: أي وما تنقصه وما تزداد في الجنة والمدة والعدد. وقيل: المراد نقصان دم الحيض وازدياده، و " غاض " جاء لازما ومتعديا، وكذا " ازداد (1) ". " وكل شئ عنده بمقدار " قيل: أي بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه، وفي الاخبار: أي بتقدير خلق الانسان من نطفة. قال البيضاوي: من جماد لاحس بها ولا حراك، سيالة لا تحفظ الوضع والشكل " فإذا هو خصيم " منطيق (2) مجادل " مبين " للحجة، أو خصيم مكافح لخالقه قائل: من يحيى العظام وهي رميم (3) ؟ " ولم يك شيئا " بل كان عدما صرفا، فإنه أعجب من جميع المواد بعد التفريق الذي ينكر منكر البعث. " في ريب من البعث " قال البيضاوي: من إمكانه وكونه مقدورا " فإنا خلقناكم " أي فانظروا في بدء خلقكم، فإنه يزيح ريبكم، فإنا خلقناكم " من تراب " بخلق آدم منها (4) والاغذية التي يتكون منها المني " ثم من نطفة " أي من مني، من النطف وهو الصب " ثم من علقة " قطعة من الدم جامدة " ثم من مضغة " قطعة من اللحم بقدر (5) ما يمضغ " مخلقة وغير مخلقة " مسواة لا نقص فيها ولاعيب، وغير مسواة أو تامة وساقطة، أو مصورة وغير مصورة " لنبين لكم " بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا فإن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها اخرى، وإن من قدر على تغييره وتصويره أولا قدر على ذلك ثانيا، وحذف المفعول إيماء إلى أن الافعال هذه يتبين بها من قدرته وحكمته مالا يحيط به الذكر " ونقر في الارحام ما نشاء " أن نقره " إلى أجل مسمى " هو وقت الوضع، وقرئ " ونقر " بالنصب، وكذا قوله " ثم نخرجكم " عطفا على " نبين " كأن خلقهم مدرج لغرضين: تبين القدرة، وتقريرهم في الارحام حتى يولدوا وينشؤوا، أو يبلغوا حد التكليف، و " طفلا " حال اجريت على تأويل كل واحد، أو للدلالة على الجنس، أو لانه في الاصل مصدر " ثم لتبلغوا أشدكم "


(1) انوار التنزيل: ج 1، ص 616. (2) في المصدر: منطيق مناظر مجادل. (3) انوار التنزيل: ج 1، ص 657. (4) في المصدر: إذ خلق آدم منه. (5) في المصدر: وهى في الاصل قدر ما يمضغ.

[323]

أي كمالكم في القوة والعقل، جمع شدة. " ومنكم من يتوفى " عند بلوغ الاشد أو قبله " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر " أي الهرم والخرف " لكيلا يعلم من بعد علم شيئا " أي ليعود كهيئته الاولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسي ما علمه وينكر من عرفه، وأنه استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الانسان في أسنانه من الامور المختلفة والاحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره (1). " من سلالة " من خلاصة سلت من بين الكدر " من طين " متعلق بمحذوف لانه صفة لسلالة أو بمعنى سلالة، لانها في معنى مسلولة، فتكون ابتدائية كالاول، و الانسان آدم خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار، وقيل: المراد بالطين آدم لانه خلق منه، والسلالة نطفته " ثم جعلناه " أي ثم جعلنا نسله، فحذف المضاف " نطفة " بأن خلقناه منها، أو ثم جعلنا السلالة نطفة، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء " في قرار مكين " أي مستقر حصين يعني الرحم " ثم خلقنا النطفة علقة " بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء " فخلقنا العلقة مضغة " أي فصيرناها قطعة لحم " فخلقنا المضغة عظاما " بأن صلبناها " فكسونا العظام لحما " مما بقي من المضغة، أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات، والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة " ثم أنشأناه خلقا آخر " هو صورة البدن والروح والقوى بنفخة فيه أو المجموع، و " ثم " لما بين الخلقتين من التفاوت " أحسن الخالقين " أي المقدرين تقديرا. " ثم إذا أنتم بشر " أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الارض. " وهنا " أي ذات وهن أو تهن وهنا " على وهن " أي تضعف ضعفا فوق ضعف، فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها، والجملة في موضع الحال " وفصاله في عامين " أي وفطامه في انقضاء عامين. " الذي أحسن كل شئ خلقه " أي خلقه موفرا عليه ما يستعده ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة، و " خلقه " بدل من " كل " بدل الاشتمال، وقيل: علم كيف يخلقه. وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف " وبدأ خلق الانسان " يعني آدم


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 95 - 96.

[324]

" من طين ثم جعل نسله " أي ذريته، سميت به لانها تنسل منه أي تنفصل " من سلالة من ماء مهين " أي ممتهن. وقال الطبرسي - رحمه الله - أي ضعيف، وقيل: حقير مهان، أشار إلى أنه من شئ حقير لاقيمة له وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل (1). " ثم سواه " قال البيضاوي: أي قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي " ونفخ من روحه " أضافه إلى نفسه تشريفا، وإظهارا (2) بأنه خلق عجيب، وأن له شأنا له مناسبة إلى الحضرة الربوبية، ولاجله من عرف نفسه فقد عرف ربه " وجعل لكم السمع والابصار والافئدة " خصوصا لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا " قليلا ما تشكرون " أي تشكرون شكرا قليلا (3). " من تراب " بخلق آدم منه " ثم من نطفة " بخلق ذريته منها " ثم جعلكم أزواجا " ذكرانا وإناثا " إلا بعلمه " أي إلا معلومة له " وما يعمر من معمر " أي و ما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر " ولا ينقص من عمره " من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، أولا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصا، والضمير له وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه، أو للمعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم: لا يثيب الله عبدا ولا يعاقبه إلا بحق. وقيل: الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة اثبتت في اللوح، مثل أن يكون فيه: إن حج واعتمر (4) فعمره ستون سنة وإلا فأربعون. وقيل: المراد بالنقصان ما يمر من عمره وينقص، فإنه يكتب في صحيفة عمره يوما فيوما " إلا في كتاب " هو علم الله أو اللوح أو الصحيفة " إن ذلك على الله يسير " إشارة إلى الحفظ أو الزيادة والنقص (5).


(1) مجمع البيان: ج 8، ص 327 (2) في المصدر: إشعارا. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 260. (4) في المصدر: ان حج عمر وفعمره.. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 299.

[325]

" يخلقكم في بطون امهاتكم " بيان لكيفية خلق ما ذكر من الاناسي والانعام إظهارا لما فيه من عجائب القدرة، غير أنه غلب اولي العقل أو خصهم بالخطاب لانهم المقصودون " خلقا من بعد خلق " حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف " في ظلمات ثلاث " ظلمة البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن. اقول: الاول رواه الطبرسي - رحمه الله - عن أبي جعفر عليه السلام (1). " ثم لتبلغوا " أي ثم يبقيكم لتبلغوا، وكذا قوله تعالى " ثم لتكونوا ". " من قبل " أي من قبل الشيخوخة (2) أو بلوغ الاشد " ولتبلغوا " قيل: أي ويفعل ذلك لتبلغوا " أجلا مسمى " هو وقت الموت أو يوم القيامة " ولعلكم تعقلون " ما في ذلك من الحجج والعبر. " يهب لمن يشاء إناثا " قال البيضاوي: المعنى يجعل أحوال العباد في الاولاد مختلفة على مقتضى المشية، فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو انثى أو الصنفين جميعا ويعقم آخرين، ولعل تقديم الاناث لانه (3) أكثر لتكثير النسل، أو لان مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشية الله [تعالى] لا مشية الانسان والاناث كذلك، أو لان الكلام في البلاء والعرب تعدهن بلاء، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو للمحافظة على الفواصل (4). " هو أعلم بكم " أي أعلم بأحوالكم منكم " إذ أنشأكم " أي علم أحوالكم ومصارف اموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم، وحين ما صوركم في الارحام. " من نطفة إذا تمنى " أي تدفق في الرحم أو تخلق أو يقدر منها الولد من مني إذا قدر. " أفرأيتم ما تمنون " أي تقذفونه في الارحام من النطف " ءأنتم تخلقونه " أي تجعلونه


(1) مجمع البيان: ج 8، ص 491. (2) الشيخوخية (خ). (3) في المصدر: لانها. (4) انوار التنزيل: ج 2، ص 401.

[326]

بشرا سويا. " وصوركم فأحسن صوركم " قيل: أي فصوركم من جملة ما خلق في السماوات والارض بأحسن صورة، حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات، وجعلكم انموذج جميع المخلوقات " وإليه المصير " فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم. " وجعل لكم السمع " لتسمعوا المواعظ " والابصار " لتنظروا صنائعه " والافئدة " لتعتبروا وتتفكروا " قليلا ما تشكرون " باستعمالها في ما خلقت لاجلها. " لا ترجون لله وقارا " قيل: أي لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم " وقد خلقكم أطوارا " حال مقدرة للانكار من حيث إنها موجبة للرجاء فان خلقهم أطوارا أي تارات، إذ خلقهم أولا عناصر، ثم مركبات يغذي الانسان، ثم أخلاطا ثم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، ثم عظاما ولحوما، ثم أنشأهم خلقا آخر، فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة اخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة، تام الحكمة. وقال علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " لا ترجون لله وقارا " يقول: لا تخافون لله عظمة. وقال علي بن إبراهيم في قوله " وقد خلقكم أطوارا " قال: على اختلاف الاهواء و الارادات والمشيات (1). " والله أنبتكم من الارض نباتا " قيل: أي أنشأكم منها، فاستعير الانبات للانشاء لانه أدل على الحدوث والتكوين من الارض، وأصله: أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا، فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية " ثم يعيدكم فيها " مقبورين " ويخرجكم إخراجا " بالحشر، وأكده بالمصدر كما أكد به الاول دلالة على أن الاعادة محققة كالابتداء وأنها تكون لا محالة. وقال علي بن إبراهيم: من الارض أي على الارض (2). " فخلق فسوى " قيل: أي قدره فعدله " فجعل منه الزوجين " أي الصنفين. " هل أتى على الانسان " قال البيضاوي: استفهام تقرير وتقريب، ولذلك فسر


(1 و 2) تفسير القمى: 697. وفيه: على وجه الارض.

[327]

بقد، وأصله أهل. " حين من الدهر " طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود " لم يكن شيئا مذكورا " بل كان نسيا (1) منسيا غير مذكور بالانسانية كالعنصر، و النطفة، والجملة حال من الانسان أو وصف لحين بحذف الراجع، والمراد بالانسان الجنس لقوله " إنا خلقنا الانسان من نطفة " أو آدم، بين أولا خلقه، ثم ذكر خلق بنيه من نطفة " أمشاج " أي أخلاط، جمع مشيج أو مشج، من مشجت الشئ إذا خلطته، وجمع (2) النطفة به لان المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة، وكل منهما مختلفة الاجزاء في الرقة والقوام والخواص، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو وقيل: مفرد كأعشار، وقيل: ألوان، فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا اخضرا، أو أطوار، فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة " نبتليه " في موضع الحال، أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره، أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعار له الابتلاء " فجعلناه سميعا بصيرا " ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات فهو كالمسبب من الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله " إنا هديناه السبيل (3) ". وقال الطبرسي - رحمه الله -: قد كان شيئا إلا أنه لم يكن مذكورا، لانه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح. وقيل: إنه أتى على آدم أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء ولا في الارض بل كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الروح. وروي عن ابن عباس أنه تم (4) خلقه بعد عشرين ومائة سنة. وروى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله " لم يكن شيئا مذكورا " قال: كان شيئا ولم يكن مذكورا.


(1) في المصدر: شيئا. (2) في المصدر: وصف. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 569. (4) في المصدر: انه تعالى خلقه. (*)

[328]

وبإسناده عن شعيب (1) الحداد عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق. وعن عبد الاعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. وعن حمران بن أعين قال: سألته عنه فقال: كان شيئا مقدرا (2) ولم يكن مكونا (3). وفي هذا دلالة على أن المعدوم معلوم وإن لم يكن مذكورا، وأن المعدوم يسمى شيئا. فإذا حمل الانسان على الجنس فالمراد أنه قبل الولادة لايعرف ولا يذكر ولا يدرى من هو وما يراد به، بل يكون معدوما، ثم يوجد في صلب أبيه، ثم في رحم أمه إلى وقت الولادة. " أمشاج " أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة في الرحم فأيهما علا صاحبه كان الشبه له عن ابن عباس وغيره، وقيل: أمشاج أطوار، وقيل: أراد اختلاف الالوان فنطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء (4) فهي مختلفة الالوان، و قيل: نطفة مشجت بدم الحيض فإذا حبلت ارتفع الحيض، وقيل هي العروق التي تكون في النطفة، وقيل: أخلاط من الطبائع التي تكون في الانسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة جعلها الله في النطفة، ثم بناه (5) البنية الحيوانية المعدلة الاخلاط، ثم جعل فيه الحياة، ثم شق له السمع والبصر فتبارك الله أحسن الخالقين (6) (انتهى) (7). وأقول - على سبيل الاحتمال -: لا يبعد أن يكون كونه أمشاجا إشارة إلى


(1) شعيب بن اعين الحداد كوفى ثقه روى عن الصادق عليه السلام ويروى عنه سيف بن عميرة وابن ابى عمير وغيرهما ولم يذكروا روايته عن ابى جعفر عليه السلام بلا واسطة. وفى مجمع البيان " سعيد الحداد " والصحيح في ضبطه كما عن غير العلامة في الخلاصة " سعد " بلاياء وهو من اصحاب الباقر عليه السلام مجهول. (2) مقدورا (خ). (3) مذكورا (خ). (4) في المصدر: صفراء. (5) في المصدر: بناه الله.. (6) في المصدر: رب العالمين. (7) مجمع البيان: ج 10، ص 406.

[329]

الشؤون المختلفة التي جعلها الله في الانسان بتبعية ما جعل فيه من العناصر المختلفة والصفات المتضادة، والمواد المتبائنه. " من ماء مهين " نطفة قذرة ذليلة، وقال علي بن إبراهيم: منتن " في قرار مكين " قال: في الرحم (1). " إلى قدر معلوم " أي إلى قدر (2) معلوم من الوقت قدره الله للولادة " فقدرنا " على ذلك أو فقدرناه، ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد " فنعم القادرون " نحن " فويل يومئذ للمكذبين " بقدرتنا على ذلك أو على الاعادة. " وخلقناكم أزواجا " أي ذكرا وانثى " قتل الانسان ما أكفره " قيل: دعاء عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران " من أي شئ خلقه " بيان لما أنعم عليه خصوصا من مبدأ حدوثه واستفهام للتحقير، ولذلك أجاب عنه بقوله " من نطفة خلقه فقدره " أي فهيأه لما يصلح له من الاعضاء والاشكال، أو فقدر أطوارا إلى أن تم خلقه " ثم السبيل يسره " أي ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم، وألهمه أن ينتكس، أو ذلل (3) له سبيل الخير والشر، وفيه - على المعنى الاخير - إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها، ولذا عقبه بقوله " ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره " عد الاماتة والاقبار في النعم لان الاماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الابدية واللذات الخالصة، والامر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع. " ما غرك بربك الكريم " أي أي شئ خدعك وجرأك على عصيانه ؟ قيل: ذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار والاشعار بمابه يغره الشيطان، فإنه يقول له: افعل ما شئت فإن ربك كريم لا يعذب أحدا، وقيل: إنما قال سبحانه " الكريم " دون سائر أسمائه وصفاته لانه كأنه لقنه الجواب حتى يقول: غرني كرم الكريم. وفي مجمع البيان: روي أن النبي صلى الله عليه واله لما تلا هذه الآية قال: غره جهله (4).


(1) تفسير القمى: 708. (2) مقدار (خ). (3) دلل (خ). (4) مجمع البيان: ج 10، ص 449.

[330]

" فسواك أي جعل أعضاءك سليمة مسواة معدة لمنافعها " فعدلك " قيل: التعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الاعضاء، أو معدلة بما يستعدها من القوى. وقرأ الكوفيون " فعدلك " بالتخفيف، أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، أو فصرفك عن خلقة غيرك وميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوانات. " في أي صورة ما شاء ركبك " إي ركبك في أي صورة شاءها، و " ما " مزيدة، وقيل: شرطية و " ركبك " جوابها، والظرف صفة عدلك، وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لانها بيان ل‍ " عدلك ". " فلينظر الانسان مم خلق " قيل: ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظيه إلا ما ينفعه في عاقبته " خلق من ماء دافق " قال الرازي: الدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء إذا صببته فهو مدفوق ومندفق، واختلف في أنه كيف وصف بأنه دافق: الاول أن معناه ذو اندفاق كما يقال دارع وتارس ولابن وتامر أي ذو درع و ترس ولبن وتمر. الثاني أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل، قال الفراء: وأهل الحجاز أجعل لهذا من غيرهم، يجعلون الفاعل مفعولا إذا كان في مذهب النعت كقولهم: سر كاتم وهم ناصب، وليل قائم، وكقوله تعالى " في عيشة راضية ". الثالث ذكر الخليل: دفق الماء دفقا ودفوقا إذا انصب. الرابع صاحب الماء لما كان دافقا اطلق ذلك على المجاز. " بين الصلب والترائب " قال الجوهري " التريبة واحدة الترائب، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الشذوة (انتهى) وقال الرازي: ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة، وكل عظم من ذلك تريبة، وهذا قول جميع أهل اللغة. ثم قال: في هذه الآية قولان: أحدهما أن الولد مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة، وقال آخرون: إنه مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائبه. واحتج صاحب القول الثاني على مذهبه بوجهين: الاول أن ماء

[331]

الرجل خارج من الصلب فقط وماء المرأة خارج من ترائب المرأة (1) فقط، وعلى هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خرج من بين الصلب والترائب، وذلك على خلاف الآية. الثاني أنه تعالى بين أن الانسان مخلوق من ماء دافق، والذي وصف بذلك هو ماء الرجل، ثم وصفه بأنه يخرج هذا الدافق من بين الصلب والترائب وذلك يدل على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط. وأجاب القائلون بالقول الاول عن الحجة الاولى أنه يجوز أن يقال للشيئين المتبائنين إنه يخرج من بين هذين خير كثير، و لان الرجل والمرأة عند اجتماعهما يصيران كالشئ الواحد، فحسن هذا اللفظ هناك. وعن الثانية بأن هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل، فلما كان أحد قسمي المني دافقا أطلق هذا الاسم على المجموع. ثم قالوا: والذي يدل على أن الولد مخلوق منهما أن مني الرجل وحده صغير ولا يكفي، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا غلب ماء الرجل يكون ذكرا ويعود شبهه إليه وإلى أقاربه، وإذا غلب ماء المرأة فإليها وإلى أقاربها يعود الشبه. وذلك يقتضي صحة القول الاول. ثم قال: واعلم أن الملحدين طعنوا في هذه الآية فقالوا: إن كان المراد من قوله " يخرج من بين الصلب والترائب " أن المني إنما ينفصل من تلك المواضع فليس الامر كذلك لانه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعة وخاصية (2) فيصير مستعدا لان يتولد منه مثل تلك الاعضاء، ولذلك قيل: إن المفرط في الجماع يستولي الضعف عليه في جميع أعضائه وإذا كان المراد أن معظم المني يتولد هناك فهو ضعيف بل معظم أجزائه إنما يتولد (3) في الدماغ، والدليل عليه أنه في صورته يشبه الدماغ، ولان المكثر منه يظهر الضعف أولا في عينيه، وإن كان المراد أن مستقر المني هناك فهو ضعيف لان مستقر المني هو أوعية المني وهي عروق تلتف بعضها ببعض عند الانثيين، وإن كان المراد أن مخرج


(1) في المصدر: الترائب. (2) في المصدر: طبيعته وخاصيته. (3) في المصدر: يتربى.

[332]

المني هناك فهو ضعيف فإن الحس يدل على أنه ليس كذلك. والجواب: لاشك أن معظم الاعضاء معونة في توليد المني هو الدماغ، وللدماغ خليفة وهي النخاع في الصلب، وشعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن وهو التريبة، فلهذا السبب خصص الله هذين العضوين بالذكر، على أن كلامكم في كيفية تولد المني و كيفية تولد الاعضاء عن (1) المنى محض الوهم والظن الضعيف وكلام الله أولى بالقبول (2) (انتهى). وقال البيضاوي: " من بين الصلب والترائب " بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها، ولو صح أن النطفة تتولد من فضلة (3) الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الاعضاء حتى يستعد (4) أن يتولد منها مثل تلك الاعضاء، ومقرها عروق التف بعضها ببعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم الاعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه ويسرع الافراط في الجماع بالضعف فيه، وله خليفة وهي النخاع وهو في الصلب، و شعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر (5) (انتهى). وأقول: على تقدير تسليم ما ذكره الاطباء في ذلك يمكن أن يكون المراد خروج المني من الرجل والمرأة من أعضاء محصورة بين الصلب من جهة الخلف والترائب من جهة القدام، بأن يكون الصلب والترائب مقصودين في كل من الرجل والمرأة، و يكون هذا التعبير لبيان كثرة مدخلية الصلب والترائب فيهما، وكون ماء المرأة غير دافق ممنوع، بل الظاهر أن له أيضا دفقا لكنه لما كان في داخل الرحم لا يظهر كثيرا وما ورد في الاخبار من تخصيص الصلب بالرجل والترائب بالمرأة لكون الصلب أدخل


(1) من (خ) (2) مفاتيح الغيب: ج 31، ص 129. (3) في المصدر: فضل. (4) في المصدر: تستعدلان. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 597.

[333]

في مني الرجل والترائب في مني المرأة، ويؤيده أن الاطباء ذكروا من آداب الجماع دغدغة ثدي المرأة لتهييج شهوتها، وعللوه بأن الثدي شديد المشاركة للرحم. 1 - المناقب: أبو جعفر الطوسي في الامالي، وأبو نعيم في الحلية، وصاحب الروضة بالاسناد عن محمد الصيرفي وعبد الرحمن بن سالم، قال: دخل أبو حنيفة على الصادق عليه السلام فقال عليه السلام له: البول أقذر أم المني ؟ قال: البول، قال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني وقد أوجب الله الغسل من المني دون البول. ثم قال: لان المني اختيار، ويخرج من جميع الجسد، ويكون في الايام، والبول ضرورة ويكون في اليوم مرات (1). قال أبو حنيفة: كيف يخرج من جميع الجسد والله يقول " من بين الصلب والترائب " ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: فهل قال لا يخرج من غير هذين الموضعين ؟ ثم قال عليه السلام: لم لا تحيض المرأة إذا حبلت ؟ قال: لاأدري، قال عليه السلام: حبس الله الدم فجعله غذاء للولد - إلى آخر الخبر بطوله - (2). 2 - تفسير النعماني: بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن مشابه (3) الخلق، فقال: هو على ثلاثة أوجه. فمنه خلق الاختراع كقوله سبحانه " خلق السماوات والارض في ستة أيام " (4) وخلق الاستحالة، قوله تعالى " يخلقكم في بطون امهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث (5) " وقوله " هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة - الآية - (6) " وأما خلق التقدير فقوله لعيسى " وإذ تخلق من الطين (7) - الآية - ". 3 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن أحمد


(1) في المصدر: وهو مختار والاخر متولج. (2) المناقب: ج 4، ص 253. (3) متشابه (خ). (4) الاعراف: 53، يونس: 3، هود: 57، الحديد: 4. (5) الزمر: 32. (6) المؤمن: 67. (7) المائدة: 113.

[334]

ابن أشيم، عن بعض أصحابه، قال: أصاب رجل غلامين في بطن، فهنأه أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: أيهما أكبر ؟ فقال: الذي خرج أولا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الذي خرج آخرا هو أكبر ! أما تعلم أنها حملت بذاك أولا وأن هذا دخل على ذاك فلم يمكنه أن يخرج حتى خرج هذا ؟ فالذي يخرج آخرا هو أكبرهما (1). المناقب: مرسلا مثله (2). بيان: لم أر قائلا به، ولعله ليس غرضه عليه السلام الكبر الذي هو مناط الاحكام الشرعية. 4 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال أمير المؤمنين عليه السلام: يعيش الولد لستة أشهر ولسبعة أشهر ولتسعة أشهر، ولا يعيش لثمانية أشهر (3). 5 - ومنه: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن سيابة، عمن حدثه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن غاية الحمل بالولد في بطن امه كم هو ؟ فإن الناس يقولون: ربما يبقى (4) في بطنها سنين، فقال: كذبوا، أقصى حد الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة، ولو زاد ساعة لقتل أمه قبل أن يخرج (5). 6 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مسلم، قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل يونس ابن يعقوب، فرأيته يئن، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: مالي أراك تئن ؟ قال: طفل لي تأذيت به الليل أجمع. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا يونس ! حدثني أبي محمد بن علي عن آبائه عليهم السلام عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله أن جبرئيل نزل عليه ورسول الله وعلي


(1) الكافي: ج 6، ص 53. (2) المناقب: ج 4، ص 270. (3) الكافي: ج 6، ص 52. (4) في المصدر: بقى. (5) الكافي: ج 6، ص 52.

[335]

يئنان، فقال جبرئيل: يا حبيب الله ! مالي أراك تئن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: من أجل طفلين لنا تأذينا ببكائهما. فقال جبرئيل: مه يا محمد ! فإنه سيبعث لهؤلاء القوم شيعة إذا بكى أحدهم فبكاؤه لا إله إلا الله إلى أن يأتي عليه سبع سنين، فإذا جاز السبع فبكاؤه استغفار لوالديه إلى أن يأتي عليه الحد، فإذا جاز الحد فما أتى من حسنة فلوالديه وما أتى من سيئة فلا عليهما (1). بيان: " فبكاؤه لا إله إلا الله " لعل المعنى أنه يعطى والداه ببكائه ثواب التهليل. 7 - العلل والعيون: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن حمزة الاشعري، عن ياسر الخادم، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يلد (2) ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت ويعاين (3) الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله عزوجل على يحيى عليه السلام في هذه المواطن الثلاثة (4) وآمن روعته، فقال " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا " وقد سلم عيسى بن مريم عليهما السلام على نفسه في هذه المواطن الثلاثة (5) فقال " والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا (6). 8 - المناقب: قال عمران الصابي للرضا عليه السلام: ما بال الرجل إذا كان مؤنثا والمرأة إذا كانت مذكرة ؟ قال عليه السلام: علة ذلك أن المرأة إذا حملت وصار الغلام منها في الرحم موضع الجارية كان مؤنثا، وإذا صارت الجارية موضع الغلام كانت مذكرة وذلك أن موضع الغلام في الرحم مما يلي ميامنها، والجارية مما يلي مياسرها.


(1) الكافي ج 6 ص 52. (2) كذا، والصواب " يولد ". (3) في العيون: فيعاين. (4 و 5) في اكثر النسخ: الثلاثة المواطن. (6) العيون: ج 1، ص 257. ولم يوجد في العلل.

[336]

وربما ولدت المرأة ولدين في بطن واحد، فأن عظم ثدياها جميعا تحمل توأمين وإن عظم أحد ثدييها كان ذلك دليلا على أنه (1) تلد واحدا، إلا أنه إذا كان الثدي الايمن أعظم كان المولود ذكرا وإذا كان الايسر أعظم كان المولود انثى، وإذا كانت حاملا فضمر ثديها الايمن فإنها تسقط غلاما، وإذا ضمر ثديها الايسر فإنها تسقط انثى، وإذا ضمرا جميعا تسقطها جميعا. قال: من أي شئ الطول والقصر في الانسان ؟ فقال: من قبل النطفة، إذا خرجت من الذكر فاستدارت جاء القصر، وإن استطالت جاء الطول (2). 9 - تفسير الامام والاحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام عن جابر بن عبد الله، قال: سأل ابن صوريا النبي صلى الله عليه واله فقال: أخبرني يا محمد الولد يكون من الرجل أو من المرأة ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأما اللحم والدم والشعر فمن المرأة. قال: صدقت يا محمد، ثم قال: يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه (3) من شبه أخواله شئ، ويشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شئ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عمن (4) لا يولد له ومن يولد له. فقال: إذا مغرت النطفة لم يولد له - أي إذا احمرت وكدرت - وإذا كانت صافية ولد له - الخبر (5) -. 10 - الاحتجاج: عن ثوبان، قال: إن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا محمد أسألك عن شئ لا يعلمه إلا نبي. قال: وما هو ؟ قال: عن شبه الولد أباه و امه. قال: ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله عزوجل ومن قبل ذلك يكون الشبه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل خرج الولد انثى بإذن الله تعالى ومن قبل ذلك يكون الشبه - الخبر - (6). العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن حمزة بن القاسم العلوي، عن علي بن


(1) كذا. (2) المناقب: ج 4، ص 354. (3) في الاحتجاج: له. (4) فيه: عما. (5) الاحتجاج: 24. (6) الاحتجاج: 29.

[337]

الحسين بن الجنيد البزاز، عن إبراهيم بن موسى الفراء، عن محمد بن ثور، عن معمر ابن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن مرة، عن ثوبان مثله (1). اقول: سيأتي أخبار الخضر في هذا المعنى في باب النفس وأحوالها. 11 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا بلغ الولد أربعة أشهر فقد صار فيه الحياة - الخبر (2) -. 12 - ومنه: قال علي بن إبراهيم في قوله " فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق " قال: النطفة التي تخرج بقوة " يخرج من بين الصلب والترائب " قال: الصلب الرجل والترائب المرأة وهي صدرها (3). 13 - الكافي: عن علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد ابن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن أبي عبد لله عن أبيه عليهما السلام قال: إن الله عزوجل خلق خلاقين، فإذا أراد أن يخلق خلقا أمرهم فأخذوا من التربة التي قال في كتابه " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى (4) " فعجن النطفة بتلك التربة التي يخلق منها بعد أن أسكنها الرحم أربعين ليلة، فإذا تمت له (5) أربعة أشهر قالوا: يا رب تخلق ماذا ؟ فيأمرهم بما يريد من ذكر (6) وانثى، أبيض أو أسود فإذا خرجت الروح من البدن خرجت هذه النطفة بعينها منه كائنا ما كان صغيرا أو كبيرا ذكرا أو انثى، فلذلك يغسل الميت غسل الجنابة (7). بيان: " خلاقين " أي ملائكة خلاقين، والخلق هنا بمعنى التقدير لا الايجاد وظاهره خروج المني الاول بعينها من فيه أو عينه، ويمكن أن يحفظ الله تعالى جزء من تلك النطفة مدة حياته، ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الماء من جنس النطفة فعلة الغسل مشتركة.


(1) علل الشرائع: ج 1، ص 90. (2) تفسير القمى: 446. (3) التفسير: 720. (4) طه: 57. (5) في المصدر: لها. (6) فيه: أو. (7) الكافي: ج 3، ص 167.

[338]

14 - الكافي: عن العدة، عن سهل، عن الحجال، عن ابن بكير، عن أبي منهال، عن الحارث بن المغيرة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله عزوجل ملكا فأخذ من التربة التي يدفن فيها فماثها في النطفة فلا يزال قلبه يحن إليها حتى يدفن فيها (1). بيان: الموث: الخلط، والحنين: الشوق. 15 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد بن (2) يعقوب عن علي بن محمد بإسناده رفعه قال: أتى علي بن أبي طالب يهودي فسأله عن مسائل، فكان في ما سأله: أخبرني عن شبه الولد أعمامه وأخواله، ومن أي النطفتين يكون الشعر (3) واللحم والعظم والعصب ؟ فقال عليه السلام: أما شبه الولد أعمامه وأخواله فإذا سبق نطفة الرجل نطفة المرأة إلى الرحم خرج شبه الولد إلى أعمامه، ومن نطفة الرجل يكون العظم والعصب وإذا سبق نطفة المرأة نطفة الرجل إلى الرحم خرج شبه الولد إلى أخواله، ومن نطفتها يكون الشعر والجلد واللحم لانها صفراء رقيقة - الخبر - (4). 16 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له: إن الرجل ربما أشبه أخواله وربما أشبه عمومته. فقال: إن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة، فإن غلبت نطفة الرجل نطفة المرأة أشبه الرجل أباه وعمومته، وإن غلبت نطفة المرأة نطفة الرجل أشبه الرجل أخواله (5). 17 - ومنه: عن علي بن حاتم - في ما كتب إلي - عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين، عن الحسين بن الوليد، عن ابن بكير، عن عبد الله بن سنان، عن


(1) الكافي: ج 3، ص 203. (2) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: عن محمد بن يعقوب. (3) في المصدر: والدم. (4) العلل: ج 1، ص 1. (5) العلل: ج 1، ص 88

[339]

أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: المولود يشبه أباه وعمه. قال: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة فالولد يشبه أباه وعمه، وإذا سبق ماء المرءة ماء الرجل يشبه الولد امه وخاله (1). 18 - ومنه: عن العباس بن محمد (2) بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن محمد بن يوسف الخلال (3) عن محمد بن خليل المحرمي، عن عبد الله بن بكر المسمعي (4) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: سأل عبد الله بن سلام النبي صلى الله عليه واله فقال: من ينزع الولد إلى أبيه أو إلى امه ؟ قال صلى الله عليه واله: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه - الخبر (5) -. بيان: في القاموس: نزع أباه وإليه: أشبهه. وأقول: يحتمل أن يكون المراد بالسبق الغلبة ليوافق خبر أبي بصير، أو العلو ليطابق رواية ثوبان وغيره، ويمكن كون كل منها سببا لذلك. أقول: مضامين تلك الاخبار مروية من طرق العامة أيضا وفي كتبهم، ورووا أيضا أن حبرا من أحبار اليهود سأل النبي صلى الله عليه واله عن الولد فقال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله تعالى. وقال بعضهم: معنى العلو الغلبة على الآخر، ومعنى السبق الخروج أولا، وزعم بعضهم أن العلو علة شبه الاعمام والاخوال، والسبق علة الاذكار و الايناث، ورد ذلك التفصيل بأنه جعل في حديث الحبر العلو علة الاذكار والايناث. وأجاب عنه بعضهم بأن العلو في حديث الحبر بمعنى السبق إلى الرحم لان ما علا سبق ويتعين تفسيره بذلك، فإنه في حديث آخر جعل العلو علة شبه الاعمام والاخوال وجعله في حديث الحبر علة الاذكار والايناث، فلو أبقينا العلو في حديث الحبر على


(1) العلل: ج 1، ص 88. (2) كذا: والصواب: أبو العباس محمد بن ابراهيم بن إسحاق الطالقاني. (3) في بعض النسخ بالحاء المهملة وفى بعضها بالجبم، ولم نجد له ذكرا في كتب الرجال (4) كذا في جميع نسخ الكتاب، والظاهر ان الصواب " السهمى " كما في المصدر لانه الذى يروى عن حميد الطويل. (5) العلل: ج 1، ص 89.

[340]

بابه لزم بمقتضى الحديث أن يكون العلو علة في شبه الاعمال والاخوال وفي الاذكار والايناث، ولا يصح لان الحس يكذبه، لانا نشاهد الولد ذكرا ويشبه الاخوال ووجه الجمع بين أحاديث الباب أن يكون الشبه المذكور في هذا الحديث يعني به الشبه الاعم من كونه في التذكير والتأنيث وشبه الاعمام والاخوال، والسبق إلى الرحم علة للتذكير والتأنيث، ويخرج من مجموع ذلك أن الاقسام أربعة: إن سبق ماء الرجل وعلا أذكر وأشبه الولد أعمامه، وإن سبق ماء المرأة وعلا ماؤه انث وأشبه الولد أعمامه (انتهى) (1). 19 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن جعفر بن بشير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين أبيه إلى آدم ثم خلقه على صورة أحدهم فلا يقولن أحد هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي (2). 20 - ومنه: عن المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي، عن جعفر بن محمد بن مسعود العياشي، عن أبيه، عن علي بن الحسن، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن علي بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: تعتلج النطفتان في الرحم فأيتهما أكثر جاءت تشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت تشبه أخواله وإن كانت نطفة الرجل أكثر جاءت تشبه أعمامه. وقال: تحول النطفة في الرحم أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو الله عزوجل ففي تلك الاربعين قبل أن تخلق، ثم يبعث الله عزوجل ملك الارحام فيأخذها فيصعد بها إلى الله عزوجل فيقف منه ما شاء الله، فيقول: يا إلهي أذكر أم انثى ؟ فيوحي الله عزوجل إليه من ذلك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول: إلهي أشقي أم سعيد ؟ فيوحي الله عزوجل إليه من ذلك ما يشاء ويكتب الملك


(1) كذا في جميع نسخ الكتاب، والظاهر سقوط قسمين من الاقسام الاربعة في العبارة وهما: ان سبق ماء الرجل وعلا ماء المرأة اذكر واشبه الولد اخواله، وان سبق ماء المرأة وعلا ايضا انث واشبه الولد اخواله. (2) العلل: ج 1، ص 97.

[341]

فيقول: اللهم (1) كم رزقه ؟ وما أجله ؟ ثم يكتبه ويكتب كل شئ يصيبه في الدنيا بين عينيه، ثم يرجع به فيرده في الرحم، فذلك قول الله عزوجل " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها (2) ". بيان: [في القاموس] اعتلجوا: اتخذوا صراعا وقتالا، والارض: طال نباتها والامواج: التطمت. 21 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن عبد الله بن عبد الرحمان الاصم، عن الهيثم بن واقد، عن مقرن (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل سلمان - رضي الله عنه - عليا عليه السلام عن رزق الولد في بطن امه، فقال: إن الله تبارك وتعالى حبس عليها الحيضة فجعلها رزقه في بطن امه (4). 22 - ومنه: عن الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن البزنطي عن عبد الرحمان بن حماد، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الميت لم يغسل غسل الجنابة ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى أعلا أخلص من أن يبعث الاشياء بيده، إن لله تبارك و تعالى ملكين خلاقين، فإذا أراد أن يخلق خلقا أمر أولئك الخلاقين فأخذوا من التربة التي قال الله في كتابه " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى (5) " فعجنوها بالنطفة المسكنة في الرحم، فإذا عجنت النطفة بالتربة قالا: يا رب ما تخلق ؟ قال: فيوحي الله تبارك وتعالى (6) ما يريد من ذلك ذكرا أو انثى، مؤمنا أو كافرا أسود أو أبيض، شقيا أو سعيدا. فإن مات سالت منه تلك النطفة بعينها لا غيرها، فمن


(1) في المصدر: الهى. (2) علل الشرائع: ج 1، ص 89 والاية في سورة الحديد: 22. (3) ذكر الشيخ في رجاله عدة من اصحاب الصادق عليه السلام بهذا الاسم وحال جميعهم مجهول. (4) علل الشرائع: ج 1، ص 276. (5) طه: 57. (6) في المصدر: اليهما ما يريد..

[342]

ثم صار الميت يغسل غسل الجنابة (1). بيان: " أمر اولئك الخلاقين " كأن الجمعية على المجاز، أو المراد بالملكين نوعين (2) من الملك لكل امرأة شخصان، فيجري فيهما التثنية والجمع باعتبارين. 23 - المحاسن: عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه " لقد خلقنا الانسان في كبد (3) يعني منتصبا في بطن امه، مقاديمه إلى مقاديم امه، ومواخيره إلى مواخير امه، غذاؤه مما تأكل أمه ويشرب مما تشرب تنسمه تنسيما، وميثاقه الذي أخذ الله عليه بين عينيه فإذا دنا ولادته أتاه ملك يسمى " الزاجر " فيزجره فينقلب، فيصير مقاديمه إلى مواخر (4) امه ومواخيره إلى مقدم امه، ليسهل الله على المرأة والولد أمره، ويصيب ذلك جميع الناس إلا إذا كان عاتيا، فإذا زجره فزع وانقلب ووقع إلى الارض باكيا من زجرة الزاجر، ونسي الميثاق (5). أقول: تمامه وشرحه في باب جوامع أحوال الدواب والانعام. 24 - العياشي: عن عبد الملك بن أعين، قال: إذا زنى الرجل أدخل الشيطان ذكره ثم عملا جميعا، ثم تختلف النطفتان فيخلق الله منهما فيكون شرك الشيطان. 25 - ومنه: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن شرك الشيطان قوله " وشاركهم في الاموال والاولاد " قال: ما كان من مال حرام فهو شرك الشيطان قال: ويكون مع الرجل حتى يجامع، فيكون من نطفته ونطفة الرجل إذا كان حراما. 26 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في تحويل آدم لحما ودما بعد أربعين سنة أنه لم يكن في رحم ولابطن وكان ظاهرا بارزا فتحول لحما ودما بعد أربعين سنة. 27 - المناقب: عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في خبر طويل يذكر


(1) العلل: ج 1، ص 284. (2) نوعان (ظ). (3) البلد: 4. (4) في المصدر: مواخير. (5) المحاسن: 304.

[343]

فيه خلق الولد في بطن امه، قال: ويبعث الله ملكا يقال له " الزاجر " فيزجره زجرة فيفزع الولد منها وينقلب، فتصير رجلاه أسفل البطن ليسهل الله عزوجل على المرأة وعلى الولد الخروج. قال: فإن احتبس زجره زجرة اخرى شديدة، فيفزع منها فيسقط إلى الارض فزعا باكيا من الزجر (1). 28 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن سلام بن المستنير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل " مخلقة وغير مخلقة (2) " فقال: المخلقة هم الذر الذين خلقهم الله في صلب آدم عليه السلام أخذ عليهم الميثاق، ثم أجراهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وهم الذين يخرجون إلى الدنيا حتى يسألوا عن الميثاق. وأما قوله " وغير مخلقة " فهم كل نسمة لم يخلقهم الله في صلب آدم عليه السلام حين خلق الذر وأخذ عليهم الميثاق، وهم النطف من العزل والسقط قبل أن ينفخ فيه الروح والحياة والبقاء (3). بيان: على تأويله عليه السلام يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير، أي ما قدر في الذر أن ينفخ فيه الروح وما لم يقدر. 29 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عمن ذكره، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزوجل " يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد (4) " قال: الغيض كل حمل دون تسعة أشهر، وما يزداد (5) كل شئ يزداد على تسعة أشهر، فكلما رأت المرأة الدم الخالص في حملها فإنها تزداد بعدد الايام التي رأت في حملها من الدم (6). 30 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن ابن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: قال أبو جعفر عليه السلام: إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما


(1) المناقب: ج 4، ص 200. (2) الحج: 5. (3) الكافي: ج 6، ص 12. (4) الرعد: 8. (5) في المصدر: تزداد. (6) الكافي: ج 6، ص 12

[344]

فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله عزوجل ملكين خلاقين فيقولان: يا رب ما تخلق ؟ ذكرا أو انثى ؟ فيؤمران فيقولان: يا رب شقيا أو سعيدا ؟ فيؤمران فيقولان: يا رب ما أجله ؟ وما رزقه ؟ وما كل شئ من حاله ؟ - وعدد من ذلك أشياء - ويكتبان الميثاق بين عينيه، فإذا أكمل الله الاجل بعث الله ملكا فزجره زجرة فيخرج وقد نسي الميثاق. وقال الحسن بن الجهم: فقلت له: أفيجوز أن يدعو الله عزوجل فيحول الانثى ذكرا أو الذكر انثى ؟ فقال: إن الله يفعل ما يشاء (1). بيان: قيل: كتابة الميثاق كناية عن مفطوريته على خلقه قابلة للتوحيد وسائر المعارف، ونسيان الميثاق كناية عن دخوله في عالم الاسباب المشتمل على موانع تعقل ما فطر عليه. أقول: قد مر بسط القول في تلك الاخبار في كتاب العدل. 31 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل إذا أراد أن يخلق النطفة التي (2) أخذ عليها الميثاق في صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع، وأوحى إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري، فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين يخلقان في الارحام ما يشاء (3) يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم، وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فينفخان فيها روح الحياة والبقاء، ويشقان له السمع والبصر وجميع الجوارح، وجميع ما في البطن بإذن الله تعالى. ثم يوحي الله إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمري واشترطا لي البداء في ما تكتبان


(1) الكافي: ج 6، ص 13. (2) في المصدر: مما اخذ. (3) في المصدر: يشاء الله فيقتحمان.

[345]

فيقولان: يا رب ما نكتب ؟ قال: فيوحي الله عزوجل إليهما أن ارفعا رؤوسكما إلى رأس أمه، فيرفعان رؤوسهما فإذا اللوح يقرع جبهة امه، فينظران فيه فيجدان في اللوح صورته ورؤيته (1) وأجله وميثاقه شقيا أو سعيدا وجميع شأنه. قال: فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح، ويشترطان البداء في ما يكتبان، ثم يختمان الكتاب ويجعلانه بين عينيه، ثم يقيمانه قائما في بطن امه. قال: فربما عتا فانقلب، ولا يكون ذلك إلا في كل عات (2) أو مارد: فإذا بلغ أوان خروج الولد تاما أو غير تام أوحى الله عزوجل إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يخرج خلقي إلى أرضي وينفذ فيه أمري فقد بلغ أوان خروجه. قال: فيفتح الرحم باب الولد فيبعث الله عزوجل إليه ملكا يقال له " زاجر " فيزجره زجرة فيفزع منها الولد، فينقلب فيصير رجلاه فوق رأسه ورأسه في أسفل البطن ليسهل الله على المرأة وعلى الولد الخروج. قال: فإذا احتبس زجره الملك زجرة اخرى فيفزع منها فيسقط الولد إلى الارض باكيا فزعا من الزجرة (3). بيان: قوله " أو ما يبدو له فيه " من البداء، وقد مر معناه في محله والمعنى: لم يؤخذ عليه الميثاق أولا في صلب آدم ولكن بداله ثانيا بعد خروجه من صلبه أن يأخذ عليها الميثاق، ويحتمل أن يكون المراد به ما فسربه غير المخلقة في الخبر السابق فيكون مشاركا للاول في بعض ما سيذكر، كما أن القسم الاول أيضا قد يسقط قبل كماله فلا يجري فيه جميع ما في الخبر، ويحتمل أيضا أن يراد بالاول من يصل إلى حد التكليف ويؤخذ بما اخذ عليه من الميثاق، وبالثاني من يموت قبل ذلك " حرك الرجل " بإلقاء الشهوة عليه، والايحاء كأنه على سبيل الامر التكويني لا التكليفي أي تنفتح بقدرته وإرادته تعالى، أو كناية عن فطره إياها على الاطاعة طمعا كما قيل. " فتردد " بحذف إحدى التائين، أي تتحول من حال إلى حال، وقد مر أن الخلق


(1) في المصدر: " زينته ". (2) ومارد (خ) (3) الكافي: ج 6، ص 13 - 15.

[346]

المنسوب إلى الملك بمعنى التقدير والتصوير والتخطيط كما هو معناه المعروف في أصل اللغة. " فيقتحمان " أي يدخلان من غير اختيار لها وإذن منها " وفيها الروح القديمة " أي الروح المخلوق في الزمان المتقادم قبل خلق جسده، وكثيرا ما يطلق القديم في اللغة والعرف على هذا المعنى كما لا يخفى على من تتبع كتب اللغة وموارد الاستعمالات والمراد بها النفس النباتية أو الروح الحيوانية أو الانسانية. قوله " رؤيته " أي ما يرى منه، ويمكن أن يقرأ بالتشديد بمعنى التفكر والفهم، والعتو مجاوزة الحد والاستكبار. ثم اعلم أن للعلماء في أمثال هذا الخبر مسالك: فمنهم من آمن بظاهرها ووكل علمها إلى من صدرت عنه، وهذا سبيل المتقين ; ومنهم من يقول: ما يفهم من ظاهره حق ولاعبرة باستبعاد الاوهام في ما صدر عن أئمة الانام عليهم السلام ; ومنهم من قال: هذا على سبيل التمثيل، كأنه عليه السلام شبه ما يعلمه سبحانه من حاله وطينته وما يستحقه من الكمالات وما أودع فيه من درجات الاستعدادات بمجئ الملكين وكتابتهما على جبهته وغير ذلك ; وقال بعضهم: قرع اللوح جبهة أمه كأنه كناية عن ظهور أحوال امه وصفاتها وأخلاقها من ناصيتها وصورتها التي خلقت عليها كأنها جميعا مكتوبة عليها، وإنما يستنبط الاحوال التي ينبغي أن يكون الولد عليها من ناصية امه (1) ويكتب ذلك على وفق ماثمة للمناسبة التي تكون بينه وبينها، وذلك لان جوهر الروح إنما يفيض على البدن بحسب استعداده وقبوله إياه، واستعداد البدن تابع لاستعداد نفس الابوين وصفاتهما وأخلاقهما لاسيما الام المربية له على وفق ما جاء به من ظهر أبيه، فهي حينئذ مشتملة على أحواله الابوية والامية. وجعل الكتاب المختوم بين عينيه كناية عن ظهور صفاته وأخلاقه من ناصيته وصورته. أقول: الاحوط والاولى عدم التعرض لامثال هذه التأويلات الواهية، والتسليم لما ورد عن الائمة الهادية عليهم السلام. 31 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل أو


(1) امه مكتوبة (خ).

[347]

غيره، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، الرجل يدعو للحبلى أن يجعل الله ما في بطنها ذكرا سويا. فقال: يدعو ما بينه وبين أربعة أشهر، فإنه أربعين ليلة نطفة، وأربعين ليلة علقة، وأربعين ليلة مضغة، فذلك تمام أربعة أشهر، ثم يبعث الله ملكين خلاقين فيقولان: يا رب ما تخلق ؟ ذكرا أو انثى ؟ شقيا أو سعيدا ؟ فيقولان: يا رب ما رزقه ؟ وما أجله ؟ وما مدته ؟ فيقال ذلك، وميثاقه بين عينيه ينظر إليه فلا يزال منتصبا في بطن امه حتى إذا دنا خروجه بعث الله عزوجل إليه ملكا فزجره زجرة فيخرج وينسى الميثاق (1). 32 - ومنه: عن محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر، عن إسماعيل بن عمرو (2) عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أن للرحم أربعة سبل، في أي سبيل سلك فيه الماء كان منه الولد، واحد أو اثنان وثلاثة وأربعة، ولا يكون إلى سبيل أكثر من واحد (3). 33 - ومنه: عن علي بن محمد، رفعه عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق للرحم أربعة أوعية، فما كان في الاول فللاب، وما كان في الثاني فللام، وما كان في الثالث فللعمومة، وما كان في الرابع فللخوؤلة (4). بيان: " فللاب " أي يشبه الولد إذا وقعت فيه وكذا البواقي، فسياق هذا الخبر غير سياق الخبر المتقدم من بيان أكثر ما يمكن من أن تلد المرأة، وإن كان يظهر ذلك منه إيماه وتلويحا، ولذا أوردهما الكليني - ره - في باب أكثر ما تلد المرأة. 34 - النهج: قال: أيها المخلوق السوي، والمنشأ المرعي، في ظلمات الارحام


(1) الكافي: ج 6، ص 16. (2) كذا، ولم يذكر في كتب الرجال " اسماعيل بن عمرو " والظاهر انه اسماعيل بن عمر بن ابان الكلبى ويروى عنه احمد بن محمد بن ابى نصر على ما ذكره في جامع الرواة وهو ضعيف. (3) الكافي: ج 6، ص 16. (4) الكافي: ج 6، ص 17.

[348]

ومضاعفات الاستار، بدئت من سلالة من طين، ووضعت في قرار مكين، إلى قدر معلوم وأجل مقسوم، تمور في بطن امك جنينا، لاتحير دعاء، ولا تسمع نداء، ثم اخرجت من مقر [ك] إلى دار لم تشهدها، ولم تعرف سبل منافعها، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي امك، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك ؟ هيهات ! إن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والادوات فهو عن صفات خالقه أعجز، ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد (1). توضيح: السوي: العدل، والوسط، ورجل سوي أي مستوي الخلقة غير ناقص. وأنشأ الخلق: ابتدأ خلقهم، والرعاية: الحفظ، والمرعي: من شمله حفظ الراعي. ومضاعفات الاستار أي الاستار المضاعفة، والحجب بعضها فوق بعض. " بدئت من سلالة.. " إشارة إلى قوله تعالى " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (2) " وقد مر وجوه التفسير فيه، وهي جارية ههنا. و المكين: المتمكن، وهو في الاصل صفة للمستقر، وصف به المحل مبالغة، أو المراد تمكن الرحم في مكانها مربوطة برباطات كما سيأتي، والمعنى: في مستقر حصين هي الرحم " إلى قدر معلوم " أي مقدار معين من الزمان قدره الله للولادة. وقسمه - كضربه - وقسمه - بالتشديد - أي جزأه وفرقه، وقسم أمره أي قدره. والاجل المقسوم: المده المقدرة لحياة كل أحد، فالظرف متعلق بمحذوف، أي منتهيا إلى أجل مقسوم أو يقال: الوضع في الرحم غايته ابتداء الاجل أي مدة حياة الدنيا، ويحتمل أن يكون تأكيدا للقدر المعلوم. ومار الشئ - كقال -: تحرك، أو بسرعة واضطراب، والجنين الولد في البطن لاستتاره، من " جن " أي استتر، فإذا ولد فهو منفوس. والمحاورة: الجواب ومراجعة النطق، ويقال " كلمته فما أحار إلي جوابا " أي يجبني. و دعوته دعاء: ناديته وطلبت إقباله. " لم تشهدها " أي لم تحضرها قبل ذلك ولم تعلم بحالها. والاجترار: الجذب. " مواضع طلبك " قيل: أي حلمة الثدي، والجمع


(1) نهج البلاغة: ج 1، ص 303. (2) المؤمنون: 13.

[349]

باعتبار أن الطفل يمتص من غير ثدي امه أيضا، أو عرفك عند الحاجة إلى كل شئ في دار الدنيا مواضع طلبك. وفي بعض النسخ " وحرك عند الحاجة " فالمراد بمواضع الطلب القوى والآلات التي يحصل بها اجترار الغذاء. " هيهات " أي بعد أن يحيط علما بصفات خالقه الذي هو أبعد الاشياء منه من حيث الحقيقة لعدم المشابهة والمجانسة وليس له حدود المخلوقين من لا يقدر على وصف نفسه مع أنه أقرب الاشياء إليه و غيره من ذوي الهيئة والادوات، المجانس له في الذات والصفات، المتصف بحدود المخلوقين. 35 - النهج: جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها، وأبصارا لتجلو عن عشاها، و أشلاء جامعة لاعضائها، ملائمة لاحنائها، في تركيب صورها ومدد عمرها، بأبدان قائمة بأرفاقها، وقلوب رائدة لارزاقها، في مجللات نعمه، وموجبات مننه، وحواجز بليته، وحوائز عافيته (1) وقدر لكم أعمارا سترها عنكم، وخلف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم - إلى قوله عليه السلام - أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الارحام وشغف الاستار نطفة دهاقا، وعلقة محاقا، وجنينا وراضعا، ووليدا ويافعا، ثم منحه قلبا حافظا ولسانا لافظا، وبصرا لاحظا، ليفهم معتبرا، ويقصر مزدجرا، حتى إذا قام اعتداله واستوى مثاله، نفر مستكبرا - إلى آخر الخطبة - (2). توضيح: وعاه يعيه: حفظه وجمعه، وعناه الامر يعينه ويعنوه: أهمه، و العشا - بالفتح والقصر -: سوء البصر بالليل والنهار، أو بالليل، أو العمى، وتجلو: بمعنى تكشف، قيل: أقيم المجلو مقام المجلو عنه، والتقدير: لتجلو عن قواها عشاها، وقيل: كلمة " عن " زائدة أو بمعنى " بعد " والمفعول محذوف، والتقدير: لتجلو الاذى بعد عشاها، وهو بعيد، والمراد جلاء العشا عن البصر الظاهر بأن ينظر إلى ما يعتبر به، أو عن القلب بأن يفرق بين الضار والنافع، والاشلاء: جمع شلو - بالكسر - وهو العضو، وفسره في القاموس بالجسد أيضا، وجمعها للاعضاء على


(1) في المصدر:.. متنه، وحواجز عافيته وقدر.. (2) نهج البلاغة: ج 1، ص 143.

[350]

الثاني واضح، وعلى الاول يمكن حملها على الاعضاء الظاهرة الجامعة للباطنة كما قيل. واقول: يمكن أن يكون المراد بالاعضاء أجزاء الاعضاء. والملاءمة: الموافقة والاحناء: جمع حنو - بالكسر - وهو الجانب، وفي النهاية: لاحنائها أي معاطفها والغرض الاشارة إلى الحكم والمصالح المرعية في تركيب الاعضاء وترتيبها وجعل كل منها في موضع يليق بها، كما بين بعضها في علم التشريح وكتب منافع الاعضاء والظرف متعلق بالملاءمة، وقيل: كأنه قال: مركبة ومصورة، فأتى بلفظة " في " كما تقول: ركب في سلاحه أو بسلاحه أي متسلحا، والارفاق: جمع رفق - بالكسر - وهو المنفعة، وفي القاموس: هو ما استعين به، والارفاق على هذا عبارة عن الاعضاء وسائر ما يستعين به الانسان، والباء للاستعانة أو السببية بخلاف الاول، وروي " بأرماقها " والرمق: بقية الروح، والرود: الطلب. " في مجللات نعمه " بصيغة الفاعل أي النعم التي تجلل الناس أي تغطيهم كما يتجلل الرجل بالثوب، وقيل: أي التي تجلل الناس وتعمهم من قولهم " سحاب مجلل " أي يطبق الارض، والظرف متعلق بمحذوف والموضع نصب على الحال. والمراد بموجبات المنن - على صيغة الفاعل - النعم التي توجب الشكر، ويروى على صيغة المفعول أي النعم التي أوجبها الله على نفسه لكونه الجواد المطلق، وقيل: أي ما سقط من نعمه وافيض على العباد من الوجوب بمعنى السقوط. وحواجز العافية: ما يدفع المضار، ويروى " حواجز بليته " أي ما يمنعها. والامتنان بستر الاعمار لكون الاطلاع عليها واشتغال الخاطر بخوف الموت مما يبطل نظام الدنيا، والغرض تنبيه الغافل عن انقضاء العمر لستر حده وانتهائه. وخلف العبر إبقاؤها بعد ارتحال الماضين كأنها خليفة لهم. " أم هذا الذي.. " قيل: أم ههنا إما استفهامية على حقيقتها كأنه قال: أعظكم واذكركم بحال الشيطان وإغوائه أم بحال الانسان من ابتداء وجوده إلى حين مماته وإما أن تكون منقطعة بمعنى بل كأنه قال عادلا وتاركا لما وعظهم به:

[351]

بل أتلو عليكم بناء هذا الانسان الذي حاله كذا. والشغف - بضمتين - جمع شغاف - بالفتح - وهو في الاصل غلاف القلب وحجابه، استعير هنا لوضع الولد. والدهاق - بكسر الدال - الذي أدهق أي أفرغ إفراغا [شديدا]، وقيل: الدهاق المملوءة من قولهم دهق الكأس - كجعله - ملاها. ويروى " دفاقا " من دفقت الماء أي صببته. والمحق: المحو والابطال والنقص، وسميت ثلاث ليال من آخر الشهر محاقا لان القمر يقرب من الشمس فتمحقه، واستعير للعلقة لانها لم تتصور [بعد] فأشبهت ما ابطلت صورته، وفي الاوصاف تحقير للانسان كما اومئ إليه بالاشارة. والراضع: الطفل يرضع امه - كيسمع - أي يتمص ثديها، والام مرضعة. والوليد: المولود وكأن المراد به الفطيم. واليافع: الغلام الذي شارف الاحتلام ولما يحتلم، يقال: أيفع الغلام فهو يافع، وهو من النوادر. قال في " سر الادب " في ترتيب أحوال الانسان: هو مادام في الرحم جنين، فإذا ولد فوليد، ثم مادام يرضع فرضيع، ثم إذا قطع منه اللبن فهو فطيم، ثم إذا دب ونمى فهو دارج، فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسي، فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور، فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط فهو مثغر، فإذا تجاوز العشر أو جاوزها فهو مترعرع وناشئ، فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق، فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حرور، واسمه في جميع هذه الاحوال غلام، فإذا اخضر شاربه قيل قد بقل وجهه، فإذا صار ذافتاء فهو فتى وشارخ، فإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية شبابه فهو مجتمع، ثم مادام بين الثلاثين والاربعين فهو شاب، ثم هو كهل إلى أن يستوفي الستين، وقيل: إذا جاوز أربعا وثلاثين إلى إحدى وخمسين، فإذا جاوزها فهو شيخ. ثم " منحه " أي أعطاه. واللافظ: الناطق، ويقال: لحظ إذا نظر بمؤخر عينيه وكأن المراد هنا مطلق النظر، و " يقصر " على بناء الافعال أي ينتهي. والمعنى: أعطاه القوى الثلاثة ليعتبر بحال الماضين، وما نزل بساحة العاصين، وينتهي عما يفضيه إلى أليم النكال " وشديد الوبال، أو ليفهم دلائل الصنع والقدرة، ويستدل بشواهد

[352]

الربوبية على وجوب الطاعة والانتهاء عن المعصية، فينزجر عن الخلاف والعصيان ويتخلص عن الخيبة والخسران. والاعتدال: التناسب والاستقامة والتوسط بين الحالين في كم أو كيف، وقيام الاعتدال: تمام الخلقة والصورة، وتناسب الاعضاء، وخلوها عن النقص والزيادة، وكمال القوى المحتاج إليها في تحصيل المآرب. و " استوى " أي اعتدل، والمثال - بالكسر -: المقدار، وصفة الشئ، ويقال: استوى الرجل إذا بلغ أشده أي قوته، وهو ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين. ونفرت الدابة - كضرب - أي فر وذهب. 36 - الفقيه: عن محمد بن علي الكوفي، عن إسماعيل بن مهران، عن مرازم عن جابر بن يزيد، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا وقع الولد في جوف (1) امه صار وجهه قبل ظهر امه إن كان ذكرا، وإن كان انثى صار وجهها قبل بطن امها، يداه على وجنتيه، وذقنه على ركبتيه كهيئة الحزين المهموم فهو كالمصرور منوط بمعاء من سرته إلى سرة امه، فبتلك السرة يغتذي من طعام امه وشرابها إلى الوقت المقدر لولادته، فيبعث الله تعالى (2) ملكا فيكتب على جبهته: شقي أو سعيد، مؤمن أو كافر، غني أو فقير، ويكتب (3) أجله ورزقه وسقمه وصحته فإذا انقطع الرزق المقدر له من سرة امه زجره الملك زجرة، فانقلب فزعا من الزجرة وصار رأسه قبل المخرج (4) فإذا وقع إلى الارض دفع (5) إلى هول عظيم وعذاب أليم، إن أصابته ريح أو مشقة أو مسته يد وجه لذلك من الالم ما يجده المسلوخ عنه جلده، يجوع فلا يقدر على استطعام (6) ويعطش فلا يقدر على استسقاء (7) ويتوجع فلا يقدر على الاستغاثة، فيوكل الله تعالى به الرحمة والشفقة عليه والمحبة له امه فتقيه الحر والبرد بنفسها، وتكاد تفديه بروحها، وتصير من التعطف عليه بحال لا -


(1) في المصدر: في بطن. (2) فيه: إليه ملكا (3) فيكتب (خ). (4) في المصدر: الفرج. (5) وقع (خ) (6) في المصدر: الاستطعام. (7) في المصدر: الاستسقاء

[353]

تبالي أن تجوع إذا شبع، وتعطش إذا روي، وتعرى إذا كسي، وجعل الله - تعالى ذكره - رزقه في ثدي امه، في إحديهما طعامه وفي الاخرى شرابه، حتى إذا رضع آتاه الله في كل يوم بما قدر له فيه من الرزق، وإذا أدرك فهمه الاهل والمال والشره والحرص، ثم هو مع ذلك بعرض (1) الآفات والعاهات والبليات من كل وجه، و الملائكة تهديه وترشده، والشياطين تضله وتغويه، فهو هالك إلا أن ينجيه الله تعالى وقد ذكر الله - تعالى ذكره - نسبة الانسان في محكم كتابه فقال عزوجل " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فسكونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (2) ". قال جابر بن عبد الله الانصاري: فقلت: يا رسول الله ! هذه حالنا فكيف حالك وحال الاوصياء بعدك في الولادة ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه واله مليا ثم قال: يا جابر ! لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلا ذوحظ عظيم، إن الانبياء والاوصياء مخلوقون من نور عظمة الله جل ثناؤه (3) يودع الله أنوارهم أصلابا طيبة وأرحاما طاهرة، يحفظها بملائكته، ويربيها بحكمته، ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجل عن أن يوصف، و أحوالهم تدق عن أن تعلم، لانهم نجوم الله في أرضه، وأعلامه في بريته، وخلفاؤه على عباده، وأنواره في بلاده، وحججه على خلقه. يا جابر ! هذا من مكنون العلم و مخزونه، فاكتمه إلا من أهله (4). بيان: في القاموس: الوجنة - مثلثة وككلمة ومحركة -: ما ارتفع من الخدين. والمصرور: الاسير " لانه مجموع اليدين، من " صررت " جمعت، وقال: صر الناقة: شد ضرعها. وقال: ناطه نوطا: علقه. والشره - بالتحريك -: غلبة الحرص.


(1) في المصدر: تعرضه. (2) المؤمنون: 12 - 16. (3) في المصدر: جل ذكره. (4) الفقيه: 589.

[354]

37 - الكافي: عن العدة، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، و محمد بن عيسى، عن يونس، قالا: عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين عليه السلام على أبي الحسن الرضا عليه السلام ومما فيه أن أمير المؤمنين عليه السلام جعل دية الجنين مائة دينار، و جعل مني الرجل إلى أن يكون جنينا خمسة أجزاء، فإذا كان جنينا قبل أن تلجه الروح مائة دينار، وذلك أن الله عزوجل خلق الانسان من سلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثم علقة فهو جزءان، ثم مضغة فهو ثلاثة أجزاء، ثم عظما فهو أربعة أجزاء ثم يكسى لحما فحينئذ تم جنينا فكملت له خمسة أجزاء مائة دينار - إلى قوله - فإذا انشئ فيه خلق آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس فيه ألف دينار كاملة إن كان ذكرا وإن كان انثى فخمسمائة دينار (1). 38 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة، فقال: عليه عشرون دينارا، فقلت: فيضربها فتطرح العلقة فقال: أربعون (2) دينارا، قلت: فيضربها فتطرح المضغة، قال: عليه ستون دينارا قلت: فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم، فقال: عليه الدية كاملة، بهذا قضى أمير - المؤمنين عليه السلام: قلت: فما صفة [خلقة] النطفة التي تعرف بها ؟ فقال: النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة، فتمكث في الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما ثم تصير إلى علقة. قلت: فما صفة خلقة العلقة التي تعرف بها ؟ فقال: هي علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة، تمكث في الرحم بعد تحويلها عن النطفة أربعين يوما ثم تصير مضغة. قلت: فما صفة المضغة وخلقتها التي تعرف بها ؟ قال: هي مضغة لحم حمراء، فيها عروق خضر مشتبكة ثم تصير إلى عظم. قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما ؟ فقال: إذا كان عظما شق له السمع والبصر، ورتبت جوارحه، فإذا كان كذلك فإن فيه الدية كاملة (3).


(1) الكافي: ج 7، ص 342. (2) في المصدر: عليه أربعون.. (3) الكافي: ج 7، ص 345.

[355]

39 - ومنه: عن صالح بن عقبة، عن يونس الشيباني، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فإن خرج في النطفة قطرة دم ؟ قال: القطرة عشر النطفة فيها اثنان وعشرون دينارا، قلت، فإن قطرت قطرتين ؟ قال: أربعة وعشرون دينارا، قال: قلت: فإن قطرت بثلاث ؟ قال: فست وعشرون دينارا، قلت: فأربع ؟ قال: فثمانية وعشرون دينارا، وفي خمس ثلاثون (1)، وما زاد على النصف فعلى حساب ذلك حتى تصير علقة، فإذا صارت علقة ففيها أربعون [دينارا] فقال له أبو شبل: - وأخبرنا أبو - شبل، قال: حضرت يونس وأبو عبد الله عليه السلام يخبره بالديات، قال: قلت: - فإن النطفة خرجت متخضخضة بالدم ؟ قال: فقال لي: فقد علقت إن كان دما صافيا ففيها أربعون دينارا، وإن كان دما أسود فلا شئ عليه إلا التعزير، لانه ماكان من دم صاف فذلك للولد، وما كان من دم أسود فذلك من الجوف. قال أبو شبل: فإن العلقة صار فيها شبه العرق من لحم ؟ قال: اثنان وأربعون العشر، قال: قلت: فإن عشر الاربعين أربعة، قال: لا، إنما هو عشر المضغة، لانه إنما ذهب عشرها، فكلما زادت زيد حتى تبلغ الستين. قال: قلت: فإن رأيت في المضغة شبه العقدة عظما يابسا ؟ قال: فذلك عظم كذلك أول ما يبتدئ العظم، فيبتدئ بخمسة أشهر ففيه أربعة دنانير، فإن زاد فزاد أربعة أربعة حتى تتم (2) الثمانين. قال: قلت: وكذلك إذا كسي العظم لحما ؟ قال: كذلك، قلت: فإذا وكزها فسقط الصبي فلا يدرى أحيا كان أم لا ؟ قال: هيهات يا باشبل ! إذا مضت الخمسة أشهر فقد صارت فبه الحياة، وقد استوجب الدية (3). بيان: الخضخضة تحريك الماء ونحوه " إنما هو عشر المضغة " أي عشر الدية التي زيدت لصيرورتها مضغة، والوكز - كالوعد -: الدفع والطعن والضرب بجمع الكف. ثم إن الخبر يدل على أن ولوج الروح بعد الخمسة أشهر، وهو خلاف المشهور وما


(1) في المصدر: ثلاثون دينارا. (2) في المصدر: يتم. (3) الكافي: 7، ص 365. (*)

[356]

دل عليه غيره من الاخبار من أن ولوج الروح بعد الاربعة أشهر، ولعل المراد أنه قد يكون كذلك. 40 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله ابن غالب، عن أبيه، عن سعيد المسيب، قال: سألت علي بن الحسين عليه السلام عن رجل ضرب امرأته حاملا برجله فطرحت ما في بطنها ميتا، فقال: إن كان نطفة فإن عليه عشرين دينارا، قلت: فما حد النطفة ؟ فقال: هي التي إذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه أربعين، يوما قال: وإن طرحته وهو علقة فإن عليه أربعين دينارا، قلت: فما حد العلقة ؟ فقال: هي التي إذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه ثمانين يوما، قال: وإن طرحته وهو مضغة فإن عليه ستين دينارا، قلت: فما حد المضغة ؟ فقال: هي التي إذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه مائة وعشرين يوما، قال: وإن طرحته وهو نسمة مخلقة له عظم ولحم مرتب (1) الجوارح قد نفخ فيه روح العقل فإن عليه دية كاملة. قلت له: أرأيت تحوله في بطنها إلى حال أبروح كان ذلك أو بغير روح ؟ قال: بروح عدا الحياة القديم المنقول في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ولولا أنه كان فيه روح عدا الحياة ما تحول من حال (2) إلى حال في الرحم، وما كان إذن على من يقتلانه (3) دية وهو في تلك الحال (4). توضيح: " مرتب الجوارح " في بعض النسخ " مزيل الجوارح " أي امتازت وافترقت جوارحه بعضها عن بعض كما قال تعالى " لو تزيلوا لعذبنا (5) " وفي بعضها " مربل " بالراء المهملة والباء الموحدة، قال الجوهري: تربلت المرأة كثر لحمها. " بروح غذاء الحياة " المراد إما روح الوالدين أو القوة النامية، وفي بعضها " عدا " بالمهملتين من غير مدة، فالمراد به أن تحوله بروح غير الروح الذي خلق لاجله قبل


(1) في المصدر: مزيل. (2) في المصدر: عن حال بعد حال. (3) في المصدر: يقتله. (4) الكافي: ج 7، ص 347. (5) الفتح: 25.

[357]

خلق الاجساد لانه لم يتعلق به بعد، فالمراد بالروح الاول القوة النامية أو روح الوالدين، وعلى النسختين المنقول صفة روح لا الحياة، والمراد بالقديم ما تقادم زمانه لانه خلق قبل خلق الاجساد كما سيأتي إن شاء الله، وإطلاق القتل على الاسقاط قبل تعلق الروح مجاز. 41 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن الحسين بن خالد، قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إنا روينا عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من شرب الخمر لم يحتسب صلوته أربعين يوما، قال: فقال: صدقوا، قلت: وكيف لا يحتسب (1) صلوته أربعين صباحا لاأقل من ذلك ولا أكثر ؟ فقال: إن الله جل و عز قدر خلق الانسان فصيره نطفة أربعين يوما، ثم نقلها فصيرها علقة أربعين يوما ثم نقلها فصيرها مضغة أربعين يوما، فهو إذا شرب الخمر بقي في مشاشته (2) أربعين يوما على قدر انتقال خلقته، ثم قال عليه السلام: كذلك جميع غذاء أكله وشربه يبقى في مشاشته (3) أربعين يوما (4). 42 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي ابن عيسى رفعه، في ما ناجى الله به موسى عليه السلام قال: يا موسى ! أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين، من طينة أخرجتها من أرض ممشوجة (5) فكانت بشرا فأنا صانعها خلقا - الخبر (6) -. 43 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن، عن


(1) في المصدر: لا تحتسب (2 و 3) في المصدر: مشاشه. (4) الكافي: ج 6، ص 402. (5) في المصدر: ارض ذليلة ممشوجة. وقال المؤلف - ره - في مرآت العقول: أي مخلوطة من انواع، والمراد: أنى خلقتك من نطفة واصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الارض وهو آدم عليه السلام واخذت طينته من جميع وجه الارض المشتملة على الوان وأنواع مختلفة. (6) روضة الكافي: 44

[358]

عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الميت يبلى جسده ؟ قال: نعم، حتى لا يبقى لحم ولاعظم إلا طينته التي خلق منها فإنها لاتبلى، تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق الله منها كما خلق أول مرة (1). 44 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن مسلم الحلواني، عن أبي إسماعيل الصيقل الرازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في الجنة لثمرة تسمى " المزن " فإذا أراد الله أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة، فلا تصيب بقلة ولا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلا أخرج الله من صلبه مؤمنا (2). 45 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن إبراهيم بن مخلد عن أحمد بن إبراهيم، عن محمد بن بشير، عن محمد بن سنان، عن أبي عبد الله القزويني قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام فقلت: لاي علة يولد الانسان ههنا ويموت في موضع آخر ؟ قال: إن (3) الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه خلقهم من أديم الارض فيرجع (4) كل إنسان إلى تربته (5). 46 - تفسير الامام: قال عليه السلام في سياق قصة ذبح البقرة: ثم ذبحوها وأخذوا قطعة وهي عجب الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا أراد خلقا جديدا فضربوه بها - القصة -. 47 - البصائر: عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن سهل الهمداني وغيره عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله أن يقبض روح إمام و يخلق من بعده إماما أنزل قطرة من ماء تحت العرش إلى الارض فيلقيها على ثمرة أو بقلة، فيأكل تلك الثمرة أو تلك البقلة الامام الذي يخلق الله منه نطفة الامام الذي يقوم من بعده، قال: فيخلق الله من تلك القطرة نطفة في الصلب، ثم يصير إلى الرحم


(1) الكافي: ج 3، 251. (2) الكافي: ج 2، ص 14. (3) في المصدر: لان. (4) وفى المصدر وفى بعض نسخ الكتاب: فمرجع. (5) العلل: ج 1، ص 290.

[359]

فيمكث فيها أربعين ليلة، فإذا مضى له أربعون ليلة سمع الصوت، فإذا مضى له أربعة أشهر كتب على عضده الايمن " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (1) " فإذا خرج إلى الارض اوتي الحكمة، وزين بالعلم والوقار والبس الهيبة، وجعل له مصباح من نور يعرف به الضمير، ويرى به أعمال العباد. أقول: قد مضت الاخبار في بدء خلق الامام وخواصه في المجلدات السابقة المتعلقة بالامامة، فلا نعيدها حذرا من التكرار. 48 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام في حديث طوبل ذكر فيه إتيان الخضر أمير المؤمنين عليه السلام وسؤاله عن مسائل وأمره عليه السلام الحسن بجوابه، فقال الحسن عليه السلام في سياق الاجوبة: وأما ما ذكرت من أمر الرجل يشبه أعمامه وأخواله فإن الرجل إذا أتى أهله بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب استكنت تلك النطفة في [تلك] الرحم فخرج الولد يشبه أباه وامه، وإن (2) أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب اضطربت تلك النطفة في جوف تلك الرحم فوقعت على عرق من العروق، فإن وقعت على عرق من عروق الاعمام أشبه الولد أعماله، وإن وقعت على عرق من عروق الاخوال أشبه (3) أخواله - إلى آخر ما سيأتي من الخبر الطويل - (4). بيان: في القاموس: هدأ - كمنع - هدء وهدوء: سكن. وأقول: يحتمل أن يكون المراد أنه إذا لم تضطرب النطفة تحصل المشابهة التامة، لان المني يخرج من جميع البدن فيقع كل جزء موقعه، وإذا اضطربت حصلت المشابهة الناقصة، فيشبه الاعمام إذا كان الاغلب مني الرجل لانهم أيضا يشبهون الاب مشابهة ناقصة، وإن غلب مني الام أشبه الاخوال كذلك، ويمكن أن يكون بعض العروق في بدن الاب منسوبا إلى


(1) الانعام: 115. (2) في المصدر: وإن هو. (3) في المصدر: أشبه الولد. (4) علل الشرائع: ج 1، ص 91.

[360]

الاعمام وفي بدن الام منسوبا إلى الاخوال، ففي الاضطراب يعلو المني الخارج من ذلك العرق، فالمراد بالعرق مني العرق، وهذا لا يخلو من بعد. 49 - تفسير الامام: قال عليه السلام في قوله تعالى " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم (1) " من نطفة من ماء مهين، فجعله في قرار مكين إلى قدر معلوم، فقدره فنعم القادر رب العالمين، قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن النطفة تثبت في الرحم أربعين يوما نطفة، ثم يصير علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين يوما، ثم يجعل بعده عظما، ثم يكسى لحما، ثم يلبس الله بعده جلدا، ثم ينبت عليه شعرا، ثم يبعث الله عزوجل ملك الارحام، فيقال له: اكتب أجله وعمله ورزقه، وشقيا يكون أو سعيدا، فيقول ملك: يا رب أنى لي بعلم ذلك ؟ فيقال له: استمل ذلك من قراء اللوح المحفوظ فيستمليه منهم. 50 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عيسى، عن أبي محمد المدائني عن عائذ بن حبيب بياع الهروي، عن عيسى بن زيد، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: يثغر الغلام لسبع سنين، ويؤمر بالصلوة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر ويحتلم لاربع عشرة (2) وينتهي طوله إلى اثنين (3) وعشرين سنة، وينتهي عقله إلى ثمان (4) وعشرين سنة إلا التجارب (5). بيان: قال المطرزي: ثغر الصبي فهو مثغور: سقطت رواضعه، وأما إذا نبت بعد السقوط فهو مثغر بالتاء والثاء، وقد اثغر على افتعل. 51 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن موسى بن عمر، عن علي بن الحسين، عن الحسن الضرير، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: يشب الصبي كل سنة أربع أصابع بأصابع نفسه (6). 52 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني


(1) البقرة: 21. (2) في المصدر: لاربع عشرة سنة (3) في المصدر: اثنتين. (4) في المصدر: لثمان. (5 و 6) الكافي: ج 6، ص 46

[361]

عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: الغلام يلقح بتفلك ثدياه وبسطح (1) ريح إبطيه (2). بيان: لا يلقح: لا يجامع، (3) وهو كناية عن البلوغ، وفي القاموس: فلك ثديها وتفلك: استدار. 53 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن خليل بن عمرو اليشكري، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إذا كان الغلام ملتاث الادرة صغير الذكر ساكن النظر فهو ممن يرجى خيره ويؤمن شره، قال: وإذا كان الغلام شديد الادرة كبير الذكر حاد النظر فهو ممن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره (4). توضيح: في أكثر النسخ " ملتاث الادرة " بالتاء المثناة ثم الثاء المثلثة من اللوثة بالضم وهي الاسترخاء، والادرة: نفخة في الخصية، وكأن المراد بها هنا نفس الخصية أي مسترخي الخصية متدليها، وفي بعضها " الازرة " بالزاي، أي هيئة الائتزار، والتياثه كناية عن أنه لايجود شد الازار والمنطقة بحيث يرى منه حسن الائتزار فعجب به كما هو عادة الظرفاء، وفي بعضها " ملثاث " بالثائين المثلثتين، واللث والالثاث و اللثلثة: الالحاح والاقامة ودوام المطر، والثلثة: الضعف والحبس (5) والتردد في الامر، ذكرها الفيروز آبادي، والاول أنسب. 54 - الكافي: عن علي بن محمد بن بندار، عن أبيه، عن محمد بن علي الهمداني. عن أبي سعيد الشامي، عن صالح بن عقبة، قال: سمعت العبد الصالح يقول: تستحب


(1) في اكثر النسخ: يتفلك ثدياه ويسطع.. وفى المصدر: وتسطع. (2) الكافي: ج 6، ص 46. (3) في اكثر النسخ " أو ". (4) الكافي: ج 6، ص 51. (5) في القاموس [طبعة مصر]، الجيش. والظاهران الصواب هو الحبس، لانه من معاني اللثلثة

[362]

عرامة الغلام (1) في صغره ليكون حليما في كبره. ثم قال: ما ينبغي إلا أن يكون هكذا. وروي أن أكيس الصبيان أشدهم بغضا للكتاب (2). بيان: العرامة: سوء الخلق والفساد والمرح والاشرار، والمراد ميله إلى اللعب وبغضه للكتاب، أي عرامته في صغره علامة عقله وحلمه في كبره وينبغي أن يكون الطفل هكذا، فأما إذا كان منقادا ساكنا حسن الخلق في صغره يكون بليدا في كبره كما هو المجرب، والكتاب - بالتشديد -: المكتب. 55 - الدر المنثور: عن محمد بن كعب القرطي، قال: قرأت في التورية - أو قال: في صحف إبراهيم - فوجدت فيها يقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أنصفتني ! خلقتك ولم تك شيئا وجعلتك بشرا سويا، خلقتك من سلالة من طين ثم جعلتك نطفة في قرار مكين، ثم خلقت النطفة علقة، فخلقت العلقة مضغة، فخلقت المضغة عظاما، فكسوت العظام لحما، ثم أنشأتك خلقا آخر. يا ابن آدم ! هل يقدر على ذلك غيري ؟ ثم خففت ثقلك على امك حتى لاتتبرم (3) بك وتتأذى، ثم أوحيت إلى الامعاء أن انسعي وإلى الجوارح أن تفرقي، فاتسعت الامعاء من بعد ضيقها، وتفرقت الجوارح من بعد تشبيكها، ثم أوحيت إلى الملك الموكل بالارحام أن يخرجك من بطن امك، فاستخلصك (4) على ريشة من جناحه، فاطلعت عليك فإذا أنت خلق ضعيف ليس لك سن يقطع ولا ضرس يطحن، فاستخلصت لك في صدر امك ثديا (5) يدر لك لبنا باردا في الصيف حارا في الشتاء، واستخلصته من بين جلد ولحم ودم وعروق، وقذفت لك في قلب والدتك الرحمة، وفي قلب أبيك التحنن، فهما يكدان ويجهدان، ويربيانك ويغذيانك، ولم يناما حتى ينومانك. ابن آدم ! أنا فعلت ذلك بك لا بشئ استأهلته به مني أو لحاجة استعنت على قضائها. ابن آدم ! فلما قطع


(1) في المصدر: الصبى. (2) الكافي: ج 6، ص 51. (3) في المصدر: لا تتمرض. (4) في المصدر: فاستخلصتك (5) في المصدر: عرقا. (*)

[363]

سنك وطلع (1) ضرسك أطعمتك فاكهة الصيف وفاكهة الشتاء في أوانهما، فلما (2) عرفت أني ربك عصيتني، فالآن إذ عصيتني فادعني وإني قريب مجيب، وادعني فإني غفور رحيم (3). 56 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه رواه عن رجل من العامة قال: كنت اجالس أبا عبد الله عليه السلام فلا والله ما رأيت مجلسا أنيل (4) من مجالسه. قال: فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة ؟ فقلت: من الانف، فقال لي: أصبت الخطأ، فقلت: جعلت فداك، من أين تخرج ؟ فقال: من جميع البدن، كما أن النطفة تخرج من جميع البدن ومخرجها من الاحليل. ثم أما رأيت الانسان إذا عطس نفض جميع أعضائه، وصاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيام (5). 57 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الخلق، فقال: إن الله تعالى لما خلق الخلق من طين أفاض بها كإفاضة القداح، فأخرج المسلم فجعله سعيدا وجعل الكافر شقيا، فإذا وقعت النطفة تلقتها الملائكة فصوروها، ثم قالوا: يا رب أذكر أو اثنى ؟ فيقول الرب جل جلاله أي ذلك شاء، فيقولان: تبارك الله أحسن الخالقين ! ثم يوضع (6) في بطنها فتردد تسعة أيام وفي كل عرق ومفصل منها، وللرحم ثلاثة أقفال: قفل في أعلاها مما يلي أعلا السرة من جانب الايمن، والقفل الآخر في وسطها أسفل (7) من الرحم، فيوضع بعد تسعة أيام في القفل الاعلى فيمكث فيه ثلاثة


(1) في المصدر: طحن. (2) في المصدر: فاكهة الصيف في اوانها وفاكهة الشتاء في اوانها فلما أن عرفت. (3) الدر المنثور: ج 6، ص 316. (4) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: أنبل. (5) الكافي: ج 2، ص 657. (6) في المصدر: توضع. (7) في المصدر وبعض نسخ الكتاب: والقفل الاخر أسفل...

[364]

أشهر، فعند ذلك يصيب المرأة خبث النفس والتهوع، ثم ينزل إلى القفل الاوسط فيمكث فيه ثلاثة أشهر، وسرة الصبي فيها مجمع العروق وعروق المرأة كلها منها يدخل طعامه وشرابه من تلك العروق، ثم ينزل إلى القفل الاسفل فيمكث فيه ثلاثة أشهر، فذلك تسعة أشهر ثم تطلق المرأة، فكلما طلقت انقطع عرق من سرة الصبي فأصابها ذلك الوجع، ويده على سرته حتى يقع على الارض ويده مبسوطة، فيكون رزقه حينئذ من فيه (1). بيان: " أفاض بها كإفاضة القداح " قال الجوهري: إفاضة القداح: الضرب بها، والقداح جمع القدح - بالكسر - وهو السهم قبل أن يراش وينصل، فانهم كانوا يخلطونها ويقرعون بها بعد ما يكتبون عليها أسماءهم. وفي التشبيه إشارة لطيفة إلى اشتباه خير بني آدم بشرهم إلى أن يميز الله الخبيث من الطيب، كذا ذكره بعض الافاضل. أقول: يمكن أن يقرأ " القداح " بفتح القاف وتشديد الدال وهو صانع القدح، أي أفاض وشرع في بريها ونحتها كالقداح [فيراهم مختلفة كالقداح]. قوله " فتردد.. " لعل ترددها كناية عما يؤثر فيها من مزاج الام، أوما يختلط بها من نطفة الام الخارجة من جميع عروقها. ثم إنه يحتمل أن يكون نزولها إلى الاوسط والاسفل ببعضها لعظم جثتها لا بكلها. قوله " أسفل من الرحم " أي [هو] أسفل موضع منها. وفي القاموس: الطلق وجع الولادة، وقد طلقت المرأة طلقا على ما لم يسم فاعله و " يده " أي يد الصبي. 58 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إذا وقعت النطفة في الرحم استقرت فيها أربعين يوما وتكون علقة أربعين يوما وتكون مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله ملكين خلاقين فيقال لهما: اخلقاكما يريد الله ذكرا أو انثى، صوراه واكتبا أجله ورزقه ومنيته، وشقيا أو سعيدا، واكتبا لله


(1) الكافي: ج 6، ص 15.

[365]

الميثاق الذي أخذه (1) في الذر بين عينيه، فإذا دنا خروجه من بطن امه بعث الله إليه ملكا يقال له " زاجر " فيزجره فيفزع فزعا، فينسى الميثاق ويقع إلى الارض [و] يبكي من زجرة الملك (2). 59 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا عليه السلام أن يدعو الله عزوجل لامرأة من أهلنا بها حمل، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: الدعاء ما لم يمض أربعة أشهر، فقلت له: إنما لها أقل من هذا، فدعا لها، ثم قال: إن النطفة تكون في الرحم ثلاثين يوما وتكون علقة ثلاثين يوما وتكون مضغة ثلاثين يوما، وتكون مخلقة وغير مخلقة ثلاثين يوما، فإذا تمت الاربعة أشهر بعث الله تعالى إليها ملكين خلاقين يصورانه ويكتبان رزقه وأجله، وشقيا أو سعيدا - الخبر - (3). 60 - تفسير على بن ابراهيم: " لقد خلقناكم ثم صورناكم " أي خلقناكم في الاصلاب وصورناكم في أرحام النساء. ثم قال: وصور ابن مريم في الرحم دون الصلب وإن كان مخلوقا في أصلاب الانبياء، ورفع وعليه مدرعة من صوف. حدثنا أحمد بن محمد، عن جعفر بن عبد الله المحمدي، عن كثير بن عياش، عن (4) أبي جعفر عليه السلام في قوله " ولقد خلقناكم ثم صورناكم " قال: أما " خلقناكم " فنطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما (5) ثم لحما، وأما " صورناكم " فالعين، والانف والاذنين، والفم، واليدين، والرجلين، صور هذا ونحوه، ثم جعل الدميم والوسيم والجسيم والطويل والقصير وأشباه هذا (6).


(1) في المصدر: اخذه عليه. (2) الكافي: ج 6، ص 16. (3) قرب الاسناد: 206. (4) في المصدر: عن أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام. (5) في المصدر: عظما. (6) تفسير القمى: 212.

[366]

61 - ومنه: " خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها " يعني آدم وزوجته حواء " في ظلمات ثلاث " قال: البطن، والرحم، والمشيمة (1). 62 - ومنه: " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " يعني الظلمات الثلاث التي ذكرها الله، وهي المشيمة والرحم والبطن (2). 63 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، قال: إنما جعلت المواريث من ستة أسهم على خلقة الانسان، لان الله عزوجل بحكمته خلق الانسان من ستة أجزاء فوضع المواريث على ستة أسهم، وهو قوله عزوجل " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين " ففي النطفة دية " ثم خلقنا النطفة علقة " ففي العلقة دية " فخلقنا العلقة مضغة " وفيها دية " ثم خلقنا المضغة عظاما " وفيها دية " فكسونا العظام لحما " وفيه دية اخرى " ثم أنشأناه خلقا آخر " وفيه دية اخرى، فهذا ذكر آخر المخلوق (3). 64 - قصص الراوندي: بإسناده عن الصدوق، بإسناده عن شهر بن حوشب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه واله المدينة أتاه رهط من اليهود فسألوه عن مسائل، منها قالوا: كيف يكون الشبه من المرأة وإنما النطفة للرجل ؟ فقال: انشدكم بالله أتعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة وأن نطفة المرأة حمراء رقيقة، فأيتها غلب (4) على صاحبتها كان لها الشبه ؟ قالوا: اللهم نعم - الخبر -. 65 - ومنه: بإسناده عن الصدوق، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحد بن يحيى عن السياري، عن إسحق ابن إبراهيم، عن الرضا عليه السلام قال: إن الملك قال لدانيال: أشتهي أن يكون لي ابن مثلك، فقال: ما محلي من قلبك ؟ قال: أجل محل وأعظمه


(1) التفسير: 574. (2) التفسير: 132. (3) الكافي: ج 7، ص 84. (4) كذا، والصواب " غلبت "

[367]

قال دانيال: فإذا (1) جامعت فاجعل همتك في. قال: ففعل الملك ذلك، فولد له ابن أشبه خلق الله بدانيال. بيان: أقول: ذكر الاطباء أيضا أن للتخيل في وقت الجماع مدخلا في كيفية تصوير الجنين، قال ابن سينا في القانون: قد قال قوم من العلماء ولم يعدوا عن حكم الجواز إن من أسباب الشبه ما يتمثل حال العلوق في وهم المرأة أو الرجل من الصور الانسانية تمثلا متمكنا (انتهى) وقال بعضهم: تصور رجل عند الجماع صورة حية فتولد منه طفل كان رأسه رأس إنسان وبدنه بدن حية. 66 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن وهب القرشي عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن رجلا أتى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: إن امرأتي هذه جارية حدثة وهي عذراء وهي حامل في تسعة أشهر، ولا أعلم إلا خيرا، وأنا شيخ كبير ما افترعتها وإنها لعلى حالها. فقال له علي عليه السلام: نشدتك بالله هل كنت تهريق على فرجها ؟ قال: نعم، فقال علي عليه السلام: إن لكل فرج ثقبتين: ثقب يدخل فيه ماء الرجل وثقب يخرج منه البول. وأفواه الرحم تحت الثقب الذي يدخل منه ماء الرجل، فإذا دخل الماء في فم واحدة من أفواه الرحم حملت المرأة بولد واحد، وإذا دخل في اثنين حملت (2) باثنين، وإذا دخل من ثلاثة حملت بثلاثة، وإذا دخل من أربعة حملت بأربعة وليس هناك غير ذلك، وقد ألحقت بك ولدها. فشق عنها (3) القوابل، فجاءت بغلام فعاش (4). 67 - التهذيب: بإسناده عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت: تلزمني المرأة أو الجارية من خلفي وأنا متكئ على جنب، فتتحرك على ظهري فتأتيها الشهوة وتنزل الماء، أفعليها غسل أم لا ؟ قال: نعم، إذا جاءت الشهوة وأنزلت الماء


(1) إذا (خ). (2) في المصدر: من اثنين حملت المرأة باثنين. (3) في المصدر: " فسوغتها القوابل " وهو الصواب ظاهرا. (4) قرب الاسناد: 91.

[368]

وجب عليها الغسل. 68 - ومنه: بسند موثق عن معاوية بن حكيم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أمنت المرأة والامة من شهوة جامعها الرجل أولم يجامعها في نوم كان ذلك أو في يقظة فإن عليها الغسل. 69 - ومنه: بإسناده عن يحيى بن أبي طلحة، أنه سأل عبدا صالحا عن رجل مس فرج امرأته أو جاريته يعبث بها حتى أنزلت، عليها غسل أم لا ؟ قال: أليس قد أنزلت من شهوة ؟ قلت: بلى، قال: عليها غسل. 70 - ومنه: بسند صحيح عن ابن بزيع، قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة في ما دون الفرج فتنزل المرأة، هل عليها غسل ؟ قال: نعم. تبيان: أقول: الاخبار في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل مع ما مر من الاخبار في شبه الاعمام والاخوال على أن للمرأة منيا كالرجل كما ذهب إليه جالينوس و أكثر الاطباء، وذهب أرسطو وجماعة من الحكماء إلى أنه ليس للمرأة مني وإنما تنفصل من بيضتها (1) رطوبة شبيهة بالمني يقال لها المني مجازا، إذ عندهم أن المني ما اجتمع فيه خمس صفات: بياض اللون، وحصول اللذة عند الخروج، والقوة العاقدة والدفق، ورائحة شبيهة برائحة الطلع، وإذا امتزج مني الرجل بتلك الرطوبة تتولد منه مادة الجنين، ومني الرجل هي العاقدة والفاعلة، ورطوبة المرأة هي المنعقدة و المنفعلة. وقال جالينوس وأتباعه: في كل منهما قوة عاقدة ومنعقدة. والحق أن النزاع في إطلاق المني على رطوبة المرأة وعدمه لفظي لا طائل تحته، وقد مر في الاخبار الكثيرة أن الولد يتكون من المنيين معا، وسيأتي بعض القول فيه أيضا في آخر الباب إن شاء الله. 71 - تفسير على بن ابراهيم: قوله " سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (2) " قال: فإنه حدثني أبي، عن النضر


(1) بيضتيها (خ). (2) يس: 36.

[369]

ابن سويد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النطفة تقع من السماء إلى الارض على النبات والثمر والشجر، فتأكل الناس منه والبهائم، فيجري فيهم (1). 72 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ابن آدم منتصب في بطن امه، وذلك قول الله عزوجل " لقد خلقنا الانسان في كبد (2) " وما سوى ابن آدم فرأسه في دبره ويداه (3) بين يديه (4). 73 - تفسير على بن ابراهيم: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " قال: السلالة الصفوة من الطعام والشراب الذي يصير نطفة، والنطفة أصلها من السلالة والسلالة هو من (5) صفوة الطعام والشراب، والطعام من أصل الطين، فهذا معنى قوله " من سلالة من طين ". " ثم جعلناه نطفة في قرار مكين " أي في الانثيين ثم في الرحم " ثم خلقنا النطفة علقة - إلى قوله - أحسن الخالقين " وهذه استحالة أمر إلى أمر، فحد النطفة إذا وقعت في الرحم أربعين يوما ثم يصير علقة (6). 74 - ومنه: قوله " ولقد خلقنا الانسان - إلى قوله - ثم أنشأناه خلقا آخر " فهي ستة أجزاء وستة استحالات، وفي كل جزء واستحالة دية محدودة، ففي النطفة عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون دينارا، وفي المضغة ستون دينارا، وفي العظم ثمانون دينارا، وإذا كسي لحما فمائة دينار، حتى يستهل، فإذا استهل فالديه كاملة (7). 75 - وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " ثم أنشأناه خلقا آخر " فهو نفخ الروح فيه (8).


(1) تفسير القمى: 551 (2) البلد: 4 (3) في نسخة مخطوطة: فرأسه في دبرة بين يديه. (4) علل الشرائع: ج 2، ص 181. (5) في المصدر: والنطفة من السلالة والسلالة من صفوة. (6) تفسير القمى: 445. (7) تفسير القمى: 445. (8) التفسير: 446.

[370]

76 - ومنه: " وبدأ خلق الانسان من طين " قال: هو آدم عليه السلام " ثم جعل نسله " أي ولده " من سلالة " وهو الصفوة من الطعام والشراب " من ماء مهين " قال: النطفة المني " ثم سواه " أي استحاله من نطفة إلى علقة، ومن العلقة (1) إلى مضغة، ثم (2) نفخ فيه الروح (3) 77 - ومنه: في روايه أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " يهب لمن يشاء إناثا " يعني: ليس معهن ذكر " ويهب لمن يشاء الذكور " يعني: ليس معهم انثى " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا " أي يهب لمن يشاء ذكرانا وإناثا جميعا، يجمع له البنين والبنات (4). 78 - ومنه: عن أبيه، عن المحمودي ومحمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن إسماعيل الدارمي (5) عن محمد بن سعيد، أن يحيى بن أكثم سأل موسى بن علي بن محمد عن مسائل، وفيها: أخبرنا عن قول الله " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا " فهل يزوج الله عباده الذكران وقد عاقب قوما فعلوا ذلك ؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن العسكري عليه السلام فكان من جواب أبي الحسن عليه السلام: أما قوله " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا " فإن الله تعالى زوج ذكران المطيعين إناثا من الحور العين، وإناث المطيعات من الانس ذكران المطيعين، ومعاذ الله أن يكون الجليل عنى (6) ما لبست على نفسك تطلبا للرخصة (7) لارتكاب المآثم (8). بيان: لا يخفى بعد ما ذكر في الخبر من سياق الآية، وكأنه على سبيل التنزل


(1) في المصدر: علقة. (2) فيه: حتى (3) التفسير: 511. (4) التفسير: 605. (5) كذا في نسخ الكتاب، وفى المصدر " الرازي " وهو الصواب ظاهرا، لعدم ذكر من " محمد بن اسماعيل الدارمي " في كتب الرجال. (6) في اكثر النسخ " اعني ". (7) في المصدر: طلبا لرخصة. (8) تفسير القمى: 605.

[371]

أي لو كان المراد بالتزويج ما زعمت لاحتمل محملا صحيحا أيضا، أو يكون هذا بطنا من بطون الآية. ويمكن تصحيحه بوجه لا يأبي عن سياق الآية بأن يكون الغرض بيان أحوال جميع أفراد البشر أو المؤمنين في الازواج (1) والاولاد، فإنهم إما أن يكونوا تزوجوا في الدنيا أم لا، فعلى الاول إما يهب لهم إناثا مع الذكران أو بدونهم أو يهب لهم ذكرانا مع الاناث وبدونهن على سبيل منع الخلو، أو يجعلهم عقيما لا يولد لهم، وعلى الثاني يزوج المؤمنين والمؤمنات في الآخرة. 79 - التهذيب: عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن موسى الوراق، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي جرير القمي، قال: سألت العبد الصالح عليه السلام عن النطفة ما فيها من الدية ؟ وما في العلقة ؟ وما في المضغة المخلقة ومايقر في الارحام ؟ قال: إنه يخلق في بطن امه خلقا من بعد خلق، يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين يوما، ففي النطفة أربعون دينارا، وفي العلقة ستون دينارا، وفي المضغة ثمانون دينارا، فإذا اكتسى العظام لحما ففيه مائة دينار، قال الله عزوجل " ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين " فإن كان ذكرا ففيه الدية، وإن كانت انثى ففيها ديتها. 80 - معاني الاخبار: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد (2) عن علي بن السندي، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد الله (3) عليه السلام حيث دخل عليه داود الرقي، فقال له: جعلت فداك، إن الناس يقولون إذا مضى للحمل (4) ستة أشهر فقد فرغ الله من خلقته. فقال أبو الحسن عليه السلام: يا داود ! ادع ولو بشق الصفا - فقلت (5): وأي شئ الصفا ؟ قال: ما يخرج مع الولد - فإن


(1) الزواج (خ). (2) في المصدر: عن محمد بن أحمد. (3) كذا في نسخ الكتاب، وفى المصدر: عند أبى الحسن عليه السلام. (4) في المصدر: للحامل. (5) فيه: فقلت جعلت فداك.

[372]

الله عزوجل يفعل ما يشاء (1). 81 - الاقبال: عن الحسين بن علي عليهما السلام في دعاء يوم عرفة: ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا، وخلقتني من التراب، ثم أسكنتني الاصلاب، أمنا لريب المنون واختلاف الدهور، فلم أزل ظاعنا من صلب إلى رحم في تقادم الايام الماضية والقرون الخالية، لم تخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إلي في دولة أيام الكفرة الذين نقضوا عهدك، وكذبوا رسلك، لكنك أخرجتني رأفة منك وتحننا علي للذي سبق لي من الهدى الذي (2) يسرتني وفيه أنشأتني، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك، وسوابغ نعمتك، فابتدعت خلقي من مني يمنى، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم، لم تشهرني بخلقي، ولم تجعل إلي شيئا من أمري ثم أخرجتني إلى الدنيا تاما سويا، وحفظتني في المهد طفلا صبيا، ورزقتني من الغذاء لبنا مريئا، وعطفت علي قلوب الحواضن، وكفلتني الامهات الرحائم، وكلاتني من طوارق الجان، وسلمتني من الزيادة والنقصان، فتعاليت يا رحيم يا رحمان. حتى إذا استهللت ناطقا بالكلام، أتممت علي سوابغ الانعام، فربيتني زائدا في كل عام حتى إذا كملت فطرتي، واعتدلت سريرتي، أوجبت علي حجتك، بأن ألهمتني معرفتك، وروعتني بعجائب فطرتك، وأنطقتني لما ذرأت لي في سمائك وأرضك من بدائع خلقك، ونبهتني لذكرك وشكرك، وواجب طاعتك وعبادتك، وفهمتني ما جاءت به رسلك، ويسرت لي تقبل مرضاتك، ومننت علي في جميع ذلك بعونك ولطفك، ثم إذ خلقتني من حر الثرى لم ترض لي يا إلهي نعمة دون اخرى، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش، بمنك العظيم علي، وإحسانك القديم إلي، حتى إذا أتممت علي جميع النعم، وصرفت عني كل النقم، لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني على ما يقربني إليك، ووفقتني لما يزلفني لديك - إلى آخر الدعاء - (3).


(1) معاني الاخبار: 405. (2) في المصدر: فيه يسرتني. (3) الاقبال: 240.

[373]

بيان: " ثم أسكنتني الاصلاب " أي جعلت مادة وجودي مودعة في أصلاب آبائي، فإن نطفة كل ولد كانت في صلب والده، وكلهم كانوا من علل وجوده. وريب المنون: حوادث الدهر، ذكره الجوهري، و " أمنا " مفعول له، أي حفظت مادة وجودي في الاصلاب لاكون آمنا من حوادث الدهر " واختلاف الدهور " وهو معطوف على " ريب " أو " المنون " والظاعن: السائر، وقال الجوهري: قدم الشئ - بالضم - قدما فهو قديم، وتقادم مثله (انتهى) فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الايام المتقادمة، والخالية: الماضية. " للذي " متعلق بقوله " أخرجتني " ويحتمل أن يكون اللام للظرفية وللعلة. " الذي يسرتني " أي جعلتني قابلا له، كما قال تعالى " فسنيسره لليسرى (1) ". " بين لحم وجلد ودم " الظاهر أنه ليس تفسيرا للظلمات الثلاث، أي كونتني أو حال كوني بين لحم الرحم وجلدها والدم الذي فيها، أو كنت بين تلك الاجزاء من بدني، والاول أظهر. " لم تشهرني بخلقي " أي لم تجعل تلك الحالات الخسيسة ظاهرة للخلق في ابتداء خلقي لاصير محقرا مهينا عندهم، بل سترت تلك الاحوال عنهم وأخرجتني بعد اعتدال صورتي وخروجي عن تلك الاحوال الدنية والطفل: المولود، والصبي: الغلام، وهما متقاربان في المعنى، فالصبي إما تأكيد أو إشارة إلى اختلاف مراتب المولود، بأن يكون الطفولية قبل الصبا، والاول أظهر إذ يطلق على المولود حين كونه في المهد طفلا وصبيا، فيكون الجمع بينهما إشارة إلى حالتي المولود، فاعتبار نعومة بدنه طفل، وباعتبار قلة عقله صبي، فلذا قال تعالى " كيف نكلم من كان في المهد صبيا (2) " وما قيل من أن الصبي أعم من الطفل لان المولود إذا فطم لا يسمى طفلا، يضعفه قوله تعالى " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء (3) ". قال الراغب: الصبي من لم يبلغ الحلم، قال تعالى " كيف نكلم من كان في المهد


(1) الليل: 7. (2) مريم: 29. (3) النور: 31.

[374]

صبيا ". وقال: الطفل: الولد مادام ناعما، وقد يقع على الجمع، قال تعالى " ثم يخرجكم طفلا " وقال " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " وقد يجمع على أطفال، قال عزوجل " وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم (1) " وباعتبار النعمة قيل امرأة طفلة (انتهى). والغذاء: ما يتغذى به من الطعام والشراب، والمري إما من المهموز أي الموافق للطبع فخفف، أو من المعتل من قولهم " مريت الناقة مريا " إذا مسحت ضرعها لتدر والمري - على فعيل -: الناقة الكبير اللبن. والعطف: الشفقة والامالة، يقال: عطف العود، أي ميله، وعلى الاول يكون على بناء التفعيل. والحواضن: النساء اللاتي يقمن بتربية الصبيان، والحضن ما دون الابط إلى الكشح، وحضن الطير بيضه لانه يضمه إلى نفسه تحت جناحه، ولما كانت الامهات يحضن الاولاد سمين حواضن. والكافل: الحافظ لغيره، قال تعالى " وكفلها زكريا (2) ". و " كلاتني " أي حفظتني " من طوارق الجان " أي جماعة من الجن يطرقون بشر على الاطفال كام الصبيان. والطارق - في الاصل -: الذي يأتي بالليل لاحتياجه إلى طرق الباب ثم استعمل في كل شر نزل سواء كان بالليل أو بالنهار، والمراد بالزيادة والنقصان ما يصير منهما سببا لتشويه الخلقة وضعف البنية. والاستهلال: رفع الصوت، واستهلال الصبي صياحه عند الولادة. وكما الفطرة إشارة إلى قوة الاعضاء والقوى الظاهرة، واعتدال السريرة إلى كمال القوى الباطنة. " أوجبت " أي ألزمت وأتممت، و " روعتني " أي أفزعتني وخوفتني، والعلم بعجائب الفطرة يصير سببا للخوف للعلم بعظمة الرب سبحانه ووفور نعمه وتقصير المكلف في أداء شكره، كما قال تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء (3) " وقال " والذين هم من خشيه ربهم مشفقون (4) " أو المعنى:


(1) النور: 59. (2) آل عمران: 37. (3) فاطر: 28 (4) المؤمنون: 58.

[375]

ألقيت في روعي أي قلبي عجائب الفطرة، لكنه بعيد عن الشائع في إطلاق هذا اللفظ بحسب اللغة. وقال الفيروز آبادي: الحر - بالضم -: خيار كل شئ، ومن الطين والرمل الطيب، ومن الرمل وسطه. والثرى: التراب الندي. أقول: سيأتي شرح تلك الفقرات مستوفى عند ذكر الدعاء بتمامه في محله إن شاء الله تعالى. 82 - تفسير على بن ابراهيم: " خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين " قال: خلقه من قطرة من ماء منتن فيكون خصيما متكلما بليغا (1). 83 - ومنه: " أولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين " قال: أي ناطق عالم بليغ (2). 84 - ومنه: " هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء " قال: يعني ذكرا وانثى، أسود وأبيض وأحمر، صحيحا وسقيما (3). 85 - ومنه: " ثم لقطعنا منه الوتين " قال: عرق في الظهر يكون منه الولد (4). 86 - ومنه: " إذ أنتم أجنة في بطون امهاتكم " أي مستقرين، قوله " من نطفة إذا تمنى " قال: تتحول النطفة إلى الدم، فتكون أولا دما، ثم تصير نطفة وتكون في الدماغ في عرق يقال له الوريد وتمر في فقار الظهر، فلا تزال تجوز فقرا فقرا حتى تصير إلى (5) الحالبين فتصير أبيض، وأما نطفة المرأة فإنها تنزل من صدرها (6).


(1) تفسير القمى: 357. (2) التفسير: 553 (3) التفسير: 87. (4) التفسير: 695. (5) في المصدر: في. (6) تفسير القمى: 655. (*)

[376]

بيان: قال الجوهري: الحالبان عرقان مكتنفان بالسرة. 87 - التفسير: " لم يكن شيئا مذكورا " قال: لم يكن في العلم ولا في الذكر (1). 88 - وفي حديث آخر: كان في العلم ولم يكن في الذكر. " نبتليه " أي نختبره (2). 89 - وفي رواية أبي الجاورد عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " أمشاج " قال: ماء الرجل وماء المرأة اختلطان جميعا (3). بيان: " لم يكن في العلم " أي علم الملائكة. 90 - التفسير: " مخلقة وغير مخلقة " قال: المخلقة إذا صارت دما، وغير المخلقة قال: السقط (4). 91 - وفي رواية أبي الجاورد عن أبي جعفر عليه السلام " لنبين لكم " أنكم كنتم كذلك في الارحام " ونقر في الارحام ما نشاء " فلا يخرج سقطا (5). 92 - حدثنا محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد، عن العباس، عن ابن أبي نجران عن محمد بن القاسم، عن علي بن المغيرة، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر (6). بيان: لا يبعد أن يكون " دما " تصحيف " تاما ". 93 - التفسير: " إنا خلقناهم مما يعلمون " قال: من نطفة ثم من علقة (7). 94 - ومنه: " خلق الانسان من علق " قال: من دم (8).


(1 و 2) التفسير: 706. (3) التفسير: 701. (4 و 5) التفسير: 435. (6) تفسير القمى: 435. (7) التفسير: 696. (8) التفسير: 731.

[377]

95 - مجمع البيان: روي أن ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك لما قدموا النبي صلى الله عليه واله إلى المدينة سألوه فقالوا: يا محمد ! كيف نومك ؟ فقد اخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان. فقال: تنام عيناي وقلبي يقظان. قالوا: صدقت يا محمد ! فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة ؟ فقال: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة، قالوا: صدقت يا محمد ! فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شئ، أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شئ ؟ فقال: أيهما علا ماؤه كان الشبه له. قالوا: صدقت يا محمد ! قالوا: أخبرنا عن ربك ما هو ؟ فأنزل الله: قل هو الله أحد إلى آخر السورة (1) - الخبر -. 96 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل ذهبت إحدى بيضتيه فقال: إن كانت اليسار ففيها الدية قلت: ولم ؟ أليس قلت: ما كان في الجسد اثنان ففيه (2) نصف الدية ؟ قال: لان الولد من البيضة اليسرى (3). 97 - الفقيه: بإسناده عن أبي يحيى الواسطي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: الولد يكون من البيضة اليسرى، فإذا قطعت ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلث الدية (4). بيان: قال الشهيد الثاني - قدس سره -: انحصار التولد في الخصية اليسرى قد أنكره بعض الاطباء، ونسبه الجاحظ في حياة الحيوان إلى العامة، ولو صح نسبته إليهم عليهم السلام لم يلتفت إلى إنكار منكره (انتهى). واقول: هذا شئ لا يمكن العلم به غالبا إلا من طريق الوحي والالهام، و التجربة، قاصرة عنه، مع أنه يمكن أن يحمل على أن اليسرى أدخل في ذلك. 98 - توحيد المفضل: نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به، فأول


(1) مجمع البيان: ج 3 ص 193. (2) في المصدر: ففى كل واحد نصف الدية. (3) الكافي: ج 7، ص 315. (4) من لا يحضره الفقيه: 511.

[378]

ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء، ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة، فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات فلا يزال ذلك غذاءه حتى إذا كمل خلقه، واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء، هاج الطلق بامه فأزعجه أشد إزعاج وأعنفه حتى يولد، وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم امه إلى ثدييها، فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشد موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للرضاع، فهو يجد ثديي امه كالاداوتين المعلقتين لحاجته، فلا يزال يغتذي باللبن مادام رطب البدن رقيق الامعاء لين الاعضاء، حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الاسنان والاضراس ليمضغ به الطعام، فيلين عليه وسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك، فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه، فكان ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به عن حد الصبا وشبه النساء، إن كانت انثى يبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه. اعتبر يا مفضل في ما يدبر به الانسان في هذه الاحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالاهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوى ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤود في الارض ؟ ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ؟ ولو لم تطلع عليه الاسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشتد بدنه ولا يصلح لعلم، ثم كان تشتغل امه بنفسه عن تربية غيره من الاولاد ؟ ولو لم يخرج الشعر في وجهه [في وقته] ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء، فلا ترى له جلالة ولا وقارا ؟

[379]

فقال المفضل: فقلت: يا مولاي ! فقد رأيت من يبقى على حالته ولاينبت الشعر في وجهه وإن بلغ حال الكبر. فقال: ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شئ من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان ؟ فإن كان الاهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال، لانهما ضد (1) الاهمال. وهذا فظيع من القول وجهل من قائلة، لان الاهمال لا يأتي بالصواب، والتضاد لا يأتي بالنظام، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا. ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لانكر العالم عند ولادته، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم: واعتبر ذلك بأن من سبي من ولد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران، فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الادب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل. ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى في المهد، لانه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حتى يولد، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله، فيلقى الاشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة. ثم لا يزال يتزيد (2) في المعرفة قليلا قليلا و شيئا بعد شئ وحالا بعد حال حتى يألف الاشياء ويتمرن ويستمر عليها، فيخرج من حد التأمل بها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة [والمعصية]. وفي هذا أيضا وجوه اخر، فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الاولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الابناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم


(1) ضدا الاهمال (ظ). (2) يتزايد (خ).

[380]

إلى ذلك منهم. ثم كان الاولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم، لان الاولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم، فيتفرقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه وامه، ولا يمتنع من نكاح امه واخته وذوات المحارم منه، إذ كان لا يعرفهن، وأقل ما في ذلك من القباحة، بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرح المولود من بطن امه وهو يعقل أن يرى منها مالا يحل له ولا يحسن به أن يراه. أفلا ترى كيف أقيم كل شئ من الخلقة على غاية الصواب، وخلا من الخطاء دقيقه وجليله ؟ اعرف يا مفضل ما للاطفال في البكاء من المنفعة، واعلم أن في أدمغة الاطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم والسلامة في أبصارهم. أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك، فهما دائبان ليسكتانه، ويتوخيان في الامور مرضاته لئلا يبكي وهما لا يعلمان أن البكاء أصلح له وأجمل عاقبة ؟ فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الاشياء منافع لا يعرفها القائلون بالاهمال، ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشئ أنه لا منفعة فيه من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه، فإن كل مالا يعلمه المنكرون يعلمه العارفون وكثيرا ما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت كلمته. فأما ما يسيل من أفواه الاطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لاحدثت عليهم الامور العظيمة، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حد البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الامراض المتلفة كالفالج واللقوة وما أشبههما، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم، فتفضل على خلقه بما جهلوه، ونظر لهم بما لم يعرفوه، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك عن التمادي في معصيته. فسبحانه ! ما أجل نعمته وأسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه ! وتعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا. اقول: قدمر شرحه وتمامه في كتاب التوحيد.

[381]

99 - العلل: عن علي بن حاتم، عن إسماعيل بن علي بن قدامة، عن أحمد ابن علي بن ناصح، عن جعفر بن محمد الارمني، عن الحسن بن عبد الوهاب، عن علي بن حديد المدائني، عمن حدثه، عن المفضل بن عمر، قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن الطفل يضحك من غير عجب ويبكي من غير ألم، فقال: يا مفضل ! مامن طفل إلا وهو يرى الامام ويناجيه، فبكاؤه لغيبة الامام عنه، وضحكه إذا أقبل إليه، حتى إذا اطلق لسانه اغلق ذلك الباب عنه، وضرب على قلبه بالنسبان (1). بيان: لا استبعاد في ظاهر الخبر مع صحته، ويحتمل أن يكون المراد برؤية. الامام ومناجاته توجهه وشمول شفاعته ولطفه ودعائه له، فإن لهم تصرفا في العوالم يقصر العقل عن إدراكه. 100 - التوحيد: عن القاسم بن محمد السراج، عن جعفر بن محمد بن موسى (2) عن محمد بن عبد الله بن هارون الرشيد، عن محمد بن أكرم (3) بن أبي اياس، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تضربوا أطفالكم على بكائهم (4) فإن بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلا الله، وأربعة أشهر الصلاة على النبي وآله، وأربعة أشهر الدعاء لوالديه (5). بيان: يحتمل أن يكون المراد بالخبر مع ضعفه أن لوالديه ثواب هذه الاذكار والادعية، فينبغي أن لا يملوا ولا يضربوهم. وقال بعض المحققين: السر فيه أن الطفل أربعة أشهر لايعرف سوى الله عزوجل الذي فطر على معرفته وتوحيده، فبكاؤه توسل إليه والتجاء به سبحانه خاصة دون غيره، فهو شهادة له بالتوحيد، وأربعة اخرى يعرف امه من حيث إنها وسيلة لاغتذائه فقط لا من حيث إنها امه، ولهذا يأخذ


(1) علل الشرائع: ج 2، ص 272. (2) كذا في نسخ الكتاب، وفى المصدر: جعفر بن محمد بن ابراهيم السرندى (3) في المصدر: محمد بن آدم. (4) البكاء: (خ). (5) التوحيد: 242.

[382]

اللبن من غيرها أيضا في هذه المدة غالبا، فلا يعرف فيها بعد الله إلا من كان وسيلة بين الله وبينه في ارتزاقه الذي هو مكلف به تكليفا طبيعيا من حيث كونها وسيلة لاغير وهذا معنى الرسالة، فبكاؤه في هذه المدة بالحقيقة شهادة بالرسالة، وأربعة اخرى يعرف أبويه وكونه محتاجا إليهما في الرزق، فبكاؤه فيها دعاء لهما بالسلامة والبقاء في الحقيقة. 101 - الدر المنثور: عن ابن عباس، قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه واله فسألوه عن مسائل، فكان في ما سألوه: كيف ماء الرجل من ماء المرأة ؟ وكيف الانثى منه والذكر ؟ فقال: إن ماء الرجل أبيض غليظ، وإن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله تعالى، إن علاماء الرجل كان ذكرا بإذن الله وإن علاماء المرأة كان انثى بإذن الله [تعالى]. 102 - وعن أنس قال: سأل عبد الله بن سلام النبي صلى الله عليه واله فقال: ما ينزع الولد إلى أبيه وإلى امه ؟ قال: أخبرني جبرئيل أنه إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها. 103 - وعن ابن عباس، في قوله تعالى " ولقد خلقناكم ثم صورناكم " قال: خلقوا في ظهر آدم ثم صوروا في الارحام (1). 104 - وفي رواية اخرى عنه: خلقوا في أصلاب الرجال، ثم صوروا في أرحام النساء (2). 105 - وفي رواية اخرى عنه قال: أما قوله " خلقناكم " فآدم، وأما " صورناكم " فذريته (3). 106 - وعن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله سئل عن العزل فقال: لا عليكم أن تفعلوا، إن يكن مما أخذ الله منها الميثاق فكانت على الصخرة نفخ


(1 و 2) الدر المنثور: ج 3، ص 72. (3) الدر المنثور: ج 3، ص 72.

[383]

فيه الروح (1). 107 - وعن ابن مسعود أنه سئل عن العزل فقال: لو أخذ الله ميثاق نسمة من صلب رجل ثم أفرغه على صفا لاخرجه من ذلك الصفا، فإن شئت فاعزل وإن شئت لا تعزل (2). 108 - وعن ابن عباس في قوله تعالى " من سلالة " قال: السلالة صفر الماء الرقيق الذي يكون منه الولد (3). 109 - وعن ابن عباس - مرفوعا -: النطفة التي يخرج منها الولد ترعد لها الاعضاء والعروق كلها إذا خرجت وقعت في الرحم (4). 110 - وعن علي عليه السلام قال: إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث إليها ملك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله " ثم أنشأناه خلقا آخر " يعني نفخ الروح (5). 111 - وعن ابن عباس في قوله " ثم أنشأناه خلقا آخر " يقول: خرج من بطن امه بعد ما خرج، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دل (6) على ثدي امه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ، إلى أن يتقلب في البلاد (7). 112 - وعن قتادة، " ثم أنشأناه خلقا آخر " قال: يقول بعضهم هو نبات الشعر وبعضهم يقول هو نفخ الروح (8). 113 - وعن حذيفة بن اسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعة أو بخمسة وأربعين ليلة: أي رب أشقي أم سعيد ؟ أذكر أم انثى ؟ فيقول الله ويكتبان، ثم يكتب عمله ورزقه وأجله وأثره ومصيبته


(1 و 2) الدر المنثور: ج 3، ص 144. (3 و 4) الدر المنثور: ج 5، ص 6. (5) الدر المنثور: ج 5، ص 7. (6) في المصدر: دله. (7 و 8) الدر المنثور: ج 5، ص 7.

[384]

ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها (1). 114 - وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب، فيقول: يا رب أذكر أم انثى ؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول: أشقي أم سعيد ؟ فيكتب ما هو لاق. وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله " وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير " (2). 115 - وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا جئناكم بحديث أتيناكم بتصديقه من كتاب الله. إن النطفة تكون في الرحم أربعين، ثم تكون علقة أربعين، ثم تكون مضغة أربعين، فإذا أراد الله أن يخلق الخلق نزل الملك فيقول له: اكتب، فيقول: ما ذا أكتب ؟ فيقول: شقيا (3) أو سعيدا، ذكرا أو انثى، وما رزقه وأثره وأجله، فيوحي الله بما يشاء ويكتبه الملك. ثم قرأ عبد الله: " إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه " ثم قال عبد الله: أمشاجها عروقها (4). 116 - وعن ابن عباس، في قوله " من نطفه أمشاج " قال: ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان (5). 117 - وعن ابن عباس، أن نافع بن الازرق قال له: أخبرني عن قوله " من نطفة أمشاج " قال: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم، أما سمعت أبا ذويب وهو يقول: كأن الريش والفوقين منه * خلال النسل خالطه مشيج (6) 118 - وعن ابن عباس في قوله " من نطفة أمشاج " قال: مختلفة الالوان (7).


(1) الدر المنثور: ج 4، ص 345 (مقطعا). (2) الدر المنثور: ج 6: ص 227. (3) في المصدر: اكتب شقيا... (4 - 6) الدر المنثور: ج 6، ص 297. (7) الدر المنثور: ج 6، ص 298.

[385]

119 - وعن مجاهد " من نطفة أمشاج " قال: ألوان، نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء (1). 120 - وعن قتادة " إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه " قال: طورا نطفة وطورا علقة، وطورا مضغة، وطورا عظاما، ثم كسونا العظام لحما، وذلك أشد ما يكون إذا كسي اللحم " ثم أنشأناه خلقا آخر " قال: أنبت له الشعر " فتبارك الله أحسن الخالقين، فأنبأه الله مما خلقه وأبناه، إنما بين ذلك ليبتليه بذلك، ليعلم كيف شكره ومعرفته لحقه، فبين الله له ما أحل له وما حرم عليه، ثم قال " إنا هديناه السبيل إما شاكرا - لنعم الله - وإما كفورا - بها - (2) ". 121 - وعن عكرمة في قوله " أمشاج " قال: الظفر والعظم والعصب من الرجل واللحم والدم والشعر من المرأة (3). 122 - وعن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها، فإذا كان اليوم السابع أحضر الله له كل عرق بينه وبين آدم، ثم قرأ " في أي صورة ما شاء ركبك (4) ". 123 - وعن مجاهد " في أي صورة ما شاء ركبك " قال: إما قبيحا وإما حسنا، و شبه أب أو ام أو خال أو عم (5). 124 - وعن علي بن رياح، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ولد لك ؟ قال: يا رسول الله ! ما عسى أن يولد لي ؟ إما غلام وإما جارية. قال: فمن يشبه ؟ قال: يا رسول الله ! ما عسى أن يشبه ؟ إما أباه وإما امه. فقال: لا تقولن هذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، فركب خلقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآيه في كتاب الله " في أي صورة ما شاء ركبك " من نسبك ما بينك وبين آدم (6).


(1 - 3) الدر المنثور: ج 6 ص 298. (4) المصدر: ج 6، ص 323. (5 و 6) الدر المنثور: ج 6، ص 323.

[386]

125 - وعن ابن أبي حاتم في قوله " يخرج من بين الصلب والترائب " قال: صلب الرجل وترائب المرأة، لا يكون الولد إلا منهما (1). 126 - وعن ابن أبزى، قال: الصلب من الرجل، والترائب من المرأة (2). 127 - وعن ابن عباس " يخرج من بين الصلب والترائب " قال: ما بين الجيد والنحر (3). 128 - وعن مجاهد، قال: الترائب أسفل من التراقي (4). 129 - وعن ابن عباس في قوله " والترائب " قال: تريبة المرأة، وهو موضع القلادة (5). 130 - وعن ابن عباس أن نافع بن الازرق قال له: أخبرني عن قوله عزوجل " يخرج من بين الصلب والترائب " قال: الترائب موضع القلادة من المرأة. قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر (6) 131 - وعن عكرمة، أنه سئل عن قوله " يخرج من بين الصلب والترائب " قال: صلب الرجل وترائب المرأة، أما سمعت قول الشاعر: نظام اللؤلؤ على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر (7) 132 - وعن ابن عباس، قال: الترائب بين ثديي المرأة (8). 133 - وعن سعيد بن جبير، قال: الترائب الصدر (9). وعن عكرمة وابن عياض مثله (10). 134 - وعن ابن عباس، قال: الترائب أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الاضلاع (11).


(1 - 7) المصدر: ج 6، ص 336 (8) لم نجد هذه الرواية في الدر المنثور. (9 - 11) الدر المنثور: ج 6، ص 336.

[387]

135 - وعن الاعمش، قال: يخلق العظام والعصب من ماء الرجل، ويخلق اللحم والدم من ماء المرأة (1). 136 - وعن قتادة في قوله " يخرج من بين الصلب والترائب " قال: يخرج من بين صلبه ونحره " إنه على رجعه لقادر " قال: إن الله على بعثه وإعادته لقادر " يوم تبلى السرائر " قال: إن هذه السرائر مختبرة، فأسروا خيرا وأعلنوه " فماله من قوة " يمتنع بها " ولا ناصر " ينصره من الله (2). 137 - وعن ابن عباس في قوله " إنه على رجعه لقادر " قال: أن يجعل الشيخ شابا، والشاب شيخا (3). 138 - وعن مجاهد " إنه على رجعه لقادر " قال: على رجع النطفة في الاحليل (4). بيان: قوله " كأن الريش.. " اقول: أورد الجوهري البيت هكذا: كأن النصل والفوقين منها * خلال الريش سيط به المشيج فائدة قال بعض المحققين: مبدأ عقد الصورة في مني الذكر، ومبدأ انعقادها في مني الانثى، وهما بالنسبة إلى الجنين كالانفحة واللبن بالقياس إلى الجبن. وقيل: إن لكل من المنيين قوة عاقدة وقابلة وإن كانت العاقدة في الذكوري أقوى والمنعقدة في الانوثي أقوى، ورجح ذلك بأنه لو لم يكن كذلك لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزء من الولد. وقال بعضهم: ولهذا إذا كان مزاج الانثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس، القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا كان المني المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد، والمنفصل من اليسرى مقام مني الانثى في قوة الانعقاد، فينخلق الولد بإذن الله، وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقومة به بحيث يسري اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، ويغير المزاج، ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني


(1 - 4) الدر المنثور: ج 6 ص 336.

[388]

فتصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس، كما وقع للصديقة مريم بنت عمران على نبينا وآله وعلى ابنها وعليها السلام حيث تمثل لها روح القدس بشرا سوي الخلق حسن الصورة، فتأثر نفسها به فتحركت على مقتضى الجبلة، وسرى الاثر من الخيال في الطبيعة، فتحركت شهوتها فأنزلت، كما يقع في المنام من الاحتلام (انتهى). وأقول: قد مر أن نفوذ إرادة الله سبحانه وقدرته في أمر لا يتوقف على حصول تلك الاسباب العادية، حتى يتكلف أمثال تلك التكلفات التي ربما انتهى القول به إلى نسبة امور إلى النساء المقدسات المطهرات لا يرضى الله بها، والكف عنها أحوط وأحرى. ثم قالوا: ابتداء خلقة الجنين (1) هو حصول الماء في الرحم، وشبه بالعجين إذا الصق بالتنور، ثم يتغير عن حاله قليلا ويشبه بالبذر إذا طرح في الارض ويسمى نطفة، ثم تحصل فيه نقط دموية من دم الحيض ويسمى علقة، ثم يظهر فيه حمرة ظاهرة منه فيصير شبيها بالدم الجامد، ويعظم قليلا، ويهيج فيه ريح حارة ويسمى مضغة ثم يتم ويتميز فيه الاعضاء الرئيسة الثلاثة (2) ويظهر لسائر الاعضاء رسوم خفية ويسمى جنينا، ثم يظهر فيه رسوم سائر الاعضاء ويقوى ويصلب ويجري فيه الروح ويتحرك ويسمى صبيا، ثم تنفصل الرسوم وتظهر الصورة وينبت الشعر، ثم ينفتح لسانه وتتم خلقته. وتكمل خلقة الذكر قبل خلقة الانثى، وإذا كمل لم يكتف بما


(1) والذى ثبت في علم الفسيولوجيا أن في منى الرجل حيوانات صغيرة جدا تسمى " اسبرماتزوئيد " وأن المرأة تبيض كل شهر في الرحم وتخرج بيضاتها بدم الحيض، فإذا وصل منى الرجل باحدى تلك البيضات اجتمع الاسبرماتزوئيدات حولها ودخل اقويها فيها وربما دخل الاثنان أو اكثر معا فيتعدد الجنين وعندئذ يحصل للبيضة حالة لا يمكن معها دخول سائر الاسبرماتزوئيدات، وبعد ذلك لا يزال ينشأ وينمو ويتزايد بصيرورته بالانفصال اثنين ثم اربعة وهكذا، ثم يظهر فيه نقطتان حمراوان احديهما موضع القلب والاخرى موضع المخ، ثم يظهر رسوم الاعضاء ثم صورها حتى يكتمل جميع الاعضاء وينفخ فيها الروح. (2) وهى القلب والكبد والمخ

[389]

يجيئه من الغذاء من دم الحيض، فيتحرك حركات صعبة قوية، وانتهكت رباطات الرحم، فكانت الولادة. وقال بعضهم: الرحم موضوعة في ما بين المثانة والمعى المستقيم، وهي مربوطة برباطات على هيئة السلسلة، وجسمها عصبي ليمكن امتدادها واتساعها وقت الولادة والحاجة إلى ذلك، وتنضم إذا استغنت، ولها بطنان ينتهيان إلى فم واحد، وزائدتان تسميان قرني (1) الرحم، وخلف هاتين الزائدتين بيضتا المرأة، وهما أصغر من بيضتي الرجل وأشد تفرطحا (والمفرطح: العريض) ومنهما ينصب مني المرأة إلى تجويف الرحم، وللرحم رقبة منتهية إلى فرج المرأة، وتلك الرقبة من المرأة بمنزلة الذكر من الرجل، فإذا امتزج مني الرجل بمني المرأة من تجويف الرحم كان العلوق، ثم ينمى من دم الطمث، ويتصل بالجنين عروق تأتي إلى الرحم فتغذوه حتى يتم ويكمل فإذا لم يكتف بما يجيئه من تلك العروق يتحرك حركات قوية طلبا للغذاء، فيهتك أربطة الرحم التي قلنا إنها على هيئة السلسلة ويكون منها الولادة (انتهى). واعلم أنهم اتفقوا على أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع في الاعضاء، قال بقراط في كتابه في المني: إن جمهور مادة المني هو من الدماغ، فإنه ينزل منه إلى العرقين اللذين خلف الاذنين، ثم منهما إلى النخاع لئلا يبعد من الدماغ وما يشبهه مسافة طويلة فيغير مزاجه، ثم منه إلى الكليتين بعد نفوذه في العرقين الطالعين المتشعبين من الاجوف إلى العروق التي تأتي الانثيين، ولهذا قيل: إن قطعهما يقطع النسل. ونقل الطبري عن بقراط أن الصقالبة إذا أرادوا أن يرتبوا (2) أولادهم للدعوة أو للناموس بتروا منهم هذين العرقين، فينقطع هذا المقطوع العرق عن الجماع ويصير بصورة النساء، فيتبركون به ويتوسلون به إلى الله تعالى، ويرون أن دعاءه مستجاب وأن الله قد اصطفاه واختاره وطهره من الخبائث ! وجالينوس أنكر ذلك وخطأ قول بقراط.


(1) قرطي الرحم (خ). (2) يربوا (ظ).

[390]

وقال الشيخ: أنا أرى أن المني ليس يجب أن يكون من الدماغ وحده، و إن كانت خميرته منه، وصح ما يقوله بقراط من أمر العرقين، بل يجب أن يكون له من كل عضو رئيس عين، ومن الاعضاء الاخرى ترشح أيضا إلى هذه الاصول. وقال القرشي في شرح القانون: إنما يكون تولد المني من الرطوبة المبثوثة على الاعضاء كالطل، ومعلوم أنه ليس في كل عضو من الاعضاء مجرى يسيل فيه ما هناك من تلك الرطوبة إلى الانثيين ثم إلى القضيب، فلا يمكن أن يكون وصولها إلى هناك إلا بأن تتبخر تلك الرطوبة من الاعضاء حتى تتصعد إلى الدماغ، وهناك تفارقها الحرارة المتبخرة فتبرد وتتكاثف وتعود إلى قوامها قبل التبخر، ثم من هناك ينزل إلى العروق التي خلف الاذنين وينفذ إلى النخاع في عروق هناك لئلا يتغير عن التعدل الذي أفاده الدماغ، فلا يتبخر بالحرارة كرة اخرى، فإذا نزلت من هناك حتى وصلت إلى قرب الانثيين صادف هناك عروقا واصلة من الكليتين إلى الانثيين، وتلك العروق مملوءة من الدم، فتتسخن في الكليتين وتعدل، فيحيله ذلك النازل من الدماغ إلى مشابهه بعض الاستحالة، ثم بعد ذلك ينفذ إلى الانثيين ويكمل فيهما تعدله و بياضه ونضجه، ومنهما يندفع إلى أوعيته. وأيد ذلك بما نقل من كتاب منسوب إلى هرمس في سر الخليقة قد فسره بليناس وهو أن المني إذا خرج من معادنه عند الجماع ائتلف بعضه إلى بعض وسما إلى الدماغ وأخذ الصورة منه، ثم نزل في الذكر وخرج منه. وقال شارح الاسباب: مادة المني يأتي من الكبد إلى الكليتين في شعب من الاجوف النازل، ويتصفى فيهما من المائية، ثم منهما إلى المجرى الذي بينهما و بين الانثيين، وهو عرق كثير المعاطف والاستدارات ليطول المسافة بينهما فينضج فيه المني ويبيض بعد احمراره، ثم منه إلى الانثيين، فهما يعينان على تمام تكون المني بإسخانها الدم النافذ في هذه العروق (انتهى). وقالوا: ونبت من الانثيين وعاءان مثل البربخين شبيهين بجوهر الانثيين يصعدان أولا إلى العانة وإلى معلق البيضتين، ثم ينزلان متوربين إلى عنق المثانة أسفل من

[391]

مجرى البول، ثم يتصلان إلى المجرى الذي في أصل القضيب، ويسمى هذان الوعاءان أوعية المني، وهذان في الرجال أطول وأوسع منهما في النساء. وفي القضيب مجار ثلاثة: مجرى المني، ومجرى البول، ومجرى الودي، كذا ذكر الشيخ في القانون. وقال صاحب ترويح الارواح: في القضيب مجريان: أحدهما مجرى البول والودي والآخر مجري المني. وكلامهم في ذلك كثير اكتفينا بذلك لتطلع في الجملة على بعض مصطلحاتهم فتستعملها في فهم ما مر وسيأتي من الآيات والاخبار، والله يعلم حقائق الامور. وفي القاموس: البربخ منفذ الماء ومجراه، وهو الاردبة والبالوعة من الخزف. * (بسمه تعالى) * إلى هنا تم الجزء الرابع من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار، وهو الجزء السابع والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية. وقد قابلناه على النسخة التي صححها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدي، بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى

[392]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله و الصلاة والسلام على رسوله وآله. وبعد: فقد بذلنا غاية المجهود في تصحيح هذا الجزء من كتاب " بحار الانوار " - وهو الجزء السابع والخمسون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة - وتنميقه والتعليق عليه ومقابلته بالنسخ والمصادر. نشكر الله ثلاثة: مجرى المني، ومجرى البول، ومجرى الودي، كذا ذكر الشيخ في القانون. وقال صاحب ترويح الارواح: في القضيب مجريان: أحدهما مجرى البول والودي والآخر مجري المني. وكلامهم في ذلك كثير اكتفينا بذلك لتطلع في الجملة على بعض مصطلحاتهم فتستعملها في فهم ما مر وسيأتي من الآيات والاخبار، والله يعلم حقائق الامور. وفي القاموس: البربخ منفذ الماء ومجراه، وهو الاردبة والبالوعة من الخزف. * (بسمه تعالى) * إلى هنا تم الجزء الرابع من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار، وهو الجزء السابع والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية. وقد قابلناه على النسخة التي صححها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدي، بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى

[392]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله و الصلاة والسلام على رسوله وآله. وبعد: فقد بذلنا غاية المجهود في تصحيح هذا الجزء من كتاب " بحار الانوار " - وهو الجزء السابع والخمسون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة - وتنميقه والتعليق عليه ومقابلته بالنسخ والمصادر. نشكر الله تعالى على ما وفقنا لذلك ونسأله أن يديم توفيقنا ويزيدنا من فضله والله ذو الفضل العظيم. قم المشرفة: محمد تقى المصباح اليزدى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية