الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 56

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 56


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السادس والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ 1983 م دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث

[1]

14. (باب) * (الايام والساعات والليل والنهار) * 1 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة وأفضل ساعات الليل والنهار أوقات الصلوات، ثم قال عليه السلام: إنه إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء، وهبت الرياح، ونظر الله عزوجل إلى خلقه، وإني لاحب أن يصعد لي عند ذلك إلى السماء عمل صالح. ثم قال: عليكم بالدعاء في أدبار الصلوات فإنه مستجاب (1). 2 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أبي هاشم، قال: قلت لابي الحسن الماضي عليه السلام: لم جعلت صلوة الفريضة والسنة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا ينقص منها ؟ قال: إن ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، فجعل لكل ساعة ركعتين، وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق (2). 3 - العلل: عن أبيه - إلى قوله - عن أبي هاشم الخادم، وذكر الحديث وزاد في آخره: فجعل للغسق ركعة (3). بيان: المراد بالركعة ركعتا الوتيرة، فإنهما تعدان بركعة، والمراد بالساعة في الخبرين الساعات المعوجة (4) الزمانية كما سيأتي بيانها، وعدم


(1) الخصال: 86. (2) الخصال: 86. (3) العلل: ج 2، ص 17. (4) سمي بها لاختلاف مقاديرها طولا وقصرا باختلاف الفصول بخلاف الساعات المستوية.

[2]

إدخال الساعتين في الليل والنهار مبني على اصطلاح خاص كان عند القدماء وأهل الكتاب، ونقل أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي عن براهمة الهند أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك بينهما، وذكره البرجندي في بعض تعليقاته. 4 - العلل: في خبر ابن سلام سأل النبي صلى الله عليه وآله لم سمي الليل ليلا ؟ قال: لانه يلايل الرجال من النساء، جعله الله عزوجل الفة ولباسا، وذلك قول الله عزوجل " وجعلنا الليل لباسا (1) وجعلنا النهار معاشا (2) ". بيان: الملايلة المعاملة ليلا كالمياومة المعاملة يوما، ويظهر منه أن الليل من الملايلة مع أن الظاهر العكس، ويمكن أن يكون تنبيها على أن أصل الليل الستر. 5 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا الرياح فإنها مأمورة، ولا تسبوا الجبال ولا الساعات ولا الايام ولا الليالي فتأثموا وترجع عليكم (3). بيان: حاصله أن تلك الامور إن كان فيها شر أو نحوسة أو ضرر فكل ذلك بتقدير خالقها وهي مجبولة عليها، فلعنها لعن من لا يستحقه، ومن لعن من لا يستحقه يرجع اللعن عليه. 6 - تحف العقول: قال الحسن بن مسعود: دخلت على أبي الحسن علي ابن محمد عليهما السلام وقد نكيت إصبعي وتلقاني راكب وصدم كتفي، ودخلت في زحمة فخرقوا علي بعض ثيابي، فقلت: كفاني الله شرك من يوم فما أشأمك ! فقال لي: يا حسن، هذا وأنت تغشانا ! ترمي بذنبك من لا ذنب له ؟ ! قال الحسن: فأثاب


(1) النبأ: 10 - 11. (2) العلل: ج 2، ص 155. (3) العلل: ج 2، ص 264.

[3]

إلي عقلي، وتبينت خطأي، فقلت: مولاي أستغفر الله. فقال: يا حسن ما ذنب الايام حتى صرتم تتشأمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم فيها ؟ قال الحسن: أنا أستغفر الله أبدا، وهي توبتي يا ابن رسول الله. قال: والله ما ينفعكم، ولكن الله يعاقبكم بذمها على ما لاذم عليها فيه، أما علمت يا حسن أن الله هو المثيب والمعاقب والمجازي بالاعمال عاجلا وآجلا ؟ قلت: بلى يا مولاي، قال: لا تعد ولا تجعل للايام صنعا في حكم الله (1). بيان: " هذا " أي تقول هذا " وأنت تغشانا " أي تدخل علينا " فأثاب " أي أرجع الإمام " إلي عقلي " ويدل على أنه ليس لحركات الافلاك وحدوث الازمنة مدخل في الحوادث، وهذا لا ينافي ما وقع من التحرز عن بعض الساعات والايام للأعمال، لانها بأمره تعالى تحرزا عما قدر الله حدوثه فيها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: أفر من قضاء الله إلى قدره. 7 - النهج: قال عليه السلام وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب: مسيرة يوم للشمس (2). بيان: لعل عدوله عليه السلام عن الجواب الحقيقي إلى الاقناعي للاشعار بقلة الفائدة في معرفة تلك المسافة نحو ما قيل في قوله تعالى " قل هي مواقيت للناس " (3) أو لعسر إثباتها على وجه لا يبقى للمنافقين من الحاضرين سبيل إلى الانكار، كما صرح عليه السلام به في جواب من سأل عن عدد شعر لحيته، أو لعدم استعداد الحاضرين لفهمه بحجة ودليل، وعدم المصلحة في ذكره بلا دليل. 8 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: قال: علة فضل الليل على النهار أن بالليل يكون البيات، ويرفع العذاب، وتقل المعاصي، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر (4).


(1) تحف العقول: 482. (2) نهج البلاغة: ج 1، ص 207. (3) البقرة: 189. (4) لم يوجد في العلل.

[4]

بيان: لعل المراد بالبيات البيتوته والنوم والاستراحة، أو البيات إلى الطاعات، والظاهر أنه كان " السبات " فصحفه النساخ، قال الجوهري: السبات النوم، وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى " وجعلنا نومكم سباتا " (1) ويرفع العذاب عذاب المخلوقين على الغالب. 9 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثقفي، قال: لما أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر عليه السلام إلى الشام سأله عالم من علماء النصارى عن مسائل، فكان فيما سأله: أخبرني عن ساعة ماهي من الليل ولا من النهار أي ساعة هي ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فقال النصراني: فإذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: من ساعات الجنة، وفيها تفيق مرضانا (الخبر) (2). توضيح: قد عرفت أن هذا اصطلاح آخر في الليل والنهار وساعاتهما كان معروفا بين أهل الكتاب، فأجابه عليه السلام على مصطلحهم، والحاصل أن هذه الساعة لا تشبه شيئا من ساعات الليل والنهار بل هي شبيهة بساعات الجنة، وإنما جعلها الله في الدنيا ليعرفوا بها طيب هواء الجنة ولطافته واعتداله. 10 - ارشاد القلوب: بإسناده رفعه إلى الكاظم عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تعالى فرض على امة محمد صلى الله عليه وآله في الليل والنهار خمس صلوات في خمسة أوقات، اثنتان بالليل وثلاث بالنهار، ثم جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلوة، وجعلها كفارة خطاياهم (الخبر). الخصال: عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عمه، عن أبي إسحاق قال: أملى علينا " تغلب " ساعات الليل: الغسق، والفحمة، والعشوة والهدأة (3) والسباع


(1) النباء: 9. (2) روضة الكافي: 123. (3) في المصدر: المهدأة.

[5]

والجنح، والهزيع، والعفر (1)، والزلفة، والسحرة، البهرة. وساعات النهار: الراد، والشروق، والمتوع (2)، والترجل، والدلوك، والجنوح، والهجيرة والظهيرة، والاصيل، والطفل. توضيح: قال الفيروز آبادي: الغسق - محركة - ظلمة أول الليل. وقال: الفحمة من الليل أوله، أو أشد سواده، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم الناس خاص بالصيف. جمع: فحام وفحوم وقال: العشوة بالفتح الظلمة كالعشاء (3) مابين أول الليل إلى ربعه، والعشاء أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، والعشية آخر النهار، والعشاءان المغرب والعتمة و في المصباح المنير: العشي قيل ما بين الزوال إلى الصباح، وقيل العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس " العشاء ان المغرب والعتمة " قال ابن الانباري: العشية مؤنثة، وربما ذكرتها العرب، وقال بعضهم: العشية واحدة جميعا عشي، والعشاء بالكسر والمد أول ظلام الليل، والعشاء بالفتح والمد الطعام الذي يتعشى به وقت العشاء. وقال: أتانا بعد هدء من الليل وهدء وهدأة وهدئ ومهدأ وهدوء أي حين هدأ الليل والرجل، أو الهدء أول الليل إلى ثلثه. وأما السباع فلم أجده فيما عندنا من كتب اللغة، وكأنه من السباع ككتاب بمعنى الجماع لانه وقته، أو من السبع لانه مضى من الليل سبع ساعات، أو هو بالياء المثناة التحتانية. قال في القاموس: بعد سبعاء من الليل بالكسر وكسيراء بعد قطع منه وبعد سوع من الليل وسواع كغراب بعد هدء. وقال: جنوح الليل إقباله والجنح بالكسر الجانب، ومن الليل الطائفة ويضم. وقال الراغب في مفرداته: الجنح قطعة من الليل مظلمة. وفي القاموس: هزيع من الليل كأمير طائفة أو نحو ثلثه أو ربعه. والعفر في بعض النسخ بالعين المهملة والفاء، وفي بعضها بالمعجمة، و


(1) في المصدر: الفقد. (2) في المصدر: المنزع. (3) في المصدر: كالعشواء أو ما بين....

[6]

على التقادير آخره راء مهملة، وفي بعضها " الفغد " بالفاء ثم الغين المعجمة، وفي بعضها بالفاء ثم القاف، وفي بعضها بالنون ثم القاف، وعلى التقادير آخره دال مهملة، ولم أجد لشئ منها معنى مناسبا. وفي القاموس: اليعفور جزء من أجزاء الليل. فالأول أنسب إن لم يكن تصحيفه. وفي القاموس: الزلفة بالضم الطائفة من الليل والجمع زلف كغرف وغرفات وغرفات وغرفات، أو الزلف ساعات الليل الآخذة من النهار، وساعات النهار الآخذة من الليل. وقال الجوهري: الزلفة الطائفة من أول الليل. وقال: السحر قبل الصبح، والسحرة بالضم السحر الأعلى. وقال الراغب في المفردات: السحر والسحرة اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، وجعل اسما لذلك الوقت، يقال لقيته بأعلى سحرين. وفي القاموس: ابهار الليل انتصف، أو تراكبت (1) ظلمته، أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه. والبهرة بالضم من الليل وسطه. وقال: رائد الضحى ورأده ارتفاعه. وقال: الشرق الشمس ويحرك وإسفارها، وشرقت الشمس شرقا وشروقا طلعت كأشرقت. و قال: متع النهار كمنع متوعا ارتفع قبل الزوال، والضحى بلغ آخر غايته. وهو عند الضحى الأكبر، أو ترجل وبلغ الغاية. وقال ترجل النهار ارتفع. وقال: دلكت الشمس دلوكا غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت من كبد السماء (انتهى). وأقول: قد ورد في الأخبار أن دلوك الشمس زوالها، والجنوح لعله هنا بمعنى الميل لميل الشمس إلى المغرب، ولم أر بهذا المعنى في كتب اللغة. وفي القاموس: الهجير والهجيرة والهجر والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر، لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا شدة الحر (2). وقال: الظهر ساعة الزوال، والظهيرة حد انتصاف النهار وإنما (3) ذلك في القيظ. وقال الراغب: الظهيرة وقت الظهر، وقال: يقال للعشية


(1) تراكمت (خ) (2) في المصدر " وشدة الحر ". (3) في المصدر " أو انما ".

[7]

أصيل وأصيلة. وقال الجوهري: الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال. وقال: الطفل بالتحريك بعد العصر إذا طفلت الشمس للمغرب (1) يقال: أتيته طفلا. أقول: ورأيت في بعض الكتب أن العرب قسموا كلا من الليل والنهار باثنتي عشرة ساعة وسموا كلا منها باسم، فساعات النهار: البكور، والشروق، و الغدو، والضحى، والهاجرة، والظهيرة، والرواح، والعصر، والقصر، والأصيل والعشي، والغروب. وساعات الليل: الشفق، والغسق، والعتمة، والسدفة والجهمة، والزلفة، والبهرة، والسحر، والسحرة، والفجر، والصبح، والصباح. وبعضهم ذكروا في ساعات النهار: الذرور، والبزوغ، والضحى، والغزالة، والهاجرة والزوال، والدلوك، والعصر، والاصيل، والصبوب، والحدود، والغروب، وبعضهم هكذا: البكور، والشروق، والاشراق، والراد، والضحى، والمتوع، والهاجرة والأصيل، والعصر، والقصر، والطفل، والغروب. ففي القاموس: البكرة بالضم الغدوة كالبكر محركة، واسمها الإبكار، وبكر إليه وعليه وفيه وبكر وابتكر: أتاه بكرة، وكل من بادر إلى شئ فقد أبكر إليه في أي وقت كان. وقال: الغدوة بالضم البكرة، أو ما بين صلوة الفجر وطلوع الشمس، كالغداة والغدية والجمع غدوات وغديات وغدايا وغدوا ولا يقال غدايا إلا مع عشايا، وغدا عليه غدوا وغدوة بالضم واغتدى: بكر. وقال: الضحو والضحوة والضحية كعشية ارتفاع النهار، والضحى فويقه، والضحاء بالمد إذا قرب انتصاف النهار. وقال: الرواح العشي (2) من الزوال إلى الليل. وقال: العصر العشي إلى احمرار الشمس. وقال الجوهري: قصر الظلام اختلاطه، وقد قصر العشي يقصر قصورا إذا أمسيت، ويقال أتيته قصرا أي عشيا. وقال: الشفق بقية ضوء الشمس له حمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة. وقال الخليل: الشفق الحمرة من


(1) في المصدر " للغروب ". (2) في المصدر: أو من الزوال

[8]

غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل غاب الشفق. وقال: العتمة وقت صلاة العشاء، قال الخليل: العتمة هو الثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عتم الليل يعتم، وعتمته ظلامه. وقال: قال الأصمعي: السدفة والسدفة في لغة نجد الظلمة، وفي لغة غيرهم الضوء، وهو من الاضداد، و كذلك السدف بالتحريك. وقال أبو عبيد: بعضهم يجعل السدفة اختلاط الضوء والظلمة معا كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الاسفار، وقد أسدف الليل أي أظلم وقال الفيروز آبادي: الجهمة أول مآخير الليل أو بقية سواده من آخره ويضم. وقال: الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل، وقد انفجر الصبح وتفجر وانفجر عنه الليل، وأفجروا دخلوا فيه، وأنت مفجر إلى طلوع الشمس. وقال: الصبح الفجر، أو أول النهار، والجمع أصباح، وهو الصبيحة والصباح والاصباح (انتهى). وأقول: الظاهر أن مرادهم بالفجر الأول، وبالصبح إلثاني، وبالصباح الاسفار، وللصبح عند العرب أسماء كثيرة: الفلق بالتحريك، والسطيع، والصديع والمغرب، والصرام، والصريم، والشميط، والسدف، والشق، والفتق، والذرور - من ذرت الشمس تذر ذرورا إذا طلعت - وبزوغ الشمس أيضا طلوعها. وفي القاموس: الغزالة كسحابة الشمس، لأنها تمد حبالا كأنها تغزل أو الشمس عند طلوعها أو عند ارتفاعها، وغزالة الضحى وغزالاته أولها، أو بعد (1) ما تنبسط الشمس وتضحى، أو أولها إلى مضي خمس النهار (انتهى). والصبوب والحدود لم أر لهما معنى مناسبا، ويقال للغداة والعشي: البردان والأبردان، والعصران، والصرعان، والقرتان، والكرتان، ويقال وسق الليل لساعة منه، وسهواء الليل وروبته بالفتح والضم بغير همز اسمان لبعض ساعات الليل والهبة بكسر الهاء وتشديد الباء الساعة تبقى من السحر، ويقال رأيت بلجة الصبح بالفتح والضم إذا رأيت ضوءه. فهذا ما وجدنا من أسماء ساعات الليل والنهار عند


(1) في المصدر " أو بعيد... "

[9]

العرب، ولليل والنهار أيضا عندهم اسماء: الدائبان، والصرفان، والجديدان والأجدان، والحاديان، والأصرمان، والملوان، والعصران، والردفان والصرعان، والأثرمان، والمتباديان، والفتيان، والطريدان، وإبنا سبات، وإبنا - جمير، وإبنا سمير، فالدائبان لدؤوبهما وجدهما في السير، والصرفان لصروف الدهر فيهما: والجديدان لحدوثهما وتجددهما، ولذلك سمي الأجدان، و الحاديان لسوقهما الناس إلى الموت، والأصرمان لقطعهما الأعمار، والملوان من قولهم عشت معه ملاوة من الدهر أي حينا وبرهة، ويقال سكت مليا أي طويلا والعصران من العصر بمعنى الدهر، والردفان لترادفهما وتواليهما، والصرعان إبلان ترد أحدهما حين تصدر الأخرى، والصرعان أيضا المثلان، والاثرمان أي القديمان الشائبان، فإن الثرم سقوط الثنايا من الأسنان، والمتباديان من البدو بمعنى الظهور، والفتيان لأنهما يتجددان شابين، والطريدان لأنهما يطردان و يدفعان سريعا، والسبات بالضم الدهر، والجمير من قولهم أجمر القوم على الشئ إذا اجتمعوا عليه، وهذا جمير القوم أي مجتمعهم، والسمير من المسامرة وهو الحديث بالليل، والسمير أيضا الدهر، وأبناه الليل والنهار. فوائد جليلة الاولى: اعلم أن اليوم نوعان: حقيقي، ووسطي، فالحقيقي عند بعض المنجمين من زوال الشمس من دائرة نصف النهار فوق الأرض إلى وصولها إليها، و عند بعضهم من زوال مركز الشمس من دائرة نصف النهار تحت الأرض إلى وصولها إليها، وعلى التقديرين يكون اليوم بليلته بمقدار دورة من المعدل مع المطالع الاستوائية لقوس يقطعه الشمس من فلك البروج بحركتها الخاصة من نصف اليوم إلى نصف اليوم، أو من نصف الليل إلى نصف الليل، والوسطي هو مقدار دورة من المعدل مع مطالع قوس تقطعه الشمس بالسير الوسطي، وبسبب الاختلاف بين الحركة الوسطية والحركة التقويمية يختلف اليوم بالمعنى الأول والثاني اختلافا

[10]

يسيرا يظهر في أيام كثيرة، لكن اليوم بالاصطلاحين لا يختلف باختلاف الآفاق، و بعضهم يأخذون اليوم من طلوع الشمس إلى طلوعها، وبعضهم من غروبها إلى غروبها، وذلك يختلف باختلاف الآفاق كما تقرر في محله. قال أبو ريحان البيروني: إن اليوم بليلته هو عودة الشمس بدوران الكل إلى دائرة فرضت ابتداء لذلك اليوم بليلته أي دائرة كانت إذا وقع عليها الاصطلاح وكانت عظيمة، لأن كل واحدة من العظام أفق بالقوة أعني بالقوة أنه يمكن فيها أن يكون أفقا لمسكن ما، وبدوران الكل حركة الفلك بما فيه المرئية من المشرق إلى المغرب على قطبيه. ثم إن العرب فرضت أول مجموع اليوم والليلة نقط المغارب على دائرة الأفق، فصار اليوم عندهم بليلته من لدن غروب الشمس عن الأفق إلى غروبها من الغد، والذي دعاهم إلى ذلك هو أن شهورهم مبتنية على مسير القمر، مستخرجة من حركاته المختلفة، مقيدة برؤية الأهلة لا الحساب، وهي ترى لدى غروب الشمس ورؤيتها عندهم أول الشهر فصارت الليلة عندهم قبل النهار، وعلى ذلك جرت عادتهم في تقديم الليالي على الأيام إذا نسبوها إلى أسماء الأسابيع. واحتج لهم من وافقهم على ذلك بأن الظلمة أقدم في المرتبة من النور، وأن النور طار على الظلمة، فالاقدم أولى أن يبتدأ به، وغلبوا السكون لذلك على الحركة بإضافة الراحة والدعة، وأن الحركة لحاجة وضرورة، والتعب عقيب الضرورة فالتعب نتيجة الحركة، وبأن السكون إذا دام في الاسطقسات مدة لم يولد فسادا فإذا دامت الحركة فيها واستحكمت أفسدت وحدثت الزلازل والعواصف والأمواج وأشباهها. فأما عند غيرهم من الروم والفرس ومن وافقهم فإن الاصطلاح واقع بينهم على أن اليوم بليلته هو من لدن طلوعها من أفق المشرق إلى طلوعها منه بالغد، إذ كانت شهورهم مستخرجة بالحساب غير متعلقة بأحوال القمر ولا غيره من الكواكب، وابتداؤها من أول النهار، فصار النهار عندهم قبل الليل. واحتجوا بأن النور وجود والظلمة عدم، ومقدموا النور على الظلمة يقولون بتغليب

[11]

الحركة على السكون، لأنها وجود لا عدم وحيوة لا موت، ويعارضونهم بنظائر ما قاله اولئك، كقولهم، إن السماء أفضل من الأرض، وإن العامل والشاب أصح، والماء الجاري لا يقبل عفونة كالراكد. وأما أصحاب التنجيم فإن اليوم بليلته عند جلهم والجمهور من علمائهم هو من لدن موافاة الشمس فلك نصف النهار إلى موافاتها إياه في نهار الغد، وهو قول بين القولين، فصار ابتداء الأيام بلياليها عندهم من النصف الظاهر من فلك نصف النهار، وبنوا على ذلك حسابهم واستخرجوا عليها مواضع الكواكب بحركاتها المستوية ومواضعها المقومة في دفاتر السنة، و بعضهم آثر النصف الخفي من فلك نصف النهار، فابتدؤوا به من نصف الليل كصاحب زيج شهرياران، ولا بأس بذلك، فإن المرجع إلى أصل واحد. والذي دعاهم إلى اختيار دائرة نصف النهار دون دائرة الأفق هو أمور كثيرة منها: أنهم وجدوا الأيام بلياليها مختلفة المقادير غير متفقة كما يظهر ذلك من اختلافها عند الكسوفات ظهورا بينا للحس، وكان ذلك من أجل اختلاف مسير الشمس في فلك البروج وسرعته فيه مرة وبطئه أخرى، واختلاف مرور القطع من فلك البروج على الدوائر، فاحتاجوا إلى تعديلها لإزالة ما عرض لها من الاختلاف وكان تعديلها بمطالع فلك البروج على دائرة نصف النهار مطردا في جميع المواضع إذ كانت هذه الدائرة بعض آفاق الكرة المنتصبة وغير متغيرة اللوازم في جميع البقاع من الأرض، ولم يجدوا ذلك في دوائر الآفاق، لاختلافها في كل موضع وحدوثها لكل واحد من العروض على شكل مخالف لما سواه، وتفاوت مرور قطع فلك البروج عليها، والعمل بها غير تام ولا جار على نظام. ومنها: أنه ليس بين دوائر أنصاف نهار البلاد إلا ما بينهما من دائرة معدل النهار والمدارات المشبهة بها، فأما الآفاق فإن ما بينها مركب من ذلك ومن انحرافها إلى الشمال والجنوب، وتصحيح أحوال الكواكب ومواضعها إنما هو بالجهة التي يلزم من فلك نصف النهار وتسمى الطول ليس له خط في الجهة الأخرى اللازمة عن الأفق وتسمى العرض، فلاجل هذا اختاروا الدائرة التي

[12]

تطرد عليها حسباناتهم وأعرضوا عن غيرها. على أنهم لوراموا العمل بالآفاق لتهيألهم ولأدتهم إلى ما أدتهم إليه دائرة نصف النهار لكن بعد سلوك المسلك البعيد وأعظم الخطأ هو تنكب الطريق المستقيم إلى البعد الأطول على عمد. الفائدة الثانية: اعلم أن اليوم قد يطلق على مجموع اليوم والليلة، وقد يطلق على ما يقابل الليل، وهو يرادف النهار، ولا ريب في أن اليوم والنهار الشرعيين مبدؤهما من طلوع الفجر الثاني إلى غيبوبة قرص الشمس عند بعض، و إلى ذهاب الحمرة المشرقية عند أكثر الشيعة، وعند المنجمين وأهل فارس والروم من طلوع الشمس إلى غروبها. وخلط بعضهم بين الاصطلاحين فتوهم أن اليوم الشرعي أيضا في غير الصوم من الطلوع إلى الغروب، وهذا خطأ، وقد أوردنا الآيات والأخبار الكثيرة الدالة على ما اخترناه في كتاب الصلوة وأجبنا عن شبه المخالفين في ذلك. قال أبو ريحان بعد إيراد ما تقدم منه: هذا الحد هو الذي نحد به اليوم على الإطلاق إذا اشترط الليلة في التركيب، فأما على التقسيم والتفصيل فإن اليوم بانفراده والنهار بمعنى واحد، وهو من طلوع جرم الشمس إلى غروبه والليل بخلاف ذلك وعكسه بتعارف من الناس قاطبة فيما بينهم واتفاق من جمهورهم لا يتنازعون فيه، إلا أن بعض علماء الفقه في الاسلام حد أول النهار بطلوع الفجر وآخره بغروب الشمس، تسوية منه بينه وبين مدة الصوم. واحتج بقوله تعالى " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " (1) فادعى أن هذين الحدين هما طرفا النهار. ولا تعلق لمن رأى هذا الرأي بهذه الآية بوجه من الوجوه، لأنه لو كان أول الصوم أول النهار لكان تحديده ما هو ظاهر بين للناس بمثل ما حده به جاريا مجرى التكلف لما لا معنى له، كما لم يحد آخر النهار وأول الليل بمثل ذلك، إذ هو معلوم متعارف لا يجهله أحد، ولكنه تعالى لما حد أول الصوم بطلوع الفجر ولم


(1) البقرة: 187.

[13]

يحد آخره بمثله بل أطلقه بذكر الليل فقط لعلم الناس بأسرهم أنه غروب قرص الشمس علم أن المراد بما ذكر في الاول لم يكن مبدأ النهار، ومما يدل على صحة قولنا قوله تعالى " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم - إلى قوله [تعالى] - ثم أتموا الصيام إلى الليل " (1) فأطلق المباشرة والأكل والشرب إلى وقت محدود لا الليل كله، كما كان محظورا على المسلمين قبل نزول هذه الآية الأكل والشرب بعد عشاء الآخرة، وما كانوا يعدون صومهم بيوم وبعض ليلته، بل كانوا يذكرونها أياما بإطلاق. فان قيل: إنه أراد بذلك تعريفهم أول النهار، للزم أن يكون الناس قبل ذلك جاهلين بأول الأيام والليالي، وذلك ظاهر المحال. فإن قيل: إن النهار الشرعي خلاف النهار الوضعي، فما ذلك إلا خلاف في العبارة وتسمية شئ باسم وقع في التعارف على غيره مع تعري الآية عن ذكر النهار وأوله، والمشاحة في مثل ذلك مما نعتزلها ونوافق الخصوم في العبارات إذا وافقونا في المعاني، وكيف يعتقد أمر ظهر للعيان خلافه ؟ فإن الشفق من جهة المغرب هو نظير الفجر من جهة المشرق، وهما متساويان في العلة متوازيان في الحالة، فلو كان طلوع الفجر أول النهار لكان غروب الشفق آخره، وقد اضطر إلى قبول ذلك بعض الشيعة (2) وعلى أن من خالفنا فيما قدمناه يوافقنا في مساواة الليل والنهار مرتين في السنة: إحداهما في الربيع، والأخرى في الخريف، ويطابق قوله قولنا في أن النهار ينتهي في طوله عند تناهي قرب الشمس من القطب الشمالي، وأنه ينتهي في قصره عند تناهي بعدها منه، وأن ليل الصيف الأقصر يساوي نهار الشتاء الأقصر، وأن


(1) البقرة: 187. (2) القول باعتبار غروب الشفق لتحقق الليل غير معهود من الشيعة، والظاهر أن منشأ الاشتباه المشهور ارتفاع الحمرة المشرقية إلى قمة الرأس. ولعله أراد ببعض الشيعة أبا الخطاب العالي، فقد روي في السرائر عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين تغرب الحمرة من مطلع الشمس عند مغربها فجعله هو الحمرة التي من قبل المغرب، فكان يصلي حين يغيب الشفق.

[14]

معنى قوله تعالى " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل (1) " وقوله تعالى: " يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل (2) " راجع إلى ذلك، فإن جهلوا ذلك كله أو تجاهلوا لم يجدوا بدا من كون النصف النهار الأول ست ساعات، والنصف الأخير ست ساعات، ولا يمكنهم التعامي عن ذلك لشيوع الخبر المأثور في ذكر فضائل السابقين إلى الجامع يوم الجمعة وتفاضل [أجورهم بتفاضل] قصورهم في الساعات الست التي هي أول النهار إلى وقت الزوال، وذلك مقول على الساعات الزمانية المعوجة دون المستوية التي تسمى المعتدلة، فلو سامحناهم بالتسليم لهم في دعواهم لوجب أن يكون استواء الليل والنهار حين تكون الشمس بجنبتي الانقلاب الشتوي ويكون ذلك في بعض المواضع دون بعض، وأن لا يكون الليل الشتوي مساويا للنهار الصيفي، وأن لا يكون نصف النهار موافاة الشمس منتصف ما بين الطلوع والغروب، وخلافات هذه اللوازم هي القضايا المقبولة عند من له أدنى بصر، وليس يتحقق لزوم هذه الشناعات إياهم إلا من له درية يسيرة بحركات الاكر (3). فإن تعلق متعلق بقول الناس عند طلوع الفجر " قد أصبحنا وذهب الليل " فأين هو عن قولهم عند تقارب غروب الشمس واصفرارها " قد أمسينا وذهب النهار و جاء الليل " وإنما ذلك إنباء عن دنوه وإقباله وإدبار ما هم فيه، وذلك جار على طريق المجاز والاستعارة، وجائز في اللغة كقول الله تبارك وتعالى " أتى أمر الله فلا تستعجلوه (4) " ويشهد لصحة قولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " صلاة النهار عجماء " وتسمية الناس صلاة الظهر بالاولى لانها الاولى من صلوتي النهار، وتسمية صلاة العصر بالوسطى لتوسطها بين الصلاة الاولى من صلاتي النهار وبين الصلاة الاولى من صلوات الليل، وليس قصدي فيما أوردته في هذا الموضع إلا نفي


(1) الحج: 16. (2) الزمر: 5. (3) الاكر كصرد جمع الكرة. (4) النحل: 1.

[15]

ظن من يظن أن الضروريات تشهد بخلاف ما يدل عليه القرآن، ويحتج لاثبات ظنه بقول أحد الفقهاء والمفسرين والله الموفق للصواب (انتهى كلامه). وأقول: سيأتي جواب ذلك كله، والدلائل الكثيرة الدالة على خلافه، وما ذكره على تقدير تمامه لا ينافي ما ادعيناه مع أن عرف الشرع بل العرف العام قد استقر على أن ابتداء اليوم والنهار طلوع الفجر الثاني (1) وأكثر ما ذكره يدل على أنه بحسب الحساب والقواعد النجومية أو لهما طلوع الشمس، ولا مشاحة في ذلك. وقوله لو كان أول الصوم أول النهار إلخ فالجواب أنه لما كان أول النهار عند أهل الحساب طلوع الشمس بين سبحانه أن المراد هنا اليوم الشرعي، كما أنه لما كانت اليد تطلق على معان قال في آية الوضوء " إلى المرافق " لتعيين أحد المعاني، ولما لم يكن في آخر النهار اختلاف في الاصطلاح لم يتعرض لتعيينه، و إنما استقر العرف العام والخاص على جعل أول النهار الفجر وأول الليل الغروب لما سيأتي أن الناس لما كانوا في الليل فارغين عن أعمالهم الضرورية للظلمة المانعة فاغتنموا شيئا من الضياء لحركتهم وتوجههم إلى أعمالهم الدينية والدنيوية


(1) الظاهر ان المتبادر من الليل والنهار هو ما بين غروب الشمس إلى طلوعها وما بين طلوعها إلى غيبوبتها، وأما تحديد بعض العبادات كالصوم بغير هذين الحدين فلا يدل على أن للفظة اليوم أو النهار معنى شرعيا مغائرا لمعناه العرفي واللغوى، ودعوى دلالة آية الصوم على كون مبدأ اليوم الشرعي طلوع الفجر ممنوعة، لان الآية انما تتعرض لوقت الصوم وليس فيها ذكر من اليوم والنهار ولا دلالة لها على كون مبدأ الصوم هو مبدأ النهار بعينه. نعم يظهر من قوله تعالى: " ثم اتموا الصيام إلى الليل " ان منتهاه هو مبدأ الليل فبناء على ما هو المشهور بين الشيعة من اعتبار ذهاب الحمرة المشرقية يقع الكلام في ان مبدأ الليل العرفي هو غروب الشمس فاعتبار امر زائد عليه يدل على ان مبدأه عند الشرع غير ذلك. ولقائل أن يقول: إن استتار القرص لما كان يختلف في الاراضي المتقاربة لاجل حيلولة الجبال الشاهقة بل التلال المرتفعة جعل ارتفاع الحمرة كاشفا عن تحقق الغروب في الاراضي المتفقة الافق. ويؤيد ذلك رواية ابن أبي عمير عن الصادق عليه السلام " فإذا جازت - يعني الحمرة - قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص " وفي رواية اخرى " والدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق ".

[16]

وفي الليل بالعكس لانهم لما كلوا وملوا من حركات النهار وأعماله اغتنموا شيئا من الظلمة لتركهم ذلك، فلذا اختلف الامر في أول النهار وآخره، وما وقع في الشرع من أن الزوال نصف النهار فهو على التقريب والتخمين، وما ذكره من استواء الليل والنهار في الاعتدالين فمعلوم أنه مبني على اصطلاح المنجمين، وسيأتي الكلام في جميع ذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. الفائدة الثالثة: لا ريب في أن الليل بحسب الشرع مقدم على اليوم، فما ورد في ليلة الجمعة مثلا إنما هي الليلة المتقدمة لا المتأخرة، وما يعتبره المنجمون وبعض العرب من تأخير الليلة فهو محض اصطلاح منهم، ولا يبتني عليه شئ من أحكام الشريعة. ومما يدل عليه ما رواه الكليني في الروضة بسند موثق عن عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن المغيرية يزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة، فقال: كذبوا، هذا اليوم لليلة الماضية، إن أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام (1) وتوضيحه: أن المغيرية هم أتباع المغيرة بن سعد البجلي، وهو من المذمومين المطعونين، وقد روى الكشي أخبارا كثيرة في أنه كان من الكذابين على أبي جعفر عليه السلام وروي أنه كان يدعو الناس إلى محمد بن عبد الله بن الحسن، و كان من الزيدية التبرية. وفي بعض النسخ " المغيرة " أي الذين غيروا دين الله من المخالفين. وقصة بطن نخلة هي ما ذكره المفسرون والمؤرخون أن النبي صلى الله عليه وآله بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وقيل اثنا عشر، وأمره أن ينزل " نخلة " بين مكة والطائف، فيرصد قريشا ويعلم أخبارهم فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة قريش في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهو رجب، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم، هذا غرة من عدو، وغنم (1) رزقتموه، فلا ندري أمن


(1) روضة الكافي: 332. (2) الغرة: الغفلة، والغنم كالقفل الغنيمة. (*)

[17]

الشهر الحرام هذا اليوم أم لا، فقال قائل منهم، لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر - الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع اشفيتم عليه، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش فركب وفدهم حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله تعالى " يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية (1) - " ويظهر من هذا الخبر كما ورد في بعض السير، أيضا أنهم إنما فعلوا ذلك بعد رؤية هلال رجب وعلمهم بكونه منه، واستشهاده عليه السلام بأن الصحابة حكموا بعد رؤية الهلال بدخلول رجب، فالليل سابق على النهار ومحسوب مع اليوم الذي بعده يوما، وما سبق من تقدم خلق النهار على الليل لا ينافي ذلك كما لا يخفى. الفائدة الرابعة: اعلم أنهم يقسمون كلا من اليوم الحقيقي واليوم الوسطي إلى أربعة وعشرين قسما متساوية يسمونها بالساعات المستوية والمعتدلة، وأقسام اليوم الحقيقي تسمى بالحقيقية، والوسطي بالوسطية وقد يقسمون كلا من الليل والنهار في أي وقت كان باثنتي عشرة ساعة متساوية، ويسمونها بالساعات المعوجة لا ختلاف مقاديرها باختلاف الايام طولا وقصرا بخلاف المستوية فانها تختلف أعدادها ولا تختلف مقاديرها، والمعوجة بعكسها، وتسمى المعوجة بالساعات الزمانية أيضا لانها نصف سدس زمان النهار أو زمان الليل، وكثير من الاخبار مبنية على هذا الاصطلاح كما أو مأنا إليه، والساعتان تستويان في خط الاستواء أبدا، وعند حلول الشمس أحد الاعتدالين في سائر الآفاق. وقد تطلق الساعة في الاخبار على مقدار من أجزاء الليل والنهار مختص بحكم معين أو صفة مخصوصة، كساعة ما بين طلوع الفجر والشمس، وساعة الزوال، والساعة بعد العصر وساعة آخر الليل، وأشباه ذلك، بل على مقدار من الزمان وإن لم يكن من أجزاء الليل والنهار كالساعة التي تطلع على يوم القيامة، كما أن اليوم قد يطلق على مقدار من الزمان مخصوص بواقعة أو حكم كيوم القيامة ويوم حنين، وقال


(1) البقرة: 217.

[18]

تعالى " وذكرهم بأيام الله " (1). 12 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن المثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل " كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما (2) " قال: أما ترى البيت إذا كان الليل أشد سوادا من خارج ؟ فكذلك هم يزدادون سوادا (3). 13 - التهذيب: بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن سيف عن أبي بكر الحضرمي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: متى أصلي ركعتي الفجر ؟ قال: حين يعترض الفجر، وهو الذي تسميه العرب " الصديع ". بيان: في القاموس: الصديع كأمير الصبح. وفي الأساس: ومن المجاز انصدع الفجر وطلع الصديع، وهو الفجر. 15. * (باب) * * (ما روى في سعادة أيام الاسبوع ونحوستها) * 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن عبديد (4) الاشعري، عن ابن محبوب، عن حبيب السجستاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الجمعة يوم عبادة فتعبدوا لله عزوجل فيه، ويوم السبت لآل محمد عليهم السلام، ويوم الاحد لشيعتهم، ويوم الاثنين يوم بني امية، ويوم الثلثاء


(1) ابراهيم: 5. (2) يونس: 27. (3) روضة الكافي: 253. (4) وفي بعض النسخ " عبديل " ولم نجد منهما ذكرا في تراجم العامة والخاصة، و الظاهر أن الصواب كما في المصدر " علي بن اسحاق الاشعري " وهو علي بن اسحاق بن عبد الله الاشعري الذي وثقه النجاشي.

[19]

يوم لين، ويوم الاربعاء لبني العباس وفتحهم (1) ويوم الخميس يوم مبارك بورك لامتي في بكورها فيه (2). بيان: ضمير " بكورها " راجع إلى الامة، أي مباكرتهم في طلب الحوائج وتوجههم إليها بكرة. 2 - الخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد، عن عمر بن سفيان، رفع الحديث إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لرجل من مواليه: يا فلان، مالك لم تخرج ؟ قال: جعلت فداك، اليوم الاحد. قال: وما للاحد ؟ قال: الرجل: للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: احذروا حد الاحد فإن له حدا مثل حد السيف. قال: كذبوا، كذبوا، ما قال ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله فإن الاحد اسم من أسماء الله عزوجل. قال: قلت: جعلت فداك، فالاثنين ؟ قال: سمي باسمهما، قال الرجل: سمي باسمهما ولم يكونا ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إذا حدثت فافهم، إن الله تبارك وتعالى قد علم اليوم الذي يقبض فيه نبيه صلى الله عليه وآله واليوم الذي يظلم فيه وصيه، فسماه باسمهما. قال: قلت: فالثلثاء ؟ قال: خلقت يوم الثلثاء النار، وذلك قوله عزوجل " انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب * لا ظليل ولا يغني من اللهب (3) " قال: قلت: فالاربعاء ؟ قال: بنيت أربعة أركان للنار. قال: قلت: فالخميس ؟ قال: خلق الله الخمسة (4) يوم الخميس قال: قلت: فالجمعة ؟ قال: جمع الله عزوجل الخلق لولايتنا يوم الجمعة. قال: قلت: فالسبت ؟ قال: سبت الملائكة لربها يوم السبت، فوجدته لم يزل واحدا (5). بيان: " باسمهما " أي باسم أبي بكر وعمر. والخمسة أصحاب العباء عليهم السلام


(1) ليس في المصدر لفظة " وفتحهم ". (2) الخصال: 26. (3) المرسلات: 29 - 31. (4) في المصدر: الجنة. (5) الخصال: 26.

[20]

[سبت الملائكة] أي قطعت أعمالها للتفكر في ذاته تعالى: قال الراغب في مفرداته: أصل السبت قطع العمل، ومنه سبت السير أي قطعه، وسبت شعره حلقه وأنفه اصطلمه، وقيل سمي يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والارض يوم الاحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك. 3 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن أحمد الموصلي، عن الصقر بن أبي دلف الكرخي، قال: لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن العسكري عليه السلام جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلي الزراقي وكان حاجبا للمتوكل فأمر أن أدخل إليه، فأدخلت إليه فقال: يا صقر ما شأنك ؟ فقلت: خير أيها الاستاد، فقال: اقعد، فأخذني ما تقدم وما تأخر وقلت أخطأت في المجئ، قال: فوحى الناس عنه ثم قال لي: ما شأنك وفيم جئت ؟ قلت: لخبرما (1) فقال لعلك تسأل عن خبر مولاك (2) ! فقلت له: ومن مولاي ؟ مولاي أمير المؤمنين. فقال: اسكت ! مولاك [مولاك] هو الحق، فلا تحتشمني فإني على مذهبك. فقلت: الحمدلله، قال: أتحب أن تراه ؟ قلت: نعم، قال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد من عنده، قال: فجلست فلما خرج قال لغلام له: خذ بيد الصقر وأدخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس وخل بينه وبينه. قال: فأدخلني إلى الحجرة، وأومأ إلى بيت فدخلت فإذا هو عليه السلام جالس على صدر حصير وبحذائه قبر محفور، قال: فسلمت عليه فرد علي ثم أمرني بالجلوس ثم قال لي: يا صقر ما أتى بك ؟ قلت: سيدي جئت أتعرف خبرك. قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت، فنظر إلي فقال: يا صقر لا عليك، لن يصلوا إلينا بسوء الآن. فقلت: الحمد لله، ثم قلت: يا سيدي حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله لا أعرف معناه، قال: وما هو ؟ فقلت: قوله " لا تعادوا الايام فتعاديكم " ما معناه ؟ فقال: نعم، الايام نحن ما قامت السماوات والارض، فالسبت اسم رسول الله


(1) في المصدر: لخير ما. (2) عن خبر صاحبك ومولاك (خ).

[21]

صلى الله عليه وآله والاحد كناية عن أمير المؤمنين عليه السلام والاثنين الحسن والحسين والثلثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، والاربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا، والخميس ابني الحسن بن علي، والجمعة ابن ابني، وإليه تجتمع عصابة الحق، وهو الذي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. فهذا معنى الايام، فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة ثم قال عليه السلام: ودع واخرج فلا آمن عليك. قال الصدوق - ره -: الايام ليست بأئمة ولكن كني بها عن الائمة لئلا يدرك معناه غير أهل الحق، كما كنى الله عزوجل بالتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الامين عن النبي وعلي والحسن والحسين، وكما كنى عزوجل بالنعاج عن النساء على قول من روى ذلك في قصة داود والخصمين، وكما كنى بالسير في الارض عن النظر في القرآن، سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل " أولم يسيروا في الارض (1) " قال: معناه أولم ينظروا في القرآن، وكما كنى عزوجل بالسر عن النكاح في قوله عزوجل " ولكن لا تواعدوهن سرا (2) " وكما كنى عزوجل بأكل الطعام عن التغوط فقال في عيسى وامه " كانا يأكلان الطعام (3) " ومعناه أنهما كانا يتغوطان، وكما كنى بالنحل عن رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله " وأوحى ربك إلى النحل (4) " ومثل هذا كثير (5). بيان: " فأخذني ما تقدم " أي بالسؤال عما تقدم وعما تأخر، أي عن الامور المختلفة لاستعلام حالي وسبب مجيئي، لذا ندم على الذهاب إليه لئلا يطلع على حاله ومذهبه، أو الموصول فاعل " أخذني " بتقدير، أي أخذني التفكر فيما تقدم من الامور من ظنه التشيع بي وفيما تأخر مما يترتب على مجيئي من المفاسد.


(1) الروم: 9. (2) البقرة: 235. (3) المائدة: 75. (4) النحل: 68. (5) الخصال: 33 - 34.

[22]

" فوحى الناس " أي أشار إليهم أن يبعدوا عنه، أو على بناء التفعيل أي عجلهم في الذهاب عنه، أو [هو] على بناء المجرد والناس فاعل أي أسرعوا في الذهاب قال في المصباح: الوحي الاشارة، والوحى السرعة يمد ويقصر، وموت وحي مثل سريع وزنا ومعنى، يقال وحيت الذبيحة أحيها من باب وعد: ذبحتها ذبحا وحيا، ووحى الدواء للموت توحية: عجله، وأوحاه بالالف مثله (انتهى) وصاحب البريد: الرسول المستعجل، إذ البريد، يطلق على الرسول وعلى دابته، ويحتمل أن يراد به هنا رئيس هذه الطائفة، في القاموس: البريد المرتب والرسل على دواب البريد (1). وفي الصحاح: البريد: المرتب، يقال: حمل فلان على البريد. وصاحب البريد قد أبرد إلى الامير فهو مبرد، والرسول بريد (2). وفي النهاية: البريد كلمة فارسية يراد بها في الاصل البغل، وأصلها " بريده دم " أي محذوف الذنب، لان بغال البريد كانت محذوفة الاذناب كالعلامة لها فاعربت وخففت، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السكتين بريدا (3) (انتهى). " لا عليك " أي لا حزن عليك، والكناية عن العسكري عليه السلام بالخميس إما لكون إمامته أو ولادته في يوم الخميس وإن كان ضبط بعضهم مخالفا لذلك، إذا لاكثر لم يعينوا خصوص اليوم، أو لان سني إمامته خمس سنين إذ السنة السادسة لم تكمل أو لانه عليه السلام خامس [من] سمي أو كني بالحسن، أو لانه متصل بالقائم عليه السلام المكني عنه بالجمعة، أو لعلة أخرى لا نعرفها. ولعل هذه من بطون الخبر فإن لاخبارهم عليهم السلام ظهرا وبطنا كالقرآن، ويكون ظاهره أيضا مرادا بأن يكون المعنى أن التشؤم والتطير بها يوجب تأثيرها وهذا معنى معاداتها (4) لهم، فأما المتوكلون


(1) القاموس: ج 1، ص 277. (2) الصحاح: ج 1، ص 444. (3) النهايه: ج 1، ص 72. ثم قال: السكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط وكان يرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان وقيل أربعة. (4) معاداتهم

[23]

على الله المتوسلون بولاء أهل البيت عليهم السلام فلا تضرهم نحوسة الايام الساعات كما سيأتي في رواية الشيخ في مجالسه. 4 - العلل والعيون والخصال: عن محمد بن عمرو البصري، عن محمد بن عبد الله الواعظ، عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه (1) عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن الايام وما يجوز فيها من العمل، فقال عليه السلام: يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الاحد يوم عرس (2) وبناء ويوم الاثنين يوم سفر وطلب، ويوم الثلثاء يوم حرب ودم، ويوم الاربعاء يوم شوم فيه يتطير الناس، ويوم الخميس يوم الدخول على الامراء وقضاء الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح (3). قال الصدوق - ره -: يو م الاثنين يوم سفر إلى موضع الاستسقاء والطلب للمطر (4). بيان: يمكن حمل من ما ورد في الاثنين على التقية. 5 - العيون: عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس معا، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه عن بكر بن صالح الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: قلموا أظفاركم يوم الثلثاء، واستحموا يوم الاربعاء، وأصيبوا من الحجام (5) حاجتكم يوم الخميس وتطيبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة (6).


(1) السند عامي غير مرضي. (2) في المصادر الثلاث " يوم غرس " بالمعجمة " وهو الاظهر لما يأتي من أن يوم الجمعة يوم خطبة ونكاح. (3) العلل: ج 2، ص 285، العيون: ج 2، ص 247. (4) الخصال: 27. (5) الحجامة (خ). (6) العيون " ج 1، ص 279.

[24]

الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري عن البرقي مثله (1). 6 - العلل: في خبر ابن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عن أول يوم خلق الله عزوجل، قال: يوم الاحد، قال: ولم سمي يوم الاحد ؟ قال: لانه واحد محدود، قال: فالاثنين ؟ قال: هو اليوم الثاني من الدنيا، قال: والثلثاء ؟ قال: الثالث من الدنيا، قال: فالاربعاء ؟ قال: اليوم الرابع من الدنيا، قال: فالخميس ؟ قال: هو يوم خامس من الدنيا، وهو يوم أنيس لعن فيه إبليس ورفع فيه إدريس، قال: فالجمعة ؟ قال: هو يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، ويوم (2) شاهد و مشهود. قال: فالسبت ؟ قال: يوم مسبوت، وذلك قوله عزوجل في القرآن " ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام (3) " فمن الاحد إلى الجمعة ستة أيام، والسبت معطل (4). بيان: " لانه واحد محدود " لعل المعنى أنه أول زمان حد أوله وآخره فصار يوما، لانه أول يوم خلق فيه العالم، وقبله لم يكن زمان محدود كذلك، فينطبق على ما بعده وعلى سائر الاخبار " ومشهود " أي مشهود فيه أوله، وهو شاهد لمن أتى الجمعة " يوم مسبوت " أي مقطوع فيه خلق العالم. 7 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن أبي محمد الفحام، عن محمد بن أحمد المنصوري، عن سهل بن يعقوب الملقب بأبي نواس، قال: قلت للعسكري عليه السلام ذات يوم: يا سيدي ! قد وقع إلي اختيارات الايام عن سيدنا الصادق عليه السلام مما حدثني به الحسن بن عبد الله بن مطهر، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن سيدنا الصادق عليه السلام في كل شهر فأعرضه عليك ؟ فقال لي: افعل، فلما عرضته عليه وصححته قلت له: يا سيدي في أكثر هذه الايام قواطع عن المقاصد لما ذكر


(1) الخصال: 31. (2) في المصدر: وهو شاهد. (3) سورة ق: 38. (4) العلل: ج 2، ص 156.

[25]

فيها من النحس (1) والمخاوف، فتدلني على الاحتراز من المخاوف فيها ؟ فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها، فقال لي: يا سهل ! إن لشيعتنا بولايتنا لعصمة لو سلكوا بها في لجة البحار الغامرة، وسباسب البيد (2) الغائرة (3) بين سباع وذئاب وأعادي الجن والانس لامنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا، فثق بالله عزوجل وأخلص في الولاء لائمتك الطاهرين وتوجه حيث شئت، واقصد ما شئت إذا أصبحت وقلت ثلاثا: أصبحت اللهم معتصما بذمامك المنيع الذي لا يطاول ولا يحاول، من كل طارق وغاشم من سائر ما خلقت ومن خلقت من خلقك الصامت والناطق في جنة من كل مخوف بلباس سابغة ولاء أهل بيت نبيك، محتجزا (4) من كل قاصد إلى أذية بجدار حصين (5) الاخلاص في الاعتراف بحقهم والتمسك بحبلهم جميعا، موقنا أن الحق لهم ومعهم وفيهم وبهم، أوالي من والوا وأجانب من جانبوا، فأعذني اللهم بهم من شر كل ما أتقيه يا عظيم، حجزت الاعادي عني ببديع السماوات والارض إنا جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون. وقلتها عشيا ثلاثا حصلت في حصن من مخاوفك وأمن من محذورك، فإذا أردت التوجه في يوم قد حذرت فيه فقدم أمام توجهك: الحمد لله رب العالمين والمعوذتين، وآية الكرسي، وسورة القدر، وآخر آية في سورة آل عمران، و قل: اللهم بك يصول الصائل، وبقدرتك يطول الطائل، ولا حول لكل ذي حول إلا بك، ولا قوة يمتارها ذوقوة إلا منك، بصفوتك من خلقك وخيرتك من بريتك محمد نبيك وعترته وسلالته عليه وعليهم السلام صل عليهم واكفني شر هذا اليوم وضرره وارزقني خيره ويمنه، واقض لي في متصرفاتي بحسن العاقبة وبلوغ المحبة، و


(1) التحذير (خ). (2) البيداء (خ). (3) الغابرة (خ). (4) محتجبا (خ). (5) حصن (خ).

[26]

الظفر بالامنية وكفاية الطاغية الغوية، وكل ذي قدرة لي على أذية، حتى أكون في جنة وعصمة، من كل بلاء ونقمة، وأبدلني من المخاوف أمنا، ومن العوائق فيه يسرا، حتى لا يصدني صاد عن المراد، ولا يحل بي طارق من أذى العباد، إنك على كل شئ قدير، والامور إليك تصير، يا من ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. بيان: اللجة - بالضم -: معظم الماء، ويقال غمر الماء أي كثر، وغمره الماء أي غطاه، والسبسب: المفازة أو الارض المستوية البعيدة، بلد سبسب وسباسب. والبيد - بالكسر -: جمع البيداء، وهي الفلاة أي الارض الخالية لا ماء فيها والغائرة من الغور أي المنخفضة، فإنها أهول، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة من الغبار فإنه لا يهتدى إلى الخروج منها. والذمام - بالكسر -: العهد والكفالة والامان والمطاولة المغالبة في الطول والطول، وحاوله: رامه، والغشم: الظلم. " بلباس سابغة " بغير تنوين فيهما، بالاضافة، فالاولى من إضافة الموصوف إلى الصفة، و الثانية البيانية، أو بالتنوين فيهما، أو في الثاني منهما، فقوله " ولاء " بدل أو عطف بيان، وكذا قوله " بجدار حصين " يحتمل الاضافة والتوصيف، وفي بعض النسخ " حصن " بغير ياء، فالاضافة لا غير. والحجز: المنع والكف " ببديع السماوات والارض " أي مبدعهما، أو بمن سماواته وأرضه بديعتان، وصال على قرنه: سطا و استطال، والامتيار: جلب الميرة - بالكسر - وهي الطعام، والسلالة - بالضم -: ما انسل من الشئ، والولد. 8 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السبت لنا، والاحد لشيعتنا والاثنين لاعدائنا، والثلثاء لبني أمية، والاربعاء يوم شرب الدواء، والخميس تقضى فيه الحوائج، والجمعة للتنظيف (1) والتطيب، وهو عيد المسلمين (2)، و


(1) في المصدر: للتنظف. (2) في المخطوطة: للمسلمين.

[27]

هو أفضل من الفطر والاضحى، ويوم غدير (1) أفضل الاعياد، وهو الثامن عشر من ذي الحجة، وكان يوم الجمعة، ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة، و تقوم القيامة يوم الجمعة، وما من عمل (2) أفضل يوم الجمعة من الصلوة على محمد وآله (3). بيان: " لاعدائنا " أي لجميع المخالفين، وإن كان بنو أمية منهم، والثلثاء لخصوصهم وشيعتهم. 9 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: قال: العلة في صوم الخميس والاربعاء أن الاعمال ترفع يوم الخميس والنار خلقت يوم الاربعاء. 10 - الدر المنثور: عن ابن عباس قال: إن الله تعالى خلق يوما فسماه الاحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلثاء، ثم خلق رابعا فسماه الاربعاء، وخلق خامسا فسماه الخميس، فخلق الله الارض يوم الاحد و الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلثاء، ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، وخلق مواضع الانهار والشجر والقرى يوم الاربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الانسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت. 11 - العيون: عن محمد بن علي بن الشاه، عن أبي بكر عبد الله النيسابوري عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه وعن أحمد بن إبراهيم الخوزي و إبراهيم بن مروان الخوزي، عن جعفر بن محمد بن زياد، عن أحمد بن عبد الله الشيباني، وعن الحسين بن محمد الاشناني عن علي بن محمد بن مهرويه، عن داوود ابن سليمان جميعا عن الرضا، عن أبيه، عن جعفر بن محمد عليهم السلام قال: السبت لنا و الاحد لشيعتنا، والاثنين لبني أمية، والثلثاء لشيعتهم، والاربعاء لبني العباس


(1) في المصدر: يوم الغدير. (2) في المصدر: يوم الجمعة أفضل. (3) الخصال: 33.

[28]

والخميس لشيعتهم، والجمعة لسائر الناس جميعا وليس فيه سفر، قال الله تبارك وتعالى (1) " فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله (2) " يعني يوم السبت (3). صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عليه السلام مثله (4). بيان: فيه مخالفة لسائر الاخبار في ذم الثلثاء والخميس، إلا أن يقال: تبرك المخالفين بهما لا يدل على ذمهما إلا إذا اقترن بهما شئ آخر كالاثنين، ثم على تأويله عليه السلام لعل المراد بقضاء الصلاة العمل بتوابعها ومكملاتها من سائر أعمال يوم الجمعة. 12 - المكارم: عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: أيكره السفر في شئ من الايام المكروهة الاربعاء (5) وغيره ؟ قال: افتتح سفرك بالصدقة واقرأ آية الكرسي إذا بدالك. وعن حماد بن عثمان عنه عليه السلام مثله (6) إلا أنه قال: افتتح سفرك بالصدقة و اخرج إذا بدالك، واقرأ آية الكرسي واحتجم إذا بدالك. 13 في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: لنعم اليوم يوم السبت حقا * لصيد إن أردت بلا امتراء وفي الاحد البناء لأن فيه * تبدى الله في خلق السماء وفي الاثنين إن سافرت فيه * ستظفر بالنجاح وبالثراء ومن يرد الحجامة فالثلثاء * ففي ساعاته هرق الدماء وإن شرب امرؤ يوما دواء * فنعم اليوم يوم الاربعاء


(1) في صحيفة الرضا: الله عزوجل. (2) الجمعة: 10. (3) العيون ج 2: ص 42. (4) صحيفة الرضا، 32. (5) في المصدر: مثل يوم الاربعاء. (6) مكارم الاخلاق: ج 1، ص 278.

[29]

وفي يوم الخميس قضاء حاج * ففيه الله يأذن بالدعاء وفي الجمعات تزويج وعرس * ولذات الرجال مع النساء وهذا العلم لا يعلمه إلا * نبي أو وصي الانبياء بيان: " لنعم " اللام لام الابتداء للتأكيد، ولا تدخل على الماضي إلا مع قد في غير نعم وبئس، والحق: ضد الباطل، واليقين: الثابت، وهو مفعول مطلق لفعل لازم الحذف أي أقول قولا حقا، أو علمت ذلك حقا يقينا، أو حق ذلك حقا، والظرف في قوله " بلا امتراء " متعلق بنعم، أو بقوله " حقا "، " تبدى " أي ابتدأ، قلبت الهمزة ألفا، ويؤيده قول الجوهري: إن أهل المدينة يقولون بدينا بمعنى بدأنا. كذا قال الشارح، وقال: بعض الافاضل: ما ذكره لا يوافقه اللغة، والظاهر أن يكون الاصل في كلامه عليه السلام " لان فيه ابتدأ الله " على الماضي من الافتعال، فأسقط الكتاب الهمزة من أوله حفظا لرعاية الوزن عند القطع عن المصراع الاول، ولم يتفطنوا لجواز الوصل لتلك الرعاية، ثم كتبوا الهمزة الاخيرة بالياء على ما اشتهر من الخطأ في أمثاله بينهم (انتهى) و " فيه " متعلق بقوله " ستظفر " والضمير راجع إلى السفر، كذا ذكره الشارح، ويمكن أن يكون الضمير راجعا إلى الاثنين ويكون تأكيدا، أو يكون تقدير الكلام: وأقول في الاثنين. والثراء: كثرة المال، وهرق الدماء بالفتح على المصدر سفكها، في المصباح: تقول هرقته هرقا من باب نفع (انتهى) والمشهور فيه الاهراق، ويمكر أن يكون هنا لازما أي انصباب الدماء. والحاج: جمع الحاجة، ذكره الفيروز آبادي. وقال: أذن بالشئ كسمع علم به، وأذن له في الشئ كصمع إذنا بالكسر أباحه، وأذن إليه وله كفرح استمع معجبا أو عام (انتهى) وعلى التقادير كناية عن استجابة الدعاء، والتزويج: النكاح، والعرس: الزفاف أو إطعامه، في القاموس العرس - بالضم وبضمتين -: طعام الوليمة والنكاح. وقال الشارح: قد تقرر في علم النجوم أن السبت متعلق بزحل، والاحد بالشمس، والاثنين بالقمر، والثلثاء بالمريخ، والابعاء بالعطارد، والخميس بالمشتري، والجمعة بالزهرة، ومناسبة

[30]

القمر بالسفر والمريخ بالحجامة وسفك الدم والعطارد لشرب الدواء والمشتري بقضاء الحاجات والدعاء والزهرة للتزويج والعرس واجتماع الرجال والنساء مسلمة في هذا الفن لكن مناسبة الزحل بالصيد والشمس بالبناء لا تظهران من هذا الفن، ولعل تخصيص السبت بالصيد مبني على ما روي عن ابن عباس ومجاهد أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر فإذا انقضت السبت ذهبت وما عادت إلا في السبت المقبل وذلك بلاء ابتلاهم الله به، ووجه التخصيص لألحد بالبناء مذكور في البيت (انتهى). وأقول: لعل تخصيص السبت بالصيد لأن الله رخص لنا فيه، ويجب المبادرة إلى رخصه كما يجب المبادرة إلى عزائمه، ولذا يستحب الجماع في أول ليلة من شهر رمضان. أو مخالفة لليهود في تحريمهم الصيد فيه. ثم إن البيت الأخير يدل على أن هذا العلم الذي هو شعبة من علم النجوم مختص بهم عليهم السلام لا يعلمه غيرهم كما مر في الاخبار، قال الغزالي في الاحياء: المنهي عنه من النجوم أمران: أحدهما أن يصدق بأنها فاعلة لآثارها مستقلة بها، والثاني تصديق المنجمين في أحكامهم لأنهم يقولونها من جهل، وهذا العلم كان معجزة لبعض الانبياء عليهم السلام ثم اندرس فلم يبق إلا ما هو مختلط لا يتميز فيه الصواب عن الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق الله ليس قادحا في الدين بل هو الحق (انتهى) وقال علاء الدولة من الصوفية: إذا أردت أن تعرف أن المطر يحدث بسبب الاتصالات العلوية التي يسميها المنجمون فتح الباب فاقرأ قوله تعالى " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (1) " وإذا أردت أن تعرف أن علم النجوم علم الانبياء فاقرأ قوله تعالى " فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم " (2) ومراد النبي صلى الله عليه وآله من قوله " من آمن بالنجوم فقد كفر " أن من آمن بأنها مستقلات بأنفسها في تدبير العالم غير مسخرات بأمر الله تعالى فقد كفر بالله الذي خلقها وسخرها، وجعلها


(1) القمر: 11. (2) الصافات: 88 - 89.

[31]

مدبرات بأمره، وأودع في كل واحد منها خاصية خاصة دون غيره، وفي اجتماعها خاصية دون ما اختص به كل واحد قبل الاجتماع (انتهى) وقد مر الكلام منا في ذلك في بابه. 14 - المكارم: من كتاب المحاسن عن عبد الله بن سليمان عن أحدهما عليهم السلام قال: كان أبي إذا خرج يوم الاربعاء أو في يوم يكرهه الناس من محاق أو غيره تصدق بصدقة ثم خرج (1). وعن أبي عبد الله عليه السلام من تصدق بصدقة إذا أصبح دفع الله عنه نحس ذلك اليوم (2). ومن كتاب طب الائمة عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلموا أظفاركم يوم الثلثاء، واحتجموا يوم الاربعاء، وأصيبوا من الحمام (3) يوم الخميس، وتطيبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة (4). 16 * (باب) * * (ما ورد في خصوص يوم الجمعة) * 1 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن عمر بن أسلم قال: رأيت أبا الحسن موسى عليه السلام احتجم يوم الاربعاء وهو محموم فلم تتركه الحمى فاحتجم يوم الجمعة فتركته الحمى (5). 2 - العيون: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه


(1) المكارم: ج 1، ص 291. (2) ": ج 1 ص 279. (3) في المصدر: من الحمام حاجتكم. (4) المكارم: ج 1، ص 60 (5) قرب الاسناد: 168.

[32]

عن إسحاق بن إبراهيم، عن مقاتل بن مقاتل (1) قال: رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام في يوم الجمعة في وقت الزوال على ظهر الطريق يحتجم وهو محرم. قال الصدوق - ره - في هذا الحديث فوائد: إحداها إطلاق الحجامة في يوم الجمعة عند الضرورة، وليعلم أن ما ورد من كراهة ذلك إنما هو في (2) حالة الاختيار، والفائدة الثانية الاطلاق في الحجامة في وقت الزوال، والفائدة الثالثة أنه يجوز للمحرم أن يحتجم إذا اضطر ولا يحلق مكان الحجامة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (3). 3 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن زكريا المؤمن، عن محمد بن رباح القلاء، قال: رأيت أبا إبراهيم عليه السلام يحتجم يوم الجمعة، فقلت: جعلت فداك تحتجم يوم الجمعة ؟ قال: أقرأ آية الكرسي، فإذا هاج بك الدم ليلا كان أو نهارا فاقرأ آية الكرسي واحتجم (4). 4 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي عن السكوني، عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أطرفوا (5) أهاليكم في كل جمعة بشئ من الفاكهة واللحم حتى يفرحوا بالجمعة. وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا خرج في الصيف من بيت خرج يوم الخميس وإذا أراد أن يدخل البيت في الشتاء من البرد دخل يوم الجمعة. وقد روي أنه كان دخوله و


(1) قال الشيخ - ره - مقاتل بن مقاتل بن قياما واقفى خبيث من أصحاب الرضا عليه السلام وتبعه في نسبة الوقف إليه جماعة منهم العلامة، وابن داود، وظاهر النجاشي كونه إماميا حيث لم يغمز في مذهبه ويؤيده روايته عن الرضا عليه السلام ولعل الشيخ إنما طعن فيه لما ورد من ان " ابن قياما " واقفى خبيث شديد العناد فتوهم أنه مقاتل بن مقاتل بن قياما مع انه الحسين ابن قياما ولعله عم مقاتل. كذا نقل عن الوحيد البهبهاني رحمه الله. (2) في المصدر: في حال. (3) العيون: ج 2، ص 16. (4) الخصال: 30. (5) أي اتحفوهم.

[33]

خروجه يوم الجمعة (1). 5 - ومنه: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير وعلي بن الحكم معا عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يريد أن يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا، قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة، فإن العمل يوم الجمعة (2) يضاعف (3). 6 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يكره السفر والسعي في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلوة، فأما بعد الصلاة فجائز يتبرك به (4). 7 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري عن محمد بن حسان الرازي، عن أبي محمد الرازي، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله من أنامله الداء وأدخل فيه الدواء. وروي أنه لا يصيبه جنون ولا جذام ولا برص (5). 8 - ومنه: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن موسى بن الفرات، عن علي بن المطر، عن السكن الخزاز، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام: يقول: لله حق على كل محتلم في كل جمعة أخذ شار به وأظفاره ومس شئ من الطيب (6). 9 - المحاسن: عن محمد بن علي * عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن إبراهيم ابن يحيى المديني (7) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالخروج في السفر ليلة الجمعة (8).


(1) الخصال: 30. (2) فيه: (خ). (3) الخصال: 31 - 32. (4) الخصال: 32. (5 و 6) الخصال: 31. (7) في المصدر " ابراهيم بن يحيى المدائني " ولعل الصواب " ابراهيم بن أبي يحيى المدائني " كما عنونه في جامع الرواة. (8) المحاسن: 347.

[34]

10 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم ابن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: في الجمعة ساعة لا يحتجم فيها أحد إلا مات (1). بيان: قد جرب مرارا في الحجامة يوم الجمعة أنه لم يرقأ الدم حتى مات وما ورد من فعلهم عليهم السلام لا ينافيه، لانهم يعلمون تلك الساعة فيجتنبونها، أو هذا فيما إذا لم يقرأ آية الكرسي. ولما ذكره الصدوق - ره - من الفرق بين الضرورة وعدمها أيضا وجه. 11 - روضة الواعظين: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس خصال تورث البرص: النورة يوم الجمعة ويوم الاربعاء، والتوضي والاغتسال بالماء الذي تسخنه الشمس، والاكل على الجنابة، وغشيان المرأة في حيضها، والاكل على الشبع (2). بيان: سيأتي عدم كراهة النورة في يوم الجمعة، وأن أخبار النهي محمولة على التقية. 12 - المكارم: عن أنس، قال: كان أحب الايام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يسافر فيه يوم الجمعة (3). 13 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تخرج في يوم الجمعة في حاجة فإذا كان يوم السبت وطلعت الشمس فاخرج في حاجتك (4). 14 - ومنه: عن المفضل بن عمر، قال: دخلت على الصادق عليه السلام وهو يحتجم يوم الجمعة فقال: أو ليس تقرأ آية الكرسي، ونهى عن الحجامة مع الزوال في يوم الجمعة (5).


(1) الخصال: 171. (2) روضة الواعظين: 363. (3 و 4) مكارم الاخلاق: ج 1، ص 276. (5) مكارم الاخلاق: ج 1، ص 83.

[35]

17 * (باب) * * (يوم السبت ويوم الاحد) * 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن الحسين بن أسد البصري، عن الحسين بن سعيد، عمن رواه، عن خلف بن حماد عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه مر بقوم يحتجمون، فقال: ما كان عليكم لو أخرتموه لعشية الاحد، فكان يكون أنزل للداء (1). 2 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الاصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كان مسافرا فليسافر يوم السبت، فلو أن حجرا زال عن حجر (2) يوم السبت لرده الله تعالى إلى مكانه، ومن تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلثاء، فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداوود عليه السلام (3). ومنه: عن أبيه، عن سعد، إلى قوله " إلى مكانه " (4). 3 - العيون: بالاسانيد الثلاثة المتقدمة في الباب الاول عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لامتي في بكورها يوم سبتها وخميسها (5). ومنه: عن محمد بن أحمد بن الحسين الوراق، عن علي بن محمد بن عنبسة مولى رشيد، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا عليه السلام مثله (6).


(1) الخصال، 26. (2) جبل (خ) (3) الخصال: 28. (4) الخصال: 38. (5) العيون: ج 2، ص 34. (6) العيون: ؟

[36]

صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عليه السلام مثله (1). 4 - الخصال: عن محمد بن الحسين بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض و ابتغوا من فضل الله " (2) قال: الصلاة يوم الجمعة، والانتشار يوم السبت. وقال أبو عبد الله عليه السلام: اف للرجل المسلم أن لا يفرغ نفسه في الاسبوع يوم الجمعة لامر دينه فيسأل عنه (3). 5 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن محمد بن حسان. عن أبي محمد الرازي، عن النوفلي عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظفاره يوم السبت ويوم الخميس وأخذ من شار به عوفي من وجع الاضراس و وجع العين (4). 6 - المحاسن: عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن سنان وأبي أيوب الخزاز، قالا: سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله " قال: الصلوة يوم الجمعة، والانتشار يوم السبت. وقال: السبت لنا، والاحد لبني أمية (5). 7 - جمال الاسبوع: الحديث مشهور عن النبي صلى الله عليه وآله بورك لامتي في سبتها وخميسها. 8 - المكارم: عن الكاظم عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان منكم محتجما فليحتجم يوم السبت (6). 9 - وقال الصادق عليه السلام الحجامة يوم الاحد، فيها شفاء من كل داء (7).


(1) صحيفة الرضا: 9. (2) الجمعة: 10. (3 و 4) الخصال: 32. (5) المحاسن: 346. (6 و 7) المكارم " ج 1، ص 82.

[37]

18 * (باب) * * (يوم الاثنين ويوم الثلثاء) * 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي بن جعفر، قال: جاء رجل إلى أخي موسى بن جعفر عليهما السلام فقال له: جعلت فداك، إني أريد الخروج فادع لي. فقال: ومتى تخرج ؟ قال: يوم الاثنين، فقال له: ولم تخرج يوم الاثنين ؟ قال: أطلب فيه البركة، لان رسول الله صلى الله عليه وآله ولد يوم الاثنين، فقال: كذبوا، ولد رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الجمعة، وما من يوم أعظم شوما من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وانقطع فيه وحي السماء وظلمنا فيه حقنا، ألا أدلك على يوم سهل ألان الله لداوود فيه الحديد ؟ فقال الرجل: بلى جعلت فداك، فقال: اخرج يوم الثلثاء (1). قرب الاسناد: بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام مثله (2). 2 - ومنه: عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسافر يوم الاثنين والخميس ويعقد فيهما الالوية (3). 3 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري عن علي بن السندي، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الاثنين، وأعطى الحجام برا (4).


(1) الخصال: 27. (2) لم يوجد. (3) قرب الاسناد: 76. (4) الخصال: 27. (*)

[38]

4 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد ابن أحمد الاشعري، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن محمد بن إسماعيل وأحمد ابن الحسن الميثمي أو أحدهما، عن إبراهيم بن مهزم، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحتجم يوم الاثنين بعد العصر (1). 5 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن حماد بن عيسى، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحجامة يوم الاثنين من آخر النهار تسل الداء سلا من البدن (2). 5 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبي الخزرج (3) عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من احتجم يوم الثلثاء لسبع عشرة أو أربع عشرة أو لاحدى وعشرين من الشهر كانت له شفاء من أدواء (4) السنة كلها، وكانت لما سوى ذلك شفاء من وجع الرأس والاضراس والجنون و الجذام والبرص (5). بيان: " وكانت لما سوى ذلك " أي كانت الحجامة يوم الثلثاء في غير تلك الايام من الشهر. 6 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن


(1 و 2) الخصال: 27. (3) هو الحسين بن الزبرقان كما ذكره الشيخ في رجاله في من لم يرو عنهم عليهم السلام مضيفا إليه انه روى عنه البرقي، وقال في الفهرست: الحسين بن الزبرقان يكنى ابا الخزرج له كتاب أخبرنا به عدة من أصحابنا عن أبي المفضل عن ابن بطة عن أحمد بن أبي عبد الله (انتهى) لكن النجاشي ضبطه مكبرا فقال: الحسن بن الزبرقان ابو الخزرج قمي له كتاب اخبرنا احمد بن علي بن نوح قال حدثنا الحسن بن حمزة قال حدثنا محمد بن جعفر بن بطة قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد عنه (انتهى) وتعددهما بعيد، وعلى الاتحاد فالمعتمد هو ضبط النجاشي لكونه أضبط. (4) في المصدر: من كل داء. (5) الخصال: 28.

[39]

محمد بن أحمد الاشعري، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي عمير، عن أبي حمزة عن عقبة بن بشير الازدي، قال: جئت إلى أبي جعفر عليه السلام يوم الاثنين فقال: كل فقلت: إني صائم، فقال: كيف صمت ؟ قال: قلت: لان رسول الله صلى الله عليه وآله ولد فيه فقال: أما ما فيه ولد فلا تعلمون، وأما ما قبض فيه فنعم، ثم قال: فلا تصم ولا تسافر فيه (1). 7 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن عمر العطار، قال: دخلت إلى أبي الحسن العسكري عليه السلام يوم الثلثاء فقال: لم أرك أمس، قال: كرهت الحركة في يوم الاثنين، قال: يا علي من أحب أن يقيه الله شر يوم الاثنين فليقرأ في أول ركعة من صلوة الغداة " هل أتى على الانسان " ثم قرأ أبو الحسن عليه السلام " فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا (2) ". 8 - المحاسن: عن بعض أصحابه يرفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من كانت له حاجة فليطلبها يوم الثلثاء، فإن الله تبارك وتعالى ألان فيه الحديد لداوود عليه السلام (3). 9 - ومنه: عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن عبد الرحمن بن عمران، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تسافر يوم الاثنين، ولا تطلب فيه الحاجة (4). 10 - ومنه: عن القاسم بن محمد، عن جميل بن صالح، عن محمد بن أبي الكرام قال: تهيأت الخروج إلى العراق فأتيت أبا عبد الله عليه السلام لاسلم عليه وأودعه، فقال: أين تريد ؟ قلت: أريد الخروج إلى العراق، فقال لي: في هذا اليوم - وكان يوم الاثنين ؟ فقلت: إن هذا اليوم يقول الناس إنه يوم مبارك، فيه ولد النبي صلى الله عليه وآله فقال: والله ما يعلمون أي يوم ولد فيه (5) النبي صلى الله عليه وآله وإنه ليوم مشوم فيه قبض


(1) الخصال: 27. (2) الدهر: 11. (3) المحاسن: 345. (4) المحاسن: 346. وفيه " حاجة " بلا لام. (5) ليس في المصدر هذه الجملة " والله ما يعلمون أي يوم ولد فيه النبي ".

[40]

النبي صلى الله عليه وآله وانقطع الوحي، ولكن أحب أن تخرج يوم الخميس، وهو اليوم الذي كان يخرج فيه إذا غزا (1). 11 - ومنه: عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز، قال: أردنا أن نخرج فجئنا نسلم على أبي عبد الله عليه السلام فقال: كأنكم طلبتم بركة الاثنين ؟ ! فقلنا: نعم، قال: وأي يوم أعظم شوما من يوم الاثنين، يوم فقدنا فيه نبينا، و ارتفع فيه الوحي ؟ لا تخرجوا يوم الاثنين، واخرجوا يوم الثلثاء (2). الفقيه: بإسناده عن الخزاز مثله (3). الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان مثله (4). 12 - مجمع البيان: في تفسير قوله تعالى: " قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله والمؤمنون (5) " روى أصحابنا أن أعمال الامة تعرض على النبي صلى الله عليه وآله في كل يوم اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على الائمة القائمين (6) مقامه وهم المعنيون بقوله " والمؤمنون (7) ". 13 - جمال الاسبوع: روي من طريق الخاصة أن وقت عرض الاعمال في هذين اليومين عند انقضاء نهارهما. 14 - وروى مسلم في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعرض أعمال الناس في كل جمعة (8) مرتين: يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبد بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا أو أرجؤوا هذين حتى يفيئا.


(1 و 2) المحاسن: 347. (3) الفقيه: 222. (4) روضة الكافي: 314. التوبة: 106. (6) في المصدر: على أئمة الهدى. (7) مجمع البيان: ج 5، ص 69. (8) أي في كل اسبوع.

[41]

15 - وروى أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن لا يشرك بالله شيئا. 16 - تفسير علي بن إبراهيم: قال: قال الصادق عليه السلام: اطلبوا الحوائج يوم الثلثاء، فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداوود عليه السلام (1). 17 - رجال الكشي: قال: كتب الهادي عليه السلام إلى علي بن مهزيار: أسأل الله أن يحفظك من بين يديك ومن خلفك وفي كل حالاتك، فأبشر فإني أرجو أن يدفع الله عنك، والله أسأل أن يجعل لك الخيرة فيما عزم لك من الشخوص في يوم الاحد، وأخر ذلك إلى يوم الاثنين إن شاء الله، صحبك الله في سفرك، وخلفك في أهلك، وأدى عنك، وسلمت بقدرته. 19 * (باب) * * (يوم الاربعاء) * 1 - العلل والعيون والخصال: عن محمد بن عمر البصري، عن محمد بن عبد الله الواعظ، عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام في سؤالات الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أخبرني عن يوم الاربعاء والتطير منه وثقله وأي أربعاء هو، فقال عليه السلام: آخر أربعاء [في الشهر] وهو المحاق وفيه قتل قابيل هابيل أخاه، ويوم الاربعاء ألقي إبراهيم عليه السلام في النار ويوم الاربعاء وضعوا (2) المنجنيق، ويوم الاربعاء غرق الله فرعون، ويوم الاربعاء جعل الله عزوجل أرض (3) قوم لوط عاليها سافلها، ويوم الاربعاء أرسل الله عز


(1) تفسير القمي: 536. (2) في العلل والعيون: وضعوه في المنجنيق. (3) في العلل والعيون: قرية.

[42]

وجل الريح على قوم عاد، ويوم الاربعاء أصبحت كالصريم، ويوم الاربعاء سلط الله على نمرود البقة، ويوم الاربعاء طلب فرعون موسى ليقتله، ويوم الاربعاء خر عليهم السقف من فوقهم، ويوم الاربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان، ويوم الاربعاء خرب بيت المقدس، ويوم الاربعاء أحرق مسجد سليمان بن داوود بإصطخر من كورة فارس، ويوم الاربعاء قتل يحيى بن زكريا، ويوم الاربعاء أظل قوم فرعون أول العذاب، ويوم الاربعاء خسف الله عزوجل بقارون، ويوم الاربعاء ابتلى الله أيوب عليه السلام بذهاب ماله [وولده] ويوم الاربعاء أدخل يوسف عليه السلام السجن، ويوم الاربعاء قال الله عزوجل " إنا دمرناهم وقومهم أجمعين (1) " ويوم الاربعاء أخذتهم الصيحة، ويوم الاربعاء عقروا (2) الناقة، ويوم الاربعاء أمطر (3) عليهم حجارة من سجيل، ويوم الاربعاء شج النبي صلى الله عليه وآله وكسرت رباعيته، ويوم الاربعاء أخذت العماليق (4) التابوت (5). قال الصدوق - ره -: من اضطر إلى الخروج في سفر يوم الاربعاء أو تبيغ به الدم في يوم الاربعاء فجائز له أن يسافر أو يحتجم فيه ولا يكون ذلك شوما عليه لا سيما إذا فعل ذلك خلافا على أهل الطيرة، ومن استغنى عن الخروج فيه أو عن إخراج الدم فالاولى أن يتوقى ولا يسافر (6) ولا يحتجم. (7) بيان: يحتمل أن يكون وضع المنجنيق في غير يوم الالقاء في النار، ويحتمل اتحادهما " ويوم الاربعاء قال الله " أي في شأنه، وهذا في قصة صالح وقومه، و كذا الصيحة لهم، وهو ينافي كون عقر الناقة يوم الاربعاء، لانه لم يكن بينهما إلا


(1) النمل: 51. (2) في العلل: عقرت. (3) في العيون: امطرت. (4) في العيون: العمالقة. (5) العلل: ج 2، ص 284، العيون: ج 1، ص 247. (6) في الخصال، ولا يسافر فيه. (7) الخصال: 29.

[43]

ثلاثة أيام، إلا أن يكون المراد ابتداء إرادتهم وتمهيدهم للعقر، وأيضا شج النبي صلى الله عليه وآله كان في غزوة أحد، والمشهور بين المفسرين والمورخين أنها كانت يوم السبت، و كل ذلك مما يضعف الرواية. وفي القاموس: المحاق مثلثة آخر الشهر، أو ثلاث ليال من آخره، أو أن يستتر القمر فلا يرى غدوة ولا عشية، سمي لانه طلع مع الشمس فمحقته (1) وفي القاموس: البيغ: ثوران الدم، وتبيغ (2) الدم: هاج وغلب (3). 2 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا، قال: دخلت على أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام يوم الاربعاء وهو يحتجم، فقلت له: إن أهل الحرمين يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من احتجم يوم الاربعاء فأصابه بياض فلا يلومن إلا نفسه. فقال: كذبوا، إنما يصيب ذلك من حملته أمه في طمث (4). 3 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن عمرو بن أسلم، قال: رأيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام احتجم يوم الاربعاء وهو محموم، فلم تتركه الحمى، فاحتجم يوم الجمعة فتركته الحمى (5). 4 - ومنه: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن السياري، عن محمد بن أحمد الدقاق البغدادي، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثاني عليه السلام أسأله عن الخروج يوم الاربعاء لا يدور، فكتب عليه السلام: من خرج يوم الاربعاء لا يدور خلافا على أهل الطيرة، وقي من كل آفة، وعوفي من كل عاهة وقضى الله له حاجته. وكتب إليه مرة اخرى يسأله عن الحجامة يوم الاربعاء لا يدور، فكتب


(1) القاموس: ج 3، ص 282. (2) في القاموس: تبوغ. (3) القاموس: ج 3، ص 104. (4 و 5) الخصال: 28.

[44]

عليه السلام: من احتجم في يوم الاربعاء لا يدور خلافا على أهل الطيرة عوفي من كل آفة، ووقي من كل عاهة، ولم تخضر محاجمه (1). بيان: " الاربعاء لا يدور " آخر أربعاء من الشهر، والجملة صفة ليوم الاربعاء، واللام فيه كاللام في قوله " ولقد أمر على اللئيم يسبني ". 5 - العيون: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن عامر الطائي، قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: يوم الاربعاء يوم نحس مستمر، من احتجم فيه خيف (2) أن تخضر محاجمه، ومن انتار (3) فيه خيف عليه البرص (4). بيان: اخضرار المحاجم فساد محل الحجامة وسواده، و " من انتار " أي استعمل النورة، والاشهر فيه التنور، وإن كان أصل هذا البناء من اللغات المولدة كما يستفاد من كتب اللغة، وفي أكثر النسخ " اتنر " بتشديد التاء، واتخاذه من النورة لا يوافق القاعدة، وليس له معنى آخر: ولعله تصحيف، وفي بعض النسخ " من تنور " وهو أصوب. 6 - الخصال: عن محمد بن أحمد البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر (5). 7 - ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن الاحول، عن بشار بن بشار (6) قال: قلت


(1) الخصال: 28. (2) في المصدر: خيف عليه. (3) في المصدر: " من تنور " وكلاهما بمعنى. (4) العيون: ج 1: ص 248. (5) الخصال: 28. (6) كذا في جميع النسخ التي بأيدينا وهكذا في المصدر، قال في تنقيح المقال (ج 1 ص 170): الضبط الموجود في رجال الكشي والشيخ والخلاصة وغيرها " بشار بن يسار "

[45]

لابي عبد الله عليه السلام: لاي شئ يصام يوم الاربعاء ؟ قال: لان النار خلقت يوم الاربعاء (1). 8 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد، عن محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام احتجم يوم الاربعاء بعد العصر (2). 9 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: توقوا الحجامة والنورة يوم الاربعاء، فإن يوم الاربعاء يوم نحسن مستمر، وفيه خلقت جهنم (3). 10 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن الاشعري، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ينبغي للرجل أن يتوقى النورة يوم الاربعاء فإنه يوم نحس مستمر (4). 11 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد، عن النضر عن هشام بن سالم، عن الاحول، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن صوم خميسين بينهما أربعاء، فقال: أما الخميس فيوم تعرض فيه الاعمال، وأما الاربعاء فيوم خلقت فيه النار، وأما الصوم فجنة (5). 12 - مشارق الانوار: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: عادانا من كل شئ حتى من الطيور الفاختة ومن الايام الاربعاء.


بالباء الموحدة والشين المعجمة في الابن والياء المثناة من تحت والسين المهملة في الاب وقد زاد ابن داود فضبطهما، وفي نسخة النجاشي الذي عندنا " بشار بن بشار " بالباء الموحدة والشين المعجمة فيهما لكن ذلك غلط بلا شبهة لنقل ابن داود والعلامة في الخلاصة عن النجاشي الاول دون الثاني (انتهى) وبشاربن يسار هو اخو سعيد الضبيعى مولى بني ضبيعة بن عجل ثقة روى هو وأخوه عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام وله كتاب رواه عنه ابن ابي عمير. (1) الخصال: 28. (2 - 4) الخصال 29. (5) الخصال: 30.

[46]

13 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في صوم الخميس والاربعاء أن الاعمال ترفع يوم الخميس، والنار خلقت يوم الاربعاء. 14 - الدروع الواقية: عن الصادق عليه السلام: امرنا بصوم الاربعاء من وسط الشهور لانه لم يعذب ؟ ؟ ؟ قط إلا فيه فيرد عنا بصومه نحسه. 15 - وعن الرضا عليه السلام يوم الاربعاء يوم نحس مستمر، لانه أول الايام و آخر الايام التي ذكرها الله تعالى في قوله " سبع ليال وثمانية أيام حسوما " (1). 16 - المكارم: عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من احتجم يوم الاربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه (2). 17 - وعن شعيب العقرقوفي، قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام وهو يحتجم يوم الاربعاء في الحبس، فقلت: إن هذا يوم يقول الناس من احتجم فيه أصابه البرص (3). فقال: إنما يخاف ذلك على من حملته أمه في حيضها (4). 18 - كتاب المسلسلات: حدثنا محمد بن جعفر الوكيل من بني هاشم، قال حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن زريق البغدادي، قال: حدثنا محمد بن حمدون السمسار، قال: حدثني محمد بن حماد بن عيسى، قال: سمعت الفضل بن الربيع يقول: كنت يوما مع مولاي المأمون فأردنا الخروج يوم الاربعاء، فقال المأمون: يوم مكروه، سمعت أبي الرشيد يقول: سمعت المهدى يقول: سمعت المنصور يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي عليا يقول: سمعت أبي عبد الله بن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن آخر الاربعاء في الشهر يوم نحس مستمر. قال المصنف: وروي أن معنى " مستمر " أن يكون النهار نحسا من أوله إلى الليل. وقال عليه السلام: إن معنى المستمر هو أن لا يذهب نحسه إلى أن يذهب من يوم الخميس ساعة.


(1) الحاقة: 7. (2) المكارم: ج 1، ص 83. (3) في المصدر: فأصابه البرص فلا يلومن الا نفسه. (4) المكارم: ج 1، ص 84.

[47]

20 * (باب) * * (يوم الخميس) * 1 - قرب الاسناد: عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسافر يوم الاثنين والخميس ويعقد فيهما الالوية (1). 2 - ومنه: بالاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يوم الخميس يوم يحبه الله ورسوله، وفيه ألان الله الحديد (2). 3 - وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لامتي في بكورها، واجعله يوم الخميس (3). بيان: هذا يخالف ظاهرا ما مر من أن إلانة الحديد كانت في يوم الثلثاء ويمكن حمل هذا على التقية لان راويه من العامة، أو يقال: وقعت فيهما معا. 4 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن مروك بن عبيد، عن محمد بن سنان، عن معتب بن المبارك، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في يوم خميس وهو يحتجم فقلت له: يا ابن رسول الله تحتجم في يوم الخميس ؟ قال: نعم، من كان منكم محتجما فليحتجم في يوم الخميس، فإن كل عشية (4) جمعة يبتدر الدم فرقا من القيامة ولا يرجع إلى وكره إلى غداة الخميس. وقال أبو عبد الله عليه السلام: من احتجم في آخر خميس. من الشهر في أول النهار سل عنه الداء سلا (5). 5 - العيون: بالاسانيد الثلاثة المتقدمة عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال:


(1 و 2 و 3) قرب الاسناد: ج 1، ص 76. وقد مر الحديث الاول في باب يوم الاثنين والثلثاء تحت الرقم (2). (4) في المصدر: عشية كل جمعة. (5) الخصال: 30.

[48]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لامتي في بكورها يوم سبتها وخميسها (1). صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عليه السلام مثله (2). 6 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري عن أبي عبد الله الرازي، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن عقبة، عن زكريا، عن أبيه، عن يحيى، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من قص أظافيره يوم الخميس وترك واحدة ليوم الجمعة نفى الله عنه الفقر (3). 7 - العيون: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسافر يوم الخميس، ويقول: فيه ترفع الاعمال إلى الله عزوجل، و تعقد (4) فيه الالوية (5). 8 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد ابن أحمد الاشعري، عن محمد بن حسان، عن أبي محمد الرازي، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظفاره يوم السبت ويوم الخميس وأخذ من شاربه عوفي من وجع الاضراس ووجع العين (6). بيان: الظاهر أن الواو بمعنى أو. 9 - صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عن آبائه عليهم السلام قال: كان رسول صلى الله عليه وآله يسافر يوم الاثنين والخميس ويقول: فيهما ترفع الاعمال إلى الله عزوجل، و تعقد (7) فيهما الالوية (8).


(1) العيون: ج 2، ص 34. وقد مر الحديث في باب يوم السبت والاحد تحت الرقم (3). (2) صحيفة الرضا: 9. (3) الخصال: 30. (4) كذا ولعل الأصوب " يعقد " عطفا على " يسافر " (5) العيون: ج 2، ص 37. (6) الخصال: 32. (7) قد مرمنا ان الأصوب " يعقد " عطفا على " يسافر ". (8) صحيفة الرضا: ص 20.

[49]

10 - محاسبة النفس - للسيد علي بن طاووس - ره - نقلا من كتاب الازمنة لمحمد بن عمران المرزباني، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصوم الاثنين والخميس فقيل له: لم ذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله إن الاعمال ترفع في كل اثنين وخميس، فاحب أن يرفع عملي وأنا صائم. 11 - وبإسناده أيضا عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من اثنين ولا خميس إلا ترفع فيه الاعمال إلا عمل المقادير. 12 - ومنه: بإسناده إلى شيخ الطائفة، بإسناده إلى عنبسة بن بجاد العابد قال: سعمت أبا عبد الله عليه السلام يقول: آخر خميس في الشهر ترفع فيه أعمال الشهر. بيان: كأن المراد بعمل المقادير الاعمال التي لااختيار للعبد فيها، فإنها ليست محلا للتكليف. 13 - المكارم: عن الصادق عليه السلام: إن الدم يجتمع في موضع الحجامة يوم الخميس، فإذا زالت الشمس تفرق، فخذ حظك من الحجامة قبل الزوال (3). فذلكة اعلم أن يوم الجمعة بضم الجيم وسكون الميم وضمها اسم يوم من الاسبوع وكان يسمى في القديم " عروبة " بفتح العين وضم الراء المهملتين، قال الجوهري: يوم العروبة يوم الجمعة، وهو من أسمائهم القديمة (2)، وقال: يوم الجمعة يوم العروبة، وكذلك الجمعة بضم الميم، ويجمع على جمعات وجمع (3). (انتهى) وقال في المصباح المنير: يوم الجمعة سمي بذلك لاجتماع الناس به، و ضم الميم لغة الحجاز، وفتحها لغة بني تميم، وإسكانها لغة عقيل، وقرأ بها الاعمش. ثم قال: وأما الجمعة بسكون الميم فاسم لايام الاسبوع، وأولها السبت، قال أبو عمر والزاهد في كتاب المداخل: أخبرنا تغلب عن ابن الاعرابي، قال: قال:


(1) المكارم: ج 1، ص 83. (2) الصحاح: ج 1 ص 180. (3) الصحاح: ج 3، ص 1198.

[50]

أول الجمعة يوم السبت، وأول الايام يوم الاحد، هكذا عند العرب. وقال في مجمع البيان: إنما سميت جمعة لان الله تعالى فرغ فيه من خلق الاشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، وقيل: لانه تجتمع فيه الجماعات، وقيل: إن أول من سماها جمعة كعب بن لوي، وهو أول من قال " أما بعد " وقيل: إن أول من سماها جمعة الانصار (انتهى) وهو أسعد الايام وأشرفها كما مر، وسيأتي في كتاب الصلوة إن شاء الله، لكن لما كان يوم عبادة وقربة لا ينبغي أن يرتكب فيه ما ينافيها كالسفر والاشتغال بالامور الدنيوية، وليلته مثل يومه مباركة زاهرة منورة، ويستحب فيهما التزويج، والزفاف، وحلق الرأس، وأخذ الاظفار و الشارب، والاستحمام، وغسل الرأس بالسدر والخطمي، وسائر ما سيأتي في محله فأما التنور فالظاهر أن المنع فيه محمول على التقية، واختلف الاخبار أيضا في الحجامة، ولعل الاولى تركها إلا مع الضرورة، ولم أر في الفصد نهيا. وقال المنجمون: يومه متعلق بالزهرة، وليلته بالقمر. وأما يوم السبت فقال الجوهري: السبت: الراحة، والدهر، وحلق الرأس، وسبت علاوته سبتا إذا ضرب عنقه، ومنه سمي يوم السبت، لانقطاع الايام عنده (1). وقال الراغب: قيل سمي يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ خلق السماوات يوم الاحد، فخلقها في ستة أيام كما ذكره، فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك (انتهى) وقيل: لقطع اليهود أعمالهم فيه، وقيل: لاستراحتهم فيه. قال السيد الاجل المرتضى - ره - في الغرر والدرر في جواب سائل سأل عن قوله تعالى " وجعلنا نومكم سباتا (2) " فقال (3): إذا كان السبات هو النوم فكأنه قال: وجعلنا نومكم نوما، وهذا مما لا فائدة فيه فأجاب - ره - في هذه الآية بوجوه: منها: أن يكون المراد بالسبات الراحة والدعة، وقد قال قوم: إن اجتماع


(1) الصحاح: ج 1، ص 250. (2) النبأ: 9. (3) أي السائل.

[51]

الخلق كان في يوم الجمعة والفراغ منه في يوم السبت، فسمي اليوم بالسبت للفراغ الذي كان فيه، ولان الله تعالى أمر بني إسرائيل فيه بالاستراحة من الاعمال، قيل: وأصل السبات التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته من العقص وأرسلته. ومنها: أن يكون المراد بذلك القطع، لان السبت القطع، والسبت أيضا الحلق، يقال سبت شعره إذا حلقه وهو يرجع إلى معنى القطع، والنعال السبتية التي لا شعر عليها، فالمعنى: جعلنا نومكم قطعا لاعمالكم وتصرفكم. ومن أجاب بهذا الجواب يقول: إنما سمي يوم السبت بذلك لان بدء الخلق كان يوم الاحد وجمع يوم الجمعة، وقطع يوم السبت، فترجع التسمية إلى معنى القطع. وقد اختلف الناس في ابتداء الخلق، فقال أهل التورية: إن الله تعالى ابتدأه في يوم الاحد، فكان الخلق يوم الاحد والاثنين والثلثاء والاربعاء والخميس والجمعة ثم فرغ في يوم السبت، وهذا قول أهل التورية. وقال آخرون: إن الابتداء كان في يوم الاثنين إلى السبت، وفرغ في يوم الاحد، وهذا قول أهل الانجيل، فأما قول أهل الاسلام فهو أن ابتداء الخلق كان في يوم السبت واتصل إلى الخميس وجعلت الجمعة عيدا، فعلى هذا القول يمكن أن يسمى اليوم بالسبت من حيث قطع فيه بعض خلق الارض، فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله خلق التربة في يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الاحد. إلى آخر ما أفاده - ره - وما ذكره من كون ابتداء الخلق يوم السبت خلاف المشهور بين الفريقين. وبالجملة يوم السبت يوم مبارك صالح لجميع الاعمال، والبكور فيه أسعد وأيمن كما عرفت، لاسيما للسفر وطلب الحوائج، ويومه عند الاحكاميين متعلق بزحل، وليلته بالمريخ، واسمه بالعربية القديمة " شيار " كتاب. ويوم الاحد: وكان يسمى في القديم بالاول، وسمي أحدا لانه أول الايام، أو اليوم الاول من خلق العالم، وهو يوم متوسط لاكثر الاعمال، وذمه ومدحه متعارضان، بل مدحه أقوى، وعند الاحكاميين يومه متعلق بالشمس، و ليلته بعطارد.

[52]

ويوم الاثنين يسمى في اللغة القديمة بأهون، قال الجوهري: كانت العرب تسمي يوم الاثنين " أهون " في أسمائهم القديمة: أنشدني أبو سعيد، قال: أنشدني ابن دريد لبعض شعراء الجاهلية: اؤمل أن أعيش وأن يومي * بأول أو بأهون أو جبار أم التالي دبار أم فيومي * بمؤنس أو عروبة أو شيار (1) وفي كتاب أبي ريحان:.. أو التالي دبار * فإن أفته فمؤنس - الخ. ووجه التسمية ظاهر مما مر، وهو أنحس أيام الاسبوع ولا يصلح لشئ من الاعمال، وما ورد في مدحه فمحمول على التقية، لنبرك المخالفين به اقتفاء ببني امية - لعنهم الله - وأكثر مصائب أهل البيت عليهم السلام وقع فيه، ولذا وضعوا الاخبار للتبرك به كما وضعوها للتبرك بيوم عاشوراء. ويمكن حمل بعض الاخبار على الضرورة، ويمكن حمل بعضها على النسخ أيضا بأن يكون في الاول مباركا حيث لم يقع بعد فيه ما يصير سببا لنحوسته فلما فات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وجرت المصائب فيه على أهل البيت عليهم السلام وتبرك المخالفون به صار أنحس الايام، ويكون ذلك أيضا بإخباره صلى الله عليه وآله لئلا يلزم النسخ بعده صلى الله عليه وآله ويمكن القول بمثله في يوم عاشوراء، وهذا وجه قريب للجمع بين الاخبار، وإن كان الاول أقرب. وعند المنجمين يومه متعلق بالقمر، وليلته بالمشتري. ويوم الثلثاء بفتح الثاء وقد يضم ثم لام ثم ألف، وهو ممدود، وفي اللغة القديمة يسمى الجبار كغراب، وهو يوم متوسط لاكثر الاعمال لا سيما صعاب الامور، لان الله تعالى ألان فيه الحديد لداوود عليه السلام وفي مجمع البيان: إن الله خلق فيه الجبال، وروي أنه سبحانه خلق فيه الاشجار والانهار والهوام، وورد فيه النهي عن الحجامة وتجويزها والتجويز أقوى، والسفر أيضا فيه محمود. و


(1) الصحاح: ج 6، ص 2218.

[53]

عند الاحكاميين يومه متعلق بالمريخ، وليلته بالزهرة. ويوم الاربعاء مثلثة الباء ممدودة، وفي المصباح: هو بكسر الباء، ولا نظير له في المفردات، وإنما يأتي وزنه في الجمع، وبعض بني أسد يفتح الباء، والضم لغة قليلة فيه (انتهى) وفي اللغة القديمة اسمه دبار، في القاموس: دبار كغرات و كتاب يوم الاربعاء، وفي كتاب العين ليلته (انتهى) (1) وفي المجمع: خلق الله فيه الشجر والعمران والخراب، وقيل: خلق فيه الطير، وهو يوم نحس لا سيما آخر أربعاء من الشهر، وليست نحوسته كالاثنين، وقد مر أن الله خلق فيه النار وقد ورد تجويز بعض الاعمال فيه كالاستحمام وشرب الدواء، ومنع فيه من الحجامة والنورة والسفر، وعند أرباب النجوم يومه متعلق بالعطارد وليلته بزحل. ويوم الخميس كانت العرب تسميه مؤنسا ذكره الجوهري، وهو مناسب لما ورد في الخبر أنه يوم أنيس، وهو يوم مبارك صالح لجميع الاعمال، لا سيما السفر وطلب الحوائج، والبكور فيه أشد بركة، وسيأتي فضله والاعمال المطلوبة فيه في كتاب الصلوة إن شاء الله. وقد روي فيه منع عن الحجامة، والتجويز أصح وأقوى، وايد المنع بأن الرشيد احتجم فيه ومات، وهذا مؤيد لسعادة هذا اليوم. وعند الاحكاميين يومه منسوب إلى المشتري وليلته إلى الشمس. والمراد بالليلة في جميع ما نقلنا عنهم الليلة المستقبلة على خلاف أهل الشرع، فإنهم يعدون الليلة الماضية من اليوم.


(1) القاموس: ج 2: ص 27

[54]

21 * (باب) * * (سعادة أيام الشهور العربية ونحوستها وما يصلح) * * (في كل يوم منها من الاعمال) * 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليتوق أول الاهلة وأنصاف الشهور، فإن الشيطان يطلب الولد في هذين الوقتين، والشياطين يطلبون الشرك فيهما فيجيئون ويحبلون (1). 2 - المكارم: عن الصادق عليه السلام: اتق الخروج إلى السفر يوم (2) الثالث من الشهر، والرابع منه، والحادي والعشرين منه، والخامس والعشرين منه فإنها أيام منحوسة (3). وكان أمير المؤمنين عليه السلام يكره أن يسافر الرجل أو يتزوج والقمر في المحاق. وروي في بعض الكتب عن الحسن بن علي العسكري عليه السلام أن في كل شهر من الشهور العربية يوم نحس لا يصلح ارتكاب شيئ من الاعمال فيه سوى الخلوة والعبادة والصوم، وهي الثاني والعشرون من المحرم، والعاشر من صفر، والرابع من الربيع الاول، والثامن والعشرون من الربيع الثاني والثامن والعشرون من جمادى الاولى، والثاني عشر من جمادى الثانية، والثاني عشر من رجب والسادس و العشرون من شعبان، والرابع والعشرون من شهر رمضان، والثاني من شوال، و الثامن والعشرون من ذي القعدة، والثامن ذي الحجة.


(1) الخصال: 71. (2) في المصدر: في اليوم الثالث (3) المكارم: ج 1، 276.

[55]

ويظهر من بعض الروايات نحوسة الثالث، والرابع. والخامس، والثالث عشر، والسادس عشر، والحادي والعشرين والرابع والعشرين، والخامس والعشرين، والسادس والعشرين. وروي المنع من السفر في الثامن من الشهر والثالث والعشرين منه، وروي أنه يصلح السفر في الرابع، وفي الحادي والعشرين. وعن بعض الافاضل. " النظم " توق من الايام سبع كواملا * فلا تتخذ فيهن عرسا ولا سفر ثلاثا وخمسا ثم ثالث عشرها * وسادس عشر هكذا جاء في الخبر وواحد والعشرين قد شاع ذكره * ورابع والعشرين والخمس في الاثر فتوقها مهما استطعت فإنها * كأيام عاد لا تبقي ولا تذر رويناه عن بحر العلوم بهمة * علي بن عم المصطفى سيد البشر ولغيره: تخف رابع العشرين من رمضان * وأسقط شوال منه الثاني والثامن العشرين من ذي قعدة * وتوق ما بعده لثمان وثاني العشرين شهر محرم * وعاشر من صفر بلانكران وربيع رابعه فحاذر يومه * وثامن عشري ربيع الثاني وثامن عشري جمادى الاولى * ثم ما يتلوه ثاني عشر يامن حثاني وإذا أتى رجب فثاني عشرها * والسادس والعشرون من شعبان فتوقها مهما استطعت فإنها * خباث من الايام كل زمان 3 - المكارم: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من احتجم يوم الثلثاء لسبع عشرة [أو لتسع عشرة] أو لاحدى وعشرين كانت له شفاء من داء السنة. 4 - وقال أيضا: احتجموا يوم الخميس لخمس عشرة، وسبع عشرة وإحدى وعشرين، لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم (2).


(1 و 2) المكارم ج 1، ص 83.

[56]

5 - وعن الصادق عليه السلام: من احتجم في آخر خميس في الشهر آخر النهار سل الداء سلا (1). 6 - وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: الحجامة يوم الثلثاء لسبع عشرة تمضي من الشهر دواء لداء سنة (2). 7 - وقال صلى الله عليه وآله: الحجامة في سبع وعشر من الشهر شفاء، ويوم الثلثاء صحة للبدن (3). وأقول: روي عن الصادق عليه السلام أخبار في سعادة أيام الشهر ونحوستها جمعت بينها مشيرا إلى مواضعها ومآخذها. اليوم الاول الدروع الواقية: قال السيد - ره -: فيما نذكره من الرواية بأدعية ثلاثين فصلا، لكل يوم من الشهر فصل منها مروية عن الصادق عليه السلام بروايات متكثرة: وهي اختيارات الايام ودعاؤها لكل يوم دعاء جديد - إلى أن قال -: اليوم الاول من الشهر. 8 - عن الصادق عليه السلام أنه خلق فيه آدم، وهو يوم مبارك لطلب الحوائج، و للدخول على السلطان، وطلب العلم، والتزويج، والسفر، والبيع، والشراء واتخاذ الماشية، ومن هرب فيه أو ضل قدر عليه إلى ثماني ليال، والمريض فيه يبرأ، والمولود يكون سمحا مرزوقا مباركا عليه. وقال سلمان الفارسي - ره - هو روز هرمزد اسم من أسمائه تعالى، يوم مختار مبارك يصلح لطلب الحوائج والدخول على السلطان. 9 - قال السيد: وفي رواية اخرى بحذف الاسناد عن الصادق عليه السلام وقد سأله سائل عن اختيارات الايام فقال عليه السلام: اليوم الاول خلق فيه آدم عليه السلام يوم صالح مسعود، خاطب فيه السلطان وتزوج، واعمل فيه كل شئ تريده من حاجة. 10 - المكارم: عن الصادق عليه السلام: سعد يصلح للقاء الامراء، وطلب الحوائج


(1 - 3) المكارم: ج 1، ص 83 و 84.

[57]

والشراء، والبيع، والزراعة، والسفر (1). 11 - زوائد الفوائد: عن الصادق عليه السلام قال: هو يوم مبارك محمود، فيه خلق الله تعالى آدم، وهو يوم سعيد لطلب الحوائج، وللدخول على السلطان، وابتداء الاعمال، والبيع والشراء، والاخذ والعطاء، ومن ولد فيه كان محبوبا مقبولا مرزوقا مباركا، ومن مرض فيه يبرأ بإذن الله تعالى. 12 - وفي رواية اخرى: من خرج فيه هاربا أو ضالا قدر عليه إلى ثمان ليال. بيان: ما روي في سياق ما مر وسيأتي عن سلمان - رضي الله عنه - موافق لما رواه علماء النجوم وأصحاب التقاويم عن الفرس لكن في تصحيحها اختلافات نشير إليها قالوا: اليوم الاول اسمه " اور مزد " وبعضهم يسميه " فرخ " وبعضهم " به روز ". اليوم الثاني 13 - الدروع: قال الصادق عليه السلام: فيه خلقت حواء من آدم، يصلح للتزويج وبناء المنازل، وكتب العهود، والسفر، وطلب الحوائج، والاختيار، ومن مرض فيه أول النهار خف أمره بخلاف آخره، والمولود فيه يكون صالح التربية وقال سلمان: هو روز بهمن اسم ملك تحت العرش، يوم مبارك للتزويج، و قضاء الحوائج، سعيد. 14 - وفي الرواية الاخرى: تزوج، وائت فيه أهلك من السفر، واشتر، وبع، واطلب فيه الحوائج، واتق فيه السلطان. 15 - المكارم: عنه عليه السلام: يصلح للسفر وطلب الحوائج (2). 16 - الزوائد: عن الصادق عليه السلام: يوم محمود خلق الله تعالى فيه حواء، وهو يوم يصلح للتزويج، والتحويل، والشراء، والبيع، والبناء، والزرع، والغرس والسلف، والقرض، والمعاملة، والدخول بالاهل، وطلب الحوائج، ولقاء السلطان، ومن مرض فيه يبرأ، ومن ولد فيه كان مباركا ميمونا.


(1 و 2) المكارم: ج 2، ص 558.

[58]

17 - وفي رواية اخرى: أنه يصلح لكتبة العهد، ومن مرض في أوله كان مرضه خفيفا، وفي آخره كان ثقيلا. اليوم الثالث 18 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: أنه يوم نحس مستمر، نزع آدم وحوا لباسهما، واخرجا من الجنة، فاجعل شغلك فيه صلاح منزلك، ولا تخرج من دارك إن أمكنك، واتق فيه السلطان، والبيع، والشراء، وطلب الحوائج، والمعاملة والمشاركة والهارب فيه يؤخذ، والمريض يجهد، والمولود فيه يكون مرزوقا طويل العمر. وقال سلمان: هو روز اردي بهشت اسم الملك الموكل بالشقاء والسقم، يوم ثقيل نحس لا يصلح لامر من الامور. 19 - وفي الرواية الاخرى عنه عليه السلام: يوم نحس فيه سلب آدم وحواء لباسهما، ولا تشتر فيه، ولا تبع، ولا تأت فيه السلطان، ولا تطلب فيه حاجة. 20 - المكارم: ردئ لا يصلح لشئ جملة: (1). 21 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم نحس فيه قتل هابيل، قتله أخوه قابيل عليه اللعنة والعذاب السرمد، وهو يوم مذموم، لا تسافر فيه، ولا تعمل عملا، ولا تلق فيه أحدا، واستعذ بالله من شره بعوذة أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن ولد فيه كان منحوسا، ومن مرض فيه أو في ليلته خيف عليه إلا أن يشاء الله غير ذلك. 22 - وفي رواية اخرى: أن من ولد فيه كان مرزوقا طويل العمر، وفيه سلب آدم وحواء لباسهما، واخرجا من الجنة، والهارب فيه يؤخذ (2) والمريض فيه يجهد. أقول: المضبوط عند الفرس " أردي بهشت " بضم الهمزة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة، أي الشهر الذي العالم فيه مثل الجنة، لاخضرار


(1) المكارم: ج 2، ص 558. (2) في المخطوطة: يوجد.

[59]

الاشجار والاراضي وظهور الازهار. اليوم الرابع 23 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: أنه يوم صالح للزرع، والصيد، والبناء واتخاذ الماشية، ويكره فيه السفر، فمن سافر فيه خيف عليه القتل والسلب أو بلاء يصيبه، وفيه ولد هابيل، والمولود فيه يكون صالحا مباركا ما عاش، ومن هرب فيه عسر طلبه، ولجأ إلى من يمنعه. وقال سلمان: روز شهريور اسم الملك الذي خلقت فيه الجواهر [منه] و وكل بها، وهو موكل ببحر الروم. 24 - وفي الرواية الاخرى: يوم صالح للتزويج والصيد، ويذم فيه السفر فمن سافر فيه سلب، وفيه ولد هابيل بن آدم عليه السلام. 25 - المكارم: عنه عليه السلام: صالح للتزويج ويكره السفر فيه (1). 26 - الزوائد: عنه عليه السلام: هو يوم متوسط صالح لقضاء الحوائج، فيه ولد هبة الله شيث بن آدم، ولا تسافر فيه فإنه مكروه، ومن ولد فيه كان مباركا، و من مرض فيه شفي ليلته وبرئ باذن الله تعالى. 27 - وفي رواية اخرى أن هابيل عليه السلام ولد فيه أيضا، ويخاف فيه على المسافر السلب والقتل وبلاء يصيبه، ومن هرب فيه لجأ إلى من يمنع منه. أقول: اسمه عند الفرس بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وكسر الراء المهملة وسكون الياء وفتح الواو. اليوم الخامس 28 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: أنه يوم نحس مستمر، فيه ولد قابيل الشقي الملعون، وفيه قتل أخاه، وفيه دعا بالويل على نفسه، وهو أول من بكى في الارض فلا تعمل فيه عملا، ولا تخرج من منزلك، ومن حلف فيه كاذبا عجل له الجزاء ومن ولد فيه صلحت حاله.


(1) المكارم: ج 2، ص 558.

[60]

وقال سلمان: روز إسفندار اسم الملك الموكل بالارضين: يوم نحس فلا تطلب فيه حاجة، ولا تلق فيه سلطانا. 29 - وفي الرواية الاخرى عنه عليه السلام: ولد فيه قابيل، وفيه قتل أخاه ولا تطلب فيه حاجة. 30 - المكارم: عنه عليه السلام: ردئ نحس (1). 31 - الزوائد: هو يوم نحس فيه لعن إبليس وهاروت وماروت وكل فرعون وجبار، وفيه لعن وعذب، وهو يوم نكد عسير لا خير فيه، فاستعذ بالله من شره، ومن ولد فيه كان مشوما ثقيلا نكد الحياة عسير الرزق، ومن مرض فيه أو فيه ليلته ثقل مرضه وخيف عليه. 32 - وفي رواية أخرى أن فيه قتل قابيل هابيل، وينظر في إصلاح الماشية ومن كذب فيه عجل الله له الجزاء. أقول: المشهور عند الفرس " إسفندار مذ " وقد يقال " إسپندار " و " سفندار " و " سپندار. " بإلحاق " مذ " في الجميع. اليوم السادس 33 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم صالح للتزويج، ومن سافر فيه في بر أو بحر رجع إلى أهله بما يحبه، جيد لشراء الماشية، ومن ضل فيه أو أبق وجد، ومن مرض فيه برئ، ومن ولد فيه صلحت تربيته وسلم من الآفات. وقال سلمان رضي الله عنه: روز خرداد اسم ملك موكل بالجن، يصلح للتزويج والمعاش وكل حاجة، والاحلام يظهر تأويلها بعد يوم أو يومين. 34 - وفي الرواية الاخرى: يوم صالح للتزويج والصيد وطلب المعاش و كل حاجة. 35 - المكارم: عنه عليه السلام: مبارك يصلح للتزيج وطلب الحوائج (2).


(1) المكارم: ج 2، ص 558. (2) المكارم: ج 2، ص 558.

[61]

36 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم صالح ولد فيه نوح عليه السلام يصلح للحوائج، و السلطان، والسفر، والبيع، والشراء، والديون، والقضاء، والاخذ، والعطاء والنزهة، والصيد. ومن ولد فيه كان مباركا ميمونا موسعا عليه في حياته، ومن مرض فيه أو في ليلته لم يجاوز مرضه اسبوعا ثم يبرأ بإذن الله. 37 - وفي رواية اخرى: يصلح للتزويج، وشراء الماشية. أقول: " خرداد " عندهم بضم الخاء المعجمة. اليوم السابع 38 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم صالح لجميع الامور، ومن بدأ بالكتابة أكملها حذقا، ومن بدأ فيه بعمارة أو غرس حمدت عاقبته، ومن ولد فيه صلحت تربيته. ووسع عليه رزقه. وقال سلمان - رضى الله عنه -: روز مرداداسم ملك موكل بالناس وأرزاقهم وهو يوم مبارك سعيد، فاعمل فيه ما تشاء من الخير. 39 - وفي رواية أخرى: يوم صالح مثل السادس. 40 - المكارم: عنه عليه السلام مبارك مختار يصلح لكل ما يراد ويسعى فيه (1). 41 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم سعيد مبارك، فيه ركب نوح عليه السلام السفينة فاركب البحر، وسافر في البر، والق العدو، واعمل ما شئت، فإنه يوم عظيم البركة، محمود لطلب الحوائج والسعي فيها. ومن ولد فيه كان مباركا ميمونا على نفسه وأبويه، خفيف النجم، موسعا عيشه. ومن مرض فيه أو في ليلته برئ باذن الله تعالى. 42 - وفي رواية أخرى: يصلح لابتداء الكتابة، والعمارة، وغرس الاشجار. أقول: " مرداد " أيضا بالضم. وقال أبو ريحان: معناه دوام الخلق أبدا من غير موت ولا فناء.


(1) المكارم: ج 2، ص 558

[62]

اليوم الثامن 43 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم صالح لكل حاجة من بيع أو شراء، ومن دخل فيه على سلطان قضيت حاجته، ويكره فيه ركوب البحر، والسفر في البر، والخروج إلى الحرب، ومن ولد فيه صلحت ولادته، ومن هرب فيه لم يقدر عليه إلا بتعب، ومن ضل فيه لم يرشد إلا بجهد، والمريض فيه يجهد. وقال سلمان: روز نمادر اسم من أسمائه تعالى، وهو يوم مبارك سعيد صالح لكل أمر تريد من الخير. 44 - وفي الرواية الاخرى: يوم صالح مبارك، صالح لكل حاجة إلا السفر. 45 - المكارم: يصلح لكل حاجة سوى السفر، فإنه يكره فيه (1). 46 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم صالح للشراء والبيع فاشتر فيه وبع، وخذو أعط، ولا تعرض للسفر، فإنه يكره فيه سفر البر والبحر: ومن ولد فيه كان متوسط الحال طويل العمر، ومن مرض فيه أو في ليلته برئ بإذن الله تعالى. 47 - وفي رواية اخرى: تصلح للقاء السلطان وقضاء الحوائج منه، ومن هرب فيه لم يقدر عليه إلا بتعب، ومن ضل فيه لم يرشد إلا بجهد. وقيل: من مرض فيه هلك. أقول: المعروف عندهم " ديبازر ". اليوم التاسع 48 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم خفيف صالح لكل أمر تريده فابدأ فيه بالعمل، واقترض فيه، وازرع، واغرس. ومن حارب فيه غلب، ومن سافر فيه رزق مالا ورأى خيرا، ومن هرب فيه نجا، ومن مرض فيه ثقل، ومن ضل قدر عليه، ومن ولد فيه صلحت ولادته ووفق فيه في كل حالاته. وقال سلمان: روز آذر اسم ملك موكل بالميزان يوم القيامة محمود والاحلام تصح فيه من يومها.


(1) المكارم: ج 2، ص 558.

[63]

49 - وفي الرواية الاخرى: يوم خفيف صالح لكل أمر يريده، والمولود فيه يكون مرزوقا في معيشته، ولا يصيبه ضيق. 50 - المكارم: عنه عليه السلام مبارك يصلح لكل ما يريده الانسان، ومن سافر فيه رزق مالا ويرى في سفره كل خير (1). 51 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم صالح محمود، فيه ولد سام بن نوح، وهو يوم مبارك يصلح للحوائج، والدخول على السلطان، وجميع الاعمال، والدين والقرض والاخذ والعطاء، ومن ولد فيه كان محبوبا مقبولا عند الناس، يطلب العلم ويعمل بأعمال الصالحين، ومن مرض فيه أو في ليلة برئ بإذن الله تعالى. 52 - وفي رواية اخرى: من سافر فيه رزق ولقي خيرا، ويصلح للغرس والزرع، ومن حارب فيه غلب، ومن هرب فيه لجأ إلى سلطان يمنع عليه، ومن مرض فيه ثقل. أقول: عندهم آذر بالالف الممدودة ثم الذال المعجمة المفتوحة اسم للنار والملك الموكل بها، وصحح بعضهم بضم الذال والاول أشهر. اليوم العاشر 53 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه ولد فيه نوح عليه السلام ومن ولد فيه يكبر ويهرم ويرزق، ويصلح للبيع والشراء والسفر، والضالة فيه توجد، والهارب فيه يظفر به ويحبس، وينبغي للمريض فيه أن يوصي. وقال سلمان - رضي الله عنه - روز أبان اسم ملك موكل بالبحار والاودية يوم خفيف مبارك، ومن هرب فيه من سلطان اخذ، ومن ولد فيه لم يصبه ضيق و كان مرزوقا، والاحلام فيه تظهر في مدة عشرين يوما. 54 - وفي الرواية الاخرى: فيه ولد نوح عليه السلام يوم صالح للحرث والزرع والسلف وكل خير. 55 - المكارم: صالح لكل حاجة سوى الدخول على السلطان، ومن


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[64]

فر فيه من السلطان أخذ، ومن ضلت له ضالة وجدها، وهو جيد للشراء والبيع ومن مرض فيه برأ (1) 56 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم محمود رفع الله فيه إدريس مكانا عليا، وفيه أخذ موسى التورية، تصلح لكتب الكتب والشروط والعهود وأعمال الدواوين والحساب، ومن ولد فيه كان مباركا حليما صالحا عفيفا، ومن مرض فيه أو في ليلته يخاف عليه. 57 - وفي رواية اخرى: يصلح للبيع والشراء، ومن ضلت له ضالة وجدها، ويستحب للمريض فيه أن يوصي، ومن هرب فيه ظفر به وسجن. اليوم الحادي عشر 58 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه ولد فيه شيث عليه السلام، صالح لابتداء العمل والبيع والشراء والسفر، ويجتنب فيه الدخول على السلطان، ومن هرب فيه رجع طائعا، ومن مرض فيه يوشك أن يبرأ [فيه]، ومن ضل فيه سلم، ومن ولد فيه طابت عيشته غير أنه لا يموت حتى يفتقر ويهرب من سلطان. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز خوراسم ملك موكل بالشمس، يوم خفيف مثل الذي تقدمه. 59 - وفي الرواية الاخرى: من هرب فيه اخذ، ومن ولد فيه يكون مرزوقا في معيشته ويعمر حتى يهرم ولا يفتقر أبدا. 60 - المكارم: عنه عليه السلام يصلح للشراء والبيع، ولجميع الحوائج، و للسفر ما خلا الدخول على السلطان، وإن التواري فيه يصلح (2). 61 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم صالح للشراء والبيع والمعاملة والقرض، و يكره فيه الدخول على السلطان ومعاملته والتصرف فيه، ومن ولد فيه كان مباركا صالح التربية، ومن مرض فيه أو في ليلته برئ بإذن الله تعالى.


(1) المكارم: ج 2، ص 559. (2) المكارم: ج 2، ص 559.

[65]

أقول: عندهم " خور " بضم الخاء، ومنهم من صححه بالفتح، والاول أظهر، ويؤيده دخول الواو في الكتابة. 62 - وفي رواية أخرى أنه ولد فيه شيث عليه السلام، ومن هرب فيه رجع طائعا ومن ضل فيه سلم. وذكر أيضا أنه يموت فقيرا أو يهرب من السلطان. اليوم الثاني عشر 63 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم صالح للتزويج وفتح الحوانيت والشركة وركوب البحار، ويجتنب فيه الوساطة بين الناس، والمريض يوشك أن يبرأ، والمولود فيه يكون هين التربية. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز ماه يوم مختار وهو اسم ملك موكل بالقمر. وفي الرواية الاخرى مثل الحادي عشر. 64 - المكارم: عنه عليه السلام يوم صالح مبارك، فاطلبوا فيه حوائجكم، و اسعوالها فإنها تقضى (1). 65 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم مبارك، فيه قضى موسى الاجل، وهو يوم التزويج والمشاركة وفتح الحوانيت وعمارة المنازل والبيع والشراء والاخذ و العطاء، ومن ولد فيه كان عفيفا ناسكا صالحا، ومن مرض فيه أو في ليلته من حمى خيف عليه إلا أن يشاء الله عزوجل. 66 - وفي أخرى: يستحب فيه ركوب الماء، ولا يرتكب فيه الوسائط - يعني الوساطة بين الناس -. اليوم الثالث عشر 67 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم نحس، فاتق فيه المنازعة والحكومة ولقاء السلطان وكل أمر، ولا تدهن فيه رأسا، ولا تحلق فيه شعرا، ومن ضل فيه أو هرب سلم، ومن مرض فيه أجهد، والمولود فيه ذكر أنه لا يعيش.


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[66]

وقال سلمان رضي الله عنه: روز تير اسم ملك موكل بالنجوم، يوم نحس ردئ، فاتق فيه السلطان وجميع الاعمال، والاحلام تصح فيه بعد تسعة أيام. وفي الرواية الاخرى: يوم نحس لا تطلب فيه حاجة. 68 - المكارم: عنه عليه السلام يوم نحس فأتقوا فيه جميع الاعمال (1). 69 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم نحس فيه هلك ابن نوح وامرأة لوط، وهو يوم مذموم في كل حال، فاستعذ بالله من شره، ومن ولد فيه كان مشوما عسير الرزق كثير الحقد نكد الخلق، ومن مرض فيه أو في ليلته يخاف عليه والله أعلم. 70 - وفي رواية اخرى: تتقي فيه المنازعات، ولقاء السلاطين والحكومات وحلق الرأس، ودهن الشعر، ومن هرب فيه سلم، وإن ولد فيه ذكر لم يعش. اليوم الرابع عشر 71 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه صالح لكل شئ، ومن ولد فيه يكون غشوما، وهو جيد لطلب العلم والبيع والشراء والسفر والاستقراض و ركوب البحر، ومن هرب فيه اخذ، ومن مرض فيه برئ إن شاء الله تعالى. وقال سلمان رضي الله عنه: روز جوش اسم ملك موكل بالانس والجن والريح، يوم سعيد مبارك، يصلح لكل شئ وللقاء السلطان وأشراف الناس و علمائهم، ومن ولد فيه يكون كاتبا أديبا ويكثر ماله آخر عمره، والاحلام تصح بعد ستة وعشرين يوما. 72 - وفي الرواية الاخرى: يوم سعيد صالح لكل حاجة، ومن ولد فيه عمر طويلا، ويكون مشعوفا بطلب العلم، ويكثر ماله في آخر عمره. 73 - المكارم: عنه عليه السلام جيد للحوائج ولكل عمل (2). 74 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم صالح لما تريد من قضاء الحوائج ولقاء الملوك


(1) المكارم: ج 2، ص 559. (2) المكارم: ج 2، ص 559.

[67]

وطلب العلم وأعمال الديون، ومن ولد فيه عاش سليما سعيدا، وكان في أموره مسددا محمودا مرزوقا، ومن مرض فيه أو في ليلته برئ من مرضه ولم يطل - والله أعلم -. 75 - وفي رواية أخرى: أنه من ولد فيه يكون في آخر عمره كثير المال، و يكون غشوما ظلوما، ويصلح للبيع والشراء والاستقراض والقرض والركوب في البحر، ومن هرب فيه يؤخذ. أقول: جوش بضم الجيم وسكون الواو. اليوم الخامس عشر 76 - العدد القوية لدفع المخاوف اليومية للشيخ رضي الدين علي بن يوسف بن مطهر الحلي: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مبارك يصلح لكل حاجة والسفر وغيره، فاطلبوا فيه الحوائج فإنها مقضية. 77 - وفي رواية أخرى: محذور نحس في كل الامور إلا من أراد أن يستقرض أو يقرض أو يشاهد ما يشتري، ولد فيه قابيل وكان ملعونا، وهو الذي قتل أخاه، فاحذروا فيه كل الحذر، ففيه خلق الغضب، ومن مرض فيه مات. 78 - وفي رواية أخرى: من مرض فيه برئ عاجلا، ومن هرب فيه ظفر به في مكان قريب (1)، ومن ولد فيه يكون سيئ الخلق. 79 - وفي رواية اخرى: من ولد فيه يكون ألثغ أو أخرس أو ثقيل اللسان. 80 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: من ولد فيه يكون أخرس أو ألثغ. وقالت الفرس: إنه يوم خفيف. وفي رواية أخرى: يوم مبارك يصلح لكل عمل وحاجة، والاحلام فيه تصح بعد ثلاثة أيام، يحمد فيه لقاء القضاة والعلماء والتعليم وطلب ما عند الرؤساء والكتاب.


(1) غريب (خ).

[68]

وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: ديمهروز اسم من أسماء الله تعالى. 81 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم صالح لكل الامور إلا من أراد أن يستقرض أو يقرض، ومن مرض فيه برئ عاجلا ومن هرب فيه ظفر به، والمولود فيه يكون ألثغ أو أخرس. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز " ديبهر " (1) اسم من أسمائه تعالى، يصلح لكل حاجة، والاحلام فيه تصح بعد ثلاثة أيام. وفي الرواية الاخرى: يوم صالح لكل أمر، والمولود يكون أخرس أو ألثغ 82 - المكارم: صالح لكل حاجة تريدها، فاطلبوا فيه حوائجكم فإنها تقضى (2). 83 - الزوائد: يوم صالح لكل عمل وحاجة ولقاء الاشراف والعظماء و الرؤساء فاطلب فيه حوائجك، والق سلطانك، واعمل ما بدالك فإنه يوم سعيد، و من ولد فيه يكون ألثغ اللسان أو أخرس، ومن مرض فيه أو في ليلته خيف عليه إلا أن يشاء الله عزوجل. 84 - وفي رواية أخرى: يوم محذور ويصلح للاستقراض والقرض ومشاهدة ما يشترى، ومن مرض فيه برئ بإذن الله تعالى، ومن هرب فيه ظفر به في مكان غريب. بيان: اللثغ محركة واللثغة بالضم تحول اللسان من السين إلى الثاء أو من الراء إلى الغين أو اللام أو الياء أو من حرف إلى حرف، أو أن لا يتم رفع لسانه، وفيه ثقل لثغ كفرح فهو ألثغ. وتصحيح الاسم عندهم بالدال المفتوحة والياء الساكنة والباء المكسورة، وفي نسخ الدروع بسقوط الميم وفتح الباء. وإنما ابتدأنا النقل من " العدد " من هذا اليوم لانه لم يصل إلينا من هذا الكتاب إلا من اليوم الخامس


(1) ديمهر (خ). (2) المكارم: ج 2، ص 559.

[69]

عشر إلى آخر الشهر، ومن أول الشهر إلى هذا اليوم كان ساقطا. اليوم السادس عشر 85 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إنه يوم نحس مستمر ردئ فلا تسافر فيه ومن سافر فيه هلك ويناله مكروه، فاجتنبوا فيه الحركات واتقوا فيه الحوائج ما استطعتم، فلا تطلبوا فيه حاجة، ويكره فيه لقاء السلطان. 86 - وفي رواية: يصلح للتجارة والبيع والمشاركة والخروج إلى البحر ويصلح للابنية ووضع الاساسات، ويصلح لعمل الخير. 87 - وفي رواية: خلقت فيه المحبة والشهوة، وهو يوم السفر فيه جيد في البر والبحر، استأجر فيه من شئت، وادفع فيه إلى من شئت، من ولد فيه يكون مجنونا لا محالة ويكون بخيلا. 88 - وفي رواية: من ولد في صبيحته إلى الزوال كان مجنونا وإن ولد بعد الزوال إلى آخره صلحت حاله، ومن هرب فيه يرجع، ومن ضل فيه سلم و من ضلت له ضالة وجدها، ومن مرض فيه برئ عاجلا. 89 - قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: من مرض فيه خيف عليه الهلاك. وقالت الفرس: إنه يوم خفيف 90 - وفي رواية أنه يوم جيد لكل ما يراد من الاعمال والنيات والتصرفات والمولود فيه يكون عاملا، وهو يوم لجميع ما يطلب فيه من الامور الجيدة. وفي رواية أنه يوم نحس، من ولد فيه يكون مجنونا لابد من ذلك، و من سافر فيه يهلك، وتصلح لعمل الخير، ويتقى فيه الحركة، والاحلام تصح فيه بعد يومين. قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: مهرروز اسم الملك الموكل بالرحمة. 91 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم نحس لا يصلح لشئ سوى الابنية والاساسات، من سافر فيه هلك، ومن هرب فيه رجع، ومن ضل سلم، ومن مرض

[70]

فيه برئ سريعا، والمولود فيه يكون مجنونا إن ولد قبل الزوال، وإن ولد بعد الزوال صلحت حاله. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز مهر اسم ملك موكل بالرحمة، وهو يوم نحس، فاتق فيه الحركة، والاحلام تصح فيه بعد يومين. 92 وفي الروية الاخرى: يوم نحس، ومن ولد فيه يكون مجنونا، ومن سافر فيه هلك. 93 - المكارم: ردئ مذموم لكل شئ (1). 94 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم نحس ردئ مذموم لا خير فيه، فلا تسافر فيه، ولا تطلب حاجة، وتوق ما استطعت، وتعوذ بالله من شره، ومن ولد فيه يكون مشوما عسر التربية منحوسا في عيشه، ومن مرض فيه أو في ليلته يخاف عليه ويطول مرضه والله أعلم. 95 - وفي رواية أخرى: من سافر فيه هلك، ويكره فيه لقاء السلطان ويصلح للتجارة والبيع والمشاركة والخروج إلى البحر والابنية والاساسات والذي يهرب فيه يرجع، ومن ضل فيه سلم، ومن ولد في صبيحته إلى الزوال كان مجنونا، ومن بعد الزوال تكون أعماله صالحة. أقول: " مهر " عندهم بكسر الميم وسكون الهاء. اليوم السابع عشر 96 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم صاف مختار لجميع الحوائج، ويصلح للشراء والبيع والتزويج والدخول على السلطان وغير ذلك، صالح لكل حاجة، فاطلب فيه ما تريد فإنه جيد، خلقت فيه القوة، و خلق فيه ملك الموت، وهو الذي بارك فيه الحق على يعقوب عليه السلام، جيد صالح للعمارة، وفتق الانهار، وغرس الاشجار، والسفر فيه لا يتم. 97 - وفي رواية أخرى: هذا اليوم متوسط يحذر فيه المنازعة، ومن أقرض


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[71]

فيه شيئا لم يرد إليه، فإن رد فيجهد، ومن استقرض فيه شيئا لم يرده. 98 - قال ابن معمر: [وفي] رواية أخرى أنه يوم ثقيل لا يصلح لطلب الحوائج فاحذر فيه، وأحسن إلى ولدك وعبدك، ومن مرض فيه يبرأ، والرؤيا فيه كاذبة، والآبق فيه يوجد، ومن ولد فيه عاش طويلا وصلحت حاله وتربيته ويكون عيشه طيبا لا يرى فيه فقرا. وقالت الفرس: إنه يوم خفيف. 99 - وفي رواية أخرى: أنه يوم ثقيل غير صالح لعمل الخير، فلا تلتمس فيه حاجة. 100 - وفي رواية أخرى: يوم جيد مختار، يحمد فيه التزويج والختانة و الشركة والتجارة ولقاء الاخوان والمضاربة للاموال. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: سروش روز اسم الملك الموكل بحراسة العالم وهو جبرئيل عليه السلام. 101 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم متوسط، واحذر فيه المنازعة و القرض والاستقراض، فمن أقرض فيه شيئا لم يرد إليه، ومن استقرض لم يرده ومن ولد فيه صلحت حاله. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز سروش، اسم ملك موكل بحراسة العالم وهو يوم ثقيل فلا تلتمس فيه حاجة. وفي الرواية الاخرى: يوم صالح. 102 - قال وفي رواية أخرى أنه يوم ثقيل لا يصلح لطلب حاجة. 103 - المكارم: عنه عليه السلام صاف (1) مختار، فاطلبوا فيه ما شئتم وتزوجوا وبيعوا واشتروا وازرعوا وابنوا وادخلوا على السلطان في حوائجكم فإنها تقضى (2). 104 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم صالح مختار محمود لكل عمل وحاجة


(1) في المصدر: صالح. (2) المكارم: ج 2، ص 559.

[72]

فاطلب فيه الحوائج، واشتر وبع والق الكتاب والعمال ومن شئت، ومن ولد فيه كان مباركا سعيدا في كل أمره، ومن مرض فيه أو في ليلته خلص وبرئ بإذن الله تعالى. 105 - وفي رواية أخرى: متوسط تحذر فيه المنازعة والقرض والاستقراض. أقول: " سروش " عندهم بالسين والراء المهملتين المضمومتين. اليوم الثامن عشر 106 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مختار جيد مبارك سعيد يصلح للتزويج والسفر، ومن سافر فيه قضيت حاجته، مبارك لكل ما تريد عمله، ولطلب الحوائج، صالح لكل حاجة من بيع وشراء وزرع فإنك تربح، واسع في جميع حوائجك فإنها تقضى، واطلب فيه ما شئت فإنك تظفر ويصلح للدخول على السلطان والقضاة والعمال، ومن خاصم فيه عدوه ظفر به بإذن الله وغلبه، ومن تزوج فيه يرى خيرا، ومن اقترض قرضا رده إلى من اقترض منه، ومن مرض فيه يوشك أن يبرأ: والمولود يصلح حاله، ويكون عيشه طيبا، ولا يرى فقرا، ولا يموت إلا عن توبة. وقال الفرس: إنه يوم خفيف. 107 - وفي رواية اخرى: تحمد فيه العمارات والابنية، ويشترى فيه البيوت والمنازل، وتقضى فيه الحوائج والمهمات، ويصلح للسفر. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: رش روزاسم الملك الموكل بالنيران. 108 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم سعيد صالح لكل شئ من بيع أو شراء أو زرع أو سفر، ومن خاصم فيه عدوه ظفر به، والقرض فيه يرد، و المريض يبرأ، ومن ولد فيه صلحت حاله. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روزرش اسم [ملك] موكل بالنيران، يصلح للسفر وطلب الحوائج. 109 - وفي الرواية الاخرى: يوم صالح للسفر وكل ما تريده من حاجة.

[73]

110 - المكارم: عنه عليه السلام: مختار صالح للسفر وطلب الحوائج، ومن خاصم فيه عدوه خصمه وغلبه وظفر به بقدرة الله (1). 111 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم مختار للسفر والتزويج ولطلب الحوائج ومن خاصم فيه عدوه خصمه وغلبه وقهره، ومن ولد فيه كان حسن التربية محمود العيش، ومن مرض فيه أو في ليلته برئ ونجا بإذن الله تعالى. 112 - وفي رواية أخرى: يصلح للبيع والشراء والزرع. أقول: أكثرهم صححوا الاسم بفتح الراء المهملة وسكون الشين المعجمة والنون وصحح بعضهم رش بغير نون كما في الدروع. اليوم التاسع عشر 113 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إنه يوم خفيف يصلح لكل شئ والسفر فمن سافر فيه قضي حاجته وقضيت أموره، وكلما [يريد] يصل إليه، صالح للتزويج والمعاش والحوائج وتعلم العلم وشراء الرقيق والماشية، سعيد مبارك، ولد فيه إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام ومن ضل فيه أو هرب قدر عليه بعد خمسة عشر ليلة، ومن ولد فيه كان صالح الحال متوقعا لكل خير. 114 - وفي رواية أخرى: أنه يوم شديد كثر شره، لا تعمل فيه عملا من أعمال الدنيا، والزم فيه بيتك، وأكثر فيه ذكر الله عزوجل وذكر النبي صلى الله عليه وآله من مرض فيه ينجو، ولا تسافر فيه، ولا تدفع فيه إلى أحد شيئا، ولا تدخل على سلطان، ومن رزق فيه يكون سيئ الخلق. 115 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من ولد فيه يكون مرزوقا مباركا. وقال الفرس: يوم ثقيل. 116 - وفي رواية أخرى: أنه يحمد فيه لقاء الملوك والسلاطين لطلب الحوائج وطلب ما عندهم وفي أيديهم، وهو يوم مبارك.


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[74]

وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: فروردين روز اسم الملك الموكل بالارواح [و] قبضها. وفي ليلة تسع عشرة من شهر رمضان يكتب وفد الحاج، و يستحب فيه الغسل وفي ليلة الاربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ضرب مولانا أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام. 117 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم سعيد ولد فيه إسحاق، وهو صالح للسفر والمعاش والحوائج وتعلم العلم وشراء الرقيق والماشية، ومن ضل فيه أو هرب قدر عليه بعد خمس عشرة ليلة، ومن ولد فيه يكون صالحا موفقا للخيرات إن شاء الله. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز فروردين اسم ملك موكل بالارواح و قبضها، وهو يوم مبارك، وفي الرواية الاخرى مثل الثامن عشر. 118 - المكارم: عنه عليه السلام: مختار صالح لكل عمل، ومن ولد فيه يكون مباركا (1). 119 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم مختار مبارك صالح لكل عمل تريد، وفيه ولد إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام فاطلب فيه الحوائج، والق السلطان، واكتب الكتب واعمل الاعمال، ومن ولد فيه كان كاتبا مباركا مرزوقا، ومن مرض فيه أو في ليلته خيف عليه. 120 - وفي رواية أخرى: يصلح للسفر والمعاش وطلب العلم وشراء الرقيق والماشية، ومن ضل فيه أو هرب يقدر عليه بعد نصف شهر. أقول: فروردين عندهم بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الواو ثم سكون الراء وكسر الدال. اليوم العشرون 121 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم جيد مبارك


(1) المكارم: ج 2، 559.

[75]

يصلح لطلب الحوائج والسفر، فمن سافر فيه كانت حاجته مقضية، والبناء والتزويج والدخول على السلطان وغيره. 122 - وفي رواية أخرى: أنه ولد فيه إسحاق عليه السلام محمود العاقبة جيد لطلب الحوائج، طالب فيه بحقك، وازرع ما شئت، ولا تشتر فيه عبدا. 123 - وفي رواية أخرى: يجتنب فيه شراء العبيد. 124 - وفي رواية أخرى: أنه يوم متوسط الحال، صالح للسفر والبناء ووضع الاساس وحصاد الزرع وغرس الشجر والكرم واتخاذ الماشية، من هرب فيه كان بعيد الدرك، ومن ضل فيه خفي أمره، ومن مرض فيه صعب مرضه. 125 - وفي رواية: من مرض فيه مات، ومن ولد فيه يكون في صعوبة من العيش، ويكون ضعيفا. 126 - وفي رواية أخرى: من ولد فيه كان حليما فاضلا. 127 - قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: من سافر فيه رجع سالما غانما، و قضى الله حوائجه وحصنه من جميع المكاره. وقالت الفرس: إنه يوم خفيف مبارك. 128 - وفي رواية أخرى: أنه يوم محمود يحمد فيه الطلب للمعاش والتوجه بالانتقال والاشغال والاعمال الرضية والابتداءات للامور. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: بهرام روز. 129 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم متوسط صالح للسفر وقضاء الحوائج والبناء ووضع الاساس وغرس الشجر والكرم واتخاذ الماشية، ومن هرب فيه بعد دركه، ومن ضل فيه خيف أمره، ومن مرض فيه صعب مرضه، ومن ولد فيه صعب عيشته. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز بهرام اسم ملك موكل بالنصر والخذلان والحروب والجدال، وهو يوم جيد مبارك. 130 - وفي الرواية الاخرى: يوم مبارك يصلح للسفر وطلب الحوائج.

[76]

131 - المكارم: عنه عليه السلام جيد مختار للحوائج والسفر والبناء والغرس والدخول إلى السلطان (1)، يوم مبارك بمشية الله (2). 132 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم جيد محمود صالح مسعود مبارك لما يؤتى فاشتر فيه وبع واعمل ما شئت، ومن ولد فيه كان طويل العمر، ملكا يملك بلدا أو ناحية منه، ومن مرض فيه أو في ليلته يخلص بإذن الله تعالى. 133 - وفي رواية أخرى: يوم متوسط يصلح للسفر والحوائج والبناء و وضع الاساسات وغرس الشجر والكرم واتخاذ الماشية، ومن هرب فيه كان بعيد الدرك، ومن ضل فيه خفي أمره، ومن مرض فيه صعب مرضه، ومن ولد فيه عاش في صعوبة. أقول: المضبوط عندهم بهرام بفتح الباء وسكون الهاء. اليوم الحادي والعشرون 134 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم نحس مستمر يصلح فيه إراقة الدماء، فاتقوا فيه ما استطعتم، ولا تطلبوا فيه حاجة ولا تنازعوا فيه، فإنه ردئ منحوس مذموم، ولا تلق فيه سلطانا تتقيه، فهو يوم ردئ لسائر الامور، ولا تخرج من بيتك، وتوق ما استطعت، وتجنب فيه اليمين الصادقة، وتجنب فيه الهوام، فإن من لسع فيه مات، ولا تواصل فيه أحدا، فهو أول يوم اريق فيه الدم وحاضت فيه حواء، ومن سافر فيه لم يرجع وخيف عليه ولم يربح، والمريض يشتد علته ولم يبرأ، [و] من ولد فيه يكون محتاجا فقيرا. 135 - وفي رواية أخرى: من ولد فيه يكون صالحا. قالت الفرس: إنه يوم جيد. 136 - وفي رواية أخرى: يصلح فيه إهراق الدم، ولا تطلب فيه حاجة، و تتقي فيه من الاذى.


(1) في المصدر: على السلطان. (2) المكارم: ج 2، ص 559.

[77]

137 - وفي رواية أخرى: يكره فيه سائر الاعمال والفصد والحجامة و لقاء الاجناد والقواد والساسة. قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: رام روز. 138 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم نحس ردئ، فلا تطلب فيه حاجة، واتق فيه السلطان، ومن سافر فيه خيف عليه، ومن ولد فيه يكون فقيرا محتاجا. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز ماه اسم ملك موكل بالفرح، يصلح لاهراق الدماء حسب. 139 - وفي الرواية الاخرى: يوم نحس، وهو يوم إراقة الدم، فلا تطلب فيه حاجة. 140 - المكارم: عنه عليه السلام: يوم نحس مستمر (1). 141 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم نحس مذموم أكل فيه آدم من الشجرة وعصى ربه، فاحذره ولا تطلب فيه حاجة، ولا تلق سلطانا، ولا تعمل عملا، ولا تشارك أحدا واقعد في منزلك واستعذ بالله من شره، ومن ولد فيه كان ضيق العيش نكد الحياة، ومن مرض فيه يخاف عليه. 142 - وفي رواية أخرى: يتقى فيه السلطان والسفر. أقول: المضبوط عندهم رام بفتح الراء المهملة. اليوم الثاني والعشرون 143 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مختار حسن ما فيه مكروه، يصلح لكل حاجة وللشراء والبيع والصيد فيه والسفر، ومن سافر فيه ربح ويرجع معافى إلى أهله سالما، وطلب الحوائج والمهمات وسائر الاعمال، والصدقة فيه مقبولة، ومن دخل على سلطان قضيت حاجته ويبلغ بقضاء


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[78]

الحوائج. وفي نسخة أخرى: ومن قصد السلطان وجد مخافة. 144 - وفي رواية أخرى: خفيف صالح لكل شئ يلتمس فيه، والرؤيا [فيه] مقصوصة، والتجارة فيه مباركة، والابق فيه يوجد، وإن خاصمت فيه كانت الغلبة لك، والتزويج فيه جيد، ومن ولد فيه يكون عيشه طيبا ويكون مباركا، ومن مرض فيه يبرأ سريعا. وقالت الفرس: إنه يوم ثقيل. 145 - وفي رواية أخرى: أنه يحمد فيه كل حاجة، والاعمال السلطانية وسائر التصاريف في الاعمال المرضية، وهو يوم خفيف يصلح لكل حاجة يراد قضاؤها. قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: بادروز. 146 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه يوم صالح لقضاء الحوائج والبيع والشراء والدخول على السلطان، والصدقة فيه مقبولة، والمريض فيه يبرأ سريعا والمسافر فيه يرجع معافى. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز باد اسم ملك موكل بالريح، يوم خفيف يصلح لكل حاجة. 147 - وفي الرواية الاخرى: يوم صالح لكل شئ. 148 - المكارم: عنه عليه السلام: مختار صالح للشراء والبيع ولقاء السلطان والسفر والصدقة (1). 149 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم سعيد مبارك مختار لما تريد من الاعمال فاعمل ما شئت، والق من شئت، فإنه مبارك، ومن ولد فيه كان مباركا ميمونا سعيدا، ومن مرض فيه أو في ليلته لا يخاف عليه ويخلص، ويستحب فيه الشراء والبيع. بيان: قوله عليه السلام " ويبلغ بقضاء الحوائج " أي حوائج غيره، أو هو تأكيد


(1) المكارم: ج 2 ص، 559.

[79]

" مقصوصة " أي ينبغي أن يقص لغيره ليعبرها. اليوم الثالث والعشرون 150 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم سعيد مختار ولد فيه يوسف النبي الصديق عليه السلام يصلح لكل حاجة ولكل ما يريدونه، وخاصة للتزيج والتجارات كلها، وللدخول على السلطان والسفر، ومن سافر فيه غنم وأصاب خيرا، جيد للقاء الملوك والاشراف والمهمات وسائر الاعمال، وهو يوم خفيف مثل الذي قبله، يصلح للبيع والشراء، والرؤيا فيه كاذبة، والآبق فيه يوجد، والضالة ترجع، والمريض يبرأ، ومن ولد فيه يكون صالحا طيب النفس حسنا محبوبا حسن التربية في كل حاله رخي البال. وفي نسخة اخرى: يوم نحس مشوم، من ولد فيه لا يموت إلا مقتولا، ولد فيه فرعون. 151 - قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: ولد فيه ابن يامين أخو يوسف، ومن ولد فيه يكون مرزوقا مباركا. وقالت الفرس: إنه يوم خفيف يحمد فيه التزويج والنقلة والسفر والاخذ والعطاء ولقاء السلاطين، صالح لسائر الاعمال ولقضاء الحوائج. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: ديبدين روز اسم الملك الموكل بالنوم واليقظة وحراسة الارواح حتى ترجع إلى الابدان. ومن رواية أنه اسم من أسماء الله تعالى. 152 - الدروع: عن الصادق عليه السلام أنه ولد فيه يوسف عليه السلام وهو يوم صالح لطلب الحوائج والتجارة والتزويج والدخول على السلطان، ومن سافر فيه غنم وأصاب خيرا، ومن ولد فيه كان حسن التربية. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز بندين اسم من أسمائه تعالى، يوم خفيف صالح لسائر الحوائج. وفي الرواية الاخرى مثل الثاني والعشرين.

[80]

153 - المكارم: مختار جيد خاصة للتزويج والتجارات كلها والدخول إلى (1) السلطان (2). 154 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم سعيد مبارك لكل ما تريد: للسفر، و التحويل (3) من مكان إلى مكان، وهو جيد للحوائج ولقاء الملوك، ومن ولد فيه كان سعيدا وعاش عيشا طيبا، ومن مرض فيه أو في ليلته نجا بإذن الله تعالى. 155 - وفي رواية أخرى: أن يوسف ولد فيه ويصلح للتزويج. أقول: الاسم عندهم " ديبدين " بفتح الدال المهملة وسكون الياء المثناة التحتانية وكسر الباء أو فتحها وكسر الدال المهملة، ومنهم من صححه " ديبادين " وفي نسخ الدروع تصحيفات. اليوم الرابع والعشرون 156 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم نحس مستمر مذموم مشوم ملعون، ولد فيه فرعون لعنه الله وهو يوم عسير نكد، فاتقوا الله ما استطعتم، لا ينبغي أن يبتدأ فيه بحاجة، ويكره في جميع الاحوال والاعمال نحس لكل أمر يطلب فيه، من سافر فيه مات في سفره. 157 - وفي رواية أخرى: ومن مرض فيه طالت مرضته، ومن ولد فيه يكون سقيما حتى يموت نكدا في عيشه ولا يوفق لخير، وإن حرص عليه جهده، ويقتل في آخر عمره أو يغرق. 158 - وفي رواية أخرى أنه جيد للسفر، والرؤيا فيه كاذبة. 159 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: من ولد في هذا اليوم علا أمره إلا أنه يكون حزينا حقيرا، ومن مرض فيه طال مرضه. وقالت الفرس: إنه يوم خفيف جيد.


(1) في المصدر: على السلطان. (2) المكارم: ج 2، ص 559. (3) في بعض النسخ " التحول " وهو أظهر.

[81]

160 - وفي رواية أخرى: أنه ردئ مذموم لا يطلب فيه حاجة، ولد فيه فرعون ذو الأوتاد. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: دين روز اسم الملك الموكل بالسعي والحركة. وفي رواية أخرى: اسم الملك الموكل بالنوم واليقظة وحراسة الارواح حتى ترجع إلى الابدان. 161 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: أنه يوم ردئ نحس، فيه ولد فرعون فلا تطلب فيه أمرا من الامور، ومن ولد فيه نكد عيشه ولم يوفق لخير ويقتل آخر عمره أو يغرق، والمريض فيه يطول مرضه. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز دين اسم ملك موكل بالنوم واليقظة والسعي والحركة وحراسة الارواح إلى أن ترجع إلى الابدان، يوم نحس مستمر والمولود فيه كما ذكر آنفا. 162 - وفي الرواية الاخرى: يوم نحس مستمر، فيه ولد فرعون، من ولد فيه يقتل ولا يكون موفقا وإن حرص جهده، ويكون ما عاش نكدا. 163 - المكارم: عنه عليه السلام يوم مشوم (1). 164 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم نحس مستمر مكروه لكل حال وعمل فاحذره ولا تعمل فيه عملا، ولا تلق أحدا، واقعد في منزلك واستعذ بالله من شره ومن ولد فيه كان منحوسا، ومن مرض فيه أو في ليلته خيف عليه أو طال مرضه. 165 - وفي رواية أخرى: ولد فيه فرعون: والمولود فيه يقتل في آخر عمره إذا حرص في طلب الرزق أو يغرق. أقول: " دين " بكسر الدال وسكون الياء. اليوم الخامس والعشرون 166 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مذموم نحس وهو اليوم الذي أصاب مصر فيه تسعة ضروب من الآفات، فلا تطلب فيه حاجة. و


(1) في المصدر: يوم نحس مشؤوم. المكارم: ج 2، ص 559.

[82]

احفظ فيه نفسك، فإنه اليوم الذي ضرب الله عزوجل فيه أهل الآيات مع فرعون وهو شديد البلاء، والآبق فيه يرجع، ولا تحلف فيه صادقا ولا كاذبا، وهو يوم سوء من سافر فيه لا يربح، ومن مرض فيه اجهد، ومن لم يفق من مرضه فاتقه. 167 - وفي رواية أخرى: من مرض فيه لا يكاد يبرأ، وهو إلى الموت أقرب من الحياة، ومن مرض فيه لا ينجو، ومن ولد فيه كان ملكا مرزوقا نجيبا من الناس تصيبه عله شديدة ويسلم منها. 168 - وفي رواية أخرى: من ولد فيه يكون فقيها عالما. 169 - وفي رواية أخرى: أنه يوم جيد للشراء والبيع والبناء والزرع، و يصلح لقضاء الحوائج، ومن ولد فيه كان كذابا نماما لا خير فيه. 170 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام: استعيذوا فيه بالله تعالى. وقالت الفرس: إنه يوم ثقيل ردئ مكروه، اصيب فيه أهل مصر بسبع ضربات من البلاء، وهو [يوم] نحس، تفرغ فيه للدعاء والصلوة وعمل الخير. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: أرد روز اسم الملك الموكل بالجن والشياطين. 171 - الدروع: عن الصادق عليه السلام إنه يوم نحس ردئ، فاحفظ نفسك فيه، ولا تطلب فيه حاجة، فإنه يوم شديد البلاء، ضرب الله فيه أهل مصر بالآيات مع فرعون، والمريض فيه يجهد، والمولود فيه يكون مباركا مرزوقا نجيبا، و تصيبه علة شديدة ويسلم منها. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز أرد اسم ملك موكل بالجن والشياطين يوم نحس ضرب الله فيه أهل مصر بالآيات، فتفرغ فيه للدعاء والصلوة وعمل الخير. 172 - وفي الرواية الاخرى عنه عليه السلام: يوم نحس مشوم. فيه أصيب أهل مصر بالآيات، فاتقه جهدك، ومن مرض فيه لم يفق من مرضه. 173 - المكارم: عنه عليه السلام: ردئ مذموم يحذر فيه من كل شئ (1).


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[83]

174 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم نحس مكروه ثقيل نكد، فلا تطلب فيه حاجة، ولا تلق أحدا، ولا تسافر فيه، واقعد في منزلك، واستعذ بالله من شره، و من ولد فيه كان ثقيل التربية نكد الحياة، ومن مرض فيه أو في ليلته يخاف عليه. 175 - وفي رواية أخرى: أنه يوم ضرب الله فيه أهل الآيات مع فرعون والمولود فيه يكون نجيبا مباركا مرزوقا تصيبه علة شديدة ويسلم منها. أقول: المشهور في تصحيح الاسم أنه بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة ثم الدال المهملة، وقد يمد الهمزة، وبعضهم صححه بكسر الهمزة. اليوم السادس والعشرون 176 - العدد: قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مبارك للسيف، ضرب موسى عليه السلام فيه البحر فانفلق، يصلح لكل حاجة ما خلا التزويج والسفر، فاجتنبوا فيه ذلك، فإنه من تزوج فيه لم يتم تزويجه ويفارق أهله، و من سافر فيه لم يصلح له ذلك فليتصدق. 177 - وفيه رواية أخرى: يوم صالح للسفر، ولكل أمر يراد إلا التزويج فإنه من تزوج فيه فرق بينهما كما انفرق البحر لموسى عليه السلام ويكون عيشهما بغيضا، ولا تدخل إذا وردت من سفرك فيه إلى أهلك، والنقلة فيه جيدة، ومن ولد فيه يكون قليل الحظ ويغرق كما غرق فرعون في اليم. 178 - وفي رواية أخرى: من ولد فيه طال عمره. 179 - فيه رواية أخرى: من ولد فيه يكون مجنونا بخيلا، ومن مرض فيه اجهد. قالت الفرس: إنه يوم جيد مختار مبارك، ومن تزوج فيه لا يتم أمره و يفارق أهله. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: اشتاد روز اسم الملك الذي خلق عند ظهور الدين. 180 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: إنه يوم صالح، يصلح للسفر ولكل

[84]

أمر يراد إلا التزويج، فمن تزوج فيه فارق زوجته، لان فيه انفلق البحر لموسى عليه السلام ولا تدخل فيه على أهلك إذا قدمت من سفر، والمريض فيه يجهد، و المولود فيه يطول عمره. وقال سلمان - رضي الله عنه -، روز أشتاد اسم ملك خلق عند ظهور الدين يوم صالح لكل أمر إلا التزويج. 181 - وفي الرواية الاخرى عنه عليه السلام: فيه فرق الله البحر لموسى عليه السلام و هو يوم صالح لكل أمر إلا للتزويج، فمن تزوج فيه فرق بينهما كما فرق الله البحر. 182 - المكارم: عنه عليه السلام: صالح لكل حاجة سوى التزويج والسفر، و عليكم بالصدقة فإنكم تنتفعون بها (1). 183 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم صالح متوسط للشراء والبيع والسفر و قضاء الحوائج والبناء والغرس والزرع، وهو يوم جيد (2) فسافر فيه، والق من شئت تغنم وتقض حوائجك، ومن ولد فيه كان متوسط الحال، ومن مرض فيه أو في ليلته برئ بعد مدة، ويكره فيه التزويج. 184 - وفي رواية أخرى: هو يوم ضرب موسى بعصاه البحر، فلا تعبر (3) على أهلك إذا أتيت من سفر، والمولود يطول عمره، والمريض يجهد. أقول: المضبوط عند أكثرهم " أشتاد " بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح التاء ثم الالف ثم الدال المهملة، ونقل عن السيد ركن الدين الآملي أنه بالسين المهملة. اليوم السابع والعشرون 185 - العدد: قال مولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم


(1) مكارم الاخلاق: ج 2، ص 559. (2) في المخطوطة: جيد للسفر. (3) في المخطوطة: فلا تدخل.

[85]

مبارك مختار جيد، يصلح لطلب الحوائج والشراء والبيع والدخول على السلطان والبناء والزرع والخصومة ولقاء القضاة والسفر والابتداءات والاسباب (1) و التزويج، وهو يوم سعيد جيد، وفيه ليلة القدر فاطلب ما شئت، خفيف لسائر الاحوال، اتجر فيه، وطالب بحقك، واطلب عدوك، وتزوج وادخل على السلطان، والق من فيه شئت، ويكره فيه إخراج الدم، ومن مرض فيه مات، و من ولد فيه يكون جميلا حسنا طويل العمر كثير الرزق قريبا إلى الناس محببا إليهم. 186 - وفي رواية أخرى: يكون غشوما مرزوقا. 187 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: ولد فيه يعقوب عليه السلام من ولد فيه يكون مرزوقا محبوبا عند أهله لكنه تكثر أحزانه ويفسد بصره. وقالت الفرس: إنه يوم جيد، يحمد للحوائج وتسهيل الامور والاعمال والتصرفات ولقاء التجار والسفر، والمسافر يحمد فيه أمره، من ولد فيه يكون مرزوقا محببا إلى الناس طويلا عمره. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: روز آسمان اسم الملك الموكل بالطير (2). 188 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: إنه يوم صالح لكل أمر، والمولود فيه يكون حسنا جميلا طويل العمر كثير الخير قريبا إلى الناس محببا إليهم. قال سلمان - رضي الله عنه -: روز آسمان اسم ملك موكل بالطير، والمولود فيه كما مر آنفا. 189 - وفي الرواية الاخرى: يوم سعيد صالح لكل شئ تريده. 190 - المكارم: جيد مختار للحوائج، وكل ما يراد، ولقاء السلطان (3). 191 - الزوائد: عنه عليه السلام: يوم صاف مبارك من النحوس صالح للحوائج إلى


(1) والاساسات (خ). (2) بالسماوات (خ). (3) المكارم: ج 2، ص 559.

[86]

لسلطان وإلى الاخوان، والسفر إلى البلدان، فالق فيه من شئت، وسافر إلى حيث أردت ومن ولد فيه كان (1) مباركا خفيف التربية، ومن مرض فيه أو في ليلة نجا من مرضه سريعا. 192 - ومن رواية أخرى: إنه يكون طويل العمر كثير الخير. أقول: آسمان بالالف الممدود كاسم السماء، ولذا قيل اسم ملك موكل بالسماء، وقيل موكل بالطير، وقيل بالممات والامور المتعلقة بهذا اليوم. اليوم الثامن والعشرون 193 - العدد: قال مولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم [مختار وصالح لكل حاجة وإخراج الدم وهو يوم] سعيد مبارك، ولد فيه يعقوب عليه السلام يصلح للسفر وجميع الحوائج وكل أمر والعمارة والبيع والشراء و الدخول على السلطان، قاتل فيه أعداءك فإنك تظفر بهم والتزويج. 194 - وفي رواية أخرى: لا تخرج فيه الدم فإنه ردئ من مرض فيه يموت، ومن أبق فيه رجع، ومن ولد فيه يكون حسنا جميلا مرزوقا محبوبا محببا إلى الناس وإلى أهله مشغوفا محزونا طول عمره، ويصيبه الغموم، ويبتلي في بدنه ويعافى في آخر عمره، ويعمر طويلا ويبتلي في بصره. 195 - قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من ولد فيه يكون صبيح الوجه مسعود الجد مباركا ميمونا، ومن طلب فيه شيئا تم له وكانت عاقبته محمودة. وقالت الفرس: إنه يوم ثقيل منحوس. 196 - وفي رواية أخرى: يحمد فيه قضاء الحوائج، ومبارك فيها وقضاء الامور والمهمات ودفع الضرورات ولقاء القواد والحجاب والاجناد، وهو يوم مبارك سعيد، والاحلام تصح في يومها. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: راهياد روز اسم الملك الموكل بالقضاء بين الخلق. وروي: اسم الملك الموكل بالسماوات.


(1) في المخطوطة: يكون.

[87]

197 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: إنه يوم صالح لكل أمر، ولد فيه يعقوب عليه السلام فمن ولد فيه يكون محزونا وتصيبه الغموم ويبتلي في بدنه. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز رامياد اسم ملك موكل بالسماوات وقيل بالقضاء بين الخلق، يوم مبارك سعيد، والاحلام تصح في يومها. 198 - وفي الرواية الاخرى: يوم سعيد ولد فيه يعقوب عليه السلام، ومن ولد فيه يكون مرزوقا محببا إلى أهله وإلى الناس، ويعمر طويلا وتصيبه الهموم و يبتلى في بصره. 199 - المكارم: ممزوج (1). 200 - الزوائد: يوم مبارك سعيد لكل عمل وحاجة وسفر وبناء وغرس واعمل فيه ما شئت، والق من شئت، فإنه يوم مبارك سعيد، ومن ولد فيه يكون مباركا مقبلا، ومن مرض فيه أو في ليلته برئ من مرضه. 201 - وفي رواية أخرى: أن يعقوب عليه السلام ولد فيه، ومن ولد فيه يكون محزونا طويلا عمره، ويصيبه الغم ويبتلي في بدنه. أقول: المضبوط في الاسم " رامياد " بفتح الراء المهملة ثم الالف وسكون الميم والياء المثناة التحتانية ثم الالف ثم الدال المهملة. اليوم التاسع والعشرون 202 - العدد: قال مولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مختار يصلح لكل حاجة وإخراج الدم، وهو يوم سعيد لسائر الامور والحوائج والاعمال فيه بارك الله تعالى على الارض المقدسة، ويصلح للنقلة وشراء العبيد والبهائم ولقاء الاخوان والاصدقاء وفعل البر والحركة،. ويكره فيه الدين والسلف والايمان، من سافر فيه يصيب مالا كثيرا إلا من كان كاتبا فإنه يكره له ذلك، و الرؤيا فيه صادقة، ولا تقصها إلا بعد يوم، والمريض فيه يموت، والآبق فيه يوجد ولا تستحلف فيه أحدا، ولا تأخذ فيه من أحد ؟ وادخل فيه على السلطان. ولا


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[88]

تضرب فيه حرا ولا عبدا. ومن ضلت له ضالة وجدها. 203 - وفي رواية: من مرض فيه يبرا ؟ ومن ولد فيه يكون صالحا حليما. 204 - وفي رواية أخرى أنه متوسط لا محمود ولا مذموم ؟ تجتنب فيه الحركة. وقالت الفرس: إنه يوم جيد صالح يحمد فيه النقلة والسفر والحركة والمولود فيه يكون شجاعا، وهو صالح لكل حاجة ولقاء الاخوان والاصدقاء والاوداء وفعل الخير، والاحلام فيه تصح في يومها. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه - مار اسفند روز اسم الملك الموكل بالاوقات والازمان والعقول والاسماع والابصار. وفي رواية اخرى: الموكل بالافئدة. 205 - الدروع: عن الصادق عليه السلام: إنه يوم صالح لكل أمر، ومن ولد فيه يكون حليما، ومن سافر فيه أصاب مالا جزيلا، ومن مرض فيه برئ سريعا ولا تكتب فيه وصية. وقال سلمان - رضي الله عنه -: فارسفند اسم ملك موكل بالافئدة والعقول والاسماع والابصار، يصلح للقاء الاخوان والاصدقاء، ولكل حاجة، والاحلام تصح فيه من يومها. 206 - وفي الرواية الاخرى: يوم مبارك صالح لكل حاجة من لقاء السلطان والاصدقاء، وفعل البر وغير ذلك. 207 - المكارم: عنه عليه السلام: مختار جيد لكل حاجة ما خلا الكاتب، فإنه يكره له ذلك، ولا أرى له أن يسعى في حاجة إن قدر على ذلك. ومن مرض فيه برئ سريعا، ومن سافر فيه أصاب مالا كثيرا، ومن أبق فيه رجع (1). 208 - الزوائد: عنه عليه السلام يوم مبارك سعيد قريب الامر، يصلح للحوائج والتصرف فيها ولقاء الملوك والسفر والنقلة، فاقض فيه كل حاجة، وسافر، و


(1) المكارم: ج 2، ص 559.

[89]

الق من شئت، ومن ولد فيه كان مباركا، ومن مرض فيه أو في ليلته يخاف عليه. 209 - وفي رواية أخرى: الذي يولد فيه يكون حليما، والمسافر فيه يصيب مالا كثيرا، وتكره فيه الوصية. أقول: الاسم عندهم " مار اسفند " بفتح الميم ثم الالف والراء الساكنة ثم الهمزة المكسورة والسين المهملة الساكنة والفاء المفتوحة والنون الساكنة، و قيل: مار اسفندان، وقيل: إسپند، وقيل: إسپندان بالباء العجمية فيهما. اليوم الثلاثون 210 - العدد القوية: قال مولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنه يوم مختار جيد يصلح لكل شئ، وللشراء والبيع الزرع والغرس والبناء والتزويج والسفر وإخراج الدم. 211 - وفي رواية أخرى: لا تسافر فيه، ولا تتعرض لغيره إلا المعاملة، وقلل فيه الحركة، والسفر فيه ردئ، ومن ولد فيه يكون حليما مباركا، وتعسر تربيته، ويسوء خلقه، ويرزق رزقا يكون لغيره، ويمنع من التمتع بشئ منه. 212 - وفي رواية أخرى: من ولد فيه كفي كل أمر يؤذيه، ويكون المولود فيه مباركا صالحا، يرتفع أمره ويعلو شأنه، ولد فيه إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام وفيه خلق الله العقل، وأسكنه رؤوس من أحب من عباده، ومن هرب فيه أخذ، ومن ضلت منه ضالة وجدها، ومن اقترض فيه شيئا رده سريعا، ومن مرض فيه برئ سريعا. 213 - قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: من ولد فيه يكون حليما مباركا صادقا أمينا يعلو شأنه، ومن ضاع له شئ يجده بإذن الله تعالى. قالت الفرس: إنه يوم خفيف يحمد فيه سائر الاعمال والتصرفات، ويصلح لشرب الادوية المسهلة. وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه - (1): ايران روز اسم الملك الموكل


(1) انيران (خ).

[90]

بالدهور والازمنة. 214 - الدروع الواقية: عن الصادق عليه السلام: إنه يوم جيد للبيع والشراء والتزويج، ومن ولد فيه يكون حليما مباركا، وتعسر تربيته، ويسوء خلقه ويرزق رزقا يمنع منه، ومن هرب فيه أخذ، ومن ضلت له ضالة وجدها، ومن اقترض فيه شيئا رده سريعا. وقال سلمان - رضي الله عنه -: روز أنيران اسم ملك موكل بالدهور والازمنة يوم سعيد مبارك يصلح لكل شئ تريده. 215 - وفي الرواية الاخرى: يوم سعيد مبارك يصلح لكل حاجة تلتمس. 216 - مكارم الاخلاق: عنه عليه السلام مختار جيد لكل شئ ولكل حاجة من شراء وبيع وزرع وتزويج، ومن مرض فيه برئ سريعا، ومن ولد فيه يكون حليما مباركا، ويرتفع أمره، ويكون صادق اللسان صاحب وفاء (1). 217 - زوائد الفوائد: عن الصادق عليه السلام: يوم مبارك ميمون مسعود مفلح منجح مفرح، فاعمل فيه ما شئت، والق من أردت، وخذ وأعط وسافر وانتقل وبع واشتر، فإنه صالح لكل ما تريد، موافق لكل ما يعمل، ومن ولد فيه كان مباركا ميمونا مقبلا حسن التربية موسعا عليه، ومن مرض فيه أو في ليلته لم تطل علته ونجا سالما بإذن الله تعالى. 217 - وفي رواية أخرى: يكره فيه السفر، والمولود فيه يرزق رزقا واسعا يكون لغيره، ويمنع من التمتع بشئ منه، ومن هرب فيه اخذ، وإذا ضلت فيه ضالة وجدت، والقرض فيه يعود سريعا، والله أحكم وأعلم (2).


(1) المكارم: ج 2، ص 560 (2) هذه الروايات باجمعها مرسلة غير منقولة في شئ من الكتب المعتبرة فلا يثبت بها ما يثبت بالاخبار الاحاد فضلا عن غيره، على انه لم يثبت من سيرتهم عليهم السلام رعاية الايام وسعادتها ونحوستها واختيارها لافعالهم واعمالهم لا سيما الشهور والايام الفارسية ولو كان شئ من ذلك لتكثر نقلها لتوفر الدواعي إلى مثل هذه الامور في جميع الازمنة فهذه الروايات

[91]

بيان: الاسم عندهم بفتح الهمزة وكسر النون ثم الياء الساكنة ثم الراء المهملة المفتوحة. ثم اعلم أن الظاهر من أكثر هذه الروايات أن المراد بالايام المذكورة فيها أيام الشهور العربية، ويظهر من بعضها كخبر سلمان - رضي الله عنه - أن المراد بها الشهور العجمية وأيامها، كما يظهر من أسمائها وتوافقها لما نقله المنجمون عن الفرس في ذلك. ويمكن أن يقال: لما كان في بدء خلق العالم شهر فروردين مطابقا على بعض الشهور العربية ابتداء وانتهاء سرت السعادة والنحوسة في أيام الشهرين معا، كما نقل أن في أول خلق العالم كان الشمس في الحمل، وعند افتراقها سرتا فيهما أو اختصتا بأحدهما. ويمكن حمل اختلاف الاخبار أيضا على ذلك بأن يكون ما ورد في سعادة بعض الايام في بعض الاخبار ونحوسته بعينه في الاخرى بسبب اختلاف المقصود من الشهر فيهما وكون المراد في إحداهما العربية وفي الاخرى الفارسية، لكن التعيين والتخصيص مشكل، ولو أمكن رعايتهما معا كان أولى، وسيأتي تمام القول في ذلك في الباب الآتي إن شاء الله تعالى. 22 * (باب) * * (يوم النيروز وتعيينه وسعادة أيام شهور الفرس والروم) * * (ونحوستها وبعض النوادر) * 1 - أقول: رأيت في بعض الكتب المعتبرة: روى فضل الله بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن الحسن ابن جفعر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبيطالب - تولاه الله في الدارين بالحسنى - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس الدوريستي، عن أبي محمد جعفر بن


وما يشابهها مما سيأتي لا سيما ما يتعلق بالعجمية منها أشبه شئ بمجعولات الاحكاميين من منجمي الفرس ولا يبعد وجود أغراض سياسية في جعلها كإحياء السنن القومية وتقوية الدول الفارسية ونزعات أخرى لا تخفى على من يعرف الاعيب السلطات الحاكمة بعقائد الناس وافكارهم ومقدساتهم وخاصة استخدام الكهنة والاحكاميين في هذا السبيل.

[92]

أحمد بن علي المونسي القمي، عن علي بن بلال، عن أحمد بن محمد بن يوسف، عن حبيب الخير، عن محمد بن الحسين الصائغ، عن أبيه، عن معلى بن خنيس، قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يوم النيروز، فقال عليه السلام: أتعرف هذا اليوم ؟ قلت: جعلت فداك، هذا يوم تعظمه العجم وتتهادى فيه. فقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: والبيت العتيق الذي بمكة ما هذا إلا لأمر قديم افسره لك حتى تفهمه. قلت: يا سيدي ! إن علم هذا من عندك أحب إلي من أن يعيش أمواتي وتموت أعدائي ! فقال: يا معلى ! إن يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ الله فيه مواثيق العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأن يؤمنوا برسله وحججه، وأن يؤمنوا بالأئمة عليهم السلام وهو أول يوم طلعت فيه الشمس، وهبت به الرياح، وخلقت فيه زهرة الأرض. وهو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي، وهو اليوم الذي أحيى الله فيه الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (1). وهو اليوم الذي نزل فيه جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام على منكبه حتى رمى أصنام قريش من فوق البيت الحرام فهشمها، وكذلك إبراهيم عليه السلام، وهو اليوم الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه أن يبايعوا عليا عليه السلام بإمرة المؤمنين، وهو اليوم الذي وجه النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى وادي الجن يأخذ عليهم البيعة له، وهو اليوم الذي بويع لأمير المؤمنين عليه السلام فيه البيعة الثانية، وهو اليوم الذي ظفر فيه بأهل النهروان وقتل ذا الثدية (2) وهو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا وولاة الأمر وهو اليوم الذي يظفر فيه قائمنا بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج، لأنه من أيامنا وأيام شيعتنا، حفظته العجم وضيعتموه أنتم. وقال: إن نبيا من الأنبياء سأل ربه كيف يحيي هؤلاء القوم الذين خرجوا


(1) القصة مذكورة في سورة البقرة آية (243) (2) وقتل ذوالثدية (خ).

[93]

فأوحى الله إليه أن يصب الماء عليهم في مضاجعهم في هذا اليوم، وهو أول يوم من سنة الفرس فعاشوا وهو ثلاثون ألفا، فصار صب الماء في النيروز سنة. فقلت: يا سيدي ! ألا تعرفني جعلت فداك أسماء الأيام بالفارسية ؟ فقال عليه السلام: يا معلى ! هي أيام قديمة من الشهور القديمة، كل شهر ثلاثون يوما لا زيادة فيه ولا نقصان. فأول يوم من كل شهر " هرمزد روز " اسم من أسماء الله تعالى، خلق الله عزوجل فيه آدم عليه السلام. تقول الفرس: إنه يوم جيد صالح للشرب وللفرح، و يقول الصادق: إنه يوم سعيد مبارك، يوم سرور، تكلموا فيه الامراء والكبراء واطلبوا فيه الحوائج، فإنها تنجح بإذن الله. ومن ولد فيه يكون مباركا، و ادخلوا فيه على السلطان، واشتروا فيه، وبيعوا، وزارعوا، واغرسوا، وابنوا وسافروا، فإنه يوم مختار يصلح لجميع الامور، وللتزويج، ومن مرض فيه يبرأ سريعا، ومن ضلت له ضالة وجدها إن شاء الله الثاني: " بهمن روز " يوم صالح صاف، خلق الله فيه حواء عليها السلام وهو ضلع من أضلاع آدم عليه السلام وهو اسم الملك الموكل بحجب القدس والكرامة، تقول الفرس: إنه يوم صالح مختار، ويقول الصادق: إنه يوم مبارك، تزوجوا فيه وأتوا أهاليكم من أسفاركم، وسافروا فيه، واشتروا، وبيعوا، واطلبوا فيه الحوائج في كل نوع، وهو يوم مختار، ومن مرض فيه من أول النهار يكون مرضه خفيفا، ومن مرض في آخره اشتد مرضه وخيف من موته في ذلك المرض. الثالث: " اردي بهشت روز " اسم الملك الموكل بالشفاء والسقم، يقول الفرس: إنه يوم ثقيل، ويقول الصادق: إنه يوم نحس مستمر، فاتقوا فيه الحوائج وجميع الاعمال، ولا تدخلوا فيه على السلطان، ولا تبيعوا، ولا تشتروا ولا تزوجوا، ولا تسألوا فيه حاجة، ولا تكلفوها أحدا، واحفظوا أنفسكم، و اتقوا أعمال السلطان، وتصدقوا ما أمكنكم، فإنه من مرض فيه خيف عليه، و

[94]

هو اليوم الذي أخرج الله عزوجل فيه آدم وحواء من الجنة، وسلبا فيه لباسهما ومن سافر فيه قطع عليه أبدا. الرابع: " شهريور روز " اسم الملك الذي خلقت فيه الجواهر عنه، ووكل بها، وهو موكل ببحر الروم، وتقول الفرس: إنه يوم مختار، ويقول الصادق: إنه يوم مبارك، ولد فيه هابيل بن آدم، وهو صالح للتزويج وطلب الصيد في البر والبحر، ومن ولد فيه يكون رجلا صالحا مباركا ومحببا إلى الناس، إلا أنه لا يصلح فيه السفر، ومن سافر فيه خاف القطع، ويصيبه بلاء وغم، ومن مرض فيه يبرأ سريعا إن شاء الله تعالى. الخامس: " اسفندار مذروز " اسم الملك الموكل بالارضين، يقول الفرس: إنه يوم ثقيل، ويقول الصادق: إنه يوم نحس ردئ، ولد فيه قابيل بن آدم، و كان ملعونا كافرا، وهو الذي قتل أخاه ودعا بالويل والثبور على أهله، وأدخل عليهم الغم والبكاء، فاجتنبوه فإنه يوم شوم ونحس ومذموم، ولا تطلبوا فيه حاجة ولا تدخلوا فيه على السلطان، وادخلوا في منازلكم، واحذروا فيه كل الحذر من السباع والحديد. السادس: " خرداد روز " اسم الملك الموكل بالجبال، تقول الفرس: إنه يوم خفيف، ويقول الصادق: إنه يوم مبارك صالح للتزويج، ولطلب الحوائج لكل ما يسعى فيه من الامر في البر والبحر والصيد فيهما، وللمعاش وكل حاجة ومن سافر فيه رجع إلى أهله سريعا بكل ما يحبه ويريده، وبكل غنيمة، فجدوا في كل حاجة تريدونها فيه، فإنها مقضية إن شاء الله تعالى. السابع: " مرداد روز " اسم الملك الموكل بالناس وأرزاقهم، يقول الفرس: إنه يوم جيد، ويقول الصادق: إنه يوم سعيد مبارك، اعملوا فيه جميع ما شئتم من السعي في حوائجكم، من البناء والغرس والذرو والزرع. ولطلب الصيد، و الدخول على السلطان، والسفر، فإنه يوم مختار يصلح لكل حاجة إن شاء الله تعالى.

[95]

الثامن: " ديبار روز " اسم من أسماء الله تعالى، تقول الفرس: إنه يوم جيد ويقول الصادق: إنه يوم مبارك صالح لكل حاجة يسعى فيها، وللشراء والبيع و الصيد ما خلا السفر، فاتقوا فيه ومن مرض فيه يبرأ سريعا، وادخلوا فيه على السلطان وغيره، فإنه يقضى فيه الحوائج، ومن دخل فيه على السلطان لحاجة فليسأله فيها. التاسع " آذر روز " اسم الملك الموكل بالنيران يوم القيامة، تقول الفرس: إنه يوم خفيف ويقول الصادق: إنه يوم صالح خفيف سعيد مبارك من أول النهار إلى آخر النهار، يصلح للسفر ولكل ما تريد، ومن سافر فيه رزق مالا كثيرا، ويرى في سفره كل خير، ومن مرض يبرأ سريعا ولا يناله في علته مكروه إن شاء الله تعالى، فاطلبوا الحوائج فيه فإنها تقضى لكم بمشية الله تعالى وتوفيقه. العاشر " أبان روز " اسم الملك الموكل بالبحر والمياه، تقول الفرس: إنه يوم ثقيل، ويقول الصادق: إنه يوم صالح لكل شئ ما خلا الدخول على السلطان وهو اليوم الذي ولد فيه نوح عليه السلام ومن ولد فيه يكون مرزوقا من معاشه، ولا يصيبه ضيق، ولا يموت حتى يهرم، ولا يبتلى بفقر، ومن فر فيه من السلطان أو غيره أخذ ومن ضلت له ضالة وجدها، وهو جيد للشراء والبيع والسفر، ومن مرض فيه يبرأ سريعا إن شاء الله تعالى. الحادي عشر " خور روز " اسم الملك الموكل بالشمس، يقول الفرس: إنه يوم ثقيل مثل أمسه، ويقول الصادق إنه اليوم الذي ولد فيه شيث بن آدم عليه السلام (1) والنبي صلى الله عليه وآله وهو يوم صالح للشراء والبيع، ولجميع الاعمال (2) والحوائج و للسفر، ما خلا الدخول على السلطان، فإنه لا يصلح، والتواري عنه فيه أصلح من الدخول عليه، فاجتنبوا فيه ذلك، ومن ولد فيه يكون مباركا مرزوقا في معاشه طويل العمر، ولا يفتقر أبدا، فاطلبوا فيه حوائجكم ما خلا السلطان. الثاني عشر " ماه روز " اسم الملك الموكل بالقمر، يقول الفرس: إنه يوم


(1) شيث ابن آدم النبي عليه السلام (ظ). (2) الاحوال (خ).

[96]

خفيف يسمى " روز به " ويقول الصادق: إنه يوم صالح جيد مختار يصلح لكل شئ تريدونه مثل اليوم الحادي عشر، ومن ولد فيه يكون طويل العمر، فاطلبوا فيه حوائجكم وادخلوا على السلطان في أوله، ولا تدخلوا في آخره، واستعينوا بالله عزوجل فيها فإنها تقضى لكم بمشية الله تعالى. الثالث عشر: " تير روز " اسم الملك الموكل بالنجوم، يقول الفرس: إنه يوم ثقيل شومي جدا. ويقول الصادق: إنه يوم نحس مستمر فاتقوه في جميع الاعمال ما استطعتم، ولا تقصدوا ولا تطلبوا فيه الحاجة أصلا ولا تدخلوا فيه على السلطان وغيره جهدكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الرابع عشر: " جوش روز " اسم الملك الموكل بالبشر والانعام والمواشي، تقول الفرس: إنه يوم خفيف، ويقول الصادق: إنه يوم جيد صالح لكل عمل وأمر يراد ويحمد فيه لقاء الاشراف والعلماء، ولطلب الحوائج، ومن يولد فيه يكون حسن الكمال مشغوفا بطلب العلم، ويعمر طويلا، يكثر ماله في آخر عمره، ومن مرض فيه يبرأ بمشية الله عزوجل. الخامس عشر: " ديمهر روز " اسم من أسماء الله تعالى، تقول الفرس: إنه يوم خفيف، ويقول الصادق: إنه يوم صالح مبارك لكل عمل، ولكل حاجة تريدها إلا أنه من يولد فيه يكون به خرس أو لثغة، فاطلبوا فيه الحوائج فانها تقضى إن شاء الله. السادس عشر: " مهر روز " اسم الملك الموكل بالرحمة، تقول الفرس: إنه يوم خفيف جيد جدا، ويقول الصادق: إنه يوم منحوس ردئ مذموم، فلا تطلبوا فيه حوائجكم، ولا تسافروا فيه، فإنه من سافر فيه هلك، ومن ولد فيه يكون لابد مجنونا، ومن مرض فيه لا يكاد ينجو، فاجهدوا في ترك طلب الحوائج والحركة فإنها وإن قضيت تقضى بمشقة، وربما لم يتم فيها المراد، فاتقوا ما استطعتم وتصدقوا فيه.

[97]

السابع عشر: " نمروش (1) روز " اسم الملك الموكل بخراب العالم وهو جبرئيل عليه السلام يقول الفرس: إنه يوم مختار خفيف متوسط، ويقول الصادق: إنه يوم صالح لكل ما يراد، جيد موافق صاف مختار لجميع الحوائج، فاطلبوا فيه ما شئتم، وتزوجوا وبيعوا واشتروا وازرعوا وابنوا وادخلوا على السطان وغيره فإن حوائجكم تقضى بمشية الله تعالى. الثامن عشر: " رش روز " اسم الملك الموكل بالنيران، يقول الفرس: إنه يوم خفيف، ويقول الصادق: إنه يوم مختار جيد مبارك صالح للسفر والزرع وطلب الحوائج والتزويج وكل أمر يراد، ومن خاصم فيه عدوه أو خصمه غلب عليه وظفر فيه بقدرة الله تعالى. التاسع عشر: " فروردين روز " اسم الملك الموكل بأرواح الخلائق وقبضها يقول الفرس: إنه يوم ثقيل، ويقول الصادق: إنه يوم مختار صالح جيد للسفر و التزويج وطلب الحوائج، ومن خاصم فيه عدوا ظفر به وغلبه بقدرة الله تعالى ويصلح لكل عمل وهو اليوم الذي ولد فيه إسحاق النبي عليه السلام، وهو يوم مبارك يصلح لكل ما تريد، ومن يولد فيه يكون مباركا إن شاء الله تعالى. العشرون: " بهرام روز " اسم الملك الموكل بالنصر والخذلان في الحرب يقول الفرس: إنه يوم خفيف، ويقول الصادق: إنه يوم صالح جيد مختار صاف، يصلح لطلب الحوائج والسفر خاصة، والبناء والتزويج والعرس (2) والدخول على السلطان وغيره فيه، فإنه يوم مبارك يصلح إن شاء الله تعالى. الحادي والعشرون: " رام روز " اسم الملك الموكل بالفرح والسرور، تقول الفرس: إنه يوم جيد يتبرك به، ويقول الصادق: إنه يوم نحس مستمر، وهو يوم إهراق الدماء، فاتقوا فيه ما استطعتم، ولا تطلبوا فيه حاجة، ولا تنازعوا فيه


(1) سروش (خ). (2) الغرس (خ).

[98]

خصما، ومن يولد فيه يكون محتاجا فقيرا في أكثر أمره ودهره، ومن سافر فيه لم يربح وخيف عليه. الثاني والعشرون: " باد روز " اسم الملك الموكل بالرياح، يقول الفرس: إنه يوم ثقيل، ويقول الصادق: إنه يوم مختار جيد صاف يصلح لكل حاجة تريدها، فاطلبوا فيه الحوائج فإنه يوم جيد خاصة للشراء والبيع، وللصدقة فيه ثواب جزيل جليل عظيم، ومن يولد فيه يكون مباركا محبوبا، ومن مرض فيه يبرأ سريعا، ومن سافر فيه يخصب ويرجع إلى أهله معافى سالما، ومن دخل فيه إلى السلطان بلغ محابه ووجد عنده نجاحا لما قصد له. الثالث والعشرون: " ديبدين روز " اسم الملك الموكل بالنوم واليقظة، يقول الفرس: إنه يوم خفيف، ويقول الصادق: إنه يوم مختار ولد فيه يوسف عليه السلام يصلح لكل أمر وحاجة، ولكل ما تريدونه، وخاصة للتزويج والتجارات كلها والدخول على السلطان والتماس الحوائج، ومن يولد فيه يكون مباركا صالحا ومن سافر فيه يغنم ويجد خيرا بمشية الله عزوجل. الرابع والعشرون: " دين روز " اسم الملك الموكل بالسعي والحركة يقول الفرس: إنه يوم خفيف جيد، ويقول الصادق: إنه يوم منحوس، ولد فيه فرعون لعنه الله وهو يوم عسر نكد، فاتقوا فيه ما استطعتم، ومن سافر فيه مات في سفره وفي نسخة أخرى: ومن يولد فيه يموت في سفره أو يقتل أو يغرق، و يكون مدة عمره محزونا مكدودا نكدا ولا يوفق لخير ومن مرض فيه طال مرضه ولا يكاد ينتفع بمقصد ولو جهد جهده. الخامس والعشرون: " أرد روز " اسم الملك الموكل بالجن والشياطين تقول الفرس: إنه يوم ثقيل، ويقول الصادق: إنه يوم نحس ردئ مذموم، و هو اليوم الذي أصاب فيه أهل مصر سبعة أضرب من الآفات، وهو يوم شديد البلاء ومن مرض فيه لم يكدينج، ولا يبرأ، ومن سافر فيه لا يرجع ولا يربح، فلا تطلبوا فيه حاجة، واحفظوا فيه أنفسكم واحترزوا، واتقوا فيه جهدكم.

[99]

السادس والعشرون: " أشتاد روز " اسم الملك الموكل الذي خلق عند ظهور الدين، تقول الفرس: إنه يوم جيد، ويقول الصادق: إنه يوم صالح مبارك ضرب فيه موسى عليه السلام البحر فانفلق، يصلح لكل حاجة ما خلا التزويج والسفر، و اجتنبوا فيه ذلك، فإنه من تزوج فيه لم يتم أمره، ويفارق (1) أهله، وفرق بينهما، ومن سافر فيه لم يصلح ولم يربح ولم يرجع، وعليكم بالصدقة فإن المنفعة بها وافرة، ولمضاره دافعة بمشية الله وعونه. السابع والعشرون: " آسمان روز " اسم الملك الموكل بالسماوات، يقول الفرس: إنه يوم مختار، ويقول الصادق: إنه يوم جيد مختار يصلح لطلب الحوائج ولكل شئ تريده، ومن يولد فيه يكون جميلا حسنا مليحا، وهو جيد للبناء و الزرع والشراء والبيع والدخول على السلطان، فاعملوا ما شئتم واسعوا في حوائجكم. الثامن والعشرون: " رامياد روز " اسم الملك الموكل بالقضاء بين الخلق تقول الفرس: إنه يوم ثقيل منحوس ويقول الصادق: إنه يوم سعيد مبارك ممدوح ولد فيه يعقوب النبي عليه السلام يصلح للسفر ولجميع الحوائج، ومن يولد فيه يكون مرزوقا محببا إلى الناس، محببا إلى أهله، محسنا إليهم، إلا أنه يصيبه الغموم و الهموم، ويبتلي في آخر عمره، ولا يؤمن عليه من ذهاب بصره. التاسع والعشرون: " مهر اسفند روز " اسم الملك الموكل بالافنية والازمان والعقول والاسماع والابصار، تقول الفرس: إنه يوم جيد، ويقول الصادق: إنه يوم مختار جيد يصلح لكل حاجة ما خلا الكاتب، فإنه يكره له ذلك، ولا أرى له أن يسعى لحاجة فيه إن قدر على ذلك ومن مرض فيه يبرأ سريعا، ومن سافر فيه أصاب مالا كثيرا إلا من كان كاتبا فإنه يكره له ذلك، ولا أرى السعي في حاجته إن قدر عليه، ومن أبق له فيه آبق رجع إليه سريعا ومن ضلت له ضالة وجدها. الثلاثون: " أنيران روز " اسم الملك الموكل بالادوار والازمان، يتبرك فيه الفرس، ويقول الصادق: إنه يوم مختار جيد صالح لكل شئ، وهو اليوم


(1) ولفارق (خ).

[100]

الذي ولد فيه إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما وعلى ذريتهما وعلى آلهما يصلح لكل شئ، ولكل حاجة من شراء وبيع وزرع وغرس وتزويج وبناء، و من مرض فيه يبرأ سريعا إن شاء الله. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من ولد فيه يكون حكيما حليما صادقا مباركا مرتفعا أمره، ويعلو شأنه، ويكون صادق اللسان صاحب وفاء، ومن أبق له فيه آبق وجده، ومن ضلت له فيه ضالة وجدها إن شاء الله تعالى. 2 - المناقب: حكي أن المنصور تقدم إلى موسى بن جعفر عليهما السلام بالجلوس للتهنئة في يوم النيروز وقبض ما يحمل إليه، فقال: إني قد فتشت الاخبار عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فلم أجد لهذ العيد خبرا، وإنه سنة الفرس ومحاها الاسلام ومعاذ الله أن نحيي ما محاها الاسلام. فقال المنصور: إنما نفعل هذا سياسة للجند فسألتك بالله العظيم إلا جلست، فجلس (1) - إلى آخر ما أوردته في أبواب تاريخه عليه السلام - (2). بيان: هذا الخبر مخالف لاخبار المعلى، ويدل على عدم اعتبار النيروز شرعا


(1) المناقب: ج 4، ص 319. (2) قد ورد روايتان متخالفتان في النيروز: احديهما عن معلى بن الخنيس عن الصادق عليه السلام تدل على عظمته وشرافته والاخرى عن الكاظم عليه السلام تدل على كونه من سنن الفرس التي محاها الاسلام. وليس شئ منهما صحيحة أو معتبرة بحيث يثبت بهما حكم شرعي وفي رواية معلى إشكالات أخرى من جهة تطبيق النيروز على كثير من أيام الشهور العربية وان أتعب المؤلف كغيره نفسه في توجيهها بما لا يخلو عن تكلف لا يكاد يخفى على المتأمل والظاهر من هذه الرواية حرمة تعظيم اليوم لكونه تعظيما لشعار الكفار وإحياءا للسنة التي محاها الاسلام وهي وإن لم تكن واجدة لشرائط الحجية الا ان الكبرى المشار إليها فيها ثابتة بالادلة العامة والصغرى بالوجدان. وأما ما أفتى به كثير من الفقهاء من استحباب الغسل والصوم فيه فمبني ظاهرا - على التسامح في أدلة السنن لرواية " من بلغه ثواب على عمل.. " لكن إجراء القاعدة ههنا لا يخلو عن إشكال لانصرافها عن الموارد التي يحتمل فيها الحرمة غير التشريعية وههنا يحتمل حرمة الغسل والصوم لاجل احتمال كونهما مصداقين للتعظيم المحرم ولو احتمالا والقاعدة لا تثبت في موردها الاستحباب المصطلح، فغاية ما يمكن ان يقال هو ثبوت الثواب عليهما إذا أتى بهما برجاء المطلوبية لا على وجه التعظيم فتأمل.

[101]

وأخبار المعلى أقوى سندا وأشهر بين الاصحاب (1)، ويمكن حمل هذا على التقية لاشتمال خبر المعلى على ما يتقى فيه، ولذا يتقى في إظهار التبرك به في تلك الازمنة في بلاد المخالفين، أو على أن اليوم الذي كانوا يعظمونه غير النيروز المراد في خبر المعلى كما سيأتي ذكر الاختلاف فيه. 3 - المتهجد: روى المعلى بن الخنيس عن مولانا الصادق عليه السلام في يوم النيروز قال: إذا كان يوم النيرور فاغتسل، والبس أنظف ثيابك، وتطيب بأطيب طيبك وتكون ذلك اليوم صائما (الخبر). 4 - وأقول: وجدت في بعض كتب المنجمين مرويا عن مولانا الصادق عليه السلام في أيام شهور الفرس: الاول: " هرمز " وهو اسم الله تعالى، وفيه خلق آدم وحواء، جيد للتجارة وصحبة الملوك والصيد والبناء واللبس، ولا يصلح الحمام والفصد والقرض والحرب والمناظرة. والثاني: " بهمن " يوم مبارك يصلح لاكثر الامور كالشركة والتجارة والسفر والنكاح والتحويل والزراعة وقطع الجديد ولبسه، ولا يصلح للفصد والحجامة والحمام. والثالث: " اردي بهشت " اسم ملك موكل بالشفاء، وفيه اخرج آدم وحوا من الجنة، فاتق فيه، لكنه يصلح للصيد وشراء الدواب، ومن سافر فيه ذهب ماله وقطع. والرابع: " شهريور " يوم جيد ولد فيه هابيل، يصلح للعمارة والبناء والصلح والنكاح والتجارة والصيد، ولا يصلح للسفر والنقل والتحويل والحلق. والخامس: " اسفندار [مذ] " يوم نحس فيه قتل قابيل هابيل، اتق فيه إلا من العمارة وشرب الدواء [وحلق الشعر] واحذر الاسواء والمناظرة.


(1) كون رواية المعلى أقوى وأشهر بالاضافة إلى هذا الخبر لا يفيد شيئا بعد فقدانها لشرائط الحجية في نفسها،

[102]

والسادس: " خرداد " اسم ملك موكل بالجبال، مبارك جيد للصلح ولبس الجديد والتعليم والمناظرة والتزويج والسفر، واحذر فيه الفصد والتعليم والحرب. والسابع: " مرداد " اسم ملك موكل بالحيوانات، يوم جيد يصلح لكتابة الكتب وإرسال الرسل والعمارة والنكاح والمعالجة، ولا يصلح للفصد والحجامة والزراعة والطلاق. والثامن: " ديباذر " اسم من أسماء الله تعالى، يوم مبارك يصلح للبيع والشراء والضيافة والفصد وطلب الحوائج، ولا يصلح للسفر والصيد والمناظرة والحمام. والتاسع: " آذر " اسم ملك موكل بالنار، أوله جيد وآخره ردئ، يصلح للقاء الملوك وطلب الحوائج والسفر والصيد وشرب الدواء، ولا يشترى الملك فإنه يخرب سريعا. والعاشر: " أبان " اسم ملك موكل بالبحار، فيه ولد نوح عليه السلام، يصلح فيه لقاء العلماء والتجار والاكابر وكتابة الكتب وإرسال الرسل، وليحذر فيه من السفر والصيد والمعالجة والصعود على مرتفع، فإنه يخاف عليه السقوط. والحادي عشر: " خور " اسم ملك موكل بالشمس، ولد فيه موسى عليه السلام جيد للقاء الملوك والزرع والمناظرة والصيد والبناء والسفر وشراء الدواب، ردئ للفصد والحمام والنكاح ولبس الجديد وشراء المماليك. والثاني عشر: " ماه " اسم ملك موكل بالارزاق، يقال لهذا اليوم " مخزن الاسرار " صالح لشرب الدواء والصيد والحمام والزرع والتحويل، وليحذر فيه من الهرب فإنه يظفر به. والثالث عشر: " تير " اسم ملك موكل بالكواكب، يوم نحس يصلح لمجالسة أهل الصلاح والاشتغال بالدعاء، وليحذر فيه جميع الاعمال لا سيما لقاء الاكابر. الرابع عشر: " جوش " اسم ملك موكل بالبهائم، ولد فيه إبراهيم عليه السلام جيد للقاء الاشراف والتجارة والشركة والمناظرة والفصد، وليحذر فيه الاعمال السيئة.

[103]

الخامس عشر: " ديب مهر " اسم ملك موكل بالعرش، فيه (1) نجا إبراهيم عليه السلام من النار، يصلح للتجارة والنكاح والسفر والصيد ولبس الجديد وقطعه واحذر فيه الفصد. والسادس عشر: " مهر " اسم ملك موكل بالجحيم، يوم نحس مستمر صالح لدخول الحمام والحلق ولا يصلح لسائر الاعمال، خصوصا السفر فإنه يخاف عليه الهلاك. والسابع عشر: " سروش " وهو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم جبرئيل، يوم متوسط يصلح لطلب الحاجات وفعل الخيرات، وليحذر سائر الاعمال. الثامن عشر: " رشن " اسم ملك موكل بالنار، يوم جيد يصلح للسفر و التجارة والشركة والزراعة وقطع الثياب والفصد، وليحذر فيه الفسق والفجور والاعمال السيئة. والتاسع عشر: " فروردين " هو اسم ملك الموت، ولد فيه إسحاق، يصلح للصيد والحمام والكتب والرسل والتحويل ولقاء الاشراف، وليحذر فيه من إخراج الدم وحلق الشعر. والعشرون: " بهرام " اسم ملك موكل بالحروب، متوسط صالح للسفر والنكاح والفصد وحلق الشعر والمعالجة، وليحذر الخصومة والصيد والتقاضي للعرفاء. والحادي والعشرون: " رام " اسم ملك موكل بالروح، نحس، فليذكر الله وليصم وليتصدق وليتب وليستغفر الله ويستعصم من المكاره، وليحذر الاعمال. وفي بعض النسخ: اسم ملك موكل بالسحاب، يوم مبارك جيد للنكاح والسفر والمناظرة والبيع والشراء والعمارة، ردئ للصيد والمعالجة ودخول الحمام. والثاني والعشرون: " باد " اسم ملك موكل بالسحب، يوم مبارك صالح للسفر والنكاح والمناظرة والبيع والشراء والعمارة والفصد. وفي بعض النسخ: اسم من أسماء الله تعالى، يوم جيد جدا، صالح للسفر والصيد والنكاح والحمام


(1) في المخطوطة: فيه ولد عيسى عليه السلام ونجا ابراهيم عليه السلام من النار.

[104]

والحلق، وليحذر فيه من الفسق والفجور. والثالث والعشرون: " ديبدين " اسم من أسماء الله تعالى، يوم جيد صالح للسفر والنكاح والفصد والحمام وأخذ الشعر. وفي بعض النسخ: فيه ولد فرعون صالح للفصد حسب، وليحذر فيه من الطعام الردئ، ومن الاعمال خصوصا السفر. والرابع والعشرون: " دين " يوم نحس، فيه ولد فرعون، لا يصلح إلا للفصد، وليحذر الاطعمة وجميع الاعمال سيما السفر. وفي بعض النسخ: نحس لا يصلح إلا للفصد. والخامس والعشرون: " أرد " اسم ملك موكل بالشياطين، وفيه هلك أهل مصر، يوم نحس وليخل فيه بنفسه، وليحذر من جميع الاعمال لا سيما السفر و التجارة والنكاح والحمام والصيد. والسادس والعشرون: " أشتاد " اسم ملك موكل بالانس، فيه عبر موسى وقومه البحر، صالح لطلب الحاجة وغرس الاشجار وشراء الاملاك، وليحذر التحويل والسفر والعمارة والفصد والتزويج. والسابع والعشرون: " آسمان " اسم ملك موكل بالسماوات، يوم مبارك جدا صالح للسفر خصوصا في الضحى، ولدخول الحمام والمناظرة، وليتق الفصد والصيد والنكاح وشراء الدواب. والثامن والعشرون: " رامياد " اسم ملك موكل بالارضين، يوم مبارك صالح للسفر والبيع والشراء والمناظرة وشرب الدواء، ويحذر الفصد والحمام. والتاسع والعشرون: " مار اسفندار " اسم ميكائيل عليه السلام يوم جيد جدا صالح للقاء الاشراف وتعمير البلاد والنكاح، ولا يصلح للسفر وطلب العلم ولبس الجديد وقطعه وشراء الدواب. والثلاثون: " أنيران " اسم ملك موكل بالايام، فيه ولد إسماعيل عليه السلام صالح للسفر والشركة والزرع والفصد والحمام، وليجتنب فيه الاعمال السيئة وليعمل الخيرات. وفي بعض النسخ: اسم ملك موكل بالحروب، متوسط صالح

[105]

للسفر والنكاح والفصد والحلق والمعالجة، وليحذر [فيه] الاعمال السيئة، و ليشتغل بالخيرات. 5 - رواية أخرى: روى أبو نصر يحيى بن جرير التكريتي في كتاب " المختار في الاختيارات " عن أبي الحسن القارئ (1)، عن الحسن بن أحمد بن روح، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: أول يوم من الشهر خلق الله تعالى آدم فيه، وهو يوم سعد يصلح لمناظرة الامراء. اليوم الثاني: يصلح للتزويج والسفر والبيع والشراء وكل ابتداء. اليوم الثالث: يوم نحس لا تلق فيه سلطانا ولا تطلب فيه حاجة ولا بيعا ولا شراء. اليوم الرابع: ولد فيه قابيل بن آدم، وهو يوم صالح للتزويج. وطلب الحوائج غير السفر، فانه يسلب كما سلب آدم وحواء لباسهما. اليوم الخامس: ملعون نحس قتل فيه قابيل هابيل، ودعا على أهله بالويل. اليوم السادس: صالح للتزويج والسفر والحجامة ولقاء السلطان في كل حاجة. اليوم السابع: صالح للمناظرة والخصومة وطلب الحوائج ولقاء القضاة و غيرهم والسفر وكل ابتداء. اليوم الثامن: مثل أمسه سوى السفر فإنه مكروه. اليوم التاسع: يوم سعيد، اطلب فيه الحوائج تقضى (2) لك. اليوم العاشر: يوم سعد مثل أمسه. اليوم الحادي عشر: من سافر فيه غنم، وإن هرب من السلطان ظفر به، و من ولد فيه رزق رزقا حسنا.


(1) الفارسي (خ). (2) الصواب " تقض " بحذف اللام.

[106]

اليوم الثاني عشر: صالح لطلب الحوائج والسفر وكل ما يراد. اليوم الثالث عشر: نحس ردئ، فتوق فيه لقاء السلطان وغيره، واحذر فيه الرمي فإنه مشوم. اليوم الرابع عشر: صالح لكل حاجة، من يولد فيه يكون غنيا، ويكثر ماله في آخر عمره. اليوم الخامس عشر: نحس، من سافر فيه هلك، ويناله المكروه، ومن ولد فيه يكون مجنونا لا محالة. اليوم السادس عشر: صالح لكل أمر، فاطلب فيه ما تريد. اليوم السابع عشر: صالح لكل حاجة فاطلب فيه ما تريد. اليوم الثامن عشر: صالح لكل حاجة وللسفر، من سافر فيه قضيت حوائجه اليوم التاسع عشر: مثل أمسه في جميع أحواله. اليوم العشرون: مثله. اليوم الحادي والعشرون: يوم نحس، وفيه إراقة الدماء، فلا تلق فيه سلطانا ولا تخرج من بيتك، ولا تطلب فيه حاجة. اليوم الحادي والعشرون: مثل أمسه. اليوم الثالث والعشرون: مثل أمسه. اليوم الرابع والعشرون: يوم نحسن مستمر مشوم، من ولد فيه قتل. اليوم الخامس والعشرون: يوم نحس لا ينبغي أن يبدأ فيه بشئ. اليوم السادس والعشرون: صالح فرق الله فيه البحر لموسى فاحذر فيه التزويج، فانه يوجب الفرقة كما انفرق البحر. اليوم السابع والعشرون: صالح للتزويج وقضاء الحوائج، وهو يوم سعد فاطلب فيه ما شئت. اليوم الثامن والعشرون: ولد فيه يعقوب عليه السلام يوم سعد من ولد فيه كان محبوبا إلى الناس.

[107]

اليوم التاسع والعشرون: صالح للسفر وكل حاجة، وهو يوم سعد. اليوم الثلاثون: صالح للسفر وطلب الحوائج وإخراج الدم وهو يوم سعد. 6 - أقول: وروي أيضا في بعض الكتب عن الصادق عليه السلام اختيارات أيام شهور الفرس على وجه آخر هكذا: اليوم الاول: " ارمزد " مختار في كل الشهور الاثني عشر لانه اسم الله تعالى. الثاني: " بهمن " وسط في الشهور العشرة الاوائل، نحس في بهمن ماه، وسط في إسفندار مذماه. الثالث: " اردي بهشت " وسط في فروردين، سعد في اردي بهشت، وخرداد وتير، وسط في مرداد، نحس في شهريور، وسط في مهر، ودي، وبهمن، سعد في آذر، واسفندار مذ. الرابع: " شهريور " وسط في فروردين، وتير، ومهر إلى آخر الشهور سعد في خرداد، ومرداد، وشهريور. الخامس: " إسفندار مذ " وسط في فروردين، ومرداد، ومهر، ودي، و بهمن، سعد في اردي بهشت، وخرداد، وتير، وشهريور، وأبان، وآذر، نحس في إسفندار مذ. السادس: " خرداد " وسط في فروردين، واردي بهشت، ومهر، وآذر وبهمن، سعد في خرداد، وتير، ومرداد، وشهريور، وأبان، ودي، وإسفندار مذ. السابع: " مرداد " وسط في فروردين، واردي بهشت، وخرداد، وتير ومهر، وآذر، وبهمن، سعد في مرداد، وشهريور، وأبان، ودي، وإسفندار مذ. الثامن: " ديباذر " وسط في كل الشهور. التاسع: " آذر " نحس في فروردين، واسفندار، وسط في اردي بهشت، و مهر، وأبان، وآذر، سعد في خرداد، وتير، ومرداد، وشهريور، ودي، و بهمن.

[108]

العاشر: " أبان " نحس في أبان، وسط في سائر الشهور. الحادي عشر: " خور " نحس في خرداد، وسط في باقي الشهور. الثاني عشر: " ماه " مختار في كل الشهور، لانه باسم القمر. الثالث عشر: " تير " سعد في فروردين، واردي بهشت، نحس في تير، وسط في سائر الشهور. الرابع عشر: " جوش " سعد في اردي بهشت، وتير، ومرداد، وسط في باقي الشهور. الخامس عشر: " دي مهر " نحس في اردي بهشت، سعد في أبان، وسط في باقي الشهور. السادس عشر: " مهر " سعد في ارديبهشت وخرداد ومهر واسفندار مذ وسط في باقي الشهور. السابع عشر: " سروش " سعد في أبان، وآذر، وبهمن، وسط في باقي الشهور. الثامن عشر: " رشن " سعد في شهريور، ومهر، وسط في باقي الشهور. التاسع عشر: " فروردين " سعد في فروردين، وتير، وآذر، وسط في باقي الشهور. العشرون " بهرام " نحس في مرداد، وآذر، ودي، وسعد في إسفندار مذ وسط في تتمة الشهور. الحادي والعشرون: " رام " وسط في خرداد، وتير، وآذر، ودي، سعد في تتمة الشهور. الثاني والعشرون: " باد " نحس في فروردين، وبهمن، سعد في مرداد، و شهريور، ودي، وسط في باقي الشهور. الثالث والعشرون: " ديبدين " سعد في أبان، وسط في باقي الشهور. الرابع والعشرون: " دين " سعد في فروردين، ودي، وبهمن، وإسفندار مذ

[109]

وسط في تتمة الشهور. الخامس والعشرون: " أرد " سعد في فروردين، واردي بهشت. ومهر وبهمن، وإسفندار مذ، وسط في تتمة الشهور. السادس والعشرون: " أشتاد " سعد في تير، وشهريور، ودي، وسط في تتمة الشهور. السابع والعشرون: " آسمان " وسط في فروردين، ومرداد، ومهر، و أبان، وآذر، وبهمن، وإسفندار مذ، سعد في تتمة الشهور. الثامن والعشرون: " رامياد " سعد في دي، وسط في باقي الشهور. التاسع والعشرون: " مار اسفند " وسط في كل الشهور. الثلاثون: " أنيران " نحس في خرداد، وسط في تتمة الشهور. أقول: هذه الروايات الاخيرة أخرجناها من كتب الاحكاميين والمنجمين لروايتهم عن أئمتنا عليهم السلام ولا أعتمد عليها، وكانت في النسخ اختلافات كثيرة أشرنا إلى بعضها. 7 - العلل والعيون: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي، عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: أتى علي بن أبيطالب عليه السلام قبل مقتله بثلاثة أيام رجل من أشراف تميم (1) يقال له " عمرو " فقال له: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب الرس في أي عصر كانوا ؟ وأين كانت منازلهم ؟ ومن كان ملكهم ؟ وهل بعث الله عزوجل إليهم رسولا أم لا ! وبماذا أهلكوا ؟ فإني أجد في كتاب الله عزوجل ذكرهم ولا أجد خبرهم. فقال له علي عليه السلام: لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ولا يحدثك به أحد بعدي إلا عني، وما في كتاب الله عزوجل آية إلا وأنا أعرف تفسيرها، وفي أي مكان نزلت من سهل أو جبل، وفي أي وقت من ليل أو نهار، وإن ههنا لعلما جما - وأشار إلى صدره - ولكن طلابه يسير، وعن قليل يندمون لو قد فقدوني !


(1) في العلل، بني تميم.

[110]

كان من قصتهم يا أخاتميم أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها " شاه درخت " كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها " وشناب " كانت انبطت لنوح عليه السلام بعد الطوفان، وإنما سموا أصحاب الرس لانهم رسوانبيهم في الارض، وذلك بعد سامان بن داود عليه السلام، وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له " الرس " من بلاد المشرق، وبهم سمي ذلك النهر، ولم يكن يومئذ في الارض نهر أغزر منه، ولا أعذب منه، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها، تسمى إحداهن " أبان " والثانية " آذر " والثالثة " دي " والرابعة " بهمن " والخامسة " إسفندار " والسادسة " فروردين " والسابعة " اردي بهشت " والثامنة " أرداد " و التاسعة " مرداد " والعاشرة " تير " والحادية عشر " مهر " والثانيه عشر " شهريور " وكانت أعظم مدائنهم " اسفندار " وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمى تركوزبن غابوربن يارش بن سازن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم عليه السلام وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة، وأجروا إليها نهرا من العين التي عند الصنوبرة، فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة، وحرموا ماء العين والانهار فلا يشربون منها (1) ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك قتلوه، ويقولون هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لاحد أن ينقص من حياتها، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيدا يجتمع إليه أهلها، فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير فيها من أنواع الصور، ثم يأتون بشاة وبقر، فيذبحونها قربانا للشجرة، ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر إلى السماه خروا للشجرة سجدا، (2) ويبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم فكان الشيطان يجئ فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي أن قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفسا وقروا عينا فيرفعون رؤوسهم عند ذلك، ويشربون الخمر


(1) في العرائس: لا هم ولا أنعامهم. (2) في العلل: سجدا من دون الله عزوجل يبكون..

[111]

ويضربون بالمعازف، ويأخذون الدستبند، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون. وإنما سمت العجم شهورها بأبان ماه وآذرماه وغيرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى، لقول أهلها بعض لبعض هذا عيد شهر كذا وعيد شهر كذا حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليهم صغيرهم وكبيرهم، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور، له (1) اثنا عشر باباكل باب لاهل قرية منهم ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق، ويقربون لها الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة (2) في قراهم، فيجئ إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكا شديدا، فيتكلم (3) من جوفها كلاما جهوريا، ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط مالا يفيقون ولا يتكلمون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة، ثم ينصرفون. فلما طال كفرهم بالله عزوجل وعبادتهم غيره بعث الله عزوجل إليهم نبيا من بني إسرائيل من ولد يهودا ابن يعقوب، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة الله عزوجل ومعرفة ربوبيته فلا يتبعونه، فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح، وحضر عيد قريتهم العظمى قال: يا رب إن عبادك أبوا إلا تكذيبي، والكفر بك، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر، فأيبس شجرهم أجمع، وأرهم قدرتك وسلطانك. فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلها، فهالهم ذلك، وقطع بهم وصاروا فرقتين: فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم (4) أنه رسول رب السماء والارض (5)


(1) في العلل: وجعلوا له اثنى عشر بابا. (2) في المصدرين: للشجرة التي في قراهم. (3) في المصدرين: ويتكلم. (4) في المصدرين: يزعم. (5) في المصدرين: والارض اليكم.

[112]

ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه، وفرقة قالت: لا، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنها و بهاءها لكي تغضبوا لها فتنتصروا منه. فأجمع رأيهم على قتله، فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الافواه، ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الاخرى مثل البرابخ، ونزحوا ما فيها من الماء، ثم حفروا في قرارها (1) بئرا ضيقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيهم، وألقموا فاها صخرة عظيمة، ثم أخرجوا الانابيب من الماء وقالوا: نرجو الآن أن ترضى عنا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها، ويصد عن عبادتها، ودفناه تحت كبيرها، يتشفى منه فيعود لنا نورها ونضرتها (2) كما كان. فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه السلام وهو يقول: سيدي قد ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، فارحم ضعف ركني، و قلة حيلتي، وعجل بقبض روحي، ولا تؤخر إحابة دعوتي (3). حتى مات عليه السلام فقال الله جل جلاله لجبرئيل عليه السلام: يا جبرئيل ! أيظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي وأمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني ؟ ! كيف وأنا المنتقم ممن عصاني، ولم يخش عقابي، وإني حلفت بعزتي وجلالي لاجعلنهم عبرة ونكالا للعالمين، فلم يرعهم (4) - وهم في عيدهم ذلك - إلا بريح عاصف شديدة الحمرة فتحيروا فيها وذعروا منها، وتضام (5) بعضهم إلى بعض، ثم صارت الارض من تحتهم حجر كبريت يتوقد، وأظلتهم سحابة سوداء (6) فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في


(1) في العلل: في قرارها من الارض بئرا عميقة ضيقة المداخل. (2) في العيون: نضارتها. (3) في العلل: إجابة دعائي. (4) في العلل: فلم يدعهم. (5) في العيون: وانضم. (6) في العلل: مظلمة فانكبت عليهم.

[113]

النار فتعوذ بالله تعالى ذكره من غضبه ونزول نقمته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1). بيان: قال الجوهري: " رسست رسا " أي حفرت بئرا، ورس الميت أي قبر (2) (انتهى) والكلة بالكسر الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق والقتار: بالضم ريح البخور والقدر والشواء. والمعازف: الملاهي، وكأن المراد بالدستنبد ما يسمى بالفارسية بالسنج أيضا، أو المراد التزين بالاسورة ويقال " كلام جهوري " أي عال وفي القاموس: قطع بزيد كعني فهو مقطوع به: عجز عن سفره بأي سبب كان، أو حيل بينه وبين ما يؤمله (3). والبربخ بالبائين الموحدتين والخاء المعجمة ما يعمل من الخزف للبئر ومجاري الماء. فوائد مهمة جليلة الاولى: اعلم أن الاسماء المذكورة في خبر المعلى لايام الشهر أكثرها موافق لما نقله المنجمون عن الفرس، وظاهر في أن المراد بالشهور الواردة فيه هي شهور الفرس القديم لا الشهور العربية، وقد تقدم القول فيه. وسموا كل يوم من أيام الخمسة المسترقة أيضا باسم: الاول أهنود، والثاني اشنود، والثالث إسفند مذ، والرابع دهشت، والخامس هشتويش، هذا هو المشهور، وذكروا فيها أسماء أخر، وذكروا أن كلا منها اسم ملك موكل بذلك اليوم. ثم إن المحققين اختلفوا في هؤلاء الملائكة، فمنهم من حملوها على ظواهرها وقالوا إن الله وكل بكل شئ من المخلوقات ملكا يحفظه ويربيه ويصرفه إلى ما خلق له كما ورد في الاخبار: الملك الموكل بالبحار، والملك الموكل بالجبال


(1) العلل: ج 1، ص 38 - 41، العيون: ج 1، ص 205 - 209. (2) الصحاح: ج 2، ص 931. (3) القاموس: ج 3، ص 70.

[114]

والملائكة الموكلة بالاشجار وسائر النباتات، والملائكة الموكلة بالسحب والبروق والصواعق، وبكل قطرة من الامطار، والملائكة الموكلة بالايام والليالي و الشهور والساعات. وبه يوجه ما ورد من كلام اليوم والشهر والارض والقبر وغيرها بأن المراد به كلام الملائكة الموكلة بها. ومنهم من حملوها على أرباب الانواع المجردة التي أثبتها أفلاطون ومن تابعه من الاشراقيين، فإنهم أثبتوا لكل نوع من أنواع الافلاك والكواكب والبسائط العنصرية والمواليد ربا يدبره ويربيه ويوصله إلى كماله المستعد له، والاول هو الموافق لمسلك المليين و أرباب الشرائع، والثاني طريقة من لا يثبت الصانع ويقول بتأثير الطبائع وإن تابعهم بعض من يظهر القول بالصانع أيضا، وليس هذا مقام تحقيق هذا الكلام. قال أبو ريحان: كل واحد من شهور الفرس ثلاثون يوما، ولكل يوم منها اسم مفرد بلغتهم، وهي: (1) هرمز (2) بهمن (3) اردي بهشت (4) شهريور (5) إسفندار مذ (6) خرداد (7) مرداد (8) دي (9) باذر (10) آذر (11) آبان (12) خرماه (13) تير (14) جوش (15) ديبمهر (16) مهر (17) سروش (18) رشن (19) فروردين (20) بهرام (21) رام (22) باد (23) ديبدين (24) دين (25) أرد (26) أشتاد (27) آسمان (28) رامياد (29) مارسفند (30) أنيران. لا اختلاف بينهم في أسماء هذه الايام، وهي لكل شهر كذلك وعلى ترتيب واحد، إلا في " هرمز " فإن بعضهم يسميه " فرخ "، وفي " أنيران " فإن بعضهم يسميه " به روز " ويكون مبلغ جميعها ثلاث مائة وستين يوما، وقد تقدم أن السنة الحقيقية هي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، فاخذوا الخمسة الايام الزائدة عليها وسموها بأسماء غير الموضوعة لايام كل شهر، وهي: أهشد گاه، اشتد كاه، إسفند كاه، إسفند مذگاه، بهشيشكاه. أقول: ثم ذكر ما مرمع وجوه كثيرة أخرى، فصار مبلغ أيامهم ثلاث مائة وخمسة وستين يوما، وأهملوا ربع يوم حتى اجتمع من الارباع أيام شهر تام وذلك في مائة وعشرين سنة فألحقوه بشهور السنة حتى صار شهور تلك السنة ثلاثة عشر

[115]

وسموها " كبيسة " وسموا أيام الشهر الزائد بأسماء أيام سائر الشهور، وعلى ذلك كانوا يعملون إلى أن زال ملكهم، وباد دينهم، واهملت الارباع بعدهم ولم يكبس بها السنون حتى يعود إلى حالها الاولى، ولا يتأخر عن الاوقات المحمودة كثير تأخر، من أجل أن ذلك أمر كان يتولاه ملوكهم بمحضر الحساب وأصحاب الكتاب، وناقلي الاخبار والرواة، ومجمع الهرابذة والقضاة، واتفاق منهم جميعا على صحة الحساب بعد استحضار من بالآفاق من المذكورين إلى دار الملك ومشاورتهم حتى يتفقوا، واتفاق الاموال الجمة، حتى قال المقل في التقدير إنه كان ينفق ألف ألف دينار، وكان يتخذ ذلك اليوم أعظم الاعياد قدرا، وأشهرها حالا وأمرا، ويسمى " عيد الكبيسة " ويترك الملوك لرعيته خراجها، والذي كان يحول بينهم وبين إلحاق ربع يوم في كل أربع سنين يوما واحدا بأحد الشهور أو الخمسة قولهم أن الكبس يقع على الشهور لا على الاعوام لكراهتهم الزيادة في عدتها، وامتناع ذلك في الزمزمة لما وجب في الدين من ذكر اليوم الذي يزمزم فيه ليصح إذا زيد في عدد الايام يوم زائد. وكانت الاكاسرة رسمت لكل يوم نوعا من الرياحين والزهر يوضع بين يديه، ولونا من الشراب على رسم منتظم لا يخالفونه في الترتيب، والسبب في وضعهم هذه الايام الخمسة اللواحق في آخر أبان ماه ما بينه وبين آذر ماه أن الفرس زعموا أن مبدأ سنتهم من لدن خلق الانسان الاول، وأن ذلك كان روز هرمز، وماه فروردين، و الشمس في نقطة الاعتدال الربيعي متوسطة السماء، وذلك أول الالف السابع من الوف سني العالم عندهم، وبمثله قال أصحاب الاحكام من المنجمين أن السرطان طالع العالم، وذلك أن الشمس في أول أدوار السند هند هي في أول الحمل على منتصف نهايتي العمارة، وإذا كانت كذلك كان الطالع السرطان، وهو لابتداء الدور والنشوء عندهم كما قلنا. وقد قيل: إنه سمي بذلك لانه أقرب البروج رأسا من الربع المعمور، وفيه شرف المشتري المعتدل المزاج، والنشوء لا يكون إلا إذا عملت الحرارة المعتدلة في الرطوبة، فهو إذن أولى أن يكون طالع نشوء العالم

[116]

وقيل: إنما سمي بذلك لان بطلوعه تتم طلوع الطبائع الاربع، وبتمامها تم النشوء، وأمثال ذلك من التشبيهات. قال: ثم لما أتى زرادشت وكبس السنين بالشهور المجتمعة من الارباع عاد الزمان إلى ما كان عليه، وأمرهم أن يفعلوا بها بعده كفعله، وائتمروا بأمره، و لم يسموا شهر الكبيسة باسم عليحدة، ولم يكرروا اسم شهر، بل كانوا يحفظونه على نوب متوالية، وخافوا اشتباه الامر عليهم في موضع النوب، فأخذوا ينقلون الخمسة الايام ويضعونها عند آخر الشهر الذي انتهت إليه نوبة الكبيسة، ولجلالة هذا الامر وعموم المنفعة فيه للخاص والعام والرعية والملك وما فيه من الاخذ بالحكمة والعمل بموجب الطبيعة كانوا يؤخرون الكبس إذا جاء وقته وأمر المملكة غير مستقيم لحوادث، ويهملونه حتى يجتمع منه شهران، ويتقدمون بكبسها بشهرين إذا كانوا يتوقعون وقت الكبس المستأنف ما يشغل عنه، كما عمل في زمن يزدجرد بن شابور أخذا بالاحتياط، وهو آخر الكبائس المعمولة، تولاه رجل من الدستورين يقال له " يزدجرد الهزاري " وكانت النوبة في تلك الكبيسة لابان ماه فألحق الخمسة بآخره وبقيت فيه لاهمالهم الامر (انتهى) وإنما أوردت هذا الكلام لما فيه من تأسيس ما سنورده في الفائدة التالية، ومزيد توضيح ما مر في خبر الرضا عليه السلام في تقدم النهار على الليل وغير ذلك. الفائدة الثانية: اعلم أن الشيخ الطوسي - قدس سره القدوسي - وسائر من تأخر عنه ذكروا النيروز والاعمال المتعلقة به: الغسل، والصوم، والصلاة، و غيرها، ولم يحققوا تعيين اليوم. فلابد من التعرض له والاشارة إلى الاقوال الواردة فيه. قال فحل الفقهاء المدققين محمد بن إدريس - ره - في السرائر: قال شيخنا أبو جعفر في مختصر المصباح: يستحب صلوة أربع ركعات، وشرح كيفيتها في يوم نيروز الفرس، ولم يذكر أي يوم هو من الايام، ولا عينه بشهر من الشهور الرومية ولا العربية. والذي قد حققه بعض محصلي الحساب وعلماء الهيئة وأهل هذه الصنعة في كتاب له أن يوم النيروز يوم العاشر من أيار وشهر أيار أحد وثلاثون

[117]

يوما فإذا مضى منه تسعة أيام فهو يوم النيروز. يقال: نيروز، ونوروز، لغتان (انتهى). وفسره الشهيد - ره - بأول سنة الفرس، أو حلول الشمس برج الحمل، أو عاشر أيار. قال جمال السالكين أحمد بن فهد الحلي - ره - في كتاب المهذب البارع في في شرح المختصر النافع: يوم النيروز جليل [القدر] وتعيينه من السنة غامض مع أن معرفته أمر مهم من حيث إنه تعلق به عبادة مطلوبة للشارع، والامتثال موقوف على معرفته، ولم يتعرض لتفسيره أحد من علمائنا سوى ما قاله الفاضل المنقب محمد بن إدريس، وحكايته " والذي قد حققه بعض محصلي أهل الحساب و علماء الهيئة وأهل هذه الصنعة في كتاب له أن يوم النيروز يوم العاشر من أيار. وقال الشهيد: وفسر بأول سنة الفرس أو حلول الشمس في برج الحمل أو عاشر أيار، والثالث إشارة إلى قول ابن إدريس، والاول إشارة إلى ما هو مشهور عند فقهاء العجم في بلادهم، فإنهم يجعلونه عند نزول الشمس الجدي، وهو قريب مما قاله صاحب كتاب الانواء، وحكايته اليوم السابع عشر من كانون الاول هو صوم اليهود، و فيه ترجع الشمس مصعدة إلى الشمال، ويأخذ النهار من الليل ثلث عشر ساعة وهو مقدار ما يأخذ في كل يوم، وينزل الشمس برج الجدي قبله بيومين، وبعض العلماء جعله رأس السنة، وهو النيروز، فجعله حكاية عن بعض العلماء وقال بعد ذلك: اليوم التاسع من شباط، وهو يوم النيروز، ويستحب فيه الغسل، وصلوة أربع ركعات لما رواه المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام ثم ذكر الخبر، فاختار التفسير الاخير، وجزم به. والاقرب من هذه التفاسير أنه يوم نزول الشمس برج الحمل لوجوه: الاول: أنه أعرف بين الناس وأظهر في استعمالهم، وانصراف الخطاب المطلق الشامل لكل مكلف إلى معلوم في العرف وظاهر في الاستعمال أولى من انصرافه إلى ما كان على الضد من ذلك، ولانه المعلوم من عادة الشرع وحكمته ألا ترى كيف علق أوقات الصلوة بسير الشمس الظاهر، وصوم شهر رمضان برؤية

[118]

الهلال، وكذا أشهر الحج وهي أمور ظاهرة يعرفها عامة الناس بل الحيوانات ؟ فان قلت: استعماله في نزول الشمس برج الحمل غير ظاهر الاستعمال في بلاد العجم، حتى أنهم لا يعرفونه وينكرون على معتقده، فلم خصصت ترجيح العرف الظاهر في بعض البلاد دون بعض ؟ وأيضا فإن ما ذكرته حادث ويسمى " النيروز السلطاني " والاول أقدم، حتى قيل: إنه منذ زمان نوح عليه السلام. فالجواب عن الاول: أن العرف إذا تعدد انصرف إلى العرف الشرعي فإن لم تكن فإلى أقرب البلاد واللغات إلى الشرع، فيصرف إلى لغة العرب وبلادها، لأنها أقرب إلى الشرع. وعن الثاني بأن التفسيرين معا متقدمان على الإسلام. الثاني: أنه مناسب لما ذكره صاحب الانواء من أن الشمس خلقت في " الشرطين " وهما أول الحمل، فيناسب ذلك إعظام هذا اليوم الذي عادت فيه إلى مبدأ كونها. الثالث: أنه مناسب لما ذكره السيد رضي الدين علي بن طاووس أن ابتداء العالم وخلق الدنيا كان في شهر نيسان ولا شك أن نيسان يدخل والشمس في الحمل. وإذا كان ابتداء العالم في مثل هذا اليوم يناسب أن يكون يوم عيد و سرور، ولهذا ورد استحباب التطيب فيه بأطيب الطيب، ولبس أنظف الثياب، و مقابلته بالشكر والدعاء، والتأهب لذلك بالغسل، وتكميله بالصوم والصلاة المرسومة له، حيث كان فيه ابتداء النعمة الكبرى، وهي الاخراج من حيز العدم إلى الوجود، ثم تعريض الخلق لثوابه الدائم، ولهذا امرنا بتعظيم يوم المبعث والغدير حيث كان فيه ابتداء منصب النبوة والامامة، وكذا المولدين. فان قلت: نسبته إلى الفرس يؤيد الاول، لأنهم واضعوه، والثاني وضعه قوم مخصوصون، ولم يوافقهم الباقون. قلنا: يكفي في نسبته إليهم أن يقول به طائفة منهم، وإن قصروا في العدد عمن لم يقل به. ألا ترى إلى قوله تعالى " وقالت اليهود عزيرابن الله وقالت النصارى

[119]

المسيح ابن الله " (1) وليس القائل بذلك كل اليهود ولا كل النصارى، ومثله قوله تعالى " والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك " (2) ليس إشارة إلى أهل الكتاب بأجمعهم بل إلى عبد الله بن سلام وأصحابه. زيادة: ومما ورد في فضله ويعضد ما قلناه ما حدثني به المولى السيد المرتضى العلامة بهاء الدين علي بن عبد الحميد النسابة - دامت فضائله - رواه بإسناده إلى المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام أن يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ فيه النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام العهد بغدير خم، فأقروا له بالولاية، فطوبى لمن ثبت عليها، والويل لمن نكثها، وهو اليوم الذي وجه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى وادي الجن، فأخذ عليهم العهود والمواثيق، و هو اليوم الذي ظفر فيه بأهل النهروان وقتل ذاالثدية، وهو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت وولاة الأمر ويظفره الله تعالى بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة، وما من يوم نوروز إلا نحن نتوقع فيه الفرج، لأنه من أيامنا، حفظته الفرس وضيعتموه. ثم إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه أن يحيي القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله، فأوحى إليه أن صب عليهم الماء في مضاجعهم، فصب عليهم الماء في هذا اليوم، فعاشوا وهم ثلاثون ألفا فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم. وهو أول يوم من سنة الفرس. قال المعلى: وأملى علي ذلك وكتبته من إملائه، وعن المعلى أيضا قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في صبيحة يوم النيروز، فقال: يا معلى ! أتعرف هذا اليوم ؟ قلت: لا، لكنه [يوم] يعظمه العجم يتبارك فيه. قال: كلا والبيت العتيق الذي ببطن مكة ما هذا اليوم إلا لأمر قديم أفسره لك حتى تعلمه قلت: تعلمي هذا من عندك أحب إلي من أن أعيش أبدا ويهلك الله أعداءكم. قال: يا معلى ! يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ الله ميثاق العباد أن يعبدوه ولا يشركوا


(1) التوبة: 31. (2) الرعد: 38.

[120]

به شيئا، وأن يدينوا برسله وحججه وأوليائه، وهو أول يوم طلعت فيه الشمس، و هبت فيه الرياح اللواقح، وخلقت فيه زهرة الارض، وهو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي، وهو اليوم الذي أحيى الله فيه القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم [الله] وهو اليوم الذي هبط [فيه] جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله، وهو اليوم الذي كسر فيه إبراهيم عليه السلام أصنام قومه، وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام على منكبيه حتى رمى أصنام قريش من فوق البيت الحرام وهشمها - الخبر بطوله - والشاهد في هذين الحديثين من وجوه: الاول: قوله أنه اليوم الذي أخذ فيه العهد بغدير خم، وهذا تاريخ، و كان ذلك سنة عشرة من الهجرة وحسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم، ولم يكن الهلال رؤي بمكة ليلة الثلاثين، فكان الثامن عشر من ذي الحجة على الرؤية. الثاني: كون صب الماء في ذلك اليوم سنة شائعة، والظاهر أن مثل هذه السنة العامة الشاملة لسائر المكلفين أن يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع ويأباه، ولا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي. لأنه غاية القر (1) في البلاد الإسلامية. الثالث: قوله في الحديث الثاني " وهو أول يوم خلقت فيه الشمس " وهو مناسب لما قيل إن الشمس خلقت في الشرطين. الرابع: قوله " وفيه خلقت زهرة الأرض " وهذا إنما يكون في الحمل دون الجدي وهو ظاهر (انتهى كلامه ره). وأقول: تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنك قد عرفت فيما مضى أن السنة الشمسية عبارة عن مدة دورة الشمس بحركتها الخاصة من أي مبدأ فرض، وتلك


(1) القر - بالضم - البرد.

[121]

المدة على ما استقر عليه رصد أبر خس ومن وافقه من المتقدمين ثلاث مائة وخمسة و ستون يوما وربع تام من يوم، وعلى سائر الارصاد المشهورة لا يبلغ الكسر إلى الربع، بل أقل منه بدقائق معدودة، وهي على ما فصله البرجندي في شرح التذكرة على رصد التباني ثلاثة عشر دقيقة وثلاثة أخماس دقيقة، وعلى حساب المغربي اثنتا عشرة دقيقة وعلى رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة، وعلى رصد بعض المتأخرين تسع دقائق وثلاثة أخماس دقيقة، وعلى رصد بطليموس أربع دقا ئق وأربعة أخماس دقيقة. فالفرس من زمان جمشيد أو قبله والروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد أبرخس، وإنما الفرق بينهما أن الروم كانوا يكبسون الربع المذكور في كل أربع سنين فيزيدون على الرابعة يوما تصير به ثلاثمائة وستة وستين، وأن الفرس إلى عهد يزدجرد آخر ملوك العجم أو بعض الاكاسرة السابقة عليه كانوا يكبسونه في كل مائة وعشرين سنة، فيزيدون على الاخيرة ثلاثين يوما تصير به ثلاث مائة وخمسة وتسعين يوما، وقد كان يتفق لهم تجديد التاريخ وإسقاط ما مضى من السنة عند جلوس ملك جديد منهم. وأما بعد ذلك العهد فكانوا لا يلتفتون إلى كبس الكسر المذكور أصلا، فكانت سنوهم دائما ثلاث مائة وخمسة وستين، فمبدأ سني كل من هذه الطوائف كأول تشرين الاول للروم وأول فروردين ماه المسمى بالنيروز لطوئف الفرس وكذا كل جزء من شهورهم كان غير مطابق لمبدأ سني الأخرى، ولا لجزء معين منها دائما بل كل جزء من كل من هذه التواريخ لاختلاف طريق حسابهم دائر في كل جزء من الآخر بمرور الايام وأيضا لم يكن شئ من تلك المبادئ ولا سائر الاجزاء مطابقا دائما لمبدأ فصل من الفصول ولا لشئ من أجزائها، بل كل منها دائر في أجزاء الفصول وبالعكس هكذا الحال إلى عهد السلطان جلال الدين ملك شاه السلجوقي، فأحب أن يوضع تاريخ في زمانه باسمه ممتازا عن التواريخ المشهورة، فأمر من بحضرته من أهل الخبرة بذلك، فبنوا الحساب على رصد بطليموس أو من وافقه في نقصان الكسر عن الربع، اعتقادا منهم أنه أصح من الرصد المبني عليه التواريخ المذكورة، ثم

[122]

اعتبروا أول السنة حفظا من أن يدور في الفصول يوم انتقال الشمس إلى الاعتدال الربيعي قبل نصف النهار، فكان حينئذ قد اتفق ذلك الانتقال يوم الجمعة عاشر شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وكان مطابقا للثامن عشر من فروردين ماه اليزدجردي أول سنتهم، فجعلوا اليوم المذكور أول فروردين ماه من السنة الجلالية، وأسقطوا الايام السابقة عليه من درجة الاعتبار، وسموا هذا اليوم بالنوروز السلطاني، فاستقر الأمر في حساب السنين الشمسية على أن يعدوا من النيروز المذكور ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، فيجعلون اليوم السادس نيروز السنة الآتية، ثم يكبسون الكسر لكونه أقل من الربع في كل أربع سنين أو خمس سنين فتصير سنة الكبيسة ثلاثمائة وستة وستين يوما. وهذه الطريقة مستمرة إلى زماننا. إذا عرفت هذا فنقول أولا إن ما يلوح من توقع ابن إدريس عن الشيخ أن يعين نيروز الفرس بيوم من الشهور العربية أو الرومية، وكذا ما نقله عن بعض المحصلين من تعيينه بعاشر أيار من الشهور الرومية غريب جدا، لما عرفت من دوران أيام شهور الفرس قديمهم وحديثهم في العربية والرومية وبالعكس، لا ختلاف اعتباراتهم في حساب السنين، فكيف يتصور تعيين يوم معين أو شهر معين من إحداها بيوم أو شهر من الأخرى على وجه مصون من التغيير والتبديل بمر الدهور ؟ فليس لتعيينه بعاشر أيار من بعض المحصلين وجه محصل سوى أنه وجده مطابقا له في بعض الازمنة السابقة كزمان الصادق عليه السلام المستند إليه الروايات الواردة في النيروز فتوهم لزوم حفظ تلك المطابقة له دائما، فإنه يستنبط مما سيتضح عن قريب من التواريخ أن اتفاق المطابقة المذكورة كان في أواسط المائة الثانية من الهجرة، و هو قريب من أواخر زمان الصادق عليه السلام. ومثل هذا التوهم غير عزيز من الناس كما أورد الكفعمي - ره - في بيان الاعمال المتعلقة بشهر شعبان أن الثالث والعشرين منه هو النيروز المعتضدي مضبوطا بالحادي عشر من حزيران تاسع شهور الروم كما هو مذكور في سرائر ابن إدريس مع وجهه، ومعلوم أن [مثل] ذلك لا يمكن

[123]

أن ينضبط بالشهور العربية لدوران كل منهما في الأخرى. وثانيا: أن ترديد الشهيد - ره - نيروز الفرس بين أول يوم من سنتهم وبين غيره كأول الحمل وعاشر أيار ترديد غريب شبيه بترديد مبتدأ السنة المعمولة عند العرب بين أول المحرم وبين غيره، وذلك لان كون النيروز أول يوم من سنة الفرس أمر في غاية الظهور، ومع ذلك منصوص عليه في أكثر أسانيد الرواية، فإنما المطلوب هنا تعيين أول يوم من سنتهم بيوم معروف في زماننا هل هو أول الحمل أو غيره. وثالثا: إن ما ذكره ابن فهد - ره - من شهرة كونه أول سنة الفرس بين فقهاء العجم حق موافق للرواية، ولكن جعلهم ذلك عند نزول الشمس الجدي مبني على ما ذكرنا من توهم المطابقة الدائمة من اتفاق الموافقة في بعض الازمنة غفلة عن دورانه في الفصول كما بينا، وهكذا حال ما نسبه صاحب كتاب الانواء إلى بعض العلماء من أنه السابع عشر من كانون الاول المطابق لما بعد نزول الشمس الجدي بيومين، وكذا ما اختاره من أنه اليوم التاسع من شباط. وبالجملة: البناء على الغفلة المذكورة من الاعراض العامة لجميع هذه التفسيرات، فمنشأ توهم بعض العلماء الذي نقل مقالته صاحب كتاب الانواء يمكن أن يكون اتفاق الموافقة المذكورة في زمانه إن كان في أواسط المائة الثامنة من الهجرة، فإن الضوابط الحسابية - كما سيتضح - دالة على أن أول فروردين ماه الفرس الموسوم بالنيروز عندهم كان في السنة العاشرة من الهجرة قريبا من نزول الشمس أول برج الحمل، وكان ذلك موافقا لاواسط " آذار " من الرومية، و مطابقا لثامن عشر ذي الحجة من العربية يوم عهد النبي صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام بالولاية في غدير خم بعد الرجوع عن حجة الوداع كما صرح به في الرواية، ثم في السنة الحادية عشر منها بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله انتقلت سلطنة العجم إلى يزدجرد آخر ملوكهم، فاسقط ما مضى من السنة وجعل يوم جلوسه أول فروردين ويوم

[124]

النيروز كما كان رسمهم (1) وكان ذلك موافقا لاواسط حزيران ومطابقا للثاني و العشرين من ربيع الاول، وقد عرفت أن بناء حساب الفرس في عهد يزدجرد بل قبيله في زمان النبي صلى الله عليه وآله أيضا على أخذ كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما بدون رعاية الكبائس التي كانت متداولة بين قدمائهم، فلا محالة كان ينتقل نيروزهم في كل أربع سنين إلى يوم آخر من أيام الشهور الرومية قبل اليوم الذي كان فيه، لاعتبارهم الكبيسة في كل أربع، وقس عليه حال انتقاله بالنسبة إلى موضع الشمس من البروج أيضا. فإن التفاوت لو كان لكان في كل سنة بقدر نقصان الكسر عن الربع في الواقع، وهو قليل جدا كما مر. وبالجملة: انتقاله من أواسط حزيران وأواخر الجوزاء التي كان فيها في السنة الحادية عشر من الهجرة إلى أواسط كانون الاول وأوائل الجدي وهو مدة ستة أشهر تقريبا إنما هو في قريب من سبعمائة وثلاثين سنة، فيكون في أواسط المائة الثامنة كما ذكرنا. وأما منشأ توهم صاحب كتاب الانواء فلا يمكن أن يكون مثله من وقوع الموافقة المذكورة في زمانه لئلا يلزم تقدم زمان الناقل على زمان المنقول عنه، فإن انتقاله إلى بعض أيام شباط إنما يكون قبل انتقاله إلى بعض أيام كانون لما عرفت من أن انتقالاته في تلك الشهور، وكذا في البروج على خلاف تواليهما لزيادة قدرهما على قدره بمقدار ربع يوم أو قريب منه فغاية توجيهه أن يقال: يجوز أن يكون منشأ توهمه موافقا لما مر نقله من بعض المحصلين في اعتبار زمان الصادق عليه السلام فيه، والفرق أن بناء حساب بعض المحصلين كان على اعتبار الاسقاط اليزدجردي، لوقوعه على طبق عادتهم المستمرة، وبناء حساب صاحب كتاب الانواء، على عدم اعتباره، لوقوعه بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وكونه بمنزلة سائر التغيرات الواقعة في السنن والآداب المعروفة في زمانه، فإن ما بين تاسع شباط وعاشر أيار قريب من المدة التي أسقطها


(1) لعمري جعل موضوع الحكم الشرعي ما يتغير بانتقال السلطنة من ملك إلى آخر في غاية البعد. (*)

[125]

يزدجرد كما عرفت. ورابعا: بأن ما استدل أولا على ما اختاره من التفاسير الستة وهو كونه يوم نزول الشمس برج الحمل بأنه أعرف بين الناس إلى آخره دعوى بينة البطلان عند أهل الخبرة بالحساب والتواريخ، فإن كون نيروز الفرس دائرا في الفصول سيما من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى زمان ملكشاه أمر لم يسمع خلافه من أحد منهم بل صرح في شروح التذكرة وغيرها بأن الروم والفرس كانوا لم يلاحظوا في مبدأ سنيهم موضع الشمس، وأن جعل الاعتدال الربيعي مبدأ السنة مخصوص بالتاريخ الملكي ولا يوافقه شئ من التواريخ المشهورة، فكيف يمكن أن يجعل مثل ذلك مناطا للاحكام الشرعية الثابتة قبل زمان ملكشاه بقريب من خمسمائة سنة ؟ و أن ما ذكره من انصراف اللفظ عند فقدان العرف الشرعي إلى لغة العرب مسلم ولكن أين إطلاق لفظ النيروز عند العرب على أول يوم نزول الشمس برج الحمل ؟ بل إن بعض أهل اللغة فسره على طبق ما في الرواية بأول سنة الفرس اعتمادا على الشهرة، وبعضهم كأحمد ابن محمد الميداني وهو من أقدمهم وأتقنهم لم يكتف به بل صرح في كتابه المسمى بالسامي في الاسامي بعد ذكر أسامي شهور الفرس وأيامهم المشهورة بترجمة النيروز ب‍ " نخست روز أز فروردين ماه " ثم إن أغمضنا عن مثل تلك الحقيقة والتجأنا إلى حمله على العرف فلا شك لمن تتبع من مظانه أن العرف فيه لم يكن متعددا في زمان الخطاب، بل إنما تجدد بعده بدهور طويلة، فسمى ملكشاه يوم نزول الشمس برج الحمل بالنوروز السلطاني، وخوارزم شاه يوم نزولها الدرجة التاسعة عشر منه وهي شرفها عند المنجمين بالنوروز الخوارزم شاهي وآخر يوما آخر بالنوروز المعتضدي وهكذا، وإنكار الحدوث في الاول منها بل دعوى التقدم على الاسلام والاغماض عن تقييده تارة بالسلطاني وتارة بالجلالي وتارة بالملكي نسبة إلى كل من ألقاب السلطان جلال الدين ملكشاه كما هو مضبوط في الدفاتر والتقاويم ومحفوظ في مدونات أهل الهيئة والتنجيم مما يقضي منه العجب. فان قيل: لعل دعوى التقدم على الاسلام مبنية على ما اشتهر أن مبدأ

[126]

تاريخهم في عهد جمشيد أو غيره كان موافقا لاول الحمل، وانتقاله منه ودورانه في الفصول إنما هو بسبب الكبائس والاسقاطات التي مر ذكرها. قلنا: لو سلمنا ذلك فلا ريب أن المراد بنيروزهم يوم يتجدد في كل سنة يعتبرونه أولها لا مالا يتفق وقوعه إلا نادرا كما يلزم من التزام مطابقته لاول الحمل. فان قلت: لا يخرج عن ثلاثة احتمالات: إما أول الحمل مطلقا، وإما فروردينهم مطلقا، وإما أول فروردينهم المطابق لاول الحمل. والثالث ساقط بأنه لا يتفق إلا في مدة مديدة، ومعلوم أن المراد به ما يتجدد في كل سنة، و الثاني أيضا ساقط من جهة الحساب، فإنا إذا جمعنا الايام من فروردينهم المضبوط في تقاويم زماننا إلى ثامن عشر شهر ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة المنصوص في الرواية أنه كان مطابقا لنيروزهم فقسمنا على أيام سنتهم الخالية من الكبائس من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا وهو ثلاثمائة وخمسة وستون يبقى اثنان وتسعون أو ثلاث وتسعون، فيظهر أن فروردينهم كان بعد التاريخ المذكور بمثل هذه الايام فإذا سقط الاحتمالان تعين الاحتمال الاول وهو المطلوب، مع أنه مؤيد أيضا بالحساب الدال على أن التاريخ المذكور كان قريبا من أول الحمل بيوم أو يومين مع احتمال المطابقة أيضا بنحو المسامحة. قلنا: سقوط الثاني ممنوع والبيان الحسابي المذكور مبني على غفلة، أو تغافل عن الاسقاط اليزد جردي الواقع في السنة الحادية عشر من الهجرة كما مر، فإنه لو اعتبر الاسقاط المذكور في الحساب لظهر أن مطابقة فروردينهم اليزدجردي المضبوط في التقاويم لما بعد التاريخ المذكور لا ينافي أن يكون التاريخ المذكور أيضا مطابقا لفروردينهم المتداول قبل يزدجرد، فإن جلوس يزدجرد كان في يوم الثلثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الاول من السنة الحادية عشر كما مر، و تفاوت التاريخين موافق للمدة المذكورة. فتبين أن الحساب لو جعل دليلا على كون المراد به أول فروردين لكان أوفق للمطابقة من جعله دليلا على أول الحمل

[127]

للتفاوت بيوم أو يومين، فإنه قادح ولو كان قليلا، ولو فرضنا مطابقته أيضا لكان غاية الامر أن يكون في يوم الغدير اتفق الامران الغير المتفقين إلا في مدة مديدة فلا يفيد المطلوب. على أن مطابقة يوم الغدير للنيروز بأي معنى كان لا ينفع في المطلوب بدون مطابقة سائر الايام المذكورة في الروايتين موافقتها له، وستتضح عن قريب استحالة مطابقتها لاول الحمل دون فروردين. فان قيل: يظهر من كلام كوشيار وأبي ريحان في بعض تصانيفهما أن الاعتدال الربيعي معتبر عند الاحكاميين في طالع السنة وحساب الادوار، وفيهم المشهورون من أهل الفرس كزر دشت وجاماسب، فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد بالنيروز المعتبر بأول سنة الفرس في الرواية ذلك الوقت بالاعتبار المذكور. قلنا: أولا سلمنا اعتبار الوقت المذكور عندهم فيما اعتبروه فيه، ولكن لم ينقل أنهم يعبرون عنه بالنيروز أو يتباركون فيه ويجعلونه عيدا كما يفهم من الرواية. وثانيا: أن التعبير عن الاحكاميين بالفرس بمحض كون بعضهم منهم بعيد جدا، بل معلوم لاهل اللسان أن إطلاق الفرس المستعمل في مقابل الروم والعرب ليس إلا على الطائفة العظيمة التي من رعايا الملوك المشهورة من جمشيد وافريدون إلى كسرى ويزدجرد، فالمراد بنيروزهم وأول سنتهم يوم كان جعله عيدا في كل سنة معمولا عند الملوك المذكورة في زمانهم، ولا خلاف بين أهل الخبرة في أنه كان أول فروردينهم الدائر في الفصول بالاسباب التي قررنا. وثالثا: أن من تأمل وأنصف علم أن التعبير عن ذلك اليوم بنيروز الفرس تارة وأول سنتهم أخرى لاجل أنه ليس يوما معينا بحسب الفصل، وإلا فما المانع من التعبير عنه بأول الربيع وأول الحمل المعلوم لكل أحد بدون احتياج إلى تفسير أصلا ؟ ورابعا: أن أهل اللغة صرحوا بتفسير النيروز بأول يوم من فروردين الفرس، وإطلاقه على أول الربيع من زمان ملك شاه وفي زماننا مجاز بعلاقة ما

[128]

التزموه من موافقة أول فروردينهم لاول الربيع دائما، ووجوب انصراف اللفظ إلى الحقيقة سيما المستعمل منه قبل حدوث المجاز مما أطبق عليه أهل اللسان. والعلامات المذكورة في الروايتين للنيروز لا يمكن تطبيقها على أول الربيع، فيجب حمله على أول فروردين، لامكان التطبيق. وخامسا: أن ما ذكره بقوله " ولانه المعلوم من عادة الشرع وحكمته - الخ - " قياس مع الفارق، فإن انتقال الشمس من برج الحوت إلى برج الحمل ليس كوصولها إلى نصف النهار وأمثاله المعلومة بالحس والعيان، بل محتاج إلى رصد وحساب لا يتيسر تحقيقه لاكثر مهرة فن الهيئة والحساب فضلا عن غيرهم وكفى بذلك عدم توافق رصدين فيه، فإن اليوم المذكور على ما يقتضيه رصد المتأخرين المبني عليه أكثر التقاويم في زماننا مقدم على ما يقتضيه رصد أبر خس بأيام، وعلى ما يقتضيه رصد بطليموس بأقل منها، ومؤخر عما يقتضيه رصد المحقق الطوسي بقليل، وعما يقتضيه رصد التباني والمغربي بأكثر، فهل يجوز من له أدنى معرفة بعادة الشرع في التكليفات أن تكون لمعرفة النيروز مكلفين بتتبع آراء هؤلاء ثم التمييز بين الحق والباطل منها، أو العمل بمقتضى كل منها مع ظهور التناقض، أو اختيار ما شئنا منها، أو الاتكال على ما اشتهر في زماننا سيما مع علمنا بأنه غير مشهور بل غير مذكور أصلا في زمان النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام ؟ ولهذا ما وقع في أحكام الشريعة من أمثاله ككراهة النكاح والسفر في زمان كون القمر في العقرب حمله المحققون على زمان كونه في صورتها المعلوم لاكثر عوام المكلفين لا في برجها المحتاج إلى استخراج تقويمه، فعلى هذا يكون المناسب لعادة الشرع وحكمته التفسير الأول من التفسيرات المذكورة لخلوه عن الكبائس، و غنائه عن الاحتياج إلى الارصاد، وتيسر حسابه على عامة المكلفين. وسادسا: أن ما ذكره من مناسبة كون الشمس خلقت في الشرطين على ما نقله من صاحب كتاب الانواء على تقدير حجية المنقول عنه لا يفيد إلا كونها حين الخلقة في أوائل صورة الحمل، فإنهما نجمان قريبان من رأسها يعدان منزلا بحار الانوار ج 59 - 8 -

[129]

من منازل القمر، فلو كان ذلك مناسبا لاعظام اليوم الذي عادت الشمس فيه إلى هذا الموضع لكان ينبغي إعظام يوم كونها فيه وهو في زمان النبي صلى الله عليه وآله كان في أواسط برج الحمل وفي زماننا انتقل إلى أواخره، بناء على أن حركة الثوابت ومنها كواكب الصور في كل سبعين سنة درجة كما هو المشهور بين أهل الارصاد. وبهذا ظهر حال ما ذكره من مناسبة ما قيل من ابتداء خلق العالم في شهر " نيسان " لعدم مطابقة شئ من أيام شهر نيسان من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا لأول الحمل الذي هو المطلوب إثباته، فتأمل أو لا في حاصل قوله " ولا شك أن نيسان يدخل والشمس في الحمل " ثم فيما أتبعه تفريعا عليه بقوله " وإذا كان - الخ - " فتحير واعتبر. وسابعا: أن ما ذكره من نزول الشمس الحمل في التاسع عشر - الخ - فقد عرفت عدم دلالته على المطلوب على تقدير مطابقته بحسب الحساب أيضا فضلا عن المخالفة. وثامنا: أن ما ذكره من كون صب الماء المسنون في ذلك اليوم أوفق لأول الحمل لا الجدي، لو ساغ مثله في إثبات مناط الأحكام الشرعية لكان مؤيد العاشر أيار لا لأول الحمل، فإنه أوفق لذلك من كل من الجدي والحمل، لكونه بعد أول الحمل بقريب من شهرين، وكونه أقرب إلى اليوم المرسوم في زماننا " آب پاشان " هذا إذا كان المراد بصب الماء في الرواية رشه على طريق الرسم الجاري في بعض البلاد، ولكن يظهر من ابن جمهور أنه حمل سنة صب الماء فيها على استحباب الغسل في النيروز وذلك ليس ببعيد. وتاسعا: أن ما ذكره من أن طلوع الشمس فيه كما في الرواية مناسب لأول الحمل بناء على مناسبة خلقها في الشرطين مبني كما مر على الخلط بين صورة الحمل وبرجه، على أن ما قدمناه من حديث الرضا عليه السلام يدل على أن أول خلق الشمس في موضع شرفها وهو الدرجة التاسعة عشر من الحمل، ولا يبعد أن يكون الشرطان أيضا حينئذ في تلك الدرجة، فلا يكون ما ذكره صاحب كتاب الانواء مخالفا للحديث المذكور، فيكونان متفقين في عدم مطابقتهما لأول الحمل

[130]

كما هو المطلوب. ثم إن خلق الشمس غير طلوعها فلما كانت حين خلقها في وسط السماء كما في الحديث المذكور فالظاهر أنه أشار به ههنا إلى موافقة اليوم التالي لخلقها للنيروز لا يوم خلقها فتدبر. وعاشرا: أن ما ذكره من مناسبة ما في الرواية من خلق زهرة الارض فيه لأول الحمل دون الجدي غير ظاهر، إذ لقائل أن يقول: لعل مبدأ خلقها أول الجدي، وظهورها على وجه الأرض بعده، مع أن ذلك متفاوت بحسب البلاد جدا، وأيضا كونه غير مناسب للجدي لا يدفع سائر التفسيرات المذكورة للنيروز ولا يتعين بدونه المطلوب، فيجوز أن يكون خلق زهرة الأرض وكذا خلق الشمس أو طلوعها في يوم يكون موافقا من جهة الحساب المتداول بين الفرس في سنيهم لأول فروردينهم، فجعل يدور في الفصول على طبق دورانه فيها بالاسباب التي ذكرناها غير مرة، فلو فرضناه في أول الخلق مطابقا لأول نزول الشمس برج الحمل أيضا لكان مثل مطابقته حينئذ لسائر الاوضاع الغير المطلوبة كمواضع سائر الكواكب فحفظ تلك المطابقة فيه غير لازم لئلا يختل به ما هو المطلوب مما استقر بينهم إلى زمان النبي صلى الله عليه وآله واستمر بعده إلى زماننا من ضوابط حساب السنين. فان قلت: رعاية الكبيسة كما نقل عن الفرس دالة على أن مقصود أقدميهم منها محافظة وضع معين للشمس بالنسبة إلى مبدأ سنيهم في الجملة، فالمظنون أنهم كانوا عينوا لذلك أول الربيع - كما قيل - لظهور امتيازه عن غيره بالحسن واعتدال الهواء وقوة النشوء والنماء في معظم المعمورة، فبمحض حدوث دورانه في الفصول بحسب تجدد الرسوم الاصطلاحية كيف سقط مقصودهم الاصلي عن درجة الاعتبار بالكلية وصار المعتبر مقتضى ما استقر بينهم من الرسوم الحادثة ؟ قلنا: سلمنا قصدهم بدون مضايقة في تعيينهم أول الربيع لذلك أيضا مع أن ما يحصل من ضبط كبيستهم في مائة وعشرين سنة يحصل بدونها أيضا في مدة أكثر منه، والفرق بين القلة والكثرة في مثلها مشكل، ومع أن الروم أيضا مشاركون لهم في رعاية الكبيسة بل أضبط منهم فيها بدون التعيين المذكور ولكن نعلم أن المصالح

[131]

متغيرة بتغير الازمنة والطبائع والعادات، فلعل الباعث لهم على الاتفاق على خلاف ما سبق من بعضهم عروض مصلحة أهم منه لهم، والباعث لاعتبار مقتضى مصلحتهم في نظر الشارع مصلحة وحكمة أخرى خفية محجوبة عن عقولنا، فنحن الآن مكلفون في الاحكام بتتبع آثار الصادقين من ظواهر ما نقل إلينا عنهم، و - الاحتياط عن الوقوع في متابعة آرائنا بأمثال تلك الاستحسانات. قال بعض الافاضل بعد إيراد جملة مما ذكرنا: فتبين أن المراد بنيروز الفرس لابد أن يكون أول سنتهم الذي هو أول فروردينهم بلا خلاف، وأنه دائر في الفصول من قديم الأيام بأسباب شتى وخصوصا من زمان النبي صلى الله عليه وآله بسبب إهمال معاصريهم منهم في حفظ الكبيسة واستقرار أمرهم عليه إلى الآن، فيكون أيام سنتهم دائما ثلاثمائة وخمسة وستين بلا عروض وتفاوت فيه قط، وأن يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة كان مطابقا له، فإن اعتبر بما وقع بعدها في جلوس يزدجرد من إسقاط ما مضى من سنتهم وتجديد فروردينهم في التاريخ المذكور كما هو الظاهر بناء على أنه على طبق رسمهم المتداول بينهم وأن النيروز مبني على مقتضى رسمهم يكون النيروز المعتبر شرعا هو ما يضبطه المنجمون في التقاويم من أول فروردينهم في كل سنة، وهو فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان وثمانين وألف من الهجرة مطابق ليوم الجمعة عاشر شهر شعبان وموافق للثامن والعشرين من أيلول الرومي والثالث والعشرين من مهرماه الجلالي، وإن لم يعتبر بالاسقاط اليزدجردي بناء على أنه وقع بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وإكمال الدين وأن مثل ذلك في حكم المبتدعات الغير المعتبرة في الشرع يكون النيروز المذكور قبل فروردينهم المضبوط عند المنجمين بقدر الايام الساقطة، وعلى كل من الاحتمالين يتقدم في كل أربع سنين بيوم على اليوم المطابق له من أيام شهور الروم، وفي كل أربع سنين أو خمس سنين بيوم على ما كان مطابقا له من أيام الشهور الجلالية، ويتأخر في كل سنة بأحد عشر يوما غالبا وبعشرة أيام في سني، كبائس العرب عما كان موافقا له من أيام الشهور العربية وأيضا يتأخر في كل سنة بيوم عما كان مطابقا له من أيام الأسبوع دائما، فظهر

[132]

من هذا التصوير أن ما اشتهر من مطابقة نيروزهم ليوم انتقال الخلافة الصورية أيضا إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان كمطابقته ليوم الغدير إن كان مستندا إلى نص - كما قيل - يؤيد الاحتمال الأول، فإن كلا من الواقعتين كان في أواخر شهر ذي الحجة الحرام، وبينهما خمس وعشرون سنة، ولا يمكن أن يتفق ذلك بدون إسقاط إلا في نيف وثلاثين سنة، فالنص على كون كل من اليومين مطابقا للنيروز هو في حكم النص على اعتبار الاسقاط المذكور، وأيضا ثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز من أوضح الدلائل على بطلان كون المراد به يوم نزول الشمس ببرج الحمل، فإن اتفاق نيروزين بهذا المعنى في شهر من الشهور العربية بفاصلة المدة المذكورة غير ممكن قطعا، فمن استدل بثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز على كون المراد به الاعتدال الربيعي فقد جعل ما يدل صريحا على بطلان شئ دليلا على صحته (انتهى). وأقول: مما يؤيد ما مر ما ذكره أبو ريحان في كتاب " الآثار الباقية من القرون الخالية " حيث قال في عداد التواريخ المشهورة: ثم تاريخ ملك يزدجرد ابن شهريار بن كسرى ابرويز، وهو على سني الفرس غير مكبوسة، وقد استعمل في الازياج لسهولة العمل به، وإنما اشتهر تاريخ هذا الملك من بين سائر ملوك فارس لأنه قام بعد تبدد الملك واستيلاء النساء عليه والمتغلبة ممن لا يستحقه وكان مع ذلك آخر ملوكهم، وجرت على يده أكثر الحروب المذكورة والوقائع المشهورة مع عمر بن الخطاب، حتى زالت الدولة وانهزم، فقتل بمرو الشاهجان. ثم قال: ثم تاريخ أحمد بن طلحة المعتضد بالله، وهو على سني الروم وشهور الفرس بمأخذ آخر، وهو أنها تكبس في كل أربع سنين بيوم، وكان السبب في ذلك على ما ذكر أبو بكر الصولي وحمزة بن الحسن الاصبهاني أن المتوكل بينا هو يطوف في متصيد له إذ رأى زرعا لم يدرك بعد ولم يستحصد، فقال: استأذنني عبيدالله بن يحيى في فتح الخراج وأرى الزرع أخضر فمن أين يعطي الناس الخراج ؟ فقيل له: إن هذا قد أضر بالناس فهم يقترضون ويتسلفون وينجلون عن أوطانهم

[133]

وكثرت لهم شكاياتهم. فقال: هذا شئ حدث في أيامي أم لم يزل كذا ؟ فقيل له: بل هو جار على ما أسسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبان النيروز، وصاروا به قدوة لملوك العرب. فأحضر المؤبد وقال له: قد كثر الخوض في هذا ولست أتعدى رسوم الفرس، فكيف كانوا يفتحون الخراج على الرعية مع ما كانوا عليه من الاحسان والنظر ؟ ولم استجازوا المطالبة في هذا الوقت الذي لم تدرك فيه الغلات والزروع ؟ فقال المؤبد: وإنهم وإن كانوا يفتحونها في النيروز، فما كان يجبى إلا وقت إدراك. فقال: وكيف ذلك ! فبين له حال السنين وكمياتها وإحتياجها إلى الكبس، ثم عرف أن الفرس كانوا يكبسونها فلما جاء الاسلام عطل، فأضر ذلك بالناس، واجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبد الملك إلى خالد القسري فشرحوا له هذا وسألوه أن يؤخروا النوروز شهرا، فأبى وكتب إلى هشام بذلك، فقال: إني أخاف أن يكون هذا من قول الله " إنما النسئ زيادة في الكفر (1) " فلما كان أيام الرشيد اجتمعوا إلى خالد بن يحيى بن برمك وسألوه أن يؤخروا النوروز نحو الشهرين، فعزم على ذلك فتكلم أعداؤه فيه وقالوا: إنه يتعصب للمجوسية فأضرب عن ذلك وبقي الامر على حاله. فأحضر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي وأمره أن يوافق المؤبد على ما ذكره من النيروز ويحسب الأيام ويجعل له قانونا غير متغير، وينشئ عنه كتابا إلى بلدان المملكة في تأخير النوروز، فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة عشر يوما من حزيران، ففعل ذلك ونفذت الكتب إلى الآفاق في المحرم سنة ثلاث وأربعين ومأتين. فقال البختري في ذلك قصيدة يمدح فيها المتوكل، وقتل المتوكل ولم يتم له ما دبر، حتى قام المعتضد بالخلافة واسترد بلدان المملكة من المتغلبين عليها، وتفرغ للنظر في امور الرعية، فكان أهم شئ إليه أمر الكبيسة وإتمامه، فاحتذى ما فعله المتوكل في تأخير النوروز، غير أنه نظر من جهة اخرى، وذلك أن المتوكل أخذ ما بين سنته وبين أول تاريخ الملك يزدجرد، وأخذ المعتضد ما بين سنته وبين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد


(1) التوبة: 38.

[134]

ظنا منه أو ممن تولى ذلك له أن إهمالهم أمر الكبس هو من لدن ذلك الوقت، فوجده مأتين وثلاثا وأربعين سنة، وحصتها من الارباع ستون يوما وكسر، فزاد ذلك على النوروز في سنة، وجعله منتهى تلك الايام، وهو أول يوم من خرداد ماه في تلك السنة، وكان يوم الاربعاء وافقه اليوم الحادي عشر من حزيران، ثم وضع النوروز على شهور الروم لتنكبس شهوره إذا كبست الروم شهورها، وكان المتولي لإمضاء ما أمر وزيره أبو القاسم عبيدالله بن سليمان بن وهب، وقال علي بن يحيى في ذلك " شعر ": يوم نيروزك يوم واحد لا يتأخر * من حزيران يوافي أبدا في أحد عشر وهذا وإن دقق في تحصيله فلم يعد به النوروز إلى ما كان عليه عند الكبس في دولة الفرس، وذلك أن إهمال كبسهم كان قبل هلاك يزدجرد بقريب من سبعين سنة، لأنهم كانوا كبسوا السنة في زمان يزدجرد بن شابور بشهرين: أحدهما لما لزم السنة من التأخر وهو الواجب، ووضعوا اللواحق خلفه علامة له، وكانت النوبة لأبان ماه كما سنذكره، والشهر الآخر للمستأنف ليكون مفروغا منه إلى مدة طويلة، فإذا اسقط عن السنين التي بين يزدجرد بن شابور وبينه مائة وعشرون سنة بقي بالتقريب سبعون سنة لا بالتحقيق، فإن تواريخ الفرس مضطربة جدا وتكون حصة هذا السبعين سنة من الأرباع قريبا من سبعة عشر يوما، فكان يجب بالتحليل من القياس أن يؤخر سبعة وسبعين يوما لا ستين يوما، حتى يكون النوروز في ثمانية وعشرين من حزيران، ولكن المتولي لذلك ظن أن طريقة الفرس في الكبس كانت شبيهة بالتي يسلكه الروم فيه، فحسب الأيام من لدن زوال ملكهم، والأمر فيها على خلاف ذلك كما بينا وسنبين. ثم قال: هذا التاريخ آخر المشهورة، ولعل أن يكون للامم الشاسعة ديارها من ديارنا تواريخ لم تتصل بنا أو متروكة كالمجوس في مجوسيتها، فانها كانت تؤرخ بقيام ملكوكهم أولا فأولا، فإذا مات أحدهم تركوا تاريخه وانتقلوا إلى تاريخ القائم بعده منهم. انتهى ما أردت إيراده من كتابه.

[135]

وهذا وإن كان مؤيدا لترك الكبس في زمان يزدجرد ودوران النيروز في الفصول لكن لا يدل على الاسقاط وينافي بعض الضوابط المتقدمة، وسيأتي مما سننقل عنه ما يؤيد ذلك أيضا. وبالجملة الأمر في الأخبار الواردة في ذلك مردد بين امور: الاول: أن يكون بناؤها على إسقاط الأرباع والخمسة أيضا كما كانت سنة الملوك البيشدادية أو بعض ملوك الهند كما أو مأنا إليهما سابقا، ويومئ إليه قوله عليه السلام في خبر المعلى " هي أيام قديمة من الشهور القديمة كل شهر ثلاثون يوما بلا زيادة فيه ولا نقصان " ويؤيده الأخبار الكثيرة الدالة على أن السنة ثلاثمائة وستون يوما فيكون أول الفروردين على هذا الحساب نوروزا. ويرد عليه أن حوالة النيروز والسنة على اصطلاح متروك لا يعلم تعيينه ولا ابتداء شهورها بعيد عن مقنن القوانين كما عرفت. الثاني: أن تكون مبنية على (1) الفرس القديم الذي مر ذكره وهو قوي لكن بناء أمر من الامور الشرعية على اصطلاح متبدل متغير يتبع في كل زمان رأي سلطان من سلاطين الجور أو غفلتهم أو عدم تمكنهم من الكبس كما وقع بعد يزدجرد بعيد جدا، وأيضا الظاهر أن فضل هذا اليوم إما بسبب الامور المقارنة له والاحوال الواقعة فيه وكثير من الامور متعلقة بما قبل زمان يزدجرد وكان قبل ذلك مبنيا على الكبس وبعده سقط ذلك، وإما بسبب بعض الأوضاع الفلكية أو الأرضية كدخول برج من البروج أو درجة من درجاتها أو ظهور الأزهار ونبات النباتات والأشجار ونحو ذلك وشئ منها غير منضبط في النيروز بهذا المعنى، ومع جميع ذلك فهو بحسب الدليل كأنه أقوى من الجميع. الثالث: أن يكون المراد بها النيروز القديم المبني على الكبس في كل مائة وعشرين سنة كما عرفت، لأنه الأصل عند الفرس وإنما طرأ إسقاط الكبس لاختلال أحوالهم وعدم تمكنهم من ضبط قواعدهم. ويرد عليه ما مر من أن بناء


(1) كذا.

[136]

تكليف عام يشترك فيه عوامهم وخواصهم على أمر غامض لا يطلع عليه إلا الأوحدي من المنجمين والهيويين بل لا يمكن معرفته على التحقيق لأحد كما مر بعيد غاية البعد، إلا أن يقال إنه عليه السلام علم قاعدته المعلى ولم يروها أو ترك الناس روايتها وهو أيضا بعيد. الرابع: أن يكون المراد ما اصطلح عليه الآن المنجمون وهو دخول الشمس برج الحمل، بأن يكون عليه السلام علم أن قاعدة الفرس في القديم كان كذلك فتركت وأخروا الكبس إلى المائة والعشرين تسهيلا للأمر. أو يقال: إن نيروز الفرس هو أول فروردين مع رعاية الكبس بأي وجه كان في زمان قصير أو زمان طويل فيشمل النيروز الجلالي عموما وإن لم يحدث بعد خصوص هذا النوع. ويؤيده أن الاحكاميين من الفرس وغيرهم جعلوا مبدأ السنة تحويل الشمس إلى الحمل كما قال كوشيار في كتاب مجمل الاصول " معلوم أن تحويل سنة العالم هو حلول الشمس أول ثانية من الحمل وطالع ذلك طالع السنة " وأمثال ذلك من كلماتهم وقد اشتمل الخبر على أن النيروز أول سنة الفرس، وايد أيضا بما ورد أن ابتداء خلق العالم كان الشمس في الحمل، وبأنا إذا حسبنا على القهقرى وجدنا عيد الغدير في السنة العاشرة من الهجرة مطابقا لنزول الشمس أول الحمل، والظاهر أن ذلك مبني على بعض الأرصاد، وعلى بعضها يتقدم بيوم كما أومأ إليه ابن فهد - رحمه الله - وعلى بعضها بيومين كما أشار إليه غيره، وموافقته على بعض الأرصاد كاف في ذلك، وبأنه أول نمو أبدان الحيوانات والاشجار والنباتات كما قال سبحانه " ألم تر أن الله يحيي الأرض بعد موتها " (1) " وعنده تظهر قدرة الصانع وحكمته ولطفه، ورحمته، فهو أولى بأن يشكر فيه الرب الكريم، وأن يجعل مبدأ السنة والعيد العظيم، وقد مر الكلام في أكثر ذلك فيما مضى.


(1) الآية ليست كذلك، ففي الآية (19) من سورة الروم " ويحيي الأرض بعد موتها " وفي الآية (50) منها " كيف يحيي الموتى " وفي الآية (17) من سورة الحديد " اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ".

[137]

ومما يدل على عدم كونه مرادا أنه معلوم أنه لم يكن هذا مشهورا في زمان الصادق عليه السلام وقد قال المعلى: " دخلت على الصادق عليه السلام يوم النيروز " فلا بد من أن يكون يوما معروفا في ذلك الزمان ولم يكن إلا التاريخ اليزد جردي فلا يستقيم هذا إلا بتكلف أومأنا إليه في أول الكلام والله يعلم حقائق الامور. الفائدة الثالثة: اعلم أنه قد يستشكل في الأحاديث بأن وقوع النيروز بأي تفسير كان في التواريخ الماضية المذكورة في الروايتين المضبوطة عند المؤرخين سنة وشهرا ويوما كيوم المبعث وفتح مكة ونص الغدير غير ممكن، لعدم جواز اجتماع يومين في ذلك فضلا عن الجميع، لان المبعث كان قبل الهجرة بقريب من ثلاث عشرة سنة، وفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة ونص الغدير في العاشرة منها فكان وضع الأول بالنسبة إلى كل من الأخيرين يقتضي أن تكون الفاصلة بين النيروزين الواقعين فيهما بحسب الشهور العربية أكثر من سبعة أشهر، ووضع أحد الاخيرين بالنسبة إلى الآخر يقتضي أن تكون الفاصلة أقل من شهر، مع أن الاول كان في أواخر رجب، والثاني في أواخر شهر رمضان، والثالث في أواخر شهر ذي الحجة. ويمكن الجواب عنه بوجهين: الاول: ما ذكره بعض الأفاضل، وهو أن يقال: من السنة التاسعة عشر من مبعثه صلى الله عليه وآله التي وقع فيها قتل " پرويز " من ملوك العجم إلى آخر زمانه صلى الله عليه وآله اتفق جلوس ثلاثة من ملوك العجم، هم: شيرويه، وأردشير، وتوران دخت، و كان الاولان قبل فتح مكة والأخير بعده، فيمكن إسقاط كل منهم برهة مما مضى من السنة عند جلوسه كما هو عادتهم المستمرة، فكان ذلك منشأ لهذا الاختلاف فهذا أيضا دليل بل دلائل أخرى مستنبطة من الروايتين المذكورتين على بطلان كون المراد بالنيروز المعتبر شرعا هو الاعتدال الربيعي، فإنه على ذلك لا يمكن توجيه التواريخ المذكورة فيهما أصلا، وكذا حال سائر ما مر من تفاسيره سوى أول فروردين فتعين أن المراد به أول فروردين كما هو المطلوب (انتهى).

[138]

الثاني: ما خطر ببالي وهو أنه لم يصرح في الحديث بالمبعث، بل قال: هبط فيه جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله ولا تلازم بينهما إذ المبعث هو أمر الرسول بتبليغ الرسالة إلى القوم، ويمكن أن يكون نزول جبرئيل عليه صلى الله عليه وآله قبل ذلك بسنين كما يومئ إليه بعض الأخبار أيضا. وأما كون كسر الاصنام في فتح مكة فلا يظهر من هذا الخبر ولا من أكثر الاخبار الواردة فيه، بل صريح بعض الأخبار وظاهر بعضها كون ذلك قبل الهجرة فيمكن الجمع بينهما بالقول بتعدد وقوع ذلك، ويكون أحدهما موافقا للنيروز كما روي من كشف الغمة من مسند أحمد بن حنبل، عن أبي مريم، عن علي عليه السلام قال: انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وآله حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس واصعد على منكبي، فنهضت به فرأى بي ضعفا، وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وآله و قال لي: اصعد على منكبي، فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فانه يختل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله ومن بين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: اقذف به، فقذفت به فتكسر كما تكسر القوارير. ثم نزلت وانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس. والأخبار بهذا المضمون كثيرة، وقد تقدمت و كلها دالة على أن ذلك كان قبل الهجرة، وإلا لم يكن لخوفهما وإخفائهما من القوم معنى، فارتفع التنافي على أي تفسير كان، لعدم معلومية تاريخ نزول جبرئيل عليه السلام ولا كسر الأصنام. فإن قيل: قد صرح في الخبر بأنه اليوم الذي حمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله - الخ - فحمله على ما وقع في الليل بعيد. قلنا: حمل اليوم على ما يشمل الليل شائع، وسراية فضل الليلة وبركاتها إلى اليوم كثيرة كمواليد النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام وغير ذلك. فان قيل: تاريخ فتح نهروان وقتل ذي الثدية أيضا مضبوط في مناقب ابن

[139]

شهر آشوب بتاسع شهر صفر سنة تسع وثلاثين (1) ولا يوافق أول فروردينهم لكونه في السنة المزبورة قبله في أواسط المحرم أو بعده في أواسط شوال على اختلاف الاعتبارين كما مر، ولا أول الربيع لكونه فيها بعده في أواخر شوال، ولا يجري فيه شئ من التوجيهين. قلنا: سنة الفتح المذكور مضبوطة عند جمهور المؤرخين بما ذكر أو بثمان وثلاثين، وأما شهره ويومه فهم ساكتون عنهما، فلا اعتماد في مثل ذلك على نقل واحد منهم. الفائدة الرابعة: قال أبو ريحان في الكتاب المذكور: قال بعض الحشوية: إن سليمان بن داود عليهما السلام لما افتقد خاتمه وذهب عنه ملكه ثم رد إليه بعد أربعين يوما عاد إليه بهاؤه وأتته الملوك، وعكفت عليه الطيور، فقالت الفرس " نوروز آمد " أي جاء اليوم الجديد، فسمي النوروز. وأمر سليمان الريح فحملته واستقبله الخطاف، فقال: أيها الملك ! إن لي عشا فيه بيضات فاعدل، فعدل ولما نزل حمل الخطاف في منقاره ماء فرشه بين يديه وأهدى له رجل جرادة، فذلك سبب رش الماء والهدايا في النيروز. وقالت علماء العجم: هو يوم مختار، لانه سمي بهرمز، وهو اسم الله عزوجل الخالق الصانع المربي للدنيا وأهلها الذي لا يقدر الواصفون على وصف جزء من أجزاء نعمه وإحسانه. وقال سعيد بن الفضل: جبل دماوند وهو بفارس ترى عليه كل ليلة نوروز بروق تسطع وتلمع على صحو الهواء وتغيمه على كل حال من الزمان، وأعجب من هذا نيران " كلواذا " وإن كان القلب لا يطمئن إليها دون مشاهدتها، فقد أخبرني أبو الفرج الزنجاني الحاسب أنه شاهد ذلك مع جماعة قصدوا " كلواذا " سنة دخول عضد الدولة بغداد، وإذا بها نيران وشموع لا تحصى كثرة تظهر في الجانب الغربي من دجلة بازاء كلواذا في الليلة التي يكون في صبيحتها النوروز فإن السلطان وضع هناك رصدة يتجسسون الحقيقة كيلا يكون ذلك من المجوس


(1) قال في المناقب (ج 3، ص 190): وكان ذلك لتسع خلون من صفر سنة ثمان وثلثين. (*)

[140]

أمرا مموها، فلم يقفوا إلا أنها كلما قربوا منها تباعدت، وكلما تباعدوا منها قربت، فقلت لابي الفرج: إن يوم النيروز زائل عن مكانه لاهمال الفرس كبيستهم فلم لم يتأخر عنه هذا الامر ؟ وإن لم يجب تأخره فهل كان يتقدم وقت استعمال الكبيسة ؟ فلم يكن عنده جواب مقنع. وقال أصحاب النيرنجات: من لعق يوم النيروز قبل الكلام إذا أصبح ثلاث لعقات عسل وبخر بثلاث قطاع من شمع كان ذلك شفاء من الادواء. وكان النيروز فيه جرى الرسم بتهادي الناس بينهم السكر والسبب فيه كما حكى مؤبد بغداد أن قصب السكر إنما ظهر في مملكة جم يوم النيروز، ولم يكن يعرف قبل ذلك الوقت، وهو أنه رأى قصبة كثيرة الماء قد مجت شيئا من عصارتها، فذاقها فوجد فيها حلاوة لذيذة، فأمر باستخراج مائها وعمل منه السكر، فارتفع في اليوم الخامس وتهادوه تبركا به، وكذلك استعمل في المهرجان وإنما خصوا وقت الانقلاب الصيفي بالابتداء في السنة لان الانقلابين أولى أن يوقف عليهما بالآلات والعيان من الاعتدالين، وذلك أن الانقلابين هما أوائل إقبال الشمس إلى أحد قطبي الكل وإدبارها عنه بعينه، وإذا رصد الظل المنتصب في الانقلاب الصيفي والظل البسيط في الانقلاب الشتوي في أي موضع اتفق من الارض لم يخف على الراصد يوم الانقلاب، ولو كان من علم الهندسة والهيئة بأبعد البعد، فأما الاعتدالان فإنه لا يوقف على يومهما إلا بعد تقدم المعرفة بعرض البلد والميل الكلي، ثم لا يكون ذلك ظاهرا إلا لمن تأمل الهيئة ومهر في علمها، و عرف آلات الرصد ونصبها والعمل بها، فكان الانقلابان لهذه الاسباب أولى بالابتداء من الاعتدالين، وكان الصيفي منهما أقرب إلى سمت الرؤوس الشمالية، فأثروه على الشتوي. وأيضا فلانه هو وقت إدراك الغلات فهو أصوب لا فتتاح الخراج فيه من غيره. وكثير من العلماء والحكماء اليونانيين أقاموا الطالع لوقت طلوع " كلب الجبار " واستفتحوا به السنة دون الاعتدال الربيعي، من أجل أن طلوعه فيما مضى كان موافقا لهذا الانقلاب أو بالقرب منه، وقد زال هذا اليوم أعني النيروز عن وقته حتى صار في زماننا يوافق دخول الشمس برج الحمل، وهو أول الربيع

[141]

فجرى الرسم لملوك خراسان فيه أن يخلعوا على أساورتهم - أي قواد جيوشهم - الخلع الربيعية والصيفية. واليوم السادس منه وهو روز خرداد منه النوروز الكبير وعند الفرس عيد عظيم الشأن، قيل: إن فيه فرغ الله عن خلق الخلائق لانه آخر الايام الستة المذكورة، وفيه خلق المشتري وأسعد ساعاته ساعات المشتري. وقال أصحاب النيرنجات: من ذاق صبيحة هذا اليوم قبل الكلام السكر وتدهن بالزيت دفع عنه في عامة سنته أنواع البلايا. وقالوا: أمر جمشيد الناس أن يغتسلوا يوم النيروز بالماء ليتطهروا من الذنوب، ويفعلوا ذلك كل سنة ليدفع الله عنهم آفات السنة. وزعم بعض الناس أن جم كان أمر بحفر أنهار، وأن الماء جرى فيها في هذا اليوم فاستبشر الناس بالخصب، واغتسلوا بذلك الماء المرسل فتبرك الخلف بمحاكاة السلف. وقيل: بل السبب في الاغتسال هو أن هذا اليوم لهروزا وهو ملك الماء، والماء يناسبه، فلذلك صار الناس يقومون في هذا اليوم عند طلوع الفجر فيعمدون إلى ماء القنا والحياض، وربما استقبلوا المياه الجارية فيفيضون على أنفسهم منا تبركا ودفعا للآفات، فيه يرش الناس الماء بعضهم على بعض، وسببه هو سبب الاغتسال. ولما كان بعد جم جعلت الملوك هذا الشهر أعني فروردين ماه كله أعيادا مقسومة في أسداسه، فالخمسة الاولى للملوك، والثانية للاشراف، والثالثة لخدام الملوك، والرابعة لحواشيه، والخامسة للعامة، و السادسة للرعاة - إلى آخر ما قال -. وأقول: إنما أوردت هذه الهذيانات لتطلع على بعض خرافاتهم، ولان فيها تأييدا لبعض ما أسلفنا في الفوائد السابقة. ووجدت في بعض الكتب المعتبرة: اعلم أن جمشيد ملك الدنيا وعمر أقاليم إيران، فاستوت له أسبابه، واستقامت له أموره يوم النيروز أول فروردين القديم، فصار أول سنة العجم، وهو يوم ولد فيه كيومرث بن هبة الله بن آدم عليه السلام وأما النيروز السلطاني يوم نزول الشمس أول دقيقة من برج الحمل، فوضع في عهد السلطان جلال الدين ملك شاه بن الب أرسلان واتفق يوم الخميس التاسع من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، و

[142]

المهرجان هو يوم النصف من مهرماه قصد إفريدون الضحاك، وأسره بأرض المغرب وسجنه بجبل دماوند هذا اليوم، فقال إفريدون لاصحابه " اين كاركه من كردم مهرجان بان هست " فسمي لذلك مهرجان، وأول من وضع رسم التهنئة في النيروز والمهرجان افريدون (انتهى). وأقول: روى المنجمون والاحكاميون في كتبهم عن أمير المؤمنين عليه السلام أياما منحوسه في الشهر، وحملوه على شهور الفرس القديم، وهي: الثالث، والخامس والثالث عشر، والسادس عشر، والحادي والعشرون، والرابع والعشرون، و الخامس والعشرون، وجمعوها في هذين البيتين بالفارسية: هفت روزى نحس باشد در مهى * زان حذر كن تا نيابى هيچ رنج سه وپنج وسيزده با شانزده * بسيت ويك با بيست وچار وبيست وپنج وربما يحمل على الشهور العربية كما مر. ورووا أيضا عن الصادق عليه السلام نحوسة بعض أيام شهور الفرس القديمة كما نظمه سلطان المحققين نصير الملة والدين الطوسي قدس الله سره القدوسي في هذه الابيات بالفارسية: زقول جعفر صادق خلاصهء سادات * زماه فارسيان هفت روز مذمو مست نخست روز سيم باز پنجم وپس ازان * چه روز سيزدهم روز شانزده شومست ديگر زعشر سيم بيست ويك چه بيست وچهار * چه بيست وپنج كه آنهم بنحس مرقومست بجز عبادت كارى مكن در اين ايام * اگر چه نيك وبدت هم زرزق مقسومست بماند بيست وسه روز أي خجستهء مختار * كه در عموم حوائج بخير موسومست ولى چهارم وهشتم سفر مكن زنهار * كه خوف هلك در اين هر دو نص محتومست برول پانزدهم پيش پادشاه مرو * اگر چه سنك دلش برتو نيز چون مومست گريز نيز در اينروز ناپسند آمد * كه ره مخوف وهواى خلاص مسمومست مكن دوازدهم باكسى مناظره أي * كه در خصومت اينروز صلح معدومست زروزهاى گزيده همين چهار آنگه * در اين حوائج در سلك نحس منظومست ورووا أيضا عن موسى كليم الله عليه السلام أن للشهور الرومية أياما منحوسة من

[143]

توجه فيها إلى القتال قتل، ومن سافر فيها لم يظفر بمقصوده، ومن تزوج لم يتمتع وهي: أربعة وعشرون يوما في كل شهر يومان: وهي العاشر والعشرون من تشرين الاول، والاول والخامس عشر من تشرين الآخر، والخامس عشر والسابع عشر من كانون الاول، والسابع والرابع عشر من كانون الآخر، والسادس عشر والسابع عشر من شباط، والرابع واليوم العشرون من ازار، والعشرون والثالث من نيسان والسادس والثامن من أيار، والثالث والثامن من حزيران، والعشرون والسادس من تموز والرابع والخامس عشر من آب، والاول والثالث من أيلول وفي بعض النسخ: التاسع والعاشر من تشرين الاول، والتاسع والثاني عشر من كانون الاول والثاني والرابع عشر من كانون الآخر، والثاني عشر والسادس عشر من شباط، والثالث والعاشر من حزيران، وفي بعضها: والرابع والحادي عشر من آب. 8 - المكارم: عن أبي الحسن عليه السلام قال: لا تدع الحجامة في سبع من حزيران، فان فاتك (1) فأربع عشرة (2).


(1) في المصدر: فلا ربع عشرة. (2) المكارم: ج 1، ص 83.

[144]

* (ابواب الملائكة) * 23 * (باب) * * (حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم) * الايات: البقرة: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة - إلى آخر الآيات - (1). وقال تعالى: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين * من كان عدوا لله وملائكته ورسله و جبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (2). وقال تعالى: تحمله الملائكة (3). آل عمران: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم (4). وقال سبحانه: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب (5). وقال عزوجل: وإذ قالت الملائكة يا مريم - الآية - (6). وقال عزوجل: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك - الآية - (7).


(1) البقرة: 30 - 34. (2) البقرة: 97 - 98. (3) البقرة: 248. (4) آل عمران: 18. (5) آل عمران: 39. (6) آل عمران: 42 (7) آل عمران: 45.

[145]

الانعام: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (1). وقال سبحانه: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (2). وقال تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق و كنتم عن آياته تستكبرون (3). وقال تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة (4). الانفال: إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين - إلى قوله تعالى - إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا (5). الرعد: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله (6). وقال تعالى: ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته (7). الحجر: ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8). وقال سبحانه: ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما - إلى آخر القصة - (9). الاسراء: قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من


(1) الانعام: 8 - 9. (2) الانعام: 61. (3) الانعام: 93. (4) الأنعام: 158. (5) الانفال: 9 - 12. (6) الرعد: 11. (7) الرعد: 13. (8) الحجر: 8. (9) الحجر: 51 - 60.

[146]

السماء ملكا رسولا (1). مريم: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (2). الحج: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس (3). الفرقان: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين - إلى قوله تعالى - ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (4). الاحزاب: فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها (5). سبأ: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (6). فاطر: جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير (7). الصافات: والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا (8). وقال تعالى: فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين * مالكم كيف تحكمون * أفلا تذكرون * أم لكم سلطان مبين * فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين * وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون - إلى قوله سبحانه - وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون (9).


(1) الاسراء: 95. (2) مريم: 17. (3) الحج: 75. (4) الفرقان: 21 - 24. (5) الاحزاب: 9. (6) سبأ: 40 - 41. (7) فاطر: 1. (8) الصافات: 1 - 3. (9) الصافات: 149 - 166.

[147]

الزمر: وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم (1). السجدة: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم (2) وقال سبحانه: فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون (3). حمعسق: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض (4). الزخرف: وجعلوا له من عباده جزءا إن الانسان لكفور مبين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفيكم بالبنين - إلى قوله - وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (5). وقال تعالى: ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون (6). الذاريات: فالمقسمات أمرا (7). الحاقة: والملك على أرجائها (8). المعارج: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (9). المدثر: عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا (10). المرسلات: والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا *


(1) الزمر: 75. (2) السجدة: 30 - 32. (3) السجدة: 38. (4) الشورى: 5. (5) الزخرف: 15 - 19. (6) الزخرف: 60. (7) الذاريات: 84. (8) الحاقة: 17. (9) المعارج: 4. (10) المدثر: 30 - 31.

[148]

فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا (1). النبأ: يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا (2). النازعات: والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا (3). عبس: بأيدي سفرة * كرام بررة * قتل الانسان (4). تفسير: " وإذ قال ربك " قد مر تفسيرها في المجلد الخامس، وتدل الآيات على كثير من أحوال الملائكة. " قل من كان عدوا لجبريل " قال الطوسي - رحمه الله -: روي أن ابن صوريا وجماعة من يهود فدك أتوا النبي صلى الله عليه وآله فسألوه عن مسائل فأجابهم، فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أي ملك يأتيك بما أنزل الله (5) عليك ؟ قال: فقال: جبرئيل، قال: ذلك (6) عدونا وينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك، فأنزل الله هذه الآية: " فإنه نزله على قلبك بإذن الله " لامن تلقاء نفسه، وإنما أضافه إلى قلبه لانه إذا أنزل عليه كان يحفظه ويفهمه بقلبه، ومعنى قوله " بإذن الله " بأمر الله. وقيل: أراد بعلمه أو بإعلام الله إياه ما ينزله على قلبك " مصدقا لما بين يديه " أي من الكتب موافقا لها " وهدى وبشرى للمؤمنين " معناه كان فيما أنزله من الامر بالحرب والشدة على الكافرين فإنه هدى وبشرى للمؤمنين " من كان عدوالله وملائكته ورسله " معناه من كان معاديا لله أي يفعل فعل المعادي من المخالفة والعصيان، وقيل: المراد معاداة أوليائه " و


(1) المرسلات: 1 - 6. (2) النبأ: 38. (3) النازعات: 1 - 5. (4) عبس: 16. (5) في المصدر: بما ينزل الله عليك. (6) في المصدر: ذاك.

[149]

جبريل وميكال " أعاد ذكرهما لفضلهما، ولأن اليهود خصوهما بالذكر " فإن الله عدو للكافرين " إنما لم يقل " لهم " لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان (انتهى) (1). وأقول: الظاهر أن التعبير بالكافرين عنهم لبيان أن هذا أيضا من موجبات كفرهم، وتدل الآية على أنه تجب محبة الملائكة وأن عداوتهم كفر. " وقالوا لولا أنزل عليه ملك " قال الطبرسي - رحمه الله -: أي نشاهده فنصدقه " ولو أنزلنا ملكا " على ما اقترحوه لما آمنوا به فاقتضت الحكمة استئصالهم وذلك معنى قوله " لقضي الأمر ثم لا ينظرون " وقيل: معناه لو أنزلنا ملكا في صورته لقامت الساعة أو وجب استئصالهم " ولو جعلناه ملكا " أي الرسول والذي (2) ينزل عليه ليشهد بالرسالة كما يطلبون ذلك " لجعلناه رجلا " لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، لأن أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس، وكان جبرئيل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي وكذلك نبا الخصم إذ تسوروا المحراب وإتيانهم إبراهيم ولوطا في صورة الضيفان من الآدميين " و للبسنا عليهم ما يلبسون " قال الزجاج: كانوا هم يلبسون على ضعفتهم (3) في أمر النبي صلى الله عليه وآله فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم، فقال، لو أنزلنا ملكا فرأوهم الملك رجلا لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم. وقيل: لو أنزلنا ملكا لما عرفوه إلا بالتفكر وهم لا يتفكرون فيبقون في اللبس الذي كانوا فيه. وأضاف اللبس إلى نفسه لأنه يقع عند إنزاله الملائكة (4). وقال - رحمه الله - في قوله تعالى " ويرسل عليكم حفظة ": أي ملائكة يحفظون


(1) مجمع البيان: ج 1، ص 167 نقلا بالمعنى والتلخيص. (2) في المصدر: أي لو جعلنا الرسول ملكا أو الذي.. (3) الضعفة كالطلبة جمع " الضعيف ". (4) مجمع البيان: ج 4، ص 276.

[150]

أعمالكم ويحصونها عليكم ويكتبونها، وفي هذا لطف للعباد لينزجروا عن المعاصي إذا علموا أن عليهم حفظة من عند الله يشهدون بها عليهم يوم القيامة " توفته " أي تقبض روحه " رسلنا " أي أعوان ملك الموت، عن ابن عباس وغيره: قالوا: و إنما يقبضون بأمره، (1) ولذا أضاف التوفي إليه في قوله " قل يتوفيكم ملك الموت ". " وهم لا يفرطون " أي لا يضيعون أو لا يغفلون ولا يتوانون أو لا يعجزون (2). وقال البيضاوي في قوله سبحانه " ولو ترى إذا الظالمون ": حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه، أي ولو ترى الظالمين " في غمرات الموت " أي في شدائده، من " غمره الماء " إذا غشيه " والملائكة باسطوا أيديهم " بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ (3) أو بالعذاب " أخرجوا أنفسكم " أي يقولون لهم: أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظا وتعنيفا عليهم، أو أخرجوها من العذاب وخلصوها من أيدينا " اليوم " يريد به وقت الاماتة أو الوقت الممتد من الاماتة إلى مالا نهاية له " تجزون عذاب الهون " أي الهوان يريد العذاب المتضمن لشدة وإهانة (4) (انتهى). " له معقبات " قال الطبرسي - رحمه الله -: اختلف في الضمير الذي في " له " على وجوه: أحدها: أنه يعود إلى " من " في قوله " من أسر القول ومن جهر به ". والآخر: أنه يعود إلى اسم الله تعالى وهو عالم الغيب والشهادة. وثالثها: أنه يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله في قوله " إنما أنت منذر " واختلف في المعقبات على أقوال: أحدها: أنها الملائكة يتعاقبون تعقب ملائكة الليل ملائكة النهار وملائكة النهار ملائكة الليل، وهم الحفظة يحفظون على العبد عمله، وقال


(1) في المصدر: وانما يقبضون الارواح بامره ولذلك... (2) مجمع البيان: ج 4، ص 313. (3) أي الملازم الملح. (4) انوار التنزيل: ج 1، ص 391.

[151]

الحسن: هم أربعة أملاك يجتمعون عند صلوة الفجر، وهو معنى قوله " إن قرآن الفجر كان مشهودا " وقد روي ذلك أيضا عن أئمتنا عليهم السلام. والثاني: أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيحولون (1) بينه وبين المقادير، عن علي عليه السلام. وقيل: هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه من بين يديه ومن خلفه " يحفظونه من أمر الله " أي يطوفون به كما يطوف الملك الموكل بالحفظ، وقيل: يحفظون ما تقدم من عمله وما تأخر إلى أن يموت فيكتبونه، وقيل: يحفظونه من وجوه المهالك والمعاطب، ومن الجن والانس والهوام، وقال ابن عباس: يحفظونه مما لم يقدر نزوله فإذا جاء المقدر بطل الحفظ، وقيل: من أمر الله أي بأمر الله، وقيل: يحفظونه عن خلق الله، فتكون من بمعنى عن، قال كعب: لولا أن الله وكل بكم ملائكته يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم ليخطفنكم الجن (2) (انتهى). وقال الرازي في تفسيره: روي أنه قيل: يا رسول الله ! اخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ فقال عليه السلام: ملك عن يمينك للحسنات (3) هو أمين على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتب عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين: اكتب، قال: لا لعله يتوب، فإذا قال ثلاثا قال: نعم، أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله واستحياءه منا ! فهو (4) قوله - تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لربك رفعك، وإن تجبرت قصمك، وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلوة وملك (5) على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملك (6) على عينيك


(1) في المصدر: فيحيلون. (2) مجمع البيان: ج 6، ص 280 - 281. (3) في المصدر: يكتب الحسنات. (4) في المصدر: وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى... (5) في المصدر: الصلوة على. (6) في المصدر: وملكان.

[152]

فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ملائكة الليل (1) وملائكة النهار، فهم عشرون ملكا على كل آدمي. ثم قال: فإن قيل: ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا ؟ قلنا: اعلم أن هذا الكلام غير مستبعد، وذلك لان المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة، وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الارواح وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم، ولذلك فإنهم (2) يقولون أخبرني طبائع التام (3)، ومرادهم بالطبائع التام أن لكل إنسان روحا فلكية تتولى إصلاح مهماته ورفع (4) بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقا عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الاحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع ؟ وتمام التحقيق فيه أن الارواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وبعضها قوية القهر والسلطان وبعضها سخيفة (5)، وكما أن الامر في الارواح البشرية كذلك (6) الامر في الارواح الفلكية، لكنه لا شك أن الارواح الفلكية في كل باب وصفة أفوى من الارواح البشرية، فكل طائفة من الارواح تكون مشاركة (7) في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة، فإنها تكون في مرتبة روح من الارواح الفلكية، مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، وتكون تلك الارواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي، ومتى كان الامر كذلك فان ذلك الروح الفلكي يكون معينا لها على مهماتها، ومرشدا لها إلى مصالحها، وعاصما


(1) في المصدر: تبدل ملائكة الليل بملائكة النهار. (2) كذا في النسخ، وفي المصدر " تراهم يقولون... ": (3) في المصدر: الطبائع التام. (4) في المصدر: ودفع... (5) في المصدر: ضعيفة. (6) في المصدر: فكذا الامر. (7) في المصدر وبعض النسخ: متشاركة.

[153]

لها من صنوف الآفات، فهذا كلام ذكره محققوا الفلاسفة، وإذا كان الامر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر معقول مقبول عند الكل، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة ؟ فان قيل (1): ما الفائدة في اختصاص هؤلاء الملائكة مع بني آدم وتسليطهم عليهم ؟ قلنا: فيه وجوه: الاول: أن الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات. الثاني: قال مجاهد: ما من عبد إلا ومعه ملك موكل يحفظه من الجن والانس والهوام في نومه ويقظته. الثالث: أنا نرى أن الانسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب، ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سببا من أسباب مصلحته (2) و خيراته، وقد ينكشف أيصا بالأخرة أنه كان سببا لوقوعه في آفة أو معصية ومفسدة فظهر أن الداعي إلى الامر الاول كان مريدا للخير والراحة، وإلى الامر الثاني كان مريدا للفساد والمحنة، والاول هو الملك الهادي، والثاني هو الشيطان المغوي. الرابع: أن الانسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أفرب، لان من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم، فإذا حاول الاقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الاقدام عليها كما يزجره إذا حضر (3) من يعظمه من البشر، وإذا علم أن الملائكة (4) يكتبونها كان الردع أكمل.


(1) في المصدر: ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل. الاول... (2) في المصدر: مصالحه. (3) في المصدر: كما يزجره عنها إذا حضره... (4) في المصدر: وإذا علم ان الملائكة تحصى عليه الاعمال كان ذلك أيضا رادعا له عنها، وإذا علم أن الملائكة يكتبونها...

[154]

فان قيل (1): ما الفائدة في كتب أعمال العباد ؟ قلنا: ههنا مقامان (2): المقام الاول: أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتب. قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها، فإن رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة وبالضد (3)، قال القاضي: هذا يبعد (4)، لأن الأدلة قد دلت على أن كل أحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء، فلا يجوز توقيف حصول تلك المعرفة على الميزان. ثم أجاب (5) وقال: لا يمتنع مارويناه لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة و بالضد من ذلك في أعداء الله. والمقام الثاني: وهو قول حكماء الاسلام أن الكتبة (6) عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف (7) بعض المعاني المخصوصة، فلو قدرنا تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل إذا ثبت هذا فنقول: إن الانسان إذا أتى بعمل من الاعمال مرات وكرات كثيرة متوالية حصلت في نفسه بسبب تكرارها (8) ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة نافعة (9) في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت، وإن كانت تلك الملكة ضارة في الاحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت، إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير لما كان سببا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من


(1) في المصدر: السؤال الخامس. (2) في المصدر: مقامات: الاول.. (3) في المصدر: وإن كان بالضد فبالضد. (4) في المصدر: بعيد (5) في المصدر: ثم اجاب القاضي عن هذا الكلام. (6) كذا في النسخ، وفي المصدر: أن الكتابة.. (7) في المصدر: لتعريف المعاني.. (8) في المصدر: وبعض النسخ: تكررها. (9) في المصدر: سارة بالاعمال النافعة.

[155]

تلك الاعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الاثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للانسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو أثر من آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الاعمال عند هؤلاء والله العالم بحقائق الأمور (1) (انتهى). وإنما نقلنا كلامه لتطلع على تحريفات الفلاسفة وتأويلاتهم للآيات و الاخبار من غير ضرورة سوى الاستبعادات الوهمية وعدم الاعتناء بكلام صاحب الشريعة. " ويوم يحشرهم جميعا " أي العابدين لغير الله والمعبودين " أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون " على الانكار ليعترفوا بخلافه " قالوا سبحانك " أي تنزيها لك عن أن يعبد سواك " أنت ولينا " أي ناصرنا وأولى بنا من دونهم، أي من دون هؤلاء الكفار وما كنا نرضى بعبادتهم إيانا " بل كانوا يعبدون الجن " أي إبليس و ذريته حيث أطاعوهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة وغيرهم " أكثرهم بهم مؤمنون " مصدقون بالشياطين مطيعون لهم. " جاعل الملائكة رسلا " قال الطبرسي - رحمه الله -: أي إلى الانبياء بالرسالات والوحي " أولي أجنحة " جعلهم كذلك ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول إلى الارض فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة أجنحة ومنهم من له أربعة أجنحة، عن قتادة وقال " يزيد فيها ما يشاء " وهو قوله " يزيد في الخلق ما يشاء " قال ابن عباس: رأى رسول الله جبرئيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح، وقيل: أراد بقوله " يزيد في الخلق ما يشاء " حسن الصوت، وقيل: هو الملاحة في العينين، و عن النبي صلى الله عليه وآله قال: هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن (2). وقال الرازي: أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان، وما بعدهما


(1) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 275 - 277. (2) مجمع البيان: ج 8، ص 400.

[156]

زيادة. وقال قوم فيه: إن الجناح إشارة إلى الجهة، وبيانه هو أن الله ليس فوقه شئ وكل شئ فهو تحت قدرته ونعمته، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم ما أخذوا بإذن الله، كما قال تعالى " نزل به الروح الامين على قلبك " وقوله " علمه شديد القوى " وقال تعالى في حقهم " فالمدبرات أمرا " فهما جناحان، وفيهم من يفعل الخير بواسطة، وفيهم من يفعله لا بواسطة، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات، وفيهم من له أربع جهات وأكثر، والظاهر ما ذكرناه أولا، وهو الذي عليه إطباق المفسرين (1). وقال في قوله تعالى " والصافات صفا - الآيات - " هذه الاشياء الثلاثة المقسم بها يحتمل أن تكون صفات ثلاثة لموصوف واحد، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متبائنة، أما على التقدير الاول ففيه وجوه: الاول: أنها صفات الملائكة، وتقريره أن الملائكة يقفون صفوفا إما في السماوات لأداء العبادات كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا " وإنا لنحن الصافون " وقيل: إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء ويقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم، و يحتمل أيضا أن يقال: معنى كونهم صفوفا أن لكل واحد منهم مرتبة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة، أو في الذات والعلية (2) وتلك الدرجات المترتبة باقية غير متغيرة، وذلك نسبة (3) الصفوف. وأما قوله تعالى " فالزاجرات زجرا " فقال الليث: زجرت البعير أزجره زجرا إذا حثثته ليمضي، وزجرت فلانا عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وللانسان كالنهي، فنقول: في وصف الملائكة بالزجر وجوه: الاول: قال ابن عباس: يريد الملائكة التي وكلوا بالسحاب يزجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع.


(1) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 30. (2) في المصدر: والغلبة. (3) في المصدر: يشبه الصفوف.

[157]

الثاني: المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الالهامات، فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا. الثالث: لعل الملائكة أيضا يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر (1) والإيذاء وأقول: قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يقبل الاثر وهو الله سبحانه وهو أشرف الموجودات، ومتأثر لا يؤثر، وهو عالم الاجسام وهو أخس الموجودات، وموجود يؤثر في شئ ويتأثر عن شئ آخر وهو عالم الارواح، و ذلك لانها تقبل الاثر عن عالم كبرياء الله ثم إنها تؤثر في عالم الاجسام. واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الاجسام وتقدر على التصرف فيها، وقوله " فالتاليات ذكرا " إشارة إلى الاشرف من الجهة التي بإعتبارها يقوى على التأثير في عالم الاجسام إذا عرفت هذا فقوله " والصافات صفا " إشارة إلى وقوفها صفا صفا في مقام العبودية والطاعة والخضوع والخشوع، وهو الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات الصمدية، وقوله تعالى " فالزاجرات زجرا " إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الارواح القدسية البشرية، وإخراجها من القوة إلى الفعل، وذلك أنه (1) كالقطرة بالنسبة إلى البحر، وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس، وأن هذه الارواح البشرية إنما تنتقل من القوة إلى الفعل في المعارف الالهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة، ونظيره قوله تعالى: " ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده " (3) وقوله " نزل به الروح الامين على قلبك (4) " و


(1) في بعض النسخ: بالشرك والايذاء. (2) في المصدر: لما ثبت ان هذه الارواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة.. (3) النحل: 2. (4) الشعراء: 193.

[158]

قوله " فالملقيات ذكرا (1). إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية دقيقة أخرى، وهي أن الكمال المطلق للشئ إنما يحصل إذا كان تاما وفوق التام، والمراد بكونه تاما أن تحصل الكمالات اللائقة به حصولا بالفعل، والمراد بكونه فوق التام أن يفيض منه أصناف الكمالات والنوالات (2) على غيره، ومن المعلوم أن كونه كاملا في ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره، إذا عرفت هذا فقوله " والصافات صفا " إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة، وقوله تعالى: " فالزاجرات زجرا " إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة مالا ينبغي عن جواهر الارواح البشرية، وقوله تعالى: فالتاليات ذكرا " إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والانوار الالهية على الانوار (3) الناطقة البشرية، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات دقيقة (4) تنطبق عليها هذه الالفاظ الثلاثة. الثاني: أن تحمل هذه الصفات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الارض، وبيانه من وجهين: الاول: أن قوله: " والصافات صفا " المراد به الصفوف الحاصلة عند أداء الصلاة بالجماعة، وقوله: " فالزاجرات زجرا " إشارة إلى قراءة " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة، وقوله: " فالتاليات ذكرا " إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة، وقيل: (5) إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت.


(1) المرسلات: 5. (2) في المصدر: والسعادات. (3) في المصدر: الارواح. (4) في المصدر: حقيقية. (5) في المصدر: حقيقة فالزاجرات زجرا > > اشارة إلى...

[159]

والوجه الثاني أن المراد بالاول الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى، وبالثاني اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات وبالثالث اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب في العمل بشرائع الله. الوجه الثالث: أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله، فالمراد بالاول صفوف القتال كقوله (1) تعالى: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا (2) " وبالثاني رفع الصوت بزجر الخيل، وبالثالث اشتغالهم وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله بالتهليل والتقديس. والوجه الرابع: أن نجعلها صفات لآيات القرآن، فالاول المراد به كونها أنواعا مختلفة بعضها في دلائل التوحيد، وبعضها في بيان التكاليف والاحكام، وبعضها في تعليم الاخلاق الفاضلة، وهذه الآيات مترتبة (3) ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل، فهي تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معينة، وبالثاني الآيات الزاجرة عن الافعال المنكرة، وبالثالث الآيات الدالة على وجوب الاقدام على أعمال البر والخير، و وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل، قال تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (4) " وأما الاحتمال الثاني هو أن يكون المراد بهده الثلاثة أشياء متغايرة، فقيل المراد بقوله " والصافات صفا " الطير من قوله تعالى " والطير صافات (5) " والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل ما يتلى من كتاب الله. وأقول: فيه وجه آخر، وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية، أما الجسمانية فإنها مترتبة (6) على طبقات ودرجات لا يتغير البتة


(1) في المصدر: لقوله تعالى. (2) سورة الصف: 3. (3) في المصدر: مرتبة. (4) الاسراء: 9. (4) النور: 41. (6) في المصدر: مرتبة.

[160]

فالارض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء، والماء محفوف بالهواء، والهواء بالنار، ثم هذه الاربعة بكرات الافلاك إلى آخر العالم الجسماني، فهذه الاجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى، وأما الجواهر الروحانية الملكية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين: أحدهما التأثير في عالم الاجسام بالتحريك والتصرف (1) وإليه الاشارة بقوله " فالزاجرات زجرا " فانا بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك، والثاني الادراك والمعرفة والاستغراق في معرفة الله والثناء عليه، وإليه الاشارة بقوله تعالى " فالتاليات ذكرا " ولما كان الجسم أدنى منزلة من الارواح المشتغلة بالتصرف في الجسمانيات وهي أدون منزلة من الارواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته " (2) لاجرم بدأ في المرتبة الاولى بذكر الاجسام، ثم ذكر الارواح المدبرة لاجسام هذا العالم، ثم ذكرأ على الدرجات وهي الارواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه، فهذه احتمالات خطرت بالبال، والعالم بأسرار كلام الله ليس إلا الله (3). " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون " قال البيضاوي: أمر باستفتائهم حيث جعلوا لله البنات ولانفسهم البنين في قولهم الملائكة بنات الله، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخرى: التجسيم وتجويز الفناء على الله، فإن الولادة مخصوصة بالاجسام الكائنة الفاسدة، وتفضيل أنفسهم عليه على وجه القسمة حيث جعلوا أوضع الجنسين له، وأرفعهما لهم، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم، ولذلك كرر الله إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارا، وجعله مما يكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الارض وتخر الجبال هدا، والانكار ههنا مقصور على الاخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما، ولان فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم، حيث جعل


(1) في المصدر: والتصريف. (2) الانبياء: 19. (3) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 122 - 125.

[161]

المعادل للاستفهام على التقسيم " أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون " وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا به، فإن الانوثة ليست من لوازم ذاتهم ليمكن معرفته بالعقل الصرف، مع ما فيه من الاستهزاء والاشعار بأنهم لفرط جهلهم ينبؤون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم " ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله " لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه " وإنهم لكاذبون " فيما يتدينون به " أصطفى البنات على البنين " استفهام إنكار واستبعاد، والاصطفاء أخذ صفوة الشئ " ما لكم كيف تحكمون " بما لا يرتضيه عقل " أفلا تذكرون " أنه منزه عن ذلك " أم لكم سلطان مبين " حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته " فأتوا بكتابكم " الذي أنزل عليكم " إن كنتم صادقين " في دعواكم " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " يعني الملائكة، ذكرهم باسم جنسهم وضعا منهم أن يبلغوا هذه المرتبة، وقيل قالوا: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة، وقيل: قالوا الله والشيطان أخوان " ولقد علمت الجنة أنهم " أن الكفرة أو الانس أو الجنة إن فسرت بغير الملائكة " لمحضرون " في العذاب " وما منا إلا له مقام معلوم " حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية بالرد (1) على عبدتهم، والمعنى: وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله تعالى في تدبير العالم " وإنا لنحن الصافون " في أداء الطاعة ومنازل الخدمة " وإنا لنحن المسبحون " المنزهون الله (2) عما لا يليق به، ولعل الاول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعارف (3). وقال الطبرسي - رحمه الله - " وما منا إلا له مقام معلوم " هذا قول جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وقيل: إنه قول الملائكة، وفيه مضمر أي: وما منا معشر الملائكة ملك إلا وله مقام معلوم في السماوات يعبد الله فيه، وقيل: معناه أنه لا يتجاوز ما امر به ورتب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الذي حد له، فكيف يجوز


(1) في المصدر: للرد. (2) في المصدر: لله. (3) أنوار التنزيل " ج 2، ص 334 - 336. (*)

[162]

له أن يعبد من هو بهذه الصفة وهو عبد مربوب ؟ " وإنا لنحن الصافون " حول العرش ننتظر الأمر والنهي من الله تعالى، وقيل: القائمون صفوفا في الصلوة. قال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الارض، وقال الجبائي صافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة والتسبيح " وإنا لنحن المسبحون " أي المصلون المنزهون الرب عما لا يليق به، ومنه قيل: فرغت من سبحتي أي من صلوتي، و ذلك لما في الصلوة من تسبيح الله وتعظيمه، والمسبحون القائلون سبحان الله على وجه التعظيم لله (1). وقال في قوله تعالى " وترى الملائكة حافين من حول العرش " معناه ومن عجائب أمور الآخرة أنك ترى الملائكة محدقين بالعرش يطوفون حوله " يسبحون بحمد ربهم " أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به ويذكرونه بصفاته التي هو عليها وقيل: يحمدون الله تعالى حيث دخل الموحدون الجنة (2). وفي قوله " تتنزل عليهم الملائكة ": يعني عند الموت، روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام وقيل: تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى، وقيل: إن البشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر وعند البعث. " نحن أولياؤكم " أي نحن معاشر الملائكة أنصاركم وأحباؤكم " في الحيوة الدنيا " نتولى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى " وفي الآخرة " نتولاكم بأنواع الاكرام والمثوبة، وقيل: نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا أي نحن نحرسكم في الدنيا وعند الموت وفي الآخرة عن أبي جعفر عليه السلام (3). وقال الرازي في قوله تعالى " نحن أولياؤكم - الآية - ": هذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال " وقيضنا لهم قرناء فزينو الهم " (4) ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الارواح البشرية بالإلهامات و


(1) مجمع البيان: ج 8، ص 461. (2) مجمع البيان: ج 8، ص 511. (3) مجمع البيان: ج 9، ص 12 - 13. (4) فصلت: 25.

[163]

المكاشفات اليقينية، والمقامات الحقة (1) كما أن للشياطين (2) تأثيرات في الارواح بإلقاء الوساوس فيها، وتخييل الأباطيل إليها، وبالجملة فكون الملائكة أولياء للارواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لارباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدنيا فهي تكون باقية في الآخرة، فإن تلك العلائق (3) لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إلى الشمس، والقطرة بالنسبة إلى البحر، والتعلقات الجسدانية هي (4) تحول بينها وبين الملائكة كما قال صلى الله عليه وآله " لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات " فإذا زالت العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الاثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله " نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا وفي الآخرة " ثم قال: والاقرب عندي أن قوله " ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم " إشارة إلى الجنة الجسمانية " ولكم فيها ما تدعون " إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله تعالى " دعويهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعويهم أن الحمد الله رب العالمين (5) " (انتهى). " فالذين عند ربك " أي جميع الملائكة أو طائفة مخصوصة منهم، وعلى الاول دوام تسبيحهم لا ينافي اشتغالهم بسائر الخدمات، مع أن تلك الخدمات أيضا نوع من تسبيحهم " وهم لا يسأمون " أي لا يملون ولا يفترون. وقال الرازي في قوله تعالى " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ": اعلم


(1) في المصدر: المقامات الحقيقية. (2) في المخطوطة: للشيطان. (3) في المصدر: ذاتية لازمة. (4) في المصدر: الجسمانية التي تحول. (5) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 371، والآية في سورة، يونس: 10.

[164]

أن مخلوقات الله نوعان: [نوع] عالم الجسمانيات وأعظمها السماوات، وعالم الروحانيات وأعظمها الملائكة، فبين سبحانه كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات فقال " تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن " (1) ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات فقال: " والملائكة يسبحون بحمد ربهم " والجواهر الروحانية لها تعلقان: تعلق بعالم الجلال والكبرياء وهو تعلق القبول فإن الاضواء الصمدية إذا شرقت على الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها وأشرقت ماهياتها، ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الربانية (2) قويت بها على الاستيلاء على عالم (3) الجسمانيات، وإذا كان كذلك فلها وجهان: وجه إلى حضرة الجلال، ووجه إلى عالم الاجسام، والوجه الاول أشرف من الثاني: إذا عرفت هذا فنقول: أما الجهة الاولى وهي الجهة المقدسة العلوية فقد اشتملت على أمرين: أحدهما التسبيح، والثاني التحميد، لان التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه معطيا (4) لكل الخيرات، وكونه منزها في ذاته عما لا ينبغي مقدم بالرتبة على كونه فياضا للخيرات والسعادات، لان وجود الشئ (5) وحصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره، فلهذا السبب كان التسبيح مقدما على التحميد، ولهذا قال " يسبحون بحمد ربهم " وأما الجهة الثانية وهي الجهة التي لتلك الارواح إلى عالم الجسمانيات فالاشارة إليها بقوله " ويستغفرون لمن في الارض " والمراد منها تأثيراتها في نظم أحوال هذا العالم وحصول الطريق الاصوب فيها (6) (انتهى). واستدل بالآية على عصمة الملائكة، لانهم لو كانوا مذنبين كانوا يستغفرون


(1) الشورى: 5. (2) في المصدر: الروحانية. (3) في المصدر: عوالم. (4) في المصدر: مفيضا. (5) في المصدر: وجود الشئ مقدم على ايجاد غيره وحصولة.. (6) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 387 - 388.

[165]

لانفسهم قبل استغفارهم لغيرهم، وفيه نظر. " وجعلوا له من عباده جزءا " فقالوا الملائكة بنات الله وسماء جزءا لأن الولد جزء من الوالد، وهو يستلزم التركيب المنافي لوجوب الوجود " لكفور مبين " أي ظاهر الكفران " وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا " أي بالجنس الذي جعله له مثلا، إذ الولد لابد أن يماثل الوالد " ظل وجهه مسودا " أي صار وجهه أسود في الغاية، لما يعتريه من الكآبة " وهو كظيم " أي مملو قلبه من الكرب " أو من ينشأ في الحليه " أي أو جعلوا له أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات " وهو في الخصام " أي في المجادلة " غير مبين " أي غير مقرر لما يدعيه من نقصان العقل و ضعف الرأي " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله أنقصهم عقلا وأخصهم صنفا " أشهدوا خلقهم " أي أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثا، فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم لهم " ستكتب شهادتهم " التي شهدوا بها على الملائكة " ويسألون " أي عنها " يوم القيامة ". " فالمقسمات أمرا " أي الملائكة يقسمون الامور بين الخلق على ما أمروا به. قال الطبرسي - رحمه الله -: روي أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب على المنبر فقال: ما الذاريات ذروا ؟ قال الرياح، قال: فالحاملات وقرا ؟ قال: السحاب قال: فالجاريات يسرا ؟ قال: السفن، قال: فالمقسمات أمرا ؟ قال: الملائكة وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد (1). " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " قيل: أي كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة، وذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع، وقيل: امتداد ذلك اليوم على بعض الكفار كذلك، وقيل: معناه أن أول نزول الملائكة في الدنيا بأمره ونهيه وقضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء وهو القيامة هذه المدة.


(1) مجمع البيان: ج 9، ص 152.

[166]

" عليها تسعة عشر " قال الطبرسي - رحمه الله -: أي من الملائكة وهم خزنتها مالك (1) وثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي (2)، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، تسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم. " وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة " أي وما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل النار " وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا " أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة وتشديدا في التكليف (3). لان الكفار استقلوا هذا العدد وزعموا أنهم يقدرون على دفعهم، وقد مر الكلام في تلك الآيات في كتاب المعاد. " والمرسلات عرفا " روى الطبرسي عن أبي حمزة الثمالي عن أصحاب علي عنه عليه السلام أنها الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه " والعاصفات عصفا " يعني الرياح الشديدات الهبوب " والناشرات نشرا " الملائكة تنتشر (4) الكتب عن الله " فالفارقات فرقا " هي آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال " فالملقيات ذكرا " الملائكة تلقي الذكر إلى الانبياء وتلقيه الانبياء إلى الامم (5). وقال البيضاوي: أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن الله (6) متتابعة، فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرن الشرائع في الارض، أو نشرن النفوس (7)


(1) في المصدر: ومعه. (2) الصياصي: جمع " الصيصة " و " الصيصية " وهى الشوكة التى يسوي الحائك بها بين السدى واللحمة. وصياصي البقر. قرونها. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 388. (4) تنشر (ظ). (5) مجمع البيان: ج 10، ص 415 نقلا بالمعنى. (6) في المصدر: بأوامره. (7) في المصدر: الموتى.

[167]

الميتة بالجهل بما أو حين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكرا، عذرا للمحقين، ونذرا للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد صلى الله عليه وآله فعصفن سائر الكتب أو الأديان بالنسخ، ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لا ستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، و نشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرقن بين الحق بذاته والباطل بنفسه (1) فرأون كل شئ هالكا إلا وجهه، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب والأ لسنة إلا ذكرهم (2)، أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن فألقين ذكرا أي تسببن له، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها أو آثارها ذكر الله تعالى، وتذكر كمال قدرته، " وعرفا " إما نقيض النكر، وانتصابه على العلة، أي أرسلن للاحسان والمعروف أو بمعنى المتابعة من عرف الفرس و انتصابه على الحال " عذرا أو نذرا " مصدران: لعذر إذا محا الاساءة، وأنذر إذا خوف، أو جمعان لعذر (3) بمعنى المعذرة ونذر (4) بمعنى الانذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأولين بالعلية أي عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين، أو البدلية من " ذكرا " على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد والشرك والإيمان والكفر، وعلى الثالث بالحالية، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالتخفيف (5). " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " قال الطبرسي - رحمه الله -: اختلف في معنى الروح هنا على أقوال:


(1) في المصدر: في نفسه، فيرون.. (2) في المصدر: ذكر الله. (3) في المصدر: لعذير. (4) في المصدر: ونذير. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 574.

[168]

أحدها: أن الروح خلق من خلق الله تعالى على صورة بني آدم وليسوا بناس وليسوا بملائكة (1)، يقومون صفا والملائكة صفا، هؤلاء جند وهؤلاء جند عن مجاهد وقتادة وأبي صالح، قال الشعبي: هما (2) سماطا رب العالمين يوم القيامة، سماط من الروح، وسماط من الملائكة. وثانيها: أن الروح ملك من الملائكة، وما خلق الله مخلوقا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون عظم خلقه مثل صفهم، عن ابن مسعود وعن عطاء عن ابن عباس. وثالثها: أنه (3) أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد، عن عطية عن ابن عباس. ورابعها: أنه جبرئيل عليه السلام عن الضحاك، وقال وهب: إن جبرئيل واقف بين يدي الله عزوجل ترعد فرائصه (4)، يخلق الله عزوجل من كل رعدة مائة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسوا رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا أنت " وقال صوابا " أي لا إله إلا الله. وروى علي ابن إبراهيم بإسناد عن الصادق عليه السلام قال: هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل (5). وخامسها: أن الروح بنو آدم، عن الحسن، وقوله " صفا " معناه مصطفين (6). وقال في قوله " والنازعات غرقا ": اختلف في معناه على وجوه: أحدها: أنه يعني (7) الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم


(1) في المصدر: على صورة بني آدم وليسوا بملائكة. (2) السماط، الشئ المصطف، وسماط القوم، صفهم. (3) في المصدر: ان ارواح. (4) الفرائص: - بالصاد المهملة - جمع " الفريصة " وهي اللحمة بين الجنب والكتف، وارتعاد الفرائص كناية عن الفزع الشديد. (5) تفسير القمي: 710. (6) مجمع البيان: ج 10، ص 426. (7) في المصدر: يعني به.

[169]

بالشدة، كما يغرق (1) النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، روي ذلك عن علي عليه السلام وغيره، وقال مسروق: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وقيل: هو الموت ينزع النفوس، عن مجاهد، وروي ذلك عن الصادق عليه السلام. وثانيها: أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق أي تطلع ثم تغيب، قال أبو عبيدة: تنزع من مطالعها وتغرق في مغاربها. وثالثها: النازعات القسي (2) تنزع بالسهم، والناشطات الاوهاق (3) فالقسم بفاعلها وهم المجاهدون (4). " والناشطات نشطا " فيه أيضا أقوال: أحدها: ما ذكرناه. وثانيها: أنها الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والاظفار حتى تخرجها من أجوافهم بالكرب والغم، عن علي عليه السلام والنشط الجذب، يقال: نشطت الدلو نشطا نزعته. وثالثها: أنها الملائكة تنشط أنفس المؤمنين فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنها، عن ابن عباس. ورابعها: أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج عند رؤية موضعه من الجنة، عن ابن عباس أيضا. وخامسها: أنها النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب يقال: حمار ناشط. " والسابحات سبحا " فيه (5) أقوال: أيضا: أحدها: أنها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ثم


(1) أغرق وغرق في القوس مدها غاية المد. (2) القسي - بكسر القاف والسين وتشديد الياء - جمع " قوس ". (3) الاوهاق: جمع " وهق " وهو حبل في طرفه انشوطة بطرح في عنق الدابة حتى تؤخذ. (4) في المصدر: وهم الغزاة المجاهدون في سبيل الله. (5) في المصدر: فيها.

[170]

يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشئ في الماء يرمى به، عن علي عليه السلام. وثانيها: أنها الملائكة ينزلون عن السماء مسرعين، وهذا كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه. وثالثها: أنها النجوم تسبح في فلكها، وقيل: هي خيل الغزاة تسبح في عدوها كقوله: " والعاديات ضبحا " وقيل: هي السفن تسبح في الماء. " والسابقات سبقا " فيه (1) أيضا أقوال: أحدها: أنها الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح وقيل: إنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقيل: إنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، عن علي عليه السلام. وثانيها: أنها أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور، شوقا إلى رحمة الله ولقاء ثوابه وكرامته، وثالثها: أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. ورابعها: أنها الخيل يسبق بعضها بعضها في الحرب. " فالمدبرات أمرا " فيها أيضا أقوال: أحدها: أنها الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة، عن علي عليه السلام. وثانيها: أن المراد بذلك جبرئيل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل عليهم السلام. يدبرون أمور الدنيا، فأما جبرئيل عليه السلام فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالامر عليهم. وثالثها: أنها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالى فيجري بها القضاء في الدنيا رواه علي بن إبراهيم (2).


(1) في المصدر: فيها. (2) لم يوجد الرواية في تفسير القمي، مجمع البيان: ج 10، ص 429.

[171]

وقال في قوله تعالى: " في صحف مكرمة " أي هذا القرآن أو هذه التذكرة في كتب معظمة عند الله، وهي اللوح المحفوظ، وقيل: يعني كتب الأنبياء المنزلة عليهم " مرفوعة " في السماء السابعة، وقيل: مرفوعة قد رفعها الله عن دنس الأنجاس " مطهرة " لا يمسها إلا المطهرون، وقيل: مصونة عن أن تنالها أيدي الكفرة لأنها في أيدي الملائكة، في أعز مكان، وقيل: مطهرة من كل دنس، وقيل: مطهرة من الشك والشبهة والتناقض " بأيدي سفرة " يعني الكتبة من الملائكة، و قيل: يعني السفراء بالوحي بين الله تعالى وبين رسله من السفارة، وقال قتادة: هم القراء يكتبونها ويقرؤونها، وروى فضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام قال: الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة، كرام على ربهم، بررة مطيعين وقيل: كرام عن المعاصي يرفعون أنفسهم عنها، بررة أي صالحين متقين (1). 1 - الاحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام فيما احتج رسول الله صلى الله عليه وآله به على المشركين: والملك لا تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء، لا عيان منه، ولو شاهدتموه بأن يزداد في قوى أبصاركم لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر (2) (الخبر). 2 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر المعراج قال النبي صلى الله عليه وآله: وصعد جبرائيل، وصعدت معه إلى السماء الدنيا، وعليها ملك يقال له " إسماعيل " وهو صاحب الخطفة الذي (3) قال الله عزوجل " إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (4) " وتحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك، ثم مررت - وساق الحديث إلى قوله - حتى دخلت السماء الدنيا فما لقيني ملك إلا ضاحكا مستبشرا، حتى لقيني ملك


(1) مجمع البيان: ج 10، ص 438. (2) الاحتحاج: 15. (3) في المصدرين: التي. (4) الصافات: 10.

[172]

من الملائكة لم أرخلقا أعظم منه كريه المنظر ظاهر الغضب (1) فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ قال: هذا مالك خازن النار - ثم ساق الحديث إلى قوله - ثم مررت بملك من الملائكة جالس على مجلس وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه، وإذا بيده لوح من نور مكتوب فيه كتاب ينظر فيه لا يلتفت يمينا ولا شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا ملك الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رأيت ملكا من الملائكة جعل الله أمره عجيبا، نصف جسده النار والنصف الآخر ثلج، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار: وهو ينادي بصوت رفيع ويقول: سبحان الذي كف حر هذه النار فلا تذيب الثلج، وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار، اللهم يا مؤلف (2) بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين. فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: ملك وكله الله بأكناف السماء وأطراف الارضين وهو أنصح ملائكة الله لاهل الارض من عباده المؤمنين، يدعو لهم بما تسمع منذ خلق. و [رأيت] ملكين يناديان في السماء: أحدهما يقول: اللهم أعط كل منفق خلفا، والآخر يقول: اللهم أعط كل ممسك تلفا، ثم مررنا بملائكة من ملائكة الله عزوجل خلقهم الله كيف شاء، ووضع وجوههم كيف شاء، ليس شئ من أطباق أجسادهم إلا وهو يسبح الله ويحمده من كل ناحية بأصوات مختلفة، أصواتهم مرتفعة بالتحميد والبكاء من خشية الله، فسألت جبرئيل عنهم، فقال: كما ترى خلقوا، إن الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلمه كلمة قط، ولا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها، ولا خفضوها إلى ما تحتها، خوفا لله وخشوعا. ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا فيها من الملائكة وعليهم الخشوع، وقد وضع الله وجوههم كيف شاء ليس منهم ملك إلا يسبح الله ويحمده بأصوات مختلفة، وكذا السماء الثالثة ثم صعدنا إلى السماء الرابعة وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات


(1) في المصدر: فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلا أنه لم يضحك ولم أر فيه من الاستبشار ما رأيت ممن ضحك من الملائكة فقلت.. (2) كذا، والصواب " مؤلفا ".

[173]

فبشروني بالخير لي ولأمتي، ثم رأيت ملكا جالسا على سرير، وتحت يديه سبعون ألف ملك، تحت كل ملك سبعون ألف ملك - وساق الحديث إلى قوله - ثم صعدنا إلى السماء السابعة. قال: ورأيت من العجائب التي خلق الله وصور (1) على ما أراده ديكا رجلاه في تخوم الارضين السابعة، ورأسه عند العرش، وهو ملك من ملائكة الله (2) خلقها الله كما أراد، رجلاه في تخوم الارضين السابعة [ثم] أقبل مصعدا حتى خرج في الهواء إلى السماء السابعة، وانتهى فيها مصعدا حتى انتهى قرنه إلى قرب العرش وهو يقول: سبحان ربي حيث ما كنت لا تدري أين ربك من عظم شأنه وله جناحان في منكبيه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب، فإذا كان في السحر نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح يقول: سبحان الله الملك القدوس، سبحان [الله] الكبير المتعال لا إله إلا الله الحي القيوم، وإذا قال ذلك سبحت ديوك الارض كلها، وخفقت بأجنحتها وأخذت بالصراخ (3)، فإذا سكت ذلك الديك في السماء سكت ديوك الارض كلها، ولذلك الديك زغب أخضر، وريش أبيض كأشد بياض [ما] رأيته قط، وله زغب أخضر أيضا تحت ريشه الابيض كأشد خضرة [ما] رأيتها قط (4). أقول: الخبر بطوله قد مضى في باب المعراج. 3 - التفسير: عن بعض أصحابه يرفعه إلى الاصبغ بن نباته، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لله ملكا في صورة الديك الاملح (5) الاشهب، براثنه في الارض السابعة، وعرفه (6) تحت العرش، له جناحان: جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب


(1) في المصدر: وسخر. (2) في المصدر: في الملائكة. (3) في المصدر: في الصياح. (4) تفسير القمي: 369 - 374. نقله مقطعا (5) في المصدر: الابح. (6) العرف - كالقفل -: لحمة مستطيلة في أعلى رأس الديك.

[174]

فأما الجناح الذي في المشرق (1) فمن ثلج، وأما الجناح الذي في المغرب (2) فمن نار، وكلما حضر وقت الصلوة قام على براثنه ورفع عرفه من تحت العرش، ثم أمال أحد جناحيه على الآخر يصفق بهما كما يصفق الديكة في منازلكم، فلا الذي من الثلج يطفئ النار، ولا الذي من النار يذيب الثلج، ثم ينادي بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله ؟ وأشهد أن محمدا عبده (3) ورسوله خاتم النبيين، وأن وصيه خير الوصيين، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فلا يبقى في الارض ديك إلا أجابه، وذلك قوله " والطير صافات كل قد علم صلوته وتسبيحه " (4). 4 - ومنه: في قوله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والارض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " قال الصادق عليه السلام: خلق الله الملائكة مختلفة، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل وله ستمائة جناح على ساقه الدر مثل القطر على البقل، قد ملأ ما بين السماء والارض. وقال: إذا أمر الله ميكائيل بالهبوط إلى الدنيا صارت رجله اليمنى في السماء السابعة، والاخرى في الارض السابعة، وإن لله ملائكة أنصافهم من برد وأنصافهم من نار، يقولون: يا مؤلف (5) بين البرد والنار، ثبت قلوبنا على طاعتك. وقال: إن لله ملكا بعد ما بين شحمة أذنه (6) إلى عينيه مسيرة خمسمائة عام خفقان (7) الطير. وقال: إن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، وإنما يعيشون بنسيم العرش، وإن لله ملائكة ركعا إلى يوم القيامة، وإن لله ملائكة سجدا إلى يوم القيامة، ثم قال أبو عبد الله


(1) في المصدر: بالمشرق. (2) في المصدر: بالمغرب. (3) في المصدر: رسول الله. (4) تفسير القمي: 359. والآية في سورة. (5) كذا، والصواب " مؤلفا ". (6) في المصدر: أذنيه. (7) في المصدر: بخفقان. (*)

[175]

عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من شئ خلقه (1) الله أكثر من الملائكة، و إنه ليهبط في كل يوم وفي كل ليلة سبعون ألف ملك، فيأتون البيت الحرام فيطوفون به، ثم يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يأتون أمير المؤمنين عليه السلام فيسلمون عليه، ثم يأتون الحسين فيقيمون عنده، فإذا كان السحر (2) وضع لهم معراج إلى السماء، ثم لا يعودون أبدا. 5 - وقال أبو جعفر عليه السلام: إن الله خلق إسرافيل وجبرئيل وميكائيل من سبحة واحدة، وجعل لهم السمع والبصر وموجود (3) العقل وسرعة الفهم. 6 - ومنه: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خلقة (4) الملائكة: وملائكة (5) خلقتهم وأسكنتهم سماواتك، فليس فيهم فترة، ولا عندهم غفلة، ولا فيهم معصية هم أعلم خلقك بك، وأخوف خلقك منك، وأقرب خلقك إليك، وأعملهم بطاعتك ولا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الابدان، لم يسكنوا الاصلاب ولم تضمهم (6) الارحام، ولم تخلقهم من ماء مهين، أنشأتهم إنشاء فأسكنتهم سماواتك وأكرمتهم بجوارك (7) وائتمنتهم على وحيك، وجنبتهم الآفات، ووقيتهم البليات وطهرتهم من الذنوب، ولولا تقويتك (8) لم يقووا، ولولا تثبيتك لم يثبتوا، ولولا رحمتك لم يطيعوا، ولولا أنت لم يكونوا، أما إنهم على مكانتهم منك وطواعيتهم إياك ومنزلتهم عندك وقلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا ما خفي عنهم (9) منك لا حتقروا أعمالهم، ولازروا على أنفسهم، ولعلموا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك، سبحانك


(1) في المصدر: مما خلق الله. (2) في المصدر: عند السحر. (3) كذا في جميع النسخ، وفي المصدر جودة العقل > >. (4) في المصدر: خلق. (5) في المصدر: ومن ملائكة. (6) في المصدر: لم تتضمنهم. (7) بجودك (خ). (8) في المصدر: قوتك. (9) في المصدر: عليهم.

[176]

خالقا ومعبودا ! ما أحسن بلاءك عند خلقك (1). بيان: في القاموس: الطواعية: الطاعة (2) وقال: زرى عليه زريا وزراية و مزرية: عابه وعاتبه، كأزرى لكنه قليل (3). 7 - التفسير: عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل: هل الملائكة أكثر أم بنو آدم ؟ فقال: والذي نفسي بيده لملائكة الله في السماوات (4) أكثر من عدد التراب في الارض وما في السماء موضع قدم إلا وفيها ملك يسبحه ويقدسه، ولا في الارض شجر ولا مدر إلا وفيها ملك موكل بها يأتي الله كل يوم بعملها والله أعلم بها، وما منهم أحد إلا ويتقرب كل يوم إلى الله بولايتنا أهل البيت، ويستغفر لمحبينا، ويلعن أعداءنا، ويسأل الله أن يرسل عليهم العذاب إرسالا (5). البصائر: عن علي بن محمد، عن القاسم بن محمد الاصبهاني مثله. 8 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما خلق الله خلقا أكثر من الملائكة، وإنه لينزل كل يوم سبعون ألف ملك، فيأتون البيت المعمور فيطوفون به، فإذا هم طافوا به نزلوا فطافوا بالكعبة، فإذا طافوا بها أتوا قبر النبي صلى الله عليه وآله فسلموا عليه، ثم أتوا قبر أمير المؤمنين عليه السلام فسلموا عليه، ثم أتوا قبر الحسين عليه السلام فسلموا عليه، ثم عرجوا وينزل مثلهم أبدا إلى يوم القيامة. 9 - وقال عليه السلام: من زار أمير المؤمنين عليه السلام عارفا بحقه غير متجبر ولا


(1) تفسير القمي: 543 - 544. (2) القاموس: ج 3، ص 60. (3) القاموس: ج 4، ص 338. (4) كذا في المصدر: لكن في نسختين من الكتاب " في الارض ". (5) تفسير القمي: 583.

[177]

متكبر كتب الله له أجر مائة ألف شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبعث من الآمنين، وهون عليه الحساب، واستقبلته الملائكة، فإذا انصرف شيعته إلى منزله، فإن مرض عادوه، وإن مات تبعوه بالاستغفار إلى قبره. 10 - الخصال: عن علي بن محمد بن الحسن القزويني المعروف بابن مقبرة عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن أحمد بن يحيى الاحول، عن خلاد المنقري (1) عن قيس عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر، قال: كان على الحسن والحسين عليهما السلام تعويذان حشوهما من زغب جناح جبرئيل عليه السلام (2). 11 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن صفوان ابن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا تمثال جسد، ولا إناء يبال فيه (3). الكافي: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان مثله (4). بيان: لعله مخصوص بغير الحفظة، مع أنه يمكن أن يكونوا مع عدم الدخول أيضا مطلعين على ما يصدر عنه. 12 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب عن محمد بن طلحة، بإسناده يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: الملائكة على ثلاثة أجزاء: فجزء لهم جناحان، وجزء لهم ثلاثة أجنحة، وجزء لهم أربعة أجنحة (5).


(1) في المصدر: المقري (2) الخصال: 33. (3) الخصال: 66. (4) الكافي: ج 3، ص 393. (5) الخصال: 72.

[178]

الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سعد بن زياد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن عبد الله بن طلحة مثله (1). بيان: لعل المراد أن أكثر الملائكة كذلك، فلا ينافي ما ورد من كثرة أجنحة بعض الملائكة. 13 - التوحيد والخصال: عن أحمد بن الحسن القطان، عن محمد بن يحيى ابن زكريا، عن بكربن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن نصربن مزاحم المنقري، عن عمرو بن سعد، عن أبي مخنف لوط بن يحيى، عن أبي منصور، عن زيد ابن وهب، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قدرة الله جلت عظمته، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن لله تبارك وتعالى ملائكة لو أن ملكا منهم هبط إلى الارض ما وسعته لعظم خلقه وكثرة أجنحته، ومنهم من لو كلفت الجن والانس أن يصفوه ما وصفوه لبعد ما بين مفاصله وحسن تركيب صورته، وكيف يوصف من ملائكته من سبعمائة عام ما بين منكبيه وشحمة اذنه (2) ومنهم من يسد الأفق بجناح من أجنحته دون عظم يديه (3) ومنهم من في السماوات إلى حجزته، و منهم من قدمه على غير قرار في جو الهواء الاسفل والارضون إلى ركبتيه، ومنهم من لو ألقي في نقرة إبهامه جميع المياه لوسعتها، ومنهم من لو ألقيت السفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين، فتبارك الله أحسن الخالقين (4). 14 - العيون: عن محمد بن أحمد بن الحسين بن يوسف البغدادي، عن علي ابن محمد ابن عنبسة، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لله ديكا عرفه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الارض السابعة السفلى، إذا كان في الثلث الأخير من الليل سبح الله تعالى ذكره بصوت يسمعه


(1) روضة الكافي: 272. (2) في التوحيد: اذنيه. (3) في المصدرين: بدنه. (4) الخصال: 36، التوحيد: 201.

[179]

كل شئ ما خلا الثقلين الجن والانس، فتصيح عند ذلك ديكة الدنيا (1). 15 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق [فيما سأل] أبا عبد الله عليه السلام فقال: ما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم والله عالم السر وما هو أخفى ؟ قال: استعبدهم بذلك وجعلهم شهودا على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، أو عن معصيته أشد انقباضا، وكم من عبديهم بمعصية فذكر مكانها فارعوى وكف، فيقول: ربي يراني وحفظتي علي بذلك تشهد. وإن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده يذبون عنهم مردة الشياطين وهوام الارض، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله، إلى أن يجئ أمر الله عزوجل (2). 16 - تفسير علي بن ابراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " يقول: بأمر الله من أن يقع في ركي، أو يقع عليه حائط، أو يصيبه شئ حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه يدفعونه إلى المقادير، وهما ملكان يحفظانه بالليل، وملكان يحفظانه بالنهار يتعاقبان (3). بيان: الركي جمع الركية وهو البئر. 17 - التفسير: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " إنها قرئت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال لقارئها: ألستم عربا ؟ كيف تكون المعقبات من بين يديه وإنما المعقب من خلفه ؟ فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا ؟ فقال: إنما نزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله " ومن الذي يقدر أن يحفظ الشئ من أمر الله ؟ ! وهم الملائكة الموكلون بالناس (4).


(1) العيون: ج 2، ص 72. (2) الاحتجاج: 191. وستأتي الرواية.. (3) القمي: 337. (4) تفسير القمي: 337.

[180]

بيان: قال الطبرسي - رحمه الله - في الشواذ قراءة أبي البرهشم (1) " له معقبات (2) من بين يديه ورقباء من خلفه يحفظونه بأمر الله " وروي عن أبي عبد الله عليه السلام " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله " وروي عن علي عليه السلام وابن عباس وعكرمة وزيد بن علي " يحفظونه بأمر الله " (3). 18 - التوحيد: عن أحمد بن محمد العطار، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن ابن أبان عن ابن أورمة، عن زياد القندي، عن درست بن أبي منصور، عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله تبارك وتعالى ملكا بعد ما بين شحمة أذنه إلى عنقه (4) مسيرة خمسمائة عام خفقان الطير (5). الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، عن القندي مثله (6). بيان: قال الجوهري: خفقت الراية تخفق وتخفق خفقا وخفقانا، وكذلك القلب والسراب: إذا اضطربا، ويقال: خفق الطير (7) أي طار، وأخفق إذا ضرب بجناحيه (8). 19 - التوحيد: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن يونس بن يعقوب، عن عمرو بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله تبارك وتعالى ملائكة أنصافهم من برد، وأنصافهم من نار، يقولون:


(1) في المصدر: أبي البرهسم، وفي القاموس (ج 4 - ص 80) أبوالبرهسم كسفرجل عنوان ابن عثمان الزبيدي ذو القراءات الشواذ. (2) في المصدر: معاقيب. (3) مجمع البيان: ج 6، ص 279. (4) في المصدر: إلى عاتقه. (5) التوحيد: ص 204. (6) روضة الكافي: 272. (7) في المصدر: الطائر. (8) الصحاح: ج 4، ص 1469.

[181]

يا مؤلفا بين البرد والنار ثبت قلوبنا على طاعتك (1). 20 - ومنه: عن علي بن عبد الله بن أحمد الاسواري، عن مكي بن أحمد البردعي، عن عدي بن أحمد بن عبد الباقي، عن أحمد بن محمد بن البراء، عن عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن لله تبارك وتعالى ديكا رجلاه في تخوم الارض السابعة السفلى [ورأسه عند العرش باقي عنقه تحت العرش، وملك من ملائكة الله خلقه الله تعالى ورجلاه في تخوم الارض السابعة] مضى مصعدا فيها مد الارضين حتى خرج منها إلى أفق السماء، ثم مضى فيها مصعدا حتى انتهى قرنه إلى العرش وهو يقول: سبحانك ربي. ولذلك (2) الديك جناحان إذا نشرهما جاوزا المشرق والمغرب، فإذا كان في آخر الليل نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح وهو يقول: سبحان الله الملك القدوس الكبير المتعال، لا إله إلا هو الحي القيوم. فإذا فعل ذلك سبحت ديكة الارض كلها وخفقت بأجنحتها، وأخذت في الصراخ، فإذا سكن ذلك الديك في السماء سكنت الديكة في الارض، فإذا كان في بعض السحر نشر جناحيه فجاوزا المشرق والمغرب وخفق بهما وصرخ بالتسبيح: [سبحان الله العزيز] سبحان الله العظيم، سبحان الله العزيز القهار، سبحان الله ذي العرش المجيد، سبحان الله ذي العرش الرفيع. فإذا فعل ذلك سبحت ديكة الارض، فإذا هاج هاجت الديكة في الارض تجاوبه بالتسبيح والتقديس لله تعالى، ولذلك الديك ريش أبيض كأشد بياض ما رأيته قط، له زغب أخضر تحت ريشه الابيض كأشد خضرة [ما] رأيتها قط، فمازلت مشتاقا إلى أن أنظر إلى ريش ذلك الديك (3). بيان: قال الجوهري: التخم منتهى كل قرية أو أرض، والجمع تخوم (4).


(1) التوحيد: 205. (2) في المصدر: وإن لذلك الديك جناحين. (3) التوحيد: 202 - 203. (4) الصحاح: ج 1، ص 143.

[182]

" وملك " أي وهو ملك، وفي بعض النسخ " وملكا فيكون عطف تفسير لقوله " ديكا " والصراخ: الصوت، والزغب: الشعيرات الصفر على ريش الفرخ، ذكره الجوهري (1). 21 - التوحيد: بالاسناد المتقدم عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن لله تبارك وتعالى ملكا من الملائكة نصف جسده الأعلى نار، ونصفه الاسفل الثلج، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو قائم ينادي بصوت له رفيع: سبحان الله الذي كف حر هذه النار فلا تذيب هذا الثلج، وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار اللهم يا مؤلفا بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين على طاعتك (2). 22 - ومنه بهذا الاسناد عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن لله تبارك وتعالى ملائكة ليس شئ من أطباق أجسادهم إلا وهو يسبح الله تعالى ويحمده من ناحيته بأصوات مختلفة لا يرفعون رؤوسهم إلى السماء، ولا يخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشية لله عزوجل (3). 23 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن السياري، عن عبد الله بن حماد، عن جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل في السماء بحار ؟ قال: نعم، أخبرني أبي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن في السماوات السبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام، فيها ملائكة قيام منذ خلقهم الله عزوجل، والماء إلى ركبهم ليس منهم ملك إلا وله ألف وأربعمائة جناح، في كل جناح أربعة وجوه، في كل وجه أربعة ألسن، ليس فيها جناح ولا وجه ولا لسان ولافم إلا وهو يسبح الله تعالى بتسبيح لا يشبه نوع منه صاحبه (4).


() الصحاح: ج 5، 1877. (2 و 3) التوحيد: 203. (4) التوحيد: 204.

[183]

24 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن ابن أورمة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبي الحسن الشعيري، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ، قال: جاء ابن الكواء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين والله إن في كتاب الله تعالى لآية قد أفسدت علي قلبي وشككتني في ديني ! فقال له عليه السلام: ثكلتك امك وعدمتك وما تلك (1) الآية قال: هو قول الله تعالى " والطير صافات كل قد علم صلوته وتسبيحه " (2) فقال له أمير المؤمنين عليه السلام يا ابن الكوا إن الله تعالى خلق الملائكة في صور شتى، ألا إن لله تعالى ملكا في صورة ديك (3) أبج أشهب، براثنه في الارضين السابعة السفلى، وعرفه مثني تحت العرش، له جناحان: جناح في المشرق، وجناح في المغرب واحد من نار، والآخر من ثلج، فإذا حضر وقت الصلوة قام على براثنه ثم رفع عنقه من تحت العرش ثم صفق بجناحيه كما تصفق الديوك في منازلكم، فينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا سيد (4) النبيين، وأن وصيه سيد الوصيين، وأن الله سبوح قدوس رب الملائكة والروح. قال: فتخفق الديكة بأجنحتها في منازلكم فتجيبه عن قوله، وهو قوله عزوجل " والطير صافات كل قد علم صلوته وتسبيحه " من الديكة في الارض (5). الاحتجاج: عن الاصبغ مثله (6). بيان: " ديك أبج " في بعض النسخ بالباء الموحدة والجيم، وهو واسع مأق العين - ذكره الجوهري - وفي بعضها بالحاء المهملة من البحة وهي غلظة الصوت


(1) في الاحتجاج: وماهي. (2) في الاحتجاج: فما هذا الصف ؟ وما هذه الطيور ؟ وما هذه الصلوة ؟ وما هذا التسبيح ؟. (3) في المصدرين: أبح. (4) في الاحتجاج: أن محمدا عبده ورسوله. (5) التوحيد: 205. (6) الاحتجاج: 121.

[184]

وقد مر في التفسير " أملح " والملحة بياض يخالطه السواد، فالأشهب تفسير، إذ الشهبة بياض يصدعه سواد. والبرثن الكف مع الاصابع، ومخلب الأسد. والصفق: الضرب يسمع له صوت، والآية سيأتي تفسيرها المشهور. 25 - التوحيد: عن أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن علي بن زياد، عن مروان بن معاوية، عن الاعمش، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر، أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء، فإذا حان أجله خلوا بينه وبين ما يصيبه (الخبر) (1). 26 - البصائر: عن أحمد بن محمد السياري، عن عبيدالله بن أبي عبد الله الفارسي وغيره رفعوه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش، لو قسم نور واحد منهم على أهل الارض لكفاهم. ثم قال: إن موسى عليه السلام لما أن سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكا. السرائر: عن السياري مثله (2). 27 - اكمال الدين: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن أبي الربيع الزهراني عن جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن لله تبارك وتعالى ملكا يقال له " دردائيل " كان له ستة عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح هواء، والهواء كما بين السماء والارض فجعل يوما يقول في نفسه: أفوق ربنا جل جلاله شئ ؟ فعلم الله تبارك وتعالى ما قال، فزاده أجنحة مثلها، فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح، ثم أوحى الله عزوجل إليه أن طر، فطار مقدار خمسمائة عام، فلم ينل رأسه قائمة من قوائم


(1) التوحيد: (2) مستطرفات السرائر: ص 5.

[185]

العرش، فلما علم الله عزوجل إتعابه أوحى إليه: أيها الملك عد إلى مكانك فأنا عظيم فوق كل عظيم، وليس فوقي شئ ولا أوصف بمكان فسلبه الله أجنحته و مقامه من صفوف الملائكة، فلما ولد الحسين عليه السلام هبط جبرئيل في ألف قبيل من الملائكة لتهنئة النبي صلى الله عليه وآله فمر بدردائيل فقال له: سل النبي صلى الله عليه وآله بحق مولوده أن يشفع لي عند ربي، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله بحق الحسين عليه السلام فاستجاب الله دعاءه ورد عليه أجنحته، ورده إلى مكانه. أقول: تمامه في باب ولادة الحسين عليه السلام. بيان: " أفوق ربنا " لعله كان ذلك بمحض خطور البال بغير شك لئلا ينافي العصمة (1) والجلالة. 28 - الاكمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن العباس بن موسى الوراق، عن يونس، عن داود بن فرقد، قال: قال لي بعض أصحابنا: أخبرني عن الملائكة أينامون ؟ قلت: لا أدري، فقال: يقول الله عزو جل " يسبحون الليل والنهار لا يفترون (2) " ثم قال: لا أطرفك عن أبي عبد الله عليه السلام بشئ ؟ فقلت: بلى، فقال: سئل عن ذلك فقال: ما من حي إلا وهو ينام خلا الله وحده عزوجل والملائكة ينامون، فقلت: يقول الله عزوجل " يسبحون الليل والنهار لا يفترون " قال: أنفاسهم تسبيح. 29 - الخرائج: بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر، عن العباس بن معروف، عن عبد الله بن عبد الرحمن البصري، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن خيثمة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نحن الذين تختلف الملائكة إلينا، فمنا من يسمع الصوت ولا يرى الصورة، وإن الملائكة لتزاحمنا على تكآتنا، وإنا ليأخذ من زغبهم فنجعله سخابا لاولادنا. بيان: " التكأة " كهمزة ما يتكأ عليه، قاله الجوهري. وقال: السخاب:


(1) العظمة (خ). (2) الانبياء: 20.

[186]

قلادة تتخذ من سك وغيره ليس فيها من الجوهر شئ، والجمع: سخب. 30 - الخرائج: بإسناده عن سعد، عن عبد الله بن عامر، عن الربيع بن الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمان، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا " (1) فقال: أما والله لربما وسدناهم الوسائد في منازلنا. قيل: الملائكة تظهر لكم ؟ فقال: هم ألطف بصبياننا منا بهم. وضرب بيده إلى مساور في البيت فقال: والله لطال ما اتكأت عليه الملائكة، وربما التقطنا من زغبها. بيان: في القاموس: المسور كمنبر متكأ من أدم كالمسورة (2). 31 - العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله " يحفظونه من أمر الله (3) " ثم قال: ما من عبد إلا ومعه ملكان يحفظانه، فإذا جاء الأمر من عند الله خليا بينه وبين أمر الله. 32 - المناقب: سأل الصادق عليه السلام أبا حنيفة: أين مقعد الكاتبين ؟ قال: لا أدري، قال: مقعدهما على الناجدين، والفم الدواة، واللسان القلم، والريق المداد (4). بيان: يحتمل أن يكون المراد فم الملك ولسانه وريقه، ولو كان المراد تلك الاعضاء من الانسان فيمكن أن يكون بمحض تكلمه ينقش في ألواحهم، فيكون مخصوصا بالكلام. 33 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن صالح (5) الحذاء، عن أبي أسامة، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال رجل: ما السنة في دخول الخلاء ؟ قال: يذكر الله ويتعوذ بالله من الشيطان


(1) فصلت: 30. (2) القاموس: ج 2، ص 53 (3) الرعد: 12. (4) المناقب: ج 4، ص 253. (5) عن صباح الحذاء (خ).

[187]

الرجيم، فإذا فرغت قلت: الحمد لله على ما أخرج مني الأذى في يسر وعافية. قال رجل: فالانسان يكون على تلك الحال ولا يصير (1) حتى ينظر إلى ما يخرج منه، قال: إنه ليس في الارض آدمي إلا ومعه ملكان موكلان به، فإذا كان على تلك الحال ثنيا برقبته ثم قالا: يا ابن آدم انظر إلى ما كنت تكدح له في الدنيا إلى ما هو صائر (2). 34 - ومنه: عن العدة، عن سهل، عن ابن محبوب، عن عبد الحميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صعدا ملكا العبد المريض إلى السماء عند كل مساء يقول الرب تبارك وتعالى: ماذا كتبتما لعبدي في مرضه ؟ فيقولان: الشكاية، فيقول: ما أنصفت عبدي إن حبسته في حبس من حبسي ثم أمنعه الشكاية، اكتبا لعبدي مثل ما كنتما تكتبان له من الخير في صحته، ولا تكتبا عليه سيئة حتى أطلقه من حبسي فإنه في حبس من حبسي (3). 35 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي، عن درست، قال: سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: إذا مرض المؤمن أوحى الله عزوجل إلى صاحب الشمال: لا تكتب على عبدي مادام في حبسي ووثاقي ذنبا، ويوحى إلى صاحب اليمين أن اكتب لعبدي ما كنت تكتب له في صحته من الحسنات (4). 36 - ومنه: عن العدة: عن البرقي، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عاد مريضا من المسلمين وكل الله به أبدا سبعين ألفا من الملائكة يغشون رحله، ويسبحون فيه، ويقدسون ويهللون و يكبرون إلى يوم القيامة، نصف صلوتهم لعائد المريض (5).


(1) في المخطوطة والمصدر: ولا يصبر. (2) الكافي: ج 3، ص 69 - 70. (3) الكافي: ج 3، ص 114. (4) الكافي: ج 3، ص 114. (5) الكافي: ج 3، 120. (*)

[188]

37 - ومنه: عن العدة عن (1) أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن مهران بن محمد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الميت إذا مات بعث الله ملكا إلى أوجع أهله فمسح على قلبه فأنساه لوعة الحزن، ولولا ذلك لم تعمر الدنيا (2). 38 - ومنه: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان، عن عمرو بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال جبرئيل: يا رسول الله إنا لا ندخل بيتا فيه صورة إنسان، ولا بيتا يبال فيه، ولا بيتا فيه كلب (3). 39 - ومنه: عن علي بن إبراهيم (4) بن عمر اليماني، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حدثني جبرئيل أن الله عزوجل أهبط إلى الأرض ملكا، فأقبل ذلك الملك يمشي حتى وقع إلى باب عليه رجل يستأذن على رب الدار، فقال له الملك: ما حاجتك إلى رب هذه الدار ؟ قال: أخ لي مسلم زرته في الله تبارك وتعالى، قال له الملك: ما جاء بك إلا ذاك ؟ فقال: ما جاء بي إلا ذاك، قال: فإني رسول الله إليك، وهو يقرئك السلام ويقول: وجبت لك الجنة، وقال الملك: إن الله عزوجل يقول: أيما مسلم زار مسلما فليس إياه زار، إياي زار وثوابه علي الجنة (5). 40 - ومنه: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن إسحاق ابن عمار، عن أبي قرة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من زار (6) أخاه في الله في مرض أو صحة لا يأتيه خداعا ولا استبدالا وكل الله به سبعين ألف ملك ينادون


(1) في المصدر: محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن عثمان بن عيسى.. (2) الكافي: ج 3، ص 228. (3) الكافي: ج 3، ص 393 (4) كذا في نسخ البحار، وفي المصدر " علي بن ابراهيم: عن أبيه عن حمادبن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني، وهو الصواب. (5) الكافي: ج 2، ص 176. (6) في بعض النسخ: ما زار أخاه.. إلا وكل الله به..

[189]

في قفاه أن طبت وطابت لك الجنة، فأنتم زوار الله وأنتم وفد الرحمن حتى يأتي منزله. فقال له يسير: جعلت فداك، فإن (1) كان المكان بعيدا ؟ قال: نعم يا يسير وإن كان المكان مسير سنة، فإن الله جواد والملائكة كثير يشيعونه حتى يرجع إلى منزله (2). 41 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن المؤمن ليخرج إلى أخيه يزوره فيوكل الله عزوجل به ملكا فيضع جناحا في الأرض وجناحا في السماء يطلبه (3)، فإذا دخل على (4) منزله نادى الجبار تبارك وتعالى: أيها العبد المعظم لحقي المتبع لآثار نبيي ! حق علي إعظامك، سلني أعطك، ادعني أجبك، اسكت أبتدئك، فإذا انصرف شيعه الملك يظله بجناحه حتى يدخل إلى منزله، ثم يناديه تبارك وتعالى: أيها العبد المعظم لحقي ! حق علي إكرامك قد أو جبت لك جنتي، وشفعتك في عبادي (5). 42 - ومنه: عن العدة، عن سهل عن يحيى بن المبارك، عن ابن جبلة، عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله عزوجل الرحمة عليهما، فكانت تسعة وتسعين لأشدهما حبا لصاحبه، فإذا توافقا غمرتهما الرحمة وإذا قعدا يتحدثان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا، فلعل لهما سرا وقد ستره الله عليهما. فقلت: أليس الله عزوجل يقول " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (6) فقال: يا إسحاق إن كانت الحفظة لا تسمع فإن عالم


(1) في المصدر: وإن كان.. (2) الكافي: ج 2، ص 177. (3) في المصدر: يظله. (4) في المصدر: إلى منزله. (5) الكافي: ج 2، 178. (6) ق: 18.

[190]

السر يسمع ويرى (1). 43 - ومنه: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن الوصافي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام قال: يا موسى أكرم السائل (2) ببذل يسير أو برد جميل، إنه يأتيك من ليس بإنس ولاجان، ملائكة من ملائكة الرحمن يبلونك (3) فيما خولتك ويسألونك فيما نولتك، فانظر كيف أنت صانع يا ابن عمران (4). 44 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كتم صومه قال [الله] عزوجل لملائكته: عبدي استجار من عذابي فأجيروه، ووكل الله عزوجل (5) ملائكة بالدعاء للصائمين، ولم يأمرهم بالدعاء لأحد إلا استجاب لهم فيه (6). 45 - ومنه: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن منذر بن يزيد، عن يونس بن ظبيان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من صام لله عزوجل يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه (7). 46 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن (8) التيملي، عن علي بن أسباط، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان أيام الموسم بعث الله ملائكة في صورة الآدميين يشترون متاع الحاج والتجار، قلت: فما يصنعون ؟


(1) الكافي: ج 2، ص 281 - 282. (2) في المصدر: اكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاء يسير فانه يأتيك. (3) في المصدر: كيف أنت صانع في ما أوليتك وكيف مواساتك في ما خولتك. (4) روضة الكافي: 45. (5) في المصدر: تعالى. (6) الكافي: ج 4، ص 64. (7) الكافي: ج 4، ص 64، وله ذيل. (8) في بعض النسخ، الحسين، وفي المصدر: علي بن ابراهيم التيملي.

[191]

قال: يلقونه في البحر (1). 47 - ومنه: عن العدة، عن سهل، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال ليس خلق أكثر من الملائكة إنه لينزل كل ليلة من السماء سبعون ألف ملك، فيطوفون بالبيت الحرام ليلتهم وكذلك في كل يوم (2). 48 - الاختصاص: بإسناده عن المعلى بن محمد، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق الملائكة من نور (الخبر) (3). 49 - ومنه: بإسناده عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: استأذن ملك ربه أن ينزل إلى الدنيا في صورة آدمي، فأذن له، فمر برجل على باب قوم يسأل عن رجل من أهل الدار، فقال الملك: يا عبد الله أي شيئ تريد من هذا الرجل الذي تطلبه ؟ قال: هو أخ لي في الاسلام أحببته في الله جئت لأسلم عليه قال: ما بينك وبينه رحم ماسة، ولا نزعتك إليه حاجة ؟ قال: لا، إلا الحب في الله عزوجل، فجئت لأسلم عليه. قال: فإني رسول الله إليك، وهو يقول: قد غفرت لك بحبك إياه في (4). 50 - كتاب الحسين بن سعيد: عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع لله رفعاه، ومن تكبر وضعاه. 51 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد كيف ننزل عليكم وأنتم لا تستاكون ولا تستنجون بالماء ولا تغسلون براجمكم ؟


(1) الكافي: ج 4، ص 547. (2) روضة الكافي: 272 (3) الاختصاص: 109. (4) الاختصال: 224.

[192]

بيان: قال في النهاية: فيه من الفطرة غسل البراجم. هي العقد التي في ظهور الاصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة " برجمة " بالضم. 52 - مجالس الشيخ: عن جماعة عن أبي المفضل الشيباني عن، محمد بن جعفر الرزاز، عن محمود بن (1) عيسى بن عبيد، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن المفضل بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لقي ملك رجلا على باب داركان ربها غائبا، فقال له الملك: يا عبد الله ما جاء بك إلى هذه الدار ؟ فقال: أخ لي أردت زيارته، قال: الرحم ماسة بينك وبينه أم نزعتك إليه حاجة ؟ قال: ما بيننا رحم أقرب من رحم الاسلام وما نزعتني إليه حاجة، ولكني زرته في الله رب العالمين. قال فأبشر فاني رسول الله إليك وهو يقرئك السلام ويقول لك: إياي قصدت، وما عندي أردت بصنعك، فقد أو جبت لك الجنة، وعافيتك من غضبي ومن النار حيث أتيته. 53 - ومنه: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث عن إسحاق بن إبراهيم النهشلي، عن زكريا بن يحيى، عن مندل بن علي، عن الأعمش، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغدو إليه علي عليه السلام في الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبي صلى الله عليه وآله في صحن الدار وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: بخير يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال علي عليه السلام: جزاك الله عنا أهل البيت خيرا، قال له دحية: إني احبك وإن لك عندي مديحة اهديها إليك، أنت أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وسيد ولد آدم إلى يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين، ولواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان، فقد أفلح من والاك، وخاب وخسر من خلاك بحب محمد أحبوك، وببغضه أبغضوك، لا تنالهم شفاعة محمد صلى الله عليه وآله ادن من صفوة الله فأخذ رأس النبي صلى الله عليه وآله فوضعه في حجره، فانتبه النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما هذه الهمهمة


(1) في بعض النسخ: محمد.

[193]

فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية، كان جبرئيل، سماك باسم سماك الله تعالى به، وهو الذي ألقى محبتك في قلوب المؤمنين، ورهبتك في صدور الكافرين. 54 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الملائكة يأكلون ويشربون وينكحون ؟ فقال: لا، إنهم يعيشون بنسيم العرش، فقيل له: ما العلة في نومهم ؟ فقال: فرقا بينهم وبين الله عزوجل، لان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله. 55 - ومنه: قال: العلة في الصيحة من السماء كيف يعلمها أهل الدنيا والصيحة هي بلسان واحد ولغات الناس تختلف ؟ فقال: إن في كل بلد ملائكة موكلون، فينادي في كل بلد ملك بلسانهم، وكذلك لابليس شياطين موكلون بكل بلدة ينادون فيهم بلسانهم ولغاتهم: ألا إن الامر لعثمان بن عفان. 56 - الاقبال: في تعقيبات نوافل شهر رمضان وغيرها: وصل على جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ومالك خازن النار ورضوان خازن الجنة، وروح القدس والروح الامين، وحملة عرشك المقربين، وعلى منكر ونكير، وعلى الملكين الحافظين (1)، وعلى الكرام الكاتبين (2). 57 - النهج: عن نوف البكالي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها المتكلف لوصف ربك، فصف جبرئيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين في حجرات القدس مرجحنين متوالهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين (3). بيان: " التكلف " التجشم وارتكاب الشئ على مشقة، وحجرة القوم بالفتح: ناحية دارهم، والجمع حجرات كجمرة وجمرات، وفي بعض النسخ " حجرات " بضمتين، جمع حجرة بالضم وهي الغرفة، وقيل: الموضع المنفرد. و ارجحن الشئ كاقشعر أي مال من ثقله وتحرك. قال في النهاية: أورد الجوهري هذا


(1) في المصدر: الحافظين على. (2) الاقبال: 35. (3) نهج البلاغة ج 1، ص 341.

[194]

الحرف في حرف النون على أن النونين أصلية، وغيره يجعلهما زائدة من رجح الشئ كمنع إذا ثقل. قال ابن أبي الحديد: أي مائلين إلى جهة التحت خضوعا لله سبحانه. وقال الكيدري: الارجحنان الميل، وارجحن الشئ اهتز (انتهى) ولعل المراد بحجرات القدس المواضع المعدة لهم في السماوات، وهي محال القدس والتنزه عن المعاصي ورذائل الاخلاق. والوله. الحزن والحيرة والخوف، و " متولهة عقولهم " على صيغة اسم الفاعل أي محزونة أو حائرة أو خائفة. وفي بعض النسخ على صيغة اسم المفعول، والاول أظهر. " أن يحدوا أحسن الخالقين " أي يدركوه بكنهه أي يدركوا مبلغ قدرته وعلمه، أو مقدار عظمته. 58 - كتاب النوادر لعلي بن أسباط: عن يعقوب بن سالم الأحمر، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بات آل محمد بليلة أطول ليلة ظنوا أنهم لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم مخافة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وتر الاقربين والابعدين في الله، فبينماهم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته، في الله عزاء من كل مصيبة ونجاة من كل هلكة، ودرك لما فات، إن الله اختاركم وفضلكم وطهركم و جعلكم أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله واستودعكم علمه، وأورثكم كتابه، وجعلكم تابوت علمه، وعصا عزه، وضرب لكم مثلا من نوره، وعصمكم من الزلل، وآمنكم من الفتن، فاعتزوا بعزاء الله، فإن الله لم ينزع منكم رحمته، ولم يدل (1) منكم عدوه فأنتم أهل الله الذين بكم تمت النعمة، واجتمعت الفرقة، وائتلفت الكلمة، و أنتم أولياء الله، من تولاكم نجا، ومن ظلمكم يزهق، مودتكم من الله في كتابه واجبة على عباده المؤمنين، والله على نصركم إذا يشاء قدير، فاصبروا لعواقب الأمور فإنها إلى الله تصير، فقد قبلكم الله من نبيه صلى الله عليه وآله وديعة، واستودعكم أولياءه المؤمنين في الارض، فمن أدى أمانته آتاه الله صدقه، فأنتم الأمانة المستودعة، و المودة الواجبة، ولكم الطاعة المفترضة، وبكم تمت النعمة، وقد قبض الله نبيه


(1) ادال الله بني فلان من عدوهم، جعل الكرة لهم عليه.

[195]

صلى الله عليه وآله وقد أكمل الله به الدين، وبين لكم سبيل المخرج، فلم يترك للجاهل حجة، فمن تجاهل أو جهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه، و الله من وراء حوائجكم، فاستعينوا بالله على من ظلمكم، واسألوا الله حوائجكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فسأله يحيى بن (1) أبي القاسم فقال: جعلت فداك، ممن أتتهم التعزية ؟ فقال: من الله عزوجل. أقول: قد مر مثله بأسانيد جمة في المجلد السادس، وسيأتي أيضا في أبواب الجنائز. 59 - الكافي: عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله عزوجل ديكا رجلاه في الارض السابعة، وعنقه مثنية (2) تحت العرش، وجناحاه في الهواء، إذا كان في نصف الليل أو الثلث الثاني من آخر الليل ضرب بجناحه (3) وصاح: سبوح قدوس، ربنا الله الملك الحق المبين، فلا إله غيره، رب الملائكة والروح. فتضرب الديكة بأجنحتها وتصيح (4). 60 - الاحتجاج: في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل فأسلم أنه سأل: ما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم والله عالم السر (5) وأخفى، فقال عليه السلام: استعبدهم بذلك وجعلهم شهودا على خلقه لتكون (6) العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا، وكم من عبد يهم بمعصيته فذكر مكانها فارعوى وكف، ويقول (7): ربي يراني وحفظتي


(1) في بعض النسخ: القسم بن ابي القاسم. (2) في المصدر: مثبتة. (3) في المصدر: بجناحيه. (4) روضة الكافي: 272. (5) في المصدر: [وما هو اخفى: قال] وهكذا نقله في ما مر تحت الرقم 15. (6) في المصدر: ليكون. (7) في المصدر: فيقول.

[196]

علي بذلك تشهد. وإن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده يذبون عنهم مردة الشياطين وهوام الارض وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجيئ أمر الله عزوجل (1). بيان: " وكلهم بعباده " أي جنس الملائكة، أو هذا النوع يعني الكتبة، و الأول أوفق بسائر الأخبار الدالة على المغايرة، وإن كان الثاني أنسب بسياق هذا الخبر. 61 - الكافي: عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن الصلت، عن يونس، عمن ذكره، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد ! إن لله عز ذكره ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق من الشجر في أوان سقوطه، وذلك قوله عزوجل " يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا (2) " والله ما أراد بهذا غيركم (3). 62 - دلائل الامامة للطبري: عن محمد بن هارون بن موسى، عن أبيه عن محمد بن همام، عن أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم، عن أبيه، عن بعض رجاله، عن حسن بن شعيب، عن محمد بن سنان، عن يونس بن ظبيان، قال: استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام فخرج إلي معتب فأذن لي فدخلت ولم يدخل معي كما كان يدخل، فلما أن صرت في الدار نظرت إلى رجل على صورة أبي عبد الله عليه السلام فسلمت عليه كما كنت أفعل، قال: من أنت يا هذا ؟ لقد وردت على كفر أو إيمان، وكان بين يديه رجلان كأن على رؤسهما الطير، فقال: ادخل فدخلت الدار الثانية، فإذا رجل على صورته عليه السلام وإذا بين يديه خلق كثير كلهم صورهم واحدة، فقال: من تريد ؟ قلت: أريد أبا عبد الله عليه السلام فقال: قد وردت على أمر عظيم إما كفر أو إيمان. ثم خرج من البيت رجل حين بدء به البيت


(1) الاحتجاج: 191 وقد مرت في هذا الباب تحت الرقم 15. (2) المؤمن: 7. (3) روضة الكافي: 304.

[197]

فأخذ بيدي فأوقفني على الباب وغشي بصرى من النور، فقلت: السلام عليكم يا بيت الله ونوره وحجابه، فقال: وعليك السلام يا يونس، فدخلت البيت فإذا بين يديه طائران يحكيان، فكنت أفهم كلام أبي عبد الله عليه السلام ولا أفهم كلامهما، فلما خرجا قال يا يونس: سل، نحن محل النور في الظلمان، ونحن البيت المعمور الذي من دخله كان آمنا، نحن عترة الله وكبرياؤه، قال: قلت: جعلت فداك، رأيت شيئا عجيبا، رأيت رجلا على صورتك، قال: يا يونس، إنا لا نوصف، ذلك صاحب السماء الثالثة يسأل أن أستأذن الله له أن يصير مع أخ له في السماء الرابعة. قال: فقلت: فهؤلاء الذين في الدار ؟ قال: هؤلاء أصحاب القائم من الملائكة، قال: قلت: فهذان ؟ قال: جبرئيل وميكائيل نزلا إلى الارض فلن يصعدا حتى يكون هذا الأمر إن شاء الله، وهم خمسة آلاف يا يونس، بنا أضاءت الابصار، وسمعت الآذان، و وعت القلوب الايمان. بيان: " على كفر أو إيمان " أي إن أنكرت ما رأيت كفرت، وإن قبلت آمنت " كأن على رؤوسهما الطير " أي لا يتحركان. 63 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لله ملكا رجلاه في الارض السفلى مسيرة خمسمائة عام ورأسه في السماء العليا مسيرة ألف سنة يقول: سبحانك (1) حيث كنت فما أعظمك. قال: فيوحي الله عزوجل إليه: ما يعلم ذلك من يحلف بي كاذبا (2). 64 - ومنه: عن علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن شيخ من أصحابنا يكنى " أبا الحسن " عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق ديكا أبيض عنقه تحت العرش ورجلاه في تخوم الارض السابعة له جناح في المشرق، وجناح


(1) في المصدر: سبحانك سبحانك. (2) الكافي: ج 7، ص 436.

[198]

في المغرب لا تصيح الديوك حتى يصيح فإذا صاح خفق بجناحيه ثم قال: [سبحان الله] سبحان الله العظيم الذي ليس كمثله شئ. قال: فيجيبه الله تبارك وتعالى فيقول: لا يحلف بي كاذبا من يعرف ما تقول (1). 65 - الدر المنثور للسيوطي: عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول من لبى الملائكة. قال الله: " إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك " قال: فرادوه (2) فأعرض عنهم فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك، لبيك، اعتذارا إليك، لبيك (3) نستغفرك ونتوب إليك (4). 66 - وعن ابن جبير أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله عن صلوة الملائكة فلم يرد عليه شيئا، فأتاه جبرئيل، فقال: إن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت (5). 67 - وعن ابن عباس، قال: لما تواقف الناس يوم بدر أغمي على رسول. الله صلى الله عليه وآله ساعة، ثم كشف عنه فبشر الناس بجبرئيل في جند من الملائكة ميمنه الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك (6) المدلجي يؤيد المشركين ويخبر أنه لا غالب لكم (7) اليوم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال:


(1) الكافي: ج 7، ص 437. (2) في المصدر: فزادوه. (3) في المصدر: لبيك لبيك. (4 و 5) الدر المنثور: ج 1، ص 46. (6) في المصدر: سراقة بن جعشم. (7) في المصدر: يؤيد المشركين ويخبرهم انه لا غالب لهم..

[199]

إني برئ منكم، إني أرى ما لاترون، فتثبت به الحرث بن هشام وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحرث فسقط الحرث وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر، ورفع يديه وقال: يا رب موعدك الذي وعدتني (1). 68 - وعن الحسن في قوله " إني أرى ما لا ترون " قال: رأى جبرئيل عليه السلام معتجرا بردائه يقود الفرس بين يدي أصحابه ما ركبه (2). 69 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني أرى مالا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت (3) السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا (4) والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله. لوددت أني كنت شجرة تعضد. بيان: " أطت السماء " قال في النهاية: الأطيط صوت الأقتاب، وأطيط الابل أصواتها وحنينها، أي إن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت. وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد منه تقرير عظمة الله. وقال: الصعدات: الطرق، جمع صعد، وصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات وقيل: هي جمع " صعدة " كظلمة وهي فناء باب الدار و ممر الناس بين الأندية (انتهى). وقال الطيبي في شرح هذا الحديث: أي فخرجتم إلى الطرقات والصحارى وممر الناس، كفعل المحزون الذي يضيق به المنزل فيطلب الفضاء لبث الشكوى


(1 و 2) الدر المنثور: ج 3، ص 190. (3) اط الابل: حنت، وفي المصدر: ان السماء اطت وستنقل هكذا في ما يأتي تحت الرقم 81. (4) الدر المنثور: ج 3، ص 293 وستأتي الرواية تحت الرقم 81 ؟ ؟ ؟. والذيل من قوله " والله لو تعلمون الخ " ليس في المصدر في رواية ابي ذر بل هو منقول (ص 265) عن انس.

[200]

وقال في قوله " لوددت أني شجرة تعضد " هو بكلام أبي ذر أشبه، والنبي صلى الله عليه وآله أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالا أوضع عما هو فيه (انتهى). وأقول: هو إظهار الخوف منه تعالى، وهو لا ينافي القرب منه سبحانه، بل يؤكده " إنما يخشى الله من عباده العلماء ". 70 - الدر المنثور: عن ابن عباس، قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في النهار، يحفظان عمله ويكتبان أثره (1). 71 - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط، والجنابة، والغسل (2). 72 - وعن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية " عليها تسعة عشر " ألفا ؟ (3). قلت لا، بل تسعة عشر ملكا. فقال: ومن أين أنت علمت ذلك ؟ قلت: (4) لأن الله يقول " وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا " قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكا بيد كل ملك منهم مرزبة من حديد لها شعبتان فيضرب بها الضربة يهوي بها (5) سبعين ألفا، بين منكي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا (6). 73 - وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثهم عن ليلة أسري (7) به، قال: فصعدت أنا وجبرئيل إلى السماء الدنيا فإذا أنا بملك يقال له " إسماعيل " وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة


(1 و 2) الدر المنثور: ج 6، ص 323. (3) في المصدر: " تسعة عشر " فقال: ما تقولون أتسعة عشر ملكا أو تسعة عشر الفا ؟ قلت.. (4) في الصمدر: قلنا. (5) في المصدر: في جهنم سبعين.. (6) الدر المنثور: ج 6، ص 284. (7) في المصدر: ليلة الاسراء.

[201]

ألف، وتلا هذه الآية " وما يعلم جنود ربك إلا هو " (1). 74 - وعن ابن عباس، قال: ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا و معه (2) أربعة حفظة من الملائكة يحفظونها حتى يؤدونها إلى النبي صلى الله عليه وآله ثم قرأ " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " يعني الملائكة الاربعة " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم " (3). 75 - وعن سعيد بن جبير في قوله " فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبرئيل ليعلم محمد أن قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما جاء جبرئيل بالقرآن إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة (4). 76 - وعن الضحاك بن مزاحم في قوله " إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا بعث إليه الملك بعث (5) ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان على صورة الملك (6). 77 - وعن ابن عباس في قوله " إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي صلى الله عليه وآله من الشياطين، حتى يتبين الذي أرسل إليهم (7). 78 - وعن سعيد بن جبير " وما منا إلا له مقام معلوم " قال: الملائكة، ما في السماء موضع إلا عليه ملك إما ساجد وإما قائم حتى تقوم الساعة (8). 79 - وعن العلابن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوما لجلسائه: أطت السماء


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 284. (2) في الصمدر: الا ومعها اربعة من الاملاك يحفظونها. (3 و 4) الدر المنثور: ج 6، ص 275. (5) في الصمدر: بعث معه نفر من الملائكة. (6) الدر المنثور: ج 6، ص 276. (7) المصدر: ج 5، ص 275. (8) المصدر: ج 5، ص 292.

[202]

وحق لها أن تئط، ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد، ثم قرأ " وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون " (1). 80 - وعن مجاهد " وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون " قال: أطت السماء وما تلام أن تئط ! إن السماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه (2). 81 - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " إني أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون، إن السماء أطت وحق لها أن تئط ! ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله (3). 82 - وعن حكيم بن حزام، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هل تسمعون ما أسمع ؟ قلنا: يا رسول الله ما تسمع ؟ قال: أطيط السماء، وما تلام أن تئط ؟ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد (4) 83 - فردوس الاخبار: عن سعد بن معاذ، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله نقوا أفواهكم بالخلال، فإنها مسكن الملكين الحافظين الكاتبين، وإن مدادهما الريق وقلمهما اللسان، وليس شئ أشد عليهما من فضل الطعام في الفم. 84 - سعد السعود: قال: بعد أن ذكر الملكين الموكلين بالعبد، وفي رواية: أنهما إذا أرادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما إسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ فيعطيهما ذلك، فإذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه. تكملة: اعلم أنه أجمعت (5) الامامية بل جميع المسلمين إلا من شذ منهم من


(1 و 2) المصدر: ج 5، ص 293 (3) قدمر تحت: الرقم 69. (4) الدر المنثور: ج 5، ص 293. (5) تعرض للبحث عن ماهية الملائكة ثلة من المتكلمين فقالوا بكونها اجساما لطيفة تتشكل باشكال طيبة وتبغهم على ذلك رهط من سائر الباحثين من الامامية وغيرهم: ثم ان فئة

[203]

المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم وتضييع عقائدهم على وجود الملائكة، وأنهم أجسام لطيفة نورانية أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأكثر، قادرون على التشكل بالاشكال المختلفة، وأنه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما يشاء من الاشكال والصور على حسب الحكم والمصالح، ولهم حركات صعودا و هبوطا، وكانوا يراهم الانبياء والاوصياء عليهم السلام. والقول بتجردهم وتأويلهم بالعقول والنفوس الفلكية والقوى والطبائع وتأويل الآيات المتظافرة والاخبار المتواترة تعويلا على شبهات واهية واستبعادات وهمية زيغ عن سبيل الهدى، واتباع لأهل الجهل والعمى. قال المحقق الدواني في شرح العقائد: الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكلات المختلفة، وقال شارح المقاصد: ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الامة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانيه قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة. كاملة في العلم والقدرة على الافعال الشاقة. شأنها الطاعة، ومسكنها السماوات، هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه وامنائه على وحيه، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.


من فلاسفة الاسلام الذين كانوا يعجبهم تطبيق الظواهر الدينية على المباني الفلسفية وآرائهم في العلوم العقلية عمدوا إلى تطبيق الملائكة على العقول المجردة والنفوس الفلكية كما انهم فسروا السماوات السبع والكرسي والعرش بالافلاك التسعة مع انها فرضية في نفسها ابطلها العلم الحديث ولاجل انهم اخطأوا في بعض تطبيقاتهم لا نظن بهم انهم ادخلوا انفسهم في المسلمين ليضيعوا عليهم دينهم ! كيف وقد شيدوا كثيرا من الاسس الدينية والقواعد العقلية التي يدور عليها كثير من الاصول الاعتقادية ولعل مثل هذه الاخطاء صدر من غيرهم أكثر منهم وان كانوا يحسبون انهم يحسنون ولا نظن بهم وبغيرهم إلا خيرا اللهم إلا من قام برهان على سوء نيته وخبث سريرته نعوذ بالله تعالى. ثم انه لا دليل على انكارهم ملائكة جسمانيين مطلقا ان لم يوجد دليل على خلافه ومن جانب آخر: لم يثبت اجماع الامة أو الامامية على جسمانية جميع الملائكة حتى الكروبيين والمهيمين والعالين ان سلم دعوى الاجماع على جسمانية بعضهم وعلى هذا فالمسألة ليست بتلك المثابة التي تتراءى من كلام المؤلف رحمه الله تعالى.

[204]

وقال: الملائكة عند الفلاسفة هم العقول المجردة والنفوس الفلكية، و يخص باسم الكروبيين مالا تكون له علاقة مع الاجسام ولو بالتأثير، وذهب أصحاب الطلسمات إلى أن لكل فلك روحا كليا يدبر أمره، ويتشعب منه أرواح كثيرة مثلا للعرش أعني الفلك الاعظم روح يرى أثره في جميع ما في جوفه يسمى بالنفس الكلية والروح الاعظم، ويتشعب منه أرواح كثيرة متعلقة بأجزاء العرش وأطرافه كما أن النفس الناطقة تدبر أمر بدن الانسان ولها قوة طبيعية وحيوانية و نفسانية بحسب كل عضو، وعلى هذا يحمل قوله تعالى " يوم يقوم الروح والملائكة صفا (1) " وقوله تعالى " وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم (2) " وهكذا سائر الافلاك، وأثبتوا لكل درجة روحا يظهر أثره عند حلول الشمس تلك الدرجة، وكذا لكل من الايام والساعات والبحار والجبال والمفاوز والعمران وأنواع النبات والحيوانات وغير ذلك، على ما ورد في لسان الشرع من ملك الارزاق، وملك البحار، وملك الامطار، وملك الموت، ونحو ذلك. وبالجملة فكما ثبت لكل من الابدان البشرية نفس مدبرة فقد أثبتوا لكل نوع من الانواع بل لكل صنف روحا يدبره يسمى بالطبائع (3) التام لذلك النوع تحفظه عن الآفات والمخافات، ويظهر أثره في النوع ظهور أثر النفس الانسانية في الشخص (انتهى). وقال الرازي في تفسيره: إنه لا خلاف بين العقلاء في أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه، كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الانسان فيه، إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم، وطريق ضبط المذاهب أن يقال: الملائكة لابد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها، ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون، أما الاول ففيه أقوال: أحدها


(1) النبأ: 38. (2) الزمر: 75. (3) كذا.

[205]

أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات، و هذا قول أكثر المسلمين. وثانيها قول طوائف من عبدة الاوثان، وهو أن الملائكة في الحقيقة هو هذه الكواكب الموصوفة بالاسعاد والانحاس، فإنها بزعمهم أحياء ناطقة، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة، والمنحسات منها هي ملائكة العذاب. وثالثها: قول معظم المجوس والثنوية، وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة، وهما في الحقيقة جوهران شفاقان حساسان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس، يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويحيي ولا يبلي، وجوهر الظلمة على ضد ذلك. ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الاولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضئ، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الاعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح، فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية. القول الثاني: أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا أجسام فههنا، قولان: أحدهما: قول طوائف من النصارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الانفس الناطقة بذاتها المفارقة لابدانها على نعت الصفا والخيرية، وذلك لان هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيه خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين. وثانيها قول الفلاسفة وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة، وأنها بالماهية مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الاضواء ثم إن هذه الجواهر على قسمين: منها: ما هي بالنسبة إلى أجرام الافلاك و الكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ماهي أعلى شأنا من تدبير أجرام الافلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون، ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك

[206]

المدبرين إلى نفوسنا الناطقة فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما. ومنهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة، وهي الملائكة الارضية المدبرة لاحوال هذا العالم السفلي. ثم إن مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة، و إن كانت شريرة فهم الشياطين. ثم اختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع ؟ فالفلاسفة على الاول. أقول: ثم ذكر بعض دلائلهم فقال: وأما الدلائل النقلية فلا نزاع البتة بين الانبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة، بل ذلك كالامر المجمع عليه بينهم، ثم ذكر كثرة الملائكة وبعض الاخبار في ذلك، ثم قال: رأيت في بعض كتب التذكير أن النبي صلى الله عليه وآله حين عرج به رأى الملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله أنهم إلى أين يذهبون ؟ فقال جبرئيل عليه السلام: لا أدري إلا أني أراهم منذ خلقت، ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سألوا واحدا منهم، وقيل له: منذكم خلقت ؟ فقال: لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكبا في كل أربعمائة ألف سنة، فخلق مثل ذلك الكواكب منذ خلقني أربعمائة ألف كوكب. ثم قال: واعلم أن الله ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم، وأما الاصناف فأحدها حملة العرش " ويحمل عرش ربك الآية (1) " وثانيها الحافون حول العرش " وترى الملائكة حافين الآية - (2) " وثالثها أكابر الملائكة، فمنهم جبرئيل وميكائيل لقوله " جبريل وميكال (3) " ثم إنه وصف جبرئيل بامور: الاول أنه صاحب الوحي إلى الانبياء " نزل به الروح الامين (4) " والثاني أنه قدمه على ميكائيل، والثالث جعله ثاني نفسه " فإن الله هو موليه وجبرئيل (5) "


(1) الحاقة: 17. (2) الزمر: 75. (3) البقره: 98. (4) الشعراء: 193. (5) التحريم: 4.

[207]

الرابع سماه روح القدس الخامس ينصر أولياءه ويقهر أعداءه مع آلاف من الملائكة مسومين السادس أنه مدحه بصفات ستة " إنه لقول رسول كريم - إلى قوله - أمين (1) ". ومنهم إسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل قابض الأرواح، وله أعوان عليه ورابعها ملائكة الجنة " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب الآية (2) " - وخامسها ملائكة النار " عليها تسعة عشر (3) " وقوله: " وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة (4) " ورئيسهم مالك " يا مالك ليقض علينا ربك (5) " وأسماء جملتهم " الزبانية " سندع الزبانية (6) " وسادسها الموكلون ببني آدم لقوله تعالى " عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (7) " وقوله تعالى: " له معقبات - الآية (8) " -. وقوله " ويرسل عليكم حفظة (9) " وثامنها الموكلون بأحوال هذا العالم " والصافات صفا (10) " وقوله " والمدبرات أمرا (11) ". وعن ابن عباس قال: إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عجزة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله رحمكم الله. وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه: أحدها أنهم رسل الله " جاعل الملائكة


(1) التكوير: 19 - 21. (2) الرعد: 23. (3 و 4) المدثر: 30 - 31. (5) الزخرف: 77. (6) العلق: 18. (7) ق: 17. (8) الرعد: 11. (9) الانعام: 61. (10) الصافات: 1. (11) النازعات: 5.

[208]

رسلا (1) - وقوله - الله يصطفي من الملائكة رسلا (2) " وثانيها قربهم من الله بالشرف وهو المراد من قوله سبحانه " ومن عنده لا يستكبرون (3) " وقوله " بل عباد مكرمون (4) " وثالثها وصف طاعاتهم، وذلك من وجوه: الأول قوله تعالى حكاية عنهم " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (5) " وقولهم " وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون (6) " والله تعالى ما كذبهم في ذلك. الثاني مبادرتهم إلى امتثال أمر الله، وهو قوله " فسجد الملائكة كلهم أجمعون (7) " الثالث: أنهم لا يفعلون إلا بوحيه وأمره وهو قوله تعالى " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (8) ". ورابعها: وصف قدرتهم وذلك بوجوه: الاول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السماوات السبع لقوله تعالى " وسع كرسيه السماوات والأرض (9) " والثاني أن علو العرش شئ لا يحيط به الوهم، ويدل عليه قوله تعالى " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (10) " ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة الثالث: قوله تعالى " ونفخ في الصور - الآية (11) " - فصاحب الصور بلغ في القوة إلى حيث إن بنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات والأرض، وبالثانية


(1) فاطر: 1. (2) الحج: 75. (3) الانبياء: 19. (4) الانبياء: 26. (5) البقرة: 30. (6) الصافات: 165 - 166. (7) ص: 73. (8) الانبياء: 27. (9) البقرة: 255. (10) المعارج: 4. (11) يس: 51. بحار الانوار ج 59 - 13 - (*)

[209]

منه يعودون أحياءا الرابع أن جبرئيل بلغ من قوته أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة. وخامسها: وصف خوفهم ويدل عليه بوجوه، الاول: أنهم مع كثرة عبادتهم وعدم إقدامهم على الزلات يكونون خائفين وجلين حتى كأن عباداتهم معاصي قال تعالى: " يخافون ربهم من فوقهم (1) " وقال " وهم من خشيته مشفقون (2) ". الثاني: قوله تعالى " حتى إذا فزع عن قلوبهم - الآية (3) " - روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات مثل صوت السلسلة على الصفوان، ففزعوا، فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير. الثالث: روى البيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بناحية ومعه جبرئيل عليه السلام إذ انشق أفق السماء فأقبل جبرئيل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض إلى آخر ما سيأتي برواية السيوطي في الباب الآتي (انتهى) (4). وأقول: وإن قال في أول كلامه إن أكثر المسلمين قالوا بتجسم الملائكة لكن يظهر من آخر كلامه أن المخالف في ذلك ليس إلا النصارى والفلاسفة الذين لم يؤمنوا بشريعة، وتكلموا في جميع أمورهم على آرائهم السخيفة، وعقولهم الضعيفة (5). وأقول: سئل المرتضى: نزول جبرئيل بالوحي في صورة دحية الكلبي كيف


(1) النحل: 50. (2) المؤمنون: 58. (3) سبأ: 23. (4) مفاتيح الغيب: ج 1، ص 376 - 380. (5) هب ان الظاهر من آخر كلامه ذلك فهل يصح رفع اليد عن صريح الصدر بظاهر الذيل ؟ ثم هل يثبت بذلك اجماع المسلمين ؟

[210]

كان يتصور بغير صورته ؟ هو القادر عليها أو القديم تعالى يشكل صورة وليست صورة جبرئيل ؟ فإن كان الذي يسمع من القرآن من صورة غير جبرئيل ففيه ما فيه، و إن كان من جبرئيل فكيف يتصور بصورة للبشر ؟ وهذه القدرة قد رويت أن إبليس يتصور وكذلك الجن، أريد أن توضح أمر ذلك، وما كان يسمعه جبرئيل من الوحي من البارئ تعالى أو من حجاب وكيف كان يبلغة ؟ وهل جبرئيل يعلم من صفات البارئ أكثر مما نعلمه أو مثله ؟ وأين محله من السماء ؟ وهل القديم إذا خطر ببال جبرئيل يكون متحيرا فيه مثلنا، ويكون سبحانه لا تدركه الاوهام أو ميزه علينا وجميع الملائكة أيضا. فأجاب - رحمه الله - بأن نزول جبرئيل بصورة دحية كان بمسألة من النبي صلى الله عليه وآله لله تعالى في ذلك، فأما تصوره فليس بقدرته، بل الله يصوره كذلك صورة حقيقة لا تشكيل، والذي كان يسمعه النبي صلى الله عليه وآله من القرآن كان من جبرئيل في الحقيقة، وأما إبليس والجن فليس يقدرون على التصور، وكل قادر بقدرة فحكمهم سواء في أنهم لا يصح أن يصوروا نفوسهم، بل إن اقتضت المصلحة أن يتصور بعضهم بصورة صوره الله للمصلحة، فأما جبرئيل عليه السلام وسماعه الوحي فيجوز أن يكلمه الله بكلام يسمعه فيتعلمه، ويجوز أن يقرأه من اللوح المحفوظ فأما ما يعلم جبرئيل من صفات الله فطريقه الدليل، وهو والعلماء فيه واحد، فأما محله من السماء فقد روي أنه في السماء الرابعة، فأما ما يخطر بباله فلا يجوز أن يتحير فيه، لأن جبرئيل معصوم لا يصح أن يفعل قبيحا (انتهى) وفي بعض (1) ما أفاده نظر لا يخفى على المتأمل. وسئل - رحمه الله - أيضا: إذا حصل أهل الجنة في الجنة ما حكم الملائكة ؟


(1) وكذا في بعض ما يأتي منه، وامثال هذه مما صدر عن اجلة العلماء شاهدة على ما اسلفنا من عدم اختصاص الخطأ بالفلاسفة والمتفلسفين، لكن كأنه لا يناسب عظم شأن الفقهاء الا مثل هذا الكلام " في بعض ما افاده نظر " ولولا مخافة الاطالة لأشرنا إلى مواقع النظر في كلامه وما يترتب عليه من اللوازم غير المرضية والى تحقيق القول في المسائل المذكورة.

[211]

هل يكونون في جنة بني آدم أو غيرها ؟ وهل يراهم البشر ؟ وهم يأكلون ويشربون مثل البشر أو تسبيح وتقديس ؟ وهل يسقط عنهم التكليف ؟ وكذلك الجن. فأجاب - رحمه الله - أنه يجوز أن يكونوا في الجنة مع بني آدم، ويجوز أن يكونوا في جنة سواها، فإن الجنان كثيرة جنة الخلد، وجنة عدن، وجنة المأوى، وغير ذلك مما لم يذكره الله تعالى. فأما رؤية البشر لهم فلا يصلح إلا على أحد وجهين: إما أن يقوي الله تعالى شعاع بصر البشر، أو يكثف الملائكة. فأما الاكل والشرب فتجوز، والله تعالى يثيبهم بما فيه لذتهم، فإن جعل لذتهم في الاكل والشرب جاز. وأما التكليف فإنه يسقط عنهم، لانه لا يصح أن يكونوا مكلفين مثابين في حالة واحدة. والكلام في الجن يجري هذا المجرى. وقال الشيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب المقالات: القول في سماع الأئمة عليهم السلام كلام الملائكة الكرام وإن كانوا لا يرون منهم الاشخاص. وأقول بجواز (1) هذا من جهة العقل، وأنه ليس بممتنع في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال، وقد جاءت بصحته وكونه في الائمة عليهم السلام وكذا سميت من شيعتهم الصالحين الابرار الاخيار واضحة الحجة والبرهان. وهو مذهب فقهاء الامامية وأصحاب الآثار منهم، وقد أباه بنو نوبخت وجماعة من أهل الامامة لا معرفة لهم بالاخبار، ولم يمعنوا النظر، ولا سلكوا طريق الصواب. وقال - رحمه الله - في رؤية المحتضر الملائكة جائز من أن يراهم ببصره بأن يزيد الله تعالى في شعاعه ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة. وقال: القول في نزول الملكين على أصحاب القبور ومساءلتهما الاعتقاد: وأقول: إن ذلك صحيح وعليه إجماع الشيعة وأصحاب الحديث. وتفسير مجمله أن الله تعالى ينزل على من يريد تنعيمه بعد الموت ملكين اسمهما مبشر، وبشير فيسألانه عن ربه جلت عظمته وعن نبيه ووليه عليهما السلام فيجيبهما بالحق الذي فارق الدنيا على اعتقاده والصواب، ويكون الغرض في مساءلتهما استخراج العلامة بما


(1) في المخطوطة: يجوز.

[212]

يستحقه من النعيم، فيجد لذتها منه في الجواب. وينزل جل جلاله على من يريد تعذيبه في البرزخ ملكين اسمهما (1) ناكر، ونكير، فيوكلهما بعذابه. ويكون الغرض في مساءلتهما له استخراج علامة استحقاقه من العقاب بما يظهر في جوابه من التلجلج عن الحق، أو الخبر عن سوء الاعتقاد، أو إبلاسه وعجزه عن الجواب. وليس ينزل الملكان من أصحاب القبور إلا على ما ذكرناه. وأما ما ذكره السيد الداماد - رحمه الله - تبعا للفلاسفة حيث قال: من الدائر على الالسن أن وصف القرآن بالنزول التي لا يتصف به إلا المتحيز بالذات دون الاعراض وسيما غير القارات كالاصوات إنما هو بتبعية محله، سواء اخذ حروفا ملفوظة، أو معاني محفوظة، وهو الملك الذي يتلقف الكلام من جناب الملك العلام تلقفا سماعيا، أو يتلقاه تلقيا روحانيا، أو يتحفظه من اللوح المحفوظ ثم ينزل به على الرسول، ولا يتمشى هذا النمط إلا على القول بتجسم الملائكة. وإنما الخارجون عن دائرة التحصيل ممشاهم ذلك، فأما ما هو صريح الحق وعليه الحكماء الالهيون والمحصلون من أهل الاسلام أن الملائكة على قبائل سفلية وعلوية أرضية وسماوية، جسمانية وقدسانية، وفي القبائل شعوب وطبقات، كالقوى المنطبعة، والطبائع الجوهرية، وأرباب الانواع، والنفوس المفارقة السماوية والجواهر العقلية القادسية (2) بطبقات أنواعها وأنوارها، ومنها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواح أولي القوة القدسية بإذن الله سبحانه " وما يعلم جنود ربك إلا هو (3) " وفي الحديث عنه عليه السلام " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع " فالامر غير خفي، اللهم إلا أن يسمى ظهورهم العقلاني لنفوس الانبياء عليهم السلام نزولا، تشبيها للهيولى العقلي و الاعتلاق الروحاني بالنزول الحسي والاتصال المكاني، فيكون قولنا نزول الملك


(1) في بعض النسخ: اسماهما. (2) القادسة (ظ). (3) المدثر: 31.

[213]

استعارة تبعية، وقولنا نزل الفرقان مجازا مرسلا بتبعية تلك الاستعارة التبعية. قلت: لا يطمئن مني أحد من الناس أن أستصح ذلك بجهة من الجهات، وإن فيه شقا لعصا الامة بفرقها المفترقة، وأحاديثها المتواترة، وخرقا للقوانين العقلية الفلسفية، ونسخا للضوابط المقررة البيانية، فالامة مطبقة على أن النبي صلى الله عليه وآله يرى جبرئيل عليه السلام وملائكة الله المقربين ببصره الجسماني، ويسمع كلام الله الكريم على لسانهم القدسي بسمعه الجسماني، وقوائم الحكمة قائمة بالقسط أنه إنما ملاك الرؤية البشرية والابصار الحسي انطباع الصورة في الحس المشترك و إنما المبصر المرئي بالحقيقة من الشئ الماثل بين يدي الحس الصورة الذهنية المنطبعة، وأما ذو الصورة بهويته العينية ومادته الخارجية فمبصر بالعرض، مرئي بالمجاز، وإن كان مثوله العيني شرط الابصار، والجليديتان هما مسلكا التأدية لا لوحا الانطباع، وعلى هذه السنة شاكلة السمع أيضا، والافاضة مطلقا من تلقاء واهب الصور فإذا كانت النفس واغلة الهمة في الجنبة الجسدانية، طفيفة الانجذاب إلى صقع الحق وعالم القدس لم يكن لنبطاسياها سبيل إلى التطبع بالصورة من تلقاء واهب الصور إلا من مسلك الحاسة الظاهرة، ومثول المادة الخارجية بين يديها، فأما إذا كانت قدسية الفطرة، مستنيرة الغريزة في جوهر جبلتها المفطورة ثم في سجيتها المكسوبة، صارت نقية الجوهر، طاهرة الذات، أكيدة العلاقة بعالم العقل، شديدة الاستحقاق لعالم الحس قاهرة الملكة، قوية المنة على خلع البدن ورفض الحواس، والانصراف إلى صقع القدس حيث شاءت ومتى شاءت بإذن ربها، وقوتها المتخيلة أيضا قليلة الانغماس في جانب الظاهر، قوية التلقي من عالم الغيب، فإنها تخلص من شركة الطبيعة، وتعزل اللحظ عن الجسد في اليقظة فترجع إلى عالمها، وتتصل بروح القدس، وبمن شاء الله من الملائكة المقربين، و تستفيد من هنالك العلم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح كمرآة مجلوة حوذي بها شطر الشمس، ولكن حيث إنها يومئذ في دار غريبتها (1) بعد بالطبع، ولم تنسلخ عن علاقتها


(1) غربتها (ظ).

[214]

الطبيعية بتدبر جيوشها الجسدية، وأمورها البدنية، تكون مثالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن وتلك الدرجة تحول الملك لها على صورة مادية متمثلة في شبح بشري ينطبق بكلمات إلهية مسموعة منظومة، كما قال عز من قال " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " (1) وأعني بذلك ارتسام الصورة في لوح الانطباع لا من سبيل الظاهر والاخذ عن مادة خارجية، بل بالانحدار إليه من الباطن، والحصول عن صقع الافاضة، فإذن في السماع والابصار المشهوريين يرتفع المسموع و المبصر من المواد الخارجية إلى لوح الانطباع، ثم منه إلى الخيال والمتخيلة ثم يصعد الامر إلى النفس العاقلة، وفي إبصار الملك وسماع الوحي وهما الابصار والسماع الصريحان ينعكس الشأن، فينزل الفيض إلى النفس من عالم الامر، فهي تطالع شيئا من الملكوت مجردة غير مستصحبة لقوة خيالية أو وهمية أو غيرهما ثم يفيض عن النفس إلى القوة الخيالية، فتخيله مفصلا منضما بعبارة منظومة مسموعة، فتمثل لها الصورة في الخيال من صقع الرحمة وعالم الافاضة، ثم تنحدر الصورة المتمثلة والعبارة المنتظمة من الخيال والمتخيلة إلى لوح الانطباع، وهو الحس المشترك، فتسمع الكلام، وتبصر الصورة، فهذا أفضل ضروب الوحي و الايحاء، ويقال إنه مخاطبة العقل الفعال للنفس بألفاظ مسموعة مفصلة، وله أنحاء مختلفة، ومراتب متفاصلة، بحسب درجات للنفس متفاوتة، وقد يكون في بعض درجاته لا يتخصص المسموع والمبصر بجهة من جهات العالم بخصوصها، بل الامر يعم الجهات بأسرها في حالة واحدة. وفي الحديث أن الحارث بن هشام سأل رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ قال: أحيانا يأتي مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يمثل إلي الملك رجلا فيكلمني، فأعي ما يقول. وربما تكون النفس المتنورة صقالتها في بعض الاحايين أتم، وسلطانها على قهر الصوارف الجسدانية والشواغل الهيولانية أعظم، فيكون عند الانصراف عن عالم


(1) مريم: 17.

[215]

الحس والاتصال بروح القدس استئناسها بجوهر ذاته المجردة منه بالشبح المتمثل فتشاهده ببصر ذاته العاقلة، ويستفيد منه وهو في صورته القدسية كما ورد في الحديث أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله مرة في صورته الخاصة كأنه طبق الخافقين. ثم دون هذه الضروب لسائر درجاته ما يتفق له من القوة القدسية نصيب مرتبة النبوة أن يرى ملائكة الله ويسمع كلام الله ولكن في النوم لا في اليقظة. وسبيل القول فيه أيضا مادريت، إلا أن الامر هناك ينتهي إلى القوة المتخيلة ويقف عندها بمحاكاتها وتنظيمها وتفصيلها لما قد طالعته النفس من عالم الملكوت، من دون انحدار الصورة المتمثلة والعبارة المنتظمة منها إلى الحس المشترك. فأما الرؤيا الصالحة لنفوس العرفاء والصالحين فواقعة في هذا الطريق، غير واصلة إلى درجة النبوة وبلوغ الغاية. وفي الحديث أنها جزء من ستة وأربعين أو سبعين جزء من النبوة، على اختلافات الروايات. وقصاراها في مرتبة الكمال وأقصاها للمحدثين - بالفتح على البناء للمفعول من التحديث - وهم الذين يرفضون عالم الشهادة ويصعدون إلى عالم الغيب، فربما يسمعون الصوت في اليقظة عن سبيل الباطن، ولكنهم لا يعاينون شخصا متشبحا. وفي كتاب الحجة من كتاب الكافي لشيخ الدين أبي جعفر الكليني - رضي الله عنه - باب في الفرق بين الرسول والنبي صلى الله عليه وآله والمحدث، وأن الائمة عليهم السلام محدثون مفهمون (1). وإذ قد انصرح لك من المسألة من سبيلها فقد استبان أن قولنا " نزل الملك " مجاز عقلي مستعمل طرفاه في معنييهما الحقيقيين والتجوز فيه في الاسناد، إذ النزول حقيقة منسوب إلى الصورة المتشبحة المتمثلة وقد أسند بالعرض إلى الجوهر المجرد القدسي وهو الملك، وليس هو من الاستعارة في شئ أصلا، كما قولنا " تحرك جالس السفينة " وقولنا: " أنا متحرك " و " أنا ساكن " وقولنا " رأيت زيدا " إذا عنينا به شخصه الموجود في الخارج بهويته العينية لا صورته الذهنية المرئية المنطبعة في الحس المشترك وسائر المقولات في وجود الاتصافات بالعرض كلها على هذه الشاكلة. وأما. " نزل الفرقان " فمجاز مرسل


(1) الكافي: ج 1، ص 270.

[216]

لاتباعه استعارة تبعية، بل من حيث إن النازل على الحقيقة محله وهو تلك الصورة البشرية المتشبحة النازلة أو تجوز عقلي لا في شئ من الطرفين بل في الاسناد، على أن الاصوات والحروف والالفاظ ليست أعراضا حالة في لسان المتكلم، بل هي تقطيعات عارضة للهواء من تلقاء حركة اللسان. إن قلت: بنيت الامر فيما أفدت على القول بالانطباع في باب الرؤية، فما سبيل القول هنالك على المذهبين الآخرين وهما خروج الشعاع أي في فيضانه من المبدأ الفياض منبثا في الهواء المتوسط بين الجليدية وسطح المرئي على هيئة المخروط وحصول الاضافة الاشراقية للنفس المستوجبة للانكشاف الابصاري مادامت المقابلة بين المرئي والجليدية على تلك الهيئة. قلت: لست أكترث لذلك، إذ إنما يسمى ذلك الخلاف وتثليث القول في المواد الخارجية والرؤية من مسلك الجليدية، ومن مذهب الظاهر، لا في الابصار من سبيل الباطن ومذهب الغيب من دون الاخذ من مادة خارجية. ثم الآراء الثلاثة متحاذية الاقدام في تطابق اللوازم واتحاد الاحكام، حذو القذة بالقذة. والسواد الاعظم على مسلك الانطباع، ويشبه أن يكون الحق لا يتعداه، وما يتجشمه فرق من فرق الاضافة الاشراقية من إثبات صور معلقة خيالية في عالم معلق مثالي ليستتب الامر في صور المرايا والصور الخيالية وأمور الايحاءات ومواعيد النبوات. قلت: لا أجد لاتجاه البرهان إليه مساقا، بل أجده بتماثيل الصوفية أشبه منه بقوانين الحكماء، وحق القول الفصل فيه على ذمة كتبنا البرهانية (انتهى). فلعله - رحمه الله - حاول تحقيق الامر على مذاق المتفلسفين، ومزج رحيق الحق بمموهات آراء المنحرفين عن طرق الشرع المبين، مع تباين السبيلين، و وضوح الحق من البين، وقد اتضح بما أسلفنا صريح الامر لذي عينين، وسنذكر ما يكشف أغشية الشبه رأسا عن العين. 85 - أقول: روينا باسنادنا عن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن أشناس البزاز

[217]

عن محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني، عن جعفر بن محمد بن جعفر العلوي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب الزيات، عن خاله علي بن نعمان الأعلم، عن عمير بن المتوكل الثقفي البلخي، عن أبيه المتوكل بن هارون، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام عن أبيه الباقر، عن جده، علي بن الحسين عليهم السلام. وبإسنادنا عن محمد بن أحمد بن [علي بن] الحسن بن شاذان عن أحمد بن محمد بن عياش الجوهري عن الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن المعروف بابن أبي طاهر العلوي، عن محمد بن مطهر الكاتب، [عن أبيه] عن محمد بن شلقان المصري، عن علي بن النعمان - إلى آخر السند المتقدم - قال: وكان من دعائه عليه السلام في الصلوة على حملة العرش وكل ملك مقرب: اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك، ولا يسأمون من تقديسك، ولا يستحسرون عن عبادتك، ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك، ولا يغفلون عن الوله إليك وإسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الاذن، وحلول الامر، فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور، وميكائيل ذو الجاه عندك، والمكان الرفيع من طاعتك وجبريل الامين على وحيك، المطاع في أهل سماواتك، الملكين لديك، المقرب عندك، والروح الذي هو على ملائكة الحجب، والروح الذي هو من أمرك. اللهم فصل عليهم وعلى الملائكة الذين من دونهم، من سكان سماواتك، وأهل الامانة على رسالاتك، والذين لا يدخلهم سأمة من دؤوب، ولا إعياء من لغوب، ولا فتور، ولا تشغلهم عن تسبيحك الشهوات، ولا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات الخشع الابصار فلا يرومون النظر إليك، النواكس الاعناق (1) الذين قد طالت رغبتهم فيما لديك، المستهترون بذكر آلائك، والمتواضعون دون عظمتك وجلال كبريائك، والذين يقولون إذا نظروا إلى جهنم تزفر على أهل معصيتك: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فصل عليهم وعلى الروحانيين من ملائكتك، وأهل الزلفة عندك، وحملة الغيب إلى رسلك، والمؤتمنين على وحيك، وقبائل الملائكة


(1) في الصحيفة المطبوعة: الاذقان.

[218]

الذين اختصصتهم لنفسك، وأغنيتهم عن الطعام والشراب بتقديسك، وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك. والذين هم على أرجائها إذا نزل الامر بتمام وعدك، و خزان المطر، وزواجر السحاب، والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود، و إذا سبحت به حفيفة (1) السحاب التمعت صواعق البروق، ومشيعي الثلج والبرد، و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل، والقوام على خزائن الرياح، والموكلين بالجبال فلا تزول، والذين عرفتهم مثاقيل المياه، وكيل ما تحويه لواعج الامطار وعوالجها ورسلك من الملائكة إلى أهل الارض بمكروه ما ينزل من البلاء، ومحبوب الرخاء والسفرة الكرام البررة، والحفظة الكرام الكاتبين، وملك الموت وأعوانه، و منكر ونكير، ومبشر وبشير ورومان فتان القبور، والطائفين بالبيت المعمور ومالك والخزنة، ورضوان وسدنة الجنان والذين لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، والذين يقولون " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " والزبانية الذين إذا قيل لهم " خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه " ابتدروه سراعا ولم ينظروه، ومن أوهمنا ذكره ولم نعلم مكانه منك وبأي أمر وكلته، وسكان الهواء والارض والماء، ومن منهم على الخلق، فصل عليهم يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وصل عليهم صلوة تزيدهم كرامة على كرامتهم، وطهارة على طهارتهم. اللهم وإذا صليت على ملائكتك ورسلك وبلغتهم صلواتنا (2) عليهم فصل علينا بما فتحت لنا من حسن القول فيهم، إنك جواد كريم. تبيان: أقول: الدعاء مروية برواية الحسني أيضا في الصحيفة الشريفة الكاملة المشهورة، ورواية الشيخ ورواية المطهري كما فصلناه في آخر المجلدات ولنوضحه بعض الايضاح وإن استقصينا الكلام في شرحه في الفرائد (3) الطريفة. " اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك " وفي رواية الحسني " عن


(1) خفيفة (خ). (2) في الصحيفة المطبوعة: صلوتنا. (3) في بعض النسخ " الفوائد الطريفة ".

[219]

تسبيحك " والواو في قوله " وحملة " للعطف على الجمل المتقدمة في الدعاء السابق أو من قبيل عطف القصة على القصة. وقيل: زائدة، وقيل: استئنافية و قيل: عطف بحسب المعنى على قوله " اللهم " فإنه أيضا جملة لانه بتأويل " أدعوك " ولا يخفى بعد ما سوى الاولين، وقوله " وحملة " مبتدأ، وخبره مقدر، أي " هم مستحقون لان نصلي عليهم " ويحتمل أن يكون " فصل عليهم " خبرا بتأويل مقول في حقه، فدخول الفاء إما على مذهب الاخفش حيث جوز دخول الفاء على الخبر مطلقا، أو بتقدير " أما أو باعتبار الاكتفاء بكون صفة المبتدأ موصولا، ويحتمل أن يكون الموصول خبرا لا صفة، وكذا " صاحب " في الثاني و " ذو الجاه " في الثالث " والأمين " في الرابع. وكذا الموصول في الاخيرين، أو يقدر فيهما بقرينة ما سبقهما " هما مقربان عندك " وقد مضى الكلام في معاني العرش وحملته وإن كان الاظهر هنا كون المراد بالعرش الجسم العظيم وبحملته الملائكة الذين يحملونه والفتور الانكسار والضعف. " ولا يسأمون من تقديسك " سئم من الشئ - كعلم - مل أي لا يحصل لهم من التسبيح والتقديس سأمة وملال، بل يتقوون بهما كما مر، و التسبيح والتقديس كلاهما بمعنى التنزيه عن العيوب والنقائص. ويمكن حمل الاول على تنزيه الذات والثاني على تنزيه الصفات والافعال، ويحتمل وجوها أخر. " ولا يستحسرون عن عبادتك " الاستحسار استفعال من " حسر " إذا أعيا وتعب، وعدم ملالهم لشدة شوقهم، وكون خلقتهم خلقة لا يحصل بها لهم الملال بكثرة الاعمال. " ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك " الإيثار الاختيار والجد - بالكسر -: الاجتهاد والسعي " ولا يغفلون عن الوله إليك " الوله - محركة - الحزن، أو ذهاب العقل حزنا، والحيرة والخوف. ولعل المراد هنا التحير في غرائب خلقه سبحانه، أو لشدة حبهم له تعالى، أو للخوف منه جل وعلا، والاوسط لعله أظهر. وإسرافيل هو ملك موكل بنفخ الصور، والصور هو قرنه الذي ينفخ فيه كما قال سبحانه " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الارض إلا من شاء الله

[220]

ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (1) " وقال تعالى " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (2) " وقد مر تفصيله في كتاب المعاد. " الشاخص الذي ينتظر منك الاذن " أي شخص ببصره، لا يطرف من يوم خلقته انتظارا لما سوف يؤمر به بعد انقضاء أمر الدنيا، والمرتفع الماد عنقه لذلك أو الرفيع الشأن والاول أظهر. قال الفيروز آبادي: شخص - كمنع - شخوصا: ارتفع، وبصره: فتح عينيه وجعل لا يطرف، وبصره: رفعه. والاذن في النفخ والامر أيضا فيه، أو المراد أمر القيامة " فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور " في القاموس: الصرع: الطرح على الارض، وكأمير: المصروع، والجمع صرعى (انتهى) والصريع يطلق على الميت، وعلى المقتول، لانهما يطرحان على الارض وفي القاموس: الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، وكل ما احتسب به شئ فرهينة، وراهن الميت القبر ضمنه إياه والرهينة كسفينة واحد الرهائن. أقول: يمكن أن يكون المراد برهائن القبور مودعاتها أي الذين أقاموهم فيها إلى يوم البعث، أو من ارتهن بعمله في القبر كما قال تعالى: " كل نفس بما كسبت رهينة " (3) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم. ومثله في الاخبار كثير، فيكون من قبيل الاضافة إلى الظرف لا إلى المفعول كقولهم " يا سارق الليلة أهل الدار " وكما قيل في " مالك يوم الدين " أي مالك الاشياء يوم الدين. ثم اعلم أن أكثر نسخ الصحيفة متفقة على نصب " الرهائن " فهو إما بدل عن " صرعى " أو حال أو بيان أو صفة، لان الاضافة لفظية. وفي رواية " ابن أشناس " بالجر بالاضافة، والاول أصوب، ثم إنه عليه السلام اقتصر على ذكر النفخة الثانية لانه أشد وأفظع لاتصالها بالقيامة واحتمال كون الكلام مشتملا عليهما بأن يكون في الاذن والامر إشارة إلى الاولى


(1) الزمر: 68. (2) يس: 53. (3) المدثر: 38.

[221]

وقوله " فينبه " إلى الثانية في غاية البعد. وميكائيل هو من عظماء الملائكة، وروي أنه رئيس الملائكة الموكلين بأرزاق الخلق كملائكة السحب والرعود والبروق والرياح والامطار وغير ذلك وفي اسمه لغات قال الزمخشري: قرئ " ميكال " بوزن قنطار، و " ميكائيل " بوزن " ميكاعيل " [و " ميكئيل " كميكعيل و " ميكائل " كميكاعل] و " ميكئل " كميكعل. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالعجمي خلطت فيه (انتهى) والجاه: القدر والمنزلة " والمكان الرفيع من طاعتك " لعل المراد بالمكان المكانة والمنزلة، وبالرفعة العلو المعنوي و " من " ابتدائية أي رفعة مكانه بسبب إطاعتك، أو تبعيضية أي له من درجات طاعتك منزلة رفيعة. وجبرئيل من أعاظم الملائكة، وفي ساير روايات الصحيفة " جبرئيل " بالكسر أو بالفتح، وفيه أيضا لغات، قال الزمخشري: قرئ " جبرئيل " بوزن فقشليل، و " جبرئل " بحذف الياء، و " جبريل " بحذف الهمزة و " جبريل " بوزن قنديل و " جبرال " باللام المشددة، و " جبرائيل " بوزن جبراعيل، و " جبرائل " بوزن جبراعل (انتهى) وقيل: معناه عبد الله، وقيل: صفوة عبد الله، وقيل: صفوة الله وهو عليه السلام حامل الوحي، إما على جميع الانبياء، أو إلى أولي العزم منهم، أو إلى بعض من غير أولي العزم أيضا. " والمطاع في أهل سماواتك " أي هم جميعا يطيعونه بأمر الله، والفقرتان إشارتان إلى قوله تعالى " مطاع ثم أمين " (1). " المكين لديك " المكين " ذو المكانة والمنزلة، و " لدى " ظرف مكان بمعنى " عند " كلدن، إلا أنهما أقرب مكانا من " عند " وأخص منه فإن عند يقع على مكان وغيره، تقول " لي عند فلان مال " أي في ذمته، ولا يقال ذلك فيهما. " والروح الذي هو على ملائكة الحجب " قد مر ذكر الحجب، ويدل على أن الروح رئيس الملائكة الموكلين بالحجب والساكنين فيها، والظاهر أنه شخص واحد موكل بالجميع، ويحتمل أن يكون اسم جنس، بأن يكون لملائكة كل حجاب


(1) التكوير: 21.

[222]

رئيس يطلق عليه الروح. " والروح الذي هو من أمرك " إشارة إلى قوله تعالى " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " (1) وظاهر هذه الفقرة أن الروح من جنس الملائكة أو شبيه بهم ذكر بينهم تغليبا لا الروح الانساني. واختلف المفسرون فيه كما سيأتي في باب النفس والروح، فقيل: إنه روح الانسان (2)، وقيل: إنه جبرئيل، و ظاهر الدعاء المغايرة. وقيل: إنه ملك من عظماء الملائكة وهو الذي قال تعالى " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " (3) وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن له سبعين ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها، يخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة، ولم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء أن يبلع السماوات والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل. والجواب حينئذ أنه من غرايب خلقه تعالى وقيل: خلق عظيم ليس من الملائكة وهو أعظم قدرا منها وهذا أظهر من سائر الاخبار كما رواه الكليني وعلي بن إبراهيم والصفار وغيرهم بالأسانيد الصحيحة عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مع الأئمة عليهم السلام وهو من الملكوت (4). وروى الكليني بإسناده أنه أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: جبرئيل من الملائكة، والروح غير جبرئيل، فكرر ذلك على الرجل، فقال له: لقد قلت عظيما من القول ! ما يزعم أحد أن الروح غير جبرئيل. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إنك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله


(1) بني اسرائيل: 85. (2) الروح الانساني (خ). (3) النبأ: 38. (4) الكافي: ج 1، ص 273.

[223]

عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله " ينزل الملائكة بالروح (1) " والروح غير الملائكة (2). و قد مرت الأخبار في ذلك. فذكره عليه السلام الروح في دعاء الملائكة إما تغليبا كما عرفت، أو بزعم المخالفين تقية " وعلى الملائكة الذين من دونهم " أي بحسب المكان الظاهري، لأن السابقين كانوا حملة العرش والكرسي والساكنين فيهما، وفي الحجب وتلك فوق السماوات السبع، أو بحسب المنزلة والرتبة، أو بحسبهما معا. " وأهل الأمانة على رسالاتك " يدل على عدم انحصار التبليغ في جبرئيل عليه السلام فيمكن أن يكون نزولهم على غير أولي العزم أو إليهم أيضا نادرا كما يدل عليه بعض الأخبار، أو المراد بهم الوسائط بينه تعالى وبين جبرئيل، كالقلم واللوح وإسرافيل وغيرهم كما مر، وفي بعض الاخبار القدسية عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم عن الله عزوجل. أو المراد بهم الرسل إلى ملائكة السحاب والمطر والعذاب و الرحمة وغيرهم من الملائكة الموكلين بأمور العباد، والملائكة الحافظين للوحين الذين أثبت فيهما جميع الكتب السماوية، أو الذين ينزلون على الانبياء والاوصياء في ليلة القدر. " والذين لا تدخلهم سأمة من دؤوب ولا إعياء من لغوب ولا فتور " السأمة الملالة والتضجر، والدؤوب التعب: والاعياء والعجز واللغوب أيضا الاعياء، ومنه قوله " وما مسنا من لغوب " ويمكن الفرق باختلاف مراتب التعجب والعجز، وهذه الفقرة إما تعميم بعد التخصيص، فإن هذا وما سيأتي حال جميع الملائكة، فتشمل ملائكه الارض أيضا، بل ملائكة الحجب والعرش والكرسي، أو تخصيص بعد التعميم لذكر بعض الصفات الظاهرة الاختصاص بالبعض فيما بعد، ولا ينافي عموم هذه الصفات، لانها كمال لهم أيضا، ومجموع الصفات مختصة بهم، أو يكون العطف


(1) النحل: 2. وفي المصدر ذكر الاية من أول السورة. (2) الكافي: ج 1، ص 274.

[224]

للتفسير لبيان بعض الصفات الاخر الثابتة لهم، ولذكر ما يستحقون به الصلاة من الفضائل. " ولا تشغلهم عن تسبيحك الشهوات " أي ليست لهم شهوة حتى تشغلهم " ولا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات " إضافة السهو إلى الغفلات من قبيل إضافة المسبب إلى السبب. أو الجزء إلى الكل، أو بيانية أي لا يمنعهم عن ذكره عظمتك أو العبادات المستلزمة لتعظيمك السهو الحاصل من الغفلات، أو السهو الذي هو من جملة الغفلات أو هو عينها " الخشع الابصار فلا يرومون النظر إليك " [في النسخ المشهورة " فلا يرومون النظر إليك "] والخشوع الخضوع، وخشوع العين: التذلل بها وعدم رفعها عن الارض أو غمضها، والروم: الطلب ولعل المراد أنهم ينظرون إلى جهة أقدامهم حياء أو خوفا، أو إلى الجهة التي جعلها الله قبلتهم، ولا يرفعون أبصارهم إلى جهة العرش ويحتمل أن يكون المراد النظر القلبي أي لا يتفكرون في كنه ذاتك وصفاتك، و مالا يصل إليه عقولهم من معارفك " النواكس الاعناق الذين قد طالت رغبتهم فيما لديك " في أكثر الروايات " النواكس الاذقان " وعلى التقديرين هو أن يطأطئ رأسه وهو أزيد تذللا من الخشوع، والمراد بما لديه الدرجات العالية المرتفعة، ويحتمل أن يكون لهم بعض اللذات غير الطعام والشراب. والظاهر أن الوصفين لطائفة مخصوصة من الملائكة كما مر في خبر المعراج، ويحتمل التعميم. " المستهترون " بصيغة المفعول قال الجوهري: فلان مستهتر بالشراب أي مولع به لا يبالي ما قيل فيه. والآلاء: النعم واحدها " ألى " بالفتح وقد يكسر مثل معى وأمعاء، أي هم ملتذذون حريصون في ذكر نعمائك الظاهرة والباطنة عليهم وعلى غيرهم " والمتواضعون دون عظمتك وجلال كبريائك " التواضع: التذلل، و " دون " معناه أدنى مكان من الشئ، ثم استعمل بمعنى قدام الشئ وعنده وبين يديه مستعارا من معناه الحقيقي وهو ظرف لغو متعلق بمتواضعون، والجلال والكبرياء: العظمة والعطف والاضافة للتأكيد والمبالغة، ويمكن أن يخص العظمة بالذات والكبرياء بالصفات " والذين يقولون إذا نظروا إلى جهنم تزفر على أهل معصيتك " قال

[225]

الجوهري: الزفير اغتراق النفس للشدة، والزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره. وقال الفيروز آبادي: زفر يزفر زفرا وزفيرا: أخرج نفسه بعد مده إياه، و النار سمع لتوقدها صوت (انتهى) أي إذا سمعوا زفير جهنم على العاصين خافوا من أن يكونوا مقصرين في العبادة، فقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، أي تنزهك تنزيها عن كون عباداتنا لائقة بجنابك. فإنهم لما رأوا شدة عقوباته تعالى نظروا إلى أنفسهم وأعمالهم وإلى عظمته وجلاله فوجدوا أعمالهم قاصرة عما يستحقه سبحانه ففزعوا إليه واعترفوا بالتقصير، ولجؤوا إلى رحمته وعفوه وكرمه، أو أنه لما طرأ عليهم الخوف عند سماع صوت العذاب وكان ذلك مظنة أن يكون خوفهم من أن يعاقبهم ظلما من غير استحقاق لعصمتهم نزهوه تعالى عن أن يكون الخوف منه عن تلك الجهة، وعللوا الخوف بالتقصير فيما يستحقه من العبادة. وقال الوالد - رحمه الله -: يمكن أن يكون قولهم ذلك للتعجب من مخالفتهم حتى استحقوا العذاب، أو من الصوت المهول على خلاف العادة، فهذا توبة لهم من المكروه. ويمكن أن يكون ذلك على سبيل الشفاعة لهم بأن ضموا أنفسهم مع العاصين، فكأنهم يقولون: نحن وهم مقصرون في عبادتك فارحمنا وإياهم. " فصل عليهم " يمكن أن يكون خبرا أو كالخبر لقوله عليه السلام " والذين لا تدخلهم " مع ما عطف عليه، وأن يكون الموصول في محل الجر عطفا على " سكان سماواتك " ويكون قوله " فصل " تأكيدا للسابق وتمهيدا لأن يعطف عليهم غيرهم وعلى هذا يكون قوله " الخشع " و " المستهترون " مرفوعين على المدح. " وعلى الروحانيين من ملائكتك " قال في النهاية: الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء وفتحها، كأنه نسب إلى الروح والروح، وهو نسيم الريح، و الالف والنون من زيادات النسب. ويريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر (انتهى) وما قيل من أنهم الجواهر المجردة العقلية والنفسية فهو رجم بالغيب وإنما المعلوم أنهم نوع من الملائكة. " وأهل الزلفة عندك " قال الجوهري: الزلفة والزلفى القرب والمنزلة (انتهى) وهو إما صفة أخرى للروحانيين، أو

[226]

طائفة أخرى غيرهم. " وحملة الغيب إلى رسلك والمؤتمنين على وحيك " في أكثر النسخ " وحمال الغيب ": والحمال جمع الحامل، والغيب يطلق على الخفي الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه بديهة العقل، وهو قسمان: القسم الاول لا دليل عليه وهو المعني بقوله " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (1) " وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله (2) كذا ذكره البيضاوي. والمراد هنا إما الأعم أو الأول، " والمؤتمنين " إما تأكيد أو عطف تفسير لسابقه، أو المراد بهم طائفة أخرى شأنهم تبليغ الاحكام والشرائع فقط، أو مع الثاني إن حملنا الأولى (3) على الاول، والظاهر أن هاتين الفقرتين مؤكدتان لما سبق من قوله " وأهل الأمانة على رسالتك " ويمكن تخصيص ما سبق ببعض المعاني التي ذكرناها هنا وهاتان بالبعض الآخر، إذ يمكن أن يكون لحمل الغيب طائفة مخصوصة كملائكة ليلة القدر وغيرهم، والاول أظهر، وتكرير المطلب الواحد بعبارات مختلفة في مقام الدعاء والخطب والمواعظ مما يؤكد البلاغة. " وقبائل الملائكة الذين اختصصتهم لنفسك " القبائل جمع القبيلة وهي الشعوب المختلفة، والكلام في التأكيد والتأسيس كما مر، والمراد بالاختصاص به تعالى أنهم مشغولون بعبادته بخلاف ما سيأتي ممن له شغل في النزول والعروج وسائر الامور، وإن كان هذه الامور أيضا عبادة لهم، أو أنه سبحانه يطلعهم على أسرار لم يطلع عليها غيرهم من الملائكة. " وأغنيتهم عن الطعام والشراب بتقديسك " أي خلقتهم خلقة لا يحتاجون في بقائهم إلى الغذاء، وكما أنا نتقوى بالغذاء فهم يتقوون بتسبيحه وتقديسه وعبادته. " وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك " الاطباق جمع طبق، يقال: السماوات أطباق وطباق، أي بعضها فوق بعض. قال الراغب: المطابقة هو أن يجعل الشئ


(1) الانعام: 59. (2) تفسير البيضاوي: ج 1، ص 21. (3) الاول (خ).

[227]

فوق آخر بقدره، ومنه: طابقت (1) النعل، ثم يستعمل الطباق في الشئ الذي يكون فوق الآخر تارة وفي ما يوافق غيره تارة كسائر الاشياء الموضوعة لمعنيين ثم يستعمل في أحدهما دون الآخر كالكأس والراوية ونحوهما، قال الله تعالى " سبع سماوات طباقا (2) " أي بعضها فوق بعض (انتهى) ويدل على الفرجة بين السماوات، وكونها مساكن الملائكة كما مر. " والذين هم على أرجائها إذا نزل الامر بتمام وعدك " إشارة إلى قوله سبحانه " وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (3) " قال الطبرسي - رحمه الله - " على أرجائها " معناه على أطرافها و نواحيها (4) والملك اسم يقع على الواحد والجمع، والسماء مكان الملائكة، فإذا وهت صارت في نواحيها. وقيل: إن الملائكة (5) على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار من السوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والتكرمة فيها (6) (انتهى) وقيل: إنه تمثيل لخراب السماء بخراب البنيان وانضواء أهلها إلى أطرافها وحواليها، ولفظة " إذا " ظرفية للمستقبل، والباء صلة للامر، و يحتمل السببية. وتمام الوعد تمام مدة الدنيا وانقضاؤه وحلول القيامة، أو المراد إتمام (7) ما وعده الله من الثواب والعقاب للمطيعين والعاصين، وكلمة " هم " ليست في الروايات المشهورة. " وخزان المطر " أي الملائكة الموكلين بالبحر الذي ينزل منه المطر كما يظهر من بعض الاخبار، أو الموكلين بتقديرات الامطار، أو الذين يهيجون السحاب


(1) طابقه (خ). (2) الملك: 3. (3) الحاقة: 16، 17: (4) في المصدر: عن الحسن وقتادة. (5) في المصدر: يومئذ على.. (6) مجمع البيان: ج 10، ص 346. (7) تمام (خ).

[228]

بأمره تعالى، ولو كان من بخارات الارض والبحار كما هو المشهور، فيكون قوله " وزواجر السحاب " عطف تفسير له، أي سائقتها من " زجر البعير " إذا ساق، و به فسر قوله تعالى " والزاجرات زجرا " كما مر، والسحاب: جمع السحابة، و هي الغيم. " والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود " قال في النهاية: في حديث الملائكة " لهم زجل بالتسبيح " أي صوت رفيع عال. وفي القاموس: الرعد صوت السحاب، أو اسم ملك يسوقه كما يسوق الحادي الابل بحدائه (انتهى) والرعد هنا يحتمل الوجهين، وإن كان كونه اسما للملك أظهر، وسيأتي تحقيق الرعد و البرق والسحاب في الابواب الآتية. وصيغة الجمع هنا تدل على أن الرعد اسم لنوع هذا الملك إن كان اسما له، وإضافة الزجل إلى الرعود بيانية إن أريد به الصوت، ولامية إن اريد به الملك. " وإذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق " أقول: النسخ مختلفة في هذه الفقرة اختلافا فاحشا، ففي بعضها " سبحت بتشديد " الباء، وفي بعضها بتخفيفها، و " حفيفة " في بعضها بالحاء المهملة والفائين، وفي بعضها بالخاء المعجمة ثم الفاء ثم القاف وفي بعضها بالمهملة ثم الفاء ثم القاف. والسبح الجري والعوم. والخفيف أنسب، وعلى التشديد يحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى " هو الذي يسبح الرعد بحمده " قال الفيروز آبادي: سبح بالنهر وفيه كمنع سبحا وسباحة بالكسر عام، وأسبحه عومه. وسبحان الله تنزيها له عن الصاحبة والولد، ونصبه على المصدر، أي أبرئ الله من السوء براءة. أو معناه السرعة إليه والخفة في طاعته. وقال: حف الفرس حفيفا سمع عند ركضه صوت، وكذلك الطائر والشجرة إذا صوتت. وقال: الخفق صوت النعل، وخفقت الراية تخفق وتخفق خفقا وخفقانا - محركة -: اضطربت وتحركت، وخفق فلان: حرك رأسه إذا نعس، والطائر: طار، و الخفقان - محركة -: اضطراب القلب. وأخفق الطائر: ضرب بجناحيه. وفي النهاية: خفق النعال صوتها. وأما المهملة ثم الفاء ثم القاف كما كان في نسخة ابن إدريس - رحمه الله - بخطه فلم أجد له معنى فيما عندنا من كتب اللغة، ولعله من

[229]

طغيان القلم. وفي الصحاح: لمع البرق لمعا ولمعانا أي أضاء، والتمع مثله. ولا يخفي أن هذه الفقرة من تتمة الكلام السابق، وليس وصف الملك الآخر، و ضمير " به " إما راجع إلى الملك، أو إلى زجره، أو إلى الزجل والباء للمصاحبة أو للسببية، وإضافة الخفيفة إلى السحاب على التقادير من إضافة الصفة إلى الموصوف والتأنيث باعتبار جمعية السحاب، وإذا حمل على المصدر فإسناد السبح إليه مجازي أو هو مؤول بذات الخفيفة. وعلى المعجمة والفائين أي السحاب الخفيفة سريعة (1) السير، والحاصل على التقادير: إذا زجرت (2) بسبب الملك أو زجره، أو صوته السحاب ذات الصوت أو الاضطراب أو السرعة أضاءت الصواعق التي هي من جنس البروق وأشدها، فالاضافة من قبيل " خاتم حديد " وربما يقال هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي البروق المهلكة. قال الجزري: الصاعقة: الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب، والمحراق الذي بيد الملك سائق السحاب، ولا ياتي على شئ إلا أحرقه، أو نار تسقط من السماء. وصعقتهم السماء كمنع صاعقة مصدرا كالراعية أصابتهم بها (انتهى) وفي رواية ابن شاذان: وإذا ساق به متراكم السحاب التمعت صواعق البروق. " ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل " أي إذا نزل المطر إلى الارض لا عند نزوله إلى السحاب، ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى كل من الثلج والبرد والمطر لكنه بعيد وقال الوالد: الظاهر أنه عليه السلام أراد بقوله " إذا نزل " العموم، أي كلما نزل، ليفيد فائدة يعتد بها، وتغيير العبارة في التشييع والهبوط إما لمحض التفنن، أو لان الغالب في الثلج والبرد في أكثر البلاد أنهما للضرر، فلم ينسب الضرر إليهم صريحا بخلاف المطر. وأقول: يمكن على ما سيأتي في الخبر أن البرد ينزل من السماء إلى السحاب فتذيبه حتى تصير مطرا، أن يكون إشارة إلى ذلك، فإن الثلج والبرد يشايعونهما


(1) السريعة (خ). (2) جرت (خ).

[230]

من أول الامر بخلاف المطر، فإنهم يهبطون معه بعد الذوبان، أو يقال: النكتة إسناد الخير إلى الله والضرر إليهم، لان في التشييع نوع معاونة بخلاف الهبوط. أقول: قد مر وسيأتي الاخبار في تفاصيل تلك الامور. " والقوام على خزائن الرياح " القوام جمع قائم ككفار وكافر، أي الحافظين لها في خزائنها المرسلين لها قدر الحاجة بأمره تعالى ويمكن أن يكون كناية عن كون أسبابها بيدهم، وقيل: كل ما ورد في الكتاب الكريم الرياح بلفظ الجمع فهو في الخير كقوله تعالى " ويرسل الرياح مبشرات (1) " وكلما كان بلفظ المفرد فهو للشر كقوله سبحانه " وأرسلنا عليهم الريح العقيم (2) ". وأقول: إذا اطردت القاعدة في تلك العبارة فالنكتة في تخصيص الخير بالذكر ظاهرة، وستأتي الاخبار في أنواع ج 54 ؟ ؟ ؟ وأساميها وصفاتها في الباب المختص بها. " فلا تزول أي الجبال بسبب حفظ الموكلين لها، أو هم دائما فيها لا يزولون عنها، والاول أظهر. " والذين عرفتهم مثاقيل المياه " المياه جمع الماء، وأصلها " ماه " وقيل " موه " ولهذا يرد إلى أصله في الجمع والتصغير، فيقال " مياه " و " مويه " و " أمواه " وربما قالوا " أمواء " بالهمزة، وماهت الركية كثر ماؤها " وكيل ما تحويه " أي مقدار ما تجمعه وتحيط به " لواعج الامطار " أي شدائدها ومضراتها " وما تحرق النبات وتخرب الابنية " كما أفيد " وعوالجها " أي متراكماتها، قال السيد الداماد - رحمه الله -: اللواعج جمع لاعجة أي مشتداتها القوية يقال: لاعجه الامر إذا اشتد عليه، والتعج من لاعج الشوق ولواعجه ارتمض و احترق، وضرب لاعج أي شديد يلعج الجلد أي يحرقه. وكذلك " عوالجها " جمع عالج يعني متلاطماتها ومتراكماتها، وفي الحديث: إن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. يعني أن الدعاء في صعوده يلقى البلاء في نزوله فيعتلجان


(1) الروم: 46. (2) الذاريات: 41.

[231]

قال في الفائق: أي يصطرعان ويتدافعان وفي النهاية في حديث الدعاء: ما تحويه عوالج الرمال. هي جمع عالج وهو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض. " ورسلك " جمع الرسول " من الملائكة " بيان للرسل أو من للتبعيض، وقيل إن الملك اسم مكان، والميم فيه غير أصلية بل زائدة، فالاصل " ملئك " ولذلك يجمع على الملائك والملائكة، نقلت حركة الهمزة إلى اللام، ثم حذفت لكثرة الاستعمال فقيل ملك، وقال بعضهم: أصله مألك بتقديم الهمزة من الالوكة الرسالة فقلبت الهمزة مكانا (1) ثم حذفت في كثرة الاستعمال للتخفيف فقيل ملك، وجمع على الملائكة، وقد يحذف الهاء فيقال ملائك. " إلى أهل الارض " متعلق برسلك بمكروه ما ينزل " الباء للملابسة أو السببية، أي بالذي ينزل، وهو مكروه للطباع. " من البلاء " بيان للمكروه والنازل، وإنما سمي المكروه النازل على العباد بلاء لابتلاء الله تعالى العباد وامتحانهم به هل يصبرون أم لا، وإن كان على المجاز " ومحبوب الرخاء " عطف على مكروه، وهو أيضا من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الرخاء المحبوب. وقيل: الاضافة بيانية. والرخاء: النعمة، يقال: رجل رخي البال، أي واسع الحال، والمراد إما نزولهم لاصل حصول البلاء والرخاء وتسبب أسبابهما، أو للاخبار بهما في ليلة القدر وغيرها " والسفرة الكرام البررة " السفرة: كالكتبة لفظا ومعنى، جمع " سافر " والسفر الكتاب، قال الجوهري: السفرة: الكتبة قال الله تعالى " بأيدي سفرة " (2) وقد يظن أنه جمع سفير، وهو المصلح بين الناس لكن الغالب في جمع السفير السفراء. والكرام: ضد اللئام وقيل: الكرام على الله الاعزاء عليه، وقيل: الاسخياء الباذلين الاستغفار للعباد مع تماديهم في العصيان. والبررة: الاتقياء، وقد مر الكلام فيها، والمراد هنا الملائكة الكاتبون للوحي، المؤدون إلى غيرهم، أو الموكلون باللوح المحفوظ. وقيل: هم


(1) كذا (ب). (2) عبس: 15.

[232]

الكاتبون لاعمال العباد، وما بعده تأكيد له، ولا يخلو من بعد، إذ التأسيس أولى من التأكيد. وأيضا الظاهر أنه إشارة إلى ما ورد في الآية، وهو في سياق وصف القرآن كما عرفت سابقا. ينفي هذا الدعاء ما مر من الاقوال في الآية سوى القول بأنهم الملائكة. " والحفظة الكرام الكاتبين " إشارة إلى قوله سبحانه " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون (1) " وقال الطبرسي - رحمه الله -: وإن عليكم لحافظين من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملون من الطاعات والمعاصي، ثم وصف الحفظة فقال: كراما على ربهم كاتبين يكتبون أعمال بني آدم (انتهى) (2) ويدل على تعددهم لكل إنسان قوله تعالى " عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (3) ويدل كثير من الاخبار على أن ملائكة الليل غير ملائكة النهار، كما ورد في تفسير قوله تعالى " إن قرآن الفجر كان مشهودا (4) " أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، والحكمة في خلقهم وتوكيلهم على العباد مع كونه سبحانه أعلم بهم منهم كثيرة قد مر بعضها في بعض الاخبار. " وملك الموت وأعوانه " اسم ملك الموت " عزرائيل " ويدل على أن له أعوانا كما دلت عليه الآيات والاخبار، فإنه تعالى قال " الله يتوفى الانفس حين موتها " (5) وقال سبحانه: " قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم " (6) وقال جل وعلا: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " (7) وقال عزوجل (8) " الذين تتوفيهم


(1) الانفطار: 10 - 12. (2) مجمع البيان: ج 10، ص 450. (3) ق: 17 - 18. (4) الاسراء: 78. (5) الزمر: 42: (6) الم السجدة: 11. (7) الانعام: 61. (8) النحل: 32.

[233]

الملائكة طيبين " (1) وقال " الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم " (2) وروى الصدوق في التوحيد أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في جواب الزنديق المدعي للتناقض في القرآن المجيد حيث سأل عن هذه الآيات: إن الله يدبر الامور كيف يشاء ويوكل من خلقه من يشاء بما يشاء، أما ملك الموت فإن الله عزوجل يوكله بخاصة من يشاء من خلقه، ويوكل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه [تبارك وتعالى والملائكة الذين سماهم الله عزوجل يوكلهم (1) بخاصة من يشاء من خلقه] والله تعالى يدبر الامور كيف يشاء (2). وروى الطبرسي - رحمه الله - هذا الخبر في الاحتجاج: والجواب فيه هكذا: هو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لانهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة النقمة يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتونه منسوب إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت وفعل ملك الموت فعل الله لأنه يتوفى الانفس على يد من يشاء، ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب على يد من يشاء وإن فعل أمنائه فعله كما قال " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " (3). وروى الصدوق في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال في ذلك: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الارواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الانس يبعثهم في حوائجه، فتتوفيهم الملائكة ويتوفيهم ملك الموت عن الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفاهم الله عزوجل عن ملك الموت (4).


(1) النحل: 28. (2) في المصدر: وكلهم. (3) التوحيد: 193. (4) الاحتجاج: 129 والآية هي الآية (30) من سورة الدهر. (5) الفقيه: 33.

[234]

" ومنكر ونكير، ومبشر وبشير " الاخيران لم يكونا في أكثر الروايات، و قد مر في كتاب المعاد أن الاسماء لملكين أو لنوعين من الملائكة يأتيان الميت في في قبره للسؤال عن العقائد، أو عن بعض الاعمال أيضا، فإن كان مؤمنا أتياه في أحسن صورة فيسميان مبشرا وبشيرا، وإن كان كافرا أو مخالفا أتياه في أقبح صورة فيسميان منكرا ونكيرا. ويحتمل مغايرة هذين النوعين للاولين، لكن ظاهر أكثر الاخبار الاتحاد، ويؤيده ترك الآخرين هنا في أكثر الروايات، بل في أكثر الاخبار عبر عنهما بمنكر ونكير للمؤمن وغيره، وقد مضت الاخبار في ذلك. وتحقيق القول فيه فيمن يسأل وفيما يسأل عنه وكيفية الاحياء والسؤال قد مر في المجلد الثالث فلا نعيدها حذرا من التكرار. " ورومان فتان القبور " أي ممتحن القبور والمختبر فيها في السمألة، ولم أر ذكر هذا الملك في أخبارنا المعتبرة سوى هذا الدعاء، وهو مذكور في أخبار المخالفين روى مؤلف كتاب زهرة الرياض عن عبد الله بن سلام أنه قال: سألت رسول الله عن أول ملك يدخل في القبر على الميت قبل منكر ونكير، قال صلى الله عليه وآله: يا ابن سلام يدخل على الميت ملك قبل أن يدخل نكير ومنكر يتلألأ وجهه كالشمس اسمه " رومان " فيدخل على الميت، فيدخل روحه ثم يقعده فيقول [له]: اكتب ما عملت من حسنة وسيئة. فيقول: بأن شئ أكتب ؟ أين قلمي ؟ وأين دواتي ؟ فيقول: قلمك إصبعك، ومدادك ريقك، اكتب. فيقول: على أي شئ أكتبه و ليس معي صحيفة ؟ قال: فيمزق قطعة من كفنه فيقول: اكتب فيها، فيكتب ما عمل في الدنيا من حسنة، فإذا بلغ سيئة استحيى منه، فيقول له الملك: يا خاطئ أفلا كنت تستحيي من خالقك حيث عملتها في الدنيا والآن تستحيي مني ؟ فيكتب فيها جميع حسناته وسيآته، ثم يأمره أن يطويه ويختمه، فيقول: بأي شئ أختمه و ليس معي خاتم ؟ فيقول: اختمها بظفرك، ويعلقها في عنقه إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه - الآية - " ثم يدخل بعد ذلك منكر ونكير.

[235]

وروى شاذان بن جبرئيل - رحمه الله - في كتاب الفضائل عن أصبغ بن نباته قال: إن سلمان - رضي الله عنه - قال لي: اذهب بي إلى المقبرة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا سلمان ! سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك. فلما ذهبت به إليها ونادى الموتى أجابه واحد منهم، فسأله سلمان عما أرى من الموت وما بعده فأجابه بقصص طويلة، وأهوال جليلة وردت عليه - إلى أن قال -: لما ودعني أهلى وأرادوا الانصراف من قبري أحذت في الندم فقلت: يا ليتني كنت من الراجعين ! فأجابني مجيب من جانب القبر: كلا ! إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزح إلى يوم يبعثون. فقلت له: من أنت ؟ قال: أنا منبه أنا ملك وكلني الله عزوجل بجميع خلقه لانبههم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي الله عزوجل، ثم إنه جذبني وأجلسني وقال لي: اكتب عملك، فقلت: إني لا أحصيه. فقال لي: أما سمعت قول ربك " أحصاه الله ونسوه " ثم قال لي: أكتب وأنا أملي عليك فقلت: أين البياض ؟ فجذب (1) جانبا من كفني، فإذا هو ورق فقال: هذه صحيفتك، فقلت: من أين القلم ؟ فقال: سبابتك، قلت: من أين المداد ؟ قال: ريقك، ثم أملى علي ما فعلته في دار الدنيا، فلم يبق من أعمالي صغيرة ولا كبيرة إلا أملاها كما قال تعالى " ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (2) " ثم إنه أخذ الكتاب وختمه بخاتم وطوقه في عنقي فخيل لي أن جبال الدنيا جميعا قد طو قوها في عنقي فقلت له: يا منبه ! ولم تفعل بي كذا ؟ قال: ألم تسمع قول ربك " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (3) " فهذا تخاطب به يوم القيامة ويؤتى بك وكتابك بين عينيك منشورا تشهد فيه على نفسك. ثم انصرف عني - تمام الخبر -.


(1) الظاهر " حذ " بالحاء المهملة والذال المعجمة المشددة بمعنى قطع. (2) الكهف: 50. (3) الاسراء: 13 - 14.

[236]

وفي رواية ابن شاذان " ومنكر ورومان فتان القبور " وسائر الفقرات فيها بالرفع على سياقة (1) صدر الدعاء " والطائفين بالبيت المعمور " قدمر وصف البيت وطائفية " ومالك والخزنة " أي خزان النار من الملائكة الموكلين بها وبتعذيب أهلها ومالك رئيسهم. ورضوان بالكسر وفي بعض النسخ بالضم وهو اسم رئيس خزنة الجنان وخدمتها، والمشهور في الاسم الكسر والمصدر، وجاء بهما في القرآن و اللغة. " وسدنة الجنان " أي خدمتها، في القاموس: سدن سدنا وسدانة: خدم الكعبة أو بيت الصنم وعمل الحجابة، فهو سادن والجمع سدنة. " والذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " عطف تفسير لقوله " مالك والخزنة " إشارة إلى قوله سبحانه " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " (2). " والذين يقولون " عطف تفسير لقوله " رضوان وسدنة الجنان " فالنشر على ترتيب اللف، ويحتمل أن يكون هذا حال بعض سدنة الجنان، فيكون تخصيصا بعد التعميم، كذكر الزبانية بعد خزنة النيران. وتقديم أحوال أهل النار فيهما لان الخوف أصلح بالنسبة إلى غالب الناس من الرجاء لغلبة الشهوات الداعية إلى ارتكاب السيئات عليهم " سلام عليكم " إشارة إلى قوله تعالى في وصف أهل الجنة " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (3) " وقال البيضاوي: " سلام عليكم " بشارة بدوام السلامة " بما صبرتم " متعلق بعليكم أو بمحذوف، أي هذا بما صبرتم، لا بسلام فإن الخبر فاصل. والباء للسببية أو البدلية (4). " فنعم عقبى الدار " العقبى: الجزاء، أي نعم العقبى عقبى الدار لكم خاصة أيها المؤمنون، وروى الكليني وعلي بن إبراهيم بأسانيد معتبرة عن أبي جعفر


(1) سياق (ظ). (2) الرعد: 23 و 14 (3) التحريم: 6. (4) انوار التنزيل: ج 1، ص 622.

[237]

عليه السلام في وصف حال المتقين في القيامة وبعد دخولهم الجنة قال: ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنئونه بالجنة ويزوجونه الحوراء (1). قا: فينتهون إلى أول باب من جنانه، فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه (2): استأذن لنا على ولي الله، فإن الله بعثنا إليه نهنئه (3). فيقول لهم الملك: حتى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم، قال: فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين ليهنؤا (4) ولي الله وقد سألوا أن آذن (5) لهم عليه، فيقول الحاجب: إنه ليعظم علي أن أستأذن لاحد على ولي الله وهو مع زوجته الحوراء. قال: وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان، قال: فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له: إن على باب العرصة (6) ألف ملك أرسلهم رب العزة يهنؤن ولي الله فاستأذن، (7) فيقدم (8) القيم إلى الخدام فيقول لهم: إن رسل الجبار على باب العرصة (9) وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنئون ولي الله فأعلموه بمكانهم، قال: فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب، وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به، فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل (10) به قال: فيدخل القيم كل ملك من باب من أبواب الغرفة، قال: فيبلغونه رسالة الجبار جل وعز، وذلك قول الله عزوجل " و


(1) في المصدرين: بالحوراء (2) في تفسير علي بن ابراهيم: الجنان. (3) فيه ايضا: مهنئين. (4) فيه ايضا: يهنئون. (5) في تفسير القمي: استأذن. (6) فيه: الغرفة. (7) في المصدرين: فاستأذن لهم. (8) في الكافي: فيتقدم. (9) في تفسير القمي: الغرفة. (10) فيه: الذي قد وكل به.

[238]

الملائكة يدخلون عليهم من كل باب (1) " [أي] من أبواب الغرفة " سلام عليكم " - إلى آخر الآية " قال: وذلك قوله عزوجل " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (2) " يعني بذلك ولي الله، وما هو فيه من الكرامة والنعيم، والملك العظيم الكبير أن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون عليه فلا يدخلون عليه إلا بأذنه، فذلك الملك العظيم الكبير - الخبر - (3). " والزبانية الذين إذا قيل لهم خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه " الزبانية هم الملائكة التعسة عشر الموكلون بالنار، وهم الغلاظ الشداد، قال الجوهري: الزبانية عند العرب الشرط وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها، قال الاخفش: قال بعضهم: واحدها زباني، وقال بعضهم: زابن، وقال بعضهم: زبنية مثال عفرية، وقال: والعرب لا تكاد تعرف هذا وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل وعباديد. وقال: صليت اللحم وغيره أصليه صليا مثل رميته رميا إذا شويته. وفي الحديث " إنه أتي بشاة مصلية " أي مشوية. ويقال أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الاحراق قلت: أصليته بالالف وصليته تصلية. وقرئ " ويصلى سعيرا " ومن خفف فهو من قولهم صلى فلان النار - بالكسر - يصلى صليا: احترق. ويقال أيضا صلى بالامر إذا قاسى حره وشدته. " ابتدروه سراعا " أي حالكونهم مسرعين جمع سريع " ولم ينظروه " أي لم يمهلوه " ومن أوهمنا ذكره " أي الملائكة الذين تركنا ذكرهم على الخصوص وإن كانوا داخلين في العموم. قال الجوهري: أو همت الشئ تركته كله، يقال أو هم من الحساب مائة أي أسقط، وأوهم من صلوته ركعة. " ولم نعلم مكانه منك " أي منزلته عندك أو نسبته إلى عرشك " وبأي أمر وكلته " عطف على قوله " مكانه " والظرف متعلق بوكلته قدم عليه لمزيد الاهتمام، لان


(1) الرعد: 23. (2) الدهر: 20. (3) روضة الكافي: 98، تفسير القمي: 576.

[239]

المجهول هذا القيد لا أصل التوكيل، والمعنى: ولم نعمل توكيلك إياه بأي أمر من امورك. وفيه بعض المنافاة لما يظهر من أكثر الاخبار من سعة علمهم عليهم السلام، و اطلاعهم على جمع العوالم أو المخلوقات، وأن الله أراهم ملكوت الارضين والسماوات إلا أن يقال إنه عليه السلام قال ذلك على سبيل التواضع والتذلل، أو المعنى لا نعلمهم من ظاهر الكتاب والسنة وإن علمنا من جهة أخرى لا مصلحة في إظهارها، أو لا - نعلم في هذا الوقت خصوص مكانه وعمله، فإنه لا استبعاد في عدم علمهم عليهم السلام ببعض تلك الخصوصيات الحادثة، أو قال عليه السلام ذلك بلسان غيره ممن يتلو الدعاء، فإنه عليه السلام جمع الادعية وأملاها لذلك، بل هو من أعظم نعمهم على شيعتهم صلوات الله عليهم. " وسكان الهواء والارض والماء " يدل على أن لكل منها سكانا من الملائكة كما روى الشيخ بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، وقال: إن للماء أهلا. وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال: كره الله لامتي الغسل تحت السماء إلا بمئزر وكره دخول الانهار إلا بمئزر، فإن فيها سكانا من الملائكة. وفي رواية أخرى رواها الصدوق في المجالس قال: في الانهار عمار وسكان من الملائكة. وروى أيضا في العلل بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل وكل ملائكة بنبات الارض من الشجر والنخل فليس من شجرة ولا نخلة إلا ومعها من الله عزوجل ملك يحفظها وما كان فيها، ولولا أن معها من يمنعها لأكلها السباع وهوام الارض إذا كان فيها ثمرها - الخبر - (1). " ومن منهم على الخلق " أي الملائكة الذين هم مع الخلق أو مستولون عليهم أو موكلون بهم من جملة سائر الملائكة، وهم أصناف شتى قدمر أكثرها كالمعقبات، ومن يثني برقبة المتخلي ليعتبر بما صار إليه طعامه، والمشيعين لعائد المريض ولزائر المؤمن، ومن يأتي منهم للسؤال ابتلاء، ومن يمسح


(1) علل الشرائع: ج 1، ص 363.

[240]

يده على قلب المصاب ليسكنه، والموكلين بالدعاء للصائمين، والذين يمسحون وجه الصائم في شدة الحر ويبشرونه والملائكة الساكنين في حرم حائر الحسين عليه السلام يشيعون الزائرين ويعودون مرضاهم ويؤمنون على دعائهم، والذين يدفعون وساوس الشياطين عن المؤمنين وأمثال ذلك كثيرة في الاخبار. وهذا بناء على أن الخلق بمعنى المخلوق، ويمكن حمله على المعنى المصدري، فيكون إشارة إلى ما روي في أخبار كثيرة أن لله ملكين خلاقين، فإذا أراد أن يخلق خلقا أمر أولئك الخلاقين فأخذوا من التربة التي قال الله تعالى في كتابه " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " (1) فعجنوها في النطفة المسكنة في الرحم، فإذا عجنت النطفة بالتربة قالا: يا رب ما تخلق ؟ قال: فيوحي الله تبارك وتعالى ما يريد من ذلك - الخبر - " فصل عليهم يوم تأتي كل نفس " " يوم " ظرف للصلوة، وربما يومئ إلى أن هذا الحكم يعم الملائكة أيضا غير السائق و الشهيد، وذكر اليوم بهذا الوصف لبيان أن الملائكة في هذا اليوم أيضا لهم أشغال عظيمة، أو لبيان أن هذا اليوم يوم الاحتياج إلى الملائكة " معها سائق وشهيد " هما ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد بعمله، وقيل: ملك واحد جامع للوصفين، وقيل: السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات، وقيل: السائق نفسه، والشهيد جوارحه وأعماله، ومحل " معها " النصب على الحالية من " كل " لاضافته إلى ما هو في حكم المعرفة، ذكره البيضاوي عند قوله تعالى " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " وفي بعض النسخ " قائم " مكان السائق والسائق أوفق بالآية، ولا يتغير المعنى، إذ المراد بالقائم من يقوم بأمره و يسوقه إلى محشره، ولعل المراد أقل من يكون مع كل أحد، أو المراد بهما الجنس، إذ ورد في كثير من الاخبار أنه يشايع الاخيار آلاف من الملائكة، و مع بعض الاشرار أيضا كذلك لشدة تعذيبهم، وكذا الشهداء من الملائكة في أكثر الاخبار أكثر من واحد. " وصل عليهم " تأكيد لما سبق " صلوة تزيدهم كرامة


(1) طه: 55.

[241]

على كرامتهم " أي تصير سببا لمزيد قدرهم ومنزلتهم عند ربهم " وطهارة على طهارتهم " أي موجبا لمزيد عصمتهم وتقدسهم وتنزههم وإن كانت العصمة عن الكبائر والصغائر لازمة لهم. ويمكن أن يكون فائدة هذا الدعاء راجعة إلينا لا إليهم " اللهم وإذا صليت " في بعض النسخ " إذ " بدون الالف و " عليهم " مكان " علينا " فعلى الاول المعني: كل وقت صليت عليهم وبلغتهم صلواتنا عليهم فصل علينا وارحمنا بسبب أنك وفقتنا لذلك، وصرنا سببا لهذه الرحمة. وأيضا الجواد الكريم يشفع كل نعمة منه بأخرى، ولا يكتفي بواحدة منها. وعلى النسخة الاخرى المعنى: لما صليت عليهم وبلغتهم صلوتنا عليهم فصل عليهم تارة أخرى بسبب أنهم صاروا سببا لتوفيقك إيانا للصلوة عليهم، وحسن القول فيهم. وفي بعض النسخ " إذ " و " علينا " وهو أظهر. والجواد في أسمائه تعالى هو الذي لا يبخل بعطائه، ويعطي كلا ما يستحقه، والكريم فيها هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، أو الجامع لانواع الخير والشرف والفضائل. والكريم أيضا الصفوح. وأقول: إنما أوردت هذا الدعاء الشريف هنا وأعطيت في شرحه بعض البسط لكونه فذلكة لسائر الاخبار والآيات الواردة في أصنافهم ودرجاتهم ومراتبهم مع تواتره سندا ومتانته لفظا ومعنى. وقال النيسابوري في تفسيره: روي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوان البحر وكلهم عشر ملائكة الارض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى الملائكة السماء السابعة. ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق و عرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والارض وما فيها فإنها كلها يكون شيئا يسيرا وقدرا قليلا، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول

[242]

العرش كالقطرة في البحر، ولا يعرف عددهم إلا الله، [ثم] مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل، والملائكة الذين هم جنود جبرائيل، وهم كلهم سامعون مطيعون، لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون. فائدة: قال بليناس في كتاب " علل الاشياء ": إن الخالق عزوجل لما ضرب الخلقة بعضها ببعض وطال مكثها خلق الارواح المتفكرة القادرة، فخلقهن من حرارة الريح ونور النار، فمنهم خلق خلقوا من حر الريح الباردة، ومنهم خلق خلقوا من نور النار الحارة، ومنهم خلق خلقوا من حركة الماء البارد، ومنهم خلق خلقوا من حركة الماء الحار، ومنهم خلق خلقوا من الماء المالح، فخلق الله الخلقة العلوية من هذه الثلاث طبائع وليس فيهم من طبيعة التراب شئ، ومن خلق منهم في السفل فإنها خلقت من الطبائع الثلاث التي ذكرت مفردات غير مركبات، إذ لو كانوا مركبين إذا لادركهم الموت والافتراق، فهذه جميع أجناس المتفكرة من الملائكة والجن والشياطين وسكان الريح الباردة والبحر والارض السود والبيض، والكواكب العلوية تشرق بنورها عليهم، فتتصل أنوارهم بنورها ولا يشغلون مكانا لانهم نور، ولا يأخذون مكان غيرهم فهم ملؤوا الطبائع يدبرونها ويقبلون عليها، وكل طبيعة من الطبائع فيها خلق عظيم من الروحانيين، ولا يقع عليهم التفصيل والفناء، لانهم ليسوا مركبين، وإنما هم من جوهر واحد، فلذلك صاروا أكثر شئ عددا لا يسأمون ولا ينامون ولا يملون، يعملون دائبين بالليل والنهار بما وكلوا به من حركة الفلك، وإدخال بعضها في بعض، وحركة الشمس والقمر والكواكب والامطار والرياح والحر والبرد والاقبال والادبار في النبات والحيوان والمعادن وأفاعيل الانس والحيوان، وكلهم يعمل دائبا بالامر الذي وكل به، وهم أجناس، جنس منهم في الفلك الاعلى، وهم قيام على أرجلهم لا يجلسون، لان طبيعتهم روحانية لطيفة، فبلطافتهم لا يقدرون أن يجلسوا، لانها تجذبهم إلى العلو، وكلهم يسبحون للذي خلقهم منذ يوم خلقهم لا يعملون ولا يتحركون يمينا ولا شمالا، وليس لهم عمل غير التسبيح للرب، لهم غلظ وشدة

[243]

لحدة طبائعهم، لانهم خلقوا من حر النار: وعلى فلك المشتري خلق عظيم من الروحانيين كذلك، وهم خلق معتدل ساكن لانهم خلقوا من روح الماء، ليس لهم قسوة وفظاظة، يدبرون فلك المشتري، ويقبلون ويتحركون مع حركته ويمجدون الذي خلقهم، وفي فلك المريخ خلق عظيم من النورانيين، وهم غلاظ شداد، لانهم خلقوا من نور النار اليابسة، فلذلك لا رأفة لهم ولا رحمة، يدبرون ويقبلون مع المريخ في دوران الفلك لم يملكوا غير ذلك، لانهم لا رحمة لهم، و لذلك لم يوكلوا بشئ من أعمال الناس، وفي فلك الشمس خلق من الكروبيين لهم قسوة وفظاظة لشدة طبائعهم، لانهم خلقوا من الريح والروح، ولهم أناة و نور، فهم موكلون بأعمال بني آدم على الحرث والنسل، وهم الذين يحركون الشمس، وبحركتها يخرج البخار والدخان، فيرفعون ذلك البخار إلى القمر ثم إلى الشمس، ثم يصدونه إلى الكواكب العالية، فيكون لهم غذاء، وهم على الثمار والزروع وولادة الحيوان، وهم المسلطون على جميع الروحانيين من تحتهم يعملون بأمرهم، وهم لطاف نورانيون يدورون مع فلك الشمس، ويعملون معها ويعملون في إصلاح العالم وتوالد المواليد، وهم الذين يحفظون شيعة الشيطان و ولده عن فساد العالم وخرابه، وحفظ الحيوان منهم. وإنما سموا ملائكة لانهم ملكوا زمام الشيطان لئلا يخربوا العالم، وفي فلك الزهرة أيضا خلق من الروحانيين لهم اعتدال وصلاح، فهم أحسنهم وجوها، ولهم ريح طيب وبشر حسن، يحبون الانس وجميع ما تحتهم من الحيوان حبا شديدا، ولهم بهم رأفة ورحمة ورقة، و هم الذين يسعون في تأليف الذكران والاناث من كل شئ لمكان النسل والولادة وبذلك وكلوا. وفي فلك عطارد روحانيون خلقوا من حر الريح الحارة، فاتصلوا بالروحانيين الذين خلقوا من النور، وهم بين أيديهم مثل العبيد لا يغيبون عن أعينهم طرفة عين، يسارعون في خدمة ملائكة فلك الشمس، ويعملون بمسرتهم (1) فهم لهم شبيه الوزراء، وهم الموكلون بالنبات وإصلاحه، وحفظ النبت إذا طلع


(1) في بعض النسخ: بمسيرتهم.

[244]

عن وجه الارض حتى يتم بتمامه، وهم أيضا موكلون بصغار الحيوان، والحفظ لهم عن مردة الشياطين، وإن القمر جرمه من الشمس وضوؤه من نورها، وهما دائبان يعملان في الليل والنهار، وفلك القمر مملو من الملائكة، وهم ملائكة الرحمن مستبشر الوجوه، لهم جمال وحسن صور، وليس فيهم غضب ولا شدة ولا قسوة على ولد آدم لقربهم منهم، وهم أشبه الروحانيين بالآدميين، وهم متعطفون على الحيوان، مصلحون للنبات، دائبون في مسيرة بني آدم فلأتصالهم بهم ربما ظهروا لهم وكلموهم، وهم مسلطون على السماء، يحرسون السماء من شيطانك (1) وولده أن يسترقوا السمع من الملائكة الاعلى (2) المتصلين بفلك الشمس، وهم الموكلون أيضا بالحب المبذور في الارض، يحفظونه لئلا تعرض له الشياطين ليفسدونه فإن شيطانك (3) وولده لهم قوة عظيمة في العالم والحرث والنسل، وكلما لطفت خلقة من الروحانيين ورقت كان أكثر أجنحة، ومنهم من له ستة أجنحة، و منهم من له خمسة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة، وكذلك إلى جناح واحد وأما المفكرة التي في الطبائع حين ظهرت لحقوا بالطبائع، فهم مستجنون في الماء والتراب والريح، لانهم خلقوا من حر الماء المالح والريح العاصف والتراب المنتن، وهم يسمون شيطائيل وولده، وهم عصاة جفاة مفسدون في الارض، لهم خبث عظيم، وقوة شديدة، ومنظر قبيح، ووجوه سمجة، وأرواحهم قذرة، وهم على الفساد والطغيان، وفي خراب العالم، والخلقة العليا مسلطة عليهم، يمنعونهم من خراب العالم وفساده (انتهى) (4).


(1) كذا (2) كذا. (3) كذا (4) هذا المخطط الذي ينسب رسمه إلى من يسمى " بليناس " وارتضاه المؤلف - ره - مخطط رائع مزوق لكنه مبتن على فرضية الافلاك التسعة وفرضيات أخرى لم تتأيد بعقل ولا نقل بل كلاهما على خلافها والظاهر ان سبب ارتضاء المؤلف له ظهور كلامه في كون الملائكة جسمانيين وكون طوائف منهم موكلة بالكائنات الارضية ونحوها مما ورد في الروايات الشريفة لكن هذه التزيينات لا تكاد تشيد الاساس الضئيل المتزلزل كما لا يخفى.

[245]

وأقول: إنما أوردت ملخصا من كلامه لتعلم أن أكثر كلمات قدماء الحكماء الذين أخذوا العلوم من الانبياء موافقة لما ورد في لسان الشرع، وإنما أحدث المتأخرون منهم ما أحدثوا بآرائهم العليلة الفاسدة. 23 * (باب) * * (آخر في وصف الملائكة المقربين) * الآيات: الشعراء: نزل به الروح الامين * على قلبك لتكون من المنذرين (1). النجم: علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى (2). التكوير: إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالافق المبين * وما هو على الغيب بضنين (3). تفسير: " نزل به " قال الطبرسي - رحمه الله -: أي نزل الله بالقرآن الروح الأمين يعني جبرئيل عليه السلام وهو أمين الله عليه لا يغيره ولا يبدله، وسماه روحا لأنه يحيي به الدين، وقيل: لأنه يحيي به الارواح بما ينزل من البركات وقيل: لأنه (4) جسم روحاني " على قلبك " يا محمد، وهذا على سبيل التوسع، لأنه تعالى يسمعه جبرئيل فيحفظه، فينزل به على الرسول فيقرأه عليه، فيعيه ويحفظه


(1) الشعراء: 193 - 194. (2) النجم: 5 - 9. (3) التكوير: 19 - 24. (4) في المصدر: لان جسمه روحاني.

[246]

بقلبه، فكأنه نزل به على قلبه، وقيل: معناه: لقبك الله حق تلقينه (1) وثبته [على قلبك] وجعل قلبك وعاء له (2). وقال البيضاوي: القلب إن أراد به الروح فذاك، وإن أراد به العضو فتخصيصه لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة والروح الامين جبرئيل فإنه أمين على وحيه " لتكون من المنذرين " عما يؤدي إلى عذاب من فعل أو ترك (3). " علمه شديد القوى " قال الطبرسي - رحمه الله -: يعني [به] جبرئيل عليه السلام أي القوي في نفسه وخلقه " ذو مرة " أي ذو قوة وشدة في خلقه عن الكلبي، وقال: من قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الاسود فرفعها إلى السماء ثم قلبها، و من شدته صيحته لقوم ثمود حتى أهلكوا (4) وقيل: معناه ذوصحة وخلق حسن عن ابن عباس وغيره. وقيل: شديد القوى في ذات الله " ذومرة " أي صحة في الجسم سليم من الآفات والعيوب، وقيل: ذومرة أي ذومرور في الهواء ذاهبا وجائيا نازلا وصاعدا " فاستوى " جبرئيل على الصورة التى خلق عليها بعد انحداره إلى محمد صلى الله عليه وآله وهو كناية عن جبرئيل أيضا " بالافق الاعلى " يعني أفق المشرق، والمراد بالاعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب في صعيد الارض لا في الهواء: قالوا: إن جبرئيل عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة الآدميين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الارض، و مرة في السماء، أما في الارض ففي الافق الاعلى، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وآله كان بحراء، فطلع له جبرئيل عليه السلام من المشرق، فسد الافق إلى المغرب، فخر


(1) في المصدر: حتى تلقيته. (2) مجمع البيان: ج 7، ص 204. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 188. (4) هلكوا (خ). (*)

[247]

النبي صلى الله عليه وآله مغشيا عليه، فنزل جبرئيل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وهو قوله " ثم دنى فتدلى " وتقديره: ثم دنى أي قرب بعد بعده وعلوه في الافق الاعلى، فدنى من محمد صلى الله عليه وآله قال الحسن وقتادة: ثم دنا جبرئيل بعد استوائه بالافق الاعلى من الارض فنزل إلى محمد صلى الله عليه وآله وقال الزجاج: معنى دنى وتدلى واحد لأن معنى دنى قرب، وتدلى زاد في القرب. وقيل: إن المعنى استوى جبرئيل أي ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وآله عن ابن مسيب، وقيل: استوى أي اعتدل واقفا في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة ليراه النبي صلى الله عليه وآله وقيل: معناه استوى جبرئيل عليه السلام ومحمد بالافق الاعلى يعني السماء الدنيا ليلة المعراج " فكان قاب قوسين " أي كان ما بين جبرئيل عليه السلام وبين رسول الله صلى الله عليه وآله قاب قوسين، والقوس ما يرمى به، وخصت بالذكر على عادتهم يقال قاب قوس (1) وقاد قوس، وقيل: معناه كان قدر ذراعين كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله فمعنى القوس ما يقاس به والذراع يقاس به " أو أدنى " قال الزجاج. إن العباد قد خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم، وقيل لهم في هذا ما يقال للذي يحزز (2) فالمعنى: فكان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل من ذلك وقال عبد الله بن مسعود: إن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى جبرئيل وله ستمائة جناح (3) وقال في قوله تعالى " إنه لقول رسول كريم " أي إن القرآن قول رسول كريم على ربه، وهو جبرئيل عليه السلام وهو كلام الله أنزله على لسانه " ذي قوة " أي فيما كلف وأمر به من العلم والعمل وتبليغ الرسالة وقيل: ذي قدرة في نفسه، ومن قوته قلع ديار قوم لوط بقوادم جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها " عند ذي العرش مكين " معناه متمكن عند الله صاحب العرش وخالقه، رفيع المنزلة، عظيم القدر عنده، كما يقال " فلان مكين عند السلطان " والمكانة: القرب " مطاع ثم " أي في السماء تطيعه ملائكة المساء، قالوا: ومن طاعة الملائكة لجبرئيل عليه السلام أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتح لمحمد صلى الله عليه وآله أبوابها فدخلها، ورأى ما فيها، وأمر


(1) في المصدر: وقيد قوس وقادقوس. (2) في المصدر: يحدد. (3) مجمع البيان: ج 9، ص 173.

[248]

خازن النار ففتح له عنها حتى نظر إليها " أمين " أي على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لجبرئيل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك " ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين " ! فما كانت قوتك ؟ وما كانت أمانتك ؟ فقال: أما قوتي، بعثت (1) إلى مدائن لوط فهي أربع مدائن، في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الارض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن. وأما أمانتي، فإني لم أومر بشئ فعدوته إلى غيره " ولقد رآه بالافق المبين " أي رأى محمد صلى الله عليه وآله جبرئيل على صورته التي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس وهو الافق الاعلى من ناحية المشرق " وما هو على الغيب بضنين " قرأ أهل البصرة - غير سهل - وابن كثير والكسائي بالظاء، والباقون بالضاد، فعلى الاول المعنى أنه ليس على وحي الله تعالى وما يخبر به من الاخبار بمتهم، فإن أحواله ناطقة بالصدق والامانة، وعلى الثاني أي ليس ببخيل فيما يؤدي عن الله، إذ يعلمه كما علمه الله تعالى (2). 1 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عباس، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أسري به إلى السماء انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له " النور " وهو قول الله عزوجل " خلق الظلمات والنور " فلما انتهى به إلى ذلك النهر قال له جبرئيل: يا محمد اعبر على بركة الله، فقد نور الله لك بصرك، ومد لك أمامك، فإن هذا نهر لم يعبره أحد لاملك مقرب، ولا نبي مرسل غير أن لي في كل يوم اغتماسة فيه، ثم أخرج منه فأنفض أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلا خلق الله تبارك وتعالى منها


(1) في المصدر: فاني بعثت إلى مدائن لوط وهي.. (2) مجمع البيان: ج 10، 446 (بتغيير يسير في العبارة).

[249]

ملكا مقربا له عشرون ألف وجه، وأربعون ألف لسان، [كل لسان] يلفظ بلغة لا يفقهها اللسان الآخر. 2 - تفسير علي بن ابراهيم: في خبر المعراج: قال جبرئيل: أقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل (1). 3 - ومنه: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء رأيت ملكا من الملائكة بيده لوح من نور لا يلتفت يمينا ولا شمالا مقبلا عليه ثبة كهيئة الحرير (2) فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا ملك الموت مشغول في قبض الارواح فقلت: أدنني منه يا جبرئيل لأكلمه، فأدناني منه، فقلت له: يا ملك الموت أكل من [هو] مات أو هو ميت فيما بعد أنت تقبض روحه ؟ قال: نعم، قلت: وتحضرهم بنفسك ؟ قال: نعم، ما الدنيا كلها عندي فيما سخره الله لي ومكنني منها إلا كدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء، وما من دار في الدنيا إلا وأدخلها في كل يوم خمس مرات وأقول إذا بكى أهل البيت على ميتهم: لا تبكوا عليه، فإن لي إليكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كفى بالموت طامة يا جبرئيل ! فقال جبرئيل: ما بعد الموت أطم وأعظم من الموت ! (3) 4 - ومنه: في قوله تعالى " لقد رأى من آيات ربه الكبرى " قال: رأى جبرئيل على ساقه الدر مثل القطر على البقل له ستمائة جناح قد ملأ ما بين السماء والارض. (4) 5 - التوحيد: عن أبيه، عن سعد، عن القاسم بن محمد الاصفهاني، عن سليمان المنقري، عن حفص بن غياث أو غيره قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله


(1) تفسير القمي: 373. (2) الحزين (خ). (3) تفسير القمي: 511 و 370. (4) تفسير القمي: 654.

[250]

عزوجل " لقد رأى - الآية - " وذكر مثله (1). 6 - معاني الاخبار: قال: جبرئيل معناه عبد الله، وميكائيل معناه عبيد الله، و كذلك معنى إسرافيل عبيدالله (2). 7 - الخصال: عن الحسين بن أحمد (3) بن إدريس، عن أبيه عن محمد بن أحمد، عن أبي عبد الله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى اختار من كل شئ أربعة، اختار من الملائكة: جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت - الخبر (4) -. 8 - تفسير علي بن ابراهيم: عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله (5) عليه السلام قال: كان بينا رسول الله جالسا وعنده جبرئيل عليه السلام إذ حانت من جبرئيل نظرة قبل السماء فانتقع لونه حتى صار كأنه كركم، (6) ثم لاذ برسول الله صلى الله عليه وآله فنظر رسول الله إلى حيث جبرئيل فإذا شئ قد ملأ بين الخافقين مقبلا حتى كان كقاب من الارض، ثم قال: يا محمد إني رسول الله إليك أخيرك: أن تكون ملكا رسولا أحب إليك أو أن تكون عبدا رسولا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل وقد رجع إليه لونه فقال جبرئيل: بل كن عبدا رسولا، فقال رسول الله: بل أكون عبدا رسولا، فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدينا، ثم رفع الاخرى فوضعها في الثانية، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة، ثم هكذا حتى انتهى إلى السماء السابعة، بعد كل سماء خطوة، وكلما ارتفع صغر حتى صار آخر ذلك مثل الصر، فالتفت رسول الله


(1) التوحيد: 69. (2) معاني الاخبار: 49. (3) الحسين بن محمد بن إدريس (خ). (4) الخصال: 105. (5) ابي جعفر (خ). (6) الكركم - وزان برثن -: الزعفران والعلك.

[251]

صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل عليه السلام فقال: قد رأيتك ذعرا، وما رأيت شيئا كان أذعر لي من تغير لونك ! فقال: يا نبي الله لا تلمني، أتدري من هذا ؟ قال: لا قال: هذا إسرافيل حاجب الرب، ولم ينزل (1) من مكانه منذ خلق الله السماوات والارض، ولما رأيته منحطا ظننت أنه جاء بقيام الساعة، فكان الذي رأيت من تغير لوني لذلك، فلما رأيت ما اصطفاك الله به رجع إلي لوني ونفسي أما رأيته كلما ارتفع صغر، إنه ليس شي يدنو من الرب إلا صغر لعظمته، إن هذا حاجب الرب، وأقرب خلق الله منه، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه، ثم ألقاه إلينا فنسعى به في السماوات والارض، إنه لأدنى خلق الرحمن منه، وبيني وبينه تسعون (2) حجابا من نور تقطع دونها الابصار ما لا يعد ولا يوصف، وإني لاقرب الخلق منه، وبيني وبينه مسيرة ألف عام. بيان: قال الجوهري: حان له أن يفعل كذا يحين حينا أي آن، وحان حينه أي قرب وقته وقال: قال الكسائي: امتقع لونه إذا تغير من حزن أو فزع (3)، قال: وكذلك انتقع ابتقع وبالميم أجود. وقال: الكركم الزعفران وقال: لاذبه لواذا ولياذا أي لجأ إليه وعاذبه. وفي القاموس: الصر طائر كالعصفور وأصغر " يدنو من الرب " أي من موضع مناجاته، أو من عرشه سبحانه " ما لا يعد ولا يوصف " أي دونها وقبل الوصول إليها ما لا يعد ولا يوصف انقطع (4) عندها الابصار، ولا تقدر على النظر إليها. وفي بعض النسخ " ما يعد " بدون " لا " فيمكن أن يكون بدلا من " تسعون حجابا " و " ما " موصولة، أي يحيط به العدد دون الوصف، والمراد بالحجب إما الحجب المعنوية كما مر، أو المراد بينه وبين


(1) لم يهبط (خ). (2) سبعون (خ). (3) في الصحاح، أو فزع أو ريبه. (4) تقطع (خ).

[252]

عرشه، أو بين منتهى خلقه، أو بين محل يصدر منه الوحي. أقول: ورأيت بخط بعض المشايخ هذا الحديث منقولا من كتاب " مدينة العلم " للصدوق - رحمه الله - بحذف الاسناد عن جابر مثله. 9 - ومنه: أيضا عن الصادق عليه السلام: قال: إذا أمر الله ميكائيل بالهبوط إلى الدنيا فيما يأمره به صارت رجله في السماء السابعة والاخرى في الارض السابعة. 10 - ومنه: عن الصادق عليه السلام قال: إن الله خلق حية قد أحدقت بالسماوات والارض، قد جمعت رأسها وذنبها تحت العرش، فإذا رأت معاصي العباد أسفت و استأذنت أن تبلع السماوات والارض. 11 - القصص: بالاسناد المتقدم في باب العوالم عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن الله خلق الملائكة روحانيين لهم أجنحة يطيرون بها حيث يشاء الله فأسكنهم فيما بين أطباق السماوات يقدسونه الليل والنهار، واصطفى منهم إسرافيل و ميكائيل وجبرئيل. 12 - صحيفة الرضا: [عنه] عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء رأيت في السماء الثالثة رجلا قاعدا، رجل له في المشرق ورجل له في المغرب، وبيده لوح ينظر فيه ويحرك رأسه، فقلت: يا جبرئيل ! من هذا ؟ قال: هذا ملك الموت (1). 13 - الخرائج: عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن الحسن ابن علي، عن جعفر بن بشير، عن معتب غلام الصادق عليه السلام قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام بالعريض، فجاء يمشي حتى دخل مسجدا كان يعبد الله فيه أبوه، وهو يصلي في موضع من المسجد، فلما انصرف قال: يا معتب ترى هذا الموضع ؟ قلت: نعم، قال: بينما أبي عليه السلام قائم يصلي في هذا المكان إذ دخل شيخ يمشي حسن السمت فجلس فبينما هو جالس إذ جاء رجل آدم حسن الوجه والتمسه، فقال للشيخ: ما يجلسك ؟ ليس بهذا أمرت، فقاما وانطلقا وتواريا عني فلم أر شيئا، فقال: يا بني !


(1) صحيفة الرضا: 29.

[253]

هل رأيت الشيخ وصاحبه ؟ فقلت: نعم، فمن الشيخ وصاحبه ؟ قال: الشيخ ملك الموت، والذي جاء فأخرجه جبرئيل. 14 - ومنه: عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة: عن أبان بن عثمان، عن زرارة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بينما أنا في الدار مع جارية لي إذ أقبل رجل قاطب بوجهه، فلما رأيته علمت أنه ملك الموت، فاستقبله رجل آخر أطلق منه وجها وأطلق منه بشرا فقال له: ليس بذا أمرت فبينما أنا أحدث الجارية إذ قبضت. بيان: " ليس بذا أمرت " أي بالتأخير، أو بملاقاة غير المتوفى، أو بالقطوب للامام. وفي الخبر السابق يحتمل الجلوس، أو قبض الامام عليه السلام مع الاحتمالين الاولين - والله يعلم -. 15 - المتهجد: في تعقيب صلوة أمير المؤمنين: وباسمك المكتوب على جبهة إسرافيل، وبقوة ذلك الاسم الذي ينفخ به إسرافيل في الصور، وأسألك باسمك المكتوب على راحة رضوان خازن الجنان. 16 - الاختصاص: بإسناده عن ابن عباس، قال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وآله فيما سأله: من أخبرك ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: جبرئيل، قال: عمن ؟ [قال] قال: عن ميكائيل، قال: عمن ؟ [قال] قال: عن إسرافيل، قال: عمن ؟ [قال] قال: عن اللوح المحفوظ، قال: عمن ؟ قال: عن القلم، قال: عمن قال قال: عن رب العالمين، قال: صدقت (1)، فأخبرني عن جبرئيل في زي الاناث أم في زي الذكور ؟ قال: في زي الذكور (2)، قال: فأخبرني ما طعامه (3) قال: طعامه التسبيح، وشرابه التهليل. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما طول جبرئيل ؟ قال: إنه على قدر بين الملائكة، ليس بالطويل العالي ولا بالقصير المتداني


(1) في المصدر: صدقت يا محمد. (2) في المصدر: في زي الذكور ليس في زي الاناث. (3) في المصدر: وما شرابه ؟

[254]

له ثمانون ذوابة، وقصة جعدة، وهلال بين عينيه، أغر أدعج محجل، ضوؤه بين الملائكة كضوء النهار عند ظلمة الليل، له أربع وعشرون جناحا خضراء مشبكة بالدر والياقوت مختمة باللؤلؤ، وعليه وشاح بطانته الرحمة، وأزراره الكرامة ظهارته الوقار ريشه الزعفران، واضح الجبين، أقنى الانف، سائل الخدين مدور اللحيين، حسن القامة، لا يأكل ولا يشرب، ولا يمل ولا يسهو، قام (1) بوحي الله إلى يوم القيامة. قال: صدقت يا محمد - ثم ساق الحديث إلى أن قال - وما الثلاثة ؟ قال صلى الله عليه وآله: جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، وهم رؤساء الملائكة، وهم على وحي رب العالمين (2). بيان: طعامه التسبيح " أي يتقوون بالتسبيح والتهليل، كما يتقوى الانسان بالطعام والشراب ولا يبقى بدونهما والقصة - بالضم - شعر الناصية ذكره الجوهري، وقال: الغرة - بالضم -: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، يقال فرس أغر والاغر الابيض، ورجل أغر أي شريف وقال: الدعج شدة سواد العين مع سعتها، والادعج من الرجال: الاسود. وقال: التحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في رجليه قل أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين لانها مواضع الأحجال وهي الخلاخيل والقيود، يقال فرس محجل. وقال: الوشاح ينسج من أديم عريضا ويرصع بالجواهر وتشده المرأة بين عاتقها وكشحها (انتهى) والمراد بالوشاح إما المعنوي فالصفات ظاهرة أو الصوري فالمعنى أن بطانته علامة رحمة الله له أو للعباد، وكذا الباقيتان، والقنى احديداب في الانف. 17 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن قول يعقوب لبنيه " اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه (3) " أكان يعلم أنه حي وقد


(1) في الصمدر: قائم. (2) الاختصاص: 45. (3) يوسف: 87.

[255]

فارقه منذ عشرين سنة ؟ قال: نعم، قال: قلت: كيف علم ؟ قال: إنه دعا في السحر وسأل الله أن يهبط عليه ملك الموت، فهبط عليه بريال وهو ملك الموت فقال له بريال: ما حاجتك يا يعقوب ؟ قال له: أخبرني عن الارواح التي تقبضها مجتمعة أو متفرقة ؟ قال: بل أقبضها متفرقة روحا روحا، قال: أخبرني فهل (1) مربك روح يوسف فيما مربك ؟ قال: لا، فعلم يعقوب أنه حي، فعند ذلك قال لولده: اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه (2). بيان: " فتحسسوا " التحسس طلب الإحساس، أي تعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما " تقبضها مجتمعة " لعل السؤال عن الاجتماع والتفرق في الاخذ، لانه إذا قبضها مجتمعة يمكن أن يغفل عن خصوص كل واحد بخلاف ما إذا أخذ روحا روحا، أو لانه إذا قبضها مجتمعة يمكن أن تسلم إليه بعد مرور الايام ليجتمع عدد كثير منها ولما يصل روح يوسف عليه السلام إليه بعد ذلك، وهذا الملك إما عزرائيل يقبض الارواح من أعوانه أو غيره، ويقبض منه، والاخير أظهر. 18 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن معاوية بن ميسرة، عن الحكم بن عيينة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن في الجنة نهرا يغتمس فيه جبرئيل كل غداة، ثم يخرج منه فينفض، فيخلق الله عزوجل من كل قطرة منه تقطر ملكا (3). 19 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلا الخفاف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انهزم الناس يوم أحد - وساق الحديث الطويل إلى أن قال -: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا رب وعدتني أن تظهر دينك، وإن شئت لم يعيك. فأقبل علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أسمع دويا شديدا وأسمع أقدم حيزوم وما أهم أضرب أحدا إلا


(1) في المصدر: قال له فاخبرني هل.. (2) روضة الكافي: 199. (3) روضة الكافي: 272.

[256]

سقط ميتا قبل أن أضرب. فقال: هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في الملائكة ثم جاءه جبرئيل فوقف إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد، إن هذه هي المواساة فقال: إن عليا مني وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، ثم انهزم الناس - وساق الحديث إلى قوله - فأتبعهم جبرئيل عليه السلام فكلما سمعوا وقع حوافر فرسه جدوا في السير، فكان يتلوهم، فإذا ارتحلوا قال هو ذا عسكر محمد قد أقبل، فدخل أبو سفيان مكة، فأخبرهم الخبر، وجاء الرعاة والحطابون فدخلوا مكة فقالوا: رأينا عسكر محمد كلما رحل أبو سفيان نزلوا يقدمهم فارس على فرس أشقر يطلب آثارهم فأقبل أهل مكة على أبي سفيان يوبخونه - إلى آخر الخبر (1) -. 20 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال عن داود بن فرقد، عن أبي يزيد الحمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، و كروبيل عليهم السلام فمروا بابراهيم عليه السلام وهم معتمون، فسلموا عليه، فلم يعرفهم ورأى هيئة حسنة، فقال: لا يخدم هؤلاء أحدا إلا أنا بنفسي، وكان صاحب أضياف فشوى لهم عجلا سمينا حتى أنضجه، ثم قربه إليهم، فلما وضعه بين أيديهم ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، فلما رأى ذلك جبرئيل حسر العمامة عن وجهه وعن رأسه فعرفه إبراهيم، فقال: أنت هو ؟ فقال: نعم، ومرت امرأته سارة فبشرها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. فقالت: ما قال الله ؟ فأجابوها بما في الكتاب العزيز، فقال إبراهيم عليه السلام [لهم]: فيماذا جئتم ؟ قالوا له: في إهلاك قوم لوط - وساق الحديث إلى أن قال -: فأتوا لوطا وهو في زراعة له قرب المدينة فسلموا عليه وهم معتمون، فلما رآهم رأى هيئة حسنة عليهم عمائم بيض وثياب بيض فقال لهم: المنزل، فقالوا: نعم، فتقدمهم ومشوا خلفه، فندم على عرضه عليهم المنزل، وقال: أي شئ صنعت ! آتي بهم قومي وأنا أعرفهم ؟ ! فالتفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرارا من خلق الله - وساق إلى قوله - فلما رأتهم امرأته رأت هيئة


(1) روضة الكافي: 318.

[257]

حسنة، فصعدت فوق السطح وصفقت فلم يسمعوا فدخنت، فلما رأوا الدخان أقبلوا يهرعون إلى الباب (1) - وساق إلى قوله - فكاثروه حتى دخلوا البيت فأهوى جبرئيل نحوهم بإصبعه، فذهبت أعينهم - وساق إلى قوله - ثم اقتلعها جبرئيل عليه السلام بجناحه من سبع أرضين، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها وأمطر عليها وعلى من حول المدينة حجارة من سجيل (2). 21 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مروان، عمن رواه عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما اتخذ الله عزوجل إبراهيم خليلا أباه بشراه بالخلة، فجاءه ملك الموت في صورة شاب أبيض عليه ثوبان أبيضان يقطر رأسه ماء ودهنا، فدخل إبراهيم عليه السلام الدار، فاستقبله خارجا من الدار، وكان إبراهيم رجلا غيورا، وكان إذا خرج في حاجة أعلق بابه وأخذ مفتاحه معه، ثم رجع ففتح فإذا هو برجل (3) أحسن ما يكون من الرجال، فأخذ بيده وقال: يا عبد الله من أدخلك داري ؟ فقال: ربها أدخلنيها. فقال: ربها أحق بها مني، فمن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، ففزع إبراهيم وقال: جئتني لتسلبني روحي ؟ قال: لا، ولكن اتخذ الله عبدا خليلا فجئت لبشارته، فقال: من هو ؟ لعلي أخدمه حتى أموت ! قال: أنت هو، فدخل على سارة فقال لها: إن الله تبارك وتعالى اتخذني خليلا (4). 22 - الدر المنثور: من عدة كتب عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جبرئيل يناجيه إذا نشق أفق السماء فأقبل جبرئيل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الارض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبيا


(1) أي يمشون إليه سريعا وفي اضطراب. (2) روضة الكافي: 328. (3) في المصدر: برجل قائم احسن. (4) روضة الكافي: 392.

[258]

ملكا، وبين أن تكون نبيا عبدا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فأشار جبرئيل إلي بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح، فقلت: عبد نبي، فعرج ذلك الملك إلى السماء، فقلت: يا جبرئيل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبرئيل ؟ قال: هذا إسرافيل، خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه، بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها نور يدنو منه أحد (1) إلا احترق بين يديه اللوح المحفوظ، فإذا أذن الله في شئ في السماء أو في الارض ارتفع ذلك اللوح، فضرب جبهته فينظر فيه، فإن كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت: يا جبرئيل على أي شئ أنت ؟ قال: على الرياح والجنود، قلت: على أي شئ ميكائيل ؟ قال: على النبات والقطر، قلت: على أي شئ ملك الموت ؟ قال: على قبض الانفس، وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة (2). 23 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل الملائكة جبرئيل (3). 24 - وعن موسى بن أبي عائشة، قال: بلغني أن جبرئيل إمام أهل السماء (4). 25 - وعن جابر بن عبد الله، قال: إن جبرئيل موكل بحاجات العباد، فإذا دعاه المؤمن قال: يا جبرئيل احبس حاجة عبدي، فإني أحبه واحب صوته، و إذا دعا الكافر قال: يا جبرئيل اقبض حاجة عبدي فإني أبغضه وأبغض صوته (5). وعن شريح بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وآله لما صعد إلى السماء رأى جبرئيل في خلقته منظوم أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، قال: فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الافق وكنت أراه قبل ذلك على صور مختلفة، وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، وكنت أحيانا أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال (6).


(1) ليس في المصدر لفظة " أحد ". (2 - 6) الدر المنثور: ج 1، ص 91 و 92.

[259]

27 - وعن حذيفة: لجبرئيل جناحان، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى الجبين (1)، ورأسه محبك حبك مثل اللؤلؤ (2) كأنه الثلج وقدماه إلى الخضرة (3). بيان: قال في النهاية: رأسه محبك أي شعر رأسه متكثر من الجعودة، مثل الماء الساكن والرمل إذا هبت عليهما الريح فيتجعدان ويصيران طرائق. 28 - الدر المنثور: عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما بين منكبي جبرئيل مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع الطيران (4). 29 - وعن وهب أنه سئل عن خلق جبرئيل فذكر أن ما بين منكبيه من ذي إلى ذي خفق الطير سبعمائة عام (5). 30 - وعن ابن شهاب أن رسول الله سأل جبرئيل أن يتراءى له في صورته فقال جبرئيل: إنك لن تطيق ذلك، قال: إني أحب أن تفعل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المصلى في ليلة مقمرة، فأتاه جبرئيل في صورته فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه، ثم أفاق وجبرئيل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره، والاخرى بين كتفيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كنت أرى أن شيئا ممن يخلق هكذا، فقال جبرئيل: فكيف لو رأيت إسرافيل ؟ إن له لاثني عشر جناحا منها جناح في المشرق، وجناح في المغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الاحيان لعظمة الله حتى يصير مثل الوصع حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته (6). بيان: قال في النهاية: فيه أن العرش على منكب إسرافيل، وأنه ليتواضع لله حتى يصير مثل الوصع. يروى بفتح الصاد وسكونها، وهو طائر أصغر من العصفور والجمع وصعان.


(1) في المصدر: الجبينين. (2) في المصدر: ورأسه حبك حبك مثل المرجان وهو اللؤلؤ. (3 - 6) الدر المنثور: ج 1، ص 92.

[260]

31 - الدر المنثور: عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن في الجنة لنهرا ما يدخله جبرئيل من دخلة فيخرج فينتفض إلا خلق الله من كل قطرة تقطر منه ملكا (1). 32 - قال: وروي أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله وهو يبكي، فقال له: ما يبكيك ؟ قال: مالي لاأبكي ؟ فو الله ما جفت لي عين منذ خلق الله النار مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها. وقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار (2). 33 - وعن عكرمة قال سأل رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل عن أكرم الخلق على الله فعرج ثم هبط فقال: أكرم الخلق على الله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فأما جبرئيل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط، وكل ورقة تنبت، وكل ورقة تسقط، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض روح كل عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم (3). 34 - وعن ابن عباس أن جبرئيل وقف على رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه عصابة خضراء قد علاها الغبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك ؟ قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، فهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها (4). 35 - وعن ابن عباس قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وآله مجلسا فأتاه جبرئيل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله واضعا كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله حدثني عن الاسلام، قال: الاسلام أن تسلم وجهك لله عزوجل، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت. فقال: يا رسول الله حدثني عن الايمان، قال: الايمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والموت والحيوة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت. قال: يا رسول الله حدثني ما الاحسان ؟ قال: الاحسان أن تعمل


(1 - 4) الدر المنثور: ج 1، ص 93.

[261]

لله كأنك تراه، فإن لم يكن تراه فإنه يراك (1). 36 - وعن أنس وغيره بأسانيد قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا مع أصحابه إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر يتخلل الناس حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فوضع يده على ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ما الاسلام - وساقوا الحديث مثل ما مر إلى قولهم (2) - يا رسول الله متى الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وأدبر الرجل فذهب. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي بالرجل، فاتبعوه يطلبونه فلم يروا شيئا، فقال رسول الله: ذلك جبرئيل، جاءكم ليعلمكم دينكم. 37 - وعن وهب بن منبه، قال: خلق الله الصور من لؤلؤة [بيضاء] في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور، فتعلق به، ثم قال: كن، فكان إسرافيل فأمره أن يأخذ الصور، فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا تخرج روحان من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوة (3) كاستدارة السماء والارض وإسرافيل واضع فمه على ذلك الكوة (4) ثم قال له الرب تعالى: قد وكلتك بالصور، فأنت للنفخة وللصيحة. فدخل إسرافيل في مقدم العرش، فأدخل رجله اليمنى تحت العرش، وقدم اليسرى، ولم يطرف منذ خلقه الله ينظر متى يؤمر به (5). 38 - وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " نزل به الروح الامين " قال: الروح الامين جبرئيل، رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرهما فيهما (6) مثل ريش الطواويس (7). 39 - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله كيف أنعم وقد


(1) الدر المنثور: ج 1، ص 93. (2) في المخطوطة: قوله. (3) كرة (خ). (4) الكرة (خ). (5) الدر المنثور: ج 5 ص 338. (6) في المصدر: قد نشرها فهم مثل. (7) الدر المنثور: ج 5، ص 94.

[262]

التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله ؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على لله توكلنا (1). توضيح: قال الجوهري فيه كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه أي كيف أتنعم من النعمة - بالفتح - وهي المسرة والفرح والترفه. 40 - الدر المنثور: عن ابن مسعود، قال: الصور كهيئة القرن ينفخ فيه (2). 41 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعدا ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينه كوكبان دريان (3). 42 - وعن أبي سعيد قال: إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران (4). 43 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: وما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران أن ينفخا (5) في الصور فينفخا (6). 44 - وعن كعب قال: إسرافيل له أربعة أجنحة: جناحان في الهواء، وجناح قد تسرول به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم ودرست الملائكة، وملك الصور أسفل منه جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الاخرى، فالتقم الصور فحنى ظهره، وطرفه إلى إسرافيل وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور (7).


(1) المصدر: ج 5، ص 337. (2) المصدر: ج 5، ص 338. (3 و 4) المصدر: ج 5، ص 338. (5) في المصدر: متى يؤمران فينفخان. (6 و 7) الدر المنثور: ج 5، ص 338.

[263]

وعن عائشة مثله. 45 - وعن ابن عباس قال: لما نزلت " فإذا نقر في الناقور " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر ؟ قالوا: كيف نقول يا رسول الله ؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، و على الله توكلنا (1). 46 - عن قتادة " فإذا نقر في الناقور " قال: فإذا نفخ في الصور (2). 47 - وعن ابن مسعود " لقد رآه بالافق المبين " قال جبرئيل في رفرف أخضر قدسد الافق (3). 48 - وعنه أيضا: قال رأى جبرئيل له ستمائة جناح قدسد الافق (4). 49 - وعن ابن عباس في الآية قال: إنما عنى جبرئيل، إن محمدا رآه في صورته عند سدرة المنتهى (5). 50 - وعن معاوية بن قرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك " ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين " ما كانت قوتك ؟ وما كانت أمانتك ؟ قال: أما قوتي فإني بعث إلى مدائن قوم لوط وهي أربع مدائن وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، حملتهم من الارض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، وهويت بهن فقتلتهن (6) وأما أمانتي فلم أومر بشئ فعدوته إلى غيره (7). 51 - وعن أبي صالح في قوله " إنه لقول رسول كريم " قال: جبرئيل " مطاع ثم أمين " قال: على سبعين حجابا يدخلها بغير إذن (8).


(1 و 2) المصدر: ج 6، ص 282. (3) المصدر: ج 6، ص 321. (4 و 5) الدر المنثور: ج 6، ص 321. (6) في المصدر: ثم هويت بهم فقتلتهم. (7 و 8) المصدر: ج 6 ص 321.

[264]

52 - وعن الخزرج قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ونظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الانصار، فقال يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت: طب نفسا وقر عينا، واعلم بأني بكل مؤمن رفيق، واعلم أني - يا محمد - لاقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخ قمت في الدار ومعي روحه فقلت: ما هذا الصارخ ؟ والله ما ظلمنا ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله توجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتوزروا وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر ! الحذر ! وما من أهل بيت شعر ولا مدر بر ولا فاجر، سهل ولا جبل، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة، حتى لانا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها (1). 53 - وعن ابن عباس قال: وكل ملك الموت بقبض أرواح الآدميين فهو الذى يلي قبض أرواحهم، وملك في الجن، وملك في الشياطين، وملك في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل، فهم أربعة أملاك، والملائكة يموتون في الصعقة الاولى، وإن ملك الموت يلي قبض أرواحهم، ثم يموت، وأما الشهداء في البحر فإن الله يلي قبض أرواحهم، لا يكل ذلك إلى ملك الموت لكرامتهم عليه (2) 54 - وعن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام (3) قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار يعوده، فإذا ملك الموت عند رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال: أبشر يا محمد، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد أني لاقبض روح ابن آدم فيصرخ أهله، فأقوم في جانب من الدار فأقول: والله مالي ذنب، وإن لي لعودة وعودة، الحذر ! الحذر ! وما خلق الله من أهل بيت مدر ولا شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم فيه في كل


(1) الدر المنثور: ج 5، ص 173. (2) الدر المنثور: ج 5، ص 173. (3) في المصدر: رضي الله عنهما.

[265]

يوم وليلة خمس مرات، حتى أني لاعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد إني لا أقدر أن أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى الذي يأمر بقبضه (1). 55 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يونس، عن الهيثم بن واقد، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله بأدنى تغيير (2). 56 - وعن علي، عن أبيه عن ابن محبوب، عن المفضل بن صالح، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام مثله أيضا لكن فيهما: خمس مرات عند مواقيت الصلوات (3). بيان: لا يخفى عدم دلالة هذه الاخبار على كون قابض أرواح الحيوانات ملك الموت، فإن الغرض منها المبالغة في عدم قدرته على فعل صغير أو كبير بدون إذنه سبحانه، فلا ينافي خبر ابن عباس، لكن ليس في أخبارنا تصريح بأحد الطرفين والتوقف في مثله أحوط، وقد مضت الاخبار المناسبة لهذا الباب والذي قبله في كتاب المعاد وغيره. 24 * (باب) * * (عصمة الملائكة وقصة هاروت وماروت وفيه ذكر) * * (حقيقة السحر وأنواعه) * الآيات: البقرة: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون


(1) المصدر: ج 5، ص 174. (2 و 3) الكافي: ج 3، ص 136.

[266]

ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق (1). النساء: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون (2). الاعراف: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (3). النحل: ولله يسجد ما في المساوات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (4). مريم: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (5). الانبياء: ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون (6). وقال تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (7). التحريم: عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (8). تفسير: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " أقول: هذه الآية مما يوهم نفي عصمة الملائكة، وللعلماء في تأويلها مسالك نشير إن بعضها وإن أفضى إلى الاطناب.


(1) البقرة: 102. (2) النساء: 172. (3) الاعراف: 206. (4) النحل: 49 - 50. (5) مريم: 64. (6) الانبياء: 19 - 20. (7) الانبياء: 26 - 29. (8) التحريم: 6.

[267]

قال السيد المرتضى - رحمه الله - في كتاب الغرر والدرر: إن سأل سائل عن قوله عزوعلا " واتبعوا ما تتلوا الشياطين - إلى قوله تعالى - ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " فقال: كيف ينزل الله سبحانه السحر على الملائكة ؟ أم كيف تعلم الملائكة الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه ؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنه بإذنه وهو تعالى قد نهى عنه وحذر من فعله ؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم بقوله " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ثم بقوله " لو كانوا يعلمون " ؟ الجواب: قلنا: في الآية وجوه كل منها يزيل الشبهة الداخلة على من لم يمعن النظر فيها: أولها: أن يكون " ما " في قوله تعالى " وما أنزل على الملكين " بمعنى الذي، فكأنه تعالى خبر (1) عن طائفة من أهل الكتاب بأنهم اتبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان وتضيفه إليه من السحر، فبرأه الله عزوجل من قرفهم وأكذبهم في قولهم فقال تعالى " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " باستعمال السحر والتمويه على الناس، ثم قال " يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين " وأراد أنهم يعلمونهم السحر وما الذي أنزل على الملكين، وإنما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك و يعرفاه الناس فيجتنبوه ويحذروا منه، كما أنه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ووصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنواقعها، إلا أن الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه وأقدموا على فعله، وإن كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحارزه (2) وانتفع باطلاعه على كيفيته. ثم قال " وما يعلمان من أحد " يعني الملكين، ومعنى " يعلمان " يعلمان، والعرب تستعمل لفظة " علمه " بمعنى أعلمه، قال القطامي:


(1) كذا، والظاهر " أخبر ". (2) حاذره (خ).

[268]

تعلم أن بعد الغي رشدا * وأن لتانك الغمر انقشاعا وقال كعب بن زهير: تعلم رسول الله أنك مدركي * وإن وعيدا منك كالاخذ باليد ومعنى " تعلم " في البيتين معنى " أعلم " والذي يدل على أنه ههنا الاعلام لا التعليم قوله " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " أي إنهما لا يعرفان صفات السحر وكيفيته إلا بعد أن يقولا إنما نحن محنة، لان الفتنة بمعنى المحنة، من حيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه وليتمتعوا من مواقعته، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك، فإنه إنما ألقي إليك واطلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله. ثم قال " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك، ولهذا قال " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم " لانهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يحبتنبوه صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم. وثانيها: أن يكون " ما أنزل " موضعه موضع جر، ويكون معطوفا بالواو على " ملك سليمان " أي: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين. ومعنى " ما أنزل على الملكين " (1) أي معهما وعلى ألسنتهما كما قال تعالى " ربنا وآتناما وعدتنا على رسلك " أي على ألسنتهم ومعهم، وليس بمنكر أن يكون " ما أنزل " معطوفا على ملك سليمان وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض، لان رد الشئ إلى نظيره وعطفه على ما هو أولى هو الواجب وإن اعترض بينهما ما ليس منهما، ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب كثيرة: قال الله تعالى " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " (2)


(1) آل عمران: 194. (2) الكهف: 3. (*)

[269]

و " قيم " من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة " عوج " وإن تباعد ما بينهما، و مثله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام " (1) فالمسجد الحرام ههنا معطوف على الشهر الحرام أي يسألونك عن الشهر وعن المسجد الحرام. وحكي عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال: العرب تلف الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسير هما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره كقوله عزوجل " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " (2) وهذا واضح في مذهب العرب كثير النظائر. ثم قال تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " والمعنى أنهما لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه، ويبلغ من نهيهما عنه وصدهما عن فعله واستعماله أن يقولا إنما نحن فتنة " فلا تكفر " باستعمال السحر والاقدام على فعله، وهذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له إنك إن فعلته أصابك كذا وكذا. وهذا هو نهاية البلاغة في الكلام، والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، لانه أشعر بقوله تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " عن بسط الكلام الذي ذكرناه ولهذا نظائر في القرآن قال الله تعالى " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق " (3) ومثل قوله تعالى " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " (4) أي فيقال للذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم وأمثاله أكثر من أن نورد ثم قال تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين، وكيف يرجع إليهما وقد نفى تعالى عنهما التعليم ؟ بل يرجع إلى


(1) البقرة: 217. (2) العنكبوت: 73. (3) المؤمنون: 91. (4) آل عمران: 106.

[270]

الكفر والسحر، وقد تقدم ذكر السحر وتقدم أيضا ذكر ما يدل على الكفر ويقتضيه في قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا " فدل " كفروا " على الكفر والعطف عليه مع السحر جائز، وإن كان التصريح وقع بذكر السحر دونه، و مثل ذلك قوله تعالى " سيذكر من يخشى ويتجنبها الاشقى * الذي يصلى النار الكبرى " (1) أي يتجنب الذكرى الاشقى، ولم يتقدم تصريح بالذكرى لكن دل عليها قوله " سيذكر " ويجوز أيضا أن يكون معنى " فيتعلمون منهما " أي بدلا مما علمهم الملكان، ويكون المعنى أنهم يعدلون عما علمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلمه واستعماله، كما يقول القائل: ليت لنا من كذا وكذا [كذا] أي بدلا منه، كما قال الشاعر: جمعت من الخيرات وطبا وعلبة * وصرا لا خلاف المزممة البزل ومن كل أخلاق الكرام تميمة * وسعيا على الجار المجاور بالبخل يريد: جمعت مكان الخيرات ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة. و قوله تعالى " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " فيه وجهان: أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الشرك بالله تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، ليفرق بينهما اختلاف النحلة والملة، والوجه الآخر أن يسعوا بين الزوجين بالنميمة والوشاية والاغراء والتمويه بالباطل حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة والمباينة. وثالث الوجوه في الآية أن تحمل " ما " في قوله تعالى " وما أنزل على الملكين " على الجحد والنفي، فكأنه تعالى قال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر [سليمان] وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. ويكون قوله تعالى " ببابل هاروت وماروت " من المؤخر الذي معناه التقديم، فيكون على هذا التأويل هاروت وماروت رجلين من جملة هذان اسماهما، وإنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا


(1) الاعلى: 10 - 12.

[271]

وتبيينا، ويكون الملكان المذكوران اللذان نفى تعالى عنهما السحر جبرئيل و ميكائيل، لان سحرة اليهود فيما ذكر كانت تدعي أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرئيل وميكائيل إلى سليمان، فأكذبهما الله تعالى بذلك، ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنه تعالى قال: ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا، ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله " وكنا لحكمهم شاهدين " يعني تعالى حكم داود وسليمان، ويكون قوله تعالى على هذا التأويل " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين أو من الانس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به، ومعنى قولهما " إنما نحن فتنة فلا تكفر " يكون على طريق الاستهزاء أو التماجن والتخالع كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا: هذا فعل من لا يفلح، و قول من لا ينجو، والله لا حصلت إلا على الخسران. وليس ذلك منه على سبيل النصيحة للناس وتحذيرهم من مثل فعل فعله، بل على جهة المجون والتهالك. و يجوز أيضا على هذا التأويل الذي تضمن الجحد والنفي أن يكون هاروت وماروت اسمين للملكين، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله تعالى " وما أنزل على الملكين " ويكون قوله تعالى " وما يعلمان من أحد " يرجع إلى قبيلتين من الجن أو إلى شياطين الجن والانس فتحسن التثنية لهذا. وقد روي هذا التأويل في حمل " ما " على النفي عن ابن عباس وغيره من المفسرين، وحكي عنه أيضا أنه كان يقرأ " على الملكين " بكسر اللام، ويقول: متى كان العلجان ملكين إنما كانا ملكين وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله تعالى " وما يعلمان من أحد " إليهما، ويمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر وهو أن لا يحمل قوله تعالى: " وما أنزل على الملكين " على الجحد والنفي، وهو أن لا يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتدعيه على ملك سليمان واتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر، ولا يكون الانزال مضافا إلى الله تعالى، وإن أطلق لانه عزوجل لا ينزل السحر بل يكون منزله إليهما بعض الضلال والعصاة، وأن يكون معنى " أنزل " وإن كان من الارض حمل إليهما لامن

[272]

السماء أنه أتى به عن نجود الارض والبلاد وأعاليهما، فإن من هبط من نجد من البلاد إلى غورها يقال نزل وهبط وما جرى هذا المجرى. فأما قوله تعالى " وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " فيحتمل وجوها: منها: أن يريد تعالى بالاذن العلم من قولهم " أذنت فلانا بكذا وكذا " إذا أعلمته و " أذنت بكذا وكذا " إذا أسمعته وعلمته، وقال الشاعر: في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ماذي مشار ومنها: أن يكون " إلا " زائدة، ويكون المعنى: وماهم بضارين به من أحد إلا بأن يخلي الله تعالى بينهم وبينه، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر زائدا على منعهم بالنهي والزجر. ومنها: أن يكون الضرر الذي عنى به أنه لا يكون إلا بإذنه، وأضافه إليه ما [هو] يلحق المسحور عن الادوية والاغذية التي أطعمه إياه السحرة، ويدعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الامور، ومعلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة، لان الاغذية لا توجب ضررا ولا نفعا، وإن كان المعرض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم، وعليه يجب العوض. ومنها: أن يكون الضرر المذكور إنما هو ما يحصل من التفريق بين الازواج لانه أقرب إليه في ترتيب الكلام، والمعنى أنهم إذا أغروا أحد الزوجين فكفر فبانت منه زوجته فاستضر بذلك كانوا ضارين له بما حسنوا له من الكفر، إلا أن الفرقة لم تكن إلا بإذن الله وحكمه، لانه تعالى هو الذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفتين الاديان، فلهذا قوله تعالى " وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " والمعنى أنه لولا حكم الله تعالى وإذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملة لم يكونوا بضارين له هذا الضرر من الضرر الحاصل عند الفرقة، ويقوي هذا الوجه ما روي أنه كان من دين سليمان أنه من سحر بانت منه امرأته. وأما قوله تعالى " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ثم قوله تعالى " لو كانوا يعلمون " ففيه وجوه: أولها: أن يكون الذين علموا غير الذين

[273]

لم يعلموا، ويكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبر عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان. والذين لم يعلموا هم الذين عملوا السحر وشروا به أنفسهم. وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا، لانهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره، فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من العقاب الذي لا نفاد له ولا انقطاع، وثالثها أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموه فكأنهم لم يعلموا، وهذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك لو كنت تعقل وتنظر في العواقب، وهو يعقل وينظر إلا أنه لم يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له مثل هذا القول. وقال كعب بن زهير يصف ذئبا وغراباه تبعاه ليصيبا من زاده: إذا حضراني قلت لو يعلمانه * ألم تعلما أني من الزاد مرمل فنفى عنهما العلم ثم أثبته بقوله " ألم تعلما أني من الزاد مرمل " وإنما المعنى في نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علما، فكأنهما لم يعلما، ورابعها أن يكون المعنى أن هؤلاء القوم الذين قد علموا أن الآخرة لا حظ لهم فيها مع عملهم القبيح إلا أنهم ارتكبوه طمعا في طعام الدنيا وزخرفها، فقال تعالى " ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " أي الذي آثروه وجعلوه عوضا عن الآخرة لا يتم لهم ولا يبقى عليهم وأنه منقطع زائل، ومضمحل باطل، وأن المآل إلى المستحق في الآخرة، وكل ذلك واضح بحمد الله (انتهى). وأقول: قال في الصحاح: والغمرة الشدة والجمع غمر. قال القطامى يصف سفينة نوح: وحان لتالك الغمر انحسار. وقال: الانحسار الانكشاف. وقال: قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع وتقشع. وقال: الوطب سقاء اللبن خاصة. قال: العلبة محلب من جلد. وقال: صررت الناقة شددت عليها الصرار وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضعها ولدها. وقال: الخلف - بالكسر - حلمة ضرع الناقة. والمزممة من الزمام. والبزل: جمع البازل، وهو جمل أو ناقة كمل

[274]

لها تسع سنين. والماذي: العسل الابيض. ويقال: شرت العسل أي اجتنيتها، و أشرت لغة ذكره الجوهري واستشهد بالبيت. وقال الرازي في تفسير هذه الآية: أما قوله " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان " ففيه مسائل: المسألة الاولى قوله " واتبعوا " حكاية عما تقدم ذكره وهم اليهود، ثم فيه أقوال: أحدها أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وآله وثانيها أنهم الذين تقدموا من اليهود وثالثها أنهم الذين كانوا في زمن سليمان من السحرة، لان أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين منهم كانوا في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. ورابعها أنه يتناول الكل، وهذا أولى، لانه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص. وخامسها أنه عائد إلى من تقدم ذكره في قوله " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب " قال السدي: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وآله عارضوا بالتورية فخاصموه بها، فاتفقت التورية والقرآن، فنبذوا التورية وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم " ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحرة. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير " تتلوا " وجهين: أحدهما أن المراد منه التلاوة والاخبار وثانيهما قال أبو مسلم: " تتلوا " أي تكذب على ملك سليمان يقال تلا عليه إذا كذب، وتلا عنه إذا صدق، وإذا أبهم جاز الامران، والاقرب هو الاول، لان التلاوة حقيقة في الخبر، إلا أن المخبر لا يقال في خبره إذا كان كذبا أنه يقول (1) على فلان وأنه قد تلا على فلان، ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال (2) على فلان بل يقال روى عن فلان وأخبر عن فلان، [وتلا عن


(1) في المصدر: انه تلا فلان. (2) في المصدر: الذى لا يقال فيه روى على فلان.

[275]

فلان] وذلك لا يليق إلا بالاخبار والتلاوة، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان ما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الاوصاف. المسألة الثالثة: اختلفوا في الشياطين، فقيل: المراد شياطين الجن، وهو قول الاكثرين، وقيل: شياطين الانس، وهو قول المتكلمين من المعتزلة، وقيل: شياطين الانس والجن معا، أما الذين حملوا على شياطين الجن فقالوا: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، فكانوا يقولون هذا علم سليمان وماتم له ملكه إلا بهذا العلم، وبه سخر الجن والانس والريح التي تجري بأمره، وأما الذين حملوه على شياطين الانس فقالوا: روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله بها تحت سرير ملكه حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها بقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الاشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الاشياء، فهذا معنى " ما تتلوا الشياطين " واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الاول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الانبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخفيا (1) فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وذلك يفضي إلى الطعن في كل الاديان. فإن قيل: إذا جوزتم ذلك على شياطين الانس فلم لا يجوز مثله من شياطين الجن قلنا الفرق أن الذي يفتعله الانسان لابد وأن يظهر من بعض الوجوه، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن يزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفيا فيفضي إلى الطعن في جميع الاديان. المسالة الرابعة: أما قوله " على ملك سليمان " فقيل: في ملك سليمان، عن


(1) في المصدر: محققا.

[276]

ابن جريح. وقيل: على عهد ملك سليمان، والاقرب أن يكون المراد: واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان، لانهم كانوا يقرؤون من كتب السحر فيقولون: إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان - والله أعلم -. المسألة الخامسة: اختلفوا في المراد بملك سليمان، فقال القاضي: إن ملك سليمان هو النبوة، أو يدخل فيها النبوة، وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة، فإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولا على ملكه في الحقيقة. والاصح عندي أن يقال: القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان - والله أعلم -. المسألة السادسة: السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان وجوه: أحدها أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمره، وترغيبا للقوم في قبول ذلك منهم. وثانيها أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان، بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر. وثالثها: أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسرارا عجيبة. فغلب على الظنون أنه عليه السلام استفاد السحر منهم. أما قوله تعالى " وما كفر سليمان " فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر. وقيل فيه أشياء أحدها ما روي عن بعض أحبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا ؟ ! فأنزل الله هذه الآية. وثانيها أن السحرة من اليهود، زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان، فنزهه الله منه. وثالثها أن قوما زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه، لأن كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاحق بغيره، فقال: ولكن الشياطين كفروا، يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى

[277]

سليمان ثم بين تعالى ما به كفروا، فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال تعالى " يعلمون الناس السحر ". واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه: الاول في البحث عنه بحسب اللغة، فنقول: ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه، والسحر - بالفتح -: هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه. قال لبيد: ونسحر بالطعام وبالشراب. قيل فيه وجهان: أحدهما أنا نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع، والآخر نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء. وقال: فإن تسألينامم (1) نحن ؟ فإننا * عصافير من هذا الانام المسحر وهذا الوجه يحتمل من المعنى ما احتمله الاول، ويحتمل أيضا أن يريد بالمسحر أنه ذو السحر، والسحر هو الرئة، وما تعلق بالحلقوم. وهذا أيضا يرجع إلى معنى الخفاء، ومنه قول عائشة " توفي رسول الله بين سحري ونحري " وقوله تعالى " إنما أنت من المسحرين (2) " يعني من المجوف الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم " ما أنت إلا بشر مثلنا (3) " وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام إنه قال للسحرة " ما جئتم به السحر إن الله سيبطله (4) " وقال: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم " (5) فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة. الوجه الثاني: اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر مخفي (6) سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، و


(1) في المصدر: فيم. (2) الشعراء: 153 و 185. (3) الشعراء: 154. (4) يونس: 81. (5) الاعراف: 116. (6) في المصدر: يخفى.

[278]

متى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله، قال تعالى " سحروا أعين الناس " يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، وقال تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (1) " وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد، روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الاهتم وقال لعمرو: خبرني عن الزبرقان فقال: مطاع في ناديه، شديد العارض، مانع لما وراء ظهره، قال الزبرقان: هو والله يعلم أني أفضل منه. فقال عمرو: إنه زمر المروءة ضيق العطن أحمق الاب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما أرضاني فقلت أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوء ما علمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحرا، لان صاحبه يوضح الشئ المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته. فان قيل: كيف يجوز أن يسمي ما يوضح الحق وينبئ عنه سحرا وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر، ولفظ السحر إنما يكون عند إخفاء الظاهر ؟ قلنا: إنما سماه سحرا لوجهين: الاول أن ذلك العذر (2) للطفه وحسنه استمال القلوب، فأشبه السحر الذي يستميل القلوب فمن هذا الوجه سمي سحرا لا من الوجه الذي ظننت. الثاني: أن المقتدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا وتقبيح ما يكون حسنا، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه في أقسام السحر. واعلم أن السحر على أقسام: القسم الاول سحر الكلدانيين والكذابين (3) الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، وهم الذين


(1) طه: 66. (2) في المصدر: القدر. (3) في المصدر: الكلدانيين والسكدانيين.

[279]

بعث الله تعالى إبراهيم مبطلا لمقالتهم، ورادا عليهم في مذاهبهم. وهؤلاء فرق ثلاث: الفريق الاول هم الذين زعموا أن هذه الافلاك والكواكب واجبة الوجود في ذواتها، وأنه لا حاجة بهذية ذواتها وصفاتها إلى موجب ومدبر وخالق وعلة البتة. ثم إنها هي المدبرة لعالم الكون والفساد، وهؤلاء هم الصابئة الدهرية. والفريق الثاني الذين قالوا: الجسم يستحيل أن يكون واجبا لذاته، لان كل جسم مركب، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل جسم فهو مفتقر إلى غيره، فهو ممكن لذاته [وكل ممكن لذاته فهو مؤثر] فله مؤثر، وهذه الاجرام الفلكية و الكوكبية لابد لها من مؤثر. ثم قالوا: ذلك المؤثر إما أن يكون حادثا أو قديما، فإن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان قديما فإما أن يكون كل ما لابد منه في مؤثريته حاصلا في الازل أو ليس كذلك، ويدخل في هذا التقسيم قول من يقول إنه إنما خلق العالم في الحيز الذي خلقه فيه، لان خلقه في ذلك الحيز أصلح من خلقه في حيز آخر، أو لان خلقه كان موقوفا على انقضاء الازل، أو لان خلقه كان موقوفا على حضور وقت معين إما مقدر أو محقق. فإن قلنا إن كل ما لابد منه في مؤثريته كان حاصلا في الازل لزم أن يكون الاثر واجب الترتب عليه في الازل، لان الازل لو لم يكن واجب الترتب عليه فهو إما ممتنع الترتب عليه، فهو ليس بموثر البتة وقد فرضناه مؤثرا، هذا خلف، وإن كان ممكن الترتب عليه وممكن اللاترتب عليه أيضا، فلنفرض تارة مصدرا للاثر بالفعل وأخرى غير مصدر له بالفعل، فامتياز الحيز الذي صار المؤثر فيه مصدرا للاثر بالفعل عن الحيز الذي لم يصر فيه كذلك إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لم يتوقف، فإن توقف لم يكن الحاصل قبل انضمام هذا القيد إليه كل ما لابد منه في المؤثرية وقد فرضناه كذلك، و هذا خلف، وإن لم يتوقف فقد ترجح الممكن من غير مرجح البتة، وتجويزه يسد باب الاستدلال بالممكن على وجود الصانع. وأما إن قلنا بأن كل مالابد

[280]

منه في المؤثرية ما كان حاصلا في الازل، فإن استمر ذلك السلب وجب أن لا يصير البتة مؤثرا. لكنا [قد] فرضناه مؤثرا في الازل، هذا خلف، وإن تغير فقد حدث بعض مالابد منه في الموثرية، فإن كان حدوثه لا لامر فقد وقع الممكن لا عن مؤثر، وهو محال، وإن كان حدوثه لامر لم يكن الشئ الذي فرضناه حادثا أولا كذلك، لانه حصل قبله حادث آخر وكنا فرضناه حادثا أولا، وهذا خلف. وأيضا فإنا ننقل الكلام إليه، ويلزم التسلسل وهو محال. قالوا: وهذا يقتضي استناد الممكنات إلى مؤثر تام المؤثرية في الازل، و متى كان كذلك وجب كون الآثار أزلية دائمة، فهذا يقتضي أن لا يحصل في العالم شئ من التغيرات البتة، لكن التغيرات مشاهدة قطعا، فلابد من حيلة، فنقول ذلك المؤثر القديم الواجب لذاته، إلا أن كل حادث مسبوق بحادث آخر حتى يكون انقضاء المتقدم شرطا لحصول المتأخر عن ذلك المبدأ القديم وعلى هذا الطريق يصير المبدأ القديم مبدأ للحوادث المتغيرة، فإذن لابد من توسط حركة دائمة يكون كل جزء منها مسبوقا بالآخر لا إلى أول، وهذه الحركة يمتنع أن تكون مستقيمة، وإلا لزم القول بأبعاد غير متناهية، وهو محال، فلابد من جرم متحرك بالاستدارة وهو الفلك، فثبت أن حركات الافلاك كالمبادئ القريبة للحوادث الحادثة في هذا العالم، والمدبرات الملاصقة بها، فلا جرم قالوا بإلهيتها، واشتغلوا بعبادتها وتعظيمها، واتخذوا لكل واحد منها هيكلا مخصوصا وصنما معينا فاشتغلوا بخدمتها، فهذا هو دين عبدة الاصنام والاوثان. ثم إن هؤلاء قالوا: إن المبدأ الفاعلي لا يكفي وجوده في حصول الفعل، بل لابد من حضور المبدأ القابلي المنفعلي، ولا يكفي حضوره أيضا ما لم تكن الشرائط حاصلة والموانع زائلة، وربما حدث أمر مشكل غريب في العالم الاعلى يصلح لافادة هيئة غريبة في مادة العالم الاسفل، فإذا لم تكن المادة السفلية متهيئة لقبول تلك الهيئة من الاشكال العلوية لم تحدث تلك الهيئة، ثم إن فوات تلك التهيؤ تارة تكون لاجل كون المادة ممنوة بالمعوقات المانعة عن قبول ذلك الاثر، وتارة لاجل فوات

[281]

بعض الشرائط لكن لو تهيأت لنا تقدمة المعرفة بطبيعة ذلك التشكل وبوقت حدوثه وبطبيعة الامور المعتبرة في كون المادة السفلية قابلة لذلك الاثر لكان يمكننا تهيئة المادة لقبول ذلك الاثر وإماطة الموانع عنها، وتحصيل المعدات لها، حتى يتم ذلك الفيضان، ويسري في القابليات، لما تقرر أن الفاعل التام متى لقي المنفعل التام ظهر الفعل التام لا محالة، فإذا عرفت هذا فالساحر هو الذي يعرف القوى العالية الفعالة بسائطها ومركباتها، ويعرف ما يليق بكل واحد من العوالم السفلية، ويعرف المعدات ليعدها، والعوائق لينحيها، معرفة بحسب الطاقة البشرية، فحينئذ يكون الانسان متمكنا من استجذاب ما يخرق العادة، ومن دفع ما يدافعها، بتقريب المنفعل من الفاعل، وهذا معنى قول بطلميوس " علم النجوم منك ومنها " فهذا هو الاشارة إلى خلاصة قول الفلاسفة الصابئة في حقيقة السحر وماهيته. الفريق الثالث: الذين أثبتوا لهذه الافلاك والكواكب فاعلا مختارا خلقها وأوجدها بعد العدم، إلا أنهم قالوا: إنه سبحانه أعطاه قوة عالية نافذة في هذا العالم، وفوض تدبير هذا العالم إليهم. قالوا: الدليل على كون هذه الاجرام الفلكية أحياء وجهان: الاول أنه لا شك أن الحيوة أشرف من الجمادية فكيف يحسن في الحكمة خلق الحيوة في الاجسام الخسيسة نحو أبدان الديدان والخنافس، وإخلاء هذه الاجرام الشريفة النورانية الروحانية عن الحيوة. الثاني أن هذه الافلاك متحركة بالاستدارة، فحركتها إما أن تكون طبيعية، أو قسرية أو إرادية، لا جائز أن تكون طبيعية، لأن المهروب عنه بالطبع لا يكون بعينه مطلوبا بالطبع، وكل نقطة فرضنا الفلك متحركا عنه فإن حركته عنها هي عين حركته إليها فيستحيل كون تلك الحركة طبيعية، ولا جائز أن تكون قسرية لأن القسر هو الذي يكون على خلاف الطبيعة، فإذ قد بطلت الطبيعية، وجب بطلان كونها قسرية، ولما بطل القسمان ثبت كونها إرادية، فثبت أن الأفلاك والكواكب أجرام حية عاقلة. قالوا: إذا ثبت هذا فنقول: الوقوف على جميع

[282]

الطبائع العلوية والسفلية مما لا يفي به وسع البشر، وطاقة النفس الناطقة لوجوه أربعة: أولها أنه لا سبيل إلى إثبات الكواكب إلا بواسطة القوة الباصرة، ولا ارتياب أنها عن إدراك الصغير من البعيد قاصرة، فإن أصغر كوكب مما في القدر السابع من الفلك الثامن وهو الذي يمتحن به حدة البصر مثل كرة الارض بضعة عشر مرة، وإن كرة الارض أعظم من العطارد كذا ألف مرة، فلو تكوكب الفلك الاعظم بكواكب على قدر الكواكب الصغيرة المذكورة من الثوابت فلا شك أن الحس لا يدركه، والبصر لا يمتد عليه، فضلا عما يكون في مقدار عطارد أو أصغر منه. وعلى هذا التقدير لا يبعد أن يكون في السماوات كواكب كثيرة فعالة وإن كنا لا نعرف وجودها فضلا عن أن نعرف طبائعها، ولهذا نقل صاحب كتاب " تتكلوشا " عن رواياي (1) البشر أنه بقي في الفلك وراء الكواكب المرصودة كواكب لم ترصد، إما لفرط صغرها أو لخفاء آثارها وأفعالها. وثانيها: أن الكواكب التي نراها ليست بأسرها مرصودة، بل المرصودة منها ألف واثنان وعشرون، والبواقي غير مرصودة، ومما يحقق ذلك ما ثبت بالدلالة أن المجرة ليست إلا أجرام كوكبية صغيرة جدا مرتكزة في فلك الثوابت على هذا السمت المخصوص، وظاهر أن الوقوف على طبائعها متعذرة. وثالثها: أن هذه الكواكب المرصودة مما لم يحصل الوقوف التام على طبائعها، لأن أقوال الاحكاميين ضعيفة قليلة الحاصل، لا سيما في طبائع الثوابت. ورابعها: أنا بتقدير أن نعرف طبائع هذه الكواكب على بساطتها لكنه لا يمكننا الوقوف على طبائعها حال امتزاجها إلا على سبيل التقريب البعيد عن التحقيق. ثم إنا نعلم أن الحوادث الحادثة في هذا العالم لا يصدر عن طبائعها البسيطة وإلا لدامت هذه الحوادث بدوام تلك الطبائع، بل إنما يحصل عن امتزاجاتها، و تلك الامتزاجات غير متناهية، فلا سبيل إلى الوقوف عليها على سبيل القياس، فقد ثبت


(1) سيد البشر: (خ).

[283]

بهذه الوجوه الاربعة تعذر الوقوف على طبائعها الفعالة، وأما القوى المنفعلة فالوقوف التام عليها كالمتعذر، لان القبول التام لا يتحقق إلا مع شرائط مخصوصة في القابل من الكم والكيف والوضع والاين وسائر المقولات، والمواد السفلية غير ثابتة على حالة واحدة، بل هي أبدا في الاستحالة والتغير، وإن كان لا يظهر في الحس، فقد ظهر بما قررنا أن الوقوف التام على أحوال القوى الفعالة السماوية والقوى الارضية المنفعلة غير حاصل للبشر، ولو حصل ذلك لاحد لوجب أن يكون ذلك الشخص عالما بجميع التفاصيل الحاصلة من الماضية والآتية، وأن يكون متمكنا من إحداث جميع الامور التي لا نهاية لها. ثم قالوا: فهذه المباحث والملامح (1) مما يوهن العقل عن التمكن من هذه الصناعة، إلا أنه نعم ما قيل من أن مالا يدرك كله لا يترك كله فالقوى البشرية وإن قصرت عن اكتناه هذه القوى العالية الفعالة والسافلة المنفعلة ولكن يمكنها الاطلاع على بعض أحوالها، وإن كان ذلك القدر تافها حقيرا بالنسبة إلى ما في الوجود لكنه عظيم بالنسبة إلى قدرة الانسان وقوته، لان الاحكاميين من أهل النجوم قد وقفوا بسبب التجارب المتطاولة قرنا بعد قرن على كثير من أحوال السبعة السيارة وكثير من الثوابت، وعرفوا من أحوال البروج والحدود [والوجوه] والمثلثات ما يعظم الانتفاع بمعرفته لمن اطلع عليه وأحاط به، وليس يلزمنا أنه لما تعذر علينا تحصيل اليقين التام بها واسطة البراهين المنطبقة أن يترك الانتفاع بها مع ما تشاهد من صحة قوانينها الكلية، كما لا يلزم من عدم قيام الدلائل الطبيعية (2) على طبائع الاغذية والادوية البسيطة والمركبة أن لا ينتفع بها، بل هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب، وذلك لانهما بعد اشتراكهما في عدم البراهين المنطبقة على مطالبها امتازت هذه الصناعة عن صناعة الطب بوصف نافع، وذلك أن الدواء المتناول لو لم ينفع يحصل من تناوله ضرر عظيم، وأما هذه الصناعة فلولم تنفع لم تضر.


(1) الملاحم (خ). (2) المنطبقة (ظ). (*)

[284]

وأما ظن حصول النفع فهو قائم في الموضعين، وإذا كان كذلك كانت هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب. فإن قال قائل: كيف السبيل إلى معرفة طبائع هذه الكواكب والبروج ؟ و أما التجربة فهي متعذرة، وذلك لان أقل مالابد منه في التجربة أن يعود الامر مرتين، وعودة الفلك إلى شكله المعين ممتنع عند بعض الفلاسفة، ولو أمكن على بعده فإنما يقع لو عاد جميع الكواكب إلى الموضع الذي كان واقفا عليه في المرة الاولى وذلك مما لا يحصل إلا بعد المدة التي تسمى بعمر العالم، فأي عمر يفي بذلك ؟ و أي عقل يصل إليه ؟ الجواب أنه لا حاجة في هذه التجربة إلى عود الفلك إلى الشكل الاول من جميع الوجوه، بل لما رأينا كوكبا حصل في برج وصدر عنه أثر وشاهدنا هذا الاثر مع حصوله في ذلك البرج مدة بعد أخرى غلب على ظننا أن حصوله في ذلك البرج مستعقب لهذا الاثر. وهذا القدر كاف في حصول الظن. وأيضا قد تحصل معرفة طبائع هذه الكواكب على سبيل الالهام، يحكى عن جالينوس أنه عرف كثيرا من الامور الطبية برؤيا رآها، وإذا كان ذلك ممكنا فلا سبيل إلى دفعه. قالوا: إذا ثبت ذلك فإن التجارب التي مارسها الاحكاميون من المنجمين دلت على أن لكل اختصاصا بأشياء معينة في هذا العالم من الامكنة والازمنة والايام والساعات والاغذية والروائح والاشكال التي يتعلق بها كوكب معين في وقت يكون الكوكب فيه قويا على ذلك الفعل الذي يطلب منه لم يبعد أن يحصل ذلك الاثر الخارق للعادة لا سيما إذا كان المتولي لمباشرة ذلك العمل القوي النفس (1) صافي الروح، بحيث يكون روحه في الاستعلاء والاستيلاء من جوهر الارواح السماوية، فهناك يتم الامر، ويحصل الغرض، فهذا مجموع أقوال الصابئة في تقرير هذا النوع من السحر. أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله لا يقدر على خلق الجسم


(1) قوى النفس (ظ).

[285]

والحيوة واللون والطعم، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه، ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها: أولها: وهو النكتة العقلية التي عليها يقولون (1) أن كل ما سوى الله إما متحيز أو قائم بالمتحيز، فلو كان غير الله فاعلا للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزا وذلك المتحيز لابد وأن يكون قادرا بالقدرة، إذ لو كان قادرا لذاته لكان كل جسم كذلك - بناء على أن الاجسام متماثلة - لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحيوة. ويدل عليه وجهان: الاول أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها فهذا الامتناع حكم مشترك فلابد له من علة مشتركة، ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة، وإذا ثبت هذا وجب في من كان قادرا بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة الثاني: أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضا، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم يكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم (2) لوجب في هذه القدرة التي يخالف بعضها بعضا أن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة. وثانيها: أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات (3) لانا لما جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الارضية لم يمكننا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الامناء (4) صدرت عن الله تعالى، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه.


(1) كذا والصواب " يعولون ". (2) في المصدر: والحياة. (3) في المصدر: على النبوة. (4) في المصدر: أيدي الانبياء عليهم السلام.

[286]

وثالثها: أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم و الحياة والالوان لقدر ذلك الانسان على تحصيل الاموال العظيمة من غير تعب لكنا نرى من يدعي السحر متوسلا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد فعلمنا كذبه، وبهذا الطريق يعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء. فانا نقول لو أمكنهم ببعض الادوية أن يقلبوا غير الذهب ذهبا لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الاموال فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة، أو لا يمكن إلا بالآلات العظام والاموال الخطيرة، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك، لانه أنفع لهم من فتح البلاد التي لا يتم إلا بإخراج الاموال والكنوز، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول. قال القاضي: فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلا لشئ من ذلك. واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جدا، أما الوجه الاول فنقول: ما الدليل على أن كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزا أو قائما بالمتحيز، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة، و زعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فما الدليل على فساد القول بها ؟ فإن قالوا: لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلا لله تعالى: قلنا: لا نسلم، وذلك لان الاشتراك في السلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الاجسام يقدر على ذلك لذاته ؟ قوله " الاجسام متساوية (1) فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك " قلنا: ما الدليل على تماثل الاجسام ؟ فان قالوا: إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات، الشاغل للاحياز، فلا تفاوت بينها في هذا المعنى.


(1) في المصدر: متماثلة.

[287]

قلنا الامتداد في الجهات والشغل للاحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها ولا بعد أن تكون الاشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم، سلمنا أنه يجب أن يكون قادرا بالقدرة، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة ؟ قوله " لان القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع، فهذا الامتناع حكم مشترك، فلا بد له من علة مشتركة، ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة " قلنا: هذه المقدمات بأسرها ممنوعة، فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل، وذلك لان الامتناع عدمي، والعدمي لا يعلل. سلمنا أنه أمر وجودي، ولكن من مذهبهم أن كثيرا من الاحكام لا يعلل، فلم لا يجوز أن يكون ههنا كذلك ؟ سلمنا أنه معلل، فلم قلتم: إن الحكم المشترك لابد له من علة مشتركة، أليس أن القبح حصل في الظلم معللا بكونه ظلما وفي الكذب بكونه كذبا وفي الجهل بكونه جهلا ؟ سلمنا أنه لابد من علة مشتركة، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف، فما الدليل على أن الامر ليس كذلك ؟ أما الوجه الثاني وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض هذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض، فنقول: هذا أضعف (1)، لانا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدرة، بل لخصوصيتها المعينة التي لاجلها خالفت سائر القدر، وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر ونظير ما ذكروه أن يقال: ليست مخالفة الصوت للبياض أشد من مخالفة السواد للبياض، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفا للبياض أن يمتنع رؤيته، ولما كان هذا الكلام فاسدا فكذا ما قالوه والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الاشعرية في مسألة الرؤية زيفها بهذه الاسئلة، ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الاصل في


(1) في المصدر موافقا لبعض النسخ: ضعيف.

[288]

إثبات النبوة، والرد على من أثبت متوسطا بين الله وبيننا. أما الوجه الثالث وهو أن القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الاصل. فنقول: إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعا على فساد هذه القاعدة أو لا يكون، فإن كان الاول امتنع إفساد هذا الاصل بالبناء على صحة النبوات وإلا وقع الدور، وإن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية. وأما الوجه الرابع فلقائل أن يقول: الكلام في الامكان غير، وفي الوقوع غير، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الاعصار المتباعدة، فكيف يلزمنا ما ذكرتموه. فهذا هو الكلام في النوع الاول من السحر. * (النوع الثاني من السحر) * * (سحر أصحاب الاوهام والنفوس القوية) * قالوا: اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل إنسان بقوله " أنا " ما هو ؟ فمن الناس من يقول: إنه هو هذه البنية، ومنهم من يقول: إنه جسم سار في هذه البنية، ومنهم من يقول: إنه موجود ليس بجسم ولا جسماني أما إذا قلنا: إن الانسان هو هذه البنية فلا شك أن هذه البنية مركبة من الاخلاط الاربعة، فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الاعصار النادرة أن يكون مزاج من الامزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم والعلم بالامور الغائبة عنا ؟ وهكذا الكلام إذا قلنا إن الانسان جسم سار في هذه البنية، أما إذا قلنا إن الانسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال: النفوس مختلفة، فيتفق في بعض النفوس أن تكون لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الاسرار الغائبة [عنا] فهذا الاحتمال مما لم يقم دلالة على فساده سوى الوجوه المتقدمة وقد بان بطلانها. ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه: أولها أن الجذع الذي يتمكن الانسان

[289]

من المشي عليه لو كان موضوعا على الارض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته، وما ذاك إلا لان تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وثانيها أجمعت الاطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الاشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الاشياء القوية اللمعان والدوران، وما ذاك إلا لان النفوس خلقت مطيعة للاوهام وثالثها حكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرا بالديكة في الصوت وفي الجواب مع الديكة نبت على ساقيها مثل الشئ النابت على ساق الديك. ثم قال صاحب الشفاء: وهذا يدل على أن الاحوال الجسمانية تابعة للاحوال النفسانية. ورابعها أجمعت الامم على أن الدعاء مظنة للاجابة وأجمعوا على أن الدعاء اللساني الخالي عن المطلب النفساني قليل البركة عديم الاثر، فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثارا، وهذا الاتفاق غير مختص بملة معينة، ونحلة مخصوصة. وخامسها أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادئ القريبة للافعال الحيوانية ليست إلا التصورات النفسانية. لان القوة المحركة [المخلوقة المطبوعة] المغروزة (1) في العضلات صالحة للفعل وتركه أو ضده، ولن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح وما ذاك إلا تصور كون الفعل جميلا أو لذيذا، أو تصور كونه قبيحا أو مؤلما فتلك التصورات هي المبادئ لصيرورة القوى العضلية مبادئ بالفعل لوجود الافعال بعد أن كانت كذلك بالقوة، وإذا كانت هذه التصورات هي المبادئ لمبادئ هذه الافعال فأي استبعاد في كونها مبادئ للافعال بأنفسها (2) وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار. وسادسها التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادئ قريبة لحدوث الكيفيات في الابدان، فإن الغضبان يشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيد سخونة قوية. يحكى عن بعض الملوك أنه عرض له فالج فأعيى الاطباء مزاولة علاجه، فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفله منه، وشافهه بالشتم والقدح


(1) المفروزة (خ). (2) في المصدر: أنفسها.

[290]

في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام، فزالت تلك العلة المزمنة والمرضة المهلكة ! وإذا جاز كون التصورات مبادئ لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادئ لحدوث الحوادث خارج البدن. وسابعها أن الاصابة بالعين أمر قد اتفق عليها العقلاء، وذلك أيضا يحقق إمكان ما قلناه. إذا عرفت هذا فنقول: النفوس التي تفعل هذه الافاعيل قد تكون قوية جدا فتستغني في هذه الافعال عن الاستعانة بالآلات والادوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه، وتحقيقه أن النفس إذا كانت قوية مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات كانت كأنها روح من الارواح السماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن، فإذا أراد هذا الانسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثيرها من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير، ووضعه عند الحس ليشتغل الحس به، فيتبعه الخيال عليه، وأقبلت النفس الناطقة عليه، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ولذلك اجتمعت الأمم على أنه لابد لمزاول هذه الاعمال من الانقطاع عن المألوفات والمشتهيات وتقليله الغذاء والانقطاع عن مخاطبة (1) القلب، فكلما كانت هذه الامور أتم كان ذلك التأثير أقوى، فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبة لهذا الامر نظرا إلى ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير. والسبب اللمي (2) فيه أن النفس إذا اشتغلت بالجانب الواحد استعملت جميع قوتها في ذلك الفعل، وإذا اشتغلت بالافعال الكثيرة تفرقت قوتها وتوزعت على تلك الافعال، فتصل إلى كل واحد من تلك الافعال شعبة من تلك القوة، وجدول من ذلك النهر، ولذلك ترى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما بصناعة واحدة واشتغل الآخر بصناعتين، فإن ذا


(1) في المصدر: " مخالطة الخلق " وهو الصواب. (2) في المصدر: المتعين.

[291]

الفن الواحد يكون أقوى من ذي الفنين، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره فيها لابد وأن يفرغ خاطره عما عداه (1) فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر بكليته إليه، فيكون الفعل أسهل وأحسن، وإذا كان كذلك، فإذا كان الانسان مشغول الهم والهمة بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مستغرقة فيها، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذابا قويا، لا سيما وهنا آفة أخرى، وهي أن مثل هذه النفس اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره ولم تشتغل قط باستحداث هذه الافعال الغريبة، فهي بالطبع حنون إلى الاول عزوف للثاني (2) فإذا وجدت مطلوبها من النمط الاول فأنى تلتفت إلى الجانب الآخر ؟ فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الاعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الاحوال الجسمانية وترك مخالطه الخلق والاقبال بالكلية على عالم الصفا والارواح، وأما الرقى فإن كانت معلومة فالامر فيها ظاهر، لان الغرض منها أن حس البصر كما شغلناه بالامور المناسبة لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضا بالامور المناسبة لذلك الغرض، فإن الحواس متى تطابقت نحو (3) التوجه إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى، وأما إذا كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة (4) ويحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، وجد عظيم، فيقوى التأثير النفساني، فيحصل الغرض. وهكذا القول في الدخن، قالوا: فقد ثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل


(1) في المصدر: عما عداها. (2) في المصدر: عن الثاني. (3) في المصدر: على التوجه. (4) في المصدر: والدهشة فان الانسان إذا اعتقد أن هذه الكلمات انما تقرأ للاستعانة بشئ من الامور الروحانية ولا يدري كيفية تلك الاستعانة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة. (*)

[292]

بالتأثير، فإن انضم إليه النوع الاول من السحر وهو الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير. بل ههنا نوعان آخران: الاول أن النفوس التي فارقت الابدان قد يكون فيها ما هو شديد المشابهة لهذه النفس في قوتها وفي تأثيراتها، فإذا صارت هذه النفوس صافية لم يبعد أن ينجذب إليها ما تشابهها من النفوس المفارقة، ويحصل لتلك النفوس نوع ما من التعلق بهذا البدن، فتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل، و إذا كملت القوة تزايدت قوى التأثير. الثاني أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للانوار الفائضة من الارواح السماوية والنفوس الفلكية، فتتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الارواح، فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة. فهذا شرح سحر أصحاب الاوهام والرقى. * (النوع الثالث) * * (من السحر الاستعانة بالارواح الارضية) * واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به، إلا أنهم سموها بالارواح الارضية، وهي في أنفسها مختلفة، منها خيرة ومنها شريرة، فالخير منهم الجن والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم، ثم قال: خلق منهم (1) هذه الارواح جواهر قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا حالة في المتحيز، وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالارواح السماوية، إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الارواح الارضية أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب اتصالها بتلك الارواح السماوية، أما أن الاتصال أسهل فلأن المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الارواح الارضية أرسل، فإن (2) المشابهة والمشاكلة بينها


(1) في المصدر: قال الخلف. (2) في المصدر: اسهل ولان المشابهة.

[293]

أتم وأشد من المشاكلة بين نفوسنا وبين الارواح السماوية، وأما أن القوة الحاصلة بسبب الاتصال بالارواح السماوية أقوى فلأن الارواح السماوية بالنسبة إلى الارواح الارضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة والبحر بالنسبة إلى القطرة والسلطان بالنسبة إلى الرعية قالوا: وهذه الاشياء وإن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال والامكان. ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الارواح الارضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن. * (النوع الرابع) * * (من السحر التحيلات والاخذ بالعيون) * فهذا النوع مبني على مقدمات أحدها أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركا، وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركا والمتحرك يرى ساكنا، والقطرة النازلة ترى خطا مستقيما، والزبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة، والقبة ترى في الماء كالاجاصة، والشخص الصغير يرى في الضباب عظيما، وكبخار الارض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما، فإذا فارقته وارتفعت صغرت، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيرا فظاهر، فهذه الاشياء قدهدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشئ على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الاسباب العارضة. وثانيها: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا ثم أدركت بعده محسوسا آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض، ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض، ولذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطا كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت فإن الحس يرى لونا واحدا كأنه

[294]

مركب من كل تلك الالوان. وثالثها أن النفس إذا كانت مشغولة بشئ فربما حضر عند الحس شئ آخر فلا يشعر الحس به البتة، كما أن الانسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان (1) ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه، لما أن قلبه مشغول بشئ آخر وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما هو أكثر (2) منها إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوأم لا فلا يرى شيئا مما في المرآة إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر، وذلك لان المشعبذ الحاذق يظهر عمل شئ يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استفز عنهم (3) الشغل بذلك الشئ والتحديق نحوه عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل خفيا لتعلمون (4) الشيئين أحدهما اشتغالهم بالامر الاول، والثاني سرعة الاتيان بهذا العمل الثاني، وحينئذ يظهر لهم شئ آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمل ولم تتحرك النفوس والاوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله. فهذا هو المراد من قولهم إن المشعبذ يأخذ بالعيون لانه بالحقيقة يأخذ بالعيون إلى غير الجهة التي يحتال، وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى سواء (5) مقصوده أقوى كان أحذق في عمله، وكلما كانت الاحوال التي تفيد حس البصر نوعا من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضئ جدا، فإن الضوء الشديد يفيد البصر كلالا


(1) في الصمدر: انسان آخر. (2) في المصدر: اكبر منها. (3) في المصدر: إذا استغرقهم. (4) قى المصدر: لتفاوت. (5) في المصدر: سوى.

[295]

واختلالا، وكذا الظلمة الشديدة، وكذلك الالوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالا واختلالا، والالوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر. * (النوع الخامس) * * (من السحر) * الاعمال العجيبة التي تطرأ (1) من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء (2) أخرى مثل فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر وكفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم وأهل الهند حتى لا يفرق الناظر بينها و بين الانسان حتى يصورونها ضاحكة وباكية وحتى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت، فهذه الوجوه من لطيف أمور التخائيل (3) وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب. ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ويندرج في هذا الباب علم جر الاثقال، وهو أن يجر ثقيلا عظيما بآلة خفيفة وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر، لان لها أسبابا معلومة تعيينية (4) من اطلع عليها قدر عليها، إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسرا شديدا لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر. ومن هذا الباب عمل ارجعانوس (5) الموسيقات (6) في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه


(1) تظهر (خ). (2) كذا في المصدر: وفي نسخ البحار " وعلى ضرورة الخلاء أخرى ". (3) في المصدر: المخائيل. (4) يقينية (خ). (5) ارجيانوس (خ). (6) في المصدر: ارجعيانوس الموسيقار.

[296]

وذلك أنه اتفق له أن كان مجتازا بفلاة من الارض، فوجد فيها فرخا من فراخ البراصل - والبراصل هو طائر عطوف - فكان يصفر صفيرا حزينا بخلاف صفير سائر البراصل، فكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده، فيأكل بعضها و يفضل بعضها عن حاجته، فوقف هذا الموسيقات (1) هناك وتأمل حال هذا الفرخ و علم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضربا من التوجع والاستعطاف، حتى رقت له الطيور وجاءته بما يأكله، فتلطف لعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير، ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجئ إلى ذلك الفرخ، لانها تظن أن هناك فرخا من جنسها، فلما صح له ما أراد أظهر النسك وعمد إلى هيكل أورشليم، وسأل عن الليلة التي دفن فيها " اسطرحن (2) " الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل، فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب، فأخذ (3) صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة، ونصبها فوق ذلك الهيكل، وجعل فوق تلك الصورة قبة، وأمرهم بفتحها في أول آب، فكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة، وكانت البراصل تجئ بالزيتون حتى كانت تمتلئ القبة كل يوم من ذلك الزيتون، والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون، ويدخل في هذا الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع. النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الادوية من أن (4) يجعل في طعامه بعض الادوية المبلدة المزيلة للعقل، والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا تناول الانسان تبلد عقله وقلت فطنته، واعمل أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد، إلا أن الناس قد أكثروا فيه، وخلطوا الصدق بالكذب، والباطل بالحق.


(1) في المصدر: الموسيقار. (2) في المصدر: اسطرخس. (3) في المصدر: فاتخذ. (4) في المصدر: مثل أن.

[297]

النوع السابع من السحر: تعليق القلب. وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الاعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الامور، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التميز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما شاء، وإن من جرب الامور وعرف أحوال العالم (1) علم أن لتعلق القلب أثرا عظيما في تنفيذ الاعمال وإخفاء الاسرار. النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس، فهذا جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه والله أعلم. المسألة الحادية عشر (2): في أقوال المسلمين أن هذه الانواع هل هي ممكنة أم لا ؟ أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل والمنسوب إلى إطعام بعض الادوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة، فأما الاقسام الخمسة الاول فقد أنكروها، ولعلهم كفروا من قال بها وجوزو جودها. وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الانسان حمارا والحمار إنسانا، إلا أنهم قالوا إن الله تعالى هو الخالق لهذه الاشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره. واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة أنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادرا، فإن الشئ الذي حكم العقل بأنه مقدوره إنما يصح أن يكون مقدورا له لكونه ممكنا، والامكان قدر مشترك بين كل الممكنات، فإذن كل الممكنات مقدور لله، ولو وجد شئ من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن


(1) في المصدر: اهل العالم. (2) في المصدر: المسألة الرابعة.

[298]

يكون ذلك السبب مزيلا لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور، فيكون الحادث سببا لعجز الله، وهو محال. فثبت أنه يستحيل وقوع شئ من الممكنات إلا بقدرة الله، وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة. قالوا: إذا ثبت هذا النوع فندعي أنه لا يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة، فقد احتجوا (1) على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية " وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه. وأما الاخبار (2) فأحدها ما روي أنه عليه السلام سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال: إنه ليخيل إلي أني أقول الشئ وأفعله ولم أقله ولم أفعله. وإن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وآله ذلك العارض ونزلت (3) المعوذتان بسببه. وثانيها: أن امرأة أتت عائشة فقالت لها: إني ساحرة، فهل لي من توبة ؟ فقالت: وما سحرك ؟ فقالت: صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل أتعلم علم السحر (4)، فقالا لي: يا أمة الله ! لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت، فقالا لي: اذهبي فبولي على ذلك الرماد، فذهبت لابول عليه، ففكرت في نفسي فقلت: لا فعلت (5)، وجئت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا لي: ما رأيت لما فعلت، فقلت: ما رأيت شيئا، فقالا لي: أنت على رأس أمرك، فاتقي الله ولا تفعلي، فأبيت، فقالا لي: اذهبي فافعلي، فذهبت ففعلت، فرأيت: كأن فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء، فجئتهما فأخبرتهما، فقالا:


(1) اجتمعوا (خ). (2) في المصدر: فهى واردة عنه صلى الله عليه وسلم متواترة وآحادا، احدها.. (3) في المصدر: وانزل. (4) في المصدر: لطلب علم.. (5) في المصدر: لا أفعل.

[299]

إيمانك قد خرج عنك، فقد أحسنت السحر. فقلت: وما هو ؟ قالا: لا تريدين شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان، فصورت في نفسي حبا من حنطة، فإذا أنا بحب فقلت: انزرع، فانزرع، فخرج من ساعته سنبلا، فقلت: انطحن، فانطحن فقلت: انخبز، فانخبز، وأنا لا أريد شيئا أصوره في نفسي إلا حصل، فقالت عائشة ليست لك توبة. وثالثها: ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب، وهي مشهورة. أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه: أحدها: قوله تعالى " ولا يفلح الساحر حيث أتى " وثانيها قوله تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وآله " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا " ولو صار صلى الله عليه وآله مسحورا لما استحقوا الذم بسبب هذا القول. وثالثها أنه لو جاز ذلك من الساحر فكيف يتميز المعجز من السحر ؟ ثم قالوا: هذه الدلائل يقينية، والاخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد، فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل. المسألة الثانية عشر (1): في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور. اتفق المحققون على ذلك، لان العلم لذاته شريف، وأيضا لعموم قوله تعالى " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " ولان السحر لو لم (2) يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، و ما يكون واجبا كيف يصير حراما وقبيحا. المسألة الثالثة عشر (3) في أن الساحر هل يكفر أم لا ؟ اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا ؟ روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقهما بقول فقد كفر بما أنزل على محمد. واعلم أنه لا نزاع بين الامه في أن


(1) في المصدر: المسألة الخامسة. (2) في المصدر: لو لم يكن يعلم. (3) في المصدر: المسألة السادسة.

[300]

من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم، وهي الخالقة لما فيه من الحوادث [والخيرات] والشرور فإنه يكون كافرا على الاطلاق، وهذا هو النوع الاول من السحر، وأما النوع الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الانسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الاجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل فالاظهر إجماع الامة أيضا على تكفيره، أما النوع الثالث وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقي وتدخين بعض الادوية إلى حيث يخلق الله تعالى في عقب أفعاله على سبيل العادة الاجسام والحياة والقدرة (1) و تغيير البنية والشكل، فهنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك، قالوا: لانه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الانبياء والرسل، وهذا ركيك من القول، فإن لقائل أن يقول: إن الانسان لو ادعى النبوة وكان كاذبا في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الاشياء على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة وظهرت هذه الاشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس، لان المحق يتميز عن المبطل، بما أن المحق تحصل له هذه الاشياء مع ادعاء النبوة، وأما سائر الانواع التي عددناه من السحر فلا شك أنه ليس بكفر. فان قيل: إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان، قال الله تعالى تنزيها عنه " وما كفر سليمان " وهذا يدل على أن السحر على الاطلاق كفر، وأيضا قال: " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " وهذا أيضا يقتضي أن يكون السحر على الاطلاق كفرا. وحكى عن الملكين أنهما لا يعلمان أحدا السحر حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر، وهو يدل على أن السحر كفر على الاطلاق. قلنا: حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة فنحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم. ثم قال بعد إيراد المسألة الرابعة عشر (2) في حكم قتل الساحر: فهذا هو


(1) في بعض النسخ وكذا في المصدر: والعقل. (2) في المصدر: المسألة السابعة.

[301]

الكلام الكلي في السحر، ولنرجع إلى التفسير: أما قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لاجل أنهم كانوا يعلمون [الناس] السحر لان ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وتعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر أيضا كفر، ولمن منع ذلك أن يقول: لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، بل المعنى أنهم كفرواوهم مع ذلك يعلمون السحر. فان قيل: هذا مشكل لان الله أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان السحر فلو كان تعليم السحر كفرا لزم تكفير الملكين، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون، وأيضا فلأنكم دللتم على أنه ليس كلما يسمى سحرا فهو كفر. قلنا: اللفظ المشترك لا يكون عاما في جميع مسمياته، فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الاول من الاشياء المسماة بالسحر، وهو اعتقاد إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات، فهذا السحر كفر، والشياطين إنما كفروا بإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الاقسام، وأما الملكان فلا نسلم أنهما إنما علما هذا النوع من السحر، بل لعلهما يعلمان سائر الانواع على ما قال تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " وأيضا فبتقدير أن يقال إنهما علما هذا النوع إنما يكون كفرا إذا قصد المعلم أن يعتقد المتعلم حقيته وكونه صوابا، فأما أن يعلمه ليحترر عنه فهذا التعليم لا يكون كفرا، وتعليم الملائكة كان لاجل أن يصير المكلف محترزا عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " وأما الشياطين الذين علموا السحر [الناس] فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الاشياء، فظهر الفرق. المسالة الخامسة عشر (1): قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد " لكن " و " الشياطين " بالنصب، على أنه اسم لكن، والباقون " لكن " بالتخفيف


(1) في المصدر: المسألة الثامنة.

[302]

و " الشياطين " بالرفع، والمعنى واحد. أما قوله تعالى " وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " ففيه مسائل الاولى ما في قوله " وما أنزل " فيه وجهان: الاول أنه بمعنى الذي، ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: أولها أنه عطف على السحر، أي يعلمون الناس السحر، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا. وثانيها أنه عطف على قوله " ما تتلوا الشياطين " أي واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، لان السحر منه ما هو كفر وهو الذي تتلوا الشياطين، ومنه ما تأثيره بالتفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين، فكأنه تعالى أخبر عن اليهود بأنهم اتبعوا كلا الامرين ولم يقتصروا على أحدهما. وثالثها أن موضعه جر عطفا على " ملك سليمان " وتقديره: ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين، وهو اختيار أبي مسلم. وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما، واحتج عليه بوجوه: الاول أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى وذلك غير جائز، لان السحر كفر وعبث ولا يليق بالله تعالى إنزال ذلك. الثاني أن قوله " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " يدل على أن تعليم السحر كفر، ولو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل. الثالث كما لا يجوز في الانبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بالطريق الاولى. الرابع أن السحر لا يضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب ؟ ! وهل السحر إلا الباطل المموه ؟ وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله، كما قال في قصة موسى عليه السلام " ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ". ثم إنه سلك في تفسير الآية مسلكا آخر يخالف قول أكثر المخالفين، فقال كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرءا عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر، مع أن المنزل عليهما كان مبرءا عن السحر، وذلك لان المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى

[303]

الخير وأنهما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما إنما نحن فتنة توكيدا لبعثهم على القبول والتمثل، فكانت طائفة تتمثل وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك " و يتعلمون منهما " أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه، و هذا تقرير مذهب أبي مسلم. الوجه الثاني: أن يكون " ما " بمعنى الجحد، ويكون معطوفا على قوله " وما كفر سليمان " كأنه قال: لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لان السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، فرد الله عليهم في القولين. وقوله " وما يعلمان من أحد " جحد أيضا، أي لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه أشد النهي، وأما قوله " حتى يقولا إنما نحن فتنة " أي ابتلاء وامتحان " فلا تكفر " فهو كقولك ما أمرت فلانا بكذا حتى قلت له: إن فعلت كذا نالك كذا، أي ما أمرته به، بل حذرته عنه. واعلم أن هذه الاقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الاول أحسن منها وذلك لان عطف قوله " وما أنزل " على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل. أما قوله لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى، قلنا: تعريف صفة الشئ قد يكون لاجل الترغيب في إدخاله في الوجود، وقد يكون لاجل أن يقع الاحتراز عنه، كما قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه قوله ثانيا: إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " فالجواب أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة، وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق. قوله ثالثا: إنه لا يجوز بعثة الانبياء لتعليم السحر فكذا الملائكة. قلنا: لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الانبياء لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله. قوله رابعا: إنما يضاف السحر إلى الكفرة أو المردة فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ؟ قلنا: فرق بين العمل وبين

[304]

التعليم، فلم لا يجوز أن يكون العمل به منهيا عنه وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأمورا به. السمألة الثانية: قرأ الحسن " الملكين " بكسر اللام، وهو مروي أيضا عن الضحاك وابن عباس. ثم اختلقوا، فقال الحسن: كانا عجلين أقلفين بباتل يعلمان الناس السحر، وقيل: كانا رجلين صالحين من الملوك، والقراءة المشهورة بفتح اللام، وهما كانا ملكين نزلا من السماء، وهاروت وماروت اسمان لهما. ثم قيل: هما جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، وقيل: غيرهما، أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه: أحدها أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر. وثانيها كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله " ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون " وثالثها لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة رجلين أولا يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة رجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلا وتلبيسا وهو غير جائز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانا بل ملكا من الملائكة ! وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " والجواب عن الاول أنا سنبين وجه الحكمة وإنزال الملائكة لتعليم السحر وعن الثاني أن هذه الآية عامة، وقراءة الملكين بفتح اللام متواترة وخاصة، و الخاص يقدم على العام. وعن الثالث أن الله تعالى ينزلهما في صورة رجلين، وكان الواجب على المكلفين في زمان الانبياء أن لا يقطعوا على من صورته صورة الانسان بكونه إنسانا، كما أن في زمان الرسول صلى الله عليه وآله كان الواجب على من شاهد دحية الكلي أن لا يقطع بكونه من البشر، بل الواجب التوقف فيه. المسألة الثاثة: إذا قلنا بأنهما كانا من الملائكة فقد اختلفوا في سبب نزولهما، فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فأجابهم الله تعالى بقوله " إني أعلم مالا تعلمون " ثم إن الله وكل عليهم جمعا من الملائكة وهم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت الملائكة منهم، ومن تبقية الله إياهم مع ما يظهر منهم من القبائح، ثم أضافوا إليها

[305]

عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علما وزهدا وديانة لانزالهما إلى الارض، فأختبرهما فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الانس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب، فنزلا فذهب إليهما امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت إلا بعد أن يعبدا الصنم وإلا بعد أن يشربا، فامتنعا أولا ثم غلبت الشهوة عليهما، فأطاعا في كل ذلك، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا فإن أردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل، فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله، فلما فرغا من القتل طلبا المرأة فلم يجداها. ثم إن الملكين عند ذلك ندما وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، وهما معذبات ببابل، معلقان بين السماء والارض يعلمان الناس السحر. ثم لهم في الزهرة قولان: أحدهما أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له " الزهرة " وفلكها حتى هبط إلى الارض إلى أن كان ما كان، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى موضعها من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما. والقول الثاني أن المرأة كانت فاجرة من أهل الارض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم، ثم علماها الاسم الذي به كانا يعرجان إلى السماء، فتكلمت به وعرجت إلى السماء، وكان اسمها " بيدخت " فمسخها الله تعالى وجعلها هي الزهرة. واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة، لانه ليس في كتاب الله ما يدل عليها، بل فيه ما يبطلها من وجوه: الاول ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي. وثانيها: أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاسد، بل كان الاولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب، لان الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره فكيف يبخل عليهما بذلك. وثالثها: أن من أعجب الامور قولهم إنهما يعلمان الناس السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان

[306]

إليه وهما يعاقبان. ولما ظهر فساد هذا القول فنقول: السبب في إنزالهما وجوه: أحدها أن السحرة كثرت في ذلك الزمان، واستنبطت أبوابا غريبة، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها، فبعث الله تعالى هذين الملكين لاجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذبا، ولا شك أن هذا من أحسن الاغراض والمقاصد. وثانيها: أن العلم بكون المعجزة مخالفا للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة (1) والناس كانوا جاهلين بماهية السحر فلا جرم تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لاجل هذا الغرض. وثالثها لا يمتنع أن يقال: السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله والالفة بين أولياء الله كان مباحا عندهم أو مندوبا، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض. ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والالفة بين أعداء الله. ورابعها أن تحصيل العلم بكل شئ حسن ولما كان السحر منهيا عنه وجب أن يكون متصورا معلوما، لان الذي لا يكون متصورا امتنع النهي عنه. وخامسها لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الاتيان بمثلها، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على معارضة الجن. وسادسها يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة، فيستوجب به الثواب الزائد، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر. المسألة الرابعة: قال بعضهم: هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام


(1) في المصدر: وبماهية السحر.

[307]

لانهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلابد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين، لانه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول من الملائكة إلى الانس - والله أعلم -. المسألة الخامسة: " هاروت وماروت " عطف بيان لملكين، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لا نصرفا، وقرأ الزهري " هاروت وماروت " بالرفع: على: هما هاروت وماروت، وأما قوله تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال: وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به، وهو قولهما " إنما نحن فتنة " والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي، كقولهم " فتنت الذهب بالنار " إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب. وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر، فالمراد أنهما لا يعلمان أحدا السحر ولا يصفانه لاحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة، فيقولا له " إنما نحن فتنة " أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض فيه أن يتميز السحر (1) من المعجز ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه، أو تتوصل به إلى شئ من الاغراض العاجلة. أما قوله: " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " ففيه مسائل: المسألة الاولى: ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين: الاول أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرا وإذا صار كافرا بانت منه امرأته، فيحصل التفريق بينهما. الثاني يفرق بينهما بالتمويه والتخييل (2) والتضريب وسائر الوجوه المذكورة. المسألة الثانية: أنه تعالى لم يذكر ذلك لان الذي يتعلمون منهما ليس


(1) في المصدر: ان يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز. (2) في الصمدر: والحيل. (*)

[308]

إلا هذا القدر لكن هذه الصورة تنبيها على سائر الصور، فإن استنامة المرء (1) إلى زوجه وركونه إليها معروف زائد على كل مودة فنبه بذكر ذلك، على أن السحر إذا ما أمكن به هذا الامر على شدته فغيره به أولى. أما قوله " وما هم بضارين به من أحد " فإنه يدل على ما ذكرناه، لانه أطلق الضرر ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لانه أعلى مراتبه. أما قوله " بإذن الله " فاعلم أن الاذن حقيقة في الامر، والله لا يأمر بالسحر ولانه تعالى أراد عيبهم وذمهم، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلابد من التأويل، وفيه وجوه: أحدها قال الحسن: المراد منه التخلية، يعني الساحر إذا سحر إنسانا فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر. وثانيها قال الاصم: المراد: إلا بعلم الله، وإنما سمي الاذان أذانا لانه إعلام الناس وقت (2) الصلاة وسمي الاذن إذنا لان بالحاسة القائمة بذلك يدرك الاذن، وكذلك قوله " و أذان من الله ورسوله إلى الناس " أي إعلام، وقوله " فأذنوا بحرب من الله " معناه فاعلموا، وقوله " فقل آذنتكم " يعني أعلمتكم. وثالثها أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " ورابعها أن يكون المراد بالاذن الامر، وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافرا، والكفر يقتضي التفريق فإن هذا حكم شرعي، وذلك لا يكون إلا بأمر الله. أما قوله " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ففيه مسائل: المسألة الاولى إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه: أحدها


(1) في المصدر: استكانة المرء. (2) في المصدر: بوقت.

[309]

أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله. وثانيها أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا. وثالثها أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال، فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال. المسألة الثانية قال الاكثرون: الخلاق النصيب، قال القفال، يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق معناه التقدير، ومنه خلق الاديم، ومنه يقال: قدر الرجل كذا درهما رزقا على عمل كذا. وقال الآخرون: الخلاق الخلاص، قال أمية (1) بن أبي صلت: يدعون بالويل فيها لاخ لاق لهم * إلا سرابيل قطران وأغلال بقي في الآية سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله " وقد علموا " ثم نفاه عنهم في قوله " لو كانوا يعلمون " والجواب من وجوه: أحدها: أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه، وهم الذين قال الله في حقهم " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون " وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون، وهذا جواب الاخفش وقطرب. وثانيها لو سلمنا أن القوم واحد [ولكنهم علموا أشياء (2) وجهلوا أشياء أخر علموا أنه ليس لهم في الآخرة خلاق] ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها. وثالثها لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار صما وبكما


(1) في الصمدر: ومنه قول أمية. (2) في المصدر: شيئا.

[310]

وعميا إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس ويقال للرجل في شئ يفعله لكنه لا يضعه موضعه: صنعت ولم تصنع (انتهى) (1). وإنما أوردت أكثر كلامهم في هذا المقام مع طوله واشتماله على الزوائد الكثيرة لمناسبة لما سيأتي في بعض الابواب الآتية، ولتطلع على مذاهبهم الواهية في تلك الابواب، وسأل شيخنا البهائي - رحمه الله - بعض أخلائه عن قول البيضاوي في تفسير هذه الآية حيث قال " وما روي من أنهما مثلا بشرين وركبت فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها الزهرة فحملتها على المعاصي والشرك، ثم صعدت السماء بما تعلمت منهما، فمحكي عن اليهود، ولعله من رموز الاوائل، وحله لا يخفى على ذوي البصائر " بينوا حتى نصير من ذوي البصائر، فأجاب الشيخ - رحمه الله - بعد أن أورد هذه القصة نحوا مما رواه الرازي في هذه القصة: هي ما رواه قدماء المفسرين من العامة عن ابن عباس، ولم يرتض بهذه الرواية متأخروهم وأطنب الفخر الرازي وغيره في تزييفها، وقال: إنها فاسدة مردودة غير مقبولة لوجوه ثلاثة - إلى آخر ما نقلناه من الوجوه في عرض كلامه - ثم قال: وفي كل من هذه الوجوه نظر، أما الاول فلانه لم يثبت بقاؤهما على العصمة بعد أن مثلهما الله سبحانه بصورة البشر وركب فيهما قوتي الشهوة والغضب وجعلهما كسائر بني آدم كما يظهر من القصة. وأما الثاني فلان التخيير بين التوبة والعذاب وإن كان هو الاصلح بحالهما لكن فعل الاصلح مطلقا غير واجب عليه سبحانه على مذهب هذا المفسر، بل فعل الاصلح الذي من هذا القبيل غير واجب عندنا أيضا، فإنا لا نوجب عليه سبحانه كل ما هو أصلح بحال العبد كما ظنه مخالفونا، وشنعوا علينا بما شنعوا، بل إنما نوجب عليه سبحانه كل أصلح لو لم يفعله كان مناقضا لغرضه كما ذكرته في الحواشي التي علقتها على تفسير البيضاوي، ولعله سبحانه لم يلهمهما التوبة وأغفلهما عنها لمصلحة لا يعلمها إلا هو، فلا بخل منه سبحانه على هذا التقدير. وأما الثالث فلان التعليم حال التعذيب غير ممتنع، وظني. أن تزييف الفخر


(1) مفاتيح الغيب: ج 1، ص 635 - 654.

[311]

الرازي لهذه الرواية هو الباعث على عدول البيضاوي عن حمل هذه القصة على ظاهرها وتنزيلها على محض الرمز والذي سمعته من والدي - رحمه الله - في حله أنه إشارة إلى أن شخص العالم العامل الكامل المقرب من حظائر القدس قد يوكل إلى نفسه الغرارة ولا يلحقه التوفيق والعناية، فينبذ علمه وراء ظهره، ويقبل على مشتهيات نفسه الخبيثة الخسيسة، ويطوي كشحه عن اللذات الحقيقية، والمراتب العلية، فينحط إلى أسفل سافلين، والشخص الناقص الجاهل المنغمس في الاوزار قد يختلط بذلك الشخص العالم قاصدا بذلك الفساد والفحشاء، فيدركه بذلك التوفيق الالهي فيستفيد من ذلك العلم ما يضرب بسببه صفحا عن أدناس دار الغرور، وأرجاس عالم الزور، ويرتفع ببركة ما يعلمه عن حضيض الجهل والخسران، إلى أوج العزة والعرفان، فيصير به المتعلم في أرفع درج العلاء، والمعلم في أسفل درك الشقاء. و رأيت في بعض التفاسير أن المراد بالملكين المذكورين الروح والقلب، فإنهما من العالم الروحاني أهبطا إلى العالم الجسماني لاقامة الحق، فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا، ووقعا في شبكة الشهوة، فشربا خمر الغفلة، وزنيا ببغي الدنيا، وعبدا صنم الهوى، وقتلا نفسهما بحرمانهما من النعيم الباقي، فاستحقا أليم النكال، وقطيع العذاب. هذا وهذه القصة كما رواها علماء العامة عن ابن عباس فقد رواها علماؤنا رضوان الله عليهم عن الامام أبي جعفر الباقر عليه السلام وذكرها الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في مجمع البيان (1) لكن بين ما رواه العامة وما رواه أصحابنا اختلاف يسير فإن الرواية التي رواها أصحابنا ليس فيها أنهما يعلمان الناس السحر في وقت تعذيبهما، بل هي صريحة في أن التعليم كان قبل التعذيب، وكذلك ليس فيها أن تلك المرأة تعلمت منهما الاسم الاعظم وصعدت ببركته إلى السماء. والحاصل أن هذه القصة مروية من طرقنا ومن طرق العامة معا، وليس من جملة الحكايات الغير المسندة، كما يظهر من كلام الفاضل الدواني في شرح العقائد العضدية حيث قال: إن هذه القصة ليست في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ما يدل على صدقها. ثم إنه


(1) مجمع البيان: ج 1، ص 170 - 177.

[312]

استدل على أنه من جملة الاكاذيب بأن تمكن تلك المرأة من الصعود إلى السماء بما تعلمته من الملكين أعني الاسم الاعظم وعدم تمكنهما من ذلك مع علمهما به غير معقول. ولا يخفى أن دليله هذا إنما يتم لو ثبت أنه - جل اسمه - لم ينسهما الاسم الاعظم بعد اقترافهما تلك الكبائر العظيمة، واستحقاقهما الطرد والخذلان ودون ثبوته خرط القتاد (انتهى كلامه رحمه الله). " لن يستنكف " أي لم يأنف، ولم يمتنع المسيح " أن يكون " أي من أن يكون " عبدا لله، ولا الملائكة المقربون " أي ولاهم يستكبرون من الاقرار بعبودية الله سبحانه. قال الطبرسي - رحمه الله -: استدل بهذه الآية من قال إن الملائكة أفضل من الانبياء، قالوا: إن تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لان العادة لم تجر بأن يقال: لن يستنكف الامير أن يفعل كذا ولا الحارس، بل يقدم الادون ويؤخر الاعظم، فيقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا ولا السلطان (1). وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا: إنما أخر ذكر الملائكة لان جميع الملائكة أفضل وأكثر ثوابا من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كل واحد منهم أفضل منه وإنما الخلاف في ذلك، وأيضا فإنا وإن ذهبنا إلى أن الانبياء أفضل من الملائكة فإنا نقول مع قولنا بالتفاوت أنه لا تفاوت كثيرا في الفضل بينهما ومع التقارب والتداني يحسن أن يقدم ذكر الافضل، ألا ترى أنه يحسن أن يقال: ما يستنكف الامير فلان ولا الامير فلان، إذا كانا متساويين في المنزلة أو متقاربين (2) وقال البيضاوي: لعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير لا باعتبار التكبير، كقولك أصبح الامير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس (3). " إن الذين عند ربك " أي مطلق الملائكة أو المقربين منهم " وله يسجدون " أي يخضعون بالعبادة أو التذلل " ولا يشركون " به غيره.


(1) في الصمدر: وهذا يقتضي فضل الملائكة على الانبياء. (2) مجمع البيان: ج 3، ص 146. (3) أنوار التنزيل: ج 1، ص 319.

[313]

" ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض " قال البيضاوي: أي ينقاد انقيادا يعم الانقياد لارادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا، ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والارض، وقوله " من دابة " بيان لهما، لان الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، والملائكة عطف على المبين به عطف جبرئيل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة، أو بيان لما في الارض والملائكة تكرير لما في السماوات، وتعيين له إجلالا وتعظيما، والمراد بهما ملائكتهما من الحفظة و غيرهم، و " ما " لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق " من " تغليبا للعقلاء " وهم لا يستكبرون عن عبادته يخافون ربهم من فوقهم " يخافون أن يرسل عذابا من فوقهم أو يخافونه وهم فوقهم بالقهر وقوله (1) " وهو القاهر فوق عباده " والجملة حال من الضمير في " لا يستكبرون " أو بيان له وتقرير، لان من خاف الله لم يستكبر عن عبادته " ويفعلون ما يؤمرون " من الطاعة والتدبير، وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. (2) وقال في قوله " وما نتنزل إلا بأمر ربك " حكاية قول جبرئيل حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وآله لما سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما وقيل أربعين، حتى قال المشركون: ودعه ربه وقلاه، ثم نزل تبيان ذلك، والتنزل النزول على مهل، لانه مطاوع نزل، وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل بمعنى أنزل والمعنى: وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته " له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك " وهو ما نحن فيه من الاماكن والاحايين لا تنتقل (3) من مكان إلى مكان أو لا تنزل (4) في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيته


(1) في المصدر: لقوله تعالى.. (2) أنوار التنزيل: ج 1، ص 668. (3) في المصدر: لا ننتقل. (4) في المصدر: لا ننزل.

[314]

" وما كان ربك نسيا " أي تاركا لك، أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الامر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة رآها فيه (1) " ولا يستحسرون " أي لا يعبؤون منها " لا يفترون " حال من الواو في يسبحون ". " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا " نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، تنزيه له عن ذلك " بل عباد " أي بل هم عباد من حيث هم مخلوقون، و ليسوا بأولاد " مكرمون " مقربون. " لا يسبقونه بالقول " لا يقولون شيئا حتى يقوله كما هو ديدن العبيد المقربين (2) " وهم بأمره يعملون " ولا يعملون قط ما لم يأمرهم به " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، " لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا أو هو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده، فإنه لاحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم " وهم من خشيته " من عظمته ومهابته " مشفقون " مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء، والاشفاق خوف مع اعتناء فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس. " ومن يقل منهم " أي من الملائكة أو من الخلائق " كذلك نجزي الظالمين " أي من ظلم بالاشراك وادعاء الربوبية، وعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الملائكة لا ينافي عصمتهم، فإن الفرض لا ينافي امتناع الوقوع، كقوله تعالى " لئن أشركت ليحبطن عملك " (3). " عليها " أي على النار " ملائكة " يلي أمرها وهم الزبانية " غلاظ شداد " غلاظ الاقوال، شداد الافعال، أو غلاظ الخلق، شداد الخلق، أقوياء على الافعال الشديدة " لا يعصون الله ما أمرهم " فيما مضى " ويفعلون ما يؤمرون " فيما يستقبل أولا يمتنعون عن قبول الاوامر والتزامها، ويؤدون ما يؤمرون به.


(1) أنوار التنزيل: ج 2، ص 42. (2) المؤدبين (خ). (3) الزمر: 65.

[315]

قال الطبرسي - رحمه الله -: في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه، وقال الجبائي: إنما عنى أنهم لا يعصونه ويفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا، لان الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء [المؤمنين] وإنما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرورهم (1) ولذاتهم في الجنة (2) (انتهى). وأقول: كون الآخرة دار جزاء الملائكة غير معلوم، وإنما المعلوم أنها دار جزاء الانس، فلا ينافي كون الملائكة مكلفين فيها، بل يمكن أن يكون جزاؤهم مقارنا لافعالهم من حصول اللذات الحقيقية، ورفع الدرجات الصورية والمعنوية، بل أصل خدماتهم وجزاؤهم كما ورد أن طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس. وقال الشيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب المقالات: أقول: إن الملائكة مكلفون وموعودون ومتوعدون، قال الله تبارك وتعالى " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " وأقول: إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار، وعلى هذا القول جمهور الامامية وسائر المعتزلة و أكثر المرجئة وجماعة من أصحاب الحديث، وقد أنكر قوم من الامامية أن تكون الملائكة مكلفين، وزعموا أنهم إلى الاعمال مضطرون، ووافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث. 1 - العلل: عن محمد بن علي بن بشار القزويني، عن المظفر بن أحمد القزويني قال: سمعت أبا الحسين محمد بن جعفر الاسدي الكوفي، يقول في سهيل والزهرة: [إنهما] دابتان من دواب البحر المطيف بالدنيا في موضع لا تبلغه سفينة، ولا تعمل فيه حيلة، وهما المسخان المذكوران في أصناف المسوخ، ويغلط من يزعم أنهما


(1) في المصدر: سرور المؤمنين و... (2) مجمع البيان: ج 10، ص 318. (*)

[316]

الكوكبان (1) ولو كانا ملكين لعصما فلم يعصيا، وإنما سماهما الله عز وجل في كتابه ملكين بمعنى أنهما خلقا ليكونا ملكين، كما قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله " إنك ميت وإنهم ميتون " بمعنى ستكون ميتا ويكونون موتى (2). بيان: المطيف بالدنيا على بناء الافعال أي المحيط، يقال: فلان يرشح للوزارة أي يربى ويؤهل لها. ثم إن هذا الكلام إن كان قاله الاسدي من قبل نفسه فيرد عليه أن الملائكة ليست أمرا تحصل لذات بعد أن لم تكن، بل الظاهر أنها من الحقائق التي لا تنفك كالانسانية والحيوانية، إلا أن يكون مراده أنهما لم يكونا من الملائكة، بل كانا مما يصلحان ظاهرا أن يخلطا بالملائكة كالشيطان. 2 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن علي ابن رئاب، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأله عطا - ونحن بمكة - عن هاروت وماروت، فقال أبو جعفر عليه السلام: إن الملائكة كانوا ينزلون من السماء إلى الارض في كل يوم وليلة، يحفظون أعمال أوساط أهل الارض من ولد آدم و الجن، فيكتبون أعمالهم ويعرجون بها إلى السماء، قال: فضج أهل السماء من معاصي أهل أوساط الارض، فتوامزوا (3) فيما بينهم مما يسمعون ويرون من افترائهم الكذب على الله تبارك وتعالى وجرأتهم عليه ونزهوا الله مما يقول فيه خلقه ويصفون فقالت طائفة من الملائكة: يا ربنا ما تغضب مما يعمل خلقك في أرضك وما يصفون فيك الكذب ويقولون الزور ويرتكبون المعاصي وقد نهيتهم عنها، ثم أنت تحلم عنهم وهم في قبضتك وقدرتك وخلال عافيتك، قال أبو جعفر عليه السلام: فأحب الله أن يري الملائكة القدرة ونافذ أمره في جميع خلقه، ويعرف الملائكة ما من به عليهم


(1) في المصدر: الكوكبان المعروفان بسهيل والزهرة وان هاروت وماروت كانا روحانيين قد هيئا ورشحا للملائكة ولم يبلغ بهما حد الملائكة فاختارا المحنة والابتلاء فكان من أمرهما ما كان. (2) العلل: ج 2، ص 175. (3) في بعض النسخ " فتغامزوا " وفي المصدر: فتآمروا ".

[317]

مما (1) عدله عنهم من صنع خلقه، وما طبعهم عليه من الطاعة، وعصمهم به من الذنوب. قال: فأوحى الله إلى الملائكة أن انتدبوا (2) منكم ملكين حتى أهبطهما إلى الارض ثم أجعل فيهما من طبائع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم، ثم أختبرهما في الطاعة لي قال: فندبوا لذلك هاروت وماروت، وكانا أشد (3) الملائكة قولا في العيب لولد آدم واستئثار غضب الله عليهم. قال: فأوحى الله إليهما أن اهبطا إلى الارض، فقد جعلت فيكما من طبائع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلت في ولد آدم. قال: ثم أوحى الله إليهما انظرا أن لا تشركا بي شيئا، ولا تقتلا النفس التي حرم الله، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال: ثم كشط عن السماوات السبع ليريهما قدرته، ثم أهبطهما إلى الارض في صورة البشر ولباسهم، فهبطا ناحية بابل، فرفع لهما بناء مشرف (4) فأقبلا نحوه، فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء مزينة معطرة [مسفرة] مقبلة نحوهما، قال: فلما نظرا إليها وناطقاها وتأملاها وقعت في قلوبهما موقعا شديدا لموضع الشهوة التي جعلت فيهما، فرجعا إليها رجوع فتنة وخذلان وراوداها عن نفسها. فقالت لهما: إن لي دينا أدين به، وليس أقدر في ديني على أن أجيبكما إلى ما تريدان إلا أن تدخلا في ديني الذي أدين به، فقالا لها: وما دينك ؟ قالت: لي إله من عبده وسجد له كان لي السبيل إلى أن أجيبه إلى كل ما سألني، فقالا لها: وما إلهك ؟ قالت: إلهي هذا الصنم، قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: هاتان خصلتان مما نهينا عنهما: الشرك، والزنا، لانا إن سجدنا لهذا الصنم و عبدناه أشركنا بالله، وإنما نشرك بالله لنصل إلى الزنا، وهو ذا نحن نطلب الزنا فليس نعطى إلا بالشرك. قال: فائتمرا بينهما، فغلبتهما الشهوة التي جعلت فيهما


(1) في المصدر: ومما اعد. (2) ان اندبوا (خ). (3) في المصدر: من أشد. (4) في المصدر: فوقع لهما بناء مشرق.3

[318]

فقالا لها: نجيبك إلى ما سألت، فقالت: فدونكما، فاشربا هذه الخمر فإنه قربان لكما، وبه تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا: هذه ثلاث خصال مما نهانا ربنا عنها: الشرك، والزنا، وشرب الخمر، وإنما ندخل في شرب الخمر و الشرك حتى نصل إلى الزنا، فائتمرا بينهما، فقالا: ما أعظم البلية بك ! قد أجبناك إلى ما سألت، قالت: فدونكما فاشربا من هذه الخمر، واعبدا هذا الصنم، واسجداله فشربا الخمر، وعبدا الصنم، ثم راوداهما عن نفسها، فلما تهيأت لهما وتهيئا لها دخل عليهما سائل يسأل [هذه] فلما أن رآهما ورأياه ذعرا منه فقال لهما: إنكما نابان (1) ذعران، قد خلوتما بهذه المرأة المعطرة الحسناء، إنكما لرجلا سوء، و خرج عنهما. فقالت لهما: لا وإلهي ما تصلان الآن إلي وقد اطلع هذا الرجل على حالكما وعرف مكانكما، ويخرج الآن ويخبر بخبر كما، ولكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل أن يفضحكما ويفضحني ثم دونكما، فاقضيا حاجتكما و أنتما مطمئنان آمنان قال: فقاما إلى الرجل فأدركاه فقتلاه ثم رجعا إليها، فلم يرياها وبدت لهما سوآتهما ونزع عنهما رياشهما وأسقطا في أيديهما، قال: فأوحى الله إليهما أن أهبطتكما إلى الارض مع خلقي ساعة من النهار فعصيتماني بأربع من معاصي كلها قد نهيتكما عنها وتقدمت إليكما فيها فلم تراقباني (2) ولم تستحييا مني وقد كنتما أشد من نقم على أهل الارض المعاصي واستجر أسفي وغضبي عليهم لما جعلت فيكما من طبع خلقي وعصمتي إياكما من المعاصي، فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما ؟ اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقال أحدهما لصاحبه: نتمتع من شهواتنا في الدنيا إذ صرنا إليها إلى أن نصير إلى عذاب الآخرة. فقال الآخر: إن عذاب الدنيا له مدة وانقطاع، وعذاب الآخرة دائم لا انقطاع له فلسنا نختار عذاب الآخرة الدائم الشديد على عذاب الدنيا المنقطع الفاني. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فكانا يعلمان الناس السحر في أرض بابل، ثم لما علما الناس


(1) في المخطوطة: لمرءان. (2) في المصدر: فلم ترقباه.

[319]

السحر رفعا من الارض إلى الهواء، فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة (1). العياشي: عن محمد بن قيس مثله. بيان: " أن انتدبوا " في بعض النسخ " أن اندبوا " وهو أصوب، إذ الظاهر من كلام أكثر اللغويين أن الانتداب لازم، قال الجوهري: ندبه إلى الامر فانتدب أي دعاه فأجاب. ونحوه قال الفيروز آبادي، لكن قال في المصباح المنير انتدبته في الامر فانتدب يستعمل لازما ومتعديا، وقال: كشطت البعير كشطا من باب ضرب [مثل] سلخت الشاة إذا نحيت جلده، وكشطت الشئ كشطا نحيته وقال الفيروز آبادي: الكشط رفعك الشئ (2) عن الشئ قد غشاه، وإذا السماء كشطت قلعت كما يقلع السقف، وكشط الجل عن الفرس كشفه. وفي النهاية: فيه يراود عمه على الاسلام أي يراجعه ويراوده. وفي القاموس: سقط في يده و أسقط - مضمومتين - ذل وأخطأ، أو ندم وتحير. وقال: نكسه: قلبه على رأسه كنكسه (انتهى) وأقول: يمكن حمل الخبر على التقية بقرينة كون السائل من علماء العامة. 3 - العيون وتفسير الامام: بالإسناد إلى أبي محمد العسكري عن آبائه عن الصادق جعفر بن محمد عليهم السلام في قول الله عزوجل " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان " قال: اتبعوا ما تتلو كفرة الشياطين من السحر والنيرنجات على ملك سليمان الذين يزعمون أن سليمان به ملك، ونحن أيضا به نظهر العجائب حتى ينقاد لنا الناس [ونستغني عن الانقياد لعلي] وقالوا: كان سليمان كافرا ساحرا ماهرا بسحره ملك ما ملك، وقدر على ما قدر، فرد الله عزوجل عليهم فقال وما كفر سليمان ولا استعمل السحر [كما قال هؤلاء الكافرون، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر] الذي نسبوه إلى سليمان وإلى ما أنزل


(1) تفسير القمي: 47 - 49. (2) في المصدر: شيئا.

[320]

على الملكين ببابل هاروت وماروت. وكان بعد نوح عليه السلام قد كثر السحرة والمموهون فبعث الله عزوجل ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة، وذكر ما يبطل به سحرهم ويرد به كيدهم، فتلقاه النبي عن الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله عزوجل، وأمرهم أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه، ونهاهم أن يسحروا به الناس، وهذا كما يدل على السم ما هو وعلى ما يدفع به غائلة السم [ثم يقال للمتعلم ذلك هذا السم فمن رأيته يسم فادفع غائلته بكذا وإياك أن تقتل بالسم أحدا] ثم قال عزوجل: " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر "، يعني أن ذلك النبي أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين ويعلماهما ما علمهما الله من ذلك، فقال الله عزوجل: وما يعلمان من أحد ذلك السحر وإبطاله حتى يقولا للمتعلم " إنما نحن فتنة " امتحان للعباد ليطيعوا الله فيما يتعلمون من هذا، ويبطلوا به كيد الساحر (1)، ولا يسحروا هم، فلا تكفر باستعمال هذا السحر وطلب الاضرار به ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنك به تحيي وتميت وتفعل مالا يقدر عليه إلا الله عزوجل فإن ذلك كفر قال الله عزوجل " فيتعلمون " يعني طالبي السحر " منهما " يعني مما كتبت الشياطين " على ملك سليمان " من النيرنجات " وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " يتعلمون من هذين الصنفين " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " هذا من (2) يتعلم للاضرار بالناس، يتعلمون التضريب بضروب الحيل والتمائم والايهام أنه قد دفن في موضع كذا وعمل كذا ليحبب المرأة إلى الرجل والرجل إلى المرأة أو يؤدي إلى الفراق بينهما. ثم قال عزوجل " وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " أي ما المتعلمون لذلك بضارين به من أحد إلا بإذن الله، يعني يتخلية الله وعلمه، فإنه لو شاء لمنعهم بالجبر و القهر. ثم قال " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم " لانهم إذا تعلموا ذلك السحر ليسحروا به ويضروا فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم ولا ينفعهم فيه، بل ينسلخون عن دين الله


(1) في المصدر: السحرة. (2) في المصدر: ما.

[321]

بذلك، ولقد علم هؤلاء المتعلمون " لمن اشتراه " بدينه الذي ينسلخ عنه بتعلمه " ماله في الآخرة من خلاق " أي من نصيب في ثواب الجنة. ثم قال عزوجل " ولبئس ماشروابه أنفسهم " وهنوها (1) بالعذاب " لو كانوا يعلمون " أنهم قد باعوا الآخرة وتركوا نصيبهم من الجنة، لان المتعلمين لهذا السحرهم الذين يعتقدون أن لا رسول، ولا إله، ولا بعث، ولا نشور. فقال " ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق " لانهم يعتقدون أن لا آخرة. فهم يعتقدون أنها إذا لم تكن آخرة فلا خلاق لهم في دار بعد الدنيا، وإن كان بعد الدنيا آخرة فهم مع كفرهم بها لا خلاق لهم فيها. ثم قال " ولبئس ماشروا به أنفسهم " إذ باعوا الآخرة بالدنيا ورهنوا بالعذاب الدائم أنفسهم " لو كانوا يعلمون " أنهم قد باعوا أنفسهم بالعذاب، ولكن لا يعلمون ذلك لكفرهم به، فلما تركوا النظر في حجج الله حتى يعلموا عذابهم على اعتقادهم الباطل وجحدهم الحق. قال يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار عن أبويهما أنهما قالا. فقلنا للحسن أبي القائم عليه السلام: فإن قوما عندنا يزعمون أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم، وأنزلهما الله مع ثالث لهما إلى (2) الدنيا، وأنهما افتتنا بالزهرة، وأرادا الزنا بها، وشربا الخمر، و قتلا النفس المحترمة، وأن الله تبارك وتعالى يعذبهما ببابل، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر، وأن الله مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة، فقال الامام عليه السلام: معاذ الله من ذلك، إن ملائكة الله معصومون محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف الله، قال الله عزوجل فيهم " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " وقال عزوجل " وله ما في السماوات والارض ومن عنده " يعني من الملائكة " لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون " وقال عزوجل في الملائكة أيضا " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته


(1) في المصدر: ورهنوها. (2) في المصدر: إلى دار الدنيا.

[322]

مشفقون " ثم قال عليه السلام: لو كان كما يقولون كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاء على (1) الارض، وكانوا كالانبياء في الدنيا، أو كالائمة فيكون من الانبياء والائمة عليهم السلام قتل النفس والزنا. ثم قال عليه السلام: أو لست تعلم أن الله عزوجل لم يخل الدنيا قط من نبي أو إمام من البشر ؟ أو ليس الله عزوجل يقول " وما أرسلنا قبلك - يعني إلى الخلق - إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى " فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الارض ليكونوا أئمة وحكاما، وإنما أرسلوا إلى أنبياء الله. قالا قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا ؟ فقال: لا، بل كان من الجن أما تسمعان الله عزوجل يقول " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسبحدوا إلا إبليس كان من الجن " فأخبر عزوجل أنه كان من الجن، وهو الذي قال الله عزوجل " والجان خلقناه من قبل من نار السموم ". قال الامام الحسن بن علي عليهما السلام: حدثني أبي عن جدي عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل اختارنا معاشر آل محمد، واختار النبيين، واختار الملائكة المقربين، وما اختارهم إلا على علم منه بهم أنهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته، وينقلعون به عن عصمته، وينتمون به إلى المستحقين لعذابه ونقمته. قالا: فقلنا له: فقد روي لنا أن عليا عليه السلام لما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بالامامة عرض الله عزوجل ولايته في السماوات على فئام (2) من الناس وفئام من الملائكة، فأبوها فمسخهم الله ضفادع، فقال عليه السلام: معاذ الله ! هؤلاء المكذبون لنا المفترون علينا، الملائكة هم رسل الله، فهم كسائر أنبياء الله ورسله إلى الخلق، فيكون منهم الكفر بالله ؟ قلنا: لا، قال: فكذلك الملائكة، إن شأن الملائكة لعظيم، وإن خطبهم لجليل (3). الاحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام من قوله " فقلنا للحسن


(1) في المصدر: في الارض. (2) الفئام: الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه. (3) العيون: ج 1، ص 266 - 271

[323]

أبي القائم " إلى آخر الخبر (1). توضيح: قال في النهاية: الفئام مهموزا الجماعة الكثيرة (انتهى). واقول: قد فسر في خبر فضل يوم الغدير بمائة الف. 4 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن علي بن محمد بن الجهم، قال: سمعت المأمون يسأل الرضا علي بن موسى عليه السلام عما يرويه الناس من أمر الزهرة، وأنها كانت امرأة فتن بها هاروت و ماروت وما يروونه من أمر سهيل، وأنه كان عشارا باليمن، فقال: كذبوا في قولهم، إنهما كوكبان، وإنما كانتا دابتين من دواب البحر، فغلط الناس وظنوا أنهما كوكبان، وما كان الله ليمسخ أعداءه أنوارا مضيئة ثم يبقيها ما بقيت السماء والارض، وإن المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت، وما تناسل منها شئ، وما على وجه الارض اليوم مسخ وإن التي وقع عليها اسم المسوخية مثل القردة والخنزير والدب وأشباهها إنما هي مثل ما مسخ الله على صورها قوما غضب عليهم ولعنهم بإنكارهم توحيد الله وتكذيبهم رسله، وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليتحرزوا به من سحر السحرة، ويبطلوا به كيدهم، وما علما أحدا من ذلك إلا قالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فكفر قوم باستعمالهم لما أمروا بالاحتراز منه، وجعلوا يفرقون بما يعرفونه (2) بين المرء وزوجه، قال الله عزوجل " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " يعني بعلمه (3). 5 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن الحسن زعلان عن أبي الحسن عليه السلام أنه عد المسوخ، وساق الحديث إلى أن قال: ومسخت الزهرة لانها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت (4).


(1) الاحتجاج: 255. (2) في المصدر: بما تعلموه. (3) العيون: ج 1، ص 271. (4) العلل: ج 2، ص 171.

[324]

6 - ومنه: بإسناد آخر عن الصادق عليه السلام وأما الزهرة فإنها كانت امراة تسمى " ناهيد " وهي التي تقول الناس إنه افتتن بها هاروت وماروت (1). 7 - ومنه: بإسناد آخر عن الرضا عليه السلام: وأما الزهرة فكانت امرأة فتنت بها هاروت وماروت، فمسخها الله عزوجل الزهرة (2). 8 - ومنه: بإسناد آخر عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: وأما الزهرة فكانت امرأة نصرانية، وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل وهي التي فتن بها هاروت وماروت، وكان اسمها " ناهيل " والناس يقولون " ناهيد " (3). أقول: سنذكر الاخبار بأسانيدها في باب المسوخات إن شاء الله. 9 - العياشي: عن زرارة، عن أبي الطفيل، قال: كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليا وهو على المنبر وناداه ابن الكوا وهو في مؤخر المسجد فقال: يا أمير المؤمنين ما الهدى ؟ قال لعنك الله ولم يسمعه ما الهدى تريد ولكن العمى تريد، ثم قال له: ادن، فدنا منه، فسأله عن أشياء فأخبره، فقال: أخبرني عن هذه الكوكبة الحمراء - يعني الزهرة - قال: إن الله اطلع ملائكته على خلقه، وهم على معصية من معاصيه، فقال الملكان هاروت وماروت هؤلاء الذين خلقت أباهم بيدك، وأسجدت له ملائكتك يعصونك. قال: فلعلكم إذا ابتليتم بمثل الذي ابتلوا هم به عصيتموني [كما عصوني] قالا: لا وعزتك. قال: فابتلاهما بمثل الذي ابتلى به بني آدم من الشهوة، ثم أمرهما أن لا يشركا به شيئا، ولا يقتلا النفس التي حرم الله، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ثم أهبطهما إلى الارض، فكانا يقضيان بين الناس، هذا في ناحية وهذا في ناحيه، فكانا بذلك حتى أتت أحدهما هذه الكوكبة تخاصم إليه وكانت من أجمل الناس، فأعجبته، فقال لها: الحق لك ولا أقضي لك حتى تمكنيني من نفسك، فواعدت يوما، ثم أتت الآخر فلما خاصمت إليه وقعت في نفسه و


(1) العلل: ج 2، ص 173. (2) العلل: ج 2، ص 173، والرواية عن الصادق لا عن الرضا عليهما السلام. (3) العلل: ج 2، ص 174.

[325]

أعجبته كما أعجبت الآخر، فقال لها مثل مقالة صاحبه، فواعدته الساعة التي واعدت صاحبه، فاتفقا جميعا عندها في تلك الساعة، فاستحيى كل واحد من صاحبه حيث رآه وطأطأ رؤوسهما ونكسا، ثم نزع الحياء منهما، فقال أحدهما لصاحبه: يا هذا ! جاء بي الذي جاء بك، قال: ثم راوداها عن نفسها، فأبت عليهما حتى يسجدا لوثنها ويشربا من شرابها، وأبيا عليها وسألاها فأبت إلا أن يشربا من شرابها فلما شربا صليا لوثنها، ودخل مسكين فرأهما، فقالت لهما: يخرج هذا فيخبر عنكما، فقاما إليه فقتلاه، ثم راوداها عن نفسها فأبت حتى يخبراها بما يصعدان به إلى السماء، فأبيا وأبت أن تفعل، فأخبراها، فقالت ذلك لتجرب مقالتهما وصعدت، فرفعا أبصارهما إليها فرأيا أهل السماء مشرفين عليهما ينظرون إليهما، وتناهت إلى السماء فمسخت، فهي الكوكبة التي ترى. 10 - ومنه: عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إن رجلا من أصحابنا ورعا مسلما كثير الصلوة قد ابتلى بحب اللهو وهو يسمع الغناء، فقال: أيمنعه ذلك من الصلوة لوقتها أو من صوم أو من عيادة مريض أو حضور جنازة أو زيارة أخ ؟ قال: قلت: لا ليس يمنعه ذلك من شئ من الخير والبر، قال: فقال: هذا من خطوات الشيطان مغفور له ذلك إن شاء الله. ثم قال: إن طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات أعني ذلكم الحلال ليس الحرام، قال: فأنف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم، قال: فألقى الله في همة أولئك الملائكة اللذات والشهوات كيلا يعيبون المؤمنين، قال: فلما أحسوا ذلك من هممهم عجوا إلى الله من ذلك، فقالوا: ربنا عفوك عفوك، ردنا إلى ما خلقتنا له، واخترتنا عليه، فإنا نخاف أن نصير في أمر مريج. قال: فنزع الله ذلك من هممهم، قال: فإذا كان يوم القيامة وصار أهل الجنة في الجنة استأذن أولئك الملائكة على أهل الجنة فيؤذون لهم، فيدخلون عليهم فيسلمون عليهم ويقولون لهم: سلام عليكم بما صبرتم في الدنيا عن اللذات والشهوات الحلال.

[326]

بيان: أنف من الشئ - كعلم -: استنكف، ومرج الدين والامر: خلط واضطرب. 11 - الاقبال: عن زين العابدين عليه السلام في دعاء عرفة: اللهم إن ملائكتك مشفقون من خشيتك، سامعون مطيعون لك، وهم بأمرك يعملون، لا يفترون الليل والنهار يسبحون (1). 12 - الاحتجاج: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام قال: فما تقول في الملكين هاروت وماروت وما يقول الناس بأنهما يعلمان السحر ؟ قال: إنهما موضع ابتلاء وموقف (2) فتنة تسبيحهما اليوم لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا أصناف السحر، فيتعلمون منهما ما يخرج منهما، فيقولان لهم: إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم (3).


(1) الاقبال: 366. (2) في المصدر: موقع. (3) الاحتجاج: 185. (*)

[327]

* (أبواب) * * (العناصر وكائنات الجو (1) والمعادن والجبال والانهار) * * (والبلدان والاقاليم) * 25 * (باب النار وأقسامها) * الآيات: يس: الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (2). الواقعة: أفرأيتم النار التي تورون * ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (3). تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله - في قوله " جعل لكم من الشجر الاخضر نارا " أي جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار نارا محرقة. يعني بذلك المرخ والعفار، وهما شجران تتخذ الاعراب زنودها منهما، فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر [الاخضر] الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض فخرج منه النار وينقدح قدر على الاعادة، وتقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. و قال الكلبي: كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب (4).


(1) في بعض النسخ: البحر. (2) يس: 80. (3) الواقعة: 71 - 73. (4) مجمع البيان: ج 8، ص 435.

[328]

" أفرأيتم النار التي تورون " أي تستخرجونها (1) بزنادكم من الشجر " ءأنتم أنشأتم شجرتها " التي تنقدح النار منها " أم نحن المنشئون " لها، فلا يمكن أحدا أن يقول أنه أنشأ تلك الشجرة غير الله تعالى. والعرب تقدح بالزند والزندة وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار " نحن جعلناها تذكرة " أي نحن جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى، فإذا رآها الرائي ذكر جهنم واستعاذ بالله منها، وقيل تذكرة لقدرة الله تعالى على المعاد " ومتاعا للمقوين " أي بلغة و منفعة للسمافرين، يعني الذين نزلوا الارض القي وهو القفر، وقيل: للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين، والمعنى أن جميعهم يستضيؤون بها في الظلمة، ويصطلون في البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز، وعلى هذا فيكون المقوي من الاضداد، أي الذي صار ذاقوة من المال والنعمة، والذاهب ماله النازل بالقواء من الارض، أي متاعا للاغنياء والفقراء (2) (انتهى). وقال الرازي في شجرة النار وجوه: أحدها أنها الشجرة التي توري النار منها بالزند والزندة. وثانيها الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب، فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار، لان النار لا تتعلق بكل شئ كما تتعلق بالحطب. وثالثها أصول شعلها وفروعها شجرتها، ولولا أنها ذات (3) شعب لما صلحت لانضاج الاشياء (4). وقال البيضاوي " نحن جعلناها تذكرة " أي تبصرة في أمر البعث، أو في الظلام [أو تذكيرا] أو أنموذجا لنار جهنم " ومتاعا " أي منفعة " للمقوين " للذين ينزلون القوى وهي القفراء، وللذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها (5) (انتهى).


(1) في المصدر: وتقدحونها. (2) مجمع البيان: ج 9، ص 224. (3) في المصدر: ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شغل.. (4) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 93. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 493.

[329]

وقال الجوهري: وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثرا منها كأنهما أخذا من النار ما هو جسمهما ويقال لانهما يسرعان الوري فشبها بمن يكثر من العطاء طلبا للمجد. وقال المرخ شجر سريع الوري والعفار الزند وهو الاعلى والمرخ الزندة وهي الاسفل. 1 - الخصال: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد (1) بن محمد بن يحيى الاشعري، عن صالح يرفعه بإسناده قال: أربعة القليل منها كثير، النار القليل منها كثير، والنوم القليل منه كثير، والمرض القليل منه كثير، والعداوة القليل منها كثير (2). بيان: " النار " أي نار القيامة القليل منها كثير في الضرر، أو الاعم من نار الدنيا ونار الآخرة فالقليل منها كثير في النفع والضرر معا، فإن قليلا من النار يضيئ كثيرا من الامكنة وينتفع بها في جميع الامور، ويحرق قليل منها عالما، والنوم القليل منه كثير في المنفعة، والمرض والعداوة في الضرر فقط، وإن احتمل التعميم في الاول بل في الثاني أيضا على تكلف شديد. 2 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النيران، فقال: نار تأكل وتشرب، ونار تأكل ولا تشرب، و نار تشرب ولا تأكل، ونار لا تأكل ولا تشرب. فالنار التي تأكل وتشرب فنار ابن آدم وجميع الحيوان، والتي تأكل ولا تشرب فنار الوقود، والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة، والتي لا تأكل ولا تشرب فنار القداحة والحباحب (3) - الخبر -. بيان: " فنار ابن آدم " أي الحرارة الغريزية في بدن الحيوانات، فإنها تحلل الرطوبات وتخرج الحيوان إلى الماء والغذاء معا، ونار الوقود النار التي


(1) في المصدر: عن محمد بن احمد بن يحيى بن عمران. (2) الخصال: 111. (3) الخصال: 106.

[330]

تتقد في الحطب وتشتعل، فانها تأكل الحطب مجازا أي تكسره وتفنيه وتقلبه ولا تشرب ماء بل هو مضاد لها، ونار الشجرة هي الكامنة مادتها أو أصلها في الشجر الاخضر كما مر، فإنها تشرب الماء ظاهرا وتصير سببا لنمو شجرتها ولا تأكل ظاهرا، وإن كان للتراب أيضا مدخل في نموها، أو المعنى أن عند احتكاك الغصنين الرطبين يظهر الماء، فكان النار الظاهر منها يشربها. والقداحة والقداح الحجر الذي يوري النار ذكره الجوهري. وقال: الحباحب - بالضم - اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان، فضربوا بها المثال حتى قالوا نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها، وربما قالوا نار أبي حباحب وهو ذباب يطير بالليل كأنه نار وربما جعلوا الحباحب اسما لتلك النار. وقال الفيروز آبادي: الحباحب (1) - بالضم - ذباب يطير بالليل له شعاع كالسراج ومنه نار الحباحب، أو هي ما اقتدح من شرر النار في الهواء من تصادم الحجارة، أو كان أبوحباحب من محارب وكان لا يوقد ناره إلا بالحطب الشخت لئلا ترى، أو هي من الحبحبة الضعف أو هي الشرر يسقط من الزناد (انتهى) والمراد بهذه النار ما كمن منها، أو من مادتها في الحجر والحديد فإنها لا تصل إليها ماء ولا غذاء، أو عند قدحها قبل اتقادها في قطن أو حطب لا تصادف ماء ولا شيئا آخر. 3 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الزنديق له: أخبرني عن السراج إذا انطفى أين يذهب نوره ؟ قال: يذهب ولا يعود، قال: فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا (2) ؟ قال: لم تصب القياس، إن النار في الاجسام كامنة والاجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما الآخر (3) سطعت من بينهما نار تقتبس منها سراج له الضوء، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب (4) - الخبر -.


(1) في القاموس: الحبحاب. (2) في المصدر: كما لا يرجع ضوء السراج إليه ابدا إذا انطفى. (3) في المصدر: بالآخر. (4) الاحتجاج: 191.

[331]

4 - تفسير علي بن ابراهيم: " الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " وهو المرخ والعفار يكون في ناحية بلاد العرب، (1) فإذا أرادوا أن يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر ثم أخذوا عودا فحركوه فيه، فيستوقدوا منه النار (2). فائدة: اعلم أن المشهور بين الحكماء والمتكلمين أن العناصر أربعة: النار والهواء، والماء، والارض، كما تشهد به الشواهد الحسية والتجربية، والتأمل في أحوال التركيبات والتحليلات، ولقدماء الفلاسفة فيها اختلافات، فمنهم من جعل أصل العناصر واحدا والبواقي تحصل بالاستحالة، فقيل هو النار، وقيل الهواء، وقيل الماء، وقيل الارض، وقيل البخار، ومنهم من جعله اثنين، فقيل النار والارض، وقيل الماء والارض، وقيل الهواء والارض، ومنهم من جعله ثلاثة، فقيل النار والهواء والارض، وإنما الماء هواء متكاثف، وقيل الهواء والماء و الارض وإنما النار هواء شديد الحرارة، وهذه الاقوال عندهم ضعيفة، وقد مر في الاخبار ما يدل على كون أصل العناصر بل الافلاك الماء، أو هو مع النار، أو هما مع الهواء، وبالجملة لا ريب في وجود تلك العناصر الاربعة تحت فلك القمر وإنما الاشكال في وجود كرة النار، وعلى تقدير وجودها هل كانت هواء انقلبت نارا بحركة الفلك، أو كانت في الاصل نارا، والمشهور أن هذه الاربعة عناصر المركبات التامة وأسطقساتها، ومنها تتركب وإليها تنحل. وقيل: النار غير موجودة في المركبات، لانها لا تنزل عن الاثير إلا بالقسر، ولا قاسر هناك. ثم المشهور أن صور البسائط باقية في المركبات، وقال الشيخ في الشفاء: لكن قوما اخترعوا في قريب من زماننا هذا مذهبا غريبا، قالوا: إن البسائط إذا امتزجت وانفعل بعضها من بعض تأدى ذلك بها إلى أن يخلع صورها فلا تكون لواحد منها صورته الخاصة، وليست حينئذ صورة خاصة واحدة فيصير لها هيولى


(1) في المصدر: بلاد المغرب فإذا أرادوا ان يستوقدوا نارا. (2) تفسير علي بن ابراهيم: 554.

[332]

واحدة وصورة واحدة، فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسطا بين صورها، ومنهم من جعلها صورة أخرى من النوعيات، واحتج على فساد هذا المذهب بوجوه تركناها. وذهب أنكسا غورس وأصحابه إلى الخلط والكمون والبروز، وأنكروا التغيير في الكيفية والصورة، وزعموا أن الاركان الاربعة لا يوجد شئ منها صرفا، بل هي تختلط من تلك الطبائع النوعية كاللحم والعظم والعصب والتمر والعسل والعنب وغير ذلك، وإنما سمي بالغالب الظاهر منها، ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز منها ما كان كامنا فيها فيغلب ويظهر للحس بعد ما كان مغلوبا غائبا عنه، لا على أنه حدث بل على أنه برز، ويكمن فيها ما كان بارزا فيصير مغلوبا وغائبا بعدما كان غالبا وظاهرا. وبإزائهم قوم زعموا أن الظاهر ليس على سبيل البروز: بل على سبيل النفوذ من غيره فيه، كالماء مثلا فإنه إنما يتسخن بنفوذ أجزاء نارية فيه من النار والمجاورة له وهذان القولان سخيفان، والمشهور عندهم أن العناصر تفعل بعضها في بعض، فيستحيل في كيفيتها وتحصل للجميع كيفية متوسطة متشابهة هي المزاج، فتستعد بذلك لافاضة صورة مناسبة لها من المبدأ. ثم المشهور بينهم أن النار التي تسطع عند ملاقاة الحجر والحديد أو عند احتكاك الخشبتين الرطبتين أو اليابستين إنما هي بانقلاب الهواء الذي بينهما نارا بسبب حرارة حدثت فيه من الاصطكاك والاحتكاك، لا بأن يخرج من الحجر أو الحديد أو الشجر نار، وظواهر الآيات والاخبار المتقدمة لا ينافي ذلك. وأما قوله عليه السلام في حديث هشام " إن النار في الاجسام كامنة " فالمراد بها إما النار التي تركب الجسم منها ومن سائر العناصر أو المعنى أن ما هو سبب لاحداث النار حاصل في الاجسام وإن انطفت النيران المتولدة منها وانقلبت هواء، والاول أظهر. والحاصل أن قياسك الروح على نار الفتيلة وغيرها حيث لم يمكن إعادتها إلى الاجسام قياس مع الفارق، فإن الروح إما جسم أو جوهر مجرد ثابت محفوظ يمكن إعادته، والنار الذي (1) ذكرت انقلبت هواء وذهبت، فعلى تقدير استحالة


(1) التى (ظ).

[333]

إعادتها لا توجب إعادة الروح، بل ما يشبه الروح هو النار الكامن في الجسم الموجود فيه لا هذا الضوء الذاهب، وأما نار الشجرة فذات احتمالات أومأنا إليها سابقا. 26 * (باب) * * (الهواء وطبقاته وما يحدث فيه من الصبح والشفق وغيرهما) * الآيات: الانعام: فالق الإصباح (1). (2) المدثر: والصبح إذا أسفر (2). التكوير: والصبح إذا تنفس (3). الانشقاق: فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق (4). الفجر: والفجر (5). تفسير: " إذا تنفس " قال الرازي: إشارة إلى تكامل طلوع الصبح، وفي كيفية المجاز قولان: أحدهما أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز، والثاني أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي خنق بحيث لا يتحرك واجتمع الحزن في قلبه، وإذا تنفس وجد راحة فههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن، فعبر عنه بالتنفس، وهو استعارة لطيفة (6). " فلا أقسم بالشفق " أي بالحمرة التي عند المغرب في الأفق، وقيل: البياض


(1) الانعام: 96. (2) المدثر: 34. (3) التكوير: 18. (4) الانشقاق: 16 - 18. (5) الفجر: 1. (6) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 484.

[334]

" والليل وما وسق " أي وما جمع وما ضم مما كان منتشرا بالنهار، وقيل: وما ساق، لان ظلمة الليل تسوق كل شئ إلى مسكنه، وقيل: وما طرد من الكواكب فإنها تظهر بالليل وتخفى بالنهار " والقمر إذا اتسق " أي إذا استوى واجتمع و تكامل وتم " والفجر " أقسم بفجر النهار وهو انفجار الصبح كل يوم، وقيل: أراد بالفجر النهار كله. واعلم أن المذكور في كتب الحكماء والرياضيين هو أن الصبح والشفق الاحمر والابيض إنما يظهر من وقوع ضوء الشمس على كرة البخار، قالوا: المستضيئ بالشمس من كرة الارض أكثر من نصفها دائما، لما بين في محله أن الكرة الصغرى إذا قبلت الضوء من الكبرى كان المستضيئ منها أعظم من نصفها، و ظل الارض على هيئة مخروط يلازم رأسه مدار الشمس وينتهي في فلك الزهرة كما علم بالحساب، والنهار مدة كون المخروط تحت الافق، والليل مدة كونه فوقه فإذا ازداد قرب الشمس من شرقي الافق ازداد ميل المخروط إلى غربيه، ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به، وأول ما يرى منه هو الاقرب إلى موضع الناظر، لانه صدق رؤيته، وهو موقع خط يخرج من بصره عمودا على الخط المماس للشمس والارض، فيرى الضوء مرتفعا عن الافق مستطيلا، وما بينه وبين الافق مظلما لقربه من قاعدة المخروط الموجب لبعد الضوء هناك عن الناظر، وهو الصبح الكاذب. ثم إذا قربت الشمس جدا يرى الضوء معترضا وهو الصبح الصادق ثم يرى محمرا والشفق بعكس الصبح يبدو محمرا، ثم مبيضا معترضا، ثم مرتفعا مستطيلا، فالصبح والشفق متشابهان شكلا، ومتقابلان وضعا، لان هيئة آخر غروب الشمس مثل أول طلوع الفجر، ويختلفان لونا بسبب اختلاف كيفية الهواء المخلوط، فإن لون البخار في جانب المشرق مائل إلى الصفا والبياض، لا كتسابه الرطوبة من برودة الليل، وفي جانب المغرب مائل إلى الصفرة لغلبة الجزء الدخاني المكتسب بحرارة النهار، والجسم الكثيف كلما كثر صفاؤه وبياضه ازداد قبوله للضوء، وكان الشعاع المنعكس منه أقوى من المنعكس من غيره، وقد عرف بالآلات

[335]

الرصدية أن انحطاط الشمس من الافق عند طلوع الصبح الاول وآخر غروب الشفق يكون ثمانية عشر درجة من دائرة الارتفاع المارة بمركز الشمس في جميع الآفاق، ولكن لاختلاف مطالع قوس الانحطاط تختلف الساعات التي بين طلوع الصبح والشمس، وكذا بين غروب الشمس والشفق. قال العلامة - رحمه الله - في كتاب المنتهى: اعلم أن ضوء النهار من ضياء الشمس وإنما يستضيئ بها ما كان كذا في نفسه كثيفا في جوهره كالارض والقمر وأجزاء الارض المتصلة والمنفصلة، وكلما يستضيئ من جهة الشمس فإنه يقع له ظل من ورائه، وقد قدر الله تعالى بلطف حكمته دوران الشمس حول الارض (1) فإذا كانت تحتها وقع ظلها فوق الارض على شكل مخروط، ويكون الهواء المستضيئ بضياء الشمس محيطا بجوانب ذلك المخروط، فتستضيئ نهايات الظل بذلك الهواء المضيئ، لكن ضوء الهواء ضعيف إذ هو مستعار، فلا ينفذ كثيرا في أجزاء المخروط بل كلما ازداد بعدا ازداد ضعفا، فإذن متى تكون في وسط المخروط تكون في أشد الظلام، فإذا قربت الشمس من الافق الشرقي مال مخروط الظل عن سمت الرأس وقربت الأجزاء المستضيئة في حواشي الظل بضياء الهواء من البصر، وفيه أدنى قوة فيدركه البصر عند قرب الصباح، وعلى هذا كلما ازدادت الشمس قربا من الأفق ازداد ضوء نهايات الظل قربا من البصر إلى أن تطلع الشمس، وأول ما يظهر الضوء عند قرب الصباح يظهر مستدقا مستطيلا كالعمود، ويسمى الصبح الكاذب ويشبه بذنب السرحان لدقته واستطالته، ويسمى الأول لسبقه على الثاني، و الكاذب لكون الأفق مظلما، أي لو كان يصدق أنه نور الشمس لكان المنير مما يلي الشمس دون ما يبعد منه، ويكون ضعيفا دقيقا ويبقى وجه الارض على ظلامه بظل الارض، ثم يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولا وعرضا فينبسط في أالأفق كنصف دائرة وهو الفجر الثاني الصادق لأنه صدقك عن الصبح وبينه لك. 1 - الكافي: عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن


(1) على ما كان يراه مشهور قدماء الفلكيين. (*)

[336]

محبوب، عن أبي ولاد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله خلق حجابا من ظلمة مما يلي المشرق، ووكل به ملكا، فإذا غابت الشمس اغترف ذلك الملك غرفة بيديه (1) ثم استقبل بها المغرب يتبع الشفق، ويخرج من بين يديه قليلا قليلا ويمضي فيوافي المغرب عند سقوط الشفق، فيسرح في الظلمة ثم يعود إلى المشرق، فإذا طلع الفجر نشر جناحيه فاستاق الظلمة من المشرق إلى المغرب حتى يوافي بها المغرب عند طلوع الشمس (2). بيان: هذا الخبر من معضلات الاخبار، ولعله من غوامض الاسرار، و " من " في قوله عليه السلام " من ظلمة " يحتمل البيان والتبعيض، والاستياق: السوق ولعل الكلام مبني على استعارة تمثيلية لبيان أن شيوع الظلمة واشتدادها تابعان لقلة الشفق وغيبوبته وكذا العكس، وأن جميع ذلك بتدبير المدبر الحكيم، و بتقدير العزيز العليم. وربما يؤول الخبر بأن المراد بالحجاب الظلماني ظل الارض المخروطي من الشمس، وبالملك الموكل به روحانية الشمس المحركة لها الدائرة بها، وبإحدى يديه القوة المحركة لها بالذات التي هي سبب لنقل ضوئها من محل إلى آخر، وبالاخرى القوة المحركة لظل الارض بالعرض بتبعية تحريك الشمس التي هي سبب لنقل الظلمة من محل إلى آخر، وعوده إلى المشرق إنما هو بعكس البدء بالاضافة إلى الضوء والظل وبالنسبة إلى فوق الارض وتحتها ونشر جناحيه كأنه كناية عن نشر الضوء من جانب والظلمة من آخر. وأقول: لعل السكوت عن أمثال ذلك ورد علمها إلى الامام عليه السلام أحوط وأولى. 2 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك ؟ قلت: لا، قال: لان المشرق مطل


(1) في المصدر: بيده. (2) الكافي: ج 3، ص 279.

[337]

على المغرب هكذا - ورفع يمينه فوق يساره - فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا (1). بيان: أطل عليه أي أشرف، وفي بعض النسخ بالظاء المعجمة، والمعنيان متقاربان، والمراد بالمشرق إما النصف الشرقي من السماء، أو ما قرب من الافق الشرقي منها، والحاصل أن المغرب والمعتبر (2) في دخول وقت الصلوة والافطار هو غيبوبة القرص وذهاب آثاره من جانب المشرق مطلقا، سواء كانت على الجدران والجبال أو على كرة البخار، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. 3 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة ابن ميمون، عن عمران الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: متى تجب العتمة ؟ فقال: إذا غاب الشفق، والشفق الحمرة. فقال عبيدالله: أصلحك الله إنه يبقى بعد ذهاب الحمرة ضوء شديد معترض، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الشفق إنما هو الحمرة، وليس الضوء من الشفق (3). 4 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عن سليمان ابن حفص المروزي، عن أبي الحسن العسكري عليه السلام قال: إذا انتصف الليل ظهر بياض في وسط السماء شبه عمود من حديد تضئ له الدنيا، فيكون ساعة ثم يذهب ويظلم، فإذا بقي ثلث الليل ظهر بياض من قبل المشرق فأضاءت له الدنيا فيكون ساعة ثم يذهب، فيكون (4) وقت صلاة الليل، ثم يظلم قبل الفجر [ثم يطلع الفجر] الصادق من قبل المشرق. وقال: ومن أراد أن يصلي صلاة الليل في نصف الليل فذاك له (5).


(1) الكافي: ج 3، ص 278. (2) الغروب المعتبر (خ). (3) الكافي: ج 3، ص 280. (4) في المصدر: وهو. (5) الكافي: ج 3، ص 283.

[338]

بيان: قوله " ويظلم " أي البياض مجازا، وفي بعض النسخ بالتاء، أي الدنيا ويمكن أن يكون المراد بالاضاءة ظهور الانوار المعنوية للمقربين بسبب فتح أبواب سماء الرحمة، ونزول الملائكة لارشاد العباد وتنبيههم وندائهم إياهم من ملكوت السماوات، كما ورد في سائر الروايات، ويمكن أن تكون أنوارا ضعيفة تخفى على أكثر الناس في أكثر الاوقات وتظهر على أبصار العارفين الذين ينظرون بنور الله، كما أن الملائكة يراهم الانبياء والاوصياء عليهم السلام ولا يراهم غيرهم. وقد يقال ظهور البياض كناية عن نزول الملك الذي ينزل نصف الليل إلى سماء الدنيا لينادي العباد فتضئ له الدنيا، أي يقوم الناس للعبادة فيظهر له نور من الارض بسبب عبادتهم، كما ورد في الخبر أنهم يضيئون لاهل السماء. " ثم يذهب " لانهم ينامون قليلا كما ورد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يقومون إذا بقي ثلث الليل. وظهور البياض من قبل المشرق، لان الملك ينتقل إليه " ثم يظلم قبل الفجر " أي ينامون قليلا. وبالجملة الخبر من المتشابهات وعلمه عند من صدر عنه إن لم يكن من الموضوعات. 5 - الخرائج: روي عن صفوان الجمال، قال كنت بالحيرة مع أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل الربيع وقال: أجب أمير المؤمنين. فلم يلبث أن عاد، قلت: أسرعت الانصراف، قال: إنه سألني عن شئ فاسأل الربيع عنه، فقال صفوان: و كان بيني وبين الربيع لطف، فخرجت إلى الربيع وسألته، فقال: أخبرك بالعجب إن الاعراب خرجوا يجتنون الكمأة فأصابوا في البر خلقا ملقى، فأتوني به فأدخلته على الخليفة، فلما رآه قال: نحه وادع جعفرا، فدعوته فقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن الهواء ما فيه ؟ قال: في الهواء موج مكفوف، قال: ففيه سكان ؟ قال: نعم، قال: وما سكانه ؟ قال: خلق أبدانهم أبدان الحيتان، ورؤوسهم رؤوس الطير، ولهم أعرفة كأعرفة الديكة، ونغانغ كنغانغ الديكة، وأجنحة كأجنحة الطير من ألوان أشد بياضا من الفضة المجلوة. فقال الخليفة: هلم الطشت. فجئت بها وفيها ذلك الخلق، وإذا هو والله كما وصفه جعفر، فلما خرج جعفر

[339]

قال: يا ربيع هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس. بيان: قال الفيروز آبادي: الكمء نبات معروف، والجمع أكمؤ وكمأة أو هي اسم للجمع، أو هي للواحد والكمء للجمع. قال: النغنغ الفرج ذوالربلات وموضع بين اللهاة وشوارب الحنجور، واللحمة في الحلق عند اللحام (1)، والذي يكون عند (2) عنق البعير إذا اجتر تحرك. وقال: الديك - بالكسر -: معروف والجمع ديوك وأدياك وديكة كقردة. وقال: الشجا ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه (انتهى) ولما كان عليه السلام مستحقا للخلافة متصفا بشرائطها دونه ولم يمكنه دفعه شبهه بالشجا المعترض في الحلق الذي لا يمكن إساغته ولا دفعه. ولعل المراد بالموج المكفوف البحر المواج المكفوف عن السيلان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى البحر المحيط، ويكون هذا الحيوان مما ارتفع منه مع السحاب، لكن ظاهر هذا الخبر والخبر الآتي أنه بحر بين السماء والارض غير المحيط. 6 - كشف الغمة: قال محمد بن طلحة: إن أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام لما توفي والده علي الرضا عليه السلام وقدم الخليفه إلى بغداد بعد وفاته بسنة اتفق أنه خرج إلى الصيد، فاجتاز بطرف البلد في طريقه والصبيان يلعبون ومحمد واقف معهم وكان عمره يومئذ إحدى عشر سنة فما حولها، فلما أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين ووقف [أبو جعفر] محمد عليه السلام فلم يبرح مكانه، فقرب منه الخليفة، فنظر إليه وكان الله عز وعلا قد ألقى عليه مسحة من قبول، فوقف الخليفة وقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان ؟ فقال له محمد مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لاوسعه عليك بذهابي، ولم يكن لي جريمة فأخشاها، وظني بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له. فوقف فأعجبه كلامه ووجهه، فقال له: ما اسمك ؟ قال: محمد، قال: ابن من أنت ؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا ابن علي الرضا، فترحم على أبيه وساق جواده إلى وجهته، وكان معه بزاة، فلما بعد عن العمارة أخذ بازيا


(1) في القاموس: عند اللهازم. (2) فيه: فوق عنق.

[340]

فأرسله على دراجة، فغاب عن عينه غيبة طويلة، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا الحياة، فعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، ثم أخذها في يده إلى داره في الطريق الذي أقبل منه، فلما وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم، فانصرفوا كما فعلوا أول مرة، وأبو جعفر لم ينصرف ووقف كما وقف أولا، فلما دنا منه الخليفة قال: يا محمد ! قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ما في يدي ؟ فألهمه الله عزوجل أن قال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق بمشيته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك والخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل النبوة ! فلما سمع المأمون كلامه عجب منه وجعل يطيل نظره إليه، وقال: أنت ابن الرضا حقا ! وضاعف إحسانه إليه. قال علي بن عيسى: إني رأيت في كتاب لم يحضرني الآن اسمه أن البزاة عادت وفي أرجلها حيات خضر، وأنه سئل بعض الائمة فقال قبل أن يفصح عن السؤال: إن بين السماء والارض حيات خضر تصيدها بزاة شهب يمتحن بها أولاد الانبياء وما هذا معناه - والله أعلم (1) -. 7 - الدلائل للطبري: عن علي بن هبة الله، عن الصدوق، عن محمد بن موسى بن المتوكل عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد البرقي، عن أبيه عن محمد بن سنان، عن داوود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه لما خرج من عند المنصور نزل الحيرة، فبينا هو بها إذ أتاه الربيع فقال: أجب أمير المؤمنين فركب إليه وقد كان وجد في الصحراء صورة عجيبة لا تعرف خلقتها ذكر من وجدها أنه رآها وقد سقطت مع المطر، فلما دخل عليه قال له: يا أبا عبد الله أخبرني عن الهواء أي شئ فيه ؟ قال: بحر مكفوف، قال له: فله سكان ؟ قال: نعم قال: وما سكانه ؟ قال: أبدانهم أبدان الحيتان، ورؤوسهم رؤوس الطير، ولهم


(1) وفي مفتاح الفلاح كما سيأتي نقله في الباب الآتى " ان الغيم حين أخذ من ماء البحر تداخله سمك صغار فتسقط منه فيصطادها الملوك فيمتحنون بها سلالة النبوة ". والرواية كما تقدم مرسلة على أن نظائرها لا تخلو غالبا عن ضعف أو إرسال والله أعلم بحقيقة الحال.

[341]

أعرفة كأعرفة الديكة، ونغانغ كنغانغ الديكة وأجنحة كأجنحة الطير، من ألوان أشد بياض من الفضة، فدعا المنصور بالطست فإذا الخلق فيها لا يزيد ولا ينقص، فأذن له فانصرف، ثم قال للربيع: ويلك يا ربيع ! هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس. 8 - شرح النهج: لمحمد بن الحسين الكيدري ولابن ميثم - رحمة الله عليهما - قالا: روي أن زرارة وهشاما اختلفا في الهواء [أ] هو مخلوق أم لا ؟ فرفع إلى الصادق عليه السلام بعض مواليه وقال: إني متحير، فإني أرى أصحابنا يختلفون فقال: ليس هذا بخلاف يؤدي إلى الكفر والضلال. بيان: يدل على أن الخطأ في أمثال تلك الامور التي لا تعلق لها بأصول الدين ولا فروعه لا يوجب ضلالا ووبالا، يل يومئ إلى أن العلم بها ليس مما يورث للانسان فضلا وكمالا. ثم إنه يحتمل أن يكون اختلافهما في وجود الهواء بمعنى الخلأ والبعد الذي هو مكان عند المتكلمين كما ذكره ابن ميثم، وقد تقدم كلامه في ذلك في الباب الاول، ويحتمل أن يراد به الهواء الذي هو أحد العناصر. فائدة: اعلم أن في عدد طبقات الهواء مع طبقات سائر العناصر بين الحكماء خلافا، فقال نصير الملة والدين في التذكرة: طبقات العناصر ثمان: طبقة للنار الصرفة، ثم طبقة لما يمتزج من النار والهواء الحار التي تتلاشى فيه الادخنة المرتفعة من السفل، وتتكون فيها الكواكب ذوات الاذناب والنيازك وما يشبههما من الاعمدة وذوات القرون ونحوها، وربما يوجد هذه الامور المتكونة في هذه الطبقة متحركة بحركة الفلك الاعظم، ثم طبقة الهواء الغالب التي تحدث فيها الشهب ثم طبقة الزمهريرية الباردة التي هي منشأ السحب والرعد والبرق والصواعق ثم طبقة الهواء الحار الكثيف المجاور للارض والماء، ثم طبقة الماء، وبعض هذه الطبقة منكشفة عن الارض عناية من الحضرة الالهية لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة ثم طبقة الارض المخالطة لغيرها التي تتولد فيها الجبال والمعادن وكثير من النباتات والحيوانات، ثم طبقة الارض الصرفة المحيطة بالمركز.

[342]

وقيل: إنها تسع ثامنها الطبقة الطينية التي يخلط فيها الارض بالماء، و تاسعها طبقة الارض الصرفة، وباقي الطبقات على النحو المذكور. وقيل: إنها سبع: الاولى طبقة النار الصرفة، ثم الطبقات الخمس التي تحت النار الصرفة على النحو المذكور، وسابع الطبقات هي طبقة الارض. وقيل: إنها سبع الاولى طبقة للنار، وطبقة للماء، والطبقات الثلاث الاخيرة التي تعلقت بالارض بحالها على النحو المذكور، والهواء ينقسم إلى طبقتين باعتبار مخالطة الابخرة وعدمها: إحداهما الهواء اللطيف الصافي من الأبخرة والأدخنة والهيئات المتصاعدة من كرتي الارض والماء بسبب أشعة الشمس وغيرها من الكواكب، لان تلك الهيآت تنتهي في ارتفاعها إلى حد لا يتجاوزه، وهو من سطح الارض وجميع نواحيها أحد وخمسون ميلا وكسر قريب من تسعة عشر فرسخا، فمن هذه النهاية إلى كرة الاثير هو الهواء الصافي، وهو شفاف لا يقبل النور والظلمة والالوان كالافلاك. وثانيتهما هي الهواء المتكاثف بما فيهما من الاجزاء الارضية والمائية، وشكل هذا الهواء شكل كرة محيطة بالارض والماء على مركزها وسطح مواز لسطحها لتساوي غاية ارتفاع الهيئات المذكورة عن مركز الارض في جميع النواحي المستلزم لكرية هذه الطبقة، لكنها مختلفة القوام، لان الاقرب إلى الارض أكثف من الابعد لان الالطف يتصاعد أكثر من الاكثف، لكن لا يبلغ في التكاثف بحيث يحجب ما وراءه عن الابصار، وهذه الكرة تسمى كرة البخار، وعالم النسيم يعني مهب الرياح، لان ما فوقها من الهواء الصافي ساكن لا يضطرب، وتسمى كرة الليل والنهار، إذ هي القابلة للنور والظلمة بما فيها من الاجزاء الارضية والمائية القابلة لهما دون ما عداهما من الهواء الصافي. وقال بعض المحققين منهم: الاولى أن يقال: طبقات العنصريات سبع: أوليها طبقة النار الصرفة، وثانيتها طبقة الهواء الصافي الذي يصل إليه الدخان، و ثالثتها طبقة الهواء الذي يصل الدخان إليه ولم يصل إليه البخار، ويتكون في الطرف الاعلى منه النيازك وشبهها، وفي الطرف الادنى منه الشهب، ورابعتها طبقة الهواء

[343]

الذي يصل إليه البخار ويبقى على برودته الحاصلة، وهي الطبقة الزمهريرية التي تتكون فيها السحب والرعد والبرق والصواعق، وخامستها طبقة الهواء الكثيف المجاور للارض والماء، وسادستها طبقة الماء، وسابعتها طبقة الارض. وهو الترتيب المختار عند بعض في تفسير قوله تعالى " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن " بأن يكون المراد بالارض غير السماوات وما فيها. وقالوا: إن الزرقة التي يظن الناس أنها لون السماء فإنها تظهر في كرة البخار، لانه لما كان الالطف منه أشد صعودا عن الاكثف كانت الاجزاء القريبة من سطح كرة البخار أقل قبولا للضوء، لكثرة البعد واللطافة من الاجزاء القريبة من الارض، ولهذا تكون كالظلمة بالنسبة إلى هذه الاجزاء، فيرى الناظر في كرة البخار لونا متوسطا بين الظلام والضياء، لان الناظر إذا رأى شيئا مظلما من خلف شئ مضئ رأى لونا مخلوطا من الظلمة والضياء، أو لان كرة البخار مستضيئة دائما بأشعة الكواكب وما وراءها لعدم قبول الضوء كالمظلم بالنسبة إليها، فإذا نفذ نور البصر من الاجزاء المستنيرة بأشعة الكواكب ووصل إلى المظلم رأى الناظر ما فوقه من الجو المظلم بما يمازجه من الضياء الارضي والضياء الكوكبي لونا متوسطا بين الظلام والضياء وهو اللون اللاجوردي، كما إذا نظرنا من وراء جسم مشف أحمر مثلا إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمراء والخضرة، وهذا اللون اللاجوردي أشد الالوان مناسبة وتقوية بالنسبة إلى الابصار، فظهوره للابصار إنما هو من العناية الالهية ليكون للناظرين المتأملين في السماوات لذة، وقوة للابصار في النظر، كما يكون لعقولهم لذة عقليه في التأمل فيها. اقول: هذا ما قالوا في ذلك رجما بالغيب وأخذا بالظن، والله يعلم حقائق مخلوقاته وحججه الكرام عليهم السلام.

[344]

27 * (باب) * * (السحاب والمطر والشهاب والبروق والصواعق والقوس) * * (وسائر ما يحدث في الجو) * الآيات: البقرة: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من المساء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا الله أندادا وأنتم تعلمون (1) وقال تعالى: إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون (2). الانعام: وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ (3). الاعراف: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (4). الرعد: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (5).


(1) البقرة: 22. (2) البقرة: 64. (3) الانعام: 99. (4) الاعراف: 57. (5) الرعد: 12 - 13. (*)

[345]

ابراهيم: وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم (1). الحجر: إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (2). وقال تعالى: وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (3). النحل: وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (4). وقال تعالى: والله أنزل من السماء ماء فأحيى به الارض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (5). الحج: وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (6). وقال تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله لطيف خبير (7). المؤمنون: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض، وإنا على ذهاب به لقادرون فأشألكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (8). النور: ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك


(1) ابراهيم: 32 (2) الحجر: 18. (3) الحجر: 21 - 22. (4) النحل: 10. (5) النحل: 65. (6) الحج: 5. (7) الحج: 63. (8) المؤمنون: 18 - 19.

[346]

لعبرة لاولي الابصار (1). الفرقان: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (2). النمل: وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرهاءإله مع الله - إلى قوله تعالى - ومن يرزقكم من السماء والارض (3). العنكبوت: ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الارض من بعد موتها ليقولن الله (4). الروم: ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الارض بعد موتها أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (5). وقال تعالى: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباه إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شئ قدير ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (6). لقمان: وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (7).


(1) النور: 43 - 44. (2) الفرقان: 48 - 50. (3) النمل: 60 - 64. (4) العنكبوت: 63. (5) الروم: 24. (6) الروم: 48 - 51. (7) لقمان: 10.

[347]

فاطر: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور (1). الصافات: إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (2). الزمر: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لاولي الالباب (3). المؤمن: هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا (4). حمعسق: هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (5). الزخرف: والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (6). الجاثية: واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الارض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (7). ق: ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (8). الذاريات: والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا (9).


(1) فاطر 9. (2) الصافات: 10. (3) الزمر: 21. (4) المؤمن: 13. (5) الشورى: 28. (6) الزخرف: 11. (7) الجاثية: 5. (8) ق: 9 - 11. (9) الذاريات: 1 - 4.

[348]

القمر: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (1). الواقعة: أفرأيتم الماء الذي تشربونء أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (2). الجن: وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا إلى - قوله تعالى - و أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (3). تفسير: " وأنزلنا من السماء ماء " قال البيضاوي: خروج الثمار بقدرة الله ومشيته ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممزوجة منهما أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي الارض قوة قابلة تتولد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو قادر على أن يوجد الاشياء كلها بلا أسباب ومواد، كما أبدع نفوس الاسباب والمواد، ولكن له في إنشائها مدرجا من حال إلى حال صنعا وحكما يجدد فيها لاولي الابصار عبرا وسكونا إلى عظم قدرته ليس في إيجادها دفعة، و " من " الاولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء، أو الفلك، فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الارض على ما دلت عليه الظواهر أو من أسباب سماوية تثير الاجزاء الرطبة من أعماق الارض إلى جو الهواء فتنعقد سحابا ماطرا (4). " إن في خلق السماوات والارض " قيل: إنما جمع السماوات وأفرد الارض لان السماوات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الارضين " بما ينفع الناس " أي ينفعهم أو بالذي ينفعهم " وما أنزل الله من السماء من ماء " " من " الاولى


(1) القمر: 11. (2) الواقعة " 68 - 70. (3) الجن: 8 - 16. (4) أنوار التنزيل: ج 1، ص 46

[349]

للابتداء، والثانية للبيان. وقال البيضاوي: السماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو (1). وقال الرازي: فإن قيل: أفتقولون إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الارض فتخرج منها أبخرة متصاعدة، فإذا وصلت الجو بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز اتصلت، فتتولد من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر. قلنا: بل نقول: إنه ينزل من السماء كما ذكر الله تعالى وهو الصادق في خبره، وإذا كان قادرا على إمساك الماء في السحاب فأي بعد في أن يمسكه في السماء ؟ وأما قول من يقول إنه من بخار الارض فهذا ممكن في نفسه لكن القطع بأنه كذلك لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار وقدم العالم وذلك كفر، لانا متى جوزنا أن الفاعل المختار قادر على خلق الجسم فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه ؟ (2) (انتهى). " فأحيى به الارض " أي بالنبات مجازا " وبث فيها من كل دابة " قال البيضاوي: عطف على " أنزل " كأنه استدل بنزول المطر وتكون النبات به و بث الحيوانات في الارض، أو على " أحيى " فإن الداوب ينمون بالخصب و يعيشون بالحيا، والبث النشر والتفريق (3) وقال الرازي في تصريف الرياح وجه الاستدلال أنها مخلوقة على وجه يقبل التصريف وهو الرقة واللطافة، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجوه (4) يقع بها النفع العظيم في الانسان والحيوانات ثم ذلك من وجوه: أحدها أنها مادة النفس التي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شئ، وبعد الهواء الماء، لان الماء لابد


(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 126. (2) مفاتيح الغيب: ج 2، ص 100، لكن مع وجود الدلائل القاطعة الحاصلة من التجارب العلمية يمكن حصول العلم العادى به كحصول العلم بوجود سائر المعاليل الطبيعية عند وجود عللها (3) أنوار التنزيل: ج 1، ص 126. (4) في المصدر: على وجه يقع به.

[350]

فيه من تكلف الاغتراف بخلاف الهواء، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبدا ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة لكن دون الحاجة إلى الماء، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين والادوية النادرة قليلة، فلا جرم عزت هذه الاشياء، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جدا، ولا جرم كانت في نهاية العزة فثبت أن كلما كان الاحتياج إليه أشد كان وجدانه أسهل، وكلما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب، وما ذلك إلا رحمة منه على العباد، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله أعظم الحاجات نرجو أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شئ. وثانيها لولا تحرك الهواء لما جرت الفلك، وهذا مما لا يقدر عليه [أحد] إلا الله تعالى، فلو أراد كل [من في] العالم أن يقلب الريح من الشمال إلى الجنوب إذا كان الهواء ساكنا أن يحركه لتعذر. " والسحاب المسخر بين السماء والارض " سمي السحاب سحابا لا نسحابه في الهواء، ومعنى التسخير التذليل، وإنما سماه مسخرا لوجوه: أحدها أن طبع الماء يقتضي النزول، فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع، فلابد من قاهر يقسره على ذلك، ولذلك سماه بالمسخر. الثاني أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الامطار، ولو انقطع لعظم ضرره لانه يفضي إلى القحط وعدم العشب. الثالث أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء، وذلك هو التسخير (1) (انتهى). " لآيات لقوم يعقلون " قال البيضاوي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، والكلام المجمل في دلالة هذه الآيات على وجود الاله ووحدته أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة. إذ كان من الجائز مثلا أن لا تتحرك السماوات أو بعضها كالارض، وأن تتحرك بعكس حركتها


(1) مفاتيح الغيب: ج 2، ص 102.

[351]

وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها، فلابد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته، وتقتضيه مشيته، متعاليا عن معارضة غيره، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه [الآخر] فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن كان لاحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وعجز الآخر النافي لالهيته، وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد، كما أشار إليه بقوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (1) " (انتهى). وأقول: قد مر في كتاب التوحيد بسط القول في الاستدلال بحدوث تلك الاشياء وإمكانها على افتقارها إلى صانع قديم واجب بذاته، واشتمالها على الحكم المتناهية على قدرته - سبحانه - وعلمه وحكمته ولطفه، وبانتظامها وتلازمها على وحدة صانعها، فلا نعيد الكلام فيها. " وهو الذي أنزل من السماء ماء " قال الرازي: اختلف الناس فيه، فقال الجبائي: إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الارض قال: لان ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء، والعدول عن الظاهر إلى التأويل إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره. وأما قول من يقول: إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الارض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء فينعقد الغيم منها ويتقاطر وذلك هو المطر فقد احتج الجبائي على فساده بوجوه: الاول أن البرد قد يوجد في وقت الحر [بل] في صميم الصيف، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد، وذلك يبطل قولهم. الثاني أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت وتفرقت لم يتولد منها قطرات الماء. الثالث لو كان تولد المطر من صعود البخارات فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار. فوجب أن يدوم هناك نزول المطر، وحيث لم يكن الامر كذلك علمنا


(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 126.

[352]

فساد قولهم. قال: فثبت بهذه الوجوه أنه ليس تولد المطر من بخار الارض. ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لانهم اعتقدوا أن الاجسام قديمة، وإذا كان الامر كذلك امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات (1) بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شئ عن مادة معينة. وأما المسلمون فلما اعتقدوا أن الاجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الاجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات فثبت أن ظاهر القرآن يدل على أن الماء إنما ينزل من السماء، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر، فوجب القول بحمله على ظاهره فثبت أن الحق سبحانه ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الاجسام في السماء، ثم ينزلها إلى السحاب ثم من السحاب إلى الارض. والقول الثاني: المراد: أنزل من جانب المساء ماء. القول الثالث: أنزل من السحاب ماء، وسمى الله السحاب سماء لان العرب تسمي كل ما فوقك سماء، كسماء البيت. ثم قال: نقل الواحدي في البسيط عن ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر (2). أقول: ورجح في موضع آخر نزول المطر من السحاب، قال لان الانسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل، فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطرا عليهم، وإذا كان هذا الامر مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه باطلا، ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك. والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول (3) (انتهى). " وهو الذي يرسل الرياح بشرا " منهم من قرأ " نشرا " بضم النون والشين.


(1) في المصدر: الذرات. (2) مفاتيح الغيب: ج 4، ص 153. (3) مفاتيح الغيب ج 4 ص 154.

[353]

جمع نشور مثل رسل ورسول، أي رياحا منشرة مفرقة من كل جانب، وقرأ ابن عامر بضم النون وإسكان الشين بتخفيف العين، وقرأ حمزة بفتح النون وإسكان الشين مصدر نشرت الثوب ضد طويته، وهنا بمعنى المفعول، أو بمعنى الحياة فهو بمعنى الفاعل، وقرأ عاصم بالباء جمع بشير أي مبشرات بالمطر أو الرحمة " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " قال الرازي: يقال أقل فلان الشئ إذا حمله، أي حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما فيها من الماء، والمعنى أن السحاب المسيطر بالمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لانه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا، فيحصل منها فوائد: أحدها أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض و يتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر وثانيها أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الاجزاء المائية النزول، فلا جرم يبقى معلقا في الهواء وثالثها أن بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر، وهو الموضع الذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الامطار وانتفاعهم بها. ورابعها أن حركة الرياح تارة تكون مفرقة لاجزاء السحاب مبطلة لها وخامسها أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزرع والاشجار مكملة لما فيها من النشوء والنماء، وهي الرياح اللواقح، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف وسادسها أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للابدان، وتارة تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحرارة الشديدة كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح المهلكة جدا وسابعها أن تلك الرياح تارة تكون شرقية، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية، وهذا ضبط ذكره بعض الناس، وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم، ولا ضبط لها، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها وثامنها أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الارض، فان من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل له غليان شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وتارة ينزل الريح من جهة الفوق، فاختلاف الرياح بسبب هذه

[354]

المعاني أيضا عجيب وعن السدي أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب، ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك، ورحمته هو المطر. إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أن طبيعة الهواء واحدة وتأثيرات الطبائع والانجم والافلاك واحدة تدل على أن هذه الاحوال لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى " سقناه لبلد ميت " والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولا تنبت فيه خضرة، والسحاب لفظه مذكر، وهو جمع " سحابة " فيجوز فيه التذكير والتأنيث، فلذا أتى بهما في الآية، واللام في قوله " لبلد " إما بمعنى إلى، أو المعنى سقناه لاجل بلد ميت ليس فيه حب نسقيه، والضمير في قوله " به " إما راجع إلى البلد، أو إلى السحاب، وفي قوله " أخرجنا به " عائد إلى الماء، وقيل: إلى البلد وعلى القول الاول فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء. وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار غير متولدة من الماء، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب. وقال جمهور الحكماء: لا يمتنع أن يقال: إنه تعالى أودع في الماء قوة وطبيعة، ثم إن تلك القوة والطبيعة توجبان حدوث الاحوال المخصوصة. والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول بأن طبيعة الماء والتراب واحدة، ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد الاحوال المختلفة مثل العنب، فإن قشره بارد يابس، ولحمه وماؤه حار رطب، وعجمه بارد يابس، فتولد الاجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب يدل على أنها إنما حدثت بإحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصية (1) (انتهى). " خوفا وطمعا " قال الزمخشري: في انتصابهما وجوه: الاول أنه لا يصح أن يكونا مفعولا لهما، لانهما ليسا بفاعل الفعل المعلل به إلا على تقدير حذف المضاف، أي إرادة خوف وطمع، أو على معنى: إخافة وإطماعا الثاني يجوز أن


(1) مفاتيح الغيب: ج 4، ص 355.

[355]

يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع، والتقدير: ذا خوف وذا طمع الثالث أن يكون حالا من المخاطبين أي خائفين وطامعين. وقال الرازي: في كونهما خوفا وطمعا وجوه: الاول: [ان] عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث الثاني أنه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له نفع الثالث: أن كل شئ يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه شر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان. ثم اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله سبحانه، وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب من أجزاء مائية وأجزاء هوائية، ولا شك أن الغالب عليه الاجزاء المائية، والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس، فظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل، فلابد من صانع مختار يظهر الضد من الضد. فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق ؟ فالجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول [وبيانه] من وجوه: الاول: أنه لو كان الامر كذلك لوجب أن يقال أينما يحصل البرق فلابد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب، ومعلوم أن ليس الامر كذلك، فإنه كثيرا ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد. الثاني أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد وعند حصول هذا المعارض القوي كيف تحدث النارية ؟ بل نقول: النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها، والسحاب كله ماء، فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية ؟

[356]

الثالث من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب، لكن من أين حدث ذلك اللون الاحمر ؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف، وأن حدوث النار الخالصة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم. " وينشئ السحاب الثقال " السحاب اسم الجنس، والواحدة سحابة والثقال: جمع ثقيلة، أي الثقال بالماء واعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لان هذه الاجزاء المائية إما يقال إنها حدثت في جو الهواء، أو يقال إنها تصاعدت من وجه الارض، فإن كان الاول وجب أن يكون حدوثها بإحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني وهو أن يقال إن تلك الاجزاء تصاعدت من الارض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت ورجعت إلى الارض فنقول: هذا باطل، وذلك لان الامطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة، وتارة تكون متقاربة وأخرى تكون متباعدة تارة تدوم مدة نزول المطر زمانا طويلا وتارة قليلا، فاختلاف الامطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الارض واحدة وطبيعة الاشعة المسخنة للبخارات واحدة لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار. وأيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرا عظيما، ولذلك شرعت صلاة الاستسقاء، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة الخاصة (1) (انتهى). " ويسبح الرعد بحمده " قال الطبرسي - ره -: تسبيح الرعد دلالته على تنزيه الله تعالى ووجوب حمده، فكأنه هو المسبح، وقيل: إن الرعد هو الملك الذي يسوق السحاب ويزجره بصوته، فهو يسبح الله ويحمده. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن ربكم سبحانه يقول: لو أن عبادي أطاعوني لاسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم اسمعهم صوت الرعد. وكان صلى الله عليه وآله إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده. وكان ابن عباس يقول: سبحان


(1) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 279.

[357]

الذي سبحت له. وروى سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، قال ابن عباس: من سمع الرعد فقال " سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شئ قدير " فإن أصابته صاعقة فعلي ذنبه (1). " والملائكة من خيفته " أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته. قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شئ. " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " ويصرفها عمن يشاء، إلا أنه حذف، ورووا عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أن الصواعق تصيب المسلم وغير المسلم، ولا تصيب ذاكرا (انتهى) (2). وقال الرازي: في قوله تعالى " ويسبح الرعد بحمده " أقوال: الاول أن الرعد اسم ملك من الملائكة، والصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل. عن ابن عباس أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرعد ما هو ؟ فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء الله تعالى. قالوا: فالصوت الذي يسمع ؟ قال: زجرة السحاب. وعن الحسن أنه خلق من الله ليس بملك، فعلى هذا القول الرعد اسم للملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى، وذلك الصوت أيضا مسمى بالرعد، ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك، فنطقه الرعد، وضحكه البرق. واعلم أن هذا القول غير مستبعد، وذلك لان عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول الحياة، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له فكيف


(1) في المصدر: ديته. (2) مجمع البيان: ج 5، ص 283.

[358]

يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندر يتولد في النار، والضفادع تتولد في السحاب (1) والدودة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة ؟ وأيضا إذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام ولا تسبيح الحصى في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يبعد تسبيح السحاب ؟ وعلى هذا القول فهذا الشئ المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان: أحدهما أنه ليس بملك لانه عطف عليه الملائكة، والثاني أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وأفرد بالذكر على سبيل التشريف. القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح لله تعالى، لان التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول النزاهة والتقديس لله تعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود [موجود] متعال عن النقص والامكان كان ذلك في الحقيقة تسبيحا وهو معنى قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ". الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحا أن من سمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه. الرابع: من كلمات الصوفية: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم. ثم قال: واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الارواح الفلكية يدبره وكذ القول في الرياح وسائر [الآثار] العلوية. وهذا غير ما نقلنا أن الرعد اسم الملك. ثم قال: أمر الصاعقة عجيب جدا، وذلك لانها نار تتولد في السحاب. فإذا نزلت من السحاب فربما غاضت البحر وأحرقت الحيتان تحت البحر ! والحكماء بالغوا في وصف قوتها. ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة، وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن يكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران


(1) في المصدر: في الماء البارد.

[359]

الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الامر كذلك، فإنها أقوى [من] نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لابد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار. " وهم يجادلون في الله " أي هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله، وهو يحتمل وجوها: أحدها أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم حديد ؟ !... وثانيها أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر، وثالثها الرد عليهم في طلب سائر المعجزات ورابعها الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. " وهو شديد المحال " المشهور أن الميم أصلية وقيل زائدة، والمعنى: شديد القوة، وقيل: شديد المكر، وقيل: شديد العقوبة، وقيل: شديد المغالبة وقيل: شديد الجدال (1). " رزقا لكم " قال البيضاوي: أي تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول " أخرج " و " من الثمرات " بيان له أو حال عنه، ويحتمل عكس ذلك، و يجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة أو المصدر، لان " أخرج " في معنى " رزق " (2). " إلا من استرق السمع " قال البيضاوي: بدل من كل شيطان، واستراق السمع اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عباس أنهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات. فلما ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم منعوا من كلها بالشهب، ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد، لجواز أن يكون لها أسباب أخر. وقيل: الاستثناء منقطع، أي ولكن من استرق السمع " فأتبعه شهاب " أي فتبعه ولحقه شهاب " مبين " ظاهر للمبصرين، و


(1) مفاتيح الغيب " ج 5، ص 282. (2) أنوار التنزيل: ج 1، ص 637.

[360]

الشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق (1) (انتهى). وقال الرازي: لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماوات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبارا من الغيوب عنهم ثم إنها تنزل و تلقي تلك الغيوب فعلى هذا التقدير يجب أن يخرج الاخبار عن المغيبات عن كونه معجزا دليلا على الصدق. ولا يقال: إن الله تعالى أخبر عن أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لانا نقول: هذا المعجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولا، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الاخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذ يلزم الدور، وهو باطل محال. ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولا بسائر المعجزات ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله عجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الاخبار عن الغيب معجزا وحينئذ يندفع الدور (2) (انتهى). وأقول: يمكن أن يقال: يجب في لطف الله وحكمته أن لا يمكن الكاذب في دعوى النبوة والامامة من هذا، وإلا لزم الاغراء بالقبيح ولو بالنسبة إلى العوام ولذا قيل: لا تجري الشعبذة أيضا على يد المدعي الكاذب فتأمل. " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " قيل: أي وما من شئ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره، أو شبه مقدوراته بالاشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد " وما ننزله " من تلك الخزائن " إلا بقدر معلوم " اقتضته الحكمة وتعلقت به المشية فإن تخصيص بعضها بالايجاد في بعض الاوقات على بعض الصفات والحالات لابد له من مخصص حكيم. وقال علي بن إبراهيم: الخزانة الماء الذي ينزل من السماء


(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 645. (2) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 386.

[361]

فينبت لكل ضرب من الحيوان ما قدر الله له من الغذاء (1). وقال بعض المحققين: أقول: الاول كلام من خلا من التحصيل، والثاني تمثيل للتقريب من أفهام الجمهور وتفسير في الظاهر، وأما في الباطن والتأويل فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الاعلى أولا على الوجه الكلي في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل، الذي منه يجري ثانيا على الوجه الجزئي في لوح القدر الذي فيه المحو والاثبات تدرجا على التنزل، فإلى الاول أشير بقوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " وبقوله " وعنده أم الكتاب " وإلى الثاني بقوله " وما ننزله إلا بقدر معلوم " ومنه ينزل ويظهر في عالم الشهادة، وعن السجاد عليه السلام: إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البر والبحر، قال: وهذا تأويل قوله " وإن من شئ الآية " أراد عليه السلام به ما ذكرناه (انتهى). " وأرسلنا الرياح لواقح " قيل: أي حوامل، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه مالا يكون كذلك بالعقيم، أو ملقحات للشجر والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله " ومختبط مما تطيح الطوائح ". " فأسقيناكموه " أي فجعلناه لكم سقيا، يقال: سقيته حتى روي، وأسقيته نهرا، أي جعلته شرابا له. " وما أنتم له بخازنين " أي قادرين متمكنين من إخراجه نفى عنهم ما أثبته لنفسه، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار، وذلك أيضا يدل على المدبر الحكيم، كما يدل عليه حركة الهواء في بعض الاوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حد لابد له من سبب مخصص. " لكم منه شراب " قيل: أي ما تشربونه، و " لكم " صلة " أنزل " أو خبر " شراب " و " من " تبعيضية متعلقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه، ولا بأس به، لان مياه العيون والآبار منه، لقوله " فسلكه ينابيع " وقوله " فأسكناه في الارض ".


(1) تفسير القمي: 350.

[362]

" ومنه شجر " أي ومنه يكون شجر، يعني الشجر الذي يرعاه المواشي، و قيل: كل ما ينبت على الارض شجر " فيه تسيمون " أي ترعون مواشيكم، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصلها السومة وهي العلامة، لانها تؤثر بالرعي علامات. " فأحيى به الارض بعد موتها " أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها " لقوم يسمعون " أي سماع تدبر وإنصاف. " وترى الارض هامدة " أي ميتة يابسة، من همدت النار إذا صارت رمادا " اهتزت " أي تحركت بالنبات " وربت " أي انتفخت " وأنبتت " على المجاز لان المنبت هو الله تعالى " من كل زوج " أي من كل نوع من أنواع النبات " بهيج " البهجة: حسن الشئ ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج، قال المبرد: هو الشئ المشرق الجميل. " ألم تر " أي ألم تعلم، وقيل: المراد الرؤية بالبصر " فتصبح الارض " إنما لم يقل أصبحت ليدل على بقاء [أثر] المطر زمانا بعد زمان، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام، لانه لو نصب لاعطى عكس ما هو الغرض، لان معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار " إن الله لطيف " يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق " خبير " بالتدابير الظاهرة والباطنة. " وأنزلنا من السماء ماء " قال الرازي: من قال إن المراد بالسماء السحاب قال إن الله تعالى أصعد الاجزاء المائية من قعر الارض ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكيف (1) ثم ينزله الله على قدر الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الارض، ولا بماء البحر لملوحته، ولانه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الارض، لان البحار هي الغاية في العمق. وهذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار، وأما من أقر به فلا حاجة له إلى شئ منها. " بقدر " أي بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون به إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب


(1) في المصدر: تتكون.

[363]

وبمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم. " فأسكناه في الارض " قيل: جعلناه ثابتا في الارض، قال ابن عباس: أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار: سيحون وجيحون، ودجلة، والفرات، والنيل، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضا القرآن. " وإنا على ذهاب به لقادرون " أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على رفعه وإزالته. ولما نبه سبحانه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال: " فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب " وإنما خصهما لكثرة منافعهما، فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الادام ومقام الفاكهة رطبا ويابسا. وقوله " لكم فيها فواكه كثيرة " أي في الجنات، فكما أن فيها النخيل والاعناب فيها الفواكه الكثيرة، وقوله " ومنها تأكلون " قال الزمخشري يجوز أن يكون هذا من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن صنعة فعلها يعنون أنها طعمته وجهته التي يحصل منها رزقه، كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم منها تتعيشون (1). " ألم تر " بعين عقلك ولم تعلم " أن الله يزجي سحابا " أي يسوقه، ومنه البضاعة المزجاة، فإنها يزجيها كل أحد " ثم يؤلف بينه " بأن يكون قزعا فيضم بعضها إلى بعض، وبهذا الاعتبار صح " بينه " إذ المعنى: بين أجزائه " ثم يجعله ركاما " أي متراكما بعضه على بعض " فترى الودق " أي المطر " يخرج من خلاله " أي من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل " وينزل من السماء " قيل: أي من الغمام وكل ما علاك فهو سماؤك " من جبال فيها من برد " قيل: أي قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها " من برد " بيان للجبال والمفعول محذوف أي ينزل حينئذ ماء من السماء من جبال، ويجوز أن تكون " من " الثانية والثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول، وقيل: المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الارض جبال من حجر، وعليه ظواهر كثير من الاخبار ولم يدل دليل قاطع على نفيه. قال الرازي: قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج


(1) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 278.

[364]

والبرد والطل والصقيع في أكثر الامر يكون من تكاثف البخار، وفي الاقل من تكاثف الهواء، أما الاول فالبخار الصاعد إن كان قليلا وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وأما إن كان البخار كثيرا ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الابخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ، فإن بلغت فإما أن يكون البرد قويا أو لا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار المجتمع هو السحاب والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم، وأما إن كان البرد شديدا فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الاجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها أو بعد صيرورتها كذلك، فإن كان على الوجه الاول نزل ثلجا، وإن كان على الوجه الثاني نزل بردا، وأما إذا لم تبلغ الابخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون قليلة أو تكون كثيرة، فإن كانت كثيرة فهي تنعقد سحابا ماطرا وقد لا تنعقد، أما الاول فذاك لاحد أسباب خاصة: أولها إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الابخرة وثانيها أن تكون الرياح ضاغطة لها إلى اجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح وثالثها أن تكون هناك رياح متقابلة متصادفة فتمنع صعود الابخرة حينئذ ورابعها أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته ثم تلتصق به سائر الاجزاء الكثيرة المدد وخامسها لشدة برد الهواء القريب من الارض فقد يشاهد البخار يصعد في الجبال صعودا يسيرا حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة، والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس، أما إذا كانت الابخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل وكثفها وعقدها ما يكون محسوسا ونزول نزولا متفرقا لا يحس به إلا عند اجتماع شئ يعتد به، فإن لم يجمد كان طلا وإن جمد كان صقيعا، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. وإما أن يكون [السحاب] من انقباض الهواء، وذلك عند ما يبرد الهواء و

[365]

ينقبض، وحينئذ تحصل منه الاقسام المذكورة. والجواب: أنا لما دللنا على حدوث الاجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه سبحانه قادرا مختارا يمكنه إيجاد الاجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه، لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه، وأيضا فهب أن الامر كما ذكرتم ولكن الاجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها ولابد لها من مؤثر ثم إنها متماثلة فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط و اللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لابد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبائع، وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الاحوال، وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحابا، لانه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الابخرة من باطن الارض إلى جو الهواء، ثم تلك الابخرة ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض، فهو سبحانه هو الذي جعله ركاما، فثبت أنه على جميع التقديرات وجه الاستدلال بهذه الاشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين (1) (انتهى). " فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء " الضميران للبرد والاصابة بإهلاك الزرع والمال، وقد يهلك الانفس أيضا " يكاد سنابرقه " أي يقرب ضوء برق السحاب أن " يذهب بالابصار " أبصار الناظرين إليه من فرط الاضاءة " يقلب الله الليل والنهار " بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور، أو ما يعم ذلك " إن في ذلك " أي في ما تقدم ذكره " لعبرة لاولي الابصار " أي لاولي البصائر والعقول: لدلالته على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيته وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة. " بشرا " قرأ عاصم بالباء المضمومة، أي مبشرات جمع بشور، وابن عامر بالنون والسكون، أي ناشرات للسحاب، والكسائي بفتح النون مصدرا " بين


(1) مفاتيح الغيب: ج 6، ص 419. (*)

[366]

يدي رحمته " أي المطر كما مر. " ماء طهورا " أي مطرا، وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود، وقيل: بليغا في الطهارة " لنحيي به بلدة ميتا " بالنبات، والتذكير لان " البلدة في معنى البلد " وأناسي كثيرا " قيل: يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحياء، ولذلك نكر الانعام والاناسي، وتخصيصهم لان أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الانهار والمنابع، فبهم (1) وبما حولهم من الانعام غنية عن سقي السماء. " ولقد صرفناه بينهم " قال البيضاوي:: أي صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة، والاوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة، من وابل وطل وغيرهما وعن ابن عباس: ما عام أمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية. أو في الانهار أو في المنابع " ليذكروا " أي ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم " فأبى أكثر الناس إلا كفورا " أي إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها أو جحودها بأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الامطار إلا من الانواء كان كافرا، بخلاف من يرى أنها من خلق الله والانواء وسائط أو أمارات يجعله (2) الله تعالى. " فأنبتنا: " عدل به عن الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، و التنبيه على أن إنبات الحدائق البهية (3) المختلفة الانواع المتباعدة الطبائع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره تعالى كما أشار إليه بقوله " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " أي شجر الحدائق - وهي البساتين - من الاحداق وهو الاحاطة " من السماء والارض " أي بأسباب سماوية وأرضية. " يريكم البرق " مقدر بأن، أو الفعل فيه منزل منزلة المصدر كقولهم " تسمع


(1) فبها (ظ). (2) يجعلها (ظ). (3) الاظهر " التهيجة ".

[367]

بالمعيدي خير من أن تراه " أو صفة لمحذوف تقديره: آية يريكم بها البرق " خوفا " من الصاعقة وللمسافر " وطمعا " في الغيث وللمقيم " فيبسطه " أي متصلا تارة في السماء أو (1) في سمتها " كيف يشاء " سائرا وواقفا، مطبقا وغير مطبق، من جانب دون جانب إلى غير ذلك " ويجعله كسفا " أي قطعا تارة أخرى " فترى الودق " أي المطر " يخرج من خلاله " في التارتين " فإذا أصاب به من يشاء من عباده " يعني بلادهم وأراضيهم " إذا هم يستبشرون " بمجئ الخصب " أن ينزل عليهم " أي المطر " من قبله " تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالبطر واستحكام يأسهم (2) وقيل: الضمير للمطر أو السحاب أو الارسال " لمبلسين " أي لابسين قانطين. " فانظر إلى آثار رحمة الله " أي أثر الغيث من النبات والاشجار وأنواع الثمار، ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص " إن ذلك " يعني الذي قدر على إحياء الارض بعد موتها " لمحيي الموتى " لقادر على إحيائهم " فرأوه مصفرا " أي فرأوا الاثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل: السحاب، لانه إذا كان مصفرا لم يمطر، واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، وقوله " لظلوا " [جواب] سد مسد الجزاء. " من كل زوج " أي صنف " كريم " أي كثير المنفعة " فتثير سحابا " على حكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة، و لان المراد بيان إحداثها بهذه الخاصية ولذلك أسنده إليها، ويجوز أن يكون اختلاف الافعال للدلالة على استمرار الامر " فأحيينا به الارض " أي بالمطر النازل منه، وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب فإنه سبب السبب، أو الصائر مطرا " بعد موتها " أي بعد يبسها " كذلك النشور " أي مثل إحياء الموات نشور الاموات في صحة المقدورية، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس، وذلك لا مدخل له فيها، وقيل: في كيفية الاحياء فإنه تعالى يرسل ماء من تحت العرش ينبت منه (3) أجساد الخلق.


(1) أي (خ). (2) بأسهم (خ). (3) به (خ).

[368]

" إلا من خطف الخطفة " الخطف الاختلاس، والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة، و " أتبع " بمعنى تبع، و " الشهاب " ما يرى كوكبا انقض، وما قيل إنه بخار يصعد إلى الاثير فيشتعل فتخمين إن صح لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك، ولا في قوله تعالى " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين " فإن كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لاهل الارض وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث لما ذكر في بعض الاوقات رجما للشياطين يتصعد إلى قرب الفلك للتسمع، وما روي أن ذلك حدث بميلاد النبي صلى الله عليه وآله إن صح فلعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورا، واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحرق به لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون [عنه] رأسا. ولا يقال: إن الشيطان من النار فلا يحترق، لانه ليس من النار الصرف كما أن الانسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها. " ثاقب " أي مضئ كأنه يثقب الجو بضوئه. " أنزل من السماء ماء " قال الرازي: وهو المطر، وقيل: كل ماء كان في الارض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه " فسلكه ينابيع في الارض " أي فأدخله ونظمه ينابيع في الارض عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الاجسام " ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه " من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفا أصنافه من بر وشعير وسمسم " ثم يهيج " وذلك لانه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل من منابته وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الاجزاء كأنها هاجت للتفرق " ثم يصير حطاما " فتاتا (1) " إن في ذلك لذكرى: يعني أن من شاهد هذه الاحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والانسان كذلك، وأنه وإن طال عمره فلابد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الاعضاء والاجزاء، ثم


(1) في المفاتيح: يابسا.

[369]

عاقبته (1) الموت فإذا كانت مشاهدة هذه الاحوال في النبات مذكرة حصول مثل هذه الاحوال في نفسه وفي حياته فحينئذ تعظم نفرته من الدنيا وطيباتها. قال الواحدي: الينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع، وهو نصب بنزع الخافض كان التقدير: فسلكه في ينابيع " ثم يهيج " أي يخضر، والحطام: ما تفتت وتكسر من النبت (2) (انتهى). " من السماء رزقا " أي أسباب رزق كالمطر " ينزل الغيث " قال البيضاوي: أي المطر الذي يغيثهم من الجدب " ولذلك خص بالنافع منها " من بعد ما قنطوا " أيسوا منه " وينشر رحمته " في كل شئ من السهل والجبل والنبات والحيوان " وهو الولي " الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته " الحميد " المستحق للحمد على ذلك (3). " ماء بقدر " أي بمقدار ينفع ولا يضر " فأحيينا به بلدة ميتا " مال عنه النماء " كذلك " مثل ذلك الانشاء " تخرجون " تنشرون من قبوركم. " من رزق " أي من مطر وسماه رزقا لانه سببه " بعد موتها " بعد يبسها " وتصريف الرياح " باختلاف جهاتها وأحوالها. " ماء مباركا " أي كثير المنافع " فأنبتنا به جنات " أي أشجارا وثمارا (4) " وحب الحصيد " أي حب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبر والشعير " والنخل باسقات " طوالا أو حوامل، من أبسقت الشاة إذا حملت، فيكون من أفعل فهو فاعل. وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها " لها طلع نضيد " أي منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من التمر " رزقا للعباد " علة لانبتنا أو مصدر، فإن الانبات رزق " وأحيينا به بلدة ميتا " أي أرضا


(1) عاقبة (خ). (2) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 249. (3) أنوار التنزيل: ج 2، ص 399 (4) أثمارا (خ).

[370]

جدبة لا نماء فيها " كذلك الخروج " كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم. " والذاريات ذروا " قال الطبرسي - ره -: روي أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب على المنبر فقال: ما الذاريات ذروا ؟ قال: الرياح قال: فالحاملات وقرا ؟ قال: السحاب، قال: فالجاريات يسرا ؟ قال: السفن ؟ قال: فالمقسمات أمرا ؟ قال: الملائكة. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد فالذاريات: الرياح تذور التراب وهشيم النبت أي تفرقه، فالحاملات: السحاب تحمل ثقلا من الماء من بلد فتصير وموقرة به، والوقر - بالكسر -: ثقل الحمل على ظهر أو في بطن (1) " فالجاريات يسرا " أي السفن تجري في الماء جريا سهلا إلى حيث سيرت، وقيل: هي السحاب تجري يسيرا إلى حيث سيرها الله من البقاع وقيل: هي النجوم السبعة السيارة " فالمقسمات أمرا " الملائكة يقسمون الامور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم الله تعالى بهذه الاشياء لكثرة ما فيها من المنافع للعباد ولما تضمنته من الدلالة على وحدانية الله تعالى وبدائع صنعه، وقيل: التقدير القسم برب هذه الاشياء (2) (انتهى). " بماء منهمر " أي منصب، قال الرازي: المراد من الفتح والابواب والسماء إما حقائقها فنقول: للسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه، وهو على طريقة الاستعارة، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب، وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل: جرت ميازيب السماء، وفتح أفواه القرب، أي كأنه كان ذلك (3). " أفرأيتم الماء الذي تشربون " قال البيضاوي: أي العذب الصالح للشرب. " من المزن " أي من السحاب، وقيل: هو السحاب الابيض وماؤه أعذب. " أم نحن


(1) في المجمع: الوقر ثقل الاذن. (2) مجمع البيان: ج 9، ص 152. (3) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 786.

[371]

المنزلون " بقدرتنا. " جعلناه أجاجا " أي مالحا " فلولا تشكرون " أمثال هذه النعم الضرورية (1). " لاسقيناهم ماء غدقا " أي لوسعنا عليهم الرزق، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لانه أصل المعاش والسعة، وعزة وجوده بين العرب (2). أقول: سيأتي تفسير باقي السورة في باب الجن، وفيه ما يناسب هذا الباب. 1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجا معه الابرش الكلبي، فلقيا أبا عبد الله في المسجد الحرام، فقال هشام للابرش: تعرف هذا ؟ قال: لا، قال هذا الذي تزعم الشيعة أنه نبي من كثرة علمه فقال الابرش: لاسألنه عن مسألة لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي. فقال هشام: وددت أنك فعلت ذلك. فلقي الابرش أبا عبد الله عليه السلام فقال: يا أبا عبد الله ! أخبرني عن قول الله " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما " (3) فما كان رتقهما وما كان فتقهما ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبرش ! هو كما وصف نفسه كان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يحد، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء يومئذ عذب فرات، فلما أراد أن يخلق الارض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الارض من تحته، فقال الله تبارك وتعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا (4) " ثم مكث الرب تبارك وتعالى ما شاء فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها، فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السماء، وجعل فيها


(1) أنوار التنزيل: ج 2، ص 492. (2) أنوار التنزيل: ج 2، ص 555. (3) الانبياء: 30. (4) آل عمران: 91.

[372]

البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر، وأجراها في الفلك، وكانت السماء خضراء على لون الماء الاخضر، وكانت الارض غبراء على لون الماء العذب، وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب، ولم يكن للارض أبواب وهو النبت، ولم تمطر (1) السماء عليها فتنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الارض بالنبات، وذلك قوله عزوجل " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما " فقال الابرش: والله ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط ! أعد علي، فأعاد عليه، وكان الابرش ملحدا فقال: وأنا أشهد أنك ابن نبي - ثلاث مرات (2). 2 - العلل: عن أبيه، عن الحميري، عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر ابن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: كان علي عليه السلام يقوم في المطر أول مطر يمطر حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه، فيقال له: يا أمير المؤمنين، الكن ! الكن ! فيقول: إن هذا ماء قريب العهد بالعرش. ثم أنشأ يحدث فقال: إن تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت به أرزاق الحيوان، وإذا أراد الله تعالى أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه أوحى الله عزوجل فمطر منه ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى السماء الدنيا فتلقيه إلى السحاب، والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحي الله عزوجل أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا وعبابا (3) وغير عباب، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به، فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك [حتى] يضعها موضعها، ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بقدر معدود ووزن معلوم إلا ما كان يوم الطوفان على عهد نوح عليه السلام فإنه نزل منها ماء منهمر بلا عدد ولا وزن (4).


(1) في المصدر: لم تقطر. (2) تفسير القمى: 427 وقد مر الحديث بعينه في باب حدوث العالم وبدء خلقه تحت الرقم 47. (3) أو (خ). (4) العلل: ج 2، ص 141.

[373]

القرب: عن هارون، عن ابن صدقة مثله (1). 3 - التفسير: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض " فهي الانهار والعيون والآبار (2). وقال علي بن إبراهيم في قوله تعالى " ألم تر أن الله يزجي سحابا " أي يثيره من الارض " ثم يؤلف بينه " فإذا غلظ بعث الله ريحا (3) فتعصره فينزل منه الماء، وهو قوله " فترى الودق يخرج من خلاله " أي المطر (4). 4 - ومنه: عن أبيه، عن العرزمي، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن حارث الاعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سئل عن السحاب أين يكون ؟ قال: يكون على شجر كثيف على ساحل البحر يأوي إليها، فإذا أراد الله أن يرسله أرسل ريحا فأثاره (5). 5 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: السحاب غربال المطر، ولولا ذلك لافسد كل شئ يقع عليه (6). 6 - وقال عليه السلام في قوله تعالى " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا أمطرت فتحت الاصداف أفواهها في البحر فيقع فيها من ماء المطر، فيخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة (7).


(1) قرب الاسناد: ص 49. (2) تفسير القمى: 446. (3) في المصدر: ملكا. (4) تفسير القمى: 459. (5) تفسير القمى: 603 وفيه: ووكل به ملائكة يضربونه بالمخاريق وهو البرق فيرتفع. (6) قرب الاسناد: 84. (7) قرب الاسناد: 85.

[374]

بيان: هذا أحد الوجوه في تأويل الآية الكريمة، ورواه المفسرون عن ابن عباس، ويؤيده أن البحر العذب لا يخرج منه اللؤلؤ على المشهور، ولعل الخلق من القطرتين معناه أن لهما مدخلا في خلقهما لا أنهما مادتهما، وسيأتي تمام القول في ذلك في محله. 6 - معاني الاخبار: عن الحاكم عبد الحميد بن عبد الرحمان النيسابوري عن أبيه، عن عبيدالله بن محمد بن سليمان، عن أبي عمرو الضرير، عن عباد بن عباد المهلبي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فنشأت سحابة، فقالوا: يا رسول الله هذه سحابة ناشئة، فقال: كيف ترون قواعدها ؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسنها وأشد تمكنها ! قال: كيف ترون بواسقها ؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسنها وأشد تراكمها ! قال: كيف ترون جونها ؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسنه وأشد سواده ! قال: كيف (1) ترون رحاها ؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسنها وأشد استدارتها ! قال: فكيف ترون برقها ؟ أخفوا أم وميضا أم يشق شقا ؟ قالوا: يا رسول الله بل يشق شقا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحيا. فقالوا: يا رسول الله ما أفصحك ! وما رأينا الذي هو أفصح منك. فقال: وما يمنعني من ذلك وبلساني نزل القرآن " بلسان عربي مبين (2) " ؟ ثم قال: حدثنا الحاكم، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو علي الرياحي، عن أبي عمرو الضرير بهذا الحديث. وقال: أخبرني محمد بن هارون الزنجاني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد قال: القواعد هي أصولها المعترضة في آفاق السماء، وأحسبها تشبه بقواعد البيت وهي حيطانه والواحدة قاعدة، قال الله عزوجل " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت


(1) في المصدر: فكيف. (2) معاني الاخبار: ص 319.

[375]

وإسماعيل (1) " وأما البواسق ففروعها المستطيلة التي في (2) وسط السماء إلى الافق الآخر، وكذلك كل طويل فهو باسق، قال الله عزوجل " والنخل باسقات لها طلع نضيد (3) " والجون هو الاسود اليحمومي، وجمعه " جون " وأما قوله " فكيف ترون رحاها " فإن رحاها استدارة السحابة في السماء، ولهذا قيل: " رحا الحرب " وهو الموضع الذي يستدار فيه لها، والخفو: الاعتراض من البرق في نواحي الغيم، وفيه لغتان: يقال: خفا البرق يخفو خفوا ويخفي خفيا. والوميض أن يلمع قليلا ثم يسكن وليس له اعتراض، وأما الذي شق (4) شقا فاستطالته في الجو إلى وسط السماء من غير أن يأخذ يمينا ولا شمالا. قال الصدوق: الحيا المطر (5). بيان: قال الزمخشري في الفائق: سأل النبي صلى الله عليه وآله عن سحائب مرت فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها ورحاها أجون أم غير ذلك ؟ ثم سأل عن البرق فقال: أخفوا أم وميضا أم يشق شقا ؟ قالوا: يشق شقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءكم الحيا. أراد بالقواعد ما اعترض منها كقواعد البنيان، و بالبواسق ما استطال من فروعها، وبالرحى ما استدار منها. الجون في الجون كالورد في الورد، والخفو والخفي اعتراض البرق في نواحي الغيم. قال أبو عمرو: هو أن يلمع من غير أن يستطير وأنشد: يبيت إذا مالاح من نحو أرضه * سنا البرق يكلا خفيه ويراقبه والوميض لمعه ثم سكونه، ومنه أومض إذا أومأ، والشق استطالته إلى وسط السماء من غير أن يأخذ يمينا وشمالا، أراد: أيخفو خفوا أم يميض وميضا


(1) البقرة: 127. (2) في المصدر: المستطيلة إلى وسط السماء. (3) ق: 10. (4) في المصدر: يشق. (5) معاني الاخبار: 320.

[376]

ولذلك عطف عليه " يشق شقا " وإظهار الفعل هنا بعد إضماره في ما قبله نظير المجئ بالواو في قوله عزوجل: " وثامنهم كلبهم (1) " بعد تركها في ما قبلها (انتهى). وأقول: قدمر بعض القول فيه في المجلد السادس. 7 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الصاعقة لا تصيب المؤمن. فقال له رجل: فإنا قد رأينا فلانا يصلي في المسجد الحرام فأصابته، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنه كان يرمي حمام الحرم (2). 8 - وبهذا الاسناد: قال: الصاعقة تصيب المؤمن والكافر، ولا تصيب ذاكرا (3). بيان: لعل المراد بالمؤمن أولا الكامل في الايمان، وثانيا مطلق المؤمن بقرينة أن رمي حمام الحرم لا يخرج عن مطلق الايمان، ويحتمل أن يكون الرامي مخالفا وأسند الاصابة إلى الرمي تقية. 9 - التفسير: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر المعراج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى السماء الدنيا وعليها ملك يقال له " إسماعيل " وهو صاحب الخطفة التي قال الله عزوجل " إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " وتحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك - الخبر (4) -. 10 - ومنه: " وحفظا من كل شيطان مارد " قال: المارد الخبيث " لا يسمعون إلى الملأ الاعلى ويقذفون من كل جانب دحورا " يعني الكواكب التي يرمون بها " ولهم عذاب واصب " أي واجب " إلا من خطف الخطفة " يعني يسمعون الكلمة


(1) الكهف: 23. (2 و 3) العلل: ج 2، ص 147. (4) تفسير القمي: 369.

[377]

فيحفظونها " فأتبعه شهاب ثاقب " وهو ما يرمون به فيحرقون، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: عذاب واصب أي دائم وجع قد خلص إلى قلوبهم. وقوله " شهاب ثاقب " مضي إذا أصابهم بقوة (1). 11 - العيون ومعاني الاخبار: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن أبي عقدة عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، قال: قال الرضا عليه السلام في قول الله عزوجل " هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا " قال: خوف للمسافر وطمع للمقيم (2). 12 - الاحتجاج والخصال: في ما أجاب الحسن بن علي عليهما السلام من أسئلة ملك الروم وقال السائل: ما قوس قزح ؟ قال: ويحك ! لا تقل قوس قزح، فإن قزح اسم شيطان، وهو قوس الله، وعلامة الخصب، وأمان لاهل الارض من الغرق (3). 13 - الاحتجاج: عن الاصبغ قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ! أخبرني عن قوس قزح. قال: ثكلتك أمك [يا ابن الكواء] ! لا تقل قوس قزح فإن قزح (4) اسم الشيطان، ولكن قل: قوس الله إذا بدت يبدو الخصب والريف (5). 14 - العلل: عن محمد بن شاذان بن أحمد البرواذي، عن محمد بن محمد بن الحرث السمرقندي، عن صالح بن سعيد الترمذي، عن عبد المنعم بن إدريس عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: أهل الكتابين يقولون: لما هبط نوح من السفينة أوحى الله عزوجل إليه: يا نوح ! إنني خلقت خلقي لعبادتي وأمرتهم بطاعتي، فقد عصوني وعبدوا غيري واستوجبوا بذلك غضبي فغرقتهم، وإني قد جعلت قوسي أمانا لعبادي و


(1) تفسير القمي: 555. (2) العيون: ج 1، ص 294، ومعاني الاخبار: 374. (3) الاحتجاج: 144. (4) في المصدر: قزحا. (5) الاحتجاج: 138.

[378]

بلادي وموثقا بيني وبين خلقي يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق، ومن أوفى بعهده مني ؟ ففرح نوح عليه السلام بذلك وتباشر، وكانت القوس فيها سهم ووتر، فنزع الله عزوجل السهم والوتر من القوس (1) وجعلها أمانا لعباده وبلاده من الغرق (2). بيان: هذه الاخبار تدل على أنه مادام يظهر القوس في الجو لا تصيبهم الطوفان والغرق. 15 - قصص الراوندي: بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام ان قوما من بني إسرائيل قالوا لنبي لهم: ادع لنا ربك يمطر علينا السماء إذا أردنا فسأل ربه ذلك فوعده أن يفعل، فأمطر السماء عليهم كلما أرادوا، فزرعوا فنمت زروعهم وحسنت، فلما حصدوا لم يجدوا شيئا، فقالوا: إنما سألنا المطر للمنفعة فأوحى الله تعالى أنهم لم يرضوا بتدبيري لهم، أو نحو هذا. 16 - المحاسن: عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن الوشاء، عن أبان الاحمر عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لولا أن الله حبس الريح على أهل الدنيا لاخوت الارض، ولولا السحاب لخربت الارض فما أنبتت شيئا، ولكن الله يأمر السحاب فيغربل الماء فينزل قطرا، وإنه أرسل على قوم نوح بغير حساب. بيان: " لاخوت الارض " أي خلت من الناس أو من الخير أو خربت وانهدمت قال الفيروز آبادي: خوت الدار: تهدمت، وخوت وخويت: خلت من أهلها وأرض خاوية: خالية من أهلها، وخوى - كرمى -: تابع (3) عليه الجوع، و الزند: لم يور، كأخوى، والنجوم خيا: أمحلت فلم تمطر، كأخوت وخوت. 17 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن اليقطيني، عن القاسم


(1) على عهدة وهب بن منبه الكذاب وأهل الكتابين. (2) العلل: ج 1، ص 28. (3) في بعض النسخ: كرضى تتابع عليه الجوع.

[379]

ابن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عزوجل ولو قد قام قائمنا لانزلت السماء قطرها، ولا خرجت الارض نباتها (1). 18 - تفسير الامام: في قوله تعالى " وأنزل من السماء ماء " يعني المطر ينزل مع كل قطرة ملكا يضعها في موضعها الذي يأمره به ربه عزوجل. 19 - العياشي: عن يونس بن عبد الرحمن، أن داود قال: كنا عنده فارتعدت السماء فقال: سبحان من يسبح له الرعد بحمده والملائكة من خيفته. فقال له أبو بصير: جعلت فداك، إن للرعد كلاما ؟ فقال: يا أبا محمد سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. بيان: يدل على أن التفكر في حقائق المخلوقات وأمثالها مما لم يؤمر الخلق به، بل لا فائدة لهم فيه (2). 20 - العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرعد أي شئ يقول ؟ قال: إنه بمنزلة الرجل يكون في الابل فيزجرها " هاي، هاي " كهيئة ذلك (3)، قلت: فما البرق ؟ قال (4) لي: تلك مخاريق الملائكة تضرب السحاب فتسوقه إلى الموضع الذي قضى الله فيه المطر. الفقيه: عن أبي بصير مثله.


(1) الخصال: 165. (2) الرواية مرسلة ودلالتها على ما ذكره ممنوع لاحتمال كون الردع لاجل عدم استعداد أبي بصير أو بعض الحضار لفهم حقيقته، فكيف تعارض الادلة المتظافرة على حسن مطلق التفكر سوى التفكر في ذات الله تعالى، وكيف لا يكون للناس فائدة فيه ؟ فاي فائدة أعظم و أهم من معرفة صنع الله تعالى ولا سيما معرفة تسبيح خلائقه له واعترافها بتوحيده وقدرته و علمه وحكمته وسائر صفاته العليا وأسمائه الحسنى ؟ ! (3) وقد مر في الرواية السابقة ان أبا بصير سأله عليه السلام عن كلام الرعد فردعه عنه والروايتان مرسلتان غير معتبرتان وكذا ما يتلوهما. (4) في الفقيه: فما حال البرق ؟ فقال.

[380]

21 - قال: وروي أن الرعد صوت ملك أكبر من الذباب وأصغر من الزنبور (1). 22 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن محمد بن الفضيل، عن الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يموت المؤمن بكل ميتة إلا الصاعقة لا تأخذه وهو يذكر الله عزوجل (2). 23 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الصاعقة (3) لا تصيب ذاكرا (4). 24 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يقوم في المطر أول ما يمطر حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه، فقيل له: يا أمير المؤمنين الكن ! الكن ! فقال: إن هذا ماء قريب العهد بالعرش، ثم أنشأ يحدث فقال: إن تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت أرزاق الحيوانات، فإذا أراد الله عز ذكره أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه لهم أوحى الله إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى سماء الدنيا - فيما أظن - فيلقيه إلى السحاب، والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحي إلى الريح أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الماء (5) ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا فأمطري عليهم فيكون كذا وكذا عبابا وغير ذلك، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك حتى يضعها موضعها، ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بعدد معدود ووزن معلوم إلا ما كان من يوم الطوفان على عهد


(1) الفقيه: 139. (2) الكافي: ج 2، ص 500. (3) في المصدر: الصواعق. (4) الكافي: ج 2، ص 500. (5) الملح (خ).

[381]

نوح عليه السلام فإنه نزل من ماء منهمر بلا وزن ولا عدد (1). 25 - قال: وحدثني أبو عبد الله عليه السلام قال: قال لي أبي عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل جعل السحاب غرابيل للمطر هي تذيب البرد حتى يصير ماء لكي لا يضر شيئا يصيبه، والذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله عز وجل يصيب بها من يشاء من عباده. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تشيروا إلى المطر ولا إلى الهلال فإن الله يكره ذلك (2). العلل: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن هارون بن مسلم مثله إلى قوله " فإنه نزل منها ماء منهمر بلا عدد ولا وزن [وقد مر في ما تقدم (3)]. قرب الاسناد: عن هارون مثله إلى آخر الخبر (4). بيان: " أول ما يمطر " أي أول كل مطر، أو المطر الذي يمطر أول السنة. وفي العلل. " أول مطر يمطر " وهو يؤيد الثاني. والكن بالنصب على الاغراء أي اطلبه أو ادخله، وهو بالكسر ما يستتر به من بناء ونحوه. " في ما أظن " ليس هذه في العلل وقرب الاسناد، وعلى تقديره هو كلام الراوي، أي أظن أن الصادق عليه السلام ذكر السماء الدنيا. " ثم يوحي إلى الريح " في الكتابين " ثم يوحي الله إلى السحاب أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء " وهذا ظاهر وآخر الخبر صريحا يدل على أن ما ينزل من السماء برد، فإذا أراد أن يصيره مطرا أمر الريح أو السحاب أن يطحنه ويذيبه، والآية أيضا تحتمل ذلك، بل هو أظهر فيها إذ الظاهر أن مفعول ينزل هو الودق، لكن ذكر البحر في أول الخبر لا يلائم ذلك، إلا أن يقال: الجبال في ذلك البحر، أو يكون مرور ذلك الماء على تلك الجبال فبذلك ينجمد، أو يحتمل من ذلك البرد فينزل، وعلى ما فتحه المتفلسفون


(1) روضة الكافي: 239. (2) روضة الكافي: 240. (3) تحت الرقم 2. (4) قرب الاسناد: ص 49. (*)

[382]

من أبواب التأويل فالامر هين. " ماء منهمر " أي منصب سائل من غير تقاطر أو كثير من غير أن يعلم وزنها وعددها الملائكة. " لا تشيروا إلى المطر... " لعل المراد به الاشارة إليهما على سبيل المدح كأن يقول: ما أحسن هذا الهلال وما أجود هذا المطر ! أو أنه ينبغي عند رؤيتهما الاشتغال بالدعاء لا الاشارة إليهما كما يفعله السفهاء، أو لا ينبغي عند رؤيتهما التوجه إليهما عند الدعاء والتوسل بهما، كما أن بعض الناس يظنون أن للهلال وأمثاله مدخلا في نظام العالم فيتوسلون به ويتوجهون إليه، وهذا أظهر بالنسبة إلى الهلال، ويؤيده ما روي في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا رأيت هلال شهر رمضان فلا تشر إليه، ولكن استقبل القبلة وارفع يديك إلى الله عزوجل وخاطب الهلال - الخبر - (1) وقيل: المراد بالاشارة الاشارة المعنوية والقول بأنهما مؤثران في العالم، وقيل: هو نهي عن الاشارة إلى كيفية حدوثهما فإن ذلك يضر باعتقاد العامة، كما قيل نظيره في قوله تعالى " يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج (2) ". 26 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العرزمي، رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام وسئل عن السحاب أين تكون ؟ قال: تكون على شجر على كثيب على شاطئ البحر يأوي إليه، فإذا أراد الله عز وجل أن يرسله أرسل ريحا فأثارته، ووكل به ملائكة يضربونه بالمخاريق وهو البرق فيرتفع، ثم قرأ هذه الآية " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت - الآية - (3) " والملك اسمه الرعد (4). تفسير علي بن ابراهيم: عن أبيه، عن العرزمي، عن أبيه، عن أبي إسحاق


(1) الفقيه: 175. (2) البقرة: 189. (3) الفاطر: 10. (4) روضة الكافي: 218.

[383]

عن الحارث الاعور عنه عليه السلام مثله [إلى قوله " فيرتفع "] (1). بيان: " تكون على شجر " يحتمل أن يكون نوع من السحاب كذلك، أو يكون كناية عن انبعاثه عن البحر وما قرب منه، وقيل " على شجر " أي على أنواع منها ما يكون على الكثيب وهو اسم موضع على ساحل البحر اليمن يأتي السحاب إلى مكة منها. وفي النهاية: في حديث علي عليه السلام " البرق مخاريق الملائكة " هي جمع مخراق، وهو في الاصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، أراد أنها آلة تزجربها الملائكة السحاب وتسوقه، ويفسره حديث ابن عباس: البرق سوط من نور تزجر بها الملائكة السحاب. 27 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: المطر الذي منه أرزاق الحيوان من بحر تحت العرش، فمن ثم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستمطر أول مطر، ويقوم حتى يبتل رأسه ولحيته، ثم يقول: إن هذا [ماء] قريب عهد بالعرش، وإذا أراد الله تعالى أن يمطر أنزله من ذلك إلى سماء بعد سماء حتى يقع على الارض. ويقال: المزن ذلك البحر، وتهب ريح من تحت ساق عرش الله تعالى تلقح السحاب، ثم ينزل من المزن الماء، ومع كل قطرة ملك حتى تقع على الارض في موضعها. 28 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن التلعكبري عن محمد بن همام، عن عبد الله الحميري، عن الطيالسي، عن زريق الخلقاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما برقت (2) قط في ظلمة ليل ولا ضوء نهار إلا وهي ماطرة. الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير عن زريق، عن أبي العباس، عنه عليه السلام مثله (3). بيان: قال الفيروز آبادي: برقت السماء بروقا، لمعت أو جاءت ببرق، و


(1) تفسير القمي: 603 وقد مر تحت الرقم (4). (2) في الكافي: ما أبرقت. (3) روضة الكافي: 218.

[384]

البرق: بدا، والرجل: تهدد وتوعد كأبرق (انتهى) والحاصل أن البرق يلزمه المطر وإن لم يمطر في كل موضع يلوح فيه البرق. 29 - دعوات الراوندي: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أصابه المطر مسح به صلعته وقال: بركة من السماء لم يصبها يد ولا سقاء. 30 - كتاب الغارات: لابراهيم الثقفي بإسناده، قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى " والذاريات ذروا " قال: الرياح، ويلك ! قال: فما الحاملات وقرا ؟ قال: السحاب، ويلك ! قال: فما الجاريات يسرا ؟ قال: السفن، ويلك ! قال: فما المقسمات أمرا ؟ قال: الملائكة، ويلك ؟ قال: فما قوس قزح ؟ قال: ويلك ! لا تقل قوس قزح فإن قزحا الشيطان، ولكنها القوس، و أمان أهل الارض، فلا غرق بعد قوم نوح. 31 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الصاعقة لا تصيب ذاكرا لله [تعالى]. 32 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض " فهي الانهار والعيون والآبار. وقال علي بن إبراهيم في قوله " ألم تر أن الله يزجي سحابا ": أي يثيره من الارض " ثم يؤلف بينه " فإذا غلظ بعث الله رياحا فتعصره فينزل منه الماء وهو قوله " فترى الودق يخرج من خلاله " أي المطر (1). 33 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يموت المؤمن بكل ميتة إلا الصاعقة لا تأخذه وهو يذكر الله (2). 34 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن


(1) قد مر تحت الرقم (3). (2) الكافي: ج 2، ص 500 وقد مر تحت الرقم (22).

[385]

أذينة، عن بريد العجلي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أن الصواعق لا تصيب ذاكرا، قلت: وما الذاكر ؟ قال: من قرأ مائة آية (1). 35 - ومنه: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهب (2) ابن حفص، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ميتة المؤمن، قال: يموت المؤمن بكل ميتة، يموت غرقا، ويموت بالهدم، ويبتلي بالسبع، ويموت بالصاعقة، ولا تصيب ذاكرا لله عزوجل (3). 36 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده، ألا ترى أن الامطار إذا توالت عفنت البقول والخضر، واسترخت أبدان الحيوان، وخصر الهواء فأحدث ضروبا من الامراض، وفسدت الطرق والمسالك. وإن الصحو إذا دام جفت الارض، واحترق النبات، وغيض ماء العيون والاودية، فأضر ذلك بالناس، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الامراض ؟ فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء، ودفع كل واحد منهما عادية الاخرى، فصلحت الاشياء واستقامت. فإن قال قائل: ولم لا يكون في شئ من ذلك مضرة البتة ؟ قيل له: ليمض ذلك الانسان ويولمه بعض الالم فيرعوي عن المعاصي، فكما أن الانسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الادوية المرة البشعة ليقوم طباعه ويصلح ما فسد منه، كذلك إذا طغى وأشر احتاج إلى ما يعضه ويولمه ليرعوي ويقصر عن مساوية، ويتنبه على ما فيه حظه ورشده. ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت ؟ فأين هذا من مطرة رواء إذ يعمر به البلاد


(1) الكافي ج 2 ص 500 وقد مر تحت الرقم (23). (2) في المصدر: وهيب. (3) الكافي: ج 2، ص 500.

[386]

ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الارض كلها ؟ أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون ؟ ! و ربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة، وقلة معرفة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها. تأمل نزوله على الارض وتدبر في ذلك، فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ وارتفع منها فيرويه، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا المواضع المشرفة منها ولقل ما يزرع في الارض، ألا ترى أن الذي يزرع سيحا أقل من ذلك ؟ فالامطار هي التي تطبق الارض، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم، حتى يستأثر بالماء ذو العزة والقوة ويحرمه الضعفاء. ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الارض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في قعر الارض فيرويها ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الارض فلا يغور فيها، ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها، فصار ينزل نزولا رقيقا فينبت الحب والمزروع ويحيي الارض والزرع القائم، وفي نزوله أيضا مصالح أخرى، فإنه يلين الابدان، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذلك ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الداء المسمى " اليرقان " إلى أشباه هذا من المنافع. فإن قال قائل: أو ليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير لشدة ما يقع منه، أو برد يكون فيه تحطم الغلات وبخورة يحدثها في الهواء فيتولد كثير من الامراض في الابدان، والآفات في الغلات ؟ قيل: بلى، قد يكون ذلك الفرط لما فيه من صلاح الانسان وكفه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها فيكون المنفعة فيها يصلح له من دينه أرجح مما عسى أن يرزأ في ماله. بيان: " يعتقبان " أي يأتي كل منهما عقيب صاحبه، و " خصر الهواء "

[387]

بكسر الصاد المهملة، يقال خصر يومنا أي اشتد برده، وماء خاصر: بارد، وفي أكثر النسخ بالحاء المهملة والسين من حسر أي كل، وهو لا يستقيم إلا بتكلف وتجوز، وفي بعضها بالخاء المعجمة والثاء المثلثة من قولهم خثر إذا غلظ. والبشع: الكريه المطعم الذي يأخذ بالحلق. والقنطار معيار، ويروى أنه ألف ومائتا أوقية، ويقال: هو مائة وعشرون رطلا، ويقال: هو ملء مسك الثور ذهبا. قوله عليه السلام " ويذهب له به الصوت " أي يملأ صيت كرمه وجوده الآفاق. والذمر: الملامة والتهدد، والحطم: الكسر، والاندفاق: الانصباب، واليرقان آفة للزرع وقوله " مما عسى أن يرزأ " من الرزء المصيبة. 37 - الدر المنثور: عن ابن عباس، قال: السحاب الاسود فيه المطر، و الابيض فيه الندى، وهو الذي ينضج الثمار (1). 38 - وعن ابن عباس، قال: ما من عام بأقل مطرا من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية " ولقد صرفنا بينهم ليذكروا - الآية " - (2). 39 - وعن عمر مولى عفرة، قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبرئيل، فقال: إني أحب أن أعلم أمر السحاب، فقال جبرئيل: هذا ملك السحاب فاسأله، فقال: تأتينا صكاك مختمة: اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة (3). 40 - وعن ابن عباس، قال: إذا رمي الشهاب لم يخط من رمي به، وتلا " فأتبعه شهاب ثاقب (4) ". 41 - وفي رواية أخرى عنه، قال: لا يقتلون بالشهاب ولا يموتون، ولكنها تخرق وتخرج من غير قتل (5). 42 - وعن ابن عباس، قال: ما أرسل الله شيئا من ريح أو ماء إلا بمكيال


(1) لم نجد هذه الرواية بعينها في المصدر: لكن يوجد ما يشابهها في (ج 1، ص 165) ولعلها نقلت بالمعنى. (2 و 3) الدر المنثور: ج 5، ص 73. (4 و 5) الدر المنثور: ج 5، ص 271

[388]

إلا يوم نوح ويوم عاد، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ " إنا لما طغى الماء " وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ " بريح صرصر عاتية ". وعن علي عليه السلام مثله إلا أنه قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بمكيال على يد ملك (1). 43 - وعن الزهري: عن علي بن الحسين عليهما السلام، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه فرمي بنجم فاستنار، قال: ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية ؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم قال: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته. ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم ؟ فيخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه. قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية ؟ قال: نعم، قال: أرأيت " إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (2) " قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3). * (تتميم) * اعلم أن الفلاسفة أثبتوا عناصر أربعة: النار، والهواء، والماء، والارض وقالوا: النار حار يابس، والهواء حار رطب، والماء بارد رطب، والارض بارد يابس، وكرة النار عندهم ملاصقة لكرة فلك القمر متحركة بحركتها بالتبع و


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 259. (2) الجن: 10. (3) الدر المنثور: ج 5، ص 235.

[389]

لها كرة واحدة، وتحتها الهواء وله أربع طبقات: الاولى ما يمتزج منه مع النار وهي التي تتلاشى فيها الادخنة المرتفعة من السفل، وتتكون فيها الكواكب ذوات الاذناب وما يشبهها من النيازك والاعمدة وغيرها. الثانية الهواء الصرفة أو القريب من الصرافة، وتضمحل فيها الادخنة اللطيفة، ويحصل منها الشهب. الثالثة الهواء الباردة بما يخالطه من الابخرة الباقي على برودته لعدم وصول أثر الشعاع المنعكس من وجه الارض إليه. الرابعة الهواء الكثيف المجاور للارض والماء الغير الباقي على صرافة برودته المكتسبة لمكان الاشعة المنعكسة. ثم كرة الماء، وهي غير تامة، محيطة بثلاثة أرباع الارض تقريبا. ثم الارض وهي كرة مصمتة وقد أحاط بقريب من ثلاثة أرباعها الماء، فالماء على هيئة كرة مجوفة غير تامة قد قطع بعض جوانبها وملئت من الارض، فالآن مجموع الماء والارض بمنزلة كرة واحدة تامة الهيئة. وللماء طبقة واحدة هي البحر المحيط بالارض، ولم يبق على صرافته لنفوذ آثار الاشعة فيه ومخالطته بالاجزاء الارضية وليس له ما يميز بين أبعاضه بحيث تختلف في الاحكام اختلافا يعتد به، والارض ساكنة في الوسط بحيث ينطبق مركز حجمها على مركز العالم هذا هو المشهور بينهم وزعم بعض الاوائل منهم أن الارض متحركة حركة وضعية دورية من المغرب إلى المشرق وأن شروق الكواكب وغروبها بسبب ذلك لا بسبب حركة الفلك وهذا قول ضعيف متروك عندهم. وللارض ثلاث طبقات الاولى الارض الصرفة المحيطة بالمركز الثانية الطبقة الطينية وهي المجاورة للماء الثالثة الطبقة المنكشفة من الماء، وهي التي تحتبس فيها الابخرة والادخنة، وتتولد فيها المعادن والنباتات والحيوانات، وتنقسم إلى البراري والجبال، وهي المعروفة بالربع المسكون المنقسم إلى الاقاليم السبعة. وأما السبب في انكشافها فقد قيل: هو انجذاب الماء إلى ناحية الجنوب لغلبة الحرارة فيها بسبب قرب الشمس، لكون حضيض الشمس في البروج الجنوبية، وكونها في القرب أشد شعاعا من كونها في البعد، وكون الحرارة اللازمة من الشعاع

[390]

الاشد أقوى لا محالة، وشأن الحرارة جذب الرطوبات، وعلى هذا يمكن أن تنتقل العمارة من الشمال إلى الجنوب ثم من الجنوب إلى الشمال وهكذا بسبب انتقال الاوج من أحدهما إلى الآخر، وتكون العمارة دائما [إلى] حيث أوج الشمس لئلا يجتمع في الصيف قرب الشمس من سمت الرأس وقربها من الارض فتبلغ الحرارة إلى حد النكاية والاحراق، ولا البعدان في الشتاء فيبلغ البرد إلى حد النكاية و التفجيع، وقيل: سببه كثرة الوهاد والاغوار في ناحية الشمال باتفاق من الاسباب الخارجة، فتنحدر المياه إليها بالطبع وتبقى المواضع المرتفعة مكشوفة، وقيل: ليس له سبب معلوم غير العناية الالهية ليصير مستقرا للانسان وغيره من الحيوانات ومادة لما يحتاج إليه من المعادن والنباتات. ثم إنهم يقولون بأن كلا من تلك العناصر الاربعة قابل للكون والفساد أي ينقلب بعضها إلى بعض بلا توسط أو بتوسط واحد أو أكثر، كالماء ينقلب حجر المرمر، فإنه يحصل من مياه صافية جارية مشروبة تجتمع في وهاد تتحجر حجرا قريب الحجم من حجمها في زمان قليل كما ينقل من بعض محال مراغة من بلاد آذربايجان، وقيل: الحق أن ذلك إنما هو بخاصية في بعض المواضع من الارض خلق الله فيها قوة معدنية شديدة التأثير في التحجير إذا صادفتها المياه تحجرت، وربما كانت في باطن الارض فظهرت بالزلازل، ومن هذا القبيل ما نقل من انقلاب بعض الناس حجرا، وقد شوهدت في بعض البلاد أشباح حجرية على هيئة أشخاص إنسية من رجال ونساء وولدان لا يعوزها من التشكيل والتخصيط شئ، وأشخاص بهيمية وسائر أمور تتعلق بالانسان على حالات مخصوصة وأوضاع يغلب على الظن أنها كانت قوالب إنسية وما يتعلق بها، فلا يبعد ظهور [مثل] هذه القوة على قوم غضب الله عليهم (انتهى). وقالوا: الحجر ينحل بالحيل الاكسيرية ماء سيالا، والهواء ينقلب ماء كما يشاهد في قلل الجبال وغيرها أن الهواء بسبب البرد يغلظ ويصير سحابا متقاطرا وكما يشاهد من ركوب القطرات على الطاس المكبوب على الجمد، والماء ينقلب

[391]

هواء بالحر الحاصل من تسخين الشمس أو النار كما يشاهد من البخار الصاعد من الماء المسخن، فإن البخار أجزاء هوائية متكونة من الماء مستصحبة لاجزاء مائية لطيفة مختلطة بها، والهواء ينقلب نارا كما في كور الحدادين إذا ألح النفخ عليها وسد الطرق التي يدخل منها الهواء الجديد يحدث فيه نار من انقلاب الهواء إليها، ومن هذا القبيل الهواء الحار الذي منه السموم المحرقة، والنار أيضا تنقلب هواء كما يشاهد في شعلة المصباح، فإنها لو بقيت على النارية لتحركت إلى مكانها الطبيعي على خط مستقيم فاحترقت ما حاذاها وليس كذلك. ثم إنهم قالوا: إذا تصغرت تلك العناصر وامتزجت وتماست وفعل بعضها في بعض بقواها المتضادة تحصل منها كيفية متوسطة هي المزاج، والتركيب قد يكون تاما يحصل به مزاج ويستعد بذلك لافاضة صورة نوعية تحفظ التركيب زمانا طويلا، وقد يكون ناقصا لا يبقى مدة مديدة بل تنحل بأدنى سبب مثل كائنات الجو. قال صاحب المقاصد: المركبات التي لا مزاج لها ثلاثة أنواع، لان حدوثه إما فوق الارض أعني في الهواء، وإما على وجه الارض، وإما في الارض فالنوع الاول منه ما يتكون من البخار، ومنه ما يتكون من الدخان وكلاهما بالحرارة فإنها تحلل من الرطب أجزاء هوائية ومائية وهي البخار، ومن اليابس أجزاء أرضية تخالطها أجزاء نارية وقلما يخلو عن هوائية وهي الدخان، فالبخار المتصاعد قد يلطف بتحليل الحرارة أجزاؤه المائية فيصير هواء، وقد يبلغ الطبقة الزمهريرية فيتكاثف فيجتمع سحابا ويتقاطر قطرا إن لم يكن البرد شديدا، وإن أصابه برد شديد يجمد السحاب قبل تشكله بشكل القطرات نزل ثلجا، أو بعد تشكله بذلك نزل بردا صغيرا مستديرا إن كان من سحاب بعيد لذوبان الزوايا بالحركة والاصطكاك، وإلا فكبيرا غير مستدير في الغالب، وإنما يكون البرد في هواء ربيعي أو خريفي لفرط التحليل في الصيفي والجمود في الشتوي، وقد لا يبلغ البخار المتصاعد الطبقة الزمهريرية، فإن كثر صار ضبابا، وإن قل وتكاثف ببرد

[392]

الليل فإن انجمد نزل صقيعا، وإلا فطلا، فنسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. وقد يكون السحاب الماطر من بخار كثير تكاثف بالبرد من غير أن يتصعد إلى الزمهريرية لمانع مثل هبوب الرياح المانعة للابخرة من التصاعد، أو الضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح وثقل الجزء المتقدم وبطء حركته. وقد يكون مع البخار المتصاعد دخان، فإذا ارتفعا معا إلى الهواء البارد وقد انعقد البخار سحابا واحتبس الدخان فيه فإن بقي الدخان على حرارته قصد الصعود، وإن برد قصد النزول، وكيف كان فإنه يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث من تمزيقه ومصاكته صوت هو الرعد، ونارية لطيفة هي البرق، أو كثيفة هي الصاعقة. وقد يشتعل الدخان الغليظ بالوصول إلى كرة النار كما يشاهد عند وصول دخان سراج منطفئ إلى سراج مشتعل فيرى فيه الاشتعال فيرى كأنه كوكب انقض وهو الشهاب، وقد يكون لغلظه لا يشتعل بل يحترق ويدوم فيه الاحتراق فيبقى على هيئة ذؤابة أو ذنب أو حية أو حيوان له قرون، وربما يقف تحت كوكب ويدور مع النار بدوران الفلك إياها، وربما تظهر فيه علامات هائلة حمر وسود بحسب زيادة غلظ الدخان. وإذا لم ينقطع اتصال الدخان من الارض ونزل اشتعاله إلى الارض يرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الارض وهو الحريق (انتهى). وقال في المواقف: وأما الدخان فربما يخالط السحاب فيحرقه، إما في صعوده بالطبع أو عند هبوطه للتكاثف بالبرد، فيحدث من خرقه له ومصاكته إياه صوت هو الرعد، وقد يشتعل بقوة التسخين الحاصل من الحركة والمصاكة فلطيفه ينطفئ سريعا وهو البرق، وكثيفه لا ينطفئ حتى يصل إلى الارض وهي الصاعقة. وقال شارحه: وإذا وصل إليها فربما صار لطيفا ينفذ في المتخلخل ولا يحرقه ويذيب الاجسام المندمجة، فيذيب الذهب والفضة في الصرة مثلا ولا يحرقها إلا

[393]

ما احترق من الذوب، وقد أخبرنا أهل التواتر بأن الصاعقة وقعت بشيراز على قبة الشيخ الكبير أبي عبد الله بن حفيف، فأذاب قنديلا فيها ولم يحرق شيئا منها. و ربما كان كثيفا غليظا جدا فيحرق كل شئ أصابه، وكثيرا ما تقع على الجبل فتدكه دكا. ويحكى أن صبيا كان في صحراء فأصاب ساقيه صاعقة فسقط رجلاه ولم يخرج منه دم لحصول الكي بحرارتها. وقال الرازي في المباحث المشرقية: إذا ارتفع بخار دخاني لزج دهني وتصاعد حتى وصل إلى حيز النار من غير أن ينقطع اتصاله عن الارض اشتعلت النار فيه نازلة، فيرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الارض، فإذا وصلت إلى الارض احترقت تلك المادة بالكلية وما يقرب منها، وسبيل ذلك سبيل السراج المنطفئ إذا وضع تحت السراج المشتعل فاتصل الدخان من الاول إلى الثاني فانحدر اللهب إلى فتيلته. وقال في شرح المواقف في سبب الهالة والقوس: قد تحدث في الجو أجزاء رطبة رشية صقيلة كدائرة تحيط تلك الاجزاء بغيم رقيق لطيف لا تحجب ما وراءه عن الابصار، فينعكس منها أي من تلك الاجزاء الواقعة على ذلك الوضع ضوء البصر لصقالتها إلى القمر، فيرى في تلك الاجزاء ضوؤه دون شكله. فإن الصقيل الذي ينعكس منه شعاع البصر إذا صغر جدا بحيث لا ينقسم في الحس أدى (1) الضوء واللون دون الشكل والتخصيط كما في المرآة الصغيرة. وتلك الاجزاء الرشية مرايا صغار متراصة على هيئة الدائرة، فيرى جميع تلك الدائرة كأنها منورة بنور ضعيف وتسمى الهالة، وإنا لا نرى الجزء الاول الذي يقابل القمر من ذلك الغيم، لان قوة الشعاع تخفي حجم السحاب الذي لا يستره، فلا يرى فيه خيال القمر، كيف والشئ إنما يرى على الاستقامة نفسه لا شبحه بخلاف أجزائه التي لا تقابله فإنها تؤدي خيال ضوئه كما عرفت. قيل: وأكثر ما تتولد الهالة عند عدم الريح، فإن تمزقت من جميع الجهات دلت على الصحو، وإن ثخن


(1) في المخطوطة: أرى.

[394]

السحاب حتى بطلت دلت على المطر، لان الاجزاء المائية قد كثرت، وإن انخرقت من جهة دلت على ريح تأتي من تلك الجهة، و [إن] اتفق أن توجد سحابتان على الصفة المذكورة إحداهما تحت الاخرى حدثت هناك هالة تحت هالة، وتكون التحتانية أعظم لانها أقرب إلينا، وزعم بعضهم أنه رأى سبع هالات معا. واعلم أن هالة الشمس وتسمى " الطفاوة " نادرة جدا، لان الشمس تحلل السحب الرقيقة، ومع ذلك فقد زعم ابن سينا أنه رأى حول الشمس هالة تامة في ألوان قوس قزح، ورأى بعد ذلك هالة فيها قوسية قليلة، وإنما تنفرج هالة الشمس إذا كثف السحاب وأظلم. وحكى أيضا أنه رأى حول القمر هالة قوسية اللون، لان السحاب كان غليظا فشوش في أداء الضوء وعرض ما يعرض للقوس، وقد يحدث مثل ذلك الذي ذكرناه من الاجزاء الرشية الصقيلة على هيئة الاستدارة في جهة خلاف الشمس وهي قوس قزح وتفصيلة أنه إذا وجد في خلاف جهة الشمس أجزاء رشية لطيفة صافية على تلك الهيئة وكان وراءها جسم كثيف إما جبل أو سحاب كدر وكانت الشمس قريبة من الافق فإذا أدبر على الشمس ونظر إلى تلك الاجزاء انعكس شعاع البصر عنها إلى الشمس، ولما كانت صغيرة جدا لم يؤد الشكل بل اللون الذي يكون مركبا من ضوء الشمس في لون المرآة، وتختلف ألوانها بحسب اختلاف أجزاء السحاب في ألوانها، وبحسب ألوان ما وراءها من الجبال، وألوان ما ينعكس منها الضوء من الاجرام الكثيفة. وفي المباحث المشرقية: زعم بعضهم أن السبب في حدوث أمثال هذه الحوادث اتصالات فلكية وقوى روحانية اقتضت وجودها، وحينئذ لا تكون من قبيل الخيالات، وهو أن يرى صورة شئ [مع صورة شئ] آخر مظهر له كالمرآة، فيظن أن الصورة الاولى حاصلة في الشئ الثاني ولا يكون فيه بحسب نفس الامر. قال الامام: هذا الذي ذكره لا ينافي ما ذكرناه، فإن الصحة والمرض قد يستندان إلى أسباب عنصرية تارة، وإلى اتصالات فلكية وتأثيرات نفسانية

[395]

أخرى، لكن هذا الوجه يؤيده أن أصحاب التجارب شهدوا بأن أمثال هذه الحوادث في الجو تدل على حدوث حوادث في الارض، فلولا أنها موجودات مستندة إلى تلك الاتصالات والاوضاع لم يستمر هذا الاستدلال (انتهى). وقال بعضهم: إن الله سبحانه إذا أراد أن يلطف بقوم أو يغضب عليهم بإحداث حدث في الارض وتكوين كائن من إمطار مطر أو إرسال ريح وما أشبههما أمر الملائكة السماوية خصوصا الملكين الموكلين بالشمس أن يفعلوا في الارض بتوسط الملائكة الموكلين بها، أفاعيل الملائكة أن يحركوا شيئا منها ويخلطوه حتى يحصل من اختلاطه ما يشاء، فإن كل ما يتكون في الجو والارض إنما يحدث من اختلاط العناصر والارضيات، فأول ما يحدث من ذلك قبل أن يمتزج امتزاجا تاما يحصل بسبب الكيفية الوحدانية المسماة بالمزاج هو البخار والدخان، وذلك لان الملائكة إذا هيجوا باسخان السماويات الحرارة بخروا من الاجسام المائية ودخنوا من الاجسام الارضية، وأثاروا أجزاء إما هوائية ومائية مختلطين وهو البخار، وإما نارية وأرضية كذلك وهو الدخان، ثم حصل بتوسطهما موجودات شتى غير تامة المزاج من الغيم والمطر والثلج والبرد والضباب والطل والصقيع والرعد والبرق والصاعقة والقوس والهالات والشهب والرياح والزلازل وانفجارات العيون والقنوات والآبار والنزوز، كل ذلك بإذن الله سبحانه وتوسط ملائكته، كما قال سبحانه إشارة إلى بعض ذلك " ألم تر أن الله يزجي سحابا - الآية - " والتأمل في بناء الحمام وعوارضه نعم العون على إدراك ماهية الجو وكثير من حوادثه، بل التدبر في ما يرتفع من أرض معدة الانسان إلى زمهرير دماغة ثم ينزل منه في ثقب وجهه يعين على ذلك كسائر الامور الانفسية على الاحكام الآفاقية (انتهى). وقال بعض المحققين في تحقيق ألوان القوس: توضيح المقام يستدعي مقدمتين الاولى: أن سائر الالوان المتوسطة بين الاسود والابيض إنما تحدث عن اختلاط هذين اللونين، وبالجملة الابيض إذا رؤي بتوسط الاسود أو بمخالطة

[396]

الاسود حدثت عن ذلك الالوان الأخر، فإن كان النير هو الغالب رؤي الاحمر وإن لم يكن غالبا رؤي الكراثي والارجواني، وغلبته في الكراثي أكثر وفي الارجواني أقل. الثانية أن اللون الاسود هو بمنزلة عدم الابصار، لانا إذا لم نر الشمس والمضئ ظننا أنا نرى شيئا أسود، فالمكان من الغمام الذي يكون الابيض فيه غالبا على الاسود نراه أحمر، والمكان الذي يكون فيه الاسود غالبا نراه ارجوانيا، والمكان الذي فيه الاسود بين الغالب والمغلوب نراه كراثيا. فإذا تمهد هذا فنقول: إذا رأى البصر النير بتوسط الغمام على تلك الشرائط رأى القوس على الاكثر ذات ألوان ثلاثة: الاول منها وهو الدور الخارج الذي يلي السماء أحمر لقلة سواده وكثرة بياضه، والثاني وهو الذي دونه كراثي لتوسطه بين الاول والثالث في قلة السواد وكثرته وقلة البياض وكثرته، والدور الثالث مما يلي الارض أرجواني لكثرة سواده وقلة بياضه، فأما الدور الاصفر الذي قد يرى أحيانا بين الدور الاحمر والكراثي فإنه ليس يحدث بنحو الانعكاس فإنما يرى بمجاورة الاحمر اللون الكراثي، والعلة في ذلك أن الابيض إذا وقع على جنب الاسود رؤي أكثر بياضا، ولما كان الدور الاحمر فيه بياضا والكراثي مائلا إلى السواد رؤي طرف الاحمر لقربه من الكراثي أكثر بياضا من الاحمر [وما هو أكثر بياضا من الاحمر] هو الاصفر، فلهذا يرى طرف الدور الاحمر القريب من الكراثي أصفر. وقد يظهر أحيانا قوسان معا كل واحدة منهما ذات ثلاثة ألوان على النحو الذي ذكرناه في الواحدة، لكن وضع ألوان القوس الخارجة بالعكس من الداخلة، يعني دورها الخارج الذي يلي السماء أرجواني، و الذي يليه كراثي، والذي يتلو هذا أحمر، ولا يبعد أن يكون أحد القوسين عكسا للآخر (انتهى). وأقول: هذا ما ذكره القوم في هذا المقام، وكلها مخالفة لما ورد في لسان الشريعة، ولم يكلف الانسان الخوض فيها والتفكر في حقائقها، ولو كان مما ينفع الملكف لم يهمل صاحب الشرع بيانها، وقد ورد في كثير من الاخبار النهي عن

[397]

تكلف ما لم يؤمر المرء بعلمه. قال صاحب المواقف وشارحه بعد إيراد هذه المباحث: ما ذكرناه كله آراء الفلاسفة حيث نفوا القادر المختار، فأحالوا اختلاف الاجسام بالصور إلى استعداد في موادها، وأحالوا اختلاف آثارها إلى صورها المتبائنة و أمزجتها المتخالفة، وكل ذلك إلى حركات الافلاك وأوضاعها. وأما المتكلمون فقالوا: الاجسام متجانسة بالذات لتركبها من الجواهر الفردة، وأنها متماثلة لا اختلاف فيها، وإنما يعرض الاختلاف للاجسام لا في ذواتها بل بما يحصل فيها من الاعراض بفعل القادر المختار (انتهى). ثم اعلم أن ما يشاهد من انعقاد السحب في قلل الجبال وتقاطرها مع أن الواقف على قلة الجبل لا يرى سحابا ولا مطرا ولا ماء، والذين تحت السحاب ينزل عليهم المطر لا ينافي الظواهر الدالة على أن المطر من السماء بوجهين: أولهما أنه يمكن أن ينزل عليهم المطر من السماء إلى السحاب رشحا ضعيفا لا يحس به أو قبل انعقاد السحاب على الموضع الذي يرتفع منه. وثانيهما أن نقول بحصول الوجهين معا وانقسام المطر إلى القسمين، فمنه ما ينزل من السماء، ومنه ما يرتفع من بخار البحار والاراضي الندية. ويؤيده ما رواه شيخنا البهائي - قدس الله روحه - في كتاب " مفتاح الفلاح " حيث قال: نقل الخاص والعام أن المأمون ركب يوما للصيد فمر ببعض أزقة بغداد على جماعة من الاطفال، فخافوا وهربوا وتفرقوا، وبقي واحد منهم في مكانه، فتقدم إليه المأمون وقال له: كيف لم تهرب كما هرب أصحابك ؟ فقال: لان الطريق ليس ضيقا فيتسع بذهابي، و لا بي عندك ذنب فأخافك لاجله، فلاي شئ أهرب ؟ ! فأعجب كلامه المأمون فلما خرج إلى خارج بغداد أرسل صقره فارتفع في الهواء ولم يسقط على وجه الارض حتى رجع وفي منقاره سمكة صغيرة، فتعجب المأمون من ذلك، فلما رجع تفرق الاطفال وهربوا إلا ذلك الطفل فإنه بقي في مكانه كما في المرة الاولى، فتقدم إليه المأمون وهو ضام كفه على السمكة وقال له: قل أي شئ في يدي ؟ فقال: إن الغيم حين أخذ من ماء البحر تداخله سمك صغار فتسقط منه فيصطادها الملوك

[398]

فيمتحنون بها سلالة النبوة. فأدهش ذلك المأمون فقال له: من أنت ؟ قال: أنا محمد ابن علي الرضا - وكان ذلك بعد واقعة الرضا عليه السلام وكان عمره عليه السلام في ذلك الوقت إحدى عشر، وقيل عشر سنة - فنزل المأمون عن فرسه وقبل رأسه وتذلل له ثم زوجه ابنته. أقول: وقد مر في أبواب تاريخه عليه السلام. وسئل السيد المرتضى: الرعد و البرق والغيم ما هو ؟ وقوله تعالى " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " وهل هناك بردأم لا ؟ فأجاب - قدس سره -: إن الغيم جسم كثيف وهو مشاهد لا شك فيه، وأما الرعد والبرق فقد روي أنهما ملكان، والذي نقوله هو أن الرعد صوت من اصطكاك أجرام السحاب. والبرق أيضا من تصادمهما. وقوله " من جبال " إلى آخره لا شبهة فيه أنه كلام الله، وأنه لا يمتنع أن تكون جبال البرد مخلوقة في حال ما ينزل البرد. * (بسمه تعالى) * إلى هنا تم الجزء الثالث من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار وهو الجزء التاسع والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية. وقد قابلناه على النسخة التي صححها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدي، بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودي

[399]

بسم الله الرحمن الرحيم الرعد صوت من اصطكاك أجرام السحاب. والبرق أيضا من تصادمهما. وقوله " من جبال " إلى آخره لا شبهة فيه أنه كلام الله، وأنه لا يمتنع أن تكون جبال البرد مخلوقة في حال ما ينزل البرد. * (بسمه تعالى) * إلى هنا تم الجزء الثالث من المجلد الرابع عشر - كتاب السماء والعالم - من بحار الانوار وهو الجزء التاسع والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية. وقد قابلناه على النسخة التي صححها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدي، بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودي

[399]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله والصلاة والسلام على رسوله وآله. وبعد فقد بذلنا غاية المجهود في تصحيح هذا الجزء من كتاب " بحار الانوار " - وهو الجزء السادس والخمسون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة - وتنميقه والتعليق عليه ومقابلته بالنسخ والمصادر. نشكر الله تعالى على ما وفقنا لذلك ونسأله أن يديم توفيقنا ويزيدنا من فضله والله ذو الفضل العظيم. قم المشرفة: محمد تقي المصباح اليزدي ربيع الاول 1380

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية