الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 55

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 55


[1]

الف بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الخامس والخمسون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868

[1]

1. (باب) * (العرش والكرسي وحملتهما) * الآيات: البقرة: وسع كرسيه السماوات والارض. (1) الاعراف: ثم استوى على العرش. (2) يونس: ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه. (3) هود: وكان عرشه على الماء. (4) الرعد: ثم استوى على العرش. (5) طه: الرحمن على العرش استوى. (6) المؤمنون: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. (7) الفرقان: ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا. (8) النمل: رب العرش العظيم. (9)


(1) البقرة: 255. (2) الاعراف: 54. (3) يونس: 3. (4) هود: 7. (5) الرعد: 2. (6) طه: 5. (7) المؤمنون: 86. (8) الفرقان: 59. (9) النمل: 26.

[2]

التنزيل: ثم استوى على العرش. (1) المؤمن: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا. (2) الحديد: ثم استوى على العرش. (3) الحاقة: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. (4) تفسير: (وسع كرسيه السماوات والارض) قال الطبرسي - ره -: اختلف فيه على أقوال: أحدها وسع علمه السماوات والارض عن ابن عباس ومجاهد، و هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ويقال للعلماء (كراسي) كما يقال لهم (أوتاد الارض) لان بهم قوام الدين والدنيا وثانيها أن الكرسي ههنا هو العرش عن الحسن، وإنما سمي كرسيا لتركب بعضه على بعض وثالثها أن المراد بالكرسي ههنا الملك والسلطان والقدرة كما يقال (اجعل لهذا الحائط كرسيا) أي عمادا يعمد به حتى لا يقع ولا يميل، فيكون معناه: أحاطت قدرته بالسماوات والارض وما فيهما ورابعها أن الكرسي سرير دون العرش وقد روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام وقريب منه ما روي عن عطاء (5) أنه قال: ما السماوات والارض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في الفلاة (6)، ومنهم من قال: إن السماوات والارض جميعا على (7) الكرسي، و الكرسي تحت العرش (8) فالعرش فوق السماوات. وروى الاصبغ بن نباته أن


(1) السجدة: 4. (2) المؤمن: 7. (3) الحديد: 4. (4) الحاقة: 17. (5) بالمد وقد يقصر. (6) في المصدر: في فلاة. (7) في بعض النسخ: في الكرسي. (8) في المصدر (تحت الارض كالعرش فوق السماء) والظاهر انه تصحيف.

[3]

عليا عليه السلام قال: السماوات والارض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي (1). وساق الحديث إلى آخره كما سيأتي في رواية علي بن إبراهيم. (ثم استوى على العرش) منهم من فسر العرش هنا بمعنى الملك، قال القفال: العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك يقال (ثل عرشه) أي انتقص ملكه وقالوا: استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه. ومنهم من فسر العرش بالجسم الاعظم. والاستواء بمعنى الاستيلاء كما مر. قال الرازي في تفسيره: اتفق المسلمون على أن فوق السماوات جسما عظيما هو العرش، واختلف في المراد بالعرش هنا، فقال أبو مسلم: المراد أنه لما خلق الله السماوات والارض سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء يسمى عرشا وبانيه يسمى عارشا، قال تعالى (ومما يعرشون) (2) والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، والمشهور بين المفسرين أن المراد بالعرش فيها الجسم العظيم الذي في السماء، وقيل: المراد من العرش الملك، وملك الله تعالى عبارة عن مخلوقاته ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد خلق السماوات والارض، فلا جرم صح إدخال حرف (ثم) عليه، والحاصل أن المراد استواؤه على عالم الاجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ، يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وتدبيره وفي الاحتياج إليه (3). (فاسأل به خبيرا) قال الطبرسي - ره -: قيل أي فاسأل عنه خبيرا والباء بمعنى عن والخبير ههنا هو الله تعالى أو محمد صلى الله عليه وآله وقيل: إن الباء على أصلها، و المعنى: فاسأل سؤالك (4) أيها الانسان خبيرا يخبرك بالحق في صفته. وقيل: إن الباء فيه مثل الباء في قولك (لقيت بفلان ليثا) إذا وصفت شجاعته، والمعنى: إذا


(1) مجمع البيان، ج 4، ص 362. (2) النحل: 68. (3) مفاتيح الغيب: ج 4، 782. (4) بسؤالك (خ).

[4]

رأيته رأيت الشئ المشبه بأنه الخبير به (1). (الذين يحملون العرش) قال الطبرسي - ره -: عبادة لله وامتثالا لامره (ومن حوله) يعني الملائكة المطيفين بالعرش وهم الكروبيون وسادة الملائكة (يسبحون بحمد ربهم) أي ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون، وقيل: يسبحونه بالتسبيح المعهود ويحمدونه على إنعامه (ويؤمنون به) أي ويصدقونه (2) ويعترفون بوحدانيته (ويستغفرون) أي ويسألون الله المغفرة (للذين آمنوا) من أهل الارض أي صدقوا بوحدانية الله واعترفوا بإلهيته وبما يجب الاعتراف به (3) وقال في قوله تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم): يعني فوق الخلائق (يومئذ) يعني يوم القيامة (ثمانية) من الملائكة عن ابن زيد، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة اخرى (4) فيكونون ثمانية. وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس (5). وقال الرازي: نقل عن الحسن أنه قال: لا أدري أنهم ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف يصفون، وحمله على ثمانية أشخاص أولى لما روي أنهم ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الارض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم يطوفون يسبحون. وقيل: بعضهم على صورة الانسان، وبعضهم على صورة الاسد، وبعضهم على صورة الثور، و بعضهم على صورة النسر. وروي: ثمانية أملاك على صورة الاوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما. وعن شهر بن حوشب (6): أربعة منهم يقولون:


(1) في مجمع البيان: والمعنى أنك إذا رأيته رأيت الشئ المشبه به والمعنى فاسأله عنه فانه الخبير ج 7 ص 176. (2) ويصدقون به (خ). (3) مجمع البيان، ج 8، ص 515. (4) في المصدر: آخرين. (5) مجمع البيان، ج 10، ص 346. (6) شهر بن حوشب مولى اسماء بنت يزيد بن السكين أبو سعيد الشامي، يروى عن امير =

[5]

(سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك) وأربعة تقول (سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك) (1). 1 - الخصال والمعاني والعياشي والدر المنثور: في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا باذر، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة (2). 2 - الفقيه والعلل والمجالس للصدوق: روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل: لم سمي (3) الكعبة كعبة ؟ قال: لانها مربعة، فقيل له: ولم صارت مربعة ؟ قال: لانها بحذاء بيت المعمور وهو مربع، فقيل له: ولم صار البيت المعمور مربعا ؟ قال: لانه بحذاء العرش وهو مربع، فقيل له: ولم صار العرش مربعا ؟ قال: لان الكلمات التي بني عليها الاسلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر (4). بيان وتأويل عليل: قال السيد الداماد - ره - في بعض تعليقاته على الفقيه: العرش هو فلك الافلاك، وإنما حكم عليه السلام بكونه مربعا لان الفلك يتعين له بالحركة المنطقة والقطبان، وكل دائرة عظيمة منصفة للكرة، والفلك يتربع بمنطقة الحركة والدائرة المارة بقطبيها، والعرش وهو الفلك الاقصى والكرسي وهو فلك الثوابت يتربعان بمعدل النهار ومنطقة البروج والدائرة المارة بالاقطاب


= المؤمنين عليه السلام وابن عباس وجابر وام سلمة، وعائشة. قال الخزرجي (خلاصة تذهيب الكمال: 143) وثقه ابن معين واحمد، وقال النسائي: ليس بالقوى، وقال البخاري وجماعة: مات سنة مائة، وقيل سنة احدى عشرة. (انتهى) اقول: المراد بقوله (احدى عشرة) مائة واحدى عشرة، ويؤيد القول الاخير في تاريخ وفاته ما رواه في الكافي عنه عن ابى حمزة الثمالى عن الصادق عليه السلام في باب قسمة الغنيمة من كتاب الجهاد والله العالم. (2) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 284. (2) معاني الاخبار: 333 الدر المنثور: ج، 1 ص 328 وسيأتى تحت الرقم 10 من هذا الباب. (3) في العلل، لم سميت. (4) الفقيه: ج 2 ص 201، العلل، ج 2 ص 88.

[6]

الاربعة، وأيضا دائرة الافق على سطح الفلك الاعلى يتربع بدائرة نصف النهار ودائرة المشرق والمغرب، فيقع منها بينها أرباعها، ويتعين عليها النقاط الاربع: الجنوب، والشمال، والمشرق والمغرب. والحكماء نزلوا الفلك منزلة إنسان مستلق على ظهره، رأسه إلى الشمال، ورجلاه إلى الجنوب، ويمينه إلى المغرب وشماله إلى المشرق. وأيضا التربيع والتسديس أول الاشكال في الدائرة على ما قد استبان في مظانه، إذا لتربيع يحصل بقطرين متقاطعين على قوائم، والتسديس بنصف قطر، فإن وتر سدس الدور يساوي نصف القطر، وربع الدور قوس تامة، وما نقصت عن الربع فمتممها إلى الربع تمامها، وأيضا الفلك الاقصى له مادة، وصورة، و عقل هو العقل الاول ويقال له عقل الكل، ونفس هي النفس الاولى ويقال لها نفس الكل، فيكون مربعا وأول المربعات في نظام الوجود، وهنالك وجوه اخرى يضيق ذرع المقام عن بسطها فليتعرف (انتهى) ولا يخفى عدم موافقتها لقوانين الشرع ومصطلحات أهله، وسيأتي القول فيها، وقد مر بعض ما يزيفها. 3 - المتهجد والفقيه والتهذيب: في خطبة الاستسقاء: الذي جعل السماوات لكرسية عمادا، والجبال (1) أوتادا، والارض للعباد مهادا، وملائكته على أرجائها وحملة عرشه على أمطائها، وأقام يعزته أركان العرش وأشرق بضوئه شعاع الشمس، وأطفأ (2) بشعائه ظلمة الغطش، وفجر الارض عيونا، والقمر نورا والنجوم بهورا (3). 4 - الاقبال: عن التلعكبري، بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في دعاء يوم عرفة: (وأسألك بكل اسم هولك، وكل مسألة حتى ينتهي إلى اسمك الاعظم الاعظم الاكبر الأكبر العلي الاعلى، الذي استويت به على عرشك، واستقللت به على كرسيك (4).


(1) في الفقيه: والجبال للارض. (2) في الفقيه: وأحيى. (3) الفقيه: ص 139، ج 16. (4) الاقبال: 374.

[7]

5 - العقائد للصدوق: اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق، والعرش في وجه آخر هو العلم. وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب منه من شئ، وأما العرش الذي هو جملة جميع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة، لكل واحد ثماني أعين، كل عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق الله تعالى لبني آدم، وواحد منهم على صورة الثور يسترزق الله تعالى للبهائم كلها وواحد منهم على صورة الاسد يسترزق الله تعالى للسباع، وواحد منهم على صورة الديك يسترزق الله تعالى للطيور، فهم اليوم هؤلاء الاربعة فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية وأما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الاولين وأربعة من الآخرين، فأما الاربعة من الاولين فنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وأما الاربعة من الآخرين فمحمد، وعلي، والحسن، والحسين عليهم السلام، هكذا روي بالاسانيد الصحيحة عن الائمة عليهم السلام في العرش وحملته، وإنما صار هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم، لان الانبياء الذين كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وآله على شرائع الاربعة من الاولين: نوح، و إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، ومن قبل هؤلاء الاربعة صارت العلوم إليهم، و كذلك صار العلم بعد محمد صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين إلى من بعد الحسين من الائمة عليهم السلام. اقول: قال الشيخ المفيد - ره -: العرش في اللغة هو الملك، قال: إذا ما بنوا مروان ثلث (1) عروشهم * وأودت كما أودت أياد وحميره يريد: إذا ما بنوا مروان هلك ملكهم وبادوا. وقال آخر: أظننت عرشك لا يزول ولا يغير ؟ يعني أظننت ملكك لا يزول ولا يغير ؟ وقال الله تعالى مخبرا عن واصف ملك


(1) قال الجوهرى، (ثل الله عرشهم) أي هدم ملكهم، ويقال للقوم إذا ذهب عزهم: قد ثل عرشهم وقال: أودى فلان أي هلك (منه طاب ثراه).

[8]

ملكة سبأ (وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم (1) يريد: ولها ملك عظيم فعرش الله تعالى هو ملكه، واستواؤه على العرش هو استيلاؤه على الملك والعرب تصف الاستيلاء بالاستواء، قال: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق يريد به: قد استولى على العراق، فأما العرش الذى تحمله الملائكة فهو بعض الملك، وهو عرش خلقه الله تعالى في السماء السابعة، وتعبد الملائكة بحمله و تعظيمه، كما خلق سبحانه بيتا في الارض وأمر البشر بقصده وزيارته والحج إليه وتعظيمه، وقد جاء الحديث: إن الله تعالى خلق بيتا تحت العرش سماه (البيت المعمور) تحجه الملائكة في كل عام، وخلق في السماء الرابعة بيتا سماه (الضراح) وتعبد الملائكة بحجه والتعظيم له والطواف حوله، وخلق البيت الحرام في الارض فجعله تحت الضراح وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لو القي حجر من العرش لوقع على ظهر بيت المعمور ولو القي من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام ولم يخلق الله عرشا لنفسه يستوطنه، تعالى الله عن ذلك، لكنه خلق عرشا أضافه إلى نفسه تكرمة له وإعظاما، وتعبد الملائكة بحمله كما خلق بيتا في الارض ولم يخلقه لنفسه ولا يسكنه، تعالى الله عن ذلك، لكنه خلقه لخلقه، وأضافه إلى نفسه إكراما له وإعظاما، وتعبد الخلق بزيارته والحج إليه، فأما الوصف للعلم بالعرش فهو في مجاز اللغة دون حقيقتها، ولا وجه لتأول قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) بمعنى أنه احتوى على العلم، وإنما الوجه في ذلك ما قدمناه، والاحاديث التي رويت في صفة الملائكة الحاملين للعرش أحاديث آحاد، وروايات أفراد، لا يجوز القطع بها ولا العمل عليها، والوجه الوقوف عندها، والقطع على أن العرش في الاصل هو الملك، والعرش المحمول جزء من الملك تعبد الله بحمله الملائكة على ما قدمناه.


(1) النمل: 23.

[9]

6 - العقائد: اعتقادنا في الكرسي أنه وعاء جميع الخلق من العرش و السماوات والارض وكل شئ خلق الله تعالى في الكرسي، وفي وجه آخر الكرسي هو العلم، وقد سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل (وسع كرسيه السماوات والارض) قال: علمه. 7 - التوحيد: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن أحمد بن محمد بن أبي سعيد عن أحمد بن محمد بن عبد الله الصغدي، عن محمد بن يعقوب العسكري وأخيه معاذ عن محمد بن سنان الحنظلي، عن عبد الله بن عاصم، عن عبد الرحمن بن قيس، عن أبي هاشم الرماني (1) عن زاذان، عن سلمان الفارسي، قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرني عن ربك أيحمل أو يحمل ؟ فقال: إن ربنا جل جلاله يحمل ولا يحمل. قال النصراني: كيف ذلك (2) ونحن نجد في الانجيل (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) ؟ فقال علي عليه السلام إن الملائكة تحمل العرش و ليس العرش كما تظن كهيئة السرير، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر وربك عزوجل مالكه، لاأنه عليه ككون الشئ على الشئ، وأمر الملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه. قال النصراني: صدقت رحمك الله (3). 8 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد البرقي، رفعه قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: أخبرني عن الله عزوجل يحمل العرش أو (4) العرش يحمله ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله عزوجل حامل العرش والسماوات والارض وما فيهما وما بينهما وذلك قول الله عزوجل: (إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من


(1) الرماني بضم الراء المهملة وتشديد الميم، قال في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 398): اسمه يحيى بن دينار الواسطي، كان نزل قصر الرمان، وثقه ابن معين والنسائي و أبو زرعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. (2) في المصدر: فكيف ذاك ؟ (3) التوحيد: 232. (4) في المصدر: أم.

[10]

بعده إنه كان حليما غفورا) قال: فأخبرني عن قوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فكيف ذاك وقلت إنه يحمل العرش والسماوات والارض ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أخضر منه أخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أبيض منه ابيض البياض، وهو العلم الذي حمله الله الحملة، و ذلك نور من نور عظمته، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والارض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة، والاديان المشتبهة (1) فكل [شئ] محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكل شئ محمول والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا، والميحط بهما من شئ وهو حياة كل شئ، ونور كل شئ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال له: فأخبرني عن الله عزوجل أين هو ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هو ههنا وههنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) فالكرسي محيط بالسماوات والارض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، وذلك قوله تعالى (وسع كرسيه السماوات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج من (2) هذه الاربعة شئ خلق الله في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأره خليله عليه السلام فقال: (و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين) وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته (3) ؟ !


(1) المتشتته (ح). (2) عن (خ). (3) الكافي: ج 1، 129.

[11]

توضيح: الجاثليق - بفتح الثاء - رئيس للنصارى في بلاد الاسلام بمدينة السلام، ذكره الفيروز آبادي. (أن تزولا) أي يمسكهما كراهة أن تزولا بالعدم والبطلان، أو يمنعهما ويحفظهما أن تزولا، فإن الامساك، متضمن للمنع والحفظ وفيه دلالة على أن الباقي يحتاج في بقائه إلى المؤثر (إن أمسكهما) أي ما أمسكهما من أحد (من بعده) أي من بعد الله، أو من بعد الزوال، و (من) الاولى زائدة للمبالغة في الاستغراق، والثانية للابتلاء (فأخبرني عن قوله) لعله توهم المنافاة من جهتين: الاولى أن حملة العرش ثمانية وقلت هو سبحانه حامله والثانية أن الثمانية إذا حملوا عرشه فقد حملوه أيضا لانه على العرش وقلت إنه حامل جميع ما سواه خلقه الله من أنوار أربعة. اقول: قد تحيرت الافهام في معني تلك الانوار التي هي من غوامض الاسرار فمنهم من قال هي الجواهر القدسية العقلية التي هي وسائط جوده تعالى، وألوانها كناية عن اختلاف أنواعها الذي هو سبب اختلاف الانواع الرباعية في هذا العالم الحسي، كالعناصر والاخلاط وأجناس الحيوانات أعني الانسان والبهائم والسباع والطيور، ومراتب الانسان أعني الطبع والنفس الحساسة والنفس المتخيلة و العقل، وأجناس المولدات كالمعدن والنبات والحيوان والانسان. وقيل: إنه تمثيل لبيان تفاوت تلك الانوار بحسب القرب والبعد من نور الانوار، فالنور الابيض هو الاقرب، والاخضر هو الابعد، فكأنه ممتزج بضرب من الظلمة، و الاحمر هو المتوسط بينهما، ثم ما بين كل اثنين ألوان اخرى كألوان الصبح و الشفق المختلفة في الالوان لقربها وبعدها من نور الشمس. وقيل: المراد بها صفاته تعالى فالاخضر قدرته على إيجاد الممكنات وإفاضة الارواح التي هي عيون الحياة ومنابع الخضرة، والاحمر غضبه وقهره على الجميع بالاعدام والتعذيب والابيض رحمته ولطفه على عباده، قال تعالى (أما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله). وأحسن ما سمعته في هذا المقام ما استفدته من والدي العلامة - رفع الله

[12]

في الجنان مقامه - وملخصه أن لكل شئ شبها ومثالا في عالم الرؤيا والعوالم التي تطلع عليها الارواح سوى عالم الحس، وتظهر تلك الصور والمثل على النفوس مختلفة بحسب اختلاف مراتبها في الكمال، فبعض النفوس تظهر لها صورة أقرب إلى ذي الصورة وبعضها أبدع، وشأن المعبر الكامل أن ينتقل من تلك الصور إلى ما هي صور لها بحسب أحوال ذلك الشخص، ولذا لا يطلع عليها كما ينبغي إلا الانبياء والاوصياء عليهم السلام المطلعون على مراتب استعدادات الاشخاص واختلافهم في النقص والكمال، فالنور الاصفر كناية عن العبادة وصورة لها كما هو المجرب في الرؤيا أنه إذا رأى العارف في المنام صفرة يوفق بعده لعبادة، كما هو المشاهد في وجوه المتهجدين، وقد ورد في الخبر أنه ألبسهم الله من نوره لما خلوا به، و النور الابيض العلم، كما جرب أن من رأى في المنام لبنا أو ماء صافيا يفاض عليه علم خالص عن الشكوك والشبهات، والنور الاحمر المحبة كما هو المشاهد في وجوه المحبين عند طغيانها، وجرب أيضا في الرؤيا، والنور الاخضر المعرفة وهو العلم المتعلق بذاته وصفاته سبحانه كما هو مجرب في الرؤيا، ويومئ إليه ما روي عن الرضا عليه السلام أنه سئل عما يروى أن محمدا صلى الله عليه وآله رأى ربه في صورة الشاب الموفق في صورة أبناء ثلثين سنة رجلاه في خضرة، فقال عليه السلام: إن رسول الله عليه السلام حين نظر إلى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق وسن أبناء ثلثين سنة. فقال الراوي: جعلت فداك من كانت رجلاه في خضرة ؟ قال: ذاك محمد صلى الله عليه وآله كان إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب، إن نور الله منه أخضر، ومنه أحمر، ومنه أبيض، ومنه غير ذلك (تمام الخبر) لانه صلى الله عليه وآله كان حينئذ في مقام كمال العرفان، وخائضا في بحار معرفة الحريم المنان، وكانت رجلاه في النور الاخضر وقائما في مقام بين المعرفة لا يطيقها أحد من الملائكة والبشر وإنما عبروا بهذه العبارات والكنايات لقصور أفهامنا عن أدراك صرف الحق كما تعرض على النفوس الناقصة في المنام هذه الصور، ونحن في منام طويل من الغفلة عن المعارف الربانية، والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، والاحوط في أمثال

[13]

هذه الاخبار الايمان بها مجملا، ورد علمها إليهم عليهم السلام. ثم اعلم أنه على الوجه الاخير الضمير في قوله (وهو العلم) راجع إلى النور الابيض، وعلى سائر الوجوه راجع إلى العرش، أي وقد يطلق العرش على العلم أيضا، أو العرش المركب من الانوار الاربعة هو العلم. (أبصر قلوب المؤمنين)) أي ما أبصروا وعلموا. (عاداه الجاهلون) لان الجهل مساوق الظلمة التي هي ضد النور، والمعاداة إنما تكون بين الضدين كذا قيل، والاظهر أن المراد به أن غاية ظهوره صارت سببا لخفائه كما قيل (يا خفيا من فرط الظهور) فإنه لو لم يكن للشمس غروب وافول كان يشتبه على الناس أن ضوء النهار منها، ولما كان شمس عالم الوجود في نهاية الاستواء والكمال أبدا وفيضه جار على المواد القابلة دائما يتوهم الملحد الجاهل أنها بأنفسها موجودة غنية عن العلة أو منسوبة إلى الدهر أو الطبيعة. (ابتغى) أي طلب، ولعل المعنى أن نوره سبحانه لما طلع على عالم الوجود وآثاره سبحانه ظهر في كل موجود طلبه جميع الخلق، لكن بعضهم أخطؤوا طريق الطلب وتعيين المطلوب، فصاروا حيارى، فمنهم من يعبد الصنم لتوهمه أن مطلوبه هناك، ومنهم من يعتقد الدهر أو الطبيعة لزعمه أن أحدهما إلهه ومدبره، فكل منهم يعلمون اضطرارهم إلى خالق ورازق وحافظ ومدبر، ويطلبونه ويبتغون إليه الوسيلة، لكنهم لضلالهم (1) وعماهم خاطؤون وعن الحق معرضون، وهذا المعنى الذي خطر بالبال من غوامض الاسرار، وله شواهد من الاخبار، وإنما أو مأنا إليه على الاجمال، إذ بسط المقال فيه يؤدي إلى إبداء ما تأبى عنه الاذهان السقيمة لكن تستعذبه العقول المستقيمة. (الممسك لهما) أي للسماوات والارض (والمحيط) بالجر عطفا على ضمير لهما و (من) بيان له أي الممسك للشئ المحيط بهما، أو متعلق بقوله (أن تزولا) وقوله (من شئ) للتعميم ويجوز رفعه بالعطف على الممسك، و (من) بيان لضمير


(1) لضلالتهم (خ).

[14]

(بهما) لقصد زيادة التعميم، أو بيان لمحذوف يعني المحيط بهما مع ما حوتاه من شئ (وهو حياة كل شئ) أي من الحيوانات أو الحياة بمعنى الوجود والبقاء مجازا (ونور كل شئ) أي سبب وجوده وظهوره، فالكرسي يمكن أن يكون المراد تفسير الكرسي أيضا بالعلم (ولا يؤده) أي لا يثقل عليه (هم العلماء) إذا كان المراد بالعرش عرش العلم كان المراد بالانوار الاربعة صنوف العلم وأنواعه ولا يخرج عن تلك الانواع أحد، وإذا كان المراد بالانوار نور العلم والمحبة و المعرفة والعبادة كما مر فهو أيضا صحيح، إذ لا يخرج شئ منها أيضا، إذ مامن شئ إلا وله عبادة ومحبة ومعرفة وهو يسبح بحمده، وقال الوالد ره: الظاهر أن المراد بالاربعة العرش والكرسي والسماوات والارض، ويحتمل أن يكون المراد بها الانوار الاربعة التي هي عبارة عن العرش، لانه محيط على ما هو المشهور. 9 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرة المحدث أن ادخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته فأذن لي فدخل، فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال له: أفتقر أن الله محمول ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: كل محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج والمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، وهو في اللفظ مدحة، وكذلك قول القائل فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل، وقد قال الله ((وله الاسماء الحسنى فادعوه بها) ولم يقل في كتبه إنه المحمول، بل قال: إنه الحامل في البر والبحر والممسك السماوات والارض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله، ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه (يا محمول). قال أبو قرة: فإنه قال (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وقال (الذين يحملون العرش) فقال أبو الحسن عليه السلام: العرش ليس هو الله، والعرش اسم علم وقدرة وعرش فيه كل شئ ثم أضاف الحمل إلى غيره خلق من خلقه لانه استعبد خلقه بحمل عرشه، وهم حملة علمه، وخلقا يسبحون حول عرشه وهم يعملون (1) بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال


(1) في المصدر: يعلمون.

[15]

عباده، واستعبد أهل الارض بالطواف حوله بيته، والله على العرش استوى، كما قال، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش والله الحامل لهم الحافظ لهم الممسك القائم على كل نفس، وفوق كل شئ، وعلى كل شئ، ولا يقال محمول ولا أسفل قولا مفردا لا يوصل بشئ فيفسد اللفظ والمعنى. قال أبو قرة: فتكذب بالرواية التي جاءت: أن الله تعالى إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرون سجدا، فإذا (1) ذهب الغضب خف ورجعوا إلى مواقفهم ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه فمتى رضي وهو في صفتك لم يزل غضبانا عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه ؟ كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، وأنه (2) يجري عليه ما يجري على المخلوقين ؟ سبحانه وتعالى ! لم يزل مع الزائلين، ولم يتغير مع المتغيرين، ولم يتبدل مع المتبدلين، ومن دونه في يده وتدبيره، وكلهم إليه محتاج، وهو غني عمن سواه (3). بيان: (والمحمول اسم نقص) أي كل اسم مفعول دل على تأثر وتغير من غيره وفاقة إليه فهو اسم نقص كالمحفوظ والمربوب والمحمول وأمثالها، لا كل ما هو على هذه الصيغة، إذا يجوز إطلاق الموجود والمعبود والمحمود وأمثالها عليه تعالى (وكذلك قول القائل فوق وتحت) يعني أن مثل ذينك اللفظين في كون أحدهما اسم مدح والآخر اسم نقص قول القائل فوق وتحت، فإن فوق اسم مدح وتحت اسم نقص، وكذلك أعلى اسم مدح وأسفل اسم نقص، وقوله عليه السلام (خلق) بالجر بدل (غيره) وأشاره بذلك إلى أن الحامل لما كان من خلقه فيرجع الحمل إليه تعالى (وهم حملة علمه) أي وقد يطلق حملة العرش على حملة العلم أيضا، أو حملة العرش في القيامة هم حملة العلم في الدنيا وقوله عليه السلام (خلقا) و (ملائكة) معطوفان


(1) وإذا (خ). (2) وأن (خ). (3) الكافي: ج 1، ص 130.

[16]

على خلقه، أي استعبد خلقا وملائكة، والحاصل أنه تعالى لا يحتاج في حمل العرش إلى غيره، بل استعبد أصناف خلقه بأنواع الطاعات، وحملة العرش عبادتهم حمل العرش من غير حاجة إليهم (وهم يعملون بعلمه) أي بما أعطاهم من العلم، ويحتمل أن يكون هذا مبنيا على كون العرش بمعنى العلم، فحملة العرش الانبياء والاوصياء ومن حول العرش الذين يأخذون العلم عنهم ويعملون بالعلم الذي حمله الحملة فهم مطيفون بهذا العرش ومقتبسون من أنواره (كما قال) أي استواؤه سبحانه على العرش على النحو الذي قال، وأراد من الاستواء النسبة أو الاستيلاء كما مر لا كما تزعمه المشبهة. وقوله (والعرش) وما عطف عليه مبتدأ خبره محذوف أي محمول كلهم أو سواء في نسبتهم إليه سبحانه. (قولا مفردا لا يوصل بشئ) أي لايقرن بقرينة صارفة عن ظاهره، أو ينسب إلى شئ آخر على طريقة الوصف بحال المتعلق بأن يقال: عرشه محمول، أو أرضه تحت كذا، أو جحيمه أسفل ونحو ذلك، وإلا (فيفسد اللفظ) لعدم الاذن الشرعي وأسماؤه توقيفية، وأيضا هذا اسم نقص كما مر (والمعنى) لانه يوجب نقصه وعجزه تعالى عن ذلك علوا كبيرا (وهو في صفتك) أي في وصفك إياه أنه لم يزل غضبانا على الشيطان وعلى أوليائه، والحاصل أنه لما فهم من كلامه أن الملائكة الحاملين للعرش قد يكونون قائمين وقد يكونون ساجدين بطريان الغضب وضده وحمل الحديث على ظاهره نبه عليه السلام على خطائه إلزاما عليه بقدر فهمه بأنه لا يصح ما ذكرت، إذ من غضبه تعالى ما علم أنه لم يزل كغضبه على إبليس، فيلزم أن يكون حملة العرش منذ غضب على إبليس إلى الآن سجدا غير واقفين إلى مواقفهم فعلم أن ما ذكرته وفهمته خطاء، والحديث على تقدير صحته محمول على أن المراد بغضبه سبحانه إنزال العذاب، وبوجدان الحملة ثقل العرش اطلاعهم عليه بظهور مقدماته وأسبابه، وبسجودهم خضوعهم وخشوعهم له سبحانه خشية وخوفا من عذابه، فإذا انتهى نزول العذاب وظهرت مقدمات رحمته اطمأنوا ورغبوا في طلب رحمته. ثم بعد إلزامه عليه السلام بذلك شرع في الاستدلال على تنزيهه سبحانه مما فهمه

[17]

فقال (كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال) وهو من صفات المخلوقات والممكنات (لم يزل) بضم الزاي من زال يزول وليس من الافعال الناقصة، ووجه الاستدلال بما ذكره عليه السلام قد مر مفصلا في كتاب التوحيد. 10 - الدر المنثور: عن أبي ذر قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الكرسي، فقال يا أبا ذر ما السماوات السبع والارضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة (1). 11 - عن ابن عباس وابن مسعود قالا: السماوات والارض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش (2). 12 - وعن ابن عباس قال: إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه (3). 13 - وعن وهب قال: إن الله تعالى خلق العرش والكرسي من نوره، و العرش ملتصق بالكرسي. والملائكة في جوف الكرسي، وحول العرش أربعة أنهار: نهر من نور يتلالا، ونهر من نار تتلظى، ونهر من ثلج أبيض تلتمع منه الابصار، ونهر من ماء، والملائكة قيام في تلك الانهار يسبحون الله، وللعرش ألسنة بعدد ألسنة الخلق كلهم، فهو يسبح الله ويذكره بتلك الالسنة (4). 14 - وعن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العرش من ياقوتة حمراء وإن ملكا من الملائكة نظر إليه وإلى عظمته (5) فأوحى الله إليه أني قد جعلت فيك قوة سبعين ألف ملك لكل ملك سبعون ألف [ألف] جناح فطر، فطار الملك بما فيه من القوة والاجنحة ما شاء الله أن يطير، فوقف فنظر فكأنه لم يرم (6). 15 - وعن حماد قال: خلق الله العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان، وخلق في الارض ألف أمة، كل


(1) الدر المنثور: ج 1، ص 328، وقد مر تحت الرقم (1) من هذا الباب. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 328. (3 و 4) الدر المنثور: ج 3، ص 297. (5) في المصدر: عظمه. (6) الدر المنثور: ج 3، ص 297.

[18]

أمة تسبح الله بلسان من ألسن العرش (1). 16 - وعن ابن عباس قال: ما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السماوات في خلق الرحمن (2) مثل قبة في صحراء (3). 17 - وعن مجاهد قال: ما أخذت السماوات والارض من العرش إلا كما تأخذ الحلقة من أرض الفلاة (4). 18 - وعن كعب قال: إن السماوات في العرش كالقنديل معلق بين السماء والارض (5). 19 - وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد القيت بين ظهري فلاة من الارض (6). 20 - وعن وهب قال: خلق الله العرش وللعرش سبعون ألف ساق كل ساق كاستدارة السماء والارض (7). 21 - وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أذن لي أن احدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام (8). 22 - وعن حسان بن عطية قال: حملة العرش ثمانية، أقدامهم مثبتة (9) في الارض السابعة، ورؤوسهم قد جاوزت السماء السابعة، وقرونهم مثل طولهم عليها العرش (10). 23 - وعن زاذان قال: حملة العرش أرجلهم في التخوم، لا يستطيعون أن


(1) الدر المنثور: ج 3، ص 297. (2) في المصدر: في خلق العرش. (3 و 4 و 5) الدر المنثور: ج 3، ص 297. (6) الدر المنثور: ج 3، ص 298. (7) الدر المنثور: ج 3، ص 298. (8) الدر المنثور: ج 5، ص 346، وفيه (سبعمائة سنة). (9) في المصدر: (مثقبة) والصواب ما في المتن. (10) الدر المنثور: ج 5، ص 346.

[19]

يرفعوا أبصارهم من شعاع النور (1). 24 - وعن هارون بن رئاب قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم (2) يقول أربعة منهم (سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك) وأربعة منهم يقولون: (سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك (3)) 25 - وعن وهب قال: حملة العرش الذين يحملونه لكل ملك منهم أربعة وجوه وأربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن (4) ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يطير بهما، أقدامهم في الثرى، والعرش على أكتافهم، لكل واحد منهم وجه ثور، و وجه أسد، ووجه إنسان، ووجه نسر، وليس لهم كلام إلا أن يقولوا (قدوس الله القوي، ملات عظمته السماوات والارض) (5). 26 - وعن وهب قال: حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين، ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم، وملك (6) في صورة نسر يشفع للطير (7) في أرزاقهم، وملك (8) في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقها، وملك في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقها، فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة الله فلقنوا (لاحول ولا قوة إلا بالله) فاستووا قياما على أرجلهم (9). 27 - وعن ميسرة قال: لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور (10).


(1) الدر المنثور: ج 5، ص 346. (2) أي رقيق لين. (3) الدر المنثور: ج 5، ص 346 وقد ذكر التسبيحان في المصدر بالتقديم والتأخير. (4) في المصدر: على وجهه ينظر. (5) الدر المنثور: ج، 5 ص 346. (6 و 8) في المصدر: وملك منهم. (7) للطيور (خ). (9) الدر المنثور: ج 5، ص 346. (10) الدر المنثور: ج 5، ص 347.

[20]

28 - وعن ابن عباس قال: حملة العرش ما بين كعب (1) أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب (2). 29 - وعن ميسرة قال: حملة العرش أرجلهم في الارض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفا من التي تليها (3). 30 - وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج على أصحابه فقال: ما جمعكم فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته. فقال: لن تدركوا التفكر في عظمته ! ألا أخبركم ببعض عظمة ربكم ؟ قيل: بلى يا رسول الله قال: إن ملكا من حملة العرش يقال له (إسرافيل) زاوية من زوايا العرش على كاهله، قدماه (4) في الارض السابعة السفلى، ورأسه (5) في السماء السابعة العليا، في مثله من خليقة ربكم تبارك وتعالى (6). 31 - وعن ابن عباس في قوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قال: يقال ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، ويقال ثمانية أملاك رؤوسهم تحت العرش في السماء السابعة، وأقدامهم في الارض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه (7) خمسمائة عام (8). 32 - وعن الربيع قال: ثمانية من الملائكة (9).


(1) في المصدر: منكب. (2) الدر المنثور: ج 5، ص 347. (3) الدر المنثور: ج 5، ص 347. (4) في المصدر: (قد مرقت قدماه) ومرق أي نفذ وخرج. (5) في المصدر: ومرق رأسه. (6) الدر المنثور: ج 5، ص 347. (7) في المصدر: مسيرة خمسمائة عام. (8 و 9) الدر المنثور: ج 6 ص 261.

[21]

33 - وعن ابن زيد قال: لم يسم من حملة العرش إلا إسرافيل، وميكائيل ليس من حملة العرش (1). 34 - وعن كعب قال: لبنان أحد الثمانية تحمل العرش يوم القيامة (2). وعن ميسرة قال: ثمانية أرجلهم في التخوم، ورؤوسهم عند العرش، لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور (3). 36 - المهج: في دعاء مروي عن موسى بن جعفر عليهما السلام: يا من خافت الملائكة من نوره المتوقد حول كرسيه وعرشه، صافون مسبحون طائفون خاضعون مذعنون (الدعاء). 37 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام عن الكرسي أهو أعظم (4) أم العرش ؟ فقال عليه السلام: كل شئ خلق (5) الله في جوف الكرسي خلا (6) عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي (7). 38 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، أن عليا عليه السلام سئل عن قول الله تبارك وتعالى (وسع كرسيه السماوات والارض) قال: السماوات والارض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله، فأما ملك منهم في صورة الآدميين، وهي أكرم الصور على الله، وهو يدعو الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق (8) لبني آدم، والملك الثاني في صورة الثور وهو سيد البهائم و [هو] يطلب إلى الله ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق للبهائم (9)، والملك الثالث في صورة


(1 و 2 و 3) الدر المنثور: ج 6، ص 261. (4) في المصدر: فالكرسي أكبر أم العرش ؟ (5) في المصدر: خلقه الله. (6) في المصدر: ما خلا عرشه. (7) الاحتجاج: 193. (8) والسعة في الرزق (خ) (9) في المخطوطة: لجميع البهائم.

[22]

النسر وهو سيد الطير (1) وهو يطلب إلى الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطير، والملك الرابع في صورة الاسد وهو سيد السباع وهو يرغب إلى الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع، ولم يكن في هذه الصور أحسن من الثور، ولا أشد انتصابا منه حتى اتخذ الملاء من بني إسرائيل العجل فلما عكفوا عليه وعبدوه من دون خفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبد من دون الله شئ يشبهه، وتخوف (2) أن ينزل به العذاب. ثم قال عليه السلام: إن الشجر لم يزل حصيد اكله حتى دعي للرحمن ولد، عز الرحمن وجل أن يكون له ولد، فكادت (3) السماوات يتفطرن منه، وتنشق الارض، و تخر الجبال هدا، فعند ذلك اقشعر الشجر وصار له شوك، حذارا أن ينزل به العذاب، فما بال قوم غيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعدلوا عن وصيه لا يخافون أن ينزل بهم العذاب ؟ ! ثم تلا هذه الآية (الذين بدلوا نعمة الله كفروا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار (4)) ثم قال: نحن والله نعمة الله التي أنعم الله بها على عباده، بنا فاز من فاز (5). بيان: قد تحمل هؤلاء الحملة على أرباب الانواع التي قال بها أفلاطون وأضرابه، وما يظهر من صاحب الشريعة لا يناسب ما ذهبوا إليه بوجه، كما لا يخفى على العارف بمصطلحات الفريقين. 39 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن النضر، عن موسى بن بكر عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله (وسع كرسيه السماوات والارض) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى (وسع كرسيه السماوات والارض) السماوات والارض وسعن الكرسي أم الكرسي وسع السماوات والارض ؟ قال: بل الكرسي


(1) في المخطوطة: سيد الطيور. (2) في المصدر: ما يشبهه: ويخاف. (3) في المصدر: تكاد. (4) ابراهيم: 29. (5) تفسير على بن ابراهيم: 75.

[23]

وسع السماوات والارض والعرش وكل شئ خلق الله في الكرسي (1). بيان: لعل سؤال زرارة لاستعلام أن في قرآن أهل البيت (كرسية) منصوب أو مرفوع، وإلا فعلى تقدير العلم بالرفع لا يحسن هذا السؤال لاسيما من مثل زرارة ويروى عن الشيخ البهائي ره أنه قال: سألت عن ذلك والدي فأجاب ره بأن بناء السؤال على قراءة (وسع) بضم الواو وسكون السين مصدرا مضافا، وعلى هذا يتجه السؤال، وإني تصفحت كتب التجويد فما ظفرت على هذه القراءة إلا هذه الايام رأيت كتابا في هذا العلم مكتوبا بالخط الكوفي وكانت هذه القراءة فيه وكانت النسخة بخط مصنفه. وقوله (والعرش) لعله منصوب بالعطف على الارض أو مرفوع بالابتدائية فالمراد بالكرسي العلم أو بالعرش فيما ورد أنه محيط بالكرسي العلم، وقيل: العرش معطوف على الكرسي، أي والعرش أيضا وسع السماوات والارض، فالمعنى أن الكرسي والعرش كلا منهما وسع السماوات والارض فالمراد بكل شئ خلق الله كل ما خلق فيهما. 40 - التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (وسع كرسيه) إلى قوله والعرش وكل شئ في الكرسي (2). ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسن (3) بن الحسن بن أبان، عن


(1) تفسير على بن ابراهيم القمى: 75. (2) التوحيد: 239. (3) في المصدر (الحسين بن الحسن بن ابان) وهو الصحيح، قال الشيخ ره في باب اصحاب العسكري عليه السلام: الحسين بن الحسن بن ابان ادركه (يعنى العسكري عليه السلام) ولم أعلم أنه روى عنه، وقال: انه روى عن (الحسين بن سعيد) كتبه كلها، وروى عنه ابن الوليد وذكر ابن قولويه ان قرابة الصفار وسعيد بن عبد الله لكنه اقدم منهما لانه يروى عن الحسين بن سعيد دونهما والظاهر انه من الثقات لرواية اجلة القميين كسعد بن عبد الله وابن الوليد عنه، وكونه من مشايخ الاجازة، مضافا إلى أن العلامة ره في المنتهى والمختلف والشهيد في الذكرى وصفا حديثه بالصحة.

[24]

الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن ابن بكير، عن زرارة مثله. العياشي: عن زرارة مثله. 41 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم ابن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى أبي علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: إن ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيمن نزلت ! فقال أبي عليه السلام: سله فيمن نزلت (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (1)) ؟ وفيمن نزلت (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) (2) ؟ وفيمن نزلت (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا (3)) ؟ فأتاه الرجل فسأله فقال: وددت أن الذي أمرك بهذا واجهني به (4) فأسأله عن العرش مم خلقه الله (5) وكم هو وكيف هو ؟ فانصرف الرجل إلى أبي عليه السلام فقال أبي عليه السلام: فهل أجابك بالآيات ؟ قال: لا، قال أبي: لكن أجيبك فيها بعلم ونور غير المدعي ولا المنتحل، أما قوله (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) ففيه نزلت وفي أبيه، وأما قوله (ولا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح لكم) ففي أبيه نزلت، و أما الاخرى ففي ابنه (6) نزلت وفينا ولم يكن الرباط الذي أمرنا به، وسيكون ذلك من نسلنا المرابط، ومن نسله المرابط، وأما ما سأل عنه من العرش مم خلقه الله فإن الله خلقه أرباعا، لم يخلق قبله إلا ثلاثة أشياء: الهواء، والقلم، والنور ثم خلقه من ألوان أنوار مختلفة من ذلك النور: نور أحضر منه أخضرت الخضرة


(1) الاسراء: 72. (2) هود: 34. (3) آل عمران: 200. (4) في بعض النسخ: واجهنى به فأسأله، ولكن سله ما العرش ومتى خلق وكيف هو ؟ (5) في المصدر: ومتى خلق ! (6) في المصدر: ففى أبيه.

[25]

ونور أصفر منه أصفرت الصفرة، ونور أحمر منه أحمرت الحمرة، ونور أبيض و هو نور الانوار، ومنه ضوء النهار، ثم جعله سبعين ألف طبق غلظ كل طبق كأول العرش إلى أسفل السافلين، ليس من ذلك طبق إلا يسبح بحمد ربه ويقدسه بأصوات مختلفة وألسنة غير مشتبهة، لو أذن للسان واحد فأسمع شيئا مما تحته لهدم الجبال والمدائن والحصون، وكشف البحار ولهلك ما دونه، له ثمانية أركان يحمل كل ركن منها من الملائكة مالا يحصي عددهم إلا الله. يسبحون بالليل (1) والنهار لا يفترون، ولو أحس حس شئ مما فوقه ما قام لذلك طرفة عين بينه وبين الاحساس حجب الجبروت والكبيرياء والعظمة والقدس والرحمة والعلم (2) وليس وراء هذا مقال، لقد طمع الحائر في غير مطمع، أما إن في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم فيخرجون أقواما من دين الله، وستصبغ الارض بدماء أفراخ من أفراخ آل محمد تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك، ويرابط الذين آمنوا، ويصبرون ويصابرون، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (3). 42 - التوحيد: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل (4) عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: إن الله عزوجل خلق العرش أرباعا وذكر مثله إلى قوله وليس بعد هذا مقال (5). الكشى: عن جعفر بن معروف، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى


(1) الليل (خ). (2) القلم (خ). (3) تفسير على بن ابراهيم: 385. (4) هو عامر بن واثلة الكنانى الليثى، ذكر في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 157) أنه ولد عام أحد، واثبت مسلم وابن عدى صحبته إلى ان قال كان من شيعة على ثم سكن مكة إلى ان مات سنة مائة وقيل سنة عشر (يعنى بعد المائة) وهو آخر من مات من جميع الصحابة على الاطلاق. (5) التوحيد: 238.

[26]

مثل ما رواه علي بن ابراهيم إلى آخر الخبر. وقال أيضا: حدثني علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن محمد ابن أبي عمير، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام وذكر نحوه. الاختصاص: عن جعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد ابن الحسن الصفار، عن علي بن إسماعيل عن حماد مثله (1). بيان: (غير المدعي) أي بلا حقيقة، والانتحال أن يدعي شعر غيره أو قوله لنفسه. وفي رواية الكشي بعد ذلك: أما الاولتان فنزلتا في أبيه، وأما الاخيرة فنزلت في أبي وفينا. وكذا في الاختصاص وفيه بعده: ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد. وعلى التقادير يدل على أن العمى المذكور في الآية ليس عمى العين بل عمى القلب. إذ العباس لم ينقل عماه بل عبد الله صار أعمى (ففي ابنه نزلت) لعل الظاهر ففي بنيه، ويمكن أن يراد به الجنس، أو أول من خرج منهم أي نزلت في المرابطة، والانتظار الذي امرنا به في دولة ذريته الملعونة، فقوله عليه السلام (من نسله المرابط) على التهكم، أو بزعمهم، فإنهم كانوا يترقبون الدولة في زمن بني أمية، أو المراد المرابطة اللغوية لا المذكورة في الآية، ويحتمل أن يكون المراد بالمرابط الخارج بالسيف، والمرابط من الائمة القائم عليه السلام ومنهم أولهم أو كلهم وفي القاموس: ربطه: شده، والرباط: ما ربط به، والمواظبة على الامر وملازمة ثغر العدو كالمرابطة والمرابطة أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره وكل معد لصاحبه فسمي المقام في الثغر رباطا ومنه قوله تعالى (وصابروا ورابطوا (2)) (انتهى) (ولو أحس شئ مما فوقه) لعل قوله مما فوقه مفعول (أحس) أي شيئا مما فوقه وفي الاختصاص (ولو أحس شيئا مما فوقه) أي حاس أو كل من الملائكة الحاملين. وفي بعض النسخ (ولو أحس حس شئ) وفي بعضها (ولو أحس حس شيئا). وهو أظهر (بينه وبين الاحساس) أي بين الملك أو الحاس وبين إحساس ما فوقه


(1) الاختصاص: 73 71. (2) آل عمران: 200.

[27]

(حجب الجبروت والكبرياء) أي الصورية أو المعنوية (وليس وراء هذا مقال) أي لا يمكن وصف ما وراء هذه الحجب (لقد طمع الحائر) أي ابن عباس، وفي بعض النسخ (الخائن) وفي بعضها (الخاسر) في غير مطمع) أي في أمر لا ينفع طمعه فيه وهو فوق مرتبته. (فيخرجون) وفي الكشي: (يستخرجون أقواما من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه) والمراد بالافراخ السادات الذين خرجوا وقتلوا، لانهم خرجوا في غير وقت الخروج وعند استقرار دولة المخالفين (وتطلب غير مدرك) على بناء المفعول أي ما لا يمكن إدراكه. وفي الكشي: غير ما تدرك. وقد مرت الوجوه الكثيرة في تأويل الانوار في كتاب التوحيد، وفي هذا الباب أيضا فلا نعيدها ههنا. 43 - التفسير: (والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون) قال: حملة العرش ثمانية لكل واحد ثمانية أعين، كل عين طباق الدنيا، وفي حديث آخر: حملة العرش ثمانية: أربعة من الاولين وأربعة من الآخرين، فأما الاربعة من الاولين فنوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى عليهم السلام و أما الاربعة من الآخرين، فمحمد، وعلي، والحسن، والحسين ومعنى (يحملون العرش) يعني العلم (1). 44 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الاصبهاني، عن سليمان بن داود، عن حفص بن (2) غياث قال: سمعت


(1) تفسير على بن ابراهيم: 694. (2) هو حفص بن غياث - بكسر المعجمة - ابن طلق بن معاوية أبو عمر النخعي قاضى الكوفه، عده الشيخ - ره - من اصحاب الباقر والصادق عليهما السلام وادعى في العدة اجماع الطائفة على العمل بروايته. وقال النجاشي (104) انه ولى القضاء ببغداد الشرقية لهارون ثم ولاه قضاء الكوفة ومات بها سنة اربع وتسعين ومائة (انتهى) ولتوليه القضاء مر قبل هارون استظهر جماعة كونه عاميا لكنه كما ترى، والنجاشى لم يشر إلى عامية مذهبه عند التعرض لترجمته ولو كان عاميا لاشار إليه كما هو دأبه، قال في تنقيح المقال (ج 1، ص 355): يدل على كونه شيعيا جملة من اخباره ورواياته ثم ذكر بعضها.

[28]

أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن حملة العرش ثمانية لكل واحد منهم ثمانية أعين كل عين طباق الدنيا (1). 45 - ومنه: عن ابن الوليد، عن الصفار، مرسلا قال: قال الصادق عليه السلام: إن حملة العرش أحدهم على صورة ابن آدم يسترزق الله لولد آدم، والثاني على صورة الديك يسترزق الله للطير، والثالث على صورة الاسد يسترزق الله للسباع والرابع على صورة الثور يسترزق الله للبهائم، ونكس الثور رأسه منذ عبد بنو - إسرائيل العجل، فإذا كان يوم القيمة صاروا ثمانية (2). بيان: يمكن أن يكون الذي يسترزق للطير شبيها بالنسر والديك معا، فلذا شبه بهما. 45 - التوحيد: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر (3) (الخبر). 46 - التوحيد والمعاني: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (وسع كرسيه السماوات والارض) قال: علمه (4). 47 - المعاني: عن أحمد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن أحمد بن عيسى بن أبي مريم، عن محمد بن أحمد العرزمى، عن علي بن حاتم المنقري عن المفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العرش والكرسي ماهما ؟


(1) الخصال: 39. (2) الخصال: 40. (3) التوحيد: 64. (4) التوحيد: 239، المعاني: 30.

[29]

فقال: العرش في وجه هو جملة الخلق، والكرسي وعاؤه، وفي وجه آخر هو العلم الذي اطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه، والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحد من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام (1). 48 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن جعفر البغدادي عن محمد بن جمهور، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن محمد بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قال في كل يوم من شعبان سبعين مرة (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم وأتوب إليه) كتب في الافق المبين. قال: قلت: وما الافق المبين قال: قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد، فيه من القدحان عدد النجوم (2). 49 - التوحيد: عن محمد بن الحسين بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد، عن حماد، عن ربعي (3)، عن الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (وسع كرسيه السماوات والارض) قال: يا فضيل السماوات والارض وكل شئ في الكرسي (4). 50 - ومنه: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (وسع كرسيه السماوات والارض) فقال: السماوات والارض وما بينهما في الكرسي، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره (5).


(1) المعاني: 29. (2) المعاني: 228. (3) بكسر الراء وسكون الباء، قال النجاشي: ربعى بن عبد الله بن الجارود بن أبى سبرة الهذلى أبو نعيم بصرى ثقة روى عن أبى عبد الله وابى الحسن عليهما السلام وصحب الفضيل بن يسار واكثر الاخذ عنه وكان خصيصا به - إلى ان قال - وله كتاب رواه عن عدة من اصحابنا رحمهم الله منهم حماد بن عيسى. (4) التوحيد: 239. (5) التوحيد: 239.

[30]

51 - ومنه: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العرش والكرسي فقال: إن للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كل سبب وصنع (1) في القرآن صفة على حدة، فقوله (رب العرش العظيم) يقول: الملك العظيم، وقوله (الرحمن على العرش استوى) يقول: على الملك احتوى، وهذا ملك الكيفوفية في الاشياء. ثم العرش في الوصل مفرد (2) من الكرسي، لانهما بابان من أكبر أبواب الغيوب، وهما جميعا غيبان، وهما في الغيب مقرونان، لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنها (3) الاشياء كلها، والعرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والاين والمشية وصفة الارادة وعلم الالفاظ والحركات والترك وعلم العود والبداء، فهما في العلم بابان مقرونان، لان ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك قال (رب العرش العظيم) أي صفته أعظم من صفة الكرسي، وهما في ذلك مقرونان. قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي ؟ قال عليه السلام: إنه صار جاره لان علم الكيفوفية فيه وفيه الظاهر من أبواب البداء وأينيتها (4) وحد رتقها وفتقها، فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الظرف. وبمثل صرف العلماء، وليستدلوا (5) على صدق دعواهما لانه يختص برحمته من يشاء وهو القوي العزيز. فمن اختلاف صفات العرش أنه قال تبارك وتعالى (رب العرش رب الوحدانية عما يصفون) وقوم وصفوه بيدين فقالوا (يد الله مغلولة) وقوم وصفوه بالرجلين فقالوا وضع رجله على صخرة بيت المقدس فمنها ارتقى إلى السماء، و


(1) وضع (خ). (2) في بعض النسخ وفى المصدر: متفرد. (3) في المصدر: (منه) وهو الظاهر. (4) في بعض النسخ: ابنيتها. (5) في المصدر: يستدلوا.

[31]

وصفوه (1) بالانامل فقالوا: إن محمدا صلى الله عليه وآله قال (إني وجدت برد أنامله على قلبي) فلمثل هذه الصفات قال (رب العرش عما يصفون) يقول: رب المثل الاعلى عما به مثلوه، ولله المثل الاعلى الذي لا يشبهه شئ ولا يوصف ولا يتوهم، فذلك المثل الاعلى. ووصف الذين لم يؤتوا من الله فوائد العلم فوصفوا ربهم بأدنى الامثال وشبهوه بالمتشابه منهم فيما جعلوا به، فلذلك قال (وما اوتيتم من العلم إلا قليلا) فليس له شبه ولا مثل ولاعدل، وله الاسماء الحسنى التي لا يسمى بها غيره، وهي التي وصفها في الكتاب فقال (فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) جهلا بغير علم، فالذي يلحد في أسمائه [جهلا] بغير علم يشرك وهو لا يعلم، ويكفر به وهو يظن أنه يحسن، فلذلك قال (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم، فيضعونها غير مواضعها. يا حنان ! إن الله تبارك وتعالى أمر أن يتخذ قوم أولياء، فهم الذين أعطاهم الفضل وخصهم بما لم يخص به غيرهم، فأرسل محمدا صلى الله عليه وآله فكان الدليل على الله بإذن الله عزوجل حتى مضى دليلا هاديا، فقام من بعده وصيه عليه السلام دليلا هاديا على ما كان هو دل عليه من أمر ربه من ظاهر علمه ثم الائمة الراشدون عليهم السلام (2). بيان، (صفات كثيرة) أي معان شتى وإطلاقات مختلفة (ملك الكيفوفية في الاشياء) أي كيفية ارتباطه سبحانه بمخلوقاته وتدبيره لها وعلمه بها ومباينته عنها، ولذا وصف ذلك بالاستواء فليس بشئ أقرب من شئ، ورحمته وعلمه وسعا كل شئ، ويحتمل أن يكون المراد تدبير صفات الاشياء وكيفياتها وأوضاعها وأحوالها، ولعله أظهر. (ثم العرش في الوصل مفرد) أي إذا عطف أحدهما على الآخر ووصل بينهما في الذكر فالعرش مفرد عن الكرسي ومبائن له، وفي غير ذلك قد يطلقان على معنى واحد كالعلم (وهما جميعا غيبان) أي مغيبان عن الحواس قوله عليه السلام (لان الكرسي هو الباب الظاهر) يظهر منه مع غاية غموضه أن المراد


(1) في المصدر: وقوم وصفوه. (2) التوحيد: 236.

[32]

بالكرسي والعرش هنا نوعان من علمه سبحانه، فالكرسي العلم المتعلق بأعيان الموجودات، ومنه يطلع ويظهر جميع الموجودات بحقائقها وأعيانها، والامور البديعة في السماوات والارض وما بينهما، والعرش العلم المتعلق بكيفيات الاشياء ومقاديرها وأحوالها وبدئها وعودها، ويمكن أن يكون أحدهما عبارة عن كتاب المحو والاثبات، والآخر عن اللوح المحفوظ. قوله عليه السلام (لان علم الكيفوفية) أي إنهما إنما صارا جارين مقرونين لان أحدهما عبارة عن العلم المتعلق بالاعيان والآخر عن العلم المتعلق بكيفيات تلك الاعيان فهما مقرونان، ومن تلك الجهة صح جعل كل منها ظرفا للآخر، لان الاعيان لما كانت محال للكيفيات فهي ظروفها وأوسع منها، ولما كانت الكيفيات محيطة بالاعيان فكأنها ظرفها وأوسع منها وبهذا الوجه يمكن الجمع بين الاخبار ولعله اشير إلى هذا بقوله (أحدهما جعل صاحبه في الظرف) بالظاء المعجمة أي بحسب الظرفية، وفي بعض النسخ بالمهملة أي حيث ينتهي طرف أحدهما بصاحبه إذا قرئ بالتحريك، وإذا قرئ بالسكون فالمراد نظر القلب. (وبمثل صرف العلماء) أي علماء أهل البيت عليهم السلام عبروا عن هذه الامور بالعبارات المتصرفة المتنوعة على سبيل التمثيل والتشبيه، فتارة عبروا عن العلم بالعرش، وتارة بالكرسي، وتارة جعلوا العرش وعاء الكرسي، وتارة بالعكس، وتارة أرادوا بالعرش والكرسي الجسمين العظيمين، وإنما عبروا بالتمثيل ليستدلوا على صدق دعواهما، أي دعواهم لهما، وما ينسبون إليهما و يبينون من غرائبهما وأسرارهما، وفي أكثر النسخ (وليستدلوا) فهو عطف على مقدر أي لتفهيم أصناف الخلق وليستدلوا، ولعل الاظهر (دعواهم). قوله عليه السلام (فمن اختلاف صفات العرش) أي معانيه قال في سورة الانبياء (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) فالمراد بالعرش هنا عرش الوحدانية، إذ هي أنسب بمقام التنزيه عن الشريك، إذا المذكور قبل ذلك (أم اتخذوا آلهة من الارض هم ينشرون * لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون، وقال سبحانه في سورة الزخرف (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين

[33]

سبحان رب السماوات والارض رب العرش عما يصفون) والمناسب هنا عرش التقدس والتنزه عن الاشباه والامثال والاولاد، فالعرش في كل مقام يراد به معنى يعلمه الراسخون في العلم. ثم إنه ظاهر الكلام يوهم أن الظرف في قوله (عما يصفون) متعلق بالعرش وهو بعيد، بل الظاهر تعلقه بسبحان، وعلى ما قررنا عرفت أنه لا حاجة إلى ارتكاب ذلك، ويدل الخبر على أن خطاب (وما اوتيتم) متوجه إلى السائلين عن الروح وأضرابهم لا إلى النبي صلى الله عليه وآله قوله عليه السلام (من ظاهر علمه) إنما خص بالظاهر لان باطن علمه لا يطيقه سائر الخلق سوى أوصيائه عليهم السلام. واعلم أن هذا الخبر من المتشابهات، وغوامض المخبيات، والظاهر أنه وقع من الرواة والنساخ لعدم فهمهم معناه تصحيفات وتحريفات أيضا، فلذا أجملت الكلام فيه، وما ذكرته إنما هو على سبيل الاحتمال، والله يعلم وحججه حقائق كلامهم عليهم السلام. 52 - العياشي: عن الاصبغ، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله (وسع كرسيه السماوات والارض) فقال: إن السماء (1) والارض وما فيهما من خلق مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله. 53 - تفسير العسكري: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله لما خلق العرش خلق له ثلاثمائة وستين ألف ركن، وخلق عند كل ركن ثلاثمائة وستين ألف ملك، لو أذن الله تعالى لاصغرهم فالتقم السماوات السبع والارضين السبع ما كان ذلك بين لهواته إلا كالرملة في المفازة الفضفاضة ! فقال لهم الله: يا عبادي احتملوا عرشي هذا، فتعاطوه فلم يطيقوا حمله ولا تحريكه، فخلق الله عزوجل مع كل واحد منهم واحدا فلم يقدروا أن يزعزعوه، فخلق الله مع كل واحد منهم عشرة فلم يقدروا أن يحركوه، فخلق الله بعدد كل واحد منهم مثل جماعتهم فلم يقدروا أن يحركوه، فقال الله عزوجل لجميعهم: خلوه علي امسكه بقدرتي، فخلوه فأمسكه الله عزوجل بقدرته، ثم قال لثمانية منهم: احملوه أنتم. فقالوا: يا ربنا


(1) السماوات (خ).

[34]

لم نطقه نحن وهذا الخلق الكثير والجم الغفير، فكيف نطيقه الآن دونهم ؟ ! فقال الله عزوجل: لاني أنا الله المقرب للبعيد، والمذلل للعبيد، والمخفف للشديد والمسهل للعسير، أفعل ما أشاء وأحكم ما اريد، اعلمكم كلمات تقولونها يخف (1) بها عليكم. قالوا: وما هي ؟ قال: تقولون (بسم الله الرحمن الرحيم ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله الطيبين) فقالوها فحملوه، و خف على كواهلهم كشعرة نابتة على كاهل رجل جلد قوي. فقال الله عزوجل لسائر تلك الاملاك: خلوا على هؤلاء الثمانية عرشي ليحملوه، وطوفوا أنتم حوله وسبحوني ومجدوني وقدسوني، فأنا الله القادر [المطلق] على ما رأيتم وعلى كل شئ قدير. بيان: (الفضفاضة) الواسعة ذكره الجوهري، وقال: الجلد الصلابة و الجلادة، تقول منه جلد الرجل بالضم فهو جلد. 54 - روضة الواعظين: روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أنه قال: في العرش تمثال ما خلق الله من البر والبحر (2) قال: وهذا تأويل قوله (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه (3)) وإن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسيرة ألف عام، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والاشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة، وإن لله تعالى ملكا يقال له (خرقائيل) له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، فخطر له خاطر: هل فوق العرش شئ ؟ فزاده الله تعالى مثلها أجنحة اخرى، فكان له ست وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه: أيها الملك طر، فطار مقدار عشرين ألف عام لم ينل رأس (4) قائمة من قوائم العرش، ثم ضاعف الله له في الجناح والقوة


(1) يخفف (خ). (2) في المصدر: في البر والبحر. (3) الحجر: 21. (4) راسه (خ).

[35]

وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف عم لم ينل أيضا، فأوحى الله إليه: أيها الملك ! لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ إلى ساق عرشي (1) ! فقال الملك (سبحان ربي الاعلى) فأنزل الله عزوجل (سبح اسم ربك الاعلى) فقال النبي صلى الله عليه وآله: اجعلوها في سجودكم. 55 - وروي من طريق المخالفين في قوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قال: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله، لكل ملك منهم أربعة وجوه لهم قرون كقرون الوعلة، من اصول القرون إلى منتهاها مسيرة خمسمائة عام، و العرش على قرونهم، وأقدامهم في الارض السفلى، ورؤوسهم في السماء العليا، و دون العرش سبعون حجابا من نور (2). بيان: قال الجزري: الوعول تيوس الجبل، واحدها وعل بكسر العين، و منه الحديث في تفسير قوله تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم يوئمذ ثمانية) قيل: هي ثمانية أوعال، أي ملائكة على صورة الاوعال. 56 - تأويل الايات الظاهرة: نقلا من كتاب محمد بن العباس بن ماهيار عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن الحسين العلوي، عن محمد بن حاتم، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في قوله تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله) قال: يعني محمدا، وعليا، والحسن، والحسين ونوحا، وإبراهم، وموسى، وعيسى عليهم السلام. 57 - الاختصاص: عن ابن عباس، قال: سأل ابن سلام النبي صلى الله عليه وآله فكان فيما سأله: ما الستة عشر ؟ وما الثمانية عشر ؟ قال: ستة عشر صفا من الملائكة حافين من حول العرش، وذلك قوله (حافين من حول العرش) وأما الثمانية عشر فثمانية عشر حجابا من نور معلق بين الكرسي والحجب، ولو لا ذلك لذابت


(1) في المصدر: إلى ساق العرش. (2) روضة الواعظين: 59.

[36]

صم الجبال الشوامخ، واحترقت الجن والانس من نور الله. قال: صدقت يا محمد (1). 58 - في بعض الكتب عن علي بن الحسين عليهما السلام: إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله. 59 - المتهجد: في دعاء ليلة الجمعة: اللهم رب النور العظيم ورب الكرسي الواسع، ورب العرش العظيم، ورب البحر المسجور (الدعاء). 60 - وفي تعقيب صلاة أمير المؤمنين عليه السلام: وأسألك باسمك الذي خلقت به عرشك الذي لا يعلم ما هو إلا أنت - إلى قوله - وأسألك يا الله باسمك الذي تضعضع به سكان سماواتك، واستقر به عرشك - إلى قوله - وأسألك باسمك الذي أقمت به عرشك وكرسيك في الهواء - إلى قوله - وأسألك باسمك الذي دعاك به حملة عرشك فاستقرت أقدامهم، وحملتهم عرشك بدلك الاسم يا الله الذي لا يعلمه ملك مقرب ولا حامل عرشك ولا كرسيك إلا من علمته ذلك. 61 - بيان التنزيل لابن شهر آشوب عن الصادق عليه السلام: إن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير عشرة آلاف عام (1).


(1) الاختصاص: 27. (1) حاصل ما يستفاد من الروايات الشريفة أن العرش مخلوق عظيم جدا يشتمل على ما دونه من الموجودات، خلق من انوار اربعة، ويحمله اربعة من الملائكة، وله اربع قوائم وليس اول المخلوقات بل رابعها، وهو الملكوت الذى اراه الله اصفياءه، وفيه تمثال ما خلق الله في البر والبحر، وفيه خزائن جميع الاشياء، وهو الباب الباطن من العلم، وفيه علم الكيف والكون والعود والبداء وقد يستعمل بمعنى الملك والقدرة بعناية، ومنه قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) ولعل منه ايضا (وكان عرشه على الماء). وقد تكلف بعض الحكماء لتطبيقه على الفلك التاسع من الافلاك المفروضة في الهيئة القديمة، لكنه لا يوافق ما ذكر له من الخواص في الروايات والذى يفيده التدبر البالغ في خواصه المذكورة في الروايات الشريفة ان اشتماله على ما دونه من الموجودات ليس كاشتمال جسم مجوف على آخر، بل معناه اشتماله على صور الاشياء وحقائقها وكمالاتها، قال عليه السلام (في العرش تمثال ما خلق الله تعالى في البر والبحر وهذا تأويل قوله وان من شئ الا عندنا =

[37]

تحقيق وتوفيق: اعلم أن ملوك الدنيا لما كان ظهورهم وإجراء أحكامهم على رعيتهم إنما يكون عند صعودهم على كرسي الملك وعروجهم على عرش السلطنة ومنهما تظهر آثارهم وتتبين أسرارهم، والله سبحانه لتقدسه عن المكان لا يوصف بمحل ولا مقر وليس له عرش ولا كرسي يستقر عليهما، بل يطلقان على أشياء من مخلوقاته أو صفاته الكمالية على وجه المناسبة، فالكرسي والعرش يطلقان على معان: أحدها جسمان عظيمان خلقهما الله تعالى فوق سبع سماوات، وظاهر أكثر الاخبار أن العرش أرفع وأعظم من الكرسي، ويلوح من بعضها العكس، والحكماء يزعمون أن الكرسي هو الفلك الثامن، والعرش هو الفلك التاسع، وظواهر الاخبار تدل على خلاف ذلك من كونهما مربعين ذاتي قوائم وأركان، وربما يؤولان بالجهات والحدود والصفات التي بها استحقا التعظيم والتكريم، ولا حاجة لنا إلى هذه التكلفات، وإنما سميا بالاسمين لبروز أحكامه وتقديراته من عندهما، وإحاطة الكروبيين والمقربين وأرواح النبيين والاوصياء بهما، وعروج من قربه من جنابه إليهما، كما أن أوامر الملوك وأحكامهم وآثار سلطنتهم وعظمتهم تبدو منهما، و تطيف مقربوا جنابهم وخواص ملكهم بهما، وأيضا لما كانا أعظم مخلوقاته الجسمانية وفيهما من الانوار العجيبة والآثار الغريبة ما ليس في غيرهما من الاجسام فدلالتهما على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته سبحانه أكثر من سائر الاجسام، فلذا خصا بهذين الاسمين من بينهما، وحملتهما في الدنيا جماعة من الملائكة كما عرفت، وفي الآخرة إما الملائكة أو اولوا العزم من الانبياء مع صفوة الاوصياء عليهم السلام كما عرفت، و


= خزائنه) وقال (هو الباب الباطن الذى ويجد فيه علم الكيف والكون. وهما (يعنى العرش والكرسي) غيبان وهما في العلم مقرونان) فبالنظر إلى هذه الخواص لا يبعد استظهار كونه من الموجودات النورانية العالية والجواهر المجردة العقلية، وكونه رابعها بحسب المرتبة الوجودية، مشتملا على اربع حيثيات مختلفة يبقى اشكال وهو انه ربما يظهر من بعض الروايات كونه جسما عظيما فوق السماء السابعة فلو كان المراد غير ذلك لم لم يصرح به ؟ والجواب قوله عليه السلام في رواية حنان المتقدمة (بمثل صرف العلماء) والله العالم.

[38]

يمكن أن يكون نسبة الحمل إليهم مجازا لقيام العرش بهم في القيامة وكونهم الحكام عنده والمقر بين لديه. وثانيها: العلم كما عرفت إطلاقهما في كثير من الاخبار عليه وقد مر الفرق بينهما في خبر معاني الاخبار وغيره، وذلك أيضا لان منشأ ظهوره سبحانه على خلقه العلم والمعرفة، وبه يتجلى على العباد، فكأنه عرشه وكرسيه سبحانه وحملتهما نبينا وأئمتنا عليهم السلام لانهم خزان علم الله في سمائه وأرضه لاسيما ما يتعلق بمعرفته سبحانه. وثالثها الملك، وقد مر إطلاقهما عليه في خبر (حنان) والوجه ما مر أيضا. ورابعها: الجسم المحيط وجميع ما في جوفه أو جميع خلق الله كما ذكره الصدوق - ره - ويستفاد من بعض الاخبار، إذ مامن شئ في الارض ولا في السماء وما فوقها إلا وهي من آيات وجوده وعلامات قدرته، وآثار وجوده وفيضه وحكمته فجميع المخلوقات عرش عظمته وجلاله، وبها تجلى على العارفين بصفات كماله وهذا أحد المعاني التي خطرت ببالي الفاتر في قولهم عليهم السلام (وارتفع فوق كل منظر) فتدبر. وخامسها: إطلاق العرش على كل صفة من صفاته الكماليه والجلالية إذ كل منها مستقر لعظمته وجلاله، وبها يظهر لعباده على قدر قابليتهم ومعرفتهم فله عرش العلم، وعرش القدرة، وعرش الرحمانية، وعرش الرحيمية، وعرش الوحدانية، وعرش التنزه كما مر في خبر حنان وغيره. وقد أول الوالده - ره - الخبر الذي ورد في تفسير قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) أن المعنى: استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ، أن المراد بالعرش هنا عرش الرحمانية والظرف حال أي الرب سبحانه حالكونه على عرش الرحمانية استوى من كل شئ، إذ بالنظر إلى الرحيمية التي هي عبارة عن الهدايات والرحمات الخاصة بالمؤمنين أقرب، أو المراد أنه تعالى بسبب صفة الرحمانية حال كونه على عرش الملك والعظمة والجلال استوى نسبته إلى كل شئ، وحينئذ فائدة التقييد بالحال نفي

[39]

توهم أن هذا الاستواء مما ينقص من عظمته وجلاله شيئا. وسادسها إطلاق العرش على قلب الانبياء والاوصياء عليهم السلام وكمل المؤمنين فإن قلوبهم مستقر محبته ومعرفته سبحانه، كما روي أن قلب المؤمن عرش الرحمن وروي أيضا في الحديث القدسي (لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن). ثم اعلم أن إطلاقهما على بعض المعاني عند التصريح به أو إقامة القرائن عليه لا ينافي وجوب الاذعان بالمعنى الاول الذي هو الظاهر من أكثر الآيات والاخبار، والله المطلع على الاسرار. 5 (باب) * (الحجب والاستار والسرادقات) * 1 - التوحيد والخصال: عن أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن يحيى ابن زكريا القطان، عن بكر بن عبد الله، عن تميم بن بهلول، عن نصر بن مزاحم المنقري، عن عمرو بن سعد، عن أبي مخنف (1) لوط بن يحيى، عن أبي منصور، عن زيد بن وهب، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الحجب، فقال: أول الحجب سبعة، غلظ كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل حجا بين مسيرة خمسمائة عام، والحجاب الثاني سبعون حجابا، بين كل حجا بين مسيرة خمسمائة عام (2)


(1) وزان (منبر) وابو مخنف هو لوط بن يحيى بن مخنف بن سليم الازدي شيخ اصحاب الاخبار بالكوفة - كما عن النجاشي - يروى عن الصادق عليه السلام وكان من اعاظم مؤرخي الشيعة، ومع اشتهاره بالتشيع اعتمد عليه علماء السنة كالطبري والجزري وغيرهما، له كتب في التاريخ والسير منها (مقتل الحسين عليه السلام) الذى نقل عنه اعاظم العلماء المتقدمين توفى سنة (157) وجده (مخنف) صحابي شهد الجمل في اصحاب على عليه السلام حاملا راية الازد فاستشهد في تلك الواقعة سنة (36). (2) في المصدر: وطول خمسمائة عام.

[40]

حجبة كل حجاب منها سبعون ألف ملك، قوة كل ملك منهم قوة الثقلين، منها ظلمة، ومنها نور، ومنها نار، ومنها دخان، ومنها سحاب ومنها برق (1)، ومنها رعد، ومنها ضوء، ومنها رمل، ومنها جبل، ومنها عجاج، ومنها ماء، ومنها أنهار. وهي حجب مختلفة غلظ كل حجاب مسيرة سبعين ألف عام، ثم سرادقات الجلال وهي ستون (2) سرادقا، في كل سرادق سبعون ألف ملك، بين كل سرادق وسرادق مسيرة خمسمائة عام، ثم سرادق العز، ثم سرادق الكبرياء، ثم سرادق النور الابيض، ثم سرادق الوحدانية وهو مسيرة سبعين ألف عام، ثم الحجاب الاعلى. وانقضى كلامه عليه السلام وسكت فقال له عمر: لا بقيت ليوم لا أراك فيه يا أبا الحسن (3) ! قال الصدوق - ره -: ليست هذه الحجب مضروبة على الله، تعالى عن ذلك لانه لا يوصف بمكان، ولكنها مضروبة على العظمة العليا من خلقه التي لايقادر قدرها غيره تبارك وتعالى (4). بيان: قوله عليه السلام (منها ظلمة) لعل المراد من مطلق الحجب لامن الحجب المتقدمة كما يدل عليه قوله (غلظ كل حجاب) الخ. 2 - المعاني والخصال: عن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المقري، عن محمد ابن إبراهيم الجرجاني، عن عبد الصمد بن يحيى الواسطي، عن الحسن بن علي المدني، عن عبد الله بن المبارك (5)، عن السفيان الثوري، عن جعفر بن محمد الصادق


(1) مطر (خ). (2) في المخطوطة: سبعون. (3) التوحيد: 201. (4) الخصال: 36 - 37. (5) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزى العالم الزاهد المحدث من تابعي التابعين، ذكر ترجمته مفصلا في تاريخ بغداد والحلية وغيرهما واثنوا عليه كثيرا، روى عنه انه قال: كتبت عن اربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف، وروى انه قال لابي =

[41]

عن أبيه، عن جده [عن] علي بن أبيطالب عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل أن خلق السماوات والارض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، وقبل أن خلق آدم ونوحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان وكل من قال الله عزوجل في قوله (ووهبنا له إسحاق ويعقوب - إلى قوله - وهديناهم إلى صراط مستقيم (1)) وقبل أن خلق الانبياء كلهم بأربعمائة ألف وأربع وعشرين ألف سنة، وخلق عزوجل معه اثني عشر حجابا: حجاب القدرة، وحجاب العظمة وحجاب المنة، وحجاب الرحمة، وحجاب السعادة، وحجاب الكرامة، وحجاب المنزلة، وحجاب الهداية، وحجاب النبوة، و حجاب الرفعة، وحجاب الهيبة، وحجاب الشفاعة، ثم حبس نور محمد صلى الله عليه وآله في حجاب القدرة اثني عشر ألف سنة وهو يقول (سبحان ربي الاعلى) وفي حجاب العظمة أحد عشر ألف سنة وهو يقول (سبحان عالم السر [وأخفى] وفي حجاب المنة عشرة آلاف سنة وهو يقول (سبحان من هو قائم لا يلهو) وفي حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة وهو يقول (سبحان الرفيع الاعلى) وفي حجاب السعادة ثمانية آلاف سنة وهو يقول (سبحان من هو دائم لا يسهو) وفي حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة وهو يقول (سبحان من هو غني لا يفتقر) وفي حجاب المنزله ستة آلاف سنة وهو يقول (سبحان ربي العلي الكريم) وفي حجاب الهداية خمسة آلاف سنة وهو يقول (سبحان ذي (2) العرش العظيم) وفي حجاب النبوة أربعة آلاف سنة وهو يقول (سبحان رب العزة عما يصفون) وفي حجاب الرفعة ثلاثة آلاف سنة وهو يقول (سبحان ذي الملك


= جعفر محمد بن على الباقر عليهما السلام، قد اتيتك مسترقا مستعبدا، فقال: قد قبلت، واعتقه وكتب له عهدا، حكى الدميري انه استعار قلما من الشام فعرض له سفر فسار إلى انطاكية وكان قدنسى القلم معه، فذكره هناك، فرجع من انطاكية إلى الشام ماشيا حتى رد القلم إلى صاحبه وعاد ولد سنة (118) بمرو وتوفى سنة (181) بهيت وهى - بكسر الهاء - مدينة على الفرات فوق الانبار من اعمال العراق. (1) الانعام: 87. (2) في الحصال: رب العرش (*).

[42]

والملكوت) وفي حجاب الهيبة ألفي سنة وهو يقول (سبحان الله وبحمده) وفي حجاب الشفاعة ألف سنة وهو يقول (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثم أظهر عزوجل اسمه على اللوح فكان على اللوح منورا أربعة آلاف سنة، ثم أظهره على العرش فكان على ساق العرش مثبتا سبعة آلاف سنة، إلى أن وضعه الله عزوجل في صلب آدم عليه السلام إلى آخر ما مر في المجلد السادس (1). 3 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال جبرئيل في ليلة المعراج: إن بين الله وبين خلقه تسعين ألف حجاب، وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل وبيننا وبينه أربعة حجب: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وحجاب من الغمام وحجاب من ماء (الخبر) (2). 4 - المجالس للصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش (3)


(1) الخصال: 81 - 82 المعاني: 306 - 308. (2) تفسير على بن ابراهيم: 373. (3) هو أبو محمد سليمان بن مهران الاسدي مولاهم الكوفى معروف بالفضل والثقة و الجلالة والتشيع والاستقامة، والعامة أيضا يثنون عليه، مطبقون على فضله وثقته، مقرون بجلالته مع اعترافهم بتشيعه، وقرنوه بالزهرى ونقلوا منه نوادر كثيرة، وصنف (ابن طولون) كتابا في نوادره سماه (الزهر الانعش في نوادر الاعمش) وذكر ابن خلكان انه كان ثقة عالما فاضلا وكان ابوه من (دماوند) من رساتيق الرى، ولقى كبار التابعين، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من اجلة العلماء وكان لطيف الخلق مزاحا، و ذكره الخطيب في تاريخ بغداد واثنى عليه كثيرا ثم قال: كان محدث اهل الكوفة في زمانه، يقال انه ظهر له اربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب، وكان يقرء القرآن ورأس فيه، قرأ على (يحيى بن وثاب) وكان فصيحا ولم يكن في زمانه من طبقته اكثر حديثا منه وكان فيه تشيع وروى عن هشيم انه قال: ما رأيت بالكوفة احدا اقرأ لكتاب الله من الاعمش ولا اجود حديثا ولا افهم ولا اسرع اجابة لما يسأل عنه، توفى سنة (148).

[43]

عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس، في ذكر خبر المعراج قال: فعبر رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى إلى الحجب والحجب خمسمائة حجاب من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام (الخبر). 5 - التوحيد: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر (الخبر) (1). 6 - المتهجد: في تعقيب صلاة أمير المؤمنين عليه السلام: وأسألك بنور اسمك الذي خلقت به نور حجابك النور - إلى قوله عليه السلام - وأسألك باسمك الزكي الطاهر المكتوب في كنه حجبك، المخزون في علم الغيب عندك على سدرة المنتهى، وأسألك باسمك المكتوب على سرادق السرائر - إلى قوله - باسمك الذي كتبته على حجاب عرشك، وبكل اسم هولك في اللوح المحفوظ. 7 - الاقبال: في تعقيبات نوافل شهر رمضان، روي عن أبي عبد الله عليه السلام: اللهم إني أسألك باسمك المكتوب في سرادق المجد، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق البهاء، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق العظمة، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق الجلال، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق العزة، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق السرائر، السابق الفائق الحسن النضير، ورب الملائكة الثمانية ورب العرش العظيم (2) (الدعاء). 8 - الدر المنثور للسيوطي: نقلا من عدة كتب عن ابن عباس قال بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور (3).


(1) قد مر الحديث بعينه في باب العرش والكرسي تحت الرقم (45). (2) لم يوجد هذا الدعاء في تعقيبات النوافل. (3) لم يوجد في المصدر.

[44]

9 - وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال جبرئيل: إن بيني وبين الرب لسبعين حجابا من نار أو نور، لو رأيت أدناها لاحترقت (1). 10 - وعن أبي هريرة أن رجلا من اليهود أتي النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هل احتجب الله من خلقه بشئ غير السموات ؟ قال: نعم، بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نور، وسبعون حجابا من ظلمة، وسبعون حجابا من رفارف الاستبرق، وسبعون حجابا من رفارف السندس، وسبعون حجابا من در أبيض، وسبعون حجابا من در أحمر، وسبعون حجابا من در أصفر، وسبعون حجابا من در أخضر، وسبعون حجابا من ضياء، وسبعون حجابا من ثلج، وسبعون حجابا من ماء، وسبعون حجابا من برد، وسبعون حجابا من عظمته التي لا توصف. قال: فأخبرني عن ملك الله الذي يليه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الملك الذي يليه إسرافيل، ثم جبرئيل، ثم ميكائيل، ثم ملك الموت عليهم السلام (2). 11 - وعن مجاهد، قال: بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا، حجابا (3) من نور، وحجابا (4) من ظلمة. 12 - وعن سهل بن سعد، وعبد الله بن عمرو قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة لا يسمع (5) من نفس [من حس] تلك الحجب إلا زهقت نفسه. 13 - شرح النهج للكيدري: عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث المعراج قال: فخرجت من سدرة المنتهى حتى وصلت إلى حجاب من حجب العزة، ثم إلى حجاب آخر حتى قطعت سبعين حجابا وأنا على البراق، وبين كل حجاب وحجاب مسيرة


(1) الدر المنثور: ج 1 ص 93 وفيه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل: هل ترى ربك ؟ قال: ان بينى. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 93. (3 و 4) حجاب (خ) (5) في المخطوطة: ما يسمع.

[45]

خمسمائة سنة - إلى أن قال - ورأيت في عليين بحارا وأنوارا وحجبا وغيرها لولا تلك لاحترق كل ما تحت العرش من نور العرش. قال: وفي الحديث أن جبرئيل عليه السلام قال: لله دون العرش سبعون حجابا لودنونا من أحدها لاحرقتنا سبحات وجه ربنا. فذلكة: اعلم أنه قد تظافرت الاخبار العامية والخاصية في وجود الحجب والسرادقات وكثرتها، وفي القاموس: السرادق الذي يمد فوق صحن البيت، و الجمع سرادقات، والبيت من الكرسف، وبيت مسردق أعلاه وأسفله مشدود كله (1). وفي النهاية: السرادق كل ما أحاط بشئ من حائط أو مضرب أو خباء (2) (انتهى) وظاهر أكثر الاخبار أنها تحت العرش ويلوح من بعضها أنها فوقه، ولا تنافي بينها، وروي من طرق المخالفين عن النبي صلى الله عليه وآله أن لله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما دونه. وقال الجزري: فيه أن جبرئيل قال: لله دون العرش سبعون حجابا لودنونا من أحدها لاحرقتنا سبحات وجهه (3). وفي حديث آخر: حجابه النور أو النار لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره. سبحات الله: جلاله وعظمته، وهي في الاصل جمع (سبحة) وقيل: أضواء وجهه، وقيل: سبحات الوجه محاسنه، لانك إذا رأيت الحسن الوجه قلت سبحان الله، وقيل: معناه تنزيه له، أي سبحانه وجهه، وقيل: إن سبحات وجهه كلام معترض بين الفعل والمفعول، أي لو كشفها لاحرقت كل شئ بصره كما تقول لو دخل الملك البلد لقتل - العياذ بالله - كل من فيه، و أقرب من هذا كله أن المعنى: لو انكشف من أنوار الله التي تحجب العباد عنه شئ لاهلك كل من وقع عليه ذلك النور كما خر موسى صعقا، وتقطع الجبال دكا لما تجلى الله سبحانه وتعالى (4). وقال النووي في شرح صحيح مسلم: سبحات


(1) القاموس: ج 3، ص 244. (2) النهاية: ج 2، ص 157. (3) في المصدر، وجه ربنا. (4) النهاية: ج 2، ص 141.

[46]

- بضم السين والباء - أي نوره، وأراد بالوجه الذات، وبما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات، لان بصره محيط بجميعها، أي لو أزال المانع من رؤية أنواره لاحرق جلاله جميعهم. والتحقيق أن لتلك الاخبار ظهرا وبطنا وكلاهما حق فأما ظهرها فانه سبحانه كما خلق العرش والكرسي مع عدم احتياجه إليهما كذلك خلق عندهما أستارا وحجبا وسرادقات، وحشاها من أنواره الغريبة المخلوقة له ليظهر لمن يشاهدها من الملائكة وبعض النبيين ولمن يسمعها من غيرهم عظمة قدرته وجلال هيبته وسعة فيضه ورحمته ولعل اختلاف الاعداد باعتبار أن في بعض الاطلاقات اعتبرت الانواع وفي بعضها الاصناف وفي بعضها الاشخاص أو ضم بعضها إلى بعض في بعض التعبيرات، أو أكتفي بذكر بعضها في بعض الروايات وأما بطنها فلان الحجب المانعة عن وصول الخلق إلى معرفة كنه ذاته وصفاته امور كثيرة، منها ما يرجع إلى نقص المخلوق وقواه ومداركه بسبب الامكان والافتقار والاحتياج والحدوث وما يتبع ذلك من جهات النقص والعجز، وهي الحجب الظلمانية. ومنها ما يرجع إلى نوريته وتجرده وتقدسه ووجوب وجوده وكماله وعظمته وجلاله وسائر ما يتبع ذلك وهي الحجب النورانية، وارتفاع تلك الحجب بنوعيه محال، فلو ارتفعت لم يبق بغير ذات الحق شئ، أو المراد بكشفها رفعها في الجملة بالتخلي عن الصفات الشهوانية والاخلاق الحيوانية، والتخلق بالاخلاق الربانية بكثرة العبادات والرياضات والمجاهدات وممارسة العلوم الحقة، فترتفع الحجب بينه وبين ربه سبحانه في الجملة، فيحرق ما يظهر عليهم من أنوار جلاله تعيناتهم وإراداتهم وشهواتهم، فيرون بعين اليقين كماله سبحانه ونقصهم، وبقاءه وفناءهم وذلهم، وغناه وافتقارهم، بل يرون وجودهم المستعار في جنب وجوده الكامل عدما، وقدرتهم الناقصة في جنب قدرته الكاملة عجزا بل يتخلون عن إرادتهم وعلمهم وقدرتهم، فيتصرف فيهم إرادته وقدرته وعلمه سبحانه، فلا يشاؤون إلا أن يشاء الله، ولا يريدون سوى ما أراد الله، ويتصرفون في الاشياء بقدرة الله، فيحيون الموتى، ويردون الشمس، ويشقون القمر، كما

[47]

قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية) والمعنى الذي يمكن فهمه ولا ينافي اصول الدين من الفناء في الله والبقاء بالله هو هذا المعنى (1). وبعبارة اخرى: الحجب النورانية الموانع التي للعبد عن الوصول إلى قربه وغاية ما يمكنه من معرفته سبحانه من جهة العبادات كالرئاء والعجب والسمعة والمراء وأشباهها، والظلمانية ما يحجبه من المعاصي عن الوصول إليه، فإذا ارتفعت تلك الحجب تجلى الله لى في قلبه، وأحرق محبة ما سواه حتى نفسه عن نفسه وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الايمان والكفر إنشاء الله تعالى، وكل ذلك لا يوجب عدم وجوب الايمان بظواهرها إلا بمعارضة نصوص صحيحة صريحة صارفة عنها وأول الالحاد سلوك التأويل من غير دليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.


(1) الطريق الذى سلكه العلامة المؤلف رضوان الله عليه في كلامه هذا أشبه بطرق أهل الذوق وبياناتهم فلا بأس بالاشارة إلى طريق اهل البحث والنظر ليكون النفع أعم والفائدة أتم والله المستعان. العالم المادى عالم الحركة والتكامل، والنفس ايضا لتعلقها بالبدن المادى بل اتحادها به محكوم بهذا الحكم فهى لا تزال تسير في منازل السير وتعرج على مدارج الكمال وتقترب إلى الحق المتعال حتى تصل إلى ثغور الامكان والوجوب فعندئذ ينتهى السير ويقف الحركة (وان إلى ربك المنتهى) ومنازل السير هي المراتب المتوسطة بين المادة وبين اشرف مراتب الوجود وهى بوحه ينقسم إلى مادية وغير مادية والاولى هي المراحل التى تقطعها حتى تصل إلى حد التجرد والثانية هي المراتب الكمالية العالية التى فوق ذلك وحيث إن نسبة كل مرتبة عالية بالنسبة إلى ما تحته نسبة العلة إلى المعلول والمعنى الاسمى إلى الحرفى والمستقل إلى غير المستقل كانت المرتبة العالية مشتملة على كمالات المرتبة الدانية من غير عكس فكلما أخذ قوس الوجود في النزول ضعفت المراتب وكثرت الحدود العدمية، وكلما أخذ في الصعود اشتدت المراتب وقلت الحدود إلى ان تصل إلى وجود لاحد له أصلا ووصول النفس إلى كل مرتبة عبارة عن تعلقها بتلك المرتبة، وبعبارة اخرى بمشاهدة ارتباطها بها بحيث لا ترى لنفسها استقلالا بالنسبة إليها، وإن شئت قلت: بفنائها عن ذاتها وخروجها عماله من الحدود بالنسبة إليها. وبعد هذه المقدمة نقول: الحدود اللازمة لكل مرتبة العارضة لحقيقة وجود الشئ =

[48]

6 - (باب) * (سدرة المنتهى ومعنى عليين وسجين) * الآيات: النجم: ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة الماوى *


= الذى في تلك المرتبة هي التى تحجب ذلك الشئ من الوصول إلى المرتبة العالية وإدراك مالها من الكمال والعظمة فإذا خرج الشئ عن هذه الحدود وخلع تلك القيود أمكنه الترقي إلى درجة ما فوقه فيرى عندئد ذاته متعلقة به غير مستقلة عنه ويعرف ماله من البهاء والشرف والكمال والعظمة، فتلك الحدود هي الحاجبة عن حقيقة الوجود المطلقة عن كل قيد فالنفس الوالهة إلى اللذائذ المادية هي المتوغلة في ظلمات الحدود وغواشى القيود، وهى ابعد النفوس عن الحق تعالى، فكلما انخلعت من القيود المادية وقطعت تعلقها عن زخارف هذه الدنيا الدنية اقتربت من عالم النور والسرور والبهاء والحبور، حتى تتجرد تجردا ساميا فتشاهد نفسها جوهرا مجردا عن المادة والصورة وعند ذلك خرجت عن الحجب الظلمانية، وهى حقيقة الذنوب والمعاصي والاخلاق الذميمة، ورأسها حب الدنيا والاخلاد إلى أرض الطبيعة، وقد روى الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله (حب الدنيا رأس كل خطيئة) لكنها بعد محتجبة بالحجب النورانية وهى ألطف وأرق ولذا كان تشخيصها أصعب، ومعرفتها إلى الدقة والحذاقة أحوج، فرب سالك في هذه المسالك لما شاهد بعض المراتب الدانية زعم أنه وصل إلى أقصى الكمالات وأرفع الدرجات، وصار ذلك سببا لتوقفه في تلك المرتبة واحتجابه بها، ونعم ما قيل: رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها وتشابه الامر فكأنها خمر ولا قدح * وكأنها قدح ولا خمر فمن شمله عناية الحق وساعده التوفيق فخصه الله بعبادته، وهيم قلبه لارادته، وفرغ فؤاده لمحبته، وأزال محبة الاغيار عن قلبه، وأشرق له نوره، وكشف له سبحات وجهه، ورفع عنه حجب كبريائه وسرادقات عزه وجلاله، وتجلى له في سره، ثم وفقه للاستقامة في أمره والتمكن في مقامه فارتفع عنه كل حجاب، وتعلق بعز قدس رب الارباب فقد هنأ عيشه وطاب حياته =

[49]

إذ يغشى السدرة ما يغشى (1). المطففين: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدريك ما سجين - إلى قوله تعالى - كلا إن كتاب الابرار لفي عليين * وما أدريك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون (2). تفسير: قال الطبرسي: ره: (ولقد رآه) أي جبرئيل (3) في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء (نزلة اخرى) وذلك أنه رآه مرتين على صورته (عند سدرة المنتهى) هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة، انتهى إليها علم كل ملك عن الكلبي ومقاتل، وقيل: إليها ينتهي ما يعرج إلى السماء وما يهبط من فوقها من أمر الله عن ابن مسعود والضحاك، وقيل: إليها ينتهي أرواح الشهداء وقيل: إليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يعرج من الارواح فيقبض منها والمنتهى موضع الانتهاء، وهذه الشجرة حيث تنتهي إليه الملائكة فاضيفت إليه، وقيل: هي شجرة طوبى عن مقاتل، والسدرة هي شجرة النبق (عندها جنة المأوى) أي جنة المقام وهي جنة الخلد، وهي في السماء السابعة، وقيل في السماء السادسة، وقيل هي الجنة التي كان أوى إليها آدم وتصير إليها أرواح الشهداء عن الجبائي وقتادة، وقيل: هي التي تصير إليها أهل الجنة عن الحسن، وقيل: هي التي يأوي إليها جبرئيل والملائكة عن عطاء عن ابن عباس (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قيل: يغشيها الملائكة أمثال الغربان حتى يقعن على الشجرة عن الحسن ومقاتل، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكا


= فطوبى له ثم طوبى له. وقد ظهر مما ذكرنا أن معنى ارتفاع الحجاب مشاهدة عدم استقلال النفس فلا يوجب ارتفاع الحجب كلا انعدام العالم رأسا بل انما يوجب معاينة ما سوى الله تعالى متعلقا به غير مستقل بنفسه فلا يلزم منه محال ولا ينافى شيئا من اصول الدين والله الهادى والمعين. (1) النجم: 13 - 16. (2) المطففين: 7 - 21. (3) في المصدر: أي رأى جبرئيل.

[50]

قائما يسبح الله تعالى، وقيل: يغشيها من النور والبهاء والحسن والصفاء الذي يروق الابصار ما ليس لوصفه منتهى عن الحسن، وقيل: يغشيها فراش من ذهب عن ابن عباس ومجاهد، وكأنها ملائكة على صورة الفراش يعبدون الله تعالى والمعنى أنه رأى جبرئيل على صورته في الحال التي يغشى فيها السدرة من أمر الله ومن العجائب المنبهة على كمال قدرة الله تعالى ما يغشيها، وإنما أبهم الامر فيما يغشى لتعظيم ذلك وتفخيمه (1). (إن كتاب الفجار لفي سجين) يعنى: كتابهم الذي فيه تثبت أعمالهم من الفجور والمعاصي عن الحسن، وقيل: معناه أنه كتب في كتابهم أنهم يكونون في سجين، وهي في الارض السابعة السفلى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وضحاك وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سجين أسفل سبع أرضين، وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الاحبار فقال: أخبرني عن قول الله تعالى (إن كتاب الفجار لفي سجين) قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الارض فتأبى الارض أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضيبن حتى ينتهى بها إلى سجين وهو موضع جند إبليس، والمعنى في الآية أن كتاب عملهم يوضع هناك. وقيل: إن سجين جب في جهنم مفتوح والفلق جب في جنهم مغطى، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وقيل: إن السجين اسم كتابهم وهو ظاهر التلاوة أي ما كتبه الله على الكفار بمعنى أوجبه عليهم من الجزاء في هذا الكتاب المسمى سجينا، ويكون لفظه من السجن الذي هو الشدة عن أبي مسلم (2). وقال: (لفي عليين) أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، وقيل: في السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين، وقيل: في سدرة المنتهي التي إليها ينتهي كل شئ من أمر الله تعالى، وقيل: عليون الجنة عن ابن عباس، وقال الفراء: في ارتفاع


(1) مجمع البيان: ج 9، ص 175. (2) مجمع البيان: ج 10، ص 452.

[51]

بعد ارتفاع لا غاية له، وقيل: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها عن ابن عباس في رواية اخرى، وعن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله قال في عليين: في السماء السابعة تحت العرش. وقال ابن عمر: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل منهم أشرقت الجنة وقالوا: قد اطلع رجل من أهل عليين (1). 1 - العلل: عن محمد بن موسى، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد ابن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن حبيب السجستاني، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما سميت سدرة المنتهى لان أعمال أهل الارض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محل السدرة، قال: والحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما يرفعه إليهم الملائكة من أعمال العباد في الارض فينتهى (2) بها إلى محل السدرة (3). المحاسن: عن ابن محبوب مثله (4). 2 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي إلى السماء انتهيت إلى محل سدرة المنتهى، وإذا الورقة منها تظل امة من الامم، فكنت من ربي كقاب (5) قوسين أو أدنى (الخبر) (6). 3 - ومنه: قال: سدرة المنتهى في السماء السابعة، وجنة المأوى عندها (7). 4 - ومنه: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: السجين الارض


(1) مجمع البيان: ج 10، ص 455 - 456. (2) في المحاسن: وينتهون. (3) العلل: ج 1، ص 263. (4) المحاسن: 334. (5) في المصدر: فكنت منها كما قال الله (كقاب قوسين أو أدنى). (6) تفسير على بن ابراهيم: 374. (7) المصدر ص 652.

[52]

السابعة، وعليون السماء السابعة (1). بيان: قال في النهاية: فيه (إن أهل الجنة ليتراؤون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في افق السماء) عليون اسم للسماء السابعة، وقيل: هو اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعلى الامكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى في الدار الآخرة، ويعرب بالحروف والحركات كقنسرين وأشباهها على أنها جمع أو واحد (2) وقال: سدرة المنتهى شجرة في أقصى الجنة إليها ينتهي علم الاولين والآخرين ولا يتعداها (3). 5 - الدر المنثور: عن ابن عباس، سأل كعب الاحبار عن قوله (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فيهبط بها إلى الارض فتأبى الارض أن تقبلها فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين وهو (4) موضع جند (5) إبليس، فخيرج لها من تحت جند (6) إبليس رق لهلاكه للحساب، فذلك قوله (وما أدريك ما سجين كتاب مرقوم) وقوله (كلا إن كتاب الابرار لفي عليين) قال: إن روح المؤمن إذا قبضت عرج بها إلى السماء فتفتح [لها] أبواب السماء وتلقيها الملائكة بالبشرى حتى ينتهى بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة لحساب (7) يوم الدين، وتشهد الملائكة المقربون، فذلك قوله (وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم (8)).


(1) المصدر ص 716. (2) النهاية: ج 3، ص 125.) (3) النهاية: ج 2 ص 154 (4) وهو خد ابليس (خ). (5) الخد: الطريق والجماعة والحفرة المستطيلة في الارض كالخدة بالضم (القاموس). (6) في المصدر: فيخرج لها من تحت خد إبليس كتابا فيختم ويوضع تحت خد إبليس لهلاكه. (7) في المصدر: للحساب يوم القيامة. (8) الدر المنثور: ج 6، ص 324.

[53]

6 - وعن سعيد بن المسيب قال: التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني ما صنع بك ربك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك. فقال عبد الله بن سلام: كيف هذا (1) ؟ أو يكون هذا ؟ ! قال: نعم، إن أرواح المؤمنين في برزخ من الارض تذهب حيث شاءت، ونفس الكافر في سجين (2). 7 - وعن قتادة (كلا إن كتاب الابرار لفي عليين) قال: عليون فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى (كتاب مرقوم) قال: رقم لهم بخير (يشهده المقربون) قال: المقربون من ملائكة الله (3). وعن الضحاك قال: إذا قبض روح (4) المؤمن عرج به إلى السماء الدنيا فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية قال الاجلح: فقلت: وما المقربون ؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة ثم السابعة، حتى ينتهى به إلى سدرة المنتهى. قال الاجلح: قلت، للضحاك: ولم تسمى سدرة المنتهى ؟ قال: لانه ينتهي إليه كل شئ من أمر الله لا يعدوها فيقولون: رب عبيدك فلان - وهو أعلم به منهم - فيبعث إليهم بصك مختوم بأمنه (5) من العذاب، وذلك قوله (كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون (6)). وعن ابن عباس، سأل كعبا عن قوله تعالى (كلا إن كتاب الابرار لفي عليين) الآية قال: إن المؤمن يحضره الموت ويحضره رسل ربه فلاهم يستطيعون أن يؤخروه ساعة، ولا يعجلوه حتى تجئ ساعته، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه


(1) في المصدر: كيف يكون هذا ؟ (2) الدر المنثور: ج 6، ص 325. (3) الدر المنثور: ج 6، ص 326. (4) في المصدر: روح العبد المؤمن. (5) في المصدر: يأمنه. (6) الدر المنثور: ج 6، ص 326.

[54]

فدفعوه إلى ملائكة الرحمة، فأروه ما شاء الله أن يروه من الخير، ثم عرجوا بروحه إلى السماء فيشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة فيضعونه بين أيديهم لا ينتظرون به صلاتكم عليه، فيقولون: اللهم هذا عبدك فلان قبضنا نفسه - فيدعون له بما شاء الله أن يدعو - فنحن نحب أن تشهدنا اليوم كتابه. فينشر كتابه من تحت العرش، فيثبتون اسمه فيه وهم شهود، فذلك قوله (كتاب مرقوم يشهده المقربون) وسأله عن قوله (إن كتاب الفجار لفي سبحين) الآية قال: إن العبد الكافر يحضره الموت ويحضره رسل الله، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه فدفعوه إلى ملائكة العذاب، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر، ثم هبطوا به إلى الارض السفلى وهي سجين، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا كتابه فيها (1). 10 - وعن عطاء بن يسار، قال: لقيت رجلا من حمير كان (2) علامة يقرأ الكتب فقلت له: الارض التي نحن عليها ما مكانها (3) ؟ قال: هي على صخرة خضراء تلك الصخرة على كف ملك، ذلك الملك قائم على ظهر حوت (4). قلت: الارض الثانية من سكانها ؟ قال: ساكنها الريح العقيم، لما أراد الله أن يهلك عادا أوحى إلى خزنتها أن افتحوا عليهم منها بابا، قالوا: يا ربنا مثل منخر الثور ؟ قال: إذا تتكفأ (5) الارض ومن عليها، فضيق ذلك حتى جعل مثل حلقة الخاتم، فبلغت ما حدث الله. قلت: الارض الثالثة من سكانها (6) ؟ قال: فيها حجارة جهنم. قلت: الارض الرابعة من سكانها ؟ قال: فيها كبريت جنهم، قلت: الارض الخامسة من


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 327. (2) في المصدر: كأنه. (3) في المصدر: (سكانها) والظاهر انه تصحيف. (4) في المصدر: حوت منطو بالسماوات والارض من تحت العرش. (5) في المصدر: تكفأ. (6) في المصدر: (ساكنها) وكذا في المواضع الاتية.

[55]

سكانها ؟ قال: فيها عقارب جهنم، قلت: الارض السادسة من سكانها ؟ قال: فيها حيات جهنم، قلت: الارض السابعة من سكانها ؟ قال: تلك سجين، فيها إبليس موثوق (1) يد أمامه ويد خلفه ورجل أمامه ورجل خلفه، كان يؤذي الملائكة فاستعدت عليه فسجن هنالك، وله زمان يرسل فيه، فإذا ارسل لم تكن فتنة الناس بأعيى عليهم من شئ (2). 7 (باب) * (البيت المعمور) * الآيات: الطور: والبيت المعمور (3). تفسير: قال الطبرسي: البيت المعمور هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة عن ابن عباس ومجاهد، وروي أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا، وعن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: البيت المعمور في السماء الدنيا، وفي السماء الرابعة نهر يقال له (الحيوان) يدخل فيه جبرئيل كل يوم طلعت فيه الشمس وإذا خرج انتفض انتفاضة جرت منه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلوا فيه فيفعلون ثم لا يعودون إليه أبدا، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيت الذي في السماء (4) يقال له (الضراح) وهو بفناء البيت الحرام لو سقط سقط عليه، يدخله


(1) في المصدر: موثق. (2) الدر المنثور: ج 6، ص 327. (3) الطور: 4. (4) في المصدر: في السماء الدنيا.

[56]

كل يوم ألف ملك لا يعودون إليه أبدا، وقيل: البيت المعمور هو الكعبة البيت الحرام معمور بالحج والعمرة عن الحسن، وهو أول مسجد وضع للعبادة في الارض (1). 1 - محاسبة النفس للسيد علي بن طاوس - ره - نقلا من كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام لعبد العزيز الجلودي بإسناده قال: سأل ابن الكواء (2) أمير المؤمنين عليه السلام عن البيت المعمور والسقف المرفوع، قال عليه السلام: ويلك ذلك الضراح بيت في السماء الرابعة حيال الكعبة من لؤلؤة واحدة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيمة، فيه كتاب أهل الجنة عن يمين الباب يكتبون أعمال أهل الجنة، وفيه كتاب أهل النار عن يسار الباب يكتبون أعمال أهل النار بأقلام سود، فإذا كان مقدار العشاء ارتفع الملكان فيسمعون منهما ما عمل الرجل، فذلك قوله تعالى (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (3)). بيان: (فيسمعون) أي الملائكة الذين عن يمين الباب و يساره (منهما) أي من الملكين الكاتبين (هذا كتابنا) قال الطبرسي - ره -: يعني ديوان الحفظة


(1) مجمع البيان، ج 9، ص 163. (2) هو عبد الله بن الكواء كان من رؤوس الخوارج وله اخبار كثيرة مع على عليه السلام وكان يلزمه ويعييه في الاسئلة، قال ابن حجر في لسان الميزان (ج 3 ص 329): قد رجع عن مذهب الخوارج وعاود صحبة على عليه السلام وذكر يعقوب بن شيبة ان اهل الشام لما رفعوا المصاحف يوم صفين واتفقوا على التحكيم غضبت الخوارج وقالت (لا حكم إلا الله) قال فأخبرني خلف بن سالم عن وهب بن جرير قال: خرجوا مع ابن الكواء وهو رجل من (بنى يشكر) فنزلوا (حروراء) فبعث إليهم ابن عباس وصعصعة بن صوحان فقال لهم صعصعة: انما يكون القضية من قابل فكونوا على ما انتم حتى تنظروا القضبة كيف تكون قالوا انا نخاف ان يحدث أبو موسى شيئا يكون كفرا. قال فلا تكفروا العام مخافة عام قابل. فلما قام صعصعة قال لهم ابن الكواء، أي قوم ! الستم تعلمون أنى دعوتكم إلى هذا الامر ؟ قالوا: بلى، قال: فان هذا ناصح فاطيعوه (انتهى). (3) الجاثية: 28.

[57]

(ينطق عليكم بالحق) أي يشهد عليكم بالحق، والمعني: يبينه بيانا شافيا حتى كأنه ناطق (إنا كانا نستنسخ ما كنتم تعملون) أي نستكتب الحفظة ما كنتم تعملون في دار الدنيا، والاستنساخ: الامر بالنسخ مثل الاستكتاب، وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ يشهد بما قضى فيه من خير وشر، وعلى هذا فيكون معنى (نستنسخ) أن الحفظة تستنسخ الخزنة ما هو مدون عندها من أعمال العباد وهو قول ابن عباس (1). 2 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لم سمي البيت العتيق ؟ قال: إن الله عزوجل أنزل الحجر الاسود لآدم من الجنة وكان البيت درة بيضاء، فرفعه الله إلى السماء وبقي اسه، فهو بحيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبدا، فأمر الله إبراهيم وإسماعيل ببنيان (1) البيت على القواعد، وإنما سمي البيت العتيق لانه اعتق من الغرق (2). 3 - تفسير على بن ابراهيم: (والبيت المعمور) قال: هو في السماء الرابعة


(1) مجمع البيان: ج 9، ص 80. (2) هو أبو سلمة سالم بن مكرم بن عبد الله مولى بنى اسد كان من أصحاب ابى عبد الله عليه السلام وثقه النجاشي (143) وذكر في الخلاصة ان الشيخ وثقه في أحد قوليه وضعفه في الاخر ثم قال: الوجه التوقف في ما يرويه لتعارض الاقوال فيه وذكر الكشى انه كان اولا من اصحاب ابى الخطاب وكان في المسجد يوم بعث (عيسى بن موسى بن على) - وكان عامل المنصور على الكوفة - إلى ابى الخطاب لما بلغه أنهم قد اظهروا الاباحات ودعوا الناس إلى نبوة ابى الخطاب، وانهم يجتمعون في المسجد ولزموا الاساطين يرون الناس انهم لزموها للعبادة وبعث إليهم فقتلهم جميعا لم يفلت منهم إلا رجل واحد فسقط بين القتلى فلما جنه الليل خرج من بينهم فتخلص وكان هو ابا خديجة. ثم ذكر انه تاب وكان ممن يروى الحديث. (1) (في بعض النسخ يبنيان) وكذا في المصدر. (2) العلل: ج 2، ص 85.

[58]

وهو (الضراح) يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا (1). 4 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين عن الحسين بن الوليد، عن أبى بكر، عن حنان بن سدير، عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قلت [له]: لم صار الطواف سبعة أشواط ؟ قال: لان الله تبارك وتعالى قال للملائكة (إني جاعل في الارض خليفة) فردوا على الله تبارك وتعالى وقالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) قال الله (إني أعلم ما لا تعلمون) وكان لا يحجبهم عن نوره فحجبهم عن نوره سبعة آلاف عام فلا ذوا بالعرش سبعة آلاف سنة، فرحمهم وتاب عليهم وجعل لهم البيت المعمور الذي في السماء الرابعة فجعله مثابة وأمنا، ووضع البيت الحرام تحت البيت المعمور فجعله مثابة للناس وأمنا، فصار الطواف سبعة أشواط واجبا على العباد، لكل ألف سنة شوطا واحدا (2). 5 - العلل: في علل ابن سنان عن الرضا عليه السلام: علة الطواف بالبيت أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة (إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتعجل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فردوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب، فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا، فأحب الله عزوجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد، فوضع في السماء الرابعة بيتا بحذاء العرش يسمى (الضراح) ثم وضع في السماء الدنيا بيتا يسمى [البيت] المعمور بحذاء الضراح، ثم وضع البيت بحذاء البيت المعمور ثم أمر آدم عليه السلام فطاف به فتاب الله عليه فجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة (3). 6 - الكفعمي والبرسى: بإسناديهما عن موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال جبرئيل: والذي بعثك بالحق نبيا


(1) تفسير القمى: 449. (2) العلل: ج 2، ص 92. (3) علل الشرائع: ج 2، 91

[59]

إن الله تعالى بنى في السماء الرابعة بيتا يقال له (البيت المعمور) يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ويخرجون منه ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة (الخبر). 7 - الدر المنثور: قال: أخرج الازرقي عن علي بن الحسين عليهما السلام أن رجلا سأله: ما بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان وحيث كان ؟ فقال: أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله قال للملائكة: إني جاعل في الارض خليفة، فقالت الملائكة: أي رب أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون و يتباغضون ويتباغون ؟ أي رب اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لانفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد ولا نتباغى، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون. قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم عزوجل، وأنه قد غضب عليهم من قولهم فلاذوا بالعرش (1) ثلاث ساعات، فنظر الله إليهم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد، وغشاهن بياقوتة حمراء، و سمى البيت (الضراح) ثم قال الله للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش فصار أهون عليهم وهو البيت المعمور الذي ذكره الله، يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا، ثم إن الله تعالى بعث ملائكته (2) فقال: ابنوا لي بيتا في الارض بمثاله وقدره، فأمر الله سبحانه من في الارض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور (3). 8 - وعن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله أن آدم قال [أي رب]


في المصدر: فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالاصابع يتصرعون ويبكون إشفاقا لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات. (2) ملائكة (خ). (3) الدر المنثور: ج 1، ص 128.

[60]

أعرف شقوتي ! لا أرى شيئا من نورك نعبد (1) فأنزل الله عليه البيت المعمور (2) على عرض البيت وموضعه من ياقوت الجنة ولكن طوله بين السماء والارض و أمره أن يطوف به، فأذهب عنهم الهم الذي كان قبل ذلك، ثم رفع على عهد نوح عليه السلام (3). 9 - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون (4) فيه إلى يوم القيامة حذاء الكعبة الحرام (5). وعن أنس مثله (6). 10 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: في السماء الدنيا بيت يقال له (المعمور) بحيال الكعبة، وفى السماء الرابعة نهر يقال له (الحيوان) يدخله جبرئيل كل يوم فينغمس انغماسة ثم يخرج فينتفض انتفاضة يجري منه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلون فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولى عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة (7). 11 - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيت المعمور في السماء يقال له (الضراح) على مثل البيت الحرام لو سقط سقط عليه، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لم يروه (8) قط، وإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة (9).


(1) في المصدر: بعد. (2) في المصدر: البيت الحرام الذى على عرص البيت الذى في السماء. (3) الدر المنثور: ج 1، ص 130. (4) في المصدر: لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة. (5) الدر المنثور: ج 6، ص 117. وليس فيه (حذاء الكعبة الحرام). (6) الدر المنثور: ج 6، ص 117. (7) الدر المنثور: ج 6، ص 117. (8) في المصدر: لم يردوه. (9) الدر المنثور: ج 6، ص 117.

[61]

12 - وعن خالد بن مرة (1) أن رجلا قال لعلي عليه السلام: ما البيت المعمور ؟ قال: بيت في السماء يقال له (الضراح) وهو بحيال الكعبه (2) حرمته في السماء كحرمة البيت في الارض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدا (3). 13 - وعن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا عليه السلام عن البيت المعمور ما هو ؟ قال: ذاك الضراح بيت فوق سبع سماوات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثوم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة (4). 14 - وعن ابن عباس، قال: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة يصلي فيه كل ليلة سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه (5). 15 - وعن الضحاك قال: انزل من الجنة وكان يعمر بمكة، فلما كان الغرق رفعه الله فهو في السماء السادسة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك (6). بيان: مقتضى الجمع بين الاخبار مع صحة جميعها القول بتحقق البيت في جميع تلك المواضع وسيأتي كثير من الاخبار المتعلقة بالباب في باب الملائكة. 8. (باب) * (السماوات وكيفياتها وعددها، والنجوم وأعدادها) * * (وصفاتها والمجرة) * الآيات: الانعام: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (7).


(1) في المصدر: خالد بن عرعرة. (2) في المصدر: الكعبة من فوقها. (3 - 5) الدر المنثور: ج 6، ص 117. (6) الدر المنثور: ج 6، ص 117. (7) الانعام: 97.

[62]

الاعراف: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء (1). الرعد: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش و سخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2). الحجر: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون - إلى قوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (3). النحل: خلق السماوات والارض بالحق تعالى عما يشركون (4). وقال: وعلامات وبالنجم هم يهتدون (5). طه: تنزيلا ممن خلق الارض والسماوات العلى (6). الانبياء: وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (7). وقال تعالى: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب (8). الحج: ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا باذنه (9) المؤمنون: ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (10).


(1) الاعراف: 40. (2) الرعد: 2. (3) الحجر: 14 - 18. (4) النحل: 2. (5) النحل: 16. (6) طه: 2. (7) الانبياء: 22. (8) الانبياء: 104. (9) الحج: 64. (10) المؤمنون: 16.

[63]

وقال تعالى: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون (1). الفرقان: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (2). العنكبوت: خلق الله السماوات والارض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (3). الروم: ومن آياته أن تقوم السماء والارض بأمره (4). لقمان: خلق السماوات بغير عمد ترونها (5). الصافات: ورب المشارق إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان ما رد - إلى قوله تعالى - فأتبعه شهاب ثاقب (6). المؤمن: الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء (7). السجدة: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضيهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (8). ق: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج (9). الذاريات: والسماء ذات الحبك (10). وقال تعالى: وفي السماء رزقكم و


(1) المؤمنون: 86. (2) الفرقان: 61. (3) العنكبوت: 44. (4) الروم: 25. (5) لقمان: 10. (6) الصافات: 6 - 10. (7) المؤمن: 64. (8) فصلت: 11 و 12. (9) ق: 6. (10) الذاريات: 7.

[64]

ما توعدون (1) وقال: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (2). الطور: والسقف المرفوع (3). وقال تعالى: يوم تمور السماء مورا (4). النجم: والنجم إذا هوى (5). وقال تعالى: وأنه هو رب الشعرى (6). القمر: اقتربت الساعة وانشق القمر (7). الرحمن: الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها (8) وقال: فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (9). الواقعة: فلا اقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (10). الملك: الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير (11). الحاقة: وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (12). المعارج: يوم تكون السماء كالمهل (13).


(1) الذاريات: 22. (2) الذاريات: 48. (3) الظور: 5. (4) الطور: 9. (5) النجم، 1. (6) النجم: 49. (7) القمر: 1. (8) الرحمن: 5 - 7. (9) الرحمن: 37. (10) الواقعة: 76. (11) الملك: 3 - 5. (12) الحاقة: 16. (13) المعارج: 8.

[65]

نوح: ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (1). الجن: وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (2). المرسلات: فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت (3). النبأ: وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا (4). التكوير: وإذا السماء كشطت - إلى قوله تعالى - فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس (5). الانفطار: إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت (6). الانشقاق: إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت (7). البروج: والسماء ذات البروج (8). الطارق: والسماء والطارق وما أدريك ما الطارق النجم الثاقب - إلى قوله تعالى - والسماء ذات الرجع (9). الغاشية: وإلى السماء كيف رفعت (10). الشمس: والسماء وما بنيها (11).


(1) نوح: 15 و 16. (2) الجن: 8 و 9. (3) المرسلات: 8. (4) النبأ: 12 و 13. (5) التكوير: 11 - 16 (6) الانفطار: 1 و 2. (7) الانشقاق: 1 و 2. (8) البروج: 1. (9) الطارق: 1 - 11. (10) الغاشية: 18. (11) الشمس: 5.

[66]

تفسير: (جعل لكم النجوم) أي خلقها لمنافعكم (لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) قيل: أي في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق سماها ظلمات على الاستعارة وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد أن أجملها بقوله (لكم) واولت النجوم في الاخبار بالائمة الاخيار عليهم السلام فإنهم الهداة في ظلمات الفتن والشبهات ولا ينافي الظاهر. (قد فصلنا الآيات) بيناها فصلا فصلا (لقوم يعلمون) فانهم المنتفعون به. (لا تفتح لهم أبواب السماء) أي لادعيتهم وأعمالهم، أولا رواحهم كما تفتح لاعمال المؤمنين وأرواحهم، ويدل على أن للسماء أبوابا، وربما يحمل على المجاز. (بغير عمد ترونها) قال الرازي: في قوله (ترونها) أقوال: الاول أنه كلام مستأنف والمعنى: رفع السماوات بغير عمد، ثم قال ترونها أي وأنتم ترونها أنها مرفوعة بلا عماد الثاني قال الحسن: في الآية (1) تقديم وتأخير، تقديره: رفع السماوات ترونها بغير عمد. الثالث أن قوله (ترونها) صفة للعمد، والمعنى: بغير عمد مرئية أي للسماوات عمد ولكنا لا نراها، قالوا: ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لاترونه، وهذا التأويل في غاية السقوط لانه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الاله القادر ولو كان المراد ما ذكروه ما تمت (2) الحجة، لانه يقال: إن السماوات لما كانت مستقرة على جبل (3) فأى دلالة [تبقى] فيها على وجود الاله ؟ وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل، وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الاجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله فحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فصح أن يقال رفع السماوات بغير عمد ترونها أي


(1) في المصدر: في تقدير الاية. (2) في المصدر: لما ثبتت الحجة. (3) في المصدر: على جبل قاف.

[67]

لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي إمساك (1) الله تعالى وحفظه وتدبيره و إبقاؤه إياها في الجو العالي وأنتم لا (2) ترون ذلك التدبير ولا تعرفون كيفية ذلك الامساك (3) (انتهى). واقول: هذا الوجه الاخير الذي يتبجح به ونسبه إلى نفسه أورده شيخنا الطبرسي - ره - في مجمع البيان راويا عن ابن عباس ومجاهد. وسخر الشمس والقمر) فيه أنواع من الدلالة على وجود الاله الحق وحكمته وقدرته، إذ أصل تلك الحركات السريعة واستمرارها وكونها على أقدار مخصوصة وكون بعضها مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب مما يدل دلالة قطعية على وجود قادر قاهر كامل في العلم والحكمة و اللطف والرحمة. (كل يجري لاجل مسمى) قال الرازي: فيه قولان: الاول قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك في (4) ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة اخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة اخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا، فالمراد بقوله (كل يجري لاجل مسمى) هذا، وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء، ومتى كان الامر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حال اخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك. والثانى المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة، وعند مجيئ ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات كقوله (5) تعالى (إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا السماء انشقت وإذا السماء انفطرت، وجمع الشمس والقمر) (6).


(1) في المصدر: قدرة الله تعالى. (2) في المصدر: وانهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون. (3) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 260. (4) في المصدر: وذلك يتم في (5) في المصدر: كما وصف الله تعالى ذلك في قوله. (6) مفاتيح الغيب: ج 5: ص 261.

[68]

(يدبر الامر) قال البيضاوي: أي أمر ملكوته من الايجاد والاعدام و الاحياء والامامة وغير ذلك (يفصل الآيات) ينزلها ويبينها مفصلة، أو يحدث الدلائل بواحد (1) بعد واحد (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) لكي تتفكروا فيها و تتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الاشياء وتدبيرها قدر على الاعادة والجزاء (2). قوله تعالى (ولو فتحنا عليهم بابا) ظاهره جواز الخرق على الافلاك وإن أمكن أن يكون من قبيل التعليق على المحال (وقد جعلنا في السماء بروجا) أكثر المفسرين حملوه على البروح الاثني عشر المعروفة، وقيل هي الكواكب. قال الطبرسي ره: أي منازل للشمس والقمر (وزيناها للناظرين) بالكواكب النيرة عن أبي عبد الله عليه السلام وقيل: البروج النجوم عن ابن عباس والحسن وقتادة (وحفظناها) أي السماء (من كل شيطان رجيم) أي مرجوم مرمي بالشهاب، و قيل: ملعون مشؤم، وحفظ المساء من الشيطان بالمنع حتى لا يدخلها ولا يبلغ إلى موضع يتمكن فيه من استراق السمع بما اعد له من الشهاب (إلا من استرق السمع) المراد بالسمع المسموع، والمعنى: إلا من حاول أخذ مسموع من السماء في خفية (فأتبعه) أي لحقه (شهاب مبين) أي شعلة نار ظاهر لاهل الارض بين لمن رآه ونحن في رأي العين نرى كأنهم يرمون بالنجوم، والشهاب عمود من نور يضيئ ضياء النار لشدة ضيائه، وروى عن ابن عباس أنه [قال:] كان في الجاهلية كهنة ومع كل واحد شيطان، فكان يقعد من السماء مقاعد للسمع، فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الارض فينزل ويخبر به الكاهن، فيفشيه الكاهن إلى الناس، فلما بعث الله عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، ولما بعث محمد صلى الله عليه وآله منعوا من السماوات كلها وحرست السماء بالنجوم، والشهاب (3) من معجزات نبينا صلى الله عليه وآله لانه لم ير


(1) في المصدر: واحدا بعد واحد. (2) انوار التنزيل: ج 1، ص 614. (3) في المصدر: فالشهاب.

[69]

قبل زمانه. وقيل: إن الشهاب يقتل الشياطين، وقيل: لا يقتلهم (1). (خلق السماوات والارض بالحق) أي لامر حق هو العبادة والمعرفة، أو على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته (تعالى عما يشركون) منها أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليها ومما لا يقدر على خلقها. (وعلامات) عطف على قوله (رواسي) في قوله (وألقي في الارض رواسي) أي ألقى في الارض وجعل فيها معالم تستدل به السابلة من جبل ومنهل وريح ونحو ذلك (وبالنجم هم يهتدون) بالليل في البراري والبحار، والمراد بالنجم الجنس، و قيل: الثريا والفرقدان وبنات النعش والجدي، قيل: ولعل الضمير لقريش لانهم كانوا كثير الاسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسائرهم بالنجوم، وفي كثير من الروايات أن العلامات الائمة عليهم السلام والنجم رسول الله صلى الله عليه وآله وضمير (هم) راجع إلى العلامات باعتبار المعنى. والعلى جمع العليا تأنيث الاعلى، أي السماوات الرفيعة العالية. (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) أي عن الوقوع بقدرته، أو عن الفساد و الانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيته، أو عن استراق السمع بالشهب (وهم عن آياتها) أي أحوالها الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وتناهي حكمته (معرضون) غير متفكرين. (يوم نطوي السماء) قال الطبرسي - ره -: المراد بالطي هنا هو الطي المعروف، فإن الله سبحانه يطوي السماء بقدرته، وقيل: إ ن طي السماء ذهابها عن الحسن (كطي السجل للكتب) [السجل] صحيفة فيها الكتب، وقيل: ملك يكتب أعمال العباد، وقيل: اسم كاتب كان للبني صلى الله عليه وآله انتهى (2). وأقول: تدل الآية على حدوث السماوات وإمكان خرقها وزوالها وتغير أحوالها ردا على الحكماء المنكرين لجميع ذلك.


(1) مجمع البيان: ج 6، ص 331. (2) مجمع البيان ج 7، ص 66.

[70]

(أن تقع على الارض) قال البيضاوي: من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك (إلا باذنه) أي إلا بمشيته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الاجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها (1) (انتهى). (سبع طرائق) قال الرازي: أي سبع سماوات، وإنما قيل طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض، يقال طارق الرجل نعليه إذا طبق (2) نعلا على نعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوبا على (3) ثوب، هذا قيل الخليل والزجاج (4) و قال الزجاج: هو قوله (سبع سماوات طباقا) وقال علي بن عيسى سميت بذلك لانها طرائق الملائكة في العروج والهبوط والطيران وقال آخرون: لانها طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعا لارزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقرا للملائكة، وأنها موضع الثواب، و لانها مكان إرسال الانبياء ونزول الوحي. وأما قوله (وما كنا عن الخلق غافلين) ففيه وجوه: أحدها ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم السبع الطرائق (5) فتهلكهم، وثانيها إنما خلقناها فوقهم لتنزل عليهم الارزاق والبركات منها، وثالثها أنا خلقنا هذه الاشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله (وما كنا عن الخلق غافلين) يعني عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم، وذلك يفيد نهاية الزجر، ورابعها وما كنا عن خلق السماوات غافلين بل نحن لها حافظون، لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه، كقوله تعالى (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت (6)) (انتهى).


(1) انوار التنزيل: ج، 2 ص 110. (2) في المصدر: اطبق. (3) في المصدر: فوق ثوب. (4) وزاد في المصدر الفراء. (5) في المصدر: الطرائق السبع. (6) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 620.

[71]

(تبارك الذي جعل في السماء بروجا) قال الرازي: البروج هي القصور العالية، سميت بروج الكواكب به لانها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، و اشتقاق البرج من التبرج لظهوره، وفيه قول آخر عن ابن عباس أن البروج هي الكواكب العظام، والاول أولى. والسراج الشمس (1) (انتهى) (بأمره) أي بمحض إرادته (ورب المشارق) قيل: أي مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس في السنة، وهي ثلثمائة وستون يشرق كل يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة (إنا زينا السماء الدنيا) أي القربى منكم (بزينة الكواكب) أي بزينة هي الكواكب بالاضافة البيانية أو البدلية على القراءتين (وحفظا) منصوب بإضمار فعله، أو العطف على (زينة) باعتبار المعنى كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء و حفظا من كل شيطان (مارد) خارج من الطاعة يرمى بالشهب (2). (قرارا) أي مستقرا تستقرون عليه (والسماء بناء) أي وجعل السماء بناء مرتفعا فوقها، ولو جعلهما رتقا لما أمكن الخلق الانتفاع بما بينهما (كيف بنيناها) أي رفعناها بلا عمد وزيناها بالكواكب (ومالها من فروج) أي فتوق كسائر الابنية المبنية من الاحجار والبنات، بل خلقها ملساء متصلة، أو ليس لها فروج ظاهرة مرئية فلا ينافي الابواب الكائنة فيها، وقال الكسائي: معناه ليس فيها تفاوت واختلاف قال الرازي: قالت الفلاسفة: الآية دالة على أن السماء لاتقبل الخرق، وكذلك قالوا في قوله (هل ترى من فطور) وقوله (سبعا شدادا) وتعسفوا فيه لان قوله تعالى (مالها من فروج) صريح في عدم ذلك، والاخبار عن عدم شئ لا يكون إخبارا عن عدم إمكانه، فإن من قال (من لفلان مال) لا يدل على نفي إمكانه، ثم إنه تعالى بين خلاف قولهم بقوله (وإذا السماء فرجت) وقوله (3) (إذا السماء انفطرت) وقوله (4) (فهي يومئذ واهية) في مقابلة قوله


(1) مفاتيح الغيب: ج 6، ص 495. (2) بالشهاب (خ). (3 و 4) في المصدر: وقال.

[72]

(سبعا شدادا) قال (1) (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم صريح، وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر بل وليس له دلالة خفية أيضا، وأما دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول (2). (ذات الحبك) قال البيضاوي: ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب، أو المعقولة التي يسلكها النظار ويتوصل بها إلى المعارف، أو النجوم فإن لها طرائق، أو إنها تزينها كما تزين الموشي طرائق الوشي، جمع (حبيكة) كطريقة وطرق، أو (حباك) كمثال ومثل (3). قال الطبرسي - ره -: أي ذات الطرائق الحسنة، لكنا لا نرى تلك الحبك لبعدها عنا وقيل: ذات الخلق الحسن المستوي، وقيل: ذات الحسن والزينة عن علي عليه السلام (4) (انتهى). وأقول: سيأتي تأويل آخر في الرواية عن الرضا عليه السلام. (وفي السماء رزقكم) أي أسباب رزقكم أو تقديره، وقيل: المراد بالسماء السحاب وبالرزق المطر فإنه سبب الاقوات (وما توعدون) من الثواب لان الجنة فوق السماء السابعة، أو لان الاعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء (بأيد) أي بقوة (وإنا لموسعون) أي لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة، و الموسع: القادر على الانفاق، أو لموسعون السماء، أو ما بينها وبين الارض، أو الرزق. وقيل: أي قادرون على خلق ما هو أعظم منها. (والسقف المرفوع) هو السماء عن علي عليه السلام، (يوم تمور السماء مورا) أي تدور دورانا وتضطرب وتموج وتتحرك. (والنجم) المراد جنس النجم أو الثريا فإنه غلب فيه، واول في بعض الاخبار بالرسول صلى الله عليه وآله (إذا هوى) أي غرب، أو انتثر يوم القيامة، أو انقض


(1) في المصدر: وقال. (2) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 620. (3) انوار التنزيل: ج 2 ص 462. (3) مجمع البيان: ج 9، ص 153.

[73]

أو طلع فإنه يقال (هوي هويا) بالفتح إذا سقط على الارض، أو إذا نمى وارتفع وعلى الاخير معراجه أو نزوله صلى الله عليه وآله. (وأنه هو رب الشعرى) إنما خص بالذكر لان خزاعة كانت تعبدها. (وانشق القمر) قال الرازي: المفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق وحصل فيه الانشقاق، ودلت الاخبار الصحاح عليه، وإمكانه لا يشك فيه وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السماوات (1) (انتهى). (الشمس والقمر بحسبان) أي يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما و منازلهما، ويتسق بذلك امور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والاوقات ويعلم السنون والحساب. (والنجم والشجر) المشهور أن المراد بالنجم النبات الذي ينجم أي يطلع من الارض ولا ساق له، وبالشجر الذي له ساق، وقيل: المراد بالنجم نجم السماء. (يسجدان) أي ينقادان لله فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجد من المكلفين طوعا (والسماء رفعها) خلقها مرفوعة محلا ومرتبة، فإنها منشأ أقضيته، ومنزل أحكامه، ومحل ملائكته. (فإذا انشقت السماء) يعني يوم القيامة (فكانت وردة) أي فصارت حمراء ثم تجري (كالدهان) وهو جمع الدهن عند انقضاء الامر، وقيل: هي كالدهان التي تصب بعضها بألوان مختلفة، وقيل: الدهان الاديم الاحمر. (فلا اقسم) قيل: إذ الامر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أو فاقسم (ولا) مزيدة للتأكيد، أو فلانا اقسم فحذف المبتدأ واشبع فتحة لام الابتداء (بمواقع النجوم) أي بمساقطها وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره، أو بمنازلها ومجاريها، وقيل: النجوم نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة، وفرط الرحمة، (طباقا) أي مطابقة بعضها فوق بعض، مصدر طابقت


(1) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 779.

[74]

النعل إذا خصفتها طبقا على طبق وصف به، أو طوبقت طباقا، أو ذات طباق جمع طبق كجبل وجبال، وقيل: أراد بالمطابقة المشابهة أي يشبه بعضها بعضا في الاحكام والاتقان (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) أي اختلاف وتناقض من طريق الحكمة بل ترى أفعاله كلها سواء في الحكمة وإن كانت متفاوتة في الصور والهيئة، وقيل: معناه ما ترى يا ابن آدم في خلق السماوات من عيب واعوجاج بل هي مستقيمة مستوية كلها مع عظمها (فارجع البصر) أي فرد البصر وأدرها في خلق الله واستقص في النظر مرة بعد اخرى، والتقدير: انظر ثم ارجع النظر في السماء، وقيل: أي قد نظرت إليها مرارا فانظر إليها مرة اخرى متأملا فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها (هل ترى من فطور) أي شقوق وفتوق، وقيل: من وهي وخلل (ثم ارجع البصر كرتين) أي ثم كرر النظر مرتين لان من نظر في الشئ كرة بعد اخرى بان له ما لم يكن بائنا، وقيل: المراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك وسعديك، ولذلك أجاب الامر بقوله (ينقلب إليك البصر خاسئا) أي بعيدا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردا بالصغار (وهو حسير) كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) أي بكواكب مضيئة إضاءة السراج. واعلم أن ههنا إشكالا مشهورا وهو أنه اتفق أصحاب الهيئة على أنه ليس في السماء الاولى سوى القمر، وسائر السيارات كل في فلك، والثوابت كلها في الثامن، والآية الكريمة تدل على أن كلها أو أكثرها في السماء الدنيا واجيب عنه بوجوه: الاول: أن النسبة إليها أنه لما كانت ترى منها فكانت زينة لها كما أن السراج المرئي خلف الزجاج زينة لها، أو لانه بحسب الحس لما كان يتوهم أنه فيها فكأنه زينة لها، وهذا الوجه وإن كان أوفق باصولهم إلا أنه متضمن لتكلف كثير في الآيات. الثاني: ما ذكره الرازي في تفسيره وهو أنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة

[75]

القمر وتكون في البطء مساوية لكرة الثوابت وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية، إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا، فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف (1) (انتهى). وأقول: جملة القول في ذلك أن الحكماء أثبتوا أفلاكا تسعة، لانهم وجدوا أولا لجميع الكواكب حركة سريعة من المشرق إلى المغرب، وهي التي بها يتحقق طلوعها وغروبها، وبها يتحقق الليل والنهار، وهي المسماة بالحركة اليومية وبالحركة الاولى وبحركة الكل، فأثبتوا لها فلكا واحدا يشتمل على الجميع (2)، ثم وجدوا لكل [واحد] من الكواكب السبعة المعروفة بالسيارة


(1) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 246. (2) الهيويون الاقدمون لاسيما شيعة بطلميوس كانوا يزعمون ان العالم الجسماني كرات متداخلة مركزها الارض التى استوعب ثلاثة ارباع سطحها الماء، وفوقها كرة الهواء، وفوقها كرة النار، ثم فلك القمر، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشترى ثم زحل ثم فلك الثوابت ثم فلك الافلاك وهو غير متناه قطرا فلا يمكن تحديد سطحه المحدب بحد ولا يقاس بمقياس وكانوا يعدون الشمس والقمر من السيارات ويزعمون انها منحصرة في السبعة المذكورة وان لا حركة للثوابت سوى حركة غريبة بطيئة جدا وان الفلك جسم كروي بسيط شفاف لا يقبل الخرق والالتئام والتغير والفساد وان الكواكب اكر مركوزة في الافلاك إلى غير ذلك. وقد اختلفوا في عدد الافلاك حتى ادعى بعض المتأخرين وحدة الفلك الكلى وآخر أنهى الافلاك الجزئية إلى الثمانين ! وكان لارهاط من الفلاسفة الاقدمين آراء اخرى احسنها راى فيثاغورس وكان يرى ان للارض حركتين وان الحركة اليومية هي حركتها الوضعية كما ثبت في الهيئة الحديثة ونسب إلى بعض اتباعه القول بمركزية الشمس. ثم ان فلاسفة الاسلام ارتضوا الفرضية البطلب ميوسية وبنوا عليها وشددوا مبانيها فاصبحت نظرية مرضية بل اصلا مسلما لا يختلف فيه، ثم نزل جم غفير من علماء الاسلام ما ورد في لسان الشرع من لفظة (السماوات) على الافلاك السبعة (والكرسي) على الثامن و (العرش) على التاسع، ومنهم من قال ان السماوات فوق الافلاك، وقد تكلفوا لتطبيق الظواهر الشرعية =

[76]

حركة من المغرب إلى المشرق مخالفة لحركة آخر منها في السرعة والبطء، فأثبتوا لكل واحدة منها فلكا، ثم وجدوا لجميع الكواكب التي غير السبعة حركة واحدة غربية بطيئة جدا فأثبتوا لها فلكا عليحدة، فحصلت تسعة أفلاك لتسعة حركات، وهي المسماة بالافلاك الكلية. وأما ترتيب السيارات فالمشهور أن القمر في الفلك الذي هو أقرب إلينا، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ ثم المشتري، ثم زحل، ثم فلك الثوابت، ثم الاطلس الذي هو غير مكوكب، وما ورد في لسان الشرع بلفظ السماوات ينزلونها على أفلاك السيارات وبلفظ الكرسي على فلك البروج وهو الثامن وبلفظ العرش على التاسع. واستدلوا على الترتيب المذكور بأن زحل يكسف بعض الثوابت فيكون تحتها، وينكسف بالمشتري فيكون فوقه، و المشتري ينكسف بالمريخ فهو فوقه، وهذه الثلاثة تسمى علوية، وأما كون الشمس تحتها فلان لها اختلاف منظردون العلوية، وأما الزهرة وعطارد فلا جزم بكونهما تحت الشمس أو فوقها إذ لا يكسفها غير القمر ولا يدرك كسفها لشئ من الكواكب لاحتراقها عند مقارنتها، ولا يعرف لهما اختلاف منظر أيضا لانهما لا يبعدان عن الشمس كثيرا ولا يصلان إلى نصف النهار، والآلة التي يعرف بها اختلاف المنظر


= على اصول هذه الفرضية وفروعها، كل ذلك لارتضائهم اياها واعجابهم بها واعتقادهم بانها اصل هيوى قويم وقاعدة فلكية مسلمة، مع انها في الاصل فرضية افترضت لحل ما اشكل من المسائل الهيوية ولذلك كلما بدت مشكلة اخذوا في اصلاحها وتتميمها فزادوا في تعداد الافلاك ونقصوا وابرموا منا نسجوا ونقضوا، حتى آل الامر إلى انكار كثرة الافلاك من جهة وانهائها إلى الثمانين من اخرى ! واللبيب يأخذ عظته من عبر التاريخ ولا يتهاون بعد في تأويل حقائق الكتاب والسنة بما يعجبه من آراء العلماء وأوهام الحكماء ما لم يستندوا إلى دليل قاطع وبرهان ساطع. وكيف كان فالهيئة الحديثة تنكر مركزية الارض ووحدة القمر وانحصار السيارات في النيرين والخمسة المتحيرة وكون الشمس من السيارات والفلك البسيط الذى لا يقبل الخرق والالتئام، واكتشفت بالالات الهيوية الحديثة كواكب واقمارا اخرى ليس لها ذكر في الهيئة القديمة فاكتشفت من السيارات فلكان، أورانوس، نبتون وپيلوتون وعدة كواكب صغيرة بين المريخ والمشرتى تناهز الف سيارة. واكتشفت للمريخ قمران وللمشرتى احد عشر قمرا ولزحل تسعة اقمار ولاورانوس ستة اقمار إلى غير ذلك، وسنشير إلى بعض ما ثبت في الهيئة الجديدة في موضع انسب ان شاء الله تعالى.

[77]

إنما تنصب في سطح دائرة نصف النهار، فحكموا بكونهما تحت الشمس استحسانا لتكون متوسطة بين الستة بمنزلة شمسة القلادة، وأيدوا ذلك بمناسبات اخر. و ذكر الشيخ وبعض من تقدمه أنه رأى الزهرة كشامة على وجه الشمس، وبعضهم ادعى أنه رآها وعطارد كشامتين عليها وسميا سفليين لذلك، والزهرة منها فوق عطارد لانكسافها به، والقمر تحت الكل لانكساف الكل به. وأما خصوص عدد التسعة فجزم الاكثر بأنه لا أقل منها والمحقق الطوسي - ره - جوز كونها ثمانية حيث قال في التذكرة: وإسناد إحدى الحركتين الاوليين إلى المجموع لا إلى فلك خاص به لم يكن ممتنعا، لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك. وقال صاحب التحفة: إني سمعت من الاستاذ أن جواز إسناد إحدى الاوليين إلى المجموع لا إلى فلك خاص بها معلل بجواز اتصال نفس بالثمانية واخرى بالثامنة وتكون دوائر البروج والمنطقتان مفروضة على محدب الثامنة، فقلت: فعلى هذا يمكن أن تكون الافلاك الكلية سبعة فقط بأن تفرض الثوابت مركوزة في ممثل زحل ودوائر البروج على محد به متحركة بالحركة السريعة دون البطيئة، وتتعلق نفس واحدة بمجموع السبعة وتحركه الحركة الاولى، ونفس اخرى تعلقت بممثل زحل وحده وتحركه الحركة البطيئة، ونفس الثانية تعلقت بخارجه و تحركه الحركة الخاصة، وباقي الافلاك الستة على حالها. فاستحسنه وأثنى علي (انتهى). وقال المحقق الدواني: يجوز أن تكون الافلاك الكلية اثنين، بأن تفرض الافلاك الخارجة المراكز كلها سوى خارج القمر في ثخن ممثل واحد بحيث لا تكون السطوح التي يثبتونها بين الممثلات إلابين ذلك الممثل وممثل القمر، فتنحصر الافلاك الكلية فيهما (انتهى) هذا هو الكلام في جانب القلة، وأما في جانب الكثرة فلا قطع، لاحتمال أن يكون كل من الثوابت أو كل طائفة منها في فلك عليحدة وأن يكون أفلاكا كثيرة غير مكوكبة. هذا ما ذكروه في هذا الباب، ولنرجع إلى ما يناسب الكتاب فنقول:

[78]

يمكن أن يكون أكثر الكواكب الثابتة وهي التي لم تكن في ممر السيارات في فلك من الافلاك الجزئية للقمر مساوية حركته لحركة الثوابت، فإنهم أثبتوا كلا من تلك الافلاك الجزئية لدواعي دعتهم إلى ذلك، مع أنه تلزمهم على ذلك إشكالات لم يمكنهم حلها، فلا مانع من إثبات فلك آخر لتصحيح ما في الآيات و الاخبار، بحيث لا يخالف قواعدهم المبنية على الظن والتخمين، وبالقيد المذكور لا مانع من جهة الانكساف أيضا. الثالث: ما خطر بالبال القاصر، وهو أن يكون جميع الافلاك الثمانية التي أثبتوها لجميع الكواكب فلكا واحدا مسمى بالسماء الدنيا، وتكون غيرها ستة سماوات اخر غير مكوكبة، كما أنهم يثبتون لكل من الكواكب أفلاكا كثيرة جزئية ويعدون الكل فلكا واحدا كليا، فلا ينافي شيئا من اصولهم، وإنما يخالف مصطلحهم ولا عبرة بمخالفة الاصطلاح. وقد ذهب بعض قدماء الحكماء أيضا إلى أن الثوابت في فلك القمر. قال بليناس الحكيم في كتاب (علل الاشياء): هي سبعة أفلاك بعضها في جوف بعض، وصارت الافلاك في كل منها كوكب غير فلك القمر، فإن الكواكب تبددت فيه وتقطعت لاختلاطها بكثرة الرياح الصاعدة إليه من قرب الارض. وقال في موضع آخر: وأما سماء الدنيا فإنها تبددت كواكبها من قبل حبكها وتدرجها، فتقبلت الكواكب فصارت متعلقة بتلك الدرج وقال عند ذكر الملائكة: سكان فلك القمر من الروحانيين كثيرة رحمتهم، قليلة شرورهم، متعطفين على الحيوان، مصلحين للنبات، دائبين في مسرة بني آدم متصلين بهم، فلاتصالهم ربما ظهروا لهم وكلموهم بلا هيبة منهم بالرحمة لهم وبالفة وهم مسلطون على السماء، يحرسون السماء من شيطانك وولده أن يسترقوا السمع من الملائكة الاعلين الروحانيين المتصلين بفلك الشمس، وإن الروحانيين الموكلين بالشمس إذا طلعت الشمس من مشرقها كان عندهم الاحداث التي تحدث في العالم في ذلك اليوم كله، فشيطانك وولده يسترقون ما اوحي إلى اولئك الملائكة فالملائكة الذين في فلك القمر يجملون النجوم حتى يصير نارا، ثم يرجمونهم بها

[79]

فيهربون منها (إلى آخر ما قال). الرابع: أن يكون المراد بالكواكب في الآية الكريمة الشهب المنقضة قريبا منها، ولما كانت ترى حسا على سطح السماء فهي زينة لها، وتؤيده تتمة الآية كما ستعرف. الخامس: أن يكون المراد بالدنيا الدنو من الناحية العليا والعرش الاعلى فالمراد بها الفلك الثامن على سياق قوله تعالى (دنى فتدلى) فإن ترتيب الافلاك قد يبتدأ مما يلينا فيكون فلك القمر أو لها وأدناها، وقد يبتدأ به من الجانب الاعلى ففلك الثوابت أول الافلاك المكوكبة وأدناها من العرش. ويرد عليه أن في لسان الشرع يعبر عنه بالكرسي كما مر. (وجعلناها رجوما للشياطين) قال البيضاوي: وجعلنا لها فائدة اخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المسسبة عنها، وقيل: معناها: رجوما وظنونا لشياطين الانس وهم المنجمون فالرجوم (1) جمع (رجم) بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به (وأعتدنا لهم عذاب السعير) في الآخرة بعد الاحراق بالشهب في الدنيا (2) (انتهى) وأقول: على الاحتمال الرابع لا تحتاج إلى تكلف في ذلك. (وانشقت السماء)) قال الرازي: لنزول الملائكة (فهي يومئذ واهية) أي مسترخية ساقطة القوة كالعهن المنفوش بعد ما كانت محكمة شديدة (3). (كالمهل) قيل: كدردي الزيت، وقيل: كعكر القطران. (سبع سماوات طباقا) قال الرازي: هذا يقتضي كون بعضها مطبقا (4) على البعض، وهذا يقتضي أن لا يكون ههنا (5) فرج فالملائكة كيف يسكنون ؟ والجواب أن الملائكة أرواح، وأيضا


(1) في المصدر (والرجوم). (2) انوار التنزيل: ج 2، ص 533. (3) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 283. (4) في المصدر: منطبقا. (5) في المصدر: بينها.

[80]

المراد من كونها طباقا كونها موازية لا أنها متماسة (1). و (جعل القمر فيهن نورا) قال البيضاوي: أي في السماوات وهو في السماء الدنيا وإنما نسب إليهن لما بينهن من الملابسة. (وجعل الشمس سراجا) مثلها به لانها تزيل ظلمة الليل عن وجه الارض كما يزيلها السراج عما حوله (2). (وإنا لمسنا السماء) أي طلبنا بلوغ السماء أو خبرها، واللمس مستعار من المس للطلب كالجس (حرسا) أي حراسا - اسم جمع كالخدم - (شديدا)) قويا وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها (و شهبا) جمع شهاب وهو المضئ المتولد من النار (وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) أي مقاعد خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للرصد والاستماع، و (للسمع) صلة لنقعد أو صفة لمقاعد (شهابا رصدا) أي شهابا راصدا له ولاجله يمنعه عن الاستماع بالرجم، أو ذوي شهاب راصدين على أنه اسم جمع للراصد. (طمست) أي محقت وأذهب نورها (فرجت) أي شقت (سبعا شدادا) أي سبع سماوات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور (وجعلنا سارجا وهاجا) متلالئا وقادا، أو بالغا في الحرارة والمراد الشمس (وإذا النجوم النكدرت) أي انقضت أو أظلمت (وإذا السماء كشطت) أي قلعت وازيلت كما يكشط الاهاب عن الذبيحة (فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس) قال الرازي: فيه قولان الاول وهو المشهور الظاهر أنها النجوم، الخنس جمع (خانس) والخنوس الانقباض و الاستخفاء، تقول: خنس بين القوم وانخنس، والكنس جمع (كانس) و (كانسة) يقال: كنس إذا دخل الكناس وهو مقر الوحش يقال: كنست الظباء في كناسها وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس، ثم اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه، فالقول الاظهر أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها، فرجوعها هو الخنوس، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس، ولا شك أن هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة


(1) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 306 (2) انوار التنزيل: ج 2، ص 552.

[81]

باهرة، والقول الثاني ما روي عن علي عليه السلام وغيره أنها هي جميع الكواكب، و خنوسها عبارة عن غيوبتها عن البصر في النهار، وكنوسها عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها، والقول الثالث أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى (رب المشارق والمغارب) ولا شك أن فيها مطلعا واحدا ومغربا واحدا هما أقرب المطالع والمغارب إلى سمت رأسنا (1) ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة ثم ترجع إليها، فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع وكنوسها عبارة عن عودها إليه فعلى القول الاول يكون القسم واقعا بالخمسة المتحيرة، وعلى الثاني بجميع الكواكب، وعلى الثالث بالسبعة السيارة. والقول الثاني أنها بقر الوحش، وقال ابن جبير: هي الظباء، وعلى هذا الخنس من الخنس في الانف وهو تقعير فيه فإن البقر والظباء انوفها على هذه الصفة، والكنس جمع كانس وهي التي تدخل الكناس، والقول هو الاول لانه أنسب بما بعده، ولان محل قسم الله كلما كان أعظم وأعلى رتبة كان أولى (2) (انتهى). وأقول: الخمسة المتحيرة هي ما خلا الشمس والقمر من السبعة السيارة وإنما سميت متحيرة لكونها في حركاتها الخاصة تارة مستقيمة ترى متحركة من المغرب إلى المشرق وتارة واقفة وتارة راجعة كالمتحير في أمره، ولذا أثبتوا لها تداوير لظنهم عدم الاختلاف في حركات فلك واحد. قوله تعالى (إذا السماء انفطرت) قال الرازي: أي انشقت (وإذا الكواكب انتثرت) إذ (3) عند انتقاض تركيب السماء لابد من انتشار الكواكب على تخوم (4) الارض، والفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الافلاك، ودليلنا على


(1) في المصدر: رؤوسنا. (2) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 482. (3) في المصدر: لان. (4) في المصدر: على الارض.

[82]

إمكان ذلك أن الاجسام متماثلة في كونها أجساما فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر، وإنما قلنا إنها متماثلة لانه يصح تقسيمها إلى السماويات والارضيات ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام، وإنما قلنا إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات لان المتماثلات حكمها واحد فما صح (1) حكمه على كل واحد منها وجب أن يصح على الباقي (2). وقال في قوله سبحانه (إذا السماء انشقت) قد مر شرحه في مواضع، وعن علي عليه السلام أنها تنشق من المجردة (وأذنت لربها) أي استمعت له، والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله في شقها وتفريق أجزائها فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ولى (3) عليه الامر من جهة المالك أنصت له وأذغن ولم يمتنع، فكذلك قوله (قالتا أتينا طائعين) يدل على نفوذ القدرة في الايجاد والابداع من غير مانع (4) أصلا، كما أن قوله ههنا (وأذنت لربها) يدل على نفوذ القدرة في التفريق والاعدام و الافناء من غير ممانعة أصلا، وأما قوله (وحقت) فهو من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، وذلك لانه جسم وكل جسم ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية وكل ماكان كذلك فإن ترجيح (5) عدمه على وجوده لابد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه، فيكون تأثير قدرته في إيجاده وإعدامه نافذا ساريا من غير ممانعة أصلا، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد، ومثل هذا الشئ حقيق به أن يكون قابلا للوجود تارة وللعدم اخرى من واجب الوجود (6). وقال


(1) في المصدر: فمتى يصح. (2) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 486. (3) في المصدر: إذا ورد عليه. (4) في المصدر: من غير ممانعة. (5) في المصدر: ترجيح وجوده على عدمه أو عدمه على وجوده. (6) مفاتيح الغيب: ج 7، ص 509.

[83]

في قوله تعالى (والسماء ذات البروج) ثلاثة أقوال: أحدها أنها هي البروج الاثنا عشر، وإنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة، وذلك لان سير الشمس فيها، ولاشك أن مصالح العالم السفلي مرتبطة بسير الشمس، فدل ذلك على أن لها صانعا حكيما وثانيها أن البروج هي منازل القمر وإنما حسن القسم بها لما في سير القمر وحركته من الآثار العجيبة وثالثها أن البروج هي عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها (1) (انتهى)، وأقول: في بعض الاخبار تأويل السماء بسيد الانبياء صلى الله عليه وآله والبروج بالائمة الاثني عشر عليهم السلام. (والسماء والطارق)) قال الرازي: أما الطارق فهو كل ما أتاك ليلا سواء كان كوكبا أو غيره (وما أدريك ما الطارق) قال سفيان بن عيينة: كل شئ في القرآن (ما أدريك) فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وآله به، وكل شئ فيه (ما يدريك) لم يخبر به كقوله (وما يدريك لعل الساعة قريب) ثم قال (النجم الثاقب) أي هو طارق رفيع الشأن، وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر، و يوقف به على أوقات الامطار، ووصف بكونه ثاقبا لوجوه: أحدها أنه يثقب الظلام بضوء ينفذ فيه، وثانيها أنه يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشئ الذي يثقب الشئ، وثالثها أنه الذي يرمى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه، رابعها قال الفراء: هو النجم المرتفع على النجوم، قال بعضهم: اشير به إلى جماعة النجوم كما قيل: (إن الانسان لفي خسر) وقال آخرون: إنه نجم بعينه، قال ابن زيد: إنه الثريا، وقال الفراء: إنه زحل لانه يثقب بنوره سمك بسبع سماوات، و قال آخرون: إنه الشهب التي ترجم بها الشياطين لقوله تعالى (فأتبعه شهاب ثاقب (3)).


(1) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 518. (2) في المصدر: عظيم الشأن رفيع القدر. (3) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 528.

[84]

(والسماء ذات الرجع) قال الطبرسي ره: أي ذات المطر، عن أكثر المفسرين، وقيل: يعني بالرجع شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثم تطلع، وقيل: رجع السماء إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الازمان فترجع بالغيث وأرزاق العباد وغير ذلك (1) (انتهى). وأقول: لا يبعد أن يكون إشارة إلى رجوع المتحيرة كما عرفت. (وإلى السماء كيف رفعت) أي رفعا بعيد المدى بلا إمساك وبغير عمد (وما بناها) أي ومن بناها. تذييل: قال الرازي: اعلم أن منافع النجوم كثيرة: منها أنه زين الله السماء بها، ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء ولذلك فإنه إذا تكاثفت السحاب في الليل عظمت الظلمة وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها، ومنها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الاربعة فإنها أجسام عظيمة نورانية فإذا قاربت (2) الشمس كوكبا مسخنا في الصيف صار أقوى حرا، وهي مثل نار تضم إلى نار اخرى فإنه لاشك أنه يكون الاثر الحاصل من المجموع اقوى ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر على ما قال تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)، ومنها أنه تعالى جعلها رجوما للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الايمان إلى ظلمة (3) الكفر، يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تسمع بخبر السماء، فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله حرست السماء ورصدت الشياطين فمن جاء منهم مسترقا للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الارض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره، وهذا هو السبب في انقضاض الشهب، فهذا هو المراد من قوله تعالى (وجعلناها رجوما للشياطين) ومن الناس من طعن في هذا من وجوه:


(1) مجمع البيان: ج 10، 472. (2) في المصدر: قارنت. (3) في المصدر: ظلمات.

[85]

أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الارض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدا وألفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون، ثم إنه (1) مع ذلك يعودون لمثل صفتهم (2) فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شئ مرة ومرارا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة. وثالثها: أنه يقال في ثخن السماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء وخرقوا اتصاله فهذا باطل، لانه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال (فارجع البصر هل ترى من فطور) وإن كانوا لا ينفذون في جرم السماء فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم ؟ فلم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الارض ؟. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الاحوال المستقبلة إما لانهم طالعوها من اللوح (3) المحفوظ، أو لانهم يتلقونها من وحي الله تعالى إليهم، وعلى التقديرين فلم لا يمسكون عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها ؟. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار بل تقويها، فكيف يحتمل (4) أن يقال الشيطان زجر من استراق السمع بهذه الشهب. وسادسها: أنه إن كان هذا القذف لاجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله. وسابعها: أن هذه الرجوم، إنما تحدث بالقرب من الارض بدليل أنا نشاهد حركاتها بالغة ولو كانت قريبة من الفلك لما شاهدنا حركاتها (5) كما لم نشاهد


(1) في المصدر: إنهم. (2) في المصدر: صنيعهم. (3) في المصدر: في اللوح. (4) في المصدر: فكيف يعقل ان يقال ان الشياطين زجروا عن استراق. (5) في المصدر: حركتها بالعين.

[86]

حركات الكواكب، وإذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الارض فكيف يقال إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك ؟. وثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوسل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم ؟. وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب ؟. والجواب عن السؤال الاول: أنا لاننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله (1) وقد يوجد بسبب آخر وهو دفع الجن وزجرهم. يروى أنه قيل للزهري: أكان يرمي في الجاهلية ؟ قال: نعم، قال: أفرأيت قوله تعالى (إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وآله. والجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضي الله على طائفة منهم الحرق لطغيانها وضلالها قيض لها من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي إلى الهلاك والبوار. والجواب عن السؤال الثالث: أن البعد بين الارض والسماء مسيرة خمسمائة عام فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيما. والجواب عن السؤال الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبيطالب عليهم السلام عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا ؟ قالوا كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. قال النبي صلى الله عليه وآله: فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تعالى إذا قضى الامر في السماء سبحت حملة


(1) في المصدر: لاسباب اخر إلا أن ذلك لا ينافى أنها بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام قد توجد.

[87]

العرش، ثم سبح أهل السماء وسبح (1) كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم، ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون، فما جاؤوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه. والجواب عن السؤال الخامس: أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فالاقوى تبطل الاضعف. والجواب عن السؤال السادس: أنه إنما دام لانه صلى الله عليه وآله أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسول صلى الله عليه وآله عن بطلان الكهانة. والجواب عن السؤال السابع: أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا (2) في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة (3). والجواب عن السؤال الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين (4). والجواب عن السؤال التاسع: أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فهذا ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار (5) (انتهى).


(1) في المصدر: يسبح أهل كل سماء. (2) في المصدر: وقفوا. (3) هذا الجواب مبنى على قول الاشاعرة بانكار العلية والمعلولية وأن الملازمة بين العلة والمعلول ليس أمرا ذاتيا وانما هو لجريان عادة الله تعالى على ذلك، فمن الممكن ان يكون عادته تعالى في بعض الموارد على خلافه. (4) والصواب ان يقال: ان كان المراد بالكفار جميعهم فالملازمة ممنوعة لان المكالمة مع الجن يتوقف على مقدمات لا تحصل لجميعهم، وان كان المراد كهنتهم فبطلان التالى غير مسلم. (5) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 246 - 248.

[88]

وأقول: الاصوب في الجواب عن الثالث أن يقال: قد ظهر أن للسماء أبوابا يصعد منها الملائكة وصعد منها نبينا صلى الله عليه وآله وعيسى وإدريس عليهما السلام بل أجساد سائر الانبياء والاوصياء بعد وفاتهم على قول وقد ورد في الاخبار أن الجن كانوا يصعدون قبل عيسى عليه السلام إلى ما تحت العرش، وبعد بعثته كانوا يصعدون إلى الرابعة وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله منعوا عن صعود السماء مطلقا بالشهب، فصعودهم إما من أبوابها أو لكونهم أجساما لطيفة يمكنهم النفوذ في جرمها، ولعل المراد بالفطور فيها أن ترى فيها شقوق وثقب، أو تنهدم وتنحل أجزاؤها، فلا إشكال في ذلك. 1 - العلل والعيون والخصال: في خبر الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سأله مم خلق السماوات ؟ قال: من بخار الماء، وسأله عن سماء الدنيا مما هي ؟ قال: من موج مكفوف، وسأله كم طول الكواكب وعرضه ؟ قال: اثنا عشر فرسخا في اثني عشر فرسخا، وسأله عن ألوان السماوات السبع وأسمائها فقال له: اسم السماء الدنيا (رفيع) وهي من ماء ودخان، واسم السماء الثانية (قيدوم) وهي على لون النحاس، والسماء الثالثة اسمها (الماروم) وهي على لون الشبه، والسماء الرابعة اسمها (أرفلون) وهي على لون الفضة، والسماء الخامسة اسمها (هيعون (1)) وهي على لون الذهب، والسماء السادسة اسمها عروس وهي ياقوتة خضراء، والسماء السابعة اسمها (عجماء) وهي درة بيضاء (2) (الخبر). بيان: (من موج مكفوف) أي من جسم مواج ممنوع من السيلان بقدرته سبحانه، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة، ويحتمل أن يكون كناية عن كونها مخلوقة من جسم لطيف قد استقر في محله ولا ينزل ولا يسيل، أو موجها كناية عن تلالؤ الكواكب فيها بناء على أنها فيها، ويمكن أن يكون المقدار المذكور للوكب لاصغر الكواكب التي في المجرة، إذا المرصودة منها على المشهور أكبر من ذلك بكثير، بل ما سوى القمر والسفليين أكبر من الارض بأضعافها، و


(1) في المخطوطة (هيفوف) وفي المصدر (هيفون). (2) الخصال: 3، العيون، ج 1، ص 241، العلل: ج 2، ص 280.

[89]

قد أول بعض السالكين مسالك الفلاسفة اختلاف الالوان الوارد في هذا الخبر باختلاف أنواعها وطبائعها، فإنهم يقولون ليس للسماوات لون كما ستعرف انشاء الله وذكر السيد الداماد - ره - لتقدير الكواكب تأويلا غريبا أوردته في مقام آخر وإن كانت أقوالهم في أمثال ذلك لم تورث إلا ظنا. 2 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما اسري بي إلى السماء رأيت في السماء السابعة بحارا من نور يتلالا، يكاد تلالؤها يخطف بالابصار، وفيها بحار من (1) ظلمة وبحار ثلج ترعد (2) (الخبر). بيان: (ترعد) أي يظهر منها صوت الرعد، أو على بناء المجهول أي تضطرب. 3 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن الكليني، عن علان رفعه قال: سأل يهودي أمير المؤمنين عليه السلام لم سميت السماء سماء ؟ قال: لانها وسم الماء يعني معدن الماء (3) (الخبر). بيان: فسر الوسم بالمعدن لان معدن كل شئ علامة حصوله، ولعله مبني على الاشتقاق الكبير، لان الوسم من معتل الفاء والسماء على المشهور من معتل اللام من السمو، وهو الرفعة، أو هو على القلب كما أن الاسم أيضا من السمو. 4 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان، عن جرير، عن الضحاك بن مزاحم، قال: سئل علي عليه السلام عن الطارق، قال: هو أحسن نجم في السماء وليس يعرفه الناس، وإنما سمي الطارق لانه يطرق نوره سماء سماء إلى سبع سماوات ثم يطرق راجعا حتى يرجع إلى مكانه (4).


(1) في المصدر: بحار مظلمة. (2) تفسير القمى: 373. (3) علل الشرائع: ج 1، ص 3. (4) العلل: ج 2، ص 264.

[90]

5 - الاحتجاج: عن الاصبغ قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن المجرة التي تكون في السماء، قال: هي شرج السماء، وأمان لاهل الارض من الغرق، ومنه أغرق الله قوم نوح بماء منهمر (1) (الخبر). بيان: الشرج اسم للمجرة، ولعلهم شبهوها بالعرى التي في الكيس والعيبة تشد بها، أو بمجرى الماء لانها مجراه حقيقة كما في الخبر، أو لانها شبيهة بالنهر في وسط الوادي، قال الفيروز آبادي: الشرج - محر كة - العرى، ومنفسخ الوادي ومجرة السماء، وانشقاق في القوس، والشرج: الفرقة، ومسيل ماء من الجرة إلى السهل وشد الخريطة (2). وقال الجوهري: شرج العيبة بالتحريك عراها وقد أشرجت العيبة إذا داخلت بين أشراجها، ومجرة السماء تسمى شرجا (3). تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر إدريس عليه السلام أنه قال ملك الموت: غلظ السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام، ومن السماء الرابعة إلى السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام (4) ومن السماء الثالثة إلى الثانية مسيرة خمسمائة عام وكل سماء وما بينهما كذلك (5) (الخبر). 7 - العلل: في خبر يزيد بن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله: ما بال النجوم تستبين صغارا وكبارا ومقدار (6) النجوم كلها سواء ؟ قال: لان بينها وبين سماء الدنيا بحارا يضرب الريح أمواجها فلذلك تستبين صغارا وكبارا ومقدار النجوم كلها سواء (7) (الخبر).


(1) الاحتجاج: 138. (2) القاموس: ج، 1 ص 195. (3) الصحاح: ج 1، ص 324. (4) في المصدر: وغلظ السماء الثالثة خمسمائة عام. (5) تفسير القمى: 412. (6) في المصدر: (ومقدارها سواء) وهو الصحيح ظاهرا، أي حالكون مقدارها سواء. (7) علل الشرائع: ج 2، ص 156.

[91]

بيان: لعل غرض السائل السؤال عن علة كون النجم الواحد يرى في بعض الاحيان أصغر وفي بعضها أكبر مع أن مقداره في جميع الاحوال واحد كما أن كلا من الشمس والقمر إذا كان عند الافق أو قريبا منه يرى أكبر منه إذا كان في قريب سمت الرأس لكثرة الابخرة وانعطاف الاشعة البصرية عند وصولها إلى الملا الغليظ كما بين في علم المناظر، ويحتمل أن تكون البحار كناية عن الابخرة. تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه ويعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام هذه النجوم (1) التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الارض مربوطة كل مدينة إلى عمود من نور، طول ذلك العمود في السماء مسيرة مأتين وخمسين سنة (2). أقول: سيجيئ خبر الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام في باب صفة الارضين. 9 - التوحيد: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن السياري، عن عبد الله بن حماد، عن جميل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام هل في السماء بحار ؟ قال: نعم، أخبرني أبي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في السماوات السبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام (3) (الخبر). 10 - منتخب البصائر: عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسين، عن علي بن الريان، عن عبيدالله بن عبد الله الدهقان، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: إن لله خلف هذه النطاق زبر جدة خضراء منها اخضرت السماء. قلت: وما النطاق ؟ قال: الحجاب، ولله عزوجل وراء ذلك سبعون ألف عالم أكثر من عدد الجن والانس وكلهم يلعن فلانا وفلانا. 11 - ارشاد المفيد: روى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل أنه


(1) في المصدر: لهذه النجوم. (2) تفسير القمى: 554. (3) التوحيد: 204.

[92]

قال: إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة، فهدم بها أربعة مساجد، ولم يبق مسجد على أهل الارض (1) له شرف (2) إلا هدمها وجعلها جماء (3)، ووسع الطريق الاعظم وكسر كل جناح خارج عن (4) الطريق، وأبطل الكنف والميازيب إلى الطرقات ولا يترك بدعة إلا أزالها ولاسنة إلا أقامها، ويفتتح قسطنطنية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء. قال: قلت له: جعلت فداك فكيف تطول السنون ؟ قال: يأمر الله تعالى الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الايام لذلك والسنون ! قال: قلت له: إنهم يقولون إن الفلك إن تغير فسد ! قال: ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، وقد شق الله القمر لنبيه صلى الله عليه وآله، ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة، وأنه كألف سنة مما تعدون (5). 12 - كتاب النجوم: روى ابن جمهور العمي في كتاب الواحدة في أوائل أخبار مولانا الحسن بن علي عليهما السلام من خطبة له في صفة النجوم ما هذا لفظه: ثم أجرى في السماء مصابيح ضؤوها في مفتحه وحارثها بها وجال شهابها من نجومها الدراري المضيئة التي لولا ضوؤها ما أنفذت أبصار العباد في ظلم الليل المظلم بأهواله المدلهم بحنادسه، وجعل فيها أدلة على منهاج السبل لما أحوج إليه الخليقة من الانتقال والتحول، والاقبال والادبار. 13 - كتاب الغارات: لابراهيم الثقفي بإسناده عن أبي عمران الكندي قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى (والسماء ذات الحبك) قال: ذات الخلق الحسن، قال فما المجرة ؟ قال يا ويلك سل تفقها ولا تسأل


(1) في المصدر: على وجه الارض. (2) أي ارتفاع واشراف. (3) أي مستوية ملساء، ولعل تأنيث الضمير باعتبار الارض. (4) في المصدر: في الطريق. (5) ارشاد المفيد: 344.

[93]

تعنتا ! يا ويلك سل عما يعنيك قال: فوالله إن ما سألتك عنه ليعنيني ! قال: إنها شرج السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر زمن الغرق على قوم نوح عليه السلام قال: فكم بين السماء والارض ؟ قال: مد البصر ودعوة بذكر الله فيسمع لانقول غير ذلك. بيان: (لانقول غير ذلك) أي لانخبر الخلق بمقدار ذلك إذ لا مصلحة لهم في ذلك (1)، فيدل على أن التفكر في أمثال ذلك ممنوع منه، وليس كما تزعمه الفلاسفة أنها كمال النفس ولابد للانسان في تحصيل السعادات الابدية من النظر فيها. 14 - الغارات: بإسناده عن ابن نباته، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام: كم بين السماء والارض ؟ قال: مد البصر ودعوة المظلوم. وسئل: كم بين المشرق والمغرب ؟ قال: يوم طراد الشمس وسئل عن المجرة فقال أبواب السماء فتحها الله على قوم نوح ثم أغلقها فلم يفتحها. وسئل عن القوس فقال: أمان الارض كلها من الغرق إذا رأوا ذلك في السماء (الخبر). بيان: (يوم طراد) أي تام، أو قصير، أو يوم يجري فيه الشمس. قال في القاموس: الطريد من الايام الطويل كالطراد، والطريدان: الليل والنهار، وككتاب رمح قصير، ومطاردة الاقران حمل بعضهم على بعض وهم فرسان الطراد، واطرد الامرتبع بعضه بعضا وجرى (2) (انتهى) واعلم أن الحكماء اختلفوا في المجرة فقيل: احتراق حدث من الشمس في تلك الدائرة في بعض الازمان السالفة. واورد عليه أنه مخالف لقواعدهم التي منها عدم كون الشمس موصوفة بالحرارة


(1) ولعل عدم الاخبار لعدم استعداد الناس لفهمه في ذلك الزمان، أو لكون السائل في مقام التعنت والاعياء، ولو كان التفكر في امثال هذه المعاني ممنوعة والعلم بها خاليا عن المصلحة لما حاموا حومها ولنهوا اصحابنهم وخواصهم أن يطوفوا طورها، كيف وقد تكاثرت الروايات عنهم بأخبار السماوات وكيفياتها وما بينها إلى غير ذلك، مضافا إلى ما في فهم هذه المعاني من درك عظمة الله تعالى وحكمه وسعة رحمته ومعرفة صفاته وأسمائه، وسيأتى في ما ينقل عن اقوال اجلاء العلماء في النجوم القول باستحباب تعلم الهيئة لذلك. (2) القاموس: ج 1، ص 310.

[94]

والاحراق، ومنها عدم كون الفلك قابلا للتأثر. وقيل: بخار دخاني واقع في الهواء، واورد عليه بأنه لو كان كذلك لكان يختلف في الصيف والشتاء وقيل: هي كواكب صغار متقاربة متشابكة لا تتمايز حسا بل هي لشدة تكاثفها وصغرها صارت كأنها لطخات سحابية وهذا أقرب الوجوه (1). 15 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: معنى السماء أنها ارتفعت أي سمعت من السمو، ومعنى الارض أنها انخفضت، وكل شئ انخفض فهو أرض. 16 - النهج: قال عليه السلام اللهم رب السقف المرفوع، والجو المكفوف، الذي جعلته مغيضا لليل والنهار، ومجرى للشمس والقمر، ومختلفا للنجوم السيارة، و جعلت سكانه سبطا من ملائكتك، لا يسأمون من عبادتك، ورب هذه الارض التي جعلتها قرارا للانام، ومدرجا للهوام، والانعام، ومالا يحصى مما يرى ومما لا يرى، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للارض أوتادا، وللخلق اعتمادا (2). بيان: السقف المرفوع السماء، والجو الهواء وما بين السماء والارض، و كفه أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، وفسر بعضهم الجو المكفوف بالسماء أيضا والظاهر أن المراد به هنا الهواء بين السماء والارض فإنه مكفوف بالسماء، وقد ورد في الدعاء (وسد الهواء بالسماء) وغاض الماء يغيض غيضا: نضب وقل، وكون السماء مغيضا لليل والنهار والشمس والقمر ظاهر لانها فيها تغيب، وأما الجو المكفوف فإن فسر بالسماء فظاهر أيضا، وإن فسر بالهواء فلكون آثارها تظهر فيه ويرى بحسب الحس كذلك، وقيل: المراد به الهواء والفضاء بين السماوات فإنه مكفوف بها، ويمكن حمله على البعد الموجود أو الموهوم الذي هو مكان الفلك، و كفها تحديدها وضبطها بالسماوات، ويمكن جعل الموصول صفة لمجموع السقف والجو لاتصالهما بعدهما شيئا واحدا، فإن المجموع محل لتلك الآثار والاجرام في الجملة ومختلفا للنجوم السيارة. وقال ابن ميثم: المراد بالجو السماء، وكونه


(1) واليه انتهى نظر المتأخرين من الفلكيين. (2) النهج: ج 1، ص 318، 319.

[95]

مغيضا لليل والنهار لان الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس على وجه الارض يكون سببا لغيبوبة الليل وعن وجهها لغيبوبة النهار، فكان كالمغيض لهما، وقيل: جعلته مغيضا أي غيضة لهما، وهي في الاصل الاجمة كما يجتمع فيها الماء فتسمى غيضة وينبت فيها الشجر، كأنه جعل الفلك كالغيضة والليل والنهار كالشجر النابت فيها. وقال الكيدري في شرحه المغيض: الموضع الذي يغيض فيه الماء أي ينضب ويقل، وجعل السماء والفلك مغيضا لليل والنهار مجازا أي ينقص الله الليل مرة والنهار اخرى وإن زاد في الآخر، وذلك بحسب جريان الشمس. وقال: الجو المكفوف كأنه أراد الهواء المحدود الذي ينتهي حده إلى السماء، والجو ما بين السماء والارض كأنه كف أي منع من تجاوز حديه. وقال أبو عمرو: الجو ما اتسع من الاودية، وكل مستدير فهو كفة بالكسر كأنه أراد الهواء الذي هو على هيئة المستدير، لانه داخل الفلك الكروي الشكل، أو أراد بالجو الفلك العريض الواسع وبالمكفوف ما كان عليه كفة من المجرة والنيرات فيكون من كفة الثوب أو أراد بالمكفوف الفلك المحكم الخلق الشديد المتبرئ عن الخلل والفطور من قولهم (عيبة مكفوفة) أي مشرجة مشدودة (انتهى). والاختلاف: التردد، وحمله على اختلاف الفصول بعيد. والسبط بالكسر الامة والقبيلة. (لا يسأمون) أي لا يملون (قرارا) أي محل استقرار، ودرج كقعد أي: مشى. والهوام: الحشرات. وقال ابن ميثم: قال بعض العلماء: من أراد أن يعرف حقيقة قوله عليه السلام (مما يرى ومما لا يرى) فليوقد نارا صغيرة في فلاة في ليلة صيفية وينظر ما يجتمع عليها من غرائب أنواع الحيوان العجيبة الخلق لم يشاهدها هو ولا غيره. وأقول: يحتمل أن يراد ما ليس من شأنه الرؤية لصغره أو لطافته كالملك والجن. والاعتماد: الاتكاء والاتكال، إذا لجبال مساكن لبعضهم ومنها تحصل منافعهم. 17 - النهج: عن نوف البكالي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في خطبة:

[96]

فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد، قائمات بلاسند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات، غير متلكئات ولا مبطئات، ولو لا إقرارهن له بالربوبية، وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه، ولا مسكنا لملائكته، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه، جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران، في مختلف فجاج الاقطار، لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلالؤ نور القمر (1) (إلى آخر الخطبة). توضيح: المراد بشواهد الخلق آيات الابداع وعلامات التدبير المحكم، أو ما يشهد من الخلق بوجوده سبحانه وتدبيره وعلمه، أو ما حضر من خلقه أي ظهر وجوده بحيث لا يمكن لاحد إنكاره من علامات التدبير. ووطدت كودعدت أطدها طدة ووطدتها توطيدا: إذا أثبتها بالوطئ أو غيره حتى تتصلب، وتوطيد السماوات إحكام خلقها وإقامتها في مقامها على وفق الحكمة. والعمد بالتحريك: جمع عماد بالكسر وهو ما يسند به، أو جمع عمود. والسند بالتحريك: ما استندت إليه واتكأت من حائط وغيره، والطائع: المنقاد السلس. وأذغن أي انقاد ولم يستعص وتلكأ: أي توقف واعتل. والطواعية كثمانية: الطاعة، ولعل المراد بالملائكة المقربون أو الاكثر، لان منهم من يسكن الهواء والارض والماء، وصعود الكلم الطيب والعمل الصالح صعود الكتبة بصحائف أعمال العباد إلى السماوات، وفيه إشارة إلى قوله سبحانه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه (2)) وإجابتهن إشارة إلى قوله تعالى (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (3)) وقد مر الكلام في تأويل الآية، وقيل: هنا إقرارهن بالربوبية له راجع إلى شهادة حال الممكن للحاجة إلى الرب والانقياد لحكم


(1) النهج: ج 1 ص 339 و 340 (2) فاطر: 10. (3) فصلت: 11.

[97]

قدرته، وظاهر أنه لولا إمكانها وانفعالها عن قدرته وتدبيره لم يكن فيها عرش ولم يكن مسكنا للملائكة ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من الخلق (انتهى). وأما تخصيصه عليه السلام السماوات بالطاعة مع اشتراك الارض لها في ذلك في الآية فلعله لكونها أكثر طاعة لكون ما دتها أقبل أو لشرفها. والعلم - بالتحريك -: ما يهتدى به والمختلف: الاختلاف أي التردد، أو موضعه، أو هو من المخالفة. والفج: الطريق الواسع بين جبلين، والقطر: الجانب والناحية، فالمعنى: يستدل بها الحيارى في التردد في فجاج الاقطار، أو في اختلاف الفجاج الموجودة في الاقطار، وذهاب كل منها إلى جهة غير ما يذهب إليه الآخر كاختلاف القوم في الآراء. والسجف بالكسر وبالفتح: الستر، والجلبات بالكسر: ثوب واسع تغطي به المرأة ثيابها كالملحفة، وقيل: هو الخمار، وقيل: القميص. والحندس كزبرج: الشديد الظلمة، وشاع الشئ يشيع أي ظهر وذاع وفشا، وتلالا القمر والبرق أي لمع. 18 - كتاب المثنى بن الوليد الحناط: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن السماوات السبع، فقال: سبع سماوات ليس منها سماء إلا وفيها خلق، وبينها وبين الاخرى خلق، حتى ينتهي إلى السابعة. قلت: والارض ؟ قال: سبع، منهن خمس فيهن خلق من خلق الرب، واثنتان هواء (1) ليس فيهما شئ. 19 - كتاب زيد النرسى: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا نظرت إلى السماء فقل - وذكر الدعاء إلى قوله - اللهم رب السقف المرفوع، والبحر المكفوف، و الفلك المسجور، والنجوم المسخرات، ورب هور بن إيسية صل على محمد وآل محمد وعافني من كل عقرب وحية - إلى آخر الدعاء - قال: قلت: وما (هور بن


(1) ان كان المراد بالهواء الجسم اللطيف المعروف كان المراد بالارضين الاجسام المنحفضة بالنسبة إلى السماوات سواء كانت كثيفة كالتراب أو لطيفة كالهواء، وان كان المراد به (الشئ الخالى) كما انه من معانيه وربما يؤيده قوله بعده (ليس فيها شئ) فيمكن اخذ الارض بمعناها المعروف.

[98]

إيسية) قال: كوكبة في السماء خفية تحت الوسطى من الثلاث الكواكب التي في بنات نعش المتفرقات، ذلك أمان ما قلت. 20 - الدر المنثور: نقلا من سبعة من كتبهم عن ابن مسعود قال: ما بين السماء والارض مسيرة (1) خمسمائة عام، وما بين كل سمائين خمسمائة عام، وغلظ كل سماء وأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء (2). 21 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز ذكره إذا أراد فناء دولة قوم أمر الفلك فأسرع السير فكانت على مقدار ما يريد (3). بيان: أمر الفلك لعله كناية عن تسبيب أسباب زوال دولتهم على الاستعارة التمثيلية، ويحتمل أن يكون لكل دولة فلك سوى الافلاك المعروفة الحركات وقد قدر لدولتهم عدد من الدورات فإذا أراد الله إطالة مدتهم أمر بإبطائه في الحركة وإذا أراد سرعة فنائها أمر بإسراعه. 22 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن عنبسة بن بجاد العابد، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كنا عنده وذكروا سلطان بني امية فقال أبو جعفر عليه السلام: لا يخرج على هشام أحد إلا قتله. قال: وذكر ملكه عشرين سنة، قال: فجزعنا فقال: مالكم ؟ إذا أراد الله عزوجل أن يهلك سلطان قوم أمر الملك فأسرع بسير الفلك فقدر على ما يريد (4) (الخبر). 23 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في النجوم


(1) في المصدر: بين السماء والارض خمسمائة عام. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 44. (3) روضة الكافي: 163. (4) روضة الكافي: 394.

[99]

واختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها، فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، كالنملة التي تدور على الرحى، فالرحى تدور ذات اليمين، والنملة تدرو ذات الشمال، و النملة في تلك تتحرك حركتين مختلفين: إحديهما بنفسها فتتوجه أمامها والاخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها، فاسأل الزاعمين أن النجوم صارت على ماهي عليه بالاهمال من غير عمد ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلها راتبة أو تكون كلها متنقلة ؟ فإن الاهمال معنى واحد فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير ؟ ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعهد وتدبير وحكمة وتقدير وليس بإهمال كما تزعمه المعطلة. فان قال قائل: ولم صار بعض النجوم راتبا وبعضها متنقلا ؟ قلنا: إنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدل بها من تنقل المتنقلة ومسيرها في كل برج من البروج، كما قد يستدل على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها، ولو كانت كلها متنقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولارسم يوقف عليه، لانه إنما يوقف بمسير المتنقلة منها لتنقلها في البروج الراتبة، كما يستدل على سير السائر على الارض بالمنازل التي يجتاز عليها، ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب فيها، ولساغ لقائل أن يقول: إن كينونيتها على حال واحدة توجب عليها الاهمال من الجهة التي وصفنا، ففي اختلاف سيرها وتصرفها وما في ذلك من المآرب والمصلحة أبين دليل على العمد والتدبير فيها. فكر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها كمثل ثريا والجوزاء، والشعريين، وسهيل، فإنها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم تكن لواحد فيها (1) على حياله دلالات يعرفها الناس، ويهتدون بها لبعض امورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت، واحتجابها إذا احتجبت


(1) منها (خ).

[100]

فصار ظهور كل واحد واحتجابه في وقت غير الوقت الآخر لينتفع الناس بما يدل عليه كل واحد منها على حدته، وكما جعلت الثريا وأشباهها تظهر حينا وتحجب حينا لضرب من المصلحة كذلك جعلت بنات النعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة، فإنها بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة، وذلك أنها لا تغيب ولا تتوارى فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا، وصار الامران جميعا على اختلافهما موجهين نحو الارب والمصلحة، وفيها مآرب اخرى: علامات ودلالات على أوقات كثيرة من الاعمال كالزراعة والغراس والسفر في البر والبحر، وأشياء مما يحدث في الازمنة من الامطار والرياح والحر والبرد، وبها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة واللجج الهائلة، مع ما في ترددها في كبد السماء مقبلة ومدبرة ومشرقة ومغربة من العبر، فإنها تسير أسرع السير وأحثه، أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منا حتى يتبين لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه ألم تكن ستخطف الابصار بوهجها وشعاعها، كالذي يحدث أحيانا من البروق إذا توالت واضطربت في الجو، وكذلك أيضا لو أن اناسا كانوا في قبة مكللة بمصابيح تدور حولهم دورانا حثيثا لحارت أبصارهم حتى يخروا لوجوههم، فانظر كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضر في الابصار، وتنكأ فيها، وبأسرع السرعة لكيلا تتخلف عن مقدار الحاجة في مسيرها، وجعل فيها جزء يسير من الضوء ليسد مسد الاضواء إذا لم يكن قمر ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة، كما قد يحدث الحارث على المرء فيحتاج إلى التجافي في جوف الليل، وإن لم يكن شئ من الضوء يهتدى به لم يستطع أن يبرح مكانه، فتأمل اللطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدة لحاجة إليها، وجعل خلالها شئ من الضوء للمأرب التي وصفنا. فكر في هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم [في] هذا الدوران الدائم بهذا التقدير والوزن لما في اختلاف الليل والنهار وهذه الازمان الاربعة المتوالية على الارض وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة كالذي

[101]

بينت ولخصت لك آنفا، وهل يخفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر وصواب وحكمة من مقدر حكيم ؟ فإن قال قائل: إن هذا شئ اتفق أن يكون هكذا فما منعه أن يقول مثل هذا في دولاب تراه يدور ويسقي حديقة فيها شجر ونبات، فترى كل شئ من آلته مقدرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها وبم كان يثبت هذا القول لو قاله ؟ وما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه ؟ فينكر أن يقول في دولاب خشب (1) مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الارض أنه كان بلا صانع ومقدر، ويقدر أن يقول في هذا الدولاب الاعظم المخلوق بحكمة يقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الارض وما عليها أنه شئ اتفق أن يكون بلا صنعة ولا تقدير لو اعتل هذا الفلك كما تعتل الآلات التي تتخذ للصناعات وغيرها أي شئ كان عند الناس من الحيلة في إصلاحه. بيان: قوله عليه السلام (لا تفارق مراكزها) لعل المراد أنه ليس لها حركة بينة ظاهرة كما في السيارات، أولا يختلف نسب بعضها إلى بعض بالقرب والبعد بأن تكون الجملة التالية مفسرة لها، ويحتمل أن يكون المراد بمراكزها البروج التي تنسب إليها على ما هو المصطلح بين العرب من اعتبار محاذاة تلك الاشكال في الانتقال إلى البروج وإن انتقلت عن مواضعها، وعليه ينبغي أن يحمل قوله عليه السلام (وبعضها مطلقة ينتقل في البروج) أو على ما ذكرنا سابقا من كون انتقالها في البروج ظاهرة بينة يعرفه كل أحد، والاول أظهر كما سيظهر من كلامه عليه السلام. قوله عليه السلام (فإن الاهمال معنى واحد) يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو الدهر اللذين يجعلونهما أصحاب الاهمال مؤثرين كل منهما أمر واحد غير ذي شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الامرين المختلفين عن مثل ذلك كما مر، أو المراد أن العقل يحكم بأن مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين على قانون الحكمة لا يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم، أو المراد أن الاهمال أي عدم الحاجة إلى العلة وترجح الامر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر


(1) خسيس (خ).

[102]

واحد حاصل فيهما فلم صارت إحديهما راتبة والاخرى متنقلة ولم لم يعكس الامر ؟ والاول أظهر كما لا يخفى. قوله عليه السلام (لبطلت الدلالات) ظاهره كون الاوضاع النجومية علامات الحوادث. قوله عليه السلام (في البروج الراتبة)) يدل ظاهرا على ما أشرنا إليه من أنه عليه السلام راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الاشكال، وإن أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بطء الحركة ليصلح كون تلك الاشكال علامات للبروج ولو بقربها منها لكنه بعيد. قوله عليه السلام (والشعريين) قال الجوهري: الشعرى الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: الشعرى العبور التي في الجوزاء، والشعرى القميصاء التي في الذراع، تزعم العرب أنهما اختا سهيل (انتهى) والقفار جمع قفر وهو الخلا من الارض، وخطف البرق البصر: ذهب به. ووهج النار - بالتكسين -: توقدها، وقوله (حثيثا) أي مسرعا، وتجافى: أي لم يلزم مكانه، وبرح مكانه: زال عنه. 24 - المتهجد: في تعقيب صلاة أمير المؤمنين عليه السلام: وأسألك باسمك الذي أجريت به الفلك، فجعلته معالم شمسك وقمرك، وكتبت اسمك عليه. 25 - الدر المنثور: للسيوطي نقلا من تسعة عشر من كتبهم عن العباس ابن عبد المطلب قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فقال: هل تدرون كم بين السماء والارض ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والارض، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهن (1) وأضلافهن كما بين السماء والارض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والارض (2). 26 ومن عدة كتب بأسانيدهم عن أبي ذر ره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بين السماء والارض مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما


(1) في المصدر: بين وركهن. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 43.

[103]

بين السماء إلى التي تليها مسيرة خمسمائة عام، كذلك إلى السماء السابعة، والارضون مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك. ولو حفرتم لصاحبكم ثم دليتموه لوجدتم الله ثمة - يعني علمه - (1). 27 - وبأسانيد اخرى عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمرت سحابة فقال: أتدرون ما هذه ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذه الغيابة يسوقها الله إلى أهل بلد لا يعبدونه، ولا يشكرونه ! هل تدرون ما فوق ذلك ! قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك موج مكفوف وسقف محفوظ، هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماء اخرى، هل تدرون كم ما بينهما ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن بينهما مسيرة خمسمائة عام - حتى عدد سبع سماوات بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام - ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك العرش، فهل تدرون كم ما بينهما ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن بين ذلك كما بين السمائين ثم قال: هل تدرون ما هذه ؟ هذه أرض، هل تدرون ما تحتها ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أرض اخرى، وبينهما مسيرة خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام (2). 28 - وعن عبد الله بن عمر أنه نظر إلى السماء فقال: تبارك الله ! ما أشد بياضها، والثانية أشد بياضا منها، ثم كذلك حتى بلغ سبع سماوات، وخلق فوق السابعة الماء، وجعل فوق الماء العرش، وجعل فوق السماء الدنيا الشمس والقمر النجوم والرجوم (3). 29 - وعن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله ما هذا السماء ؟ قال: هذا موج مكفوف عنكم (4). 30 - وعن الربيع بن أنس قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة


(1 - 4) الدر المنثور: ج 1 ص 44.

[104]

بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، وما فوق ذلك صحاري من نور، وما يعلم (1) ما فوق ذلك إلا الله، و ملك موكل بالحجب يقال له (ميطاطروش) (2). 31 - وعن سلمان الفارسي - ره - قال: السماء الدنيا من زمردة خضراء اسمها (رفيعا) والثانية من فضة بيضاء واسمها (أذقلون) والثالثة من ياقوتة حمراء واسمها (قيدوم) والرابعة من درة بيضاء واسمها (ماعونا) (3) والخامسة من ذهبة حمراء واسمها ((ديقا) والسادسة من ياقوتة صفراء واسمها (دفنا) والسابة من نور واسمها (عربيا (4). 32 - وعن علي عليه السلام قال: اسم السماء الدنيا رفيع، واسم السابعة الضراح (5). 33 - وعن ابن عباس قال: سيد السماوات السماء التي فيها العرش وسيد الارضين الارض التي أنتم عليها (6). 34 - وعن الشعبي قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجحدر حين سأله عن السماء من أي شي هي فكتب إليه: إن السماء من موج مكفوف (7). 35 - وعن حبة العرني (8) قال: سمعت عليا عليه السلام ذات يوم يحلف: والذي خلق السماء من دخان وماء (9). 36 - وعن كعب قال: السماء أشد بياضا من اللبن (10). 37 - وعن سفيان الثوري قال: تحت الارضين صخرة بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء (11).


(1) في المصدر: ولا يعلم. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 44. (3) ماحونا (خ). (4 - 7) الدر المنثور: ج 1، ص 44. (8) في المصدر، عن حمة العوفى. (9 - 11) الدر المنثور: ج 1، ص 44.

[105]

38 - وعن قتادة في قوله (فسويهن سبع سماوات) قال: بعضهن فوق بعض بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام (1). 39 - وعن ابن جبير قال: إن هرقل كتب إلى معاوية وقال: إن كان بقي فيهم شئ من النبوة فسيخبروني عما أسألهم عنه، قال: وكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة. قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال: إن هذا شئ ما كنت أظن أن اسأل عنه إلى يومي هذا ! من لهذا ؟ قالوا: ابن عباس. فطوى معاوية كتاب هرقل وبعث به إلى ابن عباس فكتب إليه أن القوس أمان لاهل الارض من الغرق، والمجرة باب السماء الذي يشق منه، وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار فالبحر الذي افرج من بني إسرائيل (2). 40 - وعن أبي صالح في قوله (كانتا رتقا ففتقناهما) قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سماوات، وكانت الارض واحدة ففتق منها سبع أرضين (3). 41 - وعن الحسن وقتادة قالا: كانتا جميعا ففصل الله بينهما بهذا الهواء (4). 42 - وعن ابن جبير قال: كانت السماوات والارضون ملتزقتين، فلما رفع الله السماء وأبعدها (5) من الارض فكان فتقها الذي ذكر الله (6). 43 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (والسماء ذات الحبك) قال: حسنها واستواؤها (7). 44 - وروي عنه أيضا أنه قال: ذات البهاء والجمال، وأن بنيانها كالبرد المسلسل (8).


(1) الدر المنثور: ج 1، ص 44. (2) الدر المنثور: ج 1، ص 69. (3 و 4) الدر المنثور: ج 4، ص 317. (5) في المصدر: وابتزها. (6 - 8) الدر المنثور: ج 4، ص 317.

[106]

45 - وفي رواية اخرى عنه: ذات طرائق والخلق الحسن (1). 46 - وعن علي عليه السلام قال: هي السماء السابعة (2). 47 - وعن عكرمة: ذات الخلق الحسن محبكة بالنجوم (3). 48 - وعن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليا عليه السلام عن المجرة فقال: هي شجر (4) السماء، ومنها فتحت أبواب السماء بماء منهمر، ثم قرأ (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (5)). 49 - وعن ابن عباس في قوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال: منتهى أمره من أسفل الارضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سماوات مقداره خمسين ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة يعني بذلك ينزل (6) الامر من السماء إلى الارض ومن الارض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة، لان ما بين السماء والارض مسيرة خمسمائة عام (7). 50 - وعنه أيضا قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (8)). 51 - وعن وهب قال: مقدار ما بين أسفل الارض إلى العرش خمسون ألف سنة (9). 52 - وعن الحسن في قوله (سبع سماوات طباقا) قال: بعضهن فوق بعض


(1) الدر المنثور ج 4 ص 317. (2 و 3) الدر المنثور: ج 6، ص 112. (4) الظاهر انه مصحف (شرج) (5) الدر المنثور: ج 6، ص 134. (6) في المصدر: نزول الامر. (7 - 9) الدر المنثور: ج 6، ص 264.

[107]

كل سماء وأرض خلق وأمر (1). 53 - وعن أبى ذر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله (هل أتى على الانسان) حتى ختمها، ثم قال: إني أرى ما لاترون، وأسمع مالا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ! ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله عزوجل (2). 54 - وعن علي عليه السلام قال: السقف المرفوع السماء، والبحر المسجور بحر في السماء تحت العرش (3). بيان: قال في النهاية: الوعول والاوعال تيوس الجبل، واحدها (وعل) بكسر العين، ومنه الحديث في تفسير قوله تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قيل ثمانية أوعال أي ملائكة على صورة الاوعال (4) (انتهى). قوله (لوجدتم الله ثمة) أي نسبته سبحانه إلى العرش وتحت الثرى وجميع الاماكن متساوية من حيث عدم حصوله بذاته في شئ منها، وإحاطة علمه وقدرته بجميعها. وقال الطيبي: فيما رووا (لو دليتم بحبل إلى الارض السفلى لهبط على الله) دليتم أي أرسلتم، وعلى الله أي على علمه وقدرته وسلطانه وفي النهاية: الغيابة كل شئ أظل الانسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها (انتهى). موج مكفوف قال الطيبي: أي ممنوع من الاسترسال، حفظها الله أن تقع على الارض، وهي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف. 55 - الدر المنثور: عن علي عليه السلام في قوله (فلا اقسم بالخنس) قال: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى (5).


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 268. (2) الدر المنثور: ج 6، ص 297. (3) الدر المنثور: ج 6، 118. (4) النهاية: ج 4، ص 221. (5) الدر المنثور: ج 6، ص 320.

[108]

56 - وعن علي عليه السلام في قوله (فلا اقسم بالخنس) قال: خمسة أنجم: زحل، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزهرة، ليس في الكواكب شئ يقطع المجرة غيرها (1). 57 - وعن ابن عباس قال: الخنس نجوم تجري يقطعن المجرة كما يقطع الفرس (2). 58 - وعن ابن عباس في قوله (بالخنس الجوار الكنس) قال: هي النجوم السبعة: زحل، وبهرام، وعطارد، والمشتري، والزهرة، والشمس، والمقر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار (3). 59 - وعن الاعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقولون في قوله تعالى (والسماء ذات البروج) ذات القصور (4). 60 - وعن أبي صالح في قوله (ذات البروج) قال النجوم العظام (5). 61 - وعن جابر عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن السماء ذات البروج فقال: الكواكب. وسئل (6) (الذي جعل في السماء بروجا) فقال: الكواكب. قيل: فبروج مشيدة ؟ فقال القصور (7). 62 - وعن قتادة في قوله (والسماء ذات البروج) قال: بروجها نجومها (واليوم الموعود) قال: يوم القيامة (وشاهد ومشهود) قال: يومان عظيمان عظمهما الله من أيام الدنيا، كنا نحدث أن الشاهد يوم القيامة، وأن المشهود يوم عرفة (8). 63 - وعن الحسن في قوله (والسماء ذات البروج) قال: حبكت بالخلق الحسن ثم حبكت بالنجوم (واليوم الموعود) قال: يوم القيامة (9).


(1 و 2 و 3) الدر المنثور: ج 6، ص 320. (4 و 5) الدر المنثور: ج 6، ص 331. (6) في المصدر: وسئل عن (الذي.. (7 - 9) الدر المنثور: ج 6، ص 331.

[109]

64 - وعن مجاهد (والسماء ذات البروج) قال: ذات النجوم (وشاهد ومشهود) قال: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة (1). فائدة: اعلم أن أصحاب الهيئة قالوا: بعد مقعر فلك القمر عن مركز العالم أحد وأربعون ألفا وتسعمائة وستة وثلاثون فرسخا، وبعد محدبه الذي هو مماس لمقعر فلك عطارد بزعمهم خمسة وثمانون ألف فرسخ وسبعمائة فرسخ وثلاث فراسخ، وبعد مقعر فلك الزهرة مائتان وخمسة وسبعون ألف فرسخ وثلاثمائة وثمانون فرسخا، وبعد مقعر فلك الشمس ألف ألف فرسخ وثمانمائة [وثمان] وأربعون ألف فرسخ وثمانمائة وخمسة وثمانون فرسخا، وبعد مقعر فلك المريخ ألف ألف فرسخ وسبعة وعشرون ألف فرسخ، وتسعمائة وأربع وثلاثون فرسخا وبعد مقعر فلك المشتري أربعة آلاف ألف فرسخ وسبعمائة وسبعون ألف فرسخ وستمائة واثنان وسبعون فرسخا، وبعد مقعر فلك زحل ثلاثة وعشرون ألف ألف فرسخ وتسعمائة وأحد وتسعون ألف فرسخ ومائتان وخمسة عشر فرسخا، وبعد مقعر فلك الثوابت ثلاثة وثلاثون ألف ألف فرسخ خمسمائة ألف وتسعة آلاف فرسخ ومائة وثمانية وثمانون فرسخا، وبعد مقعر الفلك الاعلى ثلاثة وثلاثون ألف ألف فرسخ وخمسمائة وأربعة وعشرون ألف فرسخ وستمائة وتسعة فراسخ، وبعد محدب الفلك الاعلى لا يعلمه أحد إلا الرب تبارك وتعالى ومن أوحى إليه. وذكروا أن قطر القمر سبعمائة وأحد وثلاثون فرسخا، وجرمه سدس سبع جرم الارض. وقيل: جزء من تسعة وثلاثين جزء منها، وقطر العطارد مائة وتسعة فراسخ، وجرمه جزء من اثني عشر ألف جزء وسبعمائة وتسعة وستين جزء من جرم الارض، وقطر الزهرة تسعمائة فرسخ وخمسة وستون فرسخا، وجرمه ثلث تسع جرم الارض، وقيل: جزء من سبعة وثلاثين جزء من الارض، وقطر الشمس سبعة عشر ألف فرسخ وخمسمائة وثمانية وستون فرسخا، وجرمه ثلاثمائة وثمانية وعشرون ضعف جرم الارض، وقيل: مائة وستة وستون ضعفا، وقطر المريخ ثلاثة آلاف


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 331.

[110]

فرسخ وسبعمائة وخمسة وتسعون فرسخا، وجرمه ثلاثة أضعاف جرم الارض، وقيل: مثل الارض ونصفها، وقطر المشتري أربعة عشر ألف فرسخ وخمسمائة وستة وتسعون فرسخا، وجرمه مائة وثمان وثمانون ضعفا من الارض، وقيل: اثنان وثمانون ضعفا وربعا منها، وقطر زحل أربعة عشر ألف فرسخ وأربعمائة وخمسة وثلاثون فرسخا، وجرمه مائة واثنان وثمانون ضعفا من الارض، وقيل: سبع وسبعون ضعفا (1)، والكواكب الغير المرصودة لا يعلم عددها إلا الله تعالى وحججه عليهم السلام، و وما رصدوا منها ألف واثنان وعشرون كوكبا (2)، فأعظمها على ما ذكره بعضهم ثمانية وتسعون ضعفا للارض وسدسها، وأصغرها عشرة أضعاف وثلاث من الارض وعلى ما ذكره آخرون: أعظمها مائتان واثنان وعشرون ضعفا من الارض، وأصغرها ثلاثة وعشرون ضعفا منها، ورتبوا أقدارها المختلفة في ست مراتب ينقص كل مرتبة عن صاحبتها في القطر بسدس، فاوليها أعظمها وفيها خمسة عشر كوكبا، وفي الثانية خمسة وأربعون، وفي الثالثة مائتان وثمانية، وفي الرابعة أربعمائة وأربعة وسبعون وفي الخامسة مائتان وسبعة عشر، وفي السادسة تسعة وأربعون، وأربعة عشر خارجة عن المراتب، تسعة خفية تسمى مظلمة، وخمسة سحابية كأنها قطعة غيم، وقد


(1) قطر القمر عند اصحاب الهيئة الجديدة خمسمائة وتسعة وسبعون فرسخا، وجرمه سبع سبع جرم الارض، وقطر عطارد ثمانمائة وخمسة فراسخ وجرمه جزء من اربعة وعشرين جزء من جرم الارض، وقطر الزهرة ألفان وستة عشر فرسخا وجرمها تسعة اعشار جرم الارض، وقطر المريخ الف ومائتا فرسخ وجرمه عشر جرم الارض، وقطر المشترى احد عشر الف فرسخ وخمسمائة فرسخ وجرمه اكثر من جرم الارض بالف وثلاثمائة ضعف جرمها وهو اكبر السيارات وقطر زحل عشرة آلاف فرسخ وجرمه أكثر من جرم الارض بتسعمائة وخمسين ضعف جرمها، كل ذلك بالتقريب، ولاجل ما يقع من المسامحة في امثال تلك المحاسبات يحصل اختلافات كثيرة في تعيين المقادير، ولذلك ذكروا في تعيين الاقطار والابعاد اعدادا تختلف مع ما ذكرنا بكثير. (2) ما يمكن رؤيته بلا آلة يقرب من ستة آلاف كوكب، ويمكن رؤية ألفين منها تقريبا في ليلة واحدة، واما ما يرى المكبرات العظيمة فتبلغ مئات مليون واما ما لم ير بعد فلا يعلم عدده الا الله تعالى أو من علمه من لدنه.

[111]

يزاد ثلاثة تسمى (صفيرة) ثم توهموا لتعريف هذه الكواكب صورا تكون هي عليها، أو فيما بينها، أو بقربها، والصور ثمانية وأربعون: إحدى وعشرون في الشمال واثنتا عشرة على المنطقة، وهي صور البروج المشهورة، وخمس عشرة في الجنوب. هذا ما ذكروه واستنبطوه من قواعدهم والله تعالى يعلم حقائق الامور. وقال بعضهم: يسير الفلك الاعظم بمقدار ما يقول أحد (واحد) ألفا وسبعمائة واثنين وثلاثين فرسخا من مقعره، والله تعالى يعلم ما يسير من محدبه ! وهو أسرع الحركات، وحركته من المشرق إلى المغرب، ويتم في يوم بليلته دورا بالتقريب، و قطباه يسميان بقطبي العالم، ومنطقته تسمى بمعدل النهار، وهي تقطع العالم بنصفين: شمالي، وجنوبي، والصغار الموازية المرتسمة من تحرك النقاط عن جنبتيها تسمى بالمدارات اليومية، وسائر الحركات الخاصة للكواكب من المغرب إلى المشرق على توالي البروج وأبطأها حركة فلك الثوابت، ويوافقه جميع الممثلات، ويقطع في كل خمسة وعشرين ألفا ومأتي سنة دورا، ويقطع في كل سنة عشرة فراسخ، ومع ذلك لا ترى حركتها في قريب من خمسين سنة، بل ترى في تلك المدة كأنها ساكنة وقطباه يسميان بقطبي البروج، ومنطقته بمنطقة البروج وفلك البروج، وهي تقطع المعدل على نقطتين تسميان بالاعتدالين: الربيعي والخريفي، وأبعد أجزائها عنه بالانقلابين الصيفي والشتوي، وغاية هذين البعدين من الجانب الاقرب تسمى بالميل الكلي، وهو بالرصد الجديد ثلاثة وعشرون جزء وثلاثون دقيقة، وتنقسم منطقة البروج بهذه النقاط الاربع أرباعا قطع الشمس لكل منها أحد الفصول الاربعة، ولها دوائر صغار كالاولى التي تسمى بمدارات العرض، وتوهموا في كل ربع من تلك الارباع نقطتين انقسم بها بثلاثة أقسام متساوية فحصلت البروج الاثنا عشر، فالحمل والثور والجوزاء ربيعية، والسرطان والاسد والسنبلة صيفية، والميزان والعقرب والقوس خريفية، والجدي والدلو والحوت شتوية، فتحصل بالحركة الخاصة للشمس في هذه البروج، الفصول الاربعة في كل سنة، والقمر يقطع تلك البروج في سبعة وعشرين يوما وليلة وثلث

[112]

تقريبا، والعطارد والزهرة يقطعانها في سنة تقريبا، والمريخ يقطعها في سنة وعشرة أشهر وأحد وعشرين يوما وليلة واثنتين وعشرين ساعة وخمسين دقيقة، والمشتري يقطعها في إحدى عشرة سنة وشهرين وثلاثة عشر يوما وليلة وإحدى عشرة ساعة وتسع دقائق وقال المحقق الطوسي - ره - في اثنتي عشرة سنة تقريبا، وزحل يقطعها في ثلاثين سنة، ويقال للشمس والقمر (النيران) ولزحل والمشتري (العلويان) ولعطارد والزهرة (السفليان) وللمشتري والزهرة (السعدان) ولزحل والمريخ (النحسان). ثم إن القدماء قالوا: كل واحد من أفلاك الكواكب السبعة يشتمل على أفلاك اخر جزئية مفروزة عن كلها متحركة بحركة اخرى غير حركة الكل وذلك لانه يعرض لها في حركاتها السرعة والبطء والتوسط بينهما، وكذا الوقوف والرجوع والاستقامة، وقد تكون حركة بعضها متشابهة حول نقطة، أي يحدث عندها في أزمنة متساوية زوايا متساوية وقسيا (1) متساوية، مع أنه يقر ب منها تارة ويبعد عنها اخرى إلى غير ذلك من الاختلافات، فأثبتوا الفلك الشمس فلكا آخر شاملا للارض، مركزه خارج عن مركز العالم مائل إلى جانب من الفلك الكلي لها بحيث يماس محدب سطحيه السطح الاعلى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما تسمى (الاوج) ومقعر سطحيه السطح الادنى منه على نقطة مشتركة تسمى (الحضيض) فيحصل بسبب ذلك جسمان متدرجا الثخن إلى غاية هي ضعف ما بين المركزين أحدهما حاو للفلك الخارج المركز، والآخر محوي، فيه رقة الحاوي مما يلي الاوج، وغلظه مما يلي الحضيض، ورقة المحوي وغلظه بالعكس يقال لكل منهما (المتمم) وجرم الشمس مركوز في ثخن الخارج عند منتصف ما بين قطبيه مماس لسطحيه على نقطتين، وأفلاك كل من الكواكب العلوية والزهرة


(1) القسى - بكسر القاف والسين وتشديد الياء -: جمع (قوس) على فعول، فنقلت الواو إلى موضع السين وابدلت ياء ثم ابدلت واو الجمع ياء وادغمت فيها وكسرت القاف والسين لمناسبتها.

[113]

كذلك، إلا أن لها تداوير مركوزة في خوارجها كارتكاز الشمس وهي فيها يماس سطح كل سطح تدويره على نقطة، وكذلك فلك القمر إلا أن له فلكا آخر مركزه مركز العالم محيطا بالكل يسمى بالجوزهر، وأما عطارد فمركز فلكه الذي في ثخنه الخارج غير مركز العالم ويسمى بالمدير، وهو في ثخن فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم كالخارج في ثخنه على الرسم المذكور، فله خارجان وأوجان وحضيضان وأربعة متممات. وتسمى الافلاك الكلية بالممثلات لمماثلتها لمنطقة البروج في المركز والحركة والمنطقة والقطبين، وتسمى الخوارج المراكز كلها سوى المدير بالحوامل، وتسمى البعد الابعد في التداوير بالذروة، والاقرب بالحضيض. هذا ما ذكره القدماء في ذلك، وأما المتأخرون فزادوا أفلاكا جزئية اخرى لحل بعض ما لا ينحل من مشكلات هذا الفن لم نتعرض لها ولا لذكر جهات حركات هذه الافلاك ومقاديرها وأقطابها ودوائرها ومناطقها المذكورة في كتب القوم، لانها لا تناسب هذا الكتاب، وكل ما ذكروه مبنية على أوهام و خيالات يستقيم بعض الحركات بها، وتحيروا في كثير منها، ولا يعلمها بحقيقتها إلا خالقها ومن خصه بعلمها من الانبياء والاوصياء عليهم السلام. 9. (باب) * (الشمس والقمر وأحوالهما وصفاتهما والليل والنهار) * * (وما يتعلق بهما) * الآيات: البقرة: يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج (1). آل عمران: تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل (2).


(1) البقرة: 189. (2) آل عمران: 27.

[114]

الانعام: فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (1). الاعراف: يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره (2). يونس: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والارض لآيات لقوم يتقون (3). وقال تعالى: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (4). الرعد: وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى إلى قوله يغشي الليل النهار (5). ابراهيم: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (6). النحل: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك الآيات لقوم يعقلون (7). الاسراء: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا (8).


(1) الانعام: 96. (2) الاعراف: 54. (3) يونس: 5 و 6. (4) يونس: 67. (5) الرعد: 2 و 3. (6) ابراهيم: 33. (7) النحل: 12. (8) الاسراء: 12.

[115]

الكهف: حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما إلى قوله تعالى حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (1). الانبياء: وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (2). الحج: ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (3). المؤمنون: وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (4). النور: يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار (5). الفرقان: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (6) وقال سبحانه: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا * وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (7). النمل: أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر (8) وقال تعالى: ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكن وفيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (9).


(1) الكهف: 86 - 90. (2) الانبياء: 33. (3) الحج: 61. (4) المؤمنون: 80. (5) النور: 44. (6) الفرقان: 45 و 46 و 47. (7) الفرقان: 61 و 62. (8) النمل: 63. (9) النمل: 86.

[116]

القصص: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (1). العنكبوت: ولئن سئلتهم من خلق السماوات والارض وسخر الشمس و القمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (2). الروم: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله (3). لقمان: ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (4). فاطر: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك (5). يس: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (6). الصافات: ورب المشارق (7). الزمر: خلق السماوات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور


(1) القصص: 71 - 73. (2) العنكبوت: 61. (3) الروم: 23. (4) لقمان: 29. (5) فاطر: 13. (6) يس: 37. (7) الصافات: 5.

[117]

النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (1). المؤمن: الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر لا يشكرون (2). السجدة: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (3). الرحمن: الشمس والقمر بحسبان (4) وقال تعالى: رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان (5). الحديد: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل (6). المعارج: فلا اقسم برب المشارق والمغارب (7). نوح: وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (8). المدثر: كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر * إنها لاحدى الكبر (9). النبأ: وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا (10).


(1) الزمر: 5. (2) المؤمن: 61. (3) فصلت: 27. (4) الرحمن: 5. (5) الرحمن: 17 و 18. (6) الحديد: 6. (7) المعارج: 40. (8) نوح: 16. (9) المدثر: 32 - 35. (10) النبأ: 9 - 13.

[118]

التكوير: إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت إلى قوله تعالى والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس (1). الفجر: والفجر وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر (2). الشمس: والشمس وضحيها * والقمر إذا تليها * والنهار إذا جليها * و الليل إذا يغشيها (3). الضحى: والضحى والليل إذا سجى (4). الفلق: قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب (5). تفسير: (يسئلونك عن الاهلة) قال البيضاوي: سأله معاذ بن جبل وثعلبة ابن غنم فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ؟ فنزلت (قل هي مواقيت للناس والحج) إنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن يكون معالم للناس يواقتون بها امورهم، ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها، وخصوصا الحج، فإن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء والمواقيت جمع ميقات من الوقت (6). وقال في قوله تعالى (تولج الليل في النهار) إيلاج الليل والنهار إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص (7). وقال في قوله تعالى (فالق الاصباح) شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الاصباح وهو الغبش الذي يليه، والاصباح في الاصل مصدر


(1) التكوير: 1 - 18. (2) الفجر: 41. (3) الشمس: 41. (4) الضحى: 1. (5) الفلق: 3 1. (6) انوار التنزيل: ج 1، ص 140. (7) انوار التنزيل: ج 1، ص 200.

[119]

(أصبح) إذا دخل في الصبح (1) سمي به الصبح. وقرئ بفتح الهمزة على الجمع (وجاعل الليل سكنا) يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، من (سكن إليه) إذا اطمأن إليه استئناسا به، أو يسكن فيه الخلق من قوله (لتسكنوا فيه) ونصبه بفعل دل عليه (جاعل) لابه، فإنه في معنى الماضي، ويدل عليه قراءة الكوفيين (وجعل الليل) حملا على معنى المعطوف عليه، فإن فالق بمعنى فلق فلذلك قرئ به، أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الازمنة المختلفة، وعلى هذا يجوز أن يكون (والشمس والقمر) عطفا على محل الليل ويشهد له قراءتهما بالجر، و الاحسن نصبهما بجعل مقدر، وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان (حسبانا) أي على أدوار مختلفة تحسب بها الاوقات ويكونان علمي الحساب وهو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر وقيل: جمع حساب كشهاب وشهبان. (ذلك) إشارة إلى جعلهما حسبانا أي ذلك السير بالحساب المعلوم (تقدير العزيز) الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص (العليم) بتدبيرهما والانفع من التداوير الممكنة لهما (2). وفي قوله تعالى (يغشي الليل النهار) يغطيه به، ولم يذكر عكسه للعلم به أو لان اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ (يغشي الليل النهار) بنصب الليل ورفع النهار، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد وفي الرعد للدلالة على التكرير (يطلبه حثيثا) يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شئ والحثيث: فعيل من الحث، وهو صفة مصدر محذوف، أو حال من الفاعل بمعنى حاثا، أو المفعول بمعنى محثوثا. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي بقضائه وتصريفه، ونصبها بالعطف على السماوات ونصب مسخرات على الحال وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر (3) (انتهى).


(1) في المصدر: في الصباح. (2) انوار التنزيل: ج 1 ص 392. (3) انوار التنزيل: ج 1 ص 425.

[120]

وقال الرازي في قوله سبحانه (يطلبه حثيثا): اعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة، وذلك هو الحق لان تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الاعظم (1) وتلك الحركة أشد الحركات سرعة وأكملها شدة، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات قالوا الانسان إذا كان في العدو الشديد الكامل فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الاعظم ثلاثة آلاف ميل وإذا كان الامر كذلك كانت تلك الحركة في غاية السرعة والشدة، فلهذا السبب قال تعالى (يطلبه حثيثا) ثم قال: في هذه الآية لطائف فالاولى أن الشمس لها نوعان من الحركة: أحدهما حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة، وبسبب هذه الحركة تحصل السنة، والثاني حركتها بسبب حركة الفلك الاعظم، وهذه الحركة تتم في اليوم بليلته، إذا عرفت هذا فنقول: الليل والنهار لا يحصلان بسبب حركة الشمس بل بحركة السماء الاقصى التي يقال لها العرش، ولهذا السبب لما ذكر العرش بقوله (ثم استوى على العرش) ربط به قوله (يغشي الليل النهار) تنبيها على أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الاقصى لا حركة الشمس و القمر. والثانية: أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السماوات قال (فقضيهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها) فدلت تلك الآلة على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الامر، ثم قال بعده (ألاله الخلق والامر) وهو إشارة إلى أن كل ما سوى الله إما من عالم الخلق أو من عالم الامر، أما الذي هو من عالم الخلق فالخلق عبارة عن التقدير وكل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين فكان من عالم الخلق، وكل ما كان بريئا عن الحجمية والمقدار كان من عالم الارواح ومن عالم الامر، فدل على أنه سبحانه خص كل واحد من أجرام الافلاك والكواكب التي هي من عالم الخلق بملك


(1) هذا مبنى على الفرضية البطلميوسية، واما على رأى فيثاغورس وأصحابه وكذا على ما ثبت في الهيئة الحديثة فالليل والنهار انما يحصلان بسبب حركة الارض الوضعية.

[121]

من الملائكة وهم من عالم الامر، والاحاديث الصحيحة مطابقة لذلك، وهي ما روي من (1) الاخبار أن لله ملائكة يحركون الشمس والقمر عند الطلوع والغروب (2) وكذا القول في سائر الكواكب، وأيضا قوله سبحانه (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) إشارة إلى أن الملائكة الذين يقومون بحفظ العرش ثمانية، ثم إذا دققت النظر قلت (3) إن عالم الخلق في تسخير الله، وعالم الامر في تدبير الله، و استيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله، فلهذا المعنى قال (ألاله الخلق والامر). ثم كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره يحتمل وجوها: أحدها: أنا قد دللنا أن الاجسام متماثلة، ومتى كان كذلك كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي لابد وأن يكون لاجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات، فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص عن قدرة المدير الحكيم. وثانيها: أن يقال إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيرا خاصا بطيئا من المشرق إلى المغرب وسيرا آخر سريعا بسبب حركة الفلك الاعظم فالحق سبحانه خص جرم الفلك الاعظم بقوة زائدة (4) على أجرام سائر الافلاك باعتبارها صارت مستولية عليها قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب، فأجرام الافلاك والكواب صارت كالمسخرة لهذا القهر و القسر (5).


(1) في المصدر: في الاخبار. (2) في المصدر: وعند الغروب. (3) في المصدر: علمت. (4) في المصدر: بقوة سارية في اجرام. (5) مفاتيح الغيب: ج 4، ص 338.

[122]

أقول: ثم ذكر وجوها اخرى لا طائل تحتها، وفيما نقل عنه أيضا مخالفات لاصول المسلمين ومناقشات لا يخفى على المتدبرين. (هو الذي جعل الشمس ضياء) قال البيضاوي: أي ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو جمع ضوء كسياط وسوط، والياء فيه منقلبة عن الواو، وعن ابن كثير (ضئاء) بهمزتين في كل القرآن على القلب بتقديم اللام على العين (والقمر نورا) أي ذانور، أو سمي نورا للمبالغة وهو أعم من الضوء، وقيل: ما بالذات ضوء و ما بالعرض نور، وقد نبه سبحانه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة بذاتها (1) و القمر نيرا بعرض مقابلة الشمس (2) (وقدره منازل) الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدره ذا منازل، أو للقمر، وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله (3) بقوله (لتعلموا عدد السنين والحساب) أي حساب الاوقات من الاشهر والايام في معاملاتكم و تصرفاتكم (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) إلا متلبسا بالحق مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة (يفصل الآيات لقوم يعلمون) فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها (4) (انتهى). (إن في اختلاف الليل والنهار) أي مجيئ كل منهما خلف الآخر، أو اختلافهما بالزيادة والنقصان المستلزم لحصول الفصول الاربعة (وما خلق الله في السماوات والارض)) أي من الكواكب والملائكة والمواليد وأنواع الارزاق و النعم (لآيات) أي دلالات على وجود الصانع تعالى وعلمه وقدرته وحكمته و لطفه ورحمته (لقوم يتقون) الشرك والمعاصي، فإنهم المنتفعون بها. (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) أي لسكونكم وراحتكم وراحة قواكم من التعب


(1) في المصدر: في ذاتها. (2) في المصدر: مقابلة الشمس والاكتساب منها. (3) في المصدر: علل. (4) انوار التنزيل: ج 1، ص 529.

[123]

والكلال (والنهار مبصرا) أي مضيئا تبصرون فيه، ونسبة الابصار إليه على المجاز (لقوم يسمعون) أي الحجج سماع تدبر وتعقل. (وسخر الشمس والقمر) قال الرازي: هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة: الاول الاستدلال على وجود الصانع القادر بحركات هذه الاجرام، وذلك لان الاجسام متماثلة فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لابد له من مخصص، وأيضا إن كل واحد من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضا من مخصص وأيضا تقدير تلك الحركات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها ودوراتها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلابد فيه من مقدر، وبعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها إلى الجنوب وهذا أيضا لايتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة. والنوع الثاني قوله (كل يجري لاجل مسمى) وفيه قولان الاول قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك (1) في ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة اخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة (2) اخرى، وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا فالمراد بقوله (كل يجري لاجل مسمى) هذا. والثانى كونهما متحركين إلى يوم القيامة وعنده تنقطع تلك الحركات. وقال في قوله تعالى (دائبين): معنى الدؤوب في اللغة مرور الشئ في العمل على عادة مطردة. قال المفسرون: معناه يد أبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإن الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل ولو لا الشمس لما حصلت الفصول الاربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية (4). وقال في قوله (وجعلنا الليل والنهار آيتين): فيه قولان


(1) في المصدر: وذلك يتم في ستة اشهر. (2) في المصدر: اشهر اخرى. (3) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 261 ملخصا. (4) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 355.

[124]

الاول أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار والمعنى أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا، أما في الدين فلان كل واحد منهما مضاد للآخر معاندله (1) فكونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتيهما بل لابد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة، وأما في الدنيا فلان مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة، ولو لا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش، ثم قال تعالى (فمحونا آية الليل) فعلى هذا القول تكون الاضافة للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. الثاني أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر فمحونا آية الليل وهي القمر، وفي تفسير محوا القمر قولان: الاول المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور فيبدو في أول الامر في صورة الهلال ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا وذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق، والثاني أن المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه، يروي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبرئيل فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء، ومعنى المحو في اللغة إذهاب الاثر. وأقول: حمل المحو على الوجه الاول أولى لقوله (لتبتغوا فضلا من ربكم الآية) لان المحو إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله إذا حملناه على زيادة نور القمر ونقصانه، لان بسبب حصول هذه الحالة تختلف أحوال نور القمر وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحها، مثل أحوال البحار في المد والجزر، ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الاطباء في كتبهم. وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه تحصل الشهور، وبسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربية المبتنية على رؤية الاهلة كما قال (ولتعلموا عدد السنين والحساب) وأقول أيضا لو حملنا المحو على


(1) في المصدر: مغائر له مع كونهما.

[125]

الكلف الحاصل في وجه القمر فهو أيضا برهان قاطع على صحة قول المسلمين في المبدء والمعاد، أما دلالته على صحة قولهم في المبدء فلان جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة فوجب أن يكون متشابه الصفات، فحصول الاحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة بل لاجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي وبعض أجزائه بالنور الضعيف، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات. وآخر (1) ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الافلاك، فلما كانت تلك الاجرام أقل ضوءا من جرم القمر لاجرم شوهدت تلك الاجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الانسان. وهذا لا يفيد مقصود الخصم لان جرم القمر لما كان متشابه الاجزاء فلم ارتكزت تلك الاجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الاجزاء، وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب وذلك لان الفلك جرم بسيط متشابه الاجزاء فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب، وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكواكب بذلك الموضع المعين من الفلك لاجل تخصيص الفاعل المختار الحكيم. وأما قوله (وجعلنا آية النهار مبصرة) ففيه وجهان: الاول أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة، وذلك لان الاضاءة سبب لحصول الابصار، فاطلق اسم الابصار على الاضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب. والثانى قال أبو عبيدة: يقال قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه، كقوله (رجل مخبث) إذا كان أصحابه خبثاء، و (رجل مضغف) إذا كان دوابه (1) ضغافا، فكذا قوله (والنهار مبصرا) أي أهله بصراء (لتبتغوا فضلا من ربكم) أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم (ولتعلموا عدد السنين والحساب) أعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب: الساعات


(1) في المصدر: واحسن. (2) في المصدر: إذا كان ذراريه صغافا.

[126]

والايام، والشهور، والسنون. فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين وهي الشهور والايام والساعات، وبعد هذه المراتب الاربعة لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمات، والالوف وليس بعدها إلا التكرار (1). (وكل شئ فصلناه تفصيلا) أي كل شئ بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم فصلنا وشرحنا. وقال في قوله سبحانه (وجدها تغرب في عين حمئة) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (في عين حامية) بالالف من غير همزة أي حارة. وعن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على جمل، فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه ؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تغرب في عين حامئة وهي قراءة ابن مسعود وطلحة، وأبو عمرو والباقون (حمئة) وهي قراءة ابن عباس. واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية (حامية) فقال ابن عباس: حمئة، فقال معاوية لعبدالله بن عمر: كيف تقرء ؟ فقال: كما يقرء أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الاحبار وسأله كيف تجد الشمس تغرب ؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التورية. والحمئة ما فيه حمأة سوداء. واعلم أنه لا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن يكون الماء جامعا للوصفين (2). ثم اعلم أنه ثبت بالدليل أن الارض كرة، وأن السماء محيطة بها ولاشك أن الشمس في الفلك. وأيضا قال: (وجد عندها قوما) ومعلوما أن جلوس القوم (3) في قرن الشمس غير موجود، وأيضا فالشمس أكبر من الارض مرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الارض ؟ ! إذا ثبت هذا فنقول: في تأويله وجوه: الاول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعا ما في المغرب لم يبق بعده شئ من


(1) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 555. (2) في المصدر: البحث الثاني. (3) في المصدر: جلوس قوم في قرب الشمس.

[127]

العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغرب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، ذكره الجبائي. الثاني: أن بالجانب الغربي من الارض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولاشك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وهي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الباه وهي الحمأة السوداء، فقوله (تغرب في عين حمئة) إشارة إلى أن الجانب الغربي من الارض قد أحاط البحر به، وهو موضع شديد السخونة. الثالث: قال أهل الاخبار إن الشمس تغرب في عين حمئه كثيرة الحاء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك أنا إذا رصدنا كسوفا قمريا ورأينا أهل المغرب قالوا حصل هذا الكسوف أول الليل. رأينا أهل المشرق قالوا حصل في أول النهار فعلمنا أن ما هو أول الليل عند أهل المغرب فهو أول النهار عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر ووقت الضحوة في بلد ثالث ووقت طلوع الشمس في بلد رابع ونصف الليل في بلد الخامس، وإذا كانت هذه الاحوال معلومة بعد الاستقراء والاختبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الاوقات كان الذي يقال إنها تغيب في الطين والحمأه كلاما على خلاف اليقين، وكلام الله مبرأ عن البهمة (1) فلم يبق إلا أن يضاف (2) إلى التأويل الذي ذكرنا، والضمير في قوله (عندها)) عائد إلى الشمس لان الانسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك فكان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس، أو عائد إلى العين (3). وقال في قوله (وجدها تطلع) أي وجد الشمس تطلع (على قوم لم نجعل


(1) في المصدر: عن هذه التهمة. (2) في المصدر: (الا أن يصار) وهو الظاهر. (3) مفاتيح الغيب: ج 5: ص 745. (*)

[128]

لهم من دونها سترا) فيه قولان: الاول أنه شاطئ بحر لاجبل ولا شئ يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم، فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب وأغلة في الارض أو غاصوا في الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش، وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش، وحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق. والقول الثاني: أن معناه لاثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا وفي كتب الهيئة أن حال أكثر الزنج كذلك، وحال كل من سكن البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك، وذكر في كتب التفسير أن بعضهم قال: سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش إحدى اذنيه ويلبس الاخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كيهئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلوا في سربالهم (1)، فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج (2). (كل في فلك) أي كل منهما أو مع النجوم بقرينة الجمع في فلك واحد أو كل واحد منهما أو منها في فلك عليحدة (يسبحون) أي يجرون. قال الرازي: لا يجوز أن يقول كل في فلك يسبحون إلا ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع والكل (3). ثم قال: الفلك في كلام العرب كل شئ دائر (وجمعه أفلاك) واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم، وهو قول الضحاك، وقال الاكثرون بل هي أجسام تدور النجوم عليها وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبي: ماء


(1) السربال: القميص أو كل ما يلبس. (2) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 755، نقلا بالمعنى. (3) في المصدر: ومعنى الكل.

[129]

مكفوف (1) أي مجموع تجري فيه الكواكب، واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. قلنا: لا نسلم، فإنه يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري (سابح) وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إنها أجرام صلبة لاخفيفة ولا ثقيلة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول. والحق أنه لاسبيل إلى معرفة السماوات إلا بالخبر. واختلف الناس في حركات الكواكب، والوجوه الممكنة فيها ثلاثة: فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمكة في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه أيضا، إما مخالفا لجهة حركته أو موافقا لجهته، إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب ساكنة، أما الرأي الاول فقالت الفلاسفة إنه باطل لانه يوجب خرق الفلك (2) وهو محال عندهم وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضا يوجب الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضا لازم لان الكواكب تتحرك بسبب حركته فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكواكب مغروزا في الفلك واقفا فيه، والفلك يتحرك، فيتحرك الكواكب (3) بسبب حركة الفلك. واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الافلاك وهو باطل، بل الحق أن الاقسام الثلاثة ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات، والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الافلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء. واحتج (ابن سينا) على أن الكواكب أحياء ناطقة بقوله (يسبحون) فإن الجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)


(1) في المصدر: ماء مجموع تجرى.. (2) في المصدر: الافلاك. (3) الكوكب (خ).

[130]

والجواب: إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة. فان قلت: لكل واحد من القمرين فلك عليحدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك ؟ قلت هذا كقوله (كساهم الامير حلة وقلدهم سيفا) أي كل واحد منهم (1). (وله اختلاف الليل والنهار) قال البيضاوي: أي ويختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره، فيكون ردا لنسبته إلى الشمس حقيقة أو مجازا أو لامره وقضائه تعاقبهما أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر (2). وفي قوله سبحانه (يقلب الله الليل والنهار) بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور، أو ما يعم (3) ذلك (إن في ذلك) فيما تقدم ذكره (لعبرة لاولي الابصار) لدلالته (4) على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيته وتنزهه على الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة (5). قوله تعالى (ألم تر إلى ربك) أقول: للعلماء في تأيل هذه الآية مسالك: الاول ألم تنظر إلى صنع ربك كيف بسطه، أو ألم تنظر إلى الظل كيف بسطه ربك فغير النظم إشعارا بأن المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الاحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الهواء ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فقال (وظل ممدود (6). (ولو شاء لجعله ساكنا) أي ثابتا من السكنى، أو غير


(1) مفاتيح الغيب: ج 6، ص 145 - 150. نقلا بالمعنى مع التلخيص. (2) انوار التنزيل: ج 2 ص 126. (3) في المصدر: بما يعم. (4) في المصدر: لدلالة - بفتح اللام -. (5) انوار التنزيل: ج 2، 147. (6) الواقعة: 30 (*).

[131]

متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الاجرام إذ لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها (ثم قبضناه إلينا) أي أزلناه بإيقاع الشعاع موقعه (قبضا يسيرا) أي قليلا قليلا حسب ما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و (ثم) في الموضعين لتفاضل الامور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها. الثاني أن المعنى مد الظل لما بنى السماء بلا نيرودحا الارض تحتها وألقت عليها ظلها (ولو شاء لجعله ثابتا) على تلك الحال، ثم خلق الشمس عليه دليلا أي مسلطا عليهم مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) شيئا فشيئا إلى أن ينتهى نقصانه، أو قبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الاجرام المظلة والمظل عليها. وهذان الوجهان ذكرهما البيضاوي وغيره من المفسرين. الثالث: أن يكون المراد بالظل الروح كما يطلق عالم الظلال على عالم الارواح لانها تابعة للبدن كاظل، أو لكونها أجساما لطيفة، أو لتجردها إن قيل به (ولو شاء لجعله ساكنا) بعدم تعلقها بالاجساد، والمراد بالشمس شمس عالم الوجود وهو الرب تعالى لانه دليل الممكنات إلى الوجود وسائر الكمالات، و قبضه عبارة عن قبض الروح شيئا فشيئا إلى أن يموت الشخص، وفي قوله (ثم جعلنا الشمس) نوع التفاوت. الرابع: أن يراد بالظل الانبياء والاوصياء عليهم السلام فإنهم ظلاله سبحانه لكونهم تابعين لارادته متخلقين بأخلاقه، وكونهم ظلال رحمته على عباده (ولو شاء لجعله ساكنا) أي لم يبعثهم إلى الخلق (ثم جعلنا الشمس) أي شمس الوجود (عليه دليلا) أي لهم دليلا، هاديا لهم إلى كمالاتهم، وقبضه جذبهم إلى عالم القدس. الخامس: أن يكون المراد بالظلال الاعيان الثابتة والحقائق الامكانية على مذاق الصوفية، ومدها عبارة عن الفيض الاقدس بزعمهم، أي جعل الماهيات

[132]

ماهيات، والشمس عبارة عن الفيض المقدس وهو إفاضة الوجود، والقبض اليسير بزعمهم إشارة إلى تجدد الامثال وإعدام كل شئ وإيجاده في كل آن، وبه أو لوا قوله سبحانه (بل هم في لبس من خلق جديد (1)) أيضا، وربما يحمل الظل على عالم المثال كما هو ذوق المتألهين من الحكماء، وهذه احتمالات في هذه الآية التي هي من المتشابهات وما يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم. وفسر علي بن إبراهيم الظل بما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (2). (وهو الذي جعل الليل لباسا) قال الطبرسي ره: أي غطاء ساترا للاشياء بالظلام كاللباس الذي يشتمل على لابسه، فالله سبحانه ألبسنا الليل وغشانا به لنسكن فيه ونستريح عن كد الاعمال (والنوم سباتا) أي راحة لابدانكم وقطعا لاعمالكم قال الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه (وجعل النهار نشورا) لانتشار الروح باليقظة فيه، مأخوذ من نشور البعث، وقيل: لان الناس ينتشرون فيه لطلب حوائجهم ومعايشهم، فالنشور بمعنى التفرق لابتغاء الرزق عن ابن عباس. (تبارك) تفاعل من البركة، معناه: عظمت بركاته وكثرت عن ابن عباس والبركة: الكثرة من الخير، وقيل: معناه تقدس وجل بما لم يزل عليه من الصفات ولا يزال كذلك فلا يشاركه فيها غيره، وأصله من بروك الطير فكأنه قال: ثبت ودام فيما لا يزل ولا يزال، عن جماعة من المفسرين. وقيل: معناه قام بكل بركة وجاء بكل بركة (3). ((الذي جعل في السماء بروجا) يريد منازل النجوم السبعة السيارة، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والاسد، و السنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. وقيل: هي النجوم الكبار، وسميت بروجا لظهورها. (وجعل فيها سراجا) أي وخلق


(1) ق: 15. (2) تفسير القمى: 466. (3) مجمع البيان: ج 7، ص 160.

[133]

في السماء شمسا، ومن قرأ (سرجا) أراد الشمس والكواكب معها (وقمرا منيرا) أي مضيئا بالليل إذا لم تكن شمس (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) أي يخلف كل واحد منهما صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته عمل الليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل النهار استدركه بالليل، وهو قوله (لمن أراد أن يذكر) روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقضى صلوة (1) الليل بالنهار. وقيل: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه، فجعل أحدهما أسود والآخر أبيض (لمن أراد أن يذكر) أي يتفكر ويستدل بذلك على أن لهما مدبرا ومصرفا لا يشبههما ولا يشبهانه فيوجه العبادة إليه (أو أراد شكورا) أي أراد شكر نعمة ربه عليه فيهما، وعلى القول الاول فمعناه: أراد النافلة بعد أداء الفريضة (2). (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) قال البيضاوي: بالنجوم وعلامات الارض، والظلمات ظلمات الليالي، والاضافة (3) إلى البر والبحر للملابسة أو مشتبهات الطرق، يقال (طريقة ظلماء وعمياء) للتي لامنار بها (4). (ليسكنوا فيه) بالنوم والقرار (والنهار مبصرا) أصله ليبصروا فيه فبولغ فيه بجعل الابصار حالا من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفك عنها (5). (سرمدا) أي دائما، من السرد وهو المتابعة، والميم كميم (دلامص) (إلى يوم القيامة) بإسكان الشمس تحت الارض أو تحريكها حول (6) الافق الغائر (من إله غير الله يأتيكم بضياء) كان حقه هل إله فذكر بمن على زعمهم أن غيره آلهة (أفلا تسمعون) سماع تدبر واستبصار. (إن جعل الله عليكم النهار سرمدا)


(1) في المجمع: يقضى صلوة النهار بالليل وصلوة الليل بالنهار. (2) مجمع البيان: ج 7، ص 178. (3) في المصدر: وأضافها. (4) انوار التنزيل: ج 2، ص 203. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 207. (6) في المصدر: فوق الافق.

[134]

بإسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الافق (بليل تسكنون فيه) استراحة عن متاعب الاشغال، ولعله لم يصف الضياء بما يقابله لان الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل، ولان منافع الضوء أكثر مما يقابله، و لذلك قرن به (أفلا تسمعون) وبالليل (أفلا تبصرون) لان استفادة العقل من السمع أكثر من استفادة من البصر (لتسكنوا فيه) أي في الليل (ولتبتغوا من فضله) أي بالنهار بأنواع المكاسب (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها (1). (ولئن سألتهم) المسؤول عنهم أهل مكة (ليقولن الله) لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود (2). (ومن آياته منامكن بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وقوة القوى الطبيعية وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه (3) (كل يجري) أي كل من النيرين يجري في فلكه (إلى أجل مسمى) أي إلى منتهى معلوم، الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهور، وقيل: إلى يوم القيامة (4). وقال في قوله (لاجل مسمى) مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة (5). (نسلخ منه النهار) أي نزيله ونكشفه عن مكانه، مستعار من سلخ الجلد (فإذاهم مظلمون) أي داخلون في الظلام (6).


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 223. (2) انوار التنزيل: ج 2، ص 238. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 244. (4) انوار التنزيل: ج 2، ص 257. (6) انوار التنزيل: ج، 2، ص 300. (5) انوار التنزيل: ج 2، ص 311. (*)

[135]

أقول: وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: يعني قبض محمد صلى الله عليه وآله وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل أهل بيته (1). وهو من بطون الآية. (والشمس تجري لمستقر لها) أي لحد معين ينتهي إليه دورها، فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السماء فإن حركتها فيه توجد إبطاء، بل ورد في الرواية أن لها هناك ركودا، أو لاستقرار لها على نهج مخصوص، أو لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا يطلع كل يوم من مطلع ويغرب في مغرب ثم لاتعود إليهما إلى العام القابل، أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. قال الطبرسي: روي عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام وابن عباس وابن مسعود وعكرمة وعطاء (لا مستقر لها) بنصب الراء (2) (ذلك)) الجري على هذا التقدير المتضمن للحكم التي تكل الفطن عن إحصائها (تقدير العزيز) الغالب بقدرته على كل مقدور (العليم) المحيط علمه بكل معلوم. (والقمر قدرناه منازل) أي قدرنا مسيره منازل، أو سيره في منازل، وهي ثمانية وعشرون: الشرطين (3) والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، و


(1) روضة الكافي: 380، والجملة الاخيرة أعنى قوله (وهو من بطون الاية) من كلام المؤلف رحمه الله. (2) مجمع البيان: ج 8، ص 223. (3) الشرطان، مثنى (الشرط) كوكبان على قرنى الحمل، وإلى الجانب الشمالي منها كوكب صغير، ومن العرب من يعده معهما فيسميها (الاشراط)، والبطين: مصغر البطن ثلاثة كواكب صغار مكان بطن الحمل، وانما صغر لكونها اصغر مما يناسب شكله من البطن. والثريا: كواكب معروفة عند الية الحمل وقرب عنق الثور، والدبران بفتحتين: خمسة كواكب تلو الثريا يقال انها سنام الثور، والهقعة كالوحدة: ثلاثة كواكب نيرة فوق منكبي الجوزاء، والهنعة ايضا كالوحدة خمسة كواكب مصطفة مكان منكب الجوزاء الايسر، والذراع: كوكبان نيران مكان ذراع الاسد، والنثرة: كوكبان مكان أنف الاسد، والطرف كالفلس: كوكبان مكان عين الاسد، والجبهة، اربعة كواكب مكان جبهة الاسد، والزبرة كالحمرة: كوكبان نيران مكان كاهلى الاسد، والصرفة كالوحدة كوكب نيز بتلقاء الزبرة، والعواء =

[136]

الهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة والزبرة، والصرفة، والعواء والسماك، والغفر، والزبانى، والاكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الاخبية، وفرع الدلو المقدم وفرع الدلو المؤخر، والرشاء وهو بطن الحوت، ينزل كل ليلة في واحدة منها، فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبل الاجتماع دق واستقوس (حتى عاد كالعرجون) أي كالشمراخ المعوج (القديم) العتيق. وعن الرضا عليه السلام أنه يصير كذلك ستة أشهر، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في باب السنين والشهور انشاء الله. (لا الشمس ينبغي لها) أي يصح ويتسهل لها (أن تدرك القمر) في سرعة سيره، فإن ذلك يخل بتكون النبات وتعيش الحيوان، أو في آثاره ومنافعه، أو مكانه بالنزول إلى محله وسلطانه فيطمس نوره (ولا الليل سابق النهار) بأن يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه، وقيل: المراد بهما آيتاهما وهما نيران وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكسا للاول، وقد مر عن الرضا عليه السلام برواية العياشي أن المراد به أن النهار خلق قبل الليل، وسيأتي ما يشعر بذلك أيضا. (وكل) أي كلهم، والتنوين عوض المضاف إليه، والضمير للشموس والاقمار


= بفتح العين المهملة وتشديد الواو يمد ويقصر: خمسة كواكب يقال انها ورك الاسد والسماك ككتاب: كوكب نير مكان رجل الاسد وهو السماك الاعزل، وهناك كوكب آخر يسمى (السماك الرامح) ليس من منازل القمر و هو رجله الاخر، والغفر كالفلس: ثلاثة كواكب صغار من الميزان، والزبانى كحبارى: كوكبان نيران على قرنى العقرب، والاكليل: أربعة كواكب مصطفة، والقلب: ثلاثة كواكب في قلب العقرب، والشولة بفتح الشين المعجمة كوكبان نيران متقاربان، والنعائم: ثمانية كواكب كأنها سيرير معوج اربعة صادرة واربعة واردة، والبلدة بفتح الموحدة: ستة كواكب من القوس، وسعد الذابح: كوكبان نيران بينهما مقدار ذراع، وفى قرب احدهما كوكب صغير كانه يذبحه فسمى (الذابح)، وسعد بلع كصرد: كوكبان متقاربان زعموا أنه طلع لما قال الله تعالى (يا ارض ابلعى ماءك)، و سعد السعود، كوكب منفرد نير، وسعد الاخبية: اربعة كواكب، والفرع المقدم كوكبان، و المؤخر اربعة كواكب، والرشاء بكسر الراء: بمعنى حبل الدلو كوكب على بطن الحوت.

[137]

فإن اختلاف الاحوال يوجب تعددا ما في الذات، أو إلى الكواكب فإن ذكرهما مشعر بها، وقد مر معنى السباحة. (ورب المشارق) قال البيضاوي: أي مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس في السنة، وهي ثلاثمائة وستون تشرق كل يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل إنها مائة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال (1) (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة (ألا هو العزيز) القادر على كل ممكن الغالب على كل شئ (الغفار) حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة (2). (لتسكنوا فيه) أي لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس (والنهار مبصرا) يبصر فيه أو به، وإسناد الابصار إليه مجاز ومبالغة، ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال (3). (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) قال الطبرسي ره: وإن كان فيهما منافع كثيرة لانهما ليسا بخالقين (واسجدوا لله الذي خلقهن) وتأنيث الضمير لان غير ما يعقل يجمع على لفظ التأنيث، ولانه في معنى الآيات (إن كنتم إياه تعبدون) أي إن كنتم تقصدون بعبادتكم الله كما تزعمون فاسجدوا لله دون غيره (4). (الشمس والقمر بحسبان) أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها وهما يدلان على عدد الشهود والسنين والاوقات عن ابن عباس وغيره، فاضمر يجريان وحذفه لدلالته الكلام عليه. وتحقيق معناه أنهاما يجريان على وتيرة واحدة وحساب بين


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 320. (2) انوار التنزيل: ج 2، ص 353. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 379. (4) مجمع البيان: ج 9، ص 140، نقلا بالمعنى.

[138]

متفق على الدوام لا يقع فيه تفاوت، فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وشئ والقمر في ثمانية وعشرين يوما فيجريان أبدا على هذا الوجه، و إنما خصهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للناس من النور والضياء ومعرفة الليل والنهار ونضج الثمار إلى غير ذلك، فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق (1). (رب المشرقين ورب المغربين)) أي مشرق الشتاء والصيف ومغربيهما، وقيل مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما (2). (وجعل القمر فيهن نورا) قيل: فيه وجوه: أحدها أن المعنى: وجعل القمر نورا في السماوات والارض عن ابن عباس، قال: يضئ ظهره لما يليه من السماوات ويضئ وجهه لاهل الارض وكذلك الشمس. وثانيها: أن معنى (فيهن) معهن، يعني: وجعل القمر معهن أي مع خلق السماوات نورا لاهل الارض. وثالثها: أن معنى (فيهن) في حيزهن، وإن كان في واحدة منها كما تقول (إن في هذه الدور لبئرا) وإن كانت في واحدة منها، لان ما كان في إحديهن كان فيهن، وكما تقول (أتيت بني تميم) وإنما أتيت بعضهم. (وجعل الشمس سراجا) أي مصباحا تضيئ لاهل الارض، فهي سراج العالم كما أن المصباح سراج الانسان (3). وقال ره في قوله تعالى (كلا) أي حقا، و قيل: معناه ليس الامر على ما يتوهمونه (والقمر) اقسم بالقمر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه وغروبه ومسيره وزيادته ونقصانه (والليل إذا أدبر) قرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف (إذ) بغير ألف (أدبر) بالالف، والباقون (إذا) بالالف (دبر) بغير الالف، فعلى الاول اقسم بالليل إذا ولى وذهب، يقال (4) دبر وأدبر عن قتادة، وقيل: دبر إذا جاء بعد غيره وأدبر إذا ولى مدبرا، فعلى هذا يكون المعنى في (إذا دبر) إذا جاء الليل في أثر النهار، وفي (إذ أدبر) إذا ولى الليل فجاء


(1) مجمع البيان: ج 9، ص 198. (2) مجمع البيان: ج 9، ص 201. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 363. (4) ليس في المصدر (يقال دبر وأدبر)

[139]

الصبح عقيبه، وعلى القول الاولى فيهما (1) لغتان معناهما ولى وانقضى (والصبح إذا أسفر) أي أضاء وأنار، وقيل: معناه إذا كشف الظلام وأضاء الاشخاص، وقال قوم: التقدير في هذه الاقسام (ورب هذه الاشياء) لان اليمين لا يكون إلا بالله تعالى. (إنها) أي السقر التي هي النور (لاحدى الكبر) أي لاحدى العظائم (والكبر) جمع الكبرى (2). (وجعلنا نومكم سباتا) أي راحة ودعة لاجسادكم، أو قطعا لاعمالكم وتصرفكم إذ ليس بموت على الحقيقة ولا مخرجا عن الحيوة والادراك (وجعلنا الليل لباسا) أي غطاء وسترة يستر كل شئ بظلمته وسواده (وجعلنا النهار معاشا) أي مطلب معاش ومبتغاه، أو وقت معاشكم لتتصرفوا في معايشكم (وبنينا فوقكم سبعا) أي سبع سماوات (شدادا محكمة أحكمنا صنععها وأوثقنا بناءها (وجعلنا سراجا وهاجا) يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلالئا بالنور يستضيئون به، قال مقاتل: جعل فيه نورا وحرا، والوهج مجمع النور والحر (3). (إذا الشمس كورت) أي نهب ضوؤها ونورها فأظلمت واضمحلت عن ابن عباس وغيره، وقيل: القيت ورمي بها، وقيل: حمع ضوؤها ولفت كما تلف العمامة. (وإذا النجوم انكدرت) أي تساقطت وتناثرت يقال: انكدر الطائر، من الهواء إذا انقض، وقيل: تغيرت، والاول أولى لقوله (وإذا الكواكب انتثرت). (والليل إذا عسعس) أي [إذا] أدبر بظلامه عن علي عليه السلام، وقيل: أقبل بظلامه و قيل: أظلام. (والصبح إذا تنفس)) أي إذا أسفر وأضاء، والمعنى: امتد ضوؤه حتى يصير نهارا (4). (والفجر) أقسم سبحانه بفجر النهار وهو انفجار الصبح كل يوم، وقيل:


في المصدر: فهما. (2) مجمع البيان: ج 10، ص 383. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 422. (4) مجمع البيان: ج 10، ص 444.

[140]

فجر ذي الحجة، وقيل: فجر أول المحرم، وقيل: فجر يوم النحر، وقيل: أراد بالفجر النهار (وليال عشر) يعني العشر من ذي الحجة، وقيل: العشر الآخر (1) من شهر رمضان، وقيل: عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها (والليل إذا يسر) أراد جس الليالي، أقسم بالليل إذا مضى بظلامه، وقيل: إنما أضاف اليسر (2) إليه لان الليل يسير بمسير الشمس في الفلك وانتقالها من افق إلى افق، وقيل: إذا يسر: إذا جاء وأقبل إلينا ويرد كل ليلة، وقيل: إنها ليلة المزدلفة وفيها يسري الحاج من عرفة إليها ويغدي منها إلى منى (3) وأصل (يسر) يسري، حذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا ولرعاية الفواصل. (والشمس وضحيها) أقسم سبحانه بالشمس لكثرة الانتفاع بها وبضحيها وهو امتداد ضوئها وانبساطه، وقيل: هو النهار كله، وقيل: حرها (والقمر إذا تليها) أي تبعها فأخذ من ضوئها وسار خلفها، قالوا: وذلك في النصف الاول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الاضاءة وخلفها في النور، وقيل: تلاها ليلة الهلال وهي أول ليلة من الشهر، وقيل: في الخامس عشر، وقيل: في الشهر كله فهو في النصف الاول يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها وفي النصف الاخير يتلو غروبها بالطلوع (والنهار إذا جليها) أي جلى الظلمة وكشفها، أو أبرز الشمس وأظهرها (والليل إذا يغشيها) أي يغشى الشمس حتى تغيب فتظلم الآفاق ويلبسها سواده (4). أقول: وقد مر تأويلها في الاخبار بأن الشمس رسول الله صلى الله عليه وآله به أوضح الله للناس دينهم، والقمر أمير المؤمنين عليه السلام تلا رسول الله صلى الله عليه وآله ونفثه بالعلم نفثا، و الليل أئمة الجور الذين استبدوا بالامر دون آل الرسول وجلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم فغشوا دين الله بالظلم والجور، والنهار الامام من ذرية فاطمة


(1) الاواخر (خ). (2) في المصدر: السير. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 485. (4) مجمع البيان: ج 10، ص 498.

[141]

عليها السلام يسأل عن دين الله فيجليه لمن سأله، وقد مر شرحها وبيانها. (والضحى) قال الطبرسي ره: أقسم سبحانه بضوء (1) النهار كله من قولهم (ضحى فلان للشمس) إذا ظهر لها، ويدل عليه قوله [سبحانه] في مقابلته (والليل إذا سجى) أي سكن واستقر ظلامه، وقيل: المراد بالضحى أول ساعة من النهار، وقيل: صدر النهار وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار في الحر والبرد والشتاء (2) والصيف، وقيل: معناه ورب الضحى ورب الليل إذا سجى، وقيل: إذا سجى: إذا أغطى (3) بالظلمة كل شئ، وقيل: إذا أقبل ظلامه (4). (برب الفلق) أي برب الصبح وخالقه ومدبره ومطلعه متى شاء على ما يرى من الصلاح فيه (من شر ما خلق) من الجن والانس وسائر الحيوانات، وإنما سمي الصبح (فلقا) لانفلاق عموده بالضياء عن الظلام، وقيل: الفلق المواليد، و جب في جهنم (ومن شر غائق إذا وقب) أي ومن شر الليل إذا دخل بظلامه فالمراد من شر ما يحدث في الليل من الشر والمكروه وإنما خص لان الفساق يقدمون على الفساد بالليل، وكذلك الهوام والسباع تؤذي فيه أكثر (5). 1 - الكافي: عن علي بن إبراهيم وعدة من أصحابه، عن سهل بن زياد جميعا، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، عن الاصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا، كل برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب فتنزل كل يوم على برج منها فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها، وإن وجهها لاهل السماء وقفاها لاهل الارض، ولو


(1) في المصدر: بنور النهار. (2) في المصدر: في الشتاء. (3) في المصدر: إذا غطى. (4) مجمع البيان: ج 10، ص 504. (5) مجمع البيان: ج 10، ص 568.

[142]

كان وجهها لاهل الارض لاحرقت الارض (1) ومن عليها من شدة حرها. ومعنى سجودها ما قال سبحانه وتعالى (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس (2)). توضيح: (ثلاثمائة وستين برجا) لعل المراد بالبرج الدرجات التي تنتقل إليها بحركاتها الخاصة، أو المدارات التي تنتقل إلى واحد منها كل يوم فيكون هذا العدد مبنيا على هو ما الشائع بين الناس من تقدير السنة به وإن لم يكن مطابقا لشئ من حركتي الشمس والقمر. (مثل جزيرة من جزائر العرب) أي نسبتها إلى الفلك نسبة جزيرة من الجزائر إلى الارض، أو الغرض التشبيه في أصل العظمة


(1) لاحترقت (خ). (2) روضه الكافي: 157. اقول: في سند الرواية ارسال، لان ابا الصباح الكنانى ولد بعد وفاة الاصبغ بأكثر من ثلاثين سنة لانه على ما صرح به ابن داود مات بعد السبعين والمائة وهو ابن نيف وسبعين سنة، والاصبغ لم يبق إلى وقعة الطف الواقعة في سنة الستين ومع ذلك تشتمل على امور تحتاج إلى التوجيه: منها البروج التى تنزل الشمس فيها، ولعل المراد بها - على فرض الصدور - الدرجات التى ينقسم مدارها إليها، وكون كل واحدة منها بمنزلة جزيرة العرب كناية عن طولها وسعتها ولعل (جزائر العرب) من خطأ النساخ أو الرواة، فانها ليست إلا شبه جزيرة واحدة. ومنها سجود الشمس بعد غروبها عند انتهائها إلى حد بطنان العرش، ولعله بيان تمثيلي لكيفية انقياد الشمس لامر الله تعالى من عظمتها و شدة بأسها، ولعل تخصيص السجود بما بعد الغروب رعاية لافهام العوام حيث يصعب عليهم قبول سجودها مع ما يرون من حالها، لكن بعد غروبها وغيبوبتها عن أعينهم يسهل عليهم تجويزه. واما (حد بطنان العرش) فالظاهر انه من تتمة التمثيل وليس المراد به نقطة خاصة حتى يتكلف لتعيينها، وسيأتى من العلامة المؤلف - ره - انها في جميع الاوقات خاضعة ساجدة تحت عرش الرحمن. ومنها ان وجه الشمس لاهل السماء وقفاها لاهل الارض، ولعله كناية عن شدة حرارتها، ولا يمكن الاخذ بظاهره لمنافاته مع اخبار كثيرة مضافا إلى مخالفته مع الاصول الهيوية وسيأتى في رواية محمد بن مسلم تحت الرقم 28 - انها إذا بلغت الجو قلبت ظهر البطن فصار ما يلى الارض إلى السماء. هذا ما خطر بالبال والله أعلم بحقيقة الحال.

[143]

لا خصوص المقدار، والمقصود بيان سرعة حركتها وإن كانت بطيئة بالنسبة إلى الحركة اليومية. قال الفيروز آبادي: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا ومن جدة إلى (1) ريف العراق عرضا (2). (فإذا غابت) أي بالحركة اليومية (إلى حد بطنان العرش) أي وسطه، ولعل المراد وصولها إلى دائرة نصف النهار من تحت الارض فإنها بحذاء أوساط العرش بالنسبة إلى أكثر المعمورة، إذا ورد في الاخبار أن العرش محاذ للكعبة (فلم تزل ساجدة) أي مطيعة خاضعة منقادة جارية بأمره تعالى (حتى ترد إلى مطلعها) والمراد بمطلعها ما قدر أن تطلع منه في هذا اليوم، أو ما طلعت فيه في السنة السابقة في مثله. وقوله (ومعنى سجودها) يحتمل أن تكون من تتمة الخبر لبيان أنه ليس المراد بالسجود ما هو المصطلح، ولعل الاظهر أنه من كلام الكليني أو غيره من الرواة، وسيأتي تفسير الآية في محله. 2 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن محمد بن خالد جميعا عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الشمس تطلع ومعها أربعة أملاك: ملك ينادي (يا صاحب الخير أتم وأبشر) وملك ينادي (يا صاحب الشر انزع واقصر) وملك ينادي (أعط منفقا خلفا وآت ممسكا تلفا) وملك ينضحها (3) بالماء، ولو لا ذلك اشتعلت الارض (4). بيان: يحتمل أن يكون النضح بالماء كناية عن بث الاجزاء المائية في الهواء


(1) في المصدر: (اطراف ريف العراق) والريف: ارض فيها زرع وخصب (2) القاموس المحيط: ج 1 ص 389. (3) نضحه بالماء: رشه. اقول: يمكن انطباق ذلك على ما ادعاه الفلكيون من اهل العصر ان للشمس امطارا غزيرة جدا تنزل عليها من السحب المحيطة بها، وادعى اهل الارصاد انهم رأوا بالالات الحديثة امتداد خطوط منحنية على سطح الشمس تشبه حال نزول المطر وجريان الرياح. (4) لم يوجد في المصدر.

[144]

بسبب الانهار والبحار والآبار وغيرها، فإنه لولاها لكان تأثير الحرارة في الهواء والارض والابدان والاشجار والنباتات أكثر. وأقول: قال السيد الداماد في بعض زبره: فيما نقله رهط من المفسرين عن ابن عباس مما استفاد عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير قوله تعالى (كل يجري لاجل مسمى) أن للشمس مائة وثمانين منزلا في مائة وثمانين يوما ثم إنها تعود مرة اخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الايام ومجموع تلك الايام سنة، وقال علامتهم المفسر الاعرج النيسابوري في تفسيره: إن صح هذا عنه فلعله أراد تصاعدها على دائرة نصف النهار وتنازلها منها في أيام السنة، أو أراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الاوج إلى الحضيض ثم صعودها من الحضيض إلى الاوج، فإن لها بحسب كل جزء من تلك الاجزاء في كل يوم من تلك الايام تعديلا خاصا زائدا أو ناقصا، ونحن نقول: ذلك تجشم وتكلف بل أراد بمنازلها في أيام السنة مداراتها اليومية بحسب أجزاء مدارها الذي عليه طول السنة بحركتها الخاصة، فإن ذلك المدار في سطح منطقة البروج مقاطعا لمنطقة معدل النهار على نقطتي الاعتدالين، وكل جزئين من أجزائه شماليين أو جنوبيين هما متساويا البعد عن إحدى نقطتي الانقلابين، وبعد أحدهما عن إحدى نقطتي الاعتدالين كبعد الآخر عن الاخرى، فإنهما متحدان في المدار اليومي فالشمس بحسب كونها في أجزاء مدارها بحركتها الخاصة تعود بالحركة الشرقية في الربع الصيفي من أرباع السنة إلى مداراتها اليومية الربيعية، وفي الربع الشتوي إلى مداراتها اليومية الخريفية، ففي النصف الشتوي والربيعي من السنة تعود إلى مداراتها الخريفية والصيفية، وفي النصف الصيفي والخريفي إلى مداراتها الربيعية والشتوية فاحفظ بذلك فإنه من بدائع الصنائع الالهية. 3 - التوحيد والمجالس للصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد ابن جعفر الاسدي، عن موسى بن عمران النخعي، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي نعيم البلخي، عن مقاتل بن حيان، عن عبد الرحمن بن أبزى (1)، عن


(1) بفتح الهمزة واسكان الباء الموحدة بعدها زاى معجمة كذا في شرح المسلم من =

[145]

أبي ذر الغفاري، قال: كنت آخذا بيد النبي صلى الله عليه وآله ونحن نتماشى جميعا، فمازلنا ننظر إلى الشمس حتى غابت، فقلت: يا رسول الله أين تغيب ؟ قال: في السماء ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يا رب من أين تأمرني أن أطلع أمن مغربي أم من مطلعي ؟ فذلك قوله عزوجل (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (1)) يعني بذلك صنع الرب العزيز في ملكه بخلقه. قال: فيأتيها جبرئيل بحلة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو مابين ذلك في الخريف والربيع، قال: فتلبس تلك الحلة كما يلبس أحدكم ثيابه. ثم تنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها. قال النبي صلى الله عليه وآله فكأني بها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثم لا تكسي ضوء وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله عزوجل (إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت) والقمر كذلك من مطلعه ومجراه في افق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة ويسجد تحت العرش، وجبرئيل يأتيه بالحلة من نور الكرسي، فذلك قوله عزوجل (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) قال أبو ذر ره ثم اعتزلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فصلينا المغرب (2).


= باب التيمم هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعى مولى نافع بن عبد الحرث، قال البخاري: له صحبة، وقال ابن أبى داود: تابعي. (1) يس: 38. (2) التوحيد: 203. اقول: الظاهر أن مبنى البيان في هذا الخبر وامثاله - على فرض الصدور - على التمثيل والاشارة إلى كيفية انقياد الشمس والقمر لامر الله تعالى، و إلى ان ضوء الشمس يفاض عليها تدريجا من مبدء وجودي عال ومصدر ربانى شريف هو العرش وهو حلة تلبسها كما يلبس الناس ثيابهم، وفيه إشارة إلى أن سائر الكائنات ايضا تنال حظوظها الوجودية في كل آن من المبادئ العالية وهى عارية عندهم تسترد عند حينونة اجلها، ويكفى لسلبها عدم الاعطاء في الان الثاني، كما ان الشمس والنجوم ستسلب ضوءها ولا تعطى حللها فتنكدر، قال العلامة المؤلف رحمه الله في شرح الخبر 14 من هذا الباب فهى - يعنى الشمس =

[146]

بيان: قد يحمل أكثر ما ورد في الخبر على الاستعارة التمثيلية والمجاز الشائع في كلام العرب والله يعلم حقائق الامور. 4 - تفسير على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن يسار (2) عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستنير، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن من الآيات التي قدرها الله للناس مما يحتاجون إليه البحر الذي خلقه الله بين السماء والارض، قال: وإن الله قدر فيه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب، ثم قدر ذلك كله على الفلك، ثم وكل بالفلك ملكا معه سبعون ألف ملك، فهم يديرون الفلك فإذا أداروه دارت الشمس والقمر والنجوم والكواكب معه، فنزلت في منازلها


= في كل آن باعتبار امكانها مسلوبة النور والصفات والوجود بحسب ذاتها وانما تكتسب جميع ذلك من خالقها ومدبرها فهى في جميع الاوقات والازمان تحت عرش الرحمن وقدرته متحيرة في امرها ساجدة خاضعة لربها - إلى ان قال - وانما أو مات لك إلى بعض الاسرار ليمكنك فهم غوامض الاخبار (انتهى كلامه رفع مقامه) ولعل السرفى الفرق بين نور الشمس ونور القمر بكون الاول من العرش والثانى من نور الكرسي ان الواسطة في القمر اكثر بواحدة من الشمس هي هي، كما أن نور الكرسي من نور العرش فتفطن. يبقى السؤال عن علة عدم بيان حقيقة حال الشمس والقمر في الطلوع والغروب وغيرهما من الاحوال، والجواب ان بيان حقيقة هذه الامور وايضاحها يتوقف على مقدمات علمية وشرائط ذهنية يتعذر التفهيم بدونها ومن المعلوم عدم وجود تلك الشرائط في ذلك الزمان وغرض النبي والائمة عليهم السلام من بيان الامور التكوينية سوق الانسان إلى الجانب الربوبى: وهدايته إلى معرفة الله تعالى وصفاته واسمائه بمعرفة آياته الافاقية والانفسية وإلا فتعليم الطبيعيات والفلكيات مما هو خارج عن شأن النبي واوصيائه عليهم السلام. (2) لم نجد في تراجم الخاصة والعامة من يسمى (عبد الله بن يسار) وكذا (الحكم ابن المستنير) والظاهر انهما مصحفا (عبد الله بن سنان) و (الحكم بن المستورد) كما في سند الكافي، ثم الظاهر ان الصحيح هو (الحكم بن المستور) بلا دال في آخره كما في (جامع الرواة ج 1، ص 267) قال: معروف بن خربوذ عنه عن على بن الحسين عليهما السلام في حديث البحر مع الشمس في كتاب الروضة (انتهى) وعلى أي تقدير فلم نظفر له على مدح أو ذم في كتب الرجال.

[147]

التي قدرها الله فيها (1) ليومها وليلتها وإذا كثرت ذنوب العباد وأراد الله (2) أراد يستعتبهم بآية من آياته أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك الذي عليه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب، فيأمر الملك اولئك السبعين الالف (3) الملك أن يزيلوا الفلك عن مجاريه، قال: فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذي يجري الفلك فيه، فيطمس (4) ضوءها (5) ويغير (6) لونها، فإذا أراد الله أن يعظم الآية طمست الشمس في البحر على ما يحب الله أن يخوف خلقه (7) بالآية، فذلك عند شدة انكشاف الشمس، وكذلك يفعل بالقمر، فإذا أراد الله أن يخرجهما (8) ويردهما إلى مجراهما أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الشمس (9) إلى مجراها فيرد الملك (10) الفلك إلى مجراه فتخرج من الماء وهي كدرة، والقمر مثل ذلك. ثم قال علي بن الحسين عليهما السلام: أما إنه لايفزع لهما ولا يرهب (11) إلا من كان من شيعتنا، فإذا كان ذلك فافزعوا إلى الله (12) وراجعوا [ه] قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الارض مسيرة خمسمائة عام، الخراب منها مسيرة أربعمائة عام والعمران منها مسيرة مائة [عام] والشمس ستون فرسخا في ستين فرسخا، والقمر


(1) لها (خ). (2) في الفقيه، وأحب الله. (3) في الكافي، السبعين الف ملك. (4) فينطمس به (خ). (5) حرها (خ) كذا في الكافي. (6) يتغير (خ). (7) في الفقيه: عباده. (8) في الكافي والفقيه: أن يجليها. (9) في الكافي: ان يرد الفلك. (10) في الكافي والفقيه: فيرد الفلك فترجع الشمس إلى مجريها. (11) في الكافي والفقيه: ولا يرهب بهاتين الايتين. (12) في الكافي: إلى الله عزوجل ثم ارجعوا إليه.

[148]

أربعون فرسخا في أربعين فرسخا بطونهما يضيئان لاهل السماء وظهورهما لاهل الارض، والكواكب كأعظم جبل على الارض، وخلق الشمس قبل القمر. وقال سلام بن المستنير: قلت لابي جعفر عليه السلام لم صارت الشمس أحر من القمر ؟ قال: إن الله خلق الشمس من نور النار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا، حتى إذا صارت سبعة أطباق البسها لباسا من نار، فمن هنالك (1) صارت أحر من القمر. قلت: فالقمر ؟ قال: إن الله خلق القمر من ضوء نور النار وصفوا الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء، فمن هنالك (2) صار القمر أبرد من الشمس (3). الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستورد عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله - إلى قوله - فإذا كان كذلك فافزعوا إلى الله عزوجل ثم ارجعوا إليه (4). الفقيه: عنه عليه السلام مرسلا مثله (5).


(1 و 2) فمن ثم (خ). (3) تفسير على بن إبراهيم: 379. (4) روضة الكافي: 83. (5) الفقيه: 141، اقول: مما اتفق عليه اصحاب الهيئة القديمة والجديدة ان الكسوف إنما يكون بحيلولة القمر بين الارض والشمس والخسوف بحيلولة الارض بين القمر والشمس ولا يختص الانكساف بهما بل يوجد في سائر الكواكب التى تدور حول الشمس أيضا، لكن كون تلك الحيلولة موجبة له لا ينفى وجود سبب آخر له أيضا، نعم يعد غيره سببا غير عادى، فلا ينقض فول الهيويين في هذا الباب بالانكسافات والانخسافات الخارقة للعادة كما لا ينقض قول الطبيعيين في سببية النار للحرارة والاحراق بصيرورتها بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام فان الاسباب قد تمنع من التأثير لموانع خفية ولمعارضتها مع سبب اقوى منها، واما البحر المذكور في الرواية فلتفسيره وجوه يذكرها المؤلف رحمه الله ومنها ان المراد به ظل الشمس والقمر، ولعله اقرب الوجوه، والسر في عدم بيان حقيقة الحال والاكتفاء بالبيان الاستعاري هو ان النفوس الضعيفة انما تنقطع إلى الاسباب واعينهم لا تنفذ منها إلى مسببها و قيومها، فكلما اسندت الافعال إلى اسبابها المادية ازداد تعلقهم بها وانتقص توجههم إلى قيومها =

[149]

توضيح: (إن من الآيات) كذا في الفقيه وبعض نسخ التفسير، وفي بعضها (الاوقات) والاول أصوب، وفي الكافي (من الاقوات) أي أسبابها (قدر فيه) أي في البحر أي عليه، ومحاذيا له، أو جعله بحيث يمكن أن يجري الكواكب فيه عند الحاجة، وفي الكتابين (فيها) فالمراد أيضا البحر بتأويل الآية، ويمكن إرجاعه إلى الآيات أو إلى السماء، (وقدر ذلك) أي الجريان (كله على الفلك) أي الفلك الاعظم أو فلك الكوكب والاول أظهر، وفي الفقيه هكذا (أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك عن مجاريه قال فيأمر الملك السبعين الالف الملك أن أزيلوا الفلك إلى قوله في ذلك البحر الذي كان فيه الفلك) وفيهما (فإذا أراد الله أن يجليها ويردها إلى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الفلك إلى مجراه فيرد الفلك وترجع الشمس إلى مجراها قال فتخرج) وفي الفقيه (أما إنه لايفزع للآيتين ولا يرهب إلا من كان من شيعتنا). قوله عليه السلام (أن يستعتبهم) أي يطلب


= فلابد للاطباء الالهيين والمربين الرباينين لسوق أكثر الناس إلى ربهم وقطع توجههم عن اصنامهم من اسقاط الاسباب العادية، وحذف الوسائط المادية، واسناد الافعال إلى الله تعالى بلا واسطة أو بالوسائط الغيبية، حتى تنقطع قلوبهم إلى العالم الغيب، وتتعلق نفوسهم بالجانب الربوبى نعم لله تعالى عباد لا تشغلهم حجب الوسائط، ولا يغرهم سراب الاسباب، يخافون ربهم في كل شدة، ويفزعون إليه في كل بلية، يطمئنون بذكره، وينقطعون إليه في جميع الشؤون و الاحوال، وهو وليهم في الدنيا والاخرة فإذا أحسوا بحادثة تقبل أو بلية تنزل لا يرون ملجأ إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا هو السر في قول الامام عليه السلام (اما انه لا يفزع لهما ولا يرهب إلا من كان من شيعتنا) مع ما نرى من رهبة سائر الناس منهما فتبصر ولا يخفى أنه ليس الكسوف والخسوف عند المنجمين امرين ساذجين فاقدين للاهمية رأسا، أما عند القدماء الاحكاميين فلانهم أثبتوا لها بحسب ما يدعون من التجارب تأثيرات في العالم الارضى مذكورة في زبرهم وتقاويمهم، واما عند المتأخرين من علماء الاروبة فلما يرون لهما من الموقعية الهيوية الهامة لوقوع القمر والارض عند الكسوف والخسوف في امتداد جاذبى خطير وعلى أن تقدير فينبغي للمؤمن المستبصر عند وقوع هذه الحادثة الجوية وسائر الايات الخطيرة الانقطاع التام إلى رب السماوات والارض والانابة إلى قيوم العوالم العلوية والسفلية، فهو الذى يدبر الامور ويقدرها، ويحول الاحوال ويغيرها وهو على كل شئ قدير.

[150]

عتباهم ورجوعهم أو يحملهم على ما يوجب الرضا، وفي القاموس: العتب: الموجدة والغضب، والعتبى: الرضا، واستعتبه: أعطاه العتبى كأعتبه، وطلب إليه العتبى ضد (1). (وإن يستعتبوا فماهم من المعتبين) أي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي لم يردهم إلى الدنيا. قوله (فيطمس ضوءها) أي بعض ضوئها، قوله (طمست الشمس) أي كلها أو أكثرها بحسب ما يراء في تأديبهم من المصلحة. قوله عليه السلام (وهي كدرة) أي بعد ما كانت كدرة، أو تبقى فيها كدورة قليلة بعد الخروج أيضا في زمان قليل قوله عليه السلام (إلا من كان من شيعتنا) لانهم يؤمنون بهذا، وأما أكثر الخلق الذين يسندونهما إلى حركات الافلاك فلا يرهبون لهما. تفصيل كلام لرفع أوهام: اعلم أن الفلاسفة ذهبوا إلى أن جرم القمر مظلم كثيف صقيل يقبل من الشمس الضوء لكثافته وينعكس عنه لصقالته، فيكون أبدا المضئ من جرمه الكري أكثر من النصف بقليل، لكون جرمه أصغر من جرم الشمس، وقد ثبت في الاصول أنه إذا قبل الضوء كرة صغرى من كرة أعظم منها كان المضئ من الصغرى أعظم من نصفها، وتفصل بين المضئ والمظلم دائرة قريبة من العظيمة تسمى دائرة النور، وتفصل بين ما يصل إليه نور البصر من جرم القمر وبين ما لا يصل دائرة تسمى دائرة الرؤية، وهى أيضا قريبة من العظيمة لما ثبت في (24) من مناظر اقليدس أن ما يرى من الكرة يكون أصغر من نصفها، وهاتان الدائرتان يمكن أن تتطابقا، وقد تتفارقان إما متوازيتين، وأو متقاطعتين، أولاذا ولا ذاك، وقد تؤخذان عظيمتين إدلا تفاوت في الحس بين كل منهما وبين العظيمة ويجعل ما يقارب التطابق تطابقا، فإذا اجتمعت الشمس والقمر صار وجهه المضئ إليها والمظلم إلينا وتطابق الدائرتان وهو المحاق، فإذا بعد عنها يسيرا تقاطعت الدائرتان على حواد ومنفرجات، فإذا بعد منها قريبا من اثنتي عشرة درجة يرى من وجهه المضيئ ما وقع منه بين الدائرتين في جهة الحادتين اللتين إلى صوب الشمس وهو الهلال، ولا تزال هذه القطعة تتزايد بتزايد البعد عن الشمس، والحواد تتعاظم


(1) القاموس: ج 1، ص 100.

[151]

والمنفرجات تتصاغر حتى يصير التقاطع بين الدائرتين على قوائم، ويحصل التربيع فيرى من الوجه المضئ نصفه، ولا يزال يتزايد المرئي من المضئ ويتعاظم انفراج الزاويتين الاولتين إلى وقت الاستقبال، فتطابق الدائرتان مرة ثانية ويصير الوجه المضئ إلينا وإلى الشمس معا وهو البدر، ثم يقع التقارب فيعود تقاطع الدائرتين على المختلفات أولا ثم على قوائم ثانيا وحصل التربيع الثاني، ثم يؤول الحال إلى التطابق فيعود المحاق، وهكذا إلى ما شاء الله سبحانه. والكسوف عندهم حالة تعرض للشمس من عدم الاستنارة والانارة بالنسبة إلى الابصار حين ما يكون من شأنها ذلك بسبب توسط القمر بينها وبين الابصار، وذلك إذا وقع القمر على الخط الخارج من البصر إلى الشمس، ويسمى ذلك بالاجتماع المرئي، ويكون لا محالة على إحدى العقدتين: الرأس أو الذنب، أو بقربهما بحيث لا يكون للقمر عرض مرئي بقدر مجموع نصف قطره وقطر الشمس، فلا محالة يحول بين الشمس وبين البصر ويحجب بنصفه المظلم نورها من الناظرين بالكل وهو الكسوف اللكي، أو البعض فالجزئي، ولكونه حالة تعرض للشمس لا في ذاتها بل بالنسبة إلى الابصار جاز أن يتفق الكسوف بالنسبة إلى قوم دون قوم، كما إذا سترت السراج بيدك بحيث يراه القوم وأنت لا تراه وأن يكون كليا لقوم جزئيا لآخرين أو جزئيا للكل لكن على التفاوت وأما إذا كان عرض القمر المرئي بقدر نصف مجموع القطرين فيما بين جرم القمر ومخروط شعاع الشمس فلا يكون كسوف. وأما خسوف القمر فيكون عندهم عند استقبال الشمس إذا كان على إحدى العقدتين أو بقربها بحيث يكون عرضه أقل من مجموع نصف قطره وقطر مخروط ظل الارض انحجبت بالارض عن نور الشمس، فيرى إن كان فوق الارض على ظلامه الاصلي كلا أو بعضا وذلك هو الخسوف الكلي أو الجزئي، وأما إذا كان عرضه عن منطقة البروج بقدر نصف القطرين فلا ينخسف. إذا عرفت هذا فالكلام في هذا الخبر على وجوه. الاول: أن يقال إن هذه مقدمات حدسية ظنية فإنه يمكن أن تكون هذه الاختلافات لجهة اخرى كما

[152]

قال ابن هيثم في اختلاف تشكلات القمر أنه يجوز أن يكون ذلك لان القمر كرة مضيئة نصفها دون نصف، وأنها تدور على مركز نفسها بحركة متساوية لحركة فلكها، فإذا كان نصفه المضئ إلينا فبدر، أو المظلم فمحاق، وفيما بينهما يختلف قدر ما تراه من المضئ. وأيضا يمكن أن يكون الفاعل المختار يحدث فيه نورا بحسب إرادته في بعض الاحيان ولا يحدث في بعضها، فالحكم ببطلان الخبر أو تأويله غير مستقيم. الثاني: انه يمكن أن يكون عند حدوث تلك الاسباب يقع المرور على البحر أيضا ويكون له أيضا مدخل في ذلك، وامتناع الخرق والالتئام على الافلاك وعدم جواز الحركة المستقيمة فيها وامتناع اختلاف حركاتها وأمثال ذلك لم يثبتوها إلا بشبهات واهية وخرافات فاسدة لا يخفى وهنها على من تأمل بالانصاف فيها، مع أن القول بها يوجب نفي كثير من ضروريات الدين من المعراج، ونزول الملائكة وعروجهم، وخرق السماوات وطيها، وانتشار الكواكب واكسفها في القيامة إلى غير ذلك مما صرح به في القرآن المجيد والاخبار المتواترة. الثالث: ما ذكره الصدوق - ره - في الفقيه حيث قال: إن الذي يخبر به المنجمون فيتفق على ما يذكرونه ليس من هذا الكسوف في شئ وإنما يجب الفزع فيه (1) إلى المساجد والصلاة لانه آية تشبه آيات الساعة (2). وقال الشهيد - ره - في الذكرى في جملة فروع أوردها في أحكام صلاة الكسوف: الرابع لو جامعت صلاة العيد بأن تجب بسبب الآيات المطلقة، أو بالكسوفين نظرا إلى قدرة الله تعالى وإن لم يكن معتادا على أنه قد اشتهر أن الشمس كسفت يوم عاشورا لما قتل الحسين عليه السلام كسفة بدت الكواكب فيها نصف النهار في ما رواه البيهقي وغيره، وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وآله وروى الزبير بن بكار في كتاب الانساب أنه توفي في العاش من شهر ربيع الاول، وروى الاصحاب


(1) ليس في المصدر لفظه (فيه). (2) الفقيه: 141. (*)

[153]

أن من علامات المهدي عليه السلام كسوف الشمس في النصف الاول من شهر رمضان. إلى آخر ما قال: وأقول: رأيت في كثير من كتب الخاصة والعامة وقوع الكسوف والخسوف في يوم عاشوراء وليلته، وروى الشيخ المفيد في الارشاد بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة الازدي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: آيتان تكونان قبل القائم عليه السلام: كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره. قال: قلت: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في نصف (1) الشهر والقمر في آخره ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام (2) ورواه في الكافي عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الازدي، قال: كنت جالسا عند أبي جعفر عليه السلام فقال: آيتان تكونان قبل قيام القائم عليه السلام لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام إلى الارض: تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان، والقمر في آخره. فقال رجل: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف، فقال أبو جعفر عليه السلام إني أعلم ما تقول، ولكنهما ايتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام (3) والاخبار في ذلك كثيرة أوردتها في سائر المجلدات لاسيما في الثالث عشر. الرابع: ما أوله بعض المتفلسفين، وهو أن المراد بالبحر في الكسوف ظل القمر، وفي الخسوف ظل الارض على الاستعارة. ووجدت في بعض الكتب مناظرة لطيفة وقعت بين رجل من المدعين للاسلام يذكر هذا التأويل للخبر وبين رجل من براهمة الهند، قال له حين سمع ذلك التأويل منه: لا يخلو من أن يكون مراد


(1) في المصدر (تكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف) كما في رواية الكافي فعلى نسخة المتن يكون كلام الراوى استفهاما عن تعجب، وعلى نسخة المصدر يكون بيانا للعادة إما عن تعجب أو عن توهم السهو للامام عليه السلام. (2) ارشاد المفيد: 239. (3) روضة الكافي: 212.

[154]

صاحب شريعتك ما ذكرت أم لا، فإن لم يكن مراده ذلك فالويل لم حيث اجترأت على الله وعليه وحملت كلامه على ما لم يرده وافتريت عليه، وإن كان مراده ذلك فله غرض في التعبير بهذه العبارة ومصلحة في عدم التصريح بالمراد، لقصور أفهام عامة الخلق عن فهم الحقائق، فالويل لك أيضا حيث نقضت غرضه وأبطلت مصلحته وهتكت سره (1). وأقول: هذا الكلام متين وإن كان قائله على ما نقل من الكافرين، لان عقول العباد قاصرة عن فهم الاسباب والمسببات، وكيفية نزول الانكال والعقوبات، فإذا سمعوا المنجم يخبر بوقوع الكسوف أو الخسوف في الساعة الفلانية بمقتضى حركات الافلاك لم يخافوا عند ذلك، ولم يفزعوا إلى ربهم، ولم يرتدعوا به عن معصيته، ولم يعدوه من آثار غضب الله تعالى، لانهم لا يعلمون أنه يمكن أن يكون الصانع القديم والقادر الحكيم لما خلق العالم، وقدر الحركات، وسبب الاسباب والمسببات، وعلم بعلمه الكامل أحوالهم وافعالهم في كل عصر وزمان، وكل دهر وأوان، وعلم ما يستحقون من التحذير والتنذير قدر حركات الافلاك على وجه يطابق الخسوف والكسوف و غيرهما من الآيات بقدر ما يستحقونه بحسب أحوالهم من الانذارات والعقوبات وهذا باب دقيق يعجز عنه أفهام أكثر الخلق. وبالجملة الحديث وإن كان خبرا واحدا غير نقي السند لكن لا يحسن الجرأة على رده، وينبغي التسليم له في الجملة وإن صعب على العقل فهمه، فإنه سبيل أرباب التسليم، الثابتين على الصراط المستقيم. قوله عليه السلام (والارض مسيرة خمسمائة عام) لعل المراد أنه إذا أراد إنسان أن يدور جميع الارض ويطلع على جميع بقاعه الظاهرة والغائرة لا يكون إلا في خمسمائة سنة، وكذا المعمور وغير المعمور إذ لو كان المراد المسير على عظيمة محيطة بالارض يكون ذلك في قليل من السنين إن كانت مساحتهم المذكورة في كتبهم حقة لانهم قالوا مساحة


(1) كلام الهندي لا يخلو عن مناقشة، لان قصور افهام عامة الخلق لا يوجب كتمان الحقائق حتى عن الخواص والمستعدين، نعم يوجب كتمانها عن القاصرين فقط.

[155]

محيط دائرة عظيمة تفرض على الارض ثمانية آلاف فرسخ، فيمكن قطعه في ثلاث سنين تقريبا، وكون الشمس ستون فرسخا لعله بالفراسخ السماوية، أو المراد أن نسبتها إلى فلكها كنسبة تلك الفراسخ إلى الارض، وكذا القمر، أو المراد به العدد الكثير، عبر هكذا تقريبا إلى فهم السائل، وكذا المراد بكون الكواكب كأعظم جبل أن نسبة كل منها إلى السماء كنسبة أعظم جبل إلى الارض، كل ذلك بناء على صحة ما ذكره أصحاب الهيئة وهو غير معلوم، فإنهم عولوا في ذلك على مساحات وأرصاد تصدى جماعة من الكفرة لتحقيقها وضبطها، وخلق الشمس قبل القمر يدل على حدوثهما والله يعلم حقائق مخلوقاته ومن عرفهم تلك من حججه عليهم السلام. 5 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان عن علي بن أبي النوار، عن محمد بن مسلم، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، لاي شئ صارت الشمس أشد حرارة من القمر ؟ فقال: إن الله خلق الشمس من نور النار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا، حتى إذا كانت (1) سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار، فمن ثم صارت أشد حرارة من القمر. قلت: جعلت فداك والقمر (2) ؟ قال: إن الله تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور (3) النار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا، حتى إذا كانت (4) سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء، فمن ثم صار القمر أبرد من الشمس (5). العلل والخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الاشعري، عن عيسى بن محمد، عن علي بن مهزيار، عن علي بن حسان


(1) في العلل: إذا صار. (2) في الخصال: فما القمر ؟ فقال. (3) في الخصال: من نور النار. (4) في العلل والخصال: حتى إذا صارت. (5) روضة الكافي: 241.

[156]

عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم مثله (1). توضيح: قوله عليه السلام (حتى إذا كانت سبعة أطباق) يحتمل أن يكون المعنى أن الطبقة السابعة فيها من نار، فيكون حرارتها لجهتين: لكون طبقات النار أكثر بواحدة، وكون الطبقة العليا من النار، ويحتمل أن يكون لباس النار طبقة ثامنة فتكون الحرارة للجهة الثانية فقط، وكذا في القمر يحتمل الوجهين. ثم إنه يحتمل أن يكون خلقهما من النار والماء الحقيقيين من صفوهما وألطفهما، وأن يكون المراد جوهرين لطيفين مشابهين لهما في الكيفية، ولم يثبت امتناع كون العنصريات في الفلكيات ببرهان، وقد دل الشرع على وقوعه في مواضع شتى. 6 - الاحتجاج: روى القاسم بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما خلق الله عزوجل القمر كتب عليه (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين) وهو السواد الذي ترونه (2). 7 - الخصال: عن علي بن أحمد بن موسى، عن علي بن الحسن الهسنجاني عن سعد (3) بن كثير بن عفير، عن ابن لهيعة ورشيد بن سعد، عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجبلي، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه


(1) العلل: ج 2، ص 263، الخصال: 10. (2) الاحتجاج: 83 اقول: لعل معنى الرواية ان نظام الكون يشهد بصحة هذه الاصول الثلاثة اما التوحيد فظاهر واما النبوة فلان الله تعالى يهدى بها النوع الانساني إلى كماله و صلاحه، فوجود المصالح في سائر اجزاء العالم شاهد على سنة الهية في الكون هي ايصال كل نوع إلى ما فيه صلاحه، وينحصر طريق ذلك في النوع الانساني بارسال الانبياء، واما الولاية فلانها ابقاء لاثار النبوة واكمال للدين. واما دلالة سواد القمر على ذلك فلانه اشبه شئ بخط تكويني على لوح صاف نير وسيأتى من العلامة المؤلف رحمه الله نظير هذا التوجيه في ذيل الحديث (18) من هذا الباب. (3) كذا، والصحيح (سعيد بن كثير بن عفير) كما عنونه ابن حجر في لسان الميزان. (6: 562) والخزرجى في الخلاصة (120) وذكر انه كان من اعلم الناس بالانساب والاخبار والمناقب والمثالب وكان أديبا فصيحا مات سنة (226).

[157]

الذي توفي فيه: ادعوا إلي أخي. قال: فأرسلوا إلى علي عليه السلام فدخل، فوليا وجوههما إلى الحائط وردا عليهما ثوبا فأسر إليه والناس محتوشون وراء الباب فخرج علي عليه السلام فقال له رجل من الناس: أسر إليك نبي الله شيئا ؟ قال: نعم أسر إلي ألف باب في كل باب ألف باب. وقال: وعيته ؟ قال: نعم، وعقلته. فقال: فما السواد الذي في القمر ؟ قال: إن الله عزوجل قال (وجعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال له الرجل: عقلت يا علي (1). بيان: (فوليا) أي النبي وعلي عليهما السلام ويقال (احتوش القوم على فلان) أي جعلوه وسطهم، ويقال (وعاه) أي حفظه، والظاهر أن السؤال كان عن علة الكلف في القمر فأجاب عليه السلام بأنه إنما جعل فيه ذلك ليقل نوره ويحصل الفرق بينه وبين الشمس فيمتاز الليل من النهار كما يدل عليه خبر ابن سلام فالمحو في الآية تقليل نور القمر بإحداث الكلف فيه. واعلم أنهم اختلفوا في سبب الكلف فقيل: خيال لاحقيقة له، واورد عليه بأنه يستحيل عادة توافق جميع الناس في خيال واحد لاحقيقة له. وقيل: هو شبح ما ينطبع فيه من السفليات من الجبال والبحار وغيرها وزيف بأنه لو كان كذلك لكان يختلف باختلاف القمر في قربه وبعده وانحرافه عما ينطبع فيه. وقيل: هو السواد الكائن في الوجه الآخر، واورد عليه بأنه لو كان كذلك لم ير متفرقا. وقيل: وهو سحق النار للقمر، واجيب بأنه غير مماس للنار لانه مركوز في تدوير هو في ثخن حامل، فبينه وبين النار بعد بعيد، ولو فرض أنه في حضيض التدوير مع كونه في حضيض الحامل لم يتصور هناك مماسة إلا بنقطة واحدة، وأيضا فهو غير قابل للتسخن عندهم فكيف ينسحق بها. وقيل: هو جزء منه لا يقبل النور كسائر أجزائه القابلة له، واورد عليه أنه مخالف لما ذهبوا إليه من بساطة الفلكيات فيبطل جميع قواعدهم المبنية على بساطتها. وقيل: هو وجه القمر فإنه مصور بصورة إنسان، فله عينان وحاجبان وأنف وفم، واجيب بأنه


(1) الخصال: 157.

[158]

لا فائدة في جعل هذه الاجزاء فيه. وقيل: هو أجسام سماوية مختلفة معه في تدويره غير قابلة للانارة حافظة لوضعها معه دائما، وهذا أقرب الموجوه عندهم، وكل ذلك قول بغير علم، ولا نعلم من ذلك إلا أنه سبحانه خلقه كذلك، والبحث عن سببه لا طائل تحته، وسنذكر وجوها اخر بعد ذلك إن شاء الله. 8 - العيون والعلل: في خبر يزيد بن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله: ما بال الشمس والقمر لا يستويان في الضوء والنور ؟ قال: لما خلقهما الله عزوجل أطاعا ولم يعصيا شيئا، فأمر الله عزوجل جبرئيل أن يمحو ضوء القمر فمحاه، فأثر المحو في القمر خطوطا سوداء، ولو أن القمر ترك على حاله بمنزلة الشمس لم يمح لما عرف الليل من النهار ولا النهار من الليل، ولا علم الصائم كم يصوم، ولاعرف الناس عدد السنين، وذلك قول الله عزوجل (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب) قال: صدقت يا محمد، فأخبرني لم سمي الليل ليلا ؟ قال: لانه يلايل الرجال من النساء، جعله الله عزوجل الفة ولباسا، وذلك قول الله عزوجل (وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) قال: صدقت يا محمد (1) (الخبر). بيان: يظهر من الخبر أن الليل مشتق من الملايلة، وهي بمعنى المؤالفة والموافقة، والمشهور عند اللغويين عكس ذلك، قال الفيروز آبادي: لايلته استجرته لليلة، وعامله ملايلة كمياومة (2). 9 - العلل والعيون: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن طول الشمس والقمر وعرضها، قال: تسعمائة فرسخ (الخبر) (3).


(1) العلل: ج 2، ص 155 ولم يوجد في العيون وكان لفظة (العيون) في المتن زائدة لاختصاصه باخبار الرضا عليه السلام. (2) القاموس: ج 4، ص 48. (3) هذا الخبر مذكور في نسخة امين الضرب دون سائر النسخ. العيون: ج 1، ص 241 العلل، ج 2، ص 280.

[159]

10 - الاحتجاج: عن الاصبغ: قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن المحو الذي يكون في القمر، قال عليه السلام: الله أكبر، الله أكبر (1)، رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء ! أما سمعت الله تعالى يقول (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ؟) (الخبر) (2). العياشي: عن أبي الطفيل مثله. بيان: (عن مسألة عمياء) أي غامضة مشتبهة يصعب فهمها. 11 - تفسير علي بن إبراهيم في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) يقول: الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، لا ينبغي للشمس أن تكون مع ضوء القمر بالليل (ولا يسبق الليل النهار) يقول: لا يذهب الليل حتى يدركه النهار (وكل في فلك يسبحون) يقول: يجئ (3) وراء الفلك بالاستدارة (4). بيان: (يجئ وراء الفلك) لعل المعنى: تابعا لسير الفلك فكأنه وراءه. 12 - العيون: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن أحمد بن محمد، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة اتي بالشمس والقمر في صورة ثورين عقيرين فيقذفان بهما وبمن يعبدهما في النار، وذلك أنهما عبدا فرضيا (5) بيان: قال في النهاية: في حديث كعب (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار) قيل: لما وصفهما الله تعالى بالسباحة في قوله (كل في فلك يسبحون) ثم أخبر أنه يجعلهما في النار يعذب بهما أهلها بحيث لا يبرحانها صارا كأنهما زمنان


(1) في المصدر: الله أكبر ثلاث مرات. (2) الاحتجاج: 138. (3) في المصدر: يجرى. (4) تفسير القمى: 550. (5) لم نجد هذه الرواية في العيون لكنها موجودة في العلل (2: 292) ولعله من غلط النساخ.

[160]

عقيران، حكى ذلك أبو موسى وهو كما تراه (1). وقال: العقير: المنحور (2) لانهم كانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، أي قطعوا إحدى قوائمه ثم نحروه. 13 - التفسير: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال: المحو في القمر (3). 14 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام عن الشمس أين تغيب ؟ قال: إن بعض العلماء (4) قالوا: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبدا إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها، يعني أنها تغيب في عين حامية ثم تخرق الارض راجعة إلى موضع مطلعها، فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها بالطلوع، ويسلب نورها كل يوم وتتجلل نورا آخر. قال: فخلق النهار قبل الليل ؟ قال: نعم، خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر والارض قبل السماء (5) (الخبر). بيان: قوله عليه السلام (صاعدة) أشار عليه السلام بذلك إلى أن الشمس إذا غابت عندنا تطلع على قوم آخرين، فهي عندهم صاعدة إلى أن تصل إلى قمة الرأس عندهم وهي قمة القدم عندنا، ثم تنحط عندهم إلى أن تصل إلى مشرقنا. وتحيرها و إذنها لعلهما كنايتان عن أنها مسخرة للرب متحركة بقدرته، إذا شاء حركها ومتى شاء سكنها، ففي كل آن من آنات حركتها في مطلع قوم، وطلوعها عليهم بإذنه وقدرته سبحانه، ولو شاء لجعلها ساكنة، ولما كان الباقي في البقاء محتاجا إلى المؤثر فهي في كل آن باعتبار إمكانها مسلوبة النور والصفات والوجود بحسب ذاتها، وإنما تكتسب جميع ذلك من خالقها ومدبرها فهي في جميع الاوقات والازمان


(1) النهاية: ج 3 ص 115. (2) في المصدر:.. أي الجزور المنحور، يقال جمل عقير وناقة عقير، قيل: كانوا إذا أرادوا ألخ. النهاية: ج 3، ص 114. (3) تفسير القمى: 378. (4) في المصدر: قال: (5) الاحتجاج: 192.

[161]

تحت عرش الرحمن وقدرته، متحيرة في أمرها، ساجدة خاضعة لربها، تسأله بلسان إمكانها وافتقارها الاذن في طلوعها وغروبها، وتكسى حلة من نوره تعالى. و القائلون بتجدد الامثال يمكنهم التمسك بأمثال هذا الخبر، لكن على ما حققناه لا دلالة لها على مذهبهم. وإنما أو مأت لك إلى بعض الاسرار، ليمكنك فهم غوامض الاخبار، وقد مر تحقيق خلق النهار قبل الليل في الباب الاول. 15 - التوحيد: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر (1) (الخبر). 16 - قصص الراوندي: بالاسناد إلى الصدوق، عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن موسى سأل ربه أن يعلمه زوال الشمس فوكل الله بها ملكا فقال: يا موسى قد زالت الشمس، فقال موسى: متى ؟ فقال: حين أخبرتك وقد سارت خمسمائة عام ! 17 - العياشي: عن أبي بصير: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى (فمحونا آية الليل) قال: هو السواد الذي في جوف القمر. 18 - ومنه: عن نصر بن قابوس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السواد الذي في القمر محمد رسول الله (2). بيان: يحتمل أن يكون المراد أن هذا السواد لما كان من أعظم أسباب نظام العالم كما مر، والعلة الغائية لخلق العالم ونظامه هو صلى الله عليه وآله فكأنه يدل عليه، أو


(1) التوحيد: 64. وقد مر الخبر بعينه في باب العرش والكرسي تحت الرقم (45) وفى باب الحجب والسرادقات تحت الرقم (5) (2) قد مر منا بيان في ذيل الحديث (6) فراجع.

[162]

أنه لما دل على حكمة الصانع وعدم تفويته ما فيه صلاح الخلق ورسالته صلى الله عليه وآله أعظم المصالح فهو يدل عليه، مع أنه لا حاجة إلى هذه التكلفات ويمكن حمله على الحقيقة. 19 - العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام تغرب الشمس في عين حامية في بحر دون المدينة التي تلي المغرب يعني جابلقا. 20 - كتاب النجوم للسيد بن طاووس بأسانيده إلى محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الدلائل، عن محمد بن همام، عن محمد بن موسى بن عبيد، عن إبراهيم بن أحمد اليقطيني، قال: حدثني ابن ذي العلمين (1) قال: كنت واقفا بين يدي ذي الرياستين بخراسان في مجلس المأمون وقد حضره أبو الحسن الرضا عليه السلام فجرى ذكر الليل والنهار وأيهما خلق قبل، فخاضوا في ذلك واختلفوا، ثم إن ذا الرياستين سأل الرضا عليه السلام عن ذلك وعما عنده فيه، فقال له: أتحب أن اعطيك الجواب من كتاب الله أو من حسابك ؟ فقال: اريده أولا من جهة الحساب، فقال: أليس تقولان إن طالع الدنيا (2) السرطان، وأن الكواكب كانت في شرفها ؟ قال: نعم، قال: فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والمريخ في الجدي والزهرة في الحوت، والقمر في الثور، والشمس في وسط السماء في الحمل، وهذا لا يكون إلا نهارا. قال: نعم، فمن كتاب الله ؟ قال: قول الله عزوجل (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار (3)) أي النهار يسبقه. قال السيد: ورويناه أيضا بعدة أسانيد عن ابن جمهور العمي وكان عالما فاضلا في كتاب الواحدة، قال: ومن مسائل ذي الرياستين للرضا عليه السلام أنهم تذاكروا بين يدي المأمون خلق الليل والنهار، فبعض قال: خلق الله النهار قبل الليل، و بعض قال: خلق الليل قبل النهار، فرجعوا بالسؤال إلى أبي الحسن عليه السلام فقال:


(1) في بعض النسخ: ابن ذى القلمين. (2) العالم (خ). (3) يس: 40.

[163]

إن الله جل ذكره خلق النهار قبل الليل، وخلق الضياء قبل الظلمة، فإن شئتم أوجدتكم من القرآن، وإن شئتم أوجدتكم من النجوم. فقال ذو الرياستين: أوجدنا من الجهتين جميعا. فقال: أما النجوم فقد علمت أن طالع العالم السرطان ولايكون ذلك إلا والشمس في بيت شرفها في نصف النهار، وأما القرآن ألم تسمع إلى قوله تبارك وتعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) (الآية). 21 ومنه: نقلا من كتاب ابن جمهور أيضا بإسناده أن أمير المؤمنين عليه السلام لما صعد المنبر وقال سلوني قبل أن تفقدوني، قال: فقام إليه رجل فسأله عن السواد الذي في القمر فقال عليه السلام: أعمى سأل عن عمياء ! أما سمعت الله عزوجل يقول: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة (1)) والسواد الذي تراه في القمر أن الله عزوجل خلق من نور عرشه شمسين فأمر جبرئيل فأمر جناحه الذي سبق من (2) علم الله جلت عظمته لما أراد أن يكون من اختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر وعدد الساعات والايام والشهور، والسنين والدهور، والارتحال والنزول، و الاقبال والادبار، والحج والعمرة، ومحل الدين، وأجر الاجير، وعدد أيام الحبل، والمطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وما أشبه ذلك. بيان: (الذي) أي على الذي سبق في علم الله أن يكون قمرا، والظاهر أنه كان هكذا على أحدهما للذي سبق. 22 - الكافي: عن علي بن ابراهيم، عن أخيه إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الايام، قال: كذلك هو، قلت: جعلت فداك كيف ذلك ؟ قال: إن الله تعالى يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا ركدت الشمس عذب الله أرواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود


(1) الاسراء: 12. (2) في (خ).

[164]

رفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة، فلا يكون للشمس ركود (1). 23 - الاختصاص: عن محمد بن أحمد العلوي، عن أحمد بن زياد، عن علي ابن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات والارض و الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب (2)) (الآية) فقال: إن للشمس أربع سجدات كل يوم وليلة: سجدة إذا صارت في طول السماء قبل أن يطلع الفجر، قلت: بلى جعلت فداك، قال: ذاك الفجر الكاذب، لان الشمس تخرج ساجدة وهي في طرف الارض، فإذا ارتفعت من سجودها طلع الفجر و دخل وقت الصلاة. وأما السجدة الثانية فإنها إذا صارت في وسط القبة وارتفع النهار ركدت قبل الزوال، فإذا صارت بحذاء العرش ركدت وسجدت، فإذا ارتفعت من سجودها زالت عن وسط القبة فيدخل وقت صلاة الزوال. وأما السجدة الثالثة أنها إذا غابت من الافق خرت ساجدة، فإذا ارتفعت من سجودها زال الليل، كما أنها حين زالت وسط السماء دخل وقت الزوال زوال النهار (3). بيان: السجود في الآية بمعنى غانة الخضوع والتذلل والانقياد، سواء كان بالارادة والاختيار أو بالقهر والاضطرار، فالجمادات لما لم يكن لها اختيار وإرادة فهي كاملة في الانقياد والخضوع لما أراد الرب تعالى منها، فهي على الدوام في السجود


(1) فروع الكافي (طبعة دار الكتب) ج 3، ص 416 اقول: هذه الرواية وما يشابهها من الروايات الاتية من الاخبار المتشابهة وسيأتى من العلامة المؤلف رحمه الله ان فيها جهات من الاشكال ويذكر ايضا ما يمكن ان يقال في دفعها، ولعل اقرب الوجوه في معنى ركود الشمس انها إذا بلغت إلى وسط السماء يرى سيرها بحسب ظاهر الحس بطيئا جدا حتى كونها واقفة لا حركة لها وفى معنى قصر يوم الجمعة انها يوم العيد والراحة وما يمضى من الاوقات بالراحة والسرور يعد قصيرا، مع ان ارواح الكفار بحسب هذه الرواية لا تعذب في هذا اليوم فيكون لهم قصيرا جدا كما أن سائر الايام تطول عليهم في الغاية. (2) الحج: 18. (3) الاختصاص: 213.

[165]

والانقياد للمعبود، والتسبيح والتقديس له سبحانه بلسان الذل والامكان والافتقار وكذا الحيوانات العجم، وأما ذوو العقول فلما كانوا ذوي إرادة واختيار فهم من جهة الامكان والافتقار والانقياد للامور التكوينية كالجمادات في السجود و التسبيح، ومن حيث الامور الارادية والتكليفية منقسمون بقسمين: منهم الملائكة وهم جميعا معصومون ساجدون منقادون من تلك الجهة أيضا، ولعل المراد بقوله (من في السماوات والارض) هم (1) وأما الناس فهم قسمان: قسم مطيعون من تلك الجهة أيضا، ومنهم عاصون من تلك الجهة وإن كانوا مطيعين من الجهة الاخرى، فلم يتأت منهم غاية ما يمكن منهم من الانقياد، فلذاقسمهم سبحانه إلى قسمين فقال (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب (2)) فإذا حققت الآية هكذا لم تحتج إلى ما تكلفه المفسرون من التقديرات والتأويلات وسيأتي بعض ما ذكروه في هذا المقام. وأما الخبر فلعله كان ثلاث سجدات أو سقط الرابع من النساخ، ولعله بعد زوال الليل إلى وقت الطلوع، أو قبل زوال الليل كما في النهار، وإنما خص عليه السلام السجود بهذه الاوقات لانه عند هذه الاوقات تظهر للناس انقيادها لله، لانها تتحول من حالة معروفة إلى حالة اخرى ويظهر تغير تام في أوضاعها، وأيضا إنها أوقات معينة يترصدها الناس لصلواتهم وصيامهم وسائر عباداتهم ومعاملاتهم، وأيضا لما كان هبوطها وانحدارها وأفولها من علامات إمكانها وحدوثها كما قال الخليل عليه السلام (لا أحب الآفلين) خص السجود بتلك الاحوال، أو بما يشرف عليها والله يعلم أسرار الآيات والاخبار، و حججه الابرار عليهم السلام. 24 - الاختصاص: قال الصادق عليه السلام: إذا كان عند غروب الشمس وكل الله بها ملكا ينادي (أيها الناس أقبلوا على ربكم، فإن ماقل وكفى خير مما كثر


(1) ظاهر الاية الشريفة سجود عامة من في السماوات والارض لا خصوص الملائكة فقط وعلى هذا فحمل السجود فيها على السجود التكويني الذى يعم جميع الخلائق أولى. (2) الحج: 18.

[166]

وألهى) وملك موكل بالشمس عند طولها ينادي (يا ابن آدم لد للموت، وابن للخراب، واجمع للفناء (1)). 25 - كتاب الغارات: لابراهيم الثقفي رفعه إلى أبي عمران الكندري قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن السواد الذي في جوف القمر، قال: إن الله عزوجل يقول (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل (2)) السواد الذي في جوف القمر. قال: فكم بين المشرق والمغرب ؟ قال: مسيرة يوم للشمس تطلع من مطلعها فتأتي مغربها، من حدثك غير ذلك كذبك. 26 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، قال العالم عليه السلام: علة رد الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام وما طلعت على أهل الارض كلهم أنه جلل الله السماء بالغمام إلا الموضع الذي كان فيه أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، فإنه جلاه حتى طلعت عليهم. قال: والعلة في قصر يوم الجمعة أن الله يجمع الارواح أرواح الكفار والمشركين فيعذبهم تحت عين الشمس إلا يوم الجمعة، فإنه ليس للشمس ركود ولا يعذب الكفار لفضل يوم الجمعة. 27 - تفسير على بن ابراهيم في قوله تعالى (حتى عاد كالعرجون القديم) قال: العرجون طلع النخل، وهو مثل الهلال في أول طلوعه. قال: وحدثني أبي، عن داود بن محمد النهدي (3) قال: دخل أبو سعيد المكاري على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أبلغ من قدرك أن تدعي ما ادعى أبوك ؟ فقال له الرضا عليه السلام مالك أطفأ الله نورك وأدخل الفقر بيتك ؟ ! أما علمت أن الله أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرا فوهب له مريم. ووهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم ومريم من عيسى ومريم وعيسى (4) واحد، وأنا من أبي، وأبي مني، وأنا وأبي شئ واحد. فقال له


(1) الاختصاص: 234. (2) الاسراء: 12. (3) في المصدر: الفهدى. (4) في المصدر: ومريم وعيسى شئ واحد.

[167]

أبو سعيد: فأسألك عن مسألة ؟ قال: سل ولا إخالك تقبل مني ولست من غنمي ولكن هاتها. فقال له: ما تقول في رجل قال عند موته كل مملوك له قديم فهو حر لوجه الله ؟ قال: نعم، ما كان لستة أشهر فهو قديم وهو حر، لان الله يقول (و القمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (1)) فما كان لستة أشهر فهو قديم وهو حر، قال: فخرج من عنده وافتقر وذهب بصره ثم مات لعنه الله وليس عنده مبيت ليلة (2). بيان: هذا التفسير للعرجون غريب لم أره في غير هذا الكتاب، ولا يناسب وصفه بالقديم أيضا. وفي القاموس: الطلع من النخل شئ يخرج كأنه نعلان مطبقان، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها (3). وأبو سعيد كان من الواقفة و كان ينكر إمامة الرضا عليه السلام وإطفاء النور كناية عن ذهاب العز أو ذهاب نور البصر ولعل جوابه عليه السلام مبني على أن الواقفة كانوا متمسكين بما روي عن الصادق عليه السلام أن القائم عليه السلام من ولدي، فأجاب عن استدلالهم بأن ولد الولد أيضا ولد، ولو سلم كونه مجازا فعلاقة المجاز هنا قوية للاتحاد في الكمالات والانوار وفي القاموس خال الشئ خيلولة: ظنه، وتقول في مستقبله: إخاله - بكسر الالف - ويفتح في لغية (4). قوله (ولست من غنمي)) أي ممن يقول بإمامتي و من شيعتي (وليس عنده مبيت ليلة) أي قوت ليلة. 28 - الفقيه: بإسناده عن محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن ركود الشمس فقال: يا محمد، ما أصغر جثتك وأعضل مسألتك ! وإنك لاهل للجواب إن الشمس إذا طلعت جذبها سبعون ألف ملك بعد أن أخذ بكل شعاع (5) منها خمسة آلاف من الملائكة من بين جاذب ودافع، حتى إذا بلغت الجو وجازت


(1) يس: 39. (2) تفسير على بن ابراهيم: 551. (3) القاموس: ج 3، ص 59. (4) القاموس: ج 3، ص 372. (5) شعبة (خ).

[168]

الكوة قلبها ملك النور ظهر البطن، فصار ما يلي الارض إلى السماء وبلغ شعاعها تخوم الارض (1) فعند ذلك نادت الملائكة (سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد الله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) فقلت (2) له: جعلت فداك احافظ على هذا الكلام عند زوال الشمس ؟ فقال: نعم، حافظ عليه كما تحافظ على عينك (3) فإذا زالت الشمس صارت الملائكة من ورائها يسبحون الله في فلك الجو إلى أن تغيب (4). 29 - وسئل الصادق عليه السلام عن الشمس كيف تركد كل يوم ولايكون لها يوم الجمعة ركود ؟ قال: لان الله عزوجل جعل يوم الجمعة أضيق الايام، فقيل له: ولم جعله أضيق الايام ؟ قال: لانه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده (5). بيان: (الركود) السكون والثبات (ما أصغر جثتك ؟) تعجب من أن الانسان مع هذا الصغر يطلب فهم معاني الامور ودقائقها، أو تأديب له بأنه لا ينبغي له أن يتكلف علم ما لم يؤمر بعلمه. وقال في النهاية: أصل العضل المنع و الشدة، يقال (أعضل بي الامر) إذا ضاقت عليك فيه الحيل، ومنه حديث عمر (أعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو حسن) وروي (معضلة) أراد المسألة الصعبة أو الخطة الضيقة المخارج من الاعضال أو التعضيل، ويريد بأبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام (6) (بعد أن أخذ) ليس في بعض النسخ (بعد أن) وعلى التقديرين يحتمل أن يكون خمسة آلاف من جملة السبعين أو غيرهم، وإن كان الثاني على


(1) في المصدر: العرش. (2) في المصدر: (فقال له) وهو المناسب لسياق الكلام. (3) عينيك (خ). (4) من لا يحضره الفقيه: 60. (5) من لا يحضره الفقيه: 60. (6) النهاية: ج 3، ص 104.

[169]

النسخة الاولى أظهر (من بين جاذب ودافع) على الاول يكون المعنى أن هؤلاء السبعين مرددون من بين جاذب يجذبها قدامها، ودافع يدفعها من خلفها، ومنقسمون إليهما، أو الشمس كائنة بين جاذب ودافع من تلك السبعين، فالمراد بالجذب أولا ما يصير سببا للحركة أعم من أن يكون بالجذب أو الدفع، أو يكون نسبة الجذب إلى الجميع على المجاز وعلى الثاني فالمعنى أن الشمس واقعة بين جاذب من سبعين ألف ملك، ودافع من خمسة آلاف، وعلى الوجهين يحتمل أن يكون المراد بحركة الجذب الحركه اليومية السريعة على خلاف التوالي التابعة لحركة الفلك الاطلس التي يحصل اليوم والليل منها، وبحركة الدفع حركة الفلك الرابع الذي فيه الشمس على توالي البروج وهي بطيئة تقطع بها في كل سنة دورة، فالمعنى أن الشمس إذا طلعت جذبها الملائكة السبعون ألفا إلى المغرب بالحركة اليومية مع أنه أخذ بكل شعاع منها أو بمكان كل شعاع منها خمسة آلاف من الملائكة تدفعها إلى جانب المشرق بالحركة الخاصة، فتسير الشمس بقدر فضل ما بين الحركتين (حتى إذا بلغت الجو) أي وسط السماء مجازا، وفي الاصل ما بين السماء والارض (وجازت الكوة) في بعض النسخ بدون التاء، وفي القاموس: الكوة ويضم و الكو: الخرق في الحائط، أو التذكير للكبير والتأنيث للصغير، والجمع: كوى وكوا (1) (انتهى) أي خرجت أشعة الشمس من الكوى المشرقية، وذلك عند قرب الزوال، وربما يؤول الكوة بدائرة نصف النهار على الاستعارة (قلبها ملك النور) ربما يؤول ذلك بأنه لما كانت الشمس صاعدة كان الجانب الذي منها يلي المشرق تحت الجانب الغربي منها، فإذا جازت نصف النهار وانحدرت صار الامر بالعكس، وصار ما كان يلي الارض أي الجانب الشرقي إلى السماء أي إلى جهة الفوق، فلذا نسب إليه القلب، ولا يخفى أنه على هذا يصير الكلام قليل الجدوى مع أن ظاهره غير ممتنع. والتخوم: جمع التخم وهو منتهى كل قرية وأرض، و لعل المراد بفلك الجو جو الفلك، أي ما بين السماء الرابعة والخامسة.


(1) القاموس: ج 4، ص 238.

[170]

ثم إنه يرد الاشكال على هذه الاخبار من وجوه: الاول أن ركود الشمس حقيقة مخالف لما يشهد به الحس من عدم التفاوت في أجزاء النهار وقطع قسي مدارات الشمس والثانى أن الشمس في كل آن في نصف النهار لقوم، فيلزم سكون الشمس دائما. الثالث أن التفاوت بين يوم الجمعة وغيره أيضا مما يشهد الحس بخلافه الرابع أن حرارة الشمس ليس باعتبار جرمه حتى يقع تعذيب أرواح المشركين بتقريبهم من عين الشمس، بل باعتبار انعكاس الاشعة عن الاجسام الكثيفة، ولذا كلما بعد عن الارض كان تأثير الحرارة فيه أخف. ويمكن الجواب عن الاول والثالث بأنه يمكن أن يكون الركود قليلا لا يظهر في الآلات التي تعرف بها الساعات، ولا يمكن الحكم على التواسع والعواشر وأقل منها على اليقين، وإنما مبناها على التخمين. وعلى الثاني بأنه يمكن أن يكون المراد نصف نهار موضع خاص كمكة أو المدينة أو قبة الارض، واورد عليه بأنه يلزم أن يقع الركود في البلاد الاخر في الضحى أو في العصر ولا يلتزمه أحد. وعن الرابع بأنه يمكن أن يكون للشمس حرارتان: حرارة من جهة الجرم واخرى من جهة الانعكاس، وما قيل من أن الفلكيات لاتقبل تلك الكيفيات لم يثبت بدليل قاطع. وربما يؤول الركود بوجهين: الاول أنه عند القرب من نصف النهار يحس بحركة (1) الشمس في غاية البطء، فكأنه ساكن فاطلق الركود عليه مجازا، أو بأنه يعدم الظل عند الزوال في بعض البلاد فلا حركة للظل حينئذ فركود الشمس ركود ظله، وما قيل من أن المراد ركود الظل بناء على ما تقرر من أن بين كل حركتين مستقيمتين سكون فلابد من سكون بين زيادة الظل و نقصانه فلا يخفى بعد حمل الركود على مثل ذلك جدا، مع أن نسبة الحركة إلى الظل مجاز بل هو إيجاد لبعض أجزاء الظل وإعدام له، وعلى تقدير كونه حقيقة فليست بحركة مستقيمة. الثاني أنه لما كانت أيام الراحة عند الناس سريعة الانقضاء وأيام الشدة طويلة، فيوم الجمعة عند المشركين قصيرة لعدم تعذيبهم عند


(1) حركة (خ).

[171]

زوال الشمس فيه، وسائر الايام طويلة عندهم لتعذيبهم عند زواله، فالمراد بقول السائل في الخبر الثاني (كيف تركد ؟) ما معنى ركودها، فأجاب عليه السلام بأن المراد هذا الركود والضيق المجازيان. وربما يحمل ضيق الجمعة وقصره على أن أعمال المؤمنين فيه كثيرة لا يسع اليوم لها، فكأنه لا تركد فيه الشمس. ولا يخفى بعد هذه الوجود كلها، والاولى في أمثال ذلك عدم الخوض فيها والتسليم لها بأي معنى صدرت عنهم عليهم السلام على تقدير صحتها، فإنها من متشابهات الاحبار ومعضلات الآثار، ولا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم. 30 - الفقيه: بسنده الصحيح عن حريز بن عبد الله، أنه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل فقال له: جعلت فداك، إن الشمس تنقض ثم تركد ساعة من قبل أن تزول ؟ فقال: إنها تؤامر: أتزول أم لا تزول (1). بيان: انقضاض الطائر هويها ليقع، وهذا أسرع ما يكون من طيرانه، و المراد هنا سرعة حركة الشمس عند الصعود، وركودها بطء حركتها. والمؤامرة إما من الملائكة الموكلين بها، أو هي استعارة تمثيلية شبهت حالة الشمس في سرعتها عند الصعود وركودها ثم إسراعها في الهبوط بمن أتى سلطانا قاهرا ثم أمره هل يذهب إلى حاجة اخرى أم لا، والغرض هنا ليس محض الاستعارة بل بيان أن جميع المخلوقات مقهورة بقهره سبحانه، مسخرة لامره، وكل ما يقع منها بتقديره و تدبيره تعالى. 31 - الفقيه: عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى ابن عمران عليه السلام أن أخرج عظام يوسف عليه السلام من مصر ووعده طلوع القمر، فأبطأ طلوع القمر عليه فسأل عمن يعلم موضعه، فقيل له: ههنا عجوز تعلم علمه، فبعث إليها فاتي بعجوز مقعدة عمياء، فقال: تعرفين (2) قبر يوسف ؟ قالت: نعم، قال: فأخبريني بموضعه، قالت: لا أفعل حتى تعطيني خصالا: تطلق رجلي، وتعيد


(1) من لا يحضره الفقيه: 60. (2) في المصدر: أتعرفن

[172]

إلي بصري، وترد إلي شبابي، وتجعلني معك في الجنة. فكبر ذلك على موسى عليه السلام، فأوحى الله عزوجل إليه: إنما تعطي علي فأعطها ما سألت، ففعل فدلته على قبر يوسف عليه السلام فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر، فلما أخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام (1). أقول: قد مر نقلا عن العيون عن الرضا عليه السلام أنه قال: احتبس القمر عن بني إسرائيل، فأوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام أن أخرج عظام يوسف من مصر ووعده طلوع القمر إذا أخرج عظامه، فسأل موسى عليه السلام عمن يعلم موضعه وساق الخبر كما مر. بيان: يدل ردا على الفلاسفة على جواز الاختلاف في حركة الفلكيات، و منعها عن الحركة بإذن خالق الارضين والسماوات. 32 - المتهجد: روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الايام. قال: كذلك هو، قلت: جعلت فداك، كيف ذاك ؟ قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا كدرت الشمس عذبت أرواح المشركين بركود الشمس فإذا كان يوم الجمعة رفع عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة، فلا يكون للشمس ركود (2). 33 - توحيد المفضل: فكريا مفضل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق، فصار منتهى كل واحد منهما إذا امتد إلى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك (3) أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مائة ساعة أو مائتي ساعة ألم يكن في ذلك بوار كل ما في الارض من حيوان ونبات ؟ أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر طول هذه المدة، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لودام لها ضوء النهار، ولا الانسان كان يفتر عن العمل والحركة، وكان ذلك سيهلكها


(1) من لا يحضره الفقيه: 51. (2) قد مر الخبر مسندا عن الكافي تحت الرقم (22) من هذا الباب. (3) يعنى في معظم المعمورة، وإلا ففى البلاد القطبية يطول النهار إلى ستة أشهر.

[173]

أجمع ويؤديها إلى التلف. وأما النبات فكان يطول عليه حر النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق، وكذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعا، وتخمد الحرارة الطبيعية من النبات حتى يعفن ويفسد، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس. اعتبر بهذا الحر والبرد كيف يتعاوران العالم، ويتصرفان هذا التصرف من الزيادة والنقصان والاعتدال لاقامة هذه الازمنة الاربعة من السنة، وما فيهما من المصالح، ثم هما بعد دباغ الابدان التي عليها بقاؤها وفيها صلاحها، فإنه لولا الحر والبرد وتداولهما الابدان لفسدت وأخوت وانتكثت. فكر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل، فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شئ، والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة و النقصان، ولو كان دخول أحدهما على الآخر مفاجأة لاضر ذلك بالابدان وأسقمها كما أن أحدكم لو خرج من حمام حار إلى موضع البرودة لضره ذلك وأسقم بدنه، فلم جعل الله عزوجل هذا الرسل (1) في الحر والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجأة ؟ ولم جرى الامر على ما فيه السلامة من ضر (2) المفاجأة لو لا التدبير في ذلك ؟ فإن زعم زاعم أن هذا الترسل في دخول الحر والبرد إنما يكون لابطاء مسير الشمس في الارتفاع والانحطاط سئل عن العلة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها، فإن اعتل في الابطاء ببعد ما بين المشرقين سئل عن العلة في ذلك، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه إلى حيث رقى من هذا القول حتى استقر على العمد والتدبير. لولا الحر لما كانت الثمار الجاسية المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة ويابسة، ولو لا البرد لما كان الزرع يفرخ هكذا ويريع الريع الكثير الذي يتسع للقوت وما يرد في الارض للبذر، أفلا ترى ما في الحر والبرد


(1) الترسل (خ). (2) ضرر (خ).

[174]

من عظيم الغناء والمنفعة، وكلاهما مع غنائه والمنفعة فيه يؤلم الابدان ويمضها وفي ذلك عبرة لمن فكر، ودلالة على أنه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم و ما فيه. توضيح: قوله عليه السلام (لا يجاوز ذلك) أي في معظم المعمورة، وفي المصباح: خوت الدار: خلت من أهلها، وخوت الابل تخوية: خمصت بطونها، وقال الفيروز آبادي: خوت الدار تهدمت، والنجوم خيا أمحلت فلم تمطر كأخوت وخوت وقال: المنتكث المهزول، وقال: الترسل الرفق والتؤدة (انتهى) قوله عليه السلام (ببعد ما بين المشرقين) أي المشرق والمغرب كناية عن عظم الدائرة التي يقطع عليها البروج، أو مشرق الصيف والشتاء، والاول اظهر. قوله عليه السلام (الجاسية) أي الصلبة (حتى يتفكه بها) أي يتمتع بها، والريع: النماء والزيادة، وقال الجوهري: أمضنني الجرح إمضاضا إذا أوجعك، وفيه لغة اخرى: مضني الجرح ولم يعرفها الاصمعي (1). 34 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فإن قالوا فلم يختلف فيه أي في ذاته تعالى وصفاته ؟ قيل لهم: لقصر الافهام عن مدى عظمته، وتعديها أقدارها في طلب معرفته، وأنها تروم الاحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، و لذلك كثرت الاقاويل فيها، واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها، فقال بعضهم: هو فلك أجوف مملو نارا له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون: هو سحابة، وقال آخرون: هو جسم زجاجي يقبل نارية في العالم ويرسل عليه شعاعها وقال آخرون: هو صفو لطيف ينعقد من ماء بحر، وقال آخرون: هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون: هو من جوهر خامس سوى الجواهر الاربع. ثم اختلفوا في شكلها فقال بعضهم: هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون: هي كالكرة المدحرجة، وكذلك اختلفوا في مقدارها فزعم بعضهم أنها مثل الارض


(1) الصحاح: ج 3، 1106.

[175]

سواء، وقال آخرون: بل هي أقل من ذلك، وقال آخرون: بل هي أعظم من الجزيرة العظيمة، وقال أصحاب الهندسة: هي أضعاف الارض مائة وسبعون مرة ففي اختلاف هذه الاقاويل منهم في الشمس دليل على أنهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، وإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحس قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم ؟ ! بيان: أقول: لعل ما ذكره عليه السلام من قول أصحاب الهندسة قول بعض قدمائهم، مع أنه قريب من المشهور كما عرفت، والاختلاف بين قدمائهم ومتأخريهم في أشباه ذلك كثير. 35 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام فكريا مفضل في طلوع الشمس وغروبها لاقامة دولتي النهار والليل، فلو لاطلوعها لبطل أمر العالم كله فلم يكن الناس يسعون في معايشهم، ويتصرفون في امورهم، والدنيا مظلمة عليهم ولم يكونوا يتهنؤون بالعيش مع فقدهم لذة النور وروحه، والارب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره، والزيادة في شرحه، بل تأمل المنفعة في غروبها، فلو لاغروبها لم يكن للناس هدوء ولاقرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة، لسكون أبدانهم، وجموم حواسهم، وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الاعضاء، ثم كان الحرص سيحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم، فإن كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار، حرصا على الكسب والجمع والادخار، ثم كانت الارض تستحمي (1) بدوام الشمس بضيائها (2) وتحمي كل ما عليها من حيوان و نبات، فقدرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا، بمنزلة سراج يرفع لاهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقروا، فصار


(1) ستحمى (خ). (2) وضيائها (خ).

[176]

النور والظلمة مع تضادهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه. ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لاقامة هذه الازمنة الاربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات، فيتولد فيهما مواد الثمار، ويستكثف الهواء، فينشأ منه السحاب والمطر وتشتد أبدان الحيوان وتقوى. وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، فيطلع النبات، وتنور الاشجار، ويهيج الحيوان للفساد وفي الصيف يحتدم الهواء، فتنضج الثمار. وتتحلل فضول الابدان، ويجف وجه الارض فتهيأ للبناء والاعمال. وفي الخريف يصفو الهواء، ويرتفع الامراض، وتصح الابدان ويمتد الليل ويمكن فيه بعض الاعمال لطوله، ويطيب الهواء فيه إلى مصالح اخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام. فكر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثني عشر لاقامة دور السنة وما في ذلك من التدبير، فهو الدور الذي تصح به الازمنة الاربعة من السنة: الشتاء، والربيع والصيف، والخريف، ويستوفيها على التمام، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات والثمار. وتنتهي إلى غاياتها، ثم تعود فيستأنف النشوء والنمو، ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل، فبالسنة وأخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالى العالم إلى كل وقت وعصر من غابر الايام، و بها يحسب الناس الاعمار والاوقات الموقتة للديون والاجارات والمعاملات وغير ذلك من امورهم، وبمسير الشمس تكمل السنة ويقوم حساب الزمان على الصحة انظر إلى شروقها على العالم كيف دبر أن يكون، فإنها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات، لان الجبال والجدران كانت تحجبها عنها، فجعلت تطلع في أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار، فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسطه من المنفعة منها، والارب التي قدرت له، ولو تخلفت

[177]

مقدار عام أو بعض عام كيف كان يكون حالهم ؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء ؟ أفلا يرى الناس كيف هذه الامور الجليلة التي لم تكن عندهم فيها حيلة فصار تجري على مجاريها، لا تعتل ولا تتخلف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه ؟ استدل بالقمر ففيه دلالة جليلة (1) تستعملها العامة في معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السنة، لان دوره لا يستوفي الازمنة الاربعة، ونشوء الثمار و وتصرمها، ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلف عن شهور الشمس وسنيها، و صار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة بالشتاء ومرة بالصيف. فكر في إنارته في ظلمة الليل والارب في ذلك، فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدء الحيوان وبرد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها، فلا يمكن فيه شئ من العمل، لانه ربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في تقصي الاعمال بالنهار، أو لشدة الحر وإفراطه، فيعمل (2) في ضوء القمر أعمالا شتى، كحرث الارض، وضرب اللبن. وقطع الخشب وما أشبه ذلك فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وانسا للسائرين وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض، ونقص مع ذلك من نور الشمس وضيائها لكيلا تنبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار، ويمتنعوا من الهدء والقرار، فيهلكهم ذلك، وفي تصرف القمر خاصة في مهله (3) ومحاقه، وزيادته، ونقصانه، وكسوفه من التنبيه على قدرة الله خالقه المصرف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر فيه المعتبرون. بيان: الدولة بالفتح والضم: انقلاب الزمان، ودالت الايام: دارت والله يداولها بين الناس. وهدء كمنع هدءا وهدوءا: سكن، ويقال: نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت، وجثم الانسان والطائر والنعام يجثم جثما


(1) جلية (ظ). (2) فيعملون (خ). (3) في تهلله (خ).

[178]

وجثوما: لزم مكانه لم يبرح، والمراد جثومهم في الليل، والتظاهر: التعاون، و نور الشجر أي أخرج نوره، وحدم النار شدة احتراقها، والتقصي: بلوغ أقصى الشئ ونهايته، والغابر: الباقي والماضي والمراد هنا الثاني، وبزغت الشمس بزوغا: شرقت، أو البزوغ ابتداء الطلوع، وقال الجوهري: اعتل عليه (1) واعتله إذا اعتاقه عن أمر (انتهى)، وليلة داجية أي مظلمة. 36 - الصحيفة السجادية: صلوات الله على من الهمها: كان من دعائه عليه السلام إذا نظر إلى الهلال: أيها الخلق المطيع الدائب السريع، المتردد في منازل التقدير المتصرف في فلك التدبير، آمنت بمن نور بك الظلم، وأوضح بك البهم، وجعلك آية من آيات ملكه، وعلامة من علامات سلطانه، وامتهنك بالزيادة والنقصان، و الطلوع والافول، والانارة والكسوف، في كل ذلك أنت له مطيع، وإلى إرادته سريع، سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك، وألطف ما صنع في شأنك ! جعلك مفتاح شهر حادث، لامر حادث إلى آخر الدعاء. تنوير: اعلم أن الهلال إنما سمي هلالا لجريان عادتهم برفع الاصوات عند رؤيته من الاهلال وهو رفع الصوت، وقد اضطربوا في تحديد الوقت الذي يسمى فيه بهذا الاسم، فقال في الصحاح: الهلال أول ليلة والثانية و الثالثة ثم هو قمر (2) وزاد صاحب القاموس فقال: الهلال غرة القمر، أو لليلتين، أو إلى ثلاث أو إلى سبع، ولليلتين من آخر الشهر: ست وعشرين، و سبع وعشرين، وفي غير ذلك قمر (3). وقال في مجمع البيان: اختلفوا في أنه إلى كم يسمى هلالا ومتى يسمى قمرا، فقال بعضهم: يسمى هلالا لليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال آخرون: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يسمى قمرا. وقال آخرون (4): يسمى هلالا حتى


(1) في المصدر: اعتل عليه بعلة.. الصحاح، ج 5، ص 1774. (2) الصحاح: ج 5، ص 1851. (3) القاموس: ج 4، ص 70. (4) في المصدر: قال بعضهم.

[179]

يحجر، وتحجيره أن يستدير بخط دقيق (1) وهذا قول الاصمعي، وقال بعضهم: يسمى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل ثم يقال قمر وهذا يكون في الليلة السابعة (2) (انتهى) وقالوا: إنما يسمى بعد الهلال قمرا لبياضه، فإن الاقمر هو الابيض وقيل: لانه يقمر الكواكب أي يغلبها بزيادة النور، ويسمى في الليلة الرابعة عشر بدرا. قال في الصحاح: سمي بذلك لمبادرته الشمس في الطلوع كأنه يعجلها المغيب، ويقال: سمي لتمامه (3) (انتهى) أي تشبيها له بالبدرة الكاملة، وهي عشرة آلاف درهم. قال الشيخ البهائي - ره - يمتد: وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا، والاولى عدم تأخيره عن الاولى عملا بالمتيقن المتفق عليه لغة وعرفا، فإن لم يتيسر فعن الثانية لقول أهل اللغة بالامتداد إليها، فإن فاتت فعن الثالثة لقول كثير منهم بأنها آخر لياليه. وأما ما ذكره صاحب القاموس وشيخنا أبو على - ره - من إطلاق الهلال عليه إلى السابعة فهو خلاف المشهور لغة وعرفا، وكأنه مجاز من قبيل إطلاقه عليه في الليلتين الاخيرتين - ثم قال: - ولو قيل بامتداد ذلك إلى ثلاث ليال لم يكن بعيدا، فلو نذر قراءة دعاء الهلال عند رؤيته وقلنا بالمجازية فيما فوق الثلاث لم تجب عليه القراءة برؤيته فيما فوقها حملا للمطلق على الحقيقة، وهل تشرع ؟ الظاهر نعم إن رآه في تتمة السبع، رعاية لجانب الاحتياط. فأما فيما فوقها فلا، لانه تشريع، ولو رآه يوم الثلاثين فلا وجوب على الظاهر، لعدم تسميته حينئذ هلالا. قوله عليه السلام (أيها الخلق المطيع) الخلق في الاصل مصدر بمعنى الابداع و التقدير، ثم استعمل بمعنى المخلوق كالرزق بمعنى المرزوق، وإطاعته كناية عن تأتي كل ما أراده سبحانه فيه، تشبيها بإطاعة العبد لمولاه (الدائب السريع) يقال: دأب فلان في عمله أي جد وتعب، وجاء في تفسير قوله تعالى (وسخر لكم


(1) في المصدر: بخطة دقيقة. (2) مجمع البيان: ج 1، ص 283. (3) الصحاح: ج 2، ص 587.

[180]

الشمس والقمر دائبين (1)) أي مستمرين في عملهما على عادة مقررة جارية. قال الشيخ البهائي ره وصفه عليه السلام القمر بالسرعة، ربما يعطي بحسب الظاهر أن يكون المراد سرعته باعتبار حركته الذاتية التي يدور بها على نفسه، وتحرك جميع الكواكب بهذه الحركه مما قال به جم غفير من أساطين الحكماء، وهو يقتضي كون المحو المرئي في وجه القمر شيئا غير ثابت في جرمه، وإلا لتبدل وضعه كما قاله سلطان المحققين في شرح الاشارات. والاظهر أن ما وصفه به عليه السلام من السرعة إنما هو باعتبار حركته العرضية التي يتوسط فلكه، فإن تلك الحركة على تقدير وجودها غير محسوسة ولا معروفة، والحمل على المحسوس المتعارف أولى، و سرعة حركة القمر بالنسبة إلى سائر الكواكب أما الثوابت فظاهر، لكون حركتها من أبطأ الحركات، حتى أن القدماء لم يدركوها، وأما السيارات فلان زحل يتم الدورة في ثلاثين سنة، والمشتري في اثنتي عشرة سنة، والمريخ في سنة وعشرة أشهر ونصف، وكلا من الشمس والزهرة وعطارد في قريب من سنة، وأما القمر فيتم الدورة في قريب من ثمانية وعشرين يوما، ولا يبعد أن يكون وصفه عليه السلام القمر بالسرعة باعتبار حركته المحسوسة، على أنها ذاتية له بناء على تجويز كون بعض حركات السيارات في أفلاكها من قبيل حركة الحيتان في الماء كما ذهب إليه جماعة ويؤيده ظاهر قوله تعالى (كل في فلك يسبحون (2)) ودعوى امتناع الخرق [و الالتئام] على الافلاك لم تقترن بالثبوت، وما لفقه الفلاسفة لاثباتها أوهن من بيت العنكبوت، لابتنائه على عدم قبول الفلك بأجزائها الحركة المستقيمة، ودون ثبوته خرط القتاد، والتنزيل الالهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ناطق بانشقاقها، وما ثبت من معراج نبينا صلى الله عليه وآله بجسده المقدس إلى السماء السابعة فصاعدا شاهد بانخراقها. (المتردد في منازل التقدير) أي السائر في المنازل التي قدرها الله تعالى لها


(1) ابراهيم: 33. (2) يس: 40.

[181]

إشارة إلى قوله تعالى (والقمر قدرناه منازل (1)) وهي المنازل الثمانية والعشرون التي يقطعها في كل شهر بحركته الخاصة، فيرى كل ليلة نازلا بقرب واحد منها قال نصير الملة والدين - ره - في التذكرة: وأما منازل القمر فهي من الكواكب القريبة من منطقة البروج، جعلها العرب علامات الاقسام الثمانية والعشرين التي قسمت المنطقة بها، لتكون مطابقة لعدد أيام دور القمر. وقال الخفري في شرحه والمراد من المنزل المسافة التي يقطعها القمر في يوم بليلته، ومنازل القمر عند [أهل] الهند سبعة وعشرون يوما بليلته وثلث، فخذفوا الثلث لكونه أقل من النصف كما هو عادة أهل التنجيم، وأما عند العرب فهي ثمانية وعشرون، لا لانهم تمموا الثلث واحدا كما قال البعض، بل لانه لما كان سنوهم لكونها باعتبار الاهلة مختلفة الاوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة وفي وسط الشتاء اخرى احتاجوا إلى ضبط سنة الشمس لمعرفة فصول السنة حتى يشتغلوا في استقبال كما فصل منها بما يهمهم فيه، فنظروا إلى القمر فوجدوه يعود إلى وضع له من الشمس في قريب من الثلاثين يوما، ويختفي في آخر الشهر ليلتين أو أكثر أو أقل، فأسقطوا يومين من الثلاثين فبقي ثمانية وعشرون، وهو الزمان الواقع في الاغلب بين رؤيته بالعشيات في أول الشهر ورؤيته بالغدوات في آخره، فقسموا دور الفلك عليه، فكان كل منزل اثنتي عشرة درجة وإحدى وخمسين دقيقة تقريبا، أي ستة أسباع درجة فنصيب كل برج منزلان وثلث، ثم وجدوا الشمس تقطع كل منزل في ثلاثة عشر يوما بالتقريب، فصار المنازل في ثلاثمائة وأربعة وستين يوما، لكن عود الشمس إلى كل منزل إنما يكون في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما فزادوا يوما في أيام منازل غفر، وقد يحتاج إلى زيادة يومين للكبيسة حتى تصير أيامه خمسة عشر ويكون انقضاء أيام السنة الشمسية مع انقضاء أيام المنازل ورجوع الامر إلى منزل جعل مبدءا. ثم إنهم جعلوا علامات المنازل من الكواكب الظاهرة القريبة من المنطقة مما يقارب ممر القمر أو يحاذيه، فيرى كل ليلة نازلا بقرب أحدها


(1) يس: 39.

[182]

فإن سترها يقال (كفحه فكافحه) أي واجهه فغلبه ولا يتفاءل به، وإن لم يستره يقال (عدل القمر) ويتفاءل به، وإذا أسرع القمر في سيره فقد يخلي منزلا في الوسط، وإذا أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل، أو ليلتين في أوله وآخرهما في آخره، وقد يرى في بعض الليالى بين منزلين، وما يقال في المشهور إن الظاهر من المنازل في كل ليلة يكون أربعة عشر وكذا الخفي، وأنه إذا طلع منزل غاب رقيبه وهو الخامس عشر من الطالع ظاهر الفساد، لانها ليست على نفس المنطقة ولا أبعاد ما بينهما (1) متساوية، ولهذا قد يكون الظاهر ستة عشر أو سبعة عشر. ويمكن أن يقال: إن مرادهم من المنازل نفس المنازل لا علاماتها، وحينئذ يصح الحكمان والمذكوران، وبمثل ما ذكر يعلم فساد ما هو المشهور أيضا من أن ستة بروج ظاهرة وستة خفية، فإنه أيضا إنما يصح بمقتضى الحساب في نفس البروج لا بحسب صورها من الثوابت، لانها لا تقسم المنطقة على سواء بحيث ينطبق أول صورة كل برج على أوله وآخرها على آخره، ولعل مرادهم بذلك أن نصف البروج نفسها ظاهرة لا أن نصف صورها ظاهرة، فيندفع الخلل عن هذا القول أيضا، والعرب تسمي خروج المنزل من ضياء الفجر طلوعه وغروب رقيبه وقت الصبح سقوطه، و تسمي المنازل التي يكون طلوعها في مواسم المطر (الانواء) ورقباءها إذا طلعت في غير مواسم المطر (البوارح) والاربعة الشمالية التي أولها الشرطين وآخرها السماك (شامية) والباقية التي أولها الغفر وآخرها بطن الحوت (يمانية) (انتهى). وقال الشيخ البهائي ره: الظاهر أن مراده عليه السلام بتردد القمر في منازل التقدير عوده إليها في الشهر اللاحق بعد قطعه إياها في السابق، فتكون كلمة (في) بمعنى (إلى) ويمكن أن تبقى على معناها الاصلي بجعل المنازل ظرفا للتردد فإن حركته التي يقطع بها تلك المنازل لما كانت مركبة من شرقية وغربية جعل كأنه لتحركه فيها بالحركتين المختلفتين متردد يقدم رجلا ويؤخر اخرى


(1) ما بينها (خ).

[183]

وأما على رأي من يمنع جواز قيام الحركتين المختلفتين بالجسم، ويرى أن للنملة المتحر كة بخلاف حركة الرحى سكونا حال حركتها فتشبيهه بالمتردد أظهر. (المتصرف في فلك التدبير) التصرف: التقلب، إشارة إلى أن تقلباته و تغيراته بتدبير الحكيم الخبير والفلك مجرى الكواكب سمي به تشبيها بفلكة المغزل في الاستدارة والدوران. قال أبو ريحان: إن العرب والفرس سلكوا في تسمية السماء مسلكا واحدا، فإن العرب تسمي السماء فلكا تشبيها لها بفلكة الدولاب، والفرس سموها بلغتهم (آسمان) تشبيها لها بالرحى، فإن (آس) هو الرحى بلسانهم و (مان) دال على التشبيه (انتهى). وقال الشيخ البهائي - ره -: المراد بفلك التدبير أقرب الافلاك التسع إلى عالم العناصر، أي الفلك الذي يتدبر بعض مصالح عالم الكون والفساد، وقد ذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى (فالمدبرات أمرا (1)) أن المراد بها الافلاك وهو أحد الوجوه التي أوردها الطبرسي - ره - ويمكن أن يكون على ضرب من المجاز كما يسمى ما يقطع به الشئ قاطعا، وربما يوجد في بعض النسخ (المتصرف في فلك التدوير) وهو صحيح أيضا وإن كانت النسخة الاولى أصح، والمراد به رابع أفلاك القمر وهو الفلك الغير المحيط بالارض، المركوز هو فيه، المتحرك أسفله على توالي البروج وأعلاه بخلافه مخالفا لسائر تداوير السيارة كل يوم ثلاث عشرة درجة وثلاث دقائق وأربعا وخمسين ثانية، وهو مركوز في ثخن ثالث أفلاكه المسمى بالحامل، المباعد مركزه عن مركز العالم بعشر درج، المتحرك على التوالي كل يوم أربعا وعشرين درجة، واثنتين وعشرين دقيقة، وثلاث و خمسين ثانية، وهو واقع في ثخن ثاني أفلاكه المسمى بالمائل، الموافق مركزه مركز العالم، المماس مقعره بمحدب النار، الفاضل عن الحامل الموافق له في ميل منطقته عن منطقة البروج بمتممين متدرجي الرقة إلى نقطتي الاوج والحضيض المتحرك على خلاف التوالي كل يوم إحدى عشرة درجة، وتسع دقائق، وسبع


(1) النازعات: 5.

[184]

ثوان، وهو واقع في جوف أول أفلاكه المسمى بالجوزهر، الموافق مركزه مركز العالم ومنطقته منطقة البروج، المماس محدبه مقعر ممثل عطارد، المتحرك كالثاني كل يوم ثلاث دقائق وإحدى عشرة ثانية - ثم قال: - ولا يبعد أن تكون الاضافة في فلك التدبير من قبيل إضافة الظرف إلى المظروف، كقولهم (مجلس الحكم) و (دار القضاء) أي الفلك الذي هو مكان التدبير ومحله، نظرا إلى أن ملائكة سماء الدنيا يدبرون أمر العالم السفلي فيه، أو إلى أن كلا من السيارات السبع يدبر في فلكها أمرا هي مسخرة له بأمر خالقها ومبدعها، كما ذكره جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى (فالمدبرات أمرا (1)) ويمكن أن يراد بفلك التدبير مجموع الافلاك الجزئية يتدبر بها الاحوال المنسوبة إلى القمر بأسرها، وينضبط بها الامور المتعلقة به بأجمعها، حتى تشابه حامله حول مركز العالم، ومحاذاة قطر تدويره نقطة سواه إلى غير ذلك، وتلك الافلاك الجزئية هي الاربعة السالفة مع مازيد عليها لحل ذينك الاشكالين، ومع ما لعله يحتاج إليه أيضا في انتظام بعض اموره وأحواله التي ربما لم يطلع عليها الراصدون في أرصادهم، وإنما يطلع عليها المؤيدون بنور الامامة والولاية، وحينئذ يراد بالتدبير التدبير الصادر عن الفلك نفسه، ويكون اللام فيه للعهد الخارجي، أي التدبير الكامل الذي ينتظم به جميع تلك الامور، ولا يبعد أن يراد بفلك التدبير الفلك الذي يدبره القمر نفسه، نظرا إلى ما ذهب إليه طائفة من أن كل واحد من السيارات السبع مدبر لفلكه كالقلب في بدن الحيوان قال سلطان المحققين في شرح الاشارات: ذهب فريق إلى أن كل كوكب منها ينزل مع أفلاكه منزلة حيوان واحد ذي نفس واحدة تتعلق بالكوكب أول تعلقها وبأفلاكه بواسطة الكوكب، كما تتعلق نفس الحيوان بقلبه أولا وبأعضائه الباقية بعد ذلك، فالقوة المحركة منبعثة عن الكوكب الذي هو كالقلب في أفلاكه التي هي كالجوارح والاعضاء الباقية (انتهى كلامه زيد إكرامه) ويمكن أن يكون هذا هو معنى ما أثبته له عليه السلام من التصرف في الفلك


(1) النازعات: 5.

[185]

والله أعلم بمقاصد أوليائه سلام الله عليهم أجمعين (انتهى). وأقول: يمكن أن يكون في الكلام استعارة كما يقال (بيت العز) ودار الشرف) تشبيها للتدبير بفلك هو مدبره، وهذا النوع من الكلام شائع عند العرب والعجم. ثم قال - ره -: خطابه عليه السلام للقمر ونداؤه له ووصفه بالطاعة والجد و التعب والتردد في المنازل والتصرف في الفلك ربما يعطي بظاهره كونه ذا حياة و إدارك، ولا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى، إلا أنه لم يثبت بدليل عقلي قاطع يشفي العليل، أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل، نعم أمثال هذه الظواهر ربما تشعر به، وقد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى (كل في فلك يسبحون (1)) فإن الواو والنون لا يستعملان حقيقة لغير العقلاء، وقد أطبع الطبيعيون على أن الافلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة مطيعة لمبدعها وخالقها وأكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه والتقرب إليه جل شأنه، وبعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها آنا فآنا، فهي من قبيل هزة الطرب والرقص الحاصل من شدة السرور والفرح، وذهب جم غفير منهم إلى أنه لاميت في شئ من الكواكب أيضا حتى أثبتوا لكل واحد منها نفسا عليحدة تحركه حركة مستديرة على نفسه، وابن سينا في الشفاء مال إلى هذا القول ورجحه، وحكم به في النمط الخامس من الاشارات، ولو قال به قائل لم يكن مجازفا، وكلام ابن سينا وأمثاله وإن لم يكن حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب إلا أنه يصلح للتأييد، ولم يرد في الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل الصلوات وأكمل التسليمات ما ينافي هذا القول، ولا قام دليل عقلي على بطلانه، وإذا جاز أن يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونهما حياة فأي مانع من أن يكون لتلك الاجرام الشريفة أيضا ذلك ؟ وقد ذهب جماعة إلى أن لجميع الاشياء نفوسا مجردة ونطقا، وجعلوا قوله تعالى (وإن من شئ إلا يسبح بحمده (2)) محمولا على ظاهره، وليس غرضنا


(1) يس: 40. (2) الاسراء: 44.

[186]

من هذا الكلام ترجيح القول بحياة الافلاك، بل كسر سورة استبعاد المصرين على إنكاره ورده، وتسكين صولة المشنعين على من قال به أو جوزه (انتهى كلامه - ره -) وأقول: هذا الترجيح الذي أبداه - ره - في لباس الاحتمال والتجويز مناف لسياق أكثر الآيات والاخبار الواردة في أحوال الكواكب والافلاك ومسيرها و حركاتها، والاشارات التي تمسك بها ظاهر من سياقها أنها من قبيل المجازات و الاستعارات الشائعة في كلام البلغاء بل في أكثر المحاورات، فإنهم يخاطبون الجمادات بخطاب العقلاء وغرضهم تفهيم غيرها، كما في هذا الخطاب، وخطاب شهر رمضان ووداعه، وخطاب البيت، والمخاطب فيها حقيقة هو الله تعالى، والغرض إظهار نعمه تعالى وشكره عليها، ولم أر أحدا من المتكلمين من فرق المسلمين قال بذلك إلا بعض المتأخرين الذين يقلدون الفلاسفة في عقائدهم، ويوافقون المسلمين فيما لا يضر بمقاصدهم. قال السيد المرتضى - ره - في كتاب الغرر والدرر: قد دلت الدلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك وما فيه من شمس وقمر ونجوم غير متحرك لنفسه ولا طبعه على ما يهدي به القوم، وأن الله تعالى هو المحرك له والمتصرف باختياره فيه، وقال - ره - في موضع آخر: لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، فإنها مسخرة مدبرة مصرفة، وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة كما سيأتي في باب النجوم. (آمنت بمن نور بك الظلم وأوضح بك البهم وجعلك آية من آيات ملكه و علامة من علامات سلطانه) النور والضوء مترادفان لغة، وقد تسمى تلك الكيفية إن كانت من ذات الشئ ضوءا، وإن كانت مستفادة من غيره نورا، وعليه جرى قوله تعالى (جعل الشمس ضياء والقمر نورا (1)) والظلم جمع ظلمة وتجمع على ظلمات أيضا، وهي عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا، والبهم كصرد جمع بهمة - بالضم - وهي ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا وعلى الفهم إن


(1) يونس: 5.

[187]

كان معقولا، والآية: العلامة، والسلطان: مصدر بمعنى الغلبة والتسلط، وقد يجئ بمعنى الحجة والدليل لتسلطه على القلب وأخذه بعنانه. قال البهائي - ره - لما افتتح عليه السلام الدعاء بخطاب القمر وذكر أوصافه أراد أن يذكر جملا اخرى من أحواله، ناقلا للكلام من اسلوب إلى آخر كما هو دأب البلغاء من تلوين الكلام وجعل تلك الجمل مع تضمنها لخطاب القمر وذكر أحواله موشحة بذكر الله سبحانه والثناء عليه جل شأنه، تحاشيا عن أن يتمادى به الكلام، خاليا عن ذكر المفضل المنعام (1)، معبرا عن المنعم به جل شأنه بالموصول، ليجعل الصلة مشعرة ببعض أحوال القمر، ويعطف عليها الاحوال الاخر، فتتلاءم جمل الكلام، ولا يخرج عن الغرض المسوق له من بيان تلك الاوصاف والاحوال، واللام في الظلم للاستغراق أعني العرفي منه لا الحقيقي، والمراد الظلم المتعارف تنويرها بالقمر من قبيل (جمع الامير الصاغة) ويمكن جعله للعهد الخارجي، والحق أن لام الاستغراق العرفي ليست شيئا وراء لام العهد الخارجي، فإن المعروف بها هو حصة معينة من الجنس أيضا، غايته أن التعيين فيها نشأ من العرف. والتنكير في قوله (آية) يمكن أن يكون للنوعية كما في قوله تعالى (وعلى أبصارهم غشاوة (2)) والاظهر أن يجعل للتعظيم، واحتمال التحقير ضعيف كما لا يخفى ثم قال - ره -: الباء في قوله عليه السلام (نور بك الظلم) إما للسببية أو للآلة، ثم إن جعلنا الضوء عرضا قائما بالجسم كما هو مذهب أكثر الحكماء ومختار سلطان المحققين - ره - في التجريد فالتركيب من قبيل (سودت الشئ وبيضته) أي صيرته متصفا بالسواد والبياض وإن جعلناه جسما كما هو مذهب القدماء من أنه أجسام صغار شفافة تنفصل عن المضئ وتتصل بالمستضئ (3) فالتركيب من قبيل (لبنته وتمرته) أي صيرته ذالبن أو تمر، وهذا القول وإن كان مستبعدا بحسب الظاهر إلا أن إبطاله لا يخلو


(1) المنعام: صيغة مبالغة من (انعم) على خلاف القياس. (2) البقرة: 7. (3) وهو أيضا مذهب علماء الفيزيا من أهل العصر. (*)

[188]

من إشكال كما أن إثباته كذلك. ولعله عليه السلام أراد بالظلم في قوله (نور بك الظلم) الاهوية المظلمة لا الظلمات أنفسها، فإنه لا تتصف بالنور، وتجويز كونه عليه السلام أراد ذلك مبني على أن الهواء تتكيف بالضوء وهو مختلف فيه، فالذين جعلوا اللون شرطا في التكيف بالضوء منعوا منه، ويجوز أن يريد بالظلم الاجسام المظلمة سوى الهواء، وهذا أحسن لاستغنائه عن تجشم الاستدلال على قبول الهواء للضوء، وسلامته عن شوب الخلاف، ويمكن أن يكون مراده عليه السلام بتنوير الظلم إعدامها بإحداث الضوء في محالها، وهذا يبتني على القول بأن الظلمة كيفية وجودية كما ذهب إليه جماعة، وهذا الرأي وإن كان الاكثر على بطلانه إلا أن دلائلهم على إبطاله ليست بتلك القوة، فهو باق على أصل الامكان، إلا أن يذود عنه قاطع البرهان فلو جوز مجوز احتمال كونه أحد محامل كلامه عليه السلام لم يكن في ذلك حرج. (وامتهنك بالزيادة والنقصان والطلوع والافول والانارة والكسوف) المهنة بفتح الميم وكسرها وإسكان الهاء: الخدمة والذل والمشقة، والماهن: الخادم، وامتهنه: استعمله في المهنة، وطلوع الكوكب: ظهوره فوق الافق أو من تحت شعاع الشمس، وافوله: غروبه تحته، والكسوف: زوال الضوء عن الشمس أو القمر للعارض المخصوص، وقد يفسر الكسوف بحجب القمر ضوء الشمس عنا أو حجب الارض ضوء الشمس عنه، وهو تفسير للشئ بسببه. وقال جماعة من أهل اللغة: الاحسن أن يقال في زوال ضوء الشمس كسوف وفي زوال ضوء القمر خسوف فإن صح ما قالوه فلعله عليه السلام أراد بالكسوف زوال الضوء المشترك بين الشمس والقمر لا المختص بالقمر وهو الخسوف ليكون خلاف الاحسن، ولا يخفى أن امتهان القمر حاصل بسبب كثف الشمس أيضا، فإنه هو الساتر لها، ولما كان شمول الكسوف للخسوف أشهر من العكس اختاره عليه السلام ثم قال أراد عليه السلام بالزيادة والنقصان زيادة نور القمر ونقصانه بحسب ما يظهر للحس، لا أن الزيادة والنقصان حاصلان له في الواقع، لان الازيد من نصفه منير دائما كما بين في محله، وأما زيادته في الاجتماع ونقصانه في الاستقبال كما هو شأن الكرة الصغيرة المستنيرة من الكبيرة

[189]

حالتي القرب والبعد فليس الكلام فيهما، إنما الكلام في الزيادة والنقصان المسببين عن البعد والقرب المدركين بالحس، وربما يتراءى لبعض الافهام من ظاهر قوله عليه السلام (وامتهنك بالزيادة والنقصان) أن زيادة نور القمر ونقصانه المحسوسين واقعان بحسب الحقيقة، وحاصلان في نفس الامر كما هو معتقد كثير من الناس وهذا وإن كان ممكنا نظرا إلى قدرة الله تعالى على أن يحدث في جرمه أول الشهر شيئا يسيرا من النور ويزيده على التدريج إلى أن يصير بدرا، ثم يسلبه عنه شيئا فشيئا إلى المحاق، إلا أن حمل كلامه عليه السلام على ما هو متفق عليه بين أساطين علماء الهيئة حتى عد من الحدسيات أليق وأولى، وهم مع قطع النظر عما أوجب تحدسهم بذلك إنما اقتبسوا هذا العلم من أصحاب الوحي سلام الله عليهم كشيث عليه السلام المدعو على لسانهم بهرمس، وقد نقل جماعة من المفسرين منهم الشيخ الطبرسي - ره عند تفسير قوله تعالى (واذكر في الكتاب - إدريس الآية (1) -) أن علم الهيئة كان معجزة له إلى آخر ما ذكره في ذلك (2). ثم قال - ره -: لا يخفى أن حكمهم بأن نور القمر مستفاد من الشمس ليس مستندا إلى مجرد ما يشاهد من اختلاف تشكلاته النورية بقربه وبعده عن الشمس، فإن هذا وحده لا يوجب ذلك الحكم قطعا، بل لابد مع ذلك من ضم امور آخر، كحصول الخسوف عند توسط الارض بينه وبين الشمس، إلى غير ذلك من الامارات التي يوجب اجتماعها ذلك الحكم، لجواز أن يكون نصفه مضيئا من ذاته ونصفه مظلما، ويدور على نفسه كحركة فلكه، فإذا تحرك بعد المحاق يسيرا رأيناه هلالا، ويزداد فنراه بدرا ثم يميل نصفه المظلم شيئا فشيئا إلى أن يؤول إلى المحاق. ثم أفاد - ره -: لعلك تقول عند ملاحظة قوله (وامتهنك بالزيادة والنقصان) أن حصول الامتهان للقمر بنقصان نوره ظاهر. فما معنى حصول الامتهان له بزيادة النور ؟ فأقول: فيه وجهان: الاول أنه كان أحد وجهيه مستنيرا بالشمس دائما، وكانت زيادة نور إنما هي


(1) مريم: 56. (2) مجمع البيان: ج 6، ص 519.

[190]

بحسب إحساسنا فقط، وقد سخره الامر الالهي لان يتحرك في النصف الاول من الشهر على نهج لا يزيد به المنير منه في كل ليلة إلا شيئا يسيرا لا يستطيع أن يتخطاه ولا يقدر على أن يتعداه، أثبت عليه السلام له الامتهان بسبب إذلاله، وتسخيره للزيادة على هذا الوجه المقرر، والنهج الخاص، وقد شبه بعضهم حال القمر في ظهور القدر المرئي منه شيئا فشيئا في النصف الاول من الشهر إلى أن يصير بدرا، ثم استتاره شيئا فشيئا في النصف الثاني إلى أن يختفي بما إذا أمر السيد عبده بأن لا يكشف النقاب عن وجهه للناظرين إلا على التدريج شيئا فشيئا في مدة معينة، وأنه متى انكشف وجهه بأجمعه فليبادر في الحال إلى ستره وإرخاء النقاب عليه شيئا فشيئا إلى أن يختفي بأجمعه عن الابصار. الوجه الثاني أن يكون مراده عليه السلام الامتهان بمجموع الزيادة والنقصان، أعني التغير من حال إلى حال، وعدم البقاء على شكل واحد ولعل هذا الوجه أقرب، وهو جار فيما نسبه عليه السلام إليه من الطلوع والافول و الانارة والكسوف، ويمكن أن يوجه امتهانه بالانارة بوجه آخر، وهو أن يراد بها إعطاؤه النور للغير كوجه الارض مثلا لا اتصافه هو بالنور، فإن الانارة والاضاءة كما جاءا في اللغة لازمين جاءا متعديين أيضا، فحينئذ ينبغي أن يراد بالكسوف كسفه للشمس ليتم المقابلة، ويصير المعنى: امتهنك بأن تفيض النور على الغير تارة وتسلبه عنه اخرى، ولو اريد المعنى الشامل للخسوف أو نفس الخسوف أيضا لم يكن فيه بعد والله أعلم. ثم قال - ره - لما كانت الشمس ملازمة لمنطقة البروج وكانت أعظم من الارض كان المستنير بأشعتها أعظم من نصفها والمظلم أقل، وحصل مخروط مؤلف من قطعتين يرتسم إحديهما من الخطوط الشعاعية الواصلة بين الشمس وسطح الارض، ويسمى مخروط النور والمخروط العظيم، والاخرى من ظل الارض وتسمى مخروط الظل والمخروط الصغير، ويحيط به طبقه يشوبها ضوء مع بياض يسير، ثم طبقة اخرى يشوبها مع ضوء يسير حمرة، وهذه الطبقات الثلاث تظهر للبصر في المشرق من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بهذا الترتيب وبعكسه بعد غروبها في المغرب، وقاعدة

[191]

المخروط العظيم على كرة الشمس منصفة بمنطقة البروج، وسهمه في سطحها، و ينتهي رأسه في أفلاك الزهرة عند كون الشمس في الاوج، وفيما دونه في ما دونها وقاعدة المخروط الصغير صغيرة على وجه الارض هي الفصل المشترك بين المنير منها والمظلم، وهذان المخروطان يتحركان على سطح الارض كأنهما جبلان شامخان يدوران حولها على التبادل: أحدهما أبيض ساطع، والآخر أسود حالك عليه ملابس متلونة، ويتحرك الابيض من المشرق إلى المغرب وهو النهار لمن هو تحته والاسود بالعكس وهو الليل لمن هو تحته، فتبارك الله أحسن الخالقين وإذا توهمنا سطحا كريا مركزه مركز العالم يمر بمركز القمر وبالمخروط الصغير فالدائرة الحادثة منه على جرم القمر تسمى صفحة القمر، والحادثة على سطح المخروط دائرة الظل ومركزها على منطقة البروج. فإذا عرفت هذا فإذا لاقى القمر مخروط الظل في الاستقبال ووقعت صفحته كلها أو بعضها في دائرة الظل انقطعت الاشعة الشمسية عنه كلا أو بعضا وهو الخسوف الكلي أو الجزئي (1) ولكون غاية عرض القمر وهي خمسة أجزاء أعظم من مجموع نصفي قطري صفحته ودائرة الظل لم ينخسف في كل استقبال، بل إذا كان عديم العرض، أو كان عرضه وهو بعد مركزه عن مركز دائرة الظل أقل من نصفيهما (2) إذا لو كان


(1) قال سلطان المحققين في التذكرة وشارحه الخفرى: ان كان عرض القمر أكثر من نصفى قطر صفحته وقطر دائرة الظل لم يقع للقمر خسوف، وان كان عرض القمر مساويا لهما ماس القمر الظل ولم يقع له حينئذ أيضا خسوف، وان كان اقل منهما وكان مساويا لنصف قطر دائرة الظل مرت دائرة الظل بمركز صفحة القمر وانخسف نصف قطره، وان كان اكثر من نصف قطر دائرة الظل انخسف من القمر اقل من نصف قطره، وان كان مساويا نصف قطر الظل نصف قطر صفحة القمر انخسف القمر كله وماس سطحه دائرة الظل فلم يكن له مكث، وان كان أكثر من ذلك الفضل انخسف من القمر أكثر من نصف قطره، وان كان أقل من ذلك ايضا انخسف القمر كله ومكث بحسب ما يقع في الظل غاية المكث، هذا انما يكون إذا كان مركز القمر في احدى العقدتين إذ لم يكن حينئذ له عرض (منه طاب ثراه). (2) نصفهما (خ).

[192]

مساويا لهما ماس القمر محيط دائرة الظل من خارج على نقطة في جهة عرضه ولم ينخسف، وإن كان أكثر فبطريق أولى، أما إن كان العرض أقل من النصفين انخسف أقل من نصف قطره إن كان ذلك العرض أكثر من نصف قطر دائرة الظل، ونصف قطره إن كان مساوياله، لمرور دائرة الظل بمركز الصفحة حينئذ، وأكثر منه إن كان أقل منه وأكثر من فضل نصف قطر دائرة الظل على نصف قطر القمر، و كله غير ما كث إن كان مساويا لفضل نصف قطر دائرة الظل على نصف قطر القمر لمماسة القمر محيط الظل من داخل على نقطة في جهة عرضه، وماكثا بحسب ما يقع في دائرة الظل إن كان أقل من هذا الفضل، وغاية المكث إذا كان عديم العرض وأول الخسوف يشبه أثرا دخانيا، ثم يزداد تراكما بازدياد توغل القمر في الظل، فإن كان عرضه أقل من عشر دقائق كان لونه أسود حالكا، وإلى عشرين فأسود ضاربا إلى خضرة، وإلى ثلاثين فإلى حمرة، وإلى أربعين فإلى صفرة، و إلى خمسين فأغبر، وإلى ستين فأشهب، وابتداء الانجلاء من شرقي القمر، كما أن ابتداء الخسوف كذلك. ثم اعلم أن الاحوال المشهورة الحاصلة للقمر كثيرة، فبعضها يشاركه فيه سائر الكواكب كالانارة والطلوع والافول ونحوها، وهي كثيرة ولا حاجة داعية إلى ضبطها، وبعضها امور تختص به ولا توجد في غيره من الكواكب، وقد اعتنى أهل الهيئة بالبحث عنها، وأشهرها ستة: سرعة الحركة، واختلاف تشكلاته النورية، واكتسابه النور من الشمس، وخسوفه بحيلولة الارض بينها، وحجبه لنورها بالكسف لها، وتفاوت أجزاء صفحته في النور وهو المسمى بالمحو. وهذه الاحوال الستة يمكن فهمها من كلامه عليه السلام بعضها بالتصريح وبعضها بالتلويح أما سرعة حركته واختلاف تشكلاته فظاهر، وأما كسفه الشمس وخسوفه فلما مر من حمل الكسوف في كلامه عليه السلام على ما يشمل الامرين معا، وأما اكتسابه النور من الشمس فلدلالة اختلاف التشكلات مع الخسوف عليه، فهذه الامور الخمسة يفهم من كلامه عليه السلام على هذا النهج، وبقي الامر السادس أعني تفاوت أجزائه في

[193]

النور، فإن في إشعار كلامه عليه السلام به نوع خفاء، ويمكن أن يومي إليه قوله عليه السلام (وامتهنك بالزيادة والنقصان) فإن المراد زياد النور ونقصانه، ولا معنى لتفاوت أجزائه في النور إلا زيادته في بعض ونقصانه في بعض آخر كما لا يخفى، فقد تضمن كلامه عليه السلام مجموع تلك الاحوال الستة المختصة بالقمر، وقد مر الكلام في الاربعة الاول منها، وبقي الكلام في الاخيرتين، فنقول: أما الكسوف فهو ذهاب الضوء عن جرم الشمس في الحس كلا أو بعضا، لستر القمر وجهها الموجه لنا كلا أو بعضا، وذلك عند كونهما بحيث يمر خط خارج من البصربهما، إما مع اتحاد موضعيهما المرئيين، أو كان البعد بينهما أقل من مجموع نصفي قطريهما، فلو تساويا ماسها ولاكسف، وإن زاد الاول فبالاولى، فإن وقع مركزاهما على الخط المزكور كسفها كلها بلا مكث إن كان قطراهما متساويين حسا، ومع مكث إن كان قطرها أصغر، وبقي منها حلقة نورانية إن كان قطرها أعظم، وإن لم يقعا على ذلك الخط كسف منها بعضها أبدا، إلا إذا كان قطره أعظم حسا، فقد يكسفها حينئذ كلا، وربما تبقى منها حلقة نورانية مختلفة الثخن أو قطعة نعلية إن كان قطره أصغر. ولما كان الكسوف غير عارض للشمس لذاتها بل بالقياس إلى رؤيتها بحسب كيفية توسط القمر بينها وبين الابصار أمكن وقوعه في بقعة دون اخرى مع كون الشمس فوق افقهما، وكونه في إحديهما كليا أو أكثر وفي أخرى جزئيا أو أقل، وابتداء الكسوف من غربي الشمس كما أن ابتداء الانجلاء كذلك. ثم قال ره وأما محو القمر وهي الظلمة المحسوسة في صفحته فأمره ملتبس والآراء فيه متشعبة، والاقوال متخالفة، وأذكر منها خمسة: الاول أنها آثار وجهه المظلم تأدت إلى وجهه المضئ. واورد عليه أنه لو كان كذلك لكانت أطرافه أشد ظلمة وأوساطه أشد ضوء الثاني أنه أجرام مختلفة مركوزة مع القمر في تدويره غير قابلة للانارة بالتساوي، وهو مختار سلطان المحققين ره في التذكرة واورد عليه أن ما يتوسط بينه وبين الشمس من تلك الاجرام وكذا بيننا وبينه في كل زمان ووضع شئ آخر لتحرك التدوير على نفسه، فكيف يرى دائما على

[194]

نهج واحد غير مختلف ؟ وقد يعتذر له بأن التفاوت المذكور لا يحس به في صفحة القمر لصغرها وبعد المسافة. الثالث أن الاشعة تنعكس إليه من البحر المحيط أو كرة البخار لصقالتهما انعكاسا بينا، ولا تنعكس لذلك من سطح الربع المكشوف لخشونته، فيكون المستنير من وجهه بالاشعة النافذة إليه على الاستقامة، والاشعة المنعكسة تبعا أضوء من المستنير بالاشعة المستقيمة والمنعكسة من الربع المكشوف وهدا مختار صاحب التحفة. واورد عليه أن ثبات الانعكاس دائما على نهج واحد مع اختلاف أوضاع الاشياء المنعكس عنها من البخار والجبال في جانبي المشرق والمغرب مستحيل. واعتذر له بما اعتذر لاستاذه ره. الرابع أن سطح القمر لما كان صقيلا كالمرآة والناظر يرى فيه صورة البحار، والقدر المكشوف من الارض وفيه عمارات وغياض وجبال، وفي البحار مراكب وجزائر مختلفة الاشكال، وكلها تظهر للناظر أشباحها في صفحة القمر، ولا يميز بينها لبعدها، ولا يحس منها إلا بخيال، وكما لا يرى مواضع الاشباح في المرايا مضيئة فكذلك لا ترى تلك المواضع فيه براقة أو أنه ترى صورة العمارات والغياض والجبال مظلمة كما هي عليه في الليل، و صورة البحار مضيئة، أو بالعكس، فإن صورتي الارض والماء منطبعتان فيه، كما أن الارض لكثافتها تقبل ضوء الشمس أكثر مما يقبله الماء للطافته، فكذا صورتاهما وهذا الوجه مختار الفاضل النيسابوري في شرح التذكرة، ومال إليه استاذنا المحقق البرجندي في شرح التذكرة أيضا، والايراد والاعتذار كما سبق. الخامس أن أجراما صغيرة نيرة مركوزة في جرم الشمس أو في فلكها الخارج المركز بحيث تكون متوسطة دائما بين الشمس والقمر، وهي مانعة من وقوع شعاع الشمس على مواضع المحو من القمر، وإنما قلنا نيرة لانها لو كانت مظلمة فيرى المحو على وجه الشمس، والمراد أنها نيرة نورا أقل من نور بقية أجزاء الشمس، وهذا الوجه للمدقق الخفري. وأقول: فيه نظر، فإن تلك الاجرام إن كانت صغيرة جدا تلاقت الخطوط الخارجة من حولها إلى القمر بالقرب منها، ولم يصل ظلها إليه، وإن كان لها مقدار يعتد به بحيث يصل ظلها إلى جرم القمر فوصوله إلى

[195]

سطح الارض في بعض الاوقات كوقت الاستقبال أولى، فكان يبنغي أن يظهر على سطح الارض كما يظهر ظل الغيم ونحوه، وليس فليس والله أعلم بحقائق الامور. ثم قال قدس الله لطيفه: ما مر من أن اكتساب النور من الشمس مختص بالقمر لا يشاركه فيه غيره من الكواكب هو المشهور، وعليه الجمهور، فإنهم مطبقون على أن أنوار ما عداه من الكواكب ذاتية غير مكتسبة من الشمس، و استدلوا على ذلك بأنها لو استفادت النور من الشمس لظهر فيه التشكلات البدرية و الهلالية بالبعد والقرب منها كما في القمر، هكذا أورده صاحب التحفة فيها وفي نهاية الادراك. وأقول: فيه نظر، فإن القائل باستفادتها النور من الشمس ليس عليه أن يقول بأن المستضئ منها إنما هو وجهها المقابل للشمس فقط، ليلزمه اختلاف تشكلاته كالقمر بل له أن يقول بنفوذ الضوء من أعماقها كالقطعة من البلور مثلا إذا وقع عليها ضوء الشمس، فإن الناظر إليها من جميع الجهات يبصرها مضيئة بأجمعها فتبصر. ثم إن صاحب التحفة أورد على الدليل المذكور أن اختلاف التشكلات إنما يلزم في السفليين لافي بقية الكواكب التي فوق الشمس، لكون وجهها المقابل لنا هو المقابل للشمس بخلاف القمر، فيمكن أن يستفيد النور منها ولا يظهر فيها التشكلات الهلالية بالقرب من الشمس، وما يقال من أنه يلزم انخسافها في مقابلات الشمس مدفوع بأن ظل الارض لا يصل إلى أفلاكها. ثم إنه أجاب عن هذا الايراد بأن تلك الكواكب إذا كانت على سمت الرأس غير قابلة للشمس ولا مقارنة لها لم يكن وجهها المقابل لنا هو المقابل لها بل بعضه. ويلزم اختلاف التشكلات الهلالية. ثم قال: فإن قيل: إنما لا يرى شئ منها هلاليا لخفاء طرفيه لصغر حجم الكواكب في المنظر وهو ظهوره من البعد المتفاوت مستديرا. قلنا: لو كان كذلك لرؤي الكوكب في قرب الشمس أصغر منه في بعدها. هذا كلامه، وأقول: فيه نظر، لان للخصم أن يقول: إنما يلزم ذلك لو وقعت دائرة الرؤية فيها مقاطعة لدائرة النور، ولم لا يجوز أن لا يقع أبدا إلا داخلها، إما موازية لها إذا كان الكوكب على سمت الرأس في مقابلة الشمس، أو

[196]

غير موازية إما مماسة لها كما لعله يتفق في التربيع، أو غير مماسة كما في غيره ؟ ولا يندفع هذا إلا إذا ثبت تقاطع الدائرتين على سطح الكوكب كما في القمر ودون ثبوته خرط القتاد. ويمكن تقرير النظر بوجه آخر بأن يقال: قرب الكواكب من الشمس على نحوين: قرب كثير يوجب ظهور الصغر للحس، وقرب قليل لا يوجب ذلك، والاول لا يكون إلا إذا كانت الشمس تحت الافق وكان الكوكب قريبا من الافق، فلم لا يجوز أن يكون الكوكب حال القرب أصغر لكن تراكم البخار جبر ذلك الصغر فلم ير أصغر لذلك ؟ ثم إن الذي ما زال يختلج بخاطري أن القول بعدم الفرق بين القمر وسائر الكواكب في أن أنوار الجميع مستفادة من الشمس غير بعيد عن الصواب، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أساطين الحكماء ووافقهم الشيخ السهروردي حيث قال في الهياكل: إن الشمس قاهر العنق رئيس السماء، فاعل النهار، صاحب العجائب، عظيم الهيئة، الذي يعطي جميع الاجرام ضوءها، ولا يأخذ منها هذا كلامه، وقد ذهب الشيخ العارف محيي الدين أيضا إلى هذا القول، وصرح به في الفتوحات المكية، ووافقه جمع من الصوفية والله أعلم بحقائق الاشياء (انتهى) (1). (سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك وألطف ما صنع في شأنك) سبحان: مصدر كغفران بمعنى التنزيه عن النقائص، ولا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوبا على المصدرية، فسبحان الله معناه تنزيه الله، كأنه قيل: اسبحه سبحانا وابرئه عما لا يليق بعز جلاله براءة. قال الشيخ الطبرسي - ره -: إنه صار في الشرع علما


(1) القول بكون نور السيارات مكتسبا من الشمس موافق للفرضية المؤيدة في الهيئة الحديثة، وكذلك القول في سائر المنظومات الشمسية لكن القول بأن جميع الكواكب اعم من السيارات والثوابت تكتسب النور من هذه الشمس فبعيد عن الصواب، ومخالف لما عليه المتأخرون من الفلكيين، بل لما يدل من الاخبار على وجود شموس اخرى غير شمسنا هذه، الا أن يؤول كلامهم بارادة الجنس من الشمس دون الشخص فتأمل وأما نور الشموس وحرارتها فمن القوة الموجودة في ذراتها، ويحصلان بالتشعشع وانكسار الذرات وتبدل المادة قوة على اصطلاح علم الفيزيا، وعلى هذا يتناقص وزنها شيئا فشيئا بالتشعشع، وقالوا في شمس عالمنا إنه ينقص من زونها في كل ثانيه اربعة ملايين طن والله العالم.

[197]

لاعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها إلا هو سبحانه، ولذلك لا يجوز أن يستعمل في غيره تعالى، وإن كان منزها عن النقائص. وإلى كلامه هذا ينظر ما قاله بعض الاعلام من أن التنزيه المستفاد من سبحان الله ثلاثة أنواع: تنزيه الذات عن نقص الامكان الذي هو منبع السوء، وتنزيه الصفات عن وصمة الحدوث بل عن كونها مغائرة للذات المقدسة وزائدة عليها، وتنزيه الافعال عن القبح والعبث بل عن كونها جالبة إليه تعالى نفعا أو دافعة عنه سبحانه ضرا كأفعال العباد. و (ما) في قوله عليه السلام (ما أعجب) إما موصولة، أو موصوفة، أو استفهامية، على الخلاف المشهور في ما التعجبية، وهي مبتدأة والماضي بعدها صلتها أو صفتها على الاولين والخبر محذوف أي الذي أو شئ صيره عجيبا أمر عظيم، أو كونها هو الخبر على الاخير، و (ما) في (ما دبر) مفعول أعجب، وهي كالاولى على الاولين، والعائد المفعول محذوف، والامر والشأن مترادفان. (جعلك مفتاح شهر حادث لامر حادث) فصل هذه الجملة عما قبلها للاختلاف خبرا وإنشاء مع كون السابقة لامحل لها من الاعراب، والشهر مأخوذ من الشهرة يقال: شهرت الشئ شهرا أي أظهرته وكشفته، وشهرت السيف: أخرجته من الغلاف وتشبيهه الشهر في النفس بالبيت المقفول استعارة بالكناية، وإثبات المفتاح له استعارة تخييلية، ولا يخفى لطافة تشبيه الهلال بالمفتاح. والجار في قوله عليه السلام (لامر حادث) يتعلق بحادث السابق، أي حدوث ذلك الشهر وتجدده لامر حادث مجدد ويجوز تعلقه بجعل، وتنكير (أمر) للابهام وعدم التعين، أي أمر مبهم علينا حاله كما قالوه في قوله تعالى (أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم (1) إن المراد أرضا منكورة مجهولة. وأقول: يحتمل أن يكون المراد بالامر الحادث ما نيط بالشهور من المصالح الدينية، كالحج والصوم والعدد وسائر العبادات المتعلقة بها، والدنيوية كالمعاملات والديون وسائر الامور المربوطة بها. وقال الشيخ المتقدم - ره -: جعله عليه السلام مدخول (1) يوسف: 9.

[198]

ما التعجبية فعلا دالا على التعجب بجوهره، ينبئ عن شدة تعجبه عليه السلام من حال القمر وما دبره الله سبحانه فيه وفي أفلاكه بلطائف صنعه وحكمته، وهكذا كل من هو أشد اطلاعا على دقائق الحكم المودعة في مصنوعات الله سبحانه فهو أشد تعجبا منها، وأكثر استعظاما لها، ومعلوم أن ما بلغ إليه علمه عليه السلام من عجائب صنعه جل وعلا، ودقائق حكمته في خلق القمر، ونضد أفلاكه، وربطه ما ربطه به من مصالح العالم السفلي، وغير ذلك فوق ما بلغ إليه [علم] أصحاب الارصاد ومن يحذو حذوهم من الحكماء الراسخين بأضعاف مضاعفة، مع أن الذي اطلع عليه هؤلاء من أحواله وكيفية أفلاكه وما عرفوه مما يرتبط به من امور هذا العالم امور كثيرة يحار فيها ذواللب لسليم قائلا: ربنا ما خلقت هذا باطلا. وتلك الامور ثلاثة أنواع: الاول ما يتعلق بكيفية أفلاكه وعددها ونضدها وما يلزمه من حركاتها من الخسوف واختلاف التشكلات وتشابه حركة حامله حول مركز العالم لاحول مركزه، ومحاذاة قطر تدويره نقطة سوى مركز العالم، إلى غير ذلك مما هو مشروح في كتب الهيئة. الثاني ما يرتبط بنوره من التغيرات في بعض الاجسام العنصرية كزيادة الرطوبات في الابدان بزيادته، ونقصانها بنقصانه، وحصول البحارين للامراض، وزيادة مياه البحار، والينابيع زيادة بينة في كل يوم من النصف الاول من الشهر، ثم أخذها في النقصان يوما فيوما في النصف الاخير منه، وزيادة أدمغة الحيوانات وألبانها بزيادة النور، ونقصانها بنقصانه، وكذلك زيادة البقول والثمار نموا ونضجا عند زيادة نوره، حتى أن المزاولين لها يسمعون صوتا من القثاء والقرع والبطيخ عند تمدده وقت زيادة النور، وكإبلاء نور القمر الكتان، وصبغه بعض الثمار إلى غير ذلك من الامور التي تشهد به التجربة. قالوا: وإنما اختص القمر بزيادة مانيط به من أمثال هذه الامور بين سائر الكواكب لانه أقرب إلى عالم العناصر منها، ولانه مع قربه أسرع حركة فيمتزج نوره بأنوار جميع الكواكب، ونوره أقوى من نورها فيشاركها شركة غالب عليها فيما نيط بنورها من المصالح بإذن خالقها ومبدعها جل شأنه. الثالث ما يتعلق به من السعادة والنحوسة، وما يرتبط به من الامور التي هو

[199]

علامة على حصولها في هذا العالم، كما ذكره الديانيون من المنجمين، ووردت ببعضه الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل التسليمات، كما رواه الكليني - ره - عن الصادق عليه السلام (من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى (1)) وعن الكاظم عليه السلام (من تزوج (2) في محاق الشهر فليسلم لسقط الولد (3)) وكما رواه الشيخ عن الباقر عليه السلام (أن النبي صلى الله عليه وآله بات ليلة عند بعض نسائه فانكسف القمر في تلك الليلة فلم يكن (4) فيها شئ، فقالت له زوجته: يا رسول الله، بأبي أنت وامي كل هذا البغض. فقال لها: ويحك، هذا الحادث في السماء فكرهت أن أتلذذ. وفي آخر الحديث ما يدل على أن المجامع في تلك الليلة إن رزق من جماعه ولدا وقد سمع بهذا الحديث لا يرى ما يحب. أقول: تتمة الدعاء سيأتي شرحها في مقام آخر أنسب من هذا المقام إن شاء الله تعالى. 37 - الصحيفة السجادية صلوات الله على من الهمها: الحمدلله الذي خلق الليل والنهار بقوته، وميز بينهما بقدرته، وجعل لكل واحد منهما حدا محدودا وأمدا ممدودا، يولج كل واحد منهما في صاحبه، ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به وينشئهم عليه، فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب، و نهضات النصب، وجعله لباسا ليلبسوا من راحته ومنامه، فيكون ذلك لهم جماما وقوة ولينالوا به لذة وشهوة، وخلق لهم النهار مبصرا ليبتغوا فيه من فضله، وليتسببوا إلى رزقه، ويسرحوا في أرضه، طلبا لما فيه نيل العاجل من دنياهم، ودرك الآجل في اخراهم، بكل ذلك يصلح شأنهم، ويبلو أخبارهم، وينظر كيف هم في أوقات طاعته، ومنازل فروضه، ومواقع أحكامه، ليجري الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي


(1) روضة الكافي: 275. (2) في المصدر: من أنى أهله في محاق الشهر. (3) فروغ الكافي: 499. (4) فلم يكن منه (ظ).

[200]

الذين أحسنوا بالحسنى. اللهم فلك الحمد على ما فلقت لنا من الاصباح، ومتعتنا [به] من ضوء النهار، وبصرتنا [به] من مطالب الاقوات، ووقيتنا [فيه] من طوارق الآفات - إلى آخر الدعاء -. بيان: (خلق الليل والنهار بقوته) الخلق يكون بمعنى الايجاد، وبمعنى التقدير، وكل منهما هنا مناسب، والجمع بينهما أيضا ممكن، وخلقه تعالى الليل والنهار بخلقه الشمس مضيئة غاية الاضاءة بحيث يغلب نورها نور سائر الكواكب وبخلق الهواء مظلما في نفسه قابلا للاضاءة: وبخلق الارض كثيفة قابلة للاضاءة بحيث تنعكس منها الاشعة، وجعل الشمس متحركة حول الارض، فبطلوعها أو ظهور علامتها البينة يحصل النهار، وبغروبها أو ذهاب حمرتها المشرقية يحصل الليل وتقديم الليل لتقدمه شرعا وعرفا كما عرفت، أو لتقدم الظلمة على النور لكونها عدمية أو شبيهة بالعدم، أو للتأسي بالقرآن في أكثر مواضعه (وميز بينهما بقدرته) أي جعل كل واحد منهما ممتازا عن الآخر من حيث الصورة ومن حيث الخواص والآثار، وقيل: معناه أن الله تعالى لما قدر لكل يوم وليلة من أيام السنة الشمسية ولياليها في كل بقعة من بقاع الارض زمانا معينا لا يزيد ولا ينقص أبدا فلا يدخل أحدهما في الآخر، بأن يدخل الليل في النهار قبل تمامه وبالعكس، فيمتاز كل واحد منهما عن الآخر، أي لا يختلط أحدهما بالآخر. لكن يمكن استفادة هذا المعني من الفقرة الآتية، والقدرة صفة نفسانية من شأنها الايجاد والاحداث بها على وجه يتصور ممن قامت به الفعل بدلا عن الترك، والترك بدلا عن الفعل والقوة تطلق على القدرة، وعلى حالة يصح أن تصدر عن صاحبها أفعال شاقة وقد تطلع على حالة تكون مصدرا لحدوث أمر أو سببا له كالقوى الناطقة والنامية والباصرة والسامعة وأمثالها. والباء في الموضعين للاستعانة، أو للملابسة (وجعل لكل واحد منهما حدا محدودا وأمدا ممدودا) حد الشئ منقطعه ومنتهاه، والحد الحاجز بين الشيئين، والمحدود المعين أو المميز عن غيره، والامد يطلق على الغاية وعلى الزمان الممتد، والمدود المبسوط الممتد. وفي بعض النسخ (موقوتا)

[201]

وهو قريب من المحدود، والاظهر (ممدودا) وجعل الامد بمعنى الامتداد ليكون تأسيسا. (يولج كل واحد منهما في صاحبه ويولج صاحبه فيه) الايلاج: الادخال وقد عرفت أن لايلاج كل واحد منهما في الآخر معنيين: أحدهما يرجع إلى مجئ الليل بعد النهار ومجئ النهار بعد الليل، وثانيهما يرجع إلى زيادة كل منهما و نقصان الآخر، ويرد في خصوص هذه العبارة إشكال، وهو أن الزيادة والنقص في كل منهما يتسفاد من الفقرة الاولى، فأي فائدة في الفقرة الثانية ؟ وأجيب عنه بوجوه: الاول ما ذكره الشيخ البهائي - ره -: حيث قال: مراده التنبيه على أمر مستغرب، وهو حصول الزيادة والنقصان معا في كل من الليل والنهار في وقت واحد، وذلك بحسب اختلاف البقاع كالشمالية عن خط الاستواء والجنوبية عنه سواء كانت مسكونة أولا، فإن صيف الشمالية شتاء الجنوبية وبالعكس، فزيادة النهار ونقصانه واقعان في وقت واحد، لكن في بقعتين، وكذا زيادة الليل ونقصانه ولو لم يصرح عليه السلام بقوله (ويولج صاحبه فيه) لم يحصل التنبيه على ذلك، بل كان الظاهر من كلامه عليه السلام وقوع زيادة النهار في وقت ونقصانه في آخر، وكذا الليل كما هو محسوس معروف بين الخاص والعام، فالواو في قوله (ويولج صاحبه فيه) واو الحال بإضمار مبتدأ كما هو المشهور بين النحاة (انتهى). وأقول: إنما قدر المبتدأ لان الجملة الحالية إذا كانت مضارعا مثبتا يكون بالضمير وحده، فإذا اضمر المبتدأ تصير جملة اسمية والاسمية الحالية تكون بالواو والضمير أو بالواو وحدها، وقيل: لا حاجة إلى تكلف الحالية بل مع العطف أيضا يستقيم هذا المعنى، فكأنه قال: كما يولج نهار النصف الاول من السنة من لياليها وليالي النصف الثاني في نهارها يولج أيضا ليالي النصف الاول في نهارها و نهار النصف الثاني في لياليها، وذلك في الافق المقابل، لانه يصير ثمة قوس الليل قوس النهار وبالعكس، فالليل الذي يلج عندنا في النهار هو بعينه نهار ثمة يلج في الليل، وهذا الاعتبار أغرب وأبعد مما اعتبر أولا، وهو أن البقاع الجنوبية أمرها

[202]

على العكس باعتبار النصفين مطلقا من غير اعتبار كل يوم وليل بعينه (انتهى) وأقول: هذا المعني إلى الحالية أحوج من الاول وإن كان يستقيم المعنيان بدونهما الثاني ما قيل: إن الجملة الاولى تدل على أن كلا منهما مولج في صاحبه، و الثانية على أن كلا منهما مولج فيه صاحبه، وهذا معنى آخر غير الاول، وهو وإن كان لازما للاول إلا أن التصريح بما علم ضمنا للاهتمام والمبالغة أمر شائع ذائع، خصوصا فيما كان أمرا عظيما فيه قوام العالم ونظامه، فإن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، وآيتان دالتان على وحدة الله سبحانه وكمال قدرته، ولهذا كرر الله هذا المعنى في كتابه العزيز بلفظ الايلاج وغيره. الثالث أن يكون التكرار للاشعار بتكرر هذا الامر واستمراره، كما يقال لهذا المعنى (يفعل فلان ويفعل، ويعطي ويعطي) وهذا وجه وجيه. الرابع ما قيل: إن دلالة إيلاج كل منهما في صاحبه على إيلاج صاحبه فيه من الخارج لا من اللفظ فإنا إذا علمنا في الخارج أن ليس لليل صاحب إلا النهار ولا للنهار صاحب إلا الليل علمنا من قوله (يولج كل واحد منهما في صاحبه) إيلاج الصاحب أيضا فيه، وأما بالنسبة إلى اللفظ فلا دلالة له أصلا، فإنا إذا قلنا يولج الليل في صاحبه ويولج النهار في صاحبه ولم يعلم من الخارج أن صاحبهما ماذا فلا يعلم إيلاج صاحبه فيه البتة ونحتاج إلى ذكره وترك العطف للاستئناف، أو الحالية المقدرة، والعدول إلى المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي. (بتقدير منه للعباد) الباء للسببية أو الملابسة والاول أظهر، والتنكير للتفخيم. (فيما يغذوهم به) الظرف متعلق بتقدير، أي جعل الله الخلق والتمييز والايلاج لتقدير عظيم في الشئ الذي يغذوهم به، كما مر أن تعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول مما له مدخل عظيم في حصول الاغذية للعباد (وينشئهم عليه) عطف على (يغذوهم) أي له مدخل في نشوئهم ونموهم كما مر ذكره (فخلق لهم الليل) الفاء للترتيب الذكري، وهو عطف المفصل على المجمل (ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات النصب) الاضافتان من إضافة السبب إلى المسبب، أي

[203]

من فوائد الليل أن يسكنوا أي يستقروا ويستريحوا من الحركات الواقعة في النهار لتحصيل المعاش وغيره الموجبة للتعب، والنهضات - بالتحريك -: جمع نهضة - بسكون الهاء - وهي المرة من (نهض ينهض نضا ونهوضا) أي قام، أي القيامات للامور الشاقة، والترددات البدنية، والاشغال القلبية الواقعة في النهار التي هي سبب النصب - بالتحريك - أي الاعياء والعجز، ويروي (بهظات) بالباء الموحدة والظاء المعجمة (من بهظه الامر أو الحمل) كمنع أي غلبه وثقل عليه، ولعلهما إشارتان إلى قوله تعالى (وجعل الليل سكنا (1)). (وجعله لباسا ليلبسوا من راحته ومنامه) إشارة إلى قوله تعالى (وجعلنا الليل لباسا (2)) وقد مر تفسيره، وقال الزمخشري، أي يستركم عن العيون إذا أردتم هربا من عدو، أو بياتا له، أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الامور ويفهم منه معنى آخر وهو أنه تعالى لما جعل الليل سببا لان يلبس العباد لباس الراحة والنوم فكأنه لباس، وشبه الراحة والمنام - وهو مصدر ميمي بمعنى النوم - باللباس، من حيث إن كل واحد منهما يغشاهم ويشتمل عليهم كاللباس كما قال تعالى (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف (3)) وإضافة الراحة والمنام إلى ضمير الليل للاختصاص بمعنى اللام، أي الراحة والمنام المختصين بالليل، ويظهر من كلام ابن الحاجب أنه بمعنى (في) وأنكره أكثر المحققين، والظاهر أن من (في) قوله ((من راحته) للتبعيض، لبيان أنه لم يخلق الليل ليصرفوا جميعه في الاستراحة والمنام بل ليستريحوا في بعضه ويعبدوه في بعضه، وقيل (من) للابتداء، لان اللبس يبتدء من جهة الراحة كما قال تعالى (يحلون فيها من أساور من ذهب (4)) بأن يكون (من راحته) صفة لموصوف محذوف يدل عليه (يلبسوا) أي ليلبسوا ثوبا من راحته


(1) الانعام: 96. (2) النبأ: 10. (3) النحل: 112. (4) الكهف: 31.

[204]

أي الثوب الذي هو راحته، ولا يخفى أن ما ذكرنا أظهر، فيكون عطف على (يلبسوا) والتفريع بالفاء لبيان أن لبس الراحة والمنام سبب للجمام والقوة، و الجمام - بالفتح -، الراحة بعد التعب، يقال: جم الفرس جماما أي ذهب إعياؤه. (ولينالوا به) أي يصيبوا بلبس لباس الراحة (لذة) وهي إدراك الملائم من حيث إنه ملائم (وشهوة) وهي مصدر شهيه كرضي أي أحبه ورغب فيه كاشتهاه وتشهاه والحاصل: ليصيبوا بسبب ذلك ما يلتذون به ويشتهونه، أو المراد بهما الحاصل بالمصدر، ولا يبعد أن يكون المراد لذة النوم وشهوة الجماع، ويحتمل التعميم فيهما. (وخلق لهم النهار) عطف على (خلق لهم الليل) (مبصرا) إسناد للفعل إلى الظرف (ليبتغوا) أي ليطلبوا فيه شيئا (من فضل الله) والمراد به نعم الله مطلقا لا الرزق فقط، وإن فسر به قوله تعالى (وابتغوا من فضل الله (1)) لان طلب الرزق مذكور بعد ذلك في قوله عليه السلام (وليتسببوا إلى رزقه) فذكره بعد من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بشأنه، أي ليتصولوا ويطلبوا سببا من الاسباب المعهودة المشروعة إلى تحصيل رزقه، أو ليصيروا سببا وواسطة في تحصيله كما قال في مقام آخر (تسببت بلطفك الاسباب). (ويسرحوا في أرضه) يقال: سرحت الدابة - كمنع - سروحا: سامت و سرحتها سرحا: أسمتها ورعيتها، يتعدى ولا يتعدى، والمراد هنا الاول. شبه عليه السلام سيرهم في الارض سفرا وحضرا بلا عائق كيف شاؤوا آكلين ما اشتهوا وشاربين ما شاؤوا بسير الدابة في الارض وسومها (طلبا) مفعول له لقوله (يسرحوا) وما قبله من الفعلين، وما قيل من أنه متعلق بخلق الليل وخلق النهار أي طلب الله تعالى من خلقهما فوائد لعباده فلا يخفى بعده (لما فيه نيل العاجل) أي وصولهم إلى النفع العاجل أي الحاضر (من دنياهم) بيان للعاجل، وفي بعض النسخ (في دنياهم) فهو متعلق بالنيل. والدرك: اللحوق والوصول، والآجل: خلاف العاجل (في اخريهم) متعلق بالدرك أو صفة للآجل، أي النفع الآجل الكائن في اخريهم، و


(1) الجمعة: 10.

[205]

الاخرى: تأنيث الآخر، أي الدار الاخرى غير الدنيا أو الاخيرة (بكل ذلك) (متعلق (يصلح) وهو حال أي يصلح الله بكل من الليل والنهار وسائر الامور المذكورة (شأنهم) هو بالهمز وقد يخفف: الامر والحال، أي امورهم بحسب العاجل والآجل (ويبلو أخباهم) قال الزمخشري في قوله تعالى (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) (1) أي ما يحكى عنكم وما يخبر به من أعمالكم لنعلم حسنها من قبيحها، لان الخبر على حسب المخبر عنه إن حسنا فحسن وإن قبيحا فقبيح (انتهى) ومعنى (يبلو) يختبر أي يعاملهم معاملة المختبر. (وينظر كيف هم في أوقات طاعته) أي كيف يصنعون في الاوقات التي وقتها لطاعتهم هل يطيعون أو يعصون (ومنازل فروضه) أي أوقات فروض الله تعالى التي فرضها على العباد، فالمراد المنازل التي ينزل فيها الفروض، أو منازل المكلف وهي منسوبة إلى الفروض لحصول الفرض عندها، أو هو من إضافة المشبه به إلى المشبه كلجين الماء تشبيها للفروض بالمنازل التي ينزلها المسافر، حيث إن المسافر في سفره ينتظر المنزل قبل وصوله إليه ويتشوق له، وإذا وصل إليه يفرح به ويفعل فيه ما ينبغي أن يفعل ويأنس به، فينبغي للمكلف أن يكون بالنسبة إلى ما فرض الله عليه كذلك، وعلى التقادير من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام، إذا الطاعة أعم من الفرض بمعانيه. ويحتمل أن يراد بأوقات الطاعة العبادات الموقتة، وبمنازل الفروض غير الموقتة، أو بالعكس، والاحكام: أعم منهما لشمولها للخمسة، وإن كان شمولها للمباح لا يخلو من تكلف، بأن يقال: ينظر كيف هم فيه هل يعتقدونه مباحا أم يبتدعون تحريمه أو غيرذلك، مع أنه يمكن جعل المباحات طاعات بالنيات كما سيأتي بيانه في محله. والمراد بمواقع الاحكام الامور التي تتعلق بها وهي أفعال المكلفين، أو الازمنة والاحوال التي تعرض فيها (ليجزي الذين أساؤوا) متعلق بما قبله من الافعال الثلاثة، أي إنما فعل تلك الامور ليجزي الذين أساؤوا أي عملوا السيئة (بما عملوا) أي بعقاب ما عملوا، أو بمثل ما عملوا، أو بسببه (ويجزي


(1) محمد: 31.

[206]

الذين أحسنوا) أي فعلوا الاعمال الحسنة (بالحسنى) أي بالمثوبة الحسنى، أو بأحسن من أعمالهم وجزائها، أو بسبب الفعلة الحسنى، فالباء في الموضعين إما للصلة أو للسببية فالظرفان متعلقان بالجزاء، وتعلقهما بأساؤوا وأحسنوا كما توهم بعيد وأوسط التقادير الثلاثة المتقدمة أظهر، لدلالته على جزاء السيئة بالمثل والحسنة بأضعافها. (اللهم) أصله يا الله، حذف حرف النداء وعوض عنه الميم المشددة (فلك الحمد) لما حمده سبحانه على خلق مطلق الليل والنهار حمده تعالى على خصوص اليوم الذي هو فيه والنعم التي اشتمل عليها، وتقديم الظرف للحصر (على ما فلقت) أي شققت (لنا) أي لانتفاعنا (من الاصباح) وهو في الاصل مصدر (أصبح) أي دخل في الصباح، سمي به الصبح (ومتعتنا به) أي على ما صيرتنا ذوي تمتع وانتفاع بسببه (من ضوء النهار) الاضافة بتقدير اللام أو بيانية (وبصرتنا) أي على ما جعلتنا مبصرين له وبصراء به بسبب النهار (من مطالب الاقوات) بالاضافة البيانية أو اللامية، أي المواضع التي يطلب منها القوت، والاعمال التي هي مظنة حصوله والقوت: يا يقوم به بدن الانسان من الطعام (ووقيتنا) أي وعلى ما وقيتنا وحفظتنا منه في ذلك الصبح (من طوارق الآفات) بالاضافة البيانية أو إضافة الصفة إلى الموصوف، والطارق في الاصل من يأتي بالليل لاحتياجه إلى طرف الباب غالبا، و يستعمل غالبا في الشرور الواقعة بالليل وقد يعم بما يشمل ما يقع بالنهار أيضا، فالمراد هنا آفات البارحة أو مطلقا. ثم اعلم أن لفظة (ما) الظاهرة في الفقرة الاولى والمقدرة فيما بعدها من الجمل الثلاث موصولة، وضمير (به) المذكورة في الجملتين والمقدر في غيرهما عائد إليها، و (من) في المواضع الاربعة لبيان الموصول، ويمكن أن تكون (ما) مصدرية في الجميع أو في سوى الاولى، والضمائر راجعة إلى الاصباح أو فلقه فيكون (من) في قوله (من مطالب) بمعنى الباء كما في قوله تعالى (ينظرون من طرف خفي (1)) ثم الحمد في الفقرة الثانية يشمل العميان أيضا فانهم


(1) الشورى: 45.

[207]

يتمتعون بضوء النهار، لاشتغال البصراء بالمهمات والحوائج ومن جملتها حوائج الاضراء، وأما الثالثة فان كان التبصير فيها من إبصار العين فهو لغيرهم، وإن كان من البصيرة فيشملهم، وهذا يؤيد حمله على الاخير. وأما شرح تتمة الدعاء فموضعه الفرائد الطريفة. 38 - الدر المنثور: عن عبد الله بن مغفل (1). قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن عيسى بن مريم عليهما السلام قال: يا معشر الحواريين ! الصلاة جامعة. فخرج الحواريون في هيئة العبادة، قد تضمرت البطون، وغارت العيون، واصفرت الالوان، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الارض، فقام على رأس جرثومة فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم من (2) آيات الله وحكمته فقال: يا معشر الحواريين ! اسمعوا ما أقول لكم، إني لاجد في كتاب الله المنزل الذي أنزله (3) الله في الانجيل أشياء معلومة فاعملوا بها، قالوا: يا روح الله وما هي ؟ قال: خلق الليل لثلاث خصال، وخلق النهار لسبع خصال، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه، خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك، وتستغفر لذنبك الذي كسبته بالنهار (4) ثم لاتعود فيه، وتقنت فيه قنوت الصابرين، فثلث تنام، وثلث تقوم، وثلث تضرع (5) إلى ربك، فهذا


(1) عبد الله بن مغفل - بمعجمة وفاء كمعظم - هو عبد الله بن مغفل بن عبد غنم - وقيل عبد نهم بن عفيف ابن اسحم المزني قال في اسد الغابة (3: 264) كان من اصحاب الشجرة يكنى أبا سعيد، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو زياد، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها دارا قرب الجامع، وكان من البكائين الذين أنزل الله عزوجل فيهم (ولا على الذين إذا ما اتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ولوا وأعينهم. تفيض من الدمع - الاية -) وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس (انتهى) توفى بالبصرة سنة (59) وقيل سنة (60) ايام أمارة ابن زياد بالبصرة، وصلى عليه أبوبرزة الاسلمي بوصية منه بذلك. (2) في المصدر، آيات الله. (3) في المصدر: انزل الله. (4) في المصدر: في النهار. (5) في المصدر: تتضرع. (*)

[208]

ما خلق له الليل. وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تخاطب (1)، وتبر والديك، وأن تضرب في الارض تبتغي المعيشة معيشة يومك وأن تعودوا فيه وليا لله كيما يتغمدكم الله برحمته، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفورا لكم، وأن تأمروا بمعروف، وأن تنهوا عن منكر، فهو ذروة الايمان وقوام الدين، وأن تجاهدوا في سبيل الله تزاحموا إبراهيم خليل الرحمن في قبته، و من مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الحصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه عند مليك مقتدر (2). بيان: قال في النهاية: فيه: كانت في المسجد جراثيم أي كان فيها أماكن مرتفعة عن الارض مجتمعة من تراب أو طين (3). 39 - الدر المنثور: عن ابن مسعود، في قوله تعالى (يوم يأتي بعض آيات ربك (4)) قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرينين، ثم قرأ (وجمع الشمس والقمر (5)). 40 - وعن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها ؟ فقال: تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فيقوم الذين كانوا يصلون فيها فيعملون كما كانوا يعملون والنجوم مكانها لا تسري، ثم يأتون فرشهم فيرقدون حتى تكل جنوبهم، ثم يقومون فيصلون حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس فبيناهم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذا هي طلعت من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم. وروى مثله عن قتادة (6).


(1) في المصدر: تحاسب. (2) الدر المنثور: ج 5، ص 356. (3) النهاية: ج 1، ص 153. (4) الانعام: 158. (5) القيامة: 9 - الدر المنثور: ج 3، ص 57. (6) الدر المنثور: ج 5، ص 57، وعبارة المصدر مضطربة والظاهران عبارة المتن متين

[209]

41 - وعن ابن عباس وفي روايته: آية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال (1). 42 - وعن أبي ذر - ره - قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار عليه برذعة (2) أو قطيفة وذاك عند غروب الشمس، فقال: يا باذر أتدري أين تغيب هذه ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامئة (3) تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش، فإذا حان خروجها اذن لها فتخرج فتطلع، فإذا أراد الله أن يطلعها من حيث تغرب حبسها فتقول: يا رب إن مسيرى بعيد، فيقول لها اطلعي من حيث غربت، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل (4). 43 - وعن عبد الله بن أوفى (5)، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ليأتين على الناس ليلة بقدر ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المصلون يقوم أحدكم (6) فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فبينماهم كذلك إذ ماج الناس بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا: فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت


(1) الدر المنثور: ج 5، ص 58. (2) البرذعة: بفتح الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الذال المعجمة والعين المهملة - قال في الصحاح (3 - 1184) هو المجلس الذى يلقى تحت الرجل، وقال في المنجد: البردعة - بالدال المهملة - والبرذعة - بالمعجمة - كساء يلقى على ظهر الدابة. (3) في المصدر: حمئة. (4) الدر المنثور: ج 5، ص 57 - 58. (5) كذا، والصحيح (عبد الله بن أبي أوفى) أبو ابراهيم صحابي وابن صحابي، واسم ابيه علقمة بن خالد بن الحارث بن اسيد الاسلمي، قال في تهذيب الاسماء، شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل بالمدينة حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من بقى من الصحابة بالكوفة (انتهى) مات سنة (86) وقيل (87). (6) في المصدر (أحدهم) وهو الصحيح.

[210]

في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها، وحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها (1). 44 - وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر والنجوم خلقن من نور العرش (2). 45 - وعن السدي (3) في قوله تعالى (هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا (4)) قال: لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي (5) يعرف الليل من النهار، و هو قوله (فمحونا آية الليل (6)) الاية (7). 46 - وعن ابن عباس قال: وجوههما إلى السماوات، وأقفيتهما إلى الارض (8). 47 - وعن أبى ذر - ره - قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا باذر (9) أتدري أين تغرب الشمس ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن في الرجوع، فيؤذن لها، فذلك قوله (والشمس تجري لمستقر لها (10)). 48 - وعن ابن عباس أنه كان يقرأ (لا مستقر لها (11)). 49 - وعن ابن عباس (رب المشرقين ورب المغربين (12)) قال: للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء. ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف غير مطلعها


(1) الدر المنثور: ج 5، ص 58. (2) الدر المنثور: ج 3، ص 92. (3) بضم السين وتشديد الدال المهملتين، منسوب إلى سدة مسجد الكوفة. (4) يونس: 5. (5) في المصدر: كى. (6) الاسراء: 12. (7 و 8) الدر المنثور: ج 3، ص 300. (9) في المصدر: يا أبا ذر. (10) يس: 38. (11) الدر المنثور: ج 5، ص 263. (12) الرحمن: 17.

[211]

في الشتاء وغير مغربها في الشتاء (1). 50 - وفي رواية اخرى عنه قال: مشرق الفجر (2) ومشرق الشمس، ومغرب الشمس ومغرب الشفق (3). 51 - وعنه أيضا في قوله تعالى (فلا اقسم برب المشارق والمغارب) قال: للشمس كل يوم مطلع تطلع فيه (4) ومغرب تغرب فيه غير مطلعها بالامس وغير مغربها بالامس (5). 52 - وعن عكرمة قال: هي المنازل التي تجري فيها الشمس والقمر (6). 53 - وعن ابن عباس في قوله (وجعل القمر فيهن نورا (7)) قال: وجهه يضيئ السماوات وظهره يضئ الارض (8). 54 - وعن شهر بن حوشب قال: اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الاحبار وقد كان بينهما بعض العتب، فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو للكعب: سلني عما شئت فلا تسألني عن شئ إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن ! فقال له: أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السماوات السبع كما هو في الارض ؟ قال: نعم، ألم تروا إلى قول الله (خلق سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا (9)). 55 - وعن ابن عباس قال: وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الارض (10). 56 - وعن عكرمة قال: إنه يضئ نور القمر فيهن كلهن، كما لو كان سبع


(1 و 3) الدر المنثور: ج 6، ص 142. (2) في المصدر: مشرق النجم ومشرق الشفق (ورب المغربين) قال مغرب.. (4) منه (خ). (5 و 6) الدر المنثور: ج 6، ص 267. (7) نوح: 16. (8) الدر المنثور: ج 6، ص 268. (9 و 10) الدر المنثور: ج 6، ص 269.

[212]

زجاجات أسفل منهن شهاب أضاء كلهن، فكذلك نور القمر في السماوات كلهن لصفائهن (1). 57 - وعن ابن عباس في قوله (وجعل القمر فيهن نورا، قال: خلق فيهن حين خلقهن ضياء لاهل الارض، وليس في السماء من ضوئه شئ (2). 58 - وعن عطاء في قوله (وجمع الشمس والقمر) قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان (3) فيكون نار الله الكبرى (4). 59 - وعن ابن جريح قال: كورا يوم القيامة (5). 60 - العلل والعيون: في خبر الشامي عن الرضا عليه السلام أنه سأل رجل من أهل الشام أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل فكان فيما سأله أن سأله عن أول ما خلق الله تعالى قال: خلق النور، وسأله عن طول الشمس والقمر وعرضهما، قال: تسعمائة فرسخ في تسعمائة فرسخ (6). بيان: أقول تمامه في كتاب الاحتجاج، وقال السيد الداماد - ره - بعد إيراد الخبر بتمامه: إنما هذه السؤالات عن أشياء وجدها السائلون من أهل الكتاب في الكتب السماوية المنزلة على أنبيائهم، فامتحنوا بها أمير المؤمنين عليه السلام واختبروا بها علمه بالكتب الالهية والصحف السماوية، وقوله عليه السلام (أول ما خلق الله النور) المعني به الجوهر المفارق الذي هو أول الانوار العقلية كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله (أول ما خلق الله العقل) وأما قوله عليه السلام (تسعمائة فرسخ في تسعمائة فرسخ) قال: المعني به مكعب تسعمائة فرسخ أي سبعمائة ألف ألف فرسخ وتسعة وعشرون ألف ألف فرسخ المجتمع من ضرب تسعمائة فرسخ في تسعمائة فرسخ ثم ضرب تسعمائة فرسخ في مربعها الحاصل من ضربها في نفسها أي في ثمانمائة ألف فرسخ وعشرة


(1 و 2) الدر المنثور: ج 6، ص 269. (3) في المصدر: فيقذفان في البحر. (4 و 5) الدر المنثور: ج 6، ص 288. (6) العلل: ج 2، ص 280، العيون: ج 1، ص 240.

[213]

آلاف فرسخ - والذي رامه بطول الشمس وعرضها المتساويين هو مساحة جميع سطحها المستدير المحيط بجرمها، وكذلك ما يرام بطول القمر وعرضه وليعلم أن ما نالته الحكماء التعليميون ببراهينهم وأرصادهم وحصلته العلماء الرياضيون بحسبهم وحسباناتهم في مقادير الابعاد والاجرام قد اختلف مذاهبهم فيه اختلافا كثيرا، وذلك إما لاختلالات في الآلات الرصدية، أو لخلل وزلل في نصبها في مناصبها اللائقة، و إما لمسامحات قل ما تخلو عنها حسابات الحاسبين، ومساهلات قل ما تعرو عنها أرصاد الراصدين، فلذلك كله ما قد اختلف أحكام الارصاد، وعز ما يتفق رصدان متفقان وبالجملة فإذ قد أمرت الجماهير أن بحث الاوائل أو في فاعلمن أن بطلميوس ومن في طبقته من الاوائل وجدوا بأرصادهم حصة درجة واحدة من الدائرة العظمى تقع على سطح الارض اثنين وعشرين فرسخا وتسع فرسخ، فحكموا أن ثلاثمائة وستين درجة وهي محيط الدائرة العظمى الارضية ثمانية آلاف فرسخ، وقد بين أرشميدس في مقالته في مساحة الدائرة أن محيط كل دائرة كمجموع ثلاثة أمثال قطرها وسبع قطرها على التقريب، فيكون مقدار قطر الارض ألفين وخمسمائة فرسخ وخمسة و أربعين فرسخا ونصف فرسخ تقريبا، وقد بين فيها أيضا أن مسطح نصف القطر في نصف المحيط مساو لتكسير الدائرة، فتستبين بقوة الخامس والعشرين من اولى كتاب الكرة والاسطوانة لارشميدس أن السطح الذي يحيط به قطر الكرة في المحيط أعظم دائرة تقع فيها مساو للسطح المحيط بالكرة، فإذا ضربت القطر في محيط الدائرة العظمى حصل تكسير سطح الارض وهو عشرون ألف ألف فرسخ وثلاثمائة و ثلاثة وستون ألف فرسخ وستمائة وستة وثلاثون فرسخا وأربعة أجزاء من أحد عشر جزء من فرسخ، ووجدوا قطر الارض مثل قطر جرم القمر ثلاث مرات وخمسي مرة فيكون مقدار جرم قطر القمر سبعمائة فرسخ وسبعة وأربعين فرسخا بالتقريب فمحيط دائرة عظمي قمرية ألفان وثلاثمائة فرسخ وأحد وأربعون فرسخا ونصف فرسخ على التقريب، فمساحة جميع سطح القمر ألف ألف فرسخ وسبعمائة ألف فرسخ وثلاثة وأربعون ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ وخمسة وأربعون فرسخا، ووجدوا قطر

[214]

جرم الشمس خمسة أمثال ونصف مثل لقطر الارض، إذا كانوا وجدوا قطر الشمس بنسبته إلى قطر الارض كمجموع ثمانية عشر جزء وأربعة أخماس جزء بالنسبة إلى مجموع ثلاثة أجزاء وخمسي جزء، فخرج لهم من بعد القسمة خمسة ونصف، فمقدار قطر الشمس أربعة عشر ألف فرسخ إلا فرسخين ونصف فرسخ، فمحيط دائرة عظمي على جرم الشمس أربعة وأربعون ألف فرسخ تقريبا قريبا من التحقيق على ذلك التقدير. فمساحة سطح جرم الشمس بناء على ذلك ستمائة ألف ألف فرسخ وستة عشرألف ألف فرسخ، ومجموع مساحة سطح الشمس والقمر جميعا ستمائة ألف ألف فرسخ وسبعة عشر ألف ألف فرسخ وسبعمائة ألف فرسخ وثلاثة وأربعون ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ وخمسة وأربعون فرسخا، واستخرجوا بحسبهم على ما قد استحصلته أرصادهم أن من الارض إلى بعد الشمس الاوسط ألف ألف فرسخ وسبعة وثلاثين ألف فرسخ وثلاثمائة فرسخ وأحدا وثمانين فرسخا بالتقريب، وأن الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع وثمن مثل للارض وستة آلاف وستمائة وأربعة وأربعون مثلا للقمر، وأن الارض تسعة وثلاثون مثلا وربع مثل للقمر. وقال قطب فلك التحصيل والتحقيق من العلماء المشهورية الجمهورية في طبيعيات كتاب (درة التاج) أن الحكيم الفاضل مؤيد الدين العرضي حقق الامر تحقيقا لم يسبقه إليه أحد ولم يلحقه أحد، وفيما نقل عنه أن جرم الشمس مائة وسبعة وستون مثلا لجرم الارض، وجرم الارض أربعون مثلا لجرم القمر، ثم إن هؤلاء الراصدين الحاسبين جعلوا البعد الابعد لكل كوكب البعد الاقرب للكوكب الذي فوقه، وكان من الواجب أن يجعل بعد محدب كل فلك بعد مقعر الفلك الذي فوقه، لكنهم لم يعتبروا أنصاف أقطار الكواكب وثخن جوزهر القمر وما يبقى من متمم عطارد بين أقرب أبعاده ومقعر فلكه، إذ لم يكن غرضهم الاصلي إلا الاطلاع على عظم هذه الاجرام الشريفة على الاجمال، ليعلم أن قدرة مبدعها جلت عظمته على أقصى غايات الكمال، لا استثبات معرفتها للذهن البشري على طباق ما في العين، فإن عقول الحكماء وأفهام العقلاء لا تصادف ولا تلقى إلا راجعة عن ذلك بخفي حنين

[215]

فلذلك تراهم يتساهلون كثيرا في الحساب مع أن إهمال ثانية واحدة يفضي إلى التبعيد بمراحل عن الصواب، ولقد اورد عليهم أن المسافة على ما في المجسطي وما في مرتبته بين محدب الفلك المائل للقمر ومقعر فلك الشمس ليست تسع ثخني فلك الزهرة وعطارد فضلا من أن يسعهما ما بين محدب جوزهر القمر ومقعر فلك الشمس والحق أن ذلك إنما نشأ من المساهلة في الحساب بإهمال الكسور وما يسير مسيرة ويجري مجراه، فالراصد الفاضل الحاسب المهندس الكاشاني قد تشمر محل الاشكال في رسالة (سلم السماء) باستئناف الحساب على سبيل الاستقصاء من غير إهمال الثواني بل الثوالث، وأورد قطر جرم القمر على أنه سبعمائة وأحد وثلاثون فرسخا، و الصواب فيه ما أثبتناه، وقطر الشمس سبعة عشر ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين فرسخا على أنه سبعة أمثال قطر الارض إلا عشر مثل تقريبا والذي يوحبه الاستقصاء أنه مثل قطر الارض ست مرات وخمسة أسداس مرة ونصف عشر مرة، وجرم القمر على أنه كجزء من اثنين وأربعين جزء وسدس جزء من الارض، والاحق فيه استبدال خمس مكان سدس. وجرم الشمس على أنها ثلاثمائة وستة وعشرون مثلا للارض، والاحق في ذلك وخمس مثل أيضا تقريبا. وإذا علم ذلك فليعلم أن ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في جواب سؤال الشامي إنما هو على مطابقة الشائع المعتبر الذي اعتبرته الاوائل من الحكماء اليونانيين، ثم استمر شيوعا واستقر اعتبارا في العصور والدهور إلى هذه السنين الاخيرة، لكنه لم يتساهل في الحساب ولم يهمل اعتبار الكسور، فلعله عليه السلام اعتبر قطر الارض أكثر مما هو المشهور بشئ يسير، أو أنه عليه السلام اعتبر قطر الشمس ستة أمثال قطر الارض كثمانية عشر بالنسبة إلى خمسة، وهم قد اعتبروه بالنسبة إليه كثمانية عشر جزء وأربعه أخماس جزء بالنسبة إلى ثلاثة أجزاء وخمسين جزء، وبالجملة على ما قاله عليه السلام يجب أن يؤخذ قطر الشمس على أنه خمسة عشر ألفا ومائتا فرسخ تقريبا، ومحيط دائرة عظمي شمسية على أنه سبعة وأربعون ألفا وسبعمائة فرسخ وأحد وسبعون فرسخا ونصف

[216]

فرسخ تقريبا ليس هو على البعد من التحقيق، فإذن يكون مجموع مضروب قطرها في محيط عظماها وهو مساحة جميع سطحها ما آتيناك في مساحة جميع سطح القمر مساويا لمكعب تسعمائة فرسخ على التقريب القريب من التحقيق جدا والله سبحانه أعلم بأسرار كلام عبده ووليه، وأخي رسوله ووصيه، وباب علمه وعيبة حكمته، ولو رام رائم أن يتعرف سبيل الجواب على الاستقصاء الذي تولاه الراصد الحاسب الكاشي على سبيل التقريب قيل له ألف في تسعمائة ثم في حاصل الضرب. وأقول: ذهب بخفي حنين مثل سائر في خيبة الانسان عما يرجوه. وقال الجوهري: قال ابن السكيت عن أبي اليقظان كان حنين رجلا شديدا ادعى على أسد بن هاشم بن عبد مناف، فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران، فقال: يا عم أنا ابن أسد بن هاشم، فقال عبد المطلب: لاوثياب هاشم ! ما أعرف شمائل هاشم فيك فارجع. فقالوا (ذهب حنين بخفيه) فصار مثلا، وقال غيره: هو اسم (إسكاف) من أهل الحيرة، ساومه أعرابي بخفين فلم يشتره، فغاظه ذلك وعلق أحد الخفين في طريقه، فتقدم فطرح الآخر وكمن له، وجاء الاعرابي فرأى أحد الخفين فقال: ما أشبه هذا بخف حنين ! لو كان معه آخر لاشتريته. فتقدم فرأى الخف الثاني مطروحا في الطريق، فنزل وعقل بعيره ورجع إلى الاول، فذهب الاسكاف براحلته وجاء إلى الحي بخفي حنين.

[217]

10 (باب) * (علم النجوم والعمل به وحال المنجمين) * الآيات: الصافات: فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم (1). تفسير: استشكل السيد المرتضى - ره - في كتاب (تنزيه الانبياء) في هذه الآية بوجهين: أحدهما أنه حكي عن نبيه النظر في النجوم، وعندكم أن الذي يفعله المنجمون في ذلك ضلال. والآخر قوله (إني سقيم) وذلك كذب. ثم أجاب بوجوه: الاول: أن إبراهيم عليه السلام كانت به علة تأتيه في أوقات مخصوصة، فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف منها قرب نوبة علته، فقال إني سقيم وأراد أنه حضر وقت العلة وزمان نوبتها، وشارفت الدخول فيها، وقد تسمي العرب المشارف للشئ باسم الداخل فيه، كما قال تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون (2)). فان قيل: لو أراد ما ذكرتموه لقال فنظر إلى النجوم لان لفظة (في) لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم. قلنا: حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال سبحانه (ولاصلبنكم في جذوع النخل (3)) وإنما أراد على جذوعها. الثاني: أنه يجوز أن يكون الله أعلمه بالوحي أنه سيمحنه بالمرض في وقت مستقبل، وإن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته، وجعل تعالى العلامة على ذلك


(1) الصافات: 88. (2) الزمر: 30. (3) الاعراف: 124

[218]

ظاهرا له من قبل النجوم، إما لطلوع نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر، فلما نظر إبراهيم عليه السلام في الامارة التي نصبت له من النجوم قال إني سقيم تصديقا لما أخبره الله تعالى. الثالث: ما قاله قوم في ذلك أن من كان آخر أمره الموت فهو سقيم، وهذا لان تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه. الرابع: أن يكون قوله إني سقيم معناه أني سقيم القلب أو الرأي، خوفا من إصرار قومه على عبادة الاصنام، وهي لا تسمع ولا تبصر، ويكون قوله (فنظر نظرة في النجوم) على هذا معناه أنه نظر وفكر في أنها محدثة مدبرة مصرفة، و عجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حين يعبدونها ويجوز أيضا أن يكون قوله (فنظر نظرة في النجوم) معناه أنه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل فإنه ربما أطرق إلى الارض وربما نظر إلى السماء استعانة على فكره وقد قيل: إن النجوم ههنا نجوم النبت، لانه يقال لكل ما خرج من الارض و غيرها وطلع: أنه ناجم ونجم، ويقال للجميع نجوم، ويقولون: نجم قرن الظبي ونجم ثدي المرأة، وعلى هذا الوجه يكون إنما نظر في حال الفكر والاطراق إلى الارض. فرأى ما نجم منها وقيل أيضا إنه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه وظهر له بعد أن لم يكن ظاهرا، وهذا وإن كان يحتمله الكلام فالظاهر بخلافه، لان الاطلاق في قول القائل (نجوم) لا يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الارض ونجوم الرأي، وقال أبو مسلم الاصفهاني: إن معنى قوله (فنظر نظرة في النجوم) أراد في القمر والشمس لما ظن أنهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى من قصته في سورة الانعام، ولما استدل بافولها وغروبها على أنها محدثة غير قديمة ولا آلهة، وأراد بقوله (إني سقيم) أني لست على يقين من الامر ولاشفاء من العلم، وقد يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء. ثم اعترض عليه بأنه مخالف لسياق الآيات (انتهى ملخص كلامه). وأقول: يمكن أن يقال إن حرمة النظر في النجوم على الانبياء والائمة

[219]

العالمين بها حق العلم غير مسلم، وإنما يحرم على غيرهم لعدم إحاطتهم بذلك و نقص علمهم كما ستعرف عند شرح الاخبار. 1 - الاحتجاج: عن أبن بن تغلب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن فسلم عليه، فرد أبو عبد الله عليه السلام. فقال له: مرحبا يا سعد. فقال له الرجل: بهذا الاسم سمتني امي، وما أقل من يعفرفني به. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت يا سعد المولى، فقال الرجل: جعلت فداك بهذا (1) كنت القب. فقال أبو عبد الله عليه السلام: لاخير في اللقب، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه (ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان (2)) ما صناعتك يا سعد ؟ فقال: جعلت فداك أنا من (3) أهل بيت ننظر في النجوم، لا يقال إن باليمن أحدا أعلم بالنجوم منا. فقال أبو عبد الله عليه السلام: فكم ضوء المشتري (4) على ضوء القمر درجة ؟ فقال اليماني ؟ لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فكم ضوء المشتري على ضوء عطارد درجة ؟ فقال اليماني: لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت (5) فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الابل، فقال اليماني: لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر ؟ فقال اليماني: لا أدري، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب ؟ فقال اليماني: لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت في قولك لا أدري فما زحل عندكم في النجوم ؟ فقال اليماني ؟ نجس نحس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هذا، فإنه نجم أمير المؤمنين عليه السلام وهو نجم الاوصياء عليهم السلام وهو النجم الثاقب الذي قال الله في كتابه. فقال اليماني: فما معنى الثاقب ؟ فقال: إن مطلعه في


(1) في المصدر: بهذا اللقب. (2) الحجرات: 11. (3) في المصدر: إنا أهل بيت. (4) في المصدر: فكم ضوء القمر يزيد على ضوء المشترى درجة ؟ (5) في المصدر: فكم ضوء عطارد يزيد درجة على ضوء الزهرة ؟ قال اليماني: لا أدرى قال أبو عبد الله صدقت.

[220]

السماء السابعة، فإنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء الدنيا، فمن ثم سماه الله النجم الثاقب، ثم قال: يا أخا العرب ! عندكم عالم ؟ قال اليماني: نعم جعلت فداك، إن باليمن قوما ليسوا كأحد من الناس في علمهم ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: وما يبلغ من علم عالمهم ؟ قال (1) اليماني: إن عالمهم ليزجر الطير ويقفو الاثر في ساعة واحدة مسيرة شهر للراكب المحث المجد فقال أبو عبد الله عليه السلام: فإن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن قال اليماني: وما يبلغ من علم عالم المدينة ؟ قال عليه السلام: إن علم عالم المدينة ينتهي إلى أن لا يقفو الاثر ولا يزجر الطير و يعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس تقطع اثني عشر برجا، واثني عشربرا واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما ! فقال له اليماني: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا وما يدري ما كنهه قال: ثم قام اليماني (2). ايضاح: (لاخير في اللقب) أي في الالقاب الردية، وذكره عليه السلام كان لبيان الاعجاز، أو المنهي عنه التنابز بها أولا، فأما بعد الاشتهار فلا بأس للتعريف وغيره. (هاجت الابل) أي للسفاد، قال الجوهري: الهائج الفحل الذي يشتهي الضراب (3) (انتهى) وزجر الطير: الحكم بصياحها وطيرانها على الحوادث تفؤلا وتشؤما، قال الجزري: الزجر للطير هو التيمن والتشؤم [بها والتفؤل] بطيرانها كالسانح والبارح وهو نوع من الكهانة والعيافة (4) (انتهى) والمراد بقفو الاثر إما ما كان شائعا عند العرب من الاستدلال برؤية أثر القدم على تعيين الذاهب وأنه إلى أين ذهب كما فعلوا ليلة الغار، أو الاستدلال بالعلامات والآثار والاوضاع الفلكية على الحوادث، وقوله (في ساعة واحدة مسيرة شهر) أي يحكم في ساعة واحدة بتلك الامور على حدوث الحوادث في مسافة وناحية تكون مسيرة


(1) في المصدر: فقال. (2) الاحتجاج: 193. (3) الصحاح: ج 1، ص 352. (4) النهاية: ج 2، ص 122.

[221]

شهر. قوله عليه السلام (إلى أن لا يقفوا الاثر) أي لا يحتاج في علمه بالحوادث إلى تلك الامور، بل يعلم في لحظة واحدة بما أعطاه الله من العلم ما يقع فيما تطلع عليه الشمس وتقطعه، وهي مقدار اثني عشر برجا في السماء في يوم، أو أصل البروج في سنة واثني عشر نوعا من أنواع البراري وبحرا من أنواع البحور، واثني عشر عالما من أصناف الخلق كما مر ومنها جابلقا وجابرسا، فلفظة (ما) زائدة، ويحتمل أن يكون المراد يعلم ما يحدث في اللحظة الواحدة في جميع تلك العوالم، ويحتمل أن يكون (يقطع) بالياء، أي يقطع العالم تلك العوالم بعلمه، أو بطي الارض كما سيأتي. 2 - الاحتجاج: عن سعيد بن جبير، قال: استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان من دهاقين الفرس فقال له بعد التهنئة: يا أمير المؤمنين ! تناحست النجوم الطالعات وتناحست السعود بالنحوس، وإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء ويومك هذا يوم صعب قد انقلب فيه كوكبان، وانقدح من برجك النيران، وليس الحرب لك بمكان ! فقال أمير المؤمنين عليه السلام ويحك يا دهقان المنبئ بالآثار، المحذر من الاقدار، ما قصة صاحب الميزان وقصة صاحب السرطان ؟ وكم المطالع من الاسد والساعات من (1) المحركات ؟ وكم بين السراري والدراري ؟ قال: سأنظر وأومأ بيده إلى كمه وأخرج منه اسطرلابا ينظر فيه فتبسم عليه السلام فقال: أتدري ما حدث البارحة ؟ وقع بيت بالصين، وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرانديب وانهزم بطريق الروم بأرمنية، وفقد ديان اليهود بإيلة، وهاج النمل بوادي النمل وهلك ملك إفريقية، أكنت عالما بهذا ؟ قال: لايا أمير المؤمنين، فقال: البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم سبعون ألفا، والليلة يموت مثلهم وهذا منهم، وأومأ بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي، وكان جاسوسا للخوارج في عسكر أمير المؤمنين عليه السلام فظن الملعون أنه يقول (خذوه) فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام ألم أروك من عين التوفيق ؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين


(1) في المصدر: في المحركات.

[222]

فقال (1): أنا وصاحبي لاشرقي (2) ولا غربي، نحن ناشئة القطب، وأعلام الفلك أما قولك (انقدح من برجك النيران) فكان الواجب (3) أن تحكم به لي لا علي أما نوره وضياؤه فعندي، وأما حريقه ولهبه فذهب (4) عني، فهذه مسألة عميقة احسبها إن كنت حاسبا (5). بيان: (ما قصة صاحب الميزان) أي الكواكب التي الآن في برجع الميزان أو الكواكب المتعلقة بتلك البرج المناسبة لها، وكذا صاحب السرطان (وكم المطالع من الاسد) أي كم طلع من ذلك البرج الآن ؟ (والساعات) أي كم مضى من الساعات من طلوع سائر المتحركات، ولعل المراد بالسراري الكواكب الخفية، تشبيها لها بالسرية، والدراري الكواكب الكبيرة المضيئة أو اصطلاحان في الكواكب لا يعرفهما المنجمون، والغرض أنه لو كان هذا العلم حقا فإنما يمكن الحكم به بعد الاحاطة بجميع أوضاع الكواكب وأحوالها وخواصها في كل آن وزمان، والمنجمون لم يرصدوا من الكواكب إلا أقلها، و مناط أحكامهم أوضاع السيارات فقط مع عدم إحاطتهم بأحوال تلك أيضا، ثم نبهه عليه السلام على عدم إحاطته بذلك العلم، أو عدم كفايته للعلم بالحوادث بجهله بكثير من الامور الحادثة. وفي القاموس: البطريق ككبريت القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل (6) (انتهى) وديان اليهود عالمهم، وفي بعض النسخ بالنون جمع (دن) وهو الحب العظيم، و (صاحبي) أي النبي صلى الله عليه وآله (لاشرقي ولا غربي) إيماء إلى قوله سبحانه (لاشرقية ولا غربية (7)) والغرض: لسنا كسائر الناس


(1) في المصدر: فقال امير المؤمنين عليه السلام. (2) في المصدر: لاشرقيون ولا غربيون. (3) في المصدر: فكان الواجب عليك. (4) في المصدر: فذاهب. (5) الاحتجاج: 125. (6) القاموس: ج 3، ص 214. (7) النور: 35.

[223]

حتى تحكم علينا بأحكامهم كالنجوم المنسوبة إلى العرب أو إلى الملوك أو إلى العلماء والاشراف فإنا فوق ذلك كله (نحن ناشئة القطب) أي الفرقة الناشئة المنوسبة إلى القطب. أي حقيقة لثباتهم واستقرارهم في درجات العز والكمال، أو كناية عن أنهم عليهم السلام غير منسوبين إلى الفلك والكواكب، بل هي منسوبة إليهم وسعادتها بسببهم، وأنهم قطب الفلك، إذ الفلك يدور ببركتهم، وهم أعلام الفلك بهم يتزين ويتبرك ويسعد. ثم ألزم عليه السلام عليه في قوله (انقدح من برجك النيران) بأن للنار جهتين: جهة نور، وجهة إحراق، فنورها لنا وإحراقها على عدونا، ويحتمل أن يكون المراد به أن الله يدفع ضررها عنا بتوسلنا به تعالى وتوكلنا عليه (فهذه مسألة عميقة) أي كوننا ممتازين عن سائر الخلق في الاحكام، أو كون النيران خيرا لنا وشرا لعدونا، أو أن التوسل و الدعاء يدفع النحوس والبلاء مسألة عميقة خارجة عن قانون نجومك وحسابك، و يبطل جميع ما تظن من ذلك. 3 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: ما تقول فيمن زعم أن هذا التدبير الذي يظهر في هذا (1) العالم تدبير النجوم السبعة ؟ قال عليه السلام: يحتاجون إلى دليل أن هذا العالم الاكبر والعالم الاصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك، وتدور حيث دارت، متعبة لاتفتر، وسائرة لا تقف. ثم قال: وإن كل نجم منها موكل مدبر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين، فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال. قال: فما تقول في علم النجوم ؟ قال: هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته، لانه لا يدفع به المقدور ولا يتقى به المحذور، إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه (الخبر) (2). 4 - مجالس الصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن أبي القاسم


(1) في المصدر: في العالم. (2) الاحتجاج: 191.

[224]

عن محمد بن علي القرشي عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الاحمر، قال: لما أراد الله أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى النهروان أتاه منجم، فقال له: يا أمير المؤمنين ! لاتسر في هذه الساعة وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ولم ذاك ؟ قال: لانك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت و ظهرت وأصبت كلما طلبت ! فقال له أمير المؤمنين عليه السلام تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم انثى ! قال: إن حسبت علمت: قال له أمير المؤمنين عليه السلام من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن، قال الله تعالى (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (1)) ما كان محمد صلى الله عليه وآله يدعي ما ادعيت، أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي ما سار فيها صرف عنه السوء والساعة التي من سار فيها حاق به الضر ؟ ! من صدقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله عزوجل في ذلك الوجه، وأحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه، وينبغي له أن يوليك الحمد دون ربه عزوجل فمن آمن لك بهذا فقد اتخذك من دون الله ندا وضدا. ثم قال عليه السلام: اللهم لاطير إلا طيرك، ولا ضير إلا ضيرك، ولاخير إلا خيرك، ولا إله غيرك. بل نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي نهيت عنها. بيان: (فقال له) روي أن هذا القائل كان عفيف بن قيس أخا الاشعث، و كان يتعاطى علم النجوم. ويقال (ظفر بمطلوبه) كفرح أي فاز. (أتزعم) أي تقول وأكثر ما يستعمل في الباطل والحديث الذي لامستند له (وحاق به الامر) أي لزمه ونزل به، والضر - بالضم -: سوء الحال (من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن) لادعائه العلم الذي أخبر الله سبحانه أنه مختص به، إذ ظاهر قوله تعالى (عنده) الاختصاص. فإن قيل: فقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام بالخمسة المذكورة في الآية في مواطن كثيرة فكيف ذلك ؟ قلنا: المراد أنه لا يعلمها أحد بغير


(1) لقمان: 34.

[225]

تعليمه سبحانه، وما أخبروه من ذلك فإنما كان بالوحي والالهام أو التعلم من النبي صلى الله عليه وآله الذي علمه بالوحي. لا يقال: علم النجوم أيضا من هذا القبيل لما سيأتي من الاخبار الدالة على أن له أصلا وأنه مما علمه الله أنبياءه فكيف يكون تصديق المنجم تكذيبا للقرآن ؟ لانا نقول: الذي سيظهر من الاخبار أن نوعا من هذا العلم حق يعلمه الانبياء والاوصياء عليهم السلام وأما أن ما في أيدي الناس من ذلك فلا كما سنبينه. (أن يوليك الحمد) على بناء الافعال أو التفعيل، أي يقربك من الحمد من الولي بمعنى القرب، أو من قولهم (ولاه الامير عمل كذا) أي قلده إياه، أي يجعلك وليا للحمد وأهلا له، أو من قولهم (أوليته معروفا) أي أنعمت عليه. (لاطير إلا طيرك) الطير من الطيرة وهي التشؤم بالشئ أي لا تأثير للطيرة أي قضاؤك وقدرك على المشاكلة، ويدل على أن ضرر النجوم من جهة الطيرة، والضير: الضرر. 6 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن الحسن بن علي بن فضال، عن ظريف (1) بن ناصح عن أبي الحصين (2)، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساعة فقال: عند إيمان بالنجوم وتكذيب بالقدر (3). بيان: يومئ إلى أن الايمان بالنجوم متضمن للتكذيب بالقدر. 6 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن


(1) ظريف - بالظاء بالمعجمة وزان شريف - ابن ناصح بياع الاكفان، عده الشيخ من اصحاب الباقر عليه السلام ويوجد له الرواية عن الصادق عليهما السلام أيضا، قال النجاشي (156) اصله كوفى نشأ ببغداد وكان ثقة في حديثه صدوقا، له كتب عنه ابنه الحسن. (2) في المصدر: عن أبى الحسين. (3) الخصال: 30.

[226]

زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة. الفخر بالاحساب والطعن في الانساب. والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وإن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب (1). بيان: الاستسقاء بالنجوم اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في نزول المطر. 7 - الخصال: عن إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة، عن سالم بن سالم وأبي عروبة معا، عن أبي الخطاب، عن هارون بن مسلم، عن القاسم بن عبد الرحمن الانصاري، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن خصال إلى أن قال: وعن النظر في النجوم (2). ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن الحسن بن علي الكوفي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن نصر (3) بن قابوس، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المنجم ملعون، والكاهن ملعون، والساحر ملعون، والمغنية ملعونة، ومن آواها وأكل كسبها ملعون. وقال عليه السلام: المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار. قال الصدوق - ره -: المنجم الملعون هو الذي يقول بقدم الفلك ولا يقول بمفلكه وخالقه عزوجل (4). 8 - البصائر: عن محمد بن عبد الله بن أحمد الرازي، عن إسماعيل بن موسى


(1) الخصال: 105. (2) الخصال: 45. (3) هو نصر بن قابوس اللخمى بفتح اللام القابوسي الكوفى، عده الشيخ من اصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وقال النجاشي (333): روى عن أبى عبد الله وابى ابراهيم و ابى الحسن الرضا عليهم السلام وكان ذامنزلة عندهم، وقال الشيخ في كتاب الغيبة: وكان وكيلا لابي عبد الله عليه السلام عشرين سنة ولم يعلم انه وكيل وكان خيرا فاضلا، وقال المفيد في الارشاد: انه من خاصة الكاظم عليه السلام ومن ثقاته ومن اهل الورع والعلم والفقه من شيعته (4) الخصال: 140.

[227]

عن أبيه، عن جده، عن عمه عبد الصمد بن علي، قال: دخل رجل على علي بن الحسين عليهما السلام فقال له علي بن الحسين: من أنت ؟ قال: أنا منجم، قال: فأنت عراف، قال: فنظر إليه ثم قال: هل أدلك على رجل قدمر مذ دخلت علينا في أربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه ؟ ! قال: من هو ؟ قال: أنا، وإن شئت أنبأتك بما أكلت وما ادخرت في بيتك. بيان: قال في النهاية: فيه من أتى عرافا أو كاهنا، أراد بالعراف المنجم أو الحازي (1) الذي يدعى علم الغيب وقد استأثر الله به (2) (انتهى) وقال الطيبي في شرح المشكوة: هو قسم من الكهان يستدل على معرفة المسروق والضالة بكلام أو فعل أو حالة. 9 - البصائر: عن محمد بن الحسين، عن علي بن سعدان (3)، عن عبد الله بن القاسم، عن عمير بن (4) أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب، قال: كنت عند أبي - عبد الله عليه السلام حيث دخل عليه رجل من علماء أهل اليمن، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يايماني أفيكم علماء ؟ قال: نعم، قال: فأي شئ يبلغ من علم علمائكم ؟ قال: إنه ليسير في ليلة واحدة مسيرة شهرين، يزجر الطير، ويقفو الآثار ! فقال له: فعالم المدينة أعلم من عالمكم ! قال: فأي شئ يبلغ من علم عالمكم بالمدنية ؟ قال: إنه يسير في صباح واحد مسيرة سنة كالشمس (5) إذا امرت، إنها اليوم غير مأمورة ولكن إذا امرت تقطع اثني عشر شمسا، واثني عشر قمرا واثني عشر مشرقا، واثني


(1) الحازى: بالزاى وزان القاضى هو الذى يخمن الاشياء ويقدرها بظنه من خارص ومنجم وكاهن، وقال في الصحاح (2312) الحازى الذى ينظر في الاعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن. (2) النهاية: ج 3، ص 86. (3) كذا، والظاهر انه مصحف (موسى بن سعدان) الحناط الكوفى والله اعلم. (4) كذا، والصحيح (عمر بن ابان) قال النجاشي (219) عمر بن ابان الكلبى أبو حفص مولى كوفى ثقة روى عن أبى عبد الله عليه السلام، وقال في ترجمة ابنه اسماعيل: روى ابوه (عمر) عن ابى عبد الله وابى الحسن عليهما السلام. (5) للشمس (خ).

[228]

عشر مغربا، واثني عشر برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما قال، فما بقي في يدي اليماني فما درى ما يقول، وكف أبو عبد الله عليه السلام. 10 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب (1)، عن أبان بن تغلب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من أهل اليمن، فقال له: يا أخا أهل اليمن عندكم علماء ؟ قال: نعم، قال: فما بلغ من علم عالمكم ؟ قال: يسير في ليلة مسيرة شهرين، يزجر الطير، ويقفو الاثر ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: عالم المدنية أعلم من عالمكم ! قال: فما بلغ من علم عالم المدينة ؟ قال: يسير في ساعة من النهار مسيرة الشمس سنة حتى يقطع اثني عشر ألف عالم مثل عالمكم هذا ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا إبليس ! قال: فيعرفونكم ؟ قال: نعم، ما افترض عليهم إلا ولايتنا والبراءة من عدونا. 11 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن سفيان بن عمر قال: كنت أنظر في النجوم فأعرفها وأعرف الطالع فيدخلني من ذلك، فشكوت ذلك إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: إذا وقع في نفسك شئ فتصدق على أول مسكين ثم امض، فإن الله عزوجل يدفع (2) عنك (3). بيان: (فيدخلني من ذلك) أي هم أو حالة تمنعني عن التوجه إلى عمل، لما أطن، من نحوسة الساعة، ويدل على أن أثر نحس الكواكب والاوضاع أو تأثير التطير بها يزول بالصدقة. 12 - رسالة الاستخارات: للسيد بن طاووس قال: ذكر الشيخ الفاضل محمد بن علي بن محمد في كتاب له في العمل ما هذا لفظه: دعاء الاستخارة عن الصادق عليه السلام تقوله


(1) الظاهر انه منصور بن حازم البجلى، وقال النجاشي (323) منصور بن حازم أبو ايوب البجلى كوفى ثقة عين صدوق من جملة اصحابنا وفقهائهم، روى عن أبى عبد الله وابى الحسن موسى عليهما السلام: له كتب منها (اصول الشرائع) لطيف (انتهى). (2) يرفع (خ). (3) المحاسن 349.

[229]

بعد فراغك من صلاة الاستخارة تقول: اللهم إنك خلقت أقواما يلجؤون إلى مطالع النجوم لاوقات حركاتهم وسكونهم وتصرفهم وعقدهم وخلقتني أبرأ إليك من اللجأ إليها ومن طلب الاختيارات بها، وأتيقن أنك لم تطلع أحدا على غيبك في مواقعها ولم تسهل له السبيل إلى تحصيل أفاعيلها، وأنك قادر على نقلها في مداراتها في مسيرها على السعود العامة والخاصة إلى النحوس، ومن النحوس الشاملة والمفردة إلى السعود، لانك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ام الكتاب، ولانها خلق من خلقك، وصنعة من صنيعك، وما أسعدت من اعتمد على مخلوق مثله، واستمد الاختيار لنفسه، وهم اولئك، ولا أشقيت من اعتمد على الخالق الذي أنت هو، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأسألك بما تملكه وتقدر عليه، وأنت به ملئ وعنه غني وإليه غير محتاج، وبه غير مكترث، من الخيرة الجامعة للسلامة والعافية والغنيمة لعبدك - إلى آخر الدعاء -. وقد أوردناه في أبواب الاستخارات. بيان: (وعقدهم) أي عزمهم أو إيقاعهم العقود. وفي النهاية: الملئ بالهمز الثقة الغني، وقد اولع الناس بترك الهمز وتشديد الياء (1). وقال: ما أكترث به: أي ما ابالي. 13 -: النجوم: روينا بإسنادنا إلى الشيخ السعيد محمد بن جرير الطبري الامامي (2)، عن الحسين بن عبد الله الجرمي، ومحمد بن هارون التلعكبري، عن محمد بن أحمد بن محروم، عن أحمد بن القاسم، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن علي بن صالح بن حي الكوفي، عن زياد بن المنذر، عن قيس بن سعد، قال: كنت كثيرا اساير أمير المؤمنين عليه السلام إذا سار إلى وجه من الوجوه، فلما قصد أهل النهروان


(1) النهاية: ج 4، ص 105. (2) كذا، والصحيح (محمد بن جرير بن رستم) وهو ابن جرير الطبري الشيعي منسوب إلى (طبرستان) وهى المعروفة الان بمازندران، من اعاظم علمائنا الامامية في المائة الرابعة، صاحب كتاب (دلائل الامامة) و (الايضاح) و (المسترشد) قال النجاشي (291): محمد بن جرير بن رستم الطبري الاملي أبو جعفر جليل من اصحابنا كثير العلم، حسن الكلام ثقة في الحديث.

[230]

وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسائرا له إذ خرج إليه قوم من أهل المدائن من دهاقينهم معهم براذين (1) قد جاؤوا بها هدية (2) إليه فقبلها، وكان فيمن تلقاه دهقان من دهاقين المدائن يدعى (سرسفيل) وكانت الفرس تحكم برأيه فيما مضى وترجع إلى قوله فيما سلف، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام قال له: يا أمير المؤمنين لترجع عما قصدت ! قال: ولم ذاك يا دهقان ؟ قال: يا أمير المؤمنين ! تناحست النجوم الطوامع، فنحس أصحاب السعود، وسعد أصحاب النحوس، ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاستخفاء والجلوس، وإن يومك هذا يوم مميت، قد اقترن فيه كوكبان قتالان، وشرف فيه بهرام في برج الميزان، واتقدت من برجك النيران وليس الحرب لك بمكان. فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال أيها الدهقان المنبئ بالاخبار، والمحذر من الاقدار، ما نزل البارحة في آخر الميزان ؟ وأي نجم حل في السرطان ؟ قال: سأنظر ذلك، واستخرج من كمه اسطرلابا وتقويما، قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنت مسير الجاريات ؟ قال: لا، قال: فأنت تقضي على الثابتات ؟ قال: لا، قال: فأخبرني عن طول الاسد وتباعده من المطالع والمراجع وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ قال: لاعلم لي بذلك. قال فما بين السراري (3) إلى الدراري ؟ وما بين الساعات إلى المعجرات ؟ وكم قدر شعاع المبدرات ؟ وكم تحصل الفجر في الغدوات ؟ قال: لاعلم لي بذلك، قال: فهل علمت يا دهقان أن الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت بالصين، وانقلب برج ماجين، و احترق دور بالزنج، وطفح جب سرانديب، وتهدم حصن الاندلس، وهاج نمل الشيح، وانهزم مراق الهندي، وفقد ديان اليهود بإيلة، وهدم بطريق الروم برومية، وعمي راعب عمورية، وسقطت شرفات القسطنطنية أفعالم أنت بهذه الحواث وما الذي أحدثها شرقيها أو غربيها من الفلك ؟ قال: لاعلم لي بذلك


(1) براذين: جمع (برذون) بكسر الباء الموحدة وفتح الذال المعجمة دابة الحمل الثقيلة. (2) الهدية كالعطية. (3) السوارى (خ).

[231]

قال: وبأي الكواكب تقضي في أعلى القطب ؟ وبأيها تنحس من تنحس ؟ قال: لاعلم لي بذلك، قال: فهل علمت أنه سعد اليوم اثنان وسبعون عالما، في كل عالم سبعون عالما، منهم في البر، ومنهم في البحر، وبعض في الجبال، وبعض في الغياض وبعض في العمران، وما الذي أسعدهم ؟ قال: لاعلم لي بذلك، قال: يا دهقان: أظنك حكمت على اقتران المشتري وزحل لما استنارا لك في الغسق، وظهر تلالؤ شعاع المريخ وتشريقه في السحر، وقد سار فاتصل جرمه بجرم تربيع القمر (1) وذلك دليل على استحقاق ألف ألف من البشر كلهم يولدون اليوم والليلة ويموت مثلهم - وأشار بيده إلى جاسوس في عسكره لمعاوية فقال -: ويموت هذا، فإنه منهم فلما قال ذلك ظن الرجل أنه قال خذوه، فأخذه شئ بقلبه، وتكسرت نفسه في صدره، فمات لوقته. فقال عليه السلام: يا دهقان ألم أرك غير التقدير في غاية التصوير ؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، قال: يا دهقان ! أنا مخبرك أني وصحبئ هؤلاء لاشرقيون ولا غربيون، إنما نحن ناشئة القطب، وما زعمت أن البارحة انقدح من برجي النيران فقد كان يجب أن تحكم معه لي، لان نوره وضياءه عندي، فلهبه ذاهب عني يا دهقان هذه قضية عيص (2)، فاحسبها وولدها إن كنت عالما بالاكوار والادوار.


(1) قال بعض علماء العصر ما حاصله ان هذا الكلام يدل على بطلان الفرضية البطلميوسية حيث إن الظاهر منه امكان اقتراب الكواكب بعضها من بعض واتصال جرم المريخ بتربيع القمر وهو مستحيل على تلك الفرضية، لان كل واحد من الكواكب بناء عليها مركوز في ثخن فلك من الافلاك لا يتحرك من مكانه ولا يتغير وضعه الا بتبع فلكه، والافلاك كرات متداخلة كطبقات البصل لا يتغير شئ منها عن مكانه، وفلك القمر هو الفلك الاول وفلك المريخ هو الفلك الخامس وبينهما ثلاثة أفلاك فيستحيل اقتراب احدهما من الاخر واما على مباني الهيئة الجديدة فالارض احد السيارات، واقرب الكواكب منها هو المريخ، والقمر يدور حول الارض، ومدار الجميع على الشكل البيضى المستطيل، ومدار الارض في داخل مدار المريخ، وعلى هذا يمكن للمريخ ان يقترب من القمر في بعض الاوضاع بحيث يتوهم اتصالهما من شدة قربهما وعند ذلك يكون المريخ في غاية التلالؤ: لكونه في اقرب نقطة من الارض ومن الشمس أيضا، ومن هنا يظهر سر جملة اخرى من كلامه عليه السلام وهى هذه (وظهر تلالؤ شعاع المريخ وتشريقه في السحر). (2) عويص (خ).

[232]

قال: لو علمت ذلك لعلمت أنك تحصي عقود القصب في هذه الاجمة ومضى أمير - المؤمنين عليه السلام فهزم أهل النهروان وقتلهم، وعاد بالغنيمة والظفر. فقال الدهقان: ليس هذا العلم بما في أيدي أهل زماننا، هذا علم مادته من السماء. 14 - أقول: وروى السيد الخبر أيضا عن الاصبغ بن نباتة، قال: لما رحل أمير المؤمنين عليه السلام من (نهر بين (1) أتينا النهروان وقد قطع جسرها وسمرت سفنها فنزل - صلى الله على محمد وعليه - وقد سرح الجيش إلى جسر بوران ومعه رجل من أصحابه، وقد شك في قتال الخوارج، فإذا برجل يركض فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام قال: البشرى يا أمير المؤمنين ! قال له: وما بشراك ؟ قال: لما بلغ الخوارج نزولك البارحة نهر بين ولوا هاربين. قال علي عليه السلام: أنت رأيتهم حين ولوا ؟ قال: نعم، قال علي عليه السلام: كلا والله لا عبروا النهروان ولا تجاوزوا الانثلات ولا النخيلات حتى يقتلهم الله على يدي، عهد معهود، وقدر مقدور، ولا يقتلون منا عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، إذا أقبل عليه رجل من الفرس يقتدى برأيه في حساب النجوم لمعرفته بالطوامع والمراجع، وتقويم القطب في الفلك، ومعرفته بالحساب والضرب والجبر والمقابلة وتاريخ السنداباد وغير ذلك، وهو الدهقان، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام نزل عن فرسه وسلم عليه فقال له: أيها الامير ! لتعرجعن عما قصدت إليه وكان اسم الدهقان (سرسفيل سوار) وكان دهقانا من دهاقين المدائن فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ولم يا سرسفيل سوار ؟ ! قال: تناحست النجوم الطالعات، وتباعدت النجوم الناحسات، ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاختفاء والقعود، ويومك هذا مميت يقلب فيه رجمان، وانكشفت فيه الميزان، واقتدح من برجك النيران، وليس الحرب لك بمكان. قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرني يا دهقان عن قصة الميزان، وفي أي مجرى كان برج السرطان ؟ قال: سأنظر لك في ذلك، ثم ضرب يده إلى كمه فأخرج منها زيجا واصطرلابا، فتبسم أمير المؤمنين


(1) نهر بين بفتح النون وكسر الباء: طسوج من سواد بغداد، وهو الان قرية بظاهرها (من مراصد الاطلاع).

[233]

عليه السلام ثم قال له: يا دهقان ! أنت مسير الثابتات ؟ قال: لا، قال: فأنت تقضي على الحادثات ؟ قال: لا، قال له: يا دهقان ! فما ساعة الاسد من الفلك ؟ وماله من المطالع والمراجع ؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ قال: لا علم لي أيها الامير قال: فعلى أي الكواكب تقضي على القطب ؟ وما هي الساعات المتحركات ؟ وكم قدر الساعات المدبرات ؟ وكم تحصل المقدرات ؟ قال: لاعلم لي بذلك، قال له: يا دهقان ! إن صح لك علمك [علمت] أن البارحة انقلب بيت في الصين وانقلب بيتانسين (1) واحترقت دور الزنج، وانحطم منار الهند، وطفع جب سرانديب، وهلك ملك إفريقية، وانقض حصن اندلس، وهاج نمل الشيح، وفقد ديان اليهود، وجذم شطرنج الرومي بأرمنية، وعتاعب عمورية (2)، وسقطت شرافات الفسطنطنية، و هاجت سباع البحر واثبة على أهلها، ورجعت رجال النوبة المراجيح، والتفت الزرق مع الفيلة، وطار الوحش إلى العلقين، وهاجت الحيتان في الاخضرين، و اضطربت الوحوش بالانقلين، أفأنت عليم بهذه الحوادث وما أحدثها من الفلك شرقية أو غربية ؟ ومن أي برج سعد صاحب النحس ؟ وأي برج انتحس صاحب السعد ؟ قال الدهقان: لاعلم لي بذلك، قال: فهل دلك علمك أن اليوم فيه سعد سبعون عالما، في كل عالم سبعون ألف عالم، منهم في البحر، ومنهم في البر، ومنهم في الجبال، ومنهم في السهل والغياض والخراب والعمران ؟ فأبن لنا ما الذي من الفلك أسعدهم ؟ قال الدهقان: لاعلم لي بذلك، قال له: يا دهقان ! أظنك حكمت على اقتران المشتري بزحل حين لاحا لك في الغسق قد شارفها واتصل جرمه بجرم القمر، وذلك دليل على استحقاق ألف ألف من البشر كلهم مولدون في يوم واحد ومائة ألف من البشر كلهم يموتون الليلة وغدا، وهذا منهم وأومأ بيده إلى سعد


(1) انسين (خ). (2) العمورية بفتح العين وتشديد الميم: بلدة من بلاد الروم، غزاه المعتصم ففتحه وكان من اعظم فتوح الاسلام، والعمورية أيضا بليدة على شاطئ العاصى فيها آبار خراب ولها دخل وافر (مراصد الاطلاع).

[234]

ابن مسعود الحارثي وكان في عسكره جاسوسا للخوارج فظن أن عليا عليه السلام يقول خذوا هذا، فقبض على فؤاده فمات في وقته. فقال علي عليه السلام: لم ارك عين التوفيق، أنا وأصحابي هؤلاء لاشرقيون ولا غربيون، إنما نحن ناشئة القطب، و أعلام الفلك، وأما ما زعمت أن البارحة اقتدح من برجي النيران، فقد يجب عليك أن تحكم به لي، لان ضياءه ونوره عندي، ولهبه وحريقه ذاهب عني، فهذه قضية عميقة، فاحسبها إن كنت حاسبا، واعرفها إن كنت عارفا بالاكوار والادوار، ولو علمت ذلك لعلمت عدد كل فصبة في هذه الاجمة وكانت عن يمينه أجمة قصب، فتشهد الدهقان وقال: يا مولاي ! الذي فهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام مفهمهم (1) مفهمكما يا أمير المؤمنين، فهو والله (2) المشار إليه، ولا أثر بعد عين، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك الامام والوصي المفترض الطاعة. بيان: أكثر السؤالات المذكورة في الرواية على تقدير صحتها وضبطها مبنية على اصطلاحات معرفتها مختصة بهم عليهم السلام أوردها عليه السلام لبيان عجزه وجهله وعدم إحاطة علمه بما لابد منه في هذا العلم. (وكم تحصل الفجر في الغدوات) يحتمل أن يكون المراد به زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإن ذلك يختلف في الفصول (وطفح جب سرنديب) أي امتلا وارتفع، ومنه (سكران طافح) والشيح: نبت معروف، ويحتمل أن يكون المراد هنا الوادي الذي هو منبته، و العمورية ماء للنصارى يغمسون فيه أولادهم (3) (وما الذي أحدثها) أي بزعمك (شرقيها) أي الكواكب (لم ارك غير التقدير) بكسر الغين وفتح الياء أي التغيرات الناشئة من تقديرات الله تعالى، وفي بعض النسخ (عين التقدير) أي أصله


(1) ما فهمهم (ظ). (2) كذا، لكن يظهر من البيان الاتى أن الصحيح (فهو الله) بلا واو. (3) الماء الذى ذكره رحمه الله هو المعمودية، والظاهر ان (العمورية) في الرواية بالراء دون الدال وهى بلدة بالروم.

[235]

(هذه قضية عيص) بالاضافة أي أصل في القاموس: العيص - بالكسر -: الاصل (1). وفي بعض النسخ (عويصة) أي صعبة شديدة (وولدها) بصيغة الامر وتشديد اللام أي استنتج منها، والعمورية - مشددة الميم -: بلد بالروم، ولعل المراد بالعب الماء العظيم، وبعتوة طغيانه وكثرته، والمراجيح: الحلماء (2)، والزرق كسكر طائر صياد، ذكره الفيروز آبادي (3). وفي حياة الحيوان: طائر يصاد به بين الباز والباشق، وقيل هو الباز الابيض (انتهى) والفيلة بكسر الفاء وفتح الفاء جمع الفيل. (فهو الله) أي مفهمك الله (المشار إليه) بالدلائل والآيات (ولا أثر بعد عين) أي لاأطلب الآثار والدلائل والاخبار على حقيتك بعد ما عاينت. أقول: وكان في الخبرين فيما عندنا من النسخ تصحيفات كثيرة تركناها كما وجدنا. 15 - النجوم: رويت بعدة طرق إلى يونس بن عبد الرحمن في جامعه الصغير بإسناده قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو ؟ فقال: هو علم من علم الانبياء، قال: فقلت: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعلمه ؟ فقال: كان أعلم الناس به. 16 - ومنه: نقلا من أصل من اصول أصحابنا اسمه (كتاب التجمل) بإسناده عن جميل عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام عمن ذكره قال: كان قد علم نبوة نوح عليه السلام بالنجوم. بيان: لعل من ذكره من باب الارسال من أحد الرواة، وضمير قال للامام عليه السلام، و (علم) بصيغة المعلوم والمعنى أنه عليه السلام أخبر بأن فلانا قد علم نبوة نوح بالنجوم، ويحتمل أن يكون الارسال من الامام، وضمير (قال) عائدا إلى من ذكره، و (علم) على بناء المجهول، وعلى الثاني ليس الاخبار من كلامه


(1) القاموس: ج 2، ص 310. (2) كذا، وقال الجوهرى (الصحاح: ج 1، ص 364) راجحته فرجحته: أي كنت ارزن منه، وقوم مراجيح في الحلم (انتهى) فليتأمل في ما ذكر في المتن من التفسير. (3) القاموس: ج 3، ص 240.

[236]

عليه السلام والظاهر أنه من تصحيف النساخ وقوله (عمن ذكره) كان مقدما على قوله (عن أبي جعفر) عليه السلام و (علم) على بناء المجهول. 17 - النجوم: وجدت في كتاب عتيق عن عطا قال: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: هل كان للنجوم أصل ؟ قال: نعم، نبي من الانبياء قال له قومه: إنا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله، فأوحى الله عزوجل إلى غمامة فأمطرتهم، واستنقع (1) حول الجبل ماء صاف، ثم أوحى الله عزوجل إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثم أوحى الله عزوجل إلى ذلك النبي أن يرتقي هو وقومه على الجبل فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله بمجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار، وكان أحدهم يعلم متى (2) يموت ومتى يمرض، ومن ذا الذي يولد له ومن ذا الذي لا يولد له، فبقوا كذلك برهة من دهرهم، ثم إن داود عليه السلام قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضره أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود عليه السلام ولا يقتل من هؤلاء أحد ! فقال داود عليه السلام: رب اقاتل على طاعتك، ويقاتل هؤلاء على معصيتك، يقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد فأوحى الله عزوجل: إني كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنما أخرجوا إليك من لم يحضره أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فمن ثم يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد. قال داود عليه السلام: يا رب على ما ذا علمتهم ؟ قال: على مجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار. قال: فدعا الله عزوجل فحبس الشمس عليهم، فزاد النهار واختلطت الزيادة بالليل والنهار فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط حسابهم. وقال على عليه السلام: فمن ثم كره النظر في علم النجوم. 18 - الدر المنثور: قال: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: هل كان للنجوم أصل ؟ قال: نعم، كان نبي من الانبياء يقال له (يوشع بن نون) فقال له قومه


(1) استنقع الماء: اجتمع. (2) من يموت (خ)

[237]

- وساق إلى قوله - ثم أوحى الله إلى يوشع بن نون أن يرتقي - إلى آخر الخبر - (1) بيان: (أن تجري في ذلك الماء) يمكن أن يكون المراد جريان عكس الكواكب فيها، فيكون الماء كالزيج لهم لاستعلام مقدار الحركات، أو خلق الله للكواكب أمثالا فأجراها في الماء على قدر حركة أصلها في السماء أو صغرها وأنزلها وأجراها فيه. وفي القاموس: البرهة - ويضم -: الزمان الطويل أو أعم (2) (انتهى) (فمن ثم كره) أي من أجل أن الحساب اختلط فلا يمكنهم الحكم الواقعي على الكواكب وحركاتها فيكذبون، أو من جهة أنه يصير سببا لترك الامور الضرورية بسبب علمهم بما يترتب عليه، والخبر ضعيف عامي، وفيه إشكال آخر وهو أنهم لو كانوا بحسب تقدير الله تعالى وأحكام النجوم من الخارجين فلم لم يخرجوا ؟ ولو لم يكونوا فلم يكن ترك خروجهم بسبب ذلك (3)، وهذا من المسائل الغامضة من فروع مسأله القضاء والقدر، والعقل قاصر عن فهمها. 19 - النجوم: وأما دلالة النجوم على إبراهيم عليه السلام فقد روى صاحب كتاب التجمل أن آزر أبا إبراهيم كان منجما لنمرود، ولم يكن صدر إلا عن أمره فنظر ليلة في النجوم فأصبح وهو يقول لنمرود: لقد رأيت في النجوم عجبا ! قال: وما هو ؟ قال: رأيت مولودا يولد في زماننا يكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به. قال: فتعجب من ذلك، ثم قال: هل حملت به النساء بعد ؟ قال: لا، فحجب الرجال عن النساء ولم يدع امرأة إلا جعلها في المدينة، ولا يخلص إليها بعلها. قال: فوقع آزر على أهله، فحملت بإبراهيم، فظن أنه صاحبه فأرسل إلى قوابل ذلك الزمان - وكن أعلم الناس بالجنين ولا يكون في الرحم شئ إلا عرفنه وعلمن به - فنظرن فألزم ما في الرحم الظهر، فقلن: ما نرى في


(1) الدر المنثور: ج 3، ص 35. (2) القاموس: ج 4، ص 280. (3) لا منافاة بين كونهم بحسب القضاء المحتوم من غير الخارجين وكون ترك الخروج مسببا عن علمهم بالنجوم، فان القضاء ليس في عرض سائر الاسباب.

[238]

بطنها شيئا. قال: وكان مما اوتي من العلم أن المولود سيحرق بالنار، ولم يؤت علما أن الله سينجيه منها. أقول: (1) ورويت هذا الحديث عن إبراهيم الخزاز عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام من أصل قرئ على هارون بن موسى التلعكبري - ره - وقد روى هذا الحديث علي بن إبراهيم في كتاب تفسير القرآن بأبسط من هذه الرواية (2) و رواه أيضا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في الجزء الاول من تاريخه، وراه أيضا سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب قصص الانبياء ورواه الثعلبي في تفسيره وغيره من العلماء. وممن أخبر المنجمون عن نبوته ورسالته موسى بن عمران عليه السلام وقد تضمنت كتب التواريخ وغيرها من الصنفات ما يغني عن ذكر جميع الروايات فمن ذلك ما رواه الثعلبي في كتاب العرائس في المجالس فقال: إن فرعون رأى في منامه أن نارا قد أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بنى إسرائيل، فدعا فرعون السحرة والكهنة والمعبرين والمنجمين وسألهم عن رؤياه، فقالوا له: إنه يولد في بنى إسرائيل غلام يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك من أرضك، ويذل دينك، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه. ثم ذكروا ولادة موسى عليه السلام وما صنع فرعون في قتل ذكور الاولاد، وليس في ذكر ذلك ههنا ما يليق بالمراد. وذكر حكم المنجمين بولادة موسى عليه السلام ونبوته الزمخشري في كتاب (الكشاف) وروى حديث دلالة النجوم على ولادة موسى عليه السلام وهب بن منبه في الجزء الاول من كتاب (المبتدء) بأبسط من رواية الثعلبي، وذكر أبو جعفر بن بابويه في كتاب النبوة في باب سياقه حديث عيسى بن مريم عليه السلام فقال ما هذا لفظه: وقدم عليها وفد من [عظماء] علماء المجوس زائرين معظمين لامر ابنها، وقالوا: إنا قوم ننظر في النجوم، فلما ولد


(1) من كلام السيد بن طاووس رحمه الله. (2) تفسير القمى، 194.

[239]

ابنك طلع بمولده نجم من نجوم الملك، فنظرنا فيه فإذا ملكه ملك نبوة لا يزول عنه ولا يفارقه حتى يرفعه إلى السماء فيجاور ربه عزوجل ما كانت الدنيا مكانها ثم يصير إلى ملك هو أطول وأبقى مما كان فيه، فخرجنا من قبل المشرق حتى رفعنا إلى هذا المكان فوجدنا النجم متطلعا عليه من فوقه، فبذلك عرفنا موضعه وقد أهدينا له هدية جعلناها له قربانا لم يقرب مثله لاحد قط، وذلك أنا وجدنا هذا القربان يشبه أمره، وهو الذهب والمر واللبان، لان الذهب سيد المتاع كله وكذلك ابنك هو سيد الناس ما كان حيا، ولان المر جبار الجراحات والجنون والعاهات كلها، ولان اللبان يبلغ دخانه السماء ولن يبلغها دخان شئ غيره، و كذلك ابنك يرفعه الله عزوجل إلى السماء وليس يرفع من أهل زمانه غيره. 20 - ووجدت في كتاب دلائل النبوة جمع أبي القاسم الحسين بن محمد السكوني روى عن محمد بن علي بن الحسين، عن الحسن بن عبد الله بن غانم، عن هناد، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أسعد، عن ابن مسيب (1) عن حسان بن ثابت، قال: إني والله لغلام يفعاء ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعت إذا سمعت يهوديا وهو على أكمة يثرب يصرخ: يا معشر اليهود فلما اجتمعوا قالوا: ويلك مالك ؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة. ووجدت كتابا عندنا الآن اسمه كتاب (اليد الصيني) عمله (كشينا) ملك الهند يذكر فيه تفصيل دلالة النجوم على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله (2).


(1) هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومى: قال النووي في تهذيب الاسماء (1، 219) وابوه المسيب وجده حزن صحابيان اسلما يوم فتح مكة (انتهى) ذكر في تراجم العامة مقرونا بالثناء والمدح، لكن الخاصة اختلفوا فيه، فروى الكشى عن الكاظم عليه السلام انه من حوارى السجاد، وروى الكليني (الكافي: ج 1، ص 472) عن اسحاق بن جرير قال قال أبو عبد الله عليه السلام: كان سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر وابو خالد الكابلي من ثقات على بن الحسين عليه السلام لكن اشتهر عنه انه رغب عن الصلوة على جنازة على ابن الحسين عليه السلام وان له فتاوى مخالفة لمذهب اهل البيت، لكن من الممكن ان ذلك منه كان للتقية والله العالم. (2) انتهى كلام السيد رحمه الله.

[240]

أقول: قد أوردنا ما ذكره السيد من أمر هرقل وكسرى، واطلاعهما من جهة النجوم على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله في باب البشائر به وباب مولده. ثم قال: وأما دلالة النجوم على ظهوره المسلمين على ملوك الفرس فالاخبار يمكن أن يكون بها كثيرة في التواريخ الكبيرة، فمن ذلك ما ذكره الطبري في تاريخه فقال: ولما أمر يزدجرد رستم بالخروج من ساباط بعث إلى أخيه بنحو من الكتاب الاول زاد فيه: فإن السمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم قد حبست وحسنت الزهرة، فاعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، وسيولون على ما يلينا، وإن أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لاسيرن إليهم أنا بنفسي وأنا سائر إليهم. قال: وكان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى، وكان من أهل فرات باد قلي فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسير رستم وحرب العرب، فخافه على الصدق فكذبه وكان رستم يعلم نحوا من علم ذلك المنجم، فثقل عليه مسيره، وخف على الملك لما غره به وقال: إني احب أن تخبرني بشئ أراه أطمئن له إلى قولك. فقال الغلام لدر بالهندي: سلني مسألة فقال: أيها الملك يقبل طائر فيقع على ايوانك فيقع منه شئ في فيه ههنا - وخط دائرة - فقال العبد، صدق، والطائر غراب، و الذي في فيه درهم، وبلغ جابان أن الملك طلبه فأقبل حتى دخل عليه فسأله عما قال غلامه فحسبه فقال صدق ولم يصب هو عقعق والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان وكذب دربا، ينزو الدرهم فيستقر ههنا، ودور دائرة اخرى. فما قاموا حتى وقع على الشراقات عقعق، فسقط منه درهم في الخط الاول، فنزا فاستقر في الخط الآخر، ونافر الهندي جابان حيث خطاه، فأتى ببقرة نتوج فقال الهندي: سخلتها غراء سوداء، فقال جابان: كذبت، بل سوداء سفعاء. فنحرت البقرة واستخرجت سخلتها فإذا ذنبها أبيض، فقال جابان: من ههنا أتى دربا، و شجعاه على إخراج رستم فأمضاه. ثم قال الطبري ما معناه: أن جابان كتب إلى من يشفق عليه من العسكر يأمره بالدخول مع العرب فيما يريدون، وأخبره أن

[241]

ملك الفرس ذهب، فقبل منه وكان الامر كما اقتضاه دلالة النجوم من ظهور العرب على الفرس. أقول: ثم ذكر دلالة النجوم على إمامة القائم عليه السلام وولادته على ما أوردناه في باب ولادته عليه السلام. بيان: قال في القاموس: العقعق طائر أبلق بسواد وبياض، صوته (1) العين والقاف (2). وقال: أنتجت الفرس: حان نتاجها فهي نتوج لامنتج (3). وقال: سفع الشئ: أعلمه ووسمه، والسفع - بالضم -: السواد تضرب إلى الحمرة (4) و في النهاية: السفعة نوع من السواد مع لون آخر (5). 21 - الكافي: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن الحسن بن أسباط، عن عبد الرحمن بن سيابة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إن الناس يقولون إن النجوم لا يحل النظر فيها، و هو (6) يعجبني، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شئ يضر بديني، وإن كانت لا تضر بديني فوالله إني لاشتهيها وأشتهي النظر فيها. فقال: ليس كما يقولون لا تضر بدينك. ثم قال: إنكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك، وقليله لا ينتفع به، تحسبون على طالع القمر، ثم قال: أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة ؟ قلت: لا والله، قال: أفتدري كم بين الزهرة وبين القمر من دقيقة ؟ قلت: لا والله، قال أفتدري كم بين الشمس وبين السكينة (7) من دقيقة ؟ قلت:


(1) في المصدر: يشبه صوته. (2) القاموس: ج 3، ص 266. (3) القاموس: ج 2، ص 209. (4) القاموس، ج 3، ص 38. (5) في المصدر: السفعة نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل هو سواد مع لون آخر النهاية ج 2، ص 166. (6) في المصدر: وهى تعجبني. (7) السنبلة (خ).

[242]

لا والله، ما سمعته من أحد من المنجمين قط. قال: أفتدري كم بين السكينة (1) وبين اللوح المحفوظ من دقيقة ؟ قلت: لا (2) ما سمعته من منجم قط، قال: ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستين (3) أو تسعين دقيقة - شك عبد الرحمن - ثم قال: يا عبد الرحمن ! هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عرف القصبة التي في وسط الاجمة، وعدد ما عن يمينها، وعدد ما عن يسارها، وعدد ما خلفها، وعدد ما أمامها، حتى لا يخفى عليه من قصب الاجمة واحدة (4). النجوم: بإسناده عن الكليني مثله، ثم قال السيد: وروى هذا الحديث أصحابنا في المصنفات والاصول، ورواه محمد بن أبي عبد الله في أماليه، ورواه محمد بن يحيى (5) أخو مقلس، عن حماد بن عثمان. بيان: (تحسبون على طالع القمر)) يظهر منه أنه كان مدار أحكام هؤلاء على حركات القمر وأوضاعه، وكانوا لا يلتفتون إلى أوضاع سائر الكواكب (كم بين المشتري والزهرة) أي بحسب الدرجات والاوضاع الحاصلة من الحركات، أو بعد فلك أحدهما عن الآخر، والاول أظهر، (وبين السكينة) هو اسم كوكب غير معروف عند المنجمين له مدخل في الاحكام، وفي بعض النسخ (السنبلة) والاول أنسب بقوله (ما سمعته من منجم). 22 - النجوم: بإسناده عن الكليني في كتاب تعبير الرؤيا، بإسناده عن محمد بن سام، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قوم يقولون النجوم أصح من الرؤيا، و


(1) السنبلة (خ). (2) في المصدر: لا والله. (3) في المصدر: ستون أو سبعون. (4) روضة الكافي: 195. (5) في بعض النسخ (محمد بن عيسى) والظاهر انه تصحيف، لعدم ذكر (محمد بن عيسى اخو مقلس) في الرجال، قال النجاشي: محمد بن يحيى الخثعمي كوفى ثقة روى عن أبى عبد الله عليه السلام وقال الشيخ في الاستبصار (ج 2، ص 305 من طبعة النجف الاخيرة): هو عامى. (*)

[243]

ذلك كانت صحيحة حين لم يرد الشمس على يوشع بن نون، وعلى أمير المؤمنين عليه السلام فلما رد الله عزوجل الشمس عليهما ضل فيها علوم علماء النجوم. 23 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل ابن صالح، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن النجوم فقال: ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند (1). النجوم: بإسناده عن الكليني مثله، وزاد في آخره (أولاد وصي إدريس عليه السلام) ثم قال: وروينا هذا الحديث بإسناده إلى ابن أبي عمير من أصله عن أبي عبد الله عليه السلام. بيان: (أهل بيت من العرب) أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ولا يدل على جواز النظر فيه والعمل به، بل على خلافهما أدل، لان علم أكثر الخلق به ناقص فيكون حكمهم به قولا بغير علم. 24 - الكافي: عن أحمد بن محمد وعلي بن محمد جميعا، عن علي بن الحسن الميثمي (2) عن محمد بن خطاب الواسطي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن حماد الازدي، عن هشام الخفاف، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كيف بصرك بالنجوم ؟ قال: قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني ؟ فقال: كيف دوران الفلك عندكم ؟ قال: فأخذت قلنسوتي من رأسي فأدرتها، قال: فقال لي: إن كان الامر على ما تقول فما بال بنات نعش والجدي والفرقدين لا يرون يدورون يوما من الدهر في القبلة ؟ قال: قلت: هذا والله شئ لا أعرفه ولا سمعت أحدا من أهل الحساب يذكره، فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها ؟ قال: قلت: هذا والله نجم ما سمعت به ولا سمعت أحدا من الناس يذكره، قال: سبحان الله ! فأسقطتم نجما بأسره (3) ! فعلى ما تحسبون ؟ ثم قال: فكم الزهرة


(1) روضة الكافي: 330. (2) في المصدر: التيمى. (3) هذا تصريح بعدم انحصار السيارات في ما كان مشهورا عند قدماء الهيويين.

[244]

من القمر جزءا في ضوئه ؟ قال: فقلت: هذا شئ لا يعلمه إلا الله عزوجل، قال: فكم القمر جزءا من الشمس في ضوئها ؟ قال: قلت: ما أعرف هذا، قال: صدقت ثم قال: فما بال العسكرين يلتقيان، في هذا حاسب، وفي هذا حاسب، فيحسب هذا لصاحبه بالظفر (1) ثم يلتقيان فيهزم أحدهما الآخر، فأين كانت النجوم ؟ قال: فقلت: لا والله، ما أعلم ذلك قال: فقال: صدقت، إن أصل الحساب حق ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم (2). بيان: (فأدرتها) لعله زعم أن حركة الفلك في جميع المواضع رحوية (ما بال العسكرين) هذا دليل تام على خطاء المنجمين، فإن ملكين إذا تقابلا وكان لكل منهما منجم فإنهما يختاران لهما ساعة واحدة، ويحكم كل منهما لصاحبه بالظفر، مع أنه يظفر أحدهماو ينهزم الآخر، وذلك لعدم إحاطتهم بارتباط النجوم بالاشخاص فإنه يمكن أن يكون لكل نجم مناسبة لشخص من الاشخاص يكون سعادته أو علوه علامة لغلبته، أو يقال كما أن لتأثير الفواعل مدخلا في حدوث الحوادث فكذا لاستعداد القوابل مدخل فيه، وهم على تقدير إحاطة علمهم بالاول لم يحط علمهم بالثاني كما قاله ابن سينا، وسيأتي تفصيله في قصة هاروت وماروت. فقوله عليه السلام (لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق) يمكن أن يكون إشارة إلى الاول، كما أن المنجمين يعتبرون طالع المولود في الاحكام، أو إلى الثاني بأن يكون المراد بمواليدهم خصوصيات موادهم واستعداداتهم وقابلياتهم وأسباب ولادتهم، وهذا علم لا يمكن الاحاطة به إلا بالوحي أو الالهام من الخالق الحكيم، ويمكن أن يكون المراد به أن من أحاط بذلك العلم يعلم به جميع مواليد الخلق، ولما لم يعلم المنجمون جميع ذلك ظهر أنهم لا يحيطون به علما، وعلى التقادير ظاهره حقية هذا العلم، وعدم جواز النظر فيه لسائر الخلق، لعدم إحاطتهم به وتضمنه القول بما لا يعلم - والله يعلم -.


(1) في المصدر: بالظفر، ويحسب هذا لصاحبه بالظفر. (2) روضة الكافي: 351.

[245]

25 - النجوم: وجدت في كتاب (نوادر الحكمة) تأليف محمد بن أحمد بن يحيى ابن عمران بن عبد الله القمي رواه عن الرضا عليه السلام قال: قال أبو الحسن عليه السلام للحسن ابن سهل: كيف حسابك للنجوم ؟ فقال: ما بقي منها شئ إلا وقد تعلمته. فقال أبو الحسن عليه السلام: كم لنور الشمس على نور القمر فضل درجة ؟ وكم لنور القمر على نور المشتري فضل درجة ؟ وكم نور المشتري على نور الزهرة فضل درجة ؟ فقال: لاأدري، فقال: ليس في يدك شئ، هذا أيسر ! بيان: أي هذا أيسر شئ من هذا العلم. 26 - النجوم: وجدت في كتاب مسائل الصباح بن نصر الهندي لمولانا علي ابن موسى الرضا عليهما السلام رواية أبي العباس بن نوح وأبي عبد الله محمد بن أحمد الصفواني من أصل كتاب عتيق لنا الآن ربما كان قد كتب في حياتهما بالاسناد المتصل فيه عن الريان بن الصلت، وذكر اجتماع العلماء بحضرة المأمون وظهور حجته عليه السلام على جميع العلماء وحضور الصباح بن نصر الهندي عند مولانا الرضا عليه السلام وسؤاله عن مسائل كثيرة منها سؤاله عن علم النجوم فقال عليه السلام ما هدا لفظه: هو علم في أصل صحيح ذكروا أن أول من تكلم في النجوم إدريس عليه السلام، وكان ذوالقرنين بها ماهرا، وأصل هذا العلم من عند الله عزوجل، ويقال: إن الله بعث النجم الذي يقال له المشتري إلى الارض في صورة رجل، فأتى بلد العجم فعلمهم في حديث طويل، فلم يستكملوا ذلك، فأتى بلد الهند فعلم رجلا منهم، فمن هناك صار علم النجوم بها (1). وقد قال قوم: هو علم من علم الانبياء، خصوا به لاسباب شتى، فلم يستدرك المنجمون الدقيق (2) منها، فشابوا الحق بالكذب. هذا آخر لفظ مولانا علي بن موسى الرضا عليهما السلام في هذه الرواية الجليلة الاسناد، وقوله عليه السلام حجة على العباد، وقوله عليه السلام (ذكروا) و (يقال) فإن عادته عليه السلام عند التقية من المخالفين والعامة


(1) الظاهر انه عليه السلام نقل هذا الكلام لمصلحة في نقله لا للتصديق بصحته. (2) الدقيقة فيها (خ).

[246]

يقول نحو هذا الكلام، وتارة يقول (كان أبي يقول) وتارة (روي (1) عن رسول الله صلى الله عليه وآله). بيان: أقول: يحتمل أن يكون تصحيحه عليه السلام وإثباته لعلم النجوم تقية لولوع المأمون بهذا العلم ورغبته إليه، فلذا عبر عليه السلام بهذه العبارات، وفي أكثر الاعصار المنجمون مقربون عند السلاطين، والناس يتقون منهم، مع أنه غير صريح في جواز التعليم والتعلم والعمل به. 27 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحر والبرد ممن (2) يكونان ؟ فقال لي: يا أبا أيوب، إن المريخ كوكب حار وزحل كوكب بارد فإذا بدأ المريخ في الارتفاع انحط زحل، وذلك في الربيع، فلا يزالان كذلك كلما ارتفع المريخ درجة انحط زحل درجة ثلاثة أشهر حتى ينتهي المريخ في الارتفاع وينتهي زحل في الهبوط، فيجلوا المريخ فلذلك يشتد الحر، فإذا كان في آخر الصيف وأوان (3) الخريف بدأ زحل في الارتفاع وبدأ المريخ في الهبوط، فلا يزالان كذلك كلما ارتفع زحل درجة انحط المريخ درجة حتى ينتهي المريخ في الهبوط وينتهي زحل في الارتفاع، فيجلو زحل وذلك في أول (4) الشتاء وآخر الصيف (5) فلذلك يشتد البرد، وكلما ارتفع هذا هبط هذا وكلما هبط هذا ارتفع هذا، فإذا كان في الصيف يوم بارد فالفعل في ذلك للقمر، وإذا كان في الشتاء يوم حار فالفعل في ذلك للشمس، هذا تقدير العزيز العليم، وأنا عبد رب العالمين (6).


(1) يروى (خ). (2) في المصدر: مما يكونان. (3) في المصدر: واول الخريف. (4) اوان (خ). (5) في المصدر: الخريف. (6) روضة الكافي: 306.

[247]

بيان: اشكل على الناظرين في هذا الخبر حله من جهة أن حركتي زحل والمريخ الخاصتين غير متوافقتين ولا مطابقتين لحركة الشمس والفصول الحاصلة منها بوجه، ويخطر بالبال حل يمكن حمل الخبر عليه ليندفع الاشكال، وهو أن يكون حرارة أحد الكوكبين وبرودة الآخر بالخاصية لا بالكيفية من قبيل التأثيرات الناقصة التي تنسب إلى أوضاع الكواكب، ويكون لكل منهما تدوير، ويكون ارتفاع المريخ في تدويره إما مؤثرا ناقصا أو علامة لزيادة الحرارة ويكون ارتفاعه عند انحطاط زحل بحركة تدويره وانحطاطه مؤثرا ناقصا أو علامة لضعف البرودة فلذا يصير الهواء في الصيف حارا وفي الشتاء بعكس ذلك، ولم يدل دليل على امتناعه كما أنهم يقولون في القمر: إن قوته وارتفاعه مؤثر وعلامة لزيادة البرد والرطوبات، وقد أثبتوا أفلاكا كثيرة جزئية لكل من السيارات لضبط الحركات ومع ذلك يرد عليهم مالا يمكنهم حله فلا ضير في أن نثبت فلكا آخر لتصحيح الخبر المنسوب إلى الامام عليه السلام. قوله (فيجلو المريخ) كذا في أكثر نسخ الكافي، وهو إما من الجلاء بمعنى الخروج والمفارقة عن المكان، أي يأخذ في الارتفاع، أو من الجلاء بمعنى الوضوح والانكشاف، وفي بعض نسخه (فيعلو) في الموضعين، وفي كتاب النجوم (فيحلق) فيهما، ولهما وجه قريب. ولعل قوله عليه السلام (وأنا عبد رب العالمين) لحضور بعض الغلاة في ذلك المجلس، قال ذلك ردا عليهم، وقيل: أول الكلام مبني على زعم المنجمين من تأثير الكواكب، ورد ذلك آخر بقوله عليه السلام (هذا تقدير العزيز العليم) وحاصله أن المنجمين يعدون الشمس والمريخ حارين يابسين وزحل باردا يابسا، والقمر باردا رطبا، وغرضهم أن تأثيرها في السفليات كذلك، وتخصيص المريخ وزحل بالذكر لكونهما من العلوية وهي أشرف عندهم. والمراد بارتفاع مريخ وانحطاط زحل حسن حال الاول وسوء حال الثاني بزعمهم، إذ الشمس من أول الحمل كلما ازداد ارتفاعا في الآفاق المائلة الشمالية اشتد حرارة الهواء، فارتفع مانع تأثير المريخ وقوي تأثيره وضعف تأثير زحل، وكذا العكس.

[248]

28 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آزر أبا إبراهيم كان منجما لنمرود، ولم يكن يصدر إلا عن أمره، فنظر ليلة في النجوم فأصبح وهو يقول لنمرود: لقد رأيت عجبا ! قال: وما هو ؟ قال: رأيت مولودا يولد في أرضنا يكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به. قال: فتعجب من ذلك وقال: هل حملت به النساء ؟ قال: لا، قال فحجب النساء عن الرجال فلم يدعوا امرأة إلا جعلها في المدينة لا يخلطن (2) بعلها، ووقع آزر على أهله (3) وعلقت بإبراهيم عليه السلام فظن أنه صاحبه، فأرسلوا (4) إلى نساء من القوابل في ذلك الزمان لا يكون في الرحم شئ إلا علمن به، فنظرن فألزم الله عزوجل ما في الرحم (5) الظهر، فقلن: ما نرى في بطنها شيئا. وكان فيما اوتي من العلم أنه سيحرق في (6) النار ولم يؤت علم أن الله تبارك وتعالى سينجيه منها (الخبر) (7). 29 - الكافي: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي بن عثمان، عن أبي عبد الله المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل خلق نجما في الفلك السابع، فخلقه من ماء بارد، وسائر النجوم الستة الجاريات من ماء حار، وهو نجم الانبياء والاوصياء، وهو نجم أمير المؤمنين عليه السلام يأمر بالخروج من الدنيا والزهد فيها، ويأمر بافتراش التراب (8)، وتوسد اللبن


(1) كذا في نسخ البحار، وفى المصدر (هشام بن سالم عرابى ايوب الخزار عن أبى - بصير) وعلى التقديرين لا ارسال في السند لان طبقة هشام وابى ايوب وابى بصير واحدة فيمكن رواية هشام عن ابى بصير بلا واسطة وبواسطة ابى ايوب (2) في المصدر: لا يخلص إليها بعلها. (3) في المصدر: بأهله. (4) في المصدر: فأرسل. (5) في المصدر: إلى الظهر. (6) في المصدر: وبعض النسخ: بالنار. (7) روضة الكافي: 366. (8) الثرى (خ).

[249]

ولباس الخشن، وأكل الجشب، وما خلق الله نحما أقرب إلى الله منه (1). بيان: يدل الخبر على أن المنجمين قد أخطؤوا في طبائع الكواكب، ومن ينسبونه إليها، وفي سعدها ونحسها (يأمر بالخروج من الدنيا) لعل المراد أن من ينسب إليه هكذا حاله، أو من كان هذا الكوكب طالع ولادته يكون كذلك، أو أن المنسوبين إلى هذا الكوكب يأمرون بذلك. أقول: فعلى الاول يمكن أن يقال لا تنافي بين ما ذكره المنجمون وبين ما ورد في الخبر، لان نحوسته بالنظر إلى أغراض أهل الدنيا وما يطلبون من عز الدنيا وفخرها وزخرفها، وسعادته بالنظر إلى أغراض أهل الآخرة وما يطلبون من ترك الدنيا ولذاتها وشهواتها فتدبر. 30 - النجوم: روى معاوية بن حكيم، عن محمد بن زياد، عن محمد بن يحيى الخثعمي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النجوم حق هي ؟ قال لي: نعم، فقلت له: وفي الارض من يعلمها ؟ قال: نعم، وفي الارض من يعلمها. قال السيد: و رويناه بإسنادنا إلى محمد بن يحيى الخثعمي من غير كتاب معاوية بن حكيم. 31 - وروينا بإسنادنا عن معاوية بن حكيم في كتاب أصله حديثا آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في السماء أربعة نجوم ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب، و أهل بيت من الهند، يعرفون منها نجما واحدا فبذلك قام حسابهم. 32 - المناقب لابن شهر اشوب: عن أبي بصير، قال: رأيت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن النجوم، فلما خرج من عنده قلت له: هذا علم له أصل ؟ قال: نعم، قلت: حدثني عنه، قال: احدثك عنه بالسعد ولا احدثك بالنحس، إن الله جل اسمه فرض صلوة الفجر لاول ساعة فهو فرض وهي سعد، وفرض الظهر لسبع ساعات وهو فرض وهي سعد، وجعل العصر لتسع ساعات وهو فرض وهي سعد، و [جعل] المغرب لاول ساعة من الليل وهو فرض وهي سعد، والعتمة لثلاث ساعات وهو فرض وهي سعد.


(1) روضة الكافي: 257.

[250]

بيان: لعل غرضه عليه السلام أن ذلك العلم له أصل، لكن لا ينبغي لك أن تطلب منه إلا قدر ما تعلم به أوقات الفرائض، أو المعنى أن أوقات الفرائض لها سعادة لوقوع عبادة الله فيها. 33 - النجوم: روينا بأسانيد عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، ونقلته من خطه من الجزء الثاني من كتاب الدلائل تأليف عبد الله بن جعفر الحميري بإسناده عن بياع السابري، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن لي في النظرة في النجوم لذة، وهي معيبة عند الناس، فإن كان فيها إثم تركت ذلك، وإن لم يكن فيها إثم فإن لي فيها لذة. قال: فقال: تعد الطوالع ؟ قلت: نعم، فعددتها له فقال: كم تسقي الشمس القمر من نورها ؟ قلت: هذا شئ لم أسمعه قط، وقال: وكم تسقي الزهرة الشمس من نورها ؟ قلت: ولا هذا، قال: فكم تسقي الشمس من اللوح المحفوظ من نوره ؟ قلت: وهذا شئ ما أسمعه قط، قال: فقال: هذا شئ إذا علمه الرجل عرف أوسط قصبة في الاجمة. ثم قال: ليس يعلم النجوم إلا أهل بيت من قريش وأهل بيت من الهند. 34 - ومنه: وجدت في كتاب عتيق اسمه كتاب (التجمل) قال أبو أحمد عن حفص بن البختري، قال: ذكرت النجوم عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: ما يعلمها إلا أهل بيت بالهند وأهل بيت من العرب. 35 - وفي الكتاب المذكور أيضا عن محمد وهارون ابني أبي سهل، وكتبا إلى أبي عبد الله عليه السلام أن أبانا وجدنا كانا ينظران في النجوم، فهل يحل النظر فيها ؟ قال نعم. 36 - وفيه: أيضا أنهما كتبا إليه: نحن ولد بني نوبخت المنجم، وقد كنا كتبنا إليك هل يحل النظر فيها ؟ فكتبت: نعم، والمنجمون يختلفون في صفة الفلك، فبعضهم يقول: إن الفلك فيه النجوم والشمس والقمر، معلق بالسماء و هو دون السماء، وهو الذي يدور بالنجوم والشمس والقمر والسماء فإنها لا تتحرك ولا تدور، ويقولون: دوران الفلك تحت الارض، وإن الشمس تدور مع الفلك

[251]

تحت الارض، [و] تغيب في المغرب تحت الارض، وتطلع بالغداة من المشرق. فكتب: نعم، ما لم يخرج من التوحيد. 37 - ومن الكتاب المذكور: أبو محمد، عن الحسن بن عمر، عن أبيه (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (في يوم نحس مستمر) قال: كان القمر منحوسا بزحل. بيان: (معلق بالسماء) أي الفلك معلق بالسماء، ولعل مرادهم بالسماء الفلك التاسع، وبعدم حركتها أنها لا تتحرك بالحركات الخاصة للكواكب، و قولهم (دوران الفلك تحت الارض) يحتمل الخاصة واليومية والاعم، وغرضهم أن الكواكب كما تتحرك تبعا للافلاك فوق الارض فكذا تتحرك تحتها، وقولهم (وإن الشمس تدور مع الفلك) أي بالحركة اليومية، هذا ما خطر بالبال في تأويله، وظاهره أن الافلاك غير السماوات، ولعله كان ذلك مذهبا لجماعة كما ذهب إليه الكراجكي حيث قال في كنز الفوائد: اعلم أن الارض على هيئة الكرة والهواء يحيط بها من كل جهة، والافلاك تحيط بالجميع إحاطة استدارة، وهي طبقات بعضها يحيط ببعض، فمنها سبعة تختص بالنيرين والكواكب الخمسة التي تسمى (المتحيرة) فالنيران هما الشمس والقمر، والخمسة هي: زحل، والمشتري والمريخ، والزهرة، وعطارد، فلكل واحد منها فلك يختص به من هذه السبعة ففلك زحل أعلاها، وفلك القمر أقربها من الارض، وفلك الشمس في وسطها، و


(1) هو عمر بن يزيد بياع السابرى، قال النجاشي (217) عمر بن محمد بن يزيد ابو الاسود بياع السابرى مولى ثقيف كوفى ثقة جليل احد من كان يفد في كل سنة، روى عن أبى عبد الله وأبى الحسن عليهما السلام وروى الكشى عن محمد بن غدافر عنه قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: يا ابن يزيد، انت والله منا اهل البيت. قلت له: جعلت فداك، من آل محمد ؟ قال: أي والله من انفسهم ! قلت: من انفسهم ؟ قال: أي والله من انفسهم يا عمر ! أما تقرأ كتاب الله عزوجل، إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين) ؟

[252]

تحت فلك زحل فلك المشتري، ثم المريخ، وفوق القمر فلك عطارد، ثم فلك الزهرة، ويحيط بهذه الافلاك السبعة فلك الكواكب الثابتة، وهي جميع ما يرى في السماء غير ما ذكرنا. ثم الفلك المحيط الاعظم المحرك جميع هذه الافلاك، ثم السماوات السبع تحيط بالافلاك، وهي مساكن الاملاك ومن رفعه الله تعالى إلى سمائه من أنبيائه وحججه عليهم السلام (انتهى) وهذا قول غريب لم أر به قائلا غيره، و مخالفته لظاهر الآية أكثر من القول المشهور. (فكتب نعم) أي يحل النظر فيها (ما لم يخرج من التوحيد) أي ما لم ينته إلى القول بتأثير الكواكب وأنها شريكة في الخلق والتدبير للرب سبحانه، و الظاهر أن المراد بالنظر في النجوم هنا علم الهيئة والتفكر في كيفية دوران الكواكب والافلاك وقدر حركاتها وأشباه ذلك، لااستخراج الاحكام والاخبار عن الحوادث. 36 - النجوم: من كتاب (نزهة الكرام وبستان العوام) تأليف محمد بن الحسين بن الحسن السراوي، وهذا الكتاب خطه بالعجمية تكلفنا من نقله إلى العربية، فذكر في أواخر المجلد الثاني منه ما هذا لفظ من أعربه: وروي أن هارون الرشيد بعث إلى موسى بن جعفر عليه السلام فأحضره، فلما حضر عنده قال: إن الناس ينسبونكم يا بني فاطمة إلى علم النجوم، وأن معرفتكم بها معرفة جيدة وفقهاء العامة يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا ذكروا في أصحابي فاسكتوا وإذا ذكروا القدر فاسكتوا، وإذا ذكروا النجوم فاسكتوا، وأمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم الخلائق بعلم النجوم، وأولاده وذريته الذين تقول الشيعة بإمامتهم كانوا عارفين بها. فقال له الكاظم عليه السلام: هذا حديث ضعيف وإسناده مطعون فيه، والله تبارك وتعالى قد مدح النجوم، ولو لا أن النجوم صحيحة ما مدحها الله عزوجل والانبياء عليهم السلام كانوا عالمين بها وقد قال الله تعالى في حق إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين (1))


(1) الانعام: 75.

[253]

وقال في موضع آخر (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم (1)) فلو لم يكن عالما بعلم النجوم ما نظر فيها وما قال إني سقيم، وإدريس عليه السلام كان أعلم أهل زمانه بالنجوم، والله تعالى قد أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، وقال في موضع آخر (والنازعات غرقا - إلى قوله - فالمدبرات أمرا) ويعني بذلك اثني عشر برجا وسبعة سيارات، والذي يظهر بالليل والنهار بأمر الله عزوجل، و بعد علم القرآن ما يكون أشرف من علم النجوم، وهو علم الانبياء والاوصياء و ورثة الانبياء الذين قال الله عزوجل (وعلامات وبالنجم هم يهتدون (2)) ونحن نعرف هذا العلم وما نذكره. فقال له هارون: بالله عليك يا موسى هذا العلم لا تظهروه عند الجهال وعوام الناس حتى لا يشنعوا عليك، ونفس العوام به و غط هذا العلم وارجع إلى حرم جدك. ثم قال له هارون: وقد بقي مسألة اخرى بالله عليك أخبرني بها ! فقال له: سل، فقال له: بحق القبر والمنبر وبحق قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أنت تموت قبلي أو أنا أموت قبلك ؟ لانك تعرف هذا من علم النجوم، فقال له موسى عليه السلام: آمني حتى اخبرك. فقال: لك الامان. فقال: أنا أموت قبلك وما كذبت ولا أكذب ووفاتي قريب. أقول: تمامه في أبواب تاريخ موسى عليه السلام. 37 - ومنه: قال: وجدت في كتاب عتيق بإسناد متصل إلى الوليد بن جميع قال: إن رجلا سأله عكرمة عن حساب النجوم، فجعل الرجل يتحرج أن يخبره قال عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: علم عجز الناس عنه، وددت أني علمته. 38 - ومنه: نقلا من كتاب ربيع الابرار للزمخشري عن الوليد بن جميع قال: رأيت عكرمة سأل رجلا عن علم النجوم والرجل يتحرج يخبره، فقال له عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: علم عجز الناس عنه، ولوددت أني علمته.


(1) الصافات: 89. (2) النحل: 16.

[254]

39 - وأيضا فيه: عن ابن عباس: علم من علم النبوة، وليتني كنت احسنه. 40 - ومنه: قال: رويت عن محمد بن النجار في المجلد الحادي والعشرين من تذييله على تاريخ الخطيب في ترجمة علي بن طراد بإسناده إلى (1) عكرمة قال: قيل لابن عباس: إن ههنا رجلا يهوديا يتكهن، قال: فبعث إليه ابن عباس فجاء، فقال: يا يهودي بلغني أنك تخبر بالغيب، فقال اليهودي: أما الغيب فلا يعلم إلا الله، ولكن إن شئت أخبرتك. قال: هات، قال: ألك ابن عشر سنين يختلف إلى الكتاب ؟ قال: نعم، قال: فإنه يأتي غدا محموما من الكتاب، ويموت يوم عاشره، وأما أنت فلا تخرج من الدنيا حتى يذهب بصرك. قال: هذا أخبرتني عن ابني وعن نفسي، فأخبرني عن نفسك. قال: أموت رأس السنة. قال عكرمة فجاء ابن ابن عباس من الكتاب محموما ومات يوم عاشره، فلما كان رأس السنة قال ابن عباس: يا عكرمة انظر ما فعل اليهودي. فأتيت أهله، فقالوا: مات أمس فما خرج ابن عباس من الدنيا حتى ذهب بصره. بيان: (الكتاب) بضم الكاف وتشديد التاء الكتبة ويطلق على المكتب تسمية للمحل باسم الحال. 41 - النجوم: نقلا من كتاب ربيع الابرار عن علي عليه السلام: من اقتبس علما من علم النجوم من حملة القرآن ازداد به إيمانا ويقينا، ثم تلا (إن في اختلاف الليل والنهار (2)). 42 - وقال فيه أيضا: عن ميمون بن مهران: إياكم والتكذيب بالنجوم فإنه علم من علوم النبوة. وفيه أيضا عن على عليه السلام: يكره أن يسافر الرجل أو يتزوج في محاق الشهر، وإذا كان القمر في العقرب. 43 - وذكر الخطيب في تاريخ بغداد حديثا أسنده إلى تميم بن الحارث


(1) عن (خ). (2) يونس: 6.

[255]

عن أبيه، عن علي عليه السلام: أنه يكره أن يتزوج الرجل أو يسافر إذا كان القمر في محاق الشهر أو العقرب. 44 - وفي كتاب ربيع الابرار: فيما رواه عن مولانا علي عليه السلام: ويروى أن رجلا قال: إني اريد الخروج في تجارة لي وذلك في محاق الشهر. فقال: أتريد أن يمحق الله تجارتك ؟ تستقبل هلال الشهر بالخروج. 45 - وفيه أيضا: كان علماء بني إسرائيل يسترون من العلوم علمين: علم النجوم، وعلم الطب فلا يعلمونهما أولادهم لحاجة الملوك إليهما، لئلا يكون سببا في صحبة الملوك والدنو منهم، فيضمحل دينهم. 46 - ومنه روى عبد الله بن الصلت في كتاب التواقيع من اصول الاخبار قال: حملت الكتاب وهو الذي نقلته من العراق، قال: كتب معقلة بن إسحاق إلى علي بن جعفر رقعة يعلمه فيها أن المنجم كتب ميلاده، ووقت عمره وقتا، وقد قارب ذلك الوقت، وخاف على نفسه، فأحب أن يسأله أن يدله على عمل يعمله يتقرب به إلى الله عزوجل، فأوصل علي بن جعفر رقعة (1) بعينها كتبها، فكتب إليه، بسم الله الرحمن الرحيم، متعني الله بك، قرأت رقعة [فلان] فأصابني والله ما أخرجني إلى بعض لائمتك، سبحان الله أنت تعلم حاله منا [حقا] ومن طاعتنا وامورنا، فما منعك من نقل الخبر إلينا لنستقبل الامر ببعض السهولة أو جعلته (2) أنه رأى رؤيا في منامه، أو بلغ سن إليه، أو أنكر شيئا من نفسه كان يدرك بها حاجته، وكان الامر يخف وقوعه، ويسهل خطبه، ويحتسب هذه الامور عند الله بالامس نذكره في اللفظة (3) بأن ليس أحد يصلح لها غيره واعتمادنا عليه على ما تعلم، نحمد الله كثيرا، ونسأله الاستمتاع بنعمته، وبأصلح الموالي وأحسن الاعوان عونا وبرحمته ومغفرته، مر فلانا - لا فجعنا الله به - بما يقدر عليه من الصيام على


(1) رقعته (خ). (2) أو أدخلته (خ). (3) في العظة فانه (خ).

[256]

ما أصف: إما كل يوم، أو يوما ويوما لا، أو ثلاثة في الشهر، ولا يحلو كل يوم أو يومين من صدقة على ستين مسكينا، أو ما يحركه عليه النية (1) وما جرى و تم، ويستعمل نفسه في صلوة الليل والنهار استعمالا شديدا، وكذلك في الاستغفار وقراءة القرآن وذكر الله تعالى والاعتراف في القنوت بذنوبه، ويستغفر الله منها ويجعل أبوابا في الصدقة والعتق عن أشياء يسمها (2) من ذنوبه، ويخلص نيته في اعتقاد الحق، ويصل رحمه، وينشر الخير فيها، ونرجو أن ينفعه مكانه منا، و ما وهب الله من رضانا عنه وحمدنا إياه، فلقد والله ساءني أمره فوق ما أصف، على أنه أرجو أن يزيد الله في عمره، ويبطل قول المنجم، فما أطلعه الله على الغيب و الحمدلله. وقد رأيت هذا الحديث في كتاب التوقيعات لعبدالله بن جعفر الحميرى - ره - قد رواه عن أحمد بن محمد بن عيسى بإسناده إلى الكاظم عليه السلام. بيان: النسخة كانت في هذه الرواية سقيمة جدا، ولم نجدها في مكان آخر نصلحها به، فتركناها كما كانت. 47 - النجوم: روى محمد بن خالد البرقي في قصص الانبياء فقال ما هذا لفظه: عبد الله بن سنان، عن عمار بن أبي معاوية، قال: وفتحت مدائن الشام على يد يوشع بن نون حتى انتهى إلى البلقاء: فلقوا بها رجلا يقال له (بالق) به سميت البلقاء، فجعلوا يخرجون يقاتلونه لا يقتل منهم رجل، فسأل ذلك فقيل: إن في مدينته امرأة منجمة تستقبل الشمس بفرجها، ثم تحسب ثم يعرض عليها الخيل فلا يخرج يومئذ رجل حضر أجله. فصلى يوشع بن نون ركعتين ودعا ربه أن يؤخر الشمس، فاضطرب عليها الحساب فقالت لبالق: انظر ما يعرضون عليك فأعطهم، فإن حسابي قد اختلط علي. قال: فتصفحي الخيل فاخرجي، فإنه


(1) النسبة (خ). (2) يعلمها (خ).

[257]

لا يكون إلا بقتال، قال: فتصفحت (1) واخرجت، فقتلوا قتلا لم يقتله قوم فسألوا يوشع الصلح، فأبى حتى يدفع إليه المرأة، فأبى بالق أن يدفعها، فقالت: ادفعني إليه، فصالحها ودفعها إليه. فقالت: هل تجد فيما اوحي إلى صاحبك قتل النساء ؟ قال: لا، قالت: أليس إنما تدعوني إلى دينك ؟ قال: بلى، قالت: فإني قد دخلت في دينك. هذا آخر لفظه في حديثه. بيان: (تستقبل الشمس بفرجها) أي تواجهها لتعلم مقدار حركتها، وهذه العبارة شائعة وقعت في مواضع، منها ما ورد فيما يتشأم به المسافر (والمرأة الشمطاء تلقي فرجها) أي تواجهها. 48 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: كانت أرض بيني وبين رجل، فأراد قسمتها وكان الرجل صاحب نجوم فنظر إلى الساعه التي فيها السعود فخرج فيها، ونظر إلى الساعة التي فيها النحوس فبعث إلى أبي، فلما اقتسما الارض خرج خير السهمين لابي، فجعل صاحب النجوم يتعجب، فقال له أبي: مالك ؟ فأخبره الخبر، فقال له أبي: فهلا أدلك على خير مما صنعت ؟ إذا أصبحت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس ذلك اليوم، وإذا أمسيت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس تلك الليلة. 49 - دعوات الراوندي: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت أرض بين أبي وبين رجل فأراد قسمتها وذكر نحوه وقال عليه السلام: في علم النجوم عندنا معرفة المؤمن من الكافر. بيان: لعله عليه السلام قال ذلك عند ذكر علم النجوم لبيان إحاطة علمه بما يدعيه المنجمون وبغيره، لا أنه عليه السلام كان يعرف ذلك من النجوم، مع أنه يحمل ذلك أيضا لبيان قصور علمهم وعدم إحاطتهم به، فإنهم لا يدعون علم أمثال ذلك من جهة النجوم. 50 الاحتجاج والنهج: من كلام له قاله لبعض أصحابه لما عزم على


(1) فتسلحت (خ). (*)

[258]

المسير إلى الخوارج فقال له: يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال عليه السلام: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء، تخوف (1) الساعة التي من سار فيها حاق به الضر ؟ فمن صدقك (2) بهذا فقد كذب القرآن، واستغنى عن الاستعانة (3) بالله [تعالى] في نيل المحبوب ودفع المكروه، وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه، لانك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن فيها الضر. ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أيها الناس ! إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، بإنها تدعو إلى الكهانة، المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار. سيروا على اسم الله وعونه (4). بيان: (فمن صدقك بهذا) كأنه أسقط السيد من الرواية شيئا كما هو دأبه، وقد مر تمامه. وعلى ما تقدم هذا إشارة إلى علم ما في بطن الدابة. وإن لم يكن سقط هنا شئ فيحتمل أن يكون إشارة إلى دعواه علم الساعتين المنافي لقوله عزوجل (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا (5)) ولقوله سبحانه (قل لا يعلم من في السماوات والارض الغيب إلا الله (6)) وقوله جل وعلا (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (7)) وما أفاد مثل هذا المعنى، ويمكن حمل الكلام على وجه آخر وهو أن قول المنجم بأن صرف السوء ونزول الضر تابع للساعة، سواء قال بأن الاوضاع العلوية مؤثرة تامة في السفليات ولايجوز تخلف الآثار عنها، أو قال


(1) في النهج: من الساعة. (2) في النهج: صدق. (3) في النهج: الاعانة: (4) الاحتجاج: 125، النهج: ج 1 ص 128 (5) لقمان: 34. (6) النمل: 65. (7) الانعام: 59.

[259]

بأنها مؤثرات ناقصة ولكن باقي المؤثرات امور لا يتطرق إليها التغير، أو قال بأنها علامات تدل على وقوع الحوادث حتما فهو مخالف لما ثبت من الدين من أنه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت، وأنه يقبض ويبسط ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولم يفرغ من الامر، وهو تعالى كل يوم في شأن، والظاهر من أحوال المنجمين السابقين وكلماتهم جلهم بل كلهم أنهم لا يقولون بالتخلف وقوعا أو إمكانا، فيكون تصديقهم مخالفا لتصديق القرآن وما علم من الدين والايمان من هذا الوجه، ولو كان منهم من يقول بجواز التخلف ووقوعه بقدرة الله واختياره، وأنه تزول نحوسة الساعات بالتوكل والدعاء والتوسل والتصدق، وينقلب السعد نحسا والنحس سعدا، وبأن الحوادث لا يعلم وقوعها إلى إذا علم أن الله سبحانه لم تتعلق حكمته بتبديل أحكامها كان كلامه عليه السلام مخصوصا بمن لم يكن كذلك، فالمراد بقوله (صرف عنه السوء وحاق به الضر) أي حتما. قوله عليه السلام (في قولك) أي على قولك أو بسبب قولك، أو هي للظرفية المجازية (إلا ما يهتدى به) إشارة إلى قوله سبحانه (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر (1)). والكهانة - بالفتح -: مصدر قولك كهن بالضم أي صار كاهنا، ويقال كهن يكهن كهانة مثل كتب يكتب كتابة إذا تكهن، والحرفة الكهانة بالكسر، وهي عمل يوجب طاعة بعض الجان له بحيث يأتيه بالاخبار الغائبة، وهو قريب من السحر. قيل: قد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الاخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الامور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشئ المسروق ومكان الضالة ونحوهما. ودعوة علم النجوم إلى الكهانة إما لانه ينجر أمر المنجم إلى الرغبة في تعلم الكهانة والتكسب به، أو ادعاء ما يدعيه الكاهن. والسحر قيل:


(1) الانعام: 97.

[260]

هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام وعزائم ونحوها يحدث بسببها ضرر على الغير ومنه عقد الرجل عن زوجته، وإلقاء البغضاء بين الناس، ومنه استخدام الملائكة و الجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب، واستحضارهم و تلبسهم ببدن صبي أو امرأة وكشف الغائب على لسانه (انتهى) والظاهر أنه لا يختص بالضرر، وسيأتي بعض تحقيقه في باب هاروت وماروت، وتمام تحقيقه في باب الكبائر. ووجه الشبه في تشبيه المنجم بالكاهن إما الاشتراك في الاخبار عن الغائبات، أو في الكذب والاخبار بالظن والتخمين والاستناد إلى الامارات الضعيفة والمناسبات السخيفة، أو في العدول والانحراف عن سبيل الحق والتمسك في نيل المطالب ودرك المآرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة وصدهم عن التوسل إلى الله تعالى بالدعاء والصدقة وسائر أصناف الطاعة، أو في البعد عن المغفرة و الرحمة، ويجري بعض هذه الوجود في التشبيهين الاخيرين، والمشبه به في التشبيهات أقوى، ونتيجة الجميع دخول النار. ويمكن أن يكون قوله (والكافر في النار) إشارة إلى وجه الشبه، وإن كان بعيدا، والمراد إما الخلود أو الدخول والاخير أظهر، وإن كان تحققه في الكافر في ضمن الخلود. وقال ابن ميثم ره في شرح هذا الكلام منه عليه السلام: اعلم أن الذي يلوح من سر نهي الحكمة النبوية عن تعلم (1) النجوم أمران: أحدهما اشتغال متعلميها (2) بها، واعتماد كثير من الخلق السامعين لاحكامها فيما يرجون ويخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب والاوقات، والاشتغال بالفزع إليه وإلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى الله تعالى، والغفلة عن الرجوع إليه فيمايهم من الاحوال وقد علمت أن ذلك يضاد مطلوب الشارع، إذ كان غرضه ليس إلا دوام التفات الخلق إلى الله، وتذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه. الثاني أن الاحكام النجومية إخبارات عن امور، وهي تشبه الاطلاع على الامور الغيبية، وأكثر الخلق من


(1) تعليم (خ). (2) متعلمها (خ).

[261]

العوام أو النساء والصبيان لا يميزون بينها وبين علم الغيب والاخبار به، فكان تعلم تلك الاحكام والحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق، وموهنا لاعتقاداتهم في المعجزات، إذا الاخبار عن الكائنات منها، وكذا في عظمة بارئهم ويشككهم في عموم صدق قوله تعالى (قل لا يعلم من في السماوات ومن في الارض الغيب إلا الله (1)) (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (2)) وقوله (إن الله عنده علم الساعة (3) - الآية -) فالمنجم إذا حكم لنفسه بأنه يصيب كذا فقد ادعى أن نفسه تعلم ما تكسب غدا وبأي أرض تموت، وذلك عين التكذيب للقرآن، وكأن هذين الوجهين هما المقتضيان لتحريم الكهانة والسحر والعزائم ونحوها، وأما مطابقة لسان الشريعة للعقل في تكذيب هذه الاحكام فبيانها أن أهل النظر إما متلكمون فإما معتزلة أو أشعرية، أما المعتزلة فاعتمادهم في تكذيب المنجم على أحد الامرين أحدهما أن الشريعة كذبته وعندهم أن كل حكم شرعي فيشتمل على وجه عقلي وإن لم يعلم عين ذلك الوجه، والثاني مناقشة في ضبطه لاسباب ما أخبر عنه من كون أو فساد، وأما الاشعرية فهم وإن قالوا لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وزعم بعضهم أنهم خلصوا بذلك من إسناد التأثيرات إلى الكواكب، إلا أنه لا مانع على مذهبهم أن يجعل الله تعالى اتصال نجم بنجم أو حركته علامة على كون كائن أو فساده، وذلك مما لا يبطل على المنجم قاعدة، فيرجعون أيضا إلى بيان عدم إحاطته بأسباب كون ما أخبر عنه ومناقشته في ذلك، وأما الحكماء فاعلم أنه قد ثبت في اصولهم أن كل كائن فاسد في هذا العالم فلا بد له من أسباب أربعة: فاعلي ومادي، وصوري، وغائي، أما السبب الفاعلي القريب فالحركات السماوية والذي هو أسبق منها فالمحرك لها إلى أن ينتهي إلى الجود الالهي المعطي لكل قابل ما يستحقه، وأما سببه المادي فهو القابل لصورته، وتنتهي القوابل إلى


(1) النمل: 65. (2) الانعام: 59. (3) لقمان: 34.

[262]

القابل الاول، وهو مادة العناصر المشتركة بينها، وأما الصوري فصورته التي تقبلها مادته، وأما الغائي فهي التي لاجلها وجد، أما الحركات السماوية فإن من الكائنات ما يحتاج في كونه إلى دورة واحدة للفلك، ومنها ما يحتاج إلى بعض دورة، ومنها ما يحتاج إلى جملة من أدواره واتصالاته، وأما القوابل للكائنات فقد تقرر عندهم أيضا أن قبولها لكل كائن معين مشروط باستعداد معين له، وذلك الاستعداد يكون بحصول صورة سابقة عليه، وهكذا قبل كل [صورة] صورة معدة لحصول الصورة بعدها، وكل صورة منها أيضا يستند إلى الاتصالات والحركات الفلكية، ولكل استعداد معين زمان معين وحركة معينة واتصال معين يخصه لا يفي بدركها القوة البشرية، إذا عرفت ذلك فنقول: الاحكام النجومية إما أن تكون جزئية أو كلية، أما الجزئية فأن يحكم مثلا بأن هذا الانسان يكون من حاله كذا وكذا، وظاهر أن مثل هذا الحكم لاسبيل له إلى معرفته إذ العلم به إنما هو من جهة أسبابه، أما الفاعلية فأن يعلم أن الدورة المعينة أو الاتصال المعين سبب لملك هذا الرجل البلد المعين مثلا، وأنه لا سبب فاعلي لذلك إلا هو، والاول باطل لجواز أن يكون السبب غير ذلك الاتصال أو هو مع غيره، أقصى ما في الباب أن يقال: إنما كانت هذه الدورة وهذا الاتصال سببا لهذا الكائن لانها كانت سببا لمثله في الوقت الفلاني، لكن هذا أيضا باطل، لان كونها سببا للكائن السابق لا يجب أن يكون لكونها مطلقا دورة واتصالا، بل لعله أن يكون لخصوصية كونها تلك المعينة التي لاتعود بعينها فيما بعد، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحصولها على كون حادث، لان الموثرات المختلفة لا يجب تشابه آثارها والثاني أيضا باطل، لان العقل يجزم بأنه لااطلاع له على أنه لا مقتضي لذلك الكائن من الاسباب الفاعلة إلا الاتصال المعين، وكيف وقد ثبت أن من الكائنات ما يفتقر إلى أكثر من اتصال واحد ودورة واحدة أو أقل، وأما القابلية فأن يعلم أن المادة قد استعدت لقبول مثل هذا الكائن، واستجمعت جميع شرائط قبوله الزمانية والمكانية والسماوية والارضية، وظاهر أن الاحاطة بذلك غير ممكنة للانسان.

[263]

وأما أحكامهم الكلية فكان [كما] يقال كلما حصلت الدورة الفلانية كان كذا، فالمنجم إنما يحكم بذلك الحكم عن جزئيات من الدورات تشابهت آثارها فظنها متكررة، ولذلك يعدلون إذا حقق القول عليهم إلى دعوى التجربة، وقد علمت أن التجربة تعود إلى تكرر مشاهدات يضبطها الحس، والعقل يحصل منها حكما كليا كحكمه بأن كل نار محرقة، فإنه لما أمكن للعقل استثبات الاحراق بواسطة الحس أمكنه الجزم الكلي بذلك، فأما التشكلات الفلكية والاتصالات الكوكبية المقتضية لكون ما يكون، فليس شئ منها يعود بعينه كما علمت، وإن جاز أن يكون تشكلات وعودات متقاربة الاحوال ومتشابهة إلا أنه لا يمكن للانسان ضبطها ولا الاطلاع على مقدار ما بينها من المشابهة والتفاوت، وذلك أن حساب المنجم مبني على قسمة الزمان بالشهور والايام والساعات والدرج و الدقائق وأجزائها، وتقسيم الحركة بإزائها ورفع بينهما نسبة عددية، وكل هذه امور غير حقيقية وإنما تؤخذ على سبيل التقريب، أقصى ما في الباب أن التفاوت فيها لا يظهر في المدد المتقاربة، لكنه يشبه أن يظهر في المدد المتباعدة، ومع ظهور التفاوت في الاسباب كيف يمكن دعوى التجربة وحصول العلم الكلي الثابت الذي لا يتغير باستمرار أثرها على وتيرة واحدة ؟ ثم لو سلمنا أنه لا يظهر تفاوت أصلا إلا أن العلم بعود تلك الدورة لا يقتضي بمجرده العلم بعود الاثر السابق، لتوقف العلم بذلك على عود أمثال الاسباب الباقية للاثر السابق من الاستعداد وسائر أسبابه العلوية والسفلية، وعلى ضبطها فإن العلم التجربي إنما يحصل بعد حصرها ليعلم عودها وتكررها، وكل ذلك مما لاسبيل للقوة البشرية إلى ضبطه، فيكف يمكن دعوى التجربة ؟ ثم قال: واعلم أن الذي ذكرناه ليس إلا بيان أن الاصول التي يبني عليها الاحكاميون أحكامهم وما يخبرون به في المستقبل اصول غير موثوق بها، فلا يجوز الاعتماد عليها في تلك الاحكام والجزم بها، وهذا لا ينافي كون تلك القواعد ممهدة بالتقريب، كقسمة الزمان وحركة الفلك والسنة والشهر واليوم مأخوذا عنها

[264]

حساب يبنى عليه مصالح إما دينية كمعرفة أوقات العبادات كالصوم والحج ونحوهما أو دنيوية كآجال المداينات وسائر المعاملات، وكمعرفة الفصول الاربعة ليعمل في كل منها ما يليق به من الحراثة والسفر وأسباب المعاش، وكذلك معرفة قوانين تقريبية من أوضاع الكواكب وحركاتها يهتدي بقصدها وعلى سمتها المسافرون في بر أو بحر، فإن ذلك القدر منها غير محرم، بل لعله من الامور المستحبة لخلو المصالح المذكورة فيه عن وجوه المفاسد التي تشتمل عليها الاحكام كما سبق ولذلك امتن الله تعالى على عباده بخلق الكواكب في قوله (هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر (1)) وقوله (لتعلموا عدد السنين و الحساب (2)). أقول: وروى ابن أبي الحديد هذه الرواية [بوجه آخر] أبسط مما أورده السيد - ره - نقلا من كتاب صفين لابن ديزيل مرسلا قال: عزم علي عليه السلام على الخروج من الكوفة إلى الحرورية، وكان في أصحابه منجم، فقال له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة، وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار، فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت فقال له علي عليه السلام: أتدري ما في بطن فرسي هذا أذكر أم انثى ؟ قال: إن حسبت علمت، فقال عليه السلام: فمن صدقك بهذا فقد كذب بالقرآن، قال الله تعالى (إن الله عنده علم الساعة - الآية (3) -) ثم قال عليه السلام: إن محمدا صلى الله عليه وآله ما كان يدعي علم ما ادعيت علمه، أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سافر فيها، وتصرف عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها ؟ فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله عزوجل في صرف المكروه عنه، وينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله، لانك


(1) الانعام: 97. (2) يونس: 5. (3) لقمان: 34.

[265]

بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها، وصرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها، فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضدا وندا، اللهم لاطير إلا طيرك، ولاضير إلا ضيرك، ولا إله غيرك ثم قال: بل نخالف ونسير في الساعة التي نهيتنا، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس ! إياكم والتعلم للنجوم، إلا ما يهتدى به في ظلمات البر والبحر، إنما المنجم كالكاهن، والكاهن كالكافر، والكافر في النار. أما والله إن بلغني أنك تعمل بالنجوم لاحلدنك السجن أبدا ما بقيت، ولاحر منك العطاء ما كان لي سلطان ثم سار في الساعة التي نهاه عنه المنجم فظفر بأهل النهر، وطهر عليهم ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الناس سار في الساعة التي أمر بها المنجم وظفر وظهر، أما إنه ما كان لمحمد صلى الله عليه وآله منجم ولا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر. أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به، فإنه يكفي ممن سواه. وأقول: قال السيد الجليل علي بن طاووس - ره - في كتاب النجوم بعد ما أورد هذه الرواية نقلا من النهج: إنني رأيت فيما وقفت عليه في كتاب عيون الجواهر تأليف أبي جعفر محمد بن بابويه - ره - حديث المنجم الذي عرض لمولانا علي عليه السلام عند مسيره إلى النهروان مسندامحمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي القرشي، عن نصر بن مزاحم المقري، عن عمر ابن سعد، عن يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الاحمر، قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى النهروان أتاه منجم ثم ذكر حديثه، فأقول: إن في هذا الحديث عدة رجال لا يعمل علماء أهل البيت عليهم السلام على روايتهم، ويمنع من يجوز العمل بأخبار الآحاد من العمل بأخبارهم وشهادتهم، وفيهم عمر بن سعد ابن أبي وقاص مقاتل الحسين عليه السلام، فإن أخباره ورواياته مهجورة، ولا يلتفت عارف بحاله إلى ما يرويه أو يسند إليه، ثم طعن في الرواية بأنها لو كانت صحيحة لكان عليه السلام قد حكم في هذا على صاحبه الذي قد شهد مصنف نهج البلاغة أنه من

[266]

أصحابه أيضا بأحكام الكفار، إما بكونه مرتدا عن الفطرة فيقتله في الحال، أو بردة عن غير الفطرة فيتوبه، أو يمتنع من التوبة فيقتل، لان الرواية قد تضمنت أن المنجم كالكافر، أو كان يجري عليه أحكام الكهنة أو السحرة، لان الرواية تضمنت أنه كالكاهن والساحر، وما عرفنا إلى وقتنا هذا أنه حكم على هذا المنجم أحكام الكفار ولا السحرة ولا الكهنة ولا أبعده ولا عزره، بل قال: سيروا على اسم الله، والمنجم من جملتهم لانه صاحبه، وهذا يدلك على تباعد الرواية من صحة النقل، أو يكون لها تأويل غير ظاهرها موافق للعقل. ثم قال: ومما نذكره من التنبيه على بطلان ظاهر الرواية بتحريم على النجوم قول الراوي فيها (إن من صدقك فقد كذب القرآن واستغنى عن الاستعانة بالله) ونعلم أن الطلائع للحروب يدلون على السلامة من هجوم الجيوش وكثير من النحوس ويبشرون بالسلامة، وما ألزم من ذلك أن يوليهم الحمد دون ربهم. ثم إننا وجدنا في الدعوات الكثيرة التعوذ من أهل الكهانة والسحرة، فلو كان المنجم مثلهم كان قد تضمن بعض الادعية التعوذ منه، وما عرفنا في الادعية التعوذ من النجوم والمنجم إلى وقتنا هذا، ومن التنبيه على بطلان ظاهر هذه الرواية أن الدعوات تضمن كثير منها وغيرها من صفات النبي صلى الله عليه وآله أنه لم يكن كاهنا ولا ساحرا، وما وجدنا إلى الآن ولا كان عالما بالنجوم، فلو كان المنجم كالكاهن والساحر ما كان يبعد أن يتضمنه بعض الروايات والدعوات في ذكر الصفات (انتهى). وأقول: أما قدحه في سند الرواية فهي من المشهورات بين الخاصة والعامة ولذا أورده السيد في النهج، إذ دأبه فيه أن يروي ما كان مقبول الطرفين، وضعف سند الرواية التي أورده الصدوق - ره - لا يدل على ضعف سائر الاسانيد، وعمر بن سعد الذي يروي عنه نصر بن مزاحم ليس الملعون الذي كان محارب الحسين عليه السلام كما يظهر من كتابه كتاب الصفين الذي عندنا فإن أكثر ما رواه فيه رواه عن هذا الرجل، وفي كثير من المواضع (عمرو) مكان (عمر) ولم يكن الملعون من جملة

[267]

رواة الحديث وحملة الاخبار، حتى يروى عنه هذه الاخبار الكثيرة، وأيضا رواية نصر عنه بعيد جدا، فإن نصرا كان من أصحاب الباقر عليه السلام والملعون لم يبق بعد شهادة الحسين عليه السلام إلا قليلا، والشواهد على كونه غيره كثيرة لاتخفى على المتدرب في الاخبار، العارف بأحوال الرجال، وهذا من السيد - ره - غريب، وأما قوله أنه عليه السلام لم يحكم بكفر المنجم فيرد عليه أن الظاهر من التشبيه بالكافر أنه ليس بكافر، وإنما يدل على اشتراكه معه في بعض الصفات لافى جميع الاحكام حتى يقتله في الحال أو بعد امتناعه من التوبة، على أنه عليه السلام لم يشبهه بالكافر بل بالمشبه بالكافر، وأما قوله ولا أبعده ولاعزره، ففيه أنه قد ظهر مما رواه ابن أبي الحديد الايعاد بالحبس المؤبد، والتحريم من العطاء، ولم يعلم أنه أصر المنجم على العمل بالنجوم بعد ذلك حتى يستحق تعزيرا أو نكالا، وعدم اشتمال رواية السيد على هذه الزيادة لا يدل على عدمها، فإن عادة السيد الاقتصار على ما اختاره من كلامه عليه السلام بزعمه لااستيفاء النقل والرواية، مع أن عدم النقل في مثل هذا لا يدل على العدم، وكونه من أصحابه وبينهم لا يدل على كونه مرضيا، فإن جيشه عليه السلام كان مشتملا على كثير من الخوارج والمنافقين كالاشعث أخي هذا المنجم على ما ذكره السيد وغيره أنه كان عفيف بن قيس أخا الاشعث رأس المنافقين ومثير أكثر الفتن وأما قياسه على طلائع الحروب فالفرق بين الامرين بين، فإن ما يهدي إليه الطلائع ونحوهم ليست امورا يترتب عليها صرف السوء ونيل المحبوب حتما، بل يتوقف على اجتماع امور كوجود الشرائط وارتفاع الموانع، وكل ذلك لا يتيسر الظفر بها إلا بفضل مسبب الاسباب، بخلاف ما ادعاه المنجم من أن الظفر يترتب حتما على الخروج في الساعة التي اختاره وأما عدم التعوذ من النجوم والمنجم فلان المنجم إنما يعود ضرره إلى نفسه بخلاف الساحر والكاهن فإنه يترتب منهما ضرر كثير على الناس، مع أن الدعاء الذي رواه السيد في كتاب الاستخارات وأوردناه في هذا الباب يتضمن البراءة إلى الله من اللجأ إلى العمل بالنجوم وطلب الاختيارات منها وأما عدم وصف النبي صلى الله عليه وآله بأنه لم يكن منجما لان الكفار إنما كانوا يصفونه

[268]

صلى الله عليه وآله بالسحر والكهانة والشعر، فورد براءته عنها ردا عليهم ولم يكونوا يصفونه بالنجوم، مع أنه كان عالما بالحق من علم النجوم وكان من فضائله. 51 - المكارم: في الحديث أنه نهى عن الحجامة في الاربعاء إذا كانت الشمس في العقرب (1). 52 - الذهبية: عن الرضا عليه السلام: اعلم أن جماعهن والقمر في برج الحمل أو الدلو من البروج أفضل، وخير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه شرف القمر. بيان: لعله قال ذلك موافقا لرأي المأمون، ولما اشتهر في ذلك الزمان كما أشعر عليه السلام به في تلك الرسالة. 53 - المهج: في حرز الجواد عليه السلام: وينبغي أن لا يكون طلوع القمر في برج العقرب. 54 - التهذيب: عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن بن علي عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كسوف الشمس أشد على الناس والبهائم. بيان: هذا مما يوهم أن لاحوالها وأوضاعها تأثيرا في بعض الاشياء، ويمكن أن يكون المعنى أنه علامة غضب الله عليهم، أو أنهم يفزعون لذلك لحدوث الظلمة في غير وقتها. 55 - نوادر على بن أسباط: عن إبراهيم بن محمد بن حمران، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم يرد الحسنى. الكافي: عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد عن علي بن أسباط عن إبراهيم بن حمران عن أبيه مثله (2). بيان: الظاهر أن المراد بكون القمر في العقرب هنا كونه محاذيا لكواكبه كما هو أدب العرب في البوادي وغيرها، إذ لم يكن عندهم ضوابط البروج والانتقالات


(1) مكارم الاخلاق: ج 1، ص 83. (2) روضة الكافي: 275.

[269]

إليها والاستخراجات الشائعة في تلك الازمان. ولم يكن دأبهم عليهم السلام إحالة الناس في الاحكام التي تحتاج إليها عامة الخلق على ما لا يعرفه إلا الآحاد من العلماء لاسيما إذا لم يكن شائعا في تلك الازمنة عند العلماء أيضا، والكواكب الثابتة والاشكال التي سميت البروج بها قد انتقلت في زماننا عن البروج التي عينوها بمقدار برج تقريبا، فالعقرب في مكان القوس، فظهر أن ما وقع في الشريعة أيضا لا يوافق قواعدهم المقررة عندهم. 56 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد ابادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه وغيره، عن محمد بن سليمان الصنعاني، عن إبراهيم بن الفضل، عن أبان بن تغلب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن فسلم عليه، فرد عليه السلام فقال (1) له: مرحبا بك يا سعد ! فقال له الرجل: بهذا الاسم سمتني امي وما أقل من يعرفني به فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت يا سعد المولى ! فقال الرجل: جعلت فداك، بهذا كنت القب. فقال له أبو عبد الله عليه السلام لاخير في اللقب، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه (ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان (2)) ما صنعتك (3) يا سعد ؟ فقال: جعلت فداك، أنا من أهل بيت ننظر في النجوم، لانقول إن باليمن [أحدا] أعلم بالنجوم منا. فقال أبو عبد الله عليه السلام: فأسألك ؟ فقال اليماني: سل عما أحببت من النجوم، فإني أجيبك عن ذلك بعلم. فقال أبو عبد الله عليه السلام: كم ضوء الشمس على ضوء القمر درجة ؟ فقال اليماني: لاأدري، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فكم ضوء القمر على ضوء الزهرة درجة ؟ فقال اليماني: لاأدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فكم ضوء المشتري على ضوء عطارد درجة ؟ فقال اليماني: لا أدري، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت: فما اسم النجم الذي


(1) في المصدر: وقال له. (2) الحجرات: 11. (3) في المصدر: ما صناعتك ؟

[270]

إذا طلع هاجت البقر ؟ فقال اليماني: لاأدري، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت في قولك لا أدري، فما زحل عندكم في النجوم ؟ فقال اليماني ؟ نجم نحس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: مه ! لا تقولن هذا، فإنه نجم أمير المؤمنين عليه السلام وهو نجم الاوصياء وهو النجم الثاقب الذي قال الله عزوجل في كتابه. قال اليماني: فما يعني بالثاقب ؟ قال: إن مطلعه في السماء السابعة، وإنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء الدنيا فمن ثم سماه الله عزوجل النجم الثاقب. يا أخا أهل اليمن عندكم علماء ؟ فقال اليماني: نعم جعلت فداك، إن باليمن قوما ليسوا كأحد من الناس في علمهم. فقال أبو عبد الله عليه السلام: وما يبلغ من علم عالمهم ؟ فقال له اليماني: إن عالمهم ليزجر الطير ويقفو الاثر في الساعة الواحدة مسيرة شهر للراكب المجد ! فقال أبو عبد الله عليه السلام (1) إن علم عالم المدينة ينتهي إلى حيث لايقفو الاثر ويزجر الطير ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس تقطع اثني عشر برجا، واثني عشر برا واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما ! قال: فقال له اليماني: جعلت فداك، ما ظننت أن أحدا يعلم هذا أو يدري ما كنهه ! ثم قال اليماني فخرج (2). النجوم: قال السيد ره: وجدت في كتاب عتيق تأليف علي بن عبد العزيز النيسابوري، عن علي بن أحمد، عن إبراهيم بن الفضل، عن أبان بن تغلب. و ذكر نحوه إلا أن فيه (سعيد) مكان (سعد) في المواضع، (والمزني) مكان (المولى) وفيه (فما اسم النجوم التي إذا طلعت هاجت الابل ؟ قال: لا أدري، قال: فما اسم اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب، قال: لاأدري، قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر إلى آخر الخبر، ثم قال السيد ره: ورويت هذا الحديث بأسانيد إلى أبان من كتاب عبد الله ابن القاسم الحضرمي. 57 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان


(1) في المصدر: فان عالم المدينة أعلم من عالم اليمن، فقال اليماني: وما بلغ من علم عالم المدينة ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام. (2) الخصال: 86.

[271]

ابن عيسى، عن ابي إسحاق الجرجاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل جعل لمن جعل له سلطانا أجلا ومدة من ليال وأيام وسنين وشهور، فإن عدلوا في الناس أمر الله عزوجل صاحب الفلك أن يبطئ بإدارته، فطالت أيامهم ولياليهم وسنينهم (1) وشهورهم، وإن جاروا في الناس ولم يعدلوا أمر الله تبارك وتعالى صاحب الفلك فأسرع بإدارته، فقصرت لياليهم وأيامهم وسنينهم وشهورهم، وقد وفى له عز وجل بعدد الليالى والشهور (2). بيان: قد مر الكلام في مثله. 58 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، جميعا عن علي بن حسان، عن علي بن عطية الزيات، عن معلى بن خنيس، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النجوم أحق هي ؟ فقال: نعم إن الله عزوجل بعث المشتري إلى الارض في صورة رجل، فأخذ رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن أنه قد بلغ، ثم قال له: انظر أين المشتري، فقال: ما أراه في الفلك وما أدري أين هو، قال: فنحاه وأحذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ، وقال: انظر إلى المشتري أين هو، فقال: إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري، وقال: (3) فشهق شهقة فمات: وورث علمه أهله فالعلم هناك (4). بيان: (في صورة رجل) لعل المراد على تقدير صحة الخبر أن الله تعالى


(1) وسنوهم (خ). (2) روضة الكافي: 271. (3) في المصدر: قال وشهق. (4) روضة الكافي: 330. اقول: على فرض صدور الرواية يحتمل أن يكون الامام عليه السلام حكى هذه الاحدوثة عن قول غيره لمصلحة، فزعم بعض الرواة انها حكاية عن الواقع فرواها عنه. ويؤيده ما مر في الحديث (26) من هذا الباب عن الرضا عليه السلام انه قال للصباح بن نصر الهندي: اصل هذا العلم من عند الله عزوجل، ويقال: إن الله بعث النجم الذى يقال له المشترى.. الخ.

[272]

جعله في هذا الوقت ذا روح وحياة وعلم وبعثه إلى الارض، لئلا ينافي ما سيأتي من إجماع المسلمين على عدم حياة الاجسام الفلكية وشعورها، وأما أنه كيف صار صغيرا بحيث وسعه الارض وحضر عند الرجل فيمكن أن يكون على التكاثف، أو على إعدام بعض الاجزاء سوى الاجزاء الاصلية التي بها تشخص الكوكب، ثم إيجاد تلك الاجزاء وإعادتها، كما أن الشخص تتبدل أجزاؤه من أول العمر إلى آخره وتشخصه محفوظ بالاجزاء الاصلية. (وورث علمه أهله) أي كتبه وما علمهم قبل موته، والخبر يدل على أن لهذا العلم أصلا ولا يدل على جواز النظر فيه وتعليمه وتعلمه واستخراج الاحكام منه لسائر الخلق، ولعله يكون فتنة كقصة هاروت وماروت. 59 - الفقيه: بسنده الحسن عن عبد الملك بن أعين قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني قد ابتليت بهذا العلم، فاريد الحاجة، فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم أذهب فيها، وإذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: تقضي ؟ قلت: نعم، قال: أحرق كتبك (1). دعوات الراوندي: عن عبد الملك مثله بيان: قوله (تقضي) على بناء المعلوم، أي تحكم بالحوادث وتخبر بالامور الآتية أو الغائبة، أو تحكم بأن للنجوم تأثيرا، أو أن لذلك الطالع أثرا، أو على بناء المجهول أي إذا ذهبت في الطالع الخير تقضى حاجتك وتعتقد ذلك، والاول عندي أظهر. وهذا خبر معتبر يدل على أظهر الوجوه على أن الاخبار بأحكام النجوم والاعتناء بسعادة النجوم والطوالع محرم يجب الاحتراز عنه. 60 - الفقيه: روي عن ابن أبي عمير أنه قال: كنت أنظر في النجوم وأعرفها واعرف الطالع فيدخلني من ذلك شئ، فشكوت ذلك إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام فقال: إذا وقع في نفسك شئ فتصدق على أول مسكين ثم امض، فإن


(1) لم يوجد في المصدر.

[273]

الله عزوجل يدفع عنك (1). النجوم: نقلا من الفقيه عن ابن أبي عمير مثله، ثم قال السيد - ره -: و روينا هذا الحديث أيضا من كتاب التجمل عن محمد بن اذينة عن ابن أبي عمير وذكر نحوه، ثم قال: لو لم يكن في الشيعة عارف بالنجوم إلا محمد بن أبي عمير لكان حجة في صحتها وإباحتها، لانه من خواص الائمة والحجج، في مذاهبها وروايتها (2). بيان: أقول: روى هذا الخبر البرقي في المحاسن، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن سفيان بن عمر كما مر، فظهر أن العارف بالنجوم لم يكن ابن أبي عمير بل رجلا مجهول الحال، ووقع سقط من نسخ الفقيه، ولو سلم فجوابه عليه السلام يدل على أنه لما كان ابتلي بهذا العلم وكان في نفسه من ذلك شئ علمه عليه السلام ما يدفع ذلك من الصدقة كما يدفع به الطيرة التي لاأصل لها، ولم يكن ابن أبي عمير - رحمه الله - معصوما حتى يكون فعله حجة. 61 - دلائل الامامة للطبري وكتاب النجوم عن عبد الله بن محمد البلوي عن عمار بن زيد المدني، عن إبراهيم بن سعيد ومحمد بن مسعر، عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، قال: مرت بالحسن بن علي عليهما السلام بقرة فقال: هذه حبلى بعجلة اثنى لها غرة في جبهتها ورأس ذنبها أبيض فانطلقنا مع القصاب حتى ذبحها فوجدنا العجلة كما وصف على صورتها. فقلنا له: أو ليس الله عزوجل يقول (ويعلم ما في الارحام) فكيف علمت ؟ قال: إنا نعلم المخزون المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته عليهم السلام. بيان: يدل على أنه ليس للمنجمين وأمثالهم علم بأمثال ذلك. 62 - الكافي: بسند فيه إرسال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بيني وبين رجل قسمة أرض، وكان الرجل صاحب نجوم، وكان يتوخى ساعة السعود فيخرج


(1) الفقيه: 222. (2) رواياتها (خ).

[274]

فيها، وأخرج أنا في ساعة النحوس، فاقتسمنا فخرج لي خير القسمين، فضرب الرجل يده اليمنى على اليسرى ثم قال: ما رأيت كاليوم قط ! قلت: ويل الآخر، ما ذاك ؟ قال: إني صاحب النجوم (1)، أخرجتك في ساحة النحوس وخرجت أنا في ساعة السعود، ثم قسمنا فخرج لك خير القمسين. فقلت: ألا احدثك بحديث حدثني به أبي عليه السلام ؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سره أن يدفع الله عنه نحس يومه فليفتتح يومه بصدقة يذهب الله بها عنه نحس يومه، ومن أحب أن يذهب الله عنه نحس ليلته فليفتتح ليلته بصدقة يدفع الله عنه نحس ليلته. وإني افتتحت خروجي بصدقة فهذا خير لك من النجوم (2). بيان: يدل على أنه لو كانت لها نحوسة فهي تندفع بالصدقة، وأنه لا ينبغي مراعاتها بل ينبغي التوسل في دفع أمثال ذلك بما ورد عن المعصومين عليهم السلام من الدعاء والتصدق والتوكل وأمثاله. 63 - معاني الاخبار: عن القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل، عن أبيه، عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: الذنوب التي تظلم الهواء السحر والكهانة والايمان بالنجوم والتكذيب بالقدر الخبر) (3). بيان: ظلمة الهواء كناية عن التحير في الامور، أو شدة البلية وظهور آثار غضب الله في الجو. 64 - النجوم: روى الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في كتاب العرائس: إنما سمي إدريس لكثرة درسه للكتب وصحف آدم وشيث، وكان أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم والحساب.


(1) في المصدر: نجوم. (2) فروغ الكافي: ج 4، ص 6. (3) معاني الاخبار: 271.

[275]

قال السيد - ره -: وذكر علي بن المرتضى في كتاب (ديوان النسب) فيما حكاه عن التورية أن إدريس عليه السلام أول من خط بالقلم وأول من حسب حساب النجوم. قال: ورأيت في رسالة أبي إسحاق الطرسوسي إلى عبد الله بن مالك في باب معرفة أصل العلم ما هذا لفظه: إن الله تبارك وتعالى أهبط آدم من الجنة، وعرفه علم كل شئ، فكان مما عرفه النجوم والطب. قال: ووجدت في كتاب (المنتخب) من طريق أصحابنا في دعاء كل يوم من رجب (ومعلم إدريس عدد النجوم والحساب والسنين والشهور والازمان) وذكر عبد الله بن محمد بن طاهر في كتاب (لطائف المعارف): أول من أظهر علم النجوم ودل على تركيب وقدر مسير الكواكب وكشف عن وجوه تأثيرها هرمس. 65 - الدر المنثور: عن قتادة، قال: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعالى فيها غير ذلك فقد فال رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلم (1) ما لاعلم له به، وإن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا [كان كذا وكذا]، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الاحمر والاسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شئ (2). 66 - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، ثم انتهوا (3). 67 - وعن مجاهد، قال: لا بأس أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به في البر والبحر، ويتعلم منازل القمر (4). 68 - وعن حميد الشامي، قال: النجوم هي علم آدم عليه السلام (5).


(1) في المصدر: (تكلف) وهو الصواب. (2 - 5) الدر المنثور: ج 3، ص 34.

[276]

69 - وعن الحسن بن صالح قال: سمعت عن ابن عباس أنه قال: ذلك علم ضيعه الناس النجوم (1). 70 - وعن عكرمة أنه سأل رجلا عن حساب النجوم، وجعل الرجل يتحرج أن يخبره، فقال عكرمة سمعت ابن عباس يقول علم عجز الناس عنه، وددت أني علمته (2) قال الخطيب مراده الضرب المباح الذي كانت العرب تختص به. 69 - وعن عبد الله بن حفص قال: خصت العرب بخصال: بالكهانة، و القيافة، والعيافة، والنجوم، والحساب، فهدم الاسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك (3). 70 - وعن القرطي قال: والله ما لاحد من أهل الارض في السماء من نجم ولكن يتبعون الكهنة ويتخذون النجوم علة (4). 71 - وعن سمرة بن جندب، أنه خطب فذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أما بعد فإن ناسا يزعمون أن كسوف الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الارض، وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده، لينظر ما يحدث له منهم توبة (5). 72 - وعن علي عليه السلام قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله عن النظر في النجوم، و أمرني بإسباع، الطهور (6). 73 - وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن النظر في النجوم (7). 74 - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا


(1) الدر المنثور: ج 3، ص 34. (2) الدر المنثور: ج 3، ص 35. (3) الدر المنثور: ج 3، ص 35. (4) الدر المنثور: ج 3، ص 35. (5) الدر المنثور: ج 3، ص 35. (6) الدر المنثور: ج 3، ص 35.

[277]

وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا (1). 75 - وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخاف على أمتي خصلتين: تكذيبا بالقدر، وتصديقا بالنجوم. وفي لفظ: وحذقا بالنجوم (2). 76 - وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد (3). 77 - وعن ابن عباس قال: إن قوما ينظرون في النجوم، ويحسبون أباجاد، وما أرى للذين يفعلون ذلك من خلاق (4). 78 - وعن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: اوصيك بتقوى الله، وإياك وعلم النجوم، فإنه يدعو إلى الكهانة (5). 79 - وعن الحسن بن علي عليه السلام قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وآله خيبر دعا بقوسه فاتكأ على سيتها، وحمد الله وذكر ما فتح الله عليه ونصره، ونهى عن خصال: عن مهر البغي، وعن خاتم الذهب، وعن المياثر الحمر، وعن لبس الثياب القسي، وعن ثمن الكلب، وعن أكل لحوم الحمر الاهلية، وعن (6) الصرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة [و] بينهما فضل، وعن النظر في النجوم (7). 80 - وعن مكحول قال: قال ابن عباس: لاتعلم النجوم، فإنها تدعو إلى الكهانة (8). 81 - وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله: لقد طهر الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم تضلهم النجوم (9). 82 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان متعلم حروف أبي جادليري في النجوم ليس له عند الله خلاق يوم القيامة (10).


(1 - 5) الدر المنثور: ج 3، ص 35. (6) كذا في نسخ البحار والمصدر. (7 و 8) الدر المنثور: ج 3، ص 35 و 36. (9 و 10) الدر المنثور: ج 3، ص 36.

[278]

بيان: قال الفيروز آبادي (فال رأيه) أخطأ وضعف. وقال: عفت الطير أعيفها عيافة زجرتها، وهو أن يعتبر بأسمائها ومساقطها وأنوائها فيتسعد أو يتشأم والعائف المتكهن بالطير أو غيرها (1). وفي النهاية: الميثرة من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج، وتتخد كالفراش الصغير، وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السروج (2) وقال: فيه أنه نهى عن لبس القسي، هي ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على ساحل (3) البحر قريبا من تنيس يقال لها (القس) بفتح القاف وبعض أهل الحديث يكسرها، وقيل: أصل القسي (القزي) بالزاي منسوب إلى القز وهو ضرب من الابريسم، فابدل من الزاي سينا، وقيل: منسوب إلى القس، وهو الصقيع لبياضه (4). والصقيع: الساقط من السماء بالليل كأنه ثلج. تذييل جليل وتفصيل جميل - نذكر فيه أقوال بعض أجلاء أصحابنا - رضوان الله عليهم - في حكم النظر في علم النجوم، والاعتقاد به، والاخبار عن الحوادث بسببه، ورعاية الساعات المسعودة والمنحوسة بزعمهم، والقول بتأثيرها، ثم نذكر ما ظهر لنا من الاخبار السابقة في جميع ذلك. قال الشيخ السعيد المفيد - ره - في كتاب المقالات على ما نقل عنه السيد بن طاووس - ره - في كتاب (فرج المهموم بمعرفة علم النجوم) وإن لم نجد فيما عندنا من نسخه حيث قال: أقول إن الشمس والقمر وسائر النجوم أجسام نارية لاحياة لها ولاموت ولا تميز، خلقها الله تعالى لينتفع بها عباده، وجعلها زينة لسماواته، و آيات من آياته، كما قال سبحانه (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل


(1) القاموس: ج 3، ص 179. (2) النهاية: ج 4، ص 193. (3) في المصدر: شاطئ البحر. (4) النهاية: ج 3، ص 252.

[279]

الآيات لقوم يعلمون (1)) وقال تعالى (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (2)) وقال تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون (3)) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح (4)) فأما الاحكام على الكائنات بدلائلها أو الكلام على مدلول حركاتها فإن العقل لايمنع منه، ولسنا ندفع أن يكون الله تعالى أعلمه بعض أنبيائه، وجعله علما له على صدقه غير أنا لا نقع عليه ولا نعتقد استمراره في الناس إلى هذه الغاية، وأما ما نجده من أحكام المنجمين في هذا الوقت وإصابة بعضهم فيه فإنه لا ينكر أن يكون ذلك بضرب من التجربة وبدليل عادة، وقد تختلف أحيانا ويخطئ المعتمد عليه كثيرا ولا يصح إصابته فيه ابدا، لانه ليس بجار مجرى دلائل العقول، ولابراهين الكتاب وأخبار الرسول صلى الله عليه وآله، وهذا مذهب جمهور متكلمي أهل العدل، وإليه ذهب بنو نوبخت (5) من الامامية، وأبو القاسم وأبو علي من المعتزلة (انتهى). وقال الشيخ محمد بن الحسين الكيدري في شرح نهج البلاغة في تهجين أحكام النجوم: كيف يمكن أن يكون الانسان يعرف الحوادث وأسبابها في الحال حتى


(1) يونس: 5. (2) الانعام: 97. (3) النحل: 16. (4) فصلت: 12. (5) آل نوبخت طائفة كبيرة خرج منهم جماعات كثيرة من العلماء والادباء والمنجمين والفلاسفة والمتكلمين والكتاب والحكماء والامراء، وكانت لهم مكانة وتقدم في دولة بنى العباس، واصلهم من الفرس وأول من اسلم منهم جدهم (نوبخت) وهو من عشيرة (گيوبن گودرز) وكان منجما لابي جعفر المنصور خصيصا به، فلما ضعف عن صحبة المنصور اقام مقامه ابنه (أبا سهل) وهو الذى ينتهى إليه سلسلة هذه الطائفة، وله عشرة اولاد كان لاثنين منهم ذرية كثيرة مشهورة وهما. اسحاق واسماعيل وممن ينسب إلى هذه الطائفة الشيخ الاجل ابو القاسم الحسين بن روح بن ابى بحر النوبختى احد السفراء الاربعة في الغيبة الصغرى. وآل نوبخت معروفون بولاية على وولده عليهم السلام. (*)

[280]

يعرف المسببات في المستقبل كما في الجزر والمد، ومن ادعى أنه يعرف أسباب الكائنات فمقدماته ليست برهانية وإنما هي تجربية أو شعرية أو خطابية مؤلفة من المشهورات في الظاهر أو المقبولات والمظنونات، ومع ذلك فلا يمكنه أن يتعرض إلا لجنس من أجناس الاسباب، وهو تعرض بعض الاسباب العلوية، ولا يمكنه أن يتعرض لجميع الاسباب السماوية والقوابل، وإذا تغيرت القوابل عن أحوالها تغير أثر الفاعل فيها، فإن النار في الحطب اليابس مؤثرة تأثيرا لا تؤثر في الرماد وكذا معرفة بقائها على استعداد القبول شرط، ويمكن أن يكون للقوابل عوائق فلا يعلم تلك الاسباب والمسببات إلا الله تعالى وأيضا فإن المنجم يحكم على مفردات الكواكب ولا يحكم على جميعها ممتزجة، وكما أن أحكام مفردات الترياق وسائر المعاجين غير أحكام المركب الذي حصلت له صورة نوعية كذلك حكم الكواكب المركوزة في الافلاك غير حكم أفرادها، وإذا لم يمكن للمنجم الحكم إلا على المفردات كان الحكم ناقصا غير موثوق به. ثم إنه ربما يحصل التوأمان في غشاء فيكشف عنهما فإذا فيه صبيان حيان، وعلى قوانين الاحكاميين يجب أن يكونا مثلين في الصورة والعمر والحركات، حتى لا يجوز أن يختلفا في شئ من الاشياء، ولايجوز أن يسكت أحدهما في وقت كلام الآخر، ولا يقوم في وقت قعود الآخر، ولا ينام في وقت لاينام فيه الآخر، وإذا دخلا بيتا فيه باب ضيق فلا يمكنهما الدخول فإنه لابد ههنا من التقدم والتأخر، ولا يجوز أن يمس إنسان أحدهما دون الآخر، ولايجوز أن يكون في التزويج امرأة أحدهما غير امرأة الآخر ولا أن يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر في الارض، وهذا مما لا يخفى فساده وأيضا فإن الحكم الكلي عند أكثرهم يغلب الجزئي، ألا ترى أن طالع ناحية أو بلد إذا كان فساد فإنه لا يفيد عطية الكدخدا لانسان، فكيف يعتمد على الطوالع والاختيارات مع نفي العلم بالكليات ؟ ! ومن شنيع قولهم أنهم يقولون إذا ولد للملك في حال ولد لسوقي ولد، فإن الكواكب تدل لابن الملك بخلاف ما تدل لابن السوقي مع اتفاقهما في كمية العمر، لان هيلاجهما وكذخداهما

[281]

لا يختلفان، فإذا جاز أن تكون دلالة النجوم مختلفة في سعادة هذين الولدين فما أنكروا أن يكون مقادير أعمارهما أيضا مختلفة ؟ واختلفوا في تقويم الكواكب باختلاف الزيجات، ولا برهان على فساد بعضها وصواب بعضها، فربما يوجد في تقويم الشمس من التفاوت خمس درج، وتختلف درج الطوالع وبروج التحاويل بسبب ذلك فتفسد الاحكام. ثم أورد عليهم كثيرا من الاختلافات والتنافضات لانطيل الكلام بإيرادها. وقال الشيخ إبراهيم بن نوبخت في كتاب (الياقوت): قول المنجمين يبطله قدم الصانع واشتراط اختياره، ويلزم عليهم أن لا يستقر الفعل على حال من الاحوال، وقول أهل الطبائع يبطل بمثل ذلك. وقال العلامة - ره - في شرحه: اختلف قول المنجمين على قسمين: أحدهما قول من قال إن الكواكب السبعة حية مختارة، والثاني قول من قال إنها موجبة والقولان باطلان، أما الاول فلانهما أجسام محدثة فلا تكون آلهة، ولانها محتاجة إلى محدث غير جسم فلابد من القول بالصانع. وأما الثاني فلان الكوكب المعين كالمريخ مثلا إذا كان مقتضيا للحرب لزم دوام وقوع الهرج والمرج في العالم، و أن لا يستقر أفعالهم على حال من الاحوال، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه باطلا (1). وأما القائلون بالطبائع الذين يسندون الافعال إلى مجرد الطبيعة فيبطل قولهم بمثل ذلك أيضا، فإن الطبيعة قوة جسمانية وكل جسم محدث فكل قوة حالة فهي محدثة تفتقر إلى محدث غير طبيعته، وإلا لزم التسلسل، فلابد من القول بالصانع سبحانه وتعالى. وقال السيد الشريف المرتضى - ره - في كتاب (الغرر والدرر) في أجوبة


(1) يمكن المناقشة في هذا الكلام بان المنجم لا يقول بكون المريخ بذاته يقتضى وقوع الحرب في الارض دائما بل عند تحقق وضع خاص له وحصول شرائط معينة في الارض مضافا إلى ان اقتضاءه لذلك لا يوجب وقوعه دائما، لان المقتضى انما يؤثر إذا لم يمنع عن تأثيره مانع

[282]

المسائل السلارية، حيل سئل - ره -: ما القول فيما يخبر به المنجمون من وقوع حوادث ويضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم ؟ وما المانع من أن تؤثر الكواكب على حد تأثير الشمس الادمة فينا ؟ وإن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب أو انتقالها ؟ فلينعم ببيان ذلك، فإن الانفس إليه متشوقة، وكيف تقول إن المنجمون حادسون مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل ؟ حتى أنهم يخبرون بالكسوف ووقته ومقداره فلا تكون إلا على ما أخبروا به، فأي فرق بين إخبارهم بحصول هذا التأثير في هذا الجسم وبين حصول تأثيرها في أجسامنا ؟ الجواب: اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل في الارض ومن عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، وما فيهم [من] أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير في ذلك، ومن ادعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء في ذلك، ومتجمل بهذا المذهب عند أهل الاسلام ومتقرب إليهم بإظهاره، وليس هذا بقول لاحد ممن تقدم، وكان الذي كان يجوز أن يكون صحيحا - وإن دل الدليل على فساده - لا يذهبون إليه، وإنما يذهبون إلى المحال الذي لا يمكن صحته. وقد فرغ المتكلمون من الكلام في أن الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة، وتكلمنا نحن أيضا في مواضع على ذلك، وبينا بطلان الطبائع الذين يهذون بذكرها وإضافة الافعال إليها، وبينا أن الفاعل لابد أن يكون حيا قادرا، وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، وكيف تفعل وما يصحح الافعال مفقود فيها ؟ وقد سطر المتكلمون طرقا كثيرة في أنها ليست بحية ولا قادرة أكثرها معترض، وأشف ما قيل في ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة كحرارة النار تنفيها ولا تثبت معها، ومعلوم أن حرارة الشمس أشد و أقوى من حرارة النار بكثير، لان الذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أن يزيد على حرارة النار، وما كان بهذه الصفة من الحرارة

[283]

يستحيل كونه حيا، وأقوى من ذلك كله في نفي كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب أحياء، السمع والاجماع وأنه لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، وأنها مسخرة مدبرة مصرفة وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة، وإذا قطعنا على نفي الحياة والقدرة عن الكواكب فكيف تكون فاعلة. وعلى أننا قد سلمنا لهم استظهارا في الحجة أنها قادرة، قلنا: إن الجسم وإن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل في غيره إلا على سبيل التوليد، ولابد من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه، والكواكب غير مماسة لنا ولا وصلة بينها وبيننا، فكيف تكون فاعلة فينا ؟ فإن ادعى أن الوصلة بيننا هي الهواء، فالهواء أولا لا يجوز أن يكون آلة في الحركات الشديدة وحمل الاثقال ثم لو كان الهواء آلة تحركنا بها الكواكب لوجب أن نحس بذلك ونعلم أن الهواء يحركنا ويصرفنا كما نعلم في غيرنا من الاجسام إذا حركناه بآلة، على أن في الحوادث الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة ولا يتولد عن سبب كالارادات والاعتقادات وأشياء كثيرة، فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا وهي لا تصح أن يكون مخترعة للافعال، لان الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا يجوز لامر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الافعال، فأما الادمة فليس تؤثرها الشمس على الحقيقة في وجوهنا وأبداننا، وإنما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس، كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله وحرارة الشمس مسودة للاجسام من جهة معقولة مفهومة، كما أن النار تحرق الاجسام على وجه معقول، فأي تأثير للكواكب فينا يجري هذا المجرى في تمييزه والعلم بصحته فليشر إليه، فإن ذلك مما لا قدرة عليه (1).


(1) إن كان المراد أن كل تأثير في الانسان من كل مؤثر يجب أن يكون على وجه يعقله فعلى المدعى اثبات هذه الكلية، وهى غير بينة ولا مبينة. وان كان المراد الانكار على من يدعى تأثير الكواكب على هذا الوجه فله وجه، لكنه لا يدفع امكانه.

[284]

ومما يمكن أن يعتمد في إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا ومصرفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الامر والنهي والذم عنا ونكون معذورين في كل إساءة تقع منا ونجنيها بأيدينا، وغير مشكورين على شئ من الاحسان والافضال، و كل شئ نفسد به قول المجبرة فهو مفسد لهذا المذهب. وأما الوجه الآخر وهو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع الكوكب أو غروبه واتصاله أو مفارقته، وقد بينا أن ذلك ليس بمذهب المنجمين البتة وإنما يتجملون الآن بالتظاهر به وأنه قد كان جائزا أن يجري الله تعالى العادة بذلك لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت، ومن أين لنا بأن الله تعالى قد أجرى العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان في درجة الطالع كان نحسا، وأن المشتري إذا كان كذلك كان سعدا ؟ وأي سمع مقطوع به جاء بذلك ؟ وأي نبي خبر به، واستفيد من جهته ؟ فإن عولوا في ذلك على التجربة بأنا جربنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة، وإذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا قلنا: ومن سلم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها ؟ وقد رأينا خطاءكم أكثر من صوابكم فيها، وصدقكم أقل من كذبكم، فألا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذي يقع من المخمن والمرجم، فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، وهو على غير أصل معتمد ولا قاعدة صحيحة. فإذا قلتم: سبب خطاء المنجم زلل دخل عليه في أخذ الطالع أو تسير الكواكب، قلنا: ولم لا كانت إصابته سببها التخمين ؟ وإنما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجم، فأما إذا كان دليل صحة الاحكام الاصابة فألا كان دليل فسادها الخطاء ؟ فما أحدهما في المقابلة إلا كصاحبه. ومما افحم (1) به القائلون بصحة الاحكام ولم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم في شئ بعينه: خذوا الطالع واحكموا هل يؤخذ أو يترك ؟ فإن حكموا


(1) أفحمه: أسكته بالحجة في خصومة وغيرها.

[285]

إما بالاخذ أو الترك خولفوا وفعل خلاف ما خبروا به. وقد أعضلتهم هذه المسألة واعتذروا عنها بأعذار ملفقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب، فقالوا في هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل أو يخبر به غيره فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الامرين. وهذا التعليل منهم باطل، لانه إذا كان النظر في النجوم يدل على جميع الكائنات التي من جملتها ما يختاره أحدنا من أخذ هذا الشئ أو تركه فأي فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به ولا يكتبه حتى يقول المنجم ما عنده وبين أن يخبره به ويكتبه قبل ذلك ؟ وإنما فزعوا إلى الكتابة وما يجري مجراها حتى لا يخالف المنجم فيما يذكره ويحكم به من أخذ أو ترك، ولو كانت الاحكام صحيحة وفيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الامرين على كل حال. ولو نزلنا تحت حكمهم وكتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم في ذلك إلا أقل من خطائهم، ولم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمن المرجم من غير نظر في طالع ولا غارب ولا رجوع إلى أصل وإلا فالبلوى بيننا وبينهم. وكان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا في الادب والكتابة ومشغوفا بالنجوم عاملا عليها قال لي يوما - وقد جرى حديث يتعلق بأحكام المنجوم ورأى من مخائلي التعجب ممن يتشاغل بذلك ويفني زمانه به -: اريد أن أسألك عن شئ في نفسي، فقلت: سل عما بدالك، قال: اريد أن تعرفني هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى أن لا تختار يوما لسفر ولبس ثوب جديد وتوجه في حاجة ؟ فقلت: قد بلغت إلى ذلك - والحمد لله - وزيادة عليه، وما في داري تقويم، ولا أنظر فيه، وما رأيت مع ذلك إلا خيرا. ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدل على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى ظن دقيق وروية طويلة، وههنا شئ قريب لا يخفى على أحد ممن علت طبقته في الفهم أو انخفضت، خبرني لو فرضنا جادة مسلوكة وطريقا يمشي فيه الناس ليلا ونهارا، وفي محجته آبار متقاربة، وبين بعضها و بعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل وتوقف حتى يتخلص من السقوط في بعض

[286]

تلك الآبار، هل يجوز أن تكون سلامة من يمشي في هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي فيه من البصراء - وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان - ؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان، أو سلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء ؟ فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان، ولايجوز في مثل هذا التقارب. فقلت: إذا كان هذا محالا فأحيلوا نظيره وما لافرق بينه وبينه، وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرنا وعديله، لان البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم ويميزون سعدها ونحسها، ويتوقون بهذه المعرفة مضار الزمان ويتخطونها، ويعتمدون منافعه ويقصدونها، ومثال العميان كل من لا يحسن تعلم النجوم ولا يتلفت إليه من الفهماء والفقهاء، وأهل الديانات والعبادات، ثم سائر العوام والاعراب والاكراد وهم أضعاف أضعاف من يراعي عدد النجوم. ومثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي يمضي عليه الخلق أجمعون، ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه، وقد كان يجب لو صح العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر ومصائبهم أقل لانهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، وتكون محن كل من ذكرناه من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر، حتى تكون السلامة هي الطريفة الغريبة، وقد علمنا خلاف ذلك وأن السلامة أو المحن في الجميع متقاربة غير متفاوتة. فقال: ربما اتفق مثل ذلك، فقلت له، فيجب أن نصدق من خبرنا في ذلك الطريق المسلوك الذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء ونقول: لعل ذلك اتفق، و بعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع، وهذا الذي ذكرناه مستمر غير منقطع. فلم يكن عنده عذر صحيح. ومما يفسد مذهب المنجمين ويدل على أن ما لعله يتفق لهم من الاصابة على غير أصل أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم ولا نظروا قط في شئ منه يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة، وقد كان المعروف بالشعراني الذي شاهدناه وهو لا يحسن أن يأخذ الاسطرلاب للطالع، ولا

[287]

نظر قط في زيج ولا تقويم، غير أنه زكي حاضر الجواب فطن بالزرق معروف به كثير الاصابة وبلوغ الغاية فيما يخرجه من الاسرار، ولقد اجتمع يوما بين يدي جماعة كانوا عندي، وكنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الاغراض، فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأه من غير أخذ طالع ولانظر في تقويم، فأخبرنا بالجهة التي أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة فأخبره عن كثير من تفصيل أمره وأغراضه، حتى قال لاحدهم: وأنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشئ يوصله إليك، وقلبك به متعلق، وفي كمك شئ مما يدل على هذا، وقد انقضت حاجتك وانتجزت. وجذب يده إلى كمه فاستخرج ما فيه ! فاستحيى ذلك الرجل ووجم و منع من الوقوف على ما في كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك وأعان الحاضرون على إخراج ما في كمه لما أحسوا بالاصابة من الزرق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة في جملتها صك على دار الضرب بصلة من خليفة الوزارة في ذلك الوقت، فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم. وكان لنا صديق يقول أبدا: من أدل دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعراني (1). وجرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث، فقال: عند المنجمين إن السبب في إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أن مولده وما يتولاه ويقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك. فقلت له: لعل بطلميوس وكل عالم من عامة المنجمين


(1) غاية ما يثبت بهذا ونظائره ان طريق الكشف عما يقع في الارض من الحوادث لا ينحصر في علم النجوم، فليس للمنجم إذا وقع ما اخبر بوقوعه ان يحتج علينا بذلك، فمن الممكن ان يكون ذلك مستندا إلى حدسه أو إلى شئ آخر غير النجوم لكن لا يثبت بذلك بطلان قول المنجمين بان اوضاع الكواكب تدل على وقوع الكائنات الارضية فان القول بدلالتها عليها لا يستلزم القول بعدم وجود دليل وكاشف غيرها يدل على ذلك، حتى يبطل بأمثال هذه الوقائع، وإلا فلينقض بما اخبر به الانبياء والاولياء عليهم السلام من المغيبات، بل بما يخبر به الكهنة واصحاب تسخير الارواح والجن وامثالهم. مضافا إلى ان السيد - ره - يدعى ان جميع المنجمين يقولون بتأثير الكواكب استقلالا، ومن البديهى ان الكاشف غير المؤثر، وان دلالة غيرها على وقوع شئ من الحوادث وحصول العلم به من غير جهتها لا تنافي كونها مؤثرة

[288]

ومصيب في أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده وما يقتضيه كواكبه من غير علم ولافهم، فلا يجب أن يستدل بالاصابة على العلم إذا كانت تقع من جاهل ويكون سببها المولد، وإذا كانت الاصابة بالمواليد فالنظر في علم النجوم عبث ولعب لا يحتاج إليه، لان المولد إن اقتضى الاصابة أو الخطاء فالتعلم لا ينفع وتركه لا يضر، وهذه علة تسري إلى كل صنعة، حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق وصانع حاذق، وناسج للديباج مونق لا علم له بتلك الصناعة، وإنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، وما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى. واعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب وأبعادها وأشكالها وتسيراتها متى لم يكن ثمرته العلم بالاحكام والاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له ولا غرض فيه، لانه لا فائدة في أن يعلم ذلك كله ويختص نفس العلم به، وما يجري الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالاحكام إلا مجرى العلم بعدد الحصى وكيل النوى ومعرفة أطوال الجبال وأوزانها، وكما أن العناء في تعرف ذلك عبث وسفه لا يجدي نفعا فكذلك العلم بشكل الفلك وتسيرات كواكبها وأبعادها والمعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك وتفاصيلها فيه، وما شقي القوم بهذا الشأن وأفنوا أعمارهم إلا لتقديرهم أنه يفضي إلى معرفة الاحكام، فلا تغتر بقول من يقول منهم: إننا ننظر في ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة، ولطيف ما فيها من الاعاجيب فإن ذلك تجمل منهم وتقرب إلى أهل الاسلام، ولو لا أن غرضهم معرفة الاحكام لما تعنوا بشئ من ذلك كله، ولا كانت فيه فائدة، ولا منه عائدة. ومن أدل الدليل على بطلان أحكام النجوم أنا قد علمنا أن من جملة معجزات الانبياء عليهم السلام الاخبار عن الغيوب، وعد ذلك خارقا للعادات كإحياء الميت وإبراء الاكمه والابرص ولو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا لم يكن ما ذكرناه معجزا ولا خارقا للعادات (1) فكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم وقد أجمع المسلمون قديما


(1) الفرق بين ما يخبر به النبي اعجازا وبين ما يخبر به الكاهن أو المنجم أو من يجرى مجراهما ان اخبار النبي ليس بسبب عادى يمكن تعاطيه لغيره، بل بسبب غيبي ووحى الهى، واما اخبار الكهنة وامثالهم فانما هو عن طريق عادى يمكن سلوكه لغيرهم أيضا.

[289]

وحديثا على تكذيب المنجمين والشهادة فساد مذاهبهم وبطلان أحكامهم، ومعلوم من دين الرسول صلى الله عليه وآله ضرورة التكذيب بما يدعيه المنجمون والازراء عليهم و التعجيز لهم، وفي الروايات عنه صلى الله عليه وآله من ذلك مالا يحصى كثرة وكذا عن علماء أهل بيته عليهم السلام وخيار أصحابه، فما زالوا يبرؤون من مذاهب المنجمين ويعدونها ضلالا ومحالا، وما اشتهر هذه الشهرة في دين الاسلام كيف يغتر (1) بخلافه منتسب إلى الملة، ومصل إلى القبلة ؟ فأما إصابتهم في الاخبار عن الكسوفات وما مضى في أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك وبين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب في أجسامنا، فالفرق بين الامرين أن الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقة الحساب وتسير الكواكب، وله اصول صحيحة، وقواعد سديدة، وليس كذلك ما يدعونه من تأثيرات الكواكب في الخير والشر، والنفع والضر، ولو لم يكن في الفرق بين الامرين إلا الاصابة الدائمة المتصلة في الكسوفات وما يجري مجراها، فلا يكاد يبين فيها خطاء البتة، وإن الخطاء المعهود الدائم إنما هو في الاحكام الباقية، حتى أن الصواب هو العزيز فيها وما يتفق لعله فيها من الاصابة قد يتفق من المخمن أكثر منه، فحمل أحد الامرين على الآخر بهت وقلة دين (انتهى كلامه ضاعف الله إنعامه). ونقل عنه السيد بن طاووس - ره - أنه كتب في أجوبة بعض ما سئل عنه: قلنا إن الذي جاء بعلم النجوم من الانبياء هو إدريس عليه السلام وإنما علم من جهته على الحد الذي ذكرناه ونعلم أنه لا يجوز كونها دلالة إلا على هذا الوجه فقط لان الشئ إنما يدل على هذا الحد أو على الوجه الذي يدل الدليل العقلي عليه وقد بينا تعذر ذلك في النجوم، فلم يبق إلا ما ذكرناه، والقطع على أن كيفية دلالتها معلوم الآن غير ممكن، لان شريعة إدريس عليه السلام وما علم من قبله كالمندرس فلا نعلم الحال فيه، فإن كان بعض تلك العلوم قد بقي محفوظا عند قوم


(1) يفتى (خ).

[290]

تناقلوه وتداولوه لم نمنع أن يكون معلوما لهم إذا اتصل التواتر، وإن لم يكن كذلك لم نمنع أن يكون العلم به وإن بطل وزال أن يكون أمارة يقتضي غالب الظن عند كثير منهم، وهذا هو الاقرب فيما يتمسك به أهل النجوم، لانهم إذا تدبرت أحوالهم وجدتهم غير واثقين بما يحكمون، وإنما يتقدم أحدهم في ذلك العلم كتقدم الطبيب في الطب، فكما أن علوم الطب مبنية على الامارات التي تقتضيها التجارب وغالب الظن فكذلك القول في علم النجوم، إلا في امور مخصوصة يمكن أن يعلم بضروب من الاخبار (انتهى). وقال العلامة - ره - في كتاب (منتهى المطلب): التنجيم حرام، وكذا تعلم النجوم مع اعتقاد أنها مؤثرة، أو أن لها مدخلا في التأثير بالنفع والضرر، و بالجملة كل من يعتقد ربط الحركات النفسانية والطبيعية بالحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية كافر، وأخذ الاجرة على ذلك حرام، وأما من يتعلم النجوم فيعرف قدر سير الكواكب وبعده وأحواله من التربيع والكسف وغيرهما فإنه لا بأس به. ونحوه قال في التحرير والقواعد. وقال الشيخ الشهيد - ره - في قواعده: كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم وموجدة ما فيه فلا ريب أنه كافر، وإن اعتقد أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها والله سبحانه هو المؤثر الاعظم كما يقوله أهل العدل فهو مخطئ، إذ لاحياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي ولا نقلي، وبعض الاشعرية يكفرون هذا كما يكفرون الاول، وأوردوا على أنفسهم عدم تكفير المعتزلة وكل من قال بفعل العبد، وفرقوا بأن الانسان وغيره من الحيوان يوجد فعله من أن التذلل ظاهر عليه فلا يحصل منه اهتضام لجانب الربوبية، بخلاف الكواكب فإنها غائبة عنه، فربما أدى ذلك إلى اعتقاد استقلالها وفتح باب الكفر. وأما ما يقال من أن استناد الافعال إليها كاستناد الاحراق إلى النار وغيرها من العاديات بمعنى أن الله تعالى أجرى عادته أنها إذا كانت على شكل مخصوص أو وضع مخصوص يفعل ما ينسب إليها، ويكون ربط المسببات بها كربط مسببات الادوية والاغذية بها

[291]

مجازا باعتبار الربط العادي لا الفعل (1) الحقيقي، فهذا لا يكفر معتقده ولكنه مخطئ أيضا، وإن كان أقل خطاء من الاول، لان وقوع هذه الآثار عندها ليس بدائم ولا أكثري. وقال - ره - في الدروس: ويحرم اعتقاد تأثير النجوم مستقلة أو بالشركة والاخبار عن الكائنات بسببها أما لو أخبر بجريان العادة أن الله تعالى يفعل كذا عند كذا لم يحرم وإن كره، على أن العادة فيها لا تطرد إلا فيما قل، وأما علم النجوم فقد حرمه بعض الاصحاب، ولعله لما فيه من التعرض للمحظور من اعتقاد التأثير، أو لان أحكامه تخمينية، وأما علم هيئة الافلاك فليس حراما بل ربما كان مستحبا لما فيه من الاطلاع على حكم الله وعظم قدرته. وقال المحقق الشيخ علي - أجزل الله تشريفه -: التنجيم الاخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية التي مرجعها إلى القياس والتخمين - إلى أن قال - وقد ورد عن صاحب الشرع النهي عن تعلم النجوم بأبلغ وجوهه، إذا تقرر ذلك فاعلم أن التنجيم مع اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في الموجودات السفلية ولو على جهة المدخلية حرام، وكذا تعلم النجوم على هذه الوجه، بل هذا الاعتقاد كفر في نفسه - نعوذ بالله - أما التنجيم لا على هذا الوجه مع التحرز عن الكذب فإنه جائز، فقد ثبت كراهية التزويج وسفر الحج في العقرب، وذلك من هذا القبيل، نعم هو مكروه ولا ينجر إلى الاعتقاد الفاسد، وقد ورد النهي عنه مطلقا حسما للمادة. وقال الشيخ البهائي - ره -: ما يدعيه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالاجرام العلوية إن زعموا أن تلك الاجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده، وعلم النجوم المبتني على هذا كفر والعياذ بالله، وعلى هذا حمل ما ورد في الحديث من التحذير عن علم النجوم والنهي عن اعتقاد صحته، وإن قالوا إن اتصالات تلك


(1) الفعلى (خ).

[292]

الاجرام وما يعرض لها من الاوضاع علامات على بعض حوادث هذا العالم مما يوجده الله سبحانه بقدرته وإرادته، كما أن حركات النبض واختلافات أوضاعه علامات يستدل بها الطبيب على ما يعرض للبدن من قرب الصحة أو اشتداد المرض ونحو ذلك، وكما يستدل باختلاج بعض الاعضاء على بعض الاحوال المستقبلة، فهذا لا مانع منه ولاحرج في اعتقاده، وما روي من صحة علم النجوم وجواز نقله محمول على هذا المعنى. ثم قال - ره -: الامور التي يحكم بها المنجمون من الحوادث الاستقبالية اصول بعضها مأخوذة من أصحاب الوحي سلام الله عليهم، وبعض الاصول يدعون فيها التجربة، وبعضها مبتن على امور متشعبة لا تفي القوة البشرية في الاغلب بضبطها والاحاطة بها، كما يومئ إليه قول الصادق عليه السلام (كثيرة لا يدرك وقليله لا ينتج) فلذلك وجد الاختلاف في كلامهم، وتطرق الخطاء إلى بعض أحكامهم ومن اتفق له الجري على الاصول الصحيحة صح كلامه وصدقت أحكامه لا محالة كما نطق به كلام الصادق عليه السلام في الرواية المذكورة قبيل هذا الفصل - يعني رواية ابن سيابة - ولكن هذا أمر عزيز المنال، لا يظفر به إلا القليل، والله الهادي إلى سواء السبيل. ولابن سينا كلام في هذا الباب، قال في فصل المبدء والمعاد من إلهيات الشفاء: لو أمكن إنسانا من الناس أن يعرف الحوادث التي في الارض والسماء جميعا وطبائعها لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل، وهذا المنجم القائل بالاحكام مع أن أوضاعه الاولى ومقدماته ليست مستندة إلى برهان بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي وربما حاول قياسات شعرية أو خطابية في إثباتها فإنه إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات، وهي التي في السماء، على أنه لا يضمن الاحاطة بجميع الاحوال التي في السماء، ولو ضمن لنا في ذلك ووفي به لم يمكنه أن يجعلنا بحيث نقف على وجود جميعها في كل وقت، وإن كان جميعها من حيث فعله وطبعه معلوما عنده. ثم قال في آخر كلامه: فليس لنا إذن اعتماد على أقوالهم، وإن سلمنا

[293]

متبرعين أن جميع ما يعطونا من مقدماتهم الحكمية صادقة (انتهى). وقال الشيخ أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي - ره - في كتاب كنز الفوائد في الرد على من قال إن الشمس والقمر والنجوم علل موجبات كلاما طويل الذيل يرجع حاصله إلى أن هذه الكواكب والاوضاع إن كانت عللا للحوادث فما الحاجة إلى الاطلاع على الاحكام، وأخذ الطوالع عند المواليد، وعمل الزوايج وتحاويل السنين، مع أن الانسان لا يقدر على أن يزيد فيه في سعده ولا أن ينقص به من نحسه، وما أوجبه مولده فهو كائن لامغير له، مع أنه إذا علم حصول سعادة قبل وقوعها يكون قلق النفس، منقسم الخاطر، يستبعد قرب الساعات، ويستطيل قصر الاوقات، تشوقا إلى ما يرد، وتطلعا إلى ما وعد، وفي ذلك ما يقطعه عن منافعه، ويقصر به عن حركاته في مصالحه اتكالا على ما يأتيه، وربما أخلف الوعد وتأخر السعد، فليس جميع أحكامكم تصيب، ولا الغلط منكم بعجيب فتصير المنفعة مضرة، وأما متوقع المنحسة فلا شك أنه قعد تعجل الشدة رهبة من قدومها، وعظم هلعه بهجومها، وإن قلتم إن الانسان يمكنه أن يحترز من المنحسة فيدفعها أو ينقص منها فقد أبطلتم دعواكم أنها مدبرة. ثم قال: وأنا اخبرك بعد هذا بطرق من بطلان أفعالهم، ونكت من فساد استدلالهم. اعلم أن تسمية البروج الاثني عشر بالحمل والثور والجوزاء وغيرها لاأصل لها ولا حقيقة، وإنما وضعها الراصدون لهم فحصل متعارفا بينهم، وكذلك جميع الصور التي عن جنبي منطقة البروج والجميع ثمان وأربعون صورة عندهم مشهورة، وعلماؤهم معترفون بأن ترتيب هذه الصور وتشبيهها وقسمة الكواكب عليها وتسميتها صنعها حذاقهم الراصدون لها، وقد ذكر هذا أبو الحسين عبد الرحمن ابن عمر الصوفي، وهو من جملتهم، وله مصنفات لم يعمل مثلها في عملهم، وبينه في الجزء الاول من كتابه الذي عمله في الصور، وقد ذكر رصد الاوائل منهم الكواكب وأنهم رتبوها في المقادير والعظم ست مراتب، وبين أنهم الفاعلون لذلك، وقال: إنهم وجدوا من هذه الكواكب تسعمائة وسبعة عشر كوكبا ينتظم منها ثمانية

[294]

وأربعون صورة، كل صورة منها تشتمل على كواكبها، وهي الصور التي أثبتها بطلميوس في المجسطي، بعضها في النصف الشمالي من الكرة، وبعضها على منطقة البروج التي هي طريقة الشمس والقمر والكواكب السريعة السير، وبعضها في النصف الجنوبي منها، فسموا كل صورة منها باسم الشئ المشبه بها، فبعضها على صورة الانسان مثل كوكبة الجوزاء، وكوكبة الجاثي على ركبتيه وكوكبة العواء (1) وبعضها على صورة الحيوانات البرية والبحرية، مثل الحمل والثور والسرطان والاسد والعقرب والحوت والدب الاكبر والدب الاصغر، وبعضها خارج عن شبه الانسان وسائر الحيوانات، مثل الاكليل والميزان، وإنما فعلوا ذلك ليكون لكل كوكب اسم يعرف به متى أشاروا إليه، لمعرفة أوقات الليل والطالع في كل وقت وأشياء عظيمة المنفعة (انتهى). ثم قال الكراجكي: وهو دليل واضح على أن الصور والاشكال والاسماء والالقاب ليست على سبيل الواجب والاستحقاق، وإنما هي اصطلاح واختيار، ولو غيرت عن ذلك إلى تشبيه آخر لامكن وجاز. ثم إنهم بعد هذه الحال جعلوا كثيرا من الاحكام مستخرجا من هذه الصور والاشكال، ومنتسبا إلى الاسماء الموضوعة والالقاب، حتى كأنها على ما ذكروه بنحو واجب ودليل عقل ثبت ! فقالوا إن الحكم على الكسوف على ما حكاه ابن هنبثي عن بطلميوس أنه إذا كان البرج الذي يقع فيه الكسوف من ذوات الاجنحة مثل العذراء والرامي والدجاجة والنسر وما أشبهها كان الحادث في الطير الذي يأكله الناس، وإن كان في صورة الحيوان مثل السرطان والدلفين كان الحادث في الحيوانات البحرية أو النهرية. وفي هذه فضيحة عظيمة. أما يعلم هؤلاء القوم أنهم الذين جعلوا ذوات الاجنحة بأجنحة والصور البحرية بحرية ؟ ! وأنه لو لا ما فعلوه لم يكن شئ مما ذكروه، فكيف صارت أفعالهم التي ابتدعوها وتشبيهاتهم التي وضعوها موجبة لان يكون حكم


(1) الحواء (خ). (*)

[295]

الكسوف مستخرجا منها وصادرا عنها ؟ ! وهذا يؤدي إلى أنهم المدبرون للعالم إذ كانت أفعالهم سببا لما توجبه الكوكب. ثم أورد - ره - كثيرا من هذه الالزامات المسكتة عليهم، ثم قال: والصور عندهم لا تثبت في مواضعها ولا تستقر على أقسامها، وصورة الحمل التي يقولون إنها أول البروج قد سفل إلى مكان البرج الثاني، والحمل في الحوت، إذ الثوابت متحركة عندهم بحركة بطيئة خفية، ولخفاء حركتها سموها الثابتة، وإن وجدوها في الارصاد مختلفة. وقال الصوفي في كتاب الصور: إن مواضع هذه الصور التي على منطقة فلك البروج كانت منذ ثلاثة آلاف سنة في غير هذه الاقسام، وإن صورة الحمل كانت في القسم الاول وكان يسمى الاول من البروج الثور، والثاني الجوزاء، والثالث السرطان، ولما جددوا الارصاد في أيام (طيموخارس) وجدوا صورة الحمل قد انتقلت إلى القسم الاول من الاقسام الاثني عشر الذي هو بعد نقطة التقاطع غيروا أساميها، فسموا القسم الاول الحمل، والثاني الثور والثالث الجوزاء. قال: ولا يخالفنا أحد في أن هذه الصور تنتقل حركاتها على مر الدهور على أماكنها، حتى تصير صورة الحمل في القسم التاسع الذي للميزان وصورة الميزان في القسم الاول الذي للحمل، فيسمى أول البروج الميزان، و الثاني العقرب ثم مر في كلامه موضحا عما ذكرناه من تنقلها الموجب لتغير أسماء بروجها: وهم مجمعون على أن الكوكبين المتقاربين المعروفين بالشرطين على قرني الحمل، وهما أول منازل القمر، فيجب أن يكونا أول البروج الاثني عشر ومن امتحنهما في وقتنا هذا وهو من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة للهجرة الموافقة لسنة ألف وثلاثمائة وثمان وأربعين لذي القرنين وجد أحدهما في عشرين درجة من من الحمل والاخرى في إحدى وعشرين منه، أعني من البرج الاول، فأي برج من البروج الاثني عشر يبقى على صورة واحدة ؟ وكيف يثبت الحكم لاول البروج بأنه دال على الوحوش وعلى كل ذي ظلف ؟ وقد انتقلت إليه أكثر صورة الحوت وكذلك حال جميع البروج.

[296]

ثم ذكر - ره - كثيرا من أغلاطهم واشتباهاتهم إلى أن قال: وأنا أذكر لك بعد هذا مقالتنا في النجوم وما نعتقده فيها لتعرف الطريقة في ذلك فتعتمد عليها: اعلم أيدك الله أن الشمس والقمر والنجوم أجسام محدثة من جنس أجسام العالم، مؤتلفة من أجزاء تحلها الاعراض، وليست بفاعلة في الحقيقة ولا ناطقة، ولاحية قادرة، وقد قال شيخنا المفيد - ره - إنها أجسام نارية، فأما حركتها فهي فعل الله تعالى فيها، وهو المحرك لها، وهي من آياته الباهرة في خلقه، وزينة لسمائه، وفيها منافع لعباده لا تحصى، وبها يهتدي السائرون برا وبحرا، قال الله تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون (1)) وفيها للخلق مصالح لا يعلمها إلا الله، فأما التأثير المنسوب إليها فإنا لا ندفع كون الشمس والقمر مؤثرين في العالم، ونحن نعلم أن الاجسام وإن كان لا يؤثر أحدها في الآخر إلا مع مماسة بينهما بأنفسهما أو بواسطة فإن للشمس والقمر شعاعا متصلا بالارض وما عليها، يقوم مقام المماسة، وتصح به التأثيرات الحادثة، ومن ذا الذي ينكر تأثير الشمس والقمر وهو موجود مشاهد ؟ وإن كان تأثير الشمس أظهر للحس وأبين من تأثير القمر في الازمان والبلدان والنبات والحيوان، فأما غيرهما من الكواكب فلسنا نجدلها تأثيرا نحس، ولا نقطع على وجوبه بالعقل، ولا هو أيضا من الممتنع المستحيل، بل من الجائز في العقول، لان لها شعاعا متصلا بالارض، وإن كان دون شعاع الشمس والقمر فغير منكر أن يكون لها تأثير يخفى عن الحس خارج عن أفعال الخلق، فإن كان لها تأثير كما يقال كان تأثيرها مع تأثير الشمس والقمر في الحقيقة من أفعال الله عزوجل، وليس يصح إضافته إليها إلا على وجه التوسع والتجوز، كما تقول: أحرقت النار، وبرد الثلج، وقطع السيف، وشج الحجر، وفي الحقيقة إن النار احرق بها، والثلج برد بها، وقطع أيضا بالسيف، وشج بالحجر، وكذلك قولنا: أحمت الشمس الارض ونفعت الزرع، وفي الحقيقة إن الله تعالى أحمى بها ونفع، ومما يدل على أن الله تعالى يستعمل شيئا بشئ قوله عزوجل (وهو


(1) النحل: 16.

[297]

الذي أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتريه مصفرا (1)) وقوله تعالى (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (2)) وليس فيما ذكرناه رجوع إلى قول أصحاب الاحكام، والاقرار بما أنكرناه عليهم في متقدم الكلام، لانا أنكرنا عليهم إضافتهم تأثيرات الشمس والقمر إليهما من دون الله سبحانه، وقطعهم على ما جوزناه من تأثيرات الكواكب بغير حجة عقلية ولاسمعية، وإضافتهم إلى جميع الافعال في الحقيقة، مع دعويهم لها بالحياة والقدرة، فأنكرنا عليهم أن يكون الشمس والقمر أو شئ من الكواكب فاعلا لافعالنا، أو تكون حركته شيئا موجبا لوقوع الافعال عنا، لشهادة العقل الصحيح بأن أفعالنا لو كانت مخترعة فينا أو كائنة عن سبب أوجبها من غيرنا لم تقع بحسب قصودنا وإراداتنا، وكانت لا فرق بينها وبين جميع ما يفعل فينا من صحتنا وسقمنا وتأليف أجسامنا، وفي حصول الفرق دلالة على اختصاصها بنا، وبرهان واضح على أنها حدثت عن قدرتنا، وأنه لاسبب لها غير اختيارنا، وأنكرنا عليهم قولهم إن الله لا يفعل في العالم فعلا إلا والكواكب دالة عليه، فإن كل شئ تدل عليه فلابد من كونه، وهذا باطل لانه لو ثبت لها تأثير أو دلالة فإن الله تعالى أجرى بذلك العادة، وليس بمستحيل منه تغيير تلك العادة لما يراه من المصلحة، وقد يصرف الله تعالى السوء عن عبده بدعوة ويزيد في أجله بصلة رحم أو صدقة. هذا الذي ثبتت لنا عليه الادلة، وهو الموافق للشريعة، وليس هو بملائم لما يدعيه المنجمون - والحمد لله - وأنكرنا عليهم اعتمادهم في الاحكام على اصول متناقضة، ومقدمات مفتعلة، ودعا ومظنونة وليس لهم على شئ منها بينة، فإن كان لهذا العلم أصل صحيح على وجه يسوغ في العقل ويجوز، فليس هو مما في أيديهم، ولا من جملة دعاويهم، وقد قال شيخنا المفيد


(1) الزمر: 21. (2) الاعراف: 56.

[298]

رحمه الله: إن الاستدلال بحركات النجوم على كثير مما سيكون لا يمنع العقل منه ولسنا نمنع أن يكون الله جل اسمه أعلمه بعض أنبيائه، وجعله علما على صدقه (انتهى كلام الكراجكى ره). وقال شيخ المتكلمين محمود بن علي الحمصي ره في ذكر علم النجوم: إنا لا نرد عليهم فيما يتعلق بالحساب في تسيير النجوم واتصالاتها التي يذكرونها فان ذلك مما لا يهمنا ولا هو مما يقابل بإنكار ورد. ثم قال - ره - في إنكار كون النجوم عللا موجبة: يبطل ذلك بكل ما يبطل به دعوة المجبرة بأننا غير مختارين. ثم قال: فإن قيل: كيف تنكرون الاحكام وقد علمنا أنهم يحكمون بالكسوف والخسوف ورؤية الاهلة ويكون الامر على ما يحكمون في ذلك ؟ وكذلك يخبرون عن امور مستقبلة تجري على الانسان وتجري تلك الامور على ما أخبروا عنها فمع وضوح الامر فيما ذكرناه كيف تدفع الاحكام ؟ قلنا: إن إخبارهم عن الكسوف والخسوف ورؤية الاهلة فليس من الاحكام وإنما هو من باب الحساب، إنما الحكم أن يقولوا إذا كان كسوف أو خسوف كان من الحوادث كذا وكذا. ثم قال: فأما الامور المستقبلة التي يخبرون عنها فأكثرها لا تقع على ما يخبرون عنه، وإنما يقع قليل منه بالاتفاق، ومثل ذلك يتفق لاصحاب الفال والزجر الذين لا يعرفون النجوم، بل للعاجز اللواتي يتفألن بالاحجار، و الذي قد يخبر المصروع وكثير من ناقصي العقول عن أشياء فيتفق وقوع ما يخبرون عنه (انتهى). والسيد الجليل النبيل علي بن طاووس - ره - لانس قليل له بهذا العلم عمل في ذلك رسالة، وبالغ في الانكار على من اعتقد أن النجوم ذوات إرادة أو فاعلة أو مؤثرة، واستدل على ذلك بدلائل كثيرة، وأيده بكلام جم غفير من الافاضل إلا أنه أنكر على السيد الاجل المرتضى - ره - في تحريمه، وذهب إلى أنه من العلوم المباحات، وأن النجوم علامات ودلالات على الحادثات، لكن يجوز للقادر

[299]

الحكيم أن يغيرها بالبر والصدقة والدعاء وغير ذلك من الاسباب والدواعي على وفق إرادته وحكمته، وجوز تعليم علم النجوم وتعلمه والنظر فيه والعمل به إذا لم يعتقد أنها مؤثرة، وحمل أخبار النهي والذم على ما إذا اعتقدت ذلك، ثم ذكر - ره - تأييدا لصحة هذا العلم أسماء جماعة من الشيعة كانوا عارفين به: فقال: إن جماعة من بني نوبخت كانوا علماء بالنجوم، وقدوة في هذا الباب، ووقفت على عدة مصنفات لهم في النجوم، وأنها دلالات على الحادثات، منهم الحسن بن موسى النوبختي، ومن علماء المنجمين من الشيعة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وذكر النجاشي في كتبه كتاب النجوم، ومنهم أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة، فقد عد الشيخ والنجاشي من كتبه كتاب النجوم، والشيخ النجاشي كان له تصنيف في النجوم ومن المذكورين بعلم النجوم الجلودي البصري، ومنهم علي بن محمد بن العدوي الشمشاطي، فإنه ذكر النجاشي أن له رسالة في إبطال أحكام النجوم، ومنهم علي بن محمد بن العباس، فإن النجاشي ذكر في كتبه كتاب الرد على المنجمين وكتاب الرد على الفلاسفة، ومنهم محمد بن أبي عمير - واستند إلى الخبر السابق وقد عرفت ما فيه - قال: ومنهم محمد بن مسعود العياشي، فإنه ذكر في تصانيفه كتاب النجوم، ومنهم موسى بن الحسن بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت قال النجاشي: كان حسن المعرفة بالنجوم، وله مصنفات فيه، وكان مع ذلك حسن العبادة والدين، ومنهم الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، وصل إلينا من تصانيفه ما يدل على قوة معرفته بالنجوم، وذكر عن العيون ما أوردته في أبواب تاريخ الرضا عليه السلام من أنه أخبر المأمون بخطاء المنجمين في الساعة التي اختاروها لولاية العهد، فزجره المأمون ونهاه أن يخبر به أحدا، فعلم أنه تعمد ذلك. ومنهم السيد الفاضل علي ابن أبي الحسن العلوي المعروف بابن الاعلم، وكان صاحب الزيج، ومنهم أبو الحسن النقيب الملقب (أباقيراط) ومنهم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي المسعودي مصنف كتاب (مروج الذهب) ومنهم أبو القاسم بن نافع من أصحابنا الشيعة، ومنهم إبراهيم الفزاري صاحب القصيدة في النجوم وكان منجما للمنصور

[300]

ومنهم الشيخ الفاضل أحمد بن يوسف بن إبراهيم المصرى كاتب آل طولون، ومنهم الشيخ الفاضل محمد بن عبد الله بن عمر البازيار القمي تلميذ أبي معشر، ومنهم الشيخ الفاضل أبو الحسين بن أبي الخضيب القمي، ومنهم أبو جعفر السقاء المنجم ذكره الشيخ في الرجال، ومنهم محمد بن أحمد بن سليم الجعفي مصنف كتاب الفاخر، و منهم محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك المعروف بكشاجم، ذكر ابن شهر اشوب أنه كان شاعرا منجما متكلما، ومنهم العفيف بن قيس أخو الاشعث، ذكره المبرد وقد مر أنه قيل: هو الذي أشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام بترك قتال الخوارج في الساعة التي أراد. ثم قال - ره -: وممن أدركته من علماء الشيعة العارفين بالنجوم وعرفت بعض إصاباته الفقيه العالم الزاهد الملقب خطير الدين محمود بن محمد، وممن رأيته الشيخ الفاضل أبو نصر الحسن بن علي القمي. ثم عد - ره - من اشتهر بعلم النجوم وقيل إنه من الشيعة، فقال: منهم أحمد بن محمد السجزي، والشيخ الفاضل علي ابن أحمد العمراني، والفاضل إسحاق بن يعقوب الكندي قال: وممن اشتهر بالنجوم من بني العباس محمد بن عبد العزيز الهاشمي، وعلي بن القاسم القصري وقال - رحمه الله -: وجدت فيما وقفت عليه أن علي بن الحسين بن بابويه القمي كان ممن أخذ طالعه في النجوم، وأن ميلاده بالسنبلة. ثم قال السيد - ره -: روى الشيخ في اختيار الكشي في بيان حال أبي خالد السجستاني: حمدويه وإبراهيم عن محمد بن عثمان، قال: حدثنا أبو خالد السجستاني أنه لما مضى أبو الحسن عليه السلام وقف عليه ثم نظر في نجومه فزعم أنه قد مات، فقطع على موته وخالف أصحابه. ثم قال - ره -: ففي هذه عدة فوائد: منها أن هذا أبو خالد كان واقفيا يعتقد أن أبا الحسن موسى عليه السلام ما مات، فدله الله تعالى بعلم النجوم على موته، وقد كان هذا العلم سبب هدايته، ومنها أنه كان من أصحاب الكاظم عليه السلام ولم يبلغنا أنه أنكر عليه علم النجوم، ومنها أنه لو علم أبو خالد أن علم النجوم منكر عند إمامه لما اعتمد عليه في عقيدته، ومنها اختيار جدي الطوسي لهذا الحديث وتصحيحه

[301]

وقد تقدم ثناؤه - ره - على جماعة من العلماء بالنجوم. ثم قال: وممن اشتهر بعلمه من بني نوبخت عبد الله بن أبي سهل، ومن العلماء بالنجوم محمد بن إسحاق النديم كان منجما للعلوي المصري، ومن المذكورين بالتصنيف في علم النجوم حسن بن أحمد بن محمد بن عاصم المعروف بالعاصمي المحدث الكوفي، ثقة سكن بغداد، فمن كتبه الكتب النجومية، ذكر ذلك ابن شهر اشوب في كتاب (معالم العلماء) وممن اشتهر بعلم النجوم من المنسوبين إلى مذهب الامامية الفضل بن سهل وزير المأمون فروى محمد بن عبدوس الجمشاري وغيره ما معناه أنه لما وقع بين الامين والمأمون ما وقع واضطربت خراسان وطلب جند المأمون أرزاقهم وتوجه علي بن عيسى ابن ماهان من العراق لحرب المأمون وصعد المأمون إلى منظره للخوف على نفسه من جنده ومعه الفضل وقد ضاق عليه مجال التدبير وعزم على مفارقة ما هو فيه أخذ الفضل طالعه ورفع اصطرلابا وقال: ما تنزل من هذه المنزلة إلا خليفة غالبا لاخيك الامين، فلا تعجل ! وما زال يسكنه ويثبته حتى ورد عليهم في تلك الساعة رأس علي بن عيسى وقد قتله طاهر، وثبت ملكه، وزال ما كان يخافه، وظفر بالامان. وروي خبر آخر أيضا مثل ذلك. ثم قال: وممن كان عالما بالنجوم من المنسوبين إلى الشيعة الحسن بن سهل ثم ذكر ما أخرجنا من العيون في أبواب تاريخ الرضا عليه السلام من حديث الحمام و فتل الفضل فيه، ثم قال: رأيت في كتاب الوزراء جمع عبد الرحمن بن المبارك أنه ذكر محمد بن سعيد أنه وجد على كتاب من كتب ذي الرياستين بخطه: هذه السنة الفلانية التي تكون فيها النكبة، وإلى الله نرغب في دفعها، وإن صح من حساب الفلك شئ فالامر واقع فيها لا محالة، ونسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير بمنه. وكان يعمل لذي الرياستين تقويم في كل سنة فيوقع عليه: هذا يوم يصلح لكذا، و يجنب في هذا اليوم كذا. فلما كان في السنة التي قتل فيها عرض عليه اليوم، فجعل يوقع فيه ما يصلح، حتى انتهى إلى اليوم الذي قتل فيه، فقال: اف لهذا اليوم ! ما اشره علي ! ورمى بالتقويم. وروي عن اخت الفضل، قالت: دخل الفضل

[302]

إلى امه في الليلة التي قتل في صبيحتها، فقعد إلى جانبها، وأقبل يعظها ويعزيها عن نفسه، ويذكرها حوادث الدهر وتقضي امور العباد، ثم قبل صدرها وثديها وودعها وداع المفارق، ثم قام فخرج وهو قلق منزعج لما دله عليه الحساب، فجعل ينتقل من موضع إلى موضع، ومن مجلس إلى مجلس، وامتنع عليه النوم فلما كان في السحر قام إلى الحمام وقدر أن يجعل غمه وحرارته وكربه هو الذي دلت عليه النجوم، وقدمت له بغلة فركبها وكان الحمام في آخر البستان فكبت به البغلة، فسره ذلك وقدر أنها هي النكبة التي كان يتخوفها، ثم مشى إلى الحمام ولم يزل حتى دخل الحمام فاغتسل فيه، فقتل. قال: ومن المذكورين بعلم النجوم بوران بنت الحسن بن سهل، وجدت في مجموع عتيق أن بوران كانت في المنزلة العليا بأصناف العلم لاسيما في النجوم فإنها برعت فيه وبلغت أقصى نهايته، وكانت ترفع الاصطرلاب كل وقت وتنظر إلى مولد المعتصم، فعثرت يوما يقطع عليه، سببه خشب، فقالت لوالدها الحسن: انصرف إلى أمير المؤمنين، وعرفه أن الجارية فلانة قد نظرت إلى المولد ورفعت الاصطرلاب فدل الحساب والله أعلم أن قطعا يلحق أمير المؤمنين من خشب في الساعة الفلانية من يوم بعينه. قال الحسن: يا قرة العين ! يا سيدة الحرائر ! إن أمير المؤمنين قد تغير علينا وربما أصغى إلى شيخك بخلاف ما يقتضيه وجه المشورة والنصيحة. قالت: يا أبه ! وما عليك من نصيحة إمامك، لانه خطر بروح لاعوض منها، فإن قبلها وإلا كنت قد أديت المفروض عليك. قال: فانصرف الحسن إلى المعتصم، وعرفه ما قالت بوران. قال المعتصم: أيها الحسن ! أحسن الله جزاءها وجزائك، انصرف إليها وخصها عني بالسلام واسألها ثانيا واحضر عندي اليوم الذي عينت عليه ولازمني حتى ينصرم اليوم ويذهب، فلست اشاركك في هذه المشورة والتدبير أحدا من البشر. قال: فلما كان صباح ذلك اليوم دخل عليه الحسن فأمر المعتصم حتى خرج كل من في المجلس وخلا إليه وأشار عليه أن ينتقل عن المجلس السقفي إلى مجلس ابن ارخى لا يوجد فيه وزن درهم واحد من الخشب

[303]

وما زال الحسن يحدثه والمعتصم يمازحه وينشطه حتى أظهر النهار وضربت نوبة الصلاة، فقام المعتصم ليتوضأ، فقال الحسن: لا تخرج أمير المؤمنين عن هذا المجلس ويكون الوضوء والصلاة وكل ما تريد فيه، حتى ينصرم اليوم. فجاء خادم ومعه المشط والسواك، فقال الحسن للخادم: امتشط بالمشط واستك بالسواك. فامتنع وقال: كيف أتناول آلة أمير المؤمنين ؟ قال المعتصم: ويلك، امتثل قول الحسن ولا تخالف. ففعل، فسقطت ثناياه وانتفخ دماغه وخر مغشيا عليه، ورفع ميتا وقام الحسن ليخرج، فاستدعاه المعتصم واحتضنه ولم يفارقه حتى قبل عينيه، ورد على بوران أملاكا وضياعا، وكان ابن الزيات حلها عنها وذكر مله برواية اخرى. وروى من كتاب الوزراء لمحمد بن عبدوس، عن إسماعيل بن صبيح، قال: كنت أكتب يوما بين يدي يحيى بن خالد البرمكي فدخل عليه جعفر بن يحيى فلما رآه صاح وأعرض بوجهه عنه وقطب وكره رؤيته، فلما انصرف قلت له: أطال الله بقاءك، تفعل هذا بابنك وحاله عند أمير المؤمنين حالة لا يقدم عليه ولدا ولا وليا ؟ فقال: إليك عني أيها الرجل ! فوالله لا يكون هلاك أهل هذا البيت إلا بسببه. فلما كان بعد مدة من ذلك دخل عليه أيضا جعفر وأنا بحضرته ففعل مثل ما فعل الاول، وأكدت عليه القول، فقال: أدن مني الدواة: فأدنيتها وكتب كلمات يسيرة في رقعة وختمها ودفعها إلي، وقال: بلي، ليكن عندك، فإذا دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ومضى فانظر فيها. فلما كان في صفر أوقع الرشيد بهم فنظرت في الرقعة، فكان الوقت الذي ذكره. قال إسماعيل: وكان يحيى أعلم الناس بالنجوم. وروى أيضا عن محمد بن عبدوس من كتاب الوزراء عن موسى بن نصر الوصيف، عن أبيه، قال: غدوت إلى يحيى بن خالد في آخر أمرهم اريد عيادته من علة كان يجدها، فوجدت في دهليزه بغلا مسرجا، فدخلت إليه فكان يأنس بي ويفضي إلى بسره، فوجدته مفكرا مهموما، ورأيته مستخليا مشتغلا بحساب النجوم وهو ينظر فيه، فقلت له: إني لما رأيت بغلا مسرجا سرني، لاني قدرت انصراف العلة وأن عزمك الركوب، ثم قد غمني ما أراه من همك، قال: فقال لي: إن

[304]

لهذا البغل قصة، إني رأيت البارحة في النوم كأني راكبه حتى وافيت رأس الجسر من الجانب الايسر، فوقفت فإذا صائح يصيح من الجانب الآخر (شعر). كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر قال: فضربت يدي على قربوس السرج، وقلت (شعر): بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر ثم انتبهت فلجأت إلى أخذ الطالع، فأخذته وضربت الامر ظهر البطن فوقفت على أنه لابد من انقضاء مدتنا وزوال أمرنا. قال فما كان يكاد يفرغ من كلامه حتى دخل عليه مسرور الخادم بخوان مغطاة وفيها رأس جعفر بن يحيى، و قال له: يقول: لك أمير المؤمنين: كيف رأيت نقمة الله في الفاجر ؟ فقال له يحيى: قل له: يا أمير المؤمنين ! أرى أنك أفسدت عليه دنياه. وأفسد عليك آخرتك. ثم قال: وممن رأيت ذكره في علماء النجوم وإن لم أعلم مذهبه إبراهيم بن السندي بن شاهك، وكان منجما طبيبا متكلما. ومن العلماء بالنجوم عضد الدولة ابن بويه، وكان منسوبا إلى التشيع، ولعله كان يرى مذهب الزيدية. ومنهم الشيخ المعظم محمود بن علي الحمصي - ره - كما حكينا عنه، ومنهم جابر بن حبان صاحب الصادق عليه السلام وذكره ابن النديم في رجال الشيعة، وممن ذكر بعلم النجوم من الوزراء أبو أيوب سليمان بن مخلد المورياني، وممن ظهر منه العمل على النجوم البرامكة، ذكر عبد الرحمن بن المبارك أن جعفر لما عزم على الانتقال إلى قصره الذي بناه وجمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه فاختاروا له وقتا من الليل، فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي ينزله إلى قصره، والطرق خالية والناس ساكنون، فلما وصل إلى سوق يحيى رأى رجلا يقول: (شعر) يدبر بالنجوم وليس يدري * ورب النجم يفعل ما يريد فاستوحش ووقف ودعا بالرجل فقال له: أعد علي ما قلت، فأعاده فقال: ما أردت بهذا ؟ قال: والله ما أردت به معنى من المعاني، لكنه عرض لي وجاء على لساني فأمر له بدنانير.

[305]

ثم ذكر - ره - إصابات كثرة من المنجمين نقلا من كتبهم، ونقل من كتاب ربيع الابرار أن رجلا أدخل إصبعيه في حلقتي مقراض، وقال للمنجم: أيش ترى في يدي ؟ فقال: خاتمي حديد. وقال: فقدت في دار بعض الرؤساء مشربة فضة فوجه إلى ابن ماهان يسأله فقال: المشربة سرقت نفسها، فضحكت منه واغتاظ، و قال: هل في الدار جارية اسمها فضة أخذت الفضة ؟ فكان كما قال. وقال: سعي بمنجم فامر بصلبه، فقيل له: هل رأيت هذا في نجومك ؟ فقال: رأيت ارتفاعا، ولكن لم أعلم أنه فوق خشبة. وقال: ومن الملوك المشهورين بعلم النجوم وتقريب أهله المأمون، وذكر محمد بن إسحاق أنه كان سبب نقل كتب النجوم وأمثالها من بلاد الروم ونشرها بين المسلمين. وذكر المسعودي في حديث وفاة المأمون، قال: فأمرنا بإحضار جماعة من أهل الموضع، فسألهم ما تفسير (النديون) فقالوا: تفسيره (مد رجليك) فلما سمع المأمون بذلك اضطرب وتطير بهذا الاسم، وقال: سلوهم ما اسم هذا الموضع بالعربية ؟ قالوا: اسمه بالعربية (الرقة) وكان فيما عمل من مولد المأمون أنه يموت بالرقة، فلما سمع اسم الرقة عرف أنه الموضع الذي ذكر في مولده، وأنه لا يموت إلا بالرقة، فمات به كما اقتضت دلالة النجوم في طالعه. وذكر محمد بن بابويه في دلائل النبوة أن (بخت نصر) لما رأى رؤياه أحضر من جملة العلماء أصحاب النجوم، وذكر التنوخى في كتابه، قال: حدثني الصوفي المنجم، قال - وكان أبو الحسين حاضرا وعضد الدولة يحدثني - قال: اعتللت علة صعبة أيس مني فيها الطبيب، وأيست من نفسي، وكان تحويل سنتي تلك في النجوم رديا جدا نحسا موحشا، ثم زادت العلة علي، فأمرت أن يحجب الناس كلهم لا يدخل إلي أحد بوجه ولاسبب إلا حاجب البويه في أوقات، حتى منعت الطبيب عن الوصول ضجرا بهم بل بنفسي ويأسا من العافية، فأقمت كذلك أياما ثلاثة وأربعة وأنا أبكي في خلوتي على نفسي، إذ جاءني حاجب البويه فقال: في الدار أبو الحسين الصوفي من الغداة يطلب الوصول، وقد اجتهدنا به في الانصراف بكل رفق وجميل

[306]

فما فعل، وقال: لابد من أن أصل. ولم احب أن احدثه في الانصراف على أي وجه كان إلا بأمرك، وقد عرفته بأنه قد رسم لي أن لا يصل إليه أحد من خلق الله أجمعين، فقال: الذي حضرت له بشارة ولايجوز أن يتأخر وقوفه عليها، فعرفه هذا عني واستأذنه لي في الوصول إليه. فقلت له بضعيف صوت وكلام خفيف: يريد أن يقول لي قد بلغ الكوكب الفلاني الموضع الفلاني، ويهدي إلي من هذا الجنس ما يضيق به صدري. ويزيد به همي، وما أقدر على سماع كلامك فانصرف. فخرج الحاجب ورجع إلي مستعجلا وقال: إما أن يكون أبو الحسين الصوفي قد جن أو معه أمر عظيم ! فإني قد عرفته بما قال مولانا، فقال: ارجع إليه وقل له: والله لو أمرت بضرب عنقي ما انصرفت أو أصل إليك، ووالله ما اكلمك في معنى النجوم بكلمة واحدة. فعجبت من ذلك عجبا شديدا مع علمي بعقل أبي الحسين وأنه مما لا يخرق معي في شئ، وتطلعت نفسي إلى ما يقوله فقلت: أدخله فلما دخل إلي قبل الارض وبكى وقال: أنت والله في عافية لا بأس عليك، واليوم تبرء ومعي معجزة في ذلك ! فقلت له: ما هي ؟ فقال: رأيت البارحة في منامي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والناس يهرعون إليه يسألونه حوائجهم، و كان قد تقدمت إليه وقلت: يا أمير المؤمنين ! أنا رجل غريب في هذا البلد، تركت نعمتي بالري وتجارتي، وتعلقت بحب هذا الامير الذي أنا معه، وقد بلغ إلى حد الاياس من العلة، وقد أشفقت أن أهلك بهلاكه، فادع الله تعالى بالعافية له. فقال: تعني فنا خسرو بن الحسن بن بويه ؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: امض إليه غدا وقل له: أنسيت ما أخبرتك به امك عني في المنام الذي رأته وهي حامل بك ؟ أليس قد أخبرتك (1) بمدة عمرك، وأنك ستعتل إذا بلغت كذا وكذا سنة علة يأيس منها أطباؤك وأهلك ثم تبرأ منها ؟ وأنت تصلح من هذه العلة غدا وتبرأ، وأرى صلاحك أن تركب وتعاود عاداتك كلها في كذا وكذا يوما، ولا قطع عليك قبل الاجل الذي خبرتك به امك عني. قال لي عضد الدولة: وقد


(1) أخبرتها (خ).

[307]

كنت أنسيت أن امي قالت لي في المنام إذا بلغت هذه السنة اعتللت العلة التي قد ذكرتها حتى قال لي أبو الحسين الصوفي، فحين سمعت الكلام حدثت لي في نفسي في الحال قوة لم يكن من قبل، فقلت: أقعدوني، فجاء الغلمان فأمسكوني حتى جلست على الفراش، وقلت لابي الحسين: اجلس وأعد الحديث، فقد قويت نفسي فأعاده فتولدت لي شهوة الطعام فاستدعيت الاطباء، فأشاروا بتناول غذاء وصفوه عمل في الحال وأكلته، ولم تنقض الحال في اليوم حتى بان لي في الصلاح أمر عظيم، و أقبلت العافية فركبت وعاودت عاداتي في اليوم الذي قال أبو الحسين في المنام أن أركب فيه، وكان عضد الدولة يحدثني وأبو الحسين يقول: كذا والله كان، وكذا قلت لمولانا، و: اعيذ بالله ما أحسن حفظه وذكر ما جرى حرفا بحرف. ثم قال: ما فاتني في نفسي من هذا المنام شئ، كنت أشتهي الاشياء، كنت أشتهي أن يكون فيه مثبتا وشيئا [كنت] أشتهي أن لا يكون فيه. فقلت: يبلغ الله مولانا آماله ويحدث له كل ما يسر به، ويصرف عنه كل ما لا يؤثر كونه. ولم أزد على الدعاء، فعلم غرضي وقال: أما الذي كنت أشتهي أن لا يكون فيه فهو أنه وقف على أني أملك حلبا، ولو كان عنده أني أملك شيئا مما تجاوز حلبا لقاله، وكأني أخاف أن يكون هذا غاية حدي من تلك الناحية، حتى أنه جاءني الخبر بأن سيف الدولة أظهر الدعوة لي بحلب وأعماله، ودخل تحت طاعتي، فذكرت المنام فتنغص علي لاجل هذا الاعتقاد. وأما الذي كنت أشتهي أن يكون فيه فهو أني أعلم من هذا الذي يملك من ولدي، ويستقل (1) الملك على يديه، فدعوت له و قطعت الحديث بعدها بنحو سنتين، وما تجاوزت دعوته أعمال حلب بوجه ولاسبب. قال: وروى الحاكم النيسابوري في تاريخه بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله قال: بعث تبع إلى مكة لنقل البيت إليه، قال: فابتلي بجسده فقال لمنجميه: انظروا فنظروا فقالوا: لعلك أردت بيت الله بشئ، قال: نعم، أردت أن ينقل إلي، قالوا إذا لا يكون، ولكن اكسه وردهم من ذلك، فردهم عن ذلك وكساه فبرأ (انتهى)


(1) يستقر (ظ).

[308]

ما أردت إيراده من كلاه السيد - ره -). وسأل السيد مهنان بن سنان العلامة - ره -: ما يقول سيدنا فيما يقال: إن كسوف الشمس بسبب حيلولة جرم القمر بينه وبين الشمس، وإن سبب خسوف القمر حيلولة الارض، ويدل على ذلك ما يخبر به أهل التقويم فيطابق أخبارهم ؟ وإذا كان الامر على هذه الصورة فلم امرنا بالخوف عند ذلك والفزع إلى الدعاء والصلاة في المساجد ؟ فأجاب - ره -: استناد الكسوف والخسوف إلى ما ذكره - أدام الله أيامه - مستند إلى الرصد، وهو أمر ظني غير يقيني، ولو سلم لم يضر في التكليف بالصلاة وسؤال الله في رد النور (1) ويجوز أن يكون هذا الحادث سببا لتجدد حادث في الارض من خير أو شر، فجاز أن يكون العبادة رافعة لمانيط بذلك الحادث من الشر والخوف بسبب ذلك. ثم سأل عن أخبار المنجمين وأصحاب الرمل بالاشياء المغيبة، فأجاب بأن هذا كله تخمين لاحقيقة له، وما يوافق قولهم من الحوادث فإنه يقع على سبيل الاتفاق، وعلم الرمل ينسب إلى إدريس عليه السلام وليس بمحقق، ولكنه جرى لنا وقائع غريبة عجيبة وامتحانات طابقت حكمه، لكن لا يثمر ذلك علما محققا (انتهى). وأقول: إذا أحطت خبرا بما تلونا عليك من الاخبار والاقوال لا يخفى عليك أن القول باستقلال النجوم في تأثيرها بل القول بكونها علة فاعلية بالارادة والاختيار وإن توقف تأثيرها على شرائط كفر ومخالفة لضرورة الدين (2)، والقول بالتأثير الناقص يحتمل وجهين: الاول: تأثيرها بالكيفية كحرارة الشمس وإضاءتها وسائر الكواكب وتبريد القمر، فلا سبيل إلى إنكار ذلك، لكن الكلام في أنها


(1) لم يضر بالاخبار بحسن الصلاة والدعاء في رد النور (خ). (2) القول بكون الكواكب حية مريدة مختارة مؤثرة في العالم الارضى خطاء لكنه لا يوجب الكفر، إلا أن يعتقد أنها واجبة الوجود وليس فوقها مؤثر، أو أن الله لا يقدر على منعها من التأثير، قال الشهيد في القواعد على ما حكى عنه المؤلف: وان اعتقد انها - يعنى الكواكب - تفعل الاثار المنسوبة إليها والله سبحانه هو المؤثر الاعظم كما يقوله اهل العدل فهو مخطئ، إذ لاحياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي ولانقلى وبعض الاشعرية يكفرون هذا (الخ) وعلى هذا فدعوى كون هذا القول مخالفا لضرورة الدين كما ترى. (*)

[309]

مؤثرات أو معدات لتأثير الرب سبحانه، أو أنه تعالى أجرى العادة بخلق الحرارة أو الضوء عقيب محاذاة الشمس مثلا، والاكثر على الاخير. والثانى كون حركاتها وأوضاعها ومقارناتها واتصالاتها مؤثرة ناقصة في خلق الحوادث على أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة، فلا ريب أن القول به فسق وقول بما لا يعلم، ولا دليل يدل عليه من عقل ولا نقل، بل ظواهر الآيات والاحبار خلافه، والقول، به جرأة على الله. وأما أنه ينتهي إلى حد الكفر فيشكل الحكم به، وإن لم يكن مستبعدا. والكراجكي - ره - لم يفرق فيما مر بين هذا الوجه والوجه الاول، وإنما النزاع في الثاني دون الاول. وأما كونها أمارات وعلامات جعلها الله دلالة على حدوث الحوادث في عالم الكون والفساد، فغير بعيد عن السداد، وقد عرفت أن كثيرا من الاخبار تدل على ذلك، وهي إما مفيدة للعلم العادي لكنه مخصوص ببعض الانبياء والائمة عليهم السلام ومن أخذها منهم لان الطريق إلى العلم بعدم ما يرفع دلالتها من وحي أو إلهام والاحاطة بجميع الشرائط والموانع والقوابل مختصة بهم، أو مفيدة للظن ووقوع مدلولاتها مشروط بتحقق شروط ورفع موانع، وما في أيدى الناس ليس ذلك العلم أصلا أو بعضه منه لكنه غير معلوم بخصوصه، ولا يفيد العلم قطعا، وإفادته نوعا من الظن مشكوك فيه. وأما تعليمه وتعلمه والعمل به فأقسام: منها استخراج التقاويم والاخبار بالامور الخفية أو المستقبلة وأخذ الطوالع والحكم بها على الاعمار والاحوال، و الظاهر حرمة ذلك لشمول النهي له، وما ورد أنها دلالات وعلامات لا يدل على التجويز لغير من أحاط علمه بجميع ذلك من المعصومين عليهم السلام، وما دل على الجواز فأخبار أكثرها ضعيفة، ويمكن حمل بعضها على التقية بشيوع العمل بها في زمن خلفاء الجور والسلاطين في أكثر الاعصار، وتقرب المنجمين عندهم، وربما يومئ بعض الاخبار إليه، ويمكن حمل أخبار النهي على الكراهة الشديدة، والجواز على الاباحة، أو حمل أخبار النهي على ما إذا اعتقد التأثير، والجواز على عدمه كما فعله السيد بن طاووس - ره - وغيره، لكن الاول أظهر وأحوط.

[310]

ومنها الاعتناء بالساعات المسعودة والمنحوسة واختيارا لاولة لارتكاب الاعمال والشروع فيها، والاحتراز عن الثانية، وهذا أيضا يحتمل الكراهة والحرمة، و ما ورد من رعاية العقرب والمحاق في التزويج والسفر فلا دلالة فيه على العموم مع أنك قد عرفت أن اصطلاح البروج في الاخبار الظاهر أنه غير اصطلاح المنجمين وأما سعادة الكواكب والبروج ونحوستها فتحتمل الاخبار الواردة فيها أمرين: أحدهما أن يكون لها سعادة ونحوسة واقعية، لكن ترتفع النحوسة بالتوكل و الدعاء والصدقة والتوسل بالله تعالى، ونحن إنما امرنا بتلك الامور لا برعاية الساعات، وثانيهما أن يكون تأثيرها من جهة الطيرة لما اشتهر بين الناس من نحوسة تلك الساعات، وإنما يتأثر بها من يتأثر من الطيرة ممن ضعف توكلهم واعتمادهم على ربهم، ولهم عقول ضعيفة، ونفوس دنية يتأثرون بأدنى شئ، ويومئ إليه قول أمير المؤمنين عليه السلام عند خبر المنجم ((اللهم لاطير إلا طيرك) فعلى الوجهين الاولى لمن قويت نفسه وصدق في توكله على ربه أن لا يلتفت إلى أمثال ذلك، و يتوسل بجنابه تعالى في جميع اموره، ويطلب منه الخيرة، وقد روي عن الصادق عليه السلام أن الطيرة على ما تجعلها، إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت وإن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا. وعنه عن آبائه عليهم السلام قال قال النبي صلى الله عليه وآله: أوحى الله عزوجل إلى داوود عليه السلام: كما لا تضيق الشمس على من جلس فيها كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها، وكما لا تضر الطيرة من لا يتطير منها كذلك لاينجو من الفتنة المتطيرون. وسيأتي القول فيها في الباب الآتي. ومنها تعليم هذا العلم بوجهيه المتقدمين وتعلمه والنظر والتفكر فيه، و هو أيضا يحتمل الحرمة والكراهة، واحتمال الكراهة هنا أقوى مما سبق. ومنها علم الهيئة والنظر في هيئات الافلاك وحركانها، وجوازه لا يخلو من قوة إذا لم يعتقد فيه ما يخالف الآيات والاخبار كتطابق الافلاك، ولم يجزم بما لا برهان عليه، وإنما قال به على سبيل الاحتمال. وأما ما ذكره الشهيد - ره - من استحباب النظر في علم الهيئة فإنما هو إذا ثبتت مطابقة قواعده لما هي عليها في

[311]

نفس الامر، وعدم اشتماله على قاعدة مخالفة لما ظهر من الشريعة، وإلا فيكون بعضها داخلا في القول بغير علم، أو فيما حرم اتباعه لمخالفة الشريعة وأما الآيات الدالة على التفكر في خلق السماوات والارض فالظاهر أن المراد بها التفكر فيها من جهة دلالتها على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، لامن جهة نضدها و ترتيبها وكيفيات حركاتها، وإن احتمل شمولها لها أيضا. ومنها الحكم بالكسوف والخسوف وأوائل الاهلة والمحاق وأشباه ذلك فالظاهر جوازه وإن كان الاحوط اجتناب ذلك أيضا، فإن الاحكام الشرعية فيها مبتنية على الرؤية لا على أحكام المنجمين بذلك. وبالجملة ينبغي للمتدين المتبع لاهل بيت العصمة عليهم السلام المدعي لكونه شيعة لهم مقتديا لآثارهم أن لا يتعرض لشئ من ذلك إلا في قليل منه يتعلق بمعرفة أوقات الصلوات وسائر العبادات، و تعيين جهة القبلة وأشباه ذلك، ولو كانت هذه العلوم والاعمال مما له مدخلية في صلاح الدين لامر أئمتنا عليهم السلام شيعتهم بذلك، ورغبوهم فيها، وحثوهم عليها وعلموهم قواعدها، ولم ينقل من عادة أهل البيت عليهم السلام وسيرتهم الرجوع إلى الساعات واستعلامها، أو بيانها لشيعتهم، واحترازهم عن ساعة بسبب أنها نحس بحسب النجوم، بل كانوا يأمرونهم بالصدقة والدعاء والتضرع والتوسل إلى الله سبحانه في الاحتراز عن البلايا والآفات، والمنحوسة من الساعات، وفي هذه الازمان تركوا جميع ذلك واكتفوا بالرجوع إلى التقاويم وأصحاب النجوم، و اتكلوا عليها. وأيضا لعلمهم بأخبار المنجمين بأوقات الكسوفات والخسوفات لا يحصل لهم في وقوعها فزع، ولا يتضرعون إلى الله في رفعها ودفع شرها، مع أنه يصير في أكثر الناس سببا للقول بتأثير النجوم وحياتها وتدبيرها في العالم، أعاذنا الله وسائر المؤمنين من ذلك، وإنما أطنبنا الكلام قليلا في هذا المقام لكثرة ولوع الناس بهذا العلم والعمل به، وتقربهم إلى الملوك بذلك، فيوقعون الناس به في المهالك، والله العاصم من فتن المبتدعين، والهادي إلى الحق واليقين.

[312]

11 (باب آخر) * (في النهى عن الاستمطار بالانواء والطيرة والعدوى) * الآيات: النمل: قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (1). يس: قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (2). الواقعة: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (3). تفسير: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) أي تشأ منا بكم إذ تتابعت علينا الشدائد من القحط وغيره، ووقع بيننا الافتراق بما اخترعتم من دينكم (قال طائركم) أي سببكم الذي جاء منه شركم (عند الله) وهو قضاؤه وقدره، أو أعمالكم السيئة المكتوبة عنده (بل أنتم قوم تفتنون) أي تختبرون بتعاقب السراء والضراء وفيه دلالة على أنه لاأصل للطيرة، وأن ما يقع من الخير والشر بقدر الله مترتبا على الاعمال الحسنة والسيئة، كما قال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم (4)) قال صاحب الكشاف: كان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطير فيزجره وإن مر سانحا تيمن، وإن مر بارحا تشأم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببا للخير والشر وهو قدر الله وقسمته. (إنا تطيرنا بكم) قال البيضاوي: تشأ منا بكم، وذلك لاتسغرابهم ما ادعوه


(1) النمل: 47. (2) يس: 18 و 19. (3) الواقعة: 82. (4) الشورى: 20.

[313]

واستقباحهم له وتنفرهم عنه (لئن لم تنتهوا) عن مقالتكم هذه (طائركم معكم) سبب شومكم معكم، وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم (أئن ذكرتم) وعظتم به، وجواب الشرط محذوف مثل (تطيرتم) أو (توعدتم بالرجم والتعذيب) (بل أنتم قوم مسرفون) قوم عادتكم الاسراف في العصيان، فمن ثم جاءكم الشوم، أو في الضلال ولذلك توعدتم وتشأ متم بمن يجب أن يكرم ويتبرك به (1). (وتجعلون رزقكم) قال الطبرسي ره: أي وتجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به، وقيل: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب عن ابن عباس قال: أصاب الناس عطش في بعض أسفاره فدعا صلى الله عليه وآله فسقوا، فسمع رجلا يقول: مطرنا بنوء كذا، فنزلت الآية. وقيل: معناه وتجعلون حظكم من القرآن الذي رزقكم الله التكذيب به، عن الحسن (2). وقرأه علي عليه السلام وابن عباس ورويت عن النبي صلى الله عليه وآله (وتجعلون شكركم (3)) فالمعنى: تجعلون مكان الشكر الذي يجب عليكم التكذيب، وقد يكون المعنى: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب (4)، قال ابن جني: هو على (وتجعلون بدل شكركم (5)). 1 - تفسير على بن ابراهيم: عن محمد بن أحمد بن ثابت، عن الحسن بن محمد بن سماعة وأحمد بن الحسن القزاز، جميعا عن صالح بن خالد، عن ثابت بن شريح عن أبان بن تغلب، عن عبد الاعلى الثعلبي، ولا أراني إلا وقد سمعته من عبد الاعلى عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا عليه السلام قرأ بهم الواقعة (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل: لم قرأ هكذا قراءتها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤها كذلك، وكانوا إذا مطروا قالوا: مطرنا


(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 309. (2) مجمع البيان: ج 9، ص 226. (3) مجمع البيان: ج 9، ص 224. (4) في المصدر: فهو حذف المضاف وقال. (5) مجمع البيان: ج 9، ص 225.

[314]

بنوء كذاوكذا، فأنزل الله (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون (1)). 2 وعن علي بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) قال: بل هي (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون (2)). توضيح: قوله (ولا أراني) كلام ثابت، أي أظن أني سمعت الحديث من عبدالاعلي بغير توسط أبان. وقال الجزري في النهاية: فيه: ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الانساب، والنياحة، والانواء. وقد تكرر ذكر النوء والانواء في الحديث ومنه الحديث (مطرنا بنوء كذا) والانواء هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر في كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى (والقمر قدرناه منازل) يسقط في المغرب كل ثلاث عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع اخرى مقابلتها (3) ذلك الوقت في المشرق، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إليها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءا لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق: يقال: ناء ينوء نوء أي نهض وطلع، وقيل: أراد بالنواء الغروب وهو من الاضداد، قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع: وإنما غلظ النبي صلى الله عليه وآله في أمر الانواء لان العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى وأراد بقوله مطرنا بنوء كذا أي في وقت كذا وهو هذا النواء الفلاني فإن ذلك جائز، أي أن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الاوقات (4) (انتهى) وقال ابن العربي: من انتظر المطر منها على أنها فاعلة من دون الله أو يجعل الله شريكا فيها فهو كافر، ومن انتظره منها على إجراء العادة فلا شئ عليه وقال النووي: لكنه يكره لانه شعار الكفر وموهم له.


(1 و 2) تفسير على بن ابراهيم القمى: 663. (3) في المصدر: مقابلها - بالنصب على الظرفية -. (4) النهاية: ج 4، ص 178.

[315]

3 - معاني الاحبار: عن ابن عقدة (1)، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: ثلاثة من عمل الجاهلية: الفخر بالانساب، والطعن في الاحساب والاستسقاء بالانواء. قال الصدوق - ره -: أخبرني محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد أنه قال: سمعت عدة من أهل العلم يقولون: إن الانواء ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، من الصيف والشتاء و الربيع والخريف، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمى، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الامر إلى النجم الاول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لابد أن يكون عند ذلك رياح ومطر، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم الذي يسقط حينئذ، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، و الدبران، والسماك، وما كان من هذه النجوم فعلى هذا، فهذه هي الانواء واحدها (نوء) وإنما سمي نوءا لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق بالطلوع، وهو ينوء نوءا وذلك النهوضء هو النوء، فسمي النجم به، وكذلك كل ناهض ينتقل بإبطاء فإنه ينوت عند نهوضه، قال الله تبارك وتعالى (لتنوء بالعصبة اولي القوة (2)). 4 - ومنه: عن محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز، عن


(1) في المصدر: احمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن على بن ابراهيم. وابن عقدة هو احمد بن محمد بن سعيد الهمداني الكوفى الثقة المتوفى سنة (333) ويمكن رواية الصدوق - ره - عنه لانه تولد سنة (305) وكان عند وفاة (ابن عقدة) ابن ثمانية وعشرين، وإن لم يذكر في مشايخه، والله العالم. (2) القصص: 76. معاني الاخبار: 326.

[316]

أبي عبيد القاسم بن سلام بأسانيد متصلة إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: نهى صلى الله عليه وآله عن ذبائح الجن، وذبائح الجن أن يشترى الدار أو يستخرج العين أو ما أشبه ذلك فيذبح له ذبيحة للطيرة. قال أبو عبيد: معناه أنهم كانوا يتطيرون إلى هذا الفعل مخافة إن لم يذبحوا أو يطعموا أن يصيبهم فيها شئ من الجن، فأبطل النبي صلى الله عليه وآله هذا ونهى عنه (1). 5 - وقال صلى الله عليه وآله لاتوردن (2) ذوعاهة على مصح. يعني الرجل يصيب إبله الجرب أو الداء، فقال لاتوردنها (3) على مصح، وهو الذي إبله وماشيته صحاح بريئة من العاهة. قال أبو عبيد: وجهه عندي - والله أعلم - أنه خاف أن ينزل بهذه الصحاح من الله عزوجل ما نزل بتلك، فيظن المصح أن تلك أعدتها، فيأثم في ذلك (2). 6 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة لا تزال في امتي إلى يوم القيامة: الفخر بالاحساب والطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة (4) (الخبر). 7 - الخرائج: روي أنه في وقعة تبوك أصاب الناس عطش، فقالوا: يارسول الله لو دعوت الله لسقانا، فقال صلى الله عليه وآله: لو دعوت الله لسقيت، قالوا: يا رسول الله ادع لنا ليسقينا، فدعا، فسالت الاودية، فإذا قوم على شفير الوادي يقولون: مطرنا بنوء الذراع، وبنوء كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترون ؟ فقال خالد: ألا أضرب أعناقهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقولون هكذا وهم يعلمون أن الله أنزله.


(1) معاني الاخبار: 282. (2) في المصدر: لايوردن. (3) في المصدر: لا يوردنها. (4) الخصال: 105.

[317]

بيان: يدل على حرمة هذا القول أو الكراهة الشديدة، وأنه لا يصير سببا للكفر مع عدم الاعتقاد بكونها مؤثرة، وأن هذا الاعتقاد كفر يوجب الارتداد واستحقاق القتل. 8 - العياشي: عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (1)) قال: كانوا يقولون: نمطر بنوء كذا وبنوء كذا، ومنها أنهم كانوا يأتون الكهان فيصدقونهم بما يقولون. بيان: قال الطبرسي ره في قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون): اختلف في معناه على أقوال: أحدها أنهم مشركوا قريش، كانوا يقرون بالله خالقا ومحييا ومميتا، ويعبدون الاصنام ويدعونها آلهة، عن ابن عباس وثانيها أنها نزلت في مشركي العرب، إذا سئلوا: من خلق السماوات والارض وينزل القطر ؟ قالوا: الله، ثم هم يشركون، كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هولك، تملكه وما ملك. وثالثها أنهم أهل الكتاب، آمنوا بالله واليوم الآخر والتورية والانجيل ثم أشركوا بإنكار القرآن وإنكار نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وهذا القول مع ما تقدم رواه دارم بن قبيصة، عن الرضا عن جده أبي عبد الله عليهما السلام ورابعها أنهم المنافقون، يظهرون الايمان ويشركون في السر وخامسها أنهم المشبهة، آمنوا في الجملة وأشركوا (2) بالتفصيل، عن ابن عباس أيضا. وسادسها أن المراد بالاشراك شرك الطاعة لاشرك العبادة، أطاعوا الشيطان في المعاصي التي يرتكبوها مما أوجب عليها النار، فأشركوا بالله في طاعته، ولم يشركوا في (3) عبادته، فيعبدون معه غيره، عن أبي جعفر عليه السلام. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قول الرجل لولا فلان لهلكت ولو لا فلان لضاع عيالي جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه. فقيل له: لو قال: لو لا أن من الله علي بفلان


(1) يوسف: 106. (2) في المصدر: في التفصيل، وروى ذلك عن ابن عباس أيضا. (3) في المصدر: ولم يشركوا بالله شرك عبادة.

[318]

لهلكت، قال لا بأس بهذا. وفي رواية زرارة ومحمد بن مسلم وحمران عنهما عليهما السلام أنه شرك النعم، وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إنه شرك لا يبلغ به الكفر (1) (انتهى) وأقول: ما ورد في الخبر قريب من الوجه الاخير، و يدل على حرمة الاعتقاد بالنجوم والكهانة. 9 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب عن النضر بن قرواش الجمال، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجمال يكون بها الجرب أعزلها من إبلي مخافة أن يعديها جربها، والدابة ربما صفرت لها حتى تشرب الماء ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، إني اصيب الشاة والبقرة والناقة بالثمن اليسير وبها جرب، فأكره شراءها مخافة أن يعدي ذلك الجرب إبلي وغنمي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أعرابي فمن أعدى الاول ؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا عدوى، ولاطيرة، ولا هامة، ولا شؤم، ولاصفر، ولارضاع بعد فصال، ولا تعرب بعد هجرة، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا طلاق قبل نكاح، ولاعتق قبل ملك، ولا تم بعد إدراك (2). ايضاح: قوله صلى الله عليه وآله (لا عدوى) قال في النهاية: فيه: (لا عدوى ولاصفر) العدوى اسم من الاعداء كالدعوى والتقوى من الادعاء والاتقاء، يقال: أعداه


(1) مجمع البيان: ج 5، ص 267. (2) روضة الكافي: 196 أقول: المراد بنفى العدوى ان مخالطة المرضى ليست علة تامة مستقلة في سراية الامراض، وان كانت مؤثرة كان تأثيرها ناقصا ومنوطا باذن الله ومشيته. وبعبارة اخرى الغرض من هذا البيان انه لا ينبغى للموحدان يسند الفعل إلى غير الله تعالى، لا أنه ليس لغيره أي تأثير حتى مع تسبيبه تعالى وجعله اياه مؤثرا ومثل ذلك الشفاء، فان الله سبحانه هو الذى يبرئ ويشفى، ولا يستلزم ذلك عدم تأثير الدواء، لانه تعالى هو الذى جعل الدواء مؤثرا، فالفعل بحسب الحقيقة مستند إليه، وعلى هذا فلا منافاة بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الطب والحديث من سراية بعض الامراض بواسطة المخالطة. مضافا إلى ان سببية ذلك انما هو على سبيل الاقتضاء أو الاعداد فربما يمنع عن تأثيره مانع ظاهري كبعض الادوية أو غير ظاهري كالدعاء والتوسل ونحوهما والله عزوجل هو مسبب الاسباب وهو على كل شئ قدير.

[319]

الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا فتتقى مخالطته بإبل اخرى حذرا أن يتعدى إليها ما به من الجرب فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الاسلام، لانهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى فأعلمهم النبي صلى الله عليه وآله أنه ليس الامر كذلك، وإنما الله تعالى هو الذي يمرض و ينزل الداء، ولهذا قال في بعض الاحاديث: فمن أعدى البعير الاول ؟ أي من أين صار فيه الجرب (1) (انتهى). وأقول: يمكن أن يكون المراد نفي استقلال العدوى بدون مدخلية مشيته تعالى، بل مع الاستعاذة بالله يصرفه عنه، فلا ينافي الامر بالفرار من المجذوم وأمثاله لعامة الناس الذين لضعف يقينهم لا يستعيذون به تعالى، وتتأثر نفوسهم بأمثاله. وقد روي أن علي بن الحسين عليهما السلام أكل مع المجذومين ودعاهم إلى طعامه و شاركهم في الاكل، مع أنه يمكن أن يكون من خصائصهم عليهم السلام لان الله يعصمهم عن الامراض المشينة التي توجب نفرة الناس عنهم، وقيل: الجذام مستثنى من هذه الكلية، أي عدم العدوى. وقال الطيبي في شرح المشكوة: العدوى مجاوزة العلة أو الخلق إلى الغير، وهو بزعم الطب في سبع: الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والامراض الوبائية: فأبطله الشرع أي لا تسري علته إلى شخص وقيل: بل نفى استقلال تأثيره بل هو متعلق بمشية الله تعالى، ولذا منع من مقاربته كمقاربة الجدار المائل والسفينة المعيبة، وأجاب الاولون بأن النهي عنها للشفقة خشية أن يعتقد حقيته إن اتفق إصابة عاهته، وأى هذا القول أولى لما فيه من التوفيق بين الاحاديث والاصول الطبية التي ورد الشرع باعتبارها على وجه لا يناقض اصول التوحيد (انتهى). (ولاطيرة) هذه أيضا مثل السابقة، والمراد به النهي عن التطير والتشؤم بالامور التي يحترز منها العوام، أو لا تأثير للطيرة مطلقا، أو على وجه الاستقلال بل مع قوة النفس وعدم التأثر بها والتوكل على الله تعالى يرتفع تأثيرها، ويؤيد


(1) النهاية: ج 3، ص 73.

[320]

الاخير ما سيأتي وما ورد في بعض الاخبار الدالة على تأثيرها في الجملة، وما ورد في بعض الادعية من الاستعاذة منها. قال الجزري في النهاية: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشؤم بالشئ، وهو مصدر تطير، يقال: تطير طيرة كتخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، فكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع ودفع ضر، و منه الحديث (ثلاث لا يسلم (1) منها أحد: الطيرة، والحسد، والظن، قيل: فما نصنع ؟ قال: إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق (2)). وقال في قوله (ولا هامة) الهامة الرأس واسم طائر وهو المراد في الحديث، و ذلك أنهم كانوا يتشأمون بها، وهي من طير الليل وقيل هي البومة، وقيل: إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول: اسقوني، اسقوني فإذا ادرك بثأره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة ويسمونه (الصدى) فنفاه الاسلام ونهاهم عنه (3) (انتهى) وقيل: هي البومة إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له أو لبعض أهله، وهو بتخفيف الميم على المشهور وقيل بتشديدها. وقوله (ولا شؤم) هو كالتأكيد لما سبق، قال الجزري فيه أيضا: قال إن كان الشؤم في شئ ففي ثلاث: المرأة، والدار، والفرس. أي إن كان ما يكره ويخاف عاقبته ففي هذه الثلاث، وتخصيصه لها لانه لما أبطل مذهب العرب في التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء، ونحوهما قال: فإن كانت لاحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره ارتباطها فليفارقها، بأن ينتقل عن الدار ويطلق المرأة، ويبيع الفرس. وقيل: إن شوم الدار ضيقها وسوء جارها، وشوم


(1) في المصدر: لا يسلم منهن أحد. (2) النهاية: ج 3، ص 51. (3) النهاية: ج 4، ص 258.

[321]

المرأة أن لا تلد، وشوم الفرس أن لا يغزى عليها والواو في الشؤم همزة ولكنها خففت فصارت واوا وغلب عليها التخفيف، حتى لم ينطق بها مهموزة. والشوم ضد اليمن، يقال: تشأمت بالشئ ويتمنت به (1) (انتهى) وقيل: شوم المرأة غلاء مهرها وسوء خلقها، وقال الخطابي من العامة: هو مستثنى من الطيرة، أي هي منهية إلا في الثلاثة فليفارقها. وقال الطيبي: ليس هو من باب التطير، بل إرشاد بأن من يكره واحدا من الثلاثة يفارقها، ولذا جعل منه فرضا يقول إن يكن الطيرة (انتهى). وأقول: هذا الاخير أظهر، وورد الخبر في أخبارنا أيضا كما سيأتي في كتاب النكاح إن شاء الله. (ولاصفر) قال في النهاية: كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال له (الصفر) تصيب الانسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تعدي، فأبطل الاسلام ذلك وقيل: أراد به النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام فأبطله (2) (انتهى) وقيل: هو الشهر المعروف، زعموا أنه تكثر فيه الدواهي والفتن، فنفاه الشارع، ويحتمل أن يكون المراد هنا النهي عن الصفير، بقرينة أنه عليه السلام لم يذكر الجواب عنه وهو بعيد، و الظاهر أن الراوي ترك جواب الصفير، ويظهر من بعض الاخبار كراهته. (ولارضاع بعد [فصال) وفي سائر الروايات (بعد] فطام) أي لاحكم للرضاع بعد الزمان الذي يجب فيه قطع اللبن عن الولد، أي بعد الحولين فلا ينشر الحرمة. (ولا تعرب بعد هجرة) أي لا يجوز اللحوق بالاعراب وترك الهجرة بعدها، وعد في كثير من الاخبار من الكبائر. (ولاصمت يوما إلى الليل) أي لا يجوز التعبد بصوم الصمت الذي كان في الامم السابقة، فإنه منسوح في هذا


(1) النهاية: ج 2، ص 241. (2) النهاية: ج 2، ص 266.

[322]

الشرع بدعة. (ولا طلاق قبل نكاح) كأن يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق. فلا يتحقق هذا الطلاق وكذا قوله (لاعتق قبل ملك). (ولا يتم بعد إدراك) أي ترتفع أحكام اليتم من حجره وولاية الولي عليه وحرمة أكل ماله بغير إذن وليه وغيرها بعد بلوغه، وستأتي تفاصيل تلك الاحكام في محالها إن شاء الله تعالى. 10 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كفارة الطير التوكل (1). بيان: أي التوكل على الله يرفع ذنب ما خطر بالبال من التشؤم بالاشياء التي نهي عن التشؤم بها، أو أنه يرفع تأثير ذلك كما ترفع الكفارة تأثير الذنب قال الجزري: ومنه الحديث (الطيرة شرك وما منا [إلا] ولكن الله يذهبه التوكل) هكذا جاء الحديث (2) مقطوعا ولم يذكر المستثنى، أي إلا وقد يعتريه التطير وتسبق إلى قلبه الكراهة (3) فحذف اختصارا واعتمادا على فهم السامع، و إنما جعل الطيرة من الشرك لانهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى في ذلك، وقوله (ولكن الله يذهبه بالتوكل) معناه [أنه] إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله تعالى وسلم إليه ولم يعمل بذلك الخاطر غفره الله تعالى [له] ولم يؤاخذه به (4). 11 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عمرو بن حريث، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الطيرة على ما تجعلها، إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت، وإن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا (5).


(1) روضة الكافي: 198. (2) في المصدر: جاء في الحديث. (3) الكراهية (خ). (4) النهاية: ج 3، ص 52. (5) روضة الكافي، 197.

[323]

12 - ومنه: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي مالك الحضرمي عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التنكر في الوسوسة في الخلق، والطيرة، والحسد، إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده (1). 13 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار، جميعا عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه: الطيرة، والحسد، والتفكر في الوسوسة في الخلق. قال الصدوق ره: معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم فأما هم عليهم السلام فلا يتطيرون، وذلك كما قال الله عزوجل عن قوم صالح (قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله (2)) وكما قال آخرون لانبيائهم (إنا تطيرنا بكم - الآية - (3)) وأما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا لا أنهم يحسدون غيرهم، وذلك كما قال الله عزوجل (أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (4)) وأما التفكر في الوسوسة في الخلق فهو بلواهم عليهم السلام بأهل الوسوسة لاغير ذلك، و ذلك كما حكى الله عن وليد بن المغيرة المخزومي (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر (5)) يعني قال للقرآن (إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر (6)). بيان: ما ذكره الصدوق - ره - وجه متين في الخبر الذي رواه في الخصال وأما سائر الاخبار المروية من طرق الخاصة والعامة المشتملة على التتمات فهذا


(1) روضة الكافي: 108. (2) النمل: 47. (3) يس: 18. (4) النساء: 53. (5) المدثر: 18 و 19. (6) الخصال: 42.

[324]

الوجه لا يجري فيها إلا بتكلف كثير، والظاهر أن المراد بالطيرة فيها انفعال النفس عما يتشأم به، أو تأثيرها واقعا وحصول مقتضاها، والاول في المعصومين عليهم السلام أظهر، بأن يخطر ببالهم الشريفة ثم يدفعوا أثرها بالتوكل، وهذا لا ينافي العصمة وأما الحسد فظاهرها أن الحسد المركوز في الخاطر إذا لم يظهره الانسان لم يكن معصية ولا استبعاد فيه، فإنه في أكثر الخلق ليس باختياري، ويمكن أن يراد به ما يعم الغبطة ويكون هذه هي الحاصلة فيهم، وأما التفكر في الوسوسة في الخلق فيحتمل وجهين: الاول أن يراد به التفكر فبما يحصل في نفس الانسان في خالق الاشياء وكيفية خلقها، ومنها ربط الحادث بالقديم، وخلق أعمال العباد ومسألة القضاء والقدر، والتفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم، كل ذلك من غير استقرار في النفس وحصول شك بسببها، كما روى الكليني بإسناده عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوسوسة (1) فقال: لا شئ فيها تقول: لا إله إلا الله (2). وبإسناده عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إنه يقع في قلبي أمر عظيم ! فقال: قل: لا إله إلا الله، فقال جميل: فكلما وقع في قلبي شئ قلت لا إله إلا اله فذهب عني (3) وبإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هلكت ! فقال له: أتاك الخبيث فقال لك: من خلقك ؟ فقلت: الله، فقال لك: الله من خلقه ؟ فقال: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذاك والله محض الايمان. قال ابن أبي عمير: فحدثت بذلك عبد الرحمن بن الحجاج فقال: حدثني (4) أبو عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما عنى بقوله (هذا والله محض الايمان) خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض له ذلك في قلبه (5) وقد روت العامة


(1) في المصدر: وان كثرت. (2 و 3) الكافي: ج 2، ص 424. (4) في المصدر: حدثنى أبى عن أبى عبد الله. (5) الكافي: ج، 2 ص 425.

[325]

في صحاحهم أنه سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الوسوسة، فقال: تلك محض الايمان، وفي رواية اخرى: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا ؟ حتى يقول: من خلق ربك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته. الثاني أن المراد بالخلق المخلوقات، وبالتفكر فيهم بالوسوسة التفكر وحديث النفس بعيوبهم وتفتيش أحوالهم، ويؤيد هذا الوجه ما رواه الجزري في النهاية ونقلناه آنفا. 14 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع عن امتي تسعة: الخطاء، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، ولا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة (1). الفقيه: عن النبي صلى الله عليه وآله مرسلا مثله (2). بيان: لعل قوله صلى الله عليه وآله (ما لم ينطق بشفة) قيد للثلاثة الاخيرة، وقد مر شرح الخبر بتمامه في كتاب العدل. 15 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بكر بن صالح، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: الشؤم للمسافر (3) في طريقه خمسة أشياء: الغراب النائق عن يمينه، والناشر لذنبه، والذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل، وهو مقع على ذنبه (4) ثم (5) يرتفع ثم ينخفض ثلاثا والظبي السانح عن يمين إلى شمال، والبومة الصارخة، والمرأة الشمطاء تلقي


(1) الخصال: 45. (2) الفقيه: 14. (3) في الخصال: الشوم في خمسة للمسافر. (4) في المصدر: على ذنبه يعوى. (5) في الخصال: حتى يرتفع.

[326]

فرجها، والاتان العضباء - يعني الجدعاء - فمن أوجس في نفسه منهن (1) شيئا فليقل: اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي (2) فيعصم من ذلك (3). الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد مثله إلى قوله (من شر ما أجد في نفسي فاعصمني من ذلك). بيان: (الشؤم للمسافر) أي ما يتشأم به الناس، وربما تؤثر بتأثير النفس بها، ويدفع ضررها بالتوكل والدعاء المذكور في الخبر وغيره كما مر في الطيرة قوله عليه السلام (خمسة) كذا في الخصال والمحاسن وأكثر نسخ الفقيه، وفي بعضها (سبعة) وفي بعضها (ستة) وفي الفقيه (والكلب الناشر) وفي الخصال كالكافي (والناشر) فيكون نوعا آخر لشؤم الغراب، وفي المحاسن بدون الواو أيضا فيكون صفة اخرى للغراب، فقد ظهر أن الظاهر على بعض النسخ ستة، وعلى بعضها سبعة، فالخمسة إما من تصحيف النساخ، أو مبني على عد الثلاثة المصوتة واحدة، أو عد الكلب والذئب واحدا لانهما من السباع، والغراب والبوم واحدا لانهما من الطير، ويمكن عطف المرأة على بعض النسخ والاتان على بعضها على الخمسة، فيكون إفراد الخمسة لشهرتها بينهم أو لزيادة شؤمها. قوله عليه السلام (وهو مقع) يقال أقعى الكلب إذا جلس على إسته مفترشا رجليه وناصبا يديه، والظاهر رجوع ضميري (يرتفع) و (ينخفض) إلى الذئب، ويقال: إن هذا دأبه غالبا إذا لقي إنسانا يفعل ذلك لاثارة الغبار في وجهه، وقيل: هما يرجعان إلى صوته أو إلى ذنبه، ولا يخفى بعدهما. قوله عليه السلام (والظبي السانح) قال في النهاية: البارح ضد السانح، فالسانح ما مر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن بذلك، لانه أمكن للرمي والصيد والبارح ما مر من يمينك إلى يسارك، والعرب تتطير به، لانه لا يمكنك أن


(1) في الخصال: من ذلك. (2) في الكافي: قال: فيعصم من ذلك. (3) روضة الكافي: 314.

[327]

ترميه حتى تنحرف (1) ونحوه قال الجوهري وغيره، فالمراد بالسانح هنا المعنى اللغوي من قولهم (سنح له) أي عرض له وظهر، وقال الكفعمي - ره -: منهم من يتيمن بالبارح ويتشأم بالسانح كأهل الحجاز، وأما النجديون فهم على العكس من ذلك. (والمرأة الشمطاء) قال الجوهري: الشمط بيان شعر الرأس يخالط سواده والرجل أشمط، والمرأة شمطاء. وقوله (تلقي فرجها) الظاهر عندي أنه كناية عن استقبالها إياك ومجيئها من قبل وجهك، فإن فرجها من قدامها. وقال الفاضل أمين الدين الاسترابادي - ره -: الظاهر أن المراد من قوله تلقاء فرجها أن تستقبلك بفرج خمارها فتعرف أنها شمطاء، وقال غيره ممن لقيته: يحتمل أن يكون المراد افتراشها على الارض من الالقاء، أو كناية عن كونها زانية، ويحتمل أن يكون (تتلقى) فحذفت إحدى التائين، فالمراد مواجهتها لفرجها بأن تكون جالسة بحيث يواجه الشخص فرجها، ولا يخفى بعد تلك الوجوه وركاكتها. والاتان العضباء: المقطوعة الاذن، ولذا فسرها بالجدعاء لئلا يتوهم أن المراد المشقوقة الاذن. قال الجوهري: ناقة عضباء أي مشقوقة الاذن (2). وقال الفيروز آبادي: العضباء الناقة المشقوقة الاذن، ومن آذان الخيل الذي جاوز القطع ربعها (3) وقال: الجدع كالمنع قطع الانف أو الاذن أو اليد أو الشفة (4). 16 - الدر المنثور: عن ابن عباس: قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآية (فلا


(1) النهاية: ج 1، 71. (2) الصحاح: ج 1، ص 184. (3) القاموس: ج 1، ص 105. (4) القاموس: ج 2، ص 11.

[328]

اقسم بمواقع النجوم) حتى يبلغ (1) (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (2)). 17 - وعن ابن عباس أنه كان يقرء (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) قال: يعني الانواء، وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا، وكانوا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (3)). 18 - وعن أبي خدرة قال: نزلت هذه الآية في رجل من الانصار في غزوة تبوك، ونزلوا (4) الحجر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل ثم نزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله فقام فصلى ركعتين ثم دعا، فأرسل الله سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الانصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك ! قد ترى ما دعا النبي صلى الله عليه وآله فأمطر الله علينا السماء، فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا فأنزل الله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (5)). 19 - وعن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) قال: شكركم، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا و كذا (6). 20 - وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ علي الواقعة في الفجر فقال: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل: لم قرأها هكذا ؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤها كذلك، كانوا إذا امطروا (7) قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله: وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم به تكذبون (8).


(1) في المصدر: حتى بلغ. (2 و 3) الدر المنثور: ج 6، ص 162. (4) في المصدر: بالحجر. (5 و 6 و 8) الدر المنثور: ج 6، ص 163. (7) في المصدر: إذا مطروا.

[329]

21 - وعن قتادة (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) قال (1): أما الحسن فقال: بئس ما أخذ القوم لانفسهم ! لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب. قال: وذكر لنا أن الناس امحلوا على عهد نبي الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا نبي الله لو استقيت لنا ! فقال: عسى قوم أن سقوا أن يقولوا سقينا بنوء كذا وكذا، فاستسقى (2) نبي الله صلى الله عليه وآله لهم فمطروا، فقال رجل: إنه قد كان بقي من الانواء كذا كذا، فأنزل الله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (3)). 22 - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: لو أمسك الله المطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لاصبحت طائفة كافرين ! قالوا: هذه بنوء الدبران (4) 23 - وعن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الصبح من (5) الحديبية في أثر سماء (6) فلما سلم أقبل علينا فقال: ألم تسمعوا ما قال ربكم في هذه الآية ؟ ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، و من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي (7). وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوما لاصحابه: هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه يقول: إن الذين يقولون نستقي (8) بنجم كذا وكذا فقد كفر بالله وآمن بذلك النجم، والذين يقولون سقانا الله فقد آمن بالله وكفر بذلك النجم (9).


(1) فقال (خ). (2) فاستقى (خ). (3 و 4) الدر المنثور: ج 3، ص 163. (5) في المصدر: زمن الحديبية. (6) أي عقيب مطر. (7) الدر المنثور: ج 6، ص 164. (8) في المصدر (نسقى) وفى بعض نسخ البحار (نستسقي). (9) الدر المنثور: ج 6، ص 163.

[330]

25 - وعن عبد الله بن سخير أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: لو تعلمت علم النجوم فازددت إلى علمك. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف على امتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وظلم الامة (1). 26 - وعن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أخاف على امتي ثلاثا: استسقاء بالانواء، وحيف السلطان، وتكذيبا بالقدر (2). 27 - وعن معاوية الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقا من رزقه فيصبحون مشركين ! قيل له: كيف ذاك يا رسول الله قال: يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا (3). 28 - وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا (4). 29 - وعن ابن عباس قال: مامطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وقرأ ابن عباس (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) (5). 12. (باب) * (ما يتعلق بالنجوم ويناسب أحكامها من كتاب) * * (دانيال عليه السلام وغيره) * 1 - قصص الراوندي: بإسناده عن الصدوق، عن الحسين بن علي الصوفي عن حمزة بن القاسم العباسي، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، عن محمد بن الحسين بن زيد الزيات، عن عمرو بن عثمان الخزاز، عن عبد الله الفضل الهاشمي عن الصادق عليه السلام قال: كان في كتاب دانيال عليه السلام أنه إذا كان أول يوم من المحرم يوم السبت فإنه يكون الشتاء شديد البرد كثير الريح، يكثر فيه الجليد، وتغلو


(1 - 5) الدر المنثور: ج 6، ص 164.

[331]

فيه الحنطة، وتقع فيه الوباء وموت الصبيان، ويكثر الحمى في تلك السنة، و يقل العسل، وتكسر الكماة، ويسلم الزرع من الآفات، ويصيب بعض الاشجار آفة وبعض الكروم، وتخصب السنة، ويقع بالروم الموتان، ويغزوهم العرب، و يكثر فيهم السبي والغنائم في أيدي العرب، ويكون الغلبة في جميع المواضع للسلطان بمشية الله. وإذا كان يوم الاحد أول المحرم فإنه يكون الشتاء صالحا، ويكثر المطر، ويصيب بعض الاشجار والزرع آفة، ويكون أوجاع مختلفة وموت شديد ويقل العسل، ويكثر في الهواء الوباء والموتان، ويكون في آخر السنة بعض الغلا في الطعام، ويكون الغلبة للسلطان في آخره. وإذا كان يوم الاثنين أول المحرم فإنه يكون الشتاء صالحا، ويكون في الصيف حر شديد، ويكثر المطر في أيامه ويكثر البقر والغنم، ويكثر العسل ويرخص الطعام والاسعار في بلدان الجبال ويكثر الفواكه فيها، ويكون موت النساء، وفي آخر السنة يخرج خارجي على السلطان بنواحي المشرق، ويصيب بعض فارس غم، ويكثر الزكام في أرض الجبل وإذا كان يوم الثلثاء أول المحرم فإنه يكون الشتاء شديد البرد، ويكثر الثلج و الجمد بأرض الجبل وناحية المشرق، ويكثر الغنم والعسل، ويصيب بعض الاشجار والكروم آفة، ويكون بناحية المغرب والشام آفة من حدث يحدث في السماء يموت فيه خلق، ويخرج على السلطان خارجي قوي، وتكون الغلبة للسلطان، ويكون في أرض فارس في بعض الغلات آفة، وتغلو الاسعار بها في آخر السنة. وإذا كان يوم الاربعاء أول المحرم فإن الشتاء يكون وسطا، ويكون المطر في القيظ صالحا نافعا مباركا، وتكثر الثمار والغلات بالجبال كلها وناحية جميع المشرق، إلا أنه يقع الموت في الرجال في آخر السنة، ويصيب الناس بأرض بابل وبالجبل آفة، و يرخص الاسعار، وتسكن مملكة العرب في تلك السنة، ويكون الغلبة للسلطان. وإذا كان يوم الخميس أول المحرم فإنه يكون الشتاء لينا، ويكثر القمح و الفواكه والعسل بجميع نواحي المشرق، وتكثر الحمى في أول السنة وفي آخره وبجميع أرض بابل في آخر السنة، ويكون للروم على المسلمين غلبة، ثم تظهر

[332]

العرب عليهم بناحية المغرب. ويقع بأرض السند حروب والظفر لملوك العرب. و إذا كان يوم الجمعة أول المحرم فإنه يكون الشتاء بلا برد، ويقل المطر والاودية والمياه، وتقل الغلات بناحية الجبال مائة فرسخ في مائة فرسخ، ويكثر الموت في جميع الناس، ويغلو الاسعار بناحية المغرب، ويصيب بعض الاشجار آفة، ويكون للروم على الفرس كرة شديدة. * (في علامات كسوف الشمس في الاثنى عشر شهرا) * إذا انكسفت الشمس في المحرم فإن السنة تكون خصيبة، إلا أنه يصيب الناس أوجاع في آخرها وأمراض، ويكون من السلطان ظفر، ويكون زلزلة بعدها سلامة. وإذا انكسفت في صفر فإنه يكون فزع وجوع في ناحية المغرب، و يكون قتال في المغرب كثير، ثم يقع الصلح في الربيع والظفر للسلطان. وإذا انكسفت في ربيع الاول فإنه يكون بين الناس صلح، ويقل الاختلاف والظفر للسلطان بالمغرب، ويعز البقر والغنم، ويتسع في آخر السنة، ويقع الوباء في الابل بالبدو. وإذا انكسفت في شهر ربيع الآخر فإنه يكون بين الناس اختلاف كثير، ويقتل منهم خلق عظيم، ويخرج خارجي على الملك، ويكون فزع و قتال، ويكثر الموت في الناس. وإذا انكسفت في جمادى الاولى فإنه تكون السعة في جميع الناس بناحية المشرق والمغرب، ويكون للسلطان إلى الرعية نظر، ويحسن السلطان إلى أهل مملكته، ويراعي جانبهم. وإذا انكسفت في جمادى الآخرة فإنه يموت رجل عظيم بالمغرب، ويقع ببلاد مصر قتال وحروب شديدة، ويكون ببلاد المغرب غلاء في آخر السنة وإذا انكسفت في رجب فإنه تعمر الارض، و يكون أمطار كثيرة بالجبال وبناحية المشرق، ويكون جراد بناحية فارس ولا يضرهم ذلك. وإذا انكسفت في شعبان يكون سلامة في جميع الناس من السلطان ويكون للسلطان ظفر على أعدائه بالمغرب، ويقع وباء في الجبال في آخر السنة ويكون عاقبته إلى سلامة. وإذا انكسفت في شهر رمضان كان جملة الناس يطيعون

[333]

عظيم فارس، ويكون للروم على العرب كرة شديدة، ثم يكون على الروم و يسبى منهم ويغنم. وإذا انكسفت في الشوال فإنه يكون في أرض الهند والزنج قتال شديد، ويكثر نبات الارض بالمشرق. وإذا انكسفت في ذي القعدة فإنه يكون مطر كثير متواتر، ويقع خراب بناحية فارس. وإذا انكسفت في ذي الحجة فإنه يكون فيه رياح كثيرة، وينقص الاشجار، ويقع بالارض من المغرب سبع وخراب في كل أرض من ناحية المغرب، وينقص الطعام ويغلو عليهم، ويخرج خارجي على الملك ويصيبه منه شدة، ويقل طعام أهل فارس ثم يرخص في العام الثاني. * (في علامات خسوف القمر طول السنة) * إذا انكسف القمر في المحرم فإنه يموت في المغرب رجل عظيم، وينتقص الفاكهة بالجبال، ويقع في الناس حكة، ويكثر الرمد بأرض بابل، ويقع الموت ويغلو أسعارها، ويخرج خارجي على السلطان والظفر للسلطان، ويقتلهم وإذا انكسف في صفر فإنه يكون جوع ومرض ببابل وبلادها حتى يتخوف على الناس ثم تكون أمطار كثيرة فيحسن نبات الارض وحال الناس، ويكون بالجبال فاكهة كثيرة. وإذا انكسف في شهر ربيع الاول فإنه يقع بالمغرب قتال، ويصيب الناس يرقان، ويكثر فاكهة البلاد بناحية (ماه) ويقع الدود في البقول بالجبال، ويقع خراب كثيرة بماه. وإذا انكسف في شهر ربيع الآخر فإنه يكثر الانداء بالجبال ويكثر الخصب والمياه، وتكون السنة مباركة، ويكون للسلطان الظفر بالمغرب وإذا انكسف في جمادى الاولى فإنه تهراق دماء كثيرة بالبدو، ويصيب عظيم الشام بلية شديدة، ويخرج خارجي على السلطان والظفر للسلطان. وإذا انكسف في جمادى الآخرة فإنه تقل الامطار والمياه بنينوى، ويقع فيها جزع شديد وغلاء ويصيب ملك بابل إلى المغرب بلاء عظيم. وإذا انكسف في رجب فإنه يكون بالمغرب موت وجوع، ويكون بأرض بابل أمطار، ويكثر وجع [الانف و] العين في الامصار. وإذا انكسف في شعبان فإن الملك يقتل أو يموت ويملك ابنه، و

[334]

يغلو الاسعار، ويكثر جوع الناس. وإذا انكسف في شهر رمضان يكون بالجبل برد شديد وثلج ومطر، وكثرت المياه، ويقع بأرض فارس سباع كثيرة، ويقع بأرض (ماه) موت كثير بالصبيان والنساء. وإذا انكسف في شوال فإن الملك يغلب على أعدائه، ويكون في الناس شر وبلية. وإذا انكسف في ذي القعدة فإنه تفتح المدائن الشداد، وتظهر الكنوز في بعض الارضين والجبال. وإذا انكسف في ذي الحجة فإنه يموت رجل عظيم بالمغرب، ويدعي فاجر الملك. قال الراوندي - ره -: وجميع ذلك إن صحت الروايات عن دانيال النبي عليه السلام يجري مجرى الملاحم والحوادث في الدنيا وعلاماتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: إذا أراد الله بقوم خيرا أمطرهم بالليل وشمسهم بالنهار. و قال صلى الله عليه وآله: إذا غضب الله على امة ولم ينزل بها العذاب غلت أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارتها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وسلط عليها أشرارها. وقال صلى الله عليه وآله: إذا منعت الزكوة هلكت الماشية وإذا جار الحكام أمسك القطر من السماء، وإذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين. وأمثلة ذلك كثيرة والله أعلم بحقيقة ذلك. بيان: قال في القاموس: الجليد ما يسقط على الارض من الندى فيجمد (1). وقال: الكمؤ نبات معروف، والجمع: أكمؤ وكماة، أو هي اسم للجمع، أو هي للواحد والكمؤ للجمع، أو هي تكون واحدة وجمعا (2). وقال: بلاد الجبل مدن بين آذربيجان وعراق العرب وخوزستان وفارس (3). وقال: الماه قصبة البلد، والماهان الدينور ونهاوند أحدهما (4) ماهة الكوفة والآخر ماهة البصرة (5).


(1) القاموس: ج 1، ص 284. (2) القاموس: ج 1، ص 26. (3) القاموس: ج 3، ص 344. (4) في المصدر: أحدهما ماه الكوفة والاخر ماه البصرة. (5) القاموس: ج 4، ص 293.

[335]

أقول: وجدت في بعض الكتب القديمة أخبارا طويلة في الملاحم والاحكام تركتها لعدم الاعتماد على أسانيدها وإن كان مرويا بعضها عن الصادق عليه السلام وبعضها عن دانيال عليه السلام. 2 - الاختصاص: اعلم إذا قرنت الزهرة مع المريخ في برج واحد هلك ملك الروم أو يكون بالروم مصيبات عظيمة أو بلايا، وإذا قرنت مع زحل كان في العامة شدة وضيق، وإذا قرنت الزهرة (1) المشتري أصاب الناس رخاء من العيش وإذا قرنت الزهرة عطارد يكون إهراق الدماء وفتح عظيم، وإذا قرن بهرام زحل (2) في برج واحد ملك ملك (3) حديث في أرض ذلك البرج، وإذا اجتمع بهرام والمشتري مات ملك عظيم الشأن، وإذا اجتمع زحل وعطارد وقع في التجار الخوف والحزن، وكذلك في أهل الادب. وإذا اجتمع زحل والمشتري في برج واحد تغيرت الدنيا في سائر الاحوال، ويتغير امور الناس، وتخرج الخوارج من النواحي كلها، وخاصة من الجيلان والديلم والاكراد، ويقتلون الناس قتالا شديدا، ويشتد الامر عليهم من الخوف والحزن، وترتفع السفلة شأنهم، و تغير طبائع الناس كلهم، ويذهب عنهم الحياء والانسانية (4) ويزيد فيهم كثرة الفساد خاصة في النساء، وإسقاط الوالدات أولاد الحرام، وإهراق الدماء والقتل والجوع. وإذا اجتمع المشتري والعطارد (5) أصاب الارض طاعون، ويقع فيما بين الناس العداوة والبغض، وإذا ركب القمر فوق زحل ذهب ملك ملك، وإذا اجتمع بهرام وعطارد في العقرب فذلك آية قتل ملك بابل، وإذا اجتمع المشتري والزهرة في العقرب فذلك آية فزع ومرض بأرض بابل، وإذا اجتمع الشمس و


(1) في المصدر: مع المشترى. (2) في المصدر: مع زحل. (3) بفتح اللام في الاول وكسرها في الثاني، وفى المصدر (هلك ملك) والصواب ما في المتن. (4) في المصدر: ويطمع كل واحد في آخر. (5) كذا، وفى المصدر: وعطارد.

[336]

زحل في العقرب في شولة العقرب فذلك آية اختلاف الروم وقتل ملكهم، وإذا اجتمع المريخ وعطارد في شولة العقرب فذلك خراب بيت ملك بابل، وإذا اجتمعت الشمس والقمر في شولة العقرب وبهرام في سرطان فإن استطعت أن تتخذ سربا لتدخل فيه فافعل، وإذا اجتمعت الزهرة والمشتري فإن النساء يخشين أزواجهن عداوة، وإذا نزل كيوان الطرفة أو الدبران وقع الطاعون بالعراق ومات كثير من الناس، وإذا نزل الطرفة على آخره يكون في أرض العراق قتال وفتنة، وإذا نزل النثرة بدلت أعمال العراق: ولقوا بلاء وشدة، وإذا نزل كيوان الغفر يكون بأرض العراق قتال وفتنة، وإذا نزل كيوان جبهة وقع الموت في البقر والسباع والوحش، وإذا نزل كيوان والمشتري الاكليل والقلب والشولة يقع في المشرق والمغرب طاعون شديد، ويموت من الناس اناس كثير، ويقع الفساد والبلايا في الارض كلها، ويكون بلايا عليهم كلها في الناس، ويقتل الملوك والعلماء وترتفع سفلة من الناس. واعلم أن مع الشمس كواكب لها أذناب بعضها فوق بعض نفر فإذا بدا كوكب منها في برج من البروج وقع في أرض ذلك البرج شر وبلاء وفتنة وخلع الملوك، وإذا رأيت كوكبا أحمر لا تعرفه وليس على مجاري النجوم ينتقل في السماء من مكان إلى مكان يشبه العمود وليس به فإن ذلك آية الحرب والبلايا وقتل العظماء وكثرة الشرور والهموم والآشوب في الناس (1). أقول: وكان في أصل الكتاب هكذا: قوبل ونسخ من خط ابن الحسن بن شاذان رحمه الله. بيان: لما ذكر الشيخ المفيد ره هذه الاحكام في الاختصاص أوردته ولم يستنده إلى رواية، وأخذه من كتب أصحاب علم النجوم بعيد.


(1) الاختصاص: 160 - 162.

[337]

(أبواب) * (الازمنة وأنواعها وسعادتها ونحوستها وسائر أحوالها) * 13. (باب) * (السنين والشهور وأنواعهما والفصول وأحوالها) * الآيات: التوبة: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم - إلى قوله تعالى - إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (1). تفسير: (إن عدة الشهور) قال الرازي: اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية، والدليل عليه هذه الآية، وأيضا قوله: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب (2)) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر، وأيضا قال تعالى (يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج (3)) وعند سائر الطوايف عن (4) المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة. والسنة القمرية أقل من الشمسية بمقدار معلوم، وبسبب ذلك النقصان تنتقل


(1) التوبة: 36 - 37. (2) يونس: 5. (3) البقرة: 189. (4) في المصدر: عبارة عن المدة.

[338]

الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف اخرى، وكان يشق عليهم الامر بهذا السبب، وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة، وربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجار من الاطراف، وكان يخل بأسباب تجاراتهم بهذا السبب، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات، واعتبروا السنة الشمسية وعند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت معين، فهو (1) أخف لمصلحتهم، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النسئ وإن صار سببا لحصول المصالح الدنيوية إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى، لانه لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين وكان بسبب النسئ يقع في سائر الشهور فتغير حكم الله (2) لتكليفه. والحاصل أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه، فلهذا استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية (3). قال النيسابوري: قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب أو غارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر. قال الواحدي: وأكثر العلماء على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر، ويروى أنه حدث ذلك في كنانة، لانهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في قومه، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوا ! ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه ! والاكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي ليوافقوا العدة التي هي الاربعة ولا يخالفوا، ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص، وذلك قوله تعالى (فيحلوا ما حرم الله) أي من القتال وترك الاختصاص.


(1) في المصدر: بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم. (2) في المصدر: تغير حكم الله وتكليفه. (3) مفاتيح الغيب: ج 4، ص 633.

[339]

قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهرا من الاشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهرا آخر من الحلال ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا آخر من الحرام لاجل أن تكون عدة الحرام أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى. وللآية تفسير آخر وهو أن يكون المراد بالنسئ كبس بعض السنين القمرية بشهر، حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهرا قمريا هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم إلا كسرا قليلا، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريبا، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف اخرى، وكذا في الربيع والخريف، وكان يشق الامر عليهم، إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الاطراف فكان تختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائما عند اعتدال الهواء وإدراك الثمرات والغلات، وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشرة سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهرا ثم في الخامسة، ثم في السابعة، ثم في العاشرة، ثم في الثالثة عشر، ثم في السادسة عشر، ثم في الثامنة عشر، وقد تعلموا هذه الصنعة من اليهود والنصاري، فإنهم يفعلون هكذا لاجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبيس، وسمي بالنسئ، لانه المؤخر، والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه صلى الله عليه وآله خطب في حجة الوداع، و كان في جملة ما خطب به: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الارض السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذوالقعدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر (1) بين جمادى وشعبان. والمعنى: رجعت الاشهر إلى ما


(1) مضر كصرد قبيلة معروفة، ولعل إضافة رجب إليها لاجل أنهم كانوا يعظمونه دون غيرهم كما قيل.

[340]

كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسئ الذي كان في الجاهلية، و قد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الامر، وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة التي سموها ذا الحجة. وإنما لزم العتب عليهم في هذا التفسير لانهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهرا كان مخالفا لحكم الله بأن عدة الشهور اثنا عشر شهرا، أي لاأزيد ولا أنقص، وإليه الاشارة بقوله (ذلك الدين القيم) على هذا التفسير، ويلزمهم أيضا ما لزمهم في التفسير الاول من تغيير أشهر الحرم عن أماكنها، فتكون الاشارة إلى المجموع (انتهى). وقال الطبرسي - ره -: (إن عدة الشهور عند الله) أي عدد شهور السنة في حكم الله وتقديره (اثنا عشر شهرا) وإنما تعبد الله المسلمين أن يجعلوا سنتهم على اثني شهر شهرا ليوافق ذلك عدد الاهلة ومنازل القمر، دون مادان به أهل الكتاب والشهر مأخوذ (1) من شهرة الامر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم ومحل ديونهم وحجهم وصومهم وغير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشهور، وقوله (في كتاب الله) معناه ما كتب الله في اللوح المحفوظ، وفي الكتب المنزلة على أنبيائه. وقيل: في القرآن، وقيل: في حكمه وقضائه، عن أبي مسلم. وقوله (يوم خلق السماوات و الارض) متصل بقوله (عند الله) والعامل فيها الاستقرار، وإنما قال ذلك لانه يوم خلق السماوات والارض أجرى فيها الشمس والقمر، وبمسيرهما تكون الشهور والايام، وبهما تعرف الشهور (منها أربعة حرم) ثلاثة منها سرد: ذوالقعدة، وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، ومعنى (حرم) أنه يحرم (2) انتهاك المحارم فيها أكثر مما يحرم (3) في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه فيا لم يهجه لحرمتها، وإنما جعل الله بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، لعظم منزلتها، ولانه ربما


(1) مأخوذ (خ). (2 و 3) في المصدر يعظم.

[341]

أدى ذلك إلى ترك الظلم أصلا لانطفاء النائرة وانكسار الحمية في تلك المدة فإن الاشياء تجر إلى أشكالها. وشهور السنة: المحرم، سمي بذلك لتحريم القتال فيه، وصفر، سمي بذلك لان مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو، وقيل لانه وقع وباء فيه فاصفرت وجوههم وقال أبو عبيد: سمي بذلك لانه صفرت فيه أوطابهم (1) عن اللبن، وشهرا ربيع سميا بذلك لانبات الارض وإمراعها (2) فيهما، وقيل: لارتباع القوم أي إقامتهم والجماديان، سميتا بذلك لجمود الماء فيهما، ورجب سمي بذلك لانهم كانوا يرجبونه ويعظمونه، يقال: رجبته ورجبته - بالتخفيف والتشديد - وقيل: سمي بدلك لترك القتال فيه، من قولهم (رجل أرجب) إذا كان أقطع لا يمكنه العمل وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن في الجنة نهرا يقال له (رجب) ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب شرب منه، وشعبان سمي بذلك لتشعب القبائل فيه، عن أبي عمرو، وروى زياد بن ميمون أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إنما سمي شعبان لانه يشعب فيه خير كثير لرمضان، و شهر رمضان، سمي بذلك لانه يرمض الذنوب، وقيل: سمي بذلك لشدة الحر وقيل: إن رمضان من أسماء الله تعالى، وشوال، سمي بذلك لان القبائل كانت تشول فيه أي تبرح عن أمكنتها، وقيل: لشولان الناقة (3) أذنابها فيه، وذو القعدة سمي بذلك لقعودهم فيه عن القتال، وذو الحجة، لقضاء الحج فيه. (ذلك الدين القيم) أي ذلك الحساب المستقيم الصحيح، لا ما كانت العرب تفعله من النسئ، وقيل: معناه ذلك الحساب (4) المستقيم الحق، وقيل: معناه


(1) الاوطاب: جمع (الوطب) وهو سقاء اللبن. (2) امرع المكان: أخصب. (3) في المصدر: النوق. (4) في المصدر: القضاء. (*)

[342]

ذلك الدين تعبد به، فهو اللازم (فلا تظلموا فيهن) أي في هذه الاشهر (1) كلها عن ابن عباس. وقيل: في هذه الاشهر الحرم (أنفسكم) بترك أوامر الله وارتكاب نواهيه، وإذا عاد الضمير إلى جميع الشهور فإنه يكون نهيا عن الظلم في جميع العمر وإذا عاد إلى الاشهر الحرم ففائدة التخصيص أن الطاعة فيها أعظم ثوابا، والمعصية أعظم عقابا، وذلك حكم الله في جميع الاوقات الشريفة، والبقاع المقدسة (2) (انتهى). أقول: ويحتمل أن يكون المراد: فلا تظلموا أنفسكم في أمرهن بهتك حرمتهن. وقال الطبرسي - ره -: قال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وآله في العام القابل حجة الوداع، فوافقت ذا - الحجة فلذلك (3) قال النبي صلى الله عليه وآله في خطبته: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض (الخبر) أراد صلى الله عليه وآله بذلك أن الاشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطل النسئ (4). (يضل به الذين كفروا) قال البيضاوي: أي ضلالا زائدا، وقرأ حمزة والكسائي وحفص (يضل) على البناء للمفعول (يحلونه عاما) أي يحلون النسئ من الاشهر الحرم سنة، ويحرمون مكانه شهرا آخر (ويحرمونه عاما) فيتركونه على حرمته (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي ليوافقوا عدة الاربعة المحرمة، واللام متعلقة بيحرمونه أو بما دل عليه مجموع الفعلين (فيحلوا ما حرم الله) بمواطاة العدة وحدها من غير مراعاة الوقت (5) (انتهى).


(1) في المصدر: الشهور. (2) مجمع البيان، ج 5، ص 27 - 28. (3) في المصدر: فوافقت في ذى الحجة فذلك حين. (4) مجمع البيان: ج 5، ص 29. (5) انوار التنزيل: ج 1، ص 500.

[343]

وأقول: لما كانت معرفة الاخبار المذكورة في هذا الباب وغيره متوقفة على معرفة الشهور والسنين ومصطلحاتهما قدمنا شيئا من ذلك فنقول: لما احتاجوا في تقدير الحوادث إلى تركيب الايام، وكان أشهر الاجرام السماوية الشمس ثم القمر، وكان دورة كل منهما إنما تحصل في أيام متعددة، كانا متعينين بالطبع لاعتبار التركيب، فصار القمر أصلا في الشهر والشمس أصلا في السنة. ثم إن الظاهر من حال القمر ليس دورة في نفسه، بل باعتبار تشكلاته النورية، فلذلك كان الشهر مأخوذا منها، وهي إنما تكون بحسب أوضاعه مع الشمس، ويتم دوره إذا صار فضل حركة القمر على حركة الشمس الحقيقيين دورا، والعلم به متعذر لانهما إذا اجتمعا مثلا بمقوميهما وعاد القمر بمقومه إلى موضع الاجتماع فقد سارت الشمس قوسا، فإذا قطع القمر تلك القوس فقد سارت قوسا اخرى، ومع تعذره مختلف لاختلاف حركتيهما بمقوميهما، فلا يكون ذلك الفضل أمرا منضبطا فمستعملوا الشهر القمري من أهل الظاهر منهم من يأخذونه من يوم الاجتماع إلى يومه وهم اليهود والترك، ومنهم من ليلة رؤية الهلال إلى ليلتها وهم المسلمون أو من تشكل آخر إلى مثله بحسب ما يصطلحون عليه، واعتبار الاستهلال أولى، لانه أبين أوضاعه من الشمس وأقربها إلى الادراك، مع أن القمر في هذا الموضع كالموجود بعد العدم، والمولود الخارج من الظلم. لكن لما لم يكن لرؤية الاهلة حد لا يتعداه لاختلافها باختلاف المساكن وحدة الابصار إلى غير ذلك لم يلتفت إليها إلا في الاحكام الشرعية المبتنية على الامور الظاهرة، ومستعملوه من أهل الحساب يأخذون الدور من الفضل بين الحركتين الوسطيتين، فيجدونه في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم ودقيقة واحدة وخمسين ثانية إذا جزئ يوما (1) بليلته بستين دقيقة، وكل دقيقة بستين ثانية، وهذا هو الشهر القمري الاصطلاحي المبني على اعتبار سير الوسط في السيرين، وإذا ضرب عدد أيامه في (اثني عشر) عدد أشهر السنة خرج


(1) كذا في جميع النسخ التى بأيدينا.

[344]

أيام السنة القمرية الاصطلاحية، وهو ثلاثمائة وأربع وخمسون يوما وخمس وسدس يوم، وهي ناقصة عن أيام السنة الشمسية بعشرة أيام وعشرين ساعة ونصف ساعة مستوية بالتقريب، فيأخذون لشهر ثلاثين يوما ولشهر آخر تسعة وعشرين يوما، و ذلك لانهم اصطلحوا على أخذ الكسر الزائد على النصف صحيحا، فأخذوا المحرم الذي هو أول شهور السنة القمرية ثلاثين يوما لكون الكسر أزيد من النصف فصار صفر تسعة وعشرين لذهاب النصف عنه بما احتسب في المحرم، فلم يبق إلا ضعف فضل الكسر الزائد على النصف أعني ثلاث دقائق وأربعين ثانية وهو غير ملتفت إليه لقصوره عن النصف، وصار أول الربيعين ثلاثين يوما وثانيهما تسعة وعشرين وعلى هذا الترتيب إلى آخر السنة، فصار ذو الحجة تسعة وعشرين [يوما] وخمس وسدس يوم وهما اثنتان وعشرون دقيقة، لانها الحاصلة من ضرب ما زاد في الكسر على النصف وهو دقيقة واحدة وخمسون ثانية في (اثني عشر) عدد الشهور، وإذا فعل بشهور السنة مثل ما فعل بشهور الاولى اجتمع لذي الحجة في الثانية مثل ما مر، فيصير الجميع أربعا وأربعين دقيقة، وهو زائد على النصف فيؤخذ ذو الحجة في السنة الثانية ثلاثين يوما، ويذهب في السنة الثالثة من الكسر اللازم بعد كل سنة ست عشرة دقيقة بما اعتبر في السنة السابقة (1) وتبقى ست دقائق، فتنضم إلى الكسر اللازم من السنة الرابعة فيصير المجموع ثماني وعشرين دقيقة، وهو أقل من النصف، فإذا انضم إلى كسر السنة الخامسة صار مجموعهما خمسين دقيقة، وهو أكثر من النصف فيجعل ذو الحجة في هذه السنة ثلاثين يوما ويذهب من الكسر اللازم في السنة السادسة، عشر دقائق، وتبقى اثنتا عشرة دقيقة، فينضم إلى كسر السنة السابعة ويصير المجموع أربعا وثلاثين دقيقة، فيؤخذ ذو الحجة فيها ثلاثين يوما، وعلى هذا القياس يؤخذ ذو الحجة ثلاثين يوما في السنة العاشرة، والثالثة عشرة، والسادسة


(1) لان ذا الحجة اخذ في السنة الثانية ثلاثين يوما وهو ناقص عنه بست عشرة دقيقة لانه كان زائدا على التسعة والعشرين يوما بأربع وأربعين دقيقة، والاربع والاربعون دقيقة تنقص عن الستين دقيقة بست عشرة دقيقة.

[345]

عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرين، والرابعة والعشرين، والسادسة والعشرين، والتاسعة والعشرين، ومن لم يعتبر في اعتبار الكسر مجاوزة النصف بل يكتفي بالوصول إليه يجعل ذا الحجة في السنة الخامسة عشرة ثلاثين يوما بدل السادسة عشرة، وعلى التقديرين إذا اخذ ذو الحجة في السنة التاسع والعشرين ثلاثين يوما بقي عليهم لتمام يوم اثنتان وعشرون دقيقة، فينجبر بالكسر اللازم في السنة الثلاثين، ويتم عدد أيام الشهور بلا كسر في كل ثلاثين سنة، ثم يستأنف والسبب في ذلك أن الكسر اللازم في سنة واحدة اثنتان وعشرون دقيقة كما مر ونسبته إلى (ستين) بالخمس والسدس، وهما إنما يصحان من (ثلاثين) فثلاثون خمس يوم ستة أيام، وثلاثون سدس يوم خمسة أيام، والمجموع أحد عشر يوما وتسمى هذه الايام (كبائس) فسنوا الكبس على ترتيب (بهز يجهح كادوط (1)) أو (بهزيجوح كادوط) على القولين المتقدمين. هذا هو المشهور في الكبس. و ذكر شراح التذكرة نوعين آخرين من الكبس: الاول ما يفعله اليهود والترك فإنهم كانوا يردون السنين القمرية إلى السنين الشمسية بكبس القمرية في كل سنة أو ثلاث بشهر. والثانى ما تفعله العرب في الجاهلية من النسئ وهو أنهم كانوا يستعملون شهور الاهلة، وكانوا حجهم الواقع في عاشر ذي الحجة كما رسمه إبراهيم عليه السلام دائرا في الفصول كما في زماننا هذا، فأرادوا وقوعه دائما في زمان إدراك الغلات والفواكه واعتدال الهواء، أعني أوائل الخريف، ليسهل عليهم السفر وقضاء المناسك، فكان يقوم في الموسم عند اجتماع العرب خطيب يحمد الله ويثني عليه ويقول: إني أزيد لكم في هذه السنة شهرا، وهكذا أفعل في كل ثلاث سنين


(1) الباء للسنة الثانية، والهاء للخامسة، والزاى للسابعة، والياء للعاشرة، و الجيم للثالثة عشر، والهاء للخامسة عشر، والحاء للتاسعة عشر، و (كا) للحادية والعشرين وهكذا والاختلاف بين الكلمتين في الهاء الثانية وفعلى القول بكون الكبيسة هي الخامسة عشر يكون الرمز هاء، وعلى القول بكونها السادسة عشر يكون واوا كما مر آنفا.

[346]

حتى يأتي حجكم في وقت يسهل فيه مسافرتكم. فيوافقونه على ذلك، فكان يجعل المحرم كبسا ويؤخر اسمه إلى صفر، واسم صفر إلى ربيع الاول، وهكذا إلى آخر السنة، فكان يقع الحج في السنة القابلة في عاشر محرم، وهو ذو الحجة عندهم، لانهم لما سموا صفر بالمحرم وجعلوه أول السنة صار المحرم الآتي ذا الحجة وآخر السنة، ويقع في السنة محرمان: أحدهما رأس السنة، والآخر النسئ، ويصير شورها ثلاثة عشر، وعلى هذا يبقى الحج في المحرم ثلاث سنين متوالية، ثم ينتقل إلى صفر، ويبقى فيه كذلك إلى آخر الاشهر، ففي كل ست وثلاثين سنة قمرية تكون كبيستهم اثنا عشر شهرا قمريا. وقيل: كانوا يكبسون أربعا وعشرين سنة باثني عشر شهرا، وهذا هو الكبس المشهور في الجاهلية، و إن كان الاول أقرب إلى مرادهم. وبالجملة إذا انقضى سنتان أو ثلاث وانتهت النوبة إلى الكبيس قام فيهم خطيب وقال: إنما جعلنا اسم الشهر الفلاني من السنة الداخلة للذي بعده. وحيث كانوا يزيدون النسئ على جميع الشهور بالنوبة حتى يكون لهم في سنة محرمان وفي اخرى صفران، فإذا اتفق أن يتكرر في السنة شهر من الاربعة الحرم نبأهم الخطيب (1) بتكريره، وحرم عليهم واحدا منهما بحسب ما تقتضيه مصلحتهم. ولما انتهى النوبة في أيام النبي صلى الله عليه وآله إلى ذي الحجة وتم دور النسئ على الشهور كلها حج في السنة العاشرة من الهجرة بوقوع الحج فيها في عاشر ذي الحجة، وقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض. يعني به رجوع الحج وأسماء الشهور إلى الوضع الاول، ثم تلا قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) إلى آخر الآية (انتهى) وأما السنة الشمسية فمأخوذة من عود الشمس إلى موضعها من فلك البروج، المقتضي لعود حال السنة بحسب الفصول، ويحصل ذلك في ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم إلا كسرا، كما ذكره في لتذكرة، والكسر عند بطلميوس جزء واحد من ثلاث مائة جزء من يوم، ويتم في أيام السنة المذكورة من الشهور القمرية


(1) خطيبهم (خ).

[347]

الوسطية اثني عشر شهرا وأحد عشر يوما إلا سبع دقائق واثنتي عشرة ثانية، و هذه المدة أعني اثني عشر شهرا قمريا وسطيا تسمى سنة قمرية اصطلاحية. و مستعملوا السنة الشمسية لهم طرق: الاولى طريقة قدماء المنجمين فإنهم يأخذون السنة من يوم تحل الشمس فيه نقطة بعينها كالاعتدال الربيعي إلى مثل ذلك اليوم ويأخذون شهورها من الايام التي تحل فيها أمثال تلك النقطة من البروج فإن كانت النقطة التي هي مبدأ السنة الموافق لمبدء الشهر الاول أول برج كأول الحمل كانت أمثالها أوائل البروج الباقية، وإن كان عاشرة برج مثلا كانت أمثالها عواشر البروج. الثانية الفرس (1) القديم وليس فيها كسور وكبائس، وسنتهم ثلاثمائة وخمسة وستون يوما، وشهورهم ثلاثون ثلاثون، ويزيدون الخمسة في آخرها ويسمونها (الخمسة المسترقة) وهذه أسماء شهورهم: فروردين ماه، اردي بهشت ماه، خرداد ماه، تيرماه، مرداد ماه، شهريور ماه، مهرماه، أبان ماه، آذر ماه دي ماه، بهمن ماه، اسفندارمذ ماه، وكان في العهد القديم لهذا التاريخ كبيسة وأنهم كانوا يجمعون الارباع الزائدة، ويؤخرونها إلى عشرين ومائة سنه، و كانوا يزيدون لذلك شهرا في سنة الاحدى والعشرين والمائة، فتصير هذه السنة ثلاثة عشر شهرا، ولهم في ذلك تفصيل من دور الكبس وغير ذلك أعرضنا عن ذكرها وكان مبدأ هذا التاريخ من زمان جمشيد أو كيومرث، واستمر إلى زمان يزجرد فلما انتهى ملكهم تركوا الكبس. وكان بعض المنجمين يزيدون الخمسة المسترقة بعد أبان ماه، وبعضهم بعد إسفندارمذ ماه، ففي كل أربع سنين أو خمس سنين تتقدم هذه السنة على السنة الشمسية بيوم الثالثة التاريخ الملكي وهو منسوب إلى السلطان جلال الدين ملك شاه، والسبب في وضعه أنه اجتمع في حضرته ثمانية من الحكماء منهم الخيام، فوضعوا تاريخ مبدؤه نزول الشمس أول الحمل، وأول السنة يوم تكون الشمس في نصف نهاره في الحمل سموه بالنيروز السلطاني، فسنوه شمسية حقيقية، وكذا شهوره إذا اعتبرت بحلول الشمس في أوائل البروج كما فعله بعض


(1) كذا في جميع النسخ والظاهر أن الصواب (طريقة الفرس).

[348]

المنجمين، وإذا اخذت ثلاثين ثلاثين والحقت الكسر بآخر السنة وكبس الكسر في كل أربع سنين أو خمس بيوم ليوافق أول السنة دائما نزول الشمس الحمل كما فعله أكثر المنجمين كانت اصطلاحية، وأسماء شهورها أسماء شهور الفرس القديم المتقدم، وعليه بناء التقاويم الآن الرابعة التاريخ الرومي، مبدؤه بعد اثنتي عشرة سنة شمسية من وفات الاسكندر بن فيلقوس الرومي، وسنوه شمسية اصطلاحية، هي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع تام، وكذا شهورهم اصطلاحية شمسية، وأسماء شهورهم وعددها هكذا: تشرين الاول (لا) تشرين الآخر (ل) كانون الاول (لا) كانون الآخر (لا) شباط (كح) اذار (لا) نيسان (ل) أيار (لا) حزيران (ل) تموز (لا) اب (لا) ايلول (ل) ومستعملوا هذا التاريخ يعدون أربعة منها ثلاثين، وهي: تشرين الآخر، ونيسان، وحزيران، وإيلول والسبعة البقية غير شباط أحدا وثلاثين، وشباط في ثلاث سنين متوالية ثمانية و عشرين، وفي الرابعة وهي سنة الكبيسة تسعة وعشرين فالسنة عندهم ثلاثمائة و خمسة وستون وربع كامل، مع أن السنة الشمسية أقل من ذلك عندهم لكسر في الربع كما عرفت، ووجدوا الكسر مختلفا في أرصادهم، ففي رصد التباني ثلاثة عشرة دقيقة وثلاثة أخماس دقيقة، وفي رصد المغربي اثنتا عشرة دقيقة، وعلى رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة، وعلى رصد بعض المتأخرين تسع دقائق وثلاثة أخماس دقيقة، وعلى رصد بطلميوس أربع دقائق وأربعة أخماس دقيقة. والفرس من زمان جمشيد أو قبله والروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد (أبرخس) فالشهور الرومية مبنية على هذا الاعتبار وهذا الرصد وعلى ما وجده سائر أصحاب الارصاد فلا يوافق هذه السنة الشمسية. وبمرور الازمان تدور شهورها في الفصول. وقال بعضهم: في كل ثلاثين سنة تقريبا تتأخر سنتهم عن مبدأ السنة الشمسية بيوم، وأول سنتهم وهو تشرين الاول في هذه الازمان يوافق تاسع عشر الميزان، وأول نيسان في الدرجة الثالثة والعشرين من الحمل.

[349]

واعلم أن كثيرا من الامور الشرعية منوطة بهذه الشهور، من الاحوال و الاعمال والآداب، كالمطر في نيسان وآدابه، ولا يعلم أن الشارع بناه على الفصول أو على الشهور، ولعل الاول أظهر فيشكل اعتبار الشهور في تلك الازمان، إذ لعلهم أرادوا تعيين أوقات الفصول فعينوها بهذه الشهور لموافقتها لتلك الاوقات في تلك الازمان لكن في بعض الاعمال التي في وقتها اتساع يمكن رعاية الاحتياط بحسب التفاوت بين الزمانين وإيقاعها في الوقت المشترك، وما لم يكن فيه اتساع بعملها في اليومين معا. ثم إن انقسام السنة الشمسية عند الروم إلى هذه الشهور الاثني عشر التي بعضها ثمانية وعشرون وبعضها ثلاثون وبعضها أحد وثلاثون إنما هو محض اصطلاح منهم، لم يذكر أحد من المحصلين له وجها أو نكتة، وما توهم بعض المشاهير من أنه مبني على اختلاف مدة قطع الشمس كلا من البروج الاثني عشر ظاهر البطلان فإن الحمل والثور عندهم أحد وثلاثون، والجوزاء اثنان وثلاثون، والسرطان والاسد والسنبلة أحد وثلاثون، والميزان والعقرب ثلاثون، والقوس والجدي تسعة وعشرون والدلو والحوت ثلاثون، وظاهر أن الامر في الشهور الرومية ليس على طبقها، كيف وكانون الاول الذي اعتبروه أحدا وثلاثين هو بين القوس والجدي، وكل منهما تسعة وعشرون. ثم أعلم أن التاريخ تعيين يوم ظهر فيه أمر شائع كملة أو دولة، أو حدث فيه أمر هائل كطوفان أو زلزلة أو حرب عظيم، لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث ولضبط ما يجب تعيين وقته في مستقبل الزمان، وقد مرت الاشارة إلى تاريخ الروم والفرس، والشائع المستعمل في زماننا تاريخ الهجرة، وسبب وضعه على ما نقل أنه دفع إلى عمر صك محله شعبان، فقال: أي شعبان هو ؟ هذا الذي نحن فيه أو الذي يأتينا ؟ أو أن أبا موسى كتب إليه أنه يأتينا من قبلك كتب لا نعرف كيف نعمل فيها، قد قرأنا صكا محله شعبان فما ندري أي الشعبانين هو ؟ الماضي أو الآتي ؟ فجمع الصحابة واستشارهم فيما يضبط به الاوقات، فقال له الهرمزان ملك الاهواز

[350]

وقد أسلم على يديه حين اسر وحمل إليه: إن للعجم حسابا يسمونه (ماه روز) وأسنده إلى من غلب عليهم من الاكاسرة، وبين كيفية استعماله، فعربوا (ماه روز)) بمورخ، وجعلوا مصدره التاريخ، فقال ابن الخطاب: ضعوا للناس تاريخا نضبط به أوقاتهم. فقال بعض الحاضرين من مسلمي اليهود: لنا حساب مثله نسنده إلى إسكندر، فما ارتضاه الصحابة، واتفقوا على أن يجعل مبدؤه هجرة النبي صلى الله عليه وآله، إذ بها ظهرت دولة الاسلام، وكانت الهجرة يوم الثلثاء لثمان خلون من شهر ربيع الاول، وأول هذه السنة أعني المحرم كان يوم الخمس بحسب الامر الاوسط، وعلى قول أهل الحديث، ويوم الجمعة بحسب الرؤية و حساب الاجتماعات، فعمل عليه في أكثر الازياج إلا زيج المعتبر فإنه عمل على يوم الخميس، وكان اتفاقهم على ذلك في سنة سبع عشرة من الهجرة ومبادئ شهور تلك السنة على الرؤية وقد تكون تامة وأكثر المتوالية منها أربعة، وقد تكون ناقصة وأكثر المتوالية منها ثلاثة. واعلم أن القوم تمسكوا في اختيار واقعة الهجرة بمبدء التواريخ الاسلامية على سائر الوقائع المعروفة كالمبعث والمولد بوجوه ضعيفة، كقولهم إن المبعث غير معلوم، والمولد مختلف فيه، ولا يخفى وهنه، فإنه لو اريد بذلك عدم اتفاقهم في شئ منهما على يوم معين من شهر معين فظاهر أن أمر الهجرة أيضا كذلك كما بيناه في محله، مع أن العلم باليوم والشهر لامدخل له في المطلوب وهو ظاهر، و إن اريد به اختلافهم في خصوص سنتيهما فكلا، فإنه لا خلاف فيه في زماننا فضلا عن أوائل الاسلام، وكذا الوجوه الاخرى التي ذكروها في هذا الباب، ولقد عثرت على خبر يصلح مرجحا ومخصصا لذلك قل من تفطن به، وهو ما ورد في خبر الصحيفة الشريفة السجادية صلوات الله على من الهمها حيث قال الصادق عليه السلام: إن أبي حدثني عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذته نعسة وهو على منبره، فرأى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة، يردون الناس على أعقابهم القهقرى ! فاستوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا والحزن يعرف في

[351]

وجهه، فأتاه جبرئيل عليه السلام بهذه الآية (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك فتنة للناس والشجرة المعلونة في القرآن (1) الآية) يعني بني امية. قال: يا جبرئيل ! أعلى عهدي يكونون وفي زمني ؟ قال: لا، ولكن تدور رحى الاسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحى الاسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا (إلى آخر الخبر) فيدل على أن جعل مبدأ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرئيل عليه السلام ومستند إلى الوحي السماوي، ومنسوب إلى الخبر النبوي، وهذا يؤيد ما روي أن أمير المؤمنين عليه السلام أشار عليهم بذلك في زمن عمر عند تحيرهم، والعلة الواقعية في ذلك يمكن أن تكون ما ذكر من أنها مبدء ظهور غلبة الاسلام والمسلمين، ومفتتح ظهور شرائع الدين، وتخلص المؤمنين من أسر المشركين، وسائر ما جرى بعد الهجرة من تأسيس قواعد الدين المبين. ولنشر ههنا إلى فوائد: الفائدة الاولى: أنه قد وردت أخبار كثيرة تدل على أن عدد أيام السنة ثلاثمائة وستون، كالاخبار الواردة في عدد الطواف المستحبة وكخبر الاحتزال وغيرها، وهي لا توافق شيئا من المصطلحات المتقدمة، ولا السنين الشمسية ولا القمرية، ويمكن توجيهه بوجوه: الاول أن يكون المراد بها السنة الالهية كما مرت الاشارة إليه في الباب الاول. الثاني أن يكون المراد به السنة الاولى من خلق الدنيا بضم الستة المصروفة في خلق الدنيا إلى السنة القمرية. الثالث أن يكون مبنيا على بعض مصطلحات القدماء قال أبو ريحان البيروني في تاريخه: سمعت أن الملوك البيشدادية من الفرس وهم الذين ملكوا الدينا بحذافيرها كانوا يعملون السنة ثلاثمائة وستين يوما، كل شهر منها ثلاثون يوما بلا زيادة ونقصان وأنهم كانوا يكبسون في كل ست سنين بشهر ويسمونها (كبيسة) وفي كل مائة وعشرين سنة شهرين احدهما بسبب الخمسة أيام، والثاني بسبب ربع اليوم، و أنهم كانوا يعظمون تلك السنة ويسمونها (المباركة) ويشتغلون فيها بالعبادات و


(1) الاسراء: 60.

[352]

المصالح. ثم قال بعد ذكر نسئ العرب وكبس أهل الكتاب وغيرهم: وقد حكى أبو محمد التائب الآملي في كتاب الغرة عن يعقوب بن طارق أن الهند تستعمل أربعة أنواع من المدد: أحدها من عودة الشمس من نقطة من فلك البروج إليها بعينها وهي سنة الشمس والثانية طلوعها ثلاثمائة وستين مرة، وتسمى السنة الوسطى لانها أكثر من سنة القمر وأقل من سنة الشمس. والثالثة عودة القمر من الشرطين وهما رأس الحمل إليهما اثنتي عشرة مرة، وهي سنة القمر المستعملة. الفائدة الثانية: قال الرازي في قوله تعالى (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) فإن قالوا: لم لم يقل ثلاثمائة وتسع سنين ؟ وما الفائدة في قوله (وازدادوا تسعا) ؟ قلنا: قال بعضهم كانت المدة ثلاثمائة سنة من السنين الشمسية وثلاثمائة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكل، لانه لا يصح بالحساب هذا القول (1). وروى الطبرسي ره وغيره أن يهوديا سأل عليا عليه السلام عن مدة لبثهم، فأخبر عليه السلام بما في القرآن، فقال: إنا نجد في كتابنا ثلاثمائة. فقال عليه السلام: ذلك بسني الشمس، وهذا بسني القمر (2). وتفصيل القول في ذلك أنه يمكن تقرير الاشكال الوارد على هذا التفسير الذي أومأ إليه الرازي بوجهين: أحدهما أن أيام السنة القمرية في مدة ثلاثمائة وتسع سنين إذا قسمت على ثلاثمائة تخرج حصة كل سنة شمسية ثلاثمائة وأربعة وستين يوما وثلثا وعشرين ساعة مستوية وستا وخمسين دقيقة وثماني وثلاثين ثانية وأربعة وعشرين ثالثة، ولا يوافق ذلك شيئا من الارصاد المتداولة بل ناقص عن الجميع. وثانيهما أن التفاوت المضبوط بين السنتين في مدة ثلاثمائة سنة يزيد على تسع سنين على جميع الارصاد، فإنه على رصد التباني، مع أن مقتضاه أقل من سائر الارصاد يبلغ إلى عشرة أيام وعشرين ساعة وست وأربعين دقيقة و


(1) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 706. (2) مجمع البيان: ج 6، ص 463.

[353]

أربع وعشرين ثانية، وإذا ضرب هذا المقدار من الزمان في ثلاثمائة وقسم الحاصل على مقدار السنة القمرية يزيد الخارج على تسع سنين قمرية بأربعة وسبعين يوما وأربع ساعات وثمان وأربعين دقيقة، فكيف على سائر الارصاد ؟ حتى أنه على رصد أبرخس المبني عليه حساب الروم والفرس من قديم الايام بل المعروف بين جميع الطوائف في صدر الاسلام يزيد على تسع سنين بسبعة وسبعين يوما وثماني و أربعين دقيقة، فلا تستقيم الموافقة المستفادة من التفسير المذكور والرواية المنقولة وقد يجاب بأن عدم الاعتناء بالكسور القليلة في جنب آحاد الصحاح تارة بإسقاطها سيما إذا لم تبلغ النصف، وتارة بإكمالها أي عدها تامة سيما إذا جاوزت النصف وكذا بالآحاد القليلة في جنب العشرات والعشرات القليلة في جنب المآت وهكذا أمر شائع وعرف عام في المحاورات الحسابية، يبتني عليه كثير من القرآن والحديث كما سنشير إليه في حديث الصباح بن سيابة، فلا بأس أن يخبر تعالى بأن مدة لبث أصحاب الكهف ثلاثمائة سنة بالشمسية أو ثلاثمائة وتسع سنين بالقمرية، وكانت ناقصة عن الاولى حقيقة بمثل تلك الايام القلائل، أو كانت مطابقة لها وكانت زائدة على الثانية حقيقة بمثلها، أو كان في الاول نقصان وفي الثانية زيادة يصير المجموع مساويا لمثل تلت الايام، فإن في رعاية مطابقة العرف في تلك المحاورات لمندوحة عن كذبها حتى أنه يمكن أن يقيد عرفا أمثال ذلك بأنه كذلك بلا زيادة ولا نقصان، اعتمادا على أن تحقق الزيادة والنقصان في عرف الحسابيين إنما هو بالصحاح أو ما في حكمهما، دون أمثال تلك الكسور. واقول: قد مر في المجلد التاسع في باب علم أمير المؤمنين عليه السلام بعض القول في ذلك. الفائدة الثالثة: قد ورد في الاخبار بناء كثير من الامور الشرعية من الصوم وغيره على عد شهر من الشهور القمرية تاما وشهرا ناقصا، كعد الخمسة من شهر آخر مثله، أو الستة في سنة الكبيسة وسيأتي بيانها وبسط القول فيها في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى، وعليه يبنى ما روي أن يوم الاضحى يوم الصوم ويوم

[354]

عاشورا يوم الفطر، لكنه إنما يستقيم في سنة الكبيسة، فإنه إذا كان أول شهر رمضان يوم السبت مثلا كان أول شوال يوم الاثنين لانه من الشهور التامة، وأول ذي القعدة يوم الثلثاء وأول ذي الحجة يوم الخميس، فالاضحى يوم السبت موافقا ليوم الصوم، وذو الحجة لما كان من الشهور الناقصة في غير سنة الكبيسة فالجمعة أول المحرم فعاشوراء يوم الاحد وهو لا يوافق يوم الفطر، وفي الكبيسة يوافقه لاتمام ذي الحجة فيها. ويمكن أن يكون مبنيا على الغالب، أو على ما إذا غمت الاهلة كما عمل بها جماعة من الاصحاب على هذا الوجه، أو على استحباب صوم يوم الشك فإن هذا الحساب متقدم على الرؤية غالبا، وما قيل في الخبر الاخير من أن المعنى أن العارفين يوم صومهم يوم عيدهم ويوم فطرهم يوم تعزيتهم فهو مما تضحك منه الثكلى، وسيأتي مزيد تحقيقه في محله الانسب. وقال أبو ريحان في تاريخه يبتدؤن بالشهر من عند رؤية الهلال، وكذلك شرع في الاسلام كما قال الله تعالى (ويسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج (1)) ثم نبتت نابتة ونجمت ناجمة وتبغت فرقة جاهلية فنظروا إلى أخذهم بالتأويل وميلهم إلى اليهود والنصارى، فإن لهم جداول وحسابات يستخرجون بها شهورهم ويعرفون منها صيامهم والمسلمون مضطرون إلى رؤية الهلال، ووحدوهم شاكين فيه مختلفين مقلدين بعضهم بعضا بعد استفراغهم أقضى الوسع في تأمل مواضعه وتفحص مواقعه، ثم رجعوا إلى أصحاب الهيئة فألفوا زيجاتهم وكتبهم مفتتحة بمعرفة أوائل ما يراد من شهور العرب بصنوف الحسابات وأنواع الجداول، فظنوا أنها معمولة لرؤية الاهلة، وأخذوا بعضها ونسبوه إلى جعفر الصادق عليه السلام وأنه سر من أسرار النبوة، وتلك الحسابات مبنية على حركات النيرين الوسطى دون المعدلة، ومعمولة على عد سنة القمر ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخمس وسدس وأن ستة أشهر من السنة تامة وستة ناقصة، وأن كل ناقص منها فهو تال لتام على ما عمل عليه في الزيجات فلما قصدوا استخراج أول الصوم وأول الفطر بها خرجت


(1) البقرة: 189.

[355]

قبل الواجب بيوم في أغلب الاحوال، فأولوا قول النبي صلى الله عليه وآله (صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته) بأن معناه صوموا الذي يرى الهلال في عشيته، كما يقال: تهيؤوا لاستقباله، فيقدم التهيؤ على الاستقبال ! قالوا، وإن شهر رمضان لا ينقص من ثلاثين، فأما أصحاب الهيئة ومن تأمل الحال بعناية شديدة فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطرد على سنن واحد، لاختلاف حركة القمر المرئية بطيئة و سريعة، وقربه من الارض وبعده وصعوده في الشمال والجنوب وهبوطه فيهما و حدوث كل واحد من هذه الاحوال له في كل نقطة من فلك البروج، ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج وبطء بعض، وتغير ذلك على اختلاف عروض البلدان واختلاف الاهوية إما بالاضافة إلى البلاد الصافية الهواء بالطبع والكدرة المختلطة بالبخارات دائما والمغبرة في الاغلب، وإما بالاضافة إلى الازمنة إذا غلظ في بعضها ورق في بعض وتفاوت قوى بصر الناظرين إليه في الحدة والكلال. وإن ذلك كله على اختلاف بصنوف الاقترانات كائنة في كل أول شهرين رمضان وشوال على أشكال غير معدودة، وأحوال غير محدودة فيكون لذلك رمضان ناقصا مرة وتاما اخرى، وإن ذلك كله يفتن بتزايد عروض البلدان وتناقصها، فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية مثلا، وناقصا هو بعينه في الجنوبية منها وبالعكس. ثم لا يجري ذلك فيها على نظم واحد، بل لا يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية، فلو صح عملهم مثلا بتلك الجداول واتفق مع رؤية الهلال أو تقدمه يوما واحدا كما أصلوا لاحتاجوا إلى إفرادها لكل عرض، على أن اختلاف الرؤية ليس متولدا من جهة العرض فقط، بل لاختلاف أطوال البلدان فيها أوفر نصيب، فإذن لا يمكن ما ذكروه من تمام شهر رمضان أبدا، ووقع أوله وآخره في جميع المعمورة من الارض متفقا، كما يخرجه الجدول الذي يستعملونه. فأما قولهم إن مقتضى الخبر المأثور تقديم الصوم والفطر على الرؤية فباطل، وذلك أن حرف اللام يقع على المستأنف كما ذكروه، ويقع على الماضي، كما يقال: كتب لكذا مضى من الشهر

[356]

أي من عند مضي كذا، فلا تتقدم الكتبة الماضي من الشهر، وهذا هو مقتضى الخبر دون الاول. ألا ترى إلى ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: نحن قوم اميون لانكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وكان يشير في كل واحدة منها بأصابعه العشر يعني تاما ثلاثين يوما، ثم أعاد فقال: هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة يعني ناقصة تسعة وعشرين يوما، فنص صلى الله عليه وآله نصا لا يخفى على أحد أن الشهر يكون تاما مرة ويكون ناقصا اخرى، وأن الحكم جار عليه بالرؤية عليه دون الحساب بقوله لانكتب ولا نحسب. فإن قالوا: عنى أن كل شهر تام فإن تاليه ناقص كما يحسبه مستخرجوا التواريخ، كذبهم العيان إن لم ينكروه، وعرف تمويههم الصغير والكبير فيما ارتكبوه، على أن تتمة الخبر الاول يفصح باستحالة ما ادعوه، وهو قوله صلى الله عليه وآله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين يوما) وفي رواية اخرى (فإن حال بينكم وبين رؤيته سحاب أو قتام فأكملوا العدة ثلاثين) وذلك أنه إذا عرف أن الهلال يرى إما بجدولهم وحسابهم أو بما يستخرجه أصحاب الزيجات وقدم الصوم أو الفطر على رؤيته لم يحتج إلى إتمام شعبان ثلاثين أو إكمال شهر رمضان ثلاثين إذا انطبقت الآفاق بسحاب أو غبار، ولو كان أيضا شهر رمضان تاما أبدا ثم عرف أوله لاستغنى به عن الرؤية لشوال، مع ما روي في كتب الشيعة الزيدية أن الناس صاموا شهر رمضان على عهد أمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرين يوما، فأمرهم بقضاء يوم واحد فقضوه، وإنما اتفق ذلك لتوالي شهر شعبان وشهر رمضان عليهم ناقصين معا، و كان حال بينهم وبين الرؤية لرأس شهر رمضان حائل، فأكملوا العدة وتبين الامر في آخره. وروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: يصيب شهر رمضان ما يصيب سائر الشهور من الزيادة والنقصان، وروي عنه أيضا أنه قال: إذا حفظتم شعبان وغم عليكم فعدوا ثلاثين وصوموا. وروي عنه عليه السلام أيضا أنه سئل عن الاهلة فقال: هي الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر. فأما ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا رأيت هلال رجب فعد تسعة وخمسين يوما ثم صم

[357]

وما رووا عنه أنه قال: إذا رأيت هلال شهر رمضان لرؤيته فعد ثلاثمائة وأربعة و خمسين يوما ثم صم في القابل، فإن الله حق السنة ثلاثمائة وستين يوما، فاستثنى منها ستة أيام فيها خلق السماوات والارض فليست في العدد. فلو صحت الرواية عنه لكان إخباره عن ذلك على أنه أكثري الوجود في بقعة واحدة، لا أنه مطرد في جميع البقاع كما ذكرنا. وأما تعليل الايام الستة بهذه العلة فتعليل ركيك يكذب الرواية وتبطل له صحتها، وقد قرأت فيما قرأت من الاخبار أن أبا جعفر محمد بن سليمان عامل الكوفة من جهة المنصور حبس عبد الكريم بن أبي العوجاء و هو خال معن بن زائدة وكان من المانوية، فكثر شفعاؤه بمدينة السلام وألحوا على المنصور حتى كتب إلى محمد بالكف عنه، وكان عبد الكريم يتوقع ورود الكتاب في معناه، فقال لابي الجبار وكان منقطعا إليه: إن أخرني الامير ثلاثة أيام فله مائة ألف درهم. فأعلم أبو الجبار محمدا فقال: ذكرتنيه وكنت نسيته، فإذا انصرفت من الجمعة فاذكرنيه. فلما انصرف ذكره إياه فدعا به فأمر بضرب عنقه، فلما أيقن أنه مقتول قال: أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث احرم فيها الحلال واحل به الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم، وصومتكم في يوم فطركم. ثم ضربت عنقه وورد الكتاب في معناه بعده، وما أحق هذا الرجل الملحد بأن يكون متولي هذا التأويل الذي ذهبوا إليه وأصله (انتهى) وتمام القول فيه في كتاب الصوم. الفائدة الرابعة: اعلم أن ما ذكروه من أن مدة الشهر القمري تسعة و عشرون يوما واثنتا عشرة ساعة وأربع وأربعون دقيقة إنما هو باعتبار وضع القمر بالنسبة إلى الشمس إلى حصول مثل ذلك الوضع له، فكان قدر مسير الشمس في هذا الزمان منضما إلى قدر دورته من نقطة معينة إليها، واما باعتباره في نفسه فإنه يتم دوره في مدة سبعة وعشرين يوما وثلث يوم، فالتفاوت بين الاعتبارين بيومين وأربع ساعات وأربع وأربعين دقيقة، فلمداره بالاعتبار الاخير حدود ينزل في كل ليلة في أحدها إلى أن يرجع إلى الاول منها، فهي حقيقة اثنان وثمانون منزلا

[358]

في ثلاث دورات له لمكان الكسر المذكور، ولكن الناس تسامحوا فيه واصطلحوا على تقسيم كل دورة له إما إلى سبعة وعشرين منزلا كما اصطلح عليه أهل الهند إسقاطا للكسر، وإما إلى ثمانية وعشرين كما اصطلح عليه العرب إتماما له، و علموها بالكواكب القريبة منها وقد مر ذكرها، ونظموها بالفارسية على الترتيب هكذا: اسماء منازل قمر نزل عرب * شرطين وبطين است وثرياد بران هقعه هنعه ذراع ونثره پس طرف * جبهة زبره صرفه وعوا پس اران پس سماك وغفر وزبانا إكليل * قلب وشوله نعائم وبلده بدان سعد ذابح سعد بلع سعد سعود * باشد پس سعد أخبيه چارمشان از فرع مقدم بمؤخر چه رسيد * آنگه برشاء شد كه باشد پايان (1) فلاجل التفاوت المذكور بين الاعتبارين إذا فرضنا القمر بدرا في منزل معين في شهر معين فبعد إتمام دورة منه إليه يكون فيه بعينه في الشهر التالي ناقصا عن البدرية بحسب ذلك التفاوت، وهكذا يريد النقصان المذكور بعد كل دورة حتى يبلغ بعد ست دورات في المنزل المذكور بعد تمام الشهر السادس إلى مرتبة الهلالية وقس عليه عكسه فيبلغ بعد إتمام ست دورات اخر فيه إلى البدرية، فعلى أي حالة يرى في منزل معين يرى فيه بعد ست دورات على الحالة المقابلة لها، وبعد اثنتي عشرة دورة على الحالة الموافقة لها، وهكذا دائما. فإذا تمهد هذا فنقول: قد عرفت ما ذكره بعض المفسرين في قوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (2)) ويرجع حاصله إلى أن القمر من أول ظهوره بالعشيات مستهلا إلى آخر رؤيته بالغدوات مستنيرا يسير جميع المنازل، وفي آخرها يشبه بالعرجون القديم فيما يعرضه بسبب مرور الزمان


(1) قد مر منا ضبط الاسماء ووجوه تسمية المنازل بها في هذا الجزء (ص: 135 و 136) فراجع. (2) يس: 39.

[359]

كالدقة والانحناء. قال الطبرسي ره في جامع الجوامع: والمعنى قدرنا مسيره منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر منها (1) على تقدير مستو (حتى عاد كالعرجون القديم) وهو عود العذق الذي تقادم عهده حتى يبس وتقوس، وقيل: إنه يصير كذلك في ستة أشهر، قال الزجاج: هو (فعلون) من الانعراج وهو الانعطاف، والقديم يدق وينحني و يصغر، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه (انتهى) وقال الزمخشري بعد تفسير الآية بنحو ما مر: وقيل أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، فلو أن رجلا قال (كل مملوك لي قديم فهو حر) أو كتب ذلك في وصيته، عتق له من مضى له حول أو أكثر (انتهى) وروى علي بن إبراهيم والطبرسي رحمهما الله وغيرهما أنه دخل أبو سعيد (2) المكاري على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال: ما تقول في رجل قال عند موته (كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله ؟) فقال أبو الحسن عليه السلام: ما ملكه لستة أشهر فهو قديم وهو حر. قال: وكيف صار ذلك ؟ قال: لان الله يقول (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) سماه الله قديما ويعود كذلك لستة أشهر (3) (الخبر) وفي الكافي هكذا: قال نعم، إن الله يقول في كتابه (حتى عاد كالعرجون القديم) فما كان من مماليكه اتي له ستة أشهر فهو حر (4). فظهر من سياق ما نقلناه من التفسير والحديث أن بين العامة والخاصة في المسألة المذكورة من العتق موضع وفاق، هو أن حكمها مستنبط من الآية المذكورة، و موضع خلاف هو أن العامة لم يجاوز نظرهم عما فيها من توصيف العرجون بالقديم فظنوا بمحض زعمهم أن ثبوت هذا الوصف له بعد أن يحول الحول، فحكموا في المسألة على طبقه، وأن الخاصة عرفوا بتفريع إمامهم الحكم فيها بستة أشهر على


(1) عنها (خ). (2) في الكافي: ابن أبى سعيد. (3) تفسير القمى: 551، مجمع البيان، ج 8، ص 424 و 425. (4) الكافي (طبعة دار الكتب) ج 6، ص 195 وفيه فهو قديم وهو حر.

[360]

الآية أنه الحق الموافق لما تضمنه الكتاب، فاكتفوا به لعدم احتياجهم معه إلى تعرف وجه استنباطه منها، إذلهم عليهم السلام طرق في استخراج الاحكام، والوقائع من الكلام المجيد لاسبيل لنا إلى معرفتها. لكن ذكر بعض المحققين هنا وجها دقيقا نورده ههنا وهو أن عبارة (حتى عاد كالعرجون القديم) المذكورة من الآية في الحديث للاحتجاج عليه مشتملة على عدة ألفاظ فابتداؤها المتكفل للدلالة على اعتبار انتهاء لما صوره تعالى فيها من سير القمر بالمطابقة متضمن للدلالة على اعتبار ابتداء له أيضا بالالتزام، وذكر العود يدل على اتحادهما، بمعنى أن ما اعتبره من منازله في هذا السير للابتداء اعتبر هو بعينه للانتهاء، وتقييده في ضمن التشبيه بكونه هلالا في خصوص حال العود يدل على اعتبار كونه بدرا مقابلا لها في حال البدء المقابل له، كما يتبادر من لفظ القمر أيضا سيما مع مقابلة الشمس من الطرفين والنكتة حينئذ في اعتبار هذا الترتيب في البدء والعود دون العكس أظهر من الشمس ثم توصيف المشبه به بالقدم يدل على اعتبار هذا الوصف أيضا في جملة وجوه الشبه بل هو أحق بالاعتبار، لاختصاصه بالذكر، وكونه مناطا لسائر الوجوه، كقولهم فلان كالبدر المنير أو كالاسد الغضبان، فمجمل ما أوجز في تلك الكلمات التامات إنما يرى من حال سير القمر في منازله المقدرة له من أنه في أي منزل كان بدرا فيه، في وقت يصير فيه بعينه هلالا شبيها بالعرجون القديم بعد دورات معدودة في أزمنة محدودة على تدريج خاص ونظام معين لا يتغير ولا يتبدل ولا يزيد ولا ينقص وهكذا حاله في جميع الازمان من عجائب الآيات وغرائب التدبيرات، فبذلك التصوير والتشبيه مع ما عرفت مما مهدناه من أن صيرورته هلالا في منزل كان فيه بدرا يتم بتمام الشهر السادس وحينئذ بتعرضه للصفات المعتبرة في المشبه به ومن جملتها القدم تعرف أن الشي إذا أتى له ستة أشهر صار موصوفا بالقدم وهذا هو المطلوب. فان قيل: مدة ستة دورات ناقصة عن ستة أشهر كما عرفت. قلنا: قد مر أنه شاع في عرف أهل الحساب عد ما زاد على النصف من الكسور

[361]

كاملا، والنقصان هنا أقل من نصف شهر كما لا يخفى. وربما يؤيد هذا الوجه بأن الخبر على ما رواه علي بن إبراهيم ظاهره وصف القمر بالقديم، إذا الظاهر رجوع الضمير في (سماه) إلى القمر، بقرينة قوله (ويعود كذلك). وأقول: هذا وجه لطيف مشتمل على دقائق جليلة، لكنه في غاية البعد و التكلف، والله يعلم حقائق كلامه، ومن خصه بمزيد الفضل من إنعامه. الفائدة الخامسة: اعلم أن أصحابنا اتفقوا على أن ولادة نبينا صلى الله عليه وآله كانت في شهر ربيع الاول، إنما في السابع عشر منه كما هو المشهور، أو في الثاني عشر كما اختاره الكليني ره وهو المشهور بين المخالفين. وذكر الكليني وغيره أن الحمل به صلى الله عليه وآله كان في أيام التشريق، فيلزم أن يكون مدة حمله صلى الله عليه وآله إما ثلاثة أشهر أو سنة وثلاثة أشهر، مع أن الاصحاب اتفقوا على أنه لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر ولا أكثر من سنة، ولم يذكر أحد من العلماء أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وآله والجواب أن ذلك مبني على النسئ الذي حققناه في صدر الباب، وذكروا للنسئ ثلاثة معان أو مأنا إلى بعضها: الاول أنهم كبسوا تسع عشرة سنة تامة قمرية، حتى صارت تسع عشرة سنة تامة شمسية على ترتيب (بهزيجوح) فدور النسئ على هذا الوجه تسع عشرة سنة تامة قمرية مكبوسة بسبعة أشهر تامة قمرية، لان تسع عشر منه وسبعة أشهر تامتين قمريتين تسع عشرة سنة تامة شمسية، والشهر الزائد وهو الكبس يسمى النسئ، لانه المؤخر عن مكانه لان المحرم لو سمي بذي الحجة صار صفر محرما، فتأخر المحرم إلى مكان صفر والسنة التي يزيدون الشهر فيها هي السنة الكبيسة أي المدخولة المزيدة فيها، من الكبس بمعنى الطم. الثاني أنهم كانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا، فدور النسئ ست وثلاثون سنة تامة قمرية مكبوسة باثني عشر شهرا قمريا كذلك. الثالث أنهم كانوا يكبسون في كل سنتين شهرا، فدور النسئ على هذا الوجه أربع وعشرون سنة تامة قمرية مكبوسة باثني عشر شهرا تاما قمريا، وهذا الوجه أشهر

[362]

موافقا لما ذكره الطبرسي وغيره. وبالجملة إنهم كانوا يزيدون في بعض السنين شهرا ويتركون بعضها بحاله، فبعض سنيهم اثنا عشر شهرا، وبعضها ثلاثة عشر شهرا، و الزيادة دائما تكون في آخر السنة التي ينتقل الحج بعدها من شهر إلى آخر، لان من شهر إلى مثله اثني عشر شهرا، ومنه إلى ما يليه ثلاثة عشر شهرا والنسئ المشهور مبني على الاخير، وربما يبنى على الاول والثاني أيضا فنقول على الوجه الثالث المشهور لما تبين أن الولادة في الربيع الاول إما في السابع عشر أو في الثاني عشر والوفاة إما في الثاني عشر منه كما اختاره الكليني ره وفقا للمشهور بين العامة، أو في الثامن والعشرين من الشهر قبله أعني صفر كما هو المشهور عند الامامية والمشهور أن مدة حياته الشريفة صلى الله عليه وآله ثلاث وستون سنة تامة قمرية تحقيقا على الاول وتقريبا على الثاني فمن جمادى الاخرى المؤخر عن ولادته صلى الله عليه وآله بثلاثة أشهر إلى ذي الحجة من حجة الوداع المقدم على وفاته صلى الله عليه وآله بمثله اثنان وستون سنة تامة قمرية وستة أشهر، و هو ستون سنة تامة نسيئية، لان ستين سنة نسيئية زائدة على ستين سنة تامة قمرية بثلاثين شهرا، لان كل سنتين تامتين نسيئتين زائدة على سنتين تامتين قمريتين بشهر، باعتبار انتقال الحج من شهر إلى آخر كما عرفت، وثلاثون شهرا سنتان وستة أشهر، فظهر أن من جمادى الثانية التي في خلال عام مولده إلى حجة الوداع ستون سنة تامة نسيئية، وظهر أن الحج وقع في خلال عام مولده في جمادى الثانية إذا المفروض أن مبدأ كل سنة من السنين التامة النسيئية الحج الواقع في شهر و منتهاها الحج الآخر الواقع في هذا الشهر أو في الشهر الآخر بعده، فمبدأ الستين السنة النسيئية جمادى الثانية، ومنتهاه ذو الحجة حجة الوداع، فالستون السنة محصورة بين حجتين: إحديهما المبدأ والاخرى المنتهى، فالحج الواقعة في هذه المدة إحدى وستون حجة لان كل سنة تامة نسيئية محصورة بين حجتين، وكل حجة بداية سنة تامة نسيئية ونهاية سنة اخرى إلا حجة الوداع، لان النسئ انقطع عنده، فهي نهاية سنة ستين النسيئية فقط، والحجة الواقعة في خلال عام مولده هي الحجة الاولى الواقعة فيها، لان حجة الوداع كانت اولى حجة وقعت

[363]

في ذي الحجة كما مر، والواقعة قبلها في الشهر السابقة كانت في ذي القعدة، فالشهر الزائد في آخر سنة الستين والمزيد فيها شهر سنة الستين لا التي قبلها، وكذا كل شفع من السنين النسيئية هي التي زيد في آخرها شهر، وقد مر أن الزيادة تكون باعتبار انتقال الحج من شهر إلى آخر، فلو كانت الحجة الواقعة في جمادى الثانية في خلال عام مولده صلى الله عليه وآله هي الحجة الثانية لزم أن تكون الحجة الواقعة بعدها التي هي مبدأ السنة الثانية من السنين النسيئية ومنتهى السنة الاولى قد وقعت في رجب، لان المفروض على وقوع أزيد من حجتين في شهر، وأن تكون الزيادة في السنة الاولى لافي الثانية، وفي الوتر من السنين التامة النسيئية لافي الشفع، وأن تكون حجة الوداع الحجة الثانية الواقعة في ذي الحجة، لا الاولى، وهو خلاف المنقول والمروي. فظهر أن الحجة الواقعة في جمادى الثانية في خلال عام مولده صلى الله عليه وآله كانت الحجة الاولى، فالحمل به صلى الله عليه وآله في أيام التشريق في السنة السابقة في جمادى الاولى، فمدة الحمل عشرة أشهر بلا زيادة ولا نقصان، أو بزيادة يوم أو بنقصانه على ما ذهب إليه الكليني، وبزيادة أيام على المشهور، من أن يوم الولادة السابع عشر. وقد مر بعض القول منا في ذلك في المجلد السادس في باب ولادته صلى الله عليه وآله وقد ذكرنا هنا جملة من القول في الاختلاف الواقع في يوم مولده صلى الله عليه وآله ولنذكر هنا أيضا بعض القول فيه لما انتهى الكلام إليه، فإن الحديث ذوشجون. فاعلم أنه لا خلاف في أن يوم الولادة الشريفة من أيام ربيع الاول في عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة، وإنما الخلاف في أنه أي يوم من الشهر المذكور، ولكن علماء الامامية رضوان الله عليهم متفقون على كونه غير خارج من الثاني عشر والسابع عشر، فالمشهور السابع عشر، قال الشيخ المفيد ره في المقنعة: ولد صلى الله عليه وآله بمكة يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الاول في عام الفيل وصدع بالرسالة في يوم السابع والعشرين من رجب وله يومئذ أربعون سنة (انتهى) ونحو ذلك قال شيخ الطائفة وغيرهما من العلماء والمحدثين إلا ثقة الاسلام في

[364]

الكافي حيث قال: ولد النبي صلى الله عليه وآله لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال، وروي أيضا عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة (1) وهو موافق لما هو المشهور بين العامة في الحرمين زاد الله في شرفهما وغيرهما من بلاد المخالفين، وهذا القول مع ندرته بيننا قد ايد بوجوه: الاول أن وفاته صلى الله عليه وآله كانت في يوم الاثنين بالاتفاق، وكانت إما لليلتين بقيتا من شهر صفر كما هو المشهور بين الشيعة، أو في الثاني عشر من ربيع الاول كما في الكافي وهو أيضا مشهور بين المخالفين، وعلى كل تقدير يكون لا محالة غرة ربيع الاول في السنة الحادية عشر من هجرته الموافقة لوفاته صلى الله عليه وآله مطابقة ليوم الخميس ويلزم منه بالبرهان الحسابي أن يكون غرة ربيع الاول في سنة المولد يوم الاثنين أو يوم الثلثاء، إذ بين غرتي هذين الربيعين ثلاث وستون سنة قمرية بلا زيادة ولا نقصان لعدم الخلاف في مدة عمره صلى الله عليه وآله ثلاث وعشرون أو أربع وعشرون منها ذات كبيسة، والباقية خالية عنها، والترديد باعتبار عدم العلم بمبدأ الكبائس، وبعد طرح الاسبوعات التامة من كل سنة يبقى من ذوات الكبائس خمسة أيام، ومن غيرها أربعة أيام، وهذا ظاهر، فيجتمع من بقايا اسبوعات تلك السنين مائتان وخمسة وسبعون أو ستة وسبعون يوما، والباقي منها بعد طرح سبعة سبعة اثنان أو ثلاثة، فيلزم من ذلك أو تكون غرة ربيع المولد يوما من الاسبوع مقدما على يوم غرة ربيع الوفاة باثنين أو ثلاثة، وكان هذا يوم الخميس فكان ذلك يوم الاثنين أو الثلثاء كما ذكرنا وكونه يوم الثلثاء ساقط بالاتفاق لعدم إمكان مطابقة الثاني عشر ولا السابع عشر على تقديره ليوم الجمعة، فتعين يوم الاثنين فيصادفه الثاني عشر دون السابع عشر، وهو المطلوب. والثانى أن وفاة العسكري وانتقال الامر إلى صاحب الزمان عليه السلام باتفاق الكليني والمفيد رضي الله عنهما في الكافي والارشاد كان في يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الاول سنة ستين ومأتين من الهجرة (2). فكانت غرة الشهر المذكور أيضا


(1) الكافي: ج 1، ص 439. (2) الكافي: ج 1، ص 503، الارشاد: 325.

[365]

وما بين غرة هذا الربيع وربيع المولد ثلاثمائة واثنتا عشرة سنة كاملة، فيظهر بالحساب المتقدم أن بقايا اسبوعات أيام تلك السنين أربعة أو خمسة أيام، فتكون غرة ربيع المولد مقدما على الجمعة بمثلها، فيكون يوم الاثنين أو يوم الاحد، والثاني ساقط بالاتفاق، والاول مستلزم للمطلوب. والثالث: أن غرة محرم الحرام لسنة الهجرة مضبوطة عند أهل الهيئة والحساب، بأنها كانت يوم الخميس بحسب الحساب، ويوم الجمعة باعتبار رؤية الهلال كما هو مذكور في التحفة والزيج الجديد وكذا غرة رجب المرجب سنة المبعث مضبوط بأنها كانت يوم الاثنين كما يظهر مما رواه الشيخ في المصباح من أن المبعث كان في يوم السبت، ولم أطلع على خلاف فيه، فيستفاد من هذين الضبطين أيضا دليلان آخران على هذا المطلوب. والرابع: ذكر بعض الافاضل ره أن غرة ربيع الاول فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان وثمانين وألف من الهجرة كانت يوم الثلثاء بلا اشتباه، وقد مضى حينئذ من غرة ربيع المولد ألف ومائة وأربعون سنة، ومن المقررات الحسابية المعلومة لاهل الخبرة أن في كل مأتين وعشرة سنين يعود وضع أيام الاسابيع مع أيام الشهور العربية إلى ماكان، ففي ألف وخمسين سنة يتم العود المذكور خمس مرات، فيكفى لنا النظر في تتمتها وهي تسعون سنة، ثلاث وثلاثون منها ذات كبيسة وسبع وخمسون بلا كبيسة، وقد عرفت أن الباقي من الاسبوعات كل من الاولى خمسة، ومن الثانية أربعة، فمجموع البقايا ثلاثمائة وثلاث وتسعون يوما، وإذا طرحناه سبعة سبعة يبقى واحد، فظهر أن غرة ربيع المولد مقدم على غرة ربيعنا بيوم، وهذا كان يوم الثلثاء فذلك كان يوم الاثنين وهو يستلزم المطلوب كما مر. ثم قال ره: فإن قيل: ذكر الشيخ في المصباح وغيره رواية مشتملة على تفسير المولد بالسابع عشر. قلنا: لكونها منافية لمقتضى هذه الدلائل الحسابية الغير المشكوك فيها، بل معارضة لما رواه أيضا في المصباح من موافقة المبعث يوم

[366]

السبت، لعدم إمكان اجتماعهما على ما مر ينبغي حملها على أن لا يكون التفسير المذكور من كلام الامام، بل من كلام بعض الرواة، لازالة الابهام عنها على حسب اعتقاده ومثل ذلك ليس بعزيز في الروايات. ثم إذا أتقنت هذا المسلك يتبين لك الحق بمعونته في كثير مما وقع الخلاف فيه، فمن ذلك أن الامة بعد اتفاقهم على وقوع هجرة نبينا صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة في السنة الرابعة عشر من المبعث اختلفوا في شهرها ويومها بالنسبة إلى الشهر وبالنسبة إلى الاسبوع، فقيل: يوم الاثنين السادس والعشرون من صفر، وقيل: ليلة الاثنين السابع والعشرون منه، وقيل: يوم الخميس أول ربيع الاول، و قيل: يوم الثلثاء ثامنه، وقيل: يوم الاثنين بدون ذكر شهرها، وقيل: أول ربيع الاول بدون ذكر يومه، وقيل: الرابع منه، وقيل: العاشر منه كذلك، فهذه أقوال ثمانية، ولما عرفنا ما مر من مطابقة غرة المحرم سنة الهجرة ليوم الخميس أو الجمعة واطلعنا على سائر التواريخ المعلومة ومن جملتها أن غرة ربيع المولد يوم الاثنين، وأن بينها وبين غرة ربيع الهجرة ثلاثا وخمسين سنة، ووجدناها مشتملة على أسابيع تامة بلا كسر، ومستلزمة لموافقة غرتيهما يوما، حصل لنا بتلك المعارف العلم بتهافت القولين الاولين، لعدم موافقة السادس والعشرين ولا السابع والعشرين من صفر ليوم الاثنين، وكذا بتهافت القول الثالث والرابع لعدم مطابقة أول ربيع الاول للخميس، ولا الثامن منه للثلثاء، ثم نعلم بارتفاع احتمال الثلثاء والخميس من البين، تعين يوم الاثنين موافقا لليوم الخامس المروي عن ابن عباس بل عن رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم بتعينه بطلان القولين الاخيرين لتنافيهما، ثم ببطلانهما تعين أول ربيع الاول موافقا للقول السادس المنقول عن الشيخ المفيد ره فتبين لنا أن هجرته صلى الله عليه وآله كانت في يوم الاثنين أول ربيع الاول والحمد لله. ثم بعد هذا التحقيق إذا نظرنا في تاريخ وصوله صلى الله عليه وآله إلى المدينة واختلاف القوم فيه، فقيل: لهلال ربيع الاول، وقيل لليلتين خلتا منه، وقيل لاثنتا عشرة مضت منه عرفنا بطلان القولين الاولين من طريق العادة، فتعين القول الاخير

[367]

الذي ذهب إليه المفيد ره في حدائق الرياض، وقد نقل ابن الجوزي في تلقيحه عن ابن سعد أنه هو المجمع عليه، ثم بتعينه عرفنا أن ما نقله ابن الجوزي عن ابن عباس وغيره وادعى صاحب روضة الصفا اتفاق أئمة الاخبار عليه من مصادفة يوم وصوله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ليوم الاثنين لا عبرة به، لعدم إمكان اتفاق الاول و الثاني عشر من شهر في يوم، فيكون وصوله صلى الله عليه وآله يوم الجمعة، فظهر أيضا فساد ما نقله عن عروة أنه مكث بقبا ثلاث ليال، ثم ركب يوم الجمعة، فالمعتمد هو ما نقله عن الزهري أنه صلى الله عليه وآله نزل في بيت عمرو بن عوف بقبا، فأقام به بضعة عشرة ليلة، فإنه موافق لما رواه الكليني في الروضة بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين عليهما السلام في ذكر إسلام علي عليه السلام وموضع الحاجة منه قوله عليه السلام: (حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وخلف عليا عليه السلام في امور لم يكن يقوم بها أحد غيره، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة في أول يوم من ربيع الاول وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول مع زوال الشمس فنزل بقبا فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، ثم لم يزل مقيما ينتظر عليا عليه السلام يصلي الخمس صلوات ركعتين ركعتين وكان نازلا على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك منزلا ومسجدا ؟ فيقول: لا، إني أنتظر علي بن أبي طالب، وقد أمرته أن يلحقني، ولست مستوطنا منزلا حتى يقدم علي، وما أسرعه إن شاء الله تعالى فقدم علي عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله في بيت عمرو بن عوف، فنزل معه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم علي عليه السلام تحول من قبا إلى بني سالم بن عوف، و علي عليه السلام معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس، فخط لهم مسجدا ونصب قبلته فصلى بهم فيه الجمعة ركعتين، وخطب خطبتين، ثم راح من يومه إلى المدينة على ناقته إلتي كان قدم عليها، وعلي معه لا يفارقه يمشي بمشيه) (1) (الحديث). ولا يخفى أنه فيه إشكالين: أحدهما في قوله (وذلك يوم الخميس) لما عرفت


(1) روضة الكافي: 339.

[368]

أن أول ربيع الاول في سنة الهجرة يوم الاثنين، والآخر في قوله (من سنة ثلاث عشرة من المبعث) لما عرفت أيضا من الاتفاق على كونه في السنة الرابعة عشر منه، ويمكن توجيه الاول بأن ذلك ليس إشارة إلى أول يوم ولا إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وآله كما يتبادر إلى الاذهان، بل إلى التخليف المذكور قبلهما، ولعل هذا أقرب إلى ذلك لفظا لكونه أبعد، ومعنى لما نقل أنه صلى الله عليه وآله توقف بعد خروجه من مكة في الغار المشهور ثلاثة أيام، وكان علي عليه السلام يصل إليه فيه سرا، فالظاهر أن تخليفه فيما أوصى إليه من اموره كان عند ارتحاله عنه فتدبر. وتوجيه الثاني بأن الاتفاق على كونها في الرابعة عشر مبني على أن المبعث كان في رجب، و مبدأ السنة عند العرب هو المحرم، فما بعد المحرم إلى رجب من جملة السنة الثالثة عشر من المبعث وإن كان معدودا عندهم من الرابعة عشر باعتبار مبدأ السنة فهما متوافقان معنى، والمخالفة إنما هي في اللفظ فقط. ومن ذلك اختلاف القوم بعد اتفاقهم على وقوع نص غدير خم في ثامن عشر ذي الحجة من السنة العاشرة الهجرية في خصوص يوم (1) الاسبوعي، فنقل عن ابن مردويه وعن أخطب خوارزم مرويا عن أبي سعيد الخدري أنه كان يوم الخميس وقال بعض الشيعة إنه كان يوم الجمعة، وما نقل في حبيب السير من اتفاق المؤرخين على أن يوم عرفة في حجة الوداع كان مطابقا ليوم الجمعة مقتض للقول منهم بكونه يوم الاحد، وكذا ما يتوهم مما في كتاب الحجة من الكافي في أثناء رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال بعد بيان نزول الصلوة والزكوة والصوم والحج: (ثم نزلت الولاية وإنما أتاه ذلك يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عزوجل (اليوم أكملت لكم دينكم (1)) (الحديث) وكونه توهما لانه لا يصح أن يكون المراد بلفظ عرفة ههنا يوم عرفة لمكان الباء، ولا الموقف لا لان اسمه عرفات وإطلاق عرفة عليه شبيه بمولد كما في الصحاح والقاموس فإنها مستعملة فيه في كثير من روايات


(1) كذا، والصواب (اليوم الاسبوعي). (1) الكافي: ج 1، ص 290.

[369]

كتاب الحج من الكافي والفقيه، بل لظاهر الروايات عن أهل البيت عليهما السلام بأن نزولها ما بين مكة والمدينة بعد الانصراف من حجة الوداع موافقا لما نقل في مجمع البيان عن الربيع بن أنس إما قبل وصوله إلى غدير خم كما روي في تفسير علي ابن إبراهيم عن أبي جعفر عليه السلام، وإما بعده كما روي في مجمع البيان وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام موافقا لما رواه المخالفون عن أبي سعيد الخدري ووجه الجمع حمل النزول في الاول على تمهيد ما ينزل، أو في الثاني على إقامة ما نزل بالتبليغ، فلو كان هذا اللفظ ههنا من كلام الامام عليه السلام لاحتمل أن يكون (عرفة) بالضم، إذ هي كما في القاموس اسم لثلاثة عشر موضعا، فلا يبعد أن يكون أحدها قريبا من غدير خم، هذا، ولكن التحقيق أن ليس شئ من هذه الايام الثلاثة موافقا للتواريخ المضبوطة المعلومة مع اختلافها بالنسبة إليه قربا وبعدا، فإن أقربها منه غرة صفر في السنة الحادية عشرة من الهجرة سنة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وهي كما ظهر مما مر كانت مطابقة للثلثاء، فكانت غرة المحرم فيها موافقة للاحد أو الاثنين، فكانت غرة ذي الحجة من السنة السابقة العاشرة من الهجرة غير خارجة عن الجمعة والسبت والاحد، فكانت الثامن عشر منه لا يخلو من الاثنين والثلثاء والاربعاء. وأن أبعدها عنه غرة ذي الحجة من سنة سبع وثمانين وألف قبيل ما نحن فيه من الزمان، وهي كانت يوم الخميس بحسب الحساب والرؤية جميعا بلا اشتباه، وغرة ذي الحجة من السنة العاشرة مقدمة عليها بألف وسبع وسبعين سنة تامة، فبطريق الحساب الذي مر بيانه يكون الباقي منها بعد طرح اسبوعاتها ستة فتكون مطابقة للجمعة، فكان ثامن عشره مصادفا ليوم الاثنين، فيدل كل من هذين التاريخين المعلومين على خلاف كل من الاقوال الثلاثة، ويدل على تعين رابع هو يوم الاثنين، ويطابقه أيضا ما ضبط ابن الجوزي في التلقيح من أن قتل عثمان كان في يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فإن ما بينهما خمس وعشرون سنة كاملة، والباقي بعد طرح اسبوعاتها أربعة، فإذا كان هذا يوم الجمعة فكان ذلك مقدما عليه بأربعة أيام، فكان يوم الاثنين، ويوافقه أيضا

[370]

ما ذكره الطبري في تاريخه من أن أول جمعة صلى علي عليه السلام بالناس وخطب بهم بعد قتل عثمان كان مطابقا للخامس والعشرين من ذي الحجة كما لا يخفى. فان قلت: الصدوق ره قال في الفقيه: وروي أنه ما طلعت الشمس في يوم أفضل من يوم الجمعة، وكان اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام بغدير خم يوم الجمعة (1) (الحديث). قلنا: أولا إن دأبه ره في هذا الكتاب أن يذكر ما لم يعتمد عليه من الروايات بهذا السياق. وثانيا إن قوله (وكان اليوم الذي إلى آخره) يجوز أن يكون من عبارة الراوي، أو من عبارته على طبق طريقته في هذا الكتاب من إدراج كلامه كثيرا بين الاحاديث بدون علامة فاصلة بينهما، ويؤيدهما أن مثل صدر هذا الحديث مروي في التهذيب والكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام بدون هذه التتمة (2) وفي الكافي أيضا عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام مع تتمة اخرى (3). وثالثا: إنه يمكن أن يوجه فيحمل اليوم الذي نصب فيه علي على اليوم الذي نزل فيه الامر بالنصب المذكور، أو على اليوم المقدر فيه ذلك، وهو يوم الميثاق، أو يقال: أفاد عليه السلام أحد هذين المعنيين بلفظ آخر، فنقله بعض الرواة بهذا اللفظ على طبق وهمه، فيطابق على الاول ما مر من رواية أبي الجارود، و على الثاني ما روي في الباب المذكور من الكافي والتهذيب على أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال له رجل: كيف سميت الجمعة ؟ قال: إن الله عزوجل جمع فيها خلقه لولاية محمد صلى الله عليه وآله ووصيه في الميثاق، فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه (4) (الحديث) فتأمل.


(1) الفقيه: 113. (2) الكافي: ج 3، ص 413. (3) الكافي: ج 3، ص 415. (4) الكافي: ج 3، ص 415.

[371]

ومن ذلك أنهم بعد اتفاقهم على وقوع الواقعة العظمى بكربلا في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة اختلفوا في يومه الاسبوعي، فقيل: كان يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت، وقيل: يوم الاثنين، والتواريخ المعلومة المضبوطة لا توافق شيئا منها، فإن أقربها إلى يوم الغدير في السنة العاشرة، وكونها مطابقة للاثنين على ما مر مستلزم لعدم خروج غرة المحرم في الحادية عشر عن السبت والاحد، وما بين المحرمين خمسون سنة تامة، والباقي من اسبوعاتها واحد، و يحتمل اثنين أيضا من جهة زيادة الكبائس لو فرضنا مثلا [مبدء] الخمسين المذكور مطابقا لخامس الثلاثين المعتبر فيها الكبائس لاحدى عشرة كما لا يخفى على أهل الخبرة، فيلزم أن يكون غرة المحرم في سنة إحدى وستين مؤخرة عن السبت أو الاحد بواحد أو اثنين، فيكون موافقا للاحد أو الاثنين، أو الثلثاء، فعاشره لا يخرج عن الثلثاء والاربعاء والخميس وأبعد التواريخ المذكورة عنها غرة المحرم فيما نحن فيه من السنة الثامنة والثمانين بعد الالف، وهي كما ثبت بالحساب والرؤية جميعا بلا اشتباه كانت يوم الجمعة، وما بين ذينك المحرمين ألف وسبع وعشرون سنة، فإذا أسقطنا عنها (ثمانمائة وأربعين) أربع دورات تامة كل منها مائتان وعشرة سنين على ما مر وجهه يبقى مائة وسبع وثمانون سنة، والباقي من اسبوعاتها خمسة مع احتمال أربعة أيضا من جهة نقصان الكبائس لو فرضنا مثلا مبدأ المدة المذكورة مطابقا لثالث الثلاثين المذكور، فيلزم أن يكون غرة ذلك المحرم مقدمة على غرة محرم سنتنا بخمسة أو أربعة، فكانت يوم الاحد أو الاثنين، فعاشره لا يخرج عن الثلثاء و الاربعاء، وسائر التواريخ المعلومة أيضا دالة على مثل ما دل عليه هذان التاريخان من حال الاقوال المذكورة بالنسبة إلى القواعد الحسابية. فان قلت: القول الاخير مضبوط في الكافي، والثاني في إرشاد المفيد على التعيين، والثلاثة في مقنعته على الترديد، وبالجملة القدر المشترك بينها هو مما اتفق عليه الشيخان الجليلان. قلنا: اتفاقهما بل نقل كل منهما مقبول ما لم يظهر في خلافه ما لا يعتريه الشك

[372]

والشبهة، وأما مع ذلك فالعذر واضح، وباب التأويل مفتوح، والله أعلم بحقائق الامور. ومن ذلك أن ابن إدريس ره في سرائره بعد ذكر فضيلة أيام ذي الحجة وما وقع فيها قال: وفي اليوم السادس والعشرين منه سنة ثلاث وعشرين من الهجرة طعن عمر بن الخطاب، فينبغي للانسان أن يصوم هذه الايام، فإن فيها فضلا كثيرا وثوابا جزيلا، وقد تلبس على بعض أصحابنا يوم قبض عمر بن الخطاب فيظن أنه اليوم التاسع من ربيع الاول، وهذا خطأ من قائله بإجماع أهل التواريخ والسير، وقد حقق ذلك شيخنا المفيد في كتاب التواريخ وذهب إلى ما نقلناه (انتهى). ثم إن صاحب كتاب أنيس العابدين على طبق الكفعمي في ذكر أعمال أيام ربيع الاول قال: وتاسعه روى فيه صاحب مسار الشيعة أن من أنفق شيئا غفر له ويستحب فيه إطعام الاخوان وتطيبهم، والتوسعة في النفقة، ولبس الجديد، و الشكر، والعبادة، وهو [يوم] نفي الهموم، وروي أنه ليس فيه صوم. وجمهور الشيعة يزعمون أن فيه قتل عمر بن الخطاب وليس بصحيح، ثم ذكر مضمون السرائر وكتاب التواريخ، ثم قال: وإنما قتل عمر يوم الاثنين لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة نص على ذلك صاحب الغرة، وصاحب المعجم، وصاحب الطبقات، وصاحب كتاب مسار الشيعة، وابن طاووس، بل الاجماع حاصل من الشيعة والسنة على ذلك (انتهى). وفيه أن اليوم المذكور من ذي الحجة من السنة المذكورة لا يمكن كونه موافقا ليوم الاثنين، بل الضوابط الحسابية على نحو ما مر تدل على أنه غير خارج عن الثلثاء والاربعاء، فالقول بهما مشتمل على التهافت. أقول: أكثر ذلك ذكره بعض أفاضل المدققين ممن كان في عصرنا ره ولقد دقق وأفاد، وأحسن وأجاد، لكن بعض المقدمات المذكورة مبتنية على أقوال بعض العلماء، تبع فيها بعضهم بعضا، أخذا من بعض المؤرخين، فعدها من الاجماعيات، وليس من الاجماع في شئ، فلا يمكن القدح بها في الاخبار المعتبرة

[373]

وبعضها متفرعة على ما ظهر لهم من الارصاد المختلفة في الكسور والكبائس، مع أن حسابهم مبني على الامر الاوسط في القمر، وقد تتقدم الرؤية عليه بيومين و تتأخر بيومين، لما مر أنه قد تتوالى أربعة من الشهور تامة، وقد تتوالى ثلاثة من الشهور ناقصة، مع أنه قد يمكن تأخر أول الشهور وتأخره بأكثر من ذلك لمانع غيم أو غيره، فيمكن أن يكون ما ورد في الاخبار مبنيا على حكم ظاهر الشرع لا على قوانين الهيئة، ومع ذلك كله يصلح أن يكون مرجحا لبعض الاقوال والاخبار المختلفة، ولذا أطلنا الكلام بذكرها، وسنعيد القول في كل منها في بابه إن شاء الله تعالى، وقد مر الكلام في بعضها، والله الموفق للحق والصواب. 1 - مهج الدعوات: روينا من كتاب عبد الله بن حماد الانصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام - وذكر عنده حزيران - فقال: هو الشهر الذي دعا فيه موسى على بني إسرائيل، فمات في يوم وليلة من بني إسرائيل ثلاثمائة ألف من الناس. 2 - وفي حديث آخر من كتاب المذكور عنه عليه السلام قال: إن الله خلق الشهور وخلق حزيران، وجعل الآجال فيه متقاربة. بيان: تقارب الآجال كناية عن كثرة الموت، إما لان أجل بعضهم يقرب من بعض، أو لان أجل كل منهم يقرب من ابتدائه. وفي القاموس: (إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) المراد آخر الزمان واقتراب الساعة، لان الشئ إذا قل تقاصرت أطرافه (1). 3 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن الصباح بن سيابة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله خلق الشهور اثني عشر شهرا، وهى ثلاثمائة وستون يوما، فحجر منها ستة أيام خلق فيها السماوات والارضين، فمن ثم تقاصرت الشهور (2).


(1) القاموس: ج 1، ص 115. (2) الخصال: 84.

[374]

العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد مثله (1). العياشي: عن الصباح مثله. 4 - الفقيه: بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب، عن شعيب، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما صام (2) من شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين. قال: كذبوا، ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة، إن الله تعالى خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات والارض في ستة أيام، فحجرها (3) من ثلاثمائة وستين يوما، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وشهر رمضان ثلاثون يوما لقول الله عزوجل (ولتكملوا العدة) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما، لقول الله تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) فالشهر هكذا، ثم هكذا، أي شهر تام وشهر ناقص، وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لايتم أبدا (4). توضيح: قد عرفت سابقا أن السنة القمرية تزيد على ثلاثمائة وأربعة و خمسين يوما بثمان ساعات وثمان وأربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالارصاد، فما في الخبر مبني على ما تعارف من إسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة، فإن كان ثلاث مائة وستون بلا كسر فالستة المختزلة ناقصة منها أيضا بالقدر المذكور، وإلا فيحتمل تمامها. 5 - التهذيب: في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الاهلة فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر. ومنه: بإسناده عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام مثله.


(1) علل الشرائع: ج 2، ص 244. (2) في المصدر: صام. (3) في المصدر: (حجزها) بالزاى المعجمة. (4) الفقيه: 196.

[375]

المقنعة: عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام مثله. بيان: (عن الاهلة) أي المذكورة في قوله تعالى (يسألونك عن الاهلة) فاستدل عليه السلام بالآية على أن المدار في الاحكام الشرعية على الرؤية كما قال الشيخ - ره - في التهذيب: المعتبر في تعرف أوائل الشهور بالاهلة دون العدد على ما يذهب إليه قوم من شذاذ المسلمين، والذي يدل على ذلك قول الله عزوجل (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج (1)) فبين الله تعالى أنه جعل هذه الاهلة معتبرة في تعرف هذه الاوقات، ولو كان الامر على ما يذهب إليه أصحاب العدد لما كانت الاهلة مراعاة في تعرف هذه الاوقات، إذا كانوا يرجعون إلى العدد دون غيره، وهذا خلاف التنزيل، والهلال إنما سمي هلالا لارتفاع الاصوات عند مشاهدتها بالذكر لها والاشارة إليها بالتكبير أيضا والتهليل عند رؤيتها، و منه قيل (استهل الصبي) إذا ظهر صوته بالصياح عند الولادة، وسمي الشهر شهرا لاشتهاره بالهلال، فمن زعم أن العدد للايام والحساب للشهور والسنين يغني في علامات الشهور عن الاهلة أبطل معنى سمات الاهلة والشهور الموضوعة في لسان العرب على ما ذكرناه (انتهى). وأقول: يمكن المناقشة في بعض ما ذكره ره وسنذكرها في محلها إن شاء الله. 6 - التهذيب: في الصحيح عن محمد بن عيسى قال: كتب إليه أبو عمر: أخبرني يا مولاى أنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه، ونرى السماء ليست علة فيفطر الناس ونفطر معهم ؟ ويقول قوم من الحساب قبلنا: إنه يرى تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والاندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهم خلاف صومنا، وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقع عليه السلام: لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته، وصم لرؤيته. بيان: يظهر من كلامه عليه السلام أن المدار على الرؤية، واختلاف الفرض إن


(1) البقرة: 189.

[376]

وقع الاختلاف في الرؤية غير ضائر. 7 - الاقبال: روينا بإسنادنا إلى علي بن فضال، من كتاب الصيام بإسناده إلى ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شهر رمضان رأس السنة (1). 8 - الفقيه: عن العبد الصالح عليه السلام قال: ادع بهذا الدعاء في شهر رمضان مستقبل دخول السنة. وذكر أن من دعا به محتسبا مخلصا له لم تصبه في تلك السنة فتنة ولا آفة، وذكر الدعاء (2). 9 - الكافي والتهذيب: بسند فيه جهالة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض) فغرة الشهور شهر الله (3) شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر، ونزل القرآن في أول ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشهر بالقرآن (4). تبيين: (فغرة الشهور) أي أولها، قال في النهاية: غرة كل شئ أوله. وقد ورد في الاخبار أن أول السنة شهر رمضان، أو المراد بها أفضلها وأكملها كما قال في النهاية: كل شئ ترفع قيمته فهو غرة. والغرة أيضا البياض، فيحتمل ذلك أيضا، أي منور بالانوار المعنوية، والاول أظهر. والمشهور بين العرب أن أول سنتهم المحرم، وهذه الامور تختلف باختلاف الاعتبارات، فيمكن أن يكون أول السنة الشرعية شهر رمضان، ولهذا ابتدأ الشيخ به في المصباحين، وأول السنة العرفية المحرم، وأول سنة التقديرات ليلة القدر، وأول سنة جواز الاكل والشرب شهر شوال، كما روى الصدوق في العلل بإسناده إلى الفضل بن شاذان في علة صلوة العيد: لانه أول يوم من السنة يحل فيه الاكل والشرب، لان


(1) الاقبال: 4. (2) الفقيه: 175. (3) في المصدر: شهر الله عن ذكره وهو شهر رمضان. (4) فروع الكافي: ج 2، ص 65.

[377]

أول شهور السنة عند أهل الحق شهر رمضان (1) وقال في علة اختصاص شهر رمضان بالصوم: وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها يفرق كل أمر حكيم وهو رأس السنة، ويقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر، أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل، ولذلك سميت ليلة القدر (2). وقال السيد بن طاووس ره في كتاب الاقبال: واعلم أني وجدت الروايات مختلفات في أنه هل أول السنة المحرم أو شهر رمضان، لكنني رأيت من عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين وكثيرا من تصانيف علمائهم الماضين أن أول السنة شهر رمضان على التعيين (3) ولعل شهر الصيام أول العام في عبادات الاسلام، والمحرم أول السنة في غير ذلك من التواريخ ومهام الانام، لان الله جل جلاله عظم شهر رمضان فقال جل جلاله (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان (4)) فلسان حال هذا التعظيم كالشاهد لشهر رمضان بالتقديم، ولانه لم يجر لشهر من شهور السنة ذكر باسمه في القرآن وتعظيم أمره إلا لهذه الشهر شهر الصيام، وهذا الاختصاص بذكره كأنه ينبه و الله أعلم على تقديم أمره، ولانه إذا كان أول السنة شهر الصيام وفيه ما قد اختص به من العبادات التي ليست في غيره من الشهور والايام، فكان الانسان قد استقبل أول السنة بذلك الاستعداد والاجتهاد، فيرجى أن يكون باقي السنة جاريا على السداد والمراد، وظاهر دلائل المعقول وكثير من المنقول أن ابتداءات الدخول في الاعمال، هي أوقات التأهب والاستظهار لاوساطها وأواخرها على كل حال ولان فيه ليلة القدر التي يكتب فيها مقدار الآجال، وإطلاق الآمال، وذلك منبه على أن شهر الصيام هو أول السنة، فكأنه فتح للعباد في أول [دخولها]


(1) العلل، ج 1، ص 256. (2) العلل: ج 1، ص 27. (3) على اليقين (خ). (4) البقرة، 185.

[378]

أن يطلبوا أطول (1) آجالهم، وبلوغ آمالهم، ليدركوا آخرها، ويحمدوا مواردها ومصادرها. وروى محمد بن يعقوب وابن بابويه في كتابيهما واللفظ لابن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليلة القدر هي أول السنة، وهي آخرها (2). ولان الاخبار بأن شهر رمضان أول السنة أبعد من التقية وأرب إلى مراد العترة النبوية وحسبك شاهدا وتنبيها وآكدا ما تضمنه الادعية المنقولة في أول شهر رمضان بأنه أول السنة على التعيين والبيان (3). 10 - الخصال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض) قال: المحرم وصفر، وربيع الاول، وربيع الآخر، وجمادى الاولى، وجمادى الاخرة، و رجب، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. منها أربعة حرم: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الاول، وعشر من شهر ربيع الآخر (4). بيان: الشهور المذكورة في هذا الخبر هي أشهر السياحة التي قال الله عز وجل (فسيحوا في الارض أربعة أشهر) والمشهور أن ابتداءها يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر، وقيل: من أول الشوال إلى آخر المحرم، لان الآية نزلت في شوال، وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الاول، لان الحج في تلك السنة كان في ذلك الشهر، وعلى التقادير هي غير الاشهر الحرم، وكانت مختصة بتلك السنة، فهذا إما اصطلاح آخر للاشهر الحرم غير المشهور، أو سقط من الخبر شئ، ولعله أظهر.


(1) في المصدر: طول. (2) فروع الكافي: ج 1، ص 160. (3) الاقبال: 4. (4) الخصال: 85.

[379]

11 - الخصال: في خطبة النبي صلى الله عليه وآله في أيام التشريق: أيها الناس ! إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والارضين، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض، منها أربعة حرم: رجب مضر الدي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فإن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، فكانوا يحرمون المحرم عاما ويستحلون صفر، ويحرمون صفر عاما ويستحلون المحرم (1). بيان: قال في النهاية: يقال رجب فلان مولاه أي عظمه، ومنه سمي شهر رجب، لانه كان يعظم، ومنه الحديث (رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) أضاف رجب إلى مضر لانهم كانوا يعظمونه خلاف غيرهم وكأنهم اختصوا به، و قوله (بين جمادى وشعبان) تأكيد للبيان وإيضاح، لانهم كانوا ينسؤنه ويؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لاما كانوا يسمونه على حساب النسئ. 12 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علي بن يقطين، عن بكر بن علي بن عبد العزيز، عن أبيه، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السنة كم يوما هي ؟ قال: ثلاثمائة وستون يوما منها ستة أيام خلق الله عزوجل فيها الدنيا، فطرحت من أصل السنة، فصارت السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، يستحب أن يطوف الرجل في مقامه بمكة عدد أيام السنة ثلاثمائة وستين اسبوعا، فإن لم يقدر على ذلك طاف ثلاثمائة وستين شوطا (2). 13 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يستحب أن تطوف ثلاثمائة وستين اسبوعا عدد أيام السنة، فإن لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف (3).


(1) الخصال: 85. (2 و 3) الخصال: 151.

[380]

14 - العلل: عن أبي الهيثم عبد الله بن محمد، عن محمد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، عن سفيان (1) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا اشتد الحر فابردوا بالصلوة، فإن الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدة ما يجدون من الحر من فيحها، وما يجدون من البرد من زمهريرها (2). بيان: الخبر عامي ضعيف، وقال في النهاية: فيه (شدة الحر من فيح جهنم) الفيح سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تفوح وتفيح إذا غلت، وقد أخرجه مخرج التشبيه والتمثيل، أي كأنه نار جهنم في حرها (انتهى) وقال الطيبى: (فأذن لها في نفسين) يبين أن المراد به الحقيقة لا المجاز وقال الكرماني في شرح البخاري: هو علة لشرعية الابراد، فإن شدته يسلب الخشوع، أو لانه وقت غضب الله لا ينجع فيه الطلب بالمناجاة، إلا من أذن له (انتهى) وأقول: سيأتي تمام القول فيه في كتاب الصلوة إن شاء الله. 15 - العياشي: عن أبي جعفر، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلق السماوات والارض في ستة أيام، فالسنة تنقص ستة أيام. أقول: وسيأتي فضائل الشهور وخواصها في الابواب المناسبة لها في عرض الكتاب إن شاء الله تعالى. فائدة: قال أبو ريحان: فأما العرب فإن شهورهم اثنا عشر، أولها المحرم وقد قيل في علل أسامي هذه الشهور أقاويل: منها أنه قيل في تسمية المحرم أنه


(1) هو سفيان بن عيينة بن أبى عمران الهلالي ذكره الشيخ في اصحاب الصادق: وقال العلامة: سفيان بن عيينة ليس من أصحابنا ولامن عدادنا. وقال الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 123) سفيان بن عيينة بن ابى عمران الهلالي مولاهم أبو محمد الاعور الكوفى احد ائمة الاسلام إلى ان قال مات سنة (198). (2) العلل: ج 1، ص 235.

[381]

لكونه من جملة الحرم، وصفر لامتيازهم من فرقة تسمى صفرية، وشهري ربيع للزهر والانوار، وتواتر الاندية والامطار، وهو نسبة إلى طبع الفصل الذي نسميه نحن الخريف، وكانوا يسمونه ربيعا، وشهري جمادى لجمود الماء، ورجب لاعتمادهم الحركة فيه لامن جهة القتال، والرجبة العماد، ومنه قيل: عذق مرجب. وشعبان لتشعب القبائل فيه، وشهر رمضان للحجارة ترمض فيه من شدة الحر، وشوال لارتفاع الحر وإدباره، وذو القعدة للزومهم منازلهم، وذو الحجة لحجهم فيه. وتوجد للشهور العربية أسامي اخر قد كان أوائلهم يدعونها بها، وهي هذه: المؤتمر، ناجر، خوان، صوان، حنتم، زباء، الاصم، عادل، نافق، واغل، هواع، برك. وقد توجد هذه الاسماء مخالفة لما أوردناه ومختلفة الترتيب كما نظمها أحد الشعراء: بمؤتمر وناجرة بدأنا * وبالخوان يتبعه الصوان وبالزباء بايدة تليه * يعود أصم صم به الشنان وواغله وناتله جميعا * وعادله فهم غرر حسان ورنة بعدها برك فتمت * شهور الحول يعقدها البنان ومعاني هذه الاسماء على ما ذكر في كتب اللغة: أما المؤتمر فمعناه أن يأتمر بكل شئ مما تأتي به السنة من أقضيتها، وأما ناجر فهو من النجر وهو شدة الحر وأما خوان فهو على مثال فعال من الخيانة. وكذلك صوان على مثال فعال من الصيانة، وهذه المعاني كانت اتفقت لهم عند أول التسمية، وأما الزباء فهي الداهية العظيمة المتكاثفة، سمي لكثرة القتال فيه وتكاثفه، وأما البائد فهو أيضا من القتال إذ كان يبيد فيه كثير من الناس، وجرى المثل بذلك (العجب كل العجب بين جمادى ورجب) وكانوا يستعجلون فيه ويتوخون بلوغ ما كان لهم من الثأر والغارات قبل دخول رجب، وهو شهر حرام، وأما الاصم فلانهم كانوا يكفون عن القتال فلا يسمع فيه صوت سلاح، وأما الواغل فهو الداخل على شراب ولم يدعوه، وذلك لهجومه على شهر رمضان، وكان يكثر في شهر رمضان شربهم للخمر، لان ما يتلوه

[382]

هي شهور الحج، وأما ناتل فهو مكيال للخمر سمي به لافراطهم في الشرب، و كثرة استعمالهم لذلك المكيال. وأما العادل فهو من العدل لانه من أشهر الحج وكانوا يشتغلون فيه عن الباطل، وأما الرنة فلان الانعام كانت ترن فيه لقرب النحر، وأما برك فهو لبروك الابل إذا احضرت المنحر. وأحسن من النظم الذي ذكرنا نظم الصاحب إسماعيل بن عباد لها وهي هذه: (شعر) أردت شهور العرب في جاهلية * فخذها على سرد المحرم تشترك فمؤتمر يأتي ومن بعد ناجر * وخوان مع صوان يجمع في شرك حنين وزبا والاصم وعادل * ونافق مع وغل ورنة مع برك (انتهى) وأقول: في القاموس: ناجر رجب أو صفر، وكل شهر من شهور الصيف. وقال: الخوان كشداد ويضم شهر ربيع الاول. وقال: (زبا) كربى بلالام جمادى الآخرة. وقال: حنين كأمير وسكيت وبلام فيهما اسمان لجمادى الاولى والآخرة. ثم قال أبو ريحان: ذكر محمد بن دريد في كتاب الوشاح أن ثمود كانوا يسمون الشهور بأسماء اخر وهي هذه: موجب وهو المحرم، ثم موجر، ثم مولد، ثم ملزم، ثم مصدر، ثم هوبر، ثم هوبل، ثم موها، ثم ديمر، ثم دابر، ثم حيفل، ثم مسبل. قال: وأنهم كانوا يتبدؤون من ديمر، وهو شهر رمضان، ولم تكن العرب تسمي أيامهم بأسامي مفردة كما سمتها الفرس، غير أنهم أفردوا لكل ثلاث ليال من كل شهر من شهورهم أسماء عليحدة مستخرجا من حال القمر وضوئه فيها، فإذا ابتدؤوا من أول الشهر فثلاث (غرر) جمع (غرة) وغرة كل شئ أوله، وقيل: لان الهلال فيها يرى كالغرة. ثم ثلاث (نفل) من قولهم (تنفل) إذا ابتدأ بالعطية من غير وجوب، وبعضهم سمى هذه الثلاث الثانية (شهب). ثم ثلاث (تسع) لان آخر ليلة منها هي التاسعة، وسمى بعضهم هذه الثلاث الثالثة (البهر) لانه تبهر ظلمة الليل فيها. ثم ثلاث (عشر) لان أولها العاشرة، ثم ثلاث (بيض) لانها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها. ثم ثلاث (درع)

[383]

لاسوداد أوائلها تشبيها بالشاة الدرعاء، والاصل هو التشبيه بالدرع الملبوس، لان لون رأس لابسه يخالف لون سائر بدنه. ثم ثلاث (ظلم) لاظلامها في أكثر أوقاتها. ثم ثلاث (حنادس) وقيل لها أيضا (دهم) لسوادها. ثم ثلاث (آدئ) لانها بقايا، وقيل: إن ذلك من سير الابل، وهو يقدم إحدى يديه ثم يتبعها الاخرى عجلا، ثم ثلاث (محاق) لانمحاق القمر والشهر. وخصوا من الشهر ليالي بأسماء مفردة كآخر ليلة منه، فإنها تسمى (السرار) لاستسرار القمر و تسمى (الفحمة) أيضا لعدم الضوء فيها. ويقال لها (البراء) لتبرؤ الشمس فيها. وآخر الشهر فإنهم يسمونه (النحيرة) لانه ينحر فيه، أي يكون في نحره وكالليلة الثالثة عشر فإنها تسمى (السواء) والرابعة عشر (ليلة البدر) لامتلاء القمر فيها وتمام ضوئه، وكل شئ قدتم فقد بدر، كما قيل للعشرة آلاف درهم بدرة لانها تمام العدد ومنتهاه بالوضع لا بالطبع. (بسمه تعالى) إلى هنا تم الجزء الثاني من المجلد الرابع عشر كتاب السماء والعالم من بحار الانوار وهو الجزء الخامس والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية. وقد قابلناه على النسخة التي صححها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدي، بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى

[384]

بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك اللهم على أن وفقتني للغوص في بحار الانوار، واقتناء درر الحكم ولآلي الاخبار، واصلي واسلم على رسولك المختار، وآله المصطفين الاخيار المجتبين الاطهار، معادن العلم وينابيع الحكمة ومصادر الآثار. أقتصر من حمدك بالاعتراف بالعجز عن اكتناه وصفك، وإحصاء نعمك، و من شكر أوليائك أولياء النعمة بالتطأمن تجاه مقامهم المنيع، ومكانهم الرفيع استيحاء من القصور عن إيفاء حقهم، وخجلا من التقصير في أداء شكرهم، و إجلالا لشأنهم عندك، وإكبارا لقربهم منك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأولياؤك كما أثنيت عليهم، فصل عليهم صلاة كثيرة دائمة لا تنبغي إلا لهم، ولا يعلم مبلغها غيرك. وبعد من الواجب علينا بنص فتيا العقل، وبما تواتر عليه من النقل، شكر المنعم وإيفاء الحق. ولعمر الحق من أعظم الناس حقا علينا معاشر المسلمين وأكبرهم إحسانا إلينا العلماء العظام والمحدثون الكبار، حيث بذلوا جهيداهم وأفرغوا طاقتهم ومقدرتهم لحفظ سنن النبي صلى الله عليه وآله وآثار الائمة من أهل بيته عليهم السلام ونشر علومهم وحكمهم وإبقائها لنا ولمن أراد الله أن يستخلفه من بعدهم، فجزاهم الله عنا وعن كافة أهل الاسلام خير الجزاء، وأجزل لهم الاجر والعطاء. ومن فطاحل العلماء وجهابذتهم، وفحول المحدثين وعباقرتهم، مولانا شيخ الاسلام محمد باقر المجلسي - رضوان الله عليه - وله من تلك الفضيلة حظ وافر، وعليه منا ومن قاطبة الشيعة ثناء عاطر، وشكر متواتر.

[385]

وقد كابد - رحمه الله - من المشقة والتعب، وقاسى من العناء والنصب، في الجمع والتأليف، والنظم والترصيف، ما جاز حد البيان، وأعجز القلم واللسان وليس يخفى ذلك على من تأمل في آثاره النفيسة البهية. ونظر في كتبه الثمينة القيمة، وسبر غور تآليفه الضخمة الفخمة. فعلينا وعلى كل من اقتطف من ثمار آثاره، وسبح في أجواء بحاره، وارتشف من مناهل موسوعاته إجمال الثناء عليه إعظاما لشأنه، وإكثار الدعاء له إيفاء لحقه. قدس الله سره، ورفع شأنه، و أعلى مقامه. ولقد بذلنا غاية مجهودنا في تصحيح هذا الجزء من كتابه المسمى (بحار الانوار) متنا وسندا، وتخريجه، والتعليق عليه بما يوضح جدده، ويقيم صدده أداء لبعض حقه، وشكرا لما أنعم المولى تعالى علينا من ولاية أوليائه، ولما يسر لنا من الاستضاءة بأنوارهم والاستفادة من علومهم. ولست أنسى الثناء على من وازرني وساهمني في هذا المشروع من إخواني الاماجد، لاسيما على زميلي الثقة الفاضل البارع (الشيخ عبد الكريم النيري البروجردي) حيث عاضدني بتصحيح الاسانيد، وترجمة بعض الرجال، وعلى الفاضل المتتبع الذكي (السيد جعفر الحسني اليزدي) وعلى سائر إخواني الذين الاسلام محمد باقر المجلسي - رضوان الله عليه - وله من تلك الفضيلة حظ وافر، وعليه منا ومن قاطبة الشيعة ثناء عاطر، وشكر متواتر.

[385]

وقد كابد - رحمه الله - من المشقة والتعب، وقاسى من العناء والنصب، في الجمع والتأليف، والنظم والترصيف، ما جاز حد البيان، وأعجز القلم واللسان وليس يخفى ذلك على من تأمل في آثاره النفيسة البهية. ونظر في كتبه الثمينة القيمة، وسبر غور تآليفه الضخمة الفخمة. فعلينا وعلى كل من اقتطف من ثمار آثاره، وسبح في أجواء بحاره، وارتشف من مناهل موسوعاته إجمال الثناء عليه إعظاما لشأنه، وإكثار الدعاء له إيفاء لحقه. قدس الله سره، ورفع شأنه، و أعلى مقامه. ولقد بذلنا غاية مجهودنا في تصحيح هذا الجزء من كتابه المسمى (بحار الانوار) متنا وسندا، وتخريجه، والتعليق عليه بما يوضح جدده، ويقيم صدده أداء لبعض حقه، وشكرا لما أنعم المولى تعالى علينا من ولاية أوليائه، ولما يسر لنا من الاستضاءة بأنوارهم والاستفادة من علومهم. ولست أنسى الثناء على من وازرني وساهمني في هذا المشروع من إخواني الاماجد، لاسيما على زميلي الثقة الفاضل البارع (الشيخ عبد الكريم النيري البروجردي) حيث عاضدني بتصحيح الاسانيد، وترجمة بعض الرجال، وعلى الفاضل المتتبع الذكي (السيد جعفر الحسني اليزدي) وعلى سائر إخواني الذين ساعدوني في التخريج والمقابلة بالنسخ والمصادر، وأسأل الله الكريم أن يديم توفيقنا جميعا ويزيدنا من فضله، إنه ذو فضل عظيم. قم المشرفة: محمد تقى اليزدى 12 / شعبان المعظم 1379

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية