الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 54

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 54


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الرابع والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت لبنان بناية كليوباترا - شارع دكاش ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتى الحمد لله خالق الارضين والسماوات، وسامك المسموكات، وداحي المدحوات ومخرج عباده إلى النور من الظلمات، مزوج الآباء العلوية (1) امهات السفليات ومثمر المواليد من أرحام الاسطقسات (2) ومظهر الانواع المتوالدة والمتولدة من مشائم القابليات. والصلاة على أشرف الخلائق والبريات وعين أعيان المكونات (3) وأفضل تتائج الآباء والامهات، محمد المصطفى وأهل بيته الاقدسين الذين بهم جرت جميع النعم على الكائنات، وبنورهم يهتدى إلى مناهج السعادات، وبذكر شفاعتهم يشفى غليل صدور أرباب الجرائم والسيئات. اما بعد فيقول أفقر العباد إلى عفو ربه الغافر محمد بن محمد تقي المدعو بباقر رزقهما الله السعادة في اليوم الآخر، وثبت أقدامهما في المزالق والمعاثر (4): هذا هو المجلد الرابع عشر من كتاب بحار الانوار المسمى بكتاب السماء والعالم لاشتماله على كشف الغطاء عن غوامض أسرار الآيات والروايات المتعلقة بخلق اللوح و القلم والعرش والكرسي والحجب والسرادقات والسماوات، وأصناف الملائكة و الكواكب والنجوم وصفاتها وأحكامها وآثارها والارضين والعناصر والمواليد من


(1) العلويات (خ ل). (2) الاسطقس: لغة يونانية معناها بالعربية الاصل، وفي اصطلاح الفلاسفة الطبيعيين أبسط أجزاء المركب. (3) المكنونات (خ ل). (4) المزالق والمعاثر: المواضع التى تزل فيها الاقدام (*).

[2]

المعادن والنباتات والحيوانات، وخواصها وحلها وحرمتها وصيدها وذبحها، ومنافع الادوية والثمار والحشايش والعقاقير وخواصها وفوائدها، وأحوال الانسان و النفس والروح وتشريح الابدان وعلم الطب، وأحوال البقاع والبلدان والاصقاع وساير ما يتعلق بتلك الاعيان. وهذا مما لم يسبقني إليه أحد من علمائنا والمخالفين وأرجو بفضله سبحانه أن يكون مما تقربه أعين المؤمنين ويسخن (1) عيون المنافقين والملحدين، وأستمد المعونة في ذلك من ربي جل شأنه ثم من موالي الاكرمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. (أبواب) * (كليات أحوال العالم وما يتعلق بالسماويات) * 1. (باب) * (حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الامور) * (2) الايات: البقرة: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسويهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم (3). الانعام: الحمد لله الذي خلق السماوات وجعل الظلمات النور (4). الاعراف: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش (5).


(1) سخنت عينه (بكسر الخاء المعجمة) يسخن (بفتحها): نقيض (قرت) وأسخن عينه وسخنها: أبكاه. (2) الاحوال (خ ل). (3) البقرة: 29. (4) الانعام: 1. (5) الاعراف: 54 (*).

[3]

يونس: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر (1). هود: وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا (2). الكهف: ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (3). الانبياء: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون (4). الفرقان: الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (5). التنزيل: الله الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش (6). السجدة: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضيهن سبع سماوات في يومين و أوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (7).


(1) يونس: 3. (2) هود: 7. (3) الكهف: 51. (4) الانبياء: 30. (5) الفرقان: 59. (6) الم السجدة: 4. (7) حم السجدة: 9 - 12.

[4]

ق: ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (1). الحديد: هو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش (2). النازعات: ءأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها * والارض بعد ذلك دحيها * أخرج منها مائها ومرعيها * والجبال أرسيها * متاعا لكم ولانعامكم (3). الاعلى: سبح اسم ربك الاعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى (4). تفسير: (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) امتنان على العباد بخلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم ومعنى (لكم) لاجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها. وهذا مما يستدل به على إباحة جميع الاشياء إلا ما أخرجه الدليل. و (ما) يعم كل ما في الارض، لا الارض، إلا إذا اريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. (جميعا) حال عن الموصول الثاني (ثم استوى إلى السماء (5)) أي قصد إليها بإرادته من قولهم (استوى إليه)


(1) ق: 38. (2) الحديد: 4. (3) النازعات: 33 27. (4) الاعلى 1 - 3. (5) قال والراغب في مفرداته: سماء كل شئ أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس: وأحمر كالديباج أما سماؤه * فريا وأما أرضه فمحول وسمى المطر سماء لخروجه منها، وسمى النبات سماء إما لكونه من المطر الذى هو سماء وإما لارتفاعه عن الارض. والسماء المقابل للارض مؤنث وقد يذكر، ويستعمل للواحد والجمع لقوله (ثم استوى إلى السماء فسواهن) وقد يقال في جمعها (سماوات) قال: (خلق السموات، قل من رب السماوات) وقال (السماء منفطر به) فذكر وقال: (إذا السماء انشقت) و (إذا السماء انفطرت) فأنث (انتهى ملخصا) (*).

[5]

إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شئ. وقيل: استوى أي استولى وملك قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق والمراد بالسماء الاجرام العلوية أو (1) جهات العلو كما قيل. (فسويهن) أي عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور، وقيل: (هن) ضمير السماء إن فسرت بالاجرام لانها جمع أوفي معنى الجمع، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم: ربه رجلا (سبع سماوات) بدل أو تفسير، والسبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الارصاد، إذ الثامن والتاسع مسميان في لسان الشرع بالكرسي والعرش (2). (وهو بكل شئ عليم) قيل: فيه تعليل كأنه قال ولكونه عالما بتلك الاشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الاكمل والوجه الانفع، والاستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الانيق كان عليما، وتدل الآية على حدوث السماوات بل الارض أيضا كا سيأتي بيانه. (الحمد لله الذي خلق السماوات والارض) أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد


(1) أي (خ ل). (2) غير خفى أن هذا التطيبق مبنى على الفرضية البطلميوسية في الهيئة وهى كون الافلاك الكلية تسعة وفيه جهات من الاشكال. الاولى أن عدد الافلاك بناء على تلك الفرضية تسعة والسماوات سبع بالنص غير القابل للتأويل، وتطبيق الثامن على الكرسي والعرش قول من غير دليل، بل الدليل على خلافه كما سيجئ في معنى العرش والكرسي. الثانية أن القرآن يجعل الكواكب كلها مصابيح للسماء الدنيا (وهى السماء الاولى ظاهرا) لا مثبتا فيها ولا في غيرها من السماوات بل يصرح بأنها تسبح في الفلك، وأما على الفرض المذكور فمحل الثوابت هو الفك الثامن ومحل كل من السيارات التى ينحصر عددها في السبع على الفرض فلك من الافلاك المحوية وكلها مركوزة في الافلاك يستحيل عليها الانتقال وتغير الوضع إلا بتبع الافلاك. الثالثة أن الفلك بمعناه المصطلح في الهيئة القديمة لا أثر منها في الخارج وقد استدل عليه علماء الهيئة الحديثة بدلائل متعددة. إلى غير ذلك (*).

[6]

ونبه على أنه المتسحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السماوات دون الارض وهي مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات وقدمها لشرفها وعلو مكانها (وجعل الظلمات والنور) أي أنشأهما والفرق بين (خلق) و (جعل) الذي له مفعول واحد أن (خلق) فيه معنى التقدير و (جعل) فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها أو لان المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى، والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الاعدام على الملكات. (في ستة أيام) المشهور أن المراد بالايام هنا مقدار أيام الدنيا، وروي عن ابن عباس أنها من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون. اقول: وبمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها. ثم إنه سبحانه إنما خلق في هذه المدة مع أنه كان قادرا على خلقها في طرفة عين إما لعبرة من خلقها من الملائكة، إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر، أو ليعلم بذلك أنها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح ووجوه الاحكام، إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة، أو ليعلم الناس التأني في الامور وعدم الاستعجال فيها كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام (ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الاناء (1) والمداراة مثالا لامنائه وإيجابا للحجة على خلقه). واورد هنا إشكال وهو أن اليوم إنما يحصل بحركة الشمس وطلوعها وغروبها فما معنى اليوم ههنا ؟ ويمكن أن يجاب بوجوه: الاول: أن مناط تمايز الايام وتقدرها إنما هو حركة الفلك الاعلى دون السماوات السبع، والمخلوق في الايام المتمايزة إنما هو السماوات السبع و


(1) الاناء، بفتح الهمزة اسم من الايناء أي الابطاء والتأخير (*).

[7]

الارض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم من ذلك الخلا لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. الثاني: أن المراد بالايام الاوقات، كقوله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره) (1). الثالث: أن المراد: في مقدار ستة أيام، ومرجع الجميع إلى واحد، إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة، فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا، أو مقدار حركة الشمس هذا القدر، وعلى التقديرين إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه، أو من أول الاجسام المخلوقة كالماء، أو من الارواح المخلوقة قبل الاجسام على القول به، أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي وإما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود الزمان وأنه مقدار حركة الفلك، فإن التجدد والتقضي والتصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور (2).


(1) الانفال: 16. (2) يقع الكلام في قوله تعالى (خلق الله السماوات والارض في ستة ايام) تارة في معنى السماوات وماهيتها، واخرى في معنى الايام المذكورة وكيفية تصويرها حين خلق السماوات والارض، وثالثة في معنى الخلق وكيفية وقوعه في برهة من الزمان. اما السماوات فالظاهر من الايات الكريمة والروايات الشريفة انها اجسام لطيفة خلقت من مادة سماها القرآن (دخانا) قال تعالى: ثم استوى إلى السماء وهى دخان إلى ان قال فقضيهن سبع سماوات) لكن قد يستعمل السماء بمعنى الموجود العالي سواء كان علوه حسيا أو غير حسى كما ورد في صعود الاعمال إلى السماء ونزول الارزاق منها إلى غير ذلك، ولعل قوله تعالى (وفتحت السماء فكانت ابوابا) ايضا من هذا القبيل. ثم الظاهر انه كان قبل خلق السماوات والارض شئ سماه القرآن (ماء) وانه مادة جميع الاجسام، قال تعالى (خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء) ويؤيد ذلك كله روايات كثيرة ستطلع عليها من قريب. والظاهر ان اصل السماء خلق قبل الارض لكن فتقها وتسويتها سبعا وقع بعده، قال تعالى (خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) كما ان الظاهر ان دحو الارض كان بعد تسوية السماوات، قال تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) وايضا الظاهر ان الكواكب كلها ولا اقل من المرئية منها تحت (*).

[8]

وقال بعض الصوفية: للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد، وللمكان


السماء الاولى، قال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) وقال تعالى (انازينا السماء الدنيا بزينة الكواكب). واما الايام فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الارض يوم بمعناه المشهور، اعني ما يحصل من حركة الارض الوضعية، لان هذا المعنى انما يمكن قرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما ساعات مساوية لها، أو مقادير اخرى من الزمان اعتبرت أياما بعناية: كما يطلق الايام على السنين والاعوام بلى على القرون والاحقاب وهو استعمال شائع. وعلى أي تقدير فان قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات والارض فلابد من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة جوهرية أو عرضية قبلها - وقد مر استظهار وجود الماء عندئذ - والا فمعنى وقوع خلق السماوات والارض في تلك الازمنة مقارنته لها: ويكفى في المقارنة كونها بحركتها راسمة للزمان. وأما القول بان الزمان امر موهوم منتزع من بقاء ذات الباري سبحانه فان اريد ان ذاته تعالى منشأ لا نتزاعه ففيه مضافا إلى انه ينافى مخلوقيته ان الزمان امر سيال متصرم وحقيقته التجدد والتغير وما هذا شانه يستحيل انتزاعه مما لا سبيل للتغير إليه بوجه، وكذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الارواح، الا ان يقال بكونها اجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الاجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها فتأمل. وان اريد انه امر موهوم لا اثر منه في الخارج اصلا فلا يمكن اناطة الابحاث الحقيقية كبحث القدم والحدوث الزمانين وغيره من الابحاث الهامة: مع انه بناء عليه لا يبقى فرق حقيقي بين الحوادث الماضية والاتية ! وسيأتى الكلام فيه. واما الكلام في وقوع الخلق مقارنا للايام الستة فالذي يظهر من الايات الشريفة ان المراد بالخلق ليس هو الاحداث الدفعي بل المراد الايجاد التدريجي: قال تعالى (هو الذى خلق السماوات والارض في ستة ايام) وقال (خلق الارض في يومين) وقال (وجعل فيها رواسي من فوقها و بارك فيها وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام) والظاهر انه ليس المراد بهذه الاربعة اياما اخرى غير اليومين الاولين، والا لما بقى لخلق السماوات شئ من ستة ايام، وهو تعالى يقول بعيد هنا (فقضيهن سبع سماوات في يومين) فخلق الارض واكمالها إلى ان تستعد لوجود الرواسى و تهيئة الاقوات كل ذلك وقع في اربعة أيام، الا ان يقال بتداخل ايام خلق السماوات في أيام خلق الارض ووقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من ايام خلق الارض وكيف كان فيشبه ان يكون المراد بالايام التى خلقت فيها الارض الادوار التى مرت عليها من حين احداثها إلى ان صارت على حالها هذه واستعدت لنشوء الموجود الحى فيها، فينطبق على ما ذكره علماء (الجيولوجيا) في ادوار الارض بعض الانطباق. وان يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين مرتا عليها اعني الدورة التى كانت مرتتقة غير متميزة، والدورة التى فتقت وسويت سبع سماوات متميزة. وسيأتى نقلا عن تفسير القمى ان المراد باربعة أيام الفصول الاربعة لانها التى يخرج الله تعالى فيها اقوات الناس والبهائم وسائر الحيوانات والله العالم (*).

[9]

المادي مكان مجرد وهما عارضان للمجردات ولا يمكن فهمه وخارج عن طور العقل كسائر خيالاتهم وأقوالهم. وعلى أي حال هذه الآية وما سيأتي من أشباهها تدل على حدوث السماوات والارض وما بينهما لان الحادث في اليوم الاخير مثلا مسبوق بخمسة أيام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي، والموجود في اليوم الاول زمان وجوده أزيد على الاخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيرد على الحكماء كون الزمان ايضا حادثا متناهيا لانه عندهم مقدار حركة الفلك. وأما ما ذكره الرازي في تفسيره (1) من أن المراد بستة أيام ستة أحوال (2) وذلك لان السماء والارض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منهما ذات وصفة فنظرا (3) إلى خلقه (4) ذات السماء حالة، وإلى (5) خلقه (6) صفاتها اخرى، و نظرا (7) إلى خلقه (8) ذات الارض وإلى صفاتها كذلك، ونظرا (9) إلى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها اخرى (10) فهي ستة أشياء في ستة أحوال، وإنما ذكر الايام لان الانسان إذا رأى (11) إلى الخلق رآه فعلا، والفعل ظرفه الزمان والايام أشهر الازمنة، وإلا فقبل السماوات لم يكن ليل ولا نهار، وهذا مثل ما يقول القائل لغيره (إن يوما ولدت فيه كان يوما مباركا) وقد يجوز أن يكون ولد ذلك ليلا (12) ولا يخرج عن مراده لان المراد الزمان (13) الذي هو ظرف


(1) مفاتيح الغيب، ج 6 ص 751 في تفسير سورة السجدة. (2) في نظر الناظرين (كذا في مفاتيح الغيب). (3 و 7 و 9) فنظر (نسخة). (4 و 6 و 8) خلقة (خ ل). (5) ونظرا لى خلقه (كذا في المدر). (10) صفاتها كذلك (في المصدر). (11) إذا نظر (مفاتيح الغيب). (12) أن يكون ذلك قد ولد ليلا (المصدر). (13) هو الزمان (المصدر) (*).

[10]

ولادته. فهو تكلف بعيد مستغنى عنه، وما ذكرنا أقرب إلى لفظ الآية الكريمة وأوفق بالمراد. وسيأتي معاني (1) (العرش) و (استوى (2) عليه). (وكان عرشه على الماء) قال البيضاوي (3): أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل: كان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك (انتهى) وقال الطبرسي (4): وفي هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين قبل خلق السماوات والارض وكان الماء قائما بقدرة الله على غير موضع قرار بل كان الله يمكسه بكمال قدرته وفي ذلك أعظم الاعتبار لاهل الانكار وقيل: المراد (5) بقوله (عرشه) بناؤه يدل عليه (ومما يعرشون) أي يبنون فالمعني (6): وكان بناؤه على الماء، فإن البناء على الماء أبدع وأعجب، عن أبي مسلم (انتهى). وقال الرازي في تفسيره (7): قال كعب: خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء. قال أبو بكر الاصم: ومعنى قوله (وكان عرشه على الماء) كقولهم السماء على الارض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة يدل (8) على أن العرش والماء كانا قبل السماوات والارض قالت المعتزلة: وفي الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما لانه لا يجوز أن


(1) في نسخة: بيان العرش. (2) والاستواء (خ ل). (3) أنوار التنزيل، ج 1 س هود ى 7. (4) مجمع البيان، ج 5، سورة هود وليس فيه لفظة الواو. (5) ان المراد (خ ل). (6) والمعنى (خ ل). (7) مفاتيح الغيب ج 5 ص 57 في تفسير سورة هود. (8) فذلك يدل (مفاتيح الغيب للرازي) (*).

[11]

يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء (انتهى). وفي بعض الاخبار أن المراد حمل علمه ودينه الماء، وربما يؤول من قال بالهيولى الماء بها. (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي خلقهن لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة ولما أشبه ذلك اختبار المختبر، قال (ليبلوكم) أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لاحوالكم كيف تعملون. وعن الصادق عليه السلام: ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا، و إنما الاصابة خشية الله والنية الصادقة. (ما أشهدتهم خلق السماوات والارض) قال الطبرسي (1) ره أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك، ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض، وهذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الانصار والاعوان، ويدل عليه قوله (وما كنت متخذ المضلين عضدا) أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه، وكثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون (2). وقيل: المعنى أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته وأنا ما طلعتهم على خلق السماوات (3) ولا على خلق أنفسهم، ولم اعطهم العلم بأنه كيف يخلق الاشياء فمن أين يتبعونهم ؟ وقيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفار خلق السماوات والارض ولا بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك ؟ (انتهى) وزاد الرازي وجهين آخرين (4): أحدهما أن الضمير عائد إلى الكفار


(1) مجمع البيان ج 6 ص 476 في تفسير سورة الكهف ى 51. (2) وانما وحده هنا لوفاق الفواصل (مجمع البيان). (3) والارض (مجمع البيان). (4) نقل عن مفاتيح الغيب، ج 5 ص 729 في تفسير سورة الكهف ملخصا (*).

[12]

الذين قالوا له صلى الله عليه وآله: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم وتدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح ؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست بسلطان البلد ولا وزير الملك حتى نقبل منك هذه الاقتراحات. وثانيهما: أن يكون المراد هؤلاء الكفار أيضا ويكون المعنى: أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السعادة والشقاوة فكيف يمكنكم أن تحكموا لانفسكم بالرفعة والكمال والعلو ولغيركم بالذل والدفاءة (انتهى). وروى العياشي عن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز (1) الاسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فأنزل الله هذه الآية يعنيهما. وفي الكافي (2) عن الجواد عليه السلام: إن الله تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الاشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمرها (3) إليهم (الخبر) وهذا الخبر صريح في حدوث جميع أجزاء العالم. (أولم ير الذين كفروا) قال الطبرسي ره: استفهام يراد به التقريع (4) والمعنى: أو لم يعلموا أن الله سبحانه (5) الذي يفعل هذه الاشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الاله المستحق للعبادة دون غيره (أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) تقديرها: كانتا ذواتي رتق (6) والمعنى: كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا


(1) أعن (خ ل). (2) ج 1 ص 440 من الطبعة الحديثة. (3) في المصدر: امورها. (4) التقريع: التعنيف والعتاب الشديد. (5) في المصدر: أنه سبحانه. (6) في المصدر: تقديره: كانتا ذواتي رتق فجعلناهما ذواتي فتق (*).

[13]

بينهما بالهواء، عن ابن عباس وغيره (1). وقيل: كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات، وكانت الارض كذلك ففتقناها سبع أرضين، عن مجاهد و السدي. وقيل: كانت السماء رتقا لا تمطر، والارض رتقا لا تنبت، ففتقنا السماء بالمطر والارض بالنبات، عن عكرمة وعطية وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (2) (انتهى). وقال الرازي: الرؤية إما بمعنى الابصار أو العلم، والاول مشكل لان القوم ما رأوهما، ولقوله تعالى (ما أشهدتهم خلق السماوات والارض) والثاني أيضا مشكل لان (3) الاجسام قابلة للرتق والفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال ؟ ودفع الاشكال بعد اختيار الثاني بوجوه: أحدها أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله، ثم نجعلهما دليلا على حصول المصالح في العالم وانتفاء الفساد عنه. وثانيها أن نحمل الرتق والفتق على إمكانهما والعقل يدل عليه لان الاجسام يصح عليها الاجتماع و الافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا وثالثها أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السماوات والارض وفتق بينهما. وكان بين عبدة الاوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى الله عليه وآله فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك. ثم قال: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها وذكر الوجه الاول من وجوه الطبرسي ثم قال: هذا القول يوجب أن خلق


(1) في المصدر: عن ابن عباس والضحاك وعطاء وقتادة. (2) مجمع البيان، ج 7 ص 45. (3) في بعض النسخ: لان القوم ما رأوا الاجسمام القابلة (*).

[14]

الارض مقدم على خلق السماء لانه تعالى لما فصل بينهما ترك الارض حيث هي وأصعد الاجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السماوات والارضين ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقاتبها، ثم ذكر الثاني والثالث ورجح الثالث بقوله تعالى (والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع) وبقوله سبحانه (وجعلنا من الماء كل شئ حي) ثم قال: ورابعها قول أبي مسلم الاصفهاني، قال: يجوز أن يراد بالفتق، الايجاد والاظهار كقوله (فاطر السماوات والارض) فأخبر عن الايجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الايجاد بلفظ الرتق. اقول: وتحقيقته أن العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة، وأعيان متبائنة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها عن بعض، فبهذا الطريق جعل الرتق مجازا عن العدم، والفتق عن الوجود. وخامسها أن الليل سابق على النهار بقوله (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) فكانت السماوات والارض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النهار المبصرة (انتهى) (1). وأقول: سيأتي في الاخبار ما يؤيد الوجه الثالث، ويومئ بعض خطب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الثاني كما ستعرف. وروى الكليني في الروضة عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي (2)


(1) مفاتيح الغيب، ج 6 ص 144 (نقل عنه ملخصا) (2) في المصدر: (عن الحسن بن محبوب عن أبى حمزة ثابت بن دينار الثمالى، و أبو منصور عن أبى الربيع).. والحسن بن محبوب السراد ويقال الزراد مولى بجيلة كوفى ثقة جليل القدر من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام وروى عن ستين رجلا من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام مات رحمه الله سنة (224) وكان من ابناء خمس وسبعين سنة. و أبو حمزة الثمالى ثابت من دينار ثقة من خيار اصحابنا ومعتمديهم لقى على بن الحسين وابا جعفر وأبا عبد الله وابا الحسن عليهم السلام وروى عنهم ومات رحمه الله سنة (150) وكان ابن محبوب عندئذ صبيا يرضع وعلى هذا فروايته عنه إما بالوجادة أو بالواسطة (*).

[15]

قال: سأل نافع أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) قال: إن الله تبارك وتعالى أهبط (1) آدم إلى الارض وكانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا وكانت الارض رتقا لا تنبت شيئا، فلما تاب (2) الله عزوجل على آدم عليه السلام أمر السماء فتقطرت بالغمام، ثم أمرها فأرخت عزالاها (3) ثم أمر الارض فأنبتت الاشجار وأثمرت الثمار، و تفهقت بالانهار، فكأن ذلك رتقها وهذا فتقها. فقال نافع: صدقت يا ابن رسول الله (إلى آخر الخبر) وهذا يدل على الثالث. (وجعلنا من الماء كل شئ حي) قال الطبرسي: أي وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شئ حي، وقيل: وخلقنا من النطفة كل مخلوق (4). والاول أصح. وروى العياشي بإسناده عن الحسين بن علوان (5) قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن طعم الماء فقال: (6) سل تفقها ولا تسأل تعنتا (7) طعم الماء طعم الحياة، قال الله سبحانه: (وجعلنا من الماء كل شئ حي). وقيل: معناه و جعلنا من الماء حياة كل ذي روح ونماء كل نام فيدخل فيه الحيوان والنبات والاشجار، عن أبي مسلم (8). (أفلا يؤمنون) أي أفلا يصدقون بالقرآن وبما يشاهدون من الدليل و البرهان. (الرحم) قيل: خبر للذي إن جعلته مبتدأ، ولمحذوف إن جعلته صفة


(1) في المصدر: لما أهبط. (2) في المصدر: فلما أن تاب. (3) وفي نسخة (عزاليها) والعزالى بالالف الاخيرة والعزالى بالياء الخفيفة جمع (العزلاء) بفتح العين المهملة وسكون الزاى وهو مصب الماء من القربة ونحوها، وأرخت عزاليها أي أمطرت بشدة. (4) في المصدر: كل مخلوق حى، عن أبى العالية. (5) كذا في المصدر وفي بعض النسخ (الحسن بن علوان). (6) في المصدر: فقال له. (7) تعنته: طلب زلته ومشقته، وتعنت عليه في السؤال: سأله على وجه التلبيس عليه. (8) مجمع البيان، ج 7، ص 45 (*).

[16]

للحي، أو بدل من المستكن في (استوى) وقرئ بالجر صفة للحي (فاسأل به خبيرا) أي فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه. وقيل: الضمير للرحمن، والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله فاسئل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا ما يرادفه في كتبهم. وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء. وقيل: إنه صلة خبيرا. (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين) قال البيضاوي: أي مقدار يومين أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون ولعل المراد بالارض ما في جهة السفل من الاجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا صارت بها أنواعا، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته (وتجعلون له أندادا) ولا يصح أن يكون له ند (ذلك) الذي خلق الارض في يومين (رب العالمين) خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها (وجعل فيها رواسي) استئناف غير معطوف على (خلق) للفصل بما هو خارج عن الصلة (من فوقها) مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطلاب (1). اقول: وقال الرازي: إذ لو جعلت تحتها لاوهم ذلك أنها أساطين تمسكها فجعلها فوقها ليرى الانسان أن الارض والجبال أثقال على أثقال وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ وليس ذلك إلا الله سبحانه (2). (وبارك فيها) قال البيضاوي: أي وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوانات (وقدر فيها أقواتها) أي أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به، أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من


(1) أنوار التنزيل، ج 2، ص 384. (2) مفاتيح الغيب، ج 7، ص 353. نقل عنه ملخصا (*).

[17]

أقطارها. وقرئ (وقسم فيها أقواتها). (في أربعة أيام) أي في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشر (1) وإلى الكوفة في خمس عشرة (2). ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للاشعار باتصالهما لليومين (3) الاولين، و التصريح على الفذلكة (4). اقول: وقد يحمل على أن المراد أربعة أوقات، وهي التي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات الارض وما في البر والبحر من الخلق، من الثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معاش الحيوان كله، وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء. ولا يخفى بعده عن السياق. (سواء) أي استوت سواء بمعنى استواء، والجملة صفة أيام، ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر، وقيل: حال من الضمير في (أقواتها) أو في (فيها) وقرئ بالرفع على (هي سواء). (للسائلين) متعلق بمحذوف تقديره: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الارض وما فيها، أو ب‍ (مقدر) أي قدر فيها الاقوات للطالبين. (ثم استوى إلى السماء) قصد نحوها، من قولهم (استوى إلى مكان كذا) إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره (وهي دخان) قال البيضاوي: أي أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها والاجزاء (5) المتصغرة التي ركبت منها (6). و قال الطبرسي: قال ابن عباس: كانت بخار الارض، وقيل: معناه ثم استوى أمره إلى السماء (7). وقال الرازي: وذكر صاحب الاثر أنه كان عرش الله على الماء


(1) في المصدر: في عشرة. (2) في المصدر: في خمسة عشر. (3) في المصدر: باليومين. (4) أنوار التنزيل، ج 2، ص 384. (5) في المصدر: أو الاجزاء. (6) أنوار التنزيل، ج 2، ص 385. (7) مجمع البيان، ج 9، ص 6 (*).

[18]

منذ (1) خلق السماوات والارض، فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع منه زبد ودخان (2) فبقي على وجه الماء، فخلق الله تعالى فيه (3) اليبوسة وأحدث منه الارض وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السماوات. واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن فإن دل عليها دليل صحيح قبلت (4) وإلا فلا، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذى تزعم اليهود أنه التوراة، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لانا (5) قد دللنا في المعقولات على أن الظلمه ليست كيفية وجودية بل هي عبارة عن عدم النور (6) فالله سبحانه لما خلق الاجزاء التي لا تتجزى فقبل أن يخلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور، ثم إذ ركبها (7) وجعلها سماوات وكواكب وشمسا وقمرا وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الاجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات والشمس والقمر كانت مظلمة فصح تسميتها بالدخان، لانه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور (8). (فقال لها وللارض إتيا) قال البيضاوي: أي بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر، وأبرزا ما أودعتكما من الاوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة أوائتيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة أو الاخبار أو إتيان السماء بحدوثها وإتيان الارض أن تصير مدحوة، أو ليأت كل منكما الاخرى في حدوث ما اريد توليده منكما، ويؤيده قراءة (آتيا) من المؤاتاة أي


(1) في المصدر: قبل حلق. (2) في المصدر: أما الزبد فبقى. (3) في المصدر: منه اليبوسة. (4) في المصدر: قبل. (5) في المصدر: لانه. (6) والدليل مذكور في المصدر. (7) في المصدر: لما ركبها. (8) مفاتيح الغيب، ج 7، ص 385 (*).

[19]

ليوافق كل واحدة منكما اختها فيما أردت منكما (طوعا أو كرها) شئتما ذلك أو أبيتما، أو المراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع و الكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال. (قالتا أتينا طائعين) أي منقادين بالذات. والاظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها و تمثيلها (1) بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله (كن فيكون) وما قيل أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الاول والاخير وإنما قال (طائعين) على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله تعالى (ساجدين). وقال الطبرسي قدس سره: قال ابن عباس: أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وأتت الارض بما فيها من الانهار والاشجار والثمار وليس هناك أمر بالقول حقيقة (2) ولا جواب لذلك القول، بل أخبر (3) سبحانه عن اختراعه السماوات والارض وإنشائه لهما من غير تعذر ولا كلفة ولا مشقة بمنزلة ما يقال (4) افعل فيفعل من غير تلبث ولا توقف ولا تأن (5) فعبر عن ذلك بالامر والطاعة، وهو كقوله (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وإنما قال (أتينا طائعين) ولم يقل طائعتين لان المعنى: أتينا بمن فينا من العقلاء، فغلب حكم العقلاء (6). وقيل: إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال: (وكل في فلك يسبحون) (7). (فقضيهن سبع سماوات) قال البيضاوي: أي فخلقهن خلقا إبداعيا وأتقن


(1) في المصدر: وتمثيلهما. (2) في المصدر: على الحقيقة. (3) في المصدر: بل أخبر الله. (4) في المصدر: ما يقال للمأمور. (5) في المصدر: ليس لفظة (ولا تأن). (6) في المصدر: عن قطرب. (7) مجمع البيان، ج 9 ص 6 (*).

[20]

أمرهن، والضمير للسماء على المعنى (1) أو مبهم. (وسبع سماوات) حال على الاول، وتمييز على الثاني. (في يومين) قيل: خلق السماوات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة (وأوحى في كل سماء أمرها) شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا، وقيل: أوحى إلى أهلها بأوامره. (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها. (وحفظا) أي وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا. وقيل: مفعول له على المعنى، كأنه قال: خصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظا. (ذلك تقدير العزيز العليم) البالغ في القدرة والعلم. (وما مسنا من لغوب) قال الطبرسي: أي تعب ونصب، أكذب الله تعالى بهذا اليهود، فانهم قالوا: استراح الله يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا (2). وقال الرازي في تفسيره: قال بعض المفسرين: المراد من الآية الرد على اليهود حيث قالوا: بدأ الله خلق العالم يوم الاحد وفرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستوى (3) على عرشه. فقال تعالى: (وما مسنا من لغوب) رادا (4) عليهم، والظاهر أن المراد الرد على المشرك أي ما تعبنا بالخلق الاول حتى لا نقدر على الاعادة ثانيا وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التورية فهو إما تحريف منهم أولم يعلموا تأويله، وذلك لان الاحد والاثنين أزمنة متميزة بعضها عن بعض فلو كان خلق السماوات ابتداء يوم الاحد لكان الزمان متحققا قبل الاجسام، والزمان لا ينفك عن الاجسام، فيكون قبل الاجسام (5) أجسام اخر


(1) أي كانت المناسب صيغة التثنية ولما كان في كل منهما كثرة اعتبر جانب المعنى، و انما جمع على صيغة جمع العقلاء باعتبار جعلهما مخاطبتين (منه). (2) مجمع البيان، ج 9، 150. (3) في المصدر: استلقى. (4) في المصدر: ردا. (5) في المصدر: قبل خلق الاجسام (*).

[21]

فيلزم القول بقدم العالم وهو مذهب الفلاسفة (انتهى) (1). وأقول: تعيين تلك الايام موجودة في الاخبار المعتبرة كما ستعرف، وما توهم من لزوم قدم العالم خطاء كما عرفت سابقا أنه يمكن تصحيحه بوجوه متعددة شئ منها لا يستلزم ذلك، وأما تعيين الايام فيمكن أن تقدر الازمنة بحيث تكون بعد خلق الشمس وحركة الافلاك وتعيين الايام تلك الازمان الماضية موافقة لهذه الايام الستة، بحيث إذا كانت الشمس متحركة فيها كانت تلك الايام بعينها فتأمل. (ءأنتم أشد خلقا) قال البيضاوي: أي أصعب خلقا أم السماء ؟ ثم بين كيف خلقها وقال (2): (بناها) ثم بين البناء فقال: (رفع سمكها) أي جعل مقدار ارتفاعها من الارض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا (فسويها) أي فعد لها، أو جعلها (3) مستوية، أو فتممها بما به يتم (4) كما لها من الكواكب والتداوير وغيرها، (5) من قولهم (سوى فلان أمره) إذا أصلحه (وأغطش ليلها) أي أظلمه منقول من (غطش الليل) إذا أظلم. وأضاف (6) إليها لانه يحدث بحركتها (وأخرج ضحيها) أي وأبرز ضوء شمسها كقوله تعالى (والشمس وضحيها) يريد النهار (والارض بعد ذلك دحيها) بسطها ومهدها للسكني، (أخرج منها ماءها) بتفجير العيون (ومرعيها) أي ورعيها، وهو في الاصل لمواضع الرعي (7). وتجريد الجملة عن العاطف لانها حال بإضمار قد، أو بيان للدحو (والجبال أرسيها) أي أثبتها (متاعا لكم ولانعامكم) تمتيعا لكم ولمواشيكم (8).


(1) مفاتيح الغيب، ج 7 ص 644. (2) في المصدر: فقال. (3) في بعض النسخ: فجعلها. (4) في المصدر: بما يتم به. (5) في المصدر: وغيرهما. (6) في المصدر: وإنما أضاف. (7) في المصدر: لموضع الرعى. (8) انوار التنزيل، ج 2: ص 644 (*).

[22]

(الذي خلق فسوى) أي خلق كل شئ فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتي كما له ويتم معاشه (والذي قدر) أي قدر أجناس الاشياء وأنواعها و أشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها (فهدى) فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الميول والالهامات، ونصب الدلائل وإنزال الآيات. * (تحقيق في دفع شبهة) * اعلم أن بعض الملاحدة أوردوا تناقضا بين آيات سورتي البقرة والسجدة و بين آيات سورة النازعات، حيث زعموا أن الاولة تدل على تقدم خلق الارض على السماء والاخيرة على العكس. واجيب عنه بوجوه: احدها: أن خلق الارض قبل السماء إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء. واستشكل بوجهين: الاول: أن الارض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء. والثانى: أن الآية الاولى تدل على أن خلق الارض وخلق كل ما فيها مقدم على خلق السماء، وخلق الاشياء في الارض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة. واجيب: عن الاول بأنالا نسلم امتناع انفكاك خلق الارض عن دحوها والمناقشة في إطلاق خلق الارض على إيجادها غير مدحوة مناقشة لفظية. وعر الثاني بأن قوله تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض، ولا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الارض، فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض فيكون خلق الارض قبل السماء وخلق السماء قبل دحو الارض، ودحو الارض قبل تسوية السماء، فارتفع التنافي. ويرد عليه أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض، والثانية تقتضي تقدم خلق الارض بما فيها على تسويتها سبع سماوات، وخلق ما في الارض قبل دحوها مستبعد. ويمكن أن يجاب بأن المراد بالخلق في الاولى التقدير وهو شائع في العرف واللغة، أو بأن المراد بخلق ما في الارض خلق موادها كما أن خلق

[23]

الارض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك فتكون تسوية السماء متقدمة على دحو الارض كما هو ظاهر الآية الثالثة، أو بأن يفرق بين تسويتها المذكورة في الثالثة وبين تسويتها سبع سماوات كما في الاولى، وحينئذ فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الارض، وتسويتها سبعا متأخرة عنه، ولعل هذا أوفق في الجمع، أو بأن يقال: الفاء في قوله تعالى (فسويها) بمعنى ثم، والمشار إليه بذلك في قوله تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) هو بناء السماء وخلقها لا مجموع ما ذكر قبله، أو بأن يقال كلمة (ثم) في الاولى للترتيب الذكري، وتقديم خلق ما في الارض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص، فيكون خلق ما في الارض بعد دحوها كما هو الظاهر، وتسوية السماء متقدمة عليه وعلى دحو الارض كما هو ظاهر الآية الثالثة. لكن هذا لا يخلو من نوع (1) منافرة لظاهر الآية الثانية، وقد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح بعض الاخبار الآتية. وقال البيضاوي: كلمة (ثم) في آيتي البقرة والسجدة لتفاوت (2) ما بين الخلقين، وفضل خلق السماء على خلق الارض كقوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا) لا للتراخي في المدة (3) فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) فإنه يدل على تأخر دحو الارض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها، إلا أن يستأنف بدحيها مقدر النصب الارض فعلا آخر دل عليه (أنتم أشد خلقا) مثل: تعرف الارض وتدبر أمرها بعد ذلك. لكنه خلاف الظاهر (4) (انتهى). والوجه الثاني: مما قد اجيب به عن أصل الاشكال أن يقال: كلمة (بعد) في الآية الثالثة ليست للتأخر الزماني، إنما هو على جهة تعداد النعم والاذكار


(1) في بعض النسخ: عن نوع. (2) في المصدر: لعله لتفاوت. (3) في المصدر: في الوقت. (4) أنوار التنزيل ج، 1 ص 62 (*).

[24]

لها، كما يقول القائل: أليس قد أعطيتك وفعلت بك كذا وكذا وبعد ذلك خلطتك ؟ وربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان لانه لم يكن الغرض الاخبار عن الاوقات والازمنة بل المراد ذكر النعم والتنبية عليها وربما اقتضت الحال إبراد الكلام على هذا الوجه. والثالث: ما ذكره الرازي، وهو أن لا يكون معنى (دحيها) مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا هيئات لنبات الاقوات، وهذا هو الذي بينه بقوله (أخرج منها ماءها ومرعيها) وذلك لان (1) الاستعداد لا يحصل للارض إلا بعد وجود السماء، فإن الارض كالام والسماء كالاب، وما لم يحصلا لم يتولد أولاد المعادن والنبات والحيوان. والرابع: ما ذكره أيضا وهو أن يكون قوله (والارض بعد ذلك) أي مع ذلك، كقوله (عتل بعد ذلك زنيم) أي مع ذلك، وكقولك للرجل: أنت كذا وكذا، ثم أنت بعدها كذا. لا تريد (2) الترتيب، وقال تعالى (فك رقبة) إلى قوله (ثم كان من الذين آمنوا.) والمعنى: وكان وهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس وغيره قالوا في قوله (والارض بعد ذلك دحيها): أي مع مياده دحيها (3). اقول: وهذا قريب من الثاني. ثم المشهور أن خلق الارض قبل خلق السماء وهو الاظهر، وقيل بالعكس، نقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الارض، وتاويل قوله (ثم استوى إلى السماء): ثم كان قد استوى وهي دخان قبل أن يخلق الارض. فاضمر فيه كان كما قال تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) معناه: إن يكن سرق. وقال الرازي: المختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الارض


(1) في المصدر: لان هذا الاستعداد. (2) في المصدر: لا تريد به الترتيب. (3) مفاتيح الغيب، ج 8، ص 465 (نقل عنه ملخصا) (*).

[25]

بقي أن يقال: كيف تأويل هذه الآية يعني آية السجدة ؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والايجاد، والدليل عليه قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فلو كان الخلق عبارة عن الايجاد و التكوين لصار معنى الآية: أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون، وهذا محال لانه يلزم أنه تعالى قد قال لشئ وجد: كن وإذا ثبت هذا فنقول: قوله (خلق الارض في يومين) معناه أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشئ في الحال، فقضاء الله بحدوث الارض في يومين مقدم على إحداث السماء ولا يلزم منه تقدم إحداث الارض على إحداث السماء (1) (انتهى) ولا يخفى ما فيه وستطلع على حقيقة الامر في ضمن شرح الاخبار إن شاء الله تعالى. * (الاخبار) * 1 نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: المعروف (2) من غير رؤية والخالق من غير روية، الذي لم يزل قائما دائما، إذ لاسماء ذات أبراج، ولا حجب ذات أرتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق ورازقه (3). بيان: من غير روية أي تفكر، لانه يستلزم الجهل السابق، وحدوث أمر فيه لم يكن، والاستكمال بعد النقص (الذي لم يزل قائما) أي بذاته أو بأحوال الخلق، وقد مر مرارا (دائما) أي باقيا بذاته من غير علة (ذات أبراج) أي بروج أو كواكب نيرة. و (الحجب) جمع الحجاب والمراد هنا ما سيأتي من الحجب النورانية التي تحت العرش أو السماوات عبر عنها بلفظين، و (الارتاج) في بعض


(1) مفاتيح الغيب، ج 7، ص 358 (نقل عنه ملخصا). (2) في المصدر: الحمد لله المعروف. (3) نهج البلاغة: 158 (*).

[26]

النسخ بكسر الهمزة مصدر (أرتج الباب) أي أغلقه، وفي بعضها بالفتح جمع (رتج) بالتحريك، أو (رتاج) بالكسر. والاول الباب العظيم، والثاني الباب المغلق أو الذي عليه باب صغير، و (الداجي) المظلم، و (الساجي) الساكن، و (الفجاج) جمع (الفج) بالفتح وهو الطريق الواسع بين الجبلين، و (المهاد) بالكسر: الفراش. واعتمدت على الشئ: اتكأت عليه، وكل حي يعتمد على رجله في المشي وعلى غيرها، ويمكن أن يراد به القوة والتصرف. وأبدعت الشئ، و ابتدعته: أي استخرجته وأحدثته، و (الابتداع) الخلق على غير مثال، و (وارثه) أي الباقي بعد فنائهم، والمالك لما ملكوا ظاهرا، ولا يخفي صراحته في حدوث العالم. 2 النهج: قال عليه السلام: الاول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر (1). بيان: الغرض إثبات الاولية والآخرية الحقيقيتين له سبحانه، وظاهر الاول حدوث ما سواه، واستدل بالثاني على ما ذهب إليه كثير من المتكلمين من انعدام العالم بأسره قبل قيام الساعة، ويمكن أن يكون الآخرية باعتبار أن كل ما عداه في التغير والتحول من حال إلى حال، كما ورد في الرواية، وقيل: أوليته بحسب الخارج، وآخريته بحسب الذهن، أو الآخر في سلسلة الافتقار لاحتياج الكل إليه سبحانه (2).


(1) نهج البلاغة: 194. (2) الاولية والاخرية وصفان اضافيان، فإذا قويس شئ إلى آخر وجد بعده وصف بالاولية، وإذا قويس إلى شئ وجد قبله وصف بالاخرية. وللتقدم والتأخر أقسام مذكورة في محلها وقد اختلف القوم في تقدم الواجب على الممكنات، فقيل: إن تقدمه زماني، و قيل: على، وقيل: سرمدي إلى غير ذلك. لكن التقدم الزمانى بمعناه المصطلح وهو وقع المتقدم مقارنا لجزء من الزمان متقدم على الجزء الذى وقع المتأخر مقارنا له مما يتسحيل في حق الحق سبحانه وتقدس لعاليه عن مقارنة الزمان ومقايسته بالحدثان. على أن يستلزم قدم الزمان وهو كر على ما فرمنه. وأما تفسير التقدم الزمانى بأن الواجب كان في زمان لم يكن شئ، وتتميمه بأن=

[27]

3 - النهج: قال عليه السلام: الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته (1) ومنه (2) قال عليه السلام: الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لاوليته ابتداء، ولا لازليته انقضاء، هو الاول لم يزل، والباقي بلا أجل إلى قوله عليه السلام قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة إلى قوله عليه السلام لم يخلق الاشياء من اصول أزلية، ولا من أوائل أبدية (3) بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته (4).


= الزمان أمر موهوم منتزع عن ذاته، مما لا يجدى شيئا ولا يسمن ولا يغنى من جوع. لان الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن تأثيره في الواقعيات وإناطة البحث الحقيقي به، غاية الامر تسميته تعالى بالقديم الزمانى تسمية ليس وراءه حقيقه ولا تجاوز حد الاسم والوهم وإن كان أمرا واقعيا فلا يمكن انتزاعه من ذات البارئ سبحانه وإلا لتطرق التغير والحدوث إليها. وأما آخرية الواجب فقيل بالاخرية الزمانة بمعنى أنه يفتى كل شئ إلا الواجب تعالى فيكون زمان ليس فيه غيره سبحانه ولما كان ظاهر هذا القول مخالفا لظواهر الكتاب والسنة من أبدية نشأة الاخرة وخلود أهلها فسر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة ! ولقائل أن يقول: هل يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أولا ؟ فان كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة إلى نفس الزمان، وإلا فلا يكون آخرا زمانيا، على أنه تعالى يكون على هذا آخرا بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساعة لا بعده وله توال فاسدة اخرى. وحق القول أن الواجب تعالى محيط بجميع العوالم، مهيمن على كافة الموجودات، و يكون وجوده أوسع وأرفع من كل الوجودات، بل هي بأسرها ظل وجوده وشعاع نوره تبارك وتعالى وليس لها استقلال أصلا، فليس بين الوجودات الامكانية وبين وجوده السرمدي الواجب المحيط الغير المتناهى بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة. فأين المتناهى من غير المتناهى ؟ وما للتراب ورب الارباب ؟ ! فكلما قويس وجود إمكانى إلى وجوده المتعالى كان من بين يديه ومن خليفة، ومن فوقه ومن تحته، ومن كل جهة من جهاته، وكل شأن من شؤونه محدودا محاطا بوجوده تبارك و تعالى. فإذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات كان سبحانه هو الاول، وإذا لوحظ الجهة اللاحقة كان هو الاخر، وإذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن، وإذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر (هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم) (ألا إنه بكل شئ محيط). (1) نهج البلاغة، ج 1، ص 274. (2) في بعض النسخ: وفي خطبة. (3) سيأتي من المؤلف في بيان الخطبة أن في بعض النسخ (بدية). (4) نهج البلاغة، ج 1، ص 300 (*).

[28]

بيان: (الساطح) الباسط، و (المسيل) المجري، و (الوهاد) جمع (وهدة) وهي الارض المنخفضة، وأخصب الله الارض أي جعلها كثيرة العشب والكلاء، و (النجاد) بالكسر جمع (نجد) بالفتح وهو المرتفع من الارض (ولا لازليته انقضاء) أي في جانب الابد، أي أزليته أزلية مقرونة بالابدية، ويمكن أن يكون إشارة إلى أن الازلية تستلزم الابدية إذ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، أو في جانب الازل إذا رجع الوهم إليه. ولا يخفى دلالة تلك الفقرات على اختصاص الازلية به و حدوث ما سواه، إذ ذكر الصفات المشتركة بينه وبين خلقه لا يناسب مقام المدح. ثم صرح عليه السلام بذلك بقوله (لم يخلق الاشياء من أصول أزلية) ردا على ما زعمته الحكماء من الهيولى القديمة ونحو ذلك و (الابد) بالتحريك الدهر، و (الدائم) و (القديم) الازلي كما ذكره في القاموس وقيل: الزمان الطويل الذي ليس بمحدود، والظاهر أنه تأكيد وتفسير للفقرة الاولى، ويحتمل أن يكون المراد الامثلة التي يخلق الله تعالى الاشياء على حذوها. وفي بعض النسخ (بدية) والبدي كرضي الاول (من أوائل) سابقة على إيجادها (1).


(1) الازلية والقدم مترادفان، ومعناهما كون الموجود بحيث لا يسبقه عدم، فان أضيف إلى العدم الذاتي سمى قدما ذاتيا، وإن اضيف إلى العدم الزمانى سمى قدما زمانيا وحيث إن الزمان مقدار الحركة، والحركة تختص بالاجسام، فإذا لم يكن جسم لم يكن زمان، وكل شيئ غير جسماني فانه خارج عن حيطة الزمان البتة، فلو وجد شئ مجرد عن المادة كان لا محالة غير محدود بالزمان. وحيث إن الجسم لا ينفك عن الحركة بناء على القول بالحركة الجوهرية فكلما فرض جسم كان حادثا زمانيا. والواجب تعالى قديم أزلى ذاتا بمعنى كون الوجود عين ذاته واستحالة العدم عليه بوجه وزمانا بمعنى كونه خارجا عن ظرف الزمان ومنزها عن مقارنته لا بمعنى كونه مقارنا لزمان غير متناه من جهة البدء وأما ما سواه فعلى القول بوجود المجردات المحضة والموجودات النورية العالية فانها أيضا غير مقيدة بالزمان لكنها لا تشارك الواجب تعالى في الازلية الذاتية. وأما المادة أعنى الهيولى الاولى فليست من الموجودات المتحصلة، وتحصلها إنما يكون بالصور، ولا شئ من الصور الجسمانية بقديم لما ذكرنا. نعم على القول بقدم الصور الفلكية كما يراه بعض الفلاسفة تكون مادتها أيضا قديمة لكنها على كل حال ليست موجودة قيل الاشياء ولا أصلا أزليا للكائنات (*).

[29]

4 شرح النهج للكيدري: ورد في الخبر أن الله تعالى لما أراد خلق السماء والارض خلق جوهرا أخضر، ثم ذوبه فصار ماء مضطربا، ثم أخرج منه بخارا كالدخان فخلق (1) منه السماء كما قال (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) ثم فتق تلك السماء فجعلها سبعا، ثم جعل من ذلك الماء زبدا فخلق منه أرض مكة، ثم بسط الارض كلها من تحت الكعبة ولذلك تسمى مكة ام القرى لانها أصل جميع الارض، ثم شق من تلك الارض سبع أرضين وجعل بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمأة عام، وكذلك بين كل أرض وأرض، وكذلك بين هذه السماء وهذه الارض، ثم بعث ملكا من تحت العرش حتى نقل الارض على منكبه وعنقه ومد اليدين فبلغت إحداهما إلى المشرق والاخرى إلى المغرب، ثم بعث لقرار قدم ذلك الملك بقرة من الجنة كان لها أربعون ألف قرن وأربعون ألف رجل ويد، و بعث ياقوتا من الفردوس الاعلى حتى يوضع بين سنام تلك البقرة واذنها، فاستقر قدما ذلك الملك على السنام والياقوت، وإن قرون تلك البقرة لمرتفعة من أقطار الارض إلى تحت العرش. وإن مناخر انوفها بإزاء الارض فإذا تنفست البقرة مد البحر، وإذا قبضت أنفاسها جزر البحر، من ذلك، ثم خلق لقرار قوائم تلك البقرة صخرة، وهي التي حكى الله عن لقمان في قوله (فتكن في صخرة) فيزيد مقدار سعة تلك الصخرة سبع مرات على مقدار سبع السماوات وسبع أرضين، ثم خلق حوتا وهو الذي أقسم الله فقال: (ن والقلم) والنون الحوت، وأمر تعالى بوضع تلك الصخرة على ظهر ذلك الحوت وجعل ذلك الحوت في الماء وأمسك الماء على الريح ويحفظ الله الريح بقدرته. 5 النهج والاحتجاج: في خطبة لامير المؤمنين عليه السلام: الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده إلى قوله عليه السلام مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته (2).


(1) في بعض النسخ: وخلق. (2) نهج البلاغة، ج 1، ص 350. الاحتجاج، ص 107 (*).

[30]

6 - وفي خطبة اخرى مشهورة: لا نصحبه الاوقات، ولا ترفده (1) الادوات سبق الاوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله إلى قوله عليه السلام لا يجري عليه السكون والحركة وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذا التفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الازل معناه إلى قوله عليه السلام يقول لما (2) أراد كونه: كن، فيكون، لا بصوت يقرع، ولانداء (3) يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولاله عليها فضل فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع، خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، وأنشأ الارض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم وحصنها من الاود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج. أرسى أوتادها وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه إلى قوله عليه السلام هو المنفي لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتدائها بأعجب من إنشائها واختراعها إلى قوله عليه السلام وإنه (4) سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها. بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان عدمت عند ذلك الآجال والاوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الامور، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكاءده صنع شئ


(1) في بعض النسخ، ولا تردفه. (2) في المصدر: لمن أراد. (3) في المصدر: بنداء. (4) في المصدر: وإن الله (*).

[31]

منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه (1)، ولم يكونها لتشديد سلطان ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه وأمسكها بأمره، و أتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لا نصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم (2) والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة (3). ايضاح: (الدال على قدمه بحدوث خلقه) فيه وفيما بعده دلالة على أن علة الفاقة إلى المؤثر الحدوث، وأنه لا يعقل التأثير في الازلي القديم (4). وكذا


(1) في المصدر: ما خلقه وبرأه. (2) في المصدر: إلى حال علم. (3) نهج البلاغة: ج 1، ص 354. (4) الحدوث والقدم قد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الذاتي ومقابلها، وقد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الزمانى ومقابلها فان كان المراد بهما في كلامه عليه السلام المعنى الاول كان المعنى أن العالم لمكان إمكانه يدل على وجود الواجب. وان كان المراد بالحدوث الحدوث الزمانى وبالقدم، القدم الذاتي كان المعنى أن الحدوث الزمانى في الزمانيات دليل على وجود الواجب، وذلك لان الحدوث تغير والتغير يختص بالممكن والممكن يحتاج إلى الواجب، وايضا الحادث مسبوق بالعدم وكل ما كان كذلك أمكن عدمه فاحتاج في الوجود إلى الواجب، وإن كان المراد بهما الحدوث والقدم الزمانيين كان المعنى أن الحدوث الزمانى في الزمانيات يدل على كون الواجب قديما غير مقيد بالزمان وذلك لان الحدوث نقص ومحدودية ووجود الواجب تام وفوق التمام فلا يتصف به. وإن كان المراد بالحدوث، الحدوث الذاتي وبالقدم، القدم الزمانى كان المعنى أن امكان الخلق يدل على قدم الواجب وعدم تقيده بالزمان لكنه في غاية البعد وعلى الاولين فكلامه عليه السلام ناظر إلى إثبات الواجب وعلى الاخرين=

[32]

قوله (مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته). (لا تصحبه الاوقات) يحتمل وجهين: أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على الازمان كالزمانيات (1) كما قال: (سبق الاوقات كونه) و ثانيهما نفي الزمانية عنه سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير ولا يكون فيما لا تغير فيه أصلا، فالمراد بسبق كونه على الاوقات عدم لحوقها له وامتناع مقارنته سبحانه لها، وربما يؤيد ذلك بقوله عليه السلام (وكيف يجري عليه ما هو أجراه ؟) فإنه عليه السلام استدل على عدم جريان السكون والحركة عليه بأنه موجدهما فلا يكونان من صفاته الكمالية، لان الفعل لا يكون كمالا للفاعل واتصافه بهما لا على وجه الكمال يوجب التغير أو النقص وهذا جار في الزمان أيضا. وكذا قوله (ويعود فيه ما هو أبداه) أي أظهره، فقيل: المعنى أنه سبحانه أظهر الحركة والسكون فكانا متأخرين عنه ذاتا، فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخر ويصير متقدما لان صفاته سبحانه عين ذاته فلا يجوز خلوه عنها في مرتبة الاظهار والايجاد، (ويحدث فيه ما هو أحدثه) لان الشئ لا يكون فاعلا وقابلا لشئ واحد، أو لما مر من لزوم الاستكمال بغيره والنقص في ذاته.


= (1) فناظر إلى إثبات قدمه وعلى كل حال فلا يستفاد من كلامه عليه السلام أن ما يحتاج إلى العلة ينحصر في الحادث الزمانى بحيث لو فرض ممكن غير حادث زمانا لم يحتج إلى الواجب فتأمل. وأما تحقيق القول في أن ملاك الاحتياج إلى العلة هل هو الحدوث أو الامكان فله محل آخر. وأما النكتة في جعله عليه السلام (الدال) صفة له سبحانه لا لخلقه مع أن الظاهر أن الخلق يدل بحدوثه على قدم الواجب فهى أن الذى يدل الناس إلى الحق حقيقة هو الحق سبحانه كما في الدعاء المأثور (وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك) ويدل على ذلك روايات كثيرة و أدعية ماثورة ووجوه عقلية يضيق المجال عن ذكرها. (1) يعنى أن الزمانيات تصحب الزمان مادامت موجودة لكن وجود الواجب غير مقارن للزمان دائما، لانه تعالى كان موجودا ولم يكن زمان فلما خلق الزمان صار مقارنا له، وأما الحكماء فينفون مقارنته سبحانه للزمان مطلقا، لان الزمان أمر تدريجي لا يقارنه إلا ما شأنه الحركة والتغير وهو الجسم لا غير، ودلالة كلامه عليه السلام على مقالتهم لا غبار عليه (*).

[33]

(إذا لتفاوتت داته) أي حصل الاختلاف والتغير في ذاته (ولتجزأ كنهه) أي كانت حقيقته ذات أجزاء وأبعاض، لان الحركة والسكون مستلزمان للتحيز المستلزم للجسمية، أو لكان فيه ما به بالقوة وما به بالفعل (ولا متنع من الازل معناه) أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى، والامتناع من الازل للجسمية وحدوث ما لا ينفك عن الحركة والسكون (لا بصوت يقرع) أي يقرع الاسماع، والقرع الدق، وفي بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شئ. (ومثله) أي أقامه، وقيل: البارئ تعالى مثل القرآن لجبرئيل عليه السلام بالكتابة في اللوح، ويقال (مثلته بين يدي) أي أحضرته، فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كأن قد مثله للمكلفين انتهى والظاهر أن المراد أن قوله (كن فيكون) ليس المراد به الكلام الحقيقي الذي له صوت بل كناية عن تعلق الارادة وتمثيل لحول الاشياء بمحض إرادته بلا تأخر ولا توقف على أمر. (ولو كان قديما لكان إلها ثانيا) هذا صريح في أن الامكان لا يجامع القدم وأن الايجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم (1)، فالقول بتعدد القدماء مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين (فتجري) على المعلوم (2) وفي بعض النسخ على المجهول. (عليه الصفات المحدثات) في أكثر النسخ (الصفات) معرفة باللام، فالمحدثات صفة له وفي بعضها بدون اللام على الاضافة وهو أنسب، أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات الاجسام المحدثة فلم يكن بينه وبينها فرق. و (الفصل) القطع، والحاجز بين الشيئين، و (المبتدع) في بعض النسخ على صيغة الفاعل، وفي بعضها على صيغة المفعول، فعلى الاول (البديع) بمعنى المبدع على بناء المفعول، وعلى الثاني بمعنى (المبدع) على بناء الفاعل. (على غير مثال خلا) أي مضى وسبق (من غير اشتغال) أي لم يشغله إمساكها


(1) كلامه عليه السلام صريح في أن القدم يلازم الالوهية ولا يجامع الامكان، لكنه ليس بصريح في أن المراد به القدم الزمانى فان كانت هناك قرينة عقلية وجب حمله على القدم الذاتي. (2) يعنى أن لفظة (تجرى) في كلامه على صيغة المعلوم أي المبنى للفاعل (*).

[34]

عن غيره من الامور (وأرساها) أي أثبتها (على غير قرار) أي مقر يتمكن عليه بل قامت بأمره لا على شئ (بغير قوائم) أي لا كدابة تقوم بقوائمها. و (الدعامة) بالكسر: عماد البيت الذي يقوم عليه. وحصنه تحصينا أي جعله منيعا. و (الاود) بالتحريك: الاعوجاج، والعطف للتفسير. و (التهافت) التساقط قطعة قطعة (أوتادها) أي جبالها التي هي للارض بمنزلة الاوتاد (وضرب أسدادها) السد بالفتح و بالضم الجبل والحاجز بين الشيئين، وقيل: بالضم ما كان مخلوقا لله تعالى وبالفتح ما كان من فعلنا. وضرب الاسداد نصبها، يقال: ضربت الخيمة أي نصبتها، أو تعيينها كضرب الخراج، ولعل المعنى خلق الجبال فيها والانهار التي هي كالحدود لها ليتميز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة. وقال الجوهري: السد أيضا واحد السدود وهي السحائب السود، عن أبي زيد. (واستقاض عيونها) أي جعلها فائضة جارية (وخد أوديتها) أي شقها ومنه (الاخدود) أي الحفرات المستطيلة في الارض (حتى يصير موجودها كمفقودها) لعل المراد بالمفقود ما لم يوجد أصلا أي حتى يصير كأن لم يكن، ويحتمل أن تكون الكاف زائدة. وقوله عليه السلام (كما كان قبل ابتدائها) إلى آخر الكلام صريح في حدوث ما سوى الله تعالى، وظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم، وعدم زمانيته سبحانه إلى أن يحمل على الازمنة المعينة من الليالي والايام والشهور والسنين و يدل على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود. وهذا أيضا ينافي القدم لانهم أطبقوا علم أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأقاموا عليه البراهين العقلية. (لم يتكاده) في أكثر النسخ على صيغة التفاعل (1) وفي بعضها على صيغة النفعل (2)، وكلاهما بمعنى نفي المشقة. وفي بعض النسخ (لم يتكاره) على صيغة التفاعل من الكره، يقال: فعل الامر على تكره وتكاره أي على تسخط وعدم الرضا به. والغرض أنه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق الاشياء.


= (1) أي بالالف وتشديد الدال. (2) أي بالهمزة المشددة وتخفيف الدال (*).

[35]

وآده الامر يؤده: أثقله و (برأه) أي خلقه، و (تشديد السلطان) إحكام السلطنة وحفظها عن تطرق الخلل فيها، و (الند) بالكسر: المثل، قالوا: ولا يكون الند إلا مخالفا. و (المكاثرة) المغالبة بالكثرة، و (الضد) بالكسر: النظير والكفو، وقيل، مثل الشئ وخلافه، وهو من الاضداد. (والثور) بالفتح: الهيجان والوثب، وثاوره أي واثبه، و (الشرك) بالكسر الاسم من شركته كعلمت في البيع والميراث شركة. وفي النسخ (في شركة) بالتاء موضع الضمير. (والاستئناس) اتخاذ الانيس ضد الاستيحاش، (والسأم) بالتحريك الملال، و (التصريف) التغيير وتحويل الشئ من حال إلى حال ومن وجه إلى وجه، (والثقل) بالكسر كما في بعض النسخ وكعنب كما في بعضها: ضد الخفة. و (لم يمله) على صيغة الافعال أي لم يجعله سئما، وفي بعض النسخ (ولا يمله). وذكر السرعة لان الافناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة، أو لانه إذا كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة. و (أتقنها) أحكمها، و (الالتماس) الطلب، والمراد طلب علم مجهول. و (الضعة) بالفتح كما في النسخ وبالكسر: انحطاط الدرجة ضد الرفعة، والضمير في قوله عليه السلام (يعيدها) راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة، وجوز بعض شارحي النهج عودها إلى (الامور) في قوله عليه السلام (إليه مصير جميع الامور) وعلى أي حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتى الارواح والملائكة ثم عودها فيدل على جواز إعادة المعدوم وقد سبق الكلام فيه في المجلد الثالث. 7 - التوحيد والعيون: عن محمد بن علي ما جيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أبي سمينة (1) عن محمد بن عبد الله الخراساني عن الرضا عليه السلام قال: هو أين


(1) هو محمد بن على الصيرفى الكوفى ضعيف مرمى بالكذب وفساد الاعتقاد، والظاهر اتحاده مع محمد بن على بن إبراهيم بن موسى أبى جعفر القرشى ومحمد بن على بن إبراهيم الكوفى كما يؤيده تتبع الاسانيد، وإن كان تكرار العنوان في كتب الرجال ربما يوهم التعدد (*).

[36]

الاين، كان ولا أين، وهو كيف الكيف، كان ولا كيف (1) (الخبر). 8 الاحتجاج: عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن ادخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته فأذن له، فدخل وسأله عن مسائل، فكان فيما سأله: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى وساق الكلام إلى أن قال: فما تقول في الكتب، فقال: التوراة والانجيل والزبور والفرقان وكل كتاب انزل كان كلام الله أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي غير الله. فقال أبو قرة: فهل يفنى ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل الله، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون: رب القرآن، وإن القرآن يقول يوم القيامة: يا رب هذا فلان وهو أعرف به قد أظمأت نهاره وأسهرت ليله فشفعني فيه ؟ و كذلك التوراة والانجيل والزبور كلها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شئ هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد، وأن الكلام لم يزل معه وليس له بدء وليس بإله (2). بيان: (وليس له بدء) أي ليس للكلام علة، لان القديم لا يكون مصنوعا (وليس بإله) أي والحال أنه ليس بإله فكيف لم يحتج إلى الصانع ؟ أو الصانع يلزم أن لا يكون إلها لوجود الشريك معه في القدم. وفي بعض النسخ (وليس بإله له) أي يلزم أن لا يكون الله إلها للكلام لكونه معه دائما. 9 المهج: بإسناده، عن أحمد بن محمد بن غالب، عن عبد الله بن أبي حبيبة وخليل بن سالم، عن الحارث بن عمير، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الدعاء، وذكر له فضلا كثيرا: الحمد لله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين، المدبر بلا وزير، ولا خلق من عباده يستشير، الاول غير مصروف، والباقي بعد فناء الخلق، العظيم الربوبية، نور


(1) العيون: ص 131، ح 28، التوحيد، ص 178، ح 3. (2) الاحتجاج، ص 220، احتجاج أبى الحسن الرضا عليه السلام ابا قرة المحدث (*).

[37]

السماوات والارضين، وفاطرهما ومبتدعهما، بغير عمد خلقهما، فاستقرت الارضون بأوتادها فوق الماء، ثم علا ربنا في السماوات العلى، الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الارض، وما بينهما وما تحت الثرى إلى قوله أنت الله لا إله إلا أنت، كنت إذ لم تكن سماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس مضيئة ولا ليل مظلم، ولا نهار مضيئ، ولا بحر لجي، ولا جبل راس، ولا نجم سار، ولا قمر منير، ولا ريح تهب، ولا سحاب يسكب، ولا برق يلمع، ولا روح تتنفس ولا طائر يطير، ولا نار تتوقد، ولا ماء يطرد، كنت قبل كل شئ، وكونت كل شئ، وابتدعت كل شئ (إلى آخر الدعاء). 10 - ومنه: بأسانيد ذكرها إلى ابن عباس وعبد الله بن جعفر، عن أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء اليماني المعروف: وأنت الجبار القدوس الذي لم تزل أزليا دائما في الغيوب وحدك، ليس فيها غيرك، ولم يكن لها سواك. 11 - ومنه: في دعاء علمه جبرئيل النبي صلى الله عليهما: الاول والآخر والكائن قبل كل شئ، والمكون لكل شئ، والكائن بعد فناء كل شئ. 12 - التوحيد: عن محمد بن الحسن (1) عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد ابن عيسى (2) عن سليمان الجعفري، قال: قال الرضا عليه السلام: المشية من صفات الافعال، فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد (3). بيان: لعل الشرك باعتبار أنه إذا كانت الارادة والمشية أزليتين فالمراد و المشيئ أيضا يكونان أزليين، ولا يعقل التأثير في القديم، فيكون إلها ثانيا كما مر مرارا، أو إنهما لما لم يكونا عين الذات، فكونهما دائما معه سبحانه، يوجب إلهين


(1) هو محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أبو جعفر المتوفى سنة 343 شيخ القميين وفقيههم ثقة جليل القدر عظيم المنزلة. (2) في المصدر: محمد بن عيسى بن عبيد. (3) التوحيد، باب صفات الافعال، ص 93 (*).

[38]

آخرين بتقريب ما مر (1). ويؤيد الاول ما رواه في التوحيد أيضا عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله قال: قلت له: لم يزل الله مريدا ؟ فقال: إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، بل لم يزل عالما قادرا ثم أراد. 13 - التوحيد: بإسناده عن سلمان، قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام أخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أو في الآخرة ؟ قال علي عليه السلام: لم يزل ربنا قبل الدنيا (2) هو مدبر الدنيا وعالم بالآخرة (3). 14 - وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان، لم يوجد لوصفه كان، ثم قال: كان إذ لم يكن شئ ولم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان (4). 15 - النهج: من خطبة له عليه السلام: وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا ففقتها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره، وقامت على حده يحملها (5) الاخضر المثعنجر، والقمقام المسخر، قد ذل لامره، وأذعن لهيبته ووقف الجاري منه لخشيته، وجبل جلاميدها ونشوز متونها وأطوادها فأرسيها


(1) المشية والارادة من صفات الافعال كما نطقت به روايات كثيرة، والصفات الفعلية ما ينتزع من نفس الافعال ولا يوصف الواجب تعالى بها من حيث ذاته من قطع النظر عن الافعال التى تصدر عنه ولا قبل صدورها. فليست أفعالا خارجية حتى تكون ممكنة لا استقلال لها، ولا صفات ذاتية حتى تكون عين ذات الواجب غير زائدة عليها بل هي عناوين انتزاعية فمن قال بأزليتها ووجودها قبل تحقق الافعال لزمه القول يكونها موجودات حقيقية خارجية، وحيث إنها لا تكون ممكنة ولا عين ذات الواجب لزم كونها واجبات مستقلة، كما تقول الاشاعرة في الصفات الذاتية فالقول بأزليتها يستلزم القول بتعدد الاله، وذلك قوله عليه السلام (فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد). (2) في المصدر: ولا يزال أبدا. (3) التوحيد: باب الرحمن على العرش استوى، ص: 232. (4) التوحيد: 28. وسيأتى الحديث مسندا تحت الرقم 19. (5) في المصدر: وأرسى أرضا يحملها (*).

[39]

في مراسيها، وألزمها قرارتها (1) فمضت رؤسها في الهواء، ورست اصولها في الماء فأنهد جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في متون أقطارها، ومواضع أنصابها فأشهق قلالها، وأطال أنشازها، وجعلها للارض عمادا، وأرزها فيها أوتادا. فسكنت على حركتها (2) من أن تميد بأهلها أو تسيح بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا، فوق بحر لجي راكد لا يجري، وقائم لا يسري، تكركره الرياح العواصف، وتمخضه الغمام الذوارف، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (3). بيان: الاقتدار على الشئ القدرة على، و (الجبروت) فعلوت من الجبر وهو القهر، و (البديع) بمعنى المبدع بالفتح، و (اللطيف) الدقيق. وزخر البحر كمنع أي تملا وارتفع، و (المتراكم) المجتمع بعضه فوق بعض. وتقاصف البحر تزاحمت أمواجه. وقال ابن أبي الحديد: اليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم يبس، قال الله تعالى (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) واليبس بالسكون اليابس خلقة، يقال (حطب يبس) وهكذا يقول أهل اللغة وفيه كلام لان الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل، والاصوب أن يقال: لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة (انتهي) والجامد ضد الذائب، والمراد باليبس الجامد: الارض و (الفطر) بالفتح: الخلق والانشاء، و (الاطباق) بالفتح: جمع (طبق) بالتحريك وهو غطاء كل شئ، والطبق أيضا من كل شئ ما ساواه. وقوله عليه السلام (ففتقها) إشارة إلى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) وقد مرت الوجوه في تفسيرها، وهذا مما يؤيد بعضها فتذكر. ويدل على حدوث السماوات وكونها اولي (4) طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة


(1) في المصدر: قراراتها. (2) في بعض النسخ: عن حركتها. (3) نهج البلاغة، ج 1، 426. (4) في بعض النسخ: أولا (*).

[40]

بعضها فوق بعض، ففتقها وفرقها وباعد بعضها عن بعض، فحصلت سبع سماوات متميزات بينها أفضية للملائكة. و (الاستمساك) الاحتباس والاعتصام، والغرض عدم تفرقها كأن بعضها معتصم ببعض، وقيامها على حده كناية عن وقوفها على ما حده لها من المكان و المقدار والشكل والهيئة والنهايات والطبائع وعدم خروجها عن تلك، والضمير في (حده) راجع إلى الله أو إلى اليبس. وقال الكيدري: (الاخضر) الماء، والعرب تصفه بالخضرة و (المثعنجر) على صيغة اسم الفاعل كما في النسخ: السائل من ماء أو دمع، وبفتح الجيم: وسط البحر، وليس في البحر ما يشبهه ذكره الفيروز آبادي. وقال الجزري في حديث علي عليه السلام (يحملها الاخضر المثعنجر) هو أكثر موضع في البحر ماء، والميم و النون زائدتان، ومنه حديث ابن عباس (فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر) القرارة: الغدير الصغير. و (القمقام) بالفتح كما في النسخ وقد يضم: البحر، ويكون بمعنى السيد والامر العظيم، والعدد الكثير. و (المسخر) في بعض النسخ بالخاء المعجمة، و في بعضها بالجيم، في القاموس: سجر النهر ملائه وتسجير الماء تفجيره. والضمير في قوله عليه السلام (منه) راجع إلى ماء البحر، أو إلى اليبس الجامد، فيكون الدخان الذي خلق منه السماوات مرتفعا منه. وفي (استمسكت) إلى الاطباق، أو إلى ما يرجع إليه الضمير في يحملها وهو اليبس الجامد (1) والتأنيث لان المراد به الارض. و (أذعن له) أي خضع وانفاد، و (الجاري منه) أي السائل بالطبع. فوقوفه عدم جريانه طبعا بإرادته سبحانه، أو السائل منه قبل إرادته وأمره بالجمود. ويحتمل


(1) هذا إذا لم يكن لفظة الارض في الكلام، وأما على نسخة المصدر (وأرسى أرضأ يحملها) فلا شبهة في رجوع الضمير إلى الارض (*).

[41]

أن تكون الضمائر في (ذل) و (أذعن) و (وقف) راجعة إلى الاخضر أو القمقام وهو أنسب بتذكير الضمير والجريان. و (جبل) كنصر وضرب: أي خلق، و (الجلمد) بالتفح و (الجلمود) بالضم: الحجر العظيم الصلب، و (النشز) بالفتح: المكان المرتفع والجمع (نشوز) بالضم. والمتن: ما صلب من الارض وارتفع، والطود بالفتح: الجبل أو العظيم منه، و الضمائر راجعة إلى الارض المعبر عنها باليبس الجامد، و (أرسيها) أي أثبتها (في مراسيها) أي في مواضعها المعينة بمقتضى الحكم الالهية، و (القرارة) موضع القرار و (رست) أي ثبتت، وفي بعض النسخ (رسبت) يقال: رسب كنصر إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت ويقال: نهدثدي الجارية كمنع ونصر أي كعب وأشرف. والسهل من الارض ضد الحزن، وساخت قوائمه في الارض تسوخ وتسيخ أي دخلت فيها وغابت، وأساخها غيبها. وقواعد البيت أساسه. والقطر بالضم: الناحية، أي غيب قواعد الجبال في متون نواحي الارض، وقيل: أي في جوانب أقطارها. و (النصب) بالفتح ويحرك: العلم المنصوب، وبالضم وبضمتين: كل ما جعل علما وكل ما عبد من دون الله. والمراد بالانصاب الجبال. وبمواضعها الامكنة الصالحة للجبال بمقتضى الحكمة. و (القلال) بالكسر جمع (قلة) بالضم، وهي أعلى الجبل أو أعلى كل شئ، و (الشاهق) المرتفع، أي جعل قلالها مرتفعة، وإطالة الانشاز مؤكدة لها. والعماد بالكسر الخشبة التي تقوم عليها البيت والابنية الرفيعة، و الظاهر أن المراد بجعلها للارض عمادا ما يستفاد من الفقرة التالية، وقيل: المراد جعلها مواضع رفيعة في الارض. و (أرز) بتقديم المهملة كنصر وضرب وعلم أي ثبت، و (أرز) بتشديد المعجمة أي أثبت، وفي أكثر النسخ بالتخفيف وفتح العين وفي بعضها بالتشديد. قال في النهاية: في كلام علي عليه السلام (أرزها فيها أوتادا) أي أثبتها، إن كانت الزاي مخففة فهي من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الارض وإن كانت مشددة فهي من (أرزت الجرادة) إذا أدخلت دنبها في الارض لتلقي فيها بيضها، ورززت الشئ في الارض رزا: أثبتته فيها، وحينئذ تكون الهمزة زائدة

[42]

(انتهى) وقيل: وروي آرز بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الارض. (فسكنت على حركتها) أي حال حركتها التي هي من شأنها، لانها محمولة على سائل متموج كما قيل، أو على أثر حركتها بتموج الماء (من أن تميد) أي تتحرك وتضطرب (أو تسيخ بحملها) أي تغوص في الماء مع ما عليها. قال ابن أبي الحديد: لو تحركت الارض فإما أن تتحرك على مركزها أولا، والاول هو المراد بقوله عليه السلام (تميد بأهلها) والثاني ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت، وهو المراد بقوله عليه السلام (تسيخ بحملها) وأن لا تنزل إلى تحت، وهو المراد بقوله (تزول عن مواضعها) (انتهى). ويحتمل أن يراد بقوله عليه السلام (تميهد بأهلها) تحركها واضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة، وبسوخها بحملها حركتها على وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا، فتكون الباء للتعدية، وبزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح والسيول أو بتفرق القطعات وانفصال بعضها عن بعض، فإن الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق كما سيأتي، ويؤيده إيراد المواضع بلفظ الجمع. وصيغة (فعلان) بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب والتقلب والتنقل كالميدان والنزوان والخفقان، ولعل المراد بهذا الموجان ما كان غامرا للارض أو أكثرها، وإمساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام. ورطوبة أكنافها أي جوانبها لميدانها قبل خلق الجبال، و (المهاد) بالكسر: الفراش، والموضع يهيأ للصبي ويوطأ، و (الفراش) ما يبسط، و (اللجة) بالضم: معظم الماء، وركد كنصر أي ثبت وسكن، وسرى عرق الشجر كرمى أي دب تحت الارض. وقال الجوهري: الكركرة تصريف الرياح (1) السحاب إذا جمعته بعد تفرق وقال (باتت تكركره الجنوب) وأصله تكرره من التكرير (2) و كركرته عني


(1) في الصحاح: الريح. (2) في الصحاح: وكركرت بالدجاجة: صحت بها وكركرته عنى...

[43]

أي دفعته ورددته. و (الرياح العواصف) الشديدة الهبوب، ومخض اللبن يمخضه مثلة أي أخذ زبده، وفي النسخ الفتح والضم. و (الغمام) جمع (غمامة) وهي السحابة البيضاء أو الاعم. وذرف الدمع كضرب أي سال، وذرف عينه أي سال دمعها، وذرف العين دمعها أي أسالها. و (من يخشى) العلماء، كما قال سبحانه (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ويحتمل أن يكون التخصيص لاجل أن عدم الخشية يوجب عدم المبالاة بالعبر والالتفات إليها. 16 - العلل: بإسناده عن معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام. قلت: فأين كنتم يا رسول الله ؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده و نقدسه ونمجده. قلت: على أي مثال ؟ قال: أشباح نور (1) (الخبر). 17 - التوحيد والعيون: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عمرو الكاتب، عن محمد بن زياد القلزمي، عن محمد بن أبي زياد الجدي، عن محمد بن يحيى العلوي عن الرضا عليه السلام في خطبته الطويلة قال: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث (2) وشهادة الحدث (3) بالامتناع من الازل الممتنع من الحدث (4) إلى قوله سبق الاوقات كونه، والعدم وجوذه، والابتداء أزله إلى قوله ففرق بها بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها إلى قوله له معنى الربوبية إذ لا مربوب، و حقيقة الالهية إذ لا مألوه، ومعنى العالم إذ (5) لا معلوم، ومعنى الخالق إذ (6)


(1) علل الشرائع: ج 1، ص 198 وسيأتى ايضا تحت الرقم (133). (2 و 3 و 4) في العيون: الحدوث. (5) في العيون: ولا معلوم. (6) في العيون: وليس.

[44]

لا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق (1) ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية، كيف ؟ ولا تغيبه (2) مذ، ولا تدنيه قد، وتحجبه لعل، ولا يوقته (3) متى، ولا تشمله حين، ولا تقارنه (4) مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلما يمكن فيه يمتنع من (5) صانعه، لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه أو يعود إليه (6) ما هو ابتدأه ؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الازل معناه إلى قوله ليس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله (7) تعظيم، ولا في إبانته عن الخلق ضيم، إلا بامتناع الازلي أن يثنى، ولما (8) لابدء له أن يبدأ (9) (إلى آخر الخطبة). الاحتجاج: مرسلة (10) مثله. مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن الحسن بن حمزة العلوى، عن محمد بن عبد الله الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن مروك بن عبيد


(1) قال المؤلف رحمه الله في بيان هذه الفقرة (ج 4، ص 241) ما هذا لفظه: إذا الخالقية التى هي كماله هي القدرة على خلق كل ما علم أنه أصلح، ونفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية ولا يتوقف كماله عليه (انتهى) يعنى بذلك أن المراد بالخالقية ليس التى من الصفات الفعلية بل التى من الصفات الكمالية الذاتية وهى القدرة على الخلق لا عنوان الخالق فتبصر وقس عليه البرائية وما ضاهاها. (2) في العيون: ولا توقته. (3) في العيون: ولا تشمله. (4) في العيون: ولا تقاربه. (5) في العيون: في صانعه. (6) في العيون: فيه. (7) في بعض النسخ: له. (8) في التوحيد: ولا بداله أن يبدو وفي بعض النسخ (وما لا بدء.) وهو الاظهر. (9) التوحيد: ص 15. العيون: ص 150. (10) الاحتجاج: باب احتجاج الرضا عليه السلام ص 217.

[45]

عن محمد بن زيد الطبري، عن الرضا عليه السلام مثله. مجالس المفيد: عن الحسن بن حمزة مثله. بيان: قد مر شرح الخطبة في كتاب التوحيد، وقد دلت على تنافي الحدوث أي المعلولية والازلية، وتأويل الازلية بوجوب الوجود مع بعده يجعل الكلام خاليا عن الفائدة، ودلالة سائر الفقرات ظاهرة كما فصلناه سابقا، وظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانية عنه سبحانه، وكذا قوله عليه السلام (إلا بالامتناع الازلي أن يثنى) يدل على امتناع تعدد القدماء، وكذا الفقرة التالية لها. 18 - التوحيد: عن محمد بن الحسن، عن الصفار، وسعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، والهيثم بن أبي مسروق، ومحمد بن الحسين كلهم عن الحسن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن إسحق بن غالب، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض خطبة: الحمد لله الذي كان في أزليته (1) وحدانيا إلى قوله ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق، على غير مثال كان سبق لشئ مما خلق، ربنا القديم بلطف ربوبيته وبعلم خبره فتق، وباحكام قدرته خلق جميع ما خلق (2) (الخبر). 19 - ومنه: عن على بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن إبراهيم بن الحكم، عن عبد الله بن جرير، عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان، لم يوجد لوصفه كان، بل كان أولا (3) كائنا، لم يكونه مكون جل ثناؤه بل كون الاشياء قبل كونها، فكانت كما كونها، علم ما كان وما هو كائن، كان إذ لم يكن شئ، ولم ينطق فيه ناطق، فكان إذ لا كان (4).


(1) في بعض النسخ: أوليته. (2) التوحيد: ص 20. (3) في نسخة: أزلا. (4) التوحيد: ص 28. وقد مر مقطعا تحت الرقم 14 (*).

[46]

20 - ومنه: عن أبيه، عن محمد (1) بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن سهل ابن زياد، عن أحمد بن بشر (2) عن محمد بن جمهور العمي، عن محمد بن الفضيل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: في الربوبية العظمى والالهية الكبرى لا يكون الشئ لامن شئ إلا الله، ولا ينقل الشئ من جوهريته إلى جوهر آخر إلا الله ولا ينقل الشئ من الوجود إلى العدم إلا الله (3). 21 - ومنه: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي عن الهيثم عبد الله الرماني، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة فقال: الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما كان (4) مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته، وبفطورها على قدمته (5) (الخطبة). 22 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن حازم (6) قال: قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم الله تعالى ؟ قال: فقال: بلى، قبل أن يخلق السماوات و الارض (7). 23 - ومنه: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الاشعري عن علي بن إسماعيل وإبراهيم بن هاشم، جميعا عن صفوان، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله عزوجل ؟ قال: لا، بل كان في علمه قبل أن ينشئ السماوات والارض (8).


(1) في المصدر: أحمد بن إدريس، وهو الصحيح. (2) كذا في نسخ الكتاب والمصدر، لكن الظاهر أنه مصحف (أحمد بن بشير) لرواية سهل بن زياد عنه. (3) التوحيد: ص 32. (4) في المصدر: ما قد كان. (5) التوحيد: ص 33. (5) التوحيد: ص 33. (6) في المصدر: عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قلت له. (7) التوحيد: 85. (8) التوحيد: ص 85.

[47]

24 - ومنه: عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن الفضل، عن منصور بن عبد الله، عن علي بن عبد الله، عن الحسين بن بشار، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: إن الله (1) العالم بالاشياء قبل كون الاشياء إلى قوله فلم يزل الله عزوجل علمه سابقا للاشياء، قديما قبل أن يخلقها، فتبارك ربنا وتعالى علوا كبيرا، خلق الاشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء، كذلك لم يزل ربنا عليما سميعا بصيرا (2). 25 - وبهذا الاسناد عن علي بن عبد الله، عن صفوان، عن ابن مسكان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان أم علمه عندما خلقه وبعد ما خلقه ؟ فقال: تعالى الله، بل لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه، وكذلك علمه بجميع الاشياء كعلمه بالمكان (3). 26 - ومنه: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الفضل بن سليمان، عن الحسين بن خالد، قال: قلت للرضا عليه السلام: إن قوما يقولون: إنه عزوجل لم يزل عالما بعلم، وقادرا بقدرة، وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر فقال عليه السلام: من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة اخرى، وليس من ولايتنا على شئ (4). 27 - العيون والتوحيد: عن جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي، عن الحسن بن محمد بن علي بن صدقة، عن محمد بن عبد العزيز الانصاري، قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي (5) قال: قال عمران الصابي للرضا عليه السلام: أخبرني


(1) في المصدر: إن الله تعالى هو العالم. (2) التوحيد: 86. (3) التوحيد: ص 86. (4) التوحيد: ص 88. (5) هذا الاسم مشترك بين (الحسن بن محمد بن سهل النوفلي) الذى ضعفه النجاشي وبين الحسن بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن سعيد بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب،=

[48]

عن الكائن الاول وعما خلق. قال عليه السلام: سألت فافهم، أما الواحد فلم يزل واحد كائنا لا شئ معه بلا حدود ولا أعرض، ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة، لافي شئ أقامه، ولا في شئ حده، ولا على شئ حذاه (1) ومثله (2) له، فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير صفوة، واختلافا وائتلافا، وألوانا وذوقا وطعما، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصا (3) تعقل هذا يا عمران ؟ قال: نعم والله يا سيدي، قال عليه السلام: واعلم يا عمران أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لان الاعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا تسعها (4) لانه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه (5) حاجة اخرى، ولذلك أقول:


= الثقة الجليل، وللعلامة البهبهانى كلام في تنقيح المقال (ج 1 ص 308) حاصله: أن الظاهر اتحاد الحسن بن محمد بن الفضل النوفلي المذكور مع الحسين بن محمد بن الفضل النوفلي و أن الصحيح هو الحسن مكبرا والشاهد عليه تصريح النجاشي بأن الحسن بن محمد بن الفضل روى عن الرضا عليه السلام نسخة وبأن الحسين بن محمد بن الفضل صنف مجالس الرضا عليه السلام مع أهل الاديان. وكذا الظاهر اتحاد الحسن بن محمد بن الفضل مع الحسن بن محمد بن سهل النوفلي وأن (سهل) مصحف (سعيد) أو اسم جده الاتى والشاهد عليه رواية الحسن بن محمد ابن جمهور العمى مجالس الرضا عليه السلام عنهما (انتهى) لكن يحتمل كون الحسين أخا الحسن لعدم تصريح النجاشي بكون الحسن مصنف الكتاب بل قال، روى عن الرضا عليه السلام نسخة وأما احتمال اتحاد الحسن بن محمد بن الفضل مع الحسن بن محمد بن سهل فقوى جدا والظاهر أن الراوى عن الحسن بن محمد النوفلي في هذه الرواية هو الحسن بن محمد بن جمهور العمى. (1) في بعض النسخ: حاذاه. (2) في التوحيد: مثله. (3) في التوحيد: ولا نقصانا. (4) في نسخة، لا يسعها. (5) منه (خ ل) (*).

[49]

لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق بالحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض، بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل، فلهذا خلق (1). قال عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي ؟ وما معانيها ؟ وعلى كم نوع تكون ؟ (2) قال: قد سألت فافهم، إن حدود خلقه على ستة أنواع: ملموس وموزون ومنظور إليه، وما لا وزن له، وما لا ذوق (3) له وهو الروح ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون (4) والتقدير والاعراض والصور والطول والعرض، ومنها العمل والحركات التي تصنع (5) الاشياء وتعملها وتغيرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها. وأما الاعمال والحركات فإنها تنطلق لانه (6) لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة وبقي الاثر ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره. قال له عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شئ غيره ولا شئ معه أليس قد تغير بخلقه الخلق ؟ قال [له] الرضا عليه السلام: لم يتغير عزوجل بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره (7). قال عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن الله عزوجل هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف ؟ قال عليه السلام: إن الله المبدأ الواحد الكائن الاول، لم يزل واحدا لا شئ معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا مجهولا، ولا محكما ولا متشابها، ولا


(1) من هنا اسقط شطر من الحديث. (2) في المصدر: يتكون. (3) في نسخة (لا لون له) وهو الاظهر. (4) في التوحيد، ولا لون ولا ذوق. (5) في نسخة: فيها الاشياء. (6) في التوحيد: لانها. (7) قه اسقط هنا أيضا شطر من الحديث (*).

[50]

مذكورا ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم شئ من الاشياء (1) ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون، ولا بشئ قام، ولا إلى شئ يقوم، ولا إلى شئ استند، ولا في شئ استكن، وذلك كله قبل الخلق إذ لا شئ غيره، وما أوقعت (2) عليه من الكل فهي صفات محدثة، وترجمة يفهم بها من فهم. واعلم أن الابداع والمشية والارادة معناها واحد، وأسماؤها ثلاثة، وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شئ، ودليلا على كل مدرك، وفاصلا لكل مشكل، وبتلك الحروف تفريق (3) كل شئ من اسم حق أو باطل، أو فعل أو مفعول، أو معنى أو غير معنى، وعليها اجتمعت الامور كلها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها بتناه (4) ولا وجود لها لانها مبدعة بالابداع، والنور في هذا الوضع (5) أول فعل الله الذي هو نور السماوات والارض، والحروف هي المفعول بذلك الفعل، وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من الله عزوجل علمها خلقه، وهي ثلاثة وثلاثون حرفا، فمنها ثمانيه وعشرون حرفا تدل على اللغات العربية، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على اللغات السريانية والعبرانية ومنها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم لاقاليم (6) اللغات كلها وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين الحروف من اللغات، فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا، فأما الخمسة المختلفة فبحجج (7) لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه، ثم جعل الحروف


(1) في التوحيد: من الاشياء غيره. (2) في التوحيد: وما اوقع عليه من المثل. (3) في نسخة، تفرق. (4) في المصدرين: يتناهى. (5) في بعض النسخ وكذا في التوحيد (الموضع). (6) في العيون: والاقاليم واللغات، (7) النسخ ههنا في غاية الاختلاف وسيأتى الاشارة إليه من العلامة المؤلف رحمه الله (*).

[51]

بعد إحصائها وإحكام عدتها فعلا منه كقوله عزوجل (كن فيكون) و (كن) منه صنع وما يكون به المصنوع، فالخلق الاول من الله عزوجل: الابداع، لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس، والخلق الثاني: الحروف، لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة (1) غير منظور إليها والخلق الثالث: ما كان من الانواع كلها محسوسا ملموسا ذاذوق منظورا إليه، والله تبارك وتعالى سابق للابداع لانه ليس قبله عزوجل شئ، ولا كأن معه شئ، والابداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير أنفسها (2). قال المأمون: وكيف لا تدل على غير أنفسها (3) ؟ قال الرضا عليه السلام: لان الله عزوجل لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا، فإذا ألف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير (4) معنى، ولم يك (5) إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا. قال عمران: فكيف لنا معرفة ذلك ؟ قال الرضا عليه السلام: أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه (6) أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها، ذكرتها فردا فقلت: ا، ب، ت، ث، ج، ح، خ، حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها معنى غير أنفسها فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها، داعية إلى الموصوف بها، أفهمته ؟ قال: نعم، ثم قال: يا سيدي، ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق ؟ قال الرضا عليه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، وإنما صار خلقا لانه شئ محدث والله الذي أحدثه، فصار


(1) في التوحيد: موضوعة. (2 و 3) نفسها (خ ل). (4) في العيون: بغير. (5) في بعض النسخ: ولم تكن. (6) في بعض النسخ: بابه (*).

[52]

خلقا له، وإنما هو الله عزجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عزوجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عزوجل. واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل على ما جعل (1) الله عزوجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر وليس في (2) واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه، ولا يعضده ولا يكنه (3) والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا، وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عزوجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين، ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (4) (تمام الخبر). بيان: (لا في شئ أقامه (5)) أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة، و (مثله


(1) في بعض النسخ: خلق. (2) في العيون: في كل واحد. (3) في التوحيد: ولا يمسكه. (4) التوحيد: ص 318. العيون، ج 1، ص 169. (5) ظاهر كلامه عليه السلام أن الله تعالى حين خلق المخلوق الاول لم يقمه في شئ أي لم يجعله في مكان ولا موضوع ولا محل، لانه لم يكن عندئذ شئ آخر حتى يقوم فيه، ويلزم من ذلك أن لا يكون المخلوق الاول أمرا ماديا، وإلا لاحتاج إلى مكان أول محل لا محالة. و أما حديث قدم المادة فقد مرمنا أنها ليست أمرا متحصلا حتى يقال: هل هي قديمة أو حادثة زمانا ؟ وتحصلها إنما يكون بالصور، والصور الجسمانية حادثة زمانا عند الكل الا الصور الفلكية، فانها على فرض وجودها غير حادثة زمانا عند بعض الفلاسفة فتدبر (*).

[53]

له) أي مثل أولا ذلك الشئ للشئ الكائن ثم خلق الكائن على حذوه كما هو شأن المخلوقين، ويحتمل أن يكون ضمير (له) راجعا إلى الصانع تعالى، (والحاجة يا عمران لا يسعها) أي لا يسع خلق الحاجة ولا يدفعها، لان كل من خلق لو كان على وجه الاحتياج لكان يحتاج لحفظه وتربيته ورزقه ودفع الشرور عنه إلى أضعافه وهكذا. (على ستة أنواع) لعل الاول ما يكون ملموسا وموزونا ومنظورا إليه والثانى ما لا تكون له تلك الاوصاف كالروح، وإنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته، وفي بعض النسخ (وما لا لون له) وهو الروح وهو أظهر للمقابلة، والثالث ما يكون منظورا إليه ولا يكون ملموسا ولا محسوسا ولا موزونا ولا لون له كالهواء والسماء، فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره، وقد يرى ولا لون له بالذات، أو يراد به الجن والملك وأشباههما، والظاهر أن قوله (ولا لون) زيد من النساخ. والرابع التقدير، ويدخل فيه الصور والطول والعرض والخامس الاعراض القارة المدركة بالحواس كاللون والضوء وهو الذي عبر عنه بالاعراض والسادس الاعراض غير القارة كالاعمال والحركات [التي] تذهب هي وتبقى آثارها. ويمكن تصوير التقسيم بوجوه اخر تركناها لمن تفكر فيه. (هل يوحد بحقيقة) بالحاء المهملة المشددة، أي هل يتأتى توحيده مع تعقل كنه حقيقته، أو إنما (1) يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه وصفة من صفاته وفي بعض النسخ بالجيم من الوجدان، أي يعرف وهو أظهر ؟ فأجاب عليه السلام بأنه سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا، وهي مغائرة لحقيقته تعالى، وما ذكره أولا لبيان أنه قديم أزلي، والقديم يخالف المحدثات في الحقيقة، وكل شئ غيره فهو حادث. وقوله عليه السلام (لا معلوما) تفصيل وتعميم للثاني، أي ليس معه غيره: لا معلوم ولا مجهول. والمراد بالمحكم ما يعلم حقيقته وبالمتشابه ضده ويحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن، فإن المحكم والمتشابه


(1) في بعض النسخ: وإنما (*).

[54]

يطلق (1) على آياته. (ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى) أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها، ولم يجعل لها وضعا ولا معنى ينتهي إليه ويوجد ويعرف بذلك الحرف، ويحتمل أن يكون المراد بالمعنى الصفة أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى وصفة ينتهي إليها ويوجد، لانها كانت مبدعة بمحض الابداع ولم يكن هناك شئ غير الابداع والحروف حتى يكون معنى للحروف أو صفة لها، والمراد بالنور الوجود، إذ به تظهر الاشياء كما تظهر الموجودات للحس بالنور، والابداع هو الايجاد، وبالايجاد تصير الاشياء موجودة فالابداع هو التأثير، والحروف هي الاثر موجودة بالتأثير، وبعبارة اخرى: الحروف محل التأثير، وعبر عنه بالمفعول والفعل، والاثر هو الوجود. (فأما الخمسة المختلفة فبحجج) كذا في أكثر النسخ، أي إنما حدثت بأسباب وعلل من انحراف لهجات الخلق، واختلاف منطقهم، لا ينبغي ذكرها. وفي بعضها (فبحح) بالحائين من (البحة) وهي الغلظة في الصوت، والاظهر أنه عليه السلام ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة وصحفوها، فالخمسة: (الگاف) في قولهم (بگو) أي تكلم، و (الچيم) المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم (چه ميگوئى ؟) و (الژاء) في قولهم (ژاله) و (الپاء) في قولهم (پياده) و (پياله) والتاء الهندية. ثم ركب الحروف وأوجد الاشياء (2) وجعلها فعلا منه، كما قال (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) فكن صنع وإيجاد للاشياء، وما يوجد به هو المصنوع فأول صادر عنه تعالى هو الايجاد، وهو معنى لا وزن له ولا حركة، وليس بمسموع ولا ملون ولا محسوس، والخلق الثاني يعنى الحروف غير موزون ولا ملون لكنها مسموعة موصوفة ولا يمكن إبصارها والخلق الثالث وهو ما وجد بهذه الحروف من السماوات والارضين وغيرهما هي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة فالله مقدم بوجوده


(1) في بعض النسخ، يطلقان. (2) في نسخة: بها الاشياء (*).

[55]

على الابداع الذي هو الخلق الاول، لانه ليس شئ قبله حتى يسبقه أيضا إبداع ولا كان شئ دائما معه، والابداع متقدم على الحروف لوجودها به، ومعنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب وليس لها معنى تدل عليه إلا بعد التركيب. قوله عليه السلام (بل خلق ساكن) أي نسبة وإضافة بين العلة والمعلول، فكأنه ساكن فيهما، أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته. وقوله (لا يدركه بالسكون) أي أمر إضافي اعتباري ينتزعة العقل، ولا يشار إليه في الخارج ولا يدرك بالحواس وإن كان ما يتعلق به من المحسوسات. وإنما قلنا إنه خلق، لان هذه النسبة والتأثير غيره تعالى وهو محدث، ولا يمكن نفي الوجود عنه رأسا لانه شئ حادث بعد أن لم يكن، فله خروج عن كتم العدم ودخول في نحو من أنحاء الوجود وكل محدث معلول، فلا يتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر وهكذا حتى يلزم التسلسل، بل ليس في الحقيقة إلا الرب ومخلوقه الذي أوجده، والايجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى، فكل شئ خلقه الله لم يعد ولم يتجاوز أن يصدق عليه أن الله خلقه، فهذا هو معنى الابداع لا غير، وهذا المعنى يقع عليه حد، وكل ما يقع عليه حد فهو خلق الله، أو يقال: أشار بقوله (والله الذي أحدثه) إلى رفع توهم أنه مع كونه موجودا حادثا لا يجوز أن يستند إليه تعالى لانه حينئذ يجب أن يتعلق به إبداع آخر وهكذا إلى غير النهاية، واستناد كل من هذه السلسلة موقوف على استناد سابقه فلا يحصل إلا بعد تحقق الامور الغير المتناهية وهو محال، فكذا الموقوف عليه، فأثبت عليه السلام أولا استناده إليه تعالى من جهة أن الحادث بتبعية حادث آخر في مرتبته من محدث لا يتصور أن يكون مستندا إلى غيره، ثم أيده ثانيا بنفي ثالث بينهما صالح لان يستند إليه كما هو المفروض ثم أكده ثالثا بنفي ثالث صالح لذلك مطلقا بناء على أن الكلام في مطلق الابداع ومن أفراده الابداع الاول الذي لا يتصور تقدم شئ عليه سوى الله تعالى، فسائر

[56]

أفراده كذلك، لعدم الفرق ضرورة. ثم أوثقه رابعا بدفع توهم بعيد هو أن يكون مستندا إليه ولا يكون مخلوقا له، بالاشارة إلى أن الاستناد وكل ما يعبر به عن هذا المعنى يرجع إلى معنى الخلق، فلا يمكن أن يكون خلقه فتجاوز عن كونه مخلوقا له، ثم أحكمه خامسا بدفع شبهة لزوم التسلسل بالفرق بين حقائق الموجودات، وتفاوت مراتبها في المقتضيات، وعدم جواز قياس بعضها على بعض في جميع الحالات، ليسهل به التصديق بجواز أن يكون حكم الموجودات الرابطية مخالفا لحكم الموجودات الحقيقية، فلا يلزم من ثبوت إبداع لها ثبوته للرابطية أيضا كما اشتهر أن الارادة ليس لها إرادة اخرى فلا يلزم التسلسل. ويمكن أن يحمل على الاشارة إلى دفع مثل هذا التسلسل باعتبار الفرق المذكور ما روي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خلق الله المشية بنفسها، ثم خلق الاشياء بالمشية (1) ثم أفاد عليه السلام سادسا ضابطة وعلامة لمعرفة خلقه تعالى تتميما للمقصود وتأكيدا لصحته بأن كل ما لوجوده حد لم يكن قبله موجودا، فلابد له من أن يكون مخلوقا له تعالى لثبوت الامكان ولزوم الاحتياج. قوله عليه السلام (وكان الذي خلق خلقين اثنين) لعله إشارة إلى الخلق الاول وهي الحروف، ففي خلقتها يخلق شيئان: حرف، وتحديد وتقدير قائم به، وليس شئ من الحروف و العرض القائم به ذالون ووزن وذوق، وجعل أحدهما يدرك بالآخر، أي الحروف تعرف بالحدود القائمة بها، فيعرف بأنه شئ محدود، والمعنى: أنه لو لم يكن محدودا لم يكن مدركا بالحواس، وجعل الحرف وحده كليهما مدركين بنفسهما لا بآثارهما، فإن الامور المحسوسة إنما تدرك بأنفسها لا بآثارها (ولم يخلق شيئا فردا عن الحدود والتقديرات قائما بنفسه دون غيره) أي من غير أن يخلق معه غيره كالحدود، لانه أراد أن يكون حروفا وأصواتا دالة على نفسه وإثبات وجوده، وما يكون دالا على المعاني هاديا للناس إلى المعرفة لا يكون


(1) اصول الكافي، 1 ص 110 (*).

[57]

إلا محسوسا وكل محسوس يكون محدودا، والمعنى أنه أراد أن يكون محدودا ليدل بكونه على هذه الحالة على إمكانه وافتقاره إلى الصانع، فيكون بوجوده بنفسه دالا على الصانع لا باعتبار مدلوله، ويحتمل أن يكون المراد بالتقدير أولا الابداع أيضا، والمحدث إنما يدرك ويظهر بالابداع، وفي كل خلق يحدث شيئان: مبدع وإبداع متعلق به، لكن في تطبيق ما بعده عليه يحتاج إلى نوع عناية تظهر بالتأمل الصادق وقد سبق الخبر بتمامه مع شرحه في المجلد الرابع وإنما أوردنا هنا ما يناسب المقام. 28 - العيون والتوحيد: بالاسناد المتقدم، عن الحسن بن محمد النوفلي في خبر طويل يذكر فيه مناظرة الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي، قال سليمان: فإنه لم يزل مريدا. قال عليه السلام: يا سليمان ! فإرادته غيره ؟ قال: نعم، قال: فقد أثبت معه شيئا غيره لم يزل. قال سليمان: ما أثبت. فقال عليه السلام: هي محدثة يا سليمان، فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليا وجرى المناظرة إلى أن قال عليه السلام: ألا تخبرني عن الارادة فعل هي أم غير فعل ؟ قال: بل هي فعل، قال: فهي محدثة، لان الفعل كله محدث. قال: ليست بفعل قال: فمعه غيره لم يزل. قال سليمان: إنها مصنوعة قال: فهي محدثة وساق الكلام إلى أن قال: قال سليمان: إنما عنيت أنها فعل من الله لم يزل قال عليه السلام: ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا وقديما حديثا في حالة واحدة. فلم يحر جوابا، ثم أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام: إن ما لم يزل لا يكون مفعولا. قال سليمان: ليس الاشياء إرادة ولم يرد شيئا. قال عليه السلام: وسوست يا سليمان ! فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه وفعله ؟ ! وهذه صفة ما لا يدري ما فعل، تعالى الله عن ذلك. ثم أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام: فالارادة محدثة، وإلا فمعه غيره (1). الاحتجاج: مرسلا مثله (2).


(1) العيون: ج 1، ص 183. التوحيد: ص 323. (2) الاحتجاج: ص 218 (*).

[58]

حكم عليه السلام في هذا الخبر مرارا بأنه لا يكون قديم سوى الله، وأنه لا يعقل التأثير بالارادة والاختيار في شئ لم يزل معه (1). 29 - العيون: عن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، عن فرات بن إبراهيم الكوفي (2)، عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني، عن العباس بن عبد الله البخاري عن محمد بن القاسم بن إبراهيم، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما خلق الله عزوجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة (3). (الخبر) 30 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن محبوب (4)، عن عبد الله بن سنان


(1) يستفاده من الرواية كون الارادة صفة حادثة فعلية لا أزلية ذاتية، كما يستفاد من أمثالها من الروايات التى وردت في باب المشية والارادة، وقد مر نظيرتها تحت الرقم 12 من هذا الباب واوضحناها بما كان يقتضيه المقام وبناء على هذا فذات البارئ من حيث هي لا تتصف بالمشية والارادة بل ينتزع من أفعاله عنوان المراد لها والمريد لفاعلها فتأثيره تعالى في الموجودات ليس بحدوث ارادة في ذاته فضلا عن كونها سابقة على الفعل وكون الفعل متأخرا عنها زمانا. وان اطلقت هنالك ارادة كانت لا محالة بمعنى العلم بالاصلح وهو مقدم على كافة الافعال كتقدم ذاته سبحانه عليها وقد بينا في ما مضى أن تقدم البارئ على الممكنات ليس من قبيل تقدم الزمانيات بعضها على بعض. وأما استحالة قدم ما سوى الله فقد مر الكلام فيه وسيأتى أيضا بوجه أبسط والله الهادى. (2) في المصدر: فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفى. وهو من مشايخ الشيخ أبى الحسن على بن بابويه، وقد اكثر لصدوق ره في كتبه الرواية عنه بواسطة الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي وهو يروى عن الحسن بن سعيد غالبا، ويروى عن محمد بن أحمد بن على الهمداني أيضا. ولفرات تفسير بلسان الاخبار جلها في شأن الائمة الاطهار، يعد في عداد تفسيرى العياشي وعلى بن ابراهيم القمى وظاهر صاحب الوسائل والعلامة المجلسي ره اعتمادهما عليه، كما أن ذلك ظاهر الصدوق وغيره. (3) العيون: ج 1، ص 262. (4) في المصدر: عنه عن عبد الله بن سنان، والضمير راجع إلى ابن محبوب بدليل الرواية السابقة عليها وهو الحسن بن محبوب الثقة الجليل. وأما على نسخ البحار، فان كان=

[59]

قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله خلق الخير يوم الاحد، وكان ليخلق الشر قبل الخير، وفي يوم الاحد والاثنين خلق الارضين، وخلق أقواتها في يوم الثلثاء، وخلق السماوات في يوم الاربعاء ويوم الخميس، وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قول الله عزوجل (خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام) (1). العياشي: عن ابن سنان، مثله، إلا أن فيه: وخلق يوم الاربعاء السماوات وخلق يوم الخميس أقواتها والجمعة، وذلك قوله (2) (خلق السماوات والارض في ستة أيام) فلذلك أمسكت اليهود يوم السبت. بيان: (وما كان ليخلق قبل الخير) لعل الغرض أنه سبحانه ابتدأ خلق الجميع يوم الاحد، إذ خيريته تعالى تقتضي أن لا يقدم خلق الشر على خلق الخير، وابتداء خلق الخير كان يوم الاحد فلم يخلق قبله شئ أصلا. ثم اعلم أن مدلول هذا الخبر ينافي ما مر من الآيات الكريمة وظواهرها من جهتين: الاولى أن ظاهر الآية أن خلق أقوات الارض وتقديرها كان في يومين، والخبر يدل على أنه خلق أقوات الارض في يوم وأقوات السماء في يوم. والثانية أن ظاهر الآية تقدم يومي خلق الاقوات على يومي خلق السماوات، والخبر يدل على تأخر أحد يومي خلق الاقوات عنهما. ويمكن أن يجاب عن الاولى بأن المراد بخلق أقوات السماء خلق أسباب أقوات أهل الارض الكائنة في السماء من المطر والثلج والالواح التي يقدر فيها الاقوات والملائكة الموكلين بها، ويؤيده أن ليس لاهل السماء قوت وطعام وشراب، ففي يوم واحد قدر الاسباب الارضية لاقوات أهل الارض وفي يوم الآخر قدر الاسباب السماوية لها، وفي الآية نسبهما إلى الارض لكونهما


= المراد بابن محبوب (الحسن بن محبوب) كما هو الظاهر فلا يروى عنه محمد بن يحيى بلا واسطة وإن كان المراد به (محمد بن على بن محبوب الثقة) فلا يروى عن عبد الله بن سنان بلا واسطة والصحيح ما في المصدر يعنى: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب الخ. (1) روضة الكافي: ص 145. (2) قول الله عزوجل. (نسخة)

[60]

لاهلها، وفي الخبر فصل ذلك لبيان اختلاف موضع التقديرين. وعن الثانية بنحو مما ذكره البيضاوي بأن لا تكون لفظة (ثم) لترتيب والتراخي في المدة. ومن غرائب ما سنح لي أني لما كتبت شرح هذا الخبر اضطجعت فرأيت فيما يرى النائم أني أتفكر في هذه الآية، فخطر ببالي في تلك الحالة أنه يحتمل أن يكون المراد بأربعة أيام تمامها لا تتمتها، ويكون خلق السماوات أيضا من جملة تقدير أرزاق أهل الارض، فإنها من جملة الاسباب، ومحال بعض الاسباب كالملائكة العاملة والالواح المنقوشة والشمس والقمر والنجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة والبرودة في الثمار والنباتات، وتكون لفظة (ثم) في قوه تعالى (ثم استوى) للترتيب في الاخبار، لتفصيل ذلك الاجمال، بأن يومين من تلك الاربعة كانا مصروفين في خلق السماوات والآخرين في خلق سائر الاسباب، ولو لا أنه سنح لي في هذه الحال لم أجسر على إثبات هذا الاحتمال، وإن لم يقصر عما ذكره المفسرون وبه يندفع الاشكالان. وأما رواية العياشي فالظاهر أن فيه تصحيفا وتحريفا ولا يستقيم على وجه. 31 - تفسير علي بن إبراهيم: قل لهم يا محمد (ءإنكم لتكفرون بالذي خلق في يومين) ومعنى يومين أي وقتين: ابتداء الخلق، وانقضاؤه (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها) أي لاتزول وتبقى (1) (في أربعة أيام سواء للسائلين) يعني في أربعة أوقات، وهي التي يخرج الله فيها أقوات العالم، من الناس و البهائم والطير وحشرات الارض وما في البر والبحر من الخلق والثمار (2) والنبات والشجر وما يكون فيه معايش (3) الحيوان كله، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء. ففي الشتاء يرسل الله الرياح والامطار والانداء والطلول من السماء فيلقح الشجر ويسقي الارض والشجر وهو وقت بارد، ثم يجيئ بعده الربيع وهو


(1) في المصدر: لا يزول ولا يفنى. (2) في المصدر: ومن الثمار. (3) في المصدر: معاش (*).

[61]

وقت معتدل حار وبارد، فيخرج الشجر ثمارها والارض نباتها فيكون أخضر ضعيفا ثم يجيئ من بعده وقت الصيف وهو حار فينضج الثمار ويصلب (1) الحبوب التي هي أقوات العباد وجميع الحيوان، ثم يجئ من بعده وقت الخريف فيطيبه ويبرده ولو كان الوقت كله شيئا واحدا لم يخرج النبات من الارض، لانه لو كان الوقت كله ربيعا لم تنضج (2) الثمار ولم تبلغ الحبوب، ولو كان الوقت كله صيفا لاحترق كل شئ في الارض ولم يكن للحيوان معاش ولا قوت، ولو كان الوقت كله خريفا لم يتقدمه شئ من هذه الاوقات لم يكن شئ يتقوت به العالم، فجعل الله هذه الاقوات في هذه الاربعة الاوقات: في الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف. وقام به العالم واستوى وبقي، وسمى الله هذه الاوقات (أياما سواء للسائلين) يعني المحتاجين لان كل محتاج سائل، وفي العالم من خلق الله من لا يسأل ولا يقدر عليه من الحيوان كثير، فهم سائلون وإن لم يسألوا. وقوله (ثم استوى إلى السماء) أي دبر وخلق، وقد سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عمن (3) كلم الله لا من الجن ولا من الانس، فقال: السماوات والارض في قوله (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين). (فقضيهن) أي خلقهن (سبع سماوات في يومين) يعني في وقتين: ابتداء، وانقضاء (وأوحى في كل سماء أمرها) فهذا وحي تقدير وتدبير (4). بيان: هذا التأويل للآية أقرب مما مر، ولعله من بطون الآية، ولا ينافي ظاهرها. قوله (أي لا تزول وتبقى) أي المراد بالتقدير التقدير الدائمي، ويحتمل أن يكون تفسير (بارك فيها) قوله (وإن لم يسألوا) أي هم سائلون بلسان افتقارهم واضطرارهم الرب سبحانه بسمع فيضه وفضله ورحمانيته، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال.


(1) في المصدر: فتضج الثمار وتصلب. (2) في المصدر: لما تنضج. (3) في المصدر: عما. (4) تفسير على بن ابراهيم: ص 590.

[62]

32 - التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن الكليني، رفع الحديث إلى ابن أبي العوجاء حين كلمه أبو عبد الله عليه السلام عاد إليه في اليوم الثاني ثم في اليوم الثالث فقال: ما الدليل على حدوث الاجسام ؟ فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إلى مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول (1) في الحدث (2) وفي كونه في الازل دخوله في القدم (3) ولن تجتمع صفة الازل والعدم في شئ واحد. فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين ما ذكرت واستدللت على حدوثها، فلو بقيت الاشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدثها (4) ؟ فقال العالم عليه السلام: إنما نتكلم على هذا العالم المصنوع (5) فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره، ولكن اجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا ونقول: إن الاشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شئ إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم، كما أن في تغييره دخوله في الحدث، ليس لك وراءه شئ يا عبد الكريم ! فانقطع وخزي (6). الكافي والاحتجاج: (7) مرفوعا مثله. وفي الاحتجاج: ولن تجتمع صفة الحدوث والقدم في شئ. بيان: قد مر الخبر بطوله وشرحه في كتاب التوحيد، وفيه إجمال، ويحتمل أن يراد فيه بكل من الحدوث والقدم، الذاتي أو الزماني فإن كان المراد الاول كان الغرض


(1) دخوله (خ ل). (2) الحدوث (خ ل). (3) في المصدر: وفي كونه في الاولى دخوله في العدم. (4) في المصدر: على حدوثها. (5) في المصدر: الموضوع. (6) التوحيد: ص 216. (7) الكافي: ج 1، ص 76. الاحتجاج: 183.

[63]

إثبات أن الاجسام ممكنة الوجود مصنوعة معلومة تحتاج إلى صانع يصنعها ويوجدها وعلى الثاني يكون مبنيا على ما سبق في الاخبار الكثيرة أن كل قديم لا يكون إلا واجبا بالذات، والمعلول لا يكون إلا حادثا بالزمان، وهو أظهر، وهكذا فهمه الصدوق وأورده في باب حدوث العالم وعقبه بالدلائل المشهورة عند المتكلمين على الحدوث. وقيل: حاصل استدلاله عليه السلام إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك من الحوادث يستلزم الحدوث، وإما إلى أنه لا يخلو إما أن يكون بعض تلك الاحوال الزائلة المتغيرة قديما أن يكون كلها حوادث، وهما محالان، أما الاول فلما تقرر عندهم أما ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأما الثاني فلاستحالة التسلسل في الامور المتعاقبة، والاول أظهر (1). 33 - الكافي: عن أحمد بن مهران، عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن أسباط، عن خلف بن حماد، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (أو لم ير الانسان أنا خلقناه ولم يك شيئا) قال: فقال لا مقدارا ولا مكونا. قال: وسألته عن قوله عزوجل (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) قال: كان مقدرا غير مذكور (2).


(1) يظهر بالتأمل في الرواية، أن الامام عليه السلام يستدل بتغير العالم وأخيرا بامكان تغيره على حدوثه يعنى أنه يمكن عدمه ؟ وهو معنى الحدوث الذاتي وهو أول الاحتمالمين المذكورين في كلام العلامة المؤلف رضوان الله عليه فأمعن النظر في قوله عليه السلام (لان الذى يزول ويحول يجوز أن يوجد أو يبطل) وفي قوله (وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم) فان إمكان التغير لا يثبت عدمه في زمان ما حتى يثبت الحدوث الزمانى، وإنما يثبت إمكانى عدمه ذاتا وهو الحدوث الذاتي. ولسنا نعنى بهذا أن العالم ليس بحادث زماني، كلا ! وإنما نعنى أن المراد بهذا الكلام إثبات الصانع وحدوث ما سواء ذاتا. وربما يظهر من هنا أن المراد بالحدوث والقدم في سائر الروايات التى تجرى هذا المجرى الحدوث والقدم الذاتيان، ولكن حيث كان يصعب تفكيك الذاتيين من الزمانيين على افهام العامة بل على كثير من أهل البحث والنظر جرى كلامهم عليهم الصلوة والسلام مجرى يحتمل الوجهين فتأمل جيدا. (2) الكافي: ج 1، 147 (*).

[64]

بيان: يدل ظاهرا على حدوث نوع الانسان. 35 - تفسير على بن ابراهيم: سميت مكة ام القرى لانها أول بقعة خلقها الله من الارض، لقوله (إن اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) (1). 36 - العلل والعيون: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام: لم سميت مكة ام القرى ؟ قال عليه السلام: لان الارض دحيت من تحتها. وسأل عن أول بقعة بسطت من الارض أيام الطوفان، فقال له: موضع الكعبة، وكانت زبرجدة خضراء (2). بيان: لعل المراد بأيام الطوفان أيام تموج الماء واضطرار به قبل خلق الارض. 37 - ارشاد القلوب: سئل أمير المؤمنين عليه السلام: لم سميت مكة ؟ قال: لان الله مك الارض من تحتها أي دحاها. 38 - مجالس الصدوق والتوحيد وكنز الكراجكي والاحتجاج (3): بأسانيدهم في مناظرة الصادق عليه السلام لابن أبي العوجاء قال عليه السلام: هذا بيت استبعد الله به خلقه (4) إلى قوله خلقه الله قبل دحو الارض بألفي عام. 39 - العلل والعيوب: في علل ابن سنان عن الرضا عليه السلام: علة وضع البيت وسط الارض أنه الموضع الذي من تحته دحيت الارض، وكل ريح تهب في الدنيا فإنها تخرج من تحت الركن الشامي، وهي أول بقعة وضعت في الارض، لانها الوسط ليكون الفرض لاهل المشرق والمغرب (5) في ذلك سواه (6). 40 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى، وأحمد بن


(1) تفسير على بن إبراهيم القمى: ص 595. (2) العيون: ج 1، ص 241. (3) التوحيد: ص 180. الاحتجاج: ص 182. (4) في الاحتجاج: عباده. (5) في المصدرين: لاهل الشرق والغرب سواء. (6) العلل: ج 2، ص 82. العيون: ج 2، ص 90 (*).

[65]

إدريس عن محمد بن أحمد الاشعري، عن الحسن بن علي (1)، عن مروان بن مسلم، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن خلق البيت قبل الارض (2)، ثم خلق [الله] الارض من بعده، فدحاها من تحته (3). الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي، عن عدة من أصحابنا عن الثمالي مثله. 41 - العياشي: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنه وجد في حجر من حجرات البيت مكتوبا: إني أنا الله ذوبكة خلقتها يوم خلقت السماوات والارض ويوم خلقت الشمس والقمر، وحففتهما بسبعة أملاك حفيفا. 42 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عيسى ومحمد بن عبيدالله، عن علي بن الحديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي [وأرضي وعرشي] وبحري (الخبر) (4). 43 - وعنه عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال:


(1) هو الحسن بن على بن فضال التيملى مولى تيم الله بن ثعلبة، كوفى، روى عن الرضا عليه السلام وكان خصيصا به ثقة في رواياته، وكان فطحيا مشهورا بذلك حتى حضره الموت فمات وقد قال بالحق. قال النجاشي (ص: 28) مات سنة 224. ويروى عنه جماعة منهم موسى بن عمر ولم يذكر في جملتهم محمد بن احمد بن يحيى، نعم في موضع من الاستبصار (محمد بن احمد بن يحيى عن موسى بن عمر عن ابن فضال) وهو الحسن بن على بن فضال. فكأن في هذا السند إرسالا ويؤيده أن محمد بن احمد بن يحيى الاشعري راويه على ومحمد ابني الحسن بن على بن فضال، فيشبه أن يكون رواية محمد بن أحمد الاشعري عن الحسن بن فضال بواسطة ابنيه أو بواسطة اخرى والله اعلم. (2) في المصدر: قبل الخلق. (3) العلل: ج 2، ص 85. (4) الكافي: ج 1، ص 440 (*).

[66]

يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة صلوات الله علهيم أجمعين فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الاشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها (1) (الحديث). بيان: (لم يزل متفردا بوحدانيته) أي متفردا بأنه متوحد لا شي ء معه أو الباء للسببية أي متفردا بسبب أنه كان واحدا من جميع الوجوه، وما كان كذلك فهو واجب بالذات، فيجوز عليه القدم بخلاف غيره، فإن القدم ينافي التكثر والامكان الذي هو لازمه (فأشهدهم خلقها) أي كانوا حاضرين عند خلقها عالمين بكيفيته، و لذا قال تعالى في شأن إبليس وذريته وأتباعه: (ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم) بعد قوله (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) إشارة إلى أن المستحق للولاية والمتابعة من كان شاهدا خلق الاشياء، عالما بحقائقها و كيفياتها وصفاتها والغيوب الكامنة فيها والمستنبطة منها. 44 - التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الاسدي (2) عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن أبي سمينة، عن إسماعيل بن أبان، عن زيد بن جبير، عن جابر الجعفي قال: جاء رجل من علماء أهل الشام إلى ابي جعفر عليه السلام فقال: جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحدا يفسرها لي، وقد سألت ثلاثة أصناف من الناس، فقال كل صنف غير ما قال الآخر ! فقال أبو جعفر عليه السلام: وما ذلك ؟ فقال: أسألك ما أول ما خلق الله عزوجل من خلقه ؟ فإن بعض من سألته قال القدرة، وقال بعضهم العلم: وقال بعضهم الروح. فقال أبو جعفر عليه السلام: ما قالوا شيئا، اخبرك أن الله علا ذكره كان ولا شئ غيره عزيزا ولا


(1) قد مر الحديث عنه مرسلا في تفسير آية (ما أشهدتهم خلق السماوات...) (2) في المصدر: عن محمد بن أبى عبد الله الكوفى. قال النجاشي (ص: 289) محمد ابن جعفر بن محمد بن عون الاسدي أبو الحسين الكوفى ساكن الرى يقال له (محمد بن أبى عبد الله) كان ثقة صحيح الحديث، إلا أنه روى عن الضعفاء وكان يقول بالجبر والتشبيه إلى أن قال: مات أبو الحسين محمد بن جعفر ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الاولى سنة 312

[67]

عز لانه كان قبل عزه، وذلك قوله (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) وكان خالقا ولا مخلوق (1)، فأول شئ خلقه من خلقه الشئ الذي جميع الاشياء منه وهو الماء. فقال السائل: [فالشئ] خلقه من شئ أو من لا شئ ؟ فقال: خلق الشئ لا من شئ كان قبله، ولو خلق الشئ من شئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ، ولكن كان الله ولا شئ معه، فخلق الشئ الذي جميع الاشياء منه، وهو الماء (2). بيان: قوله (فإن بعض من سألته قال القدرة) لعل هذا القائل زعم أن صفاته تعالى زائدة عى ذاته مخلوقة له، كما ذهب إليه جماعة من العامة، وسيأتي برواية الكليني (القدر) فلعله توهم أن تقديره تعالى جوهر، أو يكون مراده بالقدرة اللوح الذي أثبت الله تعالى فيه تقديرات الامور، وكذا القول بأن أول المخلوقات العلم مبني على القول بمخلوقية الصفات. وفي الكافي مكانه (القلم) وهو موافق لبعض ما سيأتي من الاخبار، وسنذكر وجه الجمع بينها وبين غيرها. قوله عليه السلام (لانه كان قبل عزه) لعل المراد أنه كان غالبا وعزيزا قبل أن يظهر عزه وغلبته على الاشياء بخلقها، ولذا قال (رب العزة) إذ فعلية العزة وظهورها مسبب عنه، والمعنى: ولا عز لغيره. فالمراد بالعزة في الآية عزة المخلوقات. و في الكافي (ولا أحد كان قبل عزه وذلك قوله) أي لم يكن أحد قبل عزة يكون عزه به. واستدل عليه بقوله (رب العزة) إذ هو يدل على أنه سبحانه سبب كل


(1) قد نقلنا في ذيل الحديث 17 في معنى كونه تعالى خالقا إذ لا مخلوق من المؤلف رحمه الله أن المراد بالخالقية قبل الخلق القدرة على خلق كل ما علم أنه أصلح والسرفيه أن الصفات الفعلية خارجة عن الذات ومتأخرة عنها لكن ملاكاتها موجودة فيها ومتحدة بها فكذا المراد بكونه عزيزا ولا عز أنه كان واجدا لما هو ملاك العزة وهو الكمالات الذاتية. وأما هذا المفهوم الانتزاعي فليس عين ذات البارئ ولذا استشهد عليه السلام بقوله تعالى (رب العزة) فان المربوب وهو العز غير الرب ومتأخر عنه. (2) التوحيد: ص 32.

[68]

عزة، فلو كان عزه بغيره كان ذلك الغير (رب العزة) وهذا الخبر نص صريح في الحدوث ولا يقبل التأويل بوجه. 45 - الاحتجاج وتفسير الامام ابى محمد العسكري: عن آبائه عليهم السلام قال: احتج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الدهرية فقال: ما الذي دعاكم إلى القول بأن الاشياء لا بدء لها، وهي دائمة لم تزل ولا تزال ؟ فقالوا: لانا لا نحكم إلا بما شاهدنا (1)، ولم نجد للاشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء وفناء فحكمنا بأنها لا تزال. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء أبدا (2) ؟ فإن قلتم إنكم وجدتم ذلك أنهضتم لانفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك ! ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون الذين يشاهدونكم. قالوا: بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الآبدين (3). قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فلم صرتم بأن تحكموا بالبقاء والقدم (4) لانكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضائها أولى من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع لانه لم يشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الابد (5) ؟ أو لستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر ؟ فقالوا: نعم فقال: أترونهما لم يزالا ولا يزالان ؟ فقالوا: نعم، فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار ؟ فقالوا: لا، فقال صلى الله عليه وآله: فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا بعده، قالوا: كذلك هو، فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار ولم تشاهدوهما فلا تنكروا الله قدره. ثم قال صلى الله عليه وآله: أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه ؟ فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لاوله، وإن قلتم إنه متناه فقد كان ولا شئ منهما. قالوا:


(1) في المصدر: بما نشاهد. (2 و 3) في المصدر: أبد الابد. (4) في المصدر: بالقدم والبقاء دائما. (5) في المصدر: أبدا (*).

[69]

نعم. قال لهم: أقلتم إن العالم قديم ليس بمحدث (1) وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه ؟ قالوا: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا الذي نشاهده (2) من الاشياء بعضها إلى بعض يفتقر، لانه لاقوام للبعض إلا بما يتصل إليه (3)، كما ترى (4) البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض، وإلا لم يتسق ولم يستحكم، وكذلك سائر ما نرى (5). قال: فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون ؟ وكيف إذا كانت تكون صفته ؟ قال: فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا سننظر في أمرنا. (6) (الخبر) بيان: ذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم زماني (7)، و قالوا إن الاشياء دائمة الوجود لم تزل ولا تزال، بل بعضهم أنكروا الحوادث اليومية أيضا وذهبوا إلى الكمون والبروز لتصحيح قدم الحوادث اليومية، و أنكروا وجود ما لم تدكره الحواس الخمس، ولذا أنكروا وجود الصانع لعدم إدراك الحواس له تعالى، و قالوا وجود الموجودات من الطبائع المتعاقبة لا إلى نهاية. إذا تقرر هذا فاعلم أن الظاهر أن المطلوب أولا إثبات الحدوث الزماني، فإن الظاهر من (البدء) البدء الزماني، ويؤيده قوله (وهي دائمة لم تزل ولا تزال). وقوله (أفوجدتم إلى قوله أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار) إبطال


(1) في المصدر: غير محدث. (2) في المصدر: تشاهدونه. (3) في المصدر: به. (4) في بعض النسخ: ترى. (5) في بعض النسخ: (ما ترون) وفى بعضها (ما يرى). (6) الاحتجاج: 10. (7) بل إلى أنه قديم ذاتي (*).

[70]

إنكارهم (1) وجود مالا تدركه الحواس وإثبات لوجود الايمان بالغيب عند قيام البرهان، وذلك لانهم يحكمون بالقدم وبتقدم الليل والنهار في الازمنة الماضية و عدم اجتماعهما فيها، مع أنهم لم يشاهدوا شيئا من ذلك، فيلزمهم أن يعترفوا بوجود ما يغيب عن حواسهم. ويحتمل أن يكون إلى قوله (أو لستم تشاهدون الليل و النهار) إثباتا للحدوث الزماني جدلا بأنهم كما يحكمون بالقدم لعدم مشاهدة الحدوث يلزمهم أن يحكموا بالحدوث لانهم لم يشاهدوا القدم، والبقية لاثبات الايمان بالغيب أو البقية لاثبات الحدوث بالدليل المشهور عند المتكلمين من عدم الانفكاك عن الحوادث، أو أن الحكم بحدوث كل ليل ونهار يكفي لاحتياجها إلى الصانع، ولا ينفع قدم الطبيعة. ومن قول (أتقولون ما قبلكم) إلى قوله عليه السلام (أقلتم) إثبات لانقطاع الليل والنهار من جهة الماضي، لاستحالة مالا نهاية له وهو انقطاع الزمان، ويلزم منه انقطاع الحركات وحدوث الاجسام والاعراض القائمة بها، ومن قوله (أقلتم) إثبات لامكان العالم المستلزم لوجود الصانع تعالى شأنه. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وآله تدرج في الاحتجاج، فنزلهم أولا عن مرتبة الانكار إلى الشك، ثم أخذفي الاحتجاج، فمن قوله (أتقولون) إلى آخر الكلام يحتمل أن يكون دليلا واحدا حاصله: أنه لا يخلو من أن يكون الزمان متناهيا أو غيره متناه، وعلى الاول لابد للاشياء لحدوثها من صانع، فقوله (فقد كان ولا شئ منهما) أي كان الصانع قبل وجود شئ منهما، ثم أبطل الثاني بأنكم إنما حكمتم بقدمها لئلا يحتاج إلى صانع، والعقل يحكم بأن ما يوجب الحكم في الحادث بالحاجة إلى الصانع يحكم في القديم أيضا. ويحتمل أن يكون إلى آخر الكلام دليلين، وقد فصلنا الكلام فيه في المجلد الرابع فلا نعيدهنا ودلالته على الحدوث على كل الوجوه ظاهرة. 46 - تفسير على بن إبراهيم: (وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) وذلك في مبدأ الخلق، إن الرب تبارك وتعالى خلق


(1) في بعض النسخ: لانكارهم (*).

[71]

الهواء ثم خلق القلم فأمره أن يجري، فقال: يا رب بما أجري ؟ فقال: بما هو كائن، ثم خلق الظلمة من الهواء، وخلق النور من الهواء، وخلق الماء من الهواء وخلق العرش من الهواء، وخلق العقيم من الهواء وهو الريح الشديد وخلق النار من الهواء، وخلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهواء، فسلط العقيم على الماء فضربته فأكثرت الموج والزبد وجعل يثور دخانه في الهواء، فلما بلغ الوقت الذي أراد قال للزبد: اجمد فجمد، فقال للموج: اجمد فجمد، فجعل الزبد أرضا وجعل الموج جبالا رواسي للارض فلما أجمدهما قال للروح والقدرة: سويا عرشي على السماء، فوسيا عرشه على السماء (1)، وقال للدخان: اجمد، فجمد، ثم قال له: ازفر، فزفر، فناداها والارض جميعا: ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين فقضيهن سبع سماوات في يومين، ومن الارض مثلهن، فلما أخذ في رزق خلقه خلق السماء وجناتها والملائكة يوم الخميس، وخلق الارض يوم الاحد، وخلق دواب البر والبحر يوم الاثنين، وهما اليومان اللذات يقول الله عزوجل (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين) وخلق الشجر ونبات الارض وأنهارها وما فيها والهوام في يوم الثلثاء، وخلق الجان وهو أبو الجن يوم السبت، وخلق الطير في يوم الاربعاء، وخلق آدم في ست ساعات من يوم الجمعة، ففي هذه الستة أيام (2) خلق الله السماوات والارض وما بينهما (3). بيان: (يوم السبت) ليس في بعض النسخ، وهو أظهر، وعلى تقديره وإن كان خلاف المشهور يمكن أن لا يكون الجمعة محسوبا في الستة، لتأخره عن خلق العالم، أو لم يحسب خلق الجان من خلق العالم بأن المراد بالعالم ما يشاهد ويرى ويكون ذكر الملائكة استطرادا لشرفهم، أو يكون بناء الحساب على التلفيق بأن يكون ابتداء الخلق من ظهر يوم السبت وانتهاؤه عند ظهر يوم الجمعة، فيكون ستة


(1) في بعض النسخ (على الماء) في الموضعين، وهو الاظهر. (2) في بعض النسخ: الستة الايام. (3) تفسير على بن إبراهيم: ص 297 (*).

[72]

أيام على حساب أهل النجوم ويؤيده قوله (في ست ساعات) وعلى التقادير لا يخلو عن غرابة، وسيأتى بعض القول في ذلك. 47 - التفسير: عن أبيه عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجا ومعه الابرش الكلبي، فلقيا أبا عبد الله عليه السلام في المسجد الحرام، فقال هشام للابرش: تعرف هذا ؟ قال: لا، قال: هذا الذي تزعم الشيعة أنه نبي من كثرة علمه ! فقال الابرش: لاسألنه عن مسألة (1) لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي ! فقال هشام [للابرش] وددت أنك فعلت ذلك. فلقي الابرش أبا عبد الله عليه السلام فقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن قول الله عزوجل (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) فما كان رتقهما وما كان (2) فتقهما ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبرش هو كما وصف نفسه (كان عرشه على الماء) والماء على الهواء، والهواء لا يحد، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء يومئذ عذب فرات فلما أراد (3) أن يخلق الارض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا، فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الارض من تحته، فقال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) ثم مكث الرب تبارك وتعالى ما شاء فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها، فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السماء، فجعل فيها البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر، وأجراها في الفلك، وكانت السماء خضراء على لون الماء العذب الاخضر (4)، وكانت الارض خضراء (5) على لون الماء


(1) في المصدر: مسائل. (2) في المصدر: (بما كان) في الموضعين. (3) في المصدر: أراد الله. (4) في المصدر: على لون الماء الاخضر. (5) في المصدر: غبراء على لون الماء العذب (*).

[73]

وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب ولم يكن للارض أبواب وهو النبت، ولم تمطر (1) السماء عليها فتنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتقل الارض بالنبات، وذلك قوله عز وجل (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) فقال الابرش: [والله] ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط ! أعد علي، فأعاد عليه وكان الابرش ملحدا فقال: [و] أنا أشهد أنك ابن بني ثلاث مرات (2). 48 - ومنه: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام) قال: في ستة أوقات (ثم استوى على العرش) أي علا (3) على العرش (4). بيان: تأويل الايام بالاوقات إما لعدم خلق الليل والنهار بعد، فأول اليوم بمقداره، أو المراد باليوم النوبة والمرة فيكون خلق كل منها في أسرع الازمنة وعبر عنه باليوم مجازا كما قيل. 49 - العيون: عن محمد بن عمرو بن علي البصري، عن محمد بن علي الواعظ (5) عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: كان علي عليه السلام في جامع الكوفة إذ قام إليه رجل من أهل الشام فقال: أخبرني عن أول ما خلق الله. قال: خلق النور. قال: فمم خلقت (6) السماوات ؟ قال: من بخار الماء. قال: فمم خلقت الارض ؟ قال: من زبد الماء قال: فمم خلقت الجبال ؟ قال: من الامواج (الخبر) (7).


(1) في المصدر: لم تقطر. (2) تفسير على بن أبراهيم: ص 427 وسيأتى في باب السحاب والمطر بعينه تحت الرقم (1). (3) في المصدر: علا بقدرته على العرش. (4) تفسير على بن إبراهيم، ص 219. (5) في المصدر: محمد بن عبد الله بن أحمد بن جبلة الواعظ. ولم نجد ذكره في كتب الرجال وكذا محمد بن عمرو البصري الذى روى عنه (6) في بعض النسخ: خلق. (7) العيون: ج 1، ص 240 (*).

[74]

بيان: يمكن أن يكون المراد بالنور نور النبي والائمة عليهم السلام كما ورد في أكثر الاخبار. 49 - التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق: عن الكليني، عن العلان (1) عن محمد بن عيسى، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: اعلم علمك الله الخير أن الله تبارك وتعالى قديم والقدم صفة دلت (2) العاقل على أنه لا شئ قبله، ولا شئ معه في ديمومته (3) فقد بان لنا بإقرار العامة (4) معجزة الصفة أنه لا شئ قبل الله ولا شئ مع الله في بقائه، وبطل قول من زعم أنه كان قبل أو كان معه شئ، وذلك أنه لو كان معه شئ في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له، لانه لم يزل معه فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه ؟ ولو كان قبله شئ كان الاول ذلك الشئ لا هذا، وكان الاول أولى بأن يكون خالقا للثاني (5). الكافي: عن علي بن محمد مرسلا عن أبي الحسن الرضا عليه السلام مثله (6). بيان: هذا الخبر صريح في الحدوث ومعلل، وقد مر شرحه في كتاب التوحيد. 50 - التوحيد والعيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد


(1) العلان: بفتح العين المهملة وتشديد اللام، وحكى عن الشهيد الثاني تخفيفه على بن محمد بن ابراهيم بن أبان الرازي الكليني ويكنى أبا الحسن ثقة عين له كتاب اخبار القائم عجل الله فرجه وكان استأذن الصاحب في الحج فخرج (توقف عنه في هذه السنة) فخالف فقتل بطريق مكة. (2) في الكافي: صفته التى دلت. (3) في التوحيد والكافي: ديموميته. (4) في التوحيد والكافي: مع معجزة الصفة. (5) في الكافي (خالقا للاول) وفي التوحيد ص 125 (خالقا للاول الثاني). (6) الكافي: ج 1، ص 120 (*).

[75]

علي الانصاري (1) عن أبي الصلت الهروي، قال: سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل (وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والارض، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على الله عزوجل، ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم (2) أنه على كل شئ قدير، ثم رفع العرش بقدرته، ونقله فجعله فوق السماوات السبع، ثم (3) خلق السماوات والارض في ستة أيام وهو مستول على عرشه، وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عزوجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شئ فتستدل (4) بحدوث ما يحدث (5) على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة. ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه لانه غني عن العرش وعن جميع ما خلق. لا يوصف بالكون على العرش لانه ليس بجسم تعالى (6) عن صفة خلقه علوا كبيرا. وأما قوله عزوجل (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فإنه عزوجل خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته وعبادته لا على سبيل الامتحان والتجربة، لانه لم يزل عليما بكل شئ.


(1) هو أحمد بن على بن مهدى بن صدقة بن هشام بن غالب بن محمد بن على الرقى الانصاري قال الشيخ في رجاله: سمع منه التلعكبرى بمصر سنة أربعين وثلثمائة عن أبيه عن الرضا عليه السلام وله منه اجازة (انتهى) وقال في التعليقة: إن كونه شيخ الاجازة يشير إلى الوثاقة (انتهى) وروايته بواسطة أبيه عن الرضا عليه السلام تدل على إمكان روايته عن أبى الصلت بلا واسطة و ان لم يذكر في كتب الرجال في من يروى عنه. (2) في التوحيد: فيعلمون. (3) في التوحيد: وخلق. (4) في التوحيد: ويستدل. (5) في نسخة مخطوطة: ما يحدث الله. (6) في التوحيد: تعالى الله.

[76]

فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن، فرج الله عنك (1). 51 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن أحمد السياري (2) عن محمد بن عبد الله بن مهران الكوفي، عن حنان بن سدير، عن أبيه عن أبي إسحق الليثي قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا إبراهيم إن الله تبارك وتعالى لم يزل عالما (3) خلق الاشياء لا من شئ، ومن زعم أن الله عزوجل خلق الاشياء من شئ فقد كفر، لانه لو كان ذلك الشئ الذي خلق منه الاشياء قديما معه في أزليته و هويته كان ذلك (4) أزليا بل خلق الله عزوجل الاشياء كلها لا من شئ، فكان مما خلق الله عزوجل أرضا طيبة، ثم فجر منها ماء عذبا زلالا، فعرض عليه (5) ولايتنا أهل البيت فقبلها (6)، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها وعمها ثم نضب (7) ذلك الماء عنها فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا فجعله طين الائمة عليهم السلام ثم أخذ ثقل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا (الخبر) (8). 52 - العلل: في خبر ابن سلام، قال: أخبرني عن أول يوم خلق الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وآله: يوم الاحد قال: ولم سمي يوم الاحد ؟ قال: لانه واحد محدود قال: فالاثنين ؟ قال: هو اليوم الثاني من الدينا قال: فالثلثا ؟ قال: الثالث من الدنيا قال: فالاربعاء ؟ قال: اليوم الرابع من الدنيا. قال: فالخميس ؟ قال: هو يوم خامس من الدنيا، وهو يوم أنيس، لعن فيه إبليس، ورفع فيه إدريس. قال: فالجمعة ؟


(1) التوحيد: ص 236. (2) كذا في نسخ البحار، وفي المصدر: محمد بن احمد، عن احمد بن محمد السيارى. وهو الصحيح، لعدم ذكر (محمد بن احمد السيارى) في كتب الرجال. (3) في المصدر: عالما قديما. (4) في المصدر: ذلك الشئ. (5) في المصدر: عليها. (6) في المصدر: فقبلتها. (7) نضب عنه الماء نضوبا بالضاد المعجمة: انحسر وانفرج ونزح ونشف. (8) العلل، ج 2 ص 295 (*).

[77]

قال: هو يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، ويوم شاهد ومشهود. قال: فالسبت ؟ قال: يوم مسبوت، وذلك قوله عزوجل في القرآن (ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام) فمن الاحد إلى الجمعة ستة أيام والسبت معطل (الخبر) (1). بيان: قال في القاموس: السبت الراحة والقطع. وقال في النهاية: قيل: سمي يوم السبت لان الله تعالى خلق العالم في ستة أيام آخرها الجمعة، وانقطع العمل فسمي يوم السابع يوم السبت. 53 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: من أي شئ خلق الله الاشياء ؟ قال عليه السلام: من لا شئ قال: فكيف يجيئ من لا شئ شئ ؟ قال عليه السلام: إن الاشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شئ أو من غير شئ فإن كان خلقت من شئ كان معه فإن ذلك الشئ قديم، والقديم لا يكون حديثا ولا يفنى ولا يتغير، ولا يخلو ذلك الشئ من أن يكون جوهرا واحدا ولونا واحدا فمن أين جاءت هذه الالوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى ؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشئ الذي انشئت منه الاشياء حيا ؟ و (2) من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشئ ميتا ؟ ولا يجوز أن يكون من حى وميت قديمين لم يزالا، لان الحي لا يجئ منه ميت وهو لم يزل حيا ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل بما نسبوا (3) من الموت، لان الميت لا قدرة له فلا بقاء (4). قال: فمن أين قالوا إن الاشياء أزلية ؟ قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الاشياء فكذبوا الرسل ومقالتهم، والانبياء وما أنبؤوا عنه


(1) العلل: ج 2، 156. (2) في المصدر: أو. (3) في المصدر: لما هو به من الموت. (4) في المصدر: ولا بقاء (*).

[78]

وسموا كتبهم أساطير الاولين (1)، ووضعوا لانفسهم دينا برأيهم (2) واستحسانهم. إن الاشياء تدل على حدوثها من دوران الفلك بما فيه وهي سبعة أفلاك وتحرك الارض ومن عليها، وانقلاب الازمنة واختلاف الوقت، والحوادث التي تحدث في العالم من زيادة ونقصان وموت وبلاء (3) واضطرار النفس إلى القرار (4) بأن لها صانعا ومدبرا. أما ترى الحلويصير حامضا، والعذب مرا، والجديد باليا، وكل إلى تغير وفناء ؟ وساق الحديث إلى أن قال: قال الزنديق: ومن زعم أن الله لم يزل ومعه طينة مؤذية فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها و دخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الاشياء ! قال عليه السلام: سبحان الله ! ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة ! إن كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبرا العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كان فمن أين جاء الموت والفناء ؟ وإن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الازلي القديم والميت لا يجيئ (5) منه حي، هذه مقالة الديصانية أشد الزنادقة قولا. ثم قال عليه السلام في مواضع من هذا الخبر، لو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال، وإن الازلي لا تغيره الايام، ولا يأتي عليه الفناء (6). بيان: (والقديم لا يكون حديثا) أي ما يكون وجوده أزليا لا يكون محدثا معلولا فيكون الوجب الوجود بذاته، فلا يعتريه التغير والفناء. وقد نسب إلى بعض الحكماء أنه قال: المبدع الاول هو مبدع الصور فقط دون الهيولى، فإنها


(1) ليس في المصدر لفظة (الاولين). (2) في المصدر: بآرائهم. (3) في المصدر: وبلى. (4) في بعض النسخ (إلى الاقرار) وعليه فقوله (واضطرار النفس) معطوف على قوله (حدوثها) أي الاشياء تدل على اضطرار النفس إلى الاقرار بان لها صانعا. (5) في بعض النسخ: لا يحيى. (6) الاحتجاج: 184، 188 (*).

[79]

لم تزل مع المبدع. فأنكر عليه سائر الحكماء وقالوا: إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة لما قبلت الصور، ولما تغيرت من حال إلى حال ولما قبلت فعل غيرها، إذ الازلي لا يتغير. وقوله عليه السلام (فمن أين جاءت هذه الالوان المختلفة) لعله مبني على ما زعموا من أن كل حادث لابدله من منشأ ومبدأ يشاكله ويناسبه في الذات والصفات فألزمه عليه السلام بحسب معتقدة، أو المراد أن الاحتياج إلى المادة إن كان لعجز الصانع تعالى عن إحداث شئ لم يكن فلابد من وجود الاشياء بصاتها في المادة حتى يخرجها منها ! وهذا محال لاستلزامه كون المادة ذات حقائق متبائنة واتصافها بصفات متضادة، وإن قلتم إنها مشتملة على بعضها فقد حكمتم بإحداث بعضها من غير مادة فليكن الجميع كذلك، وإن قلتم إن جوهر المادة يتبدل جواهر (1) اخر، وأعراضها أعراضا اخرى فقد حكمتم بفناء ما هو أزلي وهذا محال، و بحدوث شئ آخر من غير شئ وهو مستلزم للمطلوب. وأما ما ذكره عليه السلام في الحيات والموت فيرجع إلى ما ذكرنا وملخصه أنه إما أن تكون مادة الكل حية بذاتها أو ميتة بذاتها أو تكون الاشياء من أصلين أحدهما حي بذاته والآخر ميت، وهذا أيضا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كل شي مأخوذا من كل من الحي والميت، والثاني أن يكون الحي مأخوذا من الحي والميت من الميت، فأبطل عليه السلام الاول بأنه لو حصل الميت بذاته عن الحي بذاته يلزم زوال الحياة الازلية من هذا الجزء من المادة وقد مر امتناعه أو تبدل الحقيقة الذي يحكم العقل ضرورة بامتناعه. ولو قيل بإعدام الحي وإنشاء الميت فيلزم المفسدة الاولى مع الاقرار بالمدعى وهو حدوث الشئ لا من شئ، وبهذا يبطل الثاني وكذا الثالث، لان الجزء الحي من المادة يجري فيه ما سبق إذا حصل منه ميت، وأشار إليه بقوله (لان الحي لا يجيئ (2) منه ميت) وأشار


(1) في بعض النسخ: جوهرا آخر. (2) في بعض النسخ: لا يحيى (*).

[80]

إلى الرابع بقوله (ولا يجوز أن يكون الميت قديما) وبه يبطل الثاني الثالث أيضا، وتقريره أن الازلي لابد أن يكون واجب الوجود بذاته كاملا بذاته، لشهادة العقول بأن الاحتياج والنقص من شواهد الامكان المحوج إلى المؤثر والموجد فلا يكون الازلي ميتا. وربما يحمل الحي في هذا الخبر على الموجود، والميت على الاعتباري المعدوم. والظاهر أن أكثر الكلام مبني على مقدمات موضوعة مسلمة عند الخصم. وقد مر الخبر بتمامه وشرحه في الجمله في المجلد الرابع. 54 - التوحيد: عن أبيه وابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير، قال: قال موسى بن جعفر عليهما السلام: هو الاول الذي لا شئ قبله والآخر الذي لا شئ بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علوا كبيرا (1). 55 - ومنه: عن الفضل بن عباس الكندي، عن محمد بن سهل، عن عبد الله ابن محمد البلوي (2) عن عمارة بن زيد، عن عبيد الله بن العلاء (3) عن صالح بن سبيع عن عمرو بن محمد بن صعصعة، عن أبيه، عن محمد بن أوس (4) عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة طويلة: لم يخلق الاشياء من اصول أزلية، ولا من أوائل كانت قبله بدية (5) بل خلق ما خلق وأتقن خلقه، وصور ما صور فأحسن صورته (الخبر) (6). 56 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى الطعار، عن


(1) التوحيد: ص 29. (2) بفتح اللام نسبة إلى (بلى) كرضى قبيلة من اهل مصر كما صرح به الشيخ في الفهرست أو من قضاعة كما قال غيره. (3) في المصدر (عبد الله بن العلاء) والظاهر أنه الصحيح لعدم ذكر (عبيدالله بن العلاء) في التراجم. (4) في المصدر: عن أبى المعتصر مسلم بن أوس. (5) في المصدر: أبدية. (6) التوحيد: ص 40 (*).

[81]

الحسين بن الحسن بن أبان: عن محمد بن اورمة (1) عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن عبد الله بن جوين (2) العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي كان إذ لم يكن شئ غيره، وكون الاشياء فكانت كما كونها وعلم ما كان وما هو كائن (3). 57 - ومنه: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن مهزيار، قال: كتب أبو جعفر عليه السلام في دعاء: يا ذا الذي كان قبل كل شئ، ثم خلق كل شئ (الخبر) (4). 58 - ومنه عن ابن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الصقر ابن دلف (5) عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: يا ابن دلف، إن الجسم محدث والله محدثه ومجسمه (الخبر) (6). 59 - ومنه: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن حماد، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام في كلام يصف [فيه] البارئ تعالى: كذلك لم يزل ولا يزال أبد الآبدين، وكذلك كان إذ لم تكن أرض ولا سماء، ولا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا نجوم ولا سحاب


(1) محمد بن اورمة أبو جعفر القمى له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد، رماه القميون بالغلو وغمزوا عليه حتى دس عليه من يفتك به فوجدوه يصلى من اول الليل إلى آخره فوقفوا عنه وحكى انه ورد توقيع من أبي الحسن الثالث إلى اهل قم في براءته مما قذف به. قال في الخلاصة وقد يقال (ابن ارومه) بتقديم الراء. (2) في المصدر: عبد الله بن جون. (3) التوحيد: ص 38. (4) التوحيد: ص 22. (5) كذا في نسخ البحار والمصدر، والظاهر أنه العقر بن أبى دلف الكرخي من شيعة الامام الهادى عليه السلام بسر من رآى، ولعل لفظة (أبى) سقطت من قلم النساخ والله العالم. (6) التوحيد: ص 61 (*).

[82]

ولا مطر ولا رياح، ثم إن الله [تبارك وتعالى] أحب أن يخلق خلقا يعظمون عظمته، ويكبرون كبرياءه، ويجلون جلاله، فقال: كونا ظلين، فكانا (1). أقول: تمام الخبر في باب جوامع التوحيد. 60 - ومنه: عن ماجيلوه، عن عمه، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ غيره (الخبر) (2). 61 - ومنه: عن أبيه، عن محمد العطار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعت يقول: كان ولا شئ غيره. ولم يزل الله (3) عالما بما كون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كونه (4). 62 - ومنه: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن محمد بن بشر، عن أبي هاشم الجعفري (5) قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه فأسماؤه وصفاته هي هو ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: إن لهذا الكلام وجهين، إن كنت تقول (هي هو) أنه (6) ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك، وإن كنت تقول: لم تزل هذه الصفات والاسماء، فإن (لم تزل) يحتمل معنيين، فإن قلت: لم تزل


(1) التوحيد: ص 80. (2) في المصدر: ص 89. (3) في المصدر: كان الله ولا شئ غيره ولم يزل عالما. (4) التوحيد: ص 92. (5) هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ثقة شريف القدر عظيم المنزلة عند الائمة عليهم السلام وقد أدرك الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الامر صلوات الله عليهم وروى عن كلهم. (6) في الكافي: أي أنه (*).

[83]

عنده في علمه وهو مستحقها فنعم، وإن كنت تقول: لم تزل تصويرها وهجائها و تقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شئ غيره، بل كان الله ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرعون بها إليه ويعبدونه، وهي ذكره وكان الله سبحانه ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل، [و] الاسماء والصفات مخلوقات والمعني بها هو الله (الخبر) (1). الاحتجاج: عن الجعفري مثله (2). الكافي: عن محمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي هاشم الجعفري مثله (3). أقول: قد مر شرحه في كتاب التوحيد، ودلالته على المدعى صريحة. 63 - التوحيد والكافي: روي أنه سئل أمير المؤمنين عليه السلام: أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء وأرضا ؟ فقال عليه السلام: (أين) سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان (4). 64 - الاحتجاج: سئل أبو الحسن علي بن محمد عليه السلام عن التوحيد فقيل: لم يزل الله وحده لا شئ معه، ثم خلق الاشياء بديعا واختار لنفسه أحسن (5) الاسماء ؟ أو لم تزل الاسماء والحروف معه قديمة ؟ فكتب: لم يزل الله موجودا ثم كون ما أراد (الخبر) (6). 65 - التوحيد: عن على بن أحمد الدقاق، عن الكليني رفعه قال: سأل ابن أبي العوجاء أبا عبد الله عليه السلام فقال: ما الدليل على حدوث (7) الاجسام ؟ فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك


(1) التوحيد: ص 130. (2) الاحتجاج: 244. (3) الكافي: ج 1، ص 116. (4) التوحيد: ص 115، الكافي: ج 1، ص 90. (5) في المصدر: لنفسه الاسماء. (6) الاحتجاج: 249. (7) في المصدر: حدث (*).

[84]

زوال وانتقال عن الحالة الاولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الاولى دخوله في العدم، ولن تجتمع صفة الازل والعدم في شئ واحد (الخبر) (1). 66 - ومنه: عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن عبد الرحمان بن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم، قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين (2) إلى أبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، اختلف الناس في القرآن، فزعم قوم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال آخرون: كلام الله مخلوق. فكتب عليه السلام: القرآن كلام الله محدث غير مخلوق وغير أزلي مع الله تعالى ذكره وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، كان الله عزوجل ولا شئ غير الله معروف ولا مجهول، وكان عزوجل ولا متكلم ولا مريد ولا متحرك ولا فاعل عزوجل ربنا فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه عزوجل ربنا، والقرآن كلام الله غير مخلوق، فيه خبر من كان قبلكم وخبر ما يكون بعدكم، انزل من عند الله على محمد رسول الله صلى الله عليه وآله (3). قال الصدوق رحمه الله: معنى قوله عليه السلام (غير مخلوق) غير مكذوب، ولا يعني به أنه غير محدث، لانه قد قال (محدث غير مخلوق وغير أزلي مع الله تعالى ذكره) وإنما منعنا من إطلاق المخلوق عليه لان المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبا


(1) التوحيد: ص 216. وقد مر الحديث بتمامه مع شرحه تحت الرقم 32. (2) عبد الملك بن أعين الشيباني الكوفى تابعي أخو زرارة بن أعين ووالد ضريس مات في حياة أبى عبد الله عليه السلام ويذكر في عداد اصحاب الباقر والصادق عليهما السلام كان مستقيما دعا له أبو عبد الله عليه السلام واجتهد في الدعاء والترحم عليه. روى الكشى عن زرارة أن ابا عبد الله عليه السلام قال بعد موت عبد الملك، اللهم إن أبا الضريس كنا عنده خيرتك من خلقك فصيره في ثقل محمد صلواتك عليه وآله يوم القيامة. ثم قال عليه السلام سبحان الله ! أين مثل أبى الضريس ؟ لم يأت بعد ! (3) التوحيد: ص 159 (*).

[85]

ويقال (كلام مخلوق) أي مكذوب، قال الله تبارك وتعالى (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا) أي كذبا. أقول: الظاهر أن فيه نوعا من التقية أو الاتقاء لا متناع المخالفين من إطلاق هذا اللفظ على القرآن أشد الامتناع. 67 - قصص الراوندي: بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه وابن الوليد معا عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن محبوب (1) عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله لما خلق الارضين خلقها قبل السماوات. أقول: تمامه في باب العوالم. 68 - البصائر: عن أحمد بن محمد وعبد الله بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن سدير، قال: سأل حمران أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى (بديع السماوات والارض) قال عليه السلام: إن الله ابتدع الاشياء كلها على غير مثال كان وابتدع السماوات والارض ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون أما تسمع لقوله تعالى (كان عرشه على الماء) ؟ العياشي: عن حمران مثله. 69 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي العلاء، عن أبي خالد الصيقل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل فوض الامر إلى ملك من الملائكة، فخلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء، فلما رأى الاشياء قد انقادت له قال: من مثلي ؟ فأرسل الله


(1) هو الحسن بن محبوب لا (محمد بن على بن محبوب) لروايته عن عمرو بن أبي المقدام ورواية محمد بن الحسين عنه، ومحمد بن على بن محبوب لا يروى عن (عمرو) بلا واسطة، ومحمد بن الحسين راوية الحسن بن محبوب (*).

[86]

عزوجل نويرة من نار. قال: (1) وما نويرة (2) من نار ؟ قال: نار بمثل (3) أنملة. قال: فاستقبلها بجميع ما خلق فتخللت (4) لذلك حتى وصلت إليه لما أن أدخله (5) العجب (6). المحاسن: عن أبيه، عن ابن سنان مثله. 70 - ومنه: عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى كان وليس شئ غيره، نورا لا ظلام فيه، وصدقا لا كذب فيه، وعلما لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه، وكذلك (7) لا يزال أبدا (8). 71 - العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان الله تبارك وتعالى كما وصف نفسه، وكان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يجري، ولم يكن غير الماء خلق، والماء يومئذ عذب فرات، فلما أراد الله أن يخلق الارض أمر الرياح الاربع فضربن الماء حتى صار موجا، ثم أزبد زبدة واحدة فجمعه في موضع البيت، فأمر الله فصار جبلا من زبد، ثم دحى الارض من تحته ثم قال: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين. 72 - ومنه: عن عيسى بن أبي حمزة (9) قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام


(1) في ثواب الاعمال: قلت. (2) في المحاسن: وما النويرة. (3) في المحاسن: مثل الانملة. (4) في المحاسن: (فتخبل) والظاهر أنه تصحيف. (5) في ثواب الاعمال: فاستقبلها بجميع ما خلق حتى وصلت إليه لما دخله العجب. (6) ثواب الاعمال: ص 242، المحاسن: ص 123. (7) في المصدر: وكذلك هو اليوم وكذلك. (8) المحاسن: ص 242. (9) كذا في جميع النسخ، لكن الظاهر ان الصحيح (عيسى بن حمزة) لعدم ذكر عيسى=

[87]

جعلت فداك، إن الناس يزعمون أن الدنيا عمرها سبعة آلاف سنة فقال: ليس كما يقولون، إن الله خلق لها خمسين ألف عام، فتركها قاعا قفرا خاوية عشرة آلاف عام، ثم بدالله بداء، فخلق فيها خلقا ليس من الجن ولا من الملائكة ولا من الانس وقدر لهم عشرة آلاف عام، فلما قربت آجالهم أفسدوا فيها فدمر الله عليهم تدميرا ثم تركها قاعا قفرا خاوية عشرة آلاف عام، ثم خلق فيها الجن، وقدر لهم عشرة آلاف عام [فيها] فلما قربت آجالهم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء وهو قول الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما سفكت بنو الجان، فأهلكهم الله. ثم بدا الله فخلق آدم وقرر (1) له عشرة آلاف، وقد مضى من ذلك سبعة آلاف عام ومائتان وأنتم في آخر الزمان. 73 - تفسير الامام: قال عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله عزوجل (الذي جعل لكم الارض فراشا): إن الله عزوجل لما خلق الماء فجعل عرشه عليه قبل أن يخلق السماوات والارض وذلك قوله عزوجل (هو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) يعني وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والارض، فأرسل الله


= ابن أبى حمزة في التراجم، وهو عيسى بن حمزة بن حمزة المدائني: عده الشيخ تارة من اصحاب الباقر واخرى من اصحاب الصادق عليهما السلام قال النجاشي (ص: 226) عيسى بن حمزة المدائني الثقفى روى عن ابى عبد الله عليه السلام وقال في تنقيح المقال (ج 2، ص 359) ما حاصله انه امامى إلا أن حاله مجهول لكن يمكن الوثوق بروايته لما روى في الفقيه في باب ما يأخذ الاب من مال ابنه قال: روى عن عيسى الثقفى وكان ساحرا يأتيه الناس فيأخذ على ذلك الاجر قال فحججت فلقيت ابا عبد الله عليه السلام بمنى فقلت: جعلت فداك انا رجل وكانت بضاعتي السحر وكنت آخذ عليه الاجر ومن الله عزوجل على بلقائك وقد تبت إلى الله، فهل لى في شئ منه ؟ فقال: حل ولا تعقد فان توبته تكشف عن ديانته ولا أقل من كون توبته بمنزلة المدخ فيكون الرجل من الحسان. (1) في بعض النسخ (فتبحز الماء) وفي بعضها (ففجر البحر).

[88]

الرياح على الماء، فتفجر الماء (1) من أمواجه، فارتفع عنه الدخان، وعلا فوق الزبد، فخلق من دخانه السماوات السبع، فخلق من زبده الارضين السبع، فبسط الارض على الماء، وجعل الماء على الصفا، والصفا على الحوت، والحوت على الثور والثور على الصخرة التي ذكرها لقمان لابنه فقال (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها الله) والصخره على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله. فلما خلق الله الارض دحاها من تحت الكعبة ثم بسطها على الماء، فأحاطت بكل شئ، ففخرت الارض وقالت: أحطت بكل شئ فمن يغلبني ؟ وكان في كل اذن من آذان الحوت سلسلة من ذهب مقرونة الطراف بالعرش، فأمر الله الحوت فتحركت (1) فتكفأت الارض بأهلها كما تكفئ السفينة على متن الماء قد اشتدت أمواجه، ولم تستطع الارض الامتناع، ففخرت الحوت وقالت: غلبت الارض التي أحاطت بكل شئ فمن يغلبني ؟ فخلق الله عز وجل الجبال فأرسيها، وثقل الارض بها، فلم يستطع الحوت أن يتحرك، ففخرت الجبال وقالت: غلبت الحوت التي غلبت الارض فمن يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل الحديد، فقطعت به الجبال، ولم يكن عندها دفاع ولا امتناع، ففخر الحديد وقال: غلبت الجبال التي غلبت الحوت فمن يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل النار فألانت الحديد وفرقت أجزاءه ولم يكن عند الحديد دفاع ولا امتناع، ففخرت النار وقالت: غلبت الحديد الذي غلب الجبال فمن يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل الماء فأطفأ النار ولم يكن عندها دفاع ولا امتناع، ففخر الماء وقال: غلبت النار التي غلبت الحديد فمن يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل الريح (2) فأيبست الماء ففخرت الريح و قالت: غلبت الماء الذي غلب النار فمن يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل الانسان فصرف الرياح (3) عن مجاريها بالبنيان ففخر الانسان وقال: غلبت الريح التي


(1) في بعض النسخ (فتحرك) وفيها اثبتت الافعال الاتية المسندة إلى ضمير الحوت مذكرة أما التذكير فظاهر وأما التأنيث فباعتبار أن معناه (السمكة). (2) في النسخة (قال: غلبت فأيبست الماء) وهو حشو (ب). (3) في بعض النسخ: الريح (*).

[89]

غلبت الماء فمن يغلبني ؟ فخلق الله عزوجل ملك الموت فأمات الانسان ففخر ملك الموت وقال: غلبت الانسان الذي غلب الريح فمن يغلبني ؟ فقال الله عزوجل: أنا القهار الغلاب الوهاب، أغلبك وأغلب كل شئ، فذلك قوله (إليه يرجع الامر كله). 74 - العياشي: عن أبي جعفر عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلق السماوات والارض في ستة أيام، فالسنة تنقص ستة أيام. بيان: لعل المعنى أن مقتضى ظاهر الحال كان تساوي الشهور وكون كلها ثلاثين يوما، فأسقط الله الستة عن الشهور، وجعل حركة القمر بحيث تصير السنة القمرية ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما، ولذا تطلق السنة في عرف الشرع وعرف العرب على الثلاث مائة والستين، مع أنه لا يوافق حركة الشمس ولا حركة القمر والله يعلم. 75 - العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله جل ذكره وتقدست أسماؤه خلق الارض قبل السماء ثم استوى على العرش لتدبير الامور. ومنه: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان الله تبارك وتعالى كما وصف نفسه، وكان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يجري. 76 - ومنه: عن محمد بن عمران العجلي، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شئ كان موضع البيت حيث كان الماء في قول الله عزوجل (وكان عرشه على الماء) ؟ قال: كانت مهاة بيضاء. يعني درة. 77 - المناقب: سأل ضباع (1) الهندي: ما أصل الماء ؟ قال عليه السلام: أصل الماء من خشية الله (2). بيان: أي خشية الله صار سببا لذوبان الدرة وصيرورتها ماء كما سيأتي


(1) كذا وفي المصدر: صباح بن نصر الهندي. (2) المناقب: ج 4، ص 354 (*).

[90]

78 - تنبيه الخاطر للورام: عن ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: إن الله تعالى أول ما خلق الخلق خلق نورا (1) ابتدعه من غير شئ، ثم خلق منه ظلمة، وكان قديرا أن يخلق الظلمة لا من شئ كما خلق النور من غير شئ، ثم خلق من الظلمة نورا، وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماء مرتعدا، ولا يزال مرتعدا إلى يوم القيمة، ثم خلق عرشه من نوره، وجعله على الماء، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فهيا لغة تشبه الاخرى، وكان العرش على الماء، من دون حجب (2) الضباب (3). 79 - تفسير الفرات: عن عبيد بن كثير معنعنا عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: شهدت أبي (4) عند عمر بن الخطاب وعنده كعب الاحبار وكان رجلا قد قرأ التوراة وكتب الانبياء عليهم السلام، فقال له عمر: يا كعب، من كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى بن عمران عليه السلام ؟ قال: كان أعلم بنى إسرائيل بعد موسى ابن عمران يوشع بن نون، وكان وصى موسى بن عمران بعده (5) وكذلك كل نبي خلا من بعد (6) موسى بن عمران كان له وصي يقوم في امته من بعده. فقال له عمر: فمن وصي نبينا وعالمنا ؟ أبو بكر ؟ قال وعلي ساكت لا يتكلم. فقال كعب: مهلا (7) ! فإن السكوت عن هذا أفضل، كان أبو بكر رجلا خطا (8) بالصلاح فقدمه المسلمون لصلاحه ولم يكن بوصي، فإن موسى [بن عمران] لما توفي أوصى إلى


(1) في المصدر: إنه عزوجل خلق نورا. (2) في بعض النسخ (من دونه حجب الضياء) وفي المصدر (ومن دونه حجب الضباب). (3) تنبيه الخاطر: ج 2، ص 5 - 6. (4) في المصدر: مع أبى. (5) في المصدر: وصى موسى من بعده. (6) في المصدر: من قبل موسى ومن بعده. (7) في المصدر: مهلا يا عمر. (8) في بعض النسخ (حظا) وكلاهما بمعنى.

[91]

يوشع بن نون فقبله طائفة من بني إسرائيل وأنكرت فضله طائفة، وهي (1) التي ذكر الله تعالى في القرآن (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (2)) وكذلك الانبياء السالفة والامم الخالية لم يكن نبي إلا وقد كان له وصي يحسده قومه ويدفعون فضله ! فقال: ويحك يا كعب ! فمن ترى وصى نبينا ؟ قال كعب: معروف في جميع كتب الانبياء والكتب المنزلة من السماء (علي أخو النبي العربي عليه السلام يعينه على أمره ويوازره على من ناواه [و] له زوجة مباركة [و] له منها ابنان يقتلهما امته من بعده، و يحسدون (3) وصيه كما حسدت الامم أوصياء أنبيائها، فيدفعونه عن حقه، ويقتلون من ولده بعده (4) كحسد (5) الامم الماضية). وقال: فأفحم عندها وقال (6): يا كعب ! لئن صدقت في كتاب الله المنزل قليلا فقد كذبت كثيرا ! فقال كعب: والله ما كذبت في كتاب الله قط، ولكن سألتني عن أمر لم يكن لي بد من تفسيره و الجواب فيه، فإني لاعلم أن أعلم هذه الامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد نبيها (7) لاني لم أسأله عن شئ إلا وجدت عنده كلما (8) تصدقه به التورية وجميع كتب الانبياء عليهم السلام فقال له عمر: اسكت يا ابن اليهودي (9) ! فو الله إنك لكثير التخرص (10) بكذب (11) فقال كعب: والله ما علمت أني كذبت في شي من


(1) في بعض النسخ: فهى (2) الصف: 14 (3) في بعض النسخ: ويحسد. (4) في بعض النسخ: ولده من بعده وكذا في المصدر. (5) في بعض النسخ: كحذو. (6) في بعض النسخ: قال: فأفحم عمر وفي المصدر: قال فأفحم عمر عندها وقال له. (7) في بعض النسخ: نبينا. (8) في المصدر: علما. (9) في المصدر: يا ابن اليهودية. (10) في بعض النسخ: لكثير التخرص (11) في المصدر: لكثير التحرض والكذب (*).

[92]

كتاب الله منذ جرى لله علي الحكم، ولئن شئت لالقين عليك شيئا من علم التوراة فإن فهمته فأنت أعلم منه، وإن فهم فهو أعلم منك. فقال له عمر: هات بعض هناتك فقال كعب: أخبرني عن قول الله (وكان عرشه على الماء) فأين كانت الارض ؟ و أين كانت السماء ؟ وأين كان جميع خلقه ؟ فقال له عمر: ومن يعلم غيب (1) الله منا إلا ما سمعه رجل من نبينا ؟ قال: ولكن إحال أبا حسن لو سئل عن ذلك لشرحه بمثل ما قرأناه في التوراة. فقال له عمر: فدونك إذا اختلف المجلس. قال: فلما دخل علي عليه السلام على عمر وأصحابه (2) أرادوا إسقاط أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال كعب: يا أبا الحسن أخبرني عن قول الله تعالى في كتابه (وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا) قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم، كان عرشه على الماء حين لا أرض مدحية، ولا سماء مبنية ولا صوت يسمع ولا عين تنبع، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا نجم يسري، ولا قمر يجري ولا شمس تضيئ، عرشه على الماء، غير مستوحش إلى أحد من خلقه، يمجد نفسه ويقدسها كما شاء أن يكون كان، ثم بداله أن يخلق الخلق، فضرب بأمواج البحور فثار منها مثل الدخان كأعظم ما يكون من خلق الله، فبنابها سماء رتقا، ثم دحا (3) الارض من موضع (4) الكعبة وهي وسط الارض فطبقت إلى البحار، ثم فتقها بالبنيان وجعلها سبعا بعد إذ كانت واحدة، ثم استوى إلى السماء وهي دخان من ذلك الماء الذي أنشأه من تلك البحور، فجعلها سبعا طباقا بكلمته التي لا يعلمها غيره وجعل في كل سماء ساكنا من الملائكة خلقهم معصومين من نور من بحور عذبة وهو (5) بحر الرحمة، وجعل طعامهم التسبيح والتهليل والتقديس، فلما قضى أمره


(1) في المصدر: بغيب الله. (2) في المصدر: (فلما دخل على عمر أصحابه) والظاهر أنه الصحيح. (3) في المصدر: ثم انشق. (4) في بعض النسخ: في موضع. (5) وهى (خ) (*).

[93]

وخلقه استوى على ملكه فمدح كما ينبغي له أن يحمد، ثم قدر ملكه فجعل في كل سماء شهبا معلقة (1) كواكب كتعليق القناديل من المساجد لا يحصيها (2) غيره تبارك وتعالى، والنجم من نجوم السماء كأكبر مدينة في الارض، ثم خلق الشمس والقمر فجعلهما شمسين، فلو تركهما تبارك وتعالى كما كان ابتدأهما في أول مرة لم يعرف خلقة الليل من النهار، ولا عرف الشهر ولا السنة، ولا عرف الشتاء من الصيف، ولا عرف الربيع من الخريف، ولا علم أصحاب الدين متى يحل دينهم ولا علم العامل متى يتصرف (3) في معيشته ومتى يسكن لراحة بدنه، فكان الله تبارك وتعالى لرأفته بعباده نظر (4) لهم فبعث جبرئيل عليه السلام إلى إحدى الشمسين فمسح بها جناحه فأذهب منها الشعاع والنور وترك فيها الضوء، فذلك قوله (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل فجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا) وجعلهما يجريان في الفلك، والفلك بحر (5) فيما بين السماء والارض مستطيل في السماء، استطالته ثلاثة فراسخ يجري في غمرة الشمس والقمر، كل واحد منهما على عجلة يقودهما (6) ثلاثمائة ملك بيد كل ملك منها عروة يجرونها في غمرة ذلك البحر، لهم زجل بالتهليل والتسبيح والتقديس، لوبرز واحد منهما من غمر ذلك البحر لاحترق كل شئ على وجه الارض حتى الجبال والصخور ما خلق الله من شئ، فلما خلق الله السماوات والارض والليل والنهار والنجوم والفلك وجعل الارضين على ظهر حوت (7) أثقلها فاضطربت فأثبتها بالجبال، فلما استكمل خلق ما في السماوات


(1) في بعض النسخ: معلقة الكواكب. (2) ما لا يحصيها (خ). (3) في المصدر: ينصرف. (4) في المصدر: أراف بعباده وأنظر. (5) في المخطوط: يجرى. (6) في المصدر: يقوده. (7) في المصدر: الحوت (*).

[94]

والارض يومئذ خالية ليس فيها أحد قال للملائكة: إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون. فبعث الله جبرئيل عليه السلام فأخذ من أديم الارض قبضة فعجنه بالماء العذب والمالح (1) وركب فيه الطبائع قبل أن ينفسخ فيه الروح، فخلقه من أديم الارض فلذلك سمي (آدم) لانه لما عجن بالماء استأدم فطرحه في الجبل كالجبل العظيم، وكان إبليس يومئذ خازنا على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره، ثم يضرب بيده على بطنه فيقول: لاى أمر خلقت ؟ لئن جعلت فوقي لا أطعتك، وإن جعلت أسفل مني لا اعينك ! فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح فخلقه من ماء وطين، نور وظلمة، وريح ونور من نور الله، فأما النور فيورثه الايمان، وأما الظلمة فيورثه الكفر والضلالة وأما الطين فيورثه الرعدة والضعف والاقشعرار (2) عند إصابة الماء، فينعت (3) به على أربع الطبائع: على الدم، والبلغم، والمرار، والريح. فذلك قوله تبارك وتعالى (أو لا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يكن شيئا). قال: فقال كعب: يا عمر ! بالله أتعلم كعلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؟ فقال: لا فقال كعب: علي بن أبي طالب عليه السلام وصى الانبياء، ومحمد خاتم الانبياء عليهم السلام، وعلي خاتم الاوصياء، وليس على الارض اليوم منفوسة إلا [و] علي بن أبي طالب أعلم منه، والله ما ذكر من خلق الانس والجن والسماء والارض والملائكة شيئا إلا وقد قرأته في التوراة كما قرأ ! قال: فمارئي عمر غضب قط مثل غضبه ذلك اليوم (4). بيان: الخرص: الكذب والقول بالظن، والتخرص: الافتراء. (بعض


(1) في المصدر: والماء المالح. (2) في المصدر: القشعريرة (3) في المصدر: فينبعث. (4) تفسير فرات: 65 (*).

[95]

هناتك) أي شرورك، أو كلماتك العجيبة ((ولكن إخال) بكسر الهمزة وقد تفتح أي أظن (ثم فتقها بالبنيان) لعل المراد جعل الفرج بين قطعاتها فصارت كالبنيان أو جعل فيها البناء والعمارة فقسمت بالاقاليم على قول. والجبل بالفتح الساحة. وكان في الخبر تصحيفات وهو مشتمل على رموز ولعنا نتكلم في بعض أجزائه في موضع يناسبه. 80 - الكافي: عن محمد بن الحسن، عن سهل، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن ابن كثير، عن داود الرقي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (وكان عرشه على الماء) فقال: ما يقولون (1) ؟ قلت: يقولون: إن العرش كان على الماء والرب فوقه ! فقال: كذبوا، من زعم هذا فقد صير الله محمولا، ووصفه بصفة المخلوق (2) ولزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه ! قلت: بين لي جعلت فداك، فقال: إن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء، أوجن أو إنس، أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي و امنائي في خلقي وهم المسؤولون، ثم قال لبني آدم: أقروالله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة. فقالوا: نعم، ربنا أقررنا. فقال الله للملائكة: اشهدوا فقالت الملائكه: شهدنا على أن لا يقولوا غدا إنا كنا من هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟ يا داود ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق (3). التوحيد: عن على بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن


(1) في التوحيد: فقال لى ما يقولون في ذلك. (2) في التوحيد: المخلوقين. (3) الكافي: ج 1، ص: 132 (*).

[96]

محمد بن إسماعيل البرمكي، عن جزعان (1) بن نصر الكندي، عن سهل مثله. بيان: ظاهره أن الله سبحانه أعطى الماء حالة صار قابلا لحمل دينه وعلمه ويحتمل أن يكون المعنى أنه لما كان الماء أول المخلوقات وكان الله تعالى جعله قابلا لان يخرج منه خلقا يكونون قابلين لعلمه ودينه وكان يهيئ أسباب خروجهم منه فكأنه حمل دينه وعلمه الماء، ومن يسلك مسلك الحكماء قد يؤول الماء بالعقل وقد يؤوله بالهيولى، ونحن من ذلك بمعزل بفضله تعالى. 81 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد عن محمد بن داود، عن محمد بن عطية (2) قال: جاء إلى أبي جعفر عليه السلام رجل من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا جعفر ! جئت أسألك عن مسأله قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها ! وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر. فقال له أبو جعفر عليه السلام: ما ذاك ؟ قال: فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه، فإن بعض من سألته قال: القدر، وقال بعضهم: القلم، وقال بعضهم: الروح. فقال أبو جعفر: ما قالوا شيئا ! اخبرك أن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ غيره، وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزه، وذلك قوله (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) وكان الخالق قبل المخلوق، ولو كان أول ما خلق من خلقه الشئ من الشئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا، ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه، ولكنه كان إذ لا شئ غيره، وخلق الشئ الذي جميع


(1) في المصدر: جذعان بن أبى نصر الكندى. (2) هو محمد بن عطية الحناط الكوفى اخو الحسن وجعفر، قال النجاشي عند ترجمة اخيه الحسن،: الحسن بن عطة الحناط كوفى، مولى، ثقة، واخواه أيضا، وكلهم يروون عن أبى عبد الله عليه السلام وظاهره وثاقة محمد وجعفر أيضا. لكن في روايته عن ابى جعفر بلا واسطة اشكال، لانه روى عن أبى عبد الله عليه السلام وهو صغير كما صرح به النجاشي، فكأن في السند ارسالا. ويؤيده أنه لم يذكر روايته في سائر كتب الرجال أيضا إلا عن الصادق عليه السلام (*).

[97]

الاشياء منه وهو الماء الذي خلق الاشياء منه، فجعل نسب كل شئ إلى الماء، ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، وخلق الريح من الماء، ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور، فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا ثقب (1) ولا صعود ولا هبوط، ولا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء، ثم خلق الله النار من الماء، فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور، فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا نقب (2) وذلك قوله (أم السماء بنيها * رفع سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها) قال: ولا شمس ولا قمر، ولا نجوم ولا سحاب، ثم طواها فوضعها فوق الارض، ثم نسب الخليقتين، فرفع السماء قبل الارض، فذلك قوله عز ذكره (والارض بعد ذلك دحيها) يقول: بسطها. قال: فقال له الشامي: يا أبا جعفر ! قول الله عزوجل (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) ؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الاخرى ؟ فقال: نعم فقال أبو جعفر عليه السلام: استغفر ربك ! فإن قول الله عزوجل (كانتا رتقا) يقول: كانت السماء رتقا لا تنزل المطر، وكانت الارض رتقا لا تنبت الحب، فلما خلق الله تبارك وتعالى الخلق وبث فيها من كل دابة ففتق السماء بالمطر، والارض بنبات الحب. فقال الشامي: أشهد أنك من ولد الانبياء، وأن علمك علمهم (3). توضيح: قوله عليه السلام (ولو كان أول ما خلق) أي لو كان كما تزعمه الحكماء كل حادث مسبوقا بمادة فلا يتحقق شئ يكون أول الاشياء من الحوادث، فيلزم وجود قديم سوى الله تعالى وهو محال (فجعل نسب كل شئ إلى الماء) أي


(1) نقب (خ). (2) ثقب (خ). (3) روضة الكافي: 94. (*)

[98]

بأن خلق جميعها منه، لا بقوله (وجعلنا من الماء كل شئ حي) لانه ظاهرا مختص. بذوي الحياة، إلا أن يقال: المراد بكل شئ هنا أيضا ذو والحياة، أو يقال: انتساب ذوي الحياة إليه مستلزم لانتساب غيرهم أيضا من العناصر لانها جزء الحيوان. (ثم نسب الخليقتين) أي رتبهما في الوضع، وجعل إحداهما فوق الاخرى، أو بين نسبة خلقهما في كتابه بقوله (والارض بعد ذلك دحيها) فبين أن دحو الارض بعد رفع السماء. 82 - الكافي: عن محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، والحجال عن العلاء، عن محمد بن مسلم، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: كان كل شئ ماء، وكان عرشه على الماء، فأمر الله عزوجل الماء فاضطرم نارا، ثم أمر النار فخمدت، فارتفع من خمودها دخان، فخلق الله السماوات من ذلك الدخان، وخلق الارض من الرماد، ثم اختصم الماء والنار و الريح، فقال الماء: أنا جند الله الاكبر، وقال الريح: أنا جند الله الاكبر، وقالت النار: أنا جند الله الاكبر، فأوحى الله عزوجل إلى الريح: أنت جندي الاكبر (1). بيان: (وخلق الارض من الرماد) لعل المراد بقية الارض التي حصلت بعد الدحو، ويحتمل أيضا أن يكون الزبد المذكور في الاخبار الاخر مادة بعيدة للارض بأن يكون الرماد تكون من الزبد، ومن الرماد تكونت الارض، أو يكون الرماد أحد أجزاء الارض مزج بالزبد فجمد الزبد بذلك المزج وتصلب. 83 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق الجنة قبل أن يخلق النار، وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية، وخلق الرحمة قبل الغضب، وخلق الخير قبل الشر، وخلق الارض قبل السماء، وخلق الحياة قبل الموت، وخلق الشمس قبل القمر، وخلق النور قبل (2) أن يخلق الظلمة (3).


(1) روضة الكافي: 95 و 153. (2) في المصدر: قبل الظلمة. (3) روضة الكافي: 145.

[99]

بيان: لعل المراد بخلق الطاعة تقديرها، بل الظاهر في الاكثر ذلك، و الخلق بمعنى التقدير شائع، والمراد بخلق الشر خلق ما يترتب عليه شر ظاهرا وإن كان خيره غالبا ووجوده صلاحا. 84 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ما خلق الله عزوجل خلقا إلا وقد أمر عليه آخر يغلبه فيه، وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق السحاب (1) السفلى فخرت وزخرت (2) وقالت أي شئ يغلبني ؟ فخلق الارض فسطحها على ظهرها فذلت، ثم إن الارض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها فذلت الارض واستقرت، ثم إن الجبال فخرت على الارض فشخمت واستطالت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الحديد فقطعها فقرت الجبال وذلت، ثم إن الحديد فخر على الجبال وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق النار فأذابت الحديد فذل الحديد، ثم إن النار زفرت وشهقت وفخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الماء فأطفأها فذلت النار، ثم إن الماء فخر وزخر وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الريح فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره وحبسته عن مجاريه فذل الماء، ثم إن الريح فخرت وعصفت ولوحت (3) أذيالها وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الانسان فبنى واحتال واتخذ ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح، ثم إن الانسان طغى وقال: من أشد مني قوة ؟ فخلق الله له الموت فقهره فذل الانسان، ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله عزوجل: لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين أهل الجنة وأهل النار، ثم لا احييك أبدا فترجى وتخاف (4). وقال أيضا: والحلم يغلب الغضب


(1) في المصدر: البحار السفلى. (2) في المخطوط: زحزحت. (3) في المصدر: وأرخت أذيالها. (4) في المصدر: أو تخاف.

[100]

والرحمة تغلب السخط، والصدقة الخطيئة. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: وما أشبه هذا مما يغلب غيره ! (1) ايضاح: في القاموس: زخر البحر كمنع زخرا وزخورا وتزخر طمأ وتملا، والوادي مد جداوارتفع، والنبات طال، والرجل بما عنده فخر (انتهى) (2) والظاهر أن هذه الجمل جرت على سبيل الاستعارة التمثيلية لبيان أن سوى الحق تعالى مقهور مغلوب عن غيره، والله سبحانه هو الغالب القاهر لجميع ما سواه، وأنه سبحانه بحكمته دفع في الدنيا عادية كل شئ بشئ ليستقيم للناس التعيش فيها. و (الميل) الحركة والاضطراب. وقال الجوهري: الزفير اغتراق (3) النفس للشدة، والزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره (4). وقال الفيروز آبادي: زفر النار سمع لتوقدها صوت (5). قوله عليه السلام (إن الماء فخر) لعل المراد بالماء ههنا المياه التي استكنت في الارض وخلقت على وجهها، ولذا قيد الماء في أول الخبر بالبحار السفلى وغلبة الارض إنما هي عليها دون المياه الظاهرة، فلا ينافي تأخر خلق هذا الماء عن كثير من الاشياء تقدم خلق أصل الماء وحقيقته على غيره من سائر الاشياء. قوله (وعصفت) أي اشتدت و (لوحت أذيالها) أي رفعتها وحركتها تبخترا وتكبرا، وهذا من أحسن الاستعارات (فترجى أو تخاف) أي لا احييك فتكون حياتك رجاء لاهل النار وخوفا لاهل الجنة. وذبح الموت لعل المراد به ذبح شئ يسمى بهذا الاسم ليعرف الفريقان رفع الموت عنهما عيانا إن لم نقل بتجسم الاعراض في تلك النشأة، ويحتمل أن يكون هذا أيضا على الاستعارة التمثيلية.


(1) روضة الكافي: 148. (2) القاموس: ج 2، ص: 38. (3) كذا في المصدر، وفي بعض نسخ الكتاب (اغتراف) بالفاء. (4) الصحاح: ج 2، ص 670 وزاد: لان الزفير ادخال النفس والشهيق إخراجه. (5) القاموس: ج 2، ص 39 (*).

[101]

85 - الاختصاص: قال يونس بن عبد الرحمن يوما لموسى بن جعفر عليه السلام: أين كان ربك حيث لاسماء مبنية ولا أرض مدحية ؟ قال: كان نورا في نور، ونورا على نور، خلق من ذلك النور ماء منكدرا فخلق من ذلك الماء ظلمة، فكان عرشه على تلك الظلمة. قال: إنما سألتك عن المكان ! قال: كلما قلت أين فأين هو المكان. قال: وصفت فأجدت (1) إنما سألتك عن المكان الموجود المعروف ! قال: كان في علمه لعلمه، فقصر علم العلماء عند علمه. قال: إنما سألتك عن المكان ! قال: يا لكع ! أليس قد أجبتك أنه كان في علمه لعلمه، فقصر علم العلماء عند علمه ؟ 86 - سعد السعود للسيد ابن طاوس: قال: وجدت في صحف إدريس عليه السلام من نسخة عتيقة: أول يوم خلق الله جل جلاله يوم الاحد، ثم كان صباح يوم الاثنين فجمع الله جل جلاله البحار حول الارض، وجعلها أربعة بحار: الفرات والنيل وسيحان وجيحان. ثم كان مساء ليلة الثلثاء جاء الليل بظلمته ووحشته ثم كان صباح يوم الثلثاء فخلق الله جل جلاله الشمس والقمر وشرح ذلك وما بعده شرحا طويلا وقال: ثم كان مساء ليلة الاربعاء فخلق الله ألف ألف صنف من الملائكة منهم على خلق الغمام، ومنهم على خلق النار متفاوتين في الخلق والاجناس ثم كان صباح يوم الاربعاء فخلق الله من الماء أصناف البهائم والطير وجعل لهن رزقا في الارض، وخلق النار العظام وأجناس الهوام، ثم كان مساء ليلة الخميس فميز الله سباع الدواب وسباع الطير، ثم كان صباح يوم الخميس فخلق الله ثمان جنان وجعل كل باب واحدة منهن إلى بعض، ثم كان مساء ليلة الجمعة فخلق الله النور الزهراء، وفتح الله مائة باب رحمة في كل باب جزء من الرحمة، ووكل بكل باب ألفا من ملائكة الرحمة، وجعل رئيسهم كلهم (ميكائيل) فجعل آخرها بابا لجميع الخلائق يتراحمون به بينهم، ثم كان صباح يوم الجمعة فتح الله أبواب السماء بالغيث، وأهب الرياح


(1) فأوجدت (خ) (*).

[102]

وأنشأ السحاب، وأرسل ملائكة الرحمة للارض تأمر السحاب تمطر على الارض و زهرت (1) الارض بنباتها وازدادت حسنا وبهجة، وغشى الملائكة النور، وسمى الله يوم الجمعة لذلك (يوم أزهر) و (يوم المزيد) وقال الله: قد جعلت يوم الجمعة أكرم الايام كلها وأحبها إلي ثم ذكر شرحا جليلا بعد ذلك ثم قال: إن الارض عرفها الله جل جلاله أنه يخلق منها خلقا فمنهم من يطيعه ومنهم من يعصيه فاقشعرت الارض واستعفت الله وسألته أن لا يأخذ منها من يعصيه ويدخله النار، و أن جبرئيل أتاها ليأخذ عنها طينة آدم، فسألته بعزة الله أن لا يأخذ منها شيئا حتى تتضرع إلى الله تعالى، وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله ميكائيل عليه السلام فاقشعرت وسألت وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله تعالى إسرافيل بذلك فاقشعرت وسألت وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها فأمر عزرائيل فاقشعرت وسألت وتضرعت فقال: قد أمرني ربي بأمرأنا ماض له سرك ذاك (2) أم ساءك ؟ فقبض منها كما أمره الله، ثم صعد بها إلى موقفه، فقال الله [له]: كما وليت قبضها من الارض وهو كاره كذلك تلي قبض أرواح كل من عليها وكلما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة. فلما غابت شمس يوم الجمعة خلق الله النعاس فغشاه دواب الارض، وجعل النوم سباتا وسمى الليلة لذلك ليلة السبت، وقال: أنا الله لا إله إلا أنا خالق كل شئ، خلقت السموات والارض وما بينهما وما تحت الثرى في ستة أيام من شهر (نيسان) وهو أول شهر من شهور الدنيا وجعلت الليل والنهار، وجعلت النهار نشورا ومعاشا، وجعلت الليل لباسا وسكنا ثم كان صباح يوم السبت فميز الله لغات الكلام فسبح جميع الخلائق لعزة الله جل جلاله فتم خلق الله وتم أمره في الليل والنهار، ثم كان صباح يوم الاحد الثاني اليوم الثامن من الدنيا، فأمر الله ملكا فعجن طينة آدم فخلط بعضها ببعض ثم خمرها


(1) في المخطوطة: تزهرت. (2) ذلك (خ) (*).

[103]

أربعين سنة، ثم جعلها لازبا (1) ثم جعلها حمئا مسنونا أربعين سنة ثم جعلها صلصالا كالفخار أربعين سنة، ثم قال للملائكة بعد عشرين ومائة سنة مذخمر طينة آدم: إني خالق بشرا من طين ! فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فقالوا: نعم. فقال في الصحف ما هذا لفظه: فخلق الله آدم على صورته التي صورها في اللوح المحفوظ. يقول علي بن موسى بن طاوس: فأسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام وقال: إن الله خلق آدم على صورته. فاعتقد التجسيم، فاحتاج المسلمون إلى تأويلات الحديث، ولو نقله بتمامه استغنى عن التأويل بتصديق (2) وشهد العقل المستقيم. وقال في الصحف ثم جعلها جسدا ملقى على طريق الملائكة، الذي تصعد فيه إلى السماء أربعين سنة. ثم ذكر تناسل الجن وفسادهم وهرب إبليس منهم إلى الله و سؤاله أن يكون مع الملائكة وإجابة سؤاله، وما وقع من الجن حتى أمر الله إبليس أن ينزل مع الملائكة لطرد الجن، فنزل وطردهم عن الارض التي أفسدوا فيها وشرح كيفية خلق الروح في أعضاء آدم واستوائه جالسا، وأمر الله الملائكة بالسجود فسجدوا له إلا إبليس كان من الجن فلم يسجد له، فعطس آدم فقال الله: يا آدم قل الحمد لله رب العالمين، فقال: الحمد لله رب العالمين. قال الله: يرحمك الله ! لهذا خلقتك لتوحدني وتعبدني وتحمدني وتؤمن بي ولا تكفر بي ولا تشرك بي شيئا. 87 - اقول: قد مر تمامه في كتاب النبوة وكتاب الغيبة: ووجدت في بعض الكتب: عن الصادق عليه السلام في كلام له: فالزم ما أجمع عليه أهل الصفاء والنقاء من اصول الدين، وحقائق اليقين، والرضا والتسليم، ولا تدخل في اختلاف الخلق فيصعب عليك، وقد اجتمعت الامة المختارة بأن الله واحد ليس كمثله شئ، وأنه


(1) هذه الجملة أعنى (ثم جعلها لازبا) غير موجودة في النسخة المخطوطة. (2) كذا (*).

[104]

عدل في حكمه، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يقال له في شئ من صفته (لم ؟) ولا كان ولا يكون شئ إلا بمشيته، وأنه قادر على ما يشاء، صادق في وعده ووعيده وأن القرآن كلامه، وأنه كان قبل الكون والمكان والزمان، وأن إحداثه وإفناءه غيره سواء، ما ازداد هو بإحداثه علما، ولا ينقص بفنائه ملكه، عز سلطانه وجل سبحانه فمن أورد عليك ما ينقض هذا الاصل فلا تقبله. (الخبر) 88 - الاخبار المسلسلات لجعفر بن أحمد القمي (1) قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين وشبك بيدي، قال: شبك بيدي عتاب بن محمد بن عتاب أبو القاسم، قال: شبك بيدي أحمد بن محمد بن عمار ببغداد، وقال لنا: شبك بيدي محمد بن همام العراقي، قال: شبك بيدي إسمعيل بن إبراهيم، قال: شبك بيدي عبد الكريم بن هشام، قال شبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى، قال: شبك بيدي صفوان بن سليمان، قال: شبك بيدي أيوب بن خالد، قال: شبك بيدي عبيدالله بن رافع، قال: شبك بيدي أبو هريرة، قال: شبك بيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: خلق الله الارض يوم السبت، والجبال يوم الاحد، والبحر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلثاء، والنور يوم الاربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة. أقول: الحديث ضعيف مخالف للمشهور وسائر الاخبار فلا يعول عليه. 89 - كتاب زيد النرسى: عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام إذا أمات الله أهل الارض لبث مثل ما كان الخلق ومثل ما أماتهم وأضعاف ذلك، ثم


(1) هو الشيخ النبيل أبو محمد جعفر بن أحمد بن على القمى نزيل الرى، قال في روضات الجنات: هو من قدماء المحدثين الاعيان، قريبا من عصر المفيد أو في عصره، يروى عن الصفوانى والصدوق وله تصنيفات منها كتاب (ادب الامام والمأموم) إلى أن قال وكتاب مسلسلات الاخبار وقد جمع في المسلسلات ما وقع في جميع طبقات اسناده لفظه خاصة إلى أن اتصل بالمعصوم. ثم قال: والسيد ابن طاوس يروى عن كتبه في كتاب الاقبال وغيره وهذا مما يؤيد الوثوق عليها وروى عن بعض كتبه الشهيد الثاني في شرح الارشاد ايضا (انتهى) واما رجال هذا السند فجلهم عامى أو مجهول (*).

[105]

أمات أهل السماء الدنيا، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الارض و السماء الدنيا وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الثانية ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الارض والسماء الدنيا والسماء الثانية وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الثالثة، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الارض والسماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الرابعة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الارض وأهل السماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة والسماء الرابعة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الخامسة ثم لبس مثل ما خلق الخلق الارض ومثل ما أمات أهل الارض وأهل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء السادسة، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما امأت أهل الارض وأهل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء السابعة، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الارض وأهل السماوات إلى السماء السابعة وأضعاف ذلك ثم أمات ميكائيل، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك [كله] ثم أمات جبرئيل، ثم لبث [مثل] ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك كله، ثم أمات إسرافيل، ثم لبث [مثل] ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك [كله] ثم أمات ملك الموت. قال: ثم يقول تبارك وتعالى: لمن الملك اليوم ؟ فيرد على نفسه: لله الواحد القهار. أين الجبارون ؟ أين الذين ادعوا معي إلها ؟ أين المتكبرون ؟ ونحو هذا، ثم يلبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك ثم يبعث الخلق أو ينفخ في الصور. قال عبيد بن زرارة: فقلت: إن هذا الامر كائن ؟ طولت ذلك ! فقال: أرأيت ما كان قبل أن يخلق الخلق أطول أوذا ؟ قال: قلت: ذا. قال: فهل علمت به ؟ قال: قلت: لا. قال: فكذلك هذا. بيان: الخبر صريح في الحدوث، وقوله (قلت ذا) الظاهر أنه إشارة إلى المدة

[106]

قبل خلق الخلق ويدل على الزمان الموهوم. (1). 90 - النهج: روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام بهذه الخطبة على منبر الكوفة، وذلك أن رجلا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا ربنا لنزداد له حبا وبه معرفة، فغضب عليه السلام ونادى: الصلوة جامعة، فاجتمع الناس [عليه] حتى غص المسجد بأهله، فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله سبحانه وصلى على النبي عليه السلام ثم قال: الحمد لله الذي لا يفره (2) المنع، ولا يكديه الاعطاء والجود، إذ كل معط منتقص سواه، وكل مانع مذموم ما خلاه، [و] هو المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد والقسم، عياله الخلائق (3) ضمن أرزاقهم، وقدر أقواتهم، ونهج سبيل الراغبين إليه، والطالبين ما لديه، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل، الاول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شئ بعده والرادع (4) أناسي الابصار عن أن تناله أو تدركه، ما اختلف عليه دهر فتختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال، ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان، نثارة الدر وحصيد المرجان، ما أثر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر


(1) أن كان المراد بالخلق جميع ما سوى الله فلا ريب أنه لم يكن قبله شئ سوى الله تعالى لازمان ولا مكان ولا أي شئ فرض حتى يقايس به الازمنة الطويلة في الغاية، ولا يتوهم عندئذ شئ اصلا (واطلاق (عند) و (إذ) من ضيق العبارة) على أن مقايسة الامر الحقيقي بالموهوم غير صحيح كما لا يخفى وان كان المراد بالخلق اهل السماوات والارض دون نفسها وما وراءها فيمكن تصوير الزمان الحقيقي قبل خلق اهل السماوات والارض ولا يحتاج إلى فرض الزمان الموهوم. وللرواية معنى دقيق يطلب من محله. (2) في المخطوطة: لا يعزه المنع وفي المصدر: لا يفره المنع والجمود. (3) في المصدر: الخلق. (4) في بعض النسخ: فالرادع

[107]

الانعام ما لا تنفده مطالب الانام، لانه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله إلحاح الملحين، فانظر أيها السائل ! فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا، فاقتصر على ذلك فلا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين، هو القادر الذي إذا ارتمت الاوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرأمن خطر الوساوس (1) أن يقع عليه من عميقات (2) غيوب ملكوته، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه [وتعالى] فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال اولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله، وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته (3) ما دلنا باضطرار قيام الحجة على معرفته، وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة، ودلالته على المبدع قائمة فأشهد (4) أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق


(1) سيأتي من المؤلف رحمه الله أنه روى، من خطرات الوساوس. (2) في بعض النسخ وكذا في المصدر: في عميقات. (3) في المصدر: قدرته. (4) في المصدر، وأشهد. وهكذا فيما يأتي (*).

[108]

مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لاندلك، وكأنه لم يسمع تبرء التابعين من المتبوعين إذ يقولون (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم، فأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك، ونطقت به عنه شواهد حجج بيناتك، وأنك أنت الله الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، ولا في روايات خواطرها محدودا (1) مصرفا. ومنها: قدر ما خلق فأحكم تقديره، ودبره فألطف تدبيره، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته، فلم يقصر (2) دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته، وكيف ؟ وإنما صدرت الامور عن مشيته، المنشئ أصناف الاشياء بلا روية فكر آل إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الامور، فتم خلقه وأذعن لطاعته، وأجاب إلى دعوته، ولم يعترض دونه ريث المبطئ، ولا أناة المتلكئ فأقام من الاشياء أودها، ونهج حدودها (3) ولاءم بقدرته بين متضادها، ووصل أسباب قرائنها وفرقها أجناسا مختلفات في الحدود والاقدار، والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها. منها في صفة السماء: ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولاحم صدوع انفراجها، وشج بينها وبين أزواجها، وذلل للهابطين بأمره والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها (4) وناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها، وفتق


(1) في المصدر: فتكون محدودا. (2) في المصدر وكذا في بعض النسخ: فلم يقصر. (3) في النسخة المخطوطة: جددها. (4) في بعض النسخ: معارجها (*).

[109]

بعد الارتتاق صوامت أبوابها، وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها، وأمسكها من أن تمور في خرق (1) الهواء بائدة [رائدة] وأمرها أن تقف مستسلمة لامره وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها، وقمرها آية ممحوة من ليلها، وأجراهما (2) في مناقل مجراهما، وقدر مسيرهما (3) في مدارج درجهما، ليميز بين الليل والنهار بهما، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرها، ثم علق في جوها فلكها، وناط بها زينتها من خفيات دراريها ومصابيح كواكبها، ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها، وأجراها على إذلال تسخيرها، من ثبات ثابتها ومسير سائرها، وهبوطها وصعودها، ونحوسها وسعودها. منها في صفة الملائكة عليهم السلام: ثم خلق سبحانه لاسكان سماواته، وعمارة الصفيح الاعلى من ملكوته، خلقا بديعا من ملائكته، ملابهم فروج فجاجها، و حشابهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع سبحات نور تردع الابصار عن بلوغها، فتقت خاسئة على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات. اولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه (4) ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هنالك أهل الامانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة (5) وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحة على


(1) في المصدر: في خراق. (2) في بعض النسخ وكذا في المصدر: فأجراهما. (3) في المصدر: سيرهما. (4) في المصدر: صنعته. (5) في المخطوطة: بفوائد امره (*).

[110]

أعلام توحيده، لم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحهلم عقب الليالى والايام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة الاحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة مالاق من معرفته بضمائرهم وسكن بعظمته (1) وهيبة جلاله (2) في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها (3) على فكرهم، منهم من هو في خلق الغمام الدلح (4) وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الايهم، ومنهم من [قد] خرقت أقدامهم تخوم الارض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم (5) أشغال عبادته، ووسلت حقائق الايمان بينهم وبين معرفته، وقطعهم الايقان به إلى الوله إليه، ولم تجاوز رغابتهم ما عنده إلى ما عند غيره، قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا من كأس الروية من محبته، وتمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم، ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، ولا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ولم تغض (6) رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم، ولم تجف لطول المناجات أسلات ألسنتهم، ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الخير (7) إليه أصواتهم، ولم تختلف


(1) في بعض النسخ: من عظمته. (2) في بعض النسخ وكذا في المصدر: جلالته. (3) في بعض النسخ: بريبها. (4) الدلح: بالحاء المهملة وزان عنق جمع (دلوح) أي كثير الماء، ويحتمل ان يكون بتشديد اللام المفتوحة كركع جميع (دالح). (5) في المخطوطة: قد استفزعتهم. (6) في المخطوطة: لم تفض. (7) في بعض النسخ: بهمس الحنين.

[111]

في مقاوم الطاعة مناكبهم، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم، ولا تعدوا على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم (1) خدائع الشهوات، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم، ولم تأسرهم الاطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد ولا شعبتهم (2) مصارف الريب، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم اسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول، ولاونى ولا فتور، وليس في أطبقال السموات موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد، أو ساع حافد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما. ومنها في صفة الارض ودحوها على الماء: كبس الارض على مورأمواج مستفحلة، ولجج بحار زاخرة، تلتطم أواذي أموجها، وتصطفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها وسكن هيج ارتمائه إذ وطأته بكلكلها، وذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا، وفي حكمة الذل منقادا أسيرا، وسكنت الارض مدحوة في لجة تياره، وردت من نخوة بأوه واعتلائه، وشموخ أنفه وسمو غلوائه، وكعمته على كظة جريته فهمد بعد نزقاته (3)، ولبد بعد زيفان وثباته، فلما سكن هيج (4) الماء من تحت أكنافها، وحمل شواهق الجبال البذخ (5)


(1) في بعض النسخ: همهم. (2) في بعض النسخ: ولا تشعبتهم. (3) في المخطوطة: خرقاته. (4) في المصدر: هياج. (5) في المصدر: الشمخ البذخ (*).

[112]

على أكنافها، فجر ينابيع العيون من عرانين انوفها، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها، وذوات الشناخيب الشم من صياخيدها، فسكنت من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها، وركوبها أعناق سهول الارضين وجراثيمها، وفسح بين الجو وبينها، وأعد الهواء متنسما لساكنها (1)، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها، ثم لم يدع جرز الارض التي تقصر مياه العيون عن روابيها، و لا تجد جداول الانهار ذريعة إلى بلوغها، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها وتستخرج نباتها الف غمامها، بعد افتراق لمعه، وتباين قزعه، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه، والتمع برقة في كففه، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه، ومتراكم سحابه، أرسله سحا متداركا قد اسف هيدبه تمر به الجنوب درر أهاضيبه ودفع شئابيبه، فلما ألقت السحاب برك بوانيها، وبعاع ما استقلت به من العب المحمول عليها، أخرج به من هوامل (2) الارض النبات، ومن زعر الجبال الاعشاب، فهى تبهج بزينة رياضها، وتزدهي بما ألبسته من ربط أزاهيرها، وحلية ما شمطت (3) به من ناضر أنوارها، وجعل ذلك بلاغا للانام، ورزقا للانعام وخرق الفجاج في آفاقها وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها، فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيره من خلقه، وجعله أول جبلته، وأسكن (4) جنته، وأرغد فيها أكله، وأوعز إليه فيما نهاه عنه، وأعلمه أن في الاقدام عليه التعرض لمعصيته والمخاطرة بمنزلته، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه، فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله، وليقيم الحجة به على عباده، ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بينهم و بين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة


(1) لساكنيها (خ). (2) في بعض النسخ: (هوامد الارض) وهو الاظهر. (3) في المصدر: سمطت. وسيأتى من المؤلف رحمه الله ذكر النسختين وبيان معناهما. (4) في بعض النسخ: أسكنه (*).

[113]

من أنبيائه، ومتحملي ودائع رسالاته قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا [محمد] صلى الله عليه وآله حجته، وبلغ المقطع عذره ونذره، وقدر الارزاق فكثرها وقللها، وقسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها، ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها، وبسلامتها طوارق آفتها، وبفرج أفراجها غصص أتراحها، وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها، ووصل بالموت أسبابها، وجعله خالجا لاشطانها، وقاطعا لمرائر قرانها (1)، عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين، ومسارق إيماض الجفون، وما ضمنته أكناف القلوب (2) وغيابات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصائخ الاسماع، ومصايف الذر، ومشاتي الهوام، ورجع الحنين من المولهات، وهمس الاقدام، ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الاكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها ومختباء البعوض بين سوق الاشجار وألحيتها، ومغرز الاوراق من الافنان، ومحط الامشاج من مسارب الاصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفي (3) الاعاصير بذيولها، وتعفو الامطار بسيولها، وعوم نبات الارض في كثبان الرمال، ومستقر ذوات الاجنحة بذرى شناخيب الجبال وتغريد ذوات المنطق في دياجير الاوكار، وما أوعته الاصداف وحضنت عليه أمواج البحار، وما غشيته سدفة ليل أو ذر عليه شارق نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات النور، وأثر كل خطوة، وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس هامة، وما عليها من ثمر شجرة، أو ساقط ورقة، أو قرارة نطفة، أو نقاعة دم ومضعة، أو ناشئة خلق وسلالة، لم تلحقه في ذلك كلفة، ولا اعترضته في حفظ


(1) في المخطوطة والمصدر: اقرانها. (2) في المصدر: أكنان القلوب. (3) في بعض النسخ: تسقى (*).

[114]

ما ابتدع من خلقه عارضة، ولا اعتورته في تنفيد الامور وتدابير المخلوقين ملالة ولافترة، بل نفذ فيهم علمه وأحصاهم عده ووسعهم عدله، وغمرهم فضله، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله. اللهم أنت أهل الوصف الجميل، والتعدد (1) الكثير، إن تؤمل فخير مأمول (2)، وإن ترج فخير مرجو (3)، اللهم وقد بسطت لي [لسانا] فيمالا أمدح به غيرك، ولا اثني به على أحد سواك، ولا اوجهه إلى معادن الخيبة ومواضع الريبة، وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين، والثناء على المربوبين المخلوقين. اللهم ولكل مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء، أو عارفة من عطاء وقد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة، وكنوز المغفرة. اللهم وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك، ولم يرمستحقا لهذه المحامد والممادح غيرك، وبي فاقة إليك لا يجبر مسكنتها إلا فضلك، ولا ينعش من خلتها إلا منك وجودك، فهب لنا في هذا المقام رضاك، أغننا عن مد الايدي إلى من سواك، إنك على كل شئ قدير (4). التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الاسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن إسماعيل بن مهران، عن إسمعيل ابن الحق الجهني، عن فرج بن فروة، عن مسعدة ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله مع اختصار، وقد مر في كتاب التوحيد (5).


(1) في المصدر: التعداد. (2) في المصدر: فخير مؤمل وإن ترج فأكرم مرجو. (3) يظهر من شرح المؤلف رحمه الله لهذه الفقرة في بيانه الاتى ان هناك لفظة (اكرم) لكن النسخ خالية منها إلا نسخة المصدر وهى هكذا (وان ترج فاكرم مرجو) فيحتمل ان سخة المؤلف ايضا كانت مثله أو كانت هكذا (ان تؤمل فاكرم مأمول وان ترج فخير مرجو). (4) نهج البلاغة: 160 - 181. (5) التوحيد: 23.

[115]

بيان: قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد، ولعل غضبه عليه السلام لعلمه بأن غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الاجسام، أو لانه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه أو وصفه بصفات أرفع وأبلغ مما نطق به الكتاب والآثار لزعمه أنه لا يكفي في معرفته سبحانه، ويؤيد كلا من الوجوه بعض الفقرات. و (جامعة) منصوبة على الحالية، أي: عليكم الصلاة. على رفع الصلاة كما حكي أو احضروا الصلاة على نصبها جامعة لكل الناس. وربما يقرء برفعهما على الابتداء والخبرية. وهذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة وإن كان أصله للصلاة. (لا يفره) أي لا يكثره (المنع) (1) أي ترك العطاء (ولا يكديه الاعطاء) أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه، يقال (كدت الارض) إذا أبطأ نباتها، (وأكدى


(1) قول عليه الصلاة والسلام (لا يفره المنع) أي لا يكثره ترك الاعطاء ولا يزيد في ملكه (ولا يكديه الاعطاء) أي لا يفقره ولا ينتقص من ملكه (إذ كل معط منتقص سواه وكل مانع مذموم ملا خلاه) حسن الاعطاء والجود وقبح المنع والبخل من احكام العقل العملي، و ملاك الحكم أنه يرى الانسان محتاجا إلى بنى نوعه مفتقرا إلى التعاون والتعاضد معهم حتى يسعد في حياته ويبلغ غاية مناه، فلكل فرد من افراد المجتمع قدم في تشكيله، وأثر في ابقائه، وحق على زملائه، وحق عليهم جميعا ان يتحفظوا على الاجتماع، ويراقبوا ثغوره، ويذبوا عن حدوده فحق على الاغنياء المثرين ان يبذلوا على الفقراء المعدمين ولا يدعوهم مفتقرين حتى يهلكوا ويفقد المجتمع بعض اعضائه فينتقض الغرض ويخيب المسعى. ومن الواضح عدم وجود هذا الملاك في الحق سبحانه لتعاليه عن الحاجة، وترفعه عن النقصان، وتنزهه عن الغرض الزائد على الذات، لكن حيث إن له تعالى مطلق الكمال لجمال وله الاسماء الحسنى والصفات العليا كان ذاته المتعالية وصفاته الجميلة الغير الزائدة عليها مقتضية لصدور الافعال الحسنة وكان كل افعاله لا محالة حسنة جميلة، لكن ليس للعقل أن يحكم عليه بوجوب فعل الخير وترك الشر الا بمعنى ادراكه لاقتضاء ذاته سبحانه لهما، و على هذا فلو صدر عنه سبحانه منع ايضا كان حسنا لانه ليس لاحد عليه تعالى حق حتى يحسن اعطاؤه ويقبح منعه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وهذا هو المراد بقول الامام الثامن عليه السلام (فهو الجواد ان أعطى وهو الجواد أن منع لانه ان اعطى عبدا اعطاه ما ليس له وان منعه منعه ما ليس له).

[116]

فلان الارض) إذا جعلها كادية، أو لا ترده كثرة العطاء عن عادته فيه، من قولهم (أكديت الرجل عن الشئ) أي رددته عنه، ذكره الجوهري، وقال: الكدية: الارض الصلبة، وأكدى الحافر: إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر، وأكدى الرجل: إذ قل خيره وانتقض، يكون متعديا ولازما كنقص. وهذا في النسخ على بناء المفعول، والتعليل بالجملتين باللف والنشر المرتب أو المشوش لمطابقة الاعطاء والمنع في كل منهما، وعلى التقديرين التعليل في الاولى ظاهر، والفقرة الثانية ليست في نسخ التوحيد وهو الصواب، وعلى تقديرها ففي أصل الجملة والتعليل بها معا إشكال، أما الاول فلانه إن اريد بالمنع ما كان مستحسنا أو الاعم فكيف يصح الحكم بكونه مذموما، وإن اريد به ما لم يكن مستحسنا فلا يستقيم الاستثناء. ويمكن أن يجاب باختيار الثاني من الاول أي الاعم ويقال: المراد بالمذموم من أمكن أن يلحقه الذم، يصير حاصل الكلام أن كل مانع غيره يمكن أن يلحقه الذم بخلافه سبحانه، فإنه لا يحتمل أن يلحقه بالمنع ذم أو يقال المانع لا يصدق على غيره تعالى إلا إذا بخل بما افترض عليه، وإذا اطلق عليه سبحانه يراد به مقابل المعطي، والمراد بالعنوان المعنى الشامل لهما. ويدل عليه ما مر مرويا عن الرضا عليه السلام أنه سئل عن الجواد فقال عليه السلام: إن لكلامك وجهين: فان كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد هو الذي يؤدي ما افترض الله سبحانه عليه والبخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه، وإن أردت الخالق لهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع، لانه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له، وإن منعه منعه ما ليس له. وأما الثاني فيحتمل أن تكون جملة مستقلة غير داخلة تحت التعليل مسوقة لرفع توهم ينشأ من التعليل بعدم الانتقاص بالاعطاء، فإن لمتوهم أن يقول: إذا لم ينقص من خزائنه شئ بالاعطاء فيجب أن لا يتصف بالمنع أصلا، ولو اتصف به لكان مذموما، مع أن من أسمائه تعالى المانع. فرد ذلك الوهم بأن منعه سبحانه

[117]

ليس للانتقاص بالاعطاء، بل لقبح الاعطاء وعدم اقتضاء المصلحة له، ومثل ذلك المنع لا يستتبع الذم واستحقاقه. ولو حملت على التعليل فيمكن أن يكون من قبيل الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلة، فإن الوفور بالمنع أو إكداء الاعطاء (1) علة للبخل التابع للخوف من الفاقة، وهو علة لترتب الذم من حيث إنه نقص أو لاقتضائه المنع ورد السائل، ونفي الذم يدل على عدم الوفور أو الاكداء المدعى في الجملتين المتقدمتين. (المنان بفوائد النعم) المن يكون بمعنى الانعام وبمعنى تعديد النعم والاول هنا أظهر، وربما يحمل على الثاني فإن منه سبحانه حسن وإن كان في المخلوق صفة ذم. والفائدة: الزيادة تحصل للانسان من مال أو غيره والعائد: المعروف [والعطف]، وقيل: عوائد المزيد والقسم: معتادهما، والمزيد: الزيادة ولعل المراد به ما لا يتوهم فيه استحقاق العبد. و (القسم) جمع القسمة، هي الاسم من قسمه [كضربه] وقسمه بالتشديد أي جزأه. وعيال الرجل بالكسر أهل بيته ومن يمونهم، جمع (عيل) وجمعه (عيائل)). (ضمن أرزاقهم) أي كفلها (وقد رأقواتهم) أي جعل لكل منهم من القوت قدرا تقتضيه الحكمة والمصلحة. (ونهج سبيل الراغبين إليه) نهجت الطريق: أبنته وأوضحته ونهج السبيل لصلاح المعاد كما أن ضمان الارزاق لصلاح المعاش، ويحتمل الاعم (ليس بما سئل الخ) عدم الفرق بينهما بالنظر إلى الجود لا ينافي الحث على السؤال لانه من معدات السائل لاستحقاق الانعام، لان نسبته سبحانه إلى الخلق على السواء، وإن استحق السائل ما لا يستحقه (2) غيره، بخلاف المخلوقين فإن السؤال يهيج جودهم بالطبع مع قطع النظر عن الاستعداد. (الاول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله) قيل: وجوده سبحانه ليس بزماني فلا يطلق عليه القبلية والبعدية كما يطلق على الزمانيات، فمعناه الاول


(1) أو الاكداء بالاعطاء (ظ) (2) في بعض النسخ: ما لم يستحقه (*).

[118]

الذي لا يصدق عليه القبلية ليمكن أن يكون شئ [ما] قبله، والآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شئ ما بعده. وقد يحمل على وجه آخر وهو أنه لم يكن سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشئ من الاشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه، وأنه ليس بذات يمكن فناؤها وعدمها فيكون بعده شئ من الاشياء إما الزمان أو غيره. ويمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدم سواء كان أمرا موجودا أو موهوما، وبالشئ موجودا من الموجودات أي ليس قبله زمان حتى يتصور تقدم موجود عليه، وكذا بقاء موجود بعده. (والرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو تدركه) الاناسي بالتشديد جمع (إنسان) وإنسان العين المثال الذي يرى في السواد، ولا يجمع على (اناس) كما يجمع الانسان بمعنى البشر عليه. وقيل: الاناسي جمع (إنسان العين) مشدد، و الآخر يشدد ويخفف وقرء (أناسي كثيرا) بالتخفيف. وردعها أي منعها كناية عن عدم إمكان إحساسها له، لانه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة، ونلت الشئ أصبته وأدركته: أي تبعته فلحقته، والمراد بالنيل الادراك التام وبالادراك غيره، ويتمل العكس، وأن يكون العطف لتغاير اللفظين أو يكون إشارة إلى جهتين لامتناع الرؤية، فالنيل إشارة إلى استلزام كونه ذاجهة وجسمانيا، والادراك إلى أنه يستلزم وجود كنه ذاته في الاذهان وهو ممتنع كما أشرنا إليه في كتاب التوحيد. (ما اختلف عليه دهر) ظاهره نفي الزمانية عنه تعالى، ويحتمل أن يراد به جريانه على خلاف مراده أحيانا وعلى وفق إرادته أحيانا حتى يلحقه ما يلحق الخلق من الشدة والرخاء، والنعم والبؤس، والصحة والسقم ونحو ذلك. (ولو وهب ما تتقست) استعار التنفس هنا لابراز المعادن ما يخرج منهما كما يخرج الهواء من تنفس الحيوان (وضحكت عنه) أي تفتحت وانشقت حتى ظهر ويقال للطلع حين تنشق (الضحك) بفتح الضاد، وقد مربيان لطف تلك التشبيهات. (والفلز) بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي: الجواهر المعدنية كالذهب

[119]

الفضة، وفي الصحاح: ما ينقيه (1) الكير مما يذاب من جواهر الارض. (واللجين) مصغرا الفضة، (والعقيان) بالكسر: الذهب الخالص، ونثرت الشئ كنصرت رميته متفرقا، ونثارة الدر بالضم: ما تناثر منه، والدر جمع (درة) وهي اللؤلؤة العظيمة أو مطلقا. وحصد الزرع قطعه بالمنجل، والحصيد: المحصود، والمراد بالمرجان إما صغار اللؤلؤ ووصفه بالحصيد (2) لعله يناسب ما تذكره التجار أن الصدف كثيرا ما يغرز عرقه في أرض البحر فتحصده الغواصون، ولذا قيل إنه حيوان يشبه النبات. وقال بعض شارحي النهج: كأن المراد المتبدد من المرجان كما يتبدد الحب المحصود، ويجوز أن يعنى المحكم، من قولهم (شئ مستحصد) أي مستحكم، قال: ويروى (وحصباء المرجان) والحصباء: الحصا، وقال قوم: هو البسد يعني الحجر الاحمر. وأنفده: أي أفناه، وذخائر الانعام ما بقي عنده من نعمه الجسام بعد العطايا المفروضة. والمطالب: جمع المطلب بمعنى المصدر. (لا يغيضه) جاء متعديا كما جاء لازما (ولا يبخله) أي لا يجعله بخيلا، ويقال أيضا (بخله تبخيلا) إذا رماه بالبخل وروي على صيغة الافعال أي لا يجده بخيلا. والتعليل بقوله (لانه الجواد) إما للجملة الشرطية بتواليها فالوجه في التعليل بنفي التبخيل ظاهر، إذ لو أثره العطاء المفروض في جوده لبخله الالحاح، فإنه في الحقيقة منع (3) التأثير في الجود، فنفيه يدل على نفيه، وإما لبقاء ما لا ينفده المطالب فوجه التعليل أن العادة قد جرت بلحوق البخل لمن ينفدما عنده بالطلب وإن أمكن عقلا عدمه بأن يسمح بكل ما عنده، فنفي التبخيل يدل على نفي الانفاد.


(1) في النسخة المطبوعة بمصر (ينفيه) وما في المتن أظهر، (والكير) كما نقل في الصحاح عن أبى عمرو هو كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات وفي القاموس: الفلز: بكسر الفاء واللام وشد الزاى وكهجف وعتل نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبث الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الارض كلها أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها الخ. (2) في بعض النسخ: بالحصد. (3) في المخطوطة: معنى التأثير (*).

[120]

(فانظر أيها السائل الخ) الايتمام: الاقتداء، والاثر بالتحريك: نقل الحديث وروايته. ووكل الامر إليه وكلا ووكولا: سلمه وتركه، ويدل على المنع من الخوض في صفاته سبحانه ومن البحث عما لم يرد منها في الكتاب والسنة. (واعلم أن الراسخين في العلم) إلى آخره. الراسخ في العلم: الثابت فيه (واقتحم المنزل) أي دخله بغتة ومن غير روية، (والسدد) جمع (سدة) وهي باب الدار، وضرب الباب: نصبه، ودون الشئ: ما قرب منه قبل الوصول إليه، والمتعمق في الامر: الذي ببالغ فيه ويطلب أقصى غايته، وقدر الشئ: مبلغه، وتقديره: أن تجعل له قدرا وتقيسه بشئ، والمعنى: لا تقس عظمة الله بمقياس عقلك ومقداره. والظاهر أن المراد بإقرار الراسخين في العلم ومدحهم ما تضمنه قوله سبحانه (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتسبعون ما تشابه منه إلى قوله وما يتذكر إلا اولو الالباب) فإقرارهم قولهم (آمنا به كل من عند ربنا) ومدح الله تعالى إياهم ذكر كلامهم المتضمن للايمان والتسليم في مقام المدح، أو تسمية ترك تعمقهم رسوخا في العلم، فالعطف في قوله (وسمى) للتفسير أو الاشارة إلى أنهم اولوا الالباب بقوله (وما يتذكر إلا اولوا الالباب) وحينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته وصفاته سبحانه مما استأثر الله بعلمه، وعلى هذا فمحل الوقف في الاية (إلا الله) كما هو المشهور بين المفسرين والقراء، فتفيد اختصاص علم المتشابه (1) به سبحانه، وقوله (والراسخون) مبتدأ و (يقولون) خبره، وهو بظاهره مناف


(1) بل تفيد اختصاص العلم بتأويل القرآن به سبحانه فتأمل في قوله (وما يعلم تأويله الا الله) والضمير في قوله (تأويله) راجع إلى (الكتاب) ولا ينافى علمهم عليهم السلام بمتشابهات القرآن، بل لا ينافى علمهم بتأويله فان ظاهر الاية وان كان الانحصار لكنه لا يأبى عن الاستثناء، كما ان ظاهر بعص الايات اختصاص علم الغيب به سبحانه لكنه تعالى استثنى عنه من ارتضى من رسول في قوله (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول) ودليل علمهم بتأويل القرآن قوله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) وإن أردت توضيح ما ذكر فراجع إلى تفسير (الميزان) سورة آل عمران (*).

[121]

لما دلت عليه الاخبار المستفيضة من أنهم عليهم السلام يعلمون ما تشابه من القرآن كما مر في كتاب الامامة، وعلى هذا فالوقف على (العلم) وإليه ذهب أيضا جماعة من المفسر بن، فقوله (يقولون) حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم ويمكن الجمع بينها بوجوه: الاول: أن يكون ما ذكره عليه السلام هنا مبنيا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم. الثاني: أن يكون للاية ظهر وبطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب وما استأثر الله عزوجل بعلمه من صفاته وكنه ذاته وأمثال ذلك مما تفرد سبحانه بعلمه، وإليه يشير ظاهر هذا الكلام، وثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله، وإليه اشير في سائر الاخبار فيكون القارئ مخيرا في الوقف على كل من الموضعين. الثالث: ما قيل انه يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم وتسليمهم قبل أن يعلمهم الله تأويل ما تشابه من القرآن فكأنه سبحانه بين أنهم لما آمنوا بجملة ما انزل من المحكمات والمتشابهات ولم يتبعوا ما تشابه منه كالذين في قلوبهم زيغ بالتعلق بالظاهر أو بتأويل باطلق فآتاهم الله علم التأويل وضمهم إلى نفسه في الاستثناء. والاستئناف في قوة رفع الاستبعاد عن مشاركتهم له تعالى في ذلك العلم، وبيان أنهم إنما استحقوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل وصورهم عن الاحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم، وإن علموا التأويل بتعليم إلهي. وقد ورد عنه عليه السلام أنه لما أخبر ببعض الغيوب قال له رجل: اعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ! فقال عليه السلام: ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم. وقد مر بعض الكلام فيه في كتاب التوحيد. (إذا ارتمت) يقال: ارتمى القوم، إذا تراموا بالنبال. والاوهام: خطرات القلب، وفي اصطلاح المتكليمن إحدى القوى الباطنة، شبه عليه السلام جولان الافكار وتعارضها بالترامي. و (المنقطع) موضع الانقطاع، ويحتمل المصدر. وحاولت

[122]

الشئ: أردته، والخطر بالتسكين: مصدر (خطر له خاطر) أي عرض في قلبه وروي (من خطرات الوساوس) والوسوسة حديث النفس والشيطان بما لا خير فيه ولا نفع، والاسم الوسواس. و (الملكوت) العز والسلطان، و (تولهت إليه) أي اشتد عشقها وحنت إليه والوله بالتحريك التحير وذهاب العقل من حزن أو فرح. (لتجري في كيفية صفاته) أي لتجد مجرى ومسلكا في ذلك. وغمض الشئ بالفتح والضم أي خفي مأخذه، والغامض من الكلام: خلاف الواضح، ومداخل العقول: طرق الفكر. وفاعل (تنال) ضمير العقول، أي إذا دقت وغمضت طرق العقول ووصلت إلى حد لا تبلغ الصفات لدقة تلك الطرق وخفائها، أو إذا دقت وانتهت العقول إلى أنها لا تعتبر مع ملاحظة الحق صفة من صفاته كما قيل طالبة بذلك أن تصل إلى علم ذاته، وفي بعض النسخ (علم ذلك) والاول أظهر. (ردعها) الردع الرد والكف، والجملة جزاء للشرط السابق، والضمير المنصوب راجع إلى الاوهام أو غيرها مما سبق. (وهي تجوب) أي تقطع، والواو للحال. والمهاوي: جمع (مهواة) وهي الحفرة أو ما بين الجبلين، والمراد هنا المهلكة. والسدف: جمع (سدفة) وهي القطعة من الليل المظلم، ويطلق على الضياء أيضا وخصلته تخليصا: نحيته فتخلص فقول (متخلصة إليه) أي متوجهة إليه بكليتها متنحبة عن غيره، وجبهه كمنعه أي ضرب جبهته فرده، والجور: العدول عن الطريق، والاعتساف: قطع المسافة على غير جادة معلومة، والمراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك المسلك الذي لا جادة له، ولا يفضي إلى المقصود. والخاطرة المنفية (1) ما يكون مطابقا للواقع.


(1) التى نفيت بقوله عليه السلام (ولا تخطر ببال اولى الروايات خاطرة..) و مراده رحمه الله أنه ربما يخطر بالبال خواطر من تقدير جلاله تبارك وتعالى لكنها ليست مطابقة للواقع فلا تخطر خاطرة مطابقة للواقع ببال اولى الروايات من تقدير الجلال واكتناه سائر صفاته سبحانه.

[123]

(الذي ابتدع الخلق) الابتداع: الانشاء والاحداث، ومثال الشئ بالكسر صورته وصفته ومقداره، و (امتثله) أي تبعه ولم يتجاوز عنه، و (احتذى عليه) أي اقتدى به. وقوله (من خالق) متعلق بمحذوف [و] هو صفة لمقدار أو لمثال أيضا كناشئ، والمراد بنفي امتثال المثال أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ليخلق العالم على هيئته، وبنفي احتذاء المقدار أنه لم يقتد بخالق كان قبله، فالظرف صفة للمقدار فقط. ويحتمل أن يكون الثاني كالتأكيد للاول فالظرف صفة للمثال والمقدار معا، ويكون المراد بالاول نفي الاقتداء بالغير في التصوير، وبالثاني في التقدير، أو يكون المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال من صورة المصنوع وهيئته، ولم يكن على حذ وفعل فاعل آخر لتنزهه عن الصور والخواطر، فالظرف صفة لمقدار. ووصف الخالق بالمعبود لانه من لوازمه، أو لانه لو كان كذلك لكان هو المعبود. (والمسالك) بالكسر ما يمسك به، وفيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر. وقوله (ما دلنا) مفعول ثان لارانا، واضطرار قيام الحجة عبارة عن إفادتها العلم القطعي بعد تحقيق الشروط وارتفاع الموانع، والظرف في قوله (على معرفته) متعلق بقوله (دلنا) وأعلام الحكمة ما يدل عليها، والضمير في قوله (فحجته) يحتمل عوده إلى الخلق الصامت، كالضمير في (دلالته) أو إلى الله سبحانه (فأشهد) وفي بعض النسخ بالواو (بتباين) المشبه به في الحقيقة هو الخلق، وإنما ادخل الباء على التباين تنبيها على وجه الخطاء في التشبيه، والتلاحم: التلاصق. و (الحقاق) بالكسر جمع (حقة) بالضم وهي في الاصل وعاء من خشب، وحقاق المفاصل النقر التي ترتكز فيها العظام، واحتجابها استتارها بالجلد واللحم. وقوله (لتدبير) متعلق بالمحتجبة أي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة. قيل: ومن حكمة احتجابها أنها لو خلقت ظاهرة ليبست رباطاتها فيتعذر تصرف الحيوان وكانت معرضة للآفات أو بالتباين والتلاحم. وقال بعض شارحي النهج: ومن روى

[124]

(المحتجة) أراد أنها كالمستدل (1) على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه. والعقد: الشد، وفاعل الفعل الموصول المشبه، و (غيب) منصوب على المفعولية، وهو كل ما غاب. والضمير اسم من أضمرت في نفسي شيئا، أو إضافة الغيب [إلى الضمير] من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمراد بغيب الضمير حقيقة عقيدته وباطنها لاما يظهره منها لغيره أو يظهر له بحسب توهمه. وفي بعض النسخ (لم يعتقد) على صيغة المجهول، و (غيب) بالرفع. والمباشرة: لمس البشرة، والفاعل: اليقين، وفي بعض النسخ (قلبه) بالرفع على أنه الفاعل و (اليقين) بالنصب، والاول الاظهر. و (الند) المثل، و (ان) في الآية مخففة من المثقلة. ويظهر من كلامه عليه السلام أن التسوية في الآية يشمل هذا التشبيه، ولا يخص التسوية في استحقاق العبادة (كذب العادلون بك) أي المسوون بك غيرك، و (نحلوك) أي أعطوك حلية المخلوقين أي صفاتهم، والتعبير بالنحلة والحلية لزعم هؤلاء أنها كمال له عزوجل. و (جزؤك) أي أثبتوا لك أجزاء، و (خواطرهم) ما يخطر ببالهم من الاوهام الفاسدة. (وقد روك على الخلقة) أي جعلوا لك قدرا في العظمة المعنوية كقدر الخلق فأثبتوا لك صفاتهم، و (قرائح عقولهم) ما يستنبطونه بآرائهم، والقريحة في الاصل أول ما يستنبط من البئر ومحكمات الآيات: نصوص الكتاب، وشواهد الحجج: الادلة العقلية، ونطقها دلالتها القطعية، أو الشواهد الهداة المبينون للحجج التي هي الادلة، وكأنه ضمن النطق معنى الكشف فعدى بعن، وإضافة الحجج إلى البينات للمبالغة. (لم يتناه في العقول) أي لم تقدرك العقول بالنهاية والكنه بحيث لا تكون لك صفة وراء ما أدركته، أو لم تحط بك العقول فتكون محدودا متناهيا فيها. و (مهب الفكر) هبوبها، ولعله عليه السلام شبه الحركات الفكرية بهبوب الرياح، و الافكار بما تجمعها وتذروها من الحشايش، إشعارا بضعفها وسفالة ما يحصل منها.


(1) في بعض النسخ: كالمستدله (*).

[125]

وقيل: التناهي في العقل هو أن يدرك العقل الشئ مرسما في القوى الجزئية وهي مهاب الفكر التي ترتسم فيها الصور وتزول، كالريح الهابة تمر بشئ. وقيل: مهاب الفكر جهاتها. و (رويات الخواطر) ما يخطر بالبال بالنظر والفكر، و (المحدود) المحاط بالحدود، والمراد بالحدود ما يلزم الاحاطة التامة، أو الصفات والكيفيات التي لا يتعداها المعلوم. و (المصرف) القابل للتغير والحركة أو المحكوم عليه بالتجزئة والتحليل والتركيب. (قدر ما خلق فأحكم تقديره) أي جعل لكل شئ مقدارا مخصوصا بحسب الحكمة، أو هيأ كل شئ لما أراد منه من الخصائص والافعال، أو قدره للبقاء إلى أجل معلوم (فأحكم) أي أتقن، والتدبير في الامر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته (فألطف تدبيره) أي أعمل فيه تدبيرات دقيقة لطيفة، أو كانت تدبيراته مقرونة باللطف والرفق والرحمة على عباده. (ووجهه لوجهته) أي جعل كلا منها مهيأة وميسرة لما خلق له كالحبوب للاكل والدواب للركوب، وكل صنف من الانسان لامر من الامور المصلحة للنظام. ويحتمل أن يكون إشارة إلى أمكنتها، والاول أعم وأظهر، و (الوجهة) بالكسر الناحية وكل امر استقبلته. وقصر السهم عن الهدف إذا لم يبلغه، وقصرت عن الشئ أي عجزت عنه، واستصعب الامر علينا أي صعب والصعب: غير المنقاد، ومضى الشئ مضيا ومضوا أي نفذ ولم يمتنع، و (صدر) كعقد رجع وانصرف كرجوع الشاربة عن الماء والمسافرين عن مقصدهم، ولما كانت الامور لامكانها محتاجة في الوجود إلى مشيته فكأنما توجهت إليها فرجعت فائزة بمقصدها، و (المشية) الارادة، وأصلها المشيئة بالهمز. (آل إليها) أي رجع، والغريزة الطبيعة (1)، وقريحة الغريزة ما يستنبطه الذهن، وقيل: قوة الفكر للعقل. (أضمر عليها) أي أخفاه في نفسه محتويا عليها و (التجربة) الاختبار مرة بعد اخرى. ويقال: (أفدته مالا) أي أعطيته


(1) في بعض النسخ: الطبع (*).

[126]

و (أفدت منه مالا) أخذته. وحكى الجوهري عن أبي زيد: أفدت المال: أعطيته غيري، وأفدته: استفدته (1). وابتداع الخلائق: إحداثهما (فتم خلقه) يمكن أن يراد بالخلق المعنى المصدري، ويكون الضمير راجعا إليه سبحانه كالضمير في (طاعته) و (دعوته) إلى (ما خلق) المذكور سابقا، وعلى الاول يكون في (أذعن) و (أجاب) راجعين إلى الخلق على الاستخدام، أو إلى (ما خلق) ويمكن أن يراد به المخلوق، وتمام مخلوقاته بإفاضته عليها ما يليق بها وتستعد له. وإذعان ما خلق لطاعته وإجابته إلى دعوته إما بمعنى استعداده لما خلق له أو تهيؤه لنفوذ تقديراته وإرادته سبحانه فيه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى (أتينا طائعين (2)) وربما تحمل أمثالها على ظاهره بناء على أن لكل مخلوق شعورا كما هو ظاهر قوله تعالى (وإن من شئ إلا يسبح بحمده (3)). واعتراض الشئ دون الشئ: أي حال بينه وبينه، و (دونه) أي قبل الوصول إليه، والضمير في (دونه) أيضا راجع إليه سبحانه ويحتمل أن يكون راجعا إلى مصدر (أذعن) و (أجاب). والريث: البطؤ، والاناة كفتاة الاسم من (تأنى في الامر) أي تمكث ولم يعجل. وتلكأ: توقف وأبطأ. (فأقام من الاشياء أودها) الاود بالتحريك: الاعوجاج، وإقامته إعداد كل شئ لما ينبغي له، أو دفع المفاسد التي تقتضيه الاشياء لو خليت وطباعها. و (نهج) أي أوضح، وحد الشئ: منتهاه، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ونهج الحدود قيل إيضاحه لكل شئ غايته وتيسيرها له، أو المعنى: جعل لكل شخص ونوع مشخصا ومميزا واضحا يمتاز به عن غيره، فإن من أعاظم (4) المصالح وأعزها


(1) الصحاح: ج 1 ص 518. (2) فصلت: 11. (3) الاسراء: 44. (4) في بعض النسخ (من اعظم) وهو الاظهر (*).

[127]

امتياز الانواع والاشخاص بعضها عن بعض. أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالحدود حدود أمكنتها كمكان العناصر فإن لكل منها حدا لا تتجاوزه: ولعله أنسب بما بعده. (ولاءم) أي جمع (بين متضاداتها) كجمع العناصر المتبائنة في الكيفيات والصفات لحصول المزاج، وكالالفة بين الروح والبدن. (ووصل أسباب قرائنها) السبب في الاصل الحبل، ويقال لكل ما يتوصل به إلى شئ، و (القرينة) فعلية بمعنى مفعولة، وقرائن الاشياء ما اقترن منها بعضها ببعض، ووصل أسبابها ملزوم لاتصالها. وقال ابن ميثم: القرائن النفوص المقرونة بالابدان، واعتدال المزاج بسبب بقاء الروح، أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها، والمراد بالاجناس هنا أعم مما هو مصطلح المنطقيين، وكذا المراد بالحدود غير ما هو المعروف عندهم، وإن كان المقام لا يأباهما. والغرائز: الطبائع والقوى النفسانية، و (البدايا) جمع (بداية) وهي الحالة العجيبة، يقال: أبدأ الرجل إذا أتى بالامر المعجب و (البديئة) أيضا الحالة المبتدأه المبتكرة، أي عجائب مخلوقات، أو مخلوقات مبتدأة بلا اقتضاء مثال، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: هي بدايا. و (الفطر) الابتداء والاختراع، و (الابتداع) كالتفسير له، و (نظم) أي جمع. و (ألف بلا تعليق) أي من غير أن يعلق بعضها ببعض بخيط أو نحوه. و (رهوات فرجها) الرهوة: المكان المرتفع والمنخفض أيضا، فنظمها تسويتها. وقال في النهاية: في حديث علي (1): (ونظم رهوات فرجها) أي المواضع المنفتحة منها (2). وهو مأخوذ من قولهم (رها رجليه رهوا) أي فتح، وفيه دلالة على أن السماء كانت ذات فرج وصدوع فنظمها سبحانه، وهو مناسب لما مر من أن مادتها الدخان المرتفع من الماء، إذ مثل ذلك تكون قطعا وذات فرج.


(1) في المصدر: وفي حديث على رضى الله عنه يصف السماء.. (2) النهاية: ج 2، ص 116 (*).

[128]

وأول بعض الشارحين بتباين أجزاء المركب لو لا التركيب والتأليف، أو بالفواصل التي كانت بين السموات لو لا أن الصانع خلقها اكرا (1) متماسة. وإنما اضطره إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة وتقليدهم. و (ملاحمة الصدوع) إلصاق الاجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض، وإضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام. و (وشج) بالتشديد أي شبك والضمير في (بينها) راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة. وقال ابن ميثم: المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السماوية بمعنى قرائنها وكل قرين زوج، أي ربط ما بينها وبين نفوسها بقبول كل جرم سماوي لنفسها التي لا يقبلها غيره. وأقول: القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الاسلام، بل نقل السيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الافلاك لا شعور لها ولا إرادة، بل هي أجسام جمادية يحركها خالقها (2). ويمكن أن يراد


(1) الاكر بضم الهمزة وفتح الكاف جمع (كرة) وهى كل جسم مستدير. (2) البحث عن الافلاك وماهيتها بحث هيوى اختلف فيه اقوال قدماء الهويين من يونان والمتأخرين من علماء اروبة: وفيه فرضية مشهوة من بطلميوس وهومن أقدم فلكيى يونان وهى ان الافلاك كرات يحتوى بعضها على بعض منها كلية ومنها جزئية وان الافلاك الكلية تسعة وزعم أن لها احكاما يختص بها من بين الاجسام، منها استحالة الخرق والالتئام، واحكام اخرى لا يسع ذكرها المقام وقد ابطلها علماء الهيئة الحديثة، وهدموا اساسها، ونقضوا حدودها، و خرقوا كليها وجزئيها وكيف كان فالبحت عن هذه المسألة شأن العالم الهيوى. لا الفقيه والاصولي والمحدث والمنطقي، وليس الاعتقاد بوجود هذه الافلاك أو عدمها من اصول الدين أو فروعه، ولا مما ورد في كتاب الله أو سنة رسوله، اللهم الا ما ذكر في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة من السماوات والارض والكواكب والنجوم وان كل كوكب يسبح في فلك إلى غير ذلك لكن لا يجد المتتبع الخبير من كتاب الله آية ولا مما صدر عن معادن علم الله رواية تدل على اثبات الافلاك البطلميوسية وتصديق ما يستلزمه تلك الفرضية ان لم يجد ما يكذبها ويبطلها ! ودعوى الاجماع من المسلمين في مثل المسأله كما ترى، وان فرض اجماع المسلمين في زمان اوفى جميع الازمنة=

[129]

بالازواج الملائكة الموكلون بها أو القاطنون فيها، أو المراد أشباهها من الكواكب والافلاك الجزئية، ويمكن حمل الفقرات السابقة أيضا على هذين الوجهين الاخيرين ويمكن أن يكون المراد بأزواجها أشباهها في الجسمية والامكان من الارضيات ويناسب ما جرى على الالسن من تشبيه العلويات بالآباء والسفليات بالامهات. (وذلل للهابطين) يقال (ذلل البعير) أي جعله ذلولا وهو ضد الصعب الذي لا ينقاد من الذل بالكسر وهو اللين والحزونة: خلاف السهولة، والمعراج: السلم والمصعد، و (نداء السماء) إشارة إلى ما مر من قوله سبحانه (فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها (1)). (فالتحمت عرى أشراجها) التحمت أي التزقت والتأمت، وعرى العيبة هي الحلق التي تضم بعضها إلى بعض وتشد وتقفل، و (الشرج) بفتحتين عرى العيبة والجمع: أشراج، وقيل: قد تطلق الاشراج على حروف العيبة التي تخاط. ولعل هذا الالتحام كناية عن تمام خلقها وفيضان الصور السماوية عليها. (وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها) فتق الثوب فتقا: نقضت خياطته حتى انفصل بعضه عن بعض، ورتقت الفتق رتقا: أي سددته فارتتق، والابواب الصامتة والمصمتة: المغلقة منها، وفتق صوامت الابواب إما كناية عن إيجاد الابواب فيها وخرقها بعد ما كانت رتقا لاباب فيها، أو فتح الابواب المخلوقة فيها حين إيجادها وهذه الابواب هي التي منها عروج الملائكة وهبوطها، وصعود أعمال العباد وأدعيتهم


= على امر ليس من دينهم، ولا من واجب اعتقادهم، ولا مما يرتبط بافعالهم فأى دليل على حجته ؟ ومن أين يمكن القول بوجوب اتباعه والاعتقاد بمعقده ؟ ! هذا حال اصل الافلاك ! فما ترى في البحث عن كونها ذوات نفوس مدركة أو جمادات فاقدة للشعور والارادة ؟ وغير خفى ان دعوى الاجماع على احد طرقي المسألة ممنوعة، وحجيته على فرض وحوده غير مسلمة، بل لا ينبغى الشك في عدم حجيته. (1) فصلت: 11.

[130]

وأرواحهم، كما قال تعالى (لا تفتح لهم أبواب السماء (1)) والتي (2) تنزل منها الامطار كما أشار إليه بقوله (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (3)). (وأقام رصدا) هو بالتحريك جمع (راصد) كخدم وخادم، أو اسم جمع كما قيل ويكون مصدرا كالرصد بالفتح، (والراصد) القاعد على الطريق منتظرا لغيره للاستلاب أو المنع، والمرصاد: الطريق والمكان يرصد فيه العدو وأرصدت له: أعددت. (والثواقب) التي تثقب الشياطين أو الهواء، أو يثقب الجو بضوئها، (والنقاب) بالكسر جمع (نقب) بالفتح وهو الثقب والخرق، والمراد إقامة الشهب الثواقب لطرد الشياطين عن استراق السمع كما أشار إليه سبحانه بقوله (وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا (4)) ولا صراحة فيه بكون ذلك المنع مقارنا لايجاد السماء حتى ينافي مادل على حدوثها ويحتمل تخلل الرخصة بين المنعين أيضا. (وأمسكها من أن تمور) أي تموج وتضطرب، والخرق يكون بمعنى الثقب في الحائط والشق في الثوب وغيره، وهو في الاصل مصدر خرقته إذا قطعته ومزقته ويكون بمعنى القفر والارض الواسعة، تنخرق فيها الرياح: أي تهب وتشتد و (الهواء) يقال للجسم الذي هو أحد العناصر، ويقال لكل خال هواء كما قال سبحانه (وأفئدئهم هواء (1)) أي خالية من العقل أو الخير، والمراد بالمور في خرق الهواء إما الحركة الطبيعية أو القسرية في الفواصل التي تحدث بحركتها في الجسم الذي هو أحد العناصر، إذ لا دليل على انحصاره في الذي بين السماء والارض أو حركتها في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا، أو حركة أجزائها فيما بين السماء


(1) الاعراف: 40. (2) في المخطوط: أو التى. (3) القمر: 11. (4) الجن: 9. (1) إبراهيم: 43 (*).

[131]

والارض. والايد بالفتح: القوة، والظرف متعلق بالامساك، والاستسلام: الانقياد، ويحتمل أن يكون الامر كناية عن تعلق الارادة كما مر. (آية مبصرة) الآية: العلامة: [و] المبصر: المدرك بالبصر، وفسرت المبصرة في قوله تعالى (وجعلنا آية النهار مبصرة) بالبينة الواحضة، وبالمضيئة التي يبصر بها، وبالمبصرة للناس من (أبصرته فبصر) وبالمبصر أهله كقولهم (أجبن الرجل) إذا كان أهله جبناء، والمحو: إذهاب الاثر وطمس النور، وفسر محو القمر بكونه مظلما في نفسه غير مضيئ بذاته كالشمس وبنقصان نوره بالنظر (1) إلى الشمس وبنقصان (2) نوره شيئا فشيئا إلى المحاق. وروي أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن اللطحة التي في وجه القمر فقال: ذاك محو آية الليل. ويمكن أن يكون لها مدخل في نقصان ضوء القمر من ليلها. قيل: (من) لابتداء الغاية أو لبيان الجنس ويتعلق بممحوة أو يجعل، وقيل: أراد من آيات ليلها. و (المنقل) في الاصل الطريق الجبل، والمدرج: المسلك، ودرج: أي مشى، والدرج بالتحريك: الطريق، و (درجيهما) في بعض النسخ على لفظ التثنية وفي بعضها مفرد، ومناقلهما ومدارجهما: منازلهما وبروجهما، والظاهر أن التمييز والعلم غايتان لمجموع الافعال السابقة، فيكون إشارة إلى قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب (3)) وإلى قوله عزوجل (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) (4) ويحتمل


(1) في بعض النسخ: بالنسبة. (2) في المخطوط: بنقص. (3) الاسراء: 12. (4) يونس: 5 (*).

[132]

أن يكون التمييز غاية للاول، والعلم غاية للاخير أو الاخيرين، فيكون نشرا على ترتيب اللف، وظاهر كلامه عليه السلام تفسير الآيتين المفردتين في الآية الاولى بالشمس والقمر لا بالليل والنهار، وإن كان المراد بالآيتين أو لا الليل والنهار وقيل: المراد: جعلناهما ذوي آيتين، فتكون الشمس والقمر مقصودين بهما في الموضعين، والمراد بالحساب حساب الاعمار والآجال التي يحتاج إليه الناس في امور دينهم ودنياهم. ومقاديرهما: مقادير سيرهما وتفاوت أحوالهما. (ثم علق في جوها فلكها) الظاهر أن كلمة (ثم) هنا للترتيب الذكري ولعل المعنى أنه أقر فلكها في مكانه من الجو بقدرته ولا ينافي نفي التعليق في نظم الاجزاء كما سبق، والجو: الفضاء الواسع، أو ما بين السماء الارض، والفلك بالتحريك: مدار النجوم، وقيل: أراد بالفلك دائرة معدل النهار، وقيل: أراد به الجنس وهو أجسامها المستديرة التي يصدق عليها هذا الاسم، وقيل: الفلك هنا عبارة عن السماء الدنيا، فيكون على وفق قوله سبحانه (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (1)) والتوجيه مشترك، وعلى المشهور من عدم كون جميعها في السماء الدنيا لعل الاظهر أن يراد بافلك ما ارتكز فيه كوكب بتحرك بحركته وبالجو الفضاء الواسع الموهوم، أو الموجود الذي هو مكان الفلك، ووجه إضافته إليها واضح فإن الفلك من جملتها، وكذا إضافة الفلك إليها، ويحتمل حينئذ أن يراد بفلكها المحيط المحرك لجملتها. ويمكن على طريقة الاستخدام أو بدونه أن يراد بضمير السماء الذي أحاط بجميع ما ارتكزت فيه الكواكب المدير لها فكون فلكها في جوها ظاهرها، أو يراد بالسماء الافلاك الكلية، وبالفلك الافلاك الجزئية الواقعة في جوفها. وفي بعض النسخ (علق في جوهافلكا) بدون الضمير وهو يناسب كون الكواكب كلها في فلك واحد. و (ناط) أي علق، والدراري: جمع (دري) وهو المضيئ، [و] كأنه نسب إلى


(1) الصافات: 6 (*).

[133]

الدر تشبيها به لصفائه، وقال الفراء: الكواكب الدري عند العرب هو العظيم المقدار وقيل: هو أحد الكواكب [السبعة السيارة، وفي النهاية الكواكب] الخمسة السيارة ويخفى أن وصف الدراري بالخفيات ينافي القولين ظاهرا واستراق السمع: الاستماع مختفيا، (بثواقب شهبها) أي بشهبها الثاقبة تلميحا إلى قوله سبحانه (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (1)) وقوله (إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (2)) والاذلال جمع (ذل) بالكسر، يقال: امور الله جارية أذلالها بالنصب وعلى أذلالها أي مجاريها. ويقال: دعه على أذلاله، أي على حاله. وثبات الثوابت بالنسبة إلى سير السيارات، والمراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجمين، أو التوجه إلى حضين الحامل، أو التدبير أو التوجه إلى الغروب فإنه الهبوط حسا ويقابله الصعود، النحوس: ضد السعود. (ثم خلق) الظاهر أن كلمة (ثم) هنا للترتيب الحقيقي، وسيأتي بعض الاخبار الدالة على تقدم خلق الملائكة على السماوات، ويمكن الجمع بالتخصيص ههنا بسكان المساوات الذين لا يفارقونها. وعمارة المنزلة جعله آهلا ضد الخراب الذي لا أهل له، والصفيح: السطح ووجه كل شئ عريض. والصفيح أيضا اسم من أسماء السماء، والمراد هنا سطح كل سماء، ويقابله الصفيح الاسفل وهو الارض أو فوق السماء السابعة أو فوق الكرسي. والملكوت كرهبوت العز والسلطان والفروج: الاماكن الخالية، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين. وحشوت الوسادة بالقطن: جعلتها مملوة منه، والفتق: الشق، والجو: الفضاء الواسع وما بين السماء والارض، وهذا الكلام صريح في عدم تلاصق السماوات، وفي تجسم الملائكة وأن ما بين السماوات مملوة منهم، وبه تندفع شبهة لزوم الخلا كما ستعرف. والفجوة: الفرجة والموضع المتسع بين الشيئين. وزجل المسبحين: صوتهم


(1) الحجر: 18. (2) الصافات: 10 (*).

[134]

الرفيع العالي، والحظيرة في الاصل الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والابل يقيها الحر والبرد والريح. والقد بالضم وبضمتين الطهر، اسم ومصدر. (والسترات) بضمتين جمع (سترة) بالضم، وهو ما يستتر به كالستارة. والحجاب: ما احتجب به، والسرادق: الذي يمد فوق صحن البيت من الكرسف والمجد: الشرف والعظمة، والرجيج: الزلزلة والاضطراب، ومنه رجيج البحر. (تستك منه الاسماع) أي تصم، وفسروا السبحات بالنور والبهاء والجلال والعظمة، وقيل: سبحات الوجه محاسنه، لانك إذا رأيت الوجه الحسن قلت: سبحان الله، ولعل المراد بها الانوار التي تحجب [بها] الابصار ويعبر عنها بالحجب وردعه كمنعه: كفه ورده، والخاسئ من الكلاب وغيرها: المبعد لا يترك أن يدنو من الناس، يقال: خسأت الكلب أي طردته وأبعدته. والضمير في (حدودها) راجع إلى السحاب، وقيل: أي تقف الابصار حيث تنتهي قوتها لان قوتها متناهية فإذا بلغت حدودها وقفت. (اولي أجنحة تسبح جلال عزته) إشارة إلى قوله تعالى (اولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) (1) وتسبح في أكثر النسخ بالتشديد من التسبيح، وهو التنزيه والتقديس من النقائص، والجلال: العظمة، والعزة: القوة والشدة والغلبة، و الجملة صفة لاولي أجنحة، وفي بعض النسخ (تسبح) بالتخفيف من السباحة، و (خلال) بالخاء المعجمة المكسورة، وهو وسط الشئ أو جمع (خلل) بالتحريك وهو الفرجة بين الشيئين، وفي بعضها (خلال بحار عزته) ولعل المراد بسباحتهم سيرهم في أطباق السماوات وفوقها، أو عروجهم ونزلهم لاداء الرسالات وغيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة والتسبيح. (لا ينتحلون) انتحل الشئ وتنحله: إذا ادعاه لنفسه وهو لغيره، أي: لا يدعون الربوبية لانفسهم كما يدعيه البشر لهم ولانفسهم، فتكون هذه الفقرة


(1) فاطر: 1 (*).

[135]

لنفي ادعاء الاستبداد والثانية لنفي ادعاء المشاركة، أو الاولى لنفي ادعائهم الخالقية فيما لهم مدخل في وجوده بأمره تعالى والثانية لنفي ذلك فيما خلقه الله سبحانه بمجرد أمره وإرادته. (مكرمون) بالتخفيف من الاكرام، وقرئ بالتشديد من التكريم، واللام في قوله (بالقول) عوض عن المضاف إليه، أي لا يسبقون الله بقولهم بل هم تابع (1) لقوله سبحانه كما أن علمهم تابع لامره. (جعلهم فيما هنا لك) لعله مخصوص ببعض الملائكة كما قال عزوجل (الله يصطفي من الملائكة رسلا (2)) ويكفي للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك، وما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة أو الاشغال والامور المفوضة إليهم، أو عن أربابها وأصحابها، وفي قوله (حملهم) تضمين معنى البعث أو الارسال ونحوه. (وعصمهم) هذا يشمل جميعهم، والريب: الشك أو التهمة، والزيغ: العدول عن الحق، و المرضاة ضد السخط، والامداد: الاعانة والتقوية، والفائدة: ما استفدته من طريفة مال أو علم أو غيرهما، والمعونة: مفعلة بضم العين من استعان به فأعانه، وقيل: الميم أصلية، مأخوذة من (الماعون) ولعل المعنى تأييدهم بأسباب الطاعات والقربات والمعارف والالطاف الصارفة لهم عن المعاصي. (وأشعر قلوبهم) أي ألزمهم (3)، مأخوذ من الشعار وهو ما يلبس تحت الدثار، وقيل: من الشعور بمعنى الادراك، يقال: اشعر الامر وبه أي أعلمه. والتواضع: التخاشع والتذلل، وأخبت الرجل: خضع لله وخشع قلبه، والسكينة: الطمأنينة والوقار والرزانة والمهابة، والحاصل عدم انفكاكهم عن الخوف والخشوع. والذلل - بضمتين -: جمع ذلول ضد الصعب، ومجده: أثنى عليه وعظمه، والجمع للدلالة على الانواع، وفتح الابواب كناية عن إلهامها وتسهيلها عليهم لعدم معارضة


(1) كذا. (2) الحج: 75. (3) في بعض النسخ (ألزمها) وهو الاظهر (*).

[136]

شيطان أو نفس أمارة بالسوء بل خلقهم خلقة يلتذون بها كما ورد أن شرابهم التسبيح وطعامهم التقديس. والمنار: جمع المنارة، وهي العلامة، وأصله النور ولذا انثت (الواضحة) والاعلام: جمع (علم) بالتحريك وهو الجبل الطويل أو ما يعلم به الشئ ونصب المنار لهم على الاعلام عبارة عن غاية ظهورها لعدم معارضته الشكوك والشبهات التي تكون للبشر، ولوفور الدلائل لهم لقربهم من ساحة عزه وملكوته ومشاهدتهم ما يخفى علينا من آثار ملكه وجبروته، والمؤصرات: المثقلات، وعدمها لعصمتهم وعدم خلق الشهوات فيهم. ورحل البعير وارتحله: حط عليه الرحل وهو مركب للبعير، وفي الحديث (ارتحلني ابني الحسن) أي جعلني كالراحلة وركب على ظهري، والارتحال أيضا الازعاج والاشخاص. والعقبة بالضم: النوبة، والجمع (عقب) كغرفة وغرف والعقبة الليل والنهار لانهما يتعاقبان، قيل: أي لم يؤثر فيهم ارتحال الليالي والايام كما يؤثر ارتحال الانسان البعير في ظهره، حملا على الوجه الاول، و على الثاني فالمعنى: لم يزعجهم تعاقب الليالى والايام ولم يوجب رحليهم عن دارهم والغرض تنزيههم عما يعرض للبشرمن ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور الازمنة. و (النوازع) في بعض النسخ بالعين المهملة من نزع في القوس إذا جذبها ومدها، ونوازع الشكوك: الشبهات، وقيل: أي شهواتها، والنازعة: المحركة وفي بعضها بالفين المعجمة كما في النهاية من نزغ الشيطان بين القوم أي أفسد، و يقال نزغه الشيطان أي وسوس إليه، والعزيمة: ما وكدت رأيك وعزمك عليه، و المعترك: موضع القتال، والاعتراك: الازدحام والظن يكون بمعنى الاعتقاد الراجح غير الجازم، وبمعنى الشك ويطلق على ما يشملهما، ولعل الاخير هنا أظهر، ومعقد الشئ: موضع شده، يقال: عقدت الحبل والبيع والعهد ويكون مصدرا، والحاصل نفي نظرق الشبه والكشوك إلى عقائدهم اليقينية.

[137]

(ولا قدحت) يقال: قدح بالزند كمنع أي رام الايراء (1) به، وهو استخراج النار، وربما يحمل على القدح بمعنى الطعن وهو بعيد. و (الاحن) جمع (إحنة) وهي الحقد والغضب، أي لا يثير الغضب والعدوات الكامنة فتنة فيما بينهم، والحيرة: عدم الاهتداء إلى وجه الصواب، ولاق الشئ بغيره أي لزق ومنه الليقة للصوق المداد بها، والغرض نفي الحيرة عنهم في عقائدهم، ويحتمل أن يكون المراد بالحيرة الولد لشدة الحب وكمال المعرفة كما سيأتي، وفي الصحيفة السجادية (ولا يغفلون عن الوله إليك) فالمعنى أن شده ولههم لا توجب نفصا في معرفتهم وغفلة عن ملاحظة العظمة والجلال كما في البشر. وأثناء الشئ: تضاعيفه وجاء في أثناء الامر أي في خلاله جمع (ثنى) بالكسر. (فتقترع) في بعض النسخ بالقاف من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة والاختبار فالغرض نفي تناوب الوساوس وتواردها عليهم، وفي بعضها بالفاء من فرعه أي علاه والاول أنسب بالطمع، والرين بالنون كما في بعض النسخ: الطبع والدنس والتغطية، وران ذنبه على قلبه رينا أي غلب، وفي بعضها بالباء الموحدة، والفكرة إعمال النظر في الشئ (منهم) أي من مطلق الملائكة، والغمام والغمائم جمع الغمامة وهي السحابة، والدلح: جمع الدالح وهو الثقيل من السحاب لكثرة مائه، والدلح أن يمشي البعير بالحمل وقد أثقله، والشامخ من الجبال: المرتفع العالي، والقترة بالضم: بيت الصائد الذي يتستر به عند تصيده من جص ونحوه، ويجمع على (قتر) مثل غرفة وغرف، ويطلق على حلقة الدرع. والكوة: النافذة، والظلام: ذهاب النور، والايهم: الذي لا يهتدى فيه، ومنه فلاة يهماء، قيل: هذا النوع من الملائكة خزان المطر وزواجر السحاب ولعله شامل لمشبعي (2) الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل وإن كان السحاب مكانهم قبل النزول، والموكلون (3)


(1) من (ورت النار رويا) إذا اتقدت. (2) في المخطوطة، لمشيعي. (3) كذا في النسخ والصحيح (الموكلين) وكذا (الساكنين) (*).

[138]

بالجبال للحفظ وسائر المصالح والساكنون في الظلمات لهداية الخلق وحفظهم أو غير ذلك. وأقول: يحتمل أن يكون المراد تشبيههم في لطافة الجسم بالسحاب، وفي عظم الخلقة بالجبال، وفي السواد بالظلمة، بل هو عندي أظهر. و (تخوم الارض) بضم التاء معالمها وحدودها، وهي جمع تخوم بالضم أيضا وقيل: واحدها (تخم) بالضم والفتح، وقيل: التخم: حد الارض، والجمع: تخوم، نحو فلس وفلوس. وقال ابن الاعرابي وابن السكيت: الواحد تخوم والجمع تخم، مثل رسول ورسل وفي النسخ بالضم. والراية: علم الجيش و (مخارق) المواضع التي تمكنت فيها تلك الرايات بخرق الهواء، والريح الهفافة: الطيبة الساكنة، وقيل: أي ليست بمضطربة فتموح تلك الرايات بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت. (قد استفرغتهم أشغال عبادته) أي جعلتهم فارغين عن غيرها، وحقائق الايمان: العقائد اليقينية التي تحق أن تسمى إيمانا، أو البراهين الموجبة له، وفي بعض النسخ (وسلت) بالسين المشددة، يقال: وسل إلى الله توسيلا وتوسل أي عمل عملا تقرب به إليه (وقطعهم الايقان به) أي صرفهم عما سوى الوله ووجههم إليه، وهو في الاصل التحير من شدة الوجد أو ذهاب العقل، والمراد عدم الالتفات إلى غيره سبحانه، والرغبة: الارادة والسؤال والطلب والحرص على الشئ و الطمع فيه، والمعنى أن رغباتهم وطلباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه وثوابه وكرامته، ولعل الضمائر في تلك الفقرات راجعة إلى مطلق الملائكة كالفقرات الآتية، والباء في قوله عليه السلام (بالكأس) إما للاستعانة أو بمعنى (من) وربما يضمن في الشرب معنى الالتذاذ ليتعدى بالباء، والكأس: الاناء يشرب فيه أو مادام الشراب فيه، وهي مؤنثة، والروية: المروية التي تزيل العطش، وسويداء القلب وسوداؤه: حبته، والوشيجة في الاصل عرق الشجرة، يقال: وشجت

[139]

العروق والاغصان أي اشتبكت، وحنيت الشئ أي عطفته، وأنفد الشئ أفناه ومادة التضرع ما يدعو إليه، وأطلق عن الاسير إذا حل أسره والربقة بالكسر في الاصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، وعدم نفاد مادة التضرع فيهم لعدم تطرق النقص إلى علمهم بعظمة الله وبحاجتهم إليه وعدم الشواغل لهم عن ذلك وعدم انتهاء مراتب العرفان والقرب الداعيين لهم إلى التضرع والعبادة ومع ذلك لا يتطرق الضعف إلى قواهم فبقدر صعودهم في مدارج الطاعة يزاد قربهم وكلما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته سبحانه كما سيأتي الاشارة إليه، ويقال: تولاه أي اتخذه وليا، وتولى الامر أي تقلده، وعدم تولي الاعجاب كناية عن عدم الاستيلاء، والاعجاب استعظام ما يعده الانسان فضيلة لنفسه، ويقال: اعجب زيد بنفسه على البناء للمفعول إذا ترفع وسر بفضائله، وأعجبني حسن زيد إذا عجبت منه. واستكثره: عده كثيرا، وما سلف منهم: طاعاتهم السالفة، و الاستكانة: الذل والخضوع، واستكانة الاجلال خضوعهم الناشئ عن ملاحظة جلال الله وعظمته، والفترة: مرة من الفتور وهو السكون بعد حدة واللين بعد شدة ودأب في أمره كمنع دؤوبا: حد وتعب، وغاض الماء غيضا ومغاضا قل ونقص والمناجاة: المخاطبة سرا، وأسلة اللسان: طرفه ومستدقه، والهمس: الصوت الخفي، والجوار كغراب: رفع الصوت بالدعاء والتضرع، أي ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة فتكون لاجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة، وفي بعض النسخ (بهمس الخير) وفي بعضها (بهمس الحنين) وتوجيههما لا يخلو من تكلف ومقاوم الطاعة: صفوف العبادة جمع (مقام) وعدم اختلاف المناكب عبارة عن عدم تقدم بعضهم على بعض أو عدم انحرافهم، وثنيت الشئ ثنيا: عطفته أثناء أي كفه وثنيته ايضا: صرفته إلى حاجته، وراحة التقصير: الراحة الحاصلة بإقلال العبادة أو تركها بعد التعب، وعدا عليه أي قهره وظلمه، والتبلد ضد التجلد والتحير، وبلد الرجل بلادة فهو بليد [أي] غير ذكي ولا فطن، وانتضل القوم

[140]

وتناضلوا إذا رموا للسبق، والهمة ما هم به من أمر ليفعل، وخدائع الشهوات: وساوسها الصارفة عن العبادة، وانتضالها تواردها وتتابعها، والفاقة: الفقر والحاجة ويوم فاقتهم يوم قبض أرواحهم كما يظهر من بعض الاخبار، ولا يبعد أن يكون لهم نوع من الثواب على طاعاتهم بازدياد القرب وإفاضة المعارف وذكره سبحانه لهم وتعظيمه إياهم وغير ذلك، فيكون إشارة إلى يوم جزائهم ويمموه أي قصدوه والانقطاع إلى أحد: صرف الوجه عن غيره والتوجه (1) إليه والضمير في (رغبتهم) إما راجع إلى الملائكة كضمير (فاقتهم) أو إلى الخلق أو إليهما على التنازع. والامد: المنتهى، وقد يكون بمعنى امتداد المسافة، و (يرجع) يكون لازما و متعديا، تقول: رجع زيد ورجعته أنا. واهتر فلان بكذا واستهتر فهو مهتربه ومستهتر على بناء المفعول أي مولع به لا يتحدث بغيره ولا يفعل غيره، والمادة: الزيادة المتصلة، وكل ما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادة لهم، ولعل المراد هنا بها المعين والمقوي، وكلمة (من) في قوله (من قلوبهم) ابتدائية أي إلى مواد ناشئة من قلوبهم غير منقطعة، وفي قوله (من رجائه) بيانية فالمراد الخوف والرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة، ويحتمل أن تكون الاولى بيانية أو ابتدائية والثانية صلة للانقطاع، والغرض إثبات دوام خوفهم ورجائهم الموجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ (المواد) والسبب: كل ما يتوصل به إلى غيره، والشفقة: الخوف، والونى: الضعف والفتور، ولم تأسرهم أي لم تجعلهم اسراء، والايثار: الاختيار، والوشيك: القريب والسريع، و المعنى: ليسوا مأمورين في ربقة الطمع حتى يختاروا السعي القريب في تحصيل المطموع في الدنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السعادة الباقية كما هو شأن البشر. واستعظام العمل: العجب المنهي عنه، ونسخ الشئ إزالته وإبطاله وتغييره


(1) في المخطوطة: التوجيه (*).

[141]

والمراد بالرجاء هنا ما تجاوز الحد المطلوب منه، ويعبر عنه بالاغترار، وشفقات الوجل تارات الخوف ومراته. (لم يختلفوا في ربهم) أي في الاثبات والنقي، أو في التعبين، أو في الصفات كالتجرد والتجسم وكيفية العلم وغير ذلك، وقيل: أي في استحقاق كمال العبادة، ويقال: استحوذ عليه أي استولى، وهو مما جاء على الاصل من غير إعلال، والتقاطع: التعادي وترك البر والاحسان، وتوليت الامر أي قمت به، وتوليت فلانا: اتخذته وليا أي محبا وناصرا، والغل: الحقد والشعبة من كل شئ: الطائفة منهم، وشعبتهم أي فرقتهم، وفي بعض النسخ (تشعبتهم) على التفعل والاول أظهر، والريب جمع (ريبة) بالكسر وهو الشك أو هو مع التهمة، ومصارفها: وجوهها وطرقها من الامور الباطلة التي تنصرف إليها الاذهان عن الشبه، أو وجوه انصراف الاذهان عن الحق بالشبه أو الشكوك والشبه أنفسها. واقتسموا المال بينهم أي تقاسموه، وأخياف الهمم: مختلفها وأصله من الخيف بالتحريك وهو زرقة إحدى العينين وسواد الاخرى في الفرس وغيره ومنه قيل لاخوة الام (أخياف) لان آباءهم شتى. والهمة بالكسر: ما عزمت عليه لتفعله، وقيل: أول العزم، والغرض نفي الاختلاف بينهم والتعادي والتفرق بعروض الشكوك واختلاف العزائم، أو نفي الاختلاف عنهم وبيان أنهم فرقة واحدة لبراءتهم عن الريبة واختلاف الهمم. والزيغ: الجور والعدول عن الحق، وفي التفريع دلالة على أن الصفات السابقة من فروع الايمان أو لوازمه، والطبق محركة في الاصل الشئ على مقدار الشئ مطبقا له من جميع جوانبه كالغطاء له، ومنه (الحمى المطبقة) و (الجنون المطبق) و (السماوات أطباق) لان كل سماء طبق لما تحتها. والاهاب ككتاب: الجلد، والحافد: المسرع والخفيف في العمل، ويجمع على (حفد) بالتحريك ويطلق على الخدم لاسراعهم في الخدمة، والعزة: القوة والغلبة، والعظم كعنب: خلاف الصغر مصدر (عظم) وفي بعض النسخ بالضم وهواسم من (تعظم)

[142]

أي تكبر. ودحوها على الماء أي بسطها، وكبس الرجل رأسه في قميصه إذا أدخله فيه، وكبس البئر والنهر طمهما بالتراب وملاهما، قال بعض شارحي النهج: كبس الارض أي أدخلها الماء بقوة واعتماد شديد. ومور الامواج أي تحركها واضطرابها واستفحل الامر: أي تفاقم واشتد، وقيل: أمواج مستفحلة أي هائجة هيجان الفحول، وقيل: أي صائلة، واللجة بالضم: معظم الماء، ومنه (بحر لجى) وزخر البحر: مد وكثر ماؤه وارتفعت أمواجه، واللطم: ضرب الخد بالكف مفتوحة، والتطمت الامواج وتلاطمت: ضرب بعضها بعضا، والآذي بالمد والتشديد: الموج الشديد، والجمع (أواذي) والصفق: الضرب يسمع له صوت والصفق: الرد، واصطفقت الامواج أي ضرب بعضها بعضا وردها، والنقاذف: الترامي بقوة، و (الثبج) بتقديم الثاء المثلثة على الباء الموحدة وثبح البحر بالتحريك: معظمه ووسطه، وقيل: أصله ما بين الكاهل إلى الظهر، والمراد أعالي الامواج. والرغاء بالضم صوت الابل. والزبد بالتحريك الذي يعلو السيل، وقيل: (زيدا) منصوب بمقدر، أي ترغو قاذقة زبدا. وأقول: الظاهر أن (ترغو) من الرغوة مثلثة وهي الزبد يعلو الشئ عند غليانه، يقال: رغى اللبن أي صارت له رغوة، ففيه تجريد ولا ينافيه التشبيه بالفحل، والفحل: الذكر من كل حيوان، وأكثر ما يستعمل في الابل، وهاج الفحل: ثار واشتهى الضراب. وخضع أي ذل، وجماح الماء غليانه من جمح الفرس إذا غلب فارسه ولم يملكه. وهيج الماء: ثورانه وفورته، والارتماء: الترامي التقاذف، وارتماء الماء: تلاطمه، وأصل الوطئ: الدوس بالقدم، والكلكل: الصدر، وذل أي صار ذليلا أو ذلولا ضد الصعب وفي بعض النسخ (كل) أي عرض له الكلال، من كل السيف إذا لم يقطع والمستخذي بغير همزكما في النسخ: الخاضع والمنقاد، وقد يهمز على الاصل. و (تمعكت) مستعار من تمعكت الدابة أي تمرغت في التراب، والكاهل: ما بين الكتفين (فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا) الاصطخاب افتعال من الصخب وهو كثرة الصياح واضطراب الاصوات، والساجي: الساكن، والحكمة محركة:

[143]

حديدة في اللجام [و] تكون على حنك الفرس تمنعه عن مخالفة راكبه. ثم إنه اورد هنا (1) إشكال، وهو أن كلامه عليه السلام يشعر بأن هيجان الماء وغليانه وموجه سكن بوضع الارض عليه، وهذا خلاف ما نشاهده ويقتضيه العقل لان الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب وتموج وصعد علوا فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه ؟ واجيب بأن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه وبين تلك الريح، ولذلك إذا جعلنا في الاناء ماء وروحنا بمروحة فإنه يتحرك، فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملا حافات الاناء و روحناه بالمروحة فإن الماء لا يتحرك، لان ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة وبين سطح الماء، فمن الجائز أن يكون الماء في الاول هائجا لاجل ريح محركة له فإذا وضعت الارض عليه حال بين سطح الماء وين تلك الريح وسيأتي في كلامه عليه السلام ذكر هذه الريح حيث قال: اعتقم مهبها إلى آخر ما سيأتي. والاولى أن يقال: إن غرضه عليه السلام ليس نفي التموج مطلقا بل نفي التموج الشديد الذي كان للماء إذ حمله سبحانه على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة بقدرته الكاملة وأنشأ ريحا لمخضه مخض السقاء، فكانت كرة الماء تندفق من جميع الجوانب وترد الريح أوله على آخر وساجيه على مائره، كما سيأتي في كلامه عليه السلام ثم لما كبس الارض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب في انقطاع الهبوب والتمويج (2) من ذلك الجانب المماس للارض من الماء، وأيضا لما منعت الارض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الارض كالهواء المنفتق المتحرك الذي كان ينتهي إليه ذلك الحد من الماء كان ذلك أيضا من أسباب ضعف التموج وقلة التلاطم، وأيضا لما تفرقت كرة الماء في أطراف الارض ومال الماء بطبعه إلى المواضع المنخفضة من الارض وصار البحر الواحد المجتمع بحارا متعددة وإن اتصل بعضها ببعض وأحاطت السواحل بأطراف


(1) في بعض النسخ: ههنا. (2) في المخطوطة (التموج) وهو الاظهر (*).

[144]

البحار بحيث منعت الهبوب إلا من جهة السطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرق وقلة التعمق وانقطاع الهبوب فكل ذلك من أسباب السكون الذي أشار إليه عليه السلام. واقول: مما يبين ذلك أنه إذا فرضنا حوضا يكون فرسخا في فرسخ وقدرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنه يقل بذلك أمواجه، وكلما وصل موج من جانب من الجوانب إليه يرتدع ويرجع. ثم إن هذه الوجوه إنما تبدى جريا على قواعد الطبيعيين وخيالاتهم الواهية، وإلا فبعد ما ذكره عليه السلام لا حاجة لنا إلى إبداء وجه، بل يمكن أن يكون لخلق الارض وكبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به عقولنا الضعيفة. وقال ابن ميثم: مقتضى الكلام أن الله تعالى خلق الماء قبل الارض وسكن بها مستفحل أمواجه، وهذا مما شهد به البرهان العقلي فإن الماء لما كان حاويا لاكثر الارض كان سطحه الباطن المماس لسطحه الظاهر مكانا لها، وظاهر أن للمكان تقدما طبيعيا باعتبار ما على المتمكن فيه وإن كان اللفظ يعطي تقدم خلق الماء على خلق الارض تقدما زمانيا كما هو المقبول عند السامعين (انتهى). ولا يخفى بعد أمثال تلك التأويلات الباردة في تلك العبارات الظاهرة الدلالة على التقدم والحدوث الزمانيين كما ستعرف إن شاء الله تعالى. (وسكنت الارض مدحوة) أي مبسوطة، ولا ينافي الكروية، وقيل: هو من الدحو بمعنى القذف والرمي، واللجة: معظم الماء كما مر، والتيار: الموج وقيل: أعظم الموج، ولجته: أعمقه، والنخوة: الافتخار والتعظم والانفة و الحمية. والبأو: الرفعة والتعظم والكبر، والاعتلاء: التيه والترفع، وشمخ بأنفه أي تكبر. من شمخ الجبل إذا ارتفع، والسمو: العلو، وغلواء الشباب: أوله وشرته، والغرض بيان سكون الارض في الماء المتلاطم ومنعها إياه عن تموجه وهيجانه، وكعمت البعير أي شددت فمه إذا هاج بالكعام. ككتاب وهو شئ يجعل في فيه، والكظة بالكسر: ما يعتري الممتلئ من الطعام، والجرية

[145]

بالكسر: حالة الجريان، أو مصدر، وكظة الجرية: ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل، وهمدت الريح: سكنت، وهمود النار: خمودها، ونزق الفرس كسمع ونصر وضرب نزقا ونزوقا: نزى ووثب، والنزقات: دفعاته ونزق الغدير امتلا إلى رأسه، وعلى هذا فالهمود بمعنى الغور والاول أظهر، و الزيفان بالتحريك التبختر في المشي، من زاف البعير يزيف إذا تبختر، وفي بعض النسخ (ولبد بعد زيفان وثباته) يقال: لبد بالارض كنصر إذا لزمها وأقام ومنه اللبد ككتف لمن لا يبرح منزله ولا يطلب معاشا، ويروى (ولبد بعد زفيان) بتقديم الفاء على الياء، وهو شدة هبوب الريح، يقال: زفت الريح السحاب إذا طردته، والزفيان بالفتح: القوس السريعة الارسال للسهم، والوثبة: الطفرة، وهيج الماء: ثوراته وفورته، وأكنافها أي جوانبها ونواحيها، وشواهق الجبال: عواليها، والباذخ: العالي، والينبوع: ما انفجر من الارض من الماء ولعله اعتبر فيه الجريان بالفعل فيكون من إضافة الخاص إلى العام أو التكرير للمبالغة، وقيل: الينبوع الجدول الكثير الماء فلا يحتاج إلى تكلف، وعرنين الانف: أوله تحت مجتمع الحاجبين، والظاهر أن ضمير (انوفها) راجع إلى الارض كالضمائر السابقة واللاحقة، واستعار لفظ (العرنين) و (الانف) لاعالي رؤوس الجبال، وإنما خص الجبال بتفجر العيون منها لان العيون أكثر ما ينفجر من الجبال والاماكن المرتفعة، وأثر القدرة فيها أظهر ونفعها أتم. و السهب: الفلاة البعيدة الاكناف والاطراف، والبيد بالكسر: جمع بيداء وهي الفلاة التي يبيد سالكها أي يهلكه، والاخاديد: جمع (اخدود) وهو الشق في الارض، والمراد بأخاديدها مجاري الانهار، ولعل تعديل الحركات بالراسيات أي الجبال الثابتات جعلها عديلا للحركات بحيث لا تغلبه أسباب الحركة فيستفاد سكونها، فالباء صلة لا سببية، أو المعنى سوى الحركات في الجهات أي جعل الميول متساوية بالجبال فسكنت لعدم المرجح، فالباء سببية، ويحتمل أن يكون المراد أنه جعلها بالجبال بحيث قد تتحرك للزلازل وقد لا تتحرك، ولم يجعل الحركة

[146]

غالبة على السكون مع احتمال كونها دائما متحركة بحركة ضعيفة غير محسوسة ومن ذهب إلى استناد الحركة السريعة إلى الارض لا يحتاج إلى تكلف، والجلاميد: جمع جلمد وجلمود أي الصخور، والشناخيب: جمع شنخوب بالضم أي رؤوس الجبال العالية، والشم: المرتفعة العالية، والصياخيد: جمع صيخود وهي الصخرة الشديدة، والميدان بالتحريك التحرك والاضطراب، ورسب في الماء كنصر وكرم رسوبا: ذهب سفلا، وجبل راسب أي ثابت، والقطع كعنب: جمع قطعة بالكسر وهي الطائفة من الشئ، ويروى بسكون الطاء وهو طنفسة الرحل قيل: كأنه جعل الارض ناقة وجعل لها قطعا، وجعل الجبال في ذلك القطع. و الاديم: الجلد المدبوغ، وأديم السماء والارض: ما ظهر منهما ورسوب الجبال في قطع أديمها دخولها في أعماقها. والتغلغل: الدخول، والسرب بالتحريك: بيت في الارض لا منفذله يقال: تسرب الوحش وانسرب في جحره أي دخل، والجوبة: الحفرة والفرجة والخيشوم: أقصى الانف، والسهل من الارض: ضد الحزن، وجرثومة الشئ بالضم: أصله، وقيل: التراب المجتمع في اصول الشجر، وهو أنسب. ولعل المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها، ومفاد الكلام أن الارض كانت متحركة مضطربة قبل خلق الجبال فسكنت بها، وظاهره أن لنفوذ الجبال في أعماق الارض وظهورها وارتفاعها عن الارض كليهما مدخلا في سكونها، وقد مر بعض القول في ذلك في كتاب التوحيد وسيأتي بعضه في الابواب الآتية إن شاء الله. وفسح له كمنع أي وسع، ولعل في الكلام تقدير مضاف أي بين منتهى الجو وبينها، أو المراد بالجو منتهاه أعني السطح المقعر للسماء. والمتنسم: موضع التنسم وهو طلب النسيم واستنشاقه، وفائدته ترويح القلب حتى لا يتأذى بغلبة الحرارة. ومرافق الدار: ما يستعين به أهلها ويحتاج إليه في التعيش، وإخراج أهل الارض على تمام مرافقها إيجادهم وإسكانهم فيها بعد تهيئة ما يصلحهم بمعاشهم والتزود إلى معادهم. والجرز بضمتين: الارض التي لانبات بها ولا ماء، و

[147]

الرابية: ما ارتفع من الارض وكذلك الربوة بالضم (1) والجدول كجعفر: النهر الصغير، والذريعة: الوسيلة، وناشئة السحاب: أول ما ينشأ منه، أي يبتدئ ظهوره، ويقال: نشأت السحاب (2) إذا ارتفعت، والغمام جمع الغمامة (3) بالفتح فيهما وهي السحابة البيضاء، واللمع كصرد: جمع لمعة بالضم وهي في الاصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس كأنها تلمع وتضيئ من بين سائر البقاع، و القزع: جمع قزعة: بالتحريك فيهما وهي القطعة من الغيم، وتباين القزع: تباعدها، والمخض بالفتح: تحريك السقاء (4) الذي فيه اللبن ليخرج زبده وتمخضت أي تحركت، واللجة: معظم الماء، والمزن: جمع المزنة بالضم فيهما وهي الغيم، وقيل: السحابة البيضاء، وضمير (فيه) راجع إلى المزن أي تحركت فيه اللجة المستودعة فيه واستعدت للنزول. والتمع البرق ولمع أي أضاء وكففه: حواشيه وجوانبه، وطرف كل شئ كفه بالضم، وعن الاصمعي: كل ما استطال كحاشية الثوب والرمل فهو كفة بالضم، وكل ما استدار ككفة الميزان فهو كفة بالكسر ويجوز فيه الفتح. ووميض البرق: لمعانه، ولم ينم أي لم ينقطع ولم يفتر، والكنهور كسفرجل: قطع من السحاب كالجبال، وقيل: المتراكم منه، والرباب كسحاب: الابيض منه، وقيل: السحاب الذي تراه كأنه دون دون السحاب وقد يكون أسود وقد يكون أبيضا جمع (ربابة) والمتراكم والمرتكم: المجتمع، وقيل الميم بدل من الباء كأنه ركب بعضه بعضا، والسح: الصب والسيلان من فوق، والمتدارك: من الدرك بالتحريك وهو اللحاق، يقال: تدارك القوم إذا لحر آخرهم أولهم وأسف الطائر: إذا دنا من الارض، وهيدبه: ما تهدب منه أي تدلى كما تتدلى هدب العين، ومرى الناقة يمريها أي مسح ضرعها حتى درلبنها


(1) بل بالتثليث. (2) في المخطوطة: السحابة. (3) في بعض النسخ: غمامة. (4) السقاء بكسر السين وتخفيف القاف: وعاء من الجلد للماء واللبن (*).

[148]

وعدي ههنا إلى مفعولين، وروى تمرى بدون الضمير والجنوب بالفتح الريح مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وهي أدر للمطر، والدرر كعنب: جمع درة بالكسر أي الصب والاندفاق، وقيل: الدرر الدار كقوله تعالى (قيما) أي قائما، والهضب: المطر، ويجمع على أهضاب ثم على أهاضيب كقول وأقوال وأقاويل والدفعة من المطر بالضم ما انصب مرة، والشآبيب: جمع شؤب وما هو ما ينزل من المطر دفعة بشدة، والبرك: الصدر، والبواني: قوائم الناقة وأركان البنية. وقال بعض شراح النهج: بوانيها بفتح النون تثنية بوان على فعال بكسر الفاء، وهي عمود الخيمة، والجمع (بون) ومن روى بوانيها أراد لواصقها من قولهم قوس بانية إذا التصقت بالوتر، والرواية الاولى اصح (انتهى) وفي النسخ القديمة المصححة على صيغة الجمع، وفي النهاية فسر البواني على أركان البنية، وفي القاموس بقوائم الناقة، وعلى التاقدير الاضافة لادنى ملابسة. وفي الكلام تشبيه السحاب بالناقة المحمول عليها، والخيمة التي جر عمودها. والبعاع كسحاب: ثقل السحاب من المطر، واستقلت أي نهضت وارتفعت، واستقلت به: حملته ورفعته، والعبء الحمل والثقل بكسر الجميع، والهوامد من الارض: التي لانبات بها، والزعر بالتحريك: قلة الشعر في الرأس، يقال رجل أزعر، والازعر: الموضع القليل النبات، والجمع زعر بالضم كأحمر وحمر والمراد هيهنا القليلة (1) النبات من الجبال تشبيها بالرؤس القليلة الشعر، والعشب بالضم الكلا الرطب، وبهج كمنع وفرح و [سر] وقال بعض الشراح: من رواه بضم الهاء أراد يحسن ويملح من البهجة أي الحسن، والروضة من العشب: الموضع الذي يستنقع فيه الماء، واستراض الماء أي استنقع وتزدهي أي تنكبر وتفتخر افتعال من الزهو وهو الكبر والفخر، والريط: جمع ريطة بالفتح فيهما: كل ملاءة ليست بلفقين أي قطعتين كلها نسج واحد وقطعة واحدة. وقيل كل ثوب رقيق لين. والازاهير: جمع أزهار جمع زهرة بالفتح وهي النبات ونوره، وقيل: الاصفر


(1) في المخطوطة: القليل.

[149]

منه، وأصل الزهرة الحسن والبهجة، والحلية بالسكر: ما يتزين به من مصوغ الذهب والفضة والمعدنيات. ما سمطت به أي اعلقت (1) على بناء المجهول من التفعيل، وفي بعض النسخ الصحيحة بالشين المعجمة، والشميط من النبات ما خالط سواده النور الابيض، وأصله الشمط بالتحريك وهو بياض الرأس يخالط سواده والنضارة: الحسن والطراوة، والنور بالفتح: الزهر أو الابيض منه، والبلاغ بالفتح: ما يتبلغ به ويتوسل إلى الشئ المطلوب، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين، والفجاج: جمعه، وخرقها: خلقها على الهيئة المخصوصة، والآفاق: النواحي، والمنار: جمع منارة وهي العلامة، والمراد هيهنا (1) ما يهتدي به السالكون من الجبال والتلال أو النجوم، والاول هنا أظهر، والجادة: وسط الطريق ومعظمه، ومهد الشئ: وسعه وبسطه، ومهد الامر: سواه وأصلحه، ولعل المراد هنا إتمام خلق الارض على ما تقتضيه المصلحة في نظام امور ساكنيها، وقيل: يحتمل أن يراد بتمهيد الارض جعلها مهادا أي فراشا كما قال جل وعلا (ألم نجعل الارض مهادا (2)) أو جعلها مهدا أي مستقرا كالمهد للصبي كما قال سبحانه (الذي جعل لكم الارض مهدا). وإنفاذ الامر: إمضاؤه وإجراؤه، والخيرة كعنبة: المختار، والجبلة بكسر الجيم والباء وتشديد اللام: الخلقة والطبيعة، وقيل في قوله تعالى (والجبلة الاولين (4)) أي ذوي الجبلة، ويحتمل أن يكون من قبيل الخلق بمعنى المخلوق، وقيل: الجبلة: الجماعة من الناس، والمراد بأول الجبلة أول شخص من نوع الانسان ردا على من قال بقدم الانواع المتوالدة. وأرغد الله عيشه أي


(1) في بعض النسخ: علقت. (1) في المخطوطة: هنا. (2) النبأء: 6. (3) طه: 53. (4) الشعراء: 184 (*).

[150]

جعله واسعا طيبا، والاكل بضمتين: الرزق والحظ، قال الله تعالى (فكلا منها رغدا حيث شئتما) وأوعزت إلى فلان في فعل أو ترك أي تقدمت، والمراد النهي عن الاكل من الشجرة، وخاطر بنفسه وماله أي أشفاهما على خطر وألقاهما في مهلكة، والضمير في (منزلته) راجع إلى آدم، ويحتمل رجوعه إليه سبحانه كضمير (معصيته) على الظاهر. قوله عليه السلام (موافاة) قال ابن أبي الحديد: لا يجوز أن ينتصب لانه مفعول له ليكون عذرا وعلة للفعل، بل على المصدرية المحضة كأنه قال: فوافا بالمعصية موافاة وطابق بها سابق العلم مطابقة: (فأهبطه بعد التوبة) هو صريح في أن الاهباط كان بعد التوبة فما يظهر من كثير من الايات والاخبار من عكس ذلك لعله محمول على التوبة الكاملة أو على القبول ويقال بتأخره عن التوبة. وقد تقدم تأويل تلك المعصية وأضرابها في المجلد الخامس. (مما يؤكد عليهم) لعل التعبير بلفظ التأكيد لكون معرفة الرب سبحانه فطرية أو لوضوح آيات الصنع في الدلالة على الخالق جل ذكره أو للامرين. وقال في المغرب: تعهد الضيعة وتعاهدها: أتاها وأصلحها، وحقيقته جدد العهد بها. والقرن: أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، فقيل: أربعون سنة، وقيل ثمانون سنة وقيل: مائة. وقال الزجاج: الذي عندي والله أعلم أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو طبقة من أهل العلم سواء قلت السنون أو كثرت. ومقطع الشئ: آخره كأنه قطع من هناك، وعذر الله: ما بين للمكلفين من الاعذار في عقوبته لهم إن عصوه ونذره: ما أنذرهم به من الحوادث ومن أنذره على لسانه من الرسل كذا قيل وقيل: هما مصدران بمعنى الاعذار والانذار والمراد ختم الرسالة بنبينا صلى الله عليه وآله. (وقدر الارزاق) لما كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي بين ما

[151]

أراده بذكر الكثير والقليل، ثم لما كان ذلك موهما للجور دفع الوهم بذكر العدل ونبه على وجه الحكمة بذكر الابتلاء والاختبار، وروى (فعدل) بالتشديد والتعديل: التقويم، والمال واحد. والابتلاء: الامتحان، والميسور والمعسور مصدران بمعنى العسر واليسر كالمفتون بمعنى الفتنه، ويمتنع عند سيبويه مجئ المصدر على مفعول. قال: الميسور الزمان الذي يوسر فيه. والاختبار فيه سبحانه صورته. و (غنيها وفقيرها) نشر على ترتيب اللف على الظاهر، والضمير فيهما إلى الارزاق، وفي الاضافة توسع، ويحتمل عوده إلى الاشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدنيا، أو إلى الارض، ولعل إحديهما أنسب ببعض الضمائر الآتية. و العقابيل: جمع عقبول وعقبولة بالضم وهي قروح صغار تخرج بالشفة غب الحمى وبقايا المرض، وفي تشبيه الفاقة وهي الفقر والحاجة وآثارها (1) بالعقابيل من اللطف ما لا يخفى لكونها مما يقبح في المنظر وتخرج في العضو الذي لا يتيسر سترها عن الناس وتشتمل على فوائد خفية وكذلك الفقر وما يتبعه، وأيضا تكون غالبا بعد التلذد بالنعم، وطوارق الآفات: متجددات المصائب وما يأتي منها بغتة من الطروق وهو الاتيان بالليل، والفرج: جمع فرجة وهي التفصي من الهم وفرجة الحائط أيضا، والفرح: السرور والنشاط، والغصة بالضم: ما اعترض في الحلق والنزح بالتحريك: الهم والهلاك والانقطاع ايضا، والاجل محركة: مدة الشئ، وغاية الوقت في الموت، وحلول الدين، وتعليق الاطالة والتقصير على الاول واضح، وأما التقديم والتأخير فيمكن أن يكون باعتبار أن لكل مدة غاية وحينئذ يرجع التقديم إلى التقصير والاطالة إلى التأخير ويكون العطف للتفسير تأكيدا، ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم جعل بعض الاعمار سابقا على بعض وتقديم بعض الامم على بعض مثلا فيكون تأسيسا، ويمكن أن يراد بتقديم الاجال قطع بعض الاعمار لبعض الاسباب كقطع الرحم مثلا كما ورد في الاخبار وبتأخيرها


(1) في بعض النسخ: أو آثارها (*).

[152]

مدها لبعض الاسباب فيعود الضمير في (قدمها وأخرها) إلى الآجال بالمعنى الثاني على وجه الاستخدام أو نوع من التجوز في التعليق كما مر، والسبب: في الاصل الحبل يتوسل به إلى الماء ونحوه ثم توسعوا فيه، واتصال أسباب الاجال أي أسباب انقضائها أو أسباب نفسها (1) على المعنى الثاني بالموت (2) واضح، ويحتمل أن تكون الاسباب عبارة عن الآجال بالمعنى الاول. وخالجا أي جاذبا، والشطن بالتحريك: الحبل، وأشطان الاجال: التي يجذبها الموت هي الاعمار شبهت بالاشطان لطولها وامتدادها. والمرائر: جمع مرير ومريرة وهي الحبال المفتولة على أكثر من طاق، ذكره في النهاية، وقيل: الحبال الشديدة الفتل، وقيل: الطول الدقاق منها. والاقران جمع قرن بالتحريك وهو في الاصل حبل يجمع به البعيران ولعل المراد بمرائر أقران الآجال: الاعمار التي يرجى امتدادها لقوة المزاج والبنية ونحو ذلك وكلمة ((من) في قوله (من ضمائر المضمرين) بيانية، والضمائر: الصور الذهنية المكنونة في المدارك، والنجوى: اسم يقام مقام المصدر، وهو المسارة، والخواطر: ما يخطر في القلب من تدبير أمر ونحو ذلك، و رجم الظنون: كل ما يسبق إليه الظن من غير برهان أو مسارعته، والحديث المرجم: الذي لا يدرى أحق هو أم باطل، وعقدة كل شئ - بالضم -: الموضع الذي عقد منه واحكم، ومسارق العيون: النظرات الخفية كأنها تسترق النظر لاخفائها وأومضت المرأة: إذا سارقت النظر، وأومض البرق: إذا لمع خفيفا ولم يعترض في نواحي الغيم، والجفن بالفتح: غطاء العين من أعلى وأسفل وجمعه جفون وأجفن وأجفان، والمقصود إحلطة علمه سبحانه بكل معلوم جزئي وكلي ردا على من قصر علمه على البعض كالكليات. والاكنان والاكنة: جمع الكن بالكسر وهو اسم لكل ما يستتر فيه الانسان لدفع الحر والبرد من الابنية ونحوها، وستر


(1) في المخطوطة: انفسها. (2) الجار والمجرور متعلق بقوله (اتصال) (*).

[153]

كل شئ ووقاؤه كما قال تعالى (وجعل لكم من الجبال أكنانا (1)) وقال ابن أبي الحديد: ويروى (أكنة القلوب) وهي غلفها وأغطيتها [و] قال الله تعالى (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) (2). وغيابة البئر: قعره، وأصغى أي استمع، وأصغى إليه أي مال بسمعه نحوه واستراق السمع: الاستماع في خفية، وصاخ وأصاخ له أي استمع ومصائخ الاسماع خروقها التي يستمع بها، والذر: صغار النمل، ومصايفها: المواضع التي تصيف فيها أي تقيم فيها بالصيف، ومشاتي الهوام مواضع أقامتها بالشتاء، والهامة كل ذات سم يقتل، وما لا يقتل فهو السامة كالعقرب، وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان كالحشرات. والحنين: شدة البكاء وصوت الطرب عن حزن أو فرح، و رجعه: ترجيعه وترديده، وقيل: أصل الحنين ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها و المولهات: النوق، وكل انثى حيل بينها وبين أولادها وفي بعض النسخ (الموالهات) وأصل الوله زوال العقل والتحير من شدة الوجد. والهمس: أخفى ما يكون من صوت القدم أو كل صوت خفي، والمنفسح: موضع السعة، ومنفسح الثمرة: موضع نموها في الاكمام ويروى (متفسخ) بالخاء المعجمة وتشديد السين والتاء مصدرا من تفسخت الثمرة إذا انقطعت، والوليجة: الدخيلة والبطانة. وقال ابن أبي الحديد: الولائج: المواضع الساترة والواحد (3) وليجة وهي كالكهف يستتر فيها المارة من مطر أو غيره. والغلف بضمة (4) وبضمتين: جمع غلاف ككتاب، و يوجد في النسخ على الوجهين، والكم بالكسر: وعاء الطلع وغطاء النور وجمعه أكمام وأكمة وكمام. وكلمة (من) على ما في الاصل بيانية أو تبعيضية، وعلى الرواية صلة أو بيانية. والمنقمع على زنة المفعول من باب الانفعال: موضع


(1) النحل: 81. (2) الانعام: 25. (3) في المخطوطة: الواحدة. (4) في بعض النسخ: أو ضمتين (*).

[154]

الاختفاء كما في أكثر النسخ وفي بعضها من باب التفعل بمعناه والغيران: جمع غار، وهو ما ينحف في الجبل شبه المغارة، فإذا اتسع قيل (كهف). وقيل: الغار: الجحر يأوي إليه الوحش، أو كل مطمئن في الارض أو المنخفض من الجبل. و البعوض: البق، وقيل: صغارها، والواحدة بهاء (1)، ومختبأ البعوض: موضع اختفائه، والسوق: جمع ساق، والالحية. جمع اللحاء ككساء وهو قشر الشجر. و غرزه في الارض كضربه، أدخله وثبته، ومغرز الاوراق: موضع وصلها، و الافنان: جمع فنن بالتحريك وهو الغصن، والحط: الحدر من علو إلى سفل والامشاج قيل مفرد وقيل جمع مشج بالفتح أو بالتحريك أو مشيج على فعيل أي المختلط. قيل في قوله تعالى (من نطفة أمشاج (2)) أي أخلاط من الطبائع من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وقيل: من الاجزاء المختلفة في الاستعداد وقيل: أمشاج أي أطوار: طورا نطفة، وطورا علقة، وهكذا. وقيل: أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة وسيأتي الكلام فيه، وكلامه عليه السلام يؤيد بعض الوجوه الاولة: كما لا يخفى. والمسارب: المواضع التي ينسرب فيه المنى أي يسيل، أو ينسرب فيها المني أي يختفي، من قولهم انسرب الوحشي إذا دخل في جحره واختفى، أو مجاري المني من السرب بمعنى الطريق، والمراد أوعيتها من الاصلاب أو مجاريها، وتفسير المسارب بالاخلاط التي يتولد منها المني كما احتمله ابن ميثم بعيد، والمراد بمحط الامشاج مقر النطفة من الرحم أو من الاصلاب على بعض الوجوه في المسارب فتكون كلمة (من) تبعيضية، ولعل الاول أظهر. والناشئة من السحاب: أول ما ينشأ منه ولم يتكامل اجتماعه أو المرتفع منه، و متلاحم الغيوم: ما التصق منها بعضها ببعض، والدرور: السيلان، والقطر بالفتح:


(1) يعنى يزاد في آخرها هاء فيقال (بعوضة). (2) الدهر: 2.

[155]

المطر، والواحدة (قطرة) والسحائب: جمع سحابة، ومتراكمها: المجتمع المتكاثف منها، وفي بعض النسخ (وتراكمها). وسفت الريح التراب تسفيه أي ذرته ورمت به أو حملته، والاعاصير: جمع الاعصار وهو بالكسر الريح التي تهب صاعدا من الارض نحو السماء كالعمود، و قيل: التي فيها نار، وقيل: التي فيها العصار وهو الغبار الشديد، وذيولها: أطرافها التي تجرها على الارض، ولطف الاستعارة ظاهر. وعفت الريح الاثر إذا طمسته ومحته، وعفي الاثر إذا انمحى يتعدى ولا يتعدى، والعوم: السباحة وسير السفينة والابل، و (بنات الارض) بتقديم الباء على ما في أكثر النسخ: الحشرات والهوام التي تكون في الرمال وغيرها كاللحكة والعصابة وغيرهما، وحركتها في الرمال لعدم استقرارها تشبه السباحة، وفي بعض النسخ بتقديم النور فالمراد حركة عروقها في في الرمال كأرجل السابحين وأيديهم في الماء، والكثبان بالضم جمع الكثيب وهو التل من الرمل، والمستقر: موضع الاستقرار، ويحتمل المصدر. وذروة الشئ بالضم والكسر: أعلاه، وغرد الطائر كفرح وغرد تغريدا: رفع صوته وطرب به وذوات المنطق من الطيور ماله صوت وغناء كأن غيره أبكم لا يقدر على المنطق. و الدياجير: جمع ديجور وهو الظلام والمظلم والاضافة على الثاني من إضافة الخاص إلى العام. والوكر بالفتح عش الطائر، وما أوعته الاصداف أي ما حفظته وجمعته من اللئالى. والحضن بالكسر: ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر، أو العضدان وما بينهما. وحضن الصبي كنصر: جعله في حضنه، وما حضنته الامواج: العنبر والمسك وغيرهما، وما غشيته أي غطته، والسدفة بالضم: الظلمة، وذرت الشمس أي طلعت، وشرقت الشمس أي أضاءت، وما اعتقبت أي تعاقبت وجاءت واحدة بعد اخرى، والاطباق: جمع طبق بالتحريك وهو غطاء كل شئ وتارات (1) الظلمة تستر الاشياء كالاغطية، وسبحات النور: مراته، وسبحات وجه


(1) في بعض النسخ: دثارات (*).

[156]

الله أنواره، وقال ابن أبي الحديد: ليس يعني بالسبحات ههنا ما يعنى به في قوله (سبحات وجه ربنا) لانه هناك بمعنى الجلالة، وههنا بمعنى ما يسبح عليه النور أي يجري، من سبح الفرس وهو جريه والمتعاقبان: النور والظلمة أي ما تغطيه ظلمة بعد نور ونور بعد ظلمة، ويحتمل أن يراد تعاقب أفراد كل منهما. وأثر القدم: علامته التي تبقى في الارض، والخطوة: المشية، والحس: الصوت الخفي، ورجع الكلمة: ما ترجع به من الكلام إلى نفسك وتردده في فكرك أو جواب الكلمة أو ترديد الصوت وترجيعه عند التلفظ بالكلمة، أو إرجاع النفس للتلفظ بكلمة بعد الوقف على كلمة، والرجع يكون لازما ومتعديا. والنسمة محركة: الانسان أو كل دابة فيها روح، ومستقر النسمة: إما الصلب أو الرحم أو القبر أو مكانه في الدنيا أو في الآخرة أو الاعم. ومثقال الذرة: وزنها لا المثقال المعروف كما قال تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة (1)) والهمهمة: الصوت الخفي أو ترديد الصوت في الحلق أو تردد الصوت في الصدر من الهم. كل نفس هامة أي ذات همة تعزم على أمر، والوصف للتعميم، وما عليها أي على الارض بقرينة المقام كقوله تعالى (كل من عليها فان (2)) والنطقة ماء الرجل، والماء الصافي قل أو كثر ويطلق على قليل ماء في دلو أو قربة، والاول أظهر في المقام. وقرارتها: موضعها الذي تستقر فيه، وأصل القرارة: المطمئن من الارض يستقر فيه ماء المطر وجمعها (القرار) ونقاعة كل شئ بالضم الماء الذي ينقع فيه، وقال الشراح: النقاعة نقرة يجتمع فيها الدم. والمضغة بالضم: القطعة من اللحم قدر ما يمضع، وناشئة الخلق: الصورة ينشئها سبحانه في البدن أو الروح التي ينفخها فيه، والسلالة بالضم: ما استل واستخرج من شئ، وفي الكلام إشارة إلى قوله سبحانه (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين إلى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) (3)


(1) النساء: 40. (2) الرحمن: 26. (3) المؤمنون: 14 (*).

[157]

ثم الغرض من ذكره هذه الاشياء التنصيص على عموم علمه سبحانه مع الاشارة إلى أصناف خلقه وأنواع بريته وعجائب ربوبيته، فإن الدليل على علمه بها خلقه لها وحفظه وتربيته لكل منها وإظهار بدائع الحكمة في كل صفة من أوصافها وحال من أحوالها كما قال سبحانه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (1)). (لم يلحقه في ذلك) المشار إليه إما العلم بالجزئيات المذكورة وإما خلق الاشياء المذكورة قبل تفصيل المعلومات أو فيها أيضا كما قلنا ان الغرض ليس محض تعلق العلم بها. كلفة أي مشقة، ولا اعترضته أي منعته، والعارضة: ما يستقبلك من شئ يمنعك عن مسيرك. (ولا اعتورته) قيل: اعتورته: أحاطت به، وفي اللغة: اعتوروا الشئ أي تداولوه وتناوبوه، و (في تنفيذ الامور) أي إجرائها وإمضائها والتدبير: النظر في عاقبتة الامر أو الفعل عن روية، والمراد هنا إمضاء الامور على وفق المصلحة والعلم بالعواقب. والملالة: السأمة والضجر، وفتر عن العمل: انكسر حدته ولان بعد شدته (بل نفذ فيهم علمه) أي أحاط علمه بظواهرهم وبواطنهم وفي بعض النسخ (نفذهم) على الحذف والايصال. والعد: مصدر عددته، وفي بعض النسخ (عدده) وغمرهم أي غطاهم وسترهم وشملهم فضله، وكنه الشئ: نهايته وحقيقته، والوصف الجميل: ذكر الفضائل، والتعداد بالفتح: مصدر للمبالغة والتكثير، وقال الكوفيون، أصله التفعيل الذي يفيد المبالغة، قلبت ياؤه ألفا وبالكسر شاذ، والامل: ضد اليأس، و (خير) خبر مبتدأ محذوف، وكذلك (أكرم) والبسط: النشر والتوسيع، وكلمة (في) إما زائدة أو للظرفية المجازية والمفعول محذوف أي بسطت لي القدرة أو الكلام فيما لا أمدح به غيرك، والغرض شكره سبحانه على فضيلة البلاغة والعلم به سبحانه ومدائحه والتوفيق على قصر المدح على الله جل شأنه، والخيبة: الحرمان، والمخلوقون هم معادنها لان عطاياهم قليلة فانية مع أنهم لا يعطون غالبا، وهم مواضع الريبة أي التهمة والشك لعدم الوثوق بإعطائهم وعدم الاعتماد عليهم في رعاية مصلحة في المنع والله سبحانه لا يمنع إلا لمصلحة


(1) الملك: 14 (*).

[158]

تعود إلى السائل ويدخر مع ذلك له أضعاف ما سأل في الدار الباقية. والمثوبة: الثواب، والجزاء: المكافاة على الشئ، والعارفة: الاحسان. (دليلا على ذخائر الرحمة) أي هاديا إلى أسبابها بالتوفيق والتأييد، وذخائر الرحمة: عظائم العطايا، أصل الذخيرة المختار من كل شئ أو ما يعده الرجل ليوم حاجته. (وهذا مقام) اسم مكان، ويحتمل المصدر. والمحمدة بفتح العين وكسرها: مصدر حمده كسمعه، والفاقة: الفقر، والجبر في الاصل إصلاح العظم المكسور، والمسكنة: الخضوع والذلة وقلة المال وسوء الحال، ونعشه: رفعه، و الخلة بالفتح الفقر والحاجة، وضميرا (مسكنتها) و (خلتها) راجعان إلى الفاقة وفي الاضافة توسع. والمن: العطاء، ومد الايدي كناية عن الطلب، وإظهار الحاجة، والقدير: مبالغة في القادر. وإنما بسطنا الكلام بعض البسط في شرح هذه الخطبة لكونها من جلائل الخطب، وذكرنا جميعها لذلك ولكون أكثرها متعلقا بمطالب هذا المجلد، وتفريقها على الابواب كان يوجب تفويت نظام البلاغة وكمالها كما فوت السيد - ره - كثيرا من فوائد الخطبة باختصارها واختيارها، وأما دلالتها على حدوث السماء والارض والملائكة وغير ذلك فغير خفي على المتأمل فيها. 91 - الكافي: عن محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي، عن عبد الله بن أيوب الاشعري، عن عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل (1)


(1) في نسخ البحار (مسلمة بن كهيل) لكن الصحيح (سلمة بن كهيل) كما في المصدر و (كهيل) بالضم وزان (زبير) وقد اختلفوا في ان المسمى بهذا الاسم واحد أو اثنان أو اكثر فاعتبره (ابن داود) ثلاثة رجال، وعده الشيخ تارة بهذا العنوان من اصحاب امير المؤمنين عليه السلام واخرى من اصحاب الباقر عليه السلام وثالثة من اصحاب السجاد عليه السلام مضيفا إليه قوله (أبو يحيى الحضرمي الكوفى) ورابعة من اصحاب الصادق عليه السلام مضيفا إليه قوله (ابن الحصين أبو يحيى الحضرمي الكوفى تابعي) وعند صاحب (جامع الرواة) رجلان احدهما من خواص أمير المؤمنين عليه السلام والاخر من عاصر السجاد والباقر والصادق=

[159]

عن أبي الهيثم بن التيهان، أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف، ولم يكن له كان إلى قوله ولا قوي بعد ما كون شيئا، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، ولا يشبه شيئا، ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه، كان إلها حيا بلا حياة، ومالكا قبل أن يكون ينشئ شيئا، و مالكا بعد إنشائه للكون (1). ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن موسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم ابن محمد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام مثله (2). التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله (3). بيان: (ولم يكن له كان) ظاهره نفي الزمان عنه تعالى، وإن احتمل أن يكون (كان) اسما بمعنى الكون على لغة من يقلب الواو والياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا، ثم لا يخفى دلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه. قوله (ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه) الملك يكون بمعنى السلطنة وبمعنى المملكة فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره أولا وعند إرجاع الضمير إليه ثانيا هو المعنى الاول، أو في الاول الاول وفي الثاني الثاني على طريقة الاستخدام، ويكون الضمير راجعا إلى الله بالاضافة إلى الفاعل ولا يلائم الاخير الفقرة التالية. 92 - الكافي: عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن


= عليهم السلام وهو من التبرية (وهم الذين قالوا بامامة ابى بكر وعمر وعلى ومن خرج بالسيف من ولد على عليه السلام) واستظهره ايضا في تنقيح المقال (ج 2، ص 51) وقال: الاول من الحسان والثانى غير موثوق به فيندرج في الضعفاء، وكيف كان فالذي في هذا السند غير صاحب على عليه السلام بشهادة رواية (عمرو بن شمر) عنه والله العالم. (1) روضة الكافي: 31. (2) الكافي، ج 1، 88. (3) التوحيد: 113 (*).

[160]

النعمان (1) أو غيره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه ذكر هذه الخطبة لامير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة: الحمد لله أهل الحمد ووليه، ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع إلى قوله الذي كان في أوليته متقادما وفي ديموميته متسيطرا خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته، ودانوا لدوام أبديته (2). بيان المتسيطر: المتسلط. 94 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء حبر من الاحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ! متى كان ربك ؟ فقال له: ثكلتك امك ! ومتى لم يكن حتى يقال متى كان ؟ كان ربي قبل القبل بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته، انقطعت الغايات عنده، فهو منتهى كل غاية (3). 95 - ومنه: عن علي بن محمد، رفعه عن زرارة، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام كان الله ولا شئ ؟ قال: نعم، كان ولا شئ. قلت: فأين كان يكون ؟ قال: وكان متكئا فاستوى جالسا. وقال: أحلت يا زرارة وسألت عن المكان إذ لا مكان (4).


(1) هو محمد بن على بن النعمان بن أبى طريفة البجلى مولى الاحول أبو جعفر كوفى صيرفي (النجاشي: 249) يعد من اصحاب الصادق والكاظم، ثقة جليل، يلقب بمؤمن الطاق وصاحب الطاق ويلقبه المخالفون (شيطان الطاق) كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة. وكان له مع أبى حنيفة حكايات كثيرة منها انه قال له يوما يا أبا جعفر تقول بالرجعة ؟ فقال له نعم. قال: أقرضنى من كيسك خمسمائة دينار فإذا عدت انا وانت رددتها اليك ! فقال له في الحال: اريد ضمينا يضمن لى انك تعود انسانا، فانى اخاف ان تعود قردا فلا أتمكن من استرجاع ما اخذت منى !. (2) روضة الكافي: 173. (3) الكافي، ج 1، ص 89. (4) في المصدر: أكان الله. (5) الكافي: ج 1، ص 90 (*).

[161]

بيان: (أحلت) أي تكلمت بالمحال. 95 - الكافي: عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن زيد، قال: جئت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن التوحيد فأملى علي: الحمد لله فاطر الاشياء إنشاء، ومبتدعها ابتداء (1) بقدرته وحكمته لا من شئ فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع (الخبر) (2). العلل: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن سهل مثله (3). التوحيد عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن سهل مثله (4). 96 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن صفوان عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور. فلما أحدث الاشياء وقع العلم (5) منه على المعلوم والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور. (قال:) قلت: فلم يزل الله متحركا ؟ قال: فقال: تعالى الله عن ذلك ! إن الحركة صفة محدثة بالفعل، قال، قلت: فلم يزل الله متكلما ؟ (قال:) فقال: إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان الله عز وجل ولا متكلم (6). التوحيد: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم مثله (7). 97 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن


(1) في المصدر: ابتداعا. (2) الكافي: ج 1، ص 105. (3) العلل: ج 1، ص 9. (4) التوحيد: 57. (5) في المصدر: وكان. (6) الكافي: ج 1، ص 107. (7) التوحيد: 88 (*).

[162]

هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: كان الله ولا شئ غيره، ولم يزل عالما، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه (1). 98 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن أيوب بن (2) نوح أنه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الله عز وجل أكان يعلم الاشياء قبل أن خلق الاشياء وكونها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها فعلم ما خلق عند ما خلق وما (3) كون عند ما كون. فوقع بخطه عليه السلام: لم يزل الله عالما بالاشياء قبل أن يخلق الاشياء كعلمه بالاشياء بعد ما خلق الاشياء (4). التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله (5). 99 - الكافي: عن على بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد بن حمزة، قال: كتبت إلى الرجل (6) عليه السلام أسأله أن مواليك اختلفوا في العلم، فقال بعضهم: لم يزل الله عالما قبل فعل الاشياء، وقال بعضهم: لا نقول لم يزل عالما لان معنى يعلم يفعل، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الازل معه شيئا. فإن رأيت جعلني الله فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه. فكتب عليه السلام بخطه: لم يزل الله تعالى عالما تبارك وتعالى ذكره (7). بيان: قد مر شرح هذا الخبر ويدل زائدا على ما سبق في الاخبار على أنه كان معلوما عند الاصحاب أنه لا يجوز أن يكون شئ مع الله في الازل ولما توهموا


(1) الكافي: ج 1، ص 107. (2) من اصحاب الهادى عليه السلام ثقة روى عنه سعد بن عبد الله بلا واسطة وبواسطة محمد بن عيسى بن عبيد. (3) في التوحيد: فعلم ما خلق وما كون.. (4) الكافي: ج 1، ص 107. (5) التوحيد: 92. وفي المصدر: احمد بن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن ايوب بن نوح. ولا بأس به، لان احمد بن محمد بن يحيى يروى عن سعد بلا واسطة وبواسطة أبيه. (6) الظاهر ان المراد به الحسن بن على العسكري عليهما السلام. (7) الكافي: ج 1، ص 107 (*).

[163]

أن العلم يستلزم حصول صورة نفوا العلم في الازل لئلا يكون معه تعالى غيره قياسا على الشاهد فلم يتعرض عليه السلام لابطال توهمهم، وأثبت العلم القديم له تعالى وبالجملة هذه الاخبار صريحة في أن المخلوقات كلها مسبوقة بعدم يعلمها سبحانه في حال عدمها. 100 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد، عن عبد الصمد بن بشير، عن فضيل سكرة، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك إن رأيت أن تعلمني هل كان الله جل وجهه (1) يعلم قبل أن يخلق الخلق أنه وحده، فقد اختلف مواليك، فقال بعضهم: قد كان يعلم (2) قبل أن يخلق شيئا من خلقه، وقال بعضهم: إنما معنى يعلم يفعل، فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل فعل الاشياء، فقالوا (3): إن أثبتنا أنه لم يزل عالما بأنه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليته، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني ما لا أعدوه إلى غيره. فكتب: ما زال الله عالما تبارك وتعالى ذكره (4). التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه مثله (5). 101 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: لم يزل الله مريدا ؟ قال: إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد (6). 102 - ومنه: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله وموسى بن عمرو والحسن بن على بن عثمان، عن ابن سنان، قال: سألت أبا الحسن


(1) في التوحيد: جل ذكره. (2) في التوحيد: قد كان يعلم تبارك وتعالى انه وحده. (3) في التوحيد: وقالوا. (4) الكافي: ج 1، ص 108. (5) التوحيد: 92. (6) الكافي: ج 1، ص 109، وقد نقل المؤلف رحمه الله الرواية في ضمن بيان الحديث الرقم 12 عن التوحيد عن عاصم بن حميد عن ابى عبد الله عليه السلام (*).

[164]

الرضا عليه السلام هل كان الله عزوجل عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق ؟ قال: نعم. قلت: يراها ويسمعها ؟ قال: ما كان (1) محتاجا إلى ذلك، لانه لم يكن يسألها ولا يطلب منها، هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة فليس (2) يحتاج (3) أن يسمي نفسه، لكن (4) اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها (الخبر) (5). التوحيد والعيون ومعانى الاخبار: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس مثله. 103 - الكافي: محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله جميعا رفعاه إلى أبي عبد الله عليه السلام إن أمير المؤمنين عليه السلام قام خطيبا فقال: الحمد لله الواحد الاحد الصمد المتفرد الذي لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان إلى قوله ولم يتكأده صنع شئ كان إنما قال لما شاء (6) كن فكان، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق، ولا تعب ولا نصب وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لا من شئ صنع ما خلق، وكل عالم فمن بعد جهل تعلم، والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالاشياء علما قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما، علمه قبل أن يكونها كعلمه بها (7) بعد تكوينها إلى قوله الواحد الاحد الصمد، المبيد للابد، والوارث للامد، الذي لم يزل ولا يزال وحدانيا أزليا قبل بدء الدهور، وبعد صروف (8) الامور (الخبر) (9). ثم قال الكليني ره: هذه الخطبة من مشهورات خطبه عليه السلام حتى لقد ابتذلها


(1) في التوحيد: ما كان الله. (2) في التوحيد: وليس. (3) في العيون: إلى أن يسمى. (4) كذا في التوحيد، وفي الكافي والعيون ومعانى الاخبار: ولكنه. (5) الكافي: ج 1، 113، التوحيد، 129، العيون، ج 1، 129، معاني الاخبار: ص 2. (6) في التوحيد: لما شاء أن يكون كن.. (7) في الكافي والتوحيد: كعلمه بعد. (8) في التوحيد: صرف. (9) الكافي: ج 1، 134 (*).

[165]

العامة ! وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها وفهم ما فيها - إلى أن قال - ألا ترون إلى قوله (لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان) فنفى بقوله (لا من شئ كان) معنى الحدوث، وكيف أوقع على ما خلقه (1) صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال نفيا لقول من قال إن الاشياء كلها محدثة بعضها من بعض، وإبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل ولا يدبر إلا باحتذاء المثال، فدفع عليه السلام بقوله (لا من شئ خلق ما كان) جميع حجج الثنوية وشبههم، لان أكثر ما تعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا: لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الاشياء من شئ أو من لا شئ، فقولهم (من شئ) خطاء وقولهم (من لا شئ) مناقضة وإحالة، لان (من) يوجب شيئا و (لا شئ) ينفيه، فأخرج أمير المؤمنين عليه السلام هذه اللفظة على أبلغ الالفاظ، وأصحها وقال عليه السلام (لا من شئ خلق ما كان) فنفى (من) إذ كانت توجب شيئا، ونفى (الشئ) إذا كان كل شئ مخلوقا محدثا، لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية أنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثال. التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد الاسدي، وأحمد بن يحيى بن زكريا القطان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي معاوية، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن أبيه، وعن أحمد بن محمد بن الصقر، عن محمد بن العباس بن بسام، عن سعيد بن محمد البصري، عن عمرة بنت أوس (2)، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام مثله (3). 104 - الكافي: وعنه، عن محمد بن أبي عبد الله، رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لذعلب، إن ربي لطيف اللطافة، لا يوصف باللطف، قبل كل شئ لا يقال شئ قبله إلى قوله لا تحويه الاماكن، ولا تضمنه الاوقات - إلى قوله -


(1) في الكافي: على ما أحدثه. (3) في المصدر: بنت أويس. (3) التوحيد: 18 (*).

[166]

سبق الاوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله إلى قوله ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد له، وشاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمعززها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه كان ربا إذ لا مربوب، وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع (1). بيان: ظاهر قوله عليه السلام (ففرق بين قبل وبعد) أنه سبحانه ليس بزماني أصلا، ويحتمل أن يكون المعنى جعل حدوث كل شئ منوطا بوقت ليعلم أنه لا ابتداء لوجوده، أو جعل الاشياء بعضها علة لبعض ليعلم أن لا علة، له، وهما بعيدان والاخير أبعد. وكذا قوله (أن لا وقت لموقتها) ظاهره نفي الزمان وإن احتمل الوجه الثاني، وكذا قوله أولا (لا تضمنه الاوقات) يدل على ذلك، وإن احتمل أن يراد به لم يكن قبله وبعده زمان فيكون قد تضمنه، وقد مر الكلام في قوله (سبق الاوقات كونه) ودلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه ظاهرة. 105 - الكافي: عن على بن محمد، عن سهل بن زياد، عن شباب الصيرفي عن علي بن سيف بن عميره، عن إسمعيل بن قتيبة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بالكوفة فقال: الحمد لله الملهم عباده حمده، وفاطرهم على معرفة ربوبية، الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزله - إلى قوله - ولا أمد لكونه، ولا غاية لبقائه (2). 106 - قال: ورواه محمد بن الحسين، عن صالح بن حمزة، عن فتح بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: كتبت إلى أبي إبراهيم عليه السلام أسأله عن شئ من التوحيد فكتب إلي بخطه: الحمد لله عباده حمده وذكر مثل ما رواه سهل - إلى قوله - أول الديانة معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة، وشهادتهما جميعا بالتثنية الممتنع منه الازل إلى قوله عالم إذ لا معلوم، وخالق إذ لا مخلوق


(1) الكافي: ج 1، ص 138. (2) الكافي، ج 1، ص 139 (*).

[167]

ورب إذ لا مربوب، وكذلك يوصف ربنا وفوق ما يصفه الواصفون (1). التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن محمد بن اسمعيل البرمكي، عن علي بن عباس، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن فتح بن يزيد الجرجاني (2) عن الرضا عليه السلام مثله (3). 107 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عن أحمد بن النضر (4) وغيره، عمن ذكره، عن عمرو بن ثابت، عن رجل سماه عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الاعور، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال الحمد لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه لانه كل يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن - إلى قوله - ليست له في أوليته نهاية، ولا لآخريته حد ولا غاية الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان - إلى قوله - الاول قبل كل شئ ولا قبل له، والاخر بعد كل شئ ولا بعد له - إلى قوله - أتقن ما أراد خلقه من الاشباح (5) كلها لا بمثال (6) سبق إليه، ولا لغوب دخل عليه، في خلق ما خلق لديه، ابتدأ ما


(1) الكافي، ج 1، ص 140. (2) فتح بن يزيد أبو عبد الله الجرجاني عده الشيخ تارة من اصحاب الهادى عليه السلام و اخرى ممن لم يرو عنهم عليهم السلام وروى الكليني ره عدة روايات عنه عن ابى الحسن الرضا عليه السلام ولذلك انكر بعضهم روايته عن الهادى ونسب السهو الى قلم الشيخ - ره - لكن روى في كشف الغمة عنه عن الهادى عليه السلام وقال في التعليقة: يظهر من بعضى الروايات غاية اخلاصه لابي الحسن وهو الهادى على ما نقله في كشف الغمة وفي موضعين من الرواية قال له (يرحمك الله) وفي الرواية انه توهم ربوبية الائمة عليهم السلام فنهاه أبو الحسن عليه السلام و قال بالامامة (انتهى). (3) التوحيد: 26. (4) في المصدر: (عن النصر) وأحمد بن النضر أبو الحسن الجعفي مولى كوفى ثقه، و اما النضر فالمسى به كثير لكن لم نجد رواية البرقى عن أحدهم سوى (النضر بن سويد الصيرفى الكوفى الثقة) والله العالم. (5) في بعض النسخ وكذا في التوحيد: الاشياء. (6) في التوحيد: بلا مثال (*).

[168]

أراد ابتداءه، وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد (1) من الثقلين (2) ليعرفوا (3) بذلك ربوبيته (الخطبة) (4). التوحيد: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد مثله (5) 108 - تفسير الفرات: عن جعفر بن محمد الفزاري، بإسناده عن قبيصة الجعفي، قال: دخلت على الصادق عليه السلام وعنده جماعة فسلمت وجلست وقلت: أين كنتم قبل أن يخلق الله سماء مبينة وأرضا مدحية أو ظلمة أو نورا (6) ؟ قال: يا قبيصة ! كنا أشباح نور حول العرش نسبح الله قبل أن يخلق آدم بخمسة عشر ألف عام (الخبر) (7). 109 - كتاب تأيل الايات: نقل من كتاب المعراج للصدوق ره بإسناده عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يخاطب عليا عليه السلام: يا علي، إن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ معه، فخلقني وخلقك زوجين (8) من نور جلاله، فكنا أمام عرش رب العالمين نسبح الله ونقدسه ونحمده ونهلله، وذلك قبل أن يخلق السماوات والارضين (الخبر). 110 - كتاب المقتضب: عن سلمان الفارسي - ره - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا سلمان، خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطعته، فخلق (9) من نوري عليا فدعاه فأطاعه، فخلق من نوري ونور علي فاطمة، فدعاها فأطاعته، فخلق مني ومن


(1) في التوحيد: اراده. (2) في الكافي: الثقلين من الجن والانس لتعرفوا. (3) في التوحيد: لتعرف (4) الكافي: ج 1، ص 141. (5) التوحيد: 13. (6) في المخطوطة، ونورا. (7) تفسير فرأت الكوفى: 207. (8) في بعض النسخ: روحين. (9) في بعض النسخ (وخلق) في المواضع الثلاثة (*).

[169]

علي ومن فاطمة الحسن والحسين، فدعاهما فأطاعاه، ثم خلق من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية، أو أرضا مدحية، أو هواء أو ماء، أو ملكا أو بشرا، وكنا بعلمه أنوارا نسبحه ونسمع له ونطيع (الخبر) الاختصاص: بإسناده إلى سلمان مثله. 111 - كتاب رياض الجنان: لفضل الله الفارسي بإسناده عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا عرش ولا جنة ولا نار، كنا نسبحه (الخبر). 112 - وبإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: يا جابر كان الله ولا شئ غيره (و) لا معلوم ولا مجهول، فأول ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمدا صلى الله عليه وآله وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس نسبح الله ونقدسه ونحمده ونعبده حق عبادته، ثم بدا لله أن يخلق المكان فخلقه (1) وكتب على المكان (لا إله إلا الله محمد رسول الله عي أمير المؤمنين ووصيه به أيدته ونصرته) ثم خلق الله العرش فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك، ثم خلق الله السماوات فكتب على أطرافها مثل ذلك، ثم خلق الجنة والنار فكتب عليهما مثل ذلك، ثم خلق الملائكة فأسكنهم (2) السماء، ثم خلق الهواء فكتب عليه مثل ذلك، ثم خلق الجن فأسكنهم الهواء، ثم خلق الارض فكتب على أطرافها مثل ذلك، فبذلك يا جابر قامت السماوات بغير عمد، وثبتت الارض، ثم خلق الله آدم من أديم الارض ثم ساق الحديث الطويل إلى قوله فنحن أول خلق الله. وأول خلق عبد الله وسبحه، ونحن سب الخلق وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميين (تمام الخبر).


(1) يستفاد من هذه الرواية أن خلق نورهم عليهم السلام كان قبل خلق المكان ولو كان محتاجا إلى المكان لزم خلق المكان قبله أو معه، والغنى عن المكان مجرد فافهم. (2) في بعض النسخ (وأسكنهم) في الموضعين (*).

[170]

113 - وبإسناده عن المفضل أنه سأل الصادق عليه السلام: ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات والارضين ؟ قال: كنا أنوارا حول العرش نسبح الله ونقدسه حتى خلق الله سبحانه الملائكة (الخبر). 114 - وعن أحمد بن حنبل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام. 115 - وبإسناده إلى الصدوق، وبإسناده إلى عبد الله بن المبارك عن جعفر بن محمد عن آبائه عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله خلق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة، وخلق معه اثني عشر حجابا. 116 - وبإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أول شئ خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير (الخبر بطوله). 117 - وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما خلق الله نوري، ففتق منه نور علي، ثم خلق العرش واللوح والشمس وضوء النهار ونور الابصار والعقل والمعرفة. (الخبر) (1).


(1) يجد الغائض في بحار الاخبار والاثار روايات جمة تدل على اختلاف تعبيراتها على ان الله تبارك وتعالى خلق قبل خلق جميع الخلائق خلقا في غاية الشرافة ونهاية الكرامة هو الواسطة بينها وبين سائر الممكنات بل السبب لخلق سائر المخلوقات إذ لم يكن مكان ولا زمان ولا عرش، ولا فرش، ولا سماء ولا ارض، ولا أي شى فرض، ولازم ذلك كونه امرا مجردا عن نقائص المادة ومنزها عن غواشي الطبيعة ومتبرءا عن الزمان والمكان، ولذا عبر عنه غالبا بالنور، لكونه الطف واشرف ما ندرك من الاجسام، والجسمانيات، ومن المعلوم احتياج النور الحسى إلى الزمان والمكان سواء كان جوهرا أو عرضا: وذلك النور ارفع منه بكثير، وله تعلق بالرسول الخاتم وآله الكرام عليهم الصلوة والسلام وإن لم نكن نحن معاشر المتوغلين في المادة والمخلدين إلى ارض الطبيعة ندرك حقيقة تعلقه بهم واتحاده معهم وحيث انه منزه من المادة ولوازمها من التحيز والتغير وغيرهما فلا محالة لا يمكن تقديره بزمان ولا تقييده بمكان ولا تحديده باى حد جسماني غير حده الماهوى الامكاني، واما تحديد تقدم وجوده على وجود سائر=

[171]

118 - كتاب الوصية للمسعودي بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: خطب فقال: الحمد لله الذي توحد بصنع الاشياء، وفطر أجناس البرايا على غير أصل ولا مثال سبقه في إنشائها، ولا إعانة معين على ابتدائها، بل ابتدعها بلطف قدرته فامتثلت بمشيته (1) خاضعة ذليلة مستحدثة لامره، الواحد الاحد الدائم بغير حد ولا أمد، ولا زوال ولا نفاد، وكذلك لم يزل ولا يزال، لا تغيره الازمنة، ولا تحيط به الامكنة، ولا تبلغ صفاته الالسنة، ولا تأخذه نوم ولا سنة لم تره العيون فتخبر عنه برؤية، ولم تهجم عليه العقول فتوهم كنه صفته، ولم تدر كيف هو إلا بما أخبر عن نفسه، ليس لقضائه مرد ولا لقوله مكذب، ابتدع الاشياء بغير تفكر ولا معين، ولا ظهير ولا وزير، فطرها بقدرته، وصيرها إلى مشيته، فصاغ (2) أشباحها، وبرأ أرواحها، واستنبط أجناسها، خلقا مبروءا مذروءا في أقطار السماوات والارضين، لم يأت بشئ على غير ما أراد أن يأتي عليه ليري عباده آيات جلاله و آلائه، فسبحانه لا إله إلا هو الواحد القهار، وصلى الله عليه محمد وآله وسلم تسليما. اللهم فمن جهل فضل محمد صلى الله عليه وآله فإني مقر بأنك لا سطحت أرضا ولا برأت خلقا حتى أحكمت خلقه من نور سبقت به السلالة، وأنشأت له آدم جزما فأدعته منه قرارا مكينا، ومستودعا مأمونا (إلى آخر الخطبة الطويلة). 119 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة (3)، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


= الممكنات بالسنين والدهور فليس على حد تقدير الزمانيات بها، ولذا قرى بين التحديدات المذكورة في المقام اختلافات كثيرة لا تكاد تجد اثنين متفقين فيها، فأجل النظر في ما نقل في هذا الباب عن النبي وائمة اهل البيت عليهم السلام سابقا ولاحقا وما نقل في كتاب الامامة والله هو الموفق. (1) في بعض النسخ: في مشيته. (2) في بعض النسخ: وصاغ. (3) هو عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن اذينة بضم الهمزة وفتح الذال المعجمة و تقديم الياء على النون قال الكشى: قال حمدويه: سمعت أشياخى منهم العبيدي وغيره ان=

[172]

المشية محدثة (1). بيان: إذا كانت المشية محدثة وجميع الاشياء موجودة بالمشية فهي أولى بالحدوث. 120 - المتهجد: في دعاء يوم الاحد: أنت الله الحي الاول، الكائن قبل جميع الامور، والمكون لها بقدرتك، والعالم بمصادرها كيف تكون، أنت الذي سموت بعرشك في الهواء لعلو مكانت، وسددت الابصار عنه بتلالؤ نورك، واحتجبت عنهم بعظيم ملكك، وتوحدت فوق عرشك بقهرك وسلطانك، ثم دعوت السماوات إلى طاعة أمرك، فأجبن مذعنات إلى دعوتك، واستقرت على غير عمد من خيفتك وزينتها للناظرين، وأسكنتها العباد المسبحين، وفتقت الارضين فسطحتها لمن فيها مهادا وأرسيتها بالجبال أوتادا، فرسخ سخنها في الثرى، وعلت ذراها في الهواء فاستقرت على الرواسي الشامخات، وزينتها بالنبات وخففت عنها بالاحياء والاموات (إلى آخر الدعاء). 121 - وفي دعاء ليلة الاثنين: وعلوت بعرشك على العالمين، وأعمرت سماواتك بالملائكة المقربين، وعلمت تسبيحك الاولين والآخرين، وانقادت لك الدنيا والآخرة بأزمتها (2)، وحفظت السماوات والارض بمقاليدهما، وأذعنت لك بالطاعة ومن فوقها، وأبت حمل الامانة من شفقتها، وقامت بكلماتك في قرارها، واستقام (3)


= ابن اذينه كوفى هرب من المهدى ومات بالمين ولذلك لم يرو عنه كثير، ويقال اسمه (محمد بن عمر بن اذينة) غلب عليه اسم ابيه وهو كوفى مولى عبد القيس (انتهى) وعده الشيخ تارة من اصحاب الصادق واخرى من اصحاب الكاظم عليهما السلام ويوجد له الرواية عنهما ولا شبهة في وثاقته ولا غمز لاحد فيه. (1) الكافي، ج 1، ص 110. ويعنى بكونها محدثة انها ليس من الصفات الذاتية التى هي عين ذات البارئ بل من الصفات الفعلية التى تنتزع من مقام الفعل، وقد مر شطر من الكلام في المشية والارادة. (2) بأزمتهما (خ). (3) في المخطوطة: واستقر (*).

[173]

البحران مكانهما، واختلف الليل والنهار كما أمرتهما، وأحصيت كل شئ منهما عددا، وأحطت بهما علما، خالق الخلق ومصطفيه ومهيمنه ومنشئه وبارئه وذرائه أنت كنت وحدك لا شريك لك إلها واحدا، وكان عرشك على الماء من قبل أن تكون أرض ولا سماء، ولا شئ مما خلقت فيهما (1) بعزتك كنت تدعى بديعا مبتدعا كينونا كائنا مكونا كما سميت نفسك، ابتدأت الخلق بعظمتك ودبرت امورهم بعلمك (إلى آخر الدعاء). 122 - وفي دعاء ليلة الثلثاء: يجول (2) حول أركان عرشك النور والوقار من قبل أن تخلق السماوات والارض، وكان عرشك على الماء، وكرسيك يتوقد نورا، وسرادقك سرادق النور والعظمة، والاكليل المحيط به هكيل السلطان والعزة والمدحة، لا إله إلا أنت رب العرش العظيم (إلى آخر الدعاء). 123 - وفي دعاء ليلة الخميس: خلقت خلقك فكل مشيتك أتتك بلا لغوب وكان عرشك على الماء، والظلمة على الهواء، والملائكة يحملون عرشك عرش النور والكرامة، يسبحون بحمدك إلى قوله كنت قبل جميع خلقك. 124 - الاقبال: في دعاء ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان: لا إله إلا الله مدبر الامور، ومصرف الدهور، وخالق الاشياء جميعا (3) بحكمته دالة على أزليته وقدمه (الدعاء) (4). 125 - وفي وداع شهر رمضان نقلا من كتب الدعوات: الحمد لله الذي لا يدرك العلماء علمه إلى قوله خلق خلقه من غير أصل ولا مثال، بلا تعب ولا نصب ولا تعليم ورفع السماوات الموطودات بلا أصحاب ولا أعوان، وبسط الارض على الماء (5) بغير


(1) في المخطوطة: فيها. (2) في المخطوطة: يحول. (3) في المصدر: جميعها. (4) الاقبال: 196. (5) في المصدر: على الهواء (*).

[174]

أركان، علم بغير تعليم وخلق بلا مثال، علمه بخلقه قبل أن يكونهم كعلمه بهم بعد تكوينه لهم - إلى قوله - الحمد لله الذي كان إذ لم تكن أرض مدحية، ولا سماء مبنية ولا جبال مرسية، ولا شمس تجري، ولا قمر يسري، ولا ليل يدجى، ولا نهار يضحى (إلى آخر الدعاء) (1). 126 - وبإسناده عن التلعكبري بإسناده إلى أيامن (2) بن سلمة عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام في دعاء يوم العرفة: أنت الكائن قبل كل شئ، والمكون لكل شئ - إلى قوله - الحمد لله الذي كان عرشه على الماء، حين لا شمس تضيئ، ولا قمر يسري، ولا بحر يجري، ولا رياح تذري، ولا سماء مبنية، ولا أرض مدحية ولا ليل يجن، ولا نهار يكن، ولا عين تنبع، ولا صوت يسمع، ولا جبل مرسى، ولا سحاب منشأ، ولا إنس مبروء، ولا جن مذروء، ولا ملك كريم، ولا شيطان رجيم، ولا ظل ممدود، ولا شئ معدود (3). وفي دعاء آخر ليوم عرفة: ولك الحمد قبل أن تخلق شيئا من خلقك، وعلى بدء ما خلقت إلى انقضاء خلقك (4). 128 - وفي دعاء الاضحى برواية مرسلة: وأنت البديع قبل كل شئ (5). بيان: (ولا نهار يكن) بضم الياء وكسر الكاف أي يدعو إلى الكن لحرارة الشمس، في الصحاح: كننت الشئ: سترته وصنة من الشمس، أو بفتح الكاف أي يستر بظلمة الليل، أو بفتح الياء وكسر الكاف أي يستر الناس بضوئه، كأنه لباس لهم لاحاطته بهم، والكنة بالكسر: البياض أيضا، أو بتخفيف النون من الوكن وهو السير الشديد، أو من وكن الطائر ببيضه يكنه أي حضنه، ولا يخلو أكثرها من بعد.


(1) الاقبال: 256. (2) في المصدر (أياس بن سلمة الاكوع عن ابيه) ولم نجد له ذكرا في كتب التراجم (3) الاقبال: 271. (4) الاقبال: 403. (5) في المصدر: فانك بديع لم يكن قبلك شئ (433) (*).

[175]

129 - البلد الامين من أدعية الاسبوع للسجاد عليه السلام: الحمد لله الاول قبل الاشياء والاحياء. 130 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما كان، مستشهدا (1) بحدوث الاشياء على أزليته، وبفطورها على قدمته، كفى بإتقان الصنع له آية، وبحدوث الفطر عليه قدمة. 131 - وفي دعاء ليلة السبت. الاول الكائن ولم يكن شئ من خلقك، أو يعاين شئ من ملكك - إلى قوله - خلقت السماوات والارض فراشا وبناء، فسويت السماء منزلا رضيته لجلالك ووقارك وعزتك وسلطانك، ثم جعلت فيها كرسيك وعرشك - إلى قوله - وأنت الله الحي قبل كل شئ (2)، والقديم قبل كل قديم. 132 - المهج والبلد: عن الكاظم عليه السلام كنت إذ لم تكن شئ، وكان عرشك على الماء، إذ لا سماء مبنية، ولا أرض مدحية. ولا شمس تضيئ، ولا قمر يجري ولا كوكب دري، ولا نجم يسري، ولا سحابة منشأة، ولا دين معلومة، ولا آخره مفهومة، وتبقى وحدك كما كنت وحدك، علمت ما كان قبل أن يكون. 133 - الخصال ومعانى الاخبار: بإسناده المتصل إلى سفيان الثوري، عن الصادق عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد قبل أن يخلق السماوات والارض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، وقبل أن يخلق آدم ونوحا وإبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان، وقبل أن يخلق الانبياء كلهم بأربعمائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة (إلى آخر الخبر) (3). 134 - العلل للصدوق: بإسناده إلى معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة


(1) في المخطوطة: مستشهد. (2) في بعض النسخ (كل حى) وهو الاظهر. (3) معاني الاخبار. 306 (*).

[176]

آلاف عام، قلت: فأين كنتم يا رسول الله ؟ قال: قدام العرش نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجده، قلت: على أي مثال ؟ قال: أشباح نور (الخبر) (1). 135 - تفسير فرات بن ابراهيم: بإسناده عن أبي ذر - ره - في خبر طويل في وصف المعراج، ساقه إلى أن قال: قلت: يا ملائكة ربي هل تعرفونا حق معرفتنا ؟ فقالوا: يا نبي الله وكيف لا نعرفكم وأنتم أول ما خلق الله (2) ؟ خلقكم أشباح نور من نوره، وجعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه، وعرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبينة، والارض مدحية، ثم خلق السماوات والارض (3) في ستة أيام ثم رفع العرش إلى السماء السابعة، فاستوى على عرشه وأنتم أمام عرشه تسبحون وتقدسون وتكبرون، ثم خلق الملائكة من بدو ما أراد من أنوار شتى (الخبر) (4). 136 - النهج: فمن خطبة له عليه السلام يذكر فيه ابتداء خلق السماوات (5) والارض وخلق آدم عليه السلام: الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه (6) العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفتن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه. أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقدثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن (7)


(1) قد مر الحديث بعينه تحت الرقم (16). (2) في المصدر: أول خلق الله. (3) في المصدر: والارضين. (4) تفسير فرات: 134. (5) في المصدر: السماء. (6) في المصدر: نعماءه. (7) في المصدر: ومن جهله فقد أشار إليه ومن أشار...

[177]

أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال (فيم ؟) فقد ضمنه، ومن قال (على م ؟) فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمقارنة، وغير كل (1) شئ لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذلا منظور إليه من خلقه متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده، أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطراب فيها أحال الاشياء لاوقاتها ولاءم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها وألزمها أشباحها، عالما (بها) قبل ابتدائها، ومحيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها، ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء، وشق الارجاء، وسكائك الهواء فأجرى (2) فيها ماء متلاطما تياره، متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده، وقرنها على حده: الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق (3) ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها وأدام مربها وأعصف مجريها، وأبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله على آخره، وساجيه على مائره حتى عب عبابه ورمى بالزبد ركامه، فرفعه في هواء منفتق، وجو منفهق فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا، وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينتظمها، ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب فأجرى فيها سراجا مستطيرا، وقمرا منيرا، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر، ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملاهن أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نون العيون (4)، ولا سهو العقول، ولا فترة الابدان، ولا غفلة النسيان


(1) وبائن عن كل شئ (خ). (2) في المصدر: فأجاز. (3) كذا في المصدر وهو الحصيح ظاهرا: وفي المخطوطة (رقيق) وفي اخرى (دقيق). (4) في المصدر: العين (*).

[178]

ومنهم امناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة لابواب جنانه، ومنهم الثابتة في الارضين السفلى أقدامهم، و المارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الاقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم (1)، ناكسة دونهم (2) أبصارهم، متلفعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة، وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالاماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر (3). مطالب السؤول: لابن طلحة مثله بأدنى تغيير. ايضاح: قد مضى شرح أكثر فقرات هذه الخطبة في كتاب التوحيد، ونشير هنا إلى بعض ما يناسب المقام. المدحة بالكسر: الحالة التي تكون المادح عليها في مدحه، والاضافة للاختصاص الخاص أي المدحة اللائقة بعزة جلاله، ولعل المراد عجز جميع القائلين وإن اجتمعوا. والاجتهاد: السعي البليغ في العبادة، و ظاهر قوله (ولا وقت معدود ولا أجل ممدود) نفي الزمان مطلقا عنه تعالى كالمكان ويمكن حملهما على الازمنة المعدودة المتناهية، ولعل الاول للماضي والثاني للمستقبل والفطر: الابتداء والاختراع، وأصله الشق، ونشر الرياح: بسطها، وكل ما جاء في القرآن بلفظ الرياح فهو للرحمة وما ورد في العذاب فهو بلفظ المفرد، ولعله إشارة إلى قلة العذاب وسعة الرحمة، ويمكن أن يراد بالرحمة هذا المطر، كما قال سبحانه (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (4)) وقرئ بالباء والنون، وقيل: زعمت العرب أن السحاب لا تلقح إلا من رياح مختلفة، فيمكن أن يكون المراد بالنشر ذلك، وقال الفراء: النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب


(1) في المخطوطة: اكنافهم. (2) في بعض النسخ (دونه) وهو الظاهر. (3) نهج البلاغة: ج 1، 20 14. (4) الاعراف: 56 (*).

[179]

والتعميم أولى لان رياح الرحمة كثيرة منها اللواقح، ومهيجة السحب الماطرة، و الحابسة لها بين السماء والارض، والعاصرة لها حتى تمطر، والمجرية للجواري في البحار وغيرها. ووتد الشئ: بالتخفيف (1) أي جعله محكما مثبتا بالوتد، و الصخور: جمع الصخرة، وهي الحجر العظيم الصلب، والميدان بالتحريك: التحرك والاضطراب، وقد مر تحقيق ذلك وسيأتي بعضه. (وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه) لعل مناسبة الاخلاص لنفي الصفات أن الاخلاص في العبادة بالنظر إلى عامة الخلق هو أن لا يقصدوا في عبادتهم غيره تعالى من المخلوقين، وبالنظر إلى الخواص أن يعرفوا الله بحسب وسعهم وطاقتهم بالوحدانية ثم يعبدونه (2)، فمن عبد الله وحده بزعمه وزعم أن له صفات زائدة فلم يعبد إلها واحدا بل آلهة كثيرة، بل لم يعبد الله أصلا كما مر في الخبر (من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبدالمعنى بإيقاع الاسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سر أمره وعلانيته فاولئك أصحاب أمير المؤمنين حقا) وقال ابن ميثم: المراد بالمعرفة المعرفة التامة التي هي غاية العارف في مراتب السلوك، وأوليتها في العقل لكونها علة غائية، وبين الترتيب بأن المعرفة تزاد بالعبارة وتلقي الاوامر بالقبول، فيستعد السالك أولا بسببها للتصديق بوجوده يقينا، ثم لتوحيده، ثم للاخلاص له، ثم لنفي ما عداه عنه، فيغرق في تيار بحار العظمة، وكل مرتبة كمال لما قبلها إلى أن تتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه، وبكمال المعرفة يتم الدين وينتهي السفر إلى الله تعالى. وما ذكرنا أنسب كما لا يخفى. كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم) ظاهره الاختصاص به سبحانه وحدوث ما سواه، وكذا قوله عليه السلام (متوحد إذ لا سكن يستأنس به) يدل على حدوث العالم، والانشاء: الخلق، والفرق بينه وبين الابتداء بأن الانشاء كالخلق أعم


(1) والتشديد. (2) في بعض النسخ: ثم يعبدوه (*).

[180]

من الابتداء، قال تعالى (خلق الانسان من صلصال (1)) والابتداء: الخلق من غير سبق مادة ومثال، وإن لم يفهم هذا الفرق من اللغة لحسن التقابل حينئذ وإن أمكن التأكيد. وهمامة النفس: اهتمامها بالامور وقصدها إليها، والاضطراب: الحركة، والحركة في الهمامة: الانتقال من رأي إلى رأي أو من قصد أمر إلى قصد أمر آخر بحصول صورة، وفي بعض النسخ (ولا همة نفس) بالكسر. (أحال الاشياء لاوقاتها) في أكثر النسخ بالحاء المهملة إما من الاحالة بمعنى التحويل أي نقل كلامنها إلى وقتها، فاللام بمعنى إلى والتعليل كما قيل بعيد، وإما من قولهم (حال في متن فرسه) أي وثب، فعدي بالهمزة أي أقر الاشياء في أوقاتها كمن أحال غيره على فرسه كما قيل ولا يخفى بعده، ولعله بمعنى الحوالة المعروفة أظهر، وفي بعض النسخ الصحيحة بالجيم كأنه سبحان حرك الاشياء ورددها في العدم حتى حضر وقتها، وفي الاحتجاج (أجل) بالجيم المشددة أي أخر، (ولاءم بين مختلفاتها) أي جعلها ملتئمة مؤتلفة كما ألف بين العناصر المتخالفة في الطباع وبين النفوس والابدان. (وغرز غرائزها وألزمها أسناخها) الغريزة: الخلق والطبيعة، والسنخ بكسر السين وسكون النون: الاصل وفي بعض النسخ (أشباحها) جمع الشبح محركة أي أشخاصها، وتغريز الغرائز: إيجادها أو تخصيص كل بغريزة خاصة لها (2) أو من تغريز العود في الارض ليثمر على ما قيل، والضمير المنصوب في (ألزمها) راجع إلى الاشياء كالسوابق، والمعنى (3): جعلها بحيث لا يفارقها اصولها، أو جعل الاشخاص لازمة للكليات على النسخة الاخيرة، أو راجع إلى الغرائز أي جعل كل ذي غريزة أو كل شخص بحيث لا تفارقه غريزته غالبا أو مطلقا. (عالما بها قبل ابتدائها) العامل في (عالما) وما بعدها إما (ألزم) أو الافعال


(1) الرحمن: 14. (2) في بعض النسخ: بها. (3) في بعض النسخ: فالمعنى (*).

[181]

الثلاثة الاخيرة على الترتيب أو الاربعة، أو العامل في الجميع قوله (أنشأ وابتدء) بقرينة قوله (قبل ابتدائها). (محيطا بحدودها وانتهائها) لعل المراد بالحدود الاطراف والتشخصات (1) أو الحدود الذهنية، وبالانتهاء الانتهاء اللازم للمحدود (2) أو انقطاع الوجود. (عارفا بقرائنها) أي ما يقترن بها على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض وأحنائها: هي جمع (حنو) أي الجانب، وأحناء الوادي: معاطفه، ويدل على جواز إطلاق العارف عليه سبحانه ومنعه بعضهم. (ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء وشق الارجاء وسكائك الهواء) الفتق بالفتح: الشق، والجو: ما بين السماء والارض وقيل: الفضاء الواسع، والارجاء: جمع (الرجا) مقصورا، وهي الناحية، والسكاك والسكاكة بضمهما: الهواء الملاقي عنان السماء (3) وقال في النهاية: السكاك والسكاكة: الجو، وهو ما بين السماء والارض، ومنه حديث علي عليه السلام (شق الارجاء وسكائك الهواء). وسكائك جمع (سكاكة) كذؤابة وذوائب، والهواء بالمد: ما بين السماء والارض، ويقال: كل خال هواء، ومنه قوله تعالى (وأفئدتهم هواء (4)) وكلمة (ثم) هنا إما للترتيب الذكري والتدرج في الكلام يكون لوجوه منها الانتقال من الاجمال إلى التفصيل، ومنها الاهتمام بتقديم المؤخر أو المقارن لوجه آخر، ويستعمل الفاء أيضا كذلك كما مر مرارا، وإما بمعنى الواو المفيدة لمطلق الجمع كما قيل في قوله تعالى (ثم اهتدى (5)) وعلى التقديرين لا ينافي كون الماء أول المخلوقات كما سيأتي، والمراد بفتق الاجواء إيجاد الاجسام في الامكنة الخالية بناء على وجود المكان بمعنى البعد وجواز الخلاء، أو المراد


(1) في بعض النسخ: أو التشخصات. (2) في بعض النسخ: للحدود. (3) عنان السماء بالفتح: ما ارتفع منها أو ما بدا للناظر. (4) ابراهيم: 43. (5) طه: 82 (*).

[182]

بالجو البعد الموهوم، أو أحد العناصر بناء على تقدم خلق الهواء كما هو الظاهر مما سنورده من تفسير علي بن إبراهيم، وهذا الكلام لا تصريح فيه بالصادر الاول وسيأتي الكلام فيه انشاء الله. وقوله (وشق الارجاء) كالتفسير لفتق الاجواء أو المراد بالارجاء الامكنة والافضية، وبالاجواء عنصر الهواء، وقوله (وسكائك الهواء) بالنصب كما في كثير من النسخ معطوف على (فتق الاجواء) أي أنشأ سبحانه سكائك الهواء، والجر كما في بعض النسخ أظهر عطفا على الاجواء أي أنشأ فتق سكائك الهواء. قال ابن ميثم: فإن قلت: إن الاجواء والارجاء وسكائك الهواء امور عدمية فكيف تصح نسبتها إلى الانشاء عن القدره ؟ قلت: إن هذه الاشياء عبارة عن الخلا والاحياز، والخلاف في أن الخلا والحيز والمكان هل هي امور وجودية أو عدمية مشهور، فإن كانت وجودية كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة، ويكون معنى فتقها وشقها شق العدم عنها، وإن كانت عدمية كان معنى فتقها وشقها ونسبتها إلى القدرة تقديرها وجعلها أحيازا للماء ومقرا لها لانه لما كان تميزها عن مطلق الهواء والخلاء بإيجاد الله فيها الماء صار تعينها بسبب قدرته تعالى فتصح نسبتها إلى إنشائه، فكان سبحانه شقها وفتقها بحصول الجسم فيها. وروي أن زرارة وهشاما اختلفا في الهواء أهو مخلوق أم لا، فرفع بعض موالي جعفر بن محمد عليهما السلام إليه ذلك، فقال له: إني متحير وأرى أصحابنا يختلفون فيه. فقال عليه السلام: ليس هذا بخلاف يؤدي إلى الكفر والضلال: واعلم أنه عليه السلام إنما أعرض عن بيان ذلك لان أولياء الله الموكلين بإيضاح سبله وتثبيت خلقه على صراطه المستقيم لا يلتفتون بالذات إلا إلى أحد أمرين: احدهما ما يؤدي إلى الهدى إداء ظاهرا واضحا والثانى ما يصرف عن الضلال ويرد إلى سواء السبيل. وبيان أن الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد، فلا يكون الجهل به مما يضر في ذلك، فكان تركه (1) والاشتغال بما هو أهم منه أولى (2).


(1) ترك بيانه (خ). (2) انتهى كلام ابن ميثم رحمه الله.

[183]

(فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره) اللطم في الاصل: الضرب على الوجه بباطن الراحة، وتلاطمت الامواج: ضرب بعضها بعضا كأنه يلطمه والتيار: موج البحر ولجته، وتراكم الشئ: اجتمع، وزخر البحر: مد و كثر ماؤه وارتفعت أمواجه، أي إنه سبحانه خلق الماء المتلاطم الزخار في الامواج وخلاه وطبعه أولا، فجرى في الهواء، ثم أمر الريح برده وشده كما يدل عليه قوله عليه السلام بعد ذلك (حتى تظهر قدرته). (حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة) المتن من كل شئ: ما ظهر منه، والمتن من الارض: ما ارتفع منه وصلب، وعصفت الريح: اشتد هبوبها والزعزعة: تحريك الشئ ليقلعه ويزيله، وريح زعزع وزعازع أي يزعزع الاشياء، وقصفه - كضربه - قصفا: كسره، وقصف الرعد وغيره: اشتد صوته أي جعل الريح حال قصفها (1) حاملة له، فكان متحركا بحركتها، أو جعل الريح التي من شأنها العصف والقصف. وهذه الريح غير الهواء المذكور أولا كما سيأتي في قول الصادق عليه السلام في جواب الزنديق (الريح على الهواء والهواء تمسكه القدرة) فيمكن أن تكون مقدمة في الخلق عليه أو متأخرة عنه أو مقارنة له، ويمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور (2). (فأمرها برده وسلطها على شده وقرنها إلى حده) أي أمر الريح أن تحفظ الماء وترده بالمنع عن الجري الذي سبقت الاشارة إليه بقوله (فأجرى فيها ماء) فكان قبل الرد قد خلي وطبعه أي عن الجري الذي يقتضيه طبعه، وقواها على ضبطه كالشئ المشدود، وجعلها مقرونة إلى انتهائه محيطة به. ولعل المراد بالامر هنا الامر التكويني كما في قوله (كن فيكون (3)) وقوله (كونوا قردة (4))


(1) في بعض النسخ: عصفها. (2) وحينئذ فالمراد بكونها على الهواء عروضها له. (3) يس: 81. (4) البقرة: 65 (*).

[184]

قال الكيدري: قوله (فأمرها) مجازا لان الحكيم لا يأمر الجماد به. (الهواء من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق) أي الهواء الذي هو محل الريح مفتوق أي مفتوح منبسط من تحت الريح الحاملة للماء، والماء دفيق من فوقها أي (مصبوب) مندفق، والغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالريح الحاملة له كما ضبط الريح بالهواء المنبسط وهو موضع العجب (ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها وأدام مربها) الظاهر أن هذه الريح غير ما جعلها الله محلا للماء بل هي مخلوقة من الماء كما سيأتي في الرواية، والاعتقام: أن تحفر البئر فإذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغيرا بقدر ما تجد طعم الماء، فإن كان عذبا حفرت بقيتها ويكون اعتقم بمعنى صار عقيما، ومنه الريح العقيم، وفي العين: الاعتقام الدخول في الامر، وقال ابن ميثم تبعا للكيدري: الاعتقام الشد والعقد، ولم نجده في كتب اللغة. والمهب: مصدر بمعنى الهبوب، أو اسم مكان، و على الاول في الاسناد توسع، و (رب) يأتي بمعنى جمع وزاد ولزم وأقام، قيل: المعنى أن الله تعالى أرسلها بمقدار مخصوص تقتضيه الحكمة ولم يرسلها مطلقا بل جعل مهبها ضيقا كما يحتفر البئر الصغير في الكبير، وقيل: المعنى جعلها عقيمة لا تلقح وهذا إنما يصح لو كان الاعتقام بهذا المعنى متعديا، أو كان مهبها مرفوعا وفي النسخ منصوب، وقيل: وروي (أعقم) فيصح، ويحتمل أن يكون بمعنى شد مهبها وعقده على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، وقيل: على تقدير كون اعتقم بالتاء المراد أنه أخلى مهبها من العوائق وأنه أرسلها بحيث لا يعرف مهبها من مربها. وهو كما ترى، و معنى إدامة مربها جعلها ملازمة لتحريك الماء وإدامة هبوبها، وفي بعض النسخ (مدبها) بالدال أي جريها. و (أعصف مجراها) أي جريانها، أو اسند إلى المحل مجازا. (وأبعد منشاها) أي أنشاها من مبدء بعيد، ولعله أدخل في شدتها و (المنشا) في بعض النسخ بالهمزة على الاصل وفي بعضها بالالف للازدواج. (فأمرها بتصفيق الماء الزخار) الصفق: الضرب الذي يسمع له صوت، والتصفيق أيضا كذلك لكن مع شدة، وإثارة

[185]

موج البحر أي تهييجه. (فمخضته مخض السقاء) المخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده، عصفها بالفضاء أي عصفا شديدا لان العصف بالفضاء يكون أشد لعدم المانع، والساجي: الساكن، والمائر: المتحرك، يقال: مار الشي، مورا أي تحرك، وجاء، وذهب، وبه فسر قوله تعالى (يوم تمور السماء مورا (1)) وقال الضحاك: أي تموج موجا. والعباب بالضم: معظم الماء وكثرته و ارتفاعه، وعب عبابه أي ارتفع، وعب النبت إذا طال. وركام الماء بالضم: ما تراكم منه واجتمع بعضه فوق بعض. (فرفعه في هواء منفتق) أي رفع الله ذلك الزبد بأن جعل بعضه دخانا في هواء مفتوق مفتوح بخلق ما خلق سابقا، أو برفع ذلك الدخان (وفي جو منفهق) والانفهاق: الاتساع والانفتاح. قال ابن ميثم: إن القرآن الكريم نطق بأن السماء تكونت من الدخان، وكلامه عليه السلام ناطق بأنها تكونت من الزبد، وما ورد في الخبر أن ذلك الزبد هو الذي تكونت منه الارض، فلا بد من بيان وجه الجمع بين هذه الاشارات، فنقول: وجه الجمع بين كلامه عليه السلام وبين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر عليه السلام وهو قوله (فخرج من ذلك الموج والزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار) فخلق منه السماء، ولا شك أن القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته، لان ذلك إنما يكون عن النار، واتفق المفسرون على أن هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفس الماء وتبخيره بسبب تموجه، فهو إذا استعارة للبخار الصاعد من الماء، وإذا كان كذلك فنقول: إن كلامه عليه السلام مطابق للفظ القرآن الكريم، وذلك أن الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلا أنه ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنه يخص باسم الزبد وما لطف وغلب عليه الاجزاء الهوائية فانفصل خص باسم البخار وإذا كان الزبد بخارا والبخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصده


(1) الطور: 9 (*).

[186]

ومقصد القرآن واحدا، فكان البخار المنفصل هو الذي تكونت عنه الارض وهو الزبد، وأما وجه المشابهة بين الدخان والبخار الذي صحت لاجله استعارة لفظه له فهو أمران: أحدهما حسي وهو الصورة المشاهدة من الدخان والبخار حتى لا يكاد يفرق بينهما في الحس البصري، والثاني معنوي وهو كون البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان كذلك ولكن عن حرارة النار، فإن الدخان أيضا أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حر النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلا بالسبب، فلذك صح استعارة اسم أحدهما للآخر (وبالله التوفيق (1)). (جعل سفلاهن موجا مكفوفا وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا) الكف: المنع، والسقف: معروف، وقال الجوهري وغيره: السقف اسم للسماء. والمعروف ههنها أنسب، وسمك البيت: سقفه، وسمك الله السماء سمكا: رفعها، والمسموكات: السماوات أي جعل السماء السفلى موجا ممنوعا من السلان إما بإمساكه بقدرته أو بأن خلق تحته وحوله جسما جامدا يمنعه عن الانتشار والسيلان، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة. وظاهر هذا الكلام وغيره من الاخبار اختصاص الحكم بالسماء الدنيا، قال الكيدري، رحمه الله: شبه السماء الدنيا بالموج لصفائها وارتفاعها، أو أراد أنها كانت في الاول موجا ثم عقدها، والمكفوف: الممنوع من السقوط. وقال ابن ميثم: شبهها بالموج في الارتفاع واللون الموهوم، وقيل: شبهت به لارتعاد الكواكب حسا: ولعل المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقص والهدم والسقوط والخرق إلا بأمره سبحانه وقال أكثر الشارحبن: أي عن الشياطين وهو لا يناسب العليا بل السفلى، ويناسب أن يكون المراد بقوله تعالى (وجعلنا السماء سقفا محفوظا (2)) السماء العليا، ويخطر بالبال وجه آخر، وهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السفلى من كل من السماوات مواجة متحركة واقعا


(1) انتهى كلام ابن ميثم رحمه الله. (2) الانبياء: 32 (*).

[187]

أو في النظر، والجهة العليا منها سقفا محفوظا نستقر عليه الملائكة ولا يمكن للشياطين خرقها، فيكون ضمير زينها وسائر الضمائر راجعة إلى المجموع، فيناسب الاية المتقدمة وهو قوله سبحانه (وحفظا من كل شيطان مارد (1)) وقد يمر بالخاطر وجه آخر يناسب قواعد الهيئة وهو أنه عليه السلام شبه السماء الدنيا بالموج المكفوف لكون الحركة الخاصة للقمر أسرع من جميع الكواكب، فكأنه دائما في الموج ومع ذلك لا تسقط، ووصف العليا بالمحفوظية لانه أبطأها بالحركة الخاصة فكأنها محفوظة ثابتة، وعلى الطريقة السابقة يمكن أن يكون المراد بالسفلى من كل منها خوارج مراكزها وتداويرها، وبالعليا منها متمثلاتها، فالاول مواجة لسرعة حركتها والبواقي محفوظة لبطؤها، لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان الشرع ومقاصد أهله، والوجه الاول مما أبدعنا لا يخلو من قوة ولطافة. (بغير عمد يدعمها ولا دسار ينظمها) العمد بالتحريك: جمع كثرة لعمود البيت، وكذا (العمد) بضمتين، وجمع القلة (أعمدة) وقال الخليل في العين: العمد بضمتين: جمع عماد، والاعمدة: جمع عمود من حديد أو خشب، ويظهر من تذكير الفعل أنه من أسماء الجمع، والدعم بالفتح: أن يميل الشئ فتدعمه بدعام، كما تدعم عروش الكرم، ونحوه ليصير له مساكا، والدعامة: الخشبة التي يدعم بها، وفي أكثر النسخ على بناء المجرد مفتوحة العين وهو أظهر، وفي بعضها (يدعمها) بتشديد الدال على بناء الافتعال من الادعام بمعنى الاتكاء. و الدسار - بالكسر -: المسمار، وجمعه (دسر) ونظم اللؤلؤ: جمعه في السلك، وفي بعض النسخ (ينتظمها) وهو أيضا جاء متعديا، والضميران المنصوبان راجعان إلى السماوات أو إلى العليا أو إلى السفلى بقرينة قوله (ثم زينها بزينة الكواكب) حيث إن الظاهر إرجاع الضمير فيه إلى السفلى ليكون أوفق بقوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (2)) لكنه بعيد لفظا، وإرجاع الضمير إلى


(1) الصافات: 7. (2) الصافات: 6 (*).

[188]

الجميع أظهر، وتزيين البعض تزيين للجميع، وهذا مما يقرب الوجه الذي ذكرنا أولا، والزينة إما مصدر أو اسم ما (1) يزان به كالليقة لما يلاق به أي يصلح به المداد. قال في الكشاف: قوله تعالى (بزينة الكواكب) يحتملهما فعلى الاول إما من إضافة المصدر إلى الفاعل بأن تكون الكواكب مزينة للافلاك، أو إلى المفعول، بأن زين الله الكواكب وحسنها لانها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، وعلى الثاني فإضافتها إلى الكواكب بيانية (2) وتنوين الزينة كما قرئت الاية به ليس موجودا في النسخ، وزينة الكواكب للسماء إما لضوئها أو للاشكال الحاصلة منها كالثريا والجوزاء ونحوهما، أو باختلاف أوضاعها بحركتها أو لرؤية الناس إياها مضيئة في الليلة الظلماء أو للجميع. وقوله تعالى (بمصابيح) في موضع آخر مما يؤيد بعض الوجوه، وسيأتي القول في محال الكواكب في محله. (وضياء الثواقب) المراد بها إما الكواكب، فيكون كالتفسير لزينة الكواكب والكواكب ثواقب أي مضيئة كأنها تثقب الظلمة بضوئها، أو الشهب التي ترمى بها الشياطين فتثقب الهواء بحركتها والظلمة بنورها. (فأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا) وفي بعض النسخ (وأجرى) بالواو، والمراد بالسراج الشمس، كما قال تعالى (سراجا وقمرا (3) منيرا) قيل: لما كان الليل عبارة عن ظل الارض وكانت الشمس سببا لزواله كان شبيها بالسراج في ارتفاع الظلمة به، والمستطير: المنتشر الضوء، واستطار: تفرق وسطح، وأنار الشئ واستنار: أي أضاء، وقيل ما بالذات من النور ضوء، وما بالعرض نور. كما قال سبحانه (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا (4) وقيل: لان النور أضعف من الضوء، والاحتمالات


(1) في بعض النسخ: لما يزان. (2) انتهى كلام الزمخشري. (3) الفرقان: 61. (4) يونس: 5 (*).

[189]

في الضمائر السابقة جارية هنا وإن كان الاظهر عند الاكثر رجوعه إلى السفلى. (في فلك دائر) الظرف إما بدل عن (فيها) فيفيد حركة السفلى أو العليا أو الجميع على تقادير إرجاع الضمير بالحركة اليومية أو الخاصة أو الاعم، وإما في موضع حال عن المنصوبين، فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدائر الافلاك الجزئية. والفلك بالتحريك: كل شئ دائر، ومنه (فلكة المغزل) بالتسكين ويقال: فلك ثدي المرأة تفليكا إذا استدار. (وسقف سائر ورقيم مائر) الرقيم: في الاصل الكتاب، فعيل بمعنى مفعول قال ابن الاثير: منه حديث علي رضي الله عنه في صفة السماء (سقف سائر ورقيم مائر) يريد به وشئ السماء بالنجوم. والمائر: المتحرك، وليس هذا بالمور الذي قال الله تعالى (يوم تمور السماء مورا) (1) وهاتان الفقرتان أيضا تدلان على حركة السماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضا كما هو ظاهر الاية. (ثم فتق ما بين السماوات العلى فملاهن أطوارا من ملائكته) الظاهر أن كلمة (ثم) للترتيب المعنوي، فيكون فتق السماوات بعد خلق الشمس والقمر بل بعد جعلها سبعا وخلق الكواكب فيه، ويحتمل أن يكون للترتيب الذكري والظاهر أن المراد بفتقها فصل بعضها عن بعض فيؤيد بعض محتملات الآية كما أشرنا إليه سابقا. ويدل على بطلان ما ذهبت الفلاسفة (2) إليه من تماس الافلاك وعدم الفصل بينها بهواء ونحوه. والاطوار: جمع طور بالفتح، وهو في الاصل التارة، قال الله تعالى (وقد خلقكم أطوارا) (3) قيل: أي طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا مضغة. وقيل: أي حالا بعد حال، وقيل: أي خلقكم مختلفين في الصفات: أغنياء وفقراء، وزمنى (4) وأصحاء. ولعل الاخير هنا أنسب. ولو كانت


(1) الطور: 9. (2) يعنى الفلكيين. (3) نوح: 14. (4) الزمنى وزان مرضى جمع (الزمين) وهو المبتلى بالزمانة وهى آفة تتعطل بها القوى (*).

[190]

الملائكة مخلوقة قبل السماوات كما هو ظاهر بعض الاخبار الاتية فقبل فتقها كانوا في مكان آخر يعلمه الله (1). (منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون السجود والركوع هنا جمع (ساجد) و (راكع) وفاعل الصفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه إيضا، والانتصاب: القيام، والصف: ترتيب الجمع على خط، كالصف في الصلوة والحرب، وقال أبو عبيدة: كل شئ بين السماء والارض لم يضم قطريه فهو صاف، ومنه قوله تعالى (والطير صافات) (2) أي نشرت أجنحتها، وبالوجهين فسرق قوله تعالى (والصافات صفا (3)) والتزايل: التباين والتفارق، والسأمة: الملالة والضجر. (لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الابدان ولا غفلة النسيان) غشيه كعلمه إذا جاءه، أي لا يعرضهم، والفترة: الانكسار والضعف، وظاهر الكلام اختصاص الاوصاف بهذا الصنف، ويمكن أن يكون التخصيص بها جميعا أو ببعضها لامر آخر غير الاختصاص. (ومنهم امناء على وحيه) الوحي في الاصل أن يلقي الانسان إلى صاحبه شيئا بالاستتار والاخفاء، ويكون بمعنى الكتابة والاشارة والرسالة. (وألسنة إلى رسله) أي رسلا إليهم، كما قال تعالى (الله يصطفي من الملائكة رسلا) (4) (ومختلفون بقضائه) أي (5) مقتضياته كما يأتون به في ليلة القدر وغيرها، (وأمره) أي أحكامه، أو الامور المقدرة، كما قال تعالى (بإذن ربهم من كل أمر) (6) فالاحكام داخلة في السابقتين، ويمكن تخصيص الاخير بغير الوحي


(1) هذا على فرض وجود مكان غير السماوات والارض وأما على فرض عدمه كما لا يبعد استظهاره من الايات والروايات فلا محيص عن الالتزام بتجرد الملائكة. (2) النور: 41. (3) الصافات: 1. (4) الحج: 75. (5) في بعض النسخ: ومقضياته. (6) القدر: 4 (*).

[191]

أي يختلفون لتمشية قضائه وأمره (1) وتسبيب أسبابهما. (ومنهم الحفظة لعباده) لعل المراد غير الحافظين عليهم الذين ذكرهم الله في قوله (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين (2)) بل من ذكرهم بقوله سبحانه (له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله (3)) ويمكن أن يكون المراد في كلامه الكاتبين للاعمال بتقدير مضاف، وربما يفهم من بعض الاخبار اتحاد الصنفين. والسدنة لابواب الجنان هم المتولون لامور الجنان وفتح أبوابها وإغلاقها. وأصل السدانة في الكعبة وبيت الاصنام. (ومنهم الثابتة في الارضين السفلى أقدامهم) وفي بعض النسخ (في الارض أقدامهم) وهو أظهر. والجمع على الاول إما باعتبار القطعات والبقاع، أو لان كلا من الارضين السبع موضع قدم بعضهم، والوصف على الاول بالقياس على (4) سائر الطبقات، وعلى الثاني بالقياس إلى السماء. (والمارقة) أي الخارجة، يقال: مرق السهم من الرمية إذ اخرج من الجانب الآخر (من السماء العليا) أي السابعة (أعناقهم والخارجة من الاقطار) أي من جوانب الارض أو جوانب السماء (أركانهم) أي جوارحهم، فهذا بيان لضخامتهم وعرضهم (والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم) لعل المراد بالمناسبة القرب والشباهة في العظم، ويمكن أن يراد بها التماس، فالمراد بهم حملة العرش (ناكسة دونه) أي دون العرش (أبصارهم) والناكس: المطاطئ رأسه) وفي إسناده إلى الابصار دلالة على عدم التفاتهم في النكس يمينا وشمالا (متلفعون تحته بأجنحتهم) اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره وتلفع بالثوب إذا اشتمل به (وبين من دونهم) أي سائر الملائكة: أو البشر أو الجن أو الاعم، وفي بعض النسخ (ناكسة) و (مضروبة) و (متلفعين) بنصف الجميع.


(1) في بعض النسخ: قضاء وأمر. (2) الانفطار: 10 - 11. (3) الرعد: 11. (4) إلى (خ) (*).

[192]

(لا يتوهمون ربهم بالتصوير) أي بأن يثبتوا لله صورة، والغرض تقديس الملائكة عن إثباتهم لوازم الجسمية والامكان له سبحانه، والتعريض والتوبيخ للمشبهين من البشر. والنظائر: جميع نظيرة وهي المثل والشبة في الاشكال والاخلاق والافعال، والنظير: المثل في كل شئ، وفي بعض النسخ (بالنواظر) أي بالابصار أي لا يجوزون عليه الرؤية، وفي بعضها (بالمواطن) أي الامكنة. 137 - النهج: في وصية أمير المؤمنين للحسن عليهما السلام قال: ولكنه إله واحد كما وصف نفسه و (1) لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبدا، ولم يزل أولا (2) قبل الاشياء بلا أولية، وآخرا (3) بعد الاشياء بلا نهاية (4). 138 - تأويل الايات الظاهرة نقلا من كتاب الواحدة عن الحسن بن عبد الله الكوفي، عن جعفر بن محمد البجلي، عن أحمد بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أحد واحد تفرد في وحدانيته، ثم تكلم بكلمة فصارت نورا، ثم خلق بذلك (5) النور محمدا صلى الله عليه وآله وخلقني وذريتي، ثم تكلم بكلمة فصارت روحا، فأسكنه الله في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا، فنحن روح الله وكلماته، وبنا احتجب عن خلقه فما زلنا في ظلة خضراء، حيث لا شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، ولا عين تطرف نعبده ونقدسه ونمجده ونسبحه قبل أن يخلق الخق (الخبر). 139 - مصباح الانوار: بإسناده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم حين لاسماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولا نور، ولا شمس ولا قمر، ولا نار. فقال العباس:


(1) في المصدر: لا يضاده. (2) في المصدر: أول. (3) في المصدر: آخر. (4) نهج البلاغة: ج 2، ص 44. (5) في بعض النسخ: من ذلك (*).

[193]

فكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله ؟ فقال: يا عم لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة فخلق منها نورا، ثم تكلم بكلمة اخرى فخلق (1) منها روحا، ثم خلط النور بالروح فخلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين فكنا نسبحه حين لا تسبيح، ونقدسه حين لا تقديس، فلما أراد الله تعالى أن ينشئ خلقه (2) فتق نوري فخلق منه العرش فالعرش من نوري، ونوري من نور الله، ونوري أفضل من العرش، ثم فتق نور أخي على، فخلق منه الملائكة، فالملاكة من نور علي ونور علي من نور الله وعلى أفضل من الملائكة، ثم فتق نور ابنتى فخلق منه السماوات والارض فالسماوات والارض من نور ابنتي فاطمة ونور ابنتي فاطمة من نور الله، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والارض ثم فتق نور ولدي الحسن، وخلق منه الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن، ونور الحسن من نور الله، والحسن أفضل من الشمس والقمر، ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله، وولدي الحسين أفضل من نور الجنة والحور العين (الخبر). 140 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن حسين بن عبيدالله (3)، عن محمد بن عيسى، ومحمد بن عبد الله (4). عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم تزل تهللني وتمجدني، ثم


(1) في بعض النسخ: خلق (2) في المخطوطة: خلقا. (3) في المصدر: الحسين بن عبد الله. (4) في المصدر (محمد بن عبد الرحمن) والظاهران ما في نسخ البحار هو الصحيح وهو محمد بن عبد الله بن زرارة بن أعين قال في جامع الرواة (ج 2 ص 141) والعلامة ره قد وثق رواية هي في طريقها (انتهى) ونقل في تنقيح المقال (ج 3 ص 143) انه اوصى بجميع ماله إلى ابى الحسن عليه السلام فقبضه وترحم عليه (*).

[194]

جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت تجمدني وتقدسني وتهللني، ثم قسمتها ثنتين، وقسمت الثنتين ثنتين، فصارت أربعة: محمد واحد، وعلي واحد، والحسن والحسين ثنتان. ثم خلق الله، فاطمة من نور ابتدأها روحا بلا بدن ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا (1). بيان: (بلا بدن) أي أصلا (2)، أو بلا بدن عنصري بل بدن مثالي، و ظاهره تجسم الروح (3)، وربما يؤول الخلق هنا بالتقدير. (قبل أن أخلق) بحسب الزمان الموهوم، وقيل: بحسب الرتبة (تهللني) بلسان الجسد المثالي (4) أو بلسان الحال (ثم جمعت روحيكما) كأن المراد جعل مادة بدنهما في صلب آدم عليه السلام (فكانت تمجدني) أي بنفسها أو بتوسط الطينات المقدسات (ثم قسمتها ثنتين) أي في عبد المطلب إلى عبد الله وأبيطالب (ثم قسم الثنتين) بعد انتقالهما إلى علي وفاطمة (ثنتين) أي في الحسنين كما تدل عليه أخبار كثيرة. وقال بعض المحدثين: من الامور المعلومة أن جعل المجردين واحدا ممتنع وكذلك قسمة المجرد فينبعي حمل الروح هنا على آلة جسمانية نورانية منزهة عن الكثافة البدنية وقال بعض الافاضل: المراد بخلق الروحين بلا بدن خلقهما مجردين، وبجمعهما وجعلهما واحدة جمعهما في بدن مثالي نوراني لاهوتي، وبتقسيمهما تفريقهما وجعل كل واحد منهما في بدن شهودي جسماني، واستحالة تعلق الروحين ببدن


(1) الكافي: ج 1، ص 440. (2) يعنى اعم من العنصري والمثالي وهو الظاهر. (3) منشأ الاستظهار خفى جدا. (4) على فرض وجود بدن مثالي هناك وهو خلاف الظاهر كما مر وكأن المؤلف رحمه الله رأى الملازمة بين التهليل والتمجيد وبين وجود لسان جسماني اعم من المثالي والعنصري وليس كذلك فان للروح ايضا تهليلا وتمجيدا بحسب حاله ويطلب توضيحه من محله على أن الظاهر أن تفسير النور بالروح انما هو لدفع توهم كونه من الانوار الجسمانية فليس المراد بالروح النفس المتعلقة بالبدن بل ما يقابل الجسم مطلقا فتأمل (*).

[195]

واحد إنما هي في الابدان الشهودية لا في الابدان المثالية اللاهوتية (انتهى) (1). وإطلاق المسح واليمين هنا على الاستعارة، إذ مريد اللطف بغيره يمسحه بيمينه أو اليمين كناية عن الرحمة كما حققنا في قولهم عليهم السلام (والخير في يديك) أنه يمكن أن يكون المعنى أن النفع والضر الصادرين منك كليهما حكمة ومصلحة ورحمة فالنفع منسوب إلى اليمين والضر إلى الشمال. (فأفضى نوره فينا) أي أوصله إلينا أو وصل إلينا. وقيل: اتسع فينا. قال في المصباح: الفضاء بالمد: المكان الواسع وفضا المكان فضوا - من باب قعد -: اتسع فهو فضاء، وأفضى الرجل بيده إلى الارض: مسها بباطن راحته. قال ابن فارس وغيره: وأفضى إلى امرأة: باشرها وجامعها وأفضيت إلى الشئ: وصلت إليه، والسر: أعلمته به (انتهى) والنور: العلم وسائر الكمالات. 141 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الاشياء فأشهدم خلقها. وأجرى طاعتهم عليها


(1) وانت ترى ما في هذه الوجوه من التكلف، والذى يظهر بالتأمل في الرواية مع ملاحظة سائر الروايات الواردة في الباب ان المراد بقوله (خلقتك وعليا نورا) انه تعالى خلقهما خلقا غير جسماني وكانا عندئذ نورا واحدا لا نورين مستقلين، فانظر إلى موضع قوله (نورا) وقوله بعده (فلم تزل تهللني..) ولم يقل (نورين) و (فلم تزولا تهللاننى..) وعلي هذا فلفظة (ثم) للترتيب الذكرى، ومعنى الرواية، انى خلقتكما نورا روحانيا وجعلتكما في تلك المرتبة واحدا. وبهذا يجمع بين هذه الرواية والروايات الواردة في ان الله خلق نور محمد وخلق منه نور على فتدبر، واما حديث الجمع والتقسيم واستحالتهما في المجردات فحمله على الاستعارة اولى من حمل الروح على الالة الجسمانية أو جمع الروحين في بدن مثالي مع أن دعوى امكان تعلق الروحين يبدن مثالي واحد ووجود بدن مثالي هناك ممنوعتان والمقام لا يقتضى بسط الكلام (*).

[196]

وفوض امورها إليهم فهم يحلون ما يشاؤن، ويحرمون ما يشاؤن ولن يشاؤا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى. ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق. خذها إليك يا محمد (1). 142 - ومنه: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن علي بن حماد، عن المفضل، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الاظلة ؟ فقال: يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء، نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده، ولا من (2) ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا. حتى بداله في خلق الاشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا (3). بيان: (في الاظلة) أي في عالم الارواح أو المثال أو الذر (كنا عند ربنا) أي مقربين لديه سبحانه بالقرب المعنوي، أو كنا في علمه (4) وملحوظين بعنايته (في ظلة خضراء) الظلة بالضم: ما يستظل به، وشئ كالصفة يستتر به من الحر والبرد، ذكره الفيروز آبادي. وكأن المراد ظلال العرش قبل خلق السماوات والارض وقيل: أي في نور أخضر، والمراد تعلقهم بذلك العالم لا كونهم فيه. ويحتمل أن يكون كناية عن معرفة الرب سبحانه كما سيأتي في باب العرش إنشاء الله أي كانوا مغمورين في أنوار معرفته تعالى مشعوفين به، إذ لم يكن موجود غيره وغيرهم (حتى بداله في خلق الاشياء) أي أراد خلقه (ثم أنهى) أي أبلغ وأوصل علم ذلك أي حقائق تلك المخلوقات وأحكامها إلينا. 143 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله الصغير، عن محمد


(1) الكافي، ج 1، 440. (2) في بعض النسخ وكذا في المصدر: وما من. (3) الكافي، ج 1، ص 441. (4) هذا الاحتمال في غاية السقوط. (5) القاموس، ج 4، ص 10 (*).

[197]

ابن إبراهيم الجعفري، عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبيطالب عن أبي عبد الله عليهما السلام قال: إن الله كان إذ لا كان، فخلق الكان والمكان وخلق نور الانوار الذي نورت منه الانوار، وأجرى فيه من نور الذي نورت منه الانوار، وهو النور الذي خلق منه محمدا وعليا، فلم يزالانورين أولين إذ لا شئ كون قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الاصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله وأبيطالب (1). بيان: (إذ لا كان) يعني لم يكن شئ من الممكنات، وكأنه مصدر بمعنى الكائن كالقيل والقال، ولعل المراد بنور الانوار أولا نور النبي صلى الله عليه وآله إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم والكمالات والهدايات والمعارف، بل سبب لوجود الموجودات وعلة غائية لها (وأجرى فيه) أي في نور الانوار (من نوره الذي نورت منه الانوار) أي نور ذاته سبحانه من إفاضاته وهداياته التي نورت منها الانوار كلها حتى نور الانوار المذكور أولا (وهو النور) أي نور الانوار المذكور أولا (إذ لا شئ كون قبلهما) أي قبل نورهما الذي خلقا منه، أو سوى ذلك النور أولا شئ من ذوات الارواح (أطهر طاهرين) أي في زمانهما. 144 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمدا وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الاشباح ؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيدا بنور واحد (2) وهي روح القدس (3)، فبه كان يعبد الله


(1) الكافي: ج 1، ص 441. (2) في المصدر: بروح واحدة. (3) الظاهران ما يضاهى هذه الرواية في التعبير بالاشباح والاظلة ناظر إلى مرتبة اخرى=

[198]

وعترته، ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلوة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون (1). اقول: قد مضى شرح تلك الاخبار وما يضاهيها في المجلد السادس والسابع والتاسع، والاخبار الدالة على أن أول الموجودات أرواحهم عليهم السلام كثيرة، ويمكن الاستدلال بها على حدوث الجميع بانضمام ما سيأتي من الاخبار الدالة على أن الفاصلة بين خلق الارواح والاسجاد بزمان متباه، إذ الزائد على المتناهي بزمان متناه يكون لا محالة متناهيا. 145 - وقال أبو الحسن البكري (2) استاذ الشهيد الثاني ره في كتاب الانوار: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: كان الله ولا شئ معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والارض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام، فلما خلق


= من الوجود غير المرتبة المذكورة في سائر الروايات فانها تدل على ان اول ما خلق الله نور واحد بسيط هو نور النبي صلى الله عليه وآله وهو بعينه نور عترته وذلك النور كان بين يدى الله يسبح ويهلل، ولم يفرض عندئذ شبح وظل وبدن وعرش وزمان ومكان ولا أي شئ آخر، لكن هذه الرواية تدل على وجود روح القدس قبل وجودهم وتأيدهم بها فالمراد بالاولية ههنا الاولية الاضافية دون الحقيقية وكذا ما ورد في روايات اخرى من كونهم حينئذ حول العرش اوفى الضلال إلى غير ذلك مما يدل على وجود شئ آخر غير نورهم. (1) الكافي: ج 1، ص 442. (2) هو الشيخ الجليل احمد بن عبد الله بن محمد البكري صاحب كتاب الانوار في مولد النبي صلى الله عليه وآله وكتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام وكتاب وفاة فاطمة الزهراء عليها السلام احد مشايخ الشهيد الثاني، سمع عليه بمصر جملة من الكتب في الفقه والتفسير وبعض شرحه على المنهاج، كان كثير الابهه والمهابة عند العوام والدولة، وكان إذا حج يجاور سنة ويقيم بمصر سنة، ويحج ومعه من الكتب عدة احمال. توفى رحمه الله سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة بمصر، وكان يوم موته يوما عظيما لكثرة الجمع، ودفن بجانب قبر الشافعي، وبنو اعليه قبة عظيمة (*).

[199]

الله تعالى نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله بقي ألف عام بين يدي الله عزوجل واقفا يسبحه ويحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد والمريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت الافلاك، من أحبك أحببته ومن أبغضك أبغضته، فتألا نوره وارتفع شعاعه، فخلق الله منه اثني عشر حجابا أولها حجاب القدرة، ثم حجاب العظمة، ثم حجاب العزة، ثم حجاب الهيبة، ثم حجاب الجبروت، ثم حجاب الرحمة، ثم حجاب النبوة، ثم حجاب الكبرياء، ثم حجاب المنزلة، ثم حجاب الرفعة، ثم حجاب السعادة، ثم حجاب الشفاعة، ثم إن الله تعالى أمر نور رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل في حجاب القدرة، فدخل وهو يقول: سبحان العلي الاعلى وبقي على ذلك اثني عشر ألف عام، ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة، فدخل وهو يقول: سبحان عالم السر وأخفى، أحد عشر ألف عام، ثم دخل في حجاب العزة وهو يقول: سبحان الملك المنان، عشرة آلاف عام ثم دخل في حجاب الهيبة وهو يقول: سبحان من هو غني لا يفتقر، تسعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الجبروت وهو يقول: سبحان الكريم الاكرم، ثمانية آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرحمة وهو يقول: سبحان رب العرش العظيم، سبعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب النبوة وهو يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، ستة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الكبرياء وهو يقول: سبحان العظيم الاعظم، خمسة آلاف عام، ثم دخل في حجاب المنزلة وهو يقول: سبحان العليم الكريم، أربعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرفعة وهو يقول: سبحان ذي الملك والملكوت، ثلاثة آلاف عام، ثم دخل في حجاب السعادة وهو يقول: سبحان من يزيل الاشياء ولا يزول، ألفي عام، ثم دخل في حجاب الشفاعة وهو يقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، ألف عام. قال الامام علي بن أبي طالب عليه السلام: ثم إن الله تعالى خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله عشرين بحرا من نور، في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى

[200]

ثم قال لنور محمد صلى الله عليه وآله: انزل في بحر العز فنزل، ثم في بحر الصبر، ثم في بحر الخشوع، ثم في بحر التواضع، ثم في بحر الرضا، ثم في بحر الوفاء، ثم في بحر الحلم، ثم في بحر التقى، ثم في بحر الخشية، ثم في بحر الانابة، ثم في بحر العمل، ثم في بحر المزيد، ثم في بحر الهدى، ثم في بحر الصيانة، ثم في بحر الحياء، حتى تقلب في عشرين بحرا، فلما خرج من آخر الابحر قال الله تعالى: يا حبيبي ويا سيد رسلي ويا أول مخلوقاتي ويا آخر رسلي، أنت الشفيع يوم المحشر فخر النور ساجدا. ثم قال (1): فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة، فخلق الله تعالى من كل قطرة من نوره نبيا من الانبياء فلما تكاملت الانوار صارت تطوف حول نور محمد صلى الله عليه وآله كما تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام، وهم يسبحون الله ويحمدونه ويقولون: سبحان من هو عالم لا يجهل، سبحان من هو عليم (2) لا يعجل، سبحان من هو غني لا يفتقر. فناداهم الله تعالى: تعرفون من أنا ؟ فسبق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل الانوار ونادى: أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، رب الارباب، وملك الملوك. فإذا بالنداء من قبل الحق: أنت صفيي، وأنت حبيبي، وأنت خير خلقي، امتك خير امة اخرجت للناس. ثم خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله جوهرة وقسمها قسمين، فنظر إلى القسم الاول بعين الهيبة فصار ماء عذبا، ونظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء، فخلق الكرسي من نور العرش، وخلق من نور الكرسي اللوح، وخلق من نور اللوح القلم، وقال له: اكتب توحيدي، فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى، فلما أفاق قال: اكتب، قال: يا رب وما أكتب ؟ قال: اكتب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فلما سمع القلم اسم محمد صلى الله عليه وآله خر ساجدا وقال: سبحان الواحد القهار، سبحان العظيم الاعظم، ثم رفع رأسه من السجود


(1) في بعض النسخ: ثم قام. (2) في المخطوطة: (حليم) وهو الاظهر (*).

[201]

وكتب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ثم قال: يا رب ومن محمد الذي قرنت اسمه باسمك، وذكره بذكرك ؟ قال الله تعالى له: يا قلم، فلولاه ما خلقتك، ولا خلقت خلقي إلا لاجله، فهو بشير ونذير، وسراج منير، وشفيع وحبيب، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد، ثم قال القلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال الله تعالى: وعليك السلام مني ورحمة الله وبركاته، فلاجل هذا صار السلام سنة والرد فريضه، ثم قال الله تعالى: اكتب قضائي وقدري وما أنا خالقه إلى يوم القيامة. ثم خلق الله ملائكة يصلون على محمد وآل محمد، ويستغفرون لامته إلى يوم القيامة، ثم خلق الله تعالى من نور محمد صلى الله عليه وآله الجنة وزينها بأربعة أشياء: التعظيم والجلالة والسخاء والامانة، وجعلها لاوليائه وأهل طاعته، ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت، فخلق من دخانها السماوات، ومن زبدها الارضين فلما خلق الله تبارك وتعالى الارض صارت تموج بأهلها كالسفينة فخلق الله الجبال فأرساها بها، ثم خلق ملكا من أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الارض، ثم لم يكن لقدمي الملك قرار، فخلق الله صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق لها ثورا عظيما لم يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه، حتى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة، فدخل الثور تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه واسم ذلك الثور (لهوتا) ثم لم يكن لذلك الثور قرار فخلق الله له حوتا عظيما واسم ذلك الحوت (به موت) فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقر الثور على ظهر الحوت فالارض كلها على كاهل الملك، والملك على الصخرة، والصخرة على الثور، والثور على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الهواء، والهواء على الظلمة، ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمة. ثم خلق الله تعالى العرش من ضيائين: أحدهما الفضل، والثاني العدل، ثم أمر الضيائين فانتفسا بنفسين فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء

[202]

ثم خلق من العقل الخوف، وخلق من العلم الرضا، ومن الحلم المودة، ومن السخادء المحبة، ثم عجن هذه الاشياء في طينة محمد صلى الله عليه وآله ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من امة محمد صلى الله عليه وآله ثم خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة من نور محمد صلى الله عليه وآله فلما تكاملت الانوار سكن نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى، فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة، ثم إلى السماء السادسة، ثم إلى السماء الخامسة ثم إلى السماء الرابعة، ثم إلى السماء الثالثة، ثم إلى السماء الثانية، ثم إلى السماء الدنيا، فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد [الله] أن يخلق آدم عليه السلام إلى آخر ما مر في المجلد السادس. 146 - كتاب أبي سعيد عباد العصفرى (1): عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي حمزة، قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن الله خلق محمدا وعليا و أحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله ويقدسونه، وهم الائمة من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله. 147 - ومنه: عن عمرو، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خلق الله أرض كربلاء قبل أن يخلق أرض الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدسها وبارك عليها فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدسة مباركة، ولا تزال كذلك حتى يجعلها الله


(1) العصفرى نسبة إلى الصعفر وزان برئن نبات يصبغ به، قال النجاشي (ص: 225): عباد أبو سعيد العصفرى كوفى، كان أبو عبد الله الحسين بن عبيدالله - رحمه الله - يقول: سمعت اصحابنا يقولون، إن عبادا هذا هو عباد بن يعقوب (انتهى) وجزم به المحدث الثوري - رحمه الله - في خاتمة المستدركات، وكيف كان فلم ينص عليه بمدح أو قدح، نعم نقل في تنقيح المقال (ج 2، ص 120) عن السيد صدر الدين في تعليقه على منتهى المقال انه قال: انى نظرت في كتاب عباد هذا وهو تسعة عشر حديثا كلها نقية واكثرها تدل على تشيعه ولم أر فيها شيئا ينكر (*).

[203]

أفضل أرض في الجنة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله فيه أولياءه في الجنة. ومنه: عن رجل عن أبي الجارود (1) عن على بن الحسين عليهما السلام مثله. 148 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان عن محمد بن عمران العجلي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شئ كان موضع البيت حيث كما الماء في قوله الله عزوجل (وكان عرشه على الماء ؟) قال: كانت مهاة بيضاء يعني درة (2). بيان: قال الجوهري: المهاة بالفتح البلور (3). 149 - الكافي: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العباس عن صالح اللفائفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل دحا الارض من تحت الكعبة إلى منى، ثم دحاها من منى إلى عرفات ثم دحاها من عرفات إلى منى، فالارض من عرفات، وعرفات من منى ومنى من الكعبة (4). بيان: قوله (ثم دحاها من عرفات إلى منى) أبي دحا السطح الظاهر من الارض من عرفات إلى منتهاها، ثم ردها من تحت الارض لحصول الكروية إلى منى، ولم يذكر عليه السلام كيفية إتمامه لظهوره، أو المعنى أنه ردها من جهة التحت إلى الجانب الاخر، ثم إلى الكعبة، ثم تمم أطراف الكرة من جهة الفوق إلى منى ليتم كلها. وأما ما تكلف بعض أفاضل المعاصرين حيث قرأ (منى) أخيرا بفتح الميم بمعنى قدر، أي إلى آخر ما قدره الله من منتهى الارض، فلا يخفى عليك بعده.


(1) هو زياد بن المنذر الهمداني الخارفى: كان من علماء الزيدية رئيس الجارودية منهم وكان اعمى: قال ابن الغضائري، حديثه في حديث اصحابنا اكثر منه في الزيدية و بالجملة فالرجل ضعيف عند الاصحاب وسماه أبو جعفر عليه السلام (سرحوبا) وهو اسم شيطان اعمى يسكن البحر. واورد الكشى في رجاله عدة روايات تدل على ذمه. (2) فروع الكافي (الطبعة القديمة) كتاب الحج، الباب الثالث: ح 1: ص 216. (3) في المصدر (ص 2499): المهاة بالفتح ايضا البلورة. (4) فروع الكافي: ص 116، ب 3، ح 3.

[204]

150 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة، عن أبي زرارة التميمي، عن أبي حسان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما أراد الله عزوجل أن يخلق الارض أمر الرياح فضر بن وجه الماء حتى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحا الارض من تحته، وهو قول الله عزوجل (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) (1). ورواه أيضا عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). 151 - الدر المنثور للسيوطي: بأسانيد عن مجاهد، قال: خلق الله الارض قبل السماء، فلما خلق الارض ثار منها دخان فذلك قوله (ثم استوى إلى السماء فسويهن سبع سماوات) يقول: خلق سبع سماوات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض (3). 152 - ومنه: أيضا بعدة طرق عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسويهن سبع سماوات) قال: إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء (4) فسمى عليه فسماه سماه، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فنقها فجعلها سبع أرضين في يومين: في الاحد والاثنين، فجعل (5) الارض على الحوت


(1) آل عمران: 96. (2) فروع الكافي (الطبعة القديمة): ص 116، ب 3، ح 7. (3) الدر المنثور: ج 1، ص 43 42. (4) في المصدر: فوق الماء فسماه سماء. (5) في المصدر: فخلق الارض (*).

[205]

وهو الذي ذكره في قوله (ن والقلم) والحوت في الماء (1) على صفاة، والصفاة على (2) ملك، والملك على صخرة، والصخرة على (3) الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الارض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الارض فأرسى عليها الجبال، فقرت (4) فذلك قوله (وجعل لها رواسي أن تميد بكم) وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلثاء والاربعاء، ودلك قوله (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين - إلى قوله - وبارك فيها) يقول: أنبت فيها شجرها (وقدر فيها أقواتها) وأهلها (5) (في أربعة أيام سواء للسائلين) يقول: من سأل فهكذا الامر (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها، سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة لانه جمع فيه خلق السماوات والارض (وأوحى في كل سماء أمرها) قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار والجبال البرد وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش (6). 153 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (ثم استوى إلى السماء) يعني صعد أمره إلى السماء (فسويهن) يعني خلق سبع سماوات، قال: أجرى النار على الماء فبخر البحر، فصعد في الهواء، فجعل السماوات منه (7).


(1) في المصدر: والماء على ظهر صفاة. (2) في المصدر: على ظهر ملك. (3) في المصدر: في الريح. (4) في المصدر: فالجبال تفتخر على الارض فذلك.. (5) في المصدر: ويقول لاهلها. (6) الدر المنثور: ج 1، ص 43. (7) الدر المنثور: ج 1، ص 43 (*).

[206]

154 - وعن عبد الله بن عمرو، قال: لما أراد الله أن يخلق الاشياء إذ كان عرشه على الماء، وإذ لا أرض ولا سماء، خلق الريح فسلطها على الماء، حتى اضطربت أمواجه، وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا فأمر الدخان فعلا و سما ونما، فخلق منه السماوات، وخلق من الطين الارضين، وخلق من الزبد الجبال (1). 155 - وعن أبي هريرة، قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الاحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر (2). 156 - وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: دحيت الارض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، وهي أول (3) من طاف به، وهي الارض التي قال الله (إني جاعل في الارض خليفة (4))، 157 - وعن ابن عباس قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الارض من تحت البيت (5). 158 - وعن مجاهد قال: خلق الله موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئا من الارض بألفي سنة وأركانه في الارض السابعة (6). 159 - وعن كعب الاحبار (7) قال: كانت الكعبة غثاء على الماه قبل أن يخلق


(1 و 2) الدر المنثور: ج 1، ص 43. (3) في بعض النسخ وكذا في المصدر: فهى. (4) الدر المنثور: ج 1، 46. (5) الدر المنثور، ج 1، ص 127. (6) الدر المنثور: ج 1، ص 127. (7) بالحاء المهملة. جمع (حبر) وهو عالم اهل الكتاب، كان منحرفا عن على عليه السلام وروى ان أمير المؤمنين عليه السلام قال: انه كذاب. وله مخاصمة مع أبى ذر في مجلس عثمان في مسألة احراز بيت المال، فقال له أبو ذر، يا ابن اليهودية تعلمنا ديننا ؟ !

[207]

الله السموات والارض بأربعين سنة، ومنها دحيت الارض. 160 - وعن ابن عباس قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والارض بعث الله ريحا هفافة فصفقت الريح الماء، فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الله الارض من تحتها، فمادت ثم مادت فأوتدها الله بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها (أبو قبيس) فلذلك سميت أم القرى. 161 - وعن مجاهد قال: بدأ الله (1) بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الارض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الاحد، وجمع (2) الخلق يوم الجمعة، و تهودت اليهود يوم السبت، ويوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون (3). 162 - وعن عكرمة قال: إن الله بدأ خلق السماوات والارض وما بينهما يوم الاحد، ثم استوى على العرش يوم الجمعة في ثلاث ساعات، فخلق في ساعة منها الشموس كي يرغب الناس إلى ربهم في الدعاء والمسألة (4). 163 - وكتب يزيد بن (5) مسلم إلى جابر بن يزيد يسأله عن بدء الخلق قال: العرش والماء والقلم والله أعلم (6). 164 - وعن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كان الله قبل كل شئ وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شئ (7) (الخبر). 165 - وعن عبد الله بن عمرو بن العا ص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والارضين بخمسين ألف سنة وعرشه (8) على الماء (9).


(1) في المصدر: بدء الخلق. (2) في المصدر: ويوم الاثنين والثلثاء والاربعاء والخميس وجميع الخلق في يوم الجمعة (3 و 4) الدر المنثور: ج 3، ص 91. (5) في المصدر (يزيد بن أبى سلم) وليس لهما ذكر في تراجم الخاصة والعامة. (6 و 7) الدر المنثور: ج 3، ص 91. (8) في المصدر: وكان عرشه على الماء. (9) الدر المنثور: ج 3، ص 321 (*).

[208]

166 - وعن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى (وكان عرشه على الماء) على أي شئ كان الماء ؟ قال: على متن الريح (1). 167 - وعن مجاهد في قوله (وكان عرشه على الماء) قبل أن يخلق شيئا (2). 168 - وعن الربيع بن أنس، قال: كان عرشه على الماء، فلما خلق السماوات والارض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل (3). 169 - وعن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الليل كان قبل أم النهار ؟ قال: الليل، ثم قرأ (إن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة (4) ؟ 170 - وعن النبي صلى الله عليه وآله في قوله (وجعلنا من الماء كل شئ حي) قال: كل شئ خلق من الماء (5). 171 - وعن وهب قال: قال عزيز: رب أمرت الماء فجمد في وسط الهواء فجعلت منه سبعا وسمية السماوات ثم أمرت الماء ينفق عن التراب، وأمرت التراب أن يتميز من الماء، فكان كذلك فسميت جميع ذلك الارضين وجميع الماء البحار، ثم خلقت من الماء أعمى أعين بصرته (6) ومنها. أصم آذان أسمعته، ومنها ميت أنفس أحييته خلقت ذلك بكلمة واحدة منها ما عيشه الماء ومنها ما لا صبر له على الماء خلقا مختلفا في الاجسام والالوان جنسته أجناسا، وزوجته أزواجا وخلقت أصنافا وألهمته الذي خلقته. ثم خلقت من التراب والماء دواب الارض وما شيتها وسباعها فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع ومنهم العظيم والصغير (7) ثم زرعت في


(1 - 4) الدر المنثور، ج 3، 322 (5) الدر المنثور: ج 4، ص 317. (6) في المخطوطة: أبصرته (7) في المصدر: ثم وعظته بكتابك وحكمتك ثم قضيت عليه الموت لا محالة ثم انت تعيده كما بدأته وقال عزيز: اللهم بكلمتك خلقت جميع خلقك فاتى على مشيتك ثم زرعت في أرضك... وسيأتى ما سقط هناك بعد أسطر (*).

[209]

أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة وتراب واحد وتسقى بماء واحد، فجاء على مشيئتك مختلفا اكله ولونه وريحه وطعمه، منه الحلو، ومنه الحامض والمر، و الطيب ريحه والمنتن، والقبيح والحسن، وقال عزيز: يا رب إنما نحن خلقك وعمل يدك (1) خلقت أجسادنا في أرحام امهاتنا، وصورتنا كيف تشاء بقدرتك جعلت لنا أركانا، وجعلت فيها عظاما، وشفقت (2) لنا أسماعا وأبصارا، ثم جعلت لها (3) في تلك الظلمة نورا، وفي ذلك الضيق سعة، وفي ذلك الغم روحا، ثم هيأت لها من فضلك رزقا يقويه على مشيئتك، ثم وعظته بكتابك وحكمتك، ثم قضيت عليه الموت لا محالة، ثم أنت تعيده كما بدأته. قال عزيز: اللهم بكلمتك خلقت جميع خلقك، فأتى على مشيتك، لم تأن في ذلك مؤنة، ولم تنصب (4) فيه نصبا، كان عرشك على الماء، والظلمة على الهواء والملائكة يحملون عرشك، ويسبحون بحمدك، والخلق مطيع لك، خاشع من خوفك، لا يرى فيه نور إلا نورك، ولا يسمع فيه صوت إلا سمعك، ثم فتحت خزانة النور وطريق الظلمة فكانا ليلا ونهارا يختلفان بأمرك (5). 172 - وعن ابن عباس: إن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وآله فسألته عن خلق السماوات والارض، فقال: خلق الله الارض يوم الاحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلثاء، وخلق يوم الاربعاء الشجر والماء والمدائن و العمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين إلى قوله في أربعة أيام سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه


(1) في المصدر: يديك. (2) في المصدر: وفتقت. (3) في المصدر: لنا. (4) في المصدر: ولم ثعى منه نصبا. (5) الدر المنثور: ج 5، ص: 6 (*).

[210]

فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث (1) الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شئ مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة و أمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة. قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد ؟ قال: ثم استوى على العرش. قالوا: قد أصبت لو أتممت ! قالوا: ثم استراح. فغضب النبي صلى الله عليه وآله غضبا شديدا فنزل (ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون (2)). 173 - وعن ابن جريح في قوله (وبارك فيها) قال: كل شئ فيه منفعة لابن آدم فهو مبارك (3). 174 - وعن ابن عباس في قوله (وقدر فيها أقواتها) قال: شق الانهار وغرس الاشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه وفي هذه ما ليس في هذه (4). 175 - وعن عكرمة في قوله تعالى (وقدر فيها أقواتها) قال: قدر في كل أرض شيئا لا يصلح في غيرها (5). 176 - وعن ابن جبير قال: معاشها (6). 177 - وعن الحسن قال: أرزاقها (7)، 178 - وعن ابن عباس قال: خلق الله السماوات من دخان، ثم ابتدأ خلق الارض يوم الاحد ويوم الاثنين وذلك قوله (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين) ثم قدر فيها أقواتها في يوم الثلثاء ويوم الاربعاء، فذلك قوله (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فسمكها وزينها بالنجوم والشمس والقمر وأجراهما في فلكهما، وخلق فيها ما شاء من


(1) في المصدر: الثلاثة. (2) ق: 38 و 39. والخبر في الدر المنثور: ج 5، ص 360. (3 - 6) الدر المنثور: ج 5، ص 360. (7) الدر المنثور: ج 5، ص 361.

[211]

خلقه وملائكته [في] يوم الخميس ويوم الجمعة، وخلق الجنة [في] يوم الجمعة وخلق آدم يوم الجمعة فذلك قول الله (خلق السماوات والارض في ستة أيام) وسبت كل شئ يوم السبت فعظمت اليهود يوم السبت لانه سبت فيه كل شئ وعظمت النصارى يوم الاحد لانه ابتدأ فيه خلق كل شئ، وعظم المسلمون يوم الجمعة لان الله فرغ فيه من خلقه، وخلق في الجنة رحمته، وخلق فيه آدم وفيه هبط من الجنة إلى الارض، وفيه قبلت في الارض توبته وهو أعظمها (1). 179 - وعن عبد الله بن سلام قال: إن الله ابتدأ الخلق، وخلق الارضين (2) يوم الاحد والاثنين، وخلق الاقوات والرواسي في يوم الثلثاء والاربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة إلى صلوة العصر، وخلق فيها (3) آدم في تلك الساعة التي لا يوافقها عبد (4) في صلاة يدعو ربه إلا استجاب له، فهي ما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس (5). 180 - وعن عكرمة أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: ما يوم الاحد ؟ قال: فيه خلق الله الارض وكبسها، قالوا: الاثنين ؟ قال خلق فيه وفي الثلثاء الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله. قالوا: فيوم الاربعاء ؟ قال: الاقوات. قالوا: فيوم الخميس ؟ قال: فيه خلق الله السماوات. قالوا: يوم الجمعة ؟ قال: خلق في ساعتين الملائكة وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار. قالوا: السبت، وذكروا الراحة، فقال: سبحان الله ! فأنزل الله (ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (6)). وعن ابن عباس أيضا نحوه.


(1) الدر المنشور: ج 5، ص 361. (2) في المصدر: الارض. (3) في المصدر: وخلق آدم. (4) في المصدر: عبد يدعو ربه. (5 و 6) الدر المنثور: ج 5، ص 361 (*).

[212]

181 - وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى فرغ من خلقه في ستة أيام أولهن يوم الاحد والاثنين والثلثاء والاربعاء والخميس والجمعة. 182 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها) قال: قال للسماء أخرجي شمسك وقمرك ونجومك، وللارض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ! فقالتا أتينا طائعين (1). 183 - وعن ابن عباس أن رجلا قال له: آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الاخرى ! فقال: إنما اتيت من قبلك رأيك اقرء ! قال: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين حتى بلغ ثم استوى إلى السماء) وقوله (والارض بعد ذلك دحيها) قال: خلق الله الارض قبل أن يخلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحا الارض بعد ما خلق السماء، وإنما قوله دحاها بسطها (2). بيان: في النهاية: فيه (3) كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الارض. الخشعة: أكمة لاطئة بالارض والجمع (خشع) قيل: هو (4) ما غلبت عليه السهولة أي ليس بحجر ولاطين، ويروى (خشفة) بالخاء والفاء. وقال الخطابي: الخشفة واحدة الخشف، وهي الحجارة تنبت في الارض نباتا (5). 183 - مروج الذهب للمسعودي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام (6) قال: إن الله حين شاء تقدير الخليقة، وذرء البرية، وإبداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهباء (7)، قبل دحو الارض ورفع السماء، وهو في


(1) الدر المنثور: ج 5، ص 361. (2) الدر المنثور: ج 6، ص 313. (3) يعنى في كتاب ابى عبيد الهروي. (4) كذا في المصدر: وفي بعض النسخ البحار (هي). (5) النهاية، ج 1، ص 295 وزاد: وتروى بالحاء المهملة وبالعين بدل الفاء. (6) في المصدر: روى عن أمير المؤمنين عليه السلام. (7) في بعض النسخ: الهيآت (*).

[213]

انفراد ملكوته، وتوحد جبروته، فأتاح نورا من نوره فلمع، وقبسا (1) من ضيائه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وآله فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك أستودع نوري وكنوز هدايتي، ومن أجلك اسطح البطحاء وأرفع السماء (2)، وأمزج الماء وأجعل الثواب والعذاب (3)، والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك بالهداية (4) واوتيهم من مكنون علم ما لا يخفى (5) عليهم دقيق، ولا يغيبم (6) خفي، وأجعلهم حجة على بريتي والمنبهين على علمي (7) وواحدانيتي، ثم أخذ الله سبحانه الشهادة للربوبية، والاخلاص للوحدانية، فبعد (8) أخذ ما أخذ من ذلك شاء ببصائر الخلق انتخاب (9) محمد، وأراهم أن الهداية معه، والنور له، والامامة في أهله (10) تقديما لسنة العدل، وليكون الاعذار متقدما، ثم أخفى الله الخليقة في غيبة، وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم، وبسط الزمان، ومرج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، فطفى عرشه على الماء، وسطح (11) الارض على ظهر الماء، ثم استجابهما إلى الطاعة، فأذعنتا بالاستجابة، ثم أنشاء الملائكة من أنوار نبوة قد ابتدعها، وأنوار اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وآله فشهرت نبوته في السماء قبل بعثته


(1) في المصدر: ونزع قبسا. (2) في المصدر: اموج الماء وأرفع السماء. (3) في المصدر: العقاب (4) في المصدر: للهداية. (5) في المصدر: مالا يشكل. (6) في المخطوطة: لا يعييهم. (7) في المصدر: على قدرتي. (8) في المصدر: فقبل اخذ ما اخذ جل شأنه. (9) في المصدر: انتخب محمدا وآله. (10) في المصدر: في آله. (11) في المصدر: فسطح.

[214]

في الارض، فلما خلق الله آدم أبان له فضله للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم، من حيث عرفهم عند استنابئه إياه أسماء الاشياء، فجعل الله آدم محرابا وكعبة وقبلة (1) أسجد إليها الانوار والروحانيين والابرار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه على أن سماه (2) إماما عند الملائكة، فكان حظ آدم من الخبر إنباءه ونطقه بمستودع نورنا، ولم يزل الله تعالى يخبأ النور تحت الزمان إلى أن فصل محمدا صلى الله عليه وآله في طاهر القنوات (3) فدعا الناس ظاهرا وباطنا، وندبهم سرا وإعلانا، واستدعى التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل ومن وافقه قبس (4) من مصباح النور المتقدم اهتدى إلى سره، واستبان واضح أمره، ومن ألبسته الغفلة استحق السخطة لم يهتد إلى ذلك، ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع مع أئمتنا (5) فنحن أنوار السماء وأنوار الارض، فينا النجاة، ومنا مكنون العلم وإلينا مصير الامور، وبنا تقطع الحجج، ومنا خاتم (6) الائمة، ومنقذ الامة وغاية النور، ومصدر امور، فنحن أفضل المخلوقين، وأكمل الموجودين (7) وحجج رب العالمين، فلتهنا (8) النعمة من تمسك بولايتنا وقبض عروتنا (9). بيان: أمزج الماء أي أخلطه بغيره فأخلق منه المركبات، ويمكن أن يكون بالراء المهملة كقوله تعالى (مرج البحرين (10)) أي خلاهما ببصائر الخلق أي لان


(1) في المصدر: وبابا وقبلة. (2) في المصدر: وكشف له عن خطر ما ائتمنه عليه بعد ما سماه. (3) في المصدر: في ظاهر الفترات. (4) في المصدر: فمن وافقه واقتبس. (5) في بعض النسخ: (من ائمتنا) وفي المصدر (في ائمتنا). (6) وبمهدينا تقطن الحجج خاتم الائمة. (7) في المصدر: اشرف الموحدين. (8) في المصدر: فليهنا بالنعمة. (9) مروج الذهب، ج 1، 17 و 18. (10) الرحمن: 19 (*).

[215]

يجعلهم ذوي بصائر، أو ملتبسا ببصائرهم وعلمهم. والقنوات جمع قناة، وقال الجوهري قناة الظهر: التي تنتظم الفقار (1) (انتهى) والابلاس بمعنى الحيرة أو اليأس لازم واستعمل هنا متعديا، والظاهر أن فيه تصحيفا كما في كثير من الفقرات الاخر. 185 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام، ثم اختزلها عن أيام السنة، فالسنة ثلثمائة وأربع (2) وخمسون يوما شعبان لا يتم أبدا، ورمضان لا ينقص والله أبدا، ولا تكون فريضة ناقصة، إن الله عزوجل يقول (ولتكملوا العدة) وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما لقول الله عزوجل (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأنممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) وذو الحجة تسعة وعشرون يوما، والمحرم ثلاثون يوما ثم الشهور بعد ذلك شهر تام وشهر ناقص (3) (الخبر). 186 - الفقيه: بإسناده عن محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه (4) عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما صام من شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين. قال: كذبوا، ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة. إن الله خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات والارض في ستة أيام، فحجزها من ثلاثمائة وستين يوما فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وشهر رمضان ثلاثون يوما لقول الله عزوجل (ولتكملوا العدة) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما لقول الله عزوجل (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) فالشهر هكذا ثم هكذا أي


(1) الصحاح: 2468. (2) في المصدر: أربعة. (3) فروع الكافي (الطبعة القديمة): كتاب الصوم، ب 7، ح 3، ص 184. (4) في المصدر: في رواية حذيفة بن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن محمد بن يعقوب ابن شعيب الخ (*).

[216]

شهر تام وشهر ناقص وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لا يتم أبدا (1). تبيين: قال بعض المحققين في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم ما حاصله: ان أفعاله سبحانه مبنية على الحكم والمصالح، وإن حكمته اقتضت أن تكون أفعاله بالنسبة إلى مخلوقاته على قسمين: قسم يصدر عنه في كل آن إرادة دفعية بدون توقفه على مادة أو مدة، وقسم الا يصدر عنه إلا بعد مدة أجرى عادته بحصول استعداد مادته له في تلك المدة على سبيل التدريج، وإن خلق الماء الذي جعله مادة لسائر الاجسام والجسمانيات وما يشبهه من القسم الاول، وخلق السماوات والارضين وما في حكمهما من القسم الثاني، وهذا حكم أطبق عليه جميع المليين وكثير من قدماء الفلاسفة، فما ذكره المفسرون من أن معنى خلق السماوات والارض إبداعهما لا من شئ ليس بشئ، ويدل عليه خطب أمير المؤمنين عليه السلام وغيرها. ثم إن القسم الثاني يستدعي بالسنبة إلى كل مخلوق قدرا معينا من الزمان كما يرشد إليه تتبع الازمنة المعينة التي جرت عادته تعالى أن يخلق فيها أصناف النباتات من موادها العنصرية، وأنواع الحيوانات من مواد نطفها في أرحام امهاتها فعلى ذلك خلق السماوات والارض من مادتها التي هي الماء بعد خصوص القدر المذكور من الزمان إنما هو من هذا القبيل [و] أما خصوص الحكمة الداعية إلى إجراء عادته بخلق تلك الامور من موادها على التدريج ثم تقدير قدر خاص وزمان محدود لكل منها فلا مطمع في معرفته، فإنه من أسرار القضاء والقدر التي لا يمكن أن يحيط بها عقل البشر، ولذلك كتم عنا بل عن بعض المقربين والمرسلين بل سد علينا وعليهم باب الفحص والتفتيش بالنهي الصريح الدال عليه كثير من القرآن والخبر. ثم إن اليوم عبارة عن زمان تمام دورة للشمس بحركتها السريعة العادية الموسومة باليومية، فكيف يتصور أن يكون خلق السماوات الحاملة للشمس وغيرها من الكواكب في عدة من الزمان المذكور ؟ وهل لا يكون تكون الدائر في زمان


(1) من لا يحضره الفقيه، ص 196، ح 4 (*).

[217]

دورته مستلزما للدر المستحيل بالضرورة ؟ فقد ذكر ابن العربي فيما (1) سماه بالفتوحات أن اليوم وزمان دورة للفلك الاطلس فلا يكون منطوطا بالشمس ولا بالسماوات السبع، إنما المنوط بها الليل والنهار وهما غير اليوم. وفيه أنه اصطلاح مبني على اصول الفلسفة تأبى عنه اللغة والعرف المبني عليهما لسان الشريعة، و لظهور ذلك أطبق المفسرون على تأويله إما بحمل تلك الايام على زمان مساو لقدر زمانها، وإما بحملها على أوقات أو مرات متعددة بعدتها حتى يكون معنى خلق الارض في يومين مثلا خلقها في مرتين مرة خلق أصلها، ومرة تمييز بعض أجزائها عن بعض، وكذلك في السماوات وغيرها، ولا يخفى أن شيئا من التأويلين ولا سيما الثاني لا يلائم تعيين خصوص يوم من أيام الاسبوع لخلق كل منها كما في الروايات وذلك ظاهر جدا. وأيضا يستبعد العقل جدا أن لا يمكن خلق الانسان مثلا من نطفته عادة في أقل من ستة أشهر ويكون خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام مع أن الحال كما قال تعالى: لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وأيضا إخباره تعالى بخصوص قدر زمان لابد له من نكتة، أقل ما في الباب أن يكون من جهة قلته أو كثرته دخيلا في المطلوب، ولا يناسب شئ منهما ههنا، إذ لو كان لاجل معرفة العباد أنه تعالى قادر على خلق مثل السماوات والارض في هذه المدة القليلة فمعلوم أن ذلك ليس له


(1) هو أبو عبد الله محيى الدين محمد بن على بن محمد الحاتمى الطائى الاندلسي المكى الشامي صاحب كتاب الفتوحات، برع في علم التصوف ولقى جماعة من العلماء والمتعبدين والناس فيه على ثلاث طوائف: طائفة يعدونه من اكابر الاولياء العارفين منهم الفيروز آبادي صاحب القاموس والشعراني، وطائفة يكفرونه وينسبونه إلى الالحاد منهم التفتازانى والمولى على القارئ، وطائفة يعتقدون ولايته ويحرمون النظر في كتبه منهم جلال الدين السيوطي. وله مصنفات كثيرة، واعظم كتبه وآخرها تأليفا (الفتوحات المكية) توفى سنة (638) بعد وفاة الشيخ عبد القادر بثمان وسبعين، وقبره بصالحية دمشق مزار مشهور ومن اشعاره: رأيت ولائي آل طه وسيلة * على رغم اهل البعد يورثني القربى فما طلب المبعوث اجرا على الهدى * بتبليغه إلا المودة في القربى

[218]

وقع في هذا المطلوب بعد الاخبار بأمثال أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ولو كان للامتنان عليهم بأن خلقه في تلك المدة المديدة كان لاجل تدبير ما يحتاجون إليه في امور معاشهم ومعادهم فظاهر أن قدر ستة أيام لا يصلح لهذا المقصود، فالوجه أن يفسر اليوم ههنا والعلم عند الله وأهله بما فسره الله تعالى تارة بقوله (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (1)) وتارة بقوله (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (2) واخرى بقوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (3)) فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، وقد يعبر عن الاول باليوم الربانى، وعن الثاني بيوم الله، فعلى كل تقدير يكون ملائما لما نسب من خلق كل منها إلى يوم من الاسبوع في الروايات، ويتم ما يقصر عنه عند حمله على اليوم الدنيوي من معنى الامتنان المقصود له تعالى في كثير من أمثال تلك الآيات، ولعل حمله على الاول فيما نحن فيه أنسب وأقرب، فتصويره على ذلك أن كل امتداد سواء كان قار الذات كالجسم أو غير قار الذات كالزمان ينبغي أن يقدر له أجزاء ولكل جزء منه أجزاء وهكذا إلى ما يحتاج التعبير عن قدر معين منها للتفهيم بدون كلفة، وذلك كتقدير الفلك بالبروج والمنازل والدرجات، وتقدير الزمان بالسنين والشهور والايام والساعات، وعلى هذا لا بعد في أن الحكمة الالهية كانت اقتضت أن يقدر للزمان المتقدم على زمان الدنيا، بل للزمان المتأخر عن زمانها أيضا بأمثال ما قدره لزمانها من السنين إلى الساعات، لكن مع رعاية نوع مناسبة لهذه الاجزاء إلى المقدر بها، فكما أن المناسب لزمان الدنيا أن يكون كل يوم منه بقدر دورة للشمس يجوز أن يكون المناسب للزمان الدنيا أن يكون كل يوم منه بقدر ألف سنة من زمان الدنيا وللزمان المتأخر أن يكون مساويا لخمسين ألف سنة منه، فيكون ما أخبرنا به في الآيتين الاوليين حال الزمان المتقدم، وفي


(1) الحج: 47. (2) السجدة: 5. (3) المعارج، 4 (*).

[219]

الثالثة حال الزمان المتأخر، فلا بعد فيما يلوح من بعض الاشارات المأثورة من أنه تعالى كان قدر للزمان المتقدم أسابيع، وسمى الاول من أيامها بالاحد والثاني بالاثنين وهكذا إلى السبت، وكذك قدر له شهورا تامة كل منها ثلاثون يوما سمى أولها بالمحرم أو رمضان على اختلاف الروايات في أول شهور السنة وثانيها بصفر أو شوال وهكذا إلى ذي الحجة أو شعبان، وعلى كل تقدير كان المجموع سنة كاملة موافقة لثلاثمائة وستين يوما، ثم جعل أيام أسابيعنا وشهورنا موافقة لايام تلك الاسابيع والشهور في المبدء والعدة والتسمية، وقد يساعد عليه ما في سورة التوبة من قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم (1)) فتستقيم بذلك أمثال ما روي أنه تعالى خلق الارض والسماء في يوم الاحد، أو خلق الملائكة في يوم الجمعة فلا يتوجه إشكال وجوب تأخر أصل اليوم فضلا عن خصوص الاحد عن خلق السماوات والارض، ولا إشكال لزوم خلق الملائكة فيما تأخر عن المتأخر عنه من السماوات والارض على ما مر في حديث الرضا عليه السلام، وتستقيم به أيضا أمثال ما روي أن دحو الارض كان في ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة بدون استعاد وانقباض للعقل من جهة أن تقدم امتياز تلك الشهور بعضها عن بعض وإنضباطها بتلك الاسامي على دحو الارض وما يتبعه من خلق الانس بل الجن أيضا خلاف العادة. ثم إنه يلوح مما ذكره صاحب الملل والنحل بقوله (قد اجتمعت اليهود على أن الله تعالى لما فرغ من خلق الارض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الاخرى فقالت فرقه منهم إن الستة الايام هي الستة آلاف سنة فإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وبالسير القمري، وذلك ما مضى من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وبه يتم الخلق، ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الامر، ومن ابتداء الامر يكون الاستواء على العرش والفراغ من


(1) التوبة: 36 (*).

[220]

الخلق، وليس ذلك أمرا كان ومضى بل هو في المستقبل إذا عددنا الايام بالالوف (انتهى) أن بعضا من الكتب السماوية كالتورية كان متضمنا للاشارة إلى أن المراد بالايام المخلوقة فيها السماوات والارض هو الايام الربانية، ولكن اليهود لم يتفطنوا بكونها سابقة على زمان الدنيا وتعمدوا في تحريفها عن موضعها بتطبيقها على بعض أزمنة الدنيا تصحيحا لما سولته لهم أنفسهم من أن شريعة موسى عليه السلام هي أول أوامره وشروعه في التكليف، حتى لا يلزمهم الاقرار بنسخ شريعة سابقة مستلزم لامكان وقع مثله على شريعتهم أيضا فافهم. ويظهر مما ذكره محمد بن جرير الطبري في أول تاريخه أن حمل تلك الايام على الايام الربانية أو مقرر بين أهل الاسلام أيضا من قديم الايام. فإذا تأملت في مدارج ما صورناه وبيناه يظهر لك أن السماوات والارض وما بينهما المعبر عنها بالدنيا بمنزلة شخص مخلوق من نطفة هي الماء على طبق حصول استعداداته بالتدريج كما جرت به عادته تعالى في مدة مديدة هي على حسابنا ستة آلاف سنة قمرية موافقة لستة أيام من الايام الربانية، فبعد تمام هذه المدة التي هي بمنزلة زمان الحمل لها تولدت كاملة بطالع (1) السرطان والكواكب في شرفها، وحينئذ أخذت الشمس والقمر في حركتهما المقدرة لهما المنوطة بهما الليل والنهار، وذلك كان في يوم الجمعة كما مروجهه، وكان أيضا سادس شهر محرم الحرام أو رمضان المبارك عند ما مضت ثلاث ساعات واثنتا عشرة دقيقة من نهاره، ولا ينافي ذلك ما ورد في حديث الرضا عليه السلام أنه كانت الشمس عند كينونتها في وسط السماء لانه عليه السلام في صدد تصوير وضع نهار أيام الدنيا حينئذ لا الايام الربانية، وما نحن فيه مبني عليها فلا يلزم الموافقة. هذا هو مبدء عمر الدنيا، وأما مبدء خلقها من نطفتها فمقدم عليه بقدر ما عرفت من زمان حملها، فكان مبدء أول يوم الاحد من تلك الايام غرة أحد الشهرين، ولا شك بما نصب لنا من الدلالات اليقينية أن لها أمدا ممدودا وأجلا محدودا، ويقرب احتمال أنه تعالى كان قدر لجملة زمانها من مبدء خلقها إلى حلول أجلها سنة كاملة من السنين الربانية، فجعل ستة أيام منها بإزاء خلقها والباقية

[221]

وهي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما بإزاء عمرها، وأنها كما مر مساوية لثلاثمائة وأربعة وخمسين ألف سنة من السنين القمرية الدنيوية، يلوح ذلك من جملة روايات وعدة إشارات من الصادقين عليهم السلام: منها: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل الجهاد وتوابعه أن رباط يوم في سبيل الله خير من عبادة الرجل في أهله سنة، ثلاثمائة وستين يوما كل يوم ألف سنة. فأن الذكي يتفطن من الخصوصية المذكورة فيها لكل من السنة واليوم بأن المراد بهما غير السنة واليوم الدنيويين، إذ لا سنة في الدنيا بهذا العدد من الايام فإنه لا يوافق شيئا من الشمسية والقمرية المعتبرتين فيها، ولا يوم من أيام الدنيا موافقا لذلك الامتداد من الزمان، فيظن أن هذا التعبير كناية عن نهاية ما يتصور للرجل من العبادة، وهو تمام زمان الدنيا. ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه والكليني في الكافي ثم أورد الروايتين فقال: وجه دلالة الحديثين على ما ذكرنا أن السنة الاولى فيه وهي المختزلة عنها الايام الستة يجب أن تحمل على السنة الربانية، لان شيئا من السنة الشمسية والقمرية الدنيويتين لم يخلق ثلاثمأة وستين يوما كما تقرر في موضعه، ولانه لو حملت على الدنيوية فإما أن تحمل الايام الستة أيضا على الايام الدنيوية فغاية ما يلزم من اختزالها عنها أن تكون السنة الاولى من سني عمر الدنيا ثلاثمأة و أربعة وخمسين يوما، فلا يلزم هذا النقصان في جميع السنين وإما أن تحمل على الايام الربانية فلا يتصور الاختزال المذكور حينئذ فإذا يوما من تلك الايام كألف سنة من تلك السنين، فتحقق أن المراد بتلك السنة السنة الربانية على وفق ما بينا أن المراد بالايام الستة الايام الربانية وأما السنة الثانية في الحديثين فيجب أن تحمل على السنة الدنيوية المستتبعة لنقصان بعض شهورها وهو ظاهر. فعلى هذا ما يفهم منه من تفرع النقصان في تلك السنة وشهورها على الاختزال المذكور يدل على أنه لو لم يختزل الايام الستة المذكورة عن رأس السنة الربانية المذكورة بل وقع خلق الدنيا في زمان خارج عن تلك السنة متصل بها، لكانت أيام السنة الدنيوية

[222]

ثلاثمأة وستين وكذا يدل على أن الايام المختزلة لو كانت عشرة مثلا لكانت أيام السنة الدنيوية ثلاثمأة وخمسين، وعلى هذا القياس فيظهر بذلك أنه مبني على أن الحكمة الالهية اقتضت مساواة الايام الباقية بعد الاختزال من السنة الربانية مع أيام كل سنة من السنين الدنيوية، فيتفطن الذكي من لزوم تلك المساوات بين هاتين الايامين أنهما منسوبتان إلى شئ واحد، فكما أن أيام السنة الدنيوية منسوبة إلى الدنيا ومحسوبة من عمرها كذلك الايام الباقية المذكورة منسوبة إليها لاجل عمرها، ويؤيده انتساب الايام السنة المختزلة أيضا إليها لاجل خلقها، فتبين من مدارج ما قررنا سر هذا الاختزال وكونه على النحو المذكور أيضا، فإنه لو لم يقع أو وقع لا على النحو المذكور لكان يزيد ألف سنة من سني الدنيا على يوم من الايام الربانية أو ينقص عنها وهو خلاف ما أخبرنا الله تعالى به من مساواتهما المبنية على حكمته ومصلحته بلا شبهة. ثم ليعلم أن كون السنة الدنيوية القمرية ثلاثمأة وأربعة وخمسين يوما مبني على ما تعارف من إسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة فلا ينافي كونها في الحقيقة زائدة عليه بثماني ساعات مستوية وثمان وأربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالارصاد، فعلى ذلك تكون بقية السنة الربانية التي بإزاء عمر الدنيا أيضا زائدة بمثل تلك الساعات والدقائق بحكم المساواة المذكورة، فيلزم من هذه الجهة أن يكون أيام (1) الستة المختزلة لخلق الدنيا ناقصة عنها أيضا بالقدر المذكور، لئلا يلزم زيادة مجموعهما على ثلاثمأة وستين، وقد أشرنا في تصوير زمان حمل الدنيا إلى هذه الدقيقة فتذكر. انتهى كلامه رفع الله مقامه ولقد أحسن وأجاد، وحقق وأفاد، في إبداء هذا الوجه الوجيه مع تايده بما ذكره وبغيره من الاخبار المتقدمة عن مجاهد وغيره، وبما رواه الصدوق ره في الفقيه وغيره في علة الصلوات الخمس عن النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: وأما صلوة المغرب فهي الساعة التي تاب الله عزوجل فيها


(1) الايام (ظ) (*).

[223]

على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين مات تاب الله عزوجل عليه ثلاثمأة سنة من أيام الدنيا في أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء، وقد أوردت مثله بأسانيد في المجلد الخامس. وبما رواه السيوطي في الدرر المنثور عن عكرمة قال: سأل رجل ابن عباس ما هؤلاء الآيات (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (1)) و (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة (2)) و (يستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (3)) ؟ قال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة، و خلق السماوات والارض في ستة أيام كل يوم ألف سنة، ويدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة، وذلك (4) مقدار السير. وعن عكرمة (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال: هي الدنيا أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة. لكن فيما زيف بن بعض الوجوه الاخر نظر، إذ بناء تحقيقه على تحقق الزمان الموهوم قبل خلق العالم وإن كان تقديره وقسمته بالايام والساعات، فيمكن أن يقال: بعد خلق الكواكب وحركاتها وتعيين الليالي والايام والشهور والاسابيع يمكن الرجوع القهقهرى، وتعيين جميع ذلك في الازمنة الماضية تقديرا، وتكلف التقدير مشترك بين الوجهين، مع أن هذا الوجه أوفق بظواهر أكثر الآيات والاخبار، وأما أن الستة الايام لا يكون مبالغة في جانب القلة إذا حملت على أيام الدنيا فليس كذلك، بل في خلق السماوات والارض مع وفور عظمتها واشتمالهما على أنواع الحكم الدقيقة والصمالح الانيقة مما يدل على غاية القدرة والعلم والحكمة، وأما أنه كان يمكن خلقهما في أقل من ذلك الزمان فبين الرضا عليه السلام الحكمة في ذلك، فلعله سبحانه جمع بين الامرين أي عدم الخلق دفعة وقلة الزمان رعاية للامرين معا، وسائر ما ذكرت قدس سره إما محض


(1) المعارج: 4. (2) السجدة: 5. (3) الحج: 47. (4) في المخطوطة: قال ذلك (*).

[224]

استبعاد، أو مقايسة بعض المخلوقات ببعض، وكلاهما مما لا وقع له في هذا المقام. وأما الاختزال فيمكن أن يكون غرضه عليه السلام الاشارة إلى علة شيوع هذا الاصطلاح أي إطلاق السنة في عرف الشرع والعرف العام على ثلاثمأة وستين مع أنها لا توافق السنة الشمسية ولا القمرية، بأنها مطابقة للسنة الاولى من خلق العالم إذا حسبت من ابتداء الخلق، وأما السنة القمرية فهي مبنية على حركة القمر بعد وجوده، والستة المتقدمة المصروفة في خلق العالم مختزلة منها، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق في محله إنشاء الله تعالى. ثم اعلم أنه قد تكلم كثير من الناس من الفرق المتشتة في قدر زمان عمر الدنيا، فأكثر اليهود بل سائر أهل الكتاب مالوا إلى تقليله بامور خطابية لا ترتضيها العقول السليمة، وجمهور الهنود بالغوا في تكثيره بخيالات حسابية تتنفر عنها الطبائع المستقيمة، وأما مشاهير قدماء الحكماء وجماهير عظماء الاحكاميين فقد توسطوا في ذلك، ولكن تفرقوا إلى أقوال شتى، وحكى أبو معشر البلخي في كتابه المسمي بسر الاسرار عن بعض أهل هند أن الدور الاصغر ثلاثمأة وستون سنة والاوسط ثلاثة آلاف وستمأة سنة، والاكبر ثلاثمأة وستون ألف سنة، ولعل المراد بالدور الاكبر زمان عمر الدنيا، وبالسنة السنة الشمسية، فيطابق ما اعتمد عليه جمع من أعلام المنجمين من قول حكماء فارس وبابل أن سني عمر العالم ثلاثمأة وستون ألف سنة شمسية، كل سنة ثلاثمأة وخمسة وستون يوما وخمس عشرة دقيقة واثنتان وثلاثون ثانية وأربع وعشرون ثالثة، ومستندهم في ذلك على ما نقل أبو معشر من (1) أهل فارس أن الكواكب السبعة في أول خلق الدنيا كانت مجتمعة في أول الحمل، ويكون اجتماعها في آخر زمان بقائها في آخر الحوت وزمان ما بينهما ثلاثمأة وستون ألف سنة من تلك السنين، وأما مستندهم في الاجتماع المذكور على نحو ما تصوروه في المقامين فغير معلوم. ثم اعلم أن هذه الخيالات والروايات وإن لم يكن مبتنية على أصل متين


(1) عن (خ) (*).

[225]

لكنها مما يرفع استبعادات الاوهام عن الاخبار الواردة في الرجعة وطول امتداداتها فإنها أيضا داخلة في زمان عمر الدنيا، فإذا حسبت تلك الازمان مع ما ورد في بعض الاخبار من أزمنة كون غير آدم وأولاده في الارض يصير قريبا مما ذكر بعض هؤلاء الجماعة. وبالجملة كل من الامرين مما يصلح أن يصير سببا لرفع الاستبعاد عن الآخر. ثم إن بعض المتصدين لحل هذا الخبر سلك مسلكا أوحش وأغرب حيث قال: السنة في العرف تطلق على الشمسية التي هي عبارة عن عود الشمس بحركتها الخاصة لها إلى الوضع الذي فرض أولا كأول الحمل مثلا الذي يتساوى عند حلولها فيه زمان الليل والنهار تقريبا بعد أن كان الليل أطول في معظم المعمورة، وعلى القمرية التي هي عبارة عن عود القمر إلى وضعه المفروض أولا مع الشمس في سمت الحركة اثنتا عشرة مرة كل مرة تسمى شهرا، وقد علم بالتجربة والرصد أن زمان الاولى يكون ثلاثمأة وخمسة وستين يوما وكسرا من يوم، وزمان الثانية ثلاثمأة وأربعة وخمسين يوما وكسرا، ولو فرض فارض كون الشمس أسرع حركة بحيث تتم دورتها في ثلاثمأة وستين بلا زيادة ونقصان والقمر بحاله يكون مقدار السنة القمرية أيضا ثلاثمأة وستين يوما كل شهر ثلاثون يوما كما لا يخفى على المحاسب، وحينئذ لم يكن اختلاف بين السنة القمرية والشمسية، لكن قد جعل الله سبحانه زمان الشمسية أكثر من ذلك بقريب من سنة أيام وزمان القمرية أنقص بنحو ذلك لمصالح تعود إلى مخلوقاته في السماوات و الارضين ينتظم بها النظام الاكمل الذي لا يعلم كنهه إلا هو، فلعل هذا هو المراد من جعل السنة ثلاثمأة وستين وحجز الستة الايام عنها، بل لا ينقبض العقل من أن يكون المراد بخلق السماوات والارض في ستة أيام ذلك، أعني على اختلاف نظام لحركة السماويات خصوصا النيرين اللذين قدرت بهما الشهور والاعوام والليالي والايام، وغير ذلك من مصالح الانام، قدر ذلك الاختلاف ستة أيام في كل سنة فليتفكر جدا في ذلك (انتهى).

[226]

واورد عليه بوجوه: الاول أن كون سرعة الشمس على الوجه المذكور مستلزمة لكون السنة القمرية أيضا ثلاثمأة وستين يوما إنما يكون حقا إذا كان زيادة أيام الشمسية على ثلاثمأة وستين موافقة لنقصان أيام القمرية عنه ححقيقة وليس كذلك، فإن الاول لا يزيد على خمسة أيام وربع يوم في شئ من الارصاد المتداولة، والثاني يزيد على خمسة أيام وخمسة أثمان يوم بالاتفاق، فأقل ما به التفاوت يزيد على تسع ساعات، فالصواب أن تفرض سرعتها بقدر نصف التفاوت بين زماني السنتين حتى يتساويا ويرتفع التفاوت عما بينهما بالكلية كما هو المقصود، وما يلزم حينئذ من عدم بلوغ شئ منهما إلى السنتين حقيقة بل يكون أقل منه بنحو خمس ساعات فالامر فيه سهل فإنه لا ينافي إطلاق الستين عليه عرفا. الثاني: أن كون السنة ثلاثمأة وستين يوما في الحديث إخبار عن الواقع سواء حمل الخلق على معنى الايجاد أو التقدير، وعلى ما ذكره أمره فرضي لا وقوع له اصلا. الثالث: أن المراد بالايام المختزلة عن أيام السنة إذا كان هذه الايام فكيف يتصور أن يكون بعضها لاجل الارض وبعضها لاجل السماء كما يظهر من بعض الآيات بل غاية ما يتصور أن يكون لها مدخل في النظام المقصود بالنسبة إلى الجميع. الرابع: أن هذا المعنى لهذه الايام لا يوافق شيئا من الروايات الدالة على تعيين يوم من أيام الاسبوع لخلق كل من المخلوقات المذكورة. 187 - مجمع البيان: نقلا من تفسير العياشي بإسناده عن الاشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام والفضل بن سهل والمأمون في الايوان الحيري بمرو، فوضعت المائدة فقال الرضا عليه السلام: إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال: النهار خلق قبل أم الليل ؟ فما عندكم ؟ [قال:] فأداروا الكلام ولم يكن عندهم في ذلك شئ، فقال الفضل للرضا عليه السلام: أخبرنا بها أصلحك الله. قال: نعم، من القرآن أم من الحساب، قال له الفضل: من جهة

[227]

الحساب. فقال: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها، فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحمل، والقمر في الثور، وذلك (1) يدل على كينونة الشمس في الحمل من (2) العاشر من الطالع في وسط السماء، فالنهار خلق قبل الليل، وأما في القرآن فهو في قوله تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار (3)) أي قد سبقه النهار. كتاب النجوم للسيد بن طاوس: بأسانيده عن محمد بن إبراهيم النعماني عن محمد بن همام، عن محمد بن موسى بن عبيد، عن إبراهيم بن أحمد اليقطيني، عن ابن ذي العلمين مثله (4). وبأسانيده إلى كتاب الواحدة لابن جمهور العمي بإسناده مثله. تحقيق وتوضيح: اعلم أنه اورد على هذا الخبر إشكالات: الاول أو الظلمة التي تحصل منها الليل عدم النور الذي يحصل منه النهار وعدم الحادث مقدم على وجوده. والجواب أن الظلمة ليست عدما مطلقا بل عدم ملكة، إذ هي عدم النور عما من شأنه أن يكون نيرا، ومثله يمكن أن يكون مقدما ومؤخرا، والحاصل هنا أن أول خلق العالم هل كان نهارا أم ليلا. الثاني أن عند خلق الشمس لابد أن يكون في بعض الارض ليلا وفي بعضها نهارا فلا تقدم لاحدهما على الآخر. والجواب أن السؤال عن معظم المعمورة هل كان الزمان فيها ليلا أم نهارا فلا ينافي وجود الليل فيما يقاطرها. الثالث ما المراد بطالع الدنيا ؟ فإن كل نقطة من نقاط الارض لها طالع،


(1) في المصدر: فذلك. (2) في المخطوطة: في العاشر. (3) يس: 40. (4) لم نجد ترجمة رجال السند في شئ من تراجم العامة والخاصة (*).

[228]

كل نقطة من نقاط منطقة البروج طالع افق من الآفاق. والجواب أنه يمكن أن يكون المراد بطالع الدنيا طالع قبة الارض أي موضع من الرابع المسكون في وسط خط الاستواء يكون طوله من جانب المغرب على المشهور أو المشرق على رأي أهل الهند تسعين درجة، وقد تطلق على موضع من الارض يكون طوله نصف طول المعمورة منها أعني تسعين درجة. وعرضه نصف أرض المعمورة منها أي ثلاثة وثلاثين درجة تخمينا، ومن خواص القبة أنه إذا وصلت الشمس فيها إلى نصف النهار كانت طالعة على جميع بقاع الربع المسكون نهارا، فظهرت النكتة في التخصيص. ويمكن أن يكون الطالع هنا بالقياس إلى الكعبة لانها وسط الارض خلقا وشرعا وشرفا. الرابع كون الكواكب في مواضع شرفها، لا يستقيم على قواعد المنجمين واصطلاحاتهم، إذ عطارد شرفه عندهم في السنبلة، وشرف الشمس في الحمل، ولا يبعد العطارد عن الشمس بهذا المقدار، ولقد خبط الطبري (1) وغيره في ذلك فحكموا بكون عطارد أيضا حينئذ في الدرجة الخامسة عشر من السنبلة نقلا من جماهير الحكماء. والجواب أنه عليه السلام يمكن أن يكون بنى ذلك على ما هو المقرر عنده لا ما زعمه المنجمون في شرف عطارد، أو يقال: إن عطارد مستثنى من ذلك وأحال ذلك على ما هو المعلوم عندهم، أو يقال: المراد بالكواكب الاربعة المفصلة اعتمادا على ذكرها بعده. الخامس أن المقرر في كتب الاحكام في بحث القرانات أن السبعة كانت مجتمعة في أول الحمل، ولو فرض أنهم أخطأوا في ذلك كان على الفضل وسائر الحضار المتدربين في صنعة النجوم أن يسألوا عن ذلك ويراجعوا فيه ولم ينقل منهم ذلك. والجواب أنهم ليسوا متفقين في ذلك كما يظهر من الطبري وغيره، فلعل


(1) في المخطوطة: ولقد خبط الطبري في تاريخه (*).

[229]

الفضل وغيره ممن حضر المجلس كان يسلك هذا المسلك، وربما يقال: لعل الراوي سهى أو خبط في فهم كلامه عليه السلام وكان ما قاله عليه السلام هو أن الكواكب كانت مع الشمس في شرفها، والضمير في (شرفها) كان للشمس لا للكواكب، فاشتبه عليه وزعم أن الضمير للكواكب ففصل كما ترى. واقول: على ما ذكرنا لا حاجة إلى تحريف الحديث ونسبة السهو إلى الراوي وما ذكروه ليس مستندا إلى حجة، وأكثر أقاويلهم في أمثال ذلك مستندة إلى أوهام فاسدة وخيالات واهية كما لا يخفى على من تتبع زبرهم. قال أبو ريحان (1) فيما عندنا من تاريخه في سياق ذكر ذلك: وبكل واحد من الادوار تجتمع الكواكب في أول الحمل بدءا وعودا ولكنه في أوقات مختلفة فلو حكم على أن الكواكب مخلوقة في أول الحمل في ذلك الوقت أو على أن اجتماعها فيه هو أول العالم أو آخره لتعرف دعواه تلك عن البينة وإن كان داخلا في الامكان، ولكن مثل هذه القضايا لا تقبل إلا بحجة واضحة أو مخبر عن الاوائل والمبادي موثوق بقوله، متقرر في النفس صحة اتصال الوحي والتأييد به، فإن


(1) أبو ريحان محمد بن أحمد البيرونى الخوارزمي الحكيم، الرياضي، الطبيب، المنجم المعروف، كان فليسوفا عالما بالفلسفة اليونانية وفروعها وفلسفة الهنود، وبرع في علم الرياضيات والفلك، بل قيل انه اشهر علماء النجوم والرياضيات من المسلمين، كان معاصرا لابن سينا وكان بينهما مراسلات وابحاث، كان اصله من (بيرون) بلد في السند وسافر إلى بلاد الهند اربعين سنة اطلع فيها على علوم الهنود واقام مدة في (خوارزم) وكان اكثر اشتغاله في النجوم والرياضيات والتاريخ، وخلف مؤلفات نفيسة منها (الاثار الباقية عن القرون الخالية) في التاريخ الفه لشمس المعالى قابوس حكى انه كان مكبا على تحصيل العلوم متفننا في التصنيف لا يكاد يفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر، وكان مشتغلا في جميع ايام السنة الا يوم النيروز والمهرجان. وحكى عن الشيخ صلاح الدين الصفدى انه قال: كان أبو ريحان البيرونى حسن المعاشرة، لطيف المحاضرة، خليعا في الفاظه، عفيفا في أحواله لم يأت الزمان بمثله علما وفهما. توفى سنة (430) تقريبا (*).

[230]

من الممكن أن تكون هذه الاجسام (1) متفرقة غير مجتمعة وقت إبداع المبدع لها وإحداثه إياها، ولها هذه الحركات التي أوجب الحساب اجتماعها في نقطة واحدة في تلك المدة (انتهى). السادس أن الاستدلال بالآية لايتم، إذ يمكن أن يحمل قوله تعالى (ولا الليل سابق النهار) على أن الليل لا يأتي قبل وقته المقرر وزمانه المقدر كما أن الشمس لا تطلع قبل أوانه، وكل من الليل والنهار لا يأتي أحدهما قبل تمام الآخر كما سيأتي بيانه في تفسير الآية. والجواب أنه عليه السلام بنى الاستدلال على ما علم من مراده تعالى في الآية وكان عليه السلام عندهم مأمونا مصدقا في ذلك. السابع أن ما تقدم نقلا من السيوطي عن ابن عباس ينافي ذلك، حيث حكم بتقدم الليل على النهار، وما ينقل عن التورية موافقا لذلك أيضا ينافيه. والجواب أن حديث ابن عباس لا يعارض به كلام الامام عليه السلام المنقول من الاصول المعتبرة، وكذا نقل التورية لم يثبت، ولو ثبت فأكثرها محرفة لا يعتمد عليها. وربما يجاب بأن حدوث النور إنما هو بعد الظلمة، فالظلمة مقدمة على النور، لكن طالع خلق الدنيا يعني طالع دحو الارض كان هو السرطان، و الشمس حينئذ في الحمل في العاشر على ما ذكره الامام عليه السلام فأول الاوقات في دحو الارض هو الظهر، ولذا سميت صلاة الظهر بالصلاة الاولى كما سميت بالوسطى أيضا عند كثير من العلماء، وإنما فسر طالع الدنيا بطالع دحو الارض لان خلق الارض مقدم على خلق السماء لكن دحوها مؤخر، جمعا بين الآيات (انتهى). واقول: يمكن حمله على ابتداء خلق الكواكب فإن حصول النهار إنما هو عنده والحاصل أنه تم خلق أجزاء الدنيا حين كون السرطان على الافق الشرقي بالسنبة إلى قبة الارض، فإذا رجعت على توالي البروج وعددت ستة من تحت الارض وثلاثة من فوقها كان العاشر، وهو الحمل على سمعت الرأس، فإذا كانت الشمس فيه يكون


(1) في المخطوطة: الاجرام (*).

[231]

بالنسبة إلى أكثر المعمورة نهارا كما عرفت، فالنهار في أول الخلق بالنسبة إلى المعمورة التي هي مسكن أشرف الخلق مقدم على الليل. ثم إنه يحتمل أن يكون ذكر هذه المصطلحات التي لم تجر عادتهم عليهم السلام بذكرها وإجراء الكلام على قواعد النجوم التي نفوها وزيفوها كما ستعلم إنشاء الله إلزاما على الفضل المشهور في تلك الصناعة، وإظهارا لعلمهم عليهم السلام بجميع العلوم والاصطلاحات، وقد يقال: إن تلك الكواكب لما كانت في ابتداء خلق العالم في مواضع مخصوصة مضبوطة عند أهل العلم أخذا عن الانبياء والحجج عليهم السلام فبعد ما أخذ المنجمون بعض ذلك عنهم زعموا أنها لتلك الخصوصية كانت أحسن مواضع تلك الكواكب فسموها شرفا لها، ثم سموا المواضع التي تقابلها هبوطا لها، توهما منهم أنها عند كونها فيها هابطة من تلك المنزلة والشرف جدا، وأما ما فات منهم أخذه عن أهل العلم كموضع عطارد مثلا عينوه من عند أنفسهم بخيالات شعرية مذكورة في كتبهم. ثم إن بعض الناس توهموا أن هذا الحديث مؤيد لكون اليوم من الزوال إلى مثله كما اعتبره المنجمون لسهولة الحساب، ولا يخفى وهنه على اولي الباب. وبعد اللتيا والتي فدلالة الحديث على حدوث أكثر ما يزعمه الحكماء قديما من أجزاء العالم بين لا يحتاج إلى البيان. 183 - كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب الخطب لعبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سلوني فإني لا اسأل عن شئ دون العرش إلا أجبت فيه لا يقولها بعدي إلا جاهل مدع أو كذاب مفتر. فقام رجل من جانب (1) مسجده في عنقه كتاب كأنه مصحف وهو رجل آدم ضرب (2) طوال، جعد الشعر. كأنه من مهودة العرب، فقال رافعا صوته لعلي: أيها المدعي ما لا يعلم والمقلد ما لا يفهم ! أنا السائل فأجب. فوثب به أصحاب علي وشيعته من كل ناحية فهموا به فنهزهم علي عليه السلام فقال لهم: دعوه ولا تعجلوه ! فإن الطيش


(1) في بعض النسخ: من مجلسه. (2) الادم هو الاسمر، والضرب بسكون الراء أي الخفيف الظريف (*).

[232]

لا تقوم به حجج الله ولا به تظهر براهين الله. ثم التفت إلى الرجل وقال له: سل بكل لسانك وما في جوانحك فإني اجيبك، إن الله تعالى لا تعتلج عليه الشكوك ولا يهيجه وسن. فقال الرجل: كم بين المغرب والمشرق ؟ قال علي عليه السلام مسافة الهواء. قال: وما مسافة الهواء ؟ قال [علي عليه السلام] دوران الفلك ؟ قال الرجل: وما قدر دوران الفلك ؟ قال: مسيرة يوم للشمس. قال الرجل: صدقت. قال: فمتى القيامة ؟ قال: على قدر قصور المنية (1) وبلوغ الاجل. قال الرجل: صدقت، فكم عمر الدنيا ؟ قال علي: يقال سبعة آلاف ثم لا تحديد. قال الرجل: صدقت، فأين بكة من مكة ؟ قال علي: مكة من أكناف الحرم، وبكة موضع البيت. قال: فلم سميت مكة مكة ؟ قال: لان الله مك الارض من تحتها قال: فلم سميت بكة ؟ قال: لانها بكت رقاب الجبارين وعيون المذنبين قال: صدقت، وأين كان الله قبل أن يخلق عرشه ؟ قال: علي: سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش. على قرب زمراتهم من كراسي كرامته، ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله. ويحك ! لا يقال أين، ولا ثم، ولافيم، ولا لم، ولا أنى، ولا حيث، ولا كيف. قال الرجل: صدقت، فكم مقدار ما لبث الله عرشه على الماء من قبل أن يخلق الارض والسماء ؟ قال: أتحسن أن تحسب ؟ قال: نعم، قال: لعلك لا تحسن ! قال: بلى، إني لاحسن أن أحسب. قال على عليه السلام: أفرأيت لو كان صب خردل في الارض [حتى] سد الهواء وما بين الارض والسماء، ثم اذن لمثلك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من مقدار المشرق إلى المغرب، ثم مد في عمرك واعطيت القوة على ذلك حتى تنقله وأحصيته لكان ذلك أيسر من إحصاء عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الارض والسماء، وإنما وصفت لك ببعض عشر عشير العشير من جزء مائة ألف جزء، وأستغفر الله من القليل في التحديد. قال: فحرك الرجل رأسه وشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله. بيان: والضرب بسكون الراء: الرجل الخفيف اللحم. (على مسافة


(1) عند حضور المنية (خ) (*).

[233]

الهواء) هذه التبهيمات في الاجوبة للتنبيه على عدم تكلف ما لم يؤمر الناس بعلمه وأنه لا فائدة للانسان في علم حقائق الموجودات ومقاديرها، كما تضيع الفلاسفة فيها أعمارهم. (على قرب زمراتهم) أي جماعاتهم. (تفهيم وتتميم) * (نفعه عميم بعون الله الواهب الكريم) * اعلم أن المقصود الاصلي من هذا الباب أعني حدوث العالم لما كان من أعظم الاصول الاسلامية لا سيما الفرقة الناجية الامامية وكان في قديم الزمان لا ينسب القول بالقدم إلا إلى الدهرية والملاحدة والفلاسفة المنكرين لجميع الاديان و لذا لم يورد الكليني ره وبعض المحدثين لذلك بابا مفردا في كتبهم، بل أوردوا في باب حدوث العالم أخبار إثبات الصانع تعالى اتكالا على أن بعد الاقرار بالحق جل وعلا، لا مجال للقول بالقدم، لاتفاق أرباب الملل عليه (1).


(1) قال الفيض رضوان الله عليه في كتاب عين اليقين (ص 407) ما هذا لفظه: حدوث العالم بمعنى افتقاره إلى الصانع ومسبوقيته بالعدم في الجملة أي الاعم من العدم الزمانى من ضروريات الدين وعليه اجماع المسلمين - إلى ان قال - ما يظهر من التتبع لكلمات السلف من علماء الدين ان الواجب اعتقاده انما هو افتقار العالم إلى الصانع ومسبوقيته بالعدم في الجملة خاصة، وأن إطلاق حدوث العالم راجع إليه، وأن الغرض من اثباته الرد على الدهرية والطبيعيين المنكرين للصانع الزاعمين لقدم العالم ووجوب وجوده خذلهم الله ولذلك كلما سئل العلماء عن البرهان على ذلك اخذوا يستدلون على اثبات الصانع وليس في كلامهم عن الزمان حرف اصلا إلا اشارات على الحدوث الزمانى بالمعنى الغامض الذى نشبته وترميزات إليه - إلى ان قال - ولولا مخافة التطويل لنقلنا عباراتهم حتى يتبين صدق ما ذكرنا. ثم ذكر كلام أبى عبد الله عليه السلام لابن أبى العوجاء في حدوث الاجسام وبيان الصدوق رحمه الله في ذيله فراجع وسيأتى من الشيخ المحقق أبى الفتح الكراجكى ان القول بثبوت زمان بين الحق تعالى وبين أفعاله مناقض للقول بالحدوث، وكذا يأتي نقل تصريح استاده علم الهدى بأن الله تعالى خلق اول الحوادث من غير زمان فتأهل حقه.

[234]

وفي قريب من عصرنا لما ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفين، ورغبوا عن الخوض في الكتاب والسنة وأخبار أئمة الدين، وصار بعد العهد عن أعصارهم عليهم السلام سببا لهجر آثارهم، وطمس أنوارهم، واختلطت الحقائق الشرعية بالمصطلحات الفلسفية صارت هذه المسألة معترك الآراء ومصطدم الاهواء، فمال كثير من المتسمين بالعلم المنتحلين للدين، إلى شبهات المضلين، وروجوها بين المسلمين فضلوا وأضلوا، وطعنوا على أتباع الشريعة حتى ملوا وقلوا، حتى أن بعض المعاصرين (1) منهم يمضغون بألسنتهم، ويسودون الاوراق بأقلامهم أن ليس في الحدوث إلا خبر واحد هو (كان الله ولم يكن معه شئ) ثم يؤولونه بما يوافق آراءهم الفاسدة، فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات والاخبار المزيحة للشك والارتياب، وقفيتها بمقاصد أنيقة، ومباحث دقيقة، تأتي بنيان شبههم من قواعدها وتهزم جنود شكوكهم من مراصدها، تشييدا لقواعد الدين، وتجنبا من مساخط رب العالمين، كما روي عن سيد المرسلين صلى الله عليه وآله: إذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه، وإلا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (المقصد الاول) * (في بيان معاني الحدوث والقدم) * المشهور أن للحدوث معنيين: الذاتي، والزماني. والمستفاد من كلام الشيخ أن معنى الحدوث هو المسبوقية بالعدم إما بالذات لا بالزمان وهو الحدوث الذاتي، وإما بالزمان وهو الحدوث الزماني. وهو المتبادر (2) من لفظ الحدوث


(1) في المخطوطة: القاصرين. (2) كأن الجملة الاخيرة اعني قوله (وهو المتبادر..) من كلام المؤلف - رحمه الله لانالم نجدها في شئ من كلمات الشيخ في الشفاء والاشارات والنجاة والتعليقات، على انها غير مشابهة لكلامه كما يعرفه العريف بلحن قوله. ولعله استفاده ذلك من كلامه في الشفاء حيث قال (ص: 526): (فان اطلق اسم الحدث على كل ماله ايس بعد ليس كان كل معلول=

[235]

إذ المتبادر منه أنه لم يكن موجودا فوجد. واورد عليه أن تقدم العدم على الوجود بالذات لا معنى له، إذ التقدم بالذات مخصوص عندهم بالتقدم بالعلية، فتقدم العدم بالعلية على الوجود يستلزم اجتماع النقيضين (1).


= حادثا، وان لم يكن يطلق بل كان شرط المحدث ان يوجد زمان ووقت كان قبله فبطل بمجيئة بعده إذ يكون بعديته لا يكون مع القبلية موجودة بل يكون ممائزة في الوجود لانها زمانية فلا يكون كل معلول محدثا بل المعلول الذى يسبق وجوده زمان ويسبق وجوده لا محالة حركة و تغير كما علمت ونحن لا نناقش في الاسماء إلى ان قال فان كان وجوده بعد ليس مطلق كان صدوره عن العلة ذلك الصدور ابداعا ويكون افضل انحاء اعطاء الوجود لان العدم يكون قد منع البتة وسلط عليه الوجود) إلى آخره. (1) اعلم ان السبق بالذات عند المتكلمين هو سبق اجزاء الزمان بعضها على بعض، و عند الحكماء معنى عام يطلق على السبق بالطبع وبالمهية وبالعلية، ومسبوقية الحادث الذاتي بالعدم أو بالغبر على اختلاف التعريفين ليس على شئ من هذين الاصطلاحين بل هو اصطلاح خاص في مقابل الحادث الزمانى، توضيح ذلك انهم عرفوا الحادث بالمسبوق بالعدم أو بالغير والمال واحد لان المراد بالغير اعم من العلة والعدم، ثم قسموه إلى ما هو مسبوق بالعدم المجامع أي ما يكون ذاته بذاته غير واجده للوجود فيكون من مرتبة ذاته خالية عن الوجود و سموه بالحادث الذاتي، وإلى ما هو، سبوق بالعدم المقابل أي ما يكون موجودا في زمان لم يكن موجودا فبله فيكون مسبوقا بعده الغير المجامع لوجوده وسموه بالحادث الزمانى، فالسبق ههنا بحسب الخارج وهناك بحسب نفس الامر، ومرتبة نفس الامر اوسع من مرتبة نفس الماهية من حيث هي هي قال الشيخ في الهيات النجاة: واعلم انه كما ان الشئ قد يكون محدثا بحسب الزمان كذلك قد يكون محدثا بحسب الذات فان المحدث هو الكائن بعد ما لم يكن، والبعدية كالقبلية قد تكون بالزمان وقد تكون بالذات ثم قال فيكون لكل معلول في ذاته اولا انه ليس، ثم عرض عن العلة وثانيا انه ايس، فيكون كل معلول محدثا أي مستفيدا لوجوده من غيره، بعد ماله في ذاته انه لا يكون موجودا فيكون كل معلول في ذاته محدثا، فان كان مثلا في جميع الزمان موجودا مستفيدا لذلك الوجود عن موجد فهو محدث لان وجوده من بعد لا وجوده بعدية بالذات (انتهى موضع الحاجة) فتبين بما ذكرنا ان منشأ هذا الاشكال هو الخلط بين الاصطلاحين وحاصل الجواب ان معنى تقدم العدم على الوجود في الحادث الذات كون ذاته بذاته خالية عن الوجود وهو تقدم ما بالذات على ما بالغير لا التقدم الذاتي الذى يستعمل في تقدم العلة على المعلول وتقدم الجنس والفصل على النوع وغيرها.

[236]

وقال المحقق الطوسي ره: الحدوث هو المسبوقية بالغير، وذلك الغير إن كان هو العلة فهو الحدوث الذاتي، وإن كان عدما فهو الحدوث الزماني. ويرد عليه أيضا ما يرد على الاول، لان ذات المعلول يصدق عليها أنها ليست بموجودة في مرتبة ذات العلة ثم وجد المعلول بعد ذلك السلب، لوجوب تقدم وجود العلة على وجود المعلول، ولا يتصور في تقدم سلب وجود المعلول على وجوده إلا التقدم الذاتي المنحصر في التقدم بالعلية، فيعود الاشكال. وللقوم في هذا المقام اعتراضات وأجوبة لا يناسب مقصودنا من هذا الكتاب إيرادها، وأكثرها مذكورة في حواشي المحقق الدواني وغيره على الشرح الجديد للتجريد. وبالجملة إطلاق الحدوث عليه محض اصطلاح لهم لا يساعده لغة ولا عرف، وإنما مرجعه الاحقية أو إلى ترتب وجود المعلول على وجود العلة إذ العقل يحكم بأنه وجد فوجد. وأثبت السيد الداماد ره قسما ثالثا وهو الحدوث الدهري حيث قال: إن أنحاء العدم للممكن ثلاثة: الاول العدم الذي هو الليس المطلق في مرتبة الذات وهو لكل ممكن موجود حين وجوده الثاني العدم المتكمم وهو لكل حادث زماني قبل زمان وجوده. الثالث العدم الصريح الدهري قبل الوجود قبلية غير متكممة. وليس شئ من العدمين الاولين هو العدم المقابل للوجود، أما الاول فلانة يجامع الوجود في الوقع ويسبقه بحسب الذات سبقا ذاتيا، وأما الثاني فلانه ممائز لزمان الوجود، ومن شرائط التناقض في الزمانيات وحدة الزمان فإذا إنما المقابل للوجود العدم الصريح الذي لا يتصور فيه حد وحد، ولن يتميز فيه حال (1) وحال. ثم حقق في ذلك تحقيقا طويلا وحاصل كلامه أن أثبت للموجودات وعائين آخرين سوى الزمان وهو الدهر والسرمد، وقال: نسبة المتغير إلى المتغير ظرفها الزمان ونسبة الثابت إلى المتغير ظرفها الدهر، ونسبة الثابت إلى الثابت ظرفها السرمد. ونقل على ذلك شواهد كثيرة من الحكماء، فمن ذلك قول الشيخ في التعليقات حيث قال:


(1) ولاجل ذلك اعني كون الحادث الدهرى فقط مسبوقا بالعدم الصريح جعل الحدوث الدهرى احق انواع الحدوث بهذا الاسم (*).

[237]

تعليق: العقل يدرك ثلاثة أكوان: أحدها الكون في الزمان وهو متى الاشياء المتغيرة التي يكون لها مبدء ومنتهى، ويكون مبدؤه غير منتهاه، بل يكون متقضيا ويكون دائما في السيلان وفي تقتضي حال وتجدد حال. الثاني كون مع الزمان ويسمى الدهر، وهذا الكون محيط بالزمان، وهو كون الفلك مع الزمان، والزمان في ذلك الكون لانه ينشأ من حركة الفلك وهو نسبة الثابت إلى المتغير إلا أن الوهم لا يمكنه إدراكه، لانه رأى كل شئ في زمان ورأى كل شئ يدخله كان ويكون والماضي والحاضر والمستقبل، ورأى لكل شئ متى إما ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا. الثالث كون الثابت مع الثابت ويسمى السرمد، وهو محيط بالدهر. تعليق: الوهم يثبت لكل شئ متى، ومحال أن يكون للزمان نفسه متى. تعليق: ما يكون في الشئ فإنه يكون محاطا بذلك الشئ، فهو يتغير بتغير ذلك الشئ، فالشئ الذي يكون في الزمان يتغير بتغير الزمان، ويلحقه جميع أعراض الزمان، ويتغير (1) عليه أوقاته، فيكون هذا الوقت الذي يكون مثلا مبدء كونه أو مبدء فعله غير ذلك الوقت الذي هو آخره لان زمانه يفوت ويلحق، وما يكون مع الشئ فلا يتغير بتغيره، ولا تتناوله أعراضه. تعليق الدهر وعاء الزمان، لانه محيط به. وبين في الشفاء أيضا هذا المعنى، ثم قال: ولا يتوهم في الدهر ولا في السرمد امتداد، وإلا لكان مقدار للحركة، ثم الزمان كمعلول الدهر، والدهر كمعلول السرمد. وقال أيضا في الشفاء: إنه لا يكون في الزمان إلا الحركات والمتحركات أما الحركة فذلك لها من تلقاء جوهرها، وأما المتحرك فمن تلقاء الحركة، وأما سائر الامور فإنها ليست في زمان، وإن كانت مع الزمان، فإن العالم مع الخردلة وليست في الخردلة. إلى آخر ما قال. واستحسن ذلك المحقق الطوسي - ره - و السيد الشريف وغيرهما. واعلم أن ما نحن بصدد إثباته لا يتوقف على تحقيق هذه الامور، فإن الذي


(1) يعتور (خ) (*).

[238]

ثبت بإجماع أهل الملل والنصوص المتواترة هو أن جميع ما سوى الحق تعالى أزمنة وجوده في جانب الازل متناهية وفي (1) وجوده ابتداء، والازلية وعدم انتهاء الوجود مخصوص بالرب سبحانه، سواء كان قبل الحوادث زمان موهوم أو دهر كما ستعرف إنشاء الله تعالى. (المقصد الثاني) * (في تحقيق الاقوال في ذلك) * اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين بل جميع أرباب الملل في أن ما سوى الرب سبحانه وصفاته الكمالية كله حادث بالمعنى الذي ذكرنا، ولوجوده ابتداء، بل عد من ضروريات الدين. قال السيد الداماد في القبسات: عليه إجماع جميع الانبياء والاوصياء (2). وقال صاحب الملل والنحل في كتاب (نهاية الاقدام) وصححه المحقق الطوسي ره (3): مذهب أهل الحق من الملل كلها أن العالم محدث مخلوق، له أول، أحدثه البارئ تعالى وأبدعه بعد أن لم يكن، وكان الله ولم يكن معه شئ.


(1) في المخطوطة (لوجوده) وهو الاظهر. (2) ادعى السيد رضوان الله عليه اجماع السفراء السانين الشارعين من الانبياء والمرسلين والاوصياء المعصومين على كون ما في عوالم الخلق والامر واقليمى الغيب والشهادة حادثا بالحدوث الذاتي والدهرى، فراجع كلامه في القبسات (ص: 19) والانصاف ان دعوى الاجماع على هذه الخصوصيات في غير محله، وأن الاجماع من اهل الملل انما هو على الحدوث الملازم للامكان وبعبارة اخرى الاجماع على كون العالم بأسره مخلوقا، فمن رأى الملازمة بين المخلوقية وبين الحدوث الزمانى ادعى الاجماع على الحدوث الزمانى ومن رأى الملازمة بينها وبين الحدوث الذاتي فقط أو مع الحدوث الدهرى ادعى الاجماع عليه فتذبر جيدا. (3) أي صحح محقق الطوسى نقل صاحب الملل والنحل، قال في القبسات بعد نقل هذا الكلام عن الشهرستاني في (نهاية الاقدام) ونقل (يعنى الشهرستاني) مثل ذلك في كتاب المصارعة مع الشيخ الرئيس) واستصح نقله خاتم المحققين (يعنى نصير الدين الطوسى) في (مصارع المصارع) (*).

[239]

ووافقهم على ذلك جمع من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة، مثل ثاليس، و انكساغورس، وانكسيمايس، من أهل (ملطية) ومثل فيثاغورس، وأنباذقلس، و سقراط، وأفلاطن، من أهل (آثينية) و (يونان) وجماعة من الشعراء والاوايل والنساك. وإنما القول بقدم العالم وأزلية الحركات بعد إثبات الصانع والقول بالعلة الاولى إنما ظهر بعد أرسطاطاليس، لانه خالف القدماء صريحا وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة وبرهانا. وصرح القول فيه من كان من تلامذته مثل الاسكندر الافروديسي، وثامسطيوس، وفرفوريوس. وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا أورد فيه هذه الشبه (1). وقال السيد الداماد ره: من النقل الذائع الصحيح المتواتر أن أفلاطن والستة الباقين من الاساطين وغيرهم من القدماء على حدوث عالمي الامر والخلق بجميع أجزائه، وأرسطو وتلامذته على قدمه (2) (انتهى) لكن الظاهر أنه كان مذهب أفلاطون حدوث الزمانيات فقط، لاشتهار القول بقدم النفوس والبعد المجرد عنه (3). وقال السيد ره في القبسات: القول بقدم العالم نوع شرك. وقال في


(1) نقل في القبسات الكلام الاخير أعنى من قوله (وإنما القول بقدم العالم..) الخ عن كتاب الملل والنحل. (2) القبسات: 17. نقله بالمعنى: (3) هذا يؤيد قول السيد الداماد - ره - ان محط النزاع هو الحدوث الدهرى لا الحدوث الزمانى، قال بعد نقل قول افلاطون وارسطو ما هذا لفظه: فلا يصح ان يعنى بهما القدم والحدوث الذاتيان بتة ولا ان يتوهم ان حريم النزاع هو الحدوث الزمانى، اما يشعر أن من العالم المبحوث عن حدوثه نفس الزمان - إلى ان قال - فكيف يظن بافلاطن وسقراط ومن في مرتبتهما من افاخم الفلاسفة وأئمتهم انهم ينسبون الحدوث الزمانى للعالم الاكبر ويقولون ان نفس الزمان ومحله وحامل محله والجواهر المفارقة مسبوقة الوجود بالزمان وحاصلة الذات في الزمان وليس يتفوه بذلك من في دائرة العقلاء والمحصلين ؟ ! وقال في رسالة (مذهب ارسطاطاليس) بعد كلام له: ولا يزيغ عن السبيل ولا يذهب إلى القول بحدوث الكل حدثا زمانيا كيانيا في زمان أو آن عن عدم ممتد لا الى بداية الافريق من المهوشين في الدورة اليونانية وجماهر المتكلفين في الملة الاسلامية (*).

[240]

موضع آخر منه: إنه إلحاد. وقال الصدوق ره في كتاب التوحيد: الدليل على أن الله عزوجل عالم قادر حي لنفسه لا بعلم وقدرة وحيوة هو غيره أنه لو كان عالما بعلم لم يخل علمه من أحد أمرين: إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان حادثا فهو جل ثناؤه قبل حدوث العلم غير عالم، وهذا من صفات النقص، وكل منقوص محدث بما قدمناه. وإن كان قديما يجب (1) أن يكون غير الله عزوجل قديما، وهذا كفر بالاجماع (2). وقال ره في سياق إبطال مذاهب الثنوية: فأما ما ذهب إليه (ماني) (وابن ديصان) من خرافاتهما في الامتزاج، ودانت به المجوس من حماقاتها في (أهرمن) فقاسد بمابه يفسد قدم الاجسام (3). وقد عقد في هذا الكتاب بابا لاثبات الحدوث وأورد فيه الدلائل المشهورة التي سنشير إلى بعضها، ولم نوردها مخافة الاطناب والتكرار. وقال فيما قال: لان المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن والقديم هو الموجود لم يزل (4). وقال في آخر الكلام: هذه أدلة التوحيد الموافقة للكتاب والآثار الصحيحة عن النبي والائمة عليهم السلام (5). وقال السيد المرتضى نقلا عن شيخه المفيد رفع الله شأنهما في الرد على أبي هاشم في القول بالحال، فقال في أثناء كلامه: وكره أن يثبت الحال شيئا فتكون موجودة أو معدومة، ومتى كانت موجودة لزمه على أصله واصولنا جميعا أنها لا تخلو من القدم أو الحدوث، وليس يمكنه الاخبار عنها بالقدم ليخرج بذلك عن التوحيد ويصير بذلك أسوء حالا من أصحاب الصفات. وساق الكلام إلى أن قال: والقول بالهيولى وقدم الطينة أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذر، ولا عذر للجميع فيما


(1) في المصدر: وجب. (2) التوحيد: 156. (3) التوحيد: 194. (4) التوحيد: 222. (5) التوحيد: 223 (*).

[241]

ارتكبوا من الضلال، لانهم يقولون إن الهيولى هو أصل العالم، وأنه لم يزل قديما، والله تعالى محدث كما يحدث الصائغ من السبيكة خاتما، والناسج من الغزل ثوبا، والنجار من الشجر لوحا إلى آخر ما رد (1) عليهم. ونقل العلامة - ره - في المختلف عن الشيخ المفيد كلاما يدل على أن القول بالقدم ليس من مذاهب المليين، حيث قال: وأما الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه، لان جمهورهم توحد الصانع في الازل، ومنهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع منها العالم فكانت عندهم الاصل، ويعتقدون في الفلك وما فيه الحياة والنطق وأنه المدبر لما في هذا العالم والدال عليه، وعظموا الكواكب وعبدوها من دون الله عزوجل، وسماها بعضهم ملائكة، وجعلها بعضهم آلهة، وبنوالها بيوتا للعبادات، وهؤلاء على طريق القياس إلى مشركي العرب وعباد الاوثان أقرب من المجوس. إلى آخر ما قال مما يؤيد ما ذكرنا. وشيخ الطائفة قدس الله لطيفه عقد في كتاب الاقتصاد فصلا في أن الله تعالى واحد لا ثاني له في القدم، وأقام الدلائل على ذلك إلى أن قال: فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين، وإذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة وبطل قول المجوس القائلين بالله والشيطان، وبطل قول النصارى القائلين بالتثليث. على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الاجسام (2). وأثبت حدوث


(1) أورد (ظ) اقول: كون الموجودات المادية مخلوقة من المواد امر يصدقه الكتاب والسنة، والنصوص على خلق الانسان من الطين والسماوات والارض من الدخان والماء وكذا سائر الاشياء كثيرة جدا لا تكاد تخفى على من نظر في القرآن الكريم والروايات الشريفة والفرق بين خلق الله تعالى شيئا من مادة وبين تسوية النجار بابا من الخشب وصنع الصائغ خاتما من الذهب ان الله تعالى يفيض الصور على المواد المستعدة والانسان يعد المواد لقبول الصور، مضافا إلى ان اعداده ايضا باذن الله تعالى واقداره عليه. واما الهيولى الاولى فقد مر الكلام فيها في ما مضى فراجع. (2) كلام الشيخ قدس سره كما ترى يؤيد كلام الفيض - رضوان الله عليه - المتقدم ذكره=

[242]

الاجسام بالدلائل المشهورة عند المتكلمين. والسيد المرتضى - ره - في كتاب (الغرر) أورد دلائل على إبطال القول بالهيولى القديمة. وقال الشيخ المحقق أبو الفتح الكراجكي (1) تلميذ السيد المرتضى قدس الله نفسهما في كتاب (كنز الفوائد): اعلم أيدك الله أن من الملاحدة فريقا يثبتون الحوادث ومحدثها، ويقولون إنه لا أول لوجودها، ولا ابتداء لها، ويزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل ولا يزال كذلك، وأن أفعال لا أول لها ولا آخر، فقد خالفونا في قولهم أن الافعال لا أول لها، إذ كنا نعتقد أن الله تعالى ابتدأها وأنه موجود قبلها، ووافقونا بقولهم أنه لا آخر لها لانهم وإن ذهبوا في ذلك إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه، واستمرار الافعال فيها، وأنه لا آخر لها فإنا نذهب في دوام الافعال إلى وجه آخر وهو تقتضي أمر الدنيا وانتقال الحكم إلى الآخرة واستمرار الافعال فيها من نعيم أهل الجنة الذي لا ينقطع عن


= في ذيل الصفحة (223) فتدبر، وقريب منه كلام الشيخ الكراجكى حيث نسب قدم العالم إلى الدهرية القائلين بعدم تناهى افراد الانسان والحيوان من جهة البدء، لكنهم غير قائلين بالصانع الحكيم ولعله رحمه الله ألحق بهم من يقول بقدم الطبائع الكلية وعدم تناهى افرادها في البداية والنهاية وان قال بالصانع الحكيم أيضا، وسيأتى كلام له صريح في ان الزمان فعل من افعال الله وانه ليس بين الواجب تعالى واول الافعال زمان أصلا، بل القول بثبوت زمان عندئذ يناقض القول بالحدوث. وهو يفسر قوله ههنا (ان الله موجود قبل الافعال) بأن تلك القبلية ليست هي القبلية الزمانية المقتضية لوجود زمان قبل الخلق فتأمل. (1) هو أبو الفتح محمد بن على بن عثمان الكراجكى شيخ فقيه جليل يعبر عنه الشهيد كثيرا ما في كتبه بالعلامة مع تعبيره عن العلامة الحلى ره بالفاضل. ترجمه صاحب المستدرك وذكر مؤلفاته ومشايخه منهم الشيخ المفيد والسيد المرتضى وسلار بن عبد العزيز الديلمى. وكتابه (كنز الفوائد) من الكتب المشهورة، وقد اخذ منه جل من أتى بعده توفى رحمه الله كما عن تاريخ اليافعي سنة (449) والكراجكي بالكاف المفتوحة والراء المهملة والجيم المضمومة نسبة إلى (كراجك) قرية على باب واسط (*).

[243]

أهلها، وعذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها، فأفعال الله عزوجل من هذا الوجه لا آخر لها. وهؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر سرمدية لا أول لها ولا آخر، وأن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة قبلها حركة من غير نهاية، وسيتحرك بعدها بحركة بعدها حركة لا إلى غاية، وأنه لا يوم إلا وقد كان قبله ليلة، ولا ليلة إلا وقد كان قبلها يوم ولا إنسان تكون إلا من نطفة، ولا نطفة تكونت إلا من إنسان، ولا طائر إلا من بيضة، ولا بيضة إلا من طائر، ولا شجرة إلا من حبة، ولا حبة إلا من شجرة، و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب ولا تزال كذلك، ليس للماضي منها بداية، ولا للمستقبل منها نهاية، وهي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها، وحكمة من حكيم لم يوجد قبلها، وأن الصنعة والصانع قد يمان لم يزالا تعالى الله الذي لا قديم سواه، وله الحمد على ما أسداه من معرفة الحق وأولاده، وأنا بعون الله اورد لك طرفا من الادلة على بطلان ما ادعاه الملحدون، وفساد ما انتحله الدهريون. اقول: ثم أورد رحمه الله أدلة شافية، وأجوبة وافية، وتحقيقات متينة، و إلزامات رزينة، سيأتي بعضها في محله، ولم نوردها هنا لانا سنذرها بوجه أخصر. ثم ذكر مناظرته مع بعض القائلين بالقدم، وأنه كتب ذلك إلى الشريف المرتضى - ره - وذكره الجواب الذي أورده السيد في ذلك، فمن أراد الاطلاع على جميع ذلك فليرجع إلى ذلك الكتاب. وقال السيد المرتضى - ره - في جواب سؤال ورد عليه في آية التطهير، قال السائل: وإذا كانت أشباحهم قديمة وهم في الاصل طاهرون فأي رجس اذهب عنهم ؟ فقال السيد في تضاعيف جوابه: وأما القول بأن أشباحهم عليهم السلام قديمة فهو منكر لا يطلق، والقديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل، وكل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ، له أول، إلى آخر ما قال - ره - ثم قال: مسألة: اعترض فلسفي فقال: إذا قلتم إن الله وحده لا شئ كان معه فالاشياء المحدثة: من أي شئ كانت ؟ فقلنا لهم: مبتدعة لا من شئ. فقال: أحدثها معا أو في

[244]

زمان بعد زمان ؟ فقال: فإن قلتم معا فأوجدناكم (1) أنها لم تكن معا وأنها احدثت شيئا بعد شئ، وإن قلتم أحدثها في زمان بعد زمان فقد صار له شريك. والجواب عن ذلك أن الله تعالى لم يزل واحدا لا شئ معه ولا ثاني له، وابتدأ ما أحدثه من غير زمان (2) وليس يجب إذا أحدث بعد الاول حوادث أن يحدثها في زمان، ولو جعل لها زمانا لما وجب بذلك قدم الزمان، إذ الزمان حركات الفلك وما يقوم مقامها مما هو مقدارها في التوقيت فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديما إذا لم يوجد الاشياء ضربة واحدة لو لا أنه لا يعقل معنى الزمان إلى آخر ما أفاد في هذا المقام. وقال المحقق الطوسي طيب الله روحه القدوسي في التجريد: ولا قديم سوى الله تعالى (3). وقال فيه: وجود العالم بعد عدمه ينفي الايجاب. وقال - ره -


(1) في بعض النسخ: أوجدناكم. (2) هذا كما ترى تصريح من السيد - ره - بان الصادر الاول احدث من غير زمان فهو غير مسبوق بعد زماني، بل يمكن حدوث حوادث بعده ايضا من غير ان تحدث في زمان ولا ينفك عن تجرد الجميع أو الاول خاصة. وهذا مما يؤيد أن الحدوث الذى كان دائرا في السنة العلماء ووقع عليه الاجماع من اهل الملل ليس بمعنى وقوع العالم في جزء من الزمان ومسبوقيته بعدم زماني كما يدعيه جمهور المتكلمين بل لا يلزم منه كون جميع العالم زمانيا أيضا الا ان يراد به العالم الجسماني فتبصر وهذا المعنى هو الذى يستفاد من الروايات الشريفة لا سيمامما ورد في خلق نور النبي والائمة عليهم السلام وقد مر شطر منها في هذا الكتاب فراجع، وسيأتى نقل المؤلف - ره - كلمات ثلة من اعاظم الاصحاب في هذا المعنى وارتضائه اياه فانتظر. (3) ينبغى لتحصيل مرامه من هذا الكلام النظر في ما افاده في معنى الحدوث والقدم فاليك نص ما ذكره في التجريد، قال: والموجودان اخذ غير مسبوق بالغير فقديم والا فحادث. ثم قال: والقدم والحدوث الحقيقان لا يعتبر فيهما الزمان والاتسلسل. وقال: الحدوث الذاتي متحقق، ثم قال: ولا قديم سوى الله تعالى. هذا كلامه على اجمال ونقول: الحادث الزمانى كما عرفت ما يكون مسبوقا بعدم زماني، واثبات الحدوث بهذا المعنى للعالم مستلزم للتسلسل كما اشار إليه، إذ من جملة العالم نفس الزمان وحدوثه بهذا المعنى يحتاج إلى زمان آخر وهكذا إلى غير النهاية. فالتزم جمهور المتكلمين تصحيحا لذلك ولما قالوا في القديم انه مقارن لزمان غيره متناء بان الزمان امر منتزع من ذات البارئ سبحانه. وهذا مضافا إلى عدم صحته=

[245]

في كتاب الفصول: اصل قد ثبت أن وجود الممكن من غيره، فحال إيجاده لا يكون موجودا لاستحالة إيجاد الموجود، فيكون معدوما، فوجود الممكن مسبوق بعدمه، و هذا الوجود (1) يسمى حدوثا، والموجود محدثا، فكل ما سوى الواجب من الموجودات محدث. واستحالة الحوادث لا إلى أول كما يقوله الفلسفي لا يحتاج إلى بيان طائل


= في نفسه لا يدفع الاشكال، اما فساده في نفسه فلانهم ان ارادوا بكون الزمان منتزعا من ذات البارئ سبحانه انه موجود حقيقي ممكن ومع ذلك ينتزع من الباري تعالى فهو واضح السخافة على انه غير مسبوق بعدم زماني، وان ارادوا به انه امر موهوم كما صرح به بعضهم ففيه انه يستلزم الغاء كل تقديم وتأخر زماني من رأس، وعدم فرق بين الحوادث الماضية والاتية وهو سفسطة ظاهرة واما عدم دفعه للاشكال فلان العدم الزمانى انما يتصور في ما شأنه الوقوع في ظرف الزمان وإذا فرض نفس الزمان كذلك يجب فرض زمان آخر يقع هذا الزمان في بعض اجزاء ذلك وهكذا فيبقى محذور التسلسل بحاله سواء قلنا بان الزمان امر منتزع اولم نقل. ولذا الغى المحقق الطوسى قدم سره القدوسي اعتبار الزمان في الحدوث والقدم مستدلا باستلزامه التسلسل فان اراد عدم اعتباره في مفهومهما لشولهما للذاتى والدهرى ايضا كان معناه عدم انحصارهما في الزمانى حتى يلزم التسلسل على القول بحدوث نفس الزمان، وان اراد عدم اعتباره في الزمانيين كان ذلك اعتراضا عما التزم به المتكلمون في القديم من مقارنته للزمان الغير المتناهى وفي الحادث من مسبوقيته بزمان خال عن وجوده، وكان حاصله انه يكفى في القديم الزمانى كونه خارجا عن ظرف الزمان ويجوز في الحادث الزمانى كونه غير مسبوق بزمان بشرط ان يكون زمانا أو زمانيا. إذا عرفت هذا فاعلم انه ليس المراد بقوله (لا قديم سوى الله تعالى) انه تعالى مقارن لزمان غير متناه من جهة البدء وما سواه مقارن لزمان متناه بدءا وهذا ظاهر مما ذكرنا فالمراد به اما انحصار القدم الذاتي بالبارئ سبحانه وهو ضروري: أو نفى القدم المرادف للسرمدية عن غيره وهو ملازم لاثبات الحدوث الدهرى لما سوى الله تعالى. واما نفى القدم بمعنى الخروج عن ظرف الزمان عن غيره سبحانه وهو ملازم لاثبات الحدوث الزمانى بالمعنى الاخير للعالم، لكنه لا يتم الا مع انكار الجواهر المجردة أو الحاق العالم العقلي بالصقع الربوبى كما فعله صدر المتألهين رحمة الله عليه. (1) الوجه (خ) (*).

[246]

بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها (1). ثم قال: مقدمة كل مؤثر إما أن يكون أثره تابعا للقدرة والداعي أو لا يكون بل يكون مقتضى ذاته، والاول يسمى قادرا، والثاني موجبا، وأثر القادر مسبوق بالعدم (2)، لان الداعي لا يدعو إلا إلى المعدوم وأثر الموجب يقارنه في الزمان، إذ لو تأخر عنه لكان وجوده في زمان دون آخر، فإن لم يتوقف على أمر غير ما فرض مؤثرا تاما كان ترجيحا من غير مرجح، وإن توقف لم يكن المؤثر تاما وقد فرض تاما وهذا خلف. ثم قال: نتيجة: الواجب المؤثر في الممكنات قادر، إذلو كان موجبا لكانت الممكنات قديمة (3)، واللازم باطل لما تقدم، فالملزوم مثله. وسئل السيد مهنان بن سنان العلامة الحلي - ره - في جمله مسائله: ما يقول سيدنا في المثبتين الذين قالوا إن الجواهر والاعراض ليست بفعل الفاعل وإن


(1) الحدوث الذى يقتضيه امكان الحوادث هو الذاتي، وقد صرح في التجريد بجواز استناد الممكن القديم (على فرض وجوده) إلى المؤثر، ولازمه عدم الملازمة بين الامكان و الحدوث الزمانى، الا انه استشكل فيه بانه مستلزم لا يجاب المؤثر، وسيأتى الكلام فيه (2) استحالة انفكاك المعلول من العلة قريب من البداهة وقد استدل به المحقق الطوسى نفسه في كتبه الكلامية والحكمية غير مرة ولا فرق فيه بين العلة الموجبة و المختارة لتساوي الملاك فيهما، واما انفكاك الحوادث عن الحق تعالى فليس من اجل كونه تعالى مختارا أو لعدم كونه علة بل لجهة اخرى يضيق المجال عن ذكرها وسيأتى الاشارة إليها واما ان الداعي لا يدعو الا إلى المعدوم فيعد حمل الداعي في مورد الواجب تبارك وتعالى على الغرض الغير الزائد على الذات نقول: ان اراد بالمعدوم ما يكون بذاته غير موجود فلا يثبت به تأخر الاثر عن المؤثر المختار زمانا، وان اراد به المعدوم في زمان فممنوع لان من الاثر ما لا يكون زمانيا وليس من شأنه ان يقارن الزمان، والتأخر الزمانى انما يتصور في ما يقع في ظرف الزمان، فكيف يحكم مطلقا بوجوب تأخر الاثر عن المؤثر القادر زمانا ؟ واماما ذكره في التجريد من استحالة استناد الممكن القديم إلى المؤثر المختار ففيه ان حقيقة الاختيار كون الفاعل بحيث ان شاء فعل وان شاء لم يفعل وصدق الشرطية لا يتوقف على فعلية الطرفين فلقائل أن يقول: يمكن ان يكون الواجب قد شاء ان يخلق خلقا في الازل وفعل باختياره. (3) لكن قدم المكن لا يستلزم ايجاب المؤثر لما عرفت (*).

[247]

الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد موجبا لتكفيرهم وعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة وقبول شهادتهم ومناكحتهم أم لا يكون موجبا لشئ من ذلك ؟ وأي شئ يكون حكمهم في الدنيا ؟ فأجاب ره بأنه لا شك في رداءة هذه المقالة: وبطلان كلها، لكن لا توجب تكفيرهم ولاعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحه، ولارد شهادتهم، ولا تحريم مناكحتهم، وحكمهم في الدنيا و الآخرة حكم المؤمنين، لان الموجب للتكفير هو اعتقاد قدم الجوهر وهم لا يقولون بذلك، لان القديم يشترط فيه الوجود وهم لا يقولون بوجوده في الازل، لكن حصلت لهم شبهة في الفرق بين الوجود والثبوت، وجعلوا الثبت أعم من الوجود، و أكثر مشايخ المتكلمين من المعتزلة والاشاعرة مثبتون، فكيف يجوز تكفيرهم ؟ ثم قال السيد ره: ما يقول سيدنا فيمن يعتقد التوحيد والعدل ولكنه يقول بقدم العالم ؟ ما يكون حكمه في الدنيا والآخرة ؟ فأجاب ره: من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف، لان الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالاجماع. والشيخ الجليل أبو الصلاح الحلبي صرح في (تقريب المعارف) بالحدوث وأقام الدلائل عليه، وكذا السيد الكبير ابن زهرة (1) في كتاب (غنية النزوع) أورد الدلائل على ذلك. وقال النوبختى ره في كتاب (الياقوت): الاجسام حادثة لانها إذا اختصت بجهة فهي إما للنفس ويلزم منه عدم الانتقال، أو لغيره وهو إما موجب أو مختار، والمختار، قولنا، والموجب يبطل ببطلان التسلسل، ولانها لا تخلو من


(1) هو السيد أبو المكارم حمزة بن على بن زهرة الحسينى الاسحاقي الحلبي المعروف بالشريف الطاهر، هو وأبوه وجده وأخوه أبو القاسم عبد الله بن على صاحب (التجريد) في الفقه وابنه محمد بن عبد الله كلهم من اكابر فقهائنا، وبيتهم بيت جليل بحلب، قال في القاموس (وبنو زهرة شيعة بحلب) له مصنفات كثيرة في الامامة والفقه والنحو وغير ذلك منها (غنية النزوع إلى علمي الاصول والفروع) و (قبس الانوار في نصرة العترة الاطهار) توفى رحمه الله سنة (585) في سن اربع وسبعين وقبره بحلب بسفح جبل جوشن عند مشهد السقط (*).

[248]

الاعراض الحادثة لعدمها المعلوم، والقديم لا يعدم، لانه واجب الوجود، إذ لو كان وجوده جائزا لكان إما بالمختار وقد فرضناه قديما، أو بالموجب ويلزم منه استمرار الوجود. فالمقصود أيضا حاصل. وقال العلامة - ره - في شرحه: هذه المسألة من أعظم المسائل في هذا العلم ومدار مسائل كلها عليها، وهي المعركة العظيمة بين المسلمين وخصومهم. واعلم أن الناس اختلفوا في ذلك اختلافا عظيما، وضبط أقوالهم أن العالم إما محدث الذات والصفات وهو قول المسلمين كافة والنصارى واليهود والمجوس، وإما أن يكون قديم الذات والصفات وهو قول أرسطو، وثاوفرطيس، وثاميطوس، وأبي نصر، وأبي علي بن سينا، فإنهم جعلوا السماوات قديمة بذاتها وصفاتها، إلا الحركات والاوضاع فإنها قديمة بنوعها، بمعنى أن كل حادث مسبوق بمثله إلى ما لا يتناهى وإما أن يكون قديم الذات محدث الصفات، وهو مذهب انكساغورس، وفيثاغورس والسقراط، والثنوية، ولهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر. وإما أن يكون محدث الذات قديم الصفات، وذلك مما لم يقل بة أحد لاستحالته وتوقف جالينوس في الجميع. اقول: ثم ساق - ره - الكلام في الدلائل المذكورة في المتن. وقال - ره - في شرح التجريد مثل ذلك، ونسب القول بالحدوث إلى جميع أرباب الملل. وقال - ره - في كتاب نهاية المرام في علم الكلام: قد اتفق المسلمون كافة على نفي قديم غير الله تعالى وغير صفاته، وذهبت الامامية إلى أن القديم هو الله تعالى لا غير. وقال فيه أيضا القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة: الاول أن يكون العالم محدث الذات والصفات، وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل وبعض قدماء الحكماء. الثاني أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو وجماعة من القدماء ومن المتأخرين قول أبي نصر الفارابي والرئيس، قالوا: السماوات قديمة بذواتها وصفاتها، إلا الحركات والاوضاع فإنها قديمة بنوعها لا بشخصها، والعناصر الهيولى

[249]

منها قديمة بشخصها، وصورها الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها، والصور النوعية قديمة بجنسها لابنوعها ولا بشخصها. الثالث أن يكون قديم الذات محدثة (1) الصفات، وهو قول من تقدم أرسطو بالزمان كثاليس الملطي، والنكاغورس، وفيثاغورس، وسقراط، وجميع الثنوية كالمانوية، والديصانية، والمرقوبية، والماهانية. ثم هؤلاء افترقوا فرقتين: فذهب بعضهم إلى أن تلك الذات القديمة كانت جسما، ثم اختلف هؤلاء: فزعم ثاليس أنه الماء، لانه قابل لكل الصور، وزعم أنه إذا انجمد صار أرضا وإذا لطف صار هواء ومن صفق الماء تكونت النار، ومن النار تكون الدخان، ومن الدخان تكونت السماء. ويقال: إنه أخذه من التورية لانه جاء في السفر الاول منه: إن الله تعالى خلق جوهرا فنظر نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع بخار كالدخان فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الارض، ثم أرساها بالجبال. وأما النكسيمايس فإنه زعم أن ذلك الجسم هو الهواء، والنار تكونت من لطافته، والماء والارض من كثافته، وتكونت الاشياء عنها بالتلطيف. وقال آخرون: إنه البخار، وتكون الهواء والنار عنه بالتلطيف والماء والارض بالتكثيف. وذهب انوفليطيس أنه النار، وكونت الاشياء عنها بالتكاثف. وحكي أيضا أنه زعم أن الاشياء إنما انتظمت بالبخت، وجوهر البخت هو نظر عقلي ينفذ في الجوهر الكلي وأما انكساغورس فإنه قال: ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له، وهو أجسام غير متناهية، وفيه من كل نوع أجزاء صغيرة، مثلا فيه أجزاء على طبيعة الخبز، وأجزاء على طبيعة اللحم، فإذا اجتمع من تلك الاجزاء شئ كثير فصار بحيث يحس ويرى ظن أنه حدث. وهذا القائل بنى مذهبه على إنكار المزاج والاستحالة، وقال بالكمون والظهور. وزعم بعض هولاء أن ذلك الخليط كان ساكنا في الازل ثم إن الله تعالى حركه فتكون منه هذا العالم. وذهب ذيمقراطيس إلى أن أصل العالم أجزاء كثيرة كرية الشكل قابلة للقسمة الوهمية دون


(1) المحدث (خ).

[250]

القسمة الانفكاكية متحركه لذاتها حركات دائمة ثم اتفق في تلك الاجزاء أن تصادمت على وجه خاص، فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل فحدثت السماوات والعناصر، ثم حدثت من الحركات السماوية امتزاجات هذه العناصر، ومنها هذه المركبات. ونقل الشيخ في الشفاء عنه أنه قال: إن هذه الاجزاء إنما تتخالف بالشكل وإن جوهرها جوهر واحد بالطبع، وإنما تصدر عنها أفعال مختلفة لاجل الاشكال المختلفة. وقالت الثنوية: أصل العالم هو النور والظلمة. والفرقة الثانية الذين قالوا أصل العالم ليس بجسم، وهم فريقان: الاول الجرمانية، وهم الذين أثبتوا القدماء الخمسة: البارئ تعالى، والنفس والهيولى، والدهر، والخلاء. قالوا: البارئ تعالى في غاية التمام في العلم والحكمة لا يعرض له سهو ولا غفلة، [و] يفيض عنه العقل كفيض النور عن القرص، وهو يعلم الاشياء علما تاما، وأما النفس فإنه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص لكنها جاهلة لا تعلم الاشياء ما لم تمارسها، وكان البارئ تعالى عالما بأن النفس تستميل إلى التعلق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللذة الجسمية وتكره مفارقة الاجساد وتنسى نفسها، ولما كان من شأن البارئ تعالى الحكمة التامة عمد إلى الهيولى بعد تعلق النفس بها، فركبها ضروبا من التركيب، مثل السماوات والعناصر، وركب أجسام الحيوانات على الوجه الاكمل، والذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال. ثم إن الله تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا وصار ذلك سببا لتذكرها عالمها، وسببا لعلمها بأنها لا تنفك عن الآلام مادامت في العالم الهيولاني، وإذا عرفت النفس هذا وعرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن الالم اشتقات إلى ذلك العالم، وعرجت بعد المفارقة، وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة. قالوا: وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم، وبين المتكلمين القائلين بالحدث. الفريق الثاني أصحاب فيثاغورس، وهم الذين قالوا: المبادئ هي الاعداد المتولدة من الوحدات، لان قوام المركبات بالبسائط وهي امور كل واحد منها واحد في نفسه، ثم تلك الامور إما أن تكون لها جهات وراء كونها وحدات أولا

[251]

يكون، فإن كان الاول كانت مركبة، لان هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة وكلا مناليس في المركبات بل في مبادئها، وإن كان الثاني كان مجرد وحدات، وهي لابد وأن تكون مستقلة بأنفسها، وإلا لكانت مفتقرة إلى الغير، فيكون ذلك الغير أقدم منها وكلامنا في المبادئ المطلقة وهذا خلق، فإن الوحدات امور قائمة بأنفسها، فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة، وإن اجتمعت نقطتان حصل الخط فإن اجتمع خطان حصل السطح، فإن اجتمع سطحان حصل الجسم، فظهر أن مبدء الاجسام الوحدات. ونقل أيضا عنه أن الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير، وهو الذي لا تقابلها الكثرة، وهو المبدء الاول، وإلى وحدة مستفادة من الغير وهي مبدأ الكثرة، وليست بداخلة فيها بل يقابلها الكثرة، ثم يتألف منها الاعداد، وهى مبادئ الموجودات، وإنما اختلف (1) الموجودات في طبائعها لاختلاف الاعداء بخواصها. الرابع أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات، وهو محال، لم يقل به أحد لقضاء الضرورة ببطلانه. وأما جالينوس فانه كان متوقفا في الكل (انتهى). وإنما أوردنا هذه المذاهب السخفية ليعيم أن أساطين الحكماء تمسكوا بهذه الخرافات وتفوهوا بها، ويتبعهم أصحابهم ويعظمونهم، وإذا سمعوا من أصحاب الشريعة شيئا مما أخذوه من كتاب الله وكلام سيد المرسلين والائمة الراشدين عليهم السلام ينكرون ويستهزئون، قاتلهم الله أنى يؤفكون (2).


(1) في المخطوطة: اختلفت. (2) نقل صدر المتألهين في خاتمة رسالته التى صنعها في حدوث العالم كلمات ثلة من قدماء الفلاسفة، وحملها على الرمز والاشارة، كما هو دأبه في جميع المباحث، ومقتضى حسن ظنه بهم، لاعتقاده أنهم اخذوا الحكمة من الانبياء والاولياء عليهم السلام كادريس وداود وسليمان ولقمان وغيرهم، وانما لم يصرحوا بالمطالب خوفا من وقوعها في أيدى الجهال) وحرصا على كتمان العلم عن غير أهله وتقية من السلاطين والجبابرة الذين كانوا ينكرون هذه الحقائق، والله اعلم بالحقائق. وقد مر حكاية صاحب الملل والنحل القول بالحدوث عن ثاليس وانكساغورس وانكسيمايس وفيثاغورس وانباذقلس وسقراط وافلاطون وتصحيح المحقق الطوسى - ره - لنقله=

[252]

وقال المحقق الدواني في انموذجه: وقد خالف في الحدوث الفلاسفة أهل الملل الثلاث، فإن أهلها مجمعون على حدوثه بل لم يشذ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقا إلا بعض المجوس، وأما الفلاسفة فالمشهور أنهم مجمعون على قدمه على التفصيل الآتي، ونقل عن أفلاطون القول بحدوثه وقد أوله بعضهم بالحدوث الذاتي. ثم قال: فنقول: ذهب أهل الملل الثلاث إلى أن العالم ما سوى الله تعالى وصفاته من الجواهر والاعراض حادث أي كائن بعد أن لم يكن بعدية حقيقة لا بالذات فقط، بمعنى أنها في حد ذاتها لا يستحق الوجود فوجودها متأخر عن عدمها بحسب الذات كما تقوله الفلاسفة. ويسمونه الحدوث الذاتي، على ما في تقرير هذا الحدوث على وجه يظهر به تأخر الوجود عن العدم من بحث دقيق أوردناه في حاشية شرح التجريد. وذهب جمهور الفلاسفة إلى أن العقول والاجرام الفلكية ونفوسها قديمة، ومطلق حركاتها وأوضاعها وتخيلاتها أيضا قديمة، فإنها لم تخل قط عن حركة ووضع وتخيل لجزئيات الحركة، وبعضهم يثبتون لها بسبب استخراج الاوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل وحدوث مناسبة لها بمبدئها الكامل من جميع الوجوه كمالات تفيض على نفوسها من المبادئ، لكن محققيهم على ما ذكره أبو نصر وأبو علي في تعليقاتهما نقلا عن أرسطاطاليس ذهبوا إلى أن المطلوب لها نفس الحركة، وبها يتم التشبه بمبادئها، فإنها بالفعل من حيث الذات وسائر الصفات إلا ما يتعلق بالحركة من الاوضاع الجزئية، فإنها لا تحتمل الثبات بالشخص، فاستحفظ نوعها تتميما للتشبه بالمبادئ التي هي بالفعل من جميع الوجوه، ولما كان التشبه لازما للحركة جعلها الغاية المطلوبة باعتبار اللازم.


= نعم نقل عن ثاليس ان اصل العالم الجسماني هو الماء، وعن انكسيمايس انه الهواء، وعن ذيمقراطيس انه الاجزاء التى لا تتجزأ وهكذا، لكنها لا تنافى القول بالحدوث، كما ان ظاهر القرآن الشريف والاخبار المتظافرة أن أصل العالم الجسماني هو الماء كما مر الكلام فيه في اوائل هذا الكتاب، وأما أن المراد بالماء هل هو هذا الجسم المركب من اكسيجين وايدرجين أو شئ آخر شبيه به فمما لا سبيل إلى تعيينه (*).

[253]

والعنصريات بموادها ومطلق صورها الجسمية والنوعية ومطلق أعراضها قديمة عندهم، لان مذهبهم أنه بالفك تنعدم الصورة الواحدة وتحدث الاثنتان، وباتصال المنفصل تنعدم الاثنتان وتحدث واحدة، نعم الاشراقيون منهم على بقاء الصورة الجسمية مع طريان الانفصال والاتصال، وأما النفوس الناطقه الانسانية فبعضهم قائل بقدمها، وربما ينقل عن أفلاطون، وهذا مخالف لما ينقل عنه من حدوث العالم والمشاؤون منهم ومعظم من عداهم على حدوثها. وقال نحوا من ذلك في كتاب شرح العقائد العضدية، وقال فيه: المتبادر من الحدوث الوجود بعد أن لم يكن بعدية زمانية، والحدوث الذاتي مجرد اصطلاح من الفلاسفة. وقال: والمخالف في هذا الحكم الفلاسفة، فإن أرسطاطاليس وأتباعه ذهبوا إلى قدم العقول والنفوس الفلكية والاجسام الفلكية بموادها وصورها الجسمية والنوعية وأشكالها وأضوائها، والعنصريات بموادها، ومطلق صورها الجسمية لا أشخاصها، وصورها النوعية قيل بجنسها فإن صور خصوصيات أنواعها لا يجب أن تكون قديمة، والظاهر من كلامهم قدمها بأنواعها. ثم قال: ونقل عن جالينوس التوقف، ولذلك لم يعد من الفلاسفة لتوقفه فيما هو من اصول الحكمة عندهم (انتهى). ولنكتف بما أوردنا من كلام القول في ذلك، وإيراد جميعها أو أكثرها يوجب تطويلا بلاطائل، ويستنبط مما أوردنا أحد الدلائل على الحدوث، فإنه ثبت بنقل المخالف والمؤالف اتفاق جميع أرباب الملل مع تباين أهوائهم وتضاد آرائهم على هذا الامر، وكلهم يدعون وصول ذلك عن صاحب الشرع إليهم، وهذا مما يورث العلم العادي بكون ذلك صادرا عن صاحب الشريعة، مأخوذا عنه، وليس هذا مثل سائر الاجماعات المنقولة التي لا يعلم المراد منها، وتنتهي إلى واحد وتبعه الآخرون ولا يخفى الفرق بينهما على ذي مسكة من العقل والانصاف.

[254]

(المقصد الثالث) * (في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص) * فاقول: إذا أمعنه النظر فيما قدمناه، وسلكت مسلك الانصاف، ونزلت عن مطية التعنت والاعتساف، حصل لك القطع من الآيات المتظافرة والاخبار المتواترة الواردة بأساليب مختلفة، وعبارات متفنة، من اشتمالها على بيانات شافية وأدلة وافية، بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه. ومن تتبع كلام العرب وموارد استعمالاتهم وكتب اللغة، يعلم أن الايجاد، والاحداث، والخلق، والفطر، و الابداع، والاختراع، والصنع، والابداء، لا تطلق إلا على الايجاد بعد العدم. قال المحقق الطوسي ره في شرح الاشارات: إن أهل اللغة فسرو الفعل بإحداث شئ وقال أيضا: الصنع إيجاد شئ مسبوق بالعدم، وفي اللغة: الابداع الاحداث، ومنه (البدعة) لمحدثات الامور، وفسروا الخلق بإبداع شئ بلامثال سابق. وقال ابن سينا في رسالة الحدود: الابداع اسم مشترك لمفهومين: أحدهما تأييس شئ لاعن شئ ولا بواسطة شئ، والمفهوم الثاني أن يكون للشئ وجود مطلق عن سبب بلا متوسط وله في ذاته أن يكون موجودا، وقد أفقد الذي في ذاته إفقادا تاما. ونقل في الملل والنحل عن ثاليس الملطي أنه قال: الابداع هو تاييس ما ليس بأيس، فإذا كان مؤيس الايسات فالتأييس لا من شئ متقادم (انتهى). ومن تتبع الآيات والاخبار لا يبقى له ريب في ذلك كقوله (لا من شئ فيبطل الاختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداع) مع أنه قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص المتقدمة، بحيث لا يقبل التأويل، وبانضمام الجميع بعضها مع بعض يحصل القطع بالمراد. ولذا ورد أكثر المطالب الاصولية الاعتقادية كالمعاد الجسماني وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأمثالهما في كلام صاحب الشريعة بعبارات مختلفة وأساليب شتى، ليحصل الجزم بالمراد من جميعها، مع أنها

[255]

اشتملت على أدلة مجملة من تأمل فيها يحصل له القطع بالمقصود، ألا ترى إلى قولهم عليهم السلام في مواضع (لو كان الكلام قديما لكان إلها ثانيا)) وقولهم (وكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه) إشارة إلى أن الجعل لا يتصور للقديم، لان تأثير العلة إما إفاضة أصل الوجود وإما إفادة بقاء الوجود و استمرار الجعل الاول، و الاول هي العلة الموجدة، والثاني هي المبقية، والموجود الدائمي محال أن تكون له علة موجدة كما تحكم به الفطرة السليمة، سواء كان بالاختيار أو بالايجاب لكن الاول أوضح وأظهر. ومما ينبه عليه أن في الحوادث المشاهدة في الآن الاول تأثير العلة هو إفاضة أصل الوجود، وفي كل آن بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلة هو إبقاء الوجود واستمرار الجعل الاول، فلو كان ممكن دائمي الوجود فكل آن يفرض من آنات زمان وجوده الغير المتناهي في طرف الماضي فهوآن البقاء واستمرار الوجود، ولا يتحقق آن إفاضة أصل الوجود، فجميع زمان الوجود هو زمان البقاء، ولا يتحقق آن ولا زمان للايجاد وأصل الوجود قطعا (1). فنقول في توجيه الملازمة في الخبر الاول: لو كان الكلام الذي هو فعله تعالى قديما دائمي الوجود لزم أن لا يحتاج إلى علة أصلا، أما الموجدة فلما مر، وأما المبقية فلانها فرع الموجدة، فلو انتفى الاول انتفى الثاني بطريق أولى، والمستغني عن العلة أصلا هو الواجب الوجود، فيكون إلها ثانيا وهو خلاف المفروض أيضا لان المفروض أنه كلام الواجب وفعله سبحانه. ومثله يجري في الخبر الثاني. ويؤيده ما روى في الكافي وغيره في حديث الفرجة عن الصادق عليه السلام حيث قال للزنديق: ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما. فيلزمك ثلاثة (الخبر) (2) حيث حكم على الفرجة


(1) من الواضح اختصاص هذا البيان بما هو واقع في ظرف الزمان دون نفسه وما هو خارج عنه. (2) الكافي: ج 1، ص 81.

[256]

من جهة القدم بكونه إلها ثالثا واجب الوجود. إذا تقرر هذا فاعلم أن علة الحاجة إلى الموثر حينئذ يمكن أن تكون هي الامكان لان مصداق مفهوم الامكان حينئذ منحصر في الحوادث، والفرد المفروض أنه قديم لا يصدق عليه الامكان في نفس الامر، بل من أفراد الممتنع، لاستلزامه التسلسل المستحيل مطلقا كما سيجيئ، والممتنع بالذات قد يكون مركبا كالمجموع المركب من الضدين والنقيضين. ويمكن أن تكون علة الحاجة إلى المؤثر هي الحدوث أو الامكان بشرط الحدوث، وقد ذهب إلى كل منها جماعة، وأحد الاخيرين هو الظاهر من أكثر الاخبار كما أومأنا إليه في بعضها (1). ومنها حديث الرضا عليه السلام في علة خلق السماوات والارض في ستة أيام. ويدل عليه ما روي عن الرضا عليه السلام أنه دخل عليه رجل فقال: يا ابن رسول الله ! ما الدليل على حدوث العالم ؟ قال: إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك، من هو مثلك. فإن الظاهر أن مراد السائل من حدوث العالم إثبات الصانع بناء على التلازم بينهما بقرينة الجواب، واستدل عليه السلام بوجود المخاطب بعد عدمه أي حدوثه الزماني على الصانع تعالى (2). ومن الدلائل على الحدوث ما يدل على أوليته تعالى، فإن الاولية


(1) لم نجد في الاخبار الشريفة ما يدل على المدعى، وقد عرفت عدم دلالة ما تمسك به لذلك فراجع. (2) لاشك انه عليه السلام استدل من طريق حدوث المخاطب الثابت بالوجدان على وجود الصانع، لكن من الممكن ان يكون قد استدل بالحدوث على الامكان وبالامكان على وجود الصانع، واكتفى بذكر الحدوث لوضوح الملازمة بينه وبين الامكان، فلا يثبت به العكس اعني ملازمة الامكان مع الحدوث ايضا، وعلى هذا فلا يستفاد منه ان ملاك الاحتياج إلى المؤثر هو الحدوث أو الامكان بشرط الحدوث كما لا يخفى على انه قد ثبت في محله بالبرهان القطعي ان الملاك مجرد الامكان لاغير، وصريح به المحقق الطوسى في التجريد، ولو فرض وجود ما ظاهره خلاف ذلك لوجب صرفه عن ظاهره (*).

[257]

مفسرة بأنه سبحانه قبل كل شئ (1). ومنها: الآيات والاخبار الدالة على فناء جميع الموجودات، وقد مر بعضها هنا وبعضها في المجلد الثالث، وذلك بضم مقدمة مسلمة عند القائلين بالقدم، وهي أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه (2). وقد روى في الاحتجاج في حديث الزنديق الذي سأل الصادق عليه السلام عن مسائل أنه قال: فيتلاشى (3) الروح بعد خروجها عن قالبه أم هو باق ؟ قال عليه السلام بل باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الاشياء وتفنى فلا حس يبقى ولا محسوس ثم اعيدت الاشياء كما بدأها يدبرها (4) وذلك أربعمأة سنة يثبت فيها الخلق و ذلك بين النفختين (5). ويدل على حدوث السماوات الآيات والاخبار الدالة على انشقاقها وانفطارها وطيها وانتشار الكواكب منها بما مر من التقريب، وقد مضى جميع ذلك في المجلد الثالث. ومنها الآيات والاخبار الدالة على خلق السماوات والارض في ستة أيام


(1) قد عرفت معنى الاولية والاخرية في اوائل الكتاب واستحالة كون تقدمه سبحانه على العالم زمانيا فراجع. (2) لو ثبت باخبار الصادقين ان العالم الجسماني بجميع اجزائه وتوابعه يفنى قبل قيام الساعة حتى انه لا يبقى نفس الزمان ايضا لكان ذلك دليلا على حدوثه، لكن اثباته لا يخلو عن اشكال، ومما يشعر بعدمه تعيين الوقت لذلك في الروايات، فيشهد بوجود الزمان حينئذ وهو غيره تعالى بالضرورة، وربما يجد المتتبع شواهد اخرى، منها استثناء من شاء الله عن حكم نفخ الصور، قال تعالى (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الارض إلا من شاء الله) (الزمر: 68) على ان ظاهر الاية صعق اهل السماوات والارض لافناء جميع الموجودات. والبحث طويل الذيل ولا مجال للتوسع فيه، واللبيب لا يحتاج إلى التنبيه على أن عدم دلالة هذه الادلة غير ملازم للقول بقدم العالم، فللحدوث برهان آخر مذكور في محله. (3) في المصدر: افتتلاشى. (4) في المصدر: مدبرها. (5) الاحتجاج: 192 (*).

[258]

لان الحادث في اليوم الاخير مسبوق بخمسة أيام فيكون منقطع الوجود في الماضي والموجود في اليوم الاول زمان وجوده أزيد على زمان الاخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث، فيكون الزمان الموجود الذي يثبتونه أيضا متناهيا، لانه عندهم مقدار حركة الفلك (1) وقد مر تأويل الايام وكيفية تقديرها في تفسير الآيات. وإذا أحطت خبرا بما نقلنا من الآيات والاخبار المتواترة الصريحة فهل يجترى عاقل استشم رائحة من الدين أن يعرض عن جميع ذلك وينبذها وراء ظهره تقليدا للفلاسفة، واتكالا على شبهاتهم الكاسدة، ومذاهبهم الفاسدة ؟ ! وستعرف أنها أوهن بيت العنكبوت، بفضل الحي الذي لا يموت. قال المحقق الدواني في انموذجه بعدما تكلم في شبهاتهم: لا يذهب عليك أنه إذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم وثبت بالتواتر وإخبار الانبياء الذين هم اصول البرايا وإجماع أهل الملل على ذلك وقد نطق به الوحي الالهي على وجه لا يقبل التأويل إلا بوجه بعيد تتنفر عنه الطبائع السليمة والاذهان المستقيمة فلا محيص عن اتباع الانبياء في ذلك والاخذ بقولهم كيف وأساطين الفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم وينسبون اصول مقالاتهم على ما يزعمون أنها مأخوذة منهم، فإذن (2) تقليد هؤلاء الاعاظم الذين اصطفاهم الله تعالى وبعثهم لتكميل العباد، والارشاد إلى صلاح المعاش والمعاد، وقد أذعن لكلامهم الفلاسفة أولى وأخرى من تقليد الفلاسفة الذين هم معترفون برجحان الانبياء عليهم السلام عليهم، ويتبركون بالانتساب إليهم. ومن العجب العجاب أن بعض المتفلسفة يتمادون في غيهم ويقولون إن كلام الانبياء مؤول ولم يريدوا به ظاهره، مع أنا نعلم أنه قد نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب


(1) هذا بناء على كون الفلك راسما للزمان، وأما على جواز ارتسام الزمان بحركة كل جسم فيحتاج إلى اثبات حدوث جميع الاجسام ومنها الماء الذى هو مادة خلق الارض والدخان الذى هو مادة السماوات. (2) في المخطوطة: فان (*).

[259]

الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل أصلا، كما قال الامام الرازي: لا يمكن الجمع بين الايمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وإنكار الحشر الجسماني، فإنه قد ورد من القرآن المجيد التصريح به، بحيث لا يقبل التأويل أصلا. واقول: لا يمكن الجمع بين قدم العالم والحشر الجسماني أيضا، لان النفوس الناطقة أو كانت غير متناهية على ما هو مقتضى القوم بقدم العالم (1) امتنع الحشر الجسماني عليهم، لانه لابد في حشرهم جميعا من أبدان غير متناهية، و أمكنة غير متناهية، وقد ثبت أن الابعاد متناهية. ثم التأويلات التي يتمحلونها في كلام الانبياء عسى أن يتأتى مثلها في كلام الفلاسفة، بل أكثر تلك التأويلات من قبيل المكابرات للسوفسطائية، فإنا نعلم قطعا أن المراد من هذه الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة هي معانيها المتعارفة عند أهل اللسان، فإنا كما لا نشك في أن من يخاطبنا بالاستفسار عن مسألة الجزء الذي لا يتجزألا يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلا في قيامه وقعوده، كذلك لا نشك في أن المراد بقوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم) هو هذه المعاني الظاهرة، لا معنى آخر من أحوال المعاد الروحانى الذي يقول به الفلاسفة ! وبالجملة: فنصوص الكتاب يجب الحمل على ظاهرها، والتجاوز عن هذا النهج غي وضلال، والتزامه طريق أهل الكمال (انتهى). ولقد أحسن وأجاد، لكن ما يظهر من كلامه من أن النصوص الواردة في الحدوث قابلة للتأويل البعيد ليس كذلك، بل إن كان بعضها قابلا فالمجموع يفيد القطع بالمقصود، ولعله إنما قال ذلك لعدم اطلاعه على نصوص أئمة الهدى عليهم السلام أو لعدم اعتقاده بها كما هو ظاهر حاله، وإن أشعر بالتدين بالحق في بعض المواضع. وأما منافاة القول بالقدم مع الحشر الجسماني فإنما يتم لو ذهبوا إلى عدم تناهي


(1) لا ملازمة بين القول بقدم العالم وبين القول بقدم النوع الانساني كما لا يخفى، نعم ظاهر ما حكى عن بعض قدماء الفلاسفة قدم جميع الانواع وانكار الحشر الجسماني (*).

[260]

عدد النفوس ووجوب تعلق كل واحدة بالابدان لا على سبيل التناسخ كما ذهب إليه أرسطو ومن تأخر عنه، أما لو قيل بقدمها وحدوث تعلقها بالابدان كما ذهب إليه أفلاطون ومن تبعه فإنه ذهب إلى قدم النفس وحدها وحدوث سائر العالم وتناهي الابدان أو قيل بجواز تعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة غير متناهية على سبيل التناسخ وأن في المعاد يرجع النفس مع بدن واحد فلا يتم أصلا. نعم القول بقدم النفوس البشرية بالنوع وحدوثها بحدوث الابدان على سبيل التعاقب وعدم تناهيها كما ذهب إليه المشائيون على ما نقل عنهم المتأخرون مما لا يجتمع مع التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله بل الانبياء عليهم السلام من وجوه اخر أيضا: الاول: التصديق بوجود آدم وحواء على ما نطق به القرآن والسنة المتواترة مشروحا. الثاني: أنهم ذهبوا إلى قدم هيولى العناصر بالشخص وتعاقب صور غير متناهية عليها فلابد لهم من القول بتكون أبدان غير متناهية من حصص تلك الهيولى وتعلق صور نفوس غير متناهية بكل حصة منها. وعندهم أيضا أنه لا يمكن اجتماع صورتين في حصة من تلك الهيولى دفعة، فيلزمهم اجتماع نفوس غير متناهية في بدن واحد إن اعترفوا بالمعاد الجسماني. إلى غير ذلك من المفاسد تركناها روما للاختصار. (المقصد الرابع) في ذكر نبذ من الدلائل العقلية على هذا المقصد وإن كان خارجا عن مقصود الكتاب، تشييدا لهذا المقصد من كل باب، وإن أفضى إلى بعض الاطناب. وهو مشتمل على مطالب: المطلب الاول: في إبطال التسلسل مطلقا (1) وهو مفتقر إلى تمهيد مقدمات:


(1) هذا البحث من الابحاث الفلسفية، وقد استوفى بما لا مزيد عليه في الكتب الحكمية لا سيما في كتب صدر المتألهين فراجع (*).

[261]

الاولى: ما ذكره السيد ره في القبسات، وهو أن الحكم المستوعب الشمول لكل واحد إذا صح على جميع تقادير الوجود لكل من الآحاد (1) منفردا كان عن غيره أو ملحوظا على الاجتماع كان سحب (2) ذيله على المجموع الجملي أيضا من غير امتراء، وإن اختص بكل واحد واحد بشرط الانفراد كان حكم الجملة غير حكم الآحاد (3). فإنه إذا كان سلسلة فرد منها أبيض فالجملة أيضا أبيض، وإذا كان لكل جزء مقدار فللكل أيضا كذلك إلى غير ذلك من الامثلة المنبهة على المطلب، و إذا كان فرد متناهيا لم يلزم أن يكون المجموع متناهيا، وإذا كان كل جزء من الاجزاء لا يتجزأ غير منقسم لا يكون الكل غير منقسم، وإذا كان كل فرد من أفراد السلسلة واجبا بالذات لا يلزم أن تكون الجملة واجبا بالذات لان في تلك للانفراد مدخلا وتأثيرا. الثانية: ما أشار إليه المحقق الدواني وغيره، وهي أن العقل قد يحكم على الاجمال حكما كليا بالبديهة أو الحدس على كل فرد وعلى كل جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية، وإن كان لو لاحظ التفصيل ابتداء توقف في بعض الافراد والجمل، كما يحكم العقل مجملا بأن كل موجد يجب أن يتقدم على الموجد من غير تفصيل بين موجد نفسه وموجد غيره، ثم يثبت به أن الماهية لا يجوز أن تكون علة لوجودها، وهذا جار في جميع كبريات الشكل الاول بالنسبة إلى الاصغر (انتهى). وبهذه يمكن تتميم البرهان السلمي بأن كل بعد من الابعاد المفروضة [فيه] يجب أن يوجد فيما فوقه فكذا الكل الغير المتناهي. الثالثة: اعلم أن من النسب والاضافات ماهي فرع اعتبار العقل وانتزاعه


(1) في المصدر: من الاحاد مطلقا. (2) في المصدر: ينسحب. (3) انتهى كلام السيد في القبسات، ص: 155 (*).

[262]

حتى لو لم يعتبرها العقل لم يتحقق في نفس الامر أصلا، وذلك إنما يكون إذا كان الموصوف أو الاتصاف والنسبة والاضافة اعتباريا محضا يتوقف تحققه على اعتبار العقل وفرضه، ومنه العدد إذا كان معروضه غير موجود (1)، فإن العدد عرض لا يتحقق إلا بتحقق معروضه وهو المعدود، ومنه وجود الوجود ولزوم اللزوم وهكذا لان الموصوف والمنتزع عنه فيهما لا يتحقق إلا بعد الانتزاع وتوجه العقل إليه قصدا وبالذات، فإن الموصوف لا يتحقق إلا بهذا، ومنه النسب الاعتبارية المحضة والانطباقات الحاصلة بين آحاد السلسلتين إذا كانت باعتبار هذه الوجوه كانت اعتبارية محضة تنقطع بانقطاع الاعتبار ومن الاتصافات والنسب ما ليست كذلك ولا يتوقف على اعتبار وفرض، بل هي متحققة في الواقع بدون فرض فارض، مثل لوازم الماهية والاتصافات الخارجية والنفس الامرية، فإنانجزم بديهة أن العدد موصوف بالزوجية أو الفردية، والسماء موصوفة بالفوقية بالنسبة إلى الارض، والاب بالابوة، والابن بالنبوة وإن لم يفرض العقل، بل انتزاع العقل تابع لما هو متحقق في الواقع وإلاصح انتزاع كل أمر من كل شئ، والمنبهات عليه كثيرة لا تخفى. فظهر أن انتزاع العقل وصحة حكمه تابع وفرع للواقع، وليس لفرض العقل مدخل في صحة هذه الامور وتحققها، وهذا القدر كاف في دفع الاعتراضات الواردة على البراهين الآتية. ولنشرع في إيراد البراهين على وجه الاختصار وإن كانت مذكورة في كتب القوم. الاول: برهان التطبيق (2)، وهو ام البراهين وله تقريرات: الاول: لو تسلسلت امور مترتبة إلى غير النهاية بأي وجه من وجوه الترتيب


(1) يعنى به مفهوم العدد، والا فحقيقته كم منفصل موجود في الخارج مع قطع النظر عن اعتبار العقل. (2) قال السيد الداماد في القبسات (ص: 156): فأما السبيل التطبيقي فلاثقة بجدواه ولا تعويل على برهانيته، بل إن فيه تدليسا مغالطيا.. الخ وحيث ان البحث خارج عن مقصد الكتاب، وانما اورد طردا للباب، فالصفح عن النقض والابرام أقرب إلى الصواب، ومن اراد الاستيفاء فعليه بكتاب الاسفار (*).

[263]

اتفق كالترتيب الوضعي (1) والطبعي، أو بالعلية، أو بالزمان، وسواء كانت عددا أوزمانا، أو كما قارا، أو معدودا، أو حركة، أو حوادث متعاقبة فنفرض من حد معين منها على سبيل التصاعد مثلا سلسلة غير متناهية، ومن الذي من فوق الاخير أيضا سلسلة اخرى، ولا شك في أنه يتحقق هناك جملتان إحداهما جزؤ للاخرى ولا في أن الاول من إحداهما منطبق على الاول من الاخرى والثاني على الثاني في نفس الامر، وهكذا حتى يستغرق التطبيق كل فرد فرد بحيث لا يشد فرد فإن كان في الواقع بإزاء كل واحد من الناقصة واحد من الزائدة لزم تساوي الكل والجزء وهو محال، أو لا يكون فقد وجد في الزائدة جزء لا يكون بازائه من الناقصة شئ، فتتناهى الناقصة أولا، ويلزم تناهي الزائدة أيضا، لان زيادتها بقدر متناه هو ما بين المبدئين وقد فرضناهما غير متناهيين وهذا خلف. واعلم أنه لا حاجة في التطبيق إلى جذب السلسلة الناقصة أو رفع التامة و تحريكهما عن موضعهما حتى تحصل نسبة المحاذاة بين آحاد أجزاء السلسلتين ويحصل التطبيق باعتبار هذه النسبة، بل النسب الكثيرة في الواقع متحققة بين كل واحدة من آحاد إحدى السلستين مع آحاد السلسلة الاخرى بلا تعمل من العقل فإنه للاول من السلسلة التامة نسبة إلى الاول من الناقصة وهو الخامس من السلسلة الاولى بعد إسقاط أربعة من أولها وللثاني من الاولى إلى السادس من الثانية، وللثالث من الاولى إلى السابع من الثانية تلك النسبة بعينها، وهكذا في جميع آحاد السلسلتين على التوالي حتى يستغرق، وكذا الاول من السلستين موصوف بالاولية، والثاني بالثانوية والثالث بالثالثية وهكذا، وباعتبار كل من تللك النسب والمعاني تنطبق السلسلتان في الواقع كل جزء على نظيره على التوالي، ولما كان أول الناقصة منطبقا على أول الزائدة وتاليها على تاليها وهكذا على التوالي كل على نظيره حتى يستغرق [الكل] ولا يمكن فوات جزء من البين لترتب الجملتين واتساقهما، فلابد أن يتحقق في الزائدة جزء لا يوجد في الناقصة نظيره، وإلا لتساوي الجزء والكل


(1) أو (خ) (*).

[264]

فيلزم انقطاع الناقصة وزيادة الزائدة بقدر متناه. واعترض على هذه الدليل بالنقض بمراتب العدد وكل متناه بمعنى لا يقف كأجزاء الجسم ومثل اللزوم ولزوم اللزوم وهكذا والامكان ونظائرهما، فان الدليل يجري فيها. والجواب: أن غير المتناهي اللايقفي يستحيل وجود جميع أفراده بالفعل لاستحالة وجود غير المتناهي، بل لان حقيقة اللايقفية تقتضي ذلك، فإنه لو خرج جميع أفرادها إلى الفعل ولو كانت غير متناهية يقف ما فرضنا أنه لا يقف، ويلزم في أجزاء الجسم الجزء الذي لا يتجزأ، وفي المراتب العددية أن لا يتصور فوقه عدد آخر، وهو خلاف البديهة، بل مفهوم الجميع ومفهوم اللايقف متنافيان كما قرروه في موضعه. إذا تقرر هذا فنقول: لعله يكون وجود جميع الافراد خارجا وذهنا مستحيلا نعم يمكن ملاحظتها إجمالا في ضمن الوصف العنواني فلا يجري فيه البرهان، وإنما يتم النقض لو ثبت أن جميع مراتب الاعداد المستحيلة الخروج إلى الفعل موجودة مفصلا مرتبا في الواقع. وإن ارود النقض بتحققها في علمه سبحانه فالجواب أن علمه سبحانه مجهول الكيفية لا تمكن الاحاطة به، وأنه مخالف بالنوع لعلومنا، وإنما يتم النقض لو ثبت تحقق جميع شرائط البرهان في علمه تعالى، وفي المعلومات باعتبار تحققه في هذا النحو من العلم وهو ممنوع. وفي خبر سليمان المروزي في البداء إيماء إلى حل هذه الشبهة لمن فهمه، وقد مر في المجلد الثاني والرابع. الثاني: لو كانت الامور الغير المتناهية ممكنة لامكن وقوع كل واحد من إحدى السلسلتين بإزاء واحد من الاخرى على سبيل الاستغراق، إلى آخر الدليل. وهذا التقرير جار في غير المرتبة أيضا، لكنه في المرتبة المتسقة أظهر، ومنع الامكان الذاتي مكابرة. وكيف يتوقف الذكي في أن القادر الذي أوجده أولا مرتبا يمكنه أن يوجده مرة اخرى مرتبا منطبقا، وأن يرتب الغير المرتبة ؟

[265]

وإنكاره تحكم، ومنعه مكابرة. الثالث: ما قرره المحقق الطوسي وهذبه الفاضل الدواني، ولا يرد عليه شئ من الايرادات المشهورة، ويكون الانطباق فيه انطباقا برهانيا لا مجال لتشكيك الوهم فيه. وتقع فيه الزيادة والنقصان في الجهة التي فرض فيها عدم التناهي، وهو أن يقال: تلك السلسلة المرتبة علل ومعلولات بلا نهاية في جانب التصاعد مثلا، وما خلا المعلول الاخير علل غير متناهية باعتبار، ومعلولات غير متناهية باعتبار، فالمعلول الاخير مبدء لسلسلة المعلولية، والذي فوقه مبدء لسلسلة العلية، فإذا فرضنا تطبيقهما بحيث ينطبق كل معلول على علته وجب أن تزيد سلسلة المعلولية على سلسلة العلية بواحد من جانب التصاعد، ضرورة أن كل علة فرضت لها معلولية وهي بهذا الاعتبار داخلة في سلسلة المعلول، والمعلول الاخير داخل في جانب المبدء في سلسلة المعلول دون العلة، فلمالم تكن تلك الزائدة بعد التطبيق من جانب المبدء كانت في الجانب الآخر لا محالة، لامتناع كونها في الوسط لاتساق النظام، فيلزم الانقطاع وأن يوجد معلول بدون علة سابقة عليه، تأمل فإنه دقيق. ويجري هذا الدليل في غير سلسلة العلل والمعلولية من الجمل المترتبة (1)، فإن كل جملة فإن آحادها موصوفة في الواقع بالسابقية والمسبوقية بأي نوع كان من السبق، وبغيرها من النسب الواقعية المتضائفة. البرهان الثاني: برهان التضايف، وتقريره لو تسلسلت العلل إلى غير النهاية لزم زيادة عدد المعلولية على عدد العلية، والتالي باطل. بيان الملازمة أن آحاد السلسة ما عدا المعلول الاخير لها علية ومعلولية فيتكافأ عددهما ويتساوى فيما سواه وبقيت معلولية المعلول الاخير زائدا، فيزيد عدد المعلوليات الحاصلة في السلسلة على عدد العليات الواقعة فيها بواحد. وهذا الدليل يجري في كل سلسلة يتحقق فيها الاضافة في كل فرد منها في الواقع لا بحسب اختراع العقل، وجريانه في المقادير المتصلة مشكل، فإن إثبات إضافة في كل حد من الحدود المفروضة فيها في الواقع


(1) المرتبة (خ) (*).

[266]

مشكل، اللهم إلا أن يقال: كل جزء من أجزاء المقدار المتصل متصف في الواقع لا بمجرد الفرض بصفات حقيقية يتصف باعتبارها بالتقدم والتأخر بحسب الوضع وهما متضائفان حقيقيان ويؤيد ذلك أنهم قد صرحوا بأن أجزاء الاجسام موجودة في الواقع بوجود الكل، وليست القسمة إيحادا للجزئين من كتم العدم بل تمييز وتعيين حد بين الجزئين الموجودين فيه. وفيه أنه يلزم انتهاء أجزاء الجسم ويلزم الجزء الذي لا يتجزأ. ثم اعلم أن هذا البرهان في التسلسل في أحد الجانبين فقط ظاهر، وأما في التسلسل في الجانبين فقد يتوهم عدم جريانه فيه، ودفعه أنا إذا أخذنا معلولا معينا ثم تصاعدنا أو تسافلنا يجب أن يكون المتضائفان الواقعان في تلك السلسلة متساويين ويتم الدليل، ضرورة أن مضائف العلية الواقعة في تلك القطعة هو المعلولية الواقعة فيها، لا ما يقع فيما تحت القطعة من الافراد، مثلا إذا كان زيد علة لعمرو وعمرو لبكر فمضائف معلولية عمرو هو علية زيد لا غير، بل الاثنان منها على التوالي متضائفان تتحقق بينهما إضافة شخصية لا تتحقق في غيرهما، فالمضائف للمعلول الاخير المأخوذ في تلك القطعة هي علية القرينة التي فوقها لاغير فافهم. والاعتراضات الواردة على هذا الدليل من اعتبارية المتضائفين وغيرها مدفوعة بما مهدنا من المقدمات بعد التأمل فلا نطيل الكلام بالتعرض لدفعها. البرهان الثالث: ما أبداه بعض الازكياء من المعاصرين، وسماه (برهان العدد والمعدود) وهو عندي متين، وتقريره: أنه لو تحققت امور غير متناهية سواء كانت مجتمعة في الوجود أولا وسواء كانت مترتبة أم لا، تحقق لها عدد، لان حقيقة العدد هي مجموع الوحدات، ولا ريب في تحقق الوحدات وتحقق مجموعها في السلسلة فتعرض العدد للجملة لا محالة، إذ لا حقيقة للعدد إلا مبلغ تكرار الوحدات، ويظهر من التأمل في المقدمات ذلك المطلوب أيضا كما لا يخفى، وكل مرتبة يمكن فرضها من مراتب الاعداد على سبيل الاستغراق الشمولي فهي متناهية لانه يمكن فرض مرتبة اخرى فوقها، وإلالزم أن تقف مراتب العدد، وهو خلاف

[267]

البديهة، بل هي محصورة بين حاصرين: أحدهما الوحدة، والآخر تلك المرتبة المفروضية أخيرا، فالمعدود أيضا وهو مجموع السلسلة الغير المتناهية أيضا متناهية لانه لا يمكن أن يعرض للمجموع بحيث لا يشذ منه فرد إلا مرتبة واحده من مراتب العدد من جهة واحدة، وكل مرتبة يمكن فرضها فهي متناهية كما مر نعم لو أمكن فرض جميع المراتب اللايقفية للعدد، وأمكن تصور خروج جميع المراتب اللايقفية إلى الفعل، وأمكن عروض أكثر من مرتبة واحدة للعدد للجملة الواحدة من جهة واحدة أمكن عروض العدد الغير المتناهي لهذه الجملة، لكنه محال. لانه لا يمكن أخذ المجموع من الامور اللايقفية، ولا يتصور خروج الجميع إلى الفعل ولو على سبيل التعاقب، وإلا لزم أن يقف وهذا خلف وقد التزمه النظام في أجزاء الجسم بل نقول: مفهوم اللايقفية ومفهوم المجموع متنافيان كما قرر في محله. وهذا البرهان واضح المقدمات، يجري في المجمعة والمتعاقبة، والمترتبة وغير المترتبة بلا تأمل، وكذا جريان برهاني التطبيق والتضايف ظاهر بعد الرجوع في المقدمات الممهدة، والنظر الجميل في التقريرات السابقة. وذهب المحقق الطوسي - ره - في التجريد إلى جريان التطبيق والتضايف فيها، وقال في نقد المحصل بعد تزييف أدلة المتكلمين على إ بطل التسلسل في المتعاقبة. فهذا حاصل كلامهم في هذا الموضع، وأنا أقول: إن كل حادث موصوف بكونه سابقا على ما بعده، ولاحقا بما قبله، والاعتباران مختلفان، فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدئة من الآن تارة من حيث كل واحد منهما سابق وتارة من حيث هو بعينه لاحق كانت السوابق واللواحق المتبائنتان بالاعتبار متطابقتين في الوجود لانحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق، و مع ذلك يجب كون السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه فإذن اللواحق متناهية في الماضي لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق، والسوابق زائدة عليها بمقدار متناه فتكون متناهية أيضا (انتهى). واعترض عليه بأن في التطبيق لابد من وجود الآحاد على نحو التعدد والامتياز، أما في الخارج فليس، وأما في الذهن فكذلك لعجز الذهن عن ذلك، و

[268]

كذا لا يمكن للعقل تحصيل الامتياز، ووجود كل واحد في الاوقاف السابقة على زمان التطبيق لا يفيد، لانه يرجع إلى تطبيق المعدوم، فإن الوجود ضروري عند التطبيق. وأيضا لابد في الانطباق من وجود مجموع الآحاد، وذلك المجموع لا يمكن وجودها، لان ذلك المجموع لم يكن موجود أقبل الحادث الاخير، وبعده لم يبق شئ منه موجودا، والقول بوجودها في مجموع الاوقاب على سبيل التدريج كالحركة القطعية يدفعه أن وجود الكل في جميع الاوقاف على هذا النحو يستلزم وجود الكل بدون شئ من أجزائه. وفيه بحث، إذ يكفي لوجود هذا الكل وجود أجزائه في أجزاء زمان الكل (انتهى). والتقحيق أن الموجود قد يوجد في ظرف الزمان وهو الدفعيات، وقد يوجد في نفس الزمان وهو التدريجيات، والامر التدريجي مجموعها موجودة في مجموع زمان وجودها على سبيل الانطباق، وليس المجموع موجودا في أبعاض الزمان، ولا في آن من الآنات. فإن سئل: الحركة في اليوم هل هي موجودة في آن من آنات اليوم المفروض أو شئ من ساعاته ؟ فالجواب أنها ليست بموجودة أصلا بل في مجموع اليومين، وقد بين ذلك بوجه شاف في مظانه، وانطباق الحوادث المتعاقبة الزمانية بعضها على بعض من قبيل الثاني، فالتطبيق موجود في كل زمان لافي آن فآن، و الانطباق حكمه حكم المنطبقين، كانطباق الحركة على الزمان وانطباق الحركة على المسافة، وهذا ظاهر، ألا ترى أن الكرة المدحرجة على سطح مستو تنطبق دائرة من محيط الكرة على المسافة جزما، وانطباقها لا يمكن أن يكون في آن لانه لا يمكن التماس بين المستدير والمستوي إلا بنقطة، فظهر أن انطباقهما تدريجي في كل الزمان، أو لا تعلم أن الحركة والزمان متطابقان تدريجا في كل زمان الحركة، ولو لم ينطبق الزمان على الحركة لم يكن مقدارا لها، سواء كانا موجودين في الخارج أولا (1).


(1) وجه ما ذكره رحمه الله في انطباق الحركة على الزمان وكذا انطباق دائرة من الكرة المدحرجة على خط من السطح المستوى تدريجا أنه ليس للحركه والزمان أجزاء موجودة بالفعل=

[269]

ويمكن الجواب أيضا على القول بعدم وجود الزمانيات بأنه لا شك أن الآحاد المتعاقبة من إحدى السلسلتين منطبقة في الواقع على الآحاد السلسلة الاخرى التي كانتاهما معا في الوجود في أزمنة وجودهما وإن لم يكونا موجودين حال حكمنا ووجودهما حال الحكم غير لازم في جريان البرهان، بل وجودهما حين الانطباق وليس من قبيل تطبيق المعدوم على المعدوم، بل من قبيل الحكم بانطباق المعدوم في حال الحكم على المعدوم الموجودين معافي حال الانطباق وذلك مثل سائر الاحكام الصادقة على الامور الماضية. وقيل أيضا: إن التطبيق يتوقف على الترتيب، وهو يتوقف على تحقق أوصاف ونسب وإضافات يسلكها في سلك الترتيب، وفي المتعاقبة لا يوجد ذلك، فإن فيما عدا الحادث الاخير لا يوجد شئ من طرفي النسبة، وفي الحادث الاخير لا يوجد إلاطراف واحد، فلا يتحقق النسبة أيضا ضرورة أنها فرع المنتسبين. فان قلت: لعل الاتصاف في الذهن كما قالوا في اتصاف أجزاء الزمان بالتقدم والتأخر. قلت: لما كانت الحوادث لا نهاية لها فلا يمكن التفصيل في الاذهان والمبادئ العالية، والوجود الاجمالي غير كاف لعدم الامتياز فيه (انتهى). والجواب: أنه يجزم العقل بأن حوادث زمان الطوفان في الخارج قبل حوادث زمان البعثة وقبل الحادث اليومي بلا ريب، ولا يتفرع على اعتبار العقل كيف وهم معترفون بأن الحادث المتقدمة علة معدة للحادث المتأخر بالعلية و المعلولية الخارجية، فإن العلة ما لم توجد في الخارج من حيث إنها علة لم يوجد المعلول في الخارج، وهما متضائفان، فظهر أن النسبة بالعلية والمعلولية متحققة بين المعلول والعلة المعدة، ووجودها السابق وعدمها علة، فتحققت النسبة بين


= حتى ينطبق بعضها على بعض بل للكل وجود واحد فينطبق الكل على الكل، لكن لا يمكن إسراؤه إلى الحوادث المتعاقبة، لان لكل منها وجودا بالفعل منحازا عن وجود الاخر إلا أن يفرض حادث ممتد تدريجي واحد فتأمل.

[270]

المعدوم والموجود. والحق أن طرفي النسبة لا يمكن أن يكونا معدومين بالعدم المطلق، وإذا تحققا نوع تحقق لم يجتمعا (1) في الوجود فإن العقل يجوز تحقق النسبة بينهما ولم ينقبض عنه (2). ومن تصور حقيقة وجود الاعراض التدريجية تصور كيفية النسبة بين أجزائها المتعاقبة، وقل استبعاده وأذعن بها. ثم إن النسبة بالتقدم والتأخر بين أجزاء الزمان في الواقع من غير فرعية ولا اعتبار العقل وتصوره واتصافها بالصفات الثبوتية والحكم بالاحكام النفس الامرية بل الخارجية المستلزمة لثبوت المثبت له في الواقع مما لا يشك فيه أحد وليس من الاحكام المتفرعة على اعتبار العقل الحاصلة بعد فرضه، وليس بحاصل بالفعل إلا بعد الفرض، فإنه لو كان كذلك لكان حكم العقل بأن هذا الجزء متقدم وذاك متأخر في الخارج من الاحكام الكاذبة، لانه في الخارج ليس كذلك في الحقيقة (3) ألا ترى أنه يصح الحكم على الدورات الغير المتناهية من الحركة و الزمان بالتقدم والتأخر والقسمة، والانتزاع الاجمالي غير كاف لاتصاف كل جزء جزء بالتقدم والتأخر، والتفصيل يعجز عنه العقل عندهم، فكيف تكون هذه الاتصافات بعد فرض الاجزاء كما ذهبوا إليه. وقد ذهب بعض المحققين في جواب شك من قال: لم اتصف هذا الجزء من الزمان بالتأخر وذاك بالتقدم ؟ إلى أن هذه الاتصافات مستندة إلى هويات


(1) وإن لم يجتمعا (ظ). (2) ان اريد بكفاية تحققهما نوعا من التحقق أنه يكفى في الاتصاف تحققهما في الذهن دون الخارج فهو خاص بالاتصاف الذهنى، والكلام في الاتصاف الخارجي، وان اريد كفاية نوع من التحقق في الخارج فهو عين الاجتماع في الوجود، إذ لا معنى لاجتماعهما في الوجود إلا تحققهما معا في الخارج. وأما الاضافة المتحققة بين العلة المعدة والمعلول فهى إضافة مقولية بين هذين العنوانين لا الوجودين الخارجيين، فيكفى تصورهما في الذهن لتحققها. (3) بناء على عدم تحقق أجزاء الزمان في الخارج تحققا فعليا بل بالقوة القريبة من الفعل، فالحكم بتقدم بعض الاجزاء على البعض في الخارج انما هو بلحاظ قرب قوتها من الفعلية وإلا فلا موضوع لهذه القضية الخارجية بحسب الحقيقة فتأمل (*).

[271]

الاجزاء وتشخصاتها الحاصلة لها، فكما أنه لا يصح السؤال بأن زيدا لم صار زيدا وعمروا عمروا لا يصح السؤال بأنه لم صار أمس أمس واليوم اليوم (1). و ذهبوا أيضا إلى أن اختلاف أجزاء الفلك بالقطب والمنطقة مستند إلى هوية الاجزاء ليس بفرض فارض (2) بل موجودة فيه حقيقة، لكن الاجزاء وهوياتها موجودة بوجود الكل بوجود واحد، وكما أن أجزاء الجسم وتشخصاتها موجودة بوجود الجسم [و] بوجود قار كذلك أجزاء الزمان والحركة موجودة بوجود الكل بوجود تدريجي بلا تفاوت، والمناقشة في هذه ناشئة من عدم تصور الوجود التدريجي كما ينبغي، فلا ينافي اتصال الزمان والحركة إذا كانت موجودة بوجود واحد، فإن هذا النوع من الاختلاف لا يستلزم القسمة بالفعل والانفصال بعد الاتحاد بوجود الكل. ثم إنهم قاطبة صرحوا بأن الصفة لا يجب تحققها في ظرف الاتصاف، و المحكوم به لا يجب وجوده في الحكم (3) مع أنه نسبة، وذهبوا أيضا إلى تساوي نسبة الممكن إلى طرفي الوجود والعدم، وإلى صحة الاتصاف بنحو العمى من الامور العدمية في الخارج إلى غير ذلك من النظائر (4). ولا يخفى أنه يمكن إجزاء جميع


(1) الاستشهاد بهذا الكلام انما هو من جهة تقرير هذا المحقق تقدم بعض اجزاء الزمان على الاخر، وإلا فأصل الكلام أجنبي عما نحن فيه. (2) الفارض (خ). (3) ظرف الحكم (ظ). (4) النسبة امر رابط بين الشيئين لااستقلال له في نفسه ولذا يستحيل تحققه مع عدم تحقق الطرفين معا، فان كانت النسبة حاكية عن اتحاد الطرفين في الخارج نحو اتحاد وجب وجود الطرفين في الخارج، وإلا كفى تحققهما في الذهن، وهذا مما لم يختلف فيه اثنان من الحكماء. وأما ما نسبه إليهم من عدم وجوب تحقق الصفة والمحكوم به في ظرف الاتصاف و الحكم فوجهه الصحيح انه لا يجب في الاتصافات الذهنية وجود الصفة والمحمول في الخارج حين الحكم، وهذا لا يفيد شيئا لاثبات مرامه، واما الحكم بتساوي نسبة الممكن إلى الوجود والعدم فهو من الاحكام النفس الامرية لا الخارجية واما العمى فهو عدم ملكة وهو امر عدمي لاعدم، والتوضيح يقتضى مجالا أوسع (*).

[272]

ما ذكرنا في جريان هذا الدليل في المتعاقبة في جريان سائر البراهين فيها، فلا نطيل الكلام بالتعرض لخصوص كل مها. البرهان الرابع: ما أورده الشيخ الكراجكي في الكنز بعدما أورد برهان التطبيق بوجه مختصر أنيق، قال: دليل آخر على تناهي ما مضى، وهو أنه قد مضت أيام وليالي وقفنا اليوم عند آخرها، فلا يخلو أن تكون الايام أكثر عددا من الليالي، أو الليالي من الايام، أو يكونا في العدد سواء، فإن كانت الايام أكثر من الليالي تناهت الليالي، لانها أقل منها، واقتضى ذلك تناهي الايام أيضا، لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها، فوجب على هذا الوجه تناهيهما معها، وإن كانت الليالي أكثر من الايام، كان الحكم فيهما نظير ما قدمنا من تناهي الاول، فتتناهى الايام لزيادة الليالى عليها، ويقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لما مر، فيلزم تناهيهما معها. وإن كانت الايام والليالي في العدد سواء، كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده، وهذا يشهد بتناهيهما، إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه، وقد علمنا أن الايام مع الليالي جميعا أكثر عددا من أحدهما، وهذا موضح عن تناهيهما. وبهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات والسكنات، ومن الاجتماعات والافتراقات، ومن الطيور و البيض والشجر والحب وما يجري مجرى ذلك (1) (انتهى). ثم اعلم أنه يمكن إبطال ما ادعوه من التسلسل في الامور المتعاقبة بل في غير المرتبة أيضا بوجوه اخرى نذكر بعضها: الاول أنهم قالوا بالحوادث الغير المتناهية التي كل سابق منها علة معدة للاحق على سبيل الاستغراق، وأن إيجاد الواجب تعالى لكل منها مشروط بالسابق تحقيقا للاعداد، وتصحيحا لارتباط الحادث بالقديم، وأنه تعالى ليس بموجب تام لواحد منها. إذا تقرر هذا فنقول: لو تسلسلت المعدات على ما ذهبوا إليه لاإلى نهاية لزم أن يكون وجوب كل واحد منها وجوبا شرطيا، بمعنى أنه يجب كل


(1) يرد على هذا البرهان والبرهان السابق ما يرد على برهان التطبيق فأجد التأمل (*).

[273]

منها بشرط وجود سابقة، ولا ينتهي إلى الوجوب القطعي البت الذي يكون تعالى موجبا له لذاته بدون شرط، لانه عندهم أنه تعالى ليس بموجب تام لكل واحد من المعدات بل الحوادث مطلقا، وتأثيره تعالى في كل منها موقوف على تأثيره في معد سابق عليه لاإلى نهاية فوجوب كل منها وجوب شرطي لا يجب حتى يجب سابقه والوجوب الشرطي غير كاف لتحقق واحد منها، فإنه بمنزلة قضايا شرطية غير متناهية مقدم كل لاحق تال لسابقه، فإنه ما لم ينته إلى وضع مقدم لم ينتج شيئا ولو توقف تأثير الواجب في كل حادث وإيجاده إياه على إيجاد حادث آخر ولم تجب لذاتها تلك الايجادات لكان يجوز للواجب ترك إيجاد الحوادث بالكلية، و ما لم يمتنع هذا الاحتمال في نفس الامر لم يجب واحد منها في الواقع، لان وجوب كل حادث إنما هو بشرط إيجاد حادث آخر، وهكذا الكلام في ترك الايجاد رأسا وما لم يمتنع جميع أنحاء ارتفاعاته وعدماته في الوقع لم يجب وجوده (1). وتوهم بعضهم أنه لا يمكن ارتفاع جميع الحوادث، لاستلزامه ارتفاع الطبيعة القديمة المستندة بلا شرط إلى الواجب تعالى شأنه. وهو مردود بأنه لا يعقل استناد


(1) حاصل هذا الوجه أنه بناء على كون كل حادث مسبوقا بمعد وكون المعد مسبقوا بآخر وهكذا إلى غير النهاية يلزم عدم وجود حادث لا يتوقف على معد أصلا، فكلما فرض حادث كان مسبوقا بمعدات متسلسلة غير متناهية ويتوقف وجوب وجود هذا الحادث عليها، فاذن ليس شئ لا يتوقف على أمر سوى الواجب، فيلزم اولا كون وجوب الوجود للحوادث شرطيا والوجوب الشرطي لا يوجب التحقق في الخارج، وثانيا جواز ترك الايجاد بالكلية على الواجب، لانه ليس شئ من الحوادث بنفسه مستعدا لقبول الوجود من الواجب بل بشرط وجود حادث قبله، فله ان يترك الايجاد رأسا والجواب عن الاول انه بعد فرض وجود الشرط يصير الوجوب فعليا، و التعليق غير موجود في الخارج بل الذى هو في الخارج ويحكى عنه بالقضية الشرطية هو نحو من الارتباط الوجودى، ففى قولنا (ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) لا يوجب اشتراط وجود النهار بطلوع الشمس وجوب وجود النهار، لكن مع فرض طاءع الشمس لا محيص عن وجوب وجوده والخصم يفرض وجود الحوادث الغير المتناهية ومعه يصير وجوب الحادث فعليا. وان سئل عن حاله قبل وجود تلك المعدات اجاب بانه لا يمكن فرض حادث لا يكون قبله حوادث غير متناهية فكلما فرض حادث في زمان كانت قبله حوادث وازمنة غير متناهية وليست قبلها قبلية زمانية وعن الثاني بمنع الملازمة ومنيع بطلان التالى وهو واضح (*).

[274]

الطبيعة بلا شرط إلى الواجب جل شأنه، لان الطبيعة عندهم إذا كانت ذاتية لما تحتها فإنما هي مجعولة بجعل ما هي ذاتية له جلا واحدا، ولا يمكن تعلق جعل عليحدة بالطبيعة الكلية قطعا، وجعل كل فرد من أفراد الطبيعة عندهم إنما هو بشرط سبق معد. نعم لو تحقق تأثير منفرد في الطبيعة وراء التأثير في الافراد لوجب أن يكون التأثير من الواجب فيها إما ابتداء، أو بواسطة قديمة، وتأثير الواجب في القديم بلا واسطة وشرط أو بواسطة قديمة إنما هو منشأ استحالة انعدام القديم عندهم. فظهر أن سلسلة الحوادث يجب أن تنتهي إلى حادث يجب وجوده عن الواجب بلا شرط معد فتنقطع سلسلة الحوادث به لانه لا يجوز تقدم شرط أو معد من الحوادث عليه. وكذا يمكن إجراء كثير من براهين إثبات الواجب التي لا يتوقف على إبطال الدور والتسلسل هنا بأدنى تصرف لا يخفى على الفطن اللبيب، فإن تأثير الواجب تعالى عندهم في كل حادث يتوقف على معد، ووجود الواجب مع عدم المعد في حكم قوة (1) فرض عدمه تعالى والعياذ بالله في عدم التأثير (2) والعلة التامة عندهم هو الواجب مع المعد، ومجموع المركب من الواجب والممكن ممكن، فالعلل التامة لجميع الحوادث الغير المتناهية ممكنات، فكما لا ينفع التزام التسلسل في مسألة إثبات الواجب لا ينفع التزامه هنا أيضا، إذ الادلة الدالة على إثبات الواجب بدون التمسك بإبطال التسلسل يجري هنا أيضا بأدنى تفاوت. الثاني أن نقول: على تقدير تسلسل الحوادث على سبيل التعاقب يلزم أن يتقدم على كل حادث من الحوادث على سبيل الاستغراق عدم أزلي لحادث حادث والحادث الاول والثانى يجتمعان في العدم، إذ يوجد في الواقع مرتبة من المراتب


(1) كذا، والظاهر ان احد اللفظين كان في بعض النسخ بدلا عن الاخر فاثبتا معا في المتن. (2) الشرائط التى يتوقف عليها وجود المعلول منها ما هو شرط فعل الفاعل ومنها ما هو شرط قبول القابل، والذى ينافى تمامية الفاعل في الفاعلية هو القسم الاول وهو منفى عن الواجب تبارك وتعالى عند جميع الحكماء، والقسم الثاني راجع إلى نقص المعلول وعدم استعداده لقبول الفيض على كل تقدير. وبهذا يظهر وجه الخلل في كلامه رحمه الله (*).

[275]

كانا معدومين فيها، واجتمع معهما عدم الحادث الثالث، ضرورة أن عدم كل حادث أزلي، وأن عدم الحادث المتأخر وإن كان أطول امتدادا من الحادث المتقدم إلا أن الكل متحقق في ظرف الزمان إذ طبيعة الزمان أزلية عندهم، والاعدام كلها أزلية فلابد من اجتماعها قطعا في زمان ما، ويجتمع مع هذه الاعدام الثالث عدم الحادث الرابع، وهكذا على ترتيب الآحاد على التوالي، فإما أن يستغرق هذا الاجتماع أعدام جميع الآحاد فيكون جميع الحوادث معدوما في مرتبة ما من المراتب الواقعية فتأخر جميع الحوادث عن تلك المرتبة الواقعية، ويكون الجميع معدوما في تلك المرتبة فيكون لها مبدأ وانقطاع، وهو المطلوب (1). وإن لم يستغرق فينتهي إلى حادث معين لا يجتمع عدمه مع عدم ما قبله من الحوادث إما لان هذا الحادث لا يسبقه عدمه فيكون قديما بالشخص، وإما لان الحادث الذي قبله لا يسبقه عدم أزلي فيكون ذلك قديما، ضرورة أنه لو تقدمهما عدم أزلي يجب اجتماعهما مع ما تأخر عنهما، فنقطع سلسلة الحوادث على أي تقدير. لا يقال: كل جمله متناهية يجتمع في العدم ويتحقق عدم سابق على الجميع وأما جملة الحوادث الغير المتناهية فلا. لانا نقول: قد بينا أن هذا الحكم مستغرق لجميع الآحاد على التوالي وقد مر في المقدمات الممهدة أن أمثال هذه الاحكام على كل فرد تسري إلى الجملة، فلا مجال لهذا التوهم (2).


(1) ان اريد باثبات العدم الازلي لكل حادث حادث عدم وجود كل واحد من الحوادث في زمان غير متناه من جهة البدء فلا يمكن فرض ذلك في الجميع، لانه ليس قبل الجميع زمان لامتناه ولا غير متناه، لان الزمان أيضا من الجميع، كيف وهو مقدار الحركة والحركة تختص بالحوادث، وان اريد بالعدم الازلي للكل عدمه في وعاء آخر غير الزمان فلا يثبت به الحدوث الزمانى لسلسلة الحوداث. (2) سريان حكم الفرد إلى الجميع إنما هو في ما إذا كان ملاك الحكم الثابت لكل فرد موجودا في الجميع بعينه، لكن حكم المسبوقية بالعدم الازلي بمعنى العدم المقارن للزمان الغير المتناهى انما يثبت لكل واحدة من الحوادث بلحاظ مسبوقيتها بحوادث غير متناهية، فإذا اعتبرنا جميع الحوادث بحيث لا يشذ منها شئ لم يمكن تصور هذا الملاك فيه، لان الجميع غير مسبوق بحوادث غير متناهية إذ لا حادث آخر وراء الجميع فافهم واعرف به الخلل في التقريرات الاتية (*).

[276]

ولك أن تقول: ههنا سلسلتان: إحداهما سلسلة وجودات الحوادث، والاخرى سلسلة عدماتها، فإذا أخذنا مجموع الوجودات بحيث لا يشذ عنها فرد وكذا العدمات فلا شك أن جملة العدمات بحيث لا يشذ فرد متقدمة على جملة الوجودات، لتقدم كل فرد منها على نظيره وعديله، ومثل هذا الحكم يسري من الآحاد إلى الجملة ولان جملة العدمات لما كان كل فرد منها أزليا (1) وجملة الحوادث حادثة وتقدم الازلي على الحادث ضرورية، ولا شبهة في إمكان أخذ المجموع بحيث لا يشذ فإنه ليس من قبيل الجملة اللايقفية التي لا يمكن فيها أخذ المجموع بحيث لا يشذ وقد أخذوا جملة الممكنات في دليل إثبات الواجب، فيكون ممكنا، فلا يكون في تلك المرتبة شئ من الحوادث، وهو الانقطاع. ولنا أيضا أن نقول: يتقدم على كل حادث عدم أزلي هو عدم لهذا الحادث وينعدم معه جميع ما بعده من الحوادث التي هو معدلها، وسبق هذا العدم يستوعب جميع آحاد سلسلة الحوادث، وحكم الآحاد يسري إلى الجملة فيلزم عدم مجموع الحوادث رأسا وانقطاعها. أو نقول: مجموع الحوادث واحد شخصي، لان كل جزء منه واحد شخصي وحادث أيضا، لان جميع أجزائه حادث فيلزم الانقطاع. ونقول أيضا: السلسلة المذكورة معدات عندهم، والمعد يعتبر وجوده وعدمه في المعلول المتأخر، وكلاهما سابق عليه، فنأخذ سلسلة العدمات اللاحقة السابقة على وجود المعلولات ونقول: إما أن يستغرق سبق كل فرد من العدمات لكل فرد من وجودات الحوادث، النظير على النظير، فيلزم تقدم جملة سلسلة العدمات إذا أخذنا بحيث لا يشذ منها شئ على سلسلة وجودات الحوادث، وهو يستلزم الانقطاع وتقدم عدم اللاحق على الموجود، وهذا خلف. وإن لم يستغرق فينتهي إلى فرد لا يسبقه عدم المعد، فتنقطع سلسلة المعدات. وعلى هذه التقريرات لا يتوجه ما قيل إن الازل ليس وقتا محدودا تجتمع فيه العدمات وغيرها، بل مرجعه إلى أن قبل كل حادث حادث إلى غير النهاية


(1) في بعض النسخ: فالجملة أزلية (*).

[277]

وهكذا عدم الحوادث ولا محذور فيه، لان اجتماع العدم الازلي الغير المتناهي في الماضي في زمان مع عدم تناهي الزمان عندهم مع مثله بالغا ما بلغ سواء كانت الاعدام متناهية أم لا بديهي، ولا يلزمنا تعيين زمان معين للازل. وكذا ما قيل: وإن تحقق في الازل عدم الحوادث لكنه عدم كل حادث مقرون بوجود حادث تقدم على ذلك الحادث أبدا فلا يتحقق وقت ينتهي (1) فيه جميع الموجودات ويبقى صرف العدم. وهذا مع أنه مدفوع بما قررنا لوتم فهو فساد آخر نشأ من عدم تناهي الحوادث، إذ جميع المفاسد التي ذكرنا إنما نشأت من الحوادث إلى غير النهاية. ويمكن أن يقال أيضا: إن الحادث اليومي مسبوق بعدم معده، وبعدم معد معده وهكذا إلى غير النهاية، وعدم المعد البعيد بواسطة أطول امتدادا من عدم المعد القريب، والمعد البعيد بواسطتين أطول منهما، والمعد الابعد بثلاث وسائط أطول من الثلاثة، وكلما تمتد سلسلة المعدات تتزايد امتداد الاعدام اللاحقة للمعدات فلو ذهبت السلسلة إلى غير النهاية لزم أن يمتد العدم اللاحق لا إلى نهاية، مع أنه عدم لاحق مسبوق بوجود المعد، واستحالته ظاهرة. وهذا برهان لطيف قوي لا يرد عليه ما يرد على برهان السلم، لان جميع الاعدام الغير المتناهية جزء للعلة التامة للحادث اليومي [مجتمعة ووجودات المعدات] متحققة في الواقع، متمائزة بخلاف برهان السلم لان ازدياد الانفراج هنا على سبيل اللايقف وموقوف على فرض النقاط في الساقين. الثالث: قال بعض المحققين: إن الامور الغير المتناهية مطلقا يستلزم الامور الغير المتناهية المترتبة، ويلزم منه تناهي النفوس وحدوثها على بعض الوجوه، كما سلف بيانه أن المجموع متوقف على المجموع إذا اسقط منه واحد، وذلك المجموع على مجموع أقل منه بواحد، وهكذا إلى غير النهاية، فيجري التطبيق والتضايف بين المجموعات الغير المتناهية إذ هي امور موجودة مترتبة.


(1) في بعض النسخ: ينتفى (*).

[278]

(المقصد الخامس) في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين، والمشككين القاطعين لطريق الطالبين للحق واليقين، وفيه مراصد: المرصد الاول: قالوا: إذا لاحظنا الواجب تعالى شأنه في طرف، وجميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شئ في طرف آخر، فحينئذ إما أن يكون الواجب سبحانه علة تامة لشئ ما أولا ؟ وبعبارة اخرى: جميع ما لابد منه في وجود شئ ما سواء كان ذلك الشئ الارادة الزائدة أو غيرها إما ذاته تعالى أولا ؟ وعلى الاول يكون ذلك الشئ معه دائما في الازل، لاستحالة تخلف المعلول عن العلة التامة، وعلى الثاني يستحيل وجود شئ ما أبدا، لاستحالة التغير في ذاته تعالى. وبعبارة اخرى وبوجه أبسط وهو أن يقال: ذات الواجب تعالى إما أن يستجمع جميع شرائط التأثير في الازل أولا ؟ وعلى الاول يلزم قدم الاول (1) بالضرورة، لامتناع التخلف عن الموجب التام، وعلى الثاني توقف وجود الاثر وهو العالم على شرط حادث، ونتقل الكلام إليه حتى يلزم التسلسل: اما على سبيل الاجتماع: وهو باطل بما مر، وأيضا نقول: إذا أخذنا مجموع تلك الشروط بحيث لا يشذ عنها شرط، فإما أن يتوقف وجودها على شرط آخر غير ذات الواجب تعالى خارج عن مجموع الشروط، فلم يكن ما فرضناه جميعا جميعا وهذا خلف، أو لا يتوقف فيكون الذات وحده مستقلا بإيجاد ذلك المجموع، فإما أن يكون اجتماعها في آن حدوث الاثر فيلزم إما حدوث الواجب بالذات، وإما تخلف الشروط عن موجبها التام وكلاهما محالان، أو يكون اجتماعها في الازل فيلزم قدم أشخاص غير متناهية من العالم هي الشروط، بل والمشروط وجوده بها أيضا، وإلالزم تخلف المشروط عن موجبه التام وهو الواجب مع جميعها، إذا المفروض عدم شرط خارج عن المجموع. أو على سبيل تعاقب تلك الشروط إما في الحدوث


(1) الاثر (ح) (*).

[279]

مع اجتماعها في البقاء فتجتمع في آن الحدوث امور غير متناهية مترتبة موجودة وتجري فيها براهين إبطال التسلسل بالاتفاق، على أنه يلزم حينئذ قدم نوع الفعل وطبيعته وهو مطلوب في الجملة، وإما على سبيل تعاقبها حدوثا وبقاء بأن لا يجتمع اثنان منها في الوجود في زمان ولا في آن، فتكون طبيعة العالم قديمة محفوظة بتعاقب تلك الافراد الغير المتناهية، وتلك الامور إنما يكون تعاقبها على مادة قديمة فيلزم أيضا قدم شخص هو المادة، ولكونها لا تنفك عن الصورة يكون الجسم قديما أيضا، أو يقال: لا يجوز وجود الشرائط على التعاقب أيضا فإن الفاعل لما توقف تأثيره في كل من الشرائط على شرط آخر، فهو في حد ذاته متساوي النسبة إلى طرفي الايجاد وتركه، فيتساوى فرض وجوده بحيث لا يوجد منه شئ من تلك الشروط أصلا وفرض وجوده موجداله فلا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لامر خارج ونتقل الكلام إليه حتى يظهر أنه يجب أن يكون بين البارئ تعالى والحوادث توسط أمر واحد ذاتا تتكثر إضافاته ونسبه، فيكون قديما بالذات وحادثا بالاضافة وهو الحركة، فأوجبوا وجود حركة قديمة بل وجود جسم قديم هو المتحرك بتلك الحركة وادعوا أنها حركة الفلك الاعظم فيكون قديما، وكذا ما في جوفه لامتناع الخلاء، ولان الحركة الواحدة البسطية كما لا تختلف ذاتها لا تختلف إعداداتها للمادة الواحدة، لتشابه أجزائها في الحقيقة، وأثبتوا حركات مختلفة وأفلاكا كثيرة يحصل من اجتماعها واختلافها سرعة وبطء وجهة وأوضاع مختلفة من المقارنات والمقابلات والتربيعات والتسديسات والتثليثات وغير ذلك فتنتظم بها سلسلة الحوادث عندهم. وهذه الشبهة بتلك التقريرات أقوى شكوكهم، وللتفصي عنها طرق: الطريق الاول: ما هو المشهور بين المتكلمين، وهو أن يقال: إنهم يقولون بقدم العالم، لزعمهم لزوم توسط أمر ذي جهتي استمرار وتجدد بين الحادث اليومي والقديم لئلا يلزم التخلف عن العلة التامة، ونحن نقول: إنه الزمان، ولا يلزم القدم لكونه أمرا اعتباريا انتزاعيا، وأدلة وجوده مدخولة، ولا نقول بانتزاعه من

[280]

موجود ممكن حتى يلزم القدم أيضا بل هو منتزع من بقائه تعالى، فكما أنهم يصححون ربط الحادث بالقديم بالحركة والزمان كذلك نصححه أيضا بالزمان وكون الزمان مقدار حركة الفلك ممنوع، بل نعلم بديهة أنه إذا لم يتحرك الفلك مثلا يتوهم هذا الامتداد المسمى بالزمان، والقول بأنه لعله من بديهة الوهم لا يصغى إليه (1). ثم إن الزمان وإن كان وهميا فمعلوم أنه ليس وهميا اختراعيا بل وهميا نفس أمري، ومثل الوهمي يصح أن يكون منشأ للامور الموجودة في الخارج لا بأن يكون فاعلا لها بل دخيلا فيها مع أن محققي الفلاسفة وافقونا على كون الزمان الممتد المتصل أمرا انتزاعيا مرتسما في الخيال وخالفونا فيما هو منشأ لانتزاعه فقالوا بوجود أمر قديم سرمدي في الخارج لا امتداد له ولا تقدر، واعتقدوا أن له جهتي استمرار وتنقل كالحركة التوسطية وسموه بالان السيال، وزعموا أن ذلك الامر يفعل باستمراره وسيلانه في الخيال أمرا ممتدا متصلا غير قار الاجزاء في الوجود


(1) الامور التى لها حظ من الوجود ونحو تحقق في الخارج سواء فرض هناك مدك أم لا هي الامور الحقيقية كالماء والهواء والارض وغيرها، ولا فرق فيها بين ما يدرك بالحواس كالمبصرات والمسموعات ومالا يدرك كذات البارئ تبارك وتعالى، وتنقسم إلى الواجب و الممكن، والممكن إلى الجوهر والاعراض التسعة ومنها الكم وهو منفصل ومتصل والمتصل قار وغير قاروالكم المتصل غير القار هو الزمان. إذ عرفت هذا فاعلم ان قوله (نعلم بديهة انه إذا لم يتحرك الفلك مثلا اصلا يتوهم هذا الامتداد المسمى بالزمان.) ان اراد به انه يمكن وجود الزمان مع عدم وجود جسم اعم من الفلك وغيره فممنوع ودعوى البداهة كما ترى. كيف والزمان كما عرفت عرض لا يقوم الا بجوهر، وذات البارئ سبحانه اعلى وارفع واجل وامنع من ان يصير موضوعا لعرض أو محلا لحال، أو يدركه عقل أو يناله وهم ! ومن هنا تعرف ما في القول بانتزاع الزمان من ذاته تعالى وتقدس، وان اراد به عدم انحصار راسم الزمان في حركة الفلك الوضعية فله وجه لكنه لا يلائم الالتزام بانتزاعه من بقائه تعالى. وان اراد انه لا يتمكن الوهم من ادراك موجود خارج عن ظرف الزمان فيتوهم امتدادا يسمى بالزمان فانا لاننكر عجز الوهم عن ذلك، لكن التوهم غير إدراك الواقع فالوهم لا يدرك ما هو خارج عن ظرف المكان أيضا فهل يمكن القول بعدم تحقق موجود خارج عن ظرف المكان ؟ !

[281]

الفرضي الخارجي، أو في حدوث الارتسام كالحركة بمعنى القطع، وسموه بالزمان بمعنى القطع، كل ذلك من غير ضرورة ولا برهان يدل على ذلك الامر البسيط في الخارج، فإن الشيخ لم يزد في الشفاء على تحرير الدعوى وإعادته بعبارات متكررة في فصول شتى، ولا نقل عن السابقين عليه دليل في هذا الباب، واقتفى المقلدون أثرهم بحسن الظن بهم، وليت شعري إذا قنعوا بالتقليد فلم لم يقلدوا من قلدهم الله تقليده وتصديقه ؟ ! على أن العقل المستقيم ينقبض عن وجود ذلك الامر في الخارج بل يمكن إبطاله أيضا بوجوه ليس هذا مقام إيرادها، مع أنه على هذا القول يرد عليهم ما يرد علينا. وما قيل من أن الزمان الموهوم لا تمايز بين أجزائه وطلب الترجيح فيما بينها غير معقول، مدفوع بمامر من أنه وإن لم يكن موجودا لكنه من الامور الواقعية التي يحكم العقل عليها بتلك الاحكام حكما واقعيا، مع أنه لو كان وهميا محضا لا يترتب عليه حكم لا يتحق التخلف أيضا إذا لم يتخلل زمان بين العلة وأول المعلولات أصلا حتى يسأل عن الترجيح بين أجزائه فيلزم الترجيح بلا مرجح والامتداد المتوهم محض اختراع الوهم حينئذ. وحاصل الجواب حينئذ: أنا نختار أنه ليس في الازل مستجمعا لشرائط التأثير، قوله (توقف على شرط حادث) قلنا: هو تمام قطعة من الزمان يتوقف عليها وجود العالم ويرتبط به الحادث بالقديم على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة إلا أن توسيط الحركة يستدعي قدم الحركة التوسطية السرمدية، بل قدم المتحرك بها، بل سائر الاجسام على ما عرفت، وفي هذا المسلك لا يلزم شئ من ذلك، لان الزمان وإن كان من الامور المتحققة في نفسه الامر لكنه ليس من الموجودات الخارجية، ولا مما ينتزع من حركة أو جسم حتى يلزم من تحققه في الازل قدمه، أو قدم منشأ انتزاعه، بل إنما ينتزع من ذات الاول تعالى وما قيل من أن حقيقة الزمان هي التقضي والاستمرار الممتد فلو كان انتزاعيا لكان منتزعا مما يناسبه ويشابه مهيته كالحركة القطعية التي هي أمر تدريجي متصل غير قار

[282]

ووجود الواجب سبحانه أمر ثابت لا يتصور فيه شائبة تدريج وانقسام، فأي مناسبة بينه وبين ما ينتزع منه ؟ فجوابه أن ما ادعيت من لزوم تحقق المناسبة بين كل انتزاعي ومنشأ انتزاعه حكم غير بين ولا مبين، ولئن سلمنا لزومه فهو لا ينحصر فيما نفهمه من الزمان من معنى التجدد والاتصال، ولعله تتحقق مناسبة ما بينهما من جهة اخرى خفية عن إدراكنا، وعدم الوجدان لا يعطي العدم، ألا ترى أن أكثر الانتزاعيات كالزوجية والفردية والفوقية والتحتية وغيرها ينتزع من محالها ولا يحكم وجداننا بتحقق مناسبات تفصيلية كل منتزع وما ينتزع منه، وذلك إما لعدم لزوم تحققها في الواقع، أو لعدم اطلاعنا على تفاصيلها، وأيام ما كان فليكن الامر فيما نحن بصدده كذلك، على أنه يرد مثل ذلك على الفلاسفة أيضا، إذ الزمان والحركة بمعنى القطع منتزعان عندهم من الآن السيال والحركة التوسطية مع مباينتهما فيما ذكره المورد من الاوصاف (1).


(1) لا ريب في عدم ثبوت واسطة بين الوجود والعدم ولا احتمله أحد من الخاصة، وهذا لعمري من الواضحات بل البديهيات، وان تفوه بعض متكلمي العامة بثبوت الواسطة وقال بالاحوال والثابتات ! وكيف كان فلا يظن بالمؤلف رحمه الله مخالفته لجميع الاصحاب، وموافقته للمعتزلة في هذا الباب، فمعنى ما ذكره من كون الامور الانتزاعية غير موجودة في الخارج ولا معدومة صرفة انها عناوين ذهنية يتوسل بها إلى درك الحقائق الخارجية، فهى موجودة في الذهن معدومة في الخارج ولا تتعدى حد الذهن ابدا وليست كالماهيات الحقيقية التى تتحد في الخارج مع الوجود الخارجي وفي الذهن مع الوجود الذهنى لكن لها مناشئ انتزاع حقيقة خارجية متناسبة معها، ولا يمكن انتزاع عنوان من شئ الالاجل تلك المناسبة والا لامكن انتزاع كل شئ من كل شئ، وكذا لا يمكن للعقل انتزاع عنوان من شئ لا يدرك مناسبته لذلك العنوان لان الانتزاع فعل العقل والعقل انما يفعل ما يدرك، فلا يكفى فرض مناسبة خفية عن ادراكه وهو بمكان من الوضوح، وعلى هذا فلو فرض كون الزمان امرا انتزاعيا فلا محيص عن الالتزام بادراك العقل مناسبته مع منشأ انتزاعه، والمعنى الذى يحكى عنه لفظة (الزمان) هو أمر تدريجي لا يكاد يوجد جزءان منه معا، فهل له مناسبة الا مع الحركة التى هي أيضا كذلك ؟ وهل له مناسبة مع ذات البارئ سبحانه التى لا يتطرق إليها تغير وتدرج، ونقص وقصور، وزوال ودثور ؟ سبحان الله عما يصفون. وسيأتى من المؤلف ره الاستظهار من روايات كثيرة جدا ان الله تعالى غير مقارن للزمان اصلا، وان الزمان من المقادير، وان حدوث العالم ليس بمعنى سبق زمان عليه (*).

[283]

وكذا ما قيل من أن اتصافه تعالى بالبقاء يتوقف على تحقق زمان، إذا لمفهوم منه وجود أمر في آن مسبوق بوجود ذلك الامر في آن آخر يتقدمه، فلو كان الزمان منتزعا من الذات المتصفة بالبقاء لزم الدور، مدفوع بأن هذه العبارة صدرت منهم مسامحة واتكالا على وضوح الامر، بل المنشأ لانتزاع الزمان هو وجوده سبحانه الذي يمتنع عليه طريان العدم بمدخلية هذا الوصف، وظاهر أن هذا الوصف ثابت له سبحانه في ذاته من غير توقف على اعتبار بقاء أو زمان أو غير ذلك، لان هذا الوصف من لوازم الوجود الذاتي الذي هو عين ذاته، أو أمر لا يحتاج ثبوته للذات إلى أمر سوى الذات، ومجرد الاستلزام بين الوصف المذكور والبقاء غير كاف فيما المعترض بصدده كما لا يخفى، فإن انتزاع البقاء بالمعنى المذكور عن الذات متأخر عن ثبوت هذا الوصف، بل عن انتزاع الزمان أيضا. واورد عليه أيضا أنه لو كان منتزعا منه سبحانه لكان صفة له كما هو شأن سائر ما ينتزع منه، كالعلم والارادة والقدرة والخلق وغير ذلك من المعاني المصدرية والتالي باطل لانه سبحانه لا يتصف بالزمان لا بالحمل مواطاة وهو ظاهر، ولا اشتقاقا لانه ليس بزماني كما أنه ليس بمكاني كما تشهد به العقول السليمة والنصوص الواردة عن الصادقين عليهم السلام. واجيب عنه أولا بأنا لا نسلم أن كل ما ينتزع من شئ يجب أن يكون صفة له، لان مناط كون شئ صفة لشئ هو وجود العلاقة الناعتية بينهما، وكون انتزاع شئ من شئ مطلقا مستلزما لوجود تلك العلاقة غير بين ولا مبين، ومن تصدى له فعليه البيان (1)، وأما ثانيا فلانا لو سلمنا ذلك نقول: ما ورد من النصوص من أنه ليس بزماني ولا مكاني معناه أنه كما لا يحيط به مكان حتى يكون ظرفا له مشتملا عليه كذلك لا يحيط به زمان حتى يتقدم عليه جزء من ذلك الزمان، أو يتأخر عنه جزء آخر منه، فيكون وجوده مقارنا لحد خاص من الزمان مسبوقا بحد آخر منه خال عن وجوده، فيكون ذلك الحد ماضيا بالنسبة إلى وجوده الحق


(1) قد عرفت لزوم العلاقة بين العنوان المنتزع ومنشأ الانتزاع في البيان السابق (*).

[284]

وسابقا على حد آخر كذلك حتى يكون مستقبلا بالقياس إليه (1)، وأما مقارنة الحق القديم للزمان وتحققه معه في نفس الامر من الازل إلى الابد فلا شك في صحته ووقوعه، ويكفي في اتصافه تعالى بالزماني تحقق المعنى الثاني، وليس لمفهوم [لفظ] الزماني لغة ولا اصطلاحا اختصاص بما يقارنه الزمان على النحو الاول وأما اتصافه سبحانه بالمكاني فإنه إنما منع لانه لم يتحقق المقارنة بين ذاته تعالى وبين المكان بشئ من المعنيين، لا بمعنى إحاطة المكان به ولا بمعنى مقارنة وجوده لوجوده أزلا وأبدا، ولا شك أن اتصافه سبحانه بالزماني بهذا المعني مما لا ينكره العقل ولا النقل، بما ورد في النصوص من توصيفه بالباقي، والدائم، والسرمدي والازلي والابدي، مما يشهد بصدقه ويؤذن بأن النصوص الدالة على نفي اتصافه بالزماني إنما المراد بها نفي إحاطة الزمان بوجوده الحق، على ما هو شأنه مع المتغيرات الحادثة في حد منه دون حد، أو أنه لا يتقدر وجوده سبحانه بالليل والنهار والشهور والسنين. الطريق الثاني بناء الجواب على عدم كونه سبحانه زمانيا كما أومأنا إليه سابقا، وعليه شواهد كثيرة من الاخبار أشرنا إلى بعضها في مواضعها، وقد مر كثير منها في كتاب التوحيد نحو ما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وما رواه عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: إن الله تبارك وتعالى لم يزل بلا زمان ولا مكان، وهو


(1) لسائل أن يسأل: هل تجوزون أنتم هذا التأول في نفى المكانية عنه تعالى بأن يقال: معنى كونه تعالى غير مكاني أنه لا يقارن مكانا أوسع من ذاته فيبقى بعض أجزاء المكان خاليا فيعتبر مكان سابق على ذاته ؟ ولا حق لذاته ! وإن لم تجوزوا ولن تجوزوا فما المصحح له في نفى الزمانية عنه سبحانه ودعوى ظهور النصوص في كونه تعالى مقارنا لزمان أزلى أبدى كدعوى ظهورها في كونه سبحانه مقارنا لمكان غير متناه من كل طرف والحل أن معنى هذه الروايات إحاطته تعالى بكل شئ إحاطة لا يشذ عن دائرتها أي شئ، وان بلغ من الامتداد والوساعة إلى حيث يعجز الوهم عن نيله لا مقارنته للزمان الغير المتناهى من جهة البدء والنهاية أو للمكان الغير المتناهى من كل جهة (*).

[285]

الان كما كان (الخبر) وفي خبر آخر عنه: إن الله لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان، وفي الكافي وغيره في أخبار كثيرة (والله لا يصوف بخلقه) وروي عن سيد الشهداء عليه السلام في بعض خطبه: ليس عن الدهر قدمه. إذ الظاهر أن المراد أن قدمه سبحانه ليس قدما زمانيا ينشأ من مقارنة الزمان أبدا، وقد مر قول أمير المؤمنين عليه السلام الذي ليس له وقت محدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود. وفي النهج: لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا. وقد مر قوله عليه السلام لا تصحبه الاوقات، وقوله عليه السلام: ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، وقوله عليه السلام: ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود. ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود. وفي التوحيد عن الكاظم عليه السلام: إن الله لا يوصف بزمان ولا مكان، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: لم يختلف عليه حقب الليالى والايام، وعنه عليه السلام: لا يزال وحدانيا أزليا قبل بدو الدهور، وبعد صرف الامور، وقد مر أيضا قوله عليه السلام: انه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، وقد مر أيضا في حديث ذعلب: لا تضمنه الاوقات إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، وفي خطبة اخرى: سبق الاوقات كونه والابتداء أزله إلى قوله كيف يجري عليه ما هو أجراه، وفي خطبة اخرى: لا يقال له متى، ولا يضرب له أمد بحتى، وقد مر في خطبة الرضا عليه السلام: لا تصحبه الاوقات إلى قوله ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لاقبل له ولا بعد إلى قوله مخبره بتوقيتها أن لا وقت لموقتها إلى قوله ولا توقته متى، ولا تشمله حين، ولا تقارنه مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع من صانعه، ولا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتداه ؟ وعن الباقر عليه السلام: لم يكن له كان، وأمثال هذه كثيرة قد مر أكثرها، وظاهر الجميع بل صريح بعضها نفي كونه سبحانه زمانيا، وكذا يدل

[286]

على ذلك ما ينفي عنه سبحانه المقادير، فإن الظاهر أن الزمان أيضا من المقادير (1) وكذا ما يدل على استحالة التغير وتجدد الحال عليه تعالى، فما يدل على خلاف ذلك مثل قوله تعالى (كل يوم هو في شأن (2)) وقوله (خلق السماوات والارض في ستة أيام (3)) وأمثال ذلك مما مر بعضها فيمكن حملها على ضيق العبارة، فإن أهل اللغة لا يفهمون التجرد من الزمان، ووضعوا الالفاظ للمعاني المتعارفة بينهم وإما لتفهيم عامة الناس، فإن تصور التجرد عن الزمان صعب يحتاج إلى لطف قريحة، وإما أن يكون من قبيل قوله تعالى (هو معكم أينما كنتم) (4) ويكون المعية مع الزمان كالمعية مع المكان بل المكانيات، وإما أن يقال: المنفي عنه تعالى هو الزمان بالذات، والمثبت هو الزمان بالعرض، كما يفهم من كلام السيد الشريف في معنى (السرمد)، وإما أن يكون من قبيل نفي الزمان وإثبات الثمرة، كما في سائر الصفات، فإن الآلة منتفية وثمرة السمع والبصر وغيرهما ثابتة، وكذا مبدء اشتقاق الرحمة والغضب واللطف وغيرها منتفية وثمراتها ثابتة، فالزمان منفي عنه تعالى وثمرته ثابتة من توصيف أفعاله سبحانه بأوصاف الزمانيات من التعاقب والترتيب ووقوعه في اليوم دون أمس إلى غير ذلك إما في الافعال في أنفسها أو بالنسبة إلينا بلا تغير في ذاته تعالى وتجدد وتصرم بالنسبة إليه سبحانه، وكون بعضها بالفعل وبعضها بالقوة له تعالى، ولا استبعاد فيه، فإن جميع الامور الالهية غريبة عجيبة لا تدركها الابصار (5)، ولا يخطر ببال اولي الروايات خاطرة من تقدير جلاله، و لا يصل إليه ألباب البشر بالتفكير، بل ترجع خاسئة حسيرة، ونهاية علم الراسخين


(1) هذا اعتراف منه - رحمه الله - بأن الزمان مقدار كما ذكرنا سابقا انه كم متصل غير قار، وكونه مقدارا يساوق كونه امرا حقيقيا، فان الامور الحقيقية لا تنحصر في الجواهر ذات الابعاد، فانا لا نشك في وجود السواد والبياض في الخارج حقيقة وهما من الاعراض، وكونه امرا حقيقيا ينافى كونه أمرا موهوما فتأمل. (2) الرحمن: 29. (3) الاعراف: 54. (4) الحديد: 4. (5) في بعض النسخ: الافكار (*).

[287]

في العلم الاعتراف بالعجز عن إدراك حقيقتها وكيفيتها، فليس لدوامه سبحانه امتداد وطول يمكن انطباقه على الزمان حقيقة كبقاء الممكنات المنطبقة على قطعة من الزمان بل الله تعالى فوق ما يصفه الواصفون وليس مثله شئ. ويؤيد بعض هذه الوجوده ما رواه الكليني والصدوق في الكافي والمجالس بإسنادهما عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في خطبة الوسيلة: إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم. وفي الكافي في خطبة له عليه السلام: أزله نهية لمجاول الافكار، ودوامه ردع الطامحات العقول، قد حسر كنهه نوافذ الابصار، وقمع وجوده جوائل الاوهام. والنهية بضم النون وسكون الهاء: اسم من نهاه ضد أمره، والمجاول جمع مجول بفتح الميم وهو مكان الجولان أو زمانه، والجوائل جمع جائلة من الجولان. واعلم أن عقل العقلاء في هذه المسألة متحير فكثير من المحققين أثبتوا له سبحانه زمانا وقالوا إنه موهوم (1) انتزاعي نفس أمري ينتزع من بقائه سبحانه كما عرفت وأكثر الحكماء والمحققين ذهبوا إلى استحالة عروض الزمان ومتى للواجب تعالى وللعقول المجردة في الذات والفعل التي كمالاتها بالفعل على زعم الحكماء، [و] قال أرسطو في (اثولوجيا): الشئ الزماني لا يكون إلا في الزمان الذي وافق أن يكون فيه، فأما الفاعل الاول (2) فقد كان لانه ليس هناك زمان فإن الشئ الملاقي في الزمان المستقبل قائم هناك، فلا محالة أنه هناك يكون موجودا قائما كما سيكون في المستقبل، (3) فالاشياء إذن عند البارئ جل ذكره كاملة تامة زمانية كانت أو غير زمانية، وهي عنده دائما، وكذلك كانت عنده أولا كما تكون عنده أخيرا (4) وقال: الاشياء هناك دائم لا يتغير بل على حال واحد.


(1) مفهوم (خ). (2) في المصدر: وأما في الفاعل الاول. (3) في المصدر: فان كان هذا هكذا فالشئ اذن الكائن في المستقبل هو هناك موجود قائم لا يحتاج في تمامه وكماله هناك إلى احد الاشياء البتة فالاشياء.. (4) هامش القبسات: 218 (*).

[288]

وقال أيضا: لا ينبغي لسامع قول الفيلسوف يعني شيخه أفلاطون أن ينظر إلى لفظه فيتوهم عليه أنه قال: إن البارئ خلق الخلق في زمان، فإنه (1) إنما اضطر الاولون إلى ذكر زمان في بدء الخلق لانهم أرادوا وصف كون الاشياء فاضطروا أن يدخلوا الزمان في وصفهم الكون، وفي وصف الخليقة التي لم تكن في زمان البتة، لان المرء إذا أراد أن يبين العلة اضطر إلى ذكر الزمان، لانه لابد للعلة أن تكون قبل المعلول فيتوهم المتوهم أن القبلية هي الزمان وليس ذلك كذلك (2) (انتهى). وقيل: ولعله لهذا الوجه وقعت الالفاظ الموهمة للزمان في كلام الشارع. اقول: وكذلك صرح الشيخ بأنه تعالى ليس بزماني في تعليقاته والشفاء كما مر بعض كلماته، والفارابي في الفصوص والتعليقات، وشيخ الاشراق، والعلامة الشيرازي، وشارح التلويحات، وفخر الدين الرازي، والمحقق الدوانى. وقال المحقق الطوسي ره في نقد المحصل: وأما البارئ تعالى وكل ما هو علة الزمان أو شرط وجوده فلا يكون في الزمان ولا معه إلا في التوهم، حيث يقيسها الوهم إلى الزمانيات، والعقل كما يأبى عن إطلاق التقدم المكاني كذلك يأبى عن إطلاق التقدم الزماني، بل ينبغي أن يقال: إن للبارئ تعالى تقدما خارجا عن القسمين، وإن كان الوهم عاجزا عن فهمه. وقال أيضا في جواب الاسئلة القونوية: لما نفوا عنه الكون في المكان جعلوا نسبة جميع الاماكن إليه نسبة واحدة متساوية ولما تقوا عنه الكون في الزمان جعلوا نسبة جميع الازمنة حالها وماضيها ومستقبلها إليه نسبة واحدة متساوية. وقال ره في شرح رسالة العلم: أزليته تعالى إثبات سابقية له على غيره، ونفي المسبوقية عنه، ومن تعرض للزمان أو الدهر أو السرمد في بيان الازلية فقد ساوق معه غيره في الوجود انتهى. واعلم أن تسليم الحكماء لهذا الاصل بل تجويز العقل على


(1) في المصدر فانه وإن توهم ذلك عليه في الفاظه وكلامه فانه انما لفظ بذلك إرادة أن يتبع عادة الاولين فانه. (2) هامش القبسات: 177. وكانه رحمه الله نقل مخلصا (*).

[289]

سبيل الاحتمال كاف لحل بعض شبهاتهم على الحدوث. وقيل: ومما يدل من جهة العقل على استحالة عروض الزمان له تعالى أن الزمان حقيقته تجدد شئ، و تقضي شئ وتصرمه وهذا ظاهر عند العقل ومبين مشروحا في الكتب، وتجدد شئ وانقضاء شئ آخر محال على الله تعالى كما يدل عليه العقل والنقل (انتهى) وإذا تمهد هذا مع ما نقلنا سالفا من تحقيق الدهر والسرمد نقول في دفع شبههم: على تقدير الحدوث لا نسلم لزوم التخلف عن العلة التامة، وإنما يتصور التخلف لو كانت العلة زمانية ووجدت العلة في زمان ولم يوجد المعلول معه في ذلك الزمان وهنا لعل العلة أو العلة والمعلول كليهما لم يكونا زمانيين، أما العلة فقد مر، و أما المعلول فالكلام في الصادر الاول، وهناك لم يوجد زمان وزماني أصلا، ولا شئ إلا الواحد القهار. وبالجملة إذا كانت العلة والمعلول كلاهما زمانيين يجب أن يجمعهما آن أو زمان، وإلا فلا، ونظيره التخلف المكاني، فإنه لو كانا مكانيين يتصور الاجتماع والافتراق والمماسة والمماسة، وأما إذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مكانيين لم يتصور أمثال هذه الامور، وكذا إنما يتصور الترجيح بلا مرجح إذا كان تحقق زمان وقع أمر في جزء منه دون جزء، وصدر المعلول من العلة مرة ولم يصدر مرة اخرى، وقبل خالق العالم الزمان والزمانيات معدومة مطلقا ونفي صرف لا يجري فيه أمثال هذه الاوهام الكاذبة المخترعة الناشئة من الالفة بالزمان والمكان. ولعله يذهب بعض الاوهام إلى أن العالم لم وجد في المكان الذي فيه الآن ولم يوجد فوقه أو تحته أو غيرهما من الجهات ؟ إلى غير ذلك من الاوهام والخيالات الواهية ! والواجب جل شانه مقدس عن أمثال هذه الامور ولا يبلغ إلى كنه عظمته وجلاله عقل عاقل وذهن ذاهن، ولا يحوم حول كبريائه فكر مخلوق وما قيل إنا نجزم بأن بعض الامور مقدم على بعض وأن بعضها مع بعض ولو لم يكن الامتداد كذلك، بل ولو لم يكن فلك ولا حركة ولا ليل ولا نهار فممنوع، ومثل هذا ما يقال في الامتداد المكاني انا نجزم بتقدم بعض الحدود على البعض بالتقدم والتأخر الوضعي والرتبي ولو لم يكن جسم ومتمكن، وبه يثبتون البعد الموهوم الغير المتناهي الذي هو الخلاء، ولعل توهم هذين الامتدادين مما يحكم به الوهم

[290]

على الالف والعادة ولا أصل لهما أصلا، فصاحب هذا المسلك يقول بأن الزمان والحركات وسلسلة الحوادث كلها متناهية في طرف الماضي، وأن جميع الممكنات ينتهي في جهة الماضي في الخارج إلى عدم مطلق ولا شئ بحت لا امتداد فيه ولا تكمم ولا تدريج ولا قارية ولا سيلان، وقبل ابتداء الموجودات لا شئ إلا الواحد القهار وقوله (ينتهي الموجودات إلى عدم مطلق) وكذا قوله (قبل ابتداء الموجودات لا شئ محض) من ضيق العبارة، ولا تتصور القبلية والانتهاء إلى العدم حقيقة، ونظير تناهي الزمان والامتداد الغير القار تناهي المكان والابعاد القارة، فإن الابعاد القارة والامكنة تنتهي إلى العدم المطلق للابعاد والجسمانيات، ولا يتصور وراء آخر الاجسام بعد ولا فضاء، لا بعد موجود ولا موهوم، حتى أنه لو مد أحديده فيه لا يتحرك يده ولا يلج فيه، لا لوجود حسم لا يمكن خرقه، ولا لمصادم يمنعها، بل للعدم المطلق للبعد والفضاء. وقد روي عن الصادق أنه قال بعد عد أجسام العالم (ولاوراء ذلك سعة ولا ضيق، ولا شئ يتوهم) فكذا الحال في انقطاع الزمان وجميع الموجودات الممكنة في جهة الماضي لا يتصور فيه امتداد أصلا، لا موجود كما زعم الحكماء ولا موهوم كما توهمه المتكلمون، فلا يمكن فيه حركات كما استدل به الحكماء على عدم تناهي الزمان، بل لا شئ مطلق وعدم صرف، ولما ألف الناس بالابعاد القارة وجسم خلف جسم تعسر تصور عدمه على بعض المتكلمين وذهب إلى الابعاد الموهومة الغير المتناهية وقال بالخلاء، وكذا لما شاهدوا موجودا قبل موجود وزمانا قبل زمان صعب عليهم تصور اللاشئ المحض فذهب طائفة من الحكماء إلى لا تناهي الزمان الموجود، وطائفة من المتكلمين إلى لا تناهي الزمان الموهوم، و لكن تصور اللازمان المطلق أصعب من تصور اللامكان ويحتاج إلى زيادة دقة ولطف قريحة. واقول: وهذا الجواب في غاية المتانة، واختاره السيد المرتضى والشيخ الكراجكي وغيرهما، قال السيد في جواب شبهة القائل بالقدم في تضاعيف كلامه: غير أن الصانع القديم يجب أن تتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا وأزمانا كانت

[291]

غير متناهية ولا محصورة. فدل على أنه لا يقول بقدم الزمان، بل يقدره ويفرضه وقد مضى تصريحه رضي الله عنه بحدوث الزمان، وأنه سبحانه ابتدأ ما أحدثه من غير زمان، وأن الزمان مقدار حركة (1) الفلك في المقصد الثاني. وقال الكراجكي: اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها وجوب تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان، فيجب أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة، وقد سمعنا قوما منهم يقولون إن معنى ذلك أنه الفعال فيها والمدبر لها، فسألناهم هل يدافع ذلك عنها حقيقة الحدث فعادوا إلى الكلام الاول من أن كل واحد من أجزاء الصنعة محدث، فأعدنا عليهم ما سلف حتى لزمهم الاقرار بحدث الكل، وطالبناهم بحقيقة المحدث والقديم فلم يجدوا مهربا من القول بتقدم القديم في الوجود على المحدث التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما به موجودا والآخر معدوما، ولسنا نقول إن هذا التقدم موجب للزمان، لان الزمان أحد الافعال، والله تعالى متقدم لجميع الافعال وليس أيضا من شرط التقدم والتأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان، لان [الزمان] نفسه قد يتقدم بعضه على بعض ولا يقال إن ذلك مقتض لزمان آخر، والكلام في هذا الموضع جليل، ومن فهم الحق فيه سقطت عنه شبه كثيرة. وقال - ره - بعد إيراد جواب السيد عن شبهة القائل بالقدم: وجميع ما تضمنه من إطلاق القول بأن بين القديم وأول المحدثات أوقاتا لا أول لها فإنما المراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة، لان الاوقات أفعال، وقد ثبت أن للافعال أولا، فلو قلنا إن بين القديم وأول الافعال أوقاتا في الحقيقة لناقضناه، ودخلنا في مذهب خصمنا، نعوذ بالله من القول بهذا. ثم قال: وقال بعض أهل العلم: لا ينبغي أن نقول بين القديم وبين المحدث لان هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين، والقديم لا أول له، والواجب أن نقول: إن وجود القديم لم يكن عن عدم. وساق الكلام إلى أن قال: ولسنا نريد بذلك


(1) حركات (خ) (*).

[292]

أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها، لان هذا هو الحدوث والتجدد و هو معنى الزمان والحركة. فإن قال قائل: إنه لا يثبت في الاوهام إلا هذا الامتداد. قيل له: ليس [بحيث] يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا، أليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلا، وذلك غير متوهم ؟ وساق إلى أن قال: ثم يقال لهم: أرأيتم لو قال لكم قائل: ليس يثبت في وهمي موجود ليس في جهة فيجب أن يكون البارئ عزوجل في جهة، أليس يكون الجواب أن يقال: إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما، فأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم ؟ فهكذا يكون جوابنا لكم. قال: ثم قال هذا المتكلم: فإن قالوا: إذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم إن البارئ سبحانه لم يتقدم فعله ! قيل: بل نقول: إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدم فعله، ثم قارن وجود فعله وقولنا ثم يترتب على عدم الفعل لا غيره. اقول: وتكلم في ذلك كثيرا إلى أن قال: وهذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة، كافية في إثبات الحجة على المدل بها، وهي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي لانه لا يطلق القول بأن بين القديم وأول المحدثات مدة، ويقول: إنه قبلها بمعنى أنه كان موجودا ثم وجدت، وهو معنى ما ذكره هذا المتكلم في قوله (إن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله) فهو على هذا الوجه قبل أفعاله. ثم قال: واعلم أيدك الله أن العبارات في هذه المواضع تضيق عن المعاني وتدعوا الضرورة إلى النطق بما عهد ووجد في الشاهد وإن لم يكن المراد حقيقته في المتعارف، ويجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى إلى النفس، كقولنا: قبل وبعد، وكان، وثم، فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الالفاظ إلا في الاوقات والمدد، فإذا قلنا إن الله تعالى كان قبل خلقه ثم أوجد خلقه فليس هذا التقديم والتأخير مفيدا لاوقات ومدد، وقد يتقدم الاوقات بعضها على بعض بأنفسها من غير أن يكون لها أوقات اخر. وكذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا إن وجود الله قبل

[293]

وجود خلقه، فليس الوجود في الحقيقة معنى غير الموجود، وإنما هو اتساع في القول، والمعنى مفهوم معقول (1) (انتهى). وقال الشيخ المفيد - ره - في كتاب المقالات: الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشئ، وليس هو بحادث مخصوص، والزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت ولا زمان، وعلى هذا القول سائر الموحدين انتهى. وإنما أوردت كلام هؤلاء الاجلاء لئلا يتوهم أن هذا القول مستحدث مخالف لمذهب الامامية ولم يقل به القدماء، بل الظاهر من كلام أكثر القدماء ذلك والله يعلم حقيقة الحال. الطريق الثالث: أن إمكان وجود المعلول معتبر، وهو من شرائط قبول المعلول للوجود، ولا من شرائط تمامية الفاعل في التأثير، لكونه من متممات ذات المعلول المفتقر إلى المؤثر، ويجوز أن يكون بعض أنحاء الوجود بالنسبة إلى مهية واحدة ممكنا دائما وبعض آخر ممتنعا بالذات دائما كما بين في محله، ومثل هذا لا يستلزم تغييرا أصلا لا من طرف العلة ولا من طرف المعلول حتى نطلب له سببا، بل أبدا هذا النحو من الوجود ممكن وذاك ممتنع، إذا تقرر هذا فنقول: لعل الوجود الدائمي لا تقبله الماهية الممكنة أصلا وقد مر من الاخبار والمؤيدات العقلية ما يؤكده، وسيظهر تأييد آخر من جواب النقض على دليلهم، وبالجملة يجب عليهم إثبات أن الممكن يقبل الوجود الازلي حتى يتم دليلهم ودونه خرط القتاد. الطريق الرابع: النقض بالحوادث اليومية، فإنا نقول: لو كان الواجب


(1) كلام هذا المحقق الجليل وكذا كلام استاذه المتقدم ذكره وكذا كلام الشيخ المفيد رحمهم الله وسائر كلمات اساطين العلم واعاظم العلماء تدل على أن الحدوث المجمع عليه ليس ما يدعيه جمهور المتكلمين من كون العالم واقعا في جزء من الزمان ووجود زمان غير متناه قبل خلق العالم، بل صريح كلام الكراجكى أن القول بوجود زمان بين الحق تعالى أو أول الافعال مناقض للقول بالحدوث، فتدبر جيدا (*).

[294]

تعالى في طرف، وجميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شئ في طرف آخر، فإما أن يكون ذاته تعالى وحده علة تامه لشئ ما أولا يكون، وعلى الاول يلزم قدم شئ ما، و على الثاني يلزم أن لا يوجد شئ أبدا، ثم نأخذ الصادر الاول معه تعالى ونقول: الواجب مع هذا الصادر إما أن يكونا علة تامة لشئ (ما) مما عداهما أولا، ويلزم قدم الصادر الثاني، وهكذا في الصادر الثالث والرابع حتى ينتهي إلى الحادث اليومي، ولا ينفعهم توسط الزمان والحركة والاستعداد. قال المحقق الدواني في بحث إعادة المعدوم: إذا اقتضي ذات الشئ في الازل وجوده فيما لا يزال يلزم كونه موجودا في الازل فيما لا يزال ويلزم اجتماع أجزاء الزمان انتهى وتفصيله أنه إذا أخذنا من العلة الاولى ثم لاحظنا الاشياء على سبيل التنازل فلابد من أن تنتهي نوبة الايجاد إلى الزمان والحركة لانهما من جمله الممكنات، فلابد من أن يكونا في سلسلة المعلولات، ولا شك في أن كل مرتبة منها علة تامة للاحقها وقديمة عندهم، فعلة الزمان والحركة تامة مستقلة بلا مشاركة حادث أصلا فيلزم انقطاعهما واجتماع أجزائهما وقدم جميع الحوادث، لان العلة إذا كانت علة لجميع أجزائهما فظاهر، وأما إذا لم تكن بل تكون علة لجزء ما منهما ثم يكون ذلك الجزء معدا لجزء آخر وهكذا فلان ذلك الجزء وان كان قصيرا جدا فهو قابل للقسمة إلى أجزاء بعضها متقدم وبعضها متأخر، فيلزم اجتماع أجزاء هذا الجزء فيلزم (1) من اجتماع هذا الجزء اجتماع أجزاء الجزء الذي يليه وهكذا، وأنت خبير بأن الاخذ من الحادث اليومي على سبيل التصاعد والقول بأن كل سابق معد للاحقه إلى غير النهاية تدليس محض. وتمسك بعضهم لدفع هذا الاشكال بالحركة التوسطية والآن السيال، لانهما ذات جهتين: الاستمرار، والتجدد، فمن جهة الاستمرار صدرتا عن القديم، ومن جهة التجدد صارتا واسطتين في صدور الحادث عن القديم. وفيه أنه لو تم هذا


(1) ويلزم (خ) (*).

[295]

لزم إمكان حدوث جميع أجزاء العالم بهذا الوجه فلا يلزم القدم الشخصي في شئ من أجزاء العالم وهو خلاف مذهبهم، مع أنه لنا أن ننقل الكلام إلى جهة التجدد، فإن كانت موجودة في الواقع فيعود الكلام السابق بعينه، وإذا لم تكن موجودة فلا يمكن أن يصير واسطة. وقال الغزالي ردا لجوابهم: إن هذه الحركة مبدأ للحوادث إما من حيث إنها مستمرة أو من حيث إنها متجددة، فإن كان من حيث إنها مستمرة فكيف صدر من مستمر متشابه الاجزاء شئ في بعض الاحوال دون بعض ؟ وإن كانت من حيث إنها متجددة فما سبب تجددها في أنفسها فتحتاج (1) إلى سبب آخر ويتسلسل. واعترض عليه بأن هذا التسلسل عندهم جائز لعدم وجوب اجتماع الاحاد ههنا. وقال المحقق الدواني في شرح العقائد في دفعه: إن التجدد عبارة عن انقضاء شئ وحدوث شئ آخر، فإذا عدم جزء من الحركة فلابد لعدمه من علة حادثة وتلك العلة إما أمر موجود أو عدم أمر موجود أو بعضها موجود وبعضها عدم أمر موجود، وعلى الاول ننقل الكلام إلى علة ذلك الامر وهكذا حتى يلزم التسلسل في الامور الموجودة المجتمعة المترتبة، وعلى الثاني فيكون ذلك العدم عدم جزء من أجزاء علة وجوده، ضرورة أن ما لا يكون وجوده علة لوجود أمر لا يكون عدمه علة لعدمه فيلزم التسلسل في الموجودات التي هذه الاعدام أعدام لها، وعلى الثالث لابد أن يكون أحد القسمين من الامور الموجودة وتلك الاعدام أو كلاهما غير متناه، وعلى الوجهين يلزم التسلسل في الامور الموجودة المترتبة المجتمعة والحاصل أن يلزم التسلسل في الامور الموجودة المترتبة المجتمعة إما في حال وجوده السابق أو حال عدمه اللاحق، لان عدمه إن كان بسبب أمر موجود أو عدمه بسبب عدم يستلزم حدوث أمر موجود كعدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع يلزم التسلسل في الموجودات المترتبة المجتمعة الحادثة في حال عدمه، وإن كان بسبب عدم أمر موجود لا يستلزم أمرا موجودا لزم التسلسل المذكور وقت وجود ذلك


(1) فنحتاج (خ) (*).

[296]

الحادث، وقس عليه الشق الثالث. فان قلت: على تقدير أن يكون عدم كل جزء مستندا إلى عدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع لا يلزم الترتيب بين تلك الموانع حتى يلزم التسلسل المتسحيل بل لا يلزم اجتماع تلك الموانع في الوجود أيضا لجواز أن يكون حدوثها ولو في آن كافيا في انتفاء ما هي مانعة عنه. قلت: تلك الموانع متعاقبة في الحدوث، فإن اجتمعت في الوجود لزم التسلسل المستحيل، لان آحادها مترتبة في الحدود (و) بحسب الزمان ومجتمعة في الوجود، فيجري فيه التطبيق، ولا يقدح فيه عدم ترتبها بحسب الذات كما لا يخفى على ذي فطرة سليمة، فإنا نأخذ السلسلة المبتدأة من الحادث في اليوم ونطبقها على السلسلة المبتدأة من الحادث بالامس ونسوق البرهان، وإن لم تجتمع في الوجود نقلنا الكلام إلى علة عدمها حتى يلزم التسلسل المستحيل في الموجودات الحادثة وقت عدمها أو وقت وجودها، فإن علة عدم كل مانع إما عدم المانع المستلزم لوجود المانع، أو عدم جزء من أجزاء علته، وعلى الاول يلزم وجود الموانع المترتبة في الحدوث الغير المتناهية، وعلى الثاني يلزم أن يكون تحقق ذلك المانع موقوفا على أمور موجودة غير متناهية مترتبة، فيلزم التسلسل المستحيل في أسباب وجوده انتهى وأنت خبير بأنه على سبيل المماشاة مع الحكماء، (وإلا) فقد بيناه وبين هو نفسه أيضا ببعض الوجوه التي ذكرنا أن التسلسل مطلقا محال، سواء كانت متعاقبة أو مجتمعة، فظهر أن لا مخلص للحكماء إلا بالتزام أن إمكان نحو الوجود معتبر في جانب المعلول، ولا يضر في تمامية العلة، فلما استحال اجتماع أجزاء الحركة والزمان لكونهما غير قارين وقع التخلف وصارا واسطتين بين العلة القديمة و المعلول الحادث، وهو بعينه الجواب عن أصل الدليل. والحاصل أنهم بأي وجه يسندون الحادث إلى القديم فلنا أن نسند جميع العالم إلى الواجب تعالى بلا فرق. وقد يقرر النقض بعبارة اخرى، وهي أنه يرد على ما قرروه من كون

[297]

الحادث اليومي مرتبطا بالازلي بسبب توسط أمر شخصي له جهتا استمرار وتجدد وهو الحركة التوسطية السرمدية، إذ هي باعتبار استمرارها تصدر عن القديم وباعتبار تجدد ذاتها تكون سببا للحادث أنه حينئذ تكون العلة التامة لوجود الحادث أمرا تدريجا واقعا في زمان غير متناه من جانب الازل، ويكون الحادث الذي هو معلوله موجودا في الآن الذي هو طرف لذلك الزمان، وما هذا إلا تخلفا للمعلول عن علته التامة، إذ لا معنى للتخلف إلا كون ظرف وجود المعلول مغائرا لظرف وجوده العلة، فقد وقعوا فيما هربوا عنه من لزوم التخلف. واجيب عنه بأن التخلف المستحيل هو ما استلزم الترجيح بلا مرجح، و ذلك إنما يتصور بأن يتخلل زمان بين وجود العلة ووجود معلوله، إذ حينئذ يتوجه السؤال بأنه لم لم يوجد المعلول في جزء آخر من ذلك الزمان المتخلل ووجد في الحد الذي وجد فيه مع أن الايجاب الحاصل من العلة متساوي النسبة إلى الزمانين وفيما نحن فيه ليس كذلك، إذ لم يتخلل بين وجودي العلة والمعلول زمان، بل كان وجود المعلول في آن هو طرف لزمان وجود العلة، وحينئذ لم يتوجه لا بأن يقال لم لم يوجد المعلول في حد آخر غير ما وجد فيه بكون (ذلك) الحد بعد زمان وجود العلة، لانتفاء زمان متخلل يفرض فيه حد بينهما، ولا بأن يقال لم لم يوجد المعلول في آن قبل الآن الذي هو الطرف من آنات زمان وجود العلة، إذ في شئ من تلك الآنات لم تخرج العلة التدريجية بتمامها من القوة إلى الفعل ووجود المعلول يتوقف على تمامها. قيل: وبهذا الجواب وإن اندفع المحذور المذكور فيما إذا كان المعلول آنيا وعلته زمانية لكن لا تنحسم مادة الاشكال في المعلول الذي هو تدريجي بيان ذلك أن الواسطة التدريجية التي قرروها مشتملة على أجزاء تحليلة وقطعات يحكم العقل على كل منها بالكون بعد أن لم يكن، فلابد فيها من القول بكون كل سابقة من القطعات شرطا لوجود اللاحقة حتى يصح ارتباطها بالقديم، وكون تلك القطعات غير موجودة على سبيل الجزئية بالفعل لا يقدح فيما قلنا كما تشهد

[298]

به الفطرة السليمة، على أن كتب الفلاسفة مملوءة بما يصرح بذلك. ولا شك أن الجواب المذكور لا ينفع لدفع التخلف ههنا، إذ يتوجه أن يقال إن القطعة السابقة إذا وجدت بتمامها في مجموع زمان كانت تمامها علة موجبة للاحقه فلم لم توجد اللاحقة في الان الذي هو طرف لذلك الزمان، أو لم يقع في نفس الزمان الذي هو ظرف لوجود علتها حتى تكون القطعتان من الحركة التي إحديهما علة والاخرى معلولة متطابقتين في الزمان، متوافقتين في الاخذ والترك، فإنه كما أن العلة زمانية الوجود فكذلك معلولها، وكما أن العلة لم تخرج من القوة إلى الفعل في شئ من الآنات المفروضة في زمان وجوده فكذلك المعلول فكما أنه إذا انقضى مجموع ذلك الزمان تم وجود العلة في مجموعها صح كون مجموعها كذلك بلا تقدم للعلة على المعلول بالزمان، وإذا لم يقع المعلول كذلك بل وجد في مجموع زمان آخر يتصل بالاول لم يكن ذلك إلا تخلفا. والجواب: بأنه لو وجدت القطعة اللاحقة على (أحد) الوجهين اللذين ذكرتهما لزم كون الحركة قار الذات، وما هية الحركة لا تحتمل هذا النحو من الوجود، فلم يكن ما فرضته حركة حركة. وبأن الاحتمال الثاني يستلزم اجتماع المثلين في محل واحد هو المتحرك وهو محال على ما بين في محله (1). مدفوع: بأن ما يدفع التخلف المستحيل الذي حقيقته تحقق ظرفين في نفس الامر يتصور وجود المعلول في كل منهما ويكون تمامية العلة وشرائطها و إيجابها متحققة فيهما بلا تفاوت، ويكون مع ذلك وجود المعلول واقعا في أحدهما على سبيل الترجيح من غير مرجح هو الجواب، إما بانحصار الظرف في واحد كالمعلول الاني الواقع في طرف زمان العلة، أو ببيان مرجح مختص بأحد الطرفين حتى تكون العلة في أحدهما لم تتم ولم توجب بعد، وتمت في الآخر واستجمعت شرائط التأثير فخص وجود المعلول بالثاني ليس إلا. ولا شك في أن الجوابين المذكورين لا يفيدان شيئا من هاتين الافادتين


(1) في المخطوطة: في موضعه (*).

[299]

بل ليس حاصلهما إلا أن عدم وقوع تخلف المحال لما استلزم محالا آخر هو اجتماع المثلين أو انقلاب ماهية الحركة فلا محالة وقع التخلف، وأنت خبير بأن استلزام عدم التخلف للمحالين المذكورين لا يصير رافعا لوصف الاستحالة عن التخلف الممتنع في بداهة العقول، ولا مجوزا لوقوعه بل حاصل هذا الكلام في الحقيقة ليس إلا مغالطة ألزمت كون الواقع ظرفا لاحد المحالات إما المحالين المذكورين أو التخلف ولا محيص عن هذا الاشكال إلا بأن يقال: القطعة اللاحقة كما توقف وجودها على السابقة توقف على أمر آخر هو الاجزاء التحليلية المفروضة في نفس اللاحقة كهذا النصف وذاك النصف منها وبذلك يظهر أنه لا يمكن وجود اللاحقة في نفس زمان السابقة، لتوقف اللاحقة حينئذ على أجزاء لم يشرع بعد في الخروج من القوة إلى الفعل أصلا. وفيه بعد كلام، والاصل ما قدمناه من أن عذر الاستحالة مشترك كما عرفت، وهذا الوجه الاخير أيضا يمكن إجراؤه في الزمان الموهوم كما عرفت. الطريق الخامس: ما ذكره المحقق الدواني، وهو اختيار أنه لم يكن جميع ما لابد منه في وجوده متحققا في الازل، إذ من جملته تعلق الارادة بوجوده في الازل، ولم تتعلق الارادة بوجوده في الازل، بل بوجوده فيما لا يزال من الاوقات الآتية لحكمة ومصلحة. ولا يرد أن التعلق الازلي بوجوده إما أن يكون متمما للعلة أم لا، وعلى الاول يلزم وجوده في الازل لامتناع التخلف، وعلى الثاني يحتاج المعلول إلى أمر آخر سوى هذا التعلق وهو خلاف المفروض، على أنا ننقل الكلام إلى هذا الامر، لانا نقول: القدرة تؤثر على وفق الارادة، وقد تعلقت الارادة بوجوده في وقت معين فلا يوجد إلا فيه. فان قيل: لابد من اختيار أحد شقي الترديد الذي أوردناه. قلنا: إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده في الازل فنختار أنه ليس كذلك، و إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده فيما لا يزال فنختار أنه كذلك، ولا يلزم أزليته ولا احتياجه إلى أمر آخر، كما أن الفاعل المختار إذا أراد إيجاد جسم ما على

[300]

صفة معينة كالطول مثلا أو القصر يوجد المعلول بهذه الصفة، فكذا ههنا لما تعلق إرادة الفاعل المختار بوجود الحادث لم يتصور إلا كونه حادثا والحاصل أن المعلول إنما يوجد بإرادة الفاعل المختار على النحو الذي تعلق به إرادته، سواء كان مقارنا لوجوده أو متأخرا عنه. وقد يقال إن الازل فوق الزمان، ومعنى كون الشئ أزليا أن يكون سابقا على الزمان، فالواجب تعالى لما كان متعاليا عن الزمان لا يوصف بكونه في الزمان كما لا يوصف بكونه في المكان، فلا شئ غيره في الازل، وإنما يوجد ما يوجد حسب ما تعلقت به الارادة الازلية من تخصيصها الازلي بأوقاتها، والزمان من جمله الممكنات، وقد تعلقت الارادة الازلية بوجوده المتناهي، وليس الله تعالى متقدما عليه بالزمان، إذا لواجب تعالى ليس بزماني حتى يقال إنه متقدم على غيره بالزمان. فان قيل: لا شبهة في أن الارادة القديمة بذاتها ليست كافية في وجود الممكن وعلى فرض أن تكون كافية يلزم قدم الممكن فلابد من تعلقها وحينئذ لا يخلو هذا التعلق من أن يكون حادثا أو قديما، وعلى الاول يلزم التسلسل، لانا نتقل الكلام إلى سبب هذا التعلق حتى يلزم التسلسل، وعلى الثاني قدم الممكن الذي تعلقت به الارادة. فقد اجيب عنه تارة بأن التعلق أمر عدمي فلا يحتاج إلى أمر يخصصه بوقت دون وقت، ولئن سلم فالتسلسل في الامور الاعتبارية وهي التعلقات غير ممتنع، و أنت تعلم أن اختصاص كل صفة سواء كانت وجودية أو عدمية بوقت يحتاج إلى مختص بالبديهة، وأما التسلسل في التعلقات بأن يكون مخصص تعلق الارادة بذلك الوقت تعلق الارادة بتعلق الارادة في ذلك الوقت وهكذا حتى تكون إرادة وجود الممكن في ذلك الوقت لانه أراد إرادة وجوده في ذلك الوقت، وأراد إرادة إرادة وجوده في ذلك الوقت لانه أراد إرادة تلك الارادة وهكذا فيتسلسل تعلقات الارادة من جانب المبدأ وينتهي من الجانب الآخر إلى إرادة ذلك الممكن، وحينئذ تكون

[301]

الحال كما تقول به الفلاسفة من تعاقب الاستعدادات الغير المتناهية حتى ينتهي إلى الاستعداد القريب الذي يلي المعلول. فقد قيل عليه أنه باطل مع قطع النظر عن جريان التطبيق فيه، لانه يلزم انحصار الامور الغير المتناهية بين حاصرين، وهما نفس الارادة وتعلقها الذي يلي الممكن. اقول: وأنت تعلم أنه لا انحصار هنا بين حاصرين أصلا، بل ذات الارادة محفوظة في جميع المراتب وتتوارد عليها تعلقات مترتبة غير متناهية على نحو تعاقب الاستعدادات الغير المتناهية على المادة، فليست الارادة ولا المريد طرف السلسلة كما ليست المادة طرف السلسلة، فالقول بالانحصار هنا وهم ظاهر الفساد، وإن ظهر بعض من يعقد عليه الانامل بالاعتقاد (انتهى). واورد عليه إيرادات لا طائل في إيرادها وهي مع أجوبتها مذكورة في كتب القوم. الطريق السادس: ما ذكره المحقق الطوسي ره في التجريد، وهو أن التخلف عن العلة التامة إنما يستحيل إذا أمكن وجود ظرفين يمكن تحقق المعلول في كل منهما، ومع ذلك خص وجود المعلول بالاخير منهما من غير تفاوت في أجزاء العلة وشرائط إيجابها بالنسبة إلى الوقتين، وههنا ليس كذلك، إذا لوقت من جمله أجزاء العالم، فلا وقت قبل حدوث العالم حتى يسأل عن حدود ذلك الوقت وأنه لم لم يقع المعلول في تلك الحدود ووقع فيما وقع فيه، ولما كان هذا الوجه بعد التحقيق يرجع مآله إلى ما حررنا في الطريق الثاني لم نتعرض لبسط القول فيه. المرصد الثاني:. دفع شبهة اخرى لهم، وهي أن العالم ممكن، وإمكان وجوده أزلي. إذ لو كان ممتنعا في الازل وصار ممكنا لزم الانقلاب المحال، وإذا أمكن وجوده في الازل والبارئ تعالى قادر كامل في تأثيره جواد فحض لا يفيد إلا ما ينبغي لا لعوض ولا لغرض فما أوجد العالم إلا لجوده الذي هو مقتضى ذاته، فوجب أن يوجد العالم أزلا.

[302]

والجواب أن يقال: ما أردت بقولك (والبارئ تعالى قادر كامل في تأثيره) إن أردت أن لا نقص في ذاته وصفاته الكمالية كقدرته وعلمه وإرادته وفي اقتضاء ذاته القديمة إفاضة الخير والجود فذلك مسلم، ولا يلزم (منه) وجوب إيجاد العالم أزلا، لجواز توقف الايجاد على شرط يقتضيه العلم بالاصلح، وإن أردت به أن الفاعل في الازل مستجمع لرائط التأثير فهو ممنوع، والسند ما مر. والحاصل أن مقتضى كونه كاملا جوادا في ذاته أن لا ينفك عن ذاته إفادة ما ينبغي، ولا نسلم أن وجود العالم في الازل كذلك، إذ ما ينبغي عبارة عما هو أصلح بالنظام بحسب علمه القديم، والاصلح إنما هو وجود العالم فيما لا يزال. وقال بعض المحققين في الجواب عن هذه الشبهة: إنها مبنية على استلزام أزلية الامكان إمكان الازلية وهو ممنوع، فإن معنى الاول استمرار إمكان الشئ وجواز وجوده، ومعنى الثاني جواز أن يوجد الشئ وجودا مستمرا أزلا وأبدا وظاهر أن استلزام الاول للثاني ليس مما لا يطلب له دليل. واستدل عليه بأنه إذا استمر الامكان أزلا لم يكن في ذاته مانع من الوجود في شئ من أجزاء الازل فعدم منعه أمر مستمر في جميع أجزاء الازل، فإذا نظر إلى ذاته جاز له الاتصاف بالوجود في كل جزء منها لابد لا فقط بل ومعا أيضا، وهو إمكان اتصافه بالوجود المستمر الازلي، فأزلية الامكان استلزمت إمكان الازلية. وفيه نظر إذ قوله (ومعا أيضا) ممنوع، بل وقوله (جاز له الاتصاف بالوجود في كل جزء منها) أيضا ممنوع، فإن الآنيات يمتنع وجودها في الزمان، وأيضا ما ذكره منقوض بالحركة التوسطية الآخذة من مبدأ معين، فإنها ممكنة أزلا ولا يمكن لها الوجود أزلا لوجود مبدء لها فرضا (انتهى). واقول: ويظهر من أجوبة سائر الشبه أجوبة اخرى لهذه الشبهة تركناها للمتأمل الفطن. المرصد الثالث: دفع الشبهة التي أوردها صاحب المحاكمات، وهي أنه لا يجوز أن يكون فعله تعالى معدوما ثم يوجد، إذ العدم الصريح لا تمييز فيه حتى

[303]

يكون إمساك الفاعل من إيجاده في بعض الاحوال أولى من إيجاده في بعض، وحتى يكون الصدور من الفاعل في بعض الاحوال أولى من صدوره في بعض، بل لو كان صدوره واجبا كان في جميع الاحوال. أولا صدوره كان في جميع الاحوال، فيلزم إما قدم الفعل أو عدمه بالمرة. وهذا بالحقيقة رد على من قال: إنما حدث في الوقت لانه كان أصلح لوجوده أو كان ممكنا فيه، وتقييد العدم بالصريح احتراز عن العدم الحادث المسبوق بالمادة (انتهى كلامه). والجواب: أنه لا شك أن جميع المعلولات قديمها وحديثها معدوم مطلق في مرتبة وجود العلة، فكيف تعلق الجعل بالممكنات دون الممتنعات ؟ وكيف تعلق بالقديم وهو معدوم مطلق في هذه المرتبة ؟ وكيف تعلق الجعل بالقديم ولم يتعلق بالحوادث إلا بعد مدة غير متناهية ؟ فالحق أن التميز العلمي في علمه تعالى كاف في الجميع، وإن كانت في الخارج معدومة صرفة، فهو سبحانه يعلم في ذاته الجميع ممكنها وممتنعها مطلقا، أو على بعض أنحاء الوجود، ويريد ما أراد منها على الوجه الذي تقتضيه الحكمة والمصلحة، وتؤثر القدرة على وفق الارادة، فيوجد العادم على النظام الذي وجد بلا تغير في ذاته وصفاته الذاتية، وإنما التغير والتفاوت فيما عداه بالامكان والامتناع، والتقدم والتأخر، والصغر والكبر، إلى غير ذلك من وجوه التفاوت، ولا يمكن للعقول إدراك كنه تأثيراته وإيجاداته تعالى شأنه، كما يستفاد من الخطب والاخبار المأثورة عن الائمة الاطهار عليهم السلام، و السؤال بأنه لم لم يخلق العالم قبل هذا أو بعد ذاك، أو فوق الفضاء الذي هو الآن فيه أو تحته، أو يمينه أو يساره، أو قدامه أو خلفه، أو أصغر أو أكبر، أو المواد بحيث تقبل الاستعدادات على نحو آخر، فهو من هذر السؤال، وقد ظهر الفرق بين أزلية الامكان وإمكان الازلية، وأن الامكان الذاتي من متممات ذات المعلول المحتاج، ومن مصححات المعلولية ومكملات الاحتياج إلى العلة على سبيل لوازم الماهية المعلولية وذاتياتها، وليس ملحوظا في طرف العلة التامة المفتقرة إليها، وقد مر ما يمكن استنباط أجوبة اخرى منه لهذه الشبة فتفطن.

[304]

المرصد الرابع: دفع شبهة اخرى لهم، وهي أن الزمان لو كان حادثا لكان معدوما قبل وجوده قبلية انفكاكية لا يجامع بحسبها القبل البعد في الواقع وهذه القبلية معروضها بالذات أجزاء الزمان بعضها بالنسبة إلى بعض، ولا يوصف بها ما عدا الزمان إلا بالعرض من جهة مقارنة الزمان، فإذن يلزم وجود الزمان على تقدير عدمه، وهذا خلف. ويمكن بمثل هذا البيان إثبات امتناع العدم اللاحق على الزمان فثبت سرمديته. ومما ينبه أن هذا البيان مغالطة هو أن الزمان إما أن يكون مستندا إلى الواجب بلا واسطة، فيكون هو الصادر الاول وهو خلاف معتقدهم، وإما أن يكون بواسطة علة ممكنة ولا شك أن هذه العلة ممكنة لذاتها وبالنسبة إلى الزمان الذي هو معلولها، لان بالمعلول لا تجب العلة، ولا يصير منشأ لوجوب علته، فظهر أن علة الزمان ممكنة بالذات وبالنسبة إلى الزمان أيضا، وعدم الممكن بالوصف المذكور لا يلزم من فرضه محال أصلا، فإذا فرضنا انعدام علة الزمان فإما أن يبقى الزمان موجودا بلا علة مبقية وهو محال، لان علة الحاجة إلى الموثر عندهم هو إمكان المعلول وحده، وإما أن ينعدم الزمان أيضا وهو محال عندهم، واقتضاه هذا الدليل، فإن مذهبهم أن العدم بعد الوجود محال بالذات على الزمان، وإنما الممكن بالنظر إلى الزمان هو العدم رأسا وابتداء، وأما العدم بعد الوجود فلا يجوزونه ويصرحون بامتناعه بالذات. والجواب عن أصل الدليل أنا لا نسلم أن العدم الصرف الذي صورناه قبل العالم يمكن أن يتصف بشئ، كيف وهو نفي صرف ولا شئ محض في الواقع، نعم بعد وجود العالم وتحقق الموجودات ربما يمكن سريان بعض هذه الاحكام إلى العدم، ولو سلم فلا نسلم أن منشأ استحالة اجتماعه مع الوجود اللاحق هو اتصافه بالسبق، بل يجوز أن يكون لانهما متقابلان بالايجاب والسلب، ولاجل هذا التقابل لا يجتمعان، ولو سلم فلا نسلم أن مثل هذا السبق لا يعرض إلا للزمان و دون إثباته خرط القتاد، وغاية ما لزم من دليلهم على تقدير تسليمه أن هذا النوع

[305]

من السبق يعرض للزمان بالذات وأما إثبات أنه لا يعرض لغير الزمان إلا بواسطة فلا سبيل لهم إليهم. والمشهور بين المتكلمين في جواب هذا الدليل إثبات قسم آخر للسبق سموه بالسبق بالذات، وهو في مقام المنع حسن، وإن اريد إثباته فمشكل. قال المحقق الطوسي - ره - في قواعد العقائد: التقدم يكون بالذات كتقدم الموجد على ما يوجد، أو بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين، أو بالزمان كتقدم الماضي على الحاضر، أو بالشرف كتقدم العالم (1) على المتعلم أو بالوضع كتقدم الاقرب إلى مبدء على الابعد، والمتكلمون يزيدون على ذلك التقدم بالرتبة كتقدم الامس على اليوم. وقال الرازي في الاربعين: إنا نثبت نوعا آخر من التقدم وراء هه الاقسام الخمسة، والدليل عليه أنا ببديهة العقل نعلم أن الامس متقدم على اليوم وليس تقدما بالعلية، ولا بالذات، ولا بالشرف، ولا بالمكان، ولا يمكن أن يكون تقدما بالزمان، وإلا لزم أن يكون ذلك الزمان حاصلا في زمان آخر، ثم الكلام في الزمان الثاني كما في الاول فيفضي إلى أن تحصل أزمنة لا نهاية لها دفعة واحدة ويكون لكل منها ظرفا للاخر وذلك محال، فهو تقدم خارج عن هذه الاقسام فنقول تقدم عدم العالم على وجوده وتقدم وجود الله على وجود العالم يكون على هذا الوجه، ويزول الاشكال (انتهى). وأقول: لهم شبهه واهية اخرى يظهر جوابها للمتأمل فيما أوردناه، وأنت بعدما أحطت خبرا بما حققناه، وتركت تقليد السادة والكبراء، والتمسك بالشكوك والاهواء، لا أظنك تستريب في قوة دلائل الحدوث وضعف شبه القدم ولو لم تكن أقوى فلا ريب في أنها متعارضة، فلو كانت متكافئة أيضا كيف تجترئ على مخالفة الكتب السماوية، والاخبار المتواترة النبوية، والآثار المتظافرة المأثورة عن الائمة الهادية، والعتبرة الطاهرة، الذين هم معادن الحكمة والوحي


(1) المعلم (خ).

[306]

والالهام، وبعثهم الله لتكميل الانعام. لشبه واهية اعترف مبدؤها بضعفها، حيث قال الشيخ وأرسطو: إنها مسألة جدلية الطرفين فيا إخوان الدين، وخلان اليقين إن لم يغلب على قلوبكم الرين، فافتحوا العين، وارفعوا العناد من البين، وانظروا بأبصار مكحولة بالانصاف مشفية من رمد التعصب والاعتساف، فتكونوا في اصول الدين من أصحاب اليقين، وتدخلوا في حزب الانبياء والاوصياء و الصديقين، ولا تعتمدوا على اصولكم، ولا تتكلموا على عقولكم، لا سيما في المقاصد الدينية، و المطالب الالهية، فإن بديهة العقل كثيرا ما تشتبه ببديهة الوهم، والمألوفات الطلبيعة بالامور اليقينية، والمنطق لا يفي بتصحيح مواد الاقيسة، وزن أفكارك بميزان الشرع المبين، ومقياس الدين المتين، وما تحقق صدوره عن الائمة الراسخين، صلوات الله عليهم أجمعين، لئلا تكون من الهالكين. (تكملة) اعلم أن العلماء اختلفوا في أول المخلوقات، واختلف الاخبار أيضا في ذلك فالحكماء يقولون: أول المخلوقات العقل الاول، ثم العقل الاول خلق العقل الثاني والفلك الاول، وهكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر فهو خلق الفلك التاسع وهيولى العناصر، وجماعة منهم يقول بأن تلك العقول سائط لايجاده تعالى ولا موثر في الوجود إلا الله، وكل ذلك مخالف لما ظهر وتبين من الآيات و الاخبار، وأجمع عليه المليون (1).


(1) العقول العشرة فرضية فرضها المشاؤون لتصحيح صدور الكثير من الواحد وهى مبتنية على وجود الافلاك التسعة وكونها ذوات نفوس مريدة ولا برهان على شئ منها، لكن لا مجال لانكار العالم العقلي في الجملة، وقد اشبع الكلام في اثباته في الكتب الحكمية لا سيما في الحكمة المتعالية، فلنشر ههنا إلى ما يستفاد من الاخبار الشريفة فنقول: الروايات التى وردت في تعيين اول ما خلق الله تعالى على صنفين: منها ما هو صريح في تعيين جسم ما كالماء مثلا، ومنها ما يتشابه المراد منه في بدء الامر هل هو جسم أو غير جسم ؟=

[307]

وأما غير هم فقيل: أولها الماء، كما يدل عليه أكثر الاخبار المتقدمة، و نقلنا ذلك سابقا عن (ثاليس الملطي) ورأيت في كتاب (علل الاشياء) المنسوب إلى (بليناس الحكيم) أنه قال: إن الخالق تبارك وتعالى كان قبل الخلق، و أراد أن يخلق الخلق، فقال: ليكن كذا وكذا فكانت هذه الكلمة علة الخلق، و سائر المخلوقات معلول، وكلام الله عزوجل أعلى وأعظم وأجل من أن يكون شيئا تدركه الحواس، لانه ليس بطبيعة، ولا جوهر، ولا حار، ولا بارد، ولا رطب، ولا يابس. ثم قال بعده: إن أول ما حدث بعد كلام الله تعالى الفعل، فدل بالفعل على الحركة، ودل بالحركة على الحرارة، ثم لما نقصت الحرارة جاء السكون عند فنائها، فدل بالسكون على البرد، ثم ذكر بعد ذلك أن طبائع العناصر الاربعة إنما كانت من هاتين القوتين أعني الحر والبرد، قال: وذلك أن الحرارة حدث منها اللين، ومن البرودة اليبس، فكانت أربع قوى مفردات فامتزج بعضها ببعض فحدث من امتزاجها الطبائع، وكانت هذه الكيفيات قائمة


= مثل ما ورد في كونه نور النبي صلى الله عليه وآله أو العقل أو القلم لكن فيها ما يفسر سائر الروايات ويوضحها كما ورد في ان نور النبي صلى الله عليه وآله خلق قبل خلق المكان، وقد اسلفنا ان تنزهه عن لوازم المادة من الزمان والمكان دليل تجرده عنها، والتجرد لا ينفك عن العقل كما ثبت في محله. وفي الروايات اشارات إلى تجرد العقل والقلم أيضا ولعنا نوفق للتنبيه عليها ان شاء الله تعالى فالجمع بين ما يدل على كون اول ما خلق الله نور النبي صلى الله عليه وآله أو العقل أو قلم وبين ما يدل على كونه الماء مثلا بحمل الاول على اول المجردات والثانى على اول الماديات وأما الجمع بين ما يدل على كونه نور النبي صلى الله عليه وآله وبين ما يدل على كونه العلل أو القلم فان قيل بوحدة الجميع أو كونها مراتب حقيقة واحدة فواضح وإلا فحمل الاولية على الاضافية دون الحقيقية. وقد مر تصريح ثلة من اساطين العلم والحكمة على كون خلق المحلوق الاول قبل خلق الزمان بل على جواز وجود موجودات كثيرة قبل وجود الزمان، وقد اشرنا عند ذكر كلامهم إلى ان ذلك لا ينفك عن تجرد الصادر الاول أو كل ما وجد بلا زمان فتذكر (*).

[308]

بأنفسها غير مركبة، فمن امتزاج الحرارة واليبس حصلت النار، ومن الرطوبة و البرد حدث الماء، ومن الحرارة والرطوبة حدث الهواء، ومن امتزاج البرد و اليبس حصلت الارض، ثم قال: إن الحرارة لما حركت طبيعة الماء والارض تحرك الماء للطفه عن ثقل الارض، وانقلب ما أصابه من الحر فصار بخارا لطيفا هوائيا رقيقا روحانيا، وهو أول دخان طلع من أسفل الماء وامتزج بالهواء فسما إلى العلو لخفته ولطافته، وبلغ الغاية في صعوده على قدر قوته ونفرته من الحرارة، ثم وقف فكان منه الفلك الاعلى، وهو فلك زخل، ثم حركت النار الماء أيضا فطلع منه دخان هو أقل لطفا مما صعد أو لا وأضعف، فلما صار بخارا سما إلى العلو بجوهره ولطافته ولم يبلغ فلك زحل لقلة لطافته عما قبله فكان منه الفلك الثاني، وهو فلك المشتري، وهكذا بين طلوع الدخان مرة مرة وتكون الافلاك الخمسة الباقية عنه. ثم قال: والافلاك السبعة بعضها في جوف بعض، وبين كل فلكين منها هواء واسع مملو أجزاء لا تتحرك. ونقل صاحب الملل والنحل عن (فلو طرخيس) أيضا من الحكماء القدماء أنه قال: أصل المركبات هو الماء، فإذا تخلخل صافيا وجدت النار، وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء، وإذا تكاثف تكاثقا مبسوطا بالغا صار أرضا. وقد مر نقلا من التورية أن مبدء الخلق جوهر خلقه الله ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء إلى آخر ما مر، وقريب منه ما رواه العامة عن كعب أنه قال: إن الله خلق ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، كما قال تعالى (وكان عرشه على الماء). وقيل: أول المخلوقات الهواء، كما دل عليه ما ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره، والظاهر أنه اخذ من خبر، لكن لا تعارض به الاخبار الكثيرة المسندة ومع صحته يمكن الجمع بحمل أولية الماء على التقدم الاضافي بالنسبة إلى الاجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق، فإن الهواء ليس منها، و

[309]

لذا أنكر وجوده جماعة. وقيل: أول المخلوقات النار. كما مر، وقد مر (في) بعض الاخبار أن أول ما خلق الله النور، وفي بعضها نور النبي صلى الله عليه وآله وفي بعضها نوره مع أنوار الائمة عليهم السلام وفي بعض الاخبار العامية عن الني صلى الله عليه وآله أول ما خلق الله روحي فيمكن أن يكون المراد بالجميع واحدا، ويكون خلق الارواح قبل خلق الماء وسائر الاجسام، وتكون أولية الماء بالنسبة إلى العناصر والافلاك، فإن بعض الاخبار يدل على تقدم خلق الملائكة على خلق العناصر والافلاك كما مر، و دلت الاخبار الكثيرة على تقدم خلق أرواحهم وأنوارهم عليهم السلام على كل شئ. وروى الكليني وغيره بأسانيدهم الكثيرة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الله خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره (الخبر) (1) وهذا لا يدل على تقدم العقل على جميع الموجودات، بل على خلق الروحانيين، ويمكن أن يكون خلقها متأخرا عن خلق الماء والهواء، وأما خبر (أول ما خلق الله العقل) فلم أجده في طرقنا، وإنما هو في طرق العامة، وعلى تقديره يمكن أن يراد به نفس الرسول صلى الله عليه وآله لانه أحد إطلاقات العقل، على أنه يمكن حمل العقل على التقدير في بعض تلك الاخبار، كما هو أحد معانيه، وكذا حديث (أول ما خلق الله القلم) يمكن حمله على الاولية الاضافية بالنسبة إلى جنسه من الملائكة، أو بعض المخلوقات كما يدل عليه خبر عبد الرحيم القصير الآتي في بابه. (فائدة جليلة) اعلم أنه أورد إشكال في آيات سورة السجدة، حيث ظاهرها كون خلق السماوات والارض وما بينهما في ثمانية أيام، مع أن سائر الآيات تدل على خلقها في ستة أيام والثاني ظاهر، والاول لانه قال سبحانه أولا (خلق الارض


(1) الكافي: ج 1، ص 21 (*).

[310]

في يومين) وقال بعده (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام) وقال بعد ذلك (فقضيهن سبع سماوات في يومين (1) فيصير المجموع ثمانية، ويمكن التفصي عن ذلك بوجوه: الاول: ما مر، وهو المشهور بين المفسرين، أن المراد بقوله (أربعة أيام) في تتمة أربعة أيام، بأن يكون خلق الارض في يومين منها، وتقدير الاقوات فيها أو هو مع جعل الرواسي من فوقها والبركة فيها في يومين آخرين، ويؤيده كثير من الاخبار المتقدمة. الثاني: ما ذكره بعض الافاضل ممن كان في عصرنا - ره - في شرحه على الكافي: أن أربعة أيام مخصوصة بخلق ما على الارض، أولها بخلق الرواسي، و الثاني بخلق البركة، والثالث والرابع بخلق الاقوات التي هي عبارة عن خلق الماء والمرعى المذكورين في سورة النازعات بقوله تعالى (أخرج منها ماءها ومرعيها (2)) وأن اليومين اللذين خلق فيهما الارض متحدان مع ما خلق فيهما السماوات، إلا أن الخلق في اليوم الاول متعلق بأصل السماوات والارض، وفي اليوم الثاني بتمييز بعض أجزائهما عن بعض، فيصدق أن السماوات مخلوقة في يومين، والارض في يومين ولا تزيد أيام خلق المجموع على الستة. الثالث: ما ذكرناه في تأويل خبر الكافي بأن يكون يوما خلق السماوات داخلين في الاربعة فتذكر. الرابع: ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين وهو أن يكون الايام الاربعة بل اليومان الاخيران أيضا في سورة السجدة غير الايام الستة التي في سائر السور، ويؤيده تغيير الاسلوب بايراد لفظ الخلق في سائر الآيات، ولفظ الجعل والبركة والتقدير والقضاء سبعا في السجدة، ويؤيده لفظ (ما بينهما) في آيات سور الفرقان والتنزيل وق، فإنه سواء كان خلق الارض وبعض ما عليها في أربعة


(1) فصلت: 12. (2) النازعات: 31 (*).

[311]

أيام وخلق السماوات في يومين أو خلق ما على الارض في أربعة أيام وخلق السماوات والارض في يومين كما في التأويلين السابقين لا يبقى لخلق ما بين السماوات والارض كالهواء وما فيها من كائنات الجو وقت، فينبغي أن يحمل على أن خلق السماوات في يومين، وخلق الارض في يومين غيرهما، وخلق ما بينهما في يومين غير الاربعة فيبلغ ستة كما هو ظاهر الآيات، فتتم في هذه الستة ما ذكره تعالى في سورة النازعات بقوله (ءأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسويها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (1)) فيكون كل ما ذكره فيها متصلا به بقوله (والارض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها (2)) في يوم آخر أو أيام اخر غير الستة المذكورة، ويؤيده ما روي أن دحو الارض كان بعد خلقها بألفي سنة، فعلى ذلك لا يبعد أن يكون خلق ما سوى المذكورات كتقدير الاقوات و سار المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى في أيام اخر، كيف وما في السماوات كالملائكة وما في تحت الارض كالصخرة والديك والحوت وغيرها المذكورات في حديث زينب العطارة غير السماوات والارض وما بينهما كما يرشد إليه التسبيح المأثور المشهور (سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن) فيكون خلقها في غير الستة المذكورة، فلا حاجة إلى تكلف لادخال زمان تقدير الاقوات وجعل الرواسي مثلا في زمان خلق السماوات والارض وما بينهما، حتى لا يزيد زمان خلق المجموع على ستة أيام، وأما الروايات التي ايد بها التأويل فحملها على أن يكون المراد بها التعيين النوعي في أيام خلق كل من المذكورات فيها فلا ينافي أن يكون خلق الاشجار مثلا في أربعاء والمياه في أربعاء اخرى، وكذا خلق الشمس والقمر مثلا في جمعة وكل من النجوم والملائكة وآدم عليه السلام في جمعات اخر، فلا يلزم الاتحاد الشخصي، ولا التوالي في تلك الايام، كيف ولو لم تحمل على ذلك لما أمكن الجمع بينها وبين


(1) النازعات: 29. (2) النازعات: 32 (*).

[312]

ما مر من الرضا عليه السلام من أن خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والارض، وكذا بينها وبين ما لا ريب فيه لاحد من أن خلق الملائكة والجان قبل خلق آدم عليه السلام بدهور طويلة، وأما المنظومة المشهورة المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: لنعم اليوم يوم السبت حقا * لصيد إن أردت بلا امتراء وفي الاحد البناء لان فيه * تبدى الله في خلق السماء حيث صرح فيها بأن خلق السماء في يوم الاحد، فيمكن أن يجمع بينها و بين الروايات الدالة على أن خلقها في يوم الخميس بكون أصل خلقها في أحد ذينك اليومين، وتمييز بعضها عن بعض في اليوم الآخر، ومما يلائم هذا الجمع وقوع السماء بلفظ المفرد في المنظومة وبلفظ الجمع في الروايات، وإدراج لفظ الابتداء في المنظومة دون الروايات، فيسهل بما ذكرنا طريق الجمع بين الروايات المتعارضة الظواهر في هذا الباب. ولنختم الكلام بذكر أقوال بعض من يعول على قوله من قدماء المؤرخين ليعلم اتفاق جميع فرق المسلمين على الحدوث، قال المسعودي - ره - وكان من علماء الامامية في كتاب (مروج الذهب): اتفق أهل الملة جميعا من أهل الاسلام على أن الله خلق الاشياء على غير مثال، وابتدعها من غير أصل، ثم روى عن ابن عباس وغيره أن أول ما خلق الله عز وجل الماء فكان عرشه عليه، فلما أراد أن يخلق السماء أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسمي (السماء) ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الاحد والاثنين، و خلق الارض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله في كتابه (ن والقلم وما يسطرون) والحوت والماء على الصفا، والصفا على ظهر ملك، والملك على صخرة والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي في القرآن (فتكن في صخرة) فاضطرب الحوت، فتزلزلت الارض، فأرسى الله عليها الجبال فقرت، كما قال تعالى (أن تميد بكم) وخلق الجبال فيها، وخلق أقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في

[313]

يومين في يوم الثلثاء ويوم الاربعاء، كما قال تعالى (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين إلى قوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها وجعلها سبعا في يومين في يوم الخميس ويوم الجمعة، وإنما سمي بالجمعة لانه جمع فيه خلق السماوات و الارض، ثم قال تعالى (وأوحى في كل سماء أمرها) أي وجعل في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار (1) وجبال البرد، ثم قال: وما ذكرنا من الاخبار عن بدء الخليقة هو ما جاءت به الشريعة، ونقله الخلف عن السلف، والباقي عن الماضي، عبرنا عنهم على ما نقل إلينا من ألفاظهم، ووجدنا في كتبهم من شهادة الدلائل بحدوث العالم وإيضاحها بكونه، ولم نعرض لوصف قول من وافق ذلك و انقاد إليه من الملل القائلين بالحدوث، ولا الرد على من سواهم ممن خالف ذلك و قال بالقدم، لذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا وتقدم من تصانيفنا (انتهى) (2). وقد ذكر أبو ريحان البيروني في تاريخه مدة عمر الدنيا وابتداء وجودها عن جماعة من المنجمين والحكماء، وقطع لها بالابتداء، واستدل عليه فلا نطيل الكلام بإيرادها. وقال ابن الاثير في (الكامل): صح في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيما رواه عنه عبادة بن الصامت أنه سمعه يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن. وروى نحو ذلك عن ابن عباس. وقال محمد ابن إسحاق أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة، فجعل الظلمة ليلا أسود، و جعل النهار نورا (3) مضيئا، والاول أصح. وعن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى كان عرشه ! قبل أن يخلق شيئا، فكان أول ما خلق القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: ثم خلق بعد القلم الغمام، وقيل: ثم اللوح ثم الغمام.


(1) في المخطوطة: والبخار. (2) مروج الذهب: ج 1 ص 17 15. (3) في بعض النسخ: وجعل النور نهارا (*).

[314]

ثم اختلف فيما خلق بعد الغمام، فروى الضحاك عن ابن عباس: أول ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وقال آخرون: خلق الله الماء قبل العرش، ثم خلق العرش فوضعه على الماء، وهو قول أبي صالح عن ابن عباس وقول ابن مسعود ووهب بن منبه (1) وقيل: إن الذي خلق بعد القلم الكرسي، ثم العرش، ثم الهواء، ثم الظلمات، ثم الماء، فوضع عرشه عليه. وقال: وقول من قال: إن الماء خلق قبل العرش أولى بالصواب، لحديث ابن أبي (2) رزين عن النبي صلى الله عليه وآله، وقد قيل: إن الماء كان على متن الريح حين خلق العرش، قاله ابن جبير عن ابن عباس، فإن كان كذلك فقد خلقا قبل العرش، وقال ضمرة: إن الله خلق القلم قبل أن يخلق شيئا بألف عام، واختلفوا أيضا في اليوم الذي ابتدء الله فيه خلق السماوات والارض فقال عبد الله بن سلام وكعب والضحاك ومجاهد: ابتداء الخلق يوم الاحد، وقال محمد بن إسحق: ابتدأ الخلق يوم السبت، وكذلك قال أبو هريرة، واختلفوا أيضا فيما خلق في كل يوم: فقال ابن سلام: إن الله تعالى بدأ الخلق يوم الاحد، فخلق الارضين يوم الاحد والاثنين، وخلق الاقوات والرواسي في الثلثاء والاربعاء، و خلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من الجمعة، فخلق


(1) وهب بن منبه بتقديم النون على الباء الموحدة والهاء الاخيرة ذكر في تراجم العامة مقرونا بالثناء والتوثيق، قال الحافظ صفى الدين الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 359)، وهب بن منبه بن كامل الانباوى الصنعانى أبو عبد الله الاخباري عن ابن عباس وجابر وابى سعيد إلى ان قال وثقه النسائي، قال مسلم بن خالد: لبث وهب اربعين سنة لم يرقد على فراشه، قتله يوسف بن عمر سنة عشر ومائة (انتهى) وعن مختصر الذهبي: وهب ابن منبه الصنعانى اخو همام، عن ابن عباس وابن عمر، اخباري: علامة، قاض، صدوق، صاحب كتاب، مات سنة اربعة عشر ومائة (انتهى) لكن الامر في رجال الخاصة بالعكس، نقل عن الشيخ والنجاشى ان القميين استثنوه من رجال (نوادر الحكمة) وقال في تنقيح المقال (ج 3 ص 281) من راجع كتابه في قصص الانبياء عرف أنه كتاب لا ينطبق على اصول الشيعة وعقائدها في الانبياء، ويتبين سر استثنائه من رجال (نوادر الحكمة) (انتهى). (2) في بعض النسخ: أبى رزين (*).

[315]

فيها آدم عليه السلام فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة، ومثله قال ابن مسعود، وابن عباس من رواية أبي صالح عنه، إلا أنهما لم يذكرا خلق آدم ولا الساعة، وقال ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة عنه: إن الله خلق الارض بأقواتها من غير أن يدحوها، ثم استوى إلى السماء فسويهن سبع سماوات، ثم دحا الارض بعد ذلك، فذلك قوله (والارض بعد ذلك دحاها) وهذا القول عندي هو الصواب. وقال ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه: إن الله وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الارض من تحت البيت. ومثله قال ابن عمر، ورواه السدي عن أبي صالح وعن أبي مالك عن ابن عباس وأبي مرة عن ابن مسعود في قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء) إن الله عز وجل كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه (سماء) ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين يوم الاحد ويوم الاثنين، فخلق الارض على حوت، والحوت النون الذي ذكره الله في القرآن (ن والقلم) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الارض، فتحرك الحوت واضطربت وتزلزلت الارض، فأرسى عليها الجبال فقرت، والجبال تفخر على الارض فذلك قوله تعالى (وجعل فيها رواسي). وقال ابن عباس والضحاك ومجاهد وكعب وغيرهم: كل يوم من هذه الايام الستة التي خلق الله فيها السماء والارض كألف سنة (انتهى). وكلام سائر المؤرخين جار هذا المجرى، ولا جدوى في إيرادها.

[316]

(باب العوالم) * (ومن كان في الارض قبل خلق آدم عليه السلام ومن يكون) * * (فيها بعد انقضاء القيامة وأحوال جابلقا وجابرسا) * الآيات: الفاتحة: رب العالمين. الاعراف: ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون (1). وقال تعالى: وممن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون (2). تفسير: جمع (العالمين) يومئ إلى تعدد العوالم كما سيأتي، وإن اول بأن الجمعية باعتبار ما تحته من الاجناس المختلفة. (ومن قوم موسى امة) قال الطبرسي - ره -: أي جماعة يهدون بالحق أي يدعون إلى الحق ويرشدون إليه (وبه يعدلون) أي وبالحق يحكمون ويعدلون في حكمهم. واختلف في هذه الامة من هم ؟ على أقوال: أحدها أنهم قوم من وراء الصين بينهم وبين الصين وادجار من الرمل لم يغيروا ولم يبدلوا عن ابن عباس، والسدي، والربيع، والضحاك، وعطاء وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام قالوا: وليس لاحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، ويضحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منا أحد، ولا منهم إلينا، و هم على الحق. قال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا من الارض، فساروا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. وقيل: إن جبرئيل


(1) الاعراف: 158. (2) الاعراف: 180 (*).

[317]

انطلق بالنبي ليلة المعراج إليهم، فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به وصدقوه، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ويتركوا السبت، وأمرهم بالصلوة والزكوة ولم يكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا. قال ابن عباس: وذلك قوله (و قلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (1)) يعني عيسى بن مريم يخرجون معه. وروى أصحابنا أنهم يخرجون من قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وروي أن ذا القرنين رآهم فقال: لو أمرت بالمقام لسرني أن اقيم بين أظهركم. وثانيها: أنهم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بالحق وبشريعة موسى عليه السلام في وقت ضلالة القوم، وقتلهم أنبياءهم، وكان ذلك قبل نسخ شريعتهم بشريعة عليس عليه السلام فيكون تقدير الآية: ومن قوم موسى امة كانوا يهدون بالحق، عن الجبائي. وثالثها: أنهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله مثل (عبد الله بن سلام) و (ابن صوريا) وغيرهما، وفي حديث أبي حمزة الثمالي والحكم بن ظهير أن موسى لما أخذ الالواح قال: رب إني أجد (2) في الالواح امة هي خير امة اخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم امتي. قال: تلك امة أحمد. قال: رب إني أجد في الالواح امة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة فاجعلهم امتي. قال: تلك امة أحمد (3) قال: رب إني أجد في الالواح أنه كتبهم في صدورهم يقرؤونها فاجعلهم امتي، قال، تلك امة أحمد. قال: رب إني أجد في الالواح امة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، وإن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم امتي. قال: تلك امة أحمد. قال: (رب) إني أجد في


(1) الاسراء: 104. (2) في المصدر: لاجد. (3) هذه القطعة من المكالمة لم توجد في المصدر (*).

[318]

الالواح امة يؤمنون بالكتاب الاول والكتاب الآخر، ويقاتلون الاعور الكذا ب فاجعلهم امتي. قال: تلك امة أحمد قال: رب إني أجد في الالواح امة هم الشافعون وهم المشفوع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك امة أحمد. قال موسى عليه السلام رب اجعلني من امة أحمد. قال أبو حمزة: فأعطى موسى آيتين لم يعطوها يعني امة احمد قال الله: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي (1) قال: ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون. قال: فرضي موسى كل الرضا. وفي حديث غير أبي حمزة: قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما قرأ (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون (2)) قال: هذه لكم وقد اعطي (3) قوم موسى مثلها (انتهى) (4). وأما الآية الثانية فالمشهور أنها لهذه الامة، ودلت الاخبار الكثيرة على أن المراد بهم الائمة وشيعتهم كما مر في كتاب الامامة. وقال الطبرسي - ره -: قال الربيع بن أنس: قرأ النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية فقال: إن من امتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم. وروى العياشي بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: والذي نفسي بيده لتفترقن هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه التي تنجو، وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: نحن هم (5) (انتهى). وأقول: قال الرازي في تفسيره: روي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر


(1) الاعراف: 144. (2) الاعراف: 181. (3) في المصدر: وقد أعطى الله. (4) مجمع البيان: ج 4، ص 489. (5) مجمع البيان، ج 4، ص: 503 (*).

[319]

حيوانات البحر، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الارض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد (1) من سرادقات العرش التي عددها ستمأة ألف، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والارضون وما فيهما وما بينهما (2) فإنها كلها تكون شيئا يسيرا، وقدرا صغيرا، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف (3) عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود جبرئيل عليه السلام وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه، رطاب الالسنة بذكره وتعظيمه، يتسابقون في ذلك منذ (4) خلقهم، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار [و] لا يسأمون، لا تحصى أجناسهم، ولا مدة أعمارهم، ولا كيفية عباداتهم (5) وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال (وما يعلم جنود ربك إلا هو (6)). 1 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن العلا، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لقد خلق الله عزوجل في الارض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الارض فأسكنهم فيها


(1) في بعض النسخ: السرادق الواحد. (2) في المصدر: وما فيها وما بينها. (3) في المصدر: ولا يعلم. (4) في المصدر: مذ (5) في المصدر ولا يحصى اجناسهم ولا مدة اعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى. (6) المدثر: 31، مفاتيح الغيب، ج 1، ص 378.

[320]

واحدا بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عزوجل آدم أبا البشر (1) وخلق ذريته منه، ولا والله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكفار والعصاة منذ خلقها عزوجل، لعلكم ترون أنه إذا كان يوم القيامة وصير الله أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة، وصير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار أن الله تبارك وتعالى لا يعبد في بلاده، ولا يخلق خلقا يعبدونه و يوحدونه ؟ ! بلى والله، ليخلقن الله خلقا من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه و يوحدونه ويعظمونه، ويخلق لهم أرضا تحملهم وسماء تظلهم، أليس الله عزوجل يقول: (يوم تبدل الارض غير الارضل والسماوات) وقال الله عزوجل (أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد (2)). العياشي: عن محمد مثله. 2 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن عبد الصمد، عن الحسن بن (3) أبي عثمان، قال: حدثنا العبادي بن عبد الخالق، عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله عزوجل اثني عشر ألف عالم، كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين، ما يرى عالم منهم أن لله عزوجل عالما غيرهم، و إني الحجة عليهم (4).


(1) في المصدر: أبا هذا البشر. (2) الخصال: 11. (3) في المصدر: (الحسن بن على بن ابى عثمان) وكلاهما واحد، قال النجاشي (48) الحسن بن أبى عثمان الملقب (سجادة) أبو محمد كوفى ضعفه اصحابنا (انتهى) وقال الكشى: على السجادة لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس اجمعين فلقد كان من العليانية الذين يقعون في رسول الله صلى الله عليه وآله ليس لهم في الاسلام نصيب (انتهى) و (سجاده) بكسر السبن وسمع ضمها كما في الاساس بعدها جيم: مقدار ما يضع الرجل وجهه في سجوده - كما في النهاية - ولعل تلقيبه بها لالتزامه بها، عده الشيخ تارة من اصحاب الجود واخرى من أصحاب الهادى عليهما السلام. (4) الخصال: 172 (*).

[321]

منتخب البصائر لسعد بن عبد الله: عن الحسن بن عبد الصمد إلى آخر السند وعن محمد بن سنان عن المنفضل عنه عليه السلام مثله. 3 - التوحيد والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل (أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد) فقال: يا جابر، تأويل ذلك أن الله عزوجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وسكن (1) أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جدد (2) الله عزوجل عالما غير هذا العالم، وجدد عالما (3) من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه ويخلق (4) لهم أرضا غير هذه الارض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله عزوجل إنما خلق هذا العالم الواحد ! أو ترى أن الله عزوجل لم يخلق بشرا غيركم ؟ ! بلى والله، لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، وأنت (5) في آخر تلك العوالم واولئك الآدميين (6). بيان: قوله عزوجل (أفعيينا بالخلق الاول) المشهور أن هذه الآية لاثبات البعث، وهو المراد بالخلق الجديد. قال الطبرسي ره: أي أفعجزنا حين خلقناهم أولا ولم يكونوا شيئا، فكيف نعجز عن بعثهم وإعادتهم ؟ (بل هم في لبس) أي في ضلال وشك من إعادة الخلق جديد (7). والصوفيه حملوه على تجدد الامثال الذي قالوا به مخالفين لسائر العقلاء والمتدينين، ولعل التأويل الوارد في الخبر من بطون الاية، والجمع بينه وبين ما


(1) في الخصال: واسكن. (2) في الخصال: أوجد الله. (3) في التوحيد: خلقا. (4) في بعض النسخ وفي الخصال: وخلق. (5) في المصدرين: انت. (6) التوحيد: 200، الخصال: 180. (7) مجمع البيان، ج 9، ص 144 (*).

[322]

سبق يمكن بأن يكون الاول محمولا على الاجناس وهذا على أنواع العوالم، وعلى أي حال هذه الاخبار تدل على حدوث العالم لا على قدمه، كما توهمه بعض القائلين به، إذ الرزمان المعدود بالكثرة لا يصير غير متناه. 4 - تفسير على بن ابراهيم: عن سعيد بن محمد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله (رب العالمين) قال: إن الله عزوجل خلق ثلاثمأة عالم وبضعة عشر عالما خلف قاف، وخلف البحار السبعة، لم يعصوا الله طرفة عين قط، ولم يعرفوا آدم ولا ولده، كل عالم منهم يزيد من (1) ثلاثمائة وثلاثة عشر مثل آدم وما ولد، فذلك (2) قوله (إلا أن يشاء الله رب العالمين) (3). 5 - قصص الراوندي: بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد معا، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام: هل كان في الارض خلق من خلق الله تعالى يعبدون الله قبل آدم وذريتة، فقال: نعم، قد كان في السموات والارض خلق من خلق الله يقدسون الله ويسبحونه ويعظمونه بالليل والنهار لا يفترون، فإن الله عزوجل لما خلق الارضين خلقها قبل السماوات، ثم خلق الملائكة روحانيين لهم أجنحة يطيرون بها حيث يشاء الله، فأسكنهم فيما بين أطباق السماوات يقدسونه الليل والنهار، واصطفى منهم إسرافيل وميكائيل وجبرئيل، ثم خلق عزوجل في الارض الجن روحانيين لهم أجنحة فخلقهم دون خلق الملائكة، وحفظهم أن يبلغوا مبلغ الملائكة في الطيران وغير ذلك، فأسكنهم فيما بين أطباق الارضين السبع وفوقهن يقدسون الله الليل والنهار لا يفترون، ثم خلق خلقا دونهم لهم أبدان وأرواح بغير أجنحة يأكلون ويشربون


(1) في المصدر: عن. (2) في المصدر: وذلك. (3) تفسير القمى: 715 (*).

[323]

(نسناس) أشباه خلقهم، وليسوا بإنس، وأسكنهم أوساط الارض على ظهر الارض مع الجن يقدسون الله الليل والنهار لا يفترون، قال: وكان الجن تطير في السماء فتلقى الملائكة في السماوات فيسلمون عليهم ويزورونهم ويستريحون إليهم ويتعلمون منهم (الخبر). ثم إن طائفة من الجن والنسناس الذين خلقهم الله وأسكنهم أوساط الارض مع الجن تمردوا وعتوا عن أمر الله، فمرحوا وبغوا في الارض بغير الحق، وعلا بعضهم على بعض في العتو على الله تعالى (1) حتى سفكوا الدماء فيما بينهم، وأظهروا الفساد وجحدوا ربوبية الله تعالى. قال: وأقامت الطائفة المطيعون من الجن على رضوان الله وطاعته، وباينوا الطائفتين من الجن والنسناس الذين عتوا عن أمر الله تعالى. قال: فحط الله أجنحة الطائفة من الجن الذين عتوا عن أمر الله وتمردوا فكانوا لا يقدرون على الطيران إلى السماء وإلى ملاقاة الملائكة لما ارتكبوا من الذنوب والمعاصي. قال: وكانت الطائفة المطيعة لامر الله من الجن تطير إلى السماء الليل والنهار على ما كانت عليه، وكان إبليس واسمه (الحارث) يظهر للملائكة أنه من الطائفة المطيعة، ثم خلق الله [تعالى] خلقا على خلاف خلق الملائكة وعلى خلاف خلق الجن وعلى خلاف خلق النسناس، يدبون كما يدب الهوام في الارض يأكلون ويشربون كما تأكل الانعام من مراعي الارض كلهم ذكران ليس فيهم إناث، لم يجعل الله فيهم شهوة النساء، ولا حب الاولاد، ولا الحرص، ولا طول الامل ولا لذة عيش، لا يلبسهم الليل ولا يغشاهم النهار [و] ليسوا ببهائم ولا هوام، لباسهم ورق الشجر، وشربهم من العيون الغزار والاودية الكبار، ثم أراد الله أن يفرقهم فرقتين، فجعل فرقة خلف مطلع الشمس من وراء البحر، فكون لهم مدينة أنشأها تسمى (جابرسا) طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكون عليها سورا من حديد يقطع الارض إلى السماء، ثم أسكنهم فيها، وأسكن الفرقة الاخرى خلق مغرب الشمس من وراء البحر، وكون لهم مدينة أنشأها تسمى (جابلقا)


(1) في المخطوطة: حيث (*).

[324]

طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكون لهم سورا من حديد يقطع إلى السماء، فأسكن الفرقة الاخرى فيها، لا يعلم أهل (جابرسا) بموضع أهل (جابلقا) ولا يعلم أهل (جابلقا) بموضع أهل (جابرسا) ولا يعلم بهم أهل أوساط الارض من الجن والنسناس، فكانت الشمس تطلع على أهل أوساط الارضين من الجن والنسناس فينتفعون بحرها ويستضيئون بنورها، ثم تغرب في عين حمئة فلا يعلم بها أهل جابلقا إذا غربت، ولا يعلم بها أهل جابرسا إذا طلعت، لانها تطلع من دون جابرسا، وتغرب من دون جابلقا. فقيل: يا أمير المؤمنين فكيف يبصرون ويحيون ؟ وكيف يأكلون ويشربون وليس تطلع الشمش عليهم ؟ فقال: إنهم يستضيئون بنور الله، فهم في أشد ضوء من نور الشمس، ولا يرون أن الله تعالى خلق شمسا ولا قمرا ولا نجوما ولا كواكب، ولا يعرفون شيئا غيره. فقيل: يا أمير المؤمنين فأين إبليس عنهم ؟ قال: لا يعرفون إبليس ولا سمعوا بذكره لا يعرفون إلا الله وحده لا شريك له، لم يكنسب أحد منهم قط خطيئة، ولم يقترب إثما، لا يسقمون ولا يهرمون ولا يموتون إلى يوم القيامة، يعبدون الله لا يفترون، الليل والنهار عندهم سواء. وقال: إن الله أحب أن يخلق خلقا، وذلك بعد ما مضى للجن والنسناس سبعة آلاف سنة، فلما كان من خلق (1) الله أن يخلق آدم للذي أراد من التدبير والتقدير فيما هو مكونة في السماوات والارضين كشط عن أطباق السماوات، ثم قال للملائكة: انظروا إلى أهل الارض من خلقي من الجن والنسناس هل ترضون أعمالهم وطاعتهم لي ؟ فاطلعت (2) ورأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الارض الارض بغير الحق أعظموا ذلك وغضبوا الله وأسفوا على أهل الارض ولم يملكوا غضبهم وقالوا: يا ربنا أنت العزيز الجبار القاهر العظيم الشأن وهؤلاء كلهم خلقك الضعيف الذليل في أرضك كلهم يتقلبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويتمتعون بعافيتك وهم يعصونك


(1) شأن (خ). (2) في المخطوطة: فلما اطلعوا (*).

[325]

بمثل هذه الذنوب العظام لا تغضب ولا تنتقم منهم لنفسك بما تسمع منهم وترى وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك ! قال: فلما سمع الله تعالى مقالة الملائكة قال: إني جاعل في الارض خليفة، فيكون حجتي على خلقي في أرضي. فقالت الملائكة: سبحانك ربنا ! أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ ! فقال الله تعالى: يا ملائكتي إني أعلم ما لا تعلمون، إني أخلق خلقا بيدي، وأجعل من ذريته أتبياء ومرسلين وعبادا صالحين، وأئمة مهتدين، وأجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم من عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلي، أجعلهم حجة لي عذرا أو نذرا، وأنفي الشياطين من أرضي، وأطهرها منهم، فاسكنهم في الهواء وأقطار الارض وفي الفيافي فلا يراهم خلقي (1)، ولا يرون شخصهم ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم ولا يؤاكلونهم ولا يشاربونهم وأنفر مردة الجن العصاة من نسل بريتي وخلقي وخيرتي، فلا يجارون خلقي وأجعل بين خلقي وبين الجان حجابا فلا يري خلقي (2) شخص الجن، ولا يجالسونهم ولا يشاربونهم، ولا يتهجمون تهجمهم، ومن عصاني من نسل خلقي الذي عظمته واصطفيته لغيبي اسكنهم مساكن العصاة، واوردهم موردهم ولا ابالي. فقالت الملائكة: لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. فقال للملائكة: إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعواله ساجدين. قال: وكان ذلك من الله تقدمة للملائكة قبل أن يخلقه احتجاجا منه عليهم وما كان الله ليغير ما بقوم إلا بعد الحجة عذرا أو نذرا، فأمر تبارك وتعالى ملكا من الملائكة فاغترف غرفة بيمينه فصلصلها في كفه فجمدت، فقال الله عزوجل: منك أخلق. ايضاح: (أشباه خلقهم) أي بالانس، أو بعضهم ببعض، أو بالاضافة أي أشباه خلق الجن. (فمرحوا) بالحاء المهملة، يقال: مرح كفرح أي أشر وبطر


(1 و 2) في المخطوطة: نسل خلقي (*).

[326]

واختال ونشط تبخترا (1)، أو بالجيم والمرج بالتحريك الفساد والقلق والاختلاط والاضطراب والفعل كفرح أيضا. (لا يلبسهم الليل) لعل المعنى أنهم لم يكونوا يحتاجون في الليل إى ستر، وفي النهار إلى غشاء وستر، أو أنهم لما لم تطلع عليهم الشمس لا ليل عندهم ولا نهار (2) ويظهر من هذا الخبر أن جابلقا وجابرسا خارجان من هذا العالم خلف السماء الرابعة بل السابعة على المشهور، وأهلهما صنف من الملائكة، أو شبيه بهم واختصر الراوندي الخبر، وتمامه مر بسند آخر في المجلد الخامس. 6 - البصائر: عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير (3) عن رجاله، عن أبي


(1) في اكثر النسخ: وتبختر. (2) بل الثاني متعين. (3) هو محمد بن زياد بن عيسى أبو أحمد الازدي من موالى المهلب بن أبى صفرة، و قيل مولى بنى امية والاول أصح، بغدادي الاصل والمقام، كان اوثق الناس عند الخاصة والعامة وانسكهم نسكا وأورعهم واعبدهم، وكان من اصحاب الاجماع، جليل القدر، عظيم الشأن. قال الفضل بن شاذان: دخلت العراق فرأيت أحدا يعاتب صاحبه ويقول له: أنت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكسب عليهم ؟ وما آمن أن تذهب عيناك لطول سجودك، فلما اكثر عليه قال: اكثرت على، ويحك لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت ين ابن ابى عمير، ما ظنك برجل يسجد سجدة الشكر بعد صلوة الفجر فما يرفع رأسه الا عند زوال الشمس ! كان متمولا رب خمسمائة الف درهم، روى الكشى انه ضرب مائة وعشرين خشبة امام هارون، وتولى ضربه السندي بن شاهك على التشيع، وحبس فأدى مائة وأحد وعشرين الف درهم حتى خلى عنه. و ايضا اخذه المأمون وحبسه، وأصابه من الجهد والضيق امر عظيم واخذا المأمون كل شئ كان له وذلك بعد موت الرضا عليه السلام قيل انه كان في الحبس اربع سنين، وروى المفيد (ره) في الاختصاص انه حبس سبع عشر سنين، وفي حال استتاره وكونه في الحبس دفنت اخته كتبه فهلكت الكتب، وقيل: تركها في غرفة فسال عليها المطر فحدث من حفظه ومما كان سلف له في ايدى الناس، فلهذا تسكن الاصحاب إلى مراسيله، قال المحقق الداماد في الرواشح السماوية (ص: 67) مراسيل محمد بن أبى عمير تعد في حكم المسانيد، إلى ان قال: كان يروى ما يرويه باسانيد صحيحة، فلما ذهبت كتبه ارسل رواياته التى كانت هي من المضبوط المعلوم المسند عنده بسند صحيح، فمراسيله في الحقيقة مسانيد معلومة الاتصال (انتهى) قال النجاشي (ص: 250) لقى أبا الحسن موسى عليه السلام وسمع منه احاديث إلى ان قال وروى عن الرضا عليه السلام (انتهى) وقيل انه ادرك أبا الحسن موسى عليه السلام ولم يرو عنه وروى عن الرضا والجواد عليهما السلام واستظهر في (جامع الرواة) انه ادرك اربعة من الائمة: الصادق: والكاظم والرضا والجواد عليهم السلام وأيده بتأييدات يطول ذكرها (*).

[327]

عبد الله عليه السلام يرفع الحديث إلى الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال: إن لله مدينتين: إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب، عليهما سوران من حديد، وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب، وفيها سبعين (1) ألف ألف لغة، يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجة غيري والحسين أخي (2). ومنه: عن أحمد بن الحسين عن أبيه بهذا الاسناد مثله. 7 - ومنه: عن محمد بن المثنى، عن أبيه، عن عثمان بن زيد، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض) قال: فكنت مطرقا إلى الارض فرفع يده إلى فوق، ثم قال لي: ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرت إلى السقف قد انفجر، حتى خلص بصري إلى نور ساطع حار بصري دونه قال: ثم قال لي: رأى إبراهيم ملكوت السماوات والارض هكذا، قال لي: أطرق، فأطرقت، ثم قال [لي]: ارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا السقف على حاله، قال: ثم أخذ بيدي وقام وأخرجني من البيت الذي كنت فيه، وأدخلني بيتا آخر، فخلع ثيابه التى كانت عليه ولبس ثيابا غيرها، ثم قال لي: غض بصرك، فغضضت بصري، وقال لي: لا تفتح عينك، فلبثت ساعة ثم قال لي: أتدري أين أنت ؟ قلت: لا، جعلت فداك. فقال لي: في الظلمه التي سلكها ذوالقرنين. فقلت له: جلعت فداك، أتأذن لي أن أفتح عيني. فقال لي: افتح، فإنك لا ترى شيئا. ففتحت عيني فإذا أنا في ظلمة لا ابصر فيها موضع قدمي، ثم سار قليلا ووقف، فقال لي: هل تدري أين أنت ؟ قلت: لا، قال: أنت واقف على عين الحياة التي شرب منها الخضر. وخرجنا من ذلك العالم إلى عالم آخر، فسلكنا فيه فرأينا كهيئة عالمنا في بنائه متساكنه وأهله، ثم خرجنا إلى عالم ثالث كهيئة الاول


(1) سبعون (ط). (2) رواه في الكافي (ج 1، ص 462) عن أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى، عن محمد الحسين، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبى عمير عن رجاله (*).

[328]

والثاني، حتى وردنا خمسة عوالم، قال: ثم قال: هذه ملكوت الارض ولم يرها إبراهيم، وإنما رأى ملكوت السماوات، وهي اثنا عشر عالما كل عالم كهيئة ما رأيت كلما مضى منا إمام يكن أحد هذه العوالم، حتى يكون آخرهم القائم في عالمنا الذي نحن ساكنوه. قال: ثم قال لي: غض بصرك، فغضضت بصري ثم أخذ بيدي، فإذا نحن في البيت الذي خرجنا منه، فنزع تلك الثياب ولبس الثياب التي كانت عليه، وعدنا إلى مجلسنا. فقلت: جعلت فداك، كم مضى من النهار، قال: ثلاث ساعات. بيان: (ولم يرها إبراهيم) أي كلها، أو في وقت الاحتجاج على قومه ورآها بعدا، وكأن في قرائتهم عليهم السلام (والارض) بالنصب. 8 - البصائر: عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن محمد بن عمار، عن أبي بصير، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فركض برجله الارض فإذا بحرفية سفن من فضة، فركب وركبت معه حتى انتهى إلى موضع فيه خيام من فضة، فدخلها ثم خرج فقال: رأيت الخيمة التي دخلتها أولا، فقلت: نعم قال: تلك خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله، والاخرى خيمة أمير المؤمنين عليه السلام والثالثة خيمة فاطمة والرابعة خيمة الخديجة (1)، والخامسة خيمة الحسن، والسادسة خيمة الحسين، و السابعة خيمة علي بن الحسين، والثامنة خيمة أبي، والتاسعة خيمتي، وليس أحد منا يموت إلا وله خيمة يسكن فيها. 9 - ومنه: عن عبد الله بن محمد الحجال، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن سدير، قال: قال أبو جعفر عليه السلام يا أبا الفضل إني لاعرف رجلا من المدينة أخذ قبل مطلع الشمس وقبل غروبها إلى الفئة التي قال الله (ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون) لمشاجرة كانت فيما بينهم فأصلح بينهم. 10 - ومنه: عن محمد بن عبد الله، عن إسماعيل بن موسى، عن أبيه، عن جده


(1) خديجة (خ) (*).

[329]

عن عمه عبد الصمد بن علي، قال: دخل رجل على علي بن الحسين عليهما السلام فقال له علي بن الحسين: من أنت ؟ قال: أنا منجم، قال: فأنت عراف، قال: فنظر إليه ثم قال: هل أدلك على رجل قدم مذ دخلت علينا في أربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه ؟ ! قال: من هو ؟ قال: أنا، وإن شئت أنبأتك بما أكلت وادخرت في بيتك. 11 - ومنه: عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيي، عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عن أبيه، عن على بن الحسين، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: إن لله بلدة خلف المغرب يقال لها (جابلقا) وفي جابلقا سبعون ألف امة ليس منها امة إلا مثل هذه الامة، فما عصوا الله طرفة عين، فما يعملون عملا ولا يقولون قولا إلا الدعاء على الاولين (1) والبرائة منهما، والولاية لاهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله. 12 - ومنه: عن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الجريري، عن أبي عمران الارمني، عن الحسين بن الجارود، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من وراء أرضكم هذه أرضا بيضاء ضوؤها منها، فيها خلق يعبدون الله لا يشركون به شيئا يتبرؤن من فلان وفلان. 13 - ومنه: عن أحمد بن موسى، عن الحسين بن موسى الخشاب، عن علي ابن حسان، عن عبد الرحيم بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمرا فيها خلق كثير، لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه، الهموا إلهاما لعنة فلان وفلان. 14 - ومنه: عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة، وعبد الله بن محمد عن عبد الله بن القاسم، عن سماعة يرفعه إلى الحسن وأبي الجارود، وذكراه عن أبي سعيد الهمداني، قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام إن لله مدينة في المشرق، ومدينة في المغرب، على كل واحد سور من حديد، في كل سور سبعون ألف مصراع، يدخل


(1) يعنى الجبت والطاغوت.

[330]

من كل مصراع سبعون ألف لغة آدمي ليس منها لغة إلا مخالف الاخرى، وما منها لغة إلا وقد علمناها، وما فيهما وما بينهما ابن نبي غيري وغير أخي، وأنا الحجة عليهم. 15 - ومنه: عن أحمد بن الحسين، عن علي بن الزيات (1)، عن عبيدالله ابن عبد الله الدهقان، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: إن لله خلف هذا النطاق زبرجدة خضراء، فمن خضرتها اخضرت السماء. قال: قلت: وما النطاق ؟ قال: الحجاب، ولله وراء ذلك سبعون ألف عالم أكثر من عدد الانس والجن وكلهم يلعن فلانا وفلانا. بيان: لعل المراد بالنطاق الجبال المحسوسة لنا، وبالزبرجدة جبل قاف، أو المراد بالنطاق ذلك الجبل، والزبرجدة خلفه، ويحتمل على بعد السماء. قال في النهاية: في حديث العباس يمدح النبي صلى الله عليه وآله: حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق النطق جمع (نطاق) وهي أعراض من جبال بعضها فوق بعض، أي نواح وأوساط منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس (2) (انتهى) وفي بعض الكتب (النطاف) بالفاء جمع (نطفة) وهي الماء الصافي، أي خلف البحار، فتفسيرها بالحجاب لانها موانع من الوصول إلى ما وراءها، لكنه بعيد. اقول: أوردنا أخبارا كثيرة من هذه الباب في كتاب الحجة في باب أنهم الحجة على جميع العوالم. 16 - جامع الاخبار: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن موسى سأل ربه عزوجل


(1) الظاهر أنه مصحف (على بن الريان) كما روى في الكافي (ج 2، ص 494) عن احمد بن الحسين عن على بن الريان عن عبيدالله بن عبد الله الدهقان، وهو على بن الريان بن الصلت الاشعري القمى الثقة، عدة الشيخ ره من اصحاب الهادى عليه السلام ووكلائه، وذكر في الفهرست ان له مع اخيه (محمد) كتابا مشتركا بينهما. (2) النهاية، ج 4، ص 154 (*).

[331]

أن يعرفه بدء الدنيا منذكم خلقت، فأوحى الله تعالى إلى موسى: تسألني عن غوامض علمي ؟ فقال: يا رب احب أن أعلم ذلك. فقال: يا موسى ! خلقت الدنيا منذ مائة ألف ألف عام عشر مرات، وكانت خرابا خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فعمرتها خمسين ألف عام، ثم خلقت فيها خلقا على مثال البقر يأكلون رزقي ويعبدون غيري خمسين ألف عام، ثم أمتهم كلهم في ساعة واحدة، ثم خربت الدنيا خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثم خلقت فيها بحرا فمكث البحر خمسين ألف عام لا شئ مجاجا من الدنيا يشرب، ثم خلقت دابة وسلطتها على ذلك البحر فشربه بنفس واحد، ثم خلقت خلقا أصغر من الزنبور وأكبر من البق، فسلطت ذلك الخلق على هذه الدابة فلدغها وقتلها، فمكثت الدنيا خرابا خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت خمسين ألف سنة، ثم جعلت الدنيا كلها آجام القصب وخلقت السلاحف وسلطتها عليها، فأكلتها حتى لم يبق منها شئ، ثم أهلكتها في ساعة واحدة، فمكثت الدنيا خرابا خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام ثم خلقت ثلاثين آدم ثلاثين ألف سنة من آدم إلى آدم ألف سنة، فأفنيتهم كلهم بقضائي وقدري، ثم خلقت فيها خمسين ألف ألف مدينة من الفضة البيضاء، وخلقت في كل مدينة مائة ألف ألف قصر من الذهب الاحمر، فملات المدن خردلا عند الهواء يومئذ ألذ من من الشهد وأحلى من العسل وأبيض من الثلج، ثم خلقت طيرا واحدا أعمى، وجعلت طعامه في كل ألف سنة حبة من الخردل أكلها حتى فنيت، ثم خربتها فمكثت خرابا خمسين ألف عام ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثم خلقت أباك آدم عليه السلام بيدي يوم الجمعة وقت الظهر ولم أخلق من الطين غيره وأخرجت من صلبه النبي محمدا (1). بيان: هذه من روايات المخالفين، أوردها صاحب الجامع فأوردتها ولم أعتمد عليها.


(1) هذه الرواية أشبه بالقصص التخيلية، والاعراض عن الشرح والتوجيه لها أولى، على أنها مرسلة لا تعويل عليها.

[332]

17 - كتاب منتخب البصائر وكتاب المحتضر: عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن عيسى اليقطيني، عن الحسين بن سعيد (1) عن فضالة عن القاسم بن بريد، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ميراث العلم ما مبلغه ؟ أجوامع ما هو من هذا العلم أم تفسير كل شئ من هذه الامور التي تتكلم فيها ؟ فقال: إن لله عزوجل مدينتين: مدينة بالمشرق، ومدينة بالمغرب، فيهما قوم لا يعرفون إبليس ولا يعلمون بخلق إبليس، نلقاهم في كل حين فيسألونا عما يحتاجون إليه ويسألونا عن الدعاء فنعلمهم ويسألونا عن قائمنا متى يظهر ؟ وفيهم عبادة واجتهاد شديد، ولمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى الصمراع مائة فرسخ، لهم تقديس وتمجيد ودعاء واجتهاد شديد، لو رأيتموهم لا حتقرتم عملكم ! يصلي الرجل منهم شهرا لا يرفع رأسه من سجدته، طعامهم التسبيح، ولباسهم الورق، ووجوههم مشرقة بالنور، إذا رأوا منا واحدا لحسوه، واجتمعوا إليه، وأخذوا من أثره من الارض يتبركون به، لهم دوي إذا صلوا كأشد من دوي الريح العاصف، منهم جماعة لهم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا، يدعون الله عزجل أن يريهم إياه، و عمر أحدهم ألف سنة، إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة وطلب ما يقربهم إلى الله عزوجل، إذا احتبسنا عنهم ظنوا أن ذلك من سخط، يتعاهدون أوقاتنا التي نأتيهم


(1) الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران مولى على بن الحسين عليهما السلام ابو محمد الاهوازي الثقة، روى عن الرضا والجواد والهادي عليهم السلام اصله كوفى وانتقل مع أخيه الحسن إلى الاهواز ثم تحول إلى قم فنزل على الحسن بن ابان وتوفى بها، وعن النجاشي انه قال: قال لى أبو الحسن البغدادي السورائى البزاز، قال لنا الحسين بن يزيد السورائى: كل شئ تراه (الحسين بن سعيد عن فضالة) فهو غلط، انما هو (الحسين عن اخيه الحسن عن فضالة) لان الحسين لم يلق فضالة وان اخاه الحسن تفرد بفضالة دون الحسين انتهى لكن ذكر في جامع الرواة (ج 2، ص 3) موارد كثيرة من التهذيبين والفقيه تربو على عشرين موردا فيها رواية الحسين بن سعيد عن فضالة، ثم قال، ومع هذه الكثرة بعيد غاية البعد حمل روايته عن فضالة على الغلط: وقال في تنقيح المقال بعد نقل كلام الاردبيلى: وهو كلام موجه متين، ثم ذكران الشيخ الطوسى ره ممن تحقق عنده خطأ السورائي. والله العالم (*).

[333]

فيها، لا يسأمون ولا يفترون، يتلون كتاب الله عزوجل كما علمناهم، وإن فيما نعلمهم ما لو تلي على الناس لكفروا به ولانكروه ! يسألونا عن الشئ إذا ورد عليهم من القرآن لا يعرفونه فإذا أخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يستمعون منا وسألوا لنا طول البقاء وأن لا يفقدونا، ويعلمون أن المنة من الله عليهم فيما نعلمهم عظيمة ولهم خرجة مع الامام إذا قام يسبقون فيها أصحاب السلاح ويدعون الله عزوجل أن يجعلهم ممن ينتصر بهم لدينه، فيهم كهول وشبان، إذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم حتى يأمره، لهم طريق هم أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الامام عليه السلام فإذا أمرهم الامام بأمر قاموا عليه أبدا حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره، لو أنهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب من الخلق لافنوهم في ساعة واحدة، لا يختل فيهم الحديد، لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلا لقده حتى يفصله، ويغزويهم الامام عليه السلام الهند والديلم والكرد والروم وبربر وفارس، وبين جابرسا إلى جابلقا وهما مدينتان واحدة بالمشرق وواحدة بالمغرب لا يأتون على أهل دين إلا دعوهم إلى الله عزوجل، وإلى الاسلام والاقرار بمحمد صلى الله عليه وآله والتوحيد ولا ولايتنا أهل البيت، فمن أجاب منهم ودخل في الاسلام تركوه وأمروا عليه أميرا منهم، ومن لم يجب ولم يقر بمحمد صلى الله عليه وآله ولم يقر بالاسلام ولم يسلم قتلوه حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد إلا آمن. 18 - البصائر للصفار: عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن أحمد بن إبراهيم عن عمار، عن إبراهيم بن الحسين عن بسطام، عن عبد الله بن بكير، عن عمر بن يزيد عن هشام الجواليقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله مدينة خلف البحر، سعتها مسيره أربعين يوما للشمس، فيها قوم لم يعصوا الله قط، ولا يعرفون إبليس (إلى آخر الخبر). بيان: كأن حديث محمد بن مسلم حديثان، سقط من الراوي أو الناسخ آخر

[334]

الاول وأول الثاني، وآخر الاول ما تقدم بهذا السند في كتاب (1) الامامة، حيث قال: من هذه الامور التي يتكلم فيها لاناس من الطلاق والفرائض. فقال: إن عليا عليه السلام كتب: العلم كله القضاء والفرائض، فلو ظهر أمرنا فلم يكن شئ إلا وفيه سنة نمضيها. وصدر الثاني ما ذكرناه برواية الصفار. واللحس: أخذ الشئ باللسان، ولعل المراد به هنا بيان اهتمامهم في أخذ العلم، كأنهم يريدون أن يأخذوا جميع علمه، كما أن من يلحس القصعة يأخذ جميع ما فيه، وفي بعض النسخ (لحبسوه) أي للاستفادة. قوله (لا يختل فيهم الحديد) أي لا ينفذ، إما افتعال من قولهم (اختله بالرمح) أي نفذه وانتظمه وتخلله به طعنة إثر اخرى، أو من الختل بمعنى الخديعة مجازا، وفي بعض النسخ (لا يحتك) من الحك أي لا يعمل فيهم شيئا قليلا، وفي بعضها (لا يحيك) بالياء من حاك السيف أي أثر وهو أظهر، والمراد بالجبل هو المحيط بالدنيا. 19 - منتخب البصائر: عن سعد، عن الحسين بن عبد الصمد، عن الحسن بن علي، عن ابن أبي عمير، عن أبي الهيثم خالد الارمني، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله عزوجل مدينة بالمشرق اسمها (جابلقا) لها اثنا عشر ألف باب من ذهب، بين كل باب إلى صاحبه مسيرة فرسخ، على كل باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل، يهلبون الخيل، ويشحذون السيوف والسلاح، ينتظرون قيام قائمنا، وإن لله عزوجل بالمغرب مدينة يقال لها (جابرسا) لها اثنا عشر ألف باب من ذهب بين كل باب إلى صاحبه مسيرة فرسخ، على كل باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل، يهلبون الخيل، ويشحذون السلاح والسيوف، ينتظرون قائمنا، وأنا الحجة عليهم. بيان: الهلب بالضم: ما غلظ من شعر أو شعر الذنب، وهلبه نتف هلبه كهلبه ويقال: شحذ السكن كمنع أي أحدها كأشحذها. 20 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن محمد بن عبد الله


(1) في بعض النسخ: في باب الامامة (*).

[335]

عن العباس بن العلا، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الخلق، فقال: خلق الله ألفا ومأتين في البر، وألفا ومأتين في البحر، وأجناس بني آدم سبعون جنسا، والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج (1). 21 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة: قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام ليلة وأنا عنده ونظر إلى السماء فقال: يا أبا حمزة، هذه قبة أبينا آدم عليه السلام وإن لله عزوجل سواها تسعة وثلاثين قبة فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين (2). 22 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن عجلان بن صالح (2) قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: جعلت فداك، هذه قبة آدم ؟ قال: نعم: ولله قباب كثيرة، ألا إن خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثون مغربا أرضا بيضاء مملوة خلقا يستضيئون بنوره، لم يعصوا الله عزوجل طرفة عين ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق، يبرؤن من فلان وفلان (4). 23 - الخرائج: بإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن زكريا المؤمن عن حسان الجمال، عن أبي داود السبيعي، عن بريدة الاسلمي، عن رسول الله


(1) روضة الكافي: 220. (2) روضة الكافي: 231. (3) كذا في نسخ البحار وفي المصدر (عجلان ابو صالح) وذكر الاردبيلى - ره - في جامع الرواة (عجلان بن صالح) واشار إلى روايته هذه ثم قال: لا يبعد كونه عجلان ابا صالح الواسطي المتقدم ذكره (انتهى) وعد الشيخ - ره - عجلان ابا صالح من اصحاب الصادق عليه السلام وذكره ثلاث مرات قائلا في الاولى (عجلان ابو صالح الخباز الواسطي مولى بنى تيم الله) وفي الثانية (عجلان ابو صالح السكوني الازرق الكوفى) وفي الثالثة (عجلان ابو صالح المدائني) لكن يحتمل قويا اتحاد الجميع، وأما اختلاف النسب كالكوفي والمدائني فيمكن. حمله على انه كان كوفيا ثم انتقل إلى (مدائن) وهكذا أو بالعكس، وكيف كان فالكشى - ره - روى عن ابن فضال ان عجلان ابا صالح ثقة وان ابا عبد الله عليه السلام قال له: يا عجلان كأنى انظر اليك إلى جنبى والناس يعرضون على (4) روضة الكافي: 231 (*).

[336]

صلى الله عليه وآله أنه قال: يا علي، إن الله أشهدك معي سبعة مواطن، فذكرها حتى الموطن الثاني فقال: أتاني جبرئيل فاسري بي إلى السماء، فقال: أين أخوك ؟ فقلت: أودعته خلفي. فقال: ادع الله أن يأتيك به، فدعوت الله فإذا أنت معي وكشط لي عن السماوات السبع والارضين السبع حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك فيها، فلم أرمن ذلك شيئا إلا وقد رأيته. 24 - أقول: روى البرسي في (مشارق الانوار) عن الثمالي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن الله خلق محمدا وعليا والطيبين من ذريتهما من نور عظمته وأقامهم أشباحا قبل المخلوقات، ثم قال: أتظن أن الله لم يخلق خلقا سواكم ؟ بلى والله ! لقد خلق الله ألف ألف آدم، وألف ألف عالم، وأنت والله في آخر تلك العوالم. 25 - وروى من كتاب الواحدة عن الصادق عليه السلام أن لله مدينتين: إحداهما بالمغرب، والاخرى بالمشرق، يقال لهما جابلقا وجابرسا، طول كل مدينة منهما اثنا عشر ألف فرسخ، في كل فرسخ باب، يدخلون في كل [يوم من كل] باب سبعون ألفا، ويخرج منها مثل ذلك، ولا يعودون إلى يوم القيامة، لا يعلمون أن الله خلق آدم، ولا إبليس، ولا شمس، ولا قمر، هم والله أطوع لنا منكم، يأتونا بالفاكهة في غير أوانها، موكلين بلعنة فرعون وهامان وقارون. 26 - وروى عن ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن من وراء قاف عالما لا يصل إليه أحد غيري، وأنا المحيط بما وراءه، وعلمي به كعلمي بدنياكم هذه، وأنا الحفيظ الشهيد عليها، ولو أردت أن أجوب الدنيا بأسرها والسماوات السبع والارضين في أقل من طرفة عين لفعلت لما عندي من الاسم الاعظم، وأنا الآية العظمى، والمعجز الباهر. 27 - وروى أيضا قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم: آه لو أجدله حملة ! قال: فقام إليه رجل في عنقه كتاب فقال رافعا صوته: أيها المدعي ما لا يعلم والمتقلد ما لا يفهم ! إني سائلك فأجب. قال: فوثب إليه أصحاب علي عليه السلام ليقتلوه، فقال

[337]

لهم أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه، لان حجج الله لا تفوم بالطيش، ولا بالباطل تظهر براهين الله، ثم التفت إلى الرجل وقال: سل بكل لسانك فإني مجيب إن شاء الله. فقال: كم بين المشرق والمغرب ! فقال: مسافة الهواء، قال فكم (1): مسافة الهواء قال: دوران الفلك قال: ما دوران الفلك ؟ قال: مسيرة يوم للشمس قال الرجال: صدقت، فمتى القيامة ؟ قال: عند حضور المنية وبلوغ الاجل. قال صدقت، فكم عمر الدنيا ؟ قال: يقال سبعة آلاف ثم لا تحديد. قال: صدقت فأين مكة من بكة ؟ قال: مكة أكناف الحرم، وبكة مكان البيت. قال: ولم سميت مكة مكة، قال: لان الله مك الارض من تحتها أي دحاها، قال: فلم سميت بكة ؟ قال: لانها بكت عيون الجبارين والمذنبين (2). قال: صدقت قال: وأين كان الله قبل [خلق] عرشه ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سبحان من لا يدرك كنه صفته حملة عرشه على قرب زمراتهم من كراسي كرامته. ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله ! ويحك لا يقال لم، ولا كيف، ولا أين، ولامتى ولابم، ولامم (3)، ولا حيث، ولا أنى. فقال الرجل: صدقت، فكم مقدار ما لبث العرش على الماء قبل خلق الارض والسماء فقال: أتحسن أن تحسب ؟ فقال: نعم (1) فقال أمير المؤمنين عليه السلام أفرأيت لو صبت في الارض خردل حتى سد الهواء وملا مابين الارض والسماء، ثم اذن لك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من المشرق إلى المغرب ثم مدلك في العمر حتى نقلته وأحصيته لكان ذلك أيسر من إحصاء ما لبث العرش على الماء قبل خلق الارض والسماء، وإنما وصفت لك جزء من عشر عشير ما لبث العرش على الماء قبل خلق الارض والسماء، وإنما وصفت لك [جزء] من عشر عشير من جزء من مأة ألف جزء، وأستغفر الله من التقليل في التحديد ! قال: فحرك الرجل


(1) وكم (خ). (2) في المخطوطة: بكت عيون المذنبين ورقاب الجبارين. (3) في بعض النسخ: ولافيم ولا أنى. (4) في المخطوطة: فقال: لعلك لا تحسن، فقال: بلى.

[338]

رأسه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. 28 - المحتضر: بإسناده قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سلونى فإني لا اسأل عن شئ دون العرش إلا أجبت فيه، لا يقولها بعدي إلا جاهل مدع أو كذاب مفتر، فقام رجل، ثم ذكر نحوه. 29 - وقال البرسى: روى الرازي في كتابه المسمى بمفاتيح الغيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة اسري بي إلى السماء رأيت في السماء السابعة ميادين كميادين أرضكم هذه، ورأيت أفواجا من الملائكة يطيرون لا يقف هؤلاء لهؤلاء ولا هؤلاء لهؤلاء قال: فقلت لجبرئيل: من هؤلاء ؟ فقال: لا أعلم، فقلت: من أين جاؤوا ؟ فقال: لا أعلم. فقلت: وأين يمضون ؟ فقال: لا أعلم، فقلت: سلهم، فقال: لا أقدر، ولكن سلهم أنت يا حبيب الله، قال: فاعترضت ملكا منهم، فقلت له: ما اسمك ؟ فقال: كيكائيل، فقلت: من أين أتيت ؟ فقال: لا أعلم، فقلت: وأين تمضي ؟ فقال: لا أعلم فقلت: وكم لك في السير ؟ فقال: لا أعلم، غير أني يا حبيب الله أعلم أن الله سبحانه يخلق في كل ألف سنة كوكبا، وقد رأيت ستة آلاف كوكب خلقن وأنا في السير. 30 - النجوم: قال: ذكر محمد بن علي مؤلف كتاب (الانبياء والاوصياء): روي أن رجلا أتى علي بن الحسين عليهما السلام وعنده أصحابه فقال له: ممن الرجل ؟ قال: أنا منجم قائف عراف، فنظر إليه ثم قال: هل أدلك على رجل قد مر منذ يوم دخلت علينا في أربعة آلاف عالم، قال: من هو ؟ قال: أما الرجل فلا أذكره ولكن إن شئت أخبرتك بما أكلت وادخرت في بيتك، قال: نبئني، قال: أكلت في هذا اليوم حيسا، فأما في بيتك فعشرون دينارا منها ثلاثة دنانير وازنة، فقال له الرجل: أشهد أنك الحجة العظمى والمثل الاعلى وكلمة التقوى. فقال له: وأنت صديق امتحن الله قلبك بالايمان [واثبت]. بيان: أراد بالرجل نفسه عليه السلام و (الحيس) تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالتريد والوازنة: الكاملة الوزن، أو

[339]

الصحيحة الوزن التي توزن بها غيره. قال في المصباح المنير: وزن الشئ نفسه ثقل فهو وازن. 31 - اقول: وجدت في كتاب من كتب قدماء الاصحاب في نوادر المعجزات بإسناده إلى الصدوق، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن زكريا، عن أبي المعافا، عن وكيع، عن زاذان عن سلمان، قال: كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام ونحن نذكر شيئا من معجزات الانبياء، فقلت له: يا سيدي احب أن تريني ناقة ثمود و شيئا من معجزاتك. قال: أفعل ثم وثب فدخل منزله وخرج إلي وتحته فرس أدهم، وعليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء، ونادى: يا قنبر اخرج إلى ذلك الفرس فأخرج فرسا أغر أدهم، فقال لي اركب يا أبا عبد الله، قال سلمان: فركبته فإذا له جناحان ملتصقان إلى جنبه، فصاح به الامام فتحلق في الهواء، وكنت أسمع خفيق أجنحة الملائكة تحت العرش، ثم خطرنا على ساحل بحر عجاج، مغطمط الامواج، فنظر إليه الامام شزرا، فسكن البحر، فقلت: يا سيدي سكن البحر من غليانه من نظرك إليه، فقال: يا سلمان، حسبني أني آمر فيه بأمر، ثم قبض على يدي وسار على وجه الماء، والفرسان يتبعاننا لا يقودهما أحد، فو الله ما ابتلت أقدامنا ولا حوافر الخيل، فعبرنا ذلك البحر، ووقعنا (1) إلى جزيرة كثيرة الاشجار والاثمار والاطيار والانهار، وإذا شجرة عظيمة بلا ثمر بل ورد وزهر، فهزها بقضيب كان في يده فانشقت وخرج منها ناقة طولها ثمانون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا خلفها فصيل، فقال لي: ادن منها واشرب من لبنها، فدنوت وشربت حتى رويت، وكان أعذ من الشهد، وألين من الزبد، وقد اكتفيت. قال: هذا حسن ؟ قلت: حسن يا سيدي، قال: تريد ان اريك أحسن منها ؟ فقلت: نعم يا سيدي، قال: يا سلمان ناد (اخرجي يا حسناء فناديت، فخرجت ناقة طولها مائة وعشرون ذراعا وعرضها ستون ذراعا من الياقوت الاحمر وزمامها من الياقوت الاصفر، وجنبها الايمن من الذهب، وجنبها الايسر من الفضة، وضرعها من اللؤلؤ الرطب، فقال: يا سلمان


(1) في المخطوطة: دفعنا (*).

[340]

اشرب من لبنها، قال: سلمان فالتقمت الضرع فإذا هي تحلب عسلا صافيا محضا فقلت: يا سيدي هذه لمن ؟ قال هذه لك ولسائر الشيعة من أوليائي. ثم قال لها: ارجعي فرجعت من الوقت وسار بي في تلك الجزيرة حتى ورد بي إلى شجرة عظيمة وفي أصلها مائدة عظيمة عليها طعام تفوح منه رائحة المسك، وإذا بطائر في صورة النسر العظيم، قال: فوثب ذلك الطير فسلم عليه ورجع إلى موضعه، فقلت: يا سيدي ما هذه المائدة ؟ قال هذه مائدة منصوبة في هذا الموضع للشيعة من موالي إلى يوم القيامة. فقلت: ما هذا الطائر ؟ فقال: ملك موكل بها، فقلت: وحده يا سيدي فقال: يجتاز به الخضر في كل يوم مرة. ثم قبض على يدي فسار بي إلى بحرثان، فعبرنا وإذا بجزيرة عظيمة فيها قصر لبنة من الذهب، ولبنة من الفضة البيضاء، وشرفه العقيق الاصفر وعلى كل ركن من القصر سبعون صنفا من الملائكة فجلس الامام على ذلك الركن وأقبلت الملائكة تأتي وتسلم عليه، ثم أذن لهم فرجعوا إلى مواضعهم، قال سلمان: ثم دخل عليه السلام إلى القصر، فإذا فيه أشجار وأنهار وأطيار وألوان النبات، فجعل الامام يمشي فيه حتى وصل إلى آخره، فوقف على بركة كانت في البستان، ثم صعد إلى سطحه، فإذا كراسي من الذهب الاحمر، فجلس عليه وأشرفنا منه، فإذا بحر أسود يغطمط بأمواجه كالجبال الراسيات، فنظر إليه شزرا فسكن من غليانه، حتى كان كالمذيب (1) فقلت: يا سيدي سكن البحر من غليانه لما نظرت إليه، قال: حسبني أني آمر فيه بأمر، أتدري يا سلمان أي بحر هذا ؟ فقلت: لا، يا سيدي. فقال: هذا البحر الذي غرق فيه فرعون وقومه، إن المدينة حملت على معاقل جناح جبرئيل، ثم رمى بها في هذا البحر، فهويت لا تبلغ قراره إلى يوم القيامة. فقلت: يا سيدي هل سرنا فرسخين ؟ فقال: يا سلمان لقد سرت خمسين ألف فرسخ، ودرت حول الدنيا عشرين مرة ! فقلت: يا سيدي فكيف (2) هذا ؟ فقال: يا سلمان، إذا كان ذوالقرنين طاف


(1) كالمذنب (خ). (2) وكيف (خ) (*).

[341]

شرقها وغربها وبلغ إلى سد يأجوج ومأجوج فانى يتعذر علي وأنا أخو سيد المرسلين وأمين رب العالمين، وحجته على خلقه أجمعين. يا سلمان، أما قرأت قول الله تعالى حيث قال (1) (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول (2)) ؟ فقلت: بلى، يا سيدي. فقال: يا سلمان، أنا المرتضى من الرسول الذي أظهره على غيبه، أنا العالم الرباني، أنا الذي هون الله علي الشدائد وطوى لي البعيد. قال سلمان: فسمعت صائحا يصيح في السماء نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول: صدقت صدقت، أنت الصادق المصدق، ثم وثب فركب الفرس وركبت معه وصاح به فتحلق في الهواء، ثم حصرنا بأرض الكوفة هذا وما مضى من الليل ثلاث ساعات ! فقال: يا سلمان، الويل ثم الويل على من لا يعرفنا حق معرفتنا وأنكر ولايتنا ! يا سلمان أيما أفضل محمد أم سليمان بن داود ؟ قلت: بل محمد. فقال: يا سلمان، فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين وعنده علم الكتاب، ولا أفعل ذلك وعندي علم مأة ألف كتاب وأربعة وعشرين ألف كتاب أنزل منها على شيث يبن آدم خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، والتورية والانجيل والزبور ؟ فقلت: صدقت يا سيدي. قال الامام عليه السلام: اعلم يا سلمان أن الشاك في امورنا وعلومنا كالممتري في معرفتنا وحقوقنا، وقد فرض الله عزوجل ولايتنا في كتابه، وبين فيه ما أوجب العمل به وهو غير مكشوف. بيان: قال في النهاية: كان يخطر في مشيته أي يتمايل ويمشي ميشية المعجب (3) انتهى والغطمطة: اضطراب أمواج البحر، والشزر: نظر الغضبان بمؤخر العين. واقول: الخبر في غاية الغرابة، ولا أعتمد عليه لعدم كونه مأخوذا من أصل معتبر، وإن نسب إلى الصدوق - ره -.


(1) يقول (خ). (2) الجن: 27 26. (3) النهايه: ج 1 ص 302.

[342]

32 - البصائر: عن محمد بن الحسين، عن علي بن سعدان (1)، عن عبد الله ابن القاسم، عن عمر بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام حيث دخل عليه رجل من علماء أهل اليمن، فقال أبو عبد الله: يا يماني أفيكم علماء ؟ قال: نعم، قال: فأي شئ يبلغ من علم علمائكم ؟ قال: إنه ليسير في ليلة واحدة مسيرة شهرين يزجر الطير ويقفو الاثار ! فقال له: فعالم المدينة أعلم من عالمكم. قال: فأي شئ يبلغ من علم عالمكم بالمدينة ؟ قال: إنه يسير في صياح واحد مسيرة سنة كالشمس إذا امرت، إنها اليوم غير مأمورة، ولكن إذا امرت تقطع اثني عشر شمسا، واثني عشر قمرا، واثني عشر مشرقا، واثني عشر مغربا، واثني عشر برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما، قال: فما بقي في يدي اليماني، فما درى ما يقول، وكف أبو عبد الله عليه السلام. بيان: لعل المراد بسير اليماني مسيرة شهرين الحكم بحسب النجوم في ليلة واحدة على قدر مسيرة شهرين من البلاد وأهلها، ويؤيده أن في الاحتجاج هكذا (إن عالمهم ليزجر الطير ويقفوا الاثر، في ساعة واحدة مسيرة شهر للراكب المحث) ولعل المراد بقفو الاثر الحكم بأوضاع النجوم وحركاتها وبزجر الطير ما كان بين العرب من الاستدلال بحركات الطيور وأصواتها على الحوادث. 32 - البصائر: عن الحسين بن أحمد (2)، عن سلمة، عن الحسن بن علي بن


(1) كذا في نسخ البحار، والظاهر انه مصحف (موسى بن سعدان) لان (على بن سعدان) كما قال الشيخ - ره - من اصحاب الصادق عليه السلام ولم يذكر في كتب الرجال رواية له، و عبد الله بن القاسم الذى روى عنه ابن سعدان هذه الرواية من الصحاب الكاظم عليه السلام ومحمد بن الحسين الراوى عن ابن سعدان من اصحاب الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام وهو يروى عن موسى بن سعدان كثيرا كما انه يروى عن عبد الله بن القاسم كثيرا وكيف كان فعلى ابن سعدان مجهول وموسى بن سعدان ضعيف كما قال النجاشي (ص 317) وقال العلامة في الخلاصة: في مذهبه غلو. (2) في المخطوطة: الحسن بن أحمد.

[343]

بقاح (1)، عن ابن جبلة، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقال لي حوض ما بين بصري إلى صنعاء، أتحب أن تراه ؟ قلت: نعم، جعلت فداك. قال: فأخذ بيدي وأخرجني إلى ظهر المدينة، ثم ضرب برجله فنظرت إلى نهر يجري لا يدرك حافتاه إلا الموضع الذي أنا فيه قائم، فإنه شبيه بالجزيرة فكنت أنا وهو وقوفا فنظرت إلى نهر جانبه ماء أبيض من الثلج، ومن جانبه هذا لبن أبيض من الثلج، وفي وسط خمر أحسن من الياقوت، فما رأيت شيئا أحسن من تلك الخمر بين اللبن والماء، فقلت له: جعلت فداك، من أين يخرج هذا وما مجراه ؟ فقال: هذه العيون التي ذكرها الله في كتابه أنهار في الجنة: عين من ماء، وعين من لبن، وعين من خمر، تجري في ذها النهر، ورأيت حافته عليه شجر فيهن حور معلقات، برؤوسهن شعر ما رأيت شيئا أحسن منهن، وبأيديهن آنية ما رأيت آنية أحسن منها، ليست من آنية الدنيا، فدنا من إحداهن فأومأ بيده لتسقيه، فنظرت إليها وقد مالت لتغرف من النهر فمال الشجر معها، فاغترفت فمالت الشجرة معها، ثم ناولته فناولني فشربت، فما رأيت شرابا كان ألين منه ولا ألذ منه، وكانت رائحته رائحة المسك، فنظرت في الكأس فإذا فيه ثلاثة ألوان من الشراب، فقلت له: جعلت فداك، ما رأيت كاليوم قط ولا كنت أرى أن الامر هكذا ! فقال لي، هذا أقل ما أعده الله لشيعتنا، إن المؤمن إذا توفي صارت روحه إلى هذا النهر، ورعت في رياضه، وشربت من شرابه، وإن عدونا إذا توفي صارت روحه إلى وادي (برهوت) فاخلدت في عذابه، واطعمت من زقومه، واسقيت من حميمه فاستعيذوا بالله من ذالك الوادي. 34 ومنه: عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن أبي خالد وأبي سلام، عن


(1) الحسن بن على بن بقاح بفتح الباء الموحدة وشد القاف والحاء المهملة الاخيرة كوفى ثقة مشهور صحيح الحديث روى عن اصحاب ابى عبد الله عليه السلام له كتاب النوادر (النجاشي: 31) وابن جبلة هو عبد الله بن جبلة بفتح الثلاثة بن حنان بن الحر الكنانى ابو محمد عربي ثقة روى عن ابيه عن جده ومات سنة (219) (النجاشي: 160) (*).

[344]

سورة (1)، عن أبي جعفر عليه السلام قال أما إن ذا القرنين قد خير بين الحسابين فاختار الذلول، ذخر لصاحبكم الصعب. قال: قلت: وما الصعب ؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب ويرقي في الاسباب أسباب السماوات السبع والارضين السبع خمس عوامر واثنتان خرابان. 35 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن عليا عليه السلام ملك ما في الارض وما تحتها، فعرضت له السحابان: الصعب، والذلول فاختار الصعب، وكان في الصعب ملك ما تحت الارض، وفي الذلول ملك ما فوق الارض، واختار الصعب على الذلول فدارت به سبع أرضين، فوجد ثلاث خراب وأربع عوامر. 36 - من بعض مؤلفات القدماء من (2) القاضي أبي الحسن الطبري، عن سعيد بن يونس المقدسي، عن المبارك، عن خالص بن أبي سعيد، عن وهب الجمال، عن عبد المنعم بن سلمة، عن وهب الرائدي عن يونس بن ميسرة، عن الشيخ المعتمر الرقي، رفعه إلى أبي جعفر ميثم التمار قال: كنت بين يدي مولاي أمير المؤمنين عليه السلام إذ دخل غلام وجلس في وسط المسلمين فلما فرغ من الاحكام، نهض إليه الغلام، وقال: يا أبا تراب ! أنا إليك رسول، جئتك برسالة تزعزع لها الجبال من رجل حفظ كتاب الله من أوله إلى آخره، وعلم علم القضايا والاحكام، وهو أبلغ منك في الكلام، وأحق منك بهذا المقام، فاستعد للجواب، ولا تزخرف المقال ! فلاح الغضب في وجه أمير المؤمنين عليه السلام وقال لعمار اركب جملك وطف في قبائل الكوفة وقل لهم: أجيبوا عليا ليعرفوا الحق من الباطل


(1) هو سوره (بفتح السين) بن كليب (وزان زبير) بن معاوية الاسدي الكوفى من اصحاب الباقر والصادق عليهما السلام روى الكشى (ره) رواية تدل على حسن حاله مضافا إلى رواية (جميل بن دراج) عنه وهو من أصحاب الاجماع. (2) في بعض النسخ: عن القاضى (*).

[345]

والحلال والحرام، والصحة والسقم. فركب عمار فما كان إلا هنيئة حتى رأيت العرب كما قال الله تعالى (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذاهم من الاجداث إلى ربهم ينسلون (1)) فضاق جامع الكوفة وتكاثف الناس تكاثف الجراد على الزرع الغض في أوانه، ونهض (2) العالم الاروع، والبطل الانزع، ورقى في المنبر وراقى ثم تنحنح فسكت جميع من في الجامع، فقال: رحم الله من سمع فوعى، أيها الناس من يزعم أنه أمير المؤمنين ؟ والله لا يكون الامام إماما حتى يحبي الموتى، أو ينزل من السماء مطرا أو يأتي بما يشاكل ذلك مما يعجز عنه غيره وفيكم من يعلم أني الآية الباقية، والكلمة التامة، والحجة البالغة، ولقد أرسل إلي معاوية جاهلا من جاهلية العرب عجرف في مقاله، وأنتم تعلمون لو شئت لطحنت عظامه طحنا، ونسفت الارض من تحته نسفا، وخسفتها عليه خسفا، إلا أن احتمال الجاهل صدقة، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وأشار بيده إلى الجو فدمدم، و أقبلت غمامة وعلت سحابة، وسمعنا منها نداء يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ويا سيد الوصيين ويا إمام المتقين، ويا غياث المستغيثين، ويا كنز المساكين، ومعدن الراغبين وأشار إلى السحابة فدنت ! قال ميثم: فرأيت الناس كلهم قد أخذتهم السكرة، فرفع رجله وركب السحابة وقال لعمار: اركب معي وقل (بسم الله مجريها ومرسيها) فركب عمار وغابا عن أعيننا، فلما كان بعد ساعة أقبلت سحابة حتى أظلت جامع الكوفة، فالتفت فإذا مولاي جالس على دكة القضاء ؟ وعمار بين يديه: والناس حافون به ثم قام وصعد المنبر وأخذ بالخطبة المعروفة بالشقشقية. فلما فرغ اضطرب الناس ! وقالوا فيه أقاويل مختلفة. فمنهم من زاده الله إيمانا ويقينا ! ومنهم من زاده كفرا وطغيانا. قال عمار: قد طارت بنا السحابة في الجو، فما كان هنيئة حتى أشرفنا على بلد كبير حواليها أشجار وأنهار، فنزلت بنا السحابة وإذا نحن في مدينة كبيرة، و


(1) يس: 51. (2) فنهص (خ).

[346]

الناس يتكلمون بكلام غير العربية، فاجتمعوا عليه ولاذوا به، فوعظهم وأنذرهم بمثل كلامهم، ثم قال: يا عمار اركب ففعلت ما أمرني، فأدركنا جامع الكوفة ثم قال لي: يا عمار تعرف البلدة التي كنت فيها. قلت الله أعلم ورسوله ووليه، قال: كنا في الجزيرة السابعة من الصين أخطب كما رأيتني، إن الله تبارك وتعالى أرسل رسوله إلى كافة الناس، وعليه أن يدعوهم ويهدي المؤمنين منهم إلى الصراط المستقيم واشكر ما أوليتك من نعمة، واكتم من غير أهله، فإن لله تعالى ألطافا خفية في خلقه، لا يعلمها إلا هو ومن ارتضى من رسول، ثم قالوا: أعطاك الله هذه القدرة الباهرة وأنت تستنهض الناس لقتال معاوية ؟ فقال: إن الله تعبدهم بمجاهدة الكفار والمنافقين، والناكثين، والقاسطين، والمارقين، و الله لو شئت لمددت يدي هذه القصيرة في أرضكم هذه الطويلة، وضربت بها صدر معاوية بالشام، وأجذب بها من شاربه أو قال من لحيته فمد يده وردها وفيها شعرات كثيرة، فتعجبوا من ذلك. ثم وصل الخبر بعد مدة أن معاوية سقط من سريره في اليوم الذي كان عليه السلام مد يده وغشي عليه، ثم أفاق وافتقد من شاربه ولحيته شعرات. بيان: (الاروع) من الرجال الذي يعجبك حسنه، (و العجرفة) الخرق وقلة المبالات، ويقال (دمدم عليه) أي كلمه مغضبا. 37 - كتاب الحسين بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تقول الجنة: يا رب ملات النار كما وعدتها فاملاني كما وعدتني. قال: فيخلق الله خلقا يومئذ فيدخلهم الجنة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام طوبى لهم ! لم يروا أهوال الدنيا ولا غمومها. 38 - الدرر المنثور: عن ابن جريج، في قوله (ومن قوم موسى امة) الآية، قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الارض فساروا فيه، حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله (وقلنا من بعده لبني إسرائيل

[347]

اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (1)) ووعد الآخرة عيسى بن مريم. قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفا (2). 39 - وعن مقاتل قال: إن مما فضل الله به محمدا صلى الله عليه وآله أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس دعوا ربهم وهم بالارض المقدسة، فقالوا: اللهم أخرجنا من بين أظهرهم، فاستجاب لهم فجعل سربا في الارض، فدخلوا عليه (3) وجعل معهم نهرا يجري، وجعل لهم مصباحا من نور من بين أيديهم، فساروا فيه سنة ونصفا، وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه، فأخرجهم الله إلى الارض تجتمع فيها الهوام والبهائهم والسباع مختلطين بها ليست فيها ذنوب ولا معاص فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله تلك الليلة، ومعه جبرئيل فآمنوا به وصدقوه، وعلمهم الصلاة وقالوا: إن موسى قد بشرهم به (4). 40 - وعن السدي في قوله (ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون) قال: بينكم وبينهم نهر من سهل - يعني من رمل - يجري (5). 41 - وعن صفوان بن عمرو، قال: هم الذين قال الله: (ومن قوم موسى امة يهدون بالحق) يعني سبطا من أسباط بني إسرائيل يوم الملحمة العظمى، ينصرون الاسلام وأهله (6). 42 - وعن الشعبي قال: إن لله عبادا من وراء الاندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق. رضراضهم (7) الدر والياقوت، وجبالهم الذهب والفضة، لا يزرعون ولا يحصدون، ولا يعملون عملا، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم


(1) الاسراء: 104. (2) الدر المنثور: ج 3، ص 136. (3) في المخطوطة (فيه) وكذا في المصدر. (4 - 6) الدرر المنثور: ج 3، ص 136. (7) الرضراض: ما صغر ودق من الحصى (*).

[348]

ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر فمنها يأكلون (1). 43 - وعن بعض أئمة الكوفة قال: قام ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقصد نحوهم فسكتوا، فقال: ما كنتم تقولون ؟ قالوا: نظرنا إلى الشمس، فتفكرنا فيها من أين تجيئ وأين تذهب، وتفكرنا في خلق الله. فقال: كذلك فافعلوا [و] تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله، فإن لله تعالى وراء المغرب أرضا بيضاء بياضها ونورها مسيرة الشمس أربعين يوما، فيها خلق من خلق الله لم يعصوا الله طرفة عين. قيل: يا نبي الله من ولد آدم هم ؟ قال: ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق. قيل: يا نبي الله فأين إبليس عنهم ؟ قال: ما يدرون خلق إبليس أم لم يخلق. 44 - وعن ابن عباس قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في المسجد حلق حلق، فقال لنا: فيم أنتم ؟ قلنا: نتفكر في الشمس كيف طلعت وكيف غربت، قال: أحسنتم كونوا هكذا تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق، فإن الله خلق ما شاء لما شاء وتعجبون من ذلك، إن من وراء قاف سبع بحار كل بحار خمسمأة عام ومن وراء ذلك سبع أرضين يضئ نورها لاهلها ومن وراء ذلك سبعين ألف امة خلقوا على أمثال الطير هو وفرخه في الهواء لا يفترون عن تسبيحة واحدة ومن وراء ذلك سبعين ألف امة خلقوا من ريح، فطعامهم ريح، وشرابهم ريح، وثيابهم من ريح، و آنيتهم من ريح، ودوابهم من ريح، لا تستقر حوافر دوابهم إلى الارض إلى قيام الساعة، أعينهم في صدورهم، ينام أحدهم نومة واحدة ينتبه ورزقه عند رأسه، ومن وراء ذلك ظل العرش، وفي ظل العرش سبعون ألف امة ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا ولد آدم، ولا إبليس ولا ولد إبليس، وهو قوله (ويخلق ما لا تعلمون (2). 45 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (والارض وضعها للانام) قال: الانام الخلق، وهم ألف امة ستمأة في البحر، وأربعمأة في البر (3).


(1) الدرر المنثور: ج 3، ص 136. (2) النحل: 8. (3) الدرر المنثور: ج 6، 141 (*).

[349]

أقول: أوردت أخبارا كثيرة من هذا الباب في الملجد السابع في باب أنهم الحجة على جميع العوالم وجميع المخلوقات. 46 - وروى الكفعمي والبرسي في فضل الدعاء المعروف بالجوشن الكبير بإسناديهما عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال له جبرئيل: والذي بعثك بالحق نبيا إن خلف المغرب أرضا بيضاء فيها خلق من خلق الله يعبدونه ولا يعصونه، وقد تمزقت لحومهم ووجوههم من البكاء، فأوحى الله إليهم: لم تبكون ولم تعصوني طرفة عين ؟ قال: نخشى أن يغضب الله علينا ويعذبنا بالنار قال علي عليه السلام: قلت: يا رسول الله ! ليس هناك إبليس أو أحد من بني آدم ؟ فقال: والذي بعثنى بالحق نبيا ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا إبليس، ولا يحصي عددهم إلا الله، ومسير الشمس في بلادهم أربعون يوما لا يأكلون ولا يشربون (1) (الخبر). تذنيب: اعلم أن الاخبار الواردة في هذا الباب غريبة وبعضها غير معتبرة الاسانيد كروايات البرسي وجامع الاخبار، والمأخوذ من الكتاب القديم، وبعضها معتبرة مأخوذة من اصول القدماء، وليس ما تتضمنها بعيدا من قدرة الله تعالى (2).


(1) قد حاول بعض علماء العصر تطبيق هذه الارض على الكوكبة المكتشفة اخيرا المسماة ب‍ (فلكان) بتقريب انها لمكان قربها من المشس انور الكواكب ولذا وصف بانها بيضاء، ولما كانت تدور حول الشمس في عشرين يوما وكل يوم مشتمل على نهار وليلة وكثيرا ما يطلق اليوم على النهار فقط صح ان يقال انها تدور حول الشمس اربعين يوما وانت خبير بأن الرواية تأبى عن هذه التكلفات والتعسفات كل الاباء، فان ظاهر قوله (مسير الشمس في بلادهم اربعون يوما) ان اليوم في بلادهم يساوى اربعين يوما في بلادنا لا أن السنة فيها تساوى اربعين يوما، على ان هذه الكوكبة لشدة حرارتها غير قابلة لنشوء موجود حى فيها الا ان يكون المراد باهلها الملائكة بقرينة قوله (لا يأكلون ولا يشربون) فتأمل. (2) الاخبار الموردة في هذا الباب مع قطع النظر عن ضعافها التى لا يوثق بصدورها لا تجرى جميعا مجرى واحدا في المضمون والدلالة، والتعرض لكل واحد منها على حدة والتدقيق في ما يشتمل عليه من الدقائق وتحقيق ما تشير إليه من الحقائق يؤدى إلى تطويل ممل لكن=

[350]

و (جابلقا) و (جابرسا) ذكرهما اللغويون على وجه آخر، قال الفيروز آبادي: جابلص بفتح الباء واللام أو سكونها: بلد بالمغرب وليس وراءه إنسي


= لا بأس بالاشارة إلى مهام ما يستفاد منها وهى امور: الاول: ان خلق الله تبارك وتعالى لا ينحصر في ابينا آدم وذريته، فقد خلق قبله خلائق كثيرة وسيخلق بعد انقراضهم ايضا، قال عليه السلام (أو ترى ان الله عزوجل لم يخلق بشرا غيركم ؟ بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم) وقال عليه السلام (لعلكم ترون أنه إذا كان يوم القيامة.. لا يعبد في بلاده ولا يخلق خلقا يعبدونه ويوحدونه ؟..) إلى غير ذلك. الثاني: ان وراء هذه المنظومة الشمسية المشتملة على شمس وارض وكواكب واقمار منظومات شمسية اخرى مشتملة على شموس وكواكب واقمار كثيرة وأن لها أهلين في الجملة قال عليه السلام (ان وراء عين شمسكم هذه اربعين عين شمس: وان وراء قمركم اربعين قمرا) وقال عليه السلام لما نظر إلى السماء (هذه قبة ابينا آدم وان لله عزوجل سواها تسعة وثلاثين قبة فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين) وغير خفى على اللبيب المتأمل ان اظهار هذا المعنى في عصر لم يكن يتوهم احد ذلك ولا يقبله لو لا تسليمه لائمة الدين واهل بيت العصمة واليقين كاشف عن اعتماد القائلين على مبدء علمي الهى، واخذهم من منبع غزير رباني، وإلا فمن كان يجترئ على التفوه بان عبر الشمس التى كان بزعم انها مركوزة في الفلك الرابع والقمر الذى كان يزعم انه مركوز في الفلك الاول تكون شموس واقمار اخرى ؟ وهذا لعمر الحق من اعظم الكرامات، وأدل الدلائل على امامة اهل البيت عليهم السلام، وقد كان هذا العلم مخزونا في كتب الشيعة مكنونا عنه اهله حتى كشف التجاوب العلمية والمكبرات العظيمة النقاب عن وجهه والغطاء عن سره. الثالث: أن وراء هذا العالم المادى عوالم اخرى تغيب عن حواسنا، ولا تنالها علومنا المتعارفة، وهى محيطة بهذا العالم نحو احاطة، وباطنة فيه نحو بطون، وخارجة عنه نحو خروج وقد أراها الله بعض اوليائه وعباده الصالحين وهو على ما يشاء قدير. قال زين العابدين عليه السلام للمنجم: (هل أدلك على رجل قدمر مذ دخلت علينا في اربع عشر عالما كل عالم اكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه ؟ !) فان المرور في تلك العوالم الكبيرة في زمن يسير في الغاية مع عدم التحرك من المكان إنما يتصور بغير هذا البدن المادى الذى لا يمكن أن يسير إلا بالحركة والانتقال، وفي عوالم خارجة من عالم المادة، مطلقة من قيودها وحدودها. وقال الصادق عليه السلام في بيان حال أهل المدينتين (وطعامهم التسبيح) فان ذلك ليس من شأن الموجود المادى، ويمكن ان يكون حديث اراءة الملكوت لجابر وحديث خيام=

[351]

وجابلق بلد بالمشرق (1) (انتهى) ويقال إن فيهما أو في إحداهما أصحاب القائم عليه السلام والصوفية والمتألهون من الحكماء أولوا أكثر هذه الاخبار بعالم المثال قال شارح المقاصد: ذهب بعض المتألهين من الحكماء ونسب إلى القدماء أن بين عالمي المحسوس والمعقول واسطة تسمى عالم المثل، ليس في تجرد المجردات ولا في مخالطة الماديات، وفيه لكل موجود من المجردات، والاجسام، والاعراض والحركات، والسكنات، والاوضاع، والهيئات، والطعوم، والروائح، مثال قائم بذاته، معلق لا في مادة ومحل، يظهر للحس بمعونة مظهر كالمرآة والخيال والماء والهواء ونحو ذلك، وقد ينتقل من مظهر إلى مظهر، وقد يبطل كما إذا فسدت المرآة والخيال، أو زالت المقابلة أو التخيل وبالجملة هو عالم عظيم الفسحة غير متناه، يحذو حذوا العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية، و قبول عناصره ومركباته آثار حركات أفلاكه وإشراقات العالم العقلي، وهذا ما قال الاقدمون إن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي لا يتناهى عجائبه ولا تحصى مدنه، ومن جملة تلك المدن جابلقا وجابرسا، وهما مدينتان عظيمتان لكل منهما ألف باب لا يحصى ما فيها من الخلائق، ومن هذا عالم يكون فيه الملائكة


= رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وماضاها هما أيضا ناظرة إلى هذه العوالم والله أعلم. وبالجملة يستفاد من هذه الروايات ان تلك العوالم اشرف وألطف من عالم المادة وإن لم تخل عن المقادير والعوارض الجسمانية مطلقا، فتنطبق على عالم المثال، لكن لا يوجب ذلك اثبات جميع الخواص التى يأتي نقلها عن شارح المقاصد لها، فان جلها لا يخلو عن مناقشة كظهور الصور المثالية في المرآة وادراكها عند غلبة الخوف والامراض، فان ما يصح من ذلك إنما هو من خواص المثال الاصغر الذى هو من مراتب النفس الانسانية والكلام في العوالم الخارجية وما يجئ من طعن العلامة المؤلف رحمه الله على هذا القول انما هو للالتزام بهذه الخصوصيات والا فهو لا ينكر الموجود المثالي رأسا، كيف وقد اذعن بصراحة روايات كثيرة في اثباته، وبه صحح كثيرا من المسائل الاعتقادية كما اشار إلى بعضها في ذيل هذا الباب. (1) القاموس: ج 2، ص 297، وج 3، ص 217 (*).

[352]

والجن والشياطين والغيلان لكونها من قبيل المثل أو النفوس الناطقة المفارقة الظاهرة فيها، وبه يظهر المجردات في صور مختلفة بالحسن والقبح، واللطافه و الكثافة، وغير ذلك بحسب استعداد القابل والفاعل، وعليه بنوا أمر المعاد الجسماني فإن البدن المثالي الذي يتصرف فيه النفس حكمه حكم البدن الحسي في أن له جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيلتذ (1) ويتألم باللذات والآلام الجسمانية وأيضا تكون من الصور المعلقة نورانية فيها نعيم السعداء، وظلمانية فيها عذاب الاشقياء، وكذا أمر المنامات وكثير من الادراكات، فإن جميع ما يرى في المنام أو التخيل في اليقظة بل نشاهد في الامراض وعند غلبة الخوف ونحو ذلك من الصور المقدارية التي لا تحقق لها في عالم الحس كلها من عالم المثل، وكذا كثير من الغرائب وخوارق العادات، كما يحكى عن بعض الاولياء أنه مع إقامته ببلدته كان من حاضري المسجد الحرام أيام الحج، وأنه ظهر من بعض جدران البيت أو خرج من بيت مسدود الابواب والكواء، وأنه أحضر بعض الاشخاص والثمار أو غير ذلك من مسافة بعيدة جدا في زمان قريبة إلى غير ذلك، والقائلون بهذا العالم منهم من يدعي ثبوته بالمكاشفة والتجارب الصحيحة، ومنهم من يحتج بأن ما يشاهد من تلك الصور الجزئية ليست عدما صرفا ولا من عالم الماديات وهو ظاهر، ولا من عالم العقل لكونها ذوات مقدار، ولا مر تسمة في الاجزاء الدماغية لامتناع ارتسام الكبير في الصغير، ولما كانت الدعوى عالية والشبه واهية كما سبق لم يلتفت إليه المحققون من الحكماء والمتكلمين (انتهى). ونقل بعضهم عن المعلم الاول في الرد على من قال: إن العالم الجسماني أكثر من واحد: وقد قالت متألهو الحكماء كهرمس، وأنباذ قلس، وفيثاغورس وأفلاطن وغيرهم من الافاضل القدماء إن في الوجود عوالم اخرى ذوات مقادير غير هذا العالم الذي نحن فيه وغير النفس والعقل، وفيها العجائب والغرائب، و فيها من البلاد والعباد، والانهار والبحار والاشجار، والصور المليحة والقبيحة


(1) فيتلذذ (خ) (*).

[353]

ما لا يتناهى، ويقع هذا العالم في الاقليم الثامن الذي فيه جابلقا وجابرسا، وهو إقليم ذات العجائب، وهي في وسط ترتيب العوالم، ولهذا العالم افقان: الاول و هو الالطف من الفلك الاقصى الذي نحن فيه، وهو يقع (1) من إدراك الحواس والافق الاعلى يلي النفس الناطقة وهو أكثف منها، والطبقات المختلفة الانواع من اللطيفة والكثيفة والمتلذذة والمهجة والموملة والمزعجة لا يتناهى بينهما، و لابد لك من المرور عليه، وقد يشاهد هذا العالم بعض الكهنة والسحرة وأهل العلوم الروحانية، فعليك بالايمان بها، وإياك والانكار. وقال أرسطو في (اثولوجيا): من وراء هذا العالم سماء وأرض وبحرو حيوان ونبات وناس سماويون، وكل من في هذا العالم الجسماني، وليس هناك شئ أرضي، والروحانيون الذين هناك ملائمون للانس الذي هناك، لا ينفر بعضهم عن بعض، وكل واحد لا ينفر عن صاحبه، ولا يضاده، بل يستريح إليه. وقال صاحب الفتوحات: في كل خلق الله تعالى عوالم يسبحون الليل و النهار لا يفترون، وخلق الله من جملة عوالمها عاما على صورنا، إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها، وقد أشار إلى ذلك عبد الله بن عباس فيما روي عنه في حديث: هذه الكعبة وإنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا، وإن في كل أرض من الارضين السبع خلقا مثلنا حتى أن فيهم ابن عباس مثلي. وصدقت هذه الرواية عند أهل الكشف، وكل منها حي ناطق، وهي باقية لا تفنى ولا تتبدل، وإذا دخلها العارفون إنما يدخلون بأرواحهم لا بأجسامهم، فيتركون هياكلهم في هذه الارض الدنيا ويتجردون، وفيها مدائن لا تحصى، وبعضها تسمى (مدائن النور) لا يدخلها من العارفين إلا كل مصطفى مختار، وكل حديث وآية وردت عندنا مما صرفها العقل من ظاهرها وجدناها على ظاهرها في هذه الارض، وكل جسد يتشكل فيه الروحاني من ملك وجن، وكل صورة يرى الانسان فيها نفسه في النوم فمن أجساد هذه الارض (انتهى).


(1) يقطع (خ) (*).

[354]

واقول: ما أشبه هذه المزخرفات بالخرافات والخيالات الواهية والاوهام الفاسدة، ولا يتوقف تصحيح شئ مما ذكروه على القول بهذا المذهب السخيف، و بسط القول فيه يؤدي إلى الاطناب، وأما الاجساد المثالية التي قلنا بها فليس من هذا القبيل كما عرفت تحقيقه في المجلد الثالث، وأكثر أخبار هذا الباب يمكن حملها على ظواهرها، إذ لم يدر أحد سوى الانبياء والاوصياء ما حول جميع العالم حتى يحكم بعدمها، وما قاله الحكماء والرياضيون في ذلك فهو على الخرص والتخمين والله الهادي إلى الحق المبين. (تنبيه) قد يستدل على ثبوت عالم المثال بما رواه الشيخ البهائي - ره - في كتاب (مفتاح الفلاح) عند تأويل ما ورد في دعاء التعقيب (يامن أظهر الجميل وستر القبيح) عن الصادق عليه السلام أنه قال: ما من مؤمن إلا وله مثال في العرش، فإذا اشتغل بالركوع والسجود ونحوهما فعل مثاله مثل فعله، فعند ذلك تراه الملائكة عند العرش ويصلون (1) ويستغفرون له، وإذا اشتغل العبد بمعصية أرخى الله تعالى على مثاله سترا لئلا تطلع المئلاكة عليها، فهذا تأويل (يا من أظهر الجميل وستر القبيح) (انتهى). واقول: وإن أمكن تأويله (2) على ما ذكروه، لكن ليس فيه دلالة على الخصوصيات التي أثبتوها، ولا على عمومها في كل شئ، وكذا الكلام فيما ورد من كون صورة أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام ورؤية الرسول صلى الله عليه وآله وآدم عليه السلام أشباح الائمة علهيم السلام عن يمين العرش، وأمثال ذلك كثيرة والكلام في الجميع واحد، و نحن لا ننكر وجود الاجسام المثالية وتعلق الارواح بها بعد الموت، بل نثبتها لدلالة الاحاديث المعتبرة الصريحة عليها، بل لا يبعد عندي وجودها قبل الموت أيضا فتتعلق


(1) في المخطوطة: فيصلون. (2) في المخطوطة: تطبيقه (*).

[355]

بها الارواح في حال النوم وشبهه من الاحوال التي يضعف تعلفها بالاجساد الاصلية فيسير بها في عوالم الملك والملكوت، ولا أستبعد في الارواح القوية تعلقها بالاجساد المثالية الكثيرة، وتصرفها في جميعها في حالة واحدة، فلا يستبعد حضورهم في آن واحد عند جميع كثير من المحتضرين وغيرهم، لكن على وجه لا ينافي القواعد العقلية والقوانين الشرعية، وهذا المقام لا يسع لبسط القول فيها، وبعض العقول القاصرة عن درك الحقائق الخفية ربما لم يحتملها، فلذا طويناها على غرها، والله الموفق لنيل غوامض الدقائق وسرها. 3. (باب) * (أنه لم سميت الدنيا دنيا والاخرة آخرة) * 1 - العلل: عن علي بن أحمد بن (1) محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، بإسناده رفعه قال: أتى علي بن أبيطالب عليه السلام يهودي فسأله عن مسائل، فكان فيما يسأله (2) لم سميت الدنيا دنيا ؟ ولم سميت الآخرة آخرة، فقال عليه السلام: إنما سميت الدنيا دنيا لانها أدنى من كل شئ، وسميت الآخره آخرة لان فيها الجزاء والثواب (3).


(1) الظاهر انه على بن أحمد الدقاق، وروى الصدوق - ره - في التوحيد وغيره من كتبه عنه وعن على بن احمد بن محمد، وعن على بن احمد بن محمد بن عمران، وفي الفقيه عن على بن احمد بن موسى الدقاق، وفي كمال الدين (177) عن على بن احمد بن محمد بن موسى بن عمران والظاهر اتحاد الجميع، قال الوحيد - ره - الظاهران على بن احمد بن محمد بن عمران من مشايخ الصدوق وهو على بن احمد بن موسى الدقاق، وقال في تنقيح المقال: لم اقف على رواية الصدوق عمن سماه (يعنى الوحيد) واتحاد على بن احمد بن موسى مع على بن احمد بن محمد بن عمران بعيدا جدا (انتهى) لكن روايته عن احمد بن محمد بن عمران كثيرة في التوحيد وسائر كتبه وما رواه في كمال الدين يقرب ما استبعده ويؤيد ما استظهره الوحيد رحمهما الله بل ما استظهرنا من اتحاد الجميع والله العالم. (2) في المخطوطة: في ما سأله. (3) علل الشرائع: ج 1، ص 2 (*).

[356]

2 - ومنه: فيما سأل يزيد بن سلام النبي صلى الله عليه وآله سأله عن الدنيا لم سميت الدنيا ؟ قال: لان الدنيا دنية خلقت من دون الآخرة، ولو خلقت مع الآخرة لم يفن أهلها كما لا يفنى أهل الآخرة. قال: فأخبرني لم سميت الآخرة آخرة ؟ قال: لانها متأخرة تجئ من بعد الدنيا، لا توصف سنينها، ولا تحصى أيامها، ولا يموت سكانها (1) (الخبر). بيان: قوله في الخبر الاول (لانها أدنى من كل شئ) أي أقرب بحسب المكان أو بحسب الزمان، أو أخس وأرذل على وفق الخبر الثاني. وقوله (لان فيها الجزاء) لعله بيان لملزوم العلة، أي لما كان فيها الجزاء، والجزاء متأخر عن العمل، فلذا جعلت بعد الدنيا وسميت بذلك. قال الله عزوجل (يأخذون عرض هذا الادنى (2) يعني الدنيا من الدنو بمعنى القرب، وقال سبحانه (ولنذيقنهم من العذاب الادنى (3)) وبالجملة الادنى والدنيا يصرفان على وجوه، فتارة يعبر به عن الاقل فيقابل بالاكثر والاكبر، وتارة عن الارذل والاحقر فيقابل بالاعلى والافضل، وتارة عن الاقرب فيقابل بالاقصى، وتارة عن الاولى فيقابل بالآخرة وبجميع ذلك ورد التنزيل على بعض الوجوه. وقال الجزري: الدنيا اسم لهذه الحياة لبعد الآخرة عنها.


(1) علل الشرائع ج 2، ص 156. (2) الاعراف: 169. (3) الرعد: 21 (*).

[357]

4 (باب) * (القلم، واللوح المحفوظ، والكتاب المبين، والامام) * * (المبين، وام الكتاب) * الآيات: هود: وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (1). طه: قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (2). الحج: ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والارض إن ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير (3). النمل: وما من غائبة في السماء والارض إلا في كتاب مبين (4). سبأ: لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (5). فاطر: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (6). يس: وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (7). الزخرف: وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم (8).


(1) هود: 6. (2) طه: 52. (3) الحج: 70. (4) النمل: 75. (5) سبأ: 3. (6) فاطر: 11. (7) يس: 12. (8) الزخرف: 4.

[358]

ق وعندنا كتاب حفيظ (1). الطور: وكتاب مسطور في رق منشور (2). الحديد: ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله بسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم (3). القلم: ن والقلم وما يسطرون (4). النبأ: وكل شئ أحصيناه كتابا (5). البروج: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ (6). تفسير: قال الطبرسي - ره -: (كل في كتاب مبين) هذا إخبار منه سبحانه أن جميع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر، وهو اللوح المحفوظ، وإنما اثبت ذلك مع أنه عالم لذاته لا يعزب عن علمه شئ من مخلوقاته لما فيه من اللطف للملائكة أو لمن يخبر بذلك (7). وقال - ره - في قوله سبحانه (علمها عند ربي): أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازيهم بها، والتقدير: علم أعمالهم عند ربي (في كتاب) يعني اللوح المحفوظ، و المعنى: أن أعمالهم مكتوبة مثبته عليهم، وقيل: المراد بالكتاب ما تكتبه الملائكة. (لا يضل ربي) أي لا يذهب عليه شئ، وقيل: أي لا يخطئ ربي (ولا ينسى) من النسيان، أو بمعنى الترك (8). وقال الرازي في قوله تعالى (إن ذلك في كتاب) في الكتاب قولان: أحدهما - وهو قول أبي مسلم - أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد، يقال: كتبت


(1) ق: 4. (2) الطور: 2 - 3. (3) الحديد: 22. (4) القلم: 1. (5) النبأ: 29. (6) البروج: 21 - 22. (7) مجمع البيان: ج 5، ص 144. (8) مجمع البيان: ج 7، ص 13 (*).

[359]

المزادة (1) إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها، ومعنى الكتاب بين الناس: حفظ ما يتعاملون به، فالمراد من قوله (إن ذلك في كتاب) أنه محفوظ عنده. و الثاني: وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السماوات والارض كتبه (2) في اللوح المحفوظ، وهذا أولى، لان القول الاول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق، ولكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الامور، فكان حمله عليه أولى. فإن قيل: يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب، وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب ؟ فالجواب عن الاول أن كتبه تلك الاشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب، وعن الثاني أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه، فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات. وأما قوله (إن ذلك على الله يسير) فمعناه أن كتبه جملة الحوادث من أنها من الغيب مما يتعذر عى الخلق، لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى، كانت يعبر عن ذلك بأنه يسير، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الامور، ويتعالى (3) الله عن ذلك (4). وقال الطبرسي ره في قوله سبحانه (وما من غائبة) أي خصلة غائبة (في السماء والارض) يعني جميع ما أخفاه عن خلقه وغيبه عنهم (إلا في كتاب مبين) أي إلا وهو مبين في اللوح المحفوظ (5). (لا يعزب عنه) أي لا يفوته (إلا في كتاب مبين) يعني اللوح المحفوظ (6).


(1) المزادة بفتح الميم: ما يوضح فيه الزاد، وخرزها بالخاء المعجمة ثم الراء المهملة ثم الزاى المعجمة: شدها وإحكامها. وفي المصدر: كتبت المزادة اكتبها (2) في المصدر: فقد كتبه. (3) في المصدر: تعالى. (4) مفاتيح الغيب، ج 6، ص 259. (5) مجمع البيان: ج 7، ص 232. (6) مجمع البيان: ج 8 ص 377 (*).

[360]

وفي قوله (وما يعمر من معمر) أي لا يمد في عمر معمر (ولا ينقص من عمره) أي من عمر ذلك المعمر بانقضاء الاوقات عليه، وقيل: معناه ولا ينقص من عمر غير ذلك المعمر، وقيل: هو ما يعلمه الله أن فلانا لو أطاع لبقي إلى وقت كذا، وإذا عصى نقص عمره فلا يبقى (إلا في كتاب) أي إلا وذلك مثبت في اللوح المحفوظ (1). وقال: (وكل شيئ أحصيناه) أي أحصينا وعددنا كل شئ من الحوادث في كتاب ظاهر وهو اللوح المحفوظ، وقيل: أراد به صحائف الاعمال (2). اقول: وقد ورد في كثير من الاخبار أن المراد بالامام المبين أمير المؤمنين عليه السلام كما مر. (وأنه) أي القرآن (في ام الكتاب) في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية (لدينا لعلي) رفيع الشأن (حكيم) ذو حكمة بالغة، كذا قيل، وفي كثير من الاخبار أن الضمير راجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام والمراد بام الكتاب السورة الفاتحة، فإنه عليه السلام مكتوب فيها في قوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) قالوا: الصراط المستقيم هو أمير المؤمنين عليه السلام ومعرفته وطريقته. (وعندنا كتاب حفيظ) قال الطبرسي - ره - أي حافظ لعدتهم وأسمائهم وهو اللوح المحفوظ، وقيل: أي محفوظ عن البلى والدروس، وهو كتاب الحفظة (3. (وكتاب مسطور) أي مكتوب (في رق منشور) وهو الكتاب الذي كتبه الله لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون، وقيل: هو القرآن مكتوب عند الله في اللوح (4) وهو الرق المنشور، وقيل: هو صحائف الاعمال، وقيل: هو التورية وقيل: إنه القرآن يكتبه المؤمنون في رق وينشرونه لقراءته والرق ما يكتب فيه (5).


(1) مجمع البيان: ج 8 ص 403. (2) مجمع البيان: ج 8، ص 418. (3) مجمع البيان: ج 9، 141. (4) في المصدر: في اللوح المحفوظ. (5) مجمع البيان: ج 9، ص 163 (*).

[361]

وفي قوله تعالى (ما أصاب من مصيبة في الارض) مثل قحط المطرو قلة النبات ونقص الثمرات (ولا في أنفسكم) من الامراض والثكل بالاولاد (إلا في كتاب) أي إلا وهو مثبت (1) في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الانفس (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) أي فعلنا ذلك لكيلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا (ولا تفرحوا بما آتيكم) أي بما أعطاكم الله منها، والذي يوجب نفي الاسى والفرح من هذين أن الانسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه والحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به، وأيضا إذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له بل يجب أن يهتم لامر الآخره التي تدوم ولا تبيد (2). وقال البيضاوي: (من قبل أن نبرأها) أي نخلقها، والضمير للمصيبة، أو لارض، أو للانفس، وقال في قوله (لكيلا تأسوا) فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الامر، وفيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت وطباعها، وأما حصولها وبقاؤها فلابد لهما من سبب يوجدها ويبقيها، والمراد منه نفي الاسى المانع من التسليم لامر الله والفرح الموجب للبطرو الاختيال، ولذلك عقبه بقوله (والله لا يحب كل مختال فخور (3)) (انتهى). وقال الطبرسي - ره -: اختلف في معنى (نون) فقيل: هو اسم من أسماء السورة، وقيل: هو الحوت الذي عليه الارضون، عن ابن عباس وغيره: وقيل: هو حرف من حروف الرحمن. في رواية اخرى عن ابن عباس، وقيل: هو الدواة عن الحسن وغيره، وقيل: هو لوح من نور، وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: هو نهر في الجنة، قال الله له كن مدادا فجمد، وكان أبيض من اللبن وأحلى من الشهد، ثم قال للقلم: اكتب فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة


(1) في المصدر: يعنى إلا وهو مثبت مذكور في اللوح المحفوظ. (2) مجمع البيان: ج 9، ص 240. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 469 (*).

[362]

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، وقيل: المراد به الحوت في البحر، وهو من آيات الله تعالى، إذ خلقها من الماء، فإذا فارق الماء مات، كما أن حيوان البر إذا خالط الماء مات، والقلم هو الذي يكتب به، أقسم الله تعالى به لمنافع الخلق، إذ هو أحد لساني الانسان يؤدي عنه ما في جنانه، ويبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه وبه يحفظ أحكام الدين، وبه تستقيم امور العالمين، وقد قيل: إن البيان بيانان: بيان اللسان، وبيان البنان، وبيان اللسان تدرسه الاعوام، وبيان الاقلام باق على مر الايام. (وما يسطرون) وما تكتبه الملائكة مما يوحى إليهم، وما يكتبونه من أعمال بني آدم، وقيل: ما مصدرية (1) (انتهى). وقال الرازي: والقلم فيه وجهان: أحدهما أن المقسم به هو هذا الجنس وهو واقع على كل قلم في السماء وفي الارض، كما قال (وربك الاكرم الذي علم بالقلم (2)) الثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود، والذي جاء في الخبر (أول ما خلق الله القلم) قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والارض، و روى مجاهد عنه قال: إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز، لان القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حيا عاقلا (3) فيؤمر وينهى، فإن الجمع بين كونه حيوانا مكلفا و بين كونه آلة الكتابة محال، قال: بل المراد أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (4)) فإنه ليس هناك أمر


(1) مجمع البيان، ج 10، ص 332. (2) العلق: 4. (3) بناء على كون القلم مجردا عن المادة يندفع هذا الاشكال لان التجرد لا ينفك عن العقل والحياة فافهم. (4) البقرة: 117 (*).

[363]

ولا تكليف، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور هاهنا هو العقل، وأنه شئ كالاصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه روي في الاخبار أنه أول ما خلق الله، وفي خبر [آخر] أن أول ما خلق الله العقل، وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت إلى آخر ما مر، قالوا: فهذه الاخبار مجموعها تدل على أن العقل والقلم وتلك الجوهرة التي هي أصل. المخلوقات شئ واحد وإلا لتناقض (1) (انتهى). اقول: ويمكن الجمع بوجوه اخرى كما مر. (وكل شئ أحصيناه كتابا) قال البيضاوي: (كتابا) مصدر لاحصيناه فإن الاحصاء والكتبة مشاركان (2) في معنى الضبط، أو لفعله المقدر، أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح أو صحف الحفظة (3). (في لوح محفوظ) قال الرازي: أي محفوظ عن أن يمسه إلا المطهرون، أو عن اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين، أو عن أن يجري فيه تغيير وتبديل ثم قال: قال بعض المتكلمين: إن اللوح شئ يلوح للملائكة فيقرؤنه، فلما (4) كانت الاخبار والاثار واردة بذلك وجب التصديق به (5) (انتهى). وأقول: ما ورد في الكتاب والسنة من أمثال ذلك لا يجوز تأويله والتصرف فيه بمحض استبعاد الوهم بلا برهان وحجة ونص معارض يدعو إلى ذلك، وما ورد في بعض الاخبار أن اللوح والقلم ملكان لا ينافي ظاهره كما لا يخفى. ويظهر من الاخبار أن لله عزوجل لوحين: اللوح المحفوظ وهو لا يتغير، ولوح المحو و الاثبات وفيه يكون البداء، كما مر تحقيقه في بابه، ويومئ إليه قوله سبحانه


(1) في المصدر: وإلا حصل التناقض. مفاتيح الغيب: ج 8، ص 260. (2) في المصدر: يتشاركان. (3) انوار التنزيل: ج 2، ص 589. (4) في المخطوطة: ولما. (5) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 528 (*).

[364]

(يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب (1)). وذكر الرازي في المحو والاثبات وجوها إلى أن قال: الثامن أنه في الارزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة، ثم قال: وأما (ام الكتاب) فالمراد أصل الكتاب، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الاصل اما (2) ومنه (ام الرأس) للدماغ، و (ام القرى) لمكة، فكذلك (ام الكتاب) هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب، وفيه قولان الاول أن ام الكتاب هو اللوح المحفوظ، وجميع حوادث العالم العلوي والسفلي مثبت فيه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: كان الله ولا شئ (3) ثم خلق اللوح وأثبت فيه جميع أحوال الخلق (4) إلى يوم القيامة، وعلى هذا التقدير عند الله كتابان: أحدهما الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق، وذلك الكتاب محل المحو والاثبات، والكتاب الثاني اللوح المحفوظ وهو الكتاب المشتمل على تعيين نفس جميع الاحوال العلوية والسفلية، وهو الباقي. روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله تعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء. والقول الثاني أن ام الكتاب هو علم الله فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات، والمعلومات وإن تغيرت إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغيير، فالمراد بام الكتاب هو ذاك (5) (انتهى) وقال الطبرسي - ره -: في تضاعيف الاقوال في ذلك: الرابع أنه عام في كل شئ فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الاجل، ويمحو (6) السعادة والشقاوة، وروى عكرمة


(1) الرعد: 39. (2) في المصدر: مجرى الاصل للشئ اما له. (3) في المصدر: ولا شئ معه. (4) في المصدر: أحوال جميع الخلق. (5) مفاتيح الغيب: ج 5، ص 309. (6) في المصدر: فيمحو (*).

[365]

عن ابن عباس قال: هما كتابان: كتاب سوى ام الكتاب يمحو الله منه ما يشاء و يثبت، وام الكتاب لا يغير منه شئ، ورواه عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: وام الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، لان الكتب المنزلة انتسخت منه، فالمحو والاثبات إنما يقع في الكتب المنتسخة لا في أصل الكتاب، عن أكثر المفسرين، وقيل: سمي ام الكتاب لانه الاصل الذي كتب فيه أولا سيكون كذا وكذا لكل ما يكون، فإذا وقع كتب أنه قد كان ما قيل إنه سيكون، والوجه في ذلك ما فيه من المصلحة والاعتبار لمن تفكر فيه من الملائكة الذين يشاهدونه إذا قابلوا ما يكون بما هو مكتوب فيه وعلموا أن ما يحدث على كثرته قد أحصاه الله وعلمه قبل أن يكون، مع أن ذلك أهول في الصدور، و أعظم في النفوس، حتى كأن من تصوره وتفكر فيه مشاهد له (1) (انتهى). واعلم أن للحكماء في تلك الابواب خرافات تنتهي إلى المحالات، ثم إلى الزندقة والخروج عن مذاهب أرباب الديانات، وردوا في لباس التأويل أكثر الآيات والروايات، وإن زعموا تطبيقها عليها بأنواع المتحملات، فبعضهم يقول: القلم هو العقل الاول، وجميع صور الاشياء حاصلة فيه على وجه بسيط عقلي مقدس عن شائبة كثرة وتفصيل، وهو صورة القضاء الالهي، وهو بهذا الاعتبار يسمى بام الكاب، ومنه ينتقش في ألواح النفوس الكلية السماوية كما ينتسخ بالقلم في اللوح صور معلومة مضبوطة منوطة بعللها وأسبابها على وجه كلي، وهو قدره تعالى ومن هذه النفوس الكلية ينتقش في قواها المنطبعة الخيالية نقوش جزئية متشكلة بأشكال وهيئات معينة على طبق ما يظهر في الخارج، وهذا العالم هو لوح القدر كما أن عالم النفوس الكلية هو لوح القضاء، وكل منهما بهذا الاعتبار كتاب مبين، إلا أن الاول محفوظ من المحو والاثبات، والثاني كتاب المحو والاثبات وفيه يكون البداء، لان القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الامور دفعة واحدة، لعدم تناهيها، بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا، و


(1) مجمع البيان، ج 5، ص 298 (*).

[366]

جملة فجملة، مع أسبابها وعللها على نهج مستمر، ونظام مستمر، فان ما يحدث في عالم الكون والفساد إنما هو من لوازم حركات الافلاك ونتائج بركاتها، فمتى يعلم أن كلما كان كذا كان كذا ومهما حصل العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه، فينتقش فيها ذلك الحكم، وربما تأخر بعض الاسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الاسباب لو لا ذلك السبب، ولم يحصل لها العلم بذلك السبب بعد، لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الاول، يمحو عنها نقش الحكم السابق ويثبت الحكم الآخر، ولما كان أسباب هذا التخيل ينتهي إليه سبحانه نسب البداء إليها مع إحاطة علمه سبحانه بالكليات والجزئيات جميعا أزلا وأبدا. 1 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أول ما خلق الله القلم، فقال له (اكتب) فكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة (1). 2 - ومنه: في قوله (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) قال: اللوح المحفوظ له طرفان: طرف على [يمين] العرش، وطرف على جبهة إسرافيل، فإذا تكلم الرب جل ذكره بالوحي ضرب اللوح جبين إسرافيل فنظر في اللوح، فيوحي بما في اللوح إلى جبرئيل (2). 3 - ومنه: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: سألته عن (ن والقلم) قال: إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد، ثم قال لنهر في الجنة كن مدادا فجمد النهر، وكان أشد بياضا من الثلج، وأحلى من الشهد، ثم قال للقلم: اكتب، قال: يا رب ما أكتب ؟ قال: اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فكتب القلم في رق أشد بياضا من الفضة، وأصفى من الياقوت، ثم طواه فجعله في ركن العرش، ثم ختم على


(1) تفسير القمى: 536. (2) تفسير القمى: 720 (*).

[367]

فم القلم، فلم ينطق بعد، ولا ينطق أبدا، فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها، أو لستم عربا ؟ ! فكيف لا تعرفون معنى الكلام ؟ ! وأحدكم يقول لصاحبه (انسخ ذلك الكتاب) أو ليس إنما ينسخ من كتاب آخر (1) من الاصل، وهو قوله (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) (2). بيان: هذا يدل على أن أولية خلق القلم إضافية، لسبق خلق الجنة عليه (3). 4 - العلل: قال: حدثنا علي بن حبشي بن قوني فيما كتب إلي عن حميد (4) بن زياد، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمد بن سلمة، عن يحيى بن أبي العلاء الرازي، أن رجلا دخل على أبي عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك، أخبرني عن قول الله عزوجل (ن والقلم وما يسطرون) وأخبرني عن قول الله عزوجل لابليس (فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) وأخبرني عن هذا البيت كيف صار فريضة على الخلق أن يأتوه ؟ قال: فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إليه وقال: ما سألني عن مسئلتك أحد قط قبلك، إن الله عزوجل لما قال للملائكة (إني جاعل في الارض خليفة) ضجت الملائكة من ذلك وقالوا: يا رب إن كنت لابد جاعلا في أرضك خليفة فاجعله منا من يعمل في خلقك بطاعتك. فرد عليهم (إني


(1) في المصدر: اخذ من الاصل. (2) تفسير القمى: 960. (3) الظاهر مما يأتي عن الصادق عليه السلام في رواية سفيان الثوري عنه أن ذكر كيفية خلق اللوح والقلم من نهر الخلد يجرى مجرى المثل، وحقيقة الامز انهما ملكان، ولا يبعد استظهار ذلك من كل ما يدل على كونهما ملكين. وربما يؤيد ذلك ما يدل على تأخر خلق الجنة عن خلق القلم فتأمل. (4) هكذا في نسخ البحار، وفي المصدر (جميل بن زياد) والظاهران نسخة البحار هو الصحيح، لكثرة رواية (حميد بن زياد) عن القاسم بن اسماعيل القرشى ووجود رواية (على بن حبشي) عنه، وهو حميد بن زياد بن حماد بن حماد بن زياد الدهقان ابو القاسم كوفى سكن (سوراع) وانتقل إلى (نينوى) كان ثقة واقفا وجها فيهم، سمع الكتب وصنف كتاب الجامع في انواع الشرائع، توفى سنة عشر وثلاثمائة (*).

[368]

أعلم ما لا تعلمون) فظنت الملائكة أن ذلك سخط من الله عزوجل عليهم، فلاذوا بالعرش يطوفون به، فأمر الله عزوجل لهم ببيت من مرمر سقفه ياقوتة حمراء، و أساطينه الزبرجد، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يدخلونه بعد ذلك إلى يوم الوقت المعلوم. قال: ويوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الاولى والثانية. وأما (ن) فكان نهرا في الجنة أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، قال الله عزوجل له: كن مدادا، فكان مدادا، ثم أخذ شجرة فغرسها بيده. ثم قال: واليد القوة، وليس بحيث تذهب إليه المشبهة ثم قال لها: كوني قلما، ثم قال له: اكتب، فقال: يا رب وما أكتب ؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة. ففعل ذلك، ثم ختم عليه، وقال: لا تنطقن إلى يوم الوقت المعلوم (1). 5 - معاني الاخبار: عن محمد بن هرون الزنجاني، عن معاذ بن المثنى، عن عبد الله بن أسماء، عن جويرة، عن سفيان الثوري، قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن (ن) فقال: هو نهر في الجنة، قال الله عزوجل: احمد، فجمد فصار مدادا ثم قال عزوجل للقلم: اكتب، فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمداد مداد من نور، والقلم قلم من نور واللوح لوح من نور، قال سفيان: فقلت له: يا ابن رسول الله بين لي أمر اللوح والقلم والمداد فضل بيان، وعلمني مما علمك الله. فقال: يا ابن سعيد، لو لا أنك أهل للجواب ما أجبتك فنون ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك، والقلم يؤدي إلى اللوح وهو ملك، واللوح يؤدي إلى إسرافيل، وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل، وميكائيل يؤدي إلى جبرئيل وجبرئيل يؤدي إلى الانبياء والرسل. قال: ثم قال لي: قم يا سفيان فلا آمن عليك (2). 6 - ومنه عن أحمد بن الحسن القطان، عن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن أحمد بن عيسى بن أبي مريم، عن محمد بن أحمد العرزمي، عن علي بن حاتم المنقري


(1) علل الشرائع، ج 2 ص 87. (2) معاني الاخبار: 23.

[369]

عن إبراهيم الكرخي، قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن اللوح والقلم، فقال: هما ملكان (1). 7 - العياشي: عن محمد بن مروان، عن الصادق عن أبيه عليهما السلام في قوله تعالى (ن والقلم وما يسطرون) قال: (ن) نهر في الجنة أشد بياضا من اللبن. قال: فأمر الله القلم فجرى بما هو كائن وما يكون، فهو بين يديه موضوع، ما شاء منه زاد فيه، وما شاء نقص منه، وما شاء كان، وما شاء لا يكون. أقول: تمامه في باب الطواف. 8 - الاختصاص: سأل ابن سلام النبي صلى الله عليه وآله عن (ن والقلم) قال: النون اللوح المحفوظ، والقلم نور ساطع وذلك قوله (ن والقلم وما يسطرون) قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما طوله ؟ وما عرضه ؟ وما مداده ؟ وأين مجراه ؟ قال: طول القلم خمسمأة سنة، وعرضه مسيرة ثمانين سنة، له ثمانون سنا يخرج المداد من بين أسنانه، يجري في اللوح المحفوظ بأمر الله وسلطانه. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن اللوح المحفوظ مما هو ؟ قال: من زمردة خضراء أجوافه اللؤلؤ، بطانته الرحمة. قال: صدقت يا محمد، قال فأخبرني كم لحظة لرب العالمين في اللوح المحفوظ في كل يوم وليلة ؟ قال: ثلاثمأة وستون لحظة. 9 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن اورمة، عن النوفلي، عن علي بن داود اليعقوبي، عن الحسن بن مقاتل، عمن سمع زرارة يقول: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن بدء النسل من آدم، فقال فيما قال: لم يختلف فقهاء أهل الحجاز ولا فقهاء أهل العراق أن الله عزوجل أمر القلم فجرى على اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيمة قبل حلق آدم بألفي عام، وأن كتب الله كلها فيما جرى فيه القلم، هذه الكتب المشهورة في هذا العالم: التورية، والانجيل، والزبور، والقرآن (2)، أنزلها الله من (3) اللوح


(1) معاني الاخبار: 30. (2) في المصدر: الفرقان. (3) في المصدر: عن

[370]

المحفوظ عن رسله (الخبر) (1). 10 - عقائد الصدوق: اعتقادنا في اللوح والقلم أنهما ملكان. أقول: قال الشيخ المفيد - ره -: اللوح كتاب الله كتب فيه ما يكون إلى يوم القيامة، وهو قوله تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) فاللوح هو الذكر والقلم هو الشئ الذي أحدث الله به الكتاب في اللوح وجعل اللوح أصلا لتعرف الملائكة منه ما يكون، فإذا أراد الله تعالى أن يطلع الملائكة على غيب له أو يرسلهم إلى الانبياء بذلك أمرهم بالاطلاع في اللوح، فحفظوا منه ما يؤدونه إلى من ارسلوا إليه، وعرفوا منه ما يعملون ولقد جاءت بذلك آثار عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة عليهم السلام فأما من ذهب إلى أن اللوح والقلم ملكان فقد أبعد بذلك ونآى عن الحق، إذ الملائكة لا تسمى ألواحا ولا أقلاما ولا يعرف في اللغة اسم ملك ولا بشر لوح ولا قلم. بيان: الصدوق - ره - تبع فيما ذكره الرواية، فلا اعتراض عليه، مع أنه لا تنافي بين ما ذكر المفيد وبين ذلك، إذ يمكن كونهما ملكين ومع ذلك يكون أحدهما آلة النقش، والآخر منقوشا فيه، ويحتمل أيضا أن يكون المراد بكونهما ملكين كون حامليهما ملكين مجازا. ولعل الايمان بمثل ذلك على الاجمال أسلم من الخطاء والضلال. 11 - العقائد للصدوق: اعتقادنا في نزول الوحي من عند الله عزوجل أن بين عيني إسرافيل لوحا، فإذا أراد الله سبحانه أن يتكلم بالوحي ضرب الله ذلك اللوح جبين إسرافيل، فينظر فيه فيقرء ما فيه فيلقيه إلى ميكائيل ويلقيه ميكائيل إلى جبرئيل فيلقيه جبرئيل إلى الانبياء. 12 - الدرر المنثور: عن أبي نعيم في الحلية، عن علي عليه السلام مرفوعا قال: الكرسي لؤلؤ، والقلم لؤلؤ، وطول القلم سبعمأة سنة، وطول الكرسي حيث لا


(1) علل الشرائع: ج 1، ص 18 (*).

[371]

يعلمه إلا العالمون (1). 13 - وعن ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله من شئ القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة والكتاب عنده قرأ (وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم) (2). 14 - وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: كنت مع أبي محمد بن علي، فقال له رجل: يا أبا جفعر ما بدء خلق هذا الركن ؟ فقال: إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فأقروا، وأجرى نهرا أحلى من العسل، وألين من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الاستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به (3). 15 - وعن أنس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والارض وهو عنده فوق العرش، والخلق منتهون إلى ما في ذلك الكتاب، وتصديق ذلك في كتاب الله (وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم). 16 - وعن ابن سابط قال: في ام الكتاب ما هو كائن إلى يوم القيامة، ووكل بما (4) فيه ثلاثة من الملائكة يحفظون، فوكل جبرئيل بالوحي ينزل به إلى الرسل وبالهلاك إذا أراد أن يهلك قوما كان صاحب ذلك، ووكل أيضا بالنصرف في الحروب إذا أراد الله أن ينصر، ووكل ميكائيل بالقطر أن يحفظه، ووكل بنبات الارض أن يحفظه، ووكل ملك الموت بقبض الانفس، فإذا ذهبت الدنيا جمع بين حفظهم وحفظ ام الكتاب فوجدهما (5) سواء (6).


(1) (2) الدر المنثور: ج 1، ص 328. (2) الدر المنثور: ج 6، 13. (3) الدر المنثور: ج 3، ص 144. (4) في المصدر: ووكل ثلاثة. (5) في المصدر: فوجدوه. (6) الدر المنثور: ج 6، 13 (*).

[372]

17 - وعن ابن جريج في قوله (وإنه في ام الكتاب) قال: الذكر الحكيم فيه كل شئ كان، وكل شئ يكون، وما نزل من كتاب فمنه (1). 18 - وعن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون) فقال: إن أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم خلق الالواح فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى، من خلق مخلوق، وعمل معمول، من بر أو فجور (2) وما كان من رزق حلال أو حرام، وما كان من رطب ويابس، ثم ألزم كل شئ من ذلك شأنه، دخوله في الدنيا متى، وبقاؤه فيها كم، وإلى كم يفنى، ثم وكل بذلك الكتاب الملائكة، ووكل بالخلق ملائكة فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة ذلك الكتاب فينسخون (3) ما يكون في كل يوم وليلة مقسوم على ما وكلوا به، ثم يأتون إلى الناس فيحفظونهم بأمر الله ويستبقونهم (4) إلى ما في أيديهم من تلك النسخ. فقام رجل فقال: يا ابن عباس ما كنا نرى هذا ! أتكتب الملائكة في كل يوم وليلة ؟ فقال: ابن عباس: ألستم قوما عربا ؟ ! (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) هل يستنسخ الشئ إلا من كتاب ؟ ! (5). 19 - وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) قال: هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات، تنزل من السماء كل غداة وعشية ما يصيب الانسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل والذي يغرق والذي يقع من فوق بيت والذي يتردى من فوق جبل، والذي يقع في بئر والذي يحرق بالنار، فيحفظون عليه ذلك كله، فإذا كان العشي صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء مكتوبا في الذكر الحكيم (6). وعن ابن عباس، قال: كتب في الذكر عنده كل شئ هو كائن، ثم بعث


(1) الدر المنشور ج 6 ص 13. (2) في المصدر: أو فاجر. (3) في المصدر: فيستنسخون. (4) في المصدر: فيسوقونهم. (5) الدر المنثور: ج 6، ص 36. (6) الدر المنثور: ج 6، ص 37 (*).

[373]

الحفظة على آدم وذريته، فالحفظة ينسخون من الذكر ما يعمل العباد، ثم قرأ (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) (1) 21 - وعن ابن عباس أن الله جل ذكره خلق العرش فاستوى عليه، ثم خلق القلم فأمره ليجري بأمره، وعظم القلم ما بين السماء والارض، فقال القلم: بما أجري يا رب ؟ قال: بما أنا خالق وكائن في خلقي من قطر، أو نبات، أو نفس أو أثر - يعني به العمل - أو رزق، أو أجل. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فأثبته الله في الكتاب المكنون عنده تحت العرش. وأما قوله (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) فإن الله وكل ملائكة يستنسخون من ذلك الكتاب كل عام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الارض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، فيعارضون به حفظة الله من العباد (2) كل عشية خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقا لما في كتابهم ذلك، ليس فيه زيادة ولا نقصان. وأما قوله (إنا كل شئ خلقناه بقدر) فإن الله خلق لكل شئ ما يشاكله من خلقه، وما يصلحه من رزقه، وخلق البعير خلقا لا يصلح شئ من خلقه على غيره من الدواب، وكذلك كل شئ من الدواب وخلق لدواب البر وطيرها من الرزق ما يصلحها في البر، وخلق لدواب البحر وطيرها من الرزق ما يصلحها في البحر فلذلك قوله (إنا كل شئ خلقناه بقدر) (3). 21 - وعن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله القلم، فتصور قلما من نور فقيل له: اجر في اللوح المحفوظ، قال: يا رب بماذا ؟ قال: بما يكون إلى يوم القيامة، فلما خلق الله الخلق وكل بالخلق حفظه يحفظون عليهم أعمالهم، فلما قامت القيامة عرضت عليهم أعمالهم، وقيل (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) عرض بالكتابين فكانا سواء (4).


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 37. (2) في المخطوطة: على العباد. (3) الدر المنثور: ج. (4) الدر المنثور: ج.

[374]

22 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (كل يوم هو في شأن) قال: إن مما خلق الله لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاة من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والارض، ينظر فيه كل يوم ثلاثمأة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفك (1) ويفعل ما يشاء فذلك قوله (كل يوم هو في شأن) (2). 23 - وعن الربيع بن أنس في قوله تعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) قال: القرآن الكريم هو القرآن، والكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ لا يمسه إلا المطهرون. قال: الملائكة هم المطهرون من الذنوب (3). 24 - وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الابد (4). 25 - وعن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (ن والقلم وما يسطرون) قال: لوح من نور، وقلم من نور: يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة (5). 26 - وعن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة وخلق القلم فقال: اكتب، قال: وما أكتب ؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (6). وعنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النون اللوح المحفوظ، والقلم من نور ساطع (7). 28 - وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن أول شئ خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب ؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل، أو أثر، أو رزق، أو أجل. فكتب ما يكون وما هو كائن إلى


(1) في المصدر: ويغل ويفك. (2) الدر المنثور: ج 6، ص 143. (3) الدر المنثور: ج 6، ص 162. (4 - 7) الدر المنثور: ج 6، ص 250 (*).

[375]

يوم القيامة، وذلك قوله (ن والقلم وما يسطرون) ثم ختم على فم القلم، فلم ينطق ولا ينطق (1) إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل فقال: وعزتي لاكملنك فيمن أحببت، ولانقصنك فيمن أبغضت (2). 29 - وعن قتادة والحسن قال: النون الدواة (3). 30 - وعن ابن عباس في الآية قال: خلق الله القلم، فقال (اجر) فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت، وهي النون فكبس عليها الارض ثم قال (ن والقلم وما يسطرون) (4). 31 - وعن ابن عباس في قوله (لوح محفوظ) قال: اخبرت أنه لوح واحد فيه الذكر، وأن ذلك اللوح من نور، وأنه مسيرة ثلثمأة سنة. 32 - وعن ابن عباس، قال: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق: اكتب علمي في خلقي. فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة. 33 - وعن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن لله لوحا من زبرجدة خضراء جعله تحت العرش، وكتب فيه أني أنا الله، لا إله إلا أنا، خلقت بضعة (5) عشر و ثلاثمأة خلق، من جاء مع شهادة أن لا إله إلا الله ادخل الجنة (6). 34 - وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن بين يدي الرحمن تبارك وتعالى للوحا فيه ثلثمأة وخمس عشرة شريعة، يقول الرحمن: وعزتي وجلالي لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا فيه واحدة منكن إلا أدخلته الجنة (7).


(1) في بعض النسخ (فلا ينطق إلى يوم القيامة) (2 و 3) الدر المنثور: ج 6، ص 250. (4) الدر المنثور: ج 6، ص 250. (5) في المصدر: خلقت ثلاثمأة وبضعة عشر خلقا من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة. (6) الدر المنثور: ج 6 ص 335. (7) الدر المنثور: ج 6، ص 335 (*).

[376]

35 - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلق الله لوحا من درة بيضاء، دفتاه من زبرجدة خضراء، كتابه من نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمأة وستين لحظة، يحيي، ويميت، ويخلق ويرزق، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء (1).


(1) الدر المنثور: ج 6، ص 335 أقول: الروايات في كون خلق القلم قبل خلق العالم كثيرة جدا يوثق بصدور بعضها إجمالا، وقد ذكرنا مرارا ان من العالم الزمان والمكان وانه ان وجد شئ قبلهما كان غنيا عنهما، وليس إلا ما هو مجرد عن شوائب المادة ونقائصها ويؤيد ذلك ما ورد في كون القلم واللوح ملكين فتفطن، ولعل السرفى التعبير عنهما بالنور هو تنزههما عن ظلمات المادة وغواشى الطبيعة كما ذكرنا في نور النبي والائمة عليهم الصلاة والسلام وعلى هذا فعلة عدم التصريح بالتجرد عن المادة والاقصتار على الرمز والاشارة في أمثال هذه الروايات هي الشفقة على عامة الناس لقصور فهم الاكثر عن درك حقيقته بل عن تصوره أيضا والله العالم وكيف كان فالتصديق الاجمالي بما ورد عن النبي وعترته المعصومين عليهم الصلاة والسلام في أمثال هذه المقامات أقرب إلى السلامة وأبعد عن الخطاء والزلة والله الهادى (*).

[377]

بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك اللهم على أن وفقتني للغوص في بحار الانوار، واقتناء درر الحكم ولآلي الاخبار، واصلي واسلم على رسولك المختار، وآله المصطفين الاخيار المجتبين الاطهار، معادن العلم وينابيع الحكمة ومصادر الآثار. أقتصر من حمدك بالاعتراف بالعجز عن اكتناه وصفك، وإحصاء نعمك، و من شكر أوليائك أولياء النعمة بالتطأمن تجاه مقامهم المنيع، ومكانهم الرفيع استحياء من القصور عن إيفاء حقهم، وخجلا من التقصير في أداء شكرهم، و إجلالا لشأنهم عندك، وإكبارا لقربهم منك. أنت كما أثنيت على نفسك، وأولياؤك كما أثنيت عليهم، فصل عليهم صلاة كثيرة دائمة لا تنبغي إلا لهم، ولا يعلم مبلغها غيرك. وبعد من الواجب علينا بنص فتيا العقل، وبما تواتر عليه من النقل، شكر المنعم وإيفاء الحق. ولعمر الحق من أعظم الناس حقا علينا معاشر المسلمين وأكبرهم إحسانا إلينا العلماء العظام والمحدثون الكبار، حيث بذلوا جهيداهم وأفرغوا طاقتهم ومقدرتهم لحفظ سنن النبي صلى الله عليه وآله وآثار الائمة من أهل بيته عليهم السلام ونشر علومهم وحكمهم وإبقائها لنا ولمن أراد الله أن يستخلفه من بعدهم، فجزاهم الله عنا وعن كافة أهل الاسلام خير الجزاء، وأجزل لهم الاجر والعطاء. ومن فطاحل العلماء وجهابذتهم، وفحول المحدثين وعباقرتهم، مولانا شيخ الاسلام محمد باقر المجلسي رضوان الله عليه وله من تلك الفضيلة حظ وافر، وعليه منا ومن قاطبة الشيعة ثناء عاطر، وشكر متواتر.

[378]

وقد كابد رحمه الله من المشقة والتعب، وقاسى من العناء والنصب، في الجمع والتأليف، والنظم والترصيف، ما جاز حد البيان، وأعجز القلم واللسان وليس يخفى ذلك على من تأمل في آثاره النفيسة البهية، ونظر في كتبه الثمينة القيمة، وسبرغور تآليفه الضخمة الفخمة. فعلينا وعلى كل من اقتطف من ثمار آثاره، وسبح في أجواء بحاره، وارتشف من مناهل موسوعاته إجمال الثناء عليه إعظاما لشأنه، وإكثار الدعاء له إيفاء لحقه. قدس الله سره، ورفع شأنه، و أعلى مقامه. ولقد بذلنا غاية مجهودنا في تصحيح هذا الجزء من كتابه المسمى (بحار الانوار) متنا وسندا، وتخريجه، والتعليق عليه بما يوضح جدده، ويقيم صدده أداء لبعض حقه، وشكرا لما أنعم المولى تعالى علينا من ولاية أوليائه، ولما بسر لنا من الاستضاءة بأنوارهم والاستفادة من علومهم. ولست أنسى الثناء على من وازرني وساهمني في هذا المشروع من إخواني الاماجد، لا سيما على زميلي الثقة الفاضل البارع (الشيخ عبد الكريم النيري البروجردي) حيث عاضدني بتصحيح الاسانيد، وترجمة بعض الرجال، وعلى الفاضل المتتبع الذكي (السيد جعفر الحسني اليزدي) وعلى سائر إخوانى الذين ساعدوني في التخريج والمقابلة بالنسخ والمصادر، وأسأل الله الكريم أن يديم توفيقنا جميعا ويزيدنا من فضله، إنه ذو فضل عظيم. قم المشرفة: محمد تقى اليزدى 12 / شعبان المعظم 1379.

[379]

(مراجع التصحيح والتخريج والتعليق) قوبل هذا الجزء بعدة نسخ مطبوعة ومخطوطة، منها النسخة المطبوعة بطهران سنة (1305) المعروفة بطبعة أمين الضرب، ومنها النسخة المطبوعة بتبرير ومنها النسخة المخطوطة النفيسة لمكتبة صاحب الفضيلة السيد جلال الدين الارموي الشهير ب‍ (المحدث) واعتمدنا في التخريج والتصحيح والتعليق على كتب كثيرة نسرد بعض أساميها: 1 - القرآن الكريم. 2 - تفسير علي بن إبراهيم القمي المطبوع سنة 1311 في ايران 3 - تفسير فرات الكوفي المطبوع سنة 1354 في النجف 4 - تفسير مجمع البيان المطبوع سنة 1373 في طهران 5 - تفسير أنوار التنزيل للقاضي البيضاوي المطبوع سنة 1285 في استانبول 6 - تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي المطبوع سنة 1294 في استانبول 7 - الاحتجاج للطبرسيي المطبوع سنة 1350 في النجف 8 - اصول الكافي للكليني المطبوع سنة - في طهران 9 - الاقبال للسيد بن طاوس المطبوع سنة 1312 في طهران 10 - تنبيه الخواطر لورام بن أبي فراس المطبوع سنة - في طهران 11 - التوحيد للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران 12 - ثواب الاعمال للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران 13 - الخصال للصدوق المطبوع سنة 1374 في طهران 14 - الدر المنثور للسيوطي 15 - روضة الكافي للكليني المطبوع سنة - في طهران

[380]

16 - علل الشرائع للصدوق المطبوع سنة 1378 في قم 17 - عيون الاخبار للصدوق المطبوع سنة 1377 في قم 18 - فروع الكافي للكليني المطبوع سنة - في - 19 - المحاسن للبرقي المطبوع سنة 1371 في طهران 20 - معاني الاخبار للصدوق المطبوع سنة 1379 في طهران 21 - مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المطبوع سنة 1378 في قم 22 - من لا يحضره الفقيه للصدوق المطبوع سنة 1376 في طهران 23 - نهج البلاغة للشريف الرضي المطبوع سنة ؟ ؟ في مصر 24 - اسد الغابة لعز الدين ابن الاثير المطبوع سنة ؟ ؟ في طهران 25 - تنقيح المقال للشيخ عبد الله المامقاني المطبوع سنة 1350 في النجف 26 - تهذيب الاسماء واللغات للحافظ محيى الدين بن شرف النوري المطبوع في مصر 27 - جامع الرواة للاردبيلي المطبوع سنة 1331 في طهران 28 - خلاصة تذهيب الكمال للحافظ الخزرجي المطبوع سنة 1322 في مصر 29 - رجال النجاشي المطبوع.... في طهران 30 - روضات الجنات للميرزا محمد باقر الموسوي المطبوع سنة 1367 في طهران 31 - الكنى والالقاب للمحدث القمي المطبوع سنة.... في صيدا 32 - لسان الميزان لابن حجر العسقلاني المطبوع سنة.... في حيدر آباد الدكن 33 - الرواشح السماوية للسيد محمد باقر الحسيني الشهير بالداماد المطبوع سنة 1311 في ايران 34 - القبسات للسيد محمد باقر الحسين الشهير بالداماد المطبوع سنة 1315 في ايران 35 - رسالة مذهب ارسطاطاليس للسيد محمد باقر الحسين الشهير بالداماد المطبوعة بهامش القبسات 36 - اثولو جيا المنسوب إلى ارسطاطاليس المطبوعة بهامش القبسات

[381]

37 - رسالة الحدوث لصدر المتألهين المطبوع سنة 1302 في ايران 38 - الشفاء للشيخ الرئيس ابى على بن سينا المطبوع سنة 1303 في ايران 39 - شرح التجريد تأليف المحقق الطوسى للعلامة الحلى المطبوع سنة 1367 في قم 40 - عين اليقين للمولى محسن الفيض الكاشاني المطبوع سنة 1313 في طهران 41 - مروج الذهب للمسعودي المطبوع سنة 1346 في مصر 42 - القاموس المحيط للفيروز آبادي المطبوع سنة 1332 في مصر 35 - رسالة مذهب ارسطاطاليس للسيد محمد باقر الحسين الشهير بالداماد المطبوعة بهامش القبسات 36 - اثولو جيا المنسوب إلى ارسطاطاليس المطبوعة بهامش القبسات

[381]

37 - رسالة الحدوث لصدر المتألهين المطبوع سنة 1302 في ايران 38 - الشفاء للشيخ الرئيس ابى على بن سينا المطبوع سنة 1303 في ايران 39 - شرح التجريد تأليف المحقق الطوسى للعلامة الحلى المطبوع سنة 1367 في قم 40 - عين اليقين للمولى محسن الفيض الكاشاني المطبوع سنة 1313 في طهران 41 - مروج الذهب للمسعودي المطبوع سنة 1346 في مصر 42 - القاموس المحيط للفيروز آبادي المطبوع سنة 1332 في مصر 43 - الصحاح للجوهري المطبوع سنة 1377 في مصر 44 - النهاية لمجد الدين ابن الاثير المطبوع سنة 1311 في مصر

[382]

(بسمه تعالى) إلى هنا تم الجزء الاول من الملجد الرابع عشر كتاب السماء والعالم من بحار الانوار وهو الجزء الرابع والخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهية. وقد قابلناه على النسخة التي صححها الفاضل الخبير الشيخ محمد تقي اليزدي بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية