الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 45

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 45


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الخامس والاربعون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب: 1457 - هاتف: 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم [بقية الباب 37] [سائر ما جرى عليه بعد بيعة الناس] [ليزيد بن معاوية إلى شهادته صلوات الله عليه] فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاطه فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة، ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: يا برير أتضحك ؟ ما هذه ساعة باطل، فقال برير: لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا، وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فوالله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثم نعانق الحور العين (1). رجعنا إلى رواية المفيد قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إني جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني (2) إذا اعتزل أبي في خباء له، وعنده فلان (3) مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه


(1) كتاب الملهوف ص 84. (2) يقال: مرضه - من باب التفعيل إذا أحسن القيام عليه في مرضه وتكفل بمداواته، قال في اللسان: جاءت فعلت هنا للسلب وان كانت في أكثر الامر انما تكون للاثبات. (3) جون. خ ل. وفى المصدر: جوين.

[2]

وأبي يقول: يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب وطالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى الجليل * وكل حي سالك سبيلي فأعادها مرتين، أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، وقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، فنظر إليها الحسين عليه السلام وقال لها: يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان ! وترقرقت عيناه بالدموع، وقال: لو ترك القطا [ليلا] لنام (1) فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا ؟ (2) فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها. فقام إليها الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء وقال لها: يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الارض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأن


(1) القطا: جمع قطاة وهى طائر في حجم الحمام صوته قطاقطا وهذا مثل. قال الميداني: نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد، فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأة زوجها فقال: انما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الامثال ج 2 ص 174 تحت الرقم 3231. (2) لا أرى لذكر الاغتصاب وجها والظاهر أنه تصحيف والصحيح: " أفتحتسب نفسك احتسابا ". يقال: احتسب ولدا له: إذ امات ولده كبيرا، ومثله احتسب نفسه: إذا عدها شهيدا في ذات الله، وقد مر في ص 138 من ج 44 كلام الحسن بن على عليهما السلام " اللهم انى احتسب نفسي عندك " فراجع.

[3]

كل شئ هالك إلا وجه الله تعالى، الذي خلق الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده، وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أختاه إني أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي. ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم قد حفت بهم، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع عليه السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون (1). وقال في المناقب: فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة ؟ فقالوا: وما الذي رأيت يا ابن رسول الله ؟ فقال: رأيت كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الاعلى فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر ! فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت وقد أزف الامر (2) واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك. وقال المفيد: قال الضحاك بن عبد الله: ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينا عليه السلام ليقرأ " فلا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه


(1) كتاب الارشاد ص 215 و 216. (2) في الاصل: وقد أنف الامر، وأظنه تصحيفا.

[4]

حتى يميز الخبيث من الطيب " (1) فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له: عبد الله ابن سمير، وكان مضحاكا وكان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال: نحن ورب الطيبون ميزنا بكم، فقال له برير بن الخضير: يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين ؟ قال له: من أنت ويلك، قال: أنا برير بن الخضير فتسابا. وأصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، وقال محمد بن أبي طالب: وفي رواية اخرى اثنان وثمانون راجلا وقال السيد: روي عن الباقر عليه السلام أنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكذا قال ابن نما: وقال المفيد: فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب ابن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك، وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. وأصبح عمربن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة، وقيل يوم السبت فعبأ أصحابه، وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين، وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته شمربن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي وأعطى الراية دريدا مولاه، وقال محمد بن أبي طالب: وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفا، وفي رواية عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا قال المفيد: وروي عن علي بن الحسين أنه قال: لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه وقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت [فيه] العدو، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة قال: فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين، فيرون الخندق في ظهورهم


(1) آل عمران: 178 و 179.

[5]

والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان القي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلا صوته: يا حسين أتعجلت، بالنار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين عليه السلام: من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن ؟ فقالوا: نعم، فقال له: يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا، ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فان الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه، فقال له الحسين عليه السلام: لاترمه فاني أكره أن أبدءهم بقتال (1) وقال محمد بن أبيطالب: وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرب إلى الحسين فرسه فاستوى عليه، وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير فقال له الحسين عليه السلام: كلم القوم، فتقدم برير فقال: يا قوم اتقوا الله فان ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم ؟ فقالوا: نريد أن نمكن منهم الامير ابن زياد، فيرى رأيه فيهم، فقال لهم برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها، يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم، وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلاتموهم عن ماء الفرات بئس ما خلفتم نبيكم في ذريته، ما لكم لاسقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم. فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول ؟ فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم إني أبرء إليك من فعال هؤلاء القوم اللهم ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان، فجعل القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه. وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بازاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال: الحمدلله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرته * (الهامش) * (1) ارشاد المفيد ص 217

[6]

والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا، فانها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه وآله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان، فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبا لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين فقال عمر: ويلكم كلموه فانه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع ولما حصر، فكلموه فتقدم شمر لعنه الله فقال: يا حسين ما هذا الذي تقول ؟ أفهمنا حتى نفهم، فقال: أقول: اتقوا الله ربكم ولا تقتلوني، فانه لا يحل لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فاني ابن بنت نبيكم وجدتي خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنه - إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد وقال المفيد: ودعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلا صوته: يا أهل العراق - وجلهم يسمعون - فقال: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي، وحتى أعذر عليكم، فان أعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم " فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " ثم حمدالله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله، وصلى على النبي وعلى ملائكته وعلى أنبيائه، فلم يسمع متكلم قط قبله ولابعده أبلغ منه في منطق ثم قال: أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن نبيكم، وابن وصيه وابن عمه ؟ وأول مؤمن مصدق لرسول الله صلى الله عليه وآله بما جاء به من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ أو ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟ أولم

[7]

يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولاخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ فان صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فان فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر ابن عبد الله الانصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك (1) يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولاخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ فقال له شمربن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لاراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين عليه السلام: فان كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم استهلكته ؟ أو بقصاص من جراحة ؟ فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الاشعث يا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجند ؟ فقال له قيس بن الاشعث: ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك، فانهم لن يروك إلا ما تحب، فقال لهم الحسين عليه السلام: لا والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا اقر لكم إقرار العبيد ثم نادى: يا عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان بعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه (2) * (الهامش) * (1) مات جابر بن عبد الله سنة 74 وشهد جنازته الحجاج والظاهر أنه بالكوفة وأبو سعيد الخدرى سنة 64 - 74 وسهل بن سعد هو آخر من مات بالمدينة سنة احدى وتسعين وزيد بن أرقم سنة 66 بالكوفة، وأنس بن مالك آخر من مات بالبصرة سنة 71 وكان قاطنا بها (2) الارشاد ص 217 و 218

[8]

وفي المناقب روى بإسناده، عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله قال: لما عبأ عمربن سعد أصحابه لمحاربة الحسين بن علي عليهما السلام ورتبهم مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة، فقال لاصحاب القلب: اثبتوا وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج عليه السلام حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لامري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون ؟ ألا تسمعون ؟ فتلاوم أصحاب عمربن سعد بينهم وقالوا: أنصتوا له. فقام الحسين عليه السلام ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا، أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين فأصرختكم مؤدين مستعدين، سللتم علينا سيفا في رقابنا، وحششتم علينا نار الفتن خباها عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم ويدا عليهم لاعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منا ولا رأي تفيل لنا، فهلا - لكم الويلات - إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر، والجاش طامن، والرأي لم يستحصف، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب، وتداعيتم كتداعي الفراش، فقبحا لكم، فانما أنتم من طواغيت الامة وشذاذ الاحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئ السنن، وقتلة أولاد الانبياء، ومبيري عترة الاوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيانا تخاذلون، أجل والله الخذل فيكم معروف، وشجت عليه عروقكم، وتوارثته اصولكم وفروعكم، وثبتت عليه

[9]

قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث شئ سنخا للناصب واكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فأنتم والله هم. ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين القلة (1) والذلة، وهيهات ما آخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله، وجدود طابت، وحجور طهرت، وانوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الاسرة، على قلة العتاد، وخذلة الاصحاب ثم أنشأ يقول: فإن نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا (2) ألا ! ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم الرحى، عهد عهده إلي أبي عن جدي فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم كيدوني جميعا فلا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ * (الهامش) * (1) القلة: قلة العدد بالقتل. وفى بعض النسخ: السلة منه رحمه الله (2) قائلها فروة بن مسيك المرادى قالها في يوم الردم لهمدان من مراد. وزاد بعدهما في الملهوف: إذا ما الموت رفع عن اناس * كلاكله أناخ بآخرينا فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا وقد تروى على غير هذا اللفظ كما نقله ابن هشام في السيرة ج 2 ص 582: مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا فان نغلب فغلابون قدما * وان نغلب فغير مغلبينا وما ان طبناجبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا الخ.

[10]

بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم اللهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة، ولا يدع فيهم أحدا إلا (قتله) قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولاوليائي وأهل بيتي و أشياعي منهم، فانهم غرونا وكذبونا وخذلونا، وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ثم قال: أين عمر بن سعد ؟ ادعوا لي عمر ! فدعي له، وكان كارها لا يحب أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني ؟ تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان، والله لاتتهنأ بذلك أبدا، عهدا معهودا، فاصنع ما أنت صانع، فانك لاتفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم. فاغتاظ عمر من كلامه، ثم صرف بوجهه عنه، ونادى بأصحابه: ما تنتظرون به ؟ احملوا بأجمعكم إنما هي اكلة واحدة، ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه، وعيأ أصحابه. أقول: قد روى الخطبة في تحف العقول نحوا مما مر ورواه السيد بتغيير واختصار (1) وستأتي برواية الاحتجاج أيضا. ثم قال المفيد رحمه الله: فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد: أي عمر ! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال: إي والله قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الايدي، قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى ؟ قال عمر: أما لو كان الامر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى، فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال: لا، قال: فما تريد أن تسقيه ؟ قال قرة: فظننت والله إنه يريد أن يتنحى ولا يشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه، فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فوالله لو أنه * (الهامش) * (1) تحف العقول ص 240 الملهوف ص 85 - 88

[11]

اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين (1). فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا، فقال له مهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد ؟ أتريد أن تحمل ؟ فلم يجبه فأخذه مثل الافكل وهي الرعدة، فقال له المهاجر: إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا، ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك ؟ فقال له الحر: إني والله اخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت واحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له: جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، وأنا تائب إلى الله مما صنعت، فترى لي من ذلك توبة ؟ فقال له الحسين عليه السلام: نعم يتوب الله عليك فانزل فقال: أنا لك فارسا خير مني راجلا اقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري، فقال له الحسين عليه السلام: فاصنع يرحمك الله ما بدالك. فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال: يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر (2) أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه ؟ وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكلكله، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة، فصار كالاسير في أيديكم: لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، وحلاتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابهم، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدا في ذريته، لاسقاكم الله يوم الظمأ * (الهامش) * (1) كذب عدوالله، فانه قد رأى الحر بعد ذلك حين يقاتل ذبا عن آل رسول الله. (2) الهبل: الثكل، والعبر: الموت يقال عبر القوم: ماتوا:

[12]

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام ونادى عمر بن سعد: يا دريد أدن رأيتك فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال: اشهدوا أني أول من رمى الناس (1) وقال محمد بن أبي طالب: فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم، قيل: فلما رموهم هذه الرمية، قل أصحاب الحسين عليه السلام وقتل في هذه الحملة خمسون رجلا، وقال السيد: فقال عليه السلام لاصحابه: قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه فان هذه السهام رسل القوم إليكم، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة، قال: فعندها ضرب الحسين عليه السلام يده على لحيته، وجعل يقول: اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا اجيبهم إلى شئ مما يريدون حتى ألقى الله تعالى، وأنا مخضب بدمي. وروي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد لعنه الله وقامت الحرب، انزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى قال الراوي: ثم صاح عليه السلام: أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله (2) وقال المفيد رحمه الله: وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان وبرز إليه عبد الله بن عمير، فقال له يسار: من أنت فانتسب له فقال: لست أعرفك حتى يخرج إلي زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر، فقال له عبد الله بن عمير: يا ابن الفاعلة * (الهامش) * (1) كتاب الارشاد ص 219 (2) الملهوف ص 89 و 90.

[13]

وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد، وإنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيدالله بن زياد، فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه، فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شد عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما جميعا وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن كلب * أنا امرء ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند النكب وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل الكوفة، فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع، فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل، فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم: إلى أين ثكلتك امك ؟ فقال: إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، فقال الحسين عليه السلام لاصحابه: من هذا ؟ فقيل له: هذا ابن خوزة التميمي، فقال: اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فأطارت وعدابه فرسه فضرب برأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه إلى النار، ونشب القتال فقتل من الجميع جماعة (1) وقال محمد بن أبي طالب وصاحب المناقب وابن الاثير في الكامل ورواياتهم متقاربة: إن الحر أتى الحسين عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لاكون أول قتيل بين يديك، وأول من يصافح جدك غدا، وإنما قال الحر: لاكون أول قتيل بين يديك والمعنى يكون أول قتيل من المبارزين وإلا فان جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الاولى كما ذكر، فكان أول من تقدم إلى * (الهامش) * (1) كتاب الارشاد ص 220

[14]

براز القوم، وجعل ينشد ويقول: إني أنا الحر ومأوى الضيف * أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بأرض الخيف * أضربكم ولا أرى من حيف وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد ابن سفيان: أما والله لو لحقته لاتبعته السنان، فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب على اذنيه وحاجبيه وإن الدماء لتسيل إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه، قال: نعم، فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله، وقتل أربعين فارسا وراجلا، فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه، وبقي راجلا وهو يقول: إني أنا الحر ونجل الحر * أشجع من ذي لبد هزبر ولست بالجبان عند الكر * لكنني الوقاف عند الفر ثم لم يزل يقاتل حتى قتل رحمه الله، فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول: أنت الحر كما سمتك امك، وأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام وقيل: بل رثاه علي بن الحسين عليهما السلام لنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مختلف الرماح ونعم الحر إذ نادى حسينا * فجاد بنفسه عند الصياح فيا ربي أضفه في جنان * وزوجه مع الحور الملاح وروي أن الحر كان يقول: آليت لا اقتل حتى أقتلا * أضربهم بالسيف ضربا معضلا لا ناقل عنهم ولا معللا * لا عاجز عنهم ولا مبدلا أحمي الحسين الماجد المؤملا قال المفيد رحمه الله: فاشترك في قتله: أيوب بن مسرح ورجل آخر من

[15]

فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه (1). وقال ابن شهر آشوب: قتل نيفا وأربعين رجلا منهم، وقال ابن نما: ورويت باسنادي أنه قال للحسين عليه السلام: لما وجهني عبيدالله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر يا حر بخير، فالتفت فلم أر أحدا فقلت والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين، وما احدث نفسي باتباعك، فقال عليه السلام: لقد أصبت أجرا وخيرا ثم قالوا: وكان كل من أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله ! فيجيبه وعليك السلام ونحن خلفك، ويقرأ عليه السلام " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر وكان من عباد الله الصالحين فبرز وهو يقول: أنا برير وأبي خضير * ليث يروع الاسد عند الزئر يعرف فينا الخير أهل الخير * أضربكم ولا أرى من ضير كذاك فعل الخير من برير وجعل يحمل على القوم وهو يقول: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين ! اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين ! اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين ! وكان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا، فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل فقال لبرير: أشهد أنك من المضلين، فقال له برير: هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا وأن يقتل المحق منا المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا، وضربه برير ضربة قدت المغفر، ووصلت إلى دماغه، فسقط قتيلا، قال: فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا رحمه الله وكان يقال لقاتله: بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان الحرب وجعل يقول: سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يحل * غداة الوغى والروع ما أنا صانع * (الهامش) * (1) الارشاد ص 222

[16]

معي مزني لم تخنه كعوبه * وأبيض مشحوذ الغرارين قاطع (1) فجردته في عصبة ليس دينهم * كديني وإني بعد ذاك لقانع وقد صبروا للطعن والضرب حسرا (2) * وقد جالدوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيدالله إذ ما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم جلت لهمة * غداة الوغى لما دعا من يقارع قال: ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين وجاءه ابن عم له، وقال: ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا ؟ قال: فندم الشقي وأنشأ يقول: فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم * ولاجعل النعماء عند ابن جائر لقد كان ذا عارا علي وسبة * يعير بها الابناء عند المعاشر فيا ليت إني كنت في الرحم حيضة * ويوم حسين كنت ضمن المقابر فيأسوءتا ماذا أقول لخالقي * وما حجتي يوم الحساب القماطر (3) ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي وقد كانت معه امه يومئذ فقالت: قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله، فقال: أفعل يا اماه ولا اقصر فبرز وهو يقول: إن تنكروني فانا ابن الكلب * سوف تروني وترون ضربي وحملتي وصولتي في الحرب * أدرك ثأري بعد ثأر صحبي وأدفع الكرب أمام الكرب * ليس جهادي في الوغى باللعب * (الهامش) * (1) قوله " مزنى " أي رمح مزنى، وكعوب الرمح: النواشر في أطراف الانابيب وعدم خيانتها: كناية عن كثرة نفوذها وعدم كلالها، والغراران: شفرتا السيف منه رحمه الله (2) جمع حاسر: الذى لا مغفر عليه ولادرع (3) يقال: يوم قماطر بالضم: شديد، وهنا يحتمل أن يكون وصفا للحساب، أو وصفا لليوم.

[17]

ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة فرجع إلى امه وامرأته فوقف عليهما فقال: يا اماه أرضيت ؟ فقالت: ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين عليه السلام فقالت: امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك ! فقالت امه: يا بني لاتقبل قولها وارجع، فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله، فرجع قائلا إني زعيم لك ام وهب * بالطعن فيهم تارة والضرب ضرب غلام مؤمن بالرب * حتى يذيق القوم مر الحرب إني امرء ذو مرة وعصب * ولست بالخوار عند النكب حسبي إلهي من عليم حسبي فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا واثني عشر راجلا ثم قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وامي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه، وقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال الحسين: جزيتم من أهل بيتي خيرا ! ارجعي إلى النساء رحمك الله، فانصرفت، وجعل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، قال: فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر، فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها، وهي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين. ورأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا فأسلم هو وامه على يدي الحسين فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلا واثنى عشر فارسا ثم اخذ أسيرا فاتي به عمر ابن سعد فقال: ما أشد صولتك ؟ ثم أمر فضربت عنقه، ورمي برأسه إلى عسكر الحسين عليه السلام فأخذت امه الرأس فقبله ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته، ثم شدت بعمود الفسطاط، فقتلت رجلين، فقال لها الحسين: ارجعي يا ام وهب أنت وابنك مع رسول الله فان الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين عليه السلام: لا يقطع الله رجاك يا ام وهب

[18]

ثم برز من بعده عمرو بن خالد الازدي وهو يقول: إليك يا نفس إلى الرحمان * فأبشري بالروح والريحان اليوم تجزين على الاحسان * قد كان منك غابر الزمان ما خط في اللوح لدى الديان * لا تجرعي فكل حي فان والصبر أحظى لك بالاماني * يا معشر الازد بني قحطان ثم قاتل حتى قتل - رحمة الله - وفي المناقب: ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو، وهو يرتجز ويقول: صبرا على الموت بني قحطان * كي ما تكونوا في رضى الرحمان ذي المجد والعزة والبرهان * وذي العلى والطول والاحسان يا أبتا قد صرت في الجنان * في قصر رب حسن البنيان (1) ثم تقدم فلم يزل يقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه - وقال محمد بن أبي طالب: ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي وهو يقول: صبرا على الاسياف والاسنة * صبرا عليها لدخول الجنة وحور عين ناعمات هنه * لمن يريد الفوز لا بالظنة يا نفس للراحة فاجهدنه * وفي طلاب الخير فارغبنه (2) ثم حمل وقاتل قتالا شديدا ثم قتل رضوان الله عليه. وخرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي وهو يرتجز ويقول: قد علمت سعد وحي مذحج * أني لدى الهيجاء ليث محرج أعلو بسيفي هامة المدجج * وأترك القرن لدى التعرج فريسة الضبع الازل الاعرج * (الهامش) * (1) في مناقب آل أبى طالب: في قصر درحسن البنيان (2) قوله: " هنه " الهاء للسكت، وكذا قوله " فاجهدنه " و " فارغبنه " منه رحمه الله.

[19]

ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبد الله البجلي ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة - رحمه الله - وهو يرتجز: إن تسألوا عني فاني ذو لبد * من فرع قوم من ذرى بني أسد فمن بغانا حائد عن الرشد * وكافر بدين جبار صمد ثم قاتل قتالا شديدا. وقال المفيد وصاحب المناقب بعد ذلك: وكان نافع بن هلال البجلي يقاتل قتالا شديدا ويرتجز ويقول: أنا ابن هلال البجلي (2) أنا على دين علي ودينه دين النبي فبرز إليه رجل من بني قطيعة، وقال المفيد: هو مزاحم بن حريث، فقال: أنا على دين عثمان، فقال له نافع: أنت على دين الشيطان، فحمل عليه نافع فقتله فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: يا حمقى أتدرون من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوما مستميتين لايبرز منكم إليهم أحد إلا قتلوه على قلتهم، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم، فقال له عمربن سعد - لعنه الله: الرأي ما رأيت فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم، وقال: لو خرجتم إليهم وحدانا لاتوا عليكم مبارزة. ودنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين عليه السلام فقال: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام، فقال الحسين عليه السلام: يا ابن الحجاج أعلي تحرض الناس ؟ أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتم عليه ؟ والله لتعلمن أينا المارق من الدين، ومن هو أولى بصلى النار. ثم حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا * (الهامش) * (1) كذا في النسخ، ولكن لا يستقيم الرجز، والظاهر أن القائل هلال بن حجاج فقال: أنا هلال البجلى * أنا على دين على * ودينه دين النبي

[20]

ساعة فصرع مسلم بن عوسجة وانصرف عمرو وأصحابه وانقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع وقال محمد بن أبي طالب: فسقط إلى الارض وبه رمق فمشى إليه الحسين، ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام: رحمك الله يا مسلم " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ثم دنا منه حبيب فقال: يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة، فقال له قولا ضعيفا: بشرك الله بخير، فقال له حبيب: لولا أعلم أني في الاثر لاحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم: فاني اوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت، فقال حبيب: لانعمنك عينا ثم مات رضوان الله عليه قال: وصاحت جارية له يا سيداه يا ابن عوسجتاه فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله: ثكلتكم أمهاتكم أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون عزكم، أتفرحون بقتل مسلم ابن عوسجة أما والذي أسلمت له لرب موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين ثم حمل شمربن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له (1) وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا وإنماهم اثنان وثلاثون فارسا، فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم، فدعا عمربن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فاقتبلوا (2) حتى دنوا من الحسين وأصحابه، فرشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتى انتصف النهار، واشتد القتال، ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض، فأرسل عمر ابن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم، ليحيطوا بهم وأخذ الثلاثة والاربعة من أصحاب الحسين يتخللون فيشدون على الرجل يعرض وينهب، فيرمونه عن * (الهامش) * (1) في بعض النسخ وهكذا نسخة الارشاد زيادة وهى: وطاعنوه وحمل على الحسين عليه السلام وأصحابه من كل جانب وقاتلهم الخ (2) في الاصل وهكذا سائر النسخ: فاقتتلوا. وهو سهو.

[21]

قريب فيصرعونه فيقتلونه فقال ابن سعد: احرقوها بالنار فأضرموا فيها فقال الحسين عليه السلام: دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم فكان كما قال عليه السلام: وقيل: أتاه شبث بن ربعي وقال: أفزعنا النساء ثكلتك أمك، فاستحيا وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد، وشد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر. فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم ويقتل من أصحاب عمر العشرة فلايبين فيهم ذلك لكثرتهم فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام: يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين، نعم هذا أول وقتها ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي، فقال الحصين بن نمير: إنها لاتقبل، فقال حبيب بن مظاهر: لاتقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله وتقبل منك ياختار، فحمل عليه حصين بن نمير وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب (1) به الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه فقال الحسين عليه السلام لزهيربن القين وسعيد بن عبد الله: تقدما أمامي حتى أصلي الظهر فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف وروي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أمام الحسين، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلما أخذ الحسين عليه السلام يمينا وشمالا، قام بين يديه، فما زال يرمى به حتى سقط إلى الارض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك السلام عني وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فاني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك ثم مات رضوان الله عليه، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.


(1) شب الفرس شبابا - بالكسر - رفع يديه وقمص وحرن.

[22]

وقال ابن نما، وقيل صلى الحسين عليه السلام وأصحابه فرادى بالايماء، ثم قالوا: ثم خرج عبد الرحمان بن عبد الله اليزني وهو يقول: أنا ابن عبد الله من آل يزن * ديني على دين حسين وحسن أضربكم ضرب فتى من اليمن * أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن ثم حمل فقاتل حتى قتل وقال السيد: فخرج عمرو بن قرظة الانصاري فاستأذن الحسين عليه السلام فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء، وبالغ في خدمة سلطان السماء، حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد، وجمع بين سداد وجهاد، وكان لا يأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده، ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسين وقال: يا ابن رسول الله أوفيت ؟ قال: نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرء رسول الله مني السلام، وأعلمه أني في الاثر، فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. وفي المناقب أنه كان يقول: قد علمت كتيبة الانصار * أن سوف أحمي حوزة الذمار ضرب غلام غير نكس شاري * دون حسين مهجتي وداري ! وقال السيد: ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبدا أسود، فقال له الحسين: أنت في إذن مني فانما تبعتنا طلبا للعافية، فلاتبتل بطريقنا، فقال: يا ابن رسول الله أنا في الرخاء الحس قصاعكم، وفي الشدة أخذلكم، والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لاسود، فتنفس علي بالجنة، فتطيب ريحي ويشرف حسبي، ويبيض وجهي ؟ لا والله لاأفارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم (1) وقال محمد بن أبي طالب: ثم برزللقتال وهو ينشد ويقول: كيف يرى الكفار ضرب الاسود * بالسيف ضربا عن بني محمد


(1) كتاب الملهوف ص 94 - 96.

[23]

أذب عنهم باللسان واليد * أرجو به الجنة يوم المورد ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه الحسين عليه السلام وقال: اللهم بيض وجهه، وطيب ريحه، واحشره مع الابرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد وروي عن الباقر عليه السلام عن علي بن الحسين عليهما السلام أن الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جونا بعد عشرة أيام يفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه وقال صاحب المناقب: كان رجزه هكذا: كيف يرى الفجار ضرب الاسود * بالمشرفي القاطع المهند بالسيف صلتا عن بني محمد * أذب عنهم باللسان واليد أرجو بذاك الفوز عند المورد * من الاله الاحد الموحد إذ لا شفيع عنده كأحمد وقال السيد: ثم برز عمر (و) بن خالد الصيداوي فقال للحسين عليه السلام: يا أبا عبد الله قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف وأراك وحيدا من أهلك قتيلا فقال له الحسين: تقدم فانا لاحقون بك عن ساعة، فتقدم فقاتل حتى قتل (قال:) وجاء حنظلة بن سعد الشبامي (1) فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد، وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب، وقد خاب من افترى (2) وفي المناقب: فقال له الحسين: يا ابن سعد إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك يشتمونك وأصحابك، فكيف


(1) في الاصل الشامي وهو سهو والصحيح مافى الصلب كما في الطبري ج 6 ص 254 والشبام بطن من همدان. (2) الملهوف ص 96 و 97.

[24]

بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين قال: صدقت جعلت فداك أفلا نروح إلى ربنا فنلحق باخواننا ؟ فقال له: رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، وإلى ملك لايبلى فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله عليك وعلى أهل بيتك وجمع بيننا وبينك في جنته قال: آمين آمين، ثم استقدم فقاتل قتالا شديدا فحملوا عليه فقتلوه رضوان الله عليه. وقال السيد: فتقدم سويد بن عمر (و) بن أبي المطاع وكان شريفا كثير الصلاة فقاتل قتال الاسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط بين القتلى وقد أثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك، حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين، فتحامل وأخرج سكينا من خفه وجعل يقاتل حتى قتل (1). وقال صاحب المناقب: فخرج يحيى بن سليم المازني وهو يرتجز ويقول: لاضربن القوم ضربا فيصلا * ضربا شديدا في العداة معجلا لا عاجزا فيها ولا مولو لا * ولا أخاف اليوم موتا مقبلا لكنني كالليث أحمي أشبلا ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم خرج من بعده قرة بن أبي قرة الغفاري وهو يرتجز ويقول: قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد بني نزار بأني الليث لدى الغيار * لاضربن معشر الفجار بكل عضب ذكر بتار * ضربا وجيعا عن بني الاخيار رهط النبي السادة الابرار قال: ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. وخرج من بعده مالك بن أنس المالكي وهو يرتجز ويقول: قد علمت مالكها والدودان * والخندفيون وقيس عيلان بأن قومي آفة الاقران * لدى الوغى وسادة الفرسان


(1) الملهوف ص 98.

[25]

مباشرو الموت بطعن آن * لسنا نرى العجز عن الطعان آل علي شيعة الرحمان * آل زياد شيعة الشيطان ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله، وقال ابن نما: اسمه أنس بن حارث الكاهلي (1) وفي المناقب ثم خرج من بعده عمر (و) بن مطاع الجعفي وهو يقول: أنا ابن جعف وأبي مطاع * وفي يميني مرهف قطاع وأسمر في رأسه لماع * يرى له من ضوئه شعاع اليوم قد طاب لنا القراع * دون حسين الضرب والسطاع يرجى بذاك الفوز والدفاع * عن حرنارحين لا انتفاع ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. وقالوا: ثم خرج الحجاج بن مسروق، وهو مؤذن الحسين عليه السلام ويقول: أقدم حسين هاديا مهديا * اليوم تلقى جدك النبيا ثم أباك ذا الندا عليا * ذاك الذي نعرفه وصيا والحسن الخير الرضي الوليا * وإذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله الشهيد الحيا ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم خرج من بعده زهير بن القين رضي الله عنه وهو يرتجز ويقول: أنا زهير وأنا ابن القين * أذودكم بالسيف عن حسين إن حسينا أحد السبطين * من عترة البر التقي الزين ذاك رسول الله غير المين * أضربكم ولا أرى من شين يا ليت نفسي قسمت قسمين وقال محمد بن أبيطالب: فقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلا فشد عليه كثير بن


(1) قد مرفى ج 44 ص 320 نقلا عن أمالى الصدوق أنه مالك بن أنس الكاهلى وأنه كان يقول: " قد علمت كاهلها ودودان " وما ذكره ابن نما هو الصحيح كماعنونه في الاصابة وقال: له ولابيه صحبة.

[26]

عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه، فقال الحسين عليه السلام حين صرع زهير: لا يبعدك الله يا زهير ! ولعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير. ثم خرج سعيد بن عبد الله الحنفي وهو يرتجز: أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * وشيخك الحبر عليا ذا الندا وحسنا كالبدر وافى الا سعدا * وعمك القرم الهمام الارشدا حمزة ليث الله يدعى أسدا * وذا الجناحين تبوأ مقعدا في جنة الفردوس يعلو صعدا وقال في المناقب: وقيل: بل القائل لهذه الابيات هو سويد بن عمر (و) بن أبي المطاع قال: فلم يزل يقاتل حتى قتل ثم برز حبيب بن مظاهر الاسدي وهو يقول: أنا حبيب وأبي مظهر * فارس هيجاء وحرب تسعر وأنتم عند العديد أكثر * ونحن أعلى حجة وأظهر وأنتم عند الوفاء أغدر * ونحن أوفى منكم وأصبر حقا وأنمى منكم وأعذر (1) وقاتل قتالا شديدا وقال أيضا: أقسم لو كنا لكم أعدادا * أو شطركم وليتم الاكتادا (2) ياشر قوم حسبا وآدا * وشرهم قد علموا أندادا ثم حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع ونزل التميمي فاجتز رأسه فهد مقتله الحسين


(1) كذا في النسخ والصحيح ما نقله الطبري عن أبى مخنف بتقديم وتاخير هكذا: أنتم أعد عدة وأكثر * ونحن أوفى منكم وأصبر ونحن اعلى حجة وأظهر * حقا واتقى منكم واعذر (2) الكتد مثل الكتف: مجتمع الكتفين من الانسان والاد: القوة كالايد. منه رحمه الله.

[27]

عليه السلام، فقال: عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي وقيل: بل قتله رجل يقال له بديل بن صريم وأخذ رأسه فعلقه في عنق فرسه، فلما دخل مكة (1) رآه ابن حبيب وهو غلام غير مراهق فوثب إليه فقتله وأخذ رأسه. وقال محمد بن أبيطالب: فقتل اثنين وستين رجلا فقتله الحصين بن نمير وعلق رأسه في عنق فرسه. ثم برز هلال بن نافع البجلي وهو يقول: أرمي بها معلمة أفواقها * والنفس لا ينفعها إشفاقها مسمومة تجري بها أخفاقها * ليملان أرضها رشاقها فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه، ثم ضرب يده إلى سيفه فاستله وجعل يقول: أنا الغلام اليمني البجلي * ديني على دين حسين وعلي إن أقتل اليوم فهذا أملي * فذاك رأيي وألاقي عملي فقتل ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه وأخذ أسيرا فقام إليه شمر فضرب عنقه. قال: ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة وكانت أمه معه، فقالت له أمه: اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن رسول الله ! فخرج فقال الحسين: هذا شاب قتل أبوه ولعل أمه تكره خروجه فقال الشاب: أمي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول: أميري حسين ونعم الامير * سرور فؤاد البشير النذير علي وفاطمة والداه * فهل تعلمون له من نظير ؟ له طلعة مثل شمس الضحى * له غرة مثل بدر منير


(1) كذا في النسخ ولاريب انه مصحف " الكوفة " قال الطبري نقلا عن أبى مخنف ان بديل بن صريم أخذ رأس حبيب وأقبل به إلى ابى زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب وهو يومئذ مراهق فلزمه كلما دخل دخل معه وإذا خرج خرج معه ليجد منه غرة فيقتله فلم يجد إلى ذلك سبيلا حتى إذا كان زمان مصعب فدخل عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه يوما وهو قائل نصف النهار فضربه بسيفه حتى برد. انتهى باختصار.

[28]

وقاتل حتى قتل وجز رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام فحملت أمه رأسه، وقالت: أحسنت يا بني يا سرور قلبي ويا قرة عيني، ثم رمت برأس ابنها رجلا فقتلته وأخذت عمود خيمته، وحملت عليهم وهي تقول: أنا عجوز سيدي ضعيفة * خاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفة * دون بني فاطمة الشريفة وضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين عليه السلام بصرفها ودعا لها. وفي المناقب ثم خرج جنادة بن الحارث الانصاري وهو يقول: أنا جناد وأنا ابن الحارث * لست بخوار ولا بناكث عن بيعتي حتى يرثني وارث * اليوم شلوي في الصعيد ماكث قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمه الله. قال: ثم خرج من بعده عمرو بن جنادة وهو يقول: أضق الخناق من ابن هند وارمه * من عامه بفوارس الانصار ومهاجرين مخضبين رماحهم * تحت العجاجة من دم الكفار خضبت على عهد النبي محمد * فاليوم تخضب من دم الفجار واليوم تخضب من دماء أراذل * رفضوا القرآن لنصرة الاشرار طلبوا بثأرهم ببدر إذ أتوا * بالمرهفات وبالقنا الخطار والله ربي لا أزال مضاربا * في الفاسقين بمرهف بتار هذا على الازدي حق واجب * في كل يوم تعانق وكرار قال: ثم خرج عبد الرحمن بن عروة فقال: قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد بني نزار لنضربن معشر الفجار * بكل عضب ذكر بتار يا قوم ذودوا عن بني الاخيار * بالمشرفي والقنا الخطار ثم قاتل حتى قتل رحمه الله. وقال محمد بن أبيطالب: وجاء عابس بن (أبي) شبيب الشاكري معه شوذب مولى

[29]

شاكر، وقال: ياشوذب ما في نفسك أن تصنع ؟ قال: ما أصنع ؟ أقاتل حتى أقتل قال: ذاك الظن بك، فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك فان هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الاجر بكل ما نقدر عليه، فانه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب. فتقدم فسلم على الحسين عليه السلام وقال: يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على وجه الارض قريب ولا بعيد أعز علي ولا أحب إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشئ أعز علي من نفسي ودمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم مضى بالسيف نحوهم. قال ربيع بن تميم: فلما رأيته مقبلا عرفته وقد كنت شاهدته في المغازي، و كان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس هذا أسد الاسود، هذا ابن [أبي] شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألارجل ؟ ألارجل ؟. فقال عمربن سعد: ارضخوه بالحجارة من كل جنب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على الناس فوالله لقد رأيت يطرد أكثر من مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة هذا يقول: أنا قتلته، والآخر يقول كذلك فقال عمربن سعد: لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد حتى فرق بينهم بهذا القول. ثم جاءه عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان، فقالا: يا أبا عبد الله السلام عليك [إنه] جئنا لنقتل بين يديك، وندفع عنك، فقال: مرحبا بكما ادنوا مني، فدنوا منه، وهما يبكيان فقال: يا ابني أخي ما يبكيكما ؟ فوالله إني لارجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين، فقالا: جعلنا الله فداك والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك، ولانقدر على أن ننفعك، فقال: جزاكما الله يا ابني أخي بوجد كمامن ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين ثم استقدما وقالا: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته فقاتلا حتى قتلا.

[30]

قال: ثم خرج غلام تركي كان للحسين عليه السلام وكان قارئا للقرآن، فجعل يقاتل ويرتجز ويقول: البحر من طعني وضربي يصطلي * والجو من سهمي ونبلي يمتلي إذا حسامي في يميني ينجلي * ينشق قلب الحاسد المبجل فقتل جماعة ثم سقط صريعا فجاءه الحسين عليه السلام فبكى ووضع خده على خده ففتح عينه فرأى الحسين عليه السلام فتبسم ثم صار إلى ربه رضي الله عنه. قال: ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم وكان كلما رمى قال الحسين عليه السلام: اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة فحملوا عليه فقتلوه. وقال ابن نما: حدث مهران مولى بني كاهل قال: شهدت كربلا مع الحسين عليه السلام فرأيت رجلا يقاتل قتالا شديدا لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع إلى الحسين عليه السلام ويرتجز ويقول: أبشر هديت الرشد تلقى أحمدا * في جنة الفردوس تعلو صعدا فقلت: من هذا ؟ فقالوا: أبو عمرو النهشلي وقيل: الخثعمي فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة فقتله واجتز رأسه، وكان أبو عمرو هذا متهجدا كثير الصلاة. وخرج يزيد بن مهاجر فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنشاب، وصار مع الحسين عليه السلام وهو يقول: أنا يزيد وأبي المهاجر * كأنني ليث بغيل خادر (1)


(1) ضبطه ابن شهر آشوب في المناقب ج 4 ص 103 " يزيد بن مهاصر " والصدوق فيما مر عن الامالى ج 44 ص 320 " زياد بن مهاصر ". وقال الطبري: هو يزيد بن زياد كان مع ابن سعد، فلما ردوا الشروط على الحسين صار معه ثم ذكر رميته وأنه قال بعد ما قام: لقد تبين لى انى قتلت منهم خمسة. والغيل: الاجمة موضع الاسد، والخادر: الكامن.

[31]

يا رب إني للحسين ناصر * ولابن سعد تارك وهاجر وكان يكنى أباا لشعشاء من بني بهدلة من كندة قال: وجاء رجل فقال: أين الحسين ؟ فقال: ها أنا ذا قال: أبشر بالنار تردها الساعة، قال: بل ابشر برب رحيم، وشفيع مطاع، من أنت ؟ قال: أنا محمد بن الاشعث قال: اللهم إن كان عبدك كاذبا فخذه إلى النار، واجعله اليوم آية لاصحابه فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب فضربه حتى قطعه ووقعت مذاكيره في الارض، فوالله لقد عجبت من سرعة دعائه ثم جاء آخر فقال: أين الحسين ؟ فقال: ها أناذا، قال: أبشر بالنار، قال: ابشر برب رحيم، وشفيع مطاع، من أنت ؟ قال: أنا شمر بن ذي الجوشن، قال: الحسين عليه السلام: الله أكبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت كأن كلبا أبقع يلغ في دماء أهل بيتي وقال الحسين: رأيت كأن كلابا تنهشني وكأن فيها كلبا أبقع كان أشدهم علي، وهو أنت، وكان أبرص ونقلت من الترمذي: قيل للصادق عليه السلام كم تتأخر الرؤيا ؟ فذكر منام رسول الله صلى الله عليه وآله فكان التأويل بعد ستين سنة وتقدم سيف بن أبي الحارث بن سريع ومالك بن عبد الله بن سريع الجاربريان - بطن من همدان يقال لهم: بنو جابر - أمام الحسين عليه السلام ثم التقيا فقالا: عليك السلام يا ابن رسول الله ! فقال: وعليكما السلام ثم قاتلا حتى قتلا ثم قال محمد بن أبي طالب وغيره: وكان يأتي الحسين عليه السلام الرجل بعد الرجل فيقول: السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه الحسين، ويقول: وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يقرأ " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر " حتى قتلوا عن آخرهم رضوان الله عليهم ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته وهكذا يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، وموته على حياته في سبيل الله وينصر الحق وإن قتل، قال سبحانه: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " (1) * (الهامش) * (1) آل عمران: 169

[32]

ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على شهداء احد وفيهم حمزة رضوان الله عليه وقال: أنا شهيد على هؤلاء القوم زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما فاللون لون الدم، والريح ريح المسك ولما قتل أصحاب الحسين ولم يبق إلا أهل بيته، وهم ولد علي، وولد جعفر وولد عقيل، وولد الحسن، وولده عليهم السلام اجتمعوا يودع بعضهم بعضا، وعزموا على الحرب فأول من برزمن أهل بيته عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو يرتجز ويقول: اليوم ألقى مسلما وهو أبي * وفتية بادوا على دين النبي ليسوا بقوم عرفوا بالكذب * لكن خيار وكرام النسب من هاشم السادات أهل الحسب وقال محمد بن أبي طالب: فقاتل حتى قتل ثمانية وتسعين رجلا في ثلاث حملات ثم قتله عمرو بن صبيح الصيداوي وأسد بن مالك وقال أبو الفرج: عبد الله بن مسلم امه رقية بنت علي بن أبي طالب عليه السلام قتله عمرو بن صبيح فيما ذكرناه عن المدائني وعن حميد بن مسلم، وذكر أن السهم أصابه وهو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته وجبهته، ومحمد بن مسلم بن عقيل امه ام ولد قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أبوجرهم الازدي ولقيط بن إياس الجهني (1) وقال محمد بن أبي طالب وغيره: ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل وهو يرتجز ويقول: أنا الغلام الابطحي الطالبي * من معشر في هاشم وغالب ونحن حقا سادة الذوائب * هذا حسين أطيب الاطائب من عترة البر التقي العاقب * (الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص 66 و 67

[33]

فقتل خمسة عشر فارسا وقال ابن شهر آشوب: وقيل قتل رجلين ثم قتله بشر بن سوط الهمداني (1) وقال أبو الفرج: أمه أم الثغر بنت عامر العامري قتله عروة ابن عبد الله الخثعمي فيما رويناه عن أبي جعفر الباقر عليه السلام وعن حميد بن مسلم. وقالوا: ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمان بن عقيل وهو يقول: أبي عقيل فاعرفوا مكاني * من هاشم وهاشم إخواني كهول صدق سادة الاقران * هذا حسين شامخ البنيان وسيد الشيب مع الشبان فقتل سبعة عشرة فارسا ثم قتله عثمان بن خالد الجهني. وقال أبو الفرج: وعبد الله بن عقيل بن أبيطالب أمه أم ولد وقتله عثمان بن خالد بن أشيم الجهني وبشر بن حوط القابضي فيما ذكر سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، وعبد الله الاكبر ابن عقيل أمه أم ولد قتله فيما ذكر المدائني عثمان بن خالد الجهني ورجل من همدان - ولم يذكر عبد الرحمان أصلا. ثم قال: ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبيطالب الاحول وأمه أم ولد قتله لقيط ابن ياسر الجهني رماه بسهم فيما رويناه عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان ابن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، وذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل، ووصف أنه قد سمع أيضا من يذكر أنه قد قتل يوم الحرة. وقال أبو الفرج: (ما رأيت) في كتب الانساب لمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا، وذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة، عن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد ابن عبد الله بن محمد، بن عقيل بن أبي طالب أن علي بن عقيل وأمه أم ولد قتل يومئذ (2).


(1) راجع المناقب ج 4 ص 105، وفيه فقتل رجلين، وفى قول خمسة عشر فارسا قتله بشر بن سوط الهمداني، وسيجئ أن الرجل بشر بن حوط القابضى، وقابض بن زيد: بطن من همدان. (2) مقاتل الطالبيين ص 65 - 67.

[34]

ثم قالوا: وخرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبيطالب وهو يقول: نشكو إلى الله من العدوان * قتال قوم في الردى عميان قد تركوا معالم القرآن * ومحكم التنزيل والتبيان وأظهروا الكفر مع الطغيان ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس، ثم قتله عامر بن نهشل التميمي. ثم خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر وهو يقول: إن تنكروني فأنا ابن جعفر * شهيد صدق في الجنان أزهر يطير فيها بجناح أخضر * كفى بهذا شرفا في المحشر ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلا، ثم قتله عبد الله بن بطة الطائي. قال أبو الفرج بعد ذكر قتل محمد وعون: وإن عونا قتله عبد الله بن قطنة التيهانى (1) وعبيدالله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ذكر يحيى بن الحسن فيما أخبرني (به) أحمد بن سعيد عنه أنه قتل مع الحسين عليه السلام بالطف. ثم قال أبو الفرج ومحمد بن أبي طالب وغيرهما: ثم خرج من بعده عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وفي أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن عليه السلام وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر الحسين إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما، ثم استأذن الحسين عليه السلام في المبارزة فأبى الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له، فخرج ودموعه تسيل على خديه وهو يقول: إن تنكروني فأنا إبن الحسن (2) * سبط النبي المصطفى والمؤتمن هذا حسين كالاسير المرتهن * بين أناس لا سقوا صوب المزن


(1) وهكذا في المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 106 عبد الله بن قطنة الطائى وقد يقال عبد الله بن قطبة البتهانى، وأظنه التينانى بطن من بجيلة من القحطانية أو هو النبهاني: أبوحى. (2) في المناقب: ان تنكروني فأنا فرع الحسن وهو أوفق بالوزن

[35]

وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلا. قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنه كان اليسرى، فقال: عمرو بن سعد الازدي: والله لاشدن عليه، فقلت: سبحان الله وما تريد بذلك ؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه قال: والله لافعلن فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عماه قال: فجاء الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف وشد شدة الليث الحرب فضرب عمرا قاتله بالسيف، فاتقاه بيده فأطنها من المرفق فصاح ثم تنحى عنه، و حملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من الحسين، فاستقبلته بصدورها، وجرحته بحوافرها، ووطئنه حتى مات (الغلام) (1) فانجلت الغبرة فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام، وهو يفحص برجله، فقال الحسين: يعز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعدا لقوم قتلوك * (الهامش) * (1) قد اقتحم ههنا لفظ (الغلام) وهو سهو ظاهر، يخالف نسخة المقاتل والارشاد ومناقب ابن شهر آشوب، ويخالف لفظ الكتاب أيضا، حيث يقول بعده " وهو يفحص برجله " فانما يفحص برجله: أي يجود بنفسه، الذى لم يمت بعد، خصوصا مع مخاطبة الحسين عليه السلام له بقوله: " يعز والله على عمك " الخ فالمائت تحت حوافر الخيل وسنابكها عدو الله عمرو بن سعد بن نفيل الازدي لارحمه الله، ولكن عبارة المصنف رحمه الله يفيد أنه هو القاسم بن الحسن. أما نسخة المقاتل ففيه: فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنها من لدن المرفق ثم تنحى عنه وحملت خيل عمربن سعد لتستنقذه من الحسين فلما حملت الخيل استقبلته بصدورها وجالت فتوطأته فلم يرم حتى مات لعنه الله وأخزاه، فلما تجلت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجله وحسين يقول الخبر، وقد يظهر أن لفظ (الغلام) كان في نسخة المصنف مصحفا عن كلمة (لعنه الله) التى تكتب هكذا " لع‍ " راجع مقاتل الطالبيين ص 62، الارشاد ص 223 و 224، مناقب آل أبى طالب لابن شهر آشوب ج 4 ص 106 و 107.

[36]

ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الارض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع ؟ فجاء حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته. ثم قال: اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا، صبرا يا بني عمومتي، صبرا يا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا. ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولا وهو الاصح أنه برز بعد القاسم وهو يقول: إن تنكروني فأنا ابن حيدرة * ضرغام آجام وليث قسورة على الاعادي مثل ريح صرصرة فقتل أربعة عشر رجلا ثم قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي فاسود وجهه. قال أبو الفرج: كان أبو جعفر الباقر عليه السلام يذكر أن حرملة بن كاهل الاسدي قتله، وروي عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله ثم قال: وأبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب وامه ام ولد، ذكر المدائني في إسنادنا عنه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد أن عبد الله بن عقبة الغنوي قتله، وفي حديث عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أن عقبة الغنوي قتله (1). قالوا: ثم تقدمت إخوة الحسين عازمين على أن يموتوا دونه، فأول من خرج منهم أبو بكر بن علي واسمه عبيدالله وامه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي التميمية فتقدم وهو يرتجز: شيخي علي ذوالفخار الاطول * من هاشم الصدق الكريم المفضل هذا حسين بن النبي المرسل * عنه نحامي بالحسام المصقل تفديه نفسي من أخ مبجل فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر النخعي وقيل عبد الله بن عقبة الغنوي قال * (الهامش) * (1) المصدر ص 61.

[37]

أبو الفرج: لايعرف اسمه، وذكر أبو جعفر الباقر عليه السلام في الاسناد الذي تقدم أن رجلا من همدان قتله، وذكر المدائني أنه وجد في ساقية مقتولا لا يدرى من قتله. قالوا: ثم برز من بعده أخوه عمربن علي وهو يقول: أضربكم ولا أرى فيكم زحر * ذاك الشقي بالنبي قد كفر يا زحر يا زحر تدان من عمر * لعلك اليوم تبوء من سقر شر مكان في حريق وسعر * لانك الجاحد يا شر البشر ثم حمل على زحر قاتل أخيه فقتله، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضربا منكرا وهو يقول. خلوا عداة الله خلوا عن عمر * خلوا عن الليث العبوس المكفهر يضربكم بسيفه ولا يفر * وليس فيها كالجبان المنجحر فلم يزل يقاتل حتى قتل. ثم برز من بعده أخوه عثمان بن علي وامه ام البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب، وهو يقول: إني أنا عثمان ذو المفاخر * شيخي علي ذو الفعال الظاهر وإبن عم للنبي الطاهر * أخي حسين خيرة الاخاير وسيد الكبار والاصاغر * بعد الرسول والوصي الناصر فرماه خولي بن يزيد الاصبحي على جبينه فسقط عن فرسه، وجز رأسه رجل من بني أبان بن حازم، قال أبو الفرج: قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم عن عبيدالله بن الحسن وعبد الله بن العباس قالا: قتل عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة وقال الضحاك باسناده: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأسقطه (1) وشد عليه رجل من بني أبان دارم وأخذ رأسه، وروي عن علي عليه السلام * (الهامش) * (1) في المصدر: فأوهطه، وهو الاصح: يقال أوهطه: أضعفه وأوهنه وأثخنه ضربا وقيل: صرعه صرعة لا يقوم منها.

[38]

أنه قال: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون (1) أقول: ولم يذكر أبو الفرج عمربن علي في المقتولين يومئذ. قالوا: ثم برز من بعده أخوه جعفر بن علي، وامه ام البنين أيضا، وهو يقول: إني أنا جعفر ذوالمعالي * ابن علي الخير ذوالنوال حسبي بعمي شرفا وخالي * أحمي حسينا ذي الندى المفضال ثم قاتل فرماه خولي الاصبحي فأصاب شقيقته أو عينه. ثم برز أخوه عبد الله بن علي وهو يقول: أنا ابن ذي النجدة والافضال * ذاك علي الخير ذو الفعال سيف رسول الله ذوالنكال * في كل قوم ظاهر الاهوال فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي. قال أبو الفرج: حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي ابن إبراهيم، عن عبيدالله بن الحسن وعبد الله بن العباس قالا: قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن خمس وعشرين سنة ولاعقب له، وقتل جعفر بن علي وهو ابن تسع عشر سنة، حدثني أحمد بن عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمربن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد الله بن عاصم، عن ضحاك المشرقي (2) قال: قال العباس بن علي لاخيه من أبيه وامه عبد الله بن علي: تقدم بين يدي حتى أراك وأحتسبك فانه لاولد لك، فتقدم بين يديه وشد عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله، وبهذا الاسناد أن العباس بن علي قدم أخاه جعفرا بين يديه (3) فشد عليه هانئ بن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله، وقال نصر بن مزاحم: حدثني عمرو بن * (الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص 58 (2) قال الفيروز آبادى: والضحاك المشرقي تابعي أوصوا به كسر الميم وفتح الراء نسبة إلى مشرق بطن من همدان، أقول: ومثله في المشتبه للذهبي ص 485. (3) زاد في المصدر: وهو لانه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن على ميراثه.

[39]

شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن خولي بن يزيد الاصبحي قتل جعفر بن علي عليه السلام. ثم قال: ومحمد الاصغر ابن علي بن أبي طالب وامه ام ولد، حدثني أحمد ابن عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام وحدثني أحمد بن أبي شيبة، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله رضوان الله عليه. قال: وقد ذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي طالب عليه السلام وامه ام ولد، وما سمعت بهذا عن غيره، ولا رأيت لابراهيم في شئ من كتب الانساب ذكرا، وذكر يحيى بن الحسن أن أبا بكر بن عبيدالله الطلحي حدثه عن أبيه أن عبيدالله بن علي قتل مع الحسين، وهذا خطأ وإنما قتل عبيدالله يوم المذار، قتله أصحاب المختار، وقد رأيته بالمذار (1) وقال: كان العباس بن علي يكنى أبا الفضل وامه ام البنين أيضا، وهو أكبر ولدها وهو آخر من قتل من إخوته لابيه وامه فحاز مواريثهم (2) ثم تقدم فقتل، فورثهم وإياه عبيدالله، ونازعه في ذلك عمه عمربن علي، فصولح على شئ (ا) رضي به. وكان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في الارض، وكان يقال له: قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين عليه السلام معه، حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن بكر بن عبد الوهاب، عن ابن أبي اويس عن أبيه، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: عبأ الحسين بن علي أصحابه فأعطى رايته * (الهامش) * (1) المذار - كسحاب - بلد بين واسط والبصرة، وبها كانت يوم لمصعب بن الزبير على أحمر بن شميط البجلى، راجع أيام العرب في الاسلام للميداني بذيل مجمع الامثال ج 2 ص 447. (2) في المصدر: لانه كان له عقب، ولم يكن لهم، فقدمهم بين يديه فقتلوا جميعا فحاز مواريثهم.

[40]

أخاه العباس، حدثني أحمد بن عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو ابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أن زيد بن رقاد وحكيم بن الطفيل الطائي قتلا العباس بن علي عليه السلام وكانت ام البنين ام هؤلاء الاربعة الاخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيئ فيمن يجيئ لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي. ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، عن النوفلي، عن حمادبن عيسى الجهني، عن معاوية بن عمار، عن جعفر بن محمد عليهما السلام (1) قالوا: وكان العباس السقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه السلام وهو أكبر الاخوان، مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم وجعل يقول: لا أرهب الموت إذا الموت رقا (2) * حتى اواري في المصاليت لقى نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا * إني أنا العباس أغدو بالسقا ولا أخاف الشر يوم الملتقى ففرقهم فكمن له زيد بن ورقاء (3) من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل وهو يرتجز: والله إن قطعتم يميني * إني احامي أبدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين * نجل النبي الطاهر الامين فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال: يانفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار * (الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص 59 (2) في بعض النسخ " زقا " أي صاح، كانت العرب تزعم ان روح القتيل الذى لا يدرك بثأره تصير هامة فتزقو عند قبره تقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت (3) هكذا في نسخة الارشاد ص 225 ومناقب آل أبى طالب ج 4 ص 108، وقد مر عن المقاتل أنه زيد بن رقاد فتحرر.

[41]

مع النبي السيد المختار * قد قطعوا ببغيهم يساري فأصلهم يا رب حر النار فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلما رآه الحسين عليه السلام صريعا على شاطئ الفرات بكى وأنشأ يقول: تعديتم ياشر قوم ببغيكم * وخالفتم دين النبي محمد أما كان خير الرسل أوصاكم بنا * أما نحن من نجل النبي المسدد أما كانت الزهراء امي دونكم * أما كان من خير البرية أحمد لعنتم واخزيتم بما قد جنيتم * فسوف تلاقوا حر نار توقد أقول: وفي بعض تأليفات أصحابنا أن العباس لما رأى وحدته عليه السلام أتى أخاه وقال: يا أخي هل من رخصة ؟ فبكى الحسين عليه السلام بكاء شديدا ثم قال: يا أخي أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسكري ! (1) فقال العباس: قد ضاق صدري وسئمت من الحياة واريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين. فقال الحسين عليه السلام: فاطلب لهؤلاء الاطفال قليلا من الماء، فذهب العباس ووعظهم وحذرهم فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره فسمع الاطفال ينادون: العطش العطش ! فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة، وقصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات، ورموه بالنبال فكشفهم وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتى دخل الماء. فلما أراد أن يشرب غرفة من الماء، ذكر عطش الحسين وأهل بيته، فرمى الماء وملا القربة (2) وحملها على كتفه الايمن، وتوجه نحو الخيمة، فقطعوا عليه * (الهامش) * (1) هذه رواية مرسلة عن كتاب مجهول، يخالف كل المقاتل، فان أصحاب الحسين عليه السلام كلهم قد تفانوا دون أهل بيته، وكان العباس عليه السلام آخر المستشهدين مع أخيه الحسين فلم يكن هناك عسكر ! حتى يقول الحسين: إذا مضيت تفرق عسكري (2) وقال على ما روى: يانفس من بعد الحسين هوني * وبعده لا كنت ان تكوني هذا الحسين وارد المنون * وتشربين بارد المعين تالله ما هذا فعال دينى

[42]

الطريق وأحاطوا به من كل جانب، فحاربهم حتى ضربه نوفل الازرق على يده اليمنى فقطعها، فحمل القربة على كتفه الايسر فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند، فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة واريق ماؤها ثم جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين: أدركني، فلما أتاه رآه صريعا فبكى وحمله إلى الخيمة. ثم قالوا: ولما قتل العباس قال الحسين عليه السلام: الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي. قال ابن شهر آشوب: ثم برز القاسم بن الحسين (1) وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن حيدرة * ضرغام آجام وليث قسورة على الاعادي مثل ريح صرصرة * أكيلكم بالسيف كيل السندرة (2) وذكر هذا بعد أن ذكر القاسم بن الحسن سابقا وفيه غرابة (3) قالوا: ثم تقدم علي بن الحسين عليه السلام وقال محمد بن أبي طالب وأبو الفرج: وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة وقال ابن شهر آشوب: ويقال: ابن خمس وعشرين سنة (4) قالوا: ورفع الحسين سبابته (5) نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء * (الهامش) * (1) القاسم بن الحسن خ ل (2) قد مر في ما سبق أن هذا الرجز لعبدالله بن الحسن. (3) والظاهر أنه أراد القاسم بن الحسن عليه السلام وانما كرره لاختلاف الرواية في ترتيب الشهداء، وهكذا في رجزه، قال في ج 4 ص 106: ثم برز أخوه - يعنى عبد الله بن الحسن - القاسم وعليه ثوب وازار ونعلان فقط وكأنه فلقة قمر، وأنشأ يقول: انى أنا القاسم من نسل على * نحن وبيت الله اولى بالنبي من شمر ذى الجوشن أو ابن الدعى (4) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 109، مقاتل الطالبيين ص 55 و 56 (5) شيبته خ ل.

[43]

القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه، اللهم امنعهم بركات الارض، وفرقهم تفريقا، ومزقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا. ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: ما لك ؟ قطع الله رحمك ! ولابارك الله لك في أمرك، وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رفع الحسين عليه السلام صوته وتلا: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". ثم حمل علي بن الحسين على القوم، وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي * من عصبة جد أبيهم النبي والله لا يحكم فينا ابن الدعي * أطعنكم بالرمح حتى ينثني أضربكم بالسيف أحمي عن أبي * ضرب غلام هاشمي علوي فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم، وروي أنه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلا ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة فقال: يا أبه ! العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الاعداء ؟ فبكى الحسين عليه السلام وقال: يا بني يعز على محمد وعلى علي بن أبي طالب وعلي أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك، يا بني هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فاني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الاوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا. فرجع إلى القتال وهو يقول: الحرب قد بانت لها الحقائق * وظهرت من بعدها مصادق والله رب العرش لا نفارق * جموعكم أو تغمد البوارق

[44]

فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ثم ضربه منقذ بن مرة العبدي (1) على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الاعداء فقطعوه بسيوفهم إربا إربا. فلما بلغت الروح التراقي قال رافعا صوته: يا أبتاه هذا جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قد سقاني بكأسه الاوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا وهو يقول: العجل العجل ! فان لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة، فصاح الحسين عليه السلام وقال: قتل الله قوما قتلوك ما أجرأهم على الرحمان وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول، وعلى الدنيا بعدك العفا. قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه، يا نور عيناه ! فسألت عنها فقيل: هي زينب بنت علي عليه السلام وجاءت وانكبت عليه فجاء الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفساط وأقبل عليه السلام بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه فجاؤا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. وقال المفيد وابن نما بعد ذلك: ثم رمى رجل من أصحاب عمربن سعد يقال له: عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه ونفذ إلى جبهته فسمرها به، فلم يستطع تحريكها ثم انحنى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه، فقتله. وحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله، وحمل عامر بن نهشل التميمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله، وشد عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب فقتله (2) * (الهامش) * (1) كذا في الاصل ونقل عن مقتل العوالم ص 95 أيضا ولكن المشهور كما في الطبري ج 6 ص 625 مرة بن منقذ بن النعمان العبدى ثم الليثى وهكذا ابن الاثير ج 4 ص 30، الاخبار الطوال ص 254، مقاتل الطالبين ص 84 وغير ذلك (2) الارشاد ص 223.

[45]

وقال أبو الفرج في المقاتل: حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن (أبي زياد) إدريس، عن أبيه، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن أول قتيل قتل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه علي وحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن غير واحد، عن محمد بن أبي عمير (و) عن أحمد بن عبد الرحمان البصري عن عبد الرحمان بن مهدي، عن حماد ابن سلمة، عن سعيد بن ثابت قال: لما برز علي بن الحسين إليهم، أرخى الحسين عليه السلام عينيه فبكى ثم قال: اللهم فكن أنت الشهيد عليهم، فقد برز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أبه العطش ! فيقول له الحسين: اصبر حبيبي فانك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله بكأسه، وجعل يكر كرة بعد كرة، حتى رمي بسهم فوقع في حلقه فخرقه وأقبل يتقلب في دمه ثم نادى: يا أبتاه عليك السلام هذا جدي رسول الله يقرئك السلام ويقول عجل القدوم علينا، وشهق شهقة فارق الدنيا (1) قال أبو الفرج: علي بن الحسين هذا هو الاكبر ولا عقب له، ويكنى أبا الحسن وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وهو أول من قتل في الوقعة وإياه عنى معاوية في الخبر الذي حدثني به محمد بن محمد بن سليمان، عن يوسف بن موسى القطان، عن جرير، عن مغيرة قال: قال معاوية: من أحق الناس بهذا الامر ؟ قالوا: أنت، قال: لا أولى الناس بهذا الامر علي بن الحسين ابن علي جده رسول الله، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني امية، وزهو ثقيف. وقال يحيى بن الحسن العلوي: وأصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لام ولد، وأن الذي امه ليلى هو جدهم، وولد في خلافة عثمان (2). ثم قالوا: وخرج غلام [وبيده عمود] (3) من تلك الابنية وفي اذنيه درتان * (الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص 85. (2) المصدر ص 55 و 56. (3) الزيادة من الطبري ج 6 ص 258 والبداية ج 8 ص 186. قالا: قال هانئ بن ثبيت الحضرمي: " اني لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين

[46]

وهو مذعور فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وقرطاه يتذبذبان، فحمل عليه هانئ بن ثبيت فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحدا من الرجال، والتفت عن يساره فلم ير أحدا، فخرج علي بن الحسين زين العابدين عيله السلام وكان مريضا لا يقدر أن يقل سيفه وام كلثوم تنادي خلفه: يا بني ارجع فقال: يا عمتاه ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين عليه السلام: يا ام كلثوم خذيه لئلا تبقى الارض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه وآله ولما فجع الحسين بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري نادى: هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل فتقدم عليه السلام إلى باب الخيمة فقال: ناولوني عليا ابني الطفل حتى اودعه، فناولوه الصبي وقال المفيد: دعا ابنه عبد الله (1) قالوا: فجعل يقبله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم، والصبي في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الاسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقى الحسين دمه حتى امتلات كفه، ثم رمى به إلى السماء وقال السيد: ثم قال: هون علي ما نزل بي أنه بعين الله، قال الباقر عليه السلام: فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الارض (2)


- - - > إذ نظرت إلى غلام من آل الحسين عليه ازار وقميص وفى اذنيه درتان وبيده عمود من تلك الابنية وهو مذعور يلتفت يمينا وشمالا فأقبل رجل يركض حتى إذا دنامنه مال عن فرسه وعلاه بالسيف وقطعه، فلما عيب عليه كنى عن نفسه " فعدو الله هو الذي قتله، لكنه لم يذكر نفسه لما عيب عليه بل نسبه إلى رجل لايعرف وجعل نفسه راويا (1) في الارشاد المطبوع ص 224: ثم جلس الحسين أمام الفسطاط فأتى بابنه عبد الله وهو طفل الخ (2) الملهوف ص 103

[47]

قالوا: ثم قال: لا يكون أهون عليك من فصيل، اللهم إن كنت حبست عنا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا أقول: وفي بعض الكتب أن الحسين لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى، التفت إلى الخيمة ونادى: يا سكينة ! يا فاطمة ! يا زينب ! يا ام كلثوم ! عليكن مني السلام، فنادته سكينة: يا أبه استسلمت للموت ؟ فقال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين ؟ فقالت: يا أبه ردنا إلى حرم جدنا فقال: هيهات لو ترك القطالنام، فتصارخن النساء فسكتهن الحسين، وحمل على القوم وقال أبو الفرج: وعبد الله بن الحسين وامه الرباب بنت امرئ القيس وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين: لعمرك إنني لاحب دارا * تكون بها سكينة والرباب احبهما وأبذل جل مالي * وليس لعاتب عندي عتاب وسكينة التي ذكرها ابنته من الرباب، واسم سكينة أمينة، وإنما غلب عليها سكينة، وليس باسمها، وكان عبد الله يوم قتل صغيرا جاءه نشابة وهوفي حجر أبيه فذبحته، حدثني أحمد بن شبيب، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: دعا الحسين بغلام فأقعده في حجره فرماه عقبة بن بشر فذبحه، وحدثني محمد بن الحسين الاشناني باسناده عمن شهد الحسين قال: كان معه ابن له صغير فجاء سهم فوقع في نحره قال: فجعل الحسين يمسح الدم من نحر لبته فيرمي به إلى السماء فما رجع منه (شئ) ويقول: اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل (1) ثم قالوا: ثم قام الحسين عليه السلام وركب فرسه وتقدم إلى القتال وهو يقول: كفر القوم وقدما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا القوم عليا وابنه * حسن الخير كريم الابوين حنقا منهم وقالوا أجمعوا * احشروا الناس إلى حرب الحسين


(1) مقاتل الطالبيين ص 63 و 64

[48]

يالقوم من اناس رذل * جمع الجمع لاهل الحرمين ثم ساروا وتواصوا كلهم * باجتياحي لرضاء الملحدين (1) لم يخافوا الله في سفك دمي * لعبيدالله نسل الكافرين وابن سعد قد رماني عنوة * بجنود كوكوف الهاطلين لا لشئ كان مني قبل ذا * غير فخري بضياء النيرين بعلي الخير من بعد النبي * والنبي القرشي الوالدين خيرة الله من الخلق أبي * ثم امي فأنا ابن الخيرين فضة قد خلصت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى * أو كشيخي فأنا ابن العلمين فاطم الزهراء امي وأبي * قاصم الكفر ببدر وحنين عبد الله غلاما يافعا * وقريش يعبدون الوثنين يعبدون اللات والعزى معا * وعلي كان صلى القبلتين فأبي شمس وامي قمر * فأنا الكوكب وابن القمرين وله في يوم احد وقعة * شفت الغل بفض العسكرين ثم في الاحزاب والفتح معا * كان فيها حتف أهل الفيلقين في سبيل الله ماذا صنعت * امة السوء معا بالعترين عترة البر النبي المصطفى * وعلي الورد يوم الجحفلين (2) ثم وقف عليه السلام قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آئسا من الحياة، عازما على الموت


(1) في كشف الغمة " للرضا بالملحدين " (2) قال في كشف الغمة ج 2 ص 200: من كلامه المنثور قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح، وأنه عليه السلام لما أحاط به جموع ابن زياد، وقتلوا من قتلوا من أصحابه، ومنعوهم الماء كان له ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله، فرمله الحسين (ع) وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه وقال: ثم ذكر الاشعار، وذكرها ابن شهراشوب ج 4 ص 79. وفيه زيادة سينقلها المصنف

[49]

وهو يقول: أنا ابن علي الطهر من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول الله أكرم من مضى * ونحن سراج الله في الخلق نزهر وفاطم امي من سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر وفينا كتاب الله انزل صادقا * وفينا الهدى والوحي بالخير يذكر ونحن أمان الله للناس كلهم * نسر بهذا في الانام ونجهر ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا * بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر أقول: روي في الاحتجاج أنه لما بقي فردا ليس معه إلا ابنه علي بن الحسين عليهما السلام وابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله أخذ الطفل ليودعه فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله، فنزل عن فرسه وحفر للصبي بجفن سيفه ورمله بدمه ودفنه، ثم وثب قائما وهو يقول إلى آخر الابيات (1) وقال محمد بن أبي طالب: وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الابيات للحسين عليه السلام من إنشائه وقال: ليس لاحد مثلها: فإن تكن الدنيا تعد نفيسة * فإن ثواب الله أعلى وأنبل وإن يكن الابدان للموت انشأت * فقتل امرء بالسيف في الله أفضل وإن يكن الارزاق قسما مقدرا * فقلة سعي المرء في الكسب أجمل وإن تكن الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل ثم إنه دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من دنا منه من عيون الرجال، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثم حمل عليه السلام على الميمنة، وقال: " الموت خير من ركوب العار " ثم على الميسرة وهو يقول: أنا الحسين بن علي * آليت أن لاأنثني أحمي عيالات أبي * أمضي على دين النبي


(1) الاحتجاج ص 154 و 155 (*)

[50]

قال المفيد والسيد وابن نما رحمهم الله: واشتد العطش بالحسين عليه السلام فركب المسناة يريد الفرات والعباس أخوه بين يديه، فاعترضه خيل ابن سعد فرمى رجل من بني دارم الحسين عليه السلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف، فانتزع عليه السلام السهم وبسط يده تحت حنكه، حتى امتلات راحتاه من الدم ثم رمى به، وقال: اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك، ثم اقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه، وكان المتولي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي وحكيم بن الطفيل السنبسي، فبكى الحسين لقتله بكاء شديدا (1) قال السيد: ثم إن الحسين عليه السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهوفي ذلك يقول: القتل أولى من ركوب العار * والعار أولى من دخول النار قال بعض الرواة: فوالله ما رأيت مكثورا قط (2) قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشا منه، وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ألفا فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: " لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم " (3) وقال ابن شهر آشوب ومحمد بن أبي طالب: ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلا سوى المجروحين، فقال عمربن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون ؟ هذا ابن الانزع البطين، هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب، وكانت الرماة أربعة آلاف، فرموه بالسهام فحالوا


(1) الملهوف ص 103 - الارشاد ص 224 (2) المكثور: المغلوب وهو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه، قال في التاج وفى حديث مثل الحسين: " ما رأينا مكثورا أجرأ مقدما منه " (3) كتاب الملهوف ص 105 ومثله في الطبري ج 6 ص 259 عن عبد الله بن عمار ابن (عبد) يغوث

[51]

بينه وبين رحله (1) وقال ابن أبي طالب وصاحب المناقب والسيد: فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعرابا، فناداه شمر فقال: ما تقول يا ابن فاطمة ؟ قال: أقول: أنا الذي اقاتلكم، وتقاتلوني، والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي مادمت حيا، فقال شمر: لك هذا، ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه فلعمري لهو كفو كريم، قال: فقصده القوم وهوفي ذلك يطلب شربة من ماء، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم حتى أحلوه عنه (2) وقال ابن شهر آشوب: وروى أبو مخنف عن الجلودي أن الحسين عليه السلام حمل على الاعور السلمي وعمروبن الحجاج الزبيدي وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة، وأقحم الفرس على الفرات، فلما أولغ الفرس برأسه ليشرب قال عليه السلام: أنت عطشان وأنا عطشان والله لاذقت الماء حتى تشرب، فلما سمع الفرس كلام الحسين عليه السلام شال رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام، فقال الحسين عليه السلام: فأنا أشرب فمد الحسين عليه السلام يده فغرف من الماء فقال فارس: يا أبا عبد الله تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت حرمك ؟ فنفض الماء من يده، وحمل على القوم، فكشفهم فإذا الخيمة سالمة (3) قال أبو الفرج: قال (4): وجعل الحسين عليه السلام يطلب الماء وشمر يقول له: والله لا ترده أو ترد النار فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون الحيتان والله لاتذوقه أو تموت عطشا فقال الحسين عليه السلام: اللهم أمته عطشا قال:


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 110 (2) الملهوف ص 106 (3) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 58 (4) القائل حميد بن مسلم برواية أبى مخنف

[52]

والله لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء فيؤتى بماء فيشرب حتى يخرج من فيه، ثم يقول: اسقوني قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتى مات (1) فقالوا: ثم رماه رجل من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي (2) بسهم فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته، فقال عليه السلام: اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا ولا تذر على وجه الارض منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحدا إلا بعجه (3) بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره ويقول: يا امة السوء بئسما خلفتم محمدا في عترته، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله إني لارجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني فقال: يا ابن فاطمة وبماذ اينتقم لك منا ؟ قال: يلقى بأسكم بينكم ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب الاليم ثم لم يزل يقاتل حتى أصابته جراحات عظيمة وقال صاحب المناقب والسيد: حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة، وقال ابن شهر آشوب: قال أبو مخنف عن جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام قال: وجدنا بالحسين ثلاثا وثلاثين طعنة وأربعا وثلاثين ضربة، وقال الباقر عليه السلام: اصيب الحسين عليه السلام ووجد به ثلاث مائة وبضعة وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أورمية بسهم، وروي ثلاثمائة وستون جراحة، وقيل: ثلاث وثلاثون ضربة سوى السهام وقيل: ألف وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ، وروي أنها كانت كلها في مقدمه (4)


(1) مقاتل الطالبيين ص 86 (2) واسمه زياد بن عبد الرحمن. قيل والصحيح: أبا الجنوب كنى باسم ولده جنوب. (3) نفحه خ ل (4) راجع مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 110 و 111، كتاب الملهوف ص 106 و 114

[53]

قالوا: فوقف عليه السلام يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره - وفي بعض الروايات على قلبه - فقال الحسين عليه السلام: " بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله " ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الارض ابن نبي غيره، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح فلما امتلات رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانيا فلما امتلات لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول: يارسول الله قتلني فلان وفلان ثم ضعف عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل وانتهى إليه انصرف عنه حتى جاءه رجل من كندة يقال له: مالك بن اليسر فشتم الحسين عليه السلام وضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس فامتلا دما فقال له الحسين عليه السلام: لاأكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين، ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيا وجاء الكندي وأخذ البرنس وكان من خز، فلما قدم بعد الوقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته: أتدخل بيتي بسلب ابن رسول الله ؟ اخرج عني حشى الله قبرك نارا، فلم يزل بعد ذلك فقيرا بأسوء حال ويبست يداه وكانتا في الشتاء ينضحان دما وفي الصيف تصيران يابستين كأنهما عودان وقال المفيد والسيد: فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به فخرج عبد الله بن الحسن بن علي عليهم السلام وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب بنت علي عليه السلام لتحبسه فقال الحسين عليه السلام: احبسيه يا اختي ! فأبى وامتنع امتناعا شديدا وقال: لا والله لاافارق عمي، وأهوى أبجر ابن كعب - وقيل: حرملة بن كاهل - إلى الحسين عليه السلام بالسيف فقال له الغلام: ويلك يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ؟ فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلد

[54]

فإذا هي معلقة، فنادى الغلام: يا اماه فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إليه وقال: يابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فان الله يلحقك بآبائك الصالحين (1): قال السيد: فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه، وهوفي حجر عمه الحسين عليه السلام ثم إن شمربن ذي الجوشن حمل على فسطاط الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح ثم قال: علي بالنار أحرقه على من فيه فقال له الحسين عليه السلام: يا ابن ذي الجوشن أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي، أحرقك الله بالنار، وجاء شبث فوبخه فاستحيى وانصرف قال: وقال الحسين عليه السلام: ابعثوا إلي ثوبا لا يرغب فيه، أجعله تحت ثيابي، لئلا اجرد، فاتي بتبان فقال: لاذاك لباس من ضربت عليه بالذلة فأخذ ثوبا خلقا فخرقه وجعله تحت ثيابه - فلما قتل جردوه منه - ثم استدعى الحسين عليه السلام بسراويل من حبرة ففزرها ولبسها وإنما فزرها لئلا يسلبها، فلما قتل سلبها أبجر بن كعب وتركه عليه السلام مجردا، فكانت يد أبجر بعد ذلك ييبسان في الصيف كأنهما عودان ويترطبان في الشتاء فينضحان دما وقيحا إلى أن أهلكه الله تعالى قال: ولما اثخن بالجراح وبقي كالقنفذ، طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته طعنة فسقط عليه السلام عن فرسه إلى الارض على خده الايمن، ثم قام صلوات الله عليه قال: وخرجت زينب من الفسطاط وهي تنادي: واأخاه واسيداه وا أهل بيتاه ليت السماء أطبقت على الارض، وليت الجبال تدكدكت على السهل، وقال: وصاح الشمر: ما تنتظرون بالرجل ؟ فحملوا عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك على كتفه وضرب الحسين زرعة فصرعه، وضربه آخر على عاتقه المقدس بالسيف ضربة كبا عليه السلام بها لوجهه، وكان قد أعيا، وجعل عليه السلام ينوء ويكبو، فطعنه سنان


(1) الارشاد ص 225. الملهوف ص 107 و 108

[55]

ابن أنس النخعي في ترقوته ثم انتزع الرمح فطعنه في بواني صدره ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط عليه السلام وجلس قاعدا، فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعا وكلما امتلاتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته، وهو يقول: هكذا حتى ألقى الله مخضبا بدمي، مغصوبا على حقي فقال عمربن سعد لرجل عن يمينه: انزل ويحك إلى الحسين فأرحه، فبدر إليه خولي بن يزيد الاصبحي ليجتز رأسه فارعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي فضربه بالسيف في حلقه الشريف، وهو يقول: والله إني لاجتز رأسك وأعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أبا واما، ثم اجتز رأسه المقدس المعظم صلى الله عليه وسلم وكرم وروي أن سنانا هذا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة ثم قطع يديه ورجليه وأغلى له قدرا فيها زيت ورماه فيها وهو يضطرب (1) وقال صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب: ولما ضعف عليه السلام نادى شمر: ما وقوفكم ؟ وما تنتظرون بالرجل ؟ قد أثخنته الجراح والسهام احملوا عليه ثكلتكم امهاتكم، فحملوا عليه من كل جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه وأبو أيوب الغنوي بسهم في حلقه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه وكان قد طعنه سنان بن أنس النخعي في صدره، وطعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته فوقع عليه السلام إلى الارض على خده الايمن، ثم استوى جالسا ونزع السهم من حلقه ثم دنا عمربن سعد من الحسين عليه السلام قال حميد: وخرجت زينب بنت علي عليه السلام وقرطاها يجولان بين اذنيها وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الارض، يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟ ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته، وهو يصرف وجهه عنها، والحسين عليه السلام جالس، وعليه جبة خز، وقدتحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به ؟ اقتلوه ثكلتكم امهاتكم، فضربه زرعة بن شريك فأبان كفه اليسرى ثم ضربه على عاتقه ثم انصرفوا عنه، وهو يكبو مرة ويقوم اخرى


(1) كتاب الملهوف ص 108 - 112

[56]

فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، وقال لخولي بن يزيد: اجتز رأسه ! فضعف وارتعدت يده، فقال له سنان: فت الله عضدك، وأبان يدك فنزل إليه شمرلعنه الله وكان اللعين أبرص، فضربه برجله فألقاه على قفاه ثم أخذ بلحيته، فقال الحسين عليه السلام: أنت الابقع الذي رأيتك في منامي ؟ فقال: أتشبهني بالكلاب ؟ ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السلام وهو يقول: أقتلك اليوم ونفسي تعلم * علما يقينا ليس فيه مزعم ولا مجال لاولا تكتم * إن أباك خير من تكلم وروى في المناقب بإسناده عن عبد الله بن ميمون، عن محمد بن عمرو بن الحسن قال: كنا مع الحسين بنهر كربلا ونظر إلى شمربن ذي الجوشن وكان أبرص فقال: الله أكبر الله أكبر، صدق الله ورسوله قال رسول الله: كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دم أهل بيتي ثم قال: فغضب عمربن سعد لعنه الله ثم قال لرجل عن يمينه: انزل ويحك إلى الحسين فأرحه، فنزل إليه خولي بن يزيد الاصبحي لعنه الله فاجتز رأسه وقيل: بل جاء إليه شمروسنان بن أنس والحسين عليه السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، ويطلب الماء، فرفسه شمر لعنه الله برجله، وقال: يا ابن أبي تراب ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبه، فاصبر حتى تأخذ الماء من يده ثم قال لسنان: اجتز رأسه قفاء، فقال سنان: والله لا أفعل، فيكون جده محمد صلى الله عليه وآله خصمي فغضب شمر لعنه الله وجلس على صدر الحسين وقبض على لحيته وهم بقتله، فضحك الحسين عليه السلام فقال له: اتقتلني ولا تعلم من أنا ؟ فقال: أعرفك حق المعرفة: امك فاطمة الزهراء، وأبوك علي المرتضى، وجدك محمد المصطفى، وخصمك العلي الاعلى أقتلك ولا أبالي، فضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة ثم جز رأسه صلوات الله وسلامه عليه، ولعن الله قاتله ومقاتله والسائرين إليه بجموعهم وقال ابن شهر آشوب: روى أبو مخنف عن الجلودي أنه كان صرع الحسين

[57]

عليه السلام فجعل فرسه يحامي عنه، ويثب على الفارس فيخبطه عن سرجه، ويدوسه حتى قتل الفرس أربعين رجلا، ثم تمرغ في دم الحسين عليه السلام وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال ويضرب بيديه الارض (1) وقال السيد رضي الله عنه: فلما قتل صلوات الله عليه ارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا ترى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم أن العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم وروى هلال بن نافع قال: إني لواقف مع أصحاب عمربن سعد إذ صرخ صارخ: أبشر أيها الامير فهذا شمر قد قتل الحسين، قال: فخرجت بين الصفين فوقفت عليه وإنه ليجود بنفسه فوالله ما رأيت قط قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه ولا أنور وجها، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيبته عن الفكرة في قتله، فاستسقى في تلك الحالة ماء، فسمعت رجلا يقول: لاتذوق الماء حتى ترد الحامية، فتشرب من حميمها، فسمعته يقول: أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها ؟ بل أرد على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشرب من ماء غير آسن، وأشكو إليه ما ركبتم مني وفعلتم بي قال: فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئا، فاجتزوا رأسه وإنه ليكلمهم فتعجبت من قلة رحمتهم، وقلت: والله لااجامعكم على أمر أبدا قال: ثم أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام فأخذ قميصه إسحاق بن حوية الحضرمي فلبسه فصار أبرص، وامتعط شعره وروي أنه وجد في قميصه مائة وبضع عشرة: مابين رمية وطعنة وضربة، وقال الصادق عليه السلام: وجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربعة وثلاثون ضربة، وأخذ سراويله أبجر بن كعب التيمي وروي أنه صار زمنا مقعدا من رجليه، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي وقيل: جابر بن يزيد الاودي فاعتم بها فصار معتوها، وفي غير رواية السيد: فصار مجذوما، وأخذ درعه مالك بن بشير الكندي فصار معتوها


(1) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 58

[58]

فقال السيد: وأخذ نعليه الاسود بن خالد، وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي فقطع أصبعه عليه السلام مع الخاتم، وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط في دمه حتى هلك، وأخذ قطيفة له عليه السلام كانت من خز قيس بن الاشعث، وأخذ درعه البتراء عمربن سعد، فلما قتل عمربن سعد وهبها المختار لابي عمرة قاتله، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الازدي ويقال: رجل من بني تميم، يقال له: الاسود بن حنظلة، وفي رواية ابن سعد: أنه أخذ سيفه القلافس (1) النهشلي وزاد محمد بن زكريا أنه وقع بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بديل، وهذا السيف المنهوب ليس بذي الفقار، وإن ذلك كان مذخورا ومصونا مع أمثاله من ذخائر النبوة والامامة، وقد نقل الرواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه قال: وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين عليه السلام فقال لها رجل: يا أمة الله إن سيدك قتل، قالت الجارية: فأسرعت إلى سيدتي وأنا أصيح، فقمن في وجهي وصحن، قال: وتسابق القوم، على نهب بيوت آل الرسول وقرة عين الزهراء البتول، حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وخرجن بنات الرسول وحرمه يتساعدن على البكاء، ويندبن لفراق الحماة والاحباء وروى حميد بن مسلم قال: رأيت امرأة من بكربن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمربن سعد فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام فسطاطهن، وهم يسلبونهن أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط، فقالت: يا آل بكربن وائل أتسلب بنات رسول الله لا حكم إلا لله يا ثارات رسول الله، فأخذها زوجها وردها إلى رحله، قال: ثم أخرجوا النساء من الخيمة، وأشعلوا فيها النار، فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلة، وقلن بحق الله إلا ما مررتم بناعلى مصرع الحسين، فلما نظرت النسوة إلى القتلى، صحن وضربن وجوههن قال: فوالله لاأنسى زينب بنت علي عليه السلام وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب: وامحمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع * (الهامش) * (1) كذا في المصدر ص 115، وهكذا تذكرة الخواص ص 144، والمصنف اختار كلمة " الفلان " وهى نسخة

[59]

الاعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى وإلى حمزة سيد الشهداء، وامحمداه هذا حسين بالعراء، يسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه ياكرباه، اليوم مات جدي رسول الله، يا أصحاب محمداه، هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا. وفي بعض الروايات: يا محمداه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، بأبي من جده رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد المصطفى، بأبي خديجة الكبرى بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء سيدة النساء، بأبي من ردت عليه الشمس حتى صلى قال: فأبكت والله كل عدو وصديق ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين عليه السلام، فاجتمع عدة من الاعراب حتى جروها عنه، قال: ثم نادى عمر ابن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره، فانتدب منهم عشرة وهم إسحاق بن حوية الذي سلب الحسين عليه السلام قميصه، وأخنس بن مرثد، وحكيم بن الطفيل السنبسي، وعمروبن صبيح الصيداي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي، وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهانئ بن ثبيت الحضرمي، واسيد بن مالك، فداسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضوا ظهره وصدره. قال: وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد فقال اسيد بن مالك أحد العشرة شعر: نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * بكل يعبوب شديد الاسر فقال ابن زياد: من أنتم ؟ فقالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى

[60]

طحنا جناجن صدره فأمر لهم بجائزة يسيرة قال أبو عمرو الزاهد: فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدنا هم جميعا أولاد زناء وهؤلاء أخذهم المختار فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا (1). أقول: المعتمد عندي ما سيأتي في رواية الكافي أنه لم يتيسر لهم ذلك. وقال صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب: قتل الحسين عليه السلام باتفاق الروايات يوم عاشورا عاشر المحرم سنة إحدى وستين، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف قالا: وأقبل فرس الحسين عليه السلام وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين عليه السلام ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الارض عند الخيمة حتى مات، فلما نظر أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعن أصواتهن بالبكاء والعويل، ووضعت ام كلثوم يدها على ام رأسها ونادت: وامحمداه، واجداه، وانبياه، واأبا القاسماه، واعلياه، واجعفراه واحمزتاه، واحسناه، هذا حسين بالعراء، صريع بكربلا، مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، ثم غشي عليها. فأقبل أعداء الله لعنهم الله حتى أحدقوا بالخيمة، ومعهم شمر، فقال: ادخلوا فاسلبوا بزتهن، فدخل القوم لعنهم الله فأخذوا ماكان في الخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن ام كلثوم اخت الحسين عليه السلام فأخذوه وخرموا اذنها، حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تغلب عليه، وأخذ قيس بن الاشعث لعنه الله قطيفة الحسين عليه السلام فكان يسمى قيس القطيفة، وأخذ نعليه رجل من بني أود، يقال له الاسود، ثم مال الناس على الورس والحلي والحلل والابل فانتهبوها. أقول: رأيت في بعض الكتب أن فاطمة الصغرى قالت: كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابي مجززين كالاضاحي على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول وأنا افكر فيما يقع علينا بعد أبي من بني امية، أيقتلوننا أو


(1) كتاب الملهوف ص 112 - 121

[61]

يأسروننا ؟ فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه وهن يلذن بعضهن ببعض، وقد اخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة، وهن يصحن: واجداه، واأبتاه واعلياه، واقلة ناصراه، واحسناه، أما من مجير يجيرنا ؟ أما من ذائد يذود عنا ؟ قالت: فطار فؤادي وارتعدت فرائصي، فجعلت اجيل بطرفي يمينا وشمالا على عمتي ام كلثوم خشية منه أن يأتيني. فبينا أنا على هذه الحالة وإذابه قد قصدني ففررت منهزمة، وأنا أظن أني أسلم منه، وإذا به قد تبعني، فذهلت خشية منه وإذا بكعب الرمح بين كتفي، فسقطت على وجهي فخرم اذني وأخذ قرطي ومقنعتي، وترك الدماء تسيل على خدي ورأسي تصهره الشمس، وولى راجعا إلى الخيم، وأنا مغشي علي، وإذا أنا بعمتي عندي تبكي وهي تقول: قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل، فقمت وقلت: يا عمتاه هل من خرقة أستربها رأسي عن أعين النظار ؟ فقالت يا بنتاه وعمتك مثلك فرأيت رأسها مكشوفة، ومتنها قد اسود من الضرب، فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نهبت وما فيها، وأخي علي بن الحسين مكبوب على وجهه، لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والاسقام، فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا. وقال المفيد رحمه الله: قال حميد بن مسلم: فانتهينا إلى علي بن الحسين عليهما السلام وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا له: ألا نقتل هذا العليل ! فقلت: سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هذا صبي وإنه لمابه فلم أزل حتى دفعتهم عنه، وجاء عمربن سعد فصاحت النساء في وجهه وبكين، فقال لاصحابه،: لايدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النساء، ولا تعرضوا لهذا الغلام المريض فسألته النسوة أن يسترجع ما اخذ منهن ليستترن به، فقال: من أخذ من متاعهم شيئا فليرده. فوالله مارد احد منهم شيئا، فوكل بالفسطاط وبيوت النساء وعلي بن الحسين جماعة ممن كان معه، وقال: احفظوهم لئلا يخرج منهم أحد ولا يساء إليهم (1)


(1) كتاب الارشاد ص 226 و 227

[62]

وقال محمد بن أبي طالب: ثم إن عمربن سعد سرح برأس الحسين عليه السلام يوم عاشورا مع خولي بن يزيد الاصبحي، وحميد بن مسلم إلى ابن زياد ثم أمر برؤوس الباقين من أهله بيته وأصحابه فقطعت وسرح بها مع شمربن ذي الجوشن إلى الكوفة وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء، فلما ارتحلوا إلى الكوفة عمد أهل الغاضرية من بني أسد، فصلوا عليهم ودفنوهم، وقال ابن شهر آشوب: وكانوا يجدون لاكثرهم قبورا ويرون طيورا بيضا (1). وقال محمد بن أبي طالب: وروي أن رؤس أصحاب الحسين وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأسا واقتسمتها القبائل ليتقربوا بذلك إلى عبيدالله وإلى يزيد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا، وصاحبهم قيس بن الاشعث، وجاءت هوازن باثني عشر رأسا، وفي رواية ابن شهر آشوب بعشرين وصاحبهم شمر لعنه الله، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا، وفي رواية ابن شهر آشوب بتسعة عشر، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأسا وفي رواية ابن شهر آشوب بتسعة رؤس، وجاءت مذحج بسبعة رؤس، وجاءت سائر الناس بثلاثة عشر رأسا، وقال ابن شهر آشوب وجاء سائر الجيش بتسعة رؤس و لم يذكر مذحج، قال: فذلك سبعون رأسا ثم قال: وجاؤا بالحرم اسارى إلا شهربانويه فانها أتلفت نفسها في الفرات. وقال ابن شهر آشوب وصاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب: اختلفوا في عدد المقتولين من أهل البيت عليهم السلام فالاكثرون على أنهم كانوا سبعة وعشرين: سبعة من بني عقيل: مسلم المقتول بالكوفة، وجعفر و عبد الرحمن ابنا عقيل، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن مسلم، وجعفر بن محمد بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل. - وزاد ابن شهر آشوب: عونا ومحمدا ابني عقيل - وثلاثة من ولد جعفر بن أبي طالب: محمد بن عبد الله بن جعفر، وعون الاكبر ابن عبد الله وعبيدالله بن عبد الله، ومن ولد علي عليه السلام تسعة: الحسين عليه السلام، والعباس، ويقال: وابنه محمد بن العباس، وعمر بن


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 112.

[63]

علي، وعثمان بن علي، وجعفر بن علي، وإبراهيم بن علي، وعبد الله بن علي الاصغر ومحمد بن علي الاصغر وأبو بكر شك في قتله، وأربعة من بني الحسن: أبو بكر، وعبد الله والقاسم، وقيل: بشر، وقيل: عمروكان صغيرا، وستة من بني الحسين مع اختلاف فيه: علي الاكبر، وإبراهيم، وعبد الله، ومحمد، وحمزة، وعلي، وجعفر، وعمر وزيد، وذبح عبد الله في حجره، ولم يذكر صاحب المناقب إلا عليا وعبد الله وأسقط ابن أبي طالب حمزة وإبراهيم وزيدا وعمر. وقال ابن شهر آشوب: ويقال: لم يقتل محمد الاصغر ابن علي عليه السلام لمرضه، ويقال رماه رجل من بني دارم فقتله (1) وقال أبو الفرج: جميع من قتل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلا (2) وقال ابن نما رحمه الله: قالت الرواة كنا إذا ذكرنا عند محمد بن علي الباقر عليه السلام قتل الحسين عليه السلام قال: قتلوا سبعة عشر إنسانا كلهم ارتكض في بطن فاطمة يعني بنت أسد ام على عليهم السلام. 3 - أقول: روى الشيخ في المصباح عن عبد الله بن سنان قال: دخلت على سيدي أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام في يوم عاشورا فألفيته كاسف اللون، ظاهر الحزن ودموعه تنحدر من عينيه، كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: يا ابن رسول الله مم بكاؤك لا أبكى الله عينيك ؟ فقال لي: أوفي غفلة أنت ؟ أما علمت أن الحسين بن علي عليهما السلام اصيب في مثل هذا اليوم ؟ قلت: يا سيدي فما قولك في صومه ؟ فقال لي: صمه من غير تبييت، وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله صلى الله عليه واله وانكشفت الملحمة عنهم، وفي الارض منهم ثلاثون صريعا في مواليهم، يعز على رسول الله مصرعهم، ولو كان في الدنيا يومئذ حيا لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزى بهم.


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 112 و 113. (2) مقاتل الطالبيين ص 67.

[64]

قال: وبكى أبو عبد الله عليه السلام حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: إن الله عزوجل لما خلق النور خلقه يوم الجمعة في تقديره في أول يوم من شهر رمضان وخلق الظلمة في يوم الاربعاء يوم عاشورا في مثل ذلك اليوم، يعني العاشر من شهر المحرم في تقديره، وجعل لكل منهما شرعة ومنهاجا إلى آخر الخبر (1). وروى صاحب المناقب من كتاب بستان الطرف عن الحسن البصري قال: قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام ستة عشر من أهل بيته، ماكان لهم على وجه الارض شبيه، وروي عن الحسن بإسناد آخر سبعة عشر من أهل بيته. وقال ابن شهر آشوب: المقتولون من أصحاب الحسين عليه السلام في الحملة الاولى نعيم بن عجلان، وعمران بن كعب بن حارث الاشجعي، وحنظلة بن عمرو الشيباني (2) وقاسط بن زهير، وكنانة بن عتيق، وعمروبن مشيعة، وضرغامة بن مالك، وعامر بن مسلم، وسيف بن مالك النميري، وعبد الرحمن الارحبي، ومجمع العائذي، وحباب ببن الحارث، وعمرو الجندعي، والجلاس بن عمرو الراسبي وسوار بن أبي حمير الفهمي، وعمار بن أبي سلامة الدالاني، والنعمان بن عمرو الراسبي وزاهر بن عمرو مولى ابن الحمق، وجبلة بن علي، ومسعود بن الحجاج، وعبد الله بن عروة الغفاري، وزهير بن بشير الخثعمي، وعمار بن حسان، وعبد الله بن عمير، ومسلم بن كثير، وزهير بن سليم، وعبد الله وعبيدالله ابنا زيد البصري، وعشرة من موالي الحسين عليه السلام واثنان من موالي أمير المؤمنين عليه السلام (3). ولنذكر هنا زيارة أوردها السيد في كتاب الاقبال يشتمل على أسماء الشهداء وبعض أحوالهم رضوان الله عليهم وأسماء قاتليهم لعنهم الله. قال: روينا بإسنادنا إلى جدي أبي جعفر الطوسي، عن محمد بن أحمد بن


(1) راجع مصباح المتهجد ص 547. (2) كذا في النسخ وقد عرفت في ص 23 أنه الشبامى وشبام بطن من همدان وقد نسب فيما سبق بأنه حنظلة بن سعد. (3) مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 113، وفيه: سوار ابن أبى عمير.

[65]

عياش، عن الشيخ الصالح أبي منصور بن عبد المنعم بن النعمان البغدادي رحمهم الله قال: خرج من الناحية سنة اثنتين وخمسين ومائتين على يد الشيخ محمد بن غالب الاصفهاني حين وفاة أبي رحمه الله وكنت حديث السن، وكتبت أستأذن في زيارة مولاي أبي عبد الله عليه السلام وزيارة الشهداء رضوان الله عليهم فخرج إلي منه. بسم الله الرحمن الرحيم إذا أردت زيارة الشهداء رضوان الله عليهم فقف عند رجلي الحسين عليه السلام وهو قبر علي بن الحسين عليهما السلام فاستقبل القبلة بوجهك فان هناك حومة الشهداء وأومئ وأشر إلى علي بن الحسين عليهما السلام وقل: السلام عليك يا أول قتيل من نسل خير سليل، من سلالة إبراهيم الخليل، صلى الله عليك وعلى أبيك، إذ قال فيك: قتل الله قوما قتلوك يا بني ! ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا، كأني بك بين يديك ماثلا، وللكافرين قاتلا قائلا: أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي أطعنكم بالرمح حتى ينثني * أضربكم بالسيف أحمي عن أبي ضرب غلام هاشمي عربي * والله لا يحكم فينا ابن الدعي حتى قضيت نحبك، ولقيت ربك، أشهد أنك أولى بالله وبرسوله، وأنك ابن رسوله، وحجته وأمينه وابن حجته وأمينه حكم الله على قاتلك مرة بن منقذ بن النعمان العبدي - لعنه الله وأخزاه ومن شركه في قتلك، وكانوا عليك ظهيرا، أصلاهم الله جهنم

[66]

وساءت مصيرا، وجعلنا الله من ملاقيك، ومرافقي جدك وأبيك وعمك وأخيك، وأمك المظلومة، وأبرء إلى الله من أعدائك أولي الجحود، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. السلام على عبد الله بن الحسين، الطفل الرضيع، المرمي الصريع المتشحط دما، المصعد دمه في السماء، المذبوح بالسهم في حجر أبيه لعن الله راميه حرملة بن كاهل الاسدي وذويه. السلام على عبد الله بن أمير المؤمنين، مبلى البلاء، والمنادي بالولاء، في عرصة كربلا، المضروب مقبلا ومدبرا، لعن الله قاتله هانئ بن ثبيت الحضرمي. السلام على أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه المقطوعة يداه - لعن الله قاتله يزيد بن الرقاد الجهني، وحكيم بن الطفيل الطائي. السلام على جعفر بن أمير المؤمنين، الصابر بنفسه، محتسبا، والنائي عن الاوطان مغتربا، المستسلم للقتال، المستقدم للنزال، المكثور بالرجال، لعن الله قاتله هانئ بن ثبيت الحضرمي.

[67]

السلام على عثمان بن أمير المؤمنين، سمي عثمان بن مظعون، لعن الله راميه بالسهم خولي بن يزيد الاصبحي الايادي، والاباني الداري (1). السلام على محمد بن أمير المؤمنين، قتيل الاباني الداري (2) لعنه الله، وضاعف عليه العذاب الاليم، وصلى الله عليك يا محمد وعلى أهل بيتك الصابرين. السلام على أبي بكر بن الحسن بن علي الزكي الولي، المرمي بالسهم الردي، لعن الله قاتله عبد الله بن عقبة الغنوي. السلام على عبد الله بن الحسن الزكي، لعن الله قاتله وراميه حرملة بن كاهل الاسدي. السلام على القاسم بن الحسن بن علي، المضروب (على) هامته المسلوب لامته، حين نادى الحسين عمه، فجلى عليه عمه كالصقر، وهو يفحص برجليه التراب، والحسين يقول: " بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة جدك وأبوك ". ثم قال: " عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو أن يجيبك وأنت قتيل جديل فلا ينفعك، هذا والله يوم كثر واتره


(1 و 2) يريد رجلا من بنى أبان بن دارم.

[68]

وقل ناصره. جعلني الله معكما يوم جمعكما، وبوأني مبوأكما، ولعن الله قاتلك عمربن سعد بن [عروة بن] نفيل الازدي، وأصلاه جحيما، وأعد له عذابا أليما. السلام على عون بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنان، حليف الايمان، ومنازل الاقران، الناصح للرحمن، التالي للمثاني والقرآن لعن الله قاتله عبد الله بن قطبة النبهاني. السلام على محمد بن عبد الله بن جعفر، الشاهد مكان أبيه، والتالي لاخيه، وواقيه ببدنه، لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي. السلام على جعفر بن عقيل، لعن الله قاتله وراميه بشر بن حوط الهمداني. السلام على عبد الرحمن بن عقيل، لعن الله قاتله وراميه عثمان بن خالد بن أشيم الجهني (1). السلام على القتيل بن القتيل: عبد الله بن مسلم بن عقيل، ولعن الله قاتله عامر بن صعصعة [وقيل أسد بن مالك]. السلام على أبي عبيدالله بن مسلم بن عقيل، ولعن الله قاتله وراميه عمرو بن صبيح الصيداوي.


(1) في بعض النسخ: عمربن خالد بن أسد، وهو تصحيف.

[69]

السلام على محمد بن أبي سعيد بن عقيل، ولعن الله قاتله لقيط ابن ناشر (1) الجهني. السلام على سليمان مولى الحسين بن أمير المؤمنين، ولعن الله قاتله سليمان بن عوف الحضرمي. السلام على قارب مولى الحسين بن علي. السلام على منجح مولى الحسين بن علي. السلام على مسلم بن عوسجة الاسدي، القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف: أنحن نخلي عنك ؟ وبم نعتذر عند الله من أداء حقك، لا والله حتى أكسر في صدورهم رمحي هذا، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم أفارقك حتى أموت معك. وكنت أول من شرى نفسه، وأول شهيد شهد لله وقضى نحبه ففزت ورب الكعبة، شكر الله استقدامك ومواساتك إمامك، إذ مشى إليك وأنت صريع، فقال: يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة وقرأ: " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " لعن الله المشتركين في قتلك: عبد الله الضبابي، وعبد الله بن خشكارة


(1) لقيط بن ياسر خ ل (*).

[70]

البجلي، ومسلم بن عبد الله الضبابي. السلام على سعد بن عبد الله الحنفي، القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف: لا والله لانخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه واله فيك، والله لو أعلم أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أذرى ويفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك، حتى ألقى حمامي دونك وكيف أفعل ذلك وإنما هي موته أو قتلة واحدة، ثم هي بعد ها الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا. فقد لقيت حمامك، وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين. السلام على بشر بن عمر الحضرمي، شكر الله لك قولك للحسين وقد أذن لك في الانصراف: أكلتني إذن السباع حيا إن فارقتك وأسأل عنك الركبان، وأخذلك مع قلة الاعوان، لا يكون هذا أبدا. السلام على يزيد بن حصين الهمداني المشرقي القاري، المجدل بالمشرفي. السلام على عمربن كعب الانصاري. السلام على نعيم بن عجلان الانصاري.

[71]

السلام على زهير بن القين البجلي، القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف: لا والله لا يكون ذلك أبدا، أترك ابن رسول الله أسيرا في يد الاعداء، وأنجو ؟ لاأراني الله ذلك اليوم. السلام على عمرو بن قرظة الانصاري. السلام على حبيب بن مظاهر الاسدي. السلام على الحربن يزيد الرياحي. السلام على عبد الله بن عمير الكلبي. السلام على نافع بن هلال بن نافع البجلي (1) المرادي. السلام على أنس بن كاهل الاسدي. السلام على قيس بن مسهر الصيداوي. السلام على عبد الله وعبد الرحمن ابني عروة بن حراق الغفاريين. السلام على جون بن حوي مولى أبي ذرالغفاري. السلام على شبيب بن عبد الله النهشلي. السلام على الحجاج بن زيد السعدي. السلام على قاسط وكرش (2) ابني ظهير التغلبيين السلام على كنانة بن عتيق. السلام على ضرغامة بن مالك.


(1) هو في الطبري ج 6 ص 253 وكامل ابن الاثير ج 4 ص 29 والبداية ج 8 ص 184 " الجملى " نسبة إلى جمل بن كنانة. (2) كردوس خ ل.

[72]

السلام على حوي بن مالك الضبعي. السلام على عمرو بن ضبيعة [الضبعي]. السلام على زيد بن ثبيت القيسي. السلام على عبد الله وعبيدالله ابني يزيد بن ثبيت القيسي. السلام على عامر بن مسلم. السلام على قعنب بن عمرو التمري. السلام على سالم مولى عامر بن مسلم. السلام على سيف بن مالك. السلام على زهير بن بشر الخثعمي. السلام على زيد بن معقل الجعفي. السلام على الحجاج بن مسروق الجعفي. السلام على مسعود بن الحجاج وابنه. السلام على مجمع بن عبد الله العائذي. السلام على عمار بن حسان بن شريح الطائي. السلام على حباب بن الحارث السلماني الازدي. السلام على جندب بن حجر الخولاني. السلام على عمربن خالد الصيداوي. السلام على سعيد مولاه. السلام على يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي. السلام على زاهد مولى عمرو بن الحمق الخزاعي. السلام على جبلة بن علي الشيباني. السلام على سالم مولى بني المدنية الكلبي. السلام على أسلم ابن كثير الازدي الاعرج. السلام على زهير بن سليم الازدي.

[73]

السلام على قاسم بن حبيب الازدي. السلام على عمربن جندب الحضرمي. السلام على أبي ثمامة عمربن عبد الله الصائدي. السلام على حنظلة بن سعد الشبامي. السلام على عبد الرحمن ابن عبد الله بن الكدر الارحبي. السلام على عمار بن أبي سلامة الهمداني. السلام على عابس (1) بن أبي شبيب الشاكري. السلام على شوذب مولى شاكر. السلام على شبيب بن الحارث ابن سريع. السلام على مالك بن عبدبن سريع. السلام على الجريح المأسور سوار ابن أبي حمير الفهمي الهمداني. السلام على المرتب معه عمرو بن عبد الله الجندعي. السلام عليكم ياخير أنصار. السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، بوأكم الله مبوء الابرار، أشهد لقد كشف الله لكم الغطاء، ومهد لكم الوطاء، وأجزل لكم العطاء، وكنتم عن الحق غير بطاء. وأنتم لنا فرطاء، ونحن لكم خلطاء في دار البقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


(1) في الاصل: عائش.

[74]

أقول: قوله " وقيل " لعله من السيد أو من بعض الرواة. 4 - وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب: فعدل الحسين إلى كربلا وهوفي مقدار ألف فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل فلم يزل يقاتل حتى قتل صلوات الله عليه وكان الذي تولى قتله رجلا من مذحج، وقتل وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل ابن تسع وخمسين سنة وقيل غير ذلك، ووجد به عليه السلام يوم قتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وضرب زرعة بن شريك التميمي لعنه الله كفه اليسرى، وطعنه سنان بن أنس النخعي لعنه الله ثم نزل واحتز رأسه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة لم يحضرهم شامي وكان جميع من قتل معه سبعا وثمانين، وكان عدة من قتل من أصحاب عمربن سعد في حرب الحسين عليه السلام ثمانية وثمانين رجلا. أقول: ولنوضح بعض مشكلات ما تقدم في هذا الباب. قوله عليه السلام: " لولا تقارب الاشياء " أي قرب الآجال أو إناطة الاشياء بالاسباب بحسب المصالح أو أنه يصير سببا لتقارب الفرج، وغلبة أهل الحق ولما يأت أوانه وفي بعض النسخ لولا تفاوت الاشياء، أي في الفضل والثواب. قوله عليه السلام: فلم يبعد أي من الخير والنجاح والفلاح، وقد شاع قولهم: بعدا له وأبعده الله، والاغذاذ في السير الاسراع، وقال الجزري: في حديث أبي قتادة فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد أي لا يلتفت ولا يعطف عليه وألوى برأسه ولواه إذا أماله من جانب إلى جانب انتهى. والوله الحيرة، وذهاب العقل حزنا، والمراد هنا شدة الشوق، وقال الفيروز آبادي: عسل الذئب أو الفرس يعسل عسلانا اضطراب في عدوه وهزرأسه والعسل الناقة السريعة، وأبو عسلة بالكسر الذئب انتهى أي يتقطعها الذئاب الكثيرة العدو السريعة أو الاعم منه ومن سائر السباع، والكرش من الحيوانات كالمعدة من الانسان، والاجربة جمع الجراب، وهو الهميان اطلق على بطونها على الاستعارة، ولعل المعنى أني أصير بحيث يزعم الناس أني أصير كذلك بقرينة

[75]

قوله عليه السلام " وهي مجموعة له في حظيرة القدس " فيكون استعارة تمثيلية أويقال: نسب إلى نفسه المقدسة ما يعرض لاصحابه أويقال: إنها تصير ابتداء إلى أجوافها لشدة الابتلاء ثم تنتزع منها وتجتمع في حظيرة القدس، ويقال: انكمش أي أسرع. قوله: كأنما على رؤسنا الطير أي بقينا متحيرين لا نتحرك قال الجزري: في صفة الصحابة كأنما على رؤسهم الطير، وصفهم بالسكون والوقار، وأنهم لم يكن فيهم طيش ولاخفة، لان الطير لاتكاد تقع إلا على شئ ساكن انتهى. والتقويض نقض من غير هدم أو هو نزع الاعواد والاطناب، والارقال ضرب من الخبب، وهو ضرب من العدو، وهوادي الخيل أعناقها قوله كأن أسنتهم اليعاسيب، هو جمع يعسوب أمير النحل شبهها في كثرتها بأن كلامنها: كأنه أمير النحل اجتمع عليه عسكره قال الجزري: في حديث الدجال فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل جمع يعسوب أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها انتهى. وكذا تشبيه الرايات بأجنحة الطير إنما هو في الكثرة واتصال بعضها ببعض. وقال الجوهري: وقولهم هم زهاء مائة أي قدر مائة، قوله عليه السلام ورشفوا الخيل أي اسقوهم قليلا قال الجوهري: الرشف المص، وفي المثل الرشف أنقع أي إذا ترشفت الماء قليلا قليلا كان أسكن للعطش، والطساس بالكسر جمع الطس وهو لغة في الطست، ولا تغفل عن كرمه عليه الصلاة والسلام حيث أمر بسقي رجال المخالفين ودوابهم. قوله: والراوية عندي السقاية أي كنت أظن أن مراده عليه السلام بالرواية المزادة التي يسقى به، ولم أعرف أنها تطلق على البعير، فصرح عليه السلام بذكر الجمل قال الفيروز آبادي: الراوية المزادة فيها الماء، والبعير والبغل والحمار يستقى عليه وقال الجزري: فيه نهى عن اختناث الاسقية، خنثت السقاء إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت منه وقبعته إذا ثنيته إلى داخل، والخميس: الجيش، والوغى: الحرب والعرمرم الجيش الكثير، والباتر السيف القاطع، وقال الجوهري الجعجعة:

[76]

الحبس، وكتب عبيدالله بن زياد إلى عمربن سعد أن جعجع بحسين عليه السلام، قال الاصمعي: يعني احبسه، وقال ابن الاعرابي: يعني ضيق عليه، وقال: العراء بالمد الفضاء لاستربه، قال الله تعالى: " لنبذ بالعراء " ويقال مالي به قبل بكسر القاف أي طاقة والصبابة بالضم البقية من الماء في الاناء. وقال الجوهري: الوبلة بالتحريك الثقل والوخامة، وقد وبل المرتع وبلا ووبالا فهو وبيل أي وخيم، والبرم بالتحريك ما يوجب السأمة والضجر والوثير الفراش الوطيئ اللين، والخمير الخبز البائت، والفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ولات حين مناص " أي ليس الحين حين مناص و " لا " هي المشبهة بليس، زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كمازيدت على " رب " و " ثم " وخصت بلزوم الاحيان وحذف أحد المعمولين وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل: للفعل، والنصب باضماره، أي ولا أرى حين مناص والمناص المنجا. قوله " قد خشيت: " أي ظننت أو علمت، وكبد السماء وسطها، والبغر بالتحريك داء وعطش، قال الاصمعي: هو عطش يأخذ الابل فتشرب فلا تروي وتمرض عنه فتموت، تقول منه بغر بالكسر، والزحف المشي، المناجزة المبارزة والمقاتلة، والثمال بالكسر الغياث، يقال: فلان ثمال قومه أي غياث لهم يقوم بأمرهم، ويقال: حلات الابل عن الماء تحلئة إذا طردتها عنه ومنعتها أن ترده قاله الجوهري: وقال: تقول تبا لفلان، تنصبه على المصدر باضمار فعل أي ألزمه الله هلاكا وخسرانا، والترح بالتحريك، ضد الفرح، والمستصرخ: المستغيث وحششت النار أحشها حشا أوقدتها. قوله: جناها أي أخذها وجمع حطبها، وفي رواية السيد: فأصرخنا كم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم، وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدوكم وعدونا ".

[77]

وقال الجوهري: ألبت الجيش إذا جمعته، وتألبوا تجمعوا، وهم ألب وإلب إذا كانوا مجتمعين، وتفيل رأيه أخطأ وضعف، والجأش رواغ القلب إذا اضطرب عند الفزع، ونفس الانسان، وقد لايهمز. قوله عليه السلام: " طامن " أي ساكن مطمئن، واستحصف الشئ استحكم، وشذاذ الناس الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم. قوله عليه السلام: " ونفثة الشيطان " أي ينفث فيهم الشيطان بالوساوس أو أنهم شرك شيطان، قال الفيروز آبادي: نفث ينفث وينفث وهو كالنفخ ونفث الشيطان الشعر والنفاثة ككناسة ما ينفثه المصدور من فيه، والشطيبة من السواك تبقى في الفم فتنفث وفي تحف العقول بقية الشيطان قوله عليه السلام: " جعلوا القرآن عضين " قال الجوهري: هومن عضوته أي فرقته لان المشركين فرقوا أقاويلهم [فيه] فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا وقيل أصله عضهة لان العضة والعضين في لغة قريش السحر قوله عليه السلام: " " قد ركز " أي أقامنا بين الامرين من قولهم ركز الرمح أي غرزه في الارض وفي رواية السيد والتحف " ركن " بالنون أي مال وسكن إلينا بهذين والاظهر تركني كما في الاحتجاج والقلة قلة العدد بالقتل، وفي رواية السيد والاحتجاج السلة وهي بالفتح والكسر استلال السيوف، وهو أظهر قوله: فغير مهزمينا على صيغة المفعول أي إن أرادوا أن يهزمونا فلا نهزم أو إن هزمونا وأبعدونا فليس على وجه الهزيمة، بل على جهة المصلحة والاول أظهر، والطب بالكسر العادة والحاصل أنا لم نقتل بسبب الجبن فإنه ليس من عادتنا ولكن بسبب أن حضر وقت منايانا ودولة الآخرين. قوله عليه السلام: " إلا ريثما يركب " أي إلا قدر ما يركب، وطاح يطوح ويطيح هلك وسقط، والهبل بالتحريك مصدر قولك هبلته امه أي ثكلته، والككل الصدر وفي بعض النسخ بكظمه، وهو بالتحريك مخرج النفس، وهو أظهر، والزئير صوت الاسد في صدره.

[78]

قوله: - لعنه الله - " مزني " أي رمح مزني، وكعوب الرمح: النواشز في أطراف الانابيب، وعدم خيانتها كناية عن كثرة نفوذها وعدم كلالها والغراران: شفرتا السيف، والحاسر الذي لا مغفر عليه ولادرع، ويوم قماطر بالضم شديد، قوله " هنه " الهاء للسكت، وكذا في قوله فاجهدنه، وفارغبنه ورجل مدجج أي شاك في السلاح ويقال عرج فلان على المنزل إذا حبس مطيته عليه وأقام، وكذلك التعرج ذكره الجوهري، وقال: قال أبو عمرو: الازل الخفيف الوركين والسمع الازل الذئب الارسح يتولد بين الذئب والضبع، وهذه الصفة لازمة له كما يقال الضبع العرجاء، وفي المثل هو أسمع من الذئب الازل (1) و " اللبد " بكسر اللام وفتح الباء جمع اللبدة، وهي الشعر المتراكب بين كتفي الاسد، ويقال للاسد: ذولبد. قوله: " لانعمنك عينا " أي نعم أفعل ذلك إكراما لك وإنعاما لعينك، وشب الفرس يشب ويشب شبابا وشبيبا إذا قمص ولعب، وأشببته أنا: إذا هيجته واحتوش القوم على فلان أي جعلوه وسطهم وقال الجوهري: قولهم " فلان حامي الذمار " أي إذا ذمر وغضب حمي وفلان أمنع ذمارا من فلان، ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، قوله: شاري أي شرى نفسه وباعها بالجنة، والمهند السيف المطبوع من حديد الهند، وأصلت سيفه أي جرده من غمده، فهو مصلت وضربه بالسيف صلتا وصلنا إذا ضربه به، وهو مصلت، والباسل: البطل الشجاع، والفيصل الحاكم * (الهامش) * (1) قال في مجمع الامثال تحت الرقم 1885 " أسمع من سمع " ويقال: " أسمع من السمع الازل " لان هذه الصفة لازمة له والسمع سبع مركب لانه ولد الذئب من الضبع والسمع كالحية لايعرف الاسقام والعلل، ولا يموت حتف أنفه، بل يموت بعرض من الاعراض يعرض له، وليس في الحيوان شئ عدوه كعدو السمع لانه أسرع من الطير، ويقال: وثبات السمع تزيد على عشرين أو ثلاثين ذراعا أقول: وهو شديد السمع يضرب به المثل في ذلك.

[79]

والقضاء بين الحق والباطل، والولولة الاعوال، والاشبل جمع الشبل ولد الاسد والغيار بالكسر من الغيرة أو الغارة وقد يكون بمعنى الدخول في الشئ، والعضب بالفتح السيف القاطع. وقال الجوهري: سيف ذكر ومذكر أي ذوماء قال أبو عبيد: هي سيوف شفراتها حديد ذكر، ومتونها أنيث، قال: ويقول الناس إنها من عمل الجن ودودان بن أسد أبو قبيلة قوله: " بطعن آن " أي حار شديد الحرارة، ويقال: أرهفت سيفي أي رققته فهو مرهف، والاسمر: الرمح، والسطاع لعله من سطوع الغبار، والكمي الشجاع المتكمي في سلاحه لانه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة. والقرم السيد، والاكتاد جمع الكتد، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر والآد القوة، والاخفاق: لعله جمع الخفق بمعنى الاضطراب أو الخفق بمعنى ضربك الشئ بدرة أو عريض، أو صوت النعل أو من أخفق الطائر ضرب بجناحيه والرشق الرمي بالنبل وغيره وبالكسر الاسم، والخور الضعف والجبن، والشلو بالكسر العضو من أعضاء اللحم، وأشلاء الانسان أعضاؤه بعد البلى والتفرق. قوله: " من عامه " أي متحير ضال، ولعله بيان لابن هند، والعجاجة الغبار، والذوائب جمع الذؤابة وهي من العز والشرف وكل شئ: أعلاه، والصوب نزول المطر، والمزن جمع المزنة وهي السحابة البيضاء، والفلقة بالكسر القطعة وأسد حرب بكسر الراء أي شديد الغضب. قوله: فأطنها أي قطعها، والضرغام بالكسر الاسد، وقال الجزري فيه: " واقتلهم بددا " يروى بكسر الباء جمع بدة وهي الحصة والنصيب أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد حصته ونصيبه، ويروى بالفتح أي متفرقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد انتهى. والقسورة العزيز والاسد، والرماة من الصيادين ويقال: أجحرته أي ألجأته إلى أن دخل جحره فانجحر. قوله عليه السلام: " إذا الموت رقا " أي صعد كناية عن الكثرة أو القرب والاشراف

[80]

وفي بعض النسخ زقا بالزاء المعجمة أي صاح، والمصاليت جمع المصلات وهو الرجل الماضي في الامور، واللقا بالفتح الشئ الملقى لهوانه، وقال الجوهري: القدة الطريقة والفرقة من الناس إذا كان هوى كل واحد على حدة، يقال: كنا طرائق قددا. وقال الجوهري: العفاء بالفتح والمد التراب، وقال صفوان بن محرز: إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا وشربت عليه ماء فعلى الدنيا العفاء وقال أبو عبيدة: العفاء الدروس والهلاك، قال: وهذا كقولهم عليه الدبار إذا دعا عليه أن يدبر فلا يرجع والتذبذب التحرك، والوكوف القطرات، والهطل تتابع المطر، والفيلق بفتح الفاء واللام الجيش، والورد بالفتح الاسد، والجحفل الجيش، ونفحه بالسيف تناوله من بعيد، وفي بعض النسخ بعجه، من قولهم بعج بطنه بالسكين إذا شقه. وقال الجوهري: البقع في الطير والكلاب بمنزلة البلق في الدواب، والرفس الضرب بالرجل، وسفت الريح التراب تسفيه سفيا أذرته، واليعبوب الفرس الكثير الجري، وشددنا أسره أي خلقه، والجناجن عظام الصدر. 5 - نى: ابن عقدة، عن جعفر بن عبد الله المحمدي، عن التفليسي، عن السمندي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أنه قال: المؤمنون يبتلون ثم يميزهم الله عنده، إن الله لم يؤمن المؤمنين من بلاء الدنيا ومرائرها، ولكن آمنهم من العمى والشقاء في الآخرة، ثم قال: كان الحسين بن علي عليهما السلام يضع قتلاه بعضهم على بعض، ثم يقول: قتلانا قتلى النبيين وآل النبيين (1). 6 - يج: سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن فضل، عن سعد الجلاب عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الحسين عليه السلام لاصحابه قبل أن يقتل: إن رسول الله صلى الله عليه واله قال لي: يا بني إنك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيون وأوصياء النبيين، وهي أرض تدعى عمورا، وإنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مس الحديد، وتلا: " قلنا يا نار


(1) غيبة النعماني ص 112 و 113

[81]

كوني بردا وسلاما على إبراهيم " (1) يكون الحرب بردا وسلاما عليك وعليهم. فأبشروا فوالله لئن قتلونا فانا نرد على نبينا قال: ثم أمكث ما شاء الله فأكون أول من ينشق الارض عنه، فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة أمير المؤمنين، وقيام قائمنا (وحياة رسول الله) صلى الله عليه واله ثم لينزلن علي وفد من السماء من عند الله، لم ينزلوا إلى الارض قط، ولينزلن إلي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وجنود من الملائكة، ولينزلن محمد وعلي وأنا وأخي وجميع من من الله عليه في حمولات من حمولات الرب: جمال من نور لم يركبها مخلوق ثم ليهزن محمد صلى الله عليه واله وسلم لواءه، وليدفعه إلى قائمنا مع سيفه ثم إنا نمكث من بعد ذلك ما شاء الله ثم إن الله يخرج من مسجد الكوفة عينا، من دهن، وعينا من ماء، وعينا من لبن، ثم إن أمير المؤمنين يدفع إلي سيف رسول الله صلى الله عليه واله ويبعثني إلى المشرق والمغرب، فلا آتي على عدو لله إلا أهرقت دمه، ولا أدع صنما إلا أحرقته، حتى أقع إلى الهند فأفتحها، وإن دانيال ويوشع يخرجان إلى أمير المؤمنين عليه السلام يقولان: صدق الله ورسوله، ويبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلا فيقتلون مقاتليهم، ويبعث بعثا إلى الروم، فيفتح الله لهم. ثم لاقتلن كل دابة حرم الله لحمها، حتى لا يكون على وجه الارض إلا الطيب، وأعرض على اليهود والنصارى وسائر الملل، ولاخيرنهم بين الاسلام والسيف، فمن أسلم مننت عليه، ومن كره الاسلام أهرق الله دمه، ولا يبقى رجل من شيعتنا إلا أنزل الله إليه ملكا يمسح عن وجهه التراب، ويعرفه أزواجه ومنزلته في الجنة، ولا يبقى على وجه الارض أعمى، ولا مقعد، ولا مبتلى إلا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت ولينزلن البركة من السماء إلى الارض حتى أن الشجرة لتقصف بما يزيد الله فيها من الثمرة، ولتأكلن ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عزوجل: " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم * (الهامش) * (1) الانبياء ص 69.

[82]

بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون " (1). ثم إن الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شئ في الارض وما كان فيها حتى أن الرجل منهم يريد أن يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعملون. بيان: " لتقصف ": أي تنكسر أغصانها لكثرة ما حملت من الثمرة 7 - لى: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن داود بن أبي يزيد، عن أبي الجارود، وابن بكير، وبريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: اصيب الحسين بن علي عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح أو ضربة بسيف أورمية بسهم، فروي أنها كانت كلها في مقدمه لانه عليه السلام كان لا يولي (2). 8 - ما: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن فضال عن العباس بن عامر، عن أبي عمارة، عن معاذ بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وجد بالحسين بن علي عليهما السلام نيف وسبعون طعنة ونيف وسبعون ضربة بالسيف، صلوات الله عليه. 9 - لى: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود: زياد بن المنذر، عن عبد الله بن الحسن (3) عن امه فاطمة بنت الحسين عليه السلام قال: دخلت العامة (4) علينا الفسطاط وأنا جارية صغيرة وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفض الخلخالين من رجلي وهو يبكي فقلت: ما يبكيك يا عدو الله ؟ فقال: كيف لاأبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله فقلت: لا تسلبني قال: أخاف أن يجيئ غيري فيأخذه، قالت: وانتهبوا ما في الابنية حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا.


(1) الاعراف: 96 (2) امالي الصدوق المجلس 31 تحت الرقم: 1. (3) هو عبد الله بن الحسن الحسن بن على بن أبى طالب عليهم السلام وفى نسخة الاصل ونسخة الكمبانى وهكذا المصدر " عبد الله بن الحسين " وهو تصحيف (4) في المصدر المجلس 31 تحت الرقم 2: " الغانمة ".

[83]

10 - ج: عن مصعب بن عبد الله قال: لما استكف الناس بالحسين عليه السلام ركب فرسه واستنصت الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا، وبؤسا لكم وتعسا حين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيدينا، وحششتم علينا نارا أضرمناها على عدوكم وعدونا فأصبحتم ألبا على أوليائكم، ويدا لاعدائكم، من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولاذنب كان منا إليكم. فهلا - لكم الويلات - إذكر هتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف ولكنكم استسر عتم إلى بيعتنا كطيرة الدبى (1)، وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفها وضلة، بعدا وسحقا لطواغيت هذه الامة، وبقية الاحزاب، ونبذة الكتاب، ومطفئ السنن، ومواخئ المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الامم، وملحق العهرة بالنسب، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون أفهؤلاء تعضدون ؟ وعنا تتخاذلون ؟ أجل والله الخذل فيكم معروف، نبتت عليه اصولكم وتأزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث شجر للناظر، وأكلة للغاصب ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا. ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك، هيهات مني الذلة ؟ أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طهرت، وحجور طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الاسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر، ثم تمثل فقال: فان نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا بيان: يقال: شمت السيف أغمدته، وشمته سللته وهو من الاضداد (2).


(1) الدبى: أصغر الجراد، يقال: جاء الخيل كالدبى فبلغ السيل الربى. (2) الاحتجاج ص 154، وقد مر مثله في ص 8 فراجع.

[84]

11 - فس: أبي، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقي المنهال بن عمر وعلي بن الحسين بن علي عليهم السلام فقال له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ؟ قال: ويحك أما آن لك أن تعلم كيف أصبحت ؟ أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، وأصبح خير البرية بعد محمد يلعن على المنابر، وأصبح عدونا يعطى المال والشرف، وأصبح من يحبنا محقورا منقوصا حقه، وكذلك لم يزل المؤمنون، وأصبحت العجم تعرف للعرب حقها بأن محمدا كان منها، وأصبحت العرب تعرف لقريش حقها بأن محمدا كان منها، وأصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا كان منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا كان منها، وأصبحنا أهل بيت محمد لايعرف لناحق ؟ فهكذا أصبحنا. 12 - ثو: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن محمد بن إسماعيل، عن علي ابن الحكم، عن أبيه، عن أبى الجارود، عن عمرو بن قيس المشرقي قال: دخلت على الحسين صلوات الله عليه أنا وابن عم لي وهوفي قصر بني مقاتل فسلمنا عليه فقال له ابن عمي: يا أبا عبد الله هذا الذي أرى خضاب أو شعرك ؟ فقال: خضاب والشيب إلينا بني هاشم يعجل ثم أقبل علينا فقال: جئتما لنصرتي ؟ فقلت: إني رجل كبير السن كثير الدين كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس، ولا أدري ما يكون وأكره أن اضيع أمانتي، وقال له ابن عمي مثل ذلك، قال لنا: فانطلقا فلا تسمعا لي واعية، ولاتريالي سوادا، فانه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا ولم يغثنا، كان حقا على الله عزوجل أن يكبه على منخريه في النار. كش: وجدت بخط محمد بن عمر السمرقندي وحدثني بعض الثقات عن الاشعري مثله (1) 13 - ير: أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة ابن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرنا خروج الحسين وتخلف ابن الحنفية


(1) رجال الكشى ص 105.

[85]

عنه قال: قال أبو عبد الله: يا حمزة إني سأحدثك في هذا الحديث ولا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا إن الحسين لما فصل متوجها دعا بقرطاس وكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى بني هاشم أما بعد فانه من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلف لم يبلغ الفتح والسلام " (1). 14 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل، عن حمادبن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين بن علي عليهما السلام خرج قبل التروية بيوم إلى العراق، وقد كان دخل معتمرا. 15 - كا: علي بن إبراهيم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المتمتع مرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق، والناس يروحون إلى منى، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج (2). 16 - مل: أبي، وابن الوليد معا، عن سعد، عن محمد بن أبي الصهبان، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي سعيد عقيصا قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام وخلا به عبد الله بن الزبير فناجاه طويلا قال: ثم أقبل الحسين عليه السلام بوجهه إليهم، وقال: إن هذا يقول لي كن حماما من حمام الحرم، ولان اقتل وبيني وبين الحرم باع أحب إلي من أن اقتل وبيني وبينه شبر، ولان اقتل بالطف أحب إلي من أن اقتل بالحرم (3). 17 - مل: أبي، وابن الوليد معا، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عبد الله بن الزبير للحسين ابن علي عليهما السلام: لو جئت إلى مكة فكنت بالحرم ؟ فقال الحسين بن علي عليهما السلام: لا


(1) بصائر الدرجات ص 482 من الطبعة الحديثة. (2) الكافي ج 4 ص 535 تحت الرقم 3 و 4. (3) راجع كامل الزيارات الباب 23 وهكذا ما بعده.

[86]

نستحلها، ولا تستحل بنا، ولان اقتل على تل أعفر أحب إلي من أن اقتل بها. بيان: قال الجوهري: الاعفر الرمل الاحمر والاعفر الابيض، وليس بالشديد البياض انتهى، وقال المسعودي: " تل أعفر " موضع من بلاد ديار ربيعة. 18 - مل: أبي، وابن الوليد، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن علي ابن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الحسين عليه السلام خرج من مكة قبل التروية بيوم، فشيعه عبد الله بن الزبير فقال: يابا عبد الله قد حضر الحج وتدعه وتأتي العراق ؟ فقال: يا ابن الزبير لان ادفن بشاطئ الفرات أحب إلي من أن ادفن بفناء الكعبة. 19 - مل: أبي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان، عن الحسين ابن أبي العلا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين بن علي عليهما السلام قال لاصحابه يوم اصيبوا: أشهد أنه قداذن في قتلكم فاتقوا الله واصبروا. مل: محمد بن جعفر، عن خاله ابن أبي الخطاب، عن علي بن النعمان، عن الحسين بن أبي العلامثله. 20 - مل: الحسن بن عبد الله بن محمد، عن أبيه (عن محمد بن عيسى) عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الحسين عليه السلام صلى بأصحابه الغداة ثم التفت إليهم فقال: إن الله قد أذن في قتلكم فعليكم بالصبر. بيان: أي قدر قتلكم في علمه تعالى (1). 21 - مل: الحسن، عن أبيه: عبد الله بن محمد، (عن محمد بن عيسى) (2) عن


(1) ويحتمل أن يكون " آذن " أي أخبر بأنكم مقتولون. (2) في الاصل وهكذا في المصدر في هذا السند والذى قبله تصحيفات والصحيح مافى الصلب، والحسن هو الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى يروى عن أبيه عن جده محمد ابن عيسى.

[87]

صفوان، عن يعقوب بن شعيب، عن حسين بن أبي العلا قال: قال: والذي رفع إليه العرش لقد حدثني أبوك بأصحاب الحسين لا ينقصون رجلا ولا يزيدون رجلا تعتدي بهم هذه الامة كما اعتدت بنو إسرائيل وقتل يوم السبت يوم عاشوراء. أقول: هكذا وجدنا الخبر ولعله سقط منه شئ. 22 - مل: أبي وجماعة مشايخي، عن ابن عيسى، عن الاهوازي، عن النضر، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين صلى بأصحابه يوم اصيبوا ثم قال: أشهد أنه قد اذن في قتلكم يا قوم فاتقوا الله واصبروا. 23 - مل: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل وابن أبي الخطاب معا، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتب الحسين بن علي عليه السلام من مكة إلى محمد بن علي: " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام " قال محمد بن عمرو: وحدثني كرام عبد الكريم بن عمرو، عن ميسر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتب الحسين بن علي إلى محمد بن علي من كربلا " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أما بعد فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل والسلام " (1). 24 - مل: جماعة مشايخي منهم علي بن الحسين ومحمد بن الحسن، عن سعد عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن ابن عبد ربه، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما صعد الحسين بن علي عليه السلام عقبة البطن قال لاصحابه: ما أراني إلا مقتولا، قالوا: وماذاك يا أبا عبد الله ؟ قال: رؤيا رأيتها في المنام، قالوا: وماهي ؟ قال: رأيت كلابا تنهشني


(1) المصدر ص 75 وهكذا ما بعده

[88]

أشدها علي كلب أبقع. 25 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن الحسين ابن علي عليهم السلام قال: قال: والذي نفس حسين بيده لا يهنئ بني امية ملكهم حتى يقتلوني، وهم قاتلي، فلو قد قتلوني لم يصلوا جميعا أبدا، ولم يأخذوا عطاء في سبيل الله جميعا أبدا، إن أول قتيل هذه الامة أنا وأهل بيتي، والذي نفس حسين بيده لا تقوم الساعة وعلى الارض هاشمي يطرف. مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن طلحة عن جعفر عليه السلام مثله. بيان: لعل المعنى: لم يوفق الناس للصلاة جماعة (1) مع إمام الحق ولا أخذ الزكاة وحقوق الله على ما يحب الله إلى قيام القائم عليه السلام وآخر الخبر إشارة إلى ما يصيب بني هاشم من الفتن في آخر الزمان. 26 - مل: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن محمد بن يحيى المعاذي، عن الحسن بن موسى الاصم، عن عمرو، عن جابر، عن محمد بن علي عليه السلام قال: لماهم الحسين بالشخوص إلى المدينة أقبلت نساء بني عبد المطلب، فاجتمعن للنياحة حتى مشى فيهن الحسين عليه السلام، فقال: أنشدكن الله، أن تبدين هذا الامر معصية لله ولرسوله، قالت له نساء بني عبد المطلب: فلمن نستبقي النياحة والبكاء، فهو عندنا كيوم مات رسول الله صلى الله عليه واله وعلي وفاطمة ورقية وزينب وام كلثوم، فننشدك الله جعلنا الله فداك من الموت فيا حبيب الابرار من أهل القبور وأقبلت بعض عماته تبكي وتقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجن ناحت بنوحك، وهم يقولون: وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت حبيب رسول الله لم يك فاحشا * أبانت مصيبتك الانوف وجلت


(1) والظاهر أنه بالتخفيف من وصل يصل، أي لا يجمع الله بينهم حتى يصل بعضهم بعضا.

[89]

وقلن أيضا: بكوا حسينا سيدا ولقتله شاب الشعر * ولقتله زلزلتم ولقتله انگسف القمر واحمرت آفاق السماء من العشية والسحر * وتغيرت شمس البلاد بهم وأظلمت الكور ذاك ابن فاطمة المصاب به الخلائق والبشر * أورثتنا ذلا به جدع الانوف مع الغرر (1) 27 - يج: من معجزاته صلوات الله عليه أنه لما أراد العراق قالت له ام سلمة: لا تخرج إلى العراق، فقد سمعت رسول الله يقول: يقتل ابني الحسين بأرض العراق، وعندي تربة دفعها إلي في قارورة، فقال: إني والله مقتول كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا وإن أحببت أن أراك مضجعي ومصرع أصحابي، ثم مسح بيده على وجهها ففسح الله عن بصرها حتى رأيا ذلك كله وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضا في قارورة اخرى وقال عليه السلام: إذا فاضت دما فاعلمي أني قتلت. فقالت ام سلمة: فلما كان يوم عاشورا نظرت إلى القارورتين بعد الظهر فاذاهما قد فاضتا دما، فصاحت (2). ولم يقلب في ذلك اليوم حجر ولامدر إلا وجد تحته دم عبيط. ومنها، ماروي عن زين العابدين عليه السلام أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل الحسين في صبيحتها قام في أصحابه فقال عليه السلام: إن هؤلاء يريدوني دونكم، ولو قتلوني لم يصلوا إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حل فانكم إن أصبحتم معي قتلتم كلكم، فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك، فقال عليه السلام: إنكم تقتلون كلكم حتى لا يفلت منكم أحد، فكان كما قال عليه السلام. 28 - شا: روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين عليهما السلام


(1) كامل الزيارات ص 97 و 98. (2) فصحت ظ.

[90]

قال: خرجنا مع الحسين فما نزل منزلا وما ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوما: ومن هوان الدنيا على الله عزوجل أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. ومضى الحسين عليه السلام في يوم السبت العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، بعد صلاة الظهر منه قتيلا مظلوما ظمآن صابرا محتسبا، وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة، أقام بها مع جده سبع سنين، ومع أبيه أمير المؤمنين ثلاثين سنة (1) ومع أخيه الحسن عشر سنين، وكانت مدة خلافته بعد أخيه أحد عشر سنة. وكان عليه السلام يخضب بالحناء والكتم، وقتل عليه السلام وقد نصل (2) الخضاب من عارضيه (3). 29 - م: قال الامام عليه السلام: ولما امتحن الحسين عليه السلام ومن معه بالعسكر الذين قتلوه، وحملوا رأسه، قال لعسكره: أنتم في حل من بيعتي، فالحقوا بعشائركم ومواليكم، وقال لاهل بيته: قد جعلتكم في حل من مفارقتي فانكم لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري فدعوني والقوم، فان الله عزوجل يعينني ولا يخليني من حسن نظره، كعاداته في أسلافنا الطيبين، فأما عسكره ففارقوه، وأما أهله الادنون من أقربائه فأبوا وقالوا: لا نفارقك، ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقرب مانكون إلى الله إذا كنا معك. فقال لهم: فان كنتم قدوطنتم أنفسكم على ما وطنت نفسي عليه، فاعلموا أن الله إنما يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره، وإن الله وإن كان خصني - مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا - من الكرامات بما يسهل علي معها احتمال المكروهات، فان لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى


(1) في المصدر: سبعا وثلاثين سنة ومع أخيه الحسن سبعا وأربعين سنة. (2) نصل الخضاب أي خرج. (3) كتاب الارشاد ص 236.

[91]

واعلموا أن الدنيا حلوها ومرها حلم، والانتباه في الآخرة، والفائز من فاز فيها، والشقي من شقي فيها أقول: تمامه في أبواب أحوال آدم عليه السلام 30 - كتاب النوادر لعلى بن اسباط: عن بعض أصحابه رواه قال: إن أبا جعفر عليه السلام قال: كان أبي مبطونا يوم قتل أبوه صلوات الله عليهما وكان في الخيمة وكنت أرى موالينا كيف يختلفون معه، يتبعونه بالماء. يشد على الميمنة مرة وعلى الميسرة مرة، وعلى القلب مرة، ولقد قتلوه قتلة نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقتل بها الكلاب، لقد قتل بالسيف، والسنان، وبالحجارة، وبالخشب، وبالعصا ولقد أوطأوه الخيل بعد ذلك 31 - قب: الحسن البصري وأم سلمة: إن الحسن والحسين دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه جبرئيل فجعلا يدوران حوله، يشبهانه بدحية الكلبي فجعل جبرئيل يؤمئ بيده كالمتناول شيئا فإذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة فناولهما وتهللت وجوههما، وسعيا إلى جدهما فأخذ منهما فشمها، ثم قال: صيرا إلى امكما بما معكما، وبدو كما بأبيكما أعجب، فصارا كما أمرهما فلم يأكلوا حتى صار النبي إليهم فأكلوا جميعا فلم يزل كلما أكل منه عاد إلى ماكان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قال الحسين عليه السلام: فلم يلحقه التغيير والنقصان أيام فاطمة بنت رسول الله حتى توفيت فلما توفيت فقدنا الرمان، وبقي التفاح والسفرجل أيام أبي، فلما استشهد أمير المؤمنين فقد السفرجل، وبقي التفاح على هيئته عند الحسن، حتى مات في سمه، وبقيت التفاحة إلى الوقت الذي حوصرت عن الماء فكنت أشمها إذا عطشت، فيسكن لهب عطشي، فلما اشتد علي العطش عضضتها وأيقنت بالفناء قال علي بن الحسين عليهما السلام: سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلما قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه فالتمست فلم يرلها أثر، فبقي ريحها بعد الحسين عليه السلام ولقد زرت قبره فوجدت ريحها يفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر

[92]

فليلتمس ذلك في أوقات السحر فانه يجده إذا كان مخلصا (1) 32 - قب: أنشأ صلوات الله عليه يوم الطف " كفر القوم وقدما رغبوا " إلى آخر ما مر من الابيات وزاد فيما بينها: فاطم الزهراء أمي وأبي * وارث الرسل ومولى الثقلين طحن الابطال لما برزوا * يوم بدر وبأحد وحنين وأخو خيبر إذ بارزهم * بحسام صارم ذي شفرتين والذي أردى جيوشا أقبلوا * يطلبون الوتر في يوم حنين من له عم كعمي جعفر * وهب الله له أجنحتين جدي المرسل مصباح الهدى * وأبي الموفى له بالبيعتين بطل قرم هزبر ضيغم * ماجد سمح قوي الساعدين عروة الدين علي ذاكم * صاحب الحوض مصلي القبلتين مع رسول الله سبعا كاملا * ما على الارض مصل غير ذين ترك الاوثان لم يسجد لها * مع قريش مذ نشا طرفة عين وأبي كان هزبرا ضيغما * يأخذ الرمح فيطعن طعنتين كتمشي الاسد بغيا فسقوا * كأس حتف من نجيع الحنظلين (2) 33 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن أحمد بن النضر، عن عبد الله بن يزيد الاسدي، عن فضيل بن الزبير قال: مر ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الاسدي عند مجلس بني أسد فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صلب في حب أهل بيت نبيه عليه السلام ويبقر بطنه على الخشبة


(1) مناقب آل أبى طالب ج 3 ص 391 (2) المصدر ج 4 ص 79.

[93]

فقال ميثم: وإني لاعرف رجلا أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرة ابن بنت نبيه ويقتل ويجال برأسه بالكوفة ثم افترقا فقال أهل المجلس: ما رأينا أحدا أكذب من هذين قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، فقال: رشيد رحم الله ميثما نسي " ويزاد في عطاء الذي يجيئ بالرأس مائة درهم " ثم أدبر فقال القوم: هذا والله أكذبهم فقال القوم: والله ما ذهبت الايام والليالي حتى رأيناه مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث، وجيئ برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين ورأينا كل ما قالوا وكان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين عليه السلام، ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرماح بصدورهم، والسيوف بوجوههم، وهم يعرض عليهم الامان والاموال، فيأبون فيقولون: لا عذر لنا عند رسول الله إن قتل الحسين ومناعين تطرف، حتى قتلوا حوله ولقد مزح حبيب بن مظاهر الاسدي فقال له يزيد بن حصين الهمداني وكان يقال له سيد القراء: يا أخي ليس هذه بساعة ضحك، قال: فأي موضع أحق من هذا بالسرور، والله ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم، فنعانق الحور العين، قال الكشي: هذه الكلمة مستخرجة من كتاب مفاخرة الكوفة والبصرة (1) توضيح: قوله " اختلفت أعناق فرسيهما " أي كانت تجيئ وتذهب وتتقدم وتتأخر كما هو شأن الفرس الذي يريد صاحبه أن يقف وهو يمتنع، أو المعنى حاذى عنقاهما على الخلاف، والبقر الشق والضفيرة العقيصة يقال ضفرت المرأة شعرها (2) 34 - كا: علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الاحمر، عن عبد الله بن حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة قال: لقي رجل الحسين بن علي عليهما السلام بالثعلبية وهو يريد كربلا فدخل عليه


(1) رجال الكشى ص 73 و 74. (2) أي نسجها وفتلها.

[94]

فسلم عليه، فقال له الحسين عليه السلام: من أي البلاد أنت ؟ قال: من أهل الكوفة قال: أما والله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لاريتك أثر جبرئيل عليه السلام من دارنا ونزوله بالوحي على جدي، يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا ؟ هذا مالا يكون (1) 35 - كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن عيسى، عن صفوان، عن يوسف بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أصيب الحسين وعليه جبة خز 36 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قتل الحسين بن علي عليه السلام وعليه جبة خز دكناء، فوجدوا فيها ثلاثة وستين من بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أورمية بسهم (2). 37 - كا: العدة، عن البرقي، عن عدة من أصحابه، عن علي بن أسباط عن عمه يعقوب بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قتل الحسين عليه السلام وهو مختضب بالوسمة 38 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخضاب بالوسمة، فقال: لا بأس، قد قتل الحسين عليه السلام وهو مختضب بالوسمة (3) 39 - كا: الحسن بن علي الهاشمي، عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدثنا جعفر بن عيسى أخوة قال: سألت الرضا عليه السلام عن صوم عاشورا وما يقول الناس فيه فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني ؟ ذلك يوم صامه الادعياء من آل زياد لقتل الحسين عليه السلام، وهو يوم يتشاءم به آل محمد صلى الله عليه وآله ويتشاءم به أهل الاسلام، واليوم الذي يتشاءم به أهل الاسلام لا يصام ولا يتبرك به، ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله عزوجل


(1) الكافي ج 1 ص 398 و 399 (2) الكافي باب لبس الخز من كتاب الزى والتجمل الرقم 3 (3) المصدر باب السواد والوسمة الرقم 5 و 6

[95]

فيه نبيه، وما أصيب آل محمد إلا في يوم الاثنين فتشاءمنا به، وتتبرك به عدونا، ويوم عاشورا قتل الحسين عليه السلام وتبرك به ابن مرجانة، وتشاءم به آل محمد، فمن صامهما أو تبرك بهما لقي الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب، وكان محشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما 40 - كا: عنه، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن أبان، عن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صوم تاسوعا وعاشورا من شهر المحرم، فقال: تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين عليه السلام وأصحابه بكربلا، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأنا اخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين عليه السلام وأصحابه وأيقنوا أنه لا يأتي الحسين ناصر، ولا يمده أهل العراق بأبي المستضعف الغريب ثم قال: وأما يوم عاشورا فيوم أصيب فيه الحسين عليه السلام صريعا بين أصحابه وأصحابه حوله صرعى عراة، أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟ كلا ورب البيت الحرام ما هو يوم صوم، وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الارض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم وذلك يوم بكت جميع بقاع الارض خلا بقعة الشام فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب، مسخوطا عليه، ومن اذخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك (1) 41 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبيش، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن صوم يوم عاشورا فقال: ذاك يوم قتل الحسين عليه السلام فان كنت شامتا فصم ثم قال: إن آل أمية لعنهم الله ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام


(1) الكافي باب صوم عرفة وعاشورا تحت الرقم 5 و 7.

[96]

نذروا نذرا إن قتل الحسين عليه السلام وسلم من خرج إلى الحسين، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعا لذلك، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح في ذلك اليوم الخبر (1) 42 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي ابن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام (2) * (تذنيب) * قال السيد رحمه الله في كتاب تنزيه الانبياء: فان قيل: ما العذر في خروجه صلوات الله عليه من مكة بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه، والمتأمر فيها من قبل يزيد اللعين يتسلط الامر والنهي (3) وقد رأى صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه صلوات الله عليهما، وأنهم غادرون خوانون، وكيف خالف ظنه ظن جميع نصحائه في الخروج وابن عباس رحمه الله يشير بالعدول عن الخروج، ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لما ودعه عليه السلام يقول له " أستودعك الله من قتيل " إلى غير ذلك ممن تكلم في هذا الباب ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل، وقد أنفذه رائدا له، كيف لم يرجع ؟ ويعلم الغرور من القوم، ويفطن بالحيلة والمكيدة، ثم كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها مواد لها كثيرة ؟ ثم لما عرض عليه ابن زياد الامان وأن يبايع يزيد كيف لم يستجب حقنا لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه، ولم ألقى بيده إلى التهلكة، وبدون هذا الخوف سلم أخوه الحسن عليه السلام الامر إلى معاوية فكيف يجمع بين فعليهما في الصحة ؟


(1) أمالى الشيخ ص 61. (2) الكافي ج 8 (كتاب الروضة) ص 167. (3) منبسط الامر والنهى. خ.

[97]

الجواب قلنا: قد علمنا أن الامام متى غلب على ظنه أنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسر طالبا الكوفة إلا بعد توثق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرائها تقدمت إليه في أيام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن عليه السلام فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب، ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن عليه السلام ومعاوية باق فوعدهم ومناهم وكانت أيام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة، وبذلوا الطاعة وكرروا الطلب والرغبة ورأى عليه السلام من قوتهم على ماكان يليهم في الحال من قبل يزيد، وتسلطهم عليه وضعفه عنهم ما قوي في ظنه أن المسير هو الواجب، تعين عليه ما فعله من الاجتها د والتسبب، ولم يكن في حسبانه عليه السلام أن القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته، ويتفق ما اتفق من الامور الغريبة، فان مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها ولما وردها عبيدالله بن زياد - وقد سمع بخبر مسلم، ودخوله الكوفة وحصوله في دار هانئ بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة - وحصل شريك بن الاعور بها، جاء ابن زياد عائدا، وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، وأمكنه ذلك، وتيسر له، فما فعل واعتذر بعد فوت الامر إلى شريك بأن ذلك فتك وأن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن الايمان قيد الفتك " (1) ولو كان فعل مسلم من قتل ابن زياد ما تمكن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الامر، ودخل الحسين عليه السلام الكوفة غير مدافع عنها، وحسركل أحد قناعه في نصرته، واجتمع له من كان في قلبه نصرته، وظاهره مع أعدائه وقد كان مسلم بن عقيل أيضا لما حبس ابن زياد هانئا سار إليه في جماعة من


(1) مر ذكر الحديث في ج 44 ص 344 فراجع.

[98]

أهل الكوفة حتى حضره في قصره، وأخذ بكظمه وأغلق ابن زياد الابواب دونه خوفا وجبنا، حتى بث الناس في كل وجه يرغبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن نصرة ابن عقيل، فتقاعدوا وتفرق أكثرهم حتى أمسى في شرذمة، وانصرف وكان من أمره ماكان وإنما أردنا بذكر هذه الجملة، أن أسباب الظفر بالاعداء كانت لائحة متوجهة، وأن الاتفاق السيئ عكس الامر إلى ما يروون من صبره واستسلامه وقلة ناصره على الرجوع إلى الحق دينا أو حمية، فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه عليه السلام شهداء، ومثل هذا يطمع فيه ويتوقع في أحوال الشدة فأما الجمع بين فعله وفعل أخيه الحسن عليه السلام فواضح صحيح، لان أخاه سلم كفا للفتنة، وخوفا على نفسه وأهله وشيعته، وإحساسا بالغدر من أصحابه، وهذا عليه السلام لما قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه ووثق له، ورأى من أسباب قوة نصار الحق وضعف نصار الباطل، ما وجب معه عليه الطلب والخروج، فلما انعكس ذلك وظهرت أمارات الغدر فيه وسوء الاتفاق، رام الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه عليه السلام، فمنع من ذلك، وحيل بينه وبينه، فالحالان متفقان إلا أن التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلامنه عليه السلام ولم يجب إلى الموادعة و طلبت نفسه عليه السلام فمنع منها بجهده حتى مضى كريما إلى جنة الله تعالى ورضوانه وهذا واضح لمتأمله انتهى أقول: قد مضى في كتاب الامامة وكتاب الفتن أخبار كثيرة دالة على أن كلا منهم عليهم السلام كان مأمورا بامور خاصة مكتوبة في الصحف السماوية النازلة على الرسول صلى الله عليه وآله فهم كانوا يعملون بها. ولا ينبغي قياس الاحكام المتعلقة بهم على أحكامنا، وبعد الاطلاع على أحوال الانبياء عليهم السلام وأن كثيرا منهم كانوا يبعثون فرادى على الوف من الكفرة، ويسبون آلهتهم، ويدعونهم الى دينهم، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب والحبس والقتل والالقاء في النار وغير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمة الدين في أمثال ذلك، مع أنه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين

[99]

والنصوص المتواترة، لا مجال للاعتراض عليهم، بل يجب التسليم لهم في كل ما يصدر عنهم. على أنك لو تأملت حق التأمل، علمت أنه عليه السلام فدى نفسه المقدسة دين جده، ولم يتزلزل أركان دول بني اميه إلا بعد شهادته، ولم يظهر للناس كفرهم وضلالتهم إلا عند فوزه بسعادته، ولو كان عليه السلام يسالمهم ويوادعهم كان يقوى سلطانهم، ويشتبه على الناس أمرهم، فيعود بعد حين أعلام الدين طامسة، وآثار الهداية مندرسة، مع أنه قد ظهر لك من الاخبار السابقة أنه عليه السلام هرب من المدينة خوفا من القتل إلى مكة، وكذا خرج من مكة بعد ما غلب على ظنه أنهم يريدون غيلته وقتله، حتى لم يتيسر له - فداه نفسي وأبي وامي وولدي - أن يتم حجة، فتحلل وخرج منها خائفا يترقب، وقد كانوا لعنهم الله ضيقوا عليه جميع الاقطار، ولم يتركوا له موضعا للفرار. ولقد رأيت في بعض الكتب المعتبرة (1) أن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولاه أمر الموسم وأمره على الحاج كلهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسين عليه السلام سرا وإن لم يتمكن منه بقتله غيلة، ثم إنه دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني امية، وأمرهم بقتل الحسين عليه السلام على أي حال اتفق، فلما علم الحسين عليه السلام بذلك، حل من إحرام الحج، وجعلها عمرة مفردة. وقد روي بأسانيد أنه لما منعه عليه السلام محمد بن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة قال: والله يا أخي لو كنت في جحر هامة من هوام الارض، لاستخرجوني منه حتى يقتلوني. بل الظاهر أنه صلوات الله عليه لو كان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدة عداوتهم، وكثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكل حيلة، ويدفعونه بكل وسيلة وإنما كانوا يعرضون البيعة عليه أولا لعلمهم بأنه لا يوافقهم في ذلك، ألا ترى * (الهامش) * (1) كما في المنتخب ص 304.

[100]

إلى مروان لعنه الله كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه وكان عبيدالله بن زياد عليه لعائن الله إلى يوم التناد يقول: اعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ثم نرى فيه رأينا، ألا ترى كيف أمنوا مسلما ثم قتلوه. فأما معاوية لعنه الله فانه مع شدة عداوته وبغضه لاهل البيت عليهم السلام كان ذا دهاء ونكراء وحزم، وكان يعلم أن قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه، وذهاب ملكه وخروج الناس عليه، فكان يداريهم ظاهرا على أي حال، ولذا صالحه الحسن عليه السلام ولم يتعرض له الحسين، ولذلك كان يوصي ولده اللعين بعدم التعرض للحسين عليه السلام لانه كان يعلم أن ذلك يصير سببا لذهاب دولته. اللهم العن كل من ظلم أهل بيت نبيك، وقتلهم وأعان عليهم ورضي بما جرى عليهم من الظلم والجور لعنا وبيلا، وعذبهم عذابا أليما، واجعلنا من خيار شيعة آل محمد وأنصارهم، والطالبين بثأرهم مع قائمهم صلوات الله عليهم أجمعين. 38 (باب) * (شهادة ولدى مسلم الصغيرين رضى الله عنهما) * 1 - لى: أبي، عن علي، عن أبيه، عن إبراهيم بن رجا، عن علي بن جابر عن عثمان بن داود الهاشمي، عن محمد بن مسلم، عن حمران بن أعين، عن أبي محمد شيخ لاهل الكوفة قال: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام اسر من معسكره غلامان صغيران فاتي بهما عبيدالله بن زياد، فدعا سجانا له فقال: خذ هذين الغلامين إليك فمن طيب الطعام فلا تطعمهما، ومن البارد فلا تسقهما، وضيق عليهما سجنهما، وكان الغلامان يصومان النهار، فإذا جنهما الليل اتيا بقرصين من شعير، وكوز من ماء القراح.

[101]

فلما طال بالغلامين المكث حتى صارا في السنة، قال أحدهما لصاحبه: يا أخي قد طال بنا مكثنا، ويوشك أن تفنى أعمارنا، وتبلى أبداننا، فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا، وتقرب إليه بمحمد صلى الله عليه وآله لعله يوسع علينا في طعامنا، ويزيدنا في شرابنا. فلما جنهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير، وكوز من ماء القراح فقال له الغلام الصغير: يا شيخ أتعرف محمدا ؟ قال: فكيف لا أعرف محمدا وهو نبيي ؟ قال: أفتعرف جعفر بن أبي طالب ؟ قال: وكيف لا أعرف جعفرا وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء ؟ قال: أفتعرف علي بن أبي طالب ؟ قال: وكيف لا أعرف عليا وهو ابن عم نبيي وأخو نبيي ؟ قال له: يا شيخ فنحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك اسارى نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا، ومن بارد الشراب فلا تسقينا، وقد ضيقت علينا سجننا، فانكب الشيخ على أقدامهما يقبلهما ويقول: نفسي لنفسكما الفداء، ووجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبي الله المصطفى، هذا باب السجن بين يديكما مفتوح، فخذا أي طريق شئتما. فلما جنهما الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح، ووقفهما على الطريق، وقال لهما: سيرا يا حبيبي الليل، واكمنا النهار حتى يجعل الله عزوجل لكما من أمركما فرجا ومخرجا، ففعل الغلامان ذلك. فلما جنهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب فقالا لها: يا عجوز إنا غلامان صغيران غريبان حدثان، غير خبيرين بالطريق، وهذا الليل قد جننا أضيفينا سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق، فقالت لهما: فمن أنتما يا حبيبي فقد شممت الروائح كلها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما ؟ فقالا لها: يا عجوز نحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل. قالت العجوز: يا حبيبي إن لي ختنا فاسقا قد شهد الوقعة مع عبيدالله بن زياد أتخوف أن يصيبكما ههنا فيقتلكما. قالا: سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق فقالت: سأتيكما

[102]

بطعام ثم أتتهما بطعام فأكلا وشربا. فلما ولجا الفراش قال الصغير للكبير: يا أخي إنا نرجو أن نكون قد أمنا ليلتنا هذه، فتعال حتى اعانقك وتعانقني وأشم رائحتك وتشم رائحتي قبل أن يفرق الموت بيننا، ففعل الغلامان ذلك واعتنقا وناما. فلما كان في بعض الليل أقبل ختن العجوز الفاسق حتى قرع الباب قرعا خفيفا فقالت العجوز: من هذا ؟ قال أنا فلان، قالت: ما الذي أطرقك هذه الساعة ؟ وليس هذا لك بوقت ؟ قال: ويحك ! افتحي الباب قبل أن يطير عقلي، وتنشق مرارتي في جوفي، جهد البلاء قد نزل بي، قالت: ويحك ما الذي نزل بك ؟ قال: هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد الله بن زياد فنادى الامير في معسكره: من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم ومن جاء برأسهما فله ألفا درهم، فقد أتعبت وتعبت ولم يصل في يدي شئ. فقالت العجوز: يا ختني احذر أن يكون محمد خصمك في القيامة، قال لها: ويحك إن الدنيا محرص عليها، فقالت: وما تصنع بالدنيا وليس معها آخرة قال: إني لاراك تحامين عنهما كأن عندك من طلب الامير شئ فقومي فان الامير يدعوك، قالت: وما يصنع الامير بي وإنما أنا عجوز في هذه البرية قال: إنما لي (الطلب) افتحي لي الباب حتى أريح وأستريح، فإذا أصبحت بكرت في أي الطريق آخذ في طلبهما، ففتحت له الباب وأتته بطعام وشراب، فأكل وشرب. فلما كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف البيت فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج، ويخور كما يخور الثور، ويلمس بكفه جدار البيت حتى وقعت يده على جنب الغلام الصغير، فقال له: من هذا ؟ قال: أما أنا فصاحب المنزل فمن أنتما ؟ فأقبل الصغير يحرك الكبير، ويقول: قم يا حبيبي فقد والله وقعنا فيما كنا نحاذره. قال لهما: من أنتما ؟ قالا له: يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الامان ؟ قال: نعم، قالا: أمان الله وأمان رسوله وذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم، قالا: ومحمد بن عبد الله على ذلك من الشاهدين ؟ قال: نعم، قالا: والله على ما نقول وكيل

[103]

وشهيد ؟ قالا: نعم، قالا له: يا شيخ فنحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل، فقال لهما: من الموت هربتما، وإلى الموت وقعتما الحمدلله الذي أظفرني بكما، فقام إلى الغلامين فشد أكتافهما، فبات الغلامان ليلتهما مكتفين. فلما انفجر عمود الصبح دعا غلاما له أسود يقال له: فليح، فقال له: خذ هذين الغلامين فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات واضرب أعناقهما وائتني برؤوسهما لانطلق بهما إلى عبيدالله بن زياد، وآخذ جائزة ألفي درهم، فحمل الغلام السيف ومشى أمام الغلامين فما مضى إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين: يا أسود ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن مولاي قد أمرني بقتلكما فمن أنتما ؟ قالا له: يا أسود نحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل أضافتنا عجوزكم هذه، ويريد مولاك قتلنا، فانكب الاسود على أقدامهما يقبلهما ويقول: نفسي لنفسكما الفداء، ووجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبي الله المصطفى، والله لا يكون محمد خصمي في القيامة، ثم عدا فرمى بالسيف من يده ناحية، وطرح نفسه في الفرات وعبر إلى الجانب الآخر فصاح به مولاه يا غلام عصيتني ؟ فقال: يا مولاي إنما أطعتك ما دمت لا تعصي الله، فإذا عصيت الله فأنا منك برئ في الدنيا والآخرة. فدعا ابنه فقال: يا بني إنما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك، والدنيا محرص عليها، فخذ هذين الغلامين إليك فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات، فاضرب اعناقهما وائتني برؤوسهما لانطلق بهما إلى عبيدالله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم فأخذ الغلام السيف ومشى أمام الغلامين، فما مضيا إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين: يا شاب ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنم ؟ فقال: يا حبيبي فمن أنتما ؟ قالا: من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله يريد والدك قتلتا ؟ فانكب الغلام على أقدامهما يقبلهما ويقول لهما مقالة الاسود، ورمى بالسيف ناحية، وطرح نفسه في الفرات وعبر، فصاح به أبوه يا بني عصيتني ؟ قال: لان اطيع الله وأعصيك

[104]

أحب إلي من أن أعصي الله واطيعك. قال الشيخ: لايلي قتلكما أحد غيري، وأخذ السيف ومشى أمامهما، فلما صار إلى شاطئ الفرات سل السيف عن جفنه فلما نظر الغلامان إلى السيف مسلولا اغرورقت أعينهما وقالا له: يا شيخ انطلق بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا ولا ترد أن يكون محمد خصمك في القيامة غدا فقال: لا، ولكن أقتلكما وأذهب برؤوسكما إلى عبيدالله بن زياد وآخذ جائزة ألفين، فقالا له: يا شيخ أما تحفظ قرابتنا من رسول الله ؟ فقال: ما لكما من رسول الله قرابة، قالا له: يا شيخ فائت بنا إلى عبيدالله ابن زياد، حتى يحكم فينا بأمره، قال: ما إلى ذلك سبيل إلا التقرب إليه بدمكما قالا له: يا شيخ أما ترحم صغر سننا ؟ قال: ما جعل الله لكما في قلبي من الرحمة شيئا. قالا يا شيخ: إن كان ولابد، فدعنا نصلي ركعات، قال: فصليا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة، فصلى الغلامان أربع ركعات، ثم رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا: يا حي يا حليم (1) يا أحكم الحاكمين، احكم بيننا وبينه بالحق فقام إلى الاكبر فضرب عنقه وأخذ برأسه ووضعه في المخلاة، وأقبل الغلام الصغير يتمرغ في دم أخيه وهو يقول: حتى ألقى رسول الله وأنا مختضب بدم أخي فقال: لا عليك، سوف الحقك بأخيك، ثم قام إلى الغلام الصغير، فضرب عنقه وأخذ رأسه، ووضعه في المخلاة، ورمى ببدنهما في الماء، وهما يقطران دما ومر حتى أتى بهما عبيدالله بن زياد، وهو قاعد على كرسي له، وبيده قضيب خيزران، فوضع الرأسين بين يديه. فلما نظر إليهما قام ثم قعد (ثم قام ثم قعد) ثلاثا ثم قال: الويل لك أين ظفرت بهما ؟ قال: أضافتهما عجوز لنا، قال: فما عرفت لهما حق الضيافة ؟ قال: لا، قال: فأي شئ قالا لك ؟ قال: قالا يا شيخ اذهب بنا إلى السوق فبعنا فانتفع بأثماننا ولا ترد أن يكون محمد خصمك في القيامة، قال: فأي شئ قلت لهما ؟ قال: * (الهامش) * (1) في المصدر المطبوع " يا حكيم " وهكذا فيما يأتي.

[105]

قلت: لا، ولكن أقتلكما وأنطلق برؤوسكما إلى عبيدالله بن زياد، وآخذ جائزة ألفي درهم، قال: فأي شئ قالا لك ؟ قال: قالا: ائت بنا إلى عبيدالله بن زياد حتى يحكم فينا بأمره، قال: فأي شئ قلت ؟ قال: قلت: ليس إلى ذلك سبيل إلا التقرب إليه بدمكما، قال: أفلا جئتني بهما حيين ؟ فكنت أضعف لك الجائزة، وأجعلها أربعة آلاف درهم ؟ قال: ما رأيت إلى ذلك سبيلا إلا التقرب إليك بدمهما. قال: فأي شئ قالا لك أيضا ؟ قال: قالا لي: يا شيخ احفظ قرابتنا من رسول الله، قال: فأي شئ قلت لهما ؟ قال: قلت لهما: ما لكما من رسول الله قرابة قال: ويلك فأي شئ قالا لك أيضا قال: قالا: يا شيخ ارحم صغر سننا، قال: فما رحمتهما ؟ قال: قلت: ما جعل الله لكما من الرحمة في قلبي شيئا قال: ويلك فأي شئ قالا لك أيضا ؟ قال: قالا: دعنا نصلي ركعات، فقلت: فصليا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة فصلى الغلامان أربع ركعات قال: فأي شئ قالا في آخر صلاتهما ؟ قال: رفعا طرفيهما إلى السماء وقالا: يا حي يا حليم، يا أحكم الحاكمين احكم بيننا وبينه بالحق قال عبيدالله بن زياد: فان أحكم الحاكمين قد حكم بينكم، من للفاسق ؟ قال: فانتدب له رجل من أهل الشام، فقال: أنا له، قال: فانطلق به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين، فاضرب عنقه، ولا تترك أن يختلط دمه بدمهما وعجل برأسه، ففعل الرجل ذلك، وجاء برأسه فنصبه على قناة، فجل الصبيان يرمونه بالنبل والحجارة، وهم يقولون: هذا قاتل ذرية رسول الله صلى الله عليه واله (1). بيان: غطيط النائم والمخنوق نخيرهما. اقول: روى في المناقب القديم هذه القصة مع تغيير قال: أخبرنا سعد الائمة سعيد بن محمد بن أبي بكر الفقيمي، عن محمد بن عبد الله السرختكي، عن أحمد بن يعقوب، عن آهر بن محمد الحدادي، عن محمد بن علي بن نعيم، عن محمد بن الحسين * (الهامش) * (1) رجع أمالي الصدوق المجلس 19 تحت الرقم: 2.

[106]

ابن علي، عن محمد بن يحيى الذهلي قال: لما قتل الحسين بن علي عليه السلام بكربلا هرب غلامان من عسكر عبيدالله بن زياد أحدهما يقال له إبراهيم والآخر يقال له: محمد، وكانا من ولد جعفر الطيار (1) فإذا هما بامرأة تستقي فنظرت إلى الغلامين، و إلى حسنهما وجمالهما، فقالت لهما: من أنتما ؟ فقالا: نحن من ولد جعفر الطيار في الجنة، هربنا من عسكر عبيدالله بن زياد فقالت المرأة: إن زوجي في عسكر عبيدالله بن زياد، ولولا أني أخشى أن يجيئ الليلة وإلا ضيفتكما وأحسنت ضيافتكما، فقالا لها: أيتها المرأة انطلقي بنا فنرجو أن لا يأتينا زوجك الليلة، فانطلقت المرأة والغلامان حتى انتهيا إلى منزلها فأتتهما بطعام، فقالا: مالنا في الطعام من حاجة، ائتنا بمصلى نقضي فوائتنا فصليا فانطلقا إلى مضجعهما فقال الاصغر للاكبر: يا أخي ويا ابن امي التزمني واستنشق من رائحتي فاني أظن أنها آخر ليلتي، لانصبح بعدها وساق الحديث نحوا مما مر إلى أن قال: ثم هز السيف وضرب عنق الاكبر ورمى ببدنه الفرات، فقال الاصغر: سألتك بالله أن تتركني حتى أتمرغ بدم أخي ساعة، قال: وما ينفعك ذلك ؟ قال: هكذا أحب، فتمرغ بدم أخيه إبراهيم ساعة، ثم قال له: قم فلم يقم فوضع السيف على قفاه، فضرب عنقه من قبل القفا ورمى ببدنه إلى الفرات، فكان بدن الاول على وجه الفرات ساعة، حتى قذف الثاني فأقبل بدن الاول راجعا يشق الماء شقا حتى التزم بدن أخيه، ومضيا في الماء، وسمع هذا الملعون صوتا من بينهما وهما في الماء: رب تعلم وترى ما فعل بنا هذا الملعون، فاستوف لنا حقنا منه يوم القيامة ثم قال: فدعا عبيدالله بغلام له أسود يقال له: نادر. فقال له: يا نادر دونك هذا الشيخ شد كتفيه فانطلق به الموضع الذي قتل الغلامين فيه، فاضرب عنقه، وسلبه لك، ولك عشرة آلاف درهم، وأنت حر لوجه الله، فانطلق الغلام به إلى الموضع


(1) لو صح هذه القصة لكانا من أحفاد جعفر الطيار، والا فجعفر الطيار قد استشهد في سنة ثمان يوم مؤتة وبينه وبين مقتل الحسين عليه السلام اثنتان وخمسون سنة

[107]

الذي ضرب أعناقهما فيه، فقال له: يا نادر لابد لك من قتلي ؟ قال: فضرب عنقه فرمى بجيفته إلى الماء، فلم يقبله الماء، ورمى به إلى الشط وأمر عبيدالله بن زياد أن يحرق بالنار، ففعل به ذلك وصار إلى عذاب الله 39 * (باب) * * " (الوقائع المتأخرة عن قتله صلوات الله عليه) " * * (إلى رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى المدينة) * * (وما ظهر من اعجازه صلوات الله عليه في تلك الاحوال) * 1 - قال السيد ابن طاوس - رحمه الله - في كتاب الملهوف على أهل الطفوف والشيخ ابن نما - رحمه الله - في مثير الاحزان واللفظ للسيد: إن عمربن سعد بعث برأس الحسين عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم وهو يوم عاشورا مع خولي بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم الازدي إلى عبيدالله ابن زياد، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فنظفت وسرح بها مع شمربن ذي الجوشن وقيس بن الاشعث وعمرو بن الحجاج، فأقبلوا بها، حتى قدموا الكوفة، وأقام بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلف من عيال الحسين عليه السلام وحمل نساءه على أحلاس أقتاب بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الاعداء، وهن ودائع خير الانبياء، وساقوهن كما يساق سبي الترك والروم في أسر المصائب والهموم ولله در القائل: يصلى على المبعوث من آل هاشم * ويغزى بنوه إن ذا لعجيب قال: ولما انفصل ابن سعد عن كربلا خرج قوم من بني أسد فصلوا على تلك الجثث الطواهر المرملة بالدماء، ودفنوها على ماهي الآن عليه (1)


(1) كتاب الملهوف ص 125 - 127.

[108]

وقال المفيد رحمه الله: دفنوا الحسين صلوات الله عليه حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الاصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين عليه السلام وجمعوهم ودفنوهم جميعا معا ودفنوا العباس بن علي رضي الله عنه في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن (1) وقال السيد رحمه الله: وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه فلما قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن، قال: فأشرفت امرأة من الكوفيات فقالت: من أي الاسارى أنتن ؟ فقلن: نحن أسارى (آل) محمد فنزلت من سطحها وجمعت ملاء و أزرا ومقانع (2) فأعطتهن فتغطين، قال: وكان مع النساء علي بن الحسين عليه السلام قد نهكته العلة، والحسن بن الحسن المثنى وكان قد واسى عمه وإمامه في الصبر على الرماح (3) وإنما ارتث وقد أثخن بالجراح وكان معهم أيضا زيد وعمرو ولدا الحسن السبط عليه السلام فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون فقال علي بن الحسين عليهما السلام: أتنوحون وتبكون من أجلنا ؟ فمن قتلنا ؟ قال: بشير بن خزيم الاسدي: ونظرت إلى زينب بنت علي عليه السلام يومئذ ولم أر والله خفرة قط أنطق منها، كأنما تفرع عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الانفاس، وسكنت الاجراس ثم قالت: الحمدلله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الاخيار


(1) الارشاد ص 227 (2) ملاء جمع ملاءة وهى الريطة ذات لفقين، وأزر جمع ازار وهو ثوب يلبس على الفخذين ومقانع جمع مقنع - بالكسر - ما تقنع به المرأة رأسها وتغطيه به (3) في المصدر المطبوع: " في الصبر على ضرب السيوف وطعن الرماح " ثم قال: وروى مصنف كتاب المصابيح أن الحسن بن الحسن المثنى قتل بين يدى عمه الحسين عليه السلام في ذلك اليوم سبعة عشر نفسا وأصابه ثمانية عشر جراحة، فوقع فأخذ خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة وداواه حتى برء

[109]

أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر أتبكون ؟ فلا رقأت الدمعة ولاهدعت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف، وملق الاماء وغمز الاعداء (أو) كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة (1) ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون وتنتحبون ؟ إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنآنها (2)، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الانبياء، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدره سنتكم ؟ ألا ساء ما تزرون، وبعدا لكم وسحقا فلقد خاب السعي وتبت الايدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة ويلكم يا أهل الكوفة أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم، لقد جئتم بهم صلعاء عنقاء سواء فقماء - وفي بعضها: خرقاء شوهاء - كطلاع الارض، وملاء السماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل فانه لا تحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، وإن ربكم لبا المرصاد (3) قال: فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في


(1) كذا في المصدر ص 130، ونقله المصنف - رحمه الله - بلفظه ثم شرحه فيما يأتي من بيان الغرائب بالتزيين، ولكن الصحيح: " كقصة على ملحودة " والقصة هي الجصة بلغة أهل الحجاز، كما في أكثر معاجم اللغة - القاموس - الصحاح - تاج العروس - النهاية وقال في الفائق ج 2 ص 173 روى أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن تطيين القبور وتقصيصها أي تجصيصها، فان القصة هي الجصة أقول: وسائر غرائب الحديث يأتي بيانه عن المصنف - رحمه الله - فلانكررها (2) وشنارها خ ل (3) ومثله في كتاب الاحتجاج ص 256، وزاد بعده أبياتا وسيأتى

[110]

أفواههم ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته، وهو يقول: بأبي أنتم وامي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولايبزى وروى زيد بن موسى قال: حدثني أبي، عن جدي عليهم السلام قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردت من كربلا فقالت: الحمدلله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأن ولده ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود لوصيه علي بن أبيطالب: المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالامس في بيت من بيوت الله تعالى فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته، ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم يأخذه اللهم فيك لومة لائم ولاعذل عاذل، هديته يا رب للاسلام صغيرا، وحمدت مناقبه كبيرا، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك زاهدا في الدنيا غير حريص عليها راغبا في الآخرة: مجاهدا لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فانا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته في الارض لبلاده ولعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله على كثير ممن خلق تفضيلا بينا فكذبتمونا و كفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا، كأنا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدنا بالامس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت، لحقد متقدم، قرت بذلك عيونكم وفرحت قلوبكم، افتراء منكم على الله، ومكرا مكرتم والله خير خير الماكرين، فلا

[111]

تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا فان ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة، في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور تبا لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، وكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الاليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة الله على الظالمين ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، وأية نفس نزعت إلى قتالنا ؟ أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا ؟ قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسول لكم الشيطان وأملالكم، وجعل على بصركم غشاوة، فأنتم لا تهتدون تبا لكم يا أهل الكوفة أي ترات لرسول الله قبلكم، وذحول له لديكم، بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب عليه السلام جدي وبنيه عترة النبي الطاهرين الاخيار وافتخر بذلك مفتخر (كم فقال:) نحن قتلنا عليا وبني علي (1) * بسيوف هندية ورماح وسبينا نساءهم سبي ترك * ونطحناهم فأي نطاج بفيك أيها القائل الكثكث و (لك) الاثلب افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس ؟ فاكظم وأقع كما أقعى أبوك، وإنما لكل امرئ ما قدمت يداه، حسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا الله عليكم فما ذنبنا أن جاش دهرا بحورنا * وبحرك ساج لا يواري الدعامصا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور


(1) كذا في النسخ، ولا يستقيم الشعر وزنا

[112]

قال: فارتفعت الاصوات بالبكاء، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد أحرقت قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت، عليها وعلى أبيها وجدتها السلام أقول: ذكر في الاحتجاج هذه الخطبة بهذا الاسناد (1) ولنرجع إلى كلام السيد رحمه الله قال: وخطبت ام كلثوم بنت علي عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها، رافعة صوتها بالبكاء، فقالت: يا أهل الكوفة سوأة لكم، مالكم خذلتم حسينا وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبالكم وسحقا ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم ؟ وأي وزرعلى ظهوركم حملتم ؟ وأي دماء سفكتموها ؟ وأي كريمة أصبتموها ؟ وأي صبية سلبتموها، وأي أموال انتهبتموها ؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي، ونزعت الرحمة من قلوبكم ألا إن حزب الله هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون ثم قالت: قتلتم أخي صبرا فويل لامكم * ستجزون نارا حرها يتوقد سفكتم دماء حرم الله سفكها * وحرمها القرآن ثم محمد ألا فابشروا بالنار إنكم غدا * لفي سقر حقا يقينا تخلدوا وإني لابكي في حياتي على أخي * على خير من بعد النبي سيولد بدمع غزير مستهل مكفكف * على الخد مني ذائبا ليس يجمد قال: فضج الناس بالبكاء، والحنين والنوح، ونشر النساء شعورهن ووضعن التراب على رؤوسهن، وخمشن وجوههن، وضربن خدودهن، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال، فلم ير باكية وباك أكثر من ذلك اليوم ثم إن زين العابدين عليه السلام أومأ إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا فقام قائما فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي وصلى عليه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم


(1) كتاب الملهوف ص 127 - 137، الاحتجاج ص 155 و 156.

[113]

أنا ابن المذبوح بشط الفرات، من غير ذحل ولاترات، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا أيها الناس ! ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة، وقاتلتموه وخذلتموه ؟ فتبا لما قدمتم لانفسكم وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول لكم: " قتلتم عترتي وانتهتكم حرمتي، فلستم من أمتي " ؟ قال: فارتفعت أصوات الناس من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون ؟ فقال عليه السلام: رحم الله امرءا قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته فان لنافي رسول الله أسوة حسنة، فقالوا بأجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك فمرنا بأمرك يرحمك الله فانا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا، فقال عليه السلام: هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل ؟ كلا ورب الراقصات فان الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالامس وأهل بيته معه، ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهاتي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه يجري في فراش صدري ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا ثم قال: لاغرو إن قتل الحسين وشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرما فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي * أصيب حسين كان ذلك أعظما قتيل بشط النهر روحي فداؤه * جزاء الذي أرداه نار جهنما أقول: روى في الاحتجاج هكذا قال حذيم بن بشير: خرج زين العابدين عليه السلام إلى الناس وأومأ إليهم أن اسكتوا فسكتوا إلى آخر الخبر (1)


(1) الاحتجاج ص 157 وفيه: عن حذام بن ستير.

[114]

قال السيد: ثم قال عليه السلام: رضينا منكم رأسا برأس فلا يوم لنا ولا علينا أقول: رأيت في بعض الكتب المعتبرة روى مرسلا عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لاصلاح دار الامارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الابواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت: مالي أرى الكوفة تضج ؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي ؟ فقال: الحسين بن علي عليهما السلام قال: فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهب، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة عليها السلام وإذا بعلي بن الحسين عليهما السلام على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دما، وهومع ذلك يبكي ويقول: يا امة السوء لا سقيا لربعكم * يا امة لم تراع جدنا فينا لو أننا ورسول الله يجمعنا * يوم القيامة ما كنتم تقولونا تسيرونا على الاقتاب عارية * كأننا لم نشيد فيكم دينا بني امية ماهذا الوقوف على * تلك المصائب لاتلبون داعينا تصفقون علينا كفكم فرحا * وأنتم في فجاج الارض تسبونا أليس جدي رسول الله ويلكم * أهدى البرية من سبل المضلينا يا وقعة الطف قد أورثتني حزنا * والله يهتك أستار المسيئينا قال: وصار أهل الكوفة يناولون الاطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم ام كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام وصارت تأخذ ذلك من أيدي الاطفال وأفواههم وترمي به إلى الارض، قال كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم

[115]

ثم إن ام كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم ؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء فبينما هي تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت، فاذاهم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين عليه السلام وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله ولحيته كسواد السبج قدانتصل منها (1) الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع والرمح تلعب بها يمينا وشمالا فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل، حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول: ياهلالا لما استتم كمالا * غاله خسفه فأبدا غروبا ما توهمت يا شقيق فؤادي * كان هذا مقدرا مكتوبا يا أخي فاطم الصغيرة كلمها * فقد كاد قلبها أن يذوبا يا أخي قلبك الشفيق علينا * ماله قد قسى وصار صليبا ؟ يا أخي لو ترى عليا لدى الاسر * مع اليتم لا يطيق وجوبا كلما أوجعوه بالضرب نادا * ك بذل يغيض دمعا سكوبا يا أخي ضمه إليك وقربه * وسكن فؤاده المرعوبا ما أذل اليتيم حين ينادي * بأبيه ولا يراه مجيبا ثم قال السيد: ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن إذنا عاما وجبئ برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وادخل - نساء الحسين وصبيانه إليه، فجلست زينب بنت علي عليه السلام متنكرة فسأل عنها فقيل: هذه زينب بنت علي، فأقبل عليها فقالت: الحمدلله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟


(1) السبج معرب شبه وهو حجر أسود شديد السواد براق وله فوائد طبية، وكثيرا ما يشبه به الاشياء سوادا كقول الحكيم الطوسى " شبى چون شبه روى شسته بقير " وبه سموا السبيج والسبيجة والسبجة للثوب الاسود وقد صحفت الكلمة تارة بالشيخ كما في الاصل وتارة بالشبح كما في الكمبانى واما النصل والانتصال: فهو خروج اللحية من الخضاب ومنه لحية ناصل

[116]

فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك امك يا ابن مرجانة قال: فغضب وكأنه هم بها، فقال له عمرو بن حريث: إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها، فقال له ابن زياد: لقد شفى الله (قلبي) من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجاعة ! ولعمري لقد كان أبوك سجاعا شاعرا، فقالت: يا ابن زياد ما للمرأة والسجاعة (1) قال ابن نما: وإن لي عن السجاعة لشغلا وإني لاعجب ممن يشتفي بقتل أئمته، ويعلم أنهم منتقمون منه في آخرته وقال المفيد - رحمه الله - فوضع الرأس بين يديه ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو شيخ كبير فلما رأه يضرب بالقضيب ثناياه قال: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين فوالله الذي لاإله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما مالا احصيه يقبلهما ثم انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك أتبكي لفتح الله ؟ والله لولا أنك شيخ كبير قد خرقت وذهب عقلك، لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله (2)


(1) الملهوف ص 142 و 143 (2) الارشاد ص 228، ولكن قد يقال ان زيد بن أرقم كان حينذاك أعمى: قد كف بصره بدعاء على أمير المؤمنين عليه السلام حين استشهده عن كلام رسول الله " من كنت مولاه فهذا على مولاه " فكتمه، كما في شرح النهج ج 1 ص 362 لابن أبى الحديد، الا انه لم يثبت، ولانقله ارباب التراجم في ترجمته ولو صح لم يناف انكاره على ابن زياد بضرب القضيب على ثناياه عليه السلام، لجواز أن يكون قد أنكر على ما سمعه ممن رأى ذلك نعم قال ابن عساكر في تاريخه 4 ص 340 أنه كان حاضر المجلس ويؤيد ابن زياد

[117]

وقال محمد بن أبي طالب: ثم رفع زيد صوته يبكي وخرج وهو يقول: ملك عبد حرا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم ويستعبد أشراركم، رضيتم بالذل فبعدا لمن رضي (1) وقال المفيد: فادخل عيال الحسين بن علي صلوات الله عليهما على ابن زياد فدخلت زينب اخت الحسين عليه السلام في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها، ومضت حتى جلست ناحية، وحفت بها إماؤها، فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها ؟ فلم تجبه زينب فأعاد القول ثانية وثالثة يسأل عنها فقالت له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل عليها ابن زياد وقال: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب احدوثتكم، فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق إلى آخر ما مر (2) وقال السيد وابن نما: ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين فقال: من هذا ؟ فقيل: علي بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال علي: قد كان لي أخ يسمى علي بن الحسين قتله الناس، فقال: بل الله قتله، فقال علي: " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " (3) فقال ابن زياد: ولك جرأة على جوابي ؟ اذهبوا به فاضربوا عنقه، فسمعت عمته زينب، فقالت: يا ابن زياد إنك لم تبق منا أحدا فان عزمت على قتله فاقتلني معه (4) وقال المفيد وابن نما: فتعلقت به زينب عمته، وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: والله لا افارقه فان قتلته فاقتلني معه فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثم قال: عجبا للرحم والله إني لاظنها ودت أني قتلتها معه


(1) ومثله في الطبري ج 6 ص 262 (2) الارشاد ص 228 (3) الزمر: 42 (4) الملهوف ص 144.

[118]

دعوه فاني أراه لمابه وقال السيد: فقال علي لعمته: اسكتي يا عمه حتى اكلمه، ثم أقبل عليه السلام فقال: أبالقتل تهددني يا ابن زياد ؟ أما علمت أن القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين عليه السلام وأهله فحملوا إلى دار إلى جنب المسجد الاعظم، فقالت زينب بنت علي: لا يدخلن علينا عربية إلا ام ولد أو مملوكة فانهن سبين وقد سبينا وقال ابن نما: رويت أن أنس بن مالك قال: شهدت عبيدالله بن زياد وهو ينكت بقضيب على أسنان الحسين ويقول: إنه كان حسن الثغر فقلت: أم والله لاسوءنك، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل موضع قضيبك من فيه وعن سعيد بن معاذ وعمروبن سهل أنهما حضرا عبيدالله يضرب بقضيبه أنف الحسين وعينيه ويطعن في فمه فقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك إني رأيت رسول الله واضعا شفتيه على موضع قضيبك، ثم انتحب باكيا فقال له: أبكى الله عينيك عدوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، لضربت عنقك، فقال زيد: لاحدثنك حديثا هو أغلظ عليك من هذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى، فوضع يده على يافوخ كل واحد منهما وقال: اللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين، فكيف كان وديعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ولما اجتمع عبيدالله بن زياد وعمر بن سعد بعد قتل الحسين عليه السلام قال عبيدالله لعمر: ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في معنى قتل الحسين عليه السلام ومناجزته، فقال ضاع، فقال: لتجيئنني به أتراك معتذرا في عجائز قريش ؟ قال عمر: والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو استشارني بها أبي سعد كنت قد أديت حقه فقال عثمان بن زياد أخو عبيدالله: صدق والله لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل قال عمربن سعد: والله ما رجع أحد بشر مما رجعت أطعت عبيدالله، وعصيت الله، وقطعت الرحم

[119]

وقال السيد: ثم أمر ابن زياد برأس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة ويحق لي أن أتمثل ههنا بأبيات لبعض ذوي العقول يرثي بها قتيلا من آل الرسول صلى الله عليه وآله فقال: رأس ابن بنت محمد ووصيه * للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم رزؤك كل اذن تسمع ماروضة إلا تمنت أنها * لك حفرة ولخط قبرك مضجع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم يكن بك تهجع (1) قال: ثم إن ابن زياد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال في بعض كلامه الحمدلله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب فما زاد على هذا الكلام شيئا حتى قام إليه عبد الله بن عفيف الازدي وكان من خيار الشيعة وزهادها وكانت عينه اليسرى ذهبت في يوم الجمل، والاخرى في يوم صفين، وكان يلازم المسجد الاعظم، فيصلي فيه إلى الليل، فقال: يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله أتقتلون أبناء النبيين، وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين ؟ قال: فغضب ابن زياد ثم قال: من هذا المتكلم ؟ فقال: أنا المتكلم يا عدو الله تقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنهم الرجس، وتزعم أنك على دين الاسلام ؟ واغوثاه أين أولاد المهاجرين والانصار لا ينتقمون من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين ؟ قال: فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه وقال: علي به، فبادر إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه، فقامت الاشراف من الازد من بني عمه فخلصوه من أيدي الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله فقال ابن زياد: اذهبوا إلى هذا الاعمى أعمى الازد، أعمى الله قلبه كما أعمى عينه، فائتوني به


(1) في المصدر ص 145 بين البيتين الاخيرين تقديم وتأخير

[120]

فانطلقوا فلما بلغ ذلك الازد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم قال: وبلغ ذلك إلى ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الاشعث وأمرهم بقتال القوم قال: فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل بينهم جماعة من العرب، قال: ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك ناوليني سيفي فناولته إياه فجعل يذب عن نفسه ويقول: أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن ام عامر كم دارع من جمعكم وحاسر * وبطل جدلته مغادر قال: وجعلت ابنته تقول: يا أبت ليتني كنت رجلا اخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة، قال: وجعل القوم يدورون عليه من كل جهة وهو يذب عن نفسه، فلم يقدر عليه أحد وكلما جاؤا من جهة قالت: يا أبه قد جاؤك من جهة كذا حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به، فقالت بنته: واذلاه، يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به، فجعل يدير سيفه ويقول: اقسم لو يفسح لي عن بصري * ضاق عليكم موردي ومصدري قال: فمازالوا به حتى أخذوه، ثم حمل فادخل على ابن زياد فلما رآه قال: الحمدلله الذي أخزاك، فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله ! وبماذا أخزاني الله ؟ والله لوفرج لي عن بصري * ضاق عليك موردي ومصدري فقال ابن زياد: يا عدو الله ما تقول في عثمان بن عفان ؟ فقال: يا عبد بني علاج يا ابن مرجانة - وشتمه - ما أنت وعثمان إن أساء أم أحسن، وأصلح أم أفسد، والله تعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شئ أو تذوق الموت فقال عبد الله بن عفيف: الحمدلله رب العالمين أما إني قد كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك أمك وسألت الله أن يجعل ذلك على يدي ألعن

[121]

خلقه وأبغضهم إليه، فلما كف بصري يئست من الشهادة، والآن الحمدلله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرفني الاجابة منه في قديم دعائي فقال ابن زياد: اضربوا عنقه ! فضربت عنقه وصلب في السبخة (1) وقال المفيد: فلما أخذته الجلاوزة نادى شعار الازد فاجتمع منهم سبعمائة فانتزعوه من الجلاوزة، فلما كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضرب عنقه وصلبه في السبخة - رحمه الله - (2) وقال ابن نما: ثم دعا جندب بن عبد الله الازدي وكان شيخا فقال: يا عدو الله ألست صاحب أبي تراب ؟ قال: بلى لاأعتذر منه، قال: ما أراني إلا متقربا إلى الله بدمك قال: إذن لا يقربك الله منه بل يباعدك، قال: شيخ قد ذهب عقله وخلى سبيله ثم قال المفيد: ولما أصبح عبيدالله بن زياد بعث برأس الحسين عليه السلام فدير به في سكك الكوفة، وقبائلها، فروي عن زيد بن أرقم أنه مربه علي وهو على رمح وأنا في غرفة لي، فلما حاذاني سمعته يقرء " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " فقف والله شعري علي وناديت " رأسك يا ابن رسول الله أعجب وأعجب " وقال السيد: وكتب عبيدالله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين وخبر أهل بيته، وكتب أيضا إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك وقال المفيد: ولما أنفذ إلى ابن زياد برأس الحسين عليه السلام إلى يزيد تقدم إلى عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتى تأتي عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة، فبشره بقتل الحسين عليه السلام قال عبد الملك: فركبت راحلتي وسرت نحو المدينة فلقيني رجل من قريش فقال: ما الخبر ؟ فقلت: الخبر عند الامير تسمعه


(1) الملهوف ص 146 - 150، والمراد بالسبخة، الكناسة (2) الارشاد ص 229، وهكذا ما بعده

[122]

قال: إنا لله وإنا إليه راجعون قتل والله الحسين، فلما دخلت على عمرو بن سعيد قال: ما وراك ؟ فقلت: ما سر الامير قتل الحسين بن علي فقال: اخرج فناد بقتله فناديت، فلم أسمع والله واعية قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين ابن علي حين سمعوا النداء بقتله ثم دخلت على عمرو بن سعيد فلما رآني تبسم إلي ضاحكا ثم أنشأ متمثلا بقول عمرو بن معدي كرب: عجت نساء بني زياد عجة * كعجيج نسوتنا غداة الارنب ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين عليه السلام ودعا ليزيد ونزل (1) وقال صاحب المناقب: قال في خطبته: إنها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة، وموعظة بعد موعظة، حكمة بالغة فما تغني النذر، والله لوددت أن رأسه في بدنه، وروحه في جسده أحيانا كان يسبنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته ولم يكن من أمره ماكان، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا (2) فقام عبد الله بن السائب فقال: لو كانت فاطمة حية فرأت رأس الحسين لبكت عليه، فجبهه عمرو بن سعيد وقال: نحن أحق بفاطمة منك أبوها عمنا، وزوجها أخونا، وابنها ابننا، لو كانت فاطمة حية لبكت عينها، وحرت كبدها، ومالامت من قتله، ودفعه عن نفسه ثم قال المفيد: فدخل بعض موالي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فنعى إليه ابنيه فاسترجع، فقال أبو السلاسل (3) مولى عبد الله: هذا ما لقينا من الحسين بن علي فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله ثم قال: يا ابن اللخناء ! أللحسين تقول هذا ؟


(1) الارشاد ص 231 و 332، وذكره الطبري في تاريخه 6 ص 268 (2) ذكره ابن أبى الحديد في شرح النهج ج 9 ص 361 (3) ذكر القصة الطبري في ج 6 ص 268 وسماه أبا اللسلاس

[123]

والله لو شهدته لاحببت أن لاافارقه حتى اقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ويعزي عن المصاب بهما أنهما اصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمدلله، عز علي مصرع الحسين، إن لاأكن آسيت حسينا بيدي فقد آساه ولداي، فخرجت ام لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين عليه السلام حاسرة ومعها أخواتها ام هانئ وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف وهي تقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم ؟ بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي فلما كان الليل في ذلك اليوم الذي خطب فيه عمرو بن سعيد بقتل الحسين عليه السلام بالمدينة، سمع أهل المدينة في جوف الليل مناديا ينادي يسمعون صوته ولا يرون شخصه: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقبيل (1) قد لعنتم على لسان (ابن) داود * وموسى وصاحب الانجيل (2) وقال ابن نما: وروي أن يزيد بن معاوية لعنهما الله بعث بمقتل الحسين عليه السلام إلى المدينة محرز بن حريث بن مسعود الكلبي من بني عدي بن حباب ورجلا من يهرا (3) وكانا من أفاضل أهل الشام، فلما قدما خرجت امرأة من بنات عبد المطلب قيل: هي زينب بنت عقيل - ناشرة شعرها، واضعة كمها على رأسها، تتلقاهم وهي تبكي " ماذا تقولون إذ قال النبي لكم " إلى آخر الابيات


(1) كذا، والصحيح " وقتيل " يعنى الشهيد (2) الارشاد ص 232 و 233 (3) كذا في الاصل، ولعله مصحف بهراء بطن من قضاعة، وهم بنو بهراء بن عمرو ابن الحافى بن قضاعة، كانت منازلهم شمالى منازل بلى من الينبع إلى عقبة أيلة

[124]

وقال شهربن حوشب: بينما أنا عند ام سلمة إذ دخلت صارخة تصرخ وقالت قتل الحسين قالت ام سلمة: فعلوها ملاالله قبورهم نارا ونقلت من تاريخ البلاذري أنه لما وافى رأس الحسين المدينة سمعت الواعية من كل جانب، فقال مروان بن الحكم: ضربت دوسرفيهم ضربة (1) * أثبتت أوتاد ملك فاستقر ثم أخذ ينكت وجهه بقضيب ويقول: يا حبذا بردك في اليدين * ولونك الاحمر في الخدين كأنه بات بمجسدين (2) * شفيت منك النفس يا حسين ومما انفرد به النطنزي في الخصائص عن أبي ربيعة عن أبي قبيل قيل: سمع في الهواء بالمدينة قائل: يامن يقول بفضل آل محمد * بلغ رسالتنا بغير تواني قتلت شرار بني امية سيدا * خير البرية ماجدا ذاشأن ابن المفضل في السماء وأرضها * سبط النبي وهادم الاوثان بكت المشارق والمغارب بعدما * بكت الانام له بكل لسان ثم قال السيد رحمه الله: وأما يزيد بن معاوية فانه لما وصل كتاب عبيدالله ووقف عليه، أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين عليه السلام ورؤوس من قتل معه، وحمل أثقاله ونسائه وعياله، فاستدعى ابن زياد بمخفر بن ثعلبة العايذي فسلم إليه الرؤوس والنساء، فسار بهم إلى الشام كما يسار سبايا الكفار يتصفح وجوههن أهل الاقطار (3) وقال المفيد رحمه الله: دفع ابن زياد لعنه الله رأس الحسين صلوات الله عليه إلى * (الهامش) * (1) دوسر: اسم كتيبة كانت للنعمان بن المنذر (2) المجسد - كمكرم ومعظم - الاحمر من الثياب أو هو المصبوغ بالزعفران * وكمبرد: ما يلي الجسد من الثياب (3) الملهوف ص 152

[125]

زحربن قيس ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرحه إلى يزيد بن معاوية، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الازدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة حتى وردوا بها على يزيد بدمشق (1) وقال صاحب المناقب: روى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن ابن لهيعة، عن ابن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام، بعث برأسه إلى يزيد فنزلوا في أول مرحلة فجعلوا يشربون ويتبجحون بالرأس فيما بينهم، فخرجت عليهم كف من الحائط، معها قلم من حديد فكتبت أسطرا بدم: أترجو امة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب وقال صاحب الكامل وصاحب المناقب وابن نما: ذكر أبو مخنف أن عمربن سعد لما دفع الرأس إلى خولي الاصبحي لعنهما الله ليحمله إلى ابن زياد عليه اللعنة أقبل به خولي ليلا فوجد باب القصر مغلقا فأتى به منزله وله امرأتان امرأة من بني أسد، واخرى حضرمية يقال لها النوار فآوى إلى فراشها فقالت له: ما الخبر ؟ فقال: جئتك بالذهب هذا رأس الحسين معك في الدار فقالت: ويلك جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وآله والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة أبدا قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار، ودعا الاسدية فأدخلها عليه فمازالت والله أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من الاجانة التي فيها رأس الحسين عليه السلام إلى السماء ورأيت طيورا بيضا ترفرف حولها وحول الرأس (2) وقال صاحب المناقب والسيد واللفظ لصاحب المناقب: روى ابن لهيعة وغيره حديثا أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت فإذا أنا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك فاعلا، فقلت له: يا عبد الله اتق الله ولا تقل مثل هذا فان ذنوبك لو كانت مثل قطر الامطار، وورق الاشجار، فاستغفرت الله غفرها لك فانه غفور رحيم، قال: فقال لي: تعال حتى اخبرك بقصتي، فأتيته * (الهامش) * (1) الارشاد ص 229 (2) ذكر مثله البلاذرى في أنساب الاشراف ج 5 ص 238 وسمازوجته بالعيوف

[126]

فقال: اعلم أننا كنا خمسين نفرا ممن سار مع رأس الحسين إلى الشام وكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا ولم أشرب معهم فلما جن الليل سمعت رعدا ورأيت برقا فإذا أبواب السماء قد فتحت ونزل آدم، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه وآله ومعهم جبرئيل وخلق من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت فأخرج الرأس وضمه إلى نفسه وقبله ثم كذلك فعل الانبياء كلهم وبكى النبي صلى الله عليه وآله على رأس الحسين فعزاه الانبياء فقال له جبرئيل: يا محمد إن الله تعالى أمرني أن اطيعك في امتك فان أمرتني زلزلت بهم الارض وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يا جبرئيل فان لهم معي موقفا بين يدي الله يوم القيامة قال: ثم صلوا عليه ثم أتى قوم من الملائكة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى أمرنا بقتل الخمسين فقال لهم النبي: شأنكم بهم فجعلوا يضربون بالحربات ثم قصدني واحد منهم بحربته ليضربني فقلت: الامان الامان يارسول الله فقال: اذهب فلاغفر الله لك فلما أصبحت رأيت أصحابي كلهم جاثمين رمادا (1) ثم قال صاحب المناقب: وباسنادي إلى أبي عبد الله الحدادي، عن أبي جعفر الهندواني بإسناده في هذا الحديث فيه زيادة عند قوله ليحمله إلى يزيد قال: كل من قتله جفت يده وفيه: إذ سمعت صوت برق لم أسمع مثله، فقيل: قد أقبل محمد صلى الله عليه وآله فسمعت صهيل الخيل، وقعقعة السلاح، مع جبرئيل وميكائيل وإسرافيل والكروبيين والروحانيين والمقربين عليهم السلام وفيه فشكى النبي صلى الله عليه وآله إلى الملائكة والنبيين، وقال: قتلوا ولدي وقرة عيني، وكلهم قبل الرأس وضمه إلى صدره والباقي يقرب بعضها من بعض أقول: وفي بعض الكتب أنهم لما قربوا من بعلبك كتبوا إلى صاحبها فأمر بالرايات فنشرت، وخرج الصبيان يتلقونهم على نحو من ستة أميال فقالت (1) الملهوف ص 152 - 154

[127]

ام كلثوم: أباد الله كثرتكم وسلط عليكم من يقتلكم ثم بكى علي بن الحسين عليهما السلام وقال: وهو الزمان فلاتفنى عجائبه * من الكرام وما تهدى مصائبه فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنا * فنونه وترانا لم نجاذبه يسرى بنا فوق أقتاب بلا وطأ * وسابق العيس يحمي عنه غاربه كأننا من اسارى الروم بينهم * كأن ماقاله المختار كاذبه كفرتم برسول الله ويحكم * فكنتم مثل من ضلت مذاهبه ثم قال السيد - ره -: وسار القوم برأس الحسين عليه السلام ونسائه والاسرى من رجاله، فلما قربوا من دمشق دنت ام كلثوم من شمروكان في جملتهم فقالت: لي إليك حاجة فقال: ما حاجتك ؟ فقالت: إذا دخلت بنا البلد، فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل، وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا، ونحن في هذه الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغيا منه وكفرأ، وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة، حتى أتى بهم باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي (1) وروى صاحب المناقب باسناده عن زيد عن آبائه أن سهل بن سعد قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الانهار كثيرة الاشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لا نرى لاهل الشام عيدا لا نعرفه نحن فرأيت قوما يتحدثون فقلت: يا قوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟ قالوا: يا شيخ نراك أعرابيا فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمدا صلى الله عليه وآله قالوا: يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دما والارض لا تنخسف بأهلها ؟ قلت: ولم ذاك ؟ قالوا: هذا رأس الحسين عليه السلام عترة محمد صلى الله عليه وآله يهدى من أرض العراق فقلت: واعجباه يهدى رأس * (الهامش) * (1) الملهوف ص 155 و 156

[128]

الحسين والناس يفرحون ؟ قلت: من أي باب يدخل ؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب ساعات قال: فبينا أنا كذلك، حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضا، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من اولاهم فقلت: يا جارية من أنت ؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين فقلت لها: ألك حاجة إلي ؟ فأنا سهل ابن سعد ممن رأى جدك وسمعت حديثه، قالت: يا سعد قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس فقالت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار ؟ قال: ماهي ؟ قلت: تقدم الرأس أمام الحرم ففعل ذلك فدفعت إليه ما وعدته ووضع الرأس في حقه ودخلوا على يزيد فدخلت معهم وكان يزيد جالسا على السرير وعلى رأسه تاج مكلل بالدر والياقوت، وحوله كثير من مشايخ قريش، فلما دخل صاحب الرأس وهو يقول: أوقر ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس اما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون النسبا قال: لو علمت أنه خير الناس لم قتلته ؟ قال: رجوت الجائزة منك فأمر بضرب عنقه فجز رأسه، ووضع رأس الحسين عليه السلام على طبق من ذهب وهو يقول: كيف رأيت يا حسين ؟ ثم قال السيد: فروي أن بعض فضلاء التابعين لما شهد برأس الحسين بالشام أخفى نفسه شهرا من جميع أصحابه فلما وجدوه بعد إذ فقدوه، سألوه عن سبب ذلك فقال: ألا ترون ما نزل بناثم أنشأ يقول:

[129]

جاؤا برأسك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولما يرقبوا * في قتلك التأويل والتنزيلا ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا قال: وجاء شيخ فدنا من نساء الحسين وعياله، وهم اقيموا على درج باب المسجد، فقال: الحمدلله الذي قتلكم وأهلككم، وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم، فقال له علي بن الحسين: يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الاية " قل لاأسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (1) قال الشيخ: قد قرأت ذلك فقال له علي: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى " (2) قال نعم، قال علي: فنحن القربى يا شيخ وهل قرأت هذه الآية " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (3) قال الشيخ: قد قرأت ذلك قال علي: فنحن أهل البيت الذين خصصنا بآية الطهارة يا شيخ ! قال: فبقي الشيخ ساكتا نادما على ما تكلم به وقال: بالله إنكم هم ؟ فقال علي بن الحسين: تالله إنا لنحن هم من غير شك، وحق جدنا رسول الله إنا لنحن هم فبكى الشيخ ورمى عمامته، ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرء إليك من عدوآل محمد من جن وإنس ثم قال: هل لي من توبة ؟ فقال له: نعم، إن تبت تاب الله عليك، وأنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل (4) وقال المفيد وابن نما: روى عبد الله بن ربيعة الحميري قال: إني لعند يزيد ابن معاوية بدمشق إذ أقبل زحربن قيس حتى دخل عليه فقال له يزيد: ويلك ماوراك وما عندك ؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين ابن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن * (الهامش) * (1) الشورى: 33 (2) الانفال: 41 (3) الاحزاب: 33 (4) الملهوف ص 156 - 158

[130]

يستسلموا أو ينزلوا على حكم الامير عبيدالله أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مآخذها من هام القوم، جعلوا يهربون إلى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذاكما لاذ الحمام من الصقر، فوالله يا أمير المؤمنين ماكان إلا جزر جزور، أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فها ! تيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح، زوارهم الرخم و العقبان (1) فأطرق يزيد هنيئة ثم رفع رأسه وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، أما لو كنت صاحبه لعفوت عنه ثم إن عبيدالله بن زياد بعد إنفاذه برأس الحسين عليه السلام أمر فتيانه وصبيانه ونساءه فجهزوا وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل في عنقه ثم سرح بهم في أثر الرؤوس مع مخفربن ثعلبة العايذي وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس ولم يكن علي بن الحسين يكلم أحدا من القوم في الطريق كلمة واحدة حتى بلغوا، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع مخفربن ثعلبة صوته فقال: هذا مخفربن ثعلبة أتى أمير المؤمنين بالفجرة اللئام، فأجاب علي بن الحسين: " ما ولدت ام مخفر أشر وألام " (2) وزاد في المناقب " ولكن قبح الله ابن مرجانة " قال في المناقب: وكان عبد الرحمان بن الحكم قاعدا في مجلس يزيد (فقال:) لهام بجنب الطف أدنى قرابة * من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل سمية أمسى نسلها عددالحصا * وبنت رسول الله ليست بذي نسل * (الهامش) * (1) الرخم: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة، والعقبان جمع عقاب - بالضم - طائر من الجوارح تسميها العرب بالكاسر (2) الارشاد ص 229 و 230

[131]

قال يزيد: نعم، فلعن الله ابن مرجانة إذ أقدم على مثل الحسين بن فاطمة لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله أمرا فلم يكن له مرد وفي رواية أن يزيد أسر إلى عبد الرحمان وقال: سبحان الله أفي هذا الموضع ؟ أما يسعك السكوت وقال المفيد: ولما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليه السلام قال يزيد: نفلق هاما من اناس أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما (1) فقال يحيى بن الحكم ما مر ذكره، فضرب يزيد على صدر يحيى يده وقال: اسكت ثم أقبل على أهل مجلسه، فقال: إن هذا كان يفخر علي ويقول: " أبي خير من أب يزيد، وامي خيرمن امه، وجدي خير من جده، وأنا خير منه فهذا الذي قتله " فأما قوله بأن أبي خير من أب يزيد، فلقد حاج أبي أباه فقضى الله لابي على أبيه، وأما قوله بأن امي خير من ام يزيد، فلعمري لقد صدق إن فاطمة بنت رسول الله خير من امي، وأما قوله جدي خير من جده، فليس لاحد يؤمن بالله واليوم الآخر يقول بأنه خير من محمد، وأما قوله بأنه خير مني فلعله لم يقرء هذه الآية " قل اللهم مالك الملك " وقال ابن نما: نقلت من تاريخ دمشق عن ربيعة بن عمرو الجرشي قال: أنا عند يزيد إذ سمعت صوت مخفر يقول: هذا مخفربن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه يزيد: ما ولدت ام مخفر أشر وألام وقال السيد: ثم ادخل ثقل الحسين عليه السلام ونساؤه ومن تخلف من أهله على يزيد وهم مقرنون في الحبال فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي * (الهامش) * (1) نسبه في الطبري ج 6 ص 267 إلى الحصين بن الحمام المرى وقبله: صبرنا وكان الصبر منا عزيمة * وأسيافنا يقطعن هاما ومعصما أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت * قواضب في أيماننا تقطر الدما

[132]

ابن الحسين: أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لورآنا على هذه الحالة ؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، فرآه علي بن الحسين فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبدا (1) وقال ابن نما: قال علي بن الحسين عليه السلام: ادخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلا مغللون، فلما وقفنا بين يديه قلت: أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال ؟ وقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد بنات رسول الله سبايا ؟ فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الاصوات، فقال علي بن الحسين: فقلت وأنا مغلول: أتأذن لي في الكلام ؟ فقال: قل ولا تقل هجرا ؟ فقال: لقد وقفت موقفا لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر، ما ظنك برسول الله لو رآني في الغل ؟ فقال لمن حوله:، حلوه حدث عبد الملك بن مروان: لما اتي يزيد برأس الحسين عليه السلام قال: لو كان بينك وبين ابن مرجانة قرابة لاعطاك ما سألت ثم أنشد يزيد: نفلق هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما قال علي بن الحسين عليهما السلام: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولافي أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير " (2) ثم قالوا: وأما زينب فانها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين تفزع القلوب: يا حسيناه ! يا حبيب رسول الله ! يا ابن مكة ومنى ! يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ! يا ابن بنت المصطفى ! قال: فأبكت والله كل من كان في المجلس، ويزيد ساكت ثم جعلت امرأة من بني هاشم في دار يزيد تندب على الحسين عليه السلام وتنادي: واحبيباه ! يا سيد أهل بيتاه ! يا ابن محمداه ! يا ربيع الارامل واليتامى ! يا قتيل أولاد الادعياء ! قال: فأبكت كل من سمعها ثم دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين عليه السلام فأقبل عليه * (الهامش) * (1) الملهوف ص 158 و 159 (2) الحديد: 22

[133]

أبوبرزة الاسلمي وقال: ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة ؟ أشهد لقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا، قال: فغضب يزيد وأمر باخراجه فاخرج سحبا قال: فجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى شعر ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل (1) فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لاتشل أقول: وزاد محمد بن أبي طالب: لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ماكان فعل وفي المناقب: " لست من عتبة إن لم أنتقم " قال السيد وغيره: فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن " أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة ؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده ؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والامور متسقة، وحين صفالك ملكنا وسلطاننا، مهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " (2) * (الهامش) * (1) هذا البيت لعبدالله بن الزبعرى في يوم احد، وانما استشهد به يزيد هناك أوله: يا غراب البين أسمعت فقل * انما تنطق شيئا قد فعل وبعده حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبدالاشل وما ذكره بعد ذلك فهو ليزيد أنشدها مضمنا لابيات ابن الزبعرى وسيجيئ لذلك توفية بحث (2) آل عمران: 178

[134]

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدوبهن الاعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولامن حماتهن حمي ؟ وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الازكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟ وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان ؟ ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: وأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لاتشل منتحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك ؟ وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، باراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله ونجوم الارض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم يكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت " اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا " فوالله مافريت إلا جلدك، ولاجززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، حسبك بالله حاكما، وبمحمد خصيما وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من سوى لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا ولئن جرت على علي الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطف من

[135]

دمائنا والافواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفوها امهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما، حين لاتجد إلا ما قدمت وما ربك بظلام للعبيد، فالى الله المشتكا، وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لاولنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل فقال يزيد: يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح قال: ثم استشار أهل الشام فيما يصنع بهم، فقالوا: لا تتخذ من كلب سوء جروافقال له النعمان بن بشير: انظر ما كان الرسول يصنعه بهم فاصنعه بهم (1) وقال المفيد - رحمه الله -: ثم قال لعلي بن الحسين: يا ابن حسين أبوك قطع رحمي وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت، فقال علي ابن الحسين: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولافي أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير " (2) فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه ! فلم يدر خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " (3) وقال صاحب المناقب: بعد ذلك فقال علي بن الحسين: يا ابن معاوية وهند وصخر لم تزل النبوة والا مرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في يوم بدر واحد والاحزاب في يده رأية رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوك * (الهامش) * (1) الملهوف ص 161 - 166 (2) الحديد: 22 (3) الشورى: 30 راجع الارشاد ص 230

[136]

وجدك في أيديهما رايات الكفار، ثم جعل علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم ؟ بعترتي وبأهلي عند مفتقدي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ثم قال علي بن الحسين: ويلك يا يزيد ! إنك لو تدري ماذا صنعت ؟ وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذا لهربت في الجبال، وافترشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور، أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوبا على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله فيكم، فابشر بالخزي والندامة غدا إذا جمع الناس ليوم القيامة وقال المفيد: ثم دعا بالنساء والصبيان فاجلسوا بين يديه فرأى هيئة قبيحة فقال: قبح الله ابن مرجانة لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولابعث بكم على هذا فقالت فاطمة بنت الحسين: ولما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية يعنيني وكنت جارية وضيئة فارعدت وظننت أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون وفي رواية السيد قلت: أو تمت وأستخدم ؟ فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولو مت، والله ماذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر لسلطانك، فكأنه استحيا وسكت، وعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا (1)


(1) كتاب الارشاد ص 231

[137]

وفي بعض الكتب: قالت ام كلثوم للشامي: اسكت يا لكع الرجال، قطع الله لسانك، وأعمى عينيك، وأيبس يديك، وجعل النار مثواك، إن أولاد الانبياء لا يكونون خدمة لاولاد الادعياء قال: فوالله ما استتم كلامها حتى أجاب الله دعاءها في ذلك الرجل فقالت: الحمدلله الذي عجل لك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فهذا جزاء من يتعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وفي رواية السيد - رحمه الله - فقال الشامي: من هذه الجارية ؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب، فقال الشامي: الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟ قال: نعم، فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد تقتل عترة نبيك، وتسبي ذريته، والله ما توهمت إلا أنهم سبي الروم، فقال يزيد: والله لالحقنك بهم، ثم أمر به فضرب عنقه قال السيد ودعا يزيد الخاطب وأمره أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه صلوات الله عليهما، فصعد وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد صلوات الله عليهما والمدح لمعاوية ويزيد، فصاح به علي بن الحسين عليه السلام: ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار ولقد أحسن ابن سنان الخفاجي في وصف أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: أعلى المنابر تعلنون بسبه * وبسيفه نصبت لكم أعوادها (1) وقال صاحب المناقب وغيره: روي أن يزيد لعنه الله أمر بمنبر وخطيب ليخبر الناس بمساوي الحسين وعلي عليهما السلام وما فعلا، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد لعنهما الله فذكر هما بكل جميل، قال: فصاح به علي بن الحسين: ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبو أمقعدك من النار ثم قال علي بن الحسين عليه السلام: يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الاعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب، قال: فأبى يزيد


(1) الملهوف ص 167 و 168

[138]

عليه ذلك فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان فقيل له: يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا ؟ فقال: إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا قال: فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون، وأوجل منها القلوب، ثم قال: أيها الناس اعطينا ستا وفضلنا بسبع: اعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمدا، ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سبطا هذه الامة، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أيها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهوا، أنا ابن من اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لاإله إلا الله أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من

[139]

المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصردين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علمه سمح، سخي، بهي، بهلول، زكي، أبطحي، رضي، مقدام، همام صابر، صوام، مهذب، قوام، قاطع الاصلاب، ومفرق الاحزاب، أربطهم عنانا، وأثبتهم جنانا، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الاسنة، وقربت الاعنة، طحن الرحا ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني خيفي عقبي بدري احدي شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين وأبو السبطين: الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبيطالب ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، فلم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد لعنه الله أن يكون فتنة فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام فلما قال المؤذن الله أكبر الله أكبر قال علي: لا شئ أكبر من الله، فلما قال: أشهد أن لاإله إلا الله، قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي، فلما قال المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد ؟ فان زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته ؟ قال: وفرغ المؤذن من الاذان والاقامة وتقدم يزيد فصلى صلاة الظهر قال: وروي أنه كان في مجلس يزيد هذا حبر من أحبار اليهود فقال: من هذا الغلام يا أمير المؤمنين ؟ قال: هو علي بن الحسين، قال: فمن الحسين ؟ قال: ابن علي بن أبي طالب، قال: فمن امه ؟ قال: امه فاطمة بنت محمد، فقال الحبر: يا سبحان الله ! فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة ؟ بئسما خلفتموه في ذريته والله لو ترك فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لظننا أنا كنا نعبده من دون ربنا وأنتم إنما فارقكم نبيكم بالامس، فوثبتم على ابنه فقتلتموه ؟ سوأة لكم من امة

[140]

قال: فأمر به يزيد لعنه الله فوجئ في حلقه ثلاثا فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاضربوني، وإن شئتم فاقتلوني أو فذروني فاني أجد في التوراة أن من قتل ذرية نبي لا يزال ملعونا أبدا ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنم وروى الصدوق في الامالي، عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن نصر ابن مزاحم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي صلوات الله عليهما قالت: ثم إن يزيد لعنه الله أمر بنساء الحسين فحبس مع علي بن الحسين عليهما السلام في محبس لايكنهم من حر ولاقر، حتى تقشرت وجوههم ولم يرفع ببيت المقدس حجر على وجه الارض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كأنها الملاحف المعصفرة إلى أن خرج علي بن الحسين بالنسوة ورد رأس الحسين عليه السلام إلى كربلاء (1) وقال ابن نما: ورأت سكينة في منامها وهي بدمشق كأن خمسة نجب من نور قد أقبلت وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم، ومعهم وصيف يمشي فمضى النجب وأقبل الوصيف إلى وقرب مني وقال: يا سكينة إن جدك يسلم عليك، فقلت: وعلى رسول الله السلام يارسول ! من أنت ؟ قال: وصيف من وصائف الجنة، فقلت: من هؤلاء المشيخة الذين جاؤا على النجب ؟ قال: الاول آدم صفوة الله، والثاني إبراهيم خليل الله، والثالث موسى كليم الله، والرابع عيسى روح الله، فقلت: من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم اخرى ؟ فقال: جدك رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: وأين هم قاصدون ؟ قال: إلى أبيك الحسين، فأقبلت أسعى في طلبه لاعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور، في كل هودج امرأة، فقلت: من هذه النسوة المقبلات ؟ قال: الاولى حواء ام البشر، الثانية آسية بنت مزاحم والثالثة مريم ابنة عمران، والرابعة خديجة بنت خويلد، فقلت: من الخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم اخرى ؟ فقال: جدتك فاطمة بنت محمد


(1) تراه في الامالى المجلس 31 تحت الرقم 4

[141]

ام أبيك، فقلت: والله لاخبرنها ما صنع بنا، فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي و أقول: يا امتاه (1) جحدوا والله حقنا، يا امتاه بددوا والله شملنا، يا امتاه استباحوا والله حريمنا، يا امتاه قتلوا والله الحسين أبانا، فقالت: كفي صوتك يا سكينة فقد أحرقت كبدي، وقطعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى الله به، ثم انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام، وحدثت به أهلي فشاع بين الناس. وقال السيد: وقالت سكينة: فلما كان اليوم الرابع من مقامنا رأيت في المنام وذكرت مناما طويلا تقول في آخره: ورأيت امرأة راكبة في هودج ويدها موضوعة على رأسها، فسألت عنها فقيل لي: هذه فاطمة بنت محمد ام أبيك، فقلت: والله لانطلقن إليها ولاخبرنها بما صنع بنا فسعيت مبادرة نحوها حتى لحقت بها فوقفت بين يديها أبكي وأقول: يا امتاه جحدوا والله حقنا، يا امتاه بددوا والله شملنا، يا امتاه استباحوا والله حريمنا، يا امتاه قتلوا والله الحسين أبانا، فقالت لي: كفي صوتك يا سكينة، فقد قطعت نياط قلبي هذا قميص أبيك الحسين عليه السلام لا يفارقني حتى ألقى الله (2) وقال السيد وابن نما: وروى ابن لهيعة عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمان قال: لقيني رأس الجالوت فقال: والله إن بيني وبين داود لسبعين أبا وإن اليهود تلقاني فتعظمني، وأنتم ليس بينكم وبين ابن نبيكم إلا أب واحد قتلتموه. وروي عن زين العابدين عليه السلام أنه لما اتي برأس الحسين إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشراب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه، ويشرب عليه، فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الروم، وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فقال: يا ملك العرب هذا رأس من ؟ فقال له يزيد: ما لك ولهذا الرأس ؟ فقال: إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شئ رأيته فأحببت أن اخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور، فقال له يزيد: هذا رأس * (الهامش) * (1) لغية، الحق التاء بالام كما في أبتاه (2) الملهوف ص 168 و 169

[142]

الحسين بن علي بن أبيطالب فقال الرومي: ومن امه ؟ فقال: فاطمة بنت رسول الله فقال النصراني: اف لك ولدينك ! لي دين أحسن من دينك إن أبي من حوافد داود عليه السلام وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظموني ويأخذون من تراب قدمي تبركا بأبي من حوافد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله وما بينه وبين نبيكم إلا ام واحدة ؟ فأي دين دينكم. ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر ؟ فقال له: قل حتى أسمع فقال: بين عمان والصين بحر مسيرة سنة ليس فيها عمران إلا بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخا في ثمانين ما على وجه الارض بلدة أكبر منها ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود والعنبر، وهي في أيدي النصارى لاملك لاحد من الملوك فيها سواهم، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقة ذهب معلقة، فيها حافر يقولون إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى، وقد زينوا حول الحقة بالذهب والديباج، يقصدها في كل عام عالم من النصارى، ويطوفون حولها ويقبلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيهم وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم ؟ فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم. فقال يزيد: اقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحني في بلاده فلما أحس النصراني بذلك قال له: تريد أن تقتلني ؟ قال: نعم، قال: اعلم أني رأيت البارحة نبيكم في المنام يقول لي: يا نصراني أنت من أهل الجنة فتعجبت من كلامه وأنا أشهد أن لا إله إلا الله،، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم وثب إلى رأس الحسين فضمه إلى صدره، وجعل يقبله ويبكي حتى قتل (1) وقال صاحب المناقب: وذكر أبو مخنف وغيره أن يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب الرأس على باب داره، وأمر بأهل بيت الحسين عليه السلام أن يدخلوا داره فلما دخلت النسوة دار يزيد، لم يبق من آل معاوية ولا أبي سفيان أحد إلا استقبلهن بالبكاء * (الهامش) * (1) الملهوف ص 169 - 173.

[143]

والصراخ والنياحة على الحسين عليه السلام وألقين ما عليهن من الثياب والحلي وأقمن المأتم عليه ثلاثة أيام، وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد وكانت قبل ذلك تحت الحسين عليه السلام حتى شقت الستر وهي حاسرة فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام، فقالت: يا يزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء بابي ؟ فوثب إليها يزيد فغطاها، وقال: نعم فاعولي عليه يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش عجل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله، قتله الله ثم إن يزيد لعنه الله أنزلهم في داره الخاصة فما كان يتغدى ولا يتعشى حتى يحضر علي بن الحسين: وقال السيد وغيره: وخرج زين العابدين عليه السلام يوما يمشي في أسواق دمشق فاستقبله المنهال بن عمرو فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ قال: أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا عربي، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشردون، فانا لله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه، يا منهال. ولله در مهيار حيث قال: يعظمون له أعواد منبره * وتحت أرجلهم أولاده وضعوا بأي حكم بنوه يتبعونكم * وفخركم أنكم صحب له تبع قال: ودعا يزيد يوما بعلي بن الحسين عليهما السلام وعمروبن الحسن عليه السلام وكان عمرو صغيرا يقال: إن عمره إحدى عشرة سنة فقال له: أتصارع هذا يعني ابنه خالدا فقال له عمرو: لا ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا ثم اقاتله، قال يزيد: " شنشنة أعرفها من أخزم " (1) " هل تلد الحية إلا الحية " * (الهامش) * (1) شطر بيت لابي أخزم الطائى وهو جد حاتم أو جد جده مات ابنه أخزم وترك بنين فوثبوا يوما على جدهم فأدموه فقال: ان بنى رملوني بالدم * من يلق آساد الرجال يكلم ومن يكن درء به يقوم * شنشنة أعرفها من أخزم يعنى أن هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق، والششنة: الطبيعة

[144]

وقال لعلي بن الحسين: اذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن، فقال: الاولى أن تريني وجه سيدي وأبي ومولاي الحسين فأتزود منه، وأنظر إليه واودعه، والثانية أن ترد علينا ما اخذ منا، والثالثة إن كنت عزمت على قتلي أن توجه مع هؤلاء النسوة من يردهن إلى حرم جدهن صلى الله عليه وآله فقال: أما وجه أبيك فلن تراه أبدا، وأما قتلك فقد عفوت عنك، وأما النساء فما يؤديهن إلى المدينة غيرك، وأما ما اخذ منكم فأنا اعوضكم عنه أضعاف قيمته فقال عليه السلام: أما مالك فما نريده، وهو موفر عليك، وإنما طلبت ما اخذ منا لان فيه مغزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ومقنعتها وقلادتها وقميصها، فأمر برد ذلك وزاد عليه مائتي دينار فأخذها زين العابدين عليه السلام وفرقها في الفقراء والمساكين ثم أمر برد الاسارى وسبايا البتول إلى أوطانهم بمدينة الرسول. قال ابن نما: وأما الرأس الشريف اختلف الناس فيه، فقال قوم: إن عمرو بن سعيد دفنه بالمدينة، وعن منصور بن جمهور أنه دخل خزانة يزيد بن معاوية لما فتحت وجد به جؤنة حمراء فقال لغلامه سليم: احتفظ بهذه الجؤنة فانها كنز من كنوز بني امية، فلما فتحها إذا فيها رأس الحسين عليه السلام وهو مخضوب بالسواد، فقال لغلامه ائتني بثوب فأتاه به، فلفه ثم دفنه بدمشق عند باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق. وحدثني جماعة من أهل مصر أن مشهد الرأس عندهم يسمونه مشهد الكريم عليه من الذهب شئ كثير، يقصدونه في المواسم ويزورونه ويزعمون أنه مدفون هناك والذي عليه المعول من الاقوال أنه اعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه. وقال السيد: فأما رأس الحسين فروي أنه اعيد فدفن بكربلا مع جسده الشريف صلوات الله عليه وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورويت آثار مختلفة كثيرة غير ما ذكرناه تركنا وضعها لئلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب (1) * (الهامش) * (1) الملهوف: 175.

[145]

وقال صاحب المناقب: وذكر الامام أبوالعلا الحافظ بإسناده عن مشايخه أن يزيد بن معاوية حين قدم عليه رأس الحسين عليه السلام بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم وجهزهم بكل شئ، ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر عمرو به فدفن بالبقيع عند قبر امه فاطمة عليها السلام. وذكر غيره أن سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبي صلى الله عليه وآله في المنام كأنه يبره ويلطفه، فدعا الحسن البصري فسأله عن ذلك، فقال: لعلك اصطنعت إلى أهله معروفا ؟ فقال سليمان: إني وجدت رأس الحسين عليه السلام في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي وقبرته فقال الحسن: إن النبي صلى الله عليه وآله رضي منك بسبب ذلك، وأحسن إلى الحسن، وأمره بالجوائز. وذكر غيرهما أن رأسه عليه السلام صلب بدمشق ثلاثة أيام ومكث في خزائن بني امية حتى ولي سليمان بن عبد الملك، فطلب فجيئ به وهو عظيم أبيض فجعله في سفط وطيبه وجعل عليه ثوبا ودفنه في مقابر المسلمين، بعد ما صلى عليه، فلما ولى عمربن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلب منه الرأس فاخبر بخبره فسأل عن الموضع الذي دفن فيه فنبشه وأخذه والله أعلم ما صنع به فالظاهر من دينه أنه بعث إلى كربلا فدفن مع جسده عليه السلام. أقول: هذه أقوال المخالفين في ذلك، والمشهور بين علمائنا الامامية أنه دفن رأسه مع جسده، رده علي بن الحسين عليهما السلام وقد وردت أخبار كثيرة في أنه مدفون عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام وسيأتي بعضها والله يعلم. ثم قال المفيد وصاحب المناقب واللفظ لصاحب المناقب: وروي أن يزيد عرض عليهم المقام بدمشق فأبوا ذلك، وقالوا: بل ردنا إلى المدينة فانه مهاجر

[146]

جدنا صلى الله عليه وآله فقال للنعمان بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله: جهز هؤلاء بما يصلحهم وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا، وابعث معهم خيلا وأعوانا، ثم كساهم وحباهم وفرض لهم الارزاق والانزال (1) ثم دعا بعلي بن الحسين عليهما السلام فقال له: لعن الله ابن مرجانة أما والله لو كنت صاحبه ما سألني خلة إلا أعطيتها إياه ولدفعت عنه الحتف بكل ما قدرت عليه، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت، فكاتبني وأنه (2) إلي كل حاجة تكون لك، ثم أوصى بهم الرسول. فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكون أمامهم فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه كهيئة الحرس ثم ينزل بهم حيث أراد أحدهم الوضوء، ويعرض عليهم حوائجهم، ويلطفهم حتى دخلوا المدينة. قال الحارث بن كعب: قالت لي فاطمة بنت علي عليه السلام: قلت لاختي زينب قد وجب علينا حق هذا لحسن صحبته لنا، فهل لك أن تصله ؟ قالت: فقالت: والله ما لنا ما نصله به إلا أن نعطيه حلينا فأخذت سواري ودملجي أو سوار اختي ودملجها فبعثنا بها إليه واعتذرنا من قلتها، وقلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا، فقال: لو كان الذي صنعته للدنيا كان في دون هذا رضاي ولكن والله ما فعلته إلا لله وقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال السيد: ولما رجعت نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشأم وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلا، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري وجماعة من بني هاشم ورجلا من آل رسول الله قد وردوا لزيارة قبر الحسين، فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المأتم المقرحة للاكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياما. فروي عن أبي حباب الكلبي قال: حدثنا الجصاصون قالوا: كنا نخرج * (الهامش) * (1) جمع نزل - كقفل - ما هيئ للضيف أن ينزل عليه، أي رزقه وقراه (2) من الانهاء بمعنى الابلاغ والاعلام.

[147]

إلى الجبانة (1) في الليل عند مقتل الحسين عليه السلام فنسمع الجن ينوحون عليه فيقولون: مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود * أبواه من عليا قريش وجده خير الجدود قال: ثم انفصلوا من كربلا طالبين المدينة، قال بشير بن حذلم: فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين عليهما السلام فحط رحله، وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال: يا بشير ! رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شئ منه ؟ قلت: بلى يا ابن - رسول الله إني لشاعر قال: فادخل المدينة وانع أبا عبد الله، قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم اعرفكم مكانه، فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه، وسمعت جارية تنوح على الحسين فتقول: نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا فعيني جودا بالدموع وأسكبا * وجودا بدمع بعد دمعكما معا على من دهى عرش الجليل فزعزعا * فأصبح هذا المجد والدين أجدعا على ابن نبي الله وابن وصيه * وإن كان عنا شاحط الدار أشسعا ثم قالت: أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله وخدشت منا قروحا لما تندمل، فمن أنت رحمك الله ؟ فقلت: أنا بشير بن حذلم وجهني مولاي علي بن * (الهامش) * (1) الجبانة: الصحراء، والمقبرة، وعن المغرب: المصلى العام في الصحراء. (*)

[148]

الحسين عليهما الصلاة والسلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه، قال: فتركوني مكاني وبادروا فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين عليهما السلام داخلا ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه، وهو لا يتمالك من العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء، وحنين الجواري والنساء، والناس من كل ناحية يعزونه فضجت تلك البقعة ضجة شديدة فأومأ بيده أن: اسكتوا، فسكنت فورتهم فقال عليه السلام: الحمدلله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الامور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاضعة، الكاظة الفادحة الجائحة أيها الناس إن الله وله الحمد - ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الاسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله وعترته، وسبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لامثلها رزية أيها الناس ! فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله ؟ أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها، والارض بأرجائها، والاشجار بأغصانها، والحيتان ولجج البحار والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن إليه، أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الامصار كأنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين، إن هذا إلا اختلاق

[149]

والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاءة بنالما ازدادوا على ما فعلوا بنا، فان الله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها، وأوجعها وأفجعها، وأكظها، وأفظها، وأمرها، وأفدحها ؟ فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا إنه عزيز ذو انتقام قال: فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان، وكان زمنا فاعتذر إليه صلوات الله عليه بما عنده من زمانة رجليه فأجابه بقبول معذرته، وحسن الظن فيه وشكر له وترحم على أبيه (1) ثم قال السيد: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن زين العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره قائما ليله، فإذا حضر الافطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه فيقول: كل يا مولاي فيقول: قتل ابن رسول الله جائعا قتل ابن رسول الله عطشانا فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزوجل وحدث مولى له عليه السلام أنه برز يوما إلى الصحراء قال: فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه وأحصيت عليه ألف مرة لاإله إلا الله حقا حقا لاإله إلا الله تعبداورقا لاإله إلا الله إيمانا وصدقا، ثم رفع رأسه من السجود وإن لحيته ووجهه قد غمر بالماء من دموع عينيه فقلت: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن تقل ؟ فقال لي: ويحك إن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام كان نبيا ابن نبي كان له اثنا عشر ابنا فغيب الله سبحانه واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن، واحد ودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا، وأنا فقدت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي ؟ (2) ايضاح: قال الجوهري: ارتث فلان، هو افتعل على ما لم يسم فاعله أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق وقال: الخفر بالتحريك شدة الحياء * (الهامش) * (1) الملهوف ص 177 - 182 (2) المصدر ص 188 - 190

[150]

وجارية خفرة ومتخفرة، وقال فرعت (في) الجبل صعدته، وفرعت (في) الجبل صعدت ويقال: بئسما أفرعت به أي ابتدأت أقول: وفي بعض النسخ تفرغ بالغين المعجمة من الافراغ بمعنى السكب وهو أظهر، والختل الخدعة وفي الاحتجاج الختر، وهو أيضا بالتحريك الغدر قولها عليها السلام: " كمثل التي " إشارة إلى قوله تعالى: " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة " (1) قال الطبرسي - ره -: أي لا تكونوا كالمرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد إمرار وفتل للمغزل، وهي امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، ولا تزال ذلك دأبها، وقيل: إنه مثل ضربه الله شبه فيه حال ناقض العهد، بمن كان كذلك " أنكاثا " جمع نكث، وهو الغزل من الصوف والشعر، يبرم ثم ينكث وينقض ليغزل ثانية " تتخذون أيمانكم دخلا بينكم " أي دغلا وخيانة ومكرا وقال الخليل: الصلف مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا والنطف بالتحريك التلطخ بالعيب وفي الاحتجاج " بعد الصلف والعجب والشنف والكذب " والشنف بالتحريك: البغض والتنكر، والدمنة بالكسر ماتدمنه الابل والغنم بأبوالها وأبعارها أي تلبده في مرابضها، فربما نبت فيها النبات، شبهتهم، تارة بذلك النبات في دناءة أصلهم، وعدم الانتفاع بهم، مع حسن ظاهرهم وخبث باطنهم، واخرى بفضة (2) تزين بها القبور في أنهم كالاموات زينوا أنفسهم بلباس الاحياء ولا ينتفع بهم الاحباء، ولا يرجى منهم الكرم والوفاء قولها " بعارها " الضمير راجع إلى الامة أو الازمنة، وفي الاحتجاج: " أجل والله فابكوا فانكم والله أحق بالبكاء فابكوا كثيرا واضحكوا فليلا فقد بليتم بعارها ومنيتم بشنارها " والشنار العيب ورحضه كمنعه غسله كأرحضه، والمدره بالكسر زعيم القوم وخطيبهم والمتكلم عنهم والذي يرجعون إلى رأيه، وتبت الايدي: أي خسرت أو هلكت والايدي إما مجاز للانفس أو بمعناها


(1) النحل: 92 (2) الصحيح بقصه: أي بجصة، كما مر

[151]

والفري: القطع، وفي بعض النسخ والروايات: " فرثتم " بالثاء المثلثة، قال في النهاية: في حديث ام كلثوم بنت علي عليه السلام لاهل الكوفة أتدرون أي كبد فرثتم لرسول الله صلى الله عليه وآله الفرث تفتيت الكبد بالغم والاذى، والصلعاء الداهية القبيحة قال الجزري: في حديث عائشة إنها قالت لمعاوية حين ادعى زيادا " ركبت الصليعاء " أي الداهية والامر الشديد أو السوءة الشنيعة البارزة المكشوفة انتهى والعنقاء بالقاف الداهية، وفي بعض النسخ بالفاء من العنف، والفقماء من قولهم تفاقم الامر أي عظم، والخرق ضد الرفق، والشوهاء القبيحة، والضمير في قولها " جئتم بها " راجع إلى الفعلة القبيحة، والقضية الشنيعة التي أتوا بها، والكلام مبني على التجريد، وطلاع الارض بالكسر ملؤها، والحفز: الحث والاعجال قولها " لايبزى " أي لا يغلب ولا يقهر، والذحل الحقد والعداوة يقال طلب بذحله أي بثأره، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه وتره يتره وترا وترة قولها عليها السلام " في بيت " متعلق بالمقتول لان أمير المؤمنين عليه السلام قتل في المسجد وسائر الاوصاف بعد ذلك نعوت له، والتعس الهلاك، والضيم الظلم، والنقيبة النفس والعريكة الطبيعة، والعذل الملامة، والجدل بالتحريك الفرح، وسحته وأسحته أي استأصله، ونزع إليه اشتاق، وفي بعض النسخ فزعت أي لجأت وقال الجوهري: الكثكث والكثكث، فتات الحجارة والتراب، مثل الاثلب والاثلب، ويقال: بفيه الكثكث، وقال كظم غيظه كظما اجترعه، والكظوم السكوت، وكظم البعير يكظم كظوما إذا أمسك عن الجرة، وقال: أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه، وناصبا يديه، وقد جاء النهي عن الاقعاء في الصلاة وقال الشاعر: فأقع كما أقعى أبوك على استه * رأى أن ريما فوقه لا يعادله وقال: جاش الوادي زخر وامتد جدا، وقال: سجا يسجو سجوا سكن ودام، وقوله تعالى: " والليل إذا سجى " أي إذا دام وسكن، ومنه البحر الساجي

[152]

قال الاعشى: فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج لا يواري الدعامصا وقال: الدعموص دويبة تغوص في الماء والجمع الدعاميص والدعامص أيضا ثم ذكر بيت الاعشى، والكلة بالكسر الستر الرقيق، والصبية جمع الصبي وقال الجزري: فيه إنه نهى عن قتل شئ من الدواب صبرا، هو أن يمسك شئ من ذوات الروح حيا ثم يرمى بشئ حتى يموت وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولاخطاء فانه مقتول صبرا، قوله: " ولم ينسني " كأنه على سبيل القلب، وفيه لطف أو المعنى لم يتركني، واللهاة: اللحمة في أقصى الفم والفراش بالفتح ما يبس بعد الماء من الطين على الارض، وبالكسر ما يفرش وموقع اللسان في قعر الفم قولها " لا يطيق وجوبا " أي لزوما بالارض وسكونا، أو عملا بواجب على هيئة الاختيار، ويقال: طعنه فجدله أي رماه بالارض، ورجل مغاوربضم الميم: أي مقاتل، وهو صفة لقوله " بطل " أوحال عنه بالاضافة إلى ياء المتكلم، وضرجه بدم أي لطخه، ويقال: قف شعري أي قام من الفزع، وقال الجوهري: اللدم صوت الحجر أو الشئ يقع بالارض، وليس بالصوت الشديد، وفي الحديث والله لاأكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد، ثم يسمى الضرب لدما، ولدمت المرأة وجهها ضربته، والتدام النساء ضربهن صدورهن في النياحة، واللدم بالتحريك الحرم في القرابات، والقبيل الكفيل والعريف، والجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى أي كل قبيل من قبائل الملائكة، والوزر بالتحريك الملجاء قوله لعنه الله " تصهرهم الشمس " أي تذيبهم، والمخصرة بكسر الميم كالسوط وكلما اختصر الانسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها، والاسل الرمح، وشمخ الرجل بأنفه تكبر، وعطفا الرجل بالكسر جانباه، والنظر في العطف كناية عن الخيلاء، والجذل بالتحريك الفرح، وقد جذل بالكسر يجذل فهوجذلان وقولها عليه السلام: " يحدوبهن " أي يسوقهن سوقا شديدا، واستشرف الشئ:

[153]

رفع بصره ينظر إليه، والمنقل: الطريق في الجبل، والمنقلة المرحلة من مراحل السفر، قولها " وكيف يستبطئ في بغضنا " أي لا يطلب منه الابطاء والتأخير في البغض والشنف بالتحريك البغض والتنكر، والاحن بكسر الهمزة، وفتح الحاء جمع الاحنة بالكسر وهي الحقد، والانتحاء الاعتماد والميل، وانتحيت لفلان أي عرضت له وأنحيت على حلقه السكين أي عرضت، ونكأت القرحة قشرتها وقال الفيروزآبادي: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب وإذا قطعت مات صاحبها، والاصل، واستأصل الله شأفته أذهبه كما تذهب تلك القرحة أو معناه أزاله من أصله انتهى، ويقال خرج وشيكا أي سريعا، والفري: القطع قولها: " ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك " يحتمل أن يكون مخاطبتك مرفوعا بالفاعلية أي إن أوقعت علي مخاطبتك البلايا، فلا ابالي ولا اعظم قدرك أو يكون منصوبا بالمفعولية أي إن أوقعتني دواهي الزمان إلى حال احتجت إلى مخاطبتك فلست معظمة لقدرك قولها: " تنطف " بكسر الطاء وضمها أي تقطر، وقال الفيروزآبادي: تحلب عينه وفوه أي سالا، والعواسل الذئاب السريعة العدو، قولها: " وتعفوها امهات الفراعل " من قولهم عفت الريح المنزل أي درسته، أو من قولهم فلان تعفوه الاضياف أي تأتيه كثيرا وفي بعض النسخ تعفرها أي تلطخها بالتراب عند الاكل، وفي بعضها بالقاف من العقر بمعنى الجرح، ومنه كلب عقور، والفرعل بالضم ولد الضبع وفي رواية السيد امهات الفراعل، وهو أظهر، والفند بالتحريك الكذب وضعف الرأي والبهلول من الرجال الضحاك، وربط العنان كناية عن ترك المحارم وملازمة الشريعة في جميع الامور، وفلان شديد الشكيمة: إذا كان شديد النفس أنفا أبيا ووجأته بالسكين ضربته والنياط بالكسر عرق علق به القلب من الوتين، فإذا قطع مات صاحبه والشنشنة الخلق والطبيعة، والشحط البعد، والشاسع البعيد، واللواذع: المصائب المحرقة الموجعة، ويقال كظني هذا الامر أي جهدني من الكرب، والجائحة الشدة التي تستأصل المال وغيره وقال الجوهري: عامل الرمح ما يلي السنان

[154]

2 - قل: رأيت في كتاب المصابيح بإسناده إلى جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال لي أبي محمد بن علي: سألت أبي علي بن الحسين عن حمل يزيد له، فقال: حملني على بعير يطلع بغير وطاء ورأس الحسين عليه السلام على علم، ونسوتنا خلفي على بغال فأكف، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح، إن دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح، حتى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون بيان: قوله فأكف أي أميل وأشرف على السقوط، والاظهر " واكفة " أي كانت البغال باكاف أي برذعة من غير سرج، وفرط سبق، وفي الامر قصر به وضيعه وعليه في القول أسرف، وفرط القوم تقدمهم إلى الورد لاصلاح الحوض، والفرط بضمتين الظلم والاعتداء والامر المجاوز فيه الحد، ولعل فيه أيضا تصحيفا 3 - لى: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن أحمد بن محمد بن يزيد عن أبي نعيم، قال: حدثني حاجب عبيدالله بن زياد أنه لما جيئ برأس الحسين عليه السلام أمر فوضع بين يديه في طست من ذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يابا عبد الله، فقال رجل من القوم: مه فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يلثم حيث تضع قضيبك ! فقال: يوم بيوم بدر، ثم أمر بعلي بن الحسين عليه السلام فغل وحمل مع النسوة والسبايا إلى السجن، وكنت معهم، فما مررنا بزقاق إلا وجدناه ملاء رجال ونساء يضربون وجوههم ويبكون، فحبسوا في سجن وطبق عليهم ثم إن ابن زياد لعنه الله دعابعلي بن الحسين والنسوة وأحضر رأس الحسين عليه السلام وكانت زينب ابنة علي عليه السلام فيهم، فقال ابن زياد: الحمدلله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحاديثكم، فقالت زينب: الحمدلله الذي أكرمنا بمحمد، وطهرنا تطهيرا إنما يفضح الله الفاسق، ويكذب الفاجر، قال: كيف رأيت صنيع الله بكم أهل البيت ؟ قال: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتتحاكمون عنده، فغضب ابن زياد لعنه الله عليها وهم بها فسكن منه عمرو بن حريث

[155]

فقالت: زينب: يا ابن زياد حسبك ما ارتكبت منا فلقد قتلت رجالنا، وقطعت أصلنا وأبحت حريمنا، وسبيت نساءنا وذرارينا، فان كان ذلك للاشتفاء فقد اشتفيت، فأمر ابن زياد بردهم إلى السجن، وبعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين عليه السلام ثم أمر بالسبايا ورأس الحسين فحملوا إلى الشام فلقد حدثني جماعة كانوا خرجوا في تلك الصحبة أنهم كانوا يسمعون بالليالي نوح الجن على الحسين إلى الصباح، وقالوا: فلما دخلنا دمشق ادخل بالنساء والسبايا بالنهار مكشفات الوجوه فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء فمن أنتم ؟ فقالت سكينة ابنة الحسين: نحن سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله فاقيموا على درج المسجد حيث يقام السبايا وفيهم علي بن الحسين عليهما السلام وهو يومئذ فتى شاب، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال لهم: الحمدلله الذي قتلكم وأهلككم، وقطع قرن الفتنة، فلم يأل عن شتمهم، فلما انقضى كلامه، قال له علي بن الحسين عليه السلام: أما قرأت كتاب الله عزوجل قال: نعم، قال: أما قرأت هذه الآية " قل لاأسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (1) قال: بلى، قال: فنحن اولئك، ثم قال: أما قرأت " وآت ذاالقربى حقه " (2) قال: بلى، قال: فنحن هم، فهل قرأت هذه الآية " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (3) قال: بلى، قال: فنحن هم، فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال: اللهم إني أتوب إليك - ثلاث مرات اللهم إني أبرء إليك من عدو آل محمد ومن قتلة أهل بيت محمد، لقد قرأت القرآن فما شعرت بهذا قبل اليوم ثم ادخل نساء الحسين على يزيد بن معاوية، فصحن نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله، وولولن وأقمن المأتم، ووضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه فقالت سكينة: ما رأيت أقسى قلبا من يزيد، ولا رأيت كافرا ولا مشركا شر امنه، ولا


(1) الشورى: 23 (2) أسرى: 26 (3) الاحزاب: 33

[156]

أجفى منه، وأقبل يقول وينظر إلى الرأس: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل ثم أمر برأس الحسين فنصب على باب مسجد دمشق، فروي عن فاطمة بنت علي عليهما السلام أنها قالت: لما اجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا أول شئ وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، يعنيني، وكنت جارية وضيئة، فارعبت وفرقت، وظننت أنه يفعل ذلك، فأخذت بثياب اختي وهي أكبر مني وأعقل، فقالت: كذبت والله ولعنت ما ذاك لك ولا له، فغضب يزيد، وقال: بل كذبت والله لو شئت لفعلته، قالت: لا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، فغضب يزيد ثم قال: إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالت: بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وجدك وأبوك، قال: كذبت يا عدوة الله قالت: أمير يشتم ظالما ويقهر بسلطانه ؟ قالت: فكأنه لعنه الله استحيى فسكت، فأعاد الشامي لعنه الله فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقال له: اعزب ! وهب الله لك حتفا قاضيا (1) 4 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في جملة أبيات ذكرها عن ابن الزبعرى أنه قالها لوصف يوم احد: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل حين حطت بقباء بركها (2) * واستحر القتل في عبد الاشل ثم قال: كثير من الناس يعتقدون أن هذا البيت ليزيد بن معاوية، وقال من أكره، التصريح باسمه: هذا البيت ليزيد فقلت له: إنما قاله يزيد متمثلا لما حمل إليه رأس الحسين عليه السلام وهو لابن الزبعرى فلم تسكن نفسه إلى ذلك حتى أوضحته له فقلت ألا تراه قال: " جزع الخزرج من وقع الاسل " والحسين عليه السلام لم


(1) امالي الصدوق المجلس 31 تحت الرقم 3 (2) البرك: الصدر، وقباء موضع بالمدينة وعبد الاشل: أي عبد الاشهل حذف الهاء للضرورة

[157]

تحارب عنه الخزرج: وكان يليق أن يقول جزع بني هاشم من وقع الاسل، فقال بعض من كان حاضرا: لعله قاله يوم الحرة فقلت: المنقول إنه أنشده لما حمل إليه رأس الحسين عليه السلام والمنقول إنه شعر ابن الزبعرى، ولايجوز أن يترك المنقول إلى ما ليس بمنقول (1) 5 - ج: روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من الناس أنه لما دخل علي بن الحسين صلوات الله عليه وحرمه على يزيد لعنه الله، جيئ برأس الحسين عليه السلام ووضع بين يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا * ولقالوا: يا يزيد لاتشل فجزينا هم ببدر مثلها * وأقمنا مثل بدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب وامها فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، وقالت: الحمدلله رب العالمين، وصلى الله على جدي سيد المرسلين، صدق الله سبحانه كذلك يقول: " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن " (2) أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الارض، وضيقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في إسار، نساق إليك سوقا في قطار، وأنت علينا


(1) لاريب أن الشعر لعبدالله بن الزبعرى كما مر الاشارة إليه في ص 133 ترى الابيات في سيرة ابن هشام عند ذكر ما قيل من الشعر يوم احد وهى ستة عشر بيتا وقد أجابه حسان ابن ثابت الانصاري فقال ذهبت يابن الزبعرى وقعة * كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذاك الحرب أحيانا دول إلى آخر الابيات راجع ج 2 ص 136 - 138 (2) الروم: 10

[158]

ذو اقتدار، أن بنامن الله هوانا وعليك منه كرامة وامتنانا ؟ وأن ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحا، وتنفض مدر ويك مرحا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والامور لديك متسقة، وحين صفي لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلا مهلالا تطش جهلا أنسيت قول الله: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " (1) أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك، وسوقك بنات رسول الله سبايا ؟ قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، يحدوبهن الاعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناقل، ويبرزن لاهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع، والدني والرفيع، ليس معهن من رجالهن ولي، ولامن حماتهن حميم، عتوا منك على الله، وجحودا لرسول الله، ودفعا لما جاء به من عند الله ولاغرو منك، ولاعجب من فعلك، وأنى يرتجى (مراقبة) من لفظ فوه أكباد الشهداء، ونبت لحمه بدماء السعداء، ونصب الحرب لسيد الانبياء، وجمع الاحزاب، وشهر الحراب، وهز السيوف في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله أشد العرب لله جحودا، وأنكرهم له رسولا، وأظهرهم له عدوانا، وأعتاهم على الرب كفرا وطغيانا ألا إنها نتيجة خلال الكفر، وضب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من كان نظره إلينا شنفا وشنآنا وأحنا وضغنا يظهر كفره برسوله، ويفصح ذلك بلسانه، وهو يقول فرحا بقتل ولده وسبي ذريته غير متحوب ولا مستعظم: لاهلوا واستهلوا فرحا * ولقالوا يا: يزيد لاتشل منتحيا على ثنايا أبي عبد الله، وكان مقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ينكتها بمخصرته


(1) آل عمران: 178

[159]

قد التمع السرور بوجهه لعمري لقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، باراقتك دم سيد شباب أهل الجنة، وابن يعسوب العرب، وشمس آل عبد المطلب، وهتفت بأشياخك وتقربت بدمه إلى الكفرة من اسلافك، ثم صرخت بندائك ولعمري قدناديتهم لو شهدوك ووشيكا تشهدهم ويشهدوك (1) ولتود يمينك كمازعمت شلت بك من مرفقها وأحببت امك لم تحملك، وأباك لم يلدك، حين تصير إلى سخط الله، ومخاصمك (ومخاصم أبيك) رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، ونقص ذمامنا، وقتل حماتنا، وهتك عنا سدولنا وفعلت فعلتك التي فعلت، وما فريت إلا جلدك، وما جززت إلا لحمك، وسترد على رسول الله بما تحملت من ذريته، وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقهم من أعدائهم، ولا يستفزنك الفرح بقتله " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتيهم الله من فضله " (2) وحسبك بالله وليا وحاكما، وبرسول الله خصيما، وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من بوأك ومكنك من رقاب المسلمين (أن) بئس للظالمين بدلا، وأنكم شر مكانا وأضل سبيلا وما استصغاري قدرك، ولا استعظامي تقريعك، توهما لانتجاع الخطاب فيك، بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى، وصدورهم عند ذكره حرى، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، وأجسام محشوة بسخط الله ولعنة الرسول قدعشش فيه الشيطان وفرخ، ومن هناك مثلك مادرج ونهض، فالعجب كل العجب لقتل الاتقياء، وأسباط الانبياء، وسليل الاوصياء بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة


(1) في الاصل وهكذا المصدر " وان يشهدوك " وهو تصحيف (2) آل عمران: 169

[160]

الفجرة، تنطف أكفهم من دمائنا، وتتحلب أفواههم من لحومنا، وللجثث الزاكية على الجبوب الضاحية، تنتابها العواسل، وتعفرها الفراعل، فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذنا وشيكا مغرما، حين لاتجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل ثم كد كيدك، واجهد جهدك، فوالذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا ترحض عنك عارنا، وهل رأيك إلافند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلابدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن الظالم العادي والحمد لله الذي حكم لاوليائه بالسعادة وختم لاوصيائه ببلوغ الارادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشق بهم غيرك، ولا ابتلي بهم سواك، ونسأله أن يكمل لهم الاجر، ويجزل لهم الثواب والذخر، ونسأله حسن الخلافة، وجميل الانابة، إنه رحيم ودود فقال يزيد مجيبا لها شعرا: يا صيخة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح ثم أمر بردهم (1) بيان: قال الجزري: في حديث الحسن يضرب أسدريه أي عطفيه ومنكبيه يضرب بيده عليهما، وروي بالزاء والصاد بدل السين بمعنى واحد وهذه الاحرف الثلاثة تتعاقب مع الدال، وقال في باب الصاد في حديث الحسن: يضرب أصدريه أي منكبيه وقال في باب الميم والذال في حديث الحسن " ما تشاء أن ترى أحدهم ينفض مذرويه " المذر وان جانبا الاليتين ولاواحد لهما، وقيل هما طرفا كل شئ وأراد بهما الحسن فرعا المنكبين، يقال: جاء فلان ينفض مذرويه، إذا جاء باغيا يتهدد، وكذلك إذا جاء فارغا في غير شغل، والميم زائدة وقال الفيروز آبادي: الاصدران عرقان تحت الصدغين، وجاء يضرب


(1) الاحتجاج ص 157 - 159

[161]

أصدريه أي فارغا، وقال في المذروين: بكسر الميم نحوا مما مر ويقال: " لاغرو " أي ليس بعجب، والضب الحقد الكامن في الصدر، وفي بعض النسخ مكان " شنفا وشنآنا " " سيفا وسنانا "، وفلان يتحوب من كذا أي يتأثم والتحوب أيضا التوجع والتحزن، والسديل ما اسبل على الهودج، والجمع السدول قولها رضي الله عنها " فتلك " إشارة إلى أعوانه وأنصاره وفي بعض النسخ " قبلك " بكسر القاف وفتح الباء أي عندك أو بفتح القاف وسكون الباء إشارة إلى آبائه لعنهم الله قولها: " مادرج " كلمة ما زائدة كما في قوله تعالى: " فبما رحمة من الله " أي بإعانة هؤلاء درجت ومشيت وقمت، أوفي حجور هؤلاء الاشقياء ربيت، ومنهم تفرعت، والجبوب بضم الجيم والباء الارض الغليظة، ويقال: وجه الارض وفي بعض النسخ بالنون فعلى الاول الضاحية من قولهم مكان ضاح أي بارز، وعلى الثاني من قولهم ضحيت للشمس أي برزت وإنما أوردت بعض الروايات مكررا لكثرة اختلافها 6 - ج: روى ثقاة الروات وعدولهم: لما ادخل علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في جملة من حمل إلى الشام سبايا - من أولاد الحسين بن علي عليهما السلام وأهاليه - على يزيد لعنه الله، قال له: يا علي الحمد لله الذي قتل أباك، قال عليه السلام:، قتل أبي الناس، قال يزيد: الحمد لله الذي قتله فكفانيه قال عليه السلام: على من قتل أبي لعنة الله، أفتراني لعنت الله عزوجل ؟ قال يزيد: يا علي اصعد المنبر فأعلم الناس حال الفتنة، وما رزق الله أمير المؤمنين من الظفر، فقال علي بن الحسين: ما أعرفني بما تريد فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعلى، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربه قاب قوسين أو أدنى

[162]

فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال للمؤذن أذن، فلما قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، جلس علي بن الحسين على المنبر فلما قال: أشهد أن لاإله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله بكى علي بن الحسين عليه السلام ثم التفت إلى يزيد فقال: يا يزيد هذا أبوك أم أبي ؟ قال: بل أبوك، فانزل فنزل فأخذ ناحية باب المسجد فلقيه مكحول صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ قال: أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، فلما انصرف يزيد إلى منزله دعابعلي بن الحسين عليهما السلام وقال يا علي أتصارع ابني خالدا ؟ قال عليه السلام: ما تصنع بمصارعتي إياه أعطني سكينا وأعطه سكينا فليقتل أفوانا أضعفنا فضمه يزيد إلى صدره ثم قال: لا تلد الحية إلا الحية. أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب ثم قال له علي بن الحسين: يا يزيد بلغني أنك تريد قتلي، فان كنت لابد قاتلي فوجه مع هؤلاء النسوة من يردهن إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له يزيد لعنه الله: لا يردهن غيرك، لعن الله ابن مرجانة، فوالله ما أمرته بقتل أبيك، ولو كنت متوليا لقتاله ما قتلته، ثم أحسن جائزته وحمله والنساء إلى المدينة (1) 7 - ج: عن حذيم بن شريك الاسدي قال: لما أتى علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بالنسوة من كربلا وكان مريضا وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب، والرجال معهن يبكون، فقال زين العابدين بصوت ضئيل وقدنهكته العلة: إن هؤلاء يبكون، فمن قتلنا غيرهم ؟ فأومأت زينب بنت علي بن أبيطالب عليه السلام إلى الناس بالسكوت قال حذيم الاسدي: فلم أروالله خفرة أنطق منها كأنما تنطق وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام وقد أشارت إلى الناس بأن انصتوا، فارتدت الانفاس، وسكنت الاجراس، ثم قالت بعد حمدالله تعالى والصلاة على رسوله:


(1) الاحتجاج ص 159 و 160

[163]

أما بعد: يا أهل الكوفة يا أهل الختر والغدر والحدل (1) ألا فلا رقأت العبرة، ولاهدأت الزفرة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، هل فيكم إلا الصلف والعجب، والشنف والكذب وملق الاماء وغمز الاعداء كمرعى على دمنة، أو كقصة على ملحودة ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون على أخي ؟ أجل والله فابكوا، فانكم والله أحق بالبكاء فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فقد بليتم بعارها، ومنيتم بشنارها، ولن ترحضوها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم، ومعاذ حزبكم، ومقر سلمكم، وآسي كلمكم، ومفزع نازلتكم، والمرجع إليه عند مقالتكم، ومدره حججكم، ومنار محجتكم، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم وساء ما تزرون ليوم بعثكم فتعسا تعسا ونكسا نكسا لقد خاب السعي، وتبت الايدي وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة أتدرون ويلكم أي كبد لمحمد صلى الله عليه وآله فريتم ؟ وأي عهد نكثتم ؟ وأي كريمة له أبرزتم ؟ وأي حرمة له هتكتم ؟ وأي دم له سفكتم ؟ لقد جئتم شيئا إداتكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الارض وتخر الجبال هدالقد جئتم بها شوهاء صلعاء عنقاء سواء فقماء خرقاء، طلاع الارض وملء (2) السماء أفعجبتم أن لم تمطر السماء دما ؟ ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، فلا يستخفنكم المهل فانه عزوجل من لا يحفزه البدار ولا يخشى عليه فوت الثأر، كلا إن ربك لنا ولهم بالمرصاد ثم أنشأت تقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا صنعتم وأنتم آخر الامم ؟ بأهل بيتي وأولادي ومكرمتي * منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم ؟


(1) يقال: حدل عليه حدلاوحدولا: مال عليه بالظلم، وفى بعض النسخ " الجدل " وفى بعضها " الخذل " (2) مابين العلامتين زيادة من المصدر ص 156

[164]

ماكان ذاك جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي إني لاخشى عليكم أن يحل بكم * مثل العذاب الذي أودى على إرم ثم ولت عنهم قال حذيم: فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم فالتفت إلى شيخ إلى جانبي يبكي وقد اخضلت لحيته بالبكاء، ويده مرفوعة إلى السماء، وهو يقول: بأبي وامي كهولهم خير الكهول، وشبابهم خير شباب، ونسلهم نسل كريم وفضلهم فضل عظيم، ثم أنشد شعرا: كهولهم خير الكهول ونسلهم * إذا عد نسل لايبور ولا يخزى فقال علي بن الحسين: يا عمة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة عير مفهمة، إن البكاء والحنين لايردان من قد أباده الدهر، فسكتت، ثم نزل عليه السلام وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط بيان: قولها " وآسي كلمكم " الآسي الطبيب، والكلم الجراحة، وقال الجوهري: النكس بالضم عود المرض بعد النقه وقد نكس الرجل نكسا، يقال: تعسا له ونكسا وقد يفتح ههنا للازدواج أو لانه لغة، وفي أكثر النسخ هنا " من لا يحفزه " بالحاء والمهملة والزاء المعجمة، يقال: حفزه أي دفعه من خلفه يحفزه بالكسر حفزا والليل يحفز النهار أي يسوقه قولها: أودى في أكثر النسخ بالدال المهملة، يقال أودى أي هلك، وأودى به الموت أي ذهب، فكأن على هنا بمعنى البآء وفي بعضها بالراء من أورى الزند إذا أخرج منه النار 8 - جا، ما: المفيد، عن محمد بن عمران، عن أحمد بن محمد الجوهري، عن محمد بن مهران، عن موسى بن عبد الرحمان، عن عمربن عبد الواحد، عن إسماعيل ابن راشد، عن حذلم بن ستير (1) قال: قدمت الكوفة في المحرم سنة إحدى وستين عند منصرف علي بن الحسين بالنسوة من كربلا، ومعهم الاجناد يحيطون بهم، وقد


(1) وقد يقال حذلم بن ستير، أوحذام بن ستير، والصحيح: حذيم بن بشير كما مر

[165]

خرج الناس للنظر إليهم، فلما أقبل بهم على الجمال بغير وطاء، جعل نساء الكوفة يبكين ويندبن، فسمعت علي بن الحسين عليهما السلام وهو يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلة، وفي عنقه الجامعة، ويده مغلولة إلى عنقه: إن هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا ؟ قال: ورأيت زينب بنت علي عليه السلام ولم أرخفرة قط أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام قال: وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الانفاس وسكنت الاصوات فقالت: الحمدلله والصلاة على أبي رسول الله أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل، فلارقأت العبرة، ولاهدأت الرنة، فانما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألاوهل فيكم إلا الصلف والسرف، خوارون في اللقاء، عاجزون عن الاعداء، ناكثون للبيعة، مضيعون للذمة، فبئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون ؟ إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن تغسلوا دنسها عنكم أبدا، فسليل خاتم الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، وأمارة محجتكم، ومدرجة حجتكم (1) خذلتم، وله قتلتم ألا ساء ما تزرون، فتعسا ونكسا ولقد خاب السعي، وتبت الايدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة ويلكم أتدرون أي كبد لمحمد فريتم ؟ وأي دم له سفكتم ؟ وأي كريمة له أصبتم ؟ لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا، ولقد أتيتم بها خرماء شوهاء طلاع الارض والسماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى، فلا يستخفنكم المهل، فانه لا يعجزه البدار ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلاإن ربك لبالمرصاد


(1) المدرجة: الطريق - ومعظمه وسننه و - الورقة التى تكتب فيها الرسالة ويدرج فيها الكتاب، ولكن الصحيح " مدره حجتكم " كما مر

[166]

قال: ثم سكتت فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا وقد بكى حتى اخضلت لحيته، وهو يقول: كهولهم خير الكهول ونسلهم * إذا عد نسل لا يخيب ولا يخزى 9 - ج: وعن ديلم بن عمر قال: كنت بالشام حتى اتي بسبايا آل محمد فاقيموا على باب المسجد حيث تقام السبايا، وفيهم علي بن الحسين عليه السلام فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم، وأهلككم، وقطع قرن الفتنة - ولم يأل عن شتمهم - فلما انقضى كلامه قال له علي بن الحسين إني قد أنصت لك حتى فرغت من منطقك، وأظهرت ما في نفسك من العداوة والبغضاء فأنصت لي كما أنصت لك، فقال له: هات، قال علي عليه السلام: أما قرأت كتاب الله عزوجل ؟ فقال: نعم، قال: أما قرأت هذه الآية " قل أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (1) قال: بلى، فقال له علي عليه السلام: فنحن اولئك، فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقا خاصة دون المسلمين ؟ فقال: لا، قال علي بن الحسين: أما قرأت هذه الآية " وآت ذا القربى حقه " (2) قال: نعم، قال علي عليه السلام: فنحن اولئك الذين أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله أن يؤتيهم حقهم فقال الشامي: إنكم لانتم هم ؟ فقال علي عليه السلام: نعم، فهل قرأت هذه الآية " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي " ؟ (3) فقال له الشامي: بلى فقال علي: فنحن ذووالقربى، فهل تجد لنا في سورة الاحزاب حقاخاصة دون المسلمين ؟ فقال: لا، قال علي: أما قرأت هذه الآية " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (4) قال: فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال: اللهم إني أتوب إليك ثلاث مرات اللهم إني أتوب إليك من عداوة آل محمد، و من قتل أهل بيت محمد، ولقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرت بها قبل اليوم (5)


(1) الشورى: 23 (2) أسرى: 26 (3) الانفال: 41 (4) الاحزاب: 33 (5) الاحتجاج ص 157

[167]

10 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك، عن إسماعيل بن عامر، عن الحكم بن محمد بن القاسم قال: حدثني أبي، عن أبيه أنه حضر عبيدالله بن زياد حين اتي برأس الحسين عليه السلام فجعل ينكت بقضيب ثناياه ويقول: إن كان لحسن الثغر، فقال له زيد بن أرقم: ارفع قضيبك فطال ما رأيت رسول الله يلثم موضعه، قال: إنك شيخ قد خرفت، فقام زيد يجر ثيابه. ثم عرضوا عليه فأمر بضرب عنق علي بن الحسين، فقال له علي: إن كان بينك وبين هؤلاء النساء رحم فأرسل معهن من يؤديهن، فقال: تؤديهن أنت، وكأنه استحيا، وصرف الله عز وجل عن علي بن الحسين القتل قال أبو القاسم بن محمد (1): ما رأيت منظرا قط أفضع من إلقاء رأس الحسين عليه السلام بين يديه وهو ينكته 11 - ما: بالاسناد المتقدم، عن الحكم بن محمد، عن أبي إسحاق السبيعي أن زيد بن أرقم خرج من عنده يومئذ وهو يقول: أما والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اللهم إني أستودعكه وصالح المؤمنين، فكيف حفظكم لوديعة رسول الله 12 - فس: " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله " (2) فهو رسول الله صلى الله عليه وآله لما أخرجته قريش من مكة، وهرب منهم إلى الغار، وطلبوه ليقتلوه، فعاقبهم الله يوم بدر، وقتل عتبة، وشيبة، والوليد، وأبو جهل، وحنظلة ابن أبي سفيان وغيرهم، فلما قبض رسول الله طلب بدمائهم فقتل الحسين وآل محمد بغيا وعدوانا، وهو قول يزيد حين تمثل بهذا الشعر: ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل (3) لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ماكان فعل وكذاك الشيخ أوصاني به * فاتبعت الشيخ فيما قد سأل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل


(1) يعنى الحكم بن محمد بن القاسم، عن أبيه، عن جده، فانه كان حاضر المجلس (2) الحج: 6 (3) الصحيح: جزع الخزرج

[168]

وقال الشاعر في مثل ذلك شعر يقول والرأس مطروح يقلبه * ياليت أشياخنا الماضين بالحضر حتى يقيسوا قياسا لا يقاس به * أيام بدر وكان الوزن بالقدر فقال الله تبارك وتعالى " ومن عاقب " يعني رسول الله " بمثل ما عوقب به " يعني حين أرادوا أن يقتلوه " ثم بغي عليه لينصرنه الله " يعني بالقائم عليه السلام من ولده 13 - فس: قال الصادق عليه السلام لما ادخل علي بن الحسين عليه السلام على يزيد لعنه الله نظر إليه ثم قال له: يا علي بن الحسين ! " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " فقال علي بن الحسين كلاما هذه فينا نزلت، وإنما نزلت فينا " ما أصاب من مصيبة في الارض ولافي أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " (1). فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا من أمر الدنيا ولانفرح بما اوتينا 14 - فس: قال الصادق عليه السلام: لما ادخل رأس الحسين بن علي عليهما السلام على يزيد لعنه الله وادخل عليه علي بن الحسين عليهما السلام وبنات أمير المؤمنين، عليه وعليهن السلام، كان علي بن الحسين عليه السلام مقيدا مغلولا فقال يزيد لعنه الله: يا علي بن الحسين الحمدلله الذي قتل أباك، فقال علي بن الحسين: لعنة الله على من قتل أبي قال: فغضب يزيد وأمر بضرب عنقه فقال علي بن الحسين: فإذا قتلتني فبنات رسول الله من يردهم إلى منازلهم وليس لهم محرم غيري ؟ فقال: أنت تردهم إلى منازلهم، ثم دعا بمبرد فأقبل يبرد الجامعة من عنقه بيده ثم قال له: يا علي بن الحسين: أتدري ما الذي اريد بذلك ؟ قال: بلى تريد أن لا يكون لاحد علي منة غيرك، فقال يزيد: هذا والله ما أردت، ثم قال يزيد: يا علي بن الحسين " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " فقال علي بن الحسين: كلا ما هذه فينا نزلت، إنما نزلت فينا " ما أصاب من مصيبة في الارض ولافي أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها " فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا، ولا


(1) الاية الاولى في الشورى: 30، والثانية في الحديد: 22

[169]

نفرح بما آتانا منها 15 - ب: اليقطيني، عن القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: لما قدم على يزيد بذراري الحسين عليه السلام ادخل بهن نهارا مكشفات وجوههن، فقال أهل الشام الجفاة، ما رأينا سبيا أحسن من هؤلاء فمن أنتم ؟ فقالت سكينة بنت الحسين: نحن سبايا آل محمد (1) 16 - كش: محمد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد، عن حمدان بن سليمان عن منصور بن العباس، عن إسماعيل بن سهل، عن بعض أصحابنا قال: كنت عند الرضا عليه السلام فدخل عليه علي بن أبي حمزة وابن السراج وابن المكاري فقال علي: بعد كلام جرى بينهم وبينه عليه السلام في إمامته: إنا روينا عن آبائك عليهم السلام أن الامام لايلي أمره إلا إمام مثله، فقال له أبو الحسن عليه السلام: فأخبرني عن الحسين بن علي كان إماما أوغير إمام ؟ قال: كان إماما قال:، فمن ولي أمره ؟ قال: علي بن الحسين قال: وأين كان علي بن الحسين ؟ كان محبوسا في يد عبيدالله بن زياد، قال: خرج وهم كانوا لا يعلمون حتى ولي أمر أبيه ثم انصرف، فقال له أبو الحسن: إن هذا الذي أمكن علي بن الحسين أن يأتي كربلا فيلي أمر أبيه، فهو يمكن صاحب هذا الامر أن يأتي بغداد ويلي أمر أبيه (2) أقول: تمامه في باب الرد على الواقفية 17 - كا: الحسين بن أحمد قال: حدثنى أبو كريب، وأبو سعيد الاشج قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبد الله الاودي قال: لما قتل الحسين عليه السلام أراد القوم أن يوطئوه الخيل فقالت فضة لزينب: يا سيدتي إن سفينة كسر به في البحر فخرج به إلى جزيرة فإذا هو بأسد فقال: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله فهمهم بين يديه حتى وقفه على الطريق، والا سد رابض في ناحية، فدعيني أمضي إليه فاعلمه ماهم صانعون غدا ؟ قال: فمضت إليه فقالت:


(1) قرب الاسناد ص: 20 (2) رجال الكشى ص 394

[170]

يا أباا لحارث فرفع رأسه ثم قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غدا بأبي عبد الله عليه السلام ؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال: فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين عليه السلام فأقبلت الخيل فلما نظروا إليه قال لهم عمربن سعد لعنه الله: فتنة لا تثيروها انصرفوا فانصرفوا (1) بيان: قولها: إن سفينة كسر به إشارة إلى قصة سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وأن الاسد رده إلى الطريق وقد مر بأسانيد في أبواب معجزات الرسول (2) وأبو الحارث من كنى الاسد 18 - كا: علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن أحمد، عن الحسين ابن علي، عن يونس، عن مصقلة الطحان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما قتل الحسين عليه السلام أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما وبكت وبكين النساء والخدم حتى جفت دموعهن وذهبت، فبينا هي كذلك إذا رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل، فدعتها فقالت لها: مالك أنت من بيننا تسيل دموعك ؟ قالت: إني لما أصابني الجهد شربت شربة سويق قال: فأمرت بالطعام والاسوقة فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت: إنما نريد بذلك أن نتقوى على البكاء على الحسين عليه السلام قال: واهدي إلى الكلبية جؤنا لتستعين بها على مأتم الحسين عليه السلام فلما رأت الجؤن قالت،: ما هذه ؟ قالوا: هدية أهداها فلان لتستعيني بها على مأتم الحسين عليه السلام فقالت: لسنا في عرس فما نصنع بها ؟ ثم أمرت بهن فاخرجن من الدار فلما اخرجن من الدار لم يحس لها حس كأنما طرن بين السماء والارض ولم يرلهن بعد خروجهن من الدار أثر (3) بيان: الجوني ضرب من القطاسود البطون والاجنحة، ذكره الجوهري


(1) اصول الكافي ج 1 ص 465، ولكن الحديث ضعيف جدا مخالف لضرورة التاريخ من جهات شتى (2) راجع ج 17 ص 409 من الطبعة الحديثة (3) اصول الكافي ج 1 ص 466

[171]

وكأن الجون بالضم أو كصرد جمعه وإن لم يذكره اللغويون (1) قوله: وأهدى أي رجل والظاهر اهدي على بناء المجهول، ورفع جون ولعل فقدهن على سبيل الاعجاز ذهب بهن إلى الجنة، ويحتمل أن يكون الآتي بهن من الملائكة أيضا 19 - أقول: روى في كتاب المناقب القديم، عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن أبيه، عن أبي عبد الله الحافظ، عن يحيى بن محمد العلوي عن الحسين بن محمد العلوي، عن أبي علي الطرسوسي، عن الحسن بن علي الحلواني عن علي بن يعمر، عن إسحاق بن عباد، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: لما قتل الحسين بن علي جاء غراب فوقع في دمه ثم تمرغ ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين ابن علي عليهما السلام وهي الصغرى فرفعت رأسها فنظرت إليه فبكت بكاء شديدا وأنشأت تقول: نعب الغراب فقلت من تنعاه ويلك يا غراب * قال الامام فقلت من ؟ قال الموفق للصواب إن الحسين بكربلا بين الاسنة والضراب * فابكى الحسين بعبرة ترجي الاله مع الثواب


(1) بل ذكروه على مافى أقرب الموارد قال: والجمع جون قال عبد الله بن الدمينة: وأنت التى كلفتني دلج السرى * وجون القطا بالجلهتين جثوم ولكن الظاهر كما أثبتناه " الجؤن " بالهمز، وقد لايهمز - على وزن صرد: جمع جونة وهى جونة العطار: سليلة مغشاة بالادم يجعلون فيها الغالية، ولذلك قالت: " لسنا في عرس فما نصنع بها " أي ما نصنع بالطيب والغالية ؟ وقوله " ثم أمرت بهن " أي امرت بالنسوة التى أهدت الجؤن فأخرجن من الدار وأما اهداء الطيب والغالية ليتسعن بها على المأتم، فهو أمر صحيح حيث ان الانسان إذا بكى كثيراغشى عليه، وإذا تغلى بالغالية أفاق وقوى ونشط على البكاء ثانيا

[172]

قلت الحسين ؟ فقال لي حقا لقد سكن التراب * ثم استقل به الجناح فلم يطق رد الجواب فبكيت مما حل بي بعد الدعاء المستجاب قال محمد بن علي: فنعتته لاهل المدينة فقالوا: قد جاءتنا بسحر عبد المطلب فما كان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين بن علي عليهما السلام بيان: نعب الغراب أي صاح 20 - وقال في الكتاب المذكور: روي أنه لما حمل رأسه إلى الشام جن عليهم الليل فنزلوا عند رجل من اليهود، فلما شربوا وسكروا قالوا: عندنا رأس الحسين عليه السلام فقال: أروه لي فأروه، وهوفي الصندوق يسطع منه النور نحو السماء فتعجب منه اليهودي فاستودعه منهم وقال للرأس: اشفع لي عند جدك فأنطق الله الرأس فقال: إنما شفاعتي للمحمديين، ولست بمحمدي، فجمع اليهودي أقرباءه ثم أخذ الرأس ووضعه في طست وصب عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر ثم قال لاولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمد عليه السلام ثم قال: يا لهفاه حيث لم أجد جدك محمدا صلى الله عليه وآله فأسلم على يديه، يا لهفاه حيث لم أجدك حيا فأسلم على يديك واقاتل بين يديك، فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة ؟ فأنطق الله الرأس فقال بلسان فصيح: إن أسلمت فأنا لك شفيع، قاله ثلاث مرات وسكت فأسلم الرجل وأقرباؤه ولعل هذا اليهودي كان راهب قنسرين لانه أسلم بسبب رأس الحسين عليه السلام وجاء ذكره في الاشعار وأورده الجوهري الجرجاني في مرثية الحسين عليه السلام (1) 21 - مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن عبد الله الاصم، عن الحسين، عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما قتل الحسين عليه السلام سمع أهلنا قائلا بالمدينة يقول: اليوم نزل البلاء على هذه الامة، فلا يرون فرحا حتى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم، ويقتل عدوكم، وينال بالوتر أوتارا، ففزعوا منه وقالوا: إن لهذا القول لحادثا قد حدث ما نعرفه، فأتاهم بعد ذلك خبر الحسين


(1) لكن اليهودي لا يكون راهبا تاركا للدنيا، بل يكون حبرا من الاحبار

[173]

وقتله فحسبوا ذلك فإذا هي تلك الليلة التي تكلم فيها المتكلم فقلت له: جعلت فداك إلى متى أنتم ونحن في هذا القتل والخوف والشدة ؟ فقال: حتى مات سبعون فرخا أخو أب (1) ويدخل وقت السبعين (فإذا دخل وقت السبعين) أقبلت الآيات تترى كأنها نظام فمن أدرك ذلك قرت عينه إن الحسين لما قتل أتاهم آت وهم في المعسكر فصرخ فزبر فقال لهم: وكيف لا أصرخ ورسول الله قائم ينظر إلى الارض مرة وينظر إلى حربكم مرة، وأنا أخاف أن يدعو الله على أهل الارض فأهلك فيهم، فقال بعضهم لبعض: هذا إنسان مجنون فقال التوابون: تالله ما صنعنا بأنفسنا ؟ قتلنا لابن سمية سيد شباب أهل الجنة، فخرجوا على عبيدالله بن زياد فكان من أمرهم الذي كان قال: قلت له: جعلت فداك من هذا الصارخ ؟ قال: ما نراه إلا جبرئيل أما إنه لو اذن له فيهم لصاح بهم صيحة يخطف منها أرواحهم من أبدانهم إلى النار ولكن أمهل لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب أليم قلت: جعلت فداك ما تقول فيمن ترك زيارته وهو يقدر على ذلك ؟ قال: إنه قد عق رسول الله وعقنا، واستخف بأمر هو له، ومن زاره كان الله له من وراء حوائجه، وكفى ما أهمه من أمر دنياه، وإنه ليجلب الرزق على العبد، ويخلف عليه ما أنفق ويغفر له ذنوب خمسين سنة، ويرجع إلى أهله وما عليه وزر ولا خطيئة إلا وقد محيت من صحيفته، فان هلك في سفره نزلت الملائكة فغسلته وفتح له باب إلى الجنة، يدخل عليه روحها حتى ينشر، وإن سلم فتح الباب الذي ينزل منه رزقه، فجعل له بكل درهم أنفقه عشرة آلاف درهم وذخر ذلك له (فإذا حشر قيل له: لك بكل درهم) عشرة آلاف درهم، وإن الله تبارك وتعالى نظر لك


(1) في المصدر ص 107 " حتى يأتي سبعون فرجا أجواب " وقال المحشى: " الا جواب جمع جوب وهو القطع ولعل المراد ان بين كل فرج وفرج آخر انقطاع وتباعد " لكنه تصحيف والصحيح مافى الصلب

[174]

وذخرها لك عنده (1) 22 - قب: في كتاب الاحمر قال الاوزاعي: لما اتي بعلي بن الحسين عليهما السلام ورأس أبيه إلى يزيد بالشام، قال لخطيب بليغ: خذ بيد هذا الغلام فأت به المنبر وأخبر الناس بسوء رأي أبيه وجده وفراقهم الحق وبغيهم علينا قال: فلم يدع شيئا من المساوي إلا ذكره فيهم فلما نزل قام علي بن الحسين فحمد الله بمحامد شريفة وصلى على النبي صلاة بليغة موجزة ثم قال: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اعرفه نفسي: أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعلا، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن من اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلما، أنا ابن المجزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتى قضى، أنا ابن طريح كربلا، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجن في الارض والطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على السنان يهدى، أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى أيها الناس إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا أهل البيت ببلاء حسن، حيث جعل راية الهدى والعدل والتقى فينا، وجعل راية الضلالة والردى في غيرنا فضلنا أهل البيت بست خصال: فضلنا بالعلم، والحلم، والشجاعة، والسماحة والمحبة، والمحلة في قلوب المؤمنين، وآتاناما لم يؤت أحدا من العالمين من قبلنا فينا مختلف الملائكة وتنزيل الكتب قال: فلم يفرغ حتى قال المؤذن: الله أكبر (فقال علي: الله أكبر كبيرا فقال المؤذن) أشهد أن لاإله إلا الله فقال علي: أشهد بما تشهد به، فلما قال


(1) راجع كامل الزيارات باب نوادر الزيارات آخر حديث في الخاتمة وما جعلناه بين العلامتين ساقط من الاصل

[175]

المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله، قال علي: يا يزيد هذا جدي أو جدك ؟ فان قلت: جدك فقد كذبت، وإن قلت جدي فلم قتلت أبي وسبيت حرمه وسبيتني ؟ ثم قال: معاشر الناس هل فيكم من أبوه وجده رسول الله ؟ فعلت الاصوات بالبكاء، فقام إليه رجل من شيعته يقال له المنهال بن عمرو الطائي وفي رواية مكحول صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ فقال: ويحك كيف أمسيت ؟ أمسينا فيكم كهيئة بني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون نسائهم الآية وأمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها وأمست قريش تفتخر على العرب بأن محمدا منها، وأمسى آل محمد مقهورين مخذولين، فالى الله نشكو كثرة عدونا وتفرق ذات بيننا وتظاهر الاعداء علينا (1) كتاب النسب: عن يحيى بن الحسن قال يزيد لعلي بن الحسين: واعجبا لابيك سمى عليا وعليا ؟ فقال عليه السلام: إن أبي أحب أباه فسمى باسمه مرارا تاريخ الطبري والبلاذري: إن يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسين: أتصارع هذا ؟ يعني خالدا ابنه، قال: وما تصنع بمصارعتي إياه أعطني سكينا وأعطه سكينا ثم اقاتله فقال يزيد: " شنشنة أعرفها من أخزم " هذا العصا (جاءت) من العصية (2) هل تلد الحية إلا الحية وفي كتاب الاحمر قال: أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب، وروي أنه قال لزينب: تكلمي فقالت: هو المتكلم فأنشد السجاد: لا تطمعوا أن تهينونا فنكرمكم وأن نكف الاذى عنكم وتؤذونا والله يعلم أنا لانحبكم ولانلومكم أن لا تحبونا فقال: صدقت يا غلام، ولكن أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين والحمد لله * (الهامش) * (1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 168 - 169 (2) مثل أصله " العصامن العصية " والعصا اسم فرس لجذيمة الابرش سرى عليها حتى لم يبق فيها قوة، والعصية أمها، والمعنى ان الفرس المسماة بالعصاهى بنت الفرس المسماة بالعصية، والمراد ان بعض الامر من بعض، وفى الاصل والمصدر " هذا من العصا عصية وهو سهو (*)

[176]

الذي قتلهما وسفك دماءهما فقال عليه السلام: لم تزل النبوة والامرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد قال المدائني: لما انتسب السجاد إلى النبي صلى الله عليه وآله قال يزيد لجلوازه: أدخله في هذا البستان واقتله وادفنه فيه، فدخل به إلى البستان وجعل يحفر والسجاد يصلي، فلما هم بقتله ضربته يد من الهوا فخر لوجهه، وشهق ودهش، فرآه خالد بن يزيد وليس لوجهه بقية فانقلب إلى أبيه وقص عليه فأمر بدفن الجلواز في الحفرة وإطلاقه وموضع حبس زين العابدين عليه السلام هو اليوم مسجد (1) 23 - ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لما حمل رأس الحسين إلى الشام أمر يزيد لعنه الله فوضع ونصب عليه مائدة فأقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقاع، فلما فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره، وبسط عليه رقعة الشطرنج وجلس يزيد لعنه الله يلعب بالشطر نج ويذكر الحسين وأباه وجده صلوات الله عليهم، ويستهزئ بذكرهم فمتى قمر صاحبه تناول الفقاع فشربه ثلاث مرات ثم صب فضلته مما يلي الطست من الارض فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع واللعب بالشطرنج، ومن نظر إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين عليه السلام، وليلعن يزيد وآل زياد يمحو الله عز وجل بذلك ذنوبه، ولو كانت كعدد النجوم (2) 24 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد الانصاري، عن الهروي قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: أول من اتخذ له الفقاع في الاسلام بالشام يزيد بن معاوية لعنة الله عليه فاحضر وهو على المائدة: وقد نصبها على رأس الحسين بن علي عليه السلام فجعل يشربه ويسقي أصحابه ويقول: اشربوا فهذا شراب مبارك من بركته أنا أول تناولناه ورأس عدونا بين أيدينا، ومائدتنا منصوبة عليه، ونحن نأكل ونفوسنا ساكنة، وقلوبنا مطمئنة * (هامش) (1) المصدر ج 4 ص 173 (2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 22

[177]

فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع فانه شراب أعدائنا الخبر (1) 25 - ير: أحمد بن محمد، عن الاهوازي والبرقي، عن النضر، عن يحيى الحلبي عن عمران الحلبي، عن محمد الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما اتي بعلي بن الحسين عليهما السلام يزيد بن معاوية - عليهما لعائن الله - ومن معه، جعلوه في بيت فقال بعضهم: إنما جعلنا في هذا البيت ليقع علينا فيقتلنا، فراطن الحرس فقالوا: انظروا إلى هؤلاء يخافون أن تقع عليهم البيت وإنما يخرجون غدا فيقتلون قال علي بن الحسين: لم يكن فينا أحد يحسن الرطانة غيري والرطانة عند أهل المدينة الرومية (2) 26 - ير: محمد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد قال: ذكر قتل الحسين وأمر علي بن الحسين لما أن حمل إلى الشام فدفعنا إلى السجن فقال أصحابي: ما أحسن بنيان هذا الجدار ؟ فنراطن أهل الروم بينهم فقالوا: ما في هؤلاء صاحب دم إن كان إلا ذلك يعنوني فمكثنا يومين ثم دعانا وأطلق عنا (3) بيان: قوله: فدفعنا من كلام علي بن الحسين عليه السلام وقد حذف صدر الخبر قوله " صاحب دم " أي طالب دم المقتول أو من يريد يزيد قتله 27 - ما: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن فضال، عن العباس بن عامر، عن أبي عمارة، عن عبد الله بن طلحة، عن عبد الله بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قدم علي بن الحسين وقد قتل الحسين بن علي صلوات الله عليهم استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله وقال: يا علي بن الحسين من غلب ؟ وهو يغطي رأسه وهوفي المحمل، قال: فقال له علي بن الحسين: إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذن ثم أقم


(1) المصدر الباب 30 تحت الرقم 51. (2) بصائر الدرجات (الطبعة الحديثة) ص 337. باب ان الائمه عليهم السلام يعرفون الالسن كلها (3) المصدر ص 339

[178]

28 - مل: أبي والكليني معا، عن علي، عن أبيه، عن يحيى بن زكريا، عن يزيد بن عمرو بن طلحة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام وهو بالحيرة: أما تريد ما وعدتك قال: قلت: بلى، يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين عليه السلام قال: فركب وركب إسماعيل معه، وركبت معهم حتى إذا جاز الثوية وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض نزل ونزل إسماعيل ونزلت معهم، فصلى وصلى إسماعيل وصليت فقال لاسماعيل: قم فسلم على جدك الحسين بن علي، فقلت: جعلت فداك أليس الحسين بكربلا ؟ فقال: نعم، ولكن لما حمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين صلوات الله عليهما (1) 29 - مل: محمد بن الحسن ومحمد بن أحمد بن الحسين معا، عن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن علي بن أحمد بن أشيم، عن يونس بن ظبيان - أو عن رجل، عن يونس - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الملعون عبيدالله بن زياد لعنه الله لما بعث برأس الحسين بن علي عليهما السلام إلى الشام، رد إلى الكوفة فقال: أخرجوه عنها لا يفتتن به أهلها فصيره الله عند أمير المؤمنين فالرأس مع الجسد والجسد مع الرأس (2) بيان: قوله: فقال أي قال عبيدالله، قوله فالرأس مع الجسد أي بعد ما دفن هناك ظاهرا الحق بالجسد بكربلا، أو صعد به مع الجسد إلى السماء كما في بعض الاخبار أو أن بدن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كالجسد لذلك الرأس وهما من نور واحد أقول: قد روي غير ذلك من الاخبار في الكافي والتهذيب تدل على كون رأسه عليه السلام مدفونا عند قبر والده صلى الله عليهما والله يعلم (3)


(1) كامل الزيارات ص 34، الكافي ج 4 ص 571 (2) المصدر ص 36 (3) راجع الكافي أبواب الزيارات من كتاب الحج باب موضع رأس الحسين عليه السلام

[179]

30 - مل: (1) عبيدالله بن الفضل بن محمد بن هلال، عن سعيد بن محمد، عن محمد ابن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي، عن عيسى بن أبي شيبة القاضي، عن نوح بن دراج، عن قدامة بن زائدة، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله أحيانا ؟ فقلت: إن ذلك لكما بلغك فقال لي: فلما ذاتفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك ؟ الذي لا يحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا ؟ والواجب على هذه الامة من حقنا ؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: والله إن ذلك لكذلك فقلت: والله إن ذلك لكذلك يقولها: ثلاثا وأقولها ثلاثا فقال: أبشرثم أبشر ثم أبشر فلاخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب، يراد بنا الكوفة فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت: وكيف لاأجزع وأهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضر جين بدمائهم مرملين، بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله


(1) هذا الحديث وان كان منقولا من رواية الشيخ أبى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه مؤلف كتاب كامل الزيارات، الا أنه ليس من أصل كتابه، بل أدرجه فيه بعض تلامذته الذى روى الكتاب ونسخه، وقد صرح بذلك تلميذه في صدر الخبر، ولكن ذهل عنه المؤلف قدس سره فأورده بحيث يظهر أنه من كتاب كامل الزيارات راجع المصدر ص 259 الباب 88 فضل كربلا وزيارة الحسين عليه السلام، وهكذا نبه على ذلك مفصلا العلامة النوري في المستدرك ج 3 ص 522 فراجع

[180]

ميثاق اناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الارض (1) وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والايام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا فقلت: وما هذا العهد ؟ وما هذا الخبر ؟ فقالت: حدثتني أم أيمن أن رسول الله صلى الله عليه وآله زار منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الايام فعملت له حريرة صلى الله عليها وأتاه علي عليه السلام بطبق فيه تمر، ثم قالت ام أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد، فأكل رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام من تلك الحريرة وشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر بالزبد ثم غسل رسول الله يده وعلي يصب عليه الماء فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا فيه السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء مليا ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو، ثم خر ساجدا، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الارض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم، لما رأينا من رسول الله وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة: ما يبكيك يارسول الله لاأبكى الله عينيك ؟ وقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك ؟ فقال: يا أخي سررت بكم - وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه ههنا (2) - فقال:


(1) في المصدر: هذه الامة (2) روى تلميذ ابن قولويه الحسين بن أحمد بن المغيرة هذا الحديث بسندين أحدهما ما ذكره المصنف في المتن والاخر: قال: وقد كنت استفدت هذا الحديث بمصر عن شيخي أبى القاسم على بن محمد بن عبدوس الكوفى رحمه الله مما نقله عن مزاحم بن عبد الوارث البصري باسناده، عن قدامة بن زائدة، عن أبيه زائدة، عن على بن الحسين عليه السلام - - - - >

[181]

يا حبيبي إني سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط وإني لانظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم إذ هبط علي جبرئيل فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك، وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة، وهنأك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم: يحيون كما تحيى (1) ويعطون كما تعطى حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا، ومكاره تصيبهم بأيدي اناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا قتلا، شتى مصارعهم نائية قبورهم، خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله عزوجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم ثم قال جبرئيل: يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على امتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة، وأشقى البرية نظير عاقر الناقة، ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر بلواهم، ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا - وأومأ بيده إلى الحسين عليه السلام - مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك، وأخيار من امتك بضفة الفرات، بأرض تدعى كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء، على أعدائك وأعداء ذريتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه، ولا تفنى حسرته، وهي أطهر بقاع الارض، وأعظمها


- - - > وقد ذاكرت شيخنا ابن قولويه بهذا الحديث بعد فراغه من تصنيف هذا الكتاب ليدخله فيه فما قضى ذلك وعاجلته منيته رضى الله عنه وهذا الحديث داخل فيما أجاز لي شيخي - ره - وقد جمعت بين الروايتين بالالفاظ الزائدة والنقصان والتقديم والتأخير فيها حتى صح بجميعه عمن حدثنى به أولا ثم الان، وذلك انى ما قرأته على شيخي ولا أقرأه على، غيرانى ارويه عمن حدثنى به عنه الخ فقولة: " وقال مزاحم بن عبد الوارث " هو البصري الذى وقع في السند الاخر فلا تغفل (1) تحبون كما تحبى، خ ل والحباء هو العطاء بلامن

[182]

حرمة، وإنها لمن بطحاء الجنة. فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت بهم كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الارض من أقطارها، ومادت الجبال، وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها، غضبا لك يا محمد ولذريتك واستعظاما لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما يتكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقي شئ من ذلك، إلا استأذن الله عزوجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك فيوحي الله إلى السماوات والارض والجبال والبحار ومن فيهن: إني أنا الله الله الملك القادر، والذي لا يفوته هارب، ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر على الانتصار والانتقام وعزتي وجلالي لاعذبن من وتر رسولي وصفيي، وانتهك حرمته، وقتل عترته، ونبذ عهده وظلم أهله، عذابا لا اعذبه أحدا من العالمين، فعند ذلك يضج كل شئ في السماوات والارضين بلعن من ظلم عترتك، واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله جل وعز قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الارض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، و ألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب، وصلى الملائكة صفا صفا عليهم. ثم يبعث الله قوما من امتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علما لاهل الحق، وسببا للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه، ويسبحون الله عنده ويستغفرون الله لزواره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائرا من امتك متقربا إلى الله وإليك بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله " هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الانبياء " فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار يدل عليهم ويعرفون به.

[183]

وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل، وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عدده، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك، لا يريد به غير الله جل وعز، وسيجد (1) اناس ممن حقت عليهم من الله اللعنة والسخط، أن يعفو رسم ذلك القبر ويمحو أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا أبكاني وأحزنني. قالت زينب: فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي عليه السلام ورأيت أثر الموت منه قلت له: يا أبه حدثتني ام أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك ام أيمن، وكأني بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبرا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الارض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم ولقد قال لنا رسول الله حين أخبرنا بهذا الخبر أن إبليس في ذلك اليوم يطير فرحا فيجول الارض كلها في شياطينه وعفاريته فيقول: يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم على عداوتهم، وإغرائهم بهم وأوليائهم، حتى تستحكم ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب، أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر قال زائدة: ثم قال علي بن الحسين بعد أن حدثني بهذا الحديث: خذه إليك أما لو ضربت في طلبه آباط الابل حولا لكان قليلا (2). * (الهامش) * (1) في المصدر: " وسيجتهد " (2) راجع كامل الزيارات ص 257 - 266 وأنت خبير بأن ألفاظ الحديث تشهد بأنها قصة مسرودة وكيف يصح جهل على بن الحسين صلوات الله عليه وهو امام الخلق بهذا الحديث - - >

[184]

بيان: العس القدح العظيم قولها " رمق بطرفه " أي نظر ونشج الباكي ينشج بالكسر نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه، من غير انتحاب، وخبطه يخبطه ضربه شديدا، والبعير بيده الارض وطئه شديدا والقوم بسيفه جلدهم، وضفة النهر بالكسر جانبه والتزعزع التحرك، وكذلك الميد، والاصطفاق الاضطراب يقال: الريح تصفق الاشجار فتصطفق، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وتره يتره وترا وترة، وضرب آباط الابل كناية عن الركض والاستعجال فان المستعجل يضرب رجليه بإبطي الابل، ليعدو، أي لو سافرت سفرا سريعا في طلبه حولا. 31 - يج: أبو الفرج سعيد بن أبي الرجا، عن محمد بن عبد الله بن عمر الخاني عن أبي القاسم بكراد بن الطيب بن شمعون، عن أبي بكر بن أحمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الرحمان، عن سعد، عن الحسن بن عمر، عن سليمان بن مهران الاعمش قال: بينما أنا في الطواف بالموسم إذا رأيت رجلا يدعو وهو يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك لا تغفر، قال: فارتعدت لذلك ودنوت منه وقلت: يا هذا أنت في حرم الله وحرم رسوله، وهذا أيام حرم في شهر عظيم، فلم تيأس من المغفرة ؟ قال: يا هذا ذنبي عظيم، قلت: أعظم من جبل تهامة ؟ قال: نعم، قلت: يوازن الجبال الرواسي ؟ قال: نعم، فان شئت أخبرتك قلت: أخبرني قال: اخرج بنا عن الحرم، فخرجنا منه. فقال لي: أنا أحد من كان في العسكر الميشوم (1) عسكر عمر بن سعد حين قتل الحسين، وكنت أحد الاربعين الذين حملوا الرأس إلى يزيد من الكوفة فلما حملناه على طريق الشام نزلنا على دير للنصارى، وكان الرأس معنا مركوزا على * (الهامش) - - > ومفاده حتى ينبهه زينب بنت على عليه السلام باسناده عن ام ايمن، فتكون هي التى تسليه وتعزيه وتبشره بدرجات الشهداء وظني أن ابن قولويه رضى الله عنه وأرضاه انما أعرض عن هذا الحديث لما كان يرى فيه من العلل. (1) كذا، والقياس: المشؤوم

[185]

رمح، ومعه الاحراس، فوضعنا الطعام وجلسنا لنأكل، فإذا بكف في حائط الدير تكتب: أترجو امة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب قال: فجزعنا من ذلك جزعا شديدا وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذها فغايت، ثم عاد أصحابي إلى الطعام فإذا الكف قد عادت تكتب: فلا والله ليس لهم شفيع * وهم يوم القيامة في العذاب فقام أصحابنا إليها فغابت ثم عادوا إلى الطعام، فعادت تكتب: وقد قتلوا الحسين بحكم جور * وخالف حكمهم حكم الكتاب فامتنعت وما هنأني أكله، ثم أشرف علينا راهب من الدير فرأى نورا ساطعا من فوق الرأس فأشرف فرأى عسكرا فقال الراهب للحراس: من أين جئتم ؟ قالوا: من العراق، حاربنا الحسين فقال الراهب: ابن فاطمة بنت نبيكم وابن ابن عم نبيكم ؟ قالوا: نعم، قال: تبا لكم، والله لو كان لعيسى بن مريم ابن لحملناه على أحداقنا، ولكن لي إليكم حاجة، قالوا: وما هي ؟ قال: قولوا لرئيسكم: عندي عشرة آلاف دراهم، ورثتها من آبائي يأخذها مني ويعطيني الرأس يكون عندي إلى وقت الرحيل فإذا رحل رددته إليه، فأخبروا عمربن سعد بذلك (1) فقال: خذوا منه الدنانير وأعطوه إلى وقت الرحيل فجاؤا إلى الراهب فقالوا: هات المال حتى نعطيك الرأس فأدلى إليهم جرابين في كل جراب خمسة آلاف درهم فدعا عمر بالناقد والوزان فانتقدها ووزنها ودفعها إلى خازن له، وأمر أن يعطى الرأس. فأخذ الراهب الرأس فغسله ونظفه وحشاه بمسك وكافور كان عنده، ثم جعله في حريرة ووضعه في حجره، ولم يزل ينوح ويبكي حتى نادوه وطلبوا منه الرأس، فقال: يا رأس والله لا أملك إلا نفسي، فإذا كان غدا فاشهد لي عند جدك * (الهامش) * (1) فيه وهم حيث ان ابن زياد بعث الرؤس مع زحربن قيس كما مر في ص 125، ولم يكن عمربن سعد هناك.

[186]

محمد أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أسلمت على يديك وأنا مولاك، وقال لهم: إني أحتاج أن اكلم رئيسكم بكلمة واعطيه الرأس، فدنا عمربن سعد فقال: سألتك بالله (و) بحق محمد أن لاتعود إلى ما كنت تفعله بهذا الرأس ولا تخرج بهذا الرأس من هذا الصندوق، فقال له: أفعل فأعطاه الرأس ونزل من الدير يلحق ببعض الجبال يعبد الله، ومضى عمربن سعد ففعل بالرأس مثل ما كان يفعل في الاول. فلما دنا من دمشق قال لاصحابه: انزلوا ! وطلب من الجارية الجرابين فاحضرت بين يديه، فنظر إلى خاتمه، ثم أمر أن يفتح فإذا الدنانير قد تحولت خزفية فنظروا في سكتها فإذا على جانبها مكتوب " لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " وعلى الجانب الآخر مكتوب " سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، خسرت الدنيا والآخرة. ثم قال لغلمانه: اطرحوها في النهر فطرحت ورحل إلى دمشق من الغد وأدخل الرأس إلى يزيد، وابتدر قاتل الحسين إلى يزيد فقال: املا ركابي فضة أو ذهبا * إني قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا فأمر يزيد بقتله، وقال: (إن) علمت أن حسينا خير الناس اما وأبا فلم قتلته ؟ فجعل الرأس في طست وهو ينظر إلى أسنانه ويقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لاتشل وجزيناهم ببدر مثلها * وباحد يوم احد فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل فدخل عليه زيد بن أرقم ورأى الرأس في الطست وهو يضرب بالقضيب على أسنانه، فقال: كف عن ثناياه، فطالما رأيت النبي يقبلها فقال يزيد: لولا أنك

[187]

شيخ كبير خرفت لقتلتك، ودخل عليه رأس اليهود فقال: ما هذا الرأس ؟ فقال: رأس خارجي، قال: ومن هو ؟ قال: الحسين، قال: ابن من ؟ قال: ابن علي قال: ومن امه ؟ قال: فاطمة، قال: ومن فاطمة: قال: بنت محمد، قال:، نبيكم ؟ قال: نعم، قال: لا جزاكم الله خيرا، بالامس كان نبيكم واليوم قتلتم ابن بنته، ويحك إن بيني وبين داود النبي نيفا وثلاثين أبا، فإذا رأتني اليهود كفرت إلي، ثم مال إلى الطست وقبل الرأس، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدك محمد رسول الله وخرج، فأمر يزيد بقتله. وأمر فادخل الرأس القبة التي بإزاء القبة التي يشرب فيها، ووكلنا بالرأس وكل ذلك كان في قلبي فلم يحملني النوم في تلك القبة، فلما دخل الليل وكلنا أيضا بالرأس، فلما مضى وهن من الليل، سمعت دويا من السماء، فإذا مناد ينادي: يا آدم اهبط، فهبط أبو البشر، ومعه كثير من الملائكة، ثم سمعت مناديا ينادي: يا إبراهيم اهبط، فهبط ومعه كثير من الملائكة، ثم سمعت مناديا ينادي: يا موسى اهبط، فهبط ومعه كثير من الملائكة، ثم سمعت مناديا ينادي: يا عيسى اهبط فهبط ومعه كثير من الملائكة، ثم سمعت دويا عظيما ومناد ينادي: يا محمد اهبط، فهبط ومعه خلق كثير من الملائكة، فأحدق الملائكة بالقبة. ثم إن النبي دخل القبة وأخذ الرأس منها - وفي رواية أن محمدا قعد تحت الرأس فانحنى الرمح، ووقع الرأس في حجر رسول الله - فأخذه وجاء به إلى آدم فقال: يا أبي آدم ! ما ترى ما فعلت امتي بولدي من بعدي ؟ فاقشعر لذلك جلدي، ثم قام جبرئيل فقال: يا محمد أنا صاحب الزلازل، فاءمرني لا زلزل بهم الارض واصيح بهم صيحة واحدة يهلكون فيها، فقال: لا، قال: يا محمد دعني وهؤلاء الاربعين الموكلين بالرأس قال: فدونك، فجعل ينفخ بواحد واحد فدنا مني فقال: تسمع وترى ؟ فقال النبي: دعوه دعوه لا يغفر الله له فتركني وأخذوا الرأس، وولوا، فافتقد الرأس من تلك الليلة فما عرف له خبر. ولحق عمربن سعد بالري فما لحق بسلطانه، ومحق الله عمره، فاهلك في

[188]

الطريق فقال سليمان الاعمش: قلت للرجل: تنح عني لا تحرقني بنارك، ووليت ولا أدري بعد ذلك ما خبره. بيان: التكفير أن يخضع الانسان لغيره كما يكفر العلج للدهاقين: يضع يده على صدره ويتطأمن له، والوهن نحو من نصف الليل، قوله " تسمع وترى " كأنه كلام على سبيل التهديد، أي وقفت ههنا وتنظر وتسمع ؟ أو المعنى أنك كنت في العسكر وإن لم تفعل شيئا فكنت تسمع واعيتهم وترى ما يفعل بهم. 32 - يج: عن المنهال بن عمرو قال: أنا والله رأيت رأس الحسين حين حمل وأنا بدمشق، وبين يديه رجل يقرء الكهف حتى بلغ قوله " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " (1)، فأنطق الله الرأس بلسان ذرب ذلق فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي. 33 - سن: الحسن بن ظريف، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي بن الحسين قال: لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حر ولابرد، وكان علي بن الحسين يعمل لهن الطعام للمأتم (2) 34 - جا: المرزباني، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن عليل، عن عبد الكريم بن محمد، عن علي بن سلمة، عن محمد بن فخار، عن عبد الله بن عامر قال: لما أتى نعي الحسين عليه السلام إلى المدينة، خرجت أسماء بنت عقيل بن أبي طالب رضوان الله عليه في جماعة من نسائها حتى انتهت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فلاذت به وشهقت عنده، ثم التفت إلى المهاجرين والانصار، وهي تقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم * يوم الحساب وصدق القول مسموع خذلتم عترتي أو كنتم غيبا * والحق عند ولي الامر مجموع أسلمتموهم بأيدي الظالمين فما * منكم له اليوم عند الله مشفوع ما كان عند غداة الطف إذ حضروا * تلك المنايا ولا عنهن مدفوع * (الهامش) * (1) الكهف: 9 (2) كتاب المحاسن ص 420.

[189]

قال: فما رأينا باكيا ولا باكية أكثر مما رأينا ذلك اليوم. 35 - يب: محمد بن يحيى، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن عبيس بن هشام، عن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جددت أربعة مساجد بالكوفة فرحا لقتل الحسين عليه السلام: مسجد الاشعث، ومسجد جرير، ومسجد سماك، ومسجد شبث ابن ربعي (1). 36 - أقول: روي في بعض مؤلفات أصحابنا مرسلا أن نصرانيا أتى رسولا من ملك الروم إلى يزيد لعنه الله تعالى وقد حضر في مجلسه الذي اتي إليه فيه برأس الحسين فلما رأى النصراني رأس الحسين عليه السلام بكى وصاح وناح، حتى ابتلت لحيته بالدموع ثم قال: اعلم يا يزيد: أني دخلت المدينة تاجرا في أيام حياة النبي، وقد أردت أن آتيه بهدية فسألت من أصحابه أي شئ أحب إليه من الهدايا ؟ فقالوا: الطيب أحب إليه من كل شئ، وإن له رغبة فيه. قال: فحملت من المسك فارتين، وقدرا من العنبر الاشهب، وجئت بها إليه وهو يومئذ في بيت زوجته ام سلمة رضي الله عنها فلما شاهدت جماله ازداد لعيني من لقائه نورا ساطعا، وزادني منه سرور، وقد تعلق قلبي بمحبته، فسلمت عليه ووضعت العطر بين يديه فقال: ما هذا ؟ قلت: هدية محقرة أتيت بها إلى حضرتك فقال لي: ما اسمك ؟ فقلت: اسمي عبدالشمس، فقال لي: بدل اسمك فإني اسميك عبد الوهاب إن قبلت مني الاسلام قبلت منك الهدية، قال: فنظرته وتأملته فعلمت أنه نبي وهو النبي الذي أخبرنا عنه عيسى عليه السلام حيث قال: " إني مبشر لكم برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " فاعتقدت ذلك وأسلمت على يده في تلك الساعة ورجعت إلى الروم، وأنا اخفي الاسلام، ولي مدة من السنين وأنا مسلم مع خمس من البنين وأربع من البنات، وأنا اليوم وزير ملك الروم، وليس لاحد من النصارى اطلاع على حالنا. واعلم يا يزيد أني يوم كنت في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وهو في بيت ام سلمة * (الهامش) * (1) التهذيب:

[190]

رأيت هذا العزيز الذي رأسه وضع بين يديك مهينا حقيرا، قد دخل على جده من باب الحجرة والنبي فاتح باعه ليتناوله وهو يقول: مرحبا بك يا حبيبي حتى أنه تناوله وأجلسه في حجره، وجعل يقبل شيفته، ويرشف ثناياه، وهو يقول، بعد عن رحمة الله من قتلك، لعن الله من قتلك يا حسين وأعان على قتلك، والنبي صلى الله عليه وآله مع ذلك يبكي. فلما كان اليوم الثاني كنت مع النبي في مسجده إذ أتاه الحسين مع أخيه الحسن عليهما السلام وقال: يا جداه قد تصارعت مع أخي الحسن ولم يغلب أحدنا الآخر وإنما نريد أن نعلم أينا أشد قوة من الآخر، فقال لهما النبي: حبيبي يا مهجتي إن التصارع لا يليق بكما ولكن اذهبا فتكاتبا فمن كان خطه أحسن كذلك تكون قوته أكثر، قال: فمضيا وكتب كل واحد منهما سطرا وأتيا إلى جدهما النبي فأعطياه اللوح، ليقضي بينهما فنظر النبي إليهما ساعة، ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما فقال لهما: يا حبيبي إني نبي امي لا أعرف الخط اذهبا إلى أبيكما ليحكم بينكما وينظر أيكما أحسن خطا. قال: فمضيا إليه وقام النبي أيضا معهما ودخلوا جميعا إلى منزل فاطمة عليها السلام. فما كان إلا ساعة وإذا النبي مقبل، وسلمان الفارسي، معه، وكان بيني وبين سلمان صداقة ومودة فسألته كيف حكم أبوهما وخط أيهما أحسن ؟ قال سلمان رضوان الله عليه: إن النبي لم يجبهما بشئ لانه تأمل أمرهما وقال: لو قلت خط الحسن أحسن كان يغتم الحسين، ولو قلت خط الحسين أحسن كان يغتم الحسن، فوجههما إلى أبيهما. فقلت: يا سلمان بحق الصداقة والاخوة التي بيني وبينك وبحق دين الاسلام إلا ما أخبرتني كيف حكم أبوهما بينهما ؟ فقال: لما أتيا إلى أبيهما وتأمل حالهما رق لهما، ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما قال لهما: امضيا إلى امكما فهي تحكم بينكما فأتيا إلى امهما، وعرضا عليها ما كتبا في اللوح، وقالا: يا اماه إن جدنا أمرنا أن نتكاتب، فكل من كان خطه أحسن تكون قوته أكثر، فتكاتبنا وجئنا

[191]

إليه، فوجهنا إلى أبينا، فلم يحكم بيننا ووجهنا إليك، فتفكرت فاطمة بأن جدهما وأباهما ما أرادا كسر خاطرهما، أنا ماذا أصنع ؟ وكيف أحكم بينهما ؟ فقالت لهما: يا قرتي عيني إني أقطع قلادتي على رأسكما، فأيكما يلتقط من لؤلؤها أكثر كان خطه أحسن وتكون قوته أكثر، قال: وكان في قلادتها سبع لؤلؤات ثم إنها قامت فقطعت قلادتها على رأسهما، فالتقط الحسن ثلاث لؤلؤات والتقط الحسين ثلاث لؤلؤات وبقيت الاخرى فأراد كل منهما تناولها فأمر الله تعالى جبرئيل بنزوله إلى الارض وأن يضرب بجناحه تلك اللؤلؤة ويقدها نصفين فأخذ كل منهما نصفا. فانظر يا يزيد كيف رسول الله صلى الله عليه وآله لم يدخل على أحدهما ألم ترجيح الكتابة ولم يرد كسر قلبهما، وكذلك أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام ؟ وكذلك رب العزة لم يرد كسر قلب أحدهما بل أمر من قسم اللؤلؤة بينهما لجبر قلبهما ؟ وأنت هكذا تفعل بابن بنت رسول الله ؟ اف لك ولدينك يا يزيد. ثم إن النصراني نهض إلى رأس الحسين عليه السلام واحتضنه وجعل يقبله وهو يبكي ويقول: يا حسين اشهد لي عند جدك محمد المصطفى، وعند أبيك علي المرتضى وعند امك فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين قال: وروي من طريق أهل البيت عليهم السلام أنه لما استشهد الحسين عليه السلام بقي في كربلا صريعا، ودمه على الارض مسفوحا، وإذا بطائر أبيض قد أتى وتمسح بدمه، وجاء والدم يقطر منه فرأى طيورا تحت الظلال على الغصون والاشجار وكل منهم يذكر الحب والعلف والماء، فقال لهم ذلك الطير المتلطخ بالدم: يا ويلكم أتشتغلون بالملاهي، وذكر الدنيا والمناهي، والحسين في أرض كربلا في هذا الحر ملقى على الرمضاء ظامئ مذبوح ودمه مسفوح، فعادت الطيور كل منهم قاصدا كربلا، فرأوا سيدنا الحسين عليه السلام ملقى في الارض جثة بلا رأس ولا غسل ولا كفن قد سفت عليه السوافي، وبدنه مرضوض قد هشمته الخيل بحوافرها زواره وحوش القفار، وندبته جن السهول والاوعار، قد أضاء التراب من أنواره وأزهر الجو من أزهاره.

[192]

فلما رأته الطيور، تصايحن وأعلن بالبكاء والثبور، وتواقعن على دمه يتمرغن فيه، وطار كل واحد منهم إلى ناحية يعلم أهلها عن قتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام فمن القضاء والقدر أن طيرا من هذه الطيور قصد مدينة الرسول وجاء يرفرف والدم يتقاطر من أجنحته، ودار حول قبر سيدنا رسول الله يعلن بالنداء: ألا قتل الحسين بكربلا، ألا ذبح الحسين بكربلا ! فاجتمعت الطيور عليه وهم يبكون عليه وينوحون. فلما نظر أهل المدينة من الطيور ذلك النوح، وشاهدوا الدم يتقاطر من الطير لم يعلموا ما الخبر حتى انقضت مدة من الزمان، وجاء خبر مقتل الحسين علموا أن ذلك الطير كان يخبر رسول الله بقتل ابن فاطمة البتول، وقرة عين الرسول. وقد نقل أنه في ذلك اليوم الذي جاء فيه الطير إلى المدينة، كان في المدينة رجل يهودي وله بنت عمياء زمناء طرشاء (1) مشلولة، والجذام قد أحاط ببدنها، فجاء ذلك الطائر والدم يتقاطر منه، ووقع على شجرة يبكي طول ليلته، وكان اليهودي قد أخرج ابنته تلك المريضة إلى خارج المدينة إلى بستان وتركها في البستان الذي جاء الطير ووقع فيه، فمن القضاء والقدر أن تلك الليلة عرض لليهودي عارض فدخل المدينة لقضاء حاجته، فلم يقدر أن يخرج تلك الليلة إلى البستان التي فيها ابنته المعلولة، والبنت لما نظرت أباها لم يأتها تلك الليلة، لم يأتها نوم لوحدتها لان أباها كان يحدثها ويسليها حتى تنام. فسمعت عند السحر بكاء الطير وحنينه، فبقيت تتقلب على وجه الارض إلى أن صارت تحت الشجرة التي عليها الطير، فصارت كلما حن ذلك الطير تجاوبه من قلب محزون، فبينما هي كذلك إذ وقع قطرة من الدم فوقعت على عينها ففتحت ثم قطرة اخرى على عينها الاخرى فبرءت، ثم قطرة على يديها فعوفيت ثم على رجليها فبرءت، وعادت كلما قطرت قطرة من الدم تلطخ به جسدها فعوفيت من جميع مرضها من بركات دم الحسين عليه السلام * (الهامش) * (1) مؤنث أطرش، وهو الاسم الذى تعطلت آلات سمعه.

[193]

فلما أصبحت أقبل أبوها إلى البستان فرأى بنتا تدور ولم يعلم أنها ابنته فسألها أنه كان لي في البستان ابنة عليلة لم تقدر أن تتحرك، فقالت ابنته: والله أنا ابنتك، فلما سمع كلامها وقع مغشيا عليه، فلما أفاق قام على قدميه فأتت به إلى ذلك الطير، فرآه واكرا على الشجرة يئن من قلب حزين محترق مما رأى مما فعل بالحسين عليه السلام. فقال له اليهودي: أقسمت عليك - بالذي خلقك أيها الطير ! - أن تكلمني بقدرة الله تعالى، فنطق الطير مستعبرا ثم قال: إني كنت واكرا على بعض الاشجار مع جملة الطيور عند الظهيرة، وإذا بطير ساقط علينا، وهو يقول: أيها الطيور تأكلون وتتنعمون، والحسين في أرض كربلا في هذا الحر على الرمضاء طريحا ظامئا والنحردام، ورأسه مقطوع، على الرمح مرفوع، ونساؤه سبايا، حفاة عرايا، فلما سمعن بذلك تطايرن إلى كربلا فرأيناه في ذلك الوادي طريحا: الغسل من دمه والكفن الرمل السافي عليه، فوقعنا كلنا عليه ننوح ونتمرغ بدمه الشريف وكان كل منا طار إلى ناحية، فوقعت أنا في هذا المكان. فلما سمع اليهودي ذلك تعجب وقال: لو لم يكن الحسين ذا قدر رفيع عند الله ما كان دمه شفاء من كل داء، ثم أسلم اليهودي وأسلمت البنت وأسلم خمسمائة من قومه. وقال: حكي عن رجل أسدي قال: كنت زارعا على نهر العلقمي بعد ارتحال العسكر عسكر بني امية فرأيت عجائب لا أقدر أحكي إلا بعضها، منها أنه إذا هبت الرياح، تمر علي نفحات كنفحات المسك والعنبر، إذا سكنت أرى نجوما تنزل من السماء إلى الارض ويرقى من الارض إلى السماء مثلها، وأنا منفرد مع عيالي ولا أرى أحدا أساله عن ذلك، وعند غروب الشمس يقبل أسد من القبلة فاولي عنه إلى منزلي، فإذا أصبح وطلعت الشمس وذهبت من منزلي أراه مستقبل القبلة ذاهبا فقلت في نفسي: إن هؤلاء خوارج قد خرجوا على عبيدالله بن زياد فأمر بقتلهم وأرى منهم ما لم أره من سائر القتلى، فوالله هذه الليلة لابد من المساهرة لابصر هذا

[194]

الاسد يأكل من هذه الجثث أم لا ؟ فلما صار عند غروب الشمس وإذا به أقبل فحققته وإذا هو هائل المنظر فارتعدت منه، وخطر ببالي: إن كان مراده لحوم بني آدم فهو يقصدني، وأنا احاكي نفسي بهذا فمثلته وهو يتخطى القتلى حتى وقف على جسد كأنه الشمس إذا طلعت فبرك عليه فقلت يأكل منه وإذا به يمرغ وجهه عليه، وهو يهمهم ويدمدم، فقلت: الله أكبر، ما هذه إلا اعجوبة، فجعلت أحرسه حتى اعتكر الظلام (1) وإذا بشموع معلقة ملات الارض، وإذا ببكاء ونحيب ولطم مفجع، فقصدت تلك الاصوات فإذا هي تحت الارض ففهمت من ناع فيهم يقول: واحسيناه ! وا إماماه ! فاقشعر جلدي فقربت من الباكي وأقسمت عليه بالله وبرسوله من تكون ؟ فقال: إنا نساء من الجن فقلت: وما شأنكن ؟ فقلن: في كل يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحسين الذبيح العطشان. فقلت: هذا الحسين الذي يجلس عنده الاسد ؟ قلن: نعم، أتعرف هذا الاسد ؟ قلت: لا، قلن: هذا أبوه علي بن أبي طالب، فرجعت ودموعي تجري على خدي (2). قال: ونقل أن سكينة بنت الحسين عليه السلام قالت: يا يزيد رأيت البارحة رؤيا إن سمعتها مني قصصتها عليك، فقال يزيد: هاتي ما رأيتي، قالت: بينما أنا ساهرة وقد كللت من البكاء بعد أن صليت ودعوت الله بدعوات، فلما رقدت عيني رأيت أبواب السماء قد تفتحت وإذا أنا بنور ساطع من السماء إلى الارض، وإذا


(1) اعتكر الظلام: أي اختلط كأنه كر بعضه على بعض من بطء انجلائه (2) هذه كلها قصة مسرودة منثورة، وكل قاص انما يسرد وينثر على حسب ما يراه في نفسه عظيما مؤثرا، وهذا الرجل الذى يقص هذه الاقاصيص، قد صور عظمة الامام على ابن أبى طالب بصورة أسد يجيئ لنوح الحسين عليه السلام، ولا بأس بنقلها بعد العلم بكونها قصة مسرودة، كما أن المصنف رحمه الله انما ينقل أمثال هذه الروايات القصصية لترويح النفوس

[195]

أنا بوصائف من وصائف الجنة، وإذا أنا بروضة خضراء، وفي تلك الروضة قصر وإذا أنا بخمس مشايخ يدخلون إلى ذلك القصر وعندهم وصيف، فقلت: يا وصيف أخبرني لمن هذا القصر ؟ فقال: هذا لابيك الحسين أعطاه الله تعالى ثوابا لصبره فقلت: ومن هذه المشايخ ؟ فقال: أما الاول فآدم أبو البشر، وأما الثاني فنوح نبي الله، وأما الثالث فابراهيم خليل الرحمن، وأما الرابع فموسى الكليم فقلت له: ومن الخامس الذي أراه قابضا على لحيته، باكيا حزينا من بينهم ؟ فقال لي: يا سكينة أما تعرفه ؟ فقلت: لا، فقال: هذا جدك رسول الله، فقلت له: إلى أين يريدون ؟ فقال: إلى أبيك الحسين، فقلت: والله لالحقن جدي واخبرته بما جرى علينا، فسبقني ولم ألحقه فبينما أنا متفكرة وإذا بجدي علي بن أبي طالب، وبيده سيفه، وهو واقف فناديته: يا جداه قتل والله ابنك من بعدك، فبكى وضمني إلى صدره، وقال: يا بنية صبرا والله المستعان، ثم إنه مضى ولم أعلم إلى أين، فبقيت متعجبة كيف لم أعلم به، فبينما أنا كذلك إذا بباب قد فتح من السماء، وإذا بالملائكة يصعدون وينزلون على رأس أبي، قال: فلما سمع يزيد ذلك، لطم على وجهه وبكى، وقال: مالي ولقتل الحسين ؟ وفي رواية اخرى: إن سكينة قالت: ثم أقبل علي رجل دري اللون قمري الوجه، حزين القلب، فقلت للوصيف: من هذا ؟ فقال: جدك رسول الله صلى الله عليه وآله فدنوت منه وقلت له: يا جداه قتلت والله رجالنا، وسفكت والله دماؤنا، وهتكت والله حريمنا، وحملنا على الاقتاب من غير وطاء نساق إلى يزيد، فأخذني إليه وضمني إلى صدره ثم أقبل على آدم ونوح وإبراهيم وموسى، ثم قال لهم: ما ترون إلى ما صنعت امتي بولدي من بعدي ؟ ثم قال الوصيف: يا سكينة اخفضي صوتك فقد أبكيتي رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أخذ الوصيف بيدي فأدخلني القصر وإذا بخمس نسوة قد عظم الله خلقتهن وزاد في نورهن، وبينهن امرأة عظيمة الخلقة، ناشرة شعرها، وعليها ثياب سود

[196]

وبيدها قميص مضمخ بالدم، وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها، فقلت للوصيف: ما هؤلاء النسوة اللاتي قد عظم الله خلقتهن ؟ فقال: يا سكينة هذه حواء ام البشر، وهذه مريم ابنة عمران، وهذه خديجة بنت خويلد، وهذه هاجر، وهذه سارة، وهذه التي بيدها القميص المضمخ وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها هي جدتك فاطمة الزهراء فدنوت منها وقلت لها: يا جدتاه ! قتل والله أبي، واوتمت على صغر سني فضمتني إلى صدرها وبكت شديدا، وبكين النساء كلهن، وقلن لها: يا فاطمة يحكم الله بينك وبين يزيد يوم فصل القضاء، ثم إن يزيد تركها ولم يعبأ بقولها قال: ونقل عن هند زوجة يزيد قالت: كنت أخذت مضجعي فرأيت بابا من السماء وقد فتحت، والملائكة ينزلون كتائب كتائب إلى رأس الحسين، وهم يقولون: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، فبينما أنا كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء، وفيها رجال كثيرون، وفيهم رجل درى اللون قمرى الوجه، فأقبل يسعى حتى انكب على ثنايا الحسين يقبلهما وهو يقول: يا ولدي قتلوك، أتراهم ما عرفوك، ومن شرب الماء منعوك، يا ولدي أنا جدك رسول الله، وهذا أبوك علي المرتضى، وهذا أخوك الحسن، وهذا عمك جعفر وهذا عقيل، وهذان حمزة والعباس، ثم جعل يعدد أهل بيته واحدا بعد واحد قالت هند: فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة، وإذا بنور قد انتشر على رأس الحسين فجعلت أطلب يزيد، وهو قد دخل إلى بيت مظلم، وقد دار وجهه إلى الحائط وهو يقول: مالي وللحسين ؟ وقد وقعت عليه الهمومات، فقصصت عليه المنام وهو منكس الرأس قال: فلما أصبح استدعى بحرم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهن: أيما أحب إليكن: المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة ؟ ولكم الجائزة السنية، قالوا: نحب أولا أن ننوح على الحسين، قال: افعلوا ما بدالكم ثم اخليت لهن الحجر والبيوت في دمشق ولم تبق هاشمية ولاقرشية إلا ولبست السواد على الحسين، وندبوه على ما نقل سبعة أيام، فلما كان اليوم الثامن دعاهن يزيد، وأعرض عليهن المقام

[197]

فأبين وأرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهم المحامل وزينها وأمر بالانطاع الابريسم، وصب عليها الاموال وقال: يا ام كلثوم خذوا هذا المال عوض ما أصابكم فقالت ام كلثوم: يا يزيد ما أقل حياءك وأصلب وجهك ؟ تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم ؟ ثم قال: وأما ام كلثوم فحين توجهت إلى المدينة، جعلت تبكي وتقول: مدينة جدنا لاتقبلينا * فبالحسرات والاحزان جئنا ألا فاخبر رسول الله عنا * بأنا قد فجعنا في أبينا وأن رجالنا بالطف صرعى * بلا رؤس وقد ذبحوا البنينا وأخبر جدنا أنا اسرنا * وبعد الاسر ياجدا سبينا ورهطك يارسول الله أضحوا * عرايا بالطفوف مسلبينا وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا * جنابك يارسول الله فينا فلو نظرت عيونك للاسارى * على اقتاب الجمال محملينا رسول الله بعد الصون صارت * عيون الناس ناظرة إلينا وكنت تحوطنا حتى تولت * عيونك ثارت الاعدا علينا أفاطم لو نظرت إلى السبايا * بناتك في البلاد مشتتينا أفاطم لو نظرت إلى الحيارى * ولو أبصرت زين العابدينا أفاطم لو رأيتينا سهارى * ومن سهر الليالي قدعمينا أفاطم ما لقيتي من عداكي * ولاقيراط مما قد لقينا فلو دامت حياتك لم تزالي * إلى يوم القيامة تندبينا وعرج بالبقيع وقف وناد * أياابن حبيب رب العالمينا وقل يا عم يا حسن المزكى * عيال أخيك أضحوا ضائعينا أيا عماه إن أخاك أضحى * بعيدا عنك بالرمضا رهينا بلا رأس تنوح عليه جهرا * طيور والوحوش الموحشينا ولو عاينت يا مولاي ساقوا * حريما لايجدن لهم معينا

[198]

على متن النياق بلاوطاء * وشاهدت العيال مكشفينا مدينة جدنا لاتقبلينا * فبالحسرات والاحزان جئنا خرجنا منك بالاهلين جمعا * رجعنا لارجال ولابنينا وكنافي الخروج بجمع شمل * رجعنا حاسرين مسلبينا وكنافي أمان الله جهرا * رجعنا بالقطيعة خائفينا ومولانا الحسين لنا أنيس * رجعنا والحسين به رهينا فنحن الضائعات بلا كفيل * ونحن النائحات على أخينا ونحن السائرات على المطايا * نشال على جمال المبغضينا ونحن بنات يس وطه * ونحن الباكيات على أبينا ونحن الطاهرات بلا خفاء * ونحن المخلصون المصطفونا ونحن الصابرات على البلايا * ونحن الصادقون الناصحونا ألا يا جدنا قتلوا حسينا * ولم يرعوا جناب الله فينا ألا يا جدنا بلغت عدانا * مناها واشتفى الاعداء فينا لقد هتكوا النساء وحملوها * على الاقتاب قهرا أجمعينا وزينب أخرجوها من خباها * وفاطم واله تبدي الانينا سكينة تشتكي من حروجد * تنادي: الغوث رب العالمينا وزين العابدين بقيد ذل * وراموا قتله أهل الخوونا ! فبعدهم على الدنيا تراب * فكأس الموت فيها قد سقينا وهذي قصتي مع شرح حالي * ألا يا سامعون ابكوا علينا قال الراوي: وأما زينب فأخذت بعضادتي باب المسجد، ونادت يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين، وهي مع ذلك لاتجف لها عبرة، ولا تفتر من البكاء والنحيب، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين، تجدد حزنها، وزاد وجدها 38 - يف: من مسند أحمد بن حنبل باسناده إلى سهل قال: قالت ام سلمة

[199]

زوجة النبي صلى الله عليه وآله حين جاءها نعي الحسين بن علي: لعنت أهل العراق وقالت: قتلوه قتلهم الله غروه وأذلوه لعنهم الله، فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد جاءته فاطمة عليها السلام عشية ببرمة، قد صنعت فيها عصيدة (1) تحملها في طبق حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: أين ابن عمك ؟ قالت: هو في البيت قال: اذهبي فادعيه وائتيني بابنيه، قالت: وجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد، وعلي عليه السلام يمشي بأثرها حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فأجلسهما في حجره، وجلس علي عليه السلام عن يمينه، وجلست فاطمة عليها السلام عن يساره قالت ام سلمة: فاجتذب من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا فلفه رسول - الله صلى الله عليه وآله وأخذ طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى إلى ربه عزوجل وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قلت: يارسول الله ألست من أهلك ؟ قال: بلى، قالت: فأدخلني في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمه علي وابنته فاطمة وابنيهما (2) 39 - أقول: روى شارح ديوان أمير المؤمنين عليه السلام عن هشام الكلبي بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام أنه لما قتل الحسين عليه السلام سمعوا صوت هاتف من السماء يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقتيل قد لعنتم على لسان بن داود * وموسى وصاحب الانجيل 40 - ووجدت بخط بعض الافاضل نقلا من خط الشهيد قدس سره قال: لماجيئ برؤس الشهداء والسبايا من آل محمد عليهم السلام أنشد يزيد لعنه الله: لما بدت تلك الرؤس وأشرقت * تلك الشموس على ربى جيرون (3) صاح الغراب فقلت صح أولا تصح * فلقد قضيت من النبي ديوني


(1) البرمة: القدر من الحجر، والعصيدة: دقيق يلت بالسمن ويطبخ (2) الطرائف: 30 (3) باب من أبواب دمشق

[200]

41 - دعوات الراوندي: وروي أنه لما حمل علي بن الحسين عليه السلام إلى يزيد لعنه الله هم بضرب عنقه، فوقفه بين يديه وهو يكلمه، ليستنطقه بكلمة يوجب بها قتله وعلي عليه السلام يجيبه حسب ما يكلمه، وفي يده سبحة صغيرة يديرها بأصابعه، وهو يتكلم فقال له يزيد: اكلمك، وأنت تجيبني وتدير أصابعك بسبحة في يدك ؟ فكيف يجوز ذلك ؟ فقال: حدثني أبي عن جدي أنه كان إذا صلى الغداة وانفتل لا يتكلم حتى يأخذ سبحة بين يديه فيقول: اللهم إني أصبحت أسبحك وأمجدك وأحمدك واهل لك بعدد ما ادير به سبحتي، ويأخذ السبحة ويديرها، وهو يتكلم بما يريد من غير أن يتكلم بالتسبيح، وذكر أن ذلك محتسب له، وهو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه، فإذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول ووضع سبحته تحت رأسه فهي محسوبة له من الوقت إلى الوقت، ففعلت هذا اقتداء بجدي فقال له يزيد: لست أكلم أحدا منكم إلا ويجيبني بما يعوذ به، وعفا عنه ووصله وأمر باطلاقه 42 - نوادر على بن أسباط: عن غير واحد من أصحابه قال: إن مصعب بن الزبير لما توجه إلى عبد الملك بن مروان يقاتله، وبلغ الحير، دخل فوقف على قبر أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: يا أبا عبد الله أما والله لئن كنت غصبت نفسك ما غصبت دينك، ثم انصرف وهو يقول (شعر): وإن الاولى بالطف من آل هاشم * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا ومنه من غير واحد قال: لما بلغ أهل البلدان ماكان من أبي عبد الله عليه السلام قدمت لزيارته مائة ألف امرأة ممن كانت لا تلد، فولدن كلهن

[201]

40 * (باب) * * (ما ظهر بعد شهادته من بكاء السماء والارض عليه) * * (صلى الله عليه، وانكساف الشمس والقمر وغيرها) * 1 - فس: أبي، عن حنان بن سدير، عن عبد الله بن الفضل الهمداني، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: مر عليه رجل عدو لله ولرسوله فقال: " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " (1) ثم مر عليه الحسين بن علي عليهما السلام فقال: لكن هذا لتبكين عليه السماء والارض، وقال: وما بكت السماء والارض إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي صلوات الله عليهما 2 - ب: عنهما (2) عن حنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: زوروا الحسين عليه السلام ولا تجفوه، فانه سيد شباب الشهداء - أو سيد شباب أهل الجنة - وشبيه يحيى بن زكريا، وعليهما بكت السماء والارض أقول: في خبر ابن شبيب، عن الرضا عليه السلام أنه بكت السماوات السبع والارضون لقتله (3) 3 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي فاختة قال: كنت أنا وأبو سلمة السراج


(1) الدخان: 29 (2) يعنى محمد بن عبد الحميد وعبد الصمد بن محمد، وصدر الحديث هكذا: قال: حنان - قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في زيارة قبر الحسين عليه السلام فانه بلغنا عن بعضكم أنه قال: تعدل حجة وعمره، قال فقال ما أصعب هذا الحديث ما تعدل هذا كله لكن زوروه الحديث، راجع المصدر ص 66 (3) راجع ج 44 ص 286

[202]

ويونس بن يعقوب والفضيل بن يسار عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت له: جعلت فداك إني أحضر مجالس هؤلاء القوم فأذكر كم في نفسي فأي شئ أقول ؟ فقال: يا حسين إذا حضرت مجالس هؤلاء فقل: اللهم أرنا الرخاء والسرور، فانك تأتي على ما تريد، قال: فقلت: جعلت فداك إني أذكر الحسين بن علي عليهما السلام فأي شئ أقول إذا ذكرته ؟ فقال: قل: صلى الله عليك يابا عبد الله تكررها ثلاثا ثم أقبل علينا وقال: إن أبا عبد الله لما قتل بكت عليه السماوات السبع والارضون السبع، وما فيهن وما بينهن ومن يتقلب في الجنة والنار، وما يرى وما لا يرى إلا ثلاثة أشياء، فانها لم تبك عليه، فقلت: جعلت فداك، وما هذه الثلاثة الاشياء التي لم تبك عليه ؟ فقال: البصرة، ودمشق، وآل الحكم بن أبي العاص 4 - لى، ع: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن نصربن مزاحم، عن عمربن سعد، عن أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرسان، عن جبلة المكية، قال: سمعت ميثم التمار قدس الله روحه يقول: والله لتقتل هذه الامة ابن نبيها في المحرم لعشر يمضين منه، وليتخذن أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة وإن ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره، أعلم ذلك لعهد عهده إلي مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ولقد أخبرني أنه يبكي عليه كل شئ حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحر، والطير في السماء، ويبكي عليه الشمس والقمر والنجوم، والسماء والارض، ومؤمنوا لانس والجن، وجميع ملائكة السماوات والارضين، ورضوان ومالك وحملة العرش، وتمطر السماء دما ورمادا ثم قال: وجبت لعنة الله على قتلة الحسين كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر، وكما وجبت على اليهود والنصارى والمجوس قال جبلة: فقلت له: يا ميثم ! فيكف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي قتل فيه الحسين يوم بركة ؟ فبكى ميثم رضي الله عنه، ثم قال يزعمون لحديث يضعونه أنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، وإنما تاب الله على آدم في ذي الحجة، ويزعمون أنه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود

[203]

وإنما قبل الله عز وجل توبته في ذي الحجة، ويزعمون أنه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت وإنما أخرج الله عز وجل يونس من بطن الحوت في ذي الحجة، ويزعمون أنه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي وإنما استوت على الجودي في يوم الثامن عشر من ذي الحجة، ويزعمون أنه اليوم الذي فلق الله عز وجل فيه البحر لبني إسرائيل وإنما كان ذلك في ربيع الاول ثم قال ميثم: يا جبلة اعلمي أن الحسين بن علي سيد الشهداء يوم القيامة ولاصحابه على سائر الشهداء درجة يا جبلة إذا نظرت إلى الشمس حمراء كأنها دم عبيط، فاعلمي أن سيد الشهداء الحسين قد قتل قالت جبلة: فخرجت ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة، فصحت حينئذ وبكيت، وقلت: قدوالله قتل سيدنا الحسين بن علي عليهما السلام (1) بيان: العبيط الطري 5 - مل: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الاهوازي عن رجل، عن يحيى بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بعث هشام ابن عبد الملك إلى أبي فأشخصه إلى الشام، فلما دخل عليه قال له: يا با جعفر أشخصناك لنسألك عن مسألة لم يصلح أن يسألك عنها غيري، ولا أعلم في الارض خلقا ينبغي أن يعرف أو عرف هذه المسألة إن كان إلا واحد، فقال أبي: ليسألني أمير المؤمنين عما أحب فان علمت أجبت ذلك، وإن لم أعلم قلت: لاأدري، وكان الصدق أولى بي فقال هشام: أخبرني عن الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، بما استدل به الغائب عن المصر الذي قتل فيه على قتله، وما العلامة فيه للناس فان علمت ذلك وأحببت فأخبرني، هل كان تلك العلامة لغير علي عليه السلام في قتله ؟ فقال له أبي: يا أمير المؤمنين إنه لما كان تلك الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين علي بن أبيطالب * (الهامش) * (1) علل الشرائع ج 1 ص 217 أمالى الصدوق المجلس 27 تحت الرقم: 1

[204]

عليه السلام لم يرفع حجر عن وجه الارض إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها هارون أخو موسى عليه السلام وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون وكذلك كانت الليلة التي رفع فيها عيسى ابن مريم وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها شمعون بن حمون الصفا، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب عليه السلام وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي عليهما السلام. قال: فتربد وجه هشام حتى انتقع لونه، وهم أن يبطش بأبي، فقال له أبي: يا أمير المؤمنين الواجب على العباد الطاعة لامامهم، والصدق له بالنصيحة، وإن الذي دعاني إلى أن أجبت أمير المؤمنين فيما سألني عنه معرفتي له بما يجب له علي من الطاعة فليحسن أمير المؤمنين الظن، فقال له هشام: انصرف إلى أهلك إذا شئت قال: فخرج فقال له هشام عند خروجه: أعطني عهد الله وميثاقه أن لاتوقع هذا الحديث إلى أحد حتى أموت، فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه، وذكر الحديث بطوله (1) بيان: قال الجوهري: تربد وجه فلان: أي تغير من الغضب، وانتقع لونه على بناء المجهول أي تغير من حزن أو سرور. 6 - مل: أحمد بن عبد الله بن علي، عن عبد الرحمن السلمي وقال أحمد: وأخبرني عمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن رجل من أهل بيت المقدس أنه قال: والله لقد عرفنا أهل بيت المقدس ونواحيها عشية قتل الحسين بن علي، قلت: وكيف ذلك ؟ قال: ما رفعنا حجرا ولا مدرا ولا صخرا إلا ورأينا تحتها دما يغلي واحمرت الحيطان كالعلق، ومطرنا ثلاثة أيام دما عبيطا، وسمعنا مناديا ينادي في جوف الليل يقول: أترجو امة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب معاذ الله لانلتم يقينا * شفاعة أحمد وأبي تراب * (الهامش) * (1) كامل الزيارات ص 75 و 76.

[205]

قتلتم خير من ركب المطايا * وخير الشيب طرا والشباب وانكسفت الشمس ثلاثا ثم تجلت عنها وانشبكت النجوم، فلما كان من الغد أرجفنا بقتله، فلم يأت علينا كثير شئ حتى نعي إلينا الحسين عليه السلام (1) 7 - مل: أحمد بن عبد الله بن علي الناقد بإسناده قال: قال عمربن سعد حدثني أبو معشر، عن الزهري قال: لما قتل الحسين بن علي لم يبق ببيت المقدس حصاة إلا وجد تحتها دم عبيط. مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد مثله (2) 8 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين، عن ابن بزيع عن أبي إسماعيل السراج، عن يحيى بن معمر، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بكت الانس والجن والطير والوحش على الحسين بن علي عليهما السلام حتى ذرفت دموعها (3). مل: أبي، وجماعة مشايخي، عن سعد، ومحمد العطار معا، عن محمد بن الحسين مثله. بيان: ذرفت أي سالت. 9 - مل: أبي، وعلي بن الحسين معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أحمد بن أبي داود، عن سعيد بن (أبي) عمرو الجلاب، عن الحارث الاعور قال: قال علي عليه السلام بأبي وامي الحسين المقتول بظهر الكوفة، والله كأني أنظر إلى الوحش مادة أعناقها على قبره من أنواع الوحش، يبكونه ويرثونه ليلا حتى الصباح فإذا كان كذلك فاياكم والجفاء. 10 - مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن أبي * (الهامش) * (1) المصدر ص 77 وهكذا ما يأتي بعده (2) المصدر ص 93 (3) كامل الزيارات الباب 26 ص 79 وهكذا ما بعده على الترتيب إلى آخر الباب.

[206]

عثمان، عن عبد الجبار النهاوندي، عن أبي سعيد، عن الحسين بن ثوير وابن ظبيان وأبي سلمة السراج والمفضل كلهم قالوا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أبا عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام لما مضى بكت عليه السماوات السبع والارضون السبع وما فيهن وما بينهن ومن يتقلب عليهن، والجنة والنار، ومن خلق ربنا وما يرى وما لا يرى. مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين مثله 11 - مل: أبي، عن سعد، عن الحسين بن عبيدالله، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الجبار، عن أبي سعيد، عن الحسين بن ثوير، عن يونس وأبي سلمة السراج والمفضل قالوا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما مضى أبو عبد الله الحسين بن علي صلوات الله عليهما بكى عليه جميع ما خلق الله إلا ثلاثة أشياء: البصرة، ودمشق وآل عثمان. 12 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن القاسم بن يحيى، عن جده، الحسن، عن الحسين بن ثوير قال: كنت أنا وابن ظبيان، والمفضل، وأبو سلمة السراج جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام فكان المتكلم يونس وكان أكبرنا سنا وذكر حديثا طويلا يقول: ثم قال أبو عبد الله: إن أبا عبد الله عليه السلام لما مضى بكت عليه السماوات السبع وما فيهن، والارضون السبع وما فيهن، وما بينهن، وما ينقلب في الجنة والنار من خلق ربنا، وما يرى وما لا يرى، بكى على أبي عبد الله عليه السلام إلا ثلاثة أشياء لم تبك عليه، قلت: جعلت فداك ما هذه الثلاثة الاشياء ؟ قال: لم تبك عليه البصرة، ولا دمشق، ولا آل عثمان (بن عفان) عليهم لعنة الله وذكر الحديث. 13 - مل: محمد الحميرى، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم، عن أبي يعقوب، عن أبان بن عثمان، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا زرارة إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحا بالدم، وإن الارض بكت أربعين

[207]

صباحا بالسواد، وإن الشمس بكت أربعين صباحا بالكسوف والحمرة، وإن الجبال تقطعت وانتثرت، وإن البحار تفجرت، وإن الملائكة بكت أربعين صباحا على الحسين، وما اختضب منا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيدالله بن زياد لعنه الله، وما زلنا في عبرة بعده. وكان جدي إذا ذكره بكى حتى تملا عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه وإن الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة، ولقد خرجت نفسه عليه السلام فزفرت جهنم زفرة كادت الارض تنشق لزفرتها، ولقد خرجت نفس عبيدالله بن زياد ويزيد بن معاوية لعنهم الله فشهقت جهنم شهقة لولا أن الله حبسها بخزانها لاحرقت من على ظهر الارض من فورها، ولو يؤذن لها ما بقي شئ إلا ابتلعته، ولكنها مأمورة مصفودة، ولقد عتت على الخزان غير مرة حتى أتاها جبرئيل فضربها بجناحه فسكنت وإنها لتبكيه وتندبه، وإنها لتتلظى على قاتله، ولولا من على الارض من حجج الله لنقضت الارض، وأكفأت ما عليها، وما تكثر الزلازل إلا عند اقتراب الساعة. وما عين أحب إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة وأسعدها عليه، ووصل رسول الله صلى الله عليه وآله وأدى حقنا، وما من عبد يحشر إلا وعيناه باكية إلا الباكين على جدي فانه يحشر وعينه قريرة، والبشارة تلقاه والسرور على وجهه، والخلق في الفزع وهم آمنون، والخلق يعرضون وهم حداث الحسين عليه السلام تحت العرش وفي ظل العرش، لا يخافون سوء الحساب يقال لهم ادخلوا الجنة فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه، وإن الحور لترسل إليهم أنا قد اشتقناكم مع الولدان المخلدين فما يرفعون رؤسهم إليهم لما يرون في مجلسهم من السرور والكرامة وإن أعداءهم من بين مسحوب بناصيته إلى النار، ومن قائل: " ما لنا من شافعين ولا صديق حميم " وإنهم ليرون منزلهم وما يقدرون أن يدنوا إليهم، ولا يصلون إليهم، وإن الملائكة لتأتيهم بالرسالة من أزواجهم ومن خزانهم (1) على ما اعطوا من الكرامة * (الهامش) * (1) في المصدر: وخدامهم

[208]

فيقولون نأتيكم إنشاء الله فيرجعون إلى أزواجهم بمقالاتهم، فيزدادون إليهم شوقا إذا هم خبروهم بما هم فيه من الكرامة وقربهم من الحسين عليه السلام فيقولون: الحمد لله الذي كفانا الفزع الاكبر، وأهوال القيامة، ونجانا مما كنا نخاف، ويؤتون بالمراكب والرحال على النجائب، فيستوون عليها وهم في الثناء على الله، والحمد لله والصلاة على محمد وعلى آله حتى ينتهوا إلى منازلهم 14 - مل: محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام واحدثه فدخل عليه ابنه فقال له: مرحبا وضمه وقبله وقال: حقر الله من حقركم، وانتقم ممن وتركم، وخذل الله من خذلكم، ولعن الله من قتلكم، وكان الله لكم وليا وحافظا وناصرا، فقد طال بكاء النساء وبكاء الانبياء والصديقين، والشهداء، وملائكة السماء. ثم بكي وقال: يا أبا بصير إذا نظرت إلى ولد الحسين أتاني ما لا أملكه بما اتي إلى أبيهم وإليهم، يا أبا بصير إن فاطمة لتبكيه وتشهق، فتزفر جهنم زفرة لولا أن الخزنة يسمعون بكاءها وقد استعدوا لذلك مخافة أن يخرج منها عنق أو يشرد دخانها، فيحرق أهل الارض فيكبحونها ما دامت باكية، ويزجرونها ويوثقون من أبوابها مخافة على أهل الارض فلا تسكن حتى يسكن صوت فاطمة وإن البحار تكاد أن تنفتق فيدخل بعضها على بعض، وما منها قطرة إلا بها ملك موكل، فإذا سمع الملك صوتها أطفأ نأرها (1) بأجنحته، وحبس بعضها على بعض، مخافة على الدنيا ومن فيها ومن على الارض، فلا تزال الملائكة مشفقين يبكون لبكائها ويدعون الله ويتضرعون إليه ويتضرع أهل العرش ومن حوله، وترتفع أصوات من الملائكة بالتقديس لله مخافة على أهل الارض، ولو أن صوتا من أصواتهم يصل * (الهامش) * (1) يقال: نأرت النائرة نأرا: هاجت، والمراد ثوران الماء وغليانها، ولذلك عبر بقوله " أطفأ "

[209]

إلى الارض لصعق أهل الارض وتقلعت الجبال، وزلزلت الارض بأهلها. قلت: جعلت فداك إن هذا الامر عظيم قال: غيره أعظم منه ما لم تسمعه ثم قال: يا با بصير أما تحب أن تكون فيمن يسعد فاطمة ؟ فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق وما قدرت على كلامي من البكاء ثم قام إلى المصلى يدعو وخرجت من عنده على تلك الحال فما انتفعت بطعام وما جاءني النوم وأصبحت صائما وجلا حتى أتيته فلما رأيته قد سكن سكنت وحمدت الله حيث لم تنزل بي عقوبة. بيان: تقول كبحت الدابة إذا جذبتها إليك باللجام لكي تقف ولا تجري. 15 - مل: أبي، وجماعة مشايخي علي بن الحسين، ومحمد بن الحسن، عن سعد، عن ابن يزيد، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن علي الازرق، عن الحسن ابن الحكم النخعي، عن رجل قال: سمعت أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو يقول في الرحبة وهو يتلو هذه الآية: " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " (1) وخرج عليه الحسين عليه السلام من بعض أبواب المسجد فقال: أما إن هذا سيقتل وتبكي عليه السماء والارض (2). 16 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين عن يزداد بن عيسى الانصاري، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن إبراهيم النخعي قال: خرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه فجلس في المسجد واجتمع أصحابه حوله وجاء الحسين عليه السلام حتى قام بين يديه فوضع يده على رأسه فقال: يا بني إن الله عير أقواما في القرآن فقال: " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " وأيم الله ليقتلنك ثم تبكيك السماء والارض. مل: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب بإسناده مثله 17 - مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين صلوات الله عليه بكى لقتله السماء * (الهامش) * (1) الدخان: 29 (2) كامل الزيارات الباب 28 ص 88 وهكذا ما بعده على الترتيب إلى آخر الباب

[210]

والارض واحمرتا، ولم تبكيا على أحد قط إلا على يحيى بن زكريا والحسين ابن علي صلوات الله عليهم مل: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب بإسناده مثله 18 - مل: علي بن الحسين وغيره، عن سعد، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن حماد بن عثمان، عن عبد الله بن هلال قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن السماء بكت على الحسين بن علي عليه السلام ويحيى بن زكريا ولم تبك على أحد غيرهما، قلت: وما بكاؤها قال: مكثوا أربعين يوما تطلع الشمس بحمرة وتغرب بحمرة، قلت: فذاك بكاؤها ؟ قال: نعم. مل: أبي وعلي بن الحسين معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان مثله (1) 19 - مل: أبي، عن سعد، عن عبد الله بن أحمد، عن عمر (و) بن سهل، عن علي بن مسهر القرشي قال: حدثتني جدتي أنها أدركت الحسين بن علي حين قتل صلوات الله عليه قالت: فمكثنا سنة وتسعة أشهر والسماء مثل العلقة مثل الدم ما ترى الشمس 20 - مل: علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " قال: لم تبك السماء أحدا منذ قتل يحيى ابن زكريا حتى قتل الحسين عليه السلام فبكت عليه. ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن علي بن إبراهيم مثله 21 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن صفوان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: احمرت السماء حين قتل الحسين بن علي سنة (ثم قال: بكت السماء والارض على الحسين بن علي سنة) وعلى يحيى ابن زكريا، وحمرتها بكاؤها


(1) ترى هذا الحديث بالسند المذكور في الباب 28 من المصدر تحت الرقم 15

[211]

22 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن زرارة، عن عبد الخالق بن عبدربه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لم نجعل له من قبل سميا " (1) الحسين بن علي لم يكن له من قبل سميا، ويحيى بن زكريا لم يكن له من قبل سميا، ولم تبك السماء إلا عليهما أربعين صباحا قال: قلت: ما بكاؤها ؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغرب حمراء 23 - مل: علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، وسعد معا، عن إبراهيم ابن هاشم، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما بكت السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلاعلى الحسين بن علي صلوات الله عليهما فانها بكت عليه أربعين يوما 24 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير عن كليب بن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم تبك السماء إلا على الحسين ابن علي ويحيى بن زكريا عليهما السلام 25 - مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمربن سعد، عن محمد بن سلمة، عمن حدثه قال: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام أمطرت السماء ترابا أحمر 26 - مل: حكيم بن داود، عن سلمة، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عيسى، عن أسلم بن القاسم، عن عمرو بن ثبيت، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: إن السماء لم تبك منذ وضعت إلا على يحيى بن زكريا والحسين ابن علي عليهما السلام قلت: أي شئ بكاؤها ؟ قال: كانت إذا استقبلت بالثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم 27 - مل: أبي وعلي بن الحسين، عن سعد، عن ابن عيسى، عن موسى ابن الفضل، عن حنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في زيارة قبر الحسين ابن علي عليه السلام فانه بلغنا عن بعضهم أنها تعدل حجة وعمرة ؟ قال: لا تعجب !


(1) مريم: 7

[212]

ما أصاب من يقول هذا كله ؟ (1) ولكن زره ولاتجفه فانه سيد شباب الشهداء وسيد شباب أهل الجنة وشبيه يحيى بن زكريا وعليهما بكت السماء والارض مل: (أبي، و) ابن الوليد، عن الصفار، عن عبد الصمد بن محمد، عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام مثله مل: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن حنان مثله بيان: قوله عليه السلام: " ما أصاب " محمول على التقية (2) 28 - مل: بهذا الاسناد، عن ابن عيسى، عن غير واحد، عن جعفر بن بشير عن حماد، عن عامر بن معقل، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا، وقاتل الحسين ولد زنا، ولم تبك السماء على أحد إلا عليهما، قال: قلت: وكيف تبكي ؟ قال: تطلع الشمس في حمرة وتغيب في حمرة مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير مثله 29 - مل: أبي وعلي بن الحسين، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي عن عبد العظيم الحسني، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن كثيربن شهاب الحارثي قال: بينا نحن جلوس عند أمير المؤمنين عليه السلام في الرحبة، إذا طلع الحسين عليه فضحك علي حتى بدت نواجده ثم قال: إن الله ذكر قوما فقال: " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليقتلن هذا ولتبكين عليه السماء والارض مل: أبي، عن سعد والحميري معا، عن ابن عيسى مثله


(1) لا تعجب بالقول هذا كله خ ل (2) هذا إذا كانت " ما " نافية، لكنها ما التعجبية دخلت على أفعل التعجب، وقد مرفى ذيل الحديث المرقم 2 عن قرب الاسناد بلفظ آخر فراجع

[213]

30 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن الحسن، عن أبي سلمة قال: قال جعفر بن محمد عليه السلام: ما بكت السماء إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي عليهما السلام 31 - مل: (أبي، عن) محمد بن الحسن، عن أبيه، عن جده علي بن مهزيار عن الحسن بن سعيد، عن فضالة، عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان الذي قتل الحسين عليه السلام ولد زنا، والذي قتل يحيى بن زكريا ولد زنا وقال: احمرت السماء حين قتل الحسين صلوات الله عليه سنة ثم قال: بكت السماوات والارض على الحسين وعلى يحيى بن زكريا وحمرتها بكاؤها 32 - مل: أبي وعلي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتخذوا الحمام الراعبية في بيوتكم فانها تلعن قتلة الحسين عليه السلام (1) 33 - مل: أبي وأخي وعلي بن الحسين ومحمد بن الحسن جميعا، عن أحمد ابن إدريس، عن الجاموراني، عن ابن البطائني، عن صندل، عن داود بن فرقد قال: كنت جالسا في بيت أبي عبد الله عليه السلام فنظرت إلى الحمام الراعبي يقرقر طويلا فنظر إلى أبو عبد الله عليه السلام طويلا فقال: يا داود تدري ما يقول هذا الطير ؟ قلت: لا والله جعلت فداك، قال تدعو على قتلة الحسين صلوات الله عليه فاتخذوه في منازلكم مل: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن الجاموراني (بإسناده) مثله 34 - مل: ابن الوليد وجماعة مشايخي، عن سعد، عن اليقطيني، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول في البومة فقال: هل أحد منكم رآها بالنهار ؟ قيل له: لاتكاد تظهر بالنهار ولا تظهر إلا ليلا قال: أما إنها لم تزل تأوي العمران أبدا فلما أن قتل الحسين عليه السلام


(1) كامل الزيارات الباب 30 ومابعده على الترتيب، والحمام الراعبية مر تفسيرها في ج 44 ص 305

[214]

آلت على نفسها أن لا تأوي العمران أبدا، ولا تأوي إلا الخراب، فلا تزال نهارها صائمة حزينة، حتى يجنها الليل فإذا جنها الليل فلا تزال ترن على الحسين صلوات الله عليه حتى تصبح (1) 35 - مل: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن الحسين بن علي بن صاعد البربري قيما لقبر الرضا عليه السلام قال: حدثني أبي قال: دخلت على الرضا عليه السلام فقال لي: ما يقول الناس ؟ قال: قلت: جعلت فداك جئنا نسألك قال: فقال لي: ترى هذه البومة كانت على عهد جدي رسول الله صلى الله عليه وآله تأوي المنازل والقصور والدور، وكانت إذا أكل الناس الطعام تطير فتقع أمامهم، فيرمى إليها بالطعام وتسقى ثم ترجع إلى مكانها، ولما قتل الحسين بن علي خرجت من العمران إلى الخراب والجبال والبراري، وقالت: بئس الامة أنتم قتلتم ابن نبيكم ولا آمنكم على نفسي 36 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن فضال عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن البومة لتصوم النهار فإذا أفطرت تدلهت (2) على الحسين عليه السلام حتى تصبح بيان: قال الفيروزآبادي: " الدله " محركة (3) والدلوه: ذهاب الفؤاد من هم ونحوه، ودلهه العشق تدليها فتدله 37 - مل: علي بن الحسين، عن سعد، عن موسى بن عمر، عن الحسن ابن علي الميثمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا يعقوب (4) رأيت بومة قط تنفس بالنهار ؟ فقال: لا، قال: وتدري لم ذلك ؟ قال: لا، قال: لانها تظل يومها صائمة فإذا جنها الليل أفطرت على ما رزقت، ثم لم تزل ترنم على الحسين حتى تصبح


(1) كامل الزيارات الباب 31 ومابعده إلى آخر الباب (2 تولهت خ ل، وفى المصدر " اندبت " وهو تصحيف (3) في القاموس: الدله، ويحرك الخ (4) الظاهر أنه كان يعقوب بن شعيب الميثمى حاضرا في المجلس، وخطاب الامام معه.

[215]

بيان: لعل التنفس كناية عن التصويت، أو عن الاكل والشرب، قال الفيروز آبادي: تنفس في الاناء شرب من غير أن يبينه عن فيه انتهى أو عن التفرج والتوسع يقال: أنت في نفس من عمرك أي في سعة وفسحة وقال الجزري: فيه فلو كنت تنفست أي أطلت الكلام 38 - قب: أبو نعيم في دلائل النبوة والنسوي في المعرفة قالت نصرة الازدية: لما قتل الحسين عليه السلام أمطرت السماء دما، وحبابنا وجرارنا صارت مملوة دما (1) وقال قرظة بن عبيدالله: مطرت السماء يوما نصف النهار على شملة بيضاء فنظرت فإذا هو دم وذهبت الابل إلى الوادي لتشرب فإذا هو دم، وإذا هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام وقال الصادق عليه السلام: بكت السماء على الحسين عليه السلام أربعين يوما بالدم زرارة بن أعين، عن الصادق عليه السلام قال: بكت السماء، على يحيى بن زكريا وعلى الحسين بن علي عليهم السلام أربعين صباحا ولم تبك إلا عليهما، قلت: فما بكاؤها ؟ قال: كانت الشمس تطلع حمراء وتغيب حمراء اسامة بن شبيب بإسناده، عن ام سليم قالت: لما قتل الحسين مطرت السماء مطرا كالدم احمرت منه البيوت والحيطان. وروى قريبا من ذلك في الابانة تفسير القشيري والفتال: قال السدى: لما قتل الحسين بكت عليه السماء وعلامتها حمرة أطرافها محمد بن سيرين قال: أخبرنا أن حمرة أطراف السماء لم تكن قبل قتل الحسين عليه السلام تاريخ النسوي: روى حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد قال: تعلم هذه الحمرة في الافق مم هي ؟ ثم قال: من يوم قتل الحسين عليه السلام (2)


(1) جمع الحب والجرة: اناء للماء من خزف والثانى أصغر من الاول (2) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 54

[216]

أقول: قال صاحب المناقب: وروى هذا الحديث أبو عيسى الترمذي 39 - قب: الاسود بن قيس لما قتل الحسين ارتفعت حمرة من قبل المشرق وحمرة من قبل المغرب، فكادتا يلتقيان في كبد السماء ستة أشهر تاريخ النسوي قال أبو قبيل: لما قتل الحسين بن علي عليه السلام كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي بيان: " أنها هي " أي القيامة أقول: روي هذا الخبر في بعض كتب المناقب المعتبرة، عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن والده، عن محمد بن الحسين القطان عن عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، عن يعقوب بن سفيان، عن النضر بن عبد الجبار، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل مثله وبهذا الاسناد، عن يعقوب، عن إسماعيل، عن علي بن مسهر، عن جدته قالت: كنت أيام الحسين جارية شابة فكانت السماء أياما علقة وبهذا الاسناد، عن يعقوب، عن مسلم بن إبراهيم، عن ام سرق العبدية عن نضرة الازدية قالت: لما أن قتل الحسين عليه السلام مطرت السماء دما فأصبحت وكل شئ لناملآن دما وبهذا الاسناد، عن يعقوب، عن أيوب بن محمد الرقي، عن سلام بن سليمان الثقفي، عن زيد بن عمرو الكندي، عن ام حيان قالت: يوم قتل الحسين أظلمت علينا ثلاثا ولم يمس أحد من زعفرانهم (1) شيئا فجعله على وجهه إلا احترق ولم يقلب حجر ببيت المقدس إلا أصبح تحته دما عبيطا وبهذا الاسناد، عن يعقوب، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن معمر قال: أول ما عرف الزهري تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي ؟ فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط


(1) تريد بالزعفران: الخلوق المتخذة من الزعفران

[217]

40 - يف: روي في أول الجزء الخامس من صحيح مسلم في تفسير قوله تعالى " فما بكت عليهم السماء والارض " (1) قال: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام بكت السماء وبكاؤها حمرتها وروى الثعلبي في تفسير هذه الآية أن الحمرة التي مع الشفق لم يكن قبل قتل الحسين عليه السلام وروى الثعلبي أيضا يرفعه قال: مطرنا دما بأيام قتل الحسين عليه السلام 41 - ما: ابن حشيش، عن الحسين بن الحسن، عن محمد بن دليل، عن علي بن سهل، عن مؤمل، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار قال: أمطرت السماء يوم قتل الحسين عليه السلام دما عبيطا 42 - لى: ابن الوليد، عن ابن متيل، عن ابن يزيد، عن ابن فضال، عن سليمان الديلمى، عن عبد الله بن لطيف التفليسي قال: قال الصادق عليه السلام: لما ضرب الحسين بن علي عليه السلام بالسيف ثم ابتدر ليقطع رأسه نادى مناد من قبل رب العزة تبارك وتعالى من بطنان العرش فقال: ألا أيتها الامة المتحيرة الظالمة بعد نبيها لاوفقكم الله لاضحى ولافطر قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لاجرم والله ما وفقوا ولا يوفقون أبدا حتى يقوم ثائر الحسين عليه السلام (2) ع: علي بن أحمد، عن الكليني، عن علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد ابن سليمان، عن عبد الله بن لطيف، عن رزين، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3) بيان: عدم توفيقهم للفطر والاضحى إما لاشتباه الهلال في كثير من الازمان في هذين الشهرين كما فهمه الاكثر، أو لانهم لعدم ظهور أئمة الحق وعدم استيلائهم


(1) الدخان: 29 (2) أمالى الصدوق المجلس 31 تحت الرقم 5، ورواه في الفقيه ج 1 ص 62 (3) علل الشرائع ج 2 ص 76 وتراه في الكافي ج 4 ص 170، وفيه حتى يثأر ثائر الحسين عليه السلام.

[218]

لا يوفقون للصلاتين إما كاملة أو مطلقا بناء على اشتراط الامام أو يخص الحكم بالعامة كما هو الظاهر، والاخير عندي أظهر، والله يعلم 43 - ع: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن السياري، عن محمد بن إسماعيل الرازي، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قلت: جعلت فداك ما تقول في العامة فانه قد روي أنهم لا يوفقون لصوم، فقال لي: أما إنهم قد أجيبت دعوة الملك فيهم، قال: قلت: وكيف ذلك جعلت فداك ؟ قال: إن الناس لما قتلوا الحسين بن علي عليه السلام أمر الله عزوجل ملكا ينادي أيتها الامة الظالمة القاتلة عترة نبيها لاوفقكم الله لصوم ولافطر، وفي حديث آخر: لفطر ولا أضحى (1) 44 - لى: الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده أن الحسين بن علي عليهما السلام دخل يوما إلى الحسن عليه السلام فلما نظر إليه بكى فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال: أبكي لم يصنع بك فقال له الحسن عليه السلام: إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلى فاقتل به، ولكن لايوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدعون أنهم من امة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وينتحلون دين الاسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني امية اللعنة، تمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شئ حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار (2) 45 - ص: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " لم نجعل له من قبل سميا " (3) قال يحيى بن زكريا لم يكن له سمي قبله، والحسين بن علي لم يكن له سمي قبله، وبكت السماء عليهما أربعين صباحا وكذلك بكت الشمس


(1) المصدر ج 2 ص 76 وتراه في الكافي ج 4 ص 169 (2) أمالى الصدوق المجلس 24 تحت الرقم 3 (3) مريم: 7

[219]

عليهما وبكاؤها أن تطلع حمراء وتغيب حمراء، وقيل أي بكى أهل السماء وهم الملائكة 46 - ص: عن أبي عبد الله عليه السلام أن الحسين بن علي بكى لقتله السماء والارض واحمرتا، ولم يبكيا على أحد قط إلا على يحيى بن زكريا 47 - مل: محمد بن عبد الله بن علي الناقد، عن عبد الرحمان الاسلمي، عن عبد الله بن الحسين، عن عروة بن الزبير قال: سمعت أبا ذر وهو يومئذ قد أخرجه عثمان إلى الربذة فقال له الناس: يا أبا ذر أبشر فهذا قليل في الله فقال: ما أيسر هذا ولكن كيف أنتم إذا قتل الحسين بن علي قتلا أوقال ذبح ذبحا والله لا يكون في الاسلام بعد قتل الخليفة أعظم (1) قتيلا منه، وإن الله سيسل سيفه على هذه الامة لا يغمده أبدا، ويبعث ناقما من ذريته فينتقم من الناس، وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار، وسكان الجبال في الغياض والآكام، وأهل السماء من قتله، لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم، وما من سماء يمر به روح الحسين عليه السلام إلا فزع له سبعون ألف ملك، يقومون قياما ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة، وما من سحابة تمر وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله، وما من يوم إلا وتعرض روحه على رسول الله فيلتقيان (2) 48 - شا: روى يوسف بن عبدة قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: لم تر هذه الحمرة في السماء إلابعد قتل الحسين صلوات الله عليه (3) بيان: يمكن أن يكون المراد كثرة الحمرة وزيادتها


(1) يريد بالخليفة على بن أبى طالب عليه السلام، وفى بعض النسخ: " بعد قتل الحسين عليه السلام أعظم قتيلا منه " (2) كامل الزيارات ص 74 (3) الارشاد ص 236 أقول: ان اختلاف الجو والكائنات بانظلام الدنيا ثلاثة أيام وبكاء الشمس بحمرتها غدوا وعشيا وغير ذلك مما مر عليك في هذا الباب مما تواتر عند المؤرخين فلاريب في وقوعها كما اعترف به المخالفون، قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 31: أخرج ابن أبى حاتم - - >

[220]

41 * (باب) * * " (ضجيج الملائكة إلى الله تعالى في أمره وأن الله بعثهم لنصره) " * * " (وبكائهم وبكاء الانبياء وفاطمة عليهم السلام عليه) " * * " (صلوات الله عليه) " * 1 - أقول: قد أثبتنا خبر ابن شبيب في باب البكاء عليه (1) صلى الله عليه 2 - لى: ابن الوليد، عن ابن متيل، عن ابن أبي الخطاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن عمربن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: إن أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين ابن علي عليها السلام فلم يؤذن لهم في القتال، فرجعوا في الاستئذان وهبطوا وقد قتل الحسين عليه السلام، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له منصور (2)


- > عن عبيد المكتب، عن ابراهيم رضى الله عنه قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا الا على اثنين (قيل لعبيد أليس السماء والارض تبكى على المؤمن ؟ قال ذاك مقامه وحيث يصعد عمله قال وتدرى ما بكاء السماء قال: لا قال: تحمر وتصير وردة كالدهان) ان يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دما وان حسين بن على يوم قتل احمرت السماء وأخرج ابن أبى حاتم، عن زيد بن زياد، عنه قال: لما قتل الحسين احمرت آفاق السماء أربعة أشهر فترى أمثال ما أخرجه المصنف رحمه الله من كتب الشيعة، في تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 339، الخصائص الكبرى ج 2 ص 126، الخطط المقريزية ج 2 ص 289 تذكرة الخواص ص 155، المقتل للخوارزمي ج 2 ص 90، الاتحاف بحب الاشراف ص 24 تهذيب التهذيب ج 2 ص 354، الصواعق المحرقة ص 116، تاريخ الخلفاء ص 138 الكواكب الدرية ج 1 ص 56، مجمع الزوائد ج 9 ص 197، عقد الفريد ج 2 ص 315 وغير ذلك فراجع (1) راجع ج 44 ص 285 (2) أمالى الصدوق المجلس 92 تحت الرقم 7

[221]

مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب مثله (1) 3 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن محمد بن عبيد، عن ابن أسباط، عن ابن عميرة، عن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لما كان من أمر الحسين بن علي ماكان ضجت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا رب يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك ؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم عليه السلام وقال: بهذا أنتقم له من ظالميه 4 - ع: الدقاق وابن عصام معا، عن الكليني، عن القاسم بن العلا، عن إسماعيل الفزاري، عن محمد بن جمهور العمي، عن ابن أبي نجران، عمن ذكره عن الثمالي قال: قلت لابي جعفر عليه السلام يا ابن رسول الله ألستم كلكم قائمين بالحق ؟ قال: بلى، قلت: فلم سمي القائم قائما ؟ قال: لما قتل جدي الحسين ضجت الملائكة إلى الله عزوجل بالبكاء والنحيب وقالوا: إلهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك ؟ فأوحى الله عزوجل إليهم قر واملائكتي فوعزتي وجلالي لانتقمن منهم ولو بعد حين، ثم كشف الله عزوجل عن الائمة من ولد الحسين عليهم السلام للملائكة فسرت الملائكة بذلك فإذا أحدهم قائم يصلي فقال الله عزوجل: بذلك القائم أنتقم منهم (2) 5 - مل: الحسين بن علي الزعفراني، عن محمد بن عمر النصيبي، عن هشام بن سعد قال: أخبرني المشيخة أن الملك الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بقتل الحسين بن علي كان ملك البحار، وذلك أن ملكا من ملائكة الفردوس نزل على البحر ونشر أجنحته عليها، ثم صاح صيحة وقال: يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن، فان فرخ الرسول مذبوح، ثم حمل من تربته في أجنحته إلى السماوات فلم يلق ملكا فيها إلا شمها، وصار عنده لها أثر، ولعن قتلته


(1) كامل الزيارات ص 83 (2) علل الشرائع ج 1 ص 154 (*)

[222]

وأشياعهم وأتباعهم (1) 6 - مل: أبي، وجماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين ابن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مالكم لا تأتونه يعني قبر الحسين عليه السلام فإن أربعة آلاف ملك يبكون عند قبره إلى يوم القيامة (2) 7 - مل: أبي، وجماعة مشايخنا، عن سعد، عن علي بن إسماعيل، عن حماد ابن عيسى، عن ربعي، عن فضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مالكم لا تأتونه يعني قبر الحسين، فان أربعة آلاف ملك يبكون عنده إلى يوم القيامة 8 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل عن أبي إسماعيل السراج، عن يحيى بن معمر القطان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة 9 - مل: (3) أبي، وعلي بن الحسين معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وكل الله بالحسين بن علي سبعين ألف ملك يصلون عليه كل يوم شعثا غبرا منذ يوم قتل إلى ما شاء الله يعني بذلك قيام القائم عليه السلام 10 - مل: بالاسناد عن سعد، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن مبارك العطار، عن محمد بن قيس قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: عند قبر أبي عبد الله عليه السلام أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون إلى يوم القيامة 11 - مل: أبي وابن الوليد وعلي بن الحسين جميعا، عن سعد، عن ابن عيسى عن الاهوازي، عن القاسم بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون، عن


(1) كامل الزيارات ص 67 و 68 (2) راجع المصدر الباب 27 وما بعده على الترتيب (3) في النسخ هنا رمز المحاسن: سن وهو سهو ظاهر بقرينة الاسناد، راجع كامل الزيارات ص 84

[223]

أبي عبد الله عليه السلام قال: وكل الله به (1) أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة 12 - مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن صفوان، عن حريز، عن الفضيل، عن أحدهما قال: إن على قبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، قال محمد بن مسلم: يحرسونه 13 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن حماد بن عيسى، عن ربعي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام بالمدينة: أين قبور الشهداء ؟ فقال: أليس أفضل الشهداء عندكم ؟ والذي نفسي بيده إن حوله أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف بإسناده مثله 14 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن بزيع، عن أبي إسماعيل السراج، عن يحيى بن معمر العطار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين إلى يوم القيامة فلا يأتيه أحد إلا استقبلوه، ولا يمرض أحد إلا عادوه، ولا يموت أحد إلا شهدوه مل: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب بإسناده مثله 15 - مل: أبي، عن سعد، عن الحسن بن علي بن المغيرة، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله وكل بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه من طلوع الفجر إلى زوال الشمس وإذا زالت الشمس هبط أربعة آلاف ملك وصعد أربعة آلاف (ملك)، فلم يزل يبكونه حتى يطلع الفجر وذكر الحديث 16 - مل: أبي، ومحمد بن عبد الله، عن الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار عن أخيه علي، عن أبي القاسم، عن القاسم بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده، فقال: مالمن زار قبر الحسين ؟


(1) يعنى قبر الحسين عليه السلام

[224]

فقال: إن الحسين لما أصيب بكته حتى البلاد فوكل الله به أربعة آلاف ملك شعثا غبرا يبكونه إلى يوم القيامة وذكر الحديث 17 - مل: محمد الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، (عن محمد بن خالد) (1) عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله الاصم قال: وحدثنا الهيثم بن واقد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الملك بن مقرن (2) عن أبي عبد - الله عليه السلام قال: إذا زرتم أبا عبد الله عليه السلام فالزموا الصمت إلا من خير، وإن ملائكة الليل والنهار من الحفظة تحضر الملائكة الذين بالحائر، فتصافحهم فلا يجيبونها من شدة البكاء، فينتظرونهم حتى تزول الشمس وحتى ينور الفجر ثم يكلمونهم ويسألونهم عن أشياء من أمر السماء، فأما ما بين هذين الوقتين فانهم لا ينطقون ولا يفترون عن البكاء والدعاء، ولا يشغلونهم في هذين الوقتين عن أصحابهم فانهم شغلهم بكم إذا نطقتم قلت: جعلت فداك، وما الذي يسألونهم عنه، وأيهم يسأل صاحبه: الحفظة أو أهل الحائر ؟ قال: أهل الحائر يسألون الحفظة لان أهل الحائر من الملائكة لا يبرحون، والحفظة تنزل وتصعد، قلت: فما ترى يسألونهم عنه ؟ قال: إنهم يمرون إذا عرجوا بإسماعيل صاحب الهواء فربما وافقوا النبي صلى الله عليه وآله عنده وفاطمة والحسن والحسين والائمة من مضى منهم فيسألونهم عن أشياء وعمن حضر منكم الحائر، ويقولون: بشروهم بدعائكم، فتقول الحفظة: كيف نبشرهم وهم لا يسمعون كلامنا ؟ فيقولون لهم: باركوا عليهم وادعوا لهم عنا فهي البشارة منا وإذا انصرفوا فحفوهم بأجنحتكم حتى يحسوا مكانكم وإنا نستودعهم الذي لا تضيع ودائعه


(1) مابين العلامتين ساقط من الاصل راجع المصدر ص 86 و 87 (2) قيل: الظاهران المروى عنه هو مقرن لاولده حيث انه هو الذي يروى عنه الهيثم ابن واقد، وهو الراوى عن الامام عليه السلام وليس في كتب الرجال والحديث، عن ابنه هذا عين ولا أثر، فتحرر

[225]

ولو يعلموا ما في زيارته من الخير، ويعلم ذلك الناس لاقتتلوا على زيارته بالسيوف، ولباعوا أموالهم في إتيانه وإن فاطمة عليها السلام إذا نظرت إليهم ومعها ألف نبي وألف صديق، وألف شهيد ومن الكروبيين ألف ألف يسعدونها على البكاء وإنها لتشهق شهقة فلا تبقى في السماوات ملك إلا بكى رحمة لصوتها، وما تسكن حتى يأتيها النبي فيقول: يا بنية قد أبكيت أهل السماوات، وشغلتهم عن التقديس والتسبيح، فكفي حتى يقدسوا فان الله بالغ أمره، وإنها لتنظر إلى من حضر منكم، فتسأل الله لهم من كل خير ولا تزهدوا في إتيانه فإن الخير في إتيانه أكثر من أن يحصى 18 - مل: بالاسناد المتقدم عن الاصم، عن أبي عبيدة البزاز (1) عن حريز قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما أقل بقاء كم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض ؟ مع حاجة هذا الخلق إليكم ؟ فقال إن لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته، فإذا انقضى ما فيها مما امر به عرف أن أجله قد حضر، وأتاه النبي صلى الله عليه وآله ينعى إليه نفسه، وأخبره بماله عند الله وإن الحسين عليه السلام قرأ صحيفته التي أعطيها وفسر له ما يأتي وما يبقي، وبقي منها أشياء لم تنقض فخرج إلى القتال وكانت تلك الامور التي بقيت أن الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لهم فمكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك، حتى قتل فنزلت وقد انقطعت مدته، وقتل صلوات الله عليه، فقالت الملائكة: يا رب أذنت لنا في الانحدار، وأذنت لنافي نصرته، فانحدرنا وقد قبضته ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليهم أن الزموا قبته حتى ترونه وقد خرج فانصروه، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته، وإنكم خصصتم بنصرته والبكاء عليه، فبكت الملائكة تقربا وجزعا على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج عليه السلام يكونون أنصاره كا: على، عن أبيه، عن الاصم، عن أبي عبداله البزاز، عن حريز مثله (2)


(1) الظاهر أبو عبد الله البزاز كما في الكافي (2) اصول الكافي ج 1 ص 283

[226]

19 - مل: أبي وأخي معا، عن أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى معا، عن العمركي قال: حدثنا يحيى، وكان في خدمة أبي جعفر الثاني عليه السلام عن علي عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته في طريق المدينة ونحن نريد مكة، فقلت: يا ابن رسول الله ما لي أراك كئيبا حزينا منكسرا ؟ فقال: لو تسمع ما أسمع لشغلك عن مساءلتي، فقلت: وما الذي تسمع ؟ قال: ابتهال الملائكة إلى الله جل وعز على قتلة أمير المؤمنين وقتلة الحسين عليه السلام ونوح الجن وبكاء الملائكة الذين حوله وشدة جزعهم، فمن يتهنأ مع هذا بطعام أو شراب أو نوم وذكر الحديث (1). 20 - مل: أبي، عن سعد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن قتيبة الهمداني عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إني كنت بالحيرة ليلة عرفة وكنت اصلي وثم نحو من خمسين ألفا من الناس، جميلة وجوههم، طيبة أرواحهم وأقبلوا يصلون بالليل أجمع، فلما طلع الفجر سجدت، ثم رفعت رأسي فلم أر منهم أحدا ؟ فقال لي أبو عبد الله عليه السلام إنه مر بالحسين بن علي خمسون ألف ملك وهو يقتل فعرجوا إلى السماء فأوحى الله إليهم: مررتم بابن حبيبي وهو يقتل فلم تنصروه ؟ فاهبطوا إلى الارض فاسكنوا عند قبره شعثا غبرا إلى أن تقوم الساعة (2) 21 - مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن عمربن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: هبط أربعة آلاف ملك يريدون القتال مع الحسين فلم يؤذن لهم في القتال فرجعوا في الاستئمار فهبطوا وقد قتل الحسين رحمة الله عليه ولعن قاتله ومن أعان عليه ومن شرك في دمه، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له: منصور، فلا يزوره زائر إلا استقبلوه، ولا يودعه مودع إلا شيعوه ولا يمرض إلا عادوه، ولا يموت إلا صلوا على جنازته، واستغفروا له بعد موته فكل هؤلاء في الارض ينتظرون قيام القائم عليه السلام (3) * (الهامش) * (1) المصدر ص 92 (2) المصدر ص 115 (3) المصدر ص 192

[227]

22 - قب: جامع الترمذي وكتاب السدي وفضائل السمعاني أن ام سلمة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وعلى رأسه التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله ؟ فقال: شهدت قتل الحسين آنفا. ابن فورك في فصوله، وأبو يعلى في مسنده، والعامري في إبانته من طرق منها عن عائشة، وعن شهر بن حوشب أنه دخل الحسين بن علي على النبي وهو يوحى إليه، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو منكب على ظهره، فقال جبرئيل: تحبه ؟ فقال: ألا احب ابني ؟ فقال: إن امتك ستقتله من بعدك فمد جبرئيل يده فإذا بتربة بيضاء، فقال: في هذه التربة يقتل ابنك، هذه يا محمد اسمها الطف. الخبر، وفي أخبار سالم بن الجعد أنه كان ذلك ميكائيل، وفي مسند أبي يعلى أن ذلك ملك القطر. أحمد في المسند، عن أنس والغزالي في كيمياء السعادة وابن بطة في كتابه الابانة من خمسة عشر طريقا، وابن حبيش التميمي واللفظ له قال ابن عباس: بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت ام سلمة، وهي تقول: يا بنات عبد المطلب اسعديني وابكين معي، فقد قتل سيدكن، فقيل: ومن أين علمت ذلك ؟ قالت: رأيت رسول الله الساعة في المنام شعثا مذعورا فسألته عن ذلك فقال: قتل ابني الحسين وأهل بيته فدفنتهم. قالت: فنظرت فإذا بتربة الحسين الذي أتى بها جبرئيل من كربلا وقال: إذا صارت دما فقد قتل ابنك فأعطانيها النبي فقال: اجعليها في زجاجة فلتكن عندك فإذا صارت دما فقد قتل الحسين عليه السلام فرأيت القارورة الآن قد صارت دما عبيطا يفور (1). أمالي المفيد النيسابوري أن زرة النائحة رأت فاطمة عليها السلام فيما يرى النائم أنها وقفت على قبر الحسين تبكي وأمرتها أن تنشد: أيها العينان فيضا * واستهلا لا تغيظا * (الهامش) * (1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 55.

[228]

وابكيا بالطف ميتا * ترك الصدر رضيضا لم امرضه قتيلا * لا ولا كان مريضا (1) بيان: تهللت دموعه: أي سالت، واستهل المطر: اشتد انصبابه، وغاض الماء قل. 23 - كا: علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن شمون عن الاصم، عن كرام قال: حلفت فيما بيني وبين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد، فدخلت على أبي عبد الله قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل الله عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد ؟ قال: فصم إذا يا كرام، ولا تصم العيدين ولا ثلاثة التشريق، ولا إذا كنت مسافرا ولا مريضا فان الحسين عليه السلام لما قتل عجت السماوات والارض ومن عليهما والملائكة، فقالوا يا ربنا ائذن لنا في هلاك الخلق حتى نجدهم من جديد الارض بما استحلوا حرمتك وقتلوا صفوتك، فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي اسكنوا ثم كشف حجابا من الحجب فإذا خلفه محمد واثنى عشر وصيا له عليهم السلام ثم أخذ بيد فلان القائم من بينهم فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي ! بهذا أنتصر لهذا قالها ثلاث مرات (2) بيان: جددت الشئ أجده جدا قطعته، وجد النخل يجده أي صرمه والجديد وجه الارض. 24 - أقول: روى الحسن بن سليمان من كتاب المعراج بإسناده عن الصدوق بإسناده عن بكربن عبد الله، عن سهل بن عبد الوهاب، عن أبي معاوية، عن الاعمش عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ليلة اسري بي إلى السماء فبلغت السماء الخامسة نظرت إلى صورة علي بن أبي طالب فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة ؟ فقال جبرئيل: يا محمد اشتهت الملائكة أن ينظروا إلى صورة علي فقالوا: ربنا إن بني آدم في دنياهم يتمتعون غدوة وعشية بالنظر إلى * (الهامش) * (1) المصدر ص 63 (2) اصول الكافي ج 1 ص 534

[229]

علي بن أبيطالب حبيب حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وخليفته ووصيه وأمينه، فمتعنا بصورته قدر ما تمتع أهل الدنيا به، فصور لهم صورته من نور قدسه عز وجل، فعلي عليه السلام بين أيديهم ليلا ونهارا يزورونه وينظرون إليه غدوة وعشية. قال: فأخبرني الاعمش، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: فلما ضربه اللعين ابن ملجم على رأسه صارت تلك الضربة في صورته التي في السماء فالملائكة ينظرون إليه غدوة وعشية، ويلعنون قاتله ابن ملجم، فلما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه هبطت الملائكة وحملته حتى أوقفته مع صورة علي في السماء الخامسة فكلما هبطت الملائكة من السماوات من علا، وصعدت ملائكة السماء الدنيا فمن فوقها إلى السماء الخامسة لزيارة صورة علي عليه السلام والنظر إليه وإلى الحسين بن علي متشحطا بدمه، لعنوا يزيد وابن زياد وقاتل الحسين بن علي صلوات الله عليه إلى يوم القيامة. قال الاعمش: قال لي الصادق عليه السلام: هذا من مكنون العلم ومخزونه لا تخرجه إلا إلى أهله (1). * (الهامش) * (1) كتاب المحتضر ص 146 و 147.

[230]

42 (باب) * (رؤية ام سلمة وغيرها رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام) * * (واخباره بشهادة الكرام) * 1 - جا، ما: المفيد، عن محمد بن عمران، عن أحمد بن محمد الجوهري عن الحسن بن عليل العنزي، عن عبد الكريم بن محمد، عن حمزة بن القاسم العلوي عن عبد العظيم بن عبد الله العلوي، عن الحسن بن الحسين العربي، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: أصبحت يوما ام سلمة رضي الله عنها تبكي فقيل لها: مم بكاؤك ؟ فقالت: لقد قتل ابني الحسين الليلة، وذلك أنني ما رأيت رسول الله منذ مضى إلا الليلة فرأيته شاحبا كئيبا فقالت: قلت: ما لي أراك يا رسول الله شاحبا كئيبا ؟ قال: ما زالت الليلة أحفر القبور للحسين وأصحابه عليه وعليهم السلام. لى: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب عنه عليه السلام مثله (1) بيان: شحب جسمه أي تغير. 2 - ما: ابن حشيش، عن أبي المفضل الشيباني، عن علي بن محمد بن مخلد عن محمد بن سالم بن عبد الرحمن، عن عون بن مبارك الخثعمي، عن عمرو بن ثابت عن أبيه أبي المقدام، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء. فلما انتهيت إليها قلت: يا ام المؤمنين ما لك تصرخين وتغوثين ؟ فلم تجبني وأقبلت على النسوة الهاشميات، وقالت: يا بنات عبد المطلب اسعديني وابكين معي * (الهامش) * (1) أمالى الصدوق المجلس 29 تحت الرقم 1.

[231]

فقد قتل والله سيدكن وسيد شباب أهل الجنة، قد والله قتل سبط رسول الله وريحانته الحسين، فقلت: يا ام المؤمنين، ومن أين علمت ذلك ؟ قالت: رأيت رسول الله في المنام الساعة شعثا مذعورا فسألته عن شأنه ذلك، فقال: قتل ابني الحسين عليه السلام وأهل بيته اليوم، فدفنتهم والساعة فرغت من دفنهم. قالت: فقمت حتى دخلت البيت وأنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلا فقال: إذا صارت هذه التربة دما فقد قتل ابنك وأعطانيها النبي فقال: اجعل هذه التربة في زجاجة أو قال في قارورة ولتكن عندك، فإذا صارت دما عبيطا فقد قتل الحسين، فرأيت القارورة الآن وقد صارت دما عبيطا تفور. قال: فأخذت ام سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتما ومناحة على الحسين عليه السلام فجاءت الركبان بخبره وأنه قتل في ذلك اليوم. قال عمرو بن ثابت: إني دخلت على أبي جعفر محمد بن علي منزله فسألته عن هذا الحديث وذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث عن عبد الله بن عباس فقال أبو جعفر عليه السلام: حدثنيه عمربن أبي سلمة عن امه ام سلمة. قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه قال: فلما كانت الليلة القابلة رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي أغبر أشعث، فذكرت له ذلك، وسألته عن شأنه فقال لي: ألم تعلم أني فرغت من دفن الحسين وأصحابه. قال عمرو بن أبي المقدام: فحدثني سدير، عن أبي جعفر عليه السلام أن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله بالتربة التي يقتل عليها الحسين عليه السلام قال أبو جعفر عليه السلام: فهي عندنا 3 - في بعض كتب المناقب روى عن الحسن بن أحمد الهمداني، عن هبة الله ابن محمد الشيباني، عن الحسن بن علي التميمي، عن أحمد بن جعفر القطيفي عن إبراهيم بن عبد الله، عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن عمار أن ابن عباس رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه يوما بنصف النهار، وهو أشعث أغبر، في يده قارورة فيها دم

[232]

فقال: يا رسول الله ما هذا الدم ؟ قال: دم الحسين لم أزل التقطه منذ اليوم، فاحصي ذلك اليوم، فوجد (أنه) قتل في ذلك اليوم (1) وروى عن أبي الحسن العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد، عن والده عن علي بن أحمد بن عبدان، عن أحمد بن عبيد، عن تمتام، عن أبي سعيد، عن أبي خالد الاحمر، عن زر بن حبيش، عن سلمى قالت: دخلت على ام سلمة وهي تبكي، فقلت لها: ما يبكيك ؟ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وعلى رأسه ولحيته أثر التراب، فقلت: ما لك يارسول الله مغبرا ؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا (2) وجاء في المراسيل أن سلمى المدنية، قالت: دفع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ام سلمة قارورة فيها رمل من الطف، وقال لها: إذا تحول هذا دما عبيطا فعند ذلك يقتل الحسين، قالت سلمى: فارتفعت واعية من حجرة ام سلمة، فكنت أول من أتاها، فقلت: ما دهاك يا ام المؤمنين ؟ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام والتراب على رأسه، فقلت،: ما لك ؟ فقال: وثب الناس على ابني فقتلوه، وقد شهدته قتيلا الساعة، فاقشعر جلدي فوثبت إلى القارورة، فوجدتها تفور دما قالت سلمى: فرأيتها موضوعة بين يديها. 4 - يف: من كتاب الجمع بين الصحاح الستة قال: إن النبي رئي في المنام وهو يبكي فقيل له: ما لك يا رسول الله ؟ قال: قتل الحسين عليه السلام آنفا * (الهامش) * (1) أخرجه في مشكاة المصابيح ص 572 قال: رواها البيهقى في دلائل النبوة وأحمد. ورواه ابن حجر في الاصابة ج 1 ص 334، وابن عبد البر في الاستيعاب بذيله ص 380 وهكذا ابن الاثير في اسد الغابة ج 2 ص 22. (2) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب كما في مشكاة المصابيح ص 570 وسلمى هي زوجة أبى رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله. وقد روى هذا الخبر والذى قبله في اسد الغابة لابن الاثير ج 2 ص 22.

[233]

43 * (باب) * * (نوح الجن عليه، صلوات الله عليه) * 1 - أقول: وجدت في بعض كتب المناقب المعتبرة أنه روي عن سيد الحفاظ أبي منصور الديلمي، عن الرئيس أبي الفتح الهمداني، عن أحمد بن الحسين الحنفي عن عبد الله بن جعفر الطبري، عن عبد الله بن محمد التميمي، عن محمد بن الحسن العطار عن عبد الله بن محمد الانصاري، عن عمارة بن زيد، عن بكربن حارثة، عن محمد بن إسحاق، عن عيسى بن عمر، عن عبد الله بن عمر الخزاعي، عن هند بنت الجون قالت: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بخيمة خالتها ام معبد، ومعه أصحاب له، فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس، فقال في الخيمة هو وأصحابه حتى أبرد، وكان يوم قائظ شديد حره. فلما قام من رقدته دعا بماء فغسل يديه فأنقاهما، ثم مضمض فاه ومجه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتها ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا وغسل وجهه وذراعيه ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: لهذه العوسجة شأن. ثم فعل من كان معه من أصحابه مثل ذلك ثم قام فصلى ركعتين، فعجبت وفتيات الحي من ذلك وما كان عهدنا ولا رأينا مصليا قبله. فلما كان من الغد أصبحنا وقد علت العوسجة (1) حتى صارت كأعظم دوحة عادية وأبهى وخضد الله شوكها، وساخت عروقها وكثرت أفنانها، واخضر ساقها وورقها ثم أثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق ورائحة العنبر، وطعم الشهد، والله ما أكل منها جائع إلا شبع، ولاطمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برأ، ولا ذوحاجة وفاقة إلا استغنى، ولا أكل من ورقها * (الهامش) * (1) العوسج: من شجر الشوك له جناة حمراء ويكون غالبا في السباخ، الواحدة عوسجة.

[234]

بعير ولاناقة ولا شاة إلا سمنت ودر لبنها، ورأينا النماء والبركة في أموالنا منذ يوم نزل، وأخصبت بلادنا، وأمرعت (1) فكنا نسمي تلك الشجرة " المباركة " وكان ينتابنا من حولنا من أهل البوادي يستظلون بها، ويتزودون من ورقها في الاسفار ويحملون معهم في الارض القفار، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب. فلم تزل كذلك وعلى ذلك أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمارها، واصفر ورقها فأحزننا ذلك وفرقنا له، فما كان إلا قليل حتى جاء نعي رسول الله فإذا هو قد قبض ذلك اليوم فكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون ذلك في العظم والطعم والرائحة فأقامت على ذلك ثلاثين سنة فلما كانت ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد تشوكت من أولها إلى آخرها، فذهبت نضارة عيدانها وتساقط جميع ثمرها، فما كان إلا يسيرا حتى وافى مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فما أثمرت بعد ذلك لا قليلا ولا كثيرا، وانقطع ثمرها ولم نزل ومن حولنا نأخذ من ورقها ونداوي مرضانا بها، ونستشفي به من أسقامنا. فأقامت على ذلك برهة طويلة ثم أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد انبعثت من ساقها دما عبيطا جاريا وورقها ذابلة تقطر دما كماء اللحم، فقلنا أن: قد حدث عظيمة، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقع الداهية، فلما أظلم الليل علينا سمعنا بكاء وعويلا من تحتها وجلبة شديدة ورجة، وسمعنا صوت باكية تقول: أيا ابن النبي ويا ابن الوصي ويا من بقية ساداتنا الاكرمينا ثم كثرت الرنات والاصوات، فلم نفهم كثيرا مما كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين عليه السلام ويبست الشجرة وجفت فكسرتها الرياح والامطار بعد ذلك، فذهبت واندرس أثرها. قال عبد الله بن محمد الانصاري: فلقيت دعبل بن علي الخزاعي بمدينة الرسول فحدثته بهذا الحديث فلم ينكره وقال: حدثني أبي، عن جدي، عن امه سعيدة بنت مالك الخزاعية أنها أدركت تلك الشجرة فأكلت من ثمرها على عهد علي بن * (الهامش) * (1) يقال: أمرعت الارض: شبع غنمها واكلات في الشجر والبقر.

[235]

أبي طالب عليهما السلام وأنها سمعت تلك الليلة نوح الجن فحفظت من جنية منهن: يا ابن الشهيد ويا شهيدا عمه * خير العمومة جعفر الطيار عجبا لمصقول أصابك حده * في الوجه منك وقد علاه غبار قال دعبل: فقلت في قصيدتي: زر خير قبر بالعراق يزار * واعص الحمار فمن نهاك حمار لم لا أزورك يا حسين لك الفدا * قومي ومن عطفت عليه نزار ولك المودة في قلوب ذوي النهى * وعلى عدوك مقتة ودمار يا ابن الشهيد ويا شهيدا عمه * خير العمومة جعفر الطيار (1) بيان: خضدت الشجر قطعت شوكها 2 - وقال ابن نما - رحمه الله - في مثير الاحزان: ناحت عليه الجن وكان نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله منهم المسور بن مخرمة يستمعون النوح ويبكون، وذكر صاحب الذخيرة، عن عكرمة أنه سمع ليلة قتله بالمدينة مناد يسمعونه ولا يرون شخصه: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء تبكي عليكم * من نبي وملاك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وصاحب الانجيل (2) وروي أن هاتفا سمع بالبصرة ينشد ليلا: إن الرماح الواردات صدورها * نحو الحسين تقاتل التنزيلا ويهللون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا فكأنما قتلوا أباك محمدا * صلى عليه الله أو جبريلا وذكر ابن الجوزي في كتاب النور في فضايل الايام والشهور نوح الجن عليه فقالت: * (الهامش) * (1) ترى حديث دعبل في مقتل الخوارزمي ج 2 ص 100 (2) تراها في تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 341

[236]

لقد جئن نساء الجن يبكين شجيات * ويلطمن خدودا كالدنانير نقيات ويلبسن الثياب السود بعد القصبيات 3 - قب: قال دعبل: حدثني أبي، عن جدي عن امه سعدى بنت مالك الخزاعية أنها سمعت نوح الجن على الحسين عليه السلام: يا ابن الشهيد ويا شهيدا عمه * خير العمومة جعفر الطيار عجبا لمصقول أصابك حده * في الوجه منك وقد علاك غبار إبانة ابن بطة أنه سمع من نوحهم: أيا عين جودي ولا تجمدي * وجودي على الهالك السيد فبالطف أمسى صريعا فقد * رزئنا الغداة بأمر بدي ومن نوحهم: نساء الجن يبكين من الحزن شجيات * وأسعدن بنوح للنساء الهاشميات ويندبن حسينا عظمت تلك الرزيات * ويلطمن خدودا كالدنانير نقيات ويلبسن ثياب السود بعد القصبيات ومن نوحهم: احمرت الارض من قتل الحسين كما * اخضر عند سقوط الجونة العلق يا ويل قاتله يا ويل قاتله * فانه في سعير النار يحترق (ومن نوحهم): أبكي ابن فاطمة الذي من قتله شاب الشعر * ولقتله زلزلتم ولقتله خسف القمر وسمع نوح جن قصدوه لموازرته: والله ما جئتكم حتى بصرت به * بالطف منعفر الخدين منحورا قال الطبري: وسمع نوح الملائكة في أول منزل نزلوا قاصدين إلى الشام: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقتيل

[237]

قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وصاحب الانجيل (1) بيان: " بأمر بدي " أي بأمر بديع غريب وقال الجوهري: الجونة عين الشمس وإنما سميت جونة عند مغيبها لانها تسود حين تغيب، والعلق القطعة من الدم أي كما يخضر الافق عند سقوط الشفق، ولعل الاظهر كما احمر. 4 - مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عبد الرحمان بن أبي حماد، عن أبي ليلى الواسطي، عن عبد الله بن حسان الكناني قال: بكت الجن على الحسين بن علي بن أبيطالب عليه السلام فقالت: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم ؟ بأهل بيتي وإخواني ومكرمتي * من بين أسرى وقتلى ضرجوا بدم (2) 5 - مل: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن علي بن الحسين، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: بينا الحسين عليه السلام يسير في جوف الليل وهو متوجه إلى العراق وإذا رجل يرتجز ويقول: وحدثني أبي، عن سعد عن ابن عيسى، عن معمر بن خلاد، عن الرضا عليه السلام مثل ألفاظ سلمة قال: وهو يقول: يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر * حتى تحلى بكريم البحر بماجد الجد رحيب الصدر * أثابه الله لخير أمر (3) ثمت أبقاه بقاء الدهر فقال الحسين بن علي عليه السلام: * (الهامش) * (1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 62 و 63. وزاد ابن الجوزى في التذكرة ص 153 عن هشام بن محمد الكلبى: فكانوا يرون أنه بعض الملائكة، وقد أكثر الناس فيها (2) كامل الزيارات ص 95 (3) في الاصل وكذا المصدر ص 96: أبانه الله، والصحيح ما في الصلب ويحتمل " أنابه الله "

[238]

سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وخالف مجرما فان عشت لم أندم وإن مت لم الم * كفى بك موتا أن تذل وتغرما 6 - مل: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن محمد بن يحيى المعاذي، عن عباد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن عمر (و) بن عكرمة قال: أصبحنا ليلة قتل الحسين بالمدينة فإذا مولى لنا يقول: سمعنا البارحة مناديا ينادي ويقول: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقتيل قد لعنتم على لسان بن داود * وذي الروح حامل الانجيل (1) 7 - مل: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن سنان، عن عبد الله بن القاسم بن الحارث، عن داود الرقي قال: حدثتني جدتي أن الجن لما قتل الحسين عليه السلام بكت عليه بهذه الابيات: يا عين جودي بالعبر وابكي فقد حق الخبر * ابكي ابن فاطمة الذي ورد الفرات فما صدر الجن تبكي شجوها لما أتى منه الخبر قتل الحسين ورهطه تعسا لذلك من خبر فلابكينك حرقة عند العشاء وبالسحر * ولابكينك ما جرى عرق وما حمل الشجر 8 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله قالت: ما سمعت نوح الجن منذ قبض النبي إلا الليلة، ولا أراني إلا وقد اصبت بابني، قال: وجاءت الجنية منهم تقول: ألا يا عين فانهملي بجهدي * فمن يبكي على الشهداء بعدي * (الهامش) * (1) كامل الزيارات ص 97 وهكذا ما بعده

[239]

على رهط تقودهم المنايا * إلى متجبر في ملك عبد (1) مل: محمد بن جعفر القرشي، عن ابن أبي الخطاب مثله. قب: أمالي النيسابوري والطوسي مثله (2) وروى في المناقب القديم، عن شهردار الديلمي، عن محمود بن إسماعيل، عن أحمد بن فازشاه قال: وأخبرني أبو علي مناولة عن أبي نعيم الحافظ قالا: أخبرنا الطبراني، عن القاسم بن عباد الخطابي، عن سويد بن سعيد، عن عمرو بن ثابت مثله وفيه: ألا يا عين فاحتفلي بجهد (3) 9 - جا، ما: المفيد، عن عمر بن محمد، عن علي بن العباس، عن عبد الكريم ابن محمد، عن سليمان بن مقبل الحارثي، عن المحفوظ بن المنذر قال: حدثني شيخ من بني تميم كان يسكن الرابية قال: سمعت أبي يقول: ما شعرنا بقتل الحسين حتى كان مساء ليلة عاشوراء فاني لجالس بالرابية، ومعي رجل من الحي فسمعنا هاتفا يقول: والله ما جئتكم حتى بصرت به * بالطف منعفر الخدين منحورا وحوله فتية تدمى نحورهم * مثل المصابيح يطفون الدجى نورا وقد حثثت قلوصي كي اصادفهم * من قبل أن تتلاقى الحرد الحورا (4) فعاقني قدر والله بالغه * وكان أمرا قضاه الله مقدورا كان الحسين سراجا يستضاء به * الله يعلم أني لم أقل زورا


(1) امالي الصدوق المجلس 29 الرقم 2 (2) كامل الزيارات ص 93، مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 62 (3) ترى الحديث مسندا ومرسلا في تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 341، والخصائص للسيوطي ج 2 ص 127 مجمع الزوائد ج 9 ص 199، تذكرة الخواص ص 152 وفيه " إلى متجبر في ثوب عبد " (4) في تذكرة الخواص ص 154 عن المدائني: " من قبل ما ينكحون الخرد الحورا "

[240]

صلى الاله على جسم تضمنه * قبر الحسين حليف الخير مقبورا مجاورا لرسول الله في غرف * وللوصي وللطيار مسرورا فقلنا له: من أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا وآلي من جن نصيبين أردنا مؤازرة الحسين عليه السلام ومواساته بأنفسنا فانصرفنا من الحج فأصبناه قتيلا بيان: " حرد " جمع حارد من قولهم أسد حارد أي غضبان، أو من حرد الرجل حرودا إذا تحول عن قومه، وفيما سيأتي من رواية ابن قولويه " من قبل ما أن يلاقوا الخرد الحورا " وهو أظهر قال الفيروزآبادي: الخريد وبهاء والخرود: البكر لم تمسس أو الخفرة الطويلة السكوت الخافضة الصوت المتسترة والجمع خرائد وخرد وخرد 10 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن إبراهيم بن عقبة، عن أحمد ابن عمرو بن مسلم، عن الميثمي قال: خمسة من أهل الكوفة أرادوا نصر الحسين بن علي عليه السلام فعرسوا (1) بقرية يقال لها: شاهي إذ أقبل عليهم رجلان: شيخ وشاب وسلما عليهم، قال: فقال الشيخ: أنا رجل من الجن، وهذا ابن أخي أراد نصر هذا الرجل المظلوم، قال: فقال لهم الشيخ الجني: قد رأيت رأيا قال: فقال الفتية الانسيون: وما هذا الرأي الذي رأيت ؟ قال: رأيت أن أطير فأتيكم بخبر القوم فتذهبون على بصيرة، فقالوا له: نعم ما رأيت، قال: فغاب يوم وليلته، فلما كان من الغد إذا هم بصوت يسمعونه ولا يرون الشخص، وهو يقول: " والله ما جئتكم حتى بصرت به " إلى آخر ما مر من الابيات سوى بيتين مصدر ين بقوله " فعاقني " وبقوله " فصلى " -. فأجابه بعض الفتية من الانسيين (يقول): اذهب فلازال قبر أنت ساكنه * إلى القيامة يسقى الغيث ممطورا وقد سلكت سبيلا كنت سالكه * وقد شربت بكأس كان مغزورا


(1) في المصدر ص 92: " فمروا " والتعريس نزول القوم في السفر من آخر الليل يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم يرتحلون وشاهى موضع قرب القادسية

[241]

وفتية فرغوا لله أنفسهم * وفارقوا المال والاحباب والدورا (1) 11 - مل: حكيم بن داود، عن سلمة بن الخطاب، عن عمربن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن أبي زياد القندي قال كان الجصاصون يسمعون نوح الجن حين قتل الحسين بن علي عليه السلام في السحر بالجبانة، وهم يقولون: مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود * أبواه في عليا قريش جده خير الجدود أقول: روى في المناقب القديم عن أبي العلا الحسن بن أحمد الهمداني عن محمود بن إسماعيل، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن أبي القاسم اللخمي، عن محمد بن عثمان، عن جندل بن والق، عن عبد الله بن الطفيل، عن أبي زيد الفقيمي عن أبي حباب الكلبي، عن الجصاصين مثله 12 - مل: بالاسناد، عن عمربن سعد، عن الوليد بن غسان، عمن حدثه قال: كانت الجن تنوح على الحسين بن علي صلوات الله عليهما فتقول: لمن الابيات بالطف على كره بنينه * تلك أبيات حسين يتجاوبن الرنينه 13 - مل: حكيم بن داود، عن سلمة، عن أيوب بن سليمان، عن علي بن الحزور قال: سمعت ليلى وهي تقول: سمعت نوح الجن على الحسين بن علي عليهما السلام وهي تقول: يا عين جودي بالدموع فانما * يبكي الحزين بحرقة وتوجع يا عين ألهاك الرقاد بطيبه * من ذكر آل محمد وتوجع باتت ثلاثا بالصعيد جسومهم * بين الوحوش وكلهم في مصرع أقول: قد أوردنا بعض الاخبار في باب شهادته صلوات الله عليه


(1) كامل الزيارات ص 93، وهكذا ما بعده على الترتيب

[242]

44 * (باب) * * (ما قيل من المراثى فيه، صلوات الله عليه) * 1 - جا، ما: المفيد، عن محمد بن عمران، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الله ابن أبي سعد، عن مسعود بن عمرو، عن إبراهيم بن داحة قال: أول شعر رثي به الحسين بن علي عليه السلام قول عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب: إذا العين فرت في الحياة وأنتم * تخافون في الدنيا فأظلم نورها مررت على قبر الحسين بكربلا * ففاض عليه من دموعي غزيزها فمازلت أرثيه وأبكي لشجوه * ويسعد عيني دمعها وزفيرها وبكيت من بعد الحسين عصائب * أطافت به من جانبيها قبورها سلام على أهل القبور بكربلا * وقل لها مني سلام يزورها سلام بآصال العشي وبالضحى * تؤديه نكباء الرياح ومورها ولا برح الوفاد زوار قبره * يفوح عليهم مسكها وعبيرها قب: مرسلا مثله (1) بيان: " النكباء " الريح الناكبة التي تنكب عن مهاب الرياح القوم ذكره الجوهري وقال الفيروزآبادي: ريح انحرفت ووقعت بين ريحين أوبين الصبا والشمال، والمور بالضم الغبار بالريح (2) 2 - قب: الكميت: أضحكني الدهر وأبكاني * والدهر ذوصرف وألوان لتسعة بالطف قدغودروا * صاروا جميعا رهن أكفان


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 123، وفيه " عقبة بن عميق " وفى تذكرة الخواص: ص 153 عقبة بن عمرو العبسى (2) وفى المناقب " تؤديه نكباء الصبا ودبورها "

[243]

وستة لايتجازى بهم * بنو عقيل خير فرسان ثم علي الخير مولاهم * ذكرهم هيج أحزاني (1) بيان: التجازي التقاضي: 3 - قب: السري الرفا (2): أقام روح وريحان على جدث * ثوى الحسين به ظمآن آمينا كأن أحشاءنا من ذكره أبدا * تطوى على الجمر أو تحشى السكاكينا مهلا فما نقضوا أوتار والده * وإنما نقضوا في قتله الدينا بيان: لعل الاوتار جمع وتر القوس كناية عن العهود والمواثيق (3) 4 - قب: دعبل: هلا بكيت على الحسين وأهله * هلا بكيت لمن بكاه محمد فلقد بكته في السماء ملائك * زهر كرام راكعون وسجد لم يحفظوا حب النبي محمد * إذ جرعوه حرارة ما تبرد قتلوا الحسين فأثكلوه بسبطه * فالثكل من بعد الحسين مبدد هذا حسين بالسيوف مبضع * متخضب بدمائه مستشهد عار بلا ثوب صريع في الثرى * بين الحوافر والسنابك يقصد كيف القرار وفي السبايا زينب * تدعو بفرط حرارة يا أحمد يا جد إن الكلب يشرب آمنا * ريا ونحن عن الفرات نطرد يا جد من ثكلي وطول مصيبتي * ولما اعاينه أقوم وأقعد بيان: قوله: " فالثكل من بعد الحسين مبدد " أي تفرق وكثر القتل والثكل بغد قتله عليه السلام في أولاد الرسول صلى الله عليه وآله أو سائر الخلق أيضا، ولا يبعد أن يكون " فالكل " فصحف


(1) المصدر ج 4 ص 116، وهكذا ما بعده على الترتيب (2) المصدر: الوفى السرى (3) ولعله كناية عن السداة: مامد من خيوط الثوب ونسج عليه اللحمة، فإذا انتقض انتقض اللحمة

[244]

5 - قب: كشاجم: إذا تفكرت في مصابهم * أثقب زند الهموم قادحه فبعضهم قربت مصارعه * وبعضهم بعدت مطارحه أظلم في كربلاء يومهم * ثم تجلى وهم ذبائحه ذل حماه وقل ناصره * ونال أقوى مناه كاشحه خالد بن معدان: جاؤا برأسك يا ابن بنت محمد * مترملا بدمائه ترميلا قتلوك عطشانا ولم يترقبوا * في قتلك التنزيل والتأويلا وكأنما بك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا سليمان بن قتة (1) الهاشمي: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلت ألم تر أن الارض أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرت وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقاب المسلمين فذلت وكانوا رجاء ثم عادوا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت السوسي: لهفي على السبط وما نا له * قد مات عطشانا بكرب الظما لهفي لمن نكس عن سرجه * ليس من الناس له من حما


(1) هذا هو الصحيح كما نص عليه الفيروزآبادى قال: وقتة كضبة: أم سليمان وعنونه ابن قتيبة في التابعين وقال: منسوب إلى أمه وهو مولى لتيم قريش، وكان مع روايته شاعرا، وهكذا قال المبرد في الكامل: سليمان بن قتة رجل من تيم بن مرة وكان منقطعا إلى بنى هاشم أقول ولعل ابن شهر آشوب أراد من وصفه بالهاشمي انقطاعه ذلك، والا فهو تيمى ولاء، ولعله تصحيف القرشى، وقد يقال أنه خزاعي كما في أسد الغابة ج 2 ص 21، وهكذا في الاستيعاب بذيل الاصابة ج 1 ص 378

[245]

لهفي على بدر الهدى إذ علا * في رمحه يحكيه بدر الدجى لهفي على النسوة إذ برزت * تساق سوقا بالعنا والجفا لهفي على تلك الوجوه التي * ابرزن بعد الصون بين الملا لهفي على ذاك العذار الذي * علاه بالطف تراب العرا لهفي على ذاك القوام الذي * حناه بالطف سيوف العدا وله: كم دموع ممزوجة بدماء * سكبتها العيون في كربلاء لست أنساه بالطفوف غريبا * مفردا بين صحبه بالعراء وكأني به وقد خرفي الترب * صريعا مخضبا بالدماء وكأني به وقد لحظ النسوا * ن يهتكن مثل هتك الاماء وله: جودي على حسين يا عين بانغزار * جودي على الغريب إذا الجار لايجار جودي على النساء مع الصبية الصغار * جودي على القتيل مطروح في القفار (وله): ألا يا بني الرسول لقد قل الاصطبار * ألا يا بني الرسول خلت منكم الديار ألا يا بني الرسول فلا قر لي قرار وله: لا عذر للشيعي يرقأ دمعه * ودم الحسين بكربلاء اريقا يا يوم عاشورا لقد خلفتني * ما عشت في بحر الهموم غريقا فيك استبيح حريم آل محمد * وتمزقت أسبابهم تمزيقا عأذوق ري الماء وابن محمد * لم يروحتى للمنون اذيقا وله: وكل جفني بالسهاد * مذعرس الحزن في فؤادي ناع نعى بالطفوف بدرا * أكرم به رائحا وغادي

[246]

نعى حسينا فدته روحي * لما أحاطت به الاعادي في فتية ساعدوا وواسوا * وجاهدوا أعظم الجهاد حتى تفانوا وظل فردا * ونكسوه عن الجواد وجاء شمر إليه حتى * جرعه الموت وهوصاد وركب الرأس في سنان * كالبدر يجلو دجى السواد واحتملوا أهله سبايا * على مطايا بلا مهاد وله أيضا: ءأنسى حسينا بالطفوف مجدلا * ومن حوله الاطهار كالانجم الزهر ءأنسى حسينا يوم سير برأسه * على الرمح مثل البدر في ليلة البدر ءأنسى السبايا من بنات محمد * يهتكن من بعد الصيانة والخدر بيان: " وهوصاد " أي عطشان 6 - قب العوني: فيا بضعة من فؤاد النبي * بالطف أضحت كثيبا مهيلا ويا كبدا من فؤاد البتول * بالطف شلت فأضحت أكيلا (1) قتلت فأبكيت عين الرسول * وأبكيت من رحمة جبرئيلا وله: يا قمرا غاب حين لاحا * أورثني فقدك المنايا يانوب الدهر لم يدع لي * صرفك من حادث صلاحا أبعد يوم الحسين ويحي * أستعذب اللهو والمزاحا يا بأبي أنفس ظماء * ماتوا ولم يشربوا المباحا يا بأبي غرة هداة * باكرها حتفها صباحا يا سادتي يا بني علي * بكى الهدى فقدكم وناحا (2)


(1) في المناقب ج 4 ص 119 " ثلت " والثل: الهدم والهلاك (2) في المصدر: بعدكم وناحا

[247]

يا سادتي يا بني إمامي * أقولها عنوة صراحا أوحشتم الحجر والمساعي * آنستم القفر والبطاحا أوحشتم الذكر والمثاني * والسور النول الفصاحا (1) بيان: " النول " كركع جمع النائل أي العطاء 7 - قب: وله: لم أنس يوما للحسين وقد ثوى * بالطف مسلوب الرداء خليعا ظمآن من ماء الفرات معطشا * ريان من غصص الحتوف نقيعا يرنو إلى ماء الفرات بطرفه * فيراه عنه محرما ممنوعا بيان: " نقيعا " أي كأنه نقع له سم الحتوف، أو من قولهم سم ناقع، أي بالغ وسم منقع أي مربى، ورنا إليه يرنو رنوا أدام النظر 8 - قب: الزاهي: اعاتب عيني إذا أقصرت * وأفنى دموعي إذا ما جرت لذكراكم يا بني المصطفى * دموعي على الخد قد سطرت لكم وعليكم جفت غمضها * جفوني عن النوم واستشعرت أمثل أجسادكم بالعراق ؟ * وفيها الاسنة قد كسرت أمثلكم في عراص الطفوف * بدورا تكسف إذ أقمرت غدت أرض يثرب من جمعكم * كخط الصحيفة إذأقفرت وأضحى بكم كربلا مغربا * لزهر النجوم إذا غورت (2) كأني بزينب حول الحسين * ومنها الذوائب قدنشرت تمرغ في نحره شعرها * وتبدي من الوجد ما أضمرت وفاطمة عقلها طائر * إذا السوط في جنبها أبصرت


(1) كذا في الاصل وهو سهو والصحيح كما في المصدر: والسور الطول الفصاحا (2) في الاصل وهكذا نسخة الكمبانى " كزهر النجوم "

[248]

وللسبط فوق الثرى شيبة * يفيض دم النحر قد عفرت ورأس الحسين أمام الرفاق * كغرة صبح إذا أسفرت وله أيضا: لست أنسى النساء في كربلاء * وحسين ظام فريد وحيد ساجد يلثم الثرى وعليه * قضب الهند ركع وسجود يطلب الماء والفرات قريب * ويرى الماء وهو عنه بعيد بيان: جفت أي أبعدت وقوله: " جفوني " فاعله، وقوله: " عن النوم " متعلق به بتضمين معنى الفرار ونحوه، أي أبعدت وتركت جفوني غمضها وضمها فرارا عن النوم، واستشعرت أي أضمرت حزنا يقال: استشعر فلان خوفا أي أضمره قوله: " إذ أقمرت " أي قبل أن تصل إلى البدرية والكمال تكسفت، قوله: " إذ أقفرت " أي خلت أرض يثرب منكم فبقي منكم فيها آثار خربة كخط الصحيفة يقال: سيف قاضب وقضيب أي قطاع والجمع قواضب وقضب 9 - قب: الناشي: مصائب نسل فاطمة البتول * نكت حسراتها كبد الرسول ألا بأبي البدور لقين كسفا * وأسلمها الطلوع إلى الافول ألا يا يوم عاشورا رماني * مصابي منك بالداء الدخيل كأني بابن فاطمة جديلا * يلاقي الترب بالوجه الجميل يجرن في الثرى قدا ونحرا * على الحصباء بالخد التليل صريعا ظل فوق الارض أرضا * فوا أسفا على الجسم النحيل أعاديه توطأه ولكن * تخطاه العتاق من الخيول وقد قطع العداة الرأس منه * وعلوه على رمح طويل وقد برز النساء مهتكات * يجز زن الشعور من الاصول يسرن مع اليتامى من قتيل * يخضب بالدماء إلى قتيل فطورا يلتثمن بني علي * وطورا يلتثمن بني عقيل

[249]

وفاطمة الصغيرة بعد عز * كساها الحزن أثواب الذليل تنادي جدها يا جد إنا * طلبنا بعد فقدك بالذحول بيان: قال الفيروزآبادي: داء وحب دخيل أي داخل. والجديل الصريع وجرن الحب طحنه، وجرن الثوب جرونا انسحق، والقد القامة، وتله للجبين أي صرعه، والذحول جمع الذحل يقال: طلب بذحله أي بثأره 10 - قب: المرتضى: إن يوم الطف يوما كان للدين عصبيا * لم يدع للقلب مني في المسرات نصيبا لعن الله رجالا أترعوا الدنيا غصوبا * سالموا عجزا فلما قدروا شنوا الحروبا طلبوا أوتار بدر عندنا ظلما وحوبا وله: لقد كسرت للدين في يوم كربلا * كسائر لا تؤسى ولاهي تجبر فإما سبي بالرماح مسوق * وإما قتيل بالتراب معفر وجرحى كما اختارت رماح وأنصل * وصرعى كما شاءت ضباع وأنسر بيان: يوم " عصيب " أي شديد، وأترعه أي ملاه، والترع محركة الاسراع إلى الشر، وترع فلان كفرح اقتحم الامور مرحا ونشاطا، والحوب بالضم الاثم والهلاك والبلاء قوله: لا تؤسى من أسوت الجرح أي داويته الرضي: كربلا لا زلت كربا وبلا * مالقى عندك آل المصطفى (1) كم على تربك لما صرعوا * من دم سال ومن دمع جرى وضيوف لفلاة قفرة * نزلوا فيها على غير قرى لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا * بحدى السيف على ورد الردى تكسف الشمس شموس منهم * لاتدانيها علواء وضيا


(1) لقاه، يلقاه مثل لقيه لغة طائية قال شاعرهم: لم تلق خيل قبلها ما قد لقت * من غب هاجره وسيرمساد

[250]

وتنوش الوحش من أجسادهم * أرجل السبق وأيمان الندا ووجوها كالمصابيح فمن: * قمرغاب ومن نجم هوى غيرتهن الليالى وغدا * جائر الحكم عليهن البلى يارسول الله لو عاينتهم * وهم مابين قتل وسبا من رميض يمنع الظل ومن * عاطش يسقى أنابيب القنا ومسوق عاثر يسعى به * خلف محمول على غير وطا جزروا جزر الاضاحي نسله * ثم ساقوا أهله سوق الاما قتلوه بعد علم منهم * أنه خامس أصحاب الكسا ميت تبكي له فاطمة * وأبوها وعلي ذوالعلا وله أيضا: شغل الدموع عن الديار بكاؤها * لبكاء فاطمة على أولادها لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى * دفع الفرات يذاد عن ورادها أترى درت أن الحسين طريدة * لقنا بني الطرداء عند ولادها كانت مآتم بالعراق تعدها * اموية بالشام من أعيادها ما راقبت غضب النبي وقد غدا * زرع النبي مظنة لحصادها جعلت رسول الله من خصمائها * فلبئس ما ادخرت ليوم معادها نسل النبي على صعاب مطيها * ودم الحسين على رؤس صعادها وا لهفتاه لعصبة علوية * تبعت امية بعد ذل قيادها جعلت عران الذل في آنافها * وغلاظ وسم الضيم في أجيادها واستأثرت بالامر عن غيابها * وقضت بما شاءت على أشهادها طلبت تراث الجاهلية عندها * وشفت قديم الغل من أحقادها يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * تترقص الاشياء من إيقادها أقول: وفي بعض الكتب فيه زيادة: إن قوضت تلك القباب فانها * خرت عماد الدين قبل عمادها

[251]

هي صفوة الله التي أوحى بها * وقضى أوامره إلى أمجادها يروي مناقب فضلها أعداؤها * أبدا فيسندها إلى أضدادها يا فرقة ضاعت دماء محمد * وبنيه بين يزيدها وزيادها صغرا بمال الله ملء أكفها * وأكف آل الله في أصفادها ضربوا بسيف محمد أبناءه * ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * تترقص الاحشاء من إيقادها ما عدت إلا عاد قلبي علة * حزني ولو بالغت في إيرادها بيان: قوله: " بحدى السيف " أي حداهم السيف حتى اجتمعوا على نوبة هلاكهم، أو على ما يورد عليه من الهلاك، ويمكن أن يكون بحد السيف على التخفيف لضرورة الشعر، وفي بعض النسخ بحذا السيف أي قبال السيف، قوله: " تكسف الشمس " أي هم شموس كل منهم يغلب نوره نور الشمس ويكسفها، والنوش التناول قوله: " جائر الحكم " حال عن البلى، أي بلى كثير كأنه جارفي الحكم ولعل مراده غير المعصوم فانه لا يتطرق إليه البلى، مع أنه في الشعر قد لا يراعى تلك الامور قوله: " شغل الدموع " أي شغل البكاء على تلك المصيبة الدموع عن انصبابها لذكر ديار المحبوبين ومنازلهم، فالضمير في " بكاؤها " راجع إلى العيون بقرينة المقام، والاصوب شغل العيون أي عن النظر إلى الديار، قوله: " لم يخلفوها " أي لم يرعوا حرمة فاطمة في الشهيد، والدفع بضم الدال وفتح الفاء جمع الدفعة أي دفعات الفرات وانصباباتها، والدفاع: طحمة الموج والسيل قوله: درت أي علمت فاطمة عليها السلام قوله: بني الطرداء أي أبناء الذين كانوا مطرودين ملعونين حين تلد فاطمة تلك الاولاد، والزرع الولد، وهنا معناه الآخر مرعي والصعدة القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج إلى تثقيف، والصعاد جمعها والعران العود الذي يجعل في وترة أنف البختي

[252]

11 - قب: آخر: تبيت النشاوى من امية نوما * وبالطف قتلى ما ينام حميمها وما قتل الاسلام إلا عصابة * تآمر نوكاها ونام زعيمها فأضحت قناة الدين في كف ظالم * إذا اعوج منها جانب لا يقيمها غيره: واخجلة الاسلام من أضداده * ظفروا له بمعايب ومعاير آل العزير يعظمون حماره * ويرون فوزا لثمهم للحافر وسيوفكم بدم ابن بنت نبيكم * مخضوبة لرضى يزيد الفاجر وفي رواية: واخجلة الاسلام من أضداده * ظفروا له بمعايب ومعاير (1) رأس ابن بنت محمد ووصيه * تهدى جهارا للشقي الفاجر الصنوبري: ياخير من لبس النبوة من جميع الانبياء * وجدي على سبطيك وجد ليس يؤذن بانقضاء هذا قتيل الاشقياء وذا قتيل الادعياء * يوم الحسين هرقت دمع الارض بل دمع السماء يوم الحسين تركت باب العز مهجور الفناء * ياكربلا خلفت من كرب علي ومن بلاء كم فيك من وجه تشرب ماؤه ماء البهاء * نفسي فداء المصطلي نار الوغى أي اصطلاء حيث الاسنة في الجواشن كالكواكب في السماء * فاختار درع الصبر حيث الصبر من لبس السناء


(1) هذا البيت ساقط من المصدر، راجع ج 4 ص 124

[253]

وأبا إباء الاسد إن الاسد صادقة الاباء * وقضى كريما إذ قضى ظمآن في نفر ظماء منعوه طعم الماء لا وجدوا لماء طعم ماء * من ذا لمعفور الجواد ممال أعواد الخباء من للطريح الشلو عريانا مخلى بالعراء * من للمحنط بالتراب وللمغسل بالدماء من لابن فاطمة المغيب عن عيون الاولياء بيان: " الشلو " - بالكسر - العضو من أعضاء اللحم، وأشلاء الانسان أعضاؤه بعد التفرق 12 - قب: للشافعي: تأوه قلبي والفؤاد كئيب * وأرق نومي فالسهاد عجيب فمن مبلغ عني الحسين رسالة * وإن كرهتها أنفس وقلوب ذبيح بلا جرم كأن قميصه * صبيغ بماء الارجوان خضيب فللسيف إعوال وللرمح رنة * وللخيل من بعد الصهيل نحيب تزلزلت الدنيا لآل محمد * وكادت لهم صم الجبال تذوب وغارت نجوم واقشعرت كواكب * وهتك أستار وشق جيوب يصلى على المبعوث من آل هاشم * ويغزى بنوه إن ذا لعجيب لئن كان ذنبي حب آل محمد * فذلك ذنب لست عنه أتوب هم شفعائي يوم حشري وموقفي * إذا ما بدت للناظرين خطوب الجوهري: عاشورنا ذا ألا لهفي على الدين * خذوا حدادكم يا آل ياسين اليوم شقق جيب الدين وانتهبت * بنات أحمد نهب الروم والصين اليوم قام بأعلا الطف نادبهم * يقول: من ليتيم أو لمسكين اليوم خضب جيب المصطفى بدم * أمسى عبير نحور الحور والعين

[254]

اليوم خرنجوم الفخر من مضر * على مناخر تذليل وتوهين اليوم اطفئ نور الله متقدا * وجزرت لهم التقوى على الطين (1) اليوم هتك أسباب الهدى مزقا * وبرقعت عزة الاسلام بالهون اليوم زعزع قدس من جوانبه * وطاح بالخيل ساحات الميادين اليوم نال بنو حرب طوائلها * مما صلوه ببدر ثم صفين اليوم جدك سبط المصطفى ! شرقا * من نفسه بنجيع غير مسنون ايضاح " الحداد " بالكسر ثياب المأتم السود، وطاح أي هلك وسقط والطوائل جمع طائلة، وهي العداوة والترة، والنجيع من الدم ما كان إلى السواد وقيل: هو دم الجوف خاصة، والمسنون المتغير المنتن، وقوله شرقا فعل والالف للاشباع أي شرق بسبب مصيبة من هو بمنزلة نفسه بدم طري من الحزن 13 - قب: شاعر: يا كربلا يا كربتي وزفرتي * كم فيك من ساق ومن جمجمة ومن يمين بالحسام بينت * للفاطميات العظام الحرمة قدخر أركان العلى وانهدت * وغلقت أبوابه وسدت تلك الرزايا عظمت وجلت آخر: كم سيد لي بكربلا فديته السيد الغريب * كم سيدلي بكربلا للموت في صدره وجيب كم سيد لي بكربلا عسكره بالعرا نهيب * كم سيد لي بكربلا ليس لما يشتهي طبيب كم سيدلي بكربلا خاتمه والرداء سليب * كم سيد لي بكربلا خضب من نحره المشيب


(1) وجررت لمم التقوى على الطين. خ ل

[255]

كم سيد لي بكربلا ملثمه والردا خضيب * كم سيد لي بكربلا يسمع صوتي ولا يجيب * كم سيد لي بكربلا ينقر في ثغره القضيب آخر: رأس ابن بنت محمد ووصيه * للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم رزءك كل اذن يسمع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم تكن بك تهجع ماروضة إلا تمنت أنها * لك منزل ولخط قبرك مضجع آخر: إذا جاء عاشورا تضاعف حسرتي * لآل رسول الله وانهل عبرتي هو اليوم فيه اغبرت الارض كلها * وجوما عليها والسماء اقشعرت اريقت دماء الفاطميين بالملا * فلو عقلت شمس النهار لخرت بنفسي خدود في التراب تعفرت * بنفسي جسوم بالعراء تعرت بنفسي رؤس معليات على القنا * إلى الشام تهدى بازفات الاسنة (1) بنفسي شفاه ذابلات من الظما * ولم تحظ من ماء الفرات بقطرة بنفسي عيون غائرات سواهر * إلى الماء منها قطرة بعد قطرة بنفسي من آل النبي خرائد * حواسر لم تعرف عليهم بسترة ايضاح قال الجوهري: وجم من الامر وجوما والواجم الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام ويوم وجيم أي شديد الحر، وقال الفيروزآبادي: الزفت: الملء والغيظ والطرد والسوق والدفع والمنع وبالكسر القار والمزفت المطلي به والظاهر بارقات كما ستجيئ، و الخريدة من النساء الحيية، والجمع خرائد قوله " لم تعرف " من العرف و المعروف بمعنى الاحسان


(1) في المصدر ج 4 ص 126 " بارقات " ويمكن أن يقرأ " بازقات "

[256]

14 - قب: لابي الفرج ابن الجوزي (1): أحسين والمبعوث جدك بالهدى * قسما يكون الحق فيه مسائلي لو كنت شاهد كربلا لبذلت في * تنتفيس كربك جهد بذل الباذل وسقيت حد السيف من أعدائكم * جللا وحد السمهري الذابل (2) لكنني اخرت عنك لشقوتي * فبلابلي بين الغري وبابل إذ لم أفز بالنصر من أعدائكم * فأقل من حزن ودمع سائل آخر: ياحر صدري يا لهيب الحشا * انهد ركني يا أخي والقوا كنت أخي ركني ولم يبق لي * ذخر ولا ركن ولا ملتجا وكنت أرجوك فقد خانني * ماكنت أرجوه فخاب الرجا (أ) يا ابن امي لو تأملتني * رأيت مني ما يسر العدا حل بأعدائك ماحل بي * من ألم السير وذل السبا ويا شيقيقي أنا أفديك من * يومك هذا وأكون الفدا ولا هنأني العيش يا سيدي * ما عشت من بعدك أو ادفنا آخر: يامن رأى حسينا شلوا لدى الفلاة * والرأس منه عال في ذروة القناه وزينب تنادي قد قتلوا حماتي * يا جد لو ترانا أسرى مهتكات توضيح الجلل بالتحريك العظيم، والسمهري: الرمح الصلب، والبلابل شدة الهموم والوساوس


(1) قال سبطه في التذكرة ص 154: وأنشدنا أبو عبد الله محمد ابن البنديجى البغدادي قال: أنشدنا بعض مشايخنا أن ابن الهبارية الشاعر اجتاز بكربلاء فجلس يبكى على الحسين وأهله وقال بديها: " أحسين والمبعوث جدك بالهدى " الابيات، ثم نام مكانه فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال له: يا فلان ! جزاك الله عنى خيرا، أبشر فان الله قد كتبك ممن جاهد بين يدى الحسين (2) في التذكرة: " عللا " والعل: الشرب الثاني، يقال " علل بعد نهل " (*)

[257]

15 - أقول: رأيت في بعض مؤلفات المتأخرين أنه قال: حكى دعبل الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام في مثل هذه الايام فرأيته جالسا جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلما رآني مقبلا قال لي: مرحبا بك يا دعبل مرحبا بناصرنا بيده ولسانه، ثم إنه وسع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه، ثم قال لي: يا دعبل احب أن تنشدني شعرا فان هذه الايام أيام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيام سرور كانت على أعدائنا خصوصا بني امية، يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحدا كان أجره على الله يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا، يا دعبل من بكى على مصاب جدي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة ثم إنه عليه السلام نهض، وضرب سترا بيننا وبين حرمه، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدهم الحسين عليه السلام ثم التفت إلي وقال لي: يا دعبل ارث الحسين فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيا، فلا تقصر عن نصرنا ما استطعت قال دعبل: فاستعبرت وسالت عبرتي وأنشأت أقول: أفاطم لو خلت الحسين مجدلا * وقد مات عطشانا بشط فرات إذا للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلاة قبور بكوفان واخرى بطيبة * واخرى بفخ نالها صلواتي قبور ببطن النهر من جنب كربلا * معرسهم فيها بشط فرات توافوا عطاشا بالعراء فليتني * توفيت فيهم قبل حين وفاتي إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم (1) * سقتني بكأس الثكل والفضعات إذا فخروا يوما أتوا بمحمد * وجبريل والقرآن والسورات وعدوا عليا ذا المناقب والعلا * وفاطمة الزهراء خير بنات وحمزة والعباس ذاالدين والتقى * وجعفرها الطيار في الحجبات * (الهامش) * (1) اللوعة: حرقة الحزن والهوى والوجد

[258]

اولئك مشؤمون هندا وحربها * سمية من نوكى ومن قذرات هم منعوا الآباء من أخذ حقهم * وهم تركوا الابناء رهن شتات سأبكيهم ما حج لله راكب * وما ناح قمري على الشجرات فيا عين بكيهم وجودي بعبرة * فقد آن للتسكاب والهملات بنات زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله منهتكات وآل زياد في الحصون منيعة * وآل رسول الله في الفلوات ديار رسول الله أصبحن بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات وآل رسول الله نحف جسومهم وآل زياد غلظ القصرات (1) وآل رسول الله تدمى نحورهم * وآل زياد ربة الحجلات وآل رسول الله تسبى حريمهم * وآل زياد آمنوا السربات إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * أكفا من الاوتار منقبضات سأبكيهم ما ذر في الارض شارق * ونادى منادي الخير للصلوات وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات أقول: سيأتي تمام القصيدة وشرحها في أبواب تاريخ الرضا عليه السلام. 16 - ورأيت في بعض مؤلفات بعض ثقات المعاصرين بعض المراثي فأحببت إيرادها: للشيخ الخليعي: لم أبك ربعا للاحبة قد خلا * وعفا وغيره الجديد وأمحلا كلا ولا كلفت صحبي وقفة * في الدار إن لم أشف ضبا عللا ومطارح النادي وغزلان النقا * والجزع لم أحفل بها متغزلا وبواكر الاظعان لم أسكب لها * دمعا ولا خل نآى وترحلا لكن بكيت لفاطم ولمنعها * فدكا وقد أتت الخؤن الاولا إذ طالبته بإرثها فروى لها * خبرا ينافي المحكم المتنرلا لهفي لها وجفونها قرحى وقد * حملت من الاحزان عبئا مثقلا * (الهامش) * (1) جمع قصرة: أصل العنق إذا غلظت

[259]

وقد اغتدت منفية وحميها * متطيرا ببكائها متثقلا تخفي تفجعها وتخفض صوتها * وتظل نادبة أباها المرسلا تبكي على تكدير دهر ماصفا * من بعده وقرير عيش ماحلا لم أنسها إذ أقبلت في نسوة * من قومها تروي مدامعها الملا وتنفست صعدا ونادت أيها * الانصار يا أهل الحماية والكلا أترون يا نجب الرجال وأنتم * أنصارنا وحماتنا أن نخذلا ما لي وما لدعي تيم ادعى * إرثي وضل مكذبا ومبدلا أعليه قد نزل الكتاب مبينا * حكم الفرائض أم علينا نزلا أم خصه المبعوث منه بعلم ما * أخفاه عنا كي نضل ونجهلا أم انزلت آي بمنعي إرثه * قد كان يخفيها النبي إذا تلا أم كان في حكم النبي وشرعه * نقص فتممه الغوي وكملا أم كان ديني غير دين أبي فلا * ميراث لي منه وليس له ولا قوموا بنصري إنها لغنيمة * لمن اغتدى لي ناصرا متكفلا واستعطفوه وخوفوه وأشهدوا * ذلي له وجفاه لي بين الملا إن لج في سخطي فقد عدم الرضى * من ذي الجلال وللعقاب تعجلا أو دام في طغيانه فقد اقتنى * لعنا على مر الزمان مطولا أين المودة والقرابة يا ذوي الا * يمان ما هذا القطيعة والقلا أفهل عسيتم إن توليتم بأن * تمضوا على سنن الجبابرة الاولى وتنكبوا نهج السبيل بقطع ما * أمر الاله عباده أن يوصلا ولقد أزالكم الهوى وأحلكم * دار البوار من الجحيم وأدخلا ولسوف يعقب ظلمكم أن تتركوا * ولدي برمضاء الطفوف مجدلا في فتية مثل البدور كواملا * عرض المحاق بها فأضحت آفلا وأقوم من خلل اللحود حزينة * والقوم قد نزلت بهم غير البلا ويروعني نقط القنا بجسومهم * ويسوؤني شكل السيوف على الطلى

[260]

فاقبل النحر الخضيب وأمسح * الوجه التريب مضمخا ومرملا ويقوم سيدنا النبي ورهطه * متلهفا متأسفا متقلقلا فيرى الغريب المستضام النازح * الاوطان ملقى في الثرى ما غسلا وتقوم آسية وتأتي مريم * يبكين من كربي بعرصة كربلا ويطفن حولي نادبات الجن إشفا * قا علي يفضن دمعا مسبلا وتضج أملاك السماء لعبرتي * وتعج بالشكوى إلى رب العلى وأرى بناتي يشتكين حواسرا * نهب المعاجر والهات ثكلا وأرى إمام العصر بعد أبيه في * صفد الحديد مغللا ومعللا وأرى كريم مؤملي في ذابل * كالبدر في ظلم الدياجي يجتلى يهدى إلى الرجس اللعين فيشتفي * منه فؤاد بالحقود قد امتلا ويظل يقرع منه ثغرا طالما * قدما ترشفه النبي وقبلا ومضلل أضحى يوطئ عذره * ويقول وهو من البصيرة قد خلا لو لم يحرم أحمد ميراثه * لم يمنعوه أهله وتأولا فأجبته: إصر بقلبك أم قذا * في العين منك عدتك تبصرة الجلا أو ليس أعطاها ابن خطاب لحيد * رة الرضا مستعتبا متنصلا أتراه حلل ما رآه محرما * أم ذاك حرم ما رآه محللا يا راكبا تطوي المهامه عيسه * طي الردا وتجوب أجواز الفلا عرج بأكناف الغري مبلغا * شوقي وناد بها الامام الافضلا ومن العجيب تشوقي لمزار من * لم يتخذ إلا فؤادي منزلا فاحبس وقل يا خير من وطئ الثرى * وأعزهم جارا وأعذب منهلا لو شئت قمت بنصر بضعة أحمد * الهادي بعقد عزيمة لن تحللا ورميت أعداء الرسول بجمرة * من حد سيفك حرها لا يصطلى لكن صبرت لان تقام عليهم * حجج الاله ولن ترى أن تعجلا كيلا يقولوا إن عجلت عليهم * كنا نراجع أمرنا لو أمهلا

[261]

مولاي يا جنب الاله وعينه * يا ذا المناقب والمراتب والعلا إحياؤك العظم الرميم وردك * الشمس المنيرة والدجى قد أسبلا وخضوعها لك في الخطاب وقولها * يا قادرا يا قاهرا يا أولا وكلام أصحاب الرقيم وردهم * منك السلام وما استنار وما انجلى وحديث سلمان ونصرته على * أسد الفرات وعلم ما قد أشكلا لا يستفز ذوي النهى ويقل من * أن يرتضي ويجل من أن يذهلا أخذ الاله لك العهود على الورى * في الذر لما أن برا وبك ابتلى في يوم قال لهم: ألست بربكم * وعلي مولاكم معا ؟ قالوا: بلى قسما بوردي من حياض معارفي * وبشربي العذب الرحيق السلسلا ومن استجارك من نبي مرسل * ودعا بحقك ضارعا متوسلا لو قلت إنك رب كل فضيلة * ما كنت فيما قلته متنحلا أوبحت بالخطر الذي أعطاك رب * العرش كادوني وقالوا قد غلا فاليك من تقصير عبدك عذره * فكثير ما انهي يراه مقللا بل كيف يبلغ كنه وصفك قائل * والله في علياك أبلغ مقولا ونفائس القرآن فيك تنزلت * وبك اغتدى متحليا متجملا فاستجلها بكرا فأنت مليكها * وعلى سواك تجل من أن تجتلى (1) ولئن بقيت لانظمن قلائد * ينسي ترصعها النظام الاولا شهد الاله بأنني متبرئ * من حبتر ومن الدلام ونعثلا وبراءة الخلعي من عصب الخنا * تبنى على أن البرا أصل الولا قصيدة لابن حماد رحمه الله: مصاب شهيد الطف جسمي أنحلا * وكدر من دهري وعيشي ماحلا فماهل شهر العشر إلا تجددت * بقلبي أحزان توسدني البلى * (الهامش) * (1) يقال: اجتلى العروس على بعلها: عرضها على مجلوة، فاستجلاها: أي استكشفها.

[262]

وأذكر مولاي الحسين وما جرى * عليه من الارجاس في طف كربلا فوالله لا أنساه بالطف قائلا * لعترته الغر الكرام ومن تلا ألا فانزلوا في هذه الارض واعلموا * بأني بها امسي صريعا مجدلا واسقي بها كأس المنون على ظما * ويصبح جسمي بالدماء مغسلا ولهفي له يدعو اللئام تأملوا * مقالي يا شر الانام وأرذلا ألم تعلموا أني ابن بنت محمد * ووالدي الكرار للدين كملا فهل سنة غيرتها أو شريعة * وهل كنت في دين الاله مبدلا ؟ أحللت ما قد حرم الطهر أحمد * أحرمت ما قد كان قبل محللا فقالوا له: دع ما تقول فاننا * سنسقيك كأس الموت غصبا معجلا كفعل أبيك المرتضى بشيوخنا * ونشفي صدورا من ضغائنكم ملا فأثنى إلى نحو النساء جواده * وأحزانه منها الفؤاد قد امتلا ونادى ألا يا أهل بيتي تصبروا * على الضر بعدي والشدائد والبلا فاني بهذا اليوم أرحل عنكم * على الرغم مني لا ملال ولا قلا فقوموا جميعا أهل بيتي وأسرعوا * اودعكم والدمع في الخد مسبلا فصبرا جميلا واتقوا الله إنه * سيجزيكم خير الجزاء وأفضلا فأثنى على أهل العناد مبادرا * يحامي عن دين المهيمن ذي العلا وصال عليهم كالهزبر مجاهدا * كفعل أبيه لن يزل ويخذلا فمال عليه القوم من كل جانب * فألقوه عن ظهر الجواد معجلا وخر كريم السبط يا لك نكبة * بها أصبح الدين القويم معطلا فأرتجت السبع الشداد وزلزلت * وناحت عليه الجن والوحش في الفلا وراح جواد السبط نحو نسائه * ينوح وينعى الظامئ المترملا خرجن بنيات البتول حواسرا * فعاين مهر السبط والسرج قد خلا فأدمين باللطم الخدود لفقده * وأسكبن دمعا حره ليس يصطلى

[263]

ولم أنس زينب تستغيث سكينة (1) * أخي كنت لي حصنا حصينا وموئلا أخي يا قتيل الادعياء كسرتني * وأورثتني حزنا مقيما مطولا أخي كنت أرجو أن أكون لك الفدا * فقد خبت فيما كنت فيه اؤملا أخي ليتني أصبحت عميا ولا أرى * جبينك والوجه الجميل مرملا وتدعو إلى الزهراء بنت محمد * أيا ام ركني قد وهى وتزلزلا أيا ام قد أمسى حبيبك بالعرا * طريحا ذبيحا بالدماء مغسلا أيا ام نوحي فالكريم على القنا * يلوح كالبدر المنير إذا انجلى ونوحي على النحر الخضيب وأسكبي دموعا على الخد التريب المرملا ونوحي على الجسم التريب تدوسه * خيول بني سفيان في أرض كربلا ونوحي على السجاد في الاسر بعده * يقاد إلى الرجس اللعين مغللا فيا حسرة ما تنقضي ومصيبة * إلى أن نرى المهدي بالنصر أقبلا إمام يقيم الدين بعد خفائه * إمام له رب السماوات فضلا أيا آل طه يا رجائي وعدتي * وعوني أيا أهل المفاخر والعلا يمينا بأني ما ذكرت مصابكم * أيا سادتي إلا أبيت مقلقلا فحزني عليكم كل آن مجدد * مقيم إلى أن أسكن الترب والبلا عبيدكم العبد الحقير محمد * كئيب وقد أمسى عليكم معولا يؤملكم يا سادتي تشفعوا له إذا ما أتى يوم الحساب ليسألا فوالله ما أرجو النجاة بغيركم * غدا يوم آتي خائفا متوجلا إذا فر مني والدي ومصاحبي * وعاينت ما قدمت في زمن الخلا ومنوا على الحضار بالعفو في غد * لان بكم قدري وقدرهم علا عليكم سلام الله يا آل أحمد * سلام على مر الزمان مطولا * (الهامش) * (1) لفظ " سكينة " من السكون حال من " زينب " ويحتمل ان يكون تصحيف شكيمة وهى الانتصار من الظلم

[264]

أيضا لابن حماد: أهجرت يا ذات الجمال دلالا * وجعلت جسمي للصدود خبالا وسقيتني كأس الفراق مرارة * ومنعت عذب رضا بك السلسالا أسفا كما منع الحسين بكربلا * ماء الفرات وأوسعوه خبالا وسقوه أطراف الاسنة والقنا * ويزيد يشرب في القصور زلالا لم أنس مولاي الحسين بكربلا * ملقى طريحا بالدماء رمالا واحسرتا كم يستغيث بجده * والشمر منه يقطع الاوصالا ويقول يا جداه ليتك حاضر * فعساك تمنع دوننا الانذالا ويقول للشمر اللعين وقد علا * صدرا تربى في تقى ودلالا يا شمر تقتلني بغير جناية * حقا ستجزى في الجحيم نكالا واجتز بالعضب المهند رأسه * ظلما وهز برأسه العسالا (1) وعلا به فوق السنان وكبروا * لله جل جلاله وتعالى فارتجت السبع الطباق وأظلمت * وتزلزلت لمصابه زلزالا وبكين أطباق السماء وأمطرت * أسفا لمصرعه دما قد سالا يا ويلكم أتكبرون لفقد من * قتلوا به التكبير والتهلالا تركوه شلوا في الفلاة وصيروا * للخيل في جسد الحسين مجالا ولقد عجبت من الاله وحلمه * في الحال جل جلاله وتعالى كفروا فلم يخسف بهم أرضا بما * فعلوا وأمهلهم به إمهالا وغدا الحصان من الوقيعة عاريا * ينعى الحسين وقد مضى إجفالا متوجها نحو الخيام مخضبا * بدم الحسين وسرجه قد مالا وتقول زينب يا سكينة قد أتى * فرس الحسين فانظري ذا الحالا قامت سكينة عاينته محمحما * ملقى العنان فأعولت إعوالا فبكت وقالت وا شماتة حاسدي * قتلوا الحسين وأيتموا الاطفالا * (الهامش) * (1) العسال: الرمح يهتز لينا. (*)

[265]

يا عمتا جاء الحصان مخضبا * بدم الشهيد ودمعه قد سالا لما سمعن الطاهرات سكينة * تنعى الحسين وتظهر الاعوالا أبرزن من وسط الخدور صوارخا * يندبن سبط محمد المفضالا فلطمن منهن الخدود وكشفت * منها الوجوه وأعلنت إعوالا وخمشن منهن الوجوه لفقد من * نادى مناد في السماء وقالا قتل الامام ابن الامام بكربلا * ظلما وقاسى منهم الا هوالا وتقول يا جداه نسل امية * قتلوا الحسين وذبحوا الاطفالا يا جدنا فعلوا علوج امية * (1) فعلا شنيعا يدهش الافعالا يا جدنا هذا الحسين بكربلا * قد بضعوه أسنة ونصالا ملقى على شاطي الفرات مجدلا * في الغاضرية للورى أمثالا ثم استباحوا في الطفوف حريمه * نهبوا السراة وقوضوا الاحمالا وغدوا بزين العابدين مكتفا * فوق المطية يشتكي الا هوالا يبكي أباه بعبرة مسفوحة * أسروه مضنى لا يطيق نزالا (2) وأتوا به نحو الخيام وامه * تبكي وتسحب خلفه الاذيالا وتقول ليت الموت جاء ولم أر ا * هذي الفعال وأنظر الانذالا لو كان والده علي المرتضى * حيا لجدل دونه الابطالا ولفر جيش المارقين هزيمة * من سيفه لايستطيع قتالا يا ويلكم فستسحبون أذلة * وستحملون بفعلكم أثقالا فعلى ابن سعد واللعين عبيده (3) * لعن تجدد لا يزول زوالا وعلى محمد ثم آل محمد * روح وريحان يدوم مقالا * (الهامش) * (1) العلج - بالكسر - الرجل القوى الضخم من كفار العجم، وبعض العرب يطلق العلج على الكافر مطلقا، والجمع علوج وأعلاج (2) يقال: أضناه المرض: أثقله مرضا مخامرا كلما ظن برؤه نكس، فهو مضنى (3) يعنى عبيدالله ابن زياد

[266]

وعليهم صلى المهيمن ماحدا * في البيد ركبان تسير عجالا (1) فمتى تعود لآل أحمد دولة * ونرى لملك الظالمين زوالا ؟ يا آل أحمد أنتم سفن النجا * وأنا وحقكم لكم أتوالى أرجوكم لي في المعاد ذريعة * وبكم أفوز وأبلغ الآمالا فلانتم حجج الاله على الورى * من لم يقل ما قلت قال محالا والله أنزل هل أتى في مدحكم والنمل والحجرات والانفالا والمرتقى من فوق منكب أحمد * منكم ولو رام السماء لنالا وعليكم نزل الكتاب مفصلا * والله أنزله لكم إنزالا نص بإذن الله لا من نفسه * ذوالعرش نص به لكم إفضالا فتكلم المختار لما جاءه * من ربه جبريلهم أرسالا إذ قال: هذا وارثي وخليفتي * في امتي فتسمعوا ما قالا أفديكم آل النبي بمهجتي * وأبي وأبذل فيكم الاموالا وأنا ابن حماد وليكم الذي * لم يرض غيركم ولم يتوالا أصبحت معتصما بحبل ولائكم * جدا وإن قصر الزمان وطالا وأنا الذي أهواكم يا سادتي * أرجو بذاك عناية ونوالا بعد الصلاة على النبي محمد * ما غرد القمري وأرخى البالا (أقول: لبعض تلامذة والدي الماجد نور الله ضريحه، وهو محمد رفيع بن مؤمن الجيلي، تجاوز الله عن سيئاتهما وحشرهما مع ساداتهما مراثي مبكية حسنة السبك، جزيلة الالفاظ، سألني إيرادها (2) لتكون لسان صدق له في الآخرين وهي هذه: * (الهامش) * (1) البيد: جمع بيداء: الفلاة (2) هذه المراثى الاربعة التى جعلناه بين المعقوفتين مما ألحقه المؤلف قدس سره بعد تأليف الكتاب وانتشاره ولذلك لا يوجد منها في نسخة الاصل أثر، وانما نقلناها من نسخة الكمبانى، والظاهر أنهم نقلوها من خط المؤلف قدس سره على بعض النسخ

[267]

المرثية الاولى كم لريب المنون من وثبات * زعزعتني في رقدتي وثباتي كيف لي والحمام أغرق في النز * ع ولا يخطئ الذي في الحياة نفسي المقتضي مسرة نفسي * في بلوغي منيتي خطواتي كيف يلتذ عاقل لحياة * هي أمطى الرحال نحو الممات هل سليم المذاق يشها ويستصفي * اجاجا في وهدة الكدرات هذه دار رحلة غب حل * كالتي في الطريق وسط الفلاة لا مكان الثواء والطمن والا * من من الاخذ بغتة والبيات بئست الدار إذ قد اجتمعت فيها * صنوف الاكالب الضاريات ذل فيها اولو الشرافة والمجد * وعزت أراذل العبلات دور أهل الضلال فيها استجدت * ورسوم الهدى عفت داثرات اف للدار هذه ثم تبا * لا أرى عندها مكان الثبات كالبغاة الزناة آل زياد * نطف العاهرين والعاهرات أترى من يقول ذاك افتراه * أو رمى المحصنين والمحصنات ؟ لا ورب المقام والبيت والحجر * وجمع والخيف والعرفات هل سمعت الذي تواتر معنى * من نبي الورى بنقل الثقات إن من كان مبغضا لعلي * فهو لاشك خائن الامهات ما وجدنا أشد بغضا وحقدا * من عبيد الغريق في اللعنات كافر فاسق دعي خبيث * فاجر ظالم شقي وعات نال آل الرسول من ذلك الرجس * رزايا قد هدت الراسيات يا لها من مصيبة رق فيها * قلب كل الانام حتى العداة يا لها من مصيبة صاح فيها * فرق الجن صيحة الثاكلات يا لها من مصيبة أسبلت دمع * الاولى ما بكوا لدى النازلات لهف قلبي لسادة الخلق إذ هم * ذللوا في إسار قوم طغاة

[268]

لهف قلبي ولجة البغي هاجت * فأمالت باللطم سفن النجات لهف قلبي لفتية كبدور * خسفت من تراكم الظلمات لهف قلبي لنسوة شبه حور * اخرجت من حظائر القادسات وكأني بزينب وهي تدعو * امها بالنحيب والزفرات آه وا سوأتاه يا ام قومي * فاثكلينا مجامع النائحات هل ترينا الحسين منعفر الخد * وأوداجه غدت شاخبات هل ترينا الحسين مات عليلا * يابس الحلق وهو عند الفرات يا أبي يا أبا الضعاف اليتامى * يا مغيث اللهيف في الطائحات لو رأيت الحسين بين الاعادي * كغريب في الاكلب العاويات طارد ما يصول قدامه إذ * عضه في الوراء آخر عات مستغيث يقول هل من مغيث * أو خليل مؤانس وموات ليت في القوم من يدين بديني * ليت في القوم من يصلي صلاتي علكم أيها العصابة صم * صمما نالكم من الامهات أنتم جاحدوا نبوة جدي أنتم عابدوا منات ولات هل بكم من مروة المرء شئ * أو حياء النساء لا وحياتي أهل بيت الرسول في شرف الموت * ليبس الشفاه واللهوات أنتم مظهروا دهاء وزهو * ونشاط بحبس ماء الفرات أهل بيت الرسول في الطف صرعى * ذو بطون خميصة ضأمرات أنتم في تنعم ورفاه * من لذيد اللحوم والمرقات أنتم في الرحيب مجتمع الشمل * وآل الرسول رهن شتات أين ترحيبكم ابيدت قراكم * بنزيل دعوتم دعوات أين إيفاء ما كتبتم إلينا * ووعدتم لنا به وعدات ويلكم ما جوابكم إذ دعاكم * يوم فصل الخصام قاضي القضاة ؟ فعليكم لعن الاله وبيلا * ما تلظى السعير باللهبات

[269]

ثم لعن الرسول فالخلق طرا * كل لعن مستتبع اللعنات وعلى من بكى لنا أو تباكى * صلوات من ربنا دائمات رب هذا القصيد قدنظم الجيلي * فانظمه في عداد الرثات وتجاوز عن سيئات جناها * يوم يدعى يا غافر السيئات المرثية الثانية له عفى عنه أما الهموم فقد حلت بوادينا * واستوطنت إذ رأت حسن القرى فينا وهل ترى أحدا أحرى بصحبتها * ممن حوى الفضل والآداب والدينا أنى يكون لاهل الفضل من فرح * وما صفى عيشهم من لوعة حينا ألا ترى السادة النجب الكرام بني سليلة المصطفى الغر الميامينا أصابهم من بني حرب الخباث أذى * له السماوات والارضون يبكينا لهفي على قول مولانا الحسين لصحبه وأعداؤه جاؤوا يناوونا ألا دعوني ألا فامضوا لشأنكم * إن البغاة إذن إياي يبغونا لا يشتفي غلهم إلا بسفك دمي * إن كان ذا فبغيري لا يبالونا فقال من هؤلاء الرهط طائفة * كانوا نفوسهم للخلد شارينا فداك آباؤنا يا ابن الرسول لقد * كنا على ماله صرنا مصرينا تالله لو قطعت أعضاؤنا قطعا * لما عدلنا بها دنيا المضلينا هديتمونا إلى الاسلام ليس على * وجه البسيط فريق مثلنا دينا لولاكم ما عرفنا الله خالقنا * ولا صلاة وتطهيرا وتأذينا أنتم دلائلنا أنتم وسائلنا * أنتم إلى الفوز بالرضوان هادونا أليس جدك خير المرسلين ألا * أبوك منه كما موسى وهارونا فكيف نسلمك العلج الزنيم وقد * نراه أخبث فرعون مضى طينا نعوذ بالله من ذا بل نقاتلهم * بالسهم والسيف والعسال مسنونا حتى يفيئوا إلى أمر الاله وير * فعوا يد البغي عن خير المصلينا قال الحسين أتيتم بالوفاء إذن * جزاكم الله عنا آل ياسينا

[270]

فأنزلوا يا جنود الله رحلكم * ثم استعدوا لبلوى سوف يأتينا شدوا حيازيمكم للموت واصطبروا * ولا تخافوا بأن الموت لاقينا وهل نخاف بأن الخصم يقتلنا * والحق والله فينا ليس يعدونا لاعار للمرء لوتفقا كريمته * إن كان مستبصرا قد أحكم الدينا القوم من نيل روح الله قد يئسوا * وموقف العرض من ذا لا يبالونا القوم قد آثروا الدنيا وزينتها * ويعبدون هواهم والشياطينا بغوا رضى ابن زياد خاب آملهم * يردون أولادنا يسبون أهلينا يسقون أفراسهم ماء الفرات و * يقتلون آل رسول الله ظامينا ياليت فاطمة الطهر البتول ترى * ما نالنا من بني حرب وتبكينا هل من خبير ببلوانا يمر على * زقاق طيبة يبكينا ويرثينا يقول يا مصطفى إني خرجت وقد * تركت ابنك منحورا ومطعونا يقول آخر يا طهر البتول لقد * تركت ابنك محزونا ومشجونا واحسرتا لطريح بالعراء ولم * يدفن وما كان مغسولا ومكفونا والهف قلبي لفتيان اولي شرف * قد قتلوا وهم القرآن تالونا والهف قلبي لنسوان مخدرة * ابرزن بالطف في قوم ملاعينا يا رب عذب عذاب الهون رائسهم * يزيد ثم عبيدا فالاعنينا (1) واغفر لمسكيننا الجيلي زلته * آمين آمين يا غفار آمينا المرثية الثالثة له عفى عنه ألا ليس من فقد الخليل هزالي * ولامن مزاج السوء سوءة حالي ولا نابني ضيق المعاش فعابني * خليطي وأقراني بقلة مالي ولكن خيول الغم والكرب والنوى * توالت على بالي وأي توالي لما حل من أصناف بلوى ومحنة * بآل رسول الله أكرم آل فكم مشرب كأس الحتوف فبعضهم * بدس وبعض مؤذنا بقتال


(1) كذا في نسخة الكمبانى

[271]

ألم تسمع الملعونة الرجس إذ مضت * توسوس للاخرى بوعد وصال إلى أن قتلن المجتبى الحسن الذي * له مع حسن الوجه حسن خصال فياليت كبدي قطعت حين شربه * نقيع سموم خال كأس زلال ويا ليت شمس اليوم كالليل سودت * بما اخضر وجه مشرق كلئالي بنفسي إذ جاءته زينب اخته * وقد شاهدت حالا وأية حال فقال تعالي يا ابنة الخير فاعجبي * فكم فلذة مني سقطن حيالي تعالي تعالي يا ابنة الام فانظري * أخاك بكبد قاء أم بطحال بنفسي إذ وصى أخاه معانقا * بتقوى الاله الخالق المتعال وبالصبر والتسليم لله والرضى * وبالشكر والتحميد أية حال وقال تذكر نقل معراج جدنا * ومالك من قصر الجنان ومالي فهذا اخضراري قد تحقق حسبما * هناك وفي علم الاله جرى لي سيدمون نحرا كان في غير مرة * يقبله الجد الجليل حيالي فتحمر وجها حيث لا يتيسر * اللواذ بأنصار ولا بموالي فواحسرتا واسوأتا وا مصيبتا * لمذبوح أرض الطف يوم نزال يزيد بما استحللت هتك حريمه * وحرمت شرب الماء ؟ رد سؤالي تدور بدور الفخر والعز والعلى * زقاق بلاد الشام فوق جمال أطائب بيض كالشموس وجوهها * بظهر شموس في مسير قلال ذراري رسول الله شد وثاقهم * كنحو اسارى اوثقت بحبال تذل مياتيم الحسين معاندا * وقد كان للايتمام خير ثمال فكيف إذا استعدى عليك محمد * لدى حاكم ذي نقمة ونكال وبطش شديد وانتقام وسطوة * وسلطنة في عزة وجلال عليك إلى يوم الجزاء وبعده * من الله لعن دائم متتال إلهي أنا الجيلي عبدك مذعنا * بما كان مني من قبيح فعال ولكنني راثي الحسين وناشر * مدائح ساداتي بلحن مقال

[272]

محبة أولاد الرسول تعرقت * ببالي فلا بالموت بعد ابالي ولم أتخذ دون الوصي وليجة * وهذا عطاء منك قبل سؤالي وأنت عليم من ضميري بأنني * بغيض لاعداء الوصي وقال فلا تبعدني عنه حيا وميتا * وعمم بهذا الفضل كل موال المرثية الرابعة أيضا له عفى عنه اطلبوا للضحك دوني وعلى الحزن دعوني حرم الضحك أخلائي عن أهل الشجون حزني ليس لخ أو أنيس أو قرين أو لولد كنت أرجو منهم أن يخلفوني إنما حزني وبثي ورنيني وأنيني لشهيد الطف سبط المصطفى الهادي الامين لهف قلبي إذ ينادي قومه هل من معين ما لقومي لايجيبونن إذ قد سمعوني ألما في قلبهم مني من داء دفين أم لهم بغض على الاسلام أم لم يعرفوني هاأنا ابن المصطفى الآتي بقرآن مبين هاأنا ابن المرتضى الهادي إلى دين مبين امي الزهراء مخدومة جبرئيل الامين مذهبي التوحيد والتقديس والاسلام ديني هل على الارض نظيري اليوم قومي أنصفوني فبما استحللتم هتك حريمي ؟ أخبروني ويلكم يوم ينادي المرء يا رب ارجعوني وأنا أشكو إلى جدي بالصوت الحزين

[273]

جد يا جد ترى قومي كيف استضعفوني ثم لم يرضوا بالاستضعاف حتى قتلوني آه من جور عبيد الفاسق العلج الهجين آه من شمر وشبث يظهران الحقد دوني (1) آه من إدماء نحري آه من عفر جبيني آه من أجل صبايا هن من لحمي وطيني آه من ذي ثفنات هو نفسي ووتيني آه إذ ابرزت النسوان من حصن حصين حاسرات ظامئات خافضات للانين آه من جور يزيد بن اللعين بن اللعين رب عذبهم بتعذيب أليم ومهين واحشر الجيلي في زمرة أصحاب اليمين) (2) أقول: روي في بعض كتب المناقب القديمة بإسناده عن البيهقي، عن علي بن محمد الاديب يذكر باسناد له أن رأس الحسين بن علي عليهما السلام لما صلب بالشام أخفى خالد بن عفران وهومن أفضل التابعين شخصه من أصحابه، فطلبوه شهرا حتى وجدوه فسألوه عن عزلته، فقال: أما ترون ما نزل بنا ؟ ثم أنشأ يقول: جاؤا برأسك يا ابن بنت محمد * مترملا بدمائه ترميلا وكأنما بك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولم يترقبوا * في قتلك التنزيل والتأويلا ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي، عن محيي السنة أبي الفتح إجازة قال: أنشدني أبو الطيب البابلي أنشدني أبو النجم بدربن


(1) آه من شمر وشبث قاطعي عرق وتينى، خ ل (2) انتهى ما نقلناه من نسخة الكمبانى

[274]

إبراهيم بالدينور للشافعي محمد بن إدريس: تأوب همي والفؤاد كئيب * وأرق نومي فالرقاد غريب ومما نفى جسمي وشيب لمتي * تصاريف أيام لهن خطوب فمن مبلغ عني الحسين رسالة * وإن كرهتها أنفس وقلوب قتيلا بلا جرم كأن قميصه * صبيغ بماء الارجو ان خضيب وللسيف إعوال وللرمح رنة * وللخيل من بعد الصهيل نحيب تزلزلت الدنيا لآل محمد * وكادت لها صم الجبال تذوب يصلى على المهدي من آل هاشم * ويغزى بنوه إن ذا لعجيب لئن كان ذنبي حب آل محمد * فذلك ذنب لست منه أتوب أخبرني أبو منصور الديلمي، عن أحمد بن علي بن عامر الفقيه أنشدني أحمد بن منصور بن علي القطيعي المعروف بالقطان ببغداد لنفسه: يا أيها المنزل المحيل * غاثك مستخفر هطول أودى عليك الزمان لما * شجاك من أهله الرحيل لا تغترر بالزمان واعلم * أن يد الدهر تستطيل فان آجالنا قصار * فيه وآمالنا تطول تفنى الليالي وليس يفنى * شوقي ولا حسرتي تزول لاصاحب منصف فأسلو * به ولا حافظ وصول وكيف أبقى بلاصديق * باطنه باطن جميل يكون في البعد والتداني * يقول مثل الذي أقول هيهات قل الوفاء فيهم * فلا حميم ولا وصول يا قوم ما بالنا جفينا * فلا كتاب ولا رسول لو وجدوا بعض ما وجدنا * لكاتبونا ولم يحولوا لكن خانوا ولم يجودوا * لنا بوصل ولم ينيلوا قلبي قريح به كلوم * أفتنه طرفك البخيل أنحل جسمي هواك حتى كأنه حصرك النحيل

[275]

يا قاتلي بالصدود رفقا * بمهجة شفها غليل (1) غصن من البان حيث مالت * ريح الخزامى به تميل (2) يسطو علينا بغنج لحظ * كأنه مرهف صقيل كما سطت بالحسين قوم * أراذل مالهم اصول يا أهل كوفان لم غدرتم * بنا وكم أنتم نكول ؟ أنتم كتبتم إلي كتبا * وفي طرياتها ذحول فراقبوا الله في خباي * فيه لنا فتية غفول وام كلثوم قد تنادي * ليس الذي حل بي قليل تقول لما رأته: خلوا * قد خسفت صدره الخيول جاشت بشط الفرات تدعو: * ما فعل السيد القتيل ؟ أين الذي حين أرضعوه * ناغاه في المهد جبرئيل أين الذي حين غمدوه * قبله أحمد الرسول أين الذي جده النبي * وامه فاطم البتول أنا ابن منصور لي لسان * على ذوي النصب يستطيل ما الرفض ديني ولا اعتقادي * ولست عن مذهبي أحول قال: ولدعبل الخزاعي رحمه الله: ءأسبلت دمع العين بالعبرات * وبت تقاسي شدة الزفرات وتبكي لآثار لآل محمد * فقد ضاق منك الصدر بالحسرات ألا فابكهم حقا وبل عليهم * عيونا لريب الدهر منسكبات ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم * وداهية من أعظم النكبات سقى الله أجداثا على أرض كربلا * مرابيع أمطار من المزنات


(1) شفه الهم والحزن والحب: هزله وأوهنه. والنسخ " ببهجة " وهو تصحيف (2) الخزامى خيرى البرزهره أطيب الازهار نفحة يتمثل به في الطيب، يقال: " أطيب من نفس النعامى بين ورق الخزامى " وفى النسخ " الخرامى "

[276]

وصلى على روح الحسين حبيبه * قتيلا لدى النهرين بالفلوات قتيلا بلا جرم فجيعا بفقده * فريدا ينادي أين أين حماتي أنا الظامئ العطشان في أرض غربة * قتيلا ومطلوبا بغير ترات وقدر فعوارأس الحسين على القنا * وساقوا نساء ولها خفرات فقل لابن سعد عذب الله روحه * ستلقى عذاب النار باللعنات سأقنت طول الدهر ماهبت الصبا * وأقنت بالآصال والغدوات على معشر ضلوا جميعا وضيعوا * مقال رسول الله بالشبهات قال: ولدعبل أيضا رحمه الله: يا امة قتلت حسينا عنوة * لم ترع حق الله فيه فتهتدي قتلوه يوم الطف طعنا بالقنا * وبكل أبيض صارم ومهند ولطال ما ناداهم بكلامه * جدي النبي خصيمكم في المشهد جدي النبي أبي علي فاعلموا * والفخر فاطمة الزكية محتدي يا قوم إن الماء يشربه الورى * ولقد ظمئت وقل منه تجلدي قد شعني عطشي وأقلقني الذي * ألفاه من ثقل الحديد المؤيد (1) قالوا له هذا عليك محرم * هذا حلال من يبايع للغبي ! (2) فأتاه سهم من يد مشؤومة * من قوس ملعون خبيث المولد يا عين جودي بالدموع وجودي * وابكي الحسين السيد بن السيد قال: ولبعضهم: إن كنت محزونا فمالك ترقد * هلا بكيت لمن بكاه محمد هلابكيت على الحسين ونسله * إن البكاء لمثلهم قد يحمد لتضعضع الاسلام يوم مصابه * فالجود يبكي فقده والسؤدد أنسيت إذ سارت إليه كتائب * فيها ابن سعد والطغاة الجحد فسقوه من جرع الحتوف بمشهد * كثر العداة به وقل المسعد


(1) المؤيد: الامر العظيم، الداهية (2) كذا ولعله تصحيف " باليد "

[277]

ثم استباحوا الصائنات حواسرا * والشمل من بعد الحسين مبدد (1) كيف القرار وفي السبايا زينب * تدعو المسا يا جدنا يا أحمد هذا حسين بالحديد مقطع * متخضب بدمائه مستشهد عار بلا كفن صريع في الثرى * تحت الحوافر والسنابك مقصد والطيبون بنوك قتلى حوله * فوق التراب ذبائح لا تلحد يا جد قد منعوا الفرات وقتلوا * عطشا فليس لهم هنالك مورد يا جد من ثكلي وطول مصيبتي * ولما اعاينه أقوم وأقعد وله: حسب الذي قتل الحسين من الخسارة والندامة أن الشفيع لدى الاله خصيمه يوم القيامة قال: ولدعبل أيضا رحمه الله: منازل بين أكناف الغري * إلى وادي المياه إلى الطوي لقد شغل الدموع عن الغواني * مصاب الاكرمين بني علي أتاأسفي على هفوات دهر (2) * تضاءل فيه أولاد الزكي ألم تقف البكاء على حسين * وذكرك مصرع الحبر التقي ألم يحزنك أن بني زياد * أصابوا بالترات بني النبي وأن بني الحصان يمر فيهم * علانية سيوف بني البغي قال: وللرضي الموسوي نقيب النقباء البغدادي: سقى الله المدينة من محل * لباب الودق بالنطف العذاب وجاد على البقيع وساكنيه * رخي البال ملآن الوطاب وأعلام الغري وما أساخت * معالمها من الحسب اللباب وقبرا بالطفوف يضم شلوا * قضى ظمأ إلى برد الشراب وبغدادا وسامرا وطوسا * هطول الودق منخرق العباب


(1) هذا هو الصحيح، وقد مر في ص 243 " فالثكل من بعد الحسين مبدد " وهو تصحيف. (2) أيا أسفا، ظ

[278]

بكم في الشعر فخري لا بشعري * وعنكم طال باعي في الخطاب ومن أولى بكم مني وليا * وفي أيديكم طرف انتسابي قال: ولابي الحسن علي بن أحمد الجرجاني من قصيدة طويلة يمدح أهل البيت عليهم السلام: وجدي بكوفان ما وجدي بكوفان * تهمي عليه ضلوعي قبل أجفان (1) أرض إذا نفحت ريح العراق بها * أتت بشاشتها أقصى خراسان ومن قتيل بأعلى كربلاء على * جهد الصدى فتراه غير صديان وذي صفائح يستسقي البقيع به * رى الجوانح من روح ورضوان هذا قسيم رسول الله من آدم * قدا معا مثل ما قد الشراكان وذاك سبطا رسول الله جدهما * وجه الهدى وهما في الوجه عينان واخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم * مضرجين نشاوى من دم قان (2) يقول: يا امة حف الضلال بها * فاستبدلت للعمى كفرا بايمان ماذا جنيت عليكم إذ أتيتكم * بخير ما جاء من آي وفرقان ألم اجركم وأنتم في ضلالتكم * على شفا حفرة من حر نيران ألم اؤلف قلوبا منكم مزقا (فرقا) مثارة بين أحقاد وأضغان أما تركت كتاب الله بينكم * وآيه الغر في جمع وقرآن ألم أكن فيكم غوثا لمضطهد * ألم أكن فيكم ماء لظمأن قتلتم ولدي صبرا على ظمأ * هذا وترجون عند الحوض إحساني سبيتم ثكلتكم امهاتكم * بني البتول وهم لحمي وجثماني مزقتم ونكثتم عهد والدهم * وقد قطعتم بذاك النكث أقراني يا رب خذلي منهم إذ هم ظلموا * كرام رهطي وراموا هدم بنياني ماذا تجيبون والزهراء خصمكم * والحاكم الله للمظلوم والجاني


(1) همى الماء والدمع هميا وهميانا: سال لا يثنيه شئ والعين: صبت دمعها (2) يقال: أحمرقان أصله قانئ بالهمزاى اشتد حمرته، وبالياء لغة

[279]

أهل الكساء صلوة الله ما نزلت * عليكم الدهر من مثنى ووحدان أنتم نجوم بني حواء ما طلعت * شمس النهار وما لاح السما كان (1) مازلت منكم على شوق يهيجتي * والدهر يأمرني فيه وينهاني حتى أتيتك والتوحيد راحلتي * والعدل زادي وتقوى الله إمكاني هذي حقائق لفظ كلما برقت * ردت بلالائها أبصار عميان (2) هي الحلى لبني طه وعترتهم * هي الردى لبني حرب ومروان هي الجواهر جاء الجوهري بها * محبة لكم من أرض جرجان قال: وله أيضا في يوم عاشورا من قصيدته الطويلة: يا أهل عاشورا يا لهفي على الدين * خذوا حدادكم يا آل ياسين إلى آخر ما مضى في رواية ابن شهر آشوب (3) وزاد فيه: زادوا عليه بحبس الماء غلته * تبا لرأي فريق فيه مغبون نالوا أزمة دنياهم ببغيهم * فليتهم سمحوا منها بماعون حتى يصيح بقنسرين راهبها * يا فرقة الغي يا حزب الشياطين أتهزؤن برأس بات منتصبا * على القناة بدين الله يوصيني آمنت ويحكم بالله مهتديا * وبالنبي وحب المرتضى ديني فجدلوه صريعا فوق جبهته * وقسموه بأطراف السكاكين وأوقروا صهوات الخيل من إحن (4) * على اساراهم فعل الفراعين مصفدين على أقتاب أرحلهم * محمولة بين مضروب ومطعون أطفال فاطمة الزهراء قد فطموا * من الثدى بأنياب الثعابين يا امة ولي الشيطان رايتها * ومكن الغي منها كل تمكين


(1) يريد السماك الرامح والسماك الاعزل: كوكبان نيران (2) اللالاء: ضوء السراج ولمعانه (3) راجع ص 253 (4) الصهوة: مقعد الفارس من الفرس

[280]

ما المرتضى وبنوه من معاوية * ولا الفواطم من هند وميسون ؟ آل الرسول عباديد السيوف فمن * هام على وجهه خوفا ومسجون يا عين لا تدعي شيئا لغادية * تهمي ولا تدعي دمعا لمحزون قومي على جدث بالطف فانتقضي * بكل لؤلؤ دمع فيك مكنون يا آل أحمد إن الجوهري لكم * سيف يقطع عنكم كل موصون قال: ولغيره عاشورية طويلة انتخبت منها هذه الابيات: إذا جاء عاشورا تضاعف حسرتي * لآل رسول الله وانهل عبرتي هو اليوم فيه اغبرت الارض كلها * وجوما عليهم والسماء اقشعرت مصائب ساءت كل من كان مسلما * ولكن عيون الفاجرين أقرت إذا ذكرت نفسي مصيبة كربلا * وأشلاء سادات بها قد تفرت أضاقت فؤادي واستباحت تجارتي * وعظم كربي ثم عيشي أمرت اريقت دماء الفاطميين بالملا * فلو عقلت شمس النهار لخرت ألا بأبي تلك الدماء التي جرت * بأيدي كلاب في الجحيم استقرت توابيت من نار عليهم قد اطبقت (1) * لهم زفرة في جوفها بعد زفرة فشتان من في النار قد كان هكذا * ومن هو في الفردوس فوق الاسرة (2) بنفسي خدود في التراب تعفرت * بنفسي جسوم بالعراء تعرت بنفسي رؤس معليات على القنا * إلى الشام تهدى بارقات الاسنة بنفسي شفاه ذابلات من الظما * ولم تحظ من ماء الفرات بقطرة بنفسي عيون غائرات سواهر * إلى الماء منها نظرة بعد نظرة بنفسي من آل النبي خرائد * حواسر لم تقذف عليهم بسترة تفيض دموعا بالدماء مشوبة * كقطر الغوادي من مدافع سرة (3)


(1) التوابيت: جمع تابوت (2) الاسرة: جمع سرير (3) الغوادى جمع غادية: السحابة تنشأ غدوة. وفى النسخ " الفوادى " فتحرر

[281]

على خير قتلى من كهول وفتية * مصاليت أنجاد إذا الخيل كرت ربيع اليتامى والارامل فابكها * مدارس للقرآن في كل سحرة وأعلام دين المصطفى وولاته * وأصحاب قربان وحج وعمرة ينادون يا جداه أية محنة * تراه علينا من امية مرت ضغائن بدر بعد ستين اظهرت * وكانت اجنت في الحشا واسرت شهدت بأن لم ترض نفس بهذه * وفيها من الاسلام مثقال ذرة كأني ببنت المصطفى قد تعلقت * يداها بساق العرش والدمع أذرت وفي حجرها ثوب الحسين مضرجا * وعنها جميع العالمين بحسرة تقول أيا عدل اقض بيني وبين من * تعدى على ابني بعد قهر وقسرة أجالوا عليه بالصوارم والقنا * وكم جال فيهم من سنان وشفرة على غير جرم غير إنكار بيعة * لمنسلخ من دين أحمد عرة (1) فيقضي على قوم عليه تألبوا * بسوء عذاب النار من غير فترة ويسقون من ماء صديد إذا دنا * شوى الوجه والامعاء منه تهددت مودة ذي القربى رعوها كما ترى ؟ * وقول رسول الله: اوصي بعترتي فكم عجرة قد أتبعوها بعجرة * وكم غدرة قد ألحقوها بغدرة هم أول العادين ظلما على الورى * ومن سار فيهم بالاذى والمضرة مضوا وانقضت أيامهم وعهودهم * سوى لعنة باؤا بها مستمرة لآل رسول الله ودي خالصا * كما لمواليهم ولائي ونصرتي وها أنا مذ أدركت حد بلاغتي * اصلي عليهم في عشيي وبكرتي وقول النبي: المرء مع من أحبه * يقوي رجائي في إقالة عثرتي على حبهم يا ذا الجلال توفني * وحرم على النيران شيبي وكبرتي قال: ولعلي بن الحسين الدوادي من قصيدة طويلة انتخبت منها: بنو المصطفى المختار أحمد طهروا * وأثنى عليهم محكم السورات


(1) يقال: " فلان عرة أهله ": شينهم وعارهم

[282]

بنو حيدر المخصوص بالدرجات * من الله والخواض في الغمرات فروع النبي المصطفى ووصيه * وفاطم طابت تلك من شجرات وسائلة لم تسكب الدمع دائبا * وتقذف نارا منك في الزفرات ؟ فقلت على وجه الحسين وقد ذرت * عليه السوافي ثائر الهبوات فقد غرقت منه المحاسن في دم * واهدي للفجار فوق قناة وحلئ عن ماء الفرات وقد صفت * موارده للشاء والحمرات على ام كلثوم تساق سبية * وزينب والسجاد ذي الثفنات اصيبوا بأطراف الرماح فاهلكوا * وهم للورى أمن من الهلكات بهم عن شفير النار قد نجي الورى فجازوهم بالسيف ذي الشفرات فياأقبرا حطت على أنجم هوت * وفرقن في الاطراف مغتربات وليس قبورا هن بل هي روضة * منورة مخضرة الجنبات وما غفل الرحمان عن عصبة طغت * وما هتكت ظلما من الحرمات أمقروعة في كل يوم صفاتكم * بأيدي رزايا فتن كل صفات (1) فحتام ألقى جدكم وهو مطرق * غضيض وألقى الدهر غير موات فيارب غير ما تراه معجلا * تعاليت يا ربي عن الغفلات قال: وللصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد من قصيدة طويلة انتخبت منها هذه الابيات: بلغت نفسي مناها بالموالي آل طاها برسول الله من حاز المعالي وحواها وببنت المصطفى من أشبهت فضلا أباها وبحب الحسن البالغ في العليا مداها والحسين المرتضى يوم المساعي إذ حواها ليس فيهم غير نجم قد تعالى وتناهى


(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب " فت " فتحرر

[283]

عترة أصبحت الدنيا جميعا في حماها ما يحدث عصب البغي بأنواع عماها أردت الاكبر بالسم وما كان كفاها وانبرت تبغي حسينا وعرته وعراها منعته شربة والطير قد أروت صداها فأفاتت نفسه يا ليت روحي قد فداها بنته تدعو أباها اخته تبكي أخاها لو رأى أحمد ماكان دهاه ودهاها ورأى زينب إذ شمر أتاها وسباها لشكي الحال إلى الله وقد كان شكاها وإلى الله سيأتي وهو أولى من جزاها وللصاحب أيضا منتخبة من قصيدته: ما لعلي العلا أشباه * لا والذي لاإله إلا هو مبناه مبنى النبي تعرفه * وابناه عند التفاخر ابناه لو طلب النجم ذات أخمصه * أعلاه والفرقدان نعلاه يا بأبي السيد الحسين وقد * جاهد في الدين يوم بلواه يا بأبي أهله وقد قتلوا * من حوله والعيون ترعاه يا قبح الله امة خذلت * سيدها لا تريد مرضاه يالعن الله جيفة نجسا * يقرع من بغضه ثناياه وللصاحب أيضا منتخبة من قصيدته: برئت من الارجاس رهط امية * لما صح عندي من قبيح غذائهم ولعنهم خير الوصيين جهرة * لكفرهم المعدود في شردائهم وقتلهم السادات من آل هاشم * وسبيهم عن جرأة لنسائهم وذبحهم خير الرجال ارومة * حسين العلا بالكرب في كربلائهم

[284]

وتشتيتهم شمل النبي محمد * لما ورثوا من بغضه في قنائهم وما غضبت إلا لاصنامها التي * اديلت وهم أنصارها لشقائهم أيا رب جنبني المكاره واعف عن * ذنوبي لما أخلصته من ولائهم أيا رب أعدائي كثير فزدهم * بغيظهم لا يظفروا بابتغائهم أيارب من كان النبي وأهله * وسائله لم يخش من غلوائهم حسين توصل لي إلى الله إنني * بليت بهم فادفع عظيم بلائهم فكم قد دعوني رافضيا لحبكم * فلم ينثني عنكم طويل عوائهم وللصاحب أيضا من قصيدته منتخبة: يا أصل عترة أحمد لولاك لم * يك أحمد المبعوث ذا أعقاب ردت عليك الشمس وهي فضيلة * بهرت فلم تستر بكف نقاب لم أحك إلا ماروته نواصب * عادتك فهي مباحة الاسلاب عوملت ياتلو النبي وصنوه * بأوابد ! جاءت بكل عجاب قد لقبوك أبا تراب بعدما * باعوا شريعتهم بكف تراب أتشك في لعني امية بعدما * كفرت على الاحرار والاطياب قتلوا الحسين فيا لعولي بعده * ولطول حزني أو أصير لمابي فسبوا بنات محمد فكأنما * طلبوا ذحول الفتح والاحزاب رفقا ففي يوم القيامة غنية * والنار باطشة بصوت عقاب وللصاحب أيضا من قصيدته الطويل: أجروا دماء أخي النبي محمد * فلتجر غزر دموعنا ولتهمل ولتصدر اللعنات غير مزالة * لعداه من ماض ومن مستقبل وتجردوا لبنيه ثم بناته * بعظائم فاسمع حديث المقتل منعوا الحسين الماء وهو مجاهد في كربلاء فنح كنوح المعول منعوه أعذب منهل وكذا غدا * يردون في النيران أوخم منهل أيجز رأس ابن النبي وفي الورى * حي أمام ركابه لم يقتل

[285]

وبنو السفاح تحكموا في أهل حي * على الفلاح بفرصة وتعجل نكت الدعي ابن البغي ضواحكا * هي للنبي الخير خير مقبل تمضي بنوهند سيوف الهند في * أوداج أولاد النبي وتعتلي ناحت ملائكة السماء لقتلهم * وبكوا فقد سقوا كؤوس الذبل فأرى البكاء على الزمان محللا * والضحك بعد الطف غير محلل كم قلت اللاحزان دومي هكذا * وتنزلي في القلب لا تترحل ولزينب بنت فاطمة البتول من قصيدة انتخبت منها هذه: تمسك بالكتاب ومن تلاه * فأهل البيت هم أهل الكتاب بهم نزل الكتاب وهم تلوه * وهم كانوا الهداة إلى الصواب إمامي وحد الرحمن طفلا * وآمن قبل تشديد الخطاب علي كل صديق البرايا * علي كان فاروق العذاب شفيعي في القيامة عند ربي * نبيي والوصي أبو تراب وفاطمة البتول، وسيدا من * يخلد في الجنان مع الشباب على الطف السلام وساكنيه * وروح الله في تلك القباب نفوسا قد ست في الارض قدما * وقد خلصت من النطف العذاب فضاجع فتية عبدوا فناموا * هجودا في الفدافد والشعاب علتهم في مضاجعهم كعاب * بأوراق منعمة رطاب وصيرت القبور لهم قصورا * مناخا ذات أفنية رحاب لئن وارتهم أطباق أرض * كما أغمدت سيفا في قراب كأقمار إذا جاسوا رواض * وآساد إذا ركبوا غضاب لقد كانوا البحار لمن أتاهم * من العافين والهلكى السغاب فقد نقلوا إلى جنات عدن * وقدعيضوا النعيم من العقاب بنات محمد أضحت سبايا * يسقن مع الاسارى والنهاب مغبرة الذيول مكشفات * كسبي الروم دامية الكعاب

[286]

لئن ابرزن كرها من حجاب * فهن من التعفف في حجاب أيبخل في الفرات على حسين * وقد أضحى مباحا للكلاب فلي قلب عليه ذو التهاب * ولي جفن عليه ذو انسكاب ولدعبل الخزاعي من قصيدته الطويلة: جاؤا من الشام المشومة أهلها * للشوم يقدم جندهم إبليس لعنوا وقد لعنوا بقتل إمامهم * تركوه وهو مبضع مخموس وسبوا فواحزني بنات محمد * عبرى حواسر مالهن لبوس تبا لكم يا ويلكم أرضيتم * بالنار ذل هنالك المحبوس بعتم بدنيا غيركم جهلا بكم * عز الحياة وإنه لنفيس أخسر بها من بيعة اموية * لعنت وحظ البائعين خسيس بؤسا لمن بايعتم وكأنني * بامامكم وسط الجحيم حبيس يا آل أحمد ما لقيتم بعده * من عصبة هم في القياس مجوس كم عبرة فاضت لكم وتقطعت * يوم الطفوف على الحسين نفوس صبرا موالينا فسوف نديلكم * يوما على آل اللعين عبوس مازلت متبعا لكم ولامركم * وعليه نفسي ماحييت أسوس ومن قصيدة لجعفربن عفان الطائي رحمه الله: ليبك على الاسلام من كان باكيا * فقد ضيعت أحكامه واستحلت غداة حسين للرماح ذرية * وقد نهلت منه السيوف وعلت وغودر في الصحراء لحما مبددا * عليه عناق الطير باتت وظلت فما نصرته امة السوء إذ دعا * لقد طاشت الاحلام منها وضلت ألابل محوا أنوارهم بأكفهم * فلاسلمت تلك الاكف وشلت وناداهم جهدا بحق محمد * فان ابنه من نفسه حيث حلت فما حفظوا قرب الرسول ولارعوا * وزلت بهم أقدامهم واستزلت أذاقته حر القتل امة جده * هفت نعلها في كربلاء وزلت

[287]

فلا قدس الرحمن امة جده * وإن هي صامت للاله وصلت كما فجعت بنت الرسول بنسلها * وكانوا حماة الحرب حين استقلت ومن قصيدة طويلة انتخبت منها أبياتا: بكي الحسين لركن الدين حين وها * وللامور العظيمات الجليلات هل لامرء عاذر في حزن دمعته * بعد الحسين ومسبى الفاطميات أم هل لمكتئب حران فقده * لذاذة العيش تكرار الفجيعات مثل النجوم الدراري في مراتبها * إن غاب نجم بدا نجم لميقات يا امة السوء هاتوا ما حجاجكم * إذا برزتم لجبار السماوات وأحمد خصمكم والله منصفه * بالحق والعدل منه لا المحابات ألم ابين لكم ما فيه رشدكم * من الحلال ومن ترك الخبيثات فما صنعتم أضل الله سعيكم * فيما عهدت إليكم في وصايات أما بني فمقتول ومكبول * وهارب في رؤس المشمخرات وقد أخفتم بناتي بين أظهركم * ما ذا أردتم شفيتم من بنياتي ينقلن من عند جبار يعاهده * إلى جبابر أمثال السبيات أكان هذا جزائي لا أبا لكم * في أقربائي وفي أهل الحرمات ردوا الجحيم فحلوها بسعيكم * ثم اخلدوا في عقوبات أليمات قال: ومن مرثية زينب بنت فاطمة اخت الحسين عليه السلام حين ادخلوا دمشق: أما شجاك يا سكن قتل الحسين والحسن * ظمآن من طول الحزن وكل وغدنا هل يقول يا قوم أبي علي البر الوصي * وفاطم امي التي لها التقى والنائل منواعلى ابن المصطفى بشربة يحيى بها * أطفالنا من الظماء حيث الفرات سائل قالوا له لاماء لاإلا السيوف والقنا * فانزل بحكم الادعيا فقال بل اناضل حتى أتاه مشقص رماه وغد أبرص * من سقر لا يخلص رجس دعي واغل فهللوا بختله واعصوصبوا لقتله * وموته في نضله قد اقحم المناضل وعفروا جبينه وخضبوا عثنونه (1) * بالدم يا معينه ما أنت عنه غافل


(1) العثنون: اللحية أوما فضل منها بعد العارضين

[288]

وهتكوا حريمه وذبحوا فطيمه * وآثروا كلثومه وسيقت الحلائل يسقن با لتنائف بضجة الهواتف * وأدمع ذوارف عقولها زوائل يقلن يا محمد يا جدنا يا أحمد * قد أسرتنا الاعبد وكلنا ثواكل تهدى سبايا كربلا إلى الشئام والبلا * قد انتعلن بالدماء ليس لهن ناعل إلى يزيد الطاغية معدن كل داهية * من نحو باب الجابية بجاحد وخالل حتى دنا بدر الدجى رأس الامام المرتجى * بين يدي شر الورى ذاك اللعين القاتل يظل - في بنانه قضيب خيزرانه - * ينكت في أسنانه قطعت الانامل أنامل بجاحد وحافد مراصد * مكابد معاند في صدره غوائل طوائل بدرية غوائل كفرية * شوهاء جاهلية ذلت لها الافاضل فيا عيوني اسكبي على بني بنت النبي * بفيض دمع ناضب كذاك يبكي العاقل روي أن أبا يوسف عبد السلام بن محمد القزويني ثم البغدادي قال لابي العلاء المعري: هل لك شعر في أهل بيت رسول الله ؟ فان بعض شعراء قزوين يقول فيهم مالا يقول شعراء تنوخ فقال له المعري: وماذا تقول شعراؤهم ؟ فقال: يقولون: رأس ابن بنت محمد ووصيه * للمسلمين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لاجازع منهم ولا متوجع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم تكن بك تهجع كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم نعيك كل اذن تسمع ماروضة إلا تمنت أنها * لك مضجع ولخط قبرك موضع فقال المعري: وأنا أقول: مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش جده خير الجدود ولبعض التابعين: يا حسين بن علي يا قتيل بن زياد يا حسين بن علي يا صريعا في البوادي

[289]

لو رأت فاطم بكت بدموع كالعهاد (1) لو رأت فاطم ناحت نوح ورقاء بوادي ولقامت وهي ولهاء وتبكي وتنادي ولدي سبط نبي قد بالسمر الشداد آه من شمر بغي كافر وابن زياد لعن الله يزيدا وابن حرب لعن عاد هم أعادي لرسول الله أبناء أعادي ولهم عاجل خزي وعذاب في التناد ومهاد في الجحيم إنها شر مهاد ولبعض الشيعة: متى يشفيك دمعك من همول * ويبرد ما بقلبك من غليل قتيل ما قتيل بني زياد * ألا بأبي ونفسي من قتيل اريق دم الحسين فلم يراعوا * وفي الاحياء أموات العقول فدت نفسي جبينك من جبين * جرى دمه على خد أسيل أيخلو قلب ذي ورع تقي * من الاحزان والالم الطويل وقد شرقت رماح بني زياد * بري من دماء بني الرسول فؤادك والسلو. فان قلبي * سيأبى أن يعود إلى ذهول فيا طول الاسى من بعد قوم * ادير عليهم كاس الافول تعاورهم أسنة آل حرب * وأسياف قليلات الفلول بتربة كربلا لهم ديار * ينام الاهل دارسة السلول (2) تحيات ومغفرة وروح * على تلك المحلة والحلول وأوصال الحسين ببطن قاع * ملاعب للدبور وللقبول


(1) العهاد جمع العهد: المطر الذى يكون بعد المطر (2) كأنه تصحيف " الطلول " وهوجمع طلل: الشاخص من الدار

[290]

برئنا يارسول الله ممن * أصابك بالاذاء وبالذحول ولمنصوربن النمري: يقتل ذرية النبي ويرجون * جنان الخلود للقاتل ما الشك عندي في كفر قاتله * لكنني قد أشك في الخاذل (1) وللصاحب رحمه الله: لا يشتفي إلا بسبي بناته * وجدانها التخويف والابعاد إن لم أكن حربا لحرب كلها * فنفاني الآباء والاجداد إن لم أفضل أحمدا ووصيه * لهدمت مجدا شأوه عباد يا كربلاء تحدثي ببلايا * وبكربنا إن الحديث يعاد أسد نماه أحمد ووصيه * أرداه كلب قد نماه زياد فالدين يبكي والملائك تشتكي * والجوأ كلف والسنون جماد (2) ولسليمان بن قتة: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها حين حلت


(1) ذكر أشعاره ابن عبد البر في الاستيعاب بذيل الاصابة ج 1 ص 380 وابن الاثير في أسد الغابة ج 2 ص 22 وهى: ويلك يا قاتل الحسين لقد * بؤت بحمل ينوء بالحامل أي حباء حبوت أحمد في * حفرته من حرارة الثاكل تعال فاطلب غدا شفاعته * وانهض فرد حوضه مع الناهل ما الشك عندي في حال قاتله * لكننى قد أشك في الخاذل كأنما أنت تعجبين ألا * تنزل بالقوم نقمة العاجل لا يعجل الله ان عجلت وما * ربك عما ترين بالغافل ما حصلت لامرء سعادته * حقت عليه عقوبة الاجل (2) يقال وجه أكلف: إذا على بشرته حمرة كدرة والجماد من السنين: ما لم يصبها مطر.

[291]

فلا يبعد الله الديار وأهلها * وإن أصبحت منهم بزعمي تخلت ألا إن قتلى الطف من آل هاشم * أذلت رقاب المسلمين فذلت وكانوا غياثا ثم أضحوا رزية * ألا عظمت تلك الررايا وجلت وأنشدني الامام الاجل ركن الاسلام أبو الفضل الكرماني رحمه الله أنشدني الامام الاجل الاستاذ فخر القضاة محمد بن الحسين الارسايندى لواحد من الشعراء: عين جودي بعبرة وعويل * واندبي إن بكيت آل الرسول واندبي تسعة لصلب علي * قد اصيبوا وخمسة لعقيل واندبي كلهم فليس إذا ما * ضن بالخير كلهم بالبخيل واندبي إن ندبت عونا أخاهم * ليس فيما ينوبهم بخذول وسمي النبي غودر فيهم * قد علوه بصارم مسلول قال فخر القضاة: وأنشدني القاضي الامام محمد بن عبد الجبار السمعاني من قيله: بمحمد سلوا سيوف محمد * رضخوا بها هامات آل محمد ولغيره: محن الزمان سحائب مترادفه * هي بالفوادح والفواجع ساجمه وإذا الهموم تعاورتك فسلها * بمصاب أولاد البتولة فاطمه وللصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد رحمه الله: عين جودي على الشهيد القتيل * واترك الخد كالمحيل المحيل كيف يشفي البكاء في قتل مولاي * إمام التنزيل والتأويل ولو أن البحار صارت دموعي * ما كفتني لمسلم بن عقيل قاتلوا الله والنبي ومولاهم * عليا إذ قاتلوا ابن الرسول صرعوا حوله كواكب دجن (1) * قتلوا حوله ضراغم خيل إخوة كل واحد منهم ليث * عرين وحد سيف صقيل


(1) هو سواد الليل

[292]

أوسعوهم ضربا وطعنا ونحرا * وانتهابا ياضلة من سبيل والحسين الممنوع شربة ماء * بين حر الظبى وحر الغليل مثكلا بابنه وقد ضمه وهو * غريق من الدماء الهمول فجعوه من بعده برضيع * هل سمعتم بمرضع مقتول ثم لم يشفهم سوى قتل نفس * هي نفس التكبير والتهليل هي نفس الحسين نفس رسول الله * نفس الوصي نفس البتول ذبحوه ذبح الاضاحي فيا قلب * تصدع على العزيز الذليل وطأوا جسمه وقد قطعوه * ويلهم من عقاب يوم وبيل أخذوا رأسه وقد بضعوه * إن سعي الكفار في تضليل نصبوه على القنا فدمائي * لا دموعي تسيل كل مسيل واستباحوا بنات فاطمة الزهراء * لما صرخن حول القتيل حملوهن قد كشفن على الاقتاب * سبيا بالعنف والتهويل يالكرب بكربلاء عظيم * ولرزء على النبي ثقيل كم بكى جبرئيل مما دهاه * في بنية صلوا على جبرئيل سوف تأتي الزهراء تلتمس * الحكم إذ حان محشر التعديل وأبوها وبعلها وبنوها * حولها والخصام غير قليل وتنادي يا رب ذبح أولادي * لما ذا ؟ وأنت خير مديل فينادي بمالك: ألهب النار * وأجج وخذ بأهل الغلول يا بني المصطفى بكيت وأبكيت * ونفسي لم تأت بعد بسؤل ليت روحي ذابت دموعا فأبكي * للذي نالكم من التذليل فولائي لكم عتادي وزادي * يوم ألقاكم على سلسبيل لي فيكم مدائح ومراثي * حفظت حفظ محكم التنزيل قد كفاها في الشرق والغرب فخرا * أن يقولوا هي من قبل إسماعيل ومتى كادني النواصب فيكم * حسبي الله وهو خير وكيل

[293]

وللصاحب أيضا رحمه الله من قصيدة طويلة: هم وكدوا أمر الدعي يزيد ملفوظ السفاح فسطا على روح الحسين وأهله جم الجماح (1) صرعوهم قتلوهم نحروهم نحر الاضاحي يادمع حي على انسجام ثم حي على انسفاح في أهل حي على الصلاة وأهل حي على الفلاح يحمي يزيد نساء بين النضائد والوشاح وبنات أحمد قد كشفن على حريم مستباح ليت النوائح ماسكتن عن النياحة والصياح يا سادتي لكم ودادي وهو داعية امتداحي وبذكر فضلكم اغتباقي كل يوم واصطباحي (2) لزم ابن عباد ولاءكم الصريح بلا براح أقول: وقال ابن نما رحمه الله: رويت إلى ابن عائشة قال مر سليمان بن قتة العدوي مولى بني تيم بكربلا بعد قتل الحسين عليه السلام بثلاث فنظر إلى مصارعهم فاتكأ على فرس له عربية وأنشأ: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلت (3) ألم ترأن الشمس أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرت وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت وتسألنا قيس فنعطي فقيرها * وتقتلنا قيس إذا النعل زلت


(1) الجم: الكثير من كل شئ، والجماح كأنه جمع جموح أو جامح: الفرس الذى يركب رأسه لا يثنيه شئ (2) الاغتباق: شرب الغبوق: وهو ما يشرب بالعشى والاصطباح: شرب الصبوح: مايشرب بالصباح. (3) في اسد الغابة " حين حلت " وفى الاستيعاب " حين خلت " (*)

[294]

وعند غني قطرة من دمائنا (1) * سنطلبهم يوما بها حيث حلت فلا يبعد الله الديار وأهلها * وإن أصبحت منهم بزعمي تخلت وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقاب المسلمين فذلت وقد أعولت تبكي السماء لفقده * وأنجمها ناحت عليه وصلت (2) وقيل: الابيات لابي الرمح (3) الخزاعي حدث المرزباني قال: دخل أبو الرمح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام فأنشدها مرثية في الحسين عليه السلام: أجالت على عيني سحائب عبرة * فلم تصح بعد الدمع حتى ارمعلت (4) تبكي على آل النبي محمد * وما أكثرت في الدمع لابل أقلت اولئك قوم لم يشيموا سيوفهم * وقد نكأت أعداؤهم حين سلت (5) وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت فقالت فاطمة: يا أبا رمح هكذا تقول ؟ قال: فكيف أقول جعلني الله فداك قالت: قل: " أذل رقاب المسلمين فذلت " فقال: لاأنشدها بعد اليوم إلا هكذا أقول: ما قيل من المراثي في مصيبته صلوات الله عليه جمة لا تحصى ولا يناسب إيرادها ما نحن بصدده في هذا الكتاب وإنما أوردنا قليلا منها رجاء أن يشركني الله تعالى مع من يبكي وينوح بها في ثوابه ولذلك عدونا ما التزمناه في صدر الكتاب بذكر بعض القصص عن التواريخ والكتب التي لم تكن في درجة ما أوردته في الفهرست في الوثوق والاعتماد وتأسينا بذلك بسنة علمائنا الماضين رضوان الله عليهم فانهم في إيراد تلك القصص الهائلة اعتمدوا على التواريخ لقلة ورود خصوصياتها في الاخبار، على أن أكثرها مؤيدة بالاخبار المعتبرة التي أوردتها والله الموفق وعليه التكلان


(1) في النسخ " غبى " وهو تصحيف، والغنى: بطن من قيس عيلان (2) في النسخ " تبكى النساء " و " انجمنا " (3) في الاستيعاب: أبى الزميج (4) أي تتابع قطرة (5) في اسد الغابة والاستيعاب: " ولم تنك في أعدائهم حين سلت "

[295]

45 * (باب) * * (العلة التى من أجلها أخر الله العذاب عن قتلته صلوات الله عليه) * * (والعلة التى من أجلها يقتل أولاد قتلته عليه السلام) * " وان الله ينتقم له في زمن القائم عليه السلام " 1 - ع، ن: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن الهروي قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام يا ابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذ اخرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها ؟ فقال عليه السلام: هو كذلك فقلت: وقول الله عزوجل " ولا تزر وازرة وزر اخرى " (1) ما معناه ؟ قال: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئا كان كمن أتاه، ولو أن رجلا قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل بالمغرب لكان الراضي عند الله عزوجل شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم عليه السلام إذ اخرج لرضاهم بفعل آبائهم قال: قلت له: بأي شئ يبدء القائم منكم إذا قام ؟ قال: يبدء ببني شيبة فيقطع أيديهم لانهم سراق بيت الله عزوجل 2 - م، ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه عليهم السلام أن علي بن الحسين عليه السلام كان يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني إسرائيل ويحكي قصتهم فلما بلغ آخرها قال: إن الله تعالى مسخ اولئك القوم لاصطياد السمك فكيف ترى عند الله يكون حال من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وهتك حريمه إن الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا فان المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب المسخ، فقيل له: يا ابن رسول الله فانا قد سمعنا منك هذا الحديث فقال لنا بعض


(1) الانعام: 164، والحديث في العيون ج 1 ص 273، علل الشرائع ج 1 ص 219

[296]

النصاب: فان كان قتل الحسين باطلا فهو أعظم من صيد السمك في السبت، أفما كان يغضب على قاتليه كما غضب على صيادي السمك ؟ قال علي بن الحسين: قل لهؤلاء النصاب: فان كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر باغوائه، فأهلك الله من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ولم يهلك إبليس وهو أولى بالهلاك فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في عمل الموبقات وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات ؟ ألا كان ربنا عزوجل حكيما بتدبيره وحكمه فيمن أهلك وفيمن استبقى فكذلك هؤلاء الصائدون في السبت وهؤلاء القاتلون للحسين عليه السلام، يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة لا يسأل عمايفعل وعباده يسألون وقال الباقر عليه السلام: لما حدث علي بن الحسين بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا ابن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم ؟ وهو يقول: " ولا تزر وازرة وزر اخرى " ؟ فقال زين العابدين عليه السلام: إن القرآن نزل بلغة العرب، فهو يخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم يقول الرجل التميمي قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه: أغرتم على بلد كذى ويقول العربي أيضا: ونحن فعلنا ببني فلان ونحن سبينا آل فلان ونحن خربنا بلد كذا، لا يريد أنهم باشروا ذلك، ولكن يريد هؤلاء بالعذل، واولئك بالافتخار أن قومهم فعلوا كذا، وقول الله عزوجل في هذه الآية إنما هو توبيخ لاسلافهم وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين لان ذلك هو اللغة التي انزل بها القرآن، ولان هؤلاء الاخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم مصوبون ذلك لهم، فجاز أن يقال لهم: أنتم فعلتم، أي إذ رضيتم قبيح فعلهم (1) 3 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: القائم والله يقتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها 4 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى


(1) كتاب الاحتجاج ص 160

[297]

عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى " لا عدوان إلاعلى الظالمين " (1) قال: أولاد قتلة الحسين عليه السلام مل: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم وابن أبي الخطاب، عن عثمان بن عيسى مثله (2) بيان: لعل المراد بالعدوان ما يسمى ظاهرا عدوانا، وإن كان في الواقع موافقا للعدل 4 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن صفوان عن حكم الحناط (3) عن ضريس، عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول في قول الله عزوجل: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير " (4) قال: علي والحسن والحسين عليهم السلام 5 - مل: محمد بن جعفر القرشي الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن موسى ابن سعدان الحناط، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين " (5) قال: قتل أمير المؤمنين وطعن الحسن بن علي عليهما السلام " ولتعلن علوا كبيرا " قتل الحسين بن علي عليه السلام " فإذا جاء وعداوليهما " قال: إذا جاء نصر الحسين بن علي " بعثنا عليكم عبادا لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار " قوما يبعثهم الله قبل قيام القائم لا يدعون وترا لآل محمد إلا أحرقوه وكان وعد الله مفعولا


(1) البقرة: 193 (2) كامل الزيارات ص 64 (3) يظهر من حديث في الكافي ج 5 ص 274 أنه كان خياطا، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام انى اتقبل الثوب بدرهم وأسلمه بأكثر من ذلك الحديث (4) الحج: 39، راجع المصدر ص 63 (5) أسرى: 4 و 5، راجع المصدر ص 62

[298]

6 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: تلاهذه الآية " إنا لننصرر سلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد " (1) قال: الحسين بن علي منهم ولم ينصر بعد ثم قال: والله لقد قتل قتلة الحسين ولم يطلب بدمه بعد 7 - مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن محمد بن سنان، عن رجل قال: سألت عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " (2) قال: ذلك قائم آل محمد يخرج فيقتل بدم الحسين بن علي فلو قتل أهل الارض لم يكن سرفا وقوله تعالى: " فلا يسرف في القتل " لم يكن ليصنع شيئا يكون سرفا ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: يقتل والله ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها 8 - شى: عن الحسن بياع الهروي يرفعه، عن أحدهما عليهما السلام في قوله: " لا عدوان إلاعلى الظالمين " قال: إلا على ذرية قتلة الحسين (3) 9 - شى: عن إبراهيم، عمن رواه، عن أحدهما قال: قلت: " فلاعدوان إلاعلى الظالمين " قال: لا يعتدي الله على أحد إلا على نسل ولد قتلة الحسين عليه السلام 10 - قب: تاريخ بغداد وخراسان والابانة والفردوس قال: ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وآله أني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وأقتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا الصادق عليه السلام قتل بالحسين مائة ألف وما طلب بثأره، وسيطلب بثأره (4) علي بن الحسين قال: خرجنا مع الحسين فما نزل منزلا ولا ارتحل عنه إلا وذكر يحيى بن زكريا وقال يوما: من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى


(1) غافر: 51، راجع كامل الزيارات ص 63 (2) أسرى: 33، راجع المصدر ص 63 (3) تفسير العياشي ج 1 ص 86 وهكذا ما يليه ص 87 (4) المناقب ج 4 ص 81

[299]

اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل وفي حديث مقاتل، عن زين العابدين (عن أبيه) أن امرأة ملك بني إسرائيل كبرت وأرادت أن تزوج بنتها منه للملك، فاستشار الملك يحيى بن زكريا فنهاه عن ذلك فعرفت المرأة ذلك وزينت بنتها وبعثتها إلى الملك فذهبت ولعبت بين يديه، فقال لها الملك: ما حاجتك ؟ قالت: رأس يحيى بن زكريا فقال الملك: يا بنية حاجة غير هذا، قالت: ما اريد غيره، وكان الملك إذا كذب فيهم عزل عن ملكه، فخير بين ملكه وبين قتل يحيى فقتله، ثم بعث برأسه إليها في طست من ذهب فأمرت الارض فأخذتها وسلط الله عليهم بخت نصر فجعل يرمي عليهم بالمناجيق ولا تعمل شيئا فخرجت إليه عجوز من المدينة فقالت: أيها الملك إن هذه مدينة الانبياء لا تنفتح إلا بما أدلك عليه قال: لك ما سألت قالت: ارمها بالخبث والعذرة ففعل فتقطعت فدخلها فقال: علي بالعجوز فقال لها: ما حاجتك ؟ قالت: في المدينة دم يغلى فاقتل عليه حتى يسكن فقتل عليه سبعين ألفا حتى سكن، يا ولدي يا علي والله لا يسكن دمي حتى يبعث الله المهدي فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفا (1)


(1) المصدر ص 85

[300]

46 * (باب) * * (ما عجل الله به قتلة الحسين صلوات الله عليه) * * (من العذاب في الدنيا، وما ظهر من اعجازه واستجابة دعائه) * * (في ذلك عند الحرب وبعده) * 1 - قب: روي أن الحسين صلوات الله عليه قال لعمربن سعد: إن مما يقر لعيني أنك لا تأكل من بر العراق بعدي إلا قليلا فقال مستهزئا: يا أبا عبد الله في الشعير خلف، فكان كما قال، لم يصل إلى الري وقتله المختار تاريخ النسوي وتاريخ بغداد وإبانة العكبري قال سفيان بن عيينة: حدثتني جدتي أن رجلا ممن شهد قتل الحسين عليه السلام كان يحمل ورسا فصار ورسه دما ورأيت النجم كأن فيه النيران يوم قتل الحسين يعني بالنجم النبات محمد بن الحكم، عن امه قال: انتهب الناس ورسا (1) من عسكر الحسين عليه السلام فما استعملته امرأة إلا برصت أمالي أبي سهل القطان يرويه عن ابن عيينة قال: أدركت من قتلة الحسين رجلين أما أحدهما فانه طال ذكره حتى كان يلفه، وفي رواية كان يحمله على عاتقه، وأما الآخر فانه كان يستقبل الراوية فيشربها إلى آخرها ولا يروي وذلك أنه نظر إلى الحسين وقد أهوى إلى فيه بماء وهو يشرب فرماه بسهم فقال الحسين عليه السلام: لاأرواك الله من الماء في دنياك ولا في آخرتك وفي رواية أن رجلا من كلب رماه بسهم فشك شدقه، فقال الحسين عليه السلام: " لاأرواك الله " فعطش الرجل حتى ألقى نفسه في الفرات وشرب حتى مات (2) بيان: الشك: اللزوم واللصوق


(1) الورس: نبت يكون باليمن يتخذ منه الغمرة للوجه (2) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 55 و 56

[301]

2 - قب: المقتل، عن ابن بابويه والتاريخ عن الطبري، قال أبو القاسم الواعظ: نادى رجل: يا حسين إنك لن تذوق من الفرات قطرة حتى تموت أو تنزل على حكم الامير، فقال الحسين عليه السلام: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا، فغلب عليه العطش فكان يعب المياه ويقول: واعطشاه ! حتى تقطع تاريخ الطبري أنه كان هذا المنادي عبد الله بن الحصين الازدي رواه حميد ابن مسلم وفي رواية كان رجلا من دارم فضائل العشرة، عن أبي السعادات بالاسناد في خبر أنه لما رماه الدارمي بسهم فأصاب حنكه جعل يتلقى الدم ثم يقول هكذا إلى السماء (1) فكان هذا الدارمي يصيح من الحر في بطنه والبرد في ظهره، بين يديه المراوح والثلج، وخلفه الكانون والنار، وهو يقول: اسقوني فيشرب العس ثم يقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقد بطنه ابن بطة في الابانة وابن جرير في التاريخ أنه نادى الحسين عليه السلام ابن جوزة فقال: يا حسين أبشر فقد تعجلت النار في الدنيا قبل الآخرة، قال: ويحك أنا ؟ قال: نعم، قال: ولي رب رحيم وشفاعة نبي مطاع، اللهم إن كان عندك كاذبا فجره إلى النار قال: فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فوثب به فرمى به وبقيت رجله في الركاب ونفر الفرس فجعل يضرب برأسه كل حجر وشجر حتى مات، وفي رواية غيرهما: اللهم جره إلى النار وأذقه حرها في الدنيا قبل مصيره إلى الآخرة فسقط عن فرسه في الخندق وكان فيه نار فسجد الحسين عليه السلام تاريخ الطبري قال أبو مخنف: حدثني عمرو بن شعيب، عن محمد بن عبد الرحمان أن يدي أبجر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان كأنهما عودان، وفي رواية غيره: كانت يداه تقطران في الشتاء دما، وكان هذا الملعون سلب الحسين عليه السلام ويروى أنه أخذ عمامته جابر بن زيد الازدي وتعمم بها فصار في الحال معتوها


(1) أي يرميه إلى السماء

[302]

وأخذ ثوبه جعوبة بن حوية الحضرمي ولبسه فتغير وجهه وحص شعره، وبرص بدنه، وأخذ سراويله الفوقاني بحيربن عمرو الجرمي وتسرول به فصار مقعدا (1) بيان: رجل أحص: بين الحصص: أي قليل شعر الرأس، وقد حصت البيضة رأسه 3 - قب: تاريخ الطبري: إن رجلا من كندة يقال له مالك بن اليسر أتى الحسين عليه السلام بعد ما ضعف من كثرة الجراحات فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس من خز، فقال عليه السلام: لاأكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين، فألقى ذلك البرنس من رأسه فأخذه الكندي فأتى به أهله فقالت امرأته: أسلب الحسين تدخله في بيتي ؟ لا تجتمع رأسي ورأسك أبدا فلم يزل فقيرا حتى هلك أحاديث ابن الحاشر قال: كان عندنا رجل خرج على الحسين عليه السلام ثم جاء بجمل وزعفران فكلما دقوا الزعفران صار نارا، فلطخت امرأته على يديها فصارت برصاء، وقال: ونحر البعير فكلما جزوا بالسكبن صار مكانها نارا قال: فقطعوه فخرج منه النار، قال: فطبخوه ففارت القدر نارا ويروى عن سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون الواسطي أنهما قالا: نحر إبل الحسين عليه السلام فإذا لحمه يتوقد نارا تاريخ النسوي قال حماد بن زيد: قال جميل ابن مرة: لما طبخوها صارت مثل العلقم وروي أن الحسين عليه السلام دعا (وقال) اللهم إنا أهل بيت نبيك، وذريته وقرابته، فاقصم من ظلمنا وغصبنا حقنا إنك سميع قريب، فقال محمد بن الاشعث وأي قرابة بينك وبين محمد ؟ فقرأ الحسين عليه السلام " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض " ثم قال: اللهم أرني فيه في هذا اليوم ذلا عاجلا، فبرزابن الاشعث للحاجة فلسعته عقرب على ذكره، فسقط وهو يستغيث ويتقلب على حدثه


(1) المصدر ج 4 ص 56 و 57

[303]

إبانة ابن بطة وجامع الدار قطني وفضائل أحمد روى قرة بن أعين، عن خاله قال: كنت عند أبي رجاء العطاردي فقال: لا تذكروا أهل البيت إلا بخير، فدخل عليه رجل من حاضري كربلا وكان يسب الحسين عليه السلام فأهوى الله عليه نجمين فعميت عيناه وسأل عبد الله بن رباح القاضي أعمى عن عمائه فقال: كنت حضرت كربلا وما قاتلت فنمت فرأيت شخصا هائلا قال لي: أجب رسول الله ! فقلت: لااطيق فجرني إلى رسول الله فوجدته حزينا وفي يده حربة، وبسط قدامه نطع، وملك قبله قائم في يده سيف من النار، يضرب أعناق القوم وتقع النار فيهم فتحرقهم، ثم يحيون ويقتلهم أيضا هكذا فقلت: السلام عليك يارسول الله، والله ما ضربت بسيف، ولاطعنت برمح، ولا رميت سهما، فقال النبي: ألست كثرت السواد ؟ فسلمني وأخذ من طست فيه دم فكحلني من ذلك الدم فاحترقت عيناي فلما انتبهت كنت أعمى كنز المذكرين قال الشعي: رأيت رجلا متعلقا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم اغفر لي ولا أراك تغفر لي، فسألته عن ذنبه فقال: كنت من الوكلاء على رأس الحسين وكان معي خمسون رجلا فرأيت غمامة بيضاء من نور، وقد نزلت من السماء إلى الخيمة وجمعا كثيرا أحاطوا بها فإذا فيهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ثم نزلت اخرى وفيها النبي صلى الله عليه وآله وجبرائيل وميكائيل وملك الموت فبكى النبي وبكوا معه جميعا فدنا ملك الموت وقبض تسعا وأربعين فوثب علي فوثبت على رجلي وقلت: يارسول الله الامان الامان، فوالله ما شايعت في قتله ولا رضيت، فقال: ويحك وأنت تنظر إلى ما يكون ؟ فقلت: نعم، فقال: يا ملك الموت خل عن قبض روحه فانه لابد أن يموت يوما فتركني وخرجت إلى هذا الموضع تائبا على ماكان مني النطنزي في الخصائص: لماحاؤا برأس الحسين ونزلوا منزلا يقال له: قنسرين اطلع راهب من صومعته إلى الرأس فرأى نورا ساطعا يخرج من فيه (1) ويصعد


(1) كأن هذا الراهب كان يرى ملكوت الاشياء برياضته ورهبانيته: فرأى النور الساطع من الرأس، ولا يراه سائر الناس

[304]

إلى السماء فأتاهم بعشرة آلاف درهم وأخذ الرأس وأدخله صومعته، فسمع صوتا ولم ير شخصا قال: طوبى لك، وطوبى لمن عرف حرمته، فرفع الراهب رأسه وقال: يا رب بحق عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلم معي، فتكلم الرأس وقال:، يا راهب أي شئ تريد ؟ قال: من أنت ؟ قال: أنا ابن محمد المصطفى، وأنا ابن على المرتضى، وأنا ابن فاطمة الزهراء، أنا المقتول بكربلا، أنا المظلوم، أنا العطشان وسكت فوضع الراهب وجهه على وجهه، فقال: لاأرفع وجهي عن وجهك حتى تقول: أنا شفيعك يوم القيامة، فتكلم الرأس وقال: ارجع إلى دين جدي محمد ! فقال الراهب: أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقبل له الشفاعة فلما أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلما بلغوا الوادي نظروا الدراهم، قد صارت حجارة وفي أثر عن ابن عباس: أن ام كلثوم قالت لحاجب ابن زياد: ويلك هذه الالف درهم خذها إليك واجعل رأس الحسين أمامنا، واجعلنا على الجمال وراء الناس، ليشتغل الناس بنظرهم إلى رأس الحسين عنا، فأخذ الالف وقد م الرأس فلما كان الغد أخرج الدراهم وقد جعلها الله حجارة سوداء، مكتوبا على أحد جانبيها " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " وعلى الجانب الآخر " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " وروى أبو مخنف عن الشعبي أنه صلب رأس الحسين عليه السلام بالصيارف في الكوفة فتنحنح الرأس وقرأ سورة الكهف إلى قوله " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " فلم يزدهم ذلك إلا ضلالا وفي أثر: أنهم لما صلبوا رأسه على الشجر سمع منه " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " وسمع أيضا صوته بدمشق يقول: " لاقوة إلا بالله " وسمع أيضا يقرء " إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " فقال زيد بن أرقم: أمرك أعجب يا ابن رسول الله كتابي ابن بطة والترمذي وخصائص النطنزى واللفظ للاول عن عمارة

[305]

ابن عمير أنه لماجيئ برأس ابن زياد ورؤس أصحابه إلى المسجد انتهيت إليهم والناس يقولون: قد جاءت قد جاءت قال: فجائت حية تتخلل الرؤس حتى دخلت في منخره ثم خرجت من المنخر الآخر، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا (1) أبو مخنف في رواية: لما دخل بالرأس على يزيد كان للرأس طيب قدفاح على كل طيب، ولما نحر الجمل الذي حمل عليه رأس الحسين كان لحمه أمر من الصبر، ولما قتل عليه السلام صار الورس دما وانكسفت الشمس إلى ثلاثة أسبات، وما في الارض حجر إلا وتحته دم، وناحت عليه الجن كل يوم فوق قبر النبي إلى سنة كاملة (2) بيان: قوله " إلى ثلاثة أسبات " أي أسابيع وإنما ذكر هكذا لانهم ذكروا أن قتله عليه السلام كان يوم السبت، فابتداء ذلك من هذا اليوم 4 - قب: دلائل النبوة، عن أبي بكر البيهقي بالاسناد إلى أبي قبيل وأمالي أبي عبد الله النيسابوري أيضا أنه لما قتل الحسين عليه السلام واجتز رأسه، قعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ، ويتحيون بالرأس فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب سطرا بالدم: أترجو امة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب قال: فهربوا وتركوا الرأس ثم رجعوا وفي كتاب ابن بطة أنهم وجدوا ذلك مكتوبا في كنيسة وقال أنس بن مالك: احتفر رجل من أهل نجران حفيرة فوجد فيها لوح من ذهب فيه مكتوب هذا البيت وبعده: فقد قدموا عليه بحكم جور * فخالف حكمهم حكم الكتاب


(1) ذكره ابن الاثير في اسد الغابة ج 2 ص 22 وقال: قال الترمذي: هذا حديث صحيح، أخرجه الثلاثة (2) المصدر ج 4 ص 57 - 61

[306]

ستلقى يا يزيد غدا عذابا * من الرحمن يالك من عذاب فسألناهم منذ كم هذا في كنيستكم ؟ فقالوا: قبل أن يبعث نبيكم بثلاثمائة عام 5 - أقول: روى السيد في كتاب الملهوف وابن شهر آشوب وغيرهما، عن عبد الله ابن رباح القاضي قال: لقيت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسين عليه السلام فسئل عن بصره فقال: كنت شهدت قتله عاشر عشرة، غير أني لم أطعن برمح، ولم أضرب بسيف ولم أرم بسهم، فلما قتل رجعت إلى منزلي وصليت العشاء الآخرة، ونمت، فأتاني آت في منامي فقال: أجب رسول الله ! فقلت: مالي وله ؟ فأخذ بتلبيبي وجرني إليه فإذا النبي جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه، آخذ بحربة، وملك قائم بين يديه وفي يده سيف من نار يقتل أصحابي التسعة، فكلما ضرب ضربة التهب أنفسهم نارا فدنوت منه وجثوت بين يديه، وقلت: السلام عليك يارسول الله فلم يرد علي ومكث طويلا ثم رفع رأسه وقال: يا عدو الله انتكهت حرمتي، وقتلت عترتي، ولم ترع حقي وفعلت وفعلت، فقلت: يارسول الله ما ضربت بسيف، ولاطعنت برمح، ولارميت بسهم، فقال: صدقت ولكنك كثرت السواد، ادن مني ! فدنوت منه فإذا طست مملوء دما فقال لي: هذا دم ولدي الحسين فكحلني من ذلك الدم فانتبهت حتى الساعة لا أبصر شيئا (1) وقال أبو الفرج في المقاتل: قال المدائني: حدثني أبو غسان، عن هارون ابن سعد، عن القاسم بن أصبغ بن نباته قال: رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه وكنت أعرفه جميلا شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك قال: إني قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها فأصيح فما يبقى أحد في الحي إلا سمع صياحي، قال: والمقتول العباس بن علي عليه السلام (2)


(1) الملهوف ص 121 - 122، واللفظ له، وقد مر عن المناقب بغير هذا اللفظ (2) مقاتل الطالبيين ص 86، وقد ذكر القصة ابن شهر آشوب في المناقب ج 4 ص 58 بغير هذا اللفظ، وزاد: قال: فسمعت بذلك جارة له فقالت: ما يدعنا ننام الليل من صياحه

[307]

6 - ما:، المفيد، عن المراغي، عن علي بن الحسين بن سفيان، عن محمد بن عبد الله بن سليمان، عن عباد بن يعقوب، عن الوليد بن أبي ثور، عن محمد بن سليمان عن عمه قال: لما خفنا (1) أيام الحجاج خرج نفر منا من الكوفة مستترين وخرجت معهم فصرنا إلى كربلا، وليس بها موضع نسكنه، فبنينا كوخا على شاطئ الفرات وقلنا: نأوي إليه، فبينا نحن فيه إذ جاءنا رجل غريب فقال: أصير معكم في هذا الكوخ الليلة فأنا عابر سبيل ؟ فأجبناه وقلنا: غريب منقطع به، فلما غربت الشمس وأظلم الليل أشعلنا وكنا نشعل بالنفط، ثم جلسنا نتذاكر أمر الحسين ومصيبته وقتله ومن تولاه، فقلنا ما بقي أحد من قتلة الحسين إلا رماه الله ببلية في بدنه فقال ذلك الرجل: فأنا كنت فيمن قتله، والله ما أصابني سوء وإنكم يا قوم تكذبون فأمسكنا عنه، وقل ضوء النفط فقام ذلك الرجل ليصلح الفتيلة بأصبعه، فأخذت النار كفه فخرج نادا حتى ألقى نفسه في الفرات يتغوث به فو الله لقد رأينا يدخل رأسه في الماء والنار على وجه الماء فإذا أخرج رأسه سرت النار إليه فيغوصه إلى الماء ثم يخرجه، فتعود إليه فلم يزل ذلك دأبه حتى هلك 7 - ثو: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن الحسين عن نصربن مزاحم، عن عمربن سعد، عن محمد بن يحيى الحجازي، عن إسماعيل ابن داود أبي العباس الاسدي، عن سعيد بن الخليل، عن يعقوب بن سليمان قال: سمرت أنا ونفر ذات ليلة فتذاكرنا مقتل الحسين صلوات الله عليه فقال رجل من القوم: ما تلبس أحد بقتله إلا أصابه بلاء في أهله ونفسه وماله، فقال شيخ من القوم فهو والله ممن شهد قتله وأعان عليه، فما أصابه إلى الآن أمر يكرهه، فمقته القوم وتغير السراج وكان دهنه نفطا فقام إليه ليصلحه فأخذت النار بأصبعه فنفخها فأخذت بلحيته فخرج يبادر إلى الماء فألقى نفسه في النهر وجعلت النار ترفرف على رأسه فإذا أخرجه أحرقته حتى مات لعنه الله


(1) هذا هو الصحيح، وفى بعض النسخ: رجعنا، وفى بعضها " جعنا "

[308]

7 - ثو: بهذا الاسناد، عن عمربن سعد، عن القاسم بن الاصبغ قال: قدم علينا رجل من بني دارم ممن شهد قتل الحسين صلوات الله عليه مسود الوجه وكان رجلا جميلا شديد البياض، فقلت له:، ما كدت أن أعرفك لتغير لونك فقال: قتلت رجلا من أصحاب الحسين صلوات الله عليه أبيض بين عينيه أثر السجود وجئت برأسه - فقال القاسم: لقد رأيته على فرس له مرحا وقد علق الرأس بلبانها وهو يصيب ركبتها، قال: فقلت لابي: لو أنه رفع الرأس قليلا أما ترى ما تصنع به الفرس بيديها ؟ فقال لي: يا بني مايصنع به أشد، لقد حدثنى فقال:، ما نمت ليلة منذ قتلته إلا أتاني في منامي حتى يأخذ بتلبيبي فيقودني فيقول: انطلق ! فينطلق بي إلى جهنم فيقذف بي فيها حتى أصبح، قال: فسمعت بذلك جارية له فقالت: يايدعنا ننام شيئا من الليل من صياحه، قال: فقمت في شباب من الحي فأتينا امرأته فسألناها فقالت: قد أبدى على نفسه، قد صدقكم بيان: قوله " مرحا " حال عن الراكب أي فرحا وفي نسخة قديمة موجأ فهو صفة للمركوب أي خصي والاصل فيه موجوء لكن قد يستعمل هذا قال الجزري: ومنه الحديث إنه ضحى بكبشين موجوئين أي خصيين ومنهم من يرويه موجأين بوزن مكرمين وهو خطأ ومنهم موجيين بغير همز على التخفيف، ويكون من وجئه وجئا فهو موجى وقال الفيروزآبادي: اللبان بالفتح الصدر أو وسطه أو مابين الثديين أو صدر ذي الحافر، وقوله " أبدى " أي أظهر، وفيه تضمين معنى الطعن أي طاعنا على نفسه 8 - ثو: بهذا الاسناد، عن عمربن سعد، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن عمار بن عمير التيمي قال: لما جيئ برأس عبيدالله بن زياد لعنه الله ورؤس أصحابه عليهم غضب الله قال: انتهيت إليهم والناس يقولون: قد جاءت فجاءت حية تتخلل الرؤس حتى دخلت في منخر عبيدالله بن زياد لعنة الله عليه ثم خرجت فدخلت في المنخر الآخر 9 - ثو: أبي، عن محمد بن يحيى، عن الاشعري، عن عبد الله بن محمد

[309]

عن علي بن زياد، عن محمد بن علي الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن آل أبي سفيان قتلوا الحسين بن علي صلوات الله عليه فنزع الله ملكهم، وقتل هشام زيد ابن علي فنزع الله ملكه وقتل الوليد يحيى بن زيد فنزع الله ملكه 10 - مل: أحمد بن عبد الله بن علي، عن جعفر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الرحمن الغنوى، عن سليمان قال: وهل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول الله يعزيه في ولده الحسين ويخبره بثواب الله إياه، ويحمل إليه تربته مصروعا عليها مذبوحا مقتولا طريحا مخذولا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، واذبح من ذبحه، ولا تمتعه بما طلب قال عبد الرحمن: فوالله لقد عوجل الملعون يزيد ولم يتمتع بعد قتله، ولقد اخذ مغافصة بات سكرانا وأصبح ميتا متغيرا كأنه مطلي بقار، اخذ على أسف، وما بقي أحد ممن تابعه على قتله، أو كان في محاربته إلا أصابه جنون أو جذام أو برص وصار ذلك وراثة في نسلهم (1) 11 - أقول: روي في بعض كتب المناقب المعتبرة عن الحسن بن أحمد الهمداني عن محمود بن إسماعيل الصيرفي، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن الطبراني، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن محمد بن يحيى الصوفي، عن أبي غسان، عن عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيدالله بن زياد لعنه الله قال: دخلت القصر خلف عبيدالله بن زياد لعنه الله فاضطرم في وجهه نارا فقال هكذا بكمه على وجهه، فقال: هل رأيت ؟ قلت: نعم، فأمرني أن أكتم ذلك وقال: أخبرنا علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن والده أحمد بن الحسين، عن أبي عبد الله الحافظ، عن محمد بن يعقوب، عن العباس ابن محمد، عن الاسود بن عامر، عن شريك بن عمير يعني عبد الملك قال: قال الحجاج يوما: من كان له بلاء فليقم فلنعطه على بلائه، فقام رجل فقال: أعطني على بلائي قال: وما بلاؤك ؟ قال: قتلت الحسين، قال: وكيف قتلته ؟ قال: دسرته والله بالرمح


(1) كامل الزيارات: ص 61 و 62

[310]

دسرا، وهبرته بالسيف هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا قال: أما إنك وإياه لن تجتمعا في مكان أبدا قال له: اخرج قال: وأحسبه لم يعطه شيئا وبهذا الاسناد، عن أحمد بن الحسين، عن محمد بن الحسين القطان، عن عبد الله بن جعفر ابن درستويه، عن يعقوب بن سفيان النسوي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن جميل بن مرة قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين عليه السلام يوم قتل، فنحروها وطبخوها، قال: فصارت مثل العلقم فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا بيان: " العلقم " شجر مرويقال للحنظل ولكل شئ مرعلقم 12 - ثم قال: وبهذا الاسناد، عن يعقوب بن سفيان، عن أبي بكر الحميدي عن سفيان قال: حدثتني جدتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادا ولقد رأيت اللحم كأن فيه النار حين قتل الحسين عليه السلام وبهذ الاسناد، عن يعقوب بن سفيان، عن أبي نعيم، عن عقبة بن أبي حفصة عن أبيه، قال: إن كان الورس من ورس الحسين عليه السلام ليقال به هكذا، فيصير رمادا وبهذا الاسناد، عن أحمد بن الحسين، عن أبي عبد الله الحافظ، عن محمد بن يعقوب، عن العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين، عن جرير، عن زيد بن أبي الزناد قال: قتل الحسين ولي أربعة عشر سنة، وصار الورس رمادا الذي كان في عسكرهم، واحمرت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران وبهذا الاسناد، عن أبي عبد الله الحافظ، عن الزبير بن عبيدالله، عن أبي عبد الله ابن وصيف، عن المشطاح الوراق قال: سمعت الفتح بن شخرف العابد يقول: أفت الخبز للعصافير كل يوم فكانت تأكل، فلما كان يوم عاشورا فتت لها فلم تأكل فعلمت أنها امتنعت لقتل حسين بن علي عليه السلام وبهذا الاسناد، عن أحمد بن الحسين، عن أبي الحسين بن بشران، عن الحسين ابن صفوان، عن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، عن العباس بن هشام بن محمد الكوفي، عن أبيه

[311]

عن جده قال: كان رجل من أبان بن دارم يقال له: زرعة، شهد قتل الحسين عليه السلام فرمى الحسين بسهم فأصاب حنكه، فجعل يتلقى الدم ثم يقول هكذا إلى السماء فيرمي به، وذلك أن الحسين عليه السلام دعا بماء ليشرب فلما رماه حال بينه وبين الماء فقال: اللهم ظمئه اللهم ظمئه قال: فحدثني من شهده وهو يموت وهو يصيح من الحر في بطنه، والبرد في ظهره، وبين يديه المراوح والثلج وخلفه الكانون وهو يقول: اسقوني أهلكني العطش فيؤتى بعس عظيم فيه السويق والماء واللبن، لو شربه خمسة لكفاهم قال:، فيشربه ثم يعود فيقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقد بطنه كانقداد البعير وذكر أعثم الكوفي هذا الحديث مختصرا، قال: اسم الرامي - لعنه الله - عبد الرحمن الازدي فقال له الحسين عليه السلام: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا قال القاسم ابن أصبغ لقد رأيتني عند ذلك الرجل وهو يصيح والماء يبرد له فيه السكر والاعساس فيها اللبن، وهو يقول: ويلكم اسقوني فقد قتلني العطش فيعطى القلة أو العس، فإذا نزعه من فيه يصيح حتى انقد بطنه ومات شرميتة لعنه الله وبهذا الاسناد عن أبي الدنيا، عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان قال: حدثتني جدتي ام أبي قالت: أدركت رجلين ممن شهد قتل الحسين فأما أحدهما فطال ذكره حتى كان يلفه، وأما الآخر فكان يستقبل الراوية فيشربها حتى يأتي على آخرها، قال سفيان: أدركت ابن أحدهما به خبل أو نحو هذا وروي أن رجلا بلاأيد ولا أرجل وهو أعمى، يقول: رب نجني من النار فقيل له: لم تبق لك عقوبة، ومع ذلك تسأل النجاة من النار ؟ قال: كنت فيمن قتل الحسين عليه السلام بكربلا فلما قتل رأيت عليه سراويلا وتكة حسنة بعد ما سلبه الناس فأردت أن أنزع منه التكة، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكة، فلم أقدر على دفعها فقطعت يمينه ثم هممت أن آخذ التكة فرفع شماله فوضعها على تكتة فقطعت يساره، ثم هممت بنزع التكة من السراويل، فسمعت زلزلة فخفت وتركته فألقى الله علي النوم، فنمت بين القتلى فرأيت كأن محمدا صلى الله عليه وآله أقبل ومعه علي

[312]

وفاطمة فأخذوا رأس الحسين فقبلته فاطمة، ثم قالت: يا ولدي قتلوك قتلهم الله من فعل هذا بك ؟ فكان يقول: قتلني شمر، وقطع يداي هذا النائم - وأشار إلي فقالت فاطمة لي: قطع الله يديك ورجليك، وأعمى بصرك، وأدخلك النار، فانتبهت وأنا لا أبصر شيئا وسقطت مني يداي ورجلاي، ولم يبق من دعائها إلا النار أقول: روى السائل عن السيد المرتضى رضي الله عنه، عن خبر روى النعماني في كتاب التسلي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا احتضر الكافر حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي صلوات الله عليه وجبرئيل وملك الموت فيدنو إليه على عليه السلام فيقول: يارسول الله إن هذا كان يبغضنا أهل البيت فابغضه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله يا جبرئيل إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فابغضه، فيقول جبرئيل لملك الموت إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيته فابغضه واعنف به، فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك، أخذت أمان براءتك، تمسكت بالعصمة الكبرى في دار الحياة الدنيا ؟ فيقول: وماهي ؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب، فيقول: ما أعرفها ولا أعتقد بها فيقول له جبرئيل: يا عدو الله وما كنت تعتقد ؟ فيقول له جبرئيل: أبشر يا عدو الله بسخط الله وعذابه في النار أما ماكنت ترجو فقد فاتك، وأما الذي كنت تخاف فقد نزل بك، ثم يسل نفسه سلا عنيفا ثم يوكل، بروحه مائة شيطان كلهم يبصق في وجهه، ويتأذى بريحه، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار، يدخل إليه من فوح ريحها ولهبها ثم إنه يؤتى بروحه إلى جبال برهوت ثم إنه يصير في المركبات بعد أن يجري في كل سنخ مسخوط عليه حتى يقوم قائمنا أهل البيت، فيبعثه الله فيضرب عنقه، وذلك قوله: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " (1) والله لقد اتي بعمر بن سعد بعد ما قتل، وإنه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة، فجعل يعرف أهل الدار، وهم لا يعرفونه، والله لا يذهب الايام حتى يمسخ عدونا مسحا ظاهرا حتى أن الرجل منهم ليمسخ في حياته قردا أو


(1) غافر: 11

[313]

خنزيرا، ومن ورائهم عذاب غليظ ومن ورائهم جهنم وساءت مصيرا بيان: هذا خبر غريب ولم ينكره السيد في الجواب وأجاب بما حاصله أنا ننكر تعلق الروح بجسد آخر ولا ننكر تغير جسمه إلى صورة اخرى وأقول: يمكن حمله على التغيير في الجسد المثالي أو أجزاء جسده الاصلي إلى الصور القبيحة وقد مر بعض القول في ذلك 14 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن أبي محمد الانصاري، عن معاوية بن وهب قال: كنت جالسا عند جعفر بن محمد عليهما السلام إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر فقال: السلام عليك ورحمة الله فقال له أبو عبد الله: وعليك السلام ورحمة الله يا شيخ ادن مني، فدنا منه، وقبل يده وبكى فقال له أبو عبد الله عليه السلام: وما يبكيك يا شيخ ؟ قال له: يا ابن رسول الله أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من مائة سنة أقول: هذه السنة، وهذا الشهر، وهذا اليوم، ولا أراه فيكم فتلومني أن أبكي، قال: فبكى أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: يا شيخ إن اخرت منيتك كنت معنا وإن عجلت كنت يوم القيامة مع ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال الشيخ: ما ابالي ما فاتني بعد هذا يا ابن رسول الله، فقال له أبو عبد الله: يا شيخ إن رسول الله قال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله المنزل، وعترتي أهل بيتى تجيئ وأنت معنا يوم القيامة ثم قال: يا شيخ ما أحسبك من أهل الكوفة قال: لا، قال: فمن أين ؟ قال: من سوادها جعلت فداك، قال: أين أنت من قبر جدي المظلوم الحسين ؟ قال: إني لقريب منه، قال: كيف إتيانك له ؟ قال: إني لآتيه واكثر، قال: يا شيخ ذاك دم يطلب الله تعالى به، ما اصيب ولد فاطمة ولا يصابون بمثل الحسين، ولقد قتل عليه السلام في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا لله وصبروا في جنب الله فجزاهم الله أحسن جزاء الصابرين إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله ومعه الحسين ويده على رأسه يقطر دما فيقول: يا رب سل امتي فيم قتلوا ابني ؟ وقال عليه السلام: كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين

[314]

أقول: روي في بعض مؤلفات أصحابنا مرسلا عن بعض الصحابة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله يمص لعاب الحسين كما يمص الرجل السكرة، وهو يقول: حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا، وأبغض الله من أبغض حسينا، حسين سبط من الاسباط، لعن الله قاتله، فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد إن الله قتل بيحيى بن زكريا سبعين ألفا من المنافقين، وسيقتل بابن ابنتك الحسين سبعين ألفا وسبعين ألفا من المعتدين وإن قاتل الحسين في تابوت من نار، ويكون عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شدت يداه ورجلاه بسلاسل من نار، وهو منكس على ام رأسه في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار من شدة نتنها وهو فيها خالد ذائق العذاب الاليم لايفتر عنه ويسقى من حميم جهنم وروي أيضا في بعض الاخبار أن ملكا من ملائكة الصفيح الاعلى اشتاق لرؤية النبي صلى الله عليه وآله واستأذن ربه بالنزول إلى الارض لزيارته، وكان ذلك الملك لم ينزل إلى الارض أبدا منذ خلقت، فلما أراد النزول أوحى الله تعالى إليه يقول: أيها الملك أخبر محمدا أن رجلا من امته اسمه يزيد يقتل فرخه الطاهر ابن الطاهرة نظيرة البتول مريم بنت عمران، فقال الملك: لقد نزلت إلى الارض وأنا مسرور برؤية نبيك محمد فيكف اخبره بهذا الخبر الفضيع وإنني لاستحيي منه أن افجعه بقتل ولده، فليتني لم أنزل إلى الارض قال: فنودي الملك من فوق رأسه أن: افعل ما امرت به، فدخل الملك إلى رسول الله ونشر أجنحته بين يديه وقال: يارسول الله اعلم أني استأذنت ربي في النزول إلى الارض شوقا لرؤيتك وزيارتك، فليت ربي كان حطم أجنحتي ولم آتك بهذا الخبر، ولكن لابد من إنفاذ أمر ربي عزوجل، اعلم يا محمد أن رجلا من امتك اسمه يزيد زاده الله لعنا في الدنيا وعذابا في الآخرة يقتل فرخك الطاهر ابن الطاهرة، ولم يتمتع قاتله في الدنيا من بعده إلا قليلا ويأخذه الله مقاصا له على سوء عمله، ويكون مخلدا في النار فبكى النبي بكاء شديدا وقال: أيها الملك هل تفلح امة بقتل ولدي وفرخ

[315]

ابنتي ؟ فقال: لا يا محمد بل يرميهم الله باختلاف قلوبهم وألسنتهم في دار الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم وعن كعب الاحبار حين أسلم في أيام خلافة عمربن الخطاب وجعل الناس يسألونه عن الملاحم التي تظهر في آخر الزمان فصار كعب يخبرهم بأنواع الاخبار والملاحم والفتن التي تظهر في العالم ثم قال: وأعظمها فتنة وأشدها مصيبة لا تنسى إلى أبد الآبدين مصيبة الحسين عليه السلام وهي الفساد الذي ذكره الله تعالى في كتابه المجيد حيث قال: " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس " (1) وإنما فتح الفساد بقتل هابيل بن آدم، وختم بقتل الحسين عليه السلام أو لا تعلمون أنه يفتح يوم قتله أبواب السماوات ويؤذن السماء بالبكاء فتبكي دما فإذا رأيتم الحمرة في السماء قد ارتفعت، فاعلموا أن السماء تبكي حسينا فقيل: يا كعب لم لا تفعل السماء كذلك ولا تبكي دما لقتل الانبياء ممن كان أفضل من الحسين ؟ فقال: ويحكم إن قتل الحسين أمر عظيم وإنه ابن سيد المرسلين، وإنه يقتل علانية مبارزة ظلما وعدوانا ولا تحفظ فيه وصية جده رسول الله وهو مزاج مائه وبضعة من لحمه، يذبح بعرصة كربلا فو الذي نفس كعب بيده لتبكينه زمرة من الملائكة في السماوات السبع، لا يقطعون بكاءهم عليه إلى آخر الدهر، وإن البقعة التي يدفن فيها خير البقاع، وما من نبي إلا ويأتي إليها ويزورها ويبكي على مصابه، ولكربلا في كل يوم زيارة من الملائكة والجن والانس فإذا كانت ليلة الجمعة ينزل إليها تسعون ألف ملك يبكون على الحسين، ويذكرون فضله وإنه يسمى في السماء حسينا المذبوح وفي الارض أبا عبد الله المقتول، وفي البحار الفرخ الازهر المظلوم، وإنه يوم قتله تنكسف الشمس بالنهار، ومن الليل ينخسف القمر، وتدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيام وتمطر السماء دما، وتدكدك الجبال وتغطمط البحار، ولولا بقية من ذريته وطائفة من شيعته الذين يطلبون بدمه ويأخذون بثأره، لصب الله عليهم نارا من السماء أحرقت الارض ومن عليها


(1) الروم: 41

[316]

ثم قال كعب: يا قوم كأنكم تتعجبون بما احدثكم فيه من أمر الحسين عليه السلام وإن الله تعالى لم يترك شيئا كان أو يكون من أول الدهر إلى آخره إلا وقد فسره لموسى عليه السلام وما من نسمة خلقت إلا وقد رفعت إلى آدم في عالم الذر، وعرضت عليه، ولقد عرضت عليه هذه الامة ونظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على هذه الدنيا الدنية، فقال آدم: يا رب ما لهذه الامة الزكية وبلاء الدنيا وهم أفضل الامم ؟ فقال له: يا آدم إنهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم، وسيظهرون الفساد في الارض كفساد قابيل حين قتل هابيل، وإنهم يقتلون فرخ حبيبي محمد المصطفى ثم مثل لآدم عليه السلام مقتل الحسين ومصرعه ووثوب امة جده عليه فنظر إليهم فرآهم مسودة وجوههم، فقال: يا رب ابسط عليهم الانتقام كماقتلوا فرخ نبيك الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وروي في الكتاب المذكور عن سعيد بن المسيب قال: لما استشهد سيدي ومولاي الحسين عليه السلام وحج الناس من قابل دخلت على علي بن الحسين فقلت له: يا مولاي قد قرب الحج فماذا تأمرني فقال: امض على نيتك، وحج فحججت فبينما أطوف بالكعبة وإذا أنا برجل مقطوع اليدين، ووجهه كقطع الليل المظلم، وهو متعلق بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم رب هذا البيت الحرام اغفر لي وما أحسبك تفعل ولو تشفع في سكان سماواتك وأرضك، وجميع ماخلقت، لعظم جرمي قال سعيد بن المسيب: فشغلت وشغل الناس عن الطواف حتى حف به الناس واجتمعنا عليه، فقلنا: يا ويلك لو كنت إبليس ماكنا ينبغي لك أن تيأس من رحمة الله فمن أنت وما ذنبك ؟ فبكى وقال: يا قوم أنا أعرف بنفسي وذنبي وما جنيت، فقلنا له: تذكره لنا، فقال: أنا كنت جمالا لابي عبد الله عليه السلام لماخرج من المدينة إلى العراق، وكنت أراه إذا أراد الوضوء للصلاة يضع سراويله عندي فأرى تكة تغشي الابصار بحسن إشراقها، وكنت أتمناها تكون لي إلى أن صرنا بكربلا، وقتل الحسين وهي معه، فدفنت نفسي في مكان من الارض فلما جن الليل، خرجت من مكاني فرأيت من تلك المعركة نورا لاظلمة

[317]

ونهارا لا ليلا، والقتلى مطرحين على وجه الارض، فذكرت لخبثي وشقائي التكة فقلت: والله لاطلبن الحسين وأرجو أن تكون التكة في سراويله فاخذها ولم أزل أنظر في وجوه القتلى حتى أتيت إلى الحسين عليه السلام فوجدته مكبوبا على وجهه وهو جثة بلا رأس، ونوره مشرق مرمل بدمائه، والرياح سافية عليه، فقلت: هذا والله الحسين فنظرت إلى سراويله كما كنت أراها فدنوت منه، وضربت بيدي إلى التكة لآخذها فإذا هو قد عقدها عقدا كثيرة فلم أزل احلها حتى حللت عقدة منها فمد يده اليمنى وقبض على التكة فلم أقدر على أخذ يده عنها ولا أصل إليها فدعتني النفس الملعونة إلى أن أطلب شيئا أقطع به يديه فوجدت قطعة سيف مطروح فأخذتها واتكيت على يده ولم أزل أحزها حتى فصلتها عن زنده، ثم نحيتها عن التكة ومددت يدي إلى التكة لاحلها فمد يده اليسرى فقبض عليها فلم أقدر على أخذها فأخذت قطعة السيف، فلم أزل أحزها حتى فصلتها عن التكة، ومددت يدي إلى التكة لآخذها، فإذا الارض ترجف والسماء تهتز وإذا بغلبة عظيمة، وبكاء ونداء وقائل يقول: واابناه، وامقتولاه، واذبيحاه، واحسيناه، واغريباه ! يا بني قتلوك وما عرفوك، ومن شرب الماء منعوك فلما رأيت ذلك، صعقت ورميت نفسي بين القتلى، وإذا بثلاث نفر وامرأة وحولهم خلائق وقوف، وقد امتلات الارض بصور الناس وأجنحة الملائكة، وإذا بواحد منهم يقول: يا ابناه يا حسين فداك جدك وأبوك وأخوك وامك وإذا بالحسين عليه السلام قد جلس ورأسه على بدنه وهو يقول:، لبيك يا جداه يارسول الله ويا أبتاه يا أمير المؤمنين ويا اماه يا فاطمة الزهراء، ويا أخاه المقتول بالسم عليكم مني السلام ثم إنه بكى وقال: يا جداه قتلوا والله رجالنا، يا جداه سلبوا والله نساءنا، يا جداه نهبوا والله رحالنا، يا جداه ذبحوا والله أطفالنا، يا جداه يعز والله عليك أن ترى حالنا، وما فعل الكفار بنا وإذاهم جلسوا يبكون حوله على ما أصابه، وفاطمة تقول: يا أباه يارسول الله أما ترى ما فعلت امتك بولدي ؟ أتأذن لي أن آخذ من دم شيبه وأخضب به ناصيتي

[318]

وألقى الله عزوجل وأنا مختضبة بدم ولدي الحسين ؟ فقال لها: خذي ونأخذ يا فاطمة فرأيتهم يأخذون من دم شيبه وتمسح به فاطمة ناصيتها، والنبي وعلي والحسن عليهم السلام يمسحون به نحورهم وصدورهم وأيديهم إلى المرافق، وسمعت رسول الله يقول: فديتك يا حسين ! يعز والله علي أن أراك مقطوع الرأس مرمل الجبينين دامي النحر مكبوبا على قفاك، قد كساك الذارئ من الرمول (1) وأنت طريح مقتول، مقطوع الكفين يا بني من قطع يدك اليمنى وثنى باليسرى ؟ فقال: يا جداه كان معي جمال من المدينة وكان يراني إذا وضعت سراويلي للوضوء فيتمنى أن يكون تكتي له، فما منعني أن أدفعها إليه إلا لعلمي أنه صاحب هذا الفعل فلما قتلت خرج يطلبني بين القتلى، فوجدني جثة بلا رأس، فتفقد سراويلي فرأس التكة، وقد كنت عقدتها عقدا كثيرة، فضرب بيده إلى التكة فحل عقدة منها فمددت يدي اليمنى فقبضت على التكة، فطلب في المعركة فوجد قطعة سيف مكسور فقطع به يميني ثم حل عقدة اخرى، فقبضت على التكة بيدي اليسرى كي لا يحلها، فتنكشف عورتي، فحز يدي اليسرى، فلما أراد حل التكة حس بك فرمى نفسه بين القتلى فلما سمع النبي كلام الحسين بكى بكاء شديدا وأتى إلي بين القتلى إلى أن وقف نحوي، فقال: مالي ومالك يا جمال ؟ تقطع يدين طال ما قبلهما جبرئيل وملائكة الله أجمعون، وتباركت بها أهل السماوات والارضين ؟ أما كفاك ما صنع به الملاعين من الذل والهوان، هتكوا نساءه من بعد الخدور، وانسدال الستور سود الله وجهك يا جمال في الدنيا والآخرة، وقطع الله يديك ورجليك، وجعلك في حزب من سفك دماءنا وتجرء على الله، فما استتم دعاءه حتى شلت يداي وحسست بوجهي كأنه البس قطعا من الليل مظلما، وبقيت على هذه الحالة فجئت إلى هذا البيت أستشفع وأنا أعلم أنه لا يغفر لي أبدا


(1) جمع الرمل على الرمول على غير قياس

[319]

فلم يبق في مكة أحد إلا وسمع حديثه وتقرب إلى الله بلعنته، وكل يقول: حسبك ما جنيت يالعين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وقال: حكي عن رجل كوفي حدادقال: لماخرج العسكر من الكوفة لحرب الحسين بن علي جمعت حديدا عندي وأخذت التي وسرت معهم فلما وصلوا وطنبوا خيمهم، بنيت خيمة وصرت أعمل أوتادا للخيم، وسككا ومرابط للخيل وأسنة للرماح، وما اعوج من سنان أو خنجر أو سيف كنت بكل ذلك بصيرا، فصار رزقي كثيرا، وشاع ذكري بينهم حتى أتى الحسين مع عسكره فارتحلنا إلى كربلا وخيمنا على شاطئ العلقمي وقام القتال فيما بينهم، وحموا الماء عليه، وقتلوه وأنصاره وبنيه، وكان مدة إقامتنا وارتحالنا تسعة عشر يوما فرجعت غنيا إلى منزلي والسبايا معنا، فعرضت على عبيدالله فأمر أن يشهروهم إلى يزيد إلى الشام فلبثت في منزلي أياما قلائل، وإذا أناذات ليلة راقد على فراشي فرأيت طيفا كأن القيامة قامت، والناس يموجون على الارض كالجراد إذا فقدت دليلها وكلهم دالع لسانه على صدره من شدة الظماء، وأنا أعتقد بأن ما فيهم أعظم مني عطشا لانه كل سمعي وبصري من شدته هذا غير حرارة الشمس يغلي منها دماغي والارض تغلي كأنها القير، إذا اشعل تحته نار، فخلت أن رجلي قد تقلعت قدماها فوالله العظيم لوأني خيرت بين عطشي وتقطيع لحمي حتى يسيل دمي لاشربه لرأيت شربه خيرا من عطشي فبينا أنا في العذاب الاليم، والبلاء العميم، إذا أنا برجل قد عم الموقف نوره، وابتهج الكون بسروره، راكب على فرس، وهو ذو شيبة قدحفت به الوف من كل نبي ووصي وصديق وشهيد وصالح، فمر كأنه ريح أو سيران فلك فمرت ساعة وإذا أنا بفارس على جواد أغر، له وجه كتمام القمر، تحت ركابه الوف إن أمر ائتمروا، وإن زجرا نزجروا، فاقشعرت الاجسام من لفتاته، وارتعدت الفرائص من خطراته، فتأسفت على الاول ما سألت عنه خيفة من هذا، وإذا به قد قام في ركابه وأشار إلى أصحابه، وسمعت قوله خذوه وإذا بأحدهم قاهر بعضدي

[320]

كلبة حديد خارجة من النار، فمضى بي إليه فخلت كتفي اليمنى قد انقلعت فسألته الخفة فزادني ثقلا فقلت له: سألتك بمن أمرك علي من تكون ؟ قال: ملك من ملائكة الجبار، قلت: ومن هذا ؟ قال: علي الكرار، قلت: والذي قبله ؟ قال: محمد المختار، قلت: والذي حوله ؟ قال: النبيون، والصديقون، والشهداء والصالحون، والمؤمنون، قلت: أنا ما فعلت حتى أمرك علي ؟ قال: إليه يرجع الامر وحالك حال هؤلاء فحققت النظر وإذا بعمر بن سعد أمير العسكر، وقوم لم أعرفهم وإذا بعنقه سلسلة من حديد، والنار خارجة من عينيه واذنيه، فأيقنت بالهلاك، وباقي القوم منهم مغلل، ومنهم مقيد، ومنهم مقهور بعضده مثلي فبينا نحن نسير وإذا برسول الله صلى الله عليه وآله الذي وصفه الملك جالس على كرسي عال يزهوأظنه من اللؤلؤ، ورجلين ذي شيبتين بهيتين عن يمينه، فسألت الملك عنهما فقال: نوح وإبراهيم وإذا برسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما صنعت يا علي ؟ قال: ما تركت أحدا من قاتلي الحسين إلا وأتيت به، فحمدت الله تعالى على أني لم أكن منهم ورد إلي عقلي وإذا برسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قدموهم، فقد موهم إليه، و جعل يسألهم ويبكي، ويبكي كل من في الموقف لبكائه، لانه يقول للرجل: ما صنعت بطف كربلاء بولدي الحسين ؟ فيجيب يارسول الله أنا حميت الماء عنه وهذا يقول: أنا قتلته وهذا يقول: أنا وطئت صدره بفرسي، ومنهم من يقول: أنا ضربت ولده العليل، فصاح رسول الله صلى الله عليه وآله: واولداه واقلة ناصراه، واحسيناه، واعلياه، هكذا جرى عليكم بعدي أهل بيتي انظر يا أبي آدم انظر يا أخي نوح كيف خلفوني في ذريتي، فبكوا حتى ارتج المحشر، فأمر بهم زبانية جهنم يجرونهم أولا فأولا إلى النار وإذا بهم قد أتوا برجل فسأله فقال: ما صنعت شيئا، فقال: أما كنت نجارا قا ل: صدقت يا سيد ي لكني ما عملت شيئا إلا عمود الخيمة لحصين بن نمير لانه انكسر من ريح عاصف فوصلته، فبكى وقال: كثرت السواد على ولدي خذوه إلى النار، وصاحوا: لاحكم إلا لله ولرسوله ووصيه

[321]

قال الحداد: فأيقنت بالهلاك فأمر بي فقدموني فاستخبرني فأخبرته فأمر بي إلى النار فما سحبوني إلا وانتبهت، وحكيت لكل من لقيته، وقد يبس لسانه ومات نصفه، وتبرأ منه كل من يحبه، ومات فقيرا لارحمه الله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال: وحكي عن السدي قال: أضافني رجل في ليلة كنت احب الجليس فرحبت به وقر بته وأكرمته، وجلسنا نتسامر وإذا به ينطلق بالكلام كالسيل إذا قصد الحضيض، فطرقت له فانتهى في سمره طف كربلا، وكان قريب العهد من قتل الحسين عليه السلام فتأوهت الصعداء، وتزفرت كملا فقال: ما بالك ؟ قلت: ذكرت مصابا يهون عنده كل مصاب، قال: أما كنت حاضرا يوم الطف ؟ قلت: لا، والحمد لله قال: أراك تحمد، على أي شئ ؟ قلت: على الخلاص من دم الحسين عليه السلام لان جده صلى الله عليه وآله قال: إن من طولب بدم ولدي الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان قال: قال هكذا جده ؟ قلت: نعم، وقال صلى الله عليه وآله: ولدي الحسين يقتل ظلما وعدوانا، ألا ومن قتله يدخل في تابوت من نار، ويعذب بعذاب نصف أهل النار، وقد غلت يداه ورجلاه وله رائحة يتعوذ أهل النار منها، هو ومن شايع وبايع أو رضي بذلك، كلما نضجت جلودهم بدلوا بجلود غيرها، ليذوقوا العذاب لايفتر عنهم ساعة ويسقون من حميم جهنم، فالويل لهم من عذاب جهنم قال: لاتصدق هذا الكلام يا أخي ؟ قلت: كيف هذا وقد قال صلى الله عليه وآله: لاكذبت ولاكذبت، قال: ترى قالوا: قال رسول الله: قاتل ولدي الحسين لا يطول عمره، وها أنا وحقك قد تجاوزت التسعين مع أنك ما تعرفني، قلت: لا والله، قال: أنا الاخنس بن زيد، قلت: وما صنعت يوم الطف، قال: أنا الذي امرت على الخيل الذين أمرهم عمربن سعد بوطي جسم الحسين بسنابك الخيل، وهشمت أضلاعه، وجررت نطعا من تحت علي بن الحسين وهو عليل حتى كببته على وجهه وخرمت اذني صفية بنت الحسين، لقرطين كانا في اذنيها

[322]

قال السدي: فبكي قلبي هجوعا، وعيناي دموعا، وخرجت اعالج على إهلاكه وإذا بالسراج قد ضعفت، فقمت أزهرها فقال: اجلس وهو يحكي متعجبا من نفسه وسلامته ومد إصبعه ليزهرها فاشتعلت به ففركها في التراب، فلم تنطف فصاح بي: أدركني يا أخي فكببت الشربة عليها وأنا غير مجب لذلك، فلما شمت النار رائحة الماء ازدادت قوة، وصاح بي ما هذه النار وما يطفئها، قلت: ألق نفسك في النهر فرمى بنفسه فكلما ركس جسمه في الماء اشتعلت في جميع بدنه كالخشبة البالية في الريح البارح، هذا وأنا أنظره، فوالله الذي لاإله إلا هو، لم تطفأ حتى صار فحما وسار على وجه الماء ألا لعنة الله على الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون أقول: وروى ابن شيرويه في الفردوس، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال لي جبرئيل: قال الله عز وجل: قتلت بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني أقتل بدم ابنك الحسين بن علي سبعين ألفا وسبعين ألفا، وعن علي عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله قال: قاتل الحسين في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا 16 - ما أحمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن الحسن بن علي بن عفان، عن الحسن بن عطية، عن ناصح أبي عبد الله، عن قريبة جارية لهم قالت: كان عندنا رجل خرج على الحسين عليه السلام ثم جاء بجمل وزعفران قالت: فلما دقوا الزعفران صار نارا، قالت: فجعلت المرأة تأخذ منه الشئ فتلطخه على يدها فيصير منه برص، قالت: ونحروا البعير فلما جزوا بالسكين صار مكانها نارا، قالت: فجعلوا يسلخونه فيصير مكانه نارا، قالت: فقطعوه فخرج منه النار قالت: فطبخوه فكلما أوقدوا النار فارت القدر نارا، قالت: فجعلوه في الجفنة فصار نارا قالت: وكنت صبية يومئذ فأخذت عظما منه فطينت عليه فوجدته بعد زمان فلما حززناه بالسكين صار مكانه نارا فعرفنا أنه ذلك العظم فدفناه 17 - ما: بالاسناد عن ابن عطية قال: سمعت جدي أبا امي بزيعا قال:

[323]

كنا نمر ونحن غلمان زمن خالد على رجل في الطريق جالس أبيض الجسد أسود الوجه، وكان الناس يقولون: خرج على الحسين عليه السلام 47 * (باب) * * (أحوال عشائره وأهل زمانه صلوات الله عليه) * * (وما جرى بينهم وبين يزيد من الاحتجاج) * * (وقد مضى أكثرها في الابواب السابقة وسيأتى بعضها) * 1 - روى في بعض كتب المناقب القديمة (1) عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن أحمد بن الحسين البيهقي، عن أبي الحسين بن الفضل القطان، عن عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن عيسى بن يونس، عن الاعمش، عن شقيق بن سلمة قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أتى عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلى بيعته فامتنع ابن عباس وظن يزيد بن معاوية عليهما اللعنة أن امتناع ابن عباس تمسكا منه ببيعته فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته والدخول في طاعته، لتكون له على الباطل ظهيرا، وفي المأثم شريكا، وإنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا وطاعة لله لما عرفك من حقنا، فجزاك الله عن ذي رحم خير ما يجزي الواصلين بأرحامهم، الموفين بعهودهم، فما أنسى من الاشياء فلست بناس برك، وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من القرابة من الرسول، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله، فأعلمهم برأيك، فانهم منك أسمع ولك أطوع للمحل للحرم المارق * (الهامش) * (1) قال سبط ابن الجوزى: في التذكرة ص 155: ذكر الواقدي وهشام وابن اسحاق وغيرهم قالوا لما قتل الحسين، وذكر القصة بغير هذا اللفظ

[324]

فكتب إليه ابن عباس أما بعد فقد حاءني كتابك تذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى بيعته، والدخول في طاعته، فان يكن ذلك كذلك فاني والله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك، ولكن الله بالذي أنوى به عليم، وزعمت أنك غير ناس بري وتعجيل صلتي، فاحبس أيها الانسان برك وتعجيل صلتك، فاني حابس عنك ودي، فلعمري ما تؤتينا مما لنا قبلك من حقنا إلا اليسير، وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل، وسألت أن أحث الناس إليك، وأن أخذلهم من ابن الزبير فلا ولاء ولا سرورا ولا حباء إنك تسألني نصرتك، وتحثني على ودك، وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى، ونجوم الاعلام، غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد، مرملين بالدماء، مسلوبين بالعراء، لا مكفنين ولا موسدين تسفي عليهم الرياح، وتنتابهم عرج الضباع حتى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنوهم، وجلست مجلسك الذي جلست. فما أنسى من الاشياء فلست بناس إطرادك حسينا من حرم رسول الله إلى حرم الله، وتسييرك إليه الرجال لتقتله الحرم، فما زلت في بذلك وعلى ذلك، حتى أشخصته من مكة إلى العراق فخرج خائفا يترقب، فزلزلت به خيلك، عداوة منك لله ولرسوله ولاهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة أكباد (الابل و) الحمير، فطلب إليكم الموادعة، وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره، واستئصال أهل بيته، تعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك فلاشئ أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي، وأنت أحد ثأري فانشاء الله لا يبطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري، وإن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيون وآل النبيين فيطلب الله بدمائهم فكفى بالله للمظلومين ناصرا، ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبك إن ظفرت بنا اليوم، فلنظفرن بك يوما. وذكرت وفائي وما عرفتني من حقك، فان يكن ذلك كذلك فقد والله بايعتك ومن قبلك، وإنك لتعلم أني وولد أبي أحق بهذا الامر منك، ولكنكم معشر

[325]

قريش كابرتمونا حتى دفعتمونا عن حقنا، ووليتم الامر دوننا، فبعدا لمن تحرى ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا، كما بعدت ثمود، وقوم لوط وأصحاب مدين، ألا وإن من أعجب الاعاجيب وما عسى أن أعجب حملك بنات عبد المطلب وأطفالا صغارا من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين، تري الناس أنك قهرتنا، وأنت تمن علينا، وبنا من الله عليك، ولعمرو الله فلئن كنت تصبح آمنا من جراحة يدي إني لارجو أن يعظم الله جرحك من لساني، ونقضي وإبرامي، والله ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يأخذك أخذا أليما ويخرجك من الدنيا مذموما مدحورا، فعش لا أبا لك ما استطعت، فقد والله ازددت عند الله أضعافا واقترفت مآثما والسلام على من اتبع الهدى * (ذكر كتاب يزيد لعنه الله إلى محمد ابن الحنفية ومصيره إليه وأخذ جائزته) * كتب يزيد لعنه الله إلى محمد بن علي ابن الحنفية وهو يومئذ بالمدينة أما بعد فاني أسأل الله لنا ولك عملا صالحا يرضى به عنا، فاني ما أعرف اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك حلما وعلما ولا أحضر فهما وحكما، ولا أبعد من كل سفه ودنس وطيش، وليس من يتخلق بالخير تخلقا وينتحل الفضل تنحلا كمن جبله الله على الخير جبلا، وقد عرفنا ذلك منك قديما وحديثا شاهدا وغائبا غير أني قد أحببت زيارتك والاخذ بالحظ من رؤيتك فإذا نظرت في كتابي هذا فاقبل إلي آمنا مطمئنا أرشدك الله أمرك، وغفر لك ذنبك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال: فلما ورد الكتاب على محمد بن علي وقرأه أقبل على ابنيه جعفر وعبد الله أبي هاشم، فاستشارهما في ذلك فقال له ابنه عبد الله: يا أبه اتق الله في نفسك ولا تصر إليه فاني خائف أن يلحقك بأخيك الحسين ولايبالي، فقال محمد: يا بني ولكني لا أخاف ذلك منه، فقال له ابنه جعفر: يا أبه إنه قد ألطفك في كتابه إليك ولا أظنه يكتب إلى أحد من قريش بأن أرشدك الله أمرك، وغفر لك ذنبك وأنا أرجو أن يكف الله شره عنك، قال: فقال محمد بن علي: يا بني إني توكلت على الله الذي يمسك السماء أن تقع على الارض إلا باذنه، وكفى بالله وكيلا.

[326]

قال: ثم تجهز محمد بن علي وخرج من المدينة وسار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام، فلما استأذن أذن له وقربه وأدناه وأجلسه معه على سريره، ثم أقبل عليه بوجهه فقال: يا أبا القاسم آجرنا الله وإياك في أبي عبد الله الحسين بن علي فوالله لئن كان نقصك فقد نقصني، ولئن كان أوجعك فقد أوجعني، ولو كنت أنا المتولي لحربه لما قتلته، ولدفعت عنه القتل ولو بحز أصابعي وذهاب بصري، ولفديته بجميع ما ملكت يدي، وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي ونازعني حقي، ولكن عبيد الله بن زياد لم يعلم رأيي في ذلك فعجل عليه بالقتل فقتله، ولم يستدرك ما فات، وبعد فانه ليس يجب علينا أن نرضى بالدنية في حقنا ولم يكن يجب على أخيك أن ينازعنا في أمر خصنا الله به دون غيرنا، وعزيز علي ما ناله والسلام فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم. قال: فتكلم محمد بن علي فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني قد سمعت كلامك فوصل الله رحمك، ورحم حسينا وبارك له فيما صار إليه من ثواب ربه، والخلد الدائم الطويل، في جوار الملك الجليل، وقد علمنا أن ما نقصنا فقد نقصك، وما عراك فقد عرانا من فرح وترح، وكذا أظن أن لو شهدت ذلك بنفسك لاخترت أفضل الرأي والعمل، ولجانبت أسوء الفعل والخطل، والآن فان حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره، فانه أخي وشقيقي وابن أبي، وإن زعمت أنه قد كان ظلمك وكان عدوا لك كما تقول. قال: فقال له يزيد: إنك لن تسمع مني إلا خيرا، ولكن هلم فبايعني واذكر ما عليك من الدين حتى أقضيه عنك، قال: فقال له محمد بن علي رضي الله عنه: أما البيعة فقد بايعتك وأما ما ذكرت من أمر الدين فما على دين والحمد لله، وإني من الله تبارك وتعالى في كل نعمة سابغة، لا أقوم بشكرها. قال: فالتفت يزيد لعنه الله إلى ابنه خالد فقال: يا بني إن ابن عمك هذا بعيد من الخب واللؤم والدنس والكذب، ولو كان غيره كبعض من عرفت لقال علي من الدين كذا وكذا، ليستغنم أخذ أموالنا قال: ثم أقبل عليه يزيد فقال: بايعتني يا أبا القاسم ؟

[327]

فقال: نعم يا أمير المؤمنين قال: فاني قد أمرت لك بثلاثمائة ألف درهم فابعث من يقبضها، فإذا أردت الانصراف عنا وصلناك إنشاء الله، قال: فقال له محمد بن علي: لا حاجة لي في هذا المال ولا له جئت قال يزيد: فلا عليك أن تقبضه وتفرقه فيمن أحببت من أهل بيتك، قال: فاني قد قبلت يا أمير المؤمنين قال: فأنزله في بعض منازله، وكان محمد بن علي يدخل عليه في كل يوم صباحا ومساء. قال: وإذا وفد أهل المدينة قد قدموا على يزيد وفيهم منذر بن الزبير وعبد الله ابن عمرو بن حفص بن مغيرة المخزومي وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الانصاري فأقاموا عند يزيد لعنه الله أياما فأجازهم يزيد لكل رجل منهم بخمسين ألف درهم وأجاز المنذر بن الزبير بمائة ألف درهم، فلما أرادوا الانصراف إلى المدينة أقبل محمد بن علي حتى دخل على يزيد فاستأذنه في الانصراف معهم إلى المدينة فأذن له في ذلك ووصله بمائتي ألف درهم، وأعطاه عروضا بمائة ألف درهم. ثم قال: يا أبا القاسم إني لا أعلم في أهل بيتك اليوم رجلا هو أعلم منك بالحلال والحرام، وقد كنت احب أن لا تفارقني وتأمرني بما فيه حظي ورشدي فوالله ما احب أن تنصرف عني وأنت ذام لشئ من أخلاقي، فقال له محمد بن علي رضي الله عنه: أما ما كان منك إلى الحسين بن علي فذاك شئ لا يستدرك، وأما الآن فاني ما رأيت منك مذ قدمت عليك إلا خيرا ولو رأيت منك خصلة أكرهها لما وسعني السكوت دون أن أنهاك عنها، واخبرك بما يحق لله عليك منها، للذي أخذ الله تبارك وتعالى على العلماء في علمهم أن يبينوه للناس ولا يكتموه، ولست مؤديا عنك إلى من ورائي من الناس إلا خيرا، غير أني أنهاك عن شرب هذا المسكر فانه رجس من عمل الشيطان، وليس من ولى امور الامة ودعي له بالخلافة على رؤس الاشهاد على المنابر كغيره من الناس، فاتق الله في نفسك، وتدارك ما سلف من ذنبك والسلام. قال: فسر يزيد بما سمع من محمد بن علي سرورا شديدا ثم قال: فاني قابل منك ما أمرتني به وأنا احب أن تكاتبني في كل حاجة تعرض لك من صلة أو تعاهد

[328]

ولا تقصرن في ذلك، فقال محمد بن علي: أفعل ذلك إنشاء الله، ولا أكون إلا عند ما تحب. قال: ثم ودعه محمد بن علي ورجع إلى المدينة ففرق ذلك المال كله في أهل بيته، وسائر بني هاشم وقريش حتى لم يبق من بني هاشم وقريش: من الرجال والنساء والذرية والموالي إلا صار إليه شئ من ذلك المال، ثم خرج محمد بن علي رضي الله عنه من المدينة إلى مكة فأقام بها مجاورا لايعرف شيئا غير الصوم والصلاة وصلى الله على محمد وآله ورضي عنهم ورزقنا شفاعتهم بحوله ومنه وفضله وكرمه إنشاء الله تعالى أقول: قال العلامة - رحمه الله - روى البلاذري قال: لما قتل الحسين عليه السلام كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية: " أما بعد فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة وحدث في الاسلام حدث عظيم ولا يوم كيوم الحسين " فكتب إليه يزيد " أما بعد يا أحمق فاننا جئنا إلى بيوت منجدة، وفرش ممهدة، ووسائد منضدة، فقاتلنا عنها فان يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أول من سن هذا وابتز واستأثر بالحق على أهله " أقول: قد سبق في كتاب الفتن خبر طويل أخرجناه من كتاب دلائل الامامة باسناده عن سعيد بن المسيب أنه لما ورد نعي الحسين عليه السلام المدينة، وقتل ثمانية عشر من أهل بيته وثلاث وخمسين رجلا من شيعته، وقتل علي ابنه بين يديه بنشابة وسبي ذراريه، خرج عبد الله بن عمر إلى الشام منكرا لفعل يزيد ومستنفرا للناس عليه حتى أتى يزيد وأغلظ له القول فخلا به يزيد وأخرج إليه طومارا طويلا كتبه عمر إلى معاوية وأظهر فيه أنه على دين آبائه من عبادة الاوثان. وأن محمدا كان ساحرا غلب على الناس بسحره، وأوصاه بأن يكرم أهل بيته ظاهرا ويسعى في أن يجتثهم عن جديد الارض ولا يدع أحدا منهم عليها في أشياء كثيرة، قد مر ذكرها فلما قرأه ابن عمر رضي بذلك ورجع، وأظهر للناس أنه محق فيما أتى به، ومعذور فيما فعله، ولنعم ما قيل " ما قتل الحسين إلا في يوم السقيفة " فلعنة الله على من أسس أساس الظلم والجور على أهل بيت النبي صلوات الله عليهم أجمعين.

[329]

48 (باب) * (عدد أولاده صلوات الله عليه وجمل أحوالهم) * * (وأحوال أزواجه عليه السلام) * * (وقد أوردنا بعض أحوالهن في ابواب تاريخ السجاد عليه السلام) * 1 - شا: كان للحسين عليه السلام ستة أولاد: علي بن الحسين الاكبر، كنيته أبو محمد امه شهربان (1) بنت كسرى يزدجرد، وعلي بن الحسين الاصغر قتل مع أبيه بالطف وقد تقدم ذكره فيما سلف، وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، وجعفر بن الحسين لا بقية له، وامه قضاعية وكانت وفاته في حياة الحسين وعبد الله بن الحسين قتل مع أبيه صغيرا جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه، وسكينة بنت الحسين وامها الرباب، بنت امرء القيس بن عدي كلبية معدية، وهي ام عبد الله بن الحسين عليه السلام وفاطمة بنت الحسين، وامها ام إسحاق بنت طلحة بن عبيدالله تيمية. 2 - قب: ذكر صاحب كتاب البدع وصاحب كتاب شرح الاخبار أن عقب الحسين من ابنه علي الاكبر وأنه هو الباقي بعد أبيه، وأن المقتول هو الاصغر منهما، وعليه نعول، فان علي بن الحسين الباقي كان يوم كربلا من أبناء ثلاثين سنة، وإن ابنه محمدا الباقر كان يومئذ من أبناء خمس عشر سنة، وكان لعلي الاصغر المقتول نحو اثنتا عشرة سنة. وتقول الزيدية (أن العقب) من الاصغر وأنه كان في يوم كربلا ابن سبع سنين، ومنهم من يقول أربع سنين، وعلى هذا النسابون كتاب النسب عن يحيى بن الحسن قال يزيد لعلي بن الحسين عليهما السلام: واعجبا لابيك سمى عليا وعليا ؟ فقال عليه السلام: إن أبي أحب أباه فسمى باسمه مرارا (2) * (الهامش) * (1) في الارشاد ص 236: شاه زنان (2) المناقب ج 4 ص 174 و 173.

[330]

3 - قب: لما ورد بسبي الفرس إلى المدينة أراد عمر أن يبيع النساء وأن يجعل الرجال عبيد العرب، وعزم على أن يحمل العليل والضعيف، والشيخ الكبير في الطواف وحول البيت على ظهورهم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه واله قال: أكرموا كريم قوم، وإن خالفوكم، وهؤلاء الفرس حكماء كرماء، فقد ألقوا إلينا السلام ورغبوا في الاسلام، وقد أعتقت منهم لوجه الله حقي وحق بني هاشم فقالت المهاجرون والانصار قد وهبنا حقنا لك يا أخا رسول الله ! فقال: اللهم فاشهد أنهم قد وهبوا وقبلث وأعتقت، فقال عمر: سبق إليها علي بن أبي طالب عليه السلام ونقض عزمتي في الاعاجم ورغب جماعة في بنات الملوك أن يستنكحوهن، فقال أمير المؤمنين: تخيرهن ولا تكرههن فأشار أكبرهم إلى تخيير شهربانويه بنت يزد جرد، فحجبت وأبت فقيل لها: أيا كريمة قومها من تختارين من خطابك ؟ وهل أنت راضية بالبعل ؟ فسكتت فقال أمير المؤمنين: قد رضيت وبقي الاختيار بعد، سكوتها إقرارها، فأعادوا القول في التخيير فقالت: لست ممن يعدل عن النور الساطع، والشهاب اللامع الحسين إن كنت مخيرة، فقال أمير المؤمنين: لمن تختارين أن يكون وليك ؟ فقالت: أنت فأمر أمير المؤمنين حذيفة بن اليمان أن يخطب فخطب وزوجت من الحسين قال ابن الكلبي: ولى علي بن أبي طالب حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق فبعث بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى فأعطاها على ابنه الحسين عليه السلام فولدت منه عليا وقال غيره: إن حريثا بعث إلى أمير المؤمنين ببنتي يزدجرد فأعطى واحدة لابنه الحسين، فأولدها علي بن الحسين، وأعطى الاخرى محمد بن أبي بكر فأولدها القاسم بن محمد فهما ابنا خالة (1) 4 - قب: أبناؤه: علي الاكبر الشهيد امه برة بنت عروة: بن مسعود الثقفي وعلي الامام وهو علي الاوسط، وعلي الاصغر، وهما من شهربانويه، ومحمد وعبد الله


(1) المناقب ج 4 ص 48

[331]

الشهيد من ام الرباب بنت امرئ القيس، وجعفر وامه قضاعية، وبناته سكينة امها رباب بنت امرئ القيس الكندية، وفاطمة امها ام إسحاق بنت طلحة بن عبيدالله وزينب. وأعقب الحسين من ابن واحد، وهو زين العابدين عليه السلام وابنتين، وبابه رشيد الهجري (1) 5 - كشف: قال كمال الدين بن طلحة: كان له من الاولاد ذكور واناث عشرة: ستة ذكور، وأربع اناث: فالذكر علي الاكبر، وعلي الاوسط، وهو سيد العابدين، وعلي الاصغر، ومحمد وعبد الله وجعفر، فأما علي الاكبر فانه قاتل بين يدي أبيه حتى قتل شهيدا، وأما علي الاصغر فجاءه سهم وهو طفل فقتله، وقيل: إن عبد الله قتل أيضا مع أبيه شهيدا، وأما البنات فزينب وسكينة وفاطمة هذا قول مشهور، وقيل كان له أربع بنين وبنتان، والاول أشهر، وكان الذكر المخلد والبناء المنضد، مخصوصا من بين بنيه بعلي الاوسط زين العابدين دون بقية الاولاد آخر كلامه قلت: عدد أولاده عليه السلام ذكر بعضا وترك بعضا، قال ابن الخشاب: ولد له ستة بنين وثلاث بنات: علي الاكبر الشهيد مع أبيه، وعلي الامام سيد العابدين وعلي الاصغر ومحمد وعبد الله الشهيد مع أبيه، وجعفر وزينب وسكينة وفاطمة وقال الحافظ عبد العزيز بن الاخضر الجنابذي: ولد الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما ستة: أربعة ذكور وابنتان: علي الاكبر، وقتل مع أبيه وعلي الاصغر، وجعفر، وعبد الله، وسكينة، وفاطمة، قال: ونسل الحسين عليه السلام من علي الاصغر، وامه ام ولد، وكان أفضل أهل زمانه، وقال الزهري: ما رأيت هاشميا أفضل منه قلت: قد أخل الحافظ بذكر علي زين العابدين عليه السلام حيث قال: علي الاكبر وعلي الاصغر، وأثبته حيث قال: ونسل الحسين من علي الاصغر


(1) المصدر ص 77

[332]

فسقط في هذه الرواية علي الاصغر، والصحيح أن العليين من أولاده ثلاثة كما ذكر كمال الدين، وزين العابدين عليه السلام هو الاوسط، والتفاوت بين ما ذكره كمال الدين والحافظ أربعة (1) 49 * (باب) * * (أحوال المختار بن أبى عبيد الثققى وما جرى على يديه وأيدي أوليائه) * 1 - ما: المفيد، عن المظفر بن محمد البلخي، عن محمد بن همام، عن الحميري عن داود بن عمر النهدي، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن يونس، عن المنهال بن عمرو قال: دخلت على علي بن الحسين منصرفي من مكة، فقال لي: يامنهال ! ما صنع حرملة بن كاهل الاسدي ؟ فقلت: تركته حيا بالكوفة قال: فرفع يديه جميعا ثم قال عليه السلام: اللهم أذقه حرالحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار قال المنهال: فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي وكان لي صديقا فكنت في منزلي أياما حتى انقطع الناس عني وركبت إليه فلقيته خارجا من داره فقال: يامنهال لم تأتنا في ولايتنا هذه ولم تهنئنا بها ولم تشركنا فيها ؟ فأعلمته أني كنت بمكة وأني قد جئتك الآن، وسايرته ونحن نتحدث حتى أتى الكناس فوقف وقوفا كأنه ينظر شيئا وقد كان اخبر بمكان حرملة بن كاهل فوجه في طلبه، فلم يلبث أن جاء قوم يركضون وقوم يشتدون، حتى قالوا: أيها الامير البشارة، قد اخذ حرملة بن كاهل، فما لبثنا أن جيئ به فلما نظر إليه المختار قال لحرملة: الحمد لله الذي مكنني منك، ثم قال: الجزار الجزار فاتي بجزار، فقال له: اقطع يديه، فقطعتا ثم قال له: اقطع رجليه، فقطعتا، ثم قال: النار النار فاتي بنار وقصب فالقي عليه فاشتعل فيه النار فقلت: سبحان الله ! فقال لي: يا


(1) كشف الغمة ج 2 ص 214

[333]

منهال إن التسبيح لحسن ففيم سبحت ؟ فقلت: أيها الامير دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكة على علي بن الحسين عليه السلام فقال لي: يامنهال ما فعل حرملة بن كاهل الاسدي فقلت: تركته حيا بالكوفة، فرفع يديه جميعا فقال: اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار فقال لي المختار: أسمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول هذا ؟ فقلت: الله لقد سمعته يقول هذا، قال: فنزل عن دابته وصلى ركعتين فأطال السجود ثم قام فركب وقد احترق حرملة وركبت معه، وسرنا فحاذيت داري فقلت: أيها الامير إن رأيت أن تشرفني وتكرمني وتنزل عندي وتحرم بطعامي، فقال: يامنهال تعلمني أن علي بن الحسين دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدي ثم تأمرني أن آكل ؟ هذا يوم صوم شكرا الله عزوجل على ما فعلته بتوفيقه، وحرملة هو الذي حمل رأس الحسين عليه السلام بيان: الحرمة مالا يحل انتهاكه، ومنه قولهم: تحرم بطعامه، وذلك لان العرب إذا أكل رجل منهم من طعام غيره حصلت بينهما حرمة وذمة يكون كل منهما آمنا من أذى صاحبه 2 - ما: المفيد، عن محمد بن عمران المرزباني، عن محمد بن إبراهيم، عن الحارث بن أبي اسامة قال: حدثنا المدائني، عن رجاله أن المختار بن أبي عبيد الثقفي ظهر بالكوفة ليلة الاربعاء لاربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست وستين، فبايعه الناس على كتاب الله وسنة رسول الله والطلب بدم الحسين ابن علي عليه السلام ودماء أهل بيته رحمة الله عليهم والدفع عن الضعفاء، فقال الشاعر في ذلك: ولما دعا المختار جئنا لنصره * على الخيل تردي من كميت وأشقرا دعا يال ثأرات الحسين فأقبلت * تعادي بفرسان الصباح لتثأرا ونهض المختار إلى عبد الله بن مطيع وكان على الكوفة من قبل ابن الزبير فأخرجه وأصحابه منها منهزمين وأقام بالكوفة إلى المحرم سنة سبع وستين، ثم عمد

[334]

على إنفاذ الجيوش إلى ابن زياد وكان بأرض الجزيرة، فصير على شرطه أبا عبد الله الجدلي وأبا عمارة كيسان مولى عربية وأمر إبراهيم بن الاشتر - ره - بالتأهب للمسير إلى ابن زياد لعنه الله وأمره على الاجناد، فخرج إبراهيم يوم السبت لسبع خلون من المحرم سنة سبع وستين في ألفين من مذحج وأسد وألفين من تميم و همدان، وألف وخمسمائة من قبائل المدينة وألف وخمسمائة من كندة وربيعة وألفين من الحمرا، وقال بعضهم: كان ابن الاشتر في أربعة آلاف من القبائل وثمانية آلاف من الحمراء (1) وشيع المختار إبراهيم بن الاشتر - ره - ماشيا فقال له إبراهيم: اركب رحمك الله فقال: إني لاحتسب الاجر في خطاي معك واحب أن تغبر قدماي في نصر آل محمد عليهم السلام ثم ودعه وانصرف فسار ابن الاشتر حتى أتى المدائن ثم سار يريد ابن زياد فشخص المختار عن الكوفة لما أتاه أن ابن الاشتر قدارتحل من المدائن وأقبل حتى نزل المدائن فلما نزل ابن الاشتر نهر الخازر بالموصل (2) أقبل ابن زياد في الجموع فنزل على أربعة فراسخ من عسكر ابن الاشتر ثم التقوا فحض ابن الاشتر أصحابه وقال: يا أهل الحق وأنصار الدين ! هذا ابن زياد قاتل حسين بن علي وأهل بيته قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان، فقاتلوهم بنية وصبر، لعله الله يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم وتزاحفوا ونادى أهل العراق يا آل ثأرات الحسين، فجال أصحاب ابن الاشتر جولة فناداهم يا شرطة الله الصبر الصبر فتراجعوا فقال لهم عبد الله بن بشار بن أبي عقب الدئلي: حدثني خليلي أنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له: الخازر فيكشفونا حتى نقول: هي هي (3) ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فابشروا واصبروا


(1) الحمراء: العجم لان الشقرة أغلب الالوان عليهم والاحامرة قوم من العجم سكنوا بالكوفة (2) نهر بين الموصل واربل (3) بالفتح وتشديد الياء مكسورة اسم فعل للامر، بمعنى أسرع فيما أنت فيه

[335]

فانكم لهم قاهرون ثم حمل ابن الاشتر - ره - يمينا فخالط القلب وكسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم، فانجلت الغمة وقد قتل عبيدالله بن زياد، وحصين بن نمير، وشر حبيل ابن ذي الكلاع، وابن حوشب، وغالب الباهلي، وعبد الله بن إياس السلمي وأبو الاشرس الذي كان على خراسان، وأعيان أصحابه لعنهم الله. فقال ابن الاشتر لاصحابه: إني رأيت بعد ما انكشف الناس طائفة منهم قد صبرت تقاتل فأقدمت عليهم وأقبل رجل آخر في كبكبه كأنه بغل أقمر يغري الناس لايدنو منه أحد إلا صرعه، فدنا مني فضربت يده فأبنتها وسقط على شاطئ نهر فسرقت يداه وعربت رجلاه فقتلته، ووجدت منه ريح المسك وأظنه ابن زياد فاطلبوه ! فجاء رجل فنزع خفيه وتأمله فإذا هو ابن زياد لعنه الله على ما وصف ابن الاشتر، فاجتز رأسه واستوقدوا عامة الليل بجسده فنظر إليه مهران مولى زياد وكان يحبه حبا شديدا فحلف أن لا يأكل شحما أبدا فأصبح الناس فحووا ما في العسكر، وهرب غلام لعبيدالله إلى الشام، فقال له عبد الملك بن مروان: متى عهدك بابن زياد ؟ فقال: جال الناس فتقدم فقاتل وقال: ائتني بجرة فيها ماء فأتيته فاحتملها فشرب منها وصب الماء بين درعه وجسده، وصب على ناصية فرسه فصهل، ثم اقتحمه فهذا آخر عهدي به. قال: وبعث ابن الاشتر برأس ابن زياد إلى المختار وأعيان من كان معه فقدم بالرؤس والمختار يتغدى، فالقيت بين يديه، فقال: الحمدلله رب العالمين وضع رأس الحسين بن علي عليه السلام بين يدي ابن زياد وهو يتغدى، واتيت برأس ابن زياد وأنا أتغدى، قال: وانسابت حية بيضاء تخلل الرؤس حتى دخلت في أنف ابن زياد وخرجت من اذنه ودخلت من اذنه وخرجت من أنفه، فلما فرغ المختار من الغداء قام فوطأ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى مولى له وقال: اغسلها فاني وضعتها على وجه نجس كافر. وخرج المختار إلى الكوفة، وبعث برأس ابن زياد، ورأس حصين بن نمير

[336]

ورأس شرحبيل بن ذي الكلاع، مع عبد الرحمان بن أبي عمير الثقفي، وعبد الله ابن شداد الجشمي والسائب بن مالك الاشعري إلى محمد ابن الحنفية بمكة، و علي بن الحسين عليه السلام يومئذ بمكة، وكتب إليه معهم " أما بعد فاني بعثت أنصارك وشيعتك إلى عدوك يطلبونه بدم أخيك المظلوم الشهيد، فخرجوا محتسبين محنقين أسفين، فلقوهم دون نصيين، فقتلهم رب العباد والحمد لله رب العالمين الذي طلب لكم الثأر، وأدرك لكم رؤساء أعدائكم فقتلهم في كل فج وغرقهم في كل بحر، فشفى بذلك صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم " وقدموا بالكتاب والرؤس إليه فبعث برأس ابن زياد إلى علي بن الحسين عليه السلام فادخل عليه وهو يتغدى فقال علي بن الحسين عليهما السلام ادخلت على ابن زياد لعنه الله وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه فقلت اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدى، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي ثم أمر فرمي به، فحمل إلى ابن الزبير فوضعه ابن الزبير على قصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت حية من تحت الستار فأخذت بأنفه فأعادوا القصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت الحية فأزمت بأنفه ففعل ذلك ثلاث مرات، فأمر ابن الزبير فالقي في بعض شعاب مكة. قال: وكان المختار - ره - قد سئل في أمان عمربن سعد بن أبي وقاص فآمنه على أن لا يخرج من الكوفة، فان خرج منها فدمه هدر، قال: فأتى عمربن سعد رجل فقال: إني سمعت المختار يحلف ليقتلن رجلا والله ما أحسبه غيرك، قال: فخرج عمر حتى أتى الحمام (1) فقيل له: أترى هذا يخفى على المختار ؟ فرجع ليلا فدخل داره فلما كان الغد غدوت فدخلت على المختار، وجاء الهشيم بن الاسود فقعد فجاء حفص بن عمر بن سعد، فقال للمختار: يقول لك أبو حفص: أين لنا بالذي كان بيننا وبينك ؟ قال: اجلس فدعا المختار أبا عمرة فجاء رجل قصير يتخشخش في الحديد، فساره ودعا برجلين فقال: اذهبا معه، فذهب فوالله ما أحسبه بلغ دار


(1) يعنى حمام عمر، كما يأتي عن ابن نما في رسالة أخذ الثأر

[337]

عمربن سعد حتى جاء برأسه فقال المختار لحفص: أتعرف هذا ؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: يا أبا عمرة ألحقه به فقتله فقال المختار - ره -: عمر بالحسين وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء. قال: واشتد أمر المختار بعد قتل ابن زياد وأخاف الوجوه وقال: لا يسوغ لي طعام ولاشراب حتى أقتل قتلة الحسن بن علي عليه السلام وأهل بيته وما من ديني أترك أحدا منهم حيا وقال: أعلموني من شرك في دم الحسين وأهل بيته، فلم يكن يأتونه برجل فيقولون إن هذا من قتلة الحسين أو ممن أعان عليه إلا قتله وبلغه أن شمر بن ذي الجوشن لعنه الله أصاب مع الحسين إبلا فأخذها فلما قدم الكوفة نحرها وقسم لحومها، فقال المختار: احصوا لي كل دار دخل فيها شئ من ذلك اللحم، فأحصوها فأرسل إلى من كان أخذ منها شيئا فقتلهم، وهدم دورا بالكوفة. واتي المختار بعبدالله بن اسيد الجهني ومالك بن الهيثم البداني (1) من كندة وحمل بن مالك المحاربي فقال: يا أعداء الله أين الحسين بن علي ؟ قالوا: اكرهنا على الخروج إليه، قال: أفلا مننتم عليه وسقيتموه من الماء ؟ وقال للبداني: أنت صاحب برنسه لعنك الله ؟ قال: لا، قال: بلى، ثم قال: اقطعوا يديه ورجليه، ودعوه يضطرب حتى يموت، فقطعوه وأمر بالآخرين فضربت أعناقهما واتي بقراد بن مالك وعمرو بن خالد وعبد الرحمان البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، فقال لهم: يا قتلة الصالحين ألا ترون الله برئ منكم، لقد جاءكم الورس بيوم نحس فأخرجهم إلى السوق، فقتلهم. وبعث المختار معاذ بن هانئ الكندي وأبا عمرة كيسان إلى دار خولي بن يزيد الاصبحي وهو الذي حمل رأس الحسين عليه السلام إلى ابن زياد فأتوا داره فاستخفى في المخرج، فدخلوا عليه فوجدوه قد ركب على نفسه قوصرة فأخذوه وخرجوا يريدون المختار، فتلقاهم في ركب، فردوه إلى داره وقتله عندها وأحرقه


(1) نسبة إلى بدا - بتشديد الدال - بطن من كندة، من القحطانية وهم بنوبد ابن الحارث بن معاوية بن كندة كانت منازلهم بحضرموت

[338]

وطلب المختار شمر بن ذي الجوشن فهرب إلى البادية فسعى به إلى أبي عمرة فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالا شديدا فأثخنته الجراحة، فأخذه أبو عمرة أسيرا وبعث به إلى المختار فضرب (1) عنقه وأغلى له دهنا في قدر فقذفه فيها فتفسخ، ووطئ مولى لآل حارثة بن مضرب وجهه ورأسه، ولم يزل المختار يتتبع قتلة الحسين وأهله حتى قتل منهم خلقا كثيرا، وهرب الباقون فهدم دورهم، وقتلت العبيد مواليهم الذين قاتلوا الحسين عليه السلام، وأتو المختار فأعتقهم أيضاح: ردى الفرس بالفتح يردي رديا إذا رجم الارض رجما بين العدو والمشي الشديد، قوله تعادى من العداوة أو من العدو، والاخير أظهر قوله لتثأر أي لتطلب الثأر بدم الحسين عليه السلام وقال الفيروز آبادي: سرقت مفاصله كفرح ضعف وفي بعض النسخ بالشين من الشرق بمعنى الشق، أو من قولهم شرق الدم بجسده شرقا إذا ظهر ولم يسل، وعرب كفرح: ورم وتقيح، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة، من قولهم غرب كفرح اسود، وقال الجوهري: يقال: أزم الرجل بصاحبه إذا لزمه عن أبي زيد وأزمه أيضا أي عضه والحمام اسم موضع خارج الكوفة وقال الجوهري: القوصرة بالتشديد هذا الذي يكنز فيه التمر من البواري أقول: قد مضى ذم المختار في باب مصالحة الحسن عليه السلام (2). 3 - ير: أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن شعيب قال: حدث أبو جعفر أن علي بن دراج حدثه أن المختار استعمله على بعض عمله وأن المختار أخذه فحبسه وطلب منه مالا حتى إذا كان يوما من الايام دعاه هو وبشر بن غالب فهد دهما بالقتل، فقال له بشر بن غالب وكان رجلا متنكرا: والله ما تقدر على قتلنا قال: لم ومم ذلك ثكلتك امك وأنتما أسيران في يدي ؟ قال: لانه جاءنا في الحديث أنك تقتلنا حين تظهر على دمشق فتقتلنا على درجها، قال له المختار: صدقت قد جاء هذا. قال: فلما قتل المختار خرجا من محبسهما


(1) إلى المختار فأغلى له خ ل (2) راجع ج 44 ص 28

[339]

أقول: تمامه في معجزات الباقر عليه السلام 4 - ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن الكوفي عن أبي عبد الله الخياط، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل إذا أراد أن ينتصر لاوليائه انتصر لهم بشرار خلقه وإذا أراد أن ينتصر لنفسه انتصر بأوليائه، ولقد انتصر ليحيى بن زكريا ببخت نصر 5 - سر: أبان بن تغلب، عن جعفر بن إبراهيم، عن زرعة، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا كان يوم القيامة مر رسول الله بشفير النار، وأمير المؤمنين والحسن والحسين، فيصيح صائح من النار: يارسول الله أغثني يا رسول الله ثلاثا قال: فلا يجيبه، قال: فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ثلاثا أغثني فلا يجيبه، قال: فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك، قال: فيقول له رسول الله: قد احتج عليك قال: فينقض عليه كأنه عقاب كاسر، قال: فيخرجه من النار قال: فقلت لابي عبد الله عليه السلام: ومن هذا جعلت فداك ؟ قال: المختار، قلت له: ولم عذب بالنار، وقد فعل ما فعل ؟ قال: إنه كان في قلبه منهما شئ، والذي بعث محمدا بالحق لو أن جبرئيل وميكائيل كان في قلبيهما شئ لاكبهما الله في النار على وجوههما بيان: كأن هذا الخبر وجه جمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب بأنه وإن لم يكن كاملا في الايمان واليقين، ولا مأذونا فيما فعله صريحا من أئمة الدين، لكن لما جرى على يديه الخيرات الكثيرة، وشفي بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره آئلة إلى النجاة، فدخل بذلك تحت قوله سبحانه: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " (1) وأنا في شأنه من المتوقفين وإن كان الاشهر بين أصحابنا أنه من المشكورين 6 - م: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: كما أن بعض بني إسرائيل أطاعوا فأكرموا، وبعضهم عصوا فعذبوا، فكذلك تكونون أنتم، فقالوا: فمن العصاة


(1) التوبة: 102

[340]

يا أمير المؤمنين ؟ قال: الذين امروا بتعظيمنا أهل البيت وتعظيم حقوقنا، فخانوا وخالفوا ذلك، وجحدوا حقوقنا واستخفوا بها، وقتلوا أولادنا أولاد رسول الله الذين امروا باكرامهم ومحبتهم، قالوا يا أمير المؤمنين إن ذلك لكائن ؟ قال: بلى خبرا حقا وأمرا كائنا سيقتلون ولدي هذين الحسن والحسين. ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: وسيصيب الذين ظلموا رجزا في الدنيا بسيوف بعض من يسلط الله تعالى عليهم للانتقام بما كانوا يفسقون كما أصاب بني إسرائيل الرجز، قيل: ومن هو ؟ قال: غلام من ثقيف، يقال له المختار بن أبي عبيد وقال علي بن الحسين عليهما السلام: فكان ذلك بعد قوله هذا بزمان وإن هذا الخبر اتصل بالحجاج بن يوسف لعنه الله من قول علي بن الحسين عليهما السلام قال: أما رسول الله ما قال هذا، وأما علي بن أبي طالب فأنا أشك هل حكاه عن رسول الله، وأما علي بن الحسين فصبي مغرور، يقول الاباطيل، ويغربها متبعوه، اطلبوا لي المختار. فطلب فاخذ فقال: قدموه إلى النطع فاضربوا عنقه، فاتي بالنطع فبسط وأبرك عليه المختار، ثم جعل الغلمان يجيئون ويذهبون لا يأتون بالسيف قال الحجاج: ما لكم ؟ قالوا: لسنا نجد مفتاح الخزانة وقد ضاع منا والسيف في الخزانة فقال المختار: لن تقتلني ولن يكذب رسول الله ولئن قتلتني ليحييني الله حتى أقتل منكم ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألفا، فقال الحجاج لبعض حجابه: أعط السياف سيفك يقتله فأخذ السياف سيفه وجاء ليقتله به والحجاج يحثه ويستعجله، فبينا هو في تدبيره إذ عثر والسيف بيده فأصاب السيف بطنه فشقه فمات، فجاء بسياف آخر وأعطاه السيف فلما رفع يده ليضرب عنقه لدغته عقرب فسقط فمات، فنظروا وإذا العقرب فقتلوه. فقال المختار: يا حجاج إنك لا تقدر على قتلي ويحك يا حجاج أما تذكر ما قال نزار بن معد بن عدنان للسابورذي الاكتاف حين كان يقتل العرب، ويصطلمهم فأمر نزار ولده: فوضع في زبيل في طريقه فلما رآه قال له: من أنت ؟ قال: أنا رجل من العرب اريد أن أسألك لم تقتل هؤلاء العرب ولا ذنوب لهم إليك، وقد قتلت الذين كانوا مذنبين في عملك والمفسدين ؟ قال: لاني وجدت في الكتاب

[341]

أنه يخرج منهم رجل يقال له محمد يدعي النبوة فيزيل دولة ملوك الاعاجم ويفنيها فأقتلهم حتى لا يكون منهم ذلك الرجل، فقال نزار: لئن كان ما وجدته في كتب الكذابين فما أولاك أن تقتل البراء غير المذنبين وإن كان ذلك من قول الصادقين فان الله سيحفظ ذلك الاصل الذي يخرج منه هذا الرجل ولن تقدر على إبطاله ويجري قضاءه وينفذ أمره ولو لم يبق من جميع العرب إلا واحد، فقال سابور: صدقت هذا نزار يعني بالفارسية المهزول كفوا عن العرب، فكفوا عنهم، ولكن يا حجاج إن الله قد قضى أن أقتل منكم ثلاثمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف رجل فان شئت فتعاط قتلي وإن شئت فلاتنعاط فان الله إما أن يمنعك عني وإما أن يحييني بعد قتلك، فان قول رسول الله حق لامرية فيه. فقال للسياف: اضرب عنقه فقال المختار: إن هذا لن يقدر على ذلك وكنت احب أن تكون أنت المتولي لما تأمره فكان يسلط عليك أفعى كما سلط على هذا الاول عقربا، فلما هم السياف أن يضرب عنقه إذا برجل من خواص عبد الملك ابن مروان قد دخل فصاح بالسياف كف عنه، ومعه كتاب من عبد الملك بن مروان فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا حجاج بن يوسف فإنه قد سقط إلينا طير عليه رقعة أنك أخذت المختار بن أبي عبيد تريد قتله، تزعم أنه حكى عن رسول الله فيه أنه سيقتل من أنصار بني امية ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألف رجل، فإذا أتاك كتابي هذا فخل عنه، ولاتعرض له إلا بسبيل خير فانه زوج ظئر ابني الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقد كلمني فيه الوليد وإن الذي حكى إن كان باطلا فلا معنى لقتل رجل مسلم بخبر باطل، وإن كان حقا فانك لا تقدر على تكذيب قول رسول الله، فخلى عنه الحجاج. فجعل المختار يقول: سأفعل كذا، وأخرج وقت كذا وأقتل من الناس كذا وهؤلاء صاغرون يعني بني امية، فبلغ ذلك الحجاج فاخذ وانزل وأمر بضرب العنق فقال المختار: إنك لا تقدر على ذلك فلا تتعاط ردا على الله، وكان في ذلك إذ سقط عليه طائر آخر عليه كتاب من عبد الملك بن مروان بسم الله الرحمن الرحيم يا حجاج لا تعرض للمختار فإنه زوج مرضعة ابني الوليد، ولئن كان حقا فستمنع من قتله

[342]

كما منع دانيال من قتل بخت نصر الذي كان قضى الله أن يقتل بني إسرائيل، فتركه الحجاج وتوعده إن عاد لمثل مقالته، فعاد لمثل مقالته واتصل بالحجاج الخبر فطلبه فاختفى مدة ثم ظفر به فلما هم بضرب عنقه إذ قد ورد عليه كتاب عبد الملك فاحتبسه الحجاج وكتب إلى عبد الملك كيف تأخذ إليك عدوا مجاهرا يزعم أنه يقتل من أنصار بني امية كذا وكذا ألفا، فبعث إليه إنك رجل جاهل لئن كان الخبر فيه باطلا فما أحقنا برعاية حقه لحق من خدمنا وإن كان الخبر فيه حقا فانه سنربيه ليسلط علينا كما ربى فرعون موسى عليه السلام حتى سلط عليه، فبعث به الحجاج وكان من المختار ماكان، وقتل من قتل وقال علي بن الحسين عليهما السلام لاصحابه وقد قالوا له: يا ابن رسول الله إن أمير المؤمنين عليه السلام ذكر من أمر المختار ولم يقل متى يكون قتله لمن يقتل، فقال علي بن الحسين (صدق أمير المؤمنين) أولا أخبركم متى يكون ؟ قالوا: بلى قال: يوم كذا إلى ثلاث سنين من قولي هذا، وسيؤتى برأس عبيدالله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن في يوم كذا وكذا وسنأكل وهما بين أيدينا ننظر إليهما، قال: فلما كان اليوم الذي أخبرهم أنه يكون فيه القتل من المختار لاصحاب بني امية كان علي بن الحسين عليهما السلام مع أصحابه على مائدة إذ قال لهم: معاشر إخواننا طيبوا أنفسكم فإنكم تأكلون وظلمة بني امية يحصدون، قالوا: أين ؟ قال: في موضع كذا يقتلهم المختار، وسيؤتى برأسين يوم كذا وكذا، فلما كان في ذلك اليوم اتي بالرأسين لما أراد أن يقعد للاكل، وقد فرغ من صلاته فلما رآهما سجد وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني فجعل يأكل وينظر إليهما، فلما كان في وقت الحلوا لم يأت بالحلوا لانهم كانوا قد اشتغلوا عن عمله بخبر الرأسين فقال ندماؤه ولم يعمل اليوم الحلوا ؟ فقال علي بن الحسين عليهما السلام: لا نريد حلوا أحلى من نظرنا إلى هذين الراسين. ثم عاد إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام قال: وما للكافرين والفاسقين عند الله أعظم وأوفى.

[343]

توضيح: قوله عليه السلام " فكان (دلك) بعد قوله هذا " أي ولد المختار بعد قول أمير المؤمنين هذا بزمان. 7 - كش: حمدويه، عن يعقوب، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنى عن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لاتسبوا المختار فانه قد قتل قتلتنا وطلب بثأرنا وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة (1) 8 - كش: محمد بن الحسن، وعثمان بن حامد، عن محمد بن يزداد الرازي عن ابن أبي الخطاب، عن عبد الله المزخرف، عن حبيب الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان المختار يكذب على علي بن الحسين عليهما السلام. 9 - كش: محمد بن الحسن وعثمان بن حامد، عن محمد بن يزداد، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك قال: دخلنا على أبي جعفر عليه السلام يوم النحر وهو متكئ، وقال: أرسل إلى الحلاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال: من أنت ؟ قال: أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متباعدا من أبي جعفر عليه السلام فمد يده إليه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثم قال: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك قال: وأي شئ يقولون ؟ قال: يقولون كذاب، ولا تأمرني بشئ إلا قبلته فقال: سبحان الله أخبرني أبي والله أن مهر أمي كان مما بعث به المختار، أولم يبن دورنا ؟ وقتل قاتلينا ؟ وطلب بدمائنا ؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي أنه كان ليسمر عند فاطمة بنت علي يمهدها الفراش ويثني لها الوسائد، ومنها أصاب الحديث رحم الله أباك رحم الله أباك ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه، قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا بيان: ليسمر من السمر وهو الحديث بالليل، وفي بعض النسخ ليستمر فهو إما افتعال أيضا من السمر، أو بتشديد الراء أي كان دائما عندها، وفي بعض النسخ


(1) راجع رجال الكشى ص 115 وهكذا ما بعده إلى ص 117

[344]

لييتم وفي بعضها ليتم والاول كأنه أصوب 10 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن العبيدي، عن محمد بن عمرو، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتب المختار بن أبي عبيد إلى علي بن الحسين وبعث إليه بهدايا من العراق فلما وقفوا على باب علي دخل الآذن يستأذن لهم فخرج إليهم رسوله فقال: أميطوا عن بابي فاني لاأقبل هدايا الكذابين، ولا أقرأ كتبهم، فمحوا العنوان وكتبوا للمهدي محمد بن علي، فقال أبو جعفر عليه السلام: والله لقد كتب إليه بكتاب ما أعطاه فيه شيئا إنما كتب إليه يا ابن خير من طشى ومشى، فقال أبو بصير: فقلت لابي جعفر عليه السلام: أما المشي فأنا أعرفه فأي شئ الطشي، فقال أبو جعفر: الحياة بيان: لم أجد الطشي فيما عندنا من كتب اللغة 11 - كش: جبرئيل، عن العبيدي، عن ابن أسباط، عن عبد الرحمن بن حماد، عن علي بن حزور، عن الاصبغ قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيس يا كيس 12 - كش: إبراهيم بن محمد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي، عن العباس بن عامر، عن ابن عميرة، عن جارود بن المنذر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤس الذين قتلوا الحسين صلوات الله عليه 13 - كش: محمد بن مسعود، عن علي بن أبي علي، عن خالد بن يزيد، عن الحسين بن زيد عن عمربن علي بن الحسين أن علي بن الحسين عليهما السلام لما اتي بر أس عبيدالله بن زياد ورأس عمربن سعد خر ساجدا وقا ل: الحمدلله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى المختار خيرا 13 - كش: بهذا الاسناد، عن الحسين بن زيد، عن عمربن علي أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين بعشرين ألف دينار فقبلها وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت، قال: ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما

[345]

أظهر الكلام الذي أظهره فردها ولم يقبلها والمختار هو الذي دعا الناس إلى محمد بن علي بن أبيطالب عليه السلام ابن الحنفية وسموا الكيسانية وهم المختارية، وكان لقبه كيسان، ولقب بكيسان لصاحب شرطه المكنى أبا عمرة، وكان اسمه كيسان وقيل إنه سمي كيسان بكيسان مولى علي بن أبي طالب وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين عليه السلام ودله على قتلته، وكان صاحب سره والغالب على أمره، وكان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين أنه في دار أوفي موضع إلا قصده وهدم الدار بأسرها، وقتل كل من فيها من ذي روح، وكل دار بالكوفة خراب فهي مما هدمها وأهل الكوفة يضربون بها المثل، فإذا افتقر إنسان قالوا: " دخل أبو عمرة بيته " حتى قال فيه الشاعر: إبليس بما فيه * خير من أبي عمرة * يغويك ويطغيك * ولا يعطيك كسرة 14 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الربيع ابن محمد المسلي، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: ما زال سرنا مكتوما حتى صار في يدي ولد كيسان فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد (1) بيان: قال الفيروز آبادي: كيسان لقب المختار بن أبي عبيد المنسوب إليه الكيسانية 15 - يب: محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن أحمد بن أبي قتادة، عن أحمد بن هلال، عن امية بن علي القيسي، عن بعض من رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يجوز النبي الصراط يتلوه علي، ويتلو عليا الحسن ويتلو الحسن الحسين فإذا توسطوه نادى المختار الحسين يا أبا عبد الله إني طلبت بثأرك، فيقول النبي للحسين عليه السلام: أجبه فينقض الحسين في النار كأنه عقاب كاسر، فيخرج المختار حممة، ولو شق عن قلبه لوجد حبهما في قلبه بيان: انقض الطائر هوى في طيرانه، وكسر الطائر أي ضم جناحيه حين


(1) الكافي ج 2 ص 223 باب الكتمان

[346]

ينقض، والحمم بضم الحاء وفتح الميم الرماد والفحم، وكل ما احترق من النار، قوله عليه السلام: " حبهما " أي حب الشيخين الملعونين، وقيل: حب الحسنين صلوات الله عليهما، فيكون تعليلا لاخراجه كما أنه على الاول تعليل لدخوله واحتراقه، ويدفعه ما مر من خبر سماعة (1) وقيل: المراد حب الرئاسة والمال والاول هو الصواب 16 - وقال الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر قيل: بعث المختار بن أبي عبيد إلى علي بن الحسين عليهما السلام بمائة ألف درهم فكره أن يقبلها منه، وخاف أن يردها فتركها في بيت، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب إليه: خذها طيبة هنيئة، فكان علي يلعن المختار ويقول: كذب على الله وعلينا لان المختار كان يزعم أنه يوحى إليه أقول: ولنورد هنا رسالة شرح الثأر الذي ألفه الشيخ الفاضل البارع جعفر ابن محمد بن نما فانها مشتملة على جل أحوال المختار ومن قتله من الاشرار، على وجه الاختصار، ليشفي به صدور المؤمنين الاخيار، وليظهر منها بعض أحوال المختار وهي هذه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمدالله الذي جعل الحمد ثمنا لثوابه ونجاة يوم الوعيد من عقابه، والصلاة على محمد الذي شرفت الاماكن بذكره وعطرت المساكن برباء نشره (2) وعلى آله وأصحابه الذين عظم قدرهم بقدره وتابعوه في نهيه وأمره، فاني لما صنفت كتاب المقتل الذي سميته مثير الاحزان ومنير سبل الاشجان، وجمعت فيه من طرائف الاخبار، ولطائف الآثار ما يربى على الجوهر والنضار، سألني جماعة من الاصحاب أن اضيف إليه عمل الثأر، وأشرح قضية المختار، فتارة اقدم واخرى أحجم، ومرة أجنح جنوح الشامس، وآونة


(1) راجع ص 339 تحت الرقم 5 عن السرائر (2) النشر: الريح الطيبة، والربا: الزيادة والنماء، وبالفتح: الفضل والطول وفى الاصل: " بريانشره " فتحرر

[347]

أنفر نفور العذراء من يد اللامس، وأردهم عن عمله فرقا من التعرض لذكره وإظهار مخفي سره ثم كشفت قناع المراقبة في إجابة سؤالهم، والانقياد لمرامهم، وأظهرت ماكان في ضميري، وجعلت نشر فضيلته أنيسي وسميري، لانه به خبت نار وجد سيد المرسلين، وقرة عين زين أصحابنا مثله. زال السلف يتباعدون عن زيارته ويتقاعدون عن إظهار فضيلته، تباعد الضب عن الماء، والفراقد من الحصباء، ونسبوه إلى القول بامامة محمد ابن الحنفية، ورفضوا قبره، وجعلوا قربهم إلى الله هجره، مع قربه، وإن قبته لكل من خرج من باب مسلم بن عقيل كالنجم اللامع، وعدلوا من العلم إلى التقليد، ونسوا ما فعل بأعداء المقتول الشهيد، وأنه جاهد في الله حق الجهاد، وبلغ من رضا زين العابدين غاية المراد، ورفضوا منقبته التي رقت حواشيها وتفجرت ينابيع السعادة فيها وكان محمد ابن الحنفية أكبر من زين العابدين سنا ويرى تقديمه عليه فرضا ودينا ولا يتحرك حركة إلا بما يهواه، ولا ينطق إلا عن رضاه، ويتأمر له تأمر الرعية للوالي، ويفضله تفضيل السيد على الخادم والموالي، وتقلد محمد - ره - أخذ الثأر إراحة لخاطره الشريف، من تحمل الاثقال، والشد والترحال ويدل على ذلك ما رويته عن أبي بجير عالم الاهواز وكان يقول بإمامة ابن الحنفية، قال: حججت فلقيت إمامي وكنت يوما عنده فمر به غلام شاب فسلم عليه، فقام فتلقاه، وقبل مابين عينيه وخاطبه بالسيادة ومضى الغلام وعاد محمد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عناي، فقال:، وكيف ذاك ؟ قلت: لانا نعتقد أنك الامام المفترض الطاعة تقوم تتلقى هذا الغلام، وتقول له يا سيدي ؟ فقال: نعم، هو والله إمامي، فقلت: ومن هذا ؟ قال: علي ابن أخي الحسين، اعلم أني نازعته الامامة ونازعتي فقال لي: أترضى بالحجر الاسود حكما بيني وبينك ؟ فقلت: وكيف نحتكم إلى حجر جماد ؟ فقال: إن إماما لا يكلمه الجماد فليس بامام، فاستحييت من ذلك فقلت: بيني وبينك الحجر الاسود، فقصدنا الحجر وصلى وصليت، وتقدم إليه وقال: أسألك بالذي أودعك مواثيق العباد لتشهد لهم بالموافاة إلا أخبرتنا من الامام منا ؟

[348]

فنطق والله الحجر، وقال: يا محمد سلم الامر إلى ابن أخيك فهو أحق به منك، و هو إمامك، وتحلحل (1) حتى ظننته يسقط فأذعنت بامامته، ودنت له بفرض طاعته قال أبو بجير: فانصرفت من عنده، وقد دنت بامامة علي بن الحسين عليهما السلام وتركت القول بالكيسانية وروي عن أبي بصير أنه قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهرا ولا يشك أنه الامام حتى أتاه يوما فقال له: جعلت فداك إن لي حرمة ومودة فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني أنت الامام الذي فرض الله طاعته على خلقه ؟ قال: يا أبا خالد لقد حلفتني بالعظيم، الامام علي ابن أخي، علي وعليك، وعلى كل مسلم فلما سمع أبو خالد قول محمد ابن الحنفية جاء إلى علي بن الحسين فاستأذن ودخل فقال له: مرحبا ياكنكر، ماكنت لنا بزائر، ما بدالك فينا ؟ فخر أبو خالد ساجدا شكرا لما سمع من زين العابدين عليه السلام، وقال: الحمدلله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، قال:، وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد ؟ قال: لانك دعوتني باسمي الذي لا يعرفه سوى امي، وكنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية عمرا لاأشك أنه إمام حتى أقسمت عليه فأرشدني إليك، فقال: هو الامام علي وعليك وعلى كل مسلم ثم انصرف وقد قال بامامة زين العابدين عليه السلام (2) وقال قوم من الخوارج لمحمد ابن الحنفية: لم غرر بك في الحروب ولم يغرر (3) بالحسن والحسين ؟ قال: لانهما عيناه وأنا يمينه، فهو يدفع بيمينه عن عينيه وروى العباس بن بكار قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم من أيام صفين دعاعلي عليه السلام ابنه محمدا فقال شد:


(1) تحلحل عن مكانه: تحرك وتزحزح (2) روى الحديث الكشى في رجاله ص 111 فراجع (3) يقال: غرر بنفسه وماله: عرضهما للهلكة

[349]

على الميمنة فحمل مع أصحابه فكشف ميمنة عسكر معاوية ثم رجع وقد جرح، فقال له: العطش فقام إليه عليه السلام فسقاه جرعة من ماء ثم صب الماء بين درعه وجلده فرأيت علق الدم يخرج من حلق الدرع ثم أمهله ساعة ثم قال: شد في الميسرة فحمل مع أصحابه على ميسرة معاوية فكشفهم ثم رجع وبه جراحة، وهو يقول: الماء الماء، فقام إليه ففعل مثل الاول ثم قال: شد في القلب، فكشفهم ثم رجع وقد أثقلته الجراحات وهو يبكي، فقام إليه فقبل مابين عينيه وقال: فداك أبوك لقد سررتني والله يا بني، فما يبكيك أفرح أم جزع ؟ فقال: كيف لاأبكي وقد عرضتني للموت ثلاث مرات فسلمني الله تعالى وكلما رجعت إليك لتمهلني فما أمهلتني، وهذان أخواي الحسن والحسين ما تأمر هما بشئ ؟ فقبل عليه السلام رأسه وقال: يا بني أنت ابني وهذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله أفلا أصونهما ؟ قال: بلى يا أباه جعلني الله فداك وفداهما وإذا كان ذلك رأيه فكيف يخرج عن طاعته، ويعدل عن الاسلام بمخالفته مع علم محمد ابن الحنفية أن زين العابدين ولي الدم وصاحب الثأر، والمطالب بدماء الابرار، فنهض المختار نهوض الملك المطاع، ومد إلى أعداء الله يدا طويلة الباع فهشم عظاما تغذت بالفجور، وقطع أعضاء نشأت على الخمور، وحاز إلى فضيلة لم يرق إلى شعاف شرفها عربي ولا أعجمي، وأحرز منقبة لم يسبقه إليها هاشمي وكان إبراهيم بن مالك الاشتر مشاركا له في هذه البلوى ومصدقا على الدعوى ولم يك إبراهيم شاكا في دينه، ولاضالا في اعتقاده ويقينه، والحكم فيهما واحد وأنا أشرح بوار الفجار على يد المختار، معتمدا قانون الاختصار، وسميته ذوب النضار في شرح الثأر، وقد وضعته على أربع مراتب. والله الموفق لصواب، المكافي يوم الحساب

[350]

المرتبة الاولى في ذكر نسبه وطرف من اخباره هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمير الثقفي وقال المرزباني ابن عمير ابن عقدة بن عنزة: كنيته أبو إسحاق وكان أبو عبيد والده يتنوق في طلب النساء فذكر له نساء قومه فأبى أن يتزوج منهن فأتاه آت في منامه فقال تزوج دومة الحسناء الحومة، فما تسمع فيها للائم لومة، فأخبر أهله، فقالوا: قد امرت فتزوج دومة بنت وهب بن عمربن معتب، فلما حملت بالمختار قالت: رأيت في النوم قائلا يقول: أبشري بالولد * أشبه شئ بالاسد إذا الرجال في كبد * تقاتلوا على بلد كان له الحظ الاشد فلما وضعت أتاها ذلك الآتي فقال لها: إنه قبل أن يترعرع، وقبل أن يتشعشع، قليل الهلع، كثير التبع، يدان بما صنع، وولدت لابي عبيد المختار وجبرا وأبا جبرو أبا الحكم وأبا أمية، وكان مولده في عام الهجرة، وحضر مع أبيه وقعة قس الناطف (1) وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكان يتفلت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمه، فنشأ مقداما شجاعا لا يتقي شيئا، وتعاطى معالي الامور، وكان ذا عقل وافر وجواب حاضر، وخلال مأثورة، ونفس بالسخاء موفورة، وفطرة تدرك الاشياء بفراستها، وهمة تعلو على الفراقد بنفاستها، وحدس مصيب، وكف في الحروب مجيب، ومارس التجارب فحنكته، ولابس الخطوب فهذبته (2)


(1) قس الناطف: موضع قرب الكوفة، وبه كان وقعة لهم على الفرس راجع أيام العرب في الاسلام للميداني بذيل مجمع الامثال ج 2 ص 445، وفى النسخ: قيس الناطف وهو تصحيف (2) سيأتي شرح غرائب الحديث في بيانه قدس سره، ولا نذكره حذر التكرار فراجع

[351]

وروي عن الاصبغ بن نباته أنه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه السلام وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيس يا كيس فسمي كيسان وإليه عزي الكيسانية كما عزي الواقفة إلى موسى بن جعفر عليهما السلام والاسماعيلية إلى أخيه إسماعيل وغيرهم من الفرق وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: لاتسبوا المختار، فانه قتل قتلتنا وطلب ثأرنا، وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة، وروي أنه دخل جماعة على أبي جعفر الباقر عليه السلام وفيهم عبد الله بن شريك، قال: فقعدت بين يديه إذ دخل عليهم شيخ من أهل الكوفة، فتناول يده ليقبلها فمنعه، ثم قال: من أنت ؟ قال: أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متباعدا منه عليه السلام فمد يده فأدناه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، فقال: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي، والقول والله قولك، قال: وأي شئ يقولون ؟ قال: يقولون: كذاب. ولا تأمرني بشئ إلا قبلته، فقال: سبحان الله أخبرني أبي أن مهر امي مما بعث به المختار إليه، أولم يبن دورنا، وقتل قاتلنا، وطلب بثأرنا، فرحم الله أباك - وكررها ثلاثا ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه وعن أبي حمزة الثمالي قال: كنت أزور على بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرة في وقت الحج فأتيته سنة وإذا على فخذه صبي فقام الصبي فوقع على عتبة الباب فانشج فوثب إليه مهرولا، فجعل ينشف دمه ويقول: (إني) اعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة، قلت: بأبي أنت وامي وأي كناسة ؟ قال: كناسة الكوفة، قلت: ويكون ذلك ؟ قال: إي والذي بعث محمدا بالحق، لئن بعشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة، وهو مقتول مدفون منبوش مسحوب مصلوب في الكناسة ثم ينزل فيحرق ويذرى في البر، فقلت: جعلت فداك وما اسم هذا الغلام ؟ فقال: ابني زيد ثم دمعت عيناه وقال: لاحدثنك بحديث ابني هذا، بينا أنا ليلة ساجد وراكع ذهب بي النوم فرأيت كأني في الجنة وكأن رسول الله وعليا وفاطمة والحسن والحسين قد زوجوني حوراء من حور العين فواقعتها واغتسلت عند سدرة المنتهى ووليت، هتف

[352]

بي هاتف، ليهئك زيد فاستيقظت وتطهرت وصليت صلاة الفجر فدق الباب رجل فخرجت إليه فإذا معه جارية ملفوف كمها على يده، مخمرة بخمار، قلت: حاجتك ؟ قال: اريد علي بن الحسين، قلت: أنا هو، قال: أنا رسول المختار بن أبي عبيد الثقفي يقرئك السلام ويقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار، وهذه ستمائة دينار، فاستعن بها على دهرك، ودفع إلي كتابا كتبت جوابه، وقلت: ما اسمك ؟ قالت: حوراء فهيؤها لي وبت بها عروسا، فعلقت بهذا الغلام فأسميته زيدا وستري ما قلت لك قال أبو حمزة الثمالي: فوالله لقد رأيت كل ما ذكره عليه السلام في زيد وروي عن عمربن علي عليه السلام أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين عشرين ألف دينار، فقبلها وبنى منها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت، وكان المختار ذا مقول مشحوذ الغرار، مأمون العثار، إن نثر سجع، وإن نطق برع، ثابت الجنان، مقدم الشجعان، ما حدس إلا أصاب، ولا تفرس قط خاب، ولو لم يكن كذلك لما قام بأدوات المفاخر، ورأس على الامراء والعساكر، وولي علي عليه السلام عمه على المدائن عاملا والمختار معه، فلما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة من قبل معاوية رحل المختار إلى المدينة، وكان يجالس محمد بن الحنفية ويأخذ عنه الاحاديث، فلما عاد إلى الكوفة ركب مع المغيرة يوما فمر بالسوق، فقال المغيرة يالها غارة ويا له جمعا، إني لاعلم كلمة لو نعق لها ناعق ولاناعق لها لاتبعوه، ولاسيما الاعاجم الذين إذا القي إليهم الشئ قبلوه، فقال له المختار: وماهي يا عم ؟ قال: يستأدون بآل محمد فأغضي عليها المختار، ولم يزل ذلك في نفسه، ثم جعل يتكلم بفضل آل محمد وينشر مناقب علي والحسن والحسين عليهم السلام ويسير ذلك ويقول: إنهم أحق بالامر من كل أحد بعد رسول الله، ويتوجع لهم مما نزل بهم ففي بعض الايام لقيه معبد بن خالد الجدلي جديلة قيس، فقال له: يا معبد إن أهل الكتب ذكروا أنهم يجدون رجلا من ثقيف يقتل الجبارين، وينصر

[353]

المظلومين، ويأخذ بثأر المستضعفين، ووصفوا صفته، فلم يذكروا صفة في الرجل إلا وهي في غير خصلتين: أنه شاب وقد جاوزت الستين، وأنه ردي البصر، وأنا أبصر من عقاب، فقال معبد: أما السن فان ابن ستين وسبعين عند أهل ذلك الزمان شاب، وأما بصرك فما تدري ما يحدث الله فيه لعله يكل، قال: عسى، فلم يزل على ذلك حتى مات معاوية وولى يزيد ووجه الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة فأسكنه المختار داره وبايعه، فلما قتل مسلم - رحمه الله - سعي بالمختار إلى عبيدالله بن زياد فأحضره، وقال له: يا ابن عبيد أنت المبايع لاعدائنا فشهد له عمرو بن حريث أنه لم يفعل، فقال عبيدالله: لولا شهادة عمرو لقتلتك، وشتمه وضربه بقضيب في يده فشترعينه، وحبسه وحبس أيضا عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب وكان في الحبس ميثم التمار - رحمه الله - فطلب عبد الله حديدة يزيل بها شعر بدنه وقال: لا آمن ابن زياد يقتلني، فأكون قد ألقيت ما على من الشعر، فقال المختار: والله لا يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلا قليل حتى تلي البصرة، فقال ميثم للمختار: وأنت تخرج ثائرا بدم الحسين، فتقتل هذا الذي يريد قتلنا، وتطأ بقدميك على وجنتيه ولم يزل ذلك يتردد في صدره حتى قتل الحسين عليه السلام كتب المختار إلى اخته صفية بنت أبي عبيد، وكانت زوجة عبد الله بن عمر، تسأله مكاتبة يزيد بن معاوية فكتب إليه فقال يزيد: نشفع أبا عبد الرحمن وكلمته هند بنت أبي سفيان في عبد الله بن الحارث، وهي خالته، فكتب إلى عبيدالله فأطلقهما بعد أن أجل المختار ثلاثة أيام ليخرج من الكوفة وإن تأخر عنها ضرب عنقه، فخرج هاربا نحو الحجاز حتى إذا صاربوا قصة لقي الصقعب بن زهير الازدي، فقال: يا أبا إسحاق مالي أرى عينك على هذه الحال ؟ قال: فعل بي ذلك عبيدالله بن زياد، قتلني الله إن لم أقتله، واقطع أعضاءه ولاقتلن بالحسين عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريا وهم سبعون ألفا ثم قال: والذي أنزل القرآن، وبين الفرقان، وشرع الاديان، وكره العصيان، لاقتلن العصاة من أزد عمان، ومذحج وهمدان، ونهد وخولان

[354]

وبكر وهزان، وثعل ونبهان، وعبس وذبيان، وقبائل قيس عيلان غضبا لابن بنت نبي الرحمن، نعم يا صقعب وحق السميع العليم، العلي العظيم، العدل الكريم، العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم، لاعركن عرك الاديم بني كندة وسليم، والاشراف من تميم، ثم سار إلى مكة قال ابن العرق: رأيت المختار أشتر العين، فسألته فقال: شترها ابن زياد يا ابن العرق إن الفتنة أرعدت وأبرقت، وكأن قد أينعت وألقت خطامها، وخبطت وشمست، وهي رافعة ذيلها، وقائلة ويلها، بدجلة وحولها فلم يزل على ذلك حتى مات يزيد يوم الخميس لاربع عشرة ليلة خلت من شهر بيع الاول سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة أربع، وعمره على الخلاف فيه ثمان وثلاثون سنة، وكان مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر، وخلف أحد عشر ولدا منهم أبو ليلى معاوية، وبويع له بالشام، وخلع نفسه وقد ذكرت حديثه في المقتل، وأخوه خالد امه بنت هاشم بن عتبة بن عبد شمس تزوجها مروان بن الحكم بعد يزيد، وفيها قال الشاعر: أسلمي ام خالد * رب ساع لقاعد وفي تلك السنة بويع لعبدالله بن الزبير بالحجاز، ولمروان بن الحكم بالشام ولعبيد الله بن زياد بالبصرة وأما أهل العراق فانهم وقعوا في الحيرة والاسف والندم على تركهم نصرة الحسين عليه السلام وكان عبيدالله بن الحر بن المجمع بن حريم الجعفي من أشراف أهل الكوفة وكان قد مشى إلى الحسين وندبه إلى الخروج معه فلم يفعل، ثم تداخله الندم حتى كادت نفسه تفيض، فقال: فيالك حسرة مادمت حيا * تردد بين حلقي والتراقي حسين حين يطلب بذل نصري * على أهل الضلالة والنفاق غداة يقول لي بالقصر قولا: * أتتركنا وتزمع بالفراق ولو أني اواسيه بنفسي * لنلت كرامة يوم التلاق

[355]

مع ابن المصطفى نفسي فداه * تولى ثم ودع بانطلاق فلو فلق التلهف قلب حي * لهم اليوم قلبى بانفلاق فقد فاز الاولى نصروا حسينا * وخاب الآخرون اولو النفاق (1) ولم يكن في العراق من يصلح للقتال والنجدة والبأس إلا قبائل العرب بالكوفة، فأول من نهض سليمان بن صرد الخزاعي وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله ومع علي عليه السلام والمسيب بن نجبة الفزاري وهومن كبار الشيعة وله صحبة مع علي عليه السلام، وعبد الله بن سعد بن نفيل الازدي ورفاعة بن شداد البجلي وعبد الله ابن وأل التيمى من بني تيم اللات بن ثعلبة، واجتمعوا في دار سليمان، ومعهم اناس من الشيعة، فبدأ سليمان بالكلام، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فقد ابتلينا بطول العمر، والتعرض للفتن، ونرغب إلى ربنا أن لا يجعلنا ممن يقول له " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاء كم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " وقال علي عليه السلام: العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة، وليس فينا إلا من قد بلغها وكنا مغرمين بتزكية أنفسنا، ومدح شيعتنا، حتى بلى الله خيارنا، فوجدنا كذابين في نصرا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولاعذر دون أن تقتلوا قاتليه، فعسى ربنا أن يعفو عنا قال رفاعة بن شداد: قد هداك الله لاصوب القول، ودعوت إلى أرشد الامور جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب، فمسموع منك، مستجاب لك، مقبول قولك، فان رأيتم ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله سليمان بن صرد فقال المسيب بن نجبة: أصبتم ووفقتم، وأنا أرى الذي رأيتم، فاستعدوا للحرب وكتب سليمان كتابا إلى من كان بالمدائن من الشيعة من أهل الكوفة، وحمله مع عبد الله بن مالك الطائي إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يدعوهم إلى أخذ الثأر فلما وقفوا على الكتاب قالوا: رأينا مثل رأيهم وكتب سعد بن حذيفة الجواب بذلك * (الهامش) * (1) في الاصل: إلى النفاق، وهو تصحيف، وفى مقتل الخوارزمي ج 1 ص 228: ذووالنفاق.

[356]

وكتب سليمان إلى المثنى بن مخرمة العبدي كتابا وبعثه مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد فكتب المثنى الجواب " أما بعد فقد قرأت كتابك وأقرأته إخوانك فحمدوا رأيك واستجابوا لك، فنحن موافوك إنشاء الله، للاجل الذي ضربت والسلام عليك " وكتب في أسفل كتابه: تبصر كأني قد أتيتك معلما * على أبلغ الهادي أجش هزيم طويل القرا نهد أشق مقلص * ملح على قارئ اللجام رؤوم بكل فتى لايملا الدرع نحره * محش لنار الحرب غير سؤم أخي ثقة يبغي الاله بسعيه * ضروب بنصل السيف غير أثيم وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن أول ما ابتدأ به الشيعة من أمرهم سنة إحدى وستين وهي السنة التي قتل فيها الحسين، فمازالوا في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الشيعة بعضهم لبعض في السر للطلب بدم الحسين عليه السلام حتى مات يزيد بن معاوية، وكان بين مقتل الحسين عليه السلام وهلاك يزيد ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وكان أمير العراق عبيدالله، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي، وكان عبد الله بن الزبير قبل موت يزيد يدعو الناس إلى طلب ثأر الحسين وأصحابه، ويغريهم بيزيد، ويوثبهم عليه، فلما مات يزيد أعرض عن ذلك القول، وبان أنه يطلب الملك لنفسه لا للثأر وذكر المدائني عن رجاله أن المختار لما قدم على عبد الله بن الزبير لم ير عنده ما يريد، فقال: ذومخاريق وذو مندوحة * وركابي حيث وجهت ذلل لا تبيتن منزلا تكرهه * وإذا زلت بك النعل فزل فخرج المختار من مكة متوجها إلى الكوفة فلقيه هانئ بن أبي حية الوداعي فسأله عن أهلها، فقال: لو كان لهم رجل يجمعهم على شئ واحد لاكل الارض بهم، فقال المختار: أنا والله أجمعهم على الحق وألقى بهم ركبان الباطل وأقتل بهم كل جبار عنيد إنشاء الله، ولا قوة إلا بالله، ثم سأله المختار عن سليمان

[357]

ابن صرد هل توجه لقتال المحلين ؟ قال: لا، ولكنهم عازمون على ذلك، ثم سار المختار حتى انتهى إلى نهر الحيرة، وهو يوم الجمعة، فنزل واغتسل ولبس ثيابه وتقلد سيفه، وركب فرسه، ودخل الكوفة نهارا لا يمر على مسجد القبائل ومجالس القوم ومجتمع المحال إلا وقف وسلم وقال: أبشروا بالفرج، فقد جئتكم بما تحبون، وأنا المسلط على الفاسقين، والطالب بدم أهل بيت نبي رب العالمين ثم دخل الجامع وصلى فيه، فرأى الناس ينظرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: هذا المختار ما قدم إلا لامر، ونرجو به الفرج، وخرج من الجامع، ونزل داره - ويعرف قديما بسالم بن المسيب - ثم بعث إلى وجوه الشيعة، وعرفهم أنه جاء من محمدابن الحنفية للطلب بدماء أهل البيت، وهذا أمر لكم فيه الشفاء، وقتل الاعداء، فقالوا: أنت موضع ذلك وأهله، غير أن الناس قد بايعوا سليمان بن صرد الخزاعي فهو شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك، فسكت المختار وأقام ينتظر ما يكون من أمر سليمان، والشيعة حينئذ يريدون أمرهم سرا خوفا من عبد الملك بن مروان ومن عبد الله بن الزبير وكان خوف الشيعة من أهل الكوفة، أكثر، لان أكثرهم قتلة الحسين عليه السلام وصار المختار يفخذ الناس عن سليمان بن صرد، ويدعوهم إلى نفسه، فأول من بايعه وضرب على يده عبيد بن عمر، وإسماعيل بن كثير، فقال عمربن سعد وشبث بن ربعي لاهل الكوفة: إن المختار أشد عليكم لان سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم، والمختار إنما يريد أن يثب عليكم، فسيروا إليه وأوثقوه بالحديد، وخلدوه السجن، فما شعر حتى أحاطوا بداره، واستخرجوه، فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة لعبدالله ابن يزيد أوثقه كتافا ومشه حافيا، فقال له: لم أفعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة ولا حربا إنما أخذناه على الظن فأتى ببغلة له دهماء فركبها، وأدخلوه السجن قال يحيى بن أبي عيسى: دخلت مع حميد بن مسلم الازدي إلى المختار، فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخل والاشجار، والمهامه القفار، والملائكة الابرار والمصطفين الاخيار، لاقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار، في

[358]

جموع من الانصار، ليسوا بميل ولا أغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأيت صدع المسلمين، وأدركت ثأر النبيين، لم يكبر علي زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذ أتى المرتبة الثانية في ذكر رجال سليمان بن صرد وخروجه ومقتله لما أراد النهوض بعسكره من النخيلة وهي العباسية مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وهي السنة التي أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك وعبد العزيز، وجعلهما وليي عهده، وفيها مات مروان بدمشق مستهل شهر رمضان، وكان عمره إحدى وثمانين سنة، وكانت خلافته تسعة أشهر وكان عبيدالله بالعراق، فسار حتى نزل الجزيرة فأتاه الخبر بموت مروان، وخرج سليمان بن صرد ليرحل فرأى عسكره فاستقله، فبعث حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن حصين الكناني في جماعة، وأمرهما بالنداء في الكوفة يا آل ثأرات الحسين عليه السلام فسمع النداء رجل من كثير من الازد، وهو عبد الله بن حازم وعنده ابنته وامرأته سهلة بن سبرة، وكانت من أجمل النساء وأحبهم إليه، ولم يكن دخل في القوم فوثب إلى ثيابه فلبسها، حظى لك بالاماني * يا معشر الازد بني أجننت ؟ قال: لا ولكني سمعت داعي الله عزوجل فأنا مجيبه، وطالب بدم هذا الرجل حتى أموت، فقالت: إلى من تودع بيتك هذا ؟ قال: إلى الله اللهم إني أستودعك ولدي وأهلي ! اللهم احفظني فيهم، وتب علي مما فرطت في نصرة ابن بنت نبيك ثم نادوا " يا آل ثأرات الحسين " في الجامع، والناس يصلون العشاء الآخرة فخرج جمع كثير إلى سليمان وكان معه ستة عشر ألفا مثبتة في ديوانه، فلم يصف منهم سوى أربعة آلاف، وعزم على المسير إلى الشام لمحاربة عبيدالله بن زياد، فقال

[359]

له عبد الله بن سعد: إن قتلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمربن سعد ورؤس الارباع وأشراف القبائل وليس بالشام سوى عبيدالله بن زياد ؟ فلم يوافق إلا على المسير فخرج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الاخر كما ذكرنا فباتوا بدير الاعور، ثم سار فنزل على أقساس بني مالك على شاطئ الفرات، ثم أصبحوا عند قبر الحسين عليه السلام فأقاموا يوما وليلة يصلون ويستغفرون ثم ضجوا ضجة واحدة بالبكاء والعويل فلم يريوم أكثر بكاء فيه، وازدحموا عند الوداع على قبره كالزحام على الحجر الاسود، وقام في تلك الحال وهب بن زمعة الجعفي باكيا على القبر وأنشد أبيات عبيدالله بن الحر الجعفي: تبيت النشاوى من امية نوما * وبالطف قتلى ما ينام حميمها وما ضيع الاسلام إلا قبيلة * تأمر نوكاها ودام نعيمها وأضحت قناة الدين في كف ظالم * إذا اعوج منها جانب لا يقيمها فأقسمت لا تنفك نفسي حزينة * وعيني تبكي لا يجف سجومها حياتي أو تلقى امية خزية * يذل لها حتى الممات قرومها وكان مع الناس عبد الله بن عوف الاحمر على فرس كميت يتأكل تأكلا (1) وهو يقول: خرجن يلمعن بنا أرسالا * عوابسا قد تحمل الابطالا نريد أن نلقى بها الاقيالا * الفاسقين الغدر الضلالا وقد رفضنا الاهل والاموالا * والخفرات البيض والحجالا (2) نرجو به التحفة والنوالا * لنرضي المهيمن المفضالا فساروا حتى أتواهيت، ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قرقيسا، وبلغهم أن


(1) أي يأكل نفسه من الغضب والحرقة والتوهج والقياس أن يقال يأتكل كما قال الاعشى: أبلغ يزيد بنى شييان مألكة * أبا ثبيت أما تنفك تأتكل (2) جمع حجلة بيت العروس يزين بالثياب والاسرة والستور

[360]

أهل الشام في عدد كثير فساروا سيرا مغذا حتى وردوا عين الوردة عن يوم وليلة ثم قام سليمان بن صرد، فوعظهم وذكرهم الدار الآخرة وقال: إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة فان اصيب المسيب فالامير عبد الله بن سعد بن نفيل، فان اصيب فأخوه خالد بن سعد فان قتل خالد فالامير عبد الله بن وأل، فان قتل ابن وأل فأميركم رفاعة بن شداد ثم بعث سليمان المسيب بن نجبة في أربعة آلاف فارس رائدا، وأن يشن عليهم الغارة، قال حميد بن مسلم: كنت معهم فسرنا يومنا كله وليلتنا، حتى إذا كان السحر نزلنا وهومنا (1) ثم ركبنا وقد صلينا الصبح ففرق العسكر وبقي معه مائة فارس، فلقي أعرابيا فقال: كم بيننا وبين أدنى القوم ؟ فقال: ميل - أقول والميل أربعة آلاف ذراع وكل ثلاثة أميال فرسخ - وهذا عسكر شراحيل بن ذي الكلاع (2) من قبل عبيدالله معه أربعة آلاف، ومن ورائهم الحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، ومن ورائهم الصلت بن ناجية الغلابي في أربعة آلاف، وجمهور العسكر مع عبيدالله بن زياد بالرقة فساروا حتى أشرفوا على عسكر الشام، فقال المسيب لاصحابه: كروا عليهم، فحمل عسكر العراق فانهزموا فقتل منهم خلق كثير وغنموا منهم غنيمة عظيمة وأمرهم المسيب بالعود فرجعوا إلى سليمان بن صرد ووصل الخبر إلى عبيدالله فسرح إليهم الحصين بن نمير وأتبعه بالعساكر حتى نزل في عشرين ألفا وعسكر العراق يومئذ ثلاثة آلاف ومائة لاغير ثم تهيأت العساكر للحرب، فكان على ميمنة أهل الشام عبد الله بن الضحاك ابن قيس الفهري، وعلى ميسرتهم مخارق بن ربيعة الغنوي، وعلى الجناح شراحيل ابن ذي الكلاع الحميري، وفي القلب الحصين بن نمير السكوني، ثم جعل أهل العراق على ميمنتهم المسيب بن نجبة الفزاري، وعلى ميسرتهم عبد الله بن سعد بن


(1) التهويم: النوم القليل شبه النعاس (2) ويقال: شرحبيل أيضا راجع الاستيعاب والاصابة ترجمة ذى الكلاع

[361]

نفيل الازدي، وعلى الجناح رفاعة بن شداد البجلي، وعلى القلب الامير سليمان بن صرد الخزاعي ووقف العسكر فنادى أهل الشام: ادخلوا في طاعة عبد الملك بن مروان، ونادى أهل العراق: سلموا إلينا عبيدالله بن زياد وأن يخرج الناس من طاعة عبد الملك وآل الزبير، ويسلم الامر إلى أهل بيت نبينا. فأبى الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وجعل سليمان بن صرد يحرضهم على القتال، ويبشرهم بكرامة الله، ثم كسرجفن سيفه وتقدم نحو أهل الشام، وهو يقول: إليك ربي تبت من ذنوبي * وقد علاني في الورى مشيبي فارحم عبيدا عرما تكذيب * واغفر ذنوبي سيدي وحوبي قال حميد بن مسلم: حملت ميمنتنا على ميسرتهم، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب فهزمناهم وظفرنا بهم، وحجز الليل بيننا وبينهم ثم قاتلناهم في الغد وبعده حتى مضت ثلاثة أيام ثم أمرهم الحصين بن نمير لاهل الشام برمي النبل فأتت السهام كالشرار المتطائر فقتل سليمان بن صرد - ره - فلقد بذل في أهل الثأر مهجته، وأخلص لله توبته وقد قلت: هذين البيتين حيث مات مبرءا من العتب والشين: قضى سليمان نحبه فغدا * إلى جنان ورحمة الباري مضى حميدا في بذل مهجته * وأخذه للحسين بالثأر ثم أخذ الراية المسيب بن نجبة، فقاتل قتالا خرت له الاذقان، وأثر في ذلك الجيش الجم الطعان ثلاث مرات، وكان من أعظم الشجعان قتالا وأكرهم على الاعداء نكالا، وهو يقول: قد علمت ميالة الذوائب * واضحة الخدين والترائب أني غداة الروع والتغالب * أشجع من ذي لبدة مواثب قصاع أقران مخوف الجانب فلم يزل يكر عليهم فيفرون بين يديه حتى تكاثروا فقتلوه ثم أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ثم حمل على القوم وطعن وهو يقول:

[362]

ارحم إلهي عبدك التوابا * ولا تؤاخذه فقد أنابا وفارق الاهلين والاحبابا * يرجو بذاك الفوز والثوابا فلم يزل يقاتل حتى قتل ثم تقدم أخوه خالد بن سعد بالراية، وحرضهم على القتال، ورغبهم في حميد المآل، فقاتل أشد قتال، ونكل بهم أي نكال حتى قتل وتقدم عبد الله بن وأل فأخذ الراية، وقاتل حتى قطعت يده اليسرى ثم استند إلى أصحابه ويده تشخب دماثم كر عليهم، وهو يقول: نفسي فداكم اذكروا الميثاقا * وصابروهم واحذروا النفاقا لاكوفة نبغي ولاعراقا * لابل نريد الموت والعتاقا وقاتل حتى قتل، فبينماهم كذلك إذ جاءتهم النجدة مع المثنى بن مخرمة العبدي من البصرة ومن المدائن مع كثير بن عمرو الحنفي فاشتدت قلوب أهل العراق بهم، واجتمعوا وكبروا واشتد القتال، فتقدم رفاعة بن شداد نحو صفوف الشام وهو يرتجز ويقول: يا رب إني تائب إليكا * قدانكلت سيدي عليكا قدما ارجي الخير من يديكا * فاجعل ثوابي أملي إليكا قال عبد الله بن عوف الازدي: واشتد القتال حتى بان في أهل العراق الضعف والقلة، وتحدثوا في ترك القتال، فبعضهم يوافق، وبعضهم يقول إن ولينا ركبنا السيف، فلانمشي فرسخا حتى لا يبقى منا واحد، وإنما نقاتل حتى يأتي الليل ونمضي، ثم تقدم عبد الله بن عوف إلى الراية فرفعها، واقتتلوا أشد قتال، فقتل جماعة من أهل العراق، وانفلت الجموع، وافترق الناس، وعاد العسكر حتى وصلوا قرقيسا من جانب البر، وجاء سعد بن حذيفة إلى هيت، فلقيه الاعراب فأخبروه بما لقي الناس، ثم عاد أهل المدائن وأهل البصرة وأهل الكوفة إلى بلادهم، والمختار محبوس وكان يقول لاصحابه " عدوا لغارتكم هذا أكثر من عشر ودون الشهر، ثم يجيئكم نبأ هتر، من طعن بتر، وضرب هبر، وقتل جم، وأمرهم

[363]

فمن لها، أنالها، لا تكذبن أنالها، وكان المختار يأخذ أفعاله بالرجز والفراسة والخدع وحسن السياسة قال المرزباني في كتاب الشعراء: كان له غلام اسمه جبرئيل، وكان يقول: قال لي جبرئيل، وقلت لجبرئيل فيتوهم الاعراب وأهل البوادي أنه جبرئيل عليه السلام فاستحوذ عليهم بذلك حتى انتظمت له الامور، وقام باعزاز الدين ونصره، وكسر الباطل وقصره ولما قدم أصحاب سليمان بن صرد من الشام، كتب إليهم المختار من الحبس أما بعد فان الله أعظم لكم الاجر، وحط عنكم الوزر، وبمفارقة القاسطين، وجهاد المحلين، إنكم لن تنفقوا نفقة ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم حسنة، فابشروا فاني لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق والمغرب من عدوكم بالسيف باذن الله، فجعلتهم ركاما، وقتلتهم فذا وتوأما، فرحب الله لمن قارب واهتدى، ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى، والسلام يا أهل الهدى فلما جاء كتابه وقف عليه جماعة من رؤساء القبائل وأعادوا الجواب: قرأنا كتابك ونحن حيث يسرك، فان شئت أن نأتيك حتى نخرجك من الحبس فعلنا فأخبره الرسول فسر باجتماع الشيعة له، وقال: لا تفعلوا هذا فاني أخرج في أيامي هذه، وكان المختار قد بعث إلى عبد الله بن عمربن الخطاب " أما بعد فاني حبست مظلوما وظن بي الولاة ظنونا كاذبة، فاكتب في رحمك الله إلى هذين الظالمين، وهما عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد كتابا عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك ومنك والسلام عليك " فكتب إليهما ابن عمر " أما بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار من الصهر والذي بيني وبينكما من الود فأقسمت عليكما لما خليتما سبيله، حين تنظران في كتابي هذا والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته " فلما قرأ الكتاب، طلبا من المختار كفلاء فأتاه جماعة من أشراف الكوفة، فاختارا منهم عشرة ضمنوه، وحلفاه أن

[364]

لا يخرج عليهما، فان هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة، ومماليكه كلهم أحرار، فخرج وجاء داره قال حميد بن مسلم: سمعت المختار يقول: قاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم حيث يرون أني أفي لهم بأيمانهم هذه، أما حلفي بالله فانه ينبغي إذا حلفت يمينا ورأيت ما هو أولى منها أن أتركها وأعمل الاولى واكفر عن يميني، وخروجي خير من كفي عنهم، وأما هدي ألف بدنة فهوأهون علي من بصقة، وما يهولني ثمن ألف بدنة، وأما عتق مماليكي فوالله لوددت أنه استتب لي أمري من أخذ الثأر ثم لم أملك مملوكا أبدا ولما استقر في داره، اختلفت الشيعة إليه، واجتمعت عليه، واتفقوا على الرضا به، وكان قد بويع له وهوفي السجن ولم يزل يكثرون وأمرهم يقوى ويشتد حتى عزل عبد الله بن الزبير الواليين من قبله، وهما عبد الله بن زيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة المذكورين، وبعث عبد الله بن مطيع واليا على الكوفة، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فدخل ابن مطيع إليها وبعث المختار إلى أصحابه فجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب على أهل الكوفة فجاء رجل من أصحابه من شبام عظيم الشرف وهو عبد الرحمن بن شريح فلقي جماعة منهم سعد بن منقذ، وسعربن أبي سعر الحنفي، والاسود الكندي وقدامة بن مالك الجشمي، وقد اجتمعوا، فقالوا له: إن المختار يريد الخروج بنا للاخذ بالثأر وقد بايعناه، ولا نعلم أرسله إلينا محمد ابن الحنفية أم لا ؟ فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا، فان رخص لنا اتبعناه وإن نهانا تركناه، فخرجوا وجاؤا إلى ابن الحنفية فسألهم عن الناس فخبروه، وقالوا: لنا إليك حاجة قال: سرأم علانية، قلنا: بل سر، قال: رويدا إذن، ثم مكث قليلا وتنحى ودعانا فبدأ عبد الرحمن بن شريح بحمدالله والثناء عليه وقال: أما بعد فانكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الامة، وقد اصبتم بحسين مصيبة عمت المسلمين، وقد قدم المختار يزعم أنه جاء من قبلكم وقد دعانا

[365]

إلى كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، فبايعناه على ذلك فان أمرتنا باتباعه اتبعناه وإن نهيتنا اجتنبناه. فلما سمع كلامه وكلام غيره، حمدالله وأثنى عليه، وصلى على النبي وقال: أما ما ذكرتم مما خصنا الله فان الفضل لله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأما مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم، وأما الطلب بدمائنا قال جعفر بن نما مصنف هذا الكتاب: فقد رويت عن والدي رحمة الله عليه أنه قال لهم: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين، فلما دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاؤا لاجله، قال: يا عم لو أن عبدا زنجيا تعصب لنا أهل البيت، لوجب على الناس موازرته، وقد وليتك هذا الامر، فاصنع ما شئت فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون: أذن لنا زين العابدين عليه السلام ومحمد ابن الحنفية. وكان المختار علم بخروجهم إلى محمد ابن الحنفية وكان يريد النهوض بجماعة الشيعة قبل قدومهم، فلما تهيأ ذلك له، وكان يقول: إن نفيرا منكم تحيروا وارتابوا، فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا، وإن هم كبوا وهابوا واعترضوا وانجابوا فقد خسروا وخابوا، فدخل القادمون من عند محمد ابن الحنفية فقال: ما وراء كم فقد فتنتم وارتبتم ؟ فقالوا: قد امرنا بنصرتك، فقال: أنا أبو إسحاق أجمعوا إلي الشيعة فجمع من كان قريبا فقال: يا معشر الشيعة إن نفرا أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فخرجوا إلى إمام الهدى والنجيب المرتضى وابن المصطفى المجتبى - يعني زين العابدين عليه السلام - فعرفهم أني ظهيره ورسوله، وأمركم باتباعي وطاعتي. وقال كلاما يرغبهم إلى الطاعة والاستنفار معه وأن يعلم الحاضر الغائب. وعرفه قوم أن جماعة من أشراف الكوفة، مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، ومتى جاء معنا إبراهيم بن الاشتر رجونا بإذن الله تعالى القوة على عدونا فله عشيرة، فقال: القوة وعرفوا الاذن لنا في الطلب بدم الحسين وأهل بيته فعرفوه فقال: قد أجبتكم على أن تولوني الامر فقالوا له: أنت أهل ولكن ليس

[366]

إليه سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل إمام الهدى ومن نائبه محمد ابن الحنفية وهو المأذون له في القتال، فلم يجب فانصرفوا وعرفوه المختار فبقي ثلاثا ثم إنه دعا جماعة من وجوه أصحابه قال عامر الشعبي: وأنا وأبي فيهم، فسار المختار وهو أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة، لا يدرى أين يريد حتى وقف على باب إبراهيم، فأذن له والقيت الوسائد فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه، وقال: هذا كتاب محمد بن أمير المؤمنين عليه السلام يأمرك أن تنصرنا فان فعلت اغتبطت، وإن امتنعت فهذا الكتاب حجة عليك وسيغني الله محمدا وأهل بيته عنك وكان المختار قد سلم الكتاب إلى الشعبي فلما تم كلامه قال:، ارفع الكتاب إليه ففض ختمه وهو كتاب طويل فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد المهدي إلى إبراهيم بن الاشتر سلام عليك قد بعثت إليك المختار ومن ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي، والطلب بدماء أهل بيتي فامض معه بنفسك وعشيرتك، وتمام الكتاب بما يرغب إبراهيم في ذلك فلما قرأ الكتاب قال: ما زال يكتب إلى اسمه واسم أبيه فما باله ويقول في هذا الكتاب المهدي ؟ قال المختار: ذاك زمان، قال إبراهيم: من يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي ؟ قال يزيد بن أنس وأحمر بن سقيط وعبد الله بن كامل وغيرهم: نحن نعلم ونشهد أنه كتاب محمد إليك، قال الشعبي: إلا أنا وأبي لا نعلم، فعند ذلك تأخر إبراهيم عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وقال: ابسط يدك فبسط يده فبايعه، ودعا بفاكهة وشراب من عسل فأصبنا منه فأخرجنا معنا إبراهيم إلى أن دخل المختار داره. فلما رجع أخذ بيدي وقال: يا شعبي علمت أنك لا تشهد ولا أبوك أفترى هؤلاء شهدوا على حق ؟ قلت: شهدوا على ما رأيت وفيهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، وما يقول مثل هؤلاء إلا حقا. وكان إبراهيم رحمه الله ظاهر الشجاعة، واري زناد الشهامة، نافذ حد الصرامة

[367]

مشمرا في محبة أهل البيت عن ساقيه، متلقيا راية النصح لهم بكلتا يديه، فجمع عشيرته وإخوانه وأهل مودته وأعوانه، وكان يتردد بهم إلى المختار عامة الليل، ومعه حميد بن مسلم الازدي حتى تصوب النجوم، وتنقض الرجوم، وأجمع رأيهم أن يخرجوا يوم الخميس لاربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وكان إياس بن مضارب صاحب شرطة عبد الله بن مطيع أمير الكوفة، فقال له: إن المختار خارج عليك لا محالة، فخذ حذرك ثم خرج إياس مع الحرس، وبعث ولده راشدا إلى الكناسة، وجاء هو إلى السوق وأنفذ ابن مطيع إلى الجبانات من شحنها بالرجال يحرسها من أهل الريبة، وخرج إبراهيم بعد المغرب إلى المختار ومعه جماعة عليهم الدروع وفوقها الاقبية وقد أحاط الشرط بالسوق والقصر، لقي إياس بن مضارب أصحاب إبراهيم وهم متسلحون، فقال: ما هذا الجمع ؟ إن أمرك لمريب، ولا أتركك حتى آتي بك إلى الامير، فامتنع إبراهيم ووقع التشاجر بينهم، ومع إياس رجل من همدان اسمه أبا قطن قال له إبراهيم: ادن مني لانه صديقه فظن أنه يريد أن يجعله شفيعه في تخلية القوم وبيد أبي قطن رمح طويل فأخذه إبراهيم منه وطعن إياس بن مضارب في نحره فصرعه وأمرهم فاجتزوا رأسه وانهزم أصحابه وأقبل إبراهيم إلى المختار وعرفه ذلك فاستبشر وتفاءل بالنصر والظفر، ثم أمر باشعال النار في هرادي القصب وبالنداء " يا آل ثأرات الحسين " ولبس درعه وسلاحه، وهو يقول: قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضحة الخدين عجزاء الكفل إني غداة الروع مقدام بطل * لا عاجز فيها ولا وغد فشل فأقبل الناس من كل ناحية وجاء عبيدالله بن الحر الجعفي في قومه وتقاتلوا قتالا عظيما، وشرد الناس ومن كان في الطرق والجبانات من أصحاب السلاح واستشعروا الحذر، وتفرقوا في الازقة خوفا من إبراهيم وأشار شبث بن ربعي على الامير ابن مطيع بالقتال، فعلم المختار فخرج في أصحابه حتى نزل دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة، ثم جاء أبو عثمان النهدي في جماعة أصحابه إلى

[368]

الكوفة، ونادوا " يا آل ثأرات الحسين يا منصور أمت - وهذه علامة بينهم - يا أيها الحي المهتدون، ألا إن أمين آل محمد قد خرج فنزل دير هند وبعثني إليكم داعيا ومبشرا فاخرجوا إليه رحمكم الله " فخرجوا من الدور يتداعون وفي هذا المعنى قلت هذه الابيات متأسفا على ما فات، كيف لم أكن من أصحاب الحسين عليه السلام في نصرته ولا من أصحاب المختار وجماعته. ولما دعا المختار للثأر أقبلت * كتائب من أشياع آل محمد وقد لبسوا فوق الدروع قلوبهم * وخاضوا بحار الموت في كل مشهد هم نصروا سبط النبي ورهطه * ودانوا بأخذ الثار من كل ملحد ففازوا بجنات النعيم وطيبها * وذلك خير من لجين وعسجد ولو أنني يوم الهياج لدى الوغى * لاعملت حد المشرفي المهند فوا أسفا إذ لم أكن من حماته * فأقتل فيهم كل باغ ومعتد المرتبة الثالثة في وصف الوقعة مع ابن مطيع قال الوالبي، وحميد بن مسلم، والنعمان بن أبي الجعد: خرجنا مع المختار فوالله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبية عسكره، فلما أصبح تقدم وصلى بنا الغداة فقرأ " والنازعات وعبس " فوالله ما سمعنا إماما أفصح لهجة منه، ونادى ابن مطيع في أصحابه، فلما جاؤا بعث شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف، وراشد بن إياس في أربعة آلاف، وحجار بن أبجر العجلي في ثلاثة آلاف، وعكرمة بن ربعي وشداد ابن أبجر، وعبد الرحمن بن سويد في ثلاثة آلاف، وتتابعت العساكر نحوا من عشرين ألفا، فسمع المختار أصواتا مرتفعة، وضجة ما بين بني سليم وسكة البريد فأمر باستعلام ذلك فإذا هو شبث بن ربعي ومعه خيل عظيمة وأتاه في الحال سعر بن أبي سعر الحنفي وهو ممن بايع المختار يركض من قبل مراد، فلقي راشد بن إياس فأخبر المختار فأرسل إبراهيم بن الاشتر في تسعمائة فارس وستمائة راجل

[369]

ونعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة فقاتلوهم حتى أدخلوهم البيوت وقتل من الفريقين جمع، وقتل نعيم بن هبيرة، وجاء إبراهيم فلقي راشد بن إياس، ومعه أربعة آلاف فارس فقال إبراهيم لاصحابه: لا يهولنكم كثرتهم، فلرب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين. فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد وحمل عليه فطعنه فقتله ثم نادى خزيمة: قتلت راشدا ورب الكعبة، فانهزم القوم، وانكسروا وأجفلوا إجفال النعام، وأطلوا عليهم كقطع الغمام، واستبشر أصحاب المختار، وحملوا على خيل الكوفة، فجعلوا صفو حياتهم كدرا، وساقوهم حتى أوصلوهم إلى الموت زمرا، حتى أوصلوهم السكك، وأدخلوهم الجامع، وحصروا الامير ابن مطيع ثلاثا في القصر، ونزل المختار بعد هذه الوقعة جانب السوق، وولى حصار القصر إبراهيم بن الاشتر. فلما ضاق عليه وعلى أصحابه الحصار وعلموا أنه لا تعويل لهم على مكر ولا سبيل إلى مفر، أشاروا عليه أن يخرج ليلا في زي امرأة، ويستتر في بعض دور الكوفة، ففعل وخرج حتى صار إلى دار أبي موسى الاشعري فآووه، وأما هم فانهم طلبوا الامان فآمنهم، وخرجوا وبايعوه وصار يمنيهم ويستجر مودتهم ويحسن السيرة فيهم. ولما خرج أصحاب ابن مطيع من القصر سكنه المختار، ثم خرج إلى الجامع وأمر بالنداء " الصلاة جامعة " فاجتمع الناس ورقى المنبر ثم قال: الحمدلله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وعدا مأتيا وأمرا مفعولا، وقد خاب من افترى أيها الناس، ! مدت لنا غاية، ورفعت لنا راية، فقيل في الراية ارفعوها ولا تضيعوها وفي الغاية خذوها ولا تدعوها، فسمعنا دعوة الداعي، وقبلنا قول الراعي، فكم من باغ وباغية، وقتلى في الراعية، ألا فبعدا لمن طغى وبغى وجحد ولغى وكذب وتولى ألا فهلموا عباد الله إلى بيعة الهدى، ومجاهدة الاعداء، والذب عن الضعفاء من آل محمد المصطفى، وأنا المسلط على المحلين، المطالب بدم ابن نبي رب العالمين، أما

[370]

ومنشئ السحاب، الشديد العقاب، لانبشن قبر ابن شهاب المفتري الكذاب المجرم المرتاب، ولانفين الاحزاب إلى بلاد الاعراب، ثم ورب العالمين لاقتلن أعوان الظالمين، وبقايا القاسطين ثم قعد على المنبر ووثب قائما وقال: أما والذي جعلني بصيرا ونور قلبي تنويرا لاحرقن بالمصر دورا ولانبشن بها قبورا، ولاشفين بها صدورا، ولاقتلن بها جبارا كفورا، ملعونا غدورا، وعن قليل ورب الحرم، والبيت المحرم، وحق النون والقلم، ليرفعن لي علم من الكوفة إلى أضم، إلى أكناف ذي سلم، من العرب والعجم، ثم لاتخذن من بني تميم أكثر الخدم. ثم نزل ودخل قصر الامارة، وانعكف عليه الناس للبيعة، فلم يزل باسطا يده حتى بايعه خلق من العرب والسادات والموالي، ووجد في بيت المال بالكوفة تسعة آلاف ألف، فأعطى كل واحد من أصحابه الذين قاتل بهم في حصر ابن مطيع وهم ثلاث آلاف وثمان مائة رجل كل واحد منهم خمسمائة درهم، وستة آلاف رجل من الذين أتوه من بعد حصار القصر مائتين مائتين. ولما علم أن ابن مطيع في دار أبي موسى الاشعري، دعا عبد الله بن كامل الشاكري ودفع إليه عشرة آلاف درهم، وأمره بحملها إليه، وأن يقول له: استعن بها على سفرك فاني أعلم أنه ما منعك إلا ضيق يدك. فأخذها ومضى إلى البصرة، ولم يمش إلى عبد الله بن الزبير حياء مما جرى عليه من المختار، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة (1) وعقد لعبدالله بن الحارث أخي الاشتر لامه على أرمينية ولمحمد بن عطارد على آذربيجان ولعبد الرحمان بن سعد بن قيس على الموصل ولسعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان ولعمر بن السائب على الرى وهمدان وفرق العمال بالجبال والبلاد، وكان يحكم بين الخصوم حتى إذا شغلته اموره فولى شريحا قاضيا، فلما سمع المختار أن عليا عليه السلام عزله أراد عزله فتمارض هو فعزله وولاه عبد الله بن عتبة بن مسعود فمرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك * (الهامش) * (1) عربية خ

[371]

الطائي قاضيا. وكان مروان بن الحكم لما استقامت له الشام بالطاعة، بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز (1)، والآخر إلى العراق مع عبيدالله بن زياد لينهب الكوفة إذا ظفر بها ثلاثة أيام، فاجتاز بالجزيرة عرض له أمر منعه من السير وعاملها من قبل ابن الزبير قيس عيلان، فلم يزل عبيدالله مشغولا بذلك عن العراق، ثم قدم الموصل وعامل المختار عليها عبد الرحمان بن سعيد بن قيس، فوجه عبيدالله إليه خيله ورجله فانحاز عبد الرحمان إلى تكريت، وكتب إلى المختار يعرفه ذلك فكتب الجواب يصوب رأيه، ويحمد مشورته وأن لا يفارق مكانه حتى يأتيه أمره إنشاء الله. ثم دعا المختار يزيد بن أنس وعرفه جلية الحال، ورغبه في النهوض بالخيل والرجال، وحكمه في تخيير من شاء من الابطال، فتخير ثلاثة آلاف فارس، ثم خرج من الكوفة وشيعه المختار إلى دير أبي موسى، وأوصاه بشئ من أدوات الحرب، وإن احتاج إلى مدد عرفه، فقال: اريد لاتمدني إلا بدعائك كفى به مددا ثم كتب المختار إلى عبد الرحمان بن سعيد بن قيس " أما بعد فخل بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله والسلام عليك " فسار حتى بلغ أرض الموصل،: فنزل بموضع يقال له: بافكى (2) وبلغ خبره إلى عبيدالله بن زياد وعرف عدتهم، فقال: ارسل إلى كل ألف ألفين وبعث ستة آلاف فارس فجاؤا ويزيد بن أنس مريض مدنف فأركبوه حمارا مصريا والرجالة يمسكونه يمينا وشمالا فيقف على الارباع، ويحثهم على القتال، ويرغبهم في حميد المآل، وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الاسدي فان هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري فان هلك فأمير كم سعربن أبي سعر الحنفي ووقع القتال بينهم في ذي الحجة يوم عرفة، سنة ست وستين، قبل شروق الشمس فلا يرتفع


(1) وكان أمير الجيش حبشي بن دلجة القينى في النسخ " إلى المختار " وهو تصحيف (2) ناحية بالموصل قرب الخازر تشتمل على قرى يجمعها هذا الاسم، وفى النسخ " ياتلى "

[372]

الضحى حتى هزمهم عسكر العراق، وأزالهم عن مأزق الحرب زوال السراب وقشعوهم انقشاع الضباب وأتوا يزيد بثلاثمائة أسير وقد أشفى على الموت فأشار بيده أن اضربوا رقابهم فقتلوا جميعا، ثم مات يزيد بن أنس فصلى عليه ورقاء بن عازب الاسدي ودفنه واغتم عسكر العراق لموته فعزاهم ورقاء فيه، وعرفهم أن عبيدالله بن زياد في جمع كثير ولا طاقة لكم به، فقالوا: الرأي أن ننصرف في جوف الليل قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه: كان مع عبيدالله ثمانون ألفا من أهل الشام ثم اتصل بالمختار وأهل الكوفة إرجاف الناس بيزيد بن أنس فظنوا أنه قتل ولم يعلموا كيف هالك ؟ واستطلع المختار ذلك من عامله على المدائن، فأخبره بموته وأن العسكر انصرف من غير هزيمة، ولاكسرة، فطاب قلب المختار ثم ندب الناس قال المرزباني: وأمر إبراهيم بن الاشتر بالمسير إلى عبيدالله، فخرج في ألفين من مذحج وأسد، وألفين من تميم وهمدان، وألف وخمسمائة من قبائل المدينة وألف وأربعمائة من كندة وربيعة، وألفين من الحمراء، وقيل خرج في اثني عشر ألفا أربعة آلاف من القبائل وثمانية آلاف من الحمراء، وشيع إبراهيم ماشيا فقال: اركب رحمك الله فقال المختار: إني لاحتسب الاجر في خطاي معك، واحب أن تتغبر قدماي في نصر آل محمد، والطلب بدم الحسين عليه السلام ثم ودعه وانصرف وبات إبراهيم بموضع يقال له: حمام أعين، ثم رحل حتى وافى ساباط المدائن فحينئذ توسم أهل الكوفة في المختار القلة والضعف، فخرج أهل الكوفة عليه، وجاهروه بالعداوة، ولم يبق أحد ممن شرك في قتل الحسين، وكان مختفيا إلا وظهر ونقضوا بيعته، وسلوا عليه سيفا واحدا، واجتمعت القبائل عليه من بجيلة والازد وكندة وشمر بن ذي الجوشن فبعث المختار من ساعته رسولا إلى إبراهيم وهو بساباط " لا تضع كتابي حتى تعود بجميع من معك إلى " فلما جاءهم كتابه نادى بالرجوع فوصلوا السير بالسرى، وأرخوا الاعنة وجذبوا البرئ، والمختار

[373]

يشغل أهل الكوفة بالتسويف والملاطفة حتى يرجع إبراهيم بعسكره فيكف عاديتهم ويقمع شرتهم، ويحصد شوكتهم، وكان مع المختار أربعة آلاف فبغى عليه أهل الكوفة وبدؤوه بالحرب، فحاربه يومهم أجمع وباتوا على ذلك فوافاهم إبراهيم في اليوم الثاني بخيله ورجله، ومعه أهل النجدة والقوة، فلما علموا قدومه افترقوا فرقتين ربيعة ومضر علا حدة، واليمن علا حدة، فخير المختار إبراهيم إلى أي الفرقتين تسير، فقال: إلى أيهما أحببت، وكان المختار ذاعقل وافر، ورأي حاضر فأمره بالسير إلى مضر باكناسة، وسار هو إلى اليمن إلى جبانة السبيع، فبدء بالقتال رفاعة بن شداد فقاتل قتال الشديد البأس، القوي المراس، حتى قتل وقاتل حميد بن مسلم وهو يقول: لاضربن عن أبي حكيم * مفارق الاعبد والحميم ثم انكسروا كسرة هائلة، وجاء البشير إلى المختار أنهم ولوا مدبرين، فمنهم من اختفى في بيته، ومنهم من لحق بمصعب بن الزبير، ومنهم من خرج إلى البادية ثم وضعت الحرب أوزارها، وحلت أزرارها، ومحص القتل شرارها فأحصوا القتلى منهم، فكانوا ستمائة وأربعين رجلا ثم استخرج من دور الوادعيين خمسمائة أسير كما ذكر الطبري وغيره، فجاؤا بهم إلى المختار، فعرضوهم عليه، فقال: كل من حضر منهم قتل الحسين فأعلموني به فلا يؤتي بمن حضر قتله إلا قيل هذا فيضرب عنقه حتى قتل منهم مائتين وثمانية وأربعين رجلا وقتل أصحاب المختار جمعا كثيرا بغير علمه، وأطلق الباقين، ثم علم المختار أن شمر بن ذي الجوشن خرج هاربا ومعه نفر ممن شرك في قتل الحسين عليه السلام فأمر عبدا له أسود يقال له رزين وقيل زربي، ومعه عشرة - وكان شجاعا - يتبعه فيأتيه برأسه قال مسلم بن عبد الله الضبابي: كنت مع شمرحين هزمنا المختار فدنا منا العبد قال شمر: اركضوا وتباعدوا لعل العبد يطمع في فأمعنا في التباعد عنه، حتى لحقه العبد فحمل عليه فقتله، ومشى فنزل في جانب قرية اسمها الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل ثم أخذ من القرية علجا فضربه ودفع إليه كتابا وقال: عجل به إلى مصعب بن

[374]

الزبير وكان عنوانه للامير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن فمشى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة بعثه المختار إليها في أمر ومعه خمسمائة فارس قرء الكتاب رجل من أصحابه وقرأ عنوانه فسأل عن شمر وأين هو ؟ فأخبره أن بينهم وبينه ثلاثة فراسخ قال مسلم بن عبد الله: قلت لشمر: لو ارتحلت من هذا المكان فانا نتخوف عليك، فقال: ويلكم أكل هذا الجزع من الكذاب ؟ والله لابرحت فيه ثلاثة أيام، فبينما نحن في أول النوم أشرفت علينا الخيل من التل وأحاطوا بنا، وهو عريان مؤتزرا بمنديل، فانهزمنا وتركناه، فأخذ سيفه ودنا منهم، وهو يقول: نبهتموا ليثا هزبرا باسلا * جهما محياه يدق الكاهلا لم يك يوما من عدو ناكلا * إلا كذا مقاتلا أو قاتلا فلم يك بأسرع أن سمعنا: قتل الخبيث، قتله أبو عمرة، وقتل أصحابه ثم جيئ بالرؤس إلى المختار، خر ساجدا، ونصبت الرؤس في رحبة الحذائين حذاء الجامع وأنا الان اذكر من قتله المختار من قتلة الحسين عليه السلام ذكر الطبري في تاريخه أن المختار تجرد لقتلة الحسين وأهل بيته، وقال: اطلبوهم فانه لا يسوغ لي الطعام والشراب، حتى اطهر الارض منهم قال موسى بن عامر: فأول من بدء به الذين وطئوا الحسين بخيلهم، وأنا مهم على ظهورهم، وضرب سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم، وأجرى الخيل عليهم حتى قطعتهم وحرقهم بالنار، ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمان بن عقيل بن أبيطالب وفي سلبه كانا في الجبانة فضرب أعناقهما ثم أحرقهما بالنار، ثم أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق، وبعث أبا عمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الاصبحي وهو حامل رأس الحسين عليه السلام إلى عبيدالله، فخرجت امرأته إليهم وهي النوار ابنة مالك كما ذكر الطبري في تاريخه، وقيل اسمها العيوف، وكانت محبة لاهل البيت قالت:

[375]

لاأدري أين هو ؟ وأشارت بيدها إلى بيت الخلا، فوجدوه وعلى رأسه قوصرة فأخذوه وقتلوه ثم أمر بحرقه وبعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسي وكان قد أخذ سلب العباس، ورماه بسهم (1) فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، ونصبوه هدفا ورموه بالسهام، وبعث إلى قاتل علي بن الحسين وهو مرة بن منقذ العبدي وكان شيخا فأحاطوا بداره فخرج وبيده الرمح، وهو على فرس جواد فطعن عبيدالله بن ناجية الشبامي فصرعه، ولم تضره الطعنة، وضربه ابن كامل بالسيف فاتقاها بيده اليسرى فأشرع فيها السيف وتمطرت به الفرس، فأفلت، ولحق بمصعب وشلت يده بعد ذلك، وأحضر زيد بن رقاد فرماه بالنبل والحجارة وأحرقه، وهرب سنان بن أنس إلى البصرة فهدم داره ثم خرج من البصرة نحو القادسية وكان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذه بين العذيب والقادسية، فقطع أنامله ثم يديه ورجليه، وأغلى زيتا في قدر ورماه فيها وهرب عبد الله بن عقبة الغنوي إلى الجزيرة، فهدم داره وفيه وفي حرملة ابن الكاهل قتل واحدا من أصحاب الحسين عليه السلام قال الشاعر: وعند غني قطرة من دمائنا * وفي أسد اخرى تعد وتذكر حدث المنهال بن عمروقال: دخلت على زين العابدين عليه السلام اودعه، وأنا اريد الانصرا ف من مكة، فقال:، يامنهال ما فعل حرملة بن كاهل، وكان معي بشر بن غالب الاسدي فقال: ذلك من بني الحريش أحد بني موقد النار، وهو حي بالكوفة فرفع يديه، وقال: اللهم أذقه حر النار، اللهم أذقه حر الحديد قال المنهال: وقدمت الكوفة والمختار بها فركبت إليه فلقيته خارجا من داره فقال: يامنهال لم تشركنا في ولايتنا هذه ؟ فعرفته أني كنت بمكة، فمشى حتى أتى الكناس، ووقف كأنه ينتظر شيئا، فلم يلبث أن جاء قوم قالوا: أبشر أيها الامير


(1) سقط هناك نحو سطر هكذا: فالتجأ نسوته بعدى بن حاتم الطائى ليشفع عند المختار فأخذوه قبل وصوله - أي قبل وصول عدى - إلى المختار - الخ

[376]

فقد اخذ حرملة فجيئ به، فقال: لعنك الله الحمد لله الذي أمكنني منك، الجزار الجزار، فاتي بجزار فأمره بقطع يديه ورجليه، ثم قال: النار النار، فاتي بنار وقصب فاحرق فقلت: سبحان الله سبحان الله ! فقال: إن التسبيح لحسن، لم سبحت ؟ فأخبرته دعاء زين العابدين عليه السلام فنزل عن دابته وصلى ركعتين، وأطال السجود وركب وسار فحاذى داري، فعزمت عليه بالنزول والتحرم بطعامي، فقال: إن علي بن الحسين دعا بدعوات فأجابها الله على يدي ثم تدعوني إلى الطعام ؟ هذا يوم صوم شكر الله تعالى، فقلت: أحسن الله توفيقك وانهزم عبد الله بن عروة الخثعمي إلى مصعب فهدم داره وطلب عمرو بن صبيح الصيداوي فأتوه وهو على سطحه، بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه فأخذوه وسيفه، فقال: قبحك الله من سيف ما أبعدك على قربك، فجيئ به إلى المختار، فلما كان من الغداة طعنوه بالرماح، حتى مات، وأنفذ إلى محمد بن الاشعث بن قيس وقد انهزم إلى قصر له في قرية إلى جنب القادسية فقال: انطلق فانك تجده لاهيا متصديا أو قائما متبلدا، أو خائفا متلددا، أو كامنا متعمدا، فأتني برأسه فأحاطوا بالقصر، وله بابان، فخرج ومشى إلى مصعب، فهدم القصر وداره، وأخذ ماكان فيها. قال المرزباني: وأتوه بعبدالله بن أسيد الجهني ومالك بن الهشيم البدائي وحمل بن مالك المحاربي من القادسية فقال: يا أعداء الله أين الحسين بن علي ؟ قالوا: اكرهنا على الخروج، قال: فألا مننتم عليه وسقيتموه من الماء ؟ وقال: للبدائي أنت آخذ برنسه ؟ قال: لا، قال: بلى وأمر بقطع يديه ورجليه والآخران ضرب أعناقهما وأتوه ببجدل بن سليم الكلبي وعرفوا أنه أخذ خاتمه، وقطع اصبعه، فأمر بقطع يديه ورجليه، فلم يزل ينزف حتى مات، وأتوه برقاد بن مالك وعمر بن خالد وعبد الرحمان البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني فقال: ياقتلة الحسين لقد أخذتم الورس في يوم نحس، وكان في رحل الحسين ورس فاقتسموه وقت نهب رحله

[377]

فأخرجهم إلى السوق وكان أسماء بن خارجة الفزاري ممن سعى في قتل مسلم بن عقيل رحمه الله فقال المختار: أما ورب السماء ورب الضياء والظلماء، لتنزلن نار من السماء دهماء حمراء سحماء، تحرق دار أسماء، فبلغ كلامه إليه فقال: سجع أبو إسحاق، وليس ههنا مقام بعد هذا، وخرج من داره هاربا إلى البادية فهدم داره ودور بني عمه وكان الشمربن ذي الجوشن قد أخذ من الابل التي كانت تحت رحل الحسين عليه السلام فنحرها وقسم لحمها على قوم من أهل الكوفة فأمر المختار فأحصوا كل دار دخلها ذلك اللحم، فقتل أهلها وهدمها، ولم يزل المختار يتبع قتلة الحسين عليه السلام حتى قتل خلقا كثيرا، وهزم الباقين، فهدم دورهم وأنزلهم من المعاقل والحصون إلى المفاوز والصحون، قال: وقتلت العبيد مواليها وجاؤا إلى المختار فعتقهم، وكان العبد يسعى بمولاه فيقتله المختار حتى أن العبد يقول لسيد: احملني على عنقك فيحمله، ويدلي رجليه على صدره إهانة له ولخوفه من سعايته به إلى المختار فيالها منقبة حازها، ومثوبة أحرزها فقد سر النبي بفعله، وإدخاله الفرح على عترته وأهله، وقد قلت هذه الابيات مع كلال الخاطر، وقذى الناظر: سر النبي بأخذ الثأر من عصب * باؤوا بقتل الحسين الطاهر الشيم قوم غذوا بلبان البغض ويحهم * للمرتضى وبنيه سادة الامم حاز الفخار الفتى المختار إذ قعدت * عن نصره سائر الاعراب والعجم جادته من رحمة الجبار سارية * تهمي على قبره منهلة الديم المرتبة الرابعة في ذكر مقتل عمربن سعد وعبيدالله بن زياد ومن تابعه وكيفية قتالهم والنصر عليهم فلما خلا خاطره، وانجلى ناظره، اهتم بعمر بن سعد وابنه حفص، حدث عمر بن الهيثم قال: كنت جالسا عن يمين المختار والهيثم بن الاسود (1) عن يساره فقال: والله لاقتلن رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين، يهمر


(1) الهشيم بن الاسود، خ

[378]

برجله الارض، يرضي قتله أهل السماء والارض، فسمع الهيثم قوله ووقع في نفسه أنه أراد عمربن سعد، فبعث ولده العريان فعرفه قول المختار وكان عبد الله ابن جعدة بن هبيرة أعز الناس على المختار، قد أخذ لعمر أما ناحيث اختفى، فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان المختار بن أبي عبيد الثقفي لعمربن سعد بن أبي وقاص إنك آمن بأمان الله على نفسك وأهلك ومالك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك، إلا أن تحدث حدثا، فمن لقي عمربن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد عليهم السلام فلا يعرض له إلا بسبيل خير والسلام " ثم شهد فيه جماعة قال الباقر عليه السلام: إنما قصد المختار " أن يحدث حدثا " هوأن يدخل بيت الخلاء، ويحدث، فظهر عمر إلى المختار فكان يدنيه ويكرمه ويجلسه معه على سريره وعلم أن قول المختا رعنه، فعزم على الخروج من الكوفة فأحضر رجلا من بني تيم اللات اسمه مالك وكان شجاعا وأعطاه أربعمائة دينار وقال: هذه معك لحوائجنا وخرجا، فلما كان عند حمام عمر أو نهر عبد الرحمان وقف وقال: أتدري لم خرجت ؟ قال: لا، قال: خفت المختار، فقال ابن دومة يعني المختار: أضيق استا من أن يقتلك وإن هربت هدم دارك، وانتهب عيالك ومالك، وخرب ضياعك وأنت أعز العرب، فاغتر بكلامه فرجعا على الروحاء فدخلا الكوفة مع الغداة: هذا قول المرزباني وقال غيره: إن المختار علم خروجه من الكوفة، فقال: وفينا له وغدر، وفي عنقه سلسلة لو جهد أن ينطلق ما استطاع، فنام عمر على الناقة فرجعت وهو لا يدري حتى ردته إلى الكوفة، فأرسل عمر ابنه إلى المختار قال له: أين أبوك ؟ قال: في المنزل ولم يكونا يجتمعان عند المختار، وإذا حضر أحدهما غاب الآخر خوفا أن يجتمعا فيقتلهما، فقال حفص: أبي يقول: أتفي لنا بالامان ؟ قال: اجلس وطلب المختار أبا عمرة، وهو كيسان التمار فأسر إليه أن اقتل عمربن سعد وإذا دخلت ورأيته يقول: يا غلام علي بطيلساني فانه يريد السيف فبادره

[379]

واقتله، فلم يلبث أن جاء ومعه رأسه فقال حفص: إنا لله وأنا إليه راجعون، فقال له: أتعرف هذا الرأس ؟ قال: نعم، ولاخير في العيش بعده، فقال: إنك لا تعيش بعده، فقال: وأمر بقتله وقال المختار: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين ولاسواء، والله لاقتلن سبعين ألفا كما قتل بيحيى بن زكريا عليه السلام وقيل: إنه قال: لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لما وفوا بأنملة من أنامل الحسين عليه السلام وكان محمد ابن الحنفية يعتب على المختار لمجالسة عمربن سعد وتأخير قتله فحمل الرأسين إلى مكة مع مسافر بن سعد الهمداني وظبيان بن عمارة التميمي فبينا محمد ابن الحنفية جالسا في نفر من الشيعة، وهو يعتب على المختار، فما تم كلامه إلا والرأسان عنده فخر ساجدا، وبسط كفيه، وقال: اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار ! وأجزه عن أهل بيت نبيك محمد خير الجزاء، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب فلما قضى المختار من أعداء الله وطره وحاجته، وبلغ فيهم امنيته، قال: لم يبق على أعظم من عبيدالله بن زياد، فأحضر إبراهيم بن الاشتر وأمره بالمسير إلى عبيدالله، فقال: إني خارج ولكني أكره خروج عبيدالله بن الحر معي وأخاف أن يغدربي وقت الحاجة، فقال له: أحسن إليه واملا عينه بالمال، وأخاف إن أمرته بالقعود عنك فلا يطيب له، فخرج إبراهيم من الكوفة ومعه عشرة آلاف فارس، وخرج المختار في تشييعه وقال: اللهم انصر من صبر، واخذل من كفر ومن عصى وفجر، وبايع وغدر، وعلاوتجبر، فصار إلى سقر، لا تبقي ولا تذر، ليذوق العذاب الاكبر، ثم رجع ومضى إبراهيم وهو يرتجز ويقول: أنا وحق المرسلات عرفا * حقا وحق العاصفات عصفا لنعسفن من بغانا عسفا * حتى يسوم القوم منا خسفا زحفا إليهم لانمل الرجفا * حتى نلاقي بعد صف صفا وبعد ألف قاسطين ألفا * نكشفهم لدى الهياج كشفا فسار إلى المدائن فأقام بها ثلاثا، وسار إلى تكريت، فنزلها، وأمر بجباية

[380]

خراجها، ففرقه وبعث إلى عبيدالله بن الحر بخمسة آلاف درهم فغضب فقال: أنت أخذت لنفسك عشرة آلاف درهم، وما كان الحر دون مالك فحلف إبراهيم إني ما أخذت زيادة عليك ثم حمل إليه ما أخذه لنفسه فلم يرض، وخرج على المختار ونقض عهده، وأغار على سواد الكوفة، فنهب القرى، وقتل العمال، وأخذ الاموال ومضى إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير فلما علم المختار أرسل عبد الله بن كامل إلى داره فهدمها وإلى زوجته سلمى بنت خالد الجعفية حبسها، ثم ورد كتاب المختار إلى إبراهيم يحثه على تعجيل القتال، فطوى المراحل حتى نزل على نهر الخازر على أربعة فراسخ من الموصل وعبيدالله بن زياد بها، قال عبد الله بن أبي عقب الديلمي: حدثني خليلي أنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر، فيكشفونا حتى نقول هي هي ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فابشروا واصبروا فانكم لهم قاهرون، فعلم عبيدالله بقدوم إبراهيم فرحل في ثلاثة وثمانين ألفا حتى نزل قريبا من عسكر العراق وطلبهم أشد طلب، وجاءهم في جحفل لجب، وكان مع ابن الاشتر أقل من عشرين ألفا، و كان في عسكر الشام من أشراف بني سليم عمير بن الحباب، فراسله إبراهيم، و وعده بالحباء والاكرام، فجاء ومعه ألف فارس من بني عمه وأقاربه، فصار مع عسكر العراق فأشار عليهم بتعجيل القتال وترك المطاولة، فلما كان في السحر صلوا بغلس، وعبأ إبراهيم أصحابه فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد الازدي وعلى ميسرته علي بن مالك الجشمي وعلى الخيل الطفيل بن لقيط النخعي وعلى الرجالة مزاحم بن مالك السكوني، ثم زحفوا حتى أشرفوا على أهل الشام ولم يظنوا أنهم يقدمون عليهم لكثرتهم، فبادروا إلى تعبيئة عسكرهم فجعل عبيدالله على ميمنته شراحيل بن ذي الكلاع، وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوى وعلى جناح ميسرته جميل بن عبد الله الغنمى وفي القلب الحصين بن نمير ووقف العسكران، والتقى الجمعان، فخرج ابن ضبعان الكلبي ونادى: يا شيعة المختار الكذاب، يا شيعة ابن الاشتر المرتاب -:

[381]

أنا ابن ضبعان الكريم المفضل * من عصبة يبرون من دين علي كذاك كانوا في الزمان الاول فخرج إليه الاحوص بن شداد الهمداني وهو يقول: أنا ابن شداد على دين علي * لست لعثمان بن أروى بولي لاصلين القوم فيمن يصطلي * بحر نار الحرب حتى تنجلي فقال للشامي: ما اسمك ؟ قال: منازل الابطال، قال له الاحوص: وأنا مقرب الآجال، ثم حمل عليه وضربه فسقط قتيلا ثم نادى هل من مبارز ؟ فخرج إليه داود الدمشقي وهو يقول: أنا ابن من قاتل في صفينا * قتال قرن لم يكن غبينا بل كان فيها بطلا جرونا * مجربا لدى الوغى كمينا فأجابه الاحوص يقول: يا ابن الذي قاتل في صفينا * ولم يكن في دينه غبينا كذبت قد كان بها مغبونا * مذبذبا في أمره مفتونا لايعرف الحق ولا اليقينا * بؤسا له لقد مضى ملعونا ثم التقيا فضربه الاحوص فقتله، ثم عاد إلى صفه وخرج الحصين بن نمير السكوني وهو يقول: يا قادة الكوفة أهل المنكر * وشيعة المختار وابن الاشتر هل فيكم قوم كريم العنصر * مهذب في قومه بمفخر يبرز نحوي قاصدا لا يمتري فخرج إليه شريك بن خزيم (1) التغلبي وهو يقول: يا قاتل الشيخ الكريم الازهر * بكربلا يوم التقاء العسكر أعني حسينا ذا الثنا والمفخر (2) * وابن النبي الطاهر المطهر


(1) وقيل: شريك بن حدير، وقيل حذيم (2) وفى رواية: اعني حسينا ذاالسنا والمفخر

[382]

وابن علي البطل المظفر * هذا فخذها من هزبر قسور ضربة قوم ربعي مضري فالتقيا بضربتين فجدله التغلبي صريعا فدخل على أهل الشام من أهل العراق مدخل عظيم ثم تقدم إبراهيم ونادى: ألا يا شرطة الله ألا يا شيعة الحق ألا يا أنصار الدين قاتلوا المحلين وأولاد القاسطين لا تطلبوا أثرا بعد عين، هذا عبيدالله بن زياد قاتل الحسين، ثم حمل على أهل الشام، وضرب فيهم بسيفه، وهو يقول: قد علمت مذحج علما لاخطل * أني إذا القرن لقيني لا وكل ولا جزوع عندها ولا نكل * أروع مقداما إذا النكس فشل أضرب في القوم إذا جاء الاجل * وأعتلي رأس الطرماح البطل بالذكر البتار حتى ينجدل وحمل أهل العراق معه واختلطوا، وتقدمت رأيتهم وشبت فيهم نار الحرب ودهمهم العسكر بجناحيه والقلب، إلى أن صلوا بالايماء والتكبير صلاة الظهر واشتغلوا بالقتال إلى أن تحلى صدر الدجي بالانجم الازهر، وزحف عليهم عسكر العراق فرحا بالمصاع، وحرصا على القراع، ووثوقا بما وعدهم الله به من النصر وحسن الدفاع، وانقضوا عليهم انقضاض العقبان على الرخم، وجالوا فيهم جولان السرحان على الغنم، وعركوهم عرك الاديم، ودحوابهم إلى عذاب الجحيم وأذاقوهم أسنة الرماح النازعة للمهج والارواح، فلم تزل الحرب قائمة، والسيوف لاجسادهم منتهبة، فولى عسكر الشام مكسورا، على ذلة الخائب الخجل، وارتياع الخائف الوجل، وعسكر العراق منصورا وعلى وجههم مسحة المسرور الثمل وتبعوهم إلى متون النجاد، وبطون الوهاد والنبل ينزل عليهم كصيب العهاد ثم انجلت الحرب، وقد قتل أعيان أهل الشام، مثل الحصين، بن نمير وشراحبيل بن ذي الكلاع، وابن حوشب، وغالب الباهلي وأبي أشرس بن عبد الله الذي كان على خراسان وحاز إبراهيم - ره - فضيلة هذا الفتح، وعاقبة هذا المنح، الذي انتشر في الاقطار، ودام دوام الاعصار، ولقد أحسن عبد الله بن الزبير

[383]

الاسدي يمدح إبراهيم الاشتر فقال: الله أعطاك المهابة والتقى * وأحل بيتك في العديد الاكثر وأقر عينك يوم وقعة خازر * والخيل تعثر في القنا المتكسر من ظالمين كفتهم أيامهم * تركوا لحاجلة وطير أعثر ماكان أجرأهم جزاهم ربهم * يوم الحساب على ارتكاب المنكر قال الرواة: رأينا إبراهيم بعد ما انكسر العسكر، وانكشف العثير، قوما منهم ثبتوا وصبروا وقاتلوا فلقطهم من صهوات الخيل، وقذفهم في لهوات الليل حتى صبغت الارض من دمائهم ثيابا حمرا، وملا الفجاج ببأسه ذعرا، وتساقطت النسور على النسور، وأهوت العقبان على أجسادهم وهي كالعقيق المنثور، واصطلح على أكل لحمهم الذئب والسبع، والسيد والضبع قال إبراهيم: وأقبل رجل أحمر في كبكبة يغري الناس كأنه بغل أقمر لايدنو منه فارس إلا صرعه، ولاكمي إلا قطعه، فدنا مني فضربت يده فأبنتها وسقط على شاطئ الخازر، فشرقت يداه، وغربت رجلاه فقتلته، ووجدت رائحة المسك تفوح منه، وجاء رجل نزع خفيه، وظنوا أنه ابن زياد من غير تحقيق، فطلبوه فإذا هو على ما وصف إبراهيم فاجتزوا رأسه، واحتفظوا طول الليل بجسده، فلما أصبحوا عرفه مهران مولى زياد، فلما رآه إبراهيم قال: الحمدلله الذي أجرى قتله على يدي، وقتل في صفر، وقال قوم من أصحاب الحديث: يوم عاشورا، وعمره دون الاربعين، وقيل تسعة وثلاثون سنة، وأصبح الناس فحووا ماكان، وغنموا غنيمة عظيمة، ولقد أجاد أبوا السفاح الزبيدي بمدحته إبراهيم وهجائه ابن زياد فقال: أتاكم غلام من عرانين مذحج * جرئ على الاعداء غير نكول أتاه عبيدالله في شر عصبة * من الشام لما ارضيوا بقليل فلما التقى الجمعان في حومة الوغى * وللموت فيهم ثم جر ذيول فأصبحت قدودعت هندا وأصبحت * مولهة ما وجدها بقليل وأخلق بهند أن تساق سبية * لهامن أبي إسحاق سر حليل

[384]

تولى عبيدالله خوفا من الردى * وخشية ماضي الشفرتين صقيل جزى الله خيرا شرطة الله إنهم * شفوا بعبيد الله كل غليل يعني بقوله هند بنت أسماء بن خارجة زوجة عبيدالله لما قتل حملها عتبة أخوها إلى الكوفة، وبقوله أبي إسحاق هو المختار وهرب غلام لعبيدالله إلى الشام فسأله عبد الملك بن مروان عنه، قال: لما جال الناس تقدم فقاتل ثم قال: ائتني بجرة فيها ماء، فأتيته فشرب وصب الماء بين درعه وجسده، وصب على ناصية فرسه، ثم حمل فهذا آخر عهدي به قال يزيد بن مفرغ (1) يهجو ابن زياد: إن المنايا إذا حاولن طاغية * هتكن عنه ستورا بعد أبواب إن الذي عاش غدارا بذمته * ومات هزلا قتيل الله بالزاب (2) ما شق جيب ولاناحتك ناحية * ولابكتك جياد عند اسلاب هلا جموع نزار إذ لقيتهم * كنت امرء من نزار غير مرتاب أو حمير كنت قيلا من ذوي يمن * إن المقاويل في ملك وأحباب وكان المختار قدسار من الكوفة يتطلع أحوال إبراهيم، واستخلف في الكوفة السائب بن مالك، فنزل ساباط ثم دخل المدائن ورقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس بالجد في النهوض إلى إبراهيم، قال الشعبي: كنت معه فأتته البشرى بقتل عبيدالله وأصحابه، فكاد يطير فرحا، ورجع إلى الكوفة في الحال مسرورا بالظفر وذكر أبو السائب عن أحمد بن بشير، عن مجالد، عن عامر أنه قال: الشيعة يتهموني ببغض علي عليه السلام ولقد رأيت في النوم بعد مقتل الحسين عليه السلام كأن


(1) قال الفيروزآبادى: ويزيد بن ربيعة بن مفرغ كمحدث شاعر، جده راهن على أن يشرب عسا من لبن ففرغه شرابا (2) الزاب: نهر بالموصل، ونهر باربل، ونهر بين سوراء وواسط

[385]

رجالا نزلوا من السماء، عليهم ثياب خضر، معهم حراب يتبعون قتلة الحسين عليه السلام فلما لبثت أن خرج المختار فقتلهم وذكر عمربن شبة قال: حدثني أبو أحمد الزبيري، عن عمه قال: قال أبو عمر البزاز: كنت مع إبراهيم بن الاشتر لمالقي عبيدالله بن زياد بالخازر فعددنا القتلى بالقصب لكثرتهم، قيل كانوا سبعين ألفا، قال: وصلبه (1) إبراهيم منكسا فكأني أنظر إلى خصييه كأنهما جعلان وعن الشعبي أنه لم يقتل قط من أهل الشام بعد صفين مثل هذه الوقعة بالخازر، وقال الشعبي: كانت يوم عاشورا سنة سبع و ستين، وبعث إبراهيم برأس عبيدالله بن زياد ورؤس الرؤساء من أهل الشام وفي آذانهم رقاع أسمائهم فقدموا عليه وهويتغدى، فحمد الله تعالى على الظفر فلما فرغ من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى غلامه، وقال: اغسلها فاني وضعتها على وجه نجس كافر وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني قال: وضعت الرؤوس عند السدة بالكوفة عليها ثوب أبيض فكشفنا عنها الثوب، وحية تتغلغل في رأس عبيدالله ونصبت الرؤس في الرحبة قال عامر: ورأيت الحية تدخل في منافذ رأسه وهو مصلوب مرارا ثم حمل المختار رأسه ورؤس القواد إلى مكة مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، و عبد الرحمن بن شداد الجشمي، وأنس بن مالك الاشعزي، وقيل: السائب بن مالك، ومعها ثلاثون ألف دينار إلى محمد بن الحنفية، وكتب معهم " إني بعثت أنصاركم وشيعتكم إلى عدوكم فخرجوا محتسبين أسفين، فقتلوهم فالحمد لله الذي أدرك لكم الثأر، وأهلكهم في كل فج عميق، وغرقهم في كل بحر وشفى الله صدور قوم مؤمنين " فقدموا بالكتاب والرؤس عليه فلما رآها خر ساجدا، ودعا للمختار، وقال: جزاه الله خير الجزاء، فقد أدرك لنا ثأرنا، ووجب حقه على


(1) يعنى عبيدالله بن زياد

[386]

كل من ولده عبد المطلب بن هاشم اللهم واحفظ لابراهيم الاشتر وانصره على الاعداء، ووفقه لما تحب وترضى، واغفر له في الآخرة والاولى فبعث رأس عبيدالله إلى علي بن الحسين عليهما السلام فادخل عليه وهو يتغدى فسجد شكرا الله تعالى وقال: الحمدلله الذي أدرك لي ثأري من عدوي، وجزى الله المختار خيرا، ادخلت على عبيدالله بن زياد وهويتغدى ورأس أبي بين يديه، فقلت: اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد، وقسم محمد المال في أهله وشيعته بمكة ومدينة على أولاد المهاجرين والانصار وروى المرزباني بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال: ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت ولارئي في دار هاشمي دخان خمس حجج، حتى قتل عبيدالله بن زياد، وعن عبد الله بن محمد بن أبي سعيد، عن أبي العيناء، عن يحيى بن راشد، قال: قالت فاطمة بنت علي: ماتحنأت (1) امرأة منا ولا أجالت في عينها مرودا ولا امتشطت حتى بعث المختار رأس عبيدالله بن زياد وروي أنه قتل ثمانية عشر ألفا ممن شرك في قتل الحسين عليه السلام أيام ولايته وكانت ثمانية عشر شهرا أولها أربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول سنة ست وستين، وآخرها النصف من شهر رمضان من سنة سبع وستين وعمره سبع وستون سنة قال جعفر بن نما مصنف هذا الثأر: اعلم أن كثيرا من العلماء لا يحصل لهم التوفيق بفطنة توقفهم على معاني الالفاظ، ولا روية تنقلهم من رقدة الغفلة إلى الاستيقاظ، ولو تدبروا أقوال الائمة في مدح المختار، لعلموا أنه من السابقين المجاهدين الذين مدحهم الله تعالى جل جلاله في كتابه المبين، ودعاء زين العابدين عليه السلام للمختار دليل واضح وبرهان لائح على أنه عنده من المصطفين الاخيار ولو كان على غير الطريقة المشكورة، ويعلم أنه مخالف له في اعتقاده، لما كان يدعو له دعاء لا يستجاب، ويقول فيه قولا لا يستطاب، وكان دعاؤه عليه السلام له عبثا، والامام


(1) يقال: تحنأ: تخضب بالحناء

[387]

منزه عن ذلك، وقد أسلفنا من أقوال الائمة في مطاوي الكتاب تكرار مدحهم له ونهيهم عن ذمة، ما فيه غنية لذوي الابصار، وبغية لذوي الاعتبار، وإنما أعداؤه عملوا له مثالب ليباعدوه من قلوب الشيعة كما عمل أعداء أمير المؤمنين عليه السلام له مساوي، وهلك بها كثير ممن حاد عن محبته، وحال عن طاعته، فالولي له عليه السلام لم تغيره الاوهام ولاباحته تلك الاحلام، بل كشفت له عن فضله المكنون، وعلمه المصون، فعمل في قضية المختار ما عمل مع أبي الائمة الاطهار، وقد وفيت بما وعدت من الاختصار وأتيت بالمعاني التي تضمنت حديث الثأر من غير حشو ولا إطالة، ولاسأم ولاملالة، وأقسمت على قارئيه ومستمعيه وعلى كل ناظر فيه أن لا يخليني من إهداء الدعوات إلي والاكثار من الترحم علي وأسأل الله أن يجعلني وإياهم ممن خلصت سريرته من وساوس الاوهام، وصفت طويته من كدر الآثام وأن يباعدنا من الحسد المحبط للاعمال، المؤدي إلى أقبح المآل، وأن يحسن لي الخلافة على الاهل والآل، ويذهب الغل من القلوب، ويوفق لمراضي علام الغيوب، فانه أسمع سميع، وأكرم مجيب، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين بيان: " الشعاف " رؤس الجبال، وتنوق في الامر بالغ وتجود قوله: " قبل أن يتزعزع " كذا فيما عندنا من الكتاب بالزائين المعجمتين يقال تزعزع أي تحرك، والزعازع الشدائد، من الدمر، ولعل الاظهر أنه بالمهملتين من قولهم ترعرع الصبي إذا تحرك ونشأ، ويقال: " تشعشع الشهر " إذا بقي منه قليل وهو أيضا يحتمل أن يكون بالمهملتين يقال تسعسع الشهر أي ذهب أكثره وتسعسع حاله انحطت، وتقول حنكت الفرس إذا جعلت في فيه الرسن وحنكت الصبي وحنكته إذا مضغت تمرا أو غبره ثم دلكته بحنكه، ويقال حنكته السن وأحنكته إذا أحكمته التجارب والامور ذكره الجوهري، وقال رجل مقول أي لسن كثير القول، والمقول اللسان انتهى. والغرار بالكسر حد السيف وغيره، وتقول استأديت الامير على فلان

[388]

فآداني عليه، بمعنى استعديته فأعداني عليه، وآديته أعنته، ويقال: عركه أي دلكه وحكه حتى عفاه، وأرعد تهدد وتوعد كأبرق، وشمس الفرس منع ظهره، والمغرم بضم الميم وفتح الراء المولع بالشئ، والهوادي أول رعيل من الخيل، ويقال: جششت الشئ أي دققته وكسرته، وفرش أجش الصوت غليظه والهزيم بمعنى الهازم وهزيم الرعد صوته، والقرا الظهر، وفرس نهد أي جسيم مشرف، وفرس أشق طويل وفرس مقلص بكسر اللام أي مشرف مشمر طويل القوائم، وقوله: قارى اللجام لعل معناه جاذبه ومانعه عن الجري إلى العدو، والرؤم المحب والمعنى محب الحرب الحريص عليه قوله: " بكل فتى " أي أتيتك مع كل فتى، وقوله: " لا يملا الدرع نحره " لعله كناية عن عدم احتياجه إلى لبس الدرع لشجاعته، ويقال: حششت النار أي أوقدتها والمحش بكسر الميم ما تحرك به النار من حديد، ومنه قيل للرجل الشجاع نعم محش الكتيبة، والمخراق: الرجل الحسن الجسم والمتصرف في الامور، والمنديل يلف ليضرب به، وهو مخراق حرب أي صاحب حروب. قوله: " يفخذ الناس " أي يدعوهم إلى نفسه فخذا فخذا وقبيلة قبيلة مخذلا عن سليمان واللدن اللين من كل شئ وخطر الرجل بسيفه ورمحه: رفعه مرة ووضعه اخرى، والرمح اهتز فهو خطار، وهند السيف شحذه، والبتر القطع، والميل جمع أميل، وهو الكسل الذي لا يحسن الركوب والفروسية، والاغمار جمع غمر بالضم وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الامور، والعزل بالضم جمع الاعزل وهو الذي لا سلاح معه، ويقال: رأب الصدع إذا شعبه ورأب الشئ إذا جمعه وشده برفق، وسجم الدمع سجوما: سال، وعين سجوم، والقرم السيد ولمع بالشئ ذهب، والرسل محركة القطيع من كل شئ والجمع أرسال، والاقيال جمع قيل، وهو أحد ملوك حمير دون الملك الاعظم، والخفرة بكسر الفاء الكثيرة الحياء، وأغذ في السير أسرع والتهويم والتهوم هز الرأس من النعاس، وقصعت الرجل قصعا صغرته وحقرته، وقصعت هامته إذا ضربتها ببسط كفك، والهتر

[389]

بالكسر العجب والداهية، وضرب هبر أي قاطع، ويقال: حيا الله طللك أي شخصك والوغد الدني الذي يخدم بطعام بطنه. وقال الجزري: فيه كان شعارنا يا منصور أمت أمر بالموت والمراد به التفاءل بالنصر بعد الامر بالاماتة مع حصول الغرض للشعار، فانهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لاجل ظلمة الليل انتهى واللجين مصغر الفضة، والعسجد الذهب وأجفل القوم هربوا مسرعين، وأطل عليه أشرف، وإضم كعنب جبل، والوادي الذي فيه مدينة الرسول صلى الله عليه وآله عند المدينة يسمى القناة، ومن أعلا منها عند السد الشظاة ثم ما كان أسفل من ذلك يسمى إضما، والمأزق المضيق، ومنه سمي موضع الحرب مأزقا والبرى بالضم جمع برة، وهي حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير والمراس بالكسر الشدة والممارسة والمعالجة والقوصرة بالتشديد وقد يخفف وعاء للتمر، وتمطرت الطير أسرعت في هويها، والخيل جاءت يسبق بعضها بعضا. والجحفل الجيش، ويقال جيش لجب أي ذو جلبة وكثرة، والمطاولة المماطلة والغبين الضعيف الرأي وجرن جرونا تعود الامر ومرن، والكمين كأمير القوم يكمنونه في الحرب، والهزبر الاسد، وكذا القسور، والخطل الفاسد المضطرب والوكل بالتحريك العاجز، والنكل الجبان، والاروع من الرجال الذي يعجبك حسنه، والنكس بالكسر الرجل الضعيف، والطرماح كسنمار العالي النسب المشهور، والذكر أيبس الحديد وأجوده، والمصاع المجالدة والمضاربة، والثمل السكران، والصيب السحاب والانصباب، والعهاد بالكسر جمع العهد وهو المطر بعد المطر، والخازر نهر بين الموصل وإربل، والحاجلة الابل التي ضربت سوقها فمشت على بعض قوائمها، وحجل الطائر إذا نزافي مشيته كذلك والاعثر الاغبر وطائر طويل العنق، والعثير بكسر العين وسكون الثاء الغبار والصهوة موضع اللبد من ظهر الفرس. قوله " على النسور " أي الذين كانوا في الحرب كالنسور، ويحتمل أن يكون بالثاء المثلثة من النثر بمعنى التفرق، والسيد بالكسر الاسد والذئب، ويقال:

[390]

قرى البعير العلف في شدقه أي جمعه، وقرى البلاد تتبعها يخرج من أرض إلى أرض، والقمرة لون إلى الخضرة، والكمي كغني الشجاع، أو لابس السلاح ويقال باحته الود أي خالصه. 50 * (باب) * * (جور الخلفاء على قبره الشريف، وما ظهر من) * * (المعجزات عند ضريحه ومن تربته وزيارته) * * (صلوات الله عليه) * 1 - ما: ابن حشيش، عن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد بن مخلد، عن أحمد بن ميثم، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني أملا علي في منزله قال:، خرجت أيام ولاية موسى بن عيسى الهاشمي الكوفة من منزلي فلقيني أبو بكر بن عياش فقال لي: امض بنا يا يحيى إلى هذا، فلم أدر من يعني، وكنت أجل أبا بكر عن مراجعته، وكان راكبا حمارا له، فجعل يسير عليه، وأنا أمشي مع ركابه، فلما صرنا عند الدار المعروفة بدار عبد الله بن حازم، التفت إلى وقال: يا ابن الحماني إنما جررتك معي وجشمتك (1) أن تمشي خلفي لاسمعك ما أقول لهذه الطاغية قال: فقلت: من هو يا أبا بكر ؟ قال: هذا الفاجر الكافر موسى بن عيسى، فسكت عنه ومضى وأنا أتبعه حتى إذا صرنا إلى باب موسى بن عيسى، وبصر به الحاجب وتبينه وكان الناس ينزلون عند الرحبة، فلم ينزل أبو بكر هناك وكان عليه يومئذ قميص وإزار، وهو محلول الازرار، قال: فدخل على حماره وناداني: تعال يا ابن الحماني، فمنعني الحاجب فزجره أبو بكر وقال له: أتمنعه يا فاعل ! وهو معي ؟ فتركني فما زال يسير على حماره حتى دخل الايوان، فبصر بنا موسى وهو * (الهامش) * (1) يقال: جشمته الامر وأجشمته اياه: كلفته اياه قال: " مهما تجشمنى فانى جاشم "

[391]

قاعد في صدر الايوان على سريره، وبجنبتي السرير رجال متسلحون وكذلك كانوا يصنعون. فلما أن رآه موسى رحب به وقربه وأقعده على سريره، ومنعت أنا حين وصلت إلى الايوان أن أتجاوزه، فلما استقر أبو بكر على السرير التفت فرآني حيث أنا واقف، فناداني فقال: ويحك ! فصرت إليه ونعلي في رجلي وعلي قميص وإزار فأجلسني بين يديه، فالتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلمنا فيه ؟ قال: لا، ولكني جئت به شاهدا عليك، قال: فيما ذا ؟ قال: إني رأيتك وما صنعت بهذا القبر، قال: أي قبر ؟ قال: قبر الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان موسى قد وجه إليه من كربه وكرب جمع أرض الحائر وحرثها وزرع الزرع فيها، فانتفخ موسى حتى كاد أن ينقد ثم قال: وما أنت وذا ؟ قال: اسمع حتى اخبرك. اعلم أني رأيت في منامي كأني خرجت إلى قومي بني غاضرة، فلما صرت بقنطرة الكوفة، اعترضني خنازير عشرة تريدني فأغاثني الله برجل كنت أعرفه من بني أسد، فدفعها عني فمضيت لوجهي، فلما صرت إلى شاهي ضللت الطريق، فرأيت هناك عجوزا فقالت لي: أين تريد أيها الشيخ ؟ قلت: اريد الغاضرية، قالت لي: تنظر هذا الوادي فانك إذا أتيت إلى آخره اتضح لك الطريق، فمضيت وفعلت ذلك، فلما صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت: من أين أنت أيها الشيخ ؟ فقال لي: أنا من أهل هذه القرية، فقلت: كم تعد من السنين ؟ فقال: ما أحفظ ما مر من سني وعمري، ولكن أبعد ذكري أني رأيت الحسين ابن علي عليه السلام ومن كان معه من أهله ومن تبعه، يمنعون الماء الذي تراه، ولا تمنع الكلاب ولا الوحوش شربه. فاستفضعت ذلك وقلت له: ويحك أنت رأيت هذا ؟ قال: إي والذي سمك السماء لقد رأيت هذا أيها الشيخ وعاينته، وإنك وأصحابك الذين تعينون على ما قد رأينا مما أقرح عيون المسلمين إن كان في الدنيا مسلم، فقلت: ويحك وما هو ؟ قال:

[392]

حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه، قلت: وما جرى ؟ قال: أيكرب قبر ابن النبي ويحرث أرضه ؟ قلت: وأين القبر ؟ قال: هاهو ذا أنت واقف في أرضه، فأما القبر فقد عمي عن أن يعرف موضعه. قال أبو بكر بن عياش: وما كنت رأيت القبر ذلك الوقت قط ولا أتيته في طول عمري، فقلت: من لي بمعرفته ؟ فمضى معي الشيخ حتى وقف بي على حير (1) له باب وآذن وإذا جماعة كثيرة على الباب، فقلت للآذن: اريد الدخول على ابن رسول الله، فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت، قلت: ولم ؟ قال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل الله، ومحمد رسول الله، ومعهما جبرئيل وميكائيل، في رعيل من الملائكة كثير. قال أبو بكر بن عياش، فانتبهت وقد دخلني روع شديد وحزن وكآبة ومضت بي الايام حتى كدت أن أنسى المنام، ثم اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدين كان لي على رجل منهم، فخرجت وأنا لا أذكر الحديث حتى صرت بقنطرة الكوفة لقيني عشرة من اللصوص فحين رأيتهم، ذكرت الحديث ورعبت من خشيتي لهم، فقالوا لي: الق ما معك وانج بنفسك، وكانت معي نفيقة فقلت: ويحكم أنا أبو بكر بن عياش وإنما خرجت في طلب دين لي والله (و) الله لا تقطعوني عن طلب ديني وتصرفاتي في نفقتي فاني شديد الاضافة، فنادى رجل منهم مولاي ورب الكعبة، لا يعرض له، ثم قال لبعض فتيانهم: كن معه حتى تصير به إلى الطريق الايمن. قال أبو بكر: فجعلت أتذكر ما رأيته في المنام وأتعجب من تأويل الخنازير حتى صرت إلى نينوى، فرأيت والله الذي لا إله إلا هو الشيخ الذي كنت رأيته في منامي بصورته وهيئته، رأيته في اليقظة كما رأيته في المنام سواء، فحين رأيته ذكرت الامر والرؤيا، فقلت: لا إله إلا الله ! ما كان هذا إلا وحيا ثم سألته كمسألتي إياه في المنام فأجابني بما كان أجابني ثم قال لي: امض بنا، فمضيت * (الهامش) * (1) الحير: البستان، والمراد الحائر الحسينى عليه السلام.

[393]

فوقفت معه على الموضع، وهو مكروب فلم يفتني شئ من منامي إلا الآذن والحير فاني لم أر حيرا ولم أر آذنا. فاتق الله أيها الرجل فاني قد آليت على نفسي أن لا أدع إذاعة هذا الحديث ولا زيارة ذلك الموضع، وقصده وإعظامه، فان موضعا يؤمه إبراهيم ومحمد وجبرئيل وميكائيل لحقيق بأن يرغب في إتيانه وزيارته، فان أبا حصين حدثني أن رسول الله قال: من رآني في المنام فاياي رأى فان الشيطان لا يتشبه بي. فقال له موسى: إنما أمسكت عن إجابة كلامك لاستوفي هذه الحمقة التي ظهرت منك، وتالله إن بلغني بعد هذا الوقت أنك تحدث بهذا لاضربن عنقك وعنق هذا الذي جئت به شاهدا علي فقال له أبو بكر: إذا يمنعني الله وإياه منك فاني إنما أردت الله بما كلمتك به، فقال له: أتراجعني يا ماص... وشتمه فقال له: اسكت أخزاك الله وقطع لسانك فازعل موسى على سريره، ثم قال: خذوه فأخذوا الشيخ عن السرير، واخذت أنا، فو الله لقد مر بنا من السحب والجر والضرب ما ظننت أننا لا نكثر الاحياء أبدا، وكان أشد ما مر بي من ذلك أن رأسي كان يجر على الصخر، وكان بعض مواليه يأتيني فينتف لحيتي، وموسى يقول: اقتلوهما ابني كذا وكذا - بالزاني لا يكني - وأبو بكر يقول له: أمسك قطع الله لسانك، وانتقم منك، اللهم إياك أردنا ولولد نبيك غضبنا، وعليك توكلنا: فصير بنا جميعا إلى الحبس. فما لبثنا في الحبس إلا قليلا فالتفت إلي أبو بكر ورأى ثيابي قد خرقت وسالت دمائي، فقال: يا حماني قد قضينا لله حقا واكتسبنا في يومنا هذا أجرا ولن يضيع ذلك عند الله ولا عند رسوله، فما لبثنا إلا قدر غدائه ونومه، حتى جاءنا رسوله فأخرجنا إليه وطلب حمار أبي بكر فلم يوجد، فدخلنا عليه، وإذا هو في سرداب له يشبه الدور سعة وكبرا، فتعبنا في المشي إليه تعبا شديدا، وكان أبو بكر إذا تعب في مشيه جلس يسيرا ثم يقول: اللهم إن هذا فيك فلا تنسه، فلما دخلنا على موسى وإذا هو على سرير له، فحين بصربنا قال: لا حيا الله ولا قرب من جاهل

[394]

أحمق متعرض لما يكره، ويلك يا دعي ما دخولك فيما بيننا معشر بني هاشم، فقال له أبو بكر: قد سمعت كلامك، والله حسيبك، فقال له: اخرج قبحك الله والله إن بلغني أن هذا الحديث شاع أو ذكر عنك لاضربن عنقك، ثم التفت إلي وقال: يا كلب وشتمني وقال: إياك ثم إياك أن تظهر هذا فانه إنما خيل لهذا الشيخ الاحمق شيطان يلعب به في منامه، اخرجا عليكما لعنة الله وغضبه، فخرجنا وقد أيسنا من الحياة، فلما وصلنا إلى منزل الشيخ أبي بكر وهو يمشي وقد ذهب حماره فلما أراد أن يدخل منزله التفت إلي وقال: احفظ هذا الحديث، وأثبته عندك ولا تحدثن هؤلاء الرعاع ولكن حدث به أهل العقول والدين. بيان: تقول كربت الارض أي قلبتها للحرث، والرعيل القطعة من الخيل والاضافة: الضيافة، وقال الجوهري: قولهم يا مصان، وللانثى يا مصانة، شتم أي يا ماص فرج امه ويقال أيضا رجل مصان إذا كان يرضع الغنم (من لؤمه) وزاعله أزعجه قوله " إننا لا نكثر الاحياء أبدا " هو كناية عن الموت أي لا نكون بينهم حتى يكثر عددهم بنا. قوله بالزاني لا يكني أي كان يقول في الشتم ألفاظا صريحة في الزنا ولا يكتفي بالكناية. 2 - ما: ابن حشيش، عن أبي المفضل الشيباني، عن أحمد بن عبد الله الثقفي عن علي بن محمد بن سليمان، عن الحسين بن محمد بن مسلمة، عن إبراهيم الديزج قال: بعثني المتوكل إلى كربلا لتغيير قبر الحسين عليه السلام وكتب معي إلى جعفر ابن محمد بن عمار القاضي: اعلمك أني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلا لينبش قبر الحسين فإذا قرأت كتابي فقف على الامر حتى تعرف فعل أو لم يفعل. قال الديزج: فعرفني جعفر بن محمد بن عمار ما كتب به إليه، ففعلت ما أمرني به جعفر بن محمد بن عمار، ثم أتيته فقال لي: ما صنعت ؟ فقلت: قد فعلت ما أمرت به، فلم أر شيئا ولم أجد شيئا، فقال لي: أفلا عمقته ؟ قلت: قد فعلت فما رأيت فكتب إلى السلطان أن إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئا وأمرته

[395]

فمخره بالماء، وكربه بالبقر، قال أبو علي العماري: فحدثني إبراهيم الديزج وسألته عن صورة الامر، فقال لي: أتيت في خاصة غلماني فقط وإني نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن علي، ووجدت منه رائحة المسك فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه وأطلقت عليه الماء وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه، فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالايمان المغلظة، لئن ذكر أحد هذا لاقتلنه. بيان: يقال: مخرت الارض أي أرسلت فيه الماء، ومخرت السفينة إذا جرت تشق الماء مع صوت. 3 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن محمد بن إبراهيم بن أبي السلاسل، عن أبي عبد الله الباقطاني قال: ضمني عبيدالله بن يحيى بن خاقان إلى هارون المعري وكان قائدا من قواد السلطان أكتب له، وكان بدنه كله أبيض شديد البياض، حتى يديه ورجليه كانا كذلك وكان وجهه أسود شديد السواد كأنه القير، وكان يتفقأ مع ذلك مدة منتنة، قال: فلما أنس بي سألته عن سواد وجهه فأبى أن يخبرني ثم إنه مرض مرضه الذي مات فيه، فقعدت فسألته فرأيته كأنه يحب أن يكتم عليه، فضمنت له الكتمان فحدثني قال: وجهني المتوكل أنا والديزج لنبش قبر الحسين، وإجراء الماء عليه، فلما عزمت على الخروج والمسير إلى الناحية رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال: لا تخرج مع الديزج ولا تفعل ما امرتم به في قبر الحسين ! فلما أصبحنا جاؤوا يستحثوني في المسير فسرت معهم حتى وفينا كربلاء وفعلنا ما أمرنا به المتوكل فرأيت النبي في المنام فقال: ألم آمرك أن لا تخرج معهم ؟ ولا تفعل فعلهم ؟ فلم تقبل حتى فعلت ما فعلوا ؟ ثم لطمني وتفل في وجهي فصار وجهي مسودا كما ترى، وجسمي على حالته الاولى. بيان: تفقأ الدمل والقرح تشقق. 4 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن سعيد بن أحمد أبي القاسم الفقيه، عن الفضل

[396]

ابن محمد بن عبد الحميد، قال: دخلت على إبراهيم الديزج وكنت جاره أعوده في مرضه الذي مات فيه، فوجدته بحال سوء وإذا هو كالمدهوش، وعنده الطبيب فسألته عن حاله، وكانت بيني وبينه خلطة وانس توجب الثقة بي والانبساط إلي فكاتمني حاله، وأشار إلى الطبيب فشعر الطبيب باشارته ولم يعرف من حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله، فقام فخرج، وخلا الموضع، فسألته عن حاله فقال: اخبرك والله وأستغفر الله إن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين عليه السلام فأمرنا أن نكر به ونطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساء ومعنا الفعلة والدر كاريون (1) معهم المساحي والمرود فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر، وحرث أرضه، فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت فذهب بي النوم، فإذا ضوضاء شديد، وأصوات عالية، وجعل الغلمان ينبهوني فقمت وأنا ذعر، فقلت للغلمان: ما شأنكم ؟ قالوا: أعجب شأن، قلت: وما ذاك ؟ قالوا: إن بموضع القبر قوما قد حالوا بيننا وبين القبر وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب فقمت معهم لاتبين الامر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض، فقلت: ارموهم فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهم منا إلا في صاحبه الذي رمى به، فقتله. فاستوحشت لذلك وجزعت، وأخذتني الحمى والقشعريرة، ورحلت عن القبر لوقتي، ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إلي به، قال أبوبرزة: فقلت له: قد كفيت ما تحذر من المتوكل قد قتل بارحة الاولى، وأعان عليه في قتله المنتصر، فقال لي: قد سمعت بذلك، وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء، قال أبوبرزة: كان هذا في أول النهار، فما أمسى الديزج حتى مات. قال ابن حشيش: قال أبو المفضل إن المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة فسأل * (الهامش) * (1) الروز كاريون خ ل. والمساحي: جمع مسحاة والمرود - هنا: محور البكرة من الحديد وهى خشبة مستديرة في وسطها محز يستقى عليها.

[397]

رجلا من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر، قال: ما ابالي إذا أطعت الله بقتله أن لا يطول لي عمر، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر. 5 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن علي بن عبد المنعم بن هارون الخديجي الكبير من شاطئ النيل قال: حدثني جدي القاسم بن أحمد بن معمر الاسدي الكوفي وكان له علم بالسيرة وأيام الناس، قال: بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين عليه السلام، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير، فأنفذ قائدا من قواده وضم إليه كنفا من الجند كثيرا ليشعث قبر الحسين عليه السلام ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره، فخرج القائد إلى الطف وعمل بما امر، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فثار أهل السواد به واجتمعوا عليه، وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا، فكتب بالامر إلى الحضرة فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة، مظهرا أن مسيره إليها في مصالح أهلها، والانكفاء إلى المصر. فمضى الامر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين فبلغ المتوكل أيضا مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلا لزيارة قبر الحسين عليه السلام وأنه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق كبير فأنفذ قائدا في جمع كثير من الجند وأمر مناديا ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره، ونبش القبر وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة، فقتل ولم يتم له ما قدره. بيان: قوله كنفا من الجند أي جانبا كناية عن الجماعة منهم، وفي بعض النسخ بالثاء وهو بالفتح الجماعة، قوله ليشعب أي يشق وينش، وفي بعض النسخ المصححة ليشعث من قبره، يقال شعث منه تشعيثا نضح عنه وذب ودفع، وانكفأ رجع. 6 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن عبد الرزاق بن سليمان بن غالب الازدي

[398]

قال: حدثني عبد الله بن رابية الطوري قال: حججت سنة سبع وأربعين ومائتين فلما صدرت من الحج صرت إلى العراق، فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على حال خيفة من السلطان، وزرته ثم توجهت إلى زيارة الحسين عليه السلام فإذا هو قد حرث أرضه، ومخر فيها الماء، وارسلت الثيران العوامل في الارض، فبعيني وبصري كنت رأيت الثيران تساق في الارض فتنساق لهم حتى إذا حازت مكان القبر حادت عنه يمينا وشمالا فتضرب بالعصا الضرب الشديد، فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجه ولاسبب فما أمكنتني الزيارة فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول: تالله إن كانت امية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا * في قتله فتتبعوه رميما فلما قدمت بغداد سمعت الهايعة فقلت ما الخبر ؟ قالوا:، سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل، فعجبت لذلك وقلت: إلهي ليلة بليلة. بيان: قال الفيروز آبادي: الهيعة والهايعة الصوت تفزع منه وتخافه من عدو. 7 - ما:، عنه، عن أبي المفضل، عن محمد بن علي بن هاشم الآبلي، عن الحسن ابن أحمد بن النعمان الجوزجاني، عن يحيى بن المغيرة الرازي قال: كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق فسأله جرير عن خبر الناس فقال: تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين عليه السلام وأمر أن تقطع السدرة التي فيه، فقطعت قال: فرفع جرير يديه وقال: الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لعن الله قاطع السدرة ثلاثا فلم نقف على معناه حتى الآن لان القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين عليه السلام حتى لا يقف الناس على قبره. 8 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر بن محمد بن فرج الرحجي قال: حدثني أبي، عن عمه عمر بن فرج قال: أنفذني المتوكل في تخريب قبر الحسين عليه السلام فصرت إلى الناحية، فأمرت بالبقر فمر بها على القبور كلها، فلما

[399]

بلغت قبر الحسين عليه السلام لم تمر عليه، قال عمي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي فما زلت أضربها حتى تكسرت العصا في يدي فوالله ما جازت على قبره ولا تخطته. قال لنا محمد بن جعفر: كان عمي عمربن فرج كثير الانحراف عن آل محمد صلى الله عليه وآله فأنا أبرء إلى الله منه، وكان جدي أخوه محمد بن فرج شديد المودة لهم رحمه الله ورضي عنه فأنا أتولاه لذلك وأفرح بولادته. 9 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن عمر بن الحسين بن علي، عن المنذر ابن محمد القابوسي، عن الحسين بن محمد الازدي، عن أبيه قال: صليت في جامع المدينة وإلى جانبي رجلان على أحدهما ثياب السفر فقال أحدهما لصاحبه: يا فلان أما علمت أن طين قبر الحسين عليه السلام شفاء من كل داء ؟ وذلك أنه كان بي وجع الجوف، فتعالجت بكل دواء فلم أجد فيه عافية وخفت على نفسي وآيست منها وكانت عندنا امرأة من أهل الكوفة عجوز كبيرة، فدخلت علي وأنا في أشد مابي من العلة فقالت لي: يا سالم ما أرى علتك إلا كل يوم زائدة، فقلت لها: نعم فقالت: فهل لك أن اعالجك فتبرء باذن الله عزوجل ؟ فقلت لها: ما أنا إلى شئ أحوج مني إلى هذا، فسقتني ماء في قدح فسكنت عني العلة، وبرأت حتى كأن لم يكن بي علة قط فلما كان بعد أشهر دخلت علي العجوز، فقلت لها: بالله عليك يا سلمة - وكان اسمها سلمة - بماذا داويتني ؟ فقالت بواحدة مما في هذه السبحة من سبحة كانت في يدها فقلت: وما هذه السبحة ؟ فقالت: إنها من طين قبر الحسين عليه السلام فقلت لها: يا رافضية داويتني بطين قبر الحسين ؟ فخرجت من عندي مغضبة ورجعت والله علني كأشد ما كانت، وأنا اقاسي منها الجهد والبلاء وقد والله خشيت على نفسي ثم أذن المؤذن فقاما يصليان وغابا عني 10 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن الفضل بن محمد بن أبي طاهر، عن محمد بن موسى الشريعي، عن أبيه موسى بن عبد العزيز قال: لقيني يوحنا ابن سراقيون النصراني المتطبب في شارع أبي أحمد فاستوقفني وقال لي: بحق نبيك ودينك

[400]

من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة ؟ من هو من أصحاب نبيكم ؟ قلت: ليس هو من أصحابه هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة لي عنه ؟ فقال له: عندي حديث طريف، فقلت: حدثني به، فقال: وجه إلي سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه فقال: تعال معي، فمضى وأنا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي فوجدناه زائل العقل متكئا على وسادة وإذا بين يديه طست فيها حشو جوفه، وكان الرشيد استحضره من الكوفة فأقبل سابور على خادم كان من خاصة موسى فقال له: ويحك ما خبره ؟ فقال له اخبرك إنه كان من ساعته جالسا وحوله ندماؤه، وهومن أصح الناس جسما وأطيبهم نفسا إذ جرى ذكر الحسين بن علي عليه السلام قال يوحنا: هذا الذي سألتك عنه فقال موسى: إن الرافضة ليغلون فيه حتى أنهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به، فقال له رجل من بني هاشم كان حاضرا: قد كانت بي علة غليلة، فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي كاتبي أن خذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني الله بها وزال عني ماكنت أجده قال: فبقي عندك منها شئ ؟ قال: نعم: فوجه فجاءه منها بقطعة فناولها موسى بن عيسى فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن تداوى بها واحتقارا وتصغيرا لهذا الرجل الذي هي تربته يعني الحسين عليه السلام فما هو إلا أن استدخلها دبره، حتى صاح: النار النار الطست الطست فجئناه بالطست فأخرج فيها ما ترى فانصرف الندماء، وصار المجلس مأتما فأقبل علي سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة ؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده وطحاله وريته وفؤاده خرج منه في الطست فنظرت إلى أمر عظيم، فقلت: مالاحد في هذا صنع إلا أن يكون لعيسى الذي كان يحبي الموتى، فقال لي سابور: صدقت، ولكن كن ههنا في الدار إلى أن يتبين ما يكون من أمره، فبت عندهم وهو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر قال محمد بن موسى: قال لي موسى بن ! سريع: كان يوحنا يزور قبر الحسين

[401]

وهو على دينه، ثم أسلم بعد هذا وحسن إسلامه 11 - قب: أخذ المسترشد من مال الحائر وكربلا وقال: إن القبر لا يحتاج إلى الخزانة وأنفق على العسكر فلما خرج قتل هو وابنه الراشد كتابي ابن بطة والنطنزي: روى أبو عبد الرحمن بن أحمد بن حنبل بإسناده عن الاعمش قال: أحدث رجل على قبر الحسين عليه السلام فأصابه وأهل بيته جنون وجذام وبرص، وهو يتوارثون الجذام إلى الساعة وروى جماعة من الثقات أنه لما أمر المتوكل بحرث قبر الحسين عليه السلام وأن يجري الماء عليه من العلقمي، أتى زيد المجنون وبهلول المجنون إلى كربلا فنظرا إلى القبر وإذا هو معلق بالقدرة في الهواء، فقال زيد: يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وذلك أن الحراث حرث سبع عشرة مرة والقبر يرجع إلى حاله، فلما نظر الحراث إلى ذلك آمن بالله وحل البقر فاخبر المتوكل فأمر بقتله (1) 12 - أقول: وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا، قال: روي عن سليمان الاعمش أنه قال:، كنت نازلا بالكوفة وكان لي جار وكنت آتي إليه وأجلس عنده، فأتيت ليلة الجمعة إليه، فقلت له: يا هذا ما تقول في زيادة الحسين عليه السلام ؟ فقال لي: هي بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ذي ضلالة في النار قال سليمان: فقمت من عنده وأنا ممتلئ عليه غيظا فقلت في نفسي: إذا كان وقت السحر آتيه واحدثه شيئا من فضائل الحسين عليه السلام فان أصر على العناد قتلته، قال سليمان: فلما كان وقت السحر أتيته وقرعت عليه الباب ودعوته باسمه، فإذا بزوجته تقول لي: إنه قصد إلى زيارة الحسين من أول الليل قال سليمان: فسرت في أثره إلى زيارة الحسين عليه السلام فلما دخلت إلى القبر فإذا أنا بالشيخ ساجد لله عزوجل وهو يدعو ويبكي في سجوده ويسأله التوبة والمغفرة، ثم رفع رأسه بعد زمان طويل فرآني قريبا منه، فقلت له: يا شيخ بالامس


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 64

[402]

كنت تقول زيارة الحسين عليه السلام بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ذي ضلالة في النار واليوم أتيت تزوره ؟ فقال: يا سليمان لا تملني فاني ماكنت اثبت لاهل البيت إمامة حتى كانت ليلتي تلك، فرأيت رؤيا هالتني وروعتني فقلت له: ما رأيت أيها الشيخ ؟ قال: رأيت رجلا جليل القدر لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاصق لاأقدر أصفه من عظم جلاله وجماله، وبهائه وكماله وهومع أقوام يحفون به حفيفا ويزفونه زفيفا وبين يديه فارس وعلى رأسه تاج وللتاج أربعة أركان وفي كل ركن جوهرة تضيئ من مسيرة ثلاثة أيام فقلت لبعض خدامه: من هذا ؟ فقال: هذا محمد المصطفى، قلت: ومن هذا الآخر ؟ فقال: علي المرتضى وصي رسول الله، ثم مددت نظري فإذا أنا بناقة من نور، وعليها هودج من نور، وفيه امرأتان والناقة تطير بين السماء والارض، فقلت: لمن هذه الناقة ؟ فقال: لخديجة الكبرى وفاطمة الزهراء عليهما السلام، فقلت: ومن هذا الغلام ؟ فقال: هذا الحسن بن علي، فقلت: وإلى أين يريدون بأجمعهم ؟ فقالوا: لزيارة المقتول ظلما شهيد كربلا الحسين بن علي المرتضى، ثم إني قصدت نحو الهودج الذي فيه فاطمة الزهراء، وإذا أنا برقاع مكتوبة تتساقط من السماء فسألت ما هذه الرقاع ؟ فقال: هذه رقاع فيها أمان من النار لزوار الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة فطلبت منه رقعة فقال لي: إنك تقول: زيارته بدعة ؟ فانك لا تنالها حتى تزور الحسين عليه السلام وتعتقد فضله وشرفه، فانتبهت من نومي فزعا مرعوبا، وقصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة سيدي الحسين عليه السلام وأناتائب إلى الله تعالى، فوالله يا سليمان لاافارق قبر الحسين حتى يفارق روحي جسدي قال: وروى الثقات عن أبي محمد الكوفي، عن دعبل بن علي الخزاعي قال: لما انصرفت عن أبي الحسن الرضا عليه السلام بقصيدتي التائية نزلت بالري وإني في ليلة من الليالي وأنا أصوغ قصيدة وقد ذهب من الليل شطره فإذا طارق يطرق الباب فقلت: من هذا ؟ فقال: أخ لك فبدرت إلى الباب ففتحته فدخل شخص اقشعر منه بدني وذهلت منه نفسي، فجلس ناحية وقال لي: لاترع أنا أخوك من الجن ولدت

[403]

في الليلة التي ولدت فيها ونشأت معك، وإني جئت احدثك بما يسرك ويقوى نفسك وبصيرتك، قال: فرجعت نفسي وسكن قلبي فقال: يا دعبل إني كنت من أشد خلق الله بغضا وعداوة لعلي بن أبيطالب، فخرجت في نفر من الجن المردة العتاة فمررنا بنفر يريدون زيارة الحسين عليه السلام قد جنهم الليل فهممنا بهم وإذا ملائكة تزجرنا من السماء وملائكة في الارض تزجرعنهم هوامها، فكأني كنت نائما فانتبهت أو غافلا فتيقظت، وعلمت أن ذلك لعناية بهم من الله تعالى لمكان من قصدوا له، وتشرفوا بزيارته فأحدثت توبة وجددت نية وزرت مع القوم، ووقفت بوقوفهم ودعوت بدعائهم، وحججت بحجهم تلك السنة، وزرت قبر النبي صلى الله عليه وآله ومررت برجل حوله جماعة، فقلت: من هذا ؟ فقالوا: هذا ابن رسول الله الصادق عليه السلام قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال لي: مرحبا بك يا أهل العراق أتذكر ليلتك ببطن كربلا وما رأيت من كرامة الله تعالى لاوليائنا ؟ إن الله قد قبل توبتك وغفر خطيئتك فقلت: الحمدلله الذي من علي بكم، ونور قلبي بنور هدايتكم، وجعلني من المعتصمين بحبل ولايتكم، فحدثني يا ابن رسول الله بحديث أنصرف به إلى أهلي وقومي، فقال: نعم، حدثني أبي محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي الجنة محرمة على الانبياء حتى أدخلها أنا، وعلى الاوصياء حتى تدخلها أنت، وعلى الامم حتى تدخلها امتي، وعلى امتي حتى يفروا بولايتك ويدينوا بامامتك، يا علي والذي بعثني بالحق لايدخل الجنة أحد إلا من أخذ منك بنسب أو سبب، ثم قال: خذها يا دعبل فلن تسمع بمثلها من مثلي أبدا ثم ابتلعته الارض فلم أره قال: وروي أن المتوكل من خلفاء بني العباس كان كثير العداوة، شديد البغض لاهل بيت الرسول، وهو الذي أمر الحارثين بحرث قبر الحسين عليه السلام وأن يخربوا بنيانه ويحفوا آثاره وأن يجروا عليه الماء من النهر العلقمي بحيث لا تبقى له أثرولا أحد يقف له على خبر، وتوعد الناس بالقتل لمن زار قبره، وجعل رصدا من

[404]

أجناده وأوصاهم: كل من وجدتموه يريد زيارة الحسين عليه السلام فاقتلوه، يريد بذلك إطفاء نور الله وإخفاء آثار ذرية رسول الله، فبلغ الخبر إلى رجل من أهل الخير يقال له زيد المجنون، ولكنه ذوعقل سديد، ورأي رشيد، وإنما لقب بالمجنون لانه أفحم كل لبيب وقطع حجة كل أديب، وكان لا يعي من الجواب، ولا يمل من الخطاب فسمع بخراب بنيان قبر الحسين عليه السلام وحرث مكانه، فعظم ذلك عليه واشتد حزنه وتجدد مصابه بسيده الحسين عليه السلام وكان مسكنه يومئذ بمصر، فلما غلب عليه الوجد والغرام لحرث قبر الامام عليه السلام خرج من مصر ماشيا هائما على وجهه شاكيا وجده إلى ربه، وبقي حزينا كئيبا حتى بلغ الكوفة، وكان البهلول يومئذ بالكوفة، فلقيه زيد المجنون وسلم عليه فرد عليه السلام، فقال له البهلول: من أين لك معرفتي فلم ترني قط ؟ فقال زيد: يا هذا اعلم أن قلوب المؤمنين جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فقال له البهلول: يا زيد ما الذي أخرجك من بلادك بغير دابة ولا مركوب ؟ فقال: والله ما خرجت إلا من شدة وجدي وحزني، وقد بلغني أن هذا اللعين أمر بحرث قبر الحسين عليه السلام وخراب بنيانه وقتل زواره، فهذا الذي أخرجني من موطني ونقص عيشي وأجرى دموعي وأقل هجوعي فقال البهلول: وأنا والله كذلك فقال له: قم بنا نمضي إلى كربلا لنشاهد قبور أولاد علي المرتضى قال: فأخذ كل بيد صاحبه حتى وصلا إلى قبر الحسين عليه السلام وإذا هو على حاله لم يتغير، وقد هدموا بنيانه، وكلما أجروا عليه الماء غار، وحار واستدار بقدرة العزير الجبار، ولم يصل قطرة واحدة إلى قبر الحسين عليه السلام وكان القبر الشريف إذا جاءه الماء يرتفع أرضه باذن الله تعالى فتعجب زيد المجنون مما شاهده وقال: انظر يا بهلول يريدون ليطفؤا نور الله بأفواهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون قال: ولم يزل المتوكل يأمر بحرث قبر الحسين عليه السلام مدة عشرين سنة

[405]

والقبر على حاله لم يتغير، ولا يعلوه قطرة من الماء، فلما نظر الحارث إلى ذلك قال: آمنت بالله وبمحمد رسول الله والله لاهربن على وجهي وأهيم في البراري ولا أحرث قبر الحسين ابن بنت رسول الله وإن لي مدة عشرين سنة أنظر آيات الله واشاهد براهين آل بيت رسول الله ولا أتعظ ولا أعتبر، ثم إنه حل النيران وطرح الفدان (1) وأقبل يمشي نحو زيد المجنون وقال له: من أين أقبلت يا شيخ ؟ قال: من مصر، فقال له: ولاي شئ جئت إلى هنا وإنه لاخشى عليك من القتل فبكى زيد وقال: والله قد بلغني حرث قبر الحسين عليه السلام فأحزنني ذلك وهيج حزني ووجدي فانكب الحارث على أقدام زيد يقبلهما وهو يقول: فداك أبي وامي، فوالله يا شيخ من حين ما أقبلت إلي أقبلت إلي الرحمة واستنار قلبي بنور الله، وإني آمنت بالله ورسوله وإن لي مدة عشرين سنة وأنا أحرث هذه الارض، وكلما أجريت الماء إلى قبر الحسين عليه السلام غار وحار واستدار، ولم يصل إلى قبر الحسين منه قطرة وكأني كنت في سكر وأفقت الآن ببركة قدومك إلي فبكى زيد وتمثل بهذه الابيات: تالله إن كانت امية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما فبكى الحارث وقال: يا زيد قد أيقظتني من رقدتي، وأرشدتني من غفلتي وها أنا الآن ماض إلى المتوكل بسر من رأى، اعرفه بصورة الحال إن شاء أن يقتلني وإن شاء أن يتركني، فقال له زيد: وأنا أيضا أسير معك إليه واساعدك على ذلك قال: فلما دخل الحارث إلى المتوكل وخبره بما شاهد من برهان قبر الحسين عليه السلام استشاط غيظا وازداد بغضا لاهل بيت رسول الله وأمر بقتل الحارث وأمر


(1) أراد بالفدان: آلة الثورين للحرث لقوله " طرح " والنيران يحتمل كونه تصحيف " الثيران " لقوله " حل " وسيأتى في البيان

[406]

أن يشد في رجله حبل، ويسحب على وجهه في الاسواق، ثم يصلب في مجتمع الناس، ليكون عبرة لمن اعتبر، ولا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبدا وأما زيد المجنون فانه ازداد حزنه واشتد عزاؤه وطال بكاؤه وصبر حتى أنزلوه من الصلب وألقوه على مزبلة هناك، فجاء إليه زيد فاحتمله إلى الدجلة وغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، وبقي ثلاثة أيام لا يفارق قبره، وهويتلو كتاب الله عند، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخا عاليا، ونوحا شجيا، وبكاء عظيما، ونساء بكثرة منشرات الشعور، مشققات الجيوب، مسودات الوجوه ورجالا بكثرة يندبون بالويل والثبور، والناس كافة في اضطراب شديد، وإذا بجنازة محمولة على أعناق الرجال وقد نشرت لها الاعلام والرايات، والناس من حولها أفواجا قد انسدت الطرق من الرجال والنساء قال زيد: فظننت أن المتوكل قد مات، فتقدمت إلى رجل منهم وقلت له: من يكون هذا الميت ؟ فقال: هذه جنازة جارية المتوكل وهي جارية سوداء حبشية وكان اسمها ريحانة، وكان يحبها حبا شديدا، ثم إنهم عملوا لها شأنا عظيما ودفنوها في قبر جديد، وفرشوا فيه الورد والرياحين، والمسك والعنبر وبنوا عليها قبه عالية فلما نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه، وتصاعدت نيرانه وجعل يلطم وجهه ويمزق أطماره، ويحثي التراب على رأسه، وهو يقول: واويلاه وا أسفاه عليك يا حسين أتقتل بالطف غريبا وحيدا ظمآنا شهيدا، وتسبى نساؤك وبناتك وعيالك، وتذبح أطفالك، ولم يبك عليك أحد من الناس، وتدفن بغير غسل ولاكفن، ويحرث بعد ذلك قبرك ليطفؤا نورك وأنت ابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، ويكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء، ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمد المصطفى قال: ولم يزل يبكي وينوح حتى غشي عليه والناس كافة ينظرون إليه فمنهم من رق له، ومنهم من جنى عليه، فلما أفاق من غشوته أنشد يقول: أيحرث بالطف قبر الحسين * ويعمر قبر بني الزانية

[407]

لعل الزمان بهم قد يعود * ويأتي بدولتهم ثانية ألا لعن الله أهل الفساد * ومن يأمن الدنية الفانية قال: إن زيدا كتب هذه الابيات في ورقة وسلمها لبعض حجاب المتوكل قال: فلما قرأها اشتد غيظه وأمر باحضاره، فاحضر وجرى بينه وبينه من الوعظ والتوبيخ ما أغاظه حتى أمر بقتله، فلما مثل بين يديه سأله عن أبي تراب من هو ؟ استحقارا له، فقال: والله إنك عارف به، وبفضله وشرفه، وحسبه، ونسبه، فوالله ما يجحد فضله إلا كل كافر مرتاب، ولا يبغضه إلا كل منافق كذاب، وشرع يعدد فضله ومناقبه حتى ذكر منها ما أغاظ المتوكل فأمر بحبسه فحبس فلما أسدل الظلام وهجع، جاء إلى المتوكل هاتف، ورفسه برجله وقال له: قم وأخرج زيدا من حبسه، وإلا أهلكك الله عاجلا، فقام هو بنفسه، وأخرج زيدا من حبسه، وخلع عليه خلعة سنية، وقال له: اطلب ما تريد قال: اريد عمارة قبر الحسين عليه السلام وأن لا يتعرض أحد لزواره فأمر له بذلك، فخرج من عنده فرحا مسرورا وجعل يدور في البلدان وهو يقول: من أراد زيارة الحسين عليه السلام فله الامان طول الازمان بيان: نير الفدان، بالكسر الخشبة المعترضة في عنق الثورين، والجمع النيران والانيار، والفدان بالتشديد البقرة التي تحرث، والاسدال إرخاء الستر وإرساله، وفيه استعارة، والرفس الضرب بالرجل 13 - مل: أبي، عن سعد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن قتيبة الهمداني عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني كنت بالحير (1) ليلة عرفة وكنت اصلي وثم نحو من خمسين ألفا من الناس جميلة وجوههم طيبة أرواحهم وأقبلوا يصلون بالليل أجمع، فلما طلع الفجر سجدت ثم رفعت رأسي فلم أرمنهم أحدا، فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: إنه مر بالحسين بن علي عليهما السلام خمسون ألف ملك وهو يقتل، فعرجوا إلى السماء فأوحى الله إليهم: مررتم بابن حبيبي وهو يقتل


(1) يعنى الحائر الحسينى عليه السلام

[408]

فلم تنصروه ؟ فاهبطوا إلى الارض فاسكنوا عند قبره، شعثا غبرا إلى أن تقوم الساعة (1) 14 - مل: الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي قال: خرجت في آخر زمان بني مروان إلى قبر الحسين بن علي عليه السلام مستخفيا من أهل الشام حتى انتهيت إلى كربلا فاختفيت في ناحية القرية، حتى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر فلما دنوت منه أقبل نحوي رجل فقال لي: انصرف مأجورا فانك لا تصل إليه فرجعت فزعا حتى إذا كاد يطلع الفجر أقبلت نحوه حتى إذا دنوت منه خرج إلي الرجل، فقال لي: يا هذا إنك لن تصل إليه، فقلت له: عافاك الله ولم لاأصل إليه وقد أقبلت من الكوفة اريد زيارته ؟ فلا تحل بيني وبينه عافاك الله، وأنا أخاف أن أصبح فيقتلوني أهل الشام إن أدركوني ههنلا، قال: فقال لي: اصبر قليلا فان موسى بن عمران عليه السلام سأل الله أن يأذن له في زيارة قبر الحسين بن علي فأذن له فهبط من السماء في سبعين ألف ملك فهم بحضرته من أول الليل ينتظرون طلوع الفجر، ثم يرجعون (2) إلى السماء قال: فقلت: فمن أنت عافاك الله ؟ قال: أنا من الملائكة الذين امروا بحرس قبر الحسين عليه السلام والاستغفار لزواره، فانصرفت وقد كاد يطير عقلي لما سمعت منه، قال: فأقبلت حتى إذا طلع الفجر أقبلت نحوه فلم يحل بيني وبينه أحد فدنوت منه فسلمت عليه، ودعوت الله على قتلته، وصليت الصبح، وأقبلت مسرعا مخافة أهل الشام 14 - دعوات الراوندي: حدثني الشيخ أبو جعفر النيشابوري رضي الله عنه قال: خرجت ذات سنة إلى زيارة الحسين عليه السلام في جماعة فلماكنا على فرسخين من المشهد أو أكثر، أصاب رجلا من الجماعة الفالج، وصار كأنه قطعة لحم، قال: وجعل


(1) كامل الزيارات ص 115 (2) في المصدر: يعرجون، راجع ص 112

[409]

يناشدنا بالله أن لانخليه، وأن نحمله إلى المشهد، فقام عليه من يراعيه ويحافظه على البهيمة، فلما دخلنا الحضرة وضعناه على ثوب وأخذ رجلان منا طرفي الثوب ورفعناه على القبر، وكان يدعو ويتضرع ويبكي ويبتهل ويقسم على الله بحق الحسين أن يهب له العافية، قال: فلما وضع الثوب على الارض جلس الرجل ومشى وكأنما نشط من عقال لقد تم هذا المجلد بفضل الله وعونه في شهر ربيع الاول من شهور سنة تسع وسبعين بعد الالف من الهجرة والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين المقدسين والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين المقدسين

[410]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. والصلاة والسلام على رسول الله. وعلى آله الاطيبين امناء الله وبعد: فهذا هو الجزء الثالث من المجلد العاشر من كتاب بحار الانوار حسب تجزئة المصنف - رضوان الله عليه - والجزء الخامس والاربعون حسب تجزئتنا وفقنا الله العزيز لاتمامه بفضله ومنه نسخة الاصل: ومن منن الله علينا أن أظفرنا بنسخة المؤلف قدس سره - بخط يده - وهي مضبوطة في خزانة مكتبة المسجد الاعظم لا زالت دائرة، بقم، لمؤسسة وبانيه فقيه الامة وفقيد اسرتها آية الله المرحوم الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي - رضوان الله عليه - فقابلنا طبعتنا هذه على تلك النسخة، وراجعنا المصادر والنسخ المطبوعة الاخر التي أوعزنا إليها في الذيل، فجاء بحمدالله أحسن النسخ طباعة وأتقنها وأصحها تحقيقا ولا يسعنا دون أن نشكر فضيلة نجله الزاكي وخلفه الصدق حجة الاسلام والمسلمين الحاج السيد محمد حسن الطباطبائي دام إفضاله حيث تفضل علينا بهذه النسخة الكريمة حتى قابلناها مع نسختنا من البدو إلى الختم فله الشكر الجزيل والثناء الحسن جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء محمد الباقر البهبودى ربيع الاول 1385

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية