الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 44

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 44


[1]

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الرابع والأربعون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (18) * " (باب) * * " (العلة التى من أجلها صالح الحسن بن على صلوات الله عليه) " * * " (معاوية بن أبى سفيان عليه اللعنة، وداهنه ولم يجاهده) " * * (وفيه رسالة محمد بن بحر الشيباني رحمه الله) * 1 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن عمر ابن أبي نصر، عن سدير، قال: قال أبو جعفر عليه السلام ومعي ابني: يا سدير اذكر لنا أمرك الذي أنت عليه، فان كان فيه إغراق كففناك عنه، وإن كان مقصرا أرشدناك قال: فذهبت أن أتكلم فقال أبو جعفر عليه السلام: أمسك حتى أكفيك إن العلم: الذي وضع رسول الله صلى الله عليه وآله عند علي عليه السلام من عرفه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ثم كان من بعده الحسن عليه السلام قلت: كيف يكون بتلك المنزلة، وقد كان منه ما كان دفعها إلى معاوية ؟ فقال: اسكت فانه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم (1). 2 ع: حدثنا علي بن أحمد [ابن محمد]، عن محمد بن موسى بن داود الدقاق، عن الحسن بن أحمد بن الليث، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا أبو العلاء الخفاف، عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام: يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن


(1) تراه في علل الشرائع ج 1 ص 200 وهكذا الحديث التالى.

[2]

الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ ؟ فقال: يابا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام ؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يابا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يابا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبسا. ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد إلا قتل. قال الصدوق رحمه الله: قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه (1) في كتابه المعروف بكتاب " الفروق بين الأباطيل والحقوق " في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراسبي (2) في هذا المعنى والجواب عنه وهو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القاسم بن الفضل، قال: حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا، وعلى أن يفرق في أولاد


(1) عنونه النجاشي في رجاله ص 298 وقال: قال بعض أصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدرى من أين قيل ذلك. (2) الراشى خ ل في الموضعين.

[3]

من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد (1). قال: وما ألطف حلية الحسن صلوات الله عليه في إسقاطه إياه عن إمرأة المؤمنين قال يوسف: فسمعت القاسم بن محيمة يقول: ما وفى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشئ عاهده عليه وإني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه وإلى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه. فنقول: رحمك الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام ومعاوية عند أهل التميز والتحصيل تسمى المهادنة والمعاهدة، ألا ترى كيف يقول " ما وفى معاوية للحسن بن علي بشئ عاهده عليه وهادنه " ولم يقل بشئ بايعه عليه، والمبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها، ثم لم يف بها لم يلزم الحسن عليه السلام. وأشد ما ههنا من الحجة على الخصوم، معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين، والحسين عليه السلام عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا، إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له. فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه والأمير هو الذي أمره مأمور (2) من فوقه، فدل على أن الله عزوجل لم يؤمره عليه، ولا رسوله صلى الله عليه وآله أمره عليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يلين مفاء على مفئ " (3).


(1) وسيجيئ منا وجه ذلك. (2) في المصدر المطبوع ج 1 ص 202 " كأمور " وفى الطبعة الحجرية " كأمر " وسيجيئ بيانه من المصنف - رضوان الله عليه - لكن يحتمل أن يكون مصحف " بأمور ". (3) " المفاء " هو الذى صار فيئا للمسلمين، و " المفئ " هو كل مسلم أخذ ذلك المفاء عنوة، فلو كان ذلك المفاء المأخوذ كبيرا يجوز للمسلمين قتله، واطلاقه منا أو فداء، ولو كان

[4]

يريد أن من حكمه (1) حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين الأنصار بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه (2)


صغيرا لم يبلغ الحلم جاز لهم استرقاقه وهكذا اطلاقه منا أو فداء. لكن المراد بالمفاء في هذا الحديث: الذى صار طليقا بالمن عليه، صغيرا كان أو كبيرا، فحيث كان المسلمون حاكمين على نفسه بالقتل أو الاسترقاق ولم يفعلوا ذلك، بل تكرموا ومنوا عليه بالاطلاق، ثبت لهم ولاية ذلك كما في ولاء العتق، فلم يكن له أن يأمر ولا أن ينهى ولا أن يتأمر على المسلمين قضاء لحقوق تلك الولاية. ووجه ذلك أن المسلمين هم الذين أعطوه ووهبوا له آثار الحياة والحرية، بحيث صار يأمر وينهى لنفسه، يذهب ويجئ حيث يشاء، فلو صار يأمر وينهى المسلمين، ويتأمر عليهم، انتقض عليه ذلك وكان كعبد يتحكم على مولاه. هذا مرمى قوله صلى الله عليه وآله: " لا يلين مفاء على مفيئ " أي لا يكون الطليق أميرا على المسلمين أبدا، ولو تأمر عليهم لكان غاصبا لحق الامارة، ظالما لهم بحكم الشرع والعقل والاعتبار، فحيث كان معوية طليقا لم يكن له أن يتأمر على المسلمين. (1) الضمير في " حكمه " يرجع إلى الفيئ، أي من أحكام الفيئ حكم أسرى هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والانصار يوم حنين. (2) أتى رسول الله وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله من سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى والنساء، ومن الابل والشاء ما لا يدرى ما عدته فقالوا: يا رسول الله انا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام رجل من بنى سعد بن بكر يقال له زهير. فقال: يا رسول الله ! انما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد كلام: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 488.

[5]

وحكم قريش وأهل مكة حكم هوازن (1). فمن أمره (2) رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم، فهو التأمير من الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله. أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الامة اجتمعت فأمرت فلانا وفلانا وفلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله ولا من رسوله وهو إن لم يكن تأميرا من الله ومن رسوله ولا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه. والحسن صلوات الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين، فلم يلزمه ذلك الايتمار له في شئ أمره به، وفرغ صلوات الله عليه، إذ خلص بنفسه من الايجاب عليها الايتمار له [عن] أن يتخذ على المؤمنين الذينهم على الحقيقة مؤمنون، وهم الذين كتب في قلوبهم الايمان. ولأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم، ولأن الحسن عليه السلام أمير البررة، وقاتل الفجرة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام علي


(1) فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة عنوة فخطب على باب الكعبة ثم قال بعد كلام: " يا معشر قريش ! ما ترون أنى فاعل فيكم ؟ قالوا: خيرا. أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء " راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 412. فكان له (ص) أن يأمر بأسرهم وقتلهم وسبى ذراريهم حيث انه دخلها عنوة فلم يفعل ذلك بل من عليهم وقال: انتم الطلقاء، وفيهم معوية بن أبى سفيان. (2) هذا هو الصحيح يعنى فعلى هذا: من أمره رسول الله على المسلمين أو على الطلقاء فهو التأمير من الله ورسوله الخ ويكون ابتداء كلام وما في النسخ من قوله: " لمن أمره رسول الله عليهم " تتميما لما سبق، فهو تصحيف لم يتنبه له المصنف رضوان الله عليه على ما يجئ في البيان، وذلك لان حكم الطلقاء طلقاء قريش وهوازن - من عدم جواز تأمرهم على المسلمين بقوله " لا يلين مفاء على مفئ " عام مطلق، لا يختص بمن أمره رسول الله على الطلقاء. مع أنه لو قرءنا اللفظ " لمن أمره " لتشتت الكلام من نواحى شتى.

[6]

أمير البررة، وقاتل الفجرة، فأوجب عليه السلام أنه ليس لبر من الابرار أن يتأمر عليه وأن التأمير على أمير الابرار ليس ببر، هكذا يقتضي مراد رسول الله صلى الله عليه وآله ولو لم يشترط الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية هذه الشروط، وسماه أمير المؤمنين. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها، وفجارها لفجارها. وكل من اعتقد من قريش أن معاوية إمامه بحقية الامامة من الله عزوجل واعتقد الايتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا (1) وترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عزوجل المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى فقال: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " (2). فان كان اتخاذ مال الله دولا، وعباده خولا، ودين الله دخلا: من البر والتقوى، جاز على تأويلك من اتخذه إماما وأمره على نفسه، كما ترون التأمير على العباد. ومن اعتمد أن قهر مال الله على ما يقهر عليه، ودين الله على ما يسام، وأهل دين الله على ما يسامون، هو بقهر من اتخذهم خولا، وأن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول، والدين من الدخل، والعباد من الخول، علم وسلم وآمن واتقى أن البر مقهور في يد الفاجر، والأبرار مقهورون في أيدي الفجار، بتعاونهم مع الفاجر على الاثم والعدوان المزجور، عنه المأمور بضده وخلافه ومنافيه. وقد سأل الثوري السفيان عن " العدوان " ما هو ؟ فقال: هو أن ينقل صدقة بانقياء إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة، وببانقياء أهل السهام


(1) اشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا: اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا " أخرجه الحاكم بالاسناد إلى على عليه السلام وهكذا أبى ذر، وأبى سعيد الخدرى، وصححه راجع مستدرك الحاكم ج 4 ص 480. (2) المائدة: 3.

[7]

وأنا اقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان ومعاوية بن مرة ومالك بن معول وخيثمة بن عبد الرحمن خشبة (1) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز وجل عنه وأن حراسة من سميتم بخشبة زيد رضوان الله عليه، الداعية بنقل صدقة بانقياء إلى الحيرة. فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الامام من قبل الله عزوجل، الذي فرض طاعته على العباد، على الفاجر الذي تأمر باعانة الفجرة إياه، قلنا: لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه، ولكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب، فيما فرض الله عز وجل عليه، وإيجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وطاعة اولي الأمر، وبأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم، كما لم يجزأن يكون سريرة النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أصل ولاة الأمر وهم فرعه، بخلاف علانيته. وإن الله عز وجل العالم بالسرائر والضمائر، والمطلع على ما في صدور العباد، لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد، جل وعز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم، إذ ذاك ظلم من المكلف، وعبث منه، وأنه لا يجوز أن يجعل جل وتقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته، ومن لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة والغضب والظلم منه، إلى من لا يعلم السرائر والضمائر، فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء. وإن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه، فانه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار، والعاجز بعجزه معذور، والجاهل غير معذور، فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام، وإن كان مقهورا في قهر الفاجر والفجار، فمتى


(1) هؤلاء كانوا موكلين على حراسة خشبة صلب عليها زيد بن على بن الحسين عليهم السلام، لئلا ينزلوه ويدفنوه، فبقى جثته رضوان الله عليه أربع سنين على الصليب ثم استنزلوه وأحرقوه.

[8]

لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور، فمات ميتة جاهلية، إذا مات وليس يعرف إمامه. فان قيل: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام وشرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لا يجاب الله عليه عز وجل إقامة الشهادة بما علمه، قبل شرطه على معاوية [بأن لا يقيم عنده شهادة] قيل: إن لاقامة الشهادة من الشاهد شرائط: وهي حدودها التي لا يجوز تعد يها لأن من تعدى حدود الله عزوجل فقد ظلم نفسه، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل، وحكم عدل، ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر (1) بشهادته حقا ويميت بها أثرة، ويزيل بها ظلما، فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة. ولم يكن معاوية عند الحسن عليه السلام أميرا أقامه الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله أو حاكما من ولاة الحكم، فلو كان حاكما من قبل الله وقبل رسوله، ثم علم الحسن عليه السلام أن الحكم هو الأمير، والأمير هو الحكم، وقد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر، حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين، فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الامرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين، وإذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم، لأن الأمير هو الحاكم، وهو المقيم للحاكم، ومن ليس له تأمير ولا تحاكم، فحكمه هذر، ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر. فان قال: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام على معاوية وشرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا ؟ قيل: إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل، وسوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء، وإن كان الله عز وجل حقنه، وحقن ما أرادوا حقنه، وإن كان الله عز وجل أراقه في حكمه. فأراد الحسن عليه السلام أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد، كما أنه أزال إمرته عنه وعن المؤمنين، بشرط


(1) عند من يحيى بشهادته حقا. ظ، بقرينة قوله " يميت " وما في الصلب مطابق للنسخ والمصدر.

[9]

أن لا يسميه أمير المؤمنين، وأن إمرته زالت عنه وعنهم، وأفسد حكمه عليه وعليهم. ثم سوغ الحسن عليه السلام بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة، للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير المؤمنين، فتكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة دانيال فيها وكدار العزيز وهو كيوسف فيها. فان قال: دانيال ويوسف عليهما السلام كانا يحكمان لبخت نصر والعزيز، قلنا: لو أراد بخت نصر دانيال والعزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد، وعقبة بن أبي معيط، وشهادة أبي بردة بن أبي موسى، وشهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه رحمهم الله وأن يحكما له بأن زيادا أخوه وأن دم حجر وأصحابه مراقة بشهادة من ذكرت، لما جاز أن يحكما لبخت نصر والعزيز، والحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر ومؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطرا إلى أن يدين للجائر الكافر، والمبطل والمحق بحكمه. فإن قال: ولم خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه وإلى شيعة علي عليه السلام وقدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه، وقد قتل حجرا وأصحابه وغيرهم ؟ قلنا: لو قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه لكان سؤالك قائما فتقول: لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى وأصحابه أهل الأخيار والزهد في الدنيا والاعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الخرق (1) على أمير المؤمنين عليه السلام وشدة حبهم إياه، وإفاضتهم في ذكره وفضله، فجاء بهم وضرب أعناقهم صبرا. ومن أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج


(1) في النسخ المطبوعة وهكذا المصدر ص 205 " الحزق " وهو بمعنى المنع والقبض ولعل الصحيح: " الحرق " من الحرارة والحب الشديد.

[10]

قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والأرض، فتقديم الحسن عليه السلام العباد على العباد والزهاد على الزهاد، ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد، لا يتعجب منه، بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت ومقتصدا على مجتهد. فان قال: ما تأويل اختيار مال دارا بجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين، قيل: لدارا بجرد خطب في شأن الحسن عليه السلام، بخلاف جميع فارس (1).


(1) قد ذكر الصدوق رحمه الله في وجه اختيار الامام الحسن السبط عليه السلام خراج درا بجرد ما تتلوه، والذى أراه أن درابجرد لم يفتح عنوة بل صالح أهلها على ما صرح به البلاذرى في فتوح البلدان ص 380 حيث قال: " وأتى عثمان بن أبى العاص درابجرد وكانت شادروان علمهم ودينهم وعليها الهربذ فصالحه الهربذ على مال أعطاه اياه، وعلى أن أهل دراجرد كلهم اسوة من فتحت بلاده من أهل فارس، واجتمع له جمع بناحية جهرم ففضهم، وفتح أرض جهرم، وأتى عثمان فصالحه عظيمها على مثل صلح درابجرد، ويقال: ان الهربذ صالح عليها أيضا " انتهى. فحيث كان درابجرد صولح عليها مثل فدك، كان يجب حمل مال صلحها إلى زعيم أهل البيت لقوله تعالى: " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب - إلى قوله تعالى - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم ". وأما سائر الاراضي المفتوحة عنوة بايجاف الخيل والركاب، فكان حكم خراجها أن يقاسم بين مقاتليها، فانها فيئ وغنيمة كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله في أراضي خيبر، بعد ما أخرج سهم الخمس، لكن لم يعمل عمر بن الخطاب بتلك السنة النبوية وتأول قوله تعالى " والذين جاؤا من بعدهم " فجعل خراجها لعامة المسلمين ودون لهم ديوان العطاء. فجرى بعده سائر الخلفاء والامراء على سنة عمر بن الخطاب، ولم يتهيأ لعلى عليه السلام أن يرد ذلك إلى نصابه الحق المطابق لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كان الحسن السبط عليه السلام يحكم بأن المتبع من السنن، انما هو سنة النبي الاقدس، ولا يرى لاوليائه وأصحابه المخصوصين به أن يرتزقوا ويأخذوا العطاء من خراج الاراضي المفتوحة عنوة، ولذلك شرط على معاوية أموال درابجرد التى صولح عليها.

[11]

وقلنا: إن المال مالان: الفيئ الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة وعمارتها، من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة، ولأرزاق الأسارى، ومال الصدقة الذي خص به أهل السهام وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان: فيما فتح منها صلحا، وما فتح منها عنوة وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات، وأسباب وأسباب (1). وقد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وهو عامله على العراق: أيدك الله هاش في السواد ما ير كبون فيه البراذين، ويتختمون بالذهب، ويلبسون الطيالسة وخذ فضل ذلك فضعه في بيت المال. وكتب ابن الزبير إلى عامله " جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر والقناطر فانه سحت "، فقصر المال عما كان، فكتب إليهم " ما للمال قد قصر " ؟ فكتبوا إليه إن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر والقناطر، فلذلك قصر المال، فكتب إليهم: " عودوا إلى ما كنتم عليه " هذا بعد قوله: " إنه سحت ". ولا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيئ ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الصدقة " قد امرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقرائكم " بالكاف والميم، ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة، ومن وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ولا أكل صدقة كثير منهم، إذ كانت غسالة ذنوبهم، ولم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم. روى بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه، عن جده (2) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل أربعين من الابل ابنة لبون ولا تفرق إبل عن


(1) زاد في المصدر بعده: [بايجاب الشرائط الدالة عليها]. (2) هذا هو الصحيح كما في المصدر ص 207، وقد روى الحديث أبو داود في سننه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ولفظه:

[12]

حسابها، من أتانا بها مؤتجرا فله أجرها ومن منعناها أخذناها منه وشرط إبله عزمة من عزمات ربنا وليس لمحمد وآل محمد فيها شئ، وفي كل غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عزوجل وإن منعوا. فخص الحسن عليه السلام ما لعله كان عنده أعف وأنظف من مال أردشير خره ولأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع (1) وعمارات، ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم وبين الاصطخر الأول والاصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في تفسير قوله عزوجل: " وقفوهم إنهم مسؤلون " (2) أنه لا يجاوز قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن ثيابه (3) فيما أبلاه


ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل سائمة ابل في أربعين بنت لبون لا يفرق ابل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها، ومن منعها فانا آخذوها وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا عزوجل، ليس لال محمد منها شئ. ". فما في النسخ المطبوعة: " روى بهذين حكيم عن معاوية بن جندة القشيرى " فهو تصحيف. والرجل معنون بنسبته ونسبه في رجال العامة، راجع التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ق 2 ص 290، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 ص 430، اسد الغابة ج 4 ص 385 وعنونه في التقريب ص 57 وقال: صدوق من السادسة. (1) المصانع: جمع مصنع ومصنعة: ما يصنع كالحوض يجمع فيه ماء المطر. (2) الصافات: 24. والحديث رواه الشيخ في الامالى عن أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله: لا يزال قدما عبد الخ. وهكذا أخرجه موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب من حديث أبى برذة ولفظه: لا يزول الخ كما في البرهان ج 4 في تفسير سورة الصافات. وأخرجه المؤلف رضوان الله في ج 36 ص 79 من الطبعة الحديثة عن كتاب منقبة المطهرين للحافظ أبى نعيم باسناده عن نافع بن الحارث عن أبى بردة فراجع. (3) شبابه، خ.

[13]

وعمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه، وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت وكان الحسن والحسين عليهما السلام يأخذان من معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها. قال شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين عليهما السلام ينحل فلما مات نظروا فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه. فان قال: فان هذا محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو بشر الواسطي قال: حدثنا خالد بن داود، عن عامر قال: بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب، ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين. قلنا: هذا حديث ينقض آخره أوله، وأنه لم يؤمره، وإذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره، وقد روينا من غير وجه ما ينقض قوله: " يسالم من سالم، ويحارب من حارب " فلا نعلم فرقة من الامة أشد على معاوية من الخوارج وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن: اخرج إليهم وقاتلهم، فقال: يأبى الله لي بذلك، قال: فلم ؟ أليس هم أعداؤك وأعدائي ؟ قال: نعم يا معاوية، ولكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده، فأسكت معاوية. ولو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم، ويحارب من حارب، لكان معاوية لا يسكت على ماحجه به الحسن عليه السلام ولأنه يقول له: قد يايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان، وتسالم من سالمت كائنا من كان، وإذا قال عامر في حديثه: " ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين " قد ناقض لأن الأمير هو الآمر والزاجر، والمأمور هو المؤتمر والمنزجر، فأبى تصرف الآمر، فقد أزال الحسن عليه السلام في موادعته معاوية الايتمار له، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين. ولو انتبه معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه، لقال له: يا با محمد أنت

[14]

مؤمن وأنا أمير، فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا وهذه حيلة منك تزيل أمري عنك، وتدفع حكمي لك وعليك، فلو كان قوله " يحارب من حارب " مطلقا ولم يكن شرطه " إن قاتلك من هو شر منك قاتلته، وإن قاتلك من هو مثلك في الشر وأنت أقرب منه إليه لم اقاتله " ولأن شرط الله على الحسن وعلى جميع عباده التعاون على البر والتقوي، وترك التعاون على الاثم والعدوان، وإن قتال (1) من طلب الحق فأخطأه، مع من طلب الباطل فوجده، تعاون على الاثم والعدوان (2). فان قال: هذا حديث ابن سيرين يرويه محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين قال: حدثنا الحسن بن علي يوم كلم فقال: ما بين جابرس وجابلق رجل جده نبي غيري وغير أخي وإني رأيت أن اصلح بين امة محمد، وكنت أحقهم بذلك، فانا بايعنا معاوية ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. قلنا: ألا ترى إلى قول أنس كيف يقول: " يوم كلم الحسن " ولم يقل: " يوم بايع " إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة، وإنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله وأعدائه، لا مبايعة تكون بين أوليائه وأوليائه فرأى الحسن عليه السلام رفع السيف مع العجز بينه وبين معاوية، كما رأى رسول الله صلى الله عليه واله رفع السيف بينه وبين أبي سفيان وسهيل بن عمرو، ولو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة والموادعة لما فعل. فان قال: قد ضرب رسول الله صلى الله عليه واله بينه وبين سهيل وأبي سفيان مدة، ولم يجعل الحسن بينه وبين معاوية مدة، قلنا: بل ضرب الحسن عليه السلام أيضا بينه وبين معاوية مدة وإن جهلناها ولم نعلمها، وهي ارتفاع الفتنة وانتهاء مدتها، وهو متاع إلى حين.


(1) في الاصل المطبوع: " وان قاتل " وان صح فيكون جوابه " تعاون على الاثم ". (2) زاد في المصدر ص 208 بعده: والمبايع غير المبايع، والمؤازر غير المؤازر.

[15]

فإن قال: فان الحسن قال لجبير بن نفير (1) حين قال له: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء امة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز ؟. قلنا: إن جبيرا كان دسيسا إلى الحسن عليه السلام دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الاثارة ؟ وكان جبير يعلم أن الموادعة التي وداع معاوية غير مانعة من الاثارة التي اتهمه بها، ولو لم يجز للحسن عليه السلام مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك، فلا يسأله، لأنه يعلم أن الحسن عليه السلام لا يطلب ما ليس له طلبه، فلما اتهمه بطلب ما له طلبه، دس إليه دسيسه هذا ليستبرئ برأيه وعلم أنه الصادق وابن الصادق وأنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فانه وفي بوعده، صادق في عهده. فلما مقته قول جبير قال له: يا تياس أهل الحجاز، والتياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام، وأما قوله " بيدي جماجم العرب " فقد صدق عليه السلام ولكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفا ويزهدونهم (2). قال الأشعث يوم رفع المصاحف: ووقع تلك المكيدة: " إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا يمانيان بسهم، ولم يطعن يمانيان برمح، ولا يضرب يمانيان بسيف " وأومأ بيده (3) إلى أصحابه أبناء الطمع وكان في تلك الجماجم شيث بن ربعي تابع كل ناعق، ومثير كل فتنة، وعمرو بن حريث الذي ظهر على


(1) هذا هو الصحيح كما في المصدر ص 209 وعنونه في الاصابة في القسم الثاني وقال: جبير بن نفير بالنون والفاء ابن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمان مشهور من كبار التابعين ولا بيه صحبة، وهكذا عنونه في الاستيعاب. (2) في بعض نسخ المصدر ؟ يزيدونهم ". (3) بقوله خ ل.

[16]

علي صلوات الله عليه وبايع ضبة احتوشها مع الأشعث والمنذر بن الجارود الطاغي الباغي. وصدق الحسن صلوات الله عليه أنه كان بيده هذه الجماجم، يحاربون من حارب ولكن محاربة منهم للطمع، ويسالمون من سالم لذلك، وكان من حارب لله عزوجل، وابتغى القربة إليه والحظوة منه قليلا، وليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله، والنزاع لأولياء الله، واستمداد كل مدد وكل عدد، وكل شدة على حجج الله عزوجل. بيان: قوله صلى الله عليه واله " قاما أو قعدا " أي سواء قاما بأمر الامامة أم قعدا عنه للمصلحة والتقية، ويقال " سفهه " أي نسبه إلى السفه، و " تعقبه " أي أخذه بذنب كان منه. قوله: " والمبايعة على ما يدعيه المدعون " المبايعة مبتدأ ولم يلزم خبره أي لو كانت مبايعة على سبيل التنزل فهي كانت على شروط ولم تتحقق تلك الشروط فلم تقع المبايعة، ويحتمل أن يكون نتيجة لما سبق أي فعلى ما ذكرنا لم تقع المبايعة على هذا الوجه أيضا. قوله " على نفسه " لعله متعلق بالاسقاط بأن يكون " على " بمعنى " عن " قوله: " هو الذي امره مأمور " الظاهر زيادة لفظ " مأمور " وعلى تقديره يصح أيضا إذ في العرف لا يطلق الأمير على النبي صلى الله عليه واله فيكون كل من نصب أميرا مأمورا. قوله " يريد أن من حكمه " لعل خبر " أن " محذوف (1) بقرينة المقام والاسعاف الاعانة وقضاء الحاجة. قوله " لمن أمره رسول الله عليهم " أي على هوازن أو على أهل مكة، والمعنى كما أن هوازن لا يكونون أمراء على الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله على هوازن كذلك قريش وأهل مكة بالنسبة إلى من أمرهم الله عليهم وبعثهم لقتالهم.


(1) بل قد عرفت ان الضمير في " حكمه " يرجع الى الفئ فيكون " من حكمه " خبر " أن " واسمه " حكم هوازن ".

[17]

قوله " فهو " أي التأمير مطلقا أو تأمير معاوية، قوله " أن يتخذ " أي عن أن يتخذ، وهو متعلق بقوله " فرغ " أي لما خلص عليه السلام نفسه عن البيعة، فرغ عن أن يتخذ بيعة الشقي على المؤمنين، لأن بيعتهم كان تابعا لبيعته، ولم يبايعوا أنفسهم بيعة على حدة، وإليه أشار بقوله " لأن هذه الطبقة " وقوله: " ولأن الحسن " دليل آخر على عدم تأميره على الحسن عليه السلام وقوله " فقد اعتقد " جزاء للشرط في قوله: " ولو لم يشترط ". وقال الجزري: وفي حديث أبي هريرة إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين اتخذوا عباد الله خولا، بالتحريك أي خدما وعبدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم وقال: الدخل بالتحريك، الغش والعيب والفساد، ومنه الحديث إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين كان دين الله دخلا، وحقيقته أن يدخلوا في الدين امورا لم تجر به السنة انتهى. والدول بضم الدال وفتح الواو جمع دولة بالضم وهو ما يتداولونه بينهم يكون مرة لهذا ومرة لهذا، قوله " من اتخذه " أي اتخاذ من اتخذه، وهو فاعل " جاز " وقوله " من اعتمد " مبتدأ وقوله " علم وسلم " خبره. ويقال: سامه سوء العذاب أي حمله عليه، قوله " إن البر " كأنه استيناف أو اللام فيه مقدر أي لأن البر مقهور، ويمكن أن يكون اتقى تصحيف أتقن أو أيقن. و " بانقيا " قرية بالكوفة " والحيرة " بلدة قرب الكوفة، والكناسة بالضم موضع بالكوفة. قوله " الداعية " هي خبر " أن " أي أمثال تلك المعاونات على الظلم صارت أسبابا لتغيير أحكام الله التي من جملتها نقل صدقة بانقيا إلى الحيرة. و " الاثرة " الاستبداد بالشئ والتفر دبه، و " الهذر " بالتحريك " الهذيان " وبالدال المهملة البطلان. قوله " ومن أنزل راهبا " حاصله أن عبد الله كان من المترهبين المتعبدين

[18]

وكان أقل ضررا بالنسبة إليهم من حجر وأصحابه، فكان قتله أشنع، فلذا قدمه والاخبات الخشوع والتواضع. قوله: " هنات وهنات " أي شرور وفساد وظلم. وقال الفيروز آبادي " الهوشة " الفتنة، والهيج، والاضطراب، والاختلاط والهواشات بالضم الجماعات من الناس والابل والأموال الحرام، والمهاوش ما غصب وسرق، وقال: الهيش الافساد، والتحريك والهيج، والحلب الرويد والجمع. قوله " مؤتجرا " أي طالبا للأجر والثواب، وقال الجزري في حديث مانع الزكاة " أنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات الله " أي حق من حقوق الله وواجب من واجباته. قال الحربي: غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو " شطر ماله " أي يجعل ما له شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين، عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا، وقال الخطابي في قوله الحربي: لا أعرف هذا الوجه وقيل معناه أن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإن ترك شطر ماله كرجل كان له ألف شاة مثلا فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون فانه يؤخذ منه عشر شياة لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، وهذا أيضا بعيد لأنه قال: أنا آخذها وشطر ماله ولم يقل: أنا آخذ وأشطر ماله. وقيل: إنه كان في صدر الاسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ كقوله في الثمر المعلق: من خرج بشئ فله غرامة مثليه، والعقوبة، وكقوله: في ضالة الابل المكتومة غرامتها ومثلها معها، وكان عمر يحكم به، وقد أخذ أحمد بشئ من هذا وعمل به. وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله اخذت منه واخذ شطر ماله عقوبة على منعه، واستدل بهذا الحديث وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير وجعل هذا الحديث منسوخا انتهى. قوله " ينحل " من النحلة بمعنى العطية أو النحول بمعنى الهزال والثاني بعيد

[19]

قوله عليه السلام: " ليس من طلب الحق " المعنى أن هؤلاء الخواج مع غاية كفرهم خير من معاوية وأصحابه، لأن للخوارج شبهة وكان غرضهم طلب الحق فأخطأوا بخلاف معاوية وأصحابه، فانهم طلبوا الباطل معاندين فأصابوه، لعنة الله عليهم أجميعن. قوله: " إليه " أي إلى الشر، والجماجم جمع الجمجمة جمجمة الرأس ويكنى بها عن السادات والقبائل التي تنسب إليها البطون. وقال الفيروز آبادي: التيس ذكر الظباء والمعز والتياس ممسكه والعسب ضراب الفحل أو ماؤه أو نسله، واحتوش القوم على فلان جعلوه في وسطهم. 3 - ج: عن حنان بن سدير، عن أبيه سدير بن حكيم، عن أبيه، عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال الحسن عليه السلام: ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنص من رسول الله صلى الله عليه واله علي ؟ قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار، وقتل الغلام، كان ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم عليه السلام ؟ فإن الله عزوجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الاماء يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب ابن دون الأربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير. ك: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن جبرئيل بن أحمد عن موسى بن جعفر البغدادي، عن الحسن بن محمد الصيرفي، عن حنان بن

[20]

سدير مثله (1). 4 - ج: عن زيد بن وهب الجهني قال: لما طعن الحسن بن علي عليهما السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت: ما ترى يا ابن رسول الله فان الناس متحيرون ؟ فقال: أرى والله معاوية خيرا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي، وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما. فو الله لأن اسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت. قال: قلت: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع ؟ قال: وما أصنع يا أخا جهينة إني والله أعلم بأمر قد ادي به إلي عن ثقاته: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحا: يا حسن أتفرح ؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا ؟ أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو امية وأميرها الرحب البلعوم الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله صلى الله عليه واله. يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل في ملكه المؤمن ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا ويتخذ عباد الله خولا ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحون، ويقتل من ناواه على الحق، ويدين من والاه على الباطل. فكذلك حتى يبعث الله رجلا في آخر الزمان وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على


(1) تراه في ج 1 ص 432 من كمال الدين، والاحتجاج ص 148.

[21]

الأرض، حتى يدينوا طوعا وكرها: يملا الأرض عدلا وقسطا ونورا وبرهانا يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، ولا طالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه (1). ايضاح: يقال: صار هذا الأمر سبة عليه، بضم السين، وتشديد الباء أي عارا يسب به، قوله " عن ثقاته " لعل الضمير راجع إلى الأمر أو إلى الله، وكل منهما لا يخلو من تكلف وقال الجوهري: الرحب بالضم السعة، تقول منه: فلان رحب الصدر، والرحب بالفتح الواسع والبلعوم بالضم مجرى الطعام في الحلق وهو المرئ والأعفاج من الناس ومن الحافر والسباع كلها ما يصير الطعام إليه بعد المعدة، وهو مثل المصارين لذوات الخف والظلف. ودانه أي أذله واستعبده، ودان له أي أطاعه، ودينت الرجل وكلته إلى دينه، والكلب بالتحريك الشدة، والطالح خلاف الصالح والخافقان افقا المشرق والمغرب. 5 - اعلام الدين للديلمي: قال: خطب الحسن بن علي عليهما السلام: بعد وفاة أبيه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم وكنا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا. ثم أصبحتم تصدون قتيلين: قتيلا بصفين تبكون عليهم، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر. وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فان أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت، بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله.


(1) الاحتجاج ص 148 و 149.

[22]

فنادى القوم بأجمعهم بل البقية والحياة (1). 6 - ج، د: عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن معوية زعم أني رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلا، وكذب معاوية أنا أولى الناس بالناس، في كتاب الله، وعلى لسان نبي الله، فاقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: ماولت امة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا، حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل. وقد ترك بنو إسرائيل هارون، واعتكفوا على العجل، وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى، وقد تركت الامة عليا عليه السلام وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه واله يقول


(1) روى هذه الخطبة ابن الاثير الجزري ج 2 ص 13 من اسد الغابة باسناده الى ابى بكر بن دريد قال قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد الله عزوجل: انا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وانما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فسلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم الى صفين: دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وانا لكم كما كنا، ولستم لنا كما كنتم. ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره فأما الباقي فخاذل، وأما الباكى فثائر، الا وان معاوية دعانا الى امر ليس فيه عزولا نصفة فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه الى الله عزوجل بظبا السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا، فناداه القوم من كل جانب: البقية ! البقية ! فلما أفردوه أمضى الصلح. وروى مثله في تذكرة خواص الامة ص 114 قال: وفى رواية أنه قال عليه السلام: نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسوله المطهرون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، و أحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم، فطاعتنا مقرونة بطاعة الله فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول. وان معاوية دعانا الحديث.

[23]

لعلي عليه السلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي " وقد هرب رسول الله صلى الله عليه واله من قومه، وهو يدعوهم إلى الله، حتى فر إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعوانا ما بايعتك يا معاوية. وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم أعوانا، وقد جعل الله النبي صلى الله عليه واله في سعة حين فر من قومه، لما لم يجد أعوانا عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله، حين تركتنا الامة وبايعت غيرنا ولم نجد أعوانا. وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا، أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلا من ولد نبي غيري وغير أخي. 7 - كش: روي عن علي بن الحسن الطويل، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل من أصحاب الحسن عليه السلام يقال له: سفيان بن ليلى (1) وهو على راحلة له، فدخل على الحسن وهو


(1) اختلف في اسمه بين سفيان بن ليلى، وسفيان بن ابى ليلى، وسفيان بن ياليل وعلى أي عده بعض الرجاليين في حوارى الامام الحسن السبط، وبعضهم نظر في ذلك كابن داود قال: سفيان بن [ابي] ليلى الهمداني من أصحاب الحسن عليه السلام عنونه الكشى وقال: ممدوح من أصحابه عليه السلام، عاتب الحسن بقوله " يا مذل المؤمنين " واعتذر له بأنه قال ذلك محبة، وفيه نظر. أقول: روى المفيد في الاختصاص ص 61 والكشى ص 73، في حديث ضعيف عن ابى الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام انه قال: ثم ينادى المنادى اين حوارى الحسن بن على ؟ فيقوم سفيان بن أبى ليلى الهمداني وحذيفة بن اسيد الغفاري. ولكن قال في تذكرة الخواص: وفي رواية ابن عبد البر المالكى في كتاب الاستيعاب ان سفيان بن ياليل وقيل ابن ليلى وكنيته أبو عامر، ناداه يا مذل المؤمنين، وفى رواية هشام، ومسود وجوه المؤمنين، فقال له: ويحك ايها الخارجي لا تعنفى، فان الذى أحوجنى الى ما فعلت: قتلكم أبي، وطعنكم اياي، وانتهابكم متاعي: وانكم لما سرتم الى صفين كان دينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم.

[24]

محتب (1) في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال له الحسن: انزل ولا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار، وأقبل يمشي حتى انتهى إليه قال فقال له الحسن: ما قلت ؟ قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال وما علمك بذلك ؟ قال: عمدت إلى أمر الامة، فخلعته من عنقك، وقلدته هذا الطاغية، يحكم بغير ما أنزل الله، قال: فقال له الحسن عليه السلام: سأخبرك لم فعلت ذلك. قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي أمر هذه الامة رجل واسع البلعوم، رحب الصدر (2) يأكل ولا يشبع وهو معاوية، فلذلك فعلت. ما جاء بك ؟ قال: حبك، قال: الله ؟ قال: الله، فقال الحسن عليه السلام: والله لا يحبنا عبد أبدا ولو كان أسيرا في الديلم إلا نفعه حبنا، وإن حبنا ليساقط الذنوب من بني آدم كما يساقط الريح الورق من الشجر. ختص: جعفر بن الحسين المؤمن وجماعة مشايخنا عن محمد بن الحسين بن


ويحك أيها الخارجي ! انى رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم، وما اغتر بهم الا من ذل، ليس [راى] أحد منهم يوافق رأى الاخر، ولقد لقى أبي منهم امورا صبعة وشدائد مرة، وهى أسرع البلاد خرابا، وأهلها هم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. وفى رواية: ان الخارجي لما قال له: يا مذل المؤمنين ! قال: ما اذللتهم، ولكن كرهت أن أفنيهم واستأصل شافتهم لاجل الدنيا. والظاهر أن الرجل كان مع محبته لاهل البيت خصوصا الحسن السبط، على رأى الخوارج، ولذلك عنفه وعابه بمصالحته مع معاوية، فتحرر. (1) أي كان محتبيا: جمع بين ظهره وساقيه بيديه أو بازاره. (2) رحب الصدر: اي واسع الصدر، وانما يريد به معناه اللغوي، لا الكنائي الذي هو مدح، وسيجئ القصة عن ابن ابي الحديد نقلا عن مقاتل أبى الفرج، وفيه بدل " رحب الصدر ": " واسع السرم " والسرم: هو مخرج الثقل وهو طرف المعى المستقيم وهو المناسب المقابل لقوله " واسع البلعوم ".

[25]

أحمد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان مثله (1). 8 - كشف: روى الدولابي مرفوعا إلى جبير بن نفير، عن أبيه قال: قدمت المدينة (2) فقال الحسن بن علي عليهما السلام: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء المسلمين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله أبصر الحسن بن علي عليهما السلام مقبلا فقال: اللهم سلمه وسلم منه. 9 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي الصباح ابن عبد الحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله الذي صنعه الحسن ابن علي عليهما السلام كان خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس، ووالله لقد نزلت هذه الآية " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيدكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ": إنما هي طاعة الإمام، و [لكنهم] طلبوا القتال " فلما كتب عليهم القتال " مع الحسين عليه السلام " قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " " نجب دعوتك، ونتبع الرسل " (3) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام. توضيح: قوله عليه السلام: " إنما هي طاعة الإمام " أي المقصود في الآية طاعة الإمام الذي ينهى عن القتال، لعدم كونه مأمورا به، ويأمر بالصلاة والزكاة، وسائر


(1) راجع الاختصاص ص 82، الكشى ص 73. (2) كذا في الاصل وهكذا المصدر ج 2 ص 99، لكنه روى في الكشف ج 2 ص 141 عن حلية الاولياء للحافظ أبى نعيم قال: وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن بن على عليهما السلام: ان الناس يقولون انك تريد الخلافة ؟ فقال: قد كانت جماجم العرب الحديث. وهذا هو الصحيح الظاهر متنا وسندا، وقد مر مع اضافة قوله عليه السلام بعد ذلك " ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز ؟ " راجع ص 15 من هذا المجلد. (3) ملفق من آيتين: النساء: 77، وابراهيم: 44. والحديث في روضة الكافي ص 330.

[26]

أبواب البر، والحاصل أن أصحاب الحسن عليه السلام كانوا بهذه الآية مأمورين بطاعة إمامهم في ترك القتال، فلم يرضوا به، وطلبوا القتال، فلما كتب عليهم القتال مع الحسين عليه السلام قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب أي قيام القائم عليه السلام. ثم اعلم أن هذه الآية كما ورد في الخبر، ليست في القرآن ففي سورة النساء " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل "، وفي سورة إبراهيم " فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل " فلعله عليه السلام وصل آخر الآية بالآية السابقة لكونهما لبيان حال هذه الطائفة، أو أضاف قوله " نجب دعوتك " بتلك الآية على وجه التفسير والبيان، أي كان غرضهم أنه إن أخرتنا إلى ذلك نجب دعوتك [ونتبع] ويحتمل أن يكون في مصحفهم عليهم السلام هكذا. أقول: سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب شهادته عليه السلام. * (تذييل) * قال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء: فان قال قائل: ما العذر له عليه السلام في خلع نفسه من الإمامة، وتسليمها إلى معاوية، مع ظهور فجوره، وبعده عن أسباب الامامة، وتعريه من صفات مستحقها، ثم في بيعته وأخذ عطائه وصلاته وإظهار موالاته والقول بامامته، هذا مع توفر أنصاره واجتماع أصحابه ومبايعة من كان يبذل عنه دمه وماله، حتى سموه مذل المؤمنين وعابوه في وجهه عليه السلام. الجواب: قلنا: قد ثبت أنه عليه السلام الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة، والأدلة القاهرة، فلا بد من التسليم لجميع أفعاله، وحملها على الصحة

[27]

وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل، أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا. وبعد فان الذي جرى منه عليه السلام كان السبب فيه ظاهرا، والحامل عليه بينا جليا، لأن المجتمعين له من الأصحاب وإن كانوا كثيري العدد، فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية، من غير مراقبة ولا مساترة، فأظهروا له عليه السلام النصرة، وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يور طوه ويسلموه، فأحس بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الأمر، وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت. وقد صرح بهذه الجملة، وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة، وبألفاظ مختلفة، وقال عليه السلام: إنما هادنت حقنا للدماء، وضنا بها، وإشفاقا على نفسي وأهلي، والمخلصين من أصحابي، فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله. وهو عليه السلام لما كتب إلى معاوية، يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه عليه السلام ويدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة منه والموارية وقال له فيه: لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر، وأضبط للناس، وأكيد للعدو وأقوى على جميع الامور مني، لبايعتك، لأنني أراك لكل خير أهلا، وقال في كتابه: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله. فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضهم على الجهاد ويعرفهم فضله وما في الصبر عليه من الأجر، وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم، فما أجابه أحد، فقال لهم عدي بن حاتم: سبحان الله ألا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد وفلان وفلان فبذلوا الجهاد وأحسنوا القول ونحن نعلم أن من يضن بكلامه أولى أن يضن بفعاله. أو ليس أحدهم جلس له في مظلم ساباط، وطعنه بمغول كان معه أصاب فخذه وشقه حتى وصل إلى العظم، وانتزع من يده، وحمل عليه السلام إلى المدائن، وعليها سعد بن مسعود عم المختار، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولاه إياها فادخل

[28]

منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحى سنة فأبى عليه، وقال للمختار: قبح الله رأيك، أنا عامل أبيه، وقد ائتمنني وشرفنني، وهبني بلاء أبيه (1) ءأنسى رسول الله صلى الله عليه واله ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبته. ثم إن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب وقام عليه حتى برأ وحوله إلى بيض المدائن (2) فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم، فضلا على النصرة والمعونة، وقد أجاب عليه السلام حجر بن عدي الكندي لما قال له: سودت


(1) البلاء: الاختبار، ويكون بالخير والشر، يقال: أبلاه الله بلاء حسنا، وابتليته معروفا، قال زهير: جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذى يبلو أي خير الصنيع الذى يختبر به عباده. ومراده هبني أن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام لم يسد الى نعمة حيث ولانى على المدائن ء أنسى رسول الله الخ. أقول سعد بن مسعود الثقفى: كان عاملا على المدائن من قبل أمير المؤمنين وقد كتب إليه علي عليه السلام " أما بعد فانك قد اديت خراجك، وأطعت ربك، وأرضيت امامك: فعل البر التقى النجيب، فغفر الله ذنبك، وتقبل سعيك، وحسن مآبك. (راجع تاريخ اليعقوبي). (2) قال ابن الجوزى في التذكرة ص 112: قال الشعبى: فبينا الحسن في سرادقه بالمدائن وقد تقدم قيس بن سعد، إذ نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا الى سرادق الحسن فنازعوه حتى أخذوا بساطا كان تحته، وطعنه رجل بمشقص فأدماه، فازدادت رغبته في الدخول في الجماعة، وذعر منهم فدخل المقصورة التى في المدائن بالبيضاء، وكان الامير على المدائن سعد بن مسعود الثقفى عم المختار ولاه عليها على عليه السلام. فقال له المختار، وكان شابا: هل لك في الغناء والشرف ؟ قال: وما ذلك ؟ قال: تستوثق من الحسن وتسلمه الى معاوية، فقال له سعد: قاتلك الله، أثب على ابن رسول الله وأوثقه واسلمه الى ابن هند ؟ بئس الرجل أنا ان فعلته.

[29]

وجوه المؤمنين فقال عليه السلام: ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم. وروى عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن أبي الكنود عبد الرحمان ابن عبيد قال: لما بايع الحسن عليه السلام معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى باظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم، وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز. ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد، ولا حظا من العطية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه، لم يف به، ثم لم يلبث أن قال على رؤس الأشهاد: " إني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لاطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع الفتنة، فلما أن جمع الله لنا الكلم والالفة فان ذلك تحت قدمي " والله ما عنى بذلك غيرك، وما أراد إلا ما كان بينك وبينه، وقد نقض. فإذا شئت فأعد الحرب خدعة، وائذن لي في تقدمك إلى الكوفة، فاخرج عنها عامله واظهر خلعه، وتنبذ إليه على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان. فقال الحسن عليه السلام: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أركض وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، ولا أشد شكيمة


وذكر ابن سعد في الطبقات: ان المختار قال لعمه سعد: هل لك في أمر تسود به العرب ؟ قال: وما هو ؟ قال: دعني أضرب عنق هذا يعنى الحسن - وأذهب به الى معوية. فقال له: قبحك الله ما هذا بلاؤهم عندنا أهل البيت.

[30]

ولا أمضى عزيمة (1) ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا. أو قال: كفوا أيديكم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وهذا كلام منه عليه السلام يشفي الصدور، ويذهب بكل شبهة في هذا الباب. وقد روي أنه عليه السلام لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس، ويعلمهم ما عنده في هذا الباب، قام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: إن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، أيها الناس إنكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه واله ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين، وإن الله قد هداكم بأولياء محمد صلى الله عليه واله (2) وإن معاوية نازعني حقا هو لي، فتركته لصلاح الامة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، فقد رأيت أن اسالمه ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، وأردت صلاحكم، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. وكلامه عليه السلام في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم، ودافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين، أشهر من الشمس وأجلى من الصبح، فأما قول السائل " إنه خلع نفسه من الامامة " فمعاذ الله لأن الامامة بعد حصولها للامام لا يخرج عنه بقوله، وعند أكثر مخالفينا أيضا في الامامة أن خلع الامام نفسه لا يؤثر في خروجه من الامامة، وإنما ينخلع من الامامة عندهم بالأحداث والكبائر، ولو كان خلعه في نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الالجاء والاكراه فلا تأثير له، ولو كان مؤثرا في موضع


(1) الشكيمة: الانفة والانتصار من الظلم يقال: فلان شديد الشكيمة: أي أنوف أبى لا ينقاد. (2) كذا في النسخ، والمروى من الخطبة أنه قال: فان الله هداكم باولنا [محمد صلى الله عليه وآله وسلم] وحقن دماءكم بآخرنا. سيجيئ الخطبة بألفاظها المروية في الباب الاتى.

[31]

من المواضع. ولم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية، بل كف عن المحاربة والمغالبة، لفقد الأعوان وعوز الأنصار، وتلاقي الفتنة على ما ذكرناه، فيغلب عليه معاوية بالقهر والسلطان، مع ما أنه كان متغلبا على أكثره، ولو أظهر عليه السلام له التسليم قولا لما كان فيه شئ إذا كان عن إكراه واضطهاد. فأما البيعة فان اريد بها الصفقة وإظهار الرضا والكف عن المنازعة، فقد كان ذلك، لكنا قد بينا جهة وقوعه، والأسباب المحوجة إليه، ولا حجة في ذلك عليه صلوات الله عليه كما لم يكن في مثله حجة على أبيه صلوات الله عليهما لما بايع المتقدمين عليه، وكف عن نزاعهم، وأمسك عن غلابهم. وإن اريد بالبيعة الرضا وطيب النفس، فالحال شاهد بخلاف ذلك، وكلامه المشهور كله يدل على أنه أحوج وأحرج، وأن الأمر له وهو أحق الناس به وإنما كف عن المنازعة فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين. فأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين صلوات الله عليه من ذلك أن أخذه من يد الجابر الظالم المتغلب جائز، وأنه لا لوم فيه على الأخذ ولا حرج، وأما أخذ الصلات فسائغ بل واجب، لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلب على أمر الامة، يجب على الامام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن، بالطوع أو الاكراه، ووضعه في مواضعه. فإذا لم يتمكن عليه السلام من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى وأخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة، فواجب عليه أن يتناوله من يده، ويأخذ منه حقه ويقسمه على مستحقه، لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له عليه السلام. وليس لأحد أن يقول: إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية أنه كان ينفقها على نفسه وعياله، ولا يخرجها إلى غيره، وذلك أن هذا مما لا يمكن أن يدعى العلم به والقطع عليه، ولا شك أنه عليه السلام كان ينفق منها لأن فيها حقه وحق

[32]

عياله وأهله، ولابد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم، وكيف يظهر ذلك وهو عليه السلام كان قاصدا إلى إخفائه وستره لمكان التقية، والمحوج له عليه السلام إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة، هو المحوج له إلى ستر إخراجها أو إخراج بعضها إلى مستحقيها من المسلمين، وقد كان عليه وآله السلام يتصدق بكثير من أمواله، ويواسي الفقراء، ويصل المحتاجين، ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق. فأما إظهار موالاته فما أظهر عليه السلام من ذلك شيئا كما لم يبطنه، وكلامه عليه السلام فيه بمشهد معاوية ومغيبه معروف ظاهر، ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا للشر العظيم، لكان واجبا، فقد فعل أبوه صلوات الله عليه وآله مثله، مع المتقدمين عليه. وأعجب من هذا كله دعوى القول بامامته، ومعلوم ضرورة منه عليه السلام خلاف ذلك، فانه كان يعتقد ويصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الامام وأتباعه، فضلا عن الامامة نفسها. وليس يظن مثل هذه الامور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد، وما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل وسماع الأخبار المأثورة في هذا الباب، فهو لا يسمع إلا ما يوافقه، وإذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه والله المستعان، انتهى كلامه رفع الله مقامه. وأقول: بعد ما أسسناه في كتاب الامامة بالدلائل العقلية والنقلية أنهم عليهم السلام لا يفعلون شيئا إلا بما وصل إليهم من الله تعالى، وبعد ما قرع سمعك في تلك الأبواب من الأخبار الدالة على وجه الحكمة في خصوص ما فعله عليه السلام، لا أظنك تحتاج إلى بسط القول في ذلك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

[33]

19. (باب) " (كيفية مصالحة الحسن بن على صلوات الله عليهما) " " (معاوية عليه اللعنة وما جرى بينهما قبل ذلك) " 1 - ع: دس معاوية إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وإلى حجر بن الحارث (1) وشبث بن ربعي دسيسا أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن عليه السلام فاستلأم ولبس درعا وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك. فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، لما عليه من اللأمة فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر فأمر عليه السلام أن يعدل به إلى بطن جريحي (2) وعليها عم المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن قيلة فقال المختار لعمه: تعال حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية، فيجعل لنا العراق فنذر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار، ففعلوا. فقال الحسن عليه السلام: ويلكم والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فاسالمه يتركني أدين لدين جدي صلى الله عليه واله وإني أقدر أن أ عبد الله عزوجل وحدي، ولكني كأني أنظر إلى أبناءكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


(1) هذا هو الظاهر المطابق لبعض نسخ الكتاب وفى بعضها " حجر بن الحجر " وفى بعضها " حجرين الحر " وفبعضها " حجر بن الجر ". (2) فليتحرر

[34]

فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه، فكتب الحسن من فوره ذلك إلى معاوية: أما بعد فان خطبي انتهى إلى اليأس من حق احييه وباطل اميته، وخطبك خطب من انتهى إلى مراده، وإنني أعتزل هذا الأمر، واخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شرا لك في معادك، ولي شروط أشترطها، لا تبهظنك إن وفيت لي بها بعهد ولا تخف إن غدرت - وكتب الشروط في كتاب آخر فيه يمنيه بالوفاء، وترك الغدر - وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل، أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم، والسلام. فان قال قائل: من هو النادم الناهض ؟ والنادم القاعد ؟ قلنا: هذا الزبير ذكره أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما أيقن بخطاء ما أتاه، وباطل ما قضاه. وبتأويل ما عزاه، فرجع عنه القهقرى، ولو وفا بما كان في بيعته لمحانكثه، ولكنه أبان ظاهرا الندم والسريرة إلى عالمها. وهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب، روى أصحاب الأثر في فضائله أنه قال: مهما آسا عليه من شئ فاني لا آسا على شئ أسفي على أني لم اقاتل الفئة الباغية مع علي. (1) فهذا ندم القاعد. وهذه عائشة روى الرواة أنها لما أنبها مؤنب فيما أتته، قالت: قضي القضاء وجفت الأقلام، والله لو كان لي من رسول الله صلى الله عليه واله عشرون ذكرا كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت وقتل، كان أيسر علي من خروجي على علي، ومسعاي التي سعيت، فالى الله شكواي لا إلى غيره (2). وهذا سعد بن أبي وقاص لما انهى إليه أن عليا صلوات الله عليه قتل ذا الثدية أخذه ما قدم وما أخر، وقلق ونزق، وقال: والله لو علمت أن ذلك كذلك


(1) تراه في الاستيعاب لابن عبد البر المالكى بذيل الاصابة ج 2 ص 337، بألفاظ مختلفة وفى بعضها أنه قال ذلك حين حضرته الوفاة. (2) روى مثله ابو الفرج الاصبهاني في كتاب مرج البحرين على ما نقله في تذكرة الخواص ص 61.

[35]

لمشيت إليه ولوحبوا. ولما قدم معاوية دخل إليه سعد فقال له: يا أبا إسحاق ما الذي منعك أن تعينني على الطلب بدم الإمام المظلوم ؟ فقال: كنت اقاتل معك عليا ؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؟ قال: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: نعم، وإلا صمتا، قال: أنت الآن أقل عذرا في القعود عن النصرة، فوالله لو سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله ما قاتلته (1). وقد أحال، فقد سمع رسول الله صلى الله عليه واله يقول لعلي عليه السلام أكثر من ذلك فقاتله وهو بعد مفارقته للدنيا يلعنه ويشتمه، ويرى أن ملكه وثبات قدرته بذلك إلا أنه أراد أن يقطع عذر سعد في القعود عن نصره والله المستعان. فان قال قائل لحمقه وخرقه: فان عليا ندم مما كان منه من النهوض في تلك الامور، وإراقة تلك الدماء كما ندموا هم في النهوض والقعود. قيل: كذبت وأحلت لأنه في غير مقام قال: إني قلبت أمري وأمرهم ظهرا لبطن، فما وجدت إلا قتالهم أو الكفر بما جاء محمد صلى الله عليه واله وقد روي عنه: امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وروي هذا الحديث من ثمانية عشر وجها عن النبي صلى الله عليه واله أنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ولو أظهر ندما بحضرة من سمعوا منه هذا وهو يرويه عن النبي صلى الله عليه واله لكان مكذبا فيه نفسه، وكان فيهم المهاجرون كعمار والأنصار كأبي الهيثم وأبي أيوب ودونهما فان لم يتحرج ولم يتورع عن الكذب على من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، استحيى من هؤلاء الأعيان من المهاجرين والأنصار. وعمار الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه واله: عمار مع الحق والحق مع عمار، يدور معه حيث دار، يحلف جهد أيمانه: والله لو بلغوا بنا قصبات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل (2) ويحلف أنه قاتل رايته التي أحضرها صفين وهي التي أحضرها


(1) ترى مثله في صحيح مسلم ج 7 ص 120 و 121. (2) راجع اسد الغابة ج 4 ص 46 ترجمة عمار.

[36]

يوم احد والأحزاب، والله لقد قاتلت هذه الراية آخر أربع مرات، والله ما هي عندي بأهدى من الاولى (1) وكان يقول: إنهم أظهروا الاسلام وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا. ولو ندم علي عليه السلام عند قوله امرت أن اقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين لكان من مع علي يقول له: كذبت على رسول الله صلى الله عليه واله، وإقراره بذلك على نفسه وكانت الامة: الزبير وعائشة وحزبهما، وعلي وأبو أيوب وخزيمة بن ثابت وعمار وأصحابه وسعد [وا] بن عمر وأصحابه (2) فإذا اجتمعوا جميعا على الندم فلابد من أن يكون اجتمعوا على ندم من شئ فعلوه ودوا أنهم لم يفعلوه، وأن الفعل الذي فعلوه باطل فقد اجتمعوا على الباطل، وهم الامة التي لا تجتمع على الباطل أو اجتمعوا على الندم من ترك شئ لم يفعلوه ودوا أنهم فعلوه، فقد اجتمعوا على الباطل بتركهم جميعا الحق، ولا بد من أن يكون النبي صلى الله عليه واله حين قال لعلي عليه السلام إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، كان ذلك من النبي صلى الله عليه واله خبرا، ولا يجوز أن لا يكون ما أخبر إلا بأن يكذب المخبر أو يكون أمره بقتالهم (3) وتركه


(1) وقال ابن سعد: نظر عمار إلى عمرو بن العاص وبيده راية فناداه: ويحك يا ابن العاص هذه راية قد قاتلت بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات وهذه الرابعة. (2) يريد ان الامة بين ثلاث طوائف: طائفة: الزبير وعائشة وحزبهما الناكثون في الجمل، وطائفة على عليه السلام والمهاجرون والانصار يقاتلونهم، وطائفة قاعدون عن الحرب وهم عبد الله بن عمرو بن سعد بن ابى وقاص، فإذا كان هؤلاء الطوائف وهم أمة محمد كلهم ندموا على ما تدعون، فقد اجتمعوا على الخطأ، والنبى صلى الله عليه وآله قال: لا تجتمع امتى على الخطأ. (3) أي يكون النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا بقتالهم وتركه كذلك ولم يخبر الاخرين بالامر لانه عليه السلام يأتمر بما أمر به عنده، ولذلك قال " فوالله ما وجدت الا السيف أو الكفر بما انزل الله على محمد صلى الله عليه وآله على ما ذكره ابن الاثير ج 4 ص 31 من اسد الغابة.

[37]

للائتمار بما أمر به عنده، كما قال علي عليه السلام: إنه كفر. فان قال [قائل]: فإن الحسن أخبر بأنه حقن دماء أنت تدعي أن عليا عليه السلام كان مأمورا باراقتها، والحقن لما أمر الله ورسوله باراقته من الحاقن عصيان، قلنا: إن الامة التي ذكر الحسن عليه السلام امتان وفرقتان وطائفتان: هالكة وناجية، وباغية ومبغي عليها، فإذا لم يكن حقن دماء المبغي عليها إلا بحقن دماء الباغية، لأنهما إذا اقتتلا وليس للمبغي عليها قوام بازالة الباغية حقن دم المبغي عليها، وإراقة دم الباغية مع العجز عن ذلك إراقة لدم المبغي عليها لا غير فهذا هذا. فان قال: فما الباغي عندك ؟ أمؤمن أو كافر أولا مؤمن ولا كافر، قلنا: إن الباغي هو الباغي باجماع أهل الصلاة، وسماهم أهل الارجاء مؤمنين مع تسميتهم إياهم بالباغين، وسماهم أهل الوعيد كفارا مشركين وكفارا غير مشركين كالأباضية والزيدية وفساقا خالدين في النار كواصل وعمر، ومنافقين خالدين في الدرك الأسفل من النار كالحسن وأصحابه، فكلهم قد أزال الباغي عما كان [فيه] قبل البغي فأخرجه قوم إلى الكفر والشرك كجميع الخوارج غير الأباضية (1) وإلى الكفر غير الشرك كالأباضية والزيدية، وإلى الفسق والنفاق [كواصل] وأقل ما حكم عليهم أهل الارجاء إسقاطهم من السنن والعدالة والقبول. فان قال: فان الله عز وجل سمى الباغي مؤمنا فقال عز وجل: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " (2) فجعلهم مؤمنين، قلنا: لابد من أن المأمور بالاصلاح بين الطائفتين المقتتلين، كان قبل اقتتالهما عالما بالباغية منهما أولم يكن عالما بالباغية منهما ؟ فان كان عالما بالباغية منهما، كان مأمورا بقتالها مع المبغي عليها حتى تفيئ إلى أمر الله وهو الرجوع إلى ما خرج منه بالبغي، وإن كان المأمور بالاصلاح جاهلا بالباغية والمبغي عليها، فانه كان جاهلا بالمؤمن غير الباغي والمؤمن الباغي وكان المؤمن غير الباغي عرف بعد التبيين، والفرق بينه وبين الباغي [كان] ظ مجمعا من


(1) فرقة من الخوارج انتسبوا إلى عبد الله بن أباض التميمي. (2) الحجرات: 9.

[38]

أهل الصلاة على إيمانه، لاختلاف بينهم في اسمه والمؤمن الباغي بزعمك مختلف فيه، فلا يسمى مؤمنا حتى يجمع على أنه مؤمن، كما أجمع على أنه باغ، فلا يسمى الباغي مؤمنا إلا باجماع أهل الصلاة على تسميته مؤمنا كما أجمعوا عليه وعلى تسميته باغيا. فإن قال: فإن الله عزوجل سمى الباغي للمؤمنين أخا ولا يكون أخ المؤمنين إلا مؤمنا، قيل: أحلت وباعدت، فان الله عزوجل سمى هودا وهو نبي أخا عاد وهم كفار فقال: " وإلى عاد أخاهم هودا " (1) وقد يقال للشامي يا أخا الشام ولليماني يا أخا اليمن، ويقال للمسايف اللازم له المقاتل به فلان أخ السيف، فليس في يد المتأول " أخ المؤمن لا يكون إلا مؤمنا " مع شهادة القرآن بخلافه، وشهادة اللغة بأنه يكون المؤمن أخا الجماد الذي هو الشام واليمن والسيف والرمح، وبالله أستعين على امورنا في أدياننا، ودنيانا وآخرتنا، وإياه نسأل التوفيق لما قرب منه وأزلف لديه بمنه وكرمه. بيان: استلأم الرجل إذا لبس اللأمة وهي الدرع، وكفرت الشئ أكفره بالكسر كفرا أي سترته، ونذر القوم بالعدو بكسر الذال أي علموا، والخطب: الأمر والشأن، وبهظه الأمر كمنع غلبه وثقل عليه. قوله عليه السلام: " ولا تخف إن غدرت " أي لا يرتفع عنك ثقل إن لم تف بالعهد كما أنه لا يثقل عليك إن وفيت، قوله " ما عزاه " أي نسبه إلى النبي صلى الله عليه واله من العذر في هذا الخروج، ويقال أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن، قوله " أخذه ما قدم وما أخر " أي أخذه هم ما قدم من سوء معاملته مع علي عليه السلام وما أخر من نصرته، أو من عذاب الآخرة أو كناية عن هموم شتى لامور كثيرة مختلفة. والقلق محركة الانزعاج، ونزق كفرح وضرب: طاش وخف عند الغضب قوله " عن النصرة " أي عن نصرة علي عليه السلام قوله " وأحال " هذا كلام الصدوق أي


(1) هود: 50.

[39]

كذب معاوية وأتى بالمحال حتى ادعى عدم سماع ذلك، قوله " أنه قاتل رايته " أي راية معاوية، قوله " بأهدى من الاولى " أي هي مثل الاولى راية شرك في أنها راية شرك وكفر، قوله " أو يكون أمره " حاصله أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه واله إما إخبار أو أمر في صورة الخبر، وعلى ما ذكرت من كونهم على الحق يلزم على الأول كذب الرسول صلى الله عليه واله وعلى الثاني مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام لما أمره به الرسول صلى الله عليه واله. أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال أبو الفرج الاصفهاني كتب الحسن عليه السلام إلى معاوية مع جندب (1) بن عبد الله الأزدي: من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليكم فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلأهو، أما بعد فان الله عزو جل بعث محمدا صلى الله عليه واله رحمة للعالمين، ومنة للمؤمنين توفاه الله غير مقصر ولاوان، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشر، وخص قريشا خاصة فقال له " وإنه لذكر لك ولقومك " (2) فلما توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد صلى الله عليه واله، فأنعمت لهم وسلمت إليهم. ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت ممد وأولياؤه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو المولي النصير. ولقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من * (هامش) (1) في الاصل: حرب بن عبد الله، وهو تصحيف. (2) الزخرف: 44.

[40]

أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه واله ولكن الله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار: وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد. إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم من الله عليه بالاسلام ويوم يبعث حيا - ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عزوجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فانك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب. واتق الله ! ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله مالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لا قيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به، منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلأ التمادي في غيك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. أقول: ثم ذكر جواب معاوية، وما أظهر فيه من الكفر والالحاد إلى قوله: وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سنا فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق بالغا ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك، ويحملها إليك في

[41]

كل سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالأشياء، ولا يقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله أعاننا الله، وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام. قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده [وعمله] فأما أن تقدر أنه ينقاد لك، فلا والله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشور تي وتناسي قولي (1). 2 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن والحسين صلوات الله عليهما كانا يغمزان معاوية، ويقولان فيه، ويقبلان جوائزه. 3 - ف: قال معاوية للحسن عليه السلام بعد الصلح: اذكر فضلنا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد النبي وآله ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الامة، أنا ابن من كان جبرئيل السفير من الله. إليه، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين [صلى الله عليه وآله أجمعين]. فلم يقدر معاوية يكتم عداوته وحسده فقال: يا حسن عليك بالرطب فانعته لنا، قال: نعم يا معاوية، الريح تلقحه، والشمس تنفخه، والقمر يلونه، والحر ينضجه، والليل يبرده. ثم أقبل على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغما أنا ابن من سعد تابعه، وشقي خاذله، أنا ابن من جعلت الأرض له طهورا ومسجدا أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقال معاوية: أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة، فقال: ويلك يا معاوية


(1) راجع مقاتل الطالبيين ص 37 - 40.

[42]

إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، وعمل بطاعة الله، ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنك يا معاوية ممن أباد السنن، وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خولا، ودين الله لعبا، فكأن قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيرا، وبقيت عليك تبعاته، يا معاوية والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب أسماؤهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحدا غير جدي رسول الله صلى الله عليه واله. فقال معاوية: يا أبا محمد أخبرنا عن ليلة القدر، قال: نعم، عن مثل هذا فاسأل إن الله خلق السماوات سبعا والأرضين سبعا، والجن من سبع، والانس من سبع فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين ثم نهض عليه السلام. أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن المدائني قال: سأل معاوية الحسن بن علي عليهما السلام بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع، فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس عليه، ثم قال: الحمد لله الذي توحد في ملكه، وتفرد في ربوبيته: يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أو لكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم، أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لن تعهدوا بمثله، ولن تجدوا مثل سابقته. فهيهات هيهات طالما قلبتم له الامور حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم غزاكم في بدر وأخواتها، جرعكم رنقا وسقاكم علقا، وأذل رقابكم وشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه، وأيم الله لا ترى امة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم في بني امية، ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم، وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند الله أحتسب ما مضى، وما ينتظر من سوء رغبتكم، وحيث حلمكم. ثم قال: يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله، صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفسها

[43]

ليس بالملومة في أمر الله، ولا بالسروقة لمال الله، ولا بالفروقة في حرب أعداء الله، أعطى الكتاب خواتيمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعه، لا تأخذه في الله لومة لائم، فصلوات الله عليه ورحمته. فقال معاوية: أخطا عجل أو كاد، وأصاب متثبت أو كاد (1) ماذا أردت من خطبة الحسن عليه السلام. بيان: رنق رنقا بالتحريك كدر، وانضوى إليه: مال، وجثم لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض. 4 - يج: روي عن الحارث الهمداني قال: لما مات علي عليه السلام جاء الناس إلى الحسن، وقالوا: أنت خليفة أبيك، ووصيه، ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك فقال عليه السلام: كذبتم، والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني، فكيف تفون لي ؟ وكيف أطمئن إليكم ولا أثق بكم ؟ إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوا إلى هناك. فركب وركب معه من أراد الخروج، وتخلف عنه كثير، فما وفوا بما قالوه وبما وعدوه، وغروه كما غروا أمير المؤمنين عليه السلام من قبله، فقال خطيبا، وقال: غررتموني كما غررتم من كان من قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي، مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو وبني امية إلا فرقا من السيف ؟ ولو لم يبق لبني امية إلا عجوز درداء، لبغت دين الله عوجا، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه واله. ثم وجه إليه قائدا في أربعة آلاف، وكان من كندة وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره، فلما توجه إلى الأنبار ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث إليه رسلا وكتب إليه معهم أنك إن أقبلت إلي أو لك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم: فقبض * (هامش) (1) العجل - ككتف وعضد - العجول وزاده الخطأ، والمتثبت: هو الذى يتأنى في الامور ويروى فيصيب مرماه.

[44]

الكندي عدو الله المال، وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته. فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقام خطيبا وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا: وأنا موجه رجلا آخر مكانه، وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، ولا يراقب الله في ولا فيكم، فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس، وتوكد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال: أنه لا يفعل. فقال الحسن: إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليه رسلا وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمسة آلاف درهم، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، وبلغ الحسن ما فعل المرادي فقام خطيبا فقال: قد أخبرتكم مرة بعد اخرى أنكم لا تفون لله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية. ثم كتب معاوية إلى الحسن: يا ابن عم، لا تقطع الرحم الذي بينك وبيني فان الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك. فقالوا: إن خانك الرجلان وغدروا بك فانا مناصحون لك، فقال لهم الحسن: لأعودن هذه المرة فيما بيني وبينكم، وإني لأعلم أنكم غادرون ما بيني وبينكم إن معسكري بالنخيلة فوافوني هناك، والله لا تفون لي بعهدي، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم. ثم إن الحسن أخذ طريق النخيلة، فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال: يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين، ولو سلمت له الأمر فأيم الله لا ترون فرجا أبدا مع بني امية، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنوا أن عليكم جيشا جيشا ولو وجدت أعوانا

[45]

ما سلمت له الأمر، لأنه محرم على بني امية فاف وترحا يا عبيد الدنيا. وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية: فانا معك، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك، ثم أغاروا على فسطاطه، وضربوه بحربة، واخذ مجروحا، ثم كتب جوابا لمعاوية: إنما هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد وانصرف إلى الكوفة. بيان: امرأة درداء: أي ليس في فمها سن، قوله عليه السلام: " لبغت دين الله عوجا " أي لطلبت أن يثبت له اعوجاجا، وتلبس على الناس أن فيه عوجا، مقتبس من قوله تعالى: " قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا " (1) والكور بضم الكاف وفتح الواو جمع الكورة، وهي المدينة والصقع، و قال الجوهري " أنفسني فلان في كذا " أي رغبني فيه، ولفلان منفس ونفيس أي مال كثير، ونفس به بالكسر أي ضن به، يقال: نفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره يستأهله، قوله " وقلب على الحسن " أي صرف العسكر أو الأمر إليه، والترح بالتحريك ضد الفرح والهلاك. 5 - شا: لما بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين عليه السلام وبيعة الناس ابنه الحسن عليه السلام دس رجلا من حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الامور، فعرف ذلك الحسن عليه السلام فأمر باستخراج الحميري من عند لحام (2) بالكوفة، فاخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فاخرج وضربت عنقه. وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فانك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه


(1) آل عمران: 99. (2) حجام، خ ل.

[46]

إنشاء الله، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذوحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول: فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لاخرى مثلها فكأن قد فانا ومن قد مات منا لكالذي يروح فيمسي في المبيت ليغتدي فأجابه معاوية عن كتابه بما لا حاجة لنا إلى ذكره، وكان بين الحسن عليه السلام وبينه بعد ذلك مكاتبات ومراسلات، واحتجاجات للحسن عليه السلام في استحقاقه الأمر وتوثب من تقدم على أبيه عليه السلام وابتزازهم سلطان ابن عم رسول الله صلى الله عليه واله وتحققهم به دونه، أشياء يطول ذكرها. وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلما بلغ جسر منبج (1) تحرك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفوا [و] معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة (2) يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين. فسار حتى أتى حمام عمر، ثم أخذ على دير كعب، فنزل ساباط دون القنطرة وبات هناك. فلما أصبح أراد عليه السلام أن يمتحن أصحابه، ويستبرئ أحوالهم له في الطاعة ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق [بشيرا] وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله. أما بعد فاني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق * (هامش 46) * (1) منبج - كمجلس - بلد من بلاد الشام، وقيل: أول من بناها كسرى لما غلب على الشام ومنه الى حلب عشر فراسخ. (2) يعنى أصحاب التحكيم وهم الخوارج.

[47]

الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد بما قال ؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه، وانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمان بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفة عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا بالسيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه وركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعو الي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه عليه السلام وسار ومعه شوب من غيرهم. فلما مر في مظلم ساباط، بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان، وأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال: ألله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعا إلى الأرض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده، وخضخض به جوفه، فأكب عليه آخر يقال له: ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن، فانزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على السير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسن عليه السلام ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية

[48]

ويرده عن العراق، وجعله أميرا على الجماعة، وقال: إن اصبت فالأمير قيس ابن سعد. فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها: الحبونية، بإزاء مسكن (1) وأن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم. فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له، واستحلال دمه، ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا يقوم لاجناد الشام فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس منه من ترك الحرب، وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له، ومصيره إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتوكيد الحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء


(1) مسكن - بكسر الكاف - موضع على نهر دجيل قريبا من أواني عند دير الجاثليق ذكره الخطيب في تاريخه، وفى هذا المكان قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير وفيه قبر مصعب وابراهيم بن الاشتر النخعي.

[49]

ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهد عليه وحلف له بالوفاء له. فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما فاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتامر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له. ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت البيعة له من أهلها صعد المنبر، فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ونال منه، ونال من الحسن عليه السلام ما نال، وكان الحسن والحسين عليهما السلام حاضرين، فقام الحسين عليه السلام ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن عليه السلام فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وامي فاطمة وامك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا، فقالت طوائف من أهل المسجد: آمين آمين (1). توضيح: قوله " فكأن قد " أي فكأن قد نزلت أو جاءت، وحذف مدخول قد شائع، قوله " وبيده مغول " في بعض النسخ بالغين المعجمة، قال الفيروز آبادي: المغول كمنبر حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلاف وشبه مشمل إلا أنه أدق [وأطول منه] ونصل طويل أو سيف دقيق له قفا واسم وفي بعضها بالمهملة وهي حديدة ينقر بها الجبال، و " الخضخضة " التحريك، و " الفتك " أن يأتي الرجل صاحبه وهو


(1) الارشاد ص 170 - 173. ورواه ابو الفرج في مقاتل الطالبيين عن ابى عبيد عن يحيى بن معين، وبعد ما أتى على آخر الخبر من قوله فقال طوائف من أهل المسجد آمين. قال فقال يحيى بن معين ونحن نقول آمين، قال أبو عبيد ونحن أيضا نقول آمين قال أبو الفرج وأنا أقول آمين قلت وأنا أيضا أقول: آمين.

[50]

غار غافل حتى يشد عليه فيقتله. أقول: وقال عبد الحميد بن أبي الحديد: لما سار معاوية قاصدا إلى العراق وبلغ جسر منبج نادى المنادي الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا خرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: " اصبروا إن الله مع الصابرين " (1) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة، حتى ننظر وتنظرون، ونرى وترون، قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له. قال: فسكتوا فما تكلم منهم أحد، ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي ابن حاتم قام فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟ أين خطباء مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب أما تخافون مقت الله ولاعنتها وعارها. ثم استقبل الحسن عليه السلام بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت ورأيت، وهذا وجهي إلى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف. ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، فكان عدي أول الناس عسكرا. ثم قام قيس بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن حصفة التيمي فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن عليه السلام بمثل كلام عدي ابن حاتم في الاجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء، والقبول، والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا


(1) الانفال: 46.

[51]

ثم نزل. وخرج الناس وعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن عليه السلام إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث، وأمره باستحثاث الناس على اللحوق إليه، وسار الحسن عليه السلام في عسكر عظيم حتى نزل دير عبد الرحمان فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس. ثم دعا عبيد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسربهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فانهم بقية ثقات أمير المؤمنين عليه السلام وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك فاني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم وشاور هذين يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فان فعل فقاتله، فان اصبت فقيس بن سعد على الناس فان اصيب فسعيد بن قيس على الناس. فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور، حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى مسكن، وأخذ الحسن على حمام عمر، حتى أتى دير كعب ثم بكر فنزل ساباط دون القنظرة. أقول: ثم ذكر ما جرى عليه صلوات الله عليه هناك، وقد مر ذكره ثم قال: فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل في قرية يقال له الحبونية وأقبل عبيد الله بن العباس حتى نزل بازائه فلما كان من غد وجه معاوية إلى عبيد الله أن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر. فانسل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفا له بما وعده، وأصبح الناس

[52]

ينتظرونه أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم، وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو، فأجابوه بالطاعة، وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله، فنهض بهم. وخرج إليهم بسر بن أرطاة فصاحوا إلى أهل العراق: ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم ؟ فقال لهم قيس ابن سعد: اختاروا إحدى اثنين إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال، قالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم. وكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح، فكتب إليه معاوية لما يئس منه: أما بعد فانك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فان ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أو ترغير قوسه، ورمى غير غرضه، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا والسلام. فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد فانما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرها، وأقمت فيه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، وعدو الله ونبيه، والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي فلعمري ما أو تر إلا قوسه، ولا رمي إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام. فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا فانك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه وبعث معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن عليه السلام للصلح فدعواه

[53]

إليه وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وأن لا يتبع أحد بما مضى ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير وأشياء اشترطها الحسن، فأجاب إلى ذلك، وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة. ثم قال: وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، فخطب ثم قال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون. قال: فكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك يقول: هذا والله هو التهتك. قال أبو الفرج: ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، بين يديه خالد بن عرفطة، ومعه حبيب بن حمار، يحمل رايته، فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل، واجتمع الناس إليه. قال أبو الفرج: فحدثني أبو عبد الله الصيرفي، وأحمد بن عبيد [الله] بن عمار عن محمد بن علي بن خلف، عن محمد بن عمرو الرازي، عن مالك بن سعيد (1) عن محمد بن عبد الله الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه قال: بينما علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب المسجد وأشار إلى باب الفيل - ومعه راية ضلالة يحملها حبيب بن حمار، قال: فوثب إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمار، وأنا لك شيعة، فقال: فانه كما أقول قال: فو الله لقد قدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمار. قال أبو الفراج: ومقال مالك بن سعيد: وحدثني الأعمش بهذا الحديث فقال: حدثني صاحب هذه الدار وأشار إلى دار السائب أبي عطا - أنه سمع عليا عليه السلام يقول هذا.


(1) في المقاتل ص 49 (ط نجف) مالك بن شعير.

[54]

قال أبو الفرج: فلما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة فجاء وكان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف، ورجلاه يخطان في الأرض وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا إدخاله إليه، قال: حلفت أن لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح وبسيف فوضعا بينه وبينه ليبر يمينه. قال أبو الفرج: وقد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال: أفي حل أنا من بيعتك ؟ قال: نعم، فالقي له كرسي وجلس معاوية على سريره والحسن معه، فقال له معاوية: أنبايع يا قيس، قال: نعم، ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فحنى معاوية على سريره (1) وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، وما رفع قيس إليه يده. 6 - قب: لما مات أمير المؤمنين عليه السلام خطب الحسن بالكوفة فقال: أيها الناس إن الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فالى زوال واضمحلال، فلما بلغ إلى قوله: وإني ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت، فقال الناس: سمعنا وأطعنا فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين (2) فأقام بها شهرين. قال أبو مخنف: قال ابن عباس كلاما فيه: فشمر في الحرب، وجاهد عدوك ودار أصحابك، واستتر من الضنين دينه بما لا ينثلم لك دين، وول اهل البيوتات والشرف، والحرب خدعة، وعلمت أن أباك إنما رغب الناس عنه، وصاروا إلى معاوية، لأنه آسا بينهم في العطاء. فرتب عليه السلام العمال، وأنفذ عبد الله إلى البصرة، فقصد معاوية نحو العراق فكتب إليه الحسن عليه السلام: أما بعد فان الله تعالى بعث محمدا رحمة للعالمين، فأظهر به الحق وقمع به الشرك، وأعز به العرب عامة، وشرف به من شاء منها خاصة فقال: " وإنه


(1) في المقاتل ص 50: فجثا معاوية على سريره. وحتى، انسب فانه بمعنى الانعطاف. (2) في المصدر ج 4 ص 31: يا امام المؤمنين.

[55]

لذكر لك ولقومك " (1) فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر من بعده، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته، فلا تنازعونا سلطانه، فعرفت العرب ذلك لقريش، ثم جاحدتنا قريش ما قد عرفته العرب لهم، وهيهات ما أنصفتنا قريش. الكتاب. فأجابه معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسن عليه السلام: فهمت ما ذكرت به محمدا صلى الله عليه واله وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر من بعده، فصرحت بنميمة فلان وفلان، وأبي عبيدة وغيرهم، فكرهت ذلك لك، لأن الامة قد علمت أن قريشا أحق بها، وقد علمت ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج أبوك منه. ثم كتب أما بعد فان الله يفعل في عباده ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع الناس (2) وآيس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس: وإن أحد أسدى إليك كرامة فأوف بما تدعى إذا مت وافيا فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ولا تجفه إن كان للمال نائيا ثم الخلافة لك من بعدي، وأنت أولى الناس بها، وفي رواية ولو كنت أعلم أنك أقوى للأمر، وأضبط للناس، وأكبت للعدو، وأقوى على جمع الأموال مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا ثم قال: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [وأبيك] بعد رسول الله صلى الله عليه واله. فأجابه الحسن عليه السلام: أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت وتركت جوابك خشية البغي، وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق فانك تعلم من


(1): الزخرف: 44. (2) الرعاع - بالفتح - سقاط الناس وسفلتهم وغوغاؤهم، الواحد رعاعة وقيل: لا واحد له من لفظه. (*)

[56]

أهله " وعلي إثم أن أقول فأكذب ". فاستنفر معاوية الناس فلما بلغ جسر منبج بعث الحسن عليه السلام حجر بن عدي واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا، ثم خف معه أخلاط من شيعته ومحكمة وشكاك وأصحاب عصبية وفتن، حتى أتى حمام عمر. أقول: وساق الكلام نحوا مما مر إلى أن قال: وأنفذ إلى معاوية عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فتوثق منه لتأكيد الحجة أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه، والأمر من بعده شورى، وأن يترك سب علي وأن يؤمن شيعته، ولا يتعرض لأحد منهم، ويوصل إلي كل ذي حق حقه ويوفر عليه حقه، كل سنة خمسون ألف درهم، فعاهده على ذلك معاوية، وحلف بالوفاء به، وشهد بذلك عبد الله بن الحارث، وعمرو بن أبى سلمة، وعبد الله بن عامر ابن كريز، وعبد الرحمن بن أبي سمرة، وغيرهم. فلما سمع ذلك قيس بن سعد قال: أتاني بأرض العال من أرض مسكن بأن إمام الحق أضحى مسالما فما زلت مذ بينته متلددا اراعي نجوما خاشع القلب واجما وروي أنه قال الحسن عليه السلام في صلح معاوية: أيها الناس إنكم لو طلبتم ما بين جا بلقا وجابرسا رجلا جده رسول الله صلى الله عليه واله ما وجدتموه غيري وغير أخي وإن معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الامة، وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن اسالمه، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. وفي رواية: إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها، وإشفاقا على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي وروي أنه عليه السلام قال: يا أهل العراق إنما سخي عليكم (1)


(1) في المصدر المطبوع ج 4 ص 34 قال المحشى: كذا في النسخ التى عندنا لكن وقفت على الرواية في غير الكتاب وفيها: " عنكم " بدل " عليكم " وهو الظاهر. أقول وسيجئ معناه في كلام المصنف رحمه الله.

[57]

بنفسي ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. ودخل الحسين عليه السلام على أخيه باكيا ثم خرج ضاحكا فقال له مواليه: ما هذا ؟ قال: العجب من دخولي على إمام اريد أن اعلمه، فقلت: ماذا دعاك إلى تسليم الخلافة ؟ فقال: الذي دعا أباك فيما تقدم، قال: فطلب معاوية البيعة من الحسين عليه السلام فقال الحسن: يا معاوية لا تكرهه فانه لا يبايع أبدا أو يقتل ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام. وقال المسيب بن نجبة الفزاري وسليمان بن صرد الخزاغي للحسن بن علي عليهما السلام: ما ينقضي تعحبنا منك، بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز فقال الحسن عليه السلام: قد كان ذلك، فما ترى الآن فقال: والله أرى أن ترجع لأنه نقض [العهد]، فقال: يا مسيب إن الغدر لا خير فيه ولو اردت لما فعلت وقال حجر بن عدي: أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم، فانا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا. فلما خلا به الحسن عليه السلام قال: يا حجر قد سمعت كلامك، في مجلس معاوية وليس كل إنسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم، والله تعالى كل يوم هو في شأن، وأنشأ عليه السلام لما اضطر إلى البيعة. احامل أقواما حياء ولا أرى قلوبهم تغلي علي مراضها (1) وله عليه السلام: لئن ساءني دهر عزمت تصبرا وكل بلاء لا يدوم يسير (هامش) (1) أظن الصحيح هكذا: أجامل أقواما حياء، ولا أرى قدروهم تغلى على مراضها يقال: غلت القدر تغلى غليانا: جاشت وثارت بقوة الحرارة، ومراض القدر أسفلها إذا غطى من الماء، يقول: انهم يثورون ثورة ظاهرية كالقدر التى ثارت اعلاه ولم تغل أسفلها، فهم منافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

[58]

وإن سرني لم أبتهج بسروره وكل سرور لا يدوم حقير ايضاح: قوله عليه السلام " استتر من الضنين " الضنين البخيل أي استر دينك ممن يبخل بدينه منك، بأن لا يظهر، لك دينه، أو لا يوافقك في الدين، على وجه لا يضر بدينك بأن يكون على وجه المداهنة، ويقال: " ليس له فيه غميزة " أي مطعن وأسدى وأولى وأعطى بمعنى، قوله " بما تدعى " أي أوف جزاء تلك الكرامة إيفاء تصير به معروفا بعد موتك، بأنك كنت وافيا. قوله " إن كان للمال نائيا " أي بعيدا عن المال فقيرا وفلان يتلدد أي يلتفت يمينا وشمالا ورجل ألد بين اللدد، وهو شديد الخصومة، والواجم الذي اشتد حزنه وأمسك عن الكلام. قوله عليه السلام: " إنما سخي عليكم " أي جعلني سخيا في ترككم قال الجوهري: سخت نفسه عن الشئ إذا تركته قوله عليه السلام " ولا أرى قلوبهم " أي اجاملهم ولا أنظر إلى غليان قلوبهم للحقد والعداوة، ويحتمل أن تكون " لا " زائدة. 7 - قب: تفسير الثعلبي ومسند الموصلي وجامع الترمذي (1) واللفظ له عن يوسف بن مازن الراسبي (2) أنه لما صالح الحسن بن علي عليه السلام عذل وقيل له: يا مذل المؤمنين ومسود الوجوه، فقال عليه السلام: لا تعذلوني فان فيها مصلحة


(1) في اسد الغابة ج 2 ص 14 قال: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن مهران الفقيه وغير واحد قالوا باسنادهم إلى أبى عيسى الترمذي قال: حدثنا محمود بن غيلان أخبرنا أبو داود الطيالسي أخبرنا القاسم بن الفضل الحرانى، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين أو - يا مسود وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبنى رحمك الله فان النبي صلى الله عليه وآله أرى بنى امية على منبره فساءه ذلك فنزلت " انا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما لية القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر " تملكها بعدى بنو امية. (2) الراشى خ ل.

[59]

ولقد رأى النبي صلى الله عليه واله في منامه: يخطب بنو امية واحد بعد واحد (1) فحزن فأتاه جبرئيل بقوله " إنا أعطيناك الكوثر " " وإنا أنزلناه في ليلة القدر " وفي خبر عن أبي عبد الله عليه السلام فنزل: " أفرأيت إن متعناهم سنين - إلى قوله - يمتعون " (2) ثم انزل: إنا أنزلناه: يعني جعل الله ليلة القدر لنبيه خيرا من ألف شهر ملك بني امية. وعن سعيد بن يسار، وسهل بن سهل أن النبي صلى الله عليه واله رأى في منامه أن قرودا تصعد في منبره وتنزل، فساءه ذلك واغتم به، ولم ير بعد ذلك ضاحكا حتى مات وهو المروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام. مسند الموصلي: أنه رأى في منامه خنازير تصعد في منبره الخبر. وقال القاسم بن الفضل الحراني: عددنا ملك بني امية فكان ألف شهر. أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد: قال أبو الفرج الاصفهاني: حدثني محمد بن أحمد: أبو عبيد، عن الفضل بن الحسن البصري، عن أبي عمرويه، عن مكي بن إبراهيم، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن الليل قال أبو الفرج: وحدثني أيضا محمد بن الحسين الأشناني (3) وعلي بن العباس، عن عباد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت عن سفيان قال: أتيت الحسن بن علي عليهما السلام حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام يا سفيان [انزل] فنزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان ؟ قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: ما جر هذا منك إلينا ؟ فقلت: أنت


(1) الشعراء: 205. (2) في الاصل المطبوع: رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه وهو يخطب بنى امية واحدا بعد واحد. وهو تصحيف ظاهر. راجع المصدر ج 4 ص 36. (3) في الاصل المطبوع ههنا تصحيفات متعددة راجع ط كمباني ص 114، مقاتل الطالبيين ص 47.

[60]

والله بأبي أنت وامي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، وقد جمع الله عليك أمر الناس. فقال: يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره. ثم أذن المؤذن فقمنا إلى حالب يحلب ناقته فتناول الاناء فشرب قائما ثم سقاني وخرجنا نمشي إلى المسجد فقال لي: ما جاء بك يا سفيان ؟ قلت: حبكم والذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق، قال: فأبشر يا سفيان فاني سمعت عليا عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من امتي كهاتين يعني السبابتين أو كهاتين يعني السبابة والوسطى - إحداهما تفضل على الاخرى، ابشر يا سفيان فان الدنيا تسع البر والفاجر، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه واله. قال ابن أبي الحديد قوله: " ولا في الأرض ناصر " أي ناصر ديني أي لا يمكن أحد أن ينتصر له بتأويل ديني يتكلف به عذرا لأفعاله القبيحة. 8 - كش: ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه قال: إن الحسن عليه السلام لما قتل أبوه عليه السلام خرج في شوال، من الكوفة إلى قتال معاوية فالتقوا بكسكر، وحاربه ستة أشهر، وكان الحسن عليه السلام جعل ابن عمه عبيد الله بن العباس على مقدمته فبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم، فمر بالراية، ولحق بمعاوية، وبقي العسكر بلا قائد ولا رئيس. فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس وقال: أيها الناس لا يهولنكم

[61]

ذهاب هذا الكذا وكذا (1) فان هذا وأباه لم يأتيا قط بخير، وقام يأمر الناس، ووثب أهل عسكر الحسن عليه السلام بالحسن في شهر ربيع الأول، فانتهبوا فسطاطه، وأخذوا متاعه، وطعنه ابن بشر الأسدي في خاصرته، فردوه جريحا إلى المدائن حتى تحصن فيها عند عم المختار بن أبى عبيد. 9 - كش: جبرئيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه، وإبراهيم بن نصير عن محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي، عن يونس بن يعقوب، عن فضيل غلام محمد ابن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن: اقدم أنت والحسين وأصحاب علي فخرج معهم قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري فقدموا الشام، فأذن لهم معاوية، وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن قم قبايع فقام وبايع، ثم قال للحسين عليه السلام: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره، فقال: يا قيس إنه إمامي يعني الحسن عليه السلام. 10 - كش: جعفر بن معروف، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري


(1) يعنى هذا الذي فعل كذا وكذا، ادخل لام التعريف على كذا، وهو من شيمة المولدين ولفظ ابي الفرج في المقاتل ص 44 هكذا: ايها الناس لا يهولنكم، ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع - أي الجبان - ان هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، ان أباه عم رسول الله صلى الله عليه وآله خرج يقاتله ببدر فأسر أبو اليسر كعب بن عمرو الانصاري فأتى به رسول الله فأخذ فذاءه فقسمه بين المسلمين وان أخاه ولاه على على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجوارى، وزعم ان ذلك له حلال وان هذا ولاه أيضا على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتى قتلوا وصنع الان هذا الذى صنع. قال فتنادى الناس: الحمد لله الذى أخرجه من بيننا امض بنا إلى عدونا فنهض بهم الحديث. (*)

[62]

صاحب شرطة الخميس على معاوية، فقال له معاوية: بايع، فنظر قيس إلى الحسن عليه السلام فقال: يا با محمد بايعت ؟ فقال له معاوية أما تنتهي ؟ أما والله إني، فقال له قيس: ما شئت أما والله لئن شئت لتناقضن به فقال: وكان مثل البعير جسما وكان خفيف اللحية قال: فقام إليه الحسن عليه السلام وقال له: بايع يا قيس، فبايع. بيان: قوله " أما والله إني " اكتفى ببعض الكلام تعويلا على قرينة المقام أي إني أقتلك أو نحوه، قوله " ما شئت " أي اصنع ما شئت، قوله " لئن شئت " على صيغة المتكلم أي إن شئت نقضت بيعتك فقوله: لتناقضن على بناء المجهول. 11 - كشف: عن الشعبي قال: شهدت الحسن بن علي عليهما السلام حين صالح معاوية بالنخيلة، فقال له معاوية: قم فأخبر الناس أنك تركت هذا الأمر، وسلمته [إلي] فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد فان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلف فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرء فهو أحق به مني، وإما أن يكون حقا هولي فقد تركته إرادة لصلاح الامة، وحقن دمائها (1) وإن أدرى لعله فتنه لكم ومتاع إلى حين. 12 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبيه، عن عمار أبي اليقظان، عن أبي عمر زاذان قال: لما وادع الحسن بن علي عليهما السلام معاوية، صعد معاوية المنبر، وجمع الناس فخطبهم وقال: إن الحسن ابن علي رآني للخلافة أهلا، ولم ير نفسه لها أهلا، وكان الحسن عليه السلام أسفل منه بمرقاة. فلما فرغ من كلامه قام الحسن عليه السلام فحمد الله تعالى بما هو أهله، ثم ذكر المباهلة، فقال: فجاء رسول الله صلى الله عليه واله من الأنفس بأبي، ومن الأبناء بي وبأخي ومن النساء بامي وكنا أهله ونحن آله، وهو منا ونحن منه. ولما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله صلى الله عليه واله في كساء لام سلمة رضي الله عنها


(1) في اسد الغابة ج 2 ص 14: ثم التفت إلى معاوية وقال: ان أدرى الخ والحديث في الكشف ج 2 ص 141 نقلا عن كتاب الحلية لابي نعيم الحافظ.

[63]

خيبري ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فلم يكن أحد في الكساء غيري وأخي وأبي وامي، ولم يكن أحد تصيبه جنابة في المسجد ويولد فيه إلا النبي صلى الله عليه واله وأبي تكرمة من الله لنا وتفضيلا منه لنا، وقد رأيتم مكان منزلنا من رسول الله صلى الله عليه واله. وأمر بسد الأبواب فسدها وترك بابنا، فقيل له في ذلك فقال: أما إني لم أسدها وأفتح بابه، ولكن الله عزوجل أمرني أن أسدها وأفتح بابه. وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلا فكذب معاوية، نحن أولى بالناس في كتاب الله عزوجل وعلى لسان نبيه صلى الله عليه واله ولم نزل أهل البيت مظلومين، منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه واله فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيئ ومنع امنا ما جعل لها رسول الله صلى الله عليه واله. واقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله صلى الله عليه واله لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، وما طمعت فيها يا معاوية، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها، فطمعت فيها الطلقاء، وأبناء الطلقاء: أنت وأصحابك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما ولت امة أمرها رجلا وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فقد تركت بنو إسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم واتبعوا السامري، وقد تركت هذه الامة أبي وبايعوا غيره، وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه واله يقول: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة "، وقد رأوا رسول الله صلى الله عليه واله نصب أبي يوم غدير خم وأمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب. وقد هرب رسول الله صلى الله عليه واله من قومه، وهو يدعوهم إلى الله تعالى حتى دخل الغار، ولو وجد أعوانا ما هرب، وقد كف أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث، فجعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، وجعل الله النبي صلى الله عليه واله في سعة حين دخل الغار ولم يجد أعوانا، وكذلك أبي وأنا في سعة من الله حين

[64]

خذلتنا هذه الامة، وبايعوك يا معاوية، وإنما هي السنن والأمثال، يتبع بعضها بعضا. أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب أن تجدوا رجلا ولده نبي غيري وأخي لم تجدوا، وإني قد بايعت هذا، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. أقول: قد مضى في كتاب الاحتجاج بوجه أبسط مرويا عن الصادق عليه السلام وهذا مختصر منه (1). 13 - كشف: ومن كلامه عليه السلام كتاب كتبه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام وقد بايعه الناس. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فان الله بعث محمدا صلى الله عليه واله رحمة للعالمين، فأظهر به الحق، ودفع به الباطل، وأذل به أهل الشرك، وأعز به العرب عامة، وشرف به من شاء منهم خاصة، فقال تعالى: " وإنه لذكر لك ولقومك " (1). فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر بعده، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته، فلا تنازعوا سلطانه، فعرفت العرب ذلك لقريش، ونحن الآن أولياؤه وذوو القربى منه - ولا غرو - إن منازعتك إيانا، بغير حق في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، والموعد الله تعالى بيننا وبينك، ونحن نسأله تبارك وتعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا به في الآخرة. وبعد فان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما نزل به الموت ولاني هذا الأمر من بعده، فاتق الله يا معاوية، وانظر لامة محمد صلى الله عليه واله ما تحقن به دماءهم وتصلح امورهم والسلام.


(1) راجع ج 10 ص 138 - 145 من الطبعة الحديثة. (1) الزخرف: 44.

[65]

ومن كلامه عليه السلام ما كتبه في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين معاوية حيث رأى حقن الدماء وإطفاء الفتنة، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان: صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه واله وسيرة الخلفاء الصالحين (1) وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم، وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله غائلة سرا ولا جهرا، ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق. شهد عليه بذلك - وكفى بالله شهيدا - فلان وفلان والسلام. ولما تم الصلح وانبرم الأمر، التمس معاوية من الحسن عليه السلام أن يتكلم بمجمع من الناس ويعلمهم أنه قد بايع معاوية وسلم الأمر إليه فأجابه إلى ذلك فخطب وقد حشد الناس - خطبة حمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله عليه واله فيها، وهي من كلامه المنقول عنه عليه السلام وقال: أيها الناس إن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور (2) وإنكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه واله ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله هداكم بجدي محمد، فأنقذكم به من الضلالة


(1) في المصدر ج 2 ص 145، " الخلفاء الراشدين " [الصالحين]. (2) هذا هو الصحيح، وفى بعض نسخ الرواية: " وان اعجز العجز الفجور " كما في اسد الغابة ج 2 ص 14، وهو تصحيف.

[66]

ورفعكم به من الجهالة، وأعزكم بعد الذلة، وكثركم بعد القلة، وإن معاوية نازعني حقا هو لي دونه، فنظرت لصلاح الامة، وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن اسالم معاوية وأضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته، ورأيت أن حقن الدماء خير من سفكها ولم ارد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. بيان: يقال " لا غرو " أي ليس بعجب قوله " ولا أثر " الجملة حالية أي والحال أنه ليس لك أثر محمود، وفعل ممدوح في الاسلام. أقول: سيأتي في كتاب الغيبة في الخبر الطويل الذي رواه المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام في الرجعة (1) أنه عليه السلام قال: يا مفضل ويقوم الحسن عليه السلام إلى جده صلى الله عليه واله فيقول: يا جداه كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في دار هجرته بالكوفة حتى استشهد بضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله فوصاني بما وصيته يا جداه وبلغ اللعين معاوية قتل أبي فأنفذ الدعي اللعين زيادا إلى الكوفة في مائة ألف وخمسين ألف مقاتل، فأمر بالقبض علي وعلى أخي الحسين، وسائر إخواني وأهل بيتي وشيعتنا وموالينا، وأن يأخذ علينا البيعة لمعاوية لعنه الله، فمن أبى منا ضرب عنقه، وسير إلى معاوية رأسه (2). فلما علمت ذلك من فعل معاوية، خرجت من داري فدخلت جامع الكوفة للصلاة ورقأت المنبر واجتمع الناس فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: معشر الناس


(1) راجع ج 53 ص 21 - 23. ولنا في ذيل الحديث كلام في سنده ومتنه ينبغى للباحث أن يراجع ذلك. (2) لكنه مخالف للتاريخ المسلم الصريح من أن زيادا هذا كان حين قتل على عليه السلام عاملا له على بلاد فارس وكرمان يبغض معاوية ويشنأه وكان في معقله بفارس قاطنا حتى أطمعه معاوية وكاتبه وراسله بعد أن صالح مع الحسن السبط عليه السلام، فخرج زياد بعد ما استوثق من معاوية لنفسه، فجاءه بدمشق وسلم عليه بامرة المؤمنين ثم استلحقه سنة أربع واربعين واستعمله على البصرة، راجع اسد الغابة ج 2 ص 216.

[67]

عفت الديار، ومحبت الآثار، وقل الاصطبار، فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين، الساعة والله صحت البراهين، وفصلت الآيات، وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها قال الله عزوجل: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " (1). فلقد مات والله جدي رسول الله صلى الله عليه واله وقتل أبي عليه السلام وصاح الوسواس الخناس في قلوب الناس، ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم السنة، فيالها من فتنة صماء عمياء، لا يسمع لداعيها، ولا يجاب مناديها، ولا يخالف واليها، ظهرت كلمة النفاق، وسيرت رايات أهل الشقاق، وتكالبت جيوش أهل المراق، من الشام والعراق، هلموا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضاح، والعلم الجحجاح، والنور الذي لا يطفى والحق الذي لا يخفى. أيها الناس تيقظوا من رقدة الغفلة، ومن تكاثف الظلمة، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردى بالعظمة، لئن قام إلي منكم عصبة بقلوب صافية، ونيات مخلصة، لا يكون فيها شوب نفاق، ولا نية افتراق لاجاهدن بالسيف قدما قدما ولأضيقن من السيوف جوانبها، ومن الرماح أطرافها، ومن الخيل سنابكها فتكلموا رحمكم الله. فكأنما الجموا بلجام الصمت عن إجابة الدعوة إلا عشرون رجلا فانهم قاموا إلي فقالوا: يا ابن رسول الله ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا، فها نحن بين يديك لأمرك طائعون، وعن رأيك صادرون، فمرنا بما شئت، فنظرت يمنة ويسرة، فلم أر أحدا غيرهم. فقلت: لي اسوة بجدي رسول الله صلى الله عليه واله حين عبد الله سرا، وهو يومئذ في تسعة وثلاثين رجلا، فلما أكمل الله له الأربعين صار في عدة وأظهر أمر الله فلو كان معي عدتهم جاهدت في الله حق جهاده.


(1) آل عمران: 144.

[68]

ثم رفعت رأسي نحو السماء فقلت: اللهم إني قد دعوت وأنذرت، وأمرت ونهيت، وكانوا عن إجابة الداعي غافلين، وعن نصرته قاعدين، وفي طاعته مقصرين ولاعدائه ناصرين، اللهم فأنزل عليهم رجزك وبأسك، وعذابك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، ونزلت. ثم خرجت من الكوفة داخلا إلى المدينة، فجاؤني يقولون: إن معاوية أسرى سراياه إلى الأنبار والكوفة، وشن غاراته على المسلمين، وقتل من لم يقاتله وقتل النساء والأطفال، فأعلمتهم أنه لا وفاء لهم، فأنفذت معهم رجالا وجيوشا وعرفتهم أنهم يستجيبون لمعاوية، وينقضون عهدي وبيعتي، فلم يكن إلا ما قلت لهم وأخبرتهم. أقول: أوردت الخبر بتمامه وشرحه في كتاب الغيبة. وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روي أن أبا جعفر محمد ابن علي الباقر عليهما السلام قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول الله صلى الله عليه واله قبض و قد أخبر أنا أولى الناس بالناس فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤد حتى قتل. فبويع الحسن ابنه وعوهد، ثم غدر به، واسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب عسكره، وعولجت خلاخيل امهات أولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حق قليل. ثم بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم فقتلوه. ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصي ونمتهن، ونحرم ونقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أولياءنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم

[69]

وجحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية، بعد موت الحسين عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من ذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره. ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع.

[70]

20. * " (باب) " * * " (سائر ما جرى بينه صلوات الله عليه وبين معاوية) " * * " (لعنه الله وأصحابه) " * 1 - ج: روي عن الشعبي وأبي مخنف، ويزيد بن أبي حبيب المصري أنهم قالوا: لم يكن في الاسلام يوم في مشاجرة قوم اجتمعوا في محفل أكثر ضجيجا ولا أعلا كلاما ولا أشد مبالغة في قول، من يوم اجتمع فيه عند معاوية بن أبي سفيان عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة بن أبي معيط، والمغيرة بن شعبة، وقد تواطؤوا على أمر واحد. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألا تبعث إلى الحسن بن علي فتحضره فقد أحيا سيرة أبيه وخفقت النعال خلفه: إن أمر فاطيع، وإن قال فصدق، وهذان يرفعان به إلى ما هو أعظم منهما، فلو بعثت إليه فقصرنا به (1) وبأبيه، وسببناه وسببنا أباه، وصعرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه. فقال لهم معاوية: إني أخاف أن يقلدكم قلائد يبقى عليكم عارها حتى تدخلكم قبوركم، والله ما رأيته قط إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه، وإني إن بعثت إليه لأنصفته منكم، قال عمرو بن العاص: أتخاف أن يتسامى باطله على حقنا ومرضه على صحتنا ؟ قال: لا، قال: فابعث إذا إليه. فقاال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون أن تلقوه بأكثر ولا أعظم مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم إلا بأعظم مما في نفسه عليكم، وإنه لمن أهل بيت خصم جدل (2).


(1) لعل المعنى: أن نتشاغل بنقصه، من قولهم تقصرنا به أي تعللنا وتشاغلنا به. (2) الخصم ككتف وصعب - المخاصم المجادل، ومثله جدل.

[71]

فبعثوا إلى الحسن عليه السلام فلما أتاه الرسول قال له: يدعوك معاوية، قال: ومن عنده ؟ قال الرسول: عنده فلان وفلان وسمى كلا منهم باسمه فقال الحسن عليه السلام: مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال: يا جارية أبلغيني ثيابي، ثم قال: اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفينهم بما شئت وأنى شئت، من حولك وقوتك يا أرحم الراحمين، وقال للرسول: هذا كلام الفرج. فلما أتى معاوية رحب به وحياه وصافحه، فقال الحسن عليه السلام: إن الذي حييث به سلامة، والمصافحة أمنة، فقال معاوية: أجل إن هؤلاء بعثوا إليك و عصوني ليقرروك أن عثمان قتل مظلوما وأن أباك قتله، فاسمع منهم ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك، ولا يمنعك مكاني من جوابهم. فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله البيت بيتك، والاذن فيه إليك، والله لئن أجبتهم إلى ما أرادوا، إني لأستحيي لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك إني لأستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقر ؟ ومن أيهما تعتذر ؟ أما إني لو علمت بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشم، ومع وحدتي هم أوحش مني مع جمعهم، فإن الله عز وجل لوليي اليوم وفيما بعد اليوم، فليقولوا فأسمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فتكلم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم، أن بقي من بني عبد المطلب على وجه الأرض من أحد بعد قتل الخليفة عثمان بن عفان، وكان [من] ابن اختهم، والفاضل في الاسلام منزلة، والخاص برسول الله صلى الله عليه واله أثرة فبئس كرامة الله حتى سفكوا دمه اعتداء وطلبا للفتنة، وحسدا ونفاسة، وطلب ما ليسوا بآهلين لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله ومن رسوله ومن الاسلام فيا ذلاه أن يكون حسن وسائر بني عبد المطلب قتلة عثمان أحياء يمشون على مناكب الأرض وعثمان مضرج بدمه، مع أن لنا فيكم تسعة عشر دما بقتلى بني امية ببدر.

[72]

ثم تكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إي يا ابن أبي تراب ! بعثنا إليك لنقررك أن أباك سم أبا بكر الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق، وقتل عثمان ذاالنورين مظلوما، فادعى ما ليس له بحق، ووقع فيه - وذكر الفتنة وعيره بشأنها ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب ! لم يكن الله ليعطيكم الملك فترتكبون فيه مالا يحل لكم، ثم أنت يا حسن تحدث نفسك بأنك كائن أمير المؤمنين، وليس عندك عقل ذلك، ولا رأيه، فكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، ثم أنت لا تستطيع أن تعتب علينا، ولا أن تكذبنا في شئ به، فان كنت ترى أنا كذبناك في شئ وتقولنا عليك بالباطل، وادعينا خلاف الحق فتكلم، وإلا فاعلم أنك وأباك من شر خلق الله. أما أبوك فقد كفانا الله قتله وتفرد به، وأما أنت فانك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك، ما كان في قتلك إثم عند الله، ولا عيب عند الناس. ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فكان أول ما ابتدأ به أن قال: يا حسن إن أباك كان شر قريش لقريش: أقطعه لأرحامها، وأسفكه لدمائها، وإنك لمن قتلة عثمان، وإن في الحق أن نقتلك به، وإن عليك القود في كتاب الله عزوجل وإنا قاتلوك به، فأما أبوك فقد تفرد الله بقتله فكفاناه، وأما رجاؤك للخلافة فلست منها لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك. ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بنحو من كلام أصحابه، وقال: يا معاشر بني هاشم كنتم أول من دب بعيب عثمان، وجمع الناس عليه، حتى قتلتموه حرصا على الملك، وقطيعة للرحم، واستهلاك الامة (1) وسفك دمائها، حرصا على الملك، وطلبا للدنيا الخسيسة وحبالها، وكان عثمان خالكم فنعم الخال كان


(1) كذا في النسخ والمصدر ص 138، وقد صححه في الاصل المطبوع هكذا: " واستملاك الامة ". وليس بشيئ.

[73]

لكم، وكان صهركم فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده وطعن عليه ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم. ثم تكلم المغيرة بن شعبة وكان كلامه وقوله كله وقوعا في علي عليه السلام ثم قال: يا حسن إن عثمان قتل مظلوما فلم يكن لأبيك في ذلك عذر برئ، ولا اعتذار مذنب، غير أنا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمه قتلته، وإيوائه لهم وذبه عنهم أنه بقتله راض، وكان والله طويل السيف واللسان: يقتل الحي ويعيب الميت وبنو امية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني امية، ومعاوية خير لك يا حسن منك لمعاوية. وقد كان أبوك ناصب رسول الله صلى الله عليه واله في حياته، وأجلب عليه قبل موته وأراد قتله، فعلم ذلك من أمره رسول الله صلى الله عليه واله ثم كره أن يبايع أبا بكر حتى اتي به قودا، ثم دس إليه فسقاه سما فقتله، ثم نازع عمر حتى هم أن يضرب رقبته، فعمل في قتله، ثم طعن على عثمان حتى قتله، كل هؤلاء قد شرك في دمهم فأي منزلة له من الله يا حسن، وقد جعل الله السلطان لولي المقتول في كتابه المنزل، فمعاوية ولي المقتول بغير حق، فكان من الحق لو قتلناك وأخاك، والله ما دم علي بخطر من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم يا بني عبد المطلب الملك والنبوة ثم سكت. فتكلم أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما فقال: الحمد لله الذي هدى أولكم بأولنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله عليه سيدنا محمد النبي وآله وسلم ثم قال: اسمعوا مني مقالتي، وأعيروني فهمكم، وبك أبدأ يا معاوية. ثم قال لمعاوية: إنه لعمر الله يا أزرق ما شتمني غيرك، وما هؤلاء شتموني ولا سبني غيرك وما هؤلاء سبوني، ولكن شتمتني وسببتني، فحشا منك، وسوء رأي، وبغيا وعدوانا وحسدا علينا، وعداوة لمحمد صلى الله عليه واله قديما وحديثا. وإنه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا أزرق ! مثاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وحولنا المهاجرون والأنصار، ما قدروا أن يتكلموا بمثل ما تكلموا به، ولا

[74]

استقبلوني بما استقبلوني به، فاسمعوا مني أيها الملا المخيمون (1) المعاونون علي ولا تكتموا حقا علمتموه، ولا تصد قوا بباطل نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية فلا أقول فيك إلا دون ما فيك. أنشدكم بالله ! هل تعلمون أن الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعا ضلالة، تعبد اللات والعزى ؟ وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالاولى كافر، وبالاخرى ناكث. ثم قال: أنشدكم بالله ! هل تعلمون أنما أقول حقا إنه لقيكم مع رسول الله صلى الله عليه واله يوم بدر ومعه راية النبي صلى الله عليه واله ومعك يا معاوية راية المشركين، تعبد اللات والعزى، وترى حرب رسول الله صلى الله عليه واله والمؤمنين فرضا واجبا، ولقيكم يوم احد ومعه راية النبي صلى الله عليه واله ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب ومعه راية النبي صلى الله عليه واله ومعك يا معاوية راية المشركين، كل ذلك يفلج الله حجته، ويحق دعوته، ويصدق احدوثته، وينصر رايته، وكل ذلك رسول الله صلى الله عليه واله يرى عنه راضيا في المواطن كلها. ثم أنشدكم بالله ! هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله حاصر بني قريظة وبني النضير ثم بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن معاذ ومعه راية الأنصار فأما سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحا، وأما عمر فرجع وهو يجبن أصحابه ويجبنه أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، ثم لا يرجع حتى يفتح الله عليه فتعرض لها أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار، وعلي يومئذ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه واله فتفل في عينيه فبرأ من الرمد فأعطاه الراية فمضى ولم يثن حتى فتح الله [عليه] بمنه وطوله (2)، وأنت يومئذ بمكة عدو لله


(1) المجتمعون، خ ل وجعلها في المصدر ص 139 في الصلب. (2) هذه القصة انما جرت بخيبر لا في حصار بنى قريظة، وسيجئ في بيان المصنف توجيه ذلك.

[75]

ورسوله فهل يسوى بين رجل نصح لله ولرسوله، ورجل عادى الله ورسوله صلى الله عليه واله. ثم اقسم بالله ما أسلم قلبك بعد، ولكن اللسان خائف، فهو يتكلم بما ليس في القلب. [ثم] أنشدكم بالله ! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ولا سخطه ذلك ولا كرهه، وتكلم فيه المنافقون، فقال: لا تخلفني يا رسول الله فاني لم أتخلف عنك في عزوة قط. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى، ثم أخذ بيد علي عليه السلام ثم قال: أيها الناس " من تولاني فقد تولى الله، ومن تولى عليا فقد تولاني، ومن أطاعنى فقد أطاع الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب عليا فقد أحبني ". [ثم قال:] أنشدكم بالله ! أتعلمون أن رسول الله قال في حجة الوداع: أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده كتاب الله فأحلوا حلاله، و حرموا حرامه واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا بما أنزل الله من الكتاب وأحبوا أهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم، وانصروهم على من عاداهم وإنهما لم يزالا فيكم حتى يردا علي الحوض يوم القيامة. ثم دعا - وهو على المنبر - عليا فاجتذبه بيده فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، اللهم من عادى عليا فلا تجعل له في الأرض مقعدا ولا في السماء مصعدا واجلعه في أسفل درك من النار. أنشدكم بالله ! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله قال له: أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة: تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله. أنشدكم بالله ! أتعلمون أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه واله في مرضه الذي توفي فيه، فبكا رسول الله صلى الله عليه واله فقال علي: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: يبكيني أني أعلم أن لك في قلوب رجال من امتي ضغائن لا يبدونها حتى أتولى عنك. أنشدكم بالله ! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله حين حضرته الوفاة، واجتمع

[76]

أهل بيته قال: اللهم هؤلاء أهلي وعترتي، اللهم وال من والاهم، وانصرهم على من عاداهم، وقال: إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من دخل فيها نجا ومن تخلف عنها غرق. أنشدكم بالله ! أتعلمون أن أصحاب رسول الله قد سلموا عليه بالولاية في عهد رسول الله وحياته صلى الله عليه واله. أنشدكم بالله ! أتعلمون أن عليا أول من حرم الشهوات كلها على نفسه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فأنزل الله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقو الله الذي أنتم به مؤمنون " (1). وكان عنده علم المنايا، وعلم القضايا، وفصل الخطاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان في رهط لا نعلمهم يتمون عشرة نبأهم الله أنهم به مؤمنون، وأنتم في رهط قريب من عدة أولئك لعنوا على لسان رسول الله صلى الله عليه واله فأشهد لكم وأشهد عليكم أنكم لعناء الله على لسان نبيه صلى الله عليه واله كلكم أهل البيت. وأنشدكم بالله ! هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله بعث إليك لتكتب لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليه الرسول فقال: هو يأكل فأعاد الرسول إليك ثلاث مرات، كل ذلك ينصرف الرسول ويقول: هو يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم لا تشبع بطنه، فهي والله في نهمتك وأكلك إلى يوم القيامة (2)


(1) المائدة: 87. (2) قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وروى أبو داود الطيالسي قال حدثنا هشيم وابو عوانة عن ابن حمزة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه واله بعث إلى معاوية يكتب له فقيل: انه يأكل، ثم بعث إليه فقيل: انه يأكل فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " لا أشبع الله بطنه ". وقال ابن الاثير في اسد الغابة: أخبرنا يحيى بن محمود وغيره باسنادهما عن مسلم قال أخبرنا محمد بن مثنى ومحمد بن بشار، واللفظ لابن مثنى، حدثنا أمية بن خالد حدثنا

[77]

ثم قال: أنشدكم بالله ! هل تعلمون أنما أقول حقا إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر، ويقوده أخوك هذا القاعد، وهذا يوم الأحزاب، فلعن رسول الله صلى الله عليه واله الراكب والقائد والسائق، فكان أبوك الراكب، وأنت يا أزرق السائق وأخوك هذا القاعد القائد ؟ ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: أو لهن حين خرج من مكة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبو سفيان فسبه وأوعده وهم أن يبطش به، ثم صرفه الله عزوجل عنه. والثاني يوم العير، حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله صلى الله عليه واله. والثالث يوم احد يوم قال رسول الله صلى الله عليه واله الله مولانا ولا مولى لكم، وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا لكم العزى، فلعنه الله وملائكته ورسوله والمؤمنون أجمعون. والرابع يوم حنين يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش وهوازن وجاء عيينة بغطفان واليهود فردهم الله عزوجل يغيظهم لم ينالوا خيرا (1) هذا قول الله عزوجل


شعبة عن ابى حمزة القصاب عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فتواريث خلف باب قال فجاء فحطانى حطاة وقال اذهب فادع لى معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل، ثم قال اذهب فادع معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: " لا أشبع الله بطنه " أخرج مسلم هذا الحديث بعينه لمعاوية، ثم ذكر له عذرا. (1) اشارة إلى قولة تعالى في الاحزاب: 26: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال " وهذا في غزوة الاحزاب وأما الثانية من السورتين فكأنه أراد قوله تعالى: الفتح 24: " وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة - إلى قوله تعالى - هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام " الاية وهذا في الحديبية. فكيف كان في الحديث اضطراب واضح، حيث ان ابا سفيان وعيينة بن حصن كانا في حنين مسلمين وقد اعطا رسول الله كل واحد منها مائة بعير من الفيئ تأليفا لقلوبهم وقد كان لعيينة بن حصن في أخذ عجوز من عجائز هوازن سهما من الغنيمة شان من الشأن راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 490 - 493.

[78]

له في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفارا، وأنت يا معاوية يومئذ مشرك على رأى أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه واله وعلى رأيه ودينه. والخامس قول الله عزوجل " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " (1) وصددت أنت وأبوك ومشركو قريش رسول الله صلى الله عليه واله فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم القيامة. والسادس يوم الأحزاب يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش وجاء عيينة بن حصن ابن بدر بغطفان فلعن رسول الله صلى الله عليه واله القادة والأتباع والساقة إلى يوم القيامة فقيل يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن ؟ فقال: لا تصيب اللعنة مؤمنا من الأتباع وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناج. والسابع يوم الثنية يوم شد على رسول الله اثنا عشر رجلا سبعة منهم من بني امية وخمسة من سائر قريش فلعن الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه واله من حل الثنية غير النبي وسائقه وقائده. ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا ابن أخي هل علينا من عين ؟ فقال: لا، فقال أبو سفيان تداولوا الخلافة فتيان بني امية فوالذي نفس أبي سفيان بيده ما من جنة ولا نار (2). وأنشدكم بالله أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يا ابن أخي اخرج معي إلى بقيع الغرقد فخرج حتى إذا توسط القبور اجتره فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور ! الذي كنتم تقاتلونا عليه، صار بأيدينا وأنتم رميم، فقال الحسين بن علي: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده وتركه فلولا النعمان ابن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك (3).


(1) الفتح: 25. (2) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بذيل الاصابة ج 4 ص 87. (3) فيه غرابة حيث انه كان للحسين عليه السلام حين ولى عثمان الخلافة أكثر من عشرين سنة، فكيف اجتره ابو سفيان وكيف نتريده وكيف كان يهلك لولا النعمان بن بشير ؟

[79]

فهذا لك يا معاوية، فهل تستطيع أن ترد علينا شيئا. ومن لعنتك يا معاوية أن أباك أبا سفيان كان يهم أن يسلم فبعثت إليه بشعر معروف مروي في قريش عندهم تنهاه عن الاسلام، وتصده. ومنها أن عمر بن الخطاب ولاك الشام فخنت به، وولاك عثمان فتربصت به ريب المنون، ثم أعظم من ذلك أنك قاتلت عليا صلوات الله عليه وآله، وقد عرفت سوابقه فضله وعلمه، على أمر هو أولى به منك، ومن غيرك عند الله وعند الناس ولا دنية بل أوطات الناس عشوة، وأرقت دماء خلق من خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب، فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شر مثوى، وعلي إلى خير منقلب والله لك بالمرصاد. فهذا لك يا معاوية خاصة، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك، فقد كرهت به التطويل. وأما أنت يا عمرو بن عثمان فلم تكن حقيقا لحمقك أن تتبع هذه الامور فانما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي فاني اريد أن أنزل عنك فقالت لها النخلة: ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق علي نزولك ؟ وإني والله ما شعرت أنك تحسن أن تعادي لي فيشق علي ذلك وإني لمجيبك في الذي قلت. إن سبك عليا أبنقص في حسبه ؟ أو تباعده من رسول الله صلى الله عليه واله ؟ أو بسوء بلاء في الاسلام ؟ أو بجور في حكم، أو رغبة في الدنيا ؟ فان قلت واحدة منها فقد كذبت، وأما قولك إن لكم فينا تسعة عشر دما بقتلى مشركي بني امية ببدر، فان الله ورسوله قتلهم ولعمري ليقتلن من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة عشر ثم يقتل من بني امية تسعة عشروتسعة عشر في موطن واحد سوى ما قتل من بني امية لا يحصى عددهم إلا الله. إن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلا أخذوا مال الله بينهم دولا، وعباده خولا، وكتابه دغلا فإذا بلغوا ثلاثمائة وعشرا حقت

[80]

عليهم اللعنة ولهم، فإذا بلغوا أربعمائة وخمسة وسبعين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، فأقبل الحكم بن أبي العاص وهم في ذلك الذكر والكلام، فقال رسول الله صلى الله عليه واله اخفضوا أصواتكم (1) فان الوزغ يسمع، وذلك حين رآهم رسول الله صلى الله عليه واله ومن يملك بعده منهم أمر هذه الامة يعني في المنام فساءه ذلك وشق عليه فأنزل الله عزوجل في كتابه " ليلة القدر خير من ألف شهر " فأشهد لكم وأشهد عليكم ما سلطانكم بعد قتل علي إلا ألف شهر التي أجلها الله عزوجل في كتابه. وأما أنت يا عمرو بن العاص الشانئ اللعين الأبتر، فانما أنت كلب، أول أمرك امك لبغية، وإنك ولدت على فراش مشترك، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحارث، والنضر بن الحارث ابن كلدة، والعاص بن وائل كلهم يزعم أنك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، وأعظمهم بغية. ثم قمت خطيبا وقلت: أنا شانئ محمد، وقال العاص بن وائل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى " إن شانئك هو الأبتر " فكانت امك تمشي إلى عبد قيس لطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورحالهم وبطون أوديتهم، ثم كنت في كل مشهد يشهد رسول الله عدوه أشدهم له عداوة وأشدهم له تكذيبا. ثم كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النجاشي، والمهرج الخارج إلى الحبشة في الاشاطة بدم جعفر بن أبي طالب وسائر المهاجرين إلى النجاشي، فحاق المكر السيئ بك، وجعل جدك الأسفل وأبطل امنيتك، وخيب سعيك، وأكذب احدوثتك وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا. وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين ألهبت عليه نارا ثم هربت إلى فلسطين تتربص به الدوائر، فلما أتتك [خبر] قتله حبست نفسك على معاوية فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولا نعاتبك على حبنا وأنت عدو لبنى


(1) احفظوا أقوالكم، خ ل. وقد مر صدر الخبر ص 6 فراجع.

[81]

هاشم في الجاهلية والاسلام، وقد هجوت رسول الله صلى الله عليه واله بسبعين بيتا من شعر فقال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم إني لا احسن الشعر ولا ينبغي لي أن أقوله، فالعن عمرو بن العاص بكل بيت [ألف] لعنة. ثم أنت يا عمرو المؤثر دنيا غيرك على دينك أهديت إلى النجاشي الهدايا، ورحلت إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الاولى عن الثانية كل ذلك ترجع مغلولا حسيرا تريد بذلك هلاك جعفر وأصحابه، فلما أخطأك ما رجوت وأملت أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد. وأما أنت يا وليد بن عقبة، فو الله ما ألومك أن تبغض عليا وقد جلدك في الخمر ثمانين، وقتل أباك صبرا بيده يوم بدر، أم كيف تسبه فقد سماه الله مؤمنا في عشر آيات من القرآن، وسماك فاسقا، وهو قول الله عزوجل " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " (1) وقوله " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (2) وما أنت وذكر قريش، وإنما أنت ابن عليج من أهل صفورية يقال له: ذكوان (3). وأما زعمك أنا قتلنا عثمان، فو الله ما استطاع طلحة والزبير وعائشة أن يقولوا ذلك لعلي بن أبي طالب، فكيف تقوله أنت ؟ ولو سألت امك من أبوك إذ


(1) السجدة: 18. (2) الحجرات: 6. (3) قال ابن الجوزى في التذكرة ص 118 في ذكر القصة: انه لما كان الوليد بن عقبة واليا على الكوفة سنة 26 صلى يوما بهم وهو سكران الفجر أربعا، فجاء الناس إلى عثمان وشهدوا عنده أنه شرب الخمر، فرمى عثمان السوط إلى على وقال له حده، فقال على لولده الحسن قم فحده، فامتنع الحسن وقال ليتولى حارها من تولى قارها، فقال لعبد الله ابن جعفر قم فاجلده فامتنع توقيا لعثمان، فأخذ السوط على عليه السلام نفسه ودنا من الوليد فجلده أربعين (أقول لعله كان السوط ذا ذنبين فصار ثمانين). فلما سبه الوليد قال له عقيل بن أبى طالب وكان حاضرا: يا فاسق ما تعلم من أنت ؟: ألست علجا من أهل صفورية قرية بين عكا واللجون من أعمال الاردن كان أبوك يهوديا منها.

[82]

تركت ذكوان فألصقتك بعقبة بن أبي معيط، اكتست بذلك عند نفسها سناء ورفعة مع ما أعد الله لك ولأبيك وامك من العار والخزى في الدنيا والآخرة، وما الله بظلام للعبيد. ثم أنت يا وليد - والله - أكبر في الميلاد ممن تدعي له النسب، فكيف تسب عليا ؟ ولو اشتغلت بنفسك لبينت نسبك إلى أبيك لا إلى من تدعي له، ولقد قالت لك امك: يا بني أبوك والله ألأم وأخبث من عقبة. وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان، فو الله ما أنت بحصيف فاجاوبك، ولا عاقل فاعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يخشى، وما كنت ولو سببت عليا لأغار به عليك، لأنك عندي لست بكفو لعبد عبد علي بن أبي طالب عليه السلام فأرد عليك واعاتبك، ولكن الله عزوجل لك ولابيك وامك وأخيك بالمرصاد فأنت ذرية آبائك الذين ذكرهم الله في القرآن فقال: " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية إلى قوله من جوع " (1). وأما وعيدك إياي بقتلي، فهلا قتلت الذي وجدته على فراشك مع حليلتك وقد غلبك على فرجها، وشركك في ولدها حتى ألصق بك ولدا ليس لك (2) ويلا لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديرا، وبذلك حريا، إذ تسومني القتل وتوعدني به. ولا ألومك أن تسب عليا وقد قتل أخاك مبارزة، واشترك هو وحمزة بن عبد المطلب في قتل جدك حتى أصلاهما [الله] على أيديهما نار جهنم وأذاقهما العذاب


(1) الغاشية: 3. (2) وزاد ابن الجوزى في التذكرة ص 115 عند ما يذكر هذا الكلام: حتى قال نصر بن الحجاج في ذلك: نبئت عتبة هيأته عرسه لصداقه الهذلى من الحيان ألقاه معها في الفراش فلم يكن فحلا وأمسك خشية النسوان لا تعتبن يا عتب نفسك حبها ان النساء حبائل الشيطان

[83]

الأليم [ونفي عمك بأمر رسول الله صلى الله عليه واله] (1) وأما رجائي الخلافة، فلعمر الله لئن رجوتها فان لي فيها لملتمسا وما أنت بنظير أخيك ولا خليفة أبيك لأن أخاك أكثر تمردا على الله، وأشد طلبا لاراقة دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم ويمكر الله والله خير الماكرين. وأما قولك: إن عليا كان شر قريش لقريش، فو الله ما حقر مرحوما، ولا قتل مظلوما. وأما أنت يا مغيرة بن شعبة فانك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء فاخر رجمك، ودفع الحق بالباطل، والصدق بالأغاليط، وذلك لما أعد الله لك من العذاب الأليم والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى (2). وأنت ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله حتى أدميتها وألقت ما في بطنها استذلالا منك لرسول الله صلى الله عليه واله، ومخالفة منك لأمره، وانتهاكا لحرمته، وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه واله: أنت سيدة نساء أهل الجنة، والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك. فبأي الثلاثة (3) سببت عليا أنقصا من حسبه، أم بعدا من رسول الله صلى الله عليه واله أم سوء


(1) ما بين العلامتين لا يناسب عتبة بن أبى سفيان وهو أخو معاوية لا بويه وانما يناسب الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفان لامه أروى بنت كريز، والحكم بن أبى العاص طريد رسول الله ولعينه عم عثمان حقيقة، وعم الوليد بن عقبة بهذا السبب. (2) اشارة إلى زنا مغيرة بن شعبة بام جميل وكان واليا على الكوفة سنة 17 فجاء أربعة من الشهود وهم: أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل بن معبد وزياد بن عبيد إلى عمر فشهد الثلاثة الاول صريحا وتلكأ الاخر بعد ما أفهمه عمر رغبته في أن لا يخزى المغيرة فدرء عنه الحد وحد الثلاثة الاول حد القذف. والقصة مشهورة أخرجه الحاكم في ترجمة المغيرة في المستدرك ج 3 ص 448. (3) الظاهر جعل الثلاثة الاخيرة واحدا حتى يصح " فبأى الثلاثة " وسيجئ كلام في ذلك من المصنف رحمه الله.

[84]

بلاء في الاسلام، أم جورا في حكم، أم رغبة في الدنيا، إن قلت بها فقد كذبت وكذبك الناس. أتزعم أن عليا قتل عثمان مظلوما ؟ فعلي والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمري إن كان عليا قتل عثمان مظلوما، فوالله ما أنت من ذلك في شئ فما نصرته حيا ولا تعصبت له ميتا، وما زالت الطائف دارك، تتبع البغايا وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الاسلام حتى كان في أمس [ماكان]. وأما اعتراضك في بني هاشم وبني امية فهو ادعاؤك إلى معاوية، وأما قولك في شأن الإمارة، وقول أصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك فرعون مصر أربعمائة سنة وموسى وهارون عليهما السلام نبيان مرسلان يلقيان ما يلقيان، وهو ملك الله يعطيه البر والفاجر، وقال الله عزوجل: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " (1) وقال: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناهم تدميرا " (2). ثم قام الحسن عليه السلام فنفض ثيابه، وهو يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات " هم والله يا معاوية: أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك " والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " (3) هم علي بن أبي طالب وأصحابه وشيعته. ثم خرج وهو يقول: " ذق وبال ما كسبت يداك، وما جنيت، وما قد أعد الله لك ولهم من الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الاخرة. فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فذوقوا وبال ما قد جنيتم، فقال له الوليد بن عقبة: والله ما ذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك، فقال معاوية: ألم أقل لكم إنكم لن تنتصفوا من الرجل ؟ فهل (4) أطعتموني أول مرة أو انتصرتم من الرجل


(1) الانبياء: 111. (2) الاسراء: 16. (3) النور: 26. (4) فهلا ظ.

[85]

إذ فضحكم، والله ما قام حتى أظلم علي البيت، وهممت أن أسطوبه، فليس فيكم خير اليوم ولا بعد اليوم. قال: وسمع مروان بن الحكم بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن علي عليهما السلام فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت فسألهم ما الذي بلغني عن الحسن وزعله ؟ قالوا قد كان ذلك، فقال لهم مروان: فهلا أحضرتموني ذلك فو الله لاسبنه ولاسبن أباه، وأهل البيت سبا تغنى به الإماء والعبيد، فقال معاوية: والقوم لم يفتك شئ، وهم يعلمون من مروان بذر لسان وفحش، فقال مروان: فأرسل إليه يا معاوية، فأرسل معاوية إلى الحسن بن علي عليهما السلام فلما جاءه الرسول قال له الحسن عليه السلام: ما يريد هذا الطاغية مني ؟ والله لئن أعاد الكلام لأوقرن مسامعه ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة. فأقبل الحسن عليه السلام فلما أن جاءهم وجدهم بالمجلس، على حالتهم التي تركهم فيها، غير أن مروان قد حضر معهم في هذا الوقت. فمشى الحسن عليه السلام حتى جلس على السرير مع معاوية وعمرو بن العاص، ثم قال الحسن لمعاوية: لم أرسلت إلي ؟ قال: لست أنا أرسلت إليك ولكن مروان الذي أرسل إليك. فقال مروان: أنت يا حسن السباب رجال قريش ؟ فقال: وما الذي أردت ؟ فقال: والله لأسبنك وأباك وأهل بيتك سبا تغنى به الإماء والعبيد، فقال الحسن ابن علي عليهما السلام: أما أنت يا مروان، فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ولكن الله عزوجل لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذريتك، وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيه محمد صلى الله عليه واله (1).


(1) لعن رسول الله الحكم بن أبى العاص ومروان في صلبه، روى ابن الحجر في الاصابة قال: دخل عليه أصحاب رسول الله وهو يلعن الحكم بن أبى العاص فقالوا: يا رسول الله ماله ؟ قال: دخل على شق الجدار وأنا مع زوجتى فلانة، فكلح في وجهى. وروى في حديث لعائشة أنها قالت لمروان: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه، أقول: وترى مثل ذلك في الاستيعاب واسد الغابة وطبقات ابن سعد وغير ذلك من كتب التراجم.

[86]

والله يا مروان ! ما تنكر أنت ولا أحد ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله صلى الله عليه واله لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله يا مروان بما خوفك إلا طغيانا كبيرا، صدق الله وصدق رسوله، يقول: " والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " (1) وأنت يا مروان وذريتك الشجرة الملعونة في القرآن عن رسول الله صلى الله عليه واله، فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يابا محمد ما كنت فحاشا، فنفض الحسن عليه السلام ثوبه وقام وخرج، فتفرق القوم عن المجلس بغيظ وحزن وسواد الوجوه (2). بيان: " فقصرنا به " على بناء المجرد والباء للتعدية أي أظهرنا أنه قاصر عن بلوغ الكمال أو مقصر، قوله " حتى صدق لك فيه " على بناء المجهول، ويحتمل المعلوم. وقال الفيروز آبادي " الجناب ": الفناء والرحل والناحية، وبالضم ذات الجنب، وبالكسر فرس طوع الجناب سلس القياد، ولج في جناب قبيح [بالكسر] أي مجانبة أهله. قوله " يتسامى " من السمو بمعنى الرفعة، قوله " فبئس كرامة الله " أي فبئس ما رعوها، قوله: " لا في قدحة زندك " القدحة بالكسر اسم من اقتداح النار وبالفتح للمرة، وهي كناية عن التدبير في الملك واستخراج الامور بالنظر و " رجحة الميزان " كناية عن كونه أفضل من غيره في الكمالات، قوله " من دب بعيب عثمان " أي مشى به كناية عن السعي في إظهاره، " والخطر " بالتحريك العوض والمثل، " والمثاورة " المواثبة والمنازعة، ويقال خيموا بالمكان أي أقاموا.


(1) أسرى: 60. (2) راجع الاحتجاج ص 137 - الى - 143. أقول وقد ذكر القصة بنحو آخر في تذكرة خواص الامة لسبط ابن الجوزى ص 114 - 116 وأسندها الى أهل السير، ثم شرح غريب ألفاظها من 116 - 119 ونقل كثيرا من مثالب هؤلاء عن كتاب المثالب لهشام بن محمد الكلبى فراجع.

[87]

قوله عليه السلام: " قريظة وبني النضير " هذا إشارة إلى غزوة خيبر وفيه إشكالان: أحدهما أن قريظة والنضير كانا من يهود المدينة إلا أن يقال لعل بعضهم لحقوا خيبرا، والثاني أن سعد بن معاذ جرح يوم الأحزاب ومات بعد الحكم في بني قريظة، ولم يبق إلى غزوة خيبر، والظاهر أنه عليه السلام كان أشار إلى ما ظهر منه عليه السلام في تلك الوقائع جميعا فاشتبه على الراوي، قوله عليه السلام: " ولم يثن " أي لم يعطف الراية ولم يردها. وقال الفيروز آبادي: الغرقد: شجر عظام أو هي العوسج إذا عظم وبها سموا [و] بقيع الغرقد مقبرة المدينة لأنه كان منبتها انتهي، والنتر جذب فيه قوة وجفوة، وريب المنون حوادث الدهر أو الموت، وقال الجوهري: العشوة أن تركب أمرا على غير بيان (1)، يقال أو طأتني عشوة وعشوة [وعشوة] أي أمرا ملتبسا انتهى. واللوك أهون المضغ، أو مضغ صلب. قوله عليه السلام: " والمهرج "، قال الفيروز آبادي: هرج الناس يهرجون وقعوا في فتنة واختلاط وقتل، والفرس جرى وإنه لمهرج كمنبر، وفي بعض النسخ والمهجر فيكون عطفا على النجاشي بأن يكون مصدرا ميميا أي أهل الهجرة ويقال: أشاط بدمه وأشاط دمه أي عرضه للقتل قوله عليه السلام " وجعل جدك " بالكسر أي اجتهادك وسعيك، أو بالفتح وهو الحظ والبخت. وقال الجزري: فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: الكورة المعروفة ما بين الاردن وديار مصر، وام بلادها بيت المقدس، والدوائر صروف الزمان وحوادث الدهر، والعواقب المذمومة ذكرها في مجمع البيان، قوله عليه السلام " ولو سألت " " لو " للتمني، قوله عليه السلام " أكبر في الميلاد " أي كنت أكبر سنا من


(1) وفى الصحاح الطبعة الاخيرة ص 2427 " على غير بيات " وهو الاظهر، فان البيان كالكلام اسم من بيت، يقال: بيت الامر: عمله أو دبره ليلا، ومنه قوله تعالى " وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " أي يدبرون ويقدرون، ولكن في النسخ، وهكذا نسخة القاموس " على غير بيان " كما في الصلب، ولها وجه.

[88]

عقبة، فكيف تكون ابنه أو أنت أكبر من أن تكون ابنه فانه في وقت ميلادك لم يكن في سن الرجال، والحصيف المحكم العقل. قوله عليه السلام " على أيديهما " أي كاناهما الباعثان على ذلك، حيث اختارا المقاتلة، وكأنه كان يديه فصحف، قوله " فبأي الثلاثة " الظاهر فبأي الخمسة ويمكن أن يقال على الثلاثة الأخيرة واحدا لتقاربها أو الأولين واحدا وكذا الآخرين، أو يقال إنه عليه السلام بعد ذكر الثلاثة ذكر أمرين آخرين. قوله عليه السلام " فما زالت الطائف دارك " أي كنت دائما في الطائف تتبع الزواني عند تلك الحروب والغزوات، حتى جئت منه أمس (1) والمراد بالأمس الزمان القريب مجازا قوله فهو ادعاؤك إلى معاوية، يحتمل أن يكون " إلى " بمعنى " مع " أي لا يدعي هذا إلا أنت ومعاوية، ويحتمل أن يكون على التضمين أي داعيا أو منتميا إلى معاوية، ولا يبعد أن يكون أصله دعاؤك فزيدت الهمزة من النساخ والزعل بالتحريك النشاط. 2 - يج: روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: إن الحسن بن علي رجل عيي (2) وإنه إذا صعد المنبر ورمقوه بأبصارهم خجل وانقطع، لو أذنت له، فقال معاوية: يا أبا محمد لو صعدت المنبر ووعظتنا ! فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله، أنا ابن رسول الله، أنا ابن نبي الله، أنا ابن السراج


(1) قد عرفت أن الصحيح ما في بعض النسخ " حتى كان في أمس ما كان " أي كان في أمس شهادة هؤلاء الشهود بزناك لكنه درء عنك الحد مصانعة. (2) رجل عى وعيى: إذا كان به عيا في المنطق وهو الحصر والعجز، قال أبو الفرج الاصبهاني في مقاتل الطالبيين ص 33: انه كان في لسان الحسن بن على ثقل كالفأ فأة حدثنى بذلك محمد بن الحسين الاشنانى، عن محمد بن اسماعيل الاحمسي، عن مفضل بن صالح عن جابر قال: كان في لسان الحسن عليه السلام رتة. وفى بعض النسخ " حيى " بدل " عيى " وله وجه.

[89]

المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن والانس، أنا ابن خير خلق الله بعد رسول الله، أنا ابن صاحب الفضائل أنا ابن صاحب المعجزات والد لائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي أنا واحد سيدي شباب أهل الجنة، أنا ابن الركن والمقام، أنا ابن مكة، ومنى أنا ابن المشعر وعرفات. فاغتاظ معاوية وقال: خذ في نعت الرطب ودع ذا، فقال: الريح تنفخه والحر ينضجه، وبرد الليل يطيبه، ثم عاد فقال: أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن من قاتل معه الملائكة، أنا ابن من خضعت له قريش، أنا ابن إمام الخلق وابن محمد رسول الله صلى الله عليه واله. فخشي معاوية أن يفتتن به الناس، فقال: يا أبا محمد انزل فقد كفى ما جرى فنزل فقال له معاوية: ظننت أن ستكون خليفة، وما أنت وذاك، فقال الحسن عليه السلام: إنما الخليلفة من سار بكتاب الله، وسنة رسول الله، ليس الخليفة من سار بالجور وعطل السنة، واتخذ الدنيا أبا واما، ملك ملكا متع به قليلا، ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته. وحضر المحفل رجل من بني امية وكان شابا فأغلظ للحسن كلامه، وتجاوز الحد في السب والشتم له ولأبيه، فقال الحسن عليه السلام: اللهم غير ما به من النعمة واجعله انثى ليعتبر به، فنظر الاموي في نفسه - وقد صار امرأة قد بدل الله له فرجه بفرج النساء وسقطت لحيته، فقال الحسن عليه السلام: اعزبي ! ما لك ومحفل الرجال ؟ فانك امرأة. ثم إن الحسن عليه السلام سكت ساعة ثم نفض ثوبه، ونهض ليخرج، فقال ابن العاص: اجلس فاني أسألك مسائل، قال عليه السلام: سل عما بدالك، قال عمرو: أخبرني عن الكرم والنجدة والمروءة، فقال عليه السلام: أما الكرم فالتبرع بالمعروف والاعطاء قبل السؤال، وأما النجدة فالذب عن المحارم، والصبر في المواطن

[90]

عند المكاره، وأما المروءة فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نفسه من الدنس وقيامه بأداء الحقوق وإفشاء السلام. فخرج. فعذل معاوية عمرافقال: أفسدت أهل الشام، فقال عمرو: إليك عني إن أهل الشام لم يحبوك محبة إيمان ودين، إنما أحبوك للدنيا ينالونها منك والسيف والمال بيدك، فما يغني عن الحسن كلامه. ثم شاع أمر الشاب الاموي وأتت زوجته إلى الحسن عليه السلام فجعلت تبكي وتتضرع فرقا له، ودعا فجعله الله كما كان. 3 - قب: إسماعيل بن أبان باسناده عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه مر في مسجد رسول الله بحلقة فيها قوم من بني امية، فتغامزوا به، وذلك عند ما تغلب معاوية على ظاهر أمره فرآهم وتغامزهم به، فصلى ركعتين ثم قال: قد رأيت تغامزكم أما والله لا تملكون يوما إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا سنة إلا ملكنا سنتين، وإنا لنأكل في سلطانكم، ونشرب ونلبس وننكح ونركب، وأنتم لا تأكلون في سلطاننا ولا تشربون ولا تنكحون. فقال له رجل: فكيف يكون ذلك يا أبا محمد ؟ وأنتم أجود الناس وأرأفهم وأرحمهم، تأمنون في سلطان القوم، ولا يأمنون في سلطانكم ؟ فقال: لأنهم عادونا بكيد الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف، وعاديناهم بكيد الله وكيد الله شديد (1). 4 - ج: روى الشعبي أن معاوية قدم المدينة فقام خطيبا فنال من علي بن أبيطالب عليه السلام، فقام الحسن بن علي عليهما السلام فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال له: إنه لم يبعث نبي إلا جعل له وصي من أهل بيته، ولم يكن نبي إلا وله عدو من المجرمين، وإن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه واله من بعده، وأنا ابن علي، وأنت ابن صخر، وجدك حرب وجدي رسول الله صلى الله عليه واله وامك هند وامي فاطمة، وجدتي خديجة وجدتك نثيلة، فلعن الله ألأمنا حسبا وأقدمنا كفرا


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 8.

[91]

وأخملنا ذكرا وأشدنا نفاقا، فقال عامة أهل المسجد: آمين، فنزل معاوية فقطع خطبته (1). 5 - ج: روي أنه لما قدم معاوية الكوفة قيل له إن الحسن بن علي عليهما السلام مرتفع في أنفس الناس، فلو أمرته أن يقوم دون مقامك على المنبر فتدركه الحداثة والعي فيسقط من أنفس الناس، فأبى عليهم وأبوا عليه إلا أن يأمره بذلك، فأمره فقام دون مقامه في المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فانكم لو طلبتم ما بين كذا وكذا لتجدوا رجلا جده نبي لم تجدوه غيري وغير أخي، وإنا أعطيا صفقتنا هذا الطاغية - وأشار بيده إلى أعلا المنبر إلى معاوية - وهو في مقام رسول الله صلى الله عليه واله من المنبر، ورأينا حقن دماء المسلمين أفضل من إهراقها، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين - وأشار بيده إلى معاوية - فقال له معاوية: ما أردت بقولك هذا ؟ فقال: أردت به ما أراد الله عزوجل. فقام معاوية فخطب خطبة عيية فاحشة، فثلب فيها أمير المؤمنين عليه السلام فقام الحسن بن علي عليهما السلام فقال وهو على المنبر: يا ابن آكلة الأكباد، أو أنت تسب أمير المؤمنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله الله نار جهنم خالدا فيها مخلدا، وله عذاب مقيم ثم انحدر الحسن عليه السلام عن المنبر فدخل داره ولم يصل [هناك بعد ذلك] (2). بيان - قوله " عيية " بتشديد الياء الثانية، على فعيل من العي خلاف البيان يقال عي في منطقه فهو عيي ويحتمل أن يكون عتية بالتاء المثناة الفوقانية من العتو والفساد، أو بالغين المعجمة والباء الموحدة من الغباوة، خلاف الفطنة، وعلى التقادير توصيف الخطبة بها مجاز، ويقال: ثلبه ثلبا إذا صرح بالعيب وتنقصه. 6 - لى: القطان عن السكري، عن الجوهري، عن عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد، عن أبيه قال هشام: وأخبرني ببعضه أبو مخنف لوط بن يحيى


(1) الاحتجاج ص 145. (2) الزيادة من المصدر ص 145.

[92]

وغير واحد من العلماء في كلام كان بين الحسن بن علي عليهما السلام وبين الوليد بن عقبة فقال له الحسن عليه السلام: لا ألومك أن تسب عليا وقد جلدك في الخمر ثمانين سوطا وقتل أباك صبرا بأمر رسول الله صلى الله عليه واله في يوم بدر، وقد سماه الله عزوجل في غير آية مؤمنا وسماك فاسقا، وقد قال الشاعر فيك وفي علي عليه السلام (1): أنزل الله في الكتاب علينا في علي وفي الوليد قرانا فتبوا الوليد منزل كفر وعلي تبوأ الايمانا ليس من كان مؤمنا يعبد الله كمن كان فاسقا خوانا سوف يدعى الوليد بعد قليل وعلي إلى الجزاء عيانا فعلي يجزى هناك جنانا وهناك الوليد يجزى هوانا (2) 7 - أقول: قال ابن أبي الحديد: قال أبو الحسن المدائني: طلب زياد رجلا من أصحاب الحسن ممن كان في اكتاب الأمان، فكتب إليه الحسن: من الحسن بن علي إلى زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك تعرضت له فاحب أن لا تتعرض له إلا بخير والسلام. فلما أتاه الكتاب وذلك بعد أن ادعاه معاوية، غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان فكتب إليه: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد فانه أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لأطلبنه بين جلدك ولحمك وإن أحب الناس إلي لحما أنا آكله للحم أنت منه، والسلام. فلما قرأ الحسن الكتاب بعث به إلى معاوية، فلما قرأه غضب وكتب: من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد أما بعد فان لك رأيين: رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون من مثلها ؟ إن الحسن بن علي كتب إلي أنك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له فاني


(1) نسب الاشعار في التذكرة لسبط ابن الجوزى ص 115، إلى حسان بن ثابت في لفظ الحديث فراجع. (2) الامالى المجلس 74 الرقم 4.

[93]

لم أجعل لك عليه سبيلا. 8 - ج: مفاخرة الحسن بن علي عليه السلام [على] معاوية ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان لعنهم الله أجمعين. قيل: وفد الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية فحضر مجلسه وإذا عنده هؤلاء القوم، ففخر كل رجل منهم على بني هاشم فوضعوا منهم، وذكروا أشياء ساءت الحسن عليه السلام وبلغت منه فقال الحسن بن علي عليهما السلام: أنا شعبة من خير الشعب آبائي أكرم العرب، لنا الفخر والنسب، والسماحة عند الحسب، من خير شجرة أنبتت فروعا نامية، وأثمارا زاكية، وأبدانا قائمة، فيها أصل الاسلام، وعلم النبوة فعلونا حين شمخ بنا الفخر، واستطلنا حين امتنع منا العز، بحور زاخرة لا تنزف وجبال شامخة لا تقهر. فقال مروان: مدحت نفسك، وشمخت بأنفك، هيهات يا حسن، نحن والله الملوك السادة، والأعزة القادة، لا ننحجز (1) فليس لك مثل عزنا، ولا فخر كفخرنا ثم أنشأ يقول: شفينا أنفسا طابت وقورا فنالت عزها فيمن يلينا وابنا بالغنيمة حيث ابنا وابنا بالملوك مقرنينا (2) ثم تكلم المغيرة بن شعبة فقال: نصحت لأبيك فلم يقبل النصح لولا كراهية قطع القرابة لكنت في جملة أهل الشام، فكان يعلم أبوك أني أصدر الوراد عن مناهلها بزعارة قيس، وحلم ثقيف وتجار بها للامور على القبائل. فتكلم الحسن عليه السلام فقال: يا مروان أجبنا وخورا وضعفا وعجزا ؟ أتزعم أني مدحت نفسي وأنا ابن رسول الله صلى الله عليه واله ؟ وشمخت بأنفي وأنا سيد شباب أهل الجنة


(1) في المصدر ص 144: " لاننحجن " ومعنى الانحجان: الانعطاف والاعوجاج ولكن الاظهر ما اختاره المصنف - رضوان الله عليه - حيث يجئ في كلامه عليه السلام ردا على مروان: " وانحجزت مذعورا ". (2) قوله: " ابنا " من الا باب.

[94]

وإنما يبذخ ويتكبر - ويلك - من يريد رفع نفسه، ويتبجح من يريد الاستطالة فأما نحن فأهل بيت الرحمة، ومعدن الكرامة، وموضع الخيرة، وكنز الايمان ورمح الاسلام، وسيف الدين، ألا تصمت ثكلتك امك قبل أن أرميك بالهوائل وأسمك بميسم تستغني به عن اسمك. فأما إيابك بالنهاب والملوك أ في اليوم الذي وليت فيه مهزوما وانحجزت مذعورا فكانت غنيمتك هزيمتك، وغدرك بطلحة حين غدرت به، فقتلته (1) قبحالك، ما أغلظ جلدة وجهك (2) فنكس مروان رأسه وبقي المغيرة مبهوتا. فالتفت إليه الحسن عليه السلام فقال: [يا] أعور ثقيف ! ما أنت من قريش فافاخرك أجهلتني يا ويحك وأنا ابن خيرة الاماء، وسيدة النساء، غذانا رسول الله صلى الله عليه واله بعلم الله تبارك وتعالى، فعلمنا تأويل القرآن ومشكلات الأحكام، لنا العزة الغلباء والكلمة العلياء، والفخر والسناء، وأنت من قوم لم يثبت لهم في الجاهلية نسب ولا لهم في الاسلام نصيب، عبد آبق ماله والافتخار ؟ عند مصادمة الليوث، ومجاحشة الأقران، نحن السادة، ونحن المذاويد القادة، نحمي الذمار، وننفي عن ساحتنا العار، وأنا ابن نجيبات الأبكار. ثم أشرت - زعمت - بخير وصي خير الأنبياء ؟ كان هو بعجزك أبصر، وبخورك أعلم، وكنت للرد عليك منه أهلا لو غرك في صدرك، وبدو الغدر في عينك، هيهات لم يكن ليتخذ المضلين عضدا (3) وزعمت لو أنك كنت بصفين بزعارة قيس وحلم ثقيف


(1) قال ابن الاثير في اسد الغابة: وكان سبب قتل طلحة أن مروان بن الحكم رماه بسهم في ركبته - حين هو واقف في المعركة فجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت رجله وإذا تركهوه جرى الدم فقال: دعوه فانما هو سهم أرسله الله فمات منه، وقال مروان: لا اطلب بثأرى بعد اليوم والتفت إلى أبان بن عثمان فقال: قد كفيت بعض قتلة أبيك. (2) كناية عن قلة الحياء. (3) لما قتل عثمان وبايع الناس عليا دخل المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين ان لك عندي نصيحة، قال: وما هي ؟ قال: ان أردت أن يستقيم لك الامر فاستعمل طلحة

[95]

فيما ذا ثكلتك امك أبعجز عند المقامات، وفرارك عند المجاحشات، أما والله لو التفت عليك من أمير المؤمنين الأشاجع لعلمت أنه لا يمنعه منك الموانع، ولقامت عليك المرنات الهوالع. وأما زعارة قيس فما أنت وقيسا ؟ إنما أنت عبد آبق فتسمى ثقيفا (1) فاحتل لنفسك من غيرها، فلست من رجالها، أنت بمعالجة الشرك (2) وموالج الزرائب أعرف منك بالحروف، فأي الحلم عند العبيد القيون. ثم تمنيت لقاء أمير المؤمنين عليه السلام فذاك من قد عرفت، أسد باسل، وسم قاتل، لا تقاومه الأبالسة، عند الطعن والمخالسة، فكيف ترومه الضبعان وتناوله الجعلان بمشيتها القهقرى، وأما وصلتك فمنكولة (3) وقرابتك فمجهولة، وما رحمك منه إلا كبنات الماء من خشفان الظبا، بل أنت أبعد منه نسبا. فوثب المغيرة، والحسن عليه السلام يقول: عذرنا من بني امية أن تجاورنا بعد مناطقة القيون، ومفاخرة العبيد فقال معاوية: ارجع يا مغيرة هؤلاء بنو عبد مناف لا تقاومهم الصناديد، ولا تفاخرهم المذاويد، ثم أقسم على الحسن عليه السلام بالسكوت فسكت. ايضاح: قال الجوهري: زخر الوادي إذا امتد جدا وارتفع، يقال بحرز اخر، وقال: نزفت ماء البئر نزفا أي نزحته كله يتعدى ولا يتعدى، وقال:


ابن عبيد الله على الكوفة والزبير بن العوام على البصرة وابعث معاوية بعده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر لك الخلافة فأدركها كيف شئت برأيك، فلم يقبل عنه ذلك وقال ان أقررت معاوية على ما في يده، كنت متخذ المضلين عضدا. راجع الاستيعاب بذيل الاصابة ج 3 ص 371. (1) في المصدر: " عبد آبق فثقف " وكلاهما بمعنى. (2) اما بضمتين جمع الشراك: وهو سير النعل على ظهر القدم، أو بفتحتين: وهو حبائل الصيد. (3) في المصدر ص 144: " وأما وصلتك فمنكورة ".

[96]

الجبال الشوامخ هي الشواهق، وشمخ الرجل بأنفه تكبر، انتهى. والانحجاز: الامتناع، والإصدار: الارجاع، والمنهل عين ماء ترده الابل في المراعي، قوله عليه السلام " أجبنا " أي أتزعم أني أقول هذا جبنا. والخور بالتحريك: الضعف، والبذخ: الكبر، وقد بذخ بالكسر وتبذخ أي تكبر وعلا، والبجح بتقديم الجيم على الحاء الفرح وبجحته أنا تبجيحا فتبجح أي أفرحته ففرح، والهوائل المفزعات، والإياب: الرجوع، والنهب: الغنيمة والجمع النهاب بالكسر، إشارة إلى قوله " وابنا بالغنيمة ". والمجاحشة المدافعة، والذائد الحامي الدافع، والمذواد مبالغة فيه وقال الجوهري فلان حامي الذمار أي إذا ذمر وغضب حمي، وفلان أمنع ذمارا من فلان ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه لأنهم قالوا حامي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة انتهى. والوغر بالفتح وبالتحريك الضغن والحقد، وبدو الغدر ظهوره، والأشاجع اصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، والتفاف الأشاجع: كناية عن التمكن والاقتدار منه، والمرنات البواكي الصائحات عند المصيبة، والهلع أفحش الجزع والزرائب جمع الزريبة، وهي الطنفسة وحظيرة الغنم وكلاهما مناسبان، وفي بعض النسخ الزرانب وهو جمع الزرنب فرج المرأة والقيون جمع القين بمعنى العبد، أو الحداد والصانع، وأكثر ما يجمع بالمعنى الأول على قيان لكنه أنسب بالمقام، والبسالة الشجاعة، وقد بسل فهو باسل أي بطل، وبنات الماء الحيوانات المتولدة فيه، أو طيوره، وقال المطرزي: وبنات الماء من الطير استعارة، قوله عليه السلام " عذرنا " على بناء المفعول أي صرنا معذورين إن آذيناهم وكافيناهم بعد المجاورة، لما فعلوا بنا من مناطقة القيون، قال الجزري فيه: " من يعذرني من رجل قد بلغني عنه كذا وكذا " أي من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه، فلا يلومني، ويحتمل أن يكون تحاورنا بالحاء المهملة من المحاورة أي إن تكلمنا مع بني امية مع عدم قابليتهم لذلك فنحن معذورون بعد

[97]

محاورة القيون. 9 - ج: روى سليم بن قيس قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال لي معاوية: ما أشد تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك، ولا أبوهما بخير من أبيك، لولا أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله لقلت ما امك أسماء بنت عميس بدونها، قال: فغضبت من مقالته، وأخذني مالا أملك، فقلت: إنك لقليل المعرفة بهما وبأبيهما وامهما بلى والله هما خير مني، وأبوهما خير من أبي، وامهما خير من امي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلام فحفظته منه ووعيته. فقال معاوية - وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام وابن جعفر رحمه الله وابن عباس وأخيه الفضل - هات ما سمعت، فو الله ما أنت بكذاب، فقال: إنه أعظم مما في نفسك، قال: وإن كان أعظم من احد وحرى، فانه ما لم يكن أحد من أهل الشام لا ابالي، أما إذا قتل الله طاغيتكم، وفرق جمعكم وصار الأمر في أهله ومعدنه، فلا نبالي ما قلتم، ولا يضرنا ما ادعيتم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من كنت أولى به من نفسه فأنت يا أخي أولى به من نفسه - وعلي بين يديه عليهما السلام [في البيت والحسن والحسين وعمر بن ام سلمة واسامة بن زيد] (1) وفي البيت فاطمة عليها السلام وام أيمن وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، وضرب رسول الله صلى الله عليه واله على عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثا ثم نص بالامامة على الأئمة تمام الاثني عشر عليهم السلام. ثم قال صلوات الله عليه: ولامتي اثنا عشر إمام ضلالة كلهم ضال مضل عشرة من بني امية ورجلان من قريش، وزر جميع الاثني عشر وما أضلوا، في أعناقهما ثم سماهما رسول الله صلى الله عليه واله وسمى العشرة معهما. قال: فسمهم لنا، قال: فلان وفلان وفلان وصاحب السلسلة وابنه من آل


(1) ما بين العلامتين ساقط عن نسخة كمباني، موجود في نسخة المصنف والمصدر ص 146.

[98]

أبي سفيان وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص أو لهم مروان. قال معاوية: لئن كان ما قلت حقا لقد هلكت وهلكت الثلاثة قبلي، وجميع من تولاهم من هذه الامة، ولقد هل أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله من المهاجرين والأنصار والتابعين غيركم أهل البيت وشيعتكم، قال ابن جعفر: فان الذي قلت والله حق سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله. قال معاوية للحسن والحسين وابن عباس: ما يقول ابن جعفر ؟ قال ابن عباس - ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي عليه السلام أرسل إلى الذين سمى، فأرسل إلى عمر بن ام سلمة واسامة فشهدوا جميعا أن الذي قال ابن جعفر حق قد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه واله كما سمعه (1). ثم أقبل معاوية إلى الحسن والحسين وابن عباس والفضل وابن ام سلمة واسامة فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر ؟ قالوا: نعم، قال معاوية: فانكم يا بني عبد المطلب لتدعون أمرا عظيما وتحتجون بحجة قوية، فان كانت حقا فانكم لتبصرون على أمر وتسترونه، والناس في غفلة وعمى، ولئن كان ما تقولون حقا لقد هلكت الامة، ورجعت عن دينها، وكفرت بربها وجحدت نبيها إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم، فاولئك قليل في الناس. فأقبل ابن عباس على معاوية فقال: قال الله: " وقليل من عبادي الشكور " (2) وقال: " وقليل ماهم " (3) وما تعجب مني يا معاوية أعجب من بني إسرائيل إن السحرة قالوا لفرعون " فاقض ما أنت قاض " (4) فآمنوا بموسى وصدقوه ثم سار بهم ومن اتبعهم من بني إسرائيل فأقطعهم البحر، وأراهم العجائب، وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون له بدينه، ثم مروا بأصنام تعبد، فقالوا " اجعل لنا إلها كمالهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " (5) وعكفوا على العجل جميعا غير هارون


(1) إلى هنا تجد الحديث في الكافي ج 1 ص 529 مع تغيير ما، باسناده إلى سليم ابن قيس، فراجع. (2) سبأ: 13. (3) ص: 24. (4) طه: 72. (5) الاعراف: 138.

[99]

فقالوا: " هذا إلهكم وإله موسى " (1) وقال لهم موسى بعد ذلك " ادخلوا الأرض المقدسة " (2) فكان من جوابهم ما قص الله عزوجل عليهم فقال موسى عليه السلام: " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " (3). فما اتباع (4) هذه الامة رجالا سودوهم وأطاعوهم، لهم سوابق مع رسول الله ومنازل قريبة منه، وأصهار مقرين بدين محمد وبالقرآن، حملهم والكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم، بأعجب من قوم صاغوا من حليهم عجلا ثم عكفوا عليه يعبدونه ويسجدون له، ويزعمون أنه رب العالمين واجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده. وقد بقي مع صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا الله. وتتعجب يا معاوية أن سمى الله من الأئمة واحدا بعد واحد، قد نص عليهم رسول الله صلى الله عليه واله بغدير خم وفي غير موطن واحتج بهم عليهم وأمرهم بطاعتهم وأخبر أن أولهم علي بن ابي طالب عليه السلام ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده، وأنه خليفته فيهم ووصيه، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه واله جيشا يوم موته فقال: عليكم جعفر فان هلك فزيد، فان هلك فعبدالله بن رواحة، فقتلوا جمعيا أفتراه يترك الامة ولم يبين لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة، كأن رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره، وما ركب القوم ما ركبوا إلا بعد ما بينه، وما تركهم رسول الله صلى الله عليه واله في عمى ولا شبهة. فأما ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على علي عليه السلام وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه واله وزعموا أنه قال: إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة


(1) طه: 88. (2) المائدة: 21. (3) المائدة: 25. (4) مبتدأ خبره بعد سطرين " بأعجب " وفى المصدر " فأما اتباع " وهو تصحيف.

[100]

والخلافة فقد شبهوا على الناس بشهادتهم وكذبهم ومكرهم. قال معاوية: ما تقول يا حسن ؟ قال: يا معاوية قد سمعت ما قلت وما قال ابن عباس، العجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت: قد قتل الله طاغيتكم ورد الأمر إلى معدنه، فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا ؟ ويل لك يا معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس، وسنوا لك هذه السنة لأقولن كلاما ما أنت أهله ولكني أقول لتسمعه بنو أبي هؤلاء حولي. إن الناس قد اجتمعوا على امور كثيرة، ليس بينهم اختلاف فيها ولا تنازع ولا فرقة: على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وعبده، والصلوات الخمس والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ثم أشياء كثيرة من طاعة الله التي لا تحصى ولا يعدها إلا الله، واجتمعوا على تحريم الزنا، والسرقة، والكذب والقطيعة، والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله. واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها، وصاروا فرقا يلعن بعضهم بعضا وهي الولاية ويبرأ بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضا أيهم (1) أحق وأولى بها إلا فرقة تتبع كتاب الله، وسنة نبية صلى الله عليه واله فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ونجا به من النار، ودخل الجنة، ومن وفقه الله ومن عليه واحتج عليه بأن نور قلبه بمعرفة ولاة الأمر من أئمتهم، ومعدن العلم أين هو ؟ فهو عند الله سعيد، ولله ولي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: رحم الله امرءا علم حقا فقال فغنم، أو سكت فسلم. نحن نقول أهل البيت: إن الأئمة منا، وإن الخلافة لا تصلح إلا فينا وإن الله جعلنا أهلها في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه واله وإن العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كله، بحذافيره، وإنه لا يحدث شئ إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش إلا وهو عندنا مكتوب باملاء رسول الله صلى الله عليه واله وخط علي عليه السلام بيده. وزعم قوم أنهم أولى بذلك منا، حتى أنت يا ابن هند تدعي ذلك، وتزعم


(1) أنهم خ.

[101]

أن عمر أرسل إلى أبي: أني اريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلي بما كتبت من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك، قال: ولم ؟ قال: لأن الله تعالى قال: " والراسخون في العلم " (1) قال: إياي عنى ولم يعنك، ولا أصحابك فغضب عمر. ثم قال: إن ابن أبي طالب يحسب أن أحدا ليس عنده علم غيره، من كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتني، فإذا جاء رجل فقرأ شيئا معه فيه آخر (2) كتبه وإلا لم يكتبه، ثم قالوا: قد ضاع منه قرآن كثير، بل كذبوا والله، بل هو مجموع محفوظ عند أهله. ثم أمر عمر قضاته وولاته: أجهدوا آراءكم واقضوا بما ترون أنه الحق فلا يزال هو بعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي ليحتج عليهم بها فتجتمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شئ واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم لأن الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كل صنف من مخالفينا من أهل هذه القبلة أن معدن الخلافة والعلم دوننا، فنستعين بالله على من ظلمنا، وجحدنا حقنا وركب رقابنا، وسن للناس علينا ما يحتج به مثلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل. إنما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا، ويسلم لنا، ويأتم بنا، فذلك ناج محب لله ولي، وناصب لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا ويدين الله بالبراءة منا، فهذا كافر مشرك فاسق، وإنما كفرو أشرك من حيث لا يعلم كما سبوا الله (عدوا) بغير علم (3) كذلك يشرك بالله بغير علم، ورجل آخذ بما [لا] يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى مع ولايتنا، ولا يأتم بنا


(1) آل عمران: 7. (2) يعنى فقرأ شيئا معه يوافقه فيه آخر. (3) مأخوذ من قوله تعالى: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبو الله عدوا بغير علم " الانعام: 108، يعنى فكما سب المشركون الله عدوا بغير علم، يشرك هؤلاء بالله من غير علم.

[102]

ولا يعادينا ولا يعرف حقنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنة، فهذا مسلم ضعيف. فلما سمع ذلك معاوية، أمر لكل واحد منهم بمائة ألف درهم غير الحسن والحسين وابن جعفر فانه أمر لكل واحد منهم بألف ألف درهم (1). أقول: وجدته في كتاب سليم برواية ابن أبي عياش عنه بتغيير ما وقد أوردته في كتاب الفتن، وقد مر بعض الخبر بأسانيد في باب نص النبي صلى الله عليه وآله على الاثني عشر صلوات الله عليهم (2). وقال ابن أبي الحديد: روى المدائني قال: لقي عمرو بن العاص الحسن عليه السلام في الطواف فقال له: يا حسن زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك، فقد رأيت الله أقام معاوية فجعله راسيا بعد ميله، وبينا بعد خفائه، أفيرضى الله بقتل عثمان ؟ أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحين عليك ثياب كغرقئ البيض (3) وأنت قاتل عثمان ؟ والله إنه لالم للشعث، وأسهل للوعث، أن يوردك معاوية حياض أبيك. فقال الحسن عليه السلام: إن لأهل النار علامات يعرفون بها: إلحاد لأولياء الله وموالاة لأعداء الله، والله إنك لتعلم أن عليا لم يرتب في الدين، ولم يشك في الله ساعة ولا طرفة عين، قط، ووالله لتنتهين يا ابن ام عمرو، أولا نفذن حضنيك (4) بنوافذ أشد من الأقضبة فاياك والهجم علي فاني من قد عرفت، ليس بضعيف الغمزة


(1) الاحتجاج ص 147 - 148. (2) أخرجه في ج 36 ص 231 (الطبعة الحديثة) عن كمال الدين، والخصال وعيون الاخبار للصدوق وهكذا عن غيبة الشيخ النعماني. (3) الغرقئ: القشرة الملتزقة ببياض البيض، شبه رداءه عليه السلام بالغرقئ للطافتة وبياضه. (4) الحضن ما دون الابط الى الكشح، وكانه جعل الاقضبة جمع القضيب وهو السيف الدقيق الذى ليس بصحيفة فهو أنفذ.

[103]

ولا هش المشاشة، ولا مرئ المأكلة، وإني من قريش كواسطة القلادة يعرف حسبي والا ادعى لغير أبي، وأنت من تعلم ويعلم الناس، تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جزارها: الامهم حسبا، وأعظمهم لوما (1) فاياك عني فانك رجس ونحن أهل بيت الطهارة أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا فأفحم عمرو، وانصرف كئيبا. 10 - قب: تفاخرت قريش والحسن بن علي عليهما السلام حاضر لا ينطق فقال معاوية: يا أبا محمد ما لك لا تنطق ؟ فو الله ما أنت بمشوب الحسب، ولا بكليل اللسان قال الحسن عليه السلام: ما ذكروا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها ثم قال: فيهم الكلام ؟ وقد سبقت مبرزا سبق الجواد من المدى المتنفس (2) بيان: " المتنفس " البعيد من قولهم أنت في نفس من أمرك أي سعة. 11 - قب: أخبار أبي حاتم إن معاوية فخر يوما فقال: أنا ابن بطحا [و] مكة أنا ابن أغزرها جودا، وأكرمها جدودا، أنا ابن من ساد قريشا فضلا ناشئا وكهلا فقال الحسن بن علي عليهما السلام: أعلي تفتخر يا معاوية ؟ أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا، بالفضل السابق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني، به، وقديم كقديمي تساميني به، قل نعم أو لا، قال معاوية: بل أقول: لا، وهي لك تصديق، فقال الحسن:


(1) ذكر الكلبى في المثالب على ما نقله في التذكرة ص 117 قال: كانت النابغة ام عمرو ابن العاص من البغايا أصحاب الرايات بمكة فوقع عليها: العاص بن وائل في عدة من قريش منهم أبو لهب وامية بن خلف وهشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب في طهر واحد، فلما حملت النابغة بعمرو تكلموا فيه فلما وضعته اختصم فيه الخمسة الذين ذكرناهم كل واحد يزعم انه ولده وألب عليه العاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب فحكما النابغة فاختارت العاص. ونقله الزمخشري في ربيع الابرار وزاد: قالوا: كان أشبه بأبى سفيان. (2) راجع مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 21.

[104]

الحق أبلج ما يحيل سبيله والحق يعرفه ذوو الألباب كشف: عن الشعبي مثله (1). بيان: رأيت في بعض الكتب أن عروق الثرى إبراهيم عليه السلام لكثرة ولده في البادية، ولعله عليه السلام عرض بكون معاوية ولد زنا ليس من ولد إبراهيم قوله: " ما يحيل سبيله " أي ما يتغير قال الفيروز آبادي: حال يحيل حيولا تغير وفي كشف الغمة تخيل بالخاء المعجمة على صيغة الخطاب ونصب السبيل أي لا يمكنك أن توقع في الخيال غيره. 12 - قب: وقال معاوية للحسن بن علي عليهما السلام: أنا أخير منك يا حسن، قال: وكيف ذاك يا ابن هند ؟ قال: لأن الناس قد أجمعوا علي ولم يجمعوا عليك قال هيهات هيهات لشر ما علوت، يابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاش لله أن أقول: أنا خير منك فلا خير فيك، ولكن الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل. كتاب الشيرازي: روى سفيان الثوري، عن واصل، عن الحسن، عن ابن عباس في قوله: " وشاركهم في الأموال والاولاد " (2) أنه جلس الحسن بن علي ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان يأكلان الرطب فقال يزيد: يا حسن إني مذ كنت ابغضك، قال الحسن: اعلم يا يزيد أن إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماءان فأورثك ذلك عداوتي، لأن الله تعالى يقول: " وشاركهم في الأموال والأولاد " وشارك الشيطان حربا عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدي رسول الله صلى الله عليه واله. وهرب سعيد بن سرح من زياد إلى الحسن بن علي عليهما السلام فكتب الحسن إليه يشفع فيه، فكتب زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة أما بعد فقد أتاني


(1) كشف الغمة ج 2 ص 152، المناقب ج 4 ص 22. (2) أسرى: 64.

[105]

كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة، وذكر نحوا من ذلك، فلما قرأ الحسن الكتاب تبسم وأنفذ بالكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى زياد يؤنبه ويأمره أن يخلي عن أخي سعيد وولده وامرأته ورد ماله وبناء ما قد هدمه من داره، ثم قال وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم امه، لا تنسبه إلى أبيه، وامه بنت رسول الله وذلك أفخر له إن كنت تعقل. وذكروا أن الحسن بن علي عليهما السلام دخل على معاوية يوما فجلس عند رجله وهو مضطجع فقال له: يا أبا محمد ألا اعجبك من عائشة تزعم أني لست للخلافة أهلا ؟ فقال الحسن عليه السلام: وأعجب من هذا جلوسي عند رجلك، وأنت نائم، فاستحيا معاوية واستوى قاعدا واستعذره. كشف: مثله ثم قال: قلت: والحسن عليه السلام لم يعجب من قول عائشة إن معاوية لا يصلح للخلافة، فان ذلك عنده ضروري، لكنه قال: وأعجب من توليك الخلافة قعودي (1). بيان: يحتمل أن يكون التعجب من صدور هذا القول منها، وإن كان حقا لكونها مقرة بخلافة أبيها مع اشترا كهما في عدم الاستحقاق، وداعية لمعاوية إلى مقاتلة أمير المؤمنين عليه السلام. 13 - قب: وفي العقد أن مروان بن الحكم قال للحسن بن علي عليهما السلام بين يدي معاوية: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن ! ويقال إن ذلك من الخرق فقال عليه السلام: ليس كما بلغك، ولكنا معشر بني هاشم طيبة أفواهنا، عذبة شفاهنا فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن، وأنتم معشر بني امية فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن إلى اصداغكم، فانما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك. قال مروان: أما إن فيكم يا بني هاشم خصلة [سوء] (2) قال: وما هي ؟


(1) راجع كشف الغمة ج 2 ص 150، مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 22 و 23. (2) الزيادة من المصدر ج 4 ص 23. (*)

[106]

قال: الغلمة، قال: أجل نزعت من نسائنا ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لا موية إلا هاشمي ثم خرج يقول: ومارست هذا الدهر خمسين حجة وخسما ارجي قابلا بعد قابل فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها ولا في الذي أهوى كدحت بطائل فقد أشرعتني في المنايا أكفها (1) وأيقنت أني رهن موت معاجل 14 - كشف، قب: وقال الحسن بن علي عليهما السلام لحبيب بن مسلمة الفهري: رب مسير لك في غير طاعة قال: أما مسيري إلى أبيك فلا، قال: بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك، فلو كنت إذا فعلت شرا قلت خيرا كنت كما قال الله عزوجل " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " (2) ولكنك كما قال " بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (3). 15 - د، كشف: لما خرج حوثرة الأسدي على معاوية، وجه معاوية إلى الحسن عليه السلام يسأله أن يكون هو المتولي لقتاله، فقال: والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذلك يسعني أن اقاتل عنك قوما أنت والله أولى بقتالي منهم. وقيل له عليه السلام: فيك عظمة، قال: لا، بل في عزة قال الله تعالى " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (4). وقال معاوية: إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الزبيري شجاعا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الاموي حليما لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تياها لم يشبه قومه، فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقال: ما أحسن


(1) فقد أشرعت في المنايا أكفها. ظ. وما في الصلب مطابق للاصل والمصدر. (2) براءة: 102. (3) المطففين: 14، وترى الحديث في الكشف ج 2 ص 151، والمناقب: ج 4 ص 24. (4) المنافقون: 8 راجع كشف الغمة ج 2 ص 150 و 151.

[107]

ما نظر لقومه: أراد أن يجود بنو هاشم بأموالهم فيفتقروا، ويزهى بنو مخزوم فتبغض وتشنأ وتحارب بنو الزبير فيتفانوا، وتحلم بنوا مية فتحب. 16 - ما: المفيد، عن علي بن مالك النحوي، عن محمد بن القاسم الأنباري عن أبيه، عن عبد الصمد بن محمد الهاشمي، عن الفضل بن سليمان النهدي، عن ابن الكلبي، عن شرقي القطامي، عن أبيه، قال: خاصم عمرو بن عثمان بن عفان اسامة بن زيد إلى معاوية بن أبي سفيان مقدمه المدينة في حائط من حيطان المدينة فارتفع الكلام بينهما حتى تلاحيا، فقال عمرو: تلا حيني وأنت مولاي ؟ فقال اسامة: والله ما أنا بمولاك، ولا يسرني أني في نسبك، مولاي رسول الله صلى الله عليه واله فقال: ألا تسمعون ما يستقبلني به هذا العبد ؟. ثم التفت إليه عمر وفقال له: يا ابن السوداء ما أطغاك ؟ فقال: أنت أطغى مني ولم تعيرني بامي، وامي والله خير من امك، وهي ام أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه واله بشرها رسول الله في غير موطن بالجنة. وأبى خير من أبيك زيد بن حارثة صاحب رسول الله صلى الله عليه واله وحبه ومولاه، قتل شهيدا بموته على طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه واله وأنا أمير على أبيك، وعلى من هو خير من أبيك على أبي بكر وعمرو على أبي عبيدة وسروات المهاجرين والأنصار، فأنى تفاخرني يا ابن عثمان ؟ فقال عمرو: يا قوم أما تسمعون ما يجيبني به هذا العبد ؟ فقام مروان بن الحكم فجلس إلى جنب عمرو بن عثمان، فقام الحسن بن علي عليهما السلام فجلس إلى جنب اسامة، فقام سعيد بن العاص فجلس إلى جنب عمرو، فقام عبد الله بن جعفر فجلس إلى جنب اسامة، فلما رآهم معاوية قد صاروا فريقين من بني هاشم وبني امية خشي أن يعظمن البلاء، فقال: إن عندي من هذا الحائط لعلما، قالوا: فقل بعلمك، فقد رضينا، فقال معاوية: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه واله جعله لاسامة بن زيد

[108]

قم يا اسامة فاقبض حائطك هنيأ مريئا، فقام اسامة والهاشميون فجزوا معاوية خيرا. فأقبل عمرو بن عثمان على معاوية فقال: لا جزاك الله عن الرحم خيرا ما زدت علي أن كذبت قولنا، وفسخت حجتنا، وأشمت بنا عدونا، فقال معاوية: ويحك يا عمرو ! إني لما رأيت هؤلاء الفتية من بني هاشم قد اعتزلوا، ذكرت أعينهم تدور إلي من تحت المغافر بصفين، وكاد يختلط علي عقلي، وما يؤمني يا ابن عثمان منهم وقد أحلوا بأبيك ما أحلوا، ونازعوني مهجة نفسي حتى نجوت منهم بعد نباء عظيم، وخطب جسيم، فانصرف فنحن مخلفون لك خيرا من حائطك إنشاء الله. بيان: التلاحي: التخاصم والتنازع، والحب بالكسر المحبوب، والسروات جمع سراة وهي جمع سري، والسري، الشريف، وجمع السرى على سراة عزيز. أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو جعفر محمد بن حبيب في أماليه عن ابن عباس قال: دخل الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية بعد عام الجماعة، وهو جالس في مجلس ضيق، فجلس عند رجليه، فتحدث معاوية بما شاء أن يتحدث، ثم قال: عجبا لعائشة: تزعم أني في غير ما انا أهله، وأن الذي أصبحت فيه ليس في الحق ما لها ولهذا ؟ يغفر الله لها، إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس، وقد استأثر الله به. فقال الحسن عليه السلام: أو عجب ذلك يا معاوية ؟ قال: إي والله، قال: أفلا اخبرك بما هو أعجب من هذا ؟ قال: ما هو ؟ قال: جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك، فضحك معاوية وقال: يا ابن أخي بلغني أن عليك دينا، قال: إن علي دينا، قال: كم هو ؟ قال: مائة ألف، فقال: قد أمرنا لك بثلاث مائة ألف: مائة منها لدينك، ومائة تقسمها في أهل بيتك، ومائة لخاصة نفسك، فقم مكرما فاقبض صلتك. فلما خرج الحسن عليه السلام قال يزيد بن معاوية لأبيه: تالله ما رأيت ؟

[109]

استقبلك بما استقبلك به ثم أمرت له بثلاث مائة ألف ؟ قال: يا بني إن الحق حقهم، فمن أتاك منهم فاحث له (1).


(1) ومما يناسب الباب ما ذكره سبط ابن الجوزى في التذكرة نقلا عن هشام بن محمد الكلبي، عن محمد بن اسحاق قال: بعث مروان بن الحكم وكان اليا على المدينة رسولا الى الحسن عليه السلام فقال قل له: يقول لك مروان: أبوك الذى فرق الجماعة وقتل أمير المؤمنين عثمان، وأباد العلماء والزهاد - يعنى الخوارج - وأنت تفخر بغيرك: فإذا قيل لك من أبوك ؟ تقول: خالي الفرس - وفى رواية ابن سعد في الطبقات: ما أجد لك مثلا الا البغلة يقال لها من أبوك فتقول: أخى الفرس. فجاء الرسول الى الحسن عليه السلام فقال له: يا أبا محمد ! انى أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته، ويحذر سيفه، فان كرهت لم أبلغك اياها ووقيتك بنفسى، فقال الحسن: لا بل تؤديها، ونستعين عليه بالله. فأداها فقال له: تقول لمروان: ان كنت صادقا فالله يجزيك بصدقك، وان كنت كاذبا فالله أشد نقمة. فخرج الرسول من عنده، فلقيه الحسين فقال: من أين أقبلت ؟ فقال: من عند أخيك الحسن، فقال: وما كنت تصنع ؟ قال: أتيت برسالة من عند مروان، فقال: وما هي ؟ فامتنع الرسول من أدائها، فقال: لتخبرنى أو لاقتلنك ! ! فسمع الحسن عليه السلام فخرج وقال لاخيه: خل عن الرجل، فقال: لا والله حتى أسمعها، فأعادها الرسول فقال له: قل يقول لك الحسين بن على ابن فاطمة: يا ابن الزرقاء الداعية الى نفسها بسوق ذى المجاز، صاحبة الراية بسوق عكاظ، يا ابن طريد رسول الله ولعينه، اعرف من أنت ؟ ومن امك ؟ ومن أبوك ؟ فجاء الرسول الى مروان فأعاد عليه ما قالا، فقال له: ارجع الى الحسن وقل له: أشهد أنك ابن رسول الله، وقل للحسين: أشهد أنك على بن أبى طالب. قال: قال الاصمعي: أما قول الحسين " يا ابن الداعية الى نفسها " فذكر ابن اسحاق ان ام مروان اسمها أمية وكانت من البغايا في الجاهلية، وكان لها رأية مثل رأية البيطار تعرف بها، وكانت تسمى أم حبتل الزرقاء، وكان مروان لا يعرف له أب، وانما تنسب له الى الحكم بن أبى العاص. أقول: قال الفيروز آبادى ذو المجاز: سوق كانت لهم على فرسخ من عرفة، بناحية كبكب وعكاظ سوق بصحراء بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذى القعدة وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فبتعا كظون أي يتفاخرون ويتناشدون.

[110]

(21) * (باب) * * " (أحوال أهل زمانه وعشائره وأصحابه، وما جرى بينه وبينهم) " * * " (وما جرى بينهم وبين معاوية وأصحابه لعنهم الله) " * 1 - مع: محمد بن إبراهيم، عن أحمد بن يونس المعاذي، عن أحمد الهمداني عن محمد بن الأشعث، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن جده، عن جعفر ابن محمد عليهما السلام قال: كان للحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما صديق وكان ماجنا فتباطأ عليه أياما فجاءه يوما، فقال له الحسن عليه السلام: كيف أصبحت ؟ فقال يا ابن رسول الله أصبحت بخلاف ما احب ويحب الله ويحب الشيطان فضحك الحسن عليه السلام ثم قال: وكيف ذاك ؟ قال: لأن الله عزوجل يحب أن اطيعه ولا أعصيه ولست كذلك، والشيطان يحب أن أعصي الله ولا اطيعه ولست كذلك، وأنا احب أن لا أموت، ولست كذلك. فقام إليه رجل فقال يا ابن رسول الله ما بالنا نكره الموت ولا نحبه، قال: فقال الحسن عليه السلام: إنكم أخربتم آخرتكم وعمرتكم دنياكم فأتتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب (1). 2 - قب: من أصحاب الحسن بن علي عليهما السلام عبد الله بن جعفر الطيار، ومسلم ابن عقيل، وعبد الله بن العباس، وحبابة بنت جعفر الوالبية، وحذيفة بن أسيد والجارود بن أبي بشر، والجارود بن المنذر، وقيس بن أشعث بن سوار، وسفيان ابن أبي ليلى الهمداني، وعمرو بن قيس المشرفي، وأبو صالح كيسان بن كليب وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، ومسلم البطين، وأبو رزين مسعود بن أبي وائل، وهلال بن يساف، وأبو إسحاق بن كليب السبيعي، وأصحابه من خواص


(1) رواه الصدوق في المعاني باب النوادر تحت الرقم 29 ص 389.

[111]

أبيه مثل: حجر، ورشيد، ورفاعة، وكميل، والمسيب، وقيس، وابن واثلة وابن الحمق، وابن أرقم، وابن صرد، وابن عقلة، وجابر، والدولي، وحبة وعباية، وجعيد، وسليم، وحبيب، الأحنف، والأصبغ، والأعور مما لا تحصى كثرة (1). 3 - كا: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري، عن عبد الله بن حماد، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي برزة الأسلمي قال: ولد للحسن بن علي عليهما السلام مولود فأتته قريش فقالوا: يهنئك الفارس، فقال: وما هذا من الكلام ؟ قولوا: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ الله به أشده، ورزقك بره (2). 4 - كا: العدة، عن البرقي، عن بكر بن صالح، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هنا رجل رجلا أصاب ابنا، فاقل: يهنئك الفارس، فقال الحسن عليه السلام له: ما علمك يكون فارسا أو راجلا ؟ قال: جعلت فداك فما أقول ؟ قال: تقول: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشده، ورزقك بره (3). 5 - كا: محمد بن الحسن وعلى بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الرحمن بن حماد، عن أبي مريم الأنصاري رفعه قال: إن الحسن بن علي عليهما السلام خرج من الحمام فلقيه إنسان فقال " طاب استحمامك " فقال يالكع وما تصنع بالاست ههنا ؟ فقال " طاب حميمك "، فقال: أما تعلم أن الحميم العرق قال " طاب حمامك " فقال: وإذا طاب حمامي فأي شئ لي ؟ قل: " طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك " (4). بيان: قال الفيروز آبادي: استحم اغتسل بالماء الحار، والماء البارد ضد وقال: ولا يقال " طاب حمامك " وإنما يقال: طابت حمتك بالكسر أي حميمك


(1) المصدر ج 4 ص 40. (2 و 3) راجع ج 6 ص 17 باب التهنئة من كتاب العقيقة الرقم 2 و 3. (4) رواه في باب الحمام من كتاب الزى والتجمل تحت الرقم 21، راجع ج 6 ص 500.

[112]

أي طاب عرقك، انتهى (1). ولعله عليه السلام قال: ما تصنع بالاست، على وجه المطايبة لكون الاست موضوعا لأمر قبيح، وإن لم يكن مقصودا ههنا تنبيها له على أنه لابد أن يرجع في تلك الامور إلى المعصوم، ولا يخترعوا بآرائهم، ويحتمل أن يكون المراد أن الألف والسين والتاء الموضوعة للطلب غير مناسب في المقام فيكون إشارة إلى أن الاستحمام بعمنى الاغتسال لغة غير فصيحة (2). 6 - قب: أصحابه أصحاب أبيه، وبابه قيس بن ورقا المعروف بسفية، ورشيد الهجري ويقال: وميثم التمار. 7 - ختص: أصحاب الحسن بن علي عليهما السلام سفيان بن (أبي) ليلى الهمداني حذيفة بن اسيد الغفاري، أبو رزين الأسدي (3). 8 - ختص: ابن الوليد، عن الصفار، عن على بن سليمان بن داود، وعن العطار، عن سعد، عن على بن سليمان، عن على بن أسباط، عن أبيه، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين حواري الحسن بن علي بن فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه واله ؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمداني وحذيفة بن أسيد الغفاري، ثم ينادي، أين حواري الحسين بن علي ؟ فيقوم كل من استشهد معه ولم يتخلف عنه. الخبر (4). 9 - فض، يل: عن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، عن ربعي، عن خراش قال: سأل معاوية ابن عباس قال: فما تقول في علي بن أبي طالب عليه السلام قال: علي


(1) نقله في الاقرب وزاد: ومعناه: أصح الله جسمك. (2) بل المراد أن سين الاستفعال انما وضع للطلب وأصل الاستحمام: طلب الماء الحميم اللاغتسال فانه أذهب للارجاس، فإذا دخل الرجل الحمام، أو أسخن ماء واشتغل بافراغه على رأسه، فقد استحم، واما إذا خرج من الحمام، ولبس سراويله، فلا معنى للاستحمام بعد ذلك وايراد سين الاستفعال (3) و (4) الاختصاص ص 7 و 61. (*)

[113]

أبو الحسن عليه السلام علي، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجى، ومحتد الندا، وطود النهى، وعلم الورى، ونورا في ظلمة الدجى، وداعيا إلى المحجة العظمى، ومستمسكا بالعروة الوثقى، وساميا إلى المجد والعلا، وقائد الدين والتقى وسيد من تقمص وارتدى، بعل بنت المصطفى، وأفضل من صام وصلى، وأفخر من ضحك وبكى، صاحب القبلتين، فهل يساويه مخلوق كان أو يكون. كان والله كالاسد مقاتلا ولهم في الحروب حاملا على مبغضيه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم التناد. ايضاح: المحتد بالكسر الأصل، والندا: العطاء، والطود الجبل العظيم. 10 - ل: ابن موسى، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن العباس بن الفرج عن أبي سلمة الغفاري، عن عبد الله بن إبراهيم بن أبي فروة، عن عبد الملك بن مروان قال: كنا عند معاوية ذات يوم وقد اجتمع عنده جماعة من قريش وفيهم عدة من بني هاشم فقال معاوية: يا بني هاشم بم تفخرون علينا ؟ أليس الأب والأم واحدا والدار والمولد واحدا ؟ فقال ابن عباس: نفخر عليكم بما أصبحت تفخر به على سائر قريش، وتفخر به قريش على الأنصار، وتفخر به الأنصار على سائر العرب وتخفر به العرب على العجم: برسول الله صلى الله عليه واله وبما لا تستطيع له إنكارا ولا منه فرارا. فقال معاوية: يا ابن عباس لقد اعطيت لسانا ذلقا تكاد تغلب بباطلك، حق سواك، فقال ابن عباس: مه فان الباطل لا يغلب الحق ودع عنك الحسد، فلبئس الشعار الحسد. فقال معاوية: صدقت أما والله إني لا حبك لخصال أربع مع مغفرتي لك خصالا أربعا فأما ما احبك فلقربتك برسول الله صلى الله عليه واله، وأما الثانية فانك رجل من اسرتي وأهل بيتي ومن مصاص عبد مناف، وأما الثالثة فان أبي كان خلا لابيك وأما الرابعة فانك لسان قريش وزعيمها وفقيهها. وأما الأربع التي غفرت لك: فعدوك علي بصفين، فيمن عدا، وإساءتك في خذلان عثمان فيمن أساء، وسعيك على عائشة أم المؤمنين فيمن سعى، ونفيك

[114]

عني زيادا فيمن نفى، فضربت أنف هذا الأمر وعينه حتى استخرجت عذرك من كتاب الله عزوجل وقول الشعراء. أما ما وافق كتاب الله عزوجل فقوله " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " (1) وأما ما قالت الشعراء فقول اخي بني دينار: ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث اي الرجال المهذب فاعلم أني قد قبلت فيك الأربع الأولى، وغفرت لك الأربع الأخرى وكنت في ذلك كما قال الأول: سأقبل ممن قد أحب جميله وأغفر ما قد كان من غير ذلكا ثم أنصت، فتكلم ابن عباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما ما ذكرت أنك تحبني لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه واله فذلك الواجب عليك وعلى كل مسلم آمن بالله ورسوله، لأنه الأجر الذي سألكم رسول الله صلى الله عليه واله على ما آتاكم به من الضياء والبرهان المبين، فقال عزوجل " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (2) فمن لم يجب رسول الله صلى الله عليه واله إلى ما سأله خاب وخزي وكبا في جهنم. وأما ما ذكرت أني رجل من اسرتك وأهل بيتك، فذلك كذلك وإنما أردت به صلة الرحم ولعمري إنك اليوم وصول معما (3) قد كان منك مما لا تثريب عليك فيه اليوم. وأما قولك: إن أبي كان خلا لأبيك، فقد كان ذلك، وقد سبق فيه قول الأول: سأحفظ من آخى أبي في حياته وأحفظه من بعده في الأقارب ولست لمن لا يحفظ العهد وامقا ولا هو عند النائبات بصاحبي وأما ما ذكرت أني لسان قريش وزعيمها وفقيهها، فإني لم اعط من ذلك


(1) براءة: 102. (2) الشورى: 23. (3) في الاصل ونسخة كمباني: " مما " وما جعلناه في الصلب أظهر.

[115]

شيئا إلا وقد اوتيته، غير أنك قد أبيت بشرفك وكرمك إلا أن تفضلني، وقد سبق في ذلك قول الأول: وكل كريم للكرام مفضل يراه له أهلا وإن كان فاضلا وأما ما ذكرت من عدوي عليك بصفين، فوالله لو لم أفعل ذلك لكنت من ألأم العالمين، أكانت نفسك تحدثك يا معاوية أني أخذل ابن عمي أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وقد حشد له المهاجرون والأنصار، والمصطفون الأخيار، لم يا معاوية ؟ أشك في ديني أم حيرة في سجيتي أم ضن بنفسي. وأما ما ذكرت من خذلان عثمان، فقد خذله من كان أمس رحما به مني ولي في الأقربين والأبعدين اسوة، وإني لم اعد عليه فيمن عدا، بل كففت عنه كما كف أهل المروعات والحجى. وأما ما ذكرت من سعيي على عائشة، فان الله تبارك وتعالى أمرها أن تقر في بيتها وتحتجب بسترها، فلما كشفت جلباب الحياء، وخالفت نبيها صلى الله عليه واله وسعنا ما كان منا إليها. وأما ما ذكرت من نفي زياد، فاني لم أنفه بل نفاه رسول الله صلى الله عليه واله إذ قال: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وإني من بعد هذا لاحب ما سرك في جميع امورك. فتكلم عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين والله ما أحبك ساعة قط غير أنه قد اعطي لسانا ذربا يقلبه كيف شاء وإن مثلك ومثله كما قال الأول، وذكر بيت شعر، فقال ابن عباس: إن عمرا داخل بين العظم واللحم، والعصا واللحا (1) وقد تكلم فليستمع، فقد وافق قرنا.


(1) مثل يضرب لمن يدخل بين المتخالين المتصافيين، ويسعى بينهما، فانه لا يأتي بشئ البتة، فاللحم ملتصق بالعظم لا يدخل بينهما شئ كما أن اللحا وهو قشر العصا ملتصق به لا يدخل بينهما شئ، راجع الصحاح ص 2480، مجمع الامثال ج 2 ص 231: الرقم 3594.

[116]

أما والله يا عمرو إني لا بغضك في الله، وما أعتذر منه، إنك قمت خطيبا فقلت: أنا شانئ محمد، فانزل الله عزوجل: " إن شانئك هو الأبتر " فأنت أبتر الدين والدنيا وأنت شانئ محمد في الجاهلية والاسلام، وقد قال الله تبارك وتعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " (1) وقد حاددت الله ورسوله قديما وحديثا ولقد جهدت على رسول الله جهدك وأجلبت عليه بخيلك ورجلك حتى إذا غلبك الله على أمرك، ورد كيدك في نحرك، وأوهن قوتك، وأكذب احدوثتك، نزعت أنت حسير. ثم كدت بجهدك لعداوة أهل بيت نبيه من بعده، ليس بك في ذلك حب معاوية ولا آل معاوية إلا العداوة لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه اله مع بغضك وحسدك القديم لأبناء عبد مناف، ومثلك في ذلك كما قال الأول: تعرض لي عمرو وعمرو خزاية تعرض ضبع القفر للأسد الورد فما هو لي ند فأشتم عرضه ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد فتكلم عمرو بن العاص فقطع عليه معاوية وقال: أما والله يا عمرو ما أنت من رجاله، فان شئت فقل وإن شئت فدع، فاغتنمها عمرو وسكت. فقال ابن عباس: دعه يا معاوية فوالله لأسمنه بميسم يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة، تتحدث به الاماء والعبيد، ويتغنى به في المجالس، ويحدث به في المحافل، ثم قال ابن عباس: يا عمرو ! - وابتدأ في الكلام - فمد معاوية يده فوضعها على في ابن عباس، وقال له: أقسمت عليك يا ابن عباس إلا أمسكت وكره أن يسمع أهل الشام ما يقول ابن عباس وكان آخر كلامه: اخسأ أيها العبد وأنت مذموم وافترقوا. ايضاح: ذلاقة اللسان حدته، يقال: لسان ذلق بالفتح وذلق بضمتين وذلق بضم الأول وفتح الثاني، والمصاص بالضم خالص كل شئ يقال: فلان مصاص قومه إذا كان أخلصهم نسبا، وزعيم القوم سيدهم.


(1) المجادلة: 22.

[117]

قوله: " فضربت أنف هذا الأمر " هذا مثل تقوله العرب إذا أرادت بيان الاستقصاء في البحث والفكر، وإنما خص الأنف والعين لأنهما صورة الوجه والذي يتأمل من الانسان إنما هو وجهه، أي عرضت وجوه هذا الأمر على العقل واحدا واحدا وتأملت فيها، وقال الخليل في كتاب العين: الضرب يقع على جميع الأعمال أقول: ويحتمل أن يكون الضرب بمعناه كناية عن زجره بأي وجه يمكن حتى اتجه الغدر فيه. ولم الله شعثه بالتحريك، أي أصلح وجمع ما تفرق من اموره، أي لا يبقى لك أخ إن ترع عند النكباب حاله، فان المهذب الأخلاق من الرجال قليل. والوامق المحب، وقال الجوهري، الورد الذي يشم، الواحدة وردة، وبلونه قيل للأسد ورد، وللفرس ورد. 11 - جا: محمد بن عمران المرزباني، عن محمد بن الحسين الجوهرى، عن علي بن سليمان، عن الزبير بن بكار، عن علي بن صالح، عن عبد الله بن مصعب عن أبيه قال: حضر عبد الله بن عباس مجلس معاوية بن أبي سفيان فأقبل عليه معاوية فقال: يا ابن عباس إنكم تريدون أن تحرزوا الامامة كما اختصصتم بالنبوة، والله لا يجتمعان أبدا، إن حجتكم في الخلافة مشتبهة على الناس، إنكم تقولون نحن أهل بيت النبي صلى الله عليه واله فما بال خلافة النبوة في غيرنا. وهذه شبهة لانها يشبه الحق وبها مسحة من العدل، وليس الأمر كما تظنون، إن الخلافة ينقلب في أحياء قريش برضى العامة وشورى الخاصة ولسنا ند الناس يقولون ليت بني هاشم ولونا، ولو ولونا كان خيرا لنا في دنيانا واخرانا، ولو كنتم زهدتم فيها أمس كما تقولون، ما قاتلتم عليها اليوم، والله لو ملكتموها يا بني هاشم لما كانت ريح عاد ولا صاعقة ثمود بأهلك للناس منكم. فقال ابن عباس رحمه الله: أما قولك يا معاوية إنا نحتج بالنبوة في استحقاق الخلافة، فهو والله كذلك فان لم يستحق الخلافة بالنبوة، فبم يستحق ؟ وأما قولك إن الخلافة والنبوة لا يجتمعان لأحد، فأين قول الله عزوجل: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب

[118]

والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " (1) فالكتاب هو النبوة، والحكمة هي السنة والملك هو الخلافة، فنحن آل إبراهيم، والحكم بذلك جار فينا إلى يوم القيامة. وأما دعواك على حجتنا أنها مشتبهة، فليس كذلك وحجتنا أضوء من الشمس وأنور من القمر، كتاب الله معنا، وسنة نبيه صلى الله عليه واله فينا، وإنك لتعلم ذلك، ولكن ثنى عطفك وصعرك قتلنا أخاك وجدك وخالك وعمك، فلاتبك على أعظم حائلة وأرواح في النار هالكة، ولا تغضبوا لدماء أراقها الشرك، وأحلها الكفر، ووضعها الدين. وأما ترك تقديم الناس لنا فيما خلا، وعدولهم عن الاجماع علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم، وكل أمر إذا حصل حاصله ثبت حقه، وزال باطله. وأما افتخارك بالملك الزائل، الذي توصلت إليه بالمحال الباطل، فقد ملك فرعون من قبلك فأهلكه الله، وما تملكون يوما يا بني امية إلا ونملك بعدكم يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين، ولا حولا إلا ملكنا حولين. وأما قولك: إنا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من ريح عاد وصاعقة ثمود فقول الله يكذبك في ذلك قال الله عزوجل: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (2) فنحن أهل بيته الأدنون، وظاهر العذاب بتملكك رقاب المسلمين ظاهر للعيان وسيكون من بعدك تملك ولدك وولد أبيك أهلك للخلق من الريح العقيم، ثم ينتقم الله بأوليائه، ويكون العاقبة للمتقين. بيان: قال الجوهري يقال: ثنى فلان عني عطفه، إذا أعرض عنك، وقال صعر خده، وصاعر: أي أماله من الكبر. 12 - ما: المفيد، عن علي بن مالك النحوي، عن أحمد بن علي المعدل عن عثمان بن سعيد، عن محمد بن سليمان الاصفهاني، عن عمر بن قيس المكي، عن عكرمة صاحب ابن عباس قال: لما حج معاوية نزل المدينة فاستؤذن لسعد بن أبي وقاص عليه فقال لجلسائه: إذا أذنت لسعد وجلس فخذوا عن علي بن أبي طالب


(1) النساء: 54. (2) الانبياء: 107.

[119]

فأذن له وجلس معه على السرير. قال: وشتم القوم أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله، فانسكبت عينا سعد بالبكاء، فقال له معاوية: ما يبكيك يا سعد أتبكي أن يشتم قاتل أخيك عثمان بن عفان ؟ قال: والله ما أملك البكاء، خرجنا من مكة مهاجرين حتى نزلنا هذا المسجد - يعني مسجد الرسول صلى الله عليه واله - فكان فيه مبيتنا ومقيلنا، إذا اخرجنا منه وترك علي بن أبي طالب فيه فاشتد ذلك علينا وهبنا نبي الله أن نذكر ذلك له، فأتتنا عائشة فقلنا: يا ام المؤمنين إن لنا صحبة مثل صحبة علي، وهجرة مثل هجرته، وإنا قد اخرجنا من المسجد وترك فيه، فلا ندري من سخط من الله أو من غضب من رسوله ؟ فاذكري ذلك له فانا نهابه. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه واله، فقال لها: يا عائشة لا والله ما أنا أخرجتهم ولا أنا أسكنته بل الله أخرجهم وأسكنه. وغزونا خبير فانهزم عنها من انهزم، فقال نبي الله صلى الله عليه واله: لا عطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فدعاه وهو أرمد، فتفل في عينه وأعطاه الراية، ففتح الله له. وغزونا تبوك مع رسول الله صلى الله عليه واله فودع علي النبي صلى الله عليه واله على ثنية الوداع وبكى فقال له النبي صلى الله عليه واله: ما يبكيك ؟ فقال: كيف لا أبكي ولم أتخلف عنك في غزاة منذ بعثك الله تعالى فما بالك تخلفني في هذه الغزاة ؟ فقال له النبي صلى الله عليه واله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ فقال علي عليه السلام: بلى رضيت. 13 - من بعض كتب المناقب القديمة: روي أن معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يخطب على يزيد بنت عبد الله بن جعفر على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه بالغا ما بلغ، وعلى صلح الحيين: بني هاشم وبني امية. فبعث مروان إلى عبد الله بن جعفر يخطب إليه فقال عبد الله: إن أمر نسائنا إلى الحسن بن علي عليهما السلام فاخطب إليه، فأتى مروان الحسن خاطبا فقال الحسن:

[120]

اجمع من أردت ! فأرسل مروان فجمع الحيين من بني هاشم وبني امية فتكلم مروان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه بالغا ما بلغ، وعلى صلح الحيين: بني هاشم وامية، ويزيد بن معاوية كفو من لا كفوله، ولعمري لمن يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبط يزيد بكم، ويزيد ممن يستسقي الغمام بوجهه ثم سكت. فتكلم الحسن عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق، فانا لم نكن لنرغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه واله في أهله وبناته، وأما قضاء دين أبيها فمتنى قضت نساؤنا ديون آبائهن ؟ وأما صلح الحيين فانا عاديناكم الله وفي الله فلا نصالحكم للدنيا. وأما قولك من يغبطنا بيزيد أكثر ممن يغبطه بنا، فان كانت الخلافة فاقت النبوة فنحن المغبوطون به، وإن كانت النبوة فاقت الخلافة، فهو المغبوط بنا. وأما قولك إن الغمام يستسقي بوجه يزيد، فان ذلك لم يكن إلا لآل رسول الله صلى الله عليه واله وقد رأينا أن نزوجها من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر وقد زوجتها منه، وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة، وكان معاوية أعطاني بها عشرة آلاف دينار، ولها فيها غنى وكفاية. فقال: مروان: أغدرا يا بني هاشم ؟ فقال الحسن: واحدة بواحدة. وكتب مروان بذلك إلى معاوية، فقال معاوية: خطبنا إليهم فلم يفعلوا ولو خطبوا إلينا لما رددناهم. وروي أن معاوية نظر إلى الحسن بن علي عليهما السلام وهو بالمدينة، وقد احتف به خلق من قريش يعظمونه، فتداخله حسد فدعا أبا الأسود الدئلي والضحاك بن قيس الفهري فشاورهما في أمر الحسن والذي يهم به من الكلام. فقال له أبو الأسود: رأي أمير المؤمنين أفضل وأرى أن لا تفعل، فان أمير المؤمنين

[121]

لن يقول فيه قولا إلا أنزله سامعوه منه به حسدا، ورفعوا به صعدا، والحسن يا أمير المؤمنين معتدل شبابه، أحضر ما هو كائن جوابه، فأخاف أن يرد عليك كلامك بنوافذ تردع سهامك، فيقرع بذلك ظنبوبك، ويبدي به عيوبك، فإذا كلامك فيه صار له فضلا، وعليك كلا، إلا أن تكون تعرف له عيبا في أدب، أو وقيعة في حسب وإنه لهو المهذب، قد أصبح من صريح العرب، في غر لبابها، وكريم محتدها وطيب عنصرها، فلا تفعل يا أمير المؤمنين. ثم قال الضحاك بن قيس الفهري: أمض يا أمير المؤمنين فيه رأيك، ولا تنصرف عنه بلأيك (1) فانك لو رميته بقوارض كلامك، ومحكم جوابك، لقد ذل لك كما يذل البعير الشارف من الابل، فقال: أفعل. وحضرت الجمعة فصعد معاوية المنبر فحمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه واله وذكر علي بن أبي طالب فتنقصه ثم قال: أيها الناس إن شيبة من قريش ذوي سفه وطيش، وتكدر من عيش، أتعبتهم المقادير، اتخذ الشيطان رؤوسهم مقاعد، وألسنتهم مبادر، فباض وفرخ في صدورهم، ودرج في نحورهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، وأعمى عليهم السبل، وأرشدهم إلى البغي والعدوان، والزور والبهتان فهم له شركاء، وهو لهم قرين، ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا، وكفى بي لهم ولهم مؤدبا، والمستعان الله. فوثب الحسن بن علي عليهما السلام وأخذ بعضادة المنبر فحمد الله وصلى على نبيه ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي (بن أبي طالب) أنا ابن نبي الله، أنا ابن من جعلت له الأرض مسجدا وطهورا، أنا ابن السراج المنير أنا ابن البشير النذير، أنا ابن خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن والانس، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين. فلما سمع كلامه معاوية غاظ منطقه وأراد أن يقطع عليه فقال: يا حسن عليك


(1) بدأيك. خ ل، واللاى: الابطاء والاحتباس. ولعله مصحف " بلاءك ".

[122]

بصفة الرطب، فقال الحسن عليه السلام: الريح تلقحه، والحر ينضجه، والليل يبرده ويطيبه على رغم أنفك يا معاوية، ثم أقبل على كلامه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، ويقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه، ولم تقاتل مع نبي قبله، أنا ابن من نصر على الأحزاب، أنا ابن من ذل له قريش رغما فقال معاوية: أما إنك تحدث نفسك بالخلافة ولست هناك، فقال الحسن عليه السلام: أما الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله ليست الخلافة لمن خالف كتاب الله، وعطل السنة، إنما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكا فتمتع به وكأنه انتقطع عنه وبقيت عنه وبقيت تبعاته عليه. فقال معاوية: ما في قريش رجل إلا ولنا عنده نعم مجللة، ويد جميلة قال: بلى من تعززت به بعد الذلة، وتكثرت به بعد القلة، فقال معاوية: من اولئك يا حسن ؟ قال: من يلهيك عن معرفته. قال الحسن عليه الصلاة والسلام: أنا ابن من ساد قريشا شابا وكهلا أنا ابن من ساد الورى كرما ونبلا، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالجود الصادق والفرع الباسق، والفضل السابق، أنا ابن من رضاه رضى الله، وسخطه سخط الله، فهل لك أن تساميه يا معاوية ؟ فقال: أقول: لا تصديقا لقولك، فقال الحسن عليه السلام: الحق أبلج، والبطال لجلج، ولن يندم من ركب الحق، وقد خاب من ركب الباطل، والحق يعرفه ذوو الألباب، ثم نزل معاوية وأخذ بيد الحسن وقال: لا مرحبا بمن ساءك. بيان: الظنبوب، هو حرف العظم اليابس من الساق، و " الصريح " الرجل الخالص النسب، قوله " بلأيك " يقال فعل كذا بعد لأي أي بعد شدة وإبطاء ولآى لايا أي أبطأ، وفي بعض النسخ بدأيك، قال الجوهرى،: الدأي من البعير الموضع الذي تقع عليه ظلفة الرحل فتعقره، أبو زيد: دأيت الشئ أدأى له دأيا إذا ختلته، والشارف المسنة من النوق.

[123]

قوله " إن شيبة " أي ذوي شيبة، وقال الجوهري: التلجلج التردد في الكلام، يقال: الحق أبلج والباطل لجلج: أي يردد من غير أن ينفذ. 14 - ختص: محمد بن الحسين، عن محمد بن جعفر المؤدب، عن محمد بن عبد الله ابن عمران، عن عبد الله يزيد الغساني يرفعه قال: قدم وفد العراقيين على معاوية فقدم في وفد أهل الكوفة عدي بن حاتم الطائي، وفي وفد أهل البصرة الأحنف ابن قيس وصعصعة بن صوحان، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: هؤلاء رجال الدنيا وهم شيعة علي عليه السلام الذين قاتلوا معه يوم الجمل، ويوم صفين، فكن منهم على حذر، فأمر لكل رجل منهم بمجلس سري، واستقبل القوم بالكرامة. فلما دخلوا عليه قال لهم: أهلا وسهلا قدمتم أرض المقدسة والأنبياء والرسل والحشر والنشر، فتكلم صعصعة وكان من أحضر الناس جوابا فقال: يا معاوية أما قولك " أرض المقدسة " فإن الأرض لا تقدس أهلها، وإنما تقدسهم الأعمال الصالحة، وأما قولك " أرض الأنبياء والرسل " فمن بها من أهل النفاق والشرك والفراعنة والجبابرة أكثر من الأنبياء والرسل، وأما قولك " أرض الحشر والنشر " فان المؤمن لا يضره بعد المحشر والمنافق لا ينفعه قربه. فقال معاوية: لو كان الناس كلهم أولدهم أبو سفيان لما كان فيهم إلا كيسا رشيدا، فقال صعصعة: قد أولد الناس من كان خيرا من أبي سفيان فأولد الأحمق والمنافق، والفاجر، والفاسق، والمعتوه، والمجنون، آدم أبو البشر، فخجل معاوية (1). 15 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: كان الحسن والحسين عليهما السلام يصليان خلف مروان بن الحكم فقالوا لأحدهما: ما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت ؟ فقال: لا والله ما كان يزيد على صلاة. 16 - ج: عن سليم بن قيس قال: قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا في خلافته فاستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذين استقبلوه ما منهم (إلا) قرشي فلما نزل قال:


(1) الاختصاص: ص 64 و 65.

[124]

ما فعلت الأنصار وما بالهم لم يستقبلوني ؟ فقيل له: إنهم محتاجون ليس لهم دواب فقال معاوية: وأين نواضحهم ؟ فقال قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيد الأنصار وابن سيدها -: أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون، فكست معاوية. فقال قيس: أما إن رسول الله صلى الله عليه واله عهد إلينا أنا سنلقي بعده أثرة، قال معاوية: فما أمركم به ؟ فقال أمرنا أن نصبر حتى نلقاه، قال: فاصبروا حتى تلقوه (1). ثم إن معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس فقال له: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة أني قاتلتكم بصفين، فلا تجد من ذلك يا ابن عباس، فان عثمان قتل مظلوما، قال ابن عباس فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما، قال: عمر قتله كافر، قال ابن عباس: فمن قتل عثمان ؟ قال: قتله المسلمون، قال فذاك أدحض لحجتك. قال: فانا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته عليهم السلام فكف لسانك، فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن ؟ قال: لا، قال: أفتنهانا عن تأويله ؟ قال: نعم، قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به ؟ ثم قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟ قال: العمل به ؟ قال: كيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله ؟ قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك، قال: إنما انزل القرآن على أهل بيتي، أنسأل عنه آل أبي سفيان ؟ يا معاوية أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام فان لم تسأل الامة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرؤا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا


(1) روى البخاري في باب مناقب الانصار ج 2 ص 311 قال: حدثنى محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن هشام قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله للانصار: انكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوني وموعدكم الحوض. (*)

[125]

ما سوى ذلك، قال: فان الله يقول في القرآن " يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " (1). قال: يا ابن عباس اربع على نفسك، وكف لسانك، وإن كنت لابد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية. ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم. ونادى منادي معاوية: أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وفضل أهل بيته، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة والبصرة، لكثرة من بها من الشيعة فاستعمل زياد بن أبيه وضم إليه العراقين الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم وطردهم وشردهم حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو مصلوب أو محبوس أو طريد أو شريد. وكتب معاوية إلى جميع عماله في الأمصار: أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وانظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبى أهل بيته وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه باسمه واسم أبيه وقبيلته، ففعلوا حتى كثرت الرواية في عثمان، وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع والقطائع من العرب والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في الأموال والدنيا فليس أحد يجيئ من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلا كتب اسمه وقرب واجيز فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه. فان ذلك أحب إلينا وأقر لأعيننا وأدحض لحجة أهل هذا البيت، وأشد عليهم.


(1) براءة: 32.

[126]

فقرأ كل أمير وقاض كتابه على الناس، فأخذ الناس في الروايات في فضائل معاوية على المنبر، في كل كورة وكل مسجد زورا، وألقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم، كما يعلمونهم القرآن، حتى علموه بناتهم ونساءهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين أنهم على دين علي وعلى رأيه، فكتب إليه معاوية: اقتل كل من كان على دين علي ورأيه، فقتلهم ومثل بهم. وكتب معاوية إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه عن الديوان. وكتب كتابا آخر: انظروا من قبلكم من شيعة علي واتهمتهوه بحبه فاقتلوه وإن لم تقم عليه البينة، فقتلوهم على التهمة والظنة والشبهة، تحت كل حجر، حتى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه، وحتى كان الرجل يرمى بالز ندقة والكفر كان يكرم ويعظم، ولا يتعرض له بمكروه، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان، لا سيما الكوفة والبصرة، حتى لو أن أحدا منهم أراد ان يلقي سرا إلى من يثق به لأتاه في بيته، فيخاف خادمه ومملوكه فلا يحدثه، إلا بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلظة ليتكمن عليه. ثم لا يزداد الأمر إلا شدة حتى كثر وظهر أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ذلك،، وكان أشد الناس في ذلك القراء المراؤن المتصنعون الذين يظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولدوها فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة، ويدنون مجالسهم، ويصيبون بذلك الأموال والقطائع والمنازل، حتى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقا وصدقا، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها، وأحبوا عليها وأبغضوا من ردها أو شك فيها. فاجتمعت على ذلك جماعتهم وصارت في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يستحلون الافتعال لمثلها، فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا بطلانها وتيقنوا أنها مفتعلة لاعرضوا عن روايتها، ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها

[127]

فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلا والباطل حقا، والكذب صدقا والصدق كذبا. فلما ما مات الحسن بن على عليهما السلام ازداد البلاء والفتنة فلم يبق لله ولي إلا خائف على نفسه، أو مقتول أو طريد أو شريد. فلما كان قبل موت معاوية بسنتين حج الحسين بن على عليهما السلام وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه، وقد جمع الحسين بن علي عليهما السلام بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم وشيعتهم من حج منهم ومن لم يحج، ومن بالأمصار ممن يعفرفونه وأهل بيته، ثم لم يدع أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ومن أبنائهم والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم فاجتمع إليهم بمنى أكثر من ألف رجل، والحسين بن على عليهما السلام في سرادقه عامتهم التابعون وأبناء الصحابة. فقام الحسين عليه السلام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان هذا الطاغية، قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتهم، وشهدتم، وبلغكم. وإني اريد أن أسألكم عن أشياء فان صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، من أمنتم ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فاني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متم نوره ولو كره الكافرون. فما ترك الحسين عليه السلام شيئا أنزل الله فيهم من القرآن إلا قاله وفسره، ولا شيئا قاله الرسول صلى الله عليه واله في أبيه وامه وأهل بيته إلا رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: اللهم نعم قد سمعناه شهدناه، ويقول التابعون: اللهم قد حدثناه من نصدقه ونأتمنه، حتى لم يترك شيئا إلا قاله. ثم قال: أنشدكم بالله إلا رجعتم وحدثتم به من تثقون به، ثم نزل وتفرق الناس عن ذلك (1).


(1) الاحتجاج ص: 150 - 151.

[128]

بيان: قال الجوهري، قال ابن السكيت: ربع الرجل يربع إذا وقف وتحبس، ومنه قولهم: اربع على نفسك، واربع على ظلعك، أي ارفق بنفسك وكف، وقال: الكتاب والمكتب واحد، والجمع الكتاتيب. أقول: قد روينا الخبر من أصل كتاب سليم أبسط من ذلك في كتاب الفتن. 17 - جا، ما: المفيد، عن الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن جعفر ابن محمد الوراق، عن عبد الله بن الأزرق، عن أبي الجحاف، عن معاوية بن ثعلبة قال: لما استوثق الأمر لمعاوية بن أبي سفيان أنفذ بسر بن أرطاة إلى الحجاز في طلب شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وكان على مكة عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فطلبه فلم يقدر عليه فاخبر أن له ولدين صبيين فبحث عنهما فوجدهما فأخذهما وأخرجهما من الموضع الذي كانا فيه، ولهما ذؤابتان، فأمر بذبحهما فذبحا (1). وبلغ امهما الخبر فكادت نفسها تخرج، ثم أنشأت تقول: ها من أحس با بني اللذين هما كالدرتين تشظا عنهما الصدف ها من أحس با بني اللذين هما سمعي وعيني فقلبي اليوم مختطف نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا أضحت على ودجي طفلي مرهفة مشحوذة وكذاك الظلم والسرف من دل والهة عبراء مفجعة على صبيين فاتا إذ مضى السلف


(1) انما كان ذلك الفعل الشنيع والامر الفظيع باليمن بعد أيام التحكيم حين كان عبيدالله بن عباس عاملا لعلى عليه السلام فيها فهرب من بسر ودخل بسر اليمن فأتى با بنى عبيدالله بن العباس وهم صغيران فذبحهما فنال امهما عائشة بنت عبد المدان من ذلك أمر عظيم فأنشأت الاشعار، ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها. قال ابن عبد البر: وقد قيل انه انما قتلهما بالمدينة، والاكثر على ان ذلك كان منه باليمن، رواه الدارقطني وذكر المبرد نحوه، كذا في الاستيعاب بذيل الاصابة ج 1 ص 163 وقد مر في ذيل ص 61 عن كتاب المقاتل لابي الفرج الاصفهانى ما يؤيد أن القصة قد وقعت في اليمن فراجع.

[129]

قال: ثم اجتمع عبيدالله بن العباس من بعد، وبسر بن أرطاة عند معاوية فقال معاوية لعبيد الله: أتعرف هذا الشيخ قاتل الصبيين ؟ قال بسر: نعم، أنا قاتلهما، فمه ؟ فقال عبيد الله: لو أن لي سيفا ؟ قال بسر: فهاك سيفي وأمأ إلى سيفه فزبره معاوية وانتهره، وقال: اف لك من شيخ ما أحمقك تعمد إلى رجل قد قتلت ابنيه فتعطيه سيفك كأنك لا تعرف أكباد بني هاشم، والله لو دفعته إليه لبدأ بك وثنى بي، فقال عبيدالله: بل والله كنت أبدأ بك واثني به. بيان: " ها " حرف تنبيه وقال الجوهري الشظية: الفلقة من العصا ونحوها والجمع الشظايا، يقال تشظى الشئ إذا تطاير شظايا، وقال: كالدرتين تشظى عنهما الصدف (1). 18 - ما: المفيد، عن علي بن مالك النحوي، عن الحسين بن عطار، عن محمد ابن سعيد البصري، عن أبي عبد الرحمن الاصباعي، عن عطاء بن مسلم، عن الحسن ابن أبي الحسن البصري قال: كنت غازيا زمن معاوية بخراسان، وكان علينا رجل من التابعين، فصلى بنا بوما الظهر ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس ! إنه قد حدث في الاسلام حدث عظيم، لم يكن منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه واله مثله، بلغني أن معاوية قتل حجرا وأصحابه فان يك عند المسلمين غير فسبيل ذلك، وإن لم يكن عندهم غير فأسأل الله أن يقبضني إليه وأن يعجل ذلك. قال الحسن بن أبي الحسن: فلا والله صلى بنا صلاة غيرها حتى سمعنا عليه الصياح. بيان: الغير بكسر الغين وفتح الياء الاسم من قولك غيرت الشئ فتغير. 19 - ج: عن صالح بن كيسان قال: لما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حج ذلك العام فلقي الحسين بن علي عليهما السلام فقال: يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك ؟ فقال: وما صنعت بهم ؟ قال: قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم، فضحك الحسين عليه السلام ثم قال: خصمك القوم يا معاوية لكننا لو قتلنا


(1) وقال المحشى في الذيل ص 2392 ان صدره: يا من رأى لى بنيى اللذين هما.

[130]

شيعتك ما كفناهم ولا صلينا عليهم ولا أقبر ناهم. ولقد بغلني وقيعتك في علي عليه السلام وقيامك بنقصنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع في نفسك، ثم سلها الحق: عليها ولها، فان لم تجدها أعظم عيبا فما أصغر عيبك فيك، فقد ظلمناك يا معاوية ولا توترن غير قوسك ولا ترمين غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب، فانك والله قد أطعت فينا رجلا ما قدم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولانظر لك، فانظر لنفسك أودع. يعني عمرو بن العاص. كشف: لما قتل معاوية حجر بن عدي وذكر نحوه (1). 20 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن ابن محبوب، عن معاوية بن عمار رفعه قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه واله سرية فقال لهم: إنكم تضلون ساعة كذا من الليل، فخذوا ذات اليسار فانكم تمزون برجل في شاته، فتسترشدونه فيأبى أن يرشدكم حتى تصيبوا من طعامه، فيذبح لكم كبشا فيطعمكم ثم يقوم فيرشدكم فاقرؤه مني السلام وأعلموه أني قد ظهرت بالمدينة. فمضوا فضلوا الطريق فقال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله صلى الله عليه وآله تياسروا فافعلوا، فمروا بالرجل الذي قال لهم رسول الله صلى الله عليه واله فاسترشدوه فقال لهم الرجل لا أفعل حتى تصيبوا من طعامي ففعلوا فأرشدهم الطريق ونسوا أن يقرؤه السلام من رسول الله صلى الله عليه واله. فقال لهم الرجل وهو عمرو بن الحمق: أظهر النبي صلى الله عليه واله بالمدينة ؟ فقالوا: نعم فلحق به ولبث معه ما شاء الله ثم قال له رسول الله صلى الله عليه واله ارجع إلى الموضع الذي منه هاجرت، فإذا تولى أمير المؤمنين فأته، فانصرف الرجل حتى إذا نزل أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة أتاه فأقام معه بالكوفة. ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام قال هل: لك دار ؟ قال: نعم، قال: بعها واجعلها في الأزد، فاني غدا لو غبت لطبت فمنعك الأزد حتى تخرج من الكوفة متوجها


(1) الاحتجاج ص 152، كشف الغمة ج 2 ص 205. وبينهما اختلاف في اللفظ.

[131]

إلى حصن الموصل، فتمر برجل مقعد فتقعد عنده، ثم تستسقيه فيسقيك، ويسألك عن شأنك فأخبره وادعه إلى الاسلام فانه يسلم، وامسح بيدك على وركيه فان الله يمسح ما به، وينهض قائما، فيتبعك. وتمر برجل أعمى على ظهر الطريق فتستسقيه فيسقيك ويسألك عن شأنك فأخبره وادعه إلى الاسلام فانه يسلم، وامسح بيدك على عينيه، فان الله عزوجل يعيده بصيرا فيتعبك وهما يواريان بدنك في التراب. ثم تتبعك الخيل فإذا صرت قريبا من الحصن في موضع كذا وكذا رهقتك الخيل فانزل عن فرسك ومر إلى الغار فانه يشترك في دمك فسقة من الجن والانس ففعل ما قال أمير المؤمنين عليه السلام. قال: فلما انتهى إلى الحصن قال للرجلين: اصعدا فانظرا هل تريان شيئا قالا: نرى خيلا مقبلة، فنزل عن فرسه ودخل الغار وعار فرسه، فلما دخل الغار ضربه أسود سالخ فيه، وجاءت الخيل فلما رأوا فرسه عائرا قالوا: هذا فرسه، وهو قريب وطلبه الرجال فأصابوه في الغار فكلما ضربوا أيديهم إلى شئ من جسمه تبعهم اللحم فأخذوا رأسه، فأتوا به معاوية، فنصبه على رمح وهو أول رأس نصب في الاسلام (1).


(1) قالوا: أول رأس حمل في الاسلام: رأس عمرو بن الحمق الخزاعى، قال ابن الاثير في اسد الغابة ج 4 ص 100: كان ممن سار إلى عثمان بن عفان وهو أحد الاربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا وصار بعد ذلك من شيعة على وشهد معه مشاهده كلها وأعان حجر بن عدى وكان من أصحابه. فخاف زيادا فهرب من العراق الى الموصلي، واختفى في غار بالقرب منها، فأرسل معاوية إلى العامل بالموصل ليحمل عمرا إليه، فارسل العامل ليأخذه من الغار الذى كان فيه فوجده ميتا كان قد نهشته حية فمات، وكان العامل عبد الرحمن بن الحكم وهو ابن اخت معاوية. ثم روى عن عمار الدهنى انه قال: أول رأس حمل في الاسلام رأس عمرو بن الحمق الى معاوية قال سفيان: أرسل معاوية ليؤتى به فلدغ وكأنهم خافوا أن يتهمهم فاتوا برأسه.

[132]

ايضاح: عار الفرس أي انفلت وذهب ههنا وههنا من مرحه، ذكره الجوهري وقال: السالخ: الأسود من الحيات، يقال أسود سالخ غير مضاف لأنه يسلخ جلده كل عام. أقول: قد مر أخبار فضله وشهادته رضي الله عنه في كتاب الفتن في باب أحوال أصحاب أمير المؤمنين صلوات عليه. 21 - ما: الحسين بن علي التمار، عن محمد بن القاسم الأنباري، عن أبيه عن علي بن الحسن الأإعرابي، عن علي بن عمروس، عن هشام بن السائب، عن أبيه قال: خطب الناس يوما معاوية بمسجد دمشق وفي الجامع يومئذ من الوفود علماء قريش، وخطباء ربيعة ومدارهها، وصناديد اليمن وملوكها. فقال معاوية: إن الله تعالى أكرم خلفاءه، فأوجب لهم الجنة، وأنقذهم من النار، ثم جعلني منهم وجعل أنصاري أهل الشام: الذابين عن حرم الله، المؤيدين بظفر الله، والمنصورين على أعداء الله. قال: وكان في الجامع من أهل العراق الأحنف بن قيس، وصعصعة بن صوحان فقال الأحنف لصعصعة: أتكفيني أم أقوم إليه أنا ؟ فقال صعصعة للأحنف بل أكفيكه أنا ثم قام صعصعة فقال: يا ابن أبي سفيان تكلمت فأبلغت، ولم تقصر دون ما أردت، وكيف يكون ما تقول، وقد غلبتنا قسرا، وملكتنا تجبرا، ودنتنا بغير الحق، واستوليت بأسباب الفضل علينا، فأما إطراؤك لأهل الشام فما رأيت أطوع لمخلوق وأعصى لخالق منهم: قوم ابتعت منهم دينهم وابدانهم بالمال، فان أعطيتهم حاموا عليك ونصروك، وإن منعتهم قعدوا عنك ورفضوك. قال معاوية: اسكت ابن صوحان فوالله لولا أني لم أتجرع غصة غيظ قط افضل من حلم وأحمد من كرم سيما في الكف عن مثلك، والاحتمال لذويك، لما عدت إلى مثل مقالتك، فقعد صعصعة، فأنشأ معاوية يقول: قلبت جاهلهم حلما ومكرمة والحلم عن قدرة فضل من الكرم ايضاح: المدره كمنبر السيد الشريف، والمقدم في اللسان، واليد عند

[133]

الخصومة والقتال. 22 - جا، ما: المفيد، عن محمد بن عمران المرزباني، عن محمد بن أحمد الحكيمي، عن إسماعيل بن إسحاق، عن سعيد بن يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير اللخمي قال: قدم حارثة بن قدامة السعدي على معاوية ومع معاوية على السرير الأحنف بن قيس والحباب المجاشعي فقال له معاوية: من أنت قال: أنا حارثة بن قدامة قال: وكان نبيلا فقال له معاوية: ما عسيت أن تكون هل أنت إلا نحلة. فقال: لا تفعل يا معاوية، قد شبهتني بالنحلة (1) وهي والله حامية اللسعة حلوة البصاق، ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب، وما امية إلا تصغير أمة، فقال معاوية: لا تفعل قال: إنك فعلت ففعلت. قال له: فادن اجلس معي على السرير ! فقال: لا أفعل، قال: ولم ؟ قال: لأني رأيت هذين قد أماطاك عن مجلسك فلم أكن لا شاركهما قال له معاوية: ادن اسارك، فدنا منه فقال: يا حارثة إني اشتريت من هذين الرجلين دينهما، قال: ومني فاشتر يا معاوية قال له: لا تجهر. بيان: حامية اللسعة إما كناية عن عدم الشوك فيها، وعدم التضرر بها أو أنها لطولها يمكن التحرز عن المؤذيات بالصعود عليها، أو أن ثمرها ينفع في دفع السموم.


(1) النحلة: واحدة النحل - بالفتح - وهو ذباب العسل، يقع على الذكر والانثى والحامية من قولهم حمى النار حموا: إذا اشتد حرها فالنحلة شديد حر لسعتها، حلوة لعابها وهو العسل، والمصنف - قدس سره - لما قرأ الكلمة " النخلة " بالخاه المعجمة، جرى في بيانها على ما ستعرف.

[134]

(22) * (باب) * * " (جمل تواريخه وأحواله وحليته ومبلغ عمره وشهادته ودفنه) " * * " (وفضل البكاء عليه صلوات الله عليه) " * 1 - كا: ولد عليه السلام في شهر رمضان في سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة وروي أنه ولد في سنة ثلاث ومضى عليه السلام في شهر صفر، في آخره من سنة تسع وأربعين ومضى وهو ابن سبع وأربعين سنة وأشهر (1). 2 - يب: ولد عليه السلام في شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وقبض بالمدينة مسموما في صفر سنة تسع وأربعين من الهجرة، وكان سنه يومئذ سبعا وأربعين سنة. أقول: قال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولد عليه السلام بالمدينة يوم الثلثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة وقال المفيد: سنة ثلاث وقبض بها مسموما يوم الخميس سابع صفر سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع وأربعين أو ثمان. وقال الكفعمي: ولد عليه السلام في يوم الثلثاء منتصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي يوم الخميس سابع (شهر) صفر سنة خمسين من الهجرة، ونقش خاتمه " العزة لله " وكان له خمسة عشر ولدا وكانت أزواجه أربعة وستين عدا الجواري وكان بابه سفينة. 3 - قب: ولد الحسن عليه السلام بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان عام احد سنة ثلاث من الهجرة، وقيل سنة اثنتين، وجاءت به فاطمة عليها السلام إلى النبي صلى الله عليه واله يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة، وكان جبرئيل نزل بها إلى النبي صلى الله عليه واله فسماه حسنا، وعق عنه كبشا، فعاش مع جده سبع سنين وأشهرا وقيل ثمان سنين


(1) الكافي ج 1 ص 461، وهو من كلام الكليني قدس سره.

[135]

ومع أبيه ثلاثين سنة، وبعد تسع سنين، وقالوا: عشر سنين. وكان عليه السلام ربع القامة، وله محاسن كثة (1) وبويع بعد أبيه يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة أربعين، وكان أمير جيشه عبيدالله بن العباس ثم قيس بن سعد بن عبادة، وكان عمره لما بويع سبعا وثلاثين سنة فبقي في خلافته أربعة أشهر وثلاثة أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية في سنة إحدى وأربعين، وخرج الحسن إلى المدينة فأقام بها عشر سنين. وسماه الله الحسن وسماه في التوراة شبرا، وكنيته أبو محمد، وأبو القاسم وألقابه: السيد، والسبط، والأمين (2) والحجة، والبر، والتقي، والأثير والزكي، والمجتبى، والسبط الأول، والزاهد، وامه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وظل مظلوما. ومات مسموما، وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية فكان في سني إمامته أول ملك معاوية. فمرض أربعين يوما ومضى لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة وقيل: سنة تسع وأربعين، وعمره سبعة وأربعون سنة وأشهر، وقيل: ثمان وأربعون وقيل: في سنة تمام خمسين من الهجرة. وكان بذل معاوية لجعدة بنت محمد بن الأشعث الكندي وهي ابنة ام فروة اخت أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار، وإقطاع عشرة ضياع من سقي سورا (3) وسواد الكوفة، على أن تسم الحسن عليه السلام وتولى الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه وقبره بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد (4).


(1) يقال: كث اللحية: إذا اجتمع شعرها وكثر نبته وجعد من غير طول. (2) في المصدر: الامير. (3) قال الفيروز آبادي: سورى كطوبى موضع بالعراق وهو من بلد السريانين. (4) راجع المناقب ج 4 ص 28 و 29. أقول: قال ابن الاثير: كان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس سقته السم فكان توضع تحته طست وترفع اخرى نحو أربعين يوما فمات منه، ولما اشتد مرضه قال لاخيه الحسين: يا أخى سقيت السم ثلاث

[136]

4 - كشف: قال كمال الدين ابن طلحة: أصح ما قيل في ولادته عليه السلام أنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وكان والده علي بن أبي طالب عليه السلام قد بنى بفاطمة عليها السلام في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة فكان الحسن عليه السلام أول أولادها، وقيل: ولدته لستة أشهر، والصحيح خلافه ولما ولد عليه السلام واعلم به النبي صلى الله عليه واله أخذه وأذن في اذنه ومثل ذلك روى الجنابذي أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر، وروى ابن الخشاب أنه ولد عليه السلام لستة أشهر ولم يولد لستة أشهر مولود فعاش إلا الحسن عليه السلام وعيسى بن مريم عليه السلام. وروى الدولابي في كتابه المسمى كتاب الذرية الطاهرة، قال: تزوج علي فاطمة عليهما السلام فولدت له حسنا بعد احد بسنتين وكان بين وقعة احد وبين مقدم النبي صلى الله عليه واله المدينة سنتان وستة أشهر ونصف، فولدته لأربع سنين وستة أشهر ونصف من التاريخ، وبين احد وبدر سنة ونصف، وروي أنها عليها السلام ولدته في شهر رمضان سنة ثلاث وروي أنه ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث. وكنيته: أبو محمد وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله عق عنه بكبش وحلق رأسه وأمر أن يتصدق بزنته فضة، وروي أن فاطمة عليها السلام أرادت أن تعق عنه بكبش فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تعقي عنه، ولكن احلقي رأسه ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله عزوجل. ومنه عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه واله عق عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا. وقال الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب: الحسن بن علي كنيته أبو محمد، ولد بالمدينة ليلة النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه واله (1).


مرات، لم أسق مثل هذه انى لاضع كبدي، قال الحسين: من سقاك يا أخى ؟ قال: ما سؤالك عن هذا ؟ تريد أن تقاتلهم ؟ أكلهم الى الله عزوجل. (1) راجع كشف الغمة ج 2 ص 80 - 82.

[137]

وروى مرفوعا إلى أحمد بن محمد بن أيوب المغيري قال: كان الحسن بن علي عليهما السلام أبيض مشربا حمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، دقيق المسربة كث اللحية، ذا وفرة، وكأن عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، مليحا من أحسن الناس وجها، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر، حسن البدن. وعن علي عليه السلام قال: أشبه الحسن رسول الله صلى الله عليه واله ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي صلى الله عليه واله ما كان أسف من ذلك (1). بيان: الدعج شدة سواد العين مع سعتها، قوله: سهل الخدين: أي سائل الخدين غير مرتفع الوجنتين، والمسربة بضم الراء ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف (2) وكث الشئ أي كثف، والوفرة الشعرة إلى شحمة الاذن، وكل عظمين التقيا في مفصل فهو كردوس. 5 - كشف: قال عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي (3) توفي عليه السلام وهو ابن خمس وأربعين سنة، وولي غسله الحسين ومحمد والعباس إخوته، وصلى عليه سعيد بن العاص في سنة تسع وأربعين (4).


(1) المصدر ج 2 ص 94 وما بعده ص 90 نقلا عن كمال الدين ابن طلحة. (2) قال الجوهري: المسربة بضم الراء: الشعر المستدق الذى يأخذ من الصدر الى السرة، ولفظ غيره: " إلى البطن ". وقول المصنف - قدس سره -: " الى الجوف " لا يعرف. (3) في المصدر ج 2 ص 161 هكذا: وروى أيضا أنه ولد في رمضان من سنة ثلاث وتوفى عليه السلام الخ. وفى نسبة القول الى الجنابذى ترديد فراجع. (4) كان سعيد بن العاص حينذاك واليا على المدينة، وكان سيرة المسلمين أن يقدموا الخليفة أو واليه - على زعمهم بانه أولى بالمؤمنين لاجل البيعة - ليصلى على جنائزهم فقدمه الحسين عليه السلام ليصلى على أخيه، وقال: لولا أنها السنة لما قدمتك. كذا في كتب التراجم.

[138]

وقال الحافظ في الحلية روي عن عمر بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي عليهما السلام نعوده فقال: يا فلان سلني قال: لا والله لا أسالك حتى يعافيك الله ثم نسألك، قال: ثم دخل (الخلاء) ثم خرج إلينا فقال: سلني قبل أن لا تسألني، قال: بل يعافيك الله ثم لنسألك، قال: ألقيت طائفة من كبدي وإني قد سقيت السم مرار فلم اسق مثل هذه المرة. ثم دخلت عليه من الغد، وهو يجود بنفسه، والحسين عند رأسه، فقال: يا أخي من تتهم ؟ قال: لم ؟ لتقتله ؟ قال: نعم، قال: إن يكن الذي أظن فانه أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإلا يكن فما احب أن يقتل بي برئ، ثم قضى عليه السلام. وعن رقية بن مصقلة، قال: لما حضر الحسن بن علي (الموت) قال: أخرجوني إلى الصحراء لعلي أنظر في ملكوت السماء، يعني الآيات، فلما اخرج به قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فانها أعز الأنفس علي، وكان له مما صنع الله له أنه احتسب نفسه (1). بيان: قوله عليه السلام: اللهم إني أحتسب نفسي عندك أي أرضى بذهاب نفسي وشهادتي، ولا أطلب القود طالبا لرضاك أو أطلب منك أن تجعلها عندك في محال القدس. 6 - نص: محمد بن وهبان، عن داود بن الهيثم، عن جده إسحاق بن بهلول (عن أبيه بهلول) بن حسان، عن طلحة بن زيد الرقي، عن الزبير بن عطاء، عن عمير بن ماني العبسي، عن جنادة بن أبي امية قال: دخلت على الحسن بن علي ابن أبي طالب عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طست يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله (2) فقلت: يا مولاي


(1) المصدر ج 2 ص 142 و 162. (2) فيه غرابة حيث ان الكبد إذا ذابت أثفلت الى الامعاء وخرجت كالدم، وليس تصعد الى المعدة حتى تقذف بها من الفم. والصحيح ما قد سمعت في سائر الاحاديث أنه كان يوضع تحته طست وترفع اخرى نحو أربعين يوما وأنه عليه السلام قال: " انى لاضع

[139]

مالك لا تعالج نفسك ؟ فقال: يا عبد الله بماذا اعالج الموت ؟ قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم التفت إلي فقال: والله لقد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه واله أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي وفاطمة، مامنا إلا مسموم أو مقتول، ثم رفعت الطست وبكى صلوات الله عليه واله. قال: فقلت له: عظني يا ابن رسول الله، قال: نعم استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك. واعلم أن في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فان كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر، فأخذت كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فان العتاب يسير. واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وإذا أردت عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عزوجل، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدق قولك وإن صلت شد صولك (1) وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت عنك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك وإن نزلت إحدى الملمات به ساءك.


كبدي " وظاهره خروج الكبد ثافلا، وأظن القصة أنها قد اختلطت على افهام الرواة فنقلوها كذلك مع ضعف سندها. (1) الصول: السطوة والاستطالة يقال: صال على قرنه يصول: إذا سطا عليه وقهره حتى يذل له.

[140]

من لا تأتيك منه البوائق، ولا يختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسما آثرك. قال: ثم انقطع نفسه واصفر لونه، حتى خشيت عليه، ودخل الحسين عليه السلام والأسود بن أبي الأسود فانكب عليه حتى قبل رأسه وبين عينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعا، فقال أبو الأسود: إنا لله إن الحسن قد نعيت إليه نفسه. وقد أوصى إلى الحسين عليه السلام وتوفي يوم الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة، وله سبعة وأربعون سنة ودفن بالبقيع. 7 - عيون المعجزات للمرتضى رحمه الله: كان مولده بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه واله بخمسة عشر سنة وأشهر، وولدت فاطمة أبا محمد عليه السلام ولها أحد عشر سنة كاملة، وكانت ولادته مثل ولادة جده وأبيه صلى الله عليهم: وكان طاهرا مطهرا يسبح ويهلل في حال ولادته، ويقرأ القرآن على ما رواه أصحاب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله أن جبرئيل ناغاه في مهده، وقبض رسول الله صلى الله عليه واله وكان له سبع سنين وشهور، وكان سبب مفارقة أبي محمد الحسن عليه السلام دار الدنيا وانتقاله إلى دار الكرامة على ما وردت به الأخبار أن معاوية بذل لجعدة بنت محمد بن الأشعث زوجة أبي محمد عليه السلام عشرة آلاف دينار وإقطاعات (1) كثيرة من شعب سورا، وسواد الكوفة، وحمل إليها سما فجعلته في طعام فلما وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين، وامي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين. ودخل عليه أخوه الحسين صلوات الله عليه فقال: كيف تجد نفسك ؟ قال: أنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة على كره مني لفراقك وفراق إخوتي. ثم قال: أستغفر الله على محبة مني للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وفاطمة وجعفر وحمزة عليهم السلام. ثم أوصى إليه وسلم إليه الاسم الأعظم، ومواريث الأنبياء عليهم السلام التي كان


(1) جمع إقطاعة: طائفة من أرض الخراج يقطع لاحد وتجعل غلتها رزقا له.

[141]

أمير المؤمنين عليه السلام سلمها إليه، ثم قال: يا أخي إذا [أنا] مت فغسلني وحنطني و كفني واحملني إلى جدي صلى الله عليه واله حتى تلحدني إلى جانبه، فان منعت من ذلك فبحق جدك رسول الله وأبيك أمير المؤمنين وامك فاطمة الزهراء عليهم السلام أن لا تخاصم أحدا، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع حتى تدفني مع امي عليها السلام. فلما فرغ من شأنه وحمله ليدفنه مع رسول الله صلى الله عليه واله ركب مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه واله بغلة وأتى عائشة فقال لها: يا ام المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله صلى الله عليه واله والله إن دفن معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة قالت: فما أصنع يا مروان ؟ قال: الحقي به وامنعيه من أن يدفن معه قال: وكيف الحقه ؟ قال: اركبي بغلتي هذه. فنزل عن بغلته وركبتها وكانت تؤز الناس وبني امية على الحسين عليه السلام وتحرضهم على منعه مما هم به فلما قربت من قبر رسول الله صلى الله عليه واله وكان قد وصلت جنازة الحسن فرمت بنفسها عن البغلة وقالت: والله لا يدفن الحسن ههنا أبدا أو تجز هذه - وأومت بيدها إلى شعرها - فأراد بنو هاشم المجادلة فقال الحسين عليه السلام: الله الله لا تضيعوا وصية أخي، واعدلوا به إلى البقيع فانه أقسم علي إن أنا منعت من دفنه مع جده صلى الله عليه واله أن لا اخاصم فيه أحدا وأن أدفنه بالبقيع مع امه عليها السلام فعدلوا به ودفنوه بالبقيع معها عليها السلام. فقام ابن عباس رضي الله عنه وقال: يا حميراء ليس يومنا منك بواحد، يوم على الجمل ويوم على البغلة، أما كفاك أن يقال " يوم الجمل " حتى يقال " يوم البغل " يوم على هذا ويوم على هذا، بارزة عن حجاب رسول الله صلى الله عليه واله تريدين إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره المشركون إنا لله وإنا إليه راجعون فقالت له: إليك عني واف لك ولقومك. وروي أن الحسن عليه السلام فارق الدنيا وله تسع وأربعون سنة وشهرا أقام مع رسول الله صلى الله عليه واله سبع سنين وستة أشهر، وباقي عمره مع أمير المؤمنين (1).


(1) بل عاش مع أبيه ثلاثين وبعده أيام معاوية عشر سنين كما مر تحت الرقم 2.

[142]

روي أنه دفن مع امه عليها السلام سيدة نساء العالمين في قبر واحد. توضيح: " الأز ": التهييج والإغراء. أقول: وقال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن المدائني أن مروان لما منع الحسن عليه السلام أن يدفن عند جده فاجتمع بنو هاشم وبنو امية وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤا بسلاح فقال أبو هريرة لمروان: أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. 8 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي ابن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين، وابنته جعدة سمت الحسن، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليهم السلام (1). 9 - كا: محمد بن الحسن، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لما احتضر الحسن بن علي صلواة الله عليهما قال للحسين عليه السلام: يا أخي إني اوصيك بوصية فاحفظها، فإذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه واله لاحدث به عهدا ثم اصرفني إلى امي فاطمة عليها السلام ثم ردني فادفني بالبقيع. واعلم أنه سيصيبني من الحميراء ما يعلم الناس من صنيعها وعداوتها لله ولرسوله صلى الله عليه واله وعداوتها لنا أهل البيت. فلما قبض الحسن عليه السلام وضع على سريره، وانطلق به إلى مصلى رسول الله الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلي على الحسن عليه السلام فلما أن صلي عليه حمل فادخل المسجد، فلما اوقف على قبر رسول الله بلغ عائشة الخبر وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي عليهما السلام ليدفن مع رسول الله صلى الله عليه واله، فخرجت


(1) الكافي (الروضة) ج 8 ص 167.

[143]

مبادرة على بغل بسرج، فكانت أول امرأة ركبت في الاسلام سرجا، فوقفت فقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فانه لا يدفن فيه شئ، ولا يهتك على رسول الله صلى الله عليه واله حجابه. فقال لها الحسين بن علي صلوات الله عليهما: قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه واله وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله صلى الله عليه واله قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة، إن أخي أمرني أن اقربه من أبيه رسول الله صلى الله عليه واله ليحدث به عهدا. واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله صلى الله عليه واله ستره لأن الله تبارك وتعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) وقد أدخلت أنت بيت رسول الله صلى الله عليه واله الرجال بغير إذنه، وقد قال الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " (2) ولعمري لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند اذن رسول الله صلى الله عليه واله المعاول، وقال الله عزوجل: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " (3). ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله صلى الله عليه واله بقربهما منه الأذى، وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله صلى الله عليه واله إن الله حرم على المؤمنين أمواتا ما حرم منهم أحياء. وتالله يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلوات الله عليهما جائزا فيما بيننا وبين الله، لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك. قال: ثم تكلم محمد ابن الحنفية وقال يا عائشة: يوما على بغل، ويوما على جمل فما تملكين نفسك ولا تملكين الارض عداوة لبني هاشم، قال: فأقبلت عليه فقالت: يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك ؟ فقال لها الحسين: وأنى تبعدين


(1) الاحزاب: 53. (2 و 3) الحجرات: 2 و 3.

[144]

محمدا من الفواطم، فو الله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن [عبد] معيص بن عامر، قال: فقالت عائشة للحسين عليه السلام: نحوا ابنكم واذهبوا به فانكم قوم خصمون، قال: فمضى الحسين عليه السلام إلى قبر امه ثم أخرجه فدفنه بالبقيع (1). 10 - كا: سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قبض الحسن بن علي وهو ابن سبع وأربعين سنة في عام خمسين، عاش بعد رسول الله صلى الله عليه واله أربعين سنة (2). 11 - د: في تاريخ المفيد: في يوم النصف من شهر رمضان لثمانية عشر شهرا من الهجرة: سنة بدر، كان مولد سيدنا أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام. في كتاب دلائل الامامة: ولد عليه السلام في يوم النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وكذا في كتاب تحفة الظرفا، وكتاب الذخيرة. في كتاب المجتبى في النسب: ولد عليه السلام في شهر رمضان لثلاث من الهجرة بالمدينة قبل وقعة بدر بتسعة عشر يوما. في كتاب التذكرة ولد عليه السلام في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وفيها كانت غزاة أحد. في كتاب مواليد الأئمة: ولد عليه السلام في شهر رمضان سنة اثنين من الهجرة وفي رواية سنة ثلاث وقيل: يوم الثلثا النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة بالمدينة في ملك يزدجرد بن شهريار. 12 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن


(1) الكافي ج 1 ص 302 وقد روى شطرا من أول الحديث ص 300 وبعض ألفاظه مختلف. (2) الكافي ج 1 ص 461.

[145]

سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، قال: إن جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن علي عليهما السلام وسمت مولاة له، فأما مولاته فقاءت السم وأما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط به فمات (1). بيان: نفطت الكف كفرح قرحت عملا أو مجلت وفي بعض النسخ انتقض. 13 - أقول: روي في بعض تأليفات أصحابنا أن الحسن عليه السلام لما دنت وفاته ونفدت أيامه، وجرى السم في بدنه، تغير لونه واخضر، فقال له الحسين عليه السلام: ما لي أرى لونك مائلا إلى الخضرة ؟ فبكى الحسن عليه السلام وقال: يا أخي لقد صح حديث جدي في وفيك، ثم اعتنقه طويلا وبكيا كثيرا. فسئل عليه السلام عن ذلك ؟ فقال: أخبرني جدي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، ومررت على منازل أهل الايمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر، والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرئيل لمن هذان القصران ؟ فقال: أحدهما للحسن، والآخر للحسين عليهما السلام. فقلت: يا جبرئيل فلم لم يكونا على لون واحد ؟ فسكت ولم يرد جوابا فقلت: لم لا تتكلم ؟ قال: حياء منك، فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: أما خضرة قصر الحسن فانه يموت بالسم، ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين، فانه يقتل ويحمر وجهه بالدم. فعند ذلك بكيا وضج الحاضرون بالكباء والنحيب. وقال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن المدائني قال: سقي الحسن عليه السلام السم أربع مرات، فقال: لقد سقيته مرارا فما شق علي مثل مشقة هذه المرة. وروى المدائني عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن عليه السلام أخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين عليه السلام: تحمل اليوم جنازته وكنت بالأمس تجرعه الغيظ ؟ قال مروان: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن


(1) الكافي باب مولد الحسن بن على عليهما السلام الرقم 4 (ج 1 ص 462).

[146]

حلمه الجبال (1). ثم قال: اختلف في سن الحسن عليه السلام وقت وفاته، فقيل: ابن ثمان وأربعين وهو المروي عن جعفر بن محمد عليمها السلام في رواية هشام بن سالم، وقيل: ابن ست وأروبعين وهو المروي أيضا عن جعفر عليهما السلام في رواية أبي بصير، انتهى. وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: اختلف في مبلغ سن الحسن عليه السلام وقت وفاته، فحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم بن حسن، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، وجميل بن دراج، عن جعفر بن محمد عليهما السلام: أنه توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة. وحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن حسن بن حسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن عبد الله ابن مسكان، عن أبي بصير، عن جعفر بن محمد عليهما السلام: أن الحسن توفي وهو ابن ست وأربعين سنة. قال: وروى سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد عليهما السلام: أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون وأن الحسن كذلك كانت سنوه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبيطالب وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي عليهم السلام، حدثني بذلك العباس بن علي، عن أبي السائب سلم بن جنادة، عن وكيع، عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عليهما السلام. قال أبو الفرج: وهذا وهم لأن الحسن عليه السلام ولد في سنة ثلاث من الهجرة وتوفي سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنوه على هذا ثمان وأربعون أو نحوها (2).


(1) ونقله في المقاتل ص 53 أيضا عن المدائني، ونقله في تذكرة خواص الامة ص 122 عن ابن سعد. (2) راجع مقاتل الطالبيين ص 53 و 55. أقول: ونقل أبو الفرج في ص 51 عن أبى عبيد باسناده الى اسماعيل بن عبد الرحمن انه أراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن على عليه السلام وسعد بن أبى وقا ص، فدس اليهما سما فماتا منه.

[147]

14 - ج: عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال: حدثني رجل منا قال: أتيت الحسن بن علي عليهما السلام فقلت: يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيدا ما بقي [معك] رجل، فقال: ومم ذاك ؟ قال: قلت: بتسلميك الأمر لهذا الطاغية، قال: والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون ويقولون لنا: إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا. قال: وهو يكلمني إذا تنخع الدم فدعا بطست فحمل من بين يديه ملآن مما خرج من جوفه من الدم، فقلت له: ما هذا يا ابن رسول الله إني لأراك وجعا قال: أجل دس إلي هذا الطاغية من سقاني سما فقد وقع علي كبدي، فهو يخرج قطعا كما ترى، قلت: أفلا تتداوى ؟ قال: قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا أجد لها دواء. ولقد رقي إلي أنه كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجه إليه من السم القتال شربة، فكتب إليه ملك الروم: أنه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا، فكتب إليه: إن هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض تهامة قد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا اريد أن أدس إليه من يسقيه ذلك، فاريح العباد والبلاد منه، ووجه إليه بهدايا وألطاف، فوجه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دس بها فسقيتها. واشترط عليه في ذلك شروطا. وروي أن معاوية دفع السم إلى امرأة الحسن بن علي عليهما السلام جعدة بنت الأشعث


وروى عن أحمد بن عبيد الله بن عمار باسناده الى مغيرة قال: أرسل معاوية الى ابنة الاشعث: انى مزوجك بيزيد ابني على أن تسم الحسن بن على، وبعث إليها بمائة ألف درهم فسوغها المال ولم يزوجها منه فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم وقالوا يا بنى مسمة الازواج. وروى مثل ذلك ابن عبد البر المالكى في الاستيعاب راجع ج 1 ص 374 بذيل الاصابة.

[148]

وقال لها: اسقيه، فإذا مات هو زوجتك ابني يزيد، فلما سقته السم ومات صلوات الله عليه، جاءت الملعونة إلى معاوية الملعون فقالت: زوجني يزيد، فقال: اذهبي فان امرأة لا تصلح للحسن بن علي عليهما السلام لا تصلح لابني يزيد (1). 15 - مروج الذهب: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين عليهم السلام قال: دخل الحسين على عمي الحسن حدثان ما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال: سقيت السم عدة مرات، وما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي ورأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين عليه السلام: يا أخي ومن سقاك ؟ قال: وما تريد بذلك ؟ فان كان الذي أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما احب أن يؤخذ بي برئ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي صلوات الله عليه (2). 16 - لى: ابن موسى، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه السلام فلما رآه بكى ثم قال: إلي إلي يا بني فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى وساق الحديث إلى أن قال: قال النبي صلى الله عليه واله: وأما الحسن فانه ابني، وولدي، ومني، وقرة عيني وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الامة أمره أمري، وقوله قولي من تبعه فانه مني، ومن عصاه فليس مني. وإني لما نظرت إليه تذكرت ما يجري عليه من الذل بعدي، فلا يزال الأمر به حتى يقتل بالسم ظلما وعدوانا فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شئ حتى الطير في جو السماء، والحيتان في جوف الماء


(1) الاحتجاج ص 149. (2) وروى مثله ابن عبد البر في الاستيعاب عن عمير بن اسحاق وقال: فلما مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: يا عجبا من الحسن ! شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه.

[149]

فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمى العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام (1). 17 - لى: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الأشعري عن أبي عبد الله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة عن محمد بن عتبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله صلى الله عليه واله إذا التفت إلينا فبكى فقلت: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: أبكي مما يصنع بكم بعدي، فقلت: وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدها، وطعنة الحسن في الفخذ، والسم الذي يسقى، وقتل الحسين. قال: فبكى أهل البيت جميعا فقلت: يا رسول الله ما خلقنا ربنا إلا للبلاء قال: أبشر يا علي فان الله عزوجل قد عهد إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (2). 18 - د: في تاريخ المفيد: لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وأربعين من الهجرة كانت وفاة مولانا وسيدنا أبي محمد الحسن. ومن كتاب الاستيعاب: اختلف في وقت وفاته فقيل: مات سنة تسع وأربعين وقيل [بل مات] في ربيع الأول سنة خمسين بعد ما مصى من خلافة معاوية عشر سنين، وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودفن بدار أبيه ببقيع الغرقد وصلى عليه سعيد بن العاص أمير المدينة قدمه أخوه الحسين عليه السلام وقال: لولا أنها سنة ما قمدتك، سمته امرأته جعدة ابنة الأشعث بن قيس، وقيل: جون بنت الأشعث، وكان معاوية بن أبي سفيان قد ضمن لها مائة ألف درهم وأن يزوجها ابنه يزيد إذا قتلته، فلما فعلت ذلك لم يف لها بما ضمن (3).


(1) المصدر: المجلس 24 الرقم 2. (2) كتاب الامالى: ص 134 المجلس 28 الرقم 2. (3) راجع الاستيعاب بذيل الاصابة ج 1 ص 376 وفيه: سمته امرأته بنت الاشعث بن

[150]

في الدر: عمره خمس وأربعون سنة، وقيل: تسعة وأربعون وأربع شهور وتسعة عشر يوما، وقيل: كان مقامه مع جده صلى الله عليه واله سبع سنين، ومع أبيه عليه السلام ثلاثة وثلاثين سنة، وعاش بعده عشر سنين، فكان جميع عمره خمسين سنة. 19 - لى، ن: الطالقان،، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: لما حضرت الحسن ابن علي بن أبي طالب عليه السلام الوفاة بكى فقيل: يا ابن رسول الله أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه واله مكانك الذي أنت به، وقد قال فيك رسول الله صلى الله عليه واله ما قال، وقد حججت عشرين حجة ما شيا، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات، حتى النعل والنعل ؟ فقال عليه السلام: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الأحبة (1). 20 - ع: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين ابن علي عليهما السلام أراد أن يدفن الحسن بن علي عليهما السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وجمع جمعا فقال رجل سمع الحسن بن علي عليهما السلام [يقول:] قولوا للحسين أن لا يهرق في دما لولا ذلك ما انتهى الحسين عليه السلام حتى يدفنه مع رسول الله صلى الله عليه واله. وقال أبو عبد الله عليه السلام: أول امرأة ركبت البغل بعد رسول الله صلى الله عليه واله عائشة جاءت إلى المسجد فمنعت أن يدفن الحسن بن علي عليهما السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) 21 - ب: أبوالبختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: إن الحسين بن علي عليهما السلام كان يزور قبر الحسن عليه السلام في كل عشية جمعة.


قيس الكندى وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدليس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر، فتأمل. (1) الامالى: المجلس 39 الرقم 9. وروى مثله في كشف الغمة ج 2 ص 167 ولم يخرجه المصنف - رحمه الله - وهكذا ذكره ابن الجوزى في التذكرة ص 122 فراجع. (2) المصدر ج 1 ص 215.

[151]

22 - ما المفيد، عن علي بن بلال، عن مزاحم بن عبد الوارث بن عباد، عن محمد بن زكريا الغلابي، عن العباس بن بكا، عن أبي بكر الهلالي، عن عكرمة عن ابن عباس قال الغلابي: وحدثنا أحمد بن محمد الواسطي، عن عمر بن يونس عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: قال: وحدثنا عبيد الله بن الفضل الطائي، عن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن محمد بن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي عن محمد بن صالح، ومحمد بن الصلت قالا: حدثنا عمر بن يونس اليمامي، عن الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: دخل الحسين بن علي عليهما السلام على أخيه الحسن بن علي عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه فقال له: كيف تجدك يا أخي ؟ قال: أجدني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، واعلم أني لا أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدي عليهما السلام على كره مني لفراقك وفراق إخوتك، وفراق الأحبة وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول الله صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وامي فاطمة، وحمزة، وجعفر: وفي الله عزوجل خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك من كل ما فات. رأيت يا أخي كبدي في الطشت، ولقد عرفت من دها بي ومن أين أتيت فما أنت صانع به يا أخي ؟ فقال الحسين عليه السلام: أقتله والله، قال: فلا اخبرك به أبدا حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه واله، ولكن اكتب يا أخي: هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي: أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه يعبده حق عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وإنه خلق كل شئ فقدره تقديرا، وإنه أولى من عبد، وأحق من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى. فانهي اوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن

[152]

مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفا ووالدا، وأن تدفنني مع رسول الله صلى الله عليه وآله فاني أحق به وببيته، ممن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده، قال الله فيما أنزله على نبيه صلى الله عليه واله في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) فو الله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده. فان أبت عليك الامرأة فأنشدك الله بالقرابة التي قرب الله عزوجل منك والرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه واله أن تهريق في محجمة من دم، حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه واله فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده، ثم قبض عليه السلام. قال ابن عباس: فدعاني الحسين بن علي عليهما السلام وعبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله بن العباس فقال: اغسلوا ابن عمكم فغسلناه وحنطناه وألبسناه أكفانه، ثم خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد، وإن الحسين أمر أن يفتح البيت، فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان، ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان وقالوا: يدفن أمير المؤمنين الشهيد القتيل ظلما بالبقيع بشر مكان، ويدفن الحسن مع رسول الله ؟ لا يكون ذلك أبدا حتى تكسر السيوف بيننا، وتنقصف الرماح وينفد النبل. فقال الحسين عليه السلام: أما والله الذي حرم مكة، للحسن بن علي وابن فاطمة أحق برسول الله صلى الله عليه واله وببيته ممن ادخل بيته بغير إذنه وهو والله أحق به من حمال الخطايا مسير أبي ذر رحمه الله، الفاعل بعمار ما فعل، وبعبد الله ما صنع، الحامي الحمى، المؤوي لطريد رسول الله صلى الله عليه واله لكنكم صرتم بعده الامراء، وتابعكم على ذلك الأعداء، وأبناء الأعداء. قال: فحملناه فأتينا به قبر امه فاطمة عليها السلام فدفناه إلى جنبها رضي الله عنه وأرضاه.


(1) الاحزاب: 53.

[153]

قال ابن عباس: وكنت أول من انصرف، فسمعت اللغظ (1) وخفت أن يعجل الحسين على من قد أقبل، ورأيت شخصا علمت الشر فيه، فأقبلت مبادرا فإذا أنا بعائشة في أربعين راكبا على بغل مرحل تقدمهم وتأمرهم بالقتال. فلما رأتني قالت: إلي إلي يا ابن عباس ! لقد اجترأتم علي في الدنيا تؤذونني مرة بعد اخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا احب، فقلت: واسوأتاه يوم على بغل، ويوم على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله، وتحولي بين رسول الله وبين حبيبه أن يدفن معه، ارجعي فقد كفى الله عزوجل المؤنة، ودفن الحسن عليه السلام إلى جنب امه، فلم يزدد من الله تعالى إلا قربا، وما ازددتم منه والله إلا بعدا، يا سوأتاه انصرفي فقد رأيت ما سرك. قال: فقطبت في وجهي، ونادت بأعلى صوتها: أوما نسيتم الجمل، يا ابن عباس إنكم لذوو أحقاد، فقلت: أم والله ما نسيته أهل السماء، فكيف تنساه أهل الأرض فانصرفت وهي تقول: فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر (2) بيان: الرحل للبعير، كالسرج للفرس، ولعل المراد بالمرحل هنا المسرج ويحتمل أن يكون من الرحالة ككتابة وهي السرج، والنوى الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، ويقال: استقرت نواهم أي أقاموا. 23 - يج: روي عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن الحسن عليه السلام قال لأهل بيته: إني أموت بالسم كما مات رسول الله صلى الله عليه واله قالوا: ومن يفعل ذلك ؟ قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث بن قيس، فان معاوية يدس إليها ويأمرها بذلك، قالوا: أخرجها من منزلك، وباعدها من نفسك، قال: كيف اخرجها ولم تفعل بعد شيئا


(1) اللغط: الصوت والجلبة، وقيل: أصوات مبهمة لا تفهم، وقيل: الكلام الذى لا يبين، وفى بعض النسخ " اللفظ " وهو تصحيف. (2) ذكر الامدي أن البيت لمعقر بن حمار البارقى، وقوله " ألقت عصاها " أي اقام وترك الاسفار، وهو مثل. راجع الصحاح ص 2428.

[154]

ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند الناس. فما ذهبت الأيام حتى بعث إليها معاوية مالا جسيما، وجعل يمنيها بأن يعطيها مائة ألف درهم أيضا ويزوجها من يزيد وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن عليه السلام فانصرف إلى منزله وهو صائم فأخرجت وقت الافطار، وكان يوما حارا شربة لبن وقد ألقت فيها ذلك السم، فشربها وقال: عدوة الله ! قتلتيني قتلك الله والله لا تصيبين مني خلفا، ولقد غرك وسخر منك، والله يخزيك ويخزيه. فمكث عليه السلام يومان ثم مضى، فغدر بها معاوية ولم يف لها بما عاهد عليه. 24 - يج: روي أن الصادق عليه السلام قال: لما حضرت الحسن بن علي عليه السلام الوفاة بكى بكاء شديدا وقال: إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط ثم أوصى أن يدفنوه بالبقيع، فقال: يا أخي احملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه واله لاجدد به عدهي: ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني فستعلم يا ابن ام أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله، فيجلبون في منعكم، وبالله اقسم عليك أن تهرق في أمري محجمة دم. فلما غسله وكفنه الحسين عليه السلام وحمله على سريره وتوجه إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه واله ليجدد به عهدا، أتى مروان بن الحكم ومن معه من بني امية فقال: أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ؟ لا يكون ذلك أبدا ولحقت عائشة على بغل وهي تقول: مالي ولكم ؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا احب. فقال ابن عباس لمروان بن الحكم، لا نريد دفن صاحبنا فانه كان أعلم بحرمة قبر رسول الله من أن يطرق عليه هجما، كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه، انصرف فنحن ندفنه بالبقيع كما وصى. ثم قال لعائشة: واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل وفي رواية يوما تجملت ويوما تبغلت، وإن عشت تفيلت، فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغدادي فقال:

[155]

يا بنت أبي بكر * لا كان ولا كنت لك التسع من الثمن * وبالكل تملكت تجملت تبلغت * وإن عشت تفيلت بيان: قوله لك التسع من الثمن إنما كان في مناظرة فضال ابن الحسن بن فضال الكوفي مع أبي حنيفة فقال له الفضال قوله الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) منسوخ أو غير منسوخ ؟ قال: هذه الآية غير منسوخة، قال: ما تقول في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله أبو بكر وعمر ؟ أم علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال: أما علمت أنهما ضجيعا رسول الله صلى الله عليه واله في قبره فأي حجة تريد في فضلهما أفضل من هذه ؟ فقال له الفضال: لقد ظلما إذ أوصيا بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه واله لقد أساءا إذا رجعا في هبتهما، ونكتا عهدها، وقد أقررت أن قوله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " غير منسوخة. فأطرق أبو حنيفة ثم قال: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة، فاستحقها الدفن في ذلك الموضع لحقوق ابنتيهما فقال له فضال: أنت تعلم أن النبي صلى الله عليه واله مات عن تسع حشايا، وكا لهن الثمن لمكان ولده فاطمة فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبرو الحجرة كذا وكذا طولا وعرضا، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟ وبعد فما بال عائشة وحفصة يرثان رسول الله وفاطمة بنته منعت الميراث فالمناقضة في ذلك ظاهرة من وجوه كثيرة. فقال أبو حنيفة: نحوه عني فانه والله رافضي خبيث. توضيح: الحشايا: الفرش كنى بها عن الزوجات. 25 - شا: من الأخبار التي جاءت بسبب وفاة الحسن عليه السلام ما رواه عيسى ابن مهران، عن عبد الله بن الصباح، عن حريز، عن مغيرة قال: أرسل معاوية إلى جعدة بنت الأشعث أني مزوجك ابني يزيد على أن تسمي الحسن وبعث


(1) الاحزاب: 53.

[156]

إليها مائة ألف درهم، ففعلت وسمت الحسن فسوغها المال، ولم يزوجها من يزيد فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، وكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم، وقالوا: يا بني مسمة الأزواج. وروى عيسى بن مهران قال: حدثني عثمان بن عمر قال: حدثنا ابن عون عن عمر بن إسحاق قال: كنت مع الحسن والحسين عليهما السلام في الدار فدخل الحسن عليه السلام المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي. فقال له الحسين عليه السلام: ومن سقاكه ؟ قال: وما تريد منه ؟ أتريد قتله إن يكن هو هو، فالله أشد نقمة منك وإن لم يكن هو فما احب أن يؤخذ بي برئ. وروى عبد الله بن إبراهيم عن زياد المخارقي قال: لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة استدعى الحسين عليه السلام وقال: يا أخي إني مفارقك، ولا حق بربي وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست وإني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت، وأنا اخاصمه إلى الله عزوجل: فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشئ، وانتظر ما يحدث الله عزوجل في. فإذا قضيت نحبي فغمضني وغسلني وكفني وأدخلني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه واله لاجدد به عهدا ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة [بنت أسد] رضي الله عنها فادفني هناك وستعلم يا ابن ام إن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله صلى الله عليه واله فيجلبون في ذلك، ويمنعونكم منه، بالله اقسم عليك أن تهرق في أمري محجمة دم، ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته، وما كان وصى إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله بمقامه، ودل شيعته على استخلافه، ونصبه لهم علما من بعده. فلما مضى لسبيله غسله الحسين عليه السلام وكفنه وحمله على سريره، ولم يشك مروان ومن معه من بني امية أنهم سيدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه واله فتجمعوا ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين عليه السلام إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه واله ليجدد به عهدا

[157]

أقبلوا إليه في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: مالي ولكم ؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا احب، وجعل مروان يقول: " يا رب هيجاهي خير من دعة " أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ؟ صلى الله عليه واله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف، وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم، وبين بني امية. فبادر ابن عباس رحمه الله إلى مروان فقال له: إرجع يا مروان من حيث جئت فانا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله صلى الله عليه واله لكنا نريد أن نجدد به عهدا بزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة، فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبي صلى الله عليه واله لعلمت أنك أقصر باعا من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه. ثم أقبل على عائشة وقال لها: واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل ؟ تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلي أولياء الله، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين، والله منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين. وقال الحسين عليه السلام: والله لولا عهد الحسن إلي بحقن الدماء وأن لا اهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مآخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا. ومضوا بالحسن عليه السلام فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنها. قب: مثله مع اختصار وزاد فيه: ورموا بالنبال جنازته حتى سل منها سبعون نبلا فقال ابن عباس بعد كلام: جملت وبغلت ولو عشت لفيلت (1). 26 - شا: لما استقر الصلح بين الحسن عليه السلام ومعاوية خرج الحسن عليه السلام إلى المدينة، فأقام بها كاظما غيظه، لازما منزله، منتظرا لأمر ربه عزوجل إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته، وعزم على البيعة لابنه يزيد، فدس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس وكانت زوجة الحسن عليه السلام - من حملها على سمه، وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد، فأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم فبقي


(1) الارشاد ص 174 - 176. مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 29 و 42 - 44.

[158]

أربعين يوما مريضا، ومضى لسبيله في شهر صفر سنة خمسين من الهجرة، وله يومئذ ثمانية وأربعون سنة، وكانت خلافته عشر سنين، وتولى أخوه ووصيه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنها بالبقيع (1). 27 - قب: أبو طالب المكي في قوت القلوب: إن الحسن عليه السلام تزوج مائتين وخمسين امرأة وقد قيل ثلاثمائة وكان علي يضجر من ذلك فكان يقول في خطبته: إن الحسن مطلاق، فلا تنكحوه. أبو عبد الله المحدث في رامش أفزاي: إن هذه النساء كلهن خرجن في خلف جنازته حافيات. (2). 28 - قب: كتاب الأنوار أنه قال عليه السلام: سقيت السم مرتين وهذه الثالثة وقيل: إنه سقي برادة الذهب. روضة الواعظين: في حديث عمير بن إسحاق إن الحسن عليه السلام قال: لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة، لقد تقطعت قطعة قطعة من كبدي أقلبها بعود معي. وفي رواية عبد الله [عن] المخارقي (3) إنه قال: يا أخي إني مفارقك ولا حق بربي وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست وإنني لعارف بمن سقاني ومن أين دهيت وأنا اخاصمه إلى الله عزوجل، فقال له الحسين عليه السلام: ومن سقاكه ؟ قال: ما تريد به ؟ أتريد أن تقتله ؟ إن يكن هو هو، فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما


(1) المصدر ص 174. (2) المناقب ج 4 ص 30 وسيجيئ في الباب الاتى تحت الرقم 4. وفيه كلام يذب عن الحسن السبط عليه السلام. (3) في المصدر ص 42 عبد الله البخاري والصحيح ما جعلناه في الصلب: " عبد الله عن المخارقى " كما مر عن الارشاد الرقم 25 حيث قال وروى عبد الله بن ابراهيم، عن زياد المخارقى.

[159]

احب أن يؤخذ بي برئ. وفي خبر: فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشئ وانتظر ما يحدث الله في. وفي خبر: وبالله اقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة من دم. ربيع الأبرار، عن الزمخشري، والعقد عن ابن عبد ربه (1) أنه لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي عليهما السلام سجد وسجد من حوله وكبر وكبروا معه، فدخل عليه ابن عباس فقال له: يا ابن عباس أمات أبو محمد ؟ قال: نعم رحمه الله وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله ما يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك قال: حسبته ترك صبية صغارا ولم يترك عليهم كثير معاش، فقال: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وفي رواية كنا صغارا فكبرنا، قال: فأنت تكون سيد القوم، قال: أما أبو عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام باق. للفضل بن عباس: أصبح اليوم ابن هند آمنا ظاهر النخوة إذ مات الحسن رحمة الله عليه إنما طالما أشجى ابن هند وأرن استراح اليوم منه بعده إذ ثوى رهنا لأ حداث الزمن فارتع اليوم ابن هند آمنا إنما يقمص بالعير السمن (2). بيان: أشجاه أحزنه، والأرن بالتحريك النشاط، يقال أرن كفرح والأنسب هنا الفتح، وكونه بتشديد النون بأن يكون من الرنين بمعنى الصياح وفاعله ابن هند بعيد، والعير الحمار الوحشي والأهلي أيضا ويقال قمص الفرس وغيره يقمص ويقمص وهو أن يرفع يديه ويطرحها معا ويعجن برجليه، وقمص به أي وثب وطرحه، والحاصل أن السمن آفة للعير يصرعه ويقتله.


(1) كثيرا ما يعبر ابن شهر آشوب عن الكتاب ومؤلفه هكذا: ربيع الابرار عن الزمخشري، والعقد عن ابن عبد ربه. وهكذا، مع أن ربيع الابرار للزمخشري نفسه والعقد الفريد لابن ربه الاندلسي، ففيه تسامح. (2) المصدر ص 42 و 43.

[160]

29 - قب: وحكي أن الحسن عليه السلام لما أشرف على الموت، قال له الحسين: أريد أن أعلم حالك يا أخي، فقال له الحسن: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول: لا يفارق العقل منا أهل البيت مادام الروح فينا فضع يدك في يدي حتى إذا عاينت ملك الموت أغمز يدك فوضع يده في يده فلما كان بعد ساعة غمزيده غمزا خفيفا فقرب الحسين اذنه إلى فمه فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فان الله عنك راض وجدك شافع. وقال الحسين عليه السلام لما وضع الحسن في لحده (1): ءأدهن رأسي أم تطيب مجالسي ورأسك معفور وأنت سليب أو استمتع الدنيا لشئ احبه إلى [ألا] ظ كل ما أدنا إليك حبيب فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة عليك وما هبت صبا وجنوب وما هملت عيني من الدمع قطرة وما اخضر في دوح الحجاز قضيب بكائي طويل والدموع غزيرة وأنت بعيد والمزار قريب غريب وأطراف البيوت تحوطه الأكل من تحت التراب غريب ولا يفرح الباقي خلاف الذي مضى وكل فتى للموت فيه نصيب فليس حريب من اصيب بماله ولكن من وارى أخاه حريب نسيبك من أمسى يناجيك طيفه وليس لمن تحت التراب نسيب (2)


(1) قال سبط ابن الجوزى في التذكرة ص 122: ولما دفن قام أخوه محمد ابن الحنفية على قبره باكيا وقال: رحمك الله أبا محمد ! لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك ولنعم الروح روح عمر به بدنك، ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك، وكيف لا، وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، وخامس أصحاب الكساء. ربيت في حجر الاسلام، ورضعت ثدي الايمان، ولك السوابق العظمى، والغايات القصوى، وبك أصلح الله بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم بك شعث الدين، فعليك السلام فلقد طبت حيا وميتا، وأنشد: ءأدهن رأسي ام تطيب محاسني وخدك معفور وأنت سليب سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة وما اخضر في دوح الرياض قضيب غريب وأكناف الحجاز تحوطه ألا كل من تحت التراب غريب (2) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 44 و 45.

[161]

بيان: قوله: " إلى كل ما أدنى " الظاهر " ألا " (1) ويمكن أن يكون إلى مشددا فخففت لضرورة الشعر، قوله " خلاف الذي مضى " أي خلفه وبعده. قوله عليه السلام " نسيبك " أي مناسبك وقرابتك من يراك في الطيف. والحاصل أن بعد الموت لم يبقى من الأسباب والقرابات الظاهرة إلا الرؤية في المنام وفي بعض النسخ " طرفه " أي من لا يراك فكأنه ليس نسيبك. 30 - قب: وله عليه السلام: إن لم أمت أسفا عليك فقد أصبحت مشتاقا إلى الموت سليمان بن قبة: يا كذب الله من نعى حسنا ليس لتكذيب نعيه حسن كنت خليلي وكنت خالصتي لكل حي من أهله سكن أجول في الدار لا أراك وفي الدار اناس جوارهم غبن بدلتهم منك ليت إنهم أضحوا وبيني وبينهم عدن الصادق عليه السلام: بينا الحسن عليه السلام يوما في حجر رسول الله صلى الله عليه واله إذ رفع رأسه فقال: يا أبه ! ما لمن زارك بعد موتك ؟ قال: يا بني من أتاني زائرا بعد موتي فله الجنة، ومن أتا أباك زائرا بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائرا بعد موتك فله الجنة (2). 31 - كشف: قال كمال الدين ابن طلحة: توفي عليه السلام لخمس خلون من ربيع الأول في سنة تسع وأربعين للهجرة، وقيل: خمسين، وكان عمره سبعا وأربعين سنة. وقال الحافظ الجنابذي: ولد الحسن بن علي عليهما السلام [في] النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، ومات سنة تسع وأربعين، وكان قد سقي السم مرارا وكان مرضه أربعين يوما.


(1) كما في المصدر المطبوع. (2) المصدر ص 45 و 46.

[162]

وقال الدولابي صاحب كتاب الذرية الطاهرة: تزوج علي فاطمة عليهما السلام فولدت له حسنا بعد احد بسنتين، وكان بين وقعة احد ومقدم النبي صلى الله عليه واله المدينة سنتان وستة أشهر ونصف، فولدته لأربع سنين وستة أشهر من التاريخ. وروي أيضا أنه ولد في رمضان من سنة ثلاث وتوفي وهو ابن خمس و أربعين سنة، وولي غسله الحسين ومحمد والعباس إخوته وصلى عليه سعيد بن العاص وكانت وفاته سنة تسع وأربعين. وقال الكليني رحمة الله عليه: ولد الحسن بن علي عليهما السلام في شهر رمضان سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة، وروي أنه ولد سنة ثلاث، ومضى في صفر في آخره من سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين وأشهر. وقال ابن الخشاب رواية عن الصادق والباقر عليهما السلام قالا: مضى أبو محمد الحسن ابن علي عليهما السلام وهو ابن سبع وأربعين سنة، وكان بينه وبين أخيه الحسين مدة الحمل وكان حمل أبي عبد الله ستة أشهر، ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين عليه السلام وعيسى بن مريم عليه السلام فأقام أبو محمد مع جده رسول الله صلى الله عليه واله سبع سنين، وأقام مع أبيه بعد وفاة جده ثلاثين سنة، وأقام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام عشر سنين، فكان عمره سبعا وأربعين سنة، فهذا اختلافهم في عمره (1).


(1) كشف الغمة ج 2 ص 160 و 161 وقد لفق المصنف صدر كلامه وحذف وأوصل فراجع.

[163]

23. (باب) * " (ذكر أولاده صلوات الله عليه، وأزواجه، وعددهم) " * * " (وأسمائهم وطرف من أخبارهم) " * 1 - شا: أولاد الحسن بن علي عليهما السلام خمسة عشر ولدا ذكرا وانثى: زيد بن الحسن، واختاه ام الحسن وام الحسين، امهم ام بشير بنت أبي مسعود بن عقبة ابن عمرو بن ثعلبة الخزرجية، والحسن بن الحسن امه خوله بنت منظور الفزارية وعمرو بن الحسن، وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن امهم ام ولد، وعبد الرحمن ابن الحسن امه ام ولد، والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم، وأخوه طلحة بن الحسن واختهما فاطمة بنت الحسن امهم ام إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي وام عبد الله، وفاطمة، وام سلمة، ورقية بنات الحسن عليه السلام لامهات شتى (1). عم: له من الأولاد ستة عشر، وزاد فيهم أبا بكر وقال: قتل عبد الله مع الحسين عليه السلام. 2 - شا: وأما زيد بن الحسن عليه السلام فكان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وأسن وكان جليل القدر، كريم الطبع، ظريف النفس، كثير البر، ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله، وذكر أصحاب السيرة أن زيد بن الحسن كان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة: " أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فاعزل زيدا عن صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وادفعها إلى فلان بن فلان - رجلا من قومه - وأعنه على ما استعانك عليه والسلام "


(1) الارشاد ص 176.

[164]

فلما استخلف عمر بن عبد العزيز إذا كتاب جاء منه: أما بعد فان زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذوسنهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاردد عليه صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وأعنه على ما استعانك عليه والسلام. وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن بشير الخارجي: إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع الناس في كل شتوة إذا أخلفت أنواؤها ورعودها حمول لأشناق الديات كأنه سراج الدجى إذ قارنته سعودها ومات زيد بن الحسن وله تسعون سنة فرثاه جماعة من الشعرا وذكروا مآثره وتلوا فضله، فممن رثاه قدامة بن موسى الجمحي فقال: فان يك زيد غالت الأرض شخصه فقد بان معروف هناك وجود وإن يك أمسى رهن رمس فقد ثوى به، وهو محمود الفعال فقيد سميع إلى المعتر يعلم أنه سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال وقد حط رحله لملتمس المعروف أين تريد إذا قصر الوغد الدني نمى به إلى المجد آباء له وجدود مباذيل للمولى محاشيد للقرى وفي الروع عند النائبات اسود إذا انتحل العز الطريف فانهم لهم إرث مجد ما يرام تليد إذا مات منهم سيد قام سيد كريم يبني بعده ويشيد وفي أمثال هذا يطول منها الكتاب (1). بيان: قوله " واخضر بالنبت " النبت إما مصدر أو الباء بمعنى مع، أو مبالغة في كثرة النبات. حتى أنه نبت في ساق الشجر، ويمكن أن يقرأ " العود " بالفتح وهو الطريق القديم، وإنما قيد كونه ربيعا بالشتوة لأنها آخر السنة وهي مظنة الغلاء وفقد النبات، وقيد أيضا بشتاء أخلفت أنواؤها - التي تنسب العرب الأمطار إليها - الوعد بالمطر، وكذا الرعود.


(1) ارشاد المفيد: ص 176 و 177.

[165]

وقال الجوهري " الشفق " ما دون الدية وذلك أن يسوق ذو الحمالة الدية كاملة فإذا كانت معها ديات جراحات فتلك هي الأشناق كأنها متعلقة بالدية العظمى وغاله الشئ أي أخذه من حيث لم يدر، و " المعتر " الذي يتعرض للمسألة ولا يسأل والمراد هنا السائل والضمير في " يعلم " راجع إلى المعتر ويمكن إرجاعه إلى زيد بتكلف. قوله " ليس بقوال " أي إنه لا يقول لمن يحط رحله بفنائه ملتمسا معروفه أين تريد ؟ لأنه معلوم أن الناس لا يطلبون المعروف إلا منه، و " الوغد " الرجل الدني الذي يخدم بطعام بطنه، وحاصل البيت أن الأداني إذا قصروا عن المعالي والمفاخر فهو ليس كذلك بل هو منتسب إلى المجد بسبب آباء وجدود، قوله: " إذا انتحل " على البناء للمجهول، قوله " ما يرام " أي لا يقصد بسوء، و " التليد " القديم ضد الطريف. 3 - شا: وخرج زيد بن الحسن - رحمة الله عليه - من الدنيا ولم يدع الامامة ولا ادعاه له مدع من الشيعة ولا غيرهم، وذلك أن الشيعة رجلان إمامي وزيدي فالامامي يعتمد في الامامة على النصوص، وهي معدومة في ولد الحسن عليه السلام باتفاق ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه ارتياب، والزيدي يراعي في الامامة بعد علي والحسن والحسين عليهم السلام الدعوة والجهاد، وزيد بن الحسن رحمة الله عليه كان مسالما لبني امية، ومتقلدا من قبلهم الأعمال، وكان رأيه التقية لأعدائه، والتألف لهم والمداراة، وهذا يضاد عند الزيدية علامات الامامة كما حكيناه. وأما الحشوية فانها تدين بامامة بني امية ولا ترى لولد رسول الله صلى الله عليه وآله إمامة على حال، والمعتزلة لا ترى الامامة إلا فيمن كان على رأيها في الاعتزال ومن تولوهم العقد بالشورى والاختيار، وزيد على ما قدمنا ذكره خارج عن هذه الأحوال، والخوارج لا ترى إمامة من تولى أمير المؤمنين عليه السلام وزيد كان متواليا أباه وجده بلا خلاف.

[166]

وأما الحسن بن الحسن عليه السلام فكان جليلا رئيسا فاضلا ورعا، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وقته، و [كان] له مع الحجاج بن يوسف خبر رواه الزبير بن بكار قال: كان الحسن بن الحسن واليا صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في عصره فسار يوما الحجاج بن يوسف في موكبه وهو إذ ذاك أمير المدينة فقال له الحجاج: أدخل عمر بن علي معك في صدقة أبيه فانه عمك وبقية أهلك فقال له الحسن: لا اغير شرط علي عليه السلام ولا ادخل فيه من لم يدخل، فقال الحجاج: إذا ادخله معك. فنكص الحسن بن الحسن عليه السلام عنه، حين غفل الحجاج، ثم توجه إلى عبد الملك حتى قدم عليه فوقف ببابه يطلب الاذن، فمر به يحيى بن ام الحكم فلما رآه يحيى عدل إليه وسلم عليه وسأله عن مقدمه وخبره، ثم قال له: سأنفعك عند أمير المؤمنين يعني عبد الملك. فلما دخل الحسن بن الحسن على عبد الملك رحب به وأحسن مساءلته، وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب ويحيى بن ام الحكم في المجلس، فقال له عبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمد ؟ فقال له يحيى: وما يمنعه لأبي محمد ؟ شيبه أماني أهل العراق، تفد عليه الركب يمنونه الخلافة، فأقبل عليه الحسن بن الحسن وقال له: بئس والله الرفد رفدت، ليس كما قلت، ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب وعبد الملك يسمع. فأقبل عبد الملك فقال: هلم بما قدمت له ! قأخبره بقول الحجاج فقال: ليس ذلك له أكتب كتابا إليه لا يجاوزه، فكتب إليه، ووصل الحسن بن الحسن وأحسن صلته. فلما خرج من عنده لقيه يحيى بن ام الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره وقال له: ما هذا الذي وعدتني به ؟ فقال له يحيى: إيها عنك، فو الله لا يزال يهابك ولولا هيبتك ما قضى لك حاجة، وما ألوتك رفدا.

[167]

وكان الحسن بن الحسن حضر مع عمه الحسين عليه السلام يوم الطف فلما قتل الحسين عليه السلام واسر الباقون من أهله جاءه أسماء بنت خارجة فانتزعه من بين الاسارى، وقال: والله لا يوصل إلى ابن خولة أبدا فقال عمر بن سعد: دعوا لأبي حسان ابن اخته، ويقال إنه اسر وكان به جراح قد أشفى منه. وروي أن الحسن بن الحسن عليه السلام خطب إلى عمه الحسين عليه السلام إحدى ابنتيه فقال له الحسين عليه السلام: اختر يا بني أحبهما إليك فاستحيى الحسن ولم يحر جوابا فقال له الحسين عليه السلام: فاني قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما شبها بفاطمة امي بنت رسول الله صلى الله عليه واله. وقبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة رحمه الله وأخوه زيد بن الحسن حي، ووصى إلى أخيه من امه إبراهيم بن محمد بن طلحة، ولما مات الحسن ابن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام على قبره فسطاطا وكانت تقوم الليل وتصوم النهار، وكانت تشبه بالحور العين لجمالها، فلما كان رأس السنة قالت لمواليها: إذا أظلم الليل فقوضوا هذا الفسطاط، فلما أظلم الليل سمعت صوتا يقول: " هل وجدوا ما فقدوا " فأجابه آخر يقول: " بل يئسوا فانقلبوا ". ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الامامة ولا ادعاها له مدع كما وصفناه من حال أخيه رحمه الله، وأما عمرو والقاسم وعبد الله بنو الحسن بن علي عليهما السلام فانهم استشهدوا بين يدي عمهم الحسين بن علي عليهما السلام بالطف رضي الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والاسلام وأهله جزاءهم، وعبد الرحمن بن الحسن رضي الله عنه خرج مع عمه الحسين عليه السلام إلى الحج فتوفي بالأبواء وهو محرم رحمة الله عليه والحسين بن الحسن المعروف بالأثرم كان له فضل ولم يكن له ذكر في ذلك، وطلحة ابن الحسن كان جوادا. بيان: قوله " وما يمنعه " أي المشيب (1) قوله، " ما ألوتك، رفدا " أي


(1) وفى المصدر ص 178: وما يمنعه ؟ يا أمير المؤمنين، شيبه ".

[168]

ما قصرت في رفدك، قوله: " قد أشفى منه " أي أشرف على الهلاك، وقوضت البناء نقضته (1). 4 - قب: أولاده عليه السلام ثلاثة عشر ذكرا، وابنة واحدة: عبد الله، وعمر والقاسم، أمهم ام ولد، والحسين الأثرم، والحسن، امهما خولة بنت منظور الفزارية، والعقيل، والحسن، امهما ام بشير بنت أبي مسعود الخزرجية، وزيد وعمر، من الثقفية، وعبد الرحمن من ام ولد، وطلحة، وأبو بكر، امهما ام إسحاق بنت طلحة التيمي، وأحمد، وإسماعيل، والحسن الأصغر: ابنته ام الحسن فقط عند عبد الله، ويقال وام الحسين وكانتا من ام بشير الخزاعية وفاطمة من ام إسحاق بنت طلحة، وام عبد الله، وام سلمة، ورقية لامهات أولادها (2).


(1) ارشاد المفيد: ص 177 - 179. (2) اختلف في عدد أولاده عليه السلام وأسمائهم وامهات أولاده وترتيبهم فقد نقل الاربلي في كشف الغمة ج 2 ص 152 عن كمال الدين ابن طلحة: أن عدد أولاده الذكور خمسة عشر وسرد أسماءهم وله بنت واحدة تسمى ام الحسن، ونقل عن ابن الخشاب: أن له عليه السلام أحد عشر ولدا وبنتا. ثم نقل في ص 158 عن الحافظ عبد العزيز بن الاخضر الجنابذى: أن له عليه السلام اثنى عشر ولدا ذكرا وخمس بنات، وبعد ما ذكر أسماءهم قال: والذى أراه أن في هذه الاسماء تكريرا، وأظنه من الناسخ، وأهل مكة أخبر بشعابها، فما ذكره الشيخ المفيد (وقد نقله من ص 153 - 158) هو الذى يعتمد عليه في هذا الباب، لانه أشد حرصا، وأكثر تنقيبا وكشفا وطلبا لهذه الامور. أقول: ونقل سبط ابن الجوزى عن الواقدي وابن هشام: أن له عليه السلام خمس عشرة ذكرا وثمان بنات، فمن الذكور: على الاكبر، على الاصغر، جعفر، فاطمة، سكينة ام الحسن، عبد الله، القاسم، زيد، عبد الرحمن، أحمد، اسماعيل، الحسين، عقيل الحسن، وهو أبو عبد الله حسن بن حسن بن على عليهم السلام - ولم يسم الباقين.

[169]

وقتل مع الحسين عليه السلام من أولاده عبد الله والقاسم وأبو بكر، والمعقبون من أولاده اثنان: زيد بن الحسن، والحسن بن الحسن. أبو طالب المكي في قوت القلوب إنه عليه السلام تزوج مائتين وخمسين امرأة، وقد قيل ثلاث مائة وكان علي عليه السلام يضجر من ذلك، فكان يقول في خطبته: إن الحسن مطلاق فلا تنكحوه. أبو عبد الله المحدث في رامش أفزاي: إن هذه النساء كلهن خرجن في خلف جنازته حافيات (1).


وهذا المذكور انما هو ترتيب الواقدي وهشام بن محمد، وأما محمد بن سعد فقد رتبهم في الطبقات على غير هذا الترتيب، وزاد، فقال: كان للحسن عليه السلام من الولد: محمد الاصغر، جعفر، حمزة، فاطمة، درجوا كلهم وامهم ام كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب، محمد الاكبر: وبه كان يكنى والحسن: امهما خولة بنت منظور الغطفانية. زيد، ام الحسن، ام الخير: امهم ام بشر بنت ابى مسعود الانصاري واسمه عقبة بن عمرو. اسماعيل، يعقوب: امهما جعدة بنت الاشعث ابن قيس التى سمته. القاسم، أبو بكر، عبد الله: قتلوا مع الحسين يوم الطفوف وامهم ام ولد، ولا بقية لهم. حسين الاثرم، عبد الرحمن، ام سلمة: لام ولد تسمى ظمياء. عمر: لام ولد لا بقية له. ام عبد الرحمن [عبد الله] وهى ام أبى جعفر محمد بن على بن الحسين عليه السلام وامها ام ولد تدعى صافية. طلحة: لا بقية له وامه ام اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمى، عبد الله الاصغر: امه زينب بنت سبيع بن عبد الله أخى جرير بن عبد الله البجلى وهذا أصح. انتهى. أقول: فعلى هذا كان له عليه السلام ستة عشر ذكرا وخمس بنات، وكيف كان ما ذكره ابن شهر آشوب هناك مختلط عليه من حيث الاسماء وعدد أولاده الذكور كما لا يخفى. (1) اشتهر عنه عليه السلام أنه تزوج ثلاث مائة امرأة، والاصل في ذلك ما ذكره أبو طالب المكى في قوت القلوب كما نقله ابن شهر آشوب فأرسله المؤرخون ارسال المسلمات ونقلوا ذلك في كتبهم بلا تثبت وتحقيق، مع كون الرجل ضعيف الرواية، ليس بثبت ولا ثقة وأن ما ذكره لا يصح في العقول بوجه من الوجوه:

[170]

البخاري: لما مات الحسن بن الحسن بن علي عليهما السلام ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت فسمعوا صائحا يقول: " هل وجدوا ما فقدوا " ؟ فأجابه آخر: " بل يئسوا فانقلبوا " وفي رواية غيرها أنها، أنشدت بيت لبيد:


وذلك لان أولاده المذكورين بأسمائهم على اختلاف في عددهم (بين 15 - 21) انماهم من عشرة من أزواجه عليه السلام، قد سماهن أهل السير كما سمعت من ابن سعد في الطبقات وهذه النسبة بين عدد الازواج والاولاد، هو المتعارف المعتاد فلو كان تزوج مائتين وخمسين امرأة أو ثلاث مائة امرأة، كان لابد وأن يتولد منهن أكثر من مائتين ولد: ذكر وانثى على الاقل بعد فرض العقم في جمع منهن. ولا يحتمل العزل منهن، لانه عليه السلام انما كان يتزوج الشابة من النساء والابكار رغبة في مباضعتهن، والالتذاذ من المباضعة لا يتحقق مع العزل كما لا يخفى. على ان الرجل انما يعزل عن المرأة مخافة أن يولدها، وذلك اما لنقص في حسبها أو مخافة العيلة، اما ناقصة الحسب فلم يكن ليرغب فيها مثل الحسن السبط عليه السلام مع شرفه الباذخ ولم يذكر في شئ من كتب السير أنه رغب إلى خضراء الدمن، وانما كان يخطب الاشراف من النساء أبا واما. وأما خوف العيلة فهو الذى كان يبارى بجوده وفضله السحاب، وقد روى عن ابن سيرين (كما في الحلية للحافظ أبى نعيم - راجع ج 2 ص 142 كشف الغمة) أنه قال: تزوج الحسن بن على عليهما السلام امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم وعن الحسن بن سعيد، عن أبيه قال: متع الحسن بن على عليهما السلام امرأتين (يعنى حين طلقهما) بعشرين ألفا وزقاق من عسل فقالت احداهما: متاع قليل من حبيب مفارق ونقل ابن شهر آشوب (ج 4 ص 17 من مناقبه) أنه تزوج جعدة بنت الاشعث وأرسل إليها ألف دينار. فهذا الرجل الذى ينفق كيف يشاء، لا يخاف العيلة وكثرة الاولاد، كيف وقد قال جده صلى الله عليه وآله: تناكحوا تناسلوا تكثروا فانى اباهي بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط، أو كيف يعزل وانه يعلم بشرى القرآن المجيد بكوثر من نسل رسول الله منه ومن أخيه الحسين، أكان يعزل نطفته رغما لتلك البشارة ؟ كلا وكلا.

[171]

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (1) 5 - قب: في الإحياء: إنه خطب الحسن بن علي عليهما السلام إلى عبد الرحمن ابن الحارث بنته، فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه فقال: والله ما على وجه الأرض من يمشي عليها أعز علي منك، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني وأنت مطلاق، فأخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك لأنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه واله فان شرطت [أن] لا تطلقها زوجتك. فسكت الحسن عليه السلام، وقام وخرج، فسمع منه يقول: ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقا في عنقي. وروى محمد بن سيرين: أنه خطب الحسن بن علي عليهما السلام إلى منظور بن ريان ابنته خولة، فقال: والله إني لانكحك وإني لأعلم أنك غلق طلق ملق غير أنك أكرم العرب بيتا وأكرمهم نفسا، فولد منها الحسن بن الحسن. ورأى يزيد امرأة عبد الله بن عامر ام خالد بنت أبي جندل فهام بها وشكا ذلك إلى أبيه، فلما حضر عبد الله عند معاوية قال له: لقد عقدت لك علي ولاية البصرة، ولولا أن لك زوجة لزوجتك رملة، فمضى عبد الله وطلق زوجته طمعا في رملة، فأرسل معاوية أبا هريرة ليخطب ام خالد ليزيد ابنه، وبذل لها ما أرادت من الصداق، فاطلع عليها الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر عليهم السلام فاختارت


والحاصل أنه لا يصح في حكم العقول أن يتزوج ثلاثمائة امرأة ولا تولد منها الا عشرة. فالصحيح ما يظهر من كتب السير المعتبرة - بعد السير فيها - أنه تزوج ما بين 20 إلى 30 امرأة غير ما ملكت يمينه عليه السلام، وحيثما لا تكون تحته أكثر من أربعة حرائر كان عليه أن يطلق زوجة وينكح اخرى، ولذلك اشتهر بكونه مطلاقا، لما لم يكن يعهد ذلك من غيره، فزاد العامة من الناس على سيرتهم في سرد القضايا (يك كلاغ چهل كلاغ) فقالوا انه تزوج كذا وكذا من غير روية ولا دراية. (1) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 29 و 30.

[172]

الحسن فتزوجها (1). توضيح: رجل غلق بكسر اللام سيئ الخلق، ورجل ملق بكسر اللأم يعطي بلسانه ما ليس في قلبه، وقال الجزري في حديث الحسن: إنك رجل طلق أي كثير طلاق النساء. 6 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد بن عيسى، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليا صلوات الله عليه قال وهو على المنبر: لا تزوجوا الحسن فانه رجل مطلاق، فقام رجل من همدان فقال: بلى والله لنزوجنه، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه واله وابن أمير المؤمنين فان شاء أمسك وإن شاء طلق (2). 7 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن جعفر ابن بشير، عن يحيى بن أبي العلا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسن بن علي عليهما السلام طلق خمسين امرأة، فقال علي عليه السلام بالكوفة فقال: يا معشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحسن فانه رجل مطلاق، فقام إليه رجل فقال: بلى والله لننكحنه إنه ابن رسول الله صلى الله عليه واله وابن فاطمة عليها السلام فان أعجبه أمسك وإن كره طلق (3). 8 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: توفي عبد الرحمن بن الحسن ابن علي بالأبواء وهو محرم، ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله وعبيد الله ابنا العباس، فكفنوه وخمروا وجهه ورأسه ولم يحنطوه، وقال: هكذا في كتاب علي (4).


(1) المناقب: ج 4 ص 38. (2) الكافي: ج 6 ص 56. (3) المصدر نفسه. (4) الكافي: ج 4 ص 368.

[173]

9 - أقول: قال ابن أبي الحديد، قال أبو جعفر محمد بن حبيب: كان الحسن عليه السلام إذا أراد أن يطلق امرأة جلس إليها فقال: أيسرك أن أهب لك كذا وكذا، فتقول له: ما شئت أو نعم، فيقول: هولك، فإذا قام أرسل إليها بالطلاق وبما سمى لها. وروى أبو الحسن المدائني قال: تزوج الحسن عليه السلام هندا بنت سهيل بن عمرو وكانت عند عبد الله بن عامر بن كريز فطلقها فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية، قال الحسن عليه السلام فاذكرني لها، فأتاها أبو هريرة فأخبرها الخبر، فقالت: اختر لي ؟ فقال: أختار لك الحسن، فزوجته. وروى أيضا أنه عليه السلام تزوج حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وكان المنذر بن الزبير يهواها فابلغ الحسن عنها شيئا فطلقا فخطبها المنذر فأبت أن تزوجه وقالت: شهرني. وقال أبو الحسن المدائني: كان الحسن عليه السلام كثير التزويج: تزوج خولة بنت منظور بن زياد الفزارية، فولدت له الحسن بن الحسن وام إسحاق بنت طلحة ابن عبيد الله فولدت له ابنا سماه طلحة، وام بشر بنت أبي مسعود الأنصاري فولدت له زيدا، وجعدة بنت الأشعث، وهي التي سمته، وهندا بنت سهيل بن عمرو وحفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر، وامرأة من كلب، وامرأة من بنات عمرو ابن الأهيم المنقري، وامرأة من ثقيف فولدت له عمر، وامرأة من بنات علقمة ابن زرارة، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة فقيل له: إنها ترى رأي الخوارج فطلقها، وقال: إني أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم. قال المدائني: وخطب إلى رجل فزوجه وقال له: إني مزوجك وأعلم أنك ملق طلق غلق، ولكنك خير الناس نسبا وأرفعهم جدا وأبا. وقال: احصى زوجات الحسن عليه السلام فكن سبعين امرأة. 10 - د: تزوج عليه السلام سبعين حرة، وملك مائة وستين أمة في سائر عمره وكان أولاده خمسة عشر.

[174]

* " (أبواب) " * * " (ما يختص بتاريخ الحسين بن على) " * " (صلوات الله عليهما) " (24) (باب) * " (النص عليه بخصوصه، ووصية الحسن إليه صلوات الله عليهما) " * 1 - عم: الكليني، عن علي، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن هارون بن الجهم قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: لما احتضر الحسن عليه السلام قال للحسين: يا أخي إني اوصيك بوصية إذا أنا مت فهيئني ووجهني إلى رسول الله صلى الله عليه واله لاحدث به عهدا، ثم اصرفني إلى امي فاطمة عليها السلام ثم ردني فادفني بالبقيع إلى آخر الخبر (1). 2 - عم: الكليني بإسناده، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما حضرت الحسن الوفاة قال: يا قنبر انظر هل ترى وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد، فقال: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، قال: امض فادع لي محمد بن علي، قال: فأتيته فلما دخلت عليه قال: هل حدث إلا خير ؟ قلت: أجب أبا محمد، فعجل عن شسع نعله فلم يسوه، فخرج معي يعدو.


(1) رواه في الكافي ج 1 ص 300.

[175]

فلما قام بين يديه سلم فقال له الحسن: اجلس فليس يغيب مثلك عن سماع كلام يحيى به الأموات، ويموت به الأحياء كونوا أوعية العلم، ومصابيح الدجى فان ضوء النهار بعضه أضوء من بعض أما علمت أن الله عزوجل جعل ولد إبراهيم أئمة وفضل بعضهم على بعض، وآتى داود زبورا، وقد علمت بما استأثر الله محمدا صلى الله عليه وآله. يا محمد بن علي إني لا أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله تعالى به الكافرين فقال: " كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق " (1) ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطانا، يا محمد بن علي ألا أخبرك بما سمعت من أبيك عليه السلام فيك ؟ قال: بلى، قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحب أن يبرني في الدنيا والآخرة فليبر محمدا، يا محمد بن علي لو شئت أن اخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك يا محمد بن علي أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي وعند الله في الكتاب الماضي وراثة النبي أصابها في وراثة أبيه وامه علم الله أنكم خير خلقه، فاصطفى منكم محمدا واختار محمد عليا واختارني علي للامامة واخترت أنا الحسين. فقال له محمد بن علي: أنت إمامي [وسيدي] (2) وأنت وسيلتي إلى محمد والله لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام ألا وإن في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء، ولا تغيره بعد الرياح (3) كالكتاب المعجم، في الرق المنمنم، أهم بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، وما جاءت به الرسل وإنه لكلام يكل به لسان الناطق، ويد الكاتب (4) ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله. (1) البقرة: 109. (2) كذا في نسخة الاصل - نسخة المصنف قدس سره - وفى الكافي وأنت امام وأنت وسيلتي. (3) في المصدر: نغمة الرياح. (4) زاد في المصدر: حتى لا يجد قلما ويؤتوا بالقرطاس حمما.

[176]

الحسين أعلمنا علما، وأثقلنا حلما، وأقربنا من رسول الله رحما، كان إماما قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أن أحدا خير منا (1) ما اصطفى محمدا صلى الله عليه واله فلما اختار محمدا واختار محمد عليا إماما، واختارك علي بعده واخترت الحسين بعدك، سلمنا ورضينا بمن هو الرضا، وبمن نسلم به من المشكلات (2). بيان: قوله: " فقال: الله " أي لا تحتاج إلى أن أذهب وأرى فانك بعلومك الربانية أعلم بما اخبرك بعد النظر، ويحتمل أن يكون المراد بالنظر النظر بالقلب، بما علموه من ذلك، فانه كان من أصحاب الأسرار فلذا قال: أنت أعلم به مني من هذه الجهة، ولعل السؤال لأنه كان يريد أولا أن يبعث غير قنبر لطلب ابن الحنفية فلما لم يجد غيره بعثه. ويحتمل أن يكون أراد بقوله " مؤمنا " ملك الموت عليه السلام، فانه كان يقف ويستأذن للدخول عليهم فلعله أتاه بصورة بشر فسأل قنبرا عن ذلك ليعلم أنه يراه أم لا، فجوابه حينئذ أني لا أرى أحدا وأن أعلم بما تقول، وترى مالا أرى فلما علم أنه الملك بعث إلى أخيه. " فعجل عن شسع نعله " أي صار تعجيله مانعا عن عقد شسع النعل، قوله: " عن سماع كلام " أي النص على الخليفة، فان السامع إذا أقر فهو حي بعد وفاته، وإذا أنكر فهو ميت في حياته، أو المعنى أنه سبب لحياة الأموات بالجهل والضلالة بحياة العلم والايمان، وسبب لموت الأحياء بالحياة الظاهرية أو بالحياة المعنوية إن لم يقبلوه، وقيل يموت به الأحياء أي بالموت الارادي عن لذات هذه النشأة الذي هو حياة اخروية في دار الدنيا وهو بعيد. " كونوا أوعية العلم " تحريص على استماع الوصية، وقبولها ونشرها، أو


(1) في هامش نسخة المصنف نقلا عن الكافي: ولو علم الله في احد غير محمد خيرا لما اصطفى. (2) الكافي ج 1 ص 301 و 302 مع اختلاف يسير.

[177]

على متابعة الامام والتعلم منه، وتعليم الغير، قوله عليه السلام " فان ضوء النهار " أي لا تستنكفوا عن التعلم وإن كنتم علماء فان فوق كل ذي علم عليم، أو عن تفضيل بعض الاخوة على بعض. والحاصل أنه قد استقر في نفوس الجهلة بسبب الحسد أن المتشعبين من أصل واحد في الفضل سواء، ولذا يستنكف بعض الاخوة والأقارب عن متابعة بعضهم وكان الكفار يقولون للأنبياء: " ما أنتم إلا بشر مثلنا " (1) فأزال عليه السلام تلك الشبهة بالتشبيه بضوء النهار في ساعاته المختلفة فان كله من الشمس، لكن بعضه أضوء من بعض كأول الفجر، وبعد طلوع الشمس، وبعد الزوال وهكذا، فباختلاف الاستعدادت والقابليات تختلف إفاضة الأنوار على المواد. وقوله: " أما علمت أن الله " تمثيل لما ذكر سابقا وتأكيد له، وقوله: " فجعل ولد إبراهيم أئمة " إشارة إلى قوله تعالى: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا " (2) وقوله " وفضل " الخ إشارة إلى قوله سبحانه " وفضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " (3). " وقد علمت بما استأثر " أي علمت بأي جهة استأثر الله محمدا أي فضله، إنما كان لوفور علمه، ومكارم أخلاقه، لا بنسبه وحسبه، وأنت تعلم أن الحسين أفضل منك بجميع هذه الجهات، ويحتمل أن تكون " ما " مصدرية والباء لتقوية التعدية أي علمت استيثار الله إياه. قوله " إني لا أخاف " فيما عندنا من نسخ الكافي " إني أخاف " ولعل ما هنا أظهر. قوله عليه السلام: " ولم يجعل الله " الظاهر أن المراد قطع عذره في ترك ذلك، أي ليس للشيطان عليك سلطان يجبرك على الإنكار، ولا ينافي ذلك قوله تعالى " إنما سلطانه على الذين يتولونه " (4) لأن ذلك بجعل أنفسهم لا بجعل الله، أو السلطان في الآية محمول على ما لا يتحقق معه الجبر، أو المعنى أنك من عباد الله الصالحين


(1) يس: 15. (2) الانبياء: 73. (3) اسرى: 55. (4) النحل: 100.

[178]

وقد قال تعالى " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " (1) ويحتمل أن تكون جملة دعائية. قوله عليه السلام " وعند الله " في الكافي: " وعند الله جل اسمه في الكتاب وراثة من النبي صلى الله عليه واله أضافها الله عزوجل له في وراثة أبيه وامه صلى الله عليهما، فعلم الله " أي كونه إماما مثبت عند الله في اللوح أو في القرآن، وقد ذكر الله وراثته مع وراثة أبيه وامه كما سبق في وصية النبي صلى الله عليه واله، فيكون " في " بمعنى " إلى " أو " مع " ويحتمل أن تكون " في " سببية كما أن الظاهر مما في فضائلك ومناقبك " لا تنزفه الدلاء " أي لا تفنيه كثرة البيان، من قولك نزفت ماء البئر، إذا نزحت كله، " ولا تغيره بعد الرياح " كناية عن عذوبته وعدم تكدره بقلة ذكره، فان ما لم تهب عليه الرياح تتغير، وفي الكافي " نغمة الرياح " وإن ذلك أيضا قد يصير سببا للتغير أي لا يتكرر ولا يتكدر بكثرة الذكر ومرور الأزمان، أو كنى بالرياح عن الشبهات التي تخرج من أفواه المخالفين الطاعنين في الحق كما قال تعالى " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم " (2). قوله كالكتاب المعجم: من الاعجام بمعنى الإغلاق يقال: أعجمت الكتاب خلاف أعربته، وباب معجم كمكرم مقفل، كناية عن أنه من الرموز والأسرار، أو من التعجيم، أو الاعجام بمعنى إزالة العمجمة بالنقط والاعراب، أشار به إلى إبانته عن المكنونات " والرق " ويكسر جلد رقيق يكتب فيه، والصحيفة البيضاء، ويقال: نمنه أي زخرفه، ورقشه، والنبت المنمنم الملتف المجتمع، وفي بعض نسخ الكافي المنهم من النهمة بلوغ الهمة في الشئ كناية عن كونه ممتلئا أو من قولهم: انهم البرد والشحم، أي ذابا كناية عن إغلاقه كأنه قد ذاب ومحي. قوله: فأجدني: أي كلما أهم أن أذكر من فضائلك شيئا أجده مذكورا في كتاب الله وكتب الأنبياء، وقيل: أي سبقتني إليه أنت وأخوك لذكره في القرآن


(1) الحجر: 42. (2) الصف: 8.

[179]

وكتب الأنبياء، وعلمها عندكما، والظاهر أن " سبق " مصدر ويحتمل أن يكون فعلا ماضيا على الاسيتناف، وعلى التقديرين سبقت على صيغة المجهول و " إنه " أي ما في رأسي. وفي بعض نسخ الكافي بعد قوله ويد الكاتب: " حتى لا يجد قلما ويؤتي بالقرطاس حمما " وضمير يجد للكاتب وكذا ضمير يؤتى أي يكتب حتى تفني الأقلام وتسود جميع القراطيس، والحمم بضم الحاء وفتح الميم جمع الحممة كذلك أي الفحمة يشبه بها الشئ الكثير السواد، وضمير يبلغ للكاتب. أعلمنا علما: علما تميز للنسبة على المبالغة والتأكيد. كان إماما، وفي الكافي كان فقيها قبل أن يخلق: أي بدنه الشريف كما مر أن أرواحهم المقدسة قبل تعلقا بأجسادهم المطهرة كانت عالمة بالعلوم اللدنية ومعلمة للملائكة. قبل أن ينطق: أي بين الناس كما ورد أنه عليه السلام أبطأ عن الكلام أو مطلقا إشارة إلى علمه في عالم الأرواح وفي الرحم. وفي الكافي في آخر الخبر " من بغيره يرضى ومن كنا نسلم به من مشكلات أمرنا " فقوله " من بغيره يرضى " الاستفهام للإنكار، والظرف متعلق بما بعده وضمير يرضى راجع إلى من، وفي بعض النسخ بالنون وهو لا يستقيم إلا بتقدير الباء في أول الكلام أي بمن بغيره نرضى، وفي بعضها من بعزه نرضى أي هو من بعزه وغلبته نرضى، أو الموصول مفعول رضينا " ومن كنا نسلم به " أيضا إما استفهام إنكار بتقدير غيره، ونسلم إما بالتشديد فكلمة من تعليلية أو بالتخفيف أي نصير به سالما من الابتلاء بالمشكلات، وعلى الاحتمال الأخير في الفقرة السابقة معطوف على الخبر أو على المفعول ويؤيد الأخير فيهما ما هنا.

[180]

(25) * (باب) * * " (معجزاته صلوات الله عليه) " * 1 - ير: محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن صباح المزني، عن صالح بن ميثم الأسدي قال: دخلت أنا وعباية بن ربعي على امرأة في بني والية قد احتزق وجهها من السجود، فقال لها عباية: يا حبابة هذا ابن أخيك، قالت: وأي أخ ؟ قال: صالح بن ميثم، قالت: ابن أخي والله حقا يا ابن أخي ألا احدثك حديثا سمعته من الحسين بن علي ؟ قال: قلت: بلى يا عمة قالت: كنت زوارة الحسين بن علي عليهما السلام قالت: فحدث بين عيني وضح فشق ذلك علي واحتبست عليه أياما فسأل عني ما فعلت حبابة الوالبية ؟ فقالوا: إنها حدث بها حدث بين عينيها، فقال لأصحابه: قوموا إليها. فجاء مع أصحابه حتى دخل علي وأنا في مسجدي هذا فقال: يا حبابة ما أبطأ بك علي ؟ قلت: يا ابن رسول الله حدث هذا بي، قالت: فكشفت القناع فتفل عليه الحسين بن علي عليهما السلام فقال: يا حبابة أحدثي لله شكرا فان الله قد درءه عنك قالت: فخررت ساجدة، قالت: فقال: يا حبابة ارفعي رأسك وانظري في مرءاتك قالت: فرفعت رأسي فلم أحس منه شيئا قالت: فحمدت الله. 2 - دعوات الراوندي: قال: روى ابن بابويه باسناده عن صالح بن ميثم وذكر مثله، وزاد في آخره فنظر إلي فقال: يا حبابة نحن وشيعتنا على الفطرة وسائر الناس منها براء. 3 - يج: روي عن أبي خالد الكابلي، عن يحيى بن ام الطويل قال: كنا عند الحسين عليه السلام إذ دخل عليه شاب يبكي، فقال له الحسين: ما يبكيك ؟ قال: إن والدتي توفيت في هذه الساعة ولم توص، ولها مال وكانت قد أمرتني أن لا

[181]

احدث في أمرها شيئا حتى اعلمك خبرها، فقال الحسين عليه السلام: قوموا حتى نصير إلى هذه الحرة، فقمنا معه حتى انتهينا إلى باب البيت الذي توفيت فيه المرأة مسجاة. فأشرف على البيت، ودعا الله ليحييها حتى توصي بما تحب من وصيتها فأحياها الله وإذا المرأة جلست وهي تتشهد، ثم نظرت إلى الحسين عليه السلام فقالت: ادخل البيت يا مولاي ومرني بأمرك، فدخل وجلس على مخدة ثم قال لها: وصي يرحمك الله، فقالت: يا ابن رسول الله لي من المال كذا وكذا في مكان كذا وكذا فقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، والثلثان لا بني هذا إن علمت أنه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفا فخذه إليك فلا حق في المخالفين في أموال المؤمنين، ثم سألته أن يصلي عليها وأن يتولى أمرها، ثم صارت لمرأة ميتة كما كانت. 4 - يج: روي عن جابر الجعفي، عن زين العابدين عليه السلام قال: أقبل أعرابي إلى المدينة ليختبر الحسين عليه السلام لما ذكر له من دلائله، فلما صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة، فدخل على الحسين، فقال له أبو عبد الله الحسين عليه السلام: أما تستحيي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك وأنت جنب ؟ فقال: أنتم معاشر العرب إذا دخلتم خضخضتم ؟ فقال الأعرابي: قد بلغت حاجتي مما جئت فيه، فخرج من عنده فاغتسل ورجع إليه فسأله عما كان في قلبه. بيان: قال الجزري: الخضخضة: الاستمناء، وهو استنزال المني في غير الفرج وأصل الخضخضة التحريك. 5 - يج: روي عن مندل بن هارون بن صدقة، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: إذا أراد الحسين عليه السلام أن ينفذ غلمانه في بعض اموره قال لهم: لا تخرجوا يوم كذا، اخرجوا يوم كذا، فانكم إن خالفتموني قطع عليكم فخالفوه مرة وخرجوا فقتلهم اللصوص وأخذوا ما معهم، واتصل الخبر إلى الحسين عليه السلام فقال: لقد حذرتهم، فلم يقبلوا مني.

[182]

ثم قام من ساعته ودخل على الوالي، فقال الوالي: بلغني قتل غلمانك فآجرك الله فيهم، فقال الحسين عليه السلام: فاني أدلك على من قتلهم فاشدد يدك بهم، قال: أو تعرفهم يا ابن رسول الله، قال: نعم كما أعرفك، وهذا منهم فأشار بيده إلى رجل واقف بين يدي الوالي. فقال الرجل: ومن أين قصدتني بهذا ومن أين تعرف أني منهم ؟ فقال له الحسين عليه السلام: إن أنا صدقتك تصدقني ؟ قال: نعم، والله لاصدقنك، فقال: خرجت ومعك فلان وفلان وذكرهم كلهم فمنهم أربعة من موالي المدينة، والباقون من جيشان المدينة، فقال الوالي: ورب القبر والمنبر، لتصدقني أو لأهرقن لحمك بالسياط، فقال الرجل: والله ما كذب الحسين ولصدق، وكأنه كان معنا فجمعهم الوالي جميعا، فأقروا جميعا فضرب أعناقهم. 6 - يج: روي أن رجلا صار إلى الحسين عليه السلام فقال: جئتك أستشيرك في تزويجي فلانة، فقال: لا احب ذلك وكانت كثيرة المال، وكان الرجل أيضا مكثرا فخالف الحسين فتزوج بها، فلم يلبث الرجل حتى افتقر، فقال له الحسين عليه السلام: قد أشرت إليك، فخل سبيلها فان الله يعوضك خيرا منها، ثم قال: وعليك بفلانة فتزوجها فما مضت سنة حتى كثر ماله، وولدت له ذكرا وانثى: ورأى منها ما أحب. 7 - يج: روي أنه لما ولد الحسين عليه السلام أمر الله تعالى جبرئيل أن يهبط في ملاء من الملائكة فيهنئ محمدا، فهبط فمر بجزيرة فيها ملك يقال له فطرس، بعثه الله في شئ فأبطأ فكسر جناحه فألقاه في تلك الجزيرة، فعبد الله سبعمائة عام، فقال فطرس لجبرئيل: إلى أين ؟ فقال: إلى محمد، قال: احملني معك لعله يدعو لي. فلما دخل جبرئيل وأخبر محمدا بحال فطرس، قال له النبي: قل يتمسح بهذا المولود، فتمسح فطرس بمهد الحسين عليه السلام، فأعاد الله عليه في الحال جناحه ثم ارتفع مع جبرئيل إلى السماء.

[183]

8 - قب: زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يحدث عن آبائه عليهم السلام أن مريضا شديد الحمى عاده الحسين عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل، فقال له: رضيت بما اوتيتم به حقا حقا والحمى تهرب عنكم، فقال له الحسين عليه السلام: والله ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لنا، قال: فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص، يقول: لبيك، قال: أليس أمير المؤمنين أمرك أن لا تقربي إلا عدوا، أو مذنبا لكي تكوني كفارة لذنوبه، فما بال هذا ؟ فكان المريض عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي (1). 9 - كش: وجدت في كتاب محمد بن شاذان بن نعيم بخطه روى عن حمران بن أعين أنه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يحدث عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن رجلا كان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام مريضا شديد الحمى فعاده الحسين بن علي عليهما السلام إلى آخر الخبر (2). 10 - يب: محمد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن أيوب بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن امرأة كانت تطوف وخلفها رجل فأخرجت ذراعها فقال بيده حتى وضعها على ذراعها، فأثبت الله يد الرجل في ذراعها حتى قطع الطواف وارسل إلى الأمير واجتمع الناس وأرسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطعع يده فهو الذي جنى الجناية، فقال: ههنا أحد من ولد محمد رسول الله صلى الله عليه واله ؟ فقالوا: نعم الحسين بن علي عليهما السلام قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه فقال: انظر ما لقي ذان ؟ فاستقبل الكعبة ورفع يديه فمكث طويلا يدعو ثم جاء إليهما حتى خلص يده من يدها، فقال الأمير: ألا تعاقبه بما صنع ؟ قال: لا (3). 11 - قب: روى عبد العزيز بن كثير أن قوما أتوا إلى الحسين عليه السلام وقالوا: حدثنا بفضائلكم، قال: لا تطيقون وانحازوا عني لا شير إلى بعضكم فان أطاق


(1) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 51. (2) تراه في رجال الكشى ص 58. وفى نسخة الكمبانى كشف وهو تصحيف. (3) ورواه في المناقب مرسلا راجع ج 4 ص 51.

[184]

سأحدثكم، فتباعدوا عنه فكان يتكلم مع أحدهم حتى دهش ووله وجعل يهيم، ولا يجيب أحدا وانصرفوا عنه. صفوان بن مهران قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: رجلان اختصما في زمن الحسين عليه السلام في امرأة وولدها، فقال هذا: لي، وقال هذا: لي، فمر بهما الحسين عليه السلام فقال لهما: فيما تمرجان ؟ قال أحدهما: إن الامرأة لي، وقال الآخر: إن الولد لي، فقال للمدعي الأول: اقعد فقعد وكان الغلام رضيعا فقال الحسين عليه السلام: يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك الله نسترك، فقالت: هذا زوجي والولد له، ولا أعرف هذا. فقال عليه السلام: يا غلام ما تقول هذه ؟ انطق باذن الله تعالى، فقال له: ما أنا لهذا ولا لهذا، وما أبي إلا راعي لآل فلان، فأمر عليه السلام برجمها. قال جعفر عليه السلام: فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها. الأصبغ بن نباتة قال: سألت الحسين عليه السلام فقلت: سيدي أسألك عن شئ أنا به موقن وإنه من سر الله وأنت المسرور إليه ذلك السر، فقال: يا أصبغ أتريد أن ترى مخاطبة رسول الله لأبي دون يوم مسجد قبا ؟ قال: هذا الذي أردت قال: قم، فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا المسجد من قبل أن يرتد إلي بصري، فتبسم في وجهي، ثم قال: يا أصبغ إن سليمان بن داود اعطي الريح " غدوها شهر ورواحها شهر " وأنا قد اعطيت أكثر مما اعطى سليمان، فقلت: صدقت والله يا ابن رسول الله. فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب، وبيان ما فيه، وليس عند أحد من خلقه ما عندنا، لأنا أهل سر الله، فتبسم في وجهي ثم قال: نحن آل الله وورثة رسوله، فقلت: الحمد لله على ذلك قال لي: ادخل فدخلت فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه واله محتبئ في المحراب بردائه فنظرت فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه السلام قابض على تلابيب الأعسر فرأيت رسول الله يعض على الأنامل وهو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت

[185]

وأصحابك، عليكم لعنة الله ولعنتي الخبر (1). بيان: لأبي دون أي لأبي بكر عبر به عنه تقية والدون الخسيس، والأعسر الشديد أو الشؤم والمراد به إما أبو بكر أو عمر. 12 - قب: كتاب الابانة قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين بن علي عليهما السلام: إنك تذهب إلى قوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك، فقال: لأن اقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي مكة، عرض به. كتاب التخريج عن العامري بالاسناد عن هبيرة بن مريم (2) عن ابن عباس قال: رأيت الحسين عليه السلام قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة الله عزوجل. وعنف ابن عباس على تركه الحسين عليه السلام فقال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم. وقال محمد بن الحنفية: وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم (3). 13 - نجم: من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسين بن علي إلى مكة سنة ماشيا فورمت قدماه فقال له بعض مواليه: لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم، فقال: كلا إذا أتينا هذا المنزل فانه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتره منه ولا تماكسه، فقال له مولاه: بأبي أنت وامي ما قدامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء ؟ فقال: بلى أمامك دون المنزل. فسار ميلا فإذا هو بالأسود، فقال الحسين لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن، فأخذ منه الدهن وأعطاه الثمن فقال له الغلام لمن أردت هذا الدهن ؟


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 52. (2) في المصدر: هبيرة بن بريم. وبريم وزان عظيم كما في تهذيب التهذيب. (3) المصدر ج 4 ص 52 و 53.

[186]

فقال: للحسين بن علي عليهما السلام فقال: انطلق به إليه فصار الأسود نحوه فقال: يا ابن رسول الله إني مولاك لا آخذ له ثمنا ولكن ادع الله أن يرزقني ولدا ذكرا سويا يحبكم أهل البيت فاني خلفت امر أتي تمخض، فقال: انطلق إلى منزلك فان الله قد وهب لك ولدا ذكرا سويا. فولدت غلاما سويا ثم رجع الأسود إلى الحسين ودعا له بالخير بولادة الغلام له وإن الحسين عليه السلام قد مسح رجليه فما قام من موضعه حتى زال ذلك الورم (1). بيان: قد مر هذا في معجزات الحسن عليه السلام وفي الكافي أيضا كذلك وصدوره عنهما واتفاق القصتين من جميع الوجوه لا يخلو من بعد، والظاهر أن ماهنا من تصحيف النساخ. 14 - نجم: روينا باسنادنا إلى محمد بن جرير الطبري في كتاب دلائل الامامة بإسناده عن حذيفة قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: والله ليجتمعن على قتلي طغاة بني امية، ويقدمهم عمر بن سعد، وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله، فقلت له: أنبأك بهذا رسول الله ؟ فقال: لا، فقال: فأتيت النبي فأخبرته فقال: علمي علمه وعلمه علمي لأنا نعلم بالكائن قبل كينونته. 15 - كش: حمدويه، عن ممد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن إسحاق ابن سويد الفراء، عن إسحاق بن عمار، عن صالح بن ميثم قال: دخلت أنا وعباية الأسدي على حبابة الوالبية فقال لها: هذا ابن أخيك ميثم، قالت ابن أخي والله حقا ألا احدثكم بحديث عن الحسين بن علي عليهما السلام ؟ فقلت: بلى، قالت: دخلت عليه وسلمت فرد السلام ورحب، ثم قال: ما بطأ بك عن زيارتنا والتسليم علينا يا حبابة ؟ قلت: ما بطأني عنك إلا علة عرضت، قال وما هي ؟ قالت: فكشفت خماري عن برص، قالت: فوضع يده على البرص ودعا، فلم يزل يدعو حتى رفع يده وقد كشف الله ذلك البرص.


(1) قد مر في ج 43 ص 324 فراجع. (*)

[187]

ثم قال: يا حبابة إنه ليس أحد على ملة إبراهيم في هذه الامة غيرنا وغير شيعتنا ومن سواهم منها براء. 16 - عيون المعجزات للمرتضى رحمه الله: جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جده عليهما السلام قال: جاء أهل الكوفة إلى علي عليه السلام فشكوا إليه إمساك المطر، وقالوا له: استسق لنا، فقال للحسين عليه السلام: قم واستسق فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وقال: اللهم معطي الخيرات، ومنزل البركات، أرسل السماء علينا مدرارا، واسقنا غيثا مغزارا، واسعا، غدقا، مجللا سحا، سفوحا، فجاجا (1) تنفس به الضعف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك آمين رب العالمين. فما فرغ عليه السلام من دعائه حتى غاث الله تعالى غيثا بغتة وأقبل أعرابي من بعض نواحي الكوفة فقال: تركت الأودية والآكام يموج بعضها في بعض. حدث جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن أخيه قال: شهدت يوم الحسين صلوات الله عليه فأقبل رجل من تيم يقال له: عبد الله بن جويرة، فقال: يا حسين فقال صلوات الله عليه: ما تشاء ؟ فقال: أبشر بالنار، فقال عليه السلام: كلا إني أقدم على رب غفور، وشفيع مطاع، وأنا من خير إلى خير من أنت ؟ قال: أنا ابن جويرة فرفع يده الحسين حتى رأينا بياض إبطيه وقال: اللهم جره إلى النار، فغضب ابن جويرة فحمل عليه فاضطرب به فرسه في جدول وتعلق رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض ونفر الفرس فأخذ يعدو به ويضرب رأسه بكل حجر وشجر وانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلقا في الركاب فصار لعنه الله إلى نار الجحيم. أقول: روي في بعض الكتب المعتبرة عن الطبري، عن طاووس اليماني أن الحسين بن علي عليهما السلام كان إذا جلس في المكان المظلم يهتدي إليه الناس ببياض


(1) كذا في النسخ كلها، والظاهر: ثجاجا. كما في قوله تعالى: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ".

[188]

جبينه ونحره، فان رسول الله صلى الله عليه واله كان كثيرا ما يقبل جبينه ونحره، وإن جبرئيل عليه السلام نزل يوما فوجد الزهراء عليها السلام نائمة، والحسين في مهده يبكي، فجعل يناغيه ويسليه حتى استيقظت، فسمعت صوت من يناغيه فالتفتت فلم تر أحدا فأخبرها النبي صلى الله عليه واله أنه كان جبرئيل عليه السلام. وقد مضى بعض معجزاته في الأبواب السابقة وسيأتي كثير منها في الأبواب الآتية لا سيما باب شهادته، وباب ما وقع بعد شهادته صلوات الله عليه.

[189]

(26) * (باب) * " (مكارم أخلاقه، وجمل أحواله، وتاريخه وأحوال) " " (أصحابه صلوات الله عليه) " 1 - شى: عن مسعدة قال: مر الحسين بن علي عليهما السلام بمساكين قد بسطوا كساء لهم وألقوا عليه كسرا فقالوا: هلم يا ابن رسول الله ! فثنى وركه فأكل معهم ثم تلا " إن الله لا يحب المستكبرين " ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقاموا معه حتى أتوا منزله، فقال للجارية: أخرجي ما كنت تدخرين (1) 2 - قب: عمرو بن دينار قال: دخل الحسين عليه السلام على اسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: واغماه، فقال له الحسين عليه السلام: واما غمك يا أخي ؟ قال: دينى وهو ستون ألف درهم فقال الحسين: هو علي قال: إني أخشى أن أموت، فقال الحسين لن تموت حتى أقضيها عنك، قال: فقضاها قبل موته. وكان عليه السلام يقول: شر خصال الملوك: الجبن من الأعداء، والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء. وفي كتاب أنس المجالس أن الفرزدق أتى الحسين عليه السلام لما أخرجه مروان من المدينة فأعطاه عليه السلام أربعمائة دينار، فقيل له: إنه شاعر فاسق منتهر (2) فقال عليه السلام إن خير مالك ما وقيت به عرضك، وقد أثاب رسول الله صلى الله عليه وآله كعب بن زهير، وقال


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 257، والاية في النحل: 22 ولفظها " إنه لا يحب المستكبرين ". (2) يقال: انتهره: استقبله بكلام يزجره به وفى المصدر: " مشهر " فلو صح كان معناه أنه يشهر الناس بالفضائح ويهجوهم، ويحتمل أن يكون تصحيف " متهتر " أي مولع في تمزيق أعراض الناس بالفضائح والقبائح.

[190]

في عباس بن مرداس: اقطعوا لسانه عني. وفد أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدل على الحسين عليه السلام فدخل المسجد فوجده مصليا فوقف بازائه وأنشأ: لم يخب الآن من رجاك ومن حرك من دون بابك الحلقه أنت جواد وأنت معتمد أبوك قد كان قاتل الفسقه لولا الذي كان من أوائلكم كانت علينا الجحيم منطبقه قال: فسلم الحسين وقال: يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شئ ؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فقال: هاتها قد جاء من هو أحق بها منا، ثم نزع برديه ولف الدنانير فيها وأخرج يده من شق الباب حياء من الاعرابي وأنشأ: خذها فاني إليك معتذر واعلم بأني عليك ذو شفقه لو كان في سيرنا الغداة عصا أمست سمانا عليك مند فقه لكن ريب الزمان ذو غير والكف مني قليلة النفقه قال: فأخذها الأعرابي وبكا فقال له: لعلك استقللت ما أعطيناك، قال: لا، ولكن كيف يأكل التراب جودك، وهو المروي عن الحسن بن علي عليهما السلام (1) بيان: قوله: " عصا " لعل العصا كناية عن الإمارة والحكم، قال الجوهري قولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك، يراد به الأدب وإنه لضعيف العصا أي الترعية ويقال أيضا: إنه للين العصا، أي رفيق حسن السياسة لما ولي انتهى، أي لو كان لنا في سيرنا في هذه الغداة ولاية وحكم أو قوة لأمست يد عطائنا عليك صابة، والسماء كناية عن يد الجود والعطاء، والاندفاق الانصباب، وريب الزمان حوادثه، وغير الدهر كعنب أحداثه، أي حوادث الزمان تغير الامور، قوله: كيف يأكل التراب جودك أي كيف تموت وتبيت تحت التراب فتمحى وتذهب جودك. 3 - قب: شعيب بن عبد الرحمن الخزاعي قال: وجد على ظهر الحسين بن علي يوم الطف أثر فسألوا زين العابدين عليه السلام عن ذلك فقال: هذا مما كان ينقل


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 65 و 66.

[191]

الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين. وقيل: إن عبد الرحمن السلمي علم ولد الحسين عليه السلام " الحمد " فلما قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار، وألف حلة، وحشافاه درا، فقيل له في ذلك فقال: وأين يقع هذا من عطائه يعني تعليمه وأنشد الحسين عليه السلام: إذا جادت الدنيا عليك فجد بها على الناس طرا قبل أن تتفلت فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ولا البخل يبقيها إذا ما تولت ومن تواضعه عليه السلام أنه مر بمساكين وهم يأكلون كسرا لهم على كساء فسلم عليهم، فدعوه إلى طعامهم فجلس معهم، وقال: لولا أنه صدقة لأكلت معكم، ثم قال: قوموا إلى منزلي، فأطمعهم وكساهم وأمر لهم بدراهم. وحدث الصولي عن الصادق عليه السلام في خبر أنه جرى بينه وبين محمد بن الحنفية كلام فكتب ابن الحنفية إلى الحسين عليه السلام: أما بعد يا أخي فان أبي وأباك علي: لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وامك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله، ولو كان ملء الأرض ذهبا ملك أمي ما وفت بامك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إلي حتى تترضاني فانك أحق بالفضل مني والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، ففعل الحسين عليه السلام ذلك فلم يجر بعد ذلك بينهما شئ (1). بيان: بامك أي بفضلها. 4 - قب: ومن شجاعته عليه السلام أنه كان بين الحسين عليه السلام وبين الوليد بن عقبة منازعة في ضيعة فتناول الحسين عليه السلام عمامة الوليد عن رأسه وشدها في عنقه وهو يومئذ وال على المدينة، فقال مروان: بالله ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره، فقال الوليد: والله ما قلت هذا غضبا لي ولكنك حسدتني، على حملي عنه، وإنما كانت الضيعة له، فقال الحسين: الضيعة لك يا وليد وقام. وقيل له يوم الطف: انزل على حكم بني عمك، قال: لا والله لا اعطيكم [ب‍] يدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد، ثم نادى يا عباد الله ! إني عذت بربي


(1) المصدر ص 66.

[192]

وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. وقال عليه السلام: موت في عز خير من حياة في ذل، وأنشأ عليه السلام يوم قتل: الموت خير من ركوب العار والعار أولى من دخول النار والله ما هذا وهذا جاري ابن نباته: الحسين الذي رأى القتل في العز حياة والعيش في الذل قتلا الحلية روى محمد بن الحسن أنه لما نزل القوم بالحسين وأيقن أنهم قاتلوه قال لأصحابه: قد نزل ما ترون من الأمر وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها واستمرت (1) حتى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما وأنشأ متمثلا لما قصد الطف: سأمضي فما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مذموما وخالف مجرما اقدم نفسي لا اريد بقاءها لنلقى خميسا في الهياج عرمرما فان عشت لم اذمم وإن مت لم الم كفى بك ذلا أن تعيش فترغما (2) توضيح: الصبابة بالضم البقية من الماء في الإناء، والوبلة بالتحريك الثقل والوخامة، وقد وبل المرتع بالضم وبلا ووبالا فهو وبيل أي وخيم ذكره الجوهري والبرم بالتحريك السأمة والملال والخميس الجيش لأنهم خمس فرق المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق ويوم الهياج يوم القتال والعرمرم: الجيش الكثير، وعرام الجيش: كثرته. 5 - قب: ومن زهده عليه السلام أنه قيل له ما أعظم خوفك من ربك ؟ قال: لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا.


(1) ولعله من المرارة أي صارت مرة ضد الحلوة. (2) المصدر ج 4 ص 68.

[193]

إبانة ابن بطة قال عبد الله بن عبيد أبو عمير: لقد حج الحسين بن علي عليهما السلام خمسة وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه. عيون المحاسن: إنه ساير أنس بن مالك فأتى قبر خديجة فبكى ثم قال: اذهب عني قال أنس: فاستخفيت عنه فلما طال وقوفه في الصلاة سمعته قائلا: يا رب يا رب أنت مولاه فارحم عبيدا إليك ملجاه يا ذا المعالي عليك معتمدي طوبى لمن كنت أنت مولاه طوبى لمن كان خادما أرقا يشكو إلى ذي الجلال بلواه وما به علة ولا سقم أكثر من حبه لمولاه إذا اشتكى بثه وغصته أجابه الله ثم لباه إذا ابتلا بالظلام مبتهلا أكرمه الله ثم أدناه فنودي: لبيك عبدي وأنت في كنفي وكلما قلت قد علمناه صوتك تشتاقه ملائكتي فحسبك الصوت قد سمعناه دعاك عندي يجول في حجب فحسبك الستر قد سفرناه لو هبت الريح من جوانبه خر صريعا لما تغشاه سلني بلا رغبة ولا رهب ولا حساب إني أنا الله (1) بيان: الأرق بكسر الراء من يسهر بالليل، قوله: " قد سفرناه " أي حسبك أنا كشفنا الستر عنك، قوله: " لو هبت الريح من جوانبه " الضمير إما راجع إلى الدعاء كناية عن أنه يجول في مقام لو كان مكانه رجل لغشي عليه مما يغشاه من أنوار الجلال، ويحتمل إرجاعه إليه عليه السلام على سبيل الالتفات، لبيان غاية خضوعه وولهه في العبادة بحيث لو تحركت ريح لا سقطته. 6 - قب: وله عليه السلام: يا أهل لذة دنيا لا بقاء لها إن اغترارا بظل زائل حمق


(1) المصدر: ج 4 ص 69.

[194]

ويروى للحسين عليه السلام: سقت العالمين إلى المعالي بحسن خلية وعلو همة ولاح بحكمتي نور الهدى في ليال في الضلالة مدلهمة يريد الجاحدون ليطفؤه ويأبى الله إلا أن يتمه (1) 7 - قب: حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة وإلى جانبه الحسين فكبر رسول الله صلى الله عليه واله فلم يحر الحسين التكبير ثم كبر رسول الله فلم يحر الحسين التكبير، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه واله يكبر ويعالج الحسين التكبير، فلم يحر حتى أكمل رسول الله صلى الله عليه واله سبع تكبيرات فأحار الحسين عليه السلام التكبير في السابعة. فقال أبو عبد الله عليه السلام: فصارت سنة. وروي عن الحسين بن علي عليهما السلام أنه قال: صح عندي قول النبي صلى الله عليه واله: أفضل الأعمال بعد الصلاة إدخال السرور في قلب المؤمن بما لا إثم فيه، فاني رأيت غلاما يواكل كلبا فقلت له في ذلك، فقال يا ابن رسول الله إني مغموم أطلب سرورا بسروره لأن صاحبي يهودي اريد افارقه، فأتى الحسين إلى صاحبه بمائتي دينار ثمنا له، فقال اليهودي: الغلام فداء لخطاك، وهذا البستان له، ورددت عليك المال، فقال عليه السلام: وأناقد وهبت لك المال، قال: قبلت المال ووهبته للغلام، فقال الحسين عليه السلام: أعتقت الغلام ووهبته له جميعا، فقالت امرأته قد أسلمت ووهبت زوجي مهري، فقال اليهودي: وأنا أيضا أسلمت وأعطيتها هذه الدار. الترمذي في الجامع: كان ابن زياد يدخل قضيبا في أنف الحسين عليه السلام ويقول: ما رأيت مثل هذا الرأس حسنا فقال أنس: إنه أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله. وروي أن الحسين عليه السلام كان يقعد في المكان المظلم فيهتدى إليه ببياض جبينه ونحره (2).


(1) المصدر: ج 4 ص 69 وص 72. (2) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 73 وص 75.

[195]

8 - كشف: قال أنس: كنت عند الحسين عليه السلام، فدخلت عليه جارية فحيته بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله، فقلت: تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها ؟ قال: كذا أدبنا الله، قال الله " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها " (1) وكان أحسن منها عتقها. وقال يوما لأخيه عليهما السلام: يا حسن وددت أن لسانك لي وقلبي لك. وكتب إليه الحسن عليه السلام يلومه على إعطاء الشعراء فكتب إليه: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقي العرض (2). بيان: لعل لومه عليه السلام ليظهر عذره للناس. 9 - كشف: ودعاه عبد الله بن الزبير وأصحابه فأكلوا ولم يأكل الحسين عليه السلام فقيل له: ألا تأكل ؟ قال: إني صائم ولكن تحفة الصائم، قيل: وما هي ؟ قال: الدهن والمجمر. وحنى غلام له جناية توجب العقاب عليه فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي " والكاظمين الغيظ " قال: خلوا عنه، فقال: يا مولاي " والعافين عن الناس " قال: قد عفوت عنك، قال: يا مولاي " والله يحب المحسنين " (3) قال: أنت حرلوجه الله، ولك ضعف ما كنت اعطيك. وقال الفرزدق: لقيني الحسين عليه السلام في منصرفي من الكوفة فقال: ما وراك يا بافراس ؟ قلت: أصدقك ؟ قال: الصدق اريد، قلت: أما القلوب فمعك، وأما السيوف فمع بني امية والنصر من عند الله، قال: ما أراك إلا صدقت، الناس عبيد المال والدين لغو (4) على ألسنتهم، يحوطونه ما درت به معايشهم، فإذا محصوا للابتلاء قل الديانون. وقال عليه السلام: من أتانا لم يعدم خصلة من أربع: آية محكمة، وقضية عادلة وأخا مستفادا، ومجالسة العلماء.


(1) النساء: 86. (2) كشف الغمة: ج 2 ص 206 (3) آل عمران: 134. (4) لعق ظ.

[196]

وكان عليه السلام يرتجز يوم قتل عليه السلام ويقول: الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جاري وقال عليه السلام: صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرم وجهك عن رده (1). 10 - تم: ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد أنه قيل لعلي بن الحسين عليهما السلام ما أقل ولد أبيك ؟ فقال: العجب كيف ولد [ت] كان يصلى في اليوم والليلة ألف ركعة. 11 - جع: في أسانيد أخطب خوارزم أورده في كتاب له في مقتل آل الرسول أن أعرابيا جاء إلى الحسين بن علي عليهما السلام فقال: يا ابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائه، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال الحسين: يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل، فان أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل. فقال الأعرابي: يا ابن رسول الله أمثلك يسأل عن مثلي وأنت من أهل العلم والشرف ؟ فقال الحسين عليه السلام: بلى سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله [يقول ظ] المعروف بقدر المعرفة، فقال الأعرابي: سل عما بدا لك، فان أجبت وإلا تعلمت منك، ولا قوة إلا بالله. فقال الحسين عليه السلام: أي الأعمال أفضل ؟ فقال الأعرابي: الإيمان بالله، فقال الحسين عليه السلام: فما النجاة من المهلكة ؟ فقال الأعرابي: الثقة بالله، فقال الحسين عليه السلام: فما يزين الرجل ؟ فقال الأعرابي: علم معه حلم، فقال: فإن أخطأه ذلك ؟ فقال: مال معه مروءة، فقال: فإن أخطأه ذلك ؟ فقال: فقر معه صبر، فقال


(1) كشف الغمة: ج 2 ص 207 و 208.

[197]

الحسين عليه السلام: فان أخطأه ذلك ؟ فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء و تحرقه فانه أهل لذلك. فضحك الحسين عليه السلام ورمى بصرة إليه فيه ألف دينار، وأعطاه خاتمه، وفيه فص قيمته مائتا درهم وقال: يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك، فأخذ الأعرابي وقال: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته " الآية (1). 12 - أقول: روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن أبي سلمة قال: حججت مع عمر ابن الخطاب، فلما صرنا بالأبطح فإذا بأعرابي قد أقبل علينا فقال: يا أمير المؤمنين إني خرجت وأنا حاج محرم، فأصبت بيض النعام، فاجتنيت وشويت وأكلت، فما يجب علي ؟ قال: ما يحضرني في ذلك شئ، فاجلس لعل الله يفرج عنك ببعض أصحاب محمد صلى الله عليه واله. فإذا أمير المؤمنين عليه السلام قد أقبل والحسين عليه السلام يتلوه، فقال عمر: يا أعرابي هذا علي بن أبي طالب عليه السلام فدونك ومسألتك، فقام الأعرابي وسأله فقال علي عليه السلام: يا أعرابي سل هذا الغلام عندك يعني الحسين عليه السلام. فقال الأعرابي: إنما يحيلني كل واحد منكم على الآخر، فأشار الناس إليه: ويحك هذا ابن رسول الله فاسأله، فقال الأعرابي: يا ا بن رسول الله إني خرجت منى بيتي حاجا وقص عليه القصة - فقال له الحسين: ألك إبل ؟ قال: نعم قال: خذ بعدد البيض الذي أصبت نوقا فاضربها بالفحولة، فما فصلت فاهدها إلى بيت الله الحرام. فقال عمر: يا حسين النوق يزلقن، فقال الحسين: يا عمر إن البيض يمرقن فقال: صدقت وبررت، فقام علي عليه السلام وضمه إلى صدره وقال: " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (2).


(1) الانعام: 124. (2) قد مر نظيرها في اخيه الحسن عليه السلام ج 43 ص 354 عن كتاب المناقب نقلا عن القاضى النعمان في شرح الاخبار وفيه: فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سل أي الغلامين شئت فقال الحسن الخ، راجع مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 10.

[198]

13 - كنز: محمد بن العباس، عن أبي الأزهر، عن الزبير بن بكار، عن بعض أصحابه قال: قال رجل للحسين عليه السلام: إن فيك كبرا فقال: كل الكبر لله وحده ولا يكون في غيره، قال الله تعالى: " فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (1). 14 - كا: محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يرضع الحسين عليه السلام من فاطمة عليها السلام ولا من انثى، كان يؤتى به النبي صلى الله عليه واله فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاث، فنبت لحما للحسين عليه السلام (2) من لحم رسول الله ودمه ولم يولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم، والحسين بن علي عليهم السلام. وفي رواية اخرى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أن النبي كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصه فيجترئ به ولم يرضع من انثى. 15 - قب: ولد الحسين عليه السلام عام الخندق بالمدينة يوم الخميس أو يوم الثلثا لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، بعد أخيه بعشرة أشهر وعشرين يوما. وروي أنه لم يكن بينه وبين أخيه إلا الحمل، والحمل ستة أشهر. عاش مع جده ستة سنين وأشهرا وقد كمل عمره خمسين، ويقال: كان عمره سبعا وخمسين سنة وخمسة أشهر ويقال: ستة وخمسون سنة، وخمسة أشهر، ويقال: ثمان وخمسون. ومدة خلافته خمس سنين وأشهر في آخر ملك معاوية وأول ملك يزيد. قتله عمر بن سعد بن أبي وقاص وخولي بن يزيد الأصبحي واجتز رأسه سنان ابن أنس النخعي وشمر بن ذي الجوشن، وسلب جميع ما كان عليه إسحاق بن حيوة الحضرمي وأمير الجيش عبيد الله بن زياد، وجه به يزيد بن معاوية. ومضى قتيلا يوم عاشورا، وهو يوم السبت العاشر من المحرم قبل الزوال


(1) الجمعة 8. (2) كذا في الاصل - نسخة المصنف - وفى الكافي ج 1 ص 465 وهكذا نسخة الكمبانى " فنبت لحم الحسين عليه السلام ".

[199]

ويقال: يوم الجمعة بعد صلاة الظهر، وقيل: يوم الاثنين بطف كربلا، بين نينوى والغاضرية من قرى النهرين بالعراق، سنة ستين من الهجرة، ويقال: سنة إحدى وستين ودفن بكربلا من غربي الفرات. قال الشيخ المفيد: فأما أصحاب الحسين عليه السلام فانهم مدفونون حوله، ولسنا نحصل لهم أجداثا والحائر محيط بهم. وذكر المرتضى في بعض مسائله: أن رأس الحسين عليه السلام رد إلى بدنه بكربلا من الشام وضم إليه، وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين. وروى الكليني (1) في ذلك روايتين إحداهما عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام أنه مدفون بجنب أمير المؤمنين، والاخرى عن يزيد بن عمرو بن طلحة عن الصادق عليه السلام أنه مدفون بظهر الكوفة دون قبر أمير المؤمنين عليه السلام (2). ومن أصحابه عبد الله بن يقطر رضيعه، وكان رسوله رمي به من فوق القصر بالكوفة، وأنس بن الحارث الكاهلي، وأسعد الشامي، عمرو بن ضبيعة، رميث بن عمرو زيد بن معقل، عبد الله بن عبد ربه الخزرجي، سيف بن مالك، شبيب بن عبد الله النهشلي، ضرغامة بن مالك، عقبة بن سمعان، عبد الله بن سليمان، المنهال بن عمرو الأسدي، الحجاج بن مالك، بشر بن غالب، عمران بن عبد الله الخزاعي (3). 16 - أقول: قال أبو الفرج في المقاتل: كان مولده عليه السلام لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم، سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة وشهور، وقيل: قتل يوم السبت. روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين والذي ذكرناه أولا أصح. فأما ما تقوله العامة من أنه قتل يوم الاثنين فباطل، هو شئ قالوه بلا رواية وكان أول المحرم الذي قتل فيه يوم الأربعاء أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من


(1) في المصدر: وروى الكلبى، وهو تصحيف. (2) ترى الحديثين في الكافي: ج 4 ص 571 و 572 باب موضع رأس الحسين. (3) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 77 و 78.

[200]

سائر الزيجات، وإذا كان ذلك كذلك، فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر من المحرم يوم الاثنين. قال أبو الفرج: وهذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية. وروى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عليه السلام: أن الحسين بن علي عليهما السلام قتل وله ثمان وخمسون سنة (1). 17 - ختص: أصحاب الحسين عليه السلام: جميع من استشهد معه ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حبيب بن مظهر، ميثم التمار، رشيد الهجري، سليم بن قيس الهلالي: أبو صادق، أبو سعيد عقيصا (2). 18 - عم: ولد عليه السلام بالمدينة يوم الثلاثا، وقيل: يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان، وقيل: لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة، وقيل: ولد آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وعاش سبعا وخمسين سنة وخمسة أشهر، كان مع رسول الله صلى الله عليه واله سبع سنين، ومع أمير المؤمنين عليه السلام سبعا وثلاثين سنة، ومع أخيه الحسن عليه السلام سبعا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته عشر سنين وأشهرا. 19 - كشف: قال كمال الدين ابن طلحة: ولد عليه السلام بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، علقت البتول عليها السلام به بعد أن ولدت أخاه الحسن عليه السلام بخمسين ليلة، وكذلك قال الحافظ الجنابذي (3). وقال كمال الدين: كان انتقاله إلى دار الآخرة في سنة إحدى وستين من الهجرة، فتكون مدة عمره ستا وخمسين سنة وأشهرا، كان منها مع جده رسول الله صلى الله عليه واله ست سنين وشهورا، وكان مع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثلاثين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله، وكان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عليهم السلام عشر سنين، وبقي بعد وفاة أخيه الحسن عليه السلام إلى وقت مقتله عشر سنين.


(1) مقاتل الطالبيين: ص 54. (2) الاختصاص: ص 7. (3) كشف الغمة: ج 2 ص 170 مع اختلاف.

[201]

[و] قال ابن الخشاب: حدثنا حرب باسناده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: مضى أبو عبد الله الحسين بن علي امه فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام الستين من الهجرة، في يوم عاشورا، كان مقامه مع جده رسول الله صلى الله عليه واله سبع سنين إلا ما كان بينه وبين أبي محمد، وهو سبعة أشهر وعشرة أيام، وأقام مع أبيه عليه السلام ثلاثين سنة، وأقام مع أبي محمد عشر سنين وأقام بعد مضي أخيه الحسن عليه السلام عشر سنين، فكان عمره سبعا وخمسين سنة إلا ما كان بينه وبين أخيه من الحمل، وقبض في يوم عاشورا في يوم الجمعة في سنة إحدى وستين، ويقال: في يوم عاشورا يوم الاثنين، وكان بقاؤه بعد أخيه الحسن عليه السلام أحد عشر سنة. وقال الحافظ عبد العزيز: الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وامه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله، ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقتل بالطف يوم عاشورا سنة إحدى وستين، وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر (1). أقول: الأشهر في ولادته صلوات الله عليه، أنه ولد لثلاث خلون من شعبان لما رواه الشيخ في المصباح: أنه خرج إلى القاسم بن العلا الهمداني وكيل أبي محمد عليه السلام أن مولانا الحسين عليه السلام ولد يوم الخميس، لثلاث خلون من شعبان فصم وادع فيه بهذا الدعاء وذكر الدعاء. ثم قال رحمه الله بعد الدعاء الثاني المروي عن الحسين: قال ابن عياش: سمعت الحسين بن علي بن سفيان البزوفري يقول: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يدعو به في هذا اليوم وقال: هو من أدعية اليوم الثالث من شعبان وهو مولد الحسين عليه السلام. وقيل: إنه عليه السلام ولد لخمس ليال خلون من شعبان، لما رواه الشيخ أيضا في المصباح عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: ولد الحسين بن علي عليهما السلام لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع خلون من الهجرة.


(1) المصدر: ج 2 ص 216 و 217.

[202]

وقال رحمه الله في التهذيب: ولد عليه السلام آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة. وقال الكليني قدس الله روحه: ولد عليه السلام سنة ثلاث. وقال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولد عليه السلام بالمدينة آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: يوم الخميس ثلاث عشر شهر رمضان. وقال المفيد: لخمس خلون من شعبان سنة أربع. وقال الشيخ ابن نما في مثير الأحزان: ولد عليه السلام لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل الثالث منه، وقيل: أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وقيل: لخمس خلون من جمادى الاولى سنة أربع من الهجرة، وكانت مدة حمله ستة أشهر، ولم يولد لستة سواه وعيسى وقيل يحيى عليهم السلام. وأقول: إنما اختار الشيخ رحمه الله كون ولادته عليه السلام في آخر شهر ربيع الأول مع مخالفته لما رواه من الروايتين السالفتين اللتين تدلان على الثالث والرواية الاخرى التي تدل على الخامس من شعبان، ليوافق ما ثبت عنده، واشتهر بين الفريقين من كون ولادة الحسن عليه السلام في منتصف شهر رمضان، وما مر في الرواية الصحيحة في باب ولادتهما عليهما السلام من أن بين ولادتيهما لم يكن إلا ستة أشهر وعشرا، لكن مع ورود هذه الأخبار، يمكن عدم القول بكون ولادة الحسن عليه السلام في شهر رمضان، لعدم استناده إلى خبر على ما عثرنا عليه، والله يعلم. 20 - كا: العدة عن سهل، وعلي، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن زياد بن عيسى، عن عامر بن السمط، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن علي عليهما السلام يمشي معه، فلقيه مولى له، فقال له الحسين: أين تذهب يا فلان ؟ قال: فقال له مولاه، أفر من جنازة هذا المنافق أن اصلي عليها، فقال له الحسين عليه السلام: انظر أن تقوم على يميني فما تسمعني أقول فقل مثله. فلما أن كبر عليه وليه، قال الحسين عليه السلام: الله أكبر اللهم العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم اخز عبدك في عبادك وبلادك، وأصله

[203]

حر نارك، وأذقه أشد عذابك، فانه كان يتولى أعداءك، ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك (1). 21 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن أبي نجران، عن مثنى الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الحسين بن علي عليهما السلام جالسا فمرت عليه جنازة، فقام الناس حين طلعت الجنازة (2) فقال الحسين عليه السلام: مرت جنازة يهودي فكان رسول الله صلى الله عليه واله على طريقها جالسا فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام لذلك (3) 22 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل، جميعا عن ابن أبي عمير وصفوان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين ابن علي صلوات الله عليه خرج معتمرا فمرض في الطريق، فبلغ عليا عليه السلام ذلك وهو في المدينة، فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا (4) وهو مريض بها، فقال: يا بني ما تشتكي ؟ فقال: أشتكي رأسي، فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة فلما برأ من وجعه اعتمر (5). 23 - كا: أبو العباس، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عبد الحميد، عن سيف ابن عميرة، عن أبي شيبة الأسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خضب الحسين عليه السلام بالحناء والكتم (6).


(1) الكافي: ج 3 ص 189 باب الصلاة على الناصب الرقم 2، ومثله تحت الرقم 3. (2) يعنى ولم يقم الحسين عليه السلام. (3) الكافي: ج 3 ص 192. (4) بالضم: موضع بين المدينة ووادى الصفراء. (5) الكافي: ج 4 ص 369 باب المحصور والمصدود الرقم 3 والحديث مختصر. (6) الكافي: كتاب الزى والتجمل باب الخضاب الرقم 9 راجع ج 6 ص 481. والحناء - كقثاء - نبات يزرع ويكبر حتى يقارب الشجر الكبار، ورقه كورق الرمان وعيدانه كعيدانه، له زهر أبيض كالعناقيد يتخذ من ورقه الخضاب الاحمر، والكتم - بالتحريك - نبت قوهى ورقه كورق الاس يخضب به مدقوقا.

[204]

24 - كا: العدة، عن البرقي، عن عدة من أصحابه، عن ابن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قتل الحسين عليه السلام وهو مختضب بالوسمة. وعنه، عن أبيه، عن يونس، عن الحضرمي عنه عليه السلام مثله (1).


(1) الكافي: ج 6 ص 483.

[205]

(27) * (باب) * * " (احتجاجه صلوات الله عليه على معاوية، وأوليائه لعنهم الله) " * * " (وما جرى بينه وبينهم) " * 1 - قب، ج: عن موسى بن عقبة أنه قال: لقد قيل لمعاوية إن الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين، فلو قد أمرته يصعد المنبر فيخطب فان فيه حصرا وفي لسانه كلالة، فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين عليه السلام يابا عبد الله لو صعدت المنبر، فخطبت. فصعد الحسين عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه واله فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب ؟ فقال الحسين عليه السلام: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره ولا يبطئنا تأويله، بل نتبع حقائقه. قأطيعونا فان طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عزوجل: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم، فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " (1) وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " (2). واحذركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فانه لكم عدو مبين فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم


(1) النساء: 59. (2) النساء: 83.

[206]

فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم " (1) فتلقون للسيوف ضربا، وللرماح وردا، وللعمد حطما، وللسهام غرضا، ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قال معاوية: حسبك يا با عبد الله فقد أبلغت (2). بيان: الضرب بالتحريك: المضروب والورد بالتحريك أي ما ترد عليه الرماح، وقد مر مثله في خطبة الحسن عليه السلام. 2 - قب، ج: عن محمد بن السائب أنه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن علي عليهما السلام: لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفتخرون علينا ؟ فوثب الحسين عليه السلام وكان عليه السلام شديد القبضة، فقبض على حلقه فعصره ولوى عمامته على عنقه، حتى غشي عليه ثم تركه، وأقبل الحسين عليه السلام على جماعة من قريش فقال: أنشدكم بالله إلا صدقتموني إن صدقت، أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب إلى رسول الله مني ومن أخي ؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبي غيري وغير أخي ؟ قالوا: لا، قال: وإني لا أعلم أن في الأرض ملعون بن ملعون غير هذا وأبيه طريد رسول الله صلى الله عليه واله. والله ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق، والآخر بباب المغرب رجلان ممن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذ كان وعلامة قولي فيك أنك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك، قال: فو الله ما قام مروان من مجلسه حتى غضب فانتقض، وسقط رداؤه عن عاتقه (3). 3 - شى: عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل مروان الحكم المدينة قال: فاستلقى على السرير، وثم مولى للحسين عليه السلام، فقال: " ردوا إلى الله موليهم الحق [ألا له الحكم] وهو أسرع الحاسبين " فقال: فقال الحسين لمولاه: * (هامش) (1) الانفال: 48. (2) الاحتجاج: ص 153 واللفظ له، مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 67. (3) الاحتجاج: ص 153 واللفظ له، مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 51.

[207]

ماذا قال هذا حين دخل ؟ قال: استلقى على السرير، فقرأ " ردوا إلى الله [موليهم] - إلى قوله - الحاسبين ". قال: فقال الحسين عليه السلام: نعم والله رددت أنا وأصحابي إلى الجنة، ورد هو وأصحابه إلى النار (1). 4 - قب: عبد الملك بن عمير، والحاكم، والعباس قالوا: خطب الحسن عليه السلام عائشة بنت عثمان فقال مروان: ازوجها عبد الله بن الزبير. ثم إن معاوية كتب إلى مروان، وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب ام كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك فقال عبد الله: إن أمرها ليس إلي إنما هو إلى سيدنا الحسين عليه السلام وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك فقال: أستخير الله تعالى اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد. فلما اجتع الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين عليه السلام وعنده من الجلة، وقال: إن أمير المؤمنين أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين، مع قضاء دينه وأعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد ؟ وهو كفو من لا كفو له، وبوجهه يستسقي الغمام، فرد خيرا يا أبا عبد الله ! فقال الحسين عليه السلام: الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه إلى آخر كلامه - ثم قال: يا مروان قد قلت فسمعنا. أما قولك: مهرها حكم ابيها بالغا ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو ثنتا عشرة اوقية يكون أربعمائة وثمانين درهما. وأما قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا وأما صلح ما بين هذين الحيين، فانا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب.


(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 362 والاية في الانعام: 62.

[208]

وأما قولك العجب ليزيد كيف يستمهر ؟ فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أبي يزيد ومن جد يزيد، وأما قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا. وأما قولك: بوجهه يستسقي الغمام، فانما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وأما قولك: من يغبطنا به أكثر ممن يغبطه بنا، فانما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل. ثم قال بعد كلام: فاشهدوا جميعا أني قد زوجت ام كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهما وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة أو قال أرضي بالعقيق، وإن غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غني إنشاء الله. قال: فتغير وجه مروان وقال: غدرا يا بني هاشم ؟ تأبون إلا العداوة فذكره الحسين عليه السلام خطبة الحسن عائشة وفعله، ثم قال: فأين موضع الغدر يا مروان فقال مروان: أردنا صهركم لنجد ودا قد أخلقه به حدث الزمان فلما جئتكم فجبهتموني وبحتم بالضمير من الشنان فأجابه ذكوان مولى بني هاشم: أماط الله منهم كل رجس وطهرهم بذلك في المثاني فمالهم سواهم من نظير ولا كفو هناك ولا مداني أتجعل كل جبار عنيد إلى الأخيار من أهل الجنان ثم إنه كان الحسين عليه السلام تزوج بعائشة بنت عثمان (1). بيان: قال الجوهري: مشيخة جلة أي مسان، وقال: باح بسره أظهره والشنآن بفتح النون وسكونها العداوة.


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 38 - 41، وقد مر في ب 21 تحت الرقم 13 أن المتكلم في ذلك هو الحسن بن على عليهما السلام فراجع.

[209]

5 - قب: محاسن البرقي: قال عمرو بن العاص للحسين عليه السلام: ما بال أولادنا أكثر من أولادكم ؟ فقال عليه السلام: بغاث الطير أكثرها فراخا وام الصقر مقلات نزور (1) فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه إلى شواربكم ؟ فقال عليه السلام: إن نساءكم نساء بخرة، فإذا دنا أحدكم من امرأته نهكنه في وجهه، فشاب منه شاربه، فقال: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا ؟ فقال عليه السلام: " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا " (2) فقال معاوية: بحقي عليك إلا سكت فانه ابن علي بن أبي طالب، فقال عليه السلام: إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة قد علم العقرب واستيقنت أن لا لها دنيا ولا آخرة (3) ايضاح: قال الجوهري: ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرخمة بطئ الطيران وقال الفراء: بغاث الطير شرارها ومالا يصيد منها وبغاث وبغاث وبغاث ثلاث لغات. قوله: مقلات لعله من القلى (4) بمعنى البغض أي لا تحب الولد، ولا تحب زوجها لتكثر الولد، أو من قولهم: قلا العير اتنه يقولها قلوا إذا طردها، والصواب أنه من قلت قال الجوهري: المقلات من النوق التي تضع واحدا ثم لا تحمل بعدها والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد. وقال: النزور: المرأة القليلة الولد ثم استشهد بهذا الشعر. ويقال نهكته الحمى إذا جهدته وأضنته ونهكه أي بالغ في عقوبته والأصوب نكهته قال الجوهري: استنكهت الرجل فنكه في وجهي ينكه وينكه نكها إذا


(1) القائل هو عباس بن مرداس السلمى. (2) الاعراف: 58. (3) المناقب ج 4 ص 67، وقد مر في ب 20 الرقم 13 ما يشبه ذلك في أخيه الحسن السبط عليه السلام. (4) فيجب أن يكتب هكذا: مقلاة.

[210]

أمرته بأن ينكه لتعلم أشارب هو أم غير شارب. 6 - قب: يقال: دخل الحسين عليه السلام على معاوية وعنده أعرابي يسأله حاجة فأمسك وتشاغل بالحسين عليه السلام، فقال الأعرابي لبعض من حضر: من هذا الذي دخل ؟ قالوا: الحسين بن علي فقال الأعرابي للحسين عليه السلام: أسألك يا ابن بنت رسول الله لما كلمته في حاجتي، فكلمه الحسين عليه السلام في ذلك فقضى حاجته، فقال الأعرابي: أتيت العبشمي فلم يجد لي إلى أن هزه ابن الرسول هو ابن المصطفى كرما وجودا ومن بطن المطهرة البتول وإن لهاشم فضلا عليكم كما فضل الربيع على المحول فقال معاوية: يا أعرابي اعطيك وتمدحه ؟ فقال الأعرابي: يا معاوية أعطيتني من حقه، وقضيت حاجتي بقوله. العقد عن الأندلسي دعا معاوية مروان بن الحكم فقال له: أشر علي في الحسين فقال: أرى أن تخرجه معك إلى الشام، وتقطعه عن أهل العراق، وتقطعهم عنه فقال: أردت والله أن تستريح منه، وتبتليني به، فان صبرت عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأت إليه قطعت رحمه، فأقامه وبعث إلى سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عثمان أشر علي في الحسين، فقال: إنك والله ما تخاف الحسين إلا على من بعدك وإنك لتخلف له قرنا إن صارعه ليصرعنه، وإن سابقه ليسبقنه، فذر الحسين بمنبت النخلة، يشرب الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السماء (1). بيان: قوله: " يشرب الماء " الظاهر أنه صفة النخلة، أي كما أن النخلة في تلك البلاد تشرب الماء وتصعد في الهواء وكلما صعدت لا تبلغ السماء، فكذلك هو كلما تمنى وطلب الرفعة، لا يصل إلى شئ، ويحتمل أن يكون الضمائر راجعة إليه صلوات الله عليه. 7 - فر: علي بن حمدون معنعنا، عن أبي الجارية والأصبغ بن نباتة الحنظلي


(1) المصدر ج 4 ص 81 و 82.

[211]

قالا: لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فلما نزل عن المنبر أتى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فقيل له: إن مروان قد وقع في علي قال: فما كان في المسجد الحسن ؟ قالوا: بلى، قال: فما قال له شيئا ؟ قالوا: لا. قال: فقام الحسين مغضبا حتى دخل على مروان فقال له: يا ابن الزرقاء ويا ابن آكلة القمل أنت الواقع في علي ؟ قال له مروان: إنك صبي لا عقل لك، قال: فقال له الحسين: ألا اخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي علي فان الله تعالى يقول: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " (1) فذلك لعلي وشيعته، " فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين " (2) فبشر بذلك النبي العربي لعلي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام. 8 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن عبد الرحمن ابن محمد العرزمي قال: استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم، فقال علي بن الحسين عليهما السلام فأتيته فقال: ما اسمك ؟ فقلت: علي بن الحسين، فقال: ما اسم أخيك ؟ فقلت: علي، فقال علي وعلي ؟ ما يريد أبوك أن يدع أحدا من ولده إلا سماه عليا. ثم فرض لي فرجعت إلى أبي عليه السلام فأخبرته، فقال: ويلي على ابن الزرقاء دباغة الأدم، لو ولد لي مائة لأحببت أن لا اسمي أحدا منهم إلا عليا (3). بيان: " ويلي على ابن الزرقاء " أي ويل وعذاب وشدة مني عليه، قال الجوهري: ويل كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة عذاب يقال: ويله وويلك وويلي وفي الندبة ويلاه قال الأعشى: ويلي عليك وويلي منك يا رجل (4)


(1) مريم: 96. (2) مريم: 97. والحديث في تفسير فرات ص 90. (3) الكافي ج 6 ص 19 باب الاسماء والكنى الرقم 7. (4) وفى بعض نسخ الصحاح صدره: قالت هريرة لما جئت زائرها.

[212]

9 - كش: روي أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة: أما بعد فان عمرو بن عثمان ذكر أن رجالا من أهل العراق، ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنه لا يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضا لما بعده فاكتب إلي برأيك في هذا والسلام. فكتب إليه معاوية: أما بعد فقد بلغني وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين فاياك أن تعرض للحسين في شئ، واترك حسينا ما تركك، فانا لا نريد أن نعرض له في شئ ما وفى بيعتنا، ولم ينازعنا سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته والسلام. وكتب معاوية إلى الحسين بن علي عليهما السلام: أما بعد فقد انتهت إلي امور عنك إن كانت حقا فقد أظنك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، فان كان الذي بلغني باطلا فانك أنت أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك، فاذكر، وبعهد الله أوف فانك متى ما تنكرني انكرك، ومتى ما تكدني أكدك، فاتق شق عصا هذه الامة وأن يردهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولامة محمد، ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون. فلما وصل الكتاب إلى الحسين صلوات الله عليه كتب إليه: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أنه قد بلغك عني امور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير فان الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدد إليها إلا الله. وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني، فانه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤن بالنميم، وما اريد لك حربا ولا عليك خلافا، وأيم الله إني لخائف لله في ترك ذلك وما أظن الله راضيا بترك ذلك، ولا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك، وفي اولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة، وأولياء الشياطين. ألست القاتل حجرا أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم

[213]

ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك. أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه واله العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافا بذلك العهد. أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فتركت سنة رسول الله تعمدا وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين: يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الامة، وليسوا منك. أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين علي صلوات الله عليه فكتبت إليه أن: اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي عليه السلام والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، به جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين (1). وقلت فيما قلت: " انظر لنفسك ولدينك ولامة محمد، واتق شق عصا هذه الامة وأن تردهم إلى فتنة " وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الامة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي ولديني ولامة محمد صلى الله عليه واله علينا أفضل من أن اجاهدك فان فعلت فانه قربة إلى الله، وإن تركته فاني أستغفر الله لذنبي، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري. وقلت فيما قلت " إنى إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني " فكدني ما بدا لك، فاني أرجو أن لا يضرني كيدك في، وأن لا يكون على أحد أضر منه


(1) يعنى ما في قوله تعالى " لايلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء والصيف ".

[214]

على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا. فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث: يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وبترت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقي لأجلهم والسلام. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: لقد كان في نفسه ضب ما أشعر به فقال يزيد: يا أمير المؤمنين أجبه جوابا يصغر إليه نفسه وتذكر فيه أباه بشر فعله، قال: ودخل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له معاوية: أما رأيت ما كتب به الحسين ؟ قال: وما هو ؟ قال: فأقرأه الكتاب، فقال: وما يمنعك أن تجيبه بما يصغر إليه نفسه، وإنما قال ذلك في هوى معاوية، فقال يزيد: كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأيي ؟ فضحك معاوية فقال: أما يزيد فقد أشار علي بمثل رأيك، قال عبد الله: فقد أصاب يزيد فقال معاوية: أخطأتما أريأتما لوأني ذهبت لعيب علي (1) محقا ما عسيت أن أقول فيه، ومثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل، وما لا يعرف، ومتى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل بصاحبه، ولا يراه الناس شيئا وكذبوه، وما عسيت أن أعيب حسينا ووالله ما أرى للعيب فيه موضعا وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعده أتهدده، ثم رأيت ان لا أفعل ولا أمحكه.


(1) في الاحتجاج ص 153 أردت أن أعيب عليا.

[215]

10 - ج: أما بعد فقد بلغني كتابك أنه قد بلغك عني امور أن بي عنها غنى وزعمت أني راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير، وساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله: وما أرى فيه للعيب موضعا إلا أني قد أردت أن أكتب إليه وأتوعده وأتهدده واسفهه واجهله، ثم رأيت أن لا أفعل. قال: فما كتب إليه بشي يسوؤه ولا قطع عنه شيئا كان يصله به كان يبعث إليه في كل سنة ألف ألف درهم، سوى عروض وهدايا من كل ضرب. بيان: قوله " فقد أظنك تركتها " أي الظن بك أن تتركها رغبة في ثواب الله أو في بقاء المودة، أو أظنك تركتها لرغبتي عن فعلك ذلك، وعدم رضائي بذلك شفقة عليك، ويمكن أن يكون تركبها بالباء الموحدة أي أظنك ركبت هذه الامور للرغبة في الدنيا وملكها ورئاستها، ويؤيد الأخير ما في نسخة الاحتجاج في جواب ذلك، ويؤيد الوسط ما في رواية الكشي " أنت لي عنها راغب ". وشق العصا: كناية عن تفريق الجمع، قوله عليه السلام: وما أظن الله راضيا بترك ذلك، أي بعد حصول شرائطه، والإحنة بالكسر الحقد والعداوة. قوله عليه السلام الرحلتين أي رحلة الشتاء والصيف وفي الاحتجاج " ولولا ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليكم فوضعهما عنكم، وفيه بعد قوله " وإن أكدك تكدني " وهل رأيك إلا كيد الصالحين منذ خلقت، فكدني ما بدالك إن شئت فاني أرجو أن لا يضرني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، على أنك تكيد فتوقظ عدوك، وتوبق نفسك كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثلت بهم بعد الصلح والعهد والميثاق. وفيه " غلام من الغلمان يشرب الشراب ويلعب بالكعاب ". قوله لعنه الله " لقد كان في نفسه صب " في أكثر النسخ بالصاد المهملة ولعله بالضم، قال الجزري: (1) وفيه لتعودن فيها أساود صبا: الأساود الحيات


(1) في جميع النسخ حتى نسخة الاصل للمصنف بخط يده الشريفة: قال الفيروز آبادى وهو من طغيان القلم، والصحيح ما في الصلب راجع النهاية مادة ص ب ب.

[216]

والصب جمع صبوب على أن أصله صبب كرسول ورسل، ثم خفف كرسل فادغم وهو غريب من حيث الادغام قال النضر: إن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ انتهى. أقول: الأظهر أنه بالضاد المعجمة، قال الجوهري: الضب الحقد تقول: أضب فلان على غل في قلبه أي أضمره انتهى. ويقال: لم يحفل بكذا: أي لم يبال به، وفي الاحتجاج لم يحفل به صاحبه ولعله أظهر، قوله " ولا أمحكه " من المحك اللجاج والمماحكة الملاجة، وفي بعض النسخ باللام ولعله من المحل بمعنى الكيد والأول أظهر.

[217]

28. * " باب " * * " (الايات المأولة لشهادته صلوات الله عليه) " * * " (وأنه يطلب الله بثأره) " * 1 - شى: عن إدريس مولى لعبد الله بن جعفر، عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير هذه الآية " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم " مع الحسن " وأقيموا الصلاة فلما كتب عليهم القتال " مع الحسين " قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " إلى خروج القائم عليه السلام فان معه النصر والظفر، قال الله: " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى " الآية (1). 2 - شى: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله الذي صنعه الحسن ابن علي عليهما السلام كان خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس، والله لفيه نزلت هذه الآية: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة " إنما هي طاعة الإمام فطلبوا القتال " فلما كتب عليهم " مع الحسين " قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " وقوله: " ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل " أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام (2). 4 - شى: الحلبي، عنه عليه السلام " كفوا أيديكم " قال: يعني ألسنتكم وفي رواية الحسن بن زياد العطار عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " قال: نزلت في الحسن بن علي عليها السلام أمره الله بالكف [قال: قلت] (3) " فلما


(1) النساء: 77، والحديث في المصدر ج 1 ص 257. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 258، وقد مر الحديث عن الكافي ص 25 من هذا المجلد الذى بين يديك باب 18 تحت الرقم 9 فراجع. (3) هذا هو الظاهر كما سيجئ من كتاب النوادر تحت الرقم 14، فراجع.

[218]

كتب عليهم القتال " قال: نزلت في الحسين بن علي كتب الله عليه وعلى أهل الأرض أن يقاتلوا معه (1). 4 - شى: علي بن أسباط يرفعه عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو قاتل معه أهل الأرض لقتلوا كلهم. 5 - شى: عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: قتل النفس التي حرم الله، فقد قتلوا الحسين في أهل بيته (2). 6 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت هذه الآية في الحسين " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف [في القتل] " قاتل الحسين " إنه كان منصورا " قال: الحسين عليه السلام (3). 7 - شى: عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " قال: هو الحسين بن علي عليهما السلام قتل مظلوما ونحن أولياؤه والقائم منا إذا قام طلب بثأر الحسين عليه السلام: فيقتل حتى يقال قد أسرف في القتل وقال: المقتول الحسين، ووليه القائم والاسراف في القتل أن يقتل غير قاتله " إنه كان منصورا " فإنه لا يذهب من الدنيا حتى ينتصر برجل من آل رسول الله عليهم الصلاة والسلام يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. 8 - كنز: روى محمد بن العباس بإسناده عن الحسن بن محبوب بإسناده عن صندل، عن دارم بن فرقد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اقرؤا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم، فانها سورة الحسين بن علي عليهما السلام وارغبوا فيها رحمكم الله تعالى، فقال له أبو أسامة وكان حاضر المجلس: وكيف صارت هذه السورة للحسين عليه السلام خاصة ؟


(1) تفسير العياشي سورة النساء الرقم 197 و 198، وما بعده تحت الرقم 199. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 290 الرقم 64 من تفسير سورة الاسراء الاية 33: " ولا تقتلوا النفس التى حرم الله ". (3) المصدر ج 2 ص 290، وهكذا ما يليه.

[219]

فقال: ألا تسمع إلى قوله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة " الآية إنما يعني الحسين بن علي عليهما السلام فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية، وأصحابه من آل محمد صلى الله عليه وآله هم الراضون عن الله يوم القيامة، وهو راض عنهم. وهذه السورة في الحسين بن علي عليهما السلام وشيعته وشيعة آل محمد خاصة، من أدمن قراءة " والفجر " كان مع الحسين بن علي عليهما السلام في درجته في الجنة، إن الله عزيز حكيم. 9 - فر: محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله " قال: نزل في علي وجعفر وحمزة وجرت في الحسين بن علي عليهم السلام والتحية والا كرام (1). 10 - كا: علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحجال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " قال: نزلت في الحسين عليه السلام لو قتل أهل الأرض به ما كان سرفا (2). بيان: فيه إيماء إلى أنه كان في قراءتهم عليهم السلام " فلا يسرف " بالضم ويحتمل أن يكون المعنى أن السرف ليس من جهة الكثرة، فلو شرك جميع أهل الأرض في دمه أو رضوا به لم يكن قتلهم سرفا، وإنما السرف أن يقتل من لم يكن كذلك وإنما نهي عن ذلك. 11 - فس: جعفر بن أحمد، عن عبد الله بن موسى، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " (3) يعني الحسين بن علي عليهما السلام.


(1) تفسير فرات ابن ابراهيم الكوفى ص 99، والاية في سورة الحج 40، وروى مثله الكليني في روضة الكافي ص 337 باسناده إلى سلام بن المستنير عن أبى جعفر عليه السلام (2) روضة الكافي ص 255. والاية في سورة الاسراء: 33. (3) الفجر: 27 - 30.

[220]

13 كا: علي بن محمد رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم " قال: حسب فرأى ما يحل بالحسين عليه السلام فقال: إني سقيم لما يحل بالحسين عليه السلام (1). 13 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، وابن هاشم، عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت " قال: نزلت في الحسين بن علي عليهما السلام. 14 - تاب النوادر لعلي بن أسباط، عن ثعلبة بن ميمون، عن الحسن بن زياد العطار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " (2) قال: نزلت في الحسن بن علي عليهما السلام أمره الله بالكف قال: قلت: " فلما كتب عليهم القتال " قال: نزلت في الحسين بن علي عليهما السلام كتب الله عليه وعلى أهل الأرض أن يقاتلوا معه. قال علي بن أسباط: ورواه بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام وقال، لو قاتل معه أهل الأرض كلهم لقتلوا كلهم. أقول: سيأتي الأخبار المناسبة للباب في باب علة تأخير العذاب عن قتلته عليه السلام.


(1) الكافي ج 1 ص 465، باب مولده عليه السلام الرقم 5، والاية في الصافات: 88 و 89. (2) النساء، 77 وقد مر مثله عن العياشي الرقم 6.

[221]

29. (باب) * " (ما عوضه الله - صلوات الله عليه بشهادته) " * 1 - ما: ابن حشيش، عن أبي المفضل الشيباني،، عن محمد بن محمد بن معقل القرميسيني، عن محمد بن أبي الصهبان، عن البزنطي، عن كرام بن عمرو، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد عليهما السلام يقولان: إن الله تعالى عوض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذريته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعد أيام زائريه جائيا وراجعا من عمره. قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: هذه الخلال تنال بالحسين عليه السلام فماله في نفسه ؟ قال: إن الله تعالى ألحقه بالنبي، فكان معه في درجته ومنزلته، ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم " الآية (1). 2 - ك: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولدت فاطمة الحسين عليه السلام أخبرها أبوها صلى الله عليه واله أن امته ستقتله من بعده، قالت: فلا حاجة لي فيه فقال: إن الله عزوجل قد أخبرني أنه يجعل الأئمة من ولده، قالت: قد رضيت يا رسول الله (2). 3 - ك: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن ابن رئاب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما أن علقت فاطمة بالحسين عليه السلام قال


(1) الطور: 21، والحديث في الامالى ص 201. (2) كمال الدين: ج 2 ص 87.

[222]

لها رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل وهب لك غلاما اسمه الحسين يقتله امتي قالت: لا حاجة لي فيه، فقال: إن الله عزوجل قد وعدني فيه عدة قالت: وما وعدك ؟ قال: وعدني أن يجعل الإمامة من بعده في ولده، فقالت: رضيت (1). أقول: الأخبار في ذلك موردة في غير هذا الباب، لا سيما باب ولادته عليه الصلواة والسلام (2).


(1) المصدر: ج 2 ص 88. (2) راجع ج 43 ص 237 - 260.

[223]

(30) * (باب) * * " (اخبار الله تعالى أنبياءه ونبينا صلى الله عليه واله بشهادته) " * 1 - ج: سعد بن عبد الله قال: سألت القائم عليه السلام عن تأويل كهيعص قال عليه السلام: هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع الله عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد عليه وآله السلام، وذلك أن زكريا سأل الله ربه أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل عليه السلام فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن عليهم السلام سري عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة، فقال عليه السلام ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي ؟ فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصته فقال: كهيعص، فالكاف اسم كربلا، والهاء هلاك العترة الطاهرة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره. فلما سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيهن الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب وكان يرثيه: إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده ؟ إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه ؟ إلهي أتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه الكصيبة ؟ إلهي أتحل كربة هذه المصيبة بساحتهما. ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقربه عيني على الكبر، فإذا رزقتنيه فافتني بحبه، ثم أفجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده، فرزقه الله يحيى وفجعه به، وكان حمل يحيى ستة أشهر، وحمل الحسين عليه السلام كذلك الخبر (1). بيان: سري عنه همه بضم السين وكسر الراء المشددة: انكشف والبهرة بالضم تتابع النفس، وزفر: أخرج نفسه بعد مده إياه، والزفرة ويضم


(1) الاحتجاج ص 239.

[224]

التنفس كذلك. 2 - لى: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عمر بن حفص، عن زياد بن المنذر، عن سالم بن أبي جعدة قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إن في كتابنا أن رجلا من ولد محمد رسول الله يقتل ولا يجف عرق دواب أصحابه حتى يدخلوا الجنة فيعانقوا الحور العين، فمر بنا الحسن عليه السلام فقلنا: هو هذا ؟ قال: لا، فمر بنا الحسين فقلنا: هو هذا ؟ قال: نعم (1). 3 - لى: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن أبي شعيب التغلبي، عن يحيى بن يمان، عن إمام لبني سليم، عن أشياخ لهم قالوا: غزونا بلاد الروم فدخلنا كنيسة من كنائسهم فوجدنا فيها مكتوبا: أيرجو معشر قتلوا حسينا شفاعة جده يوم الحساب قالوا: فسألنا منذكم هذا في كنيستكم ؟ قالوا: قبل أن يبعث نبيكم بثلاث مائة عام (2). 4 - أقول: قال جعفر بن نما في مثير الأحزان: روى النطنزي، عن جماعة، عن سليمان الأعمش قال: بينا أنا في الطواف أيام الموسم إذا رجل يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك لا تغفر، فسألته عن السبب فقال: كنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين إلى يزيد على طريق الشام، فنزلنا أول مرحلة رحلنا من كربلا على دير للنصارى والرأس مركوز على رمح، فوضعنا الطعام ونحن نأكل إذا بكف على حائط الدير يكتب عليه بقلم حديد سطرا بدم. أترجوا امة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب. فجزعنا جزعا شديدا وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذه فغابت، فعاد أصحابي. وحدث عبد الرحمان بن مسلم، عن أبيه أنه قال: غزونا بلاد الروم فأتينا كنيسة من كنائسهم قريبة من القسطنطينية وعليها شئ مكتوب فسألنا اناسا من أهل الشام يقرؤن بالرومية فإذا هو مكتوب هذا البيت.


(1) أمالى الصدوق المجلس 29 الرقم 4. (2) المصدر المجلس 27 تحت الرقم 6.

[225]

وذكر أبو عمرو الزاهد في كتاب الياقوت قال: قال عبد الله بن الصفار صاحب أبي حمزة الصوفي: غزونا غزاة وسبينا سبيا وكان فيهم شيخ من عقلاء النصارى فأكرمناه وأحسنا إليه فقال لنا: أخبرني أبي، عن آبائه أنهم حفروا في بلاد الروم حفرا قبل أن يبعث [محمد] العربي بثلاث مائة سنة فأصابوا حجرا عليه مكتوب بالمسند هذا البيت: أترجو عصبة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب والسند كلام أولاد شيث عليه السلام. 5 - لى: أبي، عن حبيب بن الحسين التغلبي، عن عباد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي عبد الله عليه السلام (1) قال: كان النبي صلى الله عليه واله في بيت ام سلمة فقال لها: لا يدخل علي أحد فجاء الحسين عليه السلام وهو طفل فما ملكت معه شيئا حتى دخل على النبي فدخلت ام سلمة على أثره فإذا الحسين على صدره وإذا النبي يبكي وإذا في يده شئ يقلبه. فقال النبي: يا ام سلمة إن هذا جبرئيل يخبرني أن هذا مقتول وهذه التربة التي يقتل عليها فضعيه عندك، فإذا صارت دما فقد قتل حبيبي، فقالت ام سلمة: يا رسول الله سل الله أن يدفع ذلك عنه ؟ قال: قد فعلت فأوحى الله عزوجل إلي أن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، وأن له شيعة يشفعون فيشفعون، وأن المهدي من ولده فطوبى لمن كان من أولياء الحسين وشيعته هم والله الفائزون يوم القيامة (2). 6 - ن، لى: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل قال: سمت الرضا عليه السلام يقول: لما أمر الله عزوجل إبراهيم عليه السلام أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم أن يكون قدذبح ابنه إسماعيل بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.


(1) في المصدر: عن أبى جعفر عليه السلام. (2) المصدر المجلس 29 تحت الرقم 3.

[226]

فأوحى الله عزوجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك ؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد، فأوحى الله إليه: أفهو أحب إليك أم نفسك ؟ قال: بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك ؟ قال: بل ولده، قال: بذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم فان طائفة تزعم أنها من امة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عزوجل: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل - لو ذبحته بيدك - بجزعك على الحسين وقتله، وأو جبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب وذلك قول الله عزوجل " وفديناه بذبح عظيم " (1). بيان: أقول: قد اورد على هذا الخبر إعضال وهو أنه إذا كان المراد بالذبح العظيم قتل الحسين عليه السلام لا يكون المفدى عنه أجل رتبة من المفدى به فان أئمتنا صلوات الله عليهم أشرف من اولي العزم عليهم السلام فكيف من غيرهم ؟ مع أن الظاهر من استعمال لفظ الفداء، التعويض عن الشئ بما دونه في الخطر والشرف. واجيب بأن الحسين عليه السلام لما كان من أولاد إسماعيل فلو كان ذبح إسماعيل لم يوجد نبينا وكذا سائر الأئمة وسائر الأنبياء عليهم السلام من ولد إسماعيل عليه السلام فإذا عوض من ذبح إسماعيل بذبح واحد من أسباطه وأولاده وهو الحسين عليه السلام فكأنه عوض عن ذبح الكل وعدم وجودهم بالكلية بذبح واحد من الأجزاء بخصوصه ولا شك في أن مرتبة كل السلسة أعظم وأجل من مرتبة الجزء بخصوصه. وأقول: ليس في الخبر أنه فدى إسماعيل بالحسين، بل فيه أنه فدى جزع إبراهيم على إسماعيل، بجزعه على الحسين عليه السلام، وظاهر أن الفداء على


(1) الصافات: 107 والحديث في عيون أخبار الرضا عليه السلام باب 17 ج 1 ص 209.

[227]

هذا ليس على معناه بل المراد التعويض، ولما كان أسفه على ما فات منه من ثواب الجزع على ابنه، عوضه الله بما هو أجل وأشرف وأكثر ثوابا، وهو الجزع على الحسين عليه السلام. والخاصل أن شهادة الحسين عليه السلام كان أمرا مقررا ولم يكن لرفع قتل إسماعيل حتى يرد الاشكال، وعلى ما ذكرنا فالآية تحتمل وجهين: الأول أن يقدر مضاف، أي " فديناه بجزع مذبوح عظيم الشأن " والثاني أن يكون الباء سببية أي " فديناه بسبب مذبوح عظيم بأن جزع عليه " وعلى التقديرين لا بد من تقدير مضاف أو تجوز في إسناد في قوله " فديناه " والله يعلم. 7 - ع: ابن الوليد: عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير ومحمد بن سنان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن إسماعيل الذي قال الله عزوجل في كتابه " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " (1) لم يكن إسماعيل بن إبراهيم بل كان نبيا من الأنبياء، بعثه الله عزوجل إلى قومه فأخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فأتاه ملك فقال: إن الله جل جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت، فقال: لي اسوة بما يصنع بالحسين عليه السلام. مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى وابن أبي الخطاب وابن يزيد جميعا عن محمد بن سنان مثله. 8 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أن إسماعيل كان رسولا نبيا سلط عليه قومه فقشروا جلدة وجهه وفروة رأسه، فأتاه رسول من رب العالمين فقال له: ربك يقرئك السلام ويقول: قد رأيت ما صنع بك، وقد أمرني بطاعتك فمرني بما شئت، فقال: يكون لي بالحسين بن علي اسوة (2). مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، وابن أبي الخطاب وابن يزيد جميعا، عن


(1) مريم: 54، والحديث في المصدر ج 1 ص 73. (2) علل الشرائع ج 1 ص 73 و 74. (*)

[228]

محمد بن سنان مثله. مل: محمد بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن علي بن مهزيار، عن محمد ابن سنان، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. 9 - ما: ابن حشيش، عن أبي المفضل الشيباني، عن محمد بن علي بن معمر عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أبي عمير ومحمد بن سنان، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: بينا الحسين عند رسول الله صلى الله عليه واله إذ أتاه جبرئيل فقال: يا محمد أتحبه ؟ قال: نعم، قال: أما إن امتك ستقتله فحزن رسول الله لذلك حزنا شديدا فقال جبرئيل: أيسرك أن اريك التربة التي يقتل فيها ؟ قال: نعم، قال: فخسف جبرئيل ما بين مجلس رسول الله إلى كربلا حتى التقت القطعتان هكذا - وجمع بين السبابتين - فتناول بجناحيه من التربة فناولها رسول الله صلى الله عليه واله ثم دحيت الأرض اسرع من طرف العين، فقال رسول الله: طوبى لك من تربة، وطوبى لمن يقتل فيك. مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان مثله (1). بيان: أقول قد بينت معنى التقاء القطعتين في باب أحوال بلقيس في كتاب النبوة (2). 10 - ما: عنه، عن أبي المفضل، عن ابن عقدة، عن إبراهيم بن عبد الله النحوي


(1) راجع المصدر ص 60. (2) قال قدس سره في باب قصة سليمان مع بلقيس تحت الرقم 11، ج 14 ص 115 من الطبعة الحديثة: ظاهر اكثر تلك الاخبار ان الارض التى كانت بينه وبين السرير انخسفت وتحركت الارض التى كان السرير عليها، حتى أحضرته عنده. فان قيل: كيف انخسفت الابنية التى كانت عليها ؟ قلنا: يحتمل أن تكون تلك الابنية تحرك بأمره تعالى يمينا وشمالا، وكذا ما عليها من الحيوانات والاشجار وغيرها. ويمكن أن يكون حركة السرير من تحت الارض بأن غار في الارض وطويت وتكاثفت الطبقة التحتانية حتى خرج من تحت سريره ثم دحيت تلك الطبقة من تحت الارض.

[229]

عن محمد بن مسلمة، عن يونس بن أرقم، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك أن عظيما من عظماء الملائكة استأذن ربه عزوجل في زيارة النبي فأذن له فبينما هو عنده إذ دخل عليه الحسين فقبله النبي وأجلسه في حجره فقال له الملك: أتحبه ؟ قال: أجل أشد الحب إنه ابني، قال له: إن امتك ستقتله قال: امتي تقتل ولدي ؟ قال: نعم، وإن شئت أريتك من التربة التي يقتل عليها قال: نعم، فأراه تربة حمراء طيبة الريح، فقال: إذا صارت هذه التربة دما عبيطا فهو علامة قتل ابنك هذا. قال سالم بن أبي الجعد: اخبرت أن الملك كان ميكائيل عليه السلام. 11 - ما عنه: عن أبي المفضل، عن هاشم بن نقية الموصلي، عن جعفر ابن محمد بن جعفر المدائني، عن زياد بن عبد الله المكاري، عن ليث بن أبي سليم، عن حدير أوحد مر بن عبد الله المازني، عن زيد مولى زينب بنت جحش قالت: كان رسول الله ذات يوم عندي نائما فجاء الحسين فجعلت اعلله مخافة أن يوقظ النبي فغفلت عنه فدخل وأتبعته فوجدته وقد قعد على بطن النبي صلى الله عليه وآله فوضع زبيته في سرة النبي فجعل يبول عليه. فأردت أن آخذه عنه فقال رسول الله: دعي ابني يا زينب حتى يفرغ من بوله، فلما فرغ توضأ النبي صلى الله عليه وآله وقام يصلي فلما سجد ارتحله الحسين فلبث النبي صلى الله عليه وآله حتى نزل فلما قام عاد الحسين فحمله حتى فرغ من صلاته. فبسط النبي يده وجعل يقول: أرني أرني يا جبرئيل، فقلت: يا رسول الله لقد رأيتك اليوم صنعت شيئا ما رأيتك صنعته قط قال: نعم، جاءني جبرئيل فعزاني في ابني الحسين وأخبرني أن امتي تقتله وأتاني بتربة حمراء. قال زياد بن عبد الله: أنا شككت في اسم الشيخ حدير أوحد مر بن عبد الله (1) وقد أثنى عليه ليث خيرا وذكر من فضله. (هامش) (1) لم نر في كتب الرجال من يسمى حدمر نعم في القاموس: الحذمر - بالكسر - القصير، ولعل الصواب هو الاول حدير بالتصغير كما في الاصابة، ولعله أبو فوزة السلمى فراجع.

[230]

12 - يج: من تاريخ محمد النجار شيخ المحدثين بالمدرسة المستنصرية باسناد مرفوع إلى أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: لما أراد الله أن يهلك قوم نوح أوحى إليه أن شق ألواح الساج، فلما شقها لم يدر ما يصنع بها. فهبط جبرئيل فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت بها مائة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار فسمر بالمسامير كلها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير فضرب بيده إلى مسمار فأشرق بيده، وأضاء كما يضيئ الكوكب الدري في افق السماء فتحير نوح، فأنطق الله المسمار بلسان طلق ذلق: أنا على اسم خير الانبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله. فهبط جبرئيل فقال له: يا جبرئيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله ؟ فقال: هذا باسم سيد الأنبياء محمد بن عبد الله اسمره على أولها على جانب السفينة الأيمن، ثم ضرب بيده إلى مسمار ثان فأشرق وأنار فقال نوح: وما هذا المسمار ؟ فقال: هذا مسمار أخيه وابن عمه سيد الأوصياء علي بن أبي طالب فأسمره على جانب السفينة الأيسر في أولها، ثم ضرب بيده إلى مسمار ثالث فزهر وأشرق وأنار فقال جبرئيل: هذا مسمار فاطمة فأسمره إلى جانب مسمار أبيها، ثم ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر وأنار، فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسن فأسمره إلى جانب مسمار أبيه، ثم ضرب بيده إلى مسمار خامس فزهر وأنار وأظهر النداوة فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسين فأسمره إلى جانب مسمار أبيه، فقال نوح: يا جبرئيل ما هذه النداوة ؟ فقال: هذا الدم فذكر قصة الحسين عليه السلام وما تعمل الأمة به، فلعن الله قاتله وظالمه وخاذله. 13 - ما: عنه عن أبي المفضل، عن العباس بن خليل، عن محمد بن هاشم، عن سويد بن عبد العزيز، عن داود بن عيسى الكوفي، عن عمارة بن عرية، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله أجلس حسينا على فخذه وجعل يقبله، فقال جبرئيل: أتحب ابنك هذا ؟ قال: نعم، قال: فان امتك ستقتله بعدك، فدمعت عينا رسول الله فقال له: إن شئت أريتك من تربته التي يقتل عليها ؟ قال: نعم، فأراه جبرئيل ترابا من تراب الأرض التي يقتل عليها

[231]

وقال: تدعى الطف. 14 - ما: عنه، عن الحسين بن الحسن بن عامر، عن محمد بن دليل بن بشر عن علي بن سهل، عن مؤمل، عن عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس أن ملك المطر استأذن أن يأتي رسول الله فقال النبي صلى الله عليه واله لام سلمة: املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد فجاء الحسين ليدخل فمنعته فوثب حتى دخل فجعل يثب على منكبي رسول الله صلى الله عليه واله ويقعد عليهما. فقال له الملك: أتحبه ؟ قال: نعم، قال، فان امتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فمد يده فإذا طينة حمراء. فأخذتها ام سلمة فصيرتها إلى طرف خمارها قال ثابت: فبلغنا أنه المكان الذي قتل به بكربلا. 15 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان عن سعيد بن يسار أو غيره قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام: يقول: لما أن هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه واله بقتل الحسين، أخذ بيد علي فخلا به مليا من النهار فغلبتهما عبرة فلم يتفرقا حتى هبط عليهما جبرئيل أو قال: رسول الله رب العالمين، فقال لهما: ربكما يقرئكما السلام ويقول: قد عزمت عليكما لما صبرتما قال: فصبرا (1). مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن سعيد مثله. مل: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن سنان، عن سعيد مثله. 16 - مل أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما حملت فاطمة بالحسين عليه السلام جاء جبرئيل إلى رسول الله فقال: إن فاطمة ستلد ولدا تقتله امتك من بعدك، فلما حملت فاطمة الحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: هل رأيتم في الدنيا اما تلد غلاما فتكرهه ولكنها كرهته لانها علمت أنه سيقتل قال: وفيه نزلت هذه الآية " ووصينا الانسان بوالديه حسنا حملته امه كرها و


(1) المصدر ص 55 وهكذا ما يليه.

[232]

وضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (1). بيان: قوله عليه السلام " لما حلمت " لعل المعنى قرب حملها أو المراد بقوله " جاء جبرئيل " مجيئه قبل ذلك أو بقوله حملت ثانيا شعرت به ولعله على هذا التأويل الباء في قوله بوالديه للسببية، وحسنا مفعول وصينا وفي بعض القراءات حسنا بالتحريك فهو صفة لمصدر محذوف أي إيصاء حسنا، فعلى هذا يحتمل أن يكون المراد بقوله " وصينا " جعلناه وصيا قال في مجمع البيان: قرأ أهل الكوفة إحسانا والباقون حسنا وروى عن علي عليه السلام وأبي عبد الرحمان السلمي حسنا بفتح الحاء والسين انتهى. والوالدان رسول الله وأمير المؤمنين كما في سائر الأخبار ويحتمل الظاهر أيضا. 17 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن عمرو ابن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام أن جبرئيل نزل على محمد صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام، ويبشرك بمولود يولد من فاطمة عليها السلام تقتله امتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله امتي من بعدي، قال: فعرج جبرئيل ثم هبط فقال له مثل ذلك فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله امتي من بعدي فعرج جبرئيل إلى السماء ثم هبط فقال له: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك أنه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فقال: قد رضيت أرسل إلى فاطمة: أن الله يبشرني بمولود يولد منك تقتله امتي من بعدي فأرسلت إليه: أن لا حاجة لي في مولود يولد مني تقتله امتك من بعدك فأرسل إليها أن الله جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فأرسلت إليه أني قد رضيت " فحملته كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أو زعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي


(1) الاحقاف: 15 والحديث في كامل الزيارات ص 55 و 56.

[233]

وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي " (1) فلو أنه قال: أصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم أئمة. ولم يرضع الحسين عليه السلام من فاطمة ولا من انثى ولكنه كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاثة، فينبت لحم الحسين من لحم رسول الله، ودمه، ولم يولد مولود لستة أشهر إلا عيسى بن مريم والحسين ابن علي عليهم السلام. مل: أبي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل بن عيسى، عن محمد بن عمرو بن سعيد بإسناده مثله. 18 - مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن حماد، عن أخيه أحمد، عن محمد بن عبد الله، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى جبرئيل رسول الله فقال له: السلام عليك يا محمد ألا أبشرك بغلام تقتله امتك من بعدك ؟ فقال: لا حاجة لي فيه [قال: فانقض إلى السماء ثم عاد إليه الثانية فقال مثل ذلك فقال: لا حاجة لي فيه فانعرج إلى السماء ثم انقض عليه الثالثة فقال له مثل ذلك فقال: لا حاجة لي فيه] (2) فقال: إن ربك جاعل الوصية في عقبه فقال: نعم. ثم قام رسول الله فدخل على فاطمة فقال لها: إن جبرئيل أتاني فبشرني بغلام تقتله امتي من بعدي فقالت: لا حاجة لي فيه، فقال لها: إن ربي جاعل الوصية في عقبه فقالت: نعم، إذن. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى عند ذلك هذه الآية فيه " حملته امه كرها ووضعته كرها " لموضع إعلام جبرئيل إياها بقتله، فحملته كرها بأنه مقتول، و وضعته كرها لأنه مقتول. 19 - مل: أبي وابن الوليد معا، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت فاطمة على


(1) الاحقاف: 15 والحديث في المصدر ص 57. (2) ما بين العلامتين ساقط عن نسخة الكمبانى. راجع المصدر ص 56.

[234]

رسول الله صلى الله عليه واله وعيناه تدمع فسألته مالك ؟ فقال: إن جبرئيل أخبرني أن امتي تقتل حسينا، فجزعت وشق عليها، فأخبرها بمن يملك من ولدها فطابت نفسها وسكنت. 20 - مل: ابن الوليد، عن سعد، عن اليقطيني، عن صفوان، عن الحسين ابن أبي غندر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: زارنا رسول الله صلى الله عليه واله وقد أهدت لنا ام أيمن لبنا وزبدا وتمرا [ف‍] قدمنا منه فأكل ثم قام إلى زاوية البيت فصلى ركعات فلما كان في آخر سجوده بكى بكاء شديدا فلم يسأله أحد منا إجلالا وإعظاما له. فقام الحسين في حجره وقال له: يا أبه لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشئ كسرورنا بدخولك ثم بكيت بكاء غمنا فما أبكاك ؟ فقال: يا بني أتاني جبرئيل عليه السلام آنفا فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى فقال: يا أبه فما لمن يزور قبورنا، على تشتتها ؟ فقال: يا بني اولئك طوائف من امتي يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة، وحقيق علي أن آتيهم يوم القيامة حتى اخلصهم من أهوال الساعة من ذنوبهم ويسكنهم الله الجنة (1). ما: الحسين بن إراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبيش عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان مثله. 21 - مل: ابن الوليد، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي القرشي، عن عبيد بن يحيى الثوري، عن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: زارنا رسول الله ذات يوم فقدمنا إليه طعاما وأهدت إلينا ام أيمن صحفة من تمر وقعبا من لبن وزبد، فقدمنا إليه فأكل منه فلما فرغ قمت فسكبت على يديه ماء فلما غسل يده مسح وجهه ولحيته ببلة يديه ثم قام إلى مسجد في جانب البيت فخر ساجدا فبكى فأطال البكاء ثم رفع رأسه


(1) المصدر ص 58

[235]

فما اجترئ منا أهل البيت أحد يسأله عن شئ. فقام الحسين يدرج حتى يصعد على فخذي رسول الله فأخذ برأسه إلى صدره ووضع ذقنه على رأس رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال: يا أبه ما يبكيك ؟ فقال: يا بني إني نظرت إليكم اليوم فسررت بكم سرورا لم أسر بكم مثله قط، فهبط إلي جبرئيل فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، فحمدت الله على ذلك، وسألته لكم الخيرة. فقال له: يا أبه ! فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتتها ؟ قال: طوائف من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، أتعاهدهم في الموقف وآخذ بأعضادهم فانجيهم من أهواله وشدائده (1). 22 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جبرئيل أتى رسول الله والحسين يلعب بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره أن امته ستقتله، قال: فجزع رسول الله صلى الله عليه واله فقال: ألا اريك التربة التي يقتل فيها ؟ قال: فخسف ما بين مجلس رسول الله إلى المكان الذي قتل فيه حتى التقت القطعتان فأخذ منها ودحيت في أسرع من طرفة العين فخرج (2) وهو يقول: طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل حولك. قال: وكذلك صنع صاحب سليمان تكلم باسم الله الأعظم فخسف ما بين سرير سليمان وبين العرش من سهولة الأرض وحزونتها حتى التقت القطعتان فاجتر العرش قال سليمان: يخيل إلي أنه خرج من تحت سريري قال: ودحيت في أسرع من طرفة العين (3).


(1) كامل الزيارات ص 58. (2) كذا في نسخة الاصل نسخة المصنف وهكذا المصدر ص 59 وفى نسخة كمباني: فجزع وهو تصحيف. (3) راجع الاحاديث التالية في المصدر ص 60 الباب 17 تحت الرقم 1 - 9.

[236]

23 - مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نعى جبرئيل عليه السلام الحسين عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله في بيت ام سلمة فدخل عليه الحسين وجبرئيل عنده، فقال: إن هذا تقتله امتك فقال رسول الله: أرني من التربة التي يسفك فيها دمه، فتناول جبرئيل قبضة من تلك التربة فإذا هي تربة حمراء. 24 - مل: أبي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل وابن أبي الخطاب وابن هاشم جميعا، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وزاد فيه: فلم تزل عند ام سلمة حتى ماتت رحمها الله. 25 - مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن الوليد الخزاز، عن حماد بن عثمان عن عبد الملك بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله كان في بيت ام سلمة وعنده جبرئيل فدخل عليه الحسين فقال له جبرئيل: إن امتك تقتل ابنك هذا، ألا اريك من تربة الأرض التي يقتل فيها ؟ فقال رسول الله: نعم، فأهوى جبرئيل بيده وقبض قبضة منها فأراها النبي صلى الله عليه واله. 26 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولدت فاطمة الحسين جاء جبرئيل إلى رسول الله فقال له: إن امتك تقتل الحسين من بعدك، ثم قال: ألا اريك من تربتها ؟ فضرب بجناحه فأخرج من تربة كربلاء فأراها إياه ثم قال: هذه التربة التي يقتل عليها. 27 - مل: أحمد بن عبد الله بن علي، عن جعفر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الرحمان الغنوي، عن سليمان قال: وهل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول الله يعزيه في ولده الحسين ؟ ويخبره بثواب الله إياه، ويحمل إليه تربته مصروعا عليها، مذبوحا مقتولا، طريحا مخذولا، فقال رسول الله: اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، واذبح من ذبحه، ولا تمتعه بما طلب. قال عبد الرحمان: فوالله لقد عوجل الملعون يزيد، ولم يتمتع بعد قتله

[237]

ولقد اخذ مغافصة بات سكرانا وأصبح ميتا متغيرا، كأنه مطلي بقار، اخذ على أسف وما بقي أحد ممن تابعه على قتله أو كان في محاربته إلا أصابه جنون أو جذام أو برص وصار ذلك وراثة في نسلهم لعنهم الله. مل: عبيدالله بن الفضل، عن جعفر بن سليمان مثله. 28 - مل: الحسين بن علي الزعفراني، عن محمد بن عمرو الأسلمي، عن عمرو بن عبد الله بن عنبسة، عن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الملك الذي جاء إلى محمد صلى الله عليه واله يخبره بقتل الحسين كان جبرئيل الروح الأمين منشور الأجنحة، باكيا صارخا قد حمل من تربته، وهو يفوح كالمسك فقال رسول الله: وتفلح امة تقتل فرخي ؟ أو قال: فرخ ابنتي ؟ قال جبرئيل: يضربها الله بالاختلاف فيختلف قلوبهم. مل: عبيد الله بن الفضل بن هلال، عن محمد بن عمرة الأسلمي، عن عمربن عبد الله بن عنبسة مثله. 28 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، وأحمد بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن فضال، عن مروان بن مسلم، عن بريد العجلي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول: " واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " (1) أكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فان الناس يزعمون أنه إسماعيل بن إبراهيم. فقال عليه السلام: إن إسماعيل مات قبل إبراهيم وإن إبراهيم كان حجة لله قائدا صاحب شريعة فالى من ارسل إسماعيل إذن ؟ قلت: فمن كان جعلت فداك ؟ قال ذاك إسماعيل بن حزقيل النبي بعثه الله إلى قومه فكذبوه وقتلوه وسلخوا وجهه فغضب الله عليهم [له] فوجه إليه سطاطائيل ملك العذاب فقال له: يا إسماعيل أنا سطاطائيل ملك العذاب وجهني رب العزة إليك لاعذب قومك بأنواع العذاب إن شئت فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك يا سطاطائيل.


(1) مريم: 54.

[238]

فأوحى الله إليه فما حاجتك يا إسماعيل ؟ فقال إسماعيل: يا رب إنك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، ولأوصيائه بالولاية، وأخبرت خلقك بما تفعل امته بالحسين بن علي عليهما السلام من بعد نبيها، وإنك وعدت الحسين أن تكره إلى الدنيا حتى ينتقم بنفسه ممن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا رب أن تكرني إلى الدنيا حتى أنتقم ممن فعل ذلك بي ما فعل، كما تكر الحسين فوعد الله إسماعيل بن حزقيل ذلك، فهو يكر مع الحسين بن علي عليهما السلام (1) 29 - مل: أبي، عن سعد، عن اليقطيني، عن محمد بن سنان، عن أبي سعيد القماط، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه واله في منزل فاطمة والحسين في حجره إذ بكى وخر ساجدا ثم قال: يا فاطمة يا بنت محمد إن العلي الأعلى تراء الي في بيتك هذا ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيأ هيئة وقال لي: يا محمد أتحب الحسين ؟ فقلت: نعم قرة عيني، وريحانتي، وثمرة فؤادي، وجلدة ما بين عيني، فقال لي: يا محمد ووضع يده على رأس الحسين بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني، ولعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناواه ونازعه، أما إنه سيد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة وسيد شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين وأبوه أفضل منه وخير فأقرئه السلام وبشره بأنه راية الهدى، ومنار أوليائي وحفيظي وشهيدي على خلقي وخازن علمي وحجتي على أهل السماوات وأهل الأرضين والثقلين الجن والانس (2). بيان: " إن العلي الأعلى " أي رسوله جبرئيل أو يكون الترائي كناية عن غاية الظهور العلمي، وحسن الصورة كناية عن ظهور صفات كماله تعالى له، ووضع اليد كناية عن إفاضة الرحمة. 30 - شا: روى الأوزاعي، عن عبد الله بن شداد، عن ام الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه واله فقالت: يارسول الله رأيت الليلة حلما منكرا


(1) المصدر ص 64. المصدر ص 67.

[239]

قال: وما هو ؟ قالت: إنه شديد، قال: وما هو ؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قد قطعت ووضعت في حجري فقال رسول الله: خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك. فولدت فاطمة عليها السلام الحسين عليه السلام قالت: وكان في حجري كما قال رسول الله فدخلت به يوما على النبي فوضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه واله ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهرقان بالدموع، فقلت: بأبي أنت وامي يا رسول الله مالك ؟ قال: أتاني جبرئيل فأخبرني أن امتي يقتل ابني هذا وأتاني بتربة حمراء من تربته (1). 31 - شا: روى سماك، عن ابن المخارق، عن ام سلمة قالت: بينا رسول الله ذات يوم جالسا والحسين جالس في حجره إذ هملت عيناه بالدموع، فقلت [له] يا رسول الله ما لي أراك تبكي جعلت فداك ؟ قال: جاءني جبرئيل فعزاني بابني الحسين وأخبرني أن طائفة من امتي تقتله، لا أنالها الله شفاعتي. وروي بإسناد آخر عن ام سلمة رضي الله عنها أنها قالت: خرج رسول الله من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلا، ثم جاءنا وهو أشعث أغبر، ويده مضمومة فقلت له: يا رسول الله ما لي أراك شعثا مغبرا ؟ فقال: اسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له كربلا فاريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي فلم أزل القط دماءهم فها هو في يدي وبسطها إلي فقال: خذيها فاحفظي بها فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة وشددت رأسها واحتفظت بها. فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة متوجها نحو العراق كنت اخرج تلك القارورة في كل يوم وليلة وأشمها وأنظر إليها ثم أبكي لمصابه، فلما كان [في] اليوم العاشر من المحرم وهو اليوم الذي قتل فيه عليه السلام أخرجتها في أول النهار وهي بحالها ثم عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط فصحت في بيتي وبكيت وكظمت


(1) ارشاد المفيد ص 234.

[240]

غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيتسرعوا بالشماتة فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتى جاء الناعي ينعاه فحقق ما رأيت (1). 32 - قب: قال سعد بن أبي وقاص: إن قس بن ساعدة الأيادي (2) قال قبل مبعث النبي: تخلف المقدار منهم عصبة ثاروا بصفين وفي يوم الجمل والتزم الثار الحسين بعده واحتشدوا على ابنه حتى قتل (3) بيان: " تخلف المقدار " أي جازوا قدرهم وتعدوا طورهم، أو كثروا حتى لا يحيط بهم مقدار وعدد، قوله: ثاروا من الثوران أو من الثأر من قولهم ثأرت القتيل أي قتلت قاتله، فانهم كانوا يدعون طلب دم عثمان ومن قتل منهم في غزوات الرسول صلى الله عليه واله ويؤيده قوله: والتزم الثار أي طلبوا الثأر بعد ذلك من الحسين عليه السلام لأجل من قتل منهم في الجمل وصفين وغير ذلك، أو المعنى أنهم قتلوه حتى لزم ثأره. 33 - فر: باسناده عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه واله قال: لما اسري بي أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنة، وأنا مسرور فإذا أنا بشجرة من نور مكللة بالنور، في أصلها


(1) المصدر ص 234 و 235. (2) هو قس بن ساعدة بن جذامة بن زفر بن اياد بن نزار الايادي، البليغ الخطيب المشهور، مات قبل البعثة وذكره أبو حاتم السجستاني في المعمرين وقال انه عاش ثلاث مائة وثمانين سنة، وقيل انه عاش ستمائة سنة وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من كتب من فلان الى فلان وأول من توكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال أما بعد، وفي رواية ابن الكلبى انه قال في خطبة له: لو على الارض دين افضل من دين قد أظلكم زمانه وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه فاتبعه، وويل لمن خالفه، وفيه قال رسول الله " يرحم الله قسا انى لارجو يوم القيامة أن يبعث أمة وحده ". (3) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 62.

[241]

ملكان يطويان الحلي والحلل إلى يوم القيامة، ثم تقدمت أمامي فإذا أنا بتفاح لم أر تفاحا هو أعظم منه، فأخذت واحدة ففلقتها فخرجت علي منها حوراء كأن أجفانها مقاديم أجنحة النسور، فقلت: لمن أنت ؟ فبكت وقال: لابنك المقتول ظلما الحسين بن علي بن أبي طالب. ثم تقدمت أمامي فإذا أنا برطب ألين من الزبد، وأحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها وأنا أشتهيها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ففاطمة حوراء إنسية فإذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة (1). أقول: قد مضى كثير من الأخبار في ذلك في باب ولادته صلوات الله عليه (2). 34 - وروي في بعض كتب المناقب المعتبرة، عن الحسن بن أحمد الهمداني عن أبي علي الحداد، عن محمد بن أحمد الكاتب، عن عبد الله بن محمد، عن أحمد بن عمرو، عن إبراهيم بن سعيد، عن محمد بن جعفر بن محمد، عن عبد الرحمن بن محمد ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن جده، عن ام سلمة قالت: جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: إن امتك تقتله يعني الحسين بعدك ثم قال: ألا اريك من تربته ؟ قالت: فجاء بحصيات فجعلهن رسول الله في قارورة فلما كان ليلة قتل الحسين قالت ام سلمة: سمعت قائلا يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتنكيل قد لعنتم على لسان داود وموسى وصاحب الانجيل قالت: فبكيت ففتحت القارورة فإذا قد حدث فيها دم. 35 - وروي في مؤلفات بعض الأصحاب عن ام سلمة قالت: دخل رسول الله ذات يوم ودخل في أثره الحسن والحسين عليهما السلام وجلسا إلى جانبيه فأخذ الحسن على ركبته اليمني، والحسين على ركبته اليسرى، وجعل يقبل هذا تارة وهذا اخرى


(1) تفسير فرات ص 10 والحديث مختصر (2) راج ج 43 ص 235 - 260.

[242]

وإذا بجبرئيل قد نزل وقال: يا رسول الله إنك لتحب الحسن والحسين ؟ فقال: وكيف لا احبهما وهما ريحانتاي من الدنيا وقرتا عيني. فقال جبرئيل: يا نبي الله إن الله قد حكم عليهما بأمر فاصبر له، فقال: وما هو يا أخي ؟ فقال: قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموما، وعلى هذا الحسين أن يموت مذبوحا وإن لكل نبي دعوة مستجابة، فان شئت كانت دعوتك لولديك الحسن والحسين فادع الله أن يسلمهما من السم والقتل، وإن شئت كانت مصيبتهما ذخيرة في شفاعتك للعصاة من امتك يوم القيامة. فقال النبي صلى الله عليه واله: يا جبرئيل أنا راض بحكم ربي لا اريد إلا ما يريده، وقد أحببت أن تكون دعوتي ذخيرة لشفاعتي في العصاة من امتي ويقضي الله في ولدي ما يشاء. 36 - وروي أن رسول الله كان يوما مع جماعة من أصحابه مارا في بعض الطريق، وإذا هم بصبيان يلعبون في ذلك الطريق، فجلس النبي صلى الله عليه واله عند صبي منهم وجعل يقبل ما بين عينيه ويلاطفه، ثم أقعده على حجره وكان يكثر تقبيله، فسئل عن علة ذلك، فقال صلى الله عليه واله: إني رأيت هذا الصبي يوما يلعب مع الحسين ورأيته يرفع التراب من تحت قدميه، ويمسح به وجهه وعينيه، فأنا احبه لحبه لولدي الحسين، ولقد أخبرني جبرئيل أنه يكون من أنصاره في وقعة كربلا. 37 - وروي مرسلا أن آدم لما هبط إلى الأرض لم يرحوا فصار يطوف الأرض في طلبها فمر بكربلا فاغتم، وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين، حتى سال الدم من رجله، فرفع رأسه الى السماء وقال: إلهي هل حدث مني ذنب آخر فعاقبتني به ؟ فاني طفت جميع الأرض، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض. فأوحى الله إليه يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلما فسال دمك موافقة لدمه، فقال آدم: يا رب أيكون الحسين نبيا قال: لا، ولكنه سبط النبي محمد، فقال: ومن القاتل له ؟ قال: قاتله يزيد لعين

[243]

أهل السماوات والأرض، فقال آدم: فأي شئ أصنع يا جبرئيل ؟ فقال: العنه يا آدم فلعنه أربع مرات ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوا هناك. 38 - وروي أن نوحا لما ركب في السفينة طافت به جميع الدنيا فلما مرت بكربلا أخذته الأرض، وخاف نوح الغرق فدعا ربه وقال: إلهي طفت جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض فنزل جبرئيل وقال: يا نوح في هذا الموضع يقتل الحسين سبط محمد خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل ؟ قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرات فسارت السفينة حتى بلغت الجودي واستقرت عليه. 39 - وروي أن إبراهيم عليه السلام مر في أرض كربلا وهو راكب فرسا فعثرت به وسقط إبراهيم وشج رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أي شئ حدث مني ؟ فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه. قال: يا جبرئيل ومن يكون قاتله ؟ قال: لعين أهل السماوات والأرضين والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربه، فأوحى الله تعالى إلى القلم إنك استحققت الثناء بهذا اللعن. فرفع إبراهيم عليه السلام يديه ولعن يزيد لعنا كثيرا وأمن فرسه بلسان فصيح فقال إبراهيم لفرسه: أي شئ عرفت حتى تؤمن على دعائي ؟ فقال: يا إبراهيم أنا أفتخر بركوبك علي فلما عثرت وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالى. 40 - وروي أن إسماعيل كانت أغنامه ترعى بشط الفرات، فأخبره الراعي أنها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوما فسأل ربه عن سبب ذلك فنزل جبرئيل وقال: يا إسماعيل سل غنمك فانها تجيبك عن سبب ذلك ؟ فقال لها: لم لا تشربين من هذا الماء ؟ فقالت بلسان فصيح ؟ قد بلغنا أن ولدك الحسين عليه السلام سبط محمد يقتل هنا عطشانا فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزنا عليه، فسألها عن قاتله

[244]

فقالت يقتله لعين أهل السماوات والأرضين والخلائق أجمعين، فقال إسماعيل: اللهم العن قاتل الحسين عليه السلام. 41 - وروي أن موسى كان ذات يوم سائرا ومعه يوشع بن نون، فلما جاء إلى أرض كربلا انخرق نعله، وانقطع شراكه، ودخل الخسك في رجليه، وسال دمه، فقال: إلهي أي شئ حدث مني ؟ فأوحى إليه أن هنا يقتل الحسين عليه السلام وهنا يسفك دمه، فسال دمك موافقة لدمه فقال: رب ومن يكون الحسين ؟ فقيل له: هو سبط محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، فقال: ومن يكون قاتله ؟ فقيل: هو لعين السمك في البحار، والوحوش في القفار، والطيرفي الهواء، فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه. 42 - وروي أن سليمان كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء، فمر ذات يوم وهو سائر في أرض كربلا فأدارت الريح بساطه ثلاث دورات حتى خاف السقوط فسكنت الريح، ونزل البساط في أرض كربلا. فقال سليمان للريح: لم سكنتي ؟ فقالت: إن هنا يقتل الحسين عليه السلام فقال ومن يكون الحسين ؟ فقالت: هو سبط محمد المختار، وابن علي الكرار، فقال: ومن قاتله ؟ قالت: لعين أهل السماوات والأرض يزيد، فرفع سليمان يديه ولعنه ودعا عليه وأمن على دعائه الانس والجن، فهبت الريح وسار البساط. 43 - وروي أن عيسى كان سائحا في البراري، ومعه الحواريون، فمروا بكربلا فرأوا أسدا كاسرا (1) قد أخذ الطريق فتقدم عيسى إلى الأسد، فقال له: لم جلست في هذا الطريق ؟ وقال: لا تدعنا نمر فيه ؟ فقال الأسد بلسان فصيح: إني لم أدع لكم الطريق حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين عليه السلام فقال عيسى عليه السلام: ومن يكون الحسين ؟ قال: هو سبط محمد النبي الامي وابن علي الولي قال: ومن قاتله ؟ قال: قاتله لعين الوحوش والذباب والسباع أجمع خصوصا أيام عاشورا فرفع عيسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمن الحواريون على دعائه فتنحى الأسد


(1) أسد كاسر: أي قوى يكسر فريسته.

[245]

عن طريقهم ومضوا لشأنهم. 44 - وروى صاحب الدر الثمين في تفسير قوله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات " (1) أنه رأى ساق العرش وأسماء النبي والأئمة عليهم السلام فلقنه جبرئيل قل: يا حميد بحق محمد، يا عالي بحق علي، يا فاطر بحق فاطمة، يا محسن بحق الحسن والحسين ومنك الإحسان. فلما ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي ؟ قال جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، فقال: يا أخي وما هي ؟ قال: يقتل عطشانا غريبا وحيدا فريدا ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم وهو يقول: واعطشاه واقلة ناصراه، حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فلم يجبه أحد إلا بالسيوف، وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشاة من قفاه، وينهب رحله أعداؤه وتشهر رؤسهم هو وأنصاره في البلدان، ومعهم النسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنان، فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى. 45 - وروي عن بعض الثقات الأخيار أن الحسن والحسين عليهما السلام دخلا يوم عيد إلى حجرة جدهما رسول الله صلى الله عليه واله فقالا: يا جداه، اليويوم العيد، وقد تزين أولاد العرب بألوان اللباس، ولبسوا جديد الثياب، وليس لنا ثوب جديد وقد توجهنا لذلك إليك، فتأمل النبي حالهما وبكى، ولم يكن عنده في البيت ثياب يليق بهما، ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما، فدعا ربه وقال: إلهي اجبر قلبهما وقلب امهما. فنزل جبرئيل ومعه حلتان بيضاوان من حلل الجنة، فسر النبي صلى الله عليه واله وقال لهما: يا سيدي شباب أهل الجنة خذا أثوابا خاطها خياط القدرة على قدر طولكما، فلما رأيا الخلع بيضا قالا: يا جداه كيف هذا وجميع صبيان العرب لا بسون ألوان الثياب، فأطرق النبي ساعة متفكرا في أمرهما.


(1) البقرة: 37.

[246]

فقال جبرئيل: يا محمد طب نفسا وقر عينا إن صابغ صبغة الله عزوجل يقضي لهما هذا الأمر ويفرح قلوبهما بأي لون شاءا، فأمر يا محمد باحضار الطست والابريق فاحضرا فقال جبرئيل: يا رسول الله أنا أصب الماء على هذه الخلع وأنت تفركهما بيدك فتصبغ لهما بأي لون شاءا. فوضع النبي حلة الحسن في الطست فأخذ جبرئيل يصب الماء ثم أقبل النبي على الحسن وقال له: يا قرة عيني بأي لون تريد حلتك ؟ فقال: اريدها خضراء ففركها النبي بيده في ذلك الماء، فأخذت بقدرة الله لونا أخضر فائقا كالزبرجد الأخضر، فأخرجها النبي وأعطاها الحسن، فلبسها. ثم وضع حلة الحسين في الطست وأخذ جبرئيل يصب الماء فالتفت النبي إلى نحو الحسين، وكان له من العمر خمس سنين وقال له: يا قرة عيني أي لون تريد حلتك ؟ فقال الحسين: يا جد ! اريدها حمراء ففركها النبي بيده في ذلك الماء فصارت حمراء كالياقوت الأحمر فلبسها الحسين فسر النبي بذلك وتوجه الحسن والحسين إلى امهما فرحين مسرورين. فبكى جبرئيل عليه السلام لما شاهد تلك الحال فقال النبي: يا أخي جبرئيل في مثل هذا اليوم الذي فرح فيه ولداي تبكي وتحزن ؟ فبالله عليك إلا ما أخبرتني فقال جبرئيل: اعلم يا رسول الله أن اختيار ابنيك على اختلاف اللون، فلا بد للحسن أن يسقوه السم ويخضر لون جسده من عظم السم ولابد للحسين أن يقتلوه ويذبحوه ويخضب بدنه من دمه، فبكى النبي وزاد حزنه لذلك. 46 - أقول: وروى الشيخ جعفر بن نما في مثير الأحزان بإسناده عن زوجة العباس بن عبد المطلب وهي ام الفضل لبابة بنت الحارث قالت: رأيت في النوم قبل مولد الحسين عليه السلام كأن قطع من لحم رسول الله قطعت ووضعت في حجري، فقصصت الرؤيا على رسول الله، فقال: إن صدقت رؤياك فان فاطمة ستلد غلاما وأدفعه إليك لترضعيه، فجرى الأمر على ذلك، فجئت به يوما فوضعته في حجري فبال، فقطرت منه قطرة على ثوبه صلى الله عليه واله فقرصته فبكى.

[247]

فقال كالمغضب: مهلا يا ام الفضل فهذا ثوبي يغسل وقد أوجعت ابني، قالت: فتركته ومضيت لآتيه بماء، فجئت فوجدته صلى الله عليه واله يبكي فقلت: مم بكاؤك يا رسول الله فقال: إن جبرئيل أتاني وأخبرني أن امتي تقتل ولدي هذا (1). قال: وقال أصحاب الحديث فلما أتت على الحسين سنة كاملة، هبط على النبي اثنا عشر ملكا على صور مختلفة أحدهم على صورة بني آدم يعزونه ويقولون إنه سينزل بولدك الحسين ابن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل، وسيعطى مثل أجر هابيل، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل، ولم يبق ملك إلا نزل إلى النبي يعزونه والنبي يقول: اللهم اخذل خاذله، واقتل قاتله، ولا تمتعه بما طلبه. وعن أشعث بن عثمان، عن أبيه، عن أنس بن أبي سحيم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: إن ابني هذا يقتل بأرض العراق، فمن أدركه منكم فلينصره فحضر أنس مع الحسين كربلا وقتل معه. ورويت عن عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش، عن شيخه أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، عن رجاله، عن عائشة قالت: دخل الحسين على النبي وهو غلام يدرج فقال: أي عائشة ألا اعجبك لقد دخل علي آنفا ملك ما دخل علي قط فقال: إن ابنك هذا مقتول، وإن شئت أريتك من تربته التي يقتل بها فتناول ترابا أحمر فأخذته ام سلمة فخزنته في قارورة فأخرجته يوم قتل وهو دم. وروي مثل هذا عن زينب بنت جحش. وعن عبد الله بن يحيى قال: دخلنا مع علي إلى صفين فلما حاذى نينوى نادى صبرا يا عبد الله، فقال: دخلت على رسول الله وعيناه تفيضان فقلت: بأبي أنت وامي يا رسول الله ما لعينيك تفيضان ؟ أغضبك أحد ؟ قال: لا، بل كان عندي جبرئيل فأخبرني أن الحسين يقتل بشاطئ الفرات، وقال: هل لك أن أشمك من تربته ؟ قلت: نعم فمد يده فأخذ قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن


(1) ترى الحديث في تذكرة خواص الامة ص 133 نقلا عن ابن سعد في الطبقات وقد ترك ذيل الخبر.

[248]

فاضتا، واسم الأرض كربلا. فلما أتت عليه سنتان خرج النبي إلى سفر فوقف في بعض الطريق واسترجع ودمعت عيناه فسئل عن ذلك فقال: هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلا يقتل فيها ولدي الحسين وكأني أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها، وكأني أنظر على السبايا على أقتاب المطايا وقد اهدي رأس ولدي الحسين إلى يزد لعنه الله، فوالله ما ينظر أحد إلى رأس الحسين ويفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه، وعذبه الله عذابا أليما. ثم رجع النبي من سفره مغموما مهموما كئيبا حزينا فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسين وخطب ووعظ الناس فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين، وقال: اللهم إن محمدا عبدك ورسولك وهذان أطائب عترتي، وخيار ارومتي، وأفضل ذريتي ومن اخلفهما في امتي وقد أخبرني جبرئيل أن ولدي هذا مقتول بالسم والآخر شهيد مضرج بالدم اللهم فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهداء اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله وأصله حر نارك، واحشره في أسفل درك الجحيم. قال: فضج الناس بالبكاء والعويل، فقال لهم النبي: أيها الناس أتبكونه ولا تنصرونه، اللهم فكن أنت له وليا وناصرا، ثم قال: يا قوم إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وارومتي ومزاج مائي، وثمرة فؤادي، ومهجتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ألا وإني لا أسألكم في ذلك إلاما أمرني ربي أن أسألكم عنه، أسألكم عن المودة في القربى، واحذروا أن تلقوني غدا على الحوض وقد آذيتم عترتي، وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم. ألا إنه سيرد علي يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامة: الاولى راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة فتقف علي فأقول لهم: من أنتم ؟ فينسون ذكري، ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقول لهم: أنا أحمد نبي العرب والعجم، فيقولون:

[249]

نحن من امتك، فأقول: كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربي ؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعناه، وأما العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض فلما أسمع ذلك منهم أعرض عنهم وجهي، فيصدرون عطاشا مسودة وجوههم. ثم ترد علي راية اخرى أشد سوادا من الاولى، فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين كتاب الله وعترتي ؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفناه، وأما الأصغر فمزقناهم كل ممزق، فأقول: إليكم عني فيصدرون عطاشا مسودة وجوههم. ثم ترد علي راية تلمع وجوههم نورا فأقول لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى من امة محمد المصطفى، ونحن بقية أهل الحق، حملنا كتاب ربنا وحللنا حلاله وحرمنا حرامه وأحببنا ذرية نبينا محمد، ونصرناهم من كل ما نصرنا به أنفسنا، وقاتلنا معهم من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيكم محمد ولقد كنتم في الدنيا كما قلتم، ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين مستبشرين ثم يدخلون الجنة خالدين فيها أبد الآبدين.

[250]

31. (باب) * " (ما أخبر به الرسول وأمير المؤمنين والحسين صلوات الله عليهم) " * * " (بشهادته صلوات الله عليه) " * 1 - ما: بإسناد أخي دعبل، عن الرضا، عن آبائه، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: حدثني أسماء بنت عميس الخثعمية قالت: قبلت (1) جدتك فاطمة بنت رسول الله بالحسن والحسين، قالت: فلما ولدت الحسن جاء النبي صلى الله عليه واله فقال: يا أسماء هاتي ابني، قالت فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها وقال: ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء، ودعا بخرقة بيضاء فلفه بها، ثم أذن في اذنه اليمني، وأقام في اذنه اليسرى، وقال لعلي عليه السلام: بما سميت ابني هذا ؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله قال: وأنا ما كنت لأسبق ربي عزوجل قال: فهبط جبرئيل قال: إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: يا محمد علي منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا بني بعدك فسم ابنك باسم ابن هارون، قال: النبي صلى الله عليه واله وما اسم ابن هارون ؟ قال جبرئيل: شبر، قال: وما شبر ؟ قال: الحسن قالت أسماء: فسماه الحسن. قالت أسماء: فلما ولدت فاطمة الحسين عليه السلام نفستها به فجاءني النبي فقال: هلم ابني يا أسماء، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، ففعل به كما فعل بالحسن قالت: وبكى رسول الله ثم قال: إنه سيكون لك حديث ! اللهم العن قاتله، لا تعلمي فاطمة بذلك. قالت أسماء: فلما كان في يوم سابعه جاءني النبي فقال: هلمي ابني فأتيته


(1) قبل المرأة - كعلم - قبالة - بالكسر - كانت قابلة وهى المرأة التى تأخذ الولد عند الولادة.

[251]

به: ففعل به كما فعل بالحسن وعق عنه كما عق عن الحسن كبشا أملح (1) وأعطى القابلة الورك ورجلا وحلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقا، وخلق رأسه بالخلوق وقال: إن الدم من فعل الجاهلية (2) قالت: ثم وضعه في حجره ثم قال: يا أبا عبد الله عزيز علي ثم بكى. فقلت: بأبي أنت وأمي فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأول فما هو ؟ قال: أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني امية لعنهم الله لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر بالله العظيم. ثم قال: اللهم إني أسألك فيهما ما سألك إبراهيم في ذريته اللهم أحبهما وأحب من يحبهما، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض (3).


(1) الملحة بياض يخالطه سواد، يقال: كبش أملح وتيس أملح: إذا كان شعره خليسا، وقد املح الكبش املحاحا: صار أملح ذكره الجوهرى، والخلوق، طيب معروف مركب من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الصفرة والحمرة. (2) روى ابو داود في سننه ج 2 ص 96 باسناده عن أبى بريدة يقول: كنا في الجاهلية إذا ولد لا حدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالاسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. نعم قد روى أبو داود عن حفص بن عمر النمري عن همام عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله " قال: كل غلام رهينة بعقيقة تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويدمى " قال: فكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به ؟ قال: إذا ذبحت رأسه أخذت منها صوفة واستقبلت به أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبى حتى يسيل على العقيقة مثل الخيط ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. لكهنم وهموا هماما في روايته ذلك وقالوا: ان الصحيح من الحديث " يسمى " بدل " يدمى ". (3) قد مر مثله في ج 43 ص 238 - 240 ب 11 تحت الرقم 4 عن الصدوق في عيون أخبار الرضا وعن ابن شهر آشوب في المناقب، فراجع.

[252]

بيان: نفستها به: لعل المعنى كنت قابلتها وإن لم يرد بهذا المعنى فيما عندنا من اللغة، ويحتمل أن يكون من نفس به بالكسر بمعنى ضن، أي ضننت به وأخذته منها، وخلقه تخليقا طيبه. قوله صلى الله عليه وآله " عزيز علي " أي قتلك قال الجزري: عز علي يعز أن أراك بحال سيئة أي يشتد ويشق علي. 2 - لى: السناني، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن علي بن عاصم، عن الحصين بن عبد الرحمان، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خرجته إلى صفين فلما نزل بنينوى وهو بشط الفرات قال بأعلا صوته: يا ابن عباس أتعرف هذا الموضع ؟ قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام: لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تكبي كبكائي. قال: فبكى طويلا حتى اخضلت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا وهو يقول: أوه أوه مالي ولآل أبي سفيان ؟ مالي ولآل حرب حزب الشيطان ؟ وأولياء الكفر ؟ صبرا يا أبا عبد الله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم. ثم دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم ذكر نحو كلامه الأول إلا أنه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة ثم انتبه فقال: يا ابن عباس فقلت: ها أناذا، فقال: ألا احدثك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي ؟ فقلت: نامت عيناك ورأيت خيرا يا أمير المؤمنين. قال: رأيت كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلدوا سيفوهم وهي بيض تلمع، وقد خطوا حول هذه الأرض خطة ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض تضطرب بدم عبيط وكأني بالخسين سخلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه يستغيث فيه فلا يغاث، وكأن الرجال البيض قد نزلوا من المساء ينادونه ويقولون: صبرا آل الرسول، فانكم تقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة، ثم يعزونني ويقولون: يا أبا الحسن أبشر، فقد أقر الله به عينك يوم يقوم الناس لرب العالمين.

[253]

ثم انتبهت هكذا، والذي نفس علي بيده، لقد حدثنى الصادق المصدق أبو القاسم صلى الله عليه وآله أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يدفن فيها الحسين عليه السلام وسبعة عشر رجلا من ولدي وولد فاطمة وإنها لفي السماوات معروفة، تذكر أرض كرب وبلاء، كما تذكر بقعة الحرمين، وبقعة بيت المقدس. ثم قال لي: يا ابن عباس اطلب في حولها بعر الظباء فوالله ما كذبت ولا كذبت وهي مصفرة لونها لون الزعفران، قال ابن عباس فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديتة يا أمير المؤمنين قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي، فقال علي عليه السلام: صدق الله ورسوله. ثم قام عليه السلام يهرول إليها فحملها وشمها، وقال: هي هي بعينها، أتعلم يا ابن عباس ما هذه الأبعار ؟ هذه قد شمها عيسى بن مريم، وذلك أنه مربها ومعه الحواريون فرأى ههنا الظباء مجتمعة وهي تبكي فجلس عيسي، وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون، وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى. فقالوا: يا روح الله وكلمته ما يبكيك ؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه ؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد صلى الله عليه واله وفرخ الحرة الطاهرة البتول، شبيهة امي، ويلحد فيها طينة أطيب من المسك لأنها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا يكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلمني و تفول: إنها ترعى في هذه الأرض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك وزعمت أنها آمنة في هذه الأرض. ثم ضرب بيده إلى هذه الصيران (1) فشمها وقال: هذه بعر الظباء على هذه الطيب لمكان حشيشها اللهم فأبقها أبدا حتى يشمها أبوه فيكون له عزاء وسلوة


(1) الصيران: جمع صوار - كغراب وكتاب - ومن معانيها وعاء المسك، كأنه أراد تشبيه البعر بنافجة المسك لطيبها، ويحتمل أن يكون جمع صور - بالفتح - وأراد به الحشيش الملتف النابت في تلك الارض. (*)

[254]

قال، فبقت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرت لطول زمنها وهذه أرض كرب وبلاء. ثم قال بأعلا صوته: يا رب عيسى بن مريم ! لا تبارك في قتلته، والمعين عليه والخاذل له. ثم بكى بكاء طويلا وبكينا معه حتى سقط لوجهه وغشي عليه طويلا ثم أفاق فأخذ البعر فصره في ردائه وأمرني أن أصرها كذلك ثم قال: يا ابن عباس إذا رأيتها تنفجر دما عبيطا، ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل بها، ودفن. قال ابن عباس: فو الله لقد كنت أحفظها أشد من حفظي لبعض ما افترض الله عزوجل علي وأنا لا احلها من طرف كمي فبينما أنا نائم في البيت إذا انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا، وكان كمي قد امتلأ دما عبيطا، فجلست وأنا باك وقلت قد قتل والله الحسين، والله ما كذبني علي قط في حديث حدثني ولا أخبرني بشئ قط أنه يكون إلا كان كذلك لأن رسول الله كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره. ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر فرأيت والله المدينة كأنها ضباب لا يستبين منها أثر عين ثم طلعت الشمس ورأيت كأنها منكسفة، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باك فقلت: قد قتل والله الحسين، وسمعت صوتا من ناحية البيت وهو يقول: اصبروا آل الرسول قتل الفرخ النحول (1) نزل الروح الأمين ببكاء وعويل ثم بكى بأعلا صوته وبكيت فأثبت عندي تلك الساعة وكان شهر المحرم يوم عاشورا لعشر مضين منه، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك فحدثت هذا الحديث اولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله لقد سمعنا ما سمعت


(1) كذا في النسخ كلها والصواب " النحيل " صفة من النحول وهو الانسب بقافية النظم.

[255]

ونحن في المعركة ولا ندري ما هو، فكنا نرى أنه الخضر عليه السلام (1). 3 - ك: أحمد بن محمد بن الحسن القطان، وكان شيخا لأصحاب الحديث ببلد الري، يعرف بأبي علي بن عبدربه، عن أحمد بن يحيى بن زكريا بالأسناد المتقدم مثله سواء (2). بيان: قال الجوهري: قولهم عند الشكاية أوه من كذا ساكنة الواو إنما هو توجع، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: آه من كذا، وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء، فقالوا: أوه من كذا وقال: " المضغة " قطعة لحم، وقلب الانسان مضغة من جسده. قوله عليه السلام: " ولا كذبت " على بناء المجهول، من قولهم كذب الرجل أي أخبر بالكذب أي ما أخبرني رسول الله بكذب قط ويحتمل أن يكون على بناء التفعيل أي ما أظهر أحد كذبي والأول أظهر، والضباب بالفتح ندى كالغيم أو سحاب رقيق كالدخان. قوله " أثر عين " أي من الأعيان الموجودة في الخارج والنحول من النحل بالضم (3) بمعنى الهزال. 4 - لى: القفطان، عن السكري، عن الجوهري، عن قيس بن حفص الدارمي، عن حسين الأشقر، عن منصور بن الأسود، أن أبي حسان التيمي، عن نشيط بن عبيد، عن رجل منهم، عن جرداء بنت سمين، عن زوجها هرثمة بن أبي مسلم قال: غزونا مع علي بن أبي طالب عليه السلام صفين فلما انصرفنا نزل بكربلا فصلى بها الغداة ثم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واها لك أيتها التربة


(1) أمالى الصدوق المجلس 87 تحت الرقم: 5. (2) كمال الدين ج 2 ص 214 - 217 ب 51 الرقم 4. (3) النحل بالضم: الاسم من النحلة - بالضم - وهى الدقة والهزال، وفى حديث معبد " لم تعبه نحلة " نقله الشرتونى في ذيل أقرب الموارد عن التاج. ولكن في سائر المعاجم النحل بالضم: مصدر نحل ينحل كقطع يقطع بمعنى اعطاء الشئ من غير عوض بطيب نفس وأما الذى بمعنى الهزال فهو النحول، وأظن ما ذكره التاج من كلام المولدين.

[256]

ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب. فرجع هرثمة إلى زوجته وكانت شيعة لعلي عليه السلام فقال: ألا احدثك عن وليك أبي الحسن نزل بكربلا فصلى ثم رفع إليه من تربتها فقال: واها لك أيتها التربة ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب قالت: أيها الرجل فان أمير المؤمنين عليه السلام لم يقل إلا حقا. فلما قدم الحسين عليه السلام قال هرثمة: كنت في البعث الذين بعثهم عبيد الله بن زياد لعنهم الله، فلما رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث فجلست على بعيري ثم صرت إلى الحسين عليه السلام فسلمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين، فقال: معنا أنت أم علينا ؟ فقلت: لا معك ولا عليك، خلفت صبية أخاف عليهم عبيدالله بن زياد قال: فامض حيث لا ترى لنا مقتلا ولا تسمع لنا صوتا فوا الذي نفس حسين بيده لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا إلا كبه الله لوجهه في [نار] جهنم (1). بيان: قال الجوهري: إذا تعجبت من طيب الشئ قلت: واها له ما أطيبه. أقول: لعل المراد أن مع سماع الواعية وترك النصرة العذاب أشد وإلا فالظاهر وجوب نصرتهم على أي حال. 5 - لى: أبي، عن الكميداني، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن عبيد السمين، عن ابن طريف، عن أصبغ بن نباته قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب الناس وهو يقول: " سلوني قبل أن تفقدوني فو الله لا تسألوني عن شئ مضى ولا عن شئ يكون إلا نبأتكم به " فقام إليه سعد بن أبي وقاص فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة ؟ فقال له: أما والله لقد سألني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه واله أنك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس، وإن في


(1) المصدر: المجلس 28، الرقم: 6. وترى مثله في شرح النهج لابن أبى الحديد ج 1 ص 350 و 351 نقلا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم.

[257]

بيتك لسخلا يقتل الحسين ابني، وعمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه (1). مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن أبي نجران، عن جعفر ابن محمد بن حكيم، عن عبيد السمين يرفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب الناس وذكر مثله (2). 6 - لى: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن الأزدي، عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من سره أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل جنة عدن منزلي، ويمسك قضيبا غرسه ربي عزوجل ثم قال له: كن فكان، فليتول علي بن أبي طالب وليأتم بالأوصياء من ولده، فانهم عترتي، خلقوا من طينتي، إلى الله أشكوا أعداءهم من امتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله ليقتلن ابني بعدي الحسين


(1) المصدر المجلس 28، تحت الرقم: 1، ولا يخفى ما في الحديث من تسمية الرجل السائل المتعنت بأنه سعد بن أبى وقاص، حيث ان سعد بن أبي وقاص اعتزل عن الجماعة وامتنع عن بيعة أمير المؤمنين على بن أبيطالب عليه السلام فاشترى أرضا واشتغل بها فلم يكن ليجئ الى الكوفة ويجلس الى خطبة على عليه السلام. على أن عمر بن سعد قد ولد في السنة التى مات فيها عمر بن الخطاب وهى سنة ثلاث وعشرين كما نص عليه ابن معين فكان عمر بن سعد حين يخطب على عليه السلام هذه الخطبة بالكوفة غلاما بالغا أشرف على عشرين لا انه سخل في بيته. ولما كان أصل القصة مسلمة مشهورة، عدل الشيخ المفيد في الارشاد - على ما سيأتي تحت الرقم 7 - عن تسمية الرجل، وتبعه الطبرسي في اعلام الورى 186، ولعل الصحيح ما ذكره ابن أبى الحديد حيث ذكر الخطبة في شرحه على النهج ج 1 ص 253 عن كتاب الغارات لابن هلال الثقفى عن زكريا بن يحيى العطار عن فضيل عن محمد بن على - عليهما السلام وقال في آخره: والرجل هو سنان بن أنس النخعي. (2) راجع كامل الزيارات ص 74. وقال فيه المحشى في عبيد السين: الظاهر انه هو عبد الحميد بن أبى العلاء الكوفى الشهير بالسمين.

[258]

لا أنا لهم الله شفاعتي (1). 7 - شا، ج: جاء في الآثار أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخطب فقال في خطبته " سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة ". فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟ فقال أمير المؤمنين: والله لقد حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله بما سألت عنه وإن على كل طاقة شعر في رأسك ملك يعلنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطان يستفزك وإن في بيتك لسخلا يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وآية ذلك مصداق ما خبرتك به ولولا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرتك به ولكن آية ذلك ما أنبأتك به من لعنتك وسخلك الملعون، وكان ابنه في ذلك الوقت صبيا صغيرا يحبوا. فلما كان من أمر الحسين ما كان تولى قتله كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (2) بيان: استنفره أي استخفه وأزعجه. 8 - ب: محمد بن عيسى، عن القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: مر علي بكربلا في اثنين من أصحابه قال: فلما مر بها ترقرقت عيناه للبكاء ثم قال: هذا مناخ ركابهم، وهذا ملقى رحالهم، وههنا تهراق دماؤهم، طوبى لك من تربة عليك تهراق دماء الأحبة (3). 9 - ير: محمد بن الحسين، عن يزيد شعر، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الرحمان، عن سعد الاسكاف، عن محمد بن علي بن عمر بن علي بن أبيطالب عليه السلام قال: قال رسول الله: من سره أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل جنة ربي التي وعدني: جنة عدن منزلي: قضيب من قضبانه غرسه ربي تبارك وتعالى بيده فقال له. كن ! فكان، فليتول علي بن أبي طالب والأوصياء من


(1) أمالى الصدوق المجلس 9 تحت الرقم 11. (2) الارشاد: ص 156، الاحتجاج: ص 132 واللفظ له. (3) المصدر ص 20.

[259]

ذريته، إنهم الأئمة من بعدي، هم عترتي من لحمي ودمي، رزقهم الله فضلي وعلمي وويل للمنكرين فضلهم من امتي، القاطعين صلتي، والله ليقتلن ابني لا أنالهم الله شفاعتي. مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن زكريا المؤمن، عن أيوب بن عبد الرحمان وزيد أبي الحسن وعباد جميعا، عن سعد الاسكاف، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (1). بيان: قوله قضيب أي فيها قضيب. 10 - ير: سلام بن أبي عمرة الخراساني، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أراد أن يحيى حياتي ويموت ميتتي، ويدخل جنة ربي: جنة عدن غرسه ربي، فليتول عليا وليعاد عدوه، وليأتم بالأوصياء من بعده، فانهم أئمة الهدى من بعدي أعطاهم الله فهمي وعلمي، وهم عترتي من لحمي ودمي، إلى الله أشكو من امتي المنكرين لفضلهم القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله ليقتلن ابني - يعني الحسين - لا أنا لهم الله شفاعتي. 11 - ير: عبد الله بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن سويد بن غفلة قال: أنا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من وادي القرى، وقد مات خالد بن عرفطة فقال له أمير المؤمنين: إنه لم يمت فأعادها عليه، فقال له علي عليه السلام: لم يمت والذي نفسي بيده لا يموت، فأعادها عليه الثالثة فقال: سبحان الله اخبرك أنه مات، وتقول لم يمت ؟ فقال له علي عليه السلام: لم يمت والذي نفسي بيده، لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جماز (2). قال: فسمع بذلك حبيب فأتى أمير المؤمنين فقال له: اناشدك في وإني لك شيعة، وقد ذكرتني بأمر لا والله ما أعرفه من نفسي، فقال له علي عليه السلام: إن كنت حبيب بن جماز فتحملنها [فولى حبيب بن جماز وقال: إن كنت حبيب


(1) كامل الزيارات ص 69 وفيه: عن أبى جعفر عليه السلام. (2) ضبطه في الاصابة: حبيب بن حمار.

[260]

ابن جماز لتحملنها] (1). قال أبو حمزة: فوالله ما مات حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي عليه السلام وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب صاحب رايته (2). 12 - شا: الحسن بن محبوب، عن ثابت الثمالي، عن أبي إسحاق السبيعي عن سويد بن غفلة عنه عليه السلام مثله وزاد في آخره: وسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل (3). مل: أبي، وابن الوليد معا، عن سعد، عن اليقطيني، عن صفوان وجعفر ابن عيسى، عن الحسين بن أبي غندر، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الحسين بن علي ذات يوم في حجر النبي صلى الله عليه واله يلاعبه ويضاحكه، فقالت عائشة: يا رسول الله ما أشد إعجابك بهذا الصبي ؟ فقال لها: ويلك وكيف لا احبه ولا اعجب به، وهو ثمرة فؤادي، وقرة عيني ؟ أما إن امتي ستقتله، فمن زاره بعد وفاته كتب الله له حجة من حججي. قالت: يا رسول الله حجة من حججك ؟ قال: نعم، وحجتين من حججي قالت: يا رسول الله حجتين من حججك ؟ قال: نعم، وأربعة قال: فلم تزل تزاده ويزيد ويضعف حتى بلغ تسعين حجة من حجج رسول الله صلى الله عليه واله بأعمارها (4). ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن جيش عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان، عن الحسين مثله (5). 13 - مل: محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن حماد * (هامش) (1) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمبانى. (2) بصائر الدرجات: ص 85. (3) الارشاد: ص 155 ومثله في الاختصاص: ص 280، اعلام الورى: ص 177، شرح النهج لابن أبى الحديد: ج 1 ص 253. (4) المصدر ص 68. (5) أمالى الشيخ ص 62.

[261]

الكوفي، عن إبراهيم بن موسى الأنصاري، عن مصعب، عن جابر، عن محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه اله: من سره أن يحيى حياتي، ويموت مماتي ويدخل جنتي: جنة عدن غرسها ربي بيده، فليتول عليا ويعرف فضله والأوصياء من بعده، ويتبرأ من عدوي، أعطاهم الله فهمي، وعلمي، هم عترتي من لحمي ودمي، أشكوا إليك ربي عدوهم من امتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي والله ليقتلن ابني ثم لا تنالهم شفاعتي (1). 14 - مل: الحسن بن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي ابن شجرة، عن عبد الله بن محمد الصنعاني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل الحسين عليه السلام اجتذبه إليه ثم يقول لأمير المؤمنين عليه السلام: أمسكه، ثم يقع عليه فيقبله ويبكي، فيقول: يا أبه لم تبكي ؟ فيقول: يا بني أقبل موضع السيوف منك وأبكي قال: يا أبه واقتل ؟ قال: إي والله وأبوك و أخوك وأنت قال: يا أبه فمصارعنا شتى ؟ قال: نعم، يا بني قال: فمن يزورنا من امتك ؟ قال: لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلا الصديقون من امتي (2). 15 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله ابن أبي الخطاب، عن علي ابن النعمان، عن عبد الرحمان بن سيابه، عن أبي داود البصري، عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام والحسين إلى جنبه فضرب بيده على كتف الحسين ثم قال: إن هذا يقتل ولا ينصره أحد، قال: قلت يا أمير المؤمنين ! والله إن تلك لحياة سوء قال: إن ذلك لكائن (3). مل: أبي، عن سعد والحميري ومحمد العطار جميعا، عن ابن أبي الخطاب مثله.


(1) كامل الزيارات ب 22 الرقم 7. (2) المصدر ص 70. (3) المصدر ص 71 وفيه عن ابى داود السبيعى.

[262]

16 - مل: محمد بن جعفر، عن خاله ابن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم عن عمرو بن سعيد، عن يزيد بن إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي عليه السلام قال: ليقتل الحسين قتلا وإني لأعرف تربة الأرض التي يقتل عليها قريبا من النهرين. مل: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب مثله. 17 - مل: محمد بن جعفر، عن خاله ابن أبي الخطاب، وحدثني أبي وجماعة عن سعد ومحمد العطار معا عن ابن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعيد، عن علي بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي للحسين: يا أبا عبد الله اسوة أنت قدما ؟ فقال: جعلت فداك ما حالي ؟ قال: علمت ما جهلوا وسينتفع عالم بما علم، يا بني اسمع وأبصر من قبل أن يأتيك فو الذي نفسي بيده ليسفكن بنو امية دمك ثم لا يريدونك عن دينك، ولا ينسونك. ذكر ربك، فقال الحسين عليه السلام: والذي نفسي بيده حسبي، وأقررت بما أنزل الله واصدق نبي الله ولا اكذب قول أبي. بيان: الإسوة ويضم القدوة، وما يأتسي به الحزين أي ثبت قديما أنك اسوة الخلق يقتدون بك، أو يأتسي بذكر مصيبتك كل حزين. قوله عليه السلام: " لا يريدونك " أي لا يريدون صرفك عن دينك والأصوب لا يردونك (1). 18 - شا: روى إسماعيل بن صبيح، عن يحيى بن المسافر العابدي، عن إسماعيل بن زياد [قال] إن عليا عليه السلام قال للبراء بن عازب ذات يوم: يا براء يقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره، فلما قتل الحسين عليه السلام كان البراء بن عازب يقول: صدق والله علي بن أبي طالب، قتل الحسين ولم أنصره، ثم يظهر على ذلك الحسرة والندم (2).


(1) بل الصحيح: " لا يزيلونك " كما في المصدر ص 72، و " يريدونك " تصحيف منه ظاهر. (2) الارشاد: ص 156.

[263]

19 - كشف، شا، روى عبد الله بن شريك العامري قال: كنت أسمع أصحاب علي إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون هذا قاتل الحسين، وذلك قبل أن يقتل بزمان طويل (1). 10 - كشف، شا: روى سالم بن أبي حفصة قال: قال عمر بن سعد للحسين عليه السلام: يا أبا عبد الله إن قبلنا ناسا سفهاء يزعمون أني أقتلك فقال له الحسين: إنهم ليسوا سفهاء ولكنهم حلماء أما إنه يقر عيني أن لا تأكل بر العراق بعدي إلا قليلا (2). 21 - قب: ابن عباس: سألت هند عائشة أن تسأل النبي تعبير رؤيا فقال: قولي لها: فلتقصص رؤياها فقالت: رأيت كأن الشمس قد طلعت من فوقي، والقمر قد خرج من مخرجي، وكأن كوكبا خرج من القمر أسود فشد على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها فاسود الافق لابتلاعها ثم رأيت كواكب بدت من السماء وكواكب مسودة في الأرض إلا أن المسودة أحاطت بافق الأرض من كل مكان. فاكتحلت عين رسول الله صلى الله عليه واله بدموعه ثم قال: هي هند اخرجي يا عدوة الله - مرتين - فقد جددت علي أحزاني ونعيت إلي أحبابي فلما خرجت قال: اللهم العنها والعن نسلها. فسئل عن تفسيرها فقال عليه السلام: أما الشمس التي طلعت عليها فعلي بن أبي طالب عليه السلام والكوكب الذي خرج كالقمر أسود فهو معاوية مفتون فاسق جاحد لله، وتلك الظلمة التي زعمت، ورأت كوكبا يخرج من القمر أسود فشد على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها فاسودت فذلك ابني الحسين عليه السلام يقتله ابن معاوية فتسود الشمس ويظلم الافق، وأما الكواكب السود في الأرض أحاطت بالأرض من كل مكان فتلك بنو امية (3).


(1) كشف الغمة: ج 2 ص 178، ارشاد المفيد: ص 235. (2) ارشاد المفيد: ص 235، كشف الغمة: ج 2 ص 178. (3) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 72.

[264]

22 - فر: جعفر بن محمد الفزاري معنعنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الحسن مع امه تحمله فأخذه النبي صلى الله عليه واله وقال: لعن الله قاتلك، ولعن الله سالبك وأهلك الله المتوازين عليك، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك. قالت فاطمة الزهراء: يا أبت أي شئ تقول ؟ قال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي، وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء، ويتهادون إلى القتل، وكأني أنظر إلى معسكرهم، وإلى موضع رحالهم وتربتهم. قالت: يا أبه وأين هذا الموضع الذي تصف ؟ قال: موضع يقال له كربلا وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الامة (1) يخرج عليهم شرار امتي لو أن أحدهم شفع له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيه، وهم المخلدون في النار. قالت: يا أبه فيقتل ؟ قال: نعم يا بنتاه، وما قتل قتلته أحد كان قبله ويبكيه السماوات والأرضون، والملائكة، والوحش، والنباتات، والبحار، والجبال ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس، ويأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم اولئك مصابيح في ظلمات الجور، وهم الشفعاء، وهم واردون حوضي غدا أعرفهم إذا وردوا علي بسيماهم، وكل أهل دين يطلبون أئمتهم، وهم يطلبوننا لا يطلبون غيرنا، وهم قوام الأرض، وبهم ينزل الغيث. فقالت فاطمة الزهراء عليها السلام: يا أبه إنا لله، وبكت فقال لها: يا بنتاه ! إن أفضل أهل الجنان هم الشهداء في الدنيا، بذلوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا، فما عند الله خير من الدنيا وما فيها قتلة أهون من ميتة، ومن كتب عليه القتل، خرج إلى مضجعه، ومن لم يقتل فسوف يموت. يا فاطمة بنت محمد أما تحبين أن تأمرين غدا بأمر فتطاعين في هذا الخلق عند


(1) الائمة خ ل.

[265]

الحساب ؟ أما ترضين أن يكون ابنك من حملة العرش ؟ أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه يسألونه الشفاعة ؟ أما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض فيسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه ؟ أما ترضين أن يكون بعلك قسيم النار: يأمر النار فتطيعه، يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء. أما ترضين أن تنظرين إلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليك وإلى ما تأمرين به، وينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله فما ترين الله صانع بقاتل ولدك وقاتليك وقاتل بعلك إذا أفلجت حجته على الخلائق، وامرت النار أن تطيعه ؟ أما ترضين أن يكون الملائكة تبكي لابنك، وتأسف عليه كل شئ ؟ أما ترضين أن يكن من أتاه زائرا في ضمان الله ويكون من أتاه بمنزلة من حج إلى بيت الله واعتمر، ولم يخل من الرحمة طرفة عين، وإذا مات مات شهيدا وإن بقي لم تزل الحفظة تدعو له ما بقي، ولم يزل في حفظ الله وأمنه حتى يفارق الدنيا. قالت: يا أبه سلمت، ورضيت وتوكلت على الله، فمسح على قلبها ومسح عينيها، وقال: إني وبعلك وأنت وابنيك في مكان تقر عيناك، ويفرح قلبك (1). مل: محمد الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن مسمع ابن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله إلى قوله: بهم ينزل الغيث ثم قال: وذكر هذا الحديث بطوله (2). بيان: قوله: " يتهادون إلى القتل " إما من الهدية كأنه يهدي بعضهم بعضا إلى القتل، أو من قولهم: تهادت المرأة: تمايلت في مشيتها، أو من قولهم هداه أي تقدمه أي يتسابقون، وعلى التقديرات كناية عن فرحهم وسرورهم بذلك، والذود الطرد والدفع.


(1) تفسير فرات: ص 55 و 56. (2) كامل الزيارات ص 69.

[266]

أقول: قد مر بعض الأخبار في باب الولادة. 23 - وروي في بعض الكتب المعتبرة عن لوط بن يحيى، عن عبد الله بن قيس قال: كنت مع من غزى مع أمير المؤمنين عليه السلام في صفين وقد أخذ أبو أيوب الأعور السلمي (1) الماء وحرزه عن الناس فشكى المسلمون العطش فأرسل فوارس على كشفه فانحرفوا خائبين، فضاق صدره، فقال له ولده الحسين عليه السلام أمضي إليه يا أبتاه ؟ فقال: امض يا ولدي، فمضى مع فوارس فهزم أبا أيوب عن الماء، وبنى خيمته وحط فوارسه، وأتى إلى أبيه وأخبره. فبكى علي عليه السلام فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ وهذا أول فتح ببركة الحسين عليه السلام فقال: ذكرت أنه سيقتل عطشانا بطف كربلا، حتى ينفر فرسه ويحمحم ويقول: " الظليمة الظليمة لأمة قتلت ابن بنت نبيها ". 24 - وروى ابن نما - ره - في مثير الأحزان، عن ابن عباس قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه واله مرضه الذي مات فيه، ضم الحسين عليه السلام إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه، ويقول: ما لي وليزيد لا بارك الله فيه اللهم العن يزيد ثم غشي عليه طويلا وأفاق وجعل يقبل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول: أما إن لي ولقاتلك مقاما بين يدي الله عزوجل. 25 - في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: حسين إذا كنت في بلدة غريبا فعاشر بآدابها فلا تفخرن فيهم بالنهي فكل قبيل بألبابها


(1) هو عمرو بن سفيان بن عبد شمس ينتهى نسبه الى ثعلبة بن بهثة بن سليم، وهو مشهور بكنيته وهى " أبو الأعور " ولم نر في أصحاب التراجم من كناه بأبى أيوب، كان مع معاوية وكان من أشد من عنده على على عليه السلام وكان عليه السلام يذكره في القنوت في صلاة الغداة ويدعو عليه، وهو الذى كان على المشارع يوم صفين حين منعوا الماء عن عسكر على عليه السلام، والمشهور أن الذى طردهم عن المشرعة، الاشتر في اثنى عشر ألفا من أهل العراق.

[267]

ولو عمل ابن أبي طالب بهذا الامور كأسبابها ولكنه اعتام أمر الا له فأحرق فيهم بأنيابها عذيرك من ثقة بالذي ينيلك دنياك من طابها فلا تمرحن لأوزارها ولا تضجرن لأوصابها قس الغد بالأمس كى تستريح فلا تبتغي سعي رغابها كأني بنفسي وأعقابها وبالكربلاء ومحرابها فتخضب منا اللحى بالدما ء خضاب العروس بأثوابها أراها ولم يك رأي العيان واوتيت مفتاح أبوابها مصائب تأباك من أن ترد فأعدد لها قبل منتابها سقى الله قائمنا صاحب القيامة والناس في دأبها هو المدرك الثأر لي يا حسين بل لك فاصبر لأتعابها لكل دم ألف ألف وما يقصر في قتل أحزابها هنالك لا ينفع الظالمين قول بعذر وإعتابها حسين فلا تضجرن للفراق فديناك أضحت لتخرابها سل الدور تخبر وأفصح بها بأن لا بقاء لأربابها أنا الدين لا شك للمؤمنين بآيات وحي وإيجابها لناسمة الفخر في حكمها فصلت علينا باعرابها فصل على جدك المصطفى وسلم عليه لطلابها بيان: " ولو عمل " " لو " للتمني، وقال الجوهري: العيمة بالكسر خيار المال واعتام الرجل إذا أخذ العيمة، وقال: حرقت الشئ حرقا بردته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم حرق نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف. وقال: " عذيرك من فلان " أي هلم من يعذرك منه، بل يلومه ولا يلومك. وقال الرضي: معنى من فلان: من أجل الإساءة إليه وإيذائه أي أنت ذو عذر

[268]

فيما تعامله به من المكروه، وإضافة الدنيا إلى المخاطب للإشعار بأن لا علاقة بينه عليه السلام وبين الدنيا. وقال الجوهري: الطاب الطيب، وقال: المرح شدة الفرح، وقال: الوصب المرض. وقوله " سعي " إما مفعول به لقوله " لا تبتغي " أو مفعول مطلق من غير اللفظ والمحراب محل الحرب، والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، والمنتاب مصدر ميمي من قولهم انتاب فلان القوم أي أتاهم مرة بعد اخرى. ووصف القائم عليه السلام بصاحب القيامة لاتصال زمانه بها أو لرجعة بعض الأموات في زمانه، والدأب مصدر دأب في عمله أي جد وتعب أو العادة والشأن، والأتعاب بالفتح جمع التعب والإعتاب الإرضاء، والتخراب بالفتح مبالغة في الخراب وتخبر على بناء الفاعل أو المفعول، وأفصح بها للتعجب، والحمل في أنا الدين للمبالغة، وإشارة إلى قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم " (1) وإلى أن الاسلام لا يتم إلا بولايته لقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " (2). وقوله عليه السلام: للمؤمنين متعلق بالنسبة بين أنا والدين أو خبر " لا " وبآيات متعلق بالنسبة أو بالمؤمنين قوله " وإيجابها " أي إيجاب الآيات طاعتي وولايتي على الناس والمصراع بعده إشارة إلى ما نزل في شأن أهل البيت عليهم السلام عموما وإسناد الصلاة إلى الآيات مجاز، والإعراب الإظهار والبيان. وقال شارح الديوان: المصراع الذي بعده إشارة إلى قراءة نافع وابن عامر ويعقوب " آل ياسين " بالاضافة وإلى ما روي أن " يس " اسم محمد صلى الله عليه واله أو إلى قوله تعالى: " وسلام على عباده الذين اصطفى " ولطف " إعرابها " على التوجيه الأول غير خفي انتهى. أقول: لا وجه للتخصيص غير التعصب، بل ربع القرآن نازل فيهم عليهم السلام كما عرفت وستعرفه.


(1) المائدة: 7. (2) آل عمران: 18.

[269]

32. * (باب) * * " (أن مصيبته صلوات الله عليه كان أعظم المصائب، وذل الناس) " * * " (بقتله، ورد قول من قال انه عليه السلام لم يقتل) " * * " (ولكن شبه لهم) " * 1 - ع: محمد بن علي بن بشار القزويني، عن المظفر بن أحمد، عن الأسدي عن سهل، عن سليمان بن عبد الله، عن عبد الله بن الفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يا ابن رسول الله كيف صار يوم عاشورا يوم مصيبة وغم وجزع وبكاء دون اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه واله ؟ واليوم الذي ماتت فيه فاطمة عليها السلام ؟ واليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين عليه السلام ؟ واليوم الذي قتل فيه الحسن عليه السلام بالسم ؟. فقال: إن يوم قتل الحسين عليه السلام أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام، وذلك أن أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله كانوا خمسة فلما مضى عنهم النبي، بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فكان فيهم للناس عزاء وسلوة، فلما مضت فاطمة عليها السلام كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام للناس عزاء وسلوة، فلما مضى منهم أمير المؤمنين كان للناس في الحسن والحسين عليهما السلام عزاء وسلوة فلما مضى الحسن عليه السلام كان للناس في الحسين عزاء وسلوة. فلما قتل الحسين صلى الله عليه لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة، فكان ذهباه كذهاب جميعهم، كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصيبة. قال عبد الله بن الفضل الهاشمي: فقلت له: يا ابن رسول الله فلم لم يكن للناس في علي بن الحسين عليهما السلام عزاء وسلوة، مثل ما كان لهم في آبائه عليهم السلام ؟ فقال: بلى

[270]

إن علي بن الحسين كان سيد العابدين، وإماما وحجة على الخلق بعد آبائه الماضين، ولكنه لم يلق رسول الله صلى الله عليه واله، ولم يسمع منه، وكان علمه وراثة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه واله، وكان أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قد شاهدهم الناس مع رسول الله صلى الله عليه واله في أحوال تتوالى، فكانوا متى نظروا إلى أحد منهم تذكروا حاله من رسول الله صلى الله عليه واله وقول رسول الله صلى الله عليه واله له وفيه، فلما مضوا فقد الناس مشاهدة الأكرمين على الله عز وجل، ولم يكن في أحد منهم فقد جميعهم إلا في فقد الحسين عليه السلام لأنه مضى في آخرهم، فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصيبة. قال عبد الله بن الفضل الهاشمي: فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف سمت العامة يوم عاشورا يوم بركة ؟ فبكى عليه السلام ثم قال: لما قتل الحسين عليه السلام تقرب الناس بالشام إلى يزيد، فوضعوا له الأخبار وأخذوا عليها الجوائز من الأموال، فكان مما وضعوا له أمر هذا اليوم، وأنه يوم بركة، ليعدل الناس فيه من الجزع والبكاء والمصيبة والحزن، إلى الفرح والسرور والتبرك والاستعداد فيه، حكم الله بيننا وبينهم. قال: ثم قال عليه السلام: يا ابن عم وإن ذلك لأقل ضررا على الاسلام وأهله مما وضعه قوم انتحلوا مودتنا وزعموا أنهم يدينون بموالاتنا ويقولون بامامتنا: زعموا أن الحسين عليه السلام لم يقتل وأنه شبه للناس أمره كعيسى بن مريم فلا لائمة إذا على بني امية ولا عتب على زعمهم، يا ابن عم من زعم أن الحسين لم يقتل فقد كذب رسول الله وعليا وكذب من بعده من الائمة عليهم السلام في إخبارهم بقتله، ومن كذبهم فهو كافر بالله العظيم، ودمه مباح لكل من سمع ذلك منه. قال عبد الله بن الفضل: فقلت له: يا ابن رسول الله فما تقول في قوم من شيعتك يقولون به ؟ فقال عليه السلام: ما هؤلاء من شيعتي، وأنا برئ منهم، قال: فقلت: فقول الله عزوجل: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا

[271]

قردة خاسئين " (1) قال: إن اولئك مسخوا ثلاثة أيام ثم ماتوا ولم يتناسلوا، وإن القردة اليوم مثل اولئك وكذلك الخنزير وسائر المسوخ، ما وجد منها اليوم من شئ فهو مثله لا يحل أن يؤكل لحمه. ثم قال عليه السلام: لعن الله الغلاة والمفوضة فانهم صغروا عصيان الله، وكفروا به وأشركوا وضلوا وأضلوا فرارا من إقامة الفرائض وأداء الحقوق (2). 2 - ل: الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده، عن داود، عن عيسى ابن عبد الرحمن بن صالح، عن أبي مالك الجهني، عن عمر بن بشر الهمداني قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس ؟ قال: حين قتل الحسين بن علي عليهما السلام وادعي زياد، وقتل حجر بن عدي. 3 - ج: الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: ورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام علي، على يد محمد بن عثمان العمري بخطه عليه السلام: أما قول من زعم أن الحسين لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال (3). 4 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: إن في سواد الكوفة قوما يزعمون أن النبي لم يقع عليه سهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو قال: قلت: يا ابن رسول الله وفيهم قوم يزعمون أن الحسين بن علي لم يقتل وأنه القي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي وأنه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم عليه السلام، ويحتجون بهذه الآية " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (4). فقال: كذبوا عليهم غضب الله ولعنته، وكفروا بتكذيبهم لنبي الله في إخباره بأن الحسين بن علي عليهما السلام سيقتل والله لقد قتل الحسين وقتل من كان خيرا من


(1) البقرة: 62. (2) علل الشرائع: ج 1 ص 125 - 127 باب 162. (3) الاحتجاج: ص 243. (4) النساء: ص 141.

[272]

الحسين أمير المؤمنين والحسن بن علي، وما منا إلا مقتول، وأنا والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني، أعرف ذلك بعهد معهود إلي من رسول الله، أخبره به جبرئيل عن رب العالمين. وأما قول الله عزوجل: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " فانه يقول: ولن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة، ولقد أخبر الله عزوجل من كفار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا من طريق الحجة (1). أقول: قد مضى كلام من الصدوق رحمه الله في باب علامات الامام في ذلك لا نعيده.


(1) عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 203، باب 46 الرقم 5.

[273]

33. * (باب) * " (العلة التى من أجلها لم يكف الله قتلة الائمة عليهم السلام) " * * " (ومن ظلمهم عن قتلهم وظلمهم، وعلة ابتلائهم) " * * (صلوات الله عليهم أجمعين) * 1 - ك، ج، ع: محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري فقام إليه رجل فقال له: اريد أن أسألك عن شئ، فقال له: سل عما بدالك فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عليهما السلام أهو ولي الله ؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قاتله أهو عدو الله ؟ قال: نعم، قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله عدوه على وليه ؟. فقال له أبو القاسم قدس الله روحه: افهم عني ما أقول لك اعلم أن الله عزوجل لا يخاطب الناس بشهادة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنه عزوجل بعث إليهم رسولا، من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم، فلو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم، فلما جاؤهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق قالوا لهم: أنتم مثلنا فلا نقبل منكم حتى تأتونا بشئ نعجز أن نأتي بمثله، فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل الله عزوجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإنذار والإعذار فغرق جميع من طغى وتمرد، ومنهم من القي في النار، فكانت عليه بردا وسلاما ومنهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة وأجرى في ضرعها لبنا، ومنهم من فلق له البحر وفجر له من الحجر العيون، وجعل له العصا اليابسة ثعبانا فتلقف ما يأفكون ومنهم من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله عزوجل وأنبأهم

[274]

بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ومنهم من انشق له القمر وكلمه البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك. فلما أتوا بمثل هذه المعجزات، وعجز الخلق من اممهم عن أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله عزوجل، ولطفه بعباده وحكمته، أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين، وفي اخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين، وفي حال مقهورين، ولو جعلهم عزوجل في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله عزوجل، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن الاختبار. ولكنه عزوجل جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين، وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين، غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد أن لهم عليهم السلام إلها هو خالقهم ومدبرهم، فيعبدوه ويطيعوا رسله وتكون حجة الله تعالى ثابتة على من تجاوز الحد فيهم، وادعى لهم الربوبية، أو عاند وخالف وعصى وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق: فعدت إلى الشيخ أبي القاسم بن الحسين ابن روح قدس الله روحه من الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه ؟ فابتدأني فقال لي: يا محمد بن إبراهيم لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله تعالى ذكره برأيي ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، ومسموع عن الحجة صلوات الله عليه (1). بيان: فتخطفني: أي تأخذني بسرعة، والسحيق: البعيد.


(1) راجع الاحتجاج ص 243. علل الشرائع ج 1 ص 230: باب 177 تحت الرقم 1، كمال الدين ج 2 ص 184.

[275]

2 - ب: محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " (1) قال: فقال: هو ويعفو عن كثير قال: قلت له: ما أصاب عليا وأشباهه من أهل بيته من ذلك ؟ قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يتوب إلى الله عزوجل كل يوم سبعين مرة من غير ذنب (2). 3 - ل: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: إن أيوب عليه السلام ابتلي سبع سنين من غير ذنب وإن الأنبياء لا يذنبون لأنهم معصومون مطهرون، لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا. وقال عليه السلام: إن أيوب عليه السلام من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدود (3) شئ من جسده وهكذا يصنع الله عزوجل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره، بجهلهم بما له عند ربه تعالى ذكره، من التأييد والفرج، وقد قال النبي صلى الله عليه واله: أعظم الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وإنما ابتلاه الله عزوجل بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلا يدعوا له الربوبية إذا شاهد واما أراد الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه تعالى متى شاهدوه، ليستدلوا بذلك على أن الثواب من الله تعالى ذكره على ضربين: استحقاق واختصاص، ولئلا يحتقروا ضعيفا لضعفه، ولا فقيرا لفقره، ولا مريضا لمرضه، وليعلموا أنه يسقم من يشاء، ويشفي من يشاء، متى شاء، كيف شاء بأي سبب شاء، ويجعل ذلك عبرة لمن شاء، وشقاوة لمن شاء، وسعادة لمن شاء، وهو


(1) الشورى: 30. (2) قرب الاسناد ص 103. (3) يقال: داد الطعام يداد دودا وتدود واداد: صار فيه الدود فهو مدود.

[276]

عزوجل في جميع ذلك عدل في قضائه، وحكيم في أفعاله: لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ولا قوة لهم إلا به. 4 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " أرأيت ما أصاب عليا وأهل بيته هو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يتوب إلى الله عزوجل ويستغفره في كل يوم وليلة مائة مرة من غير ذنب، إن الله عزوجل يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب (1). بيان: أي كما أن الاستغفار يكون في غالب الناس لحط الذنوب وفي الأنبياء لرفع الدرجات، فكذلك المصائب. 5 - ير: أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن ضريس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول واناس من أصحابه حوله: وأعجب من قوم يتولوننا ويجعلوننا أئمة، ويصفون بأن طاعتنا عليهم مفترضة كطاعة الله ثم يكسرون حجتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصون حقنا ويعيبون بذلك علينا من أعطاه الله برهان حق معرفتنا، والتسليم لأمرنا، أترون أن الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثم يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض، ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم ؟ فقال له حمران: جلعت فداك يا أبا جعفر أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب عليه السلام والحسن والحسين وخروجهم وقيامهم بدين الله وما اصيبوا به من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم، حتى قتلوا أو غلبوا ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: يا حمران إن الله تبارك وتعالى قد كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه، ثم أجراه، فبتقدم علم من رسول الله إليهم في ذلك قام علي والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وبعلم صمت من صمت منا.


(1) معاني الاخبار ص 383 و 384.

[277]

ولو أنهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله وإظهار الطواغيت عليهم، سألوا الله دفع ذلك عنهم، وألحوا عليه في طلب إزالة ملك الطواغيت، إذا لأجابهم ودفع ذلك عنهم، ثم كان انقضاء مده الطواغيت وذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد، وما كان الذي أصابهم من ذلك يا حمران لذنب اقترفوه ولا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغوها فلا تذهبن فيهم المذاهب.

[278]

(34) (باب) * (ثواب البكاء على مصيبته، ومصائب سائر) * " (الائمة عليهم السلام، وفيه أدب المأتم يوم عاشورا) " 1 - لى: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال: قال الرضا عليه السلام: من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا، كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (1). 2 - ن: القطان والنقاش والطالقاني جميعا، عن أحمد الهمداني، عن ابن فضال، عن أبيه قال: قال الرضا عليه السلام: من تذكر مصابنا فبكى وأبيكى لم تبك إلى آخر الخبر (2). 3 - فس: أبي، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر (3). 4 - جا، ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن سليمان بن مسلم الكندي، عن ابن غزوان، عن عيسى بن أبي منصور، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة وكتمان سرنا جهاد في سبيل الله. ثم قال أبو عبد الله: يجب أن يكتب هذا الحديث بالذهب.


(1) أمالى الصدوق المجلس 17 - الرقم 4. (2) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 294. (3) تفسير القمى ص 616.

[279]

5 - مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن أبان الأحمر، عن محمد بن الحسين الخزاز، عن ابن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنا عنده فذكرنا الحسين بن علي عليه السلام وعلى قاتله لعنة الله فبكى أبو عبد الله عليه السلام وبكينا قال: ثم رفع رأسه فقال: قال الحسين بن علي عليه السلام: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى، وذكر الحديث (1). 6 - مل: السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن مسكان، عن ابن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال الحسين بن علي: أنا قتيل العبرة قتلت مكروبا، وحقيق على [الله] أن لا يأتيني مكروب [قط] إلا رده الله أو أقلبه إلى أهله مسرورا (2). مل: حكيم بن داود، عن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن ابن خارجة مثله. بيان: قوله: " أنا قتيل العبرة " أي قتيل منسوب إلى العبرة والبكاء، وسبب لها، أو اقتل مع العبرة والحزن وشدة الحال، والأول أظهر. 7 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن عبد الحميد عن محمد بن عمرو بن عتبة، عن الحسين الأشقر، عن محمد بن أبي عمارة الكوفي قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: من دمعت عينه فينا دمعة لدم سفك لنا أو حق لنا نقصناه، أو عرض انتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا، بواه الله تعالى بها في الجنة حقبا (3). جا: الجعابي مثله. 8 - جا، ما: المفيد، عن أبي عمرو عثمان الدقاق، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن يحيى الأودي، عن مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقبا.


(1 و 2) راجع كامل الزيارات ص 108 و 109. (3) أمالى الشيخ الطوسى: ص 121.

[280]

قال أحمد بن يحيى الأودي: فرأيت الحسين بن علي عليهما السلام في المنام فقلت: حدثني مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عنك أنك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقبا ؟ قال: نعم، قلت: سقط الاسناد بيني وبينك (1). بيان: الحقب كناية عن الدوام قال الفيروز آبادي: الحقبة بالكسر من الدهر مدة لاوقت لها، والسنة والجمع كعنب وحبوب و [الحقب] بالضم وبضمتين ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة والسنون والجمع أحقاب وأحقب. 9 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الأنصاري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام. 10 - مل: أبي، وعلي بن الحسين وابن الوليد، جميعا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن أبي يحيى الحذاء، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نظر أمير المؤمنين إلى الحسين عليهما السلام فقال: يا عبرة كل مؤمن، فقال: أنا يا أبتاه ؟ فقال: نعم، يا بني (2). 11 - مل: جماعة مشايخي، عن محمد العطار، عن الحسين بن عبيد الله، عن ابن أبي عثمان، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن أبي عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسين بن علي عند أبي عبد الله في يوم قط فرئي أبو عبد الله عليه السلام متبسما في ذلك اليوم إلى الليل، وكان أبو عبد الله عليه السلام يقول: الحسين عبرة كل مؤمن. مل: محمد بن جعفر، عن ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي، عن ابن أبي عمير عن علي بن المغيرة، عن أبي عمارة مثله إلى قوله: في ذلك اليوم والليل. 12 - مل: أبي، عن سعد، عن الخشاب، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل ابن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الحسين عليه السلام: أنا قتيل العبرة.


(1) كتاب المجالس: ص 72. (2) المصدر ب 36 تحت الرقم 1 وما بعده الرقم 2 و 4.

[281]

13 - ما: المفيد، عن الحسين بن محمد النحوي، عن أحمد بن مازن، عن القاسم بن سليمان، عن بكر بن هشام، عن إسماعيل بن مهران، عن الأصم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن الحسين بن علي عند ربه عزوجل ينظر إلى معسكره ومن حله من الشهداء معه، وينظر إلى زواره، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عزوجل من أحدكم بولده وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه عليهم السلام أن يستغفروا له، ويقول: لو يعلم زائري ما أعد الله له لكان فرحه أكثر من جزعه، وإن زائره لينقلب وما عليه من ذنب (1). 14 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن العلا، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا، وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى يسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه الله مبوأ صدق في الجنة، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار (2). مل: الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن ابن محبوب مثله (3). ثو: ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى عن ابن محبوب مثله (4). أقول: روى السيد بن طاوس هذا الخبر مرسلا وفيه مكان دمعت أولا " ذرفت " وفيه: أيما مؤمن مسه أذى فينا صرف الله عن وجهه الاذى وآمنه يوم القيامة من سخط النار (5).


(1) امالي الشيخ ص: 34. (2 - 4) تفسير القمى ص 616، ثواب الاعمال ص 47، كامل الزيارات ص 100. (5) رواه في مقدمة كتابه الملهوف تراه في ص 302 من طبع الكمبانى في ذيل البحار المجلد العاشر.

[282]

بيان: المضاضة بالفتح وجع المصيبة وذرفت عينه سال دمعها. 14 - ب: ابن سعد، عن الأزدي، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال لفضيل: تجلسون وتحدثون ؟ قال: نعم جعلت فداك قال: إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا يا فضيل ! فرحم الله من أحيى أمرنا، يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر (1). 15 - لى: العطار، عن أبيه، عن الأشعري، عن اللؤلؤي، عن ابن أبي عثمان عن علي بن المغيرة، عن أبي عمارة المنشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا عمارة أنشدني، في الحسين بن علي قال: فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى قال: فو الله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار. قال: فقال: يا باعمارة من أنشد في الحسين بن علي شعرا فأبكى خمسين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأكبي عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكى عشرة فله الجنة ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكى واحدا فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فبكى فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فتباكى فله الجنة (2). ثو: ما جيلويه، عن محمد العطار، عن الأشعري مثله (3). مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عثمان مثله (4). 16 - كش: نصر بن الصباح، عن ابن عيسى، عن يحيى بن عمران، عن ممد بن سنان، عن زيد الشحام، قال: كنا عند أبي عبد الله ونحن جماعة من الكوفيين فدخل جعفر بن عفان (5) على أبي عبد الله عليه السلام فقر به وأدناه ثم قال: يا جعفر


(1) قرب الاسناد: ص 26. (2 - 4) أمالى الصدوق: المجلس 29 - الرقم 6 ثواب الاعمال: ص 47، كامل الزيارات ص 105. (5) عنونه ابن داود في رجاله وقال: جعفر بن عثمان الطائى شاعر أهل البيت: ثم أشار الى هذا الحديث المروى في الكشى ص 187 وقال: ممدوح. وعنونه في قاموس

[283]

قال: لبيك ! جعلني الله فداك قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين وتجيد، فقال له: نعم جعلني الله فداك، قال: قل ! فأنشده صلى الله عليه فبكى ومن حوله، حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته. ثم قال: يا جعفر والله لقد شهدت ملائكة الله المقربون ههنا يسمعون قولك في الحسين عليه السلام ولقد بكوا كما بكينا وأكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته (1) الجنة بأسرها، وغفر الله لك. فقال: يا جعفر ألا أزيدك ؟ قال: نعم يا سيدي قال: ما من أحد قال في الحسين شعرا فبكى وأبكى به إلا أوجب الله له الجنة وغفر له (2). 17 - لى: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا عليه السلام: إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، واضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا.


الرجال: جعفر بن عفان الطائى، ثم بعد ما روى هذا الحديث عن الكشى قال: وروى الاغانى عن محمد بن يحيى بن أبى مرة التغلبي قال: مررت بجعفر بن عثمان الطائى يوما وهو على باب منزله، فسلمت عليه فقال لى: مرحبا يا أخا تغلب اجلس ! فجلست فقال لى: أما تعجب من ابن ابى حفصة - لعنه الله - حيث يقول: أنى يكون وليس ذاك بكائن لبنى البنات وراثة الاعمام فقلت: بلى والله انى لا تعجب منه وأكثر اللعن عليه فهل قلت في ذلك شيئا فقال: نعم قلت: لم لا يكون وان ذاك لكائن لبنى البنات وراثة الاعمام للبنت نصف كامل من ماله والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وانما صلى الطليق مخافة الصمصام (1) في ساعتك خ ظ. كما في الوسائل ب 104 من أبواب المزار تحت الرقم 1. (2) رجال الكشى ص 187.

[284]

إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فان البكاء عليه يحط الذنوب العظام. ثم قال عليه السلام: كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلى الله عليه (1). 18 - لى: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن الرضا عليه السلام قال: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشورا قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشورا يوم مصيبته وحزنه وبكائه، جعل الله عزوجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرت بنا في الجنان عينه، ومن سمى يوم عاشورا يوم بركة وادخر فيه لمنزله شيئا لم يبارك له فيما ادخر، وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد - لعنهم الله - إلى أسفل درك من النار. 19 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين [الثقفي] عن أبي بصير، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أبو عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبر (2). مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين مثله (3). مل: أبي عن سعد، عن الخشاب، عن إسماعيل بن مهران، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير مثله (4). 20 - مل: حكيم بن داود، عن سلمة، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن


(1) أمالى الصدوق المجلس 27 - الرقم 2 والذى يأتي بعده تحت الرقم 4. (2) أمالى الصدوق المجلس 28 - الرقم 7. (3) المصدر ص 108: ب 36 تحت الرقم 4 الى قوله " أنا قتيل العبرة ". (4) المصدر تحت الرقم 3.

[285]

بكر بن محمد، عن فضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر (1). مل: محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن البرقي، عن أبيه، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. 21 - مل: حكيم بن داود، عن سلمة، عن الحسن بن علي، عن العلا، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا (2). 22 - مل: حكيم بن داود، عن سلم، عن علي بن سيف، عن بكر بن محمد عن فضيل بن فضالة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار (3). 23 - ن، لى: ما جيلويه، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا عليه السلام في أول يوم من المحرم فقال لي: يا ابن شبيب أصائم أنت فقلت: لا، فقال: إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا ربه عزوجل فقال: " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " (4) فاستجاب الله له وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى، فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله عزوجل استجاب الله له كما استجاب لزكريا عليه السلام. ثم قال: يا ابن شبيب إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الامة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقلة، فلا غفر الله لهم ذلك أبدا.


(1) المصدر ص 103 و 104. (2) كامل الزيارات: ص 104. (3) المصدر: ص 104. (4) آل عمران: 38.

[286]

يا ابن شبيب إن كنت باكيا لشئ فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فانه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا، مالهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره، فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم " يا لثارات الحسين ". يا ابن شبيب لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده أنه لما قتل جدي الحسين أمطرت السماء دما وترابا أحمر، يا ابن شبيب إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته صغيرا كان أو كبيرا، قليلا كان أو كثيرا. يا ابن شبيب إن سرك أن تلقى الله عزوجل ولا ذنب عليك، فزر الحسين عليه السلام، يا ابن شبيب إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي صلى الله عليه واله فالعن قتلة الحسين. يا ابن شبيب إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين فقل متى ما ذكرته " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ". يا ابن شبيب إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلا تولى حجرا لحشره الله معه يوم القيامة (1). 24 - مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن حسان، عن [ابن] أبي شعبة، عن عبد الله بن غالب قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأنشدته مرثية الحسين بن علي عليهما السلام فلما انتهيت إلى هذا الموضع: لبلية تسقو حسينا بمسقاة الثرى غير التراب صاحت باكية من وراء الستر: يا أبتاه (2).


(1) أمالى الصدوق المجلس 27 - الرقم 5، عيون أخبار الرضا ج 1 ص 299. (2) كامل الزيارات ص 105.

[287]

25 - مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: أنشدني، فأنشدته فقال: لا، كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره، فأنشدته امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكيه. قال: فلما بكى أمسكت أنا فقال: مر فمررت، قال: ثم قال: زدني [زدني] قال: فأنشدته: يا مريم قومي واندبي مولاك وعلى الحسين فأسعدي ببكاك قال: فبكى وتهايج النساء قال: فلما أن سكتن قال لي: يا با هارون من أنشد في الحسين فأبكى عشرة [فله الجنة] ثم جعل ينتقص واحدا واحدا حتى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحدا فله الجنة ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنة. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لكل سر ثواب إلا الدمعة فينا (1). بيان: لعل المعنى أن أسرار كل مصيبة والصبر عليها موجب للثواب إلا البكاء عليهم، ويحتمل أن يكون تصحيف شئ (2) أي لكل شئ من الطاعة ثواب مقدر إلا الدمعة فيهم فانه لا تقدير لثوابها. 26 - ل: الأربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، اولئك منا وإلينا. 27 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن الفزاري، عن محمد بن الحسين بن زيد عن محمد بن زياد، عن أبي الجارود، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: قال علي لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله إنك لتحب عقيلا ؟ قال: إي والله إني لا حبه حبين:


(1) كامل الزيارات ص 106. (2) كما هو مثبت في المصدر وقد نقله في الوسائل ب 104 من أبواب المزار تحت الرقم 6 كذلك.

[288]

حبا له وحبا لحب أبي طالب له وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله حتى جرت دموعه على صدره ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي (1). قال ابن طاوس: روي عن آل الرسول عليهم السلام أنهم قالوا: من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة، ومن بكى وأبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرة فله الجنة، ومن بكى وأبكى واحدا فله الجنة، ومن تباكى فله الجنة (2). 28 - ثو: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا با هارون أنشدني في الحسين عليه السلام قال: فأنشدته قال: فقال لي: أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة، قال: فأنشدته [شعر]: امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكيه. قال: فبكى ثم قال: زدني، فأنشدته القصيدة الاخرى، قال: فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر. قال: فلما فرغت قال: يا با هارون من أنشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى عشرة كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى خمسة كتبت لهم الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى واحدا كتبت لهما الجنة ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدمع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عزوجل، ولم يرض له بدون الجنة (3). مل: محمد بن جعفر، عن ابن أبي الخطاب مثله.


(1) المصدر المجلس 27 تحت الرقم 3. (2) كتاب الملهوف طبع الكمبانى بذيل العاشر من البحار ص 302. (3) ثواب الاعمال ص 47. كامل الزيارات ص 100 و 104.

[289]

بيان: الرقة بالفتح بلدة على الفرات واسطة ديار ربيعة وآخر غربي بغداد وقرية أسفل منها بفرسخ ذكره الفيروز آبادي (1). 29 - ثو: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أنشد في الحسين بيتا من شعر فبكى وأبكى عشرة فله، ولهم الجنة ومن أنشد في الحسين بيتا فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة، فلم يزل حتى قال: [و] من أنشد في الحسين بيتا فبكى وأظنه قال أو تباكى فله الجنة (2). مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل مثله. مل: محمد بن أحمد بن الحسين العسكري، عن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن محمد بن إسماعيل مثله. 30 - سن: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كان مثل زبد البحر (3). 31 - مل: محمد الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله الأصم، عن مسمع كردين قال: قال لي أبو عبد الله: يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين ؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور من أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة، وأعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا علي [حالي] عند ولد سليمان فيمثلون علي (4). قال لي: أفما تذكر ما صنع به ؟ قلت: بلى، قال: فتجزع ؟ قلت: إي والله وأستعبر لذلك، حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فامتنع من الطعام حتى


(1) ولعل المراد: رقة القلب وحالة الرثاء. (2) ثواب الاعمال ص 48 كامل الزيارات 105 و 106. (3) المحاسن ص 63، (4) فيميلون على خ ل.

[290]

يستبين ذلك في وجهي. قال: رحم الله دمعتك أما إنك من الذين يعدون في أهل الجذع لنا والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا أما إنك سترى عند موتك وحضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة: ما تقربه عينك قبل الموت، فملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها. قال: ثم استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة وخصنا أهل البيت بالرحمة، يا مسمع إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين رحمة لنا وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سال دموعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر. وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض، وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه، حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه. يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، ولم يشق بعدها أبدا وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل، أحلى من العسل، وألين من الزبد وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان تجري على رضراض الدر والياقوت، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام، قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة، يقول الشارب منه: ليتني تركت ههنا لا أبغى بهذا بدلا، ولا عنه تحويلا. أما إنك يا كردين ممن تروى منه، وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسقيت منه، من أحبنا فان الشارب (1) منه ليعطى من اللدة و


(1) وان الشارب منه ممن أحبنا خ ل.

[291]

الطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا. وإن على الكوثر أمير المؤمنين عليه السلام وفي يده عصا من عوسج، يحطم بها أعداءنا، فيقول الرجل منهم: إني أشهد الشهادتين ! فيقول: انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك، فيقول: يتبرأ مني إمامي الذي تذكره، فيقول: ارجع وراءك فقل للذي كنت تتولاه وتقدمه على الخلق فاسأله إذ كان عندك خير الخلق أن يشفع لك، فان خير الخلق حقيق أن لا يرد إذا شفع، فيقول: إني أهلك عطشا ؟ فيقول: زادك الله ظمأ، وزادك الله عطشا. قلت: جعلت فداك وكيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره ؟ قال: ورع عن أشياء قبيحة، وكف عن شتمنا إذا ذكرنا، وترك أشياء اجترئ عليها غيره، وليس ذلك لحبنا، ولا لهوى منه، ولكن ذلك لشدة اجتهاده في عبادته وتدينه، ولما قد شغل به نفسه عن ذكر الناس، فأما قلبه فمنافق، ودينه النصب باتباع أهل النصب وولاية الماضين، وتقدمة لهما على كل أحد (1). بيان: " الرضراض " الحصا أو صغارها، قوله عليه السلام " وسقيت ": إسناد السقي إليها مجازي لسببيتها لذلك. 32 - مل: أبي، عن سعد، عن الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء على الحسين بن علي عليهما السلام فانه فيه مأجور (2). 33 - مل: محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين الزيات، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في حديث طويل: ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عزوجل، ولم يرض له بدون الجنة (3).


(1) المصدر ص 101، وهكذا ما يليه. (2) كامل الزيارات 100. (3) المصدر ص 100 و 101.

[292]

مل: أبي، وجماعة مشايخنا، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن حمزة بن علي الأشعري، عن الحسن بن معاوية بن وهب، عمن حدثة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: وذكر مثله. 34 - مل: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن بكار بن أحمد القسام والحسن بن عبد الواحد، عن مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: من قطرت عيناه فينا قطرة، ودمعت عيناه فينا دمعة بوأه الله بها في الجنة حقبا (1). 35 - مل: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن عبد الله بن بكير قال: حججت مع أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل فقلت: يا ابن رسول الله لو نبش قبر الحسين بن علي عليهما السلام هل كان يصاب في قبره شئ ؟ فقال: يا ابن بكير ما أعظم مسائلك إن الحسين بن علي عليه السلام مع أبيه وامه وأخيه في منزل رسول الله صلى الله عليه واله ومعه يرزقون ويحبرون، وإنه لعن يمين العرش متعلق به، يقول: يا رب أنجزلي ما وعدتني وإنه لينظر إلى زوراه فهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده، وإنه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له ويسأل أباه الاستغفار له ويقول: أيها الباكي لو علمت ما أعد الله لك لفرحت أكثر مما حزنت وإنه ليستغفر له من كل ذنب وخطيئة (2). 36 - مل: أبي، عن ابن أبان، عن الأهوازي، عن عبد الله بن المغيرة، عن الأصم مثله. 37 - أقول: رأيت في بعض تأليفات بعض الثقات من المعاصرين: روي أنه لما أخبر النبي صلى الله عليه واله ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين وما يجري عليه من المحن


(1) كامل الزيارات ص 101. (2) المصدر ص 103. وترى الحديث بطوله في ص 326 - 329 باب النوادر الرقم 2.

[293]

بكت فاطمة بكاء شديدا، وقالت: يا أبت متى يكون ذلك ؟ قال: في زمان خال مني ومنك ومن علي، فاشتد بكاؤها وقالت: يا أبت فمن يبكي عليه ؟ ومن يلتزم باقامة العزاء له ؟. فقال النبي: يا فاطمة إن نساء امتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجددون العزاء جيلا بعد جيل، في كل سنة فإذا كان القيامة تسفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنة. يا فاطمة ! كل عين باكية يوم القيامة، إلا عين بكت على مصاب الحسين فانها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة. أقول: سيأتي بعض الأخبار في ذلك في باب بكاء السماء والأرض عليه عليه السلام. 38 - ورأيت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه حكي عن السيد علي الحسيني قال: كنت مجاورا في مشهد مولاي علي بن موسى الرضا عليها السلام مع جماعة من المؤمنين، فلما كان اليوم العاشر من شهر عاشورا ابتدأ رجل من أصحابنا يقرء مقتل الحسين عليه السلام فوردت رواية عن الباقر عليه السلام أنه قال: من ذرفت عيناه على مصاب الحسين ولو مثل جناح البعوضة غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر. وكان في المجلس معنا جاهل مركب يدعي العلم، ولا يعرفه، فقال: ليس هذا بصحيح والعقل لا يعتقده (1) وكثر البحث بيننا وافترقنا عن ذلك المجلس، وهو


(1) توهم الجهال أن لهذه الاحاديث اطلاقا يشمل كل ظرف وزمان، فأنكرها بعض أشد الانكار، وقال لو صح هذه الاحاديث لاتى على بنيان المذهب وقواعده، ولادى الى تعطيل الفرائض والاحكام، وترك الصلاة والصيام كما نرى الفساق والفجار يتكلون في ارتكاب السيئات والاقتحام في جرائمهم الشنيعة على ولاء الحسين ومحبته، والبكاء عليه من دون أن ينتهوا عن ظلمهم وغيهم واعتسافهم.

[294]

مصر على العناد في تكذيب الحديث، فنام ذلك الرجل تلك الليلة فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، وحشر الناس في صعيد صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا وقد نصبت الموازين، وامتد الصراط، ووضع الحساب، ونشرت الكتب، واسعرت النيران، وزخرفت الجنان، واشتد الحر عليه، وإذا هو قد عطش عطشا شديدا وبقي يطلب الماء، فلا يجده،


فليس هذه الاحاديث الا موضوعة من قبل الغلاة، ودسهم في أخبار أهل البيت، ترويجا لمرامهم الفاسد، ومسلكهم في أن ولاء أهل البيت انما هو محبتهم، لا الدخول تحت سلطانهم وأمرهم ونهيهم على ما هو الصحيح من معنى الولاية. وبعضهم الاخر الذين يروون الحديث ولا يعقلون فيه ولا يتدبرون أخذ بالاطلاق، وادعى أن " من بكى على الحسين أو أبكى أو تباكى فله الجنة " حتى في زماننا هذا وعصرنا كائنا من كان، ثم شد على المنكرين بأنهم كفرا وخرجوا عن المذهب ولم يعرفوا الائمة حق معرفتهم و.... ثم إذا الزم بالاشكال أخذ في تأويل الاحاديث وأخرجها عن معانيها ومغزاها، أو سرد في الجواب بعض الاقاصيص والرؤى. والحق ان هذه الاحاديث - بين صحاح وحسان وضعاف - مستفيضة بل متواترة لا تتطرق إليها يد الجرح والتأويل، لكنها صدرت حينما كان ذكر الحسين، والبكاء عليه وزيارته، ورثاؤه، وانشاد الشعر فيه، انكارا للمنكر، ومجاهدة في ذات الله، ومحاربة مع أعداء الله: بنى أمية الظالمة الغشوم، وهدما لاساسهم، وتقبيحا وتنفيرا من سيرتهم الكافرة بالقرآن والرسول. ولذلك كانت الائمة عليهم السلام يرغبون الشيعة في تلك الجهاد المقدس باعلاء كلمة الحسين واحياء أمره بأى نحو كان بالرثاء والمديح والزيارة والبكاء عليه، وفى مقابلهم بنو أمية تعرج على اماتة ذكر الحسين، ويمنع من زيارته ورثائه والبكاء عليه فمن وجدوه يفعل شيئا من ذلك أخذوه وشردوه وقتلوه وهدموا داره ولا جل تلك المحاربة القائمة بين الفريقين: أنصار الدين، وأنصار الكفر، أباد المتوكل قبر الحسين وسواه مع الارض وأجرى الماء عليه ليطفئ نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.

[295]

فالتفت يمينا وشمالا وإذا هو بحوض عظيم الطول والعرض، قال: قلت في نفسي: هذا هو الكوثر فإذا فيه ماء أبرد من الثلج وأحلى من العذب، وإذا عند الحوض رجلان وامرأة أنوارهم تشرق على الخلائق، ومع ذلك لبسهم السواد وهم باكون محزونون فقلت: من هؤلاء ؟ فقيل لي: هذا محمد المصطفى، وهذا الامام علي المرتضى، وهذه الطاهرة فاطمة الزهراء فقلت: ما لي أراهم لا بسين السواد وباكين ومحزونين ؟ فقيل لي: أليس هذا يوم عاشورا، يوم مقتل الحسين ؟ فهم محزونون لأجل ذلك.


فمن كان يبكى على الحسين أو يرثيه أو يزوره في ذاك الظرف لم يكن فعله ذلك حسرة وعزاء وتسلية فقط، بل محاربة لاعداء الدين وجهادا في سبيل الله مع ما يقاسونه من الجهد والبلاء والتشريد والتنكيل فحق على الله ان يثيب المجاهد في سبيله ويرزقه الجنة بغير حساب. ذلك بأنهم يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئا بغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الاكتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين. ففى مثل ذاك الزمان - كما رأينا قبل عشرين سنة في ايران - لم يكن ليبكي على الحسين وينشد فيه الرثاء الا كل مؤمن وفى، أهل التقوى واليقين، لما في ذلك من العذاب والتنكيل، لا كل فاسق وشارب حتى يستشكل في الاحاديث. بل كان هؤلاء الفساق - في ذاك الظرف - مستظهرين بسلطان بنى أمية، منحازين الى الفئة الباغية يتجسسون خلال الديار ليأخذوا على أيدى الشيعة، ويمنعوهم من احياء ذكر الحسين، كما اقتحموا دار أبى عبد الله الصداق بعد ما سمعوا صراخ الويل والبكاء من داره عليه السلام. وأما في زمان لا محاربة بين أهل البيت وأعدائهم كزماننا هذا فلا يصدق على ذكر الحسين والبكاء عليه عنوان الجهاد، كما أنه لا يلقى ذاكر الحسين الا الذكر الجميل والثناء الحسن. بل يأخذ بذلك اجرة، والباكى على الحسين يشرف ويكرم ويقال له قدمت خير مقدم ويقدم إليه ما يشرب ويتفكه.

[296]

قال: فدنوت إلى سيدة النساء فاطمة وقلت لها: يا بنت رسول الله إني عطشان، فنظرت إلي شزرا وقالت لي: أنت الذي تنكر فضل البكاء على مصاب ولدي الحسين ومهجة قلبي وقرة عيني الشهيد المقتول ظلما وعدوانا ؟ لعن الله قاتليه وظالميه ومانعيه من شرب الماء ؟ قال الرجل: فانتبهت من نومي فزعا مرعوبا واستغفرت الله كثيرا، وندمت على ما كان مني وأتيت إلى أصحابي الذين كنت معهم، وخبرت برؤياي، وتبت إلى الله عزوجل.


فحيث لا جهاد في البكاء عليه، فلا وعد بالجنة، وحيث لا عذاب ولا نكال ولا خوف نفس فلا ثواب كذا وكذا. فليبك الفسقة الفجرة، انهم مأخوذون بسيئ أعمالهم. ان الله لا يخدع من جنته، وليميز الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون.

[297]

35. * (باب) * * " (فضل الشهداء معه، وعلة عدم مبالاتهم بالقتل) " * * " (وبيان أنه صلوات الله عليه كان فرحا لا يبالي بما يجرى عليه) " * 1 - ع: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن أصحاب الحسين وإقدامهم على الموت، فقال: إنهم كشف لهم الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة فكان الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها وإلى مكانه من الجنة (1). 2 - مع: المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصري، عن أبيه، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام، لما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانهم، وإرتعدت فرائصهم ووجلت قلوبهم، وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم وتهدئ جوارحهم، وتسكن نفوسهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموت، فقال لهم الحسين عليه السلام: صبرا بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟، وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب. إن أبي حدثني، عن رسول الله صلى الله عليه واله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كذبت (2)


(1) علل الشرائع ج 1 ص 218 باب 163 - الرقم: 1. (2) معاني الاخبار ص 288 باب معنى الموت.

[298]

3 - يج: سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن النصر، عن عاصم بن حميد، عن الثمالي قال قال علي بن الحسين عليه السلام: كنت مع أبي في الليلة التي قتل في صبيحتها، فقال لأصحابه: هذا الليل فاتخذوه جنة فان القوم إنما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم وأنتم في حل وسعة، فقالوا: والله لا يكون هذا أبدا فقال: إنكم تقتلون غدا كلكم ولا يفلت منكم رجل، قالوا: الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك. ثم دعا فقال لهم: ارفعوا رؤسكم وانظروا، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنة، وهو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان، فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه ليصل إلى منزلته من الجنة. 4 - ل، لى: الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس [ابن عبد الرحمان]، عن ابن أسباط، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن [ثابت ابن أبي صفية] الثمالي قال: نظر علي بن الحسين سيد العابدين إلى عبيد الله ابن العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فاستعبر ثم قال: ما من يوم أشد على رسول الله صلى الله عليه وآله من يوم احد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبيطالب. ثم قال عليه السلام: ولا يوم كيوم الحسين، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الامة كل يتقرب إلى الله عزوجل بدمه وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا. ثم قال عليه السلام: رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه، فأبدل الله عزوجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب عليه السلام وإن للعباس عند الله عزوجل منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة (1). 5 - مل: محمد بن جعفر، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عمن


(1) أمالى الصدوق: المجلس 70 الرقم 10.

[299]

حدثه، عن علي بن حمزة، عن الحسين بن أبي العلا وأبي المغرا وعاصم بن حميد جميعا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من شهيد إلا وهو يحب لو أن الحسين بن علي عليهما السلام حي حتى يدخلون الجنة معه (1). 36. * (باب) * * " (كفر قتلته عليه السلام، وثواب اللعن عليهم، وشدة) " * * " (عذابهم، وما ينبغى أن يقال عند ذكره صلوات الله عليه) " * 1 - ن، لى: ما جيلويه، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن شبيب، عن الرضا عليه السلام قال: يا ابن شبيب إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي وآله، فالعن قتلة الحسين عليه السلام، يا ابن شبيب إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين عليه السلام فقال متى ما ذكرته " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " الخبر (2). 2 - أقول: قد أوردنا في باب ما وقع في الشام عن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة عن الفضل، عن الرضا عليه السلام قال: من نظر إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين عليه السلام وليلعن يزيد وآل زياد، يمحوا الله عزوجل بذلك ذنوبه، ولو كانت كعدد النجوم (3).


(1) أي حتى ينصرونه ويقتلون معه فيدخلون الجنة، وفى بعض النسخ كما في المصدر الا ويحب أن يكون مع الحسين عليه الصلاة والسلام حتى يدخلون الجنة معه راجع كامل الزيارات ص 111. (2) أمالى الصدوق المجلس 27 الرقم 5، وقمر في باب 34 تحت الرقم 23. وراجع عيون أخبار الرضا ج 1 ص 300. (3) راجع عيون أخبار الرضا ج 6 ص 22 باب 30 - الرقم 50 في حديث.

[300]

3 - ن: بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن قاتل الحسين بن علي عليهما السلام في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار، منكس في النار، حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتنه، وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، مع جميع من شايع على قتله، كلما نضجت جلودهم بدل الله عزوجل عليهم الجلود [غيرها] حتى يذوقوا العذاب الأليم لا يفتر عنهم ساعة، ويسقون من حميم جهنم، فالويل لهم من عذاب النار (1). صح: عنه عليه السلام مثله. 4 - ن: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن موسى بن عمران عليه السلام سأل ربه عزوجل فقال: يا رب إن أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى الله عزوجل إليه: يا موسى لو سألتني في الأولين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن علي فاني أنتقم له من قاتله (2). صح: عنه عليه السلام مثله. 5 - ن: باسناد التميمي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه واله يقتل الحسين شر الامة ويتبرأ من ولده من يكفر بي. 6 - ل: حمزة العلوي، عن أحمد الهمداني، عن يحيى بن الحسن، عن محمد بن ميمون، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعز من أذله الله، والمستأثر بفئ المسلمين المستحل له. أقول: قد مضى مثل هذا الخبر بأسانيد متعددة في باب القضاء والقدر (3).


(1 و 2) المصدر: ج 2 ص 47 باب 31 - الرقم 178 و 179. (3) راجع ج ص 87 و 88 من الطبعة الحديثة.

[301]

7 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن أبي فاختة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أذكر الحسين بن علي عليهما السلام فأي شئ أقول إذا ذكرته ؟ فقال: قل صلى الله عليك يا أبا عبد الله ! تكررها ثلاثا الخبر. 8 - ثو: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن زياد القندي، عن محمد بن أبي حمزة، عن عيص بن القاسم قال: ذكر عند أبي عبد الله قاتل الحسين بن علي عليهما السلام فقال بعض أصحابه: كنت أشتهي أن ينتقم الله منه في الدنيا فقال: كأنك تستقل له عذاب الله، وما عند الله أشد عذابا وأشد نكالا. 9 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن عثمان بن عيسى عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن في النار منزلة لم يكن يستحقها أحد من الناس إلا بقتل الحسين بن علي ويحيى ابن زكريا عليهما السلام. مل: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم مثله (1). 10 - مل: محمد بن عبد الله بن علي الناقد، عن أبي هارون العبسي، عن جعفر ابن حيان، عن خالد الربعي قال: حدثني من سمع كعبا يقول: أول من لعن قاتل الحسين بن علي عليهما السلام إبراهيم خليل الرحمن، وأمر ولده بذلك، وأخذ عليهم العهد والميثاق ثم لعنه موسى بن عمران وأمر امته بذلك، ثم لعنه داود وأمر بني إسرائيل بذلك. ثم لعنه عيسى وأكثر أن قال: يا بني إسرائيل العنوا قاتله، وإن أدركتم أيامه فلا تجلسوا عنه، فان الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء، مقبل غير مدبر وكأني أنظر إلى بقعته، وما من نبي إلا وقد زار كربلا، ووقف عليها، وقال: إنك لبقعة كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الأزهر (2).


(1) كامل الزيارات: ص 77 و 78. (2) المصدر: ص 67.

[302]

بيان: قوله " مقبل " الأصوب مقبلا أي كشهيد استشهد معهم حالكونه مقبلا على القتال غير مدبر، وعلى ما في النسخ، صفة لقوله كالشهيد، لأنه في قوة النكرة. 11 - مل: محمد الحميري، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن عمرو بن المختار، عن إسحاق بن بشر، عن العوام مولى قريش قال: سمعت مولاي عمر بن هبيرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه واله والحسن والحسين في حجره يقبل هذا مرة ويقبل هذا مرة ويقول للحسين: الويل لمن يقتلك (1). 12 - مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن زكريا المؤمن عن أيوب بن عبد الرحمن، وزيد أبي الحسن وعباد جميعا، عن سعد الاسكاف قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله: من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل جنة عدن، قضيب غرسه ربي بيده، فليتول عليا والأوصياء من بعده، وليسلم لفضلهم فإنهم الهداة المرضيون، أعطاهم الله فهمي وعلمي، وهم عترتي من لحمي ودمي إلى الله أشكو عدوهم من امتي، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي والله ليقتلن ابني لانالتهم شفاعتي (2). 13 - مل: أبي، وجماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، وابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن حماد، عن كليب بن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا، وكان قاتل الحسين عليه السلام ولد زنا، ولم تبك السماء إلا عليهما (3). مل: ابن الوليد ومحمد بن أحمد بن الحسين معا، عن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه، عن الحسن، عن فضالة، عن كليب بن معاوية مثله. مل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن مروان


(1) كامل الزيارات: ص 70. (2) المصدر: الباب 22 الرقم 3، راجع ص 69. (3) المصدر: ص 77 وهكذا ما يليه.

[303]

ابن مسلم، عن إسماعيل بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. 14 - مل: أبي، وابن الوليد معا، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن عبد الخالق، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قاتل الحسين بن علي عليهما السلام ولد زنا، وقاتل يحيى بن زكريا ولد زنا. مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. 15 - مل: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قاتل الحسين بن علي عليهما السلام ولد زنا. 16 - مل: محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذا استسقى الماء، فلما شربه رأيته قداستعبر، واغرورقت عيناه بدموعه ثم قال لي: يا داود لعن الله قاتل الحسين عليه السلام فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله، إلا كتب الله له مائة ألف حسنة، وحط عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد (1). مل: الكليني، عن علي بن محمد، عن سهل، عن جعفر بن إبراهيم، عن سعد ابن سعد مثله (2).


(1) المصدر: ص 106. (2) كذا في نسخ الكتاب حتى نسخة الاصل - نسخة المؤلف قدس سره - وهكذا المصدر ص 107: ذكر السند بلفظه بعد الحديث المتقدم بلا فصل. والظاهر اختلال نسخة المصدر، حيث ان الكليني رحمه الله انما روى الحديث في كتاب الاشربة باب النوادر تحت الرقم 6 (راجع ج 6 ص 390) وسنده هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن جعفر، عمن ذكره (وأظنه محمد بن الحسين

[304]

17 - م: قال رسول الله صلى الله عليه واله لما نزلت " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم " الآية (1) في اليهود أي الذين نقضوا عهد الله، وكذبوا رسل الله، وقتلوا أولياء الله: أفلا انبئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الامة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: قوم من امتي ينتحلون أنهم من أهل ملتي، يقتلون أفاضل ذريتي وأطائب ارومتي، ويبدلون شريعتي وسنتي، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف اليهود زكريا ويحيى. ألا وإن الله يلعنهم كما لعنهم، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديا من ولد الحسين المظلوم يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنم، ألا ولعن الله قتلة الحسين عليه السلام ومحبيهم وناصريهم، والساكنين عن لعنهم من غير تقية يسكتهم. ألا وصلى الله على الباكين على الحسين رحمة وشفقة، واللاعنين لأعدائهم والممتلئين عليهم غيظا وحنقا، ألا وإن الراضين بقتل الحسين شركاء قتلته، ألا وإن قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمقتدين بهم براء من دين الله.


بقرينة ما في كامل الزيارات) عن الخشاب، عن على بن حسان، عن عبد الرحمن بن ابن كثير، عن داود الرقى. وأما هذا السند المذكور في كامل الزيارات: الكليني عن على بن محمد، عن سهل ابن زياد، عن جعفر بن ابراهيم الحضرمي، عن سعد بن سعد فانما تراه في الكافي كتاب الاطعمة باب أكل الطين الرقم 9 (راجع ج 6 ص 266). ولفظ الحديث قال - أعنى سعد بن سعد - سألت أبا الحسين عليه السلام عن الطين، قال فقال: أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، الاطين قبر الحسين عليه السلام فان فيه شفاء من كل داء وأمنا من كل خوف. ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات الباب 95 تحت الرقم 2 ص 285 عن محمد بن الحسن، عن محمد الحسن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد الحديث سواء. (1) البقرة 84، والخبر في المصدر ص 148 مع اختلاف يسير.

[305]

إن الله ليأمر ملائكته المقربين أن يتلقوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين إلى الخزان في الجنان، فيمزجوها بماء الحيوان، فتزيد عذوبتها وطيبها ألف ضعفها وإن الملائكة ليتلقون دموع الفرحين الضاحكين لقتل الحسين يتلقونها في الهاوية ويمزجونها بحميمها وصديدها وغساقها وغسلينها فيزيد في شدة حرارتها وعظيم عذابها ألف ضعفها يشدد بها على المنقولين إليها من أعداء آل محمد عذابهم. 18 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الجاموراني، عن ابن أبي حمزة، عن صندل عن داود بن فرقد قال: كنت جالسا في بيت أبي عبد الله عليه السلام فنظرت إلى حمام راعبي يقرقر، فنظر إلي أبو عبد الله عليه السلام، فقال: يا داود أتدري ما يقول هذا الطير ؟ قلت: لا والله جعلت فداك، قال: يدعو على قتلة الحسين عليه السلام فاتخذوا في منازلكم (1) 19 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتخذوا الحمام الراعبية في بيوتكم فانها تلعن قتلة الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ولعن الله قاتله (2). أقول: وجدت في بعض مؤلفات المعاصرين أنه لما جمع ابن زياد لعنه الله قومه لحرب الحسين عليه السلام كانوا سبعين ألف فارس، فقال ابن زياد: أيها الناس من


(1 و 2) الكافي كتاب الدواجن باب الحمام الرقم 10 و 13، والحمام الراعبى جنس من الحمام جاء على لفظ النسب وليس به، وقيل هو نسب الى موضع لا أعرف صيغة اسمه، كذا في اللسان، وقال الجوهرى: الراعبى جنس من الحمام والانثى راعبية. وقال الفيروز آبادى: راعب أرض منها الحمام الراعبية، وقال المحشى: قال شيخنا هذه الارض (راعب) غير معروفة، ولم يذكرها البكري ولا صاحب المراصد والذى في المجمل وغيره: الحمامة الراعبية: ترعب في صوتها ترعيبا وذلك قوة صوتها، وهو الصواب انتهى. ونقل المصنف - رضوان الله عليه - في شرح الحديث في مرآت العقول عن حياة الحيوان للدميري انه قال: الراعبى طائر مولد بين الورشان والحمام، وهو شكل عجيب قاله القزويني.

[306]

منكم يتولى قتل الحسين وله ولاية أي بلد شاء ؟ فلم يجبه أحد منهم، فاستدعى بعمر بن سعد لعنه الله وقال له: يا عمر أريد أن تتولى حرب الحسين بنفسك فقال له: اعفني من ذلك فقال ابن زياد: قد أعفيتك يا عمر فاردد علينا عهدنا الذي كتبنا إليك بولاية الري، فقال عمر: أمهلنا الليلة فقال له: قد أمهلتك، فانصرف عمر بن سعد إلى منزله، وجعل يستشير قومه وإخوانه، ومن يثق به من أصحابه، فلم يشر عليه أحد بذلك، وكان عند عمر بن سعد رجل من أهل الخير يقال له: كامل، وكان صديقا لأبيه من قبله، فقال له: يا عمر مالي أراك بهيئة وحركة، فما الذي أنت عازم عليه ؟ وكان كامل كاسمه ذارأي وعقل ودين كامل. فقال له ابن سعد لعنه الله: إني قد وليت أمر هذا الجيش في حرب الحسين وإنما قتله عندي وأهل بيته كاكلة آكل أو كشربة ماء، وإذا قتلته خرجت إلى ملك الري فقال له كامل: اف لك يا عمر بن سعد تريد أن تقتل الحسين ابن بنت رسول الله ؟ اف لك ولدينك يا عمر أسفهت الحق وضللت الهدى، أما تعلم إلى حرب من تخرج ؟ ولمن تقاتل ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. والله لو أعطيت الدنيا وما فيها على قتل رجل واحد من امة محمد لما فعلت فكيف تريد تقتل الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله ؟ وما الذي تقول غدا لرسول الله إذا وردت عليه وقد قتلت ولده وقرة عينه وثمرة فؤاده وابن سيدة نساء العالمين وابن سيد الوصيين وهو سيد شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين وإنه في زماننا هذا بمنزلة جده في زمانه، وطاعته فرض علينا كطاعته، وإنه باب الجنة والنار فاختر لنفسك ما أنت مختار وإني اشهد بالله إن حاربته أو قتلته أو أعنت عليه أو على قتله لا تلبث في الدنيا بعده إلا قليلا. فقال له عمر بن سعد: فبالموت تخوفني وإني إذا فرغت من قتله أكون أميرا على سبعين ألف فارس، وأتولى ملك الري، فقال له كامل: إني احدثك بحديث صحيح أرجو لك فيه النجاة إن وفقت لقبوله.

[307]

اعلم أني سافرت مع أبيك سعد إلى الشام فانقطعت بي مطيتي عن أصحابي وتهت وعطشت، فلاح لي دير راهب فملت إليه، ونزلت عن فرسي، وأتيت إلى باب الدير لأشرب ماء فأشرف علي راهب من ذلك الدير وقال: ما تريد ؟ فقلت له إني عطشان، فقال لي: أنت من امة هذا النبي الذين يقتل بعضهم بعضا على حب الدنيا مكالبة: ويتنافسون فيها على حطامها ؟ فقلت له: أنا من الأمة المرحومة امة محمد صلى الله عليه واله. فقال إنكم أشر امة فالويل لكم يوم القيامة وقد غدوتم إلى عترة نبيكم وتسبون نساءه وتنهبون أمواله، فقلت له: يا راهب نحن نفعل ذلك ؟ قال: نعم وإنكم إذا فعلتم ذلك عجت السماوات والأرضون: والبحار، والجبال، والبراري والقفار، والوحوش، والأطيار باللعنة على قاتله، ثم لا يلبث قاتله في الدنيا إلا قليلا، ثم يظهر رجل يطلب بثأره، فلا يدع أحدا شرك في دمه إلا قتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم قال الراهب: إني لأرى لك قرابة من قاتل هذا الابن الطيب، والله إني لو أدركت أيامه لوقيته بنفسي من حر السيوف، فقلت: يا راهب إني اعيذ نفسي أن أكون ممن يقاتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: إن لم تكن أنت فرجل قريب منك، وإن قاتله عليه نصف عذاب أهل النار، وإن عذابه أشد من عذاب فرعون وهامان، ثم ردم الباب في وجهي ودخل يعبد الله تعالى، وأبى أن أن يسقيني الماء. قال كامل: فركبت فرسي ولحقت أصحابي، فقال لي أبوك سعد: ما بطأك عنا يا كامل ؟ فحدثته بما سمعته من الراهب، فقال لي: صدقت. ثم إن سعدا أخبرني أنه نزل بدير هذا الراهب مرة من قبلي فأخبره أنه هو الرجل الذي يقتل ابن بنت رسول الله، فخاف أبوك سعد من ذلك وخشي أن تكون أنت قاتله فأبعدك عنه وأقصاك، فاحذر يا عمر أن تخرج عليه، يكون عليك نصف عذاب أهل النار: قال: فبلغ الخبر ابن زياد لعنه الله، فاستدعى بكامل وقطع لسانه

[308]

فعاش يوما أو بعض يوم ومات رحمه الله. قال: وحكي أن موسى بن عمران رآه إسرائيلي مستعجلا وقد كسته الصفرة واعترى بدنه الضعف، وحكم بفرائصه الرجف، وقد اقشعر جسمه، وغارت عيناه ونحف، لأنه كان إذا دعاه ربه للمناجاة يصير عليه ذلك من خيفة الله تعالى، فعرفه الاسرائيلي وهو ممن آمن به، فقال له: يا نبي الله أذنبت ذنبا عظيما فاسأل ربك أن يعفو عني فأنعم، وسار، فلما ناجى ربه قال له: يا رب العالمين أسألك وأنت العالم قبل نطقي به فقال تعالى: يا موسى ما تسألني اعطيك، وما تريد أبلغك، قال: رب إن فلانا عبدك الاسرائيلي أذنب ذنبا ويسألك العفو، قال: يا موسى أعفو عمن استغفرني إلا قاتل الحسين، قال موسى: يا رب ومن الحسين ؟ قال له: الذي مر ذكره عليك بجانب الطور، قال: يا رب ومن يقتله ؟ قال يقتله امة جده الباغية الطاغية في أرض كربلا وتنفر فرسه وتحمحم وتصهل، وتقول في صهيلها: الظليمة الظليمة من امة قتلت ابن بنت نبيها فيبقى ملقى على الرمال من غير غسل ولا كفن، وينهب رحله، ويسبي نساؤه في البلدان، ويقتل ناصره، وتشهر رؤسهم مع رأسه على أطراف الرماح يا موسى ! صغيرهم يميته العطش، وكبيرهم جلده منكمش، يستغيثون ولا ناصر ويستجيرون ولا خافر (1). قال: فبكى موسى عليه السلام وقال: يا رب وما لقاتليه من العذاب ؟ قال: يا موسى عذاب يستغيث منه أهل النار بالنار، لا تنالهم رحمتي، ولا شفاعة جده، ولو لم تكن كرامة له لخسفت بهم الأرض. قال موسى برئت إليك اللهم منهم وممن رضي بفعالهم، فقال سبحانه: يا موسى كتبت رحمة لتابعيه من عبادي، واعلم أنه من بكا عليه أو أبكا أو تباكى حرمت جسده على النار.


(1) خفره وبه وعليه خفرا: أجاره ومنعه وحماه وأمنه.

[309]

تذنيب: قال مؤلف كتاب إلزام النواصب وغيره: إن ميسون بنت بجدل الكبية أمكنت غبد أبيها عن نفسها، فحملت يزيد لعنه الله وإلى هذا أشار النسابة الكبي بقوله: فان يكن الزمان أتى علينا بقتل الترك والموت الوحي فقد قتل الدعي وعبد كلب بأرض الطف أولاد النبي أراد بالدعي عبيدالله بن زياد لعنه الله فان أباه زياد بن سمية كانت امه سمية مشهورة بالزنا، وولد على فراش أبي عبيد عبد بني علاج من ثقيف فادعى معاوية أن أبا سفيان زنى بام زياد فأولدها زيادا، وأنه أخوه، فصار اسمه الدعي وكانت عائشة تسميه زياد بن أبيه لأنه ليس له أب معروف، ومراده بعبد كلب: يزيد بن معاوية، لأنه من عبد بجدل الكلبي. وأما عمر بن سعد لعنه الله فقد نسبوا أباه سعدا إلى غير أبيه وأنه من رجل من بني عذرة كان خدنا لامه، ويشهد بذلك قول معاوية لعنه الله حين قال سعد لمعاوية: أنا أحق بهذا الأمر منك فقال له " معاوية يأبى عليك ذلك بنو عذرة، وضرط له، روى ذلك النوفلي ابن سليمان من علماء السنة، ويدل على ذلك قول السيد الحميري: قدما تداعوا زنيما ثم سادهم لولا خول بني سعد لما سادوا

[310]

(37) * (باب) * * " (ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية) " * * (الى شهادته صلوات الله عليه ولعنة الله على ضالميه) * * (وقاتليه والراضين بقتله، والمؤازرين عليه) * أقول: بدأت أولا في إيراد تلك القصص الهائلة بايراد رواية أوردها الصدوق رحمه الله، ثم جمعت في إيراد تمام القصة بين رواية المفيد رحمه الله في الارشاد ورواية السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب الملهوف ورواية الشيخ جعفر ابن محمد بن نما في كتاب مثير الأحزان، ورواية أبي الفرج الاصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين، ورواية السيد العالم محمد بن أبي طالب بن أحمد الحسيني الحائري من كتاب كبير جمعه في مقتله عليه السلام ورواية صاحب كتاب المناقب الذى ألفه بعض القدماء من الكتب المعتبرة وذكر أسانيده إليها ومؤلفه إما من الامامية أو من الزيدية، وعندي منه نسخة قديمة مصححة، ورواية المسعودي في كتاب مروج الذهب وهو من علمائنا الإمامية، ورواية ابن شهر آشوب في المناقب، ورواية صاحب كشف الغمة، وغير ذلك مما قد نصرح باسم من ننقل عنه، ثم نختم الباب بايراد الأخبار المتفرقة. 1 - لى: محمد بن عمر البغدادي، الحافظ، عن الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه، عن إبراهيم بن عبيدالله بن موسى بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ قال: حدثتني مريسة بنت موسى بن يونس ابن أبي إسحاق وكانت عمتي قالت: حدثتني صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية وكانت عمتي قالت: حدثتني بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي، عن خالها عبد الله بن منصور، وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي قال: سألت جعفر بن محمد بن علي

[311]

ابن الحسين فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله صلى الله عليه واله فقال: حدثني أبي عن أبيه عليهما السلام قال: لما حضرت معاوية الوفاة دعا ابنه يزيد لعنه الله فأجلسه بين يديه فقال له: يا بني إني قد ذللت لك الرقاب الصعاب، ووطدت لك البلاد وجعلت الملك وما فيه لك طعمة، وإني أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي (1). فأما عبد الله بن عمر فهو معك فالزمه ولا تدعه، وأما عبد الله بن الزبير فقطعه إن ظفرت به إربا إربا، فانه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته، ويواربك مؤاربة الثعلب للكلب (2). وأما الحسين فقد عرفت حظه من رسول الله، وهو من لحم رسول الله ودمه، وقد علمت لا محالة أن أهل العراق سيخرجونه إليهم ثم يخذلونه ويضيعونه، فان ظفرت


(1) قال ابن الجوزى في التذكرة ص 134: وكان معاوية قد قال ليزيد لما أوصاه انى قد كفيتك الحل والترحال، وطأت لك البلاد والرجال، وأخضعت لك أعناق العرب وانى لا اتخوف عليك ان ينازعك هذا الامر الذى أسست لك الا أربعة نفر من قريش: الحسين ابن على، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان بن أبى بكر. فأما ابن عمر، فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين فان أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فان خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فان له رحما ماسة، وحقا عظيما. وأما ابن أبى بكر، فانه ليست له همة الافى النساء واللهو، فإذا رأى أصحابه قد صنعوا شيئا صنع مثله، واما الذى يجثم لك جثوم الاسد، ويطرق اطراق الافعوان، ويراوغك مراوغة الثعلب، فذاك ابن الزبير، فان وثب عليك وامكنتك الفرصة منه فقطعه اربا اربا، (2) آربه مؤاربة: داهاه وخاتله، ومنه مؤاربة الاريب جهل وعناء من حيث ان الاريب لا يختل عن عقله. والمراد بمؤاربة الثعلب: روغانه وعسلانه: يذهب هكذا وهكذا مكرا وخديعة.

[312]

به فاعرف حقه ومنزلته من رسول الله، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فان لنا به خلطة ورحما (1) وإياك أن تناله بسوء أو يرى منك مكروها. قال: فلما هلك معاوية، وتولى الأمر بعده يزيد - لعنه الله - بعث عامله على مدينة رسول الله صلى الله عليه واله وهو عمه عتبة بن أبي سفيان ؟ فقدم المدينة وعليها مروان ابن الحكم، وكان عامل معاوية، فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد، فهرب مروان، فلم يقدر عليه (2) وبعث عتبة إلى الحسين بن علي عليه السلام فقال: إن أمير المؤمنين أمرك أن تبايع له فقال الحسين عليه السلام: يا عتبة قد علمت أنا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة، وأعلام الحق الذين أودعه الله عزوجل قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا، فنظقت باذن الله عزوجل ولقد سمعت جدي رسول الله يقول: إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان، وكيف أبايع أهل بيت قد قال فيهم رسول الله هذا، فلما سمع عتبة ذلك دعا الكاتب وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبي سفيان. " أما بعد فان الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره والسلام ". فلما ورد الكتاب على يزيد لعنه الله كتب الجواب إلى عتبة: " أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فعجل علي بجوابه، وبين لي في كتابك كل من في طاعتي، أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي ". فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق فلما أقبل الليل، راح إلى مسجد النبي صلى الله عليه واله ليودع القبر، فلما وصل إلى القبر، سطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه، فلما كانت الليلة الثانية راح ليودع


(1) هكذا في المصدر المطبوع وهو الصحيح، وفى نسخة الاصل " خلطة ورحم " [كذا] وفى الكمبانى " خلطة وكذا رحم ". (2) فيه غرابة، فان مروان كان حاضر المجلس حين دخل الحسين عليه السلام على عتبة، ولعله تصحيف ابن الزبير.

[313]

القبر فقام يصلي فأطال فنعس وهو ساجد. فجاءه النبي وهو في منامه فأخذ الحسين وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه، ويقول: بأبي أنت كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الامة، يرجون شفاعتي، مالهم عند الله من خلاق، يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة، فانتبه الحسين عليه السلام من نومه باكيا فأتى أهل بيته فأخبرهم بالرؤيا، وودعهم وحمل أخواته على المحامل، وابنته وابن أخيه القاسم بن الحسن بن علي عليه السلام ثم سار في أحد وعشرين رجلا من أصحابه وأهل بيته منهم أبو بكر بن علي، ومحمد بن علي، وعثمان بن علي، والعباس بن علي، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وعلي بن الحسين الأكبر، وعلي بن الحسين الأصغر. وسمع عبد الله بن عمر بخروجه، فقدم راحلته، وخرج خلفه مسرعا فأدركه في بعض المنازل، فقال: أين تريد يا ابن رسول الله ؟ قال: العراق، قال: مهلا ارجع إلى حرم جدك، فأبى الحسين عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا با عبد الله اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه واله يقبله منك، فكشف الحسين عليه السلام عن سرته فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى، وقال: أستودعك الله يا با عبد الله فانك مقتول في وجهك هذا. فسار الحسين عليه السلام وأصحابه فلما نزلوا ثعلبية، ورد عليه رجل يقال له: بشر بن غالب، فقال: يا ابن رسول الله أخبرني عن قول الله عزوجل " يوم ندعوا كل اناس بإمامهم " (1) قال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عزوجل " فريق في الجنة وفريق في السعير " (2). ثم سار حتى نزل العذيب فقال فيها (3) قائلة الظهيرة ثم انتبه من نومه


(1) أسرى: 71. (2) الشورى: 7. (3) أي نام قيلولة.

[314]

باكيا فقال له: ابنه ما يبكيك يا أبه، فقال: يا بني إنها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها وإنه عرض لي في منام عارض، فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة. ثم سار حتى نزل الرهيمة (1) فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرم فقال: يا ابن النبي ما الذي أخرجك من المدينة ؟ فقال: ويحك يا باهرم شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فصربت، وأيم الله ليقتلني ثم ليلبسنهم الله ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم. قال: وبلغ عبيدالله بن زياد لعنه الله الخبر وأن الحسين عليه السلام قد نزل الرهيمة فأسرى إليه حربن يزيد في ألف فارس قال الحر: فلما خرجت من منزلي متوجها نحو الحسين عليه السلام نوديث ثلاثا: ياحر أبشر بالجنة، فالتفت فلم أر أحدا فقلت: ثكلت الحر امه، يخرج إلى قتال ابن رسول الله صلى الله عليه واله ويبشر بالجنة ؟ فرهقه عند صلاة الظهر فأمر الحسين عليه السلام ابنه فأذن وأقام وقام الحسين عليه السلام فصلى بالفريقين فلما سلم وثب الحر بن يزيد فقال: السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال الحسين: وعليك السلام من أنت يا عبد الله ؟ فقال: أنا الحر بن يزيد، فقال: ياحر أعلينا أم لنا ؟ فقال الحر: والله يا ابن رسول الله لقد بعثت لقتالك وأعوذ بالله أن احشر من قبري وناصيتي مشدودة إلي ويدي مغلولة إلى عنقي واكب على حر وجهي في النار، يا ابن رسول الله ! أين تذهب ؟ ارجع إلى حرم جدك فانك مقتول. فقال الحسين عليه السلام: سأمضي فما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبورا وخالف مجرما (2) فان مت لم أندم وإن عشت لم الم كفى بك ذلا أن تموت وترغما


(1) كجهينة عين ماء بالكوفة. (2) المثبور: المخسور والملعون المطرود قال الكميت: ورأت قضاعة في الايا * من رأى مثبور وثابر

[315]

ثم سار الحسين حتى نزل القطقطانة (1) فنظر إلى فسطاط مضروب فقال: لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل: لعبدالله بن الحر الحنفي فأرسل إليه الحسين عليه السلام فقال: أيها الرجل إنك مذنب خاطئ وإن الله عزوجل آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه فتنصرني، ويكون جدي شفيعك بين يدى الله تبارك وتعالى. فقال: يا ابن رسول الله والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك، ولكن هذا فرسي خذه إليك فو الله ما ركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغته، ولا أرادني أحد إلا نجوت عليه، فدونك فخذه ! فأعرض عنه الحسين عليه السلام بوجهه ثم قال: لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، وما كنت متخذ المضلين عضدا، ولكن فر، فلا لنا ولا علينا فانه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، كبه الله على وجهه في نار جهنم. ثم سار حتى نزل بكربلا فقال: أي موضع هذا ؟ فقيل: هذا كربلاء يا ابن رسول الله، فقال عليه السلام: هذا والله يوم كرب وبلاء، وهذا الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا، ويباح فيه حريمنا، فأقبل عبيدالله بن زياد بعسكره حتى عسكر بالنخيلة وبعث إلى الحسين رجلا يقال له: عمر بن سعد قائده في أربعة آلاف فارس، وأقبل عبد الله بن الحصين التميمي في ألف فارس، يتبعه شبث بن ربعي في ألف فارس، ومحمد ابن الأشعث بن قيس الكندي أيضا في ألف فارس، وكتب لعمر بن سعد على الناس وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، فبلغ عبيدالله بن زياد أن عمربن سعد يسامر الحسين عليه السلام ويحدثه، ويكره قتاله، فوجه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، وكتب إلى عمر بن سعد إذا أتاك كتابي هذا فلا تمهلن الحسين بن علي وخذ بكظمه، وحل بين الماء وبينه، كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار، فلما وصل الكتاب إلى عمر بن سعد لعنه الله أمر مناديه فنادى: إنا قد أجلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم. فشق ذلك على الحسين وعلى أصحابه، فقام الحسين في أصحابه خطيبا فقال:


(1) موضع بالكوفة كانت سجن، لنعمان بن المنذر.

[316]

" اللهم إني لا أعرف أهل بيت أبر ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ولا أصحابا هم خير من أصحابي وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حل من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (1) وتفرقوا في سواده، فان القوم إنما يطلبوني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري. فقام إليه عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله ما ذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وابن سيد الأعمام وابن نبينا سيد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف، ولم نقاتل معه برمح، لا والله أو نرد موردك، ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا، وخرجنا مما لزمنا. وقام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلي فقال: يا ابن رسول الله وددت أني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة، وأن الله دفع بي عنكم أهل البيت، فقال له ولأصحابه: جزيتم خيرا. ثم إن الحسين عليه السلام أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق، وأمر فحشيت حطبا وأرسل عليا ابنه عليه السلام في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ليستقو الماء وهم على وجل شديد وأنشأ الحسين يقول: يا دهر اف لك من خليل كم لك في الاشراق والأصيل من طالب وصاحب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل وكل حي سالك سبيلي ثم قال لإصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم، وتوضأوا


(1) يقال: اتخذ الليل جملا: إذا أحيا ليلته بصلاة أو غيرها من العبادات، وكذا إذا ركبه في حاجته، (اللسان) والمراد: اتخاذ ظلمة الليل سترا للفرار.

[317]

واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم، ثم صلى بهم الفجر وعبأهم تعبية الحرب، وأمر بحفيرته التي حول عسكره فاضرمت بالنار، ليقاتل القوم من وجه واحد، وأقبل رجل من عسكر عمربن سعد على فرس له يقال له: ابن أبي جويرية المزني فلما نظر إلى النار تتقد صفق بيده ونادى: يا حسين وأصحاب حسين أبشروا بالنار ! فقد تعجلتموها في الدنيا، فقال الحسين عليه السلام: من الرجل ؟ فقيل ابن أبي جوبرية المزني، فقال الحسين عليه السلام: اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا فنفر به فرسه وألقاه في تلك النار فاحترق. ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يقال له تميم بن حصين الفزاري فنادى: يا حسين ويا أصحاب حسين أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيات (1) والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا فقال الحسين عليه السلام: من الرجل فقيل تميم بن حصين فقال الحسين: هذا وأبوه من أهل النار اللهم اقتل هذا عطشا في هذا اليوم، قال: فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه، فوطأته الخيل بسنابكها فمات. ثم أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له: محمد بن أشعث بن قيس الكندي فقال: يا حسين بن فاطمة أية حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك ؟ فتلا الحسين هذه الآية: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية " الآية (2) ثم قال: والله إن محمدا لمن آل إبراهيم، وإن العترة الهادية لمن آل محمد من الرجل ؟ فقيل: محمد بن أشعث بن قيس الكندي فرفع الحسين عليه السلام رأسه إلى السماء فقال: اللهم أر محمد بن الأشعث ذلا في هذا اليوم لا تعزه بعد هذا اليوم أبدا، فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز، فسلط الله عليه عقربا فلدغته، فمات بادي العورة.


(1) الحيتان خ ل. (2) آل عمران: 23.

[318]

فبلغ العطش من الحسين عليه السلام وأصحابه فدخل عليه رجل من شيعته يقال له: يزيد بن الحصين الهمداني - قال إبراهيم بن عبد الله راوي الحديث: هو خال أبي إسحاق الهمداني فقال: يا ابن رسول الله تأذن لي فأخرج إليهم فاكلمهم ؟ فأذن له فخرج إليهم فقال: يا معشر الناس إن الله عزوجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابنه، فقالوا: يا يزيد فقد أكثرت الكلام فاكفف فوالله ليعطشن الحسين كما عطش من كان قبله، فقال الحسين عليه السلام: اقعد يا يزيد. ثم وثب الحسين عليه السلام متوكيا على سيفه، فنادى بأعلا صوته، فقال: أنشدكم الله هل تعرفوني ؟ قالوا: نعم أنت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسبطه، قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن امي فاطمة بنت محمد، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الامة إسلاما ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عمي ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله وأنا متقلده ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها ؟ قالوا: اللهم نعم قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن عليا كان أولهم إسلاما وأعلمهم علما وأعظمهم حلما وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا اللهم نعم، قال: فبم تستحلون دمي ؟ وأبي الذائد عن الحوض غدا يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد في يد [ي] جدي يوم القيامة، قالوا علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا.

[319]

فأخذ الحسين عليه السلام بطرف لحيته وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة ثم قال: اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا: عزيز ابن الله، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، واشتد غضب الله على المجوس حين عبدوا النار من دون الله، واشتد غضب الله على قوم قتلوا نبيهم، واشتد غضب الله على هذه العصابة الذين يريدون قتلي: ابن نبيهم. (1) قال: فضرب الحر بن يزيد، فرسه، وجاز عسكر عمر بن سعد إلى عسكر الحسين عليه السلام واضعا يده على رأسه وهو يقول: اللهم إليك انيب فتب علي فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك، يا ابن رسول الله هل لي من توبة ؟ قال: نعم تاب الله عليك، قال: يا ابن رسول الله ائذن لي فاقاتل عنك فأذن له فبرز وهو يقول: أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بلاد الخيف فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم قتل، فأتاه الحسين عليه السلام ودمه يشخب، فقال: بخ بخ ! يا حر أنت حر كما سميت في الدنيا والآخرة ثم أنشأ الحسين يقول: لنعم الحر: حر بني رياح ونعم الحر مختلف الرماح (2) ونعم الحر إذ نادى حسينا فجاد بنفسه عند الصباح ثم برز من بعده زهير بن القين البجلي وهو يقول مخاطبا للحسين عليه السلام: اليوم نلقى جدك النبيا وحسنا والمرتضى عليا فقتل منهم تسعة عشر رجلا ثم صرع وهو يقول: أنا زهير وأنا ابن القين اذ بكم بالسيف عن حسين ثم برز من بعده حبيب بن مظهر الأسدي وهو يقول: أنا حبيب وأبي مطهر (3) لنحن أزكى منكم وأطهر ننصر خير الناس حين يذكر


(1) في المصدر: قتل ابن نبيهم. (2) منصوب بالظر فية أي: عند اختلاف الرماح، وقد يوجد " عند " في بعض النسخ، وهو سهو. (3) في نسخة الاصل - نسخة المؤلف قدس سره -: مطهر، بالطاء المهملة، وهو

[320]

فقتل منهم أحدا وثلاثين رجلا ثم قتل رضي الله عنه. ثم برز من بعده عبد الله بن أبي عروة الغفاري وهو يقول: قد علمت حقا بنو غفار أني أذب في طلاب الثار بالمشرفي والقنا الخطار فقتل منهم عشرين رجلا ثم قتل رحمه الله. ثم برز من بعده بدير بن حفير الهمداني وكان أقرأ أهل زمانه وهو يقول: أنا بدير وأبي حفير لا خير فيمن ليس فيه خير فقتل منهم ثلاثين رجلا ثم قتل رضي الله عنه. ثم برز من بعده مالك بن أنس الكاهلي وهو يقول: قد علمت كاهلها ودودان والخندفيون وقيس عيلان بأن قومي قصم الأقران (1) يا قوم كونوا كاسود الجان آل علي شيعة الرحمن وآل حرب شيعة الشيطان فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم قتل رضي الله عنه. وبرز من بعده زياد بن مهاصر الكندي فحمل عليهم وأنشأ يقول: أنا زياد وأبي مهاصر أشجع من ليث العرين الخادر يا رب إني للحسين ناصر ولابن سعد تارك مهاجر فقتل منهم تسعة ثم قتل رضي الله عنه. وبرز من بعده وهب بن وهب وكان نصرانيا أسلم على يدي الحسين هو وامه فاتبعوه إلى كربلا، فركب فرسا، وتناول بيده عود الفسطاط، فقاتل وقتل من القوم سبعة أو ثمانية ثم استؤسر، فاتي به عمر بن سعد فأمر بضرب عنقه فضربت عنقه ورمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام وأخذت امه سيفه وبرزت فقال لها الحسين:


المناسب لقوله بعد ذلك " وأطهر " ولكن ضبطه الشيخ بخط يده " حبيب بن مظاهر " - كمراقب - وضبطه العلامة " حبيب بن مظهر " - بفتح الظاء وتشديد الهاء - كمعظم - وهو الاشبه كما عنونه في الاصابة في القسم الثالث تحت الرقم 1948. (1) قصم - كصرد -: من يحطم كل من يلقاء.

[321]

يا ام وهب اجلسي فقد وضع الله الجهاد عن النساء ! إنك وابنك مع جدي محمد صلى الله عليه وآله في الجنة. ثم برز من بعده هلال بن حجاج وهو يقول: أرمي بها معلمة أفواقها (1) والنفس لا ينفعها إشفاقها فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا ثم قتل رضي الله عنه. وبرز من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وأنشأ يقول: أقسمت لا اقتل إلا حرا وقد وجدت الموت شيئا مرا أكره أن ادعى جبانا فرا إن الجبان من عصى وفرا فقتل منهم ثلاثة ثم قتل رضي الله عنه. وبرز من بعده علي بن الحسين عليهما السلام فلما برز إليهم دمعت عين الحسين عليه السلام فقال: اللهم كن أنت الشهيد عليهم فقد برز إليهم ابن رسولك وأشبه الناس وجها وسمتا به، فجعل يرتجز وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنبي أما ترون كيف أحمي عن أبي فقتل منهم عشره ثم رجع إلى أبيه فقال: يا أبه العطش، فقال له الحسين عليه السلام: صبرا يا بنى يسقيك جدك بالكأس الأوفى، فرجع فقاتل حتى قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ثم قتل صلى الله عليه. وبرز من بعده القاسم بن الحسن [بن علي بن أبي طالب] عليه السلام وهو يقول: لا تجزعي نفسي فكل فان اليوم تلقين ذرى الجنان فقتل منهم ثلاثة ثم رمي عن فرسه رضي الله عنه. ونظر الحسين عليه السلام يمينا وشمالا ولا يرى أحدا فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنك ترى ما يصنع بولد نبيك، وحال بنو كلاب بينه وبين الماء، ورمي بسهم فوقع في نحره وخر عن فرسه، فأخذ السهم فرمى به، فجعل يتلقى الدم


(1) أفواهها خ ل، والافواق جمع الفوق بالضم: مشق رأس السهم حيث يقع الوتر.

[322]

بكفه فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته ويقول: ألقى الله عزوجل وأنا مظلوم متلطخ بدمي، ثم خر على خده الأيسر صريعا. وأقبل عدو الله سنان الإيادي وشمر بن ذي الجوشن العامري لعنهما الله في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين عليه السلام فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون ؟ أريحوا الرجل، فنزل سنان بن الأنس الإيادي وأخذ بلحية الحسين وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: والله إني لأجتز رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أبا واما، وأقبل فرس الحسين حتى لطخ عرفه وناصيته بدم الحسين، وجعل يركض ويصهل فسمعت بنات النبي صهيله فخرجن فإذا الفرس بلا راكب، فعرفن أن حسينا قد قتل، وخرجت ام كلثوم بنت الحسين واضعا يدها على رأسها تندب وتقول: وا محمداه، هذا الحسين بالعراء، قد سلب العمامة والرداء وأقبل سنان حتى أدخل رأس الحسين بن علي عليهما السلام على عبيد الله بن زياد وهو يقول (1): املا ركابي فضة وذهبا أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس اما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقال له عبيد الله بن زياد: ويحك، فان علمت أنه خير الناس أبا واما لم قتلته إذا ؟ فأمر به فضربت عنقه وعجل الله بروحه إلى النار، وأرسل ابن زياد قاصدا إلى ام كلثوم بنت الحسين عليه السلام فقال لها: الحمدلله الذي قتل رجالكم فكيف ترون ما فعل بكم ؟ فقالت: يا ابن زياد لئن قرت عينك بقتل الحسين فطال ما قرت عين جده صلى الله عليه واله به، وكان يقبله ويلثم شفتيه، ويضعه على عاتقه، يا ابن زياد أعد لجده جوابا فانه خصمك غدا (2).


(1) قال الواقدي: وجاء سنان بن أنس وقيل شمر فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد وقال: أوقر ركابي فضة وذهبا أنا قتلت السيد المحجبا البيت - فناداه عمر بن سعد: أو مجنون أنت ؟ لو سمعك ابن زياد لقتلك. (2) أمالى الصدوق المجلس 30 ص 150 - 164.

[323]

بيان: وطدت الشئ أطده وطدا أي أثبته وثقلته والتوطيد مثله، والارب بالكسر العضو، وجثا كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، ورمله بالدم فترمل وارتمل أي تلطخ، والخلاق النصيب والظهيرة شدة الحر نصف النهار، والإسراء السير بالليل، ويقال طلبت فلانا حتى رهقته أي حتى دنوت منه، فربما أخذه وربما لم يأخذه، وحر الوجه ما بدا من الوجنة، والثبور الهلاك والخسران، والواعية الصراخ والصوت، والمسامرة الحديث بالليل ويقال أخذت بكظمه بالتحريك أي بمخرج نفسه. وقال الجزري: يقال للرجل إذا أسرى ليله جمعاء أو أحياها بالصلاة أو غيرها من العبادات: اتخذ الليل جملا كأنه ركبه ولم ينم فيه انتهى، وشرقت الشمس أي طلعت، وأشرقت أي أضاءت، والأصيل بعد العصر إلى المغرب، والبديل: البدل وسنبك الدابة هو طرف حافرها، والبراز بالفتح الفضاء الواسع، وتبرز الرجل أي خرج إلى البراز للحاجة، والذود الطرد والدفع. وقال الجوهري: المشرفية سيوف قال أبو عبيد: نسبت إلى مشارف وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيف مشرفي، والقنا بالكسر جمع قناة، وهي الرمح ورمح خطار ذو اهتزاز، ويقال: خطران الرمح ارتفاعه وانخفاضه للطعن، والكاهل أبو قبيلة من أسد وكذا دودان أبو قبيلة منهم، وخندف في الأصل لقب ليلى بنت عمران سميت به القبيلة (1) وقيس أبو قبيلة من مصر، وهو قيس عيلان، والعرين مأوى الأسد الذي يألفه، وفي بعض النسخ العريز وكأنه من المعارزة بمعنى المعاندة، والخدر الستر، وأسد خادر أي داخل الخدر، ورجل فر: أي فرار، ويقال: ملك محجب أي محتجب عن الناس.


(1) وهم بنو الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان كانت خندف واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحافى بن قضاعة تحت الياس بن مضر فعرف بنوه بها فقيل: خندف - كزبرج - وانما لقبت خندف، بمعنى المتبختر في مشيها لما قيل له يوما اين تخندفين ؟ فقالت: مازلت أخندف في أثركم.

[324]

2 - أقول: قال الشيخ المفيد في الارشاد: روى الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة قالوا: لما مات الحسن عليه السلام تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه، حتى تمضي المدة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك. فلما مات معاوية وذلك لنصف من شهر رجب سنة ستين من الهجرة كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له ولا يرخص له في التأخير عن ذلك، فأنفذ الوليد إلى الحسين في الليل فاستدعاه فعرف الحسين عليه السلام الذي أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم: إن الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن يكلفني فيه أمرا لا اجيبه إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فان سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عني. فصار الحسين عليه السلام إلى الوليد بن عتبة فوجد عنده مروان بن الحكم فنعى إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسين ثم قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه له، فقال الحسين عليه السلام: إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرا حتى ابايعه جهرا فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد: أجل فقال الحسين: فتصبح وترى رأيك في ذلك، فقال له الوليد: انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس. فقال له مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب الحسين عليه السلام عند ذلك وقال: أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أم هو ؟ كذبت والله وأثمت، وخرج يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله (1). قال السيد: كتب يزيد إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها (2) وخاصة على الحسين عليه السلام ويقول: إن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه، فأحضر


(1) ارشاد المفيد ص 182 و 183 وهكذا ما بعده. (2) يعنى المدينة.

[325]

الوليد مروان واستشاره في أمر الحسين، فقال: إنه لا يقبل، ولو كنت مكانك ضربت عنقه، فقال الوليد، ليتني لم أك شيئا مذكورا. ثم بعث إلى الحسين عليه السلام فجاءه في ثلاثين من أهل بيته ومواليه - وساق الكلام إلى أن قال -: فغضب الحسين عليه السلام ثم قال: ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي ؟ كذبت والله وأثمت. ثم أقبل على الوليد فقال: أيها الأمير ! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة، ثم خرج عليه السلام (1). وقال ابن شهر آشوب: كتب إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين عليه السلام وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن أبي بكر أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن يأبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. فشاور في ذلك مروان فقال: الرأي أن تحضرهم وتأخذ منهم البيعة قبل أن يعلموا. فوجه في طلبهم وكانوا عند التربة، فقال عبد الرحمان وعبد الله: ندخل دورنا ونغلق أبوابنا، وقال ابن الزبير: والله ما ابايع يزيد أبدا وقال الحسين: أنا لا بد لي من الدخول على الوليد وذكر قريبا مما مر (2). قال المفيد: فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا فقال الوليد: ويح غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ودنياي والله ما احب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإني قتلت حسينا، سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا ابايع، والله إني لاظن أن


(1) كتاب الملهوف ص 17 و 18 وتجده في المطبوع بذيل نسخة الكمبانى من المجلد العاشر ص 303. وهكذا ما بعده. (2) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 88.

[326]

امرءا يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة. فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا وهو غير الحامد له على رأيه (1). قال السيد: فلما أصبح الحسين عليه السلام خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال له: يا أبا عبد الله إني لك ناصح، فأطعني ترشد، فقال الحسين عليه السلام: وما ذاك ؟ قل حتى أسمع، فقال مروان: إني آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين فانه خير لك في دينك ودنياك، فقال الحسين عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه واله يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، وطال الحديث بينه وبين مروان حتى انصرف مروان، وهو غضبان. فلما كان الغداة توجه الحسين عليه السلام إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين، فأقام بها باقي شعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة (2). قال المفيد رحمه الله: فقام الحسين في منزله تلك الليلة وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد، وامتناعه عليهم، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجها إلى مكة، فلما أصبح الوليد سرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالي بني أمية في ثمانين راكبا فطلبوه فلم يدركوه، فرجعوا. فلما كان آخر نهار السبت، بعث الرجال إلى الحسين عليه السلام ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية، فقال لهم الحسين: اصبحوا ثم ترون ونرى ! فكفوا تلك الليلة عنه، ولم يحلوا عليه، فخرج عليه السلام [من تحت ليلة] وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجها نحو مكه، ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته، وجل أهل بيته إلا محمد ابن الحنفية رحمه الله فانه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة


(1) ارشاد المفيد ص 183. (2) كتاب الملهوف ص 19 و 20 و 25.

[327]

لم يدر أن يتوجه فقال له: يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك، وأنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد ابن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس ثم ادعهم إلى نفسك، فان بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك واخرى عليك، فيقتتلون فتكون إذا لأول الأسنة غرضا، فإذا خير هذه الامة كلها نفسا وأبا واما أضيعها دما وأذلها أهلا. فقال له الحسين عليه السلام: فأين أنزل يا أخي ؟ قال: انزل مكة، فان اطمأنت بك الدار بها فستنل ذلك، وإن نبت بك (1) لحقت بالرمال وشعف الجبال، و خرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس فانك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا. فقال عليه السلام: يا أخي قد نصحت وأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا (2). وقال محمد بن أبي طالب الموسوي: لما ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسين عليه السلام عظم ذلك عليه ثم قال: والله لا يراني الله أقتل ابن نبيه ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها. قال: وخرج الحسين عليه السلام من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلفتني في امتك. فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني، وضيعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك، قال: ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعا ساجدا.


(1) أي نبت بك الدار: لم يوافقك جوها. (2) الارشاد ص 184.

[328]

قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين عليه السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا ؟ فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد الله الذي خرج ! ولم يبتلني بدمه، قال: ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح. فلما كانت الليلة الثانية، خرج إلى القبر أيضا وصلى ركعات، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهم إني احب المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى، ولرسولك رضى. قال: ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فاغفي، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك، مذبوحا بأرض كرب وبلاء، من عصابة من امتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا علي وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة. قال: فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك، فقال له رسول الله: لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فانك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة، حتى تدخلوا الجنة. قال: فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعا مرعوبا فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غما من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

[329]

قال: وتهيأ الحسين عليه السلام للخروج عن المدينة، ومضى في جوف الليل إلى قبر امه فودعها، ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، فأقبل إليه أخوه محمد ابن الحنفية وقال: يا أخي أنت أحب الخلق إلي وأعزهم علي ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك لأنك مزاج مائي ونفسي وروحي وبصري وكبير أهل بيتي، ومن وجب طاعته في عنقي، لأن الله قد شرفك علي، وجعلك من سادات أهل الجنة. وساق الحديث كما مر إلى أن قال: تخرج إلى مكة فان اطمأنت بك الدار بها فذاك وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فانهم أنصار جدك وأبيك، وهم أراف الناس وأرقهم قلوبا، وأوسع الناس بلادا، فان اطمأنت بك الدار، وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وجزت من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين. قال: فقال الحسين عليه السلام: يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمد ابن الحنفية الكلام وبكى، فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك الله خيرا، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكه، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من امورهم. ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف يابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي

[330]

ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب. قال: ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل. وقال محمد بن أبي طالب: روى محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل (1) عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان ابن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن الحنفية فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا حمزة إني سأخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا، إن الحسين لما فصل (2) متوجها، دعا بقرطاس وكتب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم. أما بعد فانه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام ". قال: وقال شيخنا المفيد باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: لما سار أبو عبد الله من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة، فسلموا عليه، وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه أمد جدك بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا، فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشد فيها وهي كربلا، فإذا وردتها فأتوني، فقالوا: يا حجة الله ! مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك ؟ فقال: لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي. وأتته أفواج مسلمي الجن فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك، وما تشاء، فلو أمر تنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم


(1) جمع فيه رسائل الائمة عليهم السلام، راجع النجاشي ص 292. (2) يقال: فصل فلان من البلد: خرج منه، ومنه قوله تعالى: " ولما فصلت العير ".

[331]

الحسين خيرا وقال لهم: أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله " أينما تكونوا يدر ككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " (1) وقال سبحانه: " لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " (2) وإذا أقمت بماكني فبماذا يبتلي هذا الخلق المتعوس ؟ وبما ذا يختبرون ؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء ؟ وقد اختارها الله يوم دحا الأرض، وجعلها معقلا لشيعتنا، ويكون لهم أمانا في الدنيا والآخرة ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورا الذي في آخره اقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله. فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال صلوات الله عليه لهم: نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. انتهى ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب. ووجدت في بعض الكتب أنه عليه السلام لما عزم على الخروج من المدينة أتته ام سلمة رضي الله عنها فقالت: يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق، فاني سمعت جدك يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا، فقال لها: يا اماه وأنا والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد وإني والله لأعرف اليوم الذي اقتل فيه، واعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي ادفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا اماه اريك حفرتي ومضجعي. ثم أشار عليه السلام إلى جهة كربلا فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت ام سلمة بكاء شديدا، وسلمت أمره إلى الله، فقال لها: يا اماه قد شاء الله عزوجل أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي


(1) النساء: 78. (2) آل عمران: 154.

[332]

مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا معينا. وفي رواية اخرى: قالت ام سلمة: وعندي تربة دفعها إلي جدك في قارورة، فقال: والله إني مقتول كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا ثم أخذ تربة فجعلها في قارورة، وأعطاها إياها، وقال: اجعلها مع قارورة جدي فإذا فاضتا دما فاعلمي أني قد قتلت. ثم قال المفيد: فسار الحسين إلى مكة وهو يقرأ " فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين " (1) ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكبت عن الطريق كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال: لا والله لا افارقه حتى يقضي الله ما هو قاض، ولما دخل الحسين عليه السلام مكة، كان دخوله إياها يوم الجمعة، لثلاث مضين من شعبان، دخلها وهو يقرأ " ولما توجه تلقاء مدين قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " (2). ثم نزلها وأقبل أهلها يختلفون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، وهو قائم يصلي عندها ويطوف، ويأتي الحسين عليه السلام فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة وهو عليه السلام أثقل خلق الله على ابن الزبير [لأنه] قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه مادام الحسين في البلد وأن الحسين أطوع في الناس منه وأجل. وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، فأرجفوا بيزيد وعرفوا خبر الحسين وامتناعه من بيعته: وما كان من أمر ابن الزبير في ذلك وخروجهما إلى مكة، فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله وأثنوا عليه، فقال سليمان: إن معاوية قد هلك وإن حسينا قد نقض (3) على القوم


(1) القصص: 18. (2) القصص: 22. (3) في المصدر: تقبض: وهو الاظهر، فانه عليه السلام لم يبايع يزيد فيما سبق حين أخذ معاوية بيعة الناس بولاية عهده.

[333]

بيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه، فاكتبوا إليه فان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، فاكتبوا إليه. فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة (1) ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر (2) وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الامارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أفبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إنشاء الله. ثم سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني وعبد الله بن وأل وأمروهما بالنجا، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين بمكة لعشر مضين من شهر رمضان. ثم لبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي و عبد الله وعبد الرحمان ابني عبد الله بن زياد الأرحبي (3) وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين عليه السلام ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل


(1) هذا هو الصحيح كما ضبطه في الاصابة -: بفتح النون والجيم بعدها موحدة - ابن ربيعة بن رياح بن عوف بن هلال بن سمح بن فزارة الفزارى، وقال: له ادراك، وقال ابن سعد: كان مع على في مشاهده وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: قتل مع سليمان بن صرد في طلب دم الحسين سنة خمس وستين. (2) كذا ضبطه ابن داود ونقله عن خط الشيخ قدس سره وبعضهم يقول: مظهر، بفتح الظاء وتشديد الهاء وكسرها راجع ص 319 و 320 فيما سبق. (3) في المصدر: وعبد الله وعبد الرحمن ابنا شداد الارحبي. وفى المناقب ج 4 ص 90

[334]

والاثنين والأربعة. وقال السيد: وهو مع ذلك يتأبى ولا يجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب، وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب. وقال المفيد: ثم لبثوا يومين آخرين وسرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكتبوا إليه " بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد فحي هلا فان الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثم العجل العجل، والسلام ". ثم كتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعروة ابن قيس، وعمر بن حجاج الزبيدي ومحمد بن عمرو التيمي: أما بعد فقد اخضر الجنات، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك. وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، وكانا آخر الرسل: " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين أما بعد فان هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى، وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فان كتب إلي بأنه قد اجتمع رأي ملائكم، وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فاني أقدم إليكم وشيكا إنشاء الله فلعمري ما الامام إلا الحاكم بالكتاب


وهكذا تذكرة خواص الامة لسبط ابن الجوزى ص 139 و 140 نقلا عن ابن اسحاق " وعبد الرحمن بن عبد الله الارحبي " ولعله الصحيح لما سيجئ بعد ذلك أنه عليه السلام أرسل مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولى، وعبد الرحمان بن عبد الله الازدي [الارحبي] فان الظاهر أنهم هم الذين جاءوا من الكوفة رسلا إليه.

[335]

القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك لله، والسلام ". ودعا الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف، فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين (1) عجل إليه بذلك. فأقبل مسلم رحمه الله حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وودع من أحب من أهله، واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق، فضلا عن الطريق، وأصابهما عطش شديد فعجزا عن السير فأومأ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهم ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، ومات الدليلان عطشا، فكتب مسلم بن عقيل رحمه الله من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر " أما بعد فاني أقبلت من المدينة مع دليلين لي فحازا عن الطريق فضلا، واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيرت من توجهي هذا، فان رأيت أعفيتني عنه وبعثت غيري، والسلام ". فكتب إليه الحسين عليه السلام " أما بعد فقد حسبت (2) أن لا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك فيه والسلام ". فلما قرأ مسلم الكتاب قال: أما هذا فلست أتخوفه على نفسي، فأقبل حتى مر بماء لطيئ فنزل به ثم ارتحل عنه، فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم بن عقيل: نقتل عدونا إنشاء الله. ثم أقبل حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون، وبايعه الناس حتى بايعه


(1) يقال: استوسق له الامر: أي امكنه. (2) في المصدر: خشيت.

[336]

منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا ويأمره بالقدوم، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل - رحمه الله - حتى علم بمكانه. فبلغ النعمان بشير ذلك وكان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فان فيها تهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال إني لا اقاتل من لا يقاتلني، ولا آتي على من لم يأت علي، ولا انبه نائمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف، ولا الظنة، ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غيره، لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل. فقام إليه عبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني امية فقال له: إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، وهذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين، فقال له النعمان: إن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله، ثم نزل. وخرج عبد الله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية كتابا: أما بعد فان مسلم ابن عقيل قد قدم الكوفة وبايعه الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فان يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف. [ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه] (1) ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص مثل ذلك، فلما وصلت الكتب إلى يزيد، دعا سرحون مولى


(1) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الاصل موجود في نسخة المصدر ص 187 وهكذا طبعة الكمبانى ص 172 ولا مناص منه لقوله بعد ذلك: " فلما وصلت الكتب " بصيغة الجمع.

[337]

معاوية فقال: ما رأيك ؟ إن الحسين قد نفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ فمن ترى أن أستعمل على الكوفة ؟ وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد، فقال له سرحون: أرأيت لو نشر لك معاوية حيا ما كنت آخذا برأيه ؟ قال: بلى، قال: فأخرج سرحون عهد عبيد الله على الكوفة، وقال: هذا رأي معاوية مات، وقد أمر بهذا الكتاب فضم المصرين إلى عبيد الله، فقال له يزيد: أفعل، ابعث بعهد عبيد الله بن زياد إليه. ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله معه " أما بعد فانه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة ويخبرونني أن ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرء كتابي هذا حتى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام " وسلم إليه عهده على الكوفة، فخرج مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله البصرة، وأوصل إليه العهد والكتاب، فأمر عبيد الله بالجهاز من وقته والمسير والتهيئ إلى الكوفة من الغد ثم خرج من البصرة فاستخلف أخاه عثمان (1). وقال ابن نما - ره -: رويت إلى حصين بن عبد الرحمن أن أهل الكوفة كتبوا إليه: انا معك مائة ألف، وعن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: بايع الحسين عليه السلام أربعون ألفا من أهل الكوفة على أن يحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم، فعند ذلك رد جواب كتبهم يمنيهم بالقول، ويعدهم بسرعة الوصول، وبعث مسلم بن عقيل. وقال السيد رحمه الله بعد ذلك: وكان الحسين عليه السلام قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتابا مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين، يدعوهم إلى نصرته ولزوم طاعته، منهم يزيد بن مسعود النهشلي والمنذر بن الجارود العبدي فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد فلما حضروا قال: يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟ فقالوا: بخ بخ أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر


(1) الارشاد: ص 187 - 188. (*)

[338]

حللت في الشرف وسطا، وتقدمت فيه فرطا، قال: فإني قد جمعتكم لأمر اريد أن اشاوركم فيه، واستعين بكم عليه، فقالوا: إنما والله نمنحك النصيحة، ونحمد لك الرأي فقل نسمع. فقال: إن معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا، ألا وإنه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن أن قد أحكمه، وهيهات والذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور، يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحق موطئ قدمه. فاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين، أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه واله ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنه وقدمته وقرابته يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، ولا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده، والقلة في عشيرته، وها أنا قد لبست للحرب لأمتها، وادرعت لها بدرعها من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب. فتكلمت بنو حنظلة فقالوا: أبا خالد ! نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها، ننصرك بأسيافنا، ونقيك بأبداننا، إذا شئت. وتكلمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: أبا خالد ! إن أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا. وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك لا نرضى

[339]

إن غضبت، ولا نقطن إن ظعنت، والأمر إليك فادعنا نجبك، ومرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت. فقال: والله يا بني سعيد لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا، ولا زال سيفكم فيكم. ثم كتب إلى الحسين صلوات الله عليه: " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإن الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية، هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خمسها (1) وقد ذللت لك رقاب بني سعد، وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استحل برقها فلمع. فلما قرأ الحسين الكتاب قال: مالك آمنك الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش. فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير فجزع من انقطاعه عنه. وأما المنذور بن جارود، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله وكانت بحرية بنت المنذر بن جارود تحت عبيد الله بن زياد فأخذ عبيد الله الرسول فصلبه، ثم صعد المنبر فخطب وتوعد أهل البصرة على الخلاف، وإثارة الأرجاف ثم بات تلك الليلة فلما أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد وأسرع هو إلى قصد الكوفة (2). وقال ابن نما: كتب الحسين عليه السلام كتابا إلى وجوه أهل البصرة، منهم


(1) هو أن ترعى الابل ثلاثة ايام وترد الرابع. (2) كتاب الملهوف ص 32 - 38 طبعة الكمبانى ص 304 و 305.

[340]

الأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي وبعث الكتاب مع زراع السدوسي وقيل مع سليمان المكنى بأبي رزين فيه: " إني أدعوكم إلى الله وإلى نبيه، فان السنة قد اميتت، فان تجيبوا دعوتي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد " فكتب الأحنف إليه: أما بعد فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، ثم ذكر أمر الرجلين مثل ما ذكره السيد رحمهما الله إلى أن قال: فلما أشرف على الكوفة نزل حتى أمسى ليلا فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام ودخلها مما يلي النجف فقالت امرأة: الله أكبر ابن رسول الله ورب الكعبة، فتصايح الناس قالوا: إنا معك أكثر من أربعين ألفا، وازدحموا عليه حتى أخذوا بذنب دابته وظنهم أنه الحسين، فحسر اللثام، وقال: أنا عبيد الله فتساقط القوم، ووطئ بعضهم بعضا ودخل دار الإمارة، وعليه عمامة سوداء. فلما أصبح قام خاطبا، وعليهم عاتبا، ولرؤسائهم مؤنبا، ووعدهم بالاحسان على لزوم طاعته، وبالإساءة على معصيته والخروج عن حوزته، ثم قال: يا أهل الكوفة إن أمير المؤمنين يزيد ولاني بلدكم، واستعملني على مصركم، وأمرني بقسمة فيئكم بينكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وأخذ الحق لضعيفكم من قويكم، والاحسان للسامع المطيع، والتشديد على المريب، فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقي غضبي. ونزل، يعني بالهاشمي مسلم بن عقيل رضي الله عنه. وقال المفيد: وأقبل ابن زياد إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال الحسين عليه السلام إليهم، فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين رأوا عبد الله، أنه الحسين عليه السلام فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخروا هذا الأمير عبيدالله ابن زياد.

[341]

وسار حتى وافى القصر بالليل ومعه جماعة قد التفوا به، لا يشكون أنه الحسين عليه السلام فأغلق النعمان بن بشير عليه وعلى خاصته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب فاطلع عليه النعمان وهو يظنه الحسين فقال: أنشدك الله إلا تنحيت والله ما أنا بمسلم إليك أمانتي ومالي في قتالك من إرب، فجعل لا يكلمه، ثم إنه دناوتدلى النعمان من شرف القصر، فجعل يكلمه فقال: افتح لا فتحت فقد طال ليلك، وسمعها إنسان خلفه، فنكص إلى القوم الذين اتبعوه من أهل الكوفة على أنه الحسين عليه السلام فقال: يا قوم ! ابن مرجانة والذي لا إله غيره، ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس وانفضوا. وأصبح فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بانصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليتق امرء على نفسه، الصدق ينبي [ء] عنك لا الوعيد (1) ثم نزل. وأخذ العرفاء بالناس أخذا شديدا فقال: اكتبوا إلي العرفاء ! ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من أهل الحرورية، وأهل الريب الذين شأنهم الخلاف والنفاق والشقاق، فمن يجئ لنا بهم فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله، أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره والغيت تلك العرافة من العطاء. ولما سمع مسلم بن عقيل رحمه الله مجئ عبيد الله إلى الكوفة، ومقالته التي قالها، وما أخذ به العرفاء والناس، خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ


(1) هذا من الامثال السائرة يضرب للجبان، يقول: انما ينبئ عدوك عنك أن تصدقه في المحاربة وغيرها، لا أن توعده ولا تنفذ لما توعد به، راجع مجمع الامثال ج ص 398 تحت الرقم 2111 وسيجئ شرحه أوفى من ذلك في بيان المصنف قدس سره.

[342]

ابن عروة فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستر واستخفاء من عبيد الله، وتواصوا بالكتمان، فدعا ابن زياد مولى له يقال له: معقل فقال: خذ ثلاثة آلاف درهم، واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، وقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم فانك لو قد أعطيتهم إياها لقد اطمأنوا إليك ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئا من امورهم وأخبارهم، ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم ابن عقيل، وتدخل عليه. ففعل ذلك، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم، وهو يصلي فسمع قوما يقولون: هذا يبايع للحسين، فجاء وجلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته ثم قال: يا عبد الله إني امرء من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل البيت وحب من أحبهم وتباكا له وقال: معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله فكنت اريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه، ولا أعرف مكانه فاني لجالس في المسجد الآن إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدخلني على صاحبك فاني أخ من إخوانك، وثقة عليك، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه. فقال له ابن عوسجة: احمد الله على لقائك إياي، فقد سرني ذلك، لتنال الذي تحب، ولينصرن الله بك أهل بيت نبيه عليه وعليهم السلام ولقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة هذه الطاغية وسطوته، فقال له معقل: لا يكون إلا خيرا خذ البيعة علي ! فأخذ بيعته وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضي به ثم قال له: اختلف إلي أياما في منزلي فاني طالب لك الاذن على صاحبك، وأخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن فأذن له وأخذ مسلم بن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي بقبض المال منه وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضا، ويشتري لهم به السلاح، وكان بصيرا

[343]

وفارسا من فرسان العرب، ووجوه الشيعة، وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو أول داخل وآخر خارج، حتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم، فكان يخبره به وقتا فوقتا (1). وقال ابن شهر آشوب: لما دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيب فبايعه اثنا عشر ألف رجل، فلما دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ ؟ في جوف الليل ودخل في أمانه وكان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة وعشرون ألف رجل فعزم على الخروج، فقال هانئ: لا تعجل وكان شريك بن الأعور الهمداني جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد فمرض فنزل دار هانئ أياما ثم قال لمسلم: إن عبيد الله يعودني وإني مطاوله الحديث، فاخرج إليه بسيفك فاقتله، وعلامتك أن أقول: " اسقوني ماء " ونهاه هانئ عن ذلك. فلما دخل عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه، وطال سؤاله ورأى أن أحدا لا يخرج فخشي أن يفوته فأخذ يقول: [شعر]: ما الانتظار بسلمى أن تحييها (2) " كأس المنية بالتعجيل اسقوها " فتوهم ابن زياد وخرج، فلما دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب أخذه من يدي عبد الله بن يقطر فإذا فيه: للحسين بن علي عليهما السلام أما بعد فاني اخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة كذا فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل فان الناس كلهم معك، وليس لهم في يزيد رأي ولا هوى، فأمر ابن زياد بقتله (3). وقال ابن نما: فلما خرج ابن زياد دخل مسلم، والسيف في كفه، قال له


(1) ارشاد المفيد ص 188 - 190. (2) كذا في نسخة الاصل والمصدر والصحيح كما في مقاتل الطالبيين: ما الانتظار بسلمى أن تحيوها حيوا سليمى وحيوا من يحييها " كأس المنية بالتعجيل أسقوها " والشطر الاخير من زيادة شريك بن الاعور تصريحا بما تواطئوا عليه. (3) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 91 و 92 باختصار وتلفيق.

[344]

شريك: ما منعك من الأمر ؟ قال مسلم: هممت بالخروج فتعلقت بي امرأة وقالت: نشدتك الله إن قتلت ابن زياد في دارنا، وبكت في وجهي، فرميت السيف وجلست قال هانئ: يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فررت منه وقعت فيه. وقال أبو الفرج في المقاتل: قال هانئ لمسلم: إني لا احب أن يقتل في داري، قال: فلما خرج مسلم قال له شريك: ما منعك من قتله ؟ قال: خصلتان: أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، وأما الاخرى فحديث حد ثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه واله أن الايمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، فقال لها هانئ: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا (1). ثم قال المفيد: وخاف هانئ بن عروة عبيد الله على نفسه، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض، فقال ابن زياد: لجلسائه ما لي لا أرى هانئا ؟ فقالوا: هو شاك، فقال: علمت بمرضه لعدته، ودعا محمد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانئ بن عروة وهي ام يحيى بن هانئ فقال لهم: ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا ؟ فقالوا: ما ندري وقد قيل إنه يشتكي قال: قد بلغني أنه قد برئ وهو يجلس على باب داره فالقوه ومروه أن لا يدع ما عليه من حقنا، فاني لا احب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. فأتوه حتى وقفوا عليه عشية وهو جالس على بابه، وقالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير ؟ فانه قد ذكرك وقال: لو أعلم أنه شاك لعدته فقال لهم: الشكوى تمنعني فقالوا: قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمل السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا، فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلته فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض


(1) مقاتل الطالبين ص 71 والحديث رواه أبو داود في سننه ج 2 ص 79 عن أبي هريرة ومعناه أن الايمان يمنع من الفتك الذى هو القتل بعد الامان غدرا كما يمنع القيد من التصرف.

[345]

الذي كان، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ إني والله لهذا الرجل لخائف، فما ترى ؟ فقال: يا عم والله ما أتخوف عليك شيئا، ولم تجعل على نفسك سبيلا ؟ ولم يكن حسان يعلم في أي شئ بعث إليه عبيد الله. فجاء هانئ حتى دخل على عبيد الله بن زياد وعنده القوم، فلما طلع قال عبيد الله: أتتك بحائن رجلاه (1). فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضي، التفت نحوه فقال: اريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد وقد كان أول ما قدم مكرما له ملطفا، فقال له هانئ: وما ذاك أيها الأمير ؟ قال: إيه يا هانئ بن عروة ما هذه الامور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له الجموع، والسلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي ؟ قال: ما فعلت ذلك وما مسلم عندي قال: بلى قد فعلت، فلما كثر بينهما وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء حتى وقف بين يديه وقال: أتعرف هذا ؟ قال: نعم، وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم فاسقط في


(1) الحائن من الحين - بالفتح - وهو الهلاك، والحائن: الذى حان حينه وهلاكه قال الميداني في مجمع الامثال تحت الرقم 57: كان المفضل يخبر بقائل هذا المثل فيقول: انه الحارث بن جبلة الغساني، قاله للحارث بن عيف العبدى، وكان ابن العيف قد هجاه فلما غزا الحارث بن جبلة، المنذر بن ماء السماء، كان ابن العيف معه، فقتل المنذر، وتفرقت جموعه، وأسر ابن العيف، فأتى به الى الحارث بن جبلة، فعندها قال: أتتك بحائن رجلاه يعنى مسيره مع المنذر إليه، ثم أمر الحارث سيافه الدلامص فضربه ضربة دقت منكبه، ثم برأ منها وبه خبل، وقيل: أول من قاله عبيد الابرص حين عرض للنعمان بن المنذر في يوم بؤسه وكان قصده ليمدحه ولم يعرف أنه يوم بؤسه، فلما انتهى إليه قال له النعمان: ما جاء بك يا عبيد ؟ قال: أتتك بحائن رجلاه فقال النعمان هلا كان هذا غيرك ؟ قال: البلايا على الحوايا. فذهبت كلمتاه مثلا.

[346]

يده ساعة (1). ثم راجعته نفسه، فقال: اسمع مني وصدق مقالتي، فو الله ما كذبت، والله ما دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشئ من أمره حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من رده وداخلني من ذلك ذمام فضيفته وآويته، وقد كان من أمره ما بلغك، فان شئت أن اعطيك الآن موثقا مغلظا أن لا أبغيك سوءا ولا غائلة ولآتينك حتى أضع يدى في يدك وإن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك وأنطلق إليه فأمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرج من ذمامه وجواره. فقال له ابن زياد: والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال: لا والله لا أجيئك به أبدا أجيئك بضيفي تقتله ؟ قال: والله لتأتيني به قال: والله لا آتيك به، فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره فقال: أصلح الله الأمير خلني وإياه حتى اكلمه فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه بحيث يراهما فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان. فقال له مسلم: يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك، وأن تدخل البلاء في عشيرتك، فوالله إني لأنفس بك عن القتل، إن هذا ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليهم فانه ليس عليكم بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، فقال هانئ: والله إن علي في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان، والله لو لم يكن لي إلا واحد ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفعه إليه أبدا. فسمع ابن زياد لعنه الله ذلك فقال: ادنوه مني، فأدنوه منه، فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك، فقال هانئ: إذا والله تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد: والهفاه عليك، أبالبارقة تخوفني ؟ وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه


(1) قال الاخفش: ويقال: سقط في يده وأسقط - مجهولا - أي ندم، ومنه قوله تعالى: " ولما سقط في أيديهم " أي ندموا.

[347]

ثم قال: ادنوه مني فادني منه، فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسال الدماء على وجهه ولحيته، ونثر لحم جبينه وخده على لحيته، حتى كسر القضيب، وضرب هانئ يده على قائم سيف شرطي وجاذبه [الرجل] ومنعه. فقال عبيد الله: أحروري سائر اليوم (1) قد حل دمك جروه، فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، فقال: اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام إليه حسان بن أسماء فقال: أرسل غدر سائر اليوم ! (2) أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به هشمت أنفه ووجهه، وسيلت دماءه على لحيته، وزعمت أنك تقتله ؟ فقال له عبيد الله: وإنك لههنا ؟ فأمر به فلهز وتعتع وأجلس ناحية فقال محمد بن الأشعث: قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدب. وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، وقال: أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله بن زياد: وهذه فرسان مذحج بالباب ؟ ! فقال لشريح القاضي: ادخل على


كذا في نسخة الاصل وهكذا المصدر ص 191 و 192، والظاهر أن ابن زياد خاطبه بذلك، وأن " سائر اليوم " كان لقبا له معروفا بذلك، ويؤيده قول حسان بن أسماء ابن خارجة لابن زياد: " أرسل غدر سائر اليوم " والسائر: البقية، والمعنى بقية السلف اليوم. ولكن الصحيح ما في نسخة الملهوف ص 42: " سائر القوم " أي قائدهم وسائسهم في المسير والمعنى: هل قائد القوم وسائرهم حرورى يرى رأى الخوارج، فيخرج على أميره بالسيف ؟ وسيجئ في ذلك كلام من المصنف قدس سره. (2) الغدر: الغادر، ويقال في شتم الرجل " يا غدر " أي يا غادر، وسيجئ تفسير سائر غرائب الحديث منه قدس سره.

[348]

صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل، فدخل شريح فنظر إليه فقال هانئ: لما رأى شريحا يا لله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل الدين أين أهل المصر، والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الضجة على باب القصر، فقال: إني لاظنها أصوات مذحج، وشيعتي من المسلمين، إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني. فلما سمع كلامه شريح خرج إليهم فقال لهم: إن الأمير لما بلغه كلامكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم واعرفكم أنه حي وأن الذي بلغكم من قتله باطل، فقال له عمرو بن الحجاج وأصحابه: أما إذ لم يقتل فالحمد لله، ثم انصرفوا. فخرج عبيد الله بن زياد فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه، فقال: أما بعد أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر، والسلام. ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل باب التمارين يشتدون ويقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد الله القصر مسرعا وأغلق أبوابه، فقال عبد الله بن حازم: أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما فعل هانئ، فلما ضرب وحبس ركبت فرسي فكنت أول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عبرتاه يا ثكلاه، فدخلت على مسلم فأخبرته الخبر، فأمرني أن انادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور حوله، كانوا فيها أربعه آلاف رجل فقال (1): ناد: " يا منصور أمت " فناديت فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا عليه. فعقد مسلم رحمه الله لرؤس الأرباع كندة ومذحج وتميم وأسد ومضر وهمدان وتداعى الناس واجتمعوا فما لبثنا إلا قليلا حتى امتلا المسجد من الناس والسوق وما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله أمره وكان أكثر عمله أن يمسك باب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلا من الشرط، وعشرون رجلا من أشراف الناس


(1) في الاصل وهكذا المصدر ص 192 " فقال لمناديه " وهو سهو ظاهر.

[349]

وأهل بيته وخاصته، وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم ويفترون على عبيد الله وعلى امه فدعا ابن زياد كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيمن أطاعه في مذحج، فيسير في الكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاء من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر السلمي وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من الناس. فخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن مسلم، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن شريح الشيباني، فلما رأى ابن الأشعث كثرة من أتاه، تأخر عن مكانه، وجعل محمد بن الأشعث وكثير بن شهاب والقعقاع بن ثور الذهلي وشبث بن ربعي يردون الناس عن اللحوق بمسلم، ويخوفونهم السلطان، حتى اجتمع إليهم عدد كثير من قومهم وغيرهم، فصاروا إلى ابن زياد من قبل دار الروميين، ودخل القوم معهم. فقال كثير بن شهاب: أصلح الله الأمير ! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيدالله وعقد لشبث ابن ربعي لواء وأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم ثم أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، واعلموهم وصول الجند من الشام إليهم. وتكلم كثير بن شهاب حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيها الناس الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فان هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن تممتم على حربه، ولم تنصرفوا

[350]

من عشيتكم، أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتليكم في مفازي الشام، وأن يأخذ البرئ منكم بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جنت أيديها، وتكلم الأشراف بنحو من ذلك. فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف ! الناس يكفونك، ويجيئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ويقول: غدا تأتيك أهل الشام، فما تصنع بالحرب والشر ؟ انصرف ! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل، وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفسا في المسجد. فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا اولئك النفر، وخرج متوجها إلى أبواب كندة فلم يبلغ الأبواب إلا ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان يدله، فالتفت فإذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق، ولا يدله على منزله، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو، فمضى على وجهه متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ؟ حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمضى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة ام ولد كانت للأشعث بن قيس، وأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس، وامه قائمة تنتظره. فسلم عليها ابن عقيل فردت عليه السلام فقال لها: يا أمة الله اسقيني ماء فسقته وجلس ودخلت ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب ؟ قال: بلى قالت: فاذهب إلى أهلك، فسكت، ثم أعادت مثل ذلك، فسكت، ثم قالت في الثالثة: سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله إلى أهلك فانه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا احله لك، فقام وقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة، فهل لك في أجر ومعروف، ولعلي مكافيك بعد هذا اليوم، قالت: يا عبد الله وما ذاك ؟ قال: أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم، وغروني وأخرجوني، قالت: أنت مسلم ؟ ! قال: نعم، قالت: ادخل. فدخل إلى بيت دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في

[351]

البيت والخروج منه، فقال لها: والله إنه ليريبني كثرة دخولك إلى هذا البيت وخروجك منه، منذ الليلة، إن لك لشأنا قالت له: يا بني اله عن هذا قال: والله لتخبريني قالت له: أقبل على شأنك، ولا تسألني عن شئ، فألح عليها فقالت: يا بني لا تخبرن أحدا من الناس بشئ مما اخبرك به قال: نعم، فأخذت عليه الأيمان فحلف لها، فأخبرته فاضطجع وسكت. ولما تفرق الناس عن مسلم بن عقيل رحمه الله، طال على ابن زياد وجعل لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمع قبل ذلك، فقال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا ؟ فأشرفوا فلم يجدوا أحدا، قال: فانظروهم لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم فنزعوا تخاتج المسجد، وجعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم وينظرون، وكانت أحيانا تضيئ لهم وتارة لا تضيئ لهم كما يريدون فدلوا القناديل وأطنان القصب تشد بالحبال ثم يجعل فيها النيران ثم تدلى حتى ينتهي إلى الأرض ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعل ذلك بالظلة التي فيها المنبر فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد بتفرق القوم. ففتح باب السدة التي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه معه وأمرهم فجلسوا قبيل العتمة وأمر عمر بن نافع فنادى: ألا برئت الذمة من رجل من الشرط أو العرفاء والمناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد فلم يكن إلا ساعة حتى امتلا المسجد من الناس، ثم أمر مناديه فأقام الصلاة وأقام الحرس خلفه وأمرهم بحراسته ومن أن يدخل إليه من يغتاله، وصلى بالناس. ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، وألزموا الطاعة وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. يا حصين بن نمير ! ثكلتك امك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، وخرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة. فابعث مراصد على

[352]

أهل الكوفة ودورهم، وأصبح غدا واستبرء الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل، وكان الحصين بن نمير على شرطه، وهو من بني تميم، ثم دخل ابن زياد القصر وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس. فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس، فدخلوا عليه وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحبا بمن لا يستغش ولا يتهم، ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند امه، فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره فعرف ابن زياد سراره فقال له ابن زياد بالقضيب في جنبه (1): قم فأتني به الساعة، فقام وبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل مسلم بن عقيل. فبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل رحمه الله فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنه قد اتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمري ضربتين فضرب بكر فم مسلم، فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت له ثنيتاه وضرب مسلم في رأسه ضربة منكرة وثناه باخرى على حبل العاتق، كادت تطلع إلى جوفه. فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت، وأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يرمونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقال محمد بن الأشعث: لك الأمان لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويقول: أقسمت لا اقتل إلا حرا وإن رأيت الموت شيئا نكرا ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقرا كل امرئ يوما ملاق شرا أخاف أن اكذب أو اغرا


(1) أي ضرب بالقضيب جنبه أن قم.

[353]

فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر ولا تخدع إن القوم بنوا عمك، وليسوا بقاتليك، ولا ضائريك، وكان قد اثخن بالحجارة، وعجز عن القتال فانتهز (1) واستند ظهره إلى جنب تلك الدار فأعاد ابن الأشعث عليه القول: لك الأمان، فقال: آمن أنا ؟ قال: نعم، فقال للقوم الذين معه ألي الأمان ؟ قال القوم له: نعم، إلا عبيد الله بن العباس السلمي فانه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل (2) ثم تنحى. فقال مسلم: أما لو تأمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فأتى ببغلة فحمل عليها، واجتمعوا حوله ونزعوا سيفه، وكأنه عند ذلك يئس من نفسه، فدمعت عيناه ثم قال: هذا أول الغدر، فقال له محمد بن الأشعث: أرجو أن لا يكون عليك بأس قال: وما هو إلا الرجاء ؟ أين أمانكم ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، وبكى، فقال له عبيد الله بن العباس: إن من يطلب مثل الذي طلبت إذا ينزل به مثل ما نزل بك لم يبك، قال: والله إني ما لنفسي بكيت، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم احب لها طرفة عين تلفا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين، إني أبكي للحسين وآل الحسين عليه السلام. ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير: تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فاني لا أراه إلا وقد خرج اليوم أو خارج غدا وأهل بيته، ويقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في يد القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك:


(1) في المصدر: فانبهر: أي انقطع نفسه من شدة السعي والقتال. (2) قال الميداني: أصل المثل [لا ناقتي في هذا ولا جملى] للحارث بن عباد، حين قتل جساس بن مرة كليبا. وهاجت الحرب بين الفريقين. وكان الحارث اعتزلهما. قال وقال بعضهم: ان أول من قال ذلك الصدوف بنت حليس العذرية على ما سيجيئ بيانه مختصرا عند ايضاح المصنف لغرائب الحديث. راجع مجمع الامثال ج 2 ص 220 تحت الرقم 3539.

[354]

ارجع فداك أبي وامي بأهل بيتك ولا يغررك أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وليس لمكذوب رأي، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك (1). وقال محمد بن شهر آشوب: أنفذ عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي ومحمد بن الأشعث في سبعين رجلا حتى أطافوا بالدار، فحمل مسلم عليهم وهو يقول: هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع فأنت لكأس الموت لا شك جارع فصبر لأمر الله جل جلاله فحكم قضاء الله في الخلق ذائع فقتل منهم أحدا وأربعين رجلا (2). وقال محمد بن أبي طالب: لما قتل مسلم منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن زياد، أرسل إلى محمد بن الأشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به، فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره ؟ فأرسل ابن الأشعث: أيها الأمير أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة، أو إلى جرمقاني من جرامقة الحيرة ؟ أو لم تعلم أيها الأمير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الأنام، فأرسل إليه ابن زياد أعطه الأمان فانك لا تقدر عليه إلا به. أقول: روي في بعض كتب المناقب عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل ابن أحمد البيهقي، عن والده، عن أبي الحسين بن بشران، عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل بن إسحاق، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أرسل الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة وكان مثل الأسد، قال عمرو وغيره: لقد كان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده، فيرمي به فوق البيت. رجعنا إلى كلام المفيد رحمه الله قال: وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى


(1) الارشاد ص 190 - 197 وفيه " ليس لكذوب رأى ". (2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 93.

[355]

باب القصر، واستأذن، فأذن له، فدخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره خبر ابن عقيل، وضرب بكر إياه، وما كان من أمانه له، فقال له عبيد الله: وما أنت والأمان ؟ كأنا أرسلناك لتؤمنه، إنما أرسلناك لتأتينا به، فسكت ابن الأشعث وانتهى بابن عقيل إلى باب القصر، وقد اشتد به العطش، وعلى باب القصر ناس جلوس، ينتظرون الاذن، فيهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو وكثير بن شهاب وإذا قلة باردة موضوعة على الباب. فقال مسلم: اسقوني من هذا الماء ! فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم، فقال له ابن عقيل: ويحك من أنت ؟ فقال: أنا الذي عرف الحق إذا أنكرته، ونصح لامامه إذ غششته وأطاعه إذ خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي فقال له ابن عقيل: لامك الثكل ما أجفاك وأقطعك وأقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني. ثم جلس فتساند إلى حائط وبعث عمرو بن حريث غلاما له فأتاه بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء فقال له: اشرب فأخذ كلما شرب امتلا القدح دما من فمه، ولا يقدر أن يشرب، ففعل ذلك مرتين، فلما ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح، فقال: الحمد الله لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته، وخرج رسول ابن زياد فأمر بادخاله إليه. فلما دخل لم يسلم عليه بالامرة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير ؟ فقال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه، فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن، قال: كذلك ؟ قال: نعم، قال: فدعني اوصي إلى بعض قومي، قال: افعل ! فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله بن زياد، وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة وقد يجب لي عليك نجح حاجتي، وهي سر، فامتنع عمر أن يسمع منه، فقال له عبيدالله بن زياد: لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك ؟ فقام معه فجلس حيث

[356]

ينظر إليهما ابن زياد، فقال له: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبع مائة درهم، فبع سيفي ودرعي فاقضها عني وإذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين عليه السلام من يرده فاني قد كتبت إليه اعلمه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا. فقال عمر لابن زياد: إتدري أيها الأمير ما قال لي ؟ إنه ذكر كذا وكذا فقال ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن أما ماله فهو له، ولسنا نمنعك أن تصنع به ما أحب، وأما جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها، وأما حسين فانه إن لم يردنا لم نرده. ثم قال ابن زياد: إيه ابن عقيل: أتيت الناس وهم جمع فشتت بينهم، وفرقت كلمتهم، وحملت بعضهم على بعض، قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل، وندعو إلى الكتاب، فقال له ابن زياد: وما أنت وذاك يا فاسق ؟ لم لم تعمل فيهم بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ؟ قال مسلم: أنا أشرب الخمر ؟ أما - والله - إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قد قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت، وأنك أحق بشرب الخمر مني، وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها، ويسفك الدم الذي حرم الله على الغصب والعداوة، وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب، كان لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: يا فاسق إن نفسك منتك ما حال الله دونه، ولم يرك الله له أهلا فقال مسلم: فمن أهله إذا لم نكن نحن أهله ؟ فقال ابن زياد: أمير المؤمنين يزيد، فقال مسلم: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم فقال له ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام من الناس، فقال له مسلم: أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن وإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة، لا أحد أولى بها منك، فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه.

[357]

ثم قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر، فاضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده فقال مسلم رحمه الله: والله لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني، فقال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف، فدعا بكر بن حمران الأحمري فقال له: اصعد فليكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به، وهو يكبر ويستغفر الله ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وخذلونا. وأشرفوا به على موضع الحذائين اليوم، فضرب عنقه وأتبع رأسه جثته (1). وقال السيد، ولما قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه محمد بن الأشعث: يا مسلم لك الأمان، فقال مسلم: وأي أمان للغدرة الفجرة ثم أقبل يقاتلهم، ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن " أقسمت لا اقتل إلا حرا " إلى آخر الأبيات، فنادى إليه إنك لا تكذب، ولا تغر، فلم يلتفت إلى ذلك، وتكاثروا عليه بعد أن اثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه فخر إلى الأرض فاخذ أسيرا فلما دخل على عبيد الله لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: سلم على الأمير، فقال له: اسكت يا ويحك، والله ما هولي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك سلمت أم لم تسلم فانك مقتول فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير مني ثم قال ابن زياد: يا عاق ويا شاق، خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين، وألقحت الفتنة، فقال مسلم: كذبت يا ابن زياد إنما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأما الفتنة فانما ألقحها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر بريته. ثم قال السيد بعد ما ذكر بعض ما مر: فضرب عنقه ونزل مذعورا، فقال له ابن زياد: ما شأنك ؟ فقال: أيها الأمير رأيت ساعة قتلته رجلا أسود سيئ الوجه حذائي عاضا على أصبعه أو قال شفتيه، ففزعت فزعا لم أفزعه قط ! فقال ابن زياد: لعلك دهشت (2).


(1) كتاب الارشاد ص 197 - 199. (2) راجع كتاب الملهوف ص 47 - 50، وذيل العاشر ص 306.

[358]

وقال المسعودي: دعا ابن زياد بكير بن حمران الذي قتل مسلما فقال: أقتلته ؟ قال: نعم قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه ؟ قال: كان يكبر ويسبح ويهلل ويستغفر الله، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت له: الحمد لله الذي أقادني منك وضربته ضربة لم تعمل شيئا فقال لي: أوما يكفيك في خدش مني وفاء بدمك ؟ أيها العبد، قال ابن زياد: وفخرا عند الموت ؟ قال: وضربته الثانية فقتلته. وقال المفيد: فقام محمد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلمه في هانئ بن عروة، فقال: إنك قد عرفت موضع هانئ من المصر، وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك وأنشدك الله لما وهبته لي فاني أكره عداوة المصر وأهله، فوعده أن يفعل، ثم بداله وأمر بهانئ في الحال فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه، فاخرج هانئ حتى اتي به إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم، وهو مكتوف فجعل يقول: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج ؟ فلما رأى أن أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال: أما من عصا أو سكين أو حجارة أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه ؟ ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل له: امدد عنقك فقال: ما أنا بها بسخي، وما أنا بمعينكم على نفسي فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي، يقال له رشيد بالسيف، فلم يصنع شيئا فقال له هانئ: إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك، ثم ضربه اخرى فقتله. وفي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمهما الله يقول عبد الله بن الزبير الأسدي (1): فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه وآخر يهوي من طمار قتيل


(1) نسبه في ذيل الصحاح ص 726 الى سليم بن سلام الحنفي، وفيه: " قد عفر السيف وجهه " ويروي: " قد كدح السيف وجهه، ويروى " قد عفر الترب وجهه ".

[359]

أصابهما أمر اللعين فأصبحا أحاديث من يسري بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه ونضح دم قد سال كل مسيل فتى كان أحيا من فتاة حيية وأقطع من ذي شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا وقد طالبته مذحج بذحول تطيف حواليه مراد وكلهم على رقبة من سائل ومسؤل فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم فكونوا بغايا ارضيت بقليل ولما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمة الله عليهما بعث ابن زياد برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه أن يكتب إلى يزيد بما كان من أمر مسلم وهانئ فكتب الكاتب وهو عمرو بن نافع فأطال فيه وكان أول من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيد الله كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول اكتب: أما بعد فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوه اخبر أمير المؤمنين أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي وإني جعلت عليهما المراصد والعيون ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى أخرجتهما وأمكن الله منهما، فقد متهما وضربت أعناقهما وقد بعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسأ لهما أمير المؤمنين عما أحب من أمرهما، فان عندهما علما وورعا وصدقا والسلام. فكتب إليه يزيد: أما بعد فانك لم تعد أن كنت كما احب علمت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، وقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك، وسألتهما وناجيتهما، فودجتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيرا، وإنه قد بلغني أن حسينا قد توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة، واقتل على التهمة واكتب إلي في كل يوم ما يحدث من خبر إنشاء الله (1).


(1) ارشاد المفيد ص 199 - 200.

[360]

وقال ابن نما: كتب يزيد إلى ابن زياد: قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا، كما تعبد العبيد. ايضاح: قوله " ويح غيرك " قال: هذا تعظيما له، أي لا أقول لك " ويحك " بل أقول لغيرك، " والسلام " بالكسر الحجر، ذكره الجوهري وقال نبا بفلان منزله إذا لم يوافقه، وقال: الشعفة بالتحريك رأس الجبل، والجمع شعف وشعوف وشعاف وشعفات، وهي رؤس الجبال. قوله عليه السلام: " ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح " أي لا يتيسر له فتح وفلاح في الدنيا أو في الآخرة، أو الأعم، وهذا إما تعليل بأن ابن الحنفية إنما لم يلحق لأنه علم أنه يقتل إن ذهب بأخباره عليه السلام أو بيان لحرمانه عن تلك السعادة، أو لأنه لا عذر له في ذلك لأنه عليه السلام أعلمه وأمثاله بذلك. قوله: " نحمد إليك الله " أي نحمد الله منهيا إليك، والتنزي والانتزاء: التوثب والتسرع، وابتززت الشئ استلبته، والنجا الإسراع، وقال الجوهري: يقال حيهلا الثريد، فتحت ياؤه لاجتماع الساكنين، وبنيت " حي " مع " هل " اسما واحدا مثل خمسة عشر، وسمي به الفعل، وإذا وقفت عليه قلت حيهلا. وقال: الجناب - بالفتح - الفناء، وما قرب من محلة القوم، يقال أخصب جناب القوم، والحشاشة بالضم بقية الروح في المريض قال الجزري فيه فانفلتت البقرة بحشاشة نفسها أي برمق بقية الحياة والروح، والتحريش الإغراء بين القوم، و " القرف " التهمة، " والغشم " الظلم. طلب الخرزة كأنه كناية عن شدة الطلب فان من يطلب الخرزة يفتشها في كل مكان وثقبة، وثقفه: صادفه، قوله " فرطا " أي تقدما كثيرا، من قولهم فرطت القوم أي سبقتهم، أو هو حال فان الفرط بالتحريك من يتقدم الواردة الى الماء والكلاء ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه. قوله: " فأهون به " صيغة تعجب أي ما أهونه، والأثيل الأصيل، والتكسع

[361]

التمادي في الباطل، وقطن بالمكان كنصر أقام، وظعن أي سار. قوله: " لئن فعلتموها " أي المخالفة، " والخمس " بالكسر من أظماء الابل أن ترعى ثلاثة أيام، وترد اليوم الرابع، والمزنة السحابة البيضاء، والجمع المزن ذكره الجوهري، وقال الفيروز آبادي: المزن بالضم السحاب أو أبيضه، أو ذو الماء. قوله: " لا فتحت " دعاء عليه أي لافتحت على نفسك بابا من الخير، فقد طال ليلك: أي كثر وامتد همك أو انتظارك، وفي مروج الذهب، فقد طال نومك أي غفلتك، وضربوا الباب أي أغلقوه. قوله: فان الصدق ينبي عنك، قال الزمخشري في المستقصى: الصدق ينبي عنك لا الوعيد: غير مهموز من أنباه إذا جعله نابيا أي إنما يبعد عنك العدو ويرده أن تصدقه القتال، لا التهدد، يضرب للجبان يتوعد ثم لا يفعل، وقال الجوهري: في المثل " الصدق ينبي عنك لا الوعيد " أي إن الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد قال أبو عبيد: هو ينبي غير مهموز، ويقال: أصله الهمز من الإنباء أي إن الفعل يخبر عن حقيقتك لا القول انتهى. وفي بعض النسخ عليك أي عند ما يتحقق ما أقول، تطلع على فوائد ما أقول لك وتندم على ما فات لا مجرد وعيدي، يقال: نبأت على القوم طلعت عليهم، والظاهر أنه تصحيف و " العريف " النقيب، وهو دون الرئيس. قوله: " ولم تجعل على نفسك " الجملة حالية، وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام قال: وهو ينظر إلى ابن ملجم " عذيرك من خليلك من مراد " يقال: عذيرك من فلان بالنصب أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل، قوله: أيه أي اسكت، والشائع فيه إيها. وقال الفيروز آبادي: ربص بفلان ربصا: انتظر به خيرا أو شرا يحل به كتربص، ويقال: سقط في يديه أي ندم، وجوز اسقط في يديه والذمام: الحق والحرمة، وأذم فلانا أجاره، ويقال: أخذتني منه مذمة أي رقة وعار من ترك

[362]

حرمته والغائلة الداهية، ونفس به بالكسر أي ضن به، والبارقة السيوف، والحروري الخارجي أي أنت كنت أو تكون خارجيا في جميع الأيام أو في بقية اليوم. وقال الجوهري: ومن أمثالهم في اليأس عن الحاجة " أسائر اليوم وقد زال الظهر " (1) أي أتطمع فيما بعد وقد تبين لك اليأس، لأن من كان حاجته اليوم بأسره وقد زال الظهر، وجب أن ييأس منه بغروب الشمس انتهى. والظاهر أن هذا المعنى لا يناسب المقام. واللهز الضرب بجمع اليد في الصدور، ولهزه بالرمح طعنه في صدره وتعته حركه بعنف وأقلقه، قوله " استيحاشا إليهم " يقال: استوحش أي وجد الوحشة وفيه تضمين معنى الانضمام، والمتلدد المتحير الذي يلتفت يمينا وشمالا، و " التخاتج " لعله جمع تختج معرب " تخته " أي نزعوا الأخشاب من سقف المسجد لينظروا هل فيه أحد منهم وإن لم يرد بهذا المعنى في اللغة، والمنكب هو رأس العرفاء، والاستبراء الاختبار والاستعلام. قوله: " وجس خلالها " من قولهم " جاسوا خلال الديار " أي تخللوها فطلبوا ما فيها قوله: فانتهز أي اغتنم الأمان، قوله: لا ناقة لي في هذا قال الزمخشري في مستقصى الأمثال: أي لا خير لي فيه ولا شر، وأصله أن الصدوف بنت حليس كانت تحت زيد بن الأخنس وله بنت من غيرها تسمى الفارعة كانت تسكن بمعزل منها في خباء آخر، فغاب زيد غيبة فلهج بالفارعة رجل عدوي يدعى شبثا وطاوعته فكانت تركب على عشية جملا لابيها وتنطلق معه إلى متيهة يبيتان فيها، ورجع زيد عن وجهه، فعرج على كاهنة اسمها طريفة فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، وإنما تخوف على امرأته حتى دخل عليها فلما رأته عرفت الشر في وجهه فقالت: لا تعجل واقف الأثر لا ناقة لي في ذا ولا جمل، يضرب في التبري عن الشئ قال الراعي: وما هجرتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل


(1) في مجمع الامثال: أسائر القوم وقد زال الظهر، راجع ج 1 ص 335 تحت الرقم 1790.

[363]

وقال الفيروز آبادي: الجرامقة قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الاسلام الواحدي جرمقاني، والضرغام بالكسر الأسد، والهمام كغراب الملك العظيم الهمة، والسيد الشجاع، قوله عليه السلام: " من يلغ " من ولوغ الكلب، وقال الجوهري طمار: المكان المرتفع، وقال الأصمعي: انصب عليه من طمار، مثل قطام، قال الشاعر: " فان كنت " إلى آخر البيتين وكان ابن زياد أمر برمي مسلم بن عقيل من سطح انتهى. قوله " أحاديث من يسري " أي صارا بحيث يذكر قصتهما كل من يسير بالليل في السبل، وشفرة السيف حده أي من سلاح مصقول يقطع من الجانبين والصقيل السيف أيضا " والهماليج " جمع الهملاج، وهو نوع من البراذين وأسماء هو أحد الثلاثة الذين ذهبوا بهانئ إلى ابن زياد " والرقبة " بالفتح الارتقاب والانتظار وبالكسر التحفظ قوله: فكونوا بغايا أي زواني، وفي بعض النسخ أيامى. قال المفيد - ره -: فصل: وكان خروج مسلم بن عقيل - رحمه الله - بالكوفة يوم الثلثا لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين، وقتله - رحمه الله - يوم الأربعاء لتسع خلون منه يوم عرفة، وكان توجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة وهو يوم التروية، بعد مقامه بمكة بقية شعبان و [شهر] رمضان وشوالا وذا القعدة وثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، وكان قد اجتمع إلى الحسين عليه السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز، ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه. ولما أراد الحسين التوجه إلى العراق، طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة، لأنه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ إلى يزيد بن معاوية، فخرج عليه السلام مبادرا بأهله وولده ومن انضم إليه من شيعته، ولم يكن خبر مسلم بلغه بخروجه يوم خروجه على ما ذكرناه (1)


(1) الارشاد ص 200 و 201.

[364]

وقال السيد رضي الله عنه: روى أبو جعفر الطبري، عن الواقدي وزرارة بن صالح قالا: لقينا الحسين بن علي عليهما السلام قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة، وأن قلوبهم معه، وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى، فقال عليه السلام: لو لا تقارب الأشياء، وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقينا أن هناك مصرعي ومصرع أصحابي، ولا ينجو منهم إلا ولدي علي. ورويت بالإسناد، عن أحمد بن داود القمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء محمد ابن الحنفية إلى الحسين عليه السلام في الليلة ألتي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة فقال له: يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فان رأيت أن تقيم فانك أعز من بالحرم وأمنعه، فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت، فقال له ابن الحنفية: فان خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر فانك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد، فقال: أنظر فيما قلت. فلما كان السحر، ارتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته - وقد ركبها - فقال: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال: بلى قال: فما حداك على الخروج عاجلا ؟ قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه واله بعد ما فارقتك فقال: يا حسين اخرج فان الله قد شاء أن يراك قتيلا فقال محمد ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟ قال: فقال [لي صلى الله عليه واله]: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا، فسلم عليه ومضى (1). قال: وجاءه عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير فأشارا عليه بالامساك فقال لهما: إن رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه، قال: فخرج ابن العباس وهو يقول:


(1) كتاب الملهوف ص 53 - 56.

[365]

واحسيناه، ثم جاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال، فقال: يا أبا عبد الرحمان أما علمت أن من هوان الدنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل أما تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام اتق الله يا أبا عبد الرحمان، ولا تدع نصرتي (1). ثم قال المفيد - رحمه الله - وروي عن الفرزدق أنه قال: حججت بامي في سنة ستين، فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين عليه السلام خارجا من مكة، معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار ؟ فقيل: للحسين بن علي عليهما السلام فأتيته وسلمت عليه. وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله ما اعجلك عن الحج ؟ قال: لو لم اعجل لاخذت ثم قال لي: من أنت ؟ قلت: رجل من العرب، ولا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك. ثم قال لي: أخبرني عن الناس خلفك ؟ فقلت: الخبير سألت قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء قال: صدقت لله الأمر من قبل ومن بعد، وكل يوم [ربنا] هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد من كان الحق نيته، والتقوى سيرته، فقلت له: أجل بلغك الله ما تحب وكفاك ما تحذر، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرك راحلته وقال: السلام عليك ثم افترقنا. وكان الحسين بن علي عليه السلام لما خرج من مكة اعترضه يحيى بن سعيد بن العاص، ومعه جماعة أرسلهم إليه عمرو بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تذهب ؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، فامتنع الحسين عليه السلام وأصحابه منهم امتناعا قويا وسار حتى أتى التنعيم، فلقي عيرا قد أقبلت من اليمن


(1) المصدر ص 26 و 27.

[366]

فاستأجر من أهلها جمالا لرحله وأصحابه، وقال لأصحابها: من أحب أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا في بعض الطريق أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون. وألحقه عبد الله بن جعفر بابنيه عون ومحمد وكتب على أيديهما كتابا يقول فيه: أما بعد فاني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا فاني مشفق عليك من هذا التوجه الذي توجهت له، أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض، فانك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، ولا تعجل بالسير فاني في أثر كتابي والسلام. وصار عبد الله إلى عمرو بن سعيد وسأله أن يكتب إلى الحسين عليه السلام أمانا ويمنيه ليرجع عن وجهه، وكتب إليه عمرو بن سعيد كتابا يمنيه فيه الصلة، ويؤمنه على نفسه، وأنفذه مع يحيى بن سعيد، فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه، ودفعا إليه الكتاب وجهدا به في الرجوع، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه واله في المنام وأمرني بما أنا ماض له، فقالوا له: ما تلك الرؤيا ؟ فقال: ما حدثت أحدا بها ولا أنا محدث بها أحدا حتى ألق ربي عزوجل فلما يئس منه عبد الله بن جعفر أمر ابنيه عونا ومحمدا بلزومه، والمسير معه، والجهاد دونه، ورجع مع يحيى ابن سعيد إلى مكة. وتوجه الحسين عليه السلام إلى العراق مغذا لا يلوي إلى شئ حتى نزل ذات عرق (1) وقال السيد - رحمه الله: - توجه الحسين عليه السلام من مكة لثلاث مضين من ذي الحجة سنة ستين قبل أن يعلم بقتل مسلم، لأنه عليه السلام خرج من مكة في اليوم الذي قتل فيه مسلم رضوان الله عليه. وروي أنه صلوات الله عليه لما عزم على الخروج إلى العراق، قام خطيبا فقال: الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي


(1) الارشاد 201 و 202.

[367]

اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا، فيملان مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقربهم عينه، وتنجز لهم وعده، من كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا إنشاء الله (1). أقول: روى هذه الخطبة في كشف الغمة عن كمال الدين ابن طلحة (2). قال السيد وابن نما رحمهما الله: ثم سار حتى مر بالتنعيم، فلقي هناك عيرا تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمين وعليها الورس والحلل فأخذها عليه السلام لأن حكم امور المسلمين إليه، وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه واحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكرى بقدر ما قطع من الطريق، فمضى قوم وامتنع آخرون. ثم سار عليه السلام: حتى بلغ ذات عرق، فلقي بشر بن غالب واردا من العراق فسأله عن أهلها، فقال: خلفت القلوب معك، والسيوف مع بني امية. فقال: صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قال: ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم استيقظ فقال: قد رأيت هاتقا يقول: أنتم تسرعون، والمنايا تسرع بكم إلى الجنة، فقا له ابنه علي: يا أبه أفلسنا على الحق ؟ فقال: بلى با بني والذي إليه مرجع العباد، فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت، فقال له الحسين عليه السلام جزاك الله يا بني خير ما جزا ولدا عن والد ثم بات عليه السلام في الموضع. فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي، قد أتاه


(1) كتاب الملهوف ص 52 و 53. (2) كشف الغمة ج 2 ص 204.

[368]

فسلم عليه ثم قال: يا ابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك محمد صلى الله عليه واله ؟ فقال الحسين عليه السلام: ويحك أبا هرة إن بني امية أخذوا ما لي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنهم الله ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائهم (1). وقال محمد بن أبي طالب: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن الحسين عليه السلام توجه إلى العراق فكتب إلى ابن زياد: " أما بعد فان الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك وقومك أمرا في هذه الدنيا لا يصده شئ، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا مادامت الدنيا ": قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد. وفي كتاب تاريخ عن الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي وانطلقت أتعسف الطريق وحدي، فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط، فانطلقت نحوها حتى أتيت أدناها فقلت: لمن هذه الأبنية ؟ فقالوا: للحسين عليه السلام قلت: ابن علي ؟ وابن فاطمة عليهما السلام ؟ قالوا: نعم، قلت: في أيها هو ؟ قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسين عليه السلام متك على باب الفسطاط يقرأ كتابا بين يديه فسلمت فرد علي، فقلت يا ابن رسول الله بأبي أنت وامي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة (2) قال: إن هؤلاء أخافوني وهذه كتب أهل الكوفة، وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك ولم يدعوا لله محرما إلا انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من قوم الأمة. وقال ابن نما: حدث عقبة بن سمعان قال: خرج الحسين عليه السلام من مكة فاعترضته رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردوه فأبى عليهم وتضاربوا بالسياط، ومضى عليه السلام على وجهه، فبادروه وقالوا: يا حسين ألا تتقي


(1) كتاب الملهوف ص 60 - 62. (2) الريف: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب.

[369]

الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة ؟ فقال: لي عملي، ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون. ورويت أن الطرماح بن حكم قال: لقيت حسينا وقد امترت لأهلي ميرة فقلت: اذكرك في نفسك لا يغرنك أهل الكوفة، فوالله لئن دخلتها لتقتلن وإني لأخاف أن لا تصل إليها، فان كنت مجمعا على الحرب فانزل أجأ (1) فانه جبل منيع والله ما نالنا فيه ذل قط، وعشيرتي يرون جميعا نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم فقال: إن بيني وبين القوم موعدا أكره أن اخلفهم فان يدفع الله عنا فقديما ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن ما لا بد منه، ففوز وشهادة إنشاء الله. ثم حملت الميرة إلى أهلي وأوصيتهم بامورهم اريد الحسين عليه السلام فلقيني سماعة بن زيد النبهاني فأخبرني بقتله فرجعت. وقال المفيد - رحمه الله - ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين عليه السلام من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه، حتى نزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان (2) وما بين القادسية إلى القطقطانة، وقال للناس: هذا الحسين يريد العراق، ولما بلغ الحسين الحاجز من بطن الرمة، بعث قيس ابن مسهر الصيداوي ويقال إنه بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر إلى أهل الكوفة. ولم يكن عليه السلام علم بخبر مسلم بن عقيل - رحمه الله - وكتب معه إليهم: " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى إخوانه المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملائكم على نصرنا والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلثاء، لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فاني قادم عليكم في


(1) اجأ وسلمى: جبلان لطيئ. (2) مأسدة قرب الكوفة.

[370]

أيامي هذه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة وكتب إليه أهل الكوفة أن لك ههنا مائة ألف سيف ولا تتأخر. فأقبل قيس بن مسهر بكتاب الحسين عليه السلام حتى إذا انتهى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد [إلى الكوفة] فقال له عبيد الله بن زياد: اصعد فسب الكذاب الحسين بن علي (1). وقال السيد: فلما قارب دخول الكوفة، اعترضه الحصين بن نمير ليفتشه فأخرج [قيس] الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد، فلما مثل بين يديه قال له: من أنت ؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه عليهما السلام قال: فلما ذا خرقت الكتاب ؟ قال: لئلا تعلم ما فيه، قال: وممن الكتاب وإلى من ؟ قال: من الحسين بن علي إلى جماعة من أهل الكوفة لاأعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد فقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك إربا إربا، فقال قيس: أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فأفعل، فصعد المنبر وحمد الله وصلى على النبي وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات الله عليهم ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني امية عن آخرهم، ثم قال: أنا رسول الحسين إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه (2). ثم قال المفيد: - رحمه الله - فأمر به عبيد الله بن زياد أن يرمى من فوق القصر، فرمي به فتقطع، وروي أنه وقع إلى الأرض مكتوفا فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له: عبد الملك بن عمر اللخمي فذبحه فقيل له في ذلك وعيب عليه، فقال: أردت أن اريحه. ثم أقبل الحسين من الحاجز يسير نحو العراق (3) فانتهى إلى ماء من مياه


(1) الارشاد ص 202. (2) الملهوف ص 66 و 67. (3) في المصدر: الكوفة.

[371]

العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي، وهو نازل به، فلما رآه الحسين قام إليه فقال: بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله ما أقدمك واحتمله وأنزله، فقال له الحسين عليه السلام: كان من موت معاوية ما قد بلغك، وكتب إلي أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم. فقال له عبد الله بن مطيع: اذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنهتك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فو الله لئن طلبت ما في أيدي بني امية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا، والله إنها لحرمة الاسلام تنهتك، وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني امية، فأبي الحسين عليه السلام إلا أن يمضي. وكان عبيد الله بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام، وإلى طريق البصرة فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج فأقبل الحسين عليه السلام لا يشعر بشئ حتى لقي الأعراب فسألهم فقالوا: لا والله ما ندري غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج، فسار تلقاء وجهه عليه السلام. وحدث جماعة من فزارة ومن بجيلة قالوا: كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة، وكنا نسائر الحسين عليه السلام فلم يكن شئ أبغض علينا من أن ننازله في منزل: وإذا سار الحسين عليه السلام فنزل في منزل لم نجد بدا من أن ننازله فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغذي من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم، ثم دخل، فقال: يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بعثني إليك لتأتيه، فطرح كل إنسان منا ما في يده، حتى كأنما على رؤوسنا الطير، فقالت له امرأته - قال السيد وهي ديلم بنت عمرو - سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه ؟ لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت. فأتاه زهير بن القين، فلما لبث أن جاء مستبشرا، قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه، وثقله ومتاعه، فقوض وحمل إلى الحسين عليه السلام ثم قال لامرأته: أنت طالق ! الحقي بأهلك فاني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير.

[372]

وزاد السيد - وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لافديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وود عته، وقالت: خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام (1). وقال المفيد: ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فهو آخر العهد، إني سأحدثكم حديثا إنا غزونا البحر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان: رحمه الله - أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟ فقلنا: نعم فقال: إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم، فأما أنا فأستودعكم الله، قالوا: ثم والله ما زال في القوم مع الحسين حتى قتل - رحمه الله - (2). وفي المناقب ولما نزل عليه السلام الخزيمية (3) أقام بها يوما وليلة، فلما أصبح أقبلت إليه اخته زينب، فقالت: يا أخي ألا اخبرك بشئ سمعته البارحة ؟ فقال الحسين عليه السلام: وما ذاك ؟ فقالت: خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف، وهو يقول: ألا يا عين فاحتفلي بجهد ومن يبكي على الشهداء بعدي على قوم تسوقهم المنايا بمقدار إلى إنجاز وعد فقال لها الحسين عليه السلام: يا اختاه كل الذي قضي فهو كائن (4). وقال المفيد - رحمه الله -: وروى عبد الله بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديان قالا: لما قضينا حجتنا، لم تكن لنا همة إلا الالحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين، حتى لحقناه بزرود


(1) كتاب الملهوف ص 62 - 64. (2) الارشاد ص 204. (3) منزلة للحاج بين الاجفر والثعلبية. (4) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95.

[373]

فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حتى رأى الحسين عليه السلام فوقف الحسين عليه السلام كأنه يريده ثم تركه ومضى، ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا لنسأله، فان عنده خبر الكوفة، فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا: السلام عليك، فقال: وعليكما السلام، قلنا: ممن الرجل ؟ قال: أسدي: قلنا له: ونحن أسديان فمن أنت ؟ قال: أنا بكر بن فلان فانتسبنا له ثم قلنا له: أخبرنا عن الناس وراءك ؟ قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق. فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه، حتى نزل الثعلبية ممسيا فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقلنا له: يرحمك الله إن عندنا خبرا إن شئت حدثناك به علانية وإن شئت سرا، فنظر إلينا وإلى أصحابه ثم قال: ما دون هؤلاء سر فقلنا له: رأيت الراكب الذي استقبلته عشي أمس ؟ فقال: نعم، قد أردت مسألته فقلنا: قد والله استبرءنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرء منا ذو رأي وصدق وعقل، وإنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهانئ ورأهما يجران في السوق بأرجلهما، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما يردد ذلك مرارا. فقلنا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا وإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون ؟ فقد قتل مسلم ؟ فقالوا: والله ما نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ماذاق، فأقبل علينا الحسين عليه السلام فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء، فعلمنا أنه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار الله لك، فقال: يرحمكم الله، فقال له: أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان أسرع الناس إليك فسكت (1).


(1) الارشاد ص 204 و 205.

[374]

وقال السيد: أتاه خبر مسلم في زبالة ثم إنه سار فلقيه الفرزدق فسلم عليه ثم قال: يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته ؟ قال: فاستعبر الحسين عليه السلام باكيا ثم قال: رحم الله مسلما فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وتحيته ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه، وبقي ما علينا، ثم أنشأ يقول: فان تكن الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت فقتل امرء بالسيف في الله أفضل وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا فقلة حرص المرء في الرزق أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به الحر يبخل (1) وقال المفيد: ثم انتظر حتى إذا كان السحر، فقال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا، ثم ارتحلوا فسار حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر عبد الله بن يقطر. وقال السيد: فاستعبر باكيا ثم قال: اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، إنك على كل شئ قدير (2). وقال المفيد رحمه الله: فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم فإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد أتانا خبر فظيع: قتل مسلم بن عقيل، وهانئ ابن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، في غير حرج، ليس عليه ذمام، فتفرق الناس عنه، وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤا معه من المدينة، ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه عليه السلام علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون.


(1) كتاب الملهوف ص 64 و 65، وفيه " فما بال متروك به المرء يبخل " ورواه في كشف الغمة ج 2 ص 202. (2) ذكره السيد في قيس بن مسهر الصيداوي راجع المصدر ص 67.

[375]

فلما كان السحر أمر أصحابه: فاستقوا ماء وأكثروا، ثم سار حتى مر ببطن العقبة، فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر بن لوذان قال له: أين تريد ؟ قال له الحسين: الكوفة، فقال له الشيخ: أنشدك الله لما انصرفت، فو الله ما تقدم إلا على الأ سنة، وحد السيوف، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأيا، فأما على هذه الحال التي تذكر فاني لا أرى لك أن تفعل، فقال له: يا عبد الله ليس يخفى علي الرأي ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره. ثم قال عليه السلام: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الامم، ثم سار عليه السلام من بطن العقبة حتى نزل شراف (1) فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثم سار حتى انتصف النهار، فبينما هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه، فقال له الحسين عليه السلام: الله أكبر لما كبرت ؟ فقال: رأيت النخل قال جماعة ممن صحبه: والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط، فقال الحسين عليه السلام: فما ترونه ؟ قالوا: والله نراه أسنة الرماح وآذان الخيل، فقال: وأنا والله أرى ذلك. ثم قال عليه السلام: ما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد ؟ فقلنا له: بلى هذا ذو جشم (2) إلى جنبك، فمل إليه عن يسارك، فان سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار، وملنا معه، فلما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبينا [ها] وعدلنا فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب، وكأن راياتهم أجنحة الطير، فاستبقنا إلى ذي جشم فسبقناهم إليه وأمر الحسين عليه السلام بأبنيته فضربت، وجاء القوم زهاء ألف فارس، مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون أسيافهم.


(1) كقطام: موضع أو ماءة لبنى أسد، أو جبل عال. (2) ذو خشب خ ل، وفى المصدر: ذو حسم، فليتحرر.

[376]

فقال الحسين عليه السلام لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفا، ففعلوا وأقبلوا يملاون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه، وسقي آخر، حتى سقوها عن آخرها. فقال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين عليه السلام ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية ! والرواية عندي السقا ثم قال: يا ابن الأخ أنخ الجمل ! فأنخته، فقال: اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من المسقاء فقال الحسين: اخنث السقاء أي اعطفه فلم أدر كيف أفعل فقام فخنثه فشربت وسقيت فرسي. وكان مجيئ الحر بن يزيد من القادسية، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين ابن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدم الحر بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين عليه السلام فلم يزل الحر موافقا للحسين عليه السلام حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين عليه السلام الحجاج بن مسروق أن يؤذن. فلما حضرت الاقامة، خرج الحسين عليه السلام في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم أن: " أقدم علينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجمعنا وإياكم على الهدى والحق " فان كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا، وكنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم. فسكتوا عنه ولم يتكلموا كلمة، فقال للمؤذن: أقم، فأقام الصلاة فقال للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك ؟ فقال الحر: لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك، فصلى بهم الحسين عليه السلام ثم دخل فاجتمع عليه أصحابه، وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه، فدخل خيمة قد ضربت له، فاجتمع إليه خمسمائة من أصحابه وعاد

[377]

الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه (1) ثم أخذ كل رجل منهم بعنان فرسه وجلس في ظلها. فلما كان وقت العصر أمر الحسين عليه السلام أن يتهياوا للرحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين وقام فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد أيها الناس فانكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فان أبيتم إلا الكراهة لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت علي به رسلكم انصرفت عنكم. فقال له الحر: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر ؟ فقال الحسين عليه السلام لبعض أصحابه: يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه فقال له الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد امرنا أنا إذا لقيناك لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. فقال الحسين عليه السلام: الموت أدنى إليك من ذلك ثم قال لأصحابه: فقوموا فاركبوا، فركبوا وانتظر حتى ركبت نساؤه فقال لأصحابه: انصرفوا فلما ذهبوا لينصرفوا، حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين عليه السلام للحر: ثكلتك امك ما تريد ؟ فقال له الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر امه بالثكل كائنا من كان، ولكن والله مالي من ذكر امك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه. فقال له الحسين عليه السلام: فما تريد ؟ قال: اريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد، فقال: إذا والله لا أتبعك، فقال: إذا والله لا أدعك، فترادا القول ثلاث مرات، فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم اومر بقتالك إنما


(1) زاد في المصدر ص 207: فأعادوه.

[378]

امرت أن لا افارقك حتى اقدمك الكوفة فإذ أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد فلعل الله أن يرزقنى العافية من أن ابتلى بشئ من أمرك فخذ ههنا. فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره، وهو يقول له: يا حسين إني اذكرك الله في نفسك فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن فقال له الحسين عليه السلام: أفبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه واله فخوفه ابن عمه وقال: أين تذهب فانك مقتول ؟ فقال: سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبورا وودع مجرما فان عشت لم أندم وإن مت لم الم كفى بك ذلا أن تعيش وترغما (1) أقول: وزاد محمد بن أبي طالب قبل البيت الأخير هذا البيت: اقدم نفسي لا اريد بقاءها لتلقى خميسا في الوغى وعرمرما ثم قال: ثم أقبل الحسين عليه السلام على أصحابه وقال: هل فيكم احد يعرف الطريق على غير الجادة ؟ فقال الطرماح: نعم يا ابن رسول الله أنا أخبر الطريق فقال الحسين عليه السلام: سر بين أيدينا فسار الطرماح واتبعه الحسين عليه السلام وأصحابه وجعل الطرماح يرتجز ويقول: يا ناقتي لا تذعري من زجري وامضي بنا قبل طلوع الفجر بخير فتيان وخير سفر آل رسول الله آل الفخر السادة البيض الوجوه الزهر الطاعنين بالرماح السمر الضاربين بالسيوف البتر حتى تحلى بكريم الفخر الماجد الجد رحيب الصدر أثابه الله لخير أمر عمره الله بقاء الدهر


(1) الارشاد ص 207 و 208.

[379]

يا مالك النقع معا والنصر أيد حسينا سيدي بالنصر على الطغاة من بقايا الكفر على اللعينين سليلي صخر يزيد لا زال حليف الخمر وابن زياد عهر بن العهر وقال المفيد رحمه الله: فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه، وكان يسير بأصحابه ناحية والحسين عليه السلام في ناحية، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات ثم مضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به وإذا هو بفسطاط مضروب، فقال لمن هذا ؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي قال: ادعوه إلي ! فلما أتاه الرسول قال له: هذا الحسين بن علي عليهما السلام يدعوك، فقال عبيد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا فيها، والله ما اريد أن أراه ولا يراني. فأتاه الرسول فأخبره فقام إليه الحسين فجاء حتى دخل عليه وسلم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه عبيد الله بن الحر تلك المقالة واستقاله مما دعاه إليه، فقال له الحسين عليه السلام: فان لم تكن تنصرنا فاتق الله [أن] لا تكون ممن يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك، فقال له: أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله. ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل رحله، ولما كان في آخر الليلة أمر فتيانه بالاستقاء من الماء، ثم أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل. فقال عقبة بن سمعان: فسرنا معه ساعة، فخفق عليه السلام وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " والحمد لله رب العالمين ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: مم حمدت الله واسترجعت ؟ قال: يا بني إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول: القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال له: يا أبت لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق ؟ قال: بلى والله الذي مرجع العباد إليه، فقال: فاننا إذا ما نبالي أن نموت محقين، فقال له الحسين عليه السلام: جزاك الله من ولد

[380]

خير ما جزى ولدا عن والده. فلما أصبح نزل وصلى بهم الغداة ثم عجل الركوب وأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه، فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوى بالمكان الذي نزل به الحسين عليه السلام فإذا راكب على نجيب له عليه سلاح متنكبا قوسا مقبلا من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على الحر وأصحابه ولم يسلم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله ابن زياد لعنة الله فإذا فيه أما بعد فجعجع بالحسين حين بلغك كتابي هذا ويقدم عليك رسولي، ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري والسلام. فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني أن اجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ أمره فيكم، فنظر يزيد بن المهاجر الكندي وكان مع الحسين عليه السلام إلى رسول ابن زياد فعرفه فقال له: ثكلتك امك ماذا جئت فيه ؟ قال: اطعت إمامي ووفيت ببيعتي، فقال له ابن المهاجر: بل عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسيت العار والنار، وبئس الامام إمامك قال الله عزوجل: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون " (1) فإمامك منهم، وأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقال له الحسين عليه السلام: دعنا ويحك ننزل هذه القرية أو هذه، يعني نينوى والغاضرية، أو هذه يعني شفية ! قال: لا والله ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إلي عينا علي فقال له زهير بن القين: إني والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلا أشد مما ترون، يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به، فقال الحسين عليه السلام: ما كنت لأبدءهم بالقتال ثم نزل وذلك


(1) القصص: 41.

[381]

اليوم يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين (1). وقال السيد رحمه الله: فقام الحسين عليه السلام خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا حقا فاني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما. فقام زهير بن القين فقال: قد سمعنا - هداك الله يا ابن رسول الله - مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها. قال: ووثب هلال بن نافع البجلي فقال: والله ما كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك. قال: وقام برير بن خضير فقال: والله يا ابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، فيقطع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة. قال: ثم إن الحسين عليه السلام ركب وسار كلما أراد المسير يمنعونه تارة و يسايرونه اخرى حتى بلغ كربلا وكان ذلك في اليوم الثامن من المحرم (2). وفي المناقب: فقال له زهير: فسربنا حتى ننزل بكربلاء فانها على شاطئ الفرات، فنكون هنالك، فان قاتلونا قاتلناهم، واستعنا الله عليهم، قال: فدمعت عينا الحسين عليه السلام ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء، ونزل الحسين في موضعه ذلك، ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بدواة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن وأل، وجماعة المؤمنين


(1) الارشاد ص 209 و 210. (2) كتاب الملهوف ص 69 و 70.

[382]

أما بعد فقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه واله قد قال في حياته: " من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله " وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيئ، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وإني أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه واله. وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فان وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي اسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فانما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم والسلام. ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي - وساق الحديث كما مر - ثم قال: ولما بلغ الحسين قتل قيس استعبر باكيا ثم قال: " اللهم اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلا كريما، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شئ قدير ". قال: فوثب إلى الحسين عليه السلام رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجلي فقال: يا ابن رسول الله أنت تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدون بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل، حتى قبضه الله إليه، وإن أباك عليا رحمة الله عليه قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده، وخلع بيعته، فلن يضر إلا نفسه، والله مغن عنه، فسربنا راشدا معافا مشرقا إن شئت، وإن

[383]

شئت مغربا، فو الله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك. ثم وثب إليه برير بن خضير الهمداني فقال: والله يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيه أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة بين أيدينا، لا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم، اف لهم غدا ماذا يلاقون ؟ ينادون بالويل والثبور في نار جهنم. قال: فجمع الحسين عليه السلام ولده وإخوته وأهل بيته، ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال: اللهم إنا عترة نبيك محمد وقد اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو امية علينا اللهم فخذ لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين. قال: فرحل من موضعه حتى نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلا وذلك في الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. ثم أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه مادرت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون. ثم قال: أهذه كربلاء ؟ فقالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقال: هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا. قال: فنزل القوم وأقبل الحر حتى نزل حذاء الحسين عليه السلام في ألف فارس ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين بكربلا. وكتب ابن زياد لعنه الله إلى الحسين صلوات الله عليه: أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلا، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام. فلما ورد كتابه على الحسين وقرأه رماه من يده، ثم قال: لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فقال له الرسول: جواب الكتاب ؟ أبا عبد الله ! فقال: ما له عندي جواب لأنه قد حققت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول.

[384]

إليه فخبره بذلك، فغضب عدو الله من ذلك أشد الغضب، والتفت إلى عمر بن سعد وأمره بقتال الحسين، وقد كان ولاه الري قبل ذلك، فاستعفي عمر من ذلك، فقال ابن زياد: فاردد إلينا عهدنا، فاستمهله ثم قبل بعد يوم خوفا عن أن يعزل عن ولاية الري. وقال المفيد رحمه الله: فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس فنزل بنينوى، فبعث إلى الحسين عليه السلام عروة بن قيس الأحمسي فقال له: ائته فسله ما الذي جاء بك وما تريد ! وكان عروة ممن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه وكلهم أبى ذلك وكرهه. فقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي وكان فارسا شجاعا لا يرد وجهه شئ فقال له: أنا أذهب إليه، ووالله لئن شئت لأفتكن به، فقال له عمر بن سعد: ما اريد أن تفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به، فأقبل كثير إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام: أصلحك الله يا عبد الله ! قد جاءك شر أهل الأرض وأجرأه على دم وأفتكه، وقام إليه فقال له: ضع سفيك، قال: لا والله ولا كرامة إنما أنا رسول إن سمعتم كلامي بلغتكم ما ارسلت إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم، قال: فاني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك قال: لا والله لا تمسه فقال له: أخبرني بما جئت به وأنا ابلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فانك فاجر، فاستبا وانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر. فدعا عمر بن سعد قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك الق حسينا فسله ما جاء به ؟ وماذا يريد ؟ فأتاه قرة فلما رآه الحسين مقبلا قال: أتعرفون هذا ؟ فقال حبيب بن مظاهر: هذا رجل من حنظلة تميم، وهو ابن اختنا، وقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه، فقال له الحسين عليه السلام: كتب إلي أهل مصر كم هذا أن أقدم، فأما إذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم، فقال حبيب بن مظاهر: ويحك

[385]

يا قرة أين تذهب ؟ إلى القوم الظالمين ؟ انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة، فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي، فانصرف إلى عمر بن سعد وأخبره الخبر، فقال عمر بن سعد: أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله. وكتب إلى عبيدالله بن زياد: " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ؟ فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، يسألوني القدوم إليهم ففعلت، فأما إذا كرهتموني، و بدالهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم ". قال حسان بن قائد العبسي: وكنت عند عبيدالله بن زياد حين أتاه هذا الكتاب فلما قرأه قال: الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص وكتب إلى عمر بن سعد: " أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام " فلما ورد الجواب على عمر بن سعد قال: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية (1) وقال محمد بن أبي طالب: فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبدا، قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد، قد عرفتموه حسن السيرة محمود الطريقة، محسنا إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، قد أمنت السبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده، يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال، ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن اوفرها عليكم واخرجكم إلى حرب عدوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا.


(1) الارشاد ص 210 و 211 والظاهر قد حسبت أن لا يقبل.

[386]

ثم نزل عن المنبر ووفر الناس العطاء وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين عليه السلام، ويكونوا عونا لابن سعد على حربه، فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلانا المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفا. ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا وإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب الحسين، فتمارض شبث، وأراد أن يعفيه ابن زياد فأرسل إليه: أما بعد فان رسولي أخبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعا. فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلا ينظر إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة فلما دخل رحب به وقرب مجلسه، وقال: احب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عونا لابن سعد عليه، فقال: أفعل أيها الأمير، فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاما بين فارس وراجل، ثم كتب إليه ابن زياد أني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا اصبح ولا امسي إلا وخبرك عندي غدوة وعشية، وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم. وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله ههنا حي من بني أسد بالقرب منا أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم عنك، قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكرا حتى أتى إليهم فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك ؟ فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فانه في عصابة من المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلموه أبدا وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة

[387]

فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة فاني اقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلا كان رفيقا لمحمد صلى الله عليه واله في عليين قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز ويقول: قد علم القوم إذا تواكلوا وأحجم الفرسان إذ تناقلوا (1) أني شجاع بطل مقاتل كأنني ليث عرين باسل ثم تبادر رجال الحي حتى التأم منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون الحسين عليه السلام وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الازرق فضم إليه أربعمائة فارس و وجه نحو حي بني أسد، فبينما اولئك القوم قد أقبلوا يريدن عكسر الحسين عليه السلام في جوف الليل إذا استقبلهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وبينهم وبين عسكر الحسين اليسير، فناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا، وصاح حبيب ابن مظاهر بالأزرق ويلك مالك ومالنا انصرف عنا، ودعنا يشقى بنا غيرك، فأبى الأزرق أن يرجع، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم، فانهزموا راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيتهم ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام فخبره بذلك فقال عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، وأضر العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين عليه السلام فأسا (2) وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في الأرض تسع عشر خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسين عليه السلام وشرب الناس بأجمعهم، وملاوا أسقيتهم، ثم غارت العين، فلم ير لها أثر، وبلغ ذلك ابن زياد


(1) تناضلوا. خ ل. والظاهر: تثاقلوا. (2) الفأس: آلة ذات هراوة قصيرة يقطع بها الخشب وغيره. وقد يترك همزها.

[388]

فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء، فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان فعندها ضيق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق. فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس فضم إليه ثلاثين فارسا وعشرين راكبا، وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات فقال عمرو بن الحجاج: من أنتم ؟ فقال رجل من أصحاب الحسين عليه السلام، يقال له هلال بن نافع البجلي: ابن عم لك جئت أشرب من هذا الماء، فقال عمرو: اشرب هنيئا فقال هلال: ويحك تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشا ؟ فقال عمرو: صدقت ولكن امرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس واقتتلوا قتالا شديدا، فكان قوم يقاتلون، وقوم يملاون حتى ملاوها، ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد ثم رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولذلك سمي العباس عليه السلام السقاء. ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله: أني اريد أن اكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الاكبر، وأمر عمر بن سعد وأصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له. فقال له الحسين عليه السلام: ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت ؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فانه أقرب لك إلى الله تعالى، فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين عليه السلام: أنا أبنيها لك فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين عليه السلام: أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلى شئ

[389]

فانصرف عنه الحسين عليه السلام، وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيرا فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البر مستهزئا بذلك القول. رجعنا إلى سياقة حديث المفيد قال: وورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى عمر ابن سعد أن: حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين عليه السلام بثلاثة أيام. ونادى عبد الله بن حصين الأزدي وكان عداده في بجيلة: قال بأعلى صوته: يا حسين ! ألا تنظر [ون] إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوقون منه قطرة واحدة، حتى تموتوا عطشا، فقال الحسين عليه السلام: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا، قال حميد بن مسلم: والله لعدته في مرضه بعد ذلك فو الله الذي لا إله غيره، لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغر (1) ثم يقيئه ويصيح العطش العطش ثم يعود ويشرب حتى يبغر ثم يقيئه ويتلظى عطشا فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه. ولما رأى الحسين عليه السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله، أنفذ إلى عمر بن سعد: أنني اريد أن ألقاك، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ثم رجع عمر إلى مكانه، وكتب إلى عبيد الله بن زياد: " أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الامة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين: له مالهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده (2)


(1) يقال: بغر البعير وكذا الرجل - كقطع وعلم -: بغرا: شرب فلم يرو. فهو بغير وبغر. (2) قال سبط ابن الجوزى في التذكرة ص 141: وقد وقع في بعض النسخ أن الحسين عليه السلام قال: لعمر بن سعد دعوني أمضى الى المدينة أو الى بزيد فادع يدى في

[390]

فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضى وللامة صلاح ". فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك وأتى جنبك ؟ والله لئن رحل بلادك ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة، ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة، فانها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصاحبه، فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك. فقال ابن زياد: نعم ما رأيت ! الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فان فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فان فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه. وكتب إلى عمر بن سعد: " لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذر عنه، ولا لتكون له عندي شفيعا، انظر فان نزل حسين وأصحابه على حكمي، واستسلموا، فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فانهم لذلك مستحقون، فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فانه عات ظلوم، ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا، ولكن علي قول قد قلته لو قد قتلته لفعلته هذا به، فان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام ". فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم عليه وقرأه، قال له عمر: مالك ويلك، لاقرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي، والله إني لاظنك نهيته عما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمرا قد كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين إن نفس أبيه لبين جنبيه، فقال له شمر:


يده. ولا يصح ذلك عنه، فان عقبة بن السمعان قال: صحبت الحسين من المدينة الى العراق ولم أزل معه الى أن قتل، والله ما سمعته قال ذلك. (*)

[391]

أخبرني ما أنت صانع ؟ أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر، قال: لا ولا كرامة لك، ولكن أن أتولى ذلك فدونك فكن أنت على الرجالة. ونهض عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين وقال: أين بنو اختنا ؟ (1) فخرج إليه جعفر والعباس وعبد الله وعثمان بنو علي عليه السلام فقالوا: ما تريد ؟ فقال: أنتم يا بني اختي آمنون، فقال له الفئة: لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له. ثم نادى عمر: يا خيل الله اركبي ! وبالجنة أبشري ! فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر والحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتبئ بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت اخته الصيحة، فدنت من أخيها وقالت: يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت ؟ فرفع الحسين عليه السلام رأسه فقال: إني رأيت رسول الله الساعة في المنام، وهو يقول لي: إنك تروح إلينا، فلطمت اخته وجهها، ونادت بالويل فقال لها الحسين: ليس لك الويل يا اخته (2) اسكتي رحمك الله، وفي رواية السيد قال: يا اختاه إني رأيت الساعة جدي محمدا وأبي عليا وامي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون: يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب وفي بعض الروايات: غدا، قال: فلطمت زينب عليها السلام على وجهها وصاحت، فقال لها الحسين عليه السلام: مهلا لا تشمتي القوم بنا (3). قال المفيد: فقال له العباس بن علي عليه السلام: يا أخي أتاك القوم، فنهض ثم قال: اركب أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم: مالكم ؟ وما بدا لكم ؟ وتسألهم عما


(1) وذلك لان ام البنين بنت حزام ام عباس وعثمان وجعفر وعبد الله كانت كلابية وشمر ابن ذي الجوشن كلابي ولذا أخذ من ابن زياد أمانا لبنيها، وذكر ابن جرير ان جرير بن عبد الله بن مخلد الكلابي كانت أم البنين عمته فأخذ لابنائها أمانا هو وشمر بن ذي الجوشن. (2) مخفف يا اختاه، أي يا اختى، كما يقال: يا ابه مخفف يا أباه بمعنى يا أبى. (3) راجع كتاب الملهوف ص 79.

[392]

جاء بهم، فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون ؟ قالوا: قد جاء أمر الأمير أن يعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم، فوقفوا فقالوا: القه وأعلمه ثم القنا بما يقول لك فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين عليه السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، ويعظونهم ويكفونهم عن قتال الحسين. فجاء العباس إلى الحسين عليه السلام وأخبره بما قال القوم، فقال: ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غد، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني كنت قد احب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار. فمضى العباس إلى القوم، ورجع من عندهم، ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنا قد أجلناكم إلى غد، فان استسلمتم سرحنا بكم إلى عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا بتاركيكم، فانصرف. وجمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء (1). قال علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء واحمده على السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين (2) وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين. أما بعد فاني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر


(1) في بعض النسخ: عند قرب الماء. يعنى الخيمة التى فيها قرب الماء. (2) كذا في المصدر ص 214. وهو الصحيح وفي سائر النسخ: فهمتنا في الدين وهو تصحيف.

[393]

وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا، ألا وإني لأظن (1) يوما لنا من هؤلاء ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (2). فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل: ذلك لنبقى بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعته الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه، فقال الحسين عليه السلام: يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم، فقالوا: سبحان الله ما يقول الناس ؟ نقول إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا، ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك. وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنحن نخلي عنك، وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك، أما والله لو علمت أني اقتل ثم احيى ثم احرق ثم احيى ثم اذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتله واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا. وقام زهير بن القين فقال: والله لوددت أني قتلت نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.


(1) في المصدر: لا أظن. (2) مر معنى المثل في ص 316 و 323 فراجع.

[394]

وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فجزاهم الحسين خيرا وانصرف إلى مضربه (1). وقال السيد: وقيل لمحمد بن بشر الحضرمي في تلك الحال: قد اسر ابنك بثغر الري، فقال: عند الله احتسبه ونفسي ما احب أن يؤسر وأنا أبقى بعده، فسمع الحسين عليه السلام قوله، فقال: رحمك الله أنت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيا إن فارقتك، قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار. قال: وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة، ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا. إلى هنا انتهى الجزء الثاني من المجلد العاشر، ويليه الجزء الثالث وأوله: فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاطه.... ابتداء المقتل من يوم عاشوراء.


(1) ارشاد المفيد ص 213 و 215.

[395]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. والصلاة والسلام على رسول الله. وعلى آله الأطيبين امناء الله. وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من المجلد العاشر من كتاب بحار الأنوار حسب تجزئة المصنف - رضوان الله عليه - والجزء الرابع والأربعون حسب تجزئتنا وفقنا الله العزيز لإتمامه بفضله ومنه. نسخة الاصل: ومن منن الله علينا ان أظفرنا بنسخة المؤلف قدس سره - بخط يده - وهي مضبوطة في خزانة مكتبة المسجد الأعظم لا زالت دائرة، بقم، لمؤسسه وبانيه فقيه الامة وفقيد اسرتها آية الله المرحوم الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي - رضوان الله عليه - فقابلنا طبعتنا هذه على تلك النسخة، وراجعنا المصادر والنسخ المطبوعة الاخر التي أو عزنا إليها في الذيل فجاء بحمد الله احسن النسخ طباعة وأتقنا وأصحها تحقيقا. وسنعرف هذه النسخة الثمينة مع صورتها الفتوغرافية في المجلد الآتي آخر أجزاء العاشر بحول الله وقوته. ولا يسعنا دون ان نشكر فضيلة نجله الزاكي وخلفه الصدق حجة الاسلام والمسلمين الحاج السيد محمد حسن الطباطبائي دام افضاله حيث تفضل علينا بهذه النسخة الكريمة حتى قابلناها مع نسختنا من البدو إلى الختم فله الشكر الجزيل والثناء الحسن جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء.

[395]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. والصلاة والسلام على رسول الله. وعلى آله الأطيبين امناء الله. وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من المجلد العاشر من كتاب بحار الأنوار حسب تجزئة المصنف - رضوان الله عليه - والجزء الرابع والأربعون حسب تجزئتنا وفقنا الله العزيز لإتمامه بفضله ومنه. نسخة الاصل: ومن منن الله علينا ان أظفرنا بنسخة المؤلف قدس سره - بخط يده - وهي مضبوطة في خزانة مكتبة المسجد الأعظم لا زالت دائرة، بقم، لمؤسسه وبانيه فقيه الامة وفقيد اسرتها آية الله المرحوم الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي - رضوان الله عليه - فقابلنا طبعتنا هذه على تلك النسخة، وراجعنا المصادر والنسخ المطبوعة الاخر التي أو عزنا إليها في الذيل فجاء بحمد الله احسن النسخ طباعة وأتقنا وأصحها تحقيقا. وسنعرف هذه النسخة الثمينة مع صورتها الفتوغرافية في المجلد الآتي آخر أجزاء العاشر بحول الله وقوته. ولا يسعنا دون ان نشكر فضيلة نجله الزاكي وخلفه الصدق حجة الاسلام والمسلمين الحاج السيد محمد حسن الطباطبائي دام افضاله حيث تفضل علينا بهذه النسخة الكريمة حتى قابلناها مع نسختنا من البدو إلى الختم فله الشكر الجزيل والثناء الحسن جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء. محمد باقر البهبودي صفر المظفر 1385

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية