الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 33

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 33


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثالث والثلاثون

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم

[7]

[الباب الثالث عشر] باب شهادة عمار رضي الله عنه وظهور بغي الفئة الباغية بعد ما كان أبين من الشمس الضاحية وشهادة غيره من أتباع الائمة الهادية 364 - ج: روي عن الصادق عليه السلام أنه لما قتل عمار بن ياسر رحمة الله عليه ارتعدت فرائص خلق كثير وقالوا: قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " عمار تقتله الفئة الباغية " فدخل عمرو بن العاص على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا قال: لماذا. قال: قتل عمار. قال: فماذا ؟ قال أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تقتله الفئة الباغية فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه انما قتله علي بن أبي طالب لما ألقاه بين رماحنا. فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب عليه السلام فقال: فإذا رسول الله


364 - رواه الطبرسي رحمه الله في آخر عنوان: " احتجاجه [أي أمير المؤمنين عليه السلام] على معاوية.. " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 181.

[8]

صلى الله عليه وآله هو الذي قتل حمزة وألقاه بين رماح المشركين ! 365 - لي: ابن موسى عن الاسدي عن النخعي عن إبراهيم بن الحكم عن محمد بن الفضيل عن مسعود الملائي عن حبة العرني قال: أبصر عبد الله بن عمرو رجلين يختصمان في رأس عمار رضي الله عنه يقول هذا: أنا قتلته ويقول هذا: أنا قتلته فقال ابن عمرو: يختصمان أيهما يدخل النار أولا. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قاتله وسالبه في النار. فبلغ ذلك معاوية لعنه الله فقال ما نحن قتلناه وإنما قتله من جاء به. قال الصدوق رحمه الله يلزمه على هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قاتل حمزة رضي الله عنه وقاتل الشهداء معه لانه صلى الله عليه وآله هو الذي جاء بهم. 366 - لي: وبهذا الاسناد عن إبراهيم بن الحكم عن عبيدالله بن موسي عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى العبسى قال: لما قتل عثمان (1)


365 - 366 - رواهما الشيخ الصدوق قدس الله نفسه في الحديث: (7 و 8) من المجلس: (63) من أماليه ص 330. (1) هذا هو الصواب، وها هنا وقع التصحيف في مطبوعة الامالي وط الكمباني من البحار، فصحف لفظ " عثمان " ب‍ " عمار ". والدليل على التصحيف أن حذيفة رفع الله مقامه توفي قبل شهادة عمار قدس الله نفسه نحوا من سنة فإنه كان مريضا حينما بايع الناس أمير المؤمنين عليه السلام بعد مهلك عثمان، ولما بلغه كتاب أمير المؤمنين عليه السلام أمر فحمل إلى المسجد فخطب الناس وأخذ بيعة الامام منهم وأكد عليهم اللحوق به ونصرته وبقي إلى أيام خروج طلحة والزبير إلى البصرة وتوفي بعده بقليل، ومما يدل على ذلك ما: رواه ابن عساكر في ترجمة عمار رضوان الله عليه من تاريخ دمشق: ج 11 ص 81 قال: أخبرنا أبو القاسم السمرقندي أنبأنا أبو القاسم بن البسري وأبو طاهر القصاري وأبو محمد وأبو الغنائم ابنا علي وأبو الحسين العاصمي وأبو عبد الله النعالي قالوا: أنبأنا أبو عمر، أنبأنا أبو بكر، أنبأنا جدي أنبأنا الفضل بن دكين، أنبأنا عيسى - يعني ابن عبد الرحمان السلمي - حدثني سيار أبو الحكم عن رجل قد سماه قال: قال بنو عبس لحذيفة: إن أمير المؤمنين عثمان قد قتل فما تأمرنا ؟ قال: الزموا

[9]

أتوا حذيفة فقالوا: يا أبا عبد الله قتل هذا الرجل وقد اختلف الناس فما تقول ؟ قال: أما إذا أتيتم فأجلسوني قال: فأسندوه إلى صدر رجل منهم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أبو اليقظان على الفطرة ثلاث مرات لن يدعها حتى يموت. 367 - ما: المفيد عن محمد بن الحسن المقري عن الحسن بن علي بن عبد الله عن عيسى بن مهران عن الفضل بن دكين عن موسى بن قيس عن الحسين بن أسباط قال: سمعت عمار بن ياسر رحمه الله يقول عند توجهه إلى صفين: اللهم لو أعلم أنه أرضا لكم أن أرمي بنفسي من فوق هذا الجبل لرميت بها ولو أعلم أنه أرضى لك أن أوقد لنفسي نارا فأوقع فيها لفعلت وإني لا أقاتل أهل الشام إلا وأنا أريد بذلك وجهك وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا


عمارا. قالوا: إن عمارا لا يفارق عليا ! ! قال: إن الحسد هو أهلك الحسد، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي ؟ ! فو الله لعلي أفضل من عمار أبعد ما التراب والسحاب وإن عمارا لمن الاخيار. ورواه أيضا الهيثمي في كتاب مجمع الزوائد: ج 7 ص 243 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ورواه أيضا الحافظ ابن عساكر في الحديث: (1196) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 177، ط 2 وذكرنا له في تعليقه شواهد. 367 - رواه شيخ الطائفة في الحديث: (48) من الجزء (6) من أماليه ص 180. ورواه أيضا أبو مخنف قال: حدثني عبد الملك بن أبي حرة الحنفي أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته. اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في صدري ثم انحني عليه حتى تخرج من ظهري لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أن عملا من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته. هكذا رواه عنه الطبري في عنوان: " مقتل عمار... " من تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 3317، وفي ط ج 4 ص 26 وفي ط: ج 5 ص 38. ورواه أيضا محمد بن عبد الله الاسكافي المعتزلي المتوفى (240) في كتاب المعيار الموازنة ص 136.

[10]

أريد وجهك الكريم. 368 - ص: الصدوق عن أحمد بن محمد الشحام عن عبد الرحمن بن أبي حاتم عن عمر الاودي عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: قال عمار رضي الله عنه يوم صفين: إئتوني بشربة لبن. فأتي فشرب ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن. ثم تقدم فقتل فلما قتل أخذ خزيمة بن ثابت بسيفه فقاتل وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتل عمارا الفئة الباغية وقاتله في النار فقال معاوية: ما نحن قتلناه إنما قتله من جاء به. 369 - يج: روي عن أم سلمة قالت: كان عمار ينقل اللبن بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وكان صلى الله عليه وآله يمسح التراب عن صدره ويقول: تقتلك الفئة الباغية. 370 - قب: كثر أصحاب الحديث على شريك وطالبوه بأنه يحدثهم بقول النبي صلى الله عليه وآله: " تقتلك الفئة الباغية " فغضب وقال: أتدرون أن لا فخر لعلي أن يقتل معه عمار إنما الفخر لعمار أن يقتل مع علي عليه السلام. 371 - كش: ابن قتيبة عن الفضل عن محمد بن سنان عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: ما تقول في عمار. قال: رحم الله عمارا. - [كرر هذا] ثلاثا - قاتل مع أمير المؤمنين عليه السلام وقتل


368 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في كتاب قصص الانبياء، ولكن الكتاب لم يصل إلينا بعد. 369 - رواه القطب الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. 370 - رواه ابن شهر أشوب في مناقب آل أبي طالب. 371 - رواه الكشي رحمه الله في ترجمة عمار تحت الرقم: (3) من تلخيص رجاله ص 31

[11]

شهيدا. قال: قلت في نفسي: ما تكون منزلة أعظم من هذه المنزلة فالتفت إلي فقال: لعلك تقول مثل الثلاثة هيهات هيهات قال: قلت: وما علمه أنه يقتل في ذلك اليوم ؟ قال: إنه لما رأى الحرب لا يزداد إلا شدة والقتل لا يزداد إلا كثرة ترك الصف وجاء إلى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين هو هو ؟ قال: ارجع إلى صفك فقال له ذلك ثلاث مرات كل ذلك يقول له: ارجع إلى صفك فلما أن كان في الثالثة قال له: نعم فرجع إلى صفه وهو يقول: اليوم ألقى الاحبة * محمدا وحزبه بيان: الثلاثة سلمان وأبو ذر ومقداد رضي الله عنهم قوله: " هو هو " أي هذا وقت الوعد الذي وعدت من الشهادة. كش: خلف بن محمد عن عبيد بن محمود عن هاشم بن القاسم، عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: قال عمار بن ياسر: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم. توضيح: أي إني أريد أن أخاصم قاتلي عند الله فلا تسلبوني ثيابي لتكون لي شاهدا وحجة أو هو كناية عن الشهادة بالحق فإنه يلزمه المخاصمة أي إني شهيد حقيقة وحكمه أن يدفن بثيابه. 373 - كش: خلف عن عبيد بن حميد عن أبي نعيم عن سفيان عن حبيب عن أبي البختري قال: أتي عمار يومئذ بلبن فضحك ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: آخر شراب تشربه من الدنيا مذقة من لبن حتى تموت. في خبر آخر أنه قال: آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن.

[12]

توضيح: المذقة بالفتح والضم: اللبن الممذوق أي المخلوط بالماء قال في النهاية: المذق: المزج والخلط يقال: مذقت اللبن فهو مذيق إذا خلطته بالماء والمذقة: الشربة من اللبن الممذوق. والضياح بالفتح أيضا: اللبن الرقيق الممزوج بالماء. 374 - كش: خلف عن الفتح بن عمرو الوراق عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب عن أسود بن مسعدة عن حنظلة بن خويلد قال: إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما أنا قتلته فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكم نفسا لصاحبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال معاوية لا تغني عنا بجنونك يا بن عمرو فما بالك معنا قال إني معكم ولست أقاتل إن أبي شكاني إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال لي رسول الله أطع أباك مادام حيا ولا تعصه فإني معكم ولست أقاتل. بيان: قال في النهاية: يقال: أغن عني شرك أي اصرفه وكفه. 375 - كشف: في هذا الحرب قتل أبو اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنه وقد تظاهرت الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: عمار بن ياسر جلدة بين عيني تقتله الفئة الباغية. وفي صحيح مسلم (1) عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال


374 - نفس الهامش رقم 371. 375 - رواه الاربلي رحمه الله في أواخر ما ذكره في حرب صفين من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 258 - 261 ط بيروت. (1) رواه مسلم بأسانيد في الباب (18) من كتاب الفتن وأشراط الساعة تحت الرقم: (2915) وما بعده من صحيحه: ج 4 ص 2235. (*)

[13]

لعمار: يقتلك الفئة الباغية. قال ابن الاثير وخرج عمار بن ياسر على الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم لو أني أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحنى عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت وإني لا أعلم اليوم عملا أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم عملا هو أرضى لك منه لفعلته والله إني لارى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون والله لو ضربونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل (1). ثم قال: من يبتغي رضوان ربه فلا يرجع إلى مال ولا ولد. فأتاه عصابة فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون بدم عثمان والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحقبوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا فبلغوا ما ترون ولولا هذه الشبهة ما تبعهم رجلان من الناس اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الاليم. ثم مضى ومعه العصابة فكان لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي الوقاص وهو المرقال وكان صاحب راية علي عليه السلام فقال: يا هاشم أعورا وجبنا ؟ لا خير في أعور لا يغشى


ورواه أيضا بأسانيد النسائي في الحديث: (157) وما بعده من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام وعلقنا عليه أيضا عن مصادر كثيرة. (1) ورواه أيضا محمد بن عبد الله الاسكافي المتوفى عام: (240) في كتاب المعيار والموازنة ص 136، ط 1.

[14]

الناس اركب يا هاشم فركب ومضى معه وهو يقول: أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا وعمار يقول: تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت تحت أطراف الاسل وقد فتحت أبواب السماء وزينت الحور العين اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه. وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا لك. فقال: لا ولكن أطلب بدم عثمان. قال له: [هيهات " خ ل "] أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله تعالى وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك لغد فإنك صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى ثم قاتل عمار ولم يرجع وقتل. قال حبة بن جوين العرني قلت لحذيفة بن اليمان: حدثنا فإنا نخاف الفتن. فقال: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وإن آخر رزقه ضياح من لبن. قال حبة فشهدته يوم قتل يقول: إئتوني بآخر رزق لي من الدنيا. فأتي بضياح من لبن في قدح أروح بحلقة حمراء ! فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة فقال: اليوم ألقى الاحبة * محمدا وحزبه وقال: والله لو ضربونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل. ثم قتل رضي الله عنه قيل قتله أبو العادية واجتز رأسه ابن جوى السكسكي وكان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية وآخر شربة تشربها ضياح من لبن.

[15]

ونقلت من مناقب الخوارزمي (1) قال: شهد خزيمة بن ثابت الانصاري الجمل وهو لا يسل سيفا وصفين وقال: لا أصلي أبدا خلف إمام حتى يقتل عمار فانظر من يقتله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتله الفئة الباغية. قال: فلما قتل عمار قال خزيمة: قد حانت لي الصلاة ثم اقترب فقاتل حتى قتل. وكان الذي قتل عمارا أبو عادية المري طعنه برمح فسقط وكان يومئذ يقاتل وهو ابن أربع وتسعين سنة فلما وقع أكب عليه رجل فاجتز رأسه فأقبلا يختصمان كلاهما يقول: أنا قتلته. فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا في النار ! ! فسمعها معاوية فقال لعمرو: وما رأيت مثل ما صنعت قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: إنكما تختصمان في النار فقال عمرو: هو والله ذلك وإنك لتعلمه ولوددت اني مت قبل هذا بعشرين سنة. وبالاسناد عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعمر المسجد وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وآله فجعل ينفض التراب عن رأس عمار ويقول: يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك ؟ قال: إني أريد الاجر من الله تعالى قال: فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويحك تقتلك


(1) رواه الخوارزمي بسنده عن البيهقي عن الحاكم في الحديث: (6) من الفصل (3) من الفصل (16) من كتاب مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ص 123. ورواه الحاكم في مناقب عمار، وبسند آخر في مناقب خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين من كتاب مناقب الصحابة من المستدرك: ج 3 ص 385 و 397 ولم يصرح بصحة الحديثين. وسند الحديث ضعيف، ولا يظن بمثل خزيمة أن لا يبصر نور شمس الحق والحقيقة علي بن أبي طالب، ويستدل عليه ويهتدي به بواسطة نور عمار قدس الله نفسه، ولا تنافي بين عرفانه الحق أولا وبين جديته في محاربة المردة بعد شهادة عمار إذ هذه شأن كل مؤمن ولا يختص به.

[16]

الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار وقال عمار: أعوذ بالرحمن - أظنه قال: - من الفتن. قال أحمد بن الحسين البيهقي: وهذا صحيح على شرط البخاري. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لابيه عمرو حين قتل عمار: أقتلتم عمارا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ؟ فقال عمرو: لمعاوية أتسمع ما يقول عبد الله ؟ فقال: إنما قتله من جاء به وسمعه أهل الشام فقالوا: إنما قتله من جاء به فبلغت عليا عليه السلام فقال: [إذا] يكون النبي صلى الله عليه وآله قاتل حمزة رضي الله عنه لانه جاء به. ونقلت عن مسند أحمد بن حنبل (1) عن عبد الله بن الحارث قال: إني لاسير مع معاوية في منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص قال: فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا ؟ فقال معاوية: ما يزال يأتينا بهنة أنحن قتلناه ؟ إنما قتله الذين جاؤا به ! !. ومن مسند أحمد أيضا عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت [قال] ما زال جدي كافا سلاحه يوم الجمل حتى قتل عمار بصفين فسل سيفه فقاتل حتى قتل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتل عمارا الفئة الباغية. ومن المسند عن علي عليه السلام أن عمارا استأذن على النبي صلى الله عليه وآله فقال: الطيب المطيب ائذن له. ومن المناقب (2) عن علقمة والاسود قالا: أتينا أبا أيوب الانصاري فقلنا:


(1) وانظر مسند خزيمة بن ثابت من مسند أحمد: ج 5 ص 213، وباب مناقب عمار من المستدرك: ج 3 ص 385. (2) رواه الخوارزمي في ح 9 من الفصل المتقدم الذكر من المناقب ص 124.

[17]

يا أبا أيوب إن الله أكرمك بنبيه صلى الله عليه وآله إذ أوحى إلى راخلته فبركت على بابك وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ضيفا لك فضيلة فضلك الله بها اخبرنا عن مخرجك مع علي ؟ قال: فإني أقسم لكما إنه كان رسول الله في هذا البيت الذي أنتما فيه وليس في البيت غير رسول الله وعلي جالس عن يمينه وأنا عن يساره وأنس قائم بين يديه إذ تحرك الباب فقال عليه السلام: أنظر من بالباب فخرج أنس وقال: هذا عمار بن ياسر فقال: افتح لعمار الطيب المطيب. ففتح أنس ودخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فرحب به وقال: إنه ستكون بعدي في أمتي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يبرأ بعضهم من بعض فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الاصلع عن يميني علي بن ابي طالب عليه السلام وإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس إن عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردي. يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله. توضيح: قوله عليه السلام " جلدة بين عيني " وفي بعض الروايات " جلدة ما بين عيني وأنفي " وعلى التقديرين كناية عن غاية الاختصاص وشدة الاتصال. وقال في النهاية: في حديث عمار: " لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر " السعفات جمع سعفة بالتحريك وهي أغصان النخيل. وقيل: إذا يبست سميت سعفة فإذا كانت رطبة فهي شطبة. وإنما خص " هجر " للمباعدة في المسافة ولانها موصوفة بكثرة النخل " وهجر " اسم بلد معروف بالبحرين. وفي القاموس: احتقبه واستحقبه: ادخره. وفي الصحاح: احتقبه واستحقبه بمعنى أي احتمله ومنى قيل: احتقب فلان الاثم كأنه جمعه واحتقبه من خلفه. وفي النهاية: العوار بالفتح وقد يضم العيب وقيل: انهم يقولون للردئ من كل شئ من الامور والاخلاق أعور وكل عيب وخلل في شئ فهو عورة. والاسل محركة: الرماح. قوله: " أظنه " أي قال الخدري أظن أن عمارا قال:

[18]

أعوذ بالرحمن من الفتن. وفي النهاية فيه: " ستكون هنات وهنات " أي شرور وفساد يقال: في فلان هنات: أي خصال شر ولا يقال في الخير وواحدها هنت وقد يجمع على هنوات وقيل واحدها هنة تأنيث هن وهو كناية عن كل اسم جنس. 376 - نص: أبو المفضل الشيباني عن محمد بن الحسين بن حفص عن عباد بن يعقوب عن علي بن هاشم عن محمد بن عبد الله عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده عمار قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض غزواته وقتل علي عليه السلام أصحاب الالوية وفرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي وقتل شيبة بن نافع أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله إن عليا قد جاهد في الله حق جهاده فقال: لانه مني وأنا منه وارث علمي وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة بعدي ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي حربه حربي وحربي حرب الله وسلمه سلمي وسلمي سلم الله ألا أنه أبو سبطي والائمة بعدي من صلبه يخرج الله تعالى الائمة الراشدين ومنهم مهدي هذه الامة فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا المهدي قال: يا عمار إن الله تبارك وتعالى عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسين أئمة تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قوله عزوجل: * (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) * [30 / الملك] يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملا الدنيا قسطا وعدلا ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل وهو سميي وأشبه الناس بي. يا عمار سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا وحزبه فإنه مع الحق والحق معه.


376 - رواه الخزاز رحمه الله فيما جاء عن عمار في الباب: (17) من كتاب كفاية الاثر، ص 120، ط 2.

[19]

يا عمار إنك ستقاتل بعدي مع علي صنفين الناكثين والقاسطين ثم يقتلك الفئة الباغية. قلت: يا رسول الله أليس ذلك على رضا الله ورضاك ؟ قال: نعم على رضا الله ورضاي ويكون آخر زادك شربة من لبن تشربه. فلما كان يوم صفين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال ؟ قال: مهلا رحمك الله فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاده ثالثا فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فنظر إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إنه اليوم الذي وصف لي رسول الله صلى الله عليه وآله فنزل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن بغلته وعانق عمارا وودعه ثم قال: يا أبا اليقظان جزاك الله عن الله وعن نبيك خيرا فنعم الاخ كنت ونعم الصاحب كنت ثم بكا عليه السلام وبكا عمار ثم قال: والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم حنين: يا عمار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا وحزبه فإنه مع الحق والحق معه وستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين. فجزاك الله يا أمير المؤمنين عن الاسلام أفضل الجزاء فلقد أديت وبلغت ونصحت ثم ركب وركب أمير المؤمنين عليه السلام ثم برز إلى القتال. ثم دعا بشربة من ماء فقيل: ما معنا ماء فقام إليه رجل من الانصار فأسقاه شربة من لبن فشربه ثم قال: هكذا عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من اللبن. ثم حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفسا فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعنا فقتل رحمه الله. فلما كان الليل طاف أمير المؤمنين في القتلى فوجد عمارا ملقى فجعل رأسه على فخذه ثم بكا عليه السلام وأنشأ يقول: أيا موت كم هذا التفرق عنوة * فلست تبقى لي خليل خليل أراك بصيرا بالذين أحبهم * كأنك تمضي نحوهم بدليل

[20]

بيان: الشعر في الديوان هكذا: ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كل خليل أراك مضرا بالذين أحبهم * كأنك تنحو نحوهم بدليل وروى الشارح عن ابن أعثم أن عمارا رضي الله عنه لما برز يوم صفين قال: أيها الناس هل من رائح إلى الله تطلب الجنة تحت ظلال الاسنة اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه. فطعنه ابن جون في صدره فرجع وقال: اسقوني شربة من ماء فأتاه راشد مولاه بلبن فلما رآه كبر وقال: هذا ما أخبرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله بأن آخر زادي من الدنيا ضياح من لبن فلما شرب خرج من مكان الجرح وسقط وتوفي رضي الله عنه فأتاه علي عليه السلام وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن أمرءا لم يدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو في الاسلام من شئ ثم صلى عليه وقرأ هاتين البيتين. 377 - ختص: عن محمد بن الحسن عن محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي عن نصر بن أحمد عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن محمد بن إسحاق عن صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني شيخ من أسلم شهد صفين مع القوم قال: والله إن الناس على سكناتهم فما راعنا إلا صوت عمار بن ياسر حين اعتدلت الشمس أو كادت تعتدل وهو يقول: أيها الناس من رائح إلى الجنة كالظمآن يرى الماء ؟ ما الجنة إلا تحت أطراف العوالي اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه. يا معشر المسلمين أصدقوا الله فيهم فإنهم والله أبناء الاحزاب دخلوا في هذا الدين كارهين حين أذلتهم حد السيوف وخرجوا منه طائعين حتى أمكنتهم الفرصة.


377 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (26) من كتاب الاختصاص ص 10، ط النجف.

[21]

وكان يومئذ ابن تسعين سنة قال: فو الله ما كان إلا الالجام والاسراج. وقال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص إن هذه الراية قد قاتلتنا ثلاث عركات وما هي بأرشدهن ثم حمل وهو يقول: نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل على خليله أو يرجع الحق إلى سبيله * يا رب إني مؤمن بقيله ثم استسقى عمار واشتد ظمأؤه فأتته امرأة طويلة اليدين ما أدري أعس معها أم إداوة فيها ضياح من لبن [فشربه] وقال الجنة تحت الاسنة اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه. والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل. ثم حمل وحمل عليه ابن جوين السكسكي وأبو العادية الفزاري فأما أبو العادية فطعنه وأما ابن جوين اجتز رأسه لعنهما الله. إيضاح: العالية: أعلى الرمح والجمع: العوالي. وفي الصحاح: لقيته عركة بالتسكين أي مرة ولقيته عركات أي مرات. 378 - مد: من صحيح مسلم بأسانيد عن أبي سعيد الخدري قال:


378 - رواه يحيى بن الحسن بن البطريق رحمه الله في الحديث: (540) وتواليه في أواسط الفصل: (36) من كتاب العمدة ص 168. وقد رواه مسلم بأسانيد كثيرة في الباب: (18) من كتاب الفتن وأشراط الساعة تحت الرقم: (2915) وما بعده من صحيحه: ج 4 ص 2235 من الطبعة المرقمة. وقد رواه أيضا بأسانيد كثيرة الحافظ النسائي تحت الرقم: (157) وما بعده من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ص 289 بيروت. وقد رواه الحافظ ابن عساكر على وجه بديع بأسانيد كثيرة في ترجمة عمار من كتاب تاريخ دمشق: ج 11 / الورق... من مخطوطة المكتبة الظاهرية.

[22]

أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: أبشر ابن سمية يقتلك فئة باغية. وبأسانيد أيضا عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وبسند آخر عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقتل عمارا الفئة الباغية. ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي الحديث السادس عشر من إفراد البخاري من الصحيح عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد الخدري واسمعا من حديثه. فانطلقنا فإذا هو في حائط له يصلحه فأخذ رداءه واحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار إثنتين إثنتين فرآه النبي صلى الله عليه وآله فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وكان يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. ثم ذكر الخبر بسند آخر عن عكرمة مثله. ثم قال: قال الحميدي: وفي هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلا في طريق هذا الحديث ولعلها لم تقع إليه أو وقعت فحذفها لغرض قصده (1). وأخرجه أبو بكر البرقاني وأبو بكر الاسماعيلي قبله وفي هذا الحديث عندهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية


(1) قصد البخاري على ما هو المستفاد من مواضع عديدة من كتبه هو إخفاء معالي أولياء الله وفضائح الفئة الباغية وإمامه معاوية ! ! ! والحديث رواه مع بعض تلك الزيادة الحاكم النيسابوري وصححه والذهبي في كتاب قتال أهل البغي من المستدرك: ج 2 ص 14.

[23]

ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. قال أبو مسعود الدمشقي في كتابه: لم يذكر البخاري هذه الزيادة وهي في حديث عبد الله بن المختار وخالد بن عبد الله الواسطي ويزيد بن زريع ومحبوب بن الحسن وشعبة كلهم عن خالد الحذاء وروى إسحاق عن عبد الوهاب هكذا. قال: وأما حديث عبد الوهاب الذي أخرجه البخاري [من] دون [تلك] الزيادة فلم يقع إلينا من غير حديث البخاري. هذا آخر معنى ما قاله أبو مسعود. أقول: قال [ابن الاثير] في [مادة: " ويح - ويس " (1) من كتاب] النهاية: فيه قال لعمار: " ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية " ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترفع وتضاف ولا تضاف يقال: ويح زيد وويحا له وويح له. ثم قال: وفيه قال لعمار: " ويس ابن سمية " وفي رواية " يا ويس ابن سمية " ويس كلمة [تقال] لمن يرحم ويرفق [به] مثل " ويح " وحكمها حكمها. 379 - كش: جعفر بن معروف عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن حسين بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أقواما يزعمون أن عليا صلوات الله عليه لم يكن إماما حتى أشهر سيفه: [قال]: خاب إذن عمار وخزيمة بن ثابت وصاحبك أبو عمرة وقد خرج يومئذ صائما بين الفئتين بأسهم فرمى بها قربي يتقرب بها إلى الله حتى قتل يعني عمارا. بيان: لعل المعنى أنهم [ما] كانوا يعتقدون إمامته عليه السلام قبل أن


(1) وأيضا ذكر الحديث في مادة " بغى " من كتاب النهاية وفسره. 379 - الحديث رواه الكشي بزيادة في أوله غير مرتبطة بالمقام - في أواسط ترجمة عمار من رجاله ص 35 ط النجف.

[24]

يشهر سيفه فيكونوا من الخائبين بتلك العقيدة ولعل التخصيص لانهم كانوا أعرف بهذا الوصف عند السائل من غيرهم والظاهر أن الزاعمين [هم] الزيدية المشترطون في الامامة الخروج بالسيف. قوله عليه السلام: " صائما " يمكن أن يكون صائما ابتداء ثم اضطر إلى شرب اللبن أو شربه تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وآله. وقال السيد الداماد قدس سره: " صائما " أي قائما واقفا ثابتا للقتال من الصوم بمعنى القيام والوقوف يقال: صام الفرس صوما أي قام على غير اعتلاف وصام النهار صوما إذا قام قائم الظهيرة واعتدل. والصوم: ركود الريح ومصام الفرس ومصامته موقفه والصوم أيضا الثبات والدوام والسكون وما صائم ودائم وقائم وساكن بمعنى. والباء في " بأسهم " للملابسة والمصاحبة. أو خرج بين الفئتين وكان صائما بالصيام الشرعي والباء أيضا للملابسة أو من الصوم بمعنى البيعة أي خرج مبايعا على بذل المهجة في سبيل الله أو خرج بين صفي الفئتين داميا بأسهم من قولهم صام النعام أي رمى بذرقه وهو صومه فالباء للصلة أو الدعامة فقد جاء الصوم بهذه المعاني كلها في الصحاح وأساس البلاغة والمعرب والمغرب والقاموس والنهاية انتهى. أقول: قد مضى كثير من أخبار هذا الباب في باب فضائل عمار وفي باب مطاعن عثمان. 380 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن سفيان الثوري وقيس بن


380 - رواه نصر بن مزاحم في أواسط الجزء (6) من كتاب صفين ص 323 - 359 ط مصر. والحديث الاول منه رواه ابن ماجة القزويني في باب فضل عمار تحت الرقم: (146) في مقدمة سننه ج 1، ص 44، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ...

[25]

الربيع عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي عليه السلام قال جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي صلى الله عليه وآله: فقال: إئذنوا له مرحبا بالطيب المطيب. وعن سفيان بن سعيد عن سلمة بن كهيل عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وآله حين رآهم يحملون الحجارة حجارة المسجد فقال: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وذاك دأب الاشقياء الفجار. وعن سفيان عن الاعمش عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قال: لقد ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه. وعن الحسن بن صالح عن أبي ربيعة الايادي عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان. وعن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما بني المسجد جعل عمار يحمل حجرين حجرين فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا اليقظان لا تشق على نفسك. قال: يا رسول الله إني أحب أن أعمل في هذا المسجد قال: ثم مسح ظهره ثم قال: إنك من أهل الجنة تقتلك الفئة الباغية. وعن حفص بن عمران الازرق البرجمي عن نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص لابيه: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بطواعيتك ما سرت هذا المسير أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وعن حفص بن عمران البرجمي عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: أصيب أويس القرني مع علي بصفين.


ثم روى بسند آخر قريبا منه عن علي عليه السلام أنه دخل عليه عمار فقال: مرحبا بالطيب المطيب سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: ملئ عمارا إيمانا إلى مشاشه. (*)

[26]

وعن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن عمار بن ياسر نادى يومئذ: أين من يبغي رضوان ربه ولا يؤب إلى مال ولا ولد ؟ قال: فأتته عصابة من الناس فقال: يا أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله. ودفع علي الراية إلى هاشم بن عتبة وكان عليه درعان فقال له علي عليه السلام كهيئة المازح: أيا هاشم أيا تخشا على نفسك أن تكون أعورا جبانا ؟ قال: ستعلم يا أمير المؤمنين والله لالفن بين جماجم القوم لف رجل ينوي الآخرة. فأخذ رمحا فهزه فانكسر ثم أخذ آخر فوجده جاسيا فألقاه ثم دعا برمح لين فشد به لواءه. ولما دفع علي عليه السلام الراية إلى هاشم قال له رجل من بكر بن وائل من أصحاب هاشم: اقدم ما لك يا هاشم قد انتفخ سحرك عورا وجبنا قال: من هذا قالوا فلان قال: أهلها وخير منها إذا رأيتني صرعت فخذها ثم قال لاصحابه: شدوا شسوع نعالكم وشدوا أزركم فإذا رأيتموني قد هززت الراية ثلاثا فاعلموا أن أحدا منكم لا يسبقني إليها ثم نظر هاشم إلى عسكر معاوية فرأى جمعا عظيما فقال: من أولئك ؟ قالوا: أصحاب ذي الكلاع ثم نظر فرأى جندا آخر فقال: من أولئك قالوا: جند أهل المدينة قريش قال: قومي لا حاجة لي في قتالهم قال: من عند هذه القبة البيضاء ؟ قيل معاوية وجنده فحمل حينئذ يرقل إرقالا. وعن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما كان قتال صفين والراية مع هاشم بن عتبة جعل عمار بن ياسر يتناوله بالرمح ويقول: اقدم يا أعور. لا خير في أعور لا يأتي الفزع. قال: فجعل يستحيي من عمار وكان عالما بالحرب فيتقدم فيركز الراية إذا

[27]

سامت إليه الصفوف قال عمار: اقدم يا أعور لا خير في أعور لا يأتي الفزع. فجعل عمرو بن العاص يقول: إني لارى لصاحب الراية السوداء عملا لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم. فاقتتلوا قتالا شديدا. وجعل عمار يقول: صبرا عباد الله الجنة في ظلال البيض. قال: وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الابيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى أكتافهم وشعارهم يا الله يا أحد يا صمد يا رحيم. وكانت علامة أهل الشام خرقا بيضا قد جعلوها على رؤوسهم وأكتافهم وكان شعارهم نحن عباد الله حقا يا لثارات عثمان. قال: فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد فما تحاجزنا حتى حجز بينا سواد الليل وما يرى رجلا منا ولا منهم موليا فلما أصبحوا وذلك اليوم الثلاثاء خرج الناس إلى مصافهم فقال أبو نوح: فكنت في خيل علي عليه السلام فإذا أنا برجل من أهل الشام يقول: من يدلني على الحميري أبي نوح ؟ قال: قلت: فقد وجدته فمن أنت ؟ قال: أنا ذو الكلاع سر إلي فقال أبو نوح: معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة قال ذو الكلاع: سر فلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة ذي الكلاع حتى ترجع إلى خيلك فإنما أريد بذلك أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه. فسارا حتى التقيا فقال ذو الكلاع: إنما دعوتك أحدثك حديثا حدثنا عمرو بن العاص في إمارة عمر بن الخطاب. قال أبو نوح: وما هو ؟ قال: حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر قال أبو نوح: لعمرو الله إنه لفينا. قال: أجاد هو على قتالنا ؟ قال أبو نوح: نعم ورب الكعبة لهو أشد على قتالكم مني. فقال ذو الكلاع: هل تستطيع أن تاتي معي صف أهل الشام فأنا لك جار منهم حتى تلقى عمرو بن العاص فتخبره عن عمار وجده في قتالنا لعله

[28]

يكون صلحا بين هذين الجندين فقال له أبو نوح: إنك رجل غادر وأنت في قوم غدور وإن لم تكن تريد الغدر أغدروك وإني أن أموت أحب إلي من أن أدخل مع معاوية وأدخل في دينه وأمره. فقال ذو الكلاع: أنا جار لك من ذلك أن لا تقتل ولا تسلب ولا تكره على بيعة ولا تحبس عن جندك وإنما هي كلمة تبلغها عمرا لعل الله أن يصلح بين هذين الجندين ويضع عنهم الحرب والسلاح. فسار معه حتى أتى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس وعبد الله بن عمرو يحرض الناس فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا [أ] با عبد الله هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر ولا يكذبك ؟ قال عمرو: من هذا معك ؟ قال: هذا ابن عمي وهو من أهل الكوفة فقال له عمرو: إني لارى عليك سيماء أبي تراب. قال أبو نوح: علي سيماء محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه وعليك سيماء أبي جهل وسيماء فرعون. فقام أبو الأعور فسل سيفه ثم قال: لا أرى هذا الكذاب يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيماء أبي تراب فقال ذو الكلاع: أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لاحطمن أنفك بالسيف ابن عمي وجاري عقدت له ذمتي وجئت به إليكم ليخبركم عمار تماريتم فيه. فقال له عمرو: أذكرك بالله يا أبا نوح إلا ما صدقت أفيكم عمار بن ياسر ؟ فقال له أبو نوح: ما أنا بمخبرك عنه حتى تخبرني لم تسأل عنه ؟ فإن معنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله غيره وكلهم جاد على قتالكم. قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عمارا تقتله الفئة الباغية وإنه ليس ينبغي لعمار أن يفارق الحق ولن تأكل النار منه شيئا. فقال أبو نوح: لا إله إلا الله والله أكبر والله إنه لفينا جاد على قتالكم فقال عمرو: والله إنه لجاد على قتالنا ؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثني يوم الجمل أنا سنظهر عليهم ولقد حدثني أمس أن لو ضربونا حتى

[29]

يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على باطل ولكانت قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. فقال له عمرو: هل تستطيع أن تجمع بينه وبيني ؟ قال: نعم فلما أراد أن يبلغه أصحابه ركب عمرو بن العاص وابناه وعتبة بن أبي سفيان وذو الكلاع وأبو الاعور السلمي وحوشب والوليد بن أبي معيط فانطلقوا حتى أتوا خيولهم. وسار أبو نوح ومعه شرحبيل بن ذي الكلاع حتى انتهى إلى أصحابه فذهب أبو نوح إلى عمار فوجده قاعدا مع أصحابه مع ابني بديل وهاشم والاشتر وجارية بن المثنى وخالد بن المعمر وعبد الله بن حجل وعبد الله بن العباس فقال أبو نوح: إنه دعاني ذو الكلاع وهو ذو رحم فذكر ما جرى بينه وبينهم وقال: أخبرني عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: عمار تقتله الفئة الباغية. فقال عمار: صدق وليضر به ما سمع ولا ينفعه فقال أبو نوح: إنه يريد أن يلقاك فقال عمار لاصحابه: اركبوا قال: ونحن إثنا عشر رجلا بعمار (1) فسرنا حتى لقيناهم ثم بعثنا إليم فارسا من عبد القيس يسمى عوف بن بشر فذهب حتى كان قريبا من القوم ثم نادى أين عمرو بن العاص ؟ قالوا: هاهنا فأخبره بمكان عمار وخيله فقال عمرو: فليسر إلينا فقال عوف: إني أخاف غدراتك ثم جرى بينهما كلمات تركتها إلى أن قال: أقبل عمار مع أصحابه فتواقفا فقال عمرو: يا أبا اليقظان اذكرك الله إلا كففت سلاح أهل هذا العسكر وحقنت دمائهم فعلام تقاتلنا أو لسنا نعبد إلها واحدا ونصلي قبلتكم وندعو دعوتكم ونقرأ كتابكم ونؤمن برسولكم ؟ قال: الحمد


(1) كذا في ط الكمباني من أصلي وفيه اختلال، فيحتمل أن يكون من خطأ الكتاب أو المطبعة، أو من جهة تلخيص المصنف العلامة وإليك نص كتاب صفين ط مصر: ثم قال أبو نوح لعمار - ونحن إثنا عشر رجلا -: فإنه يريد أن يلقاك. فقال عمار لاصحابه: اركبوا. فركبوا وساروا ثم بعثنا إليهم فارسا من عبد القيس يسمى عوف بن بشر...

[30]

لله الذي أخرجها من فيك إنها لي ولاصحابي القبلة والدين وعبادة الرحمن والنبي والكتاب من دونك ودون أصحابك وجعلك ضالا مضلا لا تعلم هاد أنت أم ضال وجعلك أعمى وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقاتل الناكثين ففعلت وأمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم. وأما المارقون فما أدري أدركهم أم لا. أيها الابتر ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وأنا مولى الله ورسوله وعلي بعده وليس لك مولى. فقال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان ؟ قال: فتح لكم باب كل سوء قال عمرو: فعلي قتله ؟ قال عمار: بل الله رب علي قتله وعلي معه قال عمرو: أكنت فيمن قتله ؟ قال: أنا مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معه. قال: فلم قتلتموه ؟ قال: أراد أن يغير ديننا فقتلناه. قال عمرو: ألا تستمعون قد اعترف بقتل إمامكم ؟ قال عمار: وقد قالها فرعون قبلك: " ألا تستمعون ". فقام أهل الشام ولهم زجل فركبوا خيولهم ورجعوا فبلغ معاوية ما كان بينهم فقال له: هلكت العرب إن أخذتهم خفة العبد الاسود يعني عمارا. وخرج [عمار] إلى القتال وصفت الخيول بعضها لبعض وزحف الناس وعلى عمار درع وهو يقول: أيها الناس الرواح إلى الجنة. فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله وكثرت القتلى حتى أن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد الرجل أو برجله فقال الاشعث: لقد رأيت أخبية صفين وأروقتهم وما منها خباء ولا رواق ولا بناء ولا فسطاط إلا مربوطا بيد رجل أو رجله. وجعل أبو سماك الاسدي يأخذ إداوة من ماء وشفرة حديد فيطوف في القتلى فإذا رأى رجلا جريحا وبه رمق أقعده وسأله من أمير المؤمنين عليه

[31]

السلام فإن قال: علي غسل عنه الدم وسقاه من الماء، وإن سكت وجأه بسكين حتى يموت قال: فكان يسمى المخضخض. وعن عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن الاحنف بن قيس قال: والله إني إلى جانب عمار فتقدمنا حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة قال له عمار: احمل فداك أبي وأمي ونظر عمار إلى رقة في الميمنة فقال له هاشم: رحمك الله يا عمار إنك رجل تأخذك خفة في الحرب وإني إنما أزحف باللواء زحفا وأرجو أن أنال بذلك حاجتي وإني إن خففت لم آمن الهلكة وقد قال معاوية لعمرو: ويحك يا عمرو إن اللواء مع هاشم كأنه يرقل به إرقالا و إن زحف به زحفا إنه لليوم الاطول لاهل الشام (1) فلم يزل به عمار حتى حمل فبصر به معاوية فوجه إليه جملة أصحابه ومن برز بالناس منهم في ناحيته وكان في ذلك الجمع عبد الله بن عمرو ومعه سيفان قد تقلد بواحد وهو يضرب بالآخر وأطافت به خيل علي فقال عمرو: يا الله يا رحمان ابني ابني وكان يقول معاوية: اصبر اصبر فإنه لا بأس عليه قال عمرو: لو كان يزيد إذا لصبرت ولم يزل حماة أهل الشام يذبون عنه حتى نجا هاربا على فرسه ومن معه وأصيب هاشم في المعركة. قال: وقال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص: والله إن هذه الراية قد قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن. وساق الحديث نحو رواية الاختصاص إلى قوله: فأما أبو العادية فطعنه وأما ابن جوين فإنه اجتز رأسه فقال ذو الكلاع لعمرو: ويحك ما هذا ؟ قال عمرو إنه سيرجع إلينا وذلك قبل أن يصاب عمار فأصيب عمار مع علي وأصيب ذو الكلاع مع معاوية.


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي كان لفظ: " إن " في قوله: " إن زحف به " مشطوبا، وكان فيه أيضا: " لليوم أطول لاهل الشام ". وفي كتاب صفين ص 340: " وقد كان قال معاوية لعمرو: ويحك إن اللواء اليوم مع هاشم بن عتبة وقد كان من قبل يرقل به... ".

[32]

فقال عمرو: والله يا معاوية: ما أدري بقتل أيهما أنا اشد فرحا والله لو بقي ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه ولافسد علينا جندنا. قال: فكان لا يزال رجل يجئ فيقول: أنا قتلت عمارا فيقول له عمرو: فماه سمعتموه يقول فيخلطون حتى أقبل [ابن] جوين فقال: أنا قتلت عمارا فقال له عمرو: فما كان آخر منطقه ؟ قال: سمعته يقول: اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه. فقال له عمرو: صدقت أنت صاحبه أما والله ما ظفرت بذلك ولكن أسخطت ربك (1). وعن عمرو بن شمر عن إسماعيل السدي عن عبد خير الهمداني قال: نظرت إلى عمار بن ياسر رمى رمية فأغمي عليه ولم يصل الظهر والعصر ولا المغرب ولا العشاء ولا الفجر ثم أفاق فقضاهن جميعا يبدأ بأول شئ فاته ثم التي تليها. وعن عمرو بن شمر عن السدي عن ابن حريث قال: أقبل غلام لعمار بن ياسر اسمه راشد يحمل شربة من لبن فقال عمار: أما إني سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله [قال]: إن آخر زادك من الدنيا شربة لبن. وعن عمرو بن شمر عن السدي عن يعقوب بن الاوسط قال: احتج رجلان بصفين في سلب عمار بن ياسر وفي قتله فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما: ويحكما أخرجا عني فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ولعت قريش بعمار مالهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قاتله وسالبه في النار [قال:] فبلغني أن معاوية قال: " إنما قتله من أخرجه ! ! يخدع بذلك طعام أهل الشام. وعن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط إلا اختار


(1) كذا في الاصل المطبوع، وفي كتاب صفين ط مصر، ص 342: " أما والله ما ظفرت يداك... ".

[33]

أشدهما (1) وفي حديث عمر بن سعد قال: حل عمار بن ياسر وهو يقول: كلا ورب البيت لا أبرح أجي * حتى أموت أو أرى ما أشتهي أنا مع الحق أقاتل مع علي * صهر النبي ذي الامانات الوفي إلى آخر الابيات. قال: فضربوا أهل الشام حتى اضطروهم إلى الفرات. قال: ومشى عبد الله بن سويد سيد جرش إلى ذي الكلاع فقال له: لم جمعت بين الرجلين ؟ قال: لحديث سمعته من عمرو ذكر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية. فخرج عبد الله بن عمر العبسي وكان من عباد أهل زمانه ليلا فأصبح في عسكر علي عليه السلام فحدث الناس بقول عمرو في عمار فلما سمع معاوية هذا القول بعث إلى عمرو فقال: أفسدت علي أهل الشام أكل ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله تقوله ؟ فقال عمرو: قلتها ولست والله أعلم الغيب ولا أدري أن صفين تكون وعمار خصمنا (2) وقد رويت أنت فيه مثل الذي رويت فيه فاسأل أهل الشام. فغضب معاوية وتنمر لعمرو ومنعه خيره فقال عمرو: لا خير لي في جوار معاوية إن تجلت هذه الحرب عنا وكان عمرو حمي الانف فقال في ذلك:


(1) هذا هو الطاهر المذكور في كتاب صفين، وفي ط الكمباني من كتاب البحار: " إلا اختار أشدهما ". (2) هذا هو الظاهر لمقتضى الحال وسياق الكلام، وفي كتاب صفين ط مصر، وشرح المختار: (124) من نهج البلاغة من ابن أبي الحديد: ج 2 ص 812 ط بيروت نقلا عن نصر بن مزاحم: " قلتها ولست أعلم الغيب ولا أدري أن صفين تكون، قلتها وعمار يومئذ لك ولي، وقد رويت أنت فيه مثل... ".

[34]

تعاتبني أن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله قبلي وما كان لي علم بصفين إنها * تكون وعمار يحث على قتلي فلو كان لي بالغيب علم كتمتها * وكابدت أقواما مراجلهم تغلي إلى آخر الابيات. ثم أجابه معاوية بأبيات تشتمل على الاعتذار فأتاه عمرو وأعتبه وصار أمرهما واحدا. ثم إن عليا عليه السلام دعا هاشم بن عتبة ومعه لواءه وكان أعور وقال: حتى متى تأكل الخبز وتشرب الماء ؟ فقال هاشم: لاجهزن أن لا أرجع إليك أبدا (1) قال علي عليه السلام: إن بإزائك ذا الكلاع وعنده الموت الاحمر فتقدم هاشم وتعرض له صاحب لواء ذي الكلاع فاختلفا طعنتين فطعنه هاشم فقتله وكثرت القتلى فحمل ذو الكلاع فاجتلد الناس فقتلا جميعا. وأخذ ابن هاشم اللواء فأسر أسرا فأتي بمعاوية فلما دخل عليه وعنده عمرو بن العاص قال: يا أمير المؤمنين هذا المختال ابن المرقال فدونك الضب اللاحظ (2) فإن العصا من العصية وإنما تلد الحية حية وجزاء السيئة سيئة. فقال له ابن هاشم: ما أنا بأول رجل خذله قومه وأدركه يومه قال معاوية: تلك ضغائن صفين وما جنا عليك أبوك ! ! فقال عمرو: يا أمير


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " لاجهدن... " وهو أظهر. (2) كذا في أصلي من طبع الكمباني من كتاب بحار الانوار، وهذا إيجاز واختصار مخل، وإليك لفظ نصر بن مزاحم في آخر الجزء الخامس من كتاب صفين ص 348 ط مصر: [قال] نصر: حدثنا عمرو بن شمر قال: لما انقضى أمر صفين وسلم الامر الحسن عليه السلام إلى معاوية [و] وفدت عليه الوفود، أشخص عبد الله بن هاشم إليه أسيرا، فلما أدخل عليه مثل بين يديه وعنده عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين هذا المختال ابن المرقال، فدونك الضب المضب المغتر المفتون، فإن العصى من العصية... والضب: اللصوق بالارض، والمضب: الذي يلزم الشئ لا يفارقه.

[35]

المؤمنين أمكني منه فأشخب أوداجه على أثباجه ؟ ! فقال له ابن هاشم: أفلا كان هذا يا ابن العاص حين أدعوك إلى البراز وقد ابتلت اقدام الرجال من نقع الجريال (1) إذ تضايقت بك المسالك وأشرفت فيها على المهالك وأيم الله لولا مكانك منه لنشبت لك مني خافية أرميك من خلالها بأحد من وقع الاثافي (2) فإنك لا تزال تكثر في دهشك وتخبط في مرسك تخبط العشواء في الليلة الحندس الظلماء. قال: فأعجبت معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم فأمر به إلى السجن وكف عن قتله. وعن عمرو بن شمر عن السدي عن عبد خير قال: لما صرع هاشم مر عليه رجل وهو صريع بين القتلى فقال له: اقرأ أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وقل له أنشدك الله إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى فإن الدبرة تصبح غدا لمن غلب على القتلى (3) فأخبر الرجل عليا بذلك فسار علي عليه السلام في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت الدبرة له عليهم. وعن عمرو بن سعد (4) عن رجل عن أبي سلمة أن هاشم بن عتبة دعا في


(1) في كتاب صفين: من نقيع الجريال. وفي تاج العروس: " الجريال " بالكسر، صبغ أحمر وكما سيأتي عند بيان المصنف. (2) كذا في أصلي وسيأتي قريبا عند بيان المصنف تفسيره، وفي شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 814: " الاشافي " قيل: هي جمع " إشفي " وهو مخصف الاسكاف. هذا هو الظاهر المذكور في شرح المختار: (83) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 278، وفي ط الحديث ببيروت: ج 2 ص 815. (4) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين ص 353: " نصر، عن عمرو بن شمر، عن رجل عن أبي سلمة... ". وفي شرح المختار: (124) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 817: " قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن الشعبي عن أبي سلمة... ". والقصة ذكرها أيضا الطبري في تاريخه: ج 4 ص 30 وفي ط بيروت: ج 5 ص 42 قال: قال أبو مخنف: وحدثني أبو سلمة أن هاشم بن عتبة... ".

[36]

الناس عند المساء ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فليقبل [إلي] فأقبل إليه ناس فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشام مرارا فليس من وجه يحمل عليه إلا صبروا له وقوتل فيه قتالا شديدا فقال لاصحابه: لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فو الله ما ترون منهم إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعند مراكزها وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا واصبروا وامشوا بنا إلى عدونا على توءدة رويدا واذكروا الله ولا يسلمن رجل أخاه ولا تكثروا الالتفات واصمدوا صمدهم وجالدوهم محتسبين حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. فقال أبو سلمة: فمضى في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه حتى رأى بعض ما يسرون به إذ خرج عليهم فتى شاب وشد يضرب بسيفه ويلعن ويشتم ويكثر الكلام فقال له هاشم: إن هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به قال: فإني أقاتلكم لان صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي وإنكم لا تصلون وأقاتلكم لان صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وأزرتموه على قتله ! فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب وأصحاب محمد هم أصحاب الدين وأولى بالنظر في أمور المسلمين وما أظن أن أمر هذه الامة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط ؟ قال الفتى أجل والله لا أكذب فإن الكذب يضر ولا ينفع ويشين ولا يزين فقال له هاشم: إن هذا الامر لا علم لك به فخله وأهل العلم به. قال: أظنك والله قد نصحتني فقال له هاشم: وأما قولك: فإن صاحبنا لا يصلي فهو أول من صلى لله مع رسوله صلى الله عليه وآله وأفقهه في دين الله وأولاه برسول الله وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب لا ينام الليل تهجدا فلا يغررك عن دينك الاشقياء المغرورون. قال الفتى: يا عبد الله إني لاظنك امرءا صالحا أخبرني هل تجد لي من توبة ؟ قال: نعم تب إلى الله يتب عليك قال فذهب الفتى راجعا فقال رجل

[37]

من أهل الشام خدعك العراقي قال: لا ولكن نصحني. وقاتل هاشم هو وأصحابه قتالا شديدا حتى قتل تسعة نفر أو عشرة وحمل عليه الحارث بن المنذر فطعنه فسقط وبعث إليه علي عليه السلام أن قدم لواءك فقال للرسول: انظر إلى بطني فإذا هو قد انشق فأخذ الراية رجل من بكر بن وائل ورفع هاشم رأسه فإذا هو بعبيد الله بن عمر بن الخطاب قتيلا إلى جانبه فجثا حتى دنا منه فعض على ثديه حتى تبينت فيه أنيابه ثم مات هاشم وهو على صدر عبيدالله وضرب البكري فوقع فأبصر عبيدالله فعض على ثديه الآخر ومات أيضا فوجدا جميعا ماتا على صدر عبيدالله. ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعا شديدا وأصيب معه عصابة من أسلم من القراء فمر عليهم علي عليه السلام وهم قتلى حوله فقال: جزى الله خيرا عصبة أسلمية * صباح الوجوه صرعوا حول هاشم يزيد وعبد الله بشر ومعبد * وسفيان وابنا هاشم ذي المكارم وعروة لا يبعد ثناه وذكره * أذا اخترط البيض الخفاف الصوارم ثم قام عبد الله بن هاشم وأخذ الراية. ثم ساق الحديث إلى قوله: فأمرهم علي عليه السلام بالغدو إلى القوم فغاداهم إلى القتال فانهزم أهل الشام وقد غلب أهل العراق على قتلى أهل حمص وغلب أهل الشام على قتلى أهل العالية وانهزم عتبة بن أبي سفيان حتى أتى الشام. ثم إن عليا عليه السلام أمر مناديه فنادى في الناس أن اخرجوا إلى مصافكم فخرج الناس إلى مصافهم واقتتل الناس إلى قريب من ثلث الليل. بيان: قال الجوهري: الارقال ضرب من الجنب وناقة مرقل ومرقال: إذا كانت كثيرة الارقال. والمرقال لقب هاشم بن عتبة الزهري لان عليا عليه السلام دفع إليه الراية يوم صفين فكان يرقل بها إرقالا. قوله: " سامت إليه الصفوف " في

[38]

أكثر النسخ بالسين المهملة من قولهم: سامت الابل والريح إذا مرت واستمرت أو من قولهم: سامت الطير على الشئ أي حامت ودامت وفي بعضها بالمعجمة من شاممته أي قاربته. قوله: " فدونك الضب " شبهه بالضب لبيان كثرة حقده وشدة عداوته. قال الجوهري: في المثل: أعق من ضب لانه ربما أكل حسو له. والضب: الحقد. تقول: أضب فلان على غل في قلبه أي أضمره ورجل خب ضب أي جربز مراوغ. وقال: في المثل: العصا من العصية أي بعض الامر من بعض. وقال الزمخشري: في المستقصى: العصا من العصية هي فرس جزيمة والعصية أمها يضرب في مناسبة الشئ سنخه وكانتا كريمتين ويروى: العصا من العصية. والافعى بنت حية والمعنى أن العود الكبير ينشأ من الصغير الذي غرس أولا يضرب للشئ الجليل الذي يكون في بدئه حقيرا انتهى. والثبج بالتحريك ما بين الكاهل إلى الظهر وقال الجوهري: النقع: محبس الماء وكذلك ما اجتمع في البئر منه والمنقع الموضع يستنقع فيه الماء واستنقع الماء في الغدير أي اجتمع وثبت واستنقع الشئ في الماء على ما لم يسم فاعله. وقال: الجريال: صبغ أحمر عن الاصمعي وجريال الذهب: حمرته والجريال: الخمر. وجربال الخمر لونها وهنا كناية عن الدم. قوله " بأحد من وقع الاثافي " لعل المراد بالاثافي هنا السمة التي تكوى بها قال الجوهري: المثفاة سمة كالاثافي وفي الاثافي مثل آخر مشهور قال في المستقصى: في الامثال " رماه الله بثالثة - الاثافي " يعمد إلى قطعة من الجبل فيضم إليها حجران ثم ينصب عليها القدر والمراد بثالثتها تلك القطعة وهي مثل لاكبر الشر وأفظعه وقيل معناه إنه رماه بالاثافي أثفية بعد أثفية حتى رماه الله بالثالثة فلم يبق غاية والمراد أنه رماه بالشر كله. قوله: " تكثر في دهشك " أي تكثر الكلام في تحيرك وخوفك وفي بعض النسخ بالسين المهملة وهو النبت لم يبق عليه لون الخضرة والمكان السهل ليس برمل ولا تراب. والمرسة: الحبل والجمع مرس. وفي بعض الروايات: تكثر في هوسك وتخبط في دهسك وتنشب في مرسك. والهوس: شدة الاكل والسوق اللين والمشى الذي يعتمد فيه صاحبه على الارض والافساد والدوران أو بالتحريك: طرف من الجنون.

[39]

[الباب الرابع عشر]: باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - لي: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن حبيب بن الجهم قال: لما دخل بنا علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بلاد صفين نزل بقرية يقال لها " صندودا " ثم أمرنا فعبرنا عنها ثم عرس بنا في أرض بلقع فقام إليه مالك بن الحارث الاشتر فقال: يا أمير المؤمنين: أتنزل الناس على غير ماء ؟ فقال: يا مالك إن الله عزوجل سيسقينا في هذا المكان ماء أعذب من الشهد وألين من الزبد الزلال وأبرد من الثلج وأصفى من الياقوت فتعجبنا ولا عجب من قول أمير المؤمنين عليه السلام ثم أقبل يجر رداءه وبيده سيفه حتى وقف على أرض بلقع فقال: يا مالك احتفر أنت وأصحابك فقال: مالك فاحتفرنا فإذا نحن بصخرة سوداء عظيمة فيها حلقة تبرق كاللجين فقال لنا روموها فرمناها بأجمعنا ونحن مائة رجل فلم نستطع أن نزيلها عن موضعها فدنا أمير المؤمنين عليه السلام رافعا يده إلى السماء يدعو وهو يقول:


381 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (14) من المجلس: (34) من أماليه ص 155.

[40]

" طاب طاب مربا بما لم طبيوثا بوثة شتميا كوبا جاحا نوثا توديثا برحوثا 1 آمين آمين رب العالمين رب موسى وهارون " ثم اجتذبها فرماها عن العين أربعين ذراعا. قال مالك بن الحارث الاشتر: فظهر لنا ماء أعذب من الشهد وأبرد من الثلج وأصفى من الياقوت فشربنا وسقينا ثم رد الصخرة وأمرنا أن نحثو عليها التراب. ثم ارتحل وسرنا فما سرنا إلا غير بعيد قال: من منكم يعرف موضع العين ؟ فقلنا: كلنا يا أمير المؤمنين فرجعنا فطلبنا العين فخفي مكانها علينا أشد خفاء فظننا أن أمير المؤمنين عليه السلام قد رهقه العطش فأومانا بأطرافنا فإذا نحن بصومعة راهب فدنونا منها فإذا نحن براهب قد سقطت حاجباه على عينيه من الكبر فقلنا: يا راهب أعندك ماء نسقي منه صاحبنا ؟ قال: عندي ماء قد استعذبته منذ يومين فأنزل إلينا ماءا مرا خشنا فقلنا: هذا قد استعذبته منذ يومين ؟ فكيف ولو شربت من الماء الذي سقانا منه صاحبنا وحدثناه بالامر فقال: صاحبكم هذا نبي ؟ قلنا: لا ولكنه وصي نبي. فنزل إلينا بعد وحشته منا وقال: انطلقوا بي إلى صاحبكم فانطلقنا به فلما بصر به أمير المؤمنين عليه السلام قال: شمعون قال الراهب: نعم شمعون هذا اسم سمتني به أمي ما اطلع عليه أحد إلا الله تبارك وتعالى ثم أنت فكيف عرفته فأتم حتى أتمه لك. قال: وما تشاء يا شمعون ؟ قال: هذا العين واسمه قال: هذا العين " راحوما " وهو من الجنة شرب منه ثلاثمائة وثلاثة عشر وصيا وأنا آخر الوصيين شربت منه قال الراهب: هكذا وجدت في جميع كتب الانجيل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي محمد صلى الله عليه وآله ثم رحل أمير المؤمنين عليه السلام والراهب يقدمه حتى نزل بصفين ونزل معه بعابدين والتقا الصفان فكان أول من أصابته الشهادة الراهب فنزل أمير المؤمنين عليه السلام وعيناه تهملان وهو يقول: المرء مع من أحب الراهب معنا يوم القيامة رفيقي في الجنة. بيان: البلقع والبلقعة: الارض القفر التي لا ماء بها.


(1) كذا.

[41]

382 - يج: روي عن زاذان وجماعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: كنا معه بصفين فلما أن صاف معاوية أتاه رجل من ميمنته فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل فقال: ارجع إلى مقامك فرجع ثم أقبل ثانية فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل فقال: ارجع إلى مقامك فرجع ثم أتاه ثالثة كأن الارض لا تحمله فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل فقال عليه السلام: قف فوقف فقال عليه السلام: علي بمالك الاشتر [فأتاه مالك] فقال عليه السلام: يا مالك قال لبيك يا أمير المؤمنين قال: ترى ميسرة معاوية قال: نعم. قال: ترى صاحب الفرس المعلم. قال: نعم. قال: الذي عليه [القباء] الاحمر. قال: نعم. قال: انطلق فأتني برأسه فخرج مالك فدنا منه وضربه فسقط رأسه ثم تناوله فأقبل به إلى أمير المؤمنين فألقاه بين يديه فأقبل علي عليه السلام على الرجل فقال: نشدتك الله هل كنت إذ نظرت إلى هذا فرأيته وحليه وهو ملا قلبك فرأيت الخلل في أصحابك ؟ قال: اللهم نعم فأقبل علي علينا ونحن حوله فقال: أخبرني بهذا والله رسول الله أفترونه بقي بعد هذا شئ ؟ ثم قال للرجل: ارجع إلى مقامك. 383 - يج: روي عن أبي سعيد عقيصا قال: خرجنا مع علي عليه السلام نريد صفين فمررننا بكربلاء فقال: هذا موضع الحسين عليه السلام وأصحابه ثم سرنا حتى انتهينا إلى راهب في صومعته وتقطع الناس من العطش وشكوا إلى علي عليه السلام ذلك وأنه قد أخذ بهم طريقا لا ماء فيه من البر


382 - ورواه الراوندي في الخرائج ص 170. وربما يشير إلى هذا الحديث ما رواه الطبري قبل عنوان: " خبر هاشم بن عتبة... " من تاريخه: ج 4 ص 29، وفي ط: ج 5 ص 42. 383 - ورواه الراوندي في الخرائج ص 199، أما التاليين فغير موجودين فيه. وقريبا منه رواه نصر بن مزاحم " عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي سعيد التيمي [دينار] المعروف بعقيصا... " كما في أوائل الجزء الثالث من كتاب صفين، ص 145، ط مصر. وقريبا منه رواه بسند آخر في ص 147. ورواه أيضا الاسكافي المتوفى عام: (240) في كتاب المغيار والموازنة، ص 134، ط 1. ورواه أيضا الخوارزمي في الفصل: (3) من الفصل (16) من مناقبه، ص 167، ط النجف.

[42]

وترك طريق الفرات فدنا من الراهب فهتف به وأشرف إليه قال: أقرب صومعتك ماء ؟ قال: لا فثنى رأس بغلته فنزل في موضع فيه رمل وأمر الناس أن يحفروا الرمل فحفروا فأصابوا تحته صخرة بيضاء فاجتمع ثلاثمائة رجل فلم يحركوها فقال عليه السلام: تنحوا فإني صاحبها ثم أدخل يده اليمنى تحت الصخرة فقلعها من موضعها حتى رآها الناس على كفه فوضعها ناحية فإذا تحتها عين ماء أرق من الزلال وأعذب من الفرات فشرب الناس واستقوا وتزودوا ثم رد الصخرة إلى موضعها وجعل الرمل كما كان وجاء الراهب فأسلم وقال: إن أبي أخبرني عن جده وكان من حواري عيسى أن تحت هذا الرمل عين ماء وأنه لا يستنبطها إلا نبي أو وصي نبي وقال لعلي عليه السلام: أتأذن لي أن أصحبك في وجهك هذا قال عليه السلام: ألزمني ودعا له ففعل فلما كان ليلة الهرير قتل الراهب فدفنه بيده وقال عليه السلام لكأني أنظر إليه وإلى منزله في الجنة ودرجته التي أكرمه الله بها. 384 - يج: روي أنه لما طال المقام بصفين شكوا إليه نفاد الزاد والعلف بحيث لم يجد أحد من أصحابه شيئا يؤكل فقال عليه السلام طيبوا نفسا فإن غدا يصل إليكم ما يكفيكم فلما أصبحوا وتقاضوه صعد عليه السلام على تل كان هناك ودعا بدعاء سأل الله أن يطعمهم ويعلف دوابهم ثم نزل ورجع إلى مكانه فما استقر إلا وقد أقبلت العير بعد العير عليها اللحمان والتمر والدقيق والمير بحيث امتلات بها البراري وفرغ أصحاب الجمال جميع الاحمال من الاطعمة وجميع ما معهم من علف الدواب وغيرها من الثياب وجلال الدواب وجميع ما يحتاجون إليه حتى الخيط والمخيط ثم انصرفوا ولم يدر أحد من أي البقاع وردوا من الانس أم من الجن وتعجب الناس من ذلك. 385 - يج: روى علي بن حسان عن عبد الرحمان بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام يريد صفين فلما عبر الفرات وقرب من الجبل وحضر وقت صلاة العصر أمعن بعيدا ثم توضأ فأذن فلما فرغ من الاذان انفلق الجبل عن هامة بيضاء ولحية ووجه أبيض فقال:

[43]

السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته مرحبا بوصي خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين فقال علي عليه السلام: وعليك السلام يا أخي شمعون بن حمون الصفا وصي روح القدس عيسى بن مريم كيف حالك ؟ قال: بخير يرحمك الله انا منتظر نزول روح القدس فاصبر يا أخي على ما أنت عليه من الاذى فاصبر يا أخي حتى تلقى الحبيب غدا فلم أعلم أحدا أحسن بلاء في الله منكم ولا أعظم ثوابا ولا أرفع مكانا وقد رأيت ما لقي أصحابك بالامس من بني إسرائيل فإنهم نشروا بالمناشير وصلبوا على الخشب فلو تعلم تلك الوجوه المارقة المفارقة لك ما أعد الله لها من عذاب النار والسخط والنكال لاقصرت، ولو تعلم هذه الوجوه المتمنية بك ما لها من الثواب في طاعتك لتمنت أن تقرض بالمقاريض وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته قال: والتأم عليه الجبل وخرج [علي عليه السلام] إلى القتال. فسأله عمار بن ياسر ومالك الاشتر وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وأبو أيوب الانصاري وقيس بن سعد الانصاري وعمرو بن الحمق الخزاعي وعبادة بن الصامت عن الرجل فأخبرهم أنه شمعون بن حمون الصفا وكانوا قد سمعوا كلامهما فازدادوا بصيرة في المجاهدة معه. وقال عبادة بن الصامت وأبو أيوب: بأمهاتنا وآبائنا نفديك يا أمير المؤمنين فو الله لننصرنك كما نصرنا أخاك رسول الله والله ما تأخر عنك من المهاجرين والانصار إلا شقي. فدعا لهما بالخير. 386 - جا: علي بن بلال عن علي بن عبد الله الاصفهاني عن الثقفي عن إسماعيل يسار عن عبد الله بن ملح عن عبد الوهاب بن إبراهيم عن أبي صادق عن مزاحم بن عبد الوارث عن محمد بن زكريا عن شعيب بن واقد عن محمد بن سهل [عن أبيه] عن قيس مولى علي بن أبي طالب عليه السلام مثله. 387 - شي: عن عبد الرحمن بن جندب [ظ] قال: لما أقبل الناس مع أمير


386 - رواه الشيخ المفيد قدس سره في المجلس: (12) من أماليه ص 105.

[44]

المؤمنين عليه السلام من صفين أقبلنا معه فأخذ طريقا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه حتى إذا جزنا النخيلة ورأينا أبيات الكوفة إذا شيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه أمير المؤمنين ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه فرد ردا حسنا فظننا أنه قد عرفه فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما لي أرى وجهك منكسرا مصفارا فمم ذاك أمن مرض ؟ فقال: نعم. فقال: لعلك كرهته ؟ فقال: ما أحب أنه يعتريني ولكن احتسب الخير فيما أصابني (1) قال: فابشر برحمة الله وغفران ذنبك فمن أنت يا عبد الله ؟ قال: أنا صالح بن سليم. قال: ممن ؟ قال: أما الاصل فمن سلامان بن طي وأما الجوار والدعوة فمن بني سليم بن منصور فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أحسن إسمك واسم أبيك واسم أجدادك واسم من اعتزيت إليه فهل شهدت معنا غزاتنا هذه ؟ فقال: لا ولقد أردتها ولكن ما ترى في من لجب الحمى خذلني عنها. فقال أمير المؤمنين: * (ليس على الضعفاء ولا على


387 - رواه العياشي رحمه الله في تفسير الآية: (91) من سورة التوبة من تفسيره: ج 2 ص 103. ورواه عنه السيد البحراني في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 150، ط 2. ورواه أيضا الطبري عن أبي مخنف عن عبد الرحمان بن جندب، عن أبيه في أواخر حوادث سنة (37) من تاريخه: ج 1، ص 3345، وفي ط: ج 4 ص 43، وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 60. وتقدم أيضا بسند آخر عن كتاب صفين في أواسط الباب: (12) تحت الرقم: (334) ص 506 ط الكمباني. وبعض كلام أمير المؤمنين المذكور فيه رواه السيد الرضي في المختار: (42) وما بعده من قصار نهج البلاغة. ورواه أيضا الشيخ الطوسي بسند آخر في الحديث (2) من المجلس (9) من الجزء الثاني من أماليه. (1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: " قال ما أحب أنه بغيري. قال: أليس احتسابا للخير فيما أصابك منه ؟ قال: بلى. قال: فابشر برحمة ربك... ". وقريبا منه رواه الاسكافي المتوفى عام: (240) في كتاب المعيار ص 192، ط 1.

[45]

المرضى ولا على الذين لا يجدون) * إلى آخر الآية [91 / من سورة البراءة] [ثم قال: فخبرني] ما قول الناس فيما بيننا وبين أهل الشام ؟ قال: منهم المسرور والمحبور فيما كان بينك وبينهم وهم أغش الناس لك. فقال له: صدقت قال: ومنهم الكاسف: لآسف (1) لما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك فقال له: صدقت جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فإن المرض لا أجر فيه ولكن لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه وإنما الاجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة [عالما] جما من عباده الجنة. بيان: قال الجوهري: حبرني هذا الامر أي سرني وقال: رجل كاسف البال أي سئ الحال وكاسف الوجه أي عابس. والجم: الكثير. 388 - يل فض: بالاسناد يرفعه إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: لما سار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى صفين وقف بالفرات وقال لاصحابه: أين المخاض. فقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين فقال لبعض أصحابه: امض إلى هذا التل وناد يا جلند أين المخاض ؟ قال: فصار حتى وصلت تل ونادى يا جلند فأجابه من تحت الارض خلق كثير ! ! قال فبهت ولم يعلم ما يصنع فأتى إلى الامام وقال: يا مولاي جاوبني خلق كثير فقال: يا قنبر امض وقل: يا جلند بن كركر أين المخاض ؟ قال: فكلمه واحد وقال: ويلكم من عرف اسمي واسم أبي وأنا في هذا المكان وقد بقي قحف رأسي عظم نخر رميم ولي ثلاث آلاف سنة ما يعلم المخاض هو والله أعلم مني يا ويلكم ما أعمى قلوبكم وأضعف نفوسكم ويلكم امضوا إليه واتبعوه فأين خاض خوضوا معه فإنه أشرف الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) هذا هو الصواب المذكور في تفسير البرهان، وفي ط الكمباني من البحار: " العاصف... ". 388 - الفضائل لشاذان بن جبرائيل ط النجف ص 14. مع مغايرات غير يسيرة في اللفظ. هذا ومؤلفه مجهول الهوية.

[46]

بيان: مخاض الماء: الموضع الذي يجوز الناس فيه مشاة وركبانا. 389 - يل فض: بالاسناد يرفعه إلى ابن عباس قال: أقبلنا مع علي بن أبي طالب عليه السلام من صفين فعطش الجيش ولم يكن بتلك الارض ماء فشكوا ذلك إلى وارث علم النبوة فجعل يدور في تلك الارض إلى أن استبطن البر فرآى صخرة عظيمة فوقف عليها وقال: السلام عليك أيتها الصخرة فقالت: السلام عليك يا وارث علم النبوة فقال لها: أين الماء ؟ قال: تحتي يا وصي محمد صلى الله عليه وآله قال: فأخبر الناس بما قالت الصخرة له قال: فانكبوا إليها بمائة نفر فعجزوا أن يحركوها فعند ذلك قال عليه السلام: إليكم عنها ثم أنه عليه السلام وقف عليها وحرك شفتيه ودفعها بيده فانقلبت كلمح البصر وإذا تحتها عين ماء أحلى من العسل وأبرد من الثلج فسقوا المسلمين وسقوا خيولهم وأكثروا من الماء ثم إنه عليه السلام أقبل إلى الصخرة وقال لها: عودي إلى موضعك قال ابن عباس: فجعلت تدور على وجه الارض كالكرة في الميدان حتى أطبقت على العين ثم رجعوا ورحلوا عنها. 390 - يج: عن أبي هاشم الجعفري عن أبيه عن الصادق عليه السلام قال: لما فرغ علي عليه السلام من صفين وقف على شاطئ الفرات وقال: أيها الوادي من أنا فاضطرب وتشققت أمواجه وقد نظر الناس فسمعوا من الفرات صوتا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا أمير المؤمنين حجة الله على خلقه. 391 - يج: عن عبد الله بن السكسكي عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام لما قدم من صفين وقف على شاطئ الفرات ثم انتزع سهما من كنانته ثم أخرج منها قضيبا أصفر فضرب به الفرات وقال:


389 - لم أجد في الفضائل رواية بهذا النص إلا أنه في ص 107 ذكر ما يقرب منه. 390 - رواه القطب الدين الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. 391 - 392 - رواهما قطب الدين الراوندي في كتاب الخرائج. ورواه مسندا الشيخ منتجب الدين رحمه الله في الحكاية الاولى من خاتمة أربعينه ص 75.

[47]

انفجري فانفجرت إثنتا عشرة عينا كل عين كالطود والناس ينظرون إليه ثم تكلم بكلام لم يفهموه فأقبلت الحيتان رافعة رؤسها بالتهليل والتكبير وقالت: السلام عليك يا حجة الله على خلقه في أرضه ويا عين الله في عباده خذلك قومك بصفين كما خذل هارون [موسى " خ ل "] بن عمران قومه. فقال لهم: أسمعتم ؟ قالوا: نعم قال: فهذه آية لي عليكم وقد أشهدتكم عليه. 392 - يج: عن عبد الواحد بن زيد قال: كنت حاجا إلى بيت الله فبينا أنا في الطواف إذ رأيت جاريتين عند الركن اليماني تقول إحداهما للاخرى: لا وحق المنتجب للوصية والقاسم بالسوية والعادل في القضية بعل فاطمة الزكية الرضية المرضية ما كان كذا. فقلت من هذا المنعوت ؟ فقالت: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام علم الاعلام وباب الاحكام قسيم الجنة والنار رباني الامة. قلت: من أين تعرفينه ؟ قالت: كيف لا أعرفه وقد قتل أبي بين يديه بصفين ولقد دخل على أمي لما رجع فقال يا أم الايتام كيف أصبحت ؟ قالت: بخير ثم أخرجتني وأختي هذه إليه وكان قد ركبتني من الجدري ما ذهب به بصري فلما نظر عليه السلام إلى تأوه وقال: ما إن تأوهت من شئ رزئت به * كما تأوهت للاطفال في الصغر قد مات والدهم من كان يكفلهم * في النائبات وفي الاسفار والحضر ثم أمر يده المباركة على وجهي فانفتحت عيني لوقتي وساعتي فو الله إني لانظر إلى الجمل الشارد في الليلة المظلمة ببركته عليه السلام.

[49]

[الباب الخامس عشر] باب ما جرى بين معاوية وعمرو بن العاص في [التحامل على] علي عليه السلام 393 - لي: القطان عن ابن زكريا عن ابن حبيب عن علي بن زياد عن الهيثم بن عدي عن الاعمش عن يونس بن أبي إسحاق قال: حدثنا أبو الصفر عن عدي بن أرطأة قال: قال معاوية يوما لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله أينا أدهى ؟ قال عمرو: أنا للبديهة وأنت للروية قال معاوية: قضيت لي على نفسك وأنا أدهى منك في البديهة قال عمرو: فأين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف ؟ قال: بها غلبتني يا أبا عبد الله أفلا أسألك عن شئ تصدقني فيه ؟ قال: والله إن الكذب لقبيح فاسأل عما بدا لك أصدقك فقال: هل غششتني منذ نصحتني ؟ قال: لا. قال: بلى والله لقد غششتني أما إني لا أقول في كل المواطن ولكن في موطن واحد قال: وأي موطن ؟ قال: يوم دعاني علي بن أبي طالب للمبارزة فاستشرتك فقلت: ما ترى يا أبا عبد الله فقلت: كفو كريم فأشرت علي بمبارزته وأنت تعلم من هو فعلمت أنك غششتني قال: يا أمير المؤمنين دعاك رجل إلى مبارزة عظيم الشرف جليل الخطر وكنت من مبارزته


393 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الحديث: (5) من المجلس: (17) من أماليه ص 69.

[50]

على إحدى الحسنين إما أن تقتله فتكون قد قتلت قتال الاقران وتزداد به شرفا إلى شرفك وتخلو بملكك وإما أن تعجل إلى مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا قال معاوية: هذه شر من الاولى والله إني لاعلم أني لو قتلته دخلت النار ولو قتلني دخلت النار قال له عمرو: فما حملك على قتاله ؟ قال: الملك عقيم ولن يسمعها منى أحد بعدك. 394 - ما: المفيد عن محمد بن عمران عن محمد بن إسحاق عن الوليد بن محمد بن إسحاق عن أبيه قال: استأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان فلما دخل عليه استضحك معاوية فقال له عمرو: ما أضحكك يا أمير المؤمنين أدام الله سرورك ؟ قال: ذكرت ابن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت فقال: أتشمت بي يا معاوية فأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك وأطت أضلاعك وانتفخ سحرك والله لو بارزته لاوجع قذالك وأيتم عيالك وبزك سلطانك وأنشأ عمرو يقول: معاوي لا تشمت بفارس بهمة * لقى فارسا لا تعتليه الفوارس معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلا * أبا حسن تهوي عليك الوساوس وأيقنت أن الموت حق وأنه * لنفسك إن لم تمعن الركض خالس دعاك فصمت دونه الاذن إذ دعا * ونفسك قد ضاقت عليها الامالس أتشمت بي أن نالني حد رمحه * وعضضني ناب من الحرب ناهس فأي امرئ لاقاه لم يلق شلوه * بمعترك تسفى عليه الروامس أبى الله إلا أنه ليث غابة * أبو أشبل تهدى إليه الفرائس فإن كنت في شك فأرهج عجاجة * وإلا فتلك الترهات البسابس فقال معاوية مهلا يا أبا عبد الله ولا كل هذا قال: أنت استدعيته. بيان: استضحك لعله مبالغة في الضحل أو أراد أن يضحك عمروا.


394 - رواه شيخ الطائفة في الحديث: (30) من الجزء (5) من أماليه: ج 1 ص 134.

[51]

والتمع لونه: ذهب وتغير. وأط الرجل ونحوه يئط أطيطا: صوت. ويقال للجبان: انتفخ سحرك أي رئتك. وبزه: سلبه. وقال الجوهري: البهمة بالضم: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه ويقال أيضا للجيش بهمة ومنه قولهم: فلان فارس بهمة وليث غابة. وفي القاموس: الامليس وبهاء: الفلات ليس بها نبات والجمع أماليس، وأمالس شاذ. وقال: نهس اللحم كمنع وسمع: أخذ بمقدم أسنانه ونتفه وقال: الشلو بالكسر: العضو والجسد من كل شئ كالشلا. وكل مسلوح أكل منه شئ وبقيت منه بقية وقال: الروامس: الرياح الدوافن للآبار وقال: أرهج: أثار الغبار. وقال: العجاج: الغبار وقال: الترهة كقبرة: الباطل. وقال: الترهات البسابس وبالاضافة: الباطل. 395 - كشف: لما عزم معاوية على قتال علي عليه السلام شاور فيه ثقاته وأهل وده فقالوا: هذا أمر عظيم لا يتم إلا بعمرو بن العاص فإنه قريع زمانه في الدهاء والمكر وقلوب أهل الشام مائلة إليه وهو يخدع ولا يخدع فقال: صدقتم ولكنه يحب عليا فأخاف أن يمتنع فقالوا: رغبه بالمال واعطه مصر فكتب إليه من معاوية بن أبي سفيان خليفة عثمان بن عفان إمام المسلمين وخليفة رسول رب العالمين ذي النورين ختن المصطفى على ابنتيه وصاحب جيش العسرة وبئر رومة المعدوم الناصر الكثير الخاذل المحصور في منزله المقتول عطشا وظلما في محرابه المعذب بأسياف لفسقة إلى عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وثقته وأمير عسكره بذات السلاسل المعظم رأيه المفخم تدبيره أما بعد فلن يخفى عليك احتراق قلوب المؤمنين وفجعتهم بقتل عثمان وما ارتكبه جاره بغيا وحسدا وامتناعه عن نصرته وخذلانه إياه حتى قتل في محرابه فيا لها


395 - ذكره الاربلي رحمه الله فيما ساقه من قضايا صفين في أواسط قضاياها من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 254.

[52]

مصيبة عمت الناس وفرضت عليهم طلب دمه من قتلته وأنا أدعوك إلى الحظ الاجزل من الثواب والنصيب الاوفر من حسن المآب بقتال من آوى قتلة عثمان. فكتب إليه عمرو بن العاص: من عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد وصل كتابك فقرأته وفهمته فأما ما دعوتني إليه من قتال علي فقد دعوتني والله إلى خلع ربقة الاسلام من عنقي والتهور في الضلالة معك وإعانتي إياك على الباطل واختراط السيف في وجه علي بن أبي طالب عليه السلام وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه ووارثه وفاضي دينه ومنجز وعده وزوج ابنته سيدة نساء العالمين وأبو السبطين سيدي شباب أهل الجنة. وأما قولك: إنك خليفة عثمان فقد صدقت ولكن تبين اليوم عزلك من خلافته وقد بويع لغيره فزالت خلافتك. وأما ما عظمتني به ونسبتني إليه من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وأني صاحب جيشه فلا أعتر بالتزكية ولا أميل بها عن الملة. وأما ما نسبت أبا الحسن أخا رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه إلى البغي والحسد لعثمان وسميت الصحابة فسفة وزعمت أنه أشلاهم على قتله فهذا كذب وغواية ويحك يا معاوية أما علمت أن أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وبات على فراشه وهو صاحب السبق إلى الاسلام والهجرة وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: هو مني وأنا منه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وقال فيه يوم الغدير: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. وقال فيه يوم خيبر: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

[53]

وقال فيه يوم الطير: اللهم ائتني بأحب خلقلك إليك فلما دخل قال: وإلي وإلي. وقال فيه يوم النضير: علي إمام البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله. وقال فيه: علي وليكم بعدي. وأكد القول علي وعليك وعلى جميع المسلمين وقال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي. وقال أنا مدينة العلم وعلي بابها. وقد علمت يا معاوية ما أنزل الله من الآيات المتلوات في فضائله التي لا يشركه فيها أحد، كقوله تعالى: " يوفون بالنذر " [7 / الدهر، وكقوله]: " إنما وليكم الله ورسوله " [55 / المائدة، وكقوله]: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه " [17 / هود، وكقوله]: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " [23 / الاحزاب، وكقوله]: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " [23 / الشورى]. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن يكون سلمك سلمي وحربك حربي وتكون أخي ووليي في الدنيا والآخرة يا أبا الحسن من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أحبك أدخله الله الجنة ومن أبغضك أدخله الله النار. وكتابك يا معاوية الذي هذا جوابه ليس مما ينخدع به من له عقل ودين والسلام. فكتب إليه معاوية يعرض عليه الاموال والولايات وكتب في آخر كتابه: جهلت ولم تعلم محلك عندنا * فأرسلت شيئا من خطاب وما تدري فثق بالذي عندي لك اليوم آنفا * من العز والاكرام والجاه والنصر فاكتب عهدا ترتضيه مؤكدا * وأشفعه بالبذل مني وبالبر فكتب إليه عمرو بأبيات - ليس بالشعر الجيد - يطلب فيها مصر (1) [وأولها:]

[54]

أبى القلب مني أن أخادع بالمكر * بقتل ابن عفان اجر إلى الكفر فكتب له معاوية بذلك وأنفذه إليه ففكر عمرو ولم يدر ما يصنع وذهب عنه النوم فقال: تطاول ليلي بالهموم الطوارق * وصافحت من دهري وجوه البوائق ءأخدعه والخدع مني سجية * أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق فلما أصبح دعا مولاه وردان وكان عاقلا فشاوره في ذلك فقال وردان: إن مع علي آخرة ولا دنيا معه وهي التي تبقى لك وتبقى فيها وإن مع معاوية دنيا ولا آخرة معه وهي التي لا تبقى على أحد فاختر ما شئت فتبسم عمرو وقال: يا قاتل الله وردانا وفطنته * لقد أصاب الذي في القلب وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الاطباع ادهان نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها * والمرء يأكل نتنا وهو غرثان أما علي فدين ليس بشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا على بصري * وما معي بالذي اختار برهان إني لاعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش إنسان ثم إن عمرا رحل إلى معاوية فمنعه ابنه عبد الله ووردان فلم يمتنع فلما بلغ مفرق الطريقين الشام والعراق قال له وردان: طريق العراق طريق الآخرة وطريق الشام طريق الدنيا فأيهما تسلك ؟ قال: طريق الشام ! ! توضيح: قال الجوهري: القريع: الفحل والسيد، يقال: فلان قريع دهره وقريعك الذي يقارعك.


(1) هذا كان مؤخرا في أصلي فقدمناه لكونه أوفق، والقصة ذكرها الخوارزمي حرفية في الفصل الثالث من الفصل (16) من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ص 129.

[55]

وقال في النهاية: فيه ذكر بئر رومة هي بضم الراء اسم بئر بالمدينة اشتراها عثمان وسبلها. وفي القاموس: أشلا دابته: أراها المخلاة لتأتيه. والناقة: دعاها للحلب. والوامق: المحب. والشارق: الشمس. وشرقت الشمس: طلعت والغرثان: الجائع. 396 - نهج: ولم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا فلا ظفرت يد المبايع وخزيت أمانة المبتاع فخذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها فقد شب لظاها وعلا سناها [واستشعروا الصبر فإنه أدعى إلى النصر]. بيان: قوله عليه السلام: " ولم يبايع " قال الشارحون: إشارة إلى ما اشتهر من أن أمير المؤمنين عليه السلام لما نزل بالكوفة بعد فراغه من البصرة كتب إلى معاوية كتابا يدعوه إلى البيعة فدعا قوما من أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان فأجابوه وأشار إليه أخوه بالاستعانة بعمرو بن العاص فلما قدم عليه وعرف حاجته إليه تباعد عنه وجعل يمدح عليا عليه السلام في وجهه حتى رضي معاوية أن يعطيه المصر فبايعه فذلك معنى قوله عليه السلام " أن يؤتيه على البيعة ثمنا " ثم أردف ذلك بالدعاء على البائع لدينه وهو عمرو بعدم الظفر في الحرب أو بالثمن أو بشئ مما يأمله وألحقه بالتوبيخ للمبتاع وهو معاوية بذكر هوان أمانته عليه وهي بلاد المسلمين وأموالهم. ويحتمل أن يكون إسناد الخزي إلى الامانة إسنادا مجازيا. وذهب بعض الشارحين إلى أن المراد بالبائع معاوية وبالمبتاع عمرو. وهو ضعيف لان الثمن إذا كان مصرا فالمبتاع هو معاوية كذا ذكره ابن ميثم. وقال ابن أبي الحديد في أكثر النسخ " فلا ظفرت يد المبايع " بميم المفاعلة. والظاهر ما رويناه.


396 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في ذيل المختار: (26) من نهج البلاغة.

[56]

قوله عليه السلام: " فقد شب لظاها " أي أوقدت نارها وأثيرت وروي بالبناء للفاعل أي ارتفع لهبها. والسنا - بالقصر -: الضوء. أقول: قال ابن أبي الحديد: روى ابن قتيبة في [كتاب] عيون الاخبار (1) قال: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما فضحك فقال: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك ؟ قال: أضحك من حضور ذهنك حين إبدائك سوأتك يوم ابن أبي طالب عليه السلام والله لقد وجدته منانا ولو شاء أن يقتلك لقتلك فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وانتفخ سحرك وبدا منك ما أكره ذكره فمن نفسك أضحك أو فدع


(1) - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (68) من نهج البلاغة في عنوان: " أخبار الجبناء ونوادرهم " من شرحه: ج 2 ص 333. والحديث ذكره ابن قتيبة في أواسط كتاب الحرب من كتاب عيون الاخبار: ج 1، ص 169، ط بيروت.

[57]

[الباب السادس عشر] باب كتبه عليه السلام إلى معاوية واحتجاجاته عليه ومراسلاته إليه وإلى أصحابه 398 - نهج ج: احتجاجه عليه السلام على معاوية في جواب كتاب كتبه إليه - وفي غيره من المواضع - وهو من أحسن الحجاج وأصوبه: أما بعد فقد بلغني (1) كتابك تذكر اصطفاء الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر أو داعي مسدده إلى النضال.


398 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (28) من باب الكتب من نهج البلاغة. ورواه الطبرسي رضي الله عنه في عنوان " احتجاجه على معاوية... " من كتاب الاحتجاج ص 176. (1) كذا في طبع الكمباني من البحار وبهامشه وفي النهج والاحتجاج: فقد أتاني. وفيهما: تذكر فيه.

[58]

وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الاولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم ؟ هيهات لقد حن قدح ليس منها فطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها. ألا تربع أيها الانسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك وتتأخر حيث أخرك القدر ؟ فما عليك غلبة - المغلوب ولا لك ظفر الظافر وإنك لذهاب في التيه رواغ عن القصد. ألا ترى - غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث - أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: سيد الشهداء وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه. أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل حتى إذا فعل بواحدنا كما فعل بواحدهم قيل: الطيار في الجنة وذو الجناحين. ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين فدع عنك من مالت به الرمية فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا لم يمنعنا قديم عزنا وعادى طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الاكفاء ولستم هناك. وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب ومنا أسد الله ومنكم أسد الاحلاف ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب في كثير مما لنا وعليكم. فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتكم مالا تدفع (1) وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله [تعالى] * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * [75 /


(1) وفي النهج: وجاهليتنا. وفي النهج والاحتجاج: لا تدفع.

[59]

الانفال: 8] وقوله تعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) * [68 / آل عمران: 3] فنحن مرة أولى بالقرابة وتارة أولى بالطاعة. ولما احتج المهاجرون على الانصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم وإن يكن بغيره فالانصار على دعواهم. وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك. وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقلت " إني كنت أقادكما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع " ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها. ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله ؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه أم من استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أتى قدره عليه كلا والله " لقد علم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا " (1) وما كنت لاعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لا ذنب له. وقد يستفيد الظنة المتنصح " وما أردت إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ". (1) اقتباس من الآية (18) من سورة الاحزاب (33)، وفيها: " قد يعلم الله المعوقين ". وما يأتي بعد سطرين اقتباس من الآية 88 / هود.

[60]

وذكرت أنه ليس لي ولاصحابي عندك إلا السيف فلقد أضحكت بعد استعبار متى ألفيت بني عبد المطلب عن الاعداء ناكلين وبالسيوف مخوفين. فالبث قليلا يلحق الهيجا حمل فسيطلبك من تطلب ويقرب منك ما تستبعد وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والانصار والتابعين بإحسان شديد زحامهم ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم قد صحبتهم ذرية بدرية وسيوف هاشمية قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك وما هي من الظالمين ببعيد. بيان: قال ابن أبي الحديد (1) بعد إيراد هذا الكتاب: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد قلت أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي عليه السلام فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة وأورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذن غير صحيح وإن كان ذاك الجواب فهذا الجواب إذا غير صحيح ولا ثابت. فقال لي: بل كلاهما ثابت مروي وكلاهما كلام امير المؤمنين عليه السلام وألفاظه ثم أمرني أن أكتب ما يمليه علي فكتبته. قال رحمه الله: كان معاوية يتسقط عليا عليه السلام ويبغي عليه ما عساه [أن] يذكره من حال أبي بكر وعمر وأنهما غصباه حقه ولا يزال يكيده بالكتاب يكتبه والرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر إما مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجة عليه عند أهل الشام ويضيفه إلى ما قدره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم فكان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان أو مالا على قتله وأنه قتل طلحة والزبير واسر عائشة وأراق دماء أهل البصرة


(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح الكتاب وهو المختار: (28) من باب الكتب من نهج البلاغة.

[61]

وبقيت خصلة واحدة وهو أن يثبت عندهم أنه يبرأ من أبي بكر وعمر وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة وأنهما وثبا عليها غلبة وغصباه إياها فكانت هذه تكون الطامة الكبرى وليست مقتصرة على إفساد أهل الشام عليه بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره لانهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل الشاذ من خواص الشيعة. فلما كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليا ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر وأنه أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر فكان الجواب مجمجما (1) غير بين ليس فيه تصريح بالتظليم لهما ولا التصريح ببرأتهما وتارة يترحم عليهما وتارة يقول: أخذا حقي وقد تركته لهما. فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الاول ليستفزا فيه عليا عليه السلام ويستخفاه ويحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيح حاله وتهجين مذهبه وقال له عمرو: إن عليا عليه السلام رجل نزق تياه ما استطعمت (2) منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر وعمر فاكتب [إليه ثانيا] فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي وهو من الصحابة بعد أن عزم على بعثه مع أبي الدرداء ونسخة الكتاب: من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله لرسالته واختصه بوحيه وتأدية شريعته فأنقذ به من العماية وهدى به من الغواية ثم قبضه إليه رشيدا حميدا قد


(1) قال الفيروز آبادي: " الجمجمة " أن لا يبين كلامه وإخفاء الشئ في الصدر. منه رحمه الله - [و جمجم] عن الامر: لم يقدم عليه (2) النزق: الخفة في كل أمر. العجلة في جهل وحمق. والتياه: كثير التيه وهو الكبر. وقال المجلسي على ما في هامش بحار الانوار ط الكمباني: " الاستطعام " هنا استخراج الكلام. قال الجوهري: " استطعمه " سأله أن يطعمه، وفي الحديث: إن استطعمكم الامام فأطعموه. انتهى. وفي بعض النسخ بتقديم الميم على العين ولعله تصحيف.

[62]

بلغ الشرع ومحق الشرك وأخمد نار الافك فأحسن الله جزاءه وضاعف عليه نعمه وآلاءه. ثم إن الله سبحانه اختص محمدا صلى الله عليه وآله بأصحاب أيدوه وآزروه ونصروه وكانوا كما قال الله سبحانه لهم: * (أشداء على الكفار رحماء بينهم) * [29 / الفتح: 48] فكان أفضلهم مرتبة وأعلاهم عند الله والمسلمين منزلة الخليفة الاول الذي جمع الكلمة ولم الدعوة وقاتل أهل الردة ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ومصر الامصار وأذل رقاب المشركين ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة وطبق الآفاق بالكلمة الحنيفية. فلما استوثق الاسلام وضرب بجرانه عدوت عليه فبغيته الغوائل ونصبت له المكائد وضربت له بطن الامر وظهره ودسست عليه وأغريت به وقعدت حيث استنصرك عن نصرته وسألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته. وما يوم المسلمين منك بواحد لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ورمت إفساد أمره وقعدت في بيتك عنه واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته. ثم كرهت خلافة عمر وحسدته واستطلت مدته وسررت بقتله وأظهرت الشماتة بمصابه حتى أنك حاولت قتل ولده لانه قتل قاتل أبيه. ثم لم تكن أشد حسدا منك لابن عمك عثمان نشرت مقابحه وطويت محاسنه وطعنت في فقهه ثم في دينه ثم في سيرته ثم في عقله وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك حتى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد. وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه وتلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار (1) كما يساق الفحل المخشوش ثم نهضت الآن


(1) و " الخزائم " جمع " الخزيمة " وخزمت البعير بالخزامة وهى حلقه من شعر تجعل في وتر أنفه يشد بها الزمام. و " الاقتسار " الاكراه على الامر. منه رحمه الله.

[63]

تطلب الخلافة وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك (1) والمحدقون بك وتلك من أماني النفوس وضلالات الاهواء. فدع اللجاج والعنت جانبا وادفع إلينا قتلة عثمان وأعد الامر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا فلا بيعة لك في أعناقنا ولا طاعة لك علينا ولا عتبى لك عندنا وليس لك ولاصحابك عندي إلا السيف والذي لا إله إلا هو لاطلبن قتلة عثمان أين كانوا وحيث كانوا حتى أقتلهم أو تلحق روحي بالله. فأما ما لا تزال تمت به من سابقتك وجهادك (2) فإني وجدت الله سبحانه يقول: * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين) * [17 / الحجرات: 49]. ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الانفس إمتنانا على الله بعملها وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة فالامتنان - على الله يبطل أجر الجهاد ويجعله " كصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ". قال النقيب أبو جعفر: فلما وصل هذا الكتاب إلى علي عليه السلام مع أبي أمامة الباهلي كلم أبا أمامة بنحو مما كلم به أبا مسلم الخولاني وكتب معه هذا الجواب. قال النقيب: وفي كتاب معاوية هذا ذكر لفظة الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم وليس في ذلك هذه اللفظة وإنما فيه " حسدت الخلفاء وبغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر وقولك


(1) والسجير الخليل والصفي، ج: سجراء، ذكره الفيروز آبادي وفي بعض النسخ: " سمراؤك " جمع " السمير " وهو المحدث بالليل. منه رحمه الله. (2) قال الجوهري: " المت " المد والتوسل بقرابة، و " الماتة " الحرمة والوسيلة، تقول: فلان يمت بالملك بقرابة. انتهى. وفي بعض النسخ: تمن بالنون. منه رحمه الله. أقول: وفي المطبوع من شرح النهج: " تمن " كما هو المتناسب مع الآية.

[64]

الهجر وتنفسك الصعداء وإبطاؤك عن الخلفاء " قال: وإنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين والمشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظة فيه والصحيح أنها في كتاب أبي إمامة ألا تراها عادت في الجواب ؟ ولو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه. انتهى كلام النقيب أبي جعفر أقول: إنما أوردت هذا الكتاب على كاتبه وممليه أشد العذاب ليتضح الجواب وليظهر لكل عاقل كفر هذا المنافق المرتاب. قوله عليه السلام: " فلقد خبأ لنا الدهر " قال في النهاية: خبأت الشئ خبأ إذا أخفيته والخباء كل شئ غائب مستور. ولعل المعنى أن الدهر أخفى لنا من أحوالك شيئا عجبا لم نكن نظن ذلك حتى ظهر منك. ويحتمل أن يكون على سبيل التجريد أي أنت أعجب الاشياء في الدهر كنت مخفيا فظهرت من قبيل لقيني منه أسد. قال ابن ميثم: ووجه العجب أنه أخبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بحاله وما أنعم الله به عليه مع علمهم البالغ بحاله وكونهم أولى بالاخبار عنها وضرب له في ذلك مثلين وأصل المثل الاول أن رجلا قدم من هجر إلى البصرة بمال اشترى به شيئا للربح فلم يجد فيها أكسد من التمر فاشترى بماله تمرا وحمله إلى هجر وادخره في البيوت ينتظر به السعر فلم يزدد إلا رخصا حتى فسد جميعه وتلف ماله فضرب مثلا لمن يحمل الشئ إلى معدنه لينتفع به فيه وهجر معروفة بكثرة التمر حتى أنه ربما يبلغ سعر خمسين جلة بدينار ووزن الجلة مائة رطل فذلك خمسة آلاف رطل ولم يسمع ذلك في غيرها من البلاد. والثاني أنه شبهه بداعي مسدده واستاده في الرمي إلى المراماة ومسدده أولى بأن يدعوه إلى ذلك. قوله عليه السلام: " إن تم اعتزلك كله " أي تباعد عنك والمعنى ذكرت أمرا إن تم لم ينفعك وإن نقص لم يضرك بل لا تعلق له بك أصلا. والثلمة:

[65]

الخلل في الحائط وغيره. والسياسة: القيام على الشئ بما يصلحه وليس في هذا الكلام شهادة منه عليه السلام على فضل الخلفاء لما عرفت من المصلحة في هذا الاجمال. وقال في النهاية: أصل الحنين: ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها ومنه كتاب علي عليه السلام إلى معاوية " [وأما قولك كيت وكيت فقد] حن قدح ليس منها " هو مثل يضرب لرجل ينتمي إلى نسب ليس منه أو يدعي ما ليس منه في شئ. والقدح بالكسر: أحد سهام الميسر فإذا كان من غير جوهر أخواته ثم حركها المفيض بها خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به. قال الزمخشري في المستقصي: القداح: التي يضرب بها تكون من نبع فربما ضاع منها قدح فنحيت على مثاله من غرب أو غيره آخر بالعجلة فإذا احتك معها صوت صوتا لا يشابه أصواتها. فيقال ذلك ثم ضربه عمر لعقبة بن أبي معيط حين أمر النبي صلى الله عليه وآله بضرب عنقه يوم بدر فقال: " اقتل من بين قريش " أراد عمر أنك لست من قريش. وقيل في بني الحنان وهم بطن من " بلحرث " أن جدهم ألقى قدحا في قداح قوم يضربون بالميسر وكان يضرب لهم رجل أعمى فلما وقع قدحه في يده قال: حن قدح ليس منها فلقب الحنان لذلك يضرب لمنتحل نسبا أو فضلا انتهى. قوله عليه السلام " يحكم فيها " أي في هذه القصة أو القضية من كان الحكم لها عليه لا له. ويجوز إرجاع الضمير إلى الطبقات. وقال ابن ميثم: يضرب لمن يحكم على قوم وفيهم وهو من أراد لهم وليس للحكم بأهل بل هم أولى منه به. وقال الجوهري يقال: إربع على نفسك وإربع على ظلعك أي ارفق بنفسك وكف يقال: ظلعت الارض بأهلها أي ضاقت بهم من كثرتهم ويقال:

[66]

ارق على ظلعك أي اربع على نفسك ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق. وقال في النهاية فيه: " إنه لا يربع على ظلعك " الظلع بالسكون: العرج والمعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك. وربع في المكان: إذا أقام به. وفي الصحاح: أصل الذراع هو بسط اليد ويقال: ضقت بالامر ذرعا إذا لم تطقه ولم تقو عليه. وقال ابن ميثم [قوله عليه السلام] " حيث أخره القدر " إشارة إلى مرتبته النازلة التي جرى القدر بها أن تكون نازلة عن مراتب السابقين وقد أمره بالتأخر فيها والوقوف عندها. قوله عليه السلام " في التيه " أي في الضلال والتحير أو في التكبر. قال في النهاية تاه يتيه تيها إذا تحير وضل وإذا تكبر. والرواغ: الميال. والقصد: المعتدل الذي لا يميل إلى طرفي الافراط والتفريط. قوله عليه السلام " غير مخبر " أي أتكلم بكلامي هذا لا لاخباري إياك بل للتحدث بنعمته سبحانه إما لان معاوية غير قابل للخطاب والاخبار بهذا الكلام والمقام مقام تحقيره أو لانه كان عالما به أو لانه يتراءى من مثل هذا الكلام وإخبار الخصم به المفاخرة بذكر تلك الفضائل فدفع ذلك التوهم بقول: " لكن بنعمة الله أحدث " وما بعد لكن بهذا الاحتمال أنسب وإن كان قوله عليه السلام: " لك " بالاول الصق. قوله عليه السلام: " قيل سيد الشهداء " قال ابن أبي الحديد: أي في حياة النبي صلى الله عليه وآله لان عليا عليه السلام مات شهيدا ولا خلاف في أنه أفضل من حمزة وجعفر وغيرهما بل هو سيد المسلمين (1).


(1) هذا تلخيص كلام ابن أبي الحديد، وإليك نص كلامه حرفيا في شرح الكلام في ج 4 ص 608 ط الحديث ببيروت قال: المراد ها هنا [من قوله:] " سيد الشهداء " حمزة رضي الله عنه. وينبغي أن يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله فيه: " إنه سيد الشهداء " على أنه سيد الشهداء في حياة

[67]

قوله " بسبعين تكبيرة " قال ابن ميثم أي في أربع عشرة صلاة وذلك انه كلما كبر عليه خمسا حضرت جماعة أخرى من الملائكة فصلى بهم عليه أيضا وذلك من خصائص حمزة رضي الله عنه. قوله عليه السلام: " لذكر ذاكر " يعني نفسه وإنما نكره ولم يأت بالالف واللام ولم ينسبه إلى نفسه لئلا يصرح بتزكية نفسه. واستعار لفظ " المج " لكراهية النفس لبعض ما يكرر سماعه وإعراضها عنه فإنها تصير كالقاذف له من الاذن كما يقذف الماج الماء من فيه. كذا قيل. والظاهر أنه كناية عن أنها لوضوحها لا يمكن لاحد إنكارها فغير المؤمنين وإن ثقل عليهم سماعها فلا يمكنهم إنكارها. قوله عليه السلام " فدع عنك " الخ الرمية: الصيد يرمى يقال: بئس الرمية الارنب أي بئس الشئ مما يرمي الارنب والمعنى دع ذكر من مال إلى الدنيا وأمالته إليها وأمالته عن الطريق المستقيم فإن شأن الصيد الخروج عن الطريق وهي إشارة إلى الخلفاء والكلام في بيان التفاضل سابقا ولاحقا. وقال ابن أبي الحديد: " هذه إشارة إلى عثمان لا إلى أبي بكر وعمر " وهذا مما لا يسمن ولا يغني من جوع مع أن المذكور في كتاب معاوية لم يكن عثمان وحده كما عرفت. وقال ابن ميثم رحمه الله: أي فدع عنك أصحاب الاغراض الفاسدة ولا تلتفت إلى ما يقولون في حقنا كعمرو بن العاص ويحتمل أن يكون الاشارة إلى نفسه على طريقة قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة. واستعار لفظ " الرمية " وكنى بها عن الامور التي تقصدها النفوس وترميها بقصودها انتهى. ولا يخفى بعده وأبعد منه ما ذكره الكيدري حيث قال: أراد أنه مطعون في نسبه وحسبه وأنه أزاله عن مقام التفاخر والتنافر مطاعن شهرت فيه انتهى.


النبي [لا عموم الشهداء] لان عليا عليه السلام مات شهيدا، ولا يجوز أن يقال: حمزة سيده، بل هو سيد المسلمين كلهم ولا خلاف بين أصحابنا أنه أفضل من حمزة وجعفر رضي الله عنهما...

[68]

وكأنه حمل الرمية على السهام المرمية. قوله عليه السلام " فإنا صنائع ربنا " هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول ولنتكلم على ما يمكننا إظهاره والخوض فيه فنقول: صنيعة الملك من يصطنعه ويرفع قدره ومنه قوله تعالى: * (واصطنعتك لنفسي) * أي اخترتك وأخذتك صنيعتي لتنصرف عن إرادتي ومحبتي فالمعنى أنه ليس لاحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى أنعم علينا فليس بيننا وبينه واسطة والناس بأسرهم صنائعنا فنحن الوسائط بينهم وبين الله سبحانه. ويحتمل أن يريد بالناس بعض الناس أي المختار من الناس نصطنعه ونرفع قدره. وقال ابن أبي الحديد: هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت وباطنه أنهم عبيد الله والناس عبيدهم. وقال ابن ميثم: لفظ الصنائع في الموضعين مجاز من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل والحال على المحل يقال: فلان صنيعة فلان إذا اختصه لموضع نعمته، والنعمة الجزيلة التي اختصهم الله بها هي نعمة الرسالة وما يستلزمه من الشرف والفضل حتى كأن الناس عيالاتهم فيها. قوله عليه السلام: " وعادي طولنا " قال الجوهري: " عاد " قبيلة وهم قوم هود عليه السلام وشئ عادي أي قديم كأنه منسوب إلى عاد. وقال ابن أبي الحديد: الطول: الفضل. وقال: الافعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدة تكون عادية بكثرة المناقب والماثر والمفاخر وإن كانت المدة قصيرة ولا يراد بالقديم قديم الزمان بل من قولهم لفلان قديم أثر أي سابقة حسنة. وإنما جعلنا اللفظ مجازا لان بني هاشم وبني أمية لم يفترقا في الشرف إلا منذ نشأ هاشم بن عبد مناف ثم لم تكن المدة بين نشأ هاشم وإظهار محمد صلى الله عليه وآله الدعوة إلا نحو تسعين سنة انتهى.

[69]

وأقول: قد ظهر لك مما سبق أن بني أمية لم يكن لهم نسب صحيح ليشاركوا في الحسب آباءه مع أن قديم عزهم لم ينحصر في النسب بل أنوارهم عليهم السلام أول المخلوقات ومن بدء خلق أنوارهم إلى خلق أجسادهم وظهور آثارهم كانوا معروفين بالعز والشرف والكمالات في الارضين والسموات (1) يخبر بفضلهم كل سلف خلفا ورفع الله ذكرهم في كل أمة عزا وشرفا. وقوله عليه السلام: " فعل الاكفاء " منصوب على المصدر بفعل مقدر " المكذب " أبو سفيان وقيل أبو جهل. " وأسد الله " حمزة رضي الله عنه وأرضاه " وأسد الاحلاف " هو أسد بن عبد العزى وقال في القاموس: الحلف بالكسر العهد بين القوم. والصداقة. والصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به والجمع: أحلاف. والاحلاف في قول زهير: أسد وغطفان لانهم تحالفوا على


(1) وينبغي لنا هاهنا أن نشير إلى نموذج مما أشار إليه المصنف العلامة من طريق أهل السنة فنقول: روى أحمد في الحديث: (251) من باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل ص 178، ط 1، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال: حدثنا الفضيل بن عياض، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان: عن سلمان قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عزوجل قبل أن يخلق الله آدم باربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزئين فجزء أنا وجزء علي. وللحديث مصادر كثيرة يقف عليها الباحث في تعليق الحديث، وفي الحديث: (186) وتعليقه من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 151، ط 2. ورواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (154) من نهج البلاغة من شرحه: ج 9 ص 171، ط مصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 3 ص 252 قال: رواه أحمد في مسند [سلمان من كتاب] المسند [ج 5 ص 437] وذكره [أيضا] صاحب الفردوس وزاد فيه: ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة ولعلي الوصية.

[70]

التناصر. والاحلاف قوم من ثقيف وفي قريش ست قبائل عبدالدار وكعب وجمح وسهم ومخزوم وعدي لانهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والسقاية وأبت عبدالدار عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملؤة طيبا فوضعتها لاحلافهم وهم أسد وزهرة وتيم عند الكعبة فغمسوا أيديهم فيها وتعاهدوا، وتعاقدت بنو عبدالدار وحلفاؤها حلفا آخر مؤكدا فسموا الاحلاف انتهى ونحوه قال في النهاية إلا أنه قال بعد قوله: " فغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا " فسموا المطيبين. " وصبية النار " إشارة إلى الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وآله لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبرا يوم بدر وقال: كالمستعطف له صلى الله عليه وآله: من للصبية يا محمد ؟ قال: النار. و " حمالة الحطب " هي أم جميل بنت حرب بن أمية امرأة أبي لهب. وقوله عليه السلام: " في كثير " متعلق بمحذوف أي هذا الذي ذكرنا داخل في كثير مما يتضمن ما ينفعنا ويضركم. قوله عليه السلام: " وجاهليتنا " أي شرفنا وفضلنا في الجاهلية لا يدفعه أحد. وفي بعض النسخ: " وجاهليتكم " ولعله أظهر. ووجه الاستدلال بالآية الاولى ظاهر لانه عليه السلام كان أولى الارحام برسول الله صلى الله عليه وآله وأقربهم إليه وكذا الثانية لانه كان أقرب الخلق إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وأول من آمن به وصدقه. وقال الجوهري: الفلج: الظفر والفوز وقد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجا والاسم الفلج بالضم. قوله عليه السلام: " وتلك شكاة " قال الجوهري: يقال هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل قال الشاعر: وعيرها الواشون أني أحبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

[71]

وقال: شكوت فلانا شكاة إذا أخبرت بسوء فعله. وقال ابن ميثم: البيت لابي ذويب وهو مثل يضرب لمن ينكر أمرا ليس منه في شئ ولا يلزمه دفعه. والخشاش بالكسر الذي يدخل في عظم أنف البعير وخششت البعير إذا جعلت في أنفه الخشاش. والغضاضة بالفتح: المذلة والمنقصة. قوله عليه السلام: " وهذه حجتي إلى غيرك " لعل المعنى لست أنت المقصود بها لحقارتك كقوله عليه السلام " غير مخبر لك " أو لعلمي بأنك لا تقبل حججي ولا تؤمن بها أو لانك عالم بها ولا فائدة في إخبار العالم بل قصدي بذكرها إلى غيرك من السامعين لعله يؤمن بها من أنكرها ويطمئن بها قلب من آمن بها. وقال ابن ميثم: أي لست أنت المقصود بها إذ لست من هذا الامر في شئ بل القصد منها غيرك أي الذين ظلموا وإنما ذكرت منها بقدر ما دعت الحاجة إليه وسنح لي أن أذكره في جوابك. قوله عليه السلام: " فلك أن تجاب " أي هذه ليست مثل السابقة التي لم يكن لك السؤال فيها لانك من بني أمية وبينك وبينه رحم. وقوله عليه السلام " فأينا " ابتداء تقرير الجواب. " والاعدى " من العداوة أو من العدوان والاول أصوب " وأهدى إلى مقاتله " أي لوجوه قتله ومواضعه من الآراء والحيل " أم من بذل " أراد به نفسه المقدسة فإنه لما اشتد الحاصر على عثمان بعث عليه السلام إليه وعرض عليه نصرته فقال عثمان: لا أحتاج إلى نصرتك ولكن اقعد وكف شرك وذلك لان عثمان كان متهما له عليه السلام بالدخول في أمره وأراد عليه السلام بقوله " من استنصره " معاوية وذلك أنه بعث عثمان حال حصاره إلى الشام مستصرخا بمعاوية فلم يزل يتراخى عنه ويؤخر الخروج إلى أن قتل لطمعه في الامر. وذكر " القدر " ونسبة القتل إليه هاهنا مناسب لتبريه من دمه. والبث:

[72]

النشر. والمنون: الدهر والمنية أي نشر إليه نوائب الدهر وأسباب المنية وقوله عليه السلام: " والله لقد علم الله " اقتباس من قوله تعالى: * (قد يعلم الله المعوقين منكم) * قال الطبرسي رحمه الله هم الذين [كانوا] يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله والتعويق: التثبيط " والقائلين لاخوانهم " يعني اليهود قالوا لاخوانهم المنافقين " هلم إلينا " أي تعالوا وأقبلوا إلينا ودعوا محمدا صلى الله عليه وآله. وقيل: القائلون هم المنافقون قالوا لاخوانهم من ضعفة المسلمين: لا تحاربوا وخلوا محمدا صلى الله عليه وآله فإنا نخاف عليكم الهلاك. " ولا يأتون البأس " أي لا يحضرون القتال. والبأس: الحرب وأصله الشدة " إلا قليلا " إلا كارهين يكون قلوبهم مع المشركين. ولعل الغرض من الاقتباس أنه سبحانه عاب المعوقين والقائلين فالمتراخي مقصر على تقدير وجوب الحضور كما زعمته. ويحتمل أن يكون غرضه واقعا تعويقه عن نصره عليه السلام وإن أوهم ظاهره نصر عثمان. وقال الجوهري: نقمت على الرجل أنقم بالكسر إذا عتبت عليه. وقال ابن ميثم في قوله عليه السلام " فرب ملوم لا ذنب له " وأنا ذلك الملوم وهو مثل لاكثم بن صيفي يضرب لمن قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون حجته وعذره فيه وقوله: " وقد يستفيد " الخ يضرب مثلا لمن يبالغ في النصيحة حتى يتهم أنه غاش وصدر البيت: وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقال في الصحاح والقاموس: المتنصح من تشبه بالنصحاء وهذا المعنى وإن كان محتملا في كلامه عليه السلام على وجه بعيد لكن الظاهر أنه ليس غرضا للشاعر والظاهر ما ذكره الخليل في العين حيث قال: التنصح: كثرة النصيحة قال: أكثم بن صيفي إياكم وكثرة التنصح فإنه يورث التهمة انتهى " والظنة: التهمة.

[73]

قوله عليه السلام: " فلقد أضحكت بعد استعبار " قال الجوهري: عبرت عينه واستعبرت أي دمعت والعبران: الباكي. وقال ابن ميثم: أي أتيت بشئ عجيب بالغ في الغرابة فإن الضحك بعد البكاء إنما يكون لتعجب بالغ وذلك كالمثل في معرض الاستهزاء به. وقيل: معناه لقد أضحكت من سمع منك هذا تعجبا بعد بكائه على الدين لتصرفك فيه. وألفيت الشئ: وجدته. قوله عليه السلام: " فالبث قليلا " قال ابن ميثم: مثل يضرب للوعيد بالحرب وأصله أن حمل بن بدر رجل من قشير أغير على إبل له في الجاهلية في حرب داحس والغبراء فاستنقذها وقال: لبث قليلا يلحق الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذ الموت نزل وقيل: أصله أن مالك بن زهير توعد حمل بن بدر فقال حمل: لبث قليلا البيت فأرسل مثلا ثم أتى وقتل مالكا فظفر أخوه قيس بن زهير به وبأخيه حذيفة فقتلهما وقال: شفيت النفس من حمل بن بدر * وسيفي من حذيفة قد شفاني وقال الزمخشري في المستقصى تمام البيت: ما أحسن الموت إذا حان الاجل وقال: قالوا في حمل: هو اسم رجل شجاع كان يستظهر به في الحرب ولا يبعد أن يراد به حمل بن بدر صاحب الغبراء يضربه من ناصره ورائه انتهى. ثم اعلم أن حملا في بعض النسخ بالحاء المهملة وفي بعضها بالجيم. وقال الفيروز آبادي: أرقل: أسرع. والارقال: ضرب من الخبب. والجحفل بتقديم الجيم على الحاء: الجيش. والقتام: الغبار. وسطع الغبار والرائحة والصبح: ارتفع. والسزبال: القميص. " وسرابيل الموت " إنما كناية عن الدروع والاحوال والهيئات التي وطنوا نفوسهم على القتل فيها فكأنها أكفانهم.

[74]

وقوله عليه السلام " ذرية بدرية " أي أولاد البدريين. وقد مر أن أخاه [اي معاوية] حنظلة وخاله الوليد وجده عتبة أبو أمه. 398 - ما: المفيد عن محمد بن عمران عن محمد بن موسى عن هشام عن أبي مخنف عن عبد الله بن عاصم عن جبر بن نوف قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام إلى الشام اجتمع إليه وجوه أصحابه فقالوا: لو كتبت يا أمير المؤمنين إلى معاوية وأصحابه قبل مسيرنا إليهم كتابا تدعوهم إلى الحق وتأمرهم بما لهم فيه من الحظ كانت الحجة تزداد عليهم قوة فقال أمير المؤمنين عليه السلام لعبيد لله بن أبي رافع كاتبه اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ومن قبله من الناس سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل وعرفوا التأويل وفقهوا في الدين وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم وأنت يا معاوية وأبوك وأهلك في ذلك الزمان أعداء الرسول مكذبون بالكتاب مجتمعون على حرب المسلمين من لقيتهم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه حتى إذا أراد الله تعالى إعزاز دينه وإظهار رسوله دخلت العرب في دينه أفواجا وأسلمت هذه الامة طوعا وكرها فكنتم ممن دخل في هذا الدين إما رغبة وإما رهبة فليس ينبغي لكم أن تنازعوا أهل السبق ومن فاز بالفضل فإنه من نازعه منكم فبحوب وظلم فلا ينبغي لمن كان له قلب أن يجهل قدره ولا يعدو طوره ولا يشفى نفسه بالتماس ما ليس له.


398 - 399 - رواهما الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (10) والحديث: (37) من الجزء (7 و 8) من أماليه ص 115، و 135. والحديث الاول قد تقدم عن كتاب صفين في أواخر الباب: (11) ص 481 ط الكمباني. وليلاحظ المختار: (78) وما حوله من باب الكتب من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 216 ط 1.

[75]

إن أولى الناس بهذا الامر قديما وحديثا أقربهم برسول الله صلى الله عليه وآله وأعلمهم بالكتاب وأقدمهم في الدين وأفضلهم جهادا وأولهم إيمانا وأشدهم إطلاعا بما تجهله الرعية عن أمرها فاتقوا الله الذي إليه ترجعون ولا تلبسوا الحق بالباطل لتدحضوا به الحق واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون وأن شرهم الجهلاء الذين ينازعون بالجهل أهل العلم. ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وحقن دماء هذه الامة فإن قبلتم أصبتم رشدكم وهديتم لحظكم وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الامة لم تزدادوا من الله إلا بعدا، ولم يزدد عليكم إلا سخطا والسلام. قال فكتب إليه معاوية أما بعد فإنه: ليس بيني وبين عمرو عتاب * غير طعن الكلى وحز الرقاب فلما وقف أمير المؤمنين عليه السلام على جوابه بذلك قال: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ". بيان: الحز بالحاء المهملة وبالجيم المعجمة: القطع. 399 - ما: المفيد عن الكاتب عن الاجلح عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان: أما بعد فإن الله أنزل إلينا كتابه ولم يدعنا في شبهة ولا عذر لمن ركب ذنبا بجهالة والتوبة مبسوطة ولا تزر وازرة وزر أخرى وأنت ممن شرع الخلاف متماديا في غمرة الامل مختلف السر والعلانية رغبة في العاجل وتكذيبا بعد في الآجل وكأنك قد تذكرت ما مضى منك فلم تجد إلى الرجوع سبيلا. وكتب صلوات الله عليه إلى عمرو بن العاص: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص أما بعد فإن الذي. أعجبك مما باريت من الدنيا ووثقت به منها منقلب عنك فلا تطمئن إلى الدنيا

[76]

فإنها غرارة ولو اعتبرت بما مضى حذرت ما بقي وانتفعت منها بما وعظت به ولكنك تبعت هواك وآثرته ولولا ذلك لم تؤثر على ما دعوناك إليه غيره لانا أعظم رجاء وأولى بالحجة والسلام. وكتب عليه السلام إلى أمراء الاجناد: من عبد الله أمير المؤمنين [علي] إلى أصحاب المسالح أما بعد فإن حقا على الوالي أن لا يغيره عن رعيته فضل ناله ولا مرتبة اختص بها وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم. ألا وإن لكم عندي أن لا أحجبن دونكم سرا إلا في حرب ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم ولا أؤخر لكم حقا عن محله وأن تكونوا عندي في الحق سواء فإذا فعلت ذلك وجبت لي عليكم البيعة ولزمتكم الطاعة وأن لا تنكصوا عن دعوة ولا تفرطوا في صلاح وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق فإن أنتم لم تسمعوا لي على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن خالفني فيه ثم أحل لكم فيه عقوبته ولا تجدوا عندي فيها رخصة فخذوا هذا من أمرائكم وأعطوا من أنفسكم هذا يصلح أمركم والسلام. بيان: قال الجوهري: فلان يباري فلانا أي يعارضه ويفعل مثل فعله وفلان يباري الريح سخاء [أي يعارضها خيرا وبركة]. أقول وسيأتي الكتاب الاخير برواية النهج بتغيير ما. 400 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والانصار فإن اجتمعوا على


400 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (6) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[77]

رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى. ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك والسلام. تنبيه: لعل هذا منه عليه السلام إلزام لمعاوية بالاجماع الذي أثبتوا به خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعدم تمسكه عليه السلام بالنص لعدم التفاتهم إليه في أول العهد مع عدم تطاول الايام فكيف مع بعد العهد وقوله عليه السلام " إنما الشورى " الخ أي الشورى الذي تعتقدونه وتحتجون به ولا حاجة إلى حمل الكلام على التقية كما نقله ابن أبي الحديد من أصحابنا الامامية قوله عليه السلام: " كان ذلك لله رضا " أي بزعمهم والعزلة الاسم من الاعتزال. والتجني أن يدعى عليك ذنب لم تفعله. وقال ابن ميثم رحمه الله: هذا الفصل من كتاب كتبه إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي حين نزعه من همدان، وصدره: أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك وأنت بالشام لانه بايعني القوم. ثم يتلو قوله: " وولاه الله ما تولى " تمام الآية. ويتصل بها أن قال: " وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي وكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل يا معاوية فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب لامور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله. وأما هاتيك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن.

[78]

ثم يتصل به قوله " ولعمري " إلى قوله " ما بدا لك " ثم يتصل به " واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله وهو من أهل الايمان والهجرة فبايع ولا قوة إلا بالله. وقال رحمه الله: وكتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب: أما بعد فلو كنت على ما كان عليه أبو بكر وعمر إذن ما قاتلتك ولا استحللت ذلك ولكنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتك في عثمان بن عفان وإنما كان أهل الحجاز الحكام على الناس حين كان الحق فيهم فلما تركوه صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز وغيرهم من الناس ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ولا حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير لان أهل البصرة قد كانوا بايعوك ولم يبايعك أهل الشام وإن طلحة والزبير بايعاك ولم أبايعك. وأما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وموضعك من بني هاشم فلست أدفعه والسلام. فكتب عليه السلام في جوابه: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فإنه أتاني كتابك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده قد دعاه الهوى فأجابه وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا وضل خابطا زعمت أنه إنما أفسد على بيعتك خطيئتي في عثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا وما كان الله ليجعلهم على ضلال ولا يضربهم بعمى. وأما ما زعمت أن أهل الشام الحكام على أهل الحجاز فهات رجلين من قريش الشام يقبلان في الشورى أو تحل لهما الخلافة فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والانصار وإلا فأنا آتيك بهما من قريش الحجاز. وأما ما ميزت بين أهل الشام وأهل البصرة وبينك وبين طلحة والزبير فلعمري ما الامر في ذلك إلا واحد لانها بيعة عامة واحدة لا يثنى فيها النظر ولا

[79]

يستأنف فيها الخيار والخارج منها طاعن والمروي فيها مداهن. وأما فضلي في الاسلام وقرابتي من الرسول وشرفي في بني هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت والسلام. فلما وصل هذا الكتاب إلى معاوية كتب [إليه]: أما بعد فاتق الله يا علي ودع الحسن فإنه طال ما لم ينتفع به أهله ولا تفسد سابقة قديمك بشر من حديثك فإن الاعمال بخواتيمها ولا تلحدن بباطل في حق من لا حق لك في حقه فإنك إن تفعل ذلك لا تضلل إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك ولعمري إن ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقيقة أن تردك وتردعك عما اجترأت عليه من سفك الدماء وإجلاء أهل الحق عن الحل والحرام فاقرأ سورة الفلق وتعوذ بالله من شر ما خلق ومن شر نفسك الحاسد إذا حسد قفل الله بقلبك وأخذ بناصيتك وعجل توفيقك فإني أسعد الناس بذلك والسلام. فكتب عليه السلام: أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ورسالة محبرة نمفتها بضلالك وأمضيتها بسوء رأيك وكتاب ليس ببعيد الشبه منك حملك على الوثوب على ما ليس لك فيه حق ولولا علمي بك وما قد سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك مما لا مرد له دون إنفاذه إذا لوعظتك ولكن عظتي لا تنفع من حقت عليه كلمة العذاب ولم يخف العقاب ولا يرجو لله وقارا ولم يخف له حذارا فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة تجد الله في ذلك بالمرصاد من دنياك المنقطعة وتمنيك الاباطيل وقد علمت ما قال النبي صلى الله عليه وآله فيك وفي أمك وأبيك والسلام (1). بيان: أقول: قد روى السيد رضي الله عنه في النهج بعض الكتابين


(1) رواه ابن ميثم رحمه الله في شرحه على المختار: (7) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج البلاغة: ج 4 ص 356 ط الحديث بطهران. وليلاحظ المختار: (45 و 99) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 94 و 266 ط 1.

[80]

الذين أوردهما ابن ميثم وخلطهما (1). قوله عليه السلام: " فهجر " أي هذى. واللغط بالتحريك: الصوت والجلبة ذكره الجوهري وقال: خبط البعير فهو خابط إذا مشى ضالا فخبط بيديه كل ما يلقاه ولا يتوقى شيئا. وخبطه: ضربه باليد ومنه قيل: خبط عشواء أي الناقة التي في بصرها ضعف. قوله عليه السلام: " طاعن " قال ابن ميثم: أي في صحتها فهو طاعن في دين الله فيجب قتاله حتى يرجع إليها. ورويت في الامر: نظرت فيه وفكرت أي الشاك فيها مداهن. والمداهنة: نوع من النفاق. قوله عليه السلام: " موصلة " قال ابن أبي الحديد أي مجموعة الالفاظ من هاهنا وهاهنا وذلك عيب في الكتابة والخطابة وقال: حبرت الشئ تحبيرا: حسنته وزينته أي المزينة الالفاظ يشير عليه السلام إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلف والتصنع. وقال الجوهري: نمق الكتاب ينمقه بالضم أي كتبه ونمقه تنميقا: زينه بالكتابة. وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج (2): كتب معاوية في أثناء حرب صفين إلى أمير المؤمنين عليه السلام من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب: أما بعد فإن الله تعالى يقول في محكم كتابه: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * [65 / الزمر: 39] وإني أحذرك الله أن تحبط عملك وسابقتك بشق عصا هذه الامة وتفريق جماعتها فاتق الله واذكر موقف القيامة واقلع عما أسرفت فيه من


(1) قدر روى السيد الرضي قريبا مما رواه عنه ابن ميثم ثانيا، في المختار: (7) من الباب الثاني من نهج البلاغة. (2) في شرح المختار 7 من باب الكتب، ج 14، ص 42، ط مصر، قال: وهذا الكتاب كتبه علي عليه السلام جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفين بل في أواخرها.

[81]

الخوض في دماء المسلمين وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين لاكبهم الله على مناخرهم في النار فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين وسادات المهاجرين بله ما طحنت رحا حربه من أهل القرآن وذوي العبادة والايمان من شيخ كبير وشاب غرير كلهم بالله تعالى مؤمن وله مخلص وبرسوله مقر عارف فإن كنت أبا حسن إنما تحارب على الامرة والخلافة فلعمري لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين ولكنها لم تصح لك وأنى بصحتها وأهل الشام لم يدخلوا فيها ولم يرتضوا بها فخف الله وسطواته واتق بأس الله ونكاله واغمد سيفك عن الناس فقد والله أكلتهم الحرب فلم يبق منهم إلا كالثمد في قرارة الغدير والله المستعان. فكتب علي عليه السلام إليه جوابا عن كتابه: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ورسالة محبرة نمقتها بضلالك وأمضيتها بسوء رأيك وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا وضل خابطا. فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها وأستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالاثم. وأما تحذيرك إياي أن يحيط عملي وسابقتي في الاسلام فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك ولكني وجدت الله تعالى يقول: * (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * [9 / الحجرات: 49] فنظرنا إلى الفئتين [فأما الفئة] الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها لان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة وأنت أمير لعمر على الشام وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر بالمدينة وهو أمير لابي بكر على الشام. وأما شق عصا هذه الامة فأنا أحق أن أنهاك عنه.

[82]

فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني بقتالهم وقتلهم وقال لاصحابه: " إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " وأشار إلي وأنا أولى من اتبع أمره (1) وأما قولك: إن بيعتي لم تصح لان أهل الشام لم يدخلوا فيها فإنما هي بيعة واحدة تلزم الحاضر والغائب لا يستثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار [و] الخارج منها طاعن والمروي فيها مداهن فاربع على ظلعك وانزع سربال غيك واترك ما لا جدوى له عليك فإنه ليس لك عندي إلا السيف حتى تفئ إلى أمر الله صاغرا وتدخل في البيعة راغما والسلام. بيان: قال الجوهري: بله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف ومعناها دع. ويقال: معناها: سوى وفي الحديث: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتهم عليه ". 398 - وقال ابن ميثم: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية: [أما بعد] فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي وتستقبح مواربتي وتزعمني متجبرا وعن حق الله مقصرا فسبحان الله كيف تستجيز الغيبة وتستحسن العضيهة إني لم أشاغب إلا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم أتجبر إلا على باغ مارق أو ملحد منافق ولم آخذ في ذلك إلا بقول الله سبحانه: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم) *. [22 / المجادلة]. وأما التقصير في حق الله فمعاذ الله وإنما المقصر في حق الله جل ثناؤه من


(1) والحديث متواتر معنى أو مستفيض مقطوع الصدور وقد رواه جمع كثير من حفاظ أهل السنة منهم النسائي في الحديث 154 من كتاب خصائص علي عليه السلام بتحقيقنا وقد علقناه عليه عن مصادر كثيرة. ورواه ابن عساكر بأسانيد جمة تحت الرقم 1178 وتواليه من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ج 3، ص 163، ط 2 من تحقيقنا. 398 - ذكره كمال الدين ابن ميثم رحمه الله في شرحه على المختار: (30) من باب كتب نهج البلاغة: ج 4 ص 448 ط 3.

[83]

عطل الحقوق المؤكدة وركن إلى الاهواء المبتدعة وأخلد إلى الضلالة المحيرة. ومن العجب أن تصف يا معاوية الاحسان وتخالف البرهان وتنكث الوثائق التي هي لله عزوجل طلبة وعلى عباده حجة مع نبذ الاسلام وتضييع الاحكام وطمس الاعلام والجري في الهوى والتهوس في الردى فاتق الله فيما لديك وانظر في حقه عليك وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته فإن للطاعة أعلاما واضحة وسبلا نيرة ومحجة نهجة وغاية مطلبة يردها الاكياس وتخالفها الانكاس من نكب عنها جار عن الحق وخبط في التيه وغير الله نعمته وأحل به نقمته فنفسك نفسك فقد بين الله لك سبيلك وحيث تناهت بك أمورك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر وإن نفسك قد أوحلتك شرا وأقحمتك غيا وأوردتك المهالك وأوعرت عليه المسالك. ومن ذلك الكتاب: وإن للناس جماعة يد الله عليها وغضب الله على من خالفها فنفسك نفسك قبل حلول رمسك فإنك إلى الله راجع وإلى حشره مهطع وسيهظك كربه ويحل بك غمه في يوم لا يغني النادم ندمه ولا يقبل من المعتذر عذره يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون. 399 - نهج: فاتق الله فيما لديك إلى قوله: " وأوعرت عليك المسالك ". توضيح: قال الفيروز آبادي: الشغب: تهييج الشر كالتشغيب وشغبهم وبهم وعليهم كمنع وفرح: هيج الشر عليهم. وشاغبه: شاره. وقال: المواربة: المداهاة والمخاتلة. وفي أكثر النسخ: " موازرتي " أي موازرتي عليك. والعضيهة: الافك والبهتان. وركن إليه كعلم: مال. وأخلدت إلى فلان أي ركنت إليه وأخلد بالمكان: أقام. والطمس: إخفاء الاثر. وقال الجوهري: الهوس: الطوفان بالليل والهوس: شدة الاكل. والهوس: السوق اللين يقال: هست. الابل فهاست أي ترعى وتسير. والهوس


399 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (30) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[84]

بالتحريك: طرف من الجنون. قوله عليه السلام: " فيما لديك " أي من مال المسلمين وفيئهم أو في نعمة عليك. ومعرفة مالا يعذر بجهالته معرفة الامام وطاعته. والاعلام: الائمة أو الادلة والنهج: الطريق الواضح. " والمطلبة " النسخ المصححة متفقة على تشديد الطاء قال الجوهري: طلبت الشئ طلبا وكذا اطلبته على افتعلته والتطلب: الطلب مرة بعد أخرى انتهى والمعنى غاية من شأنها أن تطلب ويطلبها العقلاء. ويكشف عنه قوله عليه السلام " يردها الاكياس ". وقرأ ابن أبي الحديد بتخفيف الطاء وقال: أي مساعفة لطالبها يقال: طلب فلان مني كذا فاطلبته أي أسعفته به. والانكاس جمع نكس بالكسر وهو الرجل الضعيف ذكره الجوهري والجزري. وقال ابن أبي الحديد وابن ميثم: الدنى من الرجال. ونكب عن الطريق: عدل. والخبط: المشي على غير استقامة. قوله عليه السلام: " تناهت بك " يقال: تناهى أي بلغ والباء للتعدية أي بين الله لك سبيلك وغايتك التي توصلك إليها أعمالك أو المعنى قف حيث تناهت بك أمورك كقولهم: حيث أنت، وقولهم: مكانك فلا يكون معطوفا ولا متصلا بقوله: فقد بين الله لك سبيلك. قوله عليه السلام: " فقد أجريت " هو من إجراء الخيل للمسابقة. وقال في الصحاح: وحل الرجل وقع في الوحل وأوحله غيره. والاقتحام: الدخول في الامر بشدة ويقال: جبل وعر ومطلب وعر أي صعب حزن. والرمس بالفتح: القبر. والمهطع: المسرع. وبهظه الامر: أثقله. 400 - وروى ابن أبي الحديد وابن ميثم أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى


400 - رواه ابن أبي الحديد وابن ميثم في شرحيهما على المختار: (32) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. (*)

[85]

معاوية بن أبي سفيان: أما بعد فإن الدنيا دار تجارة ربحها أو خسرها الآخرة فالسعيد من كانت بضاعته فيها الاعمال الصالحة ومن رأى الدنيا بعينها وقدرها بقدرها وإني لاعظك مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مرد له دون نفاذه ولكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الامانة وأن ينصحوا الغوي والرشيد فاتق الله ولا تكن ممن لا يرجو لله وقارا ومن حقت عليه كلمة العذاب فإن الله بالمرصاد وإن دنياك ستدبر عنك وستعود حسرة عليك فانتبه من الغي والضلال على كبر سنك وفناء عمرك فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر وقد أرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيك وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات فجاروا عن وجهتهم ونكصوا على أعقابهم وتولوا على أدبارهم وعولوا على أحسابهم إلا من فاء من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك وهربوا إلى الله من موازرتك إذ حملتهم على الصعب وعدلت بهم عن القصد فاتق الله يا معاوية في نفسك وجاذب الشيطان قيادك فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريب منك والسلام. 401 - قال ابن أبي الحديد قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: فكتب إليه معاوية: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد وقفت على كتابك وقد أبيت على الغي إلا تماديا (1) وإني لعالم أن الذي يدعوك إلى ذاك مصرعك الذي لابد لك منه وإن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك فطال ما خف عقلك ومنيت نفسك ما ليس لك والتويت على من هو خير منك ثم كانت العافية لغيرك واحتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك والسلام. 401 - رواه ابن أبي الحديد - مع التوالي - في شرحه على المختار: (32) من باب كتب نهج البلاغة: ج 16، ص 133، ط الحديث بمصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 768. (1) هذا هو الظاهر من السياق وفي شرح نهج البلاغة ط مصر: على الفتن. وفي ط الكمباني: على الغبن.

[86]

قال: فكتب علي عليه السلام إليه: أما بعد فإن ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك وقومك الذين حملهم الكفر وتمني الاباطيل على حسد محمد صلى الله عليه وآله حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت لم يمنعوا حريما ولم يدفعوا عظيما وأنا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم والفال لحدهم والقاتل لرؤسهم ورؤوس الضلالة والمتبع إنشاء الله خلفهم بسلفهم فبئس الخلف خلف اتبع سلفا ومحله محطه النار والسلام. فكتب إليه معاوية: أما بعد فقد طال في الغي ما استمررت أدراجك كما طال ما تمادى عن الحرب نكوصك وإبطاؤك تتوعد وعيد الاسد وتروغ روغان الثعلب فحتام تحيد عن اللقاء ومباشرة الليوث الضارية والافاعي المقاتلة فلا تستبعدنها فكل ما هو آت قريب إنشاء الله والسلام. قال: فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك، وما أعلمني بما أنت صائر إليه، وليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذب وأنا له مصدق وكأني بك غدا تضج من الحرب ضجيج الجمال من الاثقال وستدعوني أنت وأصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم وتجحدونه بقلوبكم والسلام. قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد فدعني من أساطيرك واكفف عني من أحاديث واقصر عن تقولك على رسول الله وافترائك من الكذب ما لم يقل وغرور من معك والخداع لهم فقد استغويتهم ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك ويعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل والسلام. قال فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فطال ما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الاولين ونبذتموه وراء ظهوركم وجهدتم في إطفاء نور الله بأيديكم وأفواهكم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

[87]

ولعمري ليتمن النور على كرهك ولينفذن العلم بصغارك ولتجازين بعملك فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنك بأجلك قد انقضى وعملك قد هوى ثم تصير إلى لظى لم يظلمك الله شيئا وما ربك بظلام للعبيد. قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد، فما أعظم الرين على قلبك والغطاء على بصرك الشر من شيمتك. إلى آخر ما مر برواية أخرى. قال: فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فإن مساويك مع علم الله فيك حالت بينك وبين أن يصلح أمرك أو أن يرعوي قلبك يا ابن الصخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك ويفصل بين أهل الشك علمك وأنت الجلف المنافق الاغلف القلب القليل العقل الجبان الرذل فإن كنت صادقا فيما تسطر ويعينك عليه أخو بني سهم فدع الناس جانبا وابرز لما دعوتني إليه من الحرب والصبر على الضرب واعف الفريقين من القتال لتعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن: قاتل جدك وأخيك وخالك وما أنت منهم ببيعد والسلام. إيضاح: أقول: روى السيد رضى الله عنه في النهج الكتاب الاول من قوله عليه السلام وأرديت جيلا إلى آخر هذا الكتاب (1). قوله عليه السلام: " ومن رأى " عطف على " من كانت " أي السعيد من يريد الدنيا بعينها أي يعرفها بحقيقتها أو يراها بالعين التي بها تعرف وهي عين البصيرة ويعلم ما هي عليه من التغير والزوال وأنها خلقت لغيرها ليقدرها بمقدارها ويجعلها في نظره لما خلقت له. قوله عليه السلام: " ممن لا يرجو لله وقارا " أي لا يتوقع لله عظمة فيعبده


(1) أي الكتاب الاول الذي مر هاهنا تحت الرقم: (400) الذي رواه المصنف عن ابن أبي الحديد وابن ميثم رواه الرضي تحت الرقم: (32) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[88]

ويطيعه والوقار الاسم من التوقير وهو التعظيم. وقيل الرجاء ها هنا بمعنى الخوف. والمهيل: المتداعي في التمزق ومنه رمل مهيل أي ينهال ويسيل. وارديت أي أهلكت. والجيل: الصنف وروي بالباء الموحدة وهو الخلق. وتغشاهم أي تأتيهم وتحيط بهم. وحاروا: عدلوا وتحيروا. ونكصوا أي رجعوا. وعولوا على أحسابهم أي اعتمدوا على نخوة الجاهلية وتعصبهم ورجعوا عن الدين. إلا من فاء أي رجع. والموازرة: المعاونة. والصعب مقابلة الذلول كناية عن الباطل لاقتحامه بصاحبه في المهالك والقياد بالكسر: حبل يقاد به الدابة. ووائل منه على فاعل طلب النجاة ذكره الجوهري وقال: صليت اللحم وغيره أصليه صليا إذا شويته ويقال: أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها وصلى فلان النار بالكسر: احترق وصلى بالامر: قاسى حره وشدته. وقال: فللت الجيش: هزمته. ويقال: فله فانفل أي كسره فانكسر. قوله عليه السلام: " ومحله محطه " الضمير الاول راجع إلى الخلف والثاني إلى السلف والنار بدل أو عطف بيان ل‍ [قوله] " محطه " ولعل الاصوب محله ومحطه فالضميران للسلف. ودرج الرجل: مشى وأدرجت الكتاب: طويته. وقولهم: خل درج الضب أي طريقه والجمع الادراج. وراغ: مال. قوله عليه السلام: " لما أنت به مكذب " أي ما أخبرني به النبي صلى الله عليه وآله من وقت الحرب وشرائطه أو إتمام الحجة واتباع أمره تعالى في ذلك ونزول الملائكة للنصرة وبكل ذلك كان لعنه الله مكذبا. قوله عليه السلام: " فعث " من عاث يعيث إذا أفسد وفي بعض النسخ " فعش ". أقول: قال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الكتب: قلت وأعجب وأطرف ما جاء به الدهر. وإن كانت عجائبه وبدائعه جمة - أن يفضي الامر بعلي عليه السلام إلى أن يصير معاوية ندا له ونظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب والجواب ويتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه ولا يقول له علي عليه السلام كلمة إلا قال له مثلها وأخشن منها فليت محمدا صلى الله عليه وآله كان

[89]

مشاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أن الدعوة التي قام بها وقاسى أعظم المشاق في تحملها وكابد الاهوال في الذب عنها وضرب بالسيوف عليها لما مهد دولتها وشيد أركانها وملا الآفاق بها خلصت صفوا عفوا لاعدائه الذين كذبوه لما دعا إليها وأخرجوه عن أوطانه لما حض عليها وأدموا وجهه وقتلوا عمه وأهله فكأنه كان يسعى لهم ويدأب لراحتهم كما قال أبو سفيان في أيام عثمان وقد مر بقبر حمزة فضربه برجله وقال: " يا با عمارة إن الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به " ثم آل الامر إلى أن يفاخر معاوية عليا كما يتفاخر الاكفاء والنظراء (1). 402 - وقال في موضع آخر (2) كتب معاوية إليه عليه السلام من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإنا بني عبد مناف لم نزل ننزغ من قليب واحد ونجري في حلبة واحدة وليس لبعضنا على بعض فضل ولا لقائمنا على قاعدنا فخر كلمتنا مؤتلفة وألفتنا جامعة ودارنا واحدة ويجمعنا كرم العرق ويحوينا شرف الفخار ويحنو قوينا على ضعيفنا ويواسى غنينا فقيرنا قد خلصت قلوبنا من دغل الحسد وطهرت أنفسنا من خبث السجية فلم نزل كذلك حتى كان منك من الادهان في أمر ابن عمك والحسد له وتضريب الناس عليه حتى قتل بمشهد منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد فليتك أظهرت نصره حيث أشهرت ختره فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر وإن ضعف والمتبري من دمه بدفع وإن وهن ولكنك جلست في دارك تدس إليه الدواهي وترسل عليه الافاعي حتى إذا قضيت وطرك منه أظهرت شماتة وأبديت طلاقة وحسرت


(1) وقد ذكر ابن أبي الحديد بعده أبياتا حسنة يعجبني أن أذكر منها وهي: إذا عير الطائي بالبخل مادر * وقرع قسا بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس: أنت خفية * وقال الدجى: يا صبح لونك حائل وفاخرت الارض السماء سفاهة * وكاثرت الشهب الحصا والجنادل فيا موت زر إن الحياة ذميمة * ويا نفس جدي إن دهرك هازل (2) ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار (64) من باب كتب نهج البلاغة: ج 5 ص 178، ط الحديث ببيروت.

[90]

للامر عن ساعدك وشمرت عن ساقك ودعوت إلى نفسك وأكرهت أعيان المسلمين على بيعتك. ثم كان منك بعدما كان من قتلك شيخي المسلمين أبي محمد طلحة وأبي عبد الله الزبير وهما من الموعودين بالجنة والمبشر قاتل أحدهما بنار الآخرة هذا إلى تشريدك بأم المؤمنين عائشة وإحلالها محل الهوان مبتذلة بن أيدي الاعراب وفسقة أهل الكوفة فمن بين منتهر لها وبين شامت بها وبين ساخر منها. أترى ابن عمك كان بهذا - لوراه - راضيا أم كان يكون عليك ساخطا ولك عنه زاجرا أن تؤذي في أهله وتشرد بحليلته وتسفك دماء أهل ملته. ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله عنها " إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد " فلعمري لقد صح وعده وصدق قوله ولقد نفت خبثها وطردت منها من ليس بأهل أن يستوطنها فأقمت بين المصرين وبعدت عن بركة الحرمين ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضا عن مجاورة قبر خاتم النبوة. ومن قبل ذلك ما عنيت خليفتي رسول الله صلى الله عليه وآله أيام حياتهما فقعدت عنهما والتويت عليهما وامتنعت من بيعتهما ورمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا ورقيت سلما وعرا وحاولت مقاما دحضا وادعيت ما لم تجد عليه ناصرا ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازددت إلا فسادا واضطرابا ولا أعقبت ولا يتكها إلا انتشارا وارتدادا لانك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه المستطيل على الناس بلسانه ويده وها أنا السائر إليك في جمع من المهاجرين والانصار تحفهم سيوف شامية ورماح قحطانية حتى يحاكموك إلى الله فانظر لنفسك والمسلمين وادفع إلي قتلة عثمان فإنهم خاصتك وخلصاؤك والمحدقون بك فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللجاج الاصرار على الغي والضلال فاعلم أن هذه الآية نزلت فيك وفي أهل العراق معك " ضرب الله مثلا كانت قرية مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ". فأجاب على عليه السلام كتابه بما رواه السيد رضي الله عنه في النهج

[91]

والطبرسي رحمه الله في الاحتجاج (1) واللفظ للسيد قال: [و] من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا عن كتاب منه: أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم واليوم أنا استقمنا وفتنتم وما أسلم مسلمكم إلا كرها وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول صلى الله عليه وآله حزبا. وذكرت أني قتلت طلحة والزبير وشردت بعائشة ونزلت بين المصرين وذلك أمر غبت عنه فلا الجناية عليك ولا العذر فيه إليك. وذكرت أنك زائري في المهاجرين والانصار وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك فإن كان فيك عجل فاسترفه فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثني للنقمة منك وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد: مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وجلمرد وعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد وإنك والله ما علمت الاغلف القلب المقارب العقل والاولى أن يقال لك: إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك لانك نشدت غير ضالتك ورعيت غير سائمتك وطلبت أمرا لست من أهله ولا في معدنه فما أبعد قولك من فعلك وقريب ما أشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمنى الباطل على الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله فصرعوا مصارعهم حيث علمت لم يدفعوا عظيما ولم يمنعوا حريما بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ولم تماشها الهوينا. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله وأما تلك التي تريد فإنها خدعة الصبي عن


(1) رواه السيد رفع الله مقامه في المختار: (64) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة. ورواه الطبرسي قدس سره في الكتاب الثاني مما أورده في عنوان: " احتجاج علي عليه السلام على معاوية... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 179، ط بيروت.

[92]

اللبن في أول الفصال والسلام [لاهله]. تبيين: [قوله عليه السلام]: كنا نحن وأنتم أي قبل البعثة " انا استقمنا " أي على منهاج الحق " وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله حزبا " في أكثر النسخ بالزاء بعد الحاء المهملة المكسورة وفي بعضها بالراء المهملة بعد الحاء المفتوحة وكذلك كان في نسخة ابن أبي الحديد قال أي بعد أن كان أنف الاسلام محاربا لرسول الله صلى الله عليه وآله. وأنف كل شئ أوله وكان أبو سفيان وأهله من بني عبد شمس من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله في أول الهجرة إلى فتح مكة انتهى. والاظهر ما في أكثر النسخ كما كان في نسخة ابن ميثم قال: أي بعد أن اشتد الاسلام وصار للرسول صلى الله عليه وآله حزب قوى من الاشراف واستعار لفظ الانف لهم باعتبار كونهم أعزاء أهله انتهى. أو باعتبار أنهم مقدمون على غيرهم فإنهم السابقون الاولون من المهاجرين والانصار فيكون هذا الكلام كالدليل على كون إسلامهم عن كره وإجبار. فلا عليك في الاحتجاج فلا الجناية عليك وهو أظهر. وقال ابن أبي الحديد أجمل عليه السلام في الجواب والجواب المفصل أن طلحة والزبير قتلا أنفسهما ببيعتهما ونكثهما ولو استقاما على الطريقة لسلما ومن قتله الحق فدمه هدر. وأما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة والكلام في سلامتها. وأما قوله: بشر قاتل ابن صفية بالنار فقد اختلف فيه فقال قوم من علماء الحديث وأرباب السيرة هو كلام علي غير مرفوع. وقوم منهم جعلوه مرفوعا وعلى كل حال فهو حق لان ابن جرموز قتله موليا خارجا من الصف وقاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار. وأما عائشة فأي ذنب لامير المؤمنين عليه السلام ي ذلك ولو أقامت في

[93]

منزلها لم تبتذل بين الاعراب وأهل الكوفة. على أن عليا عليه السلام أكرمها وصانها وعظم من شأنها ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به ثم ظفر بها لقتلها ومزقها إربا إربا ولكن عليا عليه السلام كان حليما كريما. وأما قوله: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخر فلعلي عليه السلام أن يقلب الكلام عليه ويقول: أفتراه لو عاش أكان رضي لحليلته أن تؤذي أخاه ووصيه. وأيضا أتراه لو عاش أكان رضي لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليا الخلافة وتفرق جماعة هذه الامة. وأيضا أتراه لو عاش أكان رضي لطلحة والزبير أن يبايعا ثم ينكثا لا بسبب بل قالوا: جئنا نطلب الدراهم فقد قيل لنا إن بالبصرة مالا كثيرا. فأما قوله: " ثم تركك دار الهجرة " فلا عيب عليه إذا انتقضت عليه أطراف الاسلام بالبغي والفساد أن يخرج من المدينة إليها ويهذب أهلها وليس كل من خرج من المدينة كان خبيثا فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام. ثم لعلي عليه السلام أن يقول: وأنت يا معاوية قد نفتك المدينة أيضا فأنت إذا خبيث وكذلك طلحة والزبير وعائشة الذين تتعصب لهم وتحتج على الناس بهم. وقد خرج عن المدينة الصالحون كابن مسعود وأبي ذر وغيرهما وماتوا في بلاد نائية عنها. وأما قوله بعدت عن بركة الحرمين فكلام إقناعي ضعيف والواجب على الامام أن يقدم الاهم فالاهم من مصالح الاسلام وتقديم قتال أهل البغي على المقام في الحرمين أولى. وأما ما ذكره من خذلان عثمان وشماتته به وإكراه الناس على البيعة فكله

[94]

دعوى والامر بخلافها. وأما قوله: " التويت على أبي بكر وعمرو وقعدت عنهما وحاولت الخلافة " فإن عليا عليه السلام لم يكن يجحد ذلك ولا ينكره ولا ريب أنه [كان] يدعي الامر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله لنفسه على الجملة إما للنص كما تقوله الشيعة أو لامر آخر كما يقوله أصحابنا. فأما قوله: " لو وليتها حينئذ لفسد الامر واضطراب الاسلام " فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله ولعله لو وليها حينئذ. لاستقام الامر فإنه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لان أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافة وتقديم غيره عليه فصغر شأنه في النفوس وقرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلوح ولو كان وليها ابتداء وهو على تلك الجلالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وتلك المنزلة الرفيعة والاختصاص الذي كان له لكان الامر غير الذي رأيناه. وأما قوله: " لانك الشامخ... " (1) فقد أسرف في وصفه بما وصفه به ولا شك أنه عليه السلام كان عنده زهو ولكن لا هكذا وكان عليه السلام مع زهوه ألطف الناس خلقا انتهى كلامه. وأقول على أصولنا لا يستحق الملعون الجواب بما قد ظهر من كفره ونفاقه من كل باب وهو عليه السلام كان أعلم بما يأتي به من الحق والصواب ولا ريب أن الحق يؤب معه حيث آب. قوله: " وقد انقطعت الهجرة " قال ابن ميثم لما أوهم كلامه أنه من المهاجرين أكذبه بقوله: " وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أبوك " أي حين الفتح وذلك إن معاوية وأباه وجماعة من أهله إنما أظهروا الاسلام بعد الفتح وقد قال صلى الله عليه وآله: لا هجرة بعد الفتح. وسمي عليه السلام أخذ العباس لابي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله [غير مختار] وعرضه على القتل أسرا. وروي " يوم أسر أخوك " وقد كان أسر أخوه عمرو بن أبي سفيان يوم


(1) هذا هو الصواب المذكور في شرح ابن أبي الحديد. وفي ط الكمباني من البحار: لافك التابة.

[95]

بدر فعلى هذه الرواية يكون الكلام في معرض التذكرة له بأن من شأنه وشأن أهله أن يوسروا ولا يسلموا فيكف يدعون مع ذلك الهجرة فإن الهجرة بهذا الاعتبار منقطعة عنهم ولا يكون " يوم أسر " ظرفا لانقطاع الهجرة لان الهجرة إنما انقطعت بعد الفتح انتهى ولا يخفى ما فيه من التكلف والبعد. وقال ابن أبي الحديد: " يوم أسر أخوك " يعني يزيد بن أبي سفيان أسر يوم الفتح في باب الخندمة وكان خرج في نفر من قريش يحاربون ويمنعون من دخول مكة فقتل منهم قوم وأسر يزيد بن أبي سفيان أسره خالد بن الوليد فخلصه أبو سفيان منه وأدخله داره فأمن لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قوله: " فاسترفه " أي اطلب الرفاهية على نفسك في ذلك فإنك إنما تستعجل إلى ما يضرك أو لا ترهق نفسك بالعجل فإني أزورك إن لم تزرني فكما قال أخو بني أسد. قال ابن أبي الحديد: كنت أسمع قديما أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الاسدي والآن فقد تصفحت شعره. فلم أجده ولا وقفت بعد على قائله. " وريح حاصب " تحمل الحصباء وهي صغار الحصا وإذا كانت بين أغوار وهي ما سفل من الارض وكانت مع ذاك ريح صيف كانت أعظم مشقة وأشد ضرارا على من تلاقيه. [فأما قوله]: " وجلمود " يمكن أن يكون عطفا على حاصب وأن يكون عطفا على " أغوار " أي بين أغوار من الارض وحرة وذلك أشد لاذاها لما تكتسبه الحرة من لفح السموم ووهجها والوجه الاول أليق. انتهى. وقال الجوهري: الجلمد والجلمود: الصخر. وقال: أغضضته بسيفي أي ضربته به وعض الرجل بصاحبه يعض غضيضا أي لزمه. وقال ابن أبي الحديد: أعضضته أي جعلته معضوضا برؤوس أهلك به وأكثر ما يأتي أفعلت أن تجعله فاعلا. وهنا من المقلوب أي عضضت رؤوس أهلك به.

[96]

وقال ابن ميثم: [قوله: " عضضته " يروى بالضاد المعجمة] أي جعلته عاضا لهم وألزمته بهم ويروى " أغصصته " بالغين المعجمة والصادين المهملتين تقول: أغصصت [السيف] بفلان أي جعلته يغص به المضروب هو الذي يغص بالسيف أي لا يكاد يسيغه. وقد مر مرارا أن [مراده عليه السلام من قوله:] " الجد " [جد معاوية] عتبة بن ربيعة، والخال الوليد والاخ حنظلة قتلهم عليه السلام يوم بدر. قوله عليه السلام: " ما علمت " كلمة ما موصولة وهي بصلتها خبر " إن " والاغلف بيان للموصول. ويحتمل أن يكون المعنى ما دمت علمتك واطلعت عليك وجدتك كذلك. وقيل: " ما " مصدرية والاغلف القلب من لا بصيرة له كأن قلبه في غلاف " والمقارب العقل " في أكثر النسخ بصيغة الفاعل وكذا صححه الشارحان. وقال الجوهري: شئ مقارب بكسر الراء: بين الجيد والردئ ولا نقل مقارب بفتح الراء. وفي بعض النسخ المصححة بالفتح فيحتمل أن يكون بالمعنى المذكور أيضا. وقال في القاموس: شئ مقارب بكسر الراء: بين الجيد والردئ أو دين مقارب بالكسر ومتاع مقارب بالفتح انتهى. أو أريد به العقل الذي قاربه الشيطان ومسه أي أنت الذي تخبطه الشيطان من المس. قوله: " والاولى أن يقال لك " جواب لقوله: " ورقيت سلما " وفي القاموس: طلع الجبل: علاوه كطلع بالكسر " عليك لا لك " أي هذا المطلع أو الارتقاء وبال عليك غير نافع لك " ما أبعد قولك " أي دعواك أنك أمير المؤمنين وخليفة المسلمين من فعلك وهو الخروج باغيا على الامام المفترض الطاعة وشق عصا المسلمين مع ما ترتكبه من المنكرات والفسوق كلبس الحرير والمنسوج بالذهب وغير ذلك كما ذكره ابن أبي الحديد " وقريب ما أشبهت " ما مصدرية أي قريب شبهك بأعمامك وأخوالك من بني أمية

[97]

الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله " بوقع سيوف " متعلق بصرعوا و " ما خلا " صفة لسيوف و " الوغى " بالتحريك: الجلبة والاصوات ومنه قيل للحرب وغى لما فيها من الصوت والجلبة " ولم تماشها الهوينا " أي لم يلحق ضربنا ووقعها هون ولا سهولة ولم يجر معها وروي " ولم يتماسها " بالسين المهملة أي لم يخالطها شئ من ذلك " والهوينا " موصوفها محذوفة كالضربة والحالة ونحوها. وأما تلك التي تريد أي طلبك قتلة عثمان. 403 - وقال ابن ميثم وابن أبي الحديد: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فإن الدنيا حلوة خضرة ذات زينة وبهجة لم يصب إليها أحد إلا وشغلته بزينتها عما هو أنفع له منها وبالآخرة أمرنا وعليها حثثنا فدع يا معاوية ما يفنى واعمل لما يبقى واحذر الموت الذي إليه مصيرك والحساب الذي إليه عاقبتك واعلم أن الله إذا أراد بعبد خيرا حال بينه وبين ما يكره ووفقه لطاعته وإذا أراد بعبد شرا أغراه بالدنيا وأنساه الآخرة وبسط له أمله وعاقه عما فيه صلاحه. وقد وصلني كتابك فوجدتك ترمي غير غرضك وتنشد غير ضالتك وتخبط في عماية وتتيه في ضلالة وتعتصم بغير حجة وتلوذ بأضعف شبهة. فأما سؤالك إلي المتاركة والاقرار لك على الشام فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس. وأما قولك: إن عمر ولاكها. فقد عزل عمر من كان ولاه صاحبه وعزل عثمان من كان عمر ولاه ولم ينصب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الامة ما قد كان ظهر لمن كان قبله أو خفي عنهم غيه والامر يحدث بعد الامر ولكل


403 - روياه في شرح المختار: (37) من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحيهما.

[98]

وال رأي واجتهاد. فسبحان الله ما أشد لزومك للاهواء المبتدعة والحيرة المتبعة مع تضييع الحقائق وإطراح الوثائق التي هي لله طلبة وعلى عباده حجة. فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك وخذلته حيث كان النصر له والسلام. 404 - ج: من كتاب له عليه السلام " فسبحان الله " إلى قوله " والسلام ". بيان: الحقائق هي ما يحق للرجل أن يحميه كما يقال: حامي الحقيقة. وقيل: هي الامور التي ينبغي أن يعتقدها من خلافته عليه السلام ووجوب طاعته. ووثائق الله: عهوده المطلوبة له وهي على عباده حجة يوم القيامة. وقال ابن أبي الحديد (1): وأما قوله عليه السلام: " إنما نصرت عثمان " إلخ فقد روى البلاذري أنه لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده بعث يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبد الله أمير العراق وقال: إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل: الشاهد يرى مالا يرى الغائب فإني أنا الشاهد وأنت الغائب. قال: فأقام [القسري] ب‍ " ذي خشب " حتى قتل عثمان فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه وإنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.


404 - رواه الطبرسي رحمه الله في أواخر عنوان: " احتجاجه عليه السلام على معاوية في جواب كتبه إليه... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 180. والظاهر أنه سقط من نسخة الكباني من بحار الانوار لفظة " نهج " إذ من البعيد أنه خفي على المصنف كون الكلام مذكورا تحت الرقم: (37) من باب الكتب من نهج البلاغة. (1) ذكره في شرح المختار: (37) من نهج البلاغة من شرحه: ج 4 ص 785 ط الحديث ببيروت.

[99]

وكتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن عليه السلام كتابا يدعوه فيه إلى بيعته ويقول له فيه: ولعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا وأن يكون رأيا صوابا فإنك من الساعين عليه والخاذلين له والسافكين دمه وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ولا بيدك أمان. فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه: وأما قولك: إني من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه. فأقسم بالله لانت المتربص بعثمان والمحب لهلاكه والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت - حتى بعثت به معذرا بأخرة - وأنت تعلم أنهم لن يدركوه حتى يقتل فقتل كما كنت أردت ثم علمت بعد ذلك أن الناس - لن يعدلوا - بيننا وبينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه وتقول: قتل عثمان مظلوما فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين ثم لم تزل مصوبا ومصعدا وجاثما ورابضا تستغوي الجهال وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت " وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " (1). بيان: بعثت به أي بالجيش أو الصريخ " معذرا " بالتشديد وهو المقصر ومن يبدي عذرا وليس بمحق " بأخرة " أي بتأخير وتسويف أو آخرا حيث لا ينفع. قال الجوهري: بعته بأخره: بكسر الخاء وقصر الالف أي بنسئة وجاء فلان بأخرة بفتح الخاء أي أخيرا. وفي النهاية فيه: " فصعد في النظر وصوبه " أي نظر إلى أعلاي وأسفلي يتأملني انتهى. وجثم الطائر: تلبد بالارض. وربوض الغنم والكلب مثل بروك الابل وجثوم الطير فتارة شبهه بالطيور الخاطفة وتارة بالكلاب الضارية الصايدة. 405 - وقال ابن أبي الحديد: روى نصر بن مزاحم أنه كتب أمير المؤمنين


(1) اقتباس من الآية: (111) من سورة الانبياء. 405 - رواه ابن أبي الحديد تاما - وابن ميثم ناقصا - في شرح المختار: (10) من الباب

[100]

عليه السلام إلى معاوية: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على من اتبع الهدى فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك قد رأيت مرور الدنيا وانقضاءها وتصرمها وتصرفها بأهلها فيما مضى منها وخير ما اكتسبت [مما] بقي من الدنيا ما أصاب العباد الصالحون فيما مضى منها من التقوى ومن يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القديم ولا في الحديث ولا في البقية ولست تقول فيه بأمر بين يعرف له أثر ولا عليك منه شاهد ولست متعلقا بآية من كتاب الله ولا عهد من رسول الله فكيف أنت صانع إذا تقشعت عنك غيابة ما أنت فيه فيه من دنيا قد فتنت بزينتها وركنت إلى لذتها وخلا بينك وبين عدوك فيها عدو كلب مضل جاهد مليح ملح مع ما قد ثبت في نفسك من حبها، دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها فاقعس عن هذا الامر وخذ أهبة الحساب فإنه يوشك أن يقفك واقف على مالا يجنك به مجن. ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية أو ولاة لامر هذه الامة بلا قدم حسن ولا شرف تليد على قومكم فاستقيظ من سنتك وارجع إلى خالقك وشمر لما سينزل بك ولا تمكن عدوك الشيطان من بغيته فيك مع أني أعرف أن الله ورسوله صادقان - نعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء - وإن لا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك إنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق ولست من أئمة هذه الامة ولا من رعاتها. واعلم أن هذا الامر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدوناه ولامتنوا علينا به


الثاني من نهج البلاغة من شرحيهما: ج 4 ص 528 ط الحديث ببيروت، وفي شرح كمال الدين ابن ميثم: ج 4 ص 371. ورواه نصر بن مزاحم رحمه الله في أواسط الجزء الثاني من كتاب صفين ص 108، ط مصر. ورويناه عنه وعن مصدر آخر تحت الرقم: (91 - 92) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 246.

[101]

ولكنه قضاء ممن منحناه واختصنا به على لسان نبيه الصادق المصدق لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة. رب احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال نصر: فكتب إليه معاوية بالجواب: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فدع الحسد فإنك طال ما لم تنتفع به. إلى آخر ما مر برواية ابن ميثم [رحمه الله]. أقول: وجدت في كتاب صفين لنصر مثله. (1) وروى ابن ميثم رحمة الله كتابه عليه السلام نحوا مما مر. (2) 406 - وذكر السيد [الرضي] رضي الله عنه في النهج بعضه فلنذكره للاختلاف الكثير بينهما، قال: ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا: وكيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها وخدعت بلذتها دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها وإنه يوشك أن يقفك واقف على مالا ينجيك منه مجن. فاقعس عن هذا الامر وخذ أهبة الحساب وشمر لما قد نزل بك ولا تمكن الغواة من سمعك وإن لا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله وجرى منك مجرى الروح والدم. ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الامة بغير قدم سابق ولا شرف باسق ونعوذ بالله من لوازم سابق الشقاء وأحذرك أن تكون متماديا في غرة الامنية مختلف العلانية والسريرة. وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا واخرج إلي واعف الفريقين عن القتال لتعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره فأنا أبو الحسن قاتل جدك


(1) تقدم أن نصر بن مزاحم رحمه الله رواه في أواسط الجزء الثاني من كتاب صفين ص 108، ط مصر. (2) تقدم أن كمال الدين ابن ميثم رواه في شرح المختار: (10) من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحه: ج 4 ص 371. 406 - رواه السيد رحمه الله في المختار: (10) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[102]

وخالك وأخيك شدخا يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوي ما استبدلت دينا ولا استحدثت نبيا وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين. وزعمت أنك جئت ثائرا بعثمان ولقد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالبا. فكأني قد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالاثقال وكأني بجماعتك تدعوني جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع إلى كتاب الله وهي كافرة جاحدة أو مبايعة حائدة. بيان: وإني أحمد إليك الله أي أحمد الله منهيا إليك قال في النهاية: في كتابه عليه الصلاة والسلام: أما بعد فإني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع. وقيل: معناه: أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها. وقال الجوهري: قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع وتقشع وأقشع أيضا. وفي القاموس: غيابة كل شئ سترك منه ومنه: غيابات الجب وغيبان الشجر. والجلابيب جمع جلباب وهي الملحفة في الاصل فاستعير لغيرها من الثياب. [قوله عليه السلام:] قد تبهجت أي صار ذات بهجة وحسن أو تكلفت البهجة. وقال الجوهري: ألاح بسيفه: لمع به. وألاحه: أهلكه. [قوله]: " أن يقفك واقف " " وقف " جاء لازما ومتعديا واستعمل هنا متعديا ويقال: أيضا: وقفه على ذنبه أي أطلعه عليه والواقف هو الرب تعالى عند الحساب أو هو عليه السلام في الدنيا أو عند مخاصمة القيامة. وقيل أي الموت. و " المجن " بكسر الميم وفتح الجيم: الترس. والتليد: القديم. وقعس عن الامر: تأخر عنه. والاهبة بالضم: الاستعداد لما قد نزل بك أي الابتلاء بسوء العاقبة أو الحرب أو الموت أو القتل وما بعده تنزيلا لما لابد من وقوعه منزلة الواقع. وتقول: أغفلت الشئ إذا

[103]

تركته على ذكر منك وتغافلت عنه ومفعول أغفلت ضمير " ما " " ومن نفسك " بيان ذلك الضمير وتفسير له. كذا ذكره ابن ميثم. وقيل: الظرف متعلق الاغفال على تضمين معنى الصرف والابعاد. والاظهر عندي أن " من " للتبعيض وهو حال عن الضمير أي من صفات نفسك وأحوالها. وأترفته النعمة: أطغته. قوله عليه السلام: " مأخذه " أي تناولك تناوله الكامل المعروف أو أخذ منك الموضع الذي يمكنه وينفعه أخذه ويروى بالجمع. و [قال الفيروز آبادي] في [مادة " سوس " من كتاب] القاموس سست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها. وسابق الشقاء ما سبق في القضاء. والتمادي تفاعل من المدى وهو الغاية. والغرة: الغفلة. والامنية: طمع النفس. وقال الجوهري: الرين: الطبع والدنس يقال: ران على قلبه ذنبه: غلب. والشدخ: كسر الشئ الاجوف. قوله عليه السلام: ولقد علمت حيث وقع أي إن كنت تطلب ثأرك عند من أجلب وحاصر فالذي فعل ذلك طلحة والزبير فاطلب ثأرك من بني تيم وبني أسد بن عبد العزى وإن كنت تطلبه ممن خذل فاطلبه من نفسك فإنك خذلته وكنت قادرا على أن تمده بالرجال فخذلته وقعدت عنه بعد أن استغاث بك. كذا ذكره ابن أبي الحديد. والضجيج: الصياح عند المكروه والمشقة والجزع أي كأني شاهد لجزعك من الحرب إذا عضنك الحرب. وأصل العض: اللزوم، ومنه العض بالاسنان أي إذا لزمتك واثرت فيك شدتها تضج كما يضج الجمل بثقل حمله " ومصارع بعد مصارع " أي من سقوط على الارض بعد سقوط " وهي كافرة " أي جماعتك والكافرة الجاحدة أصحابه الذين لم يبايعوا. والمبايعة الحائدة هم الذين بايعوه ثم عدلوا إليه من [قولهم]: حاد

[104]

عن الشئ إذا عدل ومال. وهذا من إخباره عليه السلام بالغايبات وهو من المعجزات الباهرات. 407 - وقال ابن ميثم رحمه الله: روي أن معاوية استشار بعمرو بن العاص في أن يكتب إلى علي عليه السلام كتابا يسأله فيه لصلح فضحك عمرو وقال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي قال: ألسنا بني عبد مناف ؟ قال: بلى ولكن لهم النبوة دونك وإن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إليه مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة: أما بعد فإني أظنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا لم يجنها بعضنا على بعض وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ونصلح ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني لك طاعة ولا بيعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا أخاف من القتل إلا ما تخاف وقد والله رقت الاجناد - وذهبت الرجال وأكلت الحرب العرب إلا حشاشات أنفس بقيت وإنا في الحرب والرجال سواء ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ولا يسترق به حر والسلام. فلما قرأ علي عليه السلام كتابه تعجب منه ومن كتابه ثم دعا عبيدالله بن أبي رافع كاتبه وقال له: اكتب إليه: أما بعد - فقد جاءني - كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد وإني لو قتلت في ذات الله وحييت. ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله والجهاد لاعداء الله.


407 - رواه كمال الدين ابن ميثم وابن أبي الحديد في شرح المختار: (17) من نهج البلاغه من شرحيهما: ج 4 ص 389 و 556 ط بيروت. وقد تقدم عن المصنف العلامة في أواخر الباب: (12) ص 520 من طبع الكمباني نقل الكتاب عن مصدر آخر.

[105]

وأما قولك: إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى فإني ما نقضت عقلي ولا ندمت على فعلي. وأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس. وأما قولك: إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشة أنفس بقيت ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ومن أكله الباطل فإلى النار. وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل فعلمري إنا بنو أب واحد ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق ولا المحق كالمبطل ولا المؤمن كالمدغل ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذليل ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا وأسلمت له هذه الامة طوعا وكرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم وذهب المهاجرون الاولون بفضلهم فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا ولا على نفسك سبيلا والسلام. توضيح: أقول: روى الكتاب والجواب ابن أبي الحديد وبعض الجواب السيد رضي الله عنه في النهج (1) وأنا جمعت بين الروايات. قال ابن أبي الحديد: يقال: طلب إلي فلان كذا والتقدير طلب كذا راغبا


(1) رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (17) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج البلاغة. وقد تقدم عن المصنف العلامة نقل الكتابين عن كتاب صفين ص 471 ط مصر. وقد ذكرناه عن مصادر في المختار: (101) من باب كتب نهج السعادة: ج 4 ص 268 ط 1.

[106]

إلى فلان. والحشاشات: جمع حشاشة وهي بقية الروح في المريض. قوله عليه السلام: " فلست بأمضى " قال ابن ميثم: أي بل أنا أمضي لاني على بصيرة ويقين وحينئذ تبطل المساواة التي ادعاها معاوية انتهى. وأقول: لعله لما كان غرضه لعنه الله تخويفه عليه السلام ببقية الجنود والرجال لكي يرتدع عليه السلام عن الحرب أجابه عليه السلام بأنك إذا لم تنزع عن الحرب مع شكك في حصول ما تطلبه من الدنيا فكيف أترك أنا الحرب مع يقيني بما أطلبه من الآخرة. وفي النهج: " وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ". وقال ابن أبي الحديد: الترتيب يقتضي أن يجعل هاشما بإزاء عبد شمس لانه أخوه في قعدد (1) وكلاهما ولد عبد مناف لصلبه وأن يكون أمية بإزاء عبد المطلب وأن يكون حرب بإزاء أبي طالب وأبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين عليه السلام ولما كان في صفين بإزاء معاوية جعل هاشما بإزاء أمية بن عبد شمس. ولم يقل ولا أنا كانت لانه قبيح أن يقال ذلك كما لا يقال: السيف أمضى من العصا بل قبيح به أن يقولها مع أحد من المسلمين كافة نعم قد يقولها لا تصريحا بل تعريضا لانه يرفع نفسه عن أن يقيسها بأحد وهاهنا قد عرض بذلك في قوله: " ولا المهاجر كالطليق " لان معاوية كان من الطلقاء لان كل من دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله في فتح مكة عنوة بالسيف فملكه ثم من عليه عن إسلام أو عن غير إسلام فهو من الطلقاء فممن لم يسلم كصفوان بن أمية ومن أسلم ظاهرا كمعاوية بن أبي سفيان وكذلك كل من أسر في الحرب ثم أطلق بفداء أو بغير فداء فهو طليق. وأما قوله: ولا الصريح كاللصيق أي الصريح في الاسلام الذي أسلم


(1) كذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وفسر ب‍ قريب الآباء من الجد الاكبر وفي ط الكمباني من البحار: " في تعدده ".

[107]

اعتقادا وإخلاصا ليس كاللصيق الذي أسلم خوفا من السيف أو رغبة في الدنيا انتهى ملخص كلامه. والظاهر أن قوله: " كاللصيق " إشارة إلى ما هو المشهور في نسب معاوية كما سيأتي وقد بسط الكلام في ذلك في موضع آخر من هذا الشرح وتجاهل هنا حفظا لناموس معاوية. وقد ذكر بعض علمائنا في رسالة في الامامة أن أمية لم يكن من صلب عبد شمس وإنما هو عبد من الروم فاستلحقه عبد شمس ونسبه إلى نفسه وكانت العرب في الجاهلية إذا كان لاحدهم عبد وأراد أن ينسبه إلى نفسه أعتقه وزوجه كريمة من العرب فيلحق بنسبه قال: وبمثل ذلك نسب العوام أبو الزبير إلى خويلد فبنو أمية قاطبة ليسوا من قريش وإنما لحقوا ولصقوا بهم قال: ويصدق ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام جوابا عن كتابه وادعائه " إنا بنو عبد مناف ": " ليس المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق " ولم يستطع معاوية إنكار ذلك انتهى. وقال في النهاية: المدغل أي المنافق من أدغلت في هذا الامر إذا أدخلت فيه ما يفسده وقال: هوى يهوي هويا إذا هبط. وقال: نعشه الله ينعشه نعشا إذا رفعه. قوله عليه السلام: " على حين " قال ابن أبي الحديد: قال قوم من النحاة " حين " هنا مبني على الفتح. وقال قوم: منصوب لاضافته إلى الفعل. قوله عليه السلام: " لا تجعلن " أي لا تستمر على تلك الحال وإلا فقد كان للشيطان فيك أوفر نصيب. وقال ابن أبي الحديد: ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين (1) أن هذا الكتاب كتبه علي عليه السلام إلى معاوية قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة ثم قال: فلما أتى معاوية كتاب علي عليه السلام كتمه عمرو بن العاص أياما ثم


(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار: (17) من الباب الثاني من نهج البلاغة. وذكره نصر في أواخر الجزء (7) من كتاب صفين ص 471.

[108]

دعاه فأقرأه إياه فشمت به عمرو ولم يكن أحد من قريش أشد إعظاما لعلي من عمرو بن العاص منذ يوم لقيه وصفح عنه. 408 - وقال في موضع آخر: روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عمر بن سعد عن أبي روق قال: جاء أبو مسلم الخولاني في ناس من قراء أهل الشام إلى معاوية قبل مسير أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفين فقالوا له: يا معاوية علام تقاتل عليا عليه السلام وليس لك مثل صحبته ولا مثل هجرته ولا قرابته ولا سابقته ؟ فقال: إني لا أدعي أن لي في الاسلام مثل صحبته ولا مثل هجرته ولا قرابته ولكن خبروني عنكم ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ قالوا: بلى قال: فليدفع إلينا قتلته. لنقتلهم به ولا قتال بيننا وبينه. قالوا: فاكتب إليه كتابا يأته به بعضنا. فكتب [معاوية] مع أبي مسلم الخولاني: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه وجعله الامين على وحيه والرسول إلى خلقه واجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم في الاسلام وأنصحهم لله ورسوله الخليفة من بعده ثم خليفة خليفته من بعد خليفته ثم الثالث الخليفة المظلوم عثمان فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر وقولك الهجر في تنفسك الصعداء وفي إبطاءك عن الخلفاء تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره.


408 - رواه نصر بن مزاحم بن بشار في آخر الجزء الثاني من أصل عبد الوهاب من كتاب صفين ص 85 ط مصر. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (9) من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحه: ج 15، ص 73 ط مصر، وفي ط بيروت: ج 4 ص 519. وللكلام شواهد ومصادر يجد الباحث كثيرا منها في المختار: (70) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج السعادة: ج 4 ص 170، ط 1.

[109]

ثم لم تكن لاحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك به في قرابته وصهره فقطعت رحمه وقبحت محاسنه وألبت الناس عليه وبطنت وظهرت حتى ضربت إليه آباط الابل وقيدت إليه الخيل العراب وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة لا تردع الظن والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا عمل وأقسم قسما صادقا لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه. وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين إيواؤك قتلة عثمان فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك وقد ذكر لي أنك تتنصل من دمه فإن كنت صادقا أمكنا من قتلته لنقتلهم به ونحن من أسرع الناس إليك وإلا فإنه ليس لك ولاصحابك إلا السيف والذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى يقتلهم الله أو لتحلفن أرواحنا بالله والسلام. قال نصر: فلما قدم أبو مسلم على علي عليه السلام بهذا الكتاب قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنك قد قمت بأمر وليته ووالله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما فادفع إلينا قتلته وأنت أميرنا فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة وألسنتنا لك شاهدة وكنت ذا عذر وحجة. فقال له علي عليه السلام: أغد علي غدا فخذ جواب كتابك. فانصرف ثم رجع من غد ليأخذ كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملاوا المسجد فنادوا كلنا قتل عثمان وأكثروا من النداء بذلك وأذن لابي مسلم فدخل فدع إليه علي عليه السلام جواب كتاب معاوية. فقال أبو مسلم: لقد رأيت قوما مالك معهم أمر قال: وما ذاك ؟ قال: بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتعموا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان. فقال علي عليه السلام: والله ما أردت أن أدفعهم

[110]

إليكم طرفة عين قط لقد ضربت هذا الامر أنفه وعينه فما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك فخرج أبو مسلم بالكتاب وهو يقول: الآن طاب الضراب. وكان جواب علي عليه السلام: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه وآله وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحي فالحمد لله الذي صدق الوعد وأيده بالنصر ومكن له في البلاد وأظهر على أهل العداوة والشنآن من قومه الذين وثبوا عليه وشنفوا له وأظهروا تكذيبه وبارزوه بالعداوة وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه وأهله وألبوا عليه العرب وجامعوهم على حربه وجهدوا في أمره كل الجهد وقلبوا له الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فكان أشد الناس عليه تأليبا وتحريضا أسرته والادنى من قومه إلا من عصمه الله منهم. يا ابن هند فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ولقد قدمت فأفحشت إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تبارك وتعالى في نبيه محمد صلى الله عليه وآله وفينا فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر أو كداعي مسدده إلى النضال. وذكرت أن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم كما زعمت في الاسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصديق وخليفة الخليفة الفاروق ولعمري ذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله وإن نقص لم يلحقك ثلمه (1) وما أنت والصديق ؟ فالصديق من صدق بحقنا وأبطل باطل عدونا ! وما أنت والفاروق ؟ فالفاروق من فرق بيننا وبين أعدائنا (2).


(1) الثلم: النقص والخلال. (2) كذا في طبع الكمباني من أصلي، ومن عدم وجود الكلام على هذا النسق في جميع المصادر في رسالة

[111]

وذكرت أن عثمان كان في الفضل تاليا فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه وإن يكن مسيئا سيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره. ولعمري إني لارجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الاسلام ونصيحتهم لله ولرسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الاوفر. إن محمدا صلى الله عليه وآله لما دعا إلى الايمان بالله والتوحيد له كنا أهل البيت أول من آمن به وصدقه فيما جاء به فلبثنا أحوالا كاملة مجرمة تامة وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا. فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الافاعيل


معاوية، وعدم وجود هذه القطعة بهذه الخصوصية في مصدري المصنف - كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد - وغيرهما يتبين جليا أن هاهنا زيد في جواب أمير المؤمنين عليه السلام ما ليس منه، ولاجل التوضيح نسوق حرفيا لفظي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد، وهذا نصهما: وذكرت أن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم - زعمت - في الاسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة وخليفة الخليفة.... ولفظتا " تعالى " واللام في قوله " ولرسوله " من شرح النهج فقط. وفي بداية حرب صفين تحت الرقم (359) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 1، ص 366 من المخطوطة، وفي ط 1: ج 2، ص 279 ما هذا لفظه: وذكرت أن الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه، اختار له من المؤمنين أعوانا أيده بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدم [قدر " خ "] فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم خليفته وخليفة خليفته من بعده، ولعمري إن مكانهما... ". وفي كتاب العسجدة في الخلفاء تحت الرقم (11) منه من العقد الفريد: ج 3، ص 107، ط 2 ما هذا نصه: وذكرت أن الله اختار [له] من المسلمين أعوانا أيده بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم - بزعمك - في الاسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة وخليفة الخليفة... فظهر مما ذكرناه أن ما ذكرها هنا في أصلي المطبوع غير موجود في مصدره المأخوذ منه ولا في غيره من المصادر القديمة فلا اعتبار له. وعلى فرض ثبوت مصدر معتبر له أيضا لا يدل على مدح لانه حكاية كلام لمعاوية مقرونة بالرد.

[112]

ومنعونا الميرة وأمسكوا عنا العذب وأحلسونا الخوف وجعلوا علينا الارصاد والعيون واضطرونا إلى جبل وعر وأوقدوا لنا نار الحرب وكتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلوننا ولا يشاربوننا ولا يناكحوننا ولا يبايعوننا ولا نأمن فيهم حتى ندفع إليهم محمدا صلى الله عليه وآله فيقتلوه ويمثلوا به فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم فعزم الله لنا على منعه والذب عن حوزته والرمياء من وراء جمرته (1) والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار فمؤمننا يرجو بذلك الثواب وكافرنا يحامي به عن الاصل. وأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء فمنهم الحليف الممنوع ومنهم ذو العشيرة التي تدافع عنه فلا يبغيه أحد مثل ما بغانا به قومنا من التلف فهم من القتل بمكان نجوة وأمن فكان ذلك ما شاء الله أن يكون. ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام اهل بيته فاستقدموا فوقى أصحابه بهم حد الاسنة والسيوف فقتل عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد وجعفر وزيد يوم مؤتة. وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي صلى الله عليه وآله غير مرة إلا أن آجالهم عجلت ومنيته أخرت والله ولى الاحسان إليهم والمنة عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات. فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح لله في طاعة رسوله ولا أطوع لنبيه في طاعة ربه ولا أصبر على اللاواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله من هؤلاء النفر الذين سميت لك وفي المهاجرين خير كثير تعرفه جزاهم الله خيرا بأحسن أعمالهم. وذكرت حسدي الخلفاء وإبطائي عنهم وبغيي عليهم فأما البغي [عليهم] فمعاذ الله أن يكون.


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين ط مصر، وشرح المختار (9) من كتب نهج البلاغة لابن أبي الجديد: " والرمي من وراء حرمته... " ولكن قال عند الشرح: ويروى: والرمياء.

[113]

وأما الابطاء عنهم والكراهية لامرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله قالت قريش: منا أمير. وقالت الانصار: منا أمير. فقالت قريش: منا محمد فنحن أحق بالامر فعرفت ذلك الانصار فسلمت لهم الولاية والسلطان. فإذا استحقوها بمحمد دون الانصار فإن أولى الناس بمحمد أحق به منهم وإلا فإن الانصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا أو الانصار ظلموا بل عرفت أن حقي هو المأخوذ وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم. وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه وتأليبي عليه فإن عثمان عمل ما قد بلغك فصنع الناس به ما رأيت وإنك لتعلم أني قد كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدالك. وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإني نظرت في هذا الامر وضربت أنفه وعينه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك. ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك لا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر ولا سهل ولا جبل. وقد كان أبوك قد أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال: أنت أحق بمقام محمد وأولى الناس بهذا الامر وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك ابسط يدك أبايعك فلم أفعل وأنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت [عليه] لقرب عهد الناس بالكفر ومخافة الفرقة بين أهل الاسلام فأبوك كان أعرف بحقي منك فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرف تصب رشدك وإن لم تفعل فسيغني الله عنك والسلام. توضيح: وجدت الكتاب والجواب في أصل كتاب نصر (1).


(1) تقدم أنه رواه نصر بن مزاحم في أواسط الجزء الثاني - أواخر الجزء الثاني من أصل

[114]

وقال في القاموس: شزره وإليه يشزره: نظر منه في أحد شقيه أو هو نظر فيه إعراض أو نظر الغضبان بمؤخر العين أو النظر عن يمين وشمال. وقال في النهاية: الخشاش عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع لانقياده ومنه حديث جابر " فانقادت معه الشجرة كالبعير المخشوش " هو الذي جعل في أنفه الخشاش انتهى. وضرب آباط الابل كناية عن ركوبها والسير عليها وإيجافها والهائعة: الصوت تفزع منه وتخافه من عدو. ونهنهه عن الامر: زجره. وتنصل إليه من الجناية: خرج وتبرا. وفي النهاية: شنفوا له أي أبغضوه. وقال الجوهري: ألبت الجيش: جمعته وتألبوا: تجمعوا. والتأليب التحريض وهو الحث على القتال. وقال: هجر اسم بلد وفي المثل كمبضع التمر إلى هجر. وقال في بضع: أبضعت الشئ واستبضعته أي جعلته بضاعة وفي المثل: كمستبضع تمر إلى هجر. وذلك أن هجر معدن التمر. قوله عليه السلام: أو كداعي مسدده أي كمن يدعو من يعلمه الرمى إلى المناضلة: أي المراماة. قال الجوهري: التسديد: التوفيق للسداد وهو الصواب والقصد من القول والعمل إلى أن قال: وقد استد الشئ أي استقام وقال: أعلمه الرماية كل يوم * فلما استد ساعده رماني وقال: حول مجرم وسنة مجرمة أي تامة انتهى والاجتياح: الاستيصال. قوله عليه السلام: " ومنعونا [الميرة وأمسكوا عنا العذب] " وفي النهج: " ومنعونا العذب " وقال ابن أبي الحديد: العذب هنا: العيش العذب لا الماء العذب على أنه قد نقل أنهم منعوا أيام الحصار في شعب بني هاشم من الماء العذب. قوله [عليه السلام]: " وأحلسونا الخوف " أي ألزموناه والحلس: كساء رقيق


عبد الوهاب - من كتاب صفين ص 85 وفي ط: ص 112.

[115]

يكون تحت برذعة البعير. وأحلاس: البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب ولما كان حلس البعير وحلس البيت ملازما لهما قال: وأحلسونا الخوف. قوله عليه السلام: " إلى جبل وعر " أي غليظ حزن يصعب الصعود إليه وهذا مثل ضربه لصعوبة مقامهم. ويحتمل الحقيقة لان الشعب الذي حصروا فيه مضيق بين جبلين. وفي النهج: " فعزم الله لنا عن الذب عن حوزته والرمي من وراء حرمته مؤمننا يبغي بذلك الاجر ". قوله عليه السلام: " فعزم الله لنا " أي وفقنا لذلك وجعلنا عازمين. وقيل: أراد لنا الارادة اللازمة منه واختار لنا أن نذب عن حوزة الاسلام وحوزة الملك: بيضته. والذب: المنع والدفع.. والحرمة: مالا يحل انتهاكه. والرمي من وراء الحرمة كناية عن المحافظة والمحاماة. والوراء إما بمعنى الامام أو كناية عن الحماية الخفية أو لان الوراء مظنة أن يؤتى منه غفلة. والضميران في " حوزته وحرمته " راجعان إلى النبي صلى الله عليه وآله أو إلى الله تعالى فإن حرمته حرمة الله. و " رميا " بكسر الراء والميم المشددة وتشديد الياء مبالغة في الرمي قال الجوهري: وكانت بينهم رميا ثم صاروا إلى حجيزي. وقال: الجمرة: كل قبيل انضموا فصاروا يدا واحدة ولم يخالفوا غيرهم فهي جمرة. قوله عليه السلام: يحامي عن الاصل أي يدافع عن محمد صلى الله عليه وآله حمية ومحافظة على النسب. وفي النهج بعد ذلك ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه فهو من القتل بمكان أمن. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والاسنة فقتل عبيدة بن الحرث يوم بدر وقتل حمزة يوم أحد وقتل جعفر يوم مؤتة وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة ولكن آجالهم عجلت ومنيته أخرت. وقال ابن ميثم: الواو في قوله: " ومن أسلم " للحال أي والحال أن من أسلم من قريش عدا بني هاشم وبني عبد المطلب خالين مما نحن فيه من

[116]

البلاء آمنين من الخوف أو القتل فمنهم من كان له حلف وعهد مع المشركين يمنعه ومنهم من كان له عشيرة تحفظه. قوله عليه السلام: " إذا احمر البأس " قال السيد الرضي (1) في النهج: [هذا] كناية عن اشتداد الامر. وقد قيل في ذلك أقوال أحسنها أنه شبه حمى الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها. ومما يؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: الآن حمى الوطيس. والوطيس: مستوقد النار. وأحجم الناس أي نكصوا وتأخروا. وأراد بقوله: " من لو شئت ذكرت اسمه " نفسه عليه السلام. أقول: ذكر الرضي رضي الله عنه هكذا المكتوب بإسقاط كثير وزاد في آخره بعض الفقرات من مكتوب آخر سيأتي في محله ورواه ابن ميثم أيضا نحوا مما روينا عن ابن أبي الحديد ووجدناه في مواضع أخر فجمعنا بين الروايات. 409 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فإن الله سبحانه جعل الدنيا لما بعدها وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا ولسنا للدنيا خلقنا ولا بالسعي فيها أمرنا وإنما وضعنا فيها لنبتلي بها وقد ابتلاني بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخرة فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني وعصبته أنت وأهل الشام بي وألب عالمكم جاهلكم وقائمكم قاعدكم فاتق الله في نفسك


(1) ذكره رحمه الله في ذيل المختار الاخير من غريب كلام أمير المؤمنين عليه السلام قبل المختار: (261) من الباب الثالث من نهج البلاغة، وما نقله المصنف هنا معنى كلام السيد وليس بنص كلامه في جميع الفقرات. 409 - رواه السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (55) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة. (*)

[117]

ونازع الشيطان قيادك واصرف إلى الآخرة وجهك فهي طريقنا وطريقك واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الاصل وتقطع الدابر فإني أولي بالله ألية غير فاجرة لئن جمعتني وإياك جوامع الاقدار لا أزال بباحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. توضيح: قوله عليه السلام: بالسعي فيها أي لها وفي تحصيلها. وقيل: أي ما أمرنا بالسعي فيها لها. وقد ابتلاني بك أي بأن أمرني بنهيك عن المنكر والجهاد معك. وابتلاك بي بأن فرض عليك طاعتي فجعل أحدنا أي نفسه عليه السلام وفي الاجمال أنواع البلاغة كما لا يخفى. فعدوت على طلب الدنيا أي وثبت عليها واختلستها. وقيل " على " هاهنا متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام أي تعديت وظلمت مصرا على طلب الدنيا. وتأويل القرآن ما كان يموه به معاوية على أهل الشام ويقول لهم: أنا ولي عثمان وقال تعالى: * (من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [33 / الاسراء] ثم يعدهم الظفر والدولة على أهل العراق بقوله تعالى: * (فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) * وعصبته أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة وقال الفيروز آبادي: العصب: الشد. وألب عالمكم التأليب: التحريض. وقال ابن ميثم: أي عالمكم بحالي وقائمكم بجهادي ومنازعتي. (1) [قوله عليه السلام:] " في نفسك " أي [في] أمرها أو بينك وبين الله. والقياد: ما يقاد به الدابة. ومنازعته جذبه وعدم الانقياد له. " واحذر أن يصيبك الله منه " قال ابن أبي الحديد: الضمير في منه راجع إلى الله تعالى ومن لابتداء الغاية.


(1) في الكلام اختلال، وفي شرح نهج البلاغة لابن ميثم رحمه الله: " وأراد [عليه السلام] ألب عليكم عالمكم بحالى جاهلكم به، وقائمكم في حربي قاعدكم عنه ".

[118]

وقال القطب الراوندي: أي من البهتان الذي أتيته ومن للتعليل أي من أجله وهو بعيد. وقال الفيروز آبادي: القارعة: الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية يقال قرعتهم قوارع الدهر. " تمس الاصل " قال ابن أبي الحديد: أي تقطعه ومنه ماء ممسوس أي يقطع الغلة انتهى. وفيه نظر إذ المس بمعنى القطع لم يذكره أحد من أهل اللغة وأما الماء الممسوس فهو الماء بين العذب والمالح كما ذكره الجوهري أو الذي نالته الايدي كما ذكره الخليل في العين والفيروز آبادي أو الماء الذي يمس الغلة فيشفيها وكل ما شفي الغليل والعذب الصافي كما ذكره هو. والظاهر أنه من المس بالمعنى المعروف أي [إحذر] داهية تصيب أصلك كما يقال: أصابه داء أو بلاء فيكون إصابة الاصل كناية عن الاستيصال كالفقرة التالية. والدابر: العقب والنسل والتابع وآخر كل شئ. " فإني أولي " أي احلف والاسم منه الالية. " جوامع الاقدار " قال ابن أبي الحديد: من إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد. وقال: باحة الدار: وسطها. " حتى يحكم الله بيننا " أي بالظفر والنصر. 410 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الامور فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الاباطيل واقتحامك غرور المين والاكاذيب وبانتحالك ما قد علا عنك وابتزازك لما اختزن دونك فرارا من الحق وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك مما قد وعاه سمعك وملئ به صدرك فماذا بعد الحق إلا الضلال وبعد البيان إلا اللبس. فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها فإن الفتنة طال ما أغدفت جلابيبها


410 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (65) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[119]

وأغشت الابصار ظلمتها. وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول ضعفت قواها عن السلم وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم أصبحت منها كالخائض في الدهاس والخابط في الديماس وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام نازحة الاعلام يقصر دونها الانوق ويحاذى بها العيوق. وحاش لله أن تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا أو أجري لك على أحد منهم عقدا أو عهدا فمن الآن فتدارك نفسك وانظر لها فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله ارتجت عليك الامور ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول والسلام. بيان: قال ابن أبي الحديد: هذا الكتاب هو جواب كتاب وصل من معاوية إليه بعد قتل علي عليه السلام الخوارج وفيه تلويح بما كان يقوله من قبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وعدني بقتال طائفة أخرى غير أصحاب الجمل وصفين وأنه سماهم المارقين فلما واقفهم في النهروان وقتلهم في يوم واحد وهم عشرة آلاف فارس أحب أن يذكر معاوية بما كان يقوله من قبل ويعد به أصحابه وخواصه فقال له: قد آن لك أي قرب وحان أن تنتفع بما عاينت وشاهدت معاينة من صدق القول الذي كنت أقوله للناس ويبلغك وتستهزئ به وقال: يقال: قد رأيته لمحا باصرا أي نظرا بتحديق شديد ومخرجه مخرج رجل لابن وتامر أي ذو لبن وتمر فمعنى باصر أي ذو بصر وعيان الامور: معاينتها أي قرب أن تنتفع بما تعلمه يقينا من استحقاقي للخلافة وبراءتي من كل شبهة. وقال ابن ميثم: وصف اللمح بالباصر مبالغة في الابصار كقولهم: ليل أليل. والمدرج: المسلك. وقال ابن أبي الحديد: الاباطيل جمع باطل على غير القياس وإقحامك أي القائك نفسك بلا روية في غرور المين وهو الكذب وبانتحالك أي ادعائك كذبا ما قد علا عنك أي لم تبلغه ولست أهلا له.

[120]

وابتزازك أي استلابك. لما اختزن دونك أي منعك الله منه من إمرة المسلمين وبيت مالهم من قولهم: اختزن المال أي أحرزه " فرارا " أي فعلت ذلك كله فرارا من الحق " لما هو ألزم لك " بعني [من] فرض طاعتي عليك. قال ابن ميثم: لانهما دائما في التغير والتبدل بخلاف وجوب الطاعة فإنه أمر لازم انتهى. ويمكن أن يقال لانك تفارقهما ولا تفارقه والظاهر أن ذلك مجاز عن شدة اللزوم. " مما قدوعاه سمعك " أي من النص وكلمة ما في " ماذا " استفهامية أو نافية. " على لبستها " في بعض النسخ بالضم وفي بعضها بالكسر قال في النهاية: اللبسة بالكسر الهيئة والحالة وقال ابن أبي الحديد: اللبسة بالضم يقال في الامر لبسة أي اشتباه وليس بواضح ويجوز أن يكون اشتمالها مصدرا مضافا إلى معاوية أي اشتمالك إياها على اللبسة أي ادراعك إياها وتقمصك بها على ما فيها من الابهام والاشتباه ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشبهة فقط أي احذر الشبهة واحتوائها على اللبسة التي فيها. وقال: أغدفت المرأة قناعها أي أرسلته على وجهها. وأغشت الابصار أي جعلتها غشاء وسترا للابصار وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهو سوء البصر بالليل أو العمى فالظلمة مرفوعة بالفاعلية. " ذو أفانين " أي أساليب مختلفة لا يناسب بعضها بعضا. " ضعفت قواها عن السلم " قال ابن ميثم: أي ليس لها قوة أن يوجب صلحا. وقال ابن أبي الحديد أي عن الاسلام أي لم تصدر تلك الافانين المختلفة عن مسلم وكان كتب إليه أن يفرده بالشام وأن يوليه العهد من بعده وأن لا يكلفه الحضور عنده. وقرأ أبو عمرو * (ادخلوا في السلم كافة) * [208 / البقرة] [وقال:] ليس المعني بهذا الصلح بل الاسلام والايمان لا غير. وقال: الاساطير: الاباطيل واحدها أسطورة وإسطارة بالكسر. وحوك الكلام صنعته ونظمه. والحلم: العقل أو الاناة.

[121]

وقال ابن ميثم: لان الكتاب كان فيه خشونة وتهور وذلك ينافي الحلم وينافي غرضه من الصلح. وقال الجوهري: الدهس والدهاس مثل اللبث واللباث: المكان السهل اللين لا يبلغ أن يكون رملا وليس هو بتراب ولا طين ولونه الدهسة. وقال: الديماس: السرب المظلم تحت الارض والسرب البيت في الارض تقول: السرب الوحشي في سربه والغرض عدم استقامة القول. والمرقبة: الموضع العالي أي دعوى الخلافة. والمرام: المقصد وبعده كناية عن الرفعة ونزوح الاعلام [كناية] عن صعوبة الوصول إليها. وفي الصحاح: نزحت الدار نزوحا: بعدت. وقال: الانوق على فعول: طائر وهو الرحمة وفي المثل: أغر من بيض الانوق لانها تحرزه فلا تكاد يظفر بها لان أوكارها في رؤوس الجبال والاماكن البعيدة وهي تحمق مع ذلك انتهى. [قوله عليه السلام:] " وحاش لله " أصله حاشا لله أي معاذ الله وهو فعل ماض على صيغة المفاعلة مأخوذ من " الحشى " أي الناحية وفاعله " أن تلي " وقال الزجاج: حاش لله: برائة لله. والصدر بالتحريك: رجوع الشاربة عن الماء كالورد بالكسر: الاشراف على الماء. [قوله عليه السلام:] " فتدارك نفسك " أي تدبر آخر أمرك. [وقوله عليه السلام] " حتى " أي ينهض. [قوله عليه السلام:] " إرتجت عليك " أي أغلقت. 411 - نهج ومن كتابه عليه السلام: أما بعد فإني على التردد في جوابك والاستماع إلى كتابك لموهن رأيي ومخطئي فراستي وإنك إذ تحاولني الامور وتراجعني السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه أو المتحير القائم بهظه مقامه (1) لا يدري أله ما يأتي أم عليه


411 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (72) من باب كتب نهج البلاغة. (1) كذا في النسخة المطبوعة من ط الكمباني من البحار، وفيما عندي من نسخ المطبوعة من نهج البلاغة: " يبهظه ".

[122]

ولست به غير أنه بك شبيه. وأقسم بالله [أنه] لولا بعض الاستبقاء لوصلت إليك مني نوازع تقرع العظم وتهلس اللحم واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك وتأذن لمقال نصيحتك والسلام. بيان: [قوله عليه السلام:] " فإني على التردد " قال ابن أبي الحديد: ليس معناه التوقف بل التردد والتكرار أي أنا لائم نفسي على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عما تكتبه وأجعلك نظيرا لي أكتب وتجيبني وتكتب وأجيبك وإنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت [قوله عليه السلام:] " لموهن رأيي " أي أعدة واهنا ضعيفا والغرض المبالغة في عدم استحقاقه للجواب وإلا فلم يكن فعله عليه السلام إلا حقا وصوابا. [قوله عليه السلام]: " وإنك إذ تحاولني الامور " الظاهر من كلام الشارحين أنهما حملا المحاولة على معنى القصد والارادة وحينئذ يحتاج إلى تقدير حرف الجر. ويحتمل أن يكون مفاعلة من حال بمعنى حجز ومنع أي تمانعني الامور وتراجعني السطور أي بالسطور كالمستثقل النائم قال ابن أبي الحديد: أي كالنائم يرى أحلاما كاذبة أو كمن قام بين يدي سلطان أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر أو ليخطب لامر في نفسه " قد بهظه مقامه ذلك " أي أثقله فهو لا يدري هل ينطق بكلام هو له أم عليه فيتحير انتهى. وفي قوله عليه السلام: " إنه بك شبيه " إيذان بأن معاوية أقوى في ذلك ويقال: استبقيت من الشئ أي تركت بعضه واستبقاه أي استحياه ويحتمل أن يكون من أبقيت عليه أي رحمته. " نوازع تقرع العظم " قال ابن أبي الحديد: روى نوازع جمع نازعة أي جاذبة قالعة ويروى " قوارع " بالقاف والراء ويروى " تهلس اللحم ". " تلهس " بتقديم اللام فأما تهلس بكسر اللام فالمعنى تذيبه حتى يصير كبدن به الهلاس وهو السل. وأما تلهس فهو بمعنى تلحس

[123]

أبدلت الحاء هائا وهو من لحست كذا بلساني بالكسر: ألحسته أي تأتي على اللحم حتى تلحسه لحسا لان الشئ إنما يلحس إذا ذهب وبقي أثره. ويروى " وتنهس " بالنون والسين المهملة والنهس والنهش بالمهملة والمعجمة هو أخذ اللحم بمقدم الاسنان. وأما بعض الاستبقاء الذي أشار إليه فقال ابن ميثم: لولا بعض المصالح لوصلت إليك مني قوارع وأراد شدائد الحرب. وقال ابن أبي الحديد: الامامية تقول: إن النبي صلى الله عليه وآله فوض إليه أمر نسائه بعد موته وجعل إليه أن يقطع عصمة أيتهن شاء إذا رأى ذلك وله من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة ويبيح نكاحها للرجال عقوبة لها ولمعاوية فإنها كانت تبغض عليا عليه السلام كما يبغضه أخوها ولو فعل ذلك لانتهس لحمه وقد رووا عن رجالهم أنه تهدد عائشة بضرب من ذلك قال: وأما أصحابنا فيقولون: قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله يلعن معاوية بعد إسلامه ويقول: إنه منافق كافر وإنه من أهل النار والاخبار في ذلك مشهورة فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم وشهاداتهم بذلك وأسمعهم قوله مشافهة لفعل ولكن رآى العدول عن ذلك مصلحة لامر يعلمه هو عليه السلام. وقال أبو زيد البصري: إنما أبقى عليه لانه خاف أن يفعل معاوية كفعله عليه السلام فيقول لعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة وأمثالهم: ارووا أنتم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقول في علي عليه السلام أمثال ذلك انتهى. وقال الجوهري ثبطه عن الامر تثبيطا: شغله عنه، وقال: أذن له إذنا: استمع. 412 - وروى ابن أبي الحديد من كتاب أبي العباس يعقوب بن أبى أحمد

[124]

الصيمري أن معاوية لعنه الله كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإنك المطبوع على قلبك المغطى على بصرك الشر من شيمتك والعتو من خليفتك فشمر للحرب واصبر للضرب فو الله ليرجعن الامر إلى ما علمت والعاقبة للمتقين هيهات هيهات أخطأك ما تمنى وهوى قلبك فيما هوى فاربع على ظلعك وقس شبرك بفترك تعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه ويفصل بين أهل الشك علمه والسلام. فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد يا ابن الصخر يا ابن اللعين يزن الجبال فيما زعمت حلمك ويفصل بين أهل الجهل علمك وأنت الجاهل القليل الفقه المتفاوت العقل الشارد عن الدين. وقلت: فشمر للحرب واصبر للضرب. فإن كنت صادقا فيما تزعم ويعينك عليه ابن النابغة فدع الناس جانبا واعف الفريقين من القتال وابرز إلي لتعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن حقا قاتل أخيك وخالك وجدك شدخا يوم بدر وذلك السيف بيدي وبذلك القلب ألقى عدوي. ثم قال: الشدخ: كسر الشئ الاجوف [يقال:] شدخت رأسه فانشدخ. وهؤلاء الثلاثة حنظلة بن أبي سفيان والوليد بن عتبة وأبوه عتبة بن ربيعة فحنظلة أخوه والوليد خاله وعتبة جده وقد قتلوا في غزاة بدر. 413 - أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك وما أعلمني بمنزلتك التي أنت إليها صائر ونحوها سائر وليس إبطائي عنك إلا لوقت أنا به مصدق وأنت به مكذب فكأني أراك وأنت تضج من الحرب وإخوانك يدعونني خوفا من السيف


412 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (10) من باب كتاب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة: ج 4 ص 525 ط الحديث ببيروت. 413 - رواه أيضا في شرح المختار المتقدم الذكر، قال: وقد رأيت له [عليه السلام] ذكر هذا المعني في كتاب غير هذا، وهو: " أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك.

[125]

إلى كتاب هم به كافرون وله جاحدون. ثم قال: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: قال: وكتب أيضا عليه السلام: 414 - أما بعد فطال ما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الحق أساطير ونبذتموه وراء ظهوركم وحاولتم إطفاءه بأفواهكم " ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ". ولعمري لينفذن العلم فيك وليتمن النور بصغرك وقمأتك ولتخسأن طريدا مدحورا أو قتيلا مثبورا ولتجزين بعملك حيث لا ناصر لك ولا مصرح عندك. وقد أسهبت في ذكر عثمان ولعمري ما قتله غيرك ولا خذله سواك، ولقد تربصت به الدوائر وتمنيت له الاماني طمعا فيما ظهر منك ودل عليه فعلك وإني لارجو أن ألحقك به على أعظم من ذنبه وأكبر من خطيئته فأنا ابن عبد المطلب صاحب السيف وإن قائمه لفي يدي وقد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس وفراعنة بني سهم وجمح ومخزوم وأيتمت أبناءهم وأيمت نساءهم وأذكرك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة وجررت برجله إلى القليب وأسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا وطلبتك ففررت ولك حصاص فلولا أني لا أتبع فأرا لجعلتك ثالثهما وأنا أولي لك بالله ألية برة غير فاجرة لئن جمعتني وإياك جوامع الاقدار لاتركنك مثلا يتمثل به الناس أبدا ولاجعجعن بك في مناخك حتى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين. ولئن أنسا الله في أجلي قليلا لاغزينك سراة المسلمين ولانهدن إليك في جحفل من المهاجرين والانصار ثم لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة ولا أجيبك


414 - ذكره في شرح المختار السالف الذكر قال: ووقفت له عليه السلام على كتاب آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى أوله: " أما بعد فطالما دعوت أنت وأولياؤك... ".

[126]

إلى طلب وسؤال ولترجعن إلى تحيرك وترددك وتلددك فقد شاهدت وأبصرت ورأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيبها حتى اعتصمت بكتاب أنت وأبوك أول من كفر به وكذب بنزوله، ولقد كنت تفرستها وآذنتك أنت فاعلها وقد مضى منها ما مضى وانقضى من كيدك فيها ما انقضى وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب فاختر لنفسك وانظر لها وتداركها فإنك إن فرطت واستمررت على غيك وغلوائك حتى ينهد إليك عباد الله ارتجت عليك الامور ومنعت أمرا هو اليوم منك مقبول. يا ابن حرب إن لجاجك في منازعة الامر أهله من سفاه الرأي فلا يطمعنك أهل الضلال ولا يوبقنك سفه رأي الجهال فو الذي نفس علي بيده لئن برقت في وجهك بارقة من ذي الفقار لتصعقن صعقة لا تفيق منها حتى ينفخ في الصور النفخة التي يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب القبور. توضيح: قال [ابن الاثير] في النهاية: في حديث أبي هريرة: " إذا سمع الشيطان الاذان ولى وله حصاص " الحصاص: شدة العدو وحدته وقيل هو أن يمصع بذنبه ويصر بأذنيه ويعدو وقيل هو الضراط. وقال جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع وهي الارض والجعجاع أيضا الموضع الضيق الخشن ومنه كتاب عبيد الله [بن زياد]: وجعجع بحسين وأصحابه أي ضيق عليهم المكان. وقال في القاموس: الجعجاع: الارض عامة والحرب ومناخ سوء لا يقر فيه صاحبه والفحل الشديد الرغاء. والجعجعة: صوت الرحا ونحر الجزور وأصوات الجمال إذا اجتمعت وبروك البعير وتبريكه والحبس والقعود على غير طمأنينة. وتجعجع: ضرب بنفسه الارض من وجع. وفي النهاية: السرى: النفيس الشريف. وقيل: لسخي ذو المروءة والجمع سراة بالفتح على غير قياس وتضم السين. وفي قوله عليه السلام: " لاغرينك " كأنه على الحذف والايصال وفي

[127]

بعض النسخ بالزاي من أغزاه إذا حمله على الغزو. وفي القاموس: الجحفل كجعفر: الجيش الكثير. قوله عليه السلام: " فقد شاهدت " يدل على أنه كان الكتاب بعد الرجوع عن صفين عند إرادة العود إليه والغلواء بضم الغين وفتح اللام وقد تسكن: الغلو وشرة الشباب وأوله. وقال الجوهري: ارتجت الباب: أغلقته. وارتج على القارئ على ما لم يسم فاعله إذا لم يقدر على القراءة كأنه أطبق عليه كما يرتج الباب ولا تقل ارتج عليه بالتشديد. 415 - كنز الفوائد للكراجكي: نسخة كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أما بعد فإن الهوى يضل من اتبعه والحرص يتعب الطالب المحروم وأحمد العاقبتين ما هدي إلى سبيل ومن العجب العجيب ذام مادح أو زاهد راغب ومتوكل حريص كلاما ضربته لك مثلا لتدبر حكمته بجمع الفهم ومباينة الهوى ومناصحة النفس فلعمري يا ابن أبي طالب لولا الرحم التي عطفتني عليك والسابقة التي سلف لك لقد كان اختطفك بعض عقبان أهل الشام فصعد بك في الهواء ثم قذفك على دكادك شوامخ الابصار فألفيت كسحيق الفهر على مسن الصلابة لا يجد الذر فيك مرتقا ولقد عزمت عزمة من لا تعطفه رقة إن لا تذر ولا تباين ما قربت به أملك وطال له طلبك لاوردنك موردا تستمر مداقه إن فسح لك في الحياة بل نظنك قبل ذلك من الهالكين وبئس الرأي رأي يورد أهله المهالك ويمنيهم العطب إلى حين لات مناص وقد قذف بالحق على الباطل وظهر أمر الله وهم


415 - رواه - وما بعده - العلامة الكراجكي رحمه الله في الفصل الثالث من الرسالة من الثالثة كتاب كنز الفوائد: ج 2 ص 201 ط 1. ورويناه عنه في المختار: (157) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 5 ص 290.

[128]

كارهون ولله الحجة البالغة والمنة الظاهرة والسلام. جواب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إ ؟ معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فقد أتاني كتابك بتنويق المقال وضرب الامثال وانتحال الاعمال تصف الحكمة ولست من أهلها وتذكر التقوى وأنت على ضدها قد اتبعت هواك فحاد بك [عن] المحجة ولحج بك عن سواء السبيل فأنت تسحب أذيال لذات الفتن وتخبط في زهرة الدنيا كأنك لست توقن بأوبة البعث ولا برجعة المنقلب قد عقدت التاج ولبست الخز وافترشت الديباج سنة هرقلية وملكا فارسيا ثم لم يقنعك ذلك حتى يبلغني أنك تعقد الامر من بعدك لغيرك فيملك دونك وتحاسب دونه. ولعمري لئن فعلت ذلك فما ورثت الضلالة عن كلالة وإنك لابن من كان يبغي على أهل الدين ويحسد المسلمين. وذكرت رحما عطفتك علي فأقسم بالله الاعز الاجل أن لو نازعك هذا الامر في حياتك من أنت تمهده له بعد وفاتك لقطعت حبله ولبتت أسبابه. وأما تهديدك لي بالمشارب الوبيئة والموارد المهلكة فأنا عبد الله علي بن أبي طالب أبرز إلي صفحتك كلا ورب البيت ما أنت أبي عذر عند القتال ولا عند منافحة الابطال وكأني بك لو شهدت الحرب وقد قامت على ساق وكشرت عن منظر كريه والارواح تختطف اختطاف البازي زغب القطا لصرت كالمولهة الحيرانة تصربها العبرة بالصدمة لا تعرف أعلا الوادي عن أسفله. فدع عنك مالست من أهله فإن وقع الحسام غير تشقيق الكلام فكم عسكر قد شهدته وقرن نازلته ورأيت اصطكاك قريش بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنت وأبوك ومن هو أعلا منكما لي تبع وأنت اليوم تهددني.

[129]

فأقسم بالله أن لو تبدي الايام عن صفحتك لنشب فيك مخلب ليث هصور لا يفوته فريسته بالمراوغة كيف وأنى لك بذلك وأنت قعيدة بنت البكر المخدرة يفزعها صوت الرعد وأنا علي بن أبي طالب الذي لا أهدد بالقتال ولا أخوف بالنزال فإن شئت يا معاوية فابرز والسلام. فلما وصل هذا الجواب إلى معاوية بن أبيي سفيان جمع جماعة من أصحابه وفيهم عمرو بن العاص فقرأ عليهم فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل كم رجل أحسن في الله قد قتل بينكما ابرز إليه فقال له: أبا عبد الله أخطأت استك الحفرة أنا أبرز إليه مع علمي أنه ما برز إليه أحد إلا وقتله لا والله ولكني سأبرزك إليه. 416 - نسخة كتاب [آخر] من معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف وقد والله رقت الاجناد وذهبت الرجال ونحن جميعا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذل به عزيز ولا يسترق به حر. جواب أمير المؤمنين عليه السلام: من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان.


416 - الكتابان رواهما العلامة الكراجكي رفع الله مقامه في الفصل الثالث من الرسالة الثالثة من كتاب كنز الفوائد: ج 2 ص 206 ط 1. وقد تقدم عن المصنف نقل الكتابين عن مصدر آخر في أواخر الباب: (12) من هذا الكتاب ص 520 ط 1. وأيضا تقدم عن المصنف رواية الكتابين عن مصادر أخر في أواسط هذا الباب ص 546 ط الكمباني. وللكتابين مصادر أخر كثيرة يجد الباحث كثيرا منها في ذيل المختار: (101) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج السعادة: ج 4 ص 272 ط 2.

[130]

أما بعد، فقد جاء في كتابك تذكر أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض. وإنا وإياك نلتمس غاية منها لم نبلغها بعد. وأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس. وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضى على الشك مني على اليقين ولا أهل الشام على الدنيا بأحرص من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك: إنا بنو عبد مناف. فكذلك نحن [و] لكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المبطل كالمحق. وفي أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز وبعنا بها الحر والسلام. توضيح: الدكادك جمع الدكداك وهو من الرمل ما التبد منه بالارض ولم يرتفع. والابصار كأنه جمع البصر بالضم وهو الجانب وحرف كلشئ. [قوله عليه السلام:] " كسحيق الفهر " أي كالشئ الذي سحقه الفهر. وفي القاموس: الفهر بالكسر: الحجر قدر ما يدق به الجوز أو ما يملا الكف. وقال الصلاية: مدق الطيب انتهى. ولعل المراد " بمسنها ": وسطها كمسان الطريق. والمسن بالكسر: حجر يحد عليه السكين. وفي القاموس: المنوق كمعظم: المذلل من الجمال، ومن النخل: الملقح. والنواق: رائض الامور ومصلحها. والنوقة: الحذاقة في كل شئ. وتنوق في مطعمه وملبسه: تجود وبالغ. وقال: لحج السيف كفرح: نشب في الغمد. ومكان لحج ككتف: ضيق والملحج: الملجأ. ولحجه كمنعه: ضربه وإليه لجأ. " فما ورثت الضلالة " أي لم تأخذ هذه الضلالة من بعيد في النسب بل أخذت من أبيك. قال الجوهري: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد، والعرب تقول: لم يرثه

[131]

كلالة أي لم يرثه عن عرض بل عن قرب واستحقاق قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك غير كلالة * عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والوبيئة فعيلة من الوباء وهو الطاعون أو المرض العام يقال: أرض وبيئة أي كثيرة الوباء وقد يخفف فيشدد " ما أنت بأبي عذر " أي لابتدائي بالقتال يقال: فلان أبو عذرها إذا كان هو الذي افترعها وافتضها. وقولهم: ما أنت بذي عذر هذا الكلام أي لست بأول من افتضه. ولا يبعد أن يكون بالغين المعجمة والدال المهملة قال الجوهري: رجل ثبت الغدر أي ثابت في قتال وكلام. والمنافحة: المدافعة والمضاربة وقرب كل من القرنين إلى الآخر بحيث يصل إليه نفحه أي ريحه ونفسه. وقال الجوهري: كشر البعير عن نابه أي كشف عنه. والكشر: التبسم. وقال: الزغب الشعيرات الصفر على ريش الفرخ والفراخ زغب وقال: يقال شقق الكلام إذا أخرجه أحسن مخرج والهصر بالكسر والهصور: الاسد وراغ الرجل والثعلب روغا وروغانا: مال وحاد عن الشئ. وقعيدة الرجل: امرأته والخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت. وبالفتح إلزام البنت الخدر كالاخدار والتخدير وهي مخدورة ومخدرة ومخدرة. 417 - كنز الفوائد: كتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام افتخارا. فقال عليه السلام: أعلي يفتخر ابن آكلة الاكباد ؟ ثم قال لعبيدالله بن أبي رافع: اكتب: محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكنى وعرسي * مساط لحمها (1) بدمي ولحمي


417 - رواه العلامة الكراجكي رحمه الله في الفصل: (3) من الرسالة (3) من كتاب كنز الفوائد: ج 1، ص 123، وفي ج 2 ص 233. (1) وكتب في هامش ط الكمباني من البحار أن في نسخة من كنز الفوائد: " مسوط لحمها بدمي ولحمي ". (*)

[132]

وسبطا أحمد ابناي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي وأوجب لي الولاء معا عليكم * خليلي يوم دوح غدير خمي أقول: ذكرها في الديوان مع زيادة وتغيير هكذا: وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم وأوصاني النبي على اختيار * لامته رضى منكم بحكمي ألا من شاء فليؤمن بهذا * وإلا فليمت كمدا بغم أنا البطل الذي لم تنكروه * ليوم كريهة وليوم سلمي بيان: السكن بالتحريك: كل ما سكنت إليه. والعرس بالكسر: امرأة الرجل. والسوط: خلط الشئ بعضه ببعض وسوطه أي خلطه. والدوح: جمع الدوحة وهي الشجرة العظيمة. والكمد بالتحريك: الحزن المكتوم. 418 - ج: روى أبو عبيدة قال: كتب معاوية إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام: إن لي فضائل كثيرة كان أبي سيدا في الجاهلية وصرت ملكا في الاسلام وأنا صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وخال المؤمنين وكاتب الوحي فقال أمير أمير المؤمنين عليه السلام: أبالفضائل يبغي علي ابن آكلة الاكباد ؟ اكتب إليه يا غلام: " محمد النبي أخي وصهري " [وساق الابيات] إلى قوله: سبقتكم إلى الاسلام طرا * مقرا بالنبي في بطن أمي وصليت الصلاة وكنت طفلا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي


418 - رواه الطبرسي رحمه الله في أواخر عنوان: " احتجاجه عليه السلام على معاوية في جواب كتبه إليه " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 265. وللابيات مصادر كثيرة يقف الباحث على عدة منها في كتاب الغدير: ج 2 ص 25 ط 2. وقد رويناها أيضا عن مصادر كثيرة في المختار: (66) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج السعادة: ج 4 ص 163، ط 1.

[133]

[وساق الابيات] إلى قوله: فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الاله غدا بظلمي فقال معاوية: إخفوا هذا الكتاب لا يقرؤه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب. 419 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم قال: كتب علي عليه السلام إلى معاوية: أصبحت مني يا ابن حرب جاهلا * أن لم نرام منكم الكواهلا بالحق والحق يزيل الباطلا * هذا لك العام وعاما قابلا 420 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي [قال:] روي أن عليا عليه السلام كتب إلى معاوية: من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية [وبعد ف‍] إن الله تبارك وتعالى ذا الجلال والاكرام خلق الخلق واختار خيرة من خلقه واصطفى صفوة من عباده " يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون " (1) فأمر الامر وشرع الدين وقسم القسم على ذلك وهو فاعله وجاعله وهو الخالق وهو المصطفي وهو المشرع وهو القاسم وهو الفاعل لما يشاء له الخلق وله الامر وله الخيرة والمشيئة والارادة والقدرة والملك والسلطان. أرسل رسوله خيرته وصفوته بالهدى ودين الحق وأنزل عليه كتابه فيه تبيان كل شئ من شرائع دينه فبينه لقوم يعلمون، وفيه فرض الفرائض، وقسم فيه سهاما أحل بعضها لبعض وحرم بعضها لبعض بينها يا معاوية إن كنت تعلم الحجة ؟ وضرب أمثالا لا يعلمها إلا العالمون فأنا سائلك عنها أو بعضها إن كنت تعلم ؟ ! واتخذ الحجة بأربعة أشياء على العالمين فما هي يا معاوية ؟ ولمن هي ؟ واعلم أنهن حجة لنا أهل البيت على من


419 - رواه نصر في أوائل الجزء الثالث من كتاب صفين ص 137، ط 2 بمصر. 420 - الحديث وما بعده موجود تحت الرقم: (100) من تلخيص كتاب الغارات ص 195 - 203 ط 1. (1) ما بين القوسين المزدوجين اقتباس من الآية: (68) من سورة القصص: 28.

[134]

خالفنا ونازعنا وفارقنا وبغى علينا والمستعان الله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون. وكان جملة تبليغه رسالة ربه فيما أمره وشرع وفرض وقسم جملة الدين يقول الله: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " * [62 / النساء: 4] هي لنا أهل البيت ليست لكم. ثم نهى عن المنازعة والفرقة وأمر بالتسليم والجماعة فكنتم أنتم القوم الذين أقررتم لله ولرسوله فبدا لكم (1) فأخبركم الله أن محمدا لم يك أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين (2). وقال عزوجل: * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * [144 / آل عمران: 3] فأنت وشركاؤك يا معاوية القوم الذين انقلبوا على أعقابهم وارتدوا ونقضوا الامر والعهد فيما عاهدوا الله ونكثوا البيعة ولم يضروا الله شيئا. ألم تعلم يا معاوية أن الائمة منا ليست منكم وقد أخبركم الله أن أولي الامر [هم] المستنبطو للعلم (3) وأخبركم أن الامر الذي تختلفون فيه يرد إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الامر المستنبطي العلم فمن أوفى بما عاهد الله عليه يجد الله موفيا بعهده يقول الله: * (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) * [40 / البقرة] وقال عزوجل: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * [35 / النساء: 4] وقال للناس بعدهم: * (فمنهم من آمن ومنهم من صد عنه) * [58 / النساء: 4] فتبوأ مقعدك من جهنم وكفى بجهنم سعيرا. [و] نحن آل إبراهيم المحسودون وأنت الحاسد لنا.


(1) هذا هو الظاهر، وفي ط الكمباني من البحار: " وبذلكم ". (2) مقتبس من الآية: (40) من سورة الاحزاب: 33 " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين... ". (3) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي من ط الكباني: " أن أولي الامر المستنبطو العلم ".

[135]

خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وعلمه الاسماء كلها واصطفاه على العالمين فحسده الشيطان فكان من الغاوين. ونوحا حسده قومه إذ قالوا: * (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) * [24 / المؤمنون] ذلك حسد منهم لنوح أن يقروا له بالفضل وهو بشر. ومن بعده حسدوا هودا إذ يقول قومه: * (وما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون، ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون " [34 - 35 / المؤمنون] قالوا ذلك حسدا أن يفضل الله من يشاء ويختص برحمته من يشاء. ومن قبل ذلك ابن آدم قابيل قتل هابيل حسدا فكان من الخاسرين. وطائفة من بني إسرائيل * (إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) * [345 / البقرة] فلما بعث الله لهم طالوت ملكا حسدوه وقالوا: أنى يكون له الملك علينا (1) وزعموا أنهم أحق بالملك منه كل ذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وعندنا تفسيره وعندنا تأويله وقد خاب من افترى ونعرف فيكم شبهه وأمثاله * (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) * [101 / يونس 10] فكان نبينا صلى الله عليه وآله فلما جاءهم [ما عرفوا] كفروا به (2) حسدا من عند أنفسهم * (أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده) * 3 حسدا من القوم على تفضيل بعضنا على بعض. ألا ونحن أهل البيت آل إبراهيم المحسودون حسدنا كما حسد آباؤنا من قبلنا سنة ومثلا، وقال الله: وآل إبراهيم وآل لوط وآل عمران وآل يعقوب وآل


(1) اقتباس من الآية: (246) من سورة البقرة. (2) اقتباس من الآية: (89) من سورة البقرة: 2. (3) اقتباس من الآية: (90) من سورة البقرة، وأولها: * (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله...) *. والآية 109 من سورة البقرة.

[136]

موسى وآل هارون وآل داود (1) فنحن آل نبينا محمد صلى الله عليه وآله. ألم تعلم يا معاوية * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) * [68 / آل عمران: 3]. ونحن أولوا الارحام قال الله تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الارحام بعضهم أولى بعض في كتاب الله) * [6 / الاحزاب]. نحن أهل بيت اختارنا الله واصطفانا وجعل النبوة فينا والكتاب لنا والحكمة والعلم والايمان وبيت الله ومسكن إسماعيل ومقام إبراهيم فالملك لنا ويلك يا معاوية.


(1) كذا في أصلي المطبوع، والظاهر أن راوي الرسالة نقل لفظ الامام بالمعنى ولم يتحفظ على ألفاظه عليه السلام، والكلام إشارة إلى آيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى في الآية: (33) من سورة آل عمران: * (إن اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) *. ومنها قوله عزوجل في الآية: (54) من سورة النساء: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) *. ومنها قوله تعالى في الآية (248) من سورة البقرة: * (إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) *. ومنها قوله عز شأنه في الآية: (84) من سورة الانعام: * (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون) *. ومنها قوله جل وعلا في الآية: (6) من سورة يوسف: * (ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب) *. ومنها قوله عز شأنه في الآية: (59) من سورة الحجر: * (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين) *: ومنها قوله تعالى في الآية: (13) من سورة " سبأ ": * (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) *. إلى غير ذلك مما أشاد القرآن الكيم في مدح المصطفين من آل الرسل والانبياء. وعسى أن يمن الله علينا بالظفر على كلام الامام في مصدر وثيق ذكر فيه الكلام حرفيا مسندا فيغنينا عن كثير مما تكلفنا في كونه مشارا إليه من كلام الامام.

[137]

ونحن أولى بإبراهيم ونحن آله وآل عمران وأولى بعمران وآل لوط ونحن أولى بلوط وآل يعقوب ونحن أولى بيعقوب وآل موسى وآل هارون وآل داوود و أولى بهم وآل محمد أولى به. ونحن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (1) ولكل نبي دعوة في خاصة نفسه وذريته وأهله ولكل نبي وصية في آله. ألم تعلم أن إبراهيم أوصى بابنه يعقوب ويعقوب أوصى بنيه إذ حضره الموت وأن محمدا أوصى إلى آله سنة إبراهيم والنبيين اقتداء بهم كما أمره الله ليس لك منهم ولا منه سنة في النبيين وفي هذه الذرية التي بعضها من بعض قال الله لابراهيم وإسماعيل (2) وهما يرفعان القواعد من البيت * (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) * فنحن الامة المسلمة وقالا: * (ربنا وابعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياتك) * الآية: [122 - 123 / البقرة: 2]. فنحن أهل هذه الدعوة ورسول الله منا ونحن منه بعضنا من بعض وبعضنا أولى ببعض في الولاية والميراث: * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (3) وعلينا نزل الكتاب وفينا بعث الرسول وعلينا تليت الآيات ونحن المنتحلون للكتاب والشهداء عليه والدعاة إليه والقوام به * (فبأي حديث بعده يؤمنون) * (4) أفغير الله يا معاوية تبغي ربا ؟ أم غير كتابه كتابا ؟ أم غير الكعبة بيت الله ومسكن إسماعيل ومقام أبينا إبراهيم تبغي قبلة ؟ أم غير ملته تبغي


(1) قطعة من الآية: (33) من سورة الاحزاب، والاخبار من طريق أهل السنة متواترة على أن الآية الكريمة نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وليلاحظ ما رواه الحافظ الحسكاني في تفسير الآية الكريمة من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 10 - 93 ط 1. (2) كذا في أصلي فإن صح فاللام في قوله: " لابراهيم " بمعنى " عن " أي قال الله تعالى حاكيا عن إبراهيم وإسماعيل... (3) اقتباس من الآية: (31) من سورة آل عمران: 3. (4) اقتباس من الآية: (185) من سورة الاعراف: 7. (*)

[138]

دينا أم غير الله تبغي ملكا ؟ فقد جعل الله ذلك فينا فقد أبديت عداوتك لنا وحسدك وبغضك ونقضك عهد الله وتحريفك آيات الله وتبديلك قول الله قال الله لابراهيم: * (إن الله اصطفى لكم الدين) * [126 / البقرة] أفترغب عن ملته وقد اصطفاه الله في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين ؟ أم غير الحكم تبغي حكما ؟ أم غير المستحفظ منا تبغي إماما ؟ الامامة لابراهيم وذريته والمؤمنون تبع لهم لا يرغبون عن ملته قال: * (فمن تبعه فإنه مني) * [36 / إبراهيم] أدعوك يا معاوية إلى الله ورسوله وكتابه وولي أمره الحكيم من آل إبراهيم وإلى الذي أقررت به زعمت إلى الله والوفاء بعهده * (وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا) * (1) * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) * (2) * (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) * [93 / النحل]. فنحن الامة الاربى * (فلا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون) * (3) إتبعنا واقتد بنا فإن ذلك لنا آل إبراهيم على العالمين مفترض فإن الافئدة من المؤمنين والمسلمين تهوي إلينا وذلك دعوة المرء المسلم (4) فهل


(1) اقتباس من الآية (7) من سورة المائدة: 5. (2) كذا في أصلي المطبوع، والظاهر أن راوي كلام الامام قد اختلط عليه الامر ولم يضبط الكلام حرفيا، لعل الامام هاهنا اقتبس من آيتين من القرآن الكريم: أولاهما الآية: (105) من سورة آل عمران وهذا نصها: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات...) *. وثانيهما الآية: (14) من سورة الشورى: 42: * (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم...) *. (3) اقتباس من الآية: (21) من سورة الانفال: 8، وفيها: * (ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون) *. (4) وهو إبراهيم الخليل على نبينا وآله عليه السلام والكلام إشارة إلى قوله تعالى في الآية: (35) وما بعده من سورة إبراهيم حكاية عنه. * (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الاصنام... ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير

[139]

تنقم منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا (1) واقتدينا وإتبعنا ملة إبراهيم صلوات الله عليه وعلى محمد وآله. فكتب [إليه] معاوية من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب: قد انتهى إلي كتابك فأكثرت فيه ذكر إبراهيم وإسماعيل وآدم ونوح والنبيين وذكر محمد وقرابتكم منه ومنزلتكم وحقك ولم ترض بقرابتك من محمد حتى انتسبت إلى جميع النبيين ألا وإنما كان محمد رسولا من الرسل إلى الناس كافة فبلغ رسالات ربه لا يملك شيئا غيره ألا وإن الله ذكر قوما جعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقد خفت عليك أن تضارعهم ألا وإن الله أنزل في كتابه أنه لم يك يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل فأخبرنا ما فضل قرابتك وما فضل حقك وأين وجدت اسمك في كتاب الله وملكك وإمامتك وفضلك ألا وإنما نقتدي بمن كان قبلنا من الائمة والخلفاء الذين اقتديت بهم فكنت كمن اختار ورضي ولسنا منكم قتل خليفتنا أمير المؤمنين عثمان بن عفان وقال الله: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [33 / الاسراء: 17] فنحن أولى بعثمان وذريته وأنتم أخذتموه على رضى من أنفسكم جعلتموه خليفة وسمعتم له وأطعتم. فأجابه علي عليه السلام: أما الذي عيرتني به يا معاوية من كتابي وكثرة ذكر آبائي إبراهيم وإسماعيل والنبيين فإنه من أحب آباءه أكثر ذكرهم فذكرهم حب الله ورسوله وأنا أعيراء ببغضهم فإن بغضهم بغض الله ورسوله وأعيرك بحبك آباءك وكثرة ذكرهم فإن حبهم كفر.


ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) *. (1) اقتباس من الآية: (59) من سورة المائدة: (5) وهذا نصها: * (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وان أكثركم فاسقون.

[140]

وأما الذي أنكرت من نسبي من إبراهيم وإسماعيل وقرابتي من محمد صلى الله عليه وآله وفضلي وحقي وملكي وإمامتي فإنك لم تزل منكرا لذلك لم يؤمن به قلبك ألا وإنا أهل البيت كذلك لا يحبنا كافر ولا يبغضنا مؤمن. والذي أنكرت من قول الله عزوجل: * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * [55 / النساء: 4] فأنكرت أن تكون فينا فقد قال الله: * (النبي أول بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * [6 / الاحزاب: 33] ونحن أولى به والذي أنكرت من أمامة محمد صلى الله عليه وآله وزعمت أنه كان رسولا ولم يكن إماما فإن إنكارك على جميع النبيين الائمة ولكنا نشهد أنه كان رسولا نبيا إماما صلى الله عليه وآله ولسانك دليل على ما في قلبك وقال الله تعالى: * (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) * [30 / محمد: 47] ألا وقد عرفناك قبل اليوم وعداوتك وحسدك وما في قلبك من المرض الذي أخرجه الله والذي أنكرت من قرابتي وحقي فإن سهمنا وحقنا في كتاب الله قسمة لنا مع نبينا فقال: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * [42 / الانفال: 8] وقال: * (فلت ذا القربى حقه) * [27 / الاسراء: 17] وليس وجدت سهمنا مع سهم الله ورسوله، وسهمك مع الابعدين لا سهم لك إن [إذ " خ "] فارقته فقد أثبت الله سهمنا وأسقط سهمك بفراقك. وأنكرت إمامتي وملكي فهل تجد في كتاب الله قوله لآل إبراهيم: * (واصطفاهم على العالمين) * [30 / آل عمران: 3] فهو فضلنا على العالمين وتزعم أنك لست من العالمين ؟ أو تزعم أنا لسنا من آل إبراهيم فإن أنكرت ذلك لنا فقد أنكرت محمدا صلى الله عليه وآله فهو منا ونحن منه فإن استطعت أن تفرق بيننا وبين إبراهيم صلوات الله عليه وآله وإسماعيل ومحمد وآله في كتاب الله فافعل.

[141]

بيان: قوله عليه السلام: " جملة الدين " كان يحتمل الجيم والحاء المهملة فعلى الاول لعله بدل أو عطف بيان أو تأكيد لقوله: " جملة تبليغه " وقوله: " يقول الله " بتأويل المصدر خبر ويمكن أن يقرأ " بقول الله " بالباء الموحدة وعلى الثاني " جملة الدين " خبر. قوله عليه السلام: " إن أولى الامر " إشارة إلى قوله سبحانه: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * [83 / النساء: 4]. قوله عليه السلام: " دعوة المرء المسلم " لعل المراد به إبراهيم عليه السلام حيث قال: * (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) * وإنما عبر هكذا للاشارة إلى أن قائله أحد الذين مر ذكرهما حيث قالا: " واجعلنا مسلمين لك " الآية. قوله عليه السلام واصطفاهم إشارة إلى قوله سبحانه: * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) *. 421 - كتاب: سليم بن قيس من عينه بالاسناد عن أبان عنه قال: وحدثني أيضا عمر بن أبي سلمة وزعم أبو هريرة العبدي أنه سمعه عن عمر بن أبي سلمة [قال:] إن معاوية دعا أبا الدرداء ونحن مع أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ودعا أبا هريرة فقال لهما: انطلقا إلى علي عليه السلام فاقرآه مني السلام وقولا له: والله إني لاعلم أنك أولى الناس بالخلافة وأحق بها مني لانك من المهاجرين الاولين وأنا من الطلقاء وليس لي مثل سابقتك في الاسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمك بكتاب الله وسنة نبيه عليه وآله السلام ولقد بايعك المهاجرون والانصار بعد ما تشاوروا قبل ثلاثة أيام ثم


421 - الحديث مذكور في كتاب سليم بن قيس الهلالي المطبوع بالنجف الاشرف ص 160.

[142]

أتوك فبايعوك طائعين غير مكرهين وكان أول من بايعك طلحة والزبير ثم نكثا بيعتك ظلما وطلبا ما ليس لهما. وبلغني أنك تعتذر من قتل عثمان وتتبرأ من دمه وتزعم أنه قتل وأنت قاعد في بيتك وأنك قد قلت حين قتل: اللهم لم أرض ولم أمالئ وقلت له يوم الجمل حين نادوا يا لثارات عثمان قلت: كبت قتلة عثمان ليوم لوجههم إلى النار أنحن قتلناه إنما قتله هما وصاحبتهما وأمروا بقتله وأنا قاعد في بيتي وانا ابن عم عثمان والمطالب بدمه. فإن كان الامر كما قلت فأمكنا من قتلة عثمان وادفعهم إلينا نقتلهم بابن عمنا ونبايعك ونسلم إليك الامر هذه واحدة. وأما الثانية فقد أنبأتني عيوني وأتتني الكتب عن أولياء عثمان ممن هو معك يقاتل وتحسب أنه على رأيك وراض بأمرك وهواه معنا وقلبه عندنا وجسده معك وأنك تظهر ولاية أبي بكر وعمر وتترحم عليهما وتكف عن عثمان ولا تذكره ولا تترحم عليه ولا تلعنه. وفي رواية أخرى ولا تسبه ولا تتبرأ منه. وبلغني أنك إذا خلوت ببطانتك الخبيثة وشيعتك وخاصتك الضالة المغيرة الكاذبة تبرأت عندهم من أبي بكر وعمر وعثمان ولعنتهم وادعيت أنك وصي رسول الله في أمته وخليفته فيهم وأن الله [تعالى] جل اسمه فرض على المؤمنين طاعتك وأمر بولايتك في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وأنه أمر محمدا أن يقوم بذلك في أمته وأنه أنزل عليه * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * [67 / المائدة: 5] فجمع قريشا والانصار وبني أمية بغدير خم - وفي رواية أخرى: فجمع أمته بغدير خم - فبلغ ما أمر به فيك عن الله وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب وأخبرهم أنك أولى بهم من أنفسهم وأنك منه بمنزلة هارون من موسى. وبلغني أنك لا تخطب خطبة إلا قلت قبل أن تنزل عن منبرك والله إني

[143]

لاولى بالناس وما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله. والله لئن كان ما بلغني عنك حقا فلظلم أبي بكر وعمر إياك أعظم من ظلم عثمان لانه بلغني أنك تقول: لقد قبض رسول الله ونحن شهود فانطلق عمر وبايع أبا بكر وما استامرك ولا شاورك ولقد خاصم الرجلان الانصار بحقك وحجتك وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله ولو سلما لك الامر وبايعاك كان عثمان أسرع الناس إلى ذلك لقرابتك منه وحقك عليه لانه ابن عمك وابن عمتك. ثم عمد أبو بكر فردها إلى عمر عند موته ما شاورك ولا استأمرك حين استخلفه وبايع له. ثم جعلك عمر في الشورى بين ستة منكم وأخرج منها جميع المهاجرين والانصار وغيرهم فوليتم ابن عوف أمركم في اليوم الثالث حين رأيتم الناس قد اجتمعوا واخترطوا سيوفهم وحلفوا بالله لئن غابت الشمس ولم تختاروا أحدكم لنضربن أعناقكم ولننفذ فيكم أمر عمر ووصيته فوليتم أمركم ابن عوف فبايع عثمان وبايعتموه. ثم حصر عثمان فاستنصركم فلم تنصروه ودعاكم فلم تجيبوه وبيعته في أعناقكم وأنتم يا معشر المهاجرين والانصار حضور شهود فخليتم بينه وبين أهل مصر [فخليتم (خ)] حتى قتلوه وأعانهم طوائف منكم على قتله، وخذله عامتكم فصرتم في أمره بين قاتل وآمر وخاذل ثم بايعك الناس وأنت أحق بها مني فأمكني من قتلة عثمان حتى أقتلهم وأسلم الامر لك وأبايعك أنا وجميع من قبلي من أهل الشام. فلما قرأ علي عليه السلام كتاب معاوية وبلغه أبو الدرداء رسالته ومقالته قال علي عليه السلام لابي الدرداء: قد أبلغتماني ما أرسلكما به معاوية فاسمعا مني ثم أبلغاه عني وقولا له: إن عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين إما إمام هدى حرام

[144]

الدم واجب النصرة لا تحل معصيته ولا يسع الامة خذلانه أو إمام ضلالة حلال الدم لا تحل ولايته ولا نصرته فلا يخلو من إحدى الخصلتين والواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ضالا كان أو مهتديا مظلوما كان أو ظالما حلال الدم أو حرام الدم أن لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدؤا بشئ قبل أن يختاروا لانفسهم إماما يجمع أمرهم عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة يجمع أمرهم ويحكم بينهم ويأخذ للمظلوم من الظالم ويحفظ أطرافهم ويجبي فيئهم ويقيم حجتهم وجمعتهم ويجبي صدقاتهم ثم يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلما ليحكم بينهم بالحق فإن كان إمامهم قتل مظلوما حكم لاوليائه بدمه وإن كان قتل ظالما أنظر كيف كان الحكم في هذا. وأن أول ما ينبغي للمسلمين أن يفعلوه أن يختاروا إماما يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم ويتابعوه ويطيعوه وإن كانت الخيرة إلى الله عزوجل وإلى رسوله فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار ورسول الله صلى الله عليه وآله قد رضي لهم إماما وأمرهم بطاعته واتباعه. وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان وبايعني المهاجرون والانصار بعدما تشاوروا بي ثلاثة أيام وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم ولي بذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والانصار غير أنهم بايعوهم قبل على غير مشورة من العامة وإن بيعتي كانت بمشورة من العامة. فإن كان الله جل اسمه جعل الاختيار إلى الامة وهم الذين يختارون وينظرون لانفسهم واختيارهم لانفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة. هدى وكان إماما واجبا على الناس طاعته ونصرته فقد تشاوروا في واختاروني بإجماع منهم. وإن كان الله عزوجل هو الذي يختار وله الخيرة فقد اختارني للامة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فذلك أقوى بحجتي وأوجب بحقي.

[145]

ولو أن عثمان قتل على عهد أبي بكر وعمر أكان لمعاوية قتالهما والخروج عليهما للطلب ؟ قال أبو هريرة وأبو الدرداء: لا. قال علي عليه السلام: فكذلك أنا فإن قال معاوية نعم فقولا [له]: [إذن] يجوز لكل من ظلم بمظلمة أو قتل له قتيلا أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم ويدعو إلى نفسه مع أن ولد عثمان أولى بطلب دم أبيهم من معاوية. قال: فسكت أبو الدرداء وأبو هريرة وقالا: قد أنصفت من نفسك. قال علي عليه السلام: ولعمري لقد أنصفني معاوية إن تم على قوله وصدق ما أعطاني فهؤلاء بنو عثمان رجال قد أدركوا ليسوا بأطفال ولا مولى عليهم فليأتوا أجمع بينهم وبين قتلة أبيهم فإن عجزوا عن حجتهم فليشهدوا لمعاوية بأنه وليهم ووكيلهم في خصومتهم وليقعدوا هم وخصماؤهم بين يدي مقعد الخصوم إلى الامام والوالي الذين يقرون بحكمه وينفذون قضاءه فأنظر في حجتهم وحجة خصمائهم فإن كان أبوهم قتل ظالما وكان حلال الدم أبطلت دمه - وفي رواية أخرى أهدرت دمه - وإن كان [أبوهم قتل] مظلوما حرام الدم أقدتهم من قاتل أبيهم فإن شاؤا قتلوا وإن شاؤا عفوا وإن شاؤا قبلوا الدية. وهؤلاء قتلة عثمان في عسكري يقرون بقتله ويرضون بحكمي عليهم فليأتني ولد عثمان ومعاوية إن كان وليهم ووكيلهم فليخاصموا قتلته وليحاكموهم حتى أحكم بينهم بكتاب الله وسنة نبية صلى الله عليه وآله وان كان معاوية إنما يتجنى ويطلب الاعاليل والاباطيل فليتجن ما بدا له فسوف يعين الله عليه. قال أبو الدرداء وأبو هريرة: قد والله أنصفت من نفسك وزدت على النصفة وأزحت علته وقطعت حجته وجئت بحجة قوية صادقة ما عليها لون. ثم خرج أبو هريرة وأبو الدرداء فإذا نحو من عشرين ألف رجل مقنعين في الحديد فقالوا: نحن قتلة عثمان مقرون راضون بحكم علي عليه السلام علينا ولنا فليأتنا أولياء عثمان فليحاكمونا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في دم أبيهم وان وجب علينا القود أو الدية اصطبرنا لحكمه وسلمنا فقالا: قد

[146]

أنصفتم ولا يحل لعلي عليه السلام دفعكم ولا قتلكم حتى يحاكموكم إليه فيحكم بينكم وبين أصحابكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. وانطلق أبو الدرداء وأبو هريرة حتى قدما على معاوية فأخبراه بما قال علي عليه السلام وما قال قتلة عثمان وما قال أبو النعمان بن صمان (1). فقال معاوية: فما رد عليكما في ترحمه على أبي بكر وعمر وكفه عن الترحم على عثمان وبراءته منه في السر وما يدعي من إستخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله إياه وأنه لم يزل مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قالا: بلى قد ترحم على أبي بكر وعمر وعثمان عندنا ونحن نسمع ثم قال لنا فما يقول: إن كان الله جعل الخيار إلى الامة فكانوا هم الذين يختارون وينظرون لانفسهم وكان اختيارهم لانفسهم ونظرهم لها خيرا لهم وأرشد من اختيار الله واختيار رسول الله صلى الله عليه وآله فقد اختاروني وبايعوني فبيعتي بيعة هدى وأنا إمام واجب على الناس نصرتي لانهم قد تشاوروا في واختاروني وإن كان اختيار الله واختيار رسوله خيرا لهم وأرشد من اختيارهم لانفسهم ونظرهم لها فقد اختارني الله ورسوله للامة واستخلفاني عليهم وأمراهم بنصرتي وطاعتي في كتاب الله المنزل على لسان نبيه المرسل وذلك أقوى بحجتي وأوجب لحقي. ثم صعد المنبر في عسكره وجمع الناس ومن بحضرته من النواحي والمهاجرين والانصار ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس إن مناقبي أكثر من أن تحصى وبعدما أنزل الله في كتابه من ذلك وما قال رسول الله إني سأنبئكم عن خصال سبعة قالها رسول الله أكتفي بها من جميع مناقبي وفضلي أتعلمون أن الله فضل في كتابه الناطق السابق إلى الاسلام في غير آية من كتابه على المسبوق وأنه لم يسبقني إلى الله ورسوله أحد من الامة قالوا: اللهم نعم.


(1) كذا.

[147]

قال: أنشدكم الله [أتعلمون ما] سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله: * (السابقون السابقون أولئك المقربون) * [10 / الواقعة]. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنزلها الله في الانبياء وأوصيائهم وأنا أفضل أنبياء الله ورسله ووصيي علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل الاوصياء. فقام نحو من سبعين بدريا جلهم من الانصار وبقيتهم من المهاجرين منهم أبو الهيثم ابن التيهان وخالد بن زيد أبو أيوب الانصاري وفي المهاجرين عمار بن ياسر فقالوا: نشهد أنا قد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك. قال: فأنشدكم بالله في قول الله: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) * [49 / النساء: 4] وقوله: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا [الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون]) * الآية (1) ثم قال: ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة (2) فقال الناس يا رسول الله أخاص لبعض المؤمنين أم عام لجميعهم فأمر الله عزوجل رسوله أن يعلمهم وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من صلاتهم وصيامهم وزكاتهم وحجهم فنصبني للناس بغدير خم وقال: إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري وظننت أن الناس مكذبي بها فأوعدني لابلغنها أو يعذبني قم يا علي ثم نادى بأعلى صوته بعد أن أمر بلالا أن ينادى بالصلاة جامعة فصلى بهم الظهر ثم قال: أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر


(1) وهي الآية: (55) من سورة المائدة، وليراجع ما رواه أبو نعيم الحافظ في شأن نزول الآية الكريمة من كتاب النور المشتعل ص 61 - 85 وما رواه الحافظ الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل: ج 1، ص 161 - 184، ط 1. (2) وهي الآية: (16) من سورة التوبة وإليك تمام الآية الكريمة: * (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون) *.

[148]

من نصره واخذل من خذله فقام إليه سلمان الفارسي فقال: يا رسول الله ولاؤه فيما ذا ؟ فقال: ولاؤه كولايتي من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه وأنزل الله: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * [3 / المائدة: 5]. فقال سلمان: يا رسول الله أنزلت هذه الآيات في علي خاصة ؟ فقال: فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة فقال سلمان: يا رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم لنا. فقال: علي عليه السلام أخي ووزيري ووصيي وصنوي ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي وأحد عشر إماما من ولده: الحسن ثم الحسين عليه السلام ثم تسعة من ولد الحسين عليه السلام واحد بعد واحد القرآن معهم وهم مع القرآن لا يفارقونه حتي يردوا علي الحوض. فقام اثنا عشر رجلا من البدريين فقالوا: نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله كما قلت سواء لم تزد حرفا ولم تنقص حرفا وقال بقية السبعين: قد سمعنا ذلك ولم نحفظه كله وهؤلاء الاثني عشر خيارنا وأفضلنا. فقال: صدقتم ليس كل الناس يحفظ بعضهم أحفظ من بعض. فقام من الاثني عشر أربعة: أبو الهيثم بن التيهان وأبو أيوب وعمار وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقالوا: نشهد أنا قد سمعنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وحفظنا أنه قال يومئذ - وهو قائم وعلي عليه السلام قائم إلى جانبه - أيها الناس إن الله أمرني أن أنصب لكم إماما يكون وصيي فيكم وخليفتي في أمتي وفي أهل بيتي من بعدي والذي فرض الله على المؤمنين في كتابه طاعته وأمركم فيه بولايته فراجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم فأوعدني لابلغها أو ليعذبني. أيها الناس إن الله أمركم في كتابه بالصلاة وقد بينتها لكم وسننتها والزكاة والصوم والحج فبينتها وفسرتها لكم وأمركم في كتابه بالولاية وإن أشهدكم أيها الناس أنها خاصة لعلي بن أبي طالب عليه السلام والاوصياء من ولدي وولد أخي ووصيي علي أولهم ثم الحسن ثم الحسين ثم تسعة من ولد الحسين عليه

[149]

السلام لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي الحوض. أيها الناس إني قد أعلمتكم مفزعكم وإمامكم بعدي ودليلكم وهاديكم وهو أخي علي بن أبي طالب عليه السلام وهو فيكم بمنزلتي فقلدوه دينكم وأطيعوه في جميع أموركم فإن عنده جميع ما علمني الله عزوجل [و] أمرني الله أن أعلمه إياكم وأعلمكم أنه عنده فاسألوه وتعلموا منه ومن أوصيائه بعده ولا تعلموهم ولا تتقدموهم ولا تتخلفوا عنهم فإنهم مع الحق والحق معهم لا يزايلونه ولا يزايلهم. ثم قال علي عليه السلام لابي الدرداء وأبي هريرة ومن حوله: يا أيها الناس أتعلمون أن الله تبارك وتعالى أنزل في كتابه: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * فجمعني رسول صلى الله عليه وآله وفاطمة والحسن والحسين في كساء وقال: اللهم هؤلاء [أحبتي " خ "] وعترتي وحامتي وأهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقالت أم سلمة: وأنا ؟ فقال: إنك إلى خير وإنما أنزلت في وفي أخي علي وابنتي فاطمة وابني الحسن والحسين صلوات الله عليهم خاصة ليس معنا غيرنا وفي تسعة من ولد الحسين من بعدي. فقام كلهم فقالوا: نشهد أن أم سلمة حدثتنا بذلك فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فحدثنا به كما حدثتنا أم سلمة. ثم قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن الله جل اسمه أنزل: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * [119 / التوبة: 9] فقال سلمان: يا رسول الله أعامة أم خاصة فقال: أما المأمورون فعامة لان جماعة المؤمنين أمروا بذلك وأما الصادقون فخاصة علي بن أبي طالب وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة وقلت لرسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك: يا رسول الله لم خلفتني ؟ فقال: إن المدنية لا تصلح إلا بي أو بك وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة فإنه لا نبي بعدي.

[150]

فقام رجال ممن معه من المهاجرين والانصار فقالوا: نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك. فقال: أنشدكم الله أتعلمون أن الله أنزل في سورة الحج: * (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) * إلى آخر السورة (1) فقام سلمان فقال يا رسول الله من هؤلاء الذين أنت عليهم شهيد وهم شهداء على الناس الذين اجتباهم الله وما جعل عليهم في الدين من حرج ملة أبيهم إبراهيم ؟ قال: عني بذلك ثلاثة عشر إنسانا أنا وأخي وإحدى عشر من ولدي قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطيبا ولم يخطب بعدها وقال: إني قد تركت فيكم أيها الناس أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وأهل بيتي فإنه قد عهد إلي اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فقالوا: اللهم نعم قد شهدنا ذلك كله فقال حسبي الله. فقام الاثني عشر فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين خطب في اليوم الذي قبض فيه قام عمر بن الخطاب شبه المغضب فقال: يا رسول الله أكل أهل بيتك ؟ فقال: لا ولكن أوصيائي منهم علي أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي هذا أولهم وآخرهم ثم وصيي ابني هذا - وأشار إلى الحسن - ثم وصيه هذا - وأشار إلى الحسين - ثم وصيي ابني وسمى أخي ثم وصيه سميي ثم سبعة من ولده واحد بعد واحد حتى يردوا على الحوض شهداء لله في أرضه وحججه على خلقه من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله. فقام السبعون البدريون ونحوهم من الآخرين فقالوا: أدركنا ما كنا نسينا نشهد أنا قد سمعنا ذلك من رسول الله.


(1) الآية: (77 - 78) من سورة الحج: 22.

[151]

فلم يدع [عليه السلام] شيئا إلا ناشدهم فيه حتى أتى على آخر مناقبه وما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه كل ذلك يصدقونه ويشهدون أنه حق. فلما حدث أبو الدرداء وأبو هريرة معاوية بكل ذلك وبما رد عليه الناس وجم من ذلك وقال: يا أبا الدرداء ويا أبا هريرة لئن كان ما تحدثاني عنه حقا لقد هلك المهاجرون والانصار غيره وغير أهل بيته وشيعته. ثم كتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام: لئن كان ما قلت وادعيت واستشهدت عليه أصحابك حقا لقد هلك أبو بكر وعمر وعثمان وجميع المهاجرين والانصار غيرك وغير أهل بيتك وشيعتك وقد بلغني ترحمك عليهم واستغفارك لهم وانهم لعلى وجهين مالها ثالث إما تقية إن أنت تبرأت منهم خفت أن يتفرق عنك أهل عسكرك الذين تقاتلني بهم وإن كان الذي ادعيت باطلا وكذبا فقد جاءني بعض من تثق به من خاصتك بأنك تقول لشيعتك وبطانتك بطانة السوء: أني قد سميت ثلاثة من بني أبا بكر وعمر وعثمان فإذا سمعتموني أترحم على أحد من أئمة الضلالة فإنما أعني بذلك بني والدليل على ذلك - وفي رواية أخرى: على صدق ما أتوني به ورقوه إلي - أن قد رأيناك بأعيننا فلا نحتاج أن نسأل عن ذلك غيرنا وإلا فلم حملت امرأتك فاطمة على حمار وأخذت بيد ابنيك الحسن والحسين إذ بويع أبو بكر فلم تدع أحدا من أهل بدر والسابقة إلا وقد دعوتهم واستنفرتهم عليه فلم تجد منهم إنسانا غير أربعة: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير لعمري لو كنت محقا لاجابوك وساعدوك ونصروك، ولكن ادعيت باطلا وما لا يقرون به وسمعتك أذناي وأنت تقول لابي سفيان حين قال لك: غلبك عليه أذل أحياء قريش تيم وعدي ودعاك إلى أن ينصرك فقلت: لو وجدت أعوانا أربعين رجلا من المهاجرين والانصار من أهل السابقة لناهضت الرجل فإنا لم نجد غير أربعة رهط بايعت مكرها. قال: فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فقد قرأت كتابك فكثر ما يعجبني مما خطت فيه يدك وأطنبت

[152]

فيه من كلامك ومن البلاء العظيم والخطب الجليل على هذه الامة أن يكون مثلك يتكلم أو ينظر في عامة أمرهم أو خاصته وأنت من تعلم وابن من قد علمت وأنا من قد علمت وابن من تعلم وسأجيبك فيما قد كتبت بجواب لا أظنك تعقله أنت ولا وزيرك ابن النابغة عمرو الموافق لك كما وافق شن طبقة فإنه هو الذي أمرك بهذا الكتاب وزينه لك أو حضركما فيه إبليس ومردة أصحابه - وفي رواية أخرى ومردة أبالسته - وإن رسول صلى الله عليه وآله قد كان خبرني أنه رأى على منبره إثني عشر رجلا أئمة ضلالة من قريش يصعدون على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وينزلون على صورة القرود يردون أمته على أدبارهم عن الصراط المستقيم اللهم وقد خبرني بأسمائهم رجلا رجلا وكم يملك كل واحد منهم واحد بعد واحد عشرة منهم من بني أمية ورجلين من حيين مختلفين من قريش عليهما مثل أوزار الامة جميعا إلى يوم القيامة ومثل جميع عذابهم فليس دم يهراق في غير حقه ولا فرج يغشى ولا حكم بغير حق إلا كان عليهما وزره (1). وسمعته يقول: إن بني أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا جعلوا كتاب الله دخلا وعباد الله خولا ومال الله دولا (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أخي إنك لست كمثلي إن الله أمرني أن أصدع بالحق وأخبرني أنه يعصمني


(1) وهذا من فروع مسألة وقاعدة: " من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " والقاعدة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رواها مسلم بأسانيد كثيرة في باب الحث على الصدقة وهو الباب: (20) من كتاب الزكاة (12) تحت الرقم: (1017) وفي باب: " من سن سنة حسنة أو سيئة... " وهو الباب (6) من كتاب العلم: (47) من صحيحه: ج 2 ص 704 وج 4 ص 2059 ط دار الاحياء للتراث. ورواها أيضا الطبراني في ترجمة جرير أو جابر من كتاب المعجم الكبير. (2) ولهذه القطعة من الكلام أيضا شواهد في كتب أهل السنة ولها مصادر، وقد رواها الحافظ ابن عساكر بأسانيد في ترجمة معاوية ومروان من تاريخ دمشق، وبعض طرقها ينتهي إلى معاوية نفسه.

[153]

من الناس فأمرني أن أجاهد ولو بنفسى فقال: * (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) * وقال: * (حرض المؤمنين على القتال) * (1) وقد مكثت بمكة ما مكثت لم أومر بقتال ثم أمرني بالقتال لانه لا يعرف الدين إلا بي ولا الشرايع ولا السنن والاحكام والحدود والحلال والحرام وإن الناس يدعون بعدي ما أمرهم الله به وما أمرهم فيك من ولايتك وما أظهرت من محبتك متعمدين غير جاهلين مخالفة لما أنزل الله فيك فإن وجدت أعوانا عليهم فجاهدهم فإن لم تجد أعوانا فاكفف يدك واحقن دمك فإنك إن نابذتهم قتلوك وإن تابعوك وأطاعوك فاحملهم على الحق وإلا فادع الناس فإن استجابوا لك ووازروك فنابذهم وجاهدهم وإن لم تجد أعوانا فاكفف يدك واحقن دمك واعلم أنك إن دعوتهم لم يستجيبوا لك فلا تدعن عن أن تجعل الحجة عليهم إنك يا أخي لست مثلي إني قد أقمت حجتك وأظهرت لهم ما أنزل الله فيك وإنه لم يعلم أني رسول الله وأن حقي وطاعتي واجبان حتى أظهرت ذلك و [أما] أنت فإني كنت قد أظهرت حجتك وقمت بأمرك فإن سكت عنهم لم تأثم غير أنه أحب أن تدعوهم وإن لم يستجيبوا لك ولم يقبلوا منك وتظاهرت عليك ظلمة قريش فدعهم فإني أخاف عليك إن ناهضت القوم ونابذتهم وجاهدتهم من غير أن يكون معك فئة تقوى بهم أن يقتلوك، والتقية من دين الله ولا دين لمن لا تقية له وإن الله قضى الاختلاف والفرقة على هذه الامة ولو شاء لجمعهم على الهدى ولم يختلف إثنان منها ولا من خلقه ولم يتنازع في شئ من أمره ولم يجحد المفضول ذا الفضل فضله ولو شاء عجل منه النقمة وكان منه التغيير حين يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره والله جعل الدنيا دار الاعمال وجعل الآخرة دار الثواب والعقاب * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * فقلت شكرا لله على نعمائه وصبرا على بلائه وتسليما ورضى بقضائه. ثم قال: يا أخي أبشر فإن حياتك وموتك معي (2) وأنت أخي وأنت


(1) الآية 48 و 65 / الانفال. وكان في الاصل: جاهد في سبيل الله. (2) ولهذه القطعة من الحديث أسانيد ومصادر، وقد رواها أهل السنة بأسانيدهم التي

[154]

وصيي وأنت وزيري وأنت وارثي وأنت تقاتل على سنتي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ولك بهارون أسوة حسنة إذ استضعفه أهله وتظاهروا عليه وكادوا يقتلونه فاصبر لظلم قريش إياك وتظاهرهم عليك فإنها ضغائن في صدور قوم [لهم] أحقاد بدر وتراث أحد وإن موسى أمر هارون حين استخلفه في قومه إن ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم بهم فإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم فافعل أنت كذلك إن وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم وإن لم ؟ جد اعوانا فاكفف يدك واحقن دمك فإنك إن نابذتهم قتلوك واعلم انك إن لم تكف يدك وتحقن دمك إذا لم تجد اعوانا تخوفت عليك أن يرجع الناس إلى عبادة الاصنام والجحود بأني رسول الله فاستظهر بالحجة عليهم ودعهم ليهلك الناصبون لك والباغون عليك ويسلم العامة والخاصة فإذا وجدت يوما أعوانا على إقامة كتاب الله والسنة فقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فإنما يهلك من الامة من نصب لك أو لاحد من أوصيائك وعادى وجحد ودان بخلاف ما أنتم عليه. ولعمري يا معاوية لو ترحمت عليك وعلى طلحة والزبير كان ترحمي عليكم واستغفاري لكم لعنة عليكم وعذابا وما أنت وطلحة والزبير بأعظم جرما ولا أصغر ذنبا ولا أهون بدعة وضلالة من الذين أسسا لك ولصاحبك الذي تطلب بدمه ووطئا لكما ظلمنا أهل البيت وحملاكم على رقابنا قال الله تبارك وتعالى: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) * [50 - 53 / النساء] فنحن الناس ونحن المحسودون قال الله عزوجل: * (لقد آتينا


تنتهي إلى الشهيد الفقيه المجاهد قتيل الظلمة والطغاة والمنافقين حجر بن عدي الكندي رفع الله درجاته. وليراجع الحديث: (946) وما بعده وتعليقاتها من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ج 2 ص 434 - 436 ط 2. (*)

[155]

آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * [54 / النساء] فالملك العظيم أن جعل منهم أئمة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله والكتاب والحكمة والنبوة فلم يقرون بذلك في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد صلى الله عليه وآله. يا معاوية فإن تكفر بها أنت وصاحبك ومن قبلك من طغام أهل الشام واليمن والاعراب أعراب ربيعة ومضر جفاة الامة: فقد وكل الله بها قوما ليسوا بها بكافرين (1). يا معاوية إن القرآن حق ونور وهدى ورحمة وشفاء للمؤمنين والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى (2). يا معاوية إن الله لم يدع صنفا من أصناف الضلالة والدعاة إلى النار إلا وقد رد عليهم واحتج عليهم في القرآن ونهى عن اتباعهم وأنزل فيهم قرآنا ناطقا علمه من علمه وجهله من جهله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ليس من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما من حرف إلا وله تأويل * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * [7 / آل عمران: 3]. وفي رواية أخرى وما منه حرف إلا وله حد مطلع على ظهر القرآن وبطنه وتأويله * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * الراسخون في العلم نحن آل محمد، وأمر الله ساير الامة أن يقولوا آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب وأن يسلموا إلينا ويردوا الامر إلينا وقد قال الله: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * [83 / النساء: 4] هم الذين يسئلون عنه ويطلبونه.


(1) اقتباس من الاية: (89) من سورة الانعام وهذا نصها: * (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) *. (2) إشارة إلى الآية: (44) من سورة " فصلت ": * (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى...) *.

[156]

ولعمري لو أن الناس حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله سلموا لنا واتبعونا وقلدونا أمورهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما طمعت أنت يا معاوية فما فاتهم منا أكثر مما فاتنا منهم. ولقد أنزل الله في وفيك [آيات من] سورة خاصة الامة يأولونها على الظاهر ولا يعلمون ما الباطن وهي في سورة الحاقة: فأما من أوتي كتابه بيمينه... وأما من أوتي كتابه بشماله... وذلك أنه يدعي بكل إمام ضلالة وإمام هدى ومع كل واحد منهما أصحابه الذين بايعوه فيدعى بي وبك يا معاوية وأنت صاحب السلسلة الذي يقول: * (يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه) * [25 - 26 / الحاقة: 69] سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ذلك وكذلك كل إمام ضلالة كان قبلك أو يكون بعدك له مثل ذلك من خزي الله وعذابه ونزل فيكم قول الله عزوجل: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) * (1) وذلك إن رسول الله رآى إثنا عشر إماما من أئمة الضلالة على منبره يردون الناس على أدبارهم القهقرى رجلان من قريش وعشرة من بني أمية أول العشرة صاحبك الذي تطلب بدمه وأنت وابنك وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص أو لهم مروان (2) وقد لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وطرده وما ولد حين أسمع


(1) وهي الآية: (60) من سورة الاسراء: (17). وقد روى الحافظ الكبير ابن عساكر بأسانيد نزول الآية الكريمة في بني أبي العاص بن الربيع في ترجمة مروان من تاريخ دمشق. ورواه أيضا العلامة الاميني رحمه الله عن مصادر كثيرة جدا في عنوان: " الحكم [بن أبي العاص] في القرآن " من كتاب الغدير: ج 8 ص 247 - 250. (2) في النسخ هنا تصحيف واشتباه فخلفاء بني أمية على المشهور أربعة عشر عثمان ومعاوية ويريد ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك ويزيد بن وليد الناقص وإبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد وعلى بعض النسخ لعله أسقط بعضهم لقلة ملكهم وعدهم استقرار أمرهم كما يظهر من التواريخ. منه رحمه الله.

[157]

نبينا رسول الله صلى الله عليه وآله. إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ولم يرض لنا الدنيا ثوابا وقد سمعت رسول الله أنت ووزيرك وصويحبك يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا كتاب الله دخلا وعباد الله خولا ومال الله دولا. يا معاوية إن نبي الله زكريا نشر بالمنشار ويحيى ذبح وقتله قومه وهو يدعوهم إلى الله عزوجل وذلك لهوان الدنيا على الله إن أولياء الشيطان قد حاربوا أولياء الرحمن قال الله: * (إن الذين [يكفرون بآيات الله و] يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشره بعذاب أليم) * [21 / آل عمران: 3]. يا معاوية إن رسول الله قد أخبرني أن أمته سيخضبون لحيتي من دم رأسي وأني مستشهد وستلي الامة من بعدي وأنك ستقتل ابني الحسن غدرا بالسم وأن ابنك يزيد لعنه الله سيقتل ابني الحسين يلي ذلك منه ابن زانية وأن الامة سيليها من بعدك سبعة من ولد أبي العاص وولد مروان بن الحكم وخمسة من ولده تكلمة إثنا عشر إماما قد رآهم رسول الله يتواثبون على منبره تواثب القردة يردون أمته عن دين الله على أدبارهم القهقرى وأنهم أشد الناس عذابا يوم القامة وأن الله سيخرج الخلافة منهم برايات سود تقبل من المشرق يذلهم الله بهم ويقتلهم تحت كل حجر وأن رجلا من ولدك ميشوم وملعون جلف جاف منكوس القلب فظ غليظ قاس قد نزع الله من قلبه الرأفة والرحمة أخواله من كلب كأني أنظر إليه ولو شئت لسميته ووصفته وابن كم هو فيبعث جيشا إلى المدينة فيدخلونها فيسرفون فيها في القتل والفواحش ويهرب منهم رجل من ولدي زكي تقي الذي يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا وإني لاعرف اسمه وابن كم هو يومئذ وعلامته وهو من ولدا بني الحسين عليه السلام الذي يقتله ابنك يزيد وهو الثائر بدم أبيه فيهرب إلى مكة ويقتل صاحب ذلك الجيش رجلا من ولدي زكيا بريئا عند أحجار الزيت ثم يصير ذلك الجيش إلى مكة وإني لاعلم اسم أميرهم وعدتهم وأسمائهم وسمات

[158]

خيولهم فإذا دخلوا البيداء واستوت بهم الارض خسف بهم قال الله عزوجل: * (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) * [51 / سبأ] قال من تحت أقدامهم فلا يبقى من ذلك الجيش أحد غير رجل واحد يقلب الله وجهه من قبل قفاه ويبعث الله للمهدي أقواما يجمعون من أطراف الارض قزع كقزع الخريف والله إني لاعرف أسماءهم واسم أميرهم ومناخ ركابهم فيدخل المهدي الكعبة ويبكي ويتضرع قال عزوجل: * (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض) * 62 / النمل 27] هذا لنا خاصة أهل البيت أما والله يا معاوية لقد كتبت إليك هذا الكتاب وإني لاعلم أنك لا تنتفع به وأنك ستفرح إذا أخبرتك أنك ستلي الامر وابنك بعدك لان الآخرة ليست من بالك وأنك بالآخرة لمن الكافرين وستندم كما ندم من أسس هذا الامر لك وحملك على رقابنا حين لم تنفعه الندامة. ومما دعاني إلى الكتاب بما كتبت به إني أمرت كاتبي أن ينسخ ذلك لشيعتي وأصحابي لعل الله أن ينفعهم بذلك أو يقرأه واحد من قبلك فخرج الله به من الضلالة إلى الهدى ومن ظلمك وظلم أصحابك وفتنتكم وأحببت أن أحتج عليك. فكتب إليه معاوية: هنيئا لك يا أبا الحسن تملك الآخرة وهنيئا لنا تملك الدنيا. بيان: قال الجوهري: مالاته على الامر ممالاة: ساعدته عليه وشايعته وفي الحديث: ما قتلت عثمان ولا مالات على قتله. وقال القود: القصاص. وأقدت القاتل بالقتيل أي قتلته به يقال: أقاده السلطان من أخيه واستقدت الحاكم أي سألته أن يقيد القاتل بالقتيل. وقال: زاح الشئ: بعد وذهب. " ما عليها لون " اللون: الدقل وهو أردء التمر أي ما ذكرت في حجتك كلها قوية ليس فيها كلام ضعيف تشبيها بهذا النوع من التمر. وقال الجوهري: قولهم: وافق شن طبقة (1) قال ابن السكيت: هو شن بن أفصى بن عبد القيس وطبق


(1) وشن حي بن عبد القيس وهو شن بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمة بن

[159]

حي من أياد وكانت شن لا يقام لها فواقعتها طبق فانتصفت منها فقيل وافق شن طبقة وافقه فاعتنقه انتهى. وسيأتي الكلام فيه وفي بعض أجزاء الخبر. 422 - ني: ابن عقدة ومحمد بن همام وعبد العزيز وعبد الواحد ابنا عبد - الله بن يونس عن رجالهم عن عبد الرزاق بن همام عن معمر بن راشد عن أبان بن أبي عياش. وأخبرنا به من غير هذه الطرق هارون بن محمد عن أحمد بن عبيدالله بن جعفر بن المعلي الهمداني عن عمرو بن جامع بن عمرو الكندي عن عبد الله بن المبارك شيخ لنا كوفي ثقة عن عبد الرزاق بن همام عن معمر عن أبي عياش عن سليم. وذكر أبان أنه سمعه أيضا عن عمر بن أبي سلمة. قال معمر: وذكر ابراهيم العبدي أنه أيضا سمعه عن عمر بن أبي سلمة عن سليم: أن معاوية لما دعا أبا الدرداء وأبا هريرة ونحن مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه في صفين فحملهما الرسالة إلى أمير المؤمنين وأدياها إليه قال: قد بلغتماني ما أرسلكما به معاوية فاستمعا مني وأبلغاه عني كما بلغتماني قالا: نعم. فأجابه علي عليه السلام الجواب بطوله حتى انتهى إلى ذكر نصب رسول الله صلى الله عليه وآله إياه بغدير خم. وساق الحديث نحوا مما روينا من كتاب سليم إلى قوله: فانطلق ابو الدرداء وأبو هريرة فحدثا معاوية بكل ما قال علي عليه السلام واستشهد عليه وما رد عليه الناس وشهدوا به.


جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار منهم الاعور الشني وفي المثل وافق [شن طبقه]. كذا في هامش هذا المقام من البحار ط الكمباني. 422 - رواه النعماني رحمه الله في الحديث: (8) من الباب: (4) من كتاب الغيبة ص 45 ط 2.

[161]

[الباب السابع عشر] باب ما ورد في معاوية وعمرو بن العاص وأوليائهما وقد مضى بعضها في باب مثالب بني أمية 423 - فس: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * نزلت في معاوية لما خان أمير المؤمنين عليه السلام. بيان: لعل المراد أن أمير المؤمنين عمل بهذا الحكم في معاوية قال البيضاوي: * (وإما تخافن من قوم) * معاهدين خيانة نقض عهد تلوح لك * (فانبذ إليهم) * فاطرح إليهم عهدهم (على سواء) على عدل أو طريق قصد في العداوة ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد. 424 - قب: المحاضرات عن الراغب أنه قال أمير المؤمنين عليه السلام لا يموت ابن هند حتى يعلق الصليب في عنقه. وقد رواه الاحنف بن قيس وابن شهاب الزهري والاعثم الكوفي وأبو حيان التوحيدي وأبو الثلاج في جماعة


423 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (58) من سورة الانفال: 8. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 90 ط 3. 424 - المناقب لابن شهر آشوب، فصل " في إخباره بالغيب "، ج 2، ص 259، ط ايران.

[162]

فكان كما قال عليه السلام. 425 - فس: (ومن يعصى الله ورسوله) في ولاية علي صلوات الله عليه (فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) [23 / الجن]. قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أنت قسيم النار تقول: هذا لي وهذا لك قالوا: فمتى يكون ؟ متى ما تعدنا يا محمد من أمر علي والنار ؟ فأنزل الله تعالى: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون) * يعني الموت والقيامة * (فسيعلمون) * يعني فلانا وفلانا وفلانا ومعاوية وعمرو بن العاص وأصحاب الضغائن من قريش * (من أضعف ناصرا وأقل عددا " (1). 426 - فس: محمد بن جعفر عن محمد بن عيسى عن زياد، عن الحسن بن علي بن فضال عن ابن بكير عن الحسن بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قوله: " وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا " فقال: لا بل والله شر أريد بهم حين بايعوا معاوية وتركوا الحسن بن علي صلوات الله عليهما. 427 - ن: بإسناد التميمي عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين قال: لقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه


425 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية الكريمة وهي الآية: (23) من سورة الجن: (72) من تفسيره. ورواه أيضا عنه السيد هاشم البحراني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة من سورة الجن من تفسير البرهان: ج 4 ص 393. (1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا " يعني فلانا وفلانا وفلانا ومعاوية وعمرو بن العاص وأصحاب الضغائن من قريش " من أضعف ناصرا وأقل عددا ". 426 - رواه علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسير الآية: (10) من سورة الجن من تفسيره. 427 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في أواخر الباب: (31) تحت الرقم: (275) منه من كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2 ص 63، وفي ط بيروت ص 69.

[163]

وآله أن أهل صفين قد لعنهم الله عزوجل على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وقد خاب من افترى. 428 - فس: * (فلا صدق ولا صلى) * [31 / القيامة: 75] فإنه كان سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا إلى بيعة علي يوم غدير خم فلما بلغ الناس وأخبرهم في علي ما أراد الله أن يخبرهم به رجعوا الناس فاتكأ معاوية على المغيرة بن شعبة وأبي موسى الاشعري ثم أقبل يتمطى نحو أهله ويقول: والله ما نقر لعلي بالولاية أبدا ولا نصدق محمدا مقالته فيه فأنزل الله جل ذكره: * (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى) * وعيدا للفاسق فصعد رسول الله المنبر وهو يريد البرائة منه فأنزل الله: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به) * فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يسمه. بيان: " فلا صدق " من الصدق أو التصديق " يتمطى " أي يتبختر افتخارا بذلك " أولى لك " ويل لك. 429 - فس: دخل رسول الله المسجد وفيه عمرو بن العاص والحكم بن


428 - رواه علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسير الآية الكريمة من تفسيره: ج 2، ص 397، ط 2. ورواه البحراني عنه وعن ابن شهر أشوب في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 4 ص 406. ورواه بأسانيد فرات بن إبراهيم الكوفي رحمه الله في تفسير السورة المباركة من تفسيره ص 195، ط 1. ورواه عنه الحافظ الحسكاني في الحديث: (1040) من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 295 ط 1. 429 - رواه علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسير الآية الكريمة من تفسيره. ورواه عنه السيد هاشم البحراني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 4 ص 515. وكلمتا " عمرو بن " مقحمتان في الحديث، أو أن لفظة " أبو " سقطت من الحديث أي و [كان] فيه أبو عمرو بن العاص والحكم...

[164]

أبي العاص فقال عمرو: يا أبا الابتر وكان الرجل في الجاهلية إذا لم يكن له ولد يسمى أبترا ثم قال عمرو: وإني لاشنأ محمدا أي أبغضه فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله * (إن شانئك) * أي مبغضك عمرو بن العاص * (هو الابتر) * يعني لا دين له ولا نسب. 430 - يب: ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أهل مكة أن يواجروا دورهم وأن يغلقوا عليها أبوابا وقال: " سواء العاكف فيه والباد " قال: وفعل ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام حتى كان في زمن معاوية. 431 - مع: المكتب عن ابن زكريا عن ابن حبيب عن نصر بن عبيد عن نصر بن مزاحم عن عبد الغفار بن القاسم عن الاعمش عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: أقبل ابو سفيان ومعاوية يتبعه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم العن التابع والمتبوع اللهم عليك بالاقيعس. قال ابن البراء لابيه من الاقيعس ؟ قال: معاوية. 432 - كتاب صفين مثله.


430 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في كتاب الحج من كتاب تهذيب الاحكام. وقريبا منه رواه الشيخ رحمه الله في الحديث: (104) من باب الزيادات من كتاب التهذيب: ج 5 ص 388 ط النجف. وقريبا منه رواه السيد الرضي رحمه الله في ذيل المختار: (67) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة. وفي تفسير الآية: (24) وما بعدها من سورة الحج في تفسير البرهان: ج 3 ص 83 - 84 ط 3 شواهد. 431 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الباب: معنى الاقيعس من كتاب معاني الاخبار: ج 2 ص 327 ط النجف. 432 - رواه نصر بن مزاحم المنقري في أوائل الجزء الرابع من كتاب صفين ص 216 ط مصر. ورواه العلامة الاميني مع أحاديث أخر في معناه عن مصادر كثيرة في عنوان:

[165]

قال الصدوق رضي الله عنه: الاقيعس تصغير الاقعس وهو الملتوي العنق والقعاس التواء يأخذ في العنق من ريح كأنما يكسره إلى ما وراءه والاقعس العزيز الممتنع ويقال عز اقعس. والقوعس: الغليظ العنق الشديد الظهر من كل شئ. والقعوس: الشيخ الكبير. والقعس: نقيض الحدب والفعل قعس يقعس قعسا والجمع قعساوات وقعس. والقعساء من النملة الرافعة صدرها وذنبها والاقعنساس شدة والتقاعس هو من تقاعس فلان إذا لم ينفذ ولم يمض لما كلف ومقاعس حي من تميم. 433 - مع: ابن الوليد عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا عن الاشعري عن السياري عن الحكم بن سالم عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله قلنا: صدق الله وقالوا: كذب الله قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وقاتل معاوية علي بن أبي طالب وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عليه السلام والسفياني يقاتل القائم عليه السلام. 434 - قب: كتاب أحمد بن عبد الله المؤذن عن أبي معاوية الصرير عن الاعمش عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة وابن عباس وفي تفسير ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: " أليس الله بأحكم الحاكمين " وقد


" المغالات في معاوية " من كتاب الغدير: ج 10، ص 139 - 177. ولاحظ ما رواه ابن أبي الحديد في آخر شرحه على المختار: (54) من نهج البلاغة: ج 1، ص 760 433 - رواه الصدوق رحمه الله في الباب: " معنى قول الصادق عليه السلام: إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله عزوجل من كتاب معاني الاخبار: ج 2 ص 328 ط النجف. وفي أواسط شرحه على المختار (56) ج 1، ص 794، ط بيروت. 434 - رواه ابن شهر اشوب رحمه الله في عنوان: " فصل في طاعة علي وعصيانه " من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 7 ط النجف. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية الاخيرة من سورة " التين: 95 " من تفسير البرهان: ج 4 ص 477 ط 3.

[166]

دخلت الروايات بعضها في بعض أن النبي صلى الله عليه وآله أنتبه من نومه في بيت أم هانئ فزعا فسألته عن ذلك فقال: يا أم هانئ إن الله عزوجل عرض علي في منامي القيامة وأهوالها والجنة ونعيمها والنار وما فيها وعذابها فأطلعت في النار فإذا أنا بمعاوية وعمرو بن العاص قائمين في حر جهنم ترضخ رؤوسهما الزبانية بحجارة من جمر جهنم يقولون لهما هل آمنتا بولاية علي بن أبي طالب. قال ابن عباس فيخرج علي من حجاب العظمة ضاحكا مستبشرا وينادي: حكم لي ورب الكعبة فذلك قوله: " أليس الله بأحكم الحاكمين " فيبعث الخبيث إلى النار ويقوم علي في الموقف يشفع في أصحابه وأهل بيته وشيعته. 435 - مع: ابن المتوكل عن الحميري عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن الثمالي قال: سمعت أبا جعفر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله ومعاوية يكتب بين يديه وأهوى بيده إلى خاصرته بالسيف من أدرك هذا يوما أميرا فليبقر خاصرته بالسيف فرآه رجل ممن سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وهو يخطب بالشام على الناس فاخترط سيفه ثم مشى إليه فحال الناس بينه وبينه فقالوا: يا عبد الله مالك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول من أدرك هذا يوما أميرا فليبقر خاصرته بالسيف قال: فقالوا: أتدري من استعمله ؟ قال: لا. قالوا: أمير المؤمنين عمر فقال الرجل: سمع وطاعة لامير المؤمنين. بيان بقره كمنعه: شقه ووسعه. 436 - ن: الحسين بن أحمد البيهقي عن محمد بن يحيى الصولي عن أحمد بن


435 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الباب: معنى استعانة النبي بمعاوية في كتابة الوحي من كتاب معاني الاخبار: ج 2 ص 328 ط النجف. وفيه: سمعا وطاعة. 436 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في آخر الباب: (32) من كتاب عيون أخبار الرضا - عليه السلام -: ج 2 ص 86 ط النجف.

[167]

محمد بن إسحاق عن أبيه قال: حلف رجل بخراسان بالطلاق أن معاوية ليس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أيام كان الرضا عليه السلام بها فأفتى الفقهاء بطلاقها فسئل الرضا عليه السلام فأفتى أنها لا تطلق فكتب الفقهاء رقعة أنفذوها إليه وقالوا له: من أين قلت يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله إنها لم تطلق فوقع عليه السلام في رقعتهم قلت هذا من روايتكم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لمسلمة الفتح وقد كثروا عليه: أنتم خير وأصحابي خير ولا هجرة بعد الفتح فأبطل الهجرة ولم يجعل هؤلاء أصحابا له فرجعوا إلى قوله. 437 - ل: ابن موسى عن ابن زكريا عن ابن حبيب عن نصير بن عبيد عن نصر بن مزاحم عن يحيى بن يعلى عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن أبي حرب بن أبي الاسود عن رجل من أهل الشام عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: من شر خلق الله خمسة إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه وفرعون دو الاوتاد ورجل من بني إسرائيل ردهم عن دينهم ورجل من هذه الامة يبايع على كفر عند باب لد قال: ثم قال: إني لما رأيت معاوية يبايع عند لد ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله فلحقت بعلي فكنت معه. 438 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن يحيى بن يعلى مثله. بيان: قال الفيروز آبادي " لد " بالضم قرية بفلسطين يقتل عيسى عليه السلام الدجال عند بابها. 439 - ير: الحسن بن علي عن العباس بن عامر عن أبان عن بشير النبال


437 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث الاخير من باب الخمسة من الخصال ج 1، ص 319 ط 3. 438 - رواه نصر بن مزاحم المنقري رحمه الله في أوائل الجزء الرابع من كتاب صفين ص 217 ط مصر. 439 - رواه الصفار كتاب بصائر الدرجات في باب أن الائمة يعرضون عليهم أعدائهم، ح 1، ص 284، ط قم.

[168]

عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: كنت خلف أبي وهو على بغلته فنفرت بغلته فإذا رجل شيخ في عنقه سلسلة ورجل يتبعه فقال: يا علي بن الحسين اسقني اسقني. فقال الرجل: لا تسقه لا سقاه الله قال وكان الشيخ معاوية. 440 - ختص: أيوب بن نوح والحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة عن العباس مثله. 441 - ير: محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن الحسين بن أبي العلاء عن هارون بن خارجة عن يحيى بن أم الطويل قال: صحبت علي بن الحسين عليه السلام في المدينة إلى مكة وهو على بغلته وأنا على راحلة فجزنا وادي ضجنان فإذا نحن برجل أسود في رقبته سلسلة قال: وهو يقول يا علي بن الحسين اسقني سقاك الله. قال: فقال علي فوضع رأسه على صدره ثم حرك دابته قال: فالتفت فإذا رجل يجذبه وهو يقول: لا تسقه لا سقاه الله قال: فحركت راحلتي فلحقت بعلي بن الحسين عليه السلام قال: فقال لي: أي شئ رأيت ؟ فأخبرته فقال: ذاك معاوية لعنه الله. 442 - حة: محمد بن محمد بن علي بن الذيات عن الحسن بن إسحاق بن موهوب عن محمد بن القاضي عبد الله عن المبارك بن عبد الجبار، عن أحمد بن عبد الواحد عن علي بن محمد بن عقبة عن سليمان بن الربيع عن نصر بن


440 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله - مع أحاديث أخر بأسانيد أخر في معناه - في أواسط كتاب الاختصاص ص 269 ط النجف. 441 - رواه الصفار في كتاب بصائر الدرجات. في باب أن الائمة عليهم السلام يعرضون عليهم أعدائهم، ص 286. 442 - رواه ابن طاووس رحمه الله في كتاب فرحة الغري ص 24، ط النجف. وقصة لعن معاوية عليا عليه السلام والسبطين وحواريه مذكورة في أواخر الجزء (8) وهو الجزء الاخير من كتاب صفين ص 553 ط مصر. ورواها أيضا الطبري في ختام عنوان: " اجتماع الحكمين بدومة الجندل " من حوادث سنة: (37) من تاريخه: ج 5 ص 71 ط بيروت.

[169]

مزاحم التميمي في كتاب صفين قال: كان معاوية إذا قنت لعن عليا عليه السلام وابن عباس وقيس بن سعد والحسن والحسين عليهما السلام ولم ينكر ذلك عليه إما خوفا من مؤمن أو اعتقادا من جاهل وكان خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كريز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس بن عمعمة بن حريز بن شق بن مصعب بن يشكر بن دهم بن أفرك بن بدير بن قسر القسري يقول على المنبر: العنوا علي بن أبي طالب فإنه لص بن لص بضم اللام فقام إليه أعرابي. فقال: والله ما أعلم من أي شئ أعجب من سبك علي بن أبي - طالب أم من معرفتك بالعربية. 443 - كشف: من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري عن رجاله قال: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية وكان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلى فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتما فانتظرته ساعة وظننت أنه لشئ حدث فينا وفي عملنا فقلت: ما لي أراك مغتما منذ الليلة فقال: يا بني جئت من عند أخبث الناس قلت: وما ذاك ؟ قال: قلت له وخلوت به إنك قد بلغت سنا فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فإنك قد كبرت ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شئ تخافه. فقال: هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو بني عدي فاجتهد وشمر عشر سنين فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل: عمر ثم ملك عثمان فهلك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه وفعل ما فعل وعمل به ما عمل فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وإن أخا بني


443 - رواه علي بن عيسى الاربلي رحمه الله في أواخر عنوان: " في ذكر مناقب شتى... " وقبيل عنوان: " ذكر قتله ومدة خلافته... " من كتاب كشف الغمة: ج 2 ص 44 ط بيروت.

[170]

هاشم يصاح به في كل يوم خمس مرات " أشهد أن محمدا رسول الله " فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك لا والله إلا دفنا دفنا. بيان: أي أقتلهم وأدفنهم دفنا أو أدفن وأخفي ذكرهم وفضائلهم وهو أظهر. 444 - 446 - كنز: عن الحسن بن محبوب عن محمد بن مسكان عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: نزلت سورة الحاقة في أمير المؤمنين عليه السلام وفي معاوية عليه من الله جزاء ما عمله. ويؤيده ما رواه محمد بن عباس عن الحسن بن أحمد عن محمد بن عيسى عن رجل عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قوله عزوجل: * (فأما من أوتي كتابه بيمينه) * إلى آخر الآيات فهو أمير المؤمنين * (وأما من أوتي كتابه بشماله) * فالشامي لعنه الله وروي عن أبي عبد الله أن معاوية صاحب السلسلة وهو فرعون هذه الامة. 447 - كا: أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما العقل ؟ قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان. قال: قلت: فالذي كان في معاوية ؟ فقال: تلك النكراء تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل. 448 - كا: العدة عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن الحسين بن أبي


444 - 446 - رواه العلامة الكراجكي رحمه الله في كتاب كنز الفوائد. 447 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث الثالث من كتاب العقل والجهل من الكافي: ج 1، ص 11. 448 - 449 - رواهما ثقة الاسلام الكليني في باب قوله عزوجل: " سواء العاكف والباد " من كتاب الحج من كتاب الكافي: ج 4 ص 242 ط الآخوندي. ورواهما عنه السيد البحراني في تفسير الآية: (25) من سورة الحج من تفسير البرهان: ج 3 ص 83 ط 3. وفيهما بقطرانهم، وسيأتي في كتاب الحج باب فضل مكة بعض الروايات المرتبطة بالمقام.

[171]

العلاء قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن معاوية أول من علق على بابه مصراعين بمكة فمنع حاج بيت الله ما قال الله عزوجل: * (سواء العاكف فيه والباد) * [25 / الحج: 22]. وكان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضي حجه. وكان معاوية صاحب السلسلة التي قال الله عزوجل: * (في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) * [32 / الحاقة: 69]. وكان فرعون هذه الامة. 449 - كا: الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن أبان بن عثمان عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: لم يكن لدور مكة أبواب وكان أهل البلدان يأتون بقطوانهم فيدخلون فيضربون بها وكان أول من بوبها معاوية. أقول: سيأتي أخبار كثيرة في كتاب الحج في أن أول من ابتدع ذلك معاوية لعنه الله. 450 - يب: الحسين بن سعيد عن فضالة عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أول من خطب وهو جالس معاوية واستأذن الناس في ذلك من وجع كان في ركبتيه وكان يخطب خطبة وهو جالس و خطبة وهو قائم ثم يجلس بينهما. 451 - د: كان معاوية يكتب فيما ينزل به يسئل له علي بن أبي طالب


450 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (74) من عنوان: " باب العمل في ليلة الجمعة ويومها " من كتاب الصلاة من كتاب التهذيب: ج 3 ص 20 ط النجف. 451 - رواه علي بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي - أخو العلامة الحلي - المولود عام: (635) في كتاب العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، والكتاب إلى الآن لم ينشر. والحديث رواه حرفيا أبو عمر بن عبد البر في أواسط ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 3 ص 44. وبعض محتويات الحديث رواه ابن أبي الدنيا في آخر مقتل أمير المؤمنين عليه

[172]

عليه السلام عن ذلك فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا أهل الشام. فقال: دعني عنك. 452 - ختص: هلك معاوية لعنه الله وهو ابن ثمانية وسبعين سنة وولى الامر عشرين سنة. 453 - ختص: ابن عيسى عن الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن علي بن أبي المغيرة قال: نزل أبو جعفر عليه السلام بضجنان فقال ثلاث مرات: لا غفر الله لك فلما قال ذلك قال: أتدرون لمن قلت أو قال له بعض أصحابنا فقال: مر بي معاوية بن أبي سفيان يجر سلسلة قد أدلع لسانه يسألني أن أستغفر له ثم قال: إنه يقال: إنه واد من أودية جهنم. أقول: قد أوردنا مثله بأسانيد في باب أحوال البرزخ وباب معجزات الباقر عليه السلام. 454 - كا: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما كان سنة إحدى وأربعين أراد معاوية الحج فأرسل نجارا وأرسل بالآلة وكتب إلى صاحب المدينة أن يقلع منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ويجعلوه على قدر منبره بالشام فلما نهضوا ليقلعوه انكسفت الشمس وزلزلت الارض فكفوا


السلام الموجود - بنقص في أوله - في المجموعة: (95) من المكتبة الظاهرية الورق 232 منه. ورواه ابن عساكر بأسانيد عن ابن أبي الدنيا وغيره في الحديث: (1505) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 405 - 409 ط 2. 452 - رواه الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص ص 131، ط طهران. 453 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في أواسط كتاب الاختصاص ص 270 ط النجف. 454 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في عنوان: " المنبر والروضة ومقام النبي صلى الله عليه وآله " من أبواب الزيارات في آخر كتاب الحج من الكافي: ج 4 ص 554 ط الآخوندي.

[173]

وكتبوا بذلك إلى معاوية فكتب إليهم يعزم عليهم لما فعلوه ففعلوا فمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله المدخل الذي رأيت. 455 - تقريب: قال ابن الاثير في الكامل: أراد معاوية في سنة خمسين من الهجرة أن ينقل منبر رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة إلى الشام وقال لا نترك منبر النبي صلى الله عليه وآله وعصاه في المدينة وهم قتلة عثمان وطلب العصا وهي عند سعد القرظي فحرك المنبر فكسفت الشمس حتى رأيت النجوم بادية فأعظم الناس ذلك فتركه. وقيل أتاه جابر وأبو هريرة فقالا: لا يصلح أن يخرج منبر رسول الله صلى الله عليه وآله من موضع وضعه فيه وتنقل عصاه إلى الشام فتركه وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع. أقول: يظهر من الخبر أن هذا اعتذار من القوم له. 456 - كتاب سليم بن قيس: عن أبان عن سليم وعمر بن أبي سلمة قالا: قدم معاوية حاجا في خلافته المدينة بعدما قتل أمير المؤمنين صلوات الله


455 - ذكره عز الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الاثير في أوائل حوادث سنة خمسين من كتاب الكامل: ج 3 ص 229 ط بيروت. ورواه الطبري بأسانيد في أواسط حوادث سنة (50) من تاريخ الامم والملوك: ج 5 ص 238، وفي ط 1: ج 2 ص 92. ورواه عنه ابن كثير في أول حوادث سنة (50) من تاريخ الامم والملوك: ج 5 ص 238، وفي ط 1: ج 2 ص 92. ورواه عنه ابن كثير في أول حوادث سنة: (50) من كتاب البداية والنهاية: ج 8 ص 45 ط بيروت. ورواه أيضا المسعودي في أوائل عنوان: " ذكر لمع من أخبار معاوية... ". من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 35 ط مصر. 456 - رواه سليم بن قيس الهلالي في كتابه، ص 199، ط بيروت. ورواه عنه السيد علي خان المدني والعلامة الاميني في ترجمة قيس بن عبادة من كتاب الدرجات الرفيعة ص 439 والغدير: ج 2 ص 106، ط بيروت.

[174]

عليه وصالح الحسن - وفي رواية أخرى بعدما مات الحسن عليه السلام واستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذي استقبله من قريش أكثر من الانصار فسأل عن ذلك فقيل: إنهم يحتاجون ليست لهم دواب فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر الانصار مالكم لا تستقبلوني مع إخوانكم من قريش ؟ فقال قيس وكان سيد الانصار وابن سيدهم: أقعدنا يا أمير المؤمنين أن لم يكن لنا دواب قال معاوية: فأين النواضح ؟ فقال قيس: أفنيناها يوم بدر ويوم أحد وما بعدهما في مشاهد رسول الله حين ضربناك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنت كارهون ! قال معاوية: اللهم غفرا قال قيس: أما إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سترون بعدي أثرة. ثم قال: يا معاوية تعيرنا بنواضحنا ؟ والله لقد لقيناكم عليها يوم بدر وأنتم جاهدون على إطفاء نور الله وأن يكون كلمة الشيطان هي العليا ثم دخلت أنت وأبوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه ! ! فقال معاوية كأنك تمن علينا بنصرتكم إيانا فلله ولقريش بذلك المن والطول ألستم تمنون علينا يا معشر الانصار بنصرتكم رسول الله وهو من قريش وهو ابن عمنا ومنا فلنا المن والطول أن جعلكم الله أنصارنا وأتباعنا فهداكم بنا. فقال قيس: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين فبعثه إلى الناس كافة وإلى الجن والانس والاحمر وألاسود والابيض اختاره لنبوته واختصه برسالته فكان أول من صدقه وآمن به ابن عمه علي بن أبي طالب وأبو طالب يذب عنه ويمنعه ويحول بين كفار قريش وبين أن يردعوه ويؤذوه وأمر أن يبلغ رسالة ربه فلم يزل ممنوعا من الضيم والاذى حتى مات عمه أبو طالب وأمر ابنه بموازرته فوازره ونصره وجعل نفسه دونه في كل شديدة وكل ضيق وكل خوف واختص الله بذلك عليا عليه السلام من بين قريش وأكرمه من بين جميع العرب والعجم فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وخادمه علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله

[175]

في حجر عمه أبي طالب فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي ؟ فأمسك القوم حتى أعادها ثلاثا فقال علي عليه السلام: أنا يا رسول الله فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه وقال اللهم املا جوفه علما وفهما وحكما. ثم قال لابي طالب: يا أبا طالب اسمع الآن لابنك واطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى وآخا صلى الله عليه وآله بين علي وبين نفسه. فلم يدع قيس شيئا من مناقبه إلا ذكرها واحتج بها وقال: منهم جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين اختصه الله بذلك من بين الناس ومنهم حمزة سيد الشهداء ومنهم فاطمة سيدة نساء أهل الجنة [العالمين " خ ل "] فإذا وضعت من قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وعترته الطيبين فنحن والله خير منكم يا معشر قريش وأحب إلى الله ورسوله وإلى أهل بيته منكم. لقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فاجتمعت الانصار إلى أبي ثم قالوا: نبايع سعدا فجاءت قريش فخاصمونا بحقه وقرابته فما يعدو قريش أن يكونوا ظلموا الانصار [أ] وظلموا آل محمد ولعمري ما لاحد من الانصار ولا لقريش ولا لاحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي بن أبي طالب عليه السلام وولده من بعده. فغضب معاوية وقال يا ابن سعد عمن أخذت هذا وعمن رويته وعمن سمعته أبوك أخبرك بذلك وعنه أخذته ؟ فقال قيس: سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي وأعظم علي حقا من أبي قال: من ؟ قال: علي بن أبي طالب عليه السلام عالم هذه الامة وصديقها الذي أنزل الله فيه: * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * [43 / الرعد: 13] فلم يدع [قيس] آية لزلت في علي عليه السلام إلا ذكرها قال معاوية: فإن صديقها أبو بكر، وفاروقها عمر، " والذي عنده علم الكتاب " عبد الله بن سلام. قال قيس: أحق بهذه الاسماء وأولى بها الذي أنزل الله فيه: * (أفمن كان على بينة من

[176]

ربه ويتلوه شاهد منه) * [43 / هود] والذي نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم فقال: من كنت مولاه أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه وقال في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وكان معاوية يومئذ بالمدنية فعند ذلك نادى مناديه وكتب بذلك نسخة إلى عماله: ألا برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته وقامت الخطبة في كل مكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب عليه السلام والبراءة منه (1) والوقيعة في أهل بيته واللعنة لهم بما ليس فيهم عليهم السلام.


(1) والقصة متواترة ولها شواهد كثيرة جدا يمكن أن يفرد لها تأليف مستقل ضخم، ثم إن كثيرا من محتويات هذه الرواية رواه حرفيا أبو الحسن المدائني في كتاب الاحداث، وابن عرفة المعروف بنفطويه في تاريخه كما رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرح المختار: (203 / أو 210) من نهج البلاغة من شرحه: ج 3 ص 595 ط الحديث ببيروت. وبعض شواهدها مذكورة في الحديث: (32) من باب مناقب علي عليه السلام من صحيح مسلم: ج 7 ص 119، وفي ط: ج 4 ص 1870. ورواه أيضا الترمذي في الحديث: (14) من باب مناقب علي عليه السلام من كتاب المناقب من سننه: ج 5 ص 638. وأيضا يجد الباحث شواهد أخر في الحديث: (271) وتواليه وتعليقاتها من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 226 - 234، ط 2. وأيضا للموضوع شواهد أخر في الحديث: (91 - 92) من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي ص 169. وأيضا للقصة شواهد في الحديث: (667) وما بعده وتعليقاتها من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 2 ص 182، ط 2. وأيضا ذكر ابن أبي الحديد شواهد كثيرة في شرح المختار: (56) من نهج البلاغة: ج 1، ص 356، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 778. وروى الياقوت الحموي في عنوان: " سجستان " من كتاب معجم البلدان: ج 5 ص 38 قال: لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سجستان إلا مرة، وامتنعوا على بني أمية حتى زادوا في عهدهم: وأن لا يلعن على منبرهم أحد.

[177]


ثم قال الياقوت: وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة. أقول: وقريبا منه جدا ذكره صاحب تاريخ روضة الصفا عن أهل الجبل وذكر أبياتا في مدحهم. وأيضا روى السيد مرتضى الداعي الحسيني أن أهل شيراز امتنعوا عن اللعن أربعين شهرا ودفعوا في ذلك إلى عمال بني أمية جعلا بخلاف جهال ونواصب إصبهان فإنهم دفعوا الجعل كي يلعنوه ! ! هكذا ذكره في كتاب تبصرة العوام. وروى ابن عبد ربه في عنوان: (أخبار معاوية) من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد، ج 2، ص 30 وفي ط 2، ج 3، ص 127، قال: لما مات الحسن بن علي عليهما السلام حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن هاهنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه. فأرسل إليه [معاوية] وذكر له ذلك ؟ ! فقال: إن فعلت لاخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد، فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله: أن يلعنوه على المنابر. ففعلوا. فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ! ! وذلك إنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله. فلم يلتفت [معاوية] إلى كلامها. وقال الجاحظ: إن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما. وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى أيام عمر بن عبد العزيز. وإن قوما من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن هذا الرجل. فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلا. رواه عنه ابن ابي الحديد في شرحه - على المختار: (56) من نهج البلاغة -: ج 1، ص 356، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 778. ورواه مع ما تقدم العلامة الاميني في ترجمة قيس بن سعد من كتاب الغدير: ج 2

[178]

ثم إن معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عباس: فقال له: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم صفين يا ابن عباس إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما. قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل أيضا مظلوما قال فتسلم


ص 102، ط بيروت ثم قال: قال الزمخشري في ربيع الابرار - على ما يعلق بالخاطر - الحافظ السيوطي: إنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنه لهم معاوية من ذلك. وفي ذلك يقول الشيخ أحمد الحفظي الشافعي في أرجوزته: وقد حكى الشيخ السيوطي إنه * قد كان فيما جعلوه سنة سبعون ألف منبر وعشرة * من فوقهن يلعنون حيدرة وهذه في جنبها العظائم * تصغر بل توجه اللوائم فهل ترى من سنها يعادي ؟ * أم لا وهل يستر أو يهادى أو عالم يقول: عنه نسكت * أجب فإني للجواب منصت أليس ذا يؤذيه أم لا فاسمعن * إن الذي يؤذيه من ومن ومن عاون أخا العرفان بالجواب * وعاد من عادى أبا تراب وليت شعري هل يقال: اجتهدا * كقولهم في بغيه أم ألحد ! بل جاء في حديث أم سلمة * هل فيكم الله يسب مه لمه ؟ وأيضا روى ابن أبي الحديد في شرح المختار: (56) من نهج البلاغة: ج 1 ص 782 ط الحديث ببيروت قال: وذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير. أقول: ثم ذكر نموذجا من تلك الاحاديث المختلقة فراجعه البتة فإنه يوضح لك وزن روايات أهل السنة. وليلاحظ البتة ما أورده العلامة الاميني عن مصادر كثيرة في الغدير: ج 10، ص 260 - 266.

[179]

الامر إلى ولده وهذا ابنه قال: إن عمر قتله مشرك. قال ابن عباس: فمن قتل عثمان ؟ قال: قتله المسلمون ! ! قال: فذلك أدحض لحجتك وأحل لدمه إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلا بحق. قال: فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكف لسانك يا ابن عباس واربع على نفسك قال: فتنهانا عن قراءة القرآن ؟ قال: لا. قال: فتنهانا عن تأويله قال: نعم. قال: فنقرأه ولا نسأل عن ما عنى الله به قال: نعم قال: فأيما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟ قال: العمل به. قال: فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟ قال: يسئل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فاسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط واليهود والنصارى والمجوس ؟ قال: فقد عدلتني بهؤلاء ؟ قال: لعمري ما أعدلك بهم إلا إذا نهيت الامة أن يعبدوا الله بالقرآن وبما فيه من أمر أو نهي أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ أو عام أو خاص أو محكم أو متشابه وإن لم تسأل الامة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا قال معاوية: فاقرأوا القرآن ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم ومما قال رسول الله وارووا ما سوى ذلك. قال ابن عباس: قال الله تعالى في القرآن: * (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) * [32 / التوبة] قال معاوية: يا ابن عباس اكفني نفسك وكف عني لسانك وإن كنت لابد فاعلا فليكن سرا فلا تسمعه أحدا علانية. ثم رجع إلى منزله فبعث إليه بخمسين ألف درهم وفي رواية أخرى مائة ألف درهم ثم اشتد البلاء بالامصار كلها على شيعة علي وأهل بيته وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة واستعمل عليها زيادا ضمها إليه مع البصرة وجمع له العراقين وكان يتبع الشيعة وهو بهم عالم لانه كان منهم قد عرفهم وسمع كلامهم أول شئ فقتلهم تحت كل كوكب وتحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الايدي والارجل منهم وصلبهم على جذوع النخل وسمل أعينهم وطردهم وشردهم حتى انتزحوا عن العراق فلم يبق بها أحد منهم إلا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب.

[180]

وكتب معاوية إلى عماله وولاته في جميع الارضين والامصار أن لا يجيزوا لاحد من شيعة علي ولا من أهل بيته ولا من أهل ولايته الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة وكتب إلى عماله: انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته وأهل ولايته الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه فأدنوا مجالسهم وأكرموهم وقربوهم وشرفوهم واكتبوا إلي بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه وممن هو ففعلوا ذلك حتى أكثروا في عثمان الحديث وبعث إليهم بالصلات والكسي وأكثر لهم القطائع من العرب والموالي فكثروا في كل مصر وتنافسوا في المنازل والضياع واتسعت عليهم الدنيا فلم يكن أحد يأتي عامل مصر من الامصار ولا قرية فيروي في عثمان منقبة أو يذكر له فضيلة إلا كتب اسمه وقرب وشفع فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله أن الحديث قد كثر في عثمان وفشا في كل مصر ومن كل ناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فدعوهم إلى الرواية في أبي بكر وعمر فإن فضلهما وسوابقهما أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أهل هذا البيت وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرأ كل قاض وأمير من ولاته كتابه على الناس وأخذ الناس في الروايات فيهم وفي مناقبهم. ثم كتب نسخة جمع فيها جميع ما روي فيهم من المناقب والفضائل وأنفذهما إلى عماله وأمرهم بقرائتها على المنابر في كل كورة وفي كل مسجد وأمرهم أن ينفذوا إلى معلمي الكتاتيب أن يعلموها صبيانهم حتى يرووها ويتعلموها كما يتعلمون القرآن حتى علموها بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عمال نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان ولا تجيزوا له شهادة. ثم كتب كتابا آخر من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة فاقتلوه ! ! فقتلوهم على التهم والظن والشبه تحت كل كوكل حتى لقد كان الرجل يسقط بالكلمة فيضرب عنقه ولم يكن ذلك البلاء في بلد أكبر ولا أشد منه بالعراق ولاسيما

[181]

بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي وممن بقي من أصحابه بالمدينة وغيرها ليأتيه من يثق به فيدخل بيته ثم يلقى عليه ستر فيخاف من خادمه ومملوكه فلا يحدثه حتى يأخذ [عليه] الايمان المغلظة ليكتمن عليه. وجعل الامر لا يزداد إلا شدة وكثر عندهم عدوهم وأظهروا أحاديثهم الكاذبة في أصحابهم من الزور والبهتان فينشأ الناس على ذلك ولا يتعلمون إلا منهم ومضى على ذلك قضاتهم وولاتهم وفقهاؤهم. وكان أعظم الناس في ذلك بلاء وفتنة القراء المراؤن المتصنعون الذين يظهرون لهم الحزن والخشوع والنسك ويكذبون ويعلمون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويدنو لذلك مجالسهم ويصيبوا بذلك الاموال والقطائع والمنازل حتى صارت أحاديثهم تلك ورواياتهم في أيدي من يحسب أنها حق وأنها صدق فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها وأحبوا عليها وأبغضوا وصارت بأيدي الناس المتدينين الذين لا يستحلون الكذب ويبغضون عليه أهله فقبلوها وهم يرون أنها حق ولو علموا أنها باطل لم يرووها ولم يتدينوا بها. فصار الحق في ذلك الزمان باطلا والباطل حقا والصدق كذبا والكذب صدقا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لتشملنكم فتنة يربوا فيها الوليد وينشأ فيها الكبير تجري الناس عليها ويتخذونها سنة فإذا غير منها شئ قالوا أتى الناس منكرا غيرت السنة. فلما مات الحسن بن علي عليهما السلام لم يزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدان فلم يبق ولي لله إلا خائفا على دمه. وفي رواية أخرى إلا خائفا على دمه أنه مقتول وإلا طريدا [وإلا شريدا: " خ ل "] ولم يبق عدو لله إلا مظهرا الحجة غير مستتر ببدعته وضلالته. فلما كان قبل موت معاوية بسنة حج الحسين بن علي صلوات الله عليه وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر فجمع الحسين عليه السلام بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن حج منهم ومن الانصار ممن يعرفه الحسين وأهل

[182]

بيته ثم أرسل رسلا لا تدعوا أحدا ممن حج العام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله المعروفين بالصلاح والنسك إلا أجمعوهم لي فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقه عامتهم من التابعين ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم وإني أريد أن أسألكم عن شئ فإن صدقت فصدقوني وإن كذبت فكذبوني وأسألكم بحق الله عليكم وحق رسوله صلى الله عليه وآله وقرابتي. من نبيكم عليه وآله السلام لما سترتم مقامي هذا ووصفتم مقالتي ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم من آمنتم من الناس. وفي رواية أخرى بعد قوله: فكذبوني: اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمن آمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا، فإني أتخوف أن يدرس هذا الامر ويذهب الحق ويغلب * (والله متم نوره ولو كره الكافرون) *. وما ترك شيئا مما أنزل الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره ولا شيئا مما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه وكل ذلك يقول أصحابه: اللهم نعم وقد سمعناه وشهدناه ويقول: التابع اللهم قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة فقال: أنشدكم الله إلا حدثتم به من تثقون به وبدينه. قال سليم: فكان فيما ناشدهم الحسين عليه السلام وذكرهم أن قال: أنشدكم الله أتعلمون أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان أخا رسول الله ؟ حين آخا بين أصحابه فآخا بينه وبين نفسه وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله اشترى موضع

[183]

مسجده ومنازله فابتناه ثم ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لابي ثم سد كل باب شارع إلى المسجد غير بابه فتكلم في ذلك من تكلم فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه ولكن الله أمرني بسد [أبوابكم] وفتح بابه. ثم نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فولد لرسول الله صلى الله عليه وآله فيه أولاد قالوا اللهم نعم. قال: أفتعلمون أن عمر بن الخطاب حرص على كوة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد فأبى عليه ثم خطب فقال: إن الله أمرني أن أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه قالوا اللهم نعم. قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله نصبه يوم غدير خم فنادى له بالولاية وقال: ليبلغ الشاهد الغائب قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت ولي كل مؤمن بعدي ؟ قالوا اللهم نعم. قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأت إلا به وبصاحبته وابنيه ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله أتعلمون أنه دفع إليه اللواء يوم خيبر ثم قال لادفعها إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله كرار غير فرار يفتحها الله على يديه ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعثه ببراءة وقال: لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينزل به شديدة قط إلا قدمه لها ثقة به وأنه لم يدعه باسمه قط إلا يقول يا أخي وادعوا إلى أخي

[184]

قالوا: اللهم نعم. قال: أفتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال: يا علي أنت مني وأنا منك وأنت ولي كل مؤمن بعدي. قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أنه كانت له من رسول الله صلى الله عليه وآله كل يوم خلوة وكل ليلة دخلة إذا سأله أعطاه وإذا سكت ابتدأه ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله فضله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة: زوجتك خير أهل بيتي أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكبرهم علما قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا سيد ولد آدم وأخي علي سيد العرب وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة والحسن والحسين إبناي سيدا شباب أهل الجنة. قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره بغسله وأخبره أن جبرئيل عليه السلام يعينه ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في آخر خطبة خطبها إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا قالوا: اللهم نعم. فلم يدع شيئا أنزله الله في علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيه صلى الله عليه وآله إلا ناشدهم فيه فيقول الصحابة: اللهم نعم قد سمعنا. ويقول التابع: اللهم نعم قد حدثنيه من أثق به فلان وفلان ثم قد ناشدهم أنهم قد سمعوه يقول: من زعم أنه يحبني ويبغض عليا فقد كذب ليس يحبني ويبغض عليا فقال له قائل: يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال: لانه مني وأنا منه من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله فقالوا: اللهم نعم قد سمعنا

[185]

وتفرقوا على ذلك. بيان: قوله: اللهم غفرا أي اللهم اغفر لي غفرا أو اللهم افتتاح للكلام والخطاب لقيس أي اغفر ما وقع مني أو استر معايبي. وقال [ابن الاثير] في النهاية: فيه قال للانصار: " إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا " الاثرة بفتح الهمزة والثاء الاسم من اثر يوثر إيثارا إذا أعطى أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفئ. والاستيثار: الانفراد بالشئ. وقال الجوهري: سمل العين: فقؤها يقال: سملت عينه تسمل إذا فقأت بحديدة محماة. وقال: نزحت الدار: بعدت. وبلد نازح وقوم منازيح وقد نزع بفلان إذا بعد عن دياره غيبة بعيدة وتقول: أنت بمنتزح من كذا أي بعيد منه. قوله عليه السلام: " فولد لرسول الله صلى الله عليه وآله " أي ولد له أولاد من فاطمة كانوا أولادا لرسول الله صلى الله عليه وآله. 457 - ما: ابن الصلت عن ابن عقدة عن أحمد بن القاسم عن عباد عن علي بن عابس عن حصين عن عبد الله بن معقل عن علي عليه السلام أنه قنت في الصبح فلعن معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى وأبا الاعور وأصحابهم. 458 - 474 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن أبي عبد الرحمن عن


457 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث الاخير من المجلس 25 من أماليه، ج 2، ص 733، ط بيروت. 458 - 474 - هذه الاحاديث كلها - ما عدا الحديث الاول - موجودة في أوائل الجزء الرابع من كتاب صفين ص 215 وما بعدها من ط مصر. وأما الحديث الاول فقد رواه ابن أبي الحديد أيضا عن كتاب صفين في شرح المختار: (54) من نهج البلاغة من شرحه: ج 4 ص 31 ط مصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 760. وما وضعناه بين المعقوفين قد سقط عن ط الكمباني من البحار، وأخذناه من

[186]

يونس بن الارقم عن عوف عن عبد الله عن عمرو [بن هند البجلي عن أبيه قال] فلما نظر علي عليه السلام إلى رايات معاوية وأهل الشام قال والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة. وعن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما كان قتال صفين قال رجل لعمار: يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله قاتلوا الناس حتى يسلموا فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم وأموالهم ؟ قال: بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا. وبالاسناد عن حبيب عن منذر الثوري قال: قال محمد بن الحنفية: لما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله من أعلى الوادي ومن أسفله وملؤا الاودية كتائب - يعني يوم فتح مكة استسلموا حتى وجدوا أعوانا (1) وعن الحكم بن ظهير عن إسماعيل عن الحسن و [أيضا عن] الحكم عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه قال الحسن: فما فعلوا ولا أفلحوا. وعن عمرو بن ثابت عن إسماعيل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه. (2)


شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة. وهذا الحديث ما وجدته في مظانه من كتاب صفين ط مصر، والظاهر أنه قد سقط عنها كما سقط عنه أحاديث أخر. (1) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه عن نصر بن مزاحم ابن أبي الحديد في آخر شرحه على المختار: (54) من نهج البلاغة: ج 1، ص 760. وفي ط الكمباني من البحار: " عن منذر العلوي قال: قال محمد بن الحنفية: لما أتاهم العدو من أعلى الوادي ومن أسفله وملؤا الاودية كتائب استسلموا حتى وجدوا أعوانا ". (2) وقريبا منه رواه أيضا ابن عدي بأسانيد كثيرة في تضاعيف تراجم جماعة ممن ذكره وترجم له،

[187]

قال: فحدثني بعضهم قال: [قال] أبو سعيد الخدري: فلم نفعل ولم نفلح. (1) وعن يحيى بن يعلى عن الاعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله بن عمر: إن معاوية في تابوت في الدرك الاسفل من النار ولولا كلمة فرعون: " أنا ربكم الاعلى " ما كان أحد أسفل من معاوية. وعن جعفر الاحمر عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يموت معاوية على غير ملة الاسلام. وعن جعفر، عن ليث، عن محارب بن زياد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يموت معاوية على غير ملتي. وعن قيس بن الربيع وسليمان بن قرم عن الاعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي عليه السلام قال: رأيت النبي صلى الله عليه


فرواه في ترجمة الحكم بن ظهير من كتاب الكامل: ج 2 ص 626 ط 1، قال: أخبرنا علي بن العباس، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زر [بن حبيش] عن عبد الله [بن مسعود قال:] ان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. ورواه أيضا في ترجمة عمرو بن عبيد في ج 5 ص 1751، و 1754، و 1756. وأيضا رواه بأسانيد في ترجمة علي بن زيد بن جدعان في ج 5 ص 1844. وأيضا رواه بأسانيد في ترجمة عبد الرزاق في ج 5 ص 1951. ورواه أيضا في آخر ترجمة مؤلف كتاب مغازي النبي صلى الله عليه وآله محمد بن إسحاق في ج 5 ص 1125. ورواه أيضا في ترجمة مجالد بن سعيد في ج 6 ص 2416. ورواه أيضا في ترجمة الوليد بن القاسم في ج 7 ص 2544. ورواه أيضا البلاذري في ترجمة معاوية من كتاب أنساب الاشراف: ح 2 / الورق 75 / ب /. (1) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه ابن أبي الحديد عن نصر في آخر شرحه على المختار: (54) من نهج البلاغة: ج 1، ص 760، ط بيروت، وفيه أيضا: " فقال الحسن: فو الله ما فعلوا ولا أفلحوا ".

[188]

وآله في النوم فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الاود واللدد فقال: انظر فإذا عمرو بن العاص ومعاوية معلقين منكسين تشدخ رؤوسهما بالصخر (1). وعن يحيى بن يعلى عن عبد الجبار بن عباس عن عمار الدهني عن أبي المثنى عن عبد الله بن عمر قال: ما بين تابوت معاوية وتابوت فرعون إلا درجة وما انخفضت تلك الدرجة إلا لانه قال: أنا ربكم الاعلى. وعن أبي عبد الرحمن عن العلاء بن يزيد القرشي (2) عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله غزا غزوة وأنتما معه فرأكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ثم رأكما اليوم الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير. وعن محمد بن فضيل عن يزيد بن أبى زياد (3) عن سليمان بن عمرو بن


(1) وقريبا منه جدا رواه ابن أبي الحديد بسندين في شرح المختار: (56) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 814 ط بيروت. (2) كذا في ط مصر من كتاب صفين، وفي ط الكمباني من البحار: " عن العلاء بن يزيد القرشي... ". وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق عليه السلام. وقريبا من هذا الحديث روي عن عبادة بن صامت الصحابي كما رواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " خبر عمرو بن العاص مع معاوية " من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 114. ورواه أيضا الباعوني في الباب: (64) من كتاب جواهر المطالب الورق 82 /. وقد رويناه عن مصدر آخر، عن شداد بن أوس في تعليق المختار: (172) من نهج السعادة: ج 2 ص 85. (3) هو من رجال الصحاح الست مترجم في تهذيب التهذيب 11 / 329. والحديث رواه أيضا أبو يعلى والبزاز في مسنديهما.

[189]

الاحوص قال: أخبرني أبو هلال: أنه سمع أبا برزة الاسلمي أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فسمعوا غناء فتشرفوا له فقام رجل فاستمع له وذلك قبل أن تحرم الخمر فأتاهم ثم رجع فقال هما معاوية وعمرو بن العاص يجيب أحدهما الآخر وهو يقول: لا يزال حواري تلوح عظامه * زوى الحرب عنه أن يجن فيقبرا فرفع رسول الله يديه فقال: اللهم اركسهم في الفتنة ركسا اللهم دعهم إلى النار دعا. وعن محمد بن فضيل عن أبي حمزة الثمالي عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمر قال: إن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون وذلك بأن فرعون قال: أنا ربكم الاعلى. وعن شريك عن ليث عن طاوس عن عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي


ورواه أحمد في المسند، ج 4، ص 421 في مسند أبي برزة. ورواه الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة يزيد بن أبي زياد. ورواه ابن قيم الجوزية في المنار المنيف في الفصل 37، ص 118. ورواه الطبراني في المعجم الكبير كما في الغدير من طريق ابن عباس. ورواه السيوطي في اللئالي المصنوعة 1 / 427. ورواه محمد بن سليمان الكوفي بسنده عن أبي برزة تحت الرقم 786 في أواسط الجزء الخامس من مناقب علي عليه السلام الورق 169 / أو في ط 1، ج 2، ص 280. ورواه نصر في وقعة صفين، ص 219 ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة كما تقدمت الاشارة إليه. قال الاميني: لما لم يجد القوم غمزا في إسناد هذا الحديث وكان ذلك عزيزا على من يتولى معاوية فحذف أحمد [في المسند] الاسمين وجعل مكانهما (فلان وفلان) واختلق آخرون تجاهه ما أخرجه ابن قانع في معجمه [بسند ضعيف]... عن صالح شقران قال: بينما نحن ليلة في سفر إذ سمع النبي صلى الله عليه وآله صوتا فذهبت انظر فإذا معاوية بن أبي رافع وعمرو بن رفاعة... (الحديث). ثم ذكر الاميني بعده كلاما جيدا فراجع ألبتة ج 10، ص 140 هذا وفي صفين: يزال حواري... يحس. أما يزال ولا يزال فلكل منهما وجه والمعنى واحد.

[190]

صلى الله عليه وآله فسمعته يقول: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت وهو على غير سنتي فشق ذلك علي وتركت أبي يلبس ثيابه ويجئ فطلع معاوية. وعن تليد (1) بن سليمان عن الاعمش عن علي بن الاقمر قال: وفدنا على معاوية وقضينا حوائجنا ثم قلنا: لو مررنا برجل قد شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاينه فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا صاحب رسول الله حدثنا ما شهدت ورأيت قال: إن هذا أرسل إلي يعني معاوية فقال: لئن بلغني أنك تحدث لاضربن عنقك فجثوت على ركبتي بين يديه ثم قلت وددت أن أحد سيف في جندك على عنقي. (2) فقال: والله ما كنت لاقاتلك ولا أقتلك وأيم الله ما يمنعني أن أحدثكم ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله [قال فيه، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه يدعوه] وكان يكتب بين يديه فجاء الرسول فقال: هو يأكل فأعاد عليه الرسول الثالثة (3) فقال: هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه. فهل ترونه يشبع ؟. قال: وخرج [معاوية] من فج - قال: - فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى أبي سفيان وهو راكب ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق فلما نظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم العن القائد والسائق والراكب. قلنا أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم وإلا فصمتا اذناي كما عميتا عيناي. (4)


(1) له ترجمة في التهذيب وغيره وفي الاصل: بليد. (2) هذا هو الظاهر، وفي ط الكمباني من البحار: " إن أحد سيف في جسدك... ". (3) كذا في أصلي غير أن ما بين المعقوفين قد سقط منه وأخذناه من كتاب صفين ص 220 ط مصر. (4) وقريبا منه رواه العلامة الاميني رحمه الله عن مصادر أخر في عنوان: " المغالات في معاوية " من الغدير: ج 10، ص 120.

[191]

وعن عبد العزيز بن الخطاب عن صالح بن أبي الاسود عن إسماعيل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم معاوية على منبري يخطب فاقتلوه. 475 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الاحداث قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤن منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وساق الخبر نحوا مما مر إلى أن (1) قال:


وروى ابن أبي الحديد في أواسط شرح المختار: (56) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 793، ط بيروت قال: وروى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلم عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: أتيت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فقلت: ما هذا ؟ قالوا: معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعن الله التابع والمتبوع رب يوم لامتي من معاوية ذي الاستاه. قالوا: يعني الكبير العجز. وقال: روى العلاء بن حريز القشيري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية لتتخذن يا معاوية البدعة سنة والقبيح حسنا أكلك كثير وظلمك عظيم. قال: وروى الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ قال: قال علي عليه السلام: نحن وآل أبي سفيان قوم تعادوا في الامر والامر يعودكما بدا. 475 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (203 / أو 210) من نهج البلاغة: ج 3 ص 595 ط الحديث ببيروت. (1) كان ينبغي على المصنف أن يذكر الكلام حرفيا ولا يحيل على الغائب الذي أكثر الناس عن الوصول إليه قاصرون أو لمدلول أمثاله مستنكرون، وكيف كان فنحن نذكر الكلام حرفيا أخذا من شرح المختار، (203 / أو 201) من نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 595 قال: وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الاحداث قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى

[192]


شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاءا حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام، فاستعمل عليهم [معاوية] زياد بن سمية وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الايدي والارجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم. وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي. فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة ألا كتب اسمه وقربه وشفعه. فلبثوا بذلك حينا. ثم كتب [معاوية] إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب [معاوية] إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت

[193]

فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا خائف على دمه أو طريد في الارض. ثم تفاقم الامر بعد قتل الحسين عليه السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد الامر على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي عليه السلام وموالاة أعدائه [وموالات من يدعى من الناس أنهم أيضا أعداؤه] فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم وأكثروا من النقص من علي عليه السلام وعيبه والطعن فيه والشنآن له حتى أن إنسانا وقف للحجاج ويقال: أنه جد الاصمعي عبد الملك بن قريب فصاح بن أيها الامير إن أهلي عقوني وسموني عليا وإني فقير بائس وأنا إلى صلة الامير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال: للطف ما توسلت به قد


عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالات هؤلا القوم فنكلوا به وأهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه. فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤن، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الاموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها. فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف علي دمه أو طريد في الارض. أقول ثم ساق الحديث كما رواه المصنف في المتن. وأيضا روى ابن أبي الحديد قبل الحديث المذكور حديثا آخر عن الامام الباقر عليه السلام يشترك في كثير من المعاني مع الحديث المذكور فعلى طلاب الحق أن يراجعوه ويتعمقوا فيه.

[194]

وليتك موضع كذا. وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال: إن أكثر الاحاديث الموصوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني امية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنف بني هاشم. 476 - 477 - مد: من الجمع بين الصحاح الستة لررين العبدري من صحيح النسائي بإسناده عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الارض ؟ قال: كنا بالشام فقرأت: * (والذين يكئزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) * الآية قال معاوية: ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب فقلت إنها فينا وفيهم فكان بيني وبينهم في هذا الكلام


476 - 477 - رواهما يحيى بن الحسن ابن البطريق رفع الله مقامه في الحديث: (34 - 35) من الفصل الاخير - وهو " فصل في [ذكر] شئ من الاحداث بعد رسول الله، وذكر أعداء أمير المؤمنين... " - من كتاب العمدة ص 237 - 238. والحديث الثاني الذي رواه الحميدي مذكور في آخر الباب: (25) - وهو باب من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه - من كتاب البر والصلة تحت الرقم: (2604) من صحيح مسلم: ج 4 ص 2010 قال: حدثنا محمد بن المثنى العنزي ح [كذا] وحدثنا ابن بشار - واللفظ لابن المثنى - قالا: حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة، عن أبي حمزة القصاب: عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب قال: فجاء فحطأني حطأة [أي ضرب بين كتفي بكفه مبسوطة] وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت هو يأكل. قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه. قال: ابن المثنى: قلت لامية: ما [معنى] حطأني ؟ قال: فقدني فقدة. حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر بن شميل، حدثنا شعبة، أخبرنا أبو حمزة [قال:] سمعت ابن عباس يقول: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختبأت منه. فذكر بمثله.

[195]

فوصل ذلك إلى عثمان فكتب إلي إن شئت تنحيت عنه فذلك الذي أنزلني هنا. ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي من إفراد مسلم بإسناده عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فتواريت خلف باب فجاء فحطاني حطأة وقال: اذهب فادع لي معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل. ثم قال: اذهب فادع لي معاوية قال: فجئت فقلت هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه. 478 - أقول: رواه في الاستيعاب بإسناده عن ابن عباس. 479 - وروى العلامة قدس سره في كشف الحق نقلا عن صحيح مسلم مثله ثم قال: قال الحسن بن مثنى: قلت ما معنى حطاني ؟ قال: وقذني وقذة وأقول: قال في [مادة (حطا) من] النهاية: في حديث ابن عباس: قال: " أخذ النبي بقفاي فحطاني حطوة " قال الهروي: هكذا جاء به الرواي غير مهموز وقال: قال ابن الاعرابي: الحطو: تحريك الشئ مزعزعا. وقال: رواه شمر بالهمزة يقال: حطأه يحطؤه حطأ إذا دفعه بكفه. وقيل: لا يكون الحطأة إلا ضربة


478 - رواه أبو عمر ابن عبد البر في ترجمة معاوية من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 3 ص 401 قال: وروى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا هشيم وأبو عوانة عن أبي حمزة عن ابن عباس [قال:] إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى معاوية يكتب له فقيل: إنه يأكل. ثم بعث إليه فقيل: إنه يأكل. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: لا أشبع الله بطنه. وقد أشار إليه أيضا ابن حجر في ترجمة معاوية من كتاب الاصابة: ج 3 ص 434 ولكنه راوغ ولم يسرد الحديث حرفيا قال: وفي مسند أحمد - وأصله في مسلم - عن ابن عباس قال: قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ادع لي معاوية وكان كاتبه ! ! ! 479 - رواه العلامة رحمه الله في المطلب الرابع من كتاب نهج الحق وكشف الصدق ص 380 ط بيروت وانظر دلائل الصدق: ج 3 ص 220 ط 1.

[196]

بالكف بين الكتفين انتهى. 480 - وروى في المستدرك من الفردوس بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول من يختصم من هذه الامة بين يدي الرب عزوجل علي عليه السلام ومعاوية. 481 - كتاب عباد العصفري عن حماد بن عيسى العبسي عن بلال بن يحيى عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان على المنبر فاضربوه بالسيف، وإذا رأيتم الحكم بن أبي العاص ولو تحت أستار الكعبة فاقتلوه. الخبر. 482 - كتاب محمد بن المثنى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي


480 - لم يتبين لي أن كتاب المستدرك هذا لمن ولكن الحديث مؤيد بما رواه جماعة مما هو في معناه. وقد رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في عنوان: " أول ما يقضى بين الناس " من كتاب الديات من المصنف: ج 11 / الورق 49 / أ / قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن التيمي عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: قال علي: أنا أول من يجثو للخصوم بين يدي الله يوم القيامة. حدثنا وكيع قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية بن سعد العوفي، عن عبد الرحمان بن جندب: عن علي [عليه السلام] أنه سئل عن قتلاه وقتلى معاوية ؟ فقال: أجئ أنا ومعاوية فنختصم عند ذي العرش فأينا فلج فلج أصحابه. أقول: وعلى هذا يحمل إطلاق الحديث الاول وما رواه المصنف في المتن وأمثالهما فالاولية إضافية. والحديث الثاني رواه حرفيا ابن ديزيل كما في شرح المختار: (35) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 454. وللحديث الاول أيضا مصادر وأسانيد أخر بعضها مذكور في الحديث: (227) وتعليقه من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 224 481 - لا يحضرني كتاب عباد العصفري. 482 - لم أطلع بعد على كتاب محمد بن المثنى هذا، ولكن الحديث مؤيد بشواهد قطعية وقد ذكر العلامة الاميني قصة لعن أمير المؤمنين عليه السلام معاوية وعتاته عن مصادر جمة

[197]

قال: قال الحرث بن المغيرة النضري لابي عبد الله عليه السلام إن أبا معقل المزني حدثني عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه صلى بالناس المغرب فقنت في الركعة الثانية ولعن معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الاشعري وأبا الاعور السلمي قال الشيخ عليه السلام صدق فالعنهم. 483 - نهج: ومن كلام له عليه السلام: والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة. بيان: قوله: " بأدهى مني " الدهاء بالفتح: الفطنة وجودة الرأي ويقال: رجل داهية وهو الذي لم يغلب عليه أحد في تدابير أمور الدنيا. وقال ابن أبي الحديد: الغدرة بضم الفاء وفتح العين: الكثير الغدر والكفرة والفجرة: الكثير الكفر والفجور وكل ما كان على هذا البناء فهو الفاعل فإن سكنت العين فهو المفعول تقول رجل ضحكة أي يضحك وضحكة أي يضحك منه. ويروى غدرة وفجرة وكفرة على فعلة للمرة الواحدة. وقال ابن ميثم قال بعض الشارحين: وجه لزوم الكفر هاهنا أن الغدر على وجه استباحة ذلك واستحلاله كما هو المشهور من حال ابن العاص ومعاوية في استباحة ما علم تحريمه ضرورة وجحده هو الكفر. ويحتمل أن يريد كفر نعم الله وسترها بإظهار معصيته كما هو المفهوم منه لغة. أقول: اطلاق الكفر على ارتكاب الكبائر واجتناب الفرائض شائع في الاخبار. قوله عليه السلام: " ما استغفل " أي لا يمكن للخصم أن يجعلني غافلا بكيده بل


من كتب أهل السنة في ترجمة عمرو بن العاص من كتاب الغدير: ج 2 ص 132، ط بيروت. 483 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (198 / أو 200) من نهج البلاغة.

[198]

أعلم مقصوده لكني قد أعرض عنه للمصلحة وأحكم بظاهر الامر رعاية للشريعة أولا تجوز المكيدة علي كما تجوز على ذوي الغفلة. " ولا استغمز " الغمز: العصر باليد والكبس أي لا ألين بالخطب الشديد بل أصبر عليه. ويروى بالراء المهملة أي لا أستجهل بشدائد المكاره. 484 - كشف الحق للعلامة قدس الله روحه [قال:] روى صاحب كتاب الهاوية أن معاوية قتل أربعين ألفا من المهاجرين والانصار وأولادهم. 485 - أقول: قال مؤلف الزام النواصب والعلامة رحمه الله في كشف الحق: روى أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب المثالب: كان معاوية لعمارة بن الوليد المخزومي ولمسافر بن أبي عمرو ولابي سفيان ولرجل آخر سماه وكانت هند أمه من المغلمات وكان أحب الرجال إليها السودان وكانت إذا ولدت أسود دفنته وكانت حمامة إحدى جدات معاوية لها راية في ذي المجاز. قالا: وذكر أبو سعيد إسماعيل بن علي السمعاني الحنفي من علماء [أهل] السنة في مثالب بني أمية والشيخ أبو الفتوح جعفر بن محمد الهمداني من علمائهم في كتاب بهجة المستفيد: أن مسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس، كان ذا جمال وسخاء فعشق هندا وجامعها سفاحا واشتهر ذلك في قريش فلما حملت وظهر السفاح هرب مسافر من أبيها إلى الحيرة وكان سلطان العرب عمرو بن هند، وطلب أبوها عتبة أبا سفيان ووعده بمال جزيل وزوجه هندا فوضعت بعد ثلاثة أشهر معاوية ثم ورد أبو سفيان على عمرو بن هند فسأله مسافر عن حال هند فقال: إني تزوجتها فمرض ومات. 486 - وقال العلامة رحمه الله في كشف الحق: إدعى معاوية أخوة زياد


484 - رواه العلامة قدس سره في أواخر المطلب الرابع من كتاب كشف الحق ونهج الصدق ص 312، ط بيروت وانظر دلائل الصدق: ج 3 ص 235 ط 1. 485 - رواه العلامة في آخر المطلب الرابع من كتاب كشف الحق ونهج الصدق، ص 307، ط بيروت وليلاحظ كتاب دلائل الصدق: ج 3 ص 236 ط 1، أو إحقاق الحق. 486 - ذكره العلامة رفع الله مقامه في أوائل المطلب الرابع من كتاب كشف الحق ونهج الصدق ص 307 ط بيروت.

[199]

وكان له مدع يقال له أبو عبيدة عبد بني علاج من ثقيف فأقدم معاوية على تكذيب ذلك الرجل مع أن زيادا ولد على فراشه وادعى معاوية أن أبا سفيان زنا بوالدة زياد وهي عند زوجها المذكور وأن زيادا من أبي سفيان انتهى. 487 - وقال العلامة الشيرازي في نزهة القلوب: أولاد الزنا نجب لان الرجل يزني بشهوته ونشاطه فيخرج الولد كاملا وما يكون من الحلال فمن تصنع الرجل إلى المرأة ولهذا كان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان من دهاة الناس. ثم ساق الكلام في بيان نسبهما على ما سيأتي من كتاب ربيع الابرار ثم زاد على ذلك وقال: ومنهم زياد بن أبيه وفيه يقول الشاعر: ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يكون أبوك زان 488 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي عن يوسف بن كليب المسعودي عن الحسن بن حماد الطائي عن عبد الصمد البارقي قال قدم عقيل على علي عليه السلام وهو جالس في صحن مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله قال: وعليك السلام يا أبا يزيد ثم التفت إلى الحسن بن علي عليه السلام فقال: قم وأنزل عمك فذهب به وأنزله وعاد إليه فقال له: اشتر له قميصا جديدا ورداءا جديدا وإزارا جديدا ونعلا جديدا فغدا على علي عليه السلام في الثياب فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين قال: وعليك السلام يا أبا يزيد. قال يا أمير المؤمنين ما أراك أصبت من الدنيا شيئا إلا هذه الحصبا قال: يا أبا يزيد يخرج عطائي فأعطيكاه. فارتحل عن علي عليه السلام إلى معاوية فلما سمع به معاوية نصب


487 - لم أظفر بكتاب نزهة القلوب بعد. 488 - الحديث مذكور تحت الرقم: (32) من تلخيص كتاب الغارات ص 65 ط 1. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (29) من نهج البلاغة: ج 1، ص 157. (*)

[200]

كراسيه وأجلس جلساءه فورد عليه فأمر له بمائة ألف درهم فقبضها فقال له معاوية: أخبرني عن العسكرين ؟ قال: مررت بعكسر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإذا ليل كليل النبي صلى الله عليه وآله ونهار كنهار النبي إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس في القوم ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر برسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة فقال: من هذا الذي عن يمينك يا معاوية ؟ قال: هذا عمرو بن العاص. قال: هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزارها، فمن الآخر ؟ قال: الضحاك بن قيس الفهري قال: أما والله لقد كان أبوه جيد الاخذ خسيس النفس فمن هذا الآخر ؟ قال أبو موسى الاشعري قال: هذا ابن المراقة. فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه قال: يا أبا يزيد ما تقول في قال: دع عنك قال: لتقولن قال: أتعرف حمامة ؟ قال: ومن حمامة ؟ قال: أخبرتك. ومضى عقيل فأرسل معاوية إلى النسابة فقال: أخبرني من حمامة ؟ قال أعطني الامان على نفسي وأهلي. فأعطاه قال: حمامة جدتك وكانت بغية في الجاهلية لها راية تؤتى. قال الشيخ: قال أبو بكر بن زبين (1) هي أم أم أبي سفيان. 489 - وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: معاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وأبو سفيان هو الذي قاد قريشا في حروبها إلى النبي صلى الله عليه وآله وكانت هند


(1) كذا في الاصل ولعل الصواب: الزبير بن أبي بكر. 489 - رواه ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (25) من نهج البلاغة: ج 1، ص 270 ط الحديث ببيروت. وما رواه عن كتاب ربيع الابرار موجود فيه في " باب القرابات والانساب " منه في ج 3 ورواه عنه العلامة الاميني في الغدير: ج 1، ص 170.

[201]

تذكر في مكة بفجور وعهر. وقال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار: كان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة وإلى العباس بن عبد المطلب وإلى الصباح مغن كان لعمارة بن الوليد قال: وكان أبو سفيان دميما قصيرا وكان الصباح عسيفا لابي سفيان شابا وسيما فدعته هند إلى نفسها فغشيها وقالوا: إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا وقالوا: إنها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك وفي هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عام الفتح: لمن الصبي بجانب البطحاء * في الترب ملقى غير ذي مهد نجلت به بيضاء آنسة * من عبد شمس صلتة الخد قال ابن أبي الحديد: وولى معاوية إثنتين وأربعين سنة منها إثنتان وعشرون سنة ولي فيها إمارة الشام مذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان بعد خمس سنين من خلافة عمر إلى أن قتل أمير المؤمنين عليه السلام في سنة أربعين ومنها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستين. وكان أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله واختلف في كتابته له كيف كانت فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أن الوحي كان يكتبه علي عليه السلام وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم، وأن حنظلة بن الربيع ومعاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك وإلى رؤساء القبائل ويكتبان حوائجه بين يديه ويكتبان ما يجبى من أموال الصدقات ما يقسم له في أربابها. وكان معاوية على أس الدهر مبغضا لعلي عليه السلام شديد الانحراف عنه وكيف لا يبغضه وقد قتل أخاه حنظلة يوم بدر وخاله الوليد بن عتبة وشرك عمه [حمزة] في جده وهو عتبة أو في عمه وهو شيبة على اختلاف الرواية وقتل من بني عمه من بني عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم وأماثلهم ثم

[202]

جاءت الطامة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه وانضواء كثير من قتلته إليه فتأكدت البغضة وثارت الاحقاد وتذكرت تلك التراث الاولى حتى أفضى الامر إلى ما أفضى إليه. وقد كان معاوية مع عظم قدر علي عليه السلام في النفوس واعتراف العرب بشجاعته وأنه البطل الذي لا يقام له يتهدده وعثمان بعد حي بالحرب والمنابذة ويراسله من الشام رسائل خشنة. ثم قال ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة وقد ذكرنا في نقض السفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الالحاد والتعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله وما تظاهر به من الجبر والارجاء ولو لم يكن شئ من ذلك لكان في محاربته الامام ما يكفي في فساد حاله لا سيما على قواعد أصحابنا وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار والخلود فيها إن لم يكفرها التوبة. وقال في موضع آخر: معاوية عند أصحابنا مطعون في دينه منسوب إلى الالحاد قد طعن فيه شيخنا أبو عبد الله البصري في كتاب نقض السفيانية على الجاحظ وروى عنه أخبارا تدل على ذلك. 490 - 491 - روى ذلك أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك أن معاوية سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله فقالها فقال: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: لله أبوك يا ابن عبد الله لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلا أن تقرن اسمك باسم رب العالمين. قال: وروى نصر بن مزاحم عن الحكم بن ظهير عن إسماعيل عن


490 - ما وصلني بعد خبر عن كتاب أخبار الملوك. 491 - الحديث موجود في أوائل الجزء الرابع من كتاب صفين ص 216 ط الحديث بمصر. وتقدم تحت الرقم: (461) ص 565 ط 1، نقل المصنف الحديث مباشرة عن كتاب صفين.

[203]

الحسن. قال: وحدثنا الحكم أيضا عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه. فقال الحسن: فو الله ما فعلوا ولا أفلحوا. 492 - وروى أيضا في موضع آخر من تاريخ محمد بن جرير الطبري أنه قال: في هذه السنة: [284] عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر وأمر بإنشاء كتاب يقرء على الناس فخوفه عبيدالله بن سليمان اضطراب العامة وأنه لا يأمن أن تكون فتنة. فلم يلتفت إليه فكان أول شئ بدأ به المعتضد من ذلك التقديم إلى العامة بلزوم أعمالهم وترك الاجتماع والعصبية [والشهادات عند السلطان إلا أن يسألوا] (1) ومنع القصاص عن القعود على الطرقات. وأنشئ هذا [الكتاب] وعملت منه نسخ قرئت بالجانبين من مدينة السلام في الارباع والمحال والاسواق في يوم الاربعاء لست بقين منها ومنع القصاص من القعود في الجانبين ومنع أهل الحلق في الفتيا [أو غيرهم] من القعود في المسجدين.


492 - رواه الطبري في حوادث: سنة: (284) من تاريخ الامم والملوك: ج 10، ص 55 ط الحديث ببيروت. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (27) من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 4 ص 593 ط الحديث ببيروت. وبما أن الكتاب كان في قدح معاوية خاصة وبني أمية عامة لم يسقه ابن كثير حرفيا بل اكتفى بالاشارة إليه في حوادث سنة: (284) من كتاب البداية والنهاية: ج 6 ص 76 ط بيروت. (1) ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي تاريخ الطبري: " وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان... ". وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه ومن شرح ابن أبي الحديد، غير أن ما ساقه المصنف هنا أكثريا بحسب اللفظ أقرب إلى ما في شرح نهج البلاغة منه إلى ما في تاريخ الطبري.

[204]

ونودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاص أو غيره ومنع القصاص وأهل الحق من القعود. ونودي أن الذمة قد برئت ممن اجتمع من الناس في مناظرة وجدل. وتقدم إلى الشراب الذين يسقون الماء في الجامعين أن لا يترحموا على معاوية ولا يذكروه [بخير] وكانت عادتهم جارية بالترحم. وتحدث الناس أن الكتاب الذي قد أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر فلما صلى الناس [الجمعة] بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرأ. وقيل: (1) إن عبيدالله بن سليمان صرفه عن قرائته وانه أحضر يوسف بن


(1) من قوله: " وقيل: إن عبيدالله بن سليمان صرفه عن قراءته - إلى قوله: - فأمسك المعتضد فلم يرد إليه جوابا ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشئ " ذكره الطبري في خاتمة الكتاب، وأما ابن أبي الحديد فذكره مثل ما ذكره المصنف هاهنا. ثم إن الطبري ذكر قبل الكتاب بعد قوله: " فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرأ " ما نصه: فذكر أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية، فأخرج له من الديوان فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وذكر أنها نسخة الكتاب الذي أنشئ للمعتضد بالله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العلي العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المتفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته الخالق بمشيئته وحكمته، الذي يعلم سوابق [أسرار " خ "] الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات العلى ولا في الارضين السفلى قد أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا، وضرب [وجعل " خ "] لكل شئ أمدا، وهو العليم الخبير. والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعة مطيعهم وماضي أمره في عصيان عاصيهم، فبين لهم ما يأتون وما يتقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذرهم مسالك الهلكة، وظاهر عليهم الحجة وقدم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه وأهل طاعته، والمعاندين عنه والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم. والحمد لله الذي اصطفى محمدا رسوله من جميع بريته واختاره لرسالته وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذن له بالنصر والتمكين، وأيده بالعز والبرهان المتين فاهتدى به من اهتدى، واستنقذ به من استجاب له من العمى وأضل من أدبر وتولى حتى أظهر (*)

[205]

يعقوب القاضي وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم المعتضد عليه فمضى يوسف فكلم المعتضد في ذلك وقال له: إني أخاف أن تضطرب العامة ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعت السيف فيها فقال: يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبين الذين يخرجون في كل ناحية ويميل إليهم خلق كثير لقرابتهم من رسول الله وما في هذا الكتاب من إطرائهم أو كما قال وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل وكانوا هم أبسط ألسنة وأثبت حجة منهم اليوم فأمسك المعتضد فلم يرد عليه جوابا ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشئ. وكان من جملة الكتاب بعد أن قدم حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله: أما بعد فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم وفساد قد لحقهم في معتقدهم وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم ونطقت بها ألسنتهم على غير معرفة ولا روية قد قلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة ولا بصيرة وخالفوا السنن المتبعة إلى الاهواء المبتدعة قال الله عزوجل: * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * [50 / القصص] خروجا عن الجماعة ومسارعة


الله أمره وأعز نصره وقهر من خالفه، وأنجز له ما وعده، وختم به رسله [رسالته " خ "] وقبضه مؤديا لامره مبلغا لرسالته ناصحا لامته، مرضيا مهتديا إلى أكرم مآب المنقلبين وأعلى منازل أنبيائه المرسلين وعباده الفائزين، فصلى الله عليه أفضل صلاة وأتمها وأجلها وأعظمها وأزكاها وأطهرها وعلى آله الطيبين. والحمد لله الذي جعل أمير المؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين ورثة خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين والمقومين لعباده المؤمنين والمستحفظين ودائع الحكمة ومواريث النبوة، والمستخلفين في الامة، والمنصورين بالعز والمنعة والتأييد والغلبة حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم وفساد قد لحقهم في معتقدهم. أقول: جميع ما ذكره المعتضد في مقدمة كتابه حق غير هذا الذيل الذي ذكره حول سلفه فإن كله باطل وبعض سلفه كالمنصور والرشيد والمتوكل لم يكونوا أقل ضلالة من معاوية بل بعضهم كان أعتى وأطغى منه، ومن أراد أن يعرف شيئا يسيرا من تورط هؤلاء في الطغيان فعليه بكتاب أنساب الاشراف.

[206]

إلى الفتنة وإيثارا للفرقة وتشتيتا للكلمة وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة ويتر منه العصمة وأخرجه من الملة وأوجب عليه اللعنة وتعظيما لمن صغر الله [حقه] وأوهن أمره وأضعف ركنه من بني أمية الشجرة الملعونة ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة وأسبغ عليهم به النعمة من أهل بيت البركة والرحمة * (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) *. فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك ورأى ترك إنكاره حرجا عليه في الدين وفسادا لمن قلده الله أمره من المسلمين وإهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين وإقامة الحجة على الشاكين وبسط اليد عن المعاندين. وأمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين أن الله عزوجل ثناؤه لما ابتعث محمدا صلى الله عليه وآله بدينه وأمره أن يصدع بأمره بدأ بأهله وعشيرته فدعاهم إلى ربه وأنذرهم وبشرهم ونصح لهم وأرشدهم وكان من استجاب له وصدق قوله واتبع أمره نفر يسير من بني أبيه (1) من بين مؤمن بما أتى به من ربه وناصر لكلمته وإن لم يتبع دينه إعزازا له واشفاقا عليه فمؤمنهم مجاهد ببصيرته وكافرهم مجاهد بنصرته وحميته يدفعون من نابذه ويقهرون من عابه وعانده ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده ويبايعون له من سمح له بنصرته ويتجسسون أخبار أعدائه ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين حتى بلغ المدى وحان وقت الاهتداء فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله والايمان به بأثبت بصيرة وأحسن هدى ورغبة. فجعلهم الله أهل بيت الرحمة أهل بيته الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا معدن الحكمة وورثة النبوة وموضع الخلافة أوجب الله لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة (1).


(1) كذا في تاريخ الطبري طبع الحديث ببيروت، وفي ط الحديث ببيروت من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: " نفير يسير... " وفي ط الكمباني من البحار: " إمرء يسير... ".

[207]

وكان ممن عانده وكذبه وحاربه من عشيرته العدد الكثير والسواد الاعظم يتلقونه بالضرر والتثريب ويقصدونه بالاذى والتخويف وينابذونه بالعداوة وينصبون له المحاربة ويصدون عن قصده وينالون بالتعذيب من اتبعه. وكان أشدهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة أولهم في كل حرب ومناصبة ورأسهم في كل اجلاب وفتنة لا ترفع عن الاسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها أبا سفيان بن حرب صاحب أحد والخندق وغيرهما وأشياعه من بني أمية الملعونين في كتاب الله ثم الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله في مواطن عدة لسابق علم الله فيهم وماضي حكمه في أمرهم وكفرهم ونفاقهم فلم يزل لعنه الله يحارب مجاهدا ويدافع مكايدا ويجلب منابذا حتى قهره السيف وعلا أمر الله وهم كارهون فتعوذ بالاسلام غير - منطو عليه وأسر الكفر غير مقلع عنه فقبله وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم ثم أنزل الله تعالى كتابا فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم (1) وهو


(1) هذا هو الصواب، وفي أصولي: " فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين [الذين " خ "] أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ومعدن الحكمة... ". ومعلوم أن بني عباس من جدهم إلى المعتضد كاتب هذه الرسالة لم يكونوا على هذه الاوصاف وكان جدهم العباس وابنه حبر الامة عبد الله لم يريا أنفسهم أهلا للخلافة ولا رآهم الناس أهلا لها، ولهذا قال العباس بعد وفاة النبي لعلي: هلم أبايعك... وأيضا لم ير أبو بكر وعمر وعثمان للعباس وبنيه سهما في الخلافة. وأما أحفاد العباس بل وكثير من أبنائه فكانوا أهل لهو وتورط في الشهوات ومعدن الرجس والقسوة والتوغل في ملاذ الدنيا والركون إليها وقد بلغوا أقصى حد الظلم والعدوان، وسير إجمالي في سيرة المنصور والرشيد والمتوكل يوضح ما أشرنا إليه كالشمس في رائعة النهار ! ! أهؤلاء أهل بيته الرحمة ؟ فمن أهل بيت القسوة والجفوة ؟ أهؤلاء أذهب الله عنهم الرجس ؟ أهؤلاء معدن الحكمة ؟ فمن معدن الجهالة والسفاهة ؟ أهؤلاء ورثة النبوة وموضع الخلافة ؟ فمن ورثة الطغيان والالحاد ؟ وأي فضيلة كانت فيهم غير النسب، ونسب عمه أبي لهب كان أقرب من نسبهم ولم يفده شيئا، وكيف ألزم الله طاعتهم على العباد وكانوا طغى العباد، وأظلم الظالمين والله تعالى يقول: " لا ينال عهدي الظالمين ". (1) هذا هو الظاهر المذكور في شرح ابن أبي الحديد، وفي أصلي من طبع الكمباني من البحار: " ثم أنزل الله تعالى كتابا فيما أنزل الله على رسوله فيهم شأنهم ".

[208]

قوله: * (والشجرة الملعونة في القرآن) * [60 / الاسراء] ولا خلاف بين أحد أنه تبارك وتعالى أراد بها بني أمية. ومما ورد من ذلك في السنة ورواه ثقاة الامة قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية يقوده ويزيد يسوقه: لعن الله الراكب والقائد والسائق. ومنه ما روته الرواة عنه من قوله يوم بيعة عثمان: " تلقفوها يا بني عبد شمس تلقف الكرة فو الله ما من جنة ولا نار " وهذا كفر صراح يلحقه اللعنة من الله كما لحقت * (الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) * [77 / المائدة: 5]. ومنه ما يروى من وقوفه على ثنية أحد بعد ذهاب بصره وقوله لقائده: هاهنا دمينا محمدا وقتلنا أصحابه (1). ومنها الكلمة التي قالها للعباس قبل الفتح - وقد عرضت عليه الجنود -: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ! ! فقال له العباس: ويحك إنه ليس بملك إنها النبوة. ومنه قوله يوم الفتح وقد رأى بلالا على ظهر الكعبة يؤذن ويقول: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد أسعد الله عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد.


وفي تاريخ الطبري: فمما لعنهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وأنزل به كتابا قوله: " والشجرة الملعونة في القران ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " [60 / الاسراء: 17] ولا أختلاف بين أحد انه اراد بها بني أمية. ومنه قول الرسول عليه السلام: وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به: لعن الله القائد والراكب. (1) كذا في أصلي، وفي ط الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: " ها هنا رمينا محمدا... " وفي ط بيروت من تاريخ الطبري: " ها هنا ذببنا محمدا وأصحابه... ".

[209]

ومنها الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وآله فوجهم لها قالوا: فما رئي بعدها ضاحكا رأى نفرا من بني أمية ينزون على منبره نزو القردة (1) ومنها طرد رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم بن [أبي] العاص لمحاكاته إياه في مشيته وألحقه الله بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله آفة باقية حين التفت إليه فرآه يتخلج يحكيه فقال " كن كما أنت " فبقي على ذلك سائر عمره. هذا إلى ما كان من مروان ابنه وافتتاحه أول فتنة كانت في الاسلام واحتقابه كل دم حرام سفك فيها أو أريق بعدها (2). ومنها ما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله: * (ليلة القدر خير من ألف شهر) * قالوا: ملك بني أمية (3). ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا معاوية ليكتب بين يديه فدافع بأمره واعتل بطعامه فقال صلى الله عليه وآله: لا أشبع الله بطنه. فبقي لا يشبع ويقول: والله ما أترك الطعام شبعا ولكن إعياءا. ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يطلع من هذا الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي. فطلع معاوية. ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.


(1) ومثله في شرح ابن أبي الحديد: وينزون - على زنة يدعون -: يثبون ويعلون عليه. وفي تاريخ الطبري: ومنه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم فوجم لها فما رئي ضاحكا بعدها فأنزل الله: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [والشجرة الملعونة في القرآن]) * [60 / الاسراء: 17]. (2) هذا هو الصواب كما في تاريخ الطبري وشرح ابن أبي الحديد. والاحتقاب: الارتكاب. وفي ط الكمباني من البحار: " احتقانه ". (3) ومثله في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة، وفي تاريخ الطبري: " ومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر: " ليلة القدر خير من ألف شهر " من ملك بني أمية.

[210]

ومنها الحديث المشهور المرفوع أنه صلى الله عليه وآله قال: إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك من جهنم ينادي يا حنان يا منان فيقال له: " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ". ومنها انتزاؤه بالمحاربة لافضل المسلمين في الاسلام مكانا وأقدمهم إليه سبقا وأحسنهم فيه أثرا وذكرا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ينازعه حقه بباطله ويجاهد أنصاره بضلاله وأعوانه ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله وجحوده دينه * (ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) * (1) يستهوي أهل الجهالة ويموه لاهل الغباوة بمكره وبغيه الذين قدم رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر عنهما فقال لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار " مؤثرا للعاجلة كافرا بالآجلة خارجا من طريقة الاسلام (2) مستحلا للدم الحرام حتى سفك في فتنته وعلى سبيل غوايته وضلالته دماء ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذابين عن دين الله والناصرين لحقه مجاهدا في عداوة الله مجتهدا في أن يعصى الله فلا يطاع وتبطل أحكامه فلا تقام ويخالف دينه فلا يدان وأن تعلو كلمة الضلال وترتفع دعوة الباطل وكلمة الله هي العليا ودينه المنصور وحكمه النافذ وأمره الغالب وكيد من عاداه وحاده المغلوب الداحض حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتبعها وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها وسن سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها وأباح المحارم لمن ارتكبها ومنع الحقوق أهلها وغرته الآمال واستدرجه الامهال. وكان مما أوجب الله عليه به اللعنة قتله من قتل صبرا (3) من خيار


(1) هذا هو الصواب المذكور في شرح ابن أبي الحديد، وهي الآية: (32) من سورة التوبة: (9) وفي ط الكمباني من البحار وتاريخ الطبري: " ولو كره المشركون ". (2) كذا في طبع الكمباني من كتاب البحار، وفي تاريخ الطبري وشرح ابن أبي الحديد " خارجا من ربقة الاسلام... ". (3) ومثله في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة، وفي تاريخ الطبري: " ثم مما أوجب

[211]

الصحابة والتابعين وأهل الفضل والدين مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي الكندي فيمن قتل من أمثالهم على أن يكون له العزة والملك والغلبة. ثم ادعاؤه زياد بن سمية أخا ونسبته إياه إلى أبيه والله تعالى يقول: * (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) * [5 / الاحزاب: 33] ورسوله يقول: ملعون من ادعى إلى غير أبيه أو انتمي إلى غير مواليه (1). وقال: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فخالف حكم الله تعالى ورسوله جهارا وجعل الولد لغير الفراش والحجر لغير العاهر فأحل بهذه الدعوة من محارم الله ورسوله في أم حبيبة أم المؤمنين وفي غيرها من النساء من شعور ووجوه قد حرمها الله وأثبت بها من قربى قد أبعدها الله ما لم يدخل الدين خلل مثله ولم ينل الاسلام تبديلا يشبهه. ومن ذلك إيثاره لخلافة الله على عباده ابنه يزيد السكير الخمير صاحب الديكة والفهود والقردة وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعد والاخافة والتهديد والرهبة وهو يعلم سفهه ويطلع على رهقه وخبثه ويعاين سكراته وفعلاته وفجوره وكفره فلما تمكن قاتله الله فيما تمكن منه طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرة


الله له به اللعنة قتله من قتل صبرا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة، مثل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي فيمن قتل [من] أمثالهم في أن تكون له العزة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله عزوجل يقول: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) * [93 / النساء: 4]. (1) ومثله في شرح ابن أبي الحديد، غير أن فيه " ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول... " وفي تاريخ الطبري: ومما استحق به اللعنة من الله ورسوله إدعاؤه زياد بن سمية، جرأة على الله، والله يقول: " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله... " [5 / الاحزاب: 33] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ملعون من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه.

[212]

الوقعة التي لم يكن في الاسلام أشنع منها ولا أفحش فشفي عند نفسه غليله وظن أنه قد انتقم من أولياء الله وبلغ الثار لاعداء الله فقال مجاهرا بكفره ومظهرا لشركه: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل قول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله ولا يؤمن بالله وبما جاء من عنده. ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اجترم سفكه دم الحسين بن علي صلوات الله عليهما مع موقعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانه ومنزلته من الدين والفضل والشهادة له ولاخيه بسيادة شباب أهل الجنة اجتراءا على الله وكفرا بدينه وعداوة لرسوله ومجاهرة لعترته وإستهانة لحرمته كأنما يقتل لعنه الله قوما من كفرة الترك والديلم لا يخاف من الله نقمة ولا يراقب منه سطوة [فبتر الله عمره] واجتث أصله وفرعه وسلبه ما تحت يده وأعد له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته. هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكام الله واتخاذ مال الله بينهم دولا وهدم بيت الله واستحلال حرامه ونصبهم المجانيق عليه ورميهم بالنيران إليه لا يألون إحراقا وإخرابا ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكا ولمن لجأ إليه قتلا وتنكيلا ولمن آمنه الله به إخافة وتشريدا حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب واستحقوا من الله الانتقام وملاوا الارض بالجور والعدوان وعموا عباد الله بالظلم والاقتسار وحلت عليهم السخط ونزلت بهم من الله السطوة أتاح الله لهم من عترة نبيه وأهل وراثته ومن استخلصه منهم لخلافته مثل ما أتاح من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لاوائلهم الكافرين فسفك الله دماءهم مرتدين كما سفك بآبائهم دماء ابائهم مشركين وقطع الله دابر الذين ظلموا والحمد لله رب العاليمن يا أيها الناس إن الله إنما أمر ليطاع ومثل ليتمثل وحكم ليفعل قال سبحانه * (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا) * [64 / االاحزاب: 33] وقال:

[213]

" أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ". [159 / البقرة: 2]. فالعنوا أيها الناس من لعنه الله ورسوله وفارقوا من لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته. اللهم العن أبا سفيان ابن أمية ومعاوية ابنه ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وولده وولد ولده. اللهم العن أئمة الكفر وقادة الضلال وأعداء الدين ومجاهدي الرسول ومعطلي الاحكام ومبدلي الكتاب ومنتهكي الدم الحرام. اللهم إنا نبرء إليك من موالاة أعدائك ومن الاغماض لاهل معصيتك كما قلت: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) * [22 / المجادلة]. أيها الناس اعرفوا الحق تعرفوا أهله وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها فقفوا عند ما وقفكم الله عليهم وانفذوا لما أمركم الله به وأمير المؤمنين يستعصم بالله لكم ويسأله توفيقكم ويرغب إليه في هدايتكم والله حسبه وعليه توكله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (1)


(1) ومثله في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة، ولكن في ط الحديث ببيروت من تاريخ الطبري بعده زيادة هكذا نصها: يا أيها الناس اعرفوا الحق تعرفوا أهله، وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها، فإنه إنما يبين عن الناس أعمالهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح اباؤهم فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم وكيد من يكيدكم وطاعة من تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم. أيها الناس بنا هداكم الله ونحن المستحفظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله، فقفوا عندما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به، فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى على سبيل الايمان والتقوى وأمير المؤمنين يستعصم الله لكم ويسأله توفيقكم ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم وفي حفظ دينه عليكم حتى تلقوه به مستحقين طاعته، مستحقبين لرحمته، والله حسب أمير المؤمنين فيكم وعليه توكله، وبالله على ما قلده من أموركم استعانته ولا حول لامير المؤمنين ولا قوة إلا

[214]

وقال في موضع آخر (1): إن معاوية لعنه الله أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسب علي صلوات الله عليه والبراءة منه وخطب بذلك على منابر الاسلام وصار ذلك سنة في أيام بني أمية إلى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزاله. وقال الجاحظ: إن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما. وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات ينادى بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز. وذكر المبرد في الكامل أن خالد بن عبد الله القسري لما كان أمير العراق في خلافة هشام كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر. وذكر الجاحظ أن قوما من بني أمية قالوا لمعاوية: إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل ؟ فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلا. وأراد زياد أن يعرض على أهل الكوفة البراءة من علي ولعنه وأن يقتل كل من امتنع من ذلك ويخرب منزله فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات بعد ثلاثة أيام وذلك في أيام معاوية.


بالله، والسلام عليكم. وكتب أبو القاسم عبيدالله بن سليمان في سنة أربع وثمانين ومائتين. (1) الظاهر من سياق الكلام جليا أن الضمير في قوله: " وقال في موضع آخر " راجع إلى أحمد بن أبي طاهر المتقدم في بداية الحديث (490) في ص 567، أي وقال أحمد بن أبي طاهر في موضع أخر من كتاب أخبار الملوك. وكتاب أخبار الملوك ما اطلعت عليه بعد، ولكن هذه الاخبار لها مصادر أخر، وجميعها مع أخبار أخر في معناها ذكرها بأوضح مما ذكره صاحب كتاب أخبار الملوك - ابن أبي الحديد في شرح المختار: (56) من نهج البلاغة: ج 1، ص 778 - 815 ط الحديث ببيروت.

[215]

قال: وقال أبو جعفر الاسكافي: وروي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي عليه السلام * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) * وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي * (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله) * فلم يقبل فبذل له مأتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل فبذل أربعمائة فقبل. وروى ذلك وقال: إن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير. قال: وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله أبو هريرة الدوسي. قال: وقد روى الواقدي أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام خطب فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الارض المقدسة فإن فيها الابدال وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب. فلعنوه. قال: وروى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلم عن نصر بن عاصم الليثي (1) عن أبيه قال: أتينا مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله والناس


(1) هذا هو الصواب، وفي ط الكمباني من كتاب البحار: " عن نصر، عن عاصم الليثي... ". ونصر هذا من رجال صحاح أهل السنة مترجم في كتاب تهذيب التهذيب: ج 10 ص 427. وأما أبو عاصم بن عمرو بن خالد الليثي فهو من الصحابة والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة قال ابن عبد البر في حرف العين من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 3

[216]

يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فقلت: ما هذا ؟ قالوا: معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعن الله التابع والمتبوع رب يوم لامتي من معاوية ذي الاستاه قالوا: يعني كبير العجر.


ص 135. عاصم بن عمرو بن خالد الليثي والد نصر بن عاصم روى عنه ابنه نصر بن عاصم: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا غسان بن مضر، حدثنا أبو سلمة سعيد بن يزيد: عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل لهذه الامة من ذي الاستاه. وقال مرة أخرى: ويل لامتي من فلان ذي الاستاه. وقال أحمد [بن زهير]: لا أدري سمع هذا عاصم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا ؟. انظروا إلى هذا الاعور ! ! الصحابي العادل عنده يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل لهذه الامة من ذي الاستاه " ثم هو يبدي هواه وحبه لامامه الذي أصمه عن الحق ويقول: لا أدري أسمع عاصم هذا عن رسول الله أم لا ؟ ! !. وذكره أيضا الحافظ ابن حجر في ترجمة عاصم تحت الرقم: (4355) من كتاب الاصابة: ج 2 ص 246 قال: ذكره ابن أبي خيثمة وغيره في الصحابة. وروى البغوي من طريق نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ويل لهذه الامة من فلان ذي الاستاه. قال البغوي: لا أدري له صحبة أم لا ؟. قال ابن حجر: قلت: [الحديث] قد أخرجه الطبراني من الوجه الذي أخرجه منه البغوي فزاد في أوله ما يدل على صحبته وهو قوله: دخلت المسجد - مسجد المدينة - وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. قلت: مم ذاك ؟ قالوا: كان يخطب آنفا فقام رجل فأخذ بيد ابنه ثم خرجا ! ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله القائد والمقود به، ويل لهذه الامة من فلان ذي الاستاه. وليراجع مسند عاصم بن عمرو بن خالد أو ابنه نصر من المعجم الكبير للطبراني.

[217]

قال: وروى العلاء بن جرير أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لمعاوية: لتتخذن يا معاوية البدعة سنة والقبيح حسنا أكلك كثير وظلمك عظيم. قال: وروى الحرث بن حصيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ قال: قال علي عليه السلام: نحن وآل أبي سفيان قوم تعادوا في الله والامر يعود كما بدا. قال وروي عن عمر بن مرة عن أبي عبد الله بن سلمة عن علي عليه السلام قال: رأيت الليلة رسول الله صلى الله عليه وآله فشكوت إليه فقال: هذه جهنم فانظر من فيها فإذا معاوية وعمرو بن العاص معلقين بأرجلهم منكسين ترضخ رؤوسهما بالحجارة أو قال: تشدخ. قال: وروى صاحب كتاب الغارات عن الاعمش عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله: يقول سيظهر على الناس رجل من امتي عظيم السرة واسع البلعوم يأكل ولا يشبع يحمل وزر الثقلين يطلب الامارة يوما فإذا أدركتموه فابقروا بطنه. قال: وكان في يد رسول الله صلى الله عليه وآله قضيب قد وضع طرفه في بطن معاوية. توضيح: الواجم: الذي اشتد حزنه وأمسك عن الكلام. وتخلج المفلوج في مشيته بالخاء المعجمة ثم الجيم أي تفكك وتمايل. والسابلة أبناء السبيل. قوله عليه السلام: " الامر ويعود كما بدا " أي يقع الحرب بيني وبينهم كما وقع بين النبي وبينهم أو يعودون إلى الكفر أو إشارة إلى السفياني. وقال الجوهري: السرم يعني بالضم: مخرج الثفل وهو طرف المعى المستقيم كلمة مولدة. 507 - ما جماعة عن أبي المفضل عن محمد بن هارون بن حميد عن


(507) رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث الاخير من المجلس: (8) من المجلد الثاني من أماليه ص 609.

[218]

جرير بن أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة (1) عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: كنت عند معاوية وقد نزل بذي طوى فجاءه سعد بن أبي وقاص فسلم عليه فقال معاوية: يا أهل الشام هذا سعد وهو صديق لعلي قال: فطأطأ القوم رؤوسهم وسبوا عليا عليه السلام فبكى سعد فقال له معاوية: ما الذي أبكاك ؟ قال: ولم لا أبكي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يسب عندك ولا أستطيع أن أغير وقد كان في علي خصال لان تكون في واحدة منهن أحب ألي من الدنيا وما فيها أحدها أن رجلا كان باليمن فجفاه علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: لاشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن علي عليه السلام فثنا عليه فقال: أنشدك بالله الذي أنزل علي الكتاب واختصني بالرسالة أعن سخط [تقول] ما تقول في علي عليه السلام ؟ قال: نعم يا رسول الله قال: ألا تعلم أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قال: بلى ؟ قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه. والثانية: أنه بعث يوم خيبر عمر بن الخطاب إلى القتال فهزم وأصحابه فقال صلى الله عليه وآله: لاعطين الراية غدا إنسانا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فغدا المسلمون وعلي أرمد فدعاه فقال خذ الراية فقال: يا رسول الله إن عينى كما ترى ! فتفل فيها فقام فأخذ الراية ثم مضى بها حتى فتح الله عليه. والثالثة [أنه] خلفه في بعض مغازيه فقال علي عليه السلام: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.


(1) هذا هو الصواب، وفي ط الكمباني من البحار: " عن ابن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المايرة ". والرجلان قميان مؤثقان عند حفاظ أهل السنة، وذكرهما ابن حجر ولكن ذكر الاول بعنوان التمييز، والثاني بعنوان كونه من رجال الصحاح في كتاب تهذيب التهذيب: ج 1، ص 350 وج 2 ص 108.

[219]

والرابعة: سد الابواب في المسجد إلا باب علي. والخامسة: نزلت هذه الآية * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * [33 / الاحزاب] فدعا النبي صلى الله عليه وآله عليا وحسنا وحسينا وفاطمة عليهم السلام فقال: اللهم هؤلاء أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. بيان: الثناء بتقديم المثلثة يطلق على المدح والذم وفي الاول أغلب وبتقديم النون بالعكس. 508 - كنز الكراجكي بلغ الحسين بن علي صلوات الله عليه كلام نافع بن جبير في معاوية وقوله إنه كان يسكته الحلم وينطقه العلم فقال عليه السلام: بل كان ينطقه البطر ويسكته الحصر. بيان: الحصر بالتحريك العي.


508 - رواه العلامة الكراجكي في كتاب كنز الفوائد.

[221]

[الباب الثامن عشر] باب ما جرى بينه عليه السلام وبين عمرو بن العاص لعنه الله وبعض أحواله 509 - ج: قال عليه السلام في عمرو جوابا عما قال فيه: عجبا لابن النابغة يزعم لاهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة أعارس [أعافس " خ "] وأمارس لقد قال باطلا ونطق آثما أما وشر القول الكذب إنه يقول فيكذب ويعد فيخلف ويسأل فيلحف ويسأل فيبحل ويخون العهد ويقطع الال فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القوم سبته. أم والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت وإنه ليمنعه عن قول الحق نسيان الآخرة إنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية ويرضخ على ترك الدين له رضيخة. 510 - نهج: ومن كلام له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص: عجبا لابن النابغة. وذكر نحوه.


509 - رواه الطبرسي رحمه الله قبل عنوان: " وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية احتجاجا عليه " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 182. 510 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (82) من كتاب نهج البلاغة.

[222]

بيان: نبغ الشئ: ظهر. قال بعض الشارحين: سميت أم عمرو النابغة لشهرتها بالفجور وتظاهرها به وسيأتي وصف نسبه لعنه الله. وزعم - كنصر - زعما مثلثة أي قال حقا أو باطلا وأكثر ما يستعمل في الباطل و ما يشك فيه. والدعابة - بالضم -: المزاح، والمراد هنا الدعابة الخارجة عن الاعتدال. وروي أنه كان يقول لاهل الشام: إنما أخرنا عليا لان فيه هزلا لا جد معه وتبع في ذلك أثر عمر... حيث قال يوم الشورى لما أراد صرف الامر عنه عليه السلام: لله أنت لولا أن فيك دعابة. ورجل تلعابة بالكسر أي كثير اللعب. والمعافسة والعفاس بالكسر: الملاعبة. وفي بعض نسخ [كتاب] الاحتجاج: " أعاوس " مكان " أعافس " ولعله من " أعرس الرجل " إذا دخل بامرأته عند بنائها، وقد يطلق على الجماع. والممارسة: المزاولة، قال [ابن الاثير] في [مادة: " مرس " من كتاب] النهاية: و [قد] يطلق على الملاعبة و منه حديث علي: " زعم أنني كنت أعافس وأمارس " أي ألاعب النساء. و " ألحف " أي ألح. و " إل " بالكسر: العهد والقرابة والحلف والجار. ذكره الفيروز آبادي [في مادة " إل " من كتاب القوموس]. والمراد بقطع " الال " هنا قطع الرحم أو تضييع الحليف والجار. و " المآخذ " على لفظ الجمع وفي بعض النسخ على المفرد. وكلمة " كان " الاولى تامة والاشارة إلى أخذ السيوف مآخذها وهو التحام الحرب ومخالطة السيوف " وأكبر " بالباء الموحدة وهو أظهر مما في بعض النسخ من المثلثة. والمكيدة: المكر والحيلة. و " يمنح " - كيمنع - أي يعطي. و " السبة " الاست، أي العجز أو حلقة الدبر. والمراد بإعطاء القوم سبته ما ذكره أرباب السير ويضرب به المثل من كشفه سوأته شاغرا برجليه لما لقيه أمير المؤمنين عليه السلام في بعض أيام صفين وقد اختلطت الصفوف واشتعل نار الحرب فحمل عليه السلام عليه فألقى نفسه عن فرسه رافعا رجليه كاشفا عورته فانصرف عنه لافتا وجهه وفي ذلك قال أبو فراس: ولا خير في دفع الاذى بمذلة * كما ردها يوما بسوأته عمرو والاتية: العطية. والرضخ: العطاء القليل. والمراد بالاتية والرضيخة ولاية مصر

[223]

ولعل التعبير عنها بالرضيخة لقلتها بالنسبة إلى ترك الدين. 511 - ما: المفيد عن محمد بن عمران عن الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن علي بن محمد قال: كان عمرو بن العاص يقول: إن في علي دعابة فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: زعم ابن النابغة أني تلعابة مزاحة ذو دعابة أعافس وأمارس. هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت وخوف البعث والحساب ومن كان له قلب ففي هذا عن هذا له واعظ وزاجر. أما وشر القول الكذب إنه ليحدث فيكذب ويعد فيخلف فإذا كان يوم البأس فأي زاجر وآمر هو (1) ما لم يأخذ السيوف هام الرجال فإذا كان ذلك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم أسته. 512 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي قال: بلغ عليا عليه السلام أن ابن العاص ينتقصه عند أهل الشام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عجبا - عجبا لا ينقضي - لابن النابغة يزعم لاهل الشام إلى آخر الكلام وجمع بين الروايتين.


511 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (21) من الجزء الخامس من أماليه ص 131، ط بيروت. وليلاحظ الحديث: (36) من أمالي الشيخ المفيد ص 82. (1) هذا هو الظاهر المذكور في المطبوع من أمالي الشيخ، وفي ط الكمباني من البحار: " فأي زاجر وأين هو ؟.. ". 512 - الحديث مذكور تحت الرقم: (188) من المطبوع من منتخب كتاب الغارات: ج 1، ص 513 ط 1. وللحديث صور مختلفة وأسانيد ومصادر كثيرة جدا على وسع الباحث أن يقف على بعضها تحت الرقم: (98) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 127، ط 1، وفي المخطوطة: ج 1 / الورق 225. وذكره أيضا عن مصادر وغلى صور العلامة الاميني في ترجمة عمرو بن العاص من كتاب الغدير: ج 2 ص 128، ط بيروت.

[224]

513 - كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان بن أبي عياش عن سليم قال: إن عمرو بن العاص خطب بالشام فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله على جيش فيه أبو بكر وعمر فظننت أنه إنما بعثني لكرامتي عليه فلما قدمت قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ فقال: عائشة. فقلت: من الرجال ؟ قال: أبوها. أيها الناس وهذا علي يطعن على أبي بكر وعمر وعثمان وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه وقال في عثمان: إن الملائكة لتستحيي من عثمان. وقد سمعت عليا وإلا فصمتا يعني أذنيه يروى على عهد عمر أن نبي الله نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين فقال: يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الاولين والآخرين ما خلا النبيين منهم والمرسلين ولا تحدثهما بذلك فيهلكا. فقام علي عليه السلام فقال: العجب: لطغاة أهل الشام حيث يقبلون قول عمرو ويصدقونه وقد بلغ من حديثه وكذبه وقلة ورعه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد لعنه سبعين لعنة ولعن صاحبه الذي يدعو إليه في غير موطن وذلك أنه هجا رسول الله صلى الله عليه وآله بقصيدة سبعين بيتا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم إني لا أقول الشعر ولا أحله فالعنه أنت وملائكتك بكل بيت لعنة تترى على عقبه إلى يوم القيامة. ثم ما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فقال: إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له وإني لاشنأ الناس له وأقولهم فيه سوء فأنزل الله * (إن شانئك هو الابتر) * يعني أبتر من الايمان [و] من كل خير. ما لقيت من هذه الامة من كذابيها ومنافقيها لكأنى بالقراء الضعفة المتهجدين رووا حديثه وصدقوه فيه واحتجوا علينا أهل البيت بكذبه أنا نقول: خير هذه الامة أبو بكر وعمر ولو شئت لسميت الثالث ! !. والله ما أراد بقوله في عائشة وأبيها إلا رضا معاوية بسخط الله عزوجل ولقد استرضاه بسخط الله.


513 - كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 172 ط بيروت.

[225]

وأما حديثه الذي يزعم أنه سمعه مني فلا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة [إنه] ليعلم أنه قد كذب علي يقينا وأن الله لم يسمعه مني سرا ولا جهرا. اللهم العن عمروا والعن معاوية بصدهما عن سبيلك وكذبهما على كتابك واستخفافهما بنبيك صلى الله عليه وآله وكذبهما عليه وعلي. 514 - أقول: قال ابن ميثم رحمه الله: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عمرو بن العاص من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الابتر ابن الابتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والاسلام، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنك تركت مروتك لامرئ فاسق مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعا كما وافق شن طبقة فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك وكان علم الله بالغا فيك فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا أو الصبح أنى (1) يلتمس فاضل سؤره وحوايا فريسته ولكن لا نجاة من القدر ولو بالحق أخذت لادركت ما رجوت وقد رشد من كان الحق قائده. فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الاكباد ألحقكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وإن تعجزا أو تبقيا بعدي فالله حسبكما وكفى بانتقامه انتقاما وبعقابه عقابا والسلام. وروى ابن أبي الحديد مثله عن نصر بن مزاحم من كتاب صفين. 515 - ج نهج ومن كتاب له عليه السلام إلى عمرو بن العاص:


514 - رواه كمال الدين ابن ميثم البحراني رحمه الله في شرحه على المختار: (39) من الباب الثاني من نهج البلاغة: ج 5 ص 85 ط بيروت، وفي ط 3 ج 5 ص 58. ورواه أيضا ابن أبي الحديد - نقلا عن كتاب صفين - في شرحه على المختار (39) من الباب الثاني من نهج البلاغة: ج 16، ص 163، وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 791. (1) هذا هو الظاهر من السياق والمستفاد قطعيا مما يأتي في بيان المصنف، وفي ط الكمباني من البحار هنا: " أو الصبح إذا يلتمس... " وهذا السياق أحسن مما في أصلي من شرح ابن أبي الحديد: " أو أتى الصبح... ".

[226]

فإنك جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته فاتبعت أثره وطلبت فضله اتباع الكلب للضرغام يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه من فضل فر ؟ سته فأذهبت دنياك وآخرتك ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما والسلام. بيان: إلى الابتر إشارة إلى قوله تعالى * (إن شانئك هو الابتر) * فإنه نزل فيه. قال ابن أبي الحديد: أما غي معاوية فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه. وأما مهتوك ستره فإنه كان كثير الهزل والخلاعة صاحب جلساء وسمار ومعاوية لم يتوقر ولم يلزم قانون الرياسة إلا منذ خرج على أمير المؤمنين واحتاج إلى الناموس والسكينة وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك موسوما بكل قبيح وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا منه إلا أنه كان يلبس الحرير ويشرب في آنية الذهب والفضة ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها وعليها جلال الديباج والوشي وكان حينئذ شابا عنده نزق الصبا وأشر الشبيبة وسكر السلطان والامرة ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنه كان يشرب الخمر في أيام عثمان بالشام فأما بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام واستقرار الامر له فقد اختلف فيه فقيل إنه شرب الخمر في سر وقيل: لم يشرب ولا خلاف في أنه سمع الغناء وطرب عليه وأعطى ووصل عليه أيضا. وأما قوله " يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته " فالامر كذلك لانه لم يكن في مجلسه إلا شتم بني هاشم وقذفهم والتعرض بذكر الاسلام والطعن عليه وإن أظهر الانتماء إليه.


515 - رواه الطبرسي رحمه الله في آخر عنوان: " احتجاج علي عليه السلام على معاوية في جواب كتاب كتب إليه... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 182، ط بيروت. ورواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (39) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة.

[227]

قوله عليه السلام " كما وافق شن طبقة " قال في مجمع الامثال قال الشرقي بن القطامي: كان رجل من دهاة العرب وعقلائهم يقال له شن فقال: والله لاطوفن حتى أجد امرأة مثلي فأتزوجها فبينما هو في بعض مسيره إذا رافقه رجل في الطريق فسأله شن: أين تريد ؟ فقال: موضع كذا وكذا. يريد القرية التي يقصدها شن فرافقه حتى إذا أخذا في مسيرهما قال شن: أتحملني أم أحملك ؟ فقال له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب فكيف أحملك أم تحملني. فسكت عنه شن فسارا حتى إذا قربا من القرية إذا هما بزرع قد استحصد فقال: أترى هذا الزرع أكل أم لا ؟ فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتا مستحصدا فتقول أكل أم لا، فسكت عنه شن حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة فقال شن: أترى صاحب هذا النعش حيا أم ميتا ؟ فقال الرجل: ما رأيت أجهل منك جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم حي فسكت عنه شن فأراد مفارقته فأبى الرجل أن يتركه حتى يسير به إلى منزله فمضى معه. وكان للرجل بنت يقال لها طبقة فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه وشكى إليها جهله وحدثها بحديثه فقالت: يا أبت ما هذا بجاهل. أما قوله " أتحملني أم أحملك " فأراد: أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع طريقنا. وأما قوله " أترى هذا الزرع أكل أم لا " فإنما أراد: هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا ؟ وأما قوله في الجنازة فأراد: هل ترك عقبا يحيي بهم ذكره أم لا. فخرج الرجل فقعد مع شن فحادثه ساعة ثم قال: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه ؟ قال: نعم. ففسره، فقال شن: ما هذا من كلامك فأخبرني من صاحبه ؟ فقال: ابنة لي. فخطبها إليه، فزوجه وحملها إلى أهله فلما رأوها قالوا: وافق شن طبقة. فذهبت مثلا يضرب للمتوافقين. وقال الاصمعي: هم قوم كان لهم وعاء أدم فتشنن فجعلوا له طبقا فوافقه

[228]

فقيل: وافق شن طبقة. وهكذا رواه أبو عبيدة في كتابه وفسره. وقال ابن الكلبي: طبقة قبيلة من أياد كانت لا تطاق فوقعت بها شن ابن أقصى بن عبد القيس فانتصفت منها وأصابت فيها فضربتا مثلا للمتفقين في الشدة وغيرها. قال الشاعر: لقيت شن أياد بالقنا * طبقا وافق شن طبقة فزاد المتأخرون فيه: وافقه فاعتنقه. انتهى. وقال الجوهري: أنى يأني أنيا [وإنى وأناء] أي حان وأنى [تأنية] أيضا: أدرك. وفي بعض النسخ بالتاء. والحوايا: الامعاء [وهو] جمع حوية. قوله عليه السلام " أدركت " أي من الدنيا بقدر كفايتك أو من الآخرة. قوله عليه السلام " فإن يمكن الله " المفعول محذوف أي يمكنني قوله عليه السلام " وإن تعجزا " أي غلبتما علي. فالمفعول محذوف أيضا. ولنذكر هنا نسب هذا الابتر لعنه الله وصاحبه الاكفر وبعض مثالبه ومثالب أبيه. اعلم أن العاص بن وائل أباه كان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله والكاشفين له بالعداوة والاذى وفيه وفي أصحابه نزول * (إنا كفيناك المستهزئين) * [95 / الحجر: 15] ولقب في الاسلام بالابتر لقوله " سيموت هذا الابتر غدا فينقطع ذكره " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يشتم رسول الله صلى الله عليه وآله ويضع في طريقه الحجارة ليعثر بها إذا خرج ليلا للطواف وهو أحد القوم الذين روعوا زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله في هودجها حتى أجهضت جنينا ميتا فلما بلغه صلى الله عليه وآله لعنهم.

[229]

وعمرو هجا رسول الله صلى الله عليه وآله هجاء كثيرا وكان يعلمه صبيان مكة فينشدونه ويصيحون برسول الله صلى الله عليه وآله إذا مر بهم رافعين أصواتهم بالهجاء في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي بالحجر: اللهم إن عمرو بن العاص هجاني ولست بشاعر فالعنه بعدد ما هجاني. رواه عبد الحميد ابن أبي الحديد عن الواقدي وغيره من أهل الحديث. (1) 516 - قال: وروى أهل الحديث أن النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص عمدوا إلى سلى جمل (2) فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد بفناء الكعبة فسال عليه فصبر ولم يرفع رأسه وبكى في سجوده ودعا عليهم فجاءت إبنته فاطمة عليها السلام وهي باكية فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه [وهي] باكية فرفع رأسه وقال: اللهم عليك بقريش قالها ثلاثا ثم قال رافعا صوته: إني مظلوم فإنتصر قالها ثلاثا ثم قام فدخل منزله وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين. قال: ولشدة عداوة [عمرو بن العاص لرسول الله صلى الله عليه وآله] أرسله أهل مكة إلى النجاشي ليطرد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عن بلاده مهاجرة حبشة وليقتل جعفر بن أبي طالب عنده إن أمكنه فكان منه في أمر جعفر هناك ما هو مشهور في السير. وقال ابن أبي الحديد: ذكر الزمخشري في كتاب ربيع الابرار قال: كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمه لرجل من عنزة فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان التيمي بمكة فكانت بغيا ثم أعتقها فوقع عليها أبو لهب بن عبد


(1) رواه مع ما يليه في شرحه على المختار: (82) من نهج البلاغة. ج 2 ص 456 ط الحديث ببيروت. (2) السلى على زنة بلى: غلاف الولد في بطن أمه.

[230]

المطلب وأمية بن خلف الجمحي وهشام بن المغيرة المخزومي وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل السهمي في طهر واحد فولدت عمرا فادعاه كلهم فحكمت أمه فيه فقالت: هو من العاص بن وائل وذلك لان العاص بن وائل كان ينفق عليها كثيرا. قالوا: وكان أشبه بأبي سفيان. قال: وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب الانساب أن عمرا اختصم فيه يوم ولادته رجلان، أبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل. فقيل: لتحكم أمه. فقالت أمه: إنه من العاص بن وائل. فقال أبو سفيان: أما إني لا أشك أني وضعته في رحم أمه فأبت إلا العاص. فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسبا. فقالت: إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبو سفيان شحيح. ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله: أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الدلائل ففاخر به إما فخرت فلا تكن * تفاخر بالعاص الهجين بن وائل وإن التي في ذاك يا عمرو حكمت * فقالت رجاء عند ذاك لنائل من العاص عمرو تخبر الناس كلما * تجمعت الاقوام عند المحافل وروى ابن عبد البر في الاستيعاب (1) عن ابن الكلبي في كتابه في أخبار صفين أن بسر بن أرطاة بارز عليا عليه السلام يوم صفين فطعنه علي عليه السلام فانكشف له فكف عنه كما عرض له مثل ذلك مع عمرو بن العاص. قال: ولهم فيها أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب. منها فيما ذكر ابن الكلبي والمدائني قول الحارث بن النضر السهمي: أفي كل يوم فارس ليس ينتهي * وعورته وسط العجاجة بادية يكف لها عنه على سنانه * ويضحك منه في الخلاء معاوية


(1) الحديث موجود في آخر ترجمة بسر بن أرطاة من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 1، ص 161. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 6، ص 316، وفيه: الخيل المغيرة صبحة.

[231]

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذية فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا والله للنفس واقية ولولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود ناهية متى تلقيا الخيل المشيخة صحبة (1) * وفيها علي فاتركا الخيل ناحية وكونا بعيدا حيث لا يبلغ القنا * نحوركما إن التجارب كافية وروي أن معاوية قال لبسر بعد ذلك وكان يضحك: لا عليك يا بسر ارفع طرفك ولا تستحي فلك بعمرو أسوة وقد أراك الله منه وأراه منك. فصاح فتى من أهل الكوفة: ويلكم يا أهل الشام أما تستحيون لقد علمكم عمرو كشف الاستار ثم أنشد الابيات. وروي أنه قال معاوية لعمرو يوما بعد استقرار خلافته: يا أبا عبد الله لا أراك إلا ويغلبني الضحك. قال: بماذا. قال: أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين فأزريت نفسك فرقا من شبا سنانه وكشفت سوأتك له. فقال عمرو: أنا منك أشد ضحكا، إني لاذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك وربا لسانك في فمك وغصصت بريقك وارتعدت فرائصك وبدا منك ما أكره ! ! ! فقال معاوية - بعدما جرى بينهما -: الجبن والفرار من علي لا عار على أحد فيهما. وكان بسر ممن يضحك من عمرو فلما علم أنه لا محيص حذا حذوه وصار مضحكة له أيضا. وروى ابن أبي الحديد عن البلاذري في كتاب أنساب الاشراف قال: قام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أ ؟ ة وتناول بني هاشم وذكر مشاهده بصفين ويوم أبي موسى فقام إليه ابن عباس فقال: يا عمرو إنك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك ومناك ما في يد غيره فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك وكان الذي أخذت منه دون الذي أعطيته وكل راض بما


(1) وفي شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 6، ص 317: المغيرة صبحة.

[232]

أخذ وأعطى. فلما صارت مصر في يدك تتبعك بالنقض عليك والتعقب لامرك ثم بالعزل لك حتى لو أن نفسك في يدك لارسلتها وذكرت يومك مع أبي موسى فلا أراك فخرت إلا بالغدر ولا مننت إلا بالفجور والغش وذكرت مشاهدك بصفين فو الله ما ثقلت علينا وطأتك ولا نكأت فينا جرأتك ولقد كنت فيها طويل اللسان قصير البنان آخر الحرب إذا أقبلت وأولها إذا أدبرت. لك يدان، يد لا تقبضها عن شر ويد لا تبسطها إلى خير ووجهان، وجه مونس ووجه موحش. ولعمري من باع دينه بدنيا غيره لحري حزنه على ما باع. وأما إن لك بيانا ولكن فيك خطل وإن لك لرأيا ولكن فيك فشل وإن أصغر عيب فيك لاعظم عيب في غيرك ! !

[233]

[الباب التاسع عشر] باب نادر 517 - فس: الحسين بن عبيدالله الكسيني عن أبي سعيد البجلي عن عبد الملك بن هارون عن أبي عبد الله عن آبائه صلوات الله عليهم قال: لما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام أمر معاوية عليه اللعنة وأنه في مائة ألف قال: من أي القوم ؟ قالوا: من أهل الشام. قال عليه السلام: لا تقولوا من أهل الشام ولكن قولوا من أهل الشوم وهم من أبناء مصر لعنوا على لسان داود فجعل منهم القردة والخنازير. ثم كتب إلى معاوية: لا تقتل الناس بيني وبينك ولكن هلم إلى المبارزة فإن أنا قتلتك فإلى النار أنت ويستريح الناس منك ومن ضلالتك وإن قتلتني فأنا إلى الجنة ويغمد عنك السيف الذي لا يسعني غمده حتى أرد مكرك وبدعتك، وأنا الذي ذكر الله اسمه في التوراة والانجيل بمؤازرة رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وآله تحت الشجرة في قوله تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) *. فلما قرأ معاوية كتابه وعنده جلساؤه قالوا: قد والله لقد أنصفك. فقال معاوية: والله ما أنصفني والله لارمينه بمائة ألف سيف من أهل الشام من قبل أن يصل إلي ووالله ما أنا من جاله ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: والله يا علي لو بارزك أهل الشرق والغرب لقتلتهم أجمعين. فقال له رجل من القوم: ما يحملك يا معاوية على قتال من تعلم وتخبر


517 - تفسير علي بن إبراهيم في ذيل الآية 7 من سورة الشورى " فريق في الجنة وفريق في السعير ".

[234]

فيه عن رسول الله بما تخبر ما أنت ونحن في قتاله إلا على الضلالة. فقال معاوية: إنما هذا بلاغ من الله وما استطعت والله ما استطيع أنا وأصحابي رد ذلك حتى يكون ما هو كائن. قال: وبلغ ذلك ملك الروم وأخبر أن رجلين قد خرجا يطلبان الملك فسأل: من أين خرجا ؟ فقيل له: رجل بالكوفة ورجل بالشام. قال: فأمر الملك وزراءه فقال: تخللوا هل تصيبون من تجار العرب من يصفهما لي ؟ فأتى برجلين من تجار الشام ورجلين من تجار مكة فسألهم عن صفتهما فوصفوهما له ثم قال لخزان بيوت خزائنه: أخرجوا إلي الاصنام فأخرجوها فنظر إليها فقال: الشامي ضال والكوفي هاد. ثم كتب إلى معاوية أن ابعث إلي أعلم أهل بيتك وكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن ابعث إلي أعلم أهل بيتك فأسمع منهما ثم أنظر في الانجيل كتابنا ثم أخبركما من أحق بهذا الامر وخشي على ملكه. فبعث معاوية يزيد ابنه وبعث امير المؤمنين الحسن ابنه عليهما السلام. فلما دخل يزيد لعنه الله على الملك أخذ بيده وقبلها ثم قبل رأسه ثم دخل الحسن بن علي صلوات الله عليهما فقال: الحمد لله الذي لم يجعلني يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا ولا عابدا للمشس والقمر ولا الصنم والبقر وجعلني حنيفا مسلما ولم يجعلني من المشركين تبارك الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين. ثم جلس لا يرفع بصره. فلما نظر ملك الروم إلى الرجلين أخرجهما. ثم فرق بينهما. ثم بعث إلى يزيد فأحضره ثم أخرج من خزائنه [ثلاث] مائة وثلاثة عشر صندوقا فيها تماثيل الانبياء وقد زينت بزينة كل نبي مرسل فأخرج صنما فعرضه على يزيد فلم يعرفه ثم عرض عليه صنم صنم فلا يعرف منها شيئا ولا يجيب منها بشئ ثم سأله عن أرزاق الخلائق وعن أرواح المؤمنين أين تجتمع وعن أرواح الكفار أين تكون إذا ماتوا فلم يعرف من ذلك شيئا.

[235]

ثم دعا الملك الحسن بن علي عليهما السلام فقال: إنما بدأت بيزيد بن معاوية كي يعلم أنك تعلم ما لا يعلم ويعلم أبوك ما لا يعلم أبوه فقد وصف [لي] أبوك وأبوه ونظرت في الانجيل فرأيت فيه محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والوزير عليا عليه السلام ونظرت في الاوصياء فرأيت فيها أباك وصي محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال له الحسن: سلني عما بدا لك فيما تجده في الانجيل وعما في التوراة وعما في القرآن أخبرك به إن شاء الله. فدعا الملك بالاصنام فأول صنم عرض عليه في صفة القمر فقال له الحسن عليه السلام فهذه صفة آدم أبي البشر ثم عرض عليه آخر في صفة الشمس فقال الحسن عليه السلام هذه صفة حواء أم البشر ثم عرض عليه آخر في صفة حسنة فقال: هذه صفة شيث بن آدم وكان أول من بعث وبلغ عمره في الدنيا ألف سنة وأربعين عاما [يوما " خ "] ثم عرض عليه صنم آخر فقال: هذه صفة نوح صاحب السفينة وكان عمره ألفا وأربعمائة سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ثم عرض عليه صنم آخر فقال: هذه صفة إبراهيم عليه السلام عريض الصدر طويل الجبهة ثم عرض عليه صنم فقال هذه صفة إسرائيل وهو يعقوب ثم أخرج إليه صنم آخر فقال: هذه صفة اسماعيل ثم أخرج إليه صنم آخر فقال: هذه صفة يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ثم عرض عليه صنم آخر فقال: هذه صفة موسى بن عمران وكان عمره مائتين وأربعين سنة وكان بينه وبين إبراهيم خمسمائة عام ثم أخرج إليه صنم آخر فقال: هذه صفة داود صاحب الحرب ثم أخرج إليه صنم آخر فقال: هذه صفة شعيب ثم زكريا ثم يحيى ثم عيسى بن مريم روح الله وكلمته وكان عمره في الدنيا ثلاثا وثلاثين سنة ثم رفعه الله إلى السماء ويهبط إلى الارض بدمشق وهو الذي يقتل الدجال ثم عرض عليه صنم صنم فيخبر باسم نبي نبي ثم عرض عليه الاوصياء والوزراء فكان يخبر باسم وصي وصي ووزير وزير ثم عرض عليه أصنام بصفة الملوك فقال الحسن عليه

[236]

السلام هذه أصنام لم نجد صفتها في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في القرآن فلعلها من صفة الملوك. فقال الملك أشهد عليكم يا أهل بيت محمد أنكم قد أعطيتم علم الاولين والآخرين وعلم التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وألواح موسى. ثم عرض عليه صنم يلوح فلما نظر إليه بكى بكاء شديدا فقال له الملك: ما يبكيك ؟ فقال: هذه صفة جدي محمد صلى الله عليه وآله كث اللحية عريض الصدر طويل العنق عريض الجبهة أقنى الانف أفلج الاسنان حسن الوجه قطط الشعر طيب الريح حسن الكلام فصيح اللسان كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بلغ عمره ثلاثا وستين سنة ولم يخلف إلا بعده خاتم مكتوب عليه " لا إله إلا الله محمد رسول الله " صلى الله عليه وآله وكان يتختم في يمينه وخلف سيفه ذو الفقار وقضيبه وجبة صوف وكساء صوف كان يتسرول به لم يقطعه ولم يخطه حتى لحق بالله. فقال الملك: إنا نجد في الانجيل أنه يكون له ما يتصدق به على سبطيه فهل كان ذلك ؟ فقال له الحسن عليه السلام: قد كان ذلك. فقال الملك: فبقي لكم ذلك ؟ فقال: لا قال الملك: لهذه أول فتنة من هذه الامة غلبا أباكما ثم على ملك نبيكم واختيارهم على ذرية نبيهم منكم القائم بالحق والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. قال: ثم سأل الملك الحسن عليه السلام عن سبعة أشياء خلقها الله لم تركض في رحم فقال الحسن: أول هذا آدم ثم حواء ثم كبش إبراهيم ثم ناقة الله ثم إبليس الملعون ثم الحية ثم الغراب الذي ذكره الله في القرآن. قال: ثم سأله عن أرزاق الخلائق فقال الحسن عليه السلام: أرزاق الخلائق في السماء الرابعة تنزل بقدر وتبسط بقدر. ثم سأله عن أرواح المؤمنين أين يكونون إذا ماتوا ؟ قال: تجتمع عند صخرة بيت المقدس في كل ليلة الجمعة وهو عرش الله الادنى منها يبسط الله

[237]

الارض وإليها يطويها وإليه [ومنها " خ "] المحشر ومنها استوى ربنا إلى السماء والملائكة. ثم سأله عن أرواح الكفار أين تجتمع ؟ قال: تجتمع في وادي حضرموت وراء مدينة اليمن ثم يبعث الله نارا من المشرق ونارا من المغرب ويتبعها بريحين شديدتين فيحشر الناس عند صخرة بيت المقدس فيحشر أهل الجنة عن يمين الصخرة ويزلف المتقين وتصير جهنم عن يسار الصخرة في تخوم الارضين السابعة وفيها الفلق والسجين فيعرف الخلائق من عند الصخرة فمن وجبت له الجنة دخلها ومن وجبت له النار دخلها وذلك قوله: * (فريق في الجنة وفريق في السعير) *. فلما أخبر الحسن صلوات الله عليه بصفة ما عرض عليه من الاصنام وتفسير ما سأله التفت الملك إلى يزيد بن معاوية لعنه الله وقال: أشعرت أن ذلك علم لا يعلمه إلا نبي مرسل أو وصي موازر قد أكرمه الله بموازرة نبيه صلى الله عليه وآله أو عترة نبي مصطفى وغيره المعادي فقد طبع الله على قلبه وآثر دنياه على آخرته وهواه على دينه وهو من الظالمين. قال: فسكت يزيد وخمد. قال: فأحسن الملك جائزة الحسن وأكرمه وقال له: ادع ربك حتى يرزقني دين نبيك فإن حلاوة الملك قد حالت بيني وبين ذلك وأظنه سما مرديا وعذابا أليما. قال: فرجع يزيد إلى معاوية وكتب إليه الملك: إنه يقال من آتاه الله العلم بعد نبيكم وحكم بالتوراة وما فيها والانجيل وما فيه والزبور وما فيه والفرقان وما فيه فالحق والخلافة له. وكتب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن الحق والخلافة لك وبيت النبوة وفي ولدك فقاتل من قاتلك يعذبه الله بيدك ثم يخلده في نار جهنم فإن من قاتلك نجده في الانجيل أن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وعليه

[238]

لعنة أهل السموات والارضين. بيان: تخللوا أي ادخلوا في خلال الناس وتجسسوا. قال الجوهري: تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم. وقوله عليه السلام: " وكان أول من بعث " أي من أولاد آدم. قوله عليه السلام " أول هذا " أي بحسب الرتبة أو الاولوية إضافية " وثم " في بعضها أيضا للترتيب الرتبي لا الزماني كإبليس. ولعل المراد بالحية الحية التي أدخلت إبليس الجنة. وذكر الغراب المخصوص ووصفه بعدم الركض في الرحم لانه لم يكن غرابا حقيقة وكان بصورته أو أطلق الرحم على ما يعم البيضة تغليبا. قوله عليه السلام: " منها يبسط الله الارض " أي عند خراب الدنيا منها يأخذ في خراب العمارات وتسيير الجبال وإليها ينتهي افناء الارض وإذهابها بعد الحشر أو هما بمعنى الماضي أي منها بسط الارض في بدو الخلق وإليها رجع البسط فيكون إضافيا بالنسبة إلى ما سوى الكعبة أو أجاب عليه السلام موافقا لما في كتبهم ويحتمل أن يكون الطي كناية عن حشر الناس إليها فيكون ما بعده تفسيرا له. واستواء الرب كناية عن عروج الملائكة منها إلى تنظيم أمور السماء أو الاخذ بعد الفراغ منها في خلق السماء. 518 - ف: بعث معاوية رجلا متنكرا يسأل أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل سأله عنها ملك الروم فلما دخل الكوفة وخاطب أمير المؤمنين عليه السلام أنكره فقرره فاعترف له بالحال فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قاتل الله ابن آكلة الاكباد ما أضله وأضل من معه قاتله الله لقد أعتق جارية ما أحسن أن يتزوجها حكم الله بيني وبين هذه الامة قطعوا رحمي وصغروا عظيم منزلتي وأضاعوا أيامي، بالحسن والحسين ومحمد فدعوا فقال: يا أخا أهل الشام هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا ابني فاسأل أيهم أحببت فقال الشامي:


518 - رواه الحسن بن علي بن شعبة في الحديث الثالث مما اختاره من كلم الامام عليه السلام في كتاب تحف العقول ص 164. (*)

[239]

اسأل هذا يعني الحسن ثم قال: كم بين الحق والباطل ؟ وكم بين السماء والارض ؟ وكم بين المشرق والمغرب ؟ وعن هذا المحو الذي في القمر ؟ وعن قوس قزح ؟ وعن هذه المجرة ؟ وعن أول شئ انتضح على وجه الارض ؟ وعن أول شئ اهتز عليها ؟ وعن العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين ؟ وعن العين التي تأوي إليها أرواح المشركين ؟ وعن المؤنث ؟ وعن عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فقال الحسن عليه السلام: يا أخا أهل الشام بين الحق والباطل أربع أصابع ما رأيت بعينيك فهو الحق وقد تسمع بأذنيك باطلا كثيرا وبين السماء والارض دعوة المظلوم ومد البصر فمن قال غير هذا فكذبه وبين المشرق والمغرب يوم مطرد للشمس تنظر إلى الشمس حين تطلع وتنظر إليها حين تغرب فمن قال غير هذا فكذبه. وأما هذه المجرة فهي أشراج السماء منها مهبط الماء المنهمر على قوم نوح. وأما قوس قزح فلا تقل: قزح فإن قزح شيطان ولكنها قوس الله وأمان من الغرق. وأما المحو الذي في القمر فإن ضوء القمر كان مثل ضوء الشمس فمحاه الله وقال في كتابه: * (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) *. وأما أول شئ انتضح على وجه الارض فهو وادي دلس. وأما أول شئ اهتز على وجه الارض فهي النخلة. وأما العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين فهي عين يقال لها سلمى. وأما العين التي تأوي إليها أرواح الكافرين فهي عين يقال لها برهوت. وأما المؤنث فإنسان لا يدرى إمرأة هو أم رجل فينتظر به الحلم فإن كانت امرأة بان ثدياها وإن كان رجلا خرجت لحيته وإلا قيل له يبول على الحائط فإن أصاب الحائط بوله فهو رجل وإن نكص كما ينكص بول البعير فهي إمرأة.

[240]

وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فأشد شئ خلق الله الحجر وأشد من الحجر الحديد وأشد من الحديد النار وأشد من النار الماء وأشد من الماء السحاب وأشد من السحاب الريح وأشد من الريح الملك وأشد من الملك ملك الموت وأشد من ملك الموت الموت وأشد من الموت أمر الله قال الشامي أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا عليه السلام وصي محمد ثم كتب هذا الجواب ومضى به إلى معاوية وأنفذه معاوية إلى ابن الاصفر فلما أتاه قال: أشهد أن هذا ليس من عند معاوية ولا هو إلا من عند معدن النبوة. توضيح: قوله عليه السلام: " فمن قال غير هذا " أي برأيه. وقال الجوهري: اطرد الشئ تبع بعضه بعضا وجرى تقول: اطرد الامر إذا استقام. والانهار تطرد أي تجري انتهى ولعل المراد يوم تام أو في أي وقت وفصل كان. وفي القاموس: الشرج محركة: العرى ومنفسح الوادي ومجرة السماء والشرج: مسيل من الحرة إلى السهل والجمع شراج. وأشد من الملك أي الملك الموكل بالرياح.

[241]

[الباب العشرون] باب نوادر الاحتجاج على معاوية 519 - جا: الحسين بن محمد التمار عن محمد بن القاسم الانباري عن أحمد بن يحيى عن ابن الاعرابي عن حبيب بن بشار عن أبيه عن علي بن عاصم: عن الشعبي قال: لما وفد شداد بن أوس (1) على معاوية ابن أبي سفيان أكرمه وأحسن قبوله ولم يعتبه على شئ كان منه ووعده ومناه ثم إنه حضر في يوم حفل فقال له: يا شداد قم في الناس واذكر عليا وعبه لاعرف بذلك نيتك في مودتي. فقال له شداد: اعفني من ذلك فإن عليا قد لحق بربه وجوزي بعمله وكفيت ما كان يهمك منه وانقادت لك الامور على إيثارك فلا تلتمس من الناس مالا يليق بحلمك ! ! فقال له معاوية: لتقومن بما أمرتك به وإلا فالريب فيك واقع. فقام شداد فقال: الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه. على ذاك مضى أولهم وعليه يمضي آخرهم.


519 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (7) من المجلس (11) من أماليه. (1) والرجل من الصحابة ومن أصحاب الصحاح الست، مترجم في كتاب الاصابة وتهذيب التهذيب وغيرهما.

[242]

أيها الناس إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر وإن الدنيا اجل حاضر يأكل منها البر والفاجر وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له وإن الله إذا أراد بالعباد خيرا عمل عليهم صلحاؤهم وقضى بينهم فقهاؤهم وجعل المال في أسخيائهم وإذا أراد بهم شرا عمل عليهم سفهاؤهم وقضى بينهم جهلاؤهم وجعل المال عند بخلائهم وإن من صلاح الولاة [أن يصلح] قرناؤها، ونصحك يا معاوية من أسخطك بالحق وغشك من أرضاك بالباطل وقد نصحتك بما قدمت وما كنت أغشك بخلافه. فقال له معاوية: اجلس يا شداد فجلس فقال له: إني قد أمرت لك بمال يغنيك ألست من السمحاء الذين جعل الله المال عندهم لصلاح خلقه. فقال له شداد: إن كان ما عندك من المال هو لك دون مال المسلمين فعمدت جمعه مخافة تفرقه فأصبته حلالا وأنفقته حلالا فنعم وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجبته دونهم فأصبته اقترافا وأنفقته إسرافا فإن الله جل اسمه يقول: * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين...) * [27 / الاسراء: 17]. فقال معاوية: أظنك قد خولطت يا شداد أعطوه ما أطلقناه له ليخرج إلى أهله قبل أن يغلبه مرضه ! ! فنهض شداد وهو يقول: المغلوب على عقله بهواه سواي وارتحل ولم يأخذ من معاوية شيئا. بيان: في يوم حفل أي يوم اجتمع فيه الناس عنده يقال: حفل القوم حفلا: اجتمعوا. والمجلس: كثر أهله. 520 - كش: نصر بن الصباح عن إسحاق بن محمد البصري عن أمير بن علي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين يقول: إن المحامدة تأبى أن يعصى الله عزوجل. قلت ومن المحامدة قال: محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أمير المؤمنين عليه


520 - رواه الكشي رحمه الله في ترجمة محمد بن أبي حذيفة تحت الرقم: (20) من منتخب رجاله ص 66 ط النجف.

[243]

السلام. أما محمد بن أبي حذيفة هو ابن عتبة بن ربيعة وهو ابن خال معاوية. وأخبرني بعض رواة العامة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل الشام قال: كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع علي بن أبي طالب عليه السلام ومن أنصاره وأشياعه وكان ابن خال معاوية وكان رجلا من خيار المسلمين فلما توفي علي عليه السلام أخذه معاوية وأراد قتله فحبسه في السجن دهرا ثم قال معاوية ذات يوم: ألا نرسل إلى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته ونخبره بضلاله ونأمره أن يقوم فيسب عليا قالوا: نعم فبعث إليه معاوية فأخرجه من السجن فقال له معاوية: يا محمد بن أبي حذيفة ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوما وأن عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه وأن عليا هو الذي دس في قتله ونحن اليوم نطلب بدمه. قال محمد بن أبي حذيفة إنك لتعلم أني أمس القوم بك رحما وأعرفهم بك ؟ قال: أجل. قال: فو الله الذي لا إله غيره ما أعلم أحدا شرك في دم عثمان وألب الناس عليه غيرك لما استعملك ومن كان مثلك فسأله المهاجرون والانصار أن يعزلك فأبى ففعلوا به ما بلغك ووالله ما أحد شرك في قتله بدئا وأخيرا إلا طلحة والزبير وعائشة فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة وألبوا عليه الناس وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والانصار جميعا. قال قد كان ذلك أي والله إني لاشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية والاسلام لعلى خلق واحد ما زاد الاسلام فيك قليلا ولا كثيرا وإن علامة ذلك فيك لبينة تلومني على حبي عليا خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري وأنصاري كما خرج معك أبناء المنافقين والطلقاء والعتقاء خدعتهم عن دينهم وخدعوك عن دنياك والله يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت وما خفي عليهم ما صنعوا إذ أحلوا أنفسهم سخط الله في طاعتك والله لا أزال أحب عليا لله ولرسوله وأبغضك في الله وفي رسوله أبدا ما بقيت.

[244]

قال معاوية: وإني أراك على ضلالك بعد ردوه [إلى السجن فردوه] فمات في السجن. بيان: فنبكته التبكيت: التقريع والتأنيب. وبكته بالحجة أي غلبه وفي بعض النسخ فننكبه على التفعيل من نكب عن الطريق أي عدل أو على بناء المجرد أي نجعله منكوبا والنكبة إصابة النوائب وفي بعض النسخ: فنبكيه من الا بكاء وهو تصحيف. 521 - كش: محمد بن مسعود عن علي بن أبي علي الخزاعي عن محمد بن علي العطار عن عمرو بن عبد الغفار عن أبي بكر بن أبي عياش عن عاصم بن أبي النجود عمن شهد ذلك أن معاوية حين قدم الكوفة ودخل عليه رجال من أصحاب علي عليه السلام وكان الحسن عليه السلام قد أخذ الامان لرجال منهم مسمين بأسمائهم وأسماء آبائهم وكان منهم صعصعة فلما دخل عليه صعصعة قال معاوية لصعصعة: أما والله إني كنت لابغض أن تدخل في أماني قال: وأنا والله أبغض أن أسميك بهذا الاسم ثم سلم عليه بالخلافة قال: فقال معاوية: إن كنت صادقا فاصعد المنبر فالعن عليا قال: فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أتيتكم من عند رجل قدم شره وأخر خيره وإنه أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله فضج أهل المسجد بآمين فلما رجع إليه فأخبره بما قال قال: لا والله ما عنيت غيري ارجع حتى تسميه باسمه فرجع وصعد المنبر ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب عليه السلام فالعنوا من لعن علي بن أبي طالب قال: فضجوا بآمين قال: فلما خبر معاوية قال: لا والله ما عنى غيري اخرجوا لا يساكني في بلد فأخرجوه. بيان: لعله أراد أمير المؤمنين أميرهم حقا عليا عليه السلام فانه عليه السلام كان أمر أصحابه باللعن إذا خافوا القتل أو أراد أميرهم المسلط عليهم


521 - رواه الكشي رحمه الله في ترجمة صعصعة تحت الرقم: (19) من مختار رجاله ص 65.

[245]

جورا وقوله: " فالعنوا من لعن " أوهم ان المراد فالعنوا من لعنه الامير وبينه بأنه علي ومقصوده ظاهر. 522 - كش: روي أن الاحنف بن قيس وفد إلى معاوية وجارية بن قدامة (1) والحباب بن يزيد فقال معاوية للاحنف: أنت الساعي على أمير المؤمنين عثمان وخاذل أم المؤمنين عائشة والوارد الماء على علي بصفين ؟ فقال: يا أمير المؤمنين من ذاك ما أعرف ومنه ما أنكر. أما أمير المؤمنين عثمان فأنتم معشر قريش حضرتموه بالمدينة والدار منا عنه نازحة وقد حضره المهاجرون والانصار بمعزل وكنتم بين خاذل وقاتل. وأما عائشة فإني خذلتها في طول باع ورحب سرب وذلك أني لم أجد في كتاب الله إلا أن تقر في بيتها. وأما وروي الماء بصفين فإني وردت حين أردت أن تقطع رقابنا عطشا. فقام معاوية وتفرق الناس. ثم أمر معاوية للاحنف بخمسين ألف درهم ولاصحابه بصلة فقال للاحنف حين ودعه: حاجتك ؟ قال: تدر على الناس عطياتهم وأرزاقهم وإن سألت المدد أتاك منا رجال سليمة الطاعة شديدة النكاية وقيل: إنه كان يرى رأي العلوية. ووصل الحباب بثلاثين ألف درهم وكان يرى رأى الاموية فصار الحباب إلى معاوية وقال: يا أمير المؤمنين تعطى الاحنف ورأيه رأيه خمسين ألف درهم وتعطيني ورأيي رأيي ثلاثين ألف درهم فقال: يا حباب إني اشتريت بها دينه


522 - رواه الكشي رضوان الله عليه تحت الرقم: (28) من تلخيص رجاله ص 84 ط النجف. (1) هذا هو الصواب، وها هنا في النسخة المطبوعة من مختار رجال الكشي والاصول الحاكية عنه تصحيف: " حارثة بن قدامة ".

[246]

فقال الحباب: يا أمير المؤمنين تشتري مني أيضا ديني. فأتمها وألحقه بالاحنف فلم يأت على الحباب أسبوع حتى مات ورد المال بعينه إلى معاوية فقال الفرزدق يرثي الحباب: أتأكل ميراث الحباب ظلامة * وميراث حرب جامد لك ذائبه أبوك وعمي يا معاوية أورثا * تراثا فيختار التراث أقاربه ولو كان هذا الدين في جاهلية * عرفت من المولى القليل جلائبه ولو كان هذا الامر في غير ملككم * لاديته أو غص بالماء شاربه فكم من أب لي يا معاوية لم يكن * أبوك الذي من عبد شمس يقاربه إيضاح: قوله " في طول باع " قال السيد الداماد رحمه الله: الباع قدر مد اليدين وما بينهما من البدن وبسط اليد بالمال وطول الباع كناية عن المقدرة والميسرة والاقتدار والشوكة قاله [الزمخشري] في الفائق والاساس و [الفيروز آبادي] وابن الاثير في] القاموس والنهاية وقال في الصحاح: الرحب بالضم: السعة تقول: فلان رحب الصدر. والرحب بالفتح: الواسع تقول منه بلد رحب. وقال: السرب بالفتح: الابل. والسرب أيضا الطريق وفلان آمن في سربه - بالكسر - أي في نفسه. وفلان واسع السرب أي رخي البال. وفي المغرب: السرب بالفتح في قولهم: خلى سربه أي طريقه ومنه قوله: إذا كان مخلى السرب أي موسعا عليه غير مضيق عليه. يعني أني لم أخذ لها وهي محتاجة إلى الانتصار بل خذلتها وهي في طول باع ورحب سرب أي في مندوحة وفسحة عن القتال وتجهيز الجيش بأن تقر في بيتها موقرة مكرمة رحبة الصدر رخية البال واسعة السرب لانها لم تكن مأمورة بالمسير إلى البصرة وتجهيز الجيش والمطالبة بدم عثمان ومقاتلة علي بن أبي طالب على ذلك ولا مضطرة إلى شئ من ذلك بل كانت في سعة عن ذلك كله ومع ذلك فإنها كانت في طول باع من الشوكة والقدرة واجتماع الجيوش وكثرة الاعوان والانصار والعدد والعدد.

[247]

وأيضا خذلتها لاني لم أجد في كتاب الله تعالى إلا أن تقر في بيتها إذ قال عز من قائل: * (وقرن في بيوتكن) * أقول: ويحتمل أن يكون في طول باع ورحب سرب حالا عن الفاعل أي لم يكن على حرج في ذلك كما يومئ إليه آخر كلامه رحمه الله. وقوله " جامد لك ذائبه " لعله كناية عن أنه محفوظ لك لم يبطل منه شئ مما كان في معرض البطلان والضياع ولم يتعد إلى الغير. والجلائب: جمع جليبة وهو ما جلب وعبد جليب: مجلوب وامرأة جليب من جلبى وجلائب أي عرفت من المولى القليل الاموال والعبيد أنا أو أنت. قوله " أو غص بالماء شاربه " غص بفتح العين المعجمة وإهمال الصاد المشددة و " شاربه " بالرفع على الفاعلية. والباء [في قوله:] " بالماء " للتعدية. [وقال ابن الاثير] في النهاية: يقال: غصصت بالماء أغص غصصا فأنا غاص وغصان إذا شرقت به أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه والمعنى لو كان هذا الامر الذي وقع في غير سلطنتكم لاديت فاعل هذا الفعل ولم يكن يقدر أن يبلغه لضعفه. 523 - بل: قال جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه: كنت أنا ومعاوية بن أبي سفيان بالشام فبينا نحن ذات يوم إذ نظرنا إلى شيخ وهو مقبل من صدر البرية من ناحية العراق فقال معاوية: عرجوا بنا إلى هذا الشيخ لنسأله من أين أقبل وإلى أين يريد وكان مع معاوية أبو الأعور السلمي وولدا معاوية خالد ويزيد وعمرو بن العاص قال: فعرجنا إليه فقال له معاوية: من أين أقبلت يا شيخ وإلى أين تريد ؟ فلم يجبه الشيخ فقال [له] عمرو بن العاص: لمالا تجيب أمير المؤمنين ! فقال الشيخ: إن الله جعل التحية غير هذه ! فقال معاوية: صدقت يا شيخ [أصبت] وأخطأنا وأحسنت وأسأنا السلام عليك يا شيخ. فقال


523 - كتاب الفضائل هذا منسوب إلى شاذان بن جبرئيل القمي رحمه الله من أعلام القرن السادس.

[248]

[الشيخ] وعليك السلام. فقال معاوية: ما اسمك يا شيخ ؟ فقال: إسمي جبل وكان ذلك الشيخ طاعنا في السن بيده شئ من الحديد ووسطه مشدود بشريط من ليف المقل وفي رجليه نعلان من ليف المقل وعليه كساء قد سقط لحامه وبقي سدانه وقد بانت شراسيف خديه وقد غطت حواجبه على عينيه. فقال معاوية: يا شيخ من أين أقبلت وإلى أين تريد ؟ قال: أتيت من العراق أريد بيت المقدس قال معاوية: كيف تركت العراق ؟ قال: على الخير والبركة والنفاق. قال: لعلك أتيت من الكوفة من الغري ؟ قال الشيخ: وما الغري ؟ قال معاوية: الذي فيه أبو تراب. قال الشيخ: من تعني بذلك ومن أبو تراب ؟ قال ابن أبي طالب. قال له الشيخ: أرغم الله أنفك ورض الله فاك ولعن الله أمك وأباك ولم لا تقول: الامام العادل والغيث الهاطل يعسوب الدين وقاتل المشركين والقاسطين والمارقين وسيف الله المسلول ابن عم الرسول وزوج البتول تاج الفقهاء وكنز الفقراء وخامس أهل العباء والليث الغالب أبو الحسنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام. فعندها قال معاوية: يا شيخ إني أرى لحمك ودمك قد خالط لحم علي بن أبي طالب عليه السلام ودمه حتى لو مات علي ما أنت فاعل ؟ قال: لا أتهم في فقده ربي وأجلل في بعده حزني وأعلم أن الله لا يميت سيدي وإمامي حتى يجعل من ولده حجة قائمة إلى يوم القيامة. فقال: يا شيخ هل تركت من بعدك امرا تفتخر به ؟ قال: تركت الفرس الاشقر والحجر والمدر والمنهاج لمن أراد المعراج قال عمرو بن العاص: لعله لا يعرفك يا أمير المؤمنين. فسأله معاوية فقال: يا شيخ أتعرفني قال الشيخ: ومن أنت ؟ قال: أنا معاوية بن أبي سفيان أنا الشجرة الزكية والفروع العلية سيد بني أمية. فقال له الشيخ: بل أنت اللعين على لسان نبيه وفي كتابه المبين إن الله قال:

[249]

" والشجرة الملعونة في القرآن " والشجرة الخبيثة والعروق المجتثة الخسيسة الذي ظلم نفسه وربه وقال فيه نبيه الخلافة محرمة على أبي سفيان الزنيم ابن الزنيم ابن آكلة الاكباد الفاشي ظلمه في العباد. فعندها اغتاظ معاوية وحنق عليه فرد يده إلى قائم سيفه وهم بقتل الشيخ ثم قال: لولا أن العفو حسن لاخذت رأسك ثم قال: أرأيت لو كنت فاعلا ذلك قال الشيخ إذا والله أفوز بالسعادة وتفوز أنت بالشقاوة وقد قتل من هو أشر منك من هو خير مني وعثمان شر منك. قال معاوية: يا شيخ هل كنت حاضرا يوم الدار قال: وما يوم الدار ؟ قال معاوية: يوم قتل علي عثمان فقال الشيخ: تالله ما قتله ولو فعل ذلك لعلاه بأسياف حداد وسواعد شداد وكان يكون في ذلك مطيعا لله ولرسوله. قال: معاوية: يا شيخ هل حضرت يوم صفين قال: وما غبت عنها قال: كيف كنت فيها ؟ قال الشيخ: أيتمت منك أطفالا وأرملت منك إخوانا وكنت كالليث أضرب بالسيف تارة وبالرمح أخرى. قال معاوية هل ضربتني بشئ قط ؟ قال الشيخ: ضربتك بثلاثة وسبعين سهما فأنا صاحب السهمين اللذين وقعا في بردتك وصاحب السهمين اللذين وقعا في مسجدك وصاحب السهمين اللذين وقعا في عضدك ولو كشفت الآن لاريتك مكانهما. فقال معاوية: يا شيخ هل حضرت يوم الجمل ؟ قال: وما يوم الجمل ؟ قال معاوية: يوم قاتلت عائشة عليا. قال: وما غبت عنها. قال معاوية: يا شيخ الحق [كان] مع علي أم مع عائشة قال الشيخ: بل مع علي. قال معاوية: ألم يقل الله * (وأوزواجه أمهاتهم) * وقال النبي صلى الله عليه وآله [لها] أم المؤمنين ! قال الشيخ: ألم يقل الله تعالى: يا نساء النبي: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " [33 / الاحزاب: 33] وقال النبي صلى الله عليه وآله: أنت يا علي خليفتي على نسواني وأهلي وطلاقهن بيدك أفترى في ذلك معها حق حتى سفكت دماء المسلمين وأذهبت أموالهم فلعنة الله على القوم الظالمين وهما كامرأة

[250]

نوح في النار ولبئس مثوى الكافرين. قال معاوية يا شيخ ما جعلت لنا شيئا نحتج به عليك فمتى ظلمت الامة وطفيت عنهم قناديل الرحمة قال لما صرت أميرها وعمرو بن العاص وزيرها. قال فاستلقى معاوية على قفاه من الضحك وهو على ظهر فرسه فقال: يا شيخ هل من شئ نقطع به لسانك ؟ قال: وماذا قال عشرون ناقة حمراء محملة عسلا وبرا وسمنا وعشرة آلاف درهم تنفقها على عيالك وتستعين بها على زمانك قال الشيخ: لست أقبلها. قال: ولم ذلك. قال الشيخ: لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: درهم حلال خير من ألف درهم حرام. قال معاوية: لان أقمت في دمشق لاضربن عنقك قال: ما أنا مقيم معك فيها. قال معاوية: ولم ذلك ؟ قال الشيخ: لان الله تعالى يقول: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) * [113 / هود: 11]. وأنت أول ظالم وآخر ظالم. ثم توجه الشيخ إلى بيت المقدس. توضيح: قال الجوهري: التعريج على الشئ الاقامة عليه يقال: عرج فلان على المنزل إذا حبس مطيته عليه وأقام وانعرج الشئ انعطف. 524 - يل فض: قيل: دخل ضرار صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على معاوية بن أبي سفيان بعد وفاته عليه السلام فقال له معاوية: يا ضرار صف لي علي بن أبي طالب وأخلاقه المرضية قال ضرار: كان


524 - كتاب الفضائل والروضة منسوبان إلى شاذان بن جبرئيل القمي من أعلام القرن السادس، ولكن تنظر بعض علمائنا في صحة النسبة كما في عنوان: " الروضة والفضائل " من كتاب الذريعة: ج 11، ص 282 وج 16، ص، 25. وللكلام صور أحسن مما ذكره المصنف هاهنا عن كتاب الروضة والفضائل، وله مصادر وأسانيد كثيرة جدا، وقد رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (77) من الباب الثالث من نهج البلاغة، ورواه أيضا ابن شهر آشوب في عنوان: " المسابقة بالزهد " من مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 371 ط النجف ويأتي أيضا هاهنا مسندا تحت الرقم: (538) ص 584. (*)

[251]

والله بعيد المدى شديد القوى ينفجر الايمان من جوانبه وتنطق الحكمة من لسانه يقول حقا ويحكم فصلا فأقسم لقد شاهدته ليلة في محرابه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم يصلي قابضا على لمته يتململ تململ السليم ويأن أنين الحزين ويقول: يا دنيا أبي تعرضت وإلي تشوفت غري غيري لا حان حينك أجلك قصير وعيشك حقير وقليلك حساب وكثيرك عقاب فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي إليك آه من بعد الطريق وقلة الزاد. قال معاوية كان والله أمير المؤمنين كذلك وكيف حزنك عليه ؟ قال: حزن امرأة ذبح ولدها في حجرها قال فلما سمع ذلك معاوية بكا وبكا الحاضرون. بيان: المدى الغاية أي كان ذا همة عالية يتوجه إلى تحصيل معالي الامور وما يعسر تحصيله على أكثر الخلق. ويقال: نطف الماء ينطف وينطف إذا قطر قليلا قليلا. والسدل جمع السديل وهو ما يسيل ويرخى على الهودج ويقال: سلمته الحية أي لدغته والسليم اللديغ. وقيل إنما سمي سليما تقألا بالسلامة. ويقال: هو يتململ عى فراشه إذا لم يستقر من الوجع والاستفهام عن تعرضها وتشوفها استفهام إنكار لذلك منها واستحقار لها واستبعاد لموافقته إياها على ما تريد وتشوف إلى الخير: تطلع. ومن السطح: تطاول ونظر وأشرف. وفي بعض النسخ بالقاف: [تشوقت]. " غري غيري " أي خداعك وغرورك لا يدخل علي وليس المراد الامر بغرور غيره. وقال الجوهري: حان له أن يفعل كذا يحين حينا أي آن، وحان حينه أي قرب وقته انتهى. وهذا دعاء عليها أي: لا قرب وقت انخداعي بك وغرورك لي. 525 - كشف: حضر جماعة عند معاوية وعنده عدي بن حاتم وكان


525 - رواه الاربلي رحمه الله في آخر عنوان " وقعة الجمل " من كتاب كشف الغمة: ج 1 ص 244 بيروت.

[252]

فيهم عبد الله بن الزبير فقالوا: يا أمير المؤمنين ذرنا نكلم عديا فقد زعموا أن عنده جوابا فقال: إني أحذركموه فقالوا: لا عليك دعنا وإياه فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى فقئت عينك ؟ قال: يوم فر أبوك وقتل شر قتلة وضربك الاشتر على استك فوقعت هاربا من الزحف وأنشد: أما وأبي يا بن الزبير لو أنني * لقيتك يوم الزحف ما رمت لي سخطا وكان أبي في طئ وأبوابي * صحيحين لم تنزع عروقهما القبطا ولو رمت شتمي عند عدل قضاؤة * لرمت به يا ابن الزبير مدى شحطا فقال معاوية: قد كنت حذرتكموه فأبيتم. بيان: قال الجوهري: الشحط البعد يقال: شحط المزار [أي بعد] وتشحط المقتول بدمه أي اضطرب فيه. 526 - كشف الحق للعلامة رحمه الله: روى الجمهور أن أروى بنت الحرث بن عبد المطلب دخلت على معاوية في خلافته بالشام وهي يومئذ عجوز كبيرة فلما رآها قال: مرحبا بك يا خالة. قالت: كيف أنت يا ابن أختي لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك بلا بلاء كان منك ولا من أبيك بعد أن كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود حتى رد الله الحق إلى أهله وكانت كلمة الله هي العليا ونبينا هو المنصور على كل ما ناوأه ولو كره المشركون فكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء وعن أهله غناء وقدرا حتى قبض الله نبيه ومغفورا ذنبه مرفوعة منزلته شريفا عن الله مرضيا فوثب علينا بعده تيم


526 - رواه العلامة رحمه الله في آخر المطلب الرابع من كتاب كسف الحق ونهج الصدق ص 313 ط بيروت وفي متن دلائل الصدق: ج 3 ص 236 ط 1. وليراجع كتاب بلاغات النساء. ورواه أيضا ابن عبد ربه تحت عنوان " وفود أروى بنت عبد المطلب " في آخر كتاب الزبرجدة من العقد الفريد. هذا وسيرويه المصنف ثانية تحت الرقم 532، فلاحظ.

[253]

وعدي وبنو أمية فأنت تهتدي بهداهم وتقصد لقصدهم فصرنا بحمد الله فيكم أهل البيت بمنزلة قوم موسى في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وصار سيدنا منكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: * (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) * [150 / الاعراف: 7] فلم يجمع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله شمل ولم يسهل وعث وغايتنا الجنة وغايتكم النار. فقال لها عمرو بن العاص: أيتها العجوزة الضالة أقصري من قولك وغضي من طرفك. قالت: ومن أنت ؟ قال: أنا عمرو بن العاص قالت: با ابن النابغة اربع على ظلعك واغض لسان نفسك ما أنت من قريش في لباب حسبها ولا صحيح نسبها ولقد ادعاك خمسة من قريش كلهم يزعم أنك ابنه ولطالما رأيت أمك أيام منى بمكة تكسب الخطيئة وتتزن الدراهم من كل عبد عاهر هايج وتسافح عبيدنا فأنت بهم أليق وهم بك أشبه منك تقرع بينهم. 527 - كشف من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري حدث عن رجاله قال: دخل محفن بن أبي محفن الضبي على معاوية فقال: يا معاوية جئتك من عند ألام العرب وأعيا العرب وأجبن العرب وأبخل العرب ! ! قال: ومن هو يا أخا بني تميم ؟ قال: علي بن أبي طالب ! ! ! قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخاكم العراقي فابتدروه أيهم ينزله عليه ويكرمه. فلما تصدع الناس عنه قال له: كيف قلت ؟ فأعاد عليه فقال له ويحك يا جاهل كيف يكون ألام العرب وأبوه أبو طالب وجده عبد المطلب وامرأته


527 - رواه علي بن عيسى الاربلي رحمه الله قبيل عنوان: " ذكر قتله ومدة خلافته... " من كتاب كشف الغمة: ج 2 ص 47 ط بيروت. ورواه باختصار بسنده عن ابن أبي الدنيا، الحافظ ابن عساكر في الحديث: (1109) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 76 ط 2. وفيه: جاء ابن أجور التميمي إلى معاوية...

[254]

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وأنى يكون أبخل العرب فو الله لو كان له بيتان بيت تبن وبيت تبر لانفد تبره قبل تبنه. وأني يكون أجبن العرب ؟ فو الله ما التقت فئتان قط إلا كان فارسهم غير مدافع. وأني يكون أعيى العرب فو الله ما سن البلاغة لقريش غيره ولما قامت أم محفن عنه ألام وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمه فو الله لولا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك فإياك عليك لعنة الله والعود إلى مثل هذا. قال: والله أنت أظلم مني فعلى أي شئ قاتلته وهذا محله ؟ ! قال: على خاتمي هذا حتى يجوز به أمري قال: فحسبك ذلك عوضا من سخط الله وأليم عذابه. قال: لا يا ابن محفن ولكني أعرف من الله ما جهلت حيث يقول: * (ورحمتي وسعت كل شئ) *. 528 - وحدث الزبير عن رجاله قال: قدم ابن عباس على معاوية وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه لمعرفته أن معاوية كان يكره إظهاره لشأنه وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن علي عليهما السلام فسجد شكرا لله تعالى وبان السرور في وجهه في حديث طويل ذكره الزبير ذكرت منه موضع الحاجة إليه وأذن للناس وأذن لابن عباس بعدهم فدخل فاستدناه وكان قد عرف بسجدته فقال له: أتدري ما حدث بأهلك ؟ قال: لا قال: فإن أبا محمد رحمه الله توفي فعظم الله أجرك فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله


528 - رواه الاربلي رحمه الله - مع الحديث التالي - في العنوان المتقدم الذكر آنفا من كتاب كشف الغمة: ج 2 ص 48 ط بيروت. وللكلام شواهد كثيرة ذكرنا بعضها في تعليق الحديث: (1505) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 408. وأيضا بعض الشواهد يجده الباحث في الحديث: (368) وتعليقاته من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 240 ط بيروت 1.

[255]

نحتسب المصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن رحمه الله إنه قد بلغتني سجدتك فلا أظن ذلك إلا لوفاته والله لا يسد جسده حفرتك ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك ولطال ما رزينا بأعظم من الحسن ثم جبر الله. قال معاوية كم كان أتى له ؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده قال: أحسبه ترك صبية صغارا ؟ قال: كلنا كان صغيرا فكبر. ثم قال: أصبحت سيد أهلك قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي فلا. ثم قام وعينه تدمع فقال معاوية: لله دره لا والله ما هيجنا قط إلا وجدناه سيدا. ودخل [ابن عباس] على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال: يا أبا العباس أما تدري ما حدث في أهلك ؟ قال: لا. قال: هلك أسامة بن زيد فعظم الله أجرك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله أسامة وخرج. وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاققته [محاقته " خ ل "] (1) فصلى في الجامع يوم الجمعة واجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الاسلام والجاهلية وافتقد معاوية الناس فقيل: إنهم مشغولون بابن عباس ولو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل ! فقال: نحن أظلم منه حبسناه عن أهله ومنعناه حاجته ونعينا إليه أحبته انطلقوا فادعوه فأتاه الحاجب فدعاه فقال: إنا بنو عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلي اصلي إنشاء الله وآتيه فرجع. وصلى [ابن عباس] العصر وأتاه فقال: حاجتك فما سأله حاجة إلا قضاها وقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك - وإنما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا فعرف ما يريده - فقال: إن ذلك ليس لي ولا لك فإن أذنت أن أعطي كل ذي حق حقه فعلت ؟ ! قال: أقسمت عليك إلا دخلت فأخذت حاجتك. فدخل فأخذ برنس خز أحمر


(1) المحاقة: المخاصمة، يقال: حاققت زيدا على كذا: خاصمته عليه.

[256]

يقال: أنه كان لامير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم خرج فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة قال: ما هي ؟ قال: علي بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته وقد كفاكه الموت أحب أن لا يشتم على منابركم قال: هيهات يا بن عباس هذا أمر دين أليس أليس وفعل وفعل فعدد ما بينه وبين علي عليه السلام فقال ابن عباس: أولى لك يا معاوية والموعد القيامة ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. وتوجه إلى المدينة. 529 - وحدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس أن معاوية أقبل عليه وعلى بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحققتم النبوة ولا يجتمعان لاحد حجتكم في الخلافة شبهة على الناس تقولون: نحن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله فما بال خلافة النبي في غيرنا وهذه شبهة لانها تشبه الحق فأما الخلافة فتتقلب في أحياء قريش برضى العامة وشورى الخاصة فلم يقل الناس ليت بني هاشم ولونا ولو أن بني هاشم ولونا لكان خيرا لنا في دنيانا وآخرتنا فلا هم حيث اجتمعوا على غيركم تمنوكم ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم. وأما ما زعمتم أن لكم ملكا هاشميا ومهديا قائما فالمهدي عيسى بن مريم عليه السلام وهذا الامر في أيدينا حتى نسلمه إليه (1) ولعمري لئن ملكتموها (2) ما رايحة عاد وصاعقة ثمود بأهلك للقوم منكم ثم سكت. فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنه أما قولك: إنا نستحق الخلافة بالنبوة فإذا لم نستحقها بها فبم نستحقها. وأما قولك أن الخلافة والنبوة لا تجتمعان لاحد فأين قول الله تعالى * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * [45 / النساء: 4]


(1) ومنه أخذ هذا الاختلاق وقول الزور بعض شيعة بني عباس المتملقين لهم في أيامهم المتقربين إليهم بالترهات والاباطيل فافترى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قال: الخلافة في ولد عمي العباس إلى أن يسلموها إلى المسيح عيسى بن مريم ! ! ! (2) كذا في بعض النسخ، وفي بعض آخر: " لئن ملكتمونا.. ".

[257]

فالكتاب النبوة والحكمة السنة والملك الخلافة ونحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد والسنة لنا ولهم جارية. وأما قولك إن حجتنا مشتبهة فو الله لهي أضوء من الشمس وأنور من نور القمر وإنك لتعلم ذلك ولكن ثنى عطفك وصعرك قتلنا أخاك وجدك وأخاه وخالك فلا تبك على أعظم حائلة وأرواح أهل النار ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك ووصعها. فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم وأما قولك: إنا زعمنا أن لنا ملكا مهديا فالزعم في كتاب الله شرك قال تعالى: * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) * [7 / التغابن: 64] وكل يشهد أن لنا ملكا ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لامره منا من يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا لا تملكون يوما واحدا إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين. وأما قولك إن المهدي عيسى بن مريم فإنما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه يذوب كما تدوب الشحمة والامام منا رجل يصلي خلفه عيسى بن مريم ولو شئت سميته. وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فإنهما كانا عذابا وملكنا والحمد لله رحمة. 530 - وحدث الزبير قال: حج معاوية فجلس إلى ابن عباس فأعرض عنه ابن عباس فقال: لم تعرض عني فو الله إنك لتعلم أني أحق بالخلافة من ابن عمك ! قال ابن عباس: لم ذاك لانه كان مسلما وكنت كافرا ؟ قال: لا ولكن ابن عمي عثمان قتل مظلوما ! قال ابن عباس: وعمر قتل مظلوما. قال: إن عمر قتله كافر وإن عثمان قتله المسلمون ! قال ابن عباس: ذاك أدحض لحجتك فأسكت معاوية. 531 - ومن كتاب معالم العترة للجنابذي عن ذكوان مولى معاوية قال: قال


531 - رواه الاربلي رحمه الله في ترجمة الامام الحسن في أواخر عنوان: " السادس في علمه

[258]

معاوية: لا أعلمن أحدا سمى هذين الغلامين ابني رسول الله إلا فعلت وفعلت ولكن قولوا: ابني علي. قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك أمرني أن أكتب بنيه في الشرف قال: فكتبت بنيه وبني بنيه وتركت بني بناته ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه فقال ويحك لقد أغفلت كبر بني فقلت من ؟ قال: أما بنو فلانة - لابنته - بني أما بنو فلانة بني لابنته ؟ قال: قلت: الله أيكون بنو بناتك بنيك ولا يكون بنو فاطمة بني رسول الله صلى الله عليه وآله ! قال: ما لك قاتلك الله لا يسمعن هذا أحد منك. توضيح: قال [ابن الاثير] في النهاية: البظر - بفتح الباء - الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. وإنما ذكر هاهنا للاستخفاف به وبنسبه واللام للتعليل. " وما قامت عنه " أنه كناية عنه نفسه. " أليس أليس " أي عدد ما صدر عنه عليه السلام بالنسبة إليه فقال أليس فعل كذا وأليس فعل كذا وكذا قوله: " وفعل وفعل ". وقال الجوهري: أولى لك تهديد ووعيد. وقال الاصمعي أي قاربه ما يهلكه أي نزل به. وقال: عطفا الرجل: جانباه. وثنى فلان عني عطفه إذا أعرض عنك وقال: الصعر: الميل في الخد خاصة وقد صعر خده وصاعر أي أماله من الكبر ومنه قوله تعالى: * (ولا تصعر خدك للناس) * [18 / لقمان: 31]. [قوله:] " على أعظم حائلة " أي متغيرة بالية " ووضعها " أي جعلها وضيعة غير محترمة. وفي الصحاح: كبر الشئ معظمه، وقولهم: هو كبر قومه بالضم أي هو أقعدهم في النسب. 531 - بشا محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن الحسن الخزاعي


عليه السلام " من كتاب كشف الغمة: ج 2 ص 176. 531 - رواه الطبري في الجزء الاول من كتاب بشارة المصطفى ص 12، ط النجف الاشرف. ورواه الحموئي عن مصدر آخر في الباب: (68) من السمط الاول من كتاب فرائد السمطين: ج 1 ص 374 ط بيروت.

[259]

عن علي بن محمد بن بنان، عن الحسن بن محمد السكوني عن أحمد بن محمد بن مسروق عن محمد بن دينار الضبي عن عبد الله بن ضحاك: عن هشام بن محمد عن أبيه قال: اجتمع الطرماح وهشام المرادي ومحمد بن عبد الله الحميري عند معاوية بن أبي سفيان فأخرج بدرة فوضعها بين يديه ثم قال: يا معشر شعراء العرب قولوا قولكم في علي بن أبي طالب ولا تقولوا إلا الحق وأنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيت هذه البدرة إلا من قال الحق في علي. فقام الطرماح فتكلم وقال في علي ووقع فيه فقال معاوية: اجلس فقد عرف الله نيتك ورأى مكانك ثم قام هشام المرادي فقال أيضا ووقع فيه فقال معاوية: اجلس مع صاحبك فقد عرف الله مكانكما فقال عمرو بن العاص لمحمد بن عبد الله الحميري وكان خاصا به تكلم ولا تقل إلا الحق ثم قال: يا معاوية قد آليت ألا تعطي هذه البدرة إلا قائل الحق في علي ؟ قال: نعم أنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيتها منهم إلا من قال الحق في علي فقام محمد بن عبد الله فتكلم ثم قال: بحق محمد قولوا بحق * فإن الافك من شيم اللئام أبعد محمد بأبي وأمي * رسول الله ذي الشرف التمام أليس علي أفضل خلق ربي * وأشرف عند تحصيل الانام ولايته هي الايمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام وطاعة ربنا فيها وفيها * شفاء للقلوب من السقام علي إمامنا بأبي وأمي * أبو الحسن المطهر من حرام إمام هدى أتاه الله علما * به عرف الحلال من الحرام ولو أني قتلت النفس حبا * له ما كان فيها من اثام يحل النار قوم يبغضوه * وإن صاموا وصلوا ألف عام


ورواه العلامة الاميني عنهما وعن رياض العلماء في آخر ترجمة عمرو بن العاص من كتاب الغدير: ج 2 ص 177، ط بيروت.

[260]

فلا والله ما تزكو صلاة * بغير ولاية العدل الامام أمير المؤمنين بك اعتمادي * وبالغرر الميامين اعتصامي برئت من الذي عادى عليا * وحاربه من أولاد الحرام تناسوا نصبه في يوم حم * من الباري ومن خير الانام برغم الانف من يشنأ كلامي * علي فضله كالبحر طام وأبرأ من أناس أحروه * وكان هو المقدم بالمقام علي هزم الابطال لما * رأوا في كفه ماح الحسام على آل النبي صلاة ربي * صلاة بالكمال وبالتمام فقال معاوية: أنت أصدقهم قولا فخذ هذه البدرة. بيان: قال في القاموس: ابن نفي كغني نفاه أبوه. وقال: طمى الماء: علا. و [طمى] البحر: امتلا. 532 - 533 - يف: ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد في قصة دارمية الحجونية أن معاوية قال لها: أتدرين لم بعثت إليك ؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت إليك لاسألك على م أحببت عليا وأبغضتيني وواليته وعاديتيني ؟ قالت له: أتعفيني ؟ قال: لا أعفيك ؟ قالت: أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية وقسمته بالسوية وأبغضك على قتالك من هو أولى منك بالامر وطلبك ما ليس لك بحق. وواليت عليا على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله من الولاية وعلى حبه للمساكين وإعظامه لاهل الدين وعاديتك على سفك الدماء وجورك في القضاء وحكمك بالهوى. ومن الكتاب المذكور في وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية أنه قال لها: كيف كنت بعدنا ؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير


532 - 533 - رواهما السيد ابن طاووس رحمه الله في كتاب الطرائف. وقد تقدم ما يرتبط بالحديث الثاني تحت الرقم 526، فراجع.

[261]

حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقة لك في الاسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود وأصعر منكم الخدود ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور فوليتم علينا بعد فأصبحتم تحتجون على سائر الناس بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا منكم وكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون وكان علي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار. بيان: أتعسه: أهلكه. والجدود: جمع الجد وهو البخت. 534 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان بن أبي عياش عنه أنه قال: دعا معاوية قراء أهل الشام وقضاتهم فأعطاهم الاموال وبثهم في نواحي الشام ومدائنها يروون الروايات الكاذبة ويضعون لهم الاصول الباطلة ويخبرونهم بأن عليا قتل عثمان ويتبرأ من أبي بكر وعمر وأن معاوية يطلب بدم عثمان ومعه أبان بن عثمان وولد عثمان حتى استمالوا أهل الشام واجتمعت كلمتهم ولم يزل معاوية على ذلك عشرين سنة ذلك عمله في جميع أعماله حتى قدم عليه طغاة أهل الشام وأعوان الباطل المنتزلون له بالطعام والشراب يعطيهم الاموال ويقطعهم القطائع حتى نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير وهاجر عليه الاعرابي وترك أهل الشام لعن الشيطان وقالوا لعن علي وقاتل عثمان فاستقر على ذلك جهلة الامة وأتباع أئمة الضلالة والدعاة إلى النار فحسبنا الله ونعم الوكيل ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولكن الله يفعل ما يشاء. أبان عن سليم قال: كان لزياد بن سمية كاتب يتشيع وكان لي صديقا فأقرأني كتابا كتبه معاوية إلى زياد جواب كتابه إليه: أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن العرب من أكرم منهم ومن أهين ومن


534 - الحديث موجود في كتاب سليم بن قيس ص 173 ص 173، ط بيروت.

[262]

أقرب ومن أبعد ومن آمن منهم ومن أحذر. وفي رواية أخرى: ومن أو من منهم ومن أخيف وأنا يا أخي أعلم الناس بالعرب أنظر إلى هذا الحي من اليمن فأكرمهم في العلانية وأهنهم في السر فإني كذلك أصنع بهم أكرمهم في مجالسهم وأهينهم في الخلاء إنهم أسوء الناس عندي حالا ويكون فضلك وعطاؤك لغيرهم سرا منهم. وانظر إلى ربيعة بن نزار فأكرم أمراءهم وأهن عامتهم فإن عامتهم تبع لاشرافهم وساداتهم وانظر إلى مضر فاضرب بعضها ببعض فإن فيهم غلظة وكبرا ونخوة شديدة فإنك إذا فعلت ذلك وضربت بعضهم ببعض كفاك بعضم بعضا ولا ترض بالقول منهم دون الفعل ولا بالظن دون اليقين. وانظر إلى الموالي ومن أسلم من الاعاجم فخذهم بسنة عمر بن الخطاب فإن في ذلك خزيهم وذلهم أن ينكح العرب فيهم ولا ينكحونهم وأن يرثوهم العرب ولا يرثوا العرب وأن تقصر بهم في عطائهم وأرزاقهم وأن يقدموا في المغازي يصلحون الطريق ويقطعون الشجر ولا يؤم أحد منهم العرب في صلاة ولا يتقدم أحد منهم في الصف الاول إذا أحضرت العرب إلا أن يتم الصف ولا تول أحدا منهم ثغرا من ثغور المسلمين ولا مصرا من أمصارهم ولا يلي أحد منهم قضاء المسلمين ولا أحكامهم فإن هذه سنة عمر فيهم وسيرته جزاه عن أمة محمد وعن بني أمية خاصة أفضل الجزاء. فلعمري لولا ماصع هو وصاحبه وقوتهما وصلابتهما في دين الله لكنا وجميع هذه االامة لبني هاشم الموالي ولتوارثوا الخلافة واحدا بعد واحد كما يتوارث أهل كسرى وقيصر ولكن الله عزوجل أخرجها من بني هاشم وصيرها إلى بني تيم بن مرة ثم خرجت إلى عدي بن كعب وليس في قريش حيان أذل منهما ولا أنذل فاطمعنا فيها وكنا أحق بها منهما ومن عقبهما لان فينا الثروة والعز ونحن أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الرحم منهما. ثم نالها صاحبنا عثمان بشورى ورضا من العامة بعد شورى ثلاثة أيام من الستة ونالها من نالها قبله بغير شورى.

[263]

فلما قتل صاحبنا عثمان مظلوما نلناها به لان من قتل مظلوما فقد جعل الله لوليه سلطانا. ولعمري يا أخي لو كان عمر سن دية العبد نصف دية المولى لكان أقرب إلى التقوى ولو وجدت السبيل إلى ذلك ورجوت أن تقبله العامة لفعلت ولكني قريب عهد بحرب فأتخوف فرقة الناس واختلافهم علي وبحسبك ما سنه عمر فيهم وهو خزي لهم وذل. وفي رواية أخرى: يا أخي لو أن عمر سن دية الموالي على النصف من دية العربي فذلك أقرب للتقوى لما كان للعرب فضل على العجم (1) فإذا جاءك كتابي هذا فأذل العجم وأهنهم وأقصهم ولا تستعن بأحد منهم ولا تقض لهم حاجة فو الله إنك لابن أبي سفيان خرجت من صلبه وقد كنت حدثتني وأنت يا أخي عندي صدوق أنك قرأت كتاب عمر إلى الاشعري بالبصرة وكنت يومئذ كاتبه وهو عامل بالبصرة وأنت أنذل الناس عنده وأنت يومئذ ذليل النفس تحسب أنك مولى لثقيف ولو كنت تعلم يومئذ يقينا كيقينك اليوم أنك ابن أبي سفيان لاعظمت نفسك وأنفت أن تكون كاتبا لدعي الاشعريين وأنت تعلم ونحن [نعلم] يقينا أن أبا سفيان كان يحذو حذو أمية بن عبد شمس. وحدثني ابن أبي المعيط أنك أخبرته أنك قرأت كتاب عمر إلى أبي موسى الاشعري وبعث إليه بحبل طوله خمسة أشبار وقال له: أعرض من قبلك من أهل البصرة فمن وجدت من الموالي ومن أسلم من الاعاجم قد بلغ خمسة أشبار فقدمه فاضرب عنقه فشاورك أبو موسى في ذلك فنهته وأمرته أن يراجع فراجعه وذهبت أنت بالكتاب إلى عمر وإنما صنعت ما صنعت تعصبا للموالي وأنت يومئذ تحسب أنك ابن عبد ثقيف فلم تزل تلتمس حتى رددته عن رأيه وخوفته فرقة الناس فرجع وقلت له يومئذ وقد عاديت أهل هذا البيت: أخاف أن يثوروا إلى علي فينهض بهم فيزيل ملكك فكف عن ذلك وما أعلم يا أخي


(1) وفي نسخة من الكتاب: " لما كان تفضل العرب على العجم [ظ] ".

[264]

ولد مولود من أبي سفيان أعظم شؤما عليهم منك حين رددت عمر عن رأيه ونهيته عنه. وخبرني أن الذي صرفت به عن رأيه في قتلهم أنك قلت: أنك سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: لتضربنكم الاعاجم على هذا الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا. وقال: ليملان الله أيديكم من الاعاجم وليصيرن أسدا لا يفرون فليضربن أعناقكم وليغلبنكم على فيئكم. فقال لك وقد سمع ذلك من علي يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: فذلك الذي دعاني إلى الكتاب إلى صاحبك في قتلهم وقد كنت عزمت على أن أكتب إلى عمالي في ساير الامصار. فقلت لعمر: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني لست آمن أن يدعوهم علي عليه السلام إلى نصرته وهم كثير وقد علمت شجاعة علي وأهل بيته وعداوته لك ولصاحبك فرددته عن ذلك فأخبرتني أنك لم ترده عن ذلك إلا عصبية وأنك لم ترجع عن رأيه جبنا وحدثتني أنك ذكرت ذلك لعلي في إمارة عثمان فأخبرك أن أصحاب الرايات السود. وفي رواية أخرى: وخبرتني أنك سمعت عليا في إمارة عثمان يقول: إن أصحاب الرايات السود التي تقبل من خراسان هم الاعاجم وأنهم الذين يغلبون بني أمية على ملكهم ويقتلونهم تحت كل كوكب. فلو كنت يا أخي لم ترد عمر عن ذلك لجرت سنة ولاستأصلهم الله وقطع. أصلهم وإذا لانتست به الخلفاء بعده (1) حتى لا يبقى منهم شعر ولا ظفر ولا نافخ نار فإنهم آفة الدين فما أكثر ما قد سن عمر في هذه الامة بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فتابعه الناس عليها وأخذوا بها فتكون هذه مثل واحدة منهن فمنهن تحويله المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى


(1) لانتست به الخلفاء: اقتدت به وجعلوه أسوة.

[265]

الله عليه وآله وصاع رسول الله صلى الله عليه وآله ومده حين غيره وزاد فيه ونهيه الجنب عن التيمم وأشياء كثيرة شتى أكثر من ألف باب أعظمها وأحبها إلينا وأقرها لاعيننا زيله الخلافة عن بني هاشم وعن أهلها ومعدنها لانها لا تصلح إلا لهم ولا تصلح الارض إلا بهم فإذا قرأت كتابي هذا فاكتم ما فيه ومزقه. قال: فلما قرأ زياد الكتاب ضرب به الارض ثم أقبل إلي فقال: ويلى مما خرجت وفيما دخلت كنت من شيعة آل محمد فدخلت في شيعة آل الشيطان وحزبه وفي شيعته من يكتب مثل هذا الكتاب إنما والله مثلي كمثل إبليس أبى أن يسجد لآدم كبرا وكفرا وحسدا. قال سليم: فلم أمس حتى نسخت كتابه فلما كان الليل دعا بالكتاب فمزقه وقال: لا يطلعن أحد من الناس على ما في هذا الكتاب ولم يعلم إني نسخته. ووجدت أيضا في الكتاب المذكور برواية أبان عن سليم أنه قال: حدثنى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين صلوات الله عليهما وعنده عبد الله بن عباس فالتفت إلي معاوية فقال: يا عبد الله ما أشد تعظيمك للحسن والحسين وما هما بخير منك ولا أبوهما خير من أبيك ولولا أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لقلت ما أمك أسماء بنت عميس بدونها. فقلت: والله إنك لقليل العلم بهما وبأبيهما وأمهما بل والله لهما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي يا معاوية إنك لغافل عما سمعته أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأمهما [مما] قد حفظنه ووعبته ورويته. قال: هات يا ابن جعفر فو الله ما أنت بكذاب ولا متهم فقلت: إنه أعظم مما في نفسك ! ! قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعا فلست أبالي

[266]

إذا قتل الله صاحبك وفرق جمعكم وصار الامر في أهله فحدثنا فما نبالي ما قلتم ولا يضرنا ما عددتم. قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسئل عن هذه الآية: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) * [60 / الاسراء: 17] فقال: إني رأيت إثني عشر رجلا من أئمة الضلال يصعدون منبري وينزلون يردون أمتي على أدبارهم القهقرى فيهم رجلين من حيين من قريش مختلفين وثلاثة من بني أمية وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص [وسمعته يقول: إن بني أبي العاص] إذا بلغوا خمسة عشر رجلا جعلوا كتاب الله دخلا وعباد الله خولا. يا معاوية إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر وأنا بين يديه وعمرو بن أبي سلمة وأسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد والزبير بن العوام وهو يقول: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فقلنا: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فهذا مولاه أولى به من نفسه وضرب بيده على منكب علي عليه السلام: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. أيها الناس أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ثم ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر. ثم أعاد فقال: يا أيها الناس إذا أنا استشهدت فعلي أولى بكم من أنفسكم فإذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم وإذا استشهد الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم فإذا استشهد الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر. ثم أقبل إلى علي فقال: يا علي أنك ستدركه فاقرأ مني السلام فإذا استشهد فابني محمد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم وستدركه أنت يا حسين فاقرأ مني السلام ثم يكون في عقب محمد رجال واحد بعد واحد وليس منهم أحد إلا وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر كلهم هادون

[267]

مهتدون. فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يبكي فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتقتل ؟ قال: نعم أهلك شهيدا بالسم وتقتل أنت بالسيف وتخضب لحيتك من دم رأسك ويقتل ابني الحسن بالسم ويقتل ابني الحسين بالسيف يقتله طاغ بن طاغ دعي ابن دعي. فقال معاوية: يا ابن جعفر لقد تكلمت بعظيم ولئن كان ما تقول حقا لقد هلكت أمة محمد من المهاجرين والانصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم فقلت: والله إن الذي قلت بحق سمعته من رسول الله صلى الله عليه آله. قال معاوية: يا حسن ويا حسين ويا ابن عباس ما يقول ابن جعفر ؟ فقال ابن عباس: إن كنت لا تؤمن بالذي قال فارسل إلى الذين سماهم فاسألهم عن ذلك. فأرسل معاوية إلى عمرو بن أبي سلمة وإلى أسامة بن زيد فسألهما فشهدا أن الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله كما سمعه. فقال معاوية: يا ابن جعفر قد سمعنا في الحسن والحسين وأبيهما فما سمعت في أمهما ؟ ومعاوية كالمستهزئ والمنكر فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ليس في جنة عدن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي أولهم أخي علي وإبنتي فاطمة وابناي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا هداة مهتدون أنا المبلغ عن الله وهم المبلغون عني وهم حجج الله على خلقه وشهداؤه في أرضه وخزانه على علمه ومعادن حكمه من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله لا تبقى الارض طرفة عين إلا ببقائهم ولا تصلح إلا بهم يخبرون الامة بأمر دينهم حلالهم وحرامهم يدلونهم على رضى ربهم وينهونهم عن سخط بأمر واحد ونهي واحد ليس

[268]

فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع يأخذ آخرهم عن أولهم إملائي وخط أخي علي بيده يتوارثونه إلى يوم القيامة أهل الارض كلهم في غمرة وغفلة وتيهة وحيرة غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم لا يحتاجون إلى أحد من الامة في شئ من أمر دينهم والامة تحتاج إليهم هم الذين عنى الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * [99 / النساء]: فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عباس والفضل بن عباس وعمرو بن أبي سلمة وأسامة بن زيد فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر ؟ قالوا: نعم. قال: يا بني عبد المطلب إنكم لتدعون أمرا عظيما وتحتجون بحجج قوية إن كانت حقا وإنكم لتضمرون على أمر تسرونه والناس عنه في غفلة عمياء وإن كان ما تقولون حقا لقد هلكت الامة وارتدت عن دينها وتركت عهد نبيها صلى الله عليه وآله غيركم أهل البيت ومن قال بقولكم فأولئك في الناس قليل فقلت: يا معاوية إن الله تبارك وتعالى يقول: * (وقليل من عبادي الشكور) * [13 / السبا] ويقول: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * [103 / يوسف: 12] ويقول: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) * [24 / ص] ويقول لنوح: * (وما آمن معه إلا قليل) * [40 / هود 11] يا معاوية المؤمنون في الناس قليل. فقال ابن عباس يا معاوية إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: * (وقليل ما هم) * [24 / ص: 38] ويقول لنوح: * (وما آمن معه إلا قليل) * ويقول: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * يا معاوية المؤمنون في الناس قليل وإن أمر بني إسرائيل أعجب حيث قالت السحرة لفرعون: * (اقض ما انت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا) * [72 / طه] فآمنوا بموسى وصدقوه وتابعوه فسار بهم وبمن تبعه من بني إسرائيل فأقطعهم البحر وأراهم الاعاجيب وهم مصدقون به وبالتوراة مقرون له بدينه فمر بهم على قوم * (يعبدون أصناما لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) * ثم اتخذوا العجل فعكفوا عليه جميعا غير هارون وأهل بيته وقال لهم السامري * (هذا إلهكم وإله موسى) * وقال لهم بعد ذلك * (ادخلوا الارض المقدسة التى

[269]

كتب الله لكم) * [1 / المائدة] فكان من جوابهم ما قص الله في كتابه: * (إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يحرجوا منها فإن يحرجوا منها فإنا داخلون) * [22 / المائدة: 5] قال موسى " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ". فاحتذت هذه الامة ذلك المثال سواء وقد كانت لهم فضائل وسوابق مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومنازل بينة قريبة منه مقرين بدين محمد والقرآن حتى فارقهم نبيهم صلى الله عليه وآله فاختلفوا وتفرقوا ونحاسدوا وخالفوا إمامهم ووليهم حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى ونفر قليل اتقوا الله عزوجل على دينهم وإيمانهم ورجع الآخرون القهقرى على أدبارهم كما فعل أصحاب موسى عليه السلام بإتخاذهم العجل وعبادتهم إياه وزعمهم أنه ربهم وإجماعهم عليه غير هارون وولده ونفر قليل من أهل بيته ونبينا صلى الله عليه وآله قد نصب لامته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم ثم الائمة واحدا بعد واحد بغدير خم وفي غير موطن واحتج عليهم به وأمر بطاعتهم وأخبرهم أن أولهم علي بن أبي طالب منه بمنزلة هارون من موسى وأنه ولي كل مؤمن من بعده وأنه من كان هو وليه ومن أولى به من نفسه فعلي أولى به وأنه خليفته فيهم ووصيه وأن من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله ومن والاه والى الله ومن عاداه عادى الله فأنكروه وجعلوه وتولوا غيره. يا معاوية أما علمت أن رسول الله حين بعث إلى مؤتة أمر عليهم جعفر بن أبي طالب عليه السلام ثم قال: إن هلك جعفر فزيد بن حارثة فإن هلك زيد فعبد الله بن رواحة ولم يرض لهم أن يختاروا لانفسهم أفكان يترك أمته ولا بين لهم خليفته فيهم بعده بلى والله ما تركهم في عمى ولا شبهة بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيهم وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فهلكوا وهلك من شايعهم وضل من تابعهم فبعدا للقوم الظالمين. فقال معاوية: يا ابن عباس إنك لتتقوه بعظيم والاجتماع عندنا خير من

[270]

الاختلاف وقد علمت أن الامة لم تستقم على صاحبك. فقال ابن عباس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها وان هذه الامة اجتمعت على أمور كثيرة ليس بينها اختلاف ولا منازعة ولا فرقة شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت وأشياء كثيرة من طاعة الله ونهى الله مثل تحريم الزنا والسرقة وقطع الارحام والكذب والخيانة واختلفت في شيئين أحدهما اقتتلت عليه وتفرقت فيه وصارت فرقا يلعن بعضها بعضا ويبرأ بعضها من بعض [والثاني لم تقتتل عليه ولم تتفرق فيه ووسع بعضهم فيه لبعض وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وما يحدث زعمت أنه ليس في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله وأما الذي اختلفت فيه وتفرقت وتبرأت بعضها من بعض] فالملك والخلافة زعمت أنها أحق بها من أهل بيت نبي الله صلى الله عليه وآله فمن أخذ بما ليس بين أهل القبلة اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله سلم ونجا من النار ولم يسأله الله عما أشكل عليه من الخصلتين اللتين اختلف فيهما ومن وفقه الله ومن عليه ونور قلبه وعرفه ولاة الامر ومعدن العلم أين هو فعرف ذلك كان سعيدا ولله وليا وكان نبي الله صلى الله عليه وآله يقول: رحم الله عبدا قال حقا فغنم أو سكت فلم يتكلم. فالائمة من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومنزل الكتاب ومهبط الوحي ومختلف الملائكة لا تصلح إلا فيها لان الله خصها بها وجعلها أهلها في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله فالعلم فيهم وهم أهله وهو عندهم كله بحذافيره باطنه وظاهره ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه. يا معاوية إن عمر بن الخطاب أرسلني في إمرته إلى علي بن أبي طالب عليه السلام إني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلينا ما كتبت من القرآن فقال: تضرب والله عنقي قبل أن تصل إليه. قلت: ولم ؟ قال: إن الله يقول: * (لا يمسه إلا المطهرون) * يعني لا يناله كله إلا المطهرون إيانا نحن عنى الذين أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا وقال: * (وأورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) * [32 / فاطر] فنحن الذين اصطفانا الله من عباده ونحن صفوة الله ولنا ضرب الامثال وعلينا نزل الوحي.

[271]

فغضب عمر وقال: إن ابن أبي طالب يحسب أنه ليس عند أحد علم غيره فمن كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتنا به فكان إذا جاء رجل بقرآن يقرءه ومعه آخر كتبه وإلا لم يكتبه. فمن قال يا معاوية: انه ضاع من القرآن شئ فقد كذب هو عند أهله مجموع. ثم أمر عمر قضاته وولاته فقال: اجتهدوا آراءكم واتبعوا ما ترون أنه الحق فلم يزل هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فكان علي بن أبي طالب عليه السلام يخبرهم بما يحتج به عليهم وكان عماله وقضاته يحكمون في شئ واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم لان الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب وزعم كل صنف من أهل القبلة أنهم معدن العلم والخلافة دونهم فبالله نستعين على من جحدهم حقهم وسن للناس ما يحتج به مثلك عليهم ثم قاموا فخرجوا. بيان: قوله عليه السلام: واختلف في شيئين كذا في أصل الكتاب وفي [كتاب] الاحتجاج " واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها وصاروا فرقا يلعن بعضها بعضا وهي الولاية. فأما على ما في الاصل فالشئ الآخر إما القرآن كما ذكره بعد أو البرائة من خلفاء الجور ولعنهم وتركه للمصلحة والتقية. وقوله: " فمن أخذ " المراد بهم المستضعفون فإنهم إذا أخذوا بالمجمع عليه من ولاية الائمة ومحبتهم ولم يتبرؤا من أعدائهم لاختلاف الامة فيه ولم يقولوا بإمامة الائمة لذلك ولم يكن لهم قوة في العلم والعقل يمكنهم معرفة ذلك كان يحتمل نجاتهم في الآخرة. ويؤيده أنه روى في الاحتجاج في سياق هذه الرواية من كلام الحسن عليه السلام وروى هذه الكلمات أيضا عنه عليه السلام أنه قال: إنما الناس ثلاثة مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا فذلك ناج محب لله ولي. وناصب لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا ويدين

[272]

الله بالبراءة منا فهذا كافر مشرك فاسق وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما سبوا الله بغير علم كذلك كثيرا يشرك بالله بغير علم. ورجل أخذ بما لم يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى الله مع ولايتنا ولا يأتم بنا ولا يعادينا ويعرف حقنا فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف انتهى. وقد أوردت الخبر برواية الاحتجاج في موضع آخر يناسبه وإنما كررنا للاختلاف. 535 - ما: جماعة عن أبي المفضل عن أحمد بن عبد العزيز عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه عن ربعي بن عبد الله بن الجارود عن أبيه قال: قال معاوية لخالد بن معمر: على ما أحببت عليا ؟ قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا ولي. 536 - كايب: حبيب بن الحسن عن محمد بن عبد الحميد عن بشار عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أخذ نباش في زمن معاوية فقال لاصحابه: ما ترون ؟ فقالوا: نعاقبه فنخلى سبيله. فقال رجل من القوم: ما هكذا فعل علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فما فعل ؟ قال: فقال: يقطع النباش وقال هو سارق وهتاك الموتى. 537 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي رفعه قال: إن


535 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث الثالث من المجلس: (8) من المجلد. الثاني من أماليه ص 605 ط بيروت. 536 - رواه ثقه الاسلام الكليني رفع الله مقامه في عنوان: " باب حد النباش ". في أواسط كتاب الحدود من كتاب الكافي: ج 7 ص 228. 537 - والحديث موجود تحت الرقم: (202) من كتاب منتخب الغارات: ج 1، ص 533، ط 1. ويأتي أيضا باختصار في الباب: (34) وهو باب: " ذكر أصحاب النبي وأمير المؤمنين... " من هذا الكتاب ص 729 ط 1.

[273]

النجاشي الشاعر شرب الخمر في شهر رمضان فحده أمير المؤمنين أقامه في سراويل فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطا وقال: هذا لجرأتك على ربك وإفطارك في شهر رمضان فغضب ولحق بمعاوية. فدخل طارق بن عبد الله على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما كنا نرى أن أهل المعصية والطاعة وأهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء حتى رأيت ما كان من صنيعك بأخي الحارث فأوغرت صدورنا وشتت أمورنا وحملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار فقال علي عليه السلام * (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) * [45 / البقرة: 2]. يا أخا بني نهد فهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله فأقمنا عليه حدا كان كفارته إن الله تعالى يقول في كتابه: * (ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) * [8 / المائدة: 5]. فخرج طارق ولقيه الاشتر فقال له: أنت القائل لامير المؤمنين أوغرت صدورنا وشتت أمورنا ؟ قال طارق: أنا قائلها. قال الاشتر: والله ما ذلك كما قلت وإن صدورنا له لسامعة وإن أمورنا له لجامعة قال فغضب طارق وقال: ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت. فلما جنه الليل همس (1) هو والنجاشي وذهبا إلى معاوية فلما دخلا عليه نظر معاوية إلى طارق وقال: مرحبا بالمورق غصنه [والمعرق أصله، المسود غير المسود] (2) من رجل كانت منه هفوة ونبوة باتباعه صاحب الفتنة ورأس الضلالة إلى آخر ما قال لعنه الله. فقال طارق: يا معاوية إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده فهم


ورواه ابن أبي الحديد عن كتاب الغارات وعن ابن الكلبي في شرحه على المختار: (56) من نهج البلاغة: ج 1، ص 799 ط الحديث ببيروت. (1) همس - على زنة ضرب -: سار بالليل بلا فتور. (2) كذا في المصدر المحكي عنه وشرح ابن أبي الحديد، وكان المصنف قد أسقط ما وضعناه بين المعقوفين وكان في ط الكمباني. من البحار هكذا: " مرحبا بالموت غصنه - إلى أن قال: - من رجل كانت منه هفوة... ".

[274]

بمنظر ومسمع منه بعث فيهم رسولا منهم لم يكن يتلو من قبله كتابا ولا يخطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين رحيما، أما بعد فإنا كنا نوضع في رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مرشدين منارا للهدى ومعلما للدين سلفا لخلف مهتدين وخلفا لسلف مهتدين أهل دين لا دنيا وأهل الآخرة كل الخير فيهم أهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين ولا قاسطين (1) فلم تك رغبة من رغب عنهم وعن صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث جرعوها ولو عورته حيث سلكوها غلبت عليهم دنيا مؤثرة وهوى متبع وكان أمر الله قدرا مقدورا. [وقد فارق الاسلام قبلنا جبلة بن الايهم فرارا من الضيم وأنفا من الذلة] فلا تفخر يا معاوية أن قد شددنا إليك الرحال وأوضعنا نحوك الركاب فتعلم وتنكر. ثم أجلسه معاوية على سريره ودعا له بمقطعات وبرود يضعها عليه ثم أقبل عليه بوجهه يحدثه حتى قام فلما قام خرج طارق فأقبل عليه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفي يلومانه في خطبته إياه وفيما عرض لمعاوية فقال طارق لهما: والله ما قمت حتى كان بطن الارض أحب إلي من ظهرها عند إظهار ما أظهر من البغي والعيب والنقص لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله ولمن هو خير منه في العاجلة والاجلة ولقد قمت مقاما عنده أوجب الله علي فيه أن لا أقول إلا حقا فبلغ عليا مقالة طارق فقال: لو قتل أخو بني نهد لقتل شهيدا. وزعم بعض الناس أن طارق بن عبد الله رجع إلى علي عليه السلام ومعه النجاشي. 538 - 541 - كنز الفوائد للكراجكي [عن] محمد بن علي بن طالب


(1) ما بين المعقوفين أخذناه من شرح المختار: (56) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد. 538 - رواه العلامة الكراجكي في أواخر كتاب كنز الفوائد، ص 270، ط 1. وهذا هو المختار: (77) من الباب الثالث من نهج البلاغة، وتقدم عن مصدر آخر تحت الرقم: (524) ص 578. ورويناه بسند قريب مما في المتن في المختار: (52) من القسم الثاني من باب خطب نهج السعادة: ج 3 ص 199، ط 1.

[275]

البلدي عن أبي المفضل الشيباني عن منصور بن الحسن عن محمد بن زكريا بن دينار عن العباس بن بكار عن عبد الواحد بن أبي عمرو الاسدي عن محمد بن السائب: عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية بن أبي سفيان يوما فقال له: يا ضرار صف لي عليا فقال: أو تعفيني من ذلك ؟ قال: لا أعفوك قال: أما إذ لا بد: فإنه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة على لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب. كان والله معنا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه وكان مع دنوه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ النظيم. يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا يياس الضعيف عن عدله. أشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه مماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت ؟ أم إلي تشوقت ؟ هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك قد أبتك ثلاثا عمرك قصير وخيرك حقير وخطرك غير كبير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته وجعل يستقبلها بكمه واختنق القوم جميعا بالبكاء وقال: هكذا [كان] أبو الحسن يرحمه الله فكيف وجدك عليه يا ضرار ؟ فقال: وجد أم واحد ذبح واحدها في حجرها فهي لا يرقى دمعها ولا يسكن حزنها.

[276]

فقال معاوية: لكن هؤلاء لو فقدوني لما قالوا ولا وجدوا بي شيئا من هذا ثم التفت إلى أصحابه فقال: بالله لو اجتمعتم بأسركم هل كنتم تؤدون عني ما أداه هذا الغلام عن صاحبه ؟ فيقال: إنه قال له عمرو بن العاص: الصحابة على قدر الصاحب. وقال أيضا فيه: روي أن معاوية بن أبي سفيان قال: إني أحب أن ألقى رجلا قد أتت عليه سن وقد رآى الناس يخبرنا عما رآى فقيل له: هذا رجل بحضرموت فأرسل إليه فأتاه فقال له: ما اسمك ؟ فقال: أمد. قال: ابن من ؟ قال: ابن لبد. قال: ما أتى عليك من السنين ؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة. قال: كذبت ثم تشاغل عنه معاوية ثم أقبل عليه بعد ذلك فقال له: ما اسمك ؟ قال: أمد قال: ابن من ؟ قال: ابن لبد قال: ما أتى عليك من السنين ؟ قال: ستون وثلاثمائة قال: أخبرنا عما رأيت من الازمان الماضية إلى زماننا هذا من ذاك ؟ قال: يا أمير المؤمنين وكيف تسأل من يكذب ؟ قال: إني ما كذبتك ولكن أحببت أعلم كيف عقلك ؟ قال: يوم شبيه يوم وليلة شبيهة بليلة يموت ميت ويولد مولود ولولا من يموت لم تسعهم الارض ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الارض. قال: فأخبرني هل رأيت هاشما ؟ قال: نعم رأيت رجلا طوالا حسن الوجه يقال: إن بين عينيه بركة أو غرة بركة. قال: فهل رأيت أمية قال: نعم رأيت رجلا قصيرا أعمى يقال إن في وجهه أشرا أو شوبا قال: فهل رأيت محمدا ؟ قال: من محمد ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ويحك أفلا فخمته كما فخمه الله فقلت: رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فأخبرني ما كانت صناعتك ؟ قال: كنت رجلا تاجرا قال: فما بلغت في تجارتك ؟ قال: كنت لا أستر عيبا ولا أرد ربحا. قال معاوية: سلني قال: أسألك أن تدخلني الجنة قال ليس ذلك بيدي ولا أقدر عليه. قال: فأسألك أن ترد علي شبابي قال: ليس ذلك بيدي ولا أقدر عليه. قال: فلا أرى عندك شيئا من أمر الدنيا ولا أمر الآخرة فردني من حيث جئت قال: أما هذا فنعم ثم أقبل معاوية على جلسائه فقال: لقد أصبح

[277]

هذا زاهدا فيما أنتم فيه راغبون. (1) وروي عن عبد الله بن موهب عن بعض أشياخه أن مسجد الرملة لما حفر أساسه في دهر معاوية بن أبي سفيان انتهى بهم الحفر إلى صخرة فقلعوها فإذا تحتها شاب دهين الرأس موفر الشعر قائم مستقبل القبلة فكلموه فلم يكلمهم فكتب بذلك إلى معاوية قال: فخرجنا بالكتاب في خمسة فأتينا معاوية فأخبرناه بذلك ورفعنا إليه الكتاب فأمر أن ترد الصخرة على حاله كما كان. وحدثهم غير واحد أنه لما أجرى معاوية بن أبي سفيان القناة التي في أحد أمر بقبور الشهداء فنبشت فضرب رجل بمعوله فأصاب إبهام حمزة رضوان الله عليه فبجس الدم من إبهامه فأخرج رطبا ينثني وأخرج عبد الله بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح وكانا قتلا يوم أحد وهم رطاب ينثنون بعد أربعين سنة فدفنا في قبر واحد وكان عمرو بن الجموح أعرج. فقال أبو سعيد الخدري أنه لشئ لا آمر بعده بمعروف ولا أنهى عن منكر. 542 - 543 - كتاب الغارات لابراهيم الثقفي قال: بلغنا أن معاوية قال لهيثم بن الاسود وكان عثمانيا وكانت امرأته علوية الرأي تحب عليا وتكتب بأخبار معاوية في أعنة الخيل فتدفعها بعسكره [عليه السلام] في صفين فقال معاوية: يا هيثم أهل العراق كانوا أنصح لعلي أم أهل الشام لي قال: أهل العراق قبل أن يضربوا بالبلاء كانوا أنصح لصاحبهم من أهل الشام. قال: ولم ذلك ؟ قال: لان القوم ناصحوا عليا عليه السلام على الدين وناصحك أهل الشام على الدنيا وأهل الدين أصبروهم أهل بصيرة ونصر وأهل الدنيا أهل يأس وطمع ثم والله ما لبث أهل العراق أن نبذوا الدين وراء ظهورهم ونظروا إلى الدنيا [التي] في يدك فما أصابها منهم إلا الذي لحق


(1) كنز الفوائد، ص 260، ط 1. 542 - الحديثان موجودان تحت الرقم 203 وتاليه من منتخب كتاب الغارات: ج 2، ص 545 - 547 ط 1. والحديث الاول رواه ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (56) من نهج البلاغة: ج 1، ص 802، ط الحديث ببيروت.

[278]

بك. قال معاوية: فما منع الاشعث بن قيس أن يطلب ما قبلنا ؟ قال: أكرم نفسه أن يكون رأسا في العار وذنبا في الطمع. قال: هل كانت امرأتك تكتب بالاخبار إلى علي عليه السلام في أعنة الخيل فتباع ؟ قال: نعم. وعن محارب بن ساعدة الايادي قال: كنت عند معاوية وعنده أهل الشام ليس فيهم غيرهم إذ قال: يا أهل الشام قد عرفتم حبي لكم وسيرتي فيكم وقد بلغكم صنيع علي بالعراق وتسويته بين الشريف وبين من لا يعرف قدره فقال رجل منهم: لا يهذ الله ركنك ولا يعدمك ولدك ولا يرينا فقدك قال فما تقولون في أبي تراب ؟ فقال رجل منهم ما أراد ومعاوية ساكت وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم فتذاكرا عليا عليه السلام بغير الحق. فوثب رجل من آخر المجلس من أهل الكوفة دخل مع القوم فقال: يا معاوية تسأل أقواما في طغيانهم يعمهون واختاروا الدنيا على الآخرة والله لو سألتهم عن السنة ما أقاموها فكيف يعرفون عليا وفضله أقبل علي أخبرك ثم لا تقدر أن تنكر أنت ولا من عن يمينك يعني عمرا هو والله الرفيع جاره الطويل عماده دمر الله به الفساد وبار به الشرك ووضع به الشيطان وأولياءه وضعضع به الجور وأظهر به العدل ونطق زعيم الدين وأطاب المورد وأضحى الداجي وانتصر به المظلوم وهدم به بنيان النفاق وانتقم به من الظالمين وأعز به المسلمين كريح رحمة أثارت سحابا متفرقا بعضها إلى بعض حتى التحم واستحكم فاستغلظ فاستوى ثم تجاوبت نواتقه وتلالات بوارقه واسترعد خرير مائه فاسقى وأروى عطشانه وتداعت جنانه واستقلت به أركانه واستكثرت وابله ودام رزازه وتتابع مهطوله فرويت البلاد واخضرت وأزهرت. ذلك علي بن أبي طالب سيد العرب إمام الامة وأفضلها وأعلمها وأجملها وأحكمها أوضح للناس سيرة الهدى بعد السعي في الردى وهو والله إذا اشتبهت الامور وهاب الجسور واحمرت الحدق وانبعث القلق وأبرقت البواتر استربط عند ذلك جأشه وعرف بأسه ولاذ به الجبان الهلوع فنفس كربته وحمى حمايته مستغن برأيه عن مشورة ذوي الالباب برأي صليب وحلم أريب مجيب للصواب مصيب. فأسكت القوم جميعا وأمر معاوية بإخراجه فأخرج وهو يقول: قد جاء الحق وزهق

[279]

الباطل إن الباطل كان زهوقا. وكان معاوية تعجبه الفصاحة ويصغي للمتكلم حتى يفرغ من كلامه. بيان: قال الجوهري نتقت الغرب من البئر أي جذبته ونتقت المرأة أي كثر ولدها. وفي القاموس: الناتق: الفاتق والرافع والباسط ومن الزناد: الواري ومن النوق: التي تسرع الحمل ومن الخيل: الذي ينفض راكبه انتهى. والاكثر مناسب كما يظهر بعد التأمل. والخرير: صوت الماء. وتداعي القوم: اجتمعوا. ورزت السماء: صوتت من المطر. وكان المهطول بمعنى الهاطل أي المطر المتتابع أو الضعيف الدائم. والاريب: العاقل. وأرب الدهر: اشتد. 544 - كشف من كتاب لطف التدبير لمحمد بن عبد الله الخطيب قال: حكي أن معاوية بن أبي سفيان قال لجلسائه بعد الحكومة: كيف لنا أن نعلم ما تؤل إليه العاقبة في أمرنا ؟ قال جلساؤه ما نعلم لذلك وجها. قال: فأنا استخرج علم ذلك من علي صلوات الله عليه فإنه لا يقول الباطل فدعا ثلاثة رجال من ثقاته وقال لهم: امضوا حتى تصيروا جميعا من الكوفة على مرحلة ثم تواطؤا على أن تنعوني بالكوفة وليكن حديثكم واحدا في ذكر العلة واليوم والوقت وموضع القبر ومن تولى الصلاة عليه وغير ذلك حتى لا تختلفوا في شئ ثم ليدخل أحدكم فليخبر بوفاتي ثم ليدخل الثاني فيخبر بمثله ثم


544 - رواه علي بن عيسى الاربلي رحمه الله في أواخر عنوان: " ذكر كراماته وما جرى على لسانه من إخباره بالمغيبات " من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 284 ط بيروت. ورواه بتفصيل أكثر المسعودي في آخر ذكره شهادة الامام أمير المؤمنين متصلا بعنوان: " ذكر لمع من كلامه وأخباره... " من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 430 ط مصر. ورواه أيضا عن جماعة صاحب عبقات الانوار في الوجه: (38) من قدحه في حديث: " أصحابي كالنجوم... " من حديث الثقلين من كتاب العبقات: ج... ض 758 ط إصفهان.

[280]

ليدخل الثالث فيخبر بمثل خبر صاحبيه وانظروا ما يقول علي. فخرجوا كما أمرهم معاوية ثم دخل أحدهم وهو راكب مغذ شاحب فقال له الناس بالكوفة: من أين جئت ؟ قال: من الشام. قالوا له: ما الخبر ؟ قال: مات معاوية فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: جاء رجل راكب من الشام يخبر من موت معاوية فلم يحفل علي بذلك ثم دخل الآخر من الغد وهو مغذ فقال له الناس: ما الخبر ؟ فقال: مات معاوية وخبر بمثل ما خبر صاحبه فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: رجل راكب يخبر بموت معاوية بمثل ما أخبر صاحبه ولم يختلف كلامهما. فأمسك علي عليه السلام. ثم دخل الآخر في اليوم الثالث فقال الناس: ما وراؤك ؟ قال: مات معاوية. فسألوه عما شاهد فلم يخالف قول صاحبيه فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين صح هذا الخبر هذا راكب ثالث قد خبر بمثل خبر صاحبيه فلما كثروا عليه قال علي صلوات الله عليه كلا أو تخضب هذه من هذه يعني لحيته من هامته ويتلاعب بها ابن آكلة الاكباد فرجع الخبر بذلك إلى معاوية. بيان: الاغذاذ في السير: الاسراع. الشاحب: المتغير أي كان عليه لون السفر. قوله عليه السلام " ويتلاعب بها " أي بالخلافة والرياسة. 545 - 546 - إرشاد القلوب بإسناده إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: بينما أمير المؤمنين عليه السلام يتجهز إلى معاوية ويحرض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان في فعل فعجل أحدهما في الكلام وزاد فيه فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: اخسأ. فإذا رأسه رأس الكلب فبهت من حوله وأقبل الرجل بإصبعه المسبحة يتضرع إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويسأله الاقالة فنظر إليه وحرك شفتيه فعاد كما كان خلقا سويا فوثب إليه بعض أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا وأنت تجهز


545 - 546 - رواهما الديلمي رحمه الله في كتاب إرشاد القلوب، ح 30 في عنوان (فضائله عليه - السلام من طريق اهل البيت) ج 2، ص 272.

[281]

إلى معاوية فما بالك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة ؟ فأطرق قليلا ورفع رأسه إليهم وقال: والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والاودية حتى أضرب بها صدر معاوية على سريره فأقلبه على أم رأسه لفعلت ولو أقسمت على الله عزوجل أن أوتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا وقبل أن يرتد إلى أحد منكم طرفه لفعلت ولكنا كما وصف الله تعالى في كتابه: * (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) *. بيان: قال الجوهري: خسأت الكلب خسأ: طردته وخسأ الكلب نفسه. يتعدى ولا يتعدى. إرشاد القلوب بإسناده إلى ميثم التمار قال: خطب بنا أمير المؤمنين عليه السلام في جامع الكوفة فأطال في خطبته وأعجب الناس تطويلها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها وإذ دخل نذير من ناحية الانبار مستغيثا يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيتك وشيعتك هذه خيل معاوية قد شنت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين هيت والانبار. فقطع أمير المؤمنين عليه السلام الخطبة وقال: ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدسكرة التي تلي جدران الانبار فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الاطفال ذكرانا وسبعة إناثا وشهروا بهم ووطؤهم بحوافر الخيل وقالوا هذه مراغمة لابي تراب. فقام إبراهيم بن الحسن الازدي بين يدي المنبر فقال: يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك أن في دارك خيل معاوية بن آكلة الاكباد وما فعل بشيعتك ولم يعلم بها هذا فلم تغضي عن معاوية ؟. فقال له: ويحك يا إبراهيم * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) * فصاح الناس من جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين فإلى متى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وشيعتك تهلك ؟ ! فقال لهم:

[282]

ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فصاح زيد بن كثير المرادي وقال: يا أمير المؤمنين تقول بالامس وأنت تجهز إلى معاوية وتحرضنا على قتاله ويحتكم إليك الرجلان في الفعل فتعجل عليك أحدهما في الكلام فتجعل رأسه رأس الكلب فيستجير بك فترده بشرا سويا ! ! ونقول لك: ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شره فتقول لنا: وفالق الحبة وبارئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية فأقلبه على أم رأسه لفعلت فما بالك لا تفعل ؟ ما تريد إلا أن تضعف نفوسنا فنشك فيك فندخل النار. فقال أمير المؤمنين عليه السلام لافعلن ذلك ولاعجلنه على ابن هند. فمد رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد وردها إلى فخذه وقال: معاشر الناس أقيموا تاريخ الوقت وأعلموه فقد ضربت برجلي هذه الساعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على أم رأسه فظن أنه قد أحيط به فصاح يا أمير المؤمنين فأين النظرة فرددت رجلي عنه وتوقع الناس ورود الخبر من الشام وعلموا أن أمير المؤمنين لا يقول إلا حقا. فوردت الاخبار والكتب بتاريخ تلك الساعة بعينها من ذلك اليوم بعينه أن رجلا جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متصلة فدخلت من أيوان معاوية والناس ينظرون حتى ضربت صدره فقلبته عن سريره على أم رأسه فصاح: يا أمير المؤمنين وأين النظرة ؟ وردت تلك الرجل عنه وعلم الناس ما قال أمير المؤمنين عليه السلام حقا. بيان: قال الفيروز آبادي: أغضى: أدنى الجفون. وعلى الشئ: سكت. 547 - بشا: الحسن بن الحسين بن بابويه عن عمه محمد بن الحسن عن


547 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه وفسر غريبه في الحديث: (9) من الباب: (28) من كتاب معاني الاخبار، ص 58 ط 2. ورواه الطبري بالسند المذكور ها هنا - عنه في الحديث: (18) في الجزء الاول من كتاب بشارة المصطفى ص 14، ط النجف.

[283]

أبيه الحسين بن الحسين عن عمه أبي جعفر بن بابويه عن الطالقاني عن الجلودي عن المغيرة بن محمد عن رجاء بن أبي سلمة عن عمرو بن شمر عن جابر: عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة عند منصرفه من نهروان وبلغه أن معاوية يسبه ويعيبه ويقتل أصحابه فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر ما أنعم الله على نبيه وعليه ثم قال: لولا آية في كتاب الله ما ذكرت ما أنا ذاكره في مقامي هذا يقول الله عزوجل: * (وأما بنعمة ربك فحدث) * اللهم لك الحمد على نعمك التي لا تحصى وفضلك الذي لا ينسى. أيها الناس إنه بلغني ما بلغني وإني أراني قد اقترب أجلي وكأني بكم وقد جهلتم أمري وإني تارك فيكم ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله كتاب الله وعترتي وهي عترة الهادي إلى النجاة خاتم الانبياء وسيد النجباء والنبي المصطفى. يا أيها الناس لعلكم لا تسمعون قائلا يقول مثل قولي بعدي إلا مفتريا أنا أخو رسول الله وابن عمه وسيف نقمته وعماد نصرته وبأسه وشدته أنا رحى جهنم الدائرة وأضراسها الطاحنة أنا مؤتم البنين والبنات وقابض الارواح وبأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين أنا مجدل الابطال وقاتل الفرسان ومبير من كفر بالرحمان وصهر خير الانام أنا سيد الاوصياء ووصي خير الانبياء أنا باب مدينة العلم وخازن علم رسول الله صلى الله عليه وآله ووارثه أنا زوج البتول سيدة نساء العالمين فاطمة التقية الزكية البرة المهدية حبيبة حبيب الله وخير بناته وسلالته وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله سبطاه خير الاسباط وولد اي خير الاولاد هل أحد ينكر ما أقول. أين مسلموا أهل الكتاب أنا اسمي في الانجيل إليا وفي التوراة بريها وفي الزبور ارى وعند الهند كلبن وعند الروم بطريسا وعند الفرس جبير وعند الترك تيبر وعند الزنج خبير وعند الكهنة بوى وعند الحبشة تبريك وعند أمي حيدرة وعند ظئري ميمون وعند العرب علي وعند الارمن فريق وعند أبي زهير.

[284]

ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم يقول الله عزوجل: * (وكونوا مع الصادقين) * (1) أنا ذلك الصادق. وأنا المؤذن في الدنيا والآخرة وقال الله تعالى: * (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) * [44 / الاعراف: 7] أنا ذلك المؤذن وقال: * (وأذان من الله ورسوله) * [3 / التوبة] وأنا ذلك الاذان. وأنا المحسن يقول الله عزوجل: * (وإن الله مع المحسنين) * [69 / العنكبوت: 29]. وأنا ذو القلب يقول الله عزوجل: * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) * [37 / ق: 50]. وأنا الذاكر يقول الله عزوجل * (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) * [191 / آل عمران: 3]. ونحن أصحاب الاعراف أنا وعمي وأخي وابن عمي والله فالق الحبة والنوى لا يلج النار لنا محب ولا يدخل الجنة لنا مبغض يقول الله عزوجل: * (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) * [46 / الاعراف: 7] وأنا الصهر يقول الله عزوجل: * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) * [54 / الفرقان: 25]. وأنا الاذن الواعية يقول الله عزوجل: " وتعيها أذن واعية ". وأنا السالم لرسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله: * (ورجلا سلما لرجل) * [29 / الزمر] ومن ولدي مهدي هذه الامة. ألا وقد جعلت محنتكم ببغضي يعرف المنافقون وبمحبتي امتحن المؤمنون هذا عهد النبي الامي الا أنه لا يحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا منافق.


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " إن الله مع الصادقين ". والآية هي الآية: (119) من سورة التوبة: (9).

[285]

وأنا صاحب لواء رسول الله في الدنيا والآخرة ورسول الله فرطي وأنا فرط شيعتي والله لا عطش محبي ولا خاف [وليي]، أنا ولي المؤمنين والله وليي [وحسب محبي أن يحبوا ما أحب الله] وحسب مبغضي أن يبغضوا من أحب الله. ألا وإنه بلغني أن معاوية سبني ولعنني اللهم اشدد وطأتك عليه وأنزل اللعنة على المستحق آمين رب العالمين رب اسماعيل وباعث إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم نزل صلوات الله عليه عن أعواده فما عاد إليها حتى قتله ابن ملجم لعنه الله. 548 - كا: علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان مولى لامير المؤمنين عليه السلام سأله مالا فقال: يخرج عطائي فأقاسمكه. فقال: لا أكتفي وخرج إلى معاوية فوصله فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخبره بما أصاب من المال فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإن ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك وهو صائر إلى أهل بعدك وإنما لك منه ما مهدت لنفسك فآثر نفسك عن إصلاح ولدك فإنما أنت جامع لاحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له، وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك فارج لمن مضى رحمة الله وثق لمن بقي يرزق الله. بيان: قال في النهاية: برد لي على فلان حق أي ثبت. 549 - ختص: كتب معاوية لعنه الله إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه


548 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث: (28) من روضة الكافي ص 72 ورواه السيد الرضي في المختار: (416) من الباب الثالث من نهج البلاغة. 549 - الحديث موجود في كتاب الاختصاص - المنسوب إلى الشيخ المفيد رحمه الله - ص 138، ط 2، وفي ط النجف ص 132.

[286]

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا علي لاضربنك بشهاب قاطع لا يذكيه الريح ولا يطفيه الماء إذا اهتز وقع وإذا وقع نقب والسلام. فلما قرأ علي عليه السلام كتابه دعا بدواة وقرطاس ثم كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا معاوية فقد كذبت أنا علي بن أبي طالب عليه السلام وأنا أبو الحسن والحسين قاتل جدك وعمك وخالك وأبيك وأنا الذي أفنيت قومك في يوم بدر ويوم فتح ويوم أحد وذلك السيف بيدي يحمله ساعدي بجرأة قلبي كما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بكف الوصي لم أستبدل بالله ربا وبمحمد نبيا وبالسيف بدلا والسلام على من اتبع الهدى. ثم طوى الكتاب ودعا الطرماح بن عدي الطائي وكان رجلا مفوها طوالا فقال له: خذ كتابي هذا فانطلق به إلى معاوية ورد جوابه فأخذ الطرماح الكتاب ودعا بعمامة فلبسها فوق قلنسوته ثم ركب جملا بازلا فتيقا مشرفا عاليا في الهواء فسار حتى نزل مدينة دمشق فسأل عن قواد معاوية فقيل له: من تريد منهم فقال أريد جرولا وجهضما وصلادة وقلادة وسوادة وصاعقة وأبا المنايا وأبا الحتوف وأبا الاعور السلمي وعمرو بن العاص وشمر بن ذي الجوشن والهدى بن محمد بن الاشعث الكندي فقيل إنهم مجتمعون عند باب الخضراء فنزل وعقل بعيره وتركهم حتى اجتمعوا فركب إليهم فلما بصروا به قاموا إليه يهزئون به فقال واحد منهم يا أعرابي عندك خبر من السماء قال: نعم جبرائيل في السماء وملك الموت في الهواء وعلي في القفاء فقال له: يا أعرابي من أين أقبلت ؟ قال: من عند التقي النقي إلى المنافق الردي قال له: يا أعرابي فما تنزل إلى الارض حتى نشاورك. قال: والله ما في مشاورتكم بركة ولا مثلي يشاور أمثالكم قالوا: يا أعرابي فإنا نكتب إلى يزيد بخبرك وكان يزيد يومئذ ولي عهدهم فكتبوا إليه أما بعد يا يزيد فقد قدم علينا من عند علي بن أبي طالب عليه السلام أعرابي له لسان يقول فما يمل ويكثر فلا يكل والسلام. فلما قرأ يزيد الكتاب أمر أن يهول عليه وأن يقام له سماطان بالباب بأيديهم أعمدة الحديد فلما توسطهم الطرماح قال: من هؤلاء كأنهم زبانية مالك في ضيق المسالك

[287]

عند تلك الهوالك ؟ قالوا: اسكت هؤلاء أعدوا ليزيد فلم يلبث أن خرج يزيد فلما نظر إليه قال: السلام عليك يا أعرابي قال: الله السلام المؤمن المهيمن على ولد أمير المؤمنين قال: إن أمير المؤمنين يقرء عليك السلام قال: سلامه معي من الكوفة قال: إنه يعرض عليك الحوائج قال: أما أول حاجتي إليه فنزع روحه من بين جنبيه وأن يقوم من مجلسه حتى يجلس فيه من هو أحق به وأولى منه قال له: يا أعرابي فإنا ندخل عليه فما فيك حيلة قال: لذلك قدمت فاستأذن له على أبيه. فلما دخل على معاوية ونظر إلى معاوية والسرير قال: السلام عليك أيها الملك قال: وما منعك أن تقول يا أمير المؤمنين قال: نحن المؤمنون فمن أمرك علينا ؟ فقال: ناولني كتابك قال إني لاكره أن أطأ بساطك قال: فناوله وزيري قال: خان الوزير وظلم الامير قال: فناوله غلامي قال: غلام سوء اشتراه مولاه من غير حل واستخدمه في غير طاعة الله قال: فما الحيلة يا أعرابي ؟ قال: ما يحتال مؤمن مثلي لمنافق مثلك قم صاغرا فخذه. فقام معاوية صاغرا فتناول منه ثم فضه وقرأه ثم قال: يا أعرابي كيف خلفت عليا قال: خلفته والله جلدا حربا ضابطا كريما شجاعا جودا لم يلق جيشا إلا هزمه ولا قرنا إلا أراده ولا قصرا إلا هدمه قال: فكيف خلفت الحسن والحسين ؟ قال: خلفتهما صلوات الله عليهما صحيحين فصيحين كريمين شجاعين جوادين شابين طريين يصلحان للدنيا والآخرة قال: فكيف خلفت أصحاب علي ؟ قال: خلفتهم وعلي بينهم كالبدر وهم كالنجوم إن أمرهم ابتدروا وإن نهاهم ارتدعوا فقال له: يا أعرابي ما أظن بباب علي أحدا أعلم منك قال: ويلك استغفر ربك وصم سنة كفارة لما قلت كيف لو رأيت الفصحاء الادباء النطقاء ووقعت في بحر علومهم غرقت يا شقي. قال: الويل لامك قال: بل طوبى لها ولدت مؤمنا يغمز منافقا مثلك قال له: يا أعرابي هل لك في جائزة قال: أرى استنقاص روحك فكيف لا أرى استنقاص مالك فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أزيدك يا أعرابي قال: أسد يدا سد أبدا. فأمر له

[288]

بمائة ألف أخرى فقال: ثلثها فإن الله فرد ثم ثلثها فقال: الآن ما تقول ؟ قال: أحمد الله وأذمك. قال: ولم ويلك ؟ قال: لانه لم يكن لك ولا لابيك ميراثا إنما هو من بيت مال المسلمين أعطيتنيه. ثم أقبل معاوية على كاتبه فقال: اكتب للاعرابي جوابا فلا طاقة لنا به فكتب أما بعد يا علي فلاوجهن إليك بأربعين حملا من خردل مع كل خردلة ألف مقاتل يشربون الدجلة ويسقون الفرات. فلما نظر الطرماح إلى ما كتب به الكاتب أقبل على معاوية فقال: سوءة لك يا معاوية فلا أدري أيكما أقل حياة أنت أم كاتبك ؟ ويلك لو جمعت الجن والانس وأهل الزبور والفرقان كانوا لا يقولون بما قلت قال: ما كتبه عن أمري قال: إن لم يكن كتبه عن أمرك فقد استضعفك في سلطانك وإن كان كتبه بأمرك فقد استحييت لك من الكذب أمن أيهما تعتذر ومن أيهما تعتبر أما إن لعلي صلوات الله عليه ديكا اشتر جيدا أخضر يلتقط الخردل بجيشه فيجمعه في حوصلته. قال: ومن ذلك يا أعرابي قال: ذلك مالك بن الحارث الاشتر. ثم أخذ الكتاب والجائزة وانطلق به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقبل معاوية على أصحابه فقال: نرى لو وجهتكم بأجمعكم في كل ما وجه به صاحبه ما كنتم تؤدون عني عشر عشير ما أدى هذا عن صاحبه. بيان: الطرماح بكسر الطاء والراء وتشديد الميم. وقال الجوهري: فاه بالكلام [على زنة قال - و - تفوه]: لفظ به. والمفوه: المنطيق وقال: بزل البعير: فطرنا به أي انشق فهو بازل ذكرا كان أو أنثى وذلك في السنة التاسعة وربما بزل في السنة الثامنة وقال: يقال: جمل فتيق إذا انفتق سمنا. وفي بعض النسخ بالنون قال الجوهري الفنيق: الفحل المكرم. وقال الجرول: الحجارة. والجهضم: الضخم الهامة المستدير الوجه. والاسد. والصلد والصلب: الاملس. ويحتمل أن تكون تلك أسامي خدمه وأن يكون قال ذلك نبزا واستهزاءا. والسماط بالكسر: الصف من الناس. والنخل والجلد: الصلابة والجلادة. تقول منه

[289]

جلد الرجل بالضم فهو جلد ذكره الجوهري وقال: حرب الرجل بالكسر: اشتد غضبه. ورجل حرب وأسد حرب. " أسد يدا سد أبدا " أي أعط نعمة تكون أبدا سيدا للقوم. والاجيد: الحسن العنق أو طويله. والاعسر هو الذي يعمل باليد اليسرى. ويقال: إنه أشد شئ رميا. 550 - أقول: وجدت الرواية بخط بعض الافاضل باختلاف ما فأحببت إيرادها على هذا الوجه أيضا قال: قال الشيخ الاديب أبو بكر بن عبد العزيز البستي بالاسانيد الصحاح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما رجع من وقعة الجمل كتب إليه معاوية بن أبي سفيان عليه اللعنة بسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله وابن عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد اتبعت ما يضرك وتركت ما ينفعك وخالفت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وقد انتهى إلي ما فعلت بحواري رسول الله صلى الله عليه وآله طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة فو الله لارمينك بشهاب لا تطفيه المياه ولا تزعزعه الرياح إذا وقع وقب، وإذا وقب ثقب، وإذا ثقب نقب، وإذا نقب التهب، فلا تغرنك الجيوش واستعد للحرب فإني ملاقيك بجنود لا قبل لك بها والسلام. فلما وصل الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فكه وقرأه ودعى بدواة وقرطاس وكتب إليه. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده علي بن أبي طالب أخي رسول الله وابن عمه ووصيه ومغسله ومكفنه وقاضي دينه وزوج ابنته البتول وأبي سبطيه الحسن والحسين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإني أفنيت قومك يوم بدر وقتلت عمك وخالك وجدك والسيف الذي قتلتهم به معي يحمله ساعدي بثبات من صدري وقوة من بدني ونصرة من ربي كما جعله النبي صلى الله عليه وآله في كفي فو الله ما اخترت على الله ربا ولا على الاسلام دينا ولا على محمد نبيا ولا على السيف بدلا فبالغ من رأيك فاجتهد ولا تقصر فقد استحوذ عليك الشيطان واستفزك الجهل والطغيان

[290]

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى. ثم طوى الكتاب وختمه ودعى رجلا من أصحابه يقال له الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي وكان رجلا جسيما طويلا أديبا لبيبا فصيحا لسنا متكلما لا يكل لسانه ولا يعيى عن الجواب فعممه بعمامته ودعى له بجمل بازل وثيق فائق أحمر فسوى راحلته ووجهه إلى دمشق فقال له: يا طرماح انطلق بكتابي هذا إلى معاوية بن أبي سفيان وخذ الجواب. فأخذ الطرماح الكتاب وكور بعمامته وركب مطيته وانطلق حتى دخل دمشق فسأل عن دار الامارة فلما وصل إلى الباب قال له الحجاب من بغيتك ؟ قال: أريد أصحاب الامير أولا ثم الامير ثانيا فقالوا له: من تريد منهم ؟ قال: أريد جعشما وجرولا ومجاشعا وباقعا - وكان أراد أبا الاعور السلمي وأبا هريرة الدوسي وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم - فقالوا: هم بباب الخضراء يتنزهون في بستان. فانطلق وسار حتى أشرف على ذلك الموضع فإذا قوم ببابه فقالوا: جاءنا أعرابي بدوي دوين إلى السماء تعالوا نستهزئ به فلما وقف عليهم قالوا: يا أعرابي هل عندك من السماء خبر ؟ فقال: بلى الله تعالى في السماء وملك الموت في الهواء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في القفاء فاستعدوا لما ينزل عليكم من البلاء يا أهل الشقاوة والشقاء. قالوا: من أين أقبلت ؟ قال: من عند حر تقي نقي زكي مؤمن رضي مرضي. فقالوا: وأي شئ تريد ؟ فقال: أريد هذا الدعي الردي المنافق المردي الذي تزعمون أنه أميركم فعلموا أنه رسول أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى معاوية فقالوا: هو في هذا الوقت مشغول. قال: بماذا بوعد أو وعيد ؟ قالوا: لا ولكنه يشاور أصحابه فيما يلقيه غدا قال: فسحقا له وبعدا. فكتبوا إلى معاوية بخبره: أما بعد فقد ورد من عند علي بن أبي طالب رجل أعرابي بدوي فصيح لسن طلق ذلق يتكلم فلا يكل ويطيل فلا يمل فأعد لكلامه جوابا بالغا ولا تكن عنه غافلا ولا ساهيا والسلام.

[291]

فلما علم الطرماح بذلك أناخ راحلته ونزل عنها وعقلها وجلس مع القوم الذين يتحدثون. فلما بلغ الخبر إلى معاوية أمر ابنه يزيد أن يخرج ويضرب المصاف على باب داره فخرج يزيد وكان على وجهه أثر ضربة فإذا تكلم كان جهير الصوت فأمر بضرب المصاف ففعلوا ذلك وقالوا للطرماح: هل لك أن تدخل على باب أمير المؤمنين فقال: لهذا جئت وبه أمرت فقام إليه ومشى فلما رأى أصحاب المصاف وعليهم ثياب سود فقال: من هؤلاء القوم كأنهم زبانية لالك على ضيق المسالك فلما دنى من يزيد نظر إليه فقال: من هذا الميشوم ابن الميشوم الواسع الحلقوم المضروب على الخرطوم ؟ ! فقالوا: مه يا أعرابي ابن الملك يزيد فقال: ومن يزيد لا زاد الله مزاده ولا بلغه مراده ومن أبوه ؟ كانا قدما غائصين في بحر الجلافة واليوم استويا على سرير الخلافة فسمع [يزيد] ذلك واستشاط وهم بقتله غضبا ثم كره أن يحدث دون إذن أبيه فلم يقتله خوفا منه وكظم غيظه وخبا ناره وسلم عليه فقال: يا أعرابي إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام فقال: سلامه معي من الكوفة فقال يزيد: سلني عما شئت فقد أمرني أمير المؤمنين بقضاء حاجتك فقال: حاجتي إليه أن يقوم من مقامه حتى يجلس من هو أولى منه بهذا الامر ! ! قال: فماذا تريد آنفا قال: الدخول عليه فأمر برفع الحجاب وأدخله إلى معاوية وصواحبه. فلما دخل الطرماح وهو متنعل قالوا له: اخلع نعليك فالتفت يمينا وشمالا ثم قال: هذا رب الواد المقدس فأخلع نعلي فنظر فإذا هو معاوية قاعد على السرير مع قواعده وخاصته ومثل بين يديه خدمه فقال: السلام عليك أيها الملك العاصي فقرب إليه عمرو بن العاص فقال: ويحك يا أعرابي ما منعك أن تدعوه بأمير المؤمنين ؟ فقال الاعرابي: ثكلتك أمك يا أحمق نحن المؤمنون فمن أمره علينا بالخلافة. فقال معاوية: ما معك يا أعرابي ؟ فقال: كتاب مختوم من إمام معصوم فقال: ناولنيه. قال: أكره أن أطأ بساطك. قال: ناوله وزيري هذا وأشار إلى

[292]

عمرو بن العاص. فقال: هيهات هيهات ظلم الامير وخان الوزير. فقال: ناوله ولدي هذا وأشار إلى يزيد. فقال: ما نرضى بإبليس فكيف بأولاده ؟ فقال: ناوله مملوكي هذا وأشار إلى غلام له قائم على رأسه. فقال الاعرابي: مملوك اشتريته [من] غير حل وتستعمله في غير حق ! ! قال: ويحك يا أعرابي فما الحيلة وكيف نأخذ الكتاب ؟ فقال الاعرابي: أن تقوم من مقامك وتأخذه بيدك على غير كره منك فإنه كتاب رجل كريم وسيد عليم وحبر حليم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فلما سمع منه معاوية وثب من مكانه وأخذ منه الكتاب بغضب وفكه وقرأه ووضعه تحت ركبتيه ثم قال: كيف خلفت أبا الحسن والحسين ؟ قال: خلفته بحمد الله كالبدر الطالع حواليه أصحابه كالنجوم الثواقب اللوامع إذا أمرهم بأمر ابتدروا إليه وإذا نهاهم عن شئ لم يتجاسروا عليه وهو من بأسه يا معاوية في تجلد بطل شجاع سيد سميدع إن لقي جيشا هزمه وأراده وإن لقي قرنا سلبه وأفناه وإن لقي عدوا قتله وجزاه. قال معاوية: كيف خلفت الحسن والحسين ؟ قال: خلفتهما بحمد الله شابين نقيين تقيين زكيين عفيفين صحيحين سيدين طيبين فاضلين عاقلين عالمين مصلحين في الدنيا والآخرة. فسكت معاوية ساعة فقال: ما أفصحك يا اعرابي ؟ قال: لو بلغت باب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لوجدت الادباء الفصحاء البلغاء الفقهاء النجباء الاتقياء الاصفياء ولرأيت رجالا سيماهم في وجوههم من أثر السجود حتى إذا استعرت نار الوغى قذفوا بأنفسهم في تلك الشعل لابسين القلوب على مدارعهم قائمين ليلهم صائمين نهارهم لا تأخذهم في الله ولا في ولي الله علي لومة لائم فإذا أنت يا معاوية رأيتهم على هذه الحال غرقت في بحر عميق لا تنجو من لجته. فقال عمرو بن العاص لمعاوية سرا: هذا رجل أعرابي بدوي لو أرضيته بالمال لتكلم فيك بخير.

[293]

فقال معاوية: يا أعرابي ما تقول في الجائزة أتأخذها مني أم لا ؟ قال: بل آخذها فو الله أنا أريد استقباض روحك من جسدك فكيف باستقباض مالك من خزانتك فأمر له بعشرة آلاف درهم ثم قال: أتحب أن أزيدك ؟ قال: زد فإنك لا تعطيه من مال أبيك وإن الله تعالى ولي من يزيد قال: أعطوه عشرين ألفا قال الطرماح: اجعلها وترا فإن الله تعالى هو الوتر ويحب الوتر قال: أعطوه ثلاثين ألفا فمد الطرماح بصره إلى إيراده فأبطأ عليه ساعة فقال: يا ملك تستهزئ بي على فراشك ؟ فقال: لماذا يا أعرابي ؟ قال: إنك أمرت لي بجائزة لا أراها ولا تراها فإنها بمنزلة الريح التي تهب من قلل الجبال ! ! فأحضر المال ووضع بين يدي الطرماح فلما قبض المال سكت ولم يتكلم بشئ. [ف‍] قال عمرو بن العاص: يا أعرابي كيف ترى جائزة أمير المؤمنين فقال الاعرابي: هذا مال المسلمين من خزانة رب العالمين أخذه عبد من عباد الله الصالحين. فالتفت معاوية إلى كاتبه وقال: اكتب جوابه فو الله لقد أظلمت الدنيا علي وما لي طاقة فأخذ الكاتب القرطاس فكتب. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإني أوجه إليك جندا من جنود الشام مقدمته بالكوفة وساقته بساحل البحر ولارمينك بألف حمل من خردل تحت كل خردل ألف مقاتل فإن أطفأت نار الفتنة وسلمت إلينا قتلة عثمان وإلا فلا تقل غال ابن أبي سفيان ولا يغرنك شجاعة أهل العراق واتفاقهم فإن اتفاقهم نفاق فمثلهم كمثل الحمار الناهق يميلون مع كل ناعق والسلام. فلما نظر الطرماح إلى ما يخرج تحت قلمه قال: سبحان الله لا أدري أيكما أكذب أنت بادعائك أم كاتبك فيما كتب ! ! لو اجتمع أهل الشرق والغرب من الجن والانس لم يقدروا به على ذلك فنظر معاوية فقال: والله لقد كتب من غير أمري فقال: ان كنت لم تأمره فقد استضعفك وإن كنت أمرته فقد استفضحك.

[294]

أو قال: إن كتب من تلقاء نفسه فقد خانك، وإن أمرته بذلك فأنتما خائنان كاذبان في الدنيا والآخرة ثم قال الطرماح: يا معاوية أظنك تهدد البط بالشط. فدع الوعيد فما وعيدك ضائر * أطنين أجنحة الذباب يضير والله إن لامير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لديكا علي الصوت عظيم المنقار يلتقط الجيش بخيشومه ويصرفه إلى قانصته ويحطه إلى حوصلته فقال معاوية: والله كذلك هو مالك بن الاشتر النخعي ثم قال: ارجع بسلام مني. وفي رواية أخرى: خذ المال والكتاب وانصرف فجزاك الله عن صاحبك خيرا فأخذ الطرماح الكتاب وحمل المال وخرج من عنده وركب مطيته وسار. ثم التفت معاوية إلى أصحابه فقال: لو أعطيت جميع ما أملك لرجل منكم لم يؤد عني عشر عشير ما أدى هذا الاعرابي عن صاحبه. فقال عمرو بن العاص: لو أن لك قرابة كقرابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان معك الحق كما هو معه لادينا عنك أفضل من ذلك أضعافا مضاعفة فقال معاوية: فض الله فاك وقطع شفتيك والله لكلامك علي أشد من كلام الاعرابي ولقد ضاقت علي الدنيا بحذافيرها. توضيح: الزعزعة: تحريك الرياح لشجرة ونحوها ذكره الفيروز آبادي وقال: وقب الظلام: دخل والشمس وقبا ووقوبا: غابت: والوثيق: المحكم. والمصاف: جمع المصف وهو موضع الصف. والسميدع بفتح السين والميم بعدها مثناة تحتانية: السيد الكريم الشريف السخي الموطأ الاكتاف والشجاع. وفي الصحاح: ضاره يضوره ويضيره ضورا وضيرا أي ضره. 551 - 552 - أقول: نقل من خط الشهيد قدس سره أنه قال: [قال]


552 - للحديث - عدا بعض خصوصياته - مصادر كثيرة وأسانيد يجد الباحث كثيرا منها

[295]

معاوية لابي المرقع الهمداني: اشتم عليا. قال: بل أشتم شاتمه وظالمه. قال: أهو مولاك ؟ قال: ومولاك إن كنت من المسلمين ! قال: فادع عليه قال: بل أدعو على من هو دونه. قال: ما تقول في قاتله ؟ قال: هو في النار مع من سره ذلك قال: من قومك ؟ قال: الزرق من همدان الذين أسحبوك يوم صفين. ومن خطه أيضا قال: روى أبو عمر الزاهد في كتاب فائت الجمهرة أن رجلا سأل معاوية يوم صفين عن مسألة فقال له: سل عليا فإنه أعلم مني قال: فقال له الرجل: جوابك أحب إلي من جوابه فقال له: لقد كرهت رجلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يغره [بالعلم غرا] ولقد رأيت عمر إذا أشكل عليه الشئ قال: أهاهنا أبو الحسن ؟ قم لا أقام الله رجليك ومحا اسمه من الديوان. قال ابن عباس: فكنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فجاءنا الرجل وقد سبقه خبره إلينا فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك مستأمنا فقال له: أنت صاحب الكلام أنت تعرف معاوية من أنا ؟ فكيف رأيت جواب المنافق قم لا أقام الله رجليك. فبقي مذبذبا. وذكر ابن النديم في الفهرست أن هذا أبا عمر كان نهاية في النصب والميل على علي عليه السلام.


تحت الرقم: (401) وتاليه وتعليقهما من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 369 ط 2.

[297]

[الباب الواحد والعشرون] باب بدو قصة التحكيم والحكمين وحكمهما بالجور رأي العين وقد مر بعض ذلك فيما مضى من قصص صفين 553 - قال ابن أبي الحديد: قال نصر: روى عمر بن سعد عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر أن عليا عليه السلام بعث أربع مائة عليهم شريح بن هانئ ومعه عبد الله بن العباس يصلي بهم ومعهم أبو موسى الاشعري وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربع مائة ثم إنهم خلوا بين الحكمين فكان رأي عبد الله بن قيس في [عبد الله بن] عمر بن الخطاب وكان يقول: والله إن استطعت لاحيين سنه عمر. قال نصر: وفي حديث محمد بن عبيدالله عن الجرجاني قال: لما أراد أبو موسى المسير قام إليه شريح بن هانئ فأخذ بيده وقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لامر عظيم لا يجبر صدعه ولا يستقال فتنته ومهما تقل من شئ عليك أو لك تثبت حقه وترى صحته وإن كان باطلا وإنه لا بقاء لاهل العراق إن


553 - رواه ابن أبي الحديد في أواسط شرحه على المختار: (35) من نهج البلاغة: ج 1، ص 444 ط الحديث ببيروت.

[298]

ملكهم معاوية ولا بأس على أهل الشام إن ملكهم علي وقد كانت منك تثبيطة أيام الكوفة والجمل وإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا والرجاء منك يأسا. فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لادفع عنهم باطلا أو أجر إليهم حقا. وروى المدائني في كتاب صفين قال: لما اجتمع أهل العراق على طلب أبي موسى وأحضروه للتحكيم على كره من علي عليه السلام له أتاه عبد الله بن العباس وعنده وجوه الناس والاشراف فقال له: يا أبا موسى إن الناس لم يرضوا بك و [لم] يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه وما أكثر أشباهك من المهاجرين والانصار المتقدمين قبلك ولكن أهل العراق أبوإلا أن يكون الحكم يمانيا ورأوا أن معظم أهل الشام يمان وأيم الله إني لاظن ذلك شرا لك ولنا فإنه قد ضم إليك داهية العرب وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك. واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الاسلام وأن أباه رأس الاحزاب وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر ما استعملا ممن لم يدع الخلافة واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبيئا يسؤك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا عليه السلام بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وإنها بيعة هدى وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين. فقال أبو موسى: رحمك الله والله مالي إمام غير علي وإني لواقف عندما رآى وإن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشام وما أنت وأنا إلا بالله. وروى البلاذري في كتاب أنساب الاشراف قال: قيل لعبدالله بن

[299]

العباس: ما منع عليا أن يبعثك مع عمرو يوم التحكيم قال: منعه حاجز القدر ومحنة الابتلاء وقصر المدة أما والله لو كنت لقعدت على مدارج أنفاسه ناقضا ما أبرم ومبرما ما نقض أطير إذا أسف وأسف إذا طار ولكن سبق قدر وبقي أسف ومع اليوم غد والآخرة خير لامير المؤمنين. قال نصر: وفي حديث عمرو بن شمر قال: أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال: يا عمرو هل لك في أمر هو للامة صلاح، ولصلحاء الناس رضا نولي هذا الامر عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شئ من هذه الفتنة ولا في هذه الفرقة قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير قريبين يسمعان الكلام فقال عمرو: فأين أنت يا أبا موسى عن معاوية فأبى عليه أبو موسى فقال عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ومعاوية ولي عثمان وقد قال الله: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [33 / الاسراء: 17] ثم إن بيت معاوية في قريش ما قد علمت وهو أخو أم حبيبة أم المؤمنين وزوج النبي صلى الله عليه وآله وقد صحبه وهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال له: إن هو ولي الامر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط بمثلها. فقال أبو موسى: اتق الله يا عمرو فإن هذا الامر ليس على الشرف إنما هو لاهل الدين والفضل مع أني لو كنت أعطيته أفضل قريش شرفا لاعطيته علي بن أبي طالب. وأما قولك إنه ولي عثمان فإني لم أكن أوليه إياه لنسبه من عثمان وادع المهاجرين الاولين. وأما تعريضك لي بالامرة والسلطان فو الله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت أرتشي في الله ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب. وروى أنه كان يقول غير مرة: والله إن استطعت لاحيين اسم عمر بن الخطاب.

[300]

فقال عمرو بن العاص: إن كنت إنما تريد أن تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعك من ابني عبد الله وأنت تعرف فضله وصلاحه ! ! فقال: إن ابنك لرجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. قال نصر وروي عن النضر بن صالح قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا عليه السلام أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص وقال له: قل لعمرو إذا لقيته إن عليا يقول لك: إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وأن أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل أبأن أوتيت طمعا يسيرا صرت لله ولاوليائه عدوا فكأن ما أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيما ولا للظالمين ظهيرا أما إني أعلم أن يومك الذي أنت فيه نادم هو يوم وفاتك، وسوف تتمنى أنك لم تظهر لي عداوة ولم تأخذ على حكم الله رشوة. قال شريح: فأبلغته ذلك يوم لقيته فتمعر وجهه وقال: متى كنت قابلا مشورة علي أو منيبا إلى رأيه أو معتدا بأمره ! ! !. فقلت: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته لقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشير انه ويعملان برأيه فقال: إن مثلي لا يكلم مثلك فقلت بأي أبويك ترغب عن كلامي بأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة فقام من مكانه وقمت. قال نصر: وروى أبو جناب الكلبي أن عمرا وأبا موسى لما التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام ويقول: إنك صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي وأنت أكبر مني سنا فتكلم أنت ثم أتكلم أنا فجعل ذلك سنة وعادة بينهما وإنما كان مكرا وخديعة واغترارا له بأن يقدمه فيبدأ بخلع علي ثم يرى رأيه. قال ابن ديزيل في كتاب صفين: أعطاه عمرو صدر المجلس وكان لا يتكلم قبله وأعطاه النقدم في الصلاة وفي الطعام لا يأكل حتى يأكل وإذا

[301]

خاطبه فإنما يخاطبه بأجل الاسماء ويقول له: يا صاحب رسول الله حتى اطمأن إليه وظن أنه لا يغشه فلما انمخضت الزبدة بينهما قال له عمرو: أخبرني ما رأيك يا أبا موسى قال: أرى أن أخلع هذين الرجلين ونجعل الامر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون ! ! فقال عمرو: الرأي والله ما رأيت. فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به شأن هذه الامة فقال عمرو: صدق ثم قال له: تقدم يا أبا موسى فتكلم. فقام [أبو موسى] ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك والله إني لاظنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك ليتكلم به ثم تكلم أنت بعده فإنه رجل غدار ولا آمن أن يكون أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت به في الناس خالفك - وكان أبو موسى رجلا مغفلا - فقال: إيها عنك إنا قد اتفقنا. فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الامة فلم نر شيئا هو أصلح لامر هؤلاء ولا ألم لشعثها من أن لا يبين أمورها (1) وقد اجتمع رأيي ورأي صاحبي على خلع علي ومعاوية وأن يستقبل هذا الامر فيكون شورى بين المسلمين يولون أمورهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أموركم وولوا من رأيتموه لهذا الامر أهلا. [ثم تنحى]. فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت إنما مثلك


(1) كذا في ط الكمباني من الاصل، وفي طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 451: " من أن لا تتباين أمورها ".

[302]

كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث. فقال له عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل ابن لعمرو على شريح فقنعه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهما فكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شئ ندامتي أن لا أكون ضربت عمرا بالسيف بدل السوط لكن أتى الدهر بما أتى به. والتمس أصحاب علي عليه السلام أبا موسى فركب ناقته ولحق بمكة فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى لقد حذرته وهديته إلى الرأي فما عقل وكان أبو موسى يقول: لقد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه [وظننت] أنه لا يؤثر شيئا على نصيحة الامة. قال نصر: ورجع عمرو إلى منزله من دومة الجندل فكتب إلى معاوية: أتتك الخلافة مزفوفة * هنيئا مريئا تقر العيونا تزف إليك زفاف العروس * بأهون من طعنك الدار عينا إلى آخر الابيات. فقام سعيد بن قيس الهمداني وقال: والله لو اجتمعتما على الهدى ما زدتما على ما نحن الآن عليه وما ضلالكما بلازم لنا وما رجعتما إلا بما بدأتما به وإنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس. وقام كردوس بن هانئ مغضبا وأنشد أبياتا في الرضا بخلافة علي عليه السلام وإنكار خلافة معاوية وحكم الحكمين وتكلم جماعة أخرى بمثل ذلك قال نصر: وكان علي عليه السلام لما سمع ما خدع به عمرو أبا موسى غمه ذلك وساءه وخطب الناس وقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل. إلى آخر ما سيأتي برواية السيد [الرضي] رضي الله عنه وقال:

[303]

ألا ان هذين الرجلين الذين اخترتموهما قد نبذا حكم الكتاب وأحييا ما أمات واتبع كل واحد منهما هواه وحكم بغير حجة ولا بينة ولا سنة ماضية واختلفا فيما حكما فكلاهما لم يرشد الله فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للمسير وأصبحوا في معسكركم يوم كذا (1). قال نصر: فكان علي عليه السلام بعد الحكومة إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة وسلم قال: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا موسى وحبيب بن مسلمة وعبد الرحمان بن خالد والضحاك بن قيس والوليد بن عقبة فبلغ ذلك معاوية فكان إذا صلى لعن عليا وحسنا وحسينا وابن عباس وقيس بن سعد بن عبادة والاشتر. وزاد ابن ديزيل في أصحاب معاوية أبا الاعور السلمي. وروى ابن ديزيل أيضا أن أبا موسى كتب من مكة إلى علي عليه السلام أما بعد فإني قد بلغني أنك تلعنني في الصلاة ويؤمن خلفك الجاهلون وإني أقول كما قال موسى عليه السلام " رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ". بيان: قال في القاموس: الدهاء: النكر وجودة الرأي والادب ورجل داه وده وداهية. وقال في النهاية: أسف الطائر إذا دنى من الارض. وأسف الرجل للامر إذا قاربه. وفي الصحاح: تمعر لونه عند الغضب: تغير. وفي القاموس: الوشيظ كأمير: الاتباع والخدم والاجلاف ولفيف من الناس ليس أصلهم واحدا. وهم وشيظة في قومهم: حشوفهم. وقال: غفل عنه غفولا: تركه وسها عنه كأغفله والمغفل كمعظم: من لا فطنته له. وقال: إيها بالفتح وبالنصب أمر بالسكوت. وقال: قنع رأسه بالسوط: غشاه بها.


(1) وهذا هو المختار: (35) من كتاب نهج البلاغة، وله مصادر كثيرة ذكر بعضها في المختار (259) وما قبله من نهج السعادة: ج 2 ص 356 ط 1. والحديث رواه ابن أبي الحديد في أواخر شرحه على المختار: (35) من نهج البلاغة ج 1، ص 454.

[304]

أقول: رجعنا إلى كتاب نصر فوجدنا ما أخرجه ابن أبي الحديد موافقا له في المعنى. 554 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام أجاب به أبا موسى الاشعري عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة وذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الاموي في كتاب المغازي فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم فمالوا مع الدنيا ونطقوا بالهوى وإني نزلت من هذا الامر منزلا معجبا اجتمع به أقوام أعجبتهم أنفسهم فإني أداوي منهم قرحا أخاف أن يعود علقا وليس رجل - فاعلم - أحرص على جماعة أمة محمد صلى الله عليه وآله وألفتها مني أبتغي بذلك حسن الثواب وكرم المآب وسأفي بالذي وأيت على نفسي وإن تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة وإني لاعبد أن يقول قائل بباطل وأن أفسد أمرا قد أصلحه الله فدع ما لا تعرف فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء والسلام. [قوله عليه السلام] " من حظهم " أي من الاخرة. [وقوله عليه السلام]: " منزلا قال ابن أبي الحديد: أي يعجب من رآه أي يجعله متعجبا منه وهذا الكلام شكوى من أصحابه ونصاره من أهل العراق فإنه كان اختلافهم عليه واضطرابهم شديدا جدا. والمنزل والنزول هاهنا مجاز واستعارة والمعنى إني حصلت في هذا الامر الذي حصلت فيه على حال معجبة لمن تأملها. وقال الجوهري: العجيب: الامر يتعجب منه وعجبت من كذا وتعجبت بمعنى وأعجبني هذا الشئ لحسنه وقد أعجب فلان بنفسه فهو معجب بنفسه


554 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار ما قبل الاخير من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[305]

وبرأيه والاسم: العجب بالضم انتهى. فإني أداوي منهم قرحا قال ابن ميثم: استعار لفظ القرح لما فسد من حاله باجتماعهم على التحكيم ولفظ المداواة لاجتهاده في إصلاحهم وروي " أداري " وكذلك استعار لفظ العلق وهو الدم الغليظ لما يخاف من تفاقم أمرهم وقوله: " فاعلم " اعتراض حسن بين " ليس " وخبرها. بالذي وأيت أي وعدت وضمنت من شرط الصلح على ما وقع عليه. عن صالح ما فارقتني عليه أي من وجوب الحكم بكتاب الله وعدم إتباع الهوى والاغترار بمقارنة الاشرار. وقال ابن أبي الحديد: يجوز أن يكون قوله عليه السلام: " وإن تغيرت " من جملة قوله عليه السلام فيما بعد: " فإن الشقي " كما تقول: إن خالفتني فإن الشقي من يخالف الحق لكن تعلقه بالسابق أحسن لانه أدخل في مدح أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه كأنه يقول: أنا أفي وإن كنت لا تقي والضد يظهر حسن الضد " وإني لاعبد " أي إني لآنف من أن يقول غيري قولا باطلا فكيف لا آنف ذلك أنا من نفسي. وقال الجوهري: قال أبو زيد: العبد بالتحريك: الغضب والانف والاسم: العبدة مثل الانفة وقد عبد أي أنف. " فدع مالا تعرف " أي لا تبن أمرك إلا على اليقين. " فإن شرار الناس " أي لا تصغ إلى أقوال الوشاة فإن الكذب يخالط أقوالهم كثيرا فلا تصدق ما عساه يبلغك عني فإنهم سراع إلى أقاويل السوء. 555 - ما: المفيد عن علي بن مالك النحوي عن جعفر بن محمد الحسني عن عيسى بن مهران عن يحيى بن عبد الحميد عن شريك عن عمران بن طفيل عن أبي نجبة قال: سمعت عمار بن ياسر رحمه الله يعاتب أبا موسى الاشعري


555 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (6) من الجزء السابع من أماليه:. ج 1، ص 184، ط بيروت.

[306]

ويوبخه على تأخره عن علي بن أبي طالب عليه السلام وقعوده عن الدخول في بيعته ويقول له: يا با موسى ما الذي أخرك عن أمير المؤمنين عليه السلام فوالله لئن شككت فيه لتخرجن عن الاسلام وأبو موسى يقول له: لا تفعل ودع عتابك لي فإنما أنا أخوك فقال له عمار رحمه الله: ما نالك بأخ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يلعنك ليلة العقبة وقد هممت مع القوم بما هممت فقال له أبو موسى: أفليس قد استغفر لي ؟ قال عمار: قد سمعت اللعن ولم أسمع الاستغفار. 556 - نهج [و] من كلامه عليه السلام لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة: أيها الناس إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وهي لعدوكم أنهك ولقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيا وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون. توضيح: قال الجوهري: نهكت الثوب بالفتح نهكا: لبسته حتى خلق ونهكت من الطعام: بالغت في أكله. ونهكته الحمى إذا اجهدته وأضنته ونقضت لحمه. وفيه لغة أخرى نهكته الحمى تنهكه نهكا ونهكة. قوله عليه السلام: " وتركت " أي لم يستأصلكم بل فيكم بعد بقية وهي لعدوكم أنهك لان القتل في أهل الشام كان أشد استحرارا والوهن [كان] فيهم أظهر. قوله عليه السلام: " وليس لي أن أحملكم " أي لا قدرة لي عليه وإن كان يجب عليكم اطاعتي. 557 - نهج [و] من كتاب له عليه السلام إلى أهل الامصار يقص فيه


556 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (206) من كتاب نهج البلاغة. ورويناه عن مصادر في المختار: (223) من نهج السعادة: ج 2 ص 254 ط 1.

[307]

ما جرى بينه وبين أهل صفين: وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا في الاسلام واحدة لا نستزيدهم في الايمان بالله والتصديق لرسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا الامر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء فقلنا: تعالوا نداوي مالا يدرك اليوم بإطفاء النائرة وتسكين العامة حتى يشتد الامر ويستجمع فتقوى على وضع الحق في مواضعه فقالوا: بل نداويه بالمكابرة فأبوا حتى جنحت الحرب وركدت ووقدت نيرانها وحمشت فلما ضرستنا وإياهم ووضعت مخالبها فينا وفيهم أجابوا عند ذلك إلى الذي دعوناهم إليه فأجبناهم إلى ما دعوا وسارعناهم إلى ما طلبوا حتى استبانت عليهم الحجة وانقطعت منهم المعذرة فمن تم على ذلك منهم فهو الذي أنقذه الله من الهلكة ومن لج وتمادى فهو الراكس الذي ران الله على قلبه وصارت دائرة السوء على رأسه. توضيح: قوله عليه السلام: " والقوم " عطف على الضمير في " التقينا " [قوله عليه السلام:] " والظاهر أن ربنا واحد ". قال ابن أبي الحديد: لم يحكم لاهل صفين بالاسلام بل بظاهره. " ولا نستزيدهم " أي لا نطلب منهم زيادة في الايمان في الظاهر " حتى يشتد الامر " أي يستحكم بأن يتمهد قواعد الخلافة. وقال الجوهري: جنوح الليل: إقباله. وركدت أي دامت وثبتت. ووقدت كوعدت أي اشتعلت. وحمشت أي استقرت وثبتت. وروى " واستحمشت " وهو أصح ذكره ابن أبي الحديد وقال: ومن رواها بالسين المهملة أراد اشتدت وصلبت.


557 - رواه السيد الرضي قدس الله سره في المختار: (56) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة.

[308]

وقال الجوهري: أحمشت القدر: أشبعت وقودها. وقال: الاحمس: الشديد الصلب وقد حمس بالكسر. " فلما ضرستتنا " أي عضتنا بأصراسها ويقال: ضرسهم الدهر أي اشتد عليهم والضرس: العض بالاضراس ولعل التشديد هاهنا للمبالغة ويقال: ضرسته الحرب أي جربته وأحكمته. وأنفذت فلانا من الشر واستنقذنه وتنقذته وانتقذته خلصته. فنقذ كفرح. والركس رد الشئ مقلوبا [و] " ران الله على قلبه " أي طبع وختم. و [قال الطبرسي] في مجمع البيان: الدائرة هي الراجعة بخير أو شر ودائرة السوء: العذاب والهلاك. وقال ابن أبي الحديد: السوء المصدر والسوء الاسم والدوائر أيضا: الدواهي. 558 - نهج [و] من كتاب له عليه السلام إلى معاوية: وإن البغي والزور يوتغان المرء في دينه ودنياه ويبديان خلله عند من يعيبه وقد علمت أنك غير مدرك ما قد قضي فواته وقد رام أقوام أمرا بغير الحق فتأولوا على الله فأكذبهم. فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه. وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله ولسنا إياك أجبنا ولكن أجبنا القرآن إلى حكمه. بيان يوتغان أي يهلكان وفي بعض النسخ: " يذيعان " أي يظهران سره ويفضحانه وقال الجوهري: الخلل: فساد في الامر. قوله عليه السلام: " فتأولوا " قال الراوندي: معناه قد طلب قوم أمر هذه


558 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (47) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[309]

الامة فتأولوا القرآن كقوله تعالى: * (وأولي الامر منكم) * فسموا من نصبوه من الامراء أولى الامر متحكمين على الله فأكذبهم الله بكونهم ظالمين بغاة ولا يكون الوالي من قبل الله كذلك. وقال ابن ميثم بغوا على سلطان الله وهي الخلافة الحقة فجعلوا لخروجهم وبغيهم تأويلا وهو الطلب بدم عثمان ونحوه من الشبه الباطلة فأكذبهم الله بنصره عليهم ورد مقتضى شبههم والاكذاب كما يكون بالقول يكون بالفعل. وقال ابن أبي الحديد: في بعض النسخ: " فتألوا على الله " أي حلفوا أي من أقسم تجبرا واقتدارا لافعلن كذا أكذبه الله ولم يبلغه أمله. وروي " تأولوا على الله " أي حرفوا الكلام عن مواضعه وتعلقوا بشبهة في تأويل القرآن انتصارا لمذاهبهم فأكذبهم الله بأن ظهر للعقلاء فساد تأويلاتهم والاول أصح. قوله عليه السلام: يغتبط فيه. أي يتمنى مثل حاله. من أحمد عاقبة عمله أي وجدها محمودة وقياد الدابة: ما تقاد به. وقال ابن ميثم: كتب عليه السلام هذا الكتاب بعد التحكيم أو عند إجابته للتحكيم. 559 - شا: من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه حين رجع أصحابه عن القتال بصفين لما - اغترهم - معاوية برفع المصاحف فانصرفوا عن الحرب: لقد فعلتم فعلة ضعضعت من الاسلام قواه وأسقطت منته، وأورثت وهنا وذلة، لما كنتم الاعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفثؤكم عنها، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ويتربصوا بكم ريب المنون خديعة ومكيدة فما أنتم


559 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (36) من مختار كلام أمير المؤمنين في كتاب الارشاد ص 143. وذكره الطبري في ج 4 من تاريخه ص 40 عن أبي مخنف والحديث التالي رواه أيضا في ص 42 منه.

[310]

إن جامعتموهم على ما أحبوا وأعطيتموهم الذي سألوا إلا مغرورين وأيم الله ما أظنكم بعدها موافقي رشد ولا مصيبي حزم. بيان: المنة بالضم: القوة. واستحر القتل: اشتد ذكرهما الجوهري وقال: فثأت القدر: سكت غليانها بالماء. وفثأت الرجل عني إذا كسرته بقول أو غيره وسكنت غضبه. وريب المنون: حوادث الدهر. والمنون: الموت أيضا. 560 - شا: ومن كلامه عليه السلام بعد كتب صحيفة الموادعة والتحكيم وقد اختلف عليه أهل العراق على ذلك فقال: والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت وإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلا أن يعصى الله بنقض العهد ويتعدى كتابه بحل العقد فقاتلوا حينئذ من ترك أمر الله. وأما الذي أنكرتم على الاشتر من تركه أمري بخط يده في الكتاب وخلافه ما أنا عليه فليس من أولئك ولا أخافه على ذلك وليت فيكم مثله إثنين بل ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوكم ما يرى إذا لخفت علي مؤنتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم وقد نهيتكم عما أتيتم وعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد بيان: قال الجوهري غزية قبيلة قال دريد بن الصمة وذكر البيت.


560 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (37) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 143. وتقدم أيضا هاهنا آخر الصفحة 505 من طبعة الكمباني، وفي هذه الطبعة ص... برواية نصر في كتاب صفين. ورواه أيضا الطبري في أواخر قصة صفين من تاريخ الامم والملوك: ج 4 ص 42 ط مصر.

[311]

561 - يج شا: قال أمير المؤمنين عليه السلام عندما رفع أهل الشام المصاحف وشك فريق من أصحابه ولجؤا إلى المسالمة ودعوه إليها: ويلكم إن هذه خديعة وما يريد القوم القرآن لانهم ليسوا بأهل قرآن فاتقوا الله وامضوا على بصائركم في قتالهم فإن لم تفعلوا تفرقت بكم السبل وندمتم حيث لا تنفعكم الندامة. وكان الامر كما قال وكفر القوم بعد التحكيم وندموا على ما فرط منهم في الاجابة إليه وتفرق بهم السبل وكان عاقبتهم الدمار. 562 - قب: روي في معنى قوله تعالى: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " أنه كان أبو موسى وعمرو. وروي ابن مردويه بأسانيده عن سويد بن غفلة أنه قال: كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن بني إسرائل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضال من اتبعهما ولا تنفك أموركم تختلف حتى تبعثوا حكمين يضلان ويضل من تبعهما. [قال سويد:] فقلت: أعيذك بالله أن تكون أحدهما. قال: فخلع قميصه


561 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل الثاني من فصول إخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن الغائبات قبل تحققها من كتاب الارشاد، ص 165. 562 - رواه ابن شهر أشوب رفع الله مقامه في عنوان " الحكمين والخوارج " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 363 ط النجف. وقريبا مما رواه عن سويد بن غفلة، رواه أيضا المسعودي في عنوان " الحكمين ". من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 403 ط مصر. ووجدت في بعض مسوداتي أنه رواه أيضا معنعنا اليعقوبي في تاريخه 0 ج 2 ص 166، ط النجف وفي ط بيروت ص 190، قال: قال ابن الكلبي أخبرني عبد الرحمان بن حصين، عن سويد... قال: [إني لاساير] أبا موسى الاشعري... وقد ذكرنا للحديث مصادر أخرى في المختار: (175) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 625 ط 2، وفي ط 1: ج 2 ص 55.

[312]

وقال: برأني الله من ذلك كما برأني من قميصي. ولما جرى ليلة الهرير صاحوا: يا معاوية هلكت العرب. فقال: يا عمرو أنفر أو نستأمن ؟ قال: لنرفع المصاحف على الرماح ونقرأ * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم [ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون...]) * [23 / آل عمران] فإن قبلوا حكم القرآن رفعنا الحرب ورافعنا بهم إلى أجل وإن أبا بعضهم إلا القتال فللنا شوكتهم ويقع بينهم الفرقة وأمر بالنداء [وأن يصرخ فيهم]: فلسنا ولستم من المشركين ولا المجمعين على الردة فإن تقبلوها ففيها البقاء للفرقتين وللبلدة وإن تدفعوها ففيها الفناء وكل بلاء إلى مدة ! !. فقال مسعر بن فدكي وزيد بن حصين الطائي والاشعث بن قيس الكندي: أجب القوم إلى كتاب الله. فقال أمير المؤمنين: ويحكم والله إنهم ما رفعوا المصاحف إلا خديعة ومكيدة حين علوتموهم. وقال خالد بن معمر السدوسي: يا أمير المؤمنين أحب الامور إلينا ما كفينا مؤنته وأنشد رفاعة بن شداد البجلي: وإن حكموا بالعدل كانت سلامة * وإلا أثرناها بيوم قماطر فقصد إليه عشرون ألف رجل يقولون: يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت [إليه] وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بعثمان. قال: فاحفظوا عني مقالتي فإني آمركم بالقتال فإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم. قالوا: فابعث إلى الاشتر ليأتيك. فبعث [إليه] يزيد بن هانئ السبيعي يدعوه فقال الاشتر: إني قد رجوت أن يفتح الله [لي] لا تعجلني وشدد في القتال. فقالوا: حرضته في الحرب فابعث إليه بعزيمتك ليأتيك وإلا والله اعتزلناك ! ! [ف‍] قال [علي عليه السلام]: يا يزيد عد إليه فقل له: عد إلينا فإن الفتنة قد وقعت. [فسار إليه يزيد وأبلغه مقال علي عليه السلام] فأقبل الاشتر [وهو] يقول

[313]

لاهل العراق: يا اهل الذل والوهن احين علوتم القوم وعلموا أنكم لهم قاهرون [ف‍] رفعوا لكم المصاحف خديعة ومكرا. فقالوا: قاتلناهم في الله [ونترك قتالهم الان في الله]. فقال: أمهلوني ساعة [فإني] أحسست بالفتح وأيقنت بالظفر قالوا: لا قال: أمهلوني عدوة فرسي قالوا: إنا لسنا نطيعك ولا لصاحبك ونحن نرى المصاحف على رؤوس الرماح ندعى إليها. فقال: خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم. فقام جماعة من بكر بن وائل فقالوا: يا أمير المؤمنين إن أجبت القوم أجبنا وإن أبيت أبينا. فقال عليه السلام: نحن أحق من أجاب إلى كتاب الله وإن معاوية وعمرا وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين وقرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالا ورجالا. في كلام له. فقال أهل الشام: فإنا قد أخترنا عمرا فقال الاشعث وابن الكواء ومسعر الفدكي وزيد الطائي: نحن اخترنا أبا موسى. فقال أمير المؤمنين: فإنكم قد عصيتموني في أول الامر فلا تعصوني الآن. فقالوا: إنه قد كان يحذرنا مما وقعنا فيه. فقال أمير المؤمنين: إنه ليس بثقة قد فارقني وقد خذل الناس [عني] ثم هرب مني حتى آمنته بعد شهر ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك. قالوا: والله ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس ! ! قال: فالاشتر ! قال الاشعث: وهل سعر الحرب غير الاشتر وهل نحن إلا في حكم الاشتر ! ! ! قال الاعمش: حدثني من رأى عليا عليه السلام يوم صفين يصفق بيديه ويقول: يا عجبا أعصى ويطاع معاوية ؟ ! وقال: قد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا: نعم قال: فاصنعوا ما بدا لكم اللهم إني أبرء إليك من صنيعهم.

[314]

وقال الاحنف: إذا اخترتم أبا موسى فادفئوا ظهره فقال خريم بن فاتك الاسدي: لو كان للقوم رأي يرشدون به * أهل العراق رموكم بابن عباس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أسداس وأخماس فلما اجتمعوا كان كاتب علي عليه السلام عبيدالله بن أبي رافع وكاتب معاوية عمير بن عباد الكلبي فكتب عبيدالله: هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فقال عمرو: اكتبوا اسمه واسم أبيه هو أميركم فأما أميرنا فلا. فقال الاحنف: لا تمح اسم امارة المؤمنين. فقال علي عليه السلام: الله أكبر سنة بسنة ومثل بمثل وإني لكاتب يوم الحديبية. وروى أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وآله أمر أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك فافتحه بما نعرفه واكتب باسمك اللهم فأمر بمحو ذلك وكتب باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو وأهل مكة فقال سهيل: لو أجبتك إلى هذا لاقررت لك بالنبوة فقال: امحها يا علي فجعل يتلكأ ويأبى فمحاها النبي صلى الله عليه وآله وكتب: هذا ما اصطلح محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأهل مكة يقول في كتابه: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * وروى محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفين عن محمد بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد. بيان: " وإلا أثرناها " أي هيجنا الحرب من أثار الغبار. " بيوم قماطر " بضم القاف أي في يوم شديد قال الجوهري: يوم قماطر وقمطرير أي شديد. 563 - كش: روت بعض العامة عن الحسن البصري قال: حدثني

[315]

الاحنف أن عليا عليه السلام كان يأذن لبني هاشم وكان يأذن لي معهم قال: فلما كتب إليه معاوية إن كنت تريد الصلح فامح عنك اسم الخلافة. فاستشار بني هاشم فقال له رجل منهم انزح هذا الاسم الذي نرحه الله. قال: فإن كفار قريش لما كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبينهم ما كان وكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله أهل مكة كرهوا ذلك وقالوا: لو نعلم أنك لرسول الله ما منعناك أن تطوف بالبيت قال: فكيف إذا قالوا: أكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فرضي. [قال الاحنف:] فقلت لذلك الرجل كلمة فيها غلظة وقلت لعلي: أيها الرجل والله مالك ما قال رسول الله إنا ما حابيناك في بيعتنا ولو نعلم أحدا في الارض اليوم أحق بهذا الامر منك لبايعناه ولقاتلناك معه أقسم بالله إن محوت عنك هذا الاسم الذي دعوت الناس إليه وبايعتهم عليه لا نرجع إليه أبدا. بيان: انزح هذا الاسم من باب الافعال أي بعد أو على بناء المجرد من نزح البئر يقال: نزحتني أي أنفدت ما عندي ولعله كان هذا القبيح من القول للتضجر من اضطراب الامر. وقراءته بصيغة الماضي على الاستفهام الانكاري فيكون المرفوع في الاول والمنصوب في الثاني راجعين إلى معاوية بعيدة. ويمكن أن يكون بالباء الموحدة والراء المهملة (1) أي عظمه وأكرمه أو بالياء والجيم أي أظهره فيكون غلظة الاحنف على القائل الثاني.


563 - رواه أبو عمرو الكشي رحمه الله تحت الرقم: (28) في ترجمة الاحنف بن قيس من رجاله ص 85 ط النجف. والظاهر أنه هو ما رواه الطبري بسياق أجود في آخر حرب صفين من تاريخه: ج 5 ص 53 ط بيروت قال: حدثني علي بن مسلم الطوسي قال: حدثنا حبان، قال حدثنا مبارك عن الحسن قال: أخبرني الاحنف... (1) أي " برحه الله " وهكذا أثبت في تاريخ الطبري في حديثه الذي أشرنا إليه.

[316]

564 - ما: المفيد عن محمد بن عمران عن محمد بن [موسى عن محمد بن] أبي السرى عن هشام عن أبي مخنف عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: لما وقع الاتفاق على كتب القصة [القضية " خ ل "] بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين معاوية بن أبي سفيان حضر عمرو بن العاص في رجال من أهل الشام وعبد الله بن عباس في رجال من أهل العراق فقال أمير المؤمنين عليه السلام للكاتب أكتب هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فقال عمرو بن العاص: أكتب اسمه واسم أبيه ولا تسمه بإمرة المؤمنين فإنما هو أمير هؤلاء وليس هو بأميرنا. فقال الاحنف بن قيس: لا تمح هذا الاسم فإني أتخوف إن محوته لا يرجع إليك أبدا. فامتنع أمير المؤمنين عليه السلام [من] محوه فتراجع الخطاب فيه مليا من النهار فقال الاشعث بن قيس: امح هذا الاسم نزحه الله. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله أكبر سنة بسنة ومثل بمثل والله إني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية وقد أملى على: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال له سهيل: امح رسول الله فإنا لا نقر لك بذلك ولا نشهد لك به اكتب اسمك واسم أبيك فامتنعت من محوه فقال النبي صلى الله عليه وآله: امحه يا علي وستدعى في مثلها فتجيب وأنت على مضض. فقال عمرو [بن العاص]: سبحان الله ومثل هذا يشبه بذلك ونحن مؤمنون وأولئك كانوا كفارا ؟ ! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين


564 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (18) من الجزء السابع من أماليه: ج 1، ص 190، ط بيروت. ورواه أيضا الطبري عن أبي مخنف في آخر قضية صفين من تاريخه: ج 5 ص 52 ط بيروت.

[317]

وليا وللمسلمين عدوا وهل تشبه إلا أمك التي دفعت بك فقال عمرو بن العاص: لا جرم لا يجمع بيني وبينك مجلس أبدا فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله إني لارجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك ثم كتب الكتاب وانصرف الناس. 565 فس: في قصحة الحديبية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إنك أبيت أن تمحوا اسمي من النبوة فو الذي بعثني بالحق نبيا لتجيبن أبناءهم إلى مثلها وأنت مضيض مضطهد. فلما كان يوم صفين ورضوا بالحكمين كتب هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان فقال عمرو بن العاص: لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما حاربناك ولكن أكتب: هذا ما اصطلح عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه صدق الله وصدق رسوله أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك. بيان: المضض وجع المصيبة. 566 - ل: فيما أجاب به أمير المؤمنين عليه السلام اليهودي السائل عما فيه من خصال الاوصياء قال عليه السلام: وأما السادسة يا أخا اليهود فتحكيمهم ومحاربة ابن آكلة الاكباد وهو طليق بن طليق معاند لله عزوجل ولرسوله وللمؤمنين منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله إلى أن فتح الله عليه مكة عنوة فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده وأبوه بالامس أول من سلم علي بإمرة المؤمنين وجعل يحثني على النهوض في أخذ حقي من الماضين قبلي يجدد لي بيعته كلما أتاني. وأعجب العجب أنه لما رآى ربي تبارك وتعالى قد رد إلي حقي وأقره في معدنه وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعا وفي أمانة حملناها حاكما كر على


565 - رواه علي بن إبراهيم في تفسيره. 566 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (58) من باب السبعة من كتاب الخصال: ج 1، ص 364 ط 2.

[318]

العاصي بن العاص فاستماله فمال إليه ثم أقبل به بعد إذ أطمعه مصر وحرام عليه أن يأخذ من الفئ دون قسمه درهما وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقه فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأها بالغشم فمن بايعه أرضاه ومن خالفه ناواه. ثم توجه إلي ناكثا علينا مغيرا في البلاد شرقا وغربا ويمينا وشمالا والانباء تأتيني والاخبار ترد علي بذلك. فأتاني أعور ثقيف فأشار علي أن أوليه البلاد التي هو بها لاداريه بما أوليه عنها وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند الله عزوجل في توليته لي مخرجا وأصبت لنفسي في ذلك عذرا فأعملت الرأي في ذلك وشاورت من أثق بنصيحته لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله ولي وللمؤمنين فكان رأيه في ابن آكلة الاكباد كرأيي ينهاني عن توليته ويحذرني أن أدخل في أمر المسلمين يده ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا فوجهت إليه أخا بجيلة مرة وأخا الاشعريين مرة كلاهما ركن إلى الدنيا وتابع هواه فيما أرضاه فلما لم أره يزداد فيما انتهك من محارم الله إلا تماديا شاورت من معي من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله البدريين والذين ارتضى الله عزوجل أمرهم ورضي عنهم بعد بيعتهم وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين فكل يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه مما نالت معه يده. وإني نهضت إليه بأصحابي أنفذ إليه من كل موضع كتبي وأوجه إليه رسلي وأدعوه إلى الرجوع عما هو فيه والدخول فيما فيه الناس معي فكتب [إلي] يتحكم علي ويتمنى علي الاماني ويشترط علي شروطا لا يرضاها الله عزوجل ورسوله ولا المسلمون ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أبرارا فيهم عمار بن ياسر وأين مثل عمار ؟ والله لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وآله ما يعد منا خمسة إلا كان سادسهم ولا أربعة إلا كان خامسهم اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم وانتحل دم عثمان ولعمر والله ما ألب على عثمان ولا جمع الناس على قتلة إلا هو وأشباهه من

[319]

أهل بيته أغصان الشجرة الملعونة في القرآن. فلما لم أجب إلى ما اشترط من ذلك كر مستعليا في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لا عقول لهم ولا بصائر فموه لهم أمرا فاتبعوه وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عزوجل بعد إلا عذار والانذار. فلما لم يزده ذلك إلا تماديا وبغيا لقيناه بعادة الله التي عودنا من النصر على أعدائه وعدونا وراية رسول الله بأيدينا لم يزل الله تبارك وتعالى يفل حزب الشيطان بها حتى يقضي الموت عليه وهو معلم رايات أبيه التي لم أزل أقاتلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله في كل المواطن فلم يجد من الموت منجا إلا الهرب فركب فرسه وقلب رايته ولا يدري كيف يحتال. فاستعان برأي ابن العاص فأشار عليه بإظهار المصاحف ورفعها على الاعلام والدعاء إلى ما فيها وقال ان ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وبقيا وقد دعوك إلى كتاب الله أولا وهم مجيبوك إليه آخرا فأطاعه فيما أشار به عليه إذ رأى أنه لا منجا له من القتل أو الهرب غيره فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه. فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء خيارهم وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم فظنوا أن ابن آكلة الاكباد له الوفاء بما دعا إليه فأصغوا إلى دعوته وأقبلوا بأجمعهم في إجابته فأعلمتهم أن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه وأنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري وأبوإلا إجابته كرهت أم هويت شئت أو أبيت حتى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو إدفعوه إلى ابن هند برمته. فجهدت - علم الله جهدي ولم أدع علة في نفسي إلا بلغتها - في أن يخلوني ورأيي فلم يفعلوا وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ - وأومئ بيده إلى الااشتر - وعصبة من أهل بيتي فو الله ما منعنى أن أمضى على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان

[320]

- وأومئ بيده إلى الحسن والحسين - فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وذريته من أمته ومخافة أن يقتل هذا وهذا وأومئ بيده إلى عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما (1) فإني أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عزوجل. فلما رفعنا عن القوم سيوفنا تحكموا في الامور وتخيروا الاحكام والآراء وتركوا المصاحف وما دعوا إليه من حكم القرآن وما كنت أحكم في دين الله أحدا إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا امتراء. فلما أبوا إلا ذلك أردت أن أحكم رجلا من أهل بيتي أو رجلا ممن أرضى رأيه وعقله وأثق بنصيحته ومودته ودينه وأقبلت لا أسمي أحدا الا امتنع منه ابن هند ولا أدعوه إلى شئ من الحق إلا أدبر عنه، وأقبل ابن عند يسومنا عسفا وما ذاك إلا باتباع أصحابي له على ذلك. فلما أبوإلا غلبتي على التحكيم تبرأت إلى الله عزوجل منهم وفوضت ذلك إليهم فقلدوه إمرءا فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الارض وغربها وأظهر المخدوع عليها ندما. بيان [قوله عليه السلام:] " وفي أمانة حملناها " إشارة إلى أن الامانة في قوله تعالى * (إنا عرضنا الامانة) * هي الخلافة كما مر وسيأتي وكونه حاكما أن


(1) قد ذكرنا في بعض تحقيقاتنا أن إرجاع الاشارة في قوله عليه السلام ثانيا: " هذا وهذا " إلى ابن جعفر وابن الحنفية من سهو الرواة، إذ لو كان لامير المؤمنين عليه السلام ملا الدنيا مثل عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية لكان يفادي بهم في سبيل الله ويحارب بهم أعداء الله ولو يهلكون في تلك الحروب ويقطع شافتهم ! ! ! وأما الحسن والحسين عليهما السلام بما أنهما كانا غصني شجرة النبوة ونسل رسول الله منحصر فيهما وهما أبو الأئمة من ذرية رسول الله فأمير المؤمنين كان مأمورا بحفظهما ووقايتهما عن التلف حتى لا ينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله عن صفحة العالم كي يتم بهم حجة الله على الاولين والآخرين.

[321]

يكون بمشورته وكون الامر شورى كما كان يظهر كثيرا " وخبط البعير الارض بيده خبطا " ضربها ومنه قيل: خبط عشواء وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئا. والغشم: الظلم. ويقال: أبقيت على فلان إذا رعيت عليه ورحمته والاسم منه البقيا قاله الجوهري وقال: الرمة: قطعة من الحبل بالية ومنه قولهم: دفع إليه الشئ برمته وأصله أن رجلا دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه فقيل ذلك لكل من دفع شيئا بجملته. ويقال: سامه خسفا أي أورده عليه والعسف: الاخذ على غير الطريق والظلم. 567 - كتاب سليم بن قيس: قال أمير المؤمنين عليه السلام للحكمين حين بعثهما: احكما بكتاب الله وسنة نبيه وإن كان فيهما حز حلقي فإنه من قادها إلى هؤلاء فإن نيتهم أخبث. فقال له رجل من الانصار وفي رواية أخرى فلقيه صديق له من الانصار فقال: ما هذا الانتشار الذي بلغني عنك ؟ ما كان أحد من الامة أضبط للامر منك فما هذا الاختلاف والانتشار فقال له علي عليه السلام: أنا صاحبك الذي تعرف إلا أني قد بليت بأخابث من خلق الله أريدهم على الامر فيأبون فإن تابعتهم على ما يريدون تفرقوا عني. بيان: الحز بالحاء المهملة القطع والقرض. " فإنه من قادها " أي الخلافة. 568 - نهج [و] من خطبة له عليه السلام: بعد التحكيم: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل، وأشهد أن لا


567 - الحديث موجود في كتاب سليم بن قيس. لكن لم نعثر عليه مع مراجعة فهرس الكتاب. وقريبا منه رواه البلاذري مسندا في الحديث: (403) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 333 ط 1. 568 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (33) من نهج البلاغة. وللخطبة أسانيد ومصادر كثيرة يجد الباحث بعضها في المختار: (259) من نهج السعادة: ج 2 ص 356 ط 1.

[322]

لا إله إلا الله لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله. أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم علي اباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح بنصحه وضن الزند بقدحه فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن. أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد بيان: الخطب الامر العظيم. والفادح: الثقيل. وقال الجوهري: المجرب الذي قد جربته الامور وأحكمته فإن كسرت الراء جعلته فاعلا إلا أن العرب تكلمت به بالفتح. قوله عليه السلام: " ونخلت " أي أخلصت وصفيت من نخلت الدقيق بالمنخل. قوله عليه السلام: " لو كان يطاع... " يطاع هو مثل يضرب لمن خالف ناصحه وأصل المثل أن قصيرا كان مولى لجذيمة بن الابرش بعض ملوك العرب وقد كان جذيمة قتل أبا الزبا ملكة الجزيرة فبعثت إليه ليتزوج بها خدعة وسألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك وخرج في ألف فارس وخلف باقي جنوده مع ابن أخته وقد كان قصير أشار عليه بأن لا يتوجه إليها فلم يقبل فلما قرب الجزيرة استقبلته جنود الزبا بالعدة ولم ير منهم إكراما له فأشار عليه قصير بالرجوع وقال: من شأن النساء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها قتلته فعندها قال قصير: لا يطاع لقصير أمر. فصار مثلا لكل ناصح عصى. وقال ابن ميثم: وقد يتوهم أن جواب لو هاهنا مقدم والحق أن جوابها محذوف والتقدير: إني أمرتكم ونصحت لكم فلو أطعتموني لفعلتم ما أمرتكم به. قوله عليه السلام: " فأبيتم " إلى آخره في تقدير استثناء لنقيض التالي وتقديره: لكنكم أبيتم علي إباه المخالفين انتهى.

[323]

ولعل الانسب على تقدير الجواب أن يقال: لو أطعتموني لما أصابتكم حسرة وندامة أو لكان حسنا ونحوهما ويحتمل أن يكون [لو] للتمني فلا يحتاج إلى تقدير جواب على بعض الاقوال. وقال في القاموس: الانتباذ: التنحي وتحيز كل من الفريقين في الحرب كالمنابذة. قوله عليه السلام: " حتى ارتاب الناصح " لعله محمول على المبالغة أي لو كان ناصح غيري لارتاب. قوله عليه السلام: " وضن الزند بقدحه " الزند: العود الذي يقدح به النار. قيل هو مثل يضرب لمن يبخل بفوائده إذا لم يجد لها قابلا عارفا بحقها. وأخو هوازن هو الدريد بن الصمة والبيت من قصيدة له في الحماسة وقصته أن أخاه عبد الله بن الصمة غزا بني بكر بن هوازن فغنم منهم واستاق إبلهم فلما كان بمنعرج اللوى قال: والله لا أبرح حتى أنحر النقيعة وهي ما ينحر من النهب قبل القسمة فقال أخوه: لا تفعل فإن القوم في طلبك وأبى عليه وأقام ونحر النقيعة وبات فلما أصبح هجم القوم عليه وطعن عبد الله بن الصمة فاستغاث بأخيه دريد فنهنه عنه القوم حتى طعن هو أيضا وصرع وقتل عبد الله وحال الليل بين القوم فنجا دريد بعد طعنات وجراح فأنشد القصيدة ومطابقة المثل للمضرب ظاهرة. 569 - أقول: وجدت في بعض نسخ نهج البلاغة من خطبة له عليه السلام في شأن الحكمين وذم أهل الشام: جفاة طغام عبيد أقزام جمعوا من كل أوب وتلقطوا من كل شوب ممن ينبغي أن يفقه ويؤدب ويعلم ويدرب ويولى عليه ويؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين والانصار ولا من الذين تبؤوا الدار.


569 - الخطبة مذكورة قبل انقضاء باب الخطب من نهج البلاغة بأربعة أرقام وشرحها ابن أبي الحديد وابن ميثم رحمه الله.

[324]

ألا وإن القوم اختاروا لانفسهم أقرب القوم مما يحبون وإنكم احترتم لانفسكم أقرب القوم مما تكرهون وإنما عهدكم بعبدالله بن قيس بالامس يقول إنها فتنة فقطعوا أوتاركم وشيموا سيوفكم. فإن كان صادقا فقد أخطأ بمسيره غير مستكره، وإن كان كاذبا فقد لزمته التهمة فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبدالله بن العباس وخذوا مهل الايام وحوطوا قواصي الاسلام ألا ترون إلى بلادكم تغزى وإلى صفاتكم ترمى. بيان: لم يتعرض له الشراح وفي القاموس: القزم محركة: الدناءة والقمائة أو صغر الجسم في الجمال وصغر الاخلاق في الناس ورذال الناس، للواحد والجمع والذكر والانثى وقد يثنى ويجمع ويذكر ويؤنث يقال: رجل قزم ورجال أقزام وككتاب: اللئام. وككتف وجبل: الصغير الجثة اللئيم لا غناء عنده. وقال: الاوب: الطريق والجهة. والشوب الخلط اي من أخلاط الناس. قوله عليه السلام: " ويولى عليه " أي هم من السفهاء الذين ينبغي أن يتولى أمورهم غيرهم من الاولياء والحكام. وفي القاموس: شام سيفه يشيمه: غمده واستله ضد. وقال: المهل ويحرك والمهلة بالضم: السكينة والرفق ومهله تمهيلا: أجله. والمهل محركة: التقدم في الخير. وأمهله: أنظره ولعل المعنى اغتنموا المهلة واشتغلوا بحفظ البلاد القاصية وثغور المسلمين عن غارات الكافرين والمنافقين. ولعل رمي الصفاة كناية عن طمعهم فيما لم يكونوا يطمعون قبل ذلك فإن الرمي على الصفاة وهي الحجر الاملس لا يؤثر وقد مر قريب منه في كلامه عليه السلام.

[325]

[الباب الثاني والعشرون] باب اخبار النبي صلى الله عليه وآله بقتال الخوارج وكفرهم 570 - ما: المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن أبي الجوزاء عن ابن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن الحسين بن علي: عن أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الله تعالى أمرني أن أتخذك أخا ووصيا فأنت أخي ووصيي وخليفتي على أهلي في حياتي وبعد موتي من اتبعك فقد تبعني ومن تخلف عنك فقد تخلف عني ومن كفر بك فقد كفر بي ومن ظلمك فقد ظلمني يا علي أنت مني وأنا منك يا علي لولا أنت لما قوتل أهل النهر قال: فقلت يا رسول الله ومن أهل النهر ؟ قال: قوم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية. بيان: قال في النهاية في حديث الخوارج: " يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية " أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه كما يمرق السهم الشئ المرمي به ويخرج منه، وقد تكرر في الحديث ومنه حديث علي عليه السلام


570 - رواه شيخ الطائفة في الحديث: (43) من الجزء السابع من كتاب الامالي: ج 1، ص 203 ط بيروت.

[326]

" أمرت بقتال المارقين " يعني الخوارج. وقال في الرمية بعد ذكر الحديث: الرمية الصيد الذي ترميه فتقصده وينفذ فيها سهمك. وقيل هي كل دابة مرمية. 571 - ما: جماعة عن أبي المفضل عن محمد بن جعفر بن ملاس النميري عن محمد بن إسماعيل بن علية. قال: وحدثني أبو عيسى جبير بن محمد الدقاق عن عمار بن خالد الواسطي عن إسحاق بن يوسف الازرق عن الاعمش: عن عبد الله بن ابي اوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخوارج كلاب اهل النار. 572 - يج: روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قسم يوما قسما فقال رجل من تميم: اعدل ! ! فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل قيل نضرب عنقه ؟ قال: لا إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية رئيسهم رجل أدعج أحد ثدييه مثل ثدي المرأة. قال أبو سعيد: إني كنت مع علي حين قتلهم والتمس في القتلى بالنهروان فأتي به على النعت الذي نعته رسول الله صلى الله عليه وآله. 573 - قب: تفسير القشيري وإبانة العكبري عن سفيان عن الاعمش عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل إنه سأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى: * (هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا) * الآية [103 / الكهف: 18] فقال عليه السلام إنهم أهل حرورا ثم قال * (الذين ضل


571 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (36) من الجزء (17) من أماليه: ج 1، ص 500. 572 - رواه القطب الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. 573 - ذكره ابن شهر اشوب رفع ازلله مقامه في أواسط عنوان: " فصل في الحكمين والخورج " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 368 ط النجف.

[327]

سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * في قتال علي بن أبي طالب عليه السلام: * (أولئك الذين كفروا بربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاءهم جهنم بما كفروا) * بولاية علي عليه السلام واتخذوا آيات القرآن * (ورسلي) * يعني محمدا صلى الله عليه وآله * (هزوا) *. استهزؤا بقوله: * (ألا من كنت مولاه فعلي مولاه) * وأنزل في أصحابه: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات [كانت لهم جنات الفردوس نزلا]) * الآيات [103 - 108 / الكهف: 18] فقال ابن عباس نزلت في أصحاب الجمل. تفسير الفلكي أبو أمامة قال: [قال] النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: * (يوم تبيض وجوه تسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم) * الآية هم الخوارج. البخاري ومسلم والطبري والثعلبي في كتبهم أن ذالخو يصرة التميمي قال للنبي: اعدل بالسوية. فقال: ويحك إن أنا لم أعدل قد خنت وخسرت فمن يعدل ؟ فقال عمر: إئذن لي أضرب عنقه. فقال: دعه فإن له أصحابا وذكر وصفه فنزل: " ومنهم من يلمزك في الصدقات ". مسند أبي يعلى الموصلي وإبانة ابن بطة العكبري وعقد ابن عبد ربه الاندلسي وحلية أبي نعيم الاصفهاني وزينة أبي حاتم الرازي وكتاب أبي بكر الشيرازي أنه ذكر [رجل] بين يدي النبي بكثرة العبادة فقال النبي صلى الله عليه وآله لا أعرفه فإذا هو قد طلع فقالوا: هو هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إني أرى بين عيينه سفعة من الشيطان فما رآه قال له: هل حدثتك نفسك إذ طلعت علينا أنه ليس في القوم أحد مثلك قال: نعم ثم دخل المسجد فوقف يصلي. فقال النبي صلى الله عليه وآله: ألا رجل يقتله فحسر أبو بكر عن ذراعيه وصمد نحوه فرآه راكعا [فرجع] فقال: اقتل رجلا يركع ويقول: لا إله إلا الله فقال عليه السلام: اجلس فلست بصاحبه.

[328]

ثم قال: الا رجل يقتله فقام عمر فرآه ساجدا فقال: اقتل رجلا يسجد ويقول: لا إله إلا الله. فقال النبي: اجلس فلست بصاحبه قم يا علي فإنك أنت قاتله [إن أدركته] فمضى وانصرف وقال له: ما رأيته فقال النبي صلى الله عليه وآله: لو قتل لكان أول فتنة وآخرها (1). وفي رواية هذا أول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعدي إثنان. وقال أبي وأنس بن مالك فأنزل الله تعالى * (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي) * [وهو] القتل * (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) * [9 / الحج: 22] بقتاله علي بن أبي طالب عليه السلام. بيان: قال في النهاية: السفعة نوع من السواد مع لون آخر ومنه حديث أبي اليسر: أرى في وجهك سفعة من غضب أي تغيرا إلى السواد. وفي حديث أم سلمة أنه دخل عليها وعندها جارية بها سفعة فقال: إن بها نظرة فاسترقوا لها أي علامة من الشيطان أو ضربة واحدة منه وهي المرة من السفع: الاخذ.


(1) ورواه أحمد بن حنبل في مسند أبي سعيد الخدري من مسنده: ج 3 ص 15. ورواه عنه وعن البزار، وعن أبي يعلى بأسانيدهم ابن كثير في الحديث السادس مما أورده حول الخوارج في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 7 ص 298 ط بيروت دار الفكر. ورواه ابن حجر عن مسند أبي يعلى في عنوان: " ذو الثدية " وترجمتها من كتاب الاصابة: ج 1، ص 484. ورواه العلامة الاميني رحمه الله في عنوان: " تهالك الخليفة على المبدأ " من كتاب الغدير: ج 7 ص 216 ط بيروت نقلا عن حلية الاولياء: ج 2 ص 317، وج 3 ص 227، وعن ثمار القلوب - للثعالبي - ص 232، وعن أحمد في كتاب المسند: ج 3 ص 15، وعن تاريخ ابن كثير: ج 7 ص 298 وعن الاصابة: ج 1 ص 484. ورواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (36) من نهج البلاغة: ج 2 ص 265 ط مصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 459.

[329]

ومنه حديث ابن مسعود قال لرجل رآه: إن بهذا سفعة من الشيطان فقال له الرجل: لم أسمع فما قلت ؟ فقال: أنشدتك الله هل ترى أحدا خيرا منك ؟ قال: لا. قال: فلهذا قلت ما قلت. جعل ما به من العجب مسا من الجنون. 574 - كشف: ذكر الامام أبو داود سليمان بن الاشعث في مسنده المسمى بالسنن يرفعه إلى أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية هم شر الخلق طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شئ من قاتلهم كان أولى بالله منهم. ونقل مسلم بن حجاج في صحيحه ووافقه أبو داود بسندهما عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي عليه السلام قال [فقال] علي: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤن القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشئ ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا يجاوز قراءتهم تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض [أ] فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لارجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام


574 - رواه الاربلي رحمه الله في فضائل علي عليه السلام قبيل قوله: " وأما تفصيل العلوم فمنه ابتداؤها وإليه تنسب " من كتاب كشف الغمة: ج 1 ص 128، ط بيروت. والحديث رواه أبو داود - مع أخبار أخر في ذم الخوارج - في آخر كتاب السنة قبيل كتاب الادب تحت الرقم: (4768) من سننه: ج 2 ص 545 وفي ط دار الفكر: ج 4 ص 244.

[330]

وأغاروا على سرح الناس فسيرو. قال سلمة: فنزلني زيد بن وهب منزلا منزلا حتى قال: مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: القوا الرماح وسلوا السيوف من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم أيام حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وشجرهم الناس بالرماح قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب يومئذ من الناس إلا رجلان. فقال علي عليه السلام: التمسوا فيهم المخدج وهو الناقص فلم يجدوه فقام علي عليه السلام بنفسه حتى أتى ناسا وقد قتل بعضهم على بعض قال: أخرجوهم [فأخرجوهم] فوجدوه مما يلي الارض فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو حتى استخلفه ثلاثا وهو يحلف له. 575 - مد: من الجمع بين الصحيحن من إفراد مسلم مثله. بيان أقول: رواه [أيضا بن الاثير] في جامع الاصول من صحيح مسلم وأبي داود عن زيد بن وهب. لنكلوا عن العمل أي امتنعوا وتركوه اتكالا على هذا العمل وثوابه. فنزلني زيد بن وهب أي ذكر القصة منزلا منزلا وقال الاربلي رحمه الله: يقال: وحش الرجل إذا رمى بثوبه وسلاحه مخافة أن يلحق. وفي النهاية: أتى النبي صلى الله عليه وآله بمخدج أي ناقص الخلق.


575 - أنظر الحديث (862) في الفصل الاخير - وهو فصل [ذكر] شئ من الاحداث [الواقعة] بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - من كتاب العمدة ص 242

[331]

والتشاجر بالرماح: التطاعن بها. 576 - كشف ونقل البخاري ومسلم ومالك في الموطأ أن أبا سعيد الخدري قال: أشهد أني لسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وأشهد أن علي بن أبي طالب عليه السلام قاتلهم وأنا معه وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد وأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وآله الذي نعت. ونقل البخاري والنسائي ومسلم وأبو داود في صحاحهم قال سويد بن غفلة: قال علي عليه السلام: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا فو الله لان اخر من السماء لاحب إلي من أن أكذب عليه. وفي رواية: من أن أقول عليه ما لم يقل وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الاسنان سفهاء الاحلام يقولون من قول خير البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة. أقول: أورد [ابن الاثير] الخبرين في (جامع الاصول) من الاصول المذكورة [ج 10، ص 82، ط دار الفكر. بيروت]. و [رواه] ابن بطريق من صحيح البخاري بسندين. 577 - كشف: ومن مناقب أحمد بن مردويه عن [ابن] أبي اليسر الانصاري


576 - رواه الاربلي رحمه الله في فضائل علي عليه السلام قبيل العنوان المتقدم الذكر آنفا من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 129. 577 - رواه الاربلي رفع الله مقامه في فضائل علي عليه السلام - قبيل عنوان: " وصف زهده " عليه السلام " في الدنيا وسنته في رفضها... " - من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 158، ط بيروت. ولقصة الخوارج مصادر وأسانيد كثيرة يجد الباحث كثيرا منها تحت الرقم: (167)

[332]

أبيه قال: دخلت على أم المؤمنين عائشة قال: فقالت: من قتل الخارجية ؟ قال قلت قتلهم علي قالت ما يمنعني الذي في نفسي على علي أن أقول الحق سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتلهم خير أمتي من بعدي. وسمعته يقول: علي مع الحق والحق مع علي عليه السلام. ومنه عن مسروق قال: دخلت على عائشة فقالت لي: من قتل الخوارج ؟ فقلت: قتلهم علي عليه السلام قال: فسكتت قال: فقلت يا أم المؤمنين أنشدك بالله وبحق نبيه صلى الله عليه وآله إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا أخبرتنيه ؟ قال: فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: هو شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأعظمهم عند الله تعالى يوم القيامة وسيلة. ومنه عن مسروق [قال:] قالت لي عائشة: يا مسروق إنك من أكرم بني علي وأحبهم إلي فهل عندك علم من المخدج ؟ قال: قلت نعم قتله علي على نهر يقال لاسفله تامراء وأعلاه النهروان بين أخاقيق وطرفاء قال: فقالت: فائتني معك بمن يشهد قال فأتيتها بسبعين رجلا من كل سبع عشرة - وكان الناس إذ ذاك أسباعا - فشهدوا عندها أن عليا عليه السلام قتله على نهر يقال لاسفله تامراء وأعلاه النهروان بين أخاقيق وطرفاء قالت: لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي أنه قتله على نيل مصر قال: قلت يا أم المؤمنين أخبريني أي شئ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهم ؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة. ومنه عن مسروق أيضا من حديث آخر حيث شهد عندها الشهود فقالت:


وما بعده من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام - للنسائي - ص 301 ط بيروت، وفي أواخر الباب: (53) تحت الرقم: (213) وما بعده من السمط الاول من فرائد السمطين: ج 1، ص 274 ط بيروت، وتحت الرقم: (261) وما حوله من نهج السعادة: ج 2 ص 366 وما حولها ط 1.

[333]

قاتل الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي أنه أصابه بمصر ! ! ! قال يزيد بن زياد: فحدثني من سمع عائشة وذكر عندها أهل النهر فقالت: ما كنت أحب أن يوليه الله إياه ! قالوا ولم ذلك ؟ قالت: إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اللهم إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي وما كان بيني وبينه إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها. وبالاسناد عنه أنها قالت أكتب لي شهادة من شهد مع علي النهروان فكتبت شهادة سبعين ممن شهدوا ثم أتيتها بالكتاب فقلت: يا أم المؤمنين لم استشهدت ؟ قالت: إن عمرو بن العاص أخبر أنه أصابه على نيل مصر. قال: [فقلت:] يا أم المؤمنين أسألك بحق الله وحق رسوله صلى الله عليه وآله وحقي عليك إلا ما أخبرتيني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ؟ قالت: إن نشدتني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة. وفي [حديث] آخر عنه أنها سألته فأخبرها أن عليا قتلهم فقالت أنظر ما تقول ؟ قلت: والله لهو قتلهم فقالت مثل ما تقدم وزادت فيه وإجابة دعوة. وأورده صديقنا العز المحدث الحنبلي الموصلي أيضا. وقد ورد هذا عن مسروق عن عائشة بعدة طرق اقتصرنا على ما أوردناه. توضيح: قال الاربلي المصنف رحمه الله الاخاقيق شقوق في الارض وفي الحديث وقصت به ناقته في أخاقيق جرذان وقال الاصمعي إنما هو لخاقيق. جمع لخقوق. وقال الازهري: هي صحيحة كما جاءت في الحديث أخاقيق. وذكر نحوه ابن الاثير في النهاية. 578 - مد: بإسناده إلى أحمد بن حنبل من مسنده بإسناده إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن قوما يمرقون

[334]

من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرأون القرآن لا يجوز تراقيهم طوبى لن قتلهم وقتلوه. وبإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنت جالسا عند علي عليه السلام فقال: إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وليس عنده أحد إلا عائشة فقال: يا ابن أبي طالب كيف أنت وقوم كذا وكذا ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: قوم يخرجون من المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فيهم رجل مخدوج اليد كأن يديه ثدي حبشية. وبإسناده عن طارق بن زياد قال: سار علي عليه السلام إلى النهروان فقتل الخوارج فقال: اطلبوا المخدج فإني النبي صلى الله عليه وآله قال سيجئ قوم يتكلمون بكلمة الحكمة لا يجاوز حلوقهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم أو فيهم رجل أسود مخدج اليد في ثديه شعرات سود فإن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس وإن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس. قال: ثم إنا وجدنا المخدج فخررنا سجدا وخر علي عليه السلام ساجدا معنا. وبإسناده عن أبي الوضئ قال: شهدت عليا حين قتل أهل النهروان قال: التمسوا المخدج فطلبوه في القتلى فقالوا: ليس نجده فقال: ارجعوا فالتمسوه فو الله ما كذبت ولا كذبت فردد ذلك مرارا كل ذلك يحلف بالله لا كذبت ولا كذبت فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين فاستخرجوه فجئ به فقال أبوالوضئ فكأني أنظر إليه حبشيا عليه ثديان أحد ثدييه مثل ثدي المرأة عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع.


578 - 579 - رواهما يحيى بن الحسن بن البطريق رفع الله مقامه مسندة في الفصل الاخير من كتاب العمدة ص 231.

[335]

وبإسناد آخر إلى أبي الوضئ قال: كنا غائرين إلى الكوفة مع علي بن أبي طالب عليه السلام فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاث شذ منا ناس كثير فذكرنا ذلك لعلي عليه السلام فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون فذكر الحديث بطوله وقال: فحمد الله علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: إن خليلي أخبرني أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع. فالتمسوه فلم يجدوه فأتيناه فقلنا لم نجده فجاء علي عليه السلام بنفسه فجعل يقول: اقلبوا ذا اقلبوا ذا حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو ذا فقال علي عليه السلام: الله أكبر ولا ينبئكم أخبر من الله قال فجعل الناس يقولون هذا ملك هذا ملك لقول علي عليه السلام. وبسند آخر عنه أنه قال: أما إن خليلي أخبرني أنهم ثلاثة أخوة من الجن هذا أكبرهم والثاني له جمع كثير والثالث فيه ضعف. 579 - مد من صحيح البخاري بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله إعدل ! ! فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه فقال له: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر أحدكم إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على خير فرقة من الاسلام. قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله

[336]

صلى الله عليه وآله وأشهد أن علي بن أبي طالب عليه السلام قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وآله الذي نعنه. وروي أيضا بإسناده عن أبي سلمة مثله. بيان: أورد [ابن الاثير] الخبر في جامع الاصول [ج 10، ص 83] وقال: الرصاف: العقب الذي يكون فوق مدخل النصل في السهم واحدها رصفة. وقال في النهاية في حديث الخوارج: " فينظر في نضيه " النضي: نصل السهم وقيل: هو السهم قبل أن ينحت إذا كان قدحا وهو أولى لانه قد جاء في الحديث ذكر النصل بعد النضي وقيل: هو من السهم ما بين الريش والنصل قالوا: سمى نضيا لكثرة البري والنحت فكأنه جعل نضوا أي هزيلا وقال: القذذ ريش السهم واحدتها قذة. وفي جامع الاصول: الفرث: السرجين وما يكون في الكرش. وفي النهاية في حديث ذي الثدية: " مثل البضعة تدردر " أي ترجرج تجئ وتذهب والاصل تتدردر فحذف إحدى التائين تخفيفا. 580 - مد: من صحيح البخاري بإسناده عن عمرو بن مصعب قال: سألت أبي عن قوله تعالى: * (قل: هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا) * [103 / الكهف: 18] قال هم الحرورية لا هم اليهود ولا هم النصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وآله وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا:


580 - رواه ابن البطريق رحمه الله في الحديث: (850) في الفصل الاخير من كتاب العمدة ص 238. ورواه البخاري في الحديث ما قبل الاخير من تفسير سورة الكهف من كتاب التفسير: ج 6 ص 117، ط دار إحياء التراث العربي. والحديثان التاليان رواهما أيضا البخاري في " باب قتل الخوارج والملحدين... " من كتاب استتابة المرتدين من صحيحه: ج 9 ص 20 - 21.

[337]

لا طعام فيها ولا شراب والحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد يسميهم الفاسقين. ومن الكتاب المذكور في قول الله عزوجل * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) * [15 / التوبة: 9] قال: كان ابن عمر يراهم شرار خلق الله تعالى وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. وبإسناده أيضا عن ابن عمر قال: ذكر الحرورية فقال: قال النبي صلى الله عليه وآله يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية. 581 مد من تفسير الثعلبي بإسناده عن أبي الطفيل: قال: سأل عبد الله بن الكواء عليا عليه السلام عن قول الله عزوجل: " قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا " قال أنتم يا أهل حروراء " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " أي يظنون بفعلهم أنهم مطيعون محسنون " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ". وبإسناده أيضا عن عبد الله بن شداد قال: وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية بالشام عند باب حصن دمشق فقال لهم: كلاب كلاب مرتين أو ثلاثا شر قتلى يظل السماء وخير قتلى قتلاهم ودمعت عين [عينا " خ ل "] أبي أمامة قال فقال رجل: رأيت قولك لهؤلاء القتلى شر قتلى يظل السماء وخير قتلى قتلاهم أشئ من قبل رأي رأيته أو شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله قال [أيكون] من قبل رأي رأيته ! إني إذا لجرئ لو لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وآله إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ما حدثت به فقال الرجل: فإني رأيتك دمعت عيناك قال: هي رحمة رحمتهم كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم. ثم قرء: " فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " إلى قوله: " أكفرتم بعد إيمانكم " [105 - 106 / آل عمران: 3] [ثم] قال أبو أمامة: هم الحرورية.


581 - انظر تفسير الآية: (103) من سورة الكهف من تفسير الثعلبي.

[338]

بيان: " وخير قتلى قتلاهم " أي الذين هم قتلوهم. 582 - مد: ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) * [118 / آل عمران: 3] بإسناده عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هم الخوارج. 583 - مد: من الجمع بين الصحيحين للحميدي بإسناده عن عبد الله بن أبي رافع أن الحرورية لما خرجت على علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي عليه السلام: كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وصف لنا ناسا إني لاعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز تراقيهم وأشار إلى حلقه من أبغض خلق الله [إليه] منهم أسود إحدى يديه لحى شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فو الله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه فقال عبد الله وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي عليه السلام فيهم. ومن الكتاب المذكور من المتفق عليه من البخاري بإسناده عن بشر بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في الحرورية شيئا قال: سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق: يخرج منه قوم يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية. وفي حديث العوام بن حوشب يليه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم. 584 - وقال ابن أبي الحديد: قد تظاهرت الاخبار حتى بلغت حد التواتر بما وعد


582 - وليراجع تفسير الآية: (118) من سورة آل عمران من تفسير الثعلبي. 583) ولهذا الحديث مصادر وقد رواه الخطيب في ترجمة عبيدالله بن أبي رافع تحت الرقم: (5453) من تاريخ بغداد: ج 10، ص 305. 584 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (36) من نهج البلاغة: ج 1 ص 458 ط

[339]

الله تعالى قاتلي الخوارج من الثواب على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وفي الصحاح المتفق عليها أن رسول الله صلى الله عليه وآله بينا هو يقسم قسما إذ جاءه رجل من بني تميم يدعى ذا الخويصرة فقال: اعدل يا محمد فقال صلى الله عليه وآله قد عدلت فقال له ثانية: اعدل يا محمد فإنك لم فقال صلى الله عليه وآله: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله. ائذن - لي - أضرب عنقه فقال: دعه فسيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر أحدكم إلى نصله فلا يجد شيئا فينظر إلى نضيه [فلا يجد شيئا] ثم ينظر إلى القذذ فكذلك سبق الفرث والدم يخرجون على خير فرقة من الناس يحقر صلاتكم في جنب صلاتهم وصومكم عند صومهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم آيتهم رجل أسود أو [قال:] أدعج مخدج اليد إحدى ثدييه كأنها ثدي إمرأة أو بضعة تدردر. وفي بعض الصحاح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لابي بكر وقد غاب الرجل عن عينه: قم إلى هذا فاقتله فقام ثم عاد وقال: وجدته يصلي ! ! ! فقال لعمر مثل ذلك فعاد وقال: وجدته يصلي ! ! فقال لعلي عليه السلام مثل ذلك فقال لم أجده. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو قتل هذا لكان أول فتنة وآخرها أما أنه سيخرج من ضئضئ هذا. الحديث. وفي بعض الصحاح: يقتلهم أولى الفريقين بالحق. وفي مسند أحمد بن حنبل عن مسروق قال: قالت لي عائشة: انك من ولدي ومن أحبهم إلي فهل عندك علم من المخدج ؟ فقلت: نعم قتله علي بن أبي طالب عليه السلام على نهر يقال لاعلاه تامراء ولاسفله النهروان بين لخاقيق وطرفاء قالت: ابغني على ذلك بينة فأقمت رجالا شهدوا عندها بذلك قال فقلت لها: سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله صلى


الحديث ببيروت، وفي ط الحديث بمصر: ج 2 ص 265.

[340]

الله عليه وآله فيهم ؟ قال: نعم سمعته يقول: انهم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة. وفي كتاب صفين للواقدي عن علي عليه السلام: لولا أن تبطروا فتدعوا العمل لحدثتكم بما سبق على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله لمن قتل هؤلاء. وفيه قال علي عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الاسنان سفهاء الاحلام قولهم من خير أقوال البرية صلاتهم أكثر من صلاتكم وقراءتهم أكثر من قراءتكم لا يجاوز إيمانهم تراقيهم أو قال: حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة وفي كتاب صفين أيضا للمدائني عن مسروق أن عائشة قالت له لما عرفت أن عليا قتل ذا الثدية: لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني أنه قتله بالاسكندرية ألا إنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتله خير أمتي من بعدي. 585 - أقول: وروى في جامع الاصول تلك الاخبار والاخبار السابقة بأسانيد. وروى عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي عليه السلام وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وآله بذهيبة في تربتها فقسمها بين أربعة الاقرع بن حابس وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري وزيد بن الخيل الطائي فتغضبت قريش والانصار فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا ! ! ! قال: إنما أتألفهم فأقبل رجل غائر العينين ناتي الجبين كث اللحية مشرف


585 - ذكره ابن الاثير في كتاب الفتن في حرف الفاء في عنوان: " الخوارج " تحت الرقم: (7549) وما بعده من كتاب جامع الاصول: ج 10، ص 76 - 93 ط دار الفكر.

[341]

الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله. قال: فمن يطيع الله إذا عصيته أفيأمنني على أهل الارض ولا تأمنوني ؟ فقال رجل من القوم: أقتله أراه خالد بن الوليد فمنعه فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الاوثان لان أدركتهم لاقتلنهم قتل عاد. وفي رواية أخرى: قيل: ما سيماهم ؟ قال: سيماهم التحليق - أو قال التسبيد - فإذا رأيتموهم فأنيموهم. بيان: قال [ابن الاثير] في [مادة " ضأضأ " من كتاب] النهاية بعد ذكر بعض الخبر: الضئضئ: الاصل يقال: ضئضئ صدق وضؤضؤ صدق. وحكى بعضهم ضئضئ بوزن قنديل يريد أنه يخرج من نسله وعقبه. ورواه بعضهم بالصاد المهملة وهو بمعناه. وقال في الحديث الخوارج: " التسبيد فيهم فاش " هو الحلق واستيصال الشعر. وقيل: هو ترك التدهن وغسل الرأس. وقال: أنيموهم أي اقتلوهم. ويقال: نامت الشاة وغيرها إذا ماتت والنائمة الميتة. أقول: الاخبار في ذلك في كتب الخاصة والعامة كثيرة تركناها مخافة الاكثار والتكرار. 586 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي بإسناده عن أبي عمران الكندي قال: قال ابن الكواء لامير المؤمنين عليه السلام: من الاخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. قال: كفرة أهل الكتاب فإن أوليهم كانوا في حق فابتدعوا في دينهم فأشركوا بربهم وهم يجتهدون في العبادة يحسبون أنهم على شئ فهم الاخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.


586 - وانظر الحديث: (86) من كتاب الغارات: ج 1، ص 180.

[342]

ثم رفع صوته وقال: وما أهل النهروان غدا منهم ببعيد. قال ابن الكواء: لا اتبع سواك ولا أسأل غيرك قال: إذا كان الامر إليك فافعل. الخبر.

[343]

[الباب الثالث والعشرون] باب قتال الخوارج واحتجاجاته صلوات الله عليه 587 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى ابن ديزيل في كتاب صفين عن عبد الرحمان بن زياد عن خالد بن حميد عن عمر مولى غفرة قال: لما رجع علي عليه السلام من صفين إلى الكوفة أقام الخوارج حتى جموا ثم خرجوا إلى صحراء بالكوفة تسمى حروراء فتنادوا: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون ألا إن معاوية وعليا أشركا في حكم الله. فأرسل علي عليه السلام إليهم عبد الله بن العباس فنظر في أمرهم وكلمهم ثم رجع إلى علي عليه السلام فقال له: ما رأيت ؟ فقال ابن عباس: والله ما أدري ما هم ؟ فقال عليه السلام أرأيتهم منافقين ؟ فقال: والله ما سيماهم سيماء منافقين إن بين أعينهم لاثر السجود [وهم] يتأولون القرآن. فقال عليه السلام: دعوهم ما لم يسفكوا دما أو يغصبوا مالا وأرسل إليهم: ما هذا الذي أحدثتم وما تريدون ؟ قالوا: نريد أن نخرج نحن وأنت


578 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (40) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 490 ط الحديث ببيروت، وفي ط الحديث بمصر: ج 2 ص 310. (*)

[344]

ومن كان معنا بصفين ثلاث ليال ونتوب إلى الله من أمر الحكمين ثم نسير إلى معاوية فنقاتله حتى يحكم الله بيننا وبينه فقال علي عليه السلام: فهلا قلتم هذا حين بعثنا الحكمين وأخذنا منهم العهد وأعطيناهموه ألا قلتم هذا حينئذ قالوا: كنا قد طالت الحرب علينا واشتد البأس وكثر الجراح وكل الكراع والسلاح ! ! فقال لهم: أفحين اشتد البأس عليكم عاهدتم فلما وجدتم الجمام قلتم ننقض العهد ؟ ! ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفي للمشركين بالعهد أفتأمرونني بنقضه ؟ فمكثوا مكانهم لا يزال الواحد منهم يرجع إلى علي عليه السلام ولا يزال الآخر منهم يخرج من عند علي عليه السلام فدخل واحد منهم على علي عليه السلام بالمسجد والناس حوله فصاح: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون فتلفت الناس فنادى: لا حكم إلا لله ولو كره المتلفتون ! ! فرفع علي عليه السلام رأسه إليه فقال: لا حكم إلا لله ولو كره أبو حسن فقال عليه السلام: إن أبا حسن لا يكره أن يكون الحكم لله ثم قال: حكم الله انتظر فيكم. فقال له الناس: هلا ملت يا أمير المؤمنين على هؤلاء فأفنيتهم ؟ فقال: إنهم لا يفنون إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة. قال: وروى أنس بن عياض المدني عن جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه عن جده عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يوما يؤم الناس وهو يجهر بالقراءة فجهر ابن الكواء من خلفه: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * فلما جهر ابن الكواء من خلفه بها سكت علي عليه السلام فلما أنهاها ابن الكواء عاد علي عليه السلام فأتم قراءته فلما شرع علي عليه السلام في القراءة أعاد ابن الكواء الجهر بتلك الآية فسكت علي عليه السلام فلم يزالا كذلك يسكت هذا ويقرأ ذاك مرارا حتى قرأ علي عليه السلام * (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) * فسكت ابن الكواء وعاد علي عليه السلام إلى

[345]

قراءته. قال: وذكر الطبري في التاريخ (1) أن عليا عليه السلام لما دخل الكوفة دخلها معه كثير من الخوارج وتخلف منهم بالنخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوها فدخل حرقوص بن زهير السعدي وزرعة بن برج الطائي وهما من رؤوس الخوارج على علي عليه السلام فقال له حرقوص: تب من خطيئتك واخرج بنا إلى معاوية نجاهده. فقال عليه السلام: إني كنت نهيت عن الحكومة فأبيتم ثم الآن تجعلوها ذنبا ؟ أما إنها ليست بمعصية ولكنها عجز من الرأي وضعف في التدبير وقد نهيتكم عنه. فقال له زرعة: أما والله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لاقتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه. فقال له علي عليه السلام: بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح ! ! قال زرعة: وددت أنه كان ذلك. وخرج علي عليه السلام يخطب الناس فصاحوا به من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله. وصاح به رجل: " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ". فقال علي عليه السلام: " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ". وروى ابن ديزيل في كتاب صفين قال كانت الخوارج في أول ما


(1) هذا وما بعده رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (36) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 461 ط الحديث ببيروت. والحديث رواه الطبري في اواخر حوادث سنة: (36) من تاريخه: ج 4 ص 52 ط مصر: ورواه ايضا البلاذري - مع كثير مما تقدم ويأتي - في الحديث: (426) وما حوله من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 355 ط 1. ويجد الباحث شواهد كثيرة للمطالب المتقدمة في المختار: (255) وما حوله من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 340 ط 1.

[346]

انصرفت عن رايات علي عليه السلام تهدد الناس قتلا قال: فأتت طائفة منهم على النهر إلى جنب قرية فخرج منها رجل مذعورا آخذا بثيابه فأدركوه فقالوا له: أرعبناك ؟ قال: أجل فقالوا: قد عرفناك أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قال: نعم قالوا: فما سمعت من أبيك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن فتنة جائية القاعد منها خير من القائم الحديث. وقال غيره: بل حدثهم أن طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقرؤن القرآن صلاتهم أكثر من صلاتكم الحديث. فضربوا رأسه فسال دمه في النهر ما إمذقر أي ما اختلط بالماء كأنه شراك ثم دعوا بجارية له حبلى فبقروا عما في بطنها. وقال: عزم علي عليه السلام الخروج من الكوفة إلى الحرورية وكان في أصحابه منجم فقال له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذ الساعة وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت. فقال له [علي عليه السلام:] أتدري ما في بطن فرسي هذه أذكر هو أم أنثى قال: إن حسبت علمت. فقال عليه السلام: من صدقك بهذا فقد كذب بالقرآن قال الله تعالى: * (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام) * [34 / لقمان] الآية ثم قال عليه السلام: إن محمدا صلى الله عليه وآله ما كان يدعي علم ما ادعيت علمه أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها وتصرف عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله عزوجل في صرف المكروه عنه وينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله لانك بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها وصرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ

[347]

من دون الله ضدا وندا اللهم لا طير إلا طيرك ولا ضير إلا ضيرك ولا إله غيرك. ثم قال:: نخالف ونسير في الساعة التي نهيتنا عنها ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إياكم والتعلم للنجوم إلا ما يهتدى به في ظلمات البر والبحر إنما المنجم كالكاهن والكاهن كالكافر والكافر في النار أما والله إن بلغني أنك تعمل بالنجوم لاخلدنك السجن أبدا ما بقيت ولاحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم فظفر بأهل النهر وظهر عليهم ثم قال: لو لم نسر في الساعة التي نهانا عنها المنجم لقال الناس: سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر وظهر أما إنه ما كان لمحمد صلى الله عليه وآله منجم ولا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه. قال فروى مسلم الضبي عن حبة العرني قال: لما انتهينا إليهم رمونا فقلنا لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين قد رمونا فقال كفوا ثم رمونا فقال لنا كفوا ثم الثالثة فقال: الآن طاب القتال احملوا عليهم. وروى أيضا عن قيس بن سعد بن عبادة أن عليا عليه السلام لما انتهى إليهم قال لهم: أقيدونا بدم عبد الله بن خباب فقالوا: كلنا قتله فقال: احملوا عليهم. وذكر أبو هلال العسكري في كتاب الاوائل أن أول من قال: لا حكم إلا لله عزوجل عروة بن حبير (1) قالها بصفين وقيل: [أول من قالها] يزيد بن عاصم المحاربي قال: وكان أميرهم أول ما اعتزلوا ابن الكوا ثم بايعوا عبد


(1) كذا في أصلي، وفي ط الحديث ببيروت من شرح المختار: (36) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: (عروة بن حذير ".

[348]

الله بن وهب الراسبي. وذكر المدائني في كتاب الخوارج قال: لما خرج علي عليه السلام إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض حتى انتهى إلى علي فقال: البشرى يا أمير المؤمنين قال: ما بشراك ؟ قال: إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك فأبشر فقد منحك الله أكتافهم. فقال: الله أنت رأيتهم قد عبروا ؟ قال: نعم فأحلفه ثلاث مرات في كلها يقول نعم فقال عليه السلام: والله ما عبروا ولن يعبروه وإن مصارعهم لدون النطفة والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لن يبلغوا الا ثلاث ولا قصر بوران حتى يقتلهم الله وقد خاب من افترى. قال: ثم أقبل فارس آخر يركض فقال كقول الاول فلم يكترث عليه السلام بقوله وجاءت الفرسان كلها تركض وتقول مثل ذلك فقام علي عليه السلام فجال في متن فرسه قال: فقال شاب من الناس: والله لاكونن قريبا منه فإن كانوا عبروا النهر لاجعلن سنان هذا الرمح في عينيه أيدعي علم الغيب ؟ ! فلما انتهى علي إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم وعرقبوا خيلهم وجثوا على ركبهم وتحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل. فنزل ذلك الشاب فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت شككت فيك آنفا وإني تائب إلى وإليك الله فاغفر لي فقال عليه السلام إن الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره. وذكر المبرد في الكامل قال: لما واقفهم علي عليه السلام بالنهروان قال: لا تبدؤهم بقتال حتى يبدؤكم فحمل منهم رجل على صف علي عليه السلام فقتل منهم ثلاثة فخرج إليه عليه السلام فضربه فقتله فلما خالطه سيفه قال: يا حبذا الروحة إلى الجنة فقال عبد الله بن وهب: والله ما أدري إلى الجنة أم إلى النار.

[349]

فقال رجل منهم من بني سعد: إنما حضرت اغترارا بهذا الرجل - يعني عبد الله وأراه قد شك واعتزل عن الحرب بجماعة من الناس. وما ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الانصاري وكان على ميمنة علي عليه السلام فقال لاصحابه: احملوا عليهم فو الله لا يقتل منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة. فحمل عليهم فطحنهم طحنا [و] قتل من أصحابه عليه السلام تسعة وأفلت من الخوارج ثمانية. وذكر المبرد وغيره أيضا أن أمير المؤمنين عليه السلام لما وجه إليهم عبد الله بن العباس ليناظرهم قال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين قالوا له: قد كان للمؤمنين أميرا فلما حكم في دين الله خرج من الايمان فليتب بعد إقراره بالكفر نعد إليه. قال ابن عباس: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك أن يقر على نفسه بالكفر. قالوا: إنه أمر بالتحكيم. قال: إن الله أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال " يحكم به ذوا عدل منكم " [95 / المائدة] فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين ؟ فقالوا: إنه قد حكم عليه فلم يرض. قال: إن الحكومة كالامامة ومتى فسق الامام وجبت معصيته وكذلك الحكمان لما خالفا نبذت أقاويلهما. فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجة عليهم فإن هذا من الذين قال الله فيهم: * (بل هم قوم خصمون) * [58 / الزخرف] وقال جل ثناؤه: * (وتنذر به قوما لدا) * [97 / مريم]. وقال المبرد: أول من حكم عروة بن أدية وقيل رجل من بني محارب يقال له سعيد. ولم يختلفوا في اجتماعهم على عبد الله بن وهب الراسبي وأنه امتنع عليهم وأومى إلى غيره فلم يرضوا إلا به فكان إمام القوم وأول سيف سل من سيوف الخوارج سيف عروة بن أدية وذاك إنه أقبل على الاشعث فقال له: ما هذه الدنية يا أشعث وما هذا التحكيم أشرط أوثق من شرط الله عزوجل ؟ ثم شهر عليه السيف والاشعث مول فضرب به عجز بغلته. وعروة [هذا] من الذين نجوا من حرب النهروان فلم يزل باقيا مدة في

[350]

أيام معاوية حتى أتي به زياد ومعه مولى له فسأله عن أبي بكر وعمر فقال خيرا فسأله عن عثمان وأبي تراب فتولى عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر وفعل في أمر علي عليه السلام مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال له: أو لك لزنية وآخرك لدعوة وأنت بعد عاص لربك. فأمر به [زياد] فضرب عنقه ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أموره قال: أطنب أم أختصر ؟ قال: بل اختصر. قال: ما أتيته بطعام بنهار [قط] ولا فرشت له فراشا بليل قط. قال: وسبب تسميتهم الحرورية أن عليا عليه السلام لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس إياهم كان فيما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة ووهن ولو أنهم قصدوا إلى حكم المصاحف لاتوني وسألوني التحكيم أفتعلمون أن أحدا كان أكره للتحكيم مني قالوا صدقت قال: فهل تعلمون أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه فاشترطت أن حكمها نافذ ما حكما بحكم الله فمتى خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني قالوا اللهم نعم. قال: وكان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء قال: وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله بن خباب وإنما ذبحوه في الفرقة الثانية بكسكر فقالوا له: حكمت في دين الله برأينا ونحن مقرون بأنا كنا كفرنا ولكنا الآن تائبون فأقر بمثل ما أقررنا به وتب ننهض معك إلى الشام. فقال: أما تعلمون أن الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل وامرأته فقال سبحانه: * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * [35 / النساء: 4] وفي صيد أصيب كإرنب يساوي نصف درهم فقال: " يحكم به ذوا عدل منكم " فقالوا له: فإن عمرا لما أبى عليك أن تقول في كتابك: " هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين " محوت اسمك من الخلافة وكتبت " علي بن أبي طالب " فقد خلعت نفسك.

[351]

فقال: لي برسول الله صلى الله عليه وآله أسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب " هذا ما كتبه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو " وقال له: لو أقررت بأنك رسول الله صلى الله عليه وآله ما خالفتك ولكني أقدمك لفضلك فاكتب " محمد بن عبد الله " فقال لي: يا علي امح رسول الله صلى الله عليه وآله قلت لا تشجعني نفسي على محو اسمك من النبوة قال: فقفني عليه فمحاه بيده ثم قال: اكتب " محمد بن عبد الله " ثم تبسم إلي وقال يا علي أما إنك ستسام مثلها فتعطى فرجع معه منهم ألفان من حروراء وقد كانوا تجمعوا بها فقال لهم علي: ما نسميكم ثم قال: أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء. وروى أهل السير كافة أن عليا عليه السلام لما طحن القوم طلب ذا الثدية طلبا شديدا وقلب القتلى ظهرا لبطن فلم يقدر عليه فساءه ذلك وجعل يقول والله ما كذبت ولا كذبت اطلبوا الرجل وإنه لفي القوم فلم يزل يتطلبه حتى وجده وهو رجل مخدج اليد كأنها ثدي في صدره. وروى ابن ديزيل عن الاعمش عن زيد بن وهب قال: لما شجرهم علي عليه السلام بالرماح قال: اطلبوا ذا الثدية فطلبو. طلبا شديدا حتى وجدوه في وهدة من الارض تحت ناس من القتلى فأتي به وإذا رجل على يديه مثل سبلات السنور فكبر علي عليه السلام وكبر الناس معه سرورا بذلك. وروى أيضا عن مسلم الضبي عن حبة العرني قال: كان رجلا أسود منتن الريح له يد كثدي المرأة إذا مدت كانت بطول اليد الاخرى وإذا تركت اجتمعت وتقلصت وصارت كثدي المرأة عليها شعرات مثل شوارب الهرة فلما وجدوه قطعوا يده ونصبوها على رمح ثم جعل علي عليه السلام ينادي صدق الله وبلغ رسوله لم يزل يقول ذلك هو وأصحابه بعد العصر إلى أن غربت الشمس أو كادت. وروى أيضا أنه قال: لما عيل صبر علي عليه السلام في طلب المخدج قال: ائتوني ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فركبها واتبعه الناس فرأى

[352]

القتلى وجعل يقول: اقلبوا فيقلبون قتيلا عن قتيل حتى استخرجه فسجد علي عليه السلام. وروى كثير من الناس أنه لما دعى بالبغلة قال: ائتوني بها فإنها هادية فوقفت به على المحدج فأخرجه من تحت قتلى كثيرين. وروى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن رويم قال: قال علي عليه السلام يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثدية فلما طحن القوم ورام استخراج ذي الثدية فأتعبه أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: اطرح على كل قتيل منهم قصبة فلم أزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي والناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه وإذا وجهه أربد وإذا هو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت فإذا خرير ماء عند موضع دالية فقال: فتش هذا ففتشته فإذا قتيل قد صار في الماء وإذا رجله في يدي فجذبتها وقلت هذه رجل إنسان فنزل عن البلغة مسرعا فجذب الرجل الاخرى وجررناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج فكبر علي عليه السلام بأعلى صوته ثم سجد فكبر الناس كلهم. وقد روى كثير من المحدثين أن النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه يوما: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله قال: لا. فقال عمر: أنا يا رسول الله ؟ قال: لا بل هو خاصف النعل وأشار إلى علي عليه السلام. وقد روى المحدثون أن رجلا تلا بحضرة علي عليه السلام * (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * [104 / الكهف: 18] فقال علي عليه السلام: أهل حروراء منهم. قال المبرد: ومن شعر أمير المؤمنين الذي لا اختلاف فيه أنه قاله وكان

[353]

يردده أنهم لما ساموه أن يقر بالكفر ويتوب حتى يسيروا معه إلى الشام فقال: أبعد صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله والتفقه في دين الله أرجع كافرا ثم قال: يا شاهد الله علي فاشهد * أني على دين النبي أحمد من شك في الله فإني مهتدي * يا رب فاجعل في الجنان موردي وروى أيضا في الكامل أن عليا عليه السلام في أول خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي وقد كان وجهه إليهم زياد بن النضر الحارثي مع عبد الله بن عباس فقال لصعصعة بن صوحان: بأي القوم رأيتهم أشد إطافة ؟ فقال بيزيد بن قيس الارحبي. فركب علي عليه السلام إلى حروراء فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلى فيه ركعتين ثم خرج فاتكأ على قوسه وأقبل على الناس فقال: هذا مقام من فلج فيه فلج إلى يوم القيامة ثم كلمهم وناشدهم فقالوا: إنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم وقد تبنا فتب إلى الله كما تبنا نعدلك. فقال علي عليه السلام: أنا أستغفر الله من كل ذنب. فرجعوا وهم ستة آلاف فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا عليه السلام رجع عن التحكيم ورآه ضلالا وقالوا: إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع ويجبي المال ثم ينهض بنا إلى الشام. فأتى الاشعث عليا عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا والاقامة عليها كفرا. فقام علي عليه السلام فخطب فقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب ومن رآها ضلالا فقد ضل. فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت. ثم قال ابن أبي الحديد: كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وكل اضطراب حدث فأصله الاشعث ولو لا محاقة أمير المؤمنين عليه السلام

[354]

في معنى الحكومة في هذه المرة لم يكن حرب النهروان ولكان عليه السلام ينهض بهم إلى معاوية ويملك الشام فإنه صلوات الله عليه حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة وفي المثل النبوي: الحرب خدعة. وذلك أنهم قالوا: تب إلى الله مما فعلت كما تبنا ننهض معك إلى الحرب فقال لهم كلمة مرسلة يقولها الانبياء والمعصومون فرضوا بها وعدوها إجابة لهم إلى سؤالهم وصفت له عليه السلام نياتهم واستخلص بها ضمائرهم من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافا بكفر أو ذنب فلم يتركه الاشعث وجاء إليه مستفسرا فأفسد الامر ونقض ما دبره عليه السلام وعادت الخوارج إلى شبهتها الاولى وهكذا الدول التي تظهر فيها أمارات الزوال يتاح لها أمثال الاشعث من أولى الفساد في الارض سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. ثم قال: قال المبرد ثم مضى القوم إلى النهروان وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا في طريقهم مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم لانه عندهم كافر واستوصوا بالنصراني وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم. قال ولقيهم عبد الله بن خباب في عنقه مصحف على حمار ومعه امرأته وهي حامل فقالوا له: إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك ! ! فقال لهم: ما أحياه القرآن فأحيوه وما أماته فأميتوه. فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعا. وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله فقالوا: هذا فساد في الارض وأنكروا قتل الخنزير ! ! ثم قالوا لابن خباب: حدثنا عن أبيك فقال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمنا ويصبح كافرا فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل.

[355]

قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر فأثنى خيرا قالوا: فما تقول في علي بعد التحكيم وفي عثمان في السنين الست الاخيرة فأثنى خيرا. قالوا: فما تقول في التحكيم والحكومة ؟ قال: إن عليا أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك لست بمتبع الهدى إنما تتبع الرجال على إيمانهم ثم قربوه إلى النهر فأضجعوه وذبحوه. قال: وساوموا رجلا نصرانيا بنخلة له فقال: هي لكم فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بثمن. فقال: واعجباه أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون جنا نخلة. وروى أبو عبيدة قال: طعن واحد من الخوارج يوم النهروان فمشى في الرمح وهو شاهر سيفه إلى أن وصل إلى طاعنه فقتله وهو يقرأ " وعجلت إليك رب لترضى ". قال: استنطقهم علي عليه السلام بقتل ابن خباب فأقروا به فقال: انفردوا كتائب لاسمع قولكم كتيبة كتيبة فتكتبوا كتائب وأقرت كل كتيبة بما أقرت به الاخرى من قتل ابن خباب وقالوا: لنقتلنك كما قتلناه. فقال: والله لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلهم لقتلتهم ثم التفت إلى أصحابه فقال: شدوا عليهم فأنا أول من يشد عليهم وحمل بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرات كل حملة يضرب به حتى يعوج متنه ثم يخرج فيسويه بركبتيه ثم يحمل به حتى أفناهم. وروى محمد بن حبيب قال: خطب علي عليه السلام الخوارج يوم النهر فقال لهم: نحن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وعنصر الرحمة ومعدن العلم والحكمة نحن أفق الحجاز بنا يلحق البطئ والينا يرجع التائب أيها الناس إني نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأهضام هذا الوادي.

[356]

إلى آخر ما أورده السيد [الرضي] رحمه الله [في المختار 36 من كتاب نهج البلاغة الآتي قريبا]. 588 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي عن إبراهيم بن المبارك وإبراهيم بن العباس عن بكر بن عيسى عن اسماعيل بن خالد البجلي عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو: عن زر بن حبيش قال: سمعت عليا يقول: أنا فقأت عين الفتنة ولولا أنا ما قوتل أهل النهروان ولا أصحاب الجمل ولولا أني أخشى أن تتكلوا فتدعوا العمل لاخبرتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم لمن قاتلهم مبصرا بضلالهم عارفا للهدى الذي نحن عليه. وعن عبيد بن سليمان النخعي عن سعيد الاشعري قال: استخلف علي عليه السلام حين سار إلى النهروان رجلا من النخع يقال له هانئ بن هوذة فكتب إلى علي عليه السلام أن غنيا وباهلة فتنوا فدعوا الله عليك أن يظفر بك. قال: فكتب إليه علي عليه السلام: أجلهم عدوك من الكوفة ولا تدع منهم أحدا. وعن علي بن قادم عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي يحيى قال: سمعت عليا يقول: أغدوا خذوا حقكم مع الناس والله يشهد أنكم تبغضوني وأني أبغضكم. 589 - نهج قال عليه السلام وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهر: بؤسا لكم لقد ضركم من غركم. فقيل له: من غرهم يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام: الشيطان المضل والانفس الامارة بالسوء غرتهم بالاماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار.


588 - الاحاديث الثلاثة رواه الثقفي رحمه الله في الحديث: (2 - 4) من كتاب الغارات على ما في تلخيصه. 589 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (323) من الباب الثالث من نهج البلاغة.

[357]

بيان: " وفسحت " أي أوسعت لهم بالرخصة في المعاصي " ووعدتهم الاظهار " أي أن يظهرهم ويغلبهم علينا. 590 - نهج: [و] قال عليه السلام لما سمع قول الخوارج " لا حكم إلا لله ": كلمة حق يراد بها باطل. بيان: قال ابن أبي الحديد: قال الله تعالى * (إن الحكم إلا لله) * أي إذا أراد الله شيئا من أفعاله فلا بد من وقوعه بخلاف غيره من القادرين وتمسكت الخوارج به في إنكارهم عليه عليه السلام في القول بالتحكيم مع عدم رضاه عليه السلام كما ذكر في السير وأراد الخوارج نفي كل ما يسمى حكما وهو باطل لان الله تعالى قد أمضى حكم كثير من المخلوقين في كثير من الشرائع. 591 - نهج [و] سمع عليه السلام رجلا من الحرورية يتهجد ويقرأ فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك. 592 - نهج [و] من خطبة له عليه السلام في تخويف أهل النهروان: فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط على غير بينة من ربكم ولا سلطان مبين معكم قد طوحت بكم الدار و احتبلكم المقدار. وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين حتى صرفت رأيي إلى هواكم وأنتم معاشر أخفاء الهام سفهاء الاحلام ولم آت لا أبا لكم بجرا ولا أردت بكم ضرا. بيان: الاهضام: جمع هضم وهو المطمئن من الوادي. والغائط: ما سفلت من الارض. والسلطان: الحجة ولعل المراد بالبينة الحجة الشرعية وبالسلطان الدليل العقلي. وقال الجوهري: طاح يطوح ويطيح: هلك


590 - رواه السيد الرضي مع زيادات في ذيله في المختار: (40) من كتاب نهج البلاغة. 591 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (97) من باب قصار نهج البلاغة. 592 - رواه السيد قدس الله نفسه في المختار: (36) من نهج البلاغة.

[358]

وسقط وكذلك إذا تاه في الارض وطوحه أي توهه وذهب به هاهنا وها هنا والمراد " بالدار " الدنيا " واحتبلكم " أي أوقفكم في الحبال " والمقدار " قضاء الله وقدره " والهام " جمع الهامة وهي الرأس وخفتها كناية عن قلة العقل أو عن الطيش وعدم الثبات في الرأي. والاحلام جمع حلم بالكسر وهر الاناة والعقل " ولا أبا لك " كلمة تستعمل في المدح كثيرا وفي الذم أيضا، وفي معرض التعجب والظاهر هنا الذم أو التعجب " والبجر ": الامر العظيم والداهية. ويروى " هجرا " وهو الساقط من القول. ويروى " عرا " والعرو المعرة: الاثم. 593 - نهج: ومن كلام له عليه السلام في الخوارج لما سمع قولهم: " لا حكم إلا لله " قال: كلمة حق يراد بها باطل نعم إنه لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الاجل ويجمع به الفئ ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر. وفي رواية أخرى أنه لما سمع تحكيمهم قال: حكم الله انتظر فيكم وقال: أما الامرة البرة فيعمل فيها التقي وأما الامرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته. بيان: قوله عليه السلام: " كلمة حق " الظاهر أن المراد بالكلمة قولهم: " لا حكم إلا لله " والباطل الذي أريد بها المعنى الذي قصدوه لا ما يفهم من كان بعض الشارحين أن دعاء أصحاب معاوية إياكم إلى كتاب الله كلمة حق لكن مقصودهم بها ليس العمل بكتاب الله بل فتوركم عن الحرب وتفرق أهوائكم ومعناها الحق حصر الحكم حقيقة فيه سبحانه إذ حكم غيره تعالى إنما يجب متابعته لانه حكمه تعالى (1).


593 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (40) من كتاب نهج البلاغة. (1) ويمكن أن يكون المعنى [من] الحق الذي لم يريدوه حصر الحق الذي يجب إطاعته من حيث إنه

[359]

قوله عليه السلام: " وإنه لابد للناس " الخ قال بعض الشارحين: الالفاظ كلها ترجع إلى إمرة الفاجر قال: " يعمل فيها المؤمن " أي ليست بمانعة للمؤمن من العمل " ويستمتع فيها الكافر " أي يتمتع بمدته " ويبلغ الله فيها الاجل " لان إمارة الفاجر كإمارة البر في أن المدة المضروبة فيها تنتهي إلى الاجل الموقت للانسان. وقال بعضهم: الضمير في " إمرته " راجع إلى الامير مطلقا فالامرة التي يعمل فيها المؤمن الامرة البرة والتي يستمتع فيها الكافر [الامرة] الفاجرة والمراد بعمل المؤمن في إمرة البر عمله على وفق أوامر الله ونواهيه وباستمتاع الكافر في إمرة الفاجر انهماكه في اللذات الحاضرة " ويبلغ الله فيها الاجل " أي في إمرة الامير سواء كان برا أو فاجرا وفائدتها تذكير العصاة ببلوغ الاجل وتخويفهم به. ويؤيد هذا الوجه الرواية الاخرى. ويمكن أن يكون المعنى أنه لابد في انتظام أمور المعاش أمير بر أو فاجر ليعمل المؤمن بما يستوجب به جنات النعيم ويتمتع فيها الكافر ليكون حجة عليه ولعله أظهر لفظا ومعنى. قوله عليه السلام " حتى يستريح " كلمة حتى إما لبيان الغاية والمعنى تستمر تلك الحال حتى يستريح البر من الامراء وهو الظاهر أو مطلقا ويستريح الناس من الفاجر أو مطلقا بالموت أو العزل وفيهما راحة للبر لان الآخرة خير من الاولى ولا يجري الامور غالبا على مراده ولا يستلذ كالفاجر بالانهماك في الشهوات، وراحة للناس من الفاجر لخلاصهم من جوره وإن انتظم به نظام الكل في المعاش. وإما لترتب الغاية أي حتى يستريح البر من الناس في دولة البر من الامراء ويستريح الناس مطلقا من بغى بعض الفجار ومن الشرور والمكاره في


حكم به ذلك الحاكم فلا ينافي صدق الحكم من غير تجوز على حكم الرسول والامام وقضاة العدل لاطلاق الحكم مطلقا على حكمهم في كثير من الاحاديث والاخبار، وقد شنعوا تجويز الحكم مطلقا ونفي الامرة من لوازمه، فتدبر. منه رحمه الله.

[360]

دولة الامير مطلقا برا كان أو فاجرا ولا ينافي ذلك إصابة المكروه من فاجر أحيانا. قوله عليه السلام " حكم الله انتظر " أي جريان القضاء بقتلهم وحلول وقته. قوله عليه السلام " إلى أن تنقطع مدته " أي مدة دولته أو حياته. 594 - 595 - نهج ومن كلام له عليه السلام كلم به الخوارج: أصابكم حاصب ولا بقي منكم آبرأ بعد إيماني بالله وجهادي مع رسول الله صلى الله عليه وآله أشهد على نفسي بالكفر ؟ لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين فأبوا شر مآب وارجعوا على أثر الاعقاب أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة. قال السيد رضي الله عنه قوله عليه السلام: " ولا بقي منكم آبر " يروى على ثلاثة أوجه أحدها بالراء من قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أي يصلحه. ويروى آثر وهو الذي يأثر الحديث أي يحكيه ويرويه وهو أصح الوجوه عندي كأنه عليه السلام قال: ولا بقي منكم مخبر. ويروى آبز بالزاء المعجمة وهو الواثب. والهالك أيضا يقال له: آبز. وقال عليه السلام لما عزم على حرب الخوارج وقيل له: إنهم [إن القوم " ح "] قد عبروا جسر النهروان: مصارعهم دون النطفة والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة. قال الرضي رحمه الله: يعني بالنطفة ماء النهر وهو أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيرا جما.


594 - 595 - رواه السيد الرضي في المختار: (58) و (59) من نهج البلاغة.

[361]

بيان: روى أنه كلمهم بهذا الكلام لما اعتزلوه وتنادوا من كل ناحية لا حكم إلا لله الحكم لله يا علي لا لك وقالوا: بان لنا خطاؤنا فرجعنا وتبنا فارجع إليه أنت وتب ! ! ! وقال بعضهم: اشهد على نفسك بالكفر ثم تب منه حتى نطيعك " والحاصب " الريح الشديدة التي تثير الحصباء وهي صغار الحصى وإصابة الحاصب كناية عن العذاب. وقيل: أي أصابكم حجارة من السماء " والاوب " بالفتح " والاياب " بالكسر: الرجوع " والاعقاب " مؤخر الاقدام. وأثرها بالتحريك: علامتها. والرجوع على العقب هو القهقرى فهو كالتأكيد للسابق قيل هو أمر لهم بالاياب والرجوع إلى الحق من حيث خرجوا منه قهرا كأن القاهر يضرب في وجوههم يردهم على أعقابهم والرجوع هكذا شر الانواع وقيل هو دعاء عليهم بالذل وانعكاس الحال. أقول: ويحتمل أن يكون الامر على التهديد كقوله تعالى * (قل اعملوا فسيرى الله عملكم) * " والاثرة " بالتحريك الاسم من قولك: فلان يستأثر على أصحابه أي يختار لنفسه أشياء حسنة ويخص نفسه بها. والاستيثار: الانفراد بالشئ. أو من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى أي يفضل الظالمون غيركم عليكم في نصيبكم ويعطونهم دونكم. وقيل: يجوز أن يكون المراد بالاثرة النمام. والنهروان بفتح النون والراء وجوز تثليث الراء ثلاث قرى أعلى وأوسط وأسفل بين واسط وبغداد. والصرع: الطرح على الارض والمصرع يكون مصدرا وموضعا والمراد هنا مواضع هلاكهم. والافلات والتفلت والانفلات: التخلص من الشئ فجأة من غير تمكث. وهذا الخبر من معجزاته [عليه السلام] المتواترة وروي أنه لما قتل الخوارج وجدوا المفلت منهم تسعة تفرقوا في البلاد ووجدوا المقتول من أصحابه عليه السلام ثمانية. ويمكن أن يكون خفي على القوم مكان واحد من المقتولين أو يكون التعبير بعدم هلاك العشرة للمشاكلة والمناسبة بين القرينتين.

[362]

596 - نهج [و] من كلام له عليه السلام لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم فقال عليه السلام: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن واستغنى عن الاستعانة بالله تعالى في نيل المحبوب ودفع المكروه. وينبغي في قولك للعامل بأمرك أو يوليك الحمد دون ربه لانك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وآمن الضر. ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر فإنها تدعو إلى الكهانة المنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار سيروا على اسم الله وعونه. 597 - نهج: ومن كلام له عليه السلام وقد قام إليه رجل من أصحابه فقال: نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أي الامرين أرشد فصفق عليه السلام إحدى يديه على الاخرى ثم قال: هذا جزاء من ترك العقدة أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيرا فإن استقمتم هديتكم وإن اعوججتم قومتكم وإن أبيتم تداركتكم لكانت الوثقى ولكن بمن وإلى من ؟ أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها. اللهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوي وكلت النزعة بأشطان الركي أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه وقرؤا القرآن فأحكموه وهيجوا إلى الجهاد فولهوا اللقاح إلى أولادها (1) وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الارض زحفا


596 - رواه السيد الرضي رضوان الله تعالى عليه في المختار: (77) من كتاب نهج البلاغة. 597 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (119) من كتاب نهج البلاغة. (1) كذا في طبع الكمباني من البحار - غير أن كلمة " إلى " كانت محذوفة منها - وفيما عندي

[363]

زحفا وصفا صفا بعض هلك وبعض نجا لا يبشرون بالاحياء ولا يعزون عن الموتى مره العيون من البكاء خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء صفر الالوان من السهر على وجوههم غبرة الخاشعين أولئك إخواني الذاهبون فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الايدي على فراقهم. إن الشيطان يسني لكم طرقه ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة ويعطيكم بالجماعة الفرقة وبالفرقة الفتنة فاصدفوا عن نزعاته ونفثاته واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم واعقلوها على أنفسكم. إيضاح: قوله عليه السلام: " هذا جزاء من ترك العقدة " أي الرأي والحزم وقيل مراده عليه السلام هذا جزاؤكم حين تركتم الرأي الاصوب فيكون هذا إشارة إلى حيرتهم التي دل عليها قولهم: " فما ندري أي الامرين أرشد " فيكون ترك العقدة منهم لا منه عليه السلام. ويمكن حمله على ظاهره الالصق بقوله عليه السلام بعد ذلك " حملتكم على المكروه " الخ ولا يلزم خطاؤه كما توهمه الخوارج بأن يكون المراد كان هذا جزائي حين تركت العقدة أي هذا مما يترتب على ترك العقدة وإن كان تركها إضطرارا لا اختيارا ولا عن فساد رأي كما يدل عليه صريح قوله عليه السلام بعد ذلك " ولكن بمن وإلى من " فإن ترك الاصلح إذا لم يمكن العمل بالاصلح مما لا فساد فيه، ولا ريب في عدم إمكان حربه عليه السلام بعد رفعهم المصاحف وافتراق أصحابه. قوله عليه السلام " على المكروه " أي الحرب إشارة إلى قوله تعالى: * (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) * والمكروه مكروه لهم لا له عليه السلام. قوله " وإن اعوججتم " لعل المراد بالاعوجاج اليسير من العصيان لا الاباء


من نسخ نهج البلاغة: " فولهوا وله اللقاح إلى أولادها ". وقد أشار المصنف في شرحه الآتي الآن أن في بعض النسخ الذي كان عنده كان كذلك.

[364]

المطلق، وبالتقويم الارشاد والتحريض والتشجيع وبالاباء الاباء المطلق، وبالتدارك الاستنجاد بغيرهم من قبائل العرب وأهل الحجاز وخراسان فإن كلهم كانوا من شيعته عليه السلام كذا ذكره ابن أبي الحديد. قوله عليه السلام " ولكن بمن " أي بمن استعين في هذا الامر الذي لابد له من ناصر ومعين وإلى من أرجع في ذلك ؟. قوله عليه السلام " كناقش الشوكة " هذا مثل للعرب لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها أي إذا استخرجت الشوكة بمثلها فكما أن الاولى انكسرت في رجلك وبقيت في لحمك كذلك تنكسر الثانية " فإن ضلعها " بالتحريك أي ميلها معها أي طباع بعضكم يشبه طباع بعض ويميل إليها كما تميل الشوكة إلى مثلها. وقال [ابن الاثير] في [مادة نقش من] النهاية: نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه وبه سمى المنقاش الذي ينقش به. و " الداء الدوي " الشديد من دوي إذا مرض " والنزعة " جمع نازع وهو الذي يستقي الماء " والشطن " هو الحبل و " الركي " جميع الركية وهي البئر كأنهم عن المصلحة في قعر بئر عميق وكل عليه السلام من جذبهم إليه أو شبه عليه السلام وعظه لهم وقلة تأثيره فيهم بمن يستقي من بئر عميقة لارض وسيعة وعجز عن سقيها. قوله عليه السلام: " فولهوا اللقاح " اللقاح بكسر اللام: الابل الواحدة لقوح وهي الحلوب أي جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها بركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد. وفي بعض النسخ: " فولهوا وله اللقاح إلى أولادها " و الوله إلى الشئ: الاشتياق إليه. " وأخذوا بأطراف الارض " أي أخذوا الارض بأطرافها كما قيل أو أخذوا على الناس بأطراف الارض أي حصروهم يقال لمن استولى على غيره وضيق عليه: قد أخذ بأطراف الارض. وأخذوا أطرافها من قبيل أخذت

[365]

بالخطام. والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون. ويكون مصدرا كالصف ونصبهما على الحالية أي زحفا بعد زحف وصفا بعد صف في الاطراف أو المصدرية أي يزحفون زحفا. قوله: " لا يبشرون " أي لشدة ولههم إلى الجهاد لا يفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به ولا يحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا به أو لما قطعوا العلائق الدنيوية إذا ولد لاحدهم مولود لم يبشر به وإذا مات منهم أحد لم يعزوا عنه والاول أظهر لاسيما على نسخة القيل. وقال في النهاية المره: مرض في العين لترك الكحل. وقال: الخمص: الجوع والمجاعة ورجل خمص إذا كان ضامر البطن. وذبل أي قل ماؤه وذهبت نضارته. وقال الجوهري: يقال: حق لك أن تفعل أي خليق بك. وقال: سناه أي فتحه وسهله. ويقال: صدف عن الامر أي انصرف عنه. ونزغ الشيطان بينهم أي أفسد وأغرى ونفثاته: وساوسه التي ينفث بها. 598 - نهج [و] من كلام له عليه السلام قاله للبرج بن مسهر الطائي وقد قال [له] بحيث يسمعه " لا حكم إلا لله " وكان من الخوارج: اسكت قبحك الله يا أثرم فو الله لقد ظهر الحق فكنت فيه ضئيلا شخصك خفيا صوتك حتى إذا نعر الباطل نجمت نجوم قرن الماعز. بيان: " قبحك الله " بالتخفيف والتشديد أي نحاك عن الخير. وقيل: كسرك يقال: قبحت الجوزة أي كسرتها. والثرم: سقوط الاسنان. والضئيل: الدقيق النحيف الخفي. و " نعر " أي صاح كناية عن ظهور الباطل وقوة أهله. ونجم: طلع أي طلعت بلا شرف ولا شجاعة ولا قدم بل على غفلة. والماعز واحد المعز من الغنم وهو خلاف الضأن. 599 - كتاب الغارات: لابراهيم ابن محمد الثقفي عن إسماعيل بن أبان، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنصور بن عمر، عن زر بن حبيش.


598 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (182) من كتاب نهج البلاغة. 599 - رواه الثقفي رضوان الله عليه في الحديث الاول من كتاب الغارات.

[366]

وعن أحمد بن عمران بن أبي ليلى عن أبيه عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش قال: خطب علي عليه السلام بالنهروان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أما بعد أنا فقأت عين الفتنة لم يكن أحد ليجتزي عليها غيري - وفي حديث ابن أبي ليلى لم يكن ليفقأها أحد غيري - ولو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل وأهل النهروان وأيم الله لولا أن تتكلوا وتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن عليه. ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني سلوني عما شئتم سلوني قبل أن تفقدوني إني ميت أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم ؟ وضرب بيده إلى لحيته. والذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها. فقام إليه رجل فقال: حدثنا يا أمير المؤمنين عن البلاء. قال: إنكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل وإذا سئل مسؤول فليثبت. ألا وإن من ورائكم أمورا أتتكم جللا مزوجا وبلاء مكلحا ملحا والذي فلق الحبة وبرئ النسمة أن لو قد فقدتموني ونزلت [بكم] كراهية الامور وحقايق البلاء لقد أطرق كثير من السائلين (1) وفشل كثير من المسؤولين وذلك إذا قلصت حربكم وشمرت عن ساق، وكانت الدنيا بلاء عليكم وعلى أهل بيتي حتى يفتح الله لبقية الابرار (2).


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من المختار: (90) من نهج البلاغة، وفيه: " ولو فقدتموني ونزلت بكم كرائه الامور، وحوازب الخطوب لاطرق كثير من السائلين... ". (2) وفي المختار المشار إليه من نهج البلاغة: " وشمرت عن ساق، وضاقت الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه أيام البلاء عليكم حتى يفتح الله لبقية الابرار منكم ".

[367]

فانصروا أقواما كانوا أصحاب رايات يوم بدر ويوم حنين تنصروا وتوجروا ولا تسبقوهم فتصرعكم البلية (1) فقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن الفتن. قال: إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت استقرت يشبهن مقبلات ويعرفن مدبرات إن الفتن تحوم كالرياح يصبن بلدا ويخطئن أخرى. ألا إن خوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية إنها فتنة عمياء مظلمة مطينة عمت فتنتها وخصت بليتها وأصاب البلاء من أبصر فيها وأخطأ البلاء من عمي عنها يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملا الارض عدوانا وظلما وبدعا. ألا وإن أول من يضع جبروتها ويكسر عمدها وينزع أوتادها الله رب العالمين. وأيم الله لتجدن بني أمية أرباب سوء لكم بعدي كالناب الضروس تعض بفيها وتخبط بيديها وتضرب برجليها وتمنع درها لا يزالون بكم حتى لا يتركوا في مصركم إلا تابعا لهم أو غير ضار ولا يزال بلاؤهم بكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه إذا رآه أطاعه وإذا توارى عنه شتمه. وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم. ألا إن من بعدي جماع شتى ألا إن قبلتكم واحدة وحجكم واحد وعمرتكم واحدة والقلوب مختلفة. ثم أدخل [عليه السلام] أصابعه بعضها في بعض. فقام رجل فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: هذا هكذا يقتل هذا هذا ويقتل هذا هذا قطعا جاهلية ليس فيها هدى ولا علم يرى نحن أهل


(1) كذا في اصلي، وفيه حذف وتقديم والسياق يستدعي أن يكون محل هذا الكلام بعد قوله عليه السلام الاتي قريبا: " الله رب العالمين " كما هو كذلك في شرح المختار) (90) من نهج البلاغة من شرح ابن ابي الحديد وهذا لفظه: " ألا وإنكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤجروا "...

[368]

البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة. فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزمان ؟ قال: انظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استصرخوكم فانصروهم توجروا ولا تسبقوهم فتصرعكم البلية. فقام رجل آخر فقال: ثم ما يكون بعد هذا يا أمير المؤمنين قال: ثم إن الله يفرج الفتن برجل منا أهل البيت كتفريج الاديم - بأبي ابن خيرة الاماء - يسومهم خسفا ويسقيهم بكأس مصبرة فلا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر ودت قريش عند ذلك بالدنيا وما فيها لو يروني مقاما واحدا قدر حلب شاة أو جزر جزور لاقبل منهم بعض الذي يرد عليهم حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا فيغريه الله ببني أمية فيجعلهم ملعونين أينما ثقفوا [أخذوا] وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. بيان: الجلل محركة: الامر العظيم " مزوجا " أي مقرونا بمثله. والكلوح: العبوس يقال: كلح وأكلح. و " قلصت " بالتشديد أي انضمت واجتمعت وبالتخفيف أي كثرت وتزايدت من قلصت البئر إذا ارتفع ماؤها " وشمرت عن ساق " أي كشفت عن شدة. وحام الطائر وغيره حول الشئ: دار " مطينة " أي مخفية " والناب " الناقة المسنة " والضروس " السيئة الخلق تعض حالبها. وجماع الناس كرمان: أخلاطهم من قبائل شتى. وكلما تجمع وانضم بعضه إلى بعض " ولبد " كنصر وفرح: أقام ولزق " كتفريج الاديم " أي الجلد عن اللحم. و " ابن خيرة الاءماء " القائم عليه السلام " يسومهم خسفا " أي يوليهم ذلا و " كأس مصبرة " ممزوجة بالصبر وفي النهاية: فيه " بين يدي الساعة هرج " أي قتال واختلاط واصل الهرج: الكثيرة في الشئ والاتساع. أقول: وقد مضى بعض هذه الخطبة مشروحا. 600 - نهج: من كلام له عليه السلام قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة فقال عليه السلام: أكلكم شهد معنا صفين

[369]

قالوا: منا من شهد ومنا من لم يشهد. قال عليه السلام: فامتازوا فرقتين فليكن من شهد صفين فرقة ومن لم يشهدها فرقة حتى أكلم كلا بكلامه ونادى الناس فقال: امسكوا عن الكلام وانصتوا لقولي وأقبلوا بأفئدتكم إلي فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها ثم كلمهم عليه السلام بكلام طويل منه. ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكرا وخديعة: إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه فالرأى القبول منهم والتنفيس عنهم ! فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان وأوله رحمة وآخره ندامة فأقيموا على شأنكم والزموا طريقتكم وعضوا على الجهاد بنواجذكم ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق إن أجيب أضل وإن ترك ذل، وقد كانت هذه الفعلة وقد رأيتكم أعطيتموها والله لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها ولا حملني الله ذنبها ووالله إن جئتها إني للمحق الذي يتبع وإن الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته. فلقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وإن القتل ليدور بين الآباء والابناء والاخوان والقرابات فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا ومضيا على الحق وتسليما للامر وصبرا على مضض الجراح ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل فإذا طمعنا في خصلة يلم الله بها شعثنا ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها. 601 - ج " ألم تقولوا " إلى آخر الكلام. توضيح: قوله عليه السلام " بكلامه " أي بالكلام الذي يليق به. وقال في النهاية فيه: " نشدتك الله والرحم " أي سألتك بالله وبالرحم. وقال الجوهري: الغيلة بالكسر: الخديعة. ونفس تنفيسا: فرج تفريجا [قوله عليه


600 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (120) من كتاب نهج البلاغة. 601 - رواه الطبرسي رحمه الله في عنوان: " احتجاجه عليه السلام على الخوارج... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 185، ط بيروت.

[370]

السلام:] " أوله رحمة " لانه كان وسيلة إلى حقن الدماء. و " الفعلة " بالفتح المرة من الفعل والمراد بها الرضا بالحكومة " وفريضتها " ما وجب بسببها وترتب عليها " وإن الكتاب لمعي " أي لفظا ومعنى. والمضض: وجع المصيبة قوله عليه السلام: " إلى البقية " أي إلى بقاء ما بقي فيما بيننا من الاسلام كما ذكره ابن ميثم. والاطهر عندي أنه من الابقاء بمعنى الرحم ولاشفاق والاصلاح كما في الصحيفة لا تبقى على من تضرع إليها. وقال في القاموس: أبقيت ما بيننا: لم أبالغ في فساده والاسم البقية " وأولو بقية ينهون عن الفساد " أي ابقاء. وقال ابن أبي الحديد: هذا الكلام ليس يتلو بعضه بعضا ولكنه ثلاثة فصول لا يلتصق أحدها بالاخر آخر الفصل الاول قوله عليه السلام: " وإن ترك ذل ". وآخر الفصل الثاني قوله: " على مضض الجراح ". والفصل الثالث ينتهي آخر الكلام (1). 602 - نهج ومن كلام له عليه السلام في التحكيم إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال، ولما دعانا القوم إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالى وقد قال الله سبحانه: " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " [59 / النساء: 4] فرده إلى الله أن نحكم بكتابه ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به وإن حكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فنحن [أحق الناس و] أولاهم به.


(1) هذا مختار كلام ابن أبي الحديد في شرح المختار: (121) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 790 من ط الحديث ببيروت. 602 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (122) من كتاب نهج لبلاغة وما وضعناه بين المعقوفات مأخوذ منه.

[371]

وأما قولكم: " لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم " فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الامة ولا يؤخذ بأكظامها فتعجل عن تبين الحق وتنقاد لاول الغي. إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه - وإن نقصه وكرثه - من الباطل وإن جر إليه فائدة وزاده. فأين يتاه بكم ومن أين أتيتم استعدوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه وموزعين بالجور لا يعدلون عنه جفاة عن الكتاب نكب عن الطريق. ما أنتم بوثيقة يعلق بها ولا زوافر [عز] يعتصم إليها لبئس حشاش نار الحرب أنتم أف لكم لقد لقيت منكم برحا يوما أناديكم ويوما أناجيكم فلا أحرار صدق عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاء. 603 - ج قال عليه السلام: " إنا لم نحكم الرجال " إلى قوله " وتنقاد لاول الغي ". توضيح: قوله عليه السلام: " إنا لم نحكم " حاصل الجواب أنا لم نرض بتحكيم الرجلين مطلقا بل على تقدير حكمهما بالصدق في الكتاب والسنة لان القوم دعونا إلى تحكيم القرآن لا تحكيم الرجلين وإنما رضينا بتحكيم الرجلين لحاجة القرآن إلى الترجمان فالحاكم حقيقة هو القرآن لا الرجلان فإذا خالف الرجلان حكم الكتاب والسنة لم يجب علينا قبول قولهما. مع أن رضاه عليه السلام كان اضطرارا كما عرفت مرارا. قوله عليه السلام " فإذا حكم بالصدق " أي إذا حكم بالصدق في الكتاب والسنة فيجب أن يحكم بخلافتنا لانا أحق الناس بالكتاب والسنة وإذا حكم بالصدق فيهما فنحن أولى الناس باتباع حكمهما فعدم اتباعنا لعدم


603 - رواه الطبرسي رضوان الله عليه في عنوان: " احتجاجه عليه السلام على الخوارج... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 186، ط بيروت.

[372]

حكمهم بالصدق وإلا لاتبعناه وإذا حكم بالصدق فيهما فنحن أحق الناس بهذا الحكم فيجب عليهم اتباع قولنا لا علينا إتباع قولهم. والضمير في قوله: " أحق الناس به " عائد إلى الكتاب أو إلى الله أو إلى الحكم وفي [قوله:] " أولاهم به " إلى الرسول أو إلى الحكم. قوله عليه السلام: " ليتبين الجاهل " أي ليظهر للجاهل وجه الحق والتبين يكون لازما ومتعديا ويتثبت العالم بدفع الشبهة ويطمئن قلبه. قوله عليه السلام: " ولا يؤخذ بأكظامها " معطوف على " يتبين ". وقال [ابن الاثير] في [" كظم " من كتاب] النهاية [و] في حديث علي " بأكظامها " هي جمع كظم بالتحريك وهو مخرج النفس من الحلق. " وأول الغي " هو أول شبهة عرضت لهم من رفع المصاحف. وكرنه الغم وأكرثه أي اشتد عليه وبلغ منه المشقة. وتاه يتيه تيها: تحير وضل أو تكبر " ومن أين أتيتم " أي هلكتم أو دخل عليكم الشيطان والشبهة والحيلة. وقال الجوهري: أوزعته بالشئ أغريته به " لا يعدلون به " أي ليس للجور عندهم عديل ويروي: " لا يعدلون عنه " أي لا يتركونه إلى غيره. والجفاء: البعد عن الشئ. ونكب عن الطريق ينكب نكبا: عدل. " ما أنتم بوثيقة " أي بعروة وثيقة أو بذي وثيقة والوثيقة: الثقة وعلق بالشئ كفرح وتعلق به أي نشب واستمسك. وزافرة الرجل: أنصاره وخاصته. والحشاش بضم الحاء وتشديد الشين جمع حاش وهو الموقد للنار وكذلك الحشاش بالكسر والتخفيف وقيل: هو ما يحش به النار أي يوقد. والبرح: الشدة وفي بعض النسخ بالتاء وهو الحزن " يوما أناديكم " أي جهرا " ويوما أناجيكم " أي سرا " فلا أحرار " أي لا تنصرون ولا تحمون " ولا إخوان ثقة " أي لا تكتمون السر ولا تعملون بلوازم الاخاء. 604 - نهج [و] من كلام له عليه السلام للخوارج:


604 - رواه السيد رضي الله عنه في المختار: (127) من كتاب نهج البلاغة.

[373]

فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله بضلالي وتأخذونهم بخطأي وتكفرونهم بذنوبي ؟ سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البراءة والسقم وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني ثم صلى عليه ثم ورثه أهله وقتل القاتل وورث ميراثه أهله وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله. ثم أنتم شرار الناس ومن رمى به الشيطان مراميه وضرب به تيهه. وسيهلك في صنفان محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق وخير الناس في حالا النمط الاوسط فالزموه والزموا السواد الاعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذة من الغنم للذئب. ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن وإحياؤه الاجتماع عليه وإماتته الافتراق عنه، فإن جرنا القرآن إليهم اتبعناهم وإن جرهم إلينا القرآن إتبعونا فلم آت لا أبا لكم بجرا ولاختلتكم عن أمركم ولا لبسته عليكم وإنما اجتمع رأي ملائكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما أن لا يتعديا القرآن فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما فمضيا عليه وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكومة بالعدل والصمد للحق سوء رأيهما وجور حكمهما. إيضاح: قوله عليه السلام " وضللت " بكسر اللام وفتحها. أقول: لما قالت الخوارج لعنهم الله: إن الدار دار كفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها قتلوا الناس حتى الاطفال وقتلوا البهائم وذهبوا إلى تكفير أهل الكبائر مطلقا ولذا أكفروا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومن تبعه على تصويب التحكيم فلذا احتج عليه السلام عليهم بأنه لو كان صاحب الكبيرة كافرا لما صلى عليه

[374]

رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ورثه من المسلم ولا مكنه من نكاح المسلمات ولا قسم عليهم من الفئ ولاخرجه من [إطلاق] لفظ الاسلام [عليه]. وقوله عليه السلام " وورث ميراثه " يدل ظاهرا على عدم ارث المسلم من الكافر ولعله إلزام عليهم. قوله عليه السلام: " ونكحا " أي السارق والزاني المسلمات ولم يمنعهما رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك. قوله عليه السلام: " من بين أهله " أي أهل الاسلام. " ومرامي الشطان " طرق الضلال التي يسوق الانسان إليها بوساوسه. " وضرب به تيهه " أي وجهه إليه من ضربت في الارض إذا سافرت والباء للتعدية والتيه بالكسر والفتح: الحيرة. وبالكسر: المفازة يتاه فيها. وتقييد البغض بالافراط لعله لتخصيص اكمل الافراد بالذكر أو لان المبغض مطلقا مجاوز عن الحد أو لان الكلام إخبار [عما] سيوجد منهم مع أن فيه رعاية الازدواج والتناسب بين الفقرتين. وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " خير هذه الامة النمط الاوسط " النمط: الطريقة من الطرائق والضرب من الضروب يقال ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب. والنمط الجماعة من الناس أمرهم واحد. وقال فيه: " عليكم بالسواد الاعظم " أي جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك المنهج المستقيم. وقال: إن يد الله على الجماعة أي ان الجماعة من أهل الاسلام في كنف الله ويد الله كناية عن الحفظ والدفاع عنهم. قوله عليه السلام: " إلى هذا الشعار " قال ابن ميثم أي مفارقة الجماعة والاستبداد بالرأي. وقوله عليه السلام: " ولو كان تحت عمامتي " كناية عن أقصى القرب من عنايته أي ولو كان ذلك الداعي في هذا الحد من عنايتي به.

[375]

وقال ابن أبي الحديد: كان شعارهم أن يحلقوا وسط رؤسهم ويبقوا الشعر مستديرا حوله كالاكليل وقال " ولو كان تحت عمامتي " أي ولو اعتصم واحتمى بأعظم الاشياء حرمة فلا تكفوا عن قتله. أقول ويحتمل أن يكون شعارهم قولهم: " لا حكم إلا لله " وأن يكون كنى بقوله " تحت عمامتي " عن نفسه. قوله عليه السلام. " وإحياؤه الاجتماع عليه " أي ما يحييه القرآن هو الاجتماع عليه وما يميته هو الافتراق عنه أو أن الاجتماع على القرآن إحياؤه إذ به يحصل الاثر والفائدة المطلوبة منه والافتراق عنه إماتة له. والبجر بالضم والفتح: الداهية والامر العظيم. والختل: الخداع. قوله عليه السلام " وإنما اجتمع " يظهر منه جوابان عن شبهتهم أحدهما أني ما اخترت التحكيم بل اجتمع رأي ملائكم عليه وقد ظهر أنه عليه السلام كان مجبورا في التحكيم. وثانيهما أنا اشترطنا عليهما في كتاب التحكيم أن لا يتجاوزا حكم القرآن فلما تعديا لم يجب علينا إتباع حكمهما. والملا: أشراف الناس ورؤسائهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم ذكره في النهاية. الصمد: القصد. و " سوء رأيهما " مفعول سبق أو الاستثناء أيضا على التنازع أي ذكرنا أولا أنا إنما نتبع حكمهما إذا لم يختارا سوء الرأي والجور في الحكم. 605 - نهج: ومن كلام له عليه السلام في معنى الحكمين: فأجمع رأي ملائكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن ولا


605 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (175) من كتاب نهج البلاغة. وجملة منه رواه الهروي في مادة: " جعجع " من كتاب غريب الحديث ورواها عنه ابن الاثير في نفس المادة من كتاب النهاية.

[376]

يجاوزاه ويكون ألسنتهما معه وقلوبهما تبعه فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما والاعوجاج رأيهما وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أيدينا لانفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم. إيضاح: قال في النهاية في حديث علي عليه السلام " فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن " أي يقيما عنده يقال: جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع وهي الارض والجعجاع أيضا الموضع الضيق الخشن. وقال في القاموس: التبع - محركة -: التابع يكون واحدا وجمعا ويجمع على أتباع. قوله عليه السلام " والثقة في أيدينا " أي إنا على برهان وثقة في أمورنا قوله عليه السلام " بما لا يعرف " أي لا يصدق به. 606 - نهج من وصيته عليه السلام لعبدالله بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون ولكن حاجهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. بيان: [قوله عليه السلام] " ولكن حاجهم بالسنة " قال ابن أبي الحديد كقول النبي صلى الله عليه وآله: " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " وغير ذلك من النصوص. وقال الجوهري: يقال: ما عنه محيص أي محيد ومهرب. 607 - نهج: ومن كلام له عليه السلام وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم قوم من جند الكوقة هموا باللحاق بالخوارج وكانوا على خوف منه


606 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار ما قبل الاخير من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة. 607 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (179) من كتاب نهج البلاغة. وقريبا منه رويناه مسندا في المختار: (297) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 482 ط 1.

[377]

عليه السلام فلما عاد إليه الرجل قال له: أمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا ؟ فقال الرجل: بل ظعنوا يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام: بعدا لهم كما بعدت ثمود أما لو أشرعت الاسنة إليهم وصبت السيوف على هاماتهم لقد ندموا على ما كان منهم إن الشيطان اليوم قد استفلهم وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم فحسبهم بخروجهم من الهدى وارتكاسهم في الضلال والعمى وصدهم عن الحق وجماحهم في التيه. بيان: قطن بالمكان: أقام. وقوله: " بعدا " منصوب على المصدر وهو ضد القرب والهلاك قوله عليه السلام: " قد استفلهم " في بعض النسخ بالقاف أي حملهم أو اتخذهم قليلا وسهل عليه أمرهم. وفي أكثر النسخ بالفاء أي وجدهم فلا لا خير فيهم أو مفلولين منهزمين وفي بعضها " استفزهم " أي استخفهم وفي بعضها " استقبلهم " أي قبلهم. والمراد بالغد اليوم الذي تصب السيوف على هاماتهم أو يوم القيامة. وقال الجوهري: الركس: رد الشئ مقلوبا. وارتكس فلان في أمر كان قد نجا منه وجمح الفرس كمنع: اعتر فارسه وغلبه. والتيه: المفازة والضلال. 608 - ج: روي أن أمير المؤمنين عليه السلام أرسل عبد الله بن عباس إلى الخوارج وكان بمرأى منهم ومسمع [ليسألهم ماذا الذي نقموا عليه ؟ فقال لهم ابن عباس: ماذا نقمتم على أمير المؤمنين ؟] قالوا له في الجواب: نقمنا يا ابن العباس على صاحبك خصالا كلها مكفرة موبقة تدعو إلى النار. أما أولها فإنه محى اسمه من امرة المؤمنين ثم كتب بينه وبين معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون فلسنا نرضى أن يكون أميرنا. وأما الثانية فإنه شك في نفسه حين قال للحكمين: أنظرا فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه، وإن كنت أولى بها فأثبتاني " فإذا هو شك في نفسه فلم يدر


608 - رواه الطبرسي رحمه الله في عنوان: " احتجاجه عليه السلام على الخوارج... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 187، ط بيروت.

[378]

أهو المحق أم معاوية فنحن فيه أشد شكا. والثالثة أنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس. والرابعة أنه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه. والخامسة أنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة ومنعنا النساء والذرية. والسادسة أنه كان وصيا فضيع الوصية. قال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم فأنت أحق بجوابهم فقال: نعم ثم قال: يا ابن عباس قل لهم: ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله ؟ قالوا نعم. قال أبدأ على ما بدأتم به في بدء الامر. ثم قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله الوحي والقضايا والشروط والامان يوم صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو فكتب: بسم الله الرحمان الرحيم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان وسهيل بن عمرو. فقال سهيل: انا لا نعرف الرحمان الرحيم ولا نقر أنك رسول الله ولكنا نحسب ذلك شرفا لك أن تقدم اسمك قبل أسمائنا وإن كنا أسن منك وأبي أسن من أبيك ! ! فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أكتب مكان " بسم الله الرحمان الرحيم " باسمك اللهم فمحوت ذلك وكتبت باسمك اللهم ومحوت " رسول الله " وكتبت " محمد بن عبد الله " فقال لي: " إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره " وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: " هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية وعمرو بن العاص " فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنك أمير المؤمنين وقاتلناك ولكن اكتب علي بن أبي طالب فمحوت كما محى رسول الله صلى الله عليه وآله فإن

[379]

أبيتم ذلك فقد جحدتم. فقالوا: هذه لك خرجت منها. فقال: " وأما قولكم " إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: أنظرا فإن كان معاوية أحق بها مني فاثبتاه " فإن ذلك لم يكن شكا مني ولكني أنصفت في القول قال الله تعالى: * (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) * [24 / السبأ: 34] ولم يكن ذلك شكا وقد علم الله أن نبيه على الحق. قالوا: وهذه لك. قال: وأما قولكم: " إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس " فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد كان أحكم الناس. وقد قال الله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * [21 / الاحزاب: 33] فتأسيت برسول الله صلى الله عليه وآله. قالوا: وهذه لك بحجتنا. قال: وأما قولكم: " اني حكمت في دين الله الرجال " فما حكمت الرجال وإنما حكمت كلام ربي الذي جعله الله حكما بين أهله وقد حكم الله الرجال في طائر فقال: * (ومن قتله منكم متعمدا فجزا مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) * [95 / المائدة: 5] فدماء المسلمين أعظم من دم طائر. قالوا: وهذه لك بحجتنا. قال: وأما قولكم: " إني قسمت يوم البصرة لما أظفرني الله بأصحاب الجمل الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرية " فإني مننت على أهل البصرة كما من رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل مكة فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم ولم نأخذ صغيرا بكبير ؟ ! وبعد فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه قالوا: وهذه لك بحجتنا. قال: وأما قولكم: " إني كنت وصيا فضيعت الوصية " فأنتم كفرتم وقدمتم علي وأزلتم الامر عني وليس على الاوصياء الدعاء إلى أنفسهم إنما يبعث الله الانبياء صلوات الله عليهم فيدعون إلى أنفسهم والوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه وذلك لمن آمن بالله ورسوله صلى الله عليه

[380]

وآله ولقد قال الله عز ذكره: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * [79 / آل عمران: 3] فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركهم إياه ولكن [الناس] كانوا يكفرون بتركهم [البيت] لان الله تعالى نصبه لهم علما وكذلك نصبني علما حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله " يا علي أنت مني [بمنزلة هارون من موسى وأنت مني] بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي " (1) فقالوا: وهذه لك بحجتنا فأذعنوا فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه فقاتلهم فقتلهم. بيان: قوله عليه السلام " فدماء المسلمين " لعل المراد أن تحكيم الرجال في الطائر لما كان لجهل الناس والاضطرار فالضرورة هنا أشد فالكلام على التنزل فإنه عليه السلام منع أولا تحكيم الرجال وقال بعد التسليم لا فساد فيه ويحتمل أن يكون مؤيدا لاول الكلام ردا لشبهة أصحاب معاوية بالمقايسة بالطائر أي لم تحكم الرجال لان التحكيم إنما ورد في الامور الجزئية التي لا مفسدة كثيرا في الخطأ فيها ولا يمكن مقايسة دماء المسلمين بها فإنه قياس مع الفارق. [و] لكنه بعيد ولا يجري في بعض الاخبار التي وردت بهذا الوجه. 609 - ب: اليقطيني عن القداح عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا


(1) ما بين المعقوفين غير موجود في طبعة الكمباني من البحار، وأخذناه من كتاب الاحتجاج ط بيروت ص 189. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي... " رواه أيضا ابن الاثير في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أسد الغابة: " ج 4 ص 31 ط 1. وأيضا روى ما في معناه ابن عساكر في الحديث: (912) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 2 ص 407 ط 2. ورواه ابن المغازلي في الحديث: (149) من كتابه: مناقب أمير المؤمنين عليه السلام: ص 106، ط 1. وليلاحظ ما رواه السيوطي نقلا عن الديلمي في ذيل كتاب اللآلي المصنوعة: ج 1، 62.

[381]

عليه السلام كان يباشر القتال بنفسه وأنه نادى ابنه محمد بن الحنفية يوم النهروان: قدم يا بني اللواء فقدم ثم قال: قدم يا بني اللواء فقدم ثم وقف فقال له: قدم يا بني فتكعكع الفتى فقال: قدم يا ابن اللخناء ثم جاء علي حتى أخذ منه اللواء فمشى به ما شاء الله ثم أمسك ثم تقدم علي بين يديه فضرب قدما. إيضاح: قال الجوهري. كعكعته فتكعكع أي حبسته فاحتبس وتكعكع أي جبن ورجل كعكع بالضم أي جبان ضعيف وقال: لخن السقاء بالكسر أي أنتن ومنه قولهم: أمة لخناء. ويقال: اللخناء: التي لم تختن. وقال: مضى قدما: لم يعرج ولم ينثن. 610 - يد: الدقاق عن الاسدي عن البرمكي عن جعفر بن سليمان الجعفري عن أبيه عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن سعد الخفاف عن الاصبغ بن نباتة قال: لما وقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على الخوارج ووعظم وذكرهم وحذرهم القتال قال لهم: ما تنقمون مني إلا أني أول من آمن بالله وبرسوله فقالوا: أنت كذلك ولكنك حكمت في دين الله أبا موسى الاشعري فقال عليه السلام: والله ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن ولولا أني غلبت على أمري وخولفت في رأيي لما رضيت أن تضع الحرب أوزارها بيني وبين أهل حرب الله حتى أعلى كلمة الله وأنصر دين الله ولو كره الجاهلون والكافرون. 611 - ب هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يدعو على الخوارج فيقول في دعائه:


609 - رواه الحميري رحمه الله في الحديث: (90) من كتاب قرب الاسناد، ص 14، ط 1. 610 - رواه الشيخ الصدوق قدس الله نفسه في الحديث: (6) من الباب: (30) من كتاب التوحيد. 611 - رواه الحميري رحمه الله في الحديث: (37) من كتاب قرب الاسناد، ص 8.

[382]

اللهم رب البيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور والكتاب المسطور أسألك الظفر على هؤلا الذين نبذوا كتابك وراء ظهورهم وفارقوا أمة أحمد صلى الله عليه وآله عتوا عليك. 612 - مد: بإسناده إلى أحمد بن حنبل من مسنده بإسناده عن زيد بن وهب قال: قدم على علي عليه السلام قوم من أهل البصرة من الخوارج فيهم رجل يقال له الجعد بن بعجة فقال له: اتق الله يا علي فإنك ميت فقال علي عليه السلام: بل مقتول قتلا ضربة على هذا يخضب هذه - يعني لحيته ورأسه - عهد معهود وقضاء مقضى وقد خاب من افترى. وعاتبه في لباسه فقال: ما يمنعك أن تلبس ؟ فقال مالك وللباسي ! هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم. 613 - ل: في خبر اليهودي السائل أمير المؤمنين عما فيه من خصال الاوصياء قال عليه السلام: وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عهد إلي أن أقاتل في آخر الزمان من أيامي قوما من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب يمرقون بخلافهم علي ومحاربتهم إياي من الدين


612 - رواه ابن البطريق رحمه الله في الفصل الاخير في عنوان: " فصل في شئ من الاحداث [الطارئة] بعد رسول الله صلى الله عليه وآله... " في الحديث: (821) من كتاب العمدة ص 233 والحديث رواه عبد الله بن أحمد تحت الرقم: (32) من باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل ص 23 ط 1. ورواه أيضا في الحديث: (31 و 47) ص 30 بأسانيد أخر، وقد ذكر الطباطبائي له مصادر اخر في تعليقه. وأيضا رواه عبد الله بن أحمد تحت الرقم: 703 من كتاب المسند: ج 1، ص 91 ط 1. 613 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في آخر الحديث: (58) من باب السبعة من كتاب الخصال: ج 1، ص 381.

[383]

مروق السهم من الرمية فيهم ذو الثدية يختم لي بقتلهم بالسعادة. فلما انصرفت إلى موضعي هذا يعني بعد الحكمين أقبل بعض القوم على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين فلم يجدوا لانفسهم من ذلك مخرجا إلا أن قالوا: كان ينبغي لاميرنا أن لا يتابع من أخطأ وأن يقضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منا فقد كفر بمتابعته إيانا وطاعته لنا في الخطأ وأحل لنا بذلك قتله وسفك دمه. فتجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم " لا حكم إلا لله " ثم تفرقوا فرقة بالنخيلة وأخرى بحروراء وأخرى راكبة رأسها تخبط الارض شرقا حتى عبرت دجلة فلم تمر بمسلم إلا امتحنته فمن تابعها استحيته ومن خالفها قتلته. فخرجت إلى الاوليين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عزوجل والرجوع إليه فأبيا إلا السيف لا يفنعهما غير ذلك فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عزوجل فقتل الله هذه وهذه كانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا لكانوا ركنا قويا وسدا منيعا فأبى الله إلا ما صاروا إليه. ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترى وكانوا من جلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا فأبت إلا إتباع أختيها والاحتذاء على مثالهما وأشرعت في قتل من خالفها من المسلمين وتتابعت إلي الاخبار بفعلهم فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة أوجه السفراء والنصحاء وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرة وبهذا مرة وأومئ بيده إلى الاشتر والاحنف بن قيس وسعيد بن قيس الارحبي والاشعث بن قيس الكندي - فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم أربعة آلاف أو يزيدون حتى لم يفلت منهم مخبر (1) فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى له


(1) كذا في هذه الرواية والظاهر أنه من سهو الراوي إذ ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام بنحو الاستفاضة أنه قال: " لا يفلت منهم عشرة ولا يقتل منكم عشرة " وذكر

[384]

ثدي كثدي المرأة ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. بيان: [قال الفيروز آبادي] في القاموس: جل الشئ وجلاله بضمها: معظمه. وقوم جلة بالكسر عظماء سادة ذوو أخطار. 614 - يج: روي عن أبي حمزة عن علي بن الحسين عليهما السلام عن أبيه قال: لما أراد علي عليه السلام أن يسير إلى النهروان استنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن فتأخر عنه شبث بن ربعي وعمرو بن حريث والاشعث بن قيس وجرير بن عبد الله (1) وقالوا: إئذن لنا أياما نتخلف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك فقال لهم: قد فعلتموه ؟ سوأة لكم من مشايخ فو الله ما لكم من حاجة تتخلفون عليها وإني لاعلم ما في قلوبكم وسأبين لكم تريدون أن تثبطوا عني الناس وكأني بكم بالخورنق وقد بسطتم سفرتكم للطعام إذ يمر بكم ضب فتأمرون صبيانكم فيصيدونه فتخلعوني وتبايعونه. ثم مضى إلى المدائن وخرج القوم إلى الخورنق وهيئوا طعاما فبينما هم كذلك على سفرتهم وقد بسطوها إذ مر بهم ضب فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر علي عليه السلام وأقبلوا على المدائن فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: بئس للظالمين بدلا ليبعثنكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضب الذي بايعتم كأني أنظر إليكم يوم القيامة مع إمامكم وهو يسوقكم إلى النار. ثم قال: لئن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله منافقون فإن معي منافقين أما والله يا شبث ويا ابن حريث لتقاتلان ابني الحسين هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه واله.


المؤرخون والمحدثون أنه أفلت منهم تسعة. 614 - رواه مع التوالي قطب الدين الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. (1) كذا في هذه الرواية، وهذا أيضا سهو من راوي الحديث إذ جرير بن عبد الله فارق الامام عليه السلام قبل وقعة صفين ولم يعد إليه إلى أن استشهد الامام عليه السلام.

[385]

615 - يج روي أن عليا عليه السلام لما سار إلى النهروان شك رجل يقال له جندب فقال له علي عليه السلام: ألزمني ولا تفارقني فلزمه فلما دنوا من قنطرة النهروان نظر علي عليه السلام قبل زوال الشمس إلى قنبر يؤذنه بالصلاة فنزل وقال: ائتني بماء فقعد يتوضأ فأقبل فارس وقال: قد عبر القوم فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما عبروا ولا يعبرونها ولا يفلت منهم إلا دون العشرة ولا يقتل منكم إلا دون العشرة والله ما كذبت ولا كذبت. فتعجب الناس فقال جندب: إن صح ما قال علي [عليه السلام] فلا أحتاج إلى دليل غيره فبينما هم كذلك إذ أقبل فارس فقال: يا أمير المؤمنين القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة فصلى بالناس الظهر وأمرهم بالمسير إليهم فقال جندب: قلت لا يصل إلى القنطرة قبلي أحد فركضت فرسي فإذا هم دون القنطرة وقوف فكنت أول من رمى فقتلوا كلهم إلا تسعة وقتل من أصحابنا تسعة. ثم قال علي عليه السلام: أطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه فقال: أطلبوا فو الله ما كذبت ولا كذبت ثم قام فركب البغلة نحو قتلى كثير فقال: اقلبوها فاستخرجوا ذا الثدية فقال: الحمد لله [الذى] عجلك إلى النار. وقد كان الخوارج خرجوا عليه قبل ذلك بجانب الكوفة في حروراء وكانوا إذ ذاك اثنى عشر الفا قال: فخرج إليهم أمير المؤمنين عليه السلام في ازاره وردائه راكبا البغلة ! ! فقيل [له]: القوم شاكون في السلاح أتخرج إليهم كذلك ؟ قال: إنه ليس بيوم قتالهم وصار إليهم بحروراء وقال لهم: ليس اليوم أوان قتالكم وستفترقون حتى تصيروا أربعة آلاف فتخرجون علي في مثل هذا اليوم في مثل هذا الشهر فأخرج إليكم بأصحابي فأقاتلكم حتى لا يبقى منكم إلا دون عشرة ويقتل من أصحابي يومئذ دون عشرة هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يبرح من مكانه حتى تبرأ بعضهم من بعض وتفرقوا إلى أن صاروا أربعة آلاف بالنهروان. 616 - يج: روي عن جندب بن زهير الازدي قال: لما فارقت الخوارج

[386]

عليا خرج عليه السلام إليهم وخرجنا معه فانتهينا إلى عسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل في قرائة القرآن وفيهم أصحاب البرانس وذوو الثفنات فلما رأيت ذلك دخلني شك فتنحيت ونزلت عن فرسي وركزت رمحي ووضعت ترسي ونثرت عليه درعي وقمت أصلي وأنا أقول في دعائي: اللهم إن كان قتال هؤلاء رضا لك فأرني من ذلك ما أعرف به أنه الحق وإن كان لك سخطا فاصرف عني إذ أقبل علي عليه السلام فنزل عن بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وقام يصلي إذ جاءه رجل فقال: قطعوا النهر ثم جاء آخر يشتد به دابته فقال: قطعوه وذهبوا. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن دون النطفة عهد من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وقال لي: يا جندب ترى التل قلت: نعم. قال: [إن] رسول الله صلى الله عليه واله حدثني أنهم يقتلون عنده ثم قال: إنا نبعث إليهم رسولا يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه فيرشقون وجهه بالنبل وهو مقتول قال: فانتهينا إلى القوم فإذا هم في معسكرهم لم يبرحوا ولم يترحلوا فنادى الناس وضمهم ثم أتى الصف وهو يقول: من يأخذ هذا المصحف فيمشي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وهو مقتول وله الجنة ؟ فما أجابه أحد إلا شاب من بني عامر بن صعصعة فلما رأى حداثة سنه: " قال له ارجع إلى موقفك " ثم أعاد فما أجابه أحد إلا ذلك الشاب قال: خذه أما إنك مقتول. فمشى به حتى إذا دنا من القوم حيث يسمعهم ناداهم إذ رموا [فرموا " خ ل "] وجهه بالنبل فأقبل علينا ووجهه كالقنفذ فقال علي عليه السلام: دونكم القوم فحملنا عليهم قال جندب: ذهب الشك عني وقتلت بكفي ثمانية. ولما قتل الحرورية قال علي عليه السلام: التمسوا في قتلاهم رجلا مخدوجا حدى يديه مثل ثدي المرأة فطلبوه فلم يجدوه فقام فأمر بهم فقلب بعضهم على بعض فإذا حبشي إحدى عضديه مثل ثدي المرأة عليه شعرات كسبال السنور

[387]

فكبر وكبر الناس معه وقال: هذا شيطان لولا أن تتكلوا لحدثتكم بما أعد الله على لسان نبيكم لمن قاتل هؤلاء. 617 - شا: من كلام أمير المؤمنين عليه السلام للخوارج حين رجع إلى الكوفة وهو بظاهرها قبل دخوله إياها بعد حمد الله والثناء عليه: اللهم إن هذا مقام من فلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة ومن نطف فيه أو عنت فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. نشدتكم بالله أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف فقلتم " نجيبهم إلى كتاب الله " قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال امضوا على حقكم وصدقكم إنما رفعوا القوم لكم هذه المصاحف خديعة ووهنا ومكيدة فرددتم علي رأيي وقلتم: لا بل نقبل منهم فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياي فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحيا ما أحياه القرآن وأن يميتا ما أماته القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكم من حكم بما في الكتاب وإن أبيا فنحن من حكمهما براء. قال بعض الخوارج: فخبرنا أتراه عدلا يحكم [تحكيم " خ ل "] الرجال في الدماء. فقال عليه السلام إنا لم نحكم الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال. قالوا له: فخبرنا عن الاجل الذي جعلته فيما بينك وبينهم ! قال: ليتعلم الجاهل ويثبت العالم ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الامة ادخلوا مصركم رحمكم الله ورحلوا من عند آخرهم. بيان: [قوله عليه السلام:] " كان أولى بالفلج " أي من ظفر في هذا


617 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل (38) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 144.

[388]

الحرب وفي هذه القضية لاخبار النبي صلى الله عليه وآله بكون القاتلين أولى بالحق من المقتولين وغير ذلك مما مر أو المعنى أن حجة أهل الحق تكون أغلب دائما وقال الجوهري: نطف الرجل بالكسر إذا اتهم بريبة. ونطف الشئ أيضا فسد. والنطف: التلطخ بالعيب. وقال العنت: الاثم. وقد عنت الرجل [أي أثم] والعنت أيضا: الوقوع في أمر شاق وقد عنت وأعنته غيره. 618 - قب: لما دخل أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة جاء إليه زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير التميمي ذو الثدية فقال: لا حكم إلا لله فقال عليه السلام: كلمة حق يراد بها باطل. قال حرقوص: فتب من خطيئتك وارجع عن قصتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا فقال علي عليه السلام: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشروطا وأعطينا عليها عهودا ومواثيقا وقد قال الله تعالى: * (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) * الآية فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن نتوب عنه فقال علي عليه السلام: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف في العقل وقد تقدمت فنهيتكم عنه. فقال ابن الكواء: الآن صح عندنا أنك لست بإمام ولو كنت إماما لما رجعت فقال علي عليه السلام: ويلكم قد رجع رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية عن قتال أهل مكة. ففارقوا أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وكانوا إثني عشر ألفا من أهل الكوفة والبصرة وغيرهما ونادى مناديهم إن أمير القتال شبث بن ربعي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء والامر شورى بعد الفتح والبيعة لله على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستعرضوا الناس وقتلوا عبد الله بن خباب بن الارت وكان عامله على


618 - رواه ابن شهر آشوب رحمه الله في آخر عنوان: " في الحكمين والخوارج " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 369 ط النجف.

[389]

النهروان. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا ابن عباس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا فلما وصل إليهم قالوا: ويلك يا ابن عباس أكفرت بربك كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب وخرج خطيبهم عتاب بن الاعور الثعلبي فقال ابن عباس: من بنى الاسلام فقال: الله ورسوله فقال: النبي أحكم أموره وبين حدوده أم لا ؟ قال: بلى قال: فالنبي بقي في دار الاسلام أم ارتحل قال: بل ارتحل قال: فأمور الشرع ارتحلت معه أم بقيت بعده قال: بل بقيت. قال: وهل قام أحد بعده بعمارة ما بناه ؟ قال: نعم الذرية والصحابة. قال: أفعمروها أو خربوها ؟ قال: بل عمروها قال: فالآن هي معمورة أم خراب ؟ قال: بل خراب. قال: خربها ذريته ام أمته ؟ قال بل أمته قال: وأنت من الذرية أو من الامة ؟ قال: من الامة قال: أنت من الامة وخربت دار الاسلام فكيف ترجو الجنة ؟ وجرى بينهم كلام كثير. فحضر أمير المؤمنين عليه السلام في مائة رجل فلما قابلهم خرج إليه ابن الكواء في مائة رجل فقال عليه السلام: أنشدكم الله هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله فقلت لكم إني أعلم بالقوم منكم وذكر مقاله إلى أن قال: فلا أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمه وإن أبيا فنحن منه براء. فقالوا له: أخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟ فقال: إنا لسنا الرجال حكمنا وإنما حكمنا القرآن والقرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال قالوا: فأخبرنا عن الاجل لم جعلته فيما بينك وبينهم ؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله يصلح في هذه المدة هذه الامة.

[390]

وجرت بينهم مخاطبات فجعل بعضهم يرجع. فأعطى أمير المؤمنين عليه السلام راية أمان مع أبي أيوب الانصاري فناداهم أبو أيوب من جاء إلى هذه الراية أو خرج من بين الجماعة فهو آمن فرجع منهم ثمانية آلاف رجل فأمرهم أمير المؤمنين عليه السلام أن يتميزوا منهم وأقام الباقون على الخلاف وقصدوا إلى نهروان. فخطب أمير المؤمنين عليه السلام [أهل الكوفة] واستنفرهم فلم يجيبوه فتمثل: أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد ثم استنفرهم فنفر ألفا رجل يقدم عدي بن حاتم وهو يقول: إلى شر خلق من شراة تحزبوا * وعادوا إله الناس رب المشارق فوجه امير المؤمنين عليه السلام نحوهم وكتب إليهم على يدي عبد الله بن أبي عقب: والسعيد من سعدت به رغبته، والشقي من شقيت به رغبته (1) وخير الناس خيرهم لنفسه، وشر الناس شرهم لنفسه وليس بين الله وبين أحد [من خلقه] قرابة، وكل نفس بما كسبت رهينة. فلما أتاهم أمير المؤمنين فاستعطفهم أبوا إلا قتاله وتنادوا أن دعوا مخاطبة علي و أصحابه وبارزوا الجنة (2) وصاحوا: الروح الرواح إلى الجنة. و [كان] أمير المؤمنين عليه السلام يعبئ أصحابه ونهاهم أن يتقدم إليهم أحد. وكان أول من خرج [من الخوارج للبراز] أخنس بن العزير الطائي (3) وجعل يقول:


(1) كذا في ط الكمباني من كتاب البحار، وفي كتاب مناقب آل أبي طالب في كلى الموردين: " رعيته... ". (2) كذا في أصلي، وفي مناقب آل أبي طالب: " وبادروا الجنة ". (3) كذا في أصلي، وفي مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 371: أخنس بن العيزار.

[391]

ثمانون من حيي جديلة قتلوا * على النهر كانوا يخضبون العواليا ينادون لا لاحكم إلا لربنا * حنانيك فاغفر حوبنا والمساويا هم فارقوا من جار في الله حكمه * فكل على الرحمان أصبح ثاويا فقتله أمير المؤمنين عليه السلام. وخرج عبد الله ابن وهب الراسبي يقول: أنا ابن وهب الراسبي الشاري * أضرب في القوم لاخذ الثاري حتى تزل دولة الاشرار * ويرجع الحق إلى الاخيار وخرج مالك بن الوضاح وقال: إني لبائع ما يفنى بباقية * ولا أريد لدى الهيجاء ترييضا وخرج إلى أمير المؤمنين عليه السلام الوضاح بن الوضاح من جانب وابن عمه حرقوص من جانب فقتل [أمير المؤمنين] الوضاح وضرب ضربة على رأس الحرقوص فقطعه ووقع رأس سيفه على الفرس فشرد ورجله في الركاب حتى أوقعه في دولاب خراب فصارت الحرورية كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فكان المقتولون من أصحاب علي عليه السلام رؤبة بن وبر البجلي ورفاعة بن وائل الارحبي والفياض بن خليل الازدي وكيسوم بن سلمة الجمحي وحبيب بن عاصم الازدي إلى تمام تسعة. وانفلت من الخوارج تسعة كما تفدم ذكره وكان [ذلك] لتسع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين. أبو نعيم الاصفهاني عن سفيان الثوري أن أمير المؤمنين عليه السلام أمر أن يفتش عن المخدج بين القتلى فلم يجدوه فقال رجل: والله ما هو فيهم فقال عليه السلام: والله ما كذبت ولا كذبت. تاريخ الطبري وإبانة ابن بطة وسنن أبي داود ومسند أحمد عن عبد

[392]

الله بن أبي رافع وأبي موسع الوايلي وجندب وأبي الوضي واللفظ له قال: [قال] علي عليه السلام: اطلبوا المخدج فقالوا: لم نجده فقال: والله ما كذبت ولا كذبت يا عجلان ائتني ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه بالبغلة فركبها وجال في القتلى ثم قال: اطلبوه هاهنا. فاستخرجوه من تحت القتلى في نهر وطين. وفي رواية أبي نعيم عن سفيان: فقيل قد أصبناه فسجد لله تعالى فنصبها. تاريخ القمي أنه رجل أسود عليه شعرات عليه قريطق ؟ دج اليد إحدى ثدييه كثدي المرأة عليه شعيرات مثل ما يكون على ذنب اليربوع. وفي مسند الموصلي حبشي مثل البعير في منكبه مثل ثدي المرأة فقال: صدق الله ورسوله صلى الله عليه وآله. وفي رواية أبي داود وابن بطة أنه قال علي عليه السلام من يعرف هذا ؟ فلم يعرفه أحد فقال رجل: أنا رأيت هذا بالحيرة فقلت: إلى أين تريد ؟ فقال: إلى هذه وأشار إلى الكوفة وما لي بها معرفة فقال علي عليه السلام صدق هو من الجان. وفي رواية [أخرى] هو من الجن. وفي رواية أحمد قال أبوالوضئ: لا يأتينكم أحد يخبركم من أبوه ؟ قال فجعل الناس يقولون: هذا ملك هذا ملك هذا ملك ويقول علي ابن من ؟. وفي مسند الموصلي في حديث: من قال من الناس: إنه رآه قبل مصرعه فإنه كاذب. وفي مسند أحمد بإسناده عن أبي الوضئ أنه قال قال علي عليه السلام: أما إن خليلي أخبرني بثلاثة أخوة من الجن هذا أكبرهم والثاني له جمع كثير والثالث فيه ضعف. إبانة ابن بطة أنه ذكر المقتول بالنهروان فقال سعد بن أبي وقاص هو

[393]

شيطان الردهة. زاد أبو يعلى في المسند: شيطان ردهة رجل من بجيلة يقال له الاشهب أو ابن الاشهب علامة في قوم ظلمة. محمد بن عبد الله الرعيني بإسناده عن علي عليه السلام أنه لما انصرف من صفين خاض الناس في أمر الحكمين فقال بعض الناس ما يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يأمر بعض أهل بيته فيتكلم ؟ فقال للحسن: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص فقام الحسن فقال: إيها الناس إنكم قد أكثرتم في أمر عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص فإنما بعثا ليحكما بكتاب الله فحكما بالهوى على الكتاب ومن كان هكذا لم يسم حكما ولكنه محكوم عليه وقد أخطأ عبد الله بن قيس في أن أوصى بها إلى عبد الله بن عمر فأخطأ في ذلك في ثلاث خصال في أن أباه لم يرضه لها، وفي أنه لم يستأمره وفي أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والانصار الذين نفذوها لمن بعده وإنما الحكومة فرض من الله وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعدا في بني قريظة فحكم فيهم بحكم الله لا شك فيه فنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله حكمه ولو خالف ذلك لم يجره ثم جلس. ثم قال علي عليه السلام لعبدالله بن العباس قم فتكلم فقام وقال: أيها الناس إن للحق أهلا أصابوه بالتوفيق والناس بين راض به وراغب عنه وإنما بعث عبد الله بن قيس بهدي إلى ضلالة وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى الهدى فلما التقيا رجع عبد الله عن هداه وثبت عمرو على ضلالته والله لئن حكما بالكتاب لقد حكما عليه وإن حكما بما اجتمعا عليه معا ما اجتمعا على شئ وإن كنا حكما بما سارا إليه لقد سار عبد الله وإمامه علي وسار عمرو وإمامه معاوية فما بعد هذا من غيب ينتظر، ولكنهم سئموا الحرب وأحبوا البقاء ودفعوا البلاء ورجا كل قوم صاحبهم ثم جلس.

[394]

ثم قال لعبدالله بن جعفر قم فتكلم فقام عبد الله وقال: أيها الناس إن هذا الامر كان النظر فيه إلى علي والرضا فيه لغيره فجئتم بعبدالله بن قيس فقلتم: لا نرضى إلا بهذا فارض به فإنه رضانا وأيم الله ما استفدناه علما ولا انتظرنا منه غائبا ولا أملنا ضعفه ولا رجونا به صاحبه ولا أفسد بما عملا العراق ولا أصلحا الشام ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية ولا يذهب الحق رقية راق ولا نفحة شيطان وإنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس وجلس. نوف البكالي عن أمير المؤمنين أنه نادى بعد الخطبة بأعلا صوته الجهاد الجهاد عباد الله ألا وإني معسكر في يومي هذا فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج. قال نوف وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ولابي أيوب الانصاري في عشرة آلاف ولغيرهم على أعداد اخر وهو يريد الرجعة إلى صفين فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله فتراجعت العساكر. بيان: قال في النهاية: في حديث منصور: وجاء الغلام وعليه قرطق أبيض أي قباء وهو تعريب " كرته " وقد تضم طائه وإبدال القاف من الهاء في الاسماء المعربة كثير ومنه حديث الخوارج: " كأني أنظر إليه حبشي عليه قريطق " هو تصغير قرطق. 619 - كشف قال ابن طلحة: لما عاد أمير المؤمنين من صفين إلى الكوفة بعد إقامة الحكمين أقام ينتظر انقضاء المدة التي بينه وبين معاوية ليرجع إلى مقاتلته والمحاربة إذ انخزلت طائفة من خاصة أصحابه في أربعة آلاف فارس وهم العباد والنساك فخرجوا من الكوفة وخالفوا عليا عليه السلام


619 - رواه الاربلي رحمه الله في آخر عنوان: " فأما حروبه في زمن خلافته... " من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 264 ط بيروت.

[395]

وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله. وانحاز إليهم نيف عن ثمانية آلاف ممن يرى رأيهم فصاروا إثنى عشر ألفا وساروا إلى أن نزلوا بحروراء وأمروا عليهم عبد الله بن الكواء. فدعا علي عليه السلام عبد الله بن عباس رضي الله عنه فأرسله إليهم فحادثهم فلم يرتدعوا وقالوا: ليخرج إلينا علي بنفسه لنسمع كلامه عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه. فرجع ابن عباس فأخبره فركب في جماعة ومضى إليهم فركب ابن الكواء في جماعة منهم فواقفه فقال له علي عليه السلام: يا ابن الكواء إن الكلام كثير فابرز إلي من أصحابك لاكلمك فقال: وأنا آمن من سيفك فقال: نعم فخرج إليه في عشرة من أصحابه فقال له علي عليه السلام عن الحرب مع معاوية وذكر له رفع المصاحف على الرماح وأمر الحكمين وقال: ألم أقل لكم إن أهل الشام يخدعونكم بها فإن الحرب قد عضتهم فذروني أناجزهم فأبيتم. ألم أرد أن أنصب ابن عمي حكما وقلت: إنه لا ينخدع فأبيتم إلا أبا موسى ؟ ! وقلتم: رضينا به حكما فأجبتكم كارها ولو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم وشرطت على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما أنزل الله من فاتحته إلى خاتمته والسنة الجامعة وإنهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما علي كان ذلك أو لم يكن ؟ قال ابن الكواء: صدقت قد كان هذا كله فلم لا ترجع الآن إلى حرب القوم ؟ فقال: حتى تنقضي المدة التي بيننا وبينهم قال ابن الكواء: وأنت مجمع على ذلك ؟ قال: نعم لا يسعني غيره. فعاد ابن الكواء والعشرة الذين معه إلى أصحاب علي عليه السلام راجعين عن دين الخوارج. وتفرق الباقون وهم يقولون: " لا حكم إلا لله " وأمروا عليهم عبد

[396]

الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وعسكروا بالنهروان. وخرج [إليهم علي عليه السلام] فسار حتى بقي على فرسخين منهم وكاتبهم وراسلهم فلم يرتدعوا فأركب إليهم ابن عباس وقال: سلهم ما الذي نقموه وأنا ردفك فلا تخف منهم فلما جاءهم إبن عباس قال: ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين ؟ قالوا: نقمنا أشياء لو كان حاضرا لكفرناه بها وعلي عليه السلام وراءه يسمع ذلك فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم وأنت أحق بالجواب. فتقدم وقال: أيها الناس أنا علي بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم علي ؟ فقالوا: نقمنا عليك أولا: أنا قاتلنا بين يديك بالبصرة فلما أظفرك الله بهم أبحتنا ما في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية فكيف حل لنا ما في العسكر ولم تحل لنا النساء ؟ فقال لهم علي عليه السلام: يا هؤلاء إن أهل البصرة قاتلونا وبدؤنا بالقتال فلما ظفرتم إقتسمتم سلب من قاتلكم ومنعتكم من النساء والذرية فإن النساء لم يقاتلن والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله من على المشركين فلا تعجبوا إن مننت على المسلمين فلم أسلب نساءهم ولا ذريتهم. وقالوا نقمنا عليك يوم صفين كونك محوت اسمك من امرة المؤمنين فإذا لم تكن أميرنا فلا نطيعك ولست أميرا لنا. فقال: يا هؤلاء إنما اقتديت برسول الله صلى الله عليه وآله حين صالح سهيل بن عمرو (1) قالوا: فإنا نقمنا عليك أنك قلت للحكمين: " أنظرا كتاب الله فإن كنت


(1) وبعد هذا كان في أصلي: " وقد تقدمت [قصته] ". وبما أن هذه الجملة من كلام صاحب كشف الغمة - وليست جزا للقصة والرواية - حذفناها.

[397]

أفضل من معاوية فاثبتاني في الخلافة " فإذا كنت شاكا في نفسك فنحن فيك أشد وأعظم شكا ! ! فقال عليه السلام: إنما أردت بذلك النصفة فإني لو قلت أحكما لي وذرا معاوية لم يرض ولم يقبل ولو قال النبي صلى الله عليه واله لنصارى نجران لما قدموا عليه: تعالوا حتى نبتهل واجعل لعنة الله عليكم لم يرضوا ولكن أنصفهم من نفسه كما أمره الله تعالى فقال: * (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * فأنصفهم عن نفسه فكذلك فعلت أنا ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خدعه أبا موسى. قالوا: فإنا نقمنا عليك أنك حكمت حكما في حق هو لك. فقال: إن رسول الله حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل وأنا اقتديت به فهل بقي عندكم شئ ؟. فسكتوا وصاح جماعة منهم من كل ناحية التوبة التوبة يا أمير المؤمنين واستأمن إليه ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف فأمر عليه السلام المستأمنين بالاعتزال عنهم في ذلك الوقت وتقدم بأصحابه حتى دنا منهم وتقدم عبد الله بن وهب وذو الثدية حرقوص وقالا: ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه الله والدار الآخرة فقال علي عليه السلام: " هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ". ثم التحم القتال بين الفريقين واستعر الحرب بلظاها وأسفرت عن زرقة صبحها وحمرة ضحاها فتجادلوا وتجالدوا بألسنة رماحها وحداد ظباها فحمل فارس من الخوارج يقال له الاخنس الطائي وكان شهد صفين مع علي عليه السلام فحمل وشق الصفوف يطلب عليا عليه السلام فبدره علي بضربة فقتله فحمل ذو الثدية ليضرب عليا فسبقه علي عليه السلام وضربه ففلق البيضة ورأسه فحمله فرسه وهو لما به فألقاه في آخر المعركة في حرف دالية على شط النهروان وخرج من بعده ابن عمه مالك بن الوضاح وحمل على علي عليه السلام

[398]

فضربه [علي] فقتله. وتقدم عبد الله بن وهب الراسبي فصاح يا ابن أبي طالب والله لا نبرح من هذه المعركة أو تأتي على أنفسنا أو نأتي على نفسك فابرز إلي وأبرز إليك وذر الناس جانبا. فلما سمع علي عليه السلام كلامه تبسم وقال: قاتله الله من رجل ما أقل حياؤه أما إنه ليعلم أني حليف السيف وخدين الرمح ولكنه قد يئس من الحياة أو أنه ليطمع طمعا كاذبا ثم حمل على علي عليه السلام فضربه [علي] وقتله وألحقه بأصحابه القتلى واختلطوا فلم يكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم وكانوا أربعة آلاف فما أفلت منهم إلا تسعة أنفس رجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان وبها نسلهما ورجلان صارا إلى بلاد عمان وبها نسلهما ورجلان صارا إلى اليمن وفيها نسلهما وهم الاباضية ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن والبوازيج وإلى شاطئ الفرات وصار آخر إلى تل موزن. وغنم أصحاب علي عليه السلام غنائم كثيرة وقتل من أصحاب علي عليه السلام تسعة بعدد من سلم من الخوارج وهي من جملة كرامات علي عليه السلام فإنه قال: نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ولا يسلم منهم عشرة. فلما قتلوا قال علي عليه السلام: التمسوا المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي عليه السلام بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض فقال: أخروهم فوجدوه مما يلي الارض فكبر علي عليه السلام وقال صدق الله وبلغ رسوله. قال أبوالوضئ فكأني أنظر إليه حبشي عليه قريطق إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعرات مثل شعر ذنب اليربوع. وهذا أبوالوضئ هو عباد بن نسيب القيسي تابعي يروي عنه هذا القول أبو داود في سننه كما قال (1).


(1) رواه أبو داود في عنوان: [قتال الخوارج] في آخر كتاب السنة تحت الرقم: (4769) من سننه: ج 4 ص 245 ط دار الفكر بيروت.

[399]

بيان: انخزلت: انقطعت. وانحاز القوم: تركوا مركزهم إلى آخر. والخدين الصديق. وقال [الفيروز آبادي] في القاموس السن جبل بالمدينة وموضع بالري وبلد على دجلة وقال: " بوازيج " بلد قرب تكريت. 620 - إرشاد القلوب: خرج أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجها إلى داره وقد مضى ربع من الليل ومعه كميل بن زياد وكان من خيار شيعته ومحبيه فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت ويقرأ قوله تعالى: " * (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الالباب) * بصوت شجي حزين فاستحسن كميل ذلك في باطنه وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئا فالتفت صلوات الله عليه وآله إليه وقال: يا كميل لا تعجبك طنطنة الرجل إنه من أهل النار وسأنبئك فيما بعد ! فتحير كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ولشهادته بدخول النار مع كونه في هذا الامر وتلك الحالة الحسنة ومضى مدة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل وقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دما ورؤس أولئك الكفرة الفجرة محلقة على الارض فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: يا كميل " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما " أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة فأعجبك حاله فقبل كميل قدميه واستغفر الله وصلى على مجهول القدر. 621 - فر: جعفر بن محمد الفزاري معنعنا عن أبي وائل السهمي قال:


620 - رواه الديلمي رحمه الله في كتاب ارشاد القلوب: ج 2 ص 226. ط بيروت. 621 - رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسير الآية: (6) من سورة الانفال من تفسيره ص 50 ط 1.

[400]

خرجنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلما انتهينا إلى النهروان قال: وكنت شاكا في قتالهم فضربت بفرسي فاقحمته في أشجار كانت هناك قال: فو الله لكأنه علم ما في قلبي فأقبل يسير على بغلة النبي صلى الله عليه وآله حتى نزل بتلك الاشجار فنزل فوضع فرشه ثم جلس عليه ثم احتبا بحمائل سيفه فأنا أراه ولا يراني إذ جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما يجلسك فقد عبر القوم النهر ؟ قال: كذبت لم يعبروا قال: فرجع ثم جاء آخر قال: يا أمير المؤمنين ما يجلسك فقد عبر القوم النهر وقتلوا فلانا وفلانا قال: كذبت لم يعبروا والله لا يعبرون حتى أقتلهم عهد من الله ومن رسوله قال: ثم دعا بفرس فركبه فقلت: ما رأيت كاليوم والله لئن كان صادقا لاضربن بسيفي حتى ينقطع قال: ولما جازني اتبعته فانتهينا إلى القوم فإذا هم يريدون العبور فشد عليهم رجل يقال له معين أو مغيث فعرض رمحه على القنطرة فرد القوم ثم إن عليا عليه السلام صاح بالقوم فتنحوا قال: ثم حملوا علينا فانهزمنا وهو واقف ثم التفت إلينا فقال: ما هذا " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " [6 / الانفال: 8] قلنا أو ليس إلى الموت نساق ؟ قال: شدوا الاضراس وأكثروا الدعاء واحملوا على القوم قال ففعلنا فو الله ما انتصف النهار ومنهم أحد يخبر عن أحد. قال: فلما رأى الناس ذلك عجبوا من قوله فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أن في هؤلاء القوم رجلا مخدج اليد فأقبل يسير حتى انتهينا إلى جوبة قتلى فقال: ارفعوهم فرفعناهم فاستخرجنا الرجل فمددنا المخدجة فاستوت مع الصحيحة ثم خليناها فرجعت كما كانت. فلما رأى الناس قد عجبوا قال: أيها الناس إن فيه علامة أخرى في يده


وفي معناه ما رواه الشيخ المفيد عن جندب بن عبد الله في كتاب الارشاد، ص 167، طبع النجف. ورواه المدائني على وجه آخر كما في شرح المختار: (36) من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 463 ط بيروت، وفي طبع مصر: ج 2 ص 271.

[401]

الصحيحة في بطن عضده مثل ركب المرأة قال: فشققت ثوبا كان عليه بأسناني أنا والاصبغ بن نباتة حتى رأيناه كما وصف ورأوه الناس. بيان: الجوبة: الحفرة. 622 - كا: محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله صلوات الله عليه قال: بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العباس إلى ابن الكواء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلة فلما نظروا إليه قالوا يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس ؟ فقال: هذا أول ما أخاصمكم فيه " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " [32 / الاعراف: 7] وقال الله عزوجل: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * [31 / الاعراف]. 623 - كا: العدة عن سهل عن محمد بن عيسى عن صفوان عن يوسف بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عبد الله بن العباس لما بعثه أمير المؤمنين إلى الخوارج يواقفهم لبس أفضل ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أفضل مراكبه فخرج فواقفهم فقالوا: يا ابن عباس بيننا أنت أفضل الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم ؟ ! فتلا عليهم هذه الآية * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) * فالبس وتجمل فإن الله جميل يحب الجمال وليكن من حلال. 624 - ختص محمد بن علي عن محمد بن الحسن عن العكلي الحرمازي عن صالح بن أسود بن صنعان الغنوي عن مسمع بن عبد الله البصري عن رجل قال:


622 - 623 - رواهما ثقة الاسلام الكليني رحمه الله. ورواهما عنه السيد البحراني رحمه الله في تفسير الآية (32) من سورة الاعراف من تفسير البرهان: ج 2 ص 11، ط 3. في ح 6 و 7 من كتاب الزي والتجمل من الكافي ج 6، ص 441. 624 - رواه الشيخ المفيد رضوان الله عليه في أواسط كتاب الاختصاص ص 121.

[402]

لما بعث علي بن أبي طالب عليه السلام صعصعة بن صوحان إلى الخوارج قالوا له: أرأيت لو كان علي معنا في موضعنا أتكون معه ؟ قال: نعم قالوا: فأنت إذا مقلد عليا دينك ارجع فلا دين لك ! ! فقال لهم صعصعة: ويلكم ألا أقلد من قلد الله فأحسن التقليد فاضطلع بأمر الله صديقا لم يزل أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اشتدت الحرب قدمه في لهواتها فيطاء صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بحده مكدودا في ذات الله عنه يعبر رسول الله والمسلمون فأين تصرفون ؟ وأين تذهبون ؟ وإلى من ترغبون ؟ وعمن تصدفون ؟ عن القمر الباهر والسراج الزاهر وصراط الله المستقيم وسبيل الله المقيم قاتلكم الله أنى تؤفكون أفي الصديق الاكبر والغرض الاقصى ترمون طاشت عقولكم وغارت حلومكم وشاهت وجوهكم لقد علوتم القلة من الجبل وباعدتم العلة من النهل اتستهدفون أمير المؤمنين عليه السلام ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله لقد سولت لكم أنفسكم خسرانا مبينا فبعدا وسحقا للكفرة الظالمين عدل بكم عن القصد الشيطان وعمي بكم عن واضح المحجة الحرمان. فقال له عبد الله بن وهب الراسبي: نطقت يا ابن صوحان بشقشقة بعير وهدرت فأطنبت في الهدير أبلغ صاحبك أنا مقاتلوه على حكم الله والتنزيل فقال عبد الله بن وهب أبياتا قال العكلى الحرمازى ولا أدري أهي له أم لغيره: كي تلزموا الحق وحده * ونضربكم حتى يكون لنا الحكم فإن تتبعوا حكم الاله يكن لكم * إذا ما اصطلحنا الحق والامن والسلم وإلا فإن المشرفية محذم * بأيدي رجال فيهم الدين والعلم فقال صعصعة كأني أنظر إليك يا أخا راسب مرملا بدمائك يحجل الطير بأشلائك لا تجاب لكم داعية ولا تسمع منكم واعية يستحل ذلك منكم إمام هدى قال الراسبي: سيعلم الليث إذا التقينا * دور الرحا عليه أو علينا أبلغ صاحبك أنا غير راجعين عنه أو يقر لله بكفره أو يخرج عن ذنبه فإن الله قابل التوب شديد العقاب وغافر الذنب، فإذا فعل ذلك بذلنا المهج ! !

[403]

فقال صعصعة: عند الصباح يحمد القوم السرى ثم رجع إلى علي صلوات الله عليه فأخبره بما جرى بينه وبينهم فتمثل علي عليه السلام: أراد رسولاي الوقوف فراوحا * يدا بيد ثم اسهما لي على السواء بؤسا للمساكين يا ابن صوحان أما لقد عهد إلي فيهم وإني لصاحبهم وما كذبت ولا كذبت وإن لهم يوما يدور فيه رحا المؤمنين على المارقين فيا ويحها حتفا ما أبعدها من روح الله ثم قال: إذا الخيل جالت في الفتى وتكشفت * عوابس لا يسألن غير طعان فكرت جميعا ثم فرق بينها * سقى رمحه منها بأحمر قان فتى لا يلاقي القرن إلا بصدره * إذا ارعشت أحشاء كل جبان ثم رفع رأسه ويده إلى السماء وقال: اللهم اشهد ثلاثا قد أعذر من أنذر، وبك العون وإليك المشتكى وعليك التكلان وإياك ندرأ في نحورهم أبى القوم إلا تماديا في الباطل ويأبى الله إلا الحق فأين يذهب بكم عن حطب جهنم وعن طيب المغنم وأشار إلى أصحابه وقال: استعدوا لعدوكم فإنكم غالبوهم بإذن الله ثم قرأ عليهم آخر سورة آل عمران. بيان: [قوله:] " يطأ صماخها بأخمصه " الاخمص من باطن القدم ما لم يبلغ الارض وهو كناية عن الاستيلاء على الحرب وإذلال أهلها. ولعل " المكدود " هنا بمعنى الكاد. والطيش: الخفة. " وشاهت وجوهكم ": قبحت. والعل: الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعا. والنهل: محركة أول الشرب. واستهدف له: دنا منه وانتصب له. وسيف حذم: قاطع. ويقال: حجل الطائر كنصر وضرب إذا نزى في مشيته أو بالخاء المعجمة ثم الجيم قال الجوهري: الخجل: سوء احتمال الغنى وفي الحديث: إذا شبعتن خجلتن أي أشرتن وبطرتن انتهى. [قوله:] " عند الصباح يحمد القوم السرى " قال الميداني: يضرب الرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة.

[404]

625 - ختص: المعلى بن محمد البصري عن بسطام بن مرة عن إسحاق بن حسان عن الهيثم بن واقد عن علي بن الحسن العبدي عن ابن طريف عن ابن نباتة قال: أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير إلى المدائن من الكوفة فسرنا يوم الاحد وتخلف عمرو بن حريث في سبعة نفر فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمى الخورنق فقالوا: نتنزه فإذا كان يوم الاربعاء خرجنا فلحقنا عليا قبل أن يجمع فبينا هم يتغدون إذ خرج عليهم ضب فصادوه فأخذه عمرو بن حريث فنصب كفه فقالوا: بايعوا هذا أمير المؤمنين فبايعة السبعة وعمرو ثامنهم وارتحلوا ليلة الاربعاء فقدموا المدائن يوم الجمعة وأمير المؤمنين يخطب ولم يفارق بعضهم بعضا كانوا جميعا حتى نزلوا على باب المسجد. فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلي ألف حديث في كل حديث ألف باب لكل باب ألف مفتاح وإني سمعت الله يقول: * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * [71 / الاسراء: 17] وإني أقسم لكم بالله ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر بإمامهم وهو ضب ولو شئت أن أسميهم فعلت قال: فلو رأيت عمرو بن حريث سقط كما تسقط السعفة وجيبا. بيان: الوجيب الاضطراب. 626 - أقول: روى الشيخ أحمد بن فهد في المهذب وغيره في غيره بأسانيدهم عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم النيروز هو اليوم الذي ظفر فيه أمير المؤمنين عليه السلام بأهل النهروان وقتل ذا الثدية.


625 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في أواخر كتاب الاختصاص ص 277 ط النجف.

[405]

[الباب الرابع والعشرون] باب سائر ما جرى بينه وبين الخوارج سوى وقعة النهران 627 - نهج: [و] من كلام له عليه السلام لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين وأعتقهم فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام: قبح الله مصقلة فعل فعل السادة وفر فرار العبيد ! ! فما أنطق مادحه حتى أسكته، ولا صدق واصفه حتى بكته، ولو أقام لاخذنا ميسوره وانتظرنا بماله وفوره. توضيح: 628 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى إبراهيم ابن محمد الثقفي في


627 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (44) من كتاب نهج البلاغة. وله مصادر أخر يجد الباحث بعضها في المختار: (299) من نهج السعادة: ج 2 ص 486 ط 1. 628 - رواه ابن أبي الحديد نقلا عن كتاب الغارات في شرح المختار: (44) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 590 طبع الحديث ببيروت، وفي طبع الحديث بمصر: ج 3 ص 128، والمصنف قد لخص القصة وما ذكرها بخصوصياتها.

[406]

كتاب الغارات ووجدته في أصل الكتاب أيضا عن الحارث بن كعب الازدي عن عمه عبد الله بن قعين (1) قال: كان الخريت بن راشد أحد بني ناجية قد شهد مع علي عليه السلام صفين فجاء إليه عليه السلام بعد انقضاء صفين وبعد تحكيم الحكمين في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يديه فقال: لا والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك وإني غدا لمفارق لك. فقال له [علي عليه السلام]: ثكلتك أمك إذا تنقض عهدك وتعصي ربك ولا تضر إلا نفسك أخبرني لم تفعل ذلك ؟ قال: لانك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم فأنا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين ! !. فقال له علي عليه السلام: ويحك هلم إلي أدارسك وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت الآن له منكر، وتبصر ما أنت الآن عنه غافل وبه جاهل. فقال الخريت فأنا غاد عليك غدا. فقال عليه السلام: أغد [إلي] ولا يستهوينك الشيطان ولا يقتحمن بك رأي السوء ولا يستخفنك للجهلات الذين لا يعلمون فو الله إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لاهدينك سبيل الرشاد. فخرج الخريت من عنده منصرفا إلى أهله. قال عبد الله بن قعين: فعجلت في أثره مسرعا لانصحه وأستعلم خبره فرأيته رجع إلى أصحابه وقال لهم: يا هؤلاء إني قد رأيت أن أفارق هذا


والحديث بتفصيله موجود تحت الرقم: (139) من تلخيص كتاب الغارات: ج 1، ص 338 ط 1. ورواه أيضا الطبري مفصلا برواية هشام بن محمد، عن أبي مخنف حوادث سنة: (38) من تاريخه: ج 1، ص 3418 / وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 113. (1) كذا في أصلي فيه وما يأتي بعد ذلك، ومثله في كتاب الغارات وشرح ابن أبي الحديد. وفي تاريخ الطبري في جميع الموارد: " عبد الله بن فقيم الازدي " وفي بعض الموارد لم يذكر لفظ " الازدي ".

[407]

الرجل. فنصحت ابن عمه ورجعت إلى بيتي فلما أصبحت وارتفع النهار أتيت أمير المؤمنين عليه السلام وأخبرته خبره فقال عليه السلام: دعه فإن قبل الحق ورجع عرفنا له ذلك وقبلناه منه. فقلت له: يا أمير المؤمنين فلم لا تأخذه الآن فتستوثق منه ؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهم من الناس ملانا السجون منهم ولا أراني يسعني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف فقال لي سرا: إذهب إلى منزل الرجل فاعلم ما فعل ؟ فأتيت منزله فإذا ليس في منزله ولا منزل أصحابه داع ولا مجيب [فأقبلت إلى أمير المؤمنين عليه السلام بقصتهم] فلما أخبرته عليه السلام قال: أبعدهم الله كما بعدت ثمود أما والله لو قد أشرعت لهم الاسنة وصبت على هامهم السيوف لقد ندموا إن الشيطان قد استهواهم وأضلهم وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم. فقام إليه زياد بن خصفة (1) فقال: يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم علينا ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك فائذن لي في اتباعهم حتى نردهم عليك إن شاء الله. فقال له عليه السلام فأخرج في آثارهم رشيدا ثم قال: أخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري وسأكتب إلى من حولي من عمالي فيهم فكتب نسخة واحدة وأخرجها إلى العمال: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرء عليه كتابي هذا من العمال أما بعد فإن رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا نظنهم خرجوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم.


(1) كذا في كتاب الغارات وشرح ابن أبي الحديد وتاريخ الطبري، وفي طبع الكمباني من البحار هاهنا وما يليه جميعا: " ابن حفصة ".

[408]

فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره وجمع أصحابه وأخذ معه منهم مائة وثلاثين رجلا وخرج حتى أتى دير أبي موسى. وروى بإسناده عن عبد الله بن وال التيمي قال: إني لعند أمير المؤمنين عليه السلام إذا يبج (1) قد جاءه يسعى بكتاب من قرظة بن كعب الانصاري وكان أحد عماله يخبره بأن خيلا مرت من قبل الكوفة متوجهة [نحو " نفر "] وأن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم وصلى يقال له زاذان فروخ فلقوه فقالوا له: أمسلم أنت ؟ قال: نعم قالوا: فما تقول في علي ؟ قال: أقول: إنه أمير المؤمنين عليه السلام وسيد البشر ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالوا: كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم ! ! وأخذوا معه رجلا من أهل الذمة يهوديا فقالوا: خلوا سبيل هذا لا سبيل لكم عليه. فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة التي مرت بعملك فقتلت البر المسلم وأمن عندهم المخالف المشرك وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا كالذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا فأسمع بهم وأبصر يوم يحشر أعمالهم فالزم عملك وأقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك والسلام. وكتب عليه السلام إلى زياد بن خصفة: أما بعد فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري وذلك أني لم أكن علمت أين توجه القوم وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية من قرى


(1) كذا في أصلي من البحار، وفي الغارات وتاريخ الطبري وشرح ابن أبي الحديد: " فيج ". أقول: هو معرب: " ييك " بمعنى الرسول والبريد، ويعبر عنه أيضا ب‍ " پيام آور " أو " پيام آور ".

[409]

السواد فاتبع آثارهم وسل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصليا فإذا أنت لحقت بهم فارددهم إلي فإن أبوا فناجزهم واستعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق وسفكوا الدم الحرام وأخافوا السبيل والسلام. قال عبد الله بن وال: فأخذت الكتاب منه عليه السلام وأنا يومئذ شاب حدث فاستأذنته أن أذهب معه إلى العدو فإذن ودعا لي فأتيت بالكتاب إليه ثم خرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه [فسألنا عنهم ؟ فقيل: أخذوا نحو المدائن] ولحقنا بالمداين فقال زياد لرئيسهم: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا ؟ قال: لم أرض بصاحبكم إماما ولم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الامة رضا كنت مع الناس. فقال: زياد ويحك وهل يجتمع الناس على رجل يداني عليا عالما بالله وبكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله مع قرابته وسابقته في الاسلام ؟ فقال له الخريت: هو ما أقول لك. فقال [زياد] ففيم قتلتم الرجال المسلم ؟ فقال الخريت: ما أنا قتلته إنما قتلته طائفة من أصحابي. قال: فادفعهم إلينا. قال: ما إلى ذلك من سبيل. قال: أو هكذا أنت فاعل ؟ قال: هو ما تسمع. قال: فدعونا أصحابنا ودعا الخريت أصحابه ثم اقتتلنا فو الله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني الله لقد تطاعنا بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقرت عامة خلينا وخيلهم وكثرت الجراح فيما بيينا وبينهم وقتل منا رجلان مولى لزياد كانت معه رايته يدعى سويدا ورجل آخر يدعى واقدا وصرع منهم خمسة نفر وحال الليل بيننا وبينهم فقد والله كرهونا وكرهناهم وهزمونا وهزمناهم وجرح زياد وجرحت ثم إنا بتنا في جانب وتنحوا فمكثوا ساعة من أول الليل ثم مضوا فذهبوا وأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا فو الله ما كرهنا ذلك فمضينا حتى أتينا البصرة وبلغنا أنهم أتوا الاهواز فنزلوا في جانب منها وتلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين فأقاموا معهم.

[410]

وكتب زياد إلى علي عليه السلام أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجي وأصحابه بالمدائن فدعوناهم إلى الهدى والحق والكلمة السواء فتولوا عن الحق وأخذتهم العزة بالاثم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدونا وصمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن أدركت الشمس واستشهد منا رجلان صالحان وأصيب منهم خمسة نفر وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح ثم إن القوم لما أدركوا الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى أرض الاهواز وقد بلغني أنهم نزلوا منها جانبا ونحن بالبصرة نداوي جراحنا وننتظر أمرك رحمك الله والسلام. فلما أتاه الكتاب قرأه على الناس فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنما كان ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوا شافتهم وقطعوا دابرهم. فقال عليه السلام له: تجهز يا معقل إليهم وندب معه ألفين من أهل الكوفة فيهم يزيد بن المعقل (1) وكتب إلى عبد الله بن العباس بالبصرة. أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة فليتبع معقل بن قيس فإذا خرج من أرض البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا فإذا لقيه فمعقل أمير الفريقين فليسمع منه وليطعه ولا يخالفه ومر زياد بن خصفة فليقبل إلينا فنعم المرء زياد ونعم القبيل قبيلته (2) وكتب عليه السلام إلى زياد: أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به الناجي وأصحابه الذين طبع الله على قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم حيارى عمهون يحسبون أنهم يحسنون صنعا ووصفت ما بلغ بك وبهم الامر فأما أنت وأصحابك ؟ ؟ ؟


(1) ومثله في شرح نهج البلاغة وتاريخ الكامل لابن الاثير وفي تاريخ الطبري: " يزيد بن المغفل الازدي... ". (2) كذا في أصلي، في جميع المصادر: " ونعم القبيل قبيله ".

[411]

سعيكم وعليه جزاؤكم، وأيسر ثواب الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقتل الجاهلون انفسهم عليها " فما عندكم ينفد وما عند الله باق، ولنجزين الذين صبروا جرهم بأحسن ما كانوا يعملون " [96 / النحل: 16]. وأما عدوكم الذين لقيتم (1) فحسبهم خروجهم من الهدى وارتكاسهم في الضلالة وردهم الحق وجماحهم في التيه فذرهم وما يفترون ودعهم في طغيانهم يعمهون فأسمع بهم وأبصر فكأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل فأقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء والسلام. قال: ونزل الناجي جانبا من الاهواز واجتمع إليه علوج كثير من أهلها ممن أراد كسر الخراج وممن اللصوص وطائفة أخرى من الاعراب ترى رأيه. قال إبراهيم وروي عن عبد الله بن قعين قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع معقل فلما رأاد الخروج أتاه عليه السلام يودعه فقال له: يا معقل بن قيس اتق الله ما استطعت فإنها وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة ولا تظلم أهل الذمة ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين. فقال معقل: الله المستعان فقال [علي عليه السلام: هو] خير مستعان ثم قام [معقل] فخرج وخرجنا معه حتى نزل الاهواز فأقمنا أياما حتى بعث ابن عباس خالد ابن معدان مع جيش البصرة فدخل على صاحبنا وسلم عليه بالامرة واجتمعا جميعا في عسكر واحد ثم خرجنا إلى الناجي وأصحابه فأخذوا يرتفعون نحو جبال " رامهرمز " يريدون قلعة بها حصينة فلحقناهم وقد دنوا من الجبل فصففنا لهم ثم أقبلنا نحوهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل وعلى ميسرته منجاب بن راشد. ووقف الناجي بمن معه من العرب فكانوا ميمنة وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وجماعة من الاكراد ميسرة.


(1) كذا في أصلي وشرح ابن أبي الحديد، وفي تاريخ الطبري: " لقيتموهم ".

[412]

وسار فينا معقل يحرضنا ويقول: يا عباد الله لا تبدؤا القوم وغضوا الابصار وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب وأبشروا في قتالهم بالاجر العظيم إنما تقاتلون مارقة مرقت وعلوجا منعوا الخراج ولصوصا وأكرادا فما تنتظرون ؟ فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد. قال: فمر في الصف يكلمهم يقول هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل فوقف وسط الصف في القلب. ونظرنا إليه ما يصنع فحرك رايته تحريكتين ثم حمل في الثالثة وحملنا معه جميعا فو الله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا وانهزموا وقتلنا سبعين عربيا من بني ناجية ومن بعض من اتبعه من العرب ونحو ثلثمائة من العلوج والاكراد. وخرج الخريت منهزما حتى لحق بسيف من أسياف البحر وبها جماعة من قومه كثير فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي عليه السلام ويزين لهم فراقه ويخبرهم أن الهدى في حربه ومخالفته حتى اتبعه منهم ناس كثير. وأقام معقل بن قيس بأرض الاهواز وكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام بالفتح وكنت أنا الذي قدم بالكتاب عليه وكان في الكتاب. لعبدالله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس بأرض الاهواز وكتب إلى أمير المؤمنين لعبدالله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا لقينا المارقين وقد استظهروا علينا بالمشركين فقتلنا منهم ناسا كثيرا ولم نعد فيهم سيرتك لم نقتل منهم مدبرا ولا اسيرا ولم ندفف منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين والحمد لله رب العالمين. قال: فلما قدمت بالكتاب على علي عليه السلام قرأه على أصحابه واستشارهم في الرأي فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد قالوا: نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس يتبع آثارهم ولا يزال في طلبهم حتى يقتلهم أو

[413]

ينفيهم من أرض الاسلام فإنا لا نأمن أن يفسدوا عليك الناس. قال: فردني إليه وكتب معي: أما بعد فالحمد لله على تأييده أولياء وخذله أعداءه جزاك الله والمسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء وقضيتم ما عليكم فاسأل عن أخي بني ناجية فإن بلغك أنه استقر في بلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فإنه لم يزل للمسلمين عدوا وللفاسقين وليا والسلام. قال: فسأل معقل عن مسيره والمكان الذي انتهى إليه فنبئ بمكانه بسيف البحر بفارس وأنه أفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضا. فصار إليهم معقل في ذلك الجيش من أهل الكوفة والبصرة فأخذوا على أرض فارس حتى انتهوا إلى أسياف البحر. فلما سمع الخريت بمسيره أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج فأسر إليهم أني أرى رأيكم وأن عليا ما كان ينبغي له أن يحكم الرجال في دين الله وقال للآخرين من أصحابه مسرا إليهم: إن عليا قد حكم حكما وورضي به فخالف حكمه الذي ارتضاه لنفسه وهذا الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وقال: لمن يرى رأي عثمان وأصحابه: أنا على رأيكم وإن عثمان قتل مظلوما وقال لمن منع الصدقة شدوا أيديكم على صدقاتكم ثم صلوا بها أرحامكم وعودوا إن شئتم على فقرائكم فأرضي كل طائفة بضرب من القول. وكان فيهم نصارى كثير أسلموا فلما رأوا ذلك الاختلاف قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خير وأهدى من دين هؤلاء الذين لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء وإخافة السبل فرجعوا إلى دينهم فلقي الخريت أولئك فقال: ويحكم إنه لا ينجيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم ولقتالهم أتدرون ما حكم علي فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى النصرانية لا والله لا يسمع له قولا ولا يرى له عذرا ولا دعوة ولا يقبل منه توبة ولا يدعوه إليها وإن

[414]

حكمه فيه أن يضرب عنقه ساعة يستمكن منه ؟ !. فما زال حتى خدعهم فاجتمع إليه ناس كثير وكان منكرا داهيا. فلما رجع معقل قرأ على أصحابه كتابا من علي عليه السلام فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين والمؤمنين والمارقين والنصارى والمرتدين سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وافيا بعهد الله ولم يكن من الخائنين أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن أعمل فيكم بالحق وبما أمر الله تعالى به في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله وكف يده واعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله ورسوله والمسلمين وسعى في الارض فسادا فله الامان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه وجعلناه بيننا وبينه وكفى بالله وليا والسلام. قال: فأخرج معقل راية أمان فنصبها وقال: من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين نابذوا أول مرة. فتفرق عن الخريت كل من كان معه من غير قومه. وعبأ معقل أصحابه ثم زحف بهم نحوه وقد حضر مع الخريت جميع قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانعوا الصدقة منهم فجعل مسلميهم ميمنة والنصارى ومانعي الصدقة ميسرة. وسار معقل يحرض أصحابه فيما بين الميمنة والميسرة ويقول: أيها الناس ما تدرون ما سيق إليكم في هذا الموقف من الاجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة وارتدوا عن الاسلام ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا إني شهيد لمن قتل منكم بالجنة ومن عاش بأن الله يقر عينه بالفتح والغنيمة. ففعل ذلك حتى مر بالناس أجمعين ثم وقف بالقلب برأيته فحملت

[415]

الميمنة عليهم ثم الميسرة وثبتوا لهم وقاتلوا قتالا شديدا ثم حمل هو وأصحابه عليهم فصبروا لهم ساعة. ثم إن النعمان بن صهبان بصر بالخريت فحمل عليه فضربه فصرعه عن فرسه ثم نزل إليه وقد جرحه فاختلفا بينهما ضربتين فقتله النعمان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة وذهب الباقون في الارض يمينا وشمالا. وبعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبا من أدرك فيها رجالا ونساءا وصبيانا ثم نظر فيهم فمن كان مسلما خلاه وأخذ بيعته وخلى سبيل عياله ومن كان ارتد عن الاسلام عرض عليه الرجوع إلى الاسلام أو القتل فأسلموا فخلى سبيلهم وسبيل عيالاتهم إلا شيخا منهم نصرانيا أبى فقتله. وجمع الناس فقال: أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين وعمد إلى النصارى وعيالاتهم فاحتملهم معه وأقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا ودعا الرجال والنساء بعضهم إلى بعض قال: فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم ولا بعدهم. وكتب معقل إلى علي عليه السلام: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعن عدوهم أنا دفعنا إلى عدونا بأسياف البحر فوجدنا بها قبائل ذات حد وعدد وقد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الجماعة والطاعة وإلى حكم الكتاب والسنة وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ورفعنا لهم راية أمان فمالت طائفة منهم إلينا وثبتت طائفة أخرى فقبلنا أمر التي أقبلت وصمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه وأخذنا بيعته لامير المؤمنين وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم وأما من ارتد فعرضنا عليهم الرجوع إلى الاسلام وإلا قتلناهم فرجعوا إلى الاسلام غير رجل واحد فقتلناه. وأما النصارى فإنا سبيناهم وأقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة كيلا يمنعوا الجزية ولا يجترؤا على قتال أهل القبلة وهم للصغار والذلة

[416]

أهل، رحمك الله يا أمير المؤمنين وأوجب لك جنات النعيم والسلام. قال: ثم أقبل بالاسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامل لعلي عليه السلام على أردشير خرة وهم خمس مائة انسان فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح الرجال يا أبا الفضل يا حامل الثقل يا مأوي الضعيف وفكاك العناة امنن علينا فاشترنا وأعتقنا. فقال مصقلة: أقسم بالله لاتصدقن عليهم إن الله يجزي المتصدقين فبلغ قوله معقلا فقال: والله لو أعلمه قالها توجعا لهم ووجدا عليهم ازراء علي لضربت عنقه وإن كان في ذلك فناء بني تميم وبكر بن وائل. ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث إلى معقل فقال: بعني نصارى بني ناجية فقال: أبيعكم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يرواضه حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم ودفعهم إليه وقال: عجل بالمال إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال مصقلة: أنا باعث الآن بصدر منه ثم كذلك حتى لا يبقى منه شئ. وأقبل معقل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما كان من الامر فقال: أحسنت وأصبت ووفقت. وانتظر علي عليه السلام مصقلة أن يبعث بالمال فأبطأ به وبلغ عليا عليه السلام أن مصقلة خلى الاسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ فقال: ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة ولا أراكم إلا وسترونه عن قريب مبلدحا ثم كتب إليه أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الامة وأعظم الغش على أهل المصر غش الامام وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم فابعث بها إلي حين يأتيك رسولي وإلا فاقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي أن لا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال والسلام. فلما قرأ كتابه أتاه عليه السلام بالكوفة فأقره أياما لم يذكر له شيئا ثم سأله

[417]

المال فأدى إليه مائتي ألف درهم وعجز عن الباقي ففر ولحق بمعاوية فلما بلغ ذلك عليا عليه السلام قال: ماله ترحه الله فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر فلو عجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإن لم نجد له مالا تركناه. ثم سار علي عليه السلام إلى داره فهدمها وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعة لعلي عليه السلام مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له حلوان: أما بعد فإني كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة ومناك الامارة فأقبل ساعة تلقى رسولي والسلام. فأخذه مالك بن كعب الارحبي فسرح به إلى علي عليه السلام فأخذ كتابه فقرأه ثم قدمه فقطع يده فمات وكتب نعيم إلى مصقلة شعرا يتضمن امتناعه وتعييره. وحدثني ابن أبي سيف عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: قيل لعلي عليه السلام حين هرب مصقلة: اردد الذين سبوا ولم يستوف أثمانهم في الرق فقال: ليس ذلك في القضاء بحق قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم وصار مالي دينا على الذي اشتراهم. قال إبراهيم: وروى عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أنه لما بلغ عليا عليه السلام مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قال: هوت أمه ما كان أنقص عقله وأجرأه ! إنه جائني مرة فقال: إن في أصحابك رجالا قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم ؟ فقلت: إني لا آخذ على التهمة ولا أعاقب على الظن ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر العداوة لي ثم لست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه فإن تاب ورجع قبلنا منه وإن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه وناجزناه فكف عني ما شاء الله حتى جاءني مرة أخرى فقال لي: إني خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب وزيد بن حصين الطائي إني سمعتهما يذكرانك بأشياء

[418]

لو سمعتهما لم تفارقهما حتى تقتلهما أو توثقهما فلا يزالان بمحبسك ابدا فقلت له: إني مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به ؟ قال: إني آمرك أن تدعوهما فتضرب رقابهما ؟ فعلمت أنه لا ورع له ولا عقل فقلت له: والله ما أظن لك ورعا ولا عقلا لقد كان ينبغي لك أن تعلم أني لا أقتل من لم يقاتلني ولم يظاهر لي عداوته بالذي كنت أعلمتكه من رأيي حيث جئتني في المرة الاولى ولقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول لي اتق الله بهم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك. توضيح: قوله عليه السلام " أدركت الشمس " لعله كناية عن الغروب أي أدركت مغربها كأنها تطلبه وفي بعض النسخ " دلكت " وهو أصوب. قال في القاموس: دلكت الشمس دلوكا: غربت واصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. والسيف بالكسر: ساحل البحر والجمع أسياف. والنكر والنكراء والنكارة: الدهاء والفطنة يقال: رجل نكر كفرح وندب وجنب ومنكر كمكرم أي ذو نكرة. والدهى: جودة الرأي كالدهاء يقال: رجل داهية وداه. قوله " عقالين " أي صدقة عامين قال الفيروز آبادي: العقال ككتاب زكاة عام من الابل وقال: بلدح: ضرب بنفسه الارض ووعد ولم ينجز العدة. وقال ابن الاثير في الكامل: لما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على علي عليه السلام بالدسكرة في مائتين ثم سار إلى الانبار فوجه إليه علي عليه السلام الاشرس بن حسان في ثلاثمائة فواقعه فقتل الاشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين. ثم خرج هلال بن علقمة من بني تيم الرباب ومعه اخوه مجالد فاتى " ما سندان " فوجه إليه علي عليه السلام معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل اصحابه وهم اكثر من مأتين. ثم خرج أشهب بن بشر وهو من بجيلة في مائة وثمانين رجلا فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه وصلى عليهم ودفن من قدر عليه منهم فوجه

[419]

إليه علي عليه السلام جارية بن قدامة السعدي وقيل حجر بن عدي فأقبل إليهم الاشهب فاقتتلوا بجرجرايا فقتل الاشهب وأصحابه. ثم خرج سعيد بن قفل التيمي في رجب بالبند نيجين ومعه مائتا رجل فأتي درزنجان وهي من المدائن على فرسخين فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم. ثم خرج أبو مريم السعدي فأتى شهرزور وأكثر من معه من الموالي وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة هو أحدهم واجتمع معه مائتا رجل وقيل أربعمائة وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة فأرسل إليهم علي عليه السلام يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة فلم يفعل وقال: ليس بيننا غير الحرب فبعث عليه السلام إليه شريح بن هانئ في سبعمائة فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين فانحاز إلى قرية فتراجع إليه بعض أصحابه ودخل الباقون الكوفة. فخرج علي عليه السلام بنفسه وقدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي فدعاهم جارية إلى طاعة علي وحذرهم القتل فلم يجيبوا ولحقهم علي عليه السلام أيضا فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه فقتلهم أصحاب علي عليه السلام ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى فأمر علي عليه السلام بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برؤا.

[421]

[الباب الخامس والعشرون] باب إبطال مذهب الخوارج واحتجاجات الائمة عليهم السلام وأصحابهم عليهم 629 - قب في حلية الاولياء: قال أبو مجلر: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: عابوا علي تحكيم الحكمين وقد حكم الله في طائر حكمين. إبانة أبي عبد الله ابن بطة: ناظر ابن عباس جماعة الحرورية فقال: ماذا نقمتم على أمير المؤمنين ؟ قالوا: ثلاثا إنه حكم الرجال في دين الله فكفر به، وقاتل ولم يغنم ولم يسب ومحى اسمه من إمرة المؤمنين. فقال: إن الله حكم رجالا في أمر الله مثل قتل صيد فقال: " يحكم به ذوا عدل منكم " وفي الاصلاح بين الزوجين قال: " فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ". وأما إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم وإن قلتم ليست بأمنا


629 - رواه ابن شهر آشوب رحمه الله في عنوان: " الرد على الخوارج " قبيل العنوان: " فصل في مسائل وأجوبة " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 232 ط النجف.

[422]

فقد كذبتم لقوله: " وأزواجه أمهاتهكم " وأما أنه محى إسمه من إمرة المؤمنين فقد سمعتم بأن النبي صلى الله عليه وآله أتاه سهيل بن عمرو وأبو سفيان للصلح يوم الحديبية فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله القصة ووالله لرسول الله صلى الله عليه وآله خير من علي وما خرج من النبوة بذلك. فقال بعضهم: هذا من الذين قال الله تعالى: * (بل هم قوم خصمون) * وقال * (وتنذر به قوما لدا) * قال: ورجع منهم خلق كثير. وناظر عبد الله بن يزيد الاباضي هشام بن الحكم قبل الرشيد فقال هشام: إنه لا مسألة للخوارج علينا فقال الاباضي: كيف ذاك ؟ قال: لانكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل وتعديله والاقامة بإمامته وفضله ثم فارقتمونا في عداوته والبراءة منه فنحن على إجماعنا وشهادتكم لنا وخلافكم لنا غير قادح في مذهبنا ودعواكم غير مقبولة علينا إذ الاختلاف لا يقابل بالاتفاق وشهادة الخصم لخصمه مقبولة وشهادته عليه مردودة غير مقبولة. فقال يحيى بن خالد: قد قرب قطعه ولكن جاره شيئا فقال هشام: ربما انتهى الكلام إلى حد يغمض ويدق عن الافهام، والانصاف بالواسطة والواسطة إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه العصبية لي وإن كان من أصحابك لم أجبه في الحكم علي وإن كان مخالفا لنا جميعا لم يكن مأمونا علي ولا عليك ولكن يكون رجلا من أصحابي ورجلا من أصحابك فينظران فيما بيننا قال: نعم فقال هشام: لم يبق معه شئ. ثم قال: إن هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أمير المؤمنين حتى كان من أمر الحكمين ما كان فأكفروه بالتحكيم وضللوه بذلك، والآن هذا الشيخ قد حكم رجلين مختلفين في مذهبهما أحدهما يكفره والآخر يعدله فإن كان مصيبا في ذلك فأمير المؤمنين أولى بالصواب وإن كان مخطئا فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها والنظر في كفره وإيمانه أولى من النظر في إكفاره عليا عليه السلام.

[423]

فاستحسن الرشيد ذلك وأمر له بجائزة. وقال الطاقي للضحاك الشاري لما خرج من الكوفة محكما وتسمى بإمرة المؤمنين: لم تبرأتم من علي بن أبي طالب واستحللتم قتاله ؟ قال: لانه حكم في دين الله قال: وكل من حكم في دين الله استحللتم قتله ؟ قال: نعم قال: فأخبرني عن الدين الذي جئت به أناظرك عليه لادخل فيه معك إن علت حجتك حجتي ؟ قال: فمن شهد للمصيب بصوابه لابد لنا من عالم يحكم بيننا قال: لقد حكمت يا هذا في الدين الذي جئت به أناظرك فيه قال: نعم فأقبل الطاقي على أصحابه فقال: إن هذا صاحبكم قد حكم في دين الله فشأنكم به فضربوا الضحاك بأسيافهم. 630 - قب: لما قيل لامير المؤمنين عليه السلام في الحكمين: شككت قال عليه السلام: أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلى الله عليه وآله أو قال الله تعالى لرسوله * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين) *. 631 - شي: عن يزيد بن رومان قال: دخل نافع بن الازرق المسجد الحرام والحسين بن علي مع عبد الله بن عباس في الحجر فجلس إليهما ثم قال: يا ابن عباس صف لي إلهك الذي تعبده فأطرق ابن عباس طويلا مستبطئا


630 - رواه ابن شهر أشوب في مناقب آل أبي طالب. 631 - رواه العياشي رحمه الله في تفسير الآية: (82) من سورة الكهف من تفسيره. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية الكريمة من سورة الكهف من تفسير البرهان: ج 2 ص 478 ط 3. ورواه أيضا الشيخ الصدوق رحمه الله في باب التوحيد ونفي الشريك من كتاب التوحيد، ص 79، ح 35. ورواه عنه المجلسي في البحار: ج 4 ص 297 ط 1. ورواه الحافظ ابن عساكر بسندين عن عكرمة في الحديث: (203) من ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق: ج 13، ص 157، ط 1.

[424]

بقوله فقال له الحسين إلي يا ابن الازرق المتورط في الضلالة المرتكس في الجهالة أجيبك عما سألت عنه فقال: ما إياك سألت فتجيبني فقال له ابن عباس: مه سل ابن رسول الله فإنه من أهل بيت النبوة ومعه من الحكمة فقال له: صف لي فقال: أصفه بما وصف به نفسه وأعرفه بما عرف به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس قريب غير ملزق وبعيد غير متقص يوحد ولا يبعض لا إله إلا هو الكبير المتعال. قال: فبكى ابن الازرق بكاء شديدا فقال له الحسين عليه السلام: ما يبكيك ؟ قال: بكيت من حسن وصفك قال يا ابن الازرق إني أخبرت أنك تكفر أبي وأخي وتكفرني ! قال له نافع لئن قلت ذاك لقد كنتم الحكام ومعالم الاسلام فلما بدلتم استبدلنا بكم فقال له الحسين: يا ابن الازرق أسألك عن مسألة فأجبني عن قول الله لا إله إلا هو: * (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما) * إلى قوله * (كنزهما) * من حفظ فيهما ؟ قال: أبوهما. قال: فأيهما أفضل أبوهما أم رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة ؟ قال: لا بل رسول الله وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فما حفظنا حتى حال بيننا وبين الكفر. فنهض [ابن الازرق] ثم نفض ثوبه ثم قال: قد نبأنا الله عنكم معشر قريش أنتم قوم خصمون. 632 - شي: عن إمام بن ربعي قال: قام ابن الكوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني عن قول الله * (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * قال: أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم وابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم وما أهل النهر منهم ببعيد. وعن أبي الطفيل قال: منهم أهل النهر وفي رواية أخرى عن أبي الطفيل:


632 - رواه العياشي في تفسير الآية: (103) من سورة الكهف من تفسيره. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية الكريمة من سورة الكهف من تفسير البرهان: ج 2 ص 495 ط 3.

[425]

أولئك أهل حروراء وعن عكرمة. 633 - فس: أبي عن ابن محبوب عن الثمالي عن أبي الربيع قال: حججت مع أبي جعفر عليه السلام في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع بن الازرق مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال لهشام: يا أمير المؤمنين من هذا الذي تكافأ عليه الناس ؟ قال: هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم أفضل الصلوات واكمل التحيات. فقال نافع: لآتينه ولاسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي قال: فاذهب إليه فاسأله لعلك تخجله فجاء نافع حتى اتكأ على الناس فأشرف على أبي جعفر عليه السلام فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي فرفع أبو جعفر رأسه فقال: سل عما بدا لك قال: أخبرني كم كان بين عيسى ومحمد من سنة ؟ فقال: أخبرك بقولك أو بقولي ؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا. قال: أما في قولي فخمسمائة سنة وأما قولك فست مائة سنة فقال أخبرني عن قول الله: * (واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) * [[45 / الزخرف] من ذا الذي سأله محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة ؟ قال: فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) * كان من الآيات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حيث أسرى به إلى بيت المقدس أنه حشر الله الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم


633 - رواه علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسير الآية: (50) من سورة الاعراف من تفسيره. ورواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه بسند آخر. ورواه البحراني عنهما في تفسير الآية: (50) من سورة الاعراف من تفسير البرهان: ج 2 ص 21 ط 3.

[426]

أمر جبرائيل عليه السلام فأذن شفعا وأقام شفعا وقال في إقامته حي على خير العمل ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم فلما انصرف قال الله له: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن لهة يعبدون ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله [للرسل] علام تشهدون وما كنتم تعبدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر فأخبرني عن قول الله تبارك وتعالى: * (يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات) * [41 / إبراهيم: 4] أي أرض تبدل ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: [تبدل أرضنا] بخبزة بيضاء يأكلون منها حتى يفرغ الله من حساب الخلائق. فقال نافع: إنهم عن الاكل لمشغولون. فقال أبو جعفر: أهم حينئذ أشغل أم وهم في النار فقال نافع: بل وهم في النار قال: فقد قال الله: " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " [50 / الاعراف: 17] ما شغلهم أليم عذاب النار عن أن دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحميم ! ! فقال صدقت يا ابن رسول الله وبقيت مسألة واحدة فقال: وما هي قال. أخبرني عن الله متى كان ؟ قال: ويلك أخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى كان سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ثم قال: يا نافع أخبرني عما أسألك عنه فقال: هات يا أبا جعفر قال: ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت أي رجعت إلى الحق وإن قلت: إنه قتلهم باطلا فقد كفرت. قال: فولى عنه وهو يقول: أنت والله أعلم الناس حقا حقا. ثم أتى هشام بن عبد الملك فقال له: ما صنعت ؟ قال: دعني من كلامك هو والله أعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله حقا حقا ويحق لاصحابه أن يتخذوه نبيا.

[427]

634 - ج: عن الثمالي عن ابي الربيع مثله. بيان: قال الفيروز آبادي: كافاه: دافعه قوله عليه السلام: " فقد كفرت " أي لانكار الخبر المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أمر أمير المؤمنين عليه السلام بقتال الفرق الثلاث وأنه سماهم مارقين. 635 - ضه شاج: روي أن نافع بن الازرق جاء إلى محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال والحرام فقال له أبو جعفر عليه السلام في عرض كلامه: قل لهذه المارقة بما استحللتم فراق أمير المؤمنين عليه السلام وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى الله تعالى بنصرته ؟ فسيقولون لك: إنه حكم في دين الله فقل لهم: قد حكم الله تعالى في شريعة نبيه رجلين من خلقه فقال جل اسمه: " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم فيها بما أمضاه الله تعالى أو ما علمتم أن أمير المؤمنين إنما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدياه واشترط رد ما خالف القرآن من أحكام الرجال وقال حين قالوا له: " حكمت على نفسك من حكم عليك " فقال: " ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت كتاب الله " فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن واشترط


634 - رواه الطبرسي رحمه الله في احتجاجات الامام الباقر عليه السلام من كتاب الاحتجاج ص 325 ط بيروت. 635 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في فضائل الامام الباقر عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 265 ط النجف. ورواه الطبرسي في احتجاجات الامام الباقر عليه السلام من كتاب الاحتجاج ص 324 ط بيروت. ورواه الفتال رحمه الله في كتاب روضة الواعظين. وبمعناه رواه البحراني بأسانيد عن مصادر في تفسير الآية: (48) من سورة إبراهيم من تفسير البرهان: ج 2 ص 322.

[428]

رد ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان فقال نافع بن الازرق هذا والله كلام لم يمر بمسمعي قط ولا خطر مني ببال وهو الحق إنشاء الله.

[429]

[الباب السادس والعشرون] باب ما جرى بينه صلوات الله عليه وبين ابن الكواء وأضرابه لعنهم الله وحكم قتال الخوارج بعده عليه السلام 636 - ع ابن الوليد عن الصفار عن ابن هاشم عن ابن المغيرة عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال: ذكرت الحرورية عند علي بن أبي طالب عليه السلام: قال: إن خرجوا من جماعة أو على إمام عادل فقاتلوهم وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإن لهم في ذلك مقالا. 637 - فس: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يصلي وابن الكواء خلفه وأمير المؤمنين عليه السلام يقرأ فقال ابن الكواء: * (ولقد أوحي إليك وإلى) *


636 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الحديث: (71) من باب نوادر العلل - وهو الباب الاخير - من كتاب علل الشرائع: ج 2 ص 603. 637 - رواه علي بن إبراهيم رفع الله مقامه في تفسير الآية: (60) من سورة الروم من تفسيره. رواه أيضا الشيخ الطوسي مسندا في كتاب التهذيب. ورواه عنهما البحراني في تفسير الآية: 60 من سورة الروم في تفسير البرهان: ج 3 ص 268 ط 3. ورواه عن طريق آخر ابن أبي الحديد في آخر شرحه على المختار: (40) من نهج البلاغة -: ج 1، ص 491 ط الحديث ببيروت.

[430]

الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * [65 / الزمر: 39] فسكت أمير المؤمنين عليه السلام حتى سكت ابن الكواء ثم عاد في قراءته حتى فعله ابن الكواء ثلاث مرات فلما كان في الثالثة قال أمير المؤمنين: * (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) * [60 / الروم]. 638 - يج [شي " خ ل "]: روي أن ابن الكواء قال لعلي عليه السلام أين كنت حيث ذكر الله أبا بكر فقال: * (ثاني اثنين إذ هما في الغار * فقال عليه السلام ويلك يا ابن الكواء كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طرح على ريطته فأقبل علي قريش مع كل رجل منهم هراوة فيها شوكها فلم يبصروا رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبلوا علي يضربوني حتى تنفط جسدي وأوثقوني بالحديد وجعلوني في بيت واستوثقوا الباب بقفل وجاءوا بعجوز تحرس الباب فسمعت صوتا يقول: يا علي فسكن الوجع فلن أجده وسمعت صوتا آخر يقول: يا علي فإذا الحديد الذي علي قد تقطع ثم سمعت صوتا يا علي فإذا الباب فتح وخرجت والعجوز لا تعقل. بيان: قال في القاموس: الريطة كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد وقطعة واحدة أو كل ثوب لين رقيق. والهراوة بالكسر: العصا. والنفطة: الجدري والبثرة. 639 - يب الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكواء وهو خلفه " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن


638 - وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي رحمه الله في كتاب الخصائص. ورواه عنه السيد البحراني في الحديث (6) من تفسير الآية: (41) من سورة التوبة من تفسير البرهان: ج 2 ص 126. 639 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (39) من " باب أحكام الجماعة " من كتاب الصلاة من التهذيب: ج 3 ص 36 ط النجف.

[431]

أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فأنصت علي عليه السلام تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية ثم عاد في قراءته ثم أعاد ابن الكواء الآية فأنصت علي أيضا ثم قرأ فأعاد ابن الكواء فانصت علي ثم قال: * (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) * ثم أتم السورة ثم ركع. 640 - نهج من كلام له عليه السلام قال للاشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب فمضى في بعض كلامه شئ اعترضه الاشعث فقال: يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك ! فخفض إليه بصره ثم قال له عليه السلام: وما يدريك ما علي مما لي ؟ عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين حائك بن حائك منافق بن كافر والله لقد أسرك الكفر مرة والاسلام أخرى فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك وإن امرأ دل على قومه السيف وساق إليهم الحتف لحري أن يمقته الاقرب ولا يأمنه الابعد. قال السيد رضي الله عنه يريد عليه السلام أنه أسر في الكفرة مرة وفي الاسلام مرة. وأما قوله: " دل على قومه السيف " فأراد به حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غر فيه قومه ومكر بهم حتى أوقع بهم خالد وكان قومه يسمونه بعد ذلك عرف النار وهو اسم للغادر عندهم. بيان: قال الشراح: الكلام الذي اعترضه الاشعث أنه عليه السلام كان يذكر في خطبته أمر الحكمين فقام رجل من أصحابه وقال له: " نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا به فما ندري أي الامرين أرشد " فصفق عليه السلام إحدى يديه على الاخرى وقال: " هذا جزاء من ترك العقدة " وكان مراده عليه السلام هذا جزاؤكم إذ تركتم الرأي والحزم فظن الاشعث أنه عليه السلام أراد هذا جزائي حيث تركت الحزم والرأي. وقيل: كان مراده عليه السلام هذا جزائي حيث وافقتكم على ما ألزمتموني


640 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (19) من كتاب نهج البلاغة.

[432]

من التحكيم وكان موافقته عليه السلام لهم خوفا منهم على أن يقتلوه فجهل الاشعث أو تجاهل أن المصلحة قد تترك لامر أعظم منها فاعترضه. قوله عليه السلام: " حائك بن حائك " قيل: كان الاشعث وأبوه ينسجان برود اليمن. وقيل إنه كان من أكابر كندة وأبناء ملوكها وإنما عبر عنه عليه السلام بذلك لانه كان إذا مشى يحرك منكبيه ويفحج بين رجليه وهذه المشية تعرف بالحياكة وعلى هذا فلعل الاقرب أنه كناية عن نقصان عقله. وذكر ابن أبي الحديد (1): أن أهل اليمن يعيرون بالحياكة وليس هذا مما يخص الاشعث. وأما التعبير بالحياكة فقيل: إنه لنقصان عقولهم. وقيل: لانه مظنة الخيانة والكذب. ويمكن أن يكون المراد بالحياكة نسج الكلام فيكون كناية عن كونه كذابا. كما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه ذكر عنده عليه السلام أن الحائك ملعون فقال: إنما ذاك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله. قوله عليه السلام: " أسرك " إلى قوله: " فما فداك " أي ما نجاك من الوقوع فيها مالك ولا حسبك. ولم يرد الفداء الحقيقي فإن مرادا لما قتلت أباه خرج الاشعث طالبا بدمه فأسر ففدى نفسه بثلاثة آلاف بعير وهذا هو المراد بأسره في الكفر. وأما أسره في الاسلام فإنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ارتد بحضرموت ومنع أهلها تسليم الصدقة فبعث أبو بكر إليه زياد بن لبيد ثم أردفه بعكرمة بن أبي جهل في جم غفير من المسلمين فقاتلهم الاشعث بقبائل


(1) ذكره وما بعده ابن أبي الحديد في شرح المختار: (19) من نهج البلاغة: ج 1، ص 239 ط الحديث ببيروت.

[433]

كندة قتالا شديدا فالتجأ بقومه إلى حصنهم وبلغ بهم جهد العطش فبعث إلى زياد يطلب منه الامان لاهله ولبعض قومه ولم يطلبه لنفسه فلما نزل أسره زياد وبعث به مقيدا إلى أبي بكر فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة. قوله عليه السلام: " دل على قومه " قال ابن ميثم: إشارة إلى غدره بقومه فإن الاشعث لما طلب الامان من زياد طلبه لنفر يسير من وجوه قومه فظن الباقون أنه طلبه لجميعهم فنزلوا على ذلك الظن فلما دخل زياد الحصن ذكروه الامان فقال: إن الاشعث لم يطلب الامان إلا لعشرة من قومه فقتل منهم من قتل حتى وافاه كتاب أبي بكر بالكف عنهم وحملهم إليه فحملهم. وقال ابن أبي الحديد فيما ذكره السيد لم نعرف في التواريخ هذا ولا شبهه وابن كندة واليمامة، كندة باليمن واليمامة لبني حنيفة ولا أعلم من أين نقله السيد رضي - الله عنه. 641 - نهج وقال عليه السلام لما قتل الخوارج فقيل له: يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم فقال عليه السلام: كلا والله إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء وكلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين. توضيح: القرار والقرارة بالفتح ما قر فيه شئ وسكن. والمراد هنا الارحام. ونجم كنصر: ظهر وطلع. والقرن كناية عن الرئيس. وهو في الانسان موضع قرن الحيوان من رأسه، وقطع القرن: استيصال رؤسائهم وقتلهم. واللصوص بالضم جمع لص مثلثة. والسلب: الاختلاس. روي أن جماعة من الخوارج لم يحضروا القتال ولم يظفر بهم أمير المؤمنين عليه السلام وأما المفلتون من القتل فانهزم إثنان منهم إلى عمان واثنان إلى كرمان واثنان إلى سجستان وإثنان إلى الجزيرة وواحد إلى تل موزن فظهرت بدعهم في البلاد وصاروا نحوا من عشرين فرقة.


641 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (60) من كتاب نهج البلاغة. (*)

[434]

وكبارها ست: الازارقة أصحاب نافع بن الازرق وهم أكبر الفرق غلبوا على الاهواز وبعض بلاد فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير. والنجدات رئيسهم نجدة بن عامر الحنفي. والبيهسية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر وكان بالحجاز وقتل في زمن الوليد. والعجاردة أصحاب عبد الكريم بن عجرد. والاباضية أصحاب عبد الله بن أباض قتل في أيام مروان بن محمد. والثعالبة أصحاب ثعلبة بن عامر وتفصيل خرافاتهم مذكور في كتب المقالات. 642 - نهج: وقال عليه السلام في الخوارج: لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه - يعني معاوية وأصحابه. بيان: لعل المراد: لا تقتلوا الخوارج بعدي ما دام ملك معاوية وأضرابه كما يظهر من التعليل وقد كان يسبه عليه السلام ويبرأ منه في الجمع والاعياد ولم يكن إنكاره للحق عن شبهة كالخوارج ولم يظهر منهم من الفسوق ما ظهر منه ولم يكن مجتهدا في العبادة وحفظ قوانين الشرع مثلهم فكان أولى بالجهاد. 643 - نهج: روي أنه عليه السلام كان جالسا في أصحابه إذ مرت به إمرأة جميلة فرممها القوم بأبصارهم فقال عليه السلام: إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم


642 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (61) من كتاب نهج البلاغة. 643 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (420) من باب قصار كلام أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة.

[435]

إلى إمرأة تعجبه فليلمس أهله فإنما هي امرأة كامرأة. فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافرا ما أفقهه ! ! فوثب القوب ليقتلوه فقال عليه السلام: رويدا إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب. بيان: فلمح بصره: امتد وعلا ذكره في النهاية وقال: هب التيس أي هاج للسفاد يقال هب يهب هبيبا وهبابا. 644 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي عن زيد بن وهب قال: قدم على علي عليه السلام وفد من أهل البصرة فيهم رجل من رؤساء الخوارج يقال له الجعد بن نعجة وقال له في لباسه فقال: هذا أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم. فقال له اتق الله فإنك ميت قال: ميت بل والله قتلا ضربة على هذه تخضب هذه قضاءا مقضيا وعهدا معهودا وقد خاب من افترى.


644 - ذكره الثقفي رحمه الله في الحديث: (65) من كتاب تلخيص الغارات: ج 1، ص 108، ط 1. وذكر ذيله في الحديث الاول منه ص 7، وفي ص 30. ورواه عنه الشيخ النوري رحمه الله في عنوان: " استحباب التواضع في الملابس " من كتاب الصلاة من المستدرك: ج 1، ص 210. وللحديث مصادر كثيرة يجد الباحث بعضها في الحديث: (31) وما بعده من فضائل علي عليه السلام وتعليقها من كتاب الفضائل ص 22 ط 1، وفيه: " الجعد بن بعجة ".

[437]

[الباب السابع والعشرون] باب ما ظهر من معجزاته بعد رجوعه صلوات الله عليه من قتال الخوارج 645 - ما المفيد عن علي بن بلال عن إسماعيل بن علي الخزاعي عن أبيه عن عيسى بن حميد الطائي عن أبيه عن علي بن الحسين بن علي بن الحسين عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا عنها فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة فلما أتى موضعا من أرضها قال: ما هذه الارض ؟ قيل: أرض " نجرا " فقال: أرض سباخ جنبوا ويمنوا فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة فقال له: يا راهب أنزل ها هنا ؟ فقال له الراهب: لا تنزل هذه


645 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (42) من الجزء (7) من أماليه: ج 1، ص 202 ط بيروت. ورواه أيضا ابن شهر اشوب على وجوه في عنوان: " إخباره [عليه السلام] بالغيب " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 100.

[438]

الارض بجيشك. قال: ولم ؟ قال لانه لا ينزلها إلا نبي أو وصي بني بجيشه يقاتل في سبيل الله عزوجل هكذا نجد في كتبنا. فقال أمير المؤمنين عليه السلام فأنا وصي سيد الانبياء وسيد الاوصياء. فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش ووصي محمد صلى الله عليه وآله فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك فنزل الراهب إليه فقال: خذ علي شرائع الاسلام إني وجدت في الانجيل نعتك وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى عليه السلام فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قف ولا تخبرنا بشئ ثم أتى موضعا فقال: الكزوا هذا فلكزه برجله عليه السلام فانبجست عين خرارة فقال: هذه عين مريم التي انبعث لها ثم قال: اكشفوا هاهنا على سبعة عشر ذراعا فكشف فإذا بصخرة بيضاء فقال عليه السلام: على هذه وضعت مريم عيسى من عاتقها وصلت هاهنا فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة وصلى إليها وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة ثم قال: أرض براثا هذا بيت مريم عليها السلام هذا الموضع المقدس صلى فيه الانبياء. قال أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام ولقد وجدنا أنه صلى فيه إبراهيم قبل عيسى عليه السلام. توضيح [قال الفيروز آبادي] في القاموس: الزوراء: دجلة وبغداد لان أبوابها الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة والبعيدة: من الاراضي. وقال: الصلع محركة: إنحسار شعر مقدم الرأس. وقال: براثا قرية من نهر الملك أو محلة عتيقة بالجانب الغربي وجامع براثا معروف. واللكز: الدفع بالكف استعمل هنا مجازا في الضرب بالرجل. وقال في النهاية: فيه: وإذا بعين خرارة أي كثيرة الجريان. قوله: " على دعوة " أي مقدار ما يسمع دعاء رجل رجل. 646 - يب روى جابر بن عبد الله الانصاري أنه قال: صلى بنا علي عليه السلام ببراثا بعد رجوعه من قتال الشراة ونحن زهاء مائة ألف رجل

[439]

فنزل نصراني من صومعته فقال: أين عميد هذا الجيش ؟ فقلنا: هذا فأقبل إليه فسلم عليه ثم قال: يا سيدي أنت نبي ؟ قال: لا النبي سيدي قد مات. قال: فأنت وصي نبي قال: نعم ثم قال: اجلس كيف سألت عن هذا ؟ قال: إنما بنيت هذه الصومعة من أجل هذا الموضع وهو براثا وقرأت في الكتب المنزلة أنه لا يصلي في هذا الموضع بذا الجمع إلا نبي أو وصي نبي وقد جئت أن أسلم فأسلم وخرج معنا إلى الكوفة. فقال له علي عليه السلام: فمن صلى هاهنا ؟ قال: صلى عيسى بن مريم وأمه فقال له عليه السلام: فأفيدك من صلى هاهنا ؟ قال: نعم قال: الخليل عليه السلام. بيان: قال الجوهري: الشراة: الخوارج الواحد شار سموا بذلك لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة حين فارقنا الائمة الجائرة. وقال: هم زهاء مائة أي قدر مائة. وقال عميد القوم وعمودهم: سيدهم. 647 - كنز محمد بن العباس عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن عبد الله بن يحيى عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي المقدام: عن جويرية بن مسهر قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد قتل الخوارج حتى إذا صرنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر فنزل أمير المؤمنين عليه السلام ونزل الناس فقال: أيها الناس إن هذه أرض ملعونة وقد عذبت من الدهر ثلاث مرات وهي إحدى المؤتفكات وهي أول أرض عبد فيها وثن وإنه لا يحل لنبي ولا وصي نبي أن يصلي بها فأمر الناس فمالوا إلى جنبي الطريق يصلون وركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فمضى


646 - رواه الشيخ في التهذيب، ج 3، ص 264، ط النجف. 647 - تأويل الآيات الباهرة للنجفي في ذيل الآية 52 من سورة الحاقة. ورواه المجلسي ثانية في البحار، ج 41، ص 168 عنه وعن الروضة والفضائل لابن شاذان والبصائر والعلل، فراجع. ورواه الراوندي في الخرائج، ص 206.

[440]

عليها. قال جويرية: فقلت والله لاتبعن أمير المؤمنين ولاقلدنه صلاتي اليوم قال: فمضيت خلفه فو الله ما جزنا جسر سوراء حتى غابت الشمس قال: فسببته أو هممت أن أسبه قال فالتفت وقال: جويرية ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: فنزل ناحية فتوضأ ثم قام فنطق بكلام لا أحسبه إلا بالعبرانية ثم نادى بالصلاة قال: فنظرت والله إلى الشمس قد خرجت من جبلين لها صرير فصلى العصر وصليت معه فلما فرغنا من صلاتنا عاد الليل كما كان فالتفت إلي فقال: يا جويرية إن الله تبارك وتعالى يقول: * (فسبح باسم ربك العظيم) * وإني سألت الله سبحانه باسمه العظيم فرد علي الشمس. أقول: سيأتي تلك الاخبار بأسانيد جمة في أبواب معجزاته.

[441]

[الباب الثامن والعشرون] باب سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه 648 - ب: أبوالبختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليه السلام عن مروان بن الحكم قال: لما هزمنا علي بالبصرة رد على الناس أموالهم من أقام بينة أعطاه ومن لم يقم بينة على ذلك حلفه فقال له قائلون: يا علي أقسم الفئ بيننا والسبي قال: فلما كثروا عليه قال: أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه فسكتوا. 649 - ع: أبي عن سعد عن الحميري عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام مثله. 650 - ع: أبي عن سعد عن النهدي عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن


648 - رواه الحميري رحمه الله في الحديث السابع مما رواه عن أبي البختري في أواسط كتاب قرب الاسناد، ص 62 ط. 1. 649 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (69) من الباب الاخير من كتاب علل الشرائع: ج 2 ص 603. 650 - رواه الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في الحديث: (122) من كتاب علل الشرائع: ج 1، ض 146.

[442]

زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما أشار علي عليه السلام بالكف عن عدوه من أجل شيعتنا لانه كان يعلم أنه سيظهر عليهم بعده فأحب أن يقتدي به من جاء بعده فيسير فيهم بسيرته ويقتدي بالكف بعده. 651 - ع: علي بن حاتم عن محمد بن جعفر الرازي عن ابن أبي الخطاب عن ابن بزيع عن يونس عن بكار بن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لسيرة علي بن أبي طالب عليه السلام في أهل البصرة كانت خيرا لشيعته مما طلعت عليه الشمس إنه علم أن للقوم دولة فلو سباهم سبيت شيعته قال: قلت: فأخبرني عن القائم عليه السلام يسير بسيرته ؟ قال: لا إن عليا سار فيهم بالمن لما علم من دولتهم وإن القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لانه لا دولة لهم. 652 - ع: أبي عن سعد عن ابن عيسى عن ابن معروف عن حماد عن حريز عن زرارة. عن أبي جعفر عليه السلام قال: لولا أن عليا عليه السلام سار في أهل حربه بالكف عن السبي والغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما ثم قال: والله لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس. 653 - ع ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن علي بن الحكم عن الربيع بن محمد: عن عبد الله بن سليمان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إن الناس


651 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الحديث: (9) من الباب: (122) من كتاب علل الشرائع: ج 1، ص 150. 652 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الحديث (11) أو ذيل الحديث: (10) من كتاب علل الشرائع: ج 1 ص 150. 653 - رواه الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في الحديث الاول من الباب: (123) من كتاب علل الشرائع: ج 1، ص 154.

[443]

يروون أن عليا عليه السلام قتل أهل البصرة وترك أموالهم فقال: إن دار الشرك يحل ما فيها ودار الاسلام لا يحل ما فيها فقال: إن عليا عليه السلام إنما من عليهم كما من رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل مكة وإنما ترك علي عليه السلام أموالهم لانه كان يعلم أنه سيكون له شيعة وأن دولة الباطل ستظهر عليهم فأراد أن يقتدي به في شيعته وقد رأيتم آثار ذلك هوذا يسار في الناس بسيرة علي عليه السلام ولو قتل علي عليه السلام أهل البصرة جميعا وأخذ أموالهم لكان ذلك له حلالا لكنه من عليهم ليمن على شيعته من بعده. وقد روي أن الناس اجتمعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة فقالوا: يا أمير المؤمنين اقسم بيننا غنائمهم قال: أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه. 654 - ع ما أبي عن سعد عن ابن عيسى عن الحسن بن علي فضال عن ثعلبة بن ميمون: عن الحسن بن هارون قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا فسأله المعلى بن خنيس أيسير القائم بخلاف سيرة أمير المؤمنين ؟ فقال: نعم وذلك أن عليا عليه السلام سار فيهم بالمن والكف لانه علم أن شيعته سيظهر عليهم عدوهم من بعده وإن القائم عليه السلام إذا قام سار فيهم بالبسط والسبي وذلك أنه يعلم أن شيعته لن يظفر عليهم من بعده أبدا. 655 - ف: سأل يحيى بن أكثم عن علة اختلاف سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في أهل صفين وفي أهل الجمل: فكتب أبو الحسن الثالث عليه السلام وأما قولك: إن عليا عليه السلام قتل أهل صفين مقبلين ومدبرين وأجاز على


654 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الباب: (158) من كتاب علل الشرائع: ج 1، ص 210. 655 - رواه الحسن بن علي بن شعبة رحمه الله في أجوبة الامام الهادي عليه السلام وكلمه من كتاب تحف العقول ص 359 ط النجف.

[444]

جريحهم وأنه يوم الجمل لم يتبع موليا ولم يجز على جريح ومن ألقى سلاحه آمنه ومن دخل داره آمنه فإن أهل الجمل قتل إمامهم ولم نكن لهم فئة يرجعون إليها وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولا منابذين رضوا بالكف عنهم فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم والكف عن أذاهم إذ لم يطلبوا عليه أعوانا وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة وإمام يجمع لهم السلاح: الدروع والرماح والسيوف ويسني لهم العطاء ويهئ لهم الانزال يعود مريضهم ويجبر كسيرهم ويداوي جريحهم ويحمل راجلهم ويكسو حاسرهم ويردهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم فلم يساو بين الفريقين في الحكم لما عرف من الحكم في قتال أهل التوحيد لكنه شرح ذلك لهم فمن رغب عرض على السيف أن يتوب من ذلك. بيان: الانزال: جمع النزل وهو ما يهئ للنزيل والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع. 656 - قب: في ليلة الهرير لم تكن صلواتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة إلا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم بإعادتها. وكان عليه السلام لا يتبع موليهم ولا يجيز على جريحهم ولم يسب ذراريهم وكان لا يمنع من مناكحتهم وموارثتهم. [قال] أبو علي الجبائي في كتاب الحكمين: الذي روي أنه عليه السلام سبا قوما من الخوارج أنهم كانوا قد ارتدوا وتنصروا. وكان عليان المجنون مقيما بالكوفة وكان قد ألف دكان طحان فإذا اجتمع الصبيان عليه وآذوه يقول: قد حمي الوطيس وطاب اللقاء وأنا على بصيرة من أمري ثم يثب ويحمحم وينشد:


656 - رواه ابن شهر اشوب رحمه الله في أواخر عنوان: " فصل في ظالميه ومقاتليه " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 20 ط النجف. (*)

[445]

آريني سلاحي لا أبالك إنني * أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا ثم يتناول قصبة ليركبها فإذا تناولها يقول: أشد على الكتيبة لا أبالي * أحتفي كان فيها أو سواها قال فينهزم الصبيان بين يديه فإذا لحق بعضهم يرمي الصبي بنفسه إلى الارض فيقف عليه ويقول: عورة مسلم وحمى مؤمن ولولا ذلك لتلفت نفس عمرو بن العاص يوم صفين ثم يقول: لاسيرن فيكم سيرة أمير المؤمنين لا أتبع موليا ولا أجيز على جريح ثم يعود إلى مكانه ويقول: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه * خشاش كرأس الحية المتوقد إيضاح: قال في النهاية: في حديث حنين " الآن حمي الوطيس " الوطيس شبه التنور. وقيل هو الضراب في الحرب. وقيل: هو الوطئ الذي يطس الناس أي يدقهم. وقال الاصمعي: هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها. ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبي صلى الله عليه وآله وهو من فصيح الكلام عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق انتهى. والحمحمة: صوت الفرس. والحتف: الموت. والحمى: ما يمنع منه أي حرمة المؤمن وقال الجوهري: الضرب: الرجل الخقيف اللحم قال طرفة: " أنا الرجل... " البيت. وقال: قال أبو عمرو: رجل خشاش بالفتح وهو الماضي من الرجال ثم ذكر البيت أيضا. 657 - كا: علي عن أبيه عن عمرو بن عثمان عن محمد بن عذافر عن


657 - رواه الكليني رفع الله مقامه في الحديث: (5) من الباب الذي يلي " باب إعطاء الامان " من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 33. ورواه عنه الشيخ الطوسي رحمه الله في باب سيرة الامام من كتاب التهذيب: ج 6 ص 155، ط النجف.

[446]

عقبة بن بشير عن عبد الله بن شريك عن أبيه قال: لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين عليه السلام لا تتبعوا موليا ولا تجهزوا على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن. فلما كان يوم صفين قتل المقبل والمدبر وأجاز على الجريح. فقال أبان بن تغلب لعبدالله بن شريك: هذه سيرتان مختلفتان فقال: إن أهل الجمل قتل طلحة والزبير وإن معاوية كان قائما بعينه وكان قائدهم. 658 - كا: العدة عن سهل عن جعفر بن محمد الاشعري عن ابن القداح: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دعا رجل بعض بني هاشم إلى البراز فأبى أن يبارزه فقال له أمير المؤمنين: ما منعك أن تبارزه ؟ قال: كان فارس العرب وخشيت أن يغلبني فقال له أمير المؤمنين: فإنه بغى عليك ولو بارزته لغلبته ولو بغى جبل على جبل لهد الباغي. وقال أبو عبد الله عليه السلام إن الحسين بن علي عليهما السلام دعا رجلا إالى المبارزة فعلم به أمير المؤمنين عليه السلام فقال لئن عدت إلى مثل هذا لاعاقبنك ولئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لاعاقبنك أما علمت أنه بغى. بيان: الهد: الهدم الشديد والكسر ولعله كان لتعليم الغير مع أنه مكروه بدون إذن الامام كما ذكره الاصحاب وليس بمحرم. 659 - كا: علي عن أبيه عن بعض أصحابه عن أبي حمزة عن عقيل


658 - رواه الكليني قدس الله نفسه في " باب طلب المبارزة " من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 35 ط الاخوندي. ورواه أيضا الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في الحديث الثاني من باب النوادر من كتاب الجهاد من التهذيب: ج 6 ص 169. 659 - رواه الكليني رضوان الله تعالى عليه في الحديث الاول من الباب: (15) من كتاب

[447]

الخزاعي أن أمير المؤمنين كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين بكلمات فيقول: تعاهدوا الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقد علم ذلك الكفار حين سئلوا: " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين " وقد عرف حقها من طرقها وأكرم بها من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زين متاع ولا قرة عين من مال ولا ولد يقول الله عزوجل: * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة) * [37 / النور: 24]. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله منصبا لنفسه بعد البشرى له بالجنة من ربه فقال عزوجل: * (وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) * الآية [طه: 20] وكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه. ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لاهل الاسلام على أهل الاسلام ومن لم يعطها طيب النفس بها يرجو بها من الثواب ما هو أفضل منها فإنه جاهل بالسنة مغبون الاجر ضال العمر طويل الندم بترك أمر الله عزوجل والرغبة عما عليه صالحوا عباد الله يقول الله عزوجل: * (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) * من الامانة فقد خسر من ليس من أهلها وضل عمله. عرضت على السموات المبنية والاض المهاد والجبال المنصوبة فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم لو امتنعن من طول أو عرض أو عظم أو قوة أو عزة امتنعن ولكن أشفقن من العقوبة. ثم إن الجهاد أشرف الاعمال بعد الاسلام وهو قوام الدين والاجر فيه عظيم مع العزة والمنعة وهو الكره (1) فيه الحسنات والبشرى بالجنة بعد الشهادة وبالرزق غدا عند الرب والكرامة يقول الله عزوجل: * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) * الآية.


الجهاد من الكافي: ج 5 ص 36 ط الآخوندي. (1) هذا هو الصواب وفي الكافي والبحار (الكرة). لاحظ بيان المصنف الآتي.

[448]

ثم إن الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمتوازرين على الضلال ضلال في الدين وسلب للدنيا مع الذل والصغار وفيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال يقول الله عزوجل: * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار) * فحافظوا على أمر الله عزوجل في هذه المواطن التي الصبر عليها كرم وسعادة ونجاة في الدنيا والآخرة من فظيع الهول والمخافة فإن الله عزوجل لا يعبأ بما العباد مقترفون ليلهم ونهارهم لطف به علما وكل ذلك * (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * فاصبروا وصابروا واسئلوا النصر ووطنوا أنفسكم على القتال واتقوا الله عزوجل: * (فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) *. وفي حديث يزيد بن إسحاق عن أبي صادق: قال: سمعت عليا صلوات الله عليه يحرض الناس في ثلاثة مواطن الجمل وصفين ويوم النهر يقول: عباد الله اتقوا الله وغضوا الابصار واخفضوا الاصوات ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجادلة والمبارزة والمناضلة والمنابذة والمعانقة والمكادمة واثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) * 660 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن إسماعيل بن يزيد عن أبي صادق [عن] الحضرمي مثله وزاد في آخره اللهم الهمهم الصبر وانزل عليهم النصر وأعظم لهم الاجر. 661 - كا: وفي حديث عبد الرحمان بن جندب عن أبيه إن أمير المؤمنين


660 - رواه نصر بن مزاحم المنقري قبيل آخر الجزء الثالث من كتاب صفين ص 204 ط مصر: ورويناه عنه وعن نصر وعن مصادر أخر في المختار: (45) من باب وصايا أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة ج 8 ص 340 ط 1. 661 - رواه الكليني رحمه الله في الحديث الرابع من الباب: (15) من كتاب الجهاد من

[449]

عليه السلام كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤكم فإنكم بحمد الله على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا لهم مدبرا ولا تجيزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل. بيان: روى ابن أبي الحديد الخبر الثاني من كتاب نصر بن مزاحم عن عمرو بن سعد عن إسماعيل بن يزيد عن أبيه عن أبي صادق: وروى السيد الرضي رضي الله عنه الحديث الاول في النهج (1) هكذا - بعد ما ساق أول الخطبة إلى قوله: " كتابا موقوتا " -: ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا * (ما سلككم في سقر ؟ قالوا: لم نكن من المصلين) * وإنها لتحت الذنوب حت الورق وتطلقها إطلاق الربق. وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله بالحمة تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن وقد عرف حقها. [وساقه] إلى قوله: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه: * (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) * فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه. ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لاهل الاسلام فمن أعطاها. [وساق الكلام] إلى قوله عليه السلام:


الكافي: ج 5 ص 41. (1) رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (197) من كتاب نهج البلاغة.

[450]

ولكن أشفقن من العقوبة وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الانسان إنه كان ظلوما جهولا. إن الله سبحانه لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم لطف به خبرا وأحاط به علما، أعضاؤكم شهوده وجوارحكم جنوده، وضمائركم عيونه وخلواتكم عيانه انتهى. قوله عليه السلام " من طرقها " لعله من الطروق بمعنى الاتيان بالليل أي واظب عليها في الليالي وقيل أي جعلها دأبه وصنعته من قولهم هذا طرقة رجل أي صنعته. ولا يخفى ما فيه ولا يبعد أن يكون تصحيف طوق بها على المجهول أي ألزمها كالطوق بقرينة " أكرم بها " على بناء المجهول أيضا. وفي النهج: " وقد عرف حفها رجال من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين من ولد ولا مال ". وقال الجوهري: نصب الرجل - بالكسر - نصبا: تعب وأنصبه غيره قوله عليه السلام: " على أهل الاسلام " الظاهر أنه سقط هنا شئ. وفي النهج: قربانا لاهل الاسلام فمن أعطاها طيب النفس بها فإنها تجعل له كفارة ومن النار حجازا ووقاية فلا يتبعنها أحد نفسه ولا يكثرن عليها لهفه فإن من أعطاها غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة مغبون الاجر ضال العمل طويل الندم. ثم أداء الامانة فقد خاب من ليس من أهلها إنها عرضت على السموات المبنية والارضين المدحوة والجبال ذات الطول المنصوبة فلا أطول ولا أعرض ولا أعلا ولا أعظم منها ولو امتنع شئ بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن ولكن أشفقن من العقوبة. إلى آخر ما مر. قوله عليه السلام " من الامانة " لعله بيان لسبيل المؤمنين أي المراد بسبيل

[451]

المؤمنين ولاية أهل البيت عليهم السلام وهي الامانة المعروضة والاصوب ما في والاصوب [هو] ما في النهج. وقال ابن ميثم: ذكر كون السموات مبنية وغيرها تنبيه للانسان على جرأته على المعاصي وتضييع هذه الامانة إذ أهل لها وحملها وتعجب منه في ذلك. وقوله: " ولو امتنع شئ " الخ إشارة إلى أن امتناعهن لم يكن لعزة وعظمة أجساد ولا استكبار عن الطاعة وأنه لو كان كذلك لكانت أولى بالمخالفة لاعظمية أجرامها بل إنما ذلك عن ضعف وإشفاق من خشية الله وعقلهن ما جهل الانسان. قيل: إن الله تعالى عند خطابها خلق فيها فهما وعقلا وقيل: إن إطلاق العقل مجاز في سببه (1) وهو الامتناع عن قبول هذه الامانة. قوله عليه السلام: " وهو الكرة " أي الحملة على العدو وهي في نفسها أمر مرغوب فيه أو ليس هو إلا مرة واحدة وحملة فيها سعادة الابد. ويمكن أن يقرأ " الكره " بالهاء أي هو مكروه للطباع فيكون إشارة إلى قوله تعالى: * (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) * ولعله أصوب. وقال الجوهري: زحف إليه زحفا: مشى. والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو. قوله عليه السلام: " لطف به " الضمير راجع إلى الموصول في قوله: " ما العباد مقترفون " وكدم الصيد: طرده. والفشل: الجبن. 662 - نهج: في حديثه عليه السلام أنه شيع جيشا يغزيه فقال: " أعذبوا عن النساء ما استطعتم ". [قال السيد الرضي:] ومعناه اصدفوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهن


(1) كذا في أصلي من البحار، وفي طبع بيروت من شرح ابن ميثم: " مسببه ". 662 - رواه السيد رحمه الله تحت الرقم: (7) من غريب حكم أمير المؤمنين قبيل المختار: (261) من الباب الثالث من نهج البلاغة.

[452]

وامتنعوا من المقاربة لهن لان ذلك يفت في عضد الحمية ويقدح في معاقد العزيمة ويكسر عن العدو ويلفت عن الابعاد في الغزو، وكل من امتنع عن شئ فقد أعذب عنه، والعاذب والعذوب: الممتنع عن الاكل والشرب. 663 - كا: أحمد بن محمد الكوفي عن ابن جمهور عن أبيه عن محمد بن سنان عن مفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام. وعن [عبد الله بن] عبد الرحمان الاصم عن حريز عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: إذا لقيتم عدوكم في الحرب فأقلوا الكلام واذكروا الله عزوجل ولا تولوهم الادبار فتسخطوا الله تبارك وتعالى وتستوجبوا غضبه وإذا رأيتم من إخوانكم المجروح ومن قد نكل به أو من قد طمع عدوكم فيه فقوه بأنفسكم. 664 - كا: العدة عن سهل عن جعفر بن محمد عن ابن القداح عن أبيه الميمون عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا أراد القتال قال هذه الدعوات: أللهم إنك أعلمت سبيلا من سبلك جعلت فيه رضاك وندبت إليه أولياءك وجعلته أشرف سبلك عندك ثوابا وأكرمها لديك مآبا وأحبها إليك مسلكا ثم اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليك حقا فاجعلني ممن اشترى فيه منك نفسه ثم وفى لك ببيعه الذي بايعك عليه غير ناكث ولا ناقض عهد ولا مبدل تبديلا بل استيجابا لمحبتك وتقربا به إليك، فاجعله خاتمة عملي وصير فيه فناء


663 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث الخامس من الباب: (15) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 42. 664 - رواه ثقة الاسلام الكليني رحمه الله في الحديث الاول من الباب: (20) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 46. وللحديث مصادر أخر يجدها الباحث في ذيل المختار: (89) وما قبله من باب الدعاء من كتاب نهج السعادة: ج 6 ص 296 و 312.

[453]

عمري وارزقني فيه لك وبه مشهدا توجب لي به منك الرضا وتحط به عني الخطايا وتجعلني في الاحياء المرزوقين بأيدي العداة والعصاة تحت لواء الحق وراية الهدى ماضيا على نصرتهم قدما غير مول دبرا ولا محدث شكا. اللهم وأعوذ بك عند ذلك من الجبن عند موارد الاهوال ومن الضعف عند مساورة الابطال، ومن الذنب المحبط للاعمال فاحجم من شك أو أمضى بغير يقين فيكون سعيي في تباب وعملي غير مقبول. بيان: قوله عليه السلام: " وبه " عطف على فيه ولعله زيد من النساخ. وفي كتاب الاقبال " وارزقني فيه لك وبك مشهدا " وهو أصوب. وفي الصحاح: قدما بضم الدال: لم يعرج ولم ينثن. وقال: ساوره أي واثبه. وقال حجمته فأحجم أي كففته فكف. وقال: التباب: الخسران والهلاك. 665 - كا: علي عن أبيه عن أحمد البزنطي [عن معاوية بن عمار] أبي عبد الله عليه السلام قال: كان شعارنا يوم صفين يا نصر الله. 666 - ع ابن الوليد عن الصفار عن معاوية بن حكيم عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن يحيى بن أبي العلا: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي لا يقاتل حتى تزول الشمس ويقول: تفتح أبواب السماء وتقبل التوبة وينزل النصر ويقول: هو أقرب إلى الليل وأجدر أن يقل القتل ويرجع الطالب ويفلت المهزوم.


665 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في ذيل الحديث الاول من باب الشعار من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 47 ط الآخوندي. 666 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (70) من باب النوادر وهو الباب الاخير من كتاب علل الشرائع: ج 2 ص 603.

[454]

667 - كا علي عن أبيه عن ابن أبي عمير مثله. 668 - نهج وقال لابنه الحسن عليهما السلام: لا تدعون إلى مبارزة وإن دعيت إليها فأجب فإن الداعي باغ والباغي مصروع. بيان: مصروع أي مستحق لان يصرع ويهلك وبعيد من نصر الله سبحانه. 669 - نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال الحسن بن علي عليهما السلام كان علي عليه السلام يباشر القتال بنفسه ولا يأخذ السلب. 670 - كا: علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لو لا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس. 671 - كا: علي عن أبيه عن علي بن أسباط عن عمه عن يعقوب بن سالم عن أبي الحسن العبدي عن سعد بن طريف عن ابن نباتة قال: قال أمير المؤمنين ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة: يا أيها الناس لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ألا إن لكل غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ألا وان الغدر والفجور والخيانة في النار. 672 - نهج: ومن كلام له عليه السلام قاله لاصحابه في وقت الحرب:


667 - رواه الكليني نور الله مرقده في الحديث: (5) من " باب وصية رسول الله وأمير المؤمنين " عليه السلام في السرايا " من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 28. 668 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (232) من قصار كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة. 669 - رواه الراوندي رحمه الله في نوادره. 670 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث الاول من " باب المكر والغدر.. " من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 336. 671 - رواه ثقة الاسلام الكليني رحمه الله في الحديث الاخير من " باب المكر والغدر.. " من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 338.

[455]

وأي امرء منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء ورأى من أحد من إخوانه فشلا فليذب عن أخيه بفضل نجدته التي فضل بها عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله. إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب، إن أكرم الموت القتل والذي نفس ابن أبي طالب بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش. ومنه: وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب لا تأخذون حقا ولا تمنعون ضيما قد خليتم والطريق فالنجاة للمقتحم والهلكة للمتلوم. ومنه: فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الاضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للاسنة وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل ورأيتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الدمار منكم فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفون براياتهم ويكتنفونها حفافيها ووراءها وأمامها لا يتأخرون عنها فيسلموها ولا يتقدمون عليها فيفردوها. أجزأ امرء قرنه وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه. وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة أنتم لهاميم الهرب والسنام الاعظم إن في الفرار مجدة الله والذل اللازم والعار الباقي وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه. من رائح إلى الله كالظمآن يرد الماء ؟ الجنة تحت أطراف العوالي اليوم تبلى


672 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (121) من كتاب نهج البلاغة.

[456]

الاخبار والله لانا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم. اللهم فإن ردوا الحق فافضض جماعتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم وضرب يفلق الهام ويطيح العظام ويندر السواعد والاقدام وحتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر ويرجموا بالكتائب تقفوها الجائب وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس وحتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم وبأعنان مساربهم ومسارحهم. قال الشريف [الرضي]: الدعق: الدق أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم [و] " نواحر أرضهم " متقابلاتها يقال: منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل. تبيين: قوله عليه السلام " أحس من نفسه " أي علم ووجد و " رباطة الجأش " شدة القلب. والذب: الدفع. والنجدة: الشجاعة " كما يذب عن نفسه " أي بنهاية الاهتمام والجد " لجعله مثله " أي مثل أخيه في الجبن أو أخاه مثله في الشجاعة. والحثيث: السريع. والمقيم للموت: الراضي به كما أن الهارب عنه الساخط له " أهون من ميتة " إما مطلقا أو عنده عليه السلام لما يعلم ما فيه من الدرجات. وقال النهاية: كشيش الافعى: صوت جلدها إذا تحركت وقد كشت تكش وليس صوت فمها لان ذلك فحيحها ومنه حديث علي عليه السلام: " كأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب ". وقال ابن أبي الحديد: أي كأنكم لشدة خوفكم واجتماعكم من الجبن كالضباب المجتمعة التي تحك بعضها بعضا قال الراجز: كشيش أفعى أجمعت لعض * وهي تحك بعضها ببعض " واقتحم عقبة أو وهدة ": رمى بنفسه فيها. والتلوم: الانتظار والتوقف. قوله " أجزأ امرء " قال ابن أبي الحديد: من الناس من يجعل هذا أو نحوه أمرا بلفظ الماضي كالمستقبل في قوله تعالى " والوالدات يرضعن

[457]

أولادهن ". ومنهم من قال: معنى ذلك هلا أجزأ فيكون تحضيضا محذوف الصيغة للعلم بها " وأجزأ " أي كفى. وقرنك: مقارنك في القتال ونحوه " وآسى أخاه بنفسه " بالهمزة أي جعله أسوة لنفسه ويجوز واسيت زيدا بالواو وهي لغة ضعيفة. والموجدة: الغضب والسخط قوله عليه السلام: " والذل اللازم " قيل: يروى " اللاذم " بالذال المعجة بمعناه. و " الرائح " المسافر وقت الرواح أو مطلقا كما قاله الازهري ويناسب الاول ما مر من أن قتاله عليه السلام كان غالبا بعد الزوال. قوله عليه السلام: " تحت أطراف العوالي " يحتمل إن يكون المراد بالعوالي الرماح قال [ابن الاثير:] في النهاية: العالية: ما يلي السنان من الرمح والجمع: العوالي. أو [المراد منه] السيوف كما يظهر من ابن أبي الحديد فيحتمل أن يكون من علا يعلو إذا ارتفع أي السيوف التي تعلو فوق الرؤس. أو من علوته بالسيف إذا ضربته به ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله: الجنة تحت ظلال السيوف. قوله عليه السلام " تبلى الاخبار " بالباء الموحدة أي تختبر الافعال والاسرار كما قال تعالى: * (ونبلو أخباركم) * وفي بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية أي تمتاز الاخيار من الاشرار. قوله عليه السلام " إلى لقائهم " أي الاعداء لقتالهم. والفض: التفريق. وأبسلت فلانا: أسلمته إلى الهلكة. قوله عليه السلام: " طعن دراك " أي متتابع يتلو بعضه بعضا. " ويخرج منه النسيم " أي لسعته وروى " النسم " أي طعن يخرق الجوف بحيث يتنفس المطعون من الطعنة وروي " القشم " بالقاف والشين المعجمة وهو اللحم والشحم. " والفلق ": الشق. وطاح الشئ: سقط أو هلك أو تاه في الارض وأطاحه غيره. وأندره: أسقطه. قال ابن أبي الحديد: يمكن أن يفسر " النواحر " بآمر آخر وهو أن يراد به

[458]

أقاصي ؟ رضهم من قولهم لآخر ليلة من الشهر: ناحرة. وقد مر تفسير بعض أجزاء الخطبة في مواضعها. 674 - نهج: من وصيته عليه السلام لعسكره قبل لقاء العدو بصفين: لا تقاتلوهم حتى يبدؤكم فإنكم بحمد الله على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم عليهم فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا ولا تصيبوا معورا ولا تجهزوا على جريح. ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم فإنهن ضعيفات القوى والانفس والعقول إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة فيعير بها وعقبه من بعده. إيضاح: قال ابن ميثم رحمه الله: روي أنه عليه السلام كان يوصي أصحابه في كل موطن يلقون العدو فيه بهذه الوصية وزاد [في روايته عن نصر بن مزاحم] بعد قوله: " ولا تجهزوا على جريح [قوله:] " ولا تكشفوا لهم عورة ولا تمثلوا بقتيل " فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا شيئا من أموالهم ولا تهيجوا النساء " إلى آخر ما مر. قوله عليه السلام: " حجة أخرى " قال ابن ميثم: [وبيان هذه] من وجهين: أحدهما أنه دخول في حرب الله وحرب رسوله صلى الله عليه وآله لقوله صلى الله عليه وآله: " يا علي حربك حربي " وتحقق سعيهم في الارض بقتلهم النفس التي حرم الله فتحقق دخولهم في عموم قوله تعالى: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا) * الآية.


674 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (14) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة.

[459]

وثانيها دخولهم في قوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (1). قوله عليه السلام: " ولا تصيبوا معورا " قال ابن ميثم: أعور الصيد أمكن من نفسه. وأعور الفارس: ظهر فيه موضع خلل للضرب ثم قال: أي لا تصيبوا الذي أمكنتكم الفرصة في قتله بعد إنكسار العدو كالمعور من الصيد. وقال ابن أبي الحديد: هو الذي يعتصم منك في الحرب بإظهار عورته لتكف عنه ويجوز أن يكون المعور هنا المريب الذي يظن أنه من القوم وأنه حضر للحرب وليس منهم لعله حضر لامر آخر.


(1) هذا تلخيص كلام ابن ميثم رحمه الله في شرح المختار: (14) من الباب الثاني من نهج البلاغة: ج 4 ص 383 ط 3، ولاجل التوضيح نذكر بيانه حرفيا قال: وقد وصى [أمير المؤمنين عليه السلام جيشه] في هذا الفصل بأمور: أحدها أن لا يقاتلوها إلى أن يبدؤهم [أهل الشام] بالقتال، وأشار إلى أن ذلك يكون حجة ثانية عليهم. وأومى بالحجة الاولى إلى قوله تعالى: " فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " [9 / الحجرات] وظاهر أن هؤلاء [كانوا] بغاة على الامام الحق فوجب قتالهم. وأما [الحجة] الثانية: فهي تركهم حتى يبدؤا بالحرب، وبيان هذه الحجة من وجهين: أحدهما أنهم إذا بدؤا [الامام أو جيشه] بالحرب فقد تحقق دخولهم في حرب الله وحرب رسوله لقوله صلى الله عليه وآله: " يا علي حربك حربي " وتحقق سعيهم في الارض بالفساد بقتلهم النفس التي حرم الله [قتلها] ابتداءا بغير حق، وكل من تحقق دخوله في ذلك دخل في عموم قوله: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أن ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * [33 / المائدة]: الثاني أن البادي بالحرب ابتداء [من غير مسوغ] معتد، وكل معتد كذلك يجب الاعتداء عليه لقوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * 194 / البقرة: 2] فوجب الاعتداء عليهم إذا بدؤا بالحرب.

[460]

وقال في النهاية: كل عيب وخلل في شئ فهو عورة. ومنه حديث علي عليه السلام: " ولا تصيبوا معورا " أعور الفارس إذ بدا فيه موضع خلل للضرب " وإن " في قوله عليه السلام: " إن كنا " مخففة من المثقلة وكذا في قوله: " وإن كان " والواو في قوله " وإنهن " للحال. والفهر بالكسر: الحجر ملاء الكف. وقيل مطلقا. والهراوة بالكسر: العصا. والتناول بهما كناية عن الضرب بهما وقوله عليه السلام: " وعقبه " عطف على الضمير المستكن المرفوع في قوله [قوله:] فيعير " ولم يؤكد للفصل بقوله: " بها " كقوله تعالى: * (ما أشركنا ولا آباؤنا) *. 675 - نهج: وكان يقول عليه السلام لاصحابه عند الحرب: لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة ولا جولة بعدها حملة وأعطوا السيوف حقوقها ووطنوا للجنوب مصارعها، واذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي والضرب الطلحفي وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل. والذي فلق الحبة وبرء النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه. بيان: " لا تشتدن عليكم " أي لا نستصعبوا ولا يشق عليكم فرار بعده رجوع إلى الحرب. والجولة: الدوران في الحرب والجائل الزائل عن مكانه، وهذا حض لهم على أن يكروا ويعودوا إلى الحرب إن وقعت عليهم كرة أو المعنى إذا رأيتم المصلحة في الفرار لجذب العدو إلى حيث تتمكنوا منه فلا تشتد عليكم ولا تعدوه عارا. [قوله عليه السلام:] " ووطئوا للجنوب مصارعها " وفي بعض النسخ: [ووطنوا] بالنون أي اجعلوا مصارع الجنوب ومساقطها وطنا لها أو وطيئا لها أي استعدوا للسقوط على الارض والقتل [والكلام] كناية عن العزم على الحرب وعدم الاحتراز عن مفاسدها. وقال الجوهري: ذمرته ذمرا: حثثته.


675 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (16) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[461]

وقال ابن أبي الحديد: الطعن الدعسي: الذي يحشى به أجواف الاعداء. وأصل الدعس: الحشو يقال: دعست الوعاء أي خشوته. [قوله عليه السلام:] " وضرب طلحفى " - بكسر الطاء وفتح اللام - أي شديد واللام زائدة والياء للمبالغة " وأميتوا الاصوات " أي لا تكثروا الصياح. والفشل: الفزع والجبن والضعف. [قوله عليه السلام:] " ولكن استسلموا " أي انقادوا خوفا من السيف. 676 - نهج: [و] من كلام له عليه السلام وصى به شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إلى الشام: اتق الله في كل مساء وصباح وخف على نفسك الدنيا الغرور ولا تأمنها على حال واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروهه سمت بك الاهواء إلى كثير من الضرر فكن لنفسك مانعا رادعا ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا. بيان: " سمت بك " قال ابن أبي الحديد: أي أفضت بك. وفي النهاية: فلان يسموا إلى المعالي إذا تطاول إليها. والنزوة: الوثبة. والحفيظة: الغضب. وقال الجوهري: وقمه أي رده. وقال أبو عبيدة: أي قهره. 677 - وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج عن نصر بن مزاحم - ووجدته في أصل كتابه أيضا - عن عمر بن سعد بإسناده عن عبد الله جندب عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه [ف‍] يقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤكم فهي حجة أخرى لكم عليهم فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة


676 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (56) من الباب الثاني من نهج البلاغة. 677 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (54) من نهج البلاغة: ج 4 ص 26 ط الحديث بمصر، ورواه نصر في وقعة صفين ص 203.

[462]

ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سرا ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم. ولا تهيجوا امرأة بأذى (1 وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوى والانفس والعقول ولقد كنا لنؤمر بالكف عنهن وهن مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة والحديد فيعير بها عقبه من بعده. 378 - وقال ابن ميثم رحمه الله روي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا اشتد القتال ذكر اسم الله حين يركب ثم يقول: الحمد لله على نعمه علينا وفضله العميم سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول: اللهم إليك نقلت الاقدام وأفضت القلوب ومدت الاعناق وشخصت الابصار وأنضيت الابدان. اللهم قد صرح مكنون الشنان، وجاشت مراجل الاضغان. اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وتشتت أهواءنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. ثم يقول سيروا على بركة الله ثم يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر يا الله يا أحد يا صمد يا رب


678 - رواه ابن ميثم رحمه الله في شرح المختار: (15) من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 4 ص 385 ط بيروت، وفيه سقط في هذا الموضع منه، بل وفي مواضع أخر من هذه الطبعة. (1) هذا هو الصواب الموافق لما رواه الطبري في تاريخه: ج 4 ص 6، والموافق للمختار: (14) من باب الكتب من نهج البلاغة، وفي أصلي هنا: " إلا بإذني ".

[463]

محمد. بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إياك نعبد وإياك نستعين اللهم كف عنا أيدي الظالمين. وكان هذا شعاره بصفين. 679 - نهج: [و] كان عليه السلام يقول إذا لقي العدو محاربا: " اللهم إليك أفضت القلوب ". [وساق الدعاء] إلى قوله: " وأنت خير الحاكمين " [و] جعل قوله: " ونقلت الاقدام " بعد قوله: " وشخصت الابصار ". بيان: [قال] الخليل في العين: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه وأصله أنه صار في فضائه. وقال ابن أبي الحديد: أفضت القلوب أي دنت وقربت ويجوز أن يكون أفضت أي بسرها فحذف المفعول انتهى. ويحتمل أن يكون من أفصيت إذا خرجت إلى الفضاء أي خرجت إلى فضاء رحمتك بسؤالك. وشخص بصره فهو شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف وأنضيت الابدان أي أهزلت ومنه النضو وهو البعير المهزول. وصرح أي انكشف. والشنان: البعضة. وجأشت القدر أي علت. والمراجل: القدور. وتشتت أهوائنا أي تفرق آرائنا واختلاف آمالنا وقال في النهاية: فتح الحاكم بين الخصمين إذا فصل بينهما والفاتح الحاكم.


679 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامة في المختار: (15) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. ورواه ايضا في الحديث: (3) من باب: " مقدار الحزية " في اخر كتاب الزكاة من من كتاب الاستبصار - 2 ص 53. مما اختار من كلم امير المؤمنين.

[465]

[الباب التاسع والعشرون] باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام ووصاياه إلى عماله وأمراء أجناده 680 - ف وصيته لزياد بن النضر حين أنفذه على مقدمته إلى صفين: اتق الله في كل ممسى ومصبح وخف على نفسك الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء، واعلم أنك إن لم تزع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروهه سمت بك الاهواء إلى كثير من الضر حتى تطعن، فكن لنفسك مانعا وازعا عن الظلم والغي والبغي والعدوان. قد وليتك هذا الجند فلا تستذلنهم ولا تستطل عليهم فإن خيركم أتقاكم تعلم من عالمهم وعلم جاهلهم واحلم عن سفيههم فإنك إنما تدرك الخير بالعلم وكف الاذى والجهل. ثم أردفه [عليه السلام] بكتاب يوصيه فيه ويحذره [وهذا نصه:] " اعلم أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم فإذا أنت خرجت من بلادك ودنوت من عدوك فلا تسأم من توجيه الطلائع في كل ناحية وفي


680 - رواه الحسن بن علي بن شعبة رحمه الله في الحديث: (21) مما اختار من كلامه عليه السلام في كتاب تحف العقول ص 130، وفي طبع آخر ص 191.

[466]

بعض الشعاب والشجر والخمر وفي كل جانب حتى لا يغتركم عدوكم ويكون لكم كمين. ولا تسير الكتايب والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبئة فإن دهمكم أمر أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبئة وإذا نزلتم بعد و نزل بكم فليكن معسكركم في إقبال الشراف أو في سفاح الجبال وأثناء الانهار كي ما تكون [لكم ردءا ودونكم مردا ولتكن] مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين. واجعلوا رقباء في صياصي الجبال وبأعلى الشراف وبمناكب الانهار يرتوون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن. وإذا نزلتم فانزلوا جميعا وإذا رحلتم فارحلوا جميعا. وإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والترسة واجعلوا رماتكم يلون ترستكم كيلا تصاب لكم غرة ولا تلقى لكم غفلة واحرس عسكرك بنفسك وإياك أن ترقد إلى أن تصبح إلا غرارا أو مضمضمة ثم ليكن ذلك شأنك ودأبك حتى ننتهي إلى عدوك. وعليك بالتؤدة في حربك وإياك والعجلة إلا أن تمكنك فرصة وإياك أن تقاتل إلا أن يبدؤك أو يأتيك أمري والسلام عليك ورحمة الله. بيان: [قوله عليه السلام:] حتى تطعن بضم العين أي تكبر من قولهم: طعن في السن وقد مضى شرحها وإنما كررنا للاختلاف بين الروايات. 681 - يب: سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن


681 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه قبل عنوان: " باب الخمس والغنائم " في الحديث الاخير، من " باب الخراج وعمارة الارضين " من كتاب تهذيب الاحكام: ج 4 ص 120، ط النجف، ورواه أيضا في الحديث: (3) من باب " مقدار الجزية " في آخر كتاب الزكاة من كتاب الاستبصار 2، 53. ورواه أيضا الشيخ الصدوق في الحديث: (95) في باب الخراج والجزية قبيل باب الصوم من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 26.

[467]

إبراهيم بن عمران الشيباني عن يونس بن إبراهيم عن يحيى بن الاشعث الكندي عن مصعب بن يزيد الانصاري قال: استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على أربعة رساتيق المدائن: البهقباذات ونهر شيريا ونهر جوير ونهر الملك وأمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهما ونصفا وعلى كل جريب وسط درهما وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم وعلى كل جريب نخل عشرة دراهم وعلى كل جريب البساتين التي تجمع النخل والشجر عشرة دراهم وأمرني أن ألقى كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق وابن السبيل ولا آخذ منه شيئا وأمرني أن أضع على الدهاقين الذين يركبون البراذين ويتختمون بالذهب على كل رجل منهم ثمانية وأربعين درهما وعلى أوساطهم والتجار منهم على كل رجل أربعة وعشرين درهما وعلى سفلتهم وفقرائهم إثني عشر درهما على كل إنسان منهم قال: فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة. إيضاح: قال محمد بن إدريس رحمه الله في كتاب السرائر: " بهر سير " بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة والسين غير المعجمة هي المدائن والدليل على ذلك أن الراوي قال: استعملني على أربعة رساتيق ثم عد خمسة فذكر المدائن ثم ذكر من جملة الخمسة " بهر سير " فعطف على اللفظ دون المعنى. فإن قيل: لا يعطف الشئ على نفسه قلنا: إنما عطف على اللفظة دون المعنى وهذا كثير في القرآن والشعر قال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم فكل هذه الصفات راجعة إلى موصوف واحد وقد عطف بعضها على بعض لاختلاف ألفاظها. ويدل على ما قلناه أيضا ما ذكره أصحاب السير في كتاب صفين قالوا: لما سار أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفين قالوا: ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة " بهر سير " وإذا رجل من أصحابه ينظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل بقول ابن يعفور السهمي:

[468]

جرت الرياح إلى محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد فقال عليه السلام: أفلا قلت: " كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين " الآية. وأما البهقبا ذات فهي ثلاثة البهقباذ الاعلى وهي ستة طساسيج طسوج بابل وخطرنية والفلوجة العليا والسفلى والنهرين وعين التمر. والبهقباذ الاوسط أربعة طساسيج طسوج الجية والبداوة وسور ابريسما ونهر الملك وبارسوما. والبهقباذ الاسفل خمسة طساسيج منها طسوج فرات وبارقلي وطسوج السيلحين الذي فيه الخورنق والسدير ذكر ذلك عبد الله بن خردادبه في كتاب الممالك والمسالك (1). أقول: إنه رحمه الله بني كلامه على ما نقله من كتاب المقنعة وفيه: " والبهقباذات " مع العطف. وعلى ما في [كتاب] التهذيب الظاهر إضافة الرساتيق إلى المدائن فيحتمل أن يكون " بهر سير " عطفا على أربعة ويكون " البهقباذات " بيانا لاربعة رساتيق المدائن أي استعملني على البهقباذات وعلى بهر سير. وأن يكون معطوفا على رساتيق أي استعملني على أربعة أشياء أحدها رساتيق المدائن وهي البهقباذات والثاني بهر سير وهكذا. وأن يكون معطوفا على " البهقباذات " إحدى الرساتيق والمحل الذي يجري فيه نهر شيربا ثانيها. ثم اختلف في قراءة " بهر سير " فقد قرأ ابن ادريس كما عرفت ويؤيده ما نقله ونقلنا أيضا في موضع آخر من كتاب صفين.


(1) وقريبا منه ذكره الياقوت في كتاب معجم البلدان: ج 1، ص 516 وج 6 ص 131

[469]

وقرأ بعض الافاضل " نهر سير " بالنون والسين المهملة وبعضهم " نهر شير " بالنون والشين المعجمة وقال: هو النهر الذي عمله فرهاد لشيرين وهو من أعمال المدائن. ومنهم من قرأ " بهر شير " بالباء والشين المعجمة أي المعمول لاجل اللبن. وهو بعيد ومنهم من قرأ " نهر سر " بإسقاط الياء من بين المهملين أي النهر الاعلى وكذا اختلف النسخ في " نهر جوير " ففي بعضها بالجيم فالواو فالياء المثناة التحتانية فالراء المهملة وفي بعضها بإبدال اليا باء موحدة. وفي بعضها بإبدال الراء نونا. وقال الفيروز آبادي: الطسوج كسفود: الناحية. وفي النهاية: هو استخراج المال من مظانه (1). 682 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى أمرائه على الجيوش (2): من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح أما بعد فإن حقا على الوالي أن لا يغيره على رعيته فضل ناله ولا طول خص به وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوا من عباده وعطفا على إخوانه. ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم ولا أؤخر لكم حقا عن محله ولا أقف به دون مقطعه وأن تكونوا عندي في الحق سواء فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة وأن لا تنكصوا عن دعوة ولا تفرطوا في صلاح وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق فإن أنتم لم تستقيموا لي على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن اعوج منكم ثم أعظم له العقوبة ولا يجد عندي فيها رخصة فخذوا هذا من أمرائكم وأعطوهم من أنفسكم ما يصلح الله به أمركم. 683 - ما: المفيد عن الكاتب عن الاجلح عن جندب بن أبي ثابت عن


(1) لم أجد مادة " طسج " في سبعة الحديث ببيروت من كتاب النهاية. 682 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (50) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. (2) هذا هو الصواب، وفي ط الكمباني من أصلي: " من كلام له عليه السلام إلى أمرائه على الجيوش ".

[470]

ثعلبة بن زيد الحماني قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أمراء الاجناد وذكر نحوه وفيه: " فضل ماله ولا مرتبة اختص بها " وفيه: " فإذا فعلت ذلك وجبت لي عليكم البيعة ولي منكم الطاعة " وفيه: " لم يكن أحد أهون علي ممن خالفني فيه، ثم أحل بكم فيه عقوبته ولا تجدوا عندي " إلى قوله [عليه السلام:] " وأعطوا من أنفسكم هذا يصلح أمركم ". بيان: قال [ابن الاثير] في [مادة: " سلح " من كتاب] النهاية: المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، وسموا مسلحة لانهم يكونون ذوي سلاح، أو لانهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر والمرقب [يكون] فيه أقوام يرقبون العدو لان لا يطرقهم على غفلة [فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له] وجمع المسلح: مسالح. قوله عليه السلام: " أن لا يغيره " أي لا يصير الفضل الذي ناله الوالي والطول الذي خصه الله به وهو الولاية سبا لتغيره على رعييته بالخروج عن العدل والجفاء عليهم. [قوله عليه السلام:] " أن لا أحتجز " قال ابن ميثم: أي لا أمنع. [و] قال ابن أبي الحديد: أي لا أستتر. وكلاهما غير موجودين في كلام أهل اللغة وإن كان ما ذكره الجوهري من أنه يقال: احتجز الرجل بإزاره أي شد إزاره على وسطه قريبا مما ذكره ابن أبي الحديد لكنه بهذا المعنى غير متعد وكذا استتر كما ذكره في تفسيره والمناسب [هو] ما ذكره ابن ميثم وإن كان غير موجود في كلامهم. واستثناء الحرب لانه خدعة ولا يناسب إفشاء الاراء فيه. " ولا أطوي دونكم أمرا " أي أظهركم على كل ما في نفسي مما يحسن إظهاركم عليه، فأما الاحكام الشرعية والقضاء على أحد الخصمين فإني لا


683 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (33) من الجزء الثامن من أماليه: ج 1، ص 136، ط 1. ورويناه عن مصدر آخر في المختار: (84) من باب الكتب من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 228 ط 1.

[471]

أعلمكم قبل وقوعها ولا أشاوركم فيها كيلا تفسد القضية بأن يحتال ذلك الشخص لصرف الحكم عنه، ولعدم توقف الحكم على المشاورة. وقال ابن أبي الحديد: ثم ذكر أنه لا يؤخر لهم حقا عن محله يعني العطاء وأنه لا يقف دون مقطعه، والحق هاهنا غير العطاء بل الحكم قال زهير: فإن الحق مقطعه ثلاث * يمين أو نفار أو جلاء أي متى تعين الحكم حكمت به وقطعت ولا أقف ولا أتحبس انتهى. ويحتمل تعميم الحق في الموضعين أي ما يلزم لكم علي من عطاء أو حكم لا أؤخره عن محله ولا أقصر في الاتيان به، فالوقوف به قبل مقطعه ترك السعي في الاتيان به قبل تمامه. 684 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى عماله على الخراج: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج: أما بعد فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ما يحرزها. واعلموا أن ما كلفتم يسير وأن ثوابه كثير ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه فأنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية ووكلاء الامة وسفراء الائمة ولا تحشموا أحدا عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا عبدا. ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الاسلام فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الاسلام فيكون شوكة عليه.


684 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (51) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة. (*)

[472]

ولا تدخروا أنفسكم نصيحة ولا الجند حسن سيرة ولا الرعية معونة ولا دين الله قوة وأبلوا في سبيله ما استوجب عليكم فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا وأن ننصره مما بلغت قوتنا ولا قوة إلا بالله العلي [العظيم]. توضيح: " ما يحرزها " أي بحفظ نفسه من عذاب الله ما لا عذر في ترك طلبه لانه نفع عظيم مقدور على تحصيله فالتفريط في طلبه قبيح. وقال الجوهري السفير: الرسول والمصلح بين القوم والجمع سفراء. وقال: قال أبو زيد: حشمت الرجل وأحشمته بمعنى وهو أن يجلس إليك فتؤذبه وتغضبه. وقال ابن الاعرابي: حشمته: أخجلته. وأحشمته: أغضبته وفي بعض النسخ [ولا تحسموا أحدا] بالسين المهملة من الحسم بمعنى القطع. والمعاهد: الذمي وكل من دخل بأمان. وقال الجوهري: العداء: تجاوز الحد والظلم يقال: عدا عليه عدوا وعدوا وعداءا: [ظلمه]. و [قال ابن الاثير] في [مادة " شوك " من كتاب] النهاية: شوكة القتال: شدته وحدته. [قوله عليه السلام] " ولا تدخروا أنفسكم " أي لا تمنعوا عن أنفسكم نصيحة وارعوا ما فيه صلاحها. وفي النهاية: الابلاء: الانعام والاحسان. وفي حديث بر الوالدين: " أبل الله تعالى عذرا في برها " أي أعطه وأبلغ العذر فيها إليه والمعنى أحسن فيما بينك وبين الله ببرك إياهما. وقال: الاصطناع: افتعال من الصنيعة وهي العطية والكرامة والاحسان. قوله عليه السلام: " أن نشكره " أي اصطنع إلينا لان نشكره أو جعل شكره بجهدنا ونصره بقوتنا صنيعة ومعروفا عندنا وعندكم. 685 - نهج: من كتابه إلى أمرائه في الصلاة أما بعد فصلوا بالناس


685 - رواه السيد الرضي رضي الله تعالى عنه في المختار: (52) من الباب الثاني من

[473]

الظهر حين تفئ الشمس مثل مربض العنز، وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية في عضو من النهار حين يسار فيها فرسخان، وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم ويدفع الحاج، وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل، وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه وصلوا بهم صلاة أضعفهم ولا تكونوا فتانين. إيضاح: لعل الابتداء بالظهر لانها أول ما فرضت من الصلوات " حين تفئ " أي يزيد ويرجع ظل الشمس بعد غاية نقصانه. [قوله:] " مثل مربض العنز " أي الانثى من المعز وهو قريب من القدمين وقت النافلة وهو أول وقت الفضيلة المختص بالظهر لا آخره كما فهمه الراوندي رحمه الله. [قوله:] " والشمس بيضاء " أي لم تصفر للمغيب وحياتها استعارة لظهورها في الارض. والعضو بالضم والكسر: واحد الاعضاء. والظرف خبر للشمس أو متعلق ب‍ " صلوا " والمراد بقاء جزء معتد به من النهار. وقال في النهاية: فيه أنه دفع من عرفات أي ابتدأ السير ودفع نفسه منها ونحاها أو دفع ناقته وحملها على السير. والفتان: من يفتن الناس عن الدين وإطالة الصلاة مستلزمة لتخلف العاجزين والضعفاء والمضطرين. 686 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الانصاري وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها يستطاب لك الالوان وتنقل إليك [عليك (خ)]


كتاب نهج البلاغة. 686 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (45) من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة.

[474]

الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه [فالقطه " خ "] وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه. ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضئ بنور علمه. ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا ولا ادخرت من غنائمها وقرأ ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا [ولا حزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أو هي وأهون من عفصة مقرة] (1). بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لضغطها [لاضغطها " خ "] الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الاكبر وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أو أن أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى ! أو أن أكون كما قال القائل: وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال [لي]: أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من نسخة شرحها ابن أبي الحديد - وهو أصح النسخ - وقد سقط من أصلي من ط الكمباني من البحار.

[475]

كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها نقممها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها أو أترك سدى أو أهمل عابثا أو أجر حبل الضلالة أو اعتسف طريق المتاهة. وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران ومنازله الشجعان. ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا والرواتع الخضرة أرق جلودا والنابتات العذية أقوى وقودا وأبطأ خمودا. وأنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالصنو من الصنو والذراع من العضد. والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ولو أمكنت [الفرص " خ "] من رقابها لسارعت إليها. وسأجهد في أن أطهر الارض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد. إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك، واجتنبت الذهاب في مداحضك، أين القرون [القوم " خ "] الذين غررتهم بمداعبك ؟ أين الامم الذين فتنتهم بزخارفك ؟ ها هم [فها ههم " خ "] رهائن القبور ومضامين اللحود ! ! والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبها حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالاماني وأمم ألقيتهم في المهاوي وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء إذ لا ورد ولا صدر هيهات من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق ومن ازور عن حبالك وفق والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حال انسلاخه. أعزبي عنى فؤالله ولا أسلس لك فتقوديني (1). وأيم الله - يمينا أستثني فيها بمشية الله - لاروضن نفسي رياضة تهش معها إلى

[476]

القرص إذا قدرت عليه مطعوما وتقنع بالملح مأدوما ولادعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفزغة دموعها أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ؟ وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ؟ ويأكل علي من زاده فيهجع ؟ قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية. طوبى لنفسأدت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلبا الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهممت [وهمهمت " خ "] بذكر ربهم شفاههم وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم " أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ". فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك. إيضاح: عثمان بن حنيف هو الذي أخرجه طلحة والزبير من البصرة حين قدماها [قوله عليه السلام:] " من فتية أهل البصرة " قال ابن أبي الحديد: [أي من فتيانها] أو من شبانها وأسخيائها ويروى " أن رجلا من قطان البصرة " أي سكانها وقال في النهاية: المأدبة بضم الدال: الطعام يدعى إليه القوم وقد جاءت بفتح الدال أيضا يقال: أدب فلان القوم يأدبهم بالكسر أي دعاهم إلى طعامه والآدب: الداعي. " يستطاب لك الالوان " يطلب لك طيبها ولذيذها. وقال الجوهري: الجفنة كالقصعة والجمع الجفان. والعائل: الفقير والجفاء: نقيض الصلة والمجفو: المبعد. ثم اعلم أن ظاهر كلامه عليه السلام النهي عن إجابة مثل هذه الدعوة من وجهين: أحدهما إنه طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو فهم من أهل الرياء والسمعة وعدم إجابة دعوتهم أولى.


(1) العزوب: الغيبة والبعد. والذل بالكسر ويضم ضد الصعوبة ومنه الذلول. والذل: المذلة الصغار والاول هنا أنسب. منه رحمه الله.

[477]

وثانيهما إنه مما يظن تحريمه فالاولى الاحتراز عن أكله فيمكن أن يكون النهي عاما ومثل تلك الاجابة مكروها أو يكون خاصا بالولاة كما يشعر به قوله عليه السلام في كلامه لعاصم بن زياد حيث قال عليه السلام [له:] " إني لست كأنت إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره " وحينئذ يكون المخاطب بقوله عليه السلام: " ألا وإن إمامكم " وقوله " وأعينوني " هم الولاة فالنهي إما للتحريم أو للتنزيه ولا ينافي الاول. قوله: " ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك " فإن الظاهر إنه إشارة إلى الاكتفاء من الثوب بالطمرين ومن الطعم بالقرصين. وعلى الثاني تكون الكراهة بالنظر إلى الولاة أشد. ويحتمل أن يكون للاعم من الحرمة والكراهة ويكون لكل من الولاة وغيرهم حكمه فالخطاب عام. ويمكن أن يستفاد من قوله عليه السلام " يستطاب لك الالوان " وجه آخر من النهي وهو المنع من إجابة دعوة المسرفين والمبذرين إما تحريما مع عموم الخطاب أو خصوصه ونظيره النهي للولاة عن أخذ الهدايا ولعله يشعر بذلك قوله: " يستطاب لك وتنقل إليك " أو تنزيها فيكون بالنظر إليهم أشد أو الاعم منهما كما ذكر. والاحتمالات الاخيرة مبنية على انقسام الاسراف مطلقا إلى المحرم والمكروه. والقضم: الاكل بأطراف الاسنان. والطمر بالكسر: الثوب الخلق. والطمران: الازار والرداء. والقرصان للغداء والعشاء. وقوله عليه السلام: " بورع واجتهاد " الورع: اجتناب المحرمات. والاجتهاد: أداء الواجبات أو الورع يشمل ترك المكروهات أيضا. والاجتهاد الاتيان بالسنن الاكيدة أيضا ويمكن أن يكون التنوين فيهما للتقليل أي بما تستطيعون منهما والاعانة على الشفاعة أو على إجراء الاحكام والآدب بين الناس

[478]

والاول أظهر. وقال الجوهري: التبر من الذهب ما كان غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين ولا يقال تبر إلا للذهب وبعضهم يقول للفضة أيضا انتهى. والوفر: المال الكثير. والمراد بالبالي: المندرس. وبالطمر ما لم يبلغ ذلك. وفي نسخة الراوندي بعد ذلك: " ولا إدخرت من أقطارها شبرا " و " فدك " ينصرف بتأويل الموضع ولا ينصرف بتأويل البلدة أو القرية. والنفوس الشاحة أبو بكر وعمر وأتباعهم والساخية نفوس أهل البيت عليهم السلام أو من لم يرغب في هذا الغصب ولم يرض به والاول أظهر. وفي الصحاح: مظنة الشئ: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع المظان وقال: الجدث: القبر وقال: ضغطه يضغطه ضغطا: رخمه إلى حائط ونحوه، ومنه ضغطة القبر. وفي بعض النسخ " لاضغطها " قال ابن أبي الحديد: أي جعلها ضاغطة. والهمزة للتعدية ويروى: " لضغطها " والمتراكم: المجتمع. " وإنما هي نفسي " كأن الضمير راجع إلى النفس. وقيل أي إنما همتي وحاجتي رياضة نفسي ويقال: رضت الدابة - كقلت -: أي ذلتها وأدبتها. والمراد بالمزلق: الصراط أو طريق الحق [قوله عليه السلام:] " ولو شئت لاهتديت " قال ابن أبي الحديد: وقد روي " ولو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفى ولباب هذا البر المنقى فضربت هذا بذاك حتى ينضج وقودا ويستحكم معقودا ". والقمح: البر. قاله الجوهري. وقال: القز: الابريسم معرب. وقال: الجشع: أشد الحرص. وقال: الاختيار: الاصطفاء وكذلك التخير. وقال: المبطان: الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الاكل. وقال: الغرث: الجوع وقد غرث بالكسر يغرث. وقال: الحرة بالكسر: العطش ومنه

[479]

قولهم: " أشد العطش حرة على قرة " إذا عطش في يوم بارد والحران: العطشان والانثى حرى مثل عطشى. قوله عليه السلام: " أو أكون " الهمزة للاستفهام و " الواو " للعطف والبيت للحاتم الطائي المشهور. والبطنة: بالكسر هو أن يمتلي من الطعام امتلاءا شديدا و " القد " بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ والاشتياق إلى القد لشدة الجوع. قوله عليه السلام: " ولا أشاركهم " الواو للحال أو العطف على أقنع أو يقال فيحتمل الرفع والنصب. وقوله عليه السلام " أو أكون " معطوف على أشاركهم أو على " أقنع ". وقال الجوهري: طعام جشب ومجشوب أي غليظ، ويقال: هو الذي لا أدم معه. قوله عليه السلام: كالبهيمة المربوطة " الخ. قال ابن ميثم فإن الاشتغال بها إن كان غنيا أشبه المعلوفة في اهتمامه بما يعتلفه من طعامه الحاضر، وإن كان فقيرا كان اهتمامه بما يكتسبه كالسائمة " والتقمم " أكل الشاة ما بين يديها بمقمتها أي شفتها. وقيل تتبع القمامة. قوله عليه السلام: " تكترش " أي تملا بها كرشه والكرش بالكسر وككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان و " تلهو عما يراد بها " أي من ذبح واستخدام. و " أترك " في بعض النسخ بالضم عطفا على " أقنع " وبالنصب عطفا على " يقال " أو " يشغلني " وكذا [قوله:] " أهمل وأجر واعتسف وأجر حبل الضلالة " أي أجر أتباعي إليها. ويحتمل التشبيه بالبهيمة التي انقطع مقودها أو تركت سدى. والاعتساف: العدول عن الطريق. والمتاهة: محل التيه والضلال والحيرة.

[480]

والباء في " قعد به " للتعدية وفي القاموس: النزال بالكسر: أن ينزل الفريقان عن إبلهما إلى خيلهما فيضاربوا وقد تنازلوا. والرتع: الاتساع في الخصب وكل خصب مرتع. ويظهر من بعض الشراح أنه قرء " الروائع " بالياء المثناة التحتانية من راعه بمعنى أعجبه وفيما رأينا من النسخ بالتاء. والعذي بكسر العين وسكون الذال: الزرع لا تسقيه إلا ماء المطر. [قوله عليه السلام]: " كالصنو من الصنو " الصنو: المثل وأصله أن تطلع النخلتان من عرق واحد. وقال النبي صلى الله عليه وآله: أنا وعلي من نور واحد. وفي كثير من النسخ " كالضوء من الضوء " أي كالضوء الحاصل أو المنعكس من الضوء لكون علمه وكمالاته من النبي صلى الله عليه وآله ولذا كنى الله عن النبي صلى الله عليه واله في القرآن بالشمس وعنه عليه السلام بالقمر والتشبيه بالذراع من العضد لان العضد أصل للذراع والذراع وسيلة إلى التصرف والبطش بالعضد. وسمى معاوية معكوسا لانعكاس عقيدته ومركوسا لكونه تاركا للفطرة الاصلية ويحتمل أن يكون تشبيها له بالبهائم. وإنما قال عليه السلام: " الشخص والجسم " ترجيحا لجانب البدن أو لكونه تابعا لشهواته البدنية تاركا لمقتضيات روحه وعقله فكأنه ليس هذا إلا الجسم المحسوس وقال الجوهري: الركس: رد الشئ مقلوبا " والله أركسهم بما كسبوا " أي ردهم إلى كفرهم قوله عليه السلام " حتى تخرج [المدرة من بين حب الحصيد] " قال ابن ميثم: أي حتى يخرج معاوية من بين المؤمنين ويخلصهم من وجوده بينهم كما يفعل من يصفي الغلة. وقال ابن أبي الحديد: كما أن الزراع يجتهدون في إخراج الحجر والمدر والشوك ونحوه من بين الزرع كيلا يفسد مبانيه فيفسد ثمرته (1).


(1) كذا في أصلي المطبوع، وفي النسخة التي عندي من شرح ابن أبي الحديد وشرح ابن ميثم: " كيلا يفسد منابته... ".

[481]

وفيه نظر لانه لا معنى لاخراج الطين من الزرع لان لفظ حب الحصيد لا يفهم منه ذلك (1). وقال الجوهري: الغارب ما بين السنام والعنق. ومنه قولهم: " حبلك على غاربك " أي اذهبي حيث شئت وأصله أن الناقة إذا رعت وعليهما الخطام ألقى على غاربها لانها إذا رأت الخطام لا يهنأها شئ. والانسلال: الانطلاق في استخفاء. والمخلب كمنبر: ظفر كل سبع وأفلت الطائر وغيره: تخلص وأفلته غيره. والحبائل جمع حبالة بالكسر وهي ما يصاد بها من أي شئ كان. والمداحض: المزالق والمراد هنا مواضع الشبهة وكل ما يؤدي إلى حرام. والمداعب من الدعابة وهي المزاح. وفي النهاية: الزخرف في الاصل: الذهب وكمال حسن الشئ. وقال: المضامين: جمع مضمون، ومضمون الشئ: ما احتوى واشتمل ذلك الشئ عليه. والقالب بالفتح قالب الخف ونحوه وما يفرغ فيه الجواهر. وبالكسر البسر الاحمر " حسيا " أي مدركا بالحس وفي بعض النسخ " جنسيا " أي منسوبا إلى جنس من الاجناس الموجودة المشاهدة. وقال الجوهري هوى بالفتح يهوي: سقط إلى أسفل والمهوى والمهواة: ما بين الجبلين و " الصدر " بالتحريك: الرجوع عن الماء خلاف الورد والمعنى أوردتهم مهالك ليست من محال الصدور والورود ولا يرجى النجاة منها. ودحضت رجله: زلقت ولجة الماء ولجه: معظمه وركوبها كناية عن ركوب أهوالها وفتنها أو طلب العلو فيها. و " ازور عنه ": عدل وانحرف. وقال ابن أبي الحديد: ضيق المناح: كناية عن شدائد الدنيا كالفقر والمرض والحبوس والسجون ولا يبالي بها لان كل ذلك حقير في جنب السلامة من فتنة الدنيا " كيوم حان انسلاخه " أي قرب انقضاؤه " ولا أسلس لك "


(1) هذا آخر ما ذكره المصنف بنحو الايجاز عن ابن ميثم رحمه الله في شرح هذه الفقرة في شرحه على نهج البلاغة: ج 4 ص 113.

[482]

أي لا أنقاد. والاستثناء من اليمين بمشيئة الله تعليقها بالمشيئة بقول: انشاء الله وهو مستحب في سائر الامور وقال [ابن الاثير] في النهاية " هس لهذا الامر يهش هشاشة " إذا فرح بذلك واستبشر وارتاح له وخف. وقال: نضب الماء غار ونفد. وقال الجوهري: ماء معين أي جار أي أبكى حتى لا يبقى في عيني ماء. وقال ابن أبي الحديد: الرعي بكسر الراء الكلاء. وقال الجوهري: ربض الغنم مأواها. وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك الابل والربيض: الغنم برعاتها المجتمعة في مربضها. وقال الهجوع: النوم ليلا. وقال: الهمل بالتحريك: الابل بلا راع يقال: إبل همل وهاملة ويقال: فلان يعرك الاذى بجبنه أي يحتمله ذكره الفيروز آبادي وقال: ما اكتحلت عمضا أي ما تمت. والكرى: النعاس. افترشت أرضها أي اكتفت بها فراشا. وتوسدت كفها أي جعلتها وسادة واكتف بها مع أنه مستحب. والهمهمة: الصوت الخفي ويدل على استحباب إخفاء الذكر. وتقشعت أي تفرقت وزالت وذهبت كما يتقشع السحاب. 687 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله: أما بعد فإنك ممن استظهر به على إقامة الدين وأقمع به نحوة الاثيم وأسد به لهاة الثغر المخوف فاستعن بالله على ما أهمك واخلط الشدة بضغث من اللين وارفق ما كان الرفق أرفق واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة واخفض للرعية جناحك وألن لهم جانبك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والاشارة والتحية حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييئس الضعفاء من عدلك والسلام. بيان: الاستظهار: الاستعانة. والقمع: القهر والتذليل. والنخوة: الكبر.


687 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (46) من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة.

[483]

والاثيم: المذنب. وقال في النهاية: اللهوات: جمع لهاة وهي اللحمات في سقف أقصى الفم انتهى. ولعله أريد بها هنا الفم مجازا. والضغث: بالكسر: قطعة حشيش مختلطة الرطب باليابس وفي تشبيه اللين بالضغث لطف فإنه لا يكون إلا لينا. وقال ابن أبي الحديد: المراد مزج الشدة بشئ من اللين فاجعلهما كالضغث. وفيه بعد. وقال الجوهري: اعتزمت على كذا وعزمت بمعنى. والاعتزام: لزوم القصد في المشي. انتهى. ولعل المراد هنا المعنى الثاني إشارة إلى أنه مع الاضطرار إلى الشدة ينبغي عدم الافراط فيه. وخفض الجناح كناية عن الرفق أو الحراسة. وإلانة الجانب: ترك الغلظة والعنف في المعاشرة. " وآس بينهم " أي اجعلهم أسوة. وروى " وساو بينهم " والمعنى واحد. واللحظة: المراقبة وقيل: النظر بمؤخر العين. 688 - نهج: من كتاب له عليه السلام أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها ولهجا بها، ولن يستغني صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها ومن وراء ذلك فراق ما جمع ونقض ما أبرم ولو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي والسلام. بيان: المشغلة كمرحلة: ما يشغلك. وفي بعض النسخ: " مشغلة " على بناء الافعال فلو صحت الرواية بطل ما حكم به الاكثر من رداءة " أشغله " واللهج بالشئ: الولوع به. قوله عليه السلام: " ولو اعتبرت " قال ابن أبي الحديد: أي لو اعتبرت بما مضى من عمرك لحفظت باقيه أن تنفقه في الضلال وطلب الدنيا وتضيعه.


688 - رواه السيد الرضي رضي الله تعالى عنه في المختار: (49) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة، قال: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية أيضا.

[484]

وقال ابن ميثم: أي لو اعتبرت بما مضى من القرون الخالية لحفظت ما بقي من السعادة الاخروية أقول: قال ابن أبي الحديد: قد ذكر نصر بن مزاحم هذا الكتاب وقال إنه عليه السلام كتبه إلى عمرو بن العاص وفيه زيادة لم يذكرها الرضي (1). 689 - نهج: من كتاب له عليه السلام إلى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته: أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها. كلما إطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور أو إلى إيناس أزالته عنه إلى إيحاش. بيان: [قوله عليه السلام:] لقلة ما يصحبك منها أي لقلة ما تستفيد من لذتها والانتفاع بها والتعبير بالقلة على سبيل التنزل أي لانك لا تصحب منها شيئا. وقيل: المراد بما يصحبه منها: الكفن. وقيل: القبر. 690 - نهج: روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه


(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار: (49) من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 17، ص 15، ط مصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 11. وأيضا رواه ابن أبي الحديد عن نصر في شرح المختار: (35) من باب خطب نهج البلاغة: ج 2 ص 227 ط مصر. وأما نصر بن مزاحم فرواه في أواسط الجزء الثاني من كتاب صفين ص 110، ط مصر، وفي طبع آخر ص 124. ورويناه حرفيا نقلا عن كتاب صفين في المختار: (93) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام، من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 251 ط 1. 689 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (68) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. ورويناه عن مصادر كثيرة في المختار الثاني من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 8. 690 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار الثالث من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة.

[485]

السلام اشترى دارا على عهده بثمانين دينارا فبلغه ذلك واستدعاه وقال له: بلغني أنك ابتعت دارا بثمانين دينارا وكتبت كتابا وأشهدت شهودا فقال له شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين قال: فنظر إليه نظر مغضب ثم قال: يا شريح أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسألك عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا ويسلمك إلى قبرك خالصا فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك أو نقدت الثمن من غير حل لك فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا ودار الآخرة أما إنك لو كنت أتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوقه والنسخة هذه: هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد أزعج للرحيل اشترى منه دارا من دار الغرور من جانب الفانين وخطة الهالكين وتجمع هذه الدار حدد أربعة: الحد الاول: ينتهي إلى دواعي الآفات. والحد الثاني: ينتهي إلى دواعي المصيبات. والحد الثالث: ينتهي إلى الهوى المردي. والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوى وفيه يشرع باب هذه الدار. اشترى هذا المغتر بالامل من هذا المزعج بالاجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة والدخول في ذل الطلب والضراعة فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك فعلى مبلبل أجسام الملوك وسالب نفوس الجبابرة ومزيل ملك الفراعنة مثل كسرى وقيصر وتبع وحمير ومن جمع المال على المال فأكثر ومن بنى


ورواه أيضا عنه المصنف في الحديث: (48) من الباب: (107) من المجلد التاسع من بحار الانوار: ج 9 ص 545 ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 41 ص 157. ورويناه عن مصادر في المختار: (168) من باب الخطب من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 602 ط 2.

[486]

وشيد وزخرف ونجد وادخر واعتقد ونظر بزعمه للولد إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض والحساب وموضع الثواب والعقاب إذا وقع الامر بفصل القضاء وخسر هنالك المبطلون شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا. أقول سيأتي برواية أخرى مع شرحه في أبواب خطبه ومواعظه (1). 691 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى العمال الذين يطأ عملهم الجيش: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من مر به الجيش من جباة الخراج وعمال البلاد أما بعد فإني قد سيرت جنودا هي مارة بكم إنشاء الله وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الاذى وصرف الشذى وأنا أبرء إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش إلا من جوعة المضطر لا يجد عنها مذهبا إلى شبعه فنكلوا من تناول منهم ظلما عن ظلمهمهم وكفوا أيدي سفهائكم عن مضارتهم والتعرض لهم فيما استثنيناه منهم وأنا بين أظهر الجيش فارفعوا إلي مضالمكم وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم وما لا تطيقون دفعه إلا بالله وبي أغيره بمعونة الله. بيان: يطأ عملهم أي يسيرون في أرضهم والبلاد التي تحت عملهم وحكمهم. وقال الجوهري: جبيته جباية وجبوته جباوة: جمعته وقال: الشذى مقصورا: الاذى والشر [قوله:] " وإلى ذمتكم " قال ابن أبي الحديد: أي اليهود والنصارى الذين بينكم قال صلى الله عليه واله: " من آذى ذمتي فكأنما آذاني ".


(1) رواه المصنف في الباب: (12) من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب البحار: ج 17، ص 77 ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 77 ص 377. 691 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (60) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة.

[487]

وقال ابن ميثم: أي إلى ذمتكم التى أخذتها من إسارة الجيش فإنه ليس بأمري من ذلك إلا معرة جوعة المضطر والمعرة: الاثم والامر القبيح المكروه والاذى [وهذا]: ويدل على أنه يجوز للجائع المضطر من الجيش الاخذ بقدر الشبع. و [قال ابن الاثير] في النهاية التنكيل: المنع والتنحية و " وأنا بين أظهر الجيش " أي أنا قريب منكم وسائر على أثرهم. وقال ابن ميثم: " كناية عن كونه مرجع أمرهم " " وعراه يعروه " غشيه أو قصده. وتغيير ما عراهم: دفع الظلم عنهم. 692 - نهج: [و] من كتاب [له عليه السلام] كتبه - لما استخلف - إلى أمراء الاجناد: أما بعد فانما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه وأخذوهم بالباطل فاقتدوه. إيضاح: " فاشتروه " قال ابن أبي الحديد: أي فاشترى الناس الحق منهم بالرشا والاموال أي لم يضعوا الامور مواضعها ولا ولوا الولايات مستحقيها وكانت أمورهم تجري على وفق الهوى والاغراض الفاسدة فاشترى الناس منهم الميراث والحقوق كما يشترى السلع بالاموال ! ! ! وروي " فاستروه " بالسين المهملة أي اختاروه تقول استريت خيار المال أي اخترته ويكون الضمير عائدا إلى الظلمة لا إلى الناس أي منعوا الناس حقهم من المال واختاروه لانفسهم واستأثروا به وأخذوهم بالباطل أي حملوهم على الباطل فجاء الخلف من بعد السلف فاقتدوا بآبائهم وأسلافهم في إرتكاب ذلك الباطل ظنا منهم أنه حق لما قد ألفوه ونشاؤا عليه. وقال ابن ميثم: اشتروه أي باعوه وتعوضوا عنه بالباطل لما منعوا منه كقوله تعالى: * (وشروه بثمن بخس) * وكذلك قوله عليه السلام " أخذوهم بالباطل فاقتدوه " أي اقتدوا الباطل وسلكوا فيه مسلك من أخذهم به كقوله


692 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار الاخير من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[488]

تعالى: * (فبهديهم اقتدوه) * انتهى. قيل: ويحتمل إرجاع الضمير المرفوع في قوله عليه السلام: " اشتروه " إلى الناس والمنصوب إلى المنع المذكور في ضمن قوله " منعوا " أي إنما أهلك من كان قبلكم أن الظالمين منهم تصرفوا في أمورهم وصاروا خلفاء فيهم حكاما بينهم وهو معنى منعهم الحق فرضوا بذلك وتعوضوا به عن الحق وخلفائه فالاشتراء كناية عن الرضا أو إستعارة لتعوضهم أو مجاز فيه. وأما الضمير المنصوب في قوله عليه السلام " فاقتدوه " فيحتمل الارجاع إلى الاخذ فيكون نظيرا لسابقه أو إلى الباطل. أقول وفي بعض النسخ " فافتدوه " بالفاء أي أخذوهم بأحكام الجور فأعطوا الفداء ليتخلصوا منهم فالضمير راجع إلى الباطل ولعله أنسب. 693 - نهج: وقال عليه السلام لزياد بن أبيه وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على فارس وأعمالها في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقديم الخراج: استعمل العدل واحذر العسف والحيف، فإن العسف يعود بالجلاء والحيث يدعو إلى السيف. بيان: قال في القاموس: عسف السلطان: ظلم وفلانا استخدمه والحيف: الميل والجور والظلم فيحتمل أن يكون المراد بالحيث الميل إلى بعض الرعايا بالاعزاز والاحترام وتفضيل بعضهم على بعض فإن ذلك يورث العداوة بينهم وعدم طاعة بعضهم للوالي فيكون داعيا إلى القتال. أو المراد بالعسف الاستخدام كما هو دأب الملوك في استخدام الرعايا وأخذ دوابهم فالحيف بمعنى الظلم أي ساير أنواعه.


693 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في آخر نهج البلاغة تحت الرقم: (476) من قصار كلام أمير المؤمنين عليه السلام.

[489]

وقال ابن أبي الحديد: كانت عادة أهل فارس في أيام عثمان أن يطلب الوالي منهم خراج أملاكهم قبل بيع الثمار على وجه الاستلاف وكان ذلك يجحف بالناس. 694 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك قسوة وغلظة واحتقارا وجفوة فنظرت فلم أرهم أهلا لان يدنو الشركهم ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة وداول لهم بين القسوة والرأفة وامزج لهم بين التقريب والادناء، والابعاد والاقصار إنشاء الله. بيان: الدهقان: بالضم والكسر: رئيس القرية وهو معرب والقسوة: الصلابة. والجفوة: نقيض الصلة. قوله عليه السلام: " فلم أرهم " أي لا تقربهم إليك قربا كاملا لشركهم ولا تبعدهم عنك بعدا كاملا لانهم معاهدون وأهل الذمة فعاملهم بين المعاملتين. والجلباب: الازار والرداء أو الملحفة أو المقنعة. والطرف بالتحريك الطائفة من الشئ. والمداولة: المناوبة أي كن قاسيا مرة ولينا أخرى. 695 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبد الله بن العباس على البصرة وعبد الله يومئذ عامل أمير المؤمنين عليه السلام عليها وعلى كور الاهواز وفارس وكرمان: وإنى أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فئ المسلمين شيئا


694 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (20) من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة. وقريبا منه رويناه في المختار: (117) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 5 ص 27 ط 1. 695 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (21) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة.

[490]

صغيرا أو كبيرا لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر ضئيل الامر والسلام. إيضاح: قال ابن ميثم: زياد هو ابن سمية أم أبي بكرة دعي ابي سفيان وروي أن أول من دعاه ابن أبيه عائشة حين سئلت لمن يدعى وكان كاتب المغيرة بن شعبة ثم كتب لابي موسى ثم كتب لابن عامر ثم كتب لابن عباس وكان مع علي عليه السلام فولاه فارس وكتب إليه معاوية يتهدده فكتب إليه: أتتوعدني وبيني وبينك ابن أبي طالب أما والله لئن وصلت إلي لتجدني أحمر ضرابا بالسيف ثم دعاه معاوية أخا له وولاه بعد أمير المؤمنين عليه السلام البصرة وأعمالها وجمع له بعد المغيرة بن شعبة العراقين وكان أول من جمعا له. وقال الجوهري: الكورة: المدينة والصقع [والصقع: الناحية] والجمع كور. وقال: الفارس: الفرس وبلادهم وقال: الشدة بالفتح الحملة الواحدة. وقال: الوفر: المال الكثير أي تفقرك بأخذ ما أخذت من أموال المسلمين: " ثقيل الظهر " بالاوزار والتبعات وقيل كناية عن الضعف وعدم النهوض لما يحتاج إليه. والضئيل: الحقير أي تسلب جاهك بسلب مالك. نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد أيضا: فدع الاسراف مقتصدا واذكر في اليوم غدا وأمسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك. أترجو أن يؤتيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين ؟ وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والارملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين ؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف وقادم على ما قدم والسلام.


696 - رواه السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (22) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. وقريبا منه رويناه عن مصدرين آخرين في المختار: (142) وتاليه من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 5 ص 165، ط 1.

[491]

بيان: الاسراف: التبذير. وقيل: ما أنفق في غير طاعة. وقيل: مجاوزة القصد. والاقتصاد: التوسط في الامور. وفي النهاية: التمرغ: التقلب في التراب وقال: الارامل: المساكين من نساء ورجال ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده أرامل وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا الواحدة أرمل وأرملة فالارمل الذي ماتت زوجته والارملة التي مات زوجها سواء كانا غنيين أو فقيرين انتهى وأن يوجب " مفعول " تطمع ". 697 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس أما بعد فإن عيني بالمغرب كتب إلي يعلمني أنه وجه إلى الموسم أناس من أهل الشام العمي القلوب الصم الاسماع الكمه الابصار الذين يلتمسون الحق بالباطل ويطيعون المخلوق في معصية الخالق ويحتلبون الدنيا درها بالدين ويشترون عاجلها بآجل الابرار المتقين ولن يفوز بالخير إلا عامله ولا يجزي جزاء الشر إلا فاعله. فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب والناصح اللبيب والنافع لسلطانه المطيع لامامه وإياك وما يعتذر منه، ولا تكن عند النعماء بطرا ولا عند البأساء فشلا. بيان: قال ابن ميثم: كان معاوية قد بعث إلى مكة دعاة في السر يدعون إلى طاعته ويثبطون العرب عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام بأنه إما قاتل لعثمان أو خاذل له وينشرون عندهم محاسن معاوية بزعمهم فكتب أمير المؤمنين عليه السلام هذا الكتاب وقثم بن العباس بن عبد المطلب لم يزل واليا لعلي عليه السلام على مكة حتى قتل [علي] عليه السلام فاستشهد قثم بسمرقند في زمن معاوية.


697 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (33) من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة. وقريبا منه ذكرناه عن مصدر آخر في المختار: (158) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 5 ص 295 ط 1.

[492]

وقيل: إن الذين بعثهم [معاوية كان] بعض السرايا التي كان يبعثها للاغارة على أعمال علي عليه السلام. والعين الجاسوس أي أصحاب أخباره [عليه السلام] عند معاوية ويسمى الشام مغربا لانه من الاقاليم المغربية. والموسم كمجلس: الوقت الذي يجتمع فيه الحاج كل سنة. والاكمه: الذي يولد أعمى. " الذين يلتمسون الحق بالباطل " قال ابن أبي الحديد: أي يطلبون الحق بمتابعة معاوية فإنهم كانوا يظهرون ناموس العبادة وفي بعض النسخ " يلبسون الحق " أي يخلطونه وقوله عليه السلام " درها " منصوب بدلا من " الدنيا " وشراؤهم عاجل الدنيا بآجل الابرار كناية عن استعاضتهم الآخرة بالدنيا. والحازم: ذو الحزم الراسخ في الدين. والصليب: الشديد " وما يعتذر منه " المعصية والزلة وقال [ابن الاثير]: في النهاية: البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغناء. وقال: الفشل: الفزع والجبن والضعف. 698 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس: أما بعد فإن العبد ليفرخ بالشئ الذي لم يكن ليفوته ويحزن على الشئ الذي لم يكن ليصيبه فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ما خلفت وهمك فيما بعد الموت والسلام. 699 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس وهو عامله على البصرة: إعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن فحادث أهلها بالاحسان


698 - رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (66) من باب الكتب من نهج البلاغة. وقريبا منه رواه أيضا في المختار: (22) منه. 669 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (18) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[493]

واحلل عقدة الخوف من قلوبهم وقد بلغني تنمرك لبني تميم وغلظتك عليهم وإن بني تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع آخر وانهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام وإن لهم بنا رحما ماسة وقرابة خاصة نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها. فاربع أبا العباس رحمك الله فيما جرى على يدك ولسانك من خير وشر فإنا شريكان في ذلك وكن عند صالح ظني بك ولا يفيلن رأيي فيك. تبيين: قال ابن ميثم رحمه الله: روي أن ابن عباس كان قد أضر ببني تميم حين ولي أمر البصرة من قبل علي عليه السلام للذي عرفهم به من العداوة يوم الجمل لانهم كانوا من شيعة طلحة والزبير وعائشة فحمل عليهم ابن عباس فأقصاهم وتنكر عليهم وعيرهم بالجمل حتى كان يسميهم شيعة الجمل وأنصار عسكر وهو اسم جمل عائشة وحزب الشيطان فاشتد ذلك على نفر من شيعة علي عليه السلام من بني تميم منهم حارثة (1) بن قدامة وغيره فكتب بذلك حارثة إلى علي عليه السلام يشكو إليه ابن عباس. فكتب عليه السلام إلى ابن عباس: أما بعد فإن خير الناس عند الله غدا أعملهم بطاعته فيما عليه وله وأقواهم بالحق وإن كان مرا ألا وإنه بالحق قامت السموات والارض فيما بين العباد فلتكن سريرتك فعلا وليكن حكمك واحدا وطريقتك مستقيمة. واعلم أن البصرة مهبط ابليس ومغرس الفتن إلى آخر ما مر قوله: قوله عليه السلام: " فيما بين العباد " حال عن الحق أو ظرف للقيام لكونه عبارة عما ينفع العباد ويصير سببا لانتظام أمورهم.


(1) كذا في أصلي ومثله في طبع بيروت من شرح ابن ميثم: ج 4 ص 395، ولعل الصواب: " جارية " وهو ابن قدامة. (*)

[494]

[قوله عليه السلام:] " فلتكن سريرتك فعلا " أي لا تضمر خلاف ما تفعل ولا تخدع الناس. قوله عليه السلام: " ومغرس الفتن " قال ابن أبي الحديد: أي موضع غرسها. ويروى بالعين المهملة وهو الموضع الذي ينزل فيه القوم آخر الليل. " فحادث أهلها " أي تعهدهم بالاحسان قال في النهاية: فيه: " حادثوا هذه القلوب بذكر الله " أي اجلوها واغسلوا الدرن عنها وتعاهدوها بذلك كما يحادث السيف بالصقال. وفي الصحاح: قال الاصمعي: تنمر له أي تنكر له وتغير وأوعده لان النمر لا يلقاه أبدا إلا متنكرا غضبان. وتنمروا: تشبهوا بالنمر " لم يغب لهم نجم " أي لم يمت لهم سيد إلا قام آخر مقامه وقال ابن ميثم: الوغم: الترة والاوغام: التراث أي لم يهدر لهم دم في جاهلية ولا في إسلام يصفهم بالشجاعة والحمية فالمضاف محذوف أي لم يسبقوا بشفاء حقد من عدو. ويحتمل أن يكون المعنى أنهم لم يسبقهم أحد إلى التراب والاحقاد لشرف نفوسهم بقلة احتمالهم للاذى وذلك لان المهين الحقير في نفسه لا يكاد يغضب ويحقد بما يفعل به من الاذى وإن غضب في الحال إلا أنه لا يدوم ذلك الغضب ولا يصير حقدا أو لم يسبقهم أحد ولم يغلب عليهم بالقهر والبطش. وفي وصفهم بذلك إشارة إلى وجه المصلحة في الاحسان إليهم مع نوع من المدح والاستمالة والرحم الماسة لاتصالهم عند إلياس بن مضر. وقال ابن أبي الحديد: " مأزورون " أصله موزورون ولكنه جاء بالهمزة لتحاذي بها همزة " مأجورون ". قوله عليه السلام " فاربع " أي توقف وتثبت فيما تفعل والمراد بالشر الضرر لا الظلم وإن احتمله. قوله عليه السلام " فإنا شريكان " هو كالتعليل لحسن أمره له بالتثبت لانه لما كان واليا من قبله فكل حسنة أو سيئة يحدثها في ولايته فله عليه

[495]

السلام شركة في إحداثها إذ هو السبب البعيد. وأبو العباس كنية ابن عباس. وقال الجوهري: قال الرأي يفيل فيولة: [ضعف وأخطأ] ورجل فال [وفائل] أي ضعيف الرأي مخطئ الفراسة. 700 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى [عبد الله] ابن عباس وكان ابن عباس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله كانتفاعي بهذا الكلام: أما بعد فإن المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا وليكن همك فيما بعد الموت. بيان: أول الكلام إشارة إلى قوله تعالى: * (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم والله لا يحب كل مختال فخور) *. والدرك محركة: لحاق الشئ والوصول إليه بعد طلبه. واسم " لم يكن " ضمير " المرء " والغرض عدم الاكثار في الفرح بالنعم بحيث يؤدي إلى الاغترار بالدنيا والغفلة عن العقبى وعدم الحزن المفرط في المصيبة بحيث يفضي إلى عدم الرضا بالقضاء وترك ما يجب أو يستحب فعله. قوله عليه السلام: " بما نلت من آخرتك " أي من أسباب آخرتك والطاعات التي توجب حصول الدرجات الاخروية " ولا تأس " أي لا تحزن. 701 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة:


700 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار. (22) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة. 701 - رواه الشريف الرضي رضوان الله عليه في المختار: (29) من الباب الثاني من كتاب

[496]

وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه فعفوت عن مجرمكم ورفعت السيف عن مدبركم وقبلت من مقبلكم فإن خطت بكم الامور المردية وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتي وخلافي فها أنا ذا قد قربت جيادي ورحلت ركابي وإن ألجأتموني إلى المسير إليكم لاوقعن بكم وقعة لا تكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق. مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله ولذي النصيحة حقه غير متجاوز متهما إلى برئ ولا ناكثا إلى وفي. إيضاح: الحبل: العهد والميثاق والامان وكل ما يتوصل به إلى شئ وانتشاره كناية عن تشتت الآراء أو عدم الثبات على العهود وقيل: أي نشركم حبل الجماعة. قال الجوهري: غبيت عن الشئ وغبيته أيضا أغبى غباوة إذا لم يفطن له وغبي علي الشئ كذلك إذا لم تعرفه. قوله عليه السلام: " وقبلت من مقبلكم " أي الذي لم يفر وجاء معتذرا. وقال ابن أبي الحديد: خطا فلان خطوة يخطو وهو مقدار ما بين القدمين فهذا لازم فإن عديته قلت: أخطيت بفلان وخطوت به وقد عداه عليه السلام بالباء أقول: المعنى إن ذهبت بكم الامور المهلكة. والسفه محركة: خفة الحلم. " والآراء " في بعض النسخ على زنة آجال على القلب وفي بعضها على الاصل. والجور: العدول عن القصد. وقال الجوهري: جاد الفرس أي صار رايعا يجود جودة بالضم فهو جواد للذكر والانثى من خيل جياد وأجياد وأجاويد. والركاب: الابل التي يركب عليها والواحدة راحلة ورحلت البعير أرحله


نهج البلاغة.

[497]

رحلا إذا شددت على ظهره الرحل وهو أصغر من القتب وفي بعض النسخ بالتشديد. وأوقعت بهم أي بالغت في قتالهم والوقعة بالحرب: الصدمة بعد الصدمة قوله: " إلا كلعقة لاعق " قال ابن أبي الحديد: هو مثل يضرب للشئ الحقير التافه وروي بضم اللام وهي ما تأخذه الملعقة. وفي النهاية لعق الاصابع والصحفة: لطع ما عليها من أثر الطعام. قوله عليه السلام غير متجاوز متهما أي لا أجاوز في العقوبة من المتهم أي الذي ثبت عليه الذنب إلى برئ بأن لا أعاقبه وأعاقب البرئ " والناكث " من نقض البيعة " والوفي " من وفى بها وإنما قال عليه السلام ذلك لئلا ينفروا عنه يأسا من عدله ورأفته. 702 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة: أما بعد فأقم للناس الحج وذكرهم بأيام الله واجلس لهم العصرين فافت المستفتي وعلم الجاهل وذاكر العالم. ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك ولا حاجب إلا وجهك ولا تحجبن ذا حاجة عن لقائك بها فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها. وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع المفاقر والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا ومر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا فإن الله سبحانه يقول: * (سواء العاكف فيه والباد) * فالعاكف المقيم به والبادي الذي يحج إليه من غير أهله وفقنا الله وإياكم لمحابه والسلام. بيان: [قوله عليه السلام]: " بأيام الله " أي انعامه وأيام انتقامه روى


702 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (67) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة.

[498]

ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. " واجلس لهم العصرين " قال ابن ميثم: لكرنهما أطيب الاوقات بالحجاز. وقال الجوهري: العصران الغداة والعشي ومنه سميت صلاة العصر وقال: السفير: الرسول والمصلح بين القوم " إن ذيدت " أي دفعت ومنعت و " وردها ": سؤالها. والمجاعة بالفتح الجوع. وقال ابن الاثير: المفاقر: جمع فقر على غير قياس كالمشابه والملامح ويجوز أن يكون جمع مفقر. والخلة: الحاجة والمحاب: جمع المحبة بمعنى الحب أي الاعمال المحبوبة. 703 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس: أما بعد فإنك لست بسابق أجلك ولا مرزوق ما ليس لك واعلم بأن الدهر يومان يوم لك ويوم عليك وأن الدنيا دار دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك. 704 - نهج: ومن وصية له عليه السلام لعبدالله بن العباس عند ستخلافه إياه على البصرة: سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار وما باعدك من الله يقربك من النار. بيان: سع الناس: أي لا تخص بعض الناس بشئ من ذلك بل ساوهم فيها " ومجلسك " أي تقربهم منك في المجلس " طيرة من الشيطان " في بعض النسخ بفتح الطاء وسكون الياء وفي بعضها بكسر الطاء وفتح الياء.


703 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (72) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. 704 - رواه السيد الرضي رضي الله تعالى عنه في المختار: (77) من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة.

[499]

وقال الجوهري في فلان طيرة وطيرورة أي خفة وطيش. والطيرة مثال العتبة وهو ما يتشأم به من الفال الردى انتهى. والاول هنا: أظهر وعلى الثاني فيمكن أن يكون المراد أن ذلك قال ردئ ناش من الشيطان يدل على أن صاحبه بعيد من رحمة الله. 705 - نهج: [و] من كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس: أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الامانة إلي فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الامة قد فتكت وشغرت قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين فلا ابن عمك آسيت ولا الامانة أديت وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك وكأنك لم تكن على بينة من ربك وكأنك إنما كنت تكيد هذه الامة عن دنياهم وتنوي غرتهم عن فيئهم فلما أمكنتك الشدة في خيانة الامة أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لاراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكسيرة فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه كأنك لا أبا لغيرك حدرت على أهلك تراثك من أبيك وأمك. فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟ أما ما تخاف من نقاش الحساب ؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الالباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟ وتبتاع الاماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الاموال


705 - رواه الشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه في المختار: (41) من باب كتب أمير المؤمنتين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة. وقد رويناه عن مصادر في المختار: (168) من باب الكتب من كتاب نهج السعادة: ج 5 ص 327 ط 1.

[500]

وأحرز بهم هذه البلاد. فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار. ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل فعلك الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل عن مظلمتهما. وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي. فضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى ودفنت تحت الثرى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ويتمنى المضيع الرجعة فيه ولات حين مناص. إيضاح: قال ابن أبي الحديد: قد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب فقال الاكثرون إنه عبد الله بن العباس رحمه الله ورووا في ذلك روايات واستدلوا عليه بألفاظ من ألفاظ الكتاب كقوله: " أشركتك في أمانتي وجعلتك بطانتي وشعاري وإنه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك ". وقوله " على ابن عمك قد كلب " ثم قال ثانيا " قلبت لابن عمك ظهر المجن " تم قال ثالثا " فلا ابن عمك آسيت " وقوله " لا أبا لغيرك " وهذه كلمة لا تقال إلا لمثله فأما غيره من أفناء الناس فإن عليا عليه السلام كان يقول له لا أبا لك. وقوله أيها المعدود كان عندنا من أولي الالباب. وقوله " والله لو أن الحسن والحسين عليهما السلام " وهذا يدل على أن المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجري مجراهما عنده.

[501]

وقد روى أرباب هذا القول أن عبد الله بن عباس كتب إلى علي عليه السلام جوابا عن هذا الكتاب قالوا: وكان جوابه: أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة ولعمري إن حقي في بيت المال لاكثر مما أخذت والسلام. قالوا فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فإن من العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وإدعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحل لك المحرم إنك لانت المهتدي السعيد إذا. وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا (1) تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن على عينك وتعطي فيهن مال غيرك. فارجع هداك الله إلى رشدك وتب إلى الله ربك واخرج إلى المسلمين


(1) وللمصنف العلامة رفع الله مقامه هاهنا في هامش الكتاب حاشية هذا نصها - عدا ما زدنا بين المعقوفات توضيحا -: [قوله عليه السلام:] " وضربت بها عطنا " كناية عن اتخاذ الابل الكثيرة أو عن إتساعه في المأكل والمشرب وغيرهما. قال [ابن الاثير] في [مادة " عطن " من كتاب] النهاية. في حديث الرؤيا: " حتى ضرب الناس بعطن " العطن: مبرك الابل حول الماء يقال: عطنت الابل فهي عاطنة وعواطن إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى. وأعطنت الابل إذا فعلت بها ذلك، ضرب ذلك مثلا لاتساع الناس في زمن عمر، وما فتح الله عليهم من الامصار. [وأيضا قال ابن الاثير في مادة " ولد " من كتاب النهاية]. وفي حديث شريح: " أن رجلا اشترى جارية وشرط أنها مولدة فوجدها تليدة " المولدة التي ولدت بين العرب ونشأت مع أولادهم وتأدبت بآدابهم. وقال الجوهري: رجل مولد إذا كان عربيا غير محض. والتليدة: التى ولدت ببلاد العجم وحملت فنشأت ببلاد العرب.

[502]

من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت وتترك ما جمعت وتغيب في صدع من الارض غير موسد ولا ممهد قد فارقت الاحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب غنيا عما خلفت فقيرا إلى ما قدمت والسلام. قالوا فكتب إليه عبد الله بن عباس أما بعد قد فإنك أكثرت علي ووالله لان ألقى الله قد احتويت على كنوز الارض كلها من ذهبها وغقيانها ولجينها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرء مسلم والسلام. وقال آخرون وهم الاقلون: هذا لم يكن ولا فارق عبد الله بن عباس عليا عليه السلام ولا باينه ولا خالفه ولم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل علي عليه السلام. قالوا: ويدل على ذلك ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الاصبهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لما قتل علي عليه السلام وقد ذكرناه من قبل. قالوا: وكيف يكون ذلك ولم يختدعه معاوية ويجره إلى جهته فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمال أمير المؤمنين علي عليه السلام واستمالهم إليه بالاموال فمالوا وتركوا أمير المؤمنين عليه السلام فما باله وقد علم النبوة التي (1) حدثت بينهما لم يستمل ابن عباس ولا اجتذبه إلى نفسه وكل من قرء السير وعرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة علي عليه السلام وما كان يلقاه به من قوارع الكلام وشديد الخصام وما كان يثني به على أمير المؤمنين ويذكر خصائصه وفضائله ويصدع به من مناقبه ومآثره فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان به الامر كذلك بل كانت الحال تكون بالضد مما اشتهر من أمرهما وهذا عندي هو الامثل والاصوب.


(1) النبوة: الارتفاع وهنا كناية عن عدم الموافقة يقال: نبا عنه بصره أي تجافاه ولم ينظر إليه وتبا منزله إذا لم توافقه ونبا حد السيف إذا لم يعمل في الضريبة ويقال: لا ينبو عن فلان أي ينقاد له. منه طاب ثراه.

[503]

وقد قال الراوندي المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد الله بن العباس لا عبد الله وليس ذلك بصحيح فإن عبيد الله كان عامل علي عليه السلام على اليمن وقد ذكرنا قصته مع بسر بن أرطأة فيما تقدم ولم ينقل عنه أنه أخذ مالا ولا فارق طاعة. وقد أشكل علي أمر هذا الكتاب فإن أنا كذبت النقل وقلت هذا كلام موضوع على امير المؤمنين عليه السلام خالفت الرواة فإنهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه وقد ذكر في أكثر كتب السيرة وإن صرفته إلى عبد الله بن العباس صدني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين في حياته وبعد وفاته وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام والكلام يشعر بأن الرجل المخاطب من أهله ومن بني عمه فأنا في هذا الموضع من المتوقفين. انتهى. وقال ابن ميثم: هذا مجرد استبعاد ومعلوم أن ابن عباس لم يكن معصوما وعلي عليه السلام لم يكن ليراقب في الحق أحدا ولو كان أعز أولاده بل يجب أن تكون الغلظة على الاقرباء في هذا الامر أشد ثم إن غلظة علي وعتابه لا يوجب مفارقته اياه. ولنرجع إلى الشرح. قوله عليه السلام " كنت أشركتك في أمانتي " أي جعلتك شريكا في الخلافة التي ائتمنني الله عليها والامانة الثانية ما تعارفه الناس. وقال [ابن الاثير] في النهاية: بطانة الرجل: صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله. " قد خزيت " أي هانت وذلت، والمراد عدم اهتمام الناس بحفظها. وقال الجوهري: وقال ابن الاثير: التفل نفخ معه أدنى بزاق وهو أكثر من النفث. " والمواساة ": المشاركة والمساهمة وأصله الهمزة قلبت تخفيفا والموازرة: المشاركة في حمل الاثقال والمعاونة في إمضاء الامور. وقال في [حرب وكلب من] النهاية: في حديث علي عليه السلام كتب إلى ابن عباس حين أخذ مال البصرة: " فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب " أي اشتد يقال: كلب الدهر على أهله إذا الح عليهم واشتد وقال:

[504]

" والعدو قد حرب " أي غضب يقال منه: حرب يحرب حربا بالتحريك. انتهى. " قد خزيت " أي هانت وذلت، والمراد عدم اهتمام الناس بحفظها. وقال الجوهري: الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار حتى يشد عليه فيقتله وقد فتك به يفتك ويفتك [على زنة يضرب وينصر] والفاتك: الجرئ. وقال: شغر البلد أي خلا من الناس وفي القاموس: شغرت الارض لم يبق أحد يحميها ويضبطها. والشغر: البعد والتفرقة. وقال ابن أبي الحديد: أي خلت من الخير. وقال في قوله عليه السلام: " قلبت لابن عمك " أي كنت معه فصرت عليه وأصل ذلك أن الجيش إذا لقوا العدو كانت ظهور مجانهم إلى وجه العدو وبطونها إلى عسكرهم فإذا فارقوا رئيسهم عكسوا. [قوله عليه السلام:] على بينه من ربك " أي لم يكن إيمانك عن حجة وبرهان. وقال الجوهري شئ شديد: بين الشدة والشدة بالفتح الحملة الواحدة وقد شد عليه في الحرب انتهى. " والكرة " الحملة والعود إلى القتال. وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " اختطاف الذئب الازل " الازل في الاصل الصغير الفجر وهو في صفات الذئب الخفيف وقيل هو من قولهم زل زليلا إذا عدى وخص الدامية لان من طبع الذئب محبة الدم حتى أنه يرى ذئبا داميا فيثب عليه ليأكله. وفي الصحاح المعز من الغنم خلاف الضأن وهو اسم جنس وكذلك المعزى. قوله: " رحيب الصدر " أي واسعة طيب النفس. وقال الجوهري: الاثم: الذنب وتأثم أي تحرج عنه وكف. وقال: حدرت السفينة أي أرسلتها إلى أسفل. انتهى. وأما قوله عليه السلام " لا أبا لغيرك " فقال في النهاية: لا أبا لك أكثر ما

[505]

يستعمل في معرض المدح أي لا كافي لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم كما يقال: لا أم لك وقد يذكر في معرض التعجب دفعا للعين انتهى. فعلى الاول يكون " لا أبا لغيرك " ذما له بمدح غيره وعلى الثاني مدحا له وتلطفا مع إشعار بالذم وعلى الثالث يكون إبعادا عن التعجب من سوء فعله تلطفا أو ذما له بالتعجب من حسن فعل غيره دون فعله. والانسب بالمقام أن يكون الغرض لا أبا لك للذم فعبر هكذا لنوع ملاطفة وقد يقال مثله في الفارسية يقال إن مات عدوك والغرض إن مت. وفي النهاية فيه: " من نوقش في الحساب عذب " أي من استقصى في محاسبته وحوقق ومنه حديث علي عليه السلام [" يوم يجمع الله الاولين والآخرين لنقاش] الحساب " وهو مصدر منه وأصله المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه. قوله عليه السلام: " أيها المعدود كان عندنا " أدخل عليه السلام لفظة " كان " تنبيها على أنه لم يبق كذلك فإن الظاهر من المعدود المعدود في الحال. وقيل لعله عليه السلام لم يقل يا من كان عندنا من ذوي الالباب إشعارا بأنه معدود في الحال أيضا عند الناس منهم وفي التعبير بالمعدود إشعار بأنه لم يكن قبل ذلك أيضا منهم. وفي الصحاح مكنه الله من الشئ وأمكنه منه بمعنى. وفي القاموس. " أعذر " أبدى عذرا وأحدث وثبت له عذر وبالغ وفي النهاية: الهوادة الرخصة والسكون والمحاباة وفي الصحاح: الهوادة: الصلح والميل قوله عليه السلام " بإرادة " أي بمراد. وقال الجوهري زاح أي ذهب وبعد وأزاحه غيره. وقال: الظلامة والمظلمة: ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك وقال الزمخشري في المستقصى: صح رويدا أي ترفق في الامر ولا تعجل وأصله أن الاعراب في باديتها تسير بالظعن فإذا عثرت على لمع من العشب قالت ذلك وغرضها أن ترعى الابل الضحاء قليلا قليلا وهي سائرة حتى إذا بلغت مقصدها شبعت

[506]

فلما كان من الترفق في هذا توسعوا فقالوا: في كل موضع ضح بمعنى أرفق والاصل ذاك وقال الجوهري قوله تعالى: * (ولات حين مناص) * قال الاخفش: شبهوا " لات " بليس وأضمروا فيها اسم الفاعل وقال: لا تكون " لات " إلا مع " حين " وقد جاء حذف حين في الشعر وقرأ بعضهم " ولات حين مناص " برفع " حين " وأضمر الخبر قال أبو عبيد: هي لا والتاء إنما زيدت في حين وكذلك في تلان واوان " وإن كتبت مفردة. وقال المورج: زيدت التاء في " لات " كما زيدت في ثمت وربت. 706 - نهج ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد خان في بعض ما ولاه من أعماله: أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله فإذا أنت فيما رقي إلي عنك لا تدع لهواك انقيادا ولا تبقى لآخرتك عتادا. أتعمر دنياك بخراب آخرتك ؟ وتصل عشيرتك بقطيعة دينك ؟ ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك [و] من كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلي به قدر أو يشرك في أمانة أو يؤمن على جباية فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إنشاء الله. [قال الشريف الرضي] والمنذر بن الجارود هو الذي قال فيه أمير المؤمنين: إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه تفال في شراكيه. إيضاح: الهدي بالفتح: السيرة الحسنة: " فيما رقي " بالتشديد أي فيما رفع إلي وأصله أن يكون الانسان في موضع عال فيرقى إليه شئ وكأن العلو هاهنا هو علو الرتبة بين الامام والامير نحو قولهم تعالى باعتبار علو رتبة الآمر على المأمور.


706 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (71) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة. وقريبا منه رويناه عن مصدر آخر في المختار: (114) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 5 ص 22 ط 1.

[507]

كذا ذكره ابن أبي الحديد وقال اللام في [قوله عليه السلام:] " لهواك " متعلق بمحذوف دل عليه " إنقيادا " لان المتعلق من حروف الجر بالمصدر لا يجوز أن يتقدم على المصدر. والعتاد: العدة. وقال: العرب تضرب المثل بالجمل في الهوان. وقال ابن ميثم: جمل الاهل مما يتمثل به في الهوان وأصله فيما قيل أن الجمل يكون لابي القبيلة فيصير ميراثا لهم يسوقه كل منهم ويصرفه في حاجته فهو ذليل حقير بينهم. " وشسع نعلك " قال الجوهري: هي التي تشد إلى زمامها. وقال ابن أبي الحديد: المثل بها في الاستهانة مشهور لابتذالها ووطئها الاقدام في التراب. [قوله عليه السلام:] " أو يشرك في أمانة " قال ابن ميثم: الخلفاء أمناء الله في بلاده فمن ولوه من قبلهم فقد أشركوه في أمانتهم. [قوله عليه السلام]: " أو يؤمن على جباية " قال ابن أبي الحديد: أي على استجباء الخراج وجمعه وهذه الرواية التي سمعناها ومن الناس من يرويها " خيانة " بالخاء المعجمة والنون وهكذا رواها القطب الراوندي ولم يرو الرواية الصحيحة التي ذكرناها نحن وقال: " على " تكون متعلقة بمحذوف أو بيؤمن نفسها وهذا بعيد وتكلف. وقال ابن ميثم: " أي تؤمن حال خيانتك لان كلمة " على " تفيد الحال انتهى. وأقول: يمكن أن يقدر فيه مضاف أي على إزالة خيانة أو يراد بالخيانة المال الذي هو بمعرضها. [قوله عليه السلام:] " لنظار في عطفيه " أي ينظر كثيرا في جانبيه تارة هكذا وتارة هكذا لاصلاح ثوبه أو إعجابه بنفسه. وقال ابن أبي الحديد: الشراك: السير الذي يكون في النعل على ظهر

[508]

القدم. والتفل بالسكون مصدر تفل أي بصق. والتفل محركة: البصاق نفسه، والمختال إنما يفعله في شراكيه ليذهب عنهما الغبار والوسخ يتفل فيهما فيمسحهما ليعودا كالجديدين. وقال ابن الاثير: التفل نفخ معه أدنى بزاق وهو أكثر من النفث. 707 - نهج: [و] من كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمداني وتمسك بحبل القرآن وانتصحه وأحل حلاله وحرم حرامه وصدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا ما بقي منها فإن بعضها يشبه بعضا وآخرها لاحق بأولها وكلها حائل مفارق. وعظم اسم الله أن لا تذكره إلا على حق وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق. واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره لعامة المسلمين واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحيى منه في العلانية واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القول. ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا، ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلا. واكظم الغيظ واحلم عند الغضب وتجاوز عند القدرة واصفح مع الدولة تكن لك العاقبة واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك ولير عليك أثر ما أنعم الله به عليك. واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره وما تؤخره يكن لغيرك خيره واحذر صحابة من يفيل رأيه وينكر عمله فإن الصاحب معتبر بصاحبه.


707 - رواه الشريف الرضي في المختار: (69) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة. (*)

[509]

واسكن الامصار العظام فإنها جماع المسلمين واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الاعوان على طاعة الله. واقصر رأيك على ما يعنيك وإياك ومقاعد الاسواق فإنها محاضر الشيطان ومعاريض الفتن. وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليك فإن ذلك من أبواب الشكر ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله أو في أمر تعذر به وأطع الله في جمل أمورك فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها. وخادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة فإنه لا بد من قضائها وتعاهدها عند محلها. وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا. وإياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق. ووقر الله وأحبب أحباءه واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس والسلام. إيضاح: [قوله عليه السلام]: " بحبل القرآن " لعل الاضافة بيانية كما قال صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض " وانتصحه " أي عده لك ناصحا فيما أمرك به ونهاك عنه " وأحل حلاله " أي اعتقده كذلك واعمل به " وصدق بما سلف " أي صدق بما تضمنه القرآن من أيام الله ومثلاته في الايام السالفة والنبيين والمرسلين وما جاؤا به أو بما ظهر لك من حقيته من الامور السالفة من ابتدأ العالم وحدوثه وبعث النبيين وأحوالهم وغيرها سواء ظهر من الكتاب أو السنة أو البرهان العقلي " وكلها حائل " أي متغير " إلا على حق " أي على حق عظيم معتد به من الاموال أو مطلقا مالا أو غيره أو الغرض عدم الحلف على الباطل " ولا تتمن الموت " أي لا تطلبه إلا مقرونا ومشروطا بأن يكون صلاحك فيه وتدخل الجنة بعده وتكون مغفورا مبرورا وقال ابن أبي الحديد: أي الا وأنت واثق من أعمالك

[510]

الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة وتنقذك من النار وهذا معنى قوله تعالى لليهود: * (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) * انتهى وأقول: على هذا لعله يرجع إلى النهي عن تمني الموت مطلقا فإن ذلك الوثوق مما لا يكاد يحصل لاحد سوى الانبياء والائمة عليهم السلام: " ولا تجعل عرضك غرضا " أي اتق مواضع التهم. والغرض: الهدف. والنبل: السهام العربية ولا واحد له من لفظه. والنبال جمع الجمع. والصفح مع الدولة: العفو عند الغلبة على الخصم " واستصلح كل نعمة " أي استدم نعم الله تعالى بشكرها وتضييعها بترك الشكر أو بصرفها في غير مصارفها المشروعة. ورؤية أثر النعمة باستعمالها كلبس الفاخر من الثياب وإطعام الطعام. والتقدمة من النفس: بذلها في الجهاد وإتعابها وإذابتها بالصيام والقيام. ومن أهل ببعث الاولاد والعشيرة إلى الجهاد وعدم المبالاة بما أصابهم في سبيل الله والرضا بقضاء الله في مصائبهم. ومن المال بإنفاقه في طاعة الله. [وقوله عليه السلام:] " وأنك ما تقدم " إشارة إلى قوله تعالى: * (وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا " وقال الجوهري: قال رأيه: ضعف ورجل فال أي ضعيف الرأي مخطئ الفراسة. [قوله عليه السلام:] " فإن الصاحب معتبر " قال ابن ميثم فإنك تقاس بصاحبك وينسب فعلك إلى فعله ولان الطبع مع الصحبة أطوع للفعل منه للقول فلو صحبته لشابه فعله فعله. وفي القاموس: صحبه كسمعه صحابة ويكسر. وفي الصحاح: الجماع: ما جمع شيئا يقال: الخمر جماع الاثم. " واحذر منازل الغفلة " كالقرى والبوادي وكل منزل يكون أهله غافلين عن الله جافين لاوليائه باعدين عن الآداب الحسنة غير معينين على طاعة الله " على ما يعنيك " أي يهمك. والمعاريض: جمع معرض بفتح الميم أو كسرها وهو محل عروض الشئ وظهوره قال الجوهري: المعرض: ثياب تحلى فيها الجواري. " إلا فاصلا " أي

[511]

شاخصا قال تعالى: * (ولما فصلت العير) *. " أو في أمر تعذر به " أي لضرورة تكون عذرا شرعا. [قوله عليه السلام] " في جمل أمورك " أي في جملتها وكلها " وخادع نفسك " أي بأخذ عفوها ونشاطها وترغيبها إلى العبادة بذكر الوعد والوعيد وصحبة العباد والنظر إلى أطوارهم الحسنة من غير قهر وجبر حتى يمل ويضجر بل بأن يتلطف لها ولا يحملها فوق طاقتها وقال الجوهري: عفو المال: ما يفضل عن النفقة. " فإن الشر بالشر " لعل المراد بالشر الثاني صحبة الفاسق وبالاول سوء العاقبة أو بالاول ما تكتسبه النفس من تلك المصاحبة وقيل الشر يقوى بالشر كالنار تقوى بالنار فمخالطتهم جاذبة لك إلى مساعدتهم وفي بعض النسخ " ملحق " بصيغة اسم الفاعل أي يلحقك الشر بالشر. 708 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى الاسود بن قطبة صاحب جند حلوان: أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك راجيا ثوابه ومتخوفا عقابه. واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة وأنه لن يغنيك عن الحق شئ أبدا. ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك والسلام. بيان: قوله عليه السلام " إذا اختلف هواه " كما إذا لم يكن الخصمان


708 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (59) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة.

[512]

عنده سواء بل كان هواه وميله إلى أحدهما أكثر ظلم وجار. [قوله عليه السلام] " ما تنكر أمثاله " أي إذا فعله غيرك. وابتذال الثوب وغيره امتهانه قاله الجوهري وقال: البلية والبلاء والبلوى واحد والفرغة المرة من الفراغ وقال الجوهري: احتسبت عليه كذا إذا أنكرت عليه. قاله ابن دريد. " فإن الذي يصل إليك " أي النفع الذي يصل إلى نفسك من الثواب أفضل من الذي يصل إلى رعيتك بسببك وهو عدلك وإحسانك. 709 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى الاشعث بن قيس عامل آذربيجان: وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه في عنقك أمانة وأنت مسترعي لمن فوقك. ليس لك أن تقتات في رعية ولا تخاطر إلا بوثيقة وفي يديك مال من مال الله عزوجل وأنت من خزاني حتى تسلمه إلي ولعلي أن لا أكون شر ولا تك لك والسلام. بيان: قال ابن ميثم رحمه الله وغيره: روي عن الشعبي أنه عليه السلام لما قدم الكوفة وكان الاشعث بن قيس على ثغر آذربيجان من قبل عثمان فكتب إليه بالبيعة وطالب بمال آذربيجان مع زياد بن مرحب الهمداني وصورة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الاشعث بن قيس أما بعد فلو لا هنات وهنات كن منك كنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ولعل آخر أمرك يحمل أوله وبعضها بعضا ان اتقيت الله عزوجل وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير أول من بايعني ثم


709 - رواه الشريف الرضي رضوان الله عليه في المختار: (5) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[513]

نقضا بيعتي عن غير حدث وأخرجا عائشة فساروا بها إلى البصرة فصرت إليهم في المهاجرين والانصار فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية واعلم أن عملك. إلى آخر ما مر. وكتب عبيد الله بن أبي رافع في شعبان سنة ست وثلاثين. وروي أنه لما أتاه كتابه عليه السلام دعا بثقاته وقال لهم: إن علي بن أبي طالب قد أوجسني وهو آخذي بمال آذربيجان على كل حال وأنا لاحق بمعاوية. فقال له أصحابه: الموت خير لك من ذلك تدع مصرك وجماعة قومك فتكون ذنبا لاهل الشام ؟ فاستحيى من ذلك وبلغ قوله أهل الكوفة فكتب إليه عليه السلام كتابا يوبخه فيه ويأمره بالقدوم عليه وبعث حجر بن عدي فلامه حجر على ذلك وناشده الله وقال: أتدع قومك وأهل مصرك وأمير المؤمنين وتلحق بأهل الشام. ولم يزل به حتى أقدمه إلى الكوفة فعرض عليه عليه السلام ثقله فوجد فيها مائة ألف درهم وروي أربعمائة ألف درهم فأخذها وكان ذلك بالنخيلة فاستشفع الاشعث بالحسن والحسين عليهما السلام وبعبد الله بن جعفر فأطلق له منها ثلاثين الفا فقال: لا يكفيني فقال: لست بزائدك درهما وأيم الله لو تركتها لكان خيرا لك وما أظنها تحل لك ولو تيقنت ذلك لما بلغتها من عندي فقال الاشعث: خذ من جذعك ما أعطاك. وأقول: الآذربيجان اسم أعجمي غير مصروف والالف مقصورة والذال ساكنة ومنهم من يقول آذربيجان بمد الهمزة وضم الدال وسكون الراء. ولعل المراد بالهنات - أي الامور القبيحة - ما كان من ارتداده وموافقته لخلفاء الجور في جورهم أي لو لا تلك الامور لكنت في هذا الامر متقدما على غيرك في الفضل والسابقة. ويحتمل أن يراد بالهنات ما في قلبه من النفاق والحقد والعداوة أي لو لا تلك الامور لكان ينبغي أن تكون متقدما على غيرك في بيعتي ومتابعتي " ولعل

[514]

آخر أمرك " يؤيد الاول أي لعله صدر منك في آخر الامر أشياء تصير سببا للتجاوز عما صدر منك أولا " وبعضها " أي بعض أمورك من الخيرات " يحمل بعضا " أي سائرها من السيئات. والبقية: الاب‍ ؟ ؟ والشفقة. وقال في النهاية: الطعمة بالضم شبه الرزق والطعمة بالكسر والضم: وجه الكسب يقال: هو طيب الطعمة وخبيث الطعمة وهي بالكسر خاصة حالة الاكل " واسترعاه " أطلب منه الرعاية أي أنت راع من قبل سلطان هو فوقك. قوله عليه السلام " أن تقتات " في بعض النسخ بالقاف من القوت يقال قته فاقتات أي رزقته فارتزق وفي بعضها بالفاء والالف من الفوت بمعنى السبق يقال: تفوت فلان على فلان في كذا وافتات عليه إذ انفرد برأيه في التصرف فيه ولما ضمن معنى التغليب عدي " على ". وقال ابن ميثم: بالهمزة ولعله [منه] سهو. قوله عليه السلام: " ولا تخاطر " أي ولا أن تخاطر في شئ من الامور إلا بوثيقة أي لا تقدم على أمر مخوف مما يتعلق بالمال الذي تتولاه إلا بعد أن تتوثق لنفسك يقال أخذ فلان بالوثيقة في أمره أي احتاط ويقال: خاطر بنفسه أي أشفى بها على خطر. وقال الزمخشري في المستقصى في قولهم " خذ من جذع ما أعطاك " هو جذع بن عمرو الغساني أتاه سبطة بن المنذر السليحي يسأله دينارين كان بنو غسان يؤدونهما إتاوة في كل سنة من كل رجل إلى ملوك سليح فدخل منزله وخرج مشتملا على سيفه فضربه به حتى سكت ثم قال ذلك وامتنعت بعد غسان عن الاتاوة [والاتاوة: الخراج]. وقال الفيروز آبادي: الجذع هو ابن عمرو الغساني ومنه: " خذ من جذع ما أعطاك " كان غسان تؤدي إلى ملك سليح دينارين من كل رجل وكان يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي فجاء سبطة يسأله الدينارين فدخل جذع منزله فخرج مشتملا بسيف فضرب به سبطة حتى برد وقال خذ من جذع ما أعطاك. أو أعطى بعض الملوك سيفه رهنا فلم يأخذه وقال: اجعل من كذا في كذا فضربه به وقتله وقال: يضرب في

[515]

اغتنام ما يجود بخ البخيل. وفي الصحاح قال: اجعل هذا في كذا من أمك. 710 - نهج: [و] من كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله: أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك بلغني أنك جردت الارض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك فارفع إلي حسابك واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس. بيان: " وأخزيت أمانتك " أي ذللتها وأهنتها " أنك جردت الارض " أي أخربت الضياع وأخذت حاصلها لنفسك يقال جردت الشئ كنصرت أي أفشرته وأزلت ما عليه ومنه سمي الجراد لانه يجرد الارض. 711 - نهج: [و] من كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين فعزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه: أما بعد فإني قد وليت النعمان بن العجلان على البحرين ونزعت يدك من غير ذم لك ولا تثريب عليك فلقد أحسنت الولاية وأديت الامانة فأقبل غير ظنين ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام وأحببت أن تشهده معي فإنك ممن أستظهر به على جهاد العدو وإقامة عمود الدين. بيان: عمر هو ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله أمه أم سلمة. والنعمان هو من الانصار وقال في الاستيعاب: كان لسان الانصار وشاعرهم والزرقي كجهني نسبة إلى زريق. والتثريب: التعيير والاستقصاء في اللوم


710 - رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (40) من باب الكتب من كتاب نهج البلاغة. 711 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (42) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة. (*)

[516]

والظنين: المتهم. وفي القاموس: أثمه الله في كذا كمنعه ونصره: عده عليه إثما فهو مأثوم. والاستظهار: الاستعانة. 712 - نهج: [و] من كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على أردشير خرة: بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت إمامك [بلغني] أنك تقسم فئ المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك من أعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا ولتخفن عندي ميزانا فلا تستهن بحق ربك ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الاخسرين أعمالا. ألا وإن حق من قبلنا وقبلك من المسلمين في قسمة هذا الفئ سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه والسلام. بيان: " أردشير خرة " بضم الخاء وتشديد الراء المفتوحة كورة من كور فارس " أنك تقسم " في بعض النسخ بفتح الهمزة بدلا من: " أمر " وفي بعضها بالكسر بتقدير حرف الاستفهام ليلائم قوله عليه السلام: " إن كنت فعلته " وقوله: " لئن كان ذلك حقا " وقال في النهاية: اعتام الشئ يعتامه إذا اختاره. وعيمة الشئ بالكسر: خياره. وقال ابن أبي الحديد: وروي " فيمن اعتماك " على القلب والمشهور الصحيح الاول والمعنى قسمة الفئ فيمن اختاروك سيدا لهم " لتجدن بك " أي لك أو بسبب فعلك. و " ميزانا " منصوب على التميز وهو كناية عن صغر منزلته ويقال: صدرت عن الماء أي رجعت والاسم: الصدر بالتحريك خلاف الورد وفيه تشبيه للفئ بالماء الذي تتعاوره الابل العطاش.


712 - رواه الشريف الرضي رضي الله عنه في المختار: (43) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[517]

713 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية قد كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزل لبك ويستفل غربك فاحذره. فإنه الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرته وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة من حديث النفس ونزغة من نزغات الشيطان لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها إرث والمتعلق بها كالواغل المدفع والنوط المذبذب. فلما قرأ زياد كتابه قال: شهد بها ورب الكعبة ولم تزل في نفسه حتى ادعاه معاوية. قال السيد [الرضي] رضي الله عنه قوله عليه السلام: " كالواغل المدفع " الواغل: الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم وليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا والنوط المذبذب هو الذي يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره. تبيين: قال ابن أبي الحديد (1): أما زياد فهو زياد بن عبيد فمن الناس من يقول عبيد بن فلان وينسبه إلى ثقيف والاكثرون يقولون: أن عبيدا كان عبدا وانه بقي إلى أيام زياد فابتاعه وأعتقه ونسب زياد إلى غير أبيه لخمول أبيه وللدعوة التي استلحق بها فقيل تارة زياد بن سمية وهي كانت أمة للحارث بن كلدة الثقفي وكانت تحت عبيد وقيل تارة زياد بن أبيه وتارة زياد بن أمه، ولما استلحق قال له الاكثر زياد بن أبي سفيان لان الناس مع الملوك ثم روى عن ابن عبد البر والبلاذري والواقدي عن ابن عباس وغيره أن عمر بعث زيادا في أصلاح فساد وقع باليمن فلما رجع خطب عند عمر خطبة لم يسمع مثلها وأبو


713 - رواه السيد الرضي قدس الله سره في المختار: (44) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة. (1) جميع ما ذكره المصنف ها هنا عن ابن أبي الحديد، هو تلخيص ما رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (44) من نهج البلاغة: ج 4 ص 804 ط الحديث ببيروت.

[518]

سفيان حاضر وعلي عليه السلام وعمرو بن العاص فقال عمرو: لله أبو هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه فقال أبو سفيان: إنه لقرشي وإني لاعرف الذي وضعه في رحم أمه فقال علي عليه السلام: ومن هو ؟ قال: أنا فقال: مهلا يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان: أما والله لو لا خوف شخص * يراني يا على من الاعادي لاظهر أمره صخر بن حرب * ولم يخف المقالة في زياد وقد طالت مجاملتي ثقيفا * وتركي فيهم ثمر الفؤاد عنى بقوله: " لو لا خوف شخص " عمر بن الخطاب وفي رواية أخرى: قال: أتيت أمه في الجاهلية سفاحا فقال علي عليه السلام: [مه] يا أبا سفيان فإن عمر إلى المساءة سريع قال: وعرف زياد ما دار بينهما فكانت في نفسه. وفي [رواية] أخرى قال له عمرو بن العاص: فهلا تستلحقه ؟ قال: أخاف هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي. قال: وروى المدائني أنه لما كان زمن علي عليه السلام ولى زيادا فارس أو بعض أعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا وجبا خراجها وحماها وعرف ذلك معاوية فكتب إليه: أما بعد فإنه غرتك قلاع تأوي إليها ليلا ليلا كما يأوي الطير إلى وكرها وأيم الله لو لا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك مني ما قاله العبد الصالح: " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " وكتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته: تنسى أباك وقد شالت نعامته * إذ تخطب الناس والوالي لهم عمر فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال: العجب من ابن آكلة الاكباد ورأس النفاق يتهددني وبيني وبينه ابن عمر رسول الله صلى الله عليه واله وزوج سيدة نساء العاليمن وأبو السبطين وصاحب الولاء والمنزلة والاخاء في مائة ألف من المهاجرين والانصار والتابعين لهم بإحسان أما والله لو تخطى

[519]

هؤلاء أجمعين إلى لوجدني أحمر مخشا ضرابا بالسيف ثم كتب إلى علي عليه السلام وبعث بكتاب معاوية في كتابه. فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فإني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلا وإنه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه وكذب النفس لم تستوجب بها ميراثا ولم تستحق بها نسبا وإن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذره ثم احذره والسلام. قال: وروى أبو جعفر محمد بن حبيب رحمه الله قال: كان علي عليه السلام قد ولى زيادا قطعة من أعمال فارس واصطعنه لنفسه فلما قتل علي عليه السلام بقي زياد في عمله وخاف معاوية جانبه وأشفق من ممالاته الحسن بن علي عليه السلام فكتب إليه كتابا يهدده ويوعده ويدعوه إلى بيعته فأجابه زياد بكتاب أغلظ منه. فشاور معاوية في ذلك المغيرة بن شعبة فأشار عليه بأن يكتب إليه كتابا يستعطفه فيه ويذهب المغيرة بالكتاب إليه فلما أتاه أرضاه وأخذ منه كتابا يظهر فيه الطاعة بشروط فأعطاه معاوية جميع ما سأله وكتب إليه بخط يده ما وثق به فدخل إليه الشام وقربه وأدناه وأقره على ولايته ثم استعمله على العراق. وقال المدائني: لما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشام جمع الناس وصعد المنبر وأصعد زيادا معه على مرقاة تحت وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد عرفت شبهنا أهل البيت في زياد فمن كانت عنده شهادة فليقم بها. فقام ناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان وأنهم سمعوه أقر به قبل موته. فقام أبو مريم السلولي وكان خمارا في الجاهلية فقال: أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف فأتاني فاشتريت له لحما وخمرا وطعاما فلما أكل قال: يا أبا مريم أصب لي بغيا فخرجت فأتيت بسمية فقلت لها إن

[520]

أبا سفيان من قد عرفت شرفه وجوده وقد أمرني أن أصيب له بغيا فهل لك ؟ فقال: نعم يجئ الآن عبيد بغنمه وكان راعيا فإذا تعشى ووضع رأسه أتيته فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته فلم يلبث أن جاءت تجر ذيلها فدخلت معه فلم تزل عنده حتى أصبحت فقلت له لما انصرفت: كيف رأيت صاحبتك ؟ فقال: خير صاحبة لو لا ذفر في إبطيها. فقال زياد من فوق المنبر: يا أبا مريم لا تشتم أمهات الرجال فتشتم أمك. فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته قام زياد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن معاوية والشهود قد قالوا ما سمعتم ولست أدري حق هذا من باطله وهو والشهود أعلم بما قالوا وإنما عبيد أب مبرور ووال مشكور ثم نزل. انتهى كلام ابن أبي الحديد. أقول: وإنما أوردت تلك القصص لتعلم أن ما صدر من زياد وولده لعنة الله عليهما إنما نشاء من تلك الانساب الخبيثة وتزيد إيمانا ويقينا بأنه لا يبغضهم إلا من ولد من الزنا كما تواتر عن أئمة الهدى. ولنرجع إلى شرح الكتاب قال في النهاية: الغرب: الحدة ومنه غرب السيف. والفل: الكسر والفلة الثلمة في السيف ومنه حديث علي عليه السلام " يستفل غربك " من الفل: الكسر قوله عليه السلام " ليقتحم غفلته " أي ليلج ويهجم عليه وهو غافل جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغفلة نفسها. كذا ذكره ابن أبي الحديد وقال: ليس المراد باستلاب الغرة أن يأخذ الغرة لانه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل لبيبا عاقلا وإنما المعنى ما يعنيه الناس بقولهم: أخذ فلان غفلتي وفعل كذا أي أخذ ما يستدل به على غفلتي كذا انتهى. وأقول: لو كان الاسناد مجازيا كما حمل عليه الفقرة الاولى لم يفد هذا

[521]

المعنى لانه يكون حينئذ من قبيل إسناد الشئ إلى الحالة التي المفعول عليها كما يسند إلى الزمان والمكان فيكون المفاد: الاستلاب وقت العزة والاقتحام ووقت الغفلة وإنما نسب إليهما مبالغة لبيان أن علة الاستلاب والاقتحام لم يكن إلا الغرة والغفلة فكأنهما وقعا عليهما. ويمكن أن يكون المفعول محذوفا ويكون الغرة والغفلة منصوبتين بنزع الخافض أي يقتحم عليه في حال غفلته ويستلب لبه في حال غرته. والفلته الامر الذي يصدر فجأة من غير تدبر وروية " ونزع الشيطان بينهم " أفسد وعدم ثبوت النسب بها لقول النبي صلى الله عليه السلام " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وفي النهاية الشرب بفتح الشين وسكون الراء: الجماعة يشربون الخمر وقال في حديث علي عليه السلام: " المتعلق بها كالنوط المذبذب " أراد ما يناط برحل الراكب من قعب أو غيره فهو أبدا يتحرك إذا حث ظهره أي دابته. وقال في المستقصى: شالت نعامتهم أي تفرقوا وذهبوا لان النعامة موصوفة بالخفة وسرعة الذهاب والهرب. وقيل: النعامة: جماعة القوم. وقال الجوهري: النعامة: الخشبة المعترضة على الزرنوقين ويقال للقوم إذا ارتحلوا عن منهلهم أو تفرقوا: قد شالت نعامتهم والنعامة ما تحت القدم. 714 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الانصاري وهو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية بن أبي سفيان: أما بعد فقد بلغني أن رجالا ممن قبلك يستللون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم فكفى لهم غيا ولك منهم شافيا فرارهم من الهدى والحق وإيضاعهم إلى العمى والجهل وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون إليها قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه وعلموا أن


714 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (70) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[522]

الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الاثرة فبعدا لهم وسحقا إنهم والله لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل وأنا لنطمع في هذا الامر أن يذلل الله لنا صعبه ويسهل لنا حزنه، إنشاء الله والسلام عليك. بيان: [قوله:] " في معنى قوم " أي في شأنهم وأمرهم " يتسللون " أي يخرجون إلى معاوية هاربين في خفية واستتار قال الفيروز آبادي: انسل وتسلل انطلق في استخفاء. وقال الجوهري: انسل من بينهم: خرج وتسلل مثله. وقال: وضع البعير وغيره أي أسرع في سيره وأوضعه راكبه وفي النهاية: الاهطاع: الاسراع في العدو وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه " في الحق أسوة " أي لا نفضل بعضهم على بعض في العطاء كما يفعل معاوية. وفي النهاية: فيه أنه قال للانصار: إنكم ستلقون بعدي أثره فاصبروا. الاثرة بفتح الهمزة والثاء الاسم من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفئ. والاستيثار: الانفراد بالشئ. والسحق: بالضم: البعد. والحزن من الارض ضد السهل. 715 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن رياد النخعي - وهو عامله على هيت - ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالبا للغارة: أما بعد فإن تضييع المرء ما ولي وتكلفه ما كفي لعجز حاضر ورأي مثبر وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا وتعطيلك مسالحك التي وليناك ليس لها من يمنعها ولا يرد الجيش عنها لرأي شعاع فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على وليائك غير شديد المنكب ولا مهيب الجانب ولا ساد ثغرة ولا كاسر لعدو شوكة ولا مغن عن أهل مصره ولا مجز عن أميره. بيان: قال ابن أبي الحديد: كان كميل من صحابة علي عليه السلام وشيعته وخاصته وقتله الحجاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة وكان عامل


715 - رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (61) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة. (*)

[523]

علي عليه السلام على هيت وكان ضعيفا يمر عليه سرايا معاوية بنهب أطراف العراق فلا يردها ويحاول أن يجبر ما عنده من الضعف بأن يغير على أطراف أعمال معاوية مثل قرقيسيا وما يجري مجراها من القرى التي على الفرات فأنكر عليه السلام ذلك من فعله. [قوله عليه السلام:] " ما ولي " على صيغة المعلوم المجرد من وليت الامر كرضيت ولاية إذا توليته واستبددت به وفي بعض النسخ على صيغة المجهول من التفعيل من قولهم: وليته البلد إذا جعلته واليا عليه. والتكلف: التجشم. والتكلف: العريض لما لا يعنيه " وكفاه مؤنته " أي قام بأمره. [قوله عليه السلام:] " متبر " قال في النهاية أي مهلك يقال: تبره تتبيرا أي كسره وأهلكه والتبار: الهلاك. وقال: التعاطي التناول والجرأة على الشئ من عطا الشئ يعطوه إذا أخذه وتناوله. " وقرقيسيا " في النسخ بالفتح مقصورا وفي القاموس: قرقيسياء بالكسر ويقصر: بلد على الفرات. ويقال: شعاع أي متفرق. وشدة المنكب كناية عن القوة والحمية. وهيبة الجانب [كناية] عن شدة البطش. والثغرة: الثلمة. " ولا مجز عن أميره " أي كاف ومغن والاصل مجزئ بالهمزة فخفف. 716 - نهج: [و] من حلف كتبه عليه السلام بين اليمن وربيعة نقل من خط هشام بن الكلبي: هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها وربيعة حاضرها وباديها أنهم على كتاب الله يدعون إليه ويأمرون به ويجيبون من دعا إليه وأمر به لا يشترون به ثمنا [قليلا (خ)] ولا يرضون به بدلا وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه أنصار بعضهم لبعض دعوتهم واحدة لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب ولا لغضب غاضب ولا لاستذلال قوم قوما ولا لمسبة قوم قوما على


716 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (74) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[524]

ذلك شاهدهم وغائبهم وحليمهم وجاهلهم ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه ان عهد الله كان مسئولا. وكتب علي بن أبي طالب عليه السلام. بيان: قال ابن أبي الحديد: الحلف: العهد. وقال: اليمن كل من ولده قحطان نحو حمير وعك وجذام وكندة والازد وغيرهم وربيعة هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وهم بكر وتغلب وعبد القيس. والحاضر: ساكن الحضر والبادي: ساكن البادية " أنهم على كتاب الله " أي مجتمعون عليه " لا يشترون ثمنا " أي لا يتعوضون عنه بثمن " وأنهم يد واحدة " أي لا تخالف بينهم وفعلهم فعل واحد. وقال الجوهري: عتب عليه أي وجد عليه يعتب وتعتب عتبا ومعتبا والاسم المعتبة والمعتبة. " ولا لمسبة قوم " أي لان إنسانا منهم سب وهجا بعضهم والمسبة والسب: الشتم. والحليم: العاقل بقرينة الجاهل أو ذو الاناة فإن ترك الاناة من الجهل " إن عهد الله كان مسئولا " أي مطلوبا يطلب من العاهد أن لا يضيعه ويفي به أو مسئولا عنه يسئل الناكث ويعاتب عليه وقيل: أي إن صاحب العهد كان مسئولا. وقال ابن ميثم في رواية: وكتب علي بن أبو طالب وهي المشهورة عنه ووجهها أنه جعل هذه الكنية علما بمنزلة لفظة واحدة لا يتغير إعرابها 717 - نهج: ومن وصية له صلوات الله عليه كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنما ذكرنا منها جملا ليعلم أنه عليه السلام كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلة العدل في صغير الامور وكبيرها ودقيقها وجليلها. انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ولا ترو عن مسلما ولا تجتازن عليه كارها ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى


717 - رواه الشريف الرضي رضي الله تعالى عنه في المختار: (25) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[525]

تقول بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه فإن قال قائل: لا فلا تراجعه وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة وإن كانت له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا أتيتها فلا تدخلها دخول متسلط عليه ولا عنيف به، ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها واصدع المال صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختار ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختار فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه. فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله. ولا تأخذن عودا ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من نثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا غير معنف ولا مجحف ولا ملغب ولا متعب. ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصيره حيث أمر الله به. فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجهدنها ركوبا وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها وليرفه على اللاغب وليستأن بالنقب والظالع وليوردها ما تمر به من الغدر ولا يعدل بها عن نبت الارض إلى جواد الطرق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والاعشاب حتى يأتينا بها باذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فإن ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك إنشاء الله تعالى.

[526]

[قوله عليه السلام:] " على تقوى الله " حال أي مواظبا على التقوى ومعتمدا عليها " ولا تروعن " بالتخفيف وفي بعض النسخ بالتشديد والروع: الخوف أو شدته يقال: رعت فلانا كقلت وروعته فارتاع. قوله: " ولا تجتازن " أي لا تمرن ببيوت المسلمين وهم يكرهون مرورك عليها. وروي بالخاء المعجمة والراء المهلمة: أي لا تقسم ماله وتحتار أحد القسمين بدون رضاه. والضمير في " عليه " راجع إلى " مسلما " والحي القبيلة ومن عادة العرب أن تكون مياههم بارزة عن بيوتهم. قوله عليه السلام " ولا تخدج بالتحية " الباء زائدة وفي بعض النسخ بدونها أي لا تنقصها من قولهم: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه " وأنعم لك " أي قال نعم قوله: " أو تعسفه " أي لا تطلب منه الصدقة عسفا أي جبرا وظلما وأصله الاخذ على غير الطريق وقال الجوهري: يقال: لا ترهفني لا آرهفك الله أي لا تعسرني ولا أعسرك الله. [قوله عليه السلام:] " من ذهب أو فضة " أي إذا وجبت عليه زكاة أحد النقدين أو حد من زكاة الغلات نقدا إذا أعطاك القيمة. والمراد بالماشية هنا: الغنم والبقر وسؤت الرجل أي ساءه ما رأى مني. والصدع: الشق. والعود: بالفتح: المسن من الابل والهرمة أيضا المسنة لكنها أكبر من العود. والمكسورة التي انكسرت إحدى فوائمها أو ظهرها. والمهلوسة: المريضة التي قد هلسها المرض وأفنى لحمها والهلاس: السل. والعوار بفتح العين وقد يضم: العيب. قوله عليه السلام " ولا مجحف " أي الذي يسوق المال سوقا عنيفا فيجحف به أي يهلكه أو يذهب بكثير من لحمه ويحتمل أن يكون المراد من يحون فيه ويستلبه. واللغوب: التعب والاعياء ولغبت على القوم ألغب بالفتح فيهما: أفسدت عليهم. واحدره: أرسله. وأوعزت إليه في كذا وكذا أي تقدمت والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. والمصر: حلب ما في الضرع جميعه

[527]

والفعل كنصر. والجهد: المشقة يقال جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها. قوله عليه السلام " وليعدل " أي لا يخص بالركوب واحدة بعينها ليكون ذلك أروح لهن وقال الجوهري: إستأنى به أي انتظر به. وقال: نقب البعير بالكسر إذا رقت أخفاقه. وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام: " وليستأن بذات النقب والظالع " أي بذات الجرب والعرجاء. والظلع بالسكون: العرج. والغدر جمع غدير الماء " وليروحها " أي يتركها حتى تستريح في الاوقات المناسبة لذلك. أو من الرواح ضد الغدو أي يسيرها في ساعات الرواح ويتركها في حر الشمس حتى تستريح. والنطاف: جمع النطفة وهي الماء الصافي القليل. والبدن بالتشديد: السمان واحدها بادن والنقي: مخ العظم وشحم العين من السمن وأنقت الابل أي سمنت وصار فيه نقي وكذلك غيرها ذكرها الجوهري. أقول: أخرجته من الكافي في كتاب أحواله عليه السلام بتعيير ما (1) 718 - [و] [أيضا إبراهيم بن محمد الثقفي] في كتاب الغارات عن


(1) رواه ثقة الاسلام الكليني قدس الله روحه في الحديث الاول من الباب: (22) من كتاب الزكاة من الكافي: ج 3 ص 536 ط الحديث. ورواه عنه المصنف رحمه الله في الحديث: (26) من الباب: (107) من بحار الانوار: ج 126 41. وقد رويناه عن الكافي ومصادر أخر في المختار: (25) من باب الوصايا من كتاب نهج السعادة: ج 8 ص 110، ط 1. 718 - رواه الثقفي رحمه الله في الحديث: (76) من كتاب الغارات. ورواه عنه المصنف ولكن بنحو الاشارة في الحديث: (24) من الباب (9) من كتاب الزكاة من بحار الانوار: ج 20 ص 24. ورواه أيضا الشيخ النوري وساق الكلام سندا ومتنا نقلا عن كتاب الغارات في الحديث الاول من الباب: (12) من كتاب الزكاة من مستدرك الوسائل: ج 1، ص 516.

[528]

يحيى بن صالح عن الوليد بن عمرو عن عبد الرحمان بن سليمان عن جعفر بن محمد قال: بعث علي عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال: عليك يا عبد الله بتقوى الله ولا تؤثرن دنياك على آخرتك وكن حافظا لما ائتمنتك عليه راعيا لحق الله حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت عليهم فانزل بفنائهم من غير أن تخالط أبياتهم. ثم ساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله عليه السلام " وأقرب لرشدك فينظر الله إليها وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما نظر الله إلى ولي يجهد نفسه لامامه بالطاعة والنصيحة إلا كان معنا في الرفيق الاعلى. 719 - نهج: ومن عهد له عليه السلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة في مثله: أمره بتقوى الله في سرائر أموره وخفيات أعماله حيث لا شهيد غيره ولا وكيل دونه. وأمره أن لا يعمل بشئ من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسر ومن لم يختلف سره وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدى الامانة وأخلص العبادة وأمره أن لا يجبههم ولا يعضههم ولا يرغب عنهم تفضلا بالامارة عليهم فإنهم الاخوان في الدين والاعوان على استخراج الحقوق. وإن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا وحقا معلوما وشركاء أهل مسكنة وضعفاء ذوي فاقة وإنا موفوك حقك فوفهم حقوقهم وإلا فإنك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة وبؤسا لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين والسائلون والمدفوعون والغارم وابن السبيل.


719 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (26) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[529]

ومن استهان بالامانة ورتع في الخيانة ولم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه الذل والخزي في الدنيا وهو في الآخرة أذل وأخزى وإن أعظم الخيانة خيانة الامة وأفظع الغش غش الائمة والسلام. بيان: قوله عليه السلام " حيث لا شهيد " كأنه إشارة إلى موضع إسرار العمل وإخفاء الامور. وقيل يعني يوم القيامة. والشهيد: الشاهد والحاضر والوكيل: من يفوض إليه الامور أو الشاهد والحفيظ كما فسر به قوله تعالى: * (والله على ما نقول وكيل) *. [قوله عليه السلام:] " فقد أدى الامانة " أي أمانة الله التي أخذها على العباد في عبادته. [قوله عليه السلام:] " أن لا يجبههم " قال في النهاية أي لا يواجههم بما يكرهونه وأصل الجبه لقاء الجبهة أو ضربها فلما كان المواجه غيره بالكلام القبيح كالضارب جبهته به سمي ذلك جبها. وقال الجوهري: عضهه عضها: رماه بالبهتان وقد اعضهت أي جئت بالبهتان. [قوله عليه السلام:] " ولا يرغب عنهم " أي عن مخالطتهم ومعاشرتهم تحقيرا لهم. وقوله: " أهل مسكنة " منصوب بكونه صفة " لشركاء " وقيل بدل " وبؤسا " قال ابن أبي الحديد هو بؤسي على وزن فعلى والبؤس: الخضوع وشدة الحاجة. و [المذكور في] النسخ [بؤسا] بالتنوين. وكذا صححه الراوندي فيكون انتصابه على المصدر كما يقال سحقا لك وبعدا لك ويقال: خصمه أي غلبه في الخصومة: " والسائلون " قيل المراد بهم هنا الرقاب وهم المكاتبون يتعذر عليهم مال الكتابة فيسألون. وقيل: هم الاسارى. وقيل العبيد تحت الشدة. والمدفوعون هم الذين عناهم الله بقوله: * (في سبيل الله) * [60 / التوبة: 9] وهم فقراء الغزاة والمدفوع الفقير لان كل أحد يكرهه ويدفعه عن نفسه.

[530]

وقيل هم الحجيج المنقطع بهم لانهم دفعوا عن إتمام حجهم أو دفعوا عن العود إلى أهلهم. وفي بعض النسخ " المدقعون " بالقاف قال في القاموس: المدقع كمحسن الملصق بالدقعاء وهو التراب. وأما سهم العاملين فقد ذكره عليه السلام بقوله: " وإنا موفوك حقك " مع أن العامل لا يخاصم نفسه وأقول هذه التكلفات (1) إنما نحتاج إليها إذا حملنا الكلام على استيفاء الاقسام ولا ضرورة فيه فيمكن أن يكون المراد بالسائلين والمدفوعين أو المدقعين الموصوفين بتلك الصفات من أصناف المستحقين للصدقات. ورتع كمنع أي أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة. قوله عليه السلام: " فقد أحل بنفسه " قال ابن أبي الحديد: أي جعل نفسه محلا للذل والخزي. ويروى " فقد أخل بنفسه " بالخاء المعجمة ولم يذكر الذل والخزي ومعناه جعل نفسه فقيرا يقال: خل الرجل إذا افتقر وأخل به وبغيره أي جعله فقيرا ويروى " أحل بنفسه " بالحاء المهملة ولم يذكر الذل والخزي أي أباح دمه والرواية الاولى أصح لقوله عليه السلام بعدها " وهو في الآخرة أذل وأخزى " قوله عليه السلام خيانة الامة مصدر مضاف إلى المفعول [به] لان الساعي إذا خان فقد خان الامة كلها وكذا إذا غش في الصدقة فقد غش الامام. (2). وجوز بعضهم أن يكون مضافا إلى الفاعل فالمراد حينئذ أن إغماض الائمة وترك النهي عن مثل تلك الخيانة أفظع الغش فلا يطمع العاملون في. الاغماض فيها.


(1) أي تكلف حمل كلام أمير المؤمنين هذا على استيفائه لذكر جميع أصناف المستحقين للصدقات كما ذكره ابن أبي الحديد في شرح كلام الامام عليه السلام. (2) إلى هنا يتم كلام ابن أبي الحديد بتلخيص بسيط جدا.

[531]

أبواب الامور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج

[533]

[الباب الثلاثون] باب الفتن الحادثة بمصر وشهادة محمد بن أبي بكر ومالك الاشتر رضي الله عنهما وبعض فضائلهما وأحوالهما وعهود أمير المؤمنين عليه السلام إليهما 720 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات ووافق ما رأيته في أصل كتابه روى بإسناده عن الكلبي أن محمد بن حذيفة هو الذي حرض المصريين على قتل عثمان وندبهم إليه وكان


720 - رواه الثقفي رحمه الله في الحديث: (101) وما بعده من كتاب الغارات: ج 2، ص 205 ط 1. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (67) من نهج البلاغة: ج 2 ص 298 ط الحديث ببيروت. وأكثر ما رواه الثقفي رحمه الله رواه أيضا الطبري في حوادث سنة: (36) من تاريخه: ج 5 ص 23.

[534]

حينئذ بمصر فلما ساروا إلى عثمان وحصروه وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح فطرده عنها وصلى بالناس فخرج ابن أبي سرح من مصر وقال به صر إلى مصر ونزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين وانتظر ما يكون من أمر عثمان فلما وصل إليه خبر قتله لحق بمعاوية. وولى علي عليه السلام قيس بن سعد بن عبادة مصر وقال له: ضر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى ظاهر المدينة واجمع ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ولك جند فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن وشد على المريب وارفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن. فقال قيس: رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت فأما لجند فإني أدعه لك فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا لك عدة ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك. قال: فخرج قيس في سبعة نفر من أهل بيته حتى دخل مصر فصعد المنبر وأمر بكتاب معه يقرأ على الناس فيه: من عبد الله علي أمير المؤمنين عليه السلام إلى من بلغه كتابي من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره اختار الاسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله وبعث به أنبياءه إلى عباده فكان مما أكرم الله هذه الامة وخصهم به من الفضل أن بعث محمدا صلى الله عليه وآله إليهم فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأدبهم لكيما يهتدوا وجمعهم لكيما لا يتفرقوا وزكاهم لكيما يتطهروا فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه.

[535]

ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين أحييا السيرة ولم يعدوا السنة ثم توفيا فولي بعدهما. من أحدث أحداثا فوجدت الامة عليه مقالا فقالوا ثم نقموا عليه فغيروا ثم جاؤني فبايعوني وأنا أستهدي الله للهدى وأستعينه على التقوى. ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله والقيام بحقه والنصح لكم بالغيب والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل. وقد بعثت لكم قيس بن سعد الانصاري أميرا فوازروه وأعينوه على الحق وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم وهو ممن أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصحه نسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا وثوابا جزيلا ورحمة واسعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين. فلما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا صلى الله عليه وآله فقوموا وبايعوا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فإن نحن لم نعمل فيكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عما له إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث فبعث إلى قيس: إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالارض أرضك ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس. ووثب مسلمة بن مخلد الانصاري به فنعى ودعا إلى الطلب بدم عثمان فأرسل إليه قيس ويحك أعلي تثب والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإني قتلتك فاحقن دمك فأرسل إليه مسلمة أني كاف عنك ما دمت أنت والي

[536]

مصر. وكان قيس ذا رأي وجزم فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكرهكم على البيعة ولكني أدعكم وأكف عنكم فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد وجبى الخراج وليس أحد ينازعه. قال إبراهيم: وخرج علي عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر ورجع إلى الكوفة من البصرة وهو بمكانه وكان أثقل خلق الله على معاوية لقرب مصر وأعمالها من الشام فكتب معاوية إلى قيس وعلي عليه السلام يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين: من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد [فإنكم] إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط رأيتموه ضربها أو في شتمه أو تمييزه أحدا أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل لكم بذلك فقد ركبتم عظيما من الامر وجئتم شيئا إدا فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغني شيئا وأما صاحبك فقد استيقنا أنه أغرى الناس به وحملهم على قتله حتى قتلوه وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل وبايعنا على علي في أمرنا هذا ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان وسلني من غير هذا تجب مما تحب فإنك لا تسألني من شئ إلا أوتيته واكتب إلي برأيك فيما كتبت إليك والسلام. فكتب إليه [قيس] أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت الذي ذكرت من أمر عثمان وذلك أمر لم أقاربه وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه وهذا أمر لم أطلع عليه وذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري أن أولى الناس كان في أمره عشيرتي. وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه وما عرضته علي فقد فهمته

[537]

وهذا أمر لي فيه نظر وفكر وليس هذا مما يعجل إلى مثله وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شئ تكرهه حتى ترى ونرى إنشاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا ولم يأمن أن يكون مخادعا مكائدا فكتب إليه أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ولم أرك تتباعد فأعدك حربا أراك كخيل الحرون وليس مثلي من يصانع بالخدائع ولا يخدع بالمكائد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك وإن أنت لم تفعل ملات مصر عليك خيلا ورجالا والسلام. فلما قرأ قيس كتابه وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة أظهر له ما في نفسه. فكتب إليه من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - الخروج من طاعة أولى الناس بالامر وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسيلة وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الامر وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا واتاءهم (1) من رسول الله صلى الله عليه وآله وسيلة ولديك قوم ضالون مضلون طواغيت من طواغيت إبليس. وأما قولك: إنك تملا علي مصر خيلا ورجالا فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك ذو جد والسلام. فلما أتى معاوية كتاب قيس آيس منه وثقل مكانه عليه وكان أن يكون مكانه غيره أعجب إليه لما يعلم من قوته وبأسه ونجدته فاشتد أمره على معاوية فأظهر للناس أن قيسا قد بايعكم فادعوا الله له وقرأ عليهم كتابه الذي لان


(1) كذا في أصلي وفي شرح نهج البلاغة: وأذناهم. وفي طبعة سابقة: واناهم. وفي الغارات والطبري: وأبعدهم.

[538]

فيه وقاربه واختلق كتابا نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام. فشاع في الشام كلها أن قيسا صالح معاوية وأتت عيون علي عليه السلام إليه بذلك فأعظمه وأكبره وتعجب له ودعا إبنيه حسنا وحسينا وابنه محمدا وعبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك وقال ما رأيكم فقال: عبد الله بن جعفر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيسا من مصر. قال علي عليه السلام: والله إني غير مصدق بهذا على قيس فقال عبد الله: اعزله يا أمير المؤمنين فإن كان حقا ما قد قيل لا يعتزلك إن عزلته. قال: فإنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد [وفيه]: أما بعد فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أكرمك الله وأعزك أن قبلي رجالا معتزلين سألوني أن أكف عنهم وأدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس وترى ويرون وقد رأيت أن أكف عنهم ولا أعجل بحربهم وأن أتألفهم فيما بين ذلك لعل الله أن يقبل بقلوبهم ويفرقهم عن ضلالتهم إنشاء الله والسلام فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين إنك إن أطعته في تركهم واعتزالهم استسرى الامر وتفاقمت الفتنة وقعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها ولكن مره بقتالهم فكتب إليه: أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجزهم والسلام. فلما أتى هذا الكتاب قيسا فقرأه لم يتمالك أن كتب إليه: أما بعد، يا أمير المؤمنين فالعجب لك تأمرني بقتال قوم كافين عنك لم يمدوا يدا للفتنة ولا أرصدوا لها فأطعني يا أمير المؤمنين وكف عنهم فإن الرأي تركهم والسلام. فلما أتاه الكتاب قال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر واعزل قيسا فبلغني والله أن قيسا يقول: إن سلطانا لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء والله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر وأني قتلت ابن مخلد.

[539]

وكان عبد الله أخا محمد لامه وكان يحب أن يكون له إمرة وسلطان. فاستعمل علي عليه السلام محمد بن أبي بكر على مصر لمحبته له ولهوى عبد الله بن جعفر أخيه فيه وكتب معه كتابا إلى أهل مصر. فسار حتى قدمها فقال له قيس: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام ما غيره فغضب وخرج عنها مقبلا إلى المدينة ولم يمض إلى علي عليه السلام بالكوفة. فلما قدم المدينة جاءه حسان بن ثابت شامتا به وكان عثمانيا فقال له: نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الاثم ولم يحسن لك الشكر فزجره قيس وقال: يا أعمى القلب يا أعمى البصر والله لو لا أن ألقى بيني وبين رهطك حربا لضربت عنقك ثم أخرجه من عنده ثم إن قيسا وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي عليه السلام الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر فصدقه وشهد مع علي عليه السلام بصفين هو وسهل بن حنيف وكان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة وكان سناطا (1) أصلع شجاعا مجربا مناصحا لعلي عليه السلام ولولده ولم يزل على ذلك إلى أن مات. أقول: هذه الاخبار مختصر مما وجدته في كتاب الغارات وقال فيه: [و] كان قيس عاملا لعلي عليه السلام على مصر فجعل معاوية يقول: لا تسبوا قيسا فإنه معنا فبلغ ذلك عليا فعزله وأتى المدينة فجعل الناس يغرونه ويقولون له: نصحت فعزلك. فلحق بعلي عليه السلام. وبايعه إثنا عشر ألفا على الموت [بعدما] أصيب علي عليه السلام وصالح الحسن معاوية (2) فقال لهم قيس إن شئتم دخلتم فيما دخل فيه الناس فبايعه من معه إلا خثيمة الضبي.


(1) السناط - بكسر السين وضمه -: الكوسج الذي لا لحية له أصلا، أو الخفيف العارض ولم يبلغ حد الكوسج أو من لحيته في الذقن وما بالعارض شئ. (2) ما بين المعقوفين زيادة يستدعيها السياق. وفي الاصل: وأصيب عليا.

[540]

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان قيس بن سعد بن عبادة مع علي بن أبي طالب عليه السلام على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم. أقول: وجدت في بعض الكتب أن عزل قيس عن مصر مما غلب أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه واضطروه إلى ذلك ولم يكن هذا رأيه كالتحكيم ولعله أظهر وأصوب (1). ثم قال إبراهيم: وكان عهد علي عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر: هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى الله في السر والعلانية وخوف الله تعالى في المغيب والمشهد. وأمره باللين على المسلم والغلظة على الفاجر وبالعدل على أهل الذمة وبالانصاف للمظلوم وبالشدة على الظالم وبالعفو عن الناس وبالاحسان ما استطاع والله يجزي المحسنين ويعذب المجرمين. وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة فإن لهم في ذلك من العافية وعظم المثوبة ما لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه وامره أن يجبي خراج الارض على ما كانت تجبى عليه من قبل لا ينتقص ولا يبتدع ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل وإن لم تكن لهم حاجة. وأمره أن يلين لهم جناحه وأن يواسي بينهم في مجلسه ووجهه ليكون القريب والبعيد عنده في الحق سواء وأمره أن يحكم بين الناس بالحق وأن يقوم بالقسط وأن لا يتبع الهوى وأن لا يخاف في الله لومة لائم فإن الله مع من


(1) أقول: وبمثل ما أفاده قدس سره رواه ابن سيرين كما رواه بسنده عنه البلاذري في الحديث: (466) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 1، ص 407، وفي ط 1: ج 2 ص 405 ط بيروت. ورواه أيضا ابن أبي شيبة المتوفى عام: (230) في كتاب المصنف: ج 11 / الورق 205 / ب /.

[541]

اتقاه وآثر طاعته وأمره على من سواه. وكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله بغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين. أقول: روى [الحسن بن علي بن شعبة] في تحف العقول هذا العهد نحوا مما ذكر (1). ثم قال إبراهيم: ثم قام محمد بن أبي بكر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فالحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق وبصرنا وإياكم كثيرا مما عمي عنه الجاهلون ألا وإن أمير المؤمنين ولاني أموركم وعهد إلي بما سمعتم وأوصاني بكثير منه مشافهة ولن آلوكم جهدا ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فإن يكن ما ترون من آثاري وأعمالي طاعة لله وتقوى فاحمدوا الله على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي إليه وإن رأيتم من ذلك عملا بغير الحق فارفعوه إلي وعاتبوني عليه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك مأجورون وفقنا الله وإياكم لصالح العمل. قال: وكتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو إذ ذاك بمصر عاملها يسأله جوامع من الحلال والحرام والسنن والمواعظ فكتب إليه: لعبدالله أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن رأى أمير المؤمنين - أرانا الله وجماعة المسلمين فيه أفضل سرورنا وأملنا فيه - أن يكتب لنا كتابا فيه فرائض وأشياء مما يبتلى به مثلي من القضاء بين الناس فعل فإن الله يعظم لامير المؤمنين الاجر ويحسن له الذخر.


(1) وهذا رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث: (2) من المجلس: (31) من أماليه ص 159. ورواه أيضا الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في الحديث الاخير من المجلس الاول من أماليه ص 16، وفي ط بيروت ص 24. (*)

[542]

فكتب إليه علي عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر سلام عليكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد وصل إلي كتابك فقرأته وفهمت ما سألتني عنه فأعجبني اهتمامك بما لابد منه وما لا يصلح المؤمنين غيره، وظننت أن الذي دعاك إليه نية صالحة ورأي غير مدخول ولا خسيس وقد بعثت إليك أبواب الاقضية جامعا لك ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل وكتب إليه بما سأله عنه من القضاء وذكر الموت والحساب وصفة الجنة والنار وكتب في الامامة وكتب في الوضوء وكتب إليه في مواقيت الصلاة وكتب إليه في الركوع والسجود وكتب إليه في الادب وكتب إليه في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتب إليه في الاعتكاف وكتب إليه في الزنادقة وكتب إليه في نصراني فجر بمسلمة وكتب إليه في أشياء كثيرة لم نحفظ منها غير هذه الخصال وحدثنا ببعض ما كتب إليه. قال إبراهيم وحدثني يحيى بن صالح عن مالك بن خالد الاسدي عن الحسن بن إبراهيم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن عن عباية قال: كتب علي صلوات الله عليه إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم كتابا يخاطبهم به ويخاطب محمدا أيضا فيه أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله في سر أمركم وعلانيته وعلى أي حال كنتم عليها وليعلم المرء منكم أن الدنيا دار بلاء وفناء والآخرة دار جزاء وبقاء فمن استطاع أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى فليفعل فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى رزقنا الله وإياكم تبصرا [بصرا] لما بصرنا وفهما لما فهمنا حتى لا نقصر فيما أمرنا ولا نتعدى إلى ما نهانا. واعلم يا محمد أنك وإن كنت محتاجا إلى نصيبك من الدنيا إلا أنك إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن عرض لك أمران أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة ولتعظم رغبتك في الخير ولتحسن فيه نيتك فإن الله عز وجل يعطي العبد على قدر نيته وإذا أحب الخير وأهله ولم يعمله كان إنشاء

[543]

الله كمن عمله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حين رجع من تبوك " إن بالمدينة لاقواما ما سرتم من مسير ولا هبطتم من واد إلا كانوا معكم ما حبسهم إلا المرض " يقول: كانت لهم نية. ثم اعلم يا محمد أني وليتك أعظم أجنادي أهل مصر وإذ وليتك ما وليتك من أمر الناس فإنك محقوق أن تخاف فيه على نفسك وتحذر فيه على دينك ولو كان ساعة من نهار، فإن استطعت أن لا تسخط ربك لرضا أحد من خلقه فافعل فإن في الله خلفا من غيره وليس في شئ غيره خلف منه، فاشتد على الظالم ولن لاهل الخير وقربهم إليك واجعلهم بطانتك وإخوانك والسلام. وبهذا الاسناد قال: كتب علي صلوات الله عليه إلى محمد وأهل مصر: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسؤولون فأنتم به رهن وأنتم إليه صائرون فإن الله عزوجل يقول: * (كل نفس بما كسبت رهينة) * [38 / المدثر:] وقال: * (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) * وقال: * (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) * [92 - 93 / الحجر]. فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير فإن يعذب فنحن الظالمون وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين. واعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حين ما يعمل بطاعة الله ومناصحته في التوبة فعليكم بتقوى الله عزوجل فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها خير الدنيا وخير الآخرة يقول الله سبحانه: * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) * [30 / النحل: 16] واعلموا عباد الله أن المؤمن يعمل لثلاث: إما لخير الدنيا فإن الله يثيبه بعمله في الدنيا قال الله: * (وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) * [27 / العنكبوت] فمن عمل لله تعالى

[544]

أعطاه أجره في الدنيا والآخرة وكفاه المهم فيهما وقد قال الله تعالى: * (يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعه إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) * [10 / الزمر: 39] فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة قال الله تعالى: * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) * [26 / يونس: 10] فالحسنى الجنة والزيادة الدنيا. وإما لخير الآخرة فإن الله يكفر عنه بكل حسنة سيئة يقول: * (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) * [114 / هود: 11] حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم وأعطوا بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فهو الذي يقول: * (جزاء من ربك عطاء حسابا) * [36 / النبأ: 78] ويقول عزوجل: * (أولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) * [37 / السبأ: 34] فارغبوا فيه واعملوا به وتحاضوا عليه. واعلموا عباد الله أن المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير وآجله شركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم يقول الله عز وجل: * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) * [32 / الاعراف: 7] سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون وشربوا من أفضل ما يشربون ولبسوا من أفضل ما يلبسون وسكنوا بأفضل ما يسكنون وتزوجوا بأفضل ما يتزوجون وركبوا من أفضل ما يركبون أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا [وتيقنوا] أنهم غدا من جيران الله عزوجل ويتمنون عليه ما يرد لهم دعوة ولا ينقص لهم لذة أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل ولا حول ولا قوة إلا بالله. واعلموا عباد الله أنكم إن اتقيتم ربكم وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وأخذتم بأفضل الصبر وجاهدتم بأفضل الجهاد وإن كان غيركم أطول صلاة

[545]

منكم وأكثر صياما إذا كنتم أتقى لله وأنصح لاولياء الله من آل محمد صلى الله عليه وآله وأخشع. واحذروا عباد الله الموت ونزوله وخذوا له عدته فإنه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها. وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير إلى الجنة أم إلى النار أعدو هو لله أم ولي له، فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة وشرع له طريقها ونظر إلى ما أعد الله عزوجل لاوليائه فيها [و] فرغ من كل شغل ووضع عنه كل ثقل. وإن كان عدوا لله فتحت له أبواب النار وسهل له طريقها ونظر إلى ما أعد الله فيها لاهلها واستقبل كل مكروه وفارق كل سرور قال تعالى: * (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين " [28 - 29 / النحل 16]. واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت فاحذروه [قبل وقوعه] وأعدوا له عدته فإنكم طرداء الموت إن أقمتم أخذكم وإن هربتم أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات فإنه كفى بالموت واعظا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات. واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت لمن لا يغفر الله له ويرحمه واحذروا القبر وضمته وضيقه وظلمته فإنه الذي يتكلم كل يوم يقول: أنا بيت التراب وأنا بيت الغربة وأنا بيت الدود. والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. إن المسلم إذا مات قالت له الارض: مرحبا وأهلا قد كنت ممن أحب أن

[546]

تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فيتسع له مد بصره. وإذ دفن الكافر قالت له الارض لا مرحبا ولا أهلا قد كنت ممن أبغض أن تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه. واعلموا أن المعيشة الضنك التي قال الله سبحانه * (فإن له معيشة ضنكا) * [124 / طه] هي عذاب القبر وأنه يسلط على الكافر في قبره حيات تسعة وتسعين تنينا عظام تنهش لحمه حتى يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الارض ما أنبتت الزرع ريعها أبدا. واعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم عما لا طاقة لكم به ولا صبر عليه فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره فافعلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله. واعلموا عباد الله أن ما بعد القبر أشد من القبر يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ويسقط فيه الجنين وتذهل كل مرضعة عما أرضعت. واحذروا يوما عبوسا قمطريرا كان شره مستطيرا أما إن شر ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب والسبع الشداد والجبال الاوتاد والارضون المهاد وانشقت السماء فهي يومئذ واهية وتتغير فكانت وردة كالدهان وتكون الجبال سرابا مهيلا بعد ما كانت صما صلابا يقول الله سبحانه: * (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله) * [68 / الزمر: 39] فكيف من يعصيه بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر الله ويرحم. واعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى على من لم يغفر الله له من ذلك اليوم نار فعرها بعيد وحرها شديد وعذابها جديد ومقامعها حديد وشرابها صديد لا يفتر عذابها ولا يموت ساكنها دار ليست لله سبحانه فيها

[547]

رحمة ولا يسمع فيها دعوة. واعلموا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي وسعت كل شئ لا تعجز عن العباد جنة عرضها كعرض السموات والارض خير لا يكون بعده شر أبدا وشهوة لا تنفد أبدا ولذة لا تفنى أبدا ومجمع لا يتفرق أبدا قوم قد جاوروا الرحمان وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان. فقال رجل (1): يا رسول الله إني أحب الخيل [فهل] في الجنة خيل ؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن فيها خيلا من ياقوت أحمر عليها يركبون فتدف بهم خلال ورق الجنة [ف‍] قال رجل: يا رسول الله إني يعجبني الصوت الحسن أفي الجنة الصوت الحسن ؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن الله ليأمر لمن أحب ذلك منهم بشجر يسمعه صوتا بالتسبيح ما سمعت الآذان بأحسن منه قط [ف‍] قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أحب الابل أفي الجنة إبل ؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن فيها نجائب من ياقوت أحمر عليها رحال الذهب قد الحفت بنمارق الديباج يركبون فتزف بهم خلال ورق الجنة وإن فيها صور رجال ونساء يركبون مراكب أهل الجنة فإذا أعجب أحدهم الصورة قال: اجعل صورتي مثل هذه الصورة فيجعل صورته عليها وإذا اعجبته صورة المرأة قال: رب اجعل صورة فلانة زوجته مثل هذه الصورة فيرجع وقد صارت صورة زوجته على ما اشتهى وإن أهل الجنة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر من نور والذين يلونهم على منابر من ياقوت والذين يلونهم على منابر من زبرجد والذين يلونهم على منابر من مسك فبينا هم كذلك ينظرون إلى نور الله جل جلاله (2)


(1) وفي هامش هذا المقام من البحار المصنف كلام هذا نصه: من قوله عليه السلام: " فقال رجل " إلى قوله: " على ما اشتهي " لم يكن في كتاب ابن أبي. الحديد، ولعله أسقطه لما فيه من التشويش وعدم الانطباق (2) من قوله: " إن أهل الجنة - إلى قوله، - ينظرون إلى نور الله جل جلاله " غير موجود في رواية الشيخ المفيد ولا " في رواية ابن أبي الحديد، فإن نهض سند الحديث لاثباته وثبت صدوره عن أمير المؤمنين عليه السلام لا بد من تأويله كما ذكروه في قوله تعالى: (*)

[548]

وينظر الله في وجوههم إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة مالا يعلمه إلا الله سبحانه ومع هذا ما هو أفضل منه رضوان الله الاكبر. أما إنا لو لم نخوف إلا ببعض ما خوفنا به لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة لنا به ولا صبر لقوتنا عليه وأن يشتد شوقنا إلى ما لا غناء لنا عنه ولا بد لنا منه. وإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم ويحسن به ظنكم فافعلوه فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه وإن أحسن الناس لله طاعة أشدهم له خوفا. وانظر يا محمد صلاتك كيف تصليها فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها وأن تخففها وأن نصليها لوقتها فإنه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئا. واعلم أن كل شئ من عملك يتبع صلاتك فمن صيع الصلاة فهو لغيرها أشد تضييعا ووضؤك من تمام الصلاة فأت بها على وجهه فإن الوضوء نصف الايمان وانظر صلاة الظهر فصلها لوقتها لا تعجل بها عن الوقت لفراغ ولا تؤخرها عن الوقت لشغل فإن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن وقت الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وآله أتاني جبرئيل فأراني وقت الصلاة فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم صلى العصر وهي بيضاء نقية ثم صلى المغرب حين غابت الشمس ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الصبح فأغلس بها والنجوم مشتبكة كان النبي صلى الله عليه وآله كذا يصلي قبلك فإن استطعت - ولا قوة إلا بالله - أن تلتزم السنة المعروفة وتسلك الطريق الواضح الذي أخذه ولعلك تقدم عليهم غدا.


* (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) * وذلك للادلة العقلية والاخبار المتواترة عن أهل بيته صلى الله عليه وآله على استحالة رؤية الله تعالى.

[549]

ثم انظر ركوعك وسجودك فإن النبي صلى الله عليه وآله كان أتم الناس صلاة وأحفظهم لها وكان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات وإذا رفع صلبه قال: سمع الله لمن حمده اللهم لك الحمد ملء سماواتك وملا أرضك وملء ما شئت من شئ فإذا سجد قال: سبحان ربي الاعلى وبحمده ثلاث مرات. أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الاعلى أن يجعلنا وإياك ممن يحبه الله ويرضاه حتى يبعثنا على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه وعلى كل شئ اختاره لنا في دنيانا وديننا وأولانا وأخرانا وأن يجعلنا من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن استطعتم يا أهل مصر ولا قوة إلا بالله أن تصدق أقوالكم أفعالكم وأن يتوافق سركم وعلانيتكم ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا عصمنا الله وإياكم بالهدى وسلك بنا وبكم المحجة العظمى (1). وإياكم دعوة الكذاب ابن هند وتأملوا واعلموا أنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى ووصي النبي عليه السلام وعدو النبي جعلنا الله وإياكم ممن يحب ويرضى، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله بشركه ولكني أخاف عليكم (2) كل منافق عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون. [وقد] قال النبي صلى الله عليه وآله من سرته وساءته حسناته سيئاته فذلك المؤمن حقا وقد كان يقول خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت ولا فقه في سنة. واعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع في دين الله والعمل بطاعته أعاننا


(1) كذا في أصلي، وفي شرح ابن أبي الحديد: " المحجة الوسطى... ". (2) كذا في الاصل، وفي شرح ابن أبي الحديد: " عليهم ".

[550]

الله وإياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته فعليك بالتقوى في سر أمرك وعلانيته وعلى أي حال كنت عليها جعلنا الله وإياك من المتقين. أوصيك بسبع هن جوامع الاسلام اخش الله ولا تخش الناس في الله وخير القول ما صدقه العمل ولا تقض في أمر واحد بقضائين مختلفين فيتناقض أمرك ويزيغ عن الحق وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك والزم الحجة عند الله فأصلح أحوال رعيتك وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم وانصح لمن استشارك واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم. وعليك بالصوم وإن رسول الله صلى الله عليه وآله عكف عاما في العشر الاول من شهر رمضان وعكف العام المقبل في العشر الاوسط من شهر رمضان فلما كان العام الثالث رجع من بدر وقضى اعتكافه فنام فرأى في منامه ليلة القدر في العشر الاواخر كأنه يجد (1) في ماء وطين فلما استيقظ رجع من ليلته إلى أزواجه وأناس معه من أصحابه ثم إنهم مطروا ليلة ثلاث وعشرين فصلى النبي صلى الله عليه وآله حين أصبح فرأى في وجه النبي صلى الله عليه وآله الطين فلم يزل يعتكف في العشر الاواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله. وقال النبي صلى الله عليه وآله من صام رمضان ثم صام ستة أيام من شوال فكأنما صام السنة جعل الله خلتنا وودنا خلة المتقين وود المخلصين وجمع ع بيننا وبينكم في دار الرضوان إخوانا على سرر متقابلين إنشاء الله. قال: إبراهيم حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سيف عن أصحابه أن عليا لما كتب إلى محمد بن أبي بكر هذا الكتاب كان ينظر فيه ويتأدب به فلا ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجب منه. فقال الوليد بن عقبة - وقد رأى إعجابه - به مر بهذه الاحاديث أن تحرق


(1) وفي الغارات ط 1: يسجد.

[551]

فقال معاوية: مه فإنه لا رأي لك فقال الوليد: أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها ؟ قال معاوية: ويحك أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله ؟ فقال: لولا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لاخذنا عنه ثم سكت هنيئة ثم نظر إلى جلسائه فقال: ألا لا نقول: إن هذه من كتب علي بن أبي طالب ولكن نقول هذه من كتب أبي بكر كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها ونأخذ منها. قال: فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب عليه السلام. قال إبراهيم: فلما بلغ عليا [عليه السلام] أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد عليه حزنا. وروى عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا علي صلوات الله عليه فلما انصرف قال: لقد عثرت عثرة لا أعتذر * سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الامر الشتيت المنتشر فقلنا ما بالك يا أمير المؤمنين ؟ قال: إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فكتب إلي أنه لا علم لي بالسنة فكتبت إليه كتابا فيه أدب وسنة فقتل وأخذ الكتاب. قال إبراهيم فلم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد مرادعا لهم فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه اننا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس فلا تعجل علينا فأبى عليهم فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم ثم كانت وقعة صفين وهم لمحمد هائبون، فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام ثم صار الامر إلى الحكومة [و] أن عليا وأهل العراق قد قفلوا عن معاوية والشام إلى عراقهم اجترؤا على محمد وأظهروا المنابذة له فلما رأى محمد

[552]

ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوى ومعه يزيد بن الحرث الكناني فقاتلاهم فقتلوهما ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا. وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان فأجابه القوم وأناس كثير آخرون وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر فبلغ عليا عليه السلام توثبهم عليه فقال: ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلناه بالامس يعني قيس بن سعد أو مالك بن الحارث الاشتر وكان علي حين رجع عن صفين رد الاشتر إلى عمله بالجزيرة وقال لقيس بن سعد: أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم اخرج إلى آذربيجان فكان قيس مقيما على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب عليه السلام إلى الاشتر وهو يومئذ بنصيبين كتابا وطلبه. أقول: لما روى المفيد رحمه الله في المجالس (1) هذه القصة وهذا الكتاب قريبا مما أورده أخرجته منه لكونه أبسط وأوثق إلا أن في رواية الثقفي أن بعث الاشتر كان قبل شهادة محمد. 721 - قال المفيد: أخبرني الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن محمد بن زكريا عن عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد قال: لما ورد الخبر على أمير المؤمنين عليه السلام بمقتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنه كتب إلى مالك بن الحارث الاشتر رحمه الله وكان مقيما بنصيبين: أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين وأقمع به نخوة الاثيم وأسد به الثغر المخوف وقد كنت وليت محمد بن أبي بكر رحمه الله مصر فخرج عليه خوارج وكان حدثا لا علم له بالحروب فاستشهد رحمه الله (2) فأقدم علي لننظر


(1) المعروف بالامالي ذكر القصة في الحديث: (4) من المجلس التاسع منه ص 56 ط النجف. والقصة رواها الطبري من طريق أبي مخنف في حوادث سنة: (38) من تاريخه: ج 4 ص 71.

[553]

في أمر مصر واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. فاستخلف مالك على عمله شبيب بن عامر الازدي وأقبل حتى ورد على أمير المؤمنين عليه السلام فحدثه حديث مصر وأخبره عن أهلها وقال له ليس لهذا الوجه غيرك فأخرج فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم على الشدة متى لم يغن عنك إلا الشدة. قال: فخرج مالك الاشتر فأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر وقدم أمير المؤمنين أمامه كتابا إلى أهل مصر: بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأسأله الصلاة على نبيه محمد وآله وإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعداء حذر الدوائر من أشد عبيدالله بأسا وأكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار وأبعد الناس من دنس أو عار وهو مالك بن الحارث الاشتر لانابي الضريبة ولا كليل الحد حليم في الحذر رزين في الحرب ذو رأي أصيل وصبر جميل فاسمعوا له وأطيعوا أمره فإن أمركم بالنفير فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري فقد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم وشدة شكيمة على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم بالتقوى ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ولما تهيأ مالك الاشتر للرحيل إلى مصر كتب عيون معاوية بالعراق إليه يرفعون خبره فعظم ذلك على معاوية وقد كان طمع في مصر فعلم أن الاشتر ان قدمها فاتته وكان أشد عليه من ابن أبي بكر فبعث إلى دهقان من أهل


(2) جملة: " فاستشهد رحمه الله " أقحمت في الحديث سهوا من الراوي أو الكتاب لقيام القرائن القطعية على أن بعث الاشتر رفع الله مقامه كان قبل استشهاد محمد بن أبي بكر رضوان الله عليه.

[554]

الخراج بالقلزم أن عليا قد بعث بالاشتر إلى مصر وإن كفيتنيه سوغتك خراج ناحيتك ما بقيت فاحتل في قتله بما قدرت عليه. ثم جمع معاوية أهل الشام وقال لهم: إن عليا قد بعث بالاشتر إلى مصر فهلموا ندعو الله عليه يكفينا أمره ثم دعا ودعوا معه. وخرج الاشتر حتى أتى القلزم فاستقبله ذلك الدهقان فسلم عليه وقال: أنا رجل من أهل الخراج ولك ولاصحابك علي حق في ارتفاع أرضى فأنزل علي أقم بأمرك وأمر أصحابك وعلف دوابكم واحتسب بذلك لي من الخراج فنزل عليه الاشتر فأقام له ولاصحابه بما احتاجوا إليه وحمل إليه طعاما دس في جملته عسلا جعل فيه سما فلما شربه الاشتر قتله ومات وبلغ معاوية خبره فجمع أهل الشام وقال لهم: أبشر فإن الله قد أجاب دعاءكم وكفاكم الاشتر وأماته فسروا بذلك واستبشروا به. ولما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام وفاة الاشتر جعل يتلهف ويتأسف عليه ويقول: لله در مالك لو كان من جبل لكان أعظم أركانه ولو كان من حجر كان صلدا أما والله ليهدن موتك عالما فعلى مثلك فلتبك البواكي. ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر فرحم الله مالكا فقد وفى بعهده وقضى نحبه ولقي ربه مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه واله فإنها أعظم المصيبة. أقول [و] في رواية الثقفي في كتابه عليه السلام إلى الاشتر: " وهو غلام حدث السن " وليس فيه ذكر شهادة محمد فلا ينافي ما يظهر من روايته أن بعث الاشتر كان قبل شهادته، وما أورده السيد من الاعتذار من محمد لبعث الاشتر يدل على ذلك أيضا وهو أشهر عند أرباب التواريخ ولكن رواية الاختصاص (1) أيضا مؤيدة لهذه الرواية.


(1) الآتية في الحديث: (734) من هذا الباب، ص 306. (*)

[555]

722 - رجعنا إلى رواية الثقفي روى بإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه أن معاوية لما بلغه خبر الاشتر بعث رسولا يتبعه إلى مصر وأمره باغتياله فحمل معه مزودين فيهما شراب فاستسقى الاشتر يوما فسقاه من أحدهما فاستسقى يوما آخر فسقاه من الآخر وفيه سم فشربه ومال عنقه فطلب الرجل ففاته. وعن مغيرة الضبي أن معاوية دس للاشتر مولى لآل عمر فلم يزل المولى يذكر للاشتر فضل علي وبني هاشم حتى اطمأن إليه فقدم الاشتر يوما ثقله واستسقى ماء فسقاه المولى شربة سويق فيها سم فمات. قال: وقد كان معاوية قال لاهل الشام لما دس له مولى عمر: ادعوا على الاشتر فدعوا عليه فلما بلغه موته قال: ألا ترون كيف استجيب لكم. وقد روي من بعض الوجوه أن الاشتر قتل بمصر بعد قتال شديد والصحيح أنه سقي سما فمات قبل أن يبلغ مصر. وعن علي بن محمد المدائني أن معاوية أقبل يقول لاهل الشام: أيها الناس ان عليا قد وجه الاشتر إلى مصر فدعوا الله أن يكفيكم فكانوا يدعون عليه في دبر كل صلاة وأقبل الذي سقاه السم إلى معاوية فأخبره بهلاك الاشتر فقام معاوية لعنه الله خطيبا فقال: أما بعد فإنه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان فقطعت إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر وقد قطعت الاخرى اليوم وهو مالك الاشتر. وقال إبراهيم: فلما بلغ عليا عليه السلام موت الاشتر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين اللهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر. ثم قال: رحم الله مالكا فلقد وفى بعهده وقضى نحبه ولقى ربه مع أنا


722 - رواه مع التوالي الثقفي في الحديث: (116) وما بعده من كتاب تلخيص الغارات: ج 1، ص 262، وما بعدها.

[556]

قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله فإنها من أعظم المصيبات. وعن معاوية الضبي قال: لم يزل أمر علي عليه السلام شديدا حتى مات الاشتر وكان الاشتر بالكوفة أسود من الاحنف بالبصرة. وعن جماعة من أشياخ النخع قالوا: دخلنا على أمير المؤمنين عليه السلام حين بلغه موت الاشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ثم قال: لله در مالك وما مالك لو كان من جبل لكان فندا ولو كان من حجر لكان صلدا أما والله ليهدن موتك عالما وليفرحن عالما ! ! على مثل مالك فلتبك البواكي وهل مرجو كمالك ؟ وهل موجود كمالك ؟ قال علقمة بن قيس النخعي: فما زال علي يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا وعرف ذلك في وجهه أياما. قال إبراهيم: وحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني عن رجاله أن محمد بن أبي بكر لما بلغه أن عليا عليه السلام قد وجه الاشتر إلى مصر شق عليه فكتب علي عليه السلام إليه عند مهلك الاشتر: أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك ولم أفعل ذلك استبطاء لك عن الجهاد ولا استزادة لك مني في الجد ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيس مؤنة عليك وأعجب ولاية إليك إلا أن الرجل الذي كنت وليته مصر كان رجلا لنا مناصحا وعلى عدونا شديدا فرحمة الله عليه فقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون فرضي الله عنه وضاعف له الثواب وأحسن له المآب. فاصحر لعدوك وشمر للحرب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك أعاننا الله وإياك على ما لا ننال إلا برحمته والسلام (1).


(1) ورواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (34) من الباب الثاني من كتاب نهج

[557]

فكتب محمد رحمه الله إلى عبد الله أمير المؤمنين عليه السلام من محمد بن أبي بكر سلام عليك فإني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، [فقد] انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين وفهمته وعرفت ما فيه وليس أحد من الناس أشد على عدو أمير المؤمنين ولا أرق خرجت فعسكرت وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا وأنا أتبع [متبع " خ ل "] أمر أمير المؤمنين وحافظه ولا جئ إليه وقائم به والله المستعان على كل حال والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وعن أبي جهضم الاسدي قال: إن أهل الشام لما انصرفوا عن صفين وأتى بمعاوية خبر الحكمين وبايعه أهل الشام بالخلافة لم يزدد إلا قوة ولم يكن له هم إلا مصر فدعا عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد وشرحبيل بن السمط وأبا الاعور السلمي وحمزة بن مالك فاستشارهم في ذلك فقال عمرو بن العاص: نعم الرأي رأيت في افتتاحها عزك وعز أصحابك وذل عدوك وقال آخرون: نرى ما رأى عمرو. فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد الانصاري وإلى معاوية حديج الكندي وكانا قد خالفا عليا عليه السلام فدعاهما إلى الطلب بدم عثمان فأجابا وكتبا إليه عجل إلينا بخيلك ورجلك فإنا ننصرك ويفتح الله عليك. فبعث معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف فسار عمرو في الجيش حتى دنا من مصر فاجتمعت إليه العثمانية فأقام وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد فتنح عني بد ؟ ك يا ابن أخي فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر وإن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على


البلاغة. ورواه الطبري مع أكثر ما يليه في حوادث سنة: (38) من تاريخه: ج 1، ص 3395، وفي ط: ج 4 ص 75 وفي ط: ج 5 ص 96.

[558]

إتباعك وهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها إني لك من الناصحين والسلام. قال: وبعث عمرو مع هذا الكتاب كتاب معاوية إليه وهو: أما بعد فإن غب الظلم والبغي عظيم الوبال وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة وما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ولا أسوأ له عيبا ولا أشد عليه خلافا منك سعيت عليه في الساعين وساعدت عليه مع المساعدين وسفكت دمه مع السافكين ثم تظن أني نائم عنك فأتيت بلدة فتأمن فيها وجل أهلها أنصاري يرون رأيي ويرفعون قولك ويرقبون عليك وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك يستسفكون دمك ويتقربون إلى الله عزوجل بجهادك وقد أعطوا الله عهدا ليقتلنك ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه وأنا أحذرك وأنذرك فإن الله مقيد منك ومقتص لوليه وخليفته بظلمك له وبغيك عليه ووقيعتك فيه وعدوانك يوم الدار عليه تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه وأوداجه ومع هذا إني أكره قتلك ولا أحب أن أتولى ذلك منك ولن يسلمك الله من النقمة أين كنت أبدا فتنح وانج بنفسك والسلام. قال: فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما وبعث بهما إلى علي عليه السلام وكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن العاصي ابن العاص قد نزل أداني مصر واجتمع عليه من أهل البلد كل من كان برى رأيهم وهو في جيش جرار وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمددني بالاموال والرجال والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه [أمير المؤمنين] رضي الله عنه أما بعد فقد أتاني رسولك بكتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل أداني مصر في جيش جرار وأن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من كان على رأيه خير لك من إقامته عندك.

[559]

وذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلا فلا تفشل وإن فشلوا حصن قريتك واضمم إليك شيعتك وأول الحرس في عسكرك (1) واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والتجربة والبأس وأنا نادب إليك الناس على الصعب والذلول فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك وقاتلهم على نيتك وجاهدهم محتسبا لله سبحانه وإن كان فئتك أقل الفئتين فإن الله تعالى يعين القليل ويخذل الكثير. وقد قرأت كتاب الفاجرين المتحابين على المعصية والمتلائمين على الضلالة والمرتبئين [المرتشين " خ ل "] في الحكومة والمتكبرين على أهل الدين الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلافهم فلا يضرنك إرعادهما وإبراقهما وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام. قال: فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح وتخوفني بالحرب كأنك علي شفيق وأنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم وأن يخذلكم الله في الوقعة وأن ينزل بكم الذل وأن تولوا الدبر فإن يكن لكم الامر في الدنيا فكم وكم لعمري من ظالم قد نصرتم وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به وإلى الله المصير وإليه ترد الامور وهو أرحم الراحمين والله المستعان على ما تصفون. قال: وكتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه: أما بعد فقد فهمت كتابك وعلمت ما ذكرت وزعمت أنك لا تحب أن يصيبني منك ظفر فأشهد بالله أنك لمن المبطلين وزعمت أنك لي ناصح وأقسم أنك عندي ظنين وزعمت أن أهل البلد قد رفضوني وندموا على اتباعي فأولئك حزبك وحزب الشيطان الرجيم وحسبنا الله رب العالمين وتوكلت على


(1) كذا في أصلي، وفي شرح ابن أبي الحديد: " وأذك الحرس في عسكرك... ".

[560]

الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم. قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال: فأقبل عمرو بن العاص يقصد قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معاشر المسلمين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ويغشون أرض الضلالة (1) قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر ومن يجيب معه من كندة (2). ثم ندب معه ألفي رجل وتخلف محمد في ألفين واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد فلما دنا عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب كتيبة بعد كتيبة فلم تأته كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ففعل ذلك مرارا فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي فأتاه في مثل الدهم (3) فلما رأى كنانة ذلك الجيش نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه وهو يقول: * (وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا) * [145 / آل عمران: 3] فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استشهد رحمه الله. فلما قتل كنانة أقبل ابن العاص نحو محمد وقد تفرق عنه أصحابه فخرج محمد فمضى في طريق حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط.


(1) كذا في أصلي، وفي شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 318 ط بيروت: " ويغشون الضلالة ويستطيلون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة... ". (2) جملة " ومن يجيب معه من كندة " غير موجودة في شرح ابن أبي الحديد، وكان في أصلي وضع عليها علامة ولكن لم تكن واضحة. (3) الدهم - كسهم -: العدد الكثير الذي لكثرته يتبين سواده من البعيد. ومعاوية بن خديج هذا من رجال البخاري وكثير من أصحاب الصحاح الست.

[561]

وخرج ابن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه قالوا: لا قال أحدهم إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل جالس قال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا على محمد فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو الفسطاط. فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال: لا والله لا يقتل أخي صبرا ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه عن قتله. فأرسل عمرو بن العاص إلى معاوية أن ائتني بمحمد فقال معاوية أقتلتم كنانة بن بشر ابن عمي وأخلي عن محمد هيهات " أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر " فقال لهم محمد: اسقوني قطرة من ماء فقال له ابن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فسقاه الله من الرحيق المختوم والله لاقتلنك يا ابن أبي بكر وأنت ظمآن ويسقيك الله من الحميم والغسلين. فقال محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليوم إليك ولا إلى عثمان إنما ذلك إلى الله يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه وهم أنت وقرنائك ومن تولاك وتوليته والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم. فقال له معاوية بن حديج أتدري ما أصنع بك أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار. قال: إن فعلتم ذلك بي فطال ما فعلتم ذلك بأولياء الله وأيم الله إني لارجو أن يجعل الله هذه النار التي تخوفني بها بردا وسلاما كما جعلها الله على إبراهيم خليله وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وعلى أوليائه وإني لارجو أن يحرقك الله وإمامك معاوية وهذا - أشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله عليكم سعيرا فقال معاوية بن حديج:

[562]

إني لا أقتلك ظلما إنما أقتلك بعثمان بن عفان ! ! قال محمد: وما أنت رجل عمل بالجور وبدل حكم الله والقرآن وقد قال الله عزوجل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون... وأولئك هم الظالمون... وأولئك هم الفاسقون " فنقمنا عليه أشياء عملها فأردناه أن يختلع من عملنا فلم يفعل فقتله من قتله من الناس فغضب ابن حديج فقدمه فضرب عنقه ثم ألقاه في جوف حمار وأحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها فكان القاسم بن محمد في حجرها. قال: وكان ابن حديج ملعونا خبيثا يسب عليا عليه السلام فقد روي عن داود بن أبي عوف قال: دخل معاوية بن حديج عن الحسن بن علي عليهما السلام في مسجد المدينة فقال له الحسن: ويلك يا معاوية أنت الذي تسب أمير المؤمنين عليا ؟ ! أما والله لئن رأيته يوم القيامة - ولا أظنك تراه - لترينه كاشفا عن ساق يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرايب الابل (1). وعن محمد بن عبد الله بن شداد قال: حلفت عائشة [أن] لا تأكل شواءا أبدا بعد قتل محمد فلم تأكل شواءا حتى لحقت بالله وما عثرت قط الا قالت: تعس معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج. ويروى عن كثير النوا: أن أبا بكر خرج في حياة رسول الله صلى الله عليه واله


1 - وللحديث شواهد كثيرة وقد رواه الطبراني في ترجمة الامام الحسن تحت الرقم (2727) و (2758) من المعجم الكبير ج 3 ص 82 و 94 ط بغداد. ورواه أيضا البلاذري في الحديث (9) من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف ج 3 ص 11 ط 1. ورواه أيضا الحاكم في مناقب أمير المؤمنين من المستدرك ج 3 ص 138. ورواه أيضا الهيتمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 130. ورواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار (30) من الباب الثاني من شرحه ج 16 ص 18 ط مصر. ورواه أيضا الحافظ ابن عساكر بطرق في ترجمة معاوية بن حديج من تاريخ دمشق.

[563]

في غزاة فرأت أسماء بنت عميس وهي تحته كأن أبا بكر متخضب بالحناء رأسه ولحيته وعليه ثياب بيض فجاءت إلى عائشة فأخبرتها فبكت عائشة وقالت: إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر، إن خضابه الدم وإن ثيابه أكفانه. فدخل النبي صلى الله عليه واله وهي كذلك فقال: ما أبكاها ؟ فذكروا الرؤيا فقال عليه السلام: ليس كما عبرت عائشة ولكن يرجع أبو بكر صالحا فتحمل منه أسماء بغلام تسميه محمدا يجعله الله غيظا على الكافرين والمنافقين. قال: فكان كما أخبر عليه السلام. وعن الحارث بن كعب عن حبيب إبن عبد الله (1) قال: والله إني لعند علي عليه السلام جالسا إذ جاءه عبيدالله بن قعين من قبل محمد بن أبي بكر يستصرخه قبل الوقعة فقام علي عليه السلام فنادى في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فصلى عليه ثم قال: أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكر واخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وعدو من والاه وولي من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا على باطلهم منكم على حقكم، فكأنكم بهم قد بدؤكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر. عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيرا وخير أهلا فلا تغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم وكبت لعدوكم، أخرجوا إلى الجرعة - والجرعة بين الحيرة إلى الكوفة - لنتوافى هناك كلنا غدا إن شاء الله. قال: فلما كان الغد خرج يمشي فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه مائة رجل فرجع ! ! ! فلما كان العشي بعث إلى الاشراف فجمعهم فدخلوا عليه القصر وهو كئيب حزين فقال:


1 - من هنا إلى قوله (قال المدائني) ذكره الطبري عن أبي مخنف في تاريخه ج 4 ص 79 وما بعدها. وليلاحظ ما ذكرناه في ذيل المختار (285) وما بعده من كتاب نهج السعادة ج 2 ص 472 وما بعدها.

[564]

الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني بكم أيتها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتها ولا تجيب إذا دعوتها، لا أبا لغيركم ماذا تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم ؟ ! الموت خير من الذل في هذه الدنيا لغير الحق، والله إن جاءني الموت - وليأتيني فليفرقن بيني وبينكم - لتجدنني لصحبتكم قاليا. ألا دين يجمعكم ؟ ألا حمية تغيظكم ؟ ألا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم. أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام الظلمة فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة فيجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء، ثم أنا أدعوكم وأنتم أولى النهى وبقية الناس [ف‍] تختلفون وتفترقون عني وتعصوني وتخالفون علي ؟ ! فقام إليه مالك بن كعب الارحبي فقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس معي فانه لا عطر بعد عروس، لمثل هذا اليوم [كنت أدخر نفسي] وإن الاجر لا يأتي إلا بالكرة. ثم التفت إلى الناس وقال: اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوكم إنا نسير إليهم يا أمير المؤمنين. فأمر علي سعدا مولاه أن ينادي: ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر. وكان وجها مكروها فلم يجتمعوا إليه شهرا فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك فعسكر بظاهر الكوفة وخرج معه علي فنظر فإذا جميع من خرج نحو من ألفين فقال علي عليه السلام: سيروا والله ما أنتم ؟ ! ما أخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمرهم. فخرج مالك بهم وسار خمس ليال فقدم الحجاج بن غزية الانصاري من مصر فأخبره بما عاين من هلاك محمد. وقدم عبد الرحمان بن شبيب وكان عينا لعلي عليه السلام وأخبره أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشر من قبل عمرو بن العاص يتبع بعضه بعضا بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر وقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت يوما قط سرورا مثل سرور رأيته بالشام حين أتاهم قتل محمد. فقال علي عليه السلام: أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به، لا بل

[565]

يزيد أضعافا. فرد عليه السلام مالكا من الطريق وحزن على محمد حتى رؤي ذلك فيه وتبين في وجهه وقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا وإن مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه، أما والله لقد كان - ما علمت - ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب سمت المؤمن، وإني والله ما ألوم نفسي على تقصير ولا عجز، وإني لمقاساة الحرب مجد [خ ل: لجد] بصير، إني لاقدم على الحرب وأعرف وجهه وجه الحزم وأقوم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنا، وأناديكم مستغيثا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون [لي] أمرا، حتى تصير الامور إلى عواقب المساءة، وأنتم القوم لا يدرك بكم الثار ولا ينقص بكم الاوتار. دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فجرجرتم علي جرجرة الجمل الاسر وتثاقلتم إلى الارض تثاقل من لا نية له في الجهاد ولا رأي له في اكتساب الاجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما يساقون إلى الموت ؟ ؟ ؟ ظرون ! ! فأف لكم (1). ثم ؟ ؟ ؟ خل رحله. قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال: كتب علي عليه السلام إلى عبد الله بن العباس وهو على البصرة: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس: سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد، فإن مصر قد افتتحت وقد استشهد محمد بن أبى بكر وعند الله عزوجل - نخسبه، وقد كنت أوعزت إلى الناس وتقدمت إليهم في بدء الامر، وأمرتهم بإعانته قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا، وعودا وبدءا، فمنهم الاتي كارها، ومنهم المعتل كاذبا، ومنهم القاعد خاذلا. أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا وأن يرحيني


1 - وللخطبة مصادر وقد رواها الزبير بن بكار في ج 6 من كتاب الموفقيات ص 348 ط بغداد و رواها بسنده عنه ابن عساكر في ترجمة عبد الرحمان بن شبيب من تاريخ دمشق. ورواه الابي في أواخر الباب الثالث من نثر الدرر 1 / 314 ط مصر.

[566]

منهم عاجلا، فو الله لولا طمعي عند لقاء العدو في الشهادة وتوطيني نفسي عند ذلك لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا، عزم الله لنا ولك على تقواه وهداه إنه على كل شئ قدير والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (1). قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: لعبدالله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس: سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبي بكر وأنك سألت ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا ومخرجا، وأنا أسأل الله أن يعلي كلمتك وأن يأتي بما تحبه عاجلا، وأعلم أن الله صانع لك ومقر دعوتك وكابت عدوك، وأخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما قبضوا ثم نشطوا فارفق بهم يا أمير المؤمنين ودارهم ومنهم واستعن بالله عليهم، كفاك الله المهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال المدائني: وروي أن عبد الله بن عباس قدم من البصرة على علي فعزاه بمحمد بن أبي بكر. وعن مالك بن الجون الحضرمي أن عليا عليه السلام قال: رحم الله محمدا كان غلاما حدثا لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر فإنه والله لو وليتها لما حلى لابن العاص وأعوانه العرصة ولا قتل إلا وسيفه في يده بلا ذم لمحمد فلقد أجهد نفسه وقضى ما عليه (2). قال المدائني: وقيل لعلي عليه السلام: لقد جزعت على محمد بن أبي بكر جزعا شديدا يا أمير المؤمنين فقال: وما يمنعني إنه كان لي ربيبا وكان لبني أخا وكنت له والدا أعده ولدا. وروى ابراهيم [الثقفي] عن رجاله عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: دخل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الاعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين فقالوا له: بين لنا ما


1 - ورواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار (35) من الباب الثاني من نهج البلاغة. 2 - وقريبا منه رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار (65) من نهج البلاغة. (*)

[567]

قولك في أبي بكر وعمر ؟ فقال لهم علي عليه السلام: هل فرغتم لهذا ؟ ! وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت، أنا مخرج إليكم كتابا أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا وهذه نسخة الكتاب (1): من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرء كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين السلام عليكم، فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فان الله بعث محمدا نذيرا للعالمين وأمينا على التنزيل وشهيدا على هذه الامة، وأنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار، منيخون على حجارة خشن، وجنادل صم، وشوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، سبلكم خائفة، والاصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثركم بالله إلا وهم مشركون، فمن الله عزوجل عليكم بمحمد صلى الله عليه واله فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم وقال فيما أنزل من كتابه: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم اياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [2 / الجمعة / 62] وقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم) [128 / التوبة] وقال: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) [164 / آل عمران] وقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) [4 / الجمعة]. فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين، وأن تؤدوا الامانات إلى أهلها وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها، وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباشروا وتباذلوا وتراحموا، ونهاكم عن التناهب


1 - وتقدم في الباب 16 ص 148 كتاب يشبهه فراجع إليه ألبتة. وهذا رواه أبن أبي الحديد في شرح المختار (67) من خطب نهج البلاغة لكن قال: انه خطب.

[568]

والتظالم والتحاسد والتباغي والتقاذف، وعن شرب الخمر وبخس الميكال ونقص الميزان، وتقدم إليكم فيما تلا عليكم أن لا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى، وأن تؤدوا الامانات إلى أهلها ولا تعثوا في الارض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. فكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به، وكل شر يدني إلى النار ويباعد من الجنة نهاكم عنه (1). فلما استكمل مدته من الدنيا توفاه الله إليه سعيدا حميدا فيالها مصيبة خصت الاقربين وعمت جمع المسلمين ما أصيبوا قبلها بمثلها ولن يعاينوا بعدها أختها. فلما مضى لسبيله صلى الله عليه واله وسلم تنازع المسلمون الامر من بعده فو الله ما كان يلقى في روعي ولا يحظر على بالي أن العرب تعدل هذا الامر بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد صلى الله عليه واله وملة محمد صلى الله عليه واله في الناس بمن تولى الامر بعده. فلبثت بذلك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام تدعو إلى محق دين الله وملة محمد فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما يكون المصيبة بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما ينقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الاحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون. فتولى أبو بكر تلك الامور وسدد ويسر وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حي أن يرد


1 - وهذه الفقرة من الخطبة مما توجب على المتشرعة الفحص التام وبذل الوسع كما ينبغي حول الاثار الواردة عن صاحب الشريعة وعدم جواز الاتكال على الفكر الشخصي والعقل الفردي قبل المراجعة أو بعد الوصول إلى ما بينه من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي إليه من لا يعزب عن علمه شئ في الارض ولا في السماء وقنن القوانين لمصالح المخلوقين وهو غنى عنهم.

[569]

إلي الامر الذي بايعته فيه طمع مستيقن ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، فلولا خاصة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنه لا يدفعها عني. فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا وتولى عمر الامر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة حتى إذا احتضر قلت في نفسي: لن يعدلها عني ليس بدافعها عني فجعلني سادس ستة ! ! !. فما كانوا لولاية أحد أشد كراهية منهم لولايتي عليهم فكانوا يسمعوني عند وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم أحاج أبا بكر وأقول: يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الامر منكم أما كان فينا من يقرء القرآن ويعرف السنة ويدين بدين الحق. فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم من الامر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي ثم قالوا: هلم بايع وإلا جاهدناك. فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا فقال قائلهم: يا ابن أبي طالب إنك على هذا الامر لحريص، فقلت: إنهم أحرص مني وأبعد، أينا أحرص ؟ أنا الذي طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله أولى به أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه ؟ ! فبهتوا والله لا يهدي القوم الظالمين. اللهم إني استعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأصغوا إنائي وصغروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر كمدا أو مت أسفا وحنقا. فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم وءالم للقلب من حز الشفار. حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني، وبسطت يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وآزدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض أو أنكم قاتلي فقلتم: بايعنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك بايعناك لا نفترق ولا تختلف

[570]

كلمتنا، فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي فمن بايع طوعا قبلته منه ومن أبى لم أكرهه وتركته. فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثنا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما قد خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة وسمع لي بالبيعة. فقدما على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصري الذين كلهم على بيعتي وفي طاعتي فشتتوا كلمتهم وأفسدوا جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم عذرا وطائفة صبرا، وطائفة منهم غضبوا لله ولي فشهروا سيوفهم وضربوا بها [خ ل: غضبوا بأسيافهم فضاربوا] حتى لقوا الله صادقين فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره (1) فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم وقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين. ثم إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا أعراب وأهل طمع جفاة طغاة، يجتمعون من كل أوب، ومن كان ينبغي أن يؤدب أو يولى عليه ويؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين ولا الانصار ولا التابعين بإحسان فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا شقاقا وفراقا، ونهضوا في وجوه المسلمين ينظمونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم فلما عضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا باهل دين ولا قران وأنهم رفعوها غدرا ومكيدة وخديعة ووهنا وضعفا فامضوا على حقكم وقتالكم فأبيتم علي وقلتم اقبل منهم فان أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم. فقبلت منهم وكففت عنهم إذ ونيتم وأبيتم وكان الصلح بينكم وبينهم على


1 - لهذه الفقرة شواهد كثيرة بعضها مذكور في عنوان (الرجل يقتله النفر) في كتاب الديات تحت الرقم (7743 - 7749) من كتاب المصنف لابن أبي شيبة ج 9 ص 347 - 348. وليراجع المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 485 وسنن البيهقي 8 / 41 ونصب الراية 4 / 453.

[571]

رجلين يحييان ما أحيا القران ويميتان ما أمات القران فاختلف رأيهما وتفرق حكمهما ونبذا ما في حكم القران وخالفا ما في الكتاب فجنبهما السداد ودلاهما في الضلالة فنبذا حكمهما وكانا أهله. فانخزلت فرقة منا فتركناهم ما تركونا حتى إذا عثوا في الارض يقتلون ويفسدون أتيناهم فقلنا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بينا وبينكم ؟ قالوا: كلنا قتلهم وكلنا استحل دماءهم ودماءكم. وشدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين. فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم: كلت سيوفنا ونفدت نبالنا ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا، فارجع بنا إلى مصرنا لسنتعد بأحسن عدتنا فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا فإن ذلك ؟ أقوى لنا على عدونا. فأقبلت بكم حتى إذا أظللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة وأن تلزموا معسكركم وأن تضموا قواصيكم وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم ولا تكثروا زبارة أبنائكم ونسائكم، فإن أهل الحرب المصابروها، وأهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم ولا ظلما نهارهم ولا خمص بطونهم ولا نصب أبدانهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية، فلا من بقي منكم صبر وثبت، ولا من دخل المصر عاد إلي ورجع فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلا. فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فلم أقدر إلى أن تخرجوا إلى يومنا هذا. فما تنتظرون ؟ ! أما ترون أطرافكم قد انتقصت ؟ وإلى مصركم قد فتحت وإلى شيعتي بها قد قتلت وإلى مسالحكم تعرى وإلى بلادكم تغزى ؟ ! وأنتم ذووا عدد كثير وشوكة وبأس، فما بالكم ! لله أنتم ! من أين تؤتون ؟ وما لكم تسحرون ؟ ! وأنى تؤفكون ؟ ولو أعزمتم وأجمعتم لم تراموا. ألا إن القوم قد اجتمعوا وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد ونيتم وتغاششتم وافترقتم، ما أنتم إن أتممتم عندي على هذا بمنقذين، فانتهوا عما نهيتم واجمعوا على حقكم وتجردوا لحرب عدوكم، قد أبدت الرغوة من الصريح، وبين الصبح لذي عينين،

[572]

إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأولي الجفاء ومن أسلم كرها فكان لرسول الله صلى الله عليه واله أنف الاسلام كله حربا، أعداء الله والسنة والقران وأهل البدع والاحداث، ومن كانت بوائقة تتقى، وكان على الاسلام وأهله مخوفا، وأكلة الرشا وعبدة الدنيا. [و] لقد انتهى إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاويه حتى أعطاه وشرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يده من سلطانه، ألا صفرت يد هذا البايع دينه بالدنيا وخزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين. وإن فيهم من قد شرب فيكم الخمر وجلد الحد يعرف بالفساد في الدين والفعل السئ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له على الاسلام رضيخة، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم بل هو شر منهم، ويود هؤلاء الذين ذكرت لوولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والكبر والفجور والتسلط بالجبرية، واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحق. ولانتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا فيكم العلماء والفقهاء النجباء والحكماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار وعمار المساجد بتلاوة القرآن أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والاشرار الاراذل منكم. فاسمعوا قولي هداكم الله إذا قلت وأطيعوا أمري إذا أمرت فو الله لان أطعتموني لا تغوون وإن عصيتموني لا ترشدون خذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها وأجمعوا إليها فقد شبت نارها وعلا شنارها وتجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله ويطفؤوا نور الله ! ! ! ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولى بالجد في غيهم وضلالهم وباطلهم من أولياء الله أهل البر والزهادة والاخبات بالجد في حقهم وطاعة ربهم ومناصحة إمامهم. إني والله لو لقيتهم فردا وهم ملا الارض ما باليت ولا استوحشت وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة وبينة ويقين وبصيرة وإني إلى لقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر ولكن أسفا يعتريني وحزنا يخامرني من أن يلي أمر

[573]

هذه الامة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا والفاسقين حزبا وأيم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم ولتركتكم إذا ونيتم وأبيتم حتى ألقاهم بنفسي متى حم لي لقاءهم فو الله إني لعلى الحق وإني للشهادة لمحب ف‍ " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " [41 / التوبة] ولا تثاقلوا إلى الارض فتفروا بالخسف وتبوؤا بالذل ويكن نصيبكم الاخسر إن أخا الحرب اليقظان الارق من نام لم ينم عنه ومن ضعف أودى ومن ترك الجهاد في الله كان كالمغبون المهين. اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وزهدنا وإياهم في الدنيا واجعل الآخرة لنا ولهم خير من الاولى والسلام. توضيح: قوله: " والمرتشين " في بعض النسخ " والمرتبئين " أي المنتظرين المترصدين للحكومة أيهما يأخذها قال الجوهري: المربا: المرقبة وكذلك المربأ والمرتبأ. وربأت القوم ربئا وأرتبأتهم أي راقبتهم وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف يقال: ربا لنا فلان وارتبأ إذا اعتان وربأت المرباة وارتبأتها أي علوتها قال أبو زيد: رأبأت الشئ مرابأة إذا حذرته واتقيته وقال الدهم: العدد الكثير. قوله: " فإنه لا عطر بعد عروس " قال الزمخشري بعد إيراد المثل ويروي: " لا مخبأ لعطر بعد عروس " وأصله أن رجلا أهديت إليه امرأة فوجدها تفلة فقال لها: أين الطيب فقالت: خبأته. فقال ذلك. وقيل: عروس اسم رجل مات فحملت امرأته أواني العطر فكسرتها على قبره وصبت العطر فوبخها بعض معارفها فقالت ذلك، يضرب على الاول في ذم ادخار الشئ وقت الحاجة إليه وعلى الثاني في الاستغناء عن ادخار الشئ لعدم من يدخر له. وقال الميداني: قال المفضل أول من قال ذلك امرأة من عذرة يقال لها أسماء بنت عبد الله وكان لها زوج من بني عمها يقال لها عروس فمات عنها فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل وكان أعسر أبخر بخيلا دميما فلما أراد

[574]

أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي وبكيت عند رمسه فقال: افعلى فقالت: أبكيك يا عروس الاعراس يا ثعلبا في أهله وأسدا عند البأس مع أشياء ليس يعلمها الناس. قال: وما تلك الاشياء ؟ قالت: كان عن الهمة غير نعاس ويعمل السيف صبيحات البأس. ثم قالت: يا عروس الاغر الازهر الطيب الخيم الكريم المحضر مع أشياء له لا تذكر. قال وما تلك الاشياء ؟ قالت: كان عيوفا للخنا والمنكر طيب النكهة غير أبخر أيسر غير أعسر. فعرف الزوج أنها تعرض به فلما رحل بها قال: ضمي إليك عطرك ونظر إلى قشوة عطرها مطروحة فقالت: لا عطر بعد عروس فذهبت مثلا يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس. قوله عليه السلام: " لقد كان ما علمت " أي ما دمت علمته وعرفته أو علمت حاله أو صرت عالما بتنزيله منزلة اللازم. ويحتمل أن تكون " ما " موصولة بتقدير الباء أي بالذي علمت منه أو بجعله خبر " كان " والافعال بعده بدله أو إسم " كان " والافعال خبره أي كان الذي علمت منه تلك الصفات والاول لعله أظهر وانثال: انصب. والاجفال: الاسراع. قوله عليه السلام " فكان مرضي السيرة " أي ظاهرا عند الناس وكذا ما مر في وصف أبي بكر وآثار التقية والمصلحة في الخطبة ظاهرة بل الظاهر أنها من الحاقات المخالفين. قوله عليه السلام " فبهتوا " في بعض النسخ " فهبوا " أي انتبهوا ولكن لم ينفعهم الانتباه. وقال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغوا أي مال. وأصغيت إلى فلان

[575]

إذا ملت بسمعك نحوه وأصغيت الاناء: أملته يقال: فلان مصغى اناؤه إذا نقص حقه وقال: الكمد: الحزن المكتوم. وقال: جاؤوا من كل أوب أي من كل ناحية. قوله عليه السلام: " أو يولى عليه " أي من كان لقلة عقله وسفاهته حريا لان يقوم عليه ولي يتولى أموره. وقال الجوهري نظمت اللؤلؤ أي جمعته في سلك. وطعنه فانتظمه أي اختله وقال: يقال: نصل السهم إذا خرج منه النصل ونصل السهم إذا ثبت نصله في الشئ فلم يخرج وهو من الاضداد ونصلت السهم تنصيلا نزعت نصله. وقال: القصدة بالكسر: القطعة من الشئ إذا انكسر والجمع قصد يقال القنا قصد وقد انقصد الرمح وتقصدت الرماح: تكسرت. وقال الفيروز آبادي: رمح قصد ككتف وقصيد واقصار: متكسر. وقال: أطل على الشئ: أشرف. قوله عليه السلام " إلى مسالحكم تعرى " إي ثغوركم خالية عن الرجال والسلاح. والصريح: اللبن الخالص إذا ذهبت رغوته. ذكره الجوهري وقال: أنف كل شئ: أوله. وأنف البرد: أشده. وقال المخامرة: المخالطة. وقال: حم الشئ أي قدر. وأحم أي حان وقته. وقال: أودى فلان أي هلك فهو مود. 723 - ج كتب محمد بن أبي بكر رضي الله عنه إلى معاوية احتجاجا عليه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبي بكر إلى الباغي معاوية بن صخر سلام الله أهل طاعة الله ممن هو أهل دين الله وأهل ولاية الله أما بعد فإن الله


723 - رواه الطبرسي رحمه الله في أوائل عنوان: " احتجاجه [يعني أمير المؤمنين عليه السلام] على معاوية... " من كتاب الاحتجاج ص 183.

[576]

بجلاله وسلطانه خلق خلقا بلا عبث منه ولا ضعف به في قوة ولكنه خلقهم عبيدا فمنهم شقي وسعيد وغوي ورشيد ثم اختارهم على علم منه واصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه لرسالته وائتمنه على وحيه فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. فكان أول من أجاب وأناب وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام فصدقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم ووقاه كل مكروه وواساه بنفسه في كل خوف وقد رأيتك تساويه (1) وأنت أنت وهو هو المبرز السابق في كل خير وأنت اللعين بن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل وتجتهدان على إطفاء نور الله تجمعان الجموع على ذلك وتبذلان فيه الاموال وتحالفان عليه القبائل على ذلك مات أبوك وعليه خليفته أنت فكيف لك الويل تعدل عن علي (2) وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وأول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا وأنت عدوه وابن عدوه فتمتع بباطلك ما استطعت، وتبدد بابن العاص في غوايتك فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهى ثم تستبين لمن تكون العاقبة العليا والسلام على من اتبع الهدى. فأجابه معاوية إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر سلام على أهل طاعة الله.


(1) كذا في أصلي من البحار والاحتجاج، والصواب: " وأنت تساميه " كما في الحديث: (460) من ترجمة أمير المؤمنين من كتاب أنساب الاشراف: ج 1، ص 404، وفي ط 1: ج 2 ص 394 ومثله أواخر الجزء الثاني من كتاب صفين ص 118، وفي أيام معاوية من كتاب مروج الدهب: ج 3 ص 10، وفي ط مصر: ج 3 ص 20، وفي كتاب سمط النجوم العوالي: ج 2 ص 465. (2) كذا في أصلي وكتاب الاحتجاج معا، والصواب: " تعدل نفسك بعلي " كما في الحديث التالي وكما في الحديث المتقدم الذكر من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 394 ط المحمودي ببيروت، وفي المخطوطة: ج 1، ص 404، وجميع المصادر المتقدم الذكر آنفا.

[577]

أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه مع كلام ألفته ورصفته لرأيك فيه ذكرت حق علي وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته ومواساته إياه في كل خوف وهول وتفضيلك عليا وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك فالحمد لله الذي صرف ذلك عنك وجعله لغيرك. [ف‍] قد كنا وأبوك معنا في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وآله نرى حق علي لازما لنا وسبقه مبرزا علينا فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله ما عنده وأتم له ما وعده وقبضه إليه صلى الله عليه وآله فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه [حقه] وخالفه على ذلك اتفقا ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم فبايع وسلم لامرهما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قضى الله من أمرهما ما قضى. ثم قام بعدهما ثالثهما يهدي بهديهما ويسير بسيرتهما فعبته أنت وأصحابك حتى طمع فيه الاقاصي من أهل المعاصي حتى بلغتما منه مناكم [وكان] أبوك مهد مهاده فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله وإن يكن جورا فأبوك سنه ونحن شركاؤه وبهديه اقتدينا. ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا له ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فأخذنا بمثاله فعب أباك أو دعه والسلام على من تاب وأناب. بيان: قوله " تبدد بابن العاص " التبدد: التفرق وتبددوا الشئ: اقتسموه حصصا. ولا يناسبان المقام إلا بتكلف والاظهر: وليمدك ابن العاص كما سيأتي (1). وزريت عليه: عبته. والرصف: الشد والضم. 724 - ختص: كتاب محمد بن أبي بكر رضي الله عنه إلى معاوية لعنه


(1) وفي أنساب الاشراف، ط بيروت، ج 2، ص 395: وليمدد لك عمرو في غوايتك. 724 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في أواسط كتاب الاختصاص: ص 126، وفي ط النجف: ص 119.

[578]

الله من محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على أهل طاعة الله ممن هو سلم لاهل ولاية الله. أما بعد فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عبث منه ولا ضعف في قوة ولا من حاجة به إليهم ولكنه خلقهم عبيدا فجعل منهم غويا وشقيا وسعيدا ثم اختارهم على علمه فاصطفاه وانتجب منهم محمدا صلى الله عليه وآله فانتجبه واصطفاه برسالاته وأرسله بوحيه وائتمنه على أمره وبعثه رسولا مصدقا ودليلا. فكان أول من أجاب وأناب وصدق وآمن وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب صدقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم ووقاه كل هول وواساه بنفسه في كل خوف حارب من حاربه وسالم من سالمه ولم يزل باذلا نفسه في ساعات الخوف والجوع والجد والهزل حتى أظهر الله دعوته وأفلج حجته [فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الازل والهلوع حتى برز سابقا لا نظير له فيمن اتبعه ولا مقارب له في فعل " خ ل "] وقد رأيتك أيها الغاوي تساميه وأنت أنت وهو هو المبرز السابق في كل حين أول الناس إسلاما وأصدق الناس نية وأطيب الناس ذرية وأفضل الناس زوجة رسول الله ابن عمه وهو وصيه وصفيه، وأخوه الشاري نفسه يوم موته وعمه سيد الشهداء يوم أحد وأبوه الذاب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وعن حوزته وأنت اللعين بن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان على رسول الله صلى الله عليه وآله الغوائل وتجهدان على إطفاء نور الله وتجمعان عليه الجموع وتؤلبان عليه القبائل وتبذلان فيه المال هلك أبوك على ذلك وعلى ذلك خلفك والشاهد عليك بفعلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الاحزاب ورؤوس النفاق وأهل الشقاق لرسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته. والشاهد لعلي بن أبي طالب عليه السلام بفضله المنير المبين وسبقه القديم أنصاره الذين معه الذين ذكروا بفضلهم في القرآن وأثنى الله عليهم من المهاجرين والانصار فهم معه كتائب وعصائب من حوله يجالدون بأسيافهم

[579]

ويهرقون دماءهم دونه يرون الفضل في اتباعه والشقاء في خلافه فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي وعلي أخو رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا يخبره بسره ويشركه في أمره وأنت عدوه وابن عدوه فتمتع ما استطعت بباطلك وليمدك ابن العاصي في غوايتك وكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهى ثم تستبين لمن تكون العاقبة العليا واعلم أنك إنما تكائد ربك الذي قد أمنت كيده في نفسك وآيست من روحه وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور وبالله ورسوله وأهل رسوله عنك الغناء والسلام على من اتبع الهدى. فلما قرأ معاوية لعنه الله كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر الزاري على أبيه أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما الله أهله من سلطانه وقدرته وما اصطفا به رسوله مع كلام ألفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ولابيك فيه تعنيف وذكرت فضل ابن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته لرسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول فكان احتجاجك علي وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك فاحمد ربا صرف ذلك الفضل عنك وجعله لغيرك. فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا صلى الله عليه وآله نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا حتى اختار الله لنبيه ما عنده فأتم له وعده وأظهر له دعوته وأفلج له حجته ثم قبضه الله إليه فكان أول من ابتزه حقه أبوك وفاروقه وخالفاه في أمره، على ذلك اتفقا واتسقا ثم دعواه ليبايعهما وأبطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأرادا به العظيم ثم إنه بايع لهما وسلم فلم يشركاه في أمرهما ولم يطلعاه على سرهما حتى قبضا على ذلك. ثم قام ثالثهما من بعدهما عثمان بن عفان فاقتدى بهديهما فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الاقاصي من أهل المعاصي وبطنتما له وأظهرتما له العداوة حتى بلغتما فيه مناكما فخذ حذرك يا ابن أبي بكر فسترى وبال أمرك

[580]

وقس شبرك بفترك فكيف توازي من لا يوازن الجبال حلمه ولا تعب من مهد له أبوك مهاده وطرح لملكه وساده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك فيه أول ونحن فيه تبع، وإن يكن جورا فأبوك أول من أسس بناه فبهديه اقتدينا وبفعله احتذينا ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا إليه ولكن عب أباك بما شئت أو دعه والسلام على من أناب ورجع عن غوايته وتاب. أقول: روى الكتاب والجواب نصر بن مزاحم في كتاب صفين بأدنى اختلاف أومأنا إلى بعضه. 1 725 - نهج: [و] من كلام له عليه السلام - لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل -: وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ولو وليته إياها لما خلي لهم العرصة، ولا أنهز لهم الفرصة بلا ذم لمحمد بن أبي بكر فلقد كان إلي حبيبا وكان لي ربيبا. بيان: [قوله:] " لما قلد " أي جعله واليها كأن ولايتها قلادة في عنقه لانه مسؤول عن خيرها وشرها. ويقال ملكه عليه أي أخذه منه قهرا واستولى عليه. وانهاز الفرصة إما تأكيد لتخلية العرصة والمراد بهما تمكين العدو وعدم التدبير في دفعه كما ينبغي أو التخلية كناية عن الفرار والانهاز عن تمكين الاعداء. وعدم استحقاق الذم لكون هذا التمكين عن عجزه لا عن التقصير والتواني " وكان إلي حبيبا " أي كنت أحبه ومحبوبه عليه السلام لا يستحق الذم وربيب الرجل: ابن امرأته من غيره وأم محمد أسماء بنت عميس كانت عند جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك عبد الله، ولما


(1) رواه في أواخر الجزء الثاني من كتاب صفين ص 118، ط مصر. ورواه عنه ابن أبي الحديد في أواخر شرح المختار: (46) من نهج البلاغة من شرحه ط الحديث بمصر: ج 3 ص 188، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1 ص 631. وأشار الطبري إلى هذه الكتب ولكن اعتذر عن ذكرها صراحة من أجل كراهة العامة من ذكر هذا النمط من الحقائق ! ! !. 725 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (68) من كتاب نهج البلاغة.

[581]

استشهد جعفر تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا ثم تزوجها أمير المؤمنين عليه السلام ونشأ محمد في حجره ورضع الولاء والتشيع وكان جاريا عنده عليه السلام مجرى بعض ولده. وأما هاشم فهو ابن عتبة بن أبي وقاص وهو المرقال سمي به لانه كان يرقل في الحرب أي يسرع قتل بصفين رضي الله عنه. 726 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر: فاخفض لهما جناحك وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك واس بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم وإن الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة والظاهرة والمستورة فإن يعذب فأنتم أظلم وإن يعف فهو أكرم. واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون وأخذوا منها ما أخذت الجبابرة المتكبرون ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح [المربح " خ ل "] أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة. فاحذروا عباد الله الموت وقربه وأعدوا له عدته فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل بخير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ومن أقرب إلى النار من عاملها وانكم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم. فاحذروا نارا قعرها بعيد وحرها شديد وعذابها جديد دار ليس فيها رحمة


726 - رواه السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (26) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[582]

ولا تسمع فيها دعوة ولا تفرج فيها كربة. وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله وأن يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه وإن أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا لله. واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر فأنت محقوق أن تخالف على نفسك وأن تنافح عن دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر فلا تسخط الله برضاء أحد من خلقه فإن في الله خلفا من غيره وليس من الله خلف في غيره، صل الصلاة لوقتها الموقت ولا تعجل وقتها لفراغ ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك. ومنه: فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى وولي النبي وعدو النبي ولقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيقمعه الله بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون. بيان: قوله عليه السلام " وآس بينهم " قال [ابن الاثير] في [مادة] " أسا " من [النهاية: الاسوة والمؤاساة: المساهمة والمشاركة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا ومنه حديث علي عليه السلام " آس بينهم في اللحظة والنظرة " أي اجعل كل واحد منهم أسوة خصمه وقال ابن أبي الحديد: نبه بذلك على وجوب أن يجعلهم أسوة في جميع ما عدا ذلك من العطاء والانعام والتقريب كقوله تعالى: " ولا تقل لهما أف ". وقال في قوله عليه السلام " في حيفك لهم " الضمير في لهم راجع إلى رعيته لا إلى العظماء وقد كان سبق ذكرهم في أول الخطبة أي حتى لا يطمع العظماء في أن تتحيف الرعية وتظلمهم وتدفع أموالهم إليهم ويجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء أي حتى لا يطمع العظماء في جورك في القسم الذي إنما تفعله لهم ولاجلهم. انتهى. والحيف يكون بمعنى الميل عن القصد وبمعنى الظلم

[583]

والثاني بالاول والاول بالثاني أنسب. قوله عليه السلام: " فأنتم أظلم " أي من أن لا تعذبوا أو لا تستحقوا العقاب " وإن يعف فهو أكرم " من أن لا يعفو أو يستغرب منه العفو. أو المعنى أنه سبحانه إن عذب فظلمكم أكثر من عذابه ولا يعاقبكم بمقدار الذنب، وإن يعف فكرمه أكثر من ذلك العفو ويقدر على أكثر منه وربما يفعل أعظم منه. وقال ابن أبي الحديد أي أنتم الظالمون كقوله تعالى: * (وهو أهون عليه) * وكقولهم: الله أكبر. وقال ابن ميثم: ويحتمل أن يكون قد سمى ما يجازيهم من العذاب ظلما مجازا لمشابهة الظلم في الصورة كما في قوله عليه السلام: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " فصدق إذن اسم التفضيل لابتدائهم بالمعصية انتهى. وقوله: " سكنوا الدنيا " بيان لقوله " ذهبوا " وقال ابن ميثم وإنما كان ما فعلوا أفضل لانهم استعملوها على الوجه الذي ينبغي لهم وأمروا باستعمالها عليه وظاهر أن ذلك أفضل الوجوه وهو الاخذ من لذات الدنيا المباحة لهم بقدر ضرورتهم وحاجتهم بل نقول: إن لذتهم بما استعملوا منها أتم وأكمل وذلك إن كل ما استعملوه من مأكول ومشروب ومنكوح ومركوب إنما كان عند الحاجة والضرورة وكلما كان الحاجة إلى الملذات أتم كانت اللذة أقوى وأعظم. أقول ويحتمل أن تكون الافضلية باعتبار لما المتقين لما كان مصروفهم من الحلال لا يخافون عليه عقابا وغيرهم لاكان ما ينتفعون به حراما أو مخلوطا يخشون العقوبة عليه وهذا مما يكدر عيشهم عامل الجنة من يعمل الاعمال المؤدية إليها وكذا عامل النار. والطرداء بضم الطاء وفتح الراء: جمع طريد أي يطردكم عن أوطانكم ويخرجكم منها. وقال في النهاية: فيه " كنت أطارد حية " أي أخادعها لاصيدها ومنه طراد الصيد.

[584]

قوله عليه السلام: " معقود بنواصيكم " أي ملازم لكم. قوله عليه السلام: " وإن أحسن الناس ظنا " التلازم بينهما لكونهما لازمين للمعرفة فكلما صارت هذه المعرفة أكمل والعلم بجلالته سبحانه أتم كان حسن الظن والخوف أبلغ. قوله عليه السلام " أعظم اجنادي " أي عساكري وأعواني وأقاليمي وبلداني. قال ابن أبي الحديد: يقال للاقاليم والاطراف: أجناد. وقال الجوهري: الجند: الاعوان والانصار والشام خمسة أجناد دمشق وحمص وقنسرين وأردن وفلسطين يقال: لكل مدينة منها جند والظاهر هو الاول لقوله: أهل مصر. " فأنت محقوق " أي حقيق وجدير. وقال في النهاية: المنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة ومنه حديث علي عليه السلام [في صفين] " نافحوا بالظبى " أي قاتلوا بالسيف وأصله أن يقرب أحد المتقاتلين من الآخر بحيث يصل نفح كل واحد منهما إلى صاحبه وهي ريحه ونفسه وقال: اللهم أعط كل منفق خلفا أي عوضا. والمراد بإمام الردى معاوية كقوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " وكذا هو المراد بعدو النبي قال ابن أبي الحديد لان عدوه عليه السلام عدو النبي لقوله صلى الله عليه وآله " وعدوك عدوي وعدوي عدو الله " ولان دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من أفعاله وفلتات لسانه. 727 - كش: محمد بن مسعود عن علي بن محمد القمي عن أحمد بن محمد بن عيسى عن رجل عن عمر بن عبد العزيز عن جميل بن دراج عن حمزة بن محمد الطيار قال: ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله عليه السلام فقال أبو عبد الله عليه السلام رحمه الله وصلى عليه قال لامير المؤمنين عليه السلام يوما من الايام: ابسط يدك أبايعك فقال: أو ما فعلت ؟ قال: بلى


727 - رواه أبو عمرو الكشي رحمه الله في ترجمة محمد بن أبي بكر تحت الرقم: (16) من رجاله ص 61 ط النجف.

[585]

فبسط يده فقال: أشهد أنك إمام مفترض طاعتك وأن أبي في النار فقال أبو عبد الله عليه السلام كان النجابة من قبل أمه أطماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل أبيه. 728 - ختص عن ابن الطيار مثله. 729 - كش حمدويه بن نصير عن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن محمد بن أبي بكر بايع عليا عليه السلام على البراءة من أبيه. 730 - ختص أحمد بن هارون الفامي عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير مثله. 731 - كش: حمدويه وإبراهيم عن محمد بن عبد الحميد عن أبي جميلة عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي جعفر عليه السلام قال: بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني. 732 - كش حمدويه عن محمد بن عيسى عن يونس عن موسى بن مصعب عن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من أهل بيت إلا ومنهم نجيب من أنفسهم وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر. 733 - ف كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر بعد تسيير


728 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث: (123) في أوائل كتاب الاختصاص ص 65 ط النجف. 729 - رواه أبو عمر الكشي رحمه الله في ترجمة محمد بن أبي بكر. 730 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الحديث: (124) في أوائل كتاب الاختصاص ص 65 ط النجف. 733 - رواه الحسن بن علي بن شعبة رحمه الله في ما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب تحف العقول ص 119، ط النجف.

[586]

محمد بن أبي بكر ما هذا مختصره: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر سلام عليكم أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما سألت عنه وأعجبني اهتمامك بما لابد لك منه وما لا يصلح المسلمين غيره، وظننت أن الذي أخرج ذلك منك نية صالحة ورأي غير مدخول. أما بعد فعليك بتقوى الله في مقامك ومقعدك وسرك وعلانيتك وإذا قضيت بين الناس فاخفض لهم جناحك ولين لهم جانبك وابسط لهم وجهك وآس بينهم في اللحظ والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم وأن تسأل المدعي البينة وعلى المدعى عليه اليمين. ومن صالح أخاه على صلح فاجز صلحه إلا أن يكون صلحا يحرم حلالا أو يحلل حراما. وآثر الفقهاء وأهل الصدق والوفاء والحياء والورع على أهل الفجور والكذب والغدر وليكن الصالحون الابرار إخوانك والفاجرون الغادرون أعداءك فإن أحب إخواني إلي أكثرهم لله ذكرا وأشدهم منه خوفا وأنا أرجو أن تكون منهم إنشاء الله. وإني أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون وعما أنتم إليه صائرون فإن الله قال في كتابه * (كل نفس بما كسبت رهينة) * [38 / المدثر: 74] وقال ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) * [28 / آل عمران: 2] وقال: * (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) * [92 - 93 / الحجر: 15] فعليكم بتقوى الله فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة قال الله: * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) * [30 / النحل: 16] اعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الخير وآجله شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم قال الله عزوجل: * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من

[587]

الرزق) * الآية [32 / الاعراف: 7] سكنوا الدنيا بأحسن ما سكنت فأكلوها بأحسن ما أكلت. واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم الله وحفظتم نبيكم في أهله فقد عبدتموه بأفضل عبادته وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وقد أخذتم بأفضل الصبر والشكر واجتهدتم بأفضل الاجتهاد وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياما وصدقة إذ كنتم أنتم أوفى لله وأنصح لاولياء الله ومن هو ولي الامر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله. واحذروا عباد الله الموت وقربه وكربه وسكراته وأعدوا له عدته فإنه يأتي بأمر عظيم بخير لا يكون معه شر وبشر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ؟ وأقرب إلى النار من أهلها فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أكثروا ذكر هادم اللذات واعلموا أن ما بعد الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه أشد من الموت. واعلم يا محمد أني وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر وأنت محقوق أن تخاف على نفسك وأن تحذر فيه على دينك وإن لم يكن [لك] إلا ساعة من النهار فإن استطعت أن لا تسخط ربك برضا أحد من خلقه فافعل فإن في الله خلفا من غيره ولا في شئ خلف من الله. اشدد على الظالم وخذ على يديه ولن لاهل الخير وقربهم منك واجعلهم بطانتك وإخوانك. ثم انظر صلاتك كيف هي فإنك إمام وليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلا كان عليه أوزارهم ولا ينتقص من صلاتهم شئ ولا يتممها إلا كان له مثل أجورهم ولا ينتقص من أجورهم شئ. وانظر الوضوء فإنه تمام الصلاة ولا صلاة لمن لا وضوء له، واعلم أن كل شئ من عملك تابع لصلاتك واعلم أنه من ضيع الصلاة فإنه لغير الصلاة

[588]

من شرائع الاسلام أضيع. وإن استطعتم يا أهل مصر أن يصدق قولكم فعلكم وسركم علانيتكم ولا تخالف ألسنتكم أفعالكم فافعلوا و [قد] قال رسول الله صلى الله عليه وآله إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله ويقمعه بشركه ولكن أخاف عليكم كل منافق حلو اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون ليس به خفاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن حقا. وكان يقول صلى الله عليه وآله: خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت وفقه في سنة. واعلم يا محمد بن أبي بكر أن أفضل الفقه الورع في الله والعمل بطاعة الله أعاننا الله وإياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته إنه سميع قريب. واعلم أن الدنيا دار بلاء وفناء والآخرة دار بقاء وجزاء فإن استطعت أن تؤثر ما يبقى على ما يفنى فافعل. رزقنا الله بصر ما بصرنا وفهم ما فهمنا حتى لا نقصر عما أمرنا ولا نتعدى إلى ما نهانا عنه فإنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فإن عرض لك أمران: أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة وإن استطعت أن تعظم رغبتك للخير وتحسن فيه نيتك فافعل فإن الله يعطي العبد على قدر نيته إذا أحب الخير وأهله وإن لم يفعله كان انشاء الله كمن فعله. ثم إني أوصيك بتقوى الله ثم بسبع خصال هن جوامع الاسلام


(1) كذا في أصلي ط الكمباني، وفي كتاب تحف العقول ط بيروت: " فيخزيه الله ويقمعه ".

[589]

تخشى الله ولا تخشى الناس في الله وان خير القول ما صدقه الفعل ولا تقض في أمر واحد بقضائين فيختلف عليك أمرك وتزل عن الحق وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك والزم الحجة عند الله وأصلح رعيتك وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم وأقم وجهك وانصح للمرء المسلم إذا استشارك واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. أقول: سيأتي مع شرحه إنشاء الله بإسناد آخر في باب مواعظه (1) صلوات الله عليه بتغيير وزيادة وقد مر برواية ابن أبي الحديد أيضا (2). 734 - ختص: الحسين بن أحمد العلوي المحمدي وأحمد بن علي بن الحسين بن زنجويه جميعا عن حمزة بن القاسم العلوي عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن سمرة بن علي عن أبي معاوية الضرير عن مجالد عن الشعبي: عن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين قال: لما جاء علي بن أبي طالب صلوات الله عليه مصاب محمد بن أبي بكر حيث قتله معاوية بن حديج السكوني بمصر جزع عليه جزعا شديدا وقال: ما أخلق مصر أن يذهب آخر الدهر فلوددت أني وجدت رجلا يصلح لها فوجهته إليها فقلت: تجد فقال من ؟ قلت الاشتر قال: ادعه لي فدعوته فكتب له عهده وكتب معه:


(1) وانظر الحديث: (11) من باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام من ج 17، ص 101، ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 77، ص 387. للمصنف أن يحقق هذه الامنية فبقي من دون شرح. (2) تقدم في اخر الحديث الاول من هذا الباب، فلاحظ. 734 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الحديث: (135) في أوائل كتاب الاختصاص ض 75 ط النجف، وفي ط طهران، ص 79. وللكتاب مصادر أخر يجد الباحث كثيرا منها في المختار: (124) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 5 ص 52 ط 1.

[590]

بسم الله الرحمن الرحيم من علي بن أبي طالب إلى الملا من المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الارض وضرب الجور بأرواقة على البر والفاجر فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر أشد على الفجار من حريق النار وهو مالك بن الحرث الاشتر أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نابي الضريبة ولا كليل الحد فإن أمركم أن تنفروا فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا وإن أمركم أن تحجموا فأحجموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم ربكم بالهدى وثبتكم باليقين. ثم قال له: لا تأخذ على السماوة فإني أخاف عليكم معاوية وأصحابه ولكن الطريق الاعلى في البادية حتى تخرج إلى أبلة (1) ثم ساحل مع البحر [حتى] تأتيها ففعل فلما انتهى إلى أيلة وخرج منها صحبه نافع مولى عثمان بن عفان فخدمه وألطفه حتى أعجبه شأنه فقال: ممن أنت ؟ قال: من أهل المدينة قال: من أيهم ؟ قال: مولى عمر بن الخطاب قال: وأين تريد ؟ قال: مصر قال: وما حاجتك بها ؟ قال: أريد أن أشبع من الخبز فإنا لا نشبع بالمدينة فرق له الاشتر وقال له: الزمني فإني سأجيبك بخبز فلزمه حتى بلغ القلزم وهو من مصر على ليلة فنزل على إمرأة من جهينة فقالت: أي الطعام أعجب بالعراق فأعالجه لكم ؟ قال: الحيتان الطرية فعالجتها له فأكل وقد كان ظل صائما في يوم حار فأكثر من شرب الماء فجعل لا يروى فأكثر منه حتى نغر يعني انتفخ بطنه من كثرة شربه فقال له نافع إن [هذا] الطعام [الذي أكلت] لا يقتل سمه إلا العسل فدعا به من ثقله فلم يوجد قال له نافع: هو عندي فأتيك به ؟ قال نعم فأتني به فأتى رحله فحاضر شربة من عسل بسم قد كان معه أعده له فأتاه بها فشربها فأخذه الموت من ساعته وانسل نافع في ظلمة


(1) بفتح الهمزة، مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام.

[591]

الليل فأمر به الاشتر أن يطلب فطلب فلم يصب. قال عبد الله بن جعفر وكان لمعاوية بمصر عين يقال له مسعود بن رجرجة فكتب إلى معاوية بهلاك الاشتر فقام معاوية خطيبا في أصحابه فقال: إن عليا كان له يمينان قطعت إحداهما بصفين يعني عمارا والاخرى اليوم إن الاشتر مر بأيلة متوجها إلى مصر فصحبه نافع مولى عثمان فخدمه وألطفه حتى أعجبه واطمأن إليه فلما نزل القلزم حاضر له شربة من عسل بسم فسقاها له فمات ألا وإن لله جنودا من عسل. بيان: قال الجوهري: الارواق: الفساطيط يقال: ضرب فلان روقه بموضع كذا إذا نزل به وضرب خيمته. وفي الحديث " حين ضرب الشيطان روقه ومد أطنابه " يقال: القى فلان عليك أرواقه وشراشره وهو أن يحبه حبا شديدا. وقال: الساحل: شاطئ البحر وقد ساحل القوم إذا أخذوا على الساحل. قوله: " حتى نغر " في بعض النسخ بالغين المعجمة قال في النهاية: نغرت القدر تنغر غلت. وفي القاموس: نغر من الماء كفرح: أكثر. وفي بعضها بالمهملة من نعر بمعنى صوت والاول أظهر ولعل ما في الخبر بيان لحاصل المعنى. 735 - ختص أحمد بن علي عن حمزة بن القاسم العلوي عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن سمرة بن علي عن المنهال بن جبير الحميري عن عوانة قال: لما جاء هلاك الاشتر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام صعد المنبر فخطب الناس ثم قال: ألا إن مالك بن الحارث قد قضى نحبه وأوفى عهده ولقى ربه فرحم الله مالكا لو كان جبلا لكان فندا ولو كان حجرا لكان صلدا


735 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث: (136) في أوائل كتاب الاختصاص ص 81، وفي طبع النجف: ص 75. وللحديث مصادر جمة يجد الطالب كثيرا منها في ذيل المختار: (280) وتواليه من باب الكتب من نهج السعادة: ج 2 ص 460 ط 1.

[592]

لله مالك ؟ وما مالك ؟ وهل قامت النساء عن مثل مالك ؟ وهل موجود كمالك ؟ قال: فلما نزل ودخل القصر أقبل عليه رجال من قريش فقالوا: لشد ما جزعت عليه ولقد هلك قال: أما والله هلاكه قد أعز أهل المغرب وأذل أهل المشرق قال وبكى عليه أياما وحزن عليه حزنا شديدا وقال: لا أرى مثله بعده أبدا. 736 - نهج وقال عليه السلام لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر إن حزننا عليه على قدر سرورهم به إلا أنهم نقصوا بغيظا ونقصنا حبيبا. 737 - وقال عليه السلام وقد جاءه نعي الاشتر: مالك وما مالك ؟ لو كان جبلا لكان فندا [ولو كان حجرا لكان صلدا] لا يرتقيه الحافر ولا يوفي عليه الطائر. قوله عليه السلام " الفند " هو المنفرد من الجبال. توضيح: قال في النهاية: الفند من الجبل أنفه الخارج منه ومنه حديث علي عليه السلام " لو كان جبلا لكان فندا " وقيل هو المنفرد من الجبال. وقال ابن أبي الحديد: إنما قال عليه السلام " لو كان جبلا لكان فندا " لان الفند قطعة من الجبل طولا وليس الفند القطعة من الجبل كيف ما كانت ولذلك قال عليه السلام " لا يرتقيه الحافر " لان القطعة المأخوذة من الجبل طولا في دقة لا سبيل للحافر إلى صعودها ولو أخذت عرضا لامكن صعودها ثم وصف عليه السلام تلك القطعة بالعلو العظيم فقال: " ولا يوفي عليه الطائر " أي لا يصعد عليه يقال أو في فلان على الجبل أي أشرف. 738 - كش: ذكر أنه لما نعي الاشتر إلى أمير المؤمنين عليه السلام تأوه


736 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (325) من الباب الثالث من كتاب نهج البلاغة. 737 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (443) من قصار كلام أمير المؤمنين في كتاب نهج البلاغة. 738 - رواه الكشي رضوان الله عليه في ترجمة مالك الاشتر رفع الله مقامه من رجاله

[593]

حزنا ثم قال: رحم الله مالكا وما مالك ؟ عز علي به هالكا لو كان صخرا لكان صلدا ولو كان جبلا لكان فندا وكأنه قدمني قدا. 739 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه لما بلغه توجده من عزله بالاشتر عن مصر ثم توفي الاشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها: وقد بلغتني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد ولا ازديادا لك في الجد ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤنة وأعجب إليك ولاية. إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان رجلا لنا ناصحا وعلى عدونا شديدا ناقما فرحمه الله فلقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون أولاه الله رضوانه وضاعف الثواب له. فاصحر لعدوك وامض على بصيرتك وشمر لحرب من حاربك وادع إلى سبيل ربك واكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك ويعنك على ما ينزل بك إن شاء الله. توضيح: التوجد: الحزن. والموجدة: الغضب ولعل المراد بها أيضا هنا الحزن. والتسريح: الارسال. والاستبطاء: عد الشئ بطيئا. والجهد بالضم: الوسع والطاقة وبالفتح: المشقة. والمؤونة: الثقل. والاعجاب بالشئ: عده حسنا. والولاية بالكسر: السلطنة. وتقول نقمت عليه أمره ونقمت منه كضربت وعلمت إذا عبته وكرهته أشد الكراهة لسوء فعله. " واستكمل أيامه " أي أتم عمره. والحمام ككتاب: الموت وقيل قضاء الموت وقدره من قوله: حم كذا أي قدر " أولاه الله رضوانه " أي أوصله إليه وقربه منه وقيل: أي أعطاه.


739 - رواه السيد رضي الله تعالى عنه في المختار: (34) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[594]

قوله عليه السلام " فأصحر لعدوك " قال في النهاية أي كن من أمره على أمر واضح منكشف من أصحر الرجل إذا خرج إلى الصحراء. وقال ابن أبي الحديد: أي أبرز له ولا تستتر عنه في المدينة التي أنت فيها. وقال ابن ميثم: السبب في إرسال هذا الكتاب أن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه كان يضعف عن لقاء العدو ولم يكن في أصحاب علي عليه السلام أقوى بأسا في الحرب من الاشتر رحمه الله وكان معاوية بعد وقائع صفين قد تجرد للاغارة على أطراف بلاد المسلمين وقد كانت مصر جعلت طعمة لعمرو بن العاص وعلم عليه السلام أنها لا تتحفظ إلا بالاشتر فكتب له العهد الذي يأتي ذكره ووجهه إليها فبلغه أن محمدا تألم من ذلك ثم إن الاشتر مات قبل وصوله إليها فكتب عليه السلام إلى محمد هذا الكتاب وهو يؤذن بإقراره على عمله واسترضائه وتعريفه وجه عذره في تولية الاشتر لعمله وأنه لم يكن ذلك لموجدة عليه ولا تقصير منه. 740 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر بمصر: أما بعد فإن مصر قد افتتحت ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا وعاملا كادحا وسيفا قاطعا وركنا دافعا و [قد] كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا فمنهم الآتي كارها ومنهم المعتل كاذبا ومنهم القاعد خاذلا اسأل الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا فو الله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا التقي [بهم] أبدا. إيضاح: أستشهد على بناء المجهول: أي قتل في سبيل الله. وقال في النهاية: الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه لان له حينئذ أن يعتد بعمله فجعل في حال مباشرة الفعل


740 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (35) من باب الكتب من نهج البلاغة.

[595]

كأنه معتد به والاحتساب في الاعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الاجر وتحصيله بالصبر والتسليم أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها ومنه الحديث: " من مات له ولد فاحتسبه " أي احتسب الاجر بصبره على مصيبته يقال: احتسب فلان ابنا له إذا مات كبيرا وافترطه إذا مات صغيرا ومعناه اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها انتهى. والكدح: العمل والسعي قاله الجوهري وقال: ركن الشئ: جانبه الاقوى وهو يأوي إلى ركن شديد أي عز ومنعة وقال: لحقه ولحق به لحاقا بالفتح: أي أدركه. وقال: استغاثني فأغثته والاسم الغياث: صارت الواو ياءا لكسرة ما قبلها. قوله عليه السلام: " ومنهم المعتل " أي قعد واعتل بعلة كاذبة قوله عليه السلام: " ولا التقي " معطوف على [قوله] " لاحببت أن أبقى " كما أن في بعض النسخ بالنصب وفي بعضها بالرفع. 741 - نهج: ومن كتاب له [عليه السلام] إلى أهل مصر لما ولى عليهم الاشتر رحمه الله: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه فضرب لجور سرادقه على البر والفاجر والمقيم والظاعن فلا معروف يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه. أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعداء ساعات الروح أشد على الفجار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاستمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله لا كليل الظبة ولا نابي الضريبة فإن أمركم أن تنفروا فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن


741 - رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (38) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

[596]

أمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم. 742 كتاب الغارات عن فضيل بن خديج عن مولى الاشتر قال: لما هلك الاشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر وذكر نحوه وزاد في آخره عصمكم الله بالحق وثبتكم باليقين والسلام عليكم. بيان: قوله عليه السلام " إلى القوم الذين غضبوا لله " قال ابن أبي الحديد: هذا الفصل يشكل تأويله علي لان أهل مصرهم الذين قتلوا عثمان بالعصيان وإذا شهد أمير المؤمنين عليه السلام بأنهم غضبوا لله حين عصي الله في أرضه فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر. ثم أجاب بتأويلات ركيكة لا تقبل الجواب. وقال الجوهري: كل بيت من كرسف فهو سرادق. وفي القاموس: استراح إليه: سكن واطمأن. وفي النهاية: ضبة السيف حده وطرفه. وفي القاموس: الضريبة: السيف وحده. وفي الصحاح: نبا السيف إذا لم يعمل في الضريبة وقال: فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد النفس انفا أبيا وفلان ذو شكيمة إذا كان لا ينقاد. 743 - نهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى [أهل] مصر مع مالك الاشتر لما ولاه إمارتها. أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله نذيرا للعالمين ومهيمنا على المرسلين فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الامر من بعده فو الله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تزعج هذا الامر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله


742 - رواه الثقفي رحمه الله في باب خبر مقتل الاشتر، ج 1، ص 266، ط 1. 743 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار (62) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

[597]

فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه. ومنه: إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الارض كلها ما باليت ولا استوحشت وإني من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي وإني إلى لقاء الله لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر راج ولكني آسى أن يلي هذه الامة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولا والصالحين حربا والفاسقين حزبا فإن منهم الذي شرب فيكم الحرام وجلد حدا في الاسلام وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضايخ فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم وجمعكم وتحريضكم ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم. ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقضت وإلى أمصاركم قد افتتحت وإلى مماللكم تزوى وإلى بلادكم تغزى انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم ولا تثاقلوا إلى الارض فتقروا بالخسف وتبوؤا بالذل ويكون نصيبكم الاخس إن أخا الحرب الارق، ومن نام لم ينم عنه [والسلام]. توضيح: [قوله عليه السلام:] ومهيمنا: أي شاهدا على المرسلين يشهد لهم في الآخرة وأصله من آمن غيره من الخوف لان الشاهد يؤمن غيره من الخوف بشهادته. وقيل: هو الرقيب. وقيل: المؤتمن وقيل: القائم بأمور الخلق. وقيل: أصله المؤيمن فأبدلت الهاء من الهمزة وهو مفيعل من الامانة والمراد بالامر الخلافة. والروع بالضم القلب أو سواده. وقيل: الذهن والعقل. وأزعحه: قلعه عن مكانه. ونحاه أي أزاله ولعل الغرض إظهار شناعة هذا الامر وأنه مما لم يكن يخطر ببال بظاهر الحال فلا ينافي علمه بذلك بإخبار الرسول صلى الله عليه وآله.

[598]

[قوله عليه السلام]: " فما راعني " قال ابن أبي الحديد: تقول للشئ يفجوك بغتة: ما راعني إلا كذا. والروع بالفتح الفزع كأنه يقول: ما أفزعني شئ بعد ذلك السكون الذي كان عندي والثقة التي اطمأننت إليها إلا وقوع ما وقع من انثيال الناس أي انصبابهم من كل وجه - كما ينثال التراب - على أبي بكر والاسم كان مذكورا في كتاب الاشتر صريحا وإنما الناس يكتبونه على فلان تذمما من ذكر الاسم. [قوله عليه السلام:] " حتى رأيت راجعة الناس " أي الطائفة الراجعة من الناس التي قد رجعت عن الاسلام يعني أهل الردة كمسيلمة وسجاح وطليحة بن خويلد. ويحتمل أن يكون المراد بهم المنافقين المجتمعين على أبي بكر فإنهم كانوا يغتنمون فتنة تصير سببا لارتدادهم عن الدين رأسا [قوله عليه السلام]: " كما يتقشع " أي يتفرق وينكشف. وتنهنه أي انزجر عن الاضطراب والحركة وقال الجوهري: نهنهت الرجل عن الشئ فتنهنه أي كففته وزجرته فكف. وفي النهاية: طلاع الارض ذهبا أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل. والاستيحاش: ضد الاستيناس وهنا كناية عن الخوف. آسى: أي أحزن " مال الله دولا " في الصحاح أن دولا جمع دولة بالضم فيهما وفي القاموس الدولة: انقلاب الزمان والعقبة في المال ويضم أو الضم فيه والفتح في الحرب أو هما سواء أو الضم في الآخرة والفتح في الدنيا والجمع دول مثلثة. وفي النهاية: كان عباد الله خولا أي خدما وعبيدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم. [قوله عليه السلام:] " والصالحين حربا " أي عدوا و " الفاسقين حزبا " أي ناصرا وجندا. وقال ابن أبي الحديد: المراد بمن شرب الخمر الوليد بن عقبة وأما الذي رضخت له على الاسلام الرضائخ فمعاوية وأبوه وأخوه وحكيم بن حزام

[599]

وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وغيرهم وهم قوم معروفون لانهم من المؤلفة قلوبهم الذين رغبوا في الاسلام والطاعة بجمال وشاء دفعت إليهم للاغراض الدنياوية والطمع ولم يكن إسلامهم عن أصل ويقين. وقال القطب الراوندي " يعني عمرو بن العاص " وليس بصحيح لان عمرا لم يسلم بعد الفتح وأصحاب الرضائخ كلهم صونعوا عن الاسلام بغنائم حنين ولعمري إن إسلام عمرو كان مدخولا أيضا إلا أنه لم يكن عن رضيخة وإنما كان لمعنى آخر والرضيخة شئ قليل يعطاه الانسان يصانع به عن أمر يطلب منه كالاجرة انتهى. والتأليب: التحريض. والتأنيب: أشد اللوم. والونى الضعف والفتور. وإلى ممالككم تزوى أي تفيض " ولا تثاقلوا " بالتشديد والتخفيف معا إشارة إلى قوله تعالى: * (مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض) * الآية وقال الفيروز آبادي: تثاقل عنه: تباطأ. والقوم: لم ينهضوا للنجدة وقد استنهضوا لها. وقال في النهاية: الخسف: النقصان والهوان. وقال: أصل البواء: اللزوم، وأبوء أي أقر والتزم وارجع. وقال: الارق هو السهر ورجل أرق إذا سهر لعلة فإن كان السهر من عادته قيل: أرق بضم الهمزة والراء. وأخو الحرب: ملازمه " ومن نام لم ينم عنه " لان العدو لا يغفل عن عدوه. 744 - نهج من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله [لما ولاه] على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر رحمه الله وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن: هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده إليه حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه


744 - رواه الشريف الرضي قدس الله نفسه في المختار: (53) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

[600]

التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها وأن ينصر الله سبحانه بيده وقلبه ولسانه فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعز. وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات (1) ويزعها عند الجمحات فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل [الذي] ما كنت (2) تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق (3) يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الامر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. [و] لا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته. ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير.


(1) وفي نسختين من طبع الحديث من نهج البلاغة: " وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ". (2) كذا في متن أصلي، وكتب في هامشه: " في مثل الذي كنت " ولم يشر إلى بدلتيه. (3) وفي بعض النسخ المطبوعة حديثا: " أو نظير لك في الخلق ".

[601]

وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله سبحانه فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفئ إليك بما عزب عنك من عقلك. إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله [سميع " خ "] يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد وليكن أحب الامور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة وأن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء وأكره للانصاف وأسأل بالالحاف وأقل شكرا عند الاعطاء وأبطأ عذرا عن المنع وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة فليكن صغوك لهم وميلك معهم. وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لا يضح لك (1) ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن

[602]

تشبه بالناصحين. ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانا يضعفك عن الامور ولا حريصا يزين لك الشره بالجور فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله. [إن] شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الائمة وإخوان الظلمة وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم [وآثامهم] ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه أولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفا وأقل لغيرك الفا فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه واقعا ذاك من هواك حيث وقع. والصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو وتدني من الغرة. (1) ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة والزم كلا منهم ما ألزم نفسه. واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤنات عنهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده. ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة واجتمعت بها الالفة


(1) وفي أصلي بالصاد المهملة. (2) كذا. وانظر بيان المصنف الآتي.

[603]

وصلحت عليه الرعية ولا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن فيكون الاجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك. واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة. ومنها قضاة العدل. ومنها عمال الانصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات. ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكل قد سمى الله [له] سهمه ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله عهدا منه عندنا محفوظا. فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الامن وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على في جهادهم (1) عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم. ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوامها ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم و


(1) كذا في أصلي وفي متن ط الحديث من شرح ابن أبي الحديد: " الذي يقوون به على جهاد عدوهم ".

[604]

يقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما أكرم الله تعالى من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك أنقاهم جيبا وأفضلهم حلما ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرؤف بالضعفاء وينبو على الاقوياء وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم ألصق بذوي [المروآت و] الاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف. ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه. وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم (1) وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء


(1) ومثله في متن ط الحديث من شرح ابن أبي الحديد، وها هنا في نسخة الصبحي الصالح زيادة هذا نصها: " فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، وإن أفضل قرة عين الولاة استقامه العدل في البلاد وظهور مودة الرعية. وأنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة الامور... ". (*)

[605]

انقطاع مدتهم فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى. ثم اعرف لكل امرى منهم ما أبلى ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون غاية بلاءه ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما. واردد إلى الله ورسوله ما يظلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الامور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * [59 / النساء: 4] فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة. ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور ولا يمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه أوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشيف الامور وأصرمهم عند إيضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء وأولئك قليل ثم اكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيح علته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظرا بليغا فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا. ثم انظر في أمور عمالك واستعملهم اختيارا ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة. وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة فإنهم أكرم أخلاقا وأصح أعراضا وأقل في المطامع إشرافا وأبلغ في عواقب الامور نظرا ثم أسبغ عليهم الارزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم

[606]

وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك. ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار النهمة. وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا فإن شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم فربما حدث من الامور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به فإن العمران محتمل ما حملته وإنما يؤتى خراب الارض من إعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لاشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر. ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الاخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملاء ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما

[607]

يأخذ لك ويعطي منك ولا يضعف عقدا اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة شئ ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا وأعرفهم بالامانة وجها فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره. واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته. ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلئتم الناس لمواضعها ولا يجترؤن عليها فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف. ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا احفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات

[608]

صوافي الاسلام في كل بلد فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنى وكل من قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييع التافه لاحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم. وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله تعالى في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم. واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع [فيه] لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في غير موطن: " لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع " ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنك الضيق والانف (1) يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته وأعط ما أعطيت هنيئا وامنع في إجمال وإعذار. ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها منها إجابة عمالك بما يعيا عنك كتابك. ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك. وامض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه واجعل لنفسك فيما بينك وبين


(1) كذا في الاصل المطبوع، وفي متن شرح ابن أبي الحديد، ط الحديث ببيروت: " ونح عنهم الضيق... ".

[609]

الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الاقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية. وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ. وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا فإن في الناس من به العلة وله الحاجة وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما. وأما بعد هذا فلا تطولن احتجابك من رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالامور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور وليست على الحق سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب. وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه ؟ أو فعل كريم تسديه ؟ أو مبتلى بالمنع فما اسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة. ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم إستيثار وتطاول وقلة إنصاف [في معاملة] فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الاحوال (1).


(1) كذا في متن أصلي، وفي هامشه: " فاحسم مؤنة أولئك... ".

[610]

ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك فإن في ذلك [رياضة منك لنفسك ورفقا برعيتك و] إعذارا تبلغ فيه حاجتك (1) من تقويمهم على الحق. ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك لله فيه رضى فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن العدو ربما قارب ليتغفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت بينك وبني عدو لك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالامانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله سبحانه شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتيت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه. ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة.


(1) ما بين المعقوفين غير موجود في أصلي وإنما أخذناه من عدة نسخ من مطبوعات نهج البلاغة.

[611]

ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله فيه طلبة لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك. إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن. وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك ويدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. وإياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسن. وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعودك بخلفك فإن المن يبطل الاحسان والتريد يذهب بنور الحق والخلف يوجب المقت عند الله وعند الناس قال الله سبحانه: * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * [3 / الصف: 61] إياك والعجلة بالامور قبل أوانها أو التساقط فيها عند إمكانها أو اللجاجة فيها إذا تنكرت أو الوهن عنها إذا استوضحت فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك وعما قليل تنكشف عنك أغطية الامور وينتصف منك للمظلوم. أملك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار ولن

[612]

تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك. والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكي لا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلا هواها. ومن هذا العهد وهو آخره (1). وأنا أسأل الله تعالى بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه مع حسن الثناء في العباد وجميل الاثر في البلاد وإتمام النعمة وتضعيف الكرامة وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة إنا إليه راغبون والسلام على رسوله وآله كثيرا وسلم تسليما (2). تبين: قال الجوهري: قال الكسائي: جببت الماء في الحوض وجبوته أي جمعته وجبيت الخراج جباية وجبوته جباوة ولا يهمز وأصله الهمز. و [قال الفيروز آبادي] في القاموس: جبا [الخراج] كسعى ورمى جبوة وجباء وجباوة [جمعه] وجباية بكسرهن انتهى. وقال الكيدري: الجبوة بالفتح للمرة وبالكسر للهيئة والنصب على البدلية أو على أنه مفعول ل‍ [قوله:] " ولاه " ولعل المراد بالخراج هنا كل ما يأخذه الوالي.


(1) وهذه الجملة: " ومن هذا العهد وهو آخره " لا توجد في بعض نسخ نهج البلاغة. (2) وفي النسخة المطبوعة ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: " والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ". وفي ط بيروت من شرح ابن ميثم: " والسلام على رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا ".

[613]

[قوله عليه السلام:] وأن ينصر الله سبحانه بيده " كالجهاد بالسيف وضرب من احتاج إليه في النهي عن المنكر مثلا. و [المراد من قوله: " ب‍] قلبه " في الاعتقادات والانكار القلبي للآتي بالمنكرات والعزم على إجراء الاحكام والعبادات. وتكفله سبحانه بقوله: " ولينصرن الله من ينصره " وأمثالها. والكسر من النفس كناية عن كفها عن بعض ما تشتهيه وقال الجوهري: وزعته أزعه: كففته فاتزع هو أي كف. وقال: جمح الفرس إذا اعتز فارسه وغلبه والجموح من الرجال: الذي يركب هواه فلا يمكن رده. وجمح أي أسرع. قال أبو عبيد في قوله تعالى: * (لولوا إليه وهم يجمحون) * أي يسرعون. وقال الدولة بالفتح في الحرب يقال: كانت لنا عليهم الدولة وبالضم المال يقال: صار الفئ دولة بينهم: يتداولونه يكون مرة لهذا ومرة لهذا والجمع دولات ودول. وقال بعضهم: كلتاهما تكون في الحرب والمال. قوله عليه السلام: " إن الناس ينظرون " أي كما كنت تمدح قوما من الولاة وتذم قوما كذلك من يسمع أخبارك يمدحك بأفعالك الحسنة ويذمك بأعمالك القبيحة فاحذر أن تكون ممن عاب ويذم. [قوله عليه السلام:] " ذخيرة العمل الصالح " في بعض النسخ برفع " ذخيرة " والاضافة وفي بعضها بالنصب على التمييز ورفع " العمل الصالح ". [قوله عليه السلام:] " فيما أحببت وكرهت " أي عند الشهوة والغضب أو في الافعال والتروك. [قوله عليه السلام:] " وأشعر قلبك الرحمة " أي اجعلها شعاره " واللطف بهم " في بعض النسخ بالتحريك وهو الاسم من لطف كنصر لطفا بالضم إذا رفع ودنا. وقال الجوهري: ضري الكلب باالصيد ضراوة أي تعود وكلب ضار وكلبة ضارية وأضراه صاحبه أي عوده وأضراه به أيضا أي أغراه " وإما نظير لك " أي إنسان مثلك " يفرط منهم الزلل " أي ليسوا معصومين يقال:

[614]

فرط إليه منه قول أي سبق. والعلل الامراض المعنوية أي أسباب المعاصي ودواعيها. قوله عليه السلام " ويؤتى على أيديهم " قال ابن أبي الحديد: هذا مثل قولك يؤخذ على أيديهم أي يؤدبون ويمنعون يقال: خذ على يد هذا السفيه وقد حجر الحاكم على فلان وأخذ على يده. وقال ابن ميثم كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممن يؤتون من قبل العمد والخطأ وتأتي على أيديهم أوامر الولاة والمؤاخذات فيما يقع منهم من عمد أو خطأ انتهى. وأقول: [إن الفعل في قوله: " يؤتى "] في بعض النسخ بصيغة الخطاب، وفي بعضها بصيغة الغيبة فعلى الاول يحتمل أن يكون الغرض بيان احتياجه إليهم وتضرره من ناحيتهم أي تهلك بسبب ما يجري على أيديهم عمدا أو خطأ من قولهم: أتى عليه الدهر أي أهلكه. وقولهم: أتي من جهة كذا إذا أتاه الضرر من تلك الجهة. وعلى الثاني الظرف قائم مقام الفاعل أي يهلك الحاكم والولاة أيديهم كناية عن منعهم عن التصرفات ومؤاخذتهم بما عملته أيديهم فيرجع إلى بعض ما مر ويمكن أن يكون القائم مقام الفاعل الضمير الراجع إلى الوالي بقرينة المقام فيؤول إلى ما أفادته النسخة الاخرى. أو المعنى إنهم ربما صدر منهم بعض القبائح بإضلال غيرهم فكأنه جرى فعل المضل بأيديهم فهم مستحقون للصفح عنهم. [قوله عليه السلام:] " وقد استكفاك " الضمير المرفوع راجع إلى الله أو إلى الموصول في " من ولاك " أي طلب منك كفاية أمورهم وامتحنك بهم. ونصب النفس لحرب الله كناية عن مبارزته [إياه] بالمعاصي. قوله عليه السلام: " لا يدي لك " قال ابن أبي الحديد: اللام مقحمة والمراد

[615]

الاضافة ونحوه قوله لا أبالك. وقال ابن ميثم وحذف النون [من يدين] لمضارعته المضاف وقيل لكثرة الاستعمال. وقال [ابن الاثير] في [حرف الياء في مادة " يد " من] النهاية فيه: " قد أخرجت عبادا لي لا يدان لاحد بقتالهم " أي لا قدرة ولا طاقة يقال مالي بهذا الامر يد ولا يدان لان المباشرة والدفاع إنما يكون باليد فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. وفي بعض النسخ " لا يدا لك ". وقال الجوهري: البجح: الفرح. وقال: البادرة: الحدة وبدرت منه بوادر غضب أي خطأ وسقطات عندما احتد. والبادرة: البديهة. والمندوحة: السعة. والتأمير: تولية الامارة يقال: هو أمير مؤمر والادغال: إدخال الفساد " ومنهكة " أي ضعف وسقم. وقال الجزري: فيه " من يكفر الله يلقى الغير " أي تغير الحال وانتقالها عن الصلاح إلى الفساد والغير الاسم من قولك غيرت الشئ فتغير وقال: الابهة العظمة. والمخيلة: الكبر. وقال الفيروز آبادي: طامن الامر: سكن وقال الطماح ككتاب: النشوز والجماح و [قوله:] " إليك " متعلق [بقوله:] " يطامن " على تضمين معنى القبض أو الجذب و " من " للتبعيض. وقال الكيدري: ضمن " يطامن " معنى يرد فلذا عداه بإلى أي يرد إليك سورة غضبك واعتلائك ولا يخليها تتجاوز عنك إلى غيرك وقيل: " إن " إلى " يتعلق " بطماحك " وهو من قولهم ؟ مح بصره إلى الشئ أي ارتفع أي يسكن ذلك بعض نظرك نفسك بعين العجب والكبرياء والغرب بالفتح: الحدة. وبالكسر: البعد " ويفئ إليك " أي يرجع إليك بما بعد عنك من عقلك " والمسامات " مفاعلة من السمو وهو العلو. [قوله عليه السلام:] " أنصف الله " أي بالقيام بما فرض عليك " وأنصف الناس " بالقيام بحقوقهم ومعاملتهم بالعدل " دون عباده " أي فقط

[616]

أو كان الله هو الحقيق بأن يسمى خصما فإن مخاصمة العباد مضمحلة في جنب مخاصمته وانتقامه. وقال الجوهري: دحضت حجته دحوضا: بطلت وأدحضه الله: [أبطله] وقال: أنا حرب لمن حاربني أي عدو. وقال: نزع عن الامور نزوعا: انتهى عنها. أقول: يحتمل أن يكون أداء حقوق الناس إليهم من التوبة أو يكون نزوعه عبارة عن أداء حقوقهم وتوبته عن ندمه فإنه ما دام حابسا لحقوقهم [فهو] ظالم فلم يكن تاركا للظلم منتهيا عنه " والمرصاد ": الطريق والموضع يرصد فيه العدو. وقال في النهاية: كل خصلة محمودة فلها طرفان مذمومان فهي وسط بين. الطرفين وفيه: الوالد أوسط أبواب الجنة أي خيرها. قوله عليه السلام " لرضا الرعية " أي العامة " يجحف برضى الخاصة " أي يبطله ولا يجدي نفعا عند سخط العامة من قولهم: أجحف به أي دهب به ولعل المراد بالخاصة أعيان أهل البلد وذوو المروءة منهم ومن يلازم الوالي وصار كالصديق له " يغتفر " أي يستر ولا يضر عند رضا العامة. [قوله عليه السلام: " وليس أحد من الرعية] أثقل على الوالي مؤنة " لسؤال المطالب والشفاعات " وأقل معونة له في البلاء " كوقت الحاجة وعند العزل والنكبة لعدم حصول متمنياتهم. وألحف السائل: الح. " وأقل شكرا عند الاعطاء " لاعتقادهم زيادة فضلهم على العامة " وأبطأ عذرا عند المنع " أي إن منعهم الوالي ولم يعطهم لم يقبلوا منه عذرا. و " ملمات الدهر ": نوازله ومصائبه. [قوله عليه السلام:] " من أهل الخاصة " متعلق " بأثقل " وما عطف عليه وجماع الشئ: مجمعه ومظنته وقال الجوهري: يقال: صغوه معك وصغوه معك وصغاه معك أي ميله وفي بعض النسخ: [صفوه] بالفاء أي خالص

[617]

ودك. والشناءة مثل الشناعة: البغض. وإطلاق عقدة الحقد: إخراجه من القلب أي لا تحقد على أحد فتكون الجملة التالية كالتفسير لها. ويحتمل أن يكون المراد إخراج الحقد على نفسه عن قلوب الناس بحسن الخلق أو حقد بعضهم على بعض بالموعظة ونحوها فتكون الجملة التالية مؤسسة. وقال في النهاية: السبب في الاصل: الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ. وفي الصحاح: الوتر بالكسر: الفرد وبالفتح: الذحل: أي الحقد والعداوة هذه لغة أهل العالية. فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم. وأما تميم فبالكسر فيهما. وقال: تغابى: تغافل. أي لا تتعرض لامر لم يتضح لك من أمورهم التي توجب حدا أو تعزيرا أو عتابا وتعييرا " والساعي " من يسعى إلى الوالي بذم الناس وجرائمهم. والباء. [قوله:] " يعدل بك " للتعدية. والفضل: الاحسان. و " يعدك الفقر " أي يخوفك منه إشارة إلى قوله تعالى * (الشيطان يعدكم الفقر) *. وقوله: " بالجور " متعلق بالشره فالجور جور المأمور أو بالتزيين فالمراد جور الآمر " والشره " غلبة الحرص. والجور: الميل عن القصد. [قوله عليه السلام:] " يجمعها سوء الظن " أي هو ملزومها أو معنى مشترك بينها " وبطانة الرجل " بالكسر: صاحب سره ومحل مشورته. الواو في قوله: " وأنت واجد " يحتمل العطف والحيالة " ومنهم " متعلق باسم التفضيل مقدم عليه " وممن " بيان ل‍ [قوله:] " خير الخلف " ويقال: رجل نافذ في أمره أي ماض. والآصار جمع " الاصر " بالكسر وهو الذنب والثقل. والحنو: العطف والشفقة " وحفلاتك " أي مجامعك ومحفل القوم:

[618]

مجتمعهم. وقوله عليه السلام " واقعا " منصوب على الحالية أي في حال وقوع ذلك القول منه والنصيحة وقلة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان في هوى عظيم أو حقير أو حيث وقع هواك أي سواء كان ما تهواه عظيما أو ليس بعظيم. ويحتمل أن يريد واقعا ذلك الناصح من هواك ومحبتك حيث وقع أي يجب أن يكون له من هواك موقعا كذا ذكره ابن ميثم. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما يكون منك أي سواء كان ذلك الفعل الصادر عنك مما تهواه هوى عظيما أم لا. والاظهر أن المعنى أن الناصح يقول وينصح ويمنع سواء كان علمه موافقا لهواك ورضاك أم لا فقوله: " حيث وقع " أي من الموافقة والمخالفة. [قوله عليه السلام:] " والصق " على بناء المجرد وفي بعض النسخ على بناء الافعال أي الصق نفسك بهم وعلى التقديرين المعنى اجعلهم خاصتك وخلصائك " ثم رضهم " أي ربهم وعودهم أن لا يمدحوك في وجهك. وقال الجوهري البجح: الفرح وبجحته أنا تبحيحا فتبجح أي أفرحته ففرح. والتوصيف بقوله: " لم تفعله " ليس للتخصيص بل المعنى لا يفرحوك بمدحك بما لم تفعله فإنه باطل كما قال سبحانه: * (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) * والزهو: الكبر والفخر. والعزة بالعين المهملة والزاي بمعنى القوة والغلبة والشدة أي يقربك إلى أن يقوى الشيطان ونفسك الامارة ويغلبا عليك أو إلى أن يقسو قلبك فتغلب الرعية وتظلمهم. وفي بعض النسخ بالغين المعجمة والراء المهملة أي الغفلة عن الحق والاغترار بالباطل. والتزهيد: خلاف الترغيب. والتدريب: التعويد. [قوله عليه السلام:] " والزم كلا منهم " أي فجاز المحسن بالاحسان

[619]

والمسئ بالاساءة. والنصب: التعب وهو هنا: اغتمامه حذرا من أن يصيبه منهم مكروه أو لا يطيعوه. والبلاء يطلق على الخير والشر كما قال تعالى: * (ونبلوكم بالخير والشر فتنة) * والمراد هنا بالاول الاول وبالثاني الثاني. وقال الجوهري: صدر كل شئ: أوله. والصلاح: ضد الفساد والفعل كدخل وحسن. والمنافثة: المحادثة. وفي الحديث: " إن الروح الامين نفث في روعي " وفي بعض النسخ: " مثافنة الحكماء " بتقديم المثلثة على النون وهي المعاونة. وقال الراوندي رحمه الله: اشتقاقه من ثفنة البعير وهي ما بقع على الارض من أعضائه إذا استنيخ كأنك ألصقت ثقنة ركبتك ركبته. قوله عليه السلام: " من أهل الذمة " قال ابن ميثم: لف ونشر ويحتمل أن يكون بيانا لاهل الخراج فإن للامام أن يقبل أرض الخراج من سائر المسلمين وأهل الذمة. والتجار بالضم والتشديد وبالكسر والتخفيف جمع تاجر. والصناعة بالكسر: حرفة الصانع والضميران في " حده " و " فريضته " إما راجعان إلى " الله " أو إلى " كل ". والمراد " بالعهد " الحكم الخاص بكل منهم. وقوام الشئ بالكسر: ما يقوم به وينتظم به أمره. قوله عليه السلام " ويكون من وراء حاجتهم " أي فيما يحتاجون إليه " والوراء " إما بمعنى الخلف كأنه ظهر لحاجتهم ومحل لاعتمادهم أو بمعنى القدام كما قيل في قوله * (وكان وراءهم ملك) * [79 / الكهف: 18] فكأنه يسعى بين يدي حاجتهم لكفاية أمورهم والاول أظهر " ويحكمون " بصيغة الافعال. قوله عليه السلام " من مرافقهم " أي مرافق الرعية أو التجار وذوي الصناعات أي المرافق الحاصلة بهم وكذلك الضمير في " أسواقهم " والمرفوع في " يكفونهم " راجع إلى التجار وما عطف عليه وكذا ضمير " بأيديهم " و " غيرهم ".

[620]

وقال الجوهري المرفق من الامر هو ما ارتفقت به وانتفعت به. وقال: حق الشئ يحق أي وجب وقال: الرفد: العطاء والصلة. قوله عليه السلام " وفى الله " أي في جوده وعنايته فليعتمدوا على الله في تدبير أمورهم أو في حكمه وشريعته وما قرر لكل منهم في كتابه وسنة نبيه. [قوله عليه السلام:] " بقدر ما يصلحه " الضمير راجع إلى الكل وقيل إلى الوالي وهو بعيد. [قوله عليه السلام:] " فول من جنودك " أي اجعل الوالي على جندك من كان كذلك " أنقاهم جيبا " أي أطهرهم جيبا أي عفيفا أمينا ويكنى عن العفة والامانة بطهارة الجيب لان الذي يسرق يجعل المسروق في جيبه وهذه الوصية في ولاة الجيش لاجل الغنائم كذا ذكره ابن أبي الحديد. وقال ابن ميثم: ناصح الجيب كناية عن الامين. ولعله لم يكن في نسخته لفظة " أنقاهم " وقال الجوهري: رجل ناصح الجيب: أمين. ويحتمل أن يكون المراد بطهارة جيبه أو نصحه كونه محبا للامام عليه السلام غير مبطن لعداوة أو نفاق. [قوله عليه السلام:] " ويستريح إلى العذر " أي يسكن عند العذر ويميل إليه فيقبله. ويحتمل أن يكون من قولهم: عذرته عذرا فيما صنع فالعذر بمعنى قبول العذر. [قوله عليه السلام] " وينبو على الاقوياء " كذا في أكثر النسخ المصححة أي يعلو على الاقوياء ويدفع ظلمهم عن الضعفاء من النباوة وهي الارض المرتفعة. وفي بعض النسخ: " عن الاقوياء " أي يتجافى ويبعد عنهم ولا يميل إليهم.

[621]

من قولهم: نبا بصره عن الشئ إذا تجافى عنه. [قوله عليه السلام:] " وممن لا يثيره " عطف على قوله " ممن يبطي " أي لا يكون له عنف فيثيره ولو كان له عنف بمقتضى طبعه يطفيه بعقله أو إنه لو عنف به أحد تحلم وصبر. ولعل المراد بالالصاق بذوي الاحساب تفويض الولايات والامور إليهم أو تفقد أحوالهم وتربيتهم وحفظهم عن الضياع " والحسب " بالتحريك ما يعد من المآثر وقيل: الشرف الثابت له ولآبائه. والسوابق: الفضائل التي يسبق لها. وقال الجوهري: النجدة: الشجاعة ولاقى فلان نجدة أي شدة. والسماحة بالفتح: موافقة الرجل على ما أريد منه أو الجود والعطاء. [قوله عليه السلام:] " فإنهم جماع من الكرم " أي مجمع من مجامع الكرم أو تلك الصفات من الصفات الجامعة من جملة صفات الكرم وفي اتيان ضمير ذوي العقول تجوز كقوله " فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " [77 / الشعراء: 26] وقال ابن أبي الحديد: أي مجمع الكرم ومنه الحديث: الخمر جماع الاثم " ومن " هاهنا زائدة وإن كان في الايجاب على مذهب الاخفش. [قوله عليه السلام:] " وشعب من العرف " أي شعب العرف أي أقسامه وأجزاؤه أو من المعروف لان غيرها أيضا من الكرم والمعروف نحو العدل والفقه. [قوله عليه السلام:] " ثم تفقد من أمورهم " أي أمور الجنود أو ذوي الاحساب ومن بعده أو الرعية مطلقا والتفقد: طلب الشئ عند غيبته. وقال الجوهري: تفاقم الامر: عظم. والتاء في " داعية " للمبالغة (1).


(1) وفي هامش أصلي هاهنا ما لفظه: قال الكيدري: قيل: هو مستعار من داعية اللبن وهو ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده. منه رحمه الله.

[622]

[قوله عليه السلام:] " اتكالا على جسيمها " أي اعتمادا على تفقد عظيمها " ومن واساهم " أي الجنود " من جدته " أي غناه " ومن خلوف أهليهم " أي من يخلفونه من أولادهم وأهليهم " إلا بحيطتهم " في أكثر النسخ المصححة بفتح الحاء وتشديد الياء وليس موجودا فيما ظفرنا به من كتب اللغة بل فيها الحيطة بكسر الحاء وسكون الياء كما في بعض النسخ قال الجوهري: الحيطة بالكسر: الحياطة وهما من الواو وقد حاطه يحوطه حوطا وحياطة وحيطة: أي كلاه ووعاه. ومع فلان حيطة لك [ولا تقل عليك] أي تحنن ونعطف. وقال ابن أبي الحديد: وأكثر الناس يروونها بتشديد الياء وكسرها والصحيح بكسر الحاء وتخفيف الياء. [قوله عليه السلام:] " وقلة استثقال دولهم " أي بأن كانوا راضين بدولتهم ولا يعدوها ثقيلا ولا يتمنوا زوالها. والاستبطاء: عد الشئ بطيئا. [قوله عليه السلام:] " وواصل في حسن الثناء عليهم " أي كرره حتى كأنك وصلت بعضه ببعض أو واصلهم وتحبب إليهم بذلك. وفي بعض النسخ: " من حسن ". وتعديد البلاء: كثرة إظهاره وقال في النهاية فيه " عسى أن يؤتى هذا من لا يبلى بلائي " أي لا يعمل مثل عملي في الحرب كأنه يريد أفعل فعلا اختبر فيه ويظهر خيري وشري. " والهز ": التحريك. والتحريض: الترغيب " ثم اعرف " أي اعلم مقدار بلاء كل امرئ منهم وجازه بذلك المقدار " ولا تقصرن به دون غاية بلائه " أي بأن تذكر بعضه أو تحقره ولا تجازيه بحسبه. [قوله عليه السلام:] " ما يضلعك " في بعض النسخ بالضاد وفي بعضها بالظاء [وقال ابن الاثير] في [مادة " ضلع " من كتاب] النهاية: فيه " أعوذ بك من [الكسل و] ضلع الدين " أي ثقله والضلع الاعوجاج أي يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال يقال ضلع بالكسر يضلع ضلعا بالتحريك

[623]

وضلع بالفتح يضلع ضلعا بالتسكين أي مال ومن الاول حديث علي عليه السلام " واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب " أي يثقلك. وقال في الظاء [في مادة " ظلع "]: الظلع بالسكون: العرج. وطلعوا أي انقطعوا وتأخروا لتقصيرهم. وأخاف ظلعهم بفتح اللام أي ميلهم عن الحق وضعف إيمانهم. وقيل: ذنبهم. وأصله داء في فوائم الدابة يغمز منها. ورجل ظالع أي مائل. وقيل إن المائل بالضاد. وقال ابن أبي الحديد: الرواية الصحيحة بالضاد، وإن كان للرواية بالظاء وجه. [قوله عليه السلام:] " بسنته الجامعة " أي التي تصير أهوائهم ونياتهم بالاخذ بها واحدة ولا يتفرقون عن طاعة الله وعبادته. [قوله عليه السلام:] " ثم اختر [للحكم بين الناس..] " هو وصية في نصب القضاة. " في نفسك " أي اعتقادك. والباء في " تضيق به " للتعدية. " ولا يمحكه الخصوم " كذا في النسخ المعتبرة على صيغة المجرد إما بالياء أو بالتاء والذي يظهر من كلام أهل اللغة هو أن محك لازم. والذي رواه ابن الاثير في النهاية هو " تمحكه " بضم التاء من باب الافعال وقال: في حديث علي عليه السلام " لا تضيق به الامور ولا تمحكه الخصوم " [قال:] المحك اللجاج وقد محك يمحك وأمحكه غيره. انتهى. وفي بعض النسخ: " يمحكه " على بناء التفعيل. وقال ابن ميثم [في شرح قوله:] " ممن لا يمحكه الخصوم " أي [لا] يغلبه على الحق باللجاج. وقيل ذلك كناية عمن يرتضيه الخصوم فلا تلاجه ويقبل [منه] بأول قوله. [قوله عليه السلام:] " ولا يتمادى في الزلة " أي لا يستمر في الخطأ بل يرجع بعد ظهور الحق. وقال الجوهري: الحصر: العي يقال: حصر الرجل يحصر حصرا مثل تعب تعبا والحصر أيضا: ضيق الصدر يقال: حصرت

[624]

صدورهم. وكل من امتنع من شئ لم يقدر عليه فقد حصر عنه وحصرت الرجل فهو محصور أي حبسته وحصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه انتهى. والمعنى لا يضيق صدره ولا يشكل عليه الرجوع إلى الحق بعد معرفته ولا يحبس نفسه عنه. والتبرم: التضجر والملال أي لا يمل من معاودة الكلام رجاء ظهور الحق " وأصرمهم ": أقطعهم وأمضاهم. وقال الجوهري: زهاه وازدهاه: استخفه وتهاون به ومنه قولهم: فلان لا يزدهي بخديعة. والاطراء: المدح. والاغراء: التحريض. [قوله عليه السلام:] " ثم أكثر تعاهد قضائه " أي ابحث واستخبر ما يقضي ويحكم به هل هو موافق للحق ثم ثم أمره بأن يفرض له عطاء واسعا يملا عينه ويتعفف به عن الرشوة وقال الجوهري: زاح الشئ يزيح زيحا أي بعد وذهب وأزحت علته فزاحت. وقال ابن ميثم ما في قوله: " ما يزيح علته " يحتمل أن يكون بدلا من " البذل " وأن يكون مفعولا لفعل محذف دل عليه " البذل " أي فتبدل له ما يزيح علته وأن يكون مفعولا ل‍ [قوله] " افسح " فسح، وسع له ما يكفيه من المال أو في معنى مصدر " أفسح " أي افسح له فسحا يزيل علته انتهى. والاغتيال في الاصل أن تقتل رجلا خدعة وهاهنا كناية عن ذم الناس له وتقبيح ذكره عند الوالي حتى ينحرف عنه. [قوله عليه السلام:] قد كان أسيرا أي في زمن من تقدم من الخلفاء. [قوله عليه السلام:] " والعمال " هم المنصوبون لجباية الخراج والجزية والصدقات " فاستعملهم اختيارا " في بعض النسخ بالمثناة أي انصب من عمالك من كان مختارا عندك. والاختيار: الاصطفاء. أو من تختاره بعد التأمل والتفكر. وفي بعضها بالموحدة أي بعد اختبارك وامتحانك لهم. وقال الجوهري: حباه يحبوه أي أعطاه. وقال ابن أبي الحديد: أي لا تولهم محاباة لهم أو لمن يشفع لهم ولا أثرة وإنعاما

[625]

عليهم. وقال في القاموس حاباه محاباة وحباء. نصره واختصه ومال إليه. " فإنهما " أي المحاباة والاثرة كما هو مصرح به في بعض النسخ بدل الضمير، وفي بعض النسخ " فإنهم ". والتوخي: التحري والقصد قاله الجوهري. وقال: القدم: واحد الاقدام. والقدم: السابقة في الامر يقال لفلان: قدم صدق أي أثرة حسنة. وقال الفيروز آبادي: فالقدم بمعنى الرجل مؤنثة. وقول الجوهري: " [القدم] واحد " الاقدام " سهو، صوابه: واحدة. وقال في النهاية: الاعراض جمع العرض وهو موضع المدح والذم من الانسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب وقال ابن قتيبة: عرض الرجل: نفسه وبدنه لا غير. وقال ابن أبي الحديد: الاشراف شدة الحرص على الشئ. [قوله عليه السلام:] " ما تحت أيديهم " أي من أموال المسلمين مما أمروا بجبايتها " أو ثلموا أمانتك " كناية عن الخيانة. والثلمة: الخلل في الحائط وغيره. [قوله عليه السلام:] " وابعث العيون " أي من يراقبهم ويطلع عليهم. والعين: الجاسوس والديدبان. " حدوة لهم " أي باعث ومحرض لهم والحد وفي الاصل: سوق الابل والغناء لها. [قوله عليه السلام:] وتحفظ من الاعوان " أي من خيانة أعوان الولاة أو أعوانك في ذكر أحوال العمال بأغراضهم الفاسدة أو الاعوان هم الحاضرون عنده الذين يبعثهم إلى المواضع القريبة وضمير " بها " راجع إلى الخيانة. و " اكتفيت " جزاء الشرط. وأخذه بما أصاب من عمله: استعادة ما أخذه خيانة. وقال الجوهري وسمته: وسما وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكي. والهاء عوض عن الواو " وقلدته عار التهمة " أي جعلت العار كالقلادة في عنقه.

[626]

[قوله عليه السلام:] " لان ذلك " أي الخراج أو استجلابه (1) " فإن شكوا ثقلا " أي ثقل الخراج المضروب عليهم أو ثقل وطأة العامل أو علة كالجراد والبرد ونحوهما. والشرب بالكسر: الحظ من الماء وقال الجوهري والجزري يقال: لا تبلك عندي بالة أي لا يصيبك منى ندى ولا خير. وقال ابن ميثم: البالة القليل من الماء تبل به الارض. وقال: أحالت الارض: تغيرت عما كانت عليه من الاستواء فلا نتجت زرعها ولا أثمرت نخلها. وقال ابن أبي الحديد: أو بالة يعني المطر. وقال في النهاية: حالت الناقة وأحالت إذا حملت عاما ولم تحمل عاما وقال في الحديث " إنه جعل على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا " الغامر ما لم يزرع مما يحتمل الزراعة من الارض سمي غامرا لان الماء يغمره فهو والغامر فاعل بمعنى مفعول انتهى. [قوله عليه السلام:] " أو أجحف بها " أي ذهب به والمعنى أتلفها عطش بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشرب أو لتقصير أو مانع. " حسن نياتهم " أي صفاء باطنهم وميلهم بالقلوب. وفي بعض النسخ ثنائهم. واسفاضة العدل ": انتشاره. وقوله: " معتمدا " حال من ضمير خففت أي قاصدا. " والاجمام " الترفيه. وقوله " والثقة " النسخ متفقة على جرها فيكون معطوفا على قوله: " أو اجمامك ".


(1) وها هنا في حاشية أصلي هامش أو تعليق من المصنف العلامة وهذا نصه: قال بعض الشارحين روي استحلاب الخراج بالحاء المهملة من الحلب وهو استخراج ما في الضرع من اللبن. " وإلا قليلا " أي قليلا من أمره أو زمانا قليلا أو قليلا من العمال. منه رحمه الله.

[627]

وقال ابن ميثم: " فضل " نصب بالمفعول من " معتمدا " " والثقة " معطوف على المفعول المذكور. ولعله قرأ بالنصب. [قوله عليه السلام] " فربما حدث من الامور " كاحتياجك إلى مساعدة مال يقسطونه عليهم قرضا لك أو معونة محضة. والاعواز: الفقر. [قوله عليه السلام:] " على الجمع " أي جمع المال لانفسهم أو للسلطان " وسوء ظنهم بالبقاء " أي الابقاء على العمل لخوف العزل أو يظنون طول البقاء وينسون الموت والزوال أي بالبقاء. وفي النهاية: العبر جمع عبرة وهي كالموعظة مما يتعظ به الانسان ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره. [قوله عليه السلام] " فول على أمورك " لعل المراد بها ما يكون لها نهاية الاختصاص بالوالي من الامور الكلية دون الجزئية المتعلقة بالقرى ونحو ذلك فالمراد بخيرهم خير كتاب الوالي. ويمكن أن يراد بها مطلق أموره فالضمير في " خيرهم " عائد إلى مطلق الكتاب والاول أظهر. [قوله عليه السلام] " مكائدك " أي تدابيرك الخفية والمعنى اجعل رسائلك المذكورة مخصوصة بمن كان منهم أشد جمعا للاخلاق الصالحة كالعلم بوجوه الآراء المصلحة والوفاء والنصيحة والامانة وغيرها. والبطر: الطغيان عند النعمة. [قوله عليه السلام:] " ولا تقصر به " أي لا تجعله الغفلة مقصرا وقوله: " وفيما " لعله معطوف على قوله: " عن إيراد ". " يأخذ لك " كالخراج أو المكاتيب التي تكون حجة لك. " ويعطي منك " كسهام الجند أو المكاتيب التي تكون حجة لغيرك. قوله عليه السلام " ولا يضعف " أي إن عقد لك عقدا قواه وأحكمه،

[628]

وإن عقد خصومك عليك عقدا اجتهد في إدخال ما يمكن به حله ونقضه عند الحاجة فالمراد بالاطلاق إما ترك التقييد أو حل العقد. وفي بعض النسخ " لا يعجز " بصيغة الافعال أي لا يعجزك. واستنامتك أي ميل قلبك إليه قال الجوهري: استنام إليه أي سكن إليه واطمئن. [قوله عليه السلام:] " فان الرجال يتعرضون " قال ابن أبي الحديد: ويروى " يتعرفون " أي يجعلون أنفسهم بحيث تعرف بالمحاسن بتصنعهم " فأعمد لاحسنهم كان " أي اقصد لمن كان في زمن الصالحين قبلك أحسنهم. [قوله عليه السلام:] " ولمن وليت أمره " أي لامامك. [قوله عليه السلام:] واجعل لرأس كل أمر " قال ابن أبي الحديد: نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الاطراف والاعداء والآخر لاجوبة عمال السواد والآخر لخاصته ونفقاته. [قوله عليه السلام:] " لا يقهره كبيرها " أي لا يعجز عن القيام بحقه " ولا يتشتت عليه " أي لا يتفرق لكثرته وضميرا " كبيرها وكثيرها " راجعان إلى الامور. [قوله عليه السلام:] " ألزمته " أي يأخذك الله والامام بتغافلك. [قوله عليه السلام:] ثم استوص " قال ابن أبي الحديد: أي أوص نحو قرفي المكان واستقر يقول: استوص بالتجار خيرا أي أوص نفسك بذلك ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله: استوصوا بالنساء خيرا ومفعولا " استوص " " واوص " هاهنا محذوفان للعلم بهما. ويجوز أن يكون [معنى] استوص أي اقبل الوصية مني بهم واوص بهم أنت غيرك. " والمضطرب " يعني المسافر والضرب: السير في الارض قال الله تعالى:

[629]

* (إذا ضربتم في الارض) *. [قوله عليه السلام:] " والمترفق ببدنه " أي أهل الصنائع فإنهم يتكلفون نفع الناس ونفع أنفسهم بتجشم العمل وإتعاب البدن. والمرافق: ما ينتفع بها. والمطارح: المواضع البعيدة قال الجوهري: الطرح بالتحريك المكان البعيد. " وحيث " قال ابن أبي الحديد: ويروى بحذف الواو أي من مكان لا يجتمع الناس لمواضع تلك المنافع منه ولا يجترؤون عليها فيه كالبحار والجبال ونحوهما. والضمير في " مواضعها وعليها " يعود إلى المنافع. [قوله عليه السلام:] " فإنهم سلم " أي ولو أسلم وصلح لا يتخوف منهم إفساد في دولة ولا خيانة في مال. والبائقة: الداهية. وقيل الظلم. والغائلة: الشر. وحواشي البلاد: أطرافها. والشح: البخل أو الحرص. والحكر: الجمع والامساك. والاحتكار: الحبس انتظارا للغلاء وسيأتي أحكام الاحتكار في محلها. وقال في القاموس: تحكم في الامر: جار فيه حكمه وقال: البياعة بالكسر: السلعة والجمع بياعات و [لفظ]: " وعيب " في بعض النسخ [مذكور] بالرفع عطفا على " باب " وفي بعضها بالجر عطفا على " مضرة " وسمح بكذا سمحا بالفتح أي جاد وأعطى أو وافق على ما أريد منه والمراد هنا إما ترك البخس في المكيال والميزان فالمراد بقوله: " بموازين عدل " عدم النقص في أصل الميزان ويحتمل التأكيد. أو المراد بالسمح إعطاء الراجح قليلا أو الرفق بالمشترى وترك الخشونة على الاستحباب وإن كان الظاهر الوجوب " وقارفه " أي قاربه وخالطه. والمراد بالتنكيل والمعاقبة في غير إسراف التعزير على قدر المصلحة. [قوله عليه السلام:] " ثم الله الله " أي اذكر الله واتقه. والحيلة: الحذق في تدبير الامور " وأهل البؤسى " لفظ " أهل " غير موجود في أكثر النسخ

[630]

والبؤسى مصدر كالنعمى وهي شدة الحاجة فلا يصح عطفه على المساكين والمحتاجين إلا بتقدير وأما " الزمنى " فهو جمع زمن فيكون معطوفا على " أهل البؤسى " لا " البؤسى " وسيأتي تفسير القانع والمعتر (1) " واحفظ لله " أي اعمل بما أمر الله به في حقهم أو اعمل بما أمرك به من ذلك لله. وقال في النهاية: الصوافي الاملاك والاراضي التي جلى عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها واحدها صافية. قال الازهري يقال للضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته الصوافي وبه أخذ من قرأ " فاذكروا اسم الله عليها صوافي " أي خالصة لله تعالى انتهى. ولعل المراد بالقسم من بيت المال [في قوله عليه السلام: واجعل لهم قسما من بيت مالك] هو السهم المفروض لهم من الزكوات والاخماس وبالقسم من غلات الصوافي ما يكفيهم لسد خلتهم من خاصة الامام عليه السلام من الفئ والانفال تبرعا ويحتمل شموله لبيت المال أيضا. والمراد بالاقصى من بعد من بلد الوالي وقيل من بعد من جهة الانساب


(1) أقول: وفي هامش أصلي ها هنا للمصنف العلامة حاشية وهذا نصها: اختلف في القانع والمعتر فقيل القانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل والمعتر الذي يتعرض أن تطعمه من اللحم ويسأل. وقيل: القانع: الذي يسأل والمعتر الذي يتعرض للمسألة ولا يسأل، يقال: عرة واعتره وعراه واعتراه إذا اعترض للمعروف من غير مسألة. وفي مجمع البيان: قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: القانع الذي يسأل فيرضى بما أعطي والمعتر الذي يعتر الابواب منه رحمه الله. أقول: وفي ط بيروت في تفسير الآية (36) من سورة الحج من مجمع البيان: هكذا: وقال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: القانع الذي يقنع بما أعطيته ولا يسخط ولا يكلح ولا يلوي شدقه غضبا. والمعتر: الماد يده لتطعمه. وفي رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القانع الذي يسأل فيرضى بما أعطي، والمعتر: الذي يعتري رحلك ممن لا يسأل.

[631]

والاسباب منه. وقيل أي لا تصرف ما كان من الصوافي في بعض البلاد على مساكين ذلك البلد خاصة فإن لغيرهم فيها مثل حقهم " وكل قد استرعيت حقه " أي أمرك الله برعاية حقه. [قوله عليه السلام: " ولا يشغلنك عنهم] نظر " أي تفكر في أمر آخر واهتمام به. وفي بعض النسخ " بطر " بالباء والطاء المهملة أي مرح وطغيان. والتافه الحقير. [قوله:] " لاحكامك " في أكثر النسخ بفتح الهمزة ويمكن أن يقرأ بالكسر ولعله أنسب كما لا يخفى. والاشخاص الاخراج " ولا تصعر خدك لهم " أي لا تمل وجهك عن الناس تكبرا " ممن تقتحمه العيون " أي تزدريه وتحتقره و " تحقر " بالتخفيف وكسر القاف أي تستحقره. وفي بعض النسخ على التفعيل " ففرغ لاولئك ثقتك " أي عين لرفع أمورهم إليك رجلا من أهل الخشية لله والتواضع لهم أو لله أو الخشية لله والتواضع للامام أو لك " ثم اعمل فيهم " أي اعمل في حقهم بما أمر الله به بحيث تكون ذا عذر عنده إذا سألك عن فعلك بهم. [قوله عليه السلام: " وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له "] قال الجوهري: الرقق محركة: الضعف ورجل رقيق أي ضعيف وقال ابن ميثم أي المشايخ الذين بلغوا في الشيخوخة إلى أن رق جلدهم ثم ضعف حالهم عن النهوض فلا حيلة لهم. وقال الكيدري أي الذين بلغوا في السن غاية يرق لهم ويرحم عليهم " ولا ينصب نفسه " أي حياء أو ثقة بالله. [قوله عليه السلام:] " والعاقبة " في بعض النسخ بالقاف والباء الموحدة. وفي بعضها بالفاء والياء المثناة " فصبروا أنفسهم " بالتخفيف والتشديد. قال في النهاية: أصل الصبر: الحبس وقال تعالى: * (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) *.

[632]

وقال الفيروز آبادي: صبره: طلب منه أن يصبر. قوله عليه السلام " قسما " أي من أوقاتك " تفرغ لهم فيه شخصك " أي لا تشتغل فيه بسائر الاشغال " وتقعد عنهم جندك " أي تنهاهم عن التعرض لهم والدخول في أمورهم. والاحراس جمع حارس أي الحفظة. وقال في النهاية: شرط السلطان نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده. والشرطة أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة. و [أيضا] قال [ابن الاثير في مادة " تعتع " من النهاية]: فيه " حتى يؤخذ للضعيف حقه غير متعتع " بفتح التاء أي من غير أن يصيبه أذى يقلقله ويزعجه يقال: تعتعته فتتعتع و " غير " منصوب لانه حال من الضعيف انتهى. [قوله عليه السلام:] " لن تقدس " أي لن تطهر عن العيوب والنقايص وهو على المجهول من التفعيل والمعلوم من التفعل " والخرق ": الجهل وكذلك " العي " أي تحمل عنهم ولا تعاتبهم " والضيق " التضييق عليهم في الامور أو البخل أو ضيق الصدر بما يرد من الامور أو العجز " والانف " بالتحريك: الامتناع من الشئ استكبارا. والكنف بالتحريك: الجانب والناحية. والاعطاء الهنئ ما لم يكن مشوبا بالمن والاذى ونحو ذلك ويقال: أجملت الصنيعة عند فلان وأجمل في صنيعه. ذكره الجوهري. وأعذر أي أبدى عذره. وقوله " أمور " [مبتدء] خبره محذوف أي هناك أمور. وفي الصحاح: وعيي إذا لم يهتد لوجهه والعي خلاف البيان وقد عي في منطقه وعيى أيضا. وقال: مكان حرج وحرج أي ضيق وقد حرج صدره يحرج حرجا. [قوله عليه السلام:] " بالغا من بدنك " أي: وإن أتعبك ذلك تعبا كثيرا. [قوله عليه السلام:] " فلا تكونن منفرا " أي بالتطويل الذي يوجب نفرة الناس " ولا مضيعا " بالتأخير عن أوقات الفضيلة والتقصير في الآداب و التعليل للاول.

[633]

[وقوله عليه السلام:] " وكن بالمؤمنين رحيما " من تتمة الحديث النبوي صلى الله عليه وآله أو من كلامه عليه السلام ورجع ان ابي الحديد الثاني قوله عليه السلام " من الضيق " أي البخل أو ضيق الخلق أو غيرهما مما تقدم " وقلة علم " أي سبب لها " والاحتجاب منهم " الضمير للولاة أي الناشئ منهم أو للرعية فمن بمعنى عن وضمير " عنهم " للولاة قطعا وكذا ضمير " عندهم " أي يصير سببا لان يتوهموا كبير الامور بتسويل الاعوان وأصحاب الاغراض صغيرا وكذا العكس " ما توارى عنه الناس " أي استتر والضمير في " عنه " راجع إلى الوالي وفي " به " إلى " ما " و " من الامور " بيان له. [قوله عليه السلام:] وليست على الحق سمات " أي ليست على الحق والباطل من الكلام علامات يعرفان بها بمجرد السماع فلابد من التجسس حتى يتميزا. وفي النهاية: أسدى وأولى وأعطى بمعنى. والمظلمة ما تطلبه من الضالم وهو اسم ما أخذ منك. والاستيثار: الاستبداد بالامور. والتطاول: الترفع. والحامة: الخاصة. وحامة الرجل: أقرباؤه. وفي النهاية: الاقطاع يكون تمليكا وغير تمليك. وفي الصحاح أقطعه قطيعة أي طائفة من أرض الخراج وفي القاموس: القطيعة: محال بغداد قطعها المنصور أناسا من أعيان دولته. [قوله عليه السلام:] " ولا يطمعن " فاعله [ضمير] " أحد " [المتقدم]. " والعقدة " بالضم: الضيعة والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكا والعقدة: المكان الكثير الشجر أو النخل كذا في كتب اللغة. وقال ابن ميثم: اعتقد الضيعة اقتناها. وقال ابن أبي الحديد: اعتقدت عقدة أي ادخرت ذخيرة. ولم نجدها في كلام أهل اللغة ولا يخفى عدم مناسبة ما ذكره ابن أبي الحديد. وقال في النهاية كل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنئ ولك المهنأ والمهنأ.

[634]

[قوله عليه السلام:] " وكن في ذلك " قال ابن ميثم: الواو في " وكن " للحال وكذا " واقعا " حال [أقول:] وفي الاول نظر والحاصل: الزم الحق كل من لزم عليه أي حق كان من ظلامة أو حد أو قصاص وعلى أي أمرئ كان من قرابتك وخواصك " وابتغ عاقبته " أي عاقبة ذلك الالزام. وفي القاموس: الغب بالكسر: عاقبة الشئ كالمغبة بالفتح. [قوله عليه السلام:] " فأصحر لهم " أي أظهر لهم عذرك يقال: أصحر الرجل إذا خرج إلى الصحراء وأصحربه إذا أخرجه " وأعدل عنك " في بعض النسخ بقطع الالف على بناء الافعال، وفي بعضها بالوصل على بناء المجرد فعلى الاول من " عدل " بمعنى حاد. وعلى الثاني من " عدله " أي نحاه " فإن في ذلك إعذارا " أي إظهار للعذر. والدعة الخفض وسعة العيش والهاء عوض عن الواو. ومقاربة العدو إظهاره المودة وطلبه الصلح " ويتغفل " أي يطلب غفلتك والحزم: الاخذ في الامر بالثقة. وإتهام حسن الظن ترك العمل بمقتضاه. وفي النهاية: العقدة: البيعة المعقودة. وقال حاطه يحوطه: حفظه وصانه. [قوله عليه السلام:] " واجعل نفسك جنة " أي لا تغدر ولو ذهبت نفسك. " فإنه ليس من فرائض الله شئ ". قال ابن أبي الحديد: شئ اسم " ليس " وجاز ذلك وإن كان نكرة لاعتماده على النفي، ولان الجار والمجرور قبله في موضع الحال كالصفة فتخصص بذلك [وقرب من المعرفة] والناس مبتدأ وأشد خبره وهذه الجملة المركبة من مبتدأ وخبره في موضع رفع لانها صفة شئ. وأما خبر المبتدأ الذي هو " شئ " فمحذوف [و] تقديره " في الوجود "

[635]

كما حذف الخبر في قولنا لا إله إلا الله. ويمكن أيضا أن يكون " من فرائض الله " في موضع رفع لانه خبر المبتدأ وقد تقدم عليه ويكون موضع " الناس " وما بعده رفعا لانه صفة المبتدأ الذي هو " شئ " كما قلناه أولا. وليس يمتنع أيضا أن يكون " من فرائض الله " منصوب الموضع لانه حال ويكون موضع " الناس أشد " رفعا لانه خبر المبتدأ الذي هو " شئ ". [قوله عليه السلام:] " وقد لزم ذلك " أي لزم المشركون مع شركهم الوفاء بالعهود وصار ذلك سنة لهم فالمسلمون أولى باللزوم والوفاء. [قوله عليه السلام:] " لما استوبلوا " أي عدوا عواقب الغدر وبالا. قال في النهاية: الوبال في الاصل: الثقل والمكروه. واستوبلوا المدينة أي استوخموها. وقال: فيه " إني لا أخيس بالعهد " أي لا أنقضه يقال: خاس بعهده يخيس وخاس بوعده إذا أخلفه وقال: ختله يختله: خدعه وراوغه. وقال ابن ميثم: أفضاه: بسطه. واستفاض الماء: سال. وقال في القاموس: فضا المكان فضاء وفضوا: اتسع والمنعة بالتحريك: العز وقد يسكن. [قوله عليه السلام: [وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون] إلى جواره " (1) قال ابن أبي الحديد: " إلى " ها هنا متعلق بمحذوف كقوله تعالى: * (في سبع آيات إلى فرعون) * [12 / النمل: 27] أي مرسلا إليه أي جعل [الله] ذمته أمنا ينتشرون في طلب حوائجهم ساكنين إلى جواره. وفي الصحاح: الدغل بالتحريك: الفساد يقال: قد ادغل في الامر إذا أدخل فيه ما يخالفه ويفسده. وقال المدالسة كالمخادعة [قوله عليه السلام:] " تجوز فيه العلل " أي يتطرق إليه التأويلات والمعاذير وفي النهاية: اللحن: الميل عن جهة الاستقامة يقال: لحنت لفلان إذا


(1) ما بين المعقوفين في اخر هذا العهد الشريف في ص وإنما أعدناه هاهنا توضيحا.

[636]

قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره لانك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم. والمعنى: لا تنقض العهود والمواثيق تمسكا بالتأويلات أولا تقبل من الخصم ذلك ويحتمل الاعم. والانفساخ في بعض النسخ بالخاء المعجمة من الفسخ وهو النقض وفي بعضها بالمهملة وهو الاتساع. [قوله عليه السلام:] " لا تسقيل فيها " أي لا تكون لك إقالة في الدنيا ولا في الآخرة. [قوله عليه السلام:] " وانقطاع مدة " كمدة العمر والسلطنة وسعة العيش " وينقله " أي إلى غيرك. والقود: القصاص. والوكز: الضرب بجمع الكف أو مطلقا والمعنى: [أنه] قد يؤدي أمثالها إلى القتل. وقال الجوهري: طمح بصره إلى الشئ ارتفع وكل مرتفع فهو طامح وأطمح فلان بصره: رفعه والمعنى لا يمنعك كبر السلطنة عن أداء الدية وظاهره ثبوت الدية في الخطأ في إقامة الحد والتعزير مطلقا واختلف فيه الاصحاب فقيل: لا يضمن مطلقا. وقيل: يضمن في بيت المال إذا كان الحد للناس فلو كان لله لم يضمن وقد يقال: الخلاف إنما هو في التعزير - فإن تقديره منوط بالاجتهاد - لا الحد فإنه مقدر وسيأتي تمام الكلام فيه في محله. وأعجب فلان بنفسه على بناء المفعول إذا ترفع وسر بما رأى من نفسه. وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه وقيل: جاوزت الحد في مدحه. [قوله عليه السلام:] " من أوثق فرص الشيطان في نفسه " أي اعتماد الشيطان في الاضلال بزعمه على هذا النوع من الفرصة أشد من اعتماده على سائر الانواع. والمحق الابطال. والتزيد في الحديث: الكذب والمراد هنا أن تعطي أحدا واحدا فتقول أعطيته عشرة. أو التساقط فيها: قال ابن أبي

[637]

الحديد: هذا عبارة عن النهي عن الحرص والجشع قال الشنفري: وإن مدت الايدي إلى الزاد لم أكن * بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل و [هذا] أخذه من قول الجوهري: تساقط على الشئ أي ألقى نفسه عليه إلا أنه عداه بعلى كما ترى وحينئذ لا يكون مقابلا للفقرة الاولى بل عينها ولا يخلو عن بعده بقرينة ما بعدها والظاهر أن التساقط في الامر التقصير والتكاسل فيها كما ذكره ابن ميثم. وقال الفيروز آبادي: التنكر: التغير عن حال تسرك إلى حال تكرهها والاسم النكير. وقال الجوهري: استوضحت الشئ إذا وضعت يدك على عينك تنظر هل تراه واستوضحه الامر إذا سألته أن يوضحه لك انتهى. فعلى ما في بعض النسخ من بناء المجهول فالمعنى واضح أي إذا تأملت فيها واستعملته وتيقنته. وفي بعضها على بناء المعلوم. وقال ابن أبي الحديد أي وضحت وانكشفت. ولم أجده في كلام أهل اللغة. [قوله عليه السلام:] " والتغابي عما تعنى به " أي التغافل عما تفعله خواصك أو مطلقا من الامور المنكرة فإنك تقصد به وتؤخذ منك للمظلوم وتعاقب عليه " مما قد وضح للعيون " لعل تخصيص هذا النوع لكونه أشنع أو لانه لا ينبغي للوالي تجسس العيوب والمعاصي الخفية. وقال ابن ميثم: أي التغافل عما يجب العلم والعناية به من حقوق الناس المأخوذة ظلما مما قد وضح للعيون إهمالك انتهى. ولا يخفى أنه إنما يستقيم [تفسير ابن ميثم] إذا كان " يعني " بصيغة المذكر الغائب لا بالخطاب كما فيما عندنا من النسخ. " ومأخوذ منك لغيرك " أي تعاقب عليه مع أنك لم تنتفع به بل انتفع به.

[638]

غيرك. ويمكن أن يكون المراد بالغير المظلوم " وعما قليل " أي مجاوزا عن زمان قليل و " ما " زائدة أو نكرة موصوفة " ينتصف منك " أي ينتقم بالعدل وقال في النهاية: في حديث معقل بن يسار " فحمي من ذلك انفا " يقال: أنف من الشئ يأنف أنفا إذا كرهه وشرفت نفسه عنه وأراد به هاهنا أخذته الحمية من الغيرة والغضب وقيل: وهو أنفا بسكون النون للعضو أي اشتد غضبه وغيظه من طريق الكناية كما يقال للمتغيظ: ورم أنفه والسورة: الحدة والشدة والاضافة للمبالغة. والسطوة الصولة. والبادرة من الكلام: الذي يسبق من الانسان في الغضب. والاثر بالتحريك اسم من آثرت الحديث أي نقلته. واستوثقت أي استحكمت. وتسرع إلى الامر: عجل " على إعطاء كل رغبة. ". قال ابن أبي الحديد: [الرغبة] مصدر رغب في كذا كأنه قال: القادر على إعطاء كل سؤال أي كل سائل ما سأله. وروي " وكل رغيبة " أي ما يرغب فيه من الاقامة على العذر [و] لعل المعنى على الجواب الواضح في كل ما سألنا الله عنه من حقوقه وحقوق خلقه وصاحب العذر بهذا المعنى لا يكون مذنبا. وقال ابن ميثم: يحتمل أن يكون العذر اسما من الاعذار إلى الله وهو المبالغة في الاتيان بأوامره فكأنه قال: من الاقامة على المبالغة إليه في أداء أوامره انتهى. وفي كون العذر اسما من " أعذر " كما ذكره إشكال. " وتمام النعمة " عطف على قوله: " ما فيه " أي لتمام نعمته علي وتضاعف كرامته لدي وتوفيقنا للاعمال الصالحة التي نستوجبهما بها.

[639]

كذا قيل والاظهر أنه عطف على " حسن الثناء " وإنما اكتفينا بهذا القدر من البيان إيثارا للاختصار وإلا فالمجلدات لا تفي بشرحه. 745 - جش: ابن نوح عن علي بن الحسين بن سفيان عن علي بن أحمد بن علي بن حاتم عن عباد بن يعقوب عن عمرو بن ثابت عن جابر قال: سمعت السبيعي ذكر ذلك عن صعصعة قال: لما بعث عليه السلام مالكا الاشتر [واليا على أهل مصر] كتب إليهم: من عبد الله أمير المؤمنين إلى نفر من المسلمين سلام عليكم إني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعداء حراز الدواير لا ناكل من قدم ولا واهن في عزم من أشد عباد الله بأسا وأكرمهم حسبا أضر على الكفار من حريق النار وأبعد الناس من دنس أو عار وهو مالك بن الحرث أخا مذحج حسام صارم لا نابي الضريبة ولا كليل الحد عليم في الجد رزين في الحرب ذو رأي أصيل وصبر جميل فاسمعوا له وأطيعوا أمره فإن أمركم بالنفر فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري وقد آثرتكم به على حريق النار وأبعد الناس من دنس أو عار وهو مالك بن الحرث أخا مذحج حسام صارم لا نابي الضريبة ولا كليل الحد عليم في الجد رزين في الحرب ذو رأي أصيل وصبر جميل فاسمعوا له وأطيعوا أمره فإن أمركم بالنفر فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم الله بالتقوى وزينكم بالمغفرة ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بيان [قوله عليه السلام:] " حراز الدوائر " في أكثر النسخ بالحاء المهملة ثم الراء المهملة ثم المعجمة أي الحارس في الدوائر أو جلابها من قولهم: أحرز الاجر إذا حازه. والدائرة: الغلبة بالنصر والظفر. وفي بعضها بالجيم والمهملتين وهو أنسب وفي بعضها بالجيم ثم المعجمة ثم المهملة وهو أيضا مناسب أي


745 - رواه النجاشي رحمه الله في ترجمة صعصعة بن صوحان. وللحديث مصادر كثيرة يجد الباحث كثيرا منها في ذيل المختار: (124) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 5 ص 52 ط 1.

[640]

القتال في الدوائر. 746 - وروى هذا المكتوب [الثقفي رحمه الله] في كتاب الغارات عن الشعبي عن صعصعة وفيه: " حذار الدوائر " وهو أظهر وفيه: " وهو مالك بن الحارث الاشتر حسام صارم لا نابي الضريبة ولا كليل الحد حليم في السلم رزين في الحرب " إلى قوله: " وقد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم وشدة شكيمة على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم بالتقوى ووفقنا ".


746 - رواه إبراهيم الثقفي رحمه الله في الحديث: (114) من كتاب الغارات كما في تلخيصه: ج 1، ص 260. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية