الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 32

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 32


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثاني والثلاثون

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم أبواب ما جرى بعد قتل عثمان من الفتن والوقايع والحروب وغيرها [الباب الاول] باب بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وما جرى بعدها من نكث الناكثين إلى غزوة الجمل 1 - أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح النهج قال علي عليه السلام للزبير يوم بايعه: إني لخائف أن تغدر بي فتنكث بيعتي ؟ ! قال: لا تخافن فإن ذلك لا يكون مني أبدا. فقال علي عليه السلام: فلي الله عليك بذلك راع وكفيل ؟ قال: نعم الله لك علي بذلك راع وكفيل. ولما بويع عليه السلام كتب إلى معاوية: أما بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني وبايعوني عن مشورة منهم وإجتماع فإذا أتاك كتابي فبايع لي وأوفد إلي [في] أشراف أهل الشام قبلك. فلما قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه بعث رجلا من بني عبس وكتب معه كتابا إلى الزبير بن العوام وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوثقوا الحلف فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقنك لها ابن أبي طالب فإنه لا شئ بعد


1 - ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار: (8) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 230 ط 1 مصر، وفي ط الحديث ببيروت ص 190.

[6]

هذين المصرين وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك وليكن منكما الجد والتشمير أظهركما الله وخذل مناوئكما. فما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به وأعلم به طلحة وأقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية وأجمعا عند ذلك على خلاف علي. قال: وجاء الزبير وطلحة إلى علي عليه السلام بعد البيعة له بأيام فقالا له: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها وعلمت [أن] رأي عثمان كان في بني أمية وقد ولاك الله الخلافة من بعده فولنا بعض أعمالك. فقال لهما: ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي واعلما أني لما أشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي ومن قد عرفت دخيله. فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة. وروي أنهما طلبا منه أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة فقال: حتى أنظر. ثم لم يولهما فأتياه فاستأذناه للعمرة فقال: " ما العمرة تريدان " فحلفا له بالله ما الخلاف عليه ولا نكث بيعته يريدان وما رأيهما غير العمرة قال لهما: فأعيدا البيعة لي ثانيا فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق فأذن لهما. فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا: والله لا ترونهما إلا في فئة يقتتلان فيها. قالوا: يا أمير المؤمنين فمر بردهما عليك قال: ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلما خرجا إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا وقالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنما بايعناه مكرهين. فبلغ عليا قولهما فقال: أبعدهما الله وأغرب دارهما أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم والله ما العمرة يريدان ولقد أتياني بوجهي فاجرين ورجعا بوجهي غادرين ناكثين والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما فبعدا لهما وسحقا.

[7]

2 - وقال ابن الاثير في الكامل: لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليا فقالوا له: لا بد للناس من إمام قال: لا حاجة لي في أمركم فمن أخترتم رضيت به فقالوا: ما نختار غيرك وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك: إنا لا نعلم أحدا أحق به منك لا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله. فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا يكون خفيا ولا تكون إلا في المسجد. وكان في بيته وقيل في حائط لبني عمرو بن مبذول فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق قميص وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا على قوسه فبايعه الناس. وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيدالله فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أول من بدء بالبيعة من الناس يد شلاء لا يتم هذا الامر. فبايعه الزبير. وقال لهما علي: إن أحببتما أن تبايعا لي، وإن أحببتما بايعتكما ؟ فقالا: بل نبايعك، وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا ! ! وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر. وبايعه الناس [بعدما بايعه طلحة والزبير]. وجاؤا بسعد بن أبي وقاص فقال علي: بايع. قال: لا حتى يبايع الناس والله ما عليك مني بأس. فقال: خلوا سبيله. وجاؤا بابن عمر فقالوا: بايع. فقال: لا حتى يبايع الناس. قال: ائتني بكفيل. قال: لا أرى كفيلا. قال الاشتر


2 - ومثله ذكره الطبري مسندا مع خصوصيات أخر في عنوان: " خلافة أمير المؤمنين... وذكر الخبر عن بيعة من بايعه... " في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 427 ط بيروت. وقريبا منه ذكر أيضا بأسانيد البلاذري في عنوان: " بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام " من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 205.

[8]

دعني أضرب عنقه، قال: دعوه أنا كفيله. إنك ما علمت لسئ الخلق صغيرا وكبيرا. وبايعت الانصار إلا نفرا يسيرا منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت وكعب بن مالك ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية. فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه وهرب به فلحق بالشام فكان معاوية يعلق قيص عثمان وفيه الاصابع فإذا رؤا ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدوا في أمرهم. وروي أنهم لما أتوا عليا ليبايعوه قال: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول (1). فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى الاسلام ؟ ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله. فقال: قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما أعلم فإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد. فلما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي عليه السلام فصعد المنبر وقال: أيها الناس عن ملا وإذن إن هذا أمركم ليس لاحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالامس على أمر وكنت كارها لامركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا آخذ على أحد فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالامس فقال: اللهم اشهد.


(1) وقريبا منه ورواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (90) من خطب نهج البلاغة.

[9]

وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة وأول خطبه خطبها علي عليه السلام حين استخلف حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرايض [الفرائض] أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق [و] لا يحل أذى امرئ مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإنما خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر الناس بآخركم اتقوا الله عباد الله في عباده وبلاده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم وأطيعوا الله ولا تعصوه فإذا رأيتم الخير فخذوه وإذا رأيتم الشر فدعوه (1). 3 - شا: روت الخاصة والعامة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته أن أمير المؤمنين قال في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على أمر وذلك بعد قتل عثمان بن عفان: أما بعد فلا يرعين مرع إلا على نفسه شغل من الجنة والنار أمامه ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار ثلاثة وإثنان ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيديه لا سادس هلك من ادعى وردى من اقتحم.


(1) ومثله رواه الطبري عن السري عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن علي بن الحسين... ورواه بألفاظ أجود مما روياه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (165) من باب خطب نهج البلاغة. 3 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (13) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 136.

[10]

اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة إن الله تعالى داوي هذه الامة بداوئين السوط والسيف لا هوادة عند الامام فيهما فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا فيما بينكم والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها معذورين أما إني لو أشاء أن أقول: لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويله [ويحه " خ "] لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له. انظروا فإن أنكرتم فأنكروا أن عرفتم فبادروا [فآزروا " خ "] حق وباطل ولكل أهل ولئن أمر الباطل فلقديما فعل ولئن قل الحق فلربما ولعل وقل ما أدبر شئ فأقبل ولئن رجعلت إليكم أموركم [نفوسكم " خ "] إنكم لسعداء وإني لاخشى أن تكونوا في فترة وما علي إلا الاجتهاد. ألا وإن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا يقول صادق أخذنا [من قول صادق سمعنا " خ "]، فان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا وإن لم تفعلوا. يهلككم الله بأيدينا. معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم وبنا فتح الله لا بكم وبنا يختم لا بكم. 4 - أقول: وفي النهج هكذا: شغل من الجنة والنار أمامه ساع سريع نجا


4 - رواه السيد الرضي بزيادات كثيرة في المختار (16) من خطب نهج البلاغة.

[11]

وطالب بطئ رجا ومفصر في النار هوى اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ومنها منفذ السنة وإليها مصير العاقبة هلك من ادعى وخاب من افترى من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس وكفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره لا يهلك على التقوى سنخ أصل ولا يظمأ عليها زرع [حرث " خ "] قوم. فاستتروا ببيوتكم واصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم فلا يحمد حامد الا ربه ولا يلم لائم إلا نفسه. 5 - روى ابن أبي الحديد عن الجاحظ من كتاب البيان والتبيين عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: أول خطبة خطبها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: " ألا لا يرعين ". وساق الخطبة كما مر إلى قوله " وما علينا إلا الاجتهاد " [ثم] قال: قال الجاحظ: وقال ابو عبيدة: وزاد فيها في رواية جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام: ألا إن أبرار عترتي. إلى قوله: " وبنا يختم لا بكم ". قال ابن أبي الحديد: قوله: " لا يرعين " أي لا يبقين [يقال:] أرعيت عليه أي أبقيت يقول: من أبقى على الناس فإنما أبقى على نفسه. و " الهوادة ": الرفق والصلح وأصله اللين والسهولة، والتهويد: المشي رويدا، وآزرت زيدا: أعنته، والترة: الوتر، والربقة: الحبل يجعل في عنق الشاة. وردي: هلك من الردى كقولك: عمى من العمى [وشجي من الشجى].


5 - رواه الجاحظ في المجلد الثالث من كتاب البيان والتبيين ص 44 ط مصر، ورويناه عنه حرفيا في المختار: (56) من كتاب نهج السعادة ج 1، ص 191، ط 2 وله مصادر كثيرة أشرنا إليها في ذيل المختار المشار إليه. ورواه أيضا عنه حرفيا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (16) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 224 ط بيروت.

[12]

وقوله: " شغل من الجنة والنار أمامه " يريد به أن من كانت هاتان الداران أمامه لفي شغل عن أمور الدنيا إن كان رشيدا. وقوله: " ساع مجتهد " إلى قوله: " لا سادس " كلام تقديره المكلفون على خمسة أقسام: " ساع مجتهد وطالب راجع ومقصر هالك " ثم قال: ثلاثة أي فهو ثلاثة أقسام: وهذا ينظر إلى قوله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله " [32 / فاطر 35]. ثم ذكر القسمين: الرابع والخامس فقال: هما ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيده. يريد عصمة هذين النوعين من القبيح ثم قال: " لا سادس " أي لم يبق في المكلفين قسم سادس. وقوله: " هلك من ادعى " يريد هلك من ادعى وكذب لابد من تقدير ذلك لان الدعوى يعم الصدق والكذب وكأنه يقول: هلك من ادعى الامامة وردي من اقتحمها وولجها من غير استحقاق لان كلامه في هذه الخطبة كله كنايات عن الامامة لا عن غيرها. وقوله: " اليمين والشمال [مضلة] " مثال لان السالك الطريق المنهج اللاحب ناج والعادل عنها يمينا وشمالا معرض للخطر. وقوله عليه السلام: " كالغراب " يعني في الحرص والجشع، والغراب يقع على الجيفة ويقع على التمرة وعلى الحبة وفي المثل أشجع من غراب وأحرص من غراب. وقوله: " ويحه لو قص... " يريد لو كان قتل أو مات قبل أن يتلبس بالخلافة لكان خيرا من أن يعيش ويدخل فيها. ثم قال لهم: افكروا فيها قد قلت فإن كان منكرا فأنكروه، وإن كان حقا فأعينوا عليه. وقوله: " استتروا في بيوتكم " نهي لهم عن العصبية والاجتماع والتحزب فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلموا في قتله من شيعة بني امية بالمدينة.

[13]

وأما قوله: " قد كانت أمور " فمراده أمر عثمان وتقديمه في الخلافة عليه. ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا ويبعد عندي [أن يكون أراده] لان المدة قد كانت طالت ولم يبق من يعاتبه (1) ولسنا نمنع من ان يكون في كلامه الكثير من التوجد والتألم لصرف الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله عنه، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة على أن قوله: " سبق الرجلان " والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما. وأما قوله: " حق وباطل " إلى آخر الفصل فمعناه كل أمر إما حق وإما باطل ولكل واحد من هذين أهل وما زال أهل الباطل أكثر من أهل الحق ولئن كان الحق قليلا فربما كثر ولعله ينتصر أهله ثم قال على سبيل التضجر بنفسه " وقل ما أدبر شئ فأقبل " استبعد عليه السلام أن تعود دولة قوم بعد زواها عنهم. ثم قال: " ولئن رجعت إليكم أموركم " أي إن ساعدني الوقت وتمكنت من أن أحكم فيكم بحكم الله تعالى ورسوله وعادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة مماثلة لسيرته في أصحابه إنكم لسعداء ثم قال: " وإني لاخشى أن تكونوا في فترة " الفترة هي الازمنة التي بين الانبياء إذ: انقطعت الرسل فيها فيقول عليه السلام: إني لاحتى أن لا أتمكن من الحكم بكتاب الله تعالى فيكم فتكونوا كالامم الذين في ازمنة الفترة لا يرجعون إلى نبي يشافههم بالشرايع والاحكام وكأنه عليه السلام قد كان يعلم أن الامر سيضطرب عليه (2).


(1) بل أكثر من مال - مع المائلين - إلى الشيخين وبايعهما كانوا باقين بعد قتل عثمان، فقول هذا القائل هو القريب لا غير. (2) علمه عليه السلام بما يعامل الناس معه وبما يؤول إليه أمره هو المستفاد من محكمات الاخبار.

[14]

ثم قال: " وما علينا إلا الاجتهاد " يقول: أنا أعمل بما يجب علي من الاجتهاد في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء عن المسلمين فإن تم ما أريده فذاك وإلا كنت قد أعذرت. وأما التتمة المروية عن جعفر بن محمد [عليهما السلام] فواضحة الالفاظ وقوله في آخرها: " وبنا يختم لا بكم " إشارة إلى المهدي عليه السلام الذى يظهر في آخر الزمان من ولد فاطمة عليها السلام. 6 - أقول: روى ابن ميثم رحمه الله تمام الخطبة هكذا: الحمد لله أحق محمود بالحمد، وأولاه بالمجد، إلها واحدا صمدا، أقام أركان العرش، فأشرق بضوئه شعاع الشمس، خلق فأتقن، وأقام فذلت له وطأة المستمكن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالنور الساطع والضياء المنير، أكرم خلق الله حسبا وأشرفهم نسبا لم يتعلق عليه مسلم ولا معاهد بمظلمة، بل كان يظلم. فأما بعد فإن أول من بغى على الارض عناق ابنه آدم [و] كان مجلسها من الارض جريبا وكان لها عشرون اصبعا وكان لها ظفران كالمنجلين فسلط الله عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا كالحمار وكان ذلك في الخلق الاول فقتلها وقد قتل الله الجبابرة على أحسن أحوالهم وإن الله أهلك فرعون وهامان وقتل قارون بذنوبهم. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون.


6 - رواها رفع الله مقامه في شرح المختار: (16) من خطب نهج البلاغة: ج 1، ص 297 ط 3.

[15]

كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا اليوم وهذا المقام، ألا وأن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار فهم فيها كالحون. ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها فسارت بهم تاودا حتى إذا جاؤا ظلا ظليلا فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه ومن ليست له منه توبة - إلا بنبي مبعوث ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم - أشفى منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. أيها الناس كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا يرعى مرع إلا على نفسه، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع نجا وطالب يرجو ومقصر في النار ولكل أهل. ولئن أمر الباطل فقديما فعل، ولئن قل الحق لربما ولعل، ولقلما أدبر شئ فأقبل، ولئن رد أمركم عليكم إنكم لسعداء وما علينا إلا الجهد. قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم عندي فيها غير محمودي الرأي ولو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار - ثلاثة وإثنان: خمسة ليس فيهم سادس - [و] ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بضبعيه، هلك من ادعى وخاب من افترى. اليمين والشمال مضلة ووسط الطريق المنهج، عليه باقى الكتاب وآثار النبوة.

[16]

الا وإن الله قد جعل أدب هذه الامة بالسوط والسيف ليس عند إمام فيهم هوادة ! ! فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم من بعدى صفحته للحق هلك. الا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان أو مال أخذه من بيت مال المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في البلدان فإنه إن لم يسعه الحق فالباطل أضيق عليه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. 7 - وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلا عن أبي جعفر الاسكافي قال: لما أجتمعت الصحابة بعد قتل عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الامامة أشار أبو الهيثم بن التيهان ورفاعة بن رافع ومالك بن العجلان وأبو أيوب الانصاري وعمار بن ياسر بعلي عليه السلام وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي عليه السلام فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة ومنهم من فضله على المسلمين كلهم كافة. ثم بويع وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة وهو يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله وأثنى عليه وذكر محمدا فصلى عليه ثم ذكر نعمة الله على أهل الاسلام ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها وذكر الآخرة فرغبهم إليها ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة


7 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (91) من خطب نهج البلاغة: ج 7 ص 38 ط مصر، وفي ط الحديث بيروت: ج 2 ص 599. ورواه أيضا باختصار محمد بن عبد الله الاسكافي المتوفى سنة: (240) من كتاب المعيار ؟ والموازنة ص 51 ط 1.

[17]

فأفضى الامر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم وعرفتم ثم حصر وقتل ثم جئتموني فطلبتم إلي وإنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعلي ما عليكم وقد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة فأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ولا يحمل هذا الامر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الامر وإني حاملكم على منهج نبيكم صلى الله عليه وآله ومنفذ فيكم ما أمرت به إن إستقتم لي والله المستعان. ألا إن موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته، فامضوا لما تؤمرون به وقفوا عندما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم فإن لنا عن كل أمر منكر تنكرونه عذرا. ألا وإن الله عالم من فوق سمائه وعرشه أني كنت كارها للولاية على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اجتمع رأيكم على ذلك لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " أيما وال ولي الامر من بعدي أقيم على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله وإن كان جائرا انتقض به الصراط حتى تتزايل مقاصله ثم يهوي إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه وحر وجهه " ولكني لما اجتمع رأيكم لما يسعني ترككم. ثم التفت عليه السلام يمينا وشمالا فقال: ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الانهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا. ألا وأيما رجل من المهاجرين والانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته فأن له الفضل النير غدا عند الله وثوابه وأجره على الله. وأيما رجل أستجاب لله وللرسول فصدق ملتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده. فأنتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على

[18]

أحد وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا [جزاءا " خ "] ولا ثوابا وما عند الله خير للابرار. وإذا كان غدا إنشاء الله فاغدوا علينا فأن عندنا مالا نقسمه فيكم ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر إذا كان مسلما حرا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم نزل. قال أبو جعفر: وكان هذا أول ما أنكروه من كلامه عليه السلام وأورثهم الضغن عليه وكراهوا عطاءه وقسمه بالسوية. فلما كان من الغد غدا وغدا الناس لقبض المال فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه: ابدأ بالمهاجرين فنادهم وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثن بالانصار فافعل معهم مثل ذلك ومن يحضر من الناس كلهم الاحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك. فقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالامس وقد اعتقته اليوم. فقال: نعطيه كما نعطيك فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير ولم يفضل أحدا على أحد. وتخلف عن هذا القسم يومئذ طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم ورجال من قريش وغيرها. قال: وسمع عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير يقول لابيه وطلحة ومروان وسعيدا: ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد ؟ فقال سعيد بن العاص - والتفت إلى زيد بن ثابت -: إياك أعني واسمعي يا جارة فقال ابن أبي رافع لسعيد وابن الزبير: إن الله يقول في كتابه " ولكن أكثرهم للحق كارهون " [43 / الزخرف]. ثم إن ابن أبي رافع أخبر عليا عليه السلام بذلك فقال: والله إن بقيت وسلمت لهم لاقيمنهم على المحجة البيضاء والطريق الواضح قاتل الله ابن

[19]

العاص لقد عرف من كلامي ونظري إليه أمس أني أريده وأصحابه ممن هلك فيمن هلك. قال: فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي عليه السلام ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير فجلسوا إليهما ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجيا ساعة ثم قام الوليد بن عقبة فجاء إلى علي عليه السلام فقال: يا أبا الحسن إنك قد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا وخذلت أخي يوم الدار بالامس وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب وكان ثور قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركتنا والتحقنا بالشام. فقال عليه السلام: أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم. وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم. وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قلتهم اليوم لقتلتهم أمس ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم وإن خفتكم أن أسيركم. فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم وافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف. فلما ظهر ذلك من أمرهم قال عمار بن ياسر لاصحابه: قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم فإنه قد بلغنا عنهم ورأينا منهم ما نكره من الخلاف والطعن على إمامهم وقد دخل أهل الجفاء بينهم وبين الزبير والاعسر العاق يعني طلحة. فقام أبو الهيثم وعمار وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة معهم فدخلوا على علي عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين انظر في أمرك وعاتب قومك هذا الحى من قريش فإنهم قد نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك وقد دعونا في السر إلى

[20]

رفضك هداك الله لرشدك، وذاك لانهم كرهوا الاسوة، وفقدوا الاثرة، ولما آسيت بينهم وبين الاعاجم أنكروا واستشاروا عدوك وعظموه وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة وتألفا لاهل الضلالة فرأيك. فخرج علي عليه السلام فدخل المسجد وصعد المنبر مرتديا بطاق مؤتزرا ببرد قطري متقلدا سيفا متوكئا على قوس فقال: أما بعد فإنا نحمد الله ربنا وإلهنا وولينا وولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة امتنانا منه بغير حول منا ولا قوة ليبلونا أنشكر أم نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه، فأفضل الناس عند الله منزلة وأقربهم من الله وسيلة أطوعهم لامره وأعملهم بطاعته وأتبعهم لسنة رسوله وأحياهم لكتابه ليس لاحد عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة الرسول. هذا كتاب الله بين أظهرنا وعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته فينا لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [13 / الحجرات]. ثم صاح بأعلا صوته: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول: فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين. ثم قال: يا معشر المهاجرين والانصار أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين. ثم قال: أنا أبو الحسن - وكان يقولها إذا غضب - ثم قال: ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم فقد حذرتموها واستتموا نعم الله عليكم بالصبر لانفسكم على طاعة الله والذل لحكمه جل ثناؤه. فأما هذا الفئ فليس لاحد على أحد فيه أثرة فقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا وعهد نبينا

[21]

بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه. ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين ثم بعث بعمار بن ياسر وعبد الرحمان بن حسل القرشي (1) إلى طلحة والزبير وهما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما فقاما حتى جلسا إليه عليه السلام فقال لهما: نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره لها ؟ قالا: نعم فقال: غير مجبرين ولا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما ؟ قالا: نعم قال: فما دعاكما بعد إلى ما أرى ؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الامور ولا تقطعها دوننا وأن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت فأنت تقسم القسم وتقطع الامر وتمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا ! ! فقال: لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا فاستغفرا الله يغفر لكما ألا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه ؟ قالا: معاذ الله. قال: فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشئ ؟ قالا: معاذ الله. قال: أفوقع حكم أو حق لاحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه ؟ قالا: معاذ الله. قال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا وظهرت عليه دعوتنا وأخذناه قسرا وقهرا ممن لا يرى الاسلام إلا كرها. فقال عليه السلام: أما ما ذكرتموه من الاستشارة بكما فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ولكنكم دعوتموني إليها وجعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الامة فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما


(1) كذا في طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد، وفي أصلي من البحار: (عبد الله بن خل... ".

[22]

دلاني عليه واتبعته ولم أحتج إلى رأيكما فيه ولا رأي غيركما ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه. وأما القسم والاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء قد وجدت أنا وأنتما رسول الله صلى الله عليه وآله يحكم بذلك وكتاب الله ناطق به، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قولكما: جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا سواءا بيننا وبين غيرنا. فقديما سبق إلى الاسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم فلم يفضلهم رسول الله صلى الله عليه وآله (1) في القسم ولا آثرهم بالسبق والله سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم وليس لكما والله عندي ولا لغير كما إلا هذا أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. ثم قال: رحم الله امرءا رأى حقا فأعان عليه ورأى جورا فرده وكان عونا للحق على من خالفه (2). قال ابن أبي الحديد: فإن قلت فإن أبا بكر قسم بالسواء ولم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قلت إن أبا بكر قسم محتذيا لقسم رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ولي عمر الخلافة ونفل قوما على قوم ألفوا ذلك (3) ونسوا تلك القسمة الاولى وطالت أيام عمر وأشربت قلوبهم حب المال


(1) هذا هو الظاهر المذكور في شرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من البحار: " فلا فضلهم [الله " خ "] رسول الله صلى الله عليه وآله ". (2) وقريبا منه جدا يجده الباحث في المختار: (61 - 62) من نهج السعادة: ج 1، ص 212 ط 2، وفي المعيار والموازنة ص 109، ط 1. (3) كذا في أصلي، وفي ط الحديث من شرح ابن أبي الحديد: " وفضل قوما ".

[23]

وكثرة العطاء، وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرنوا على القناعة فلما ولي عثمان أجرى الامر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق العوام بذلك، ومن ألف أمرا شق عليه فراقه فلما ولي أمير المؤمنين عليه السلام أراد أن يرد الامر إلى ما كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نسي ذلك ورفض وتخلل بين الزمانين إثنان وعشرون سنة فشق ذلك عليهم وأنكروه وأكبروه حتى حدث ما حدث ولله أمر هو بالغه. بيان: قوله [عليه السلام]: " كنت كارها " أي طبعا وإن أحبها شرعا. أو كنت كارها قبل دعوتكم لعدم تحقق الشرائط. والمراد بالوالي الوالي بغير الاستحقاق، والعامل بغير أمر الله فيها. فعلى الوجه الاول التعليل للكراهة طبعا لعسر العمل بأمر الله فيها. وعلى [الوجه] الثاني التعليل لعدم التعرض قبل تحقق الشرائط لانها تكون حينئذ ولاية جور أيضا. وقال الجوهري: راقني الشئ: أعجبني ومنه قولهم: غلمان روقة وجوار روقة أي حسان. ولعل مفعول القول محذوف أو هو " جرمنا " وقوله: " يقولون " تأكيد للقول أولا. وقال الجوهري: الطاق: ضوب من الثياب. وقال: القطر: ضرب من البرود يقال لها: القطرية. 8 - وروى ابن أبي الحديد أيضا عن الطبري وغيره أن الناس غشوه وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو يأبى ذلك ويقول: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب.


8 - رواه الطبري في أوائل حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 1، ص 3076، وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 434. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (198) من نهج البلاغة: ج 3 ص 572 ط الحديث ببيروت.

[24]

قالوا [له] ننشدك الله ألا ترى الفتنة ؟ ألا ترى إلى ما حدث في الاسلام ؟ ألا تخاف الله ؟ فقال: قد أجبتكم لما أرى منكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم فقالوا: ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال: إن كان لابد من ذلك ففي المسجد إن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين وفي ملاء وجماعة. فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون فبايعوه [و] فيهم طلحة والزبير. قال: وروى أبو عثمان الجاحظ (1) قال: أرسل طلحة والزبير إلى علي (عليه السلام) قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة وقالا: لا تقل له يا أمير المؤمنين وقل له: يا أبا الحسن لقد فال فيك رأينا وخاب ظننا أصلحنا لك الامر ووطدنا لك الامرة وأجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لامرهم جئناك وأسرعنا إليك وبايعناك وقدنا إليك أعناق العرب ووطئ المهاجرون والانصار أعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا ورفضتنا رفض التريكة وملكت أمرك الاشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الاعراب ونزاع الامصار فكنا فيما رجوناه منك كما قال الاول: فكنت كمهريق الذي في سقائه * لرقراق آل فوق رابية صلد فلما جاءه محمد بن طلحة. وأبلغه ذلك قال (عليه السلام): إذهب إليهما فقل لهما: فما الذي يرضيكما فذهب وجاء وقال: إنهما يقولان: ول أحدنا البصرة والآخر الكوفة فقال: والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين اذهب إليهما فقل: أيها الشيخان أحذرا من الله ونبيه على أمته ولابتغيا المسلمين غائلة وكيدا وقد سمعتما قول الله " تلك الدار الآخرة


(1) رواه عنه ابن أبي الحديد في أواسط شرح المختار: (198) من نهج البلاغة: ج 3 ص 576 ط بيروت.

[25]

نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " [83 / القصص]. فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه، وتأخرا عنه أياما ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا. قال: ولما خرجا قال علي (عليه السلام) لاصحابه: والله ما يريدان العمرة وإنما يريدان الغدرة " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " (1). وروى عن الطبري (2) أنه لما بايع الناس عليا أتى الزبير فاستأذن عليه قال أبو حبيبة (3) مولى الزبير فأعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه وقال: إئذن له فأذنت له فدخل فسلم وهو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل الامر ما قضاه قم مقامه وانظر هل ترى من السيف شيئا ؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته فقال ذاك. 9 - ما: أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت عن أحمد بن [محمد ابن] عقدة قال: حدثنا الحسن بن صالح من كتابه في ربيع الاول سنة ثمان وسبعين وأحمد بن يحيى عن محمد بن عمرو، عن عبد الكريم، عن القاسم بن أحمد عن أبي الصلت الهروي.


(1) اقتباس من الآية العاشرة من سورة الفتح: (48). (2) رواه الطبري مسندا في أوائل حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 1، ص 3073 / ط 1، وفي ط بيروت: ج 4 ص 432. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (198) من نهج البلاغة: ج 3 ط الحديث ببيروت ص 577. (3) ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي تاريخ الطبري " لقد دخل المرء ما أقصاه.. " 9 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث الاخير من المجلس: (26) من المجلد الثاني من أماليه ص 735 ط بيروت.

[26]

وقال ابن عقدة: وحدثناه القاسم بن الحسن الحسيني عن أبي الصلت عن علي بن عبد الله بن النعجة عن أبي سهيل بن مالك: عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: لما ولي علي بن أبي طالب (عليه السلام) أسرع الناس إلى بيعته المهاجرون والانصار وجماعة الناس لم يتخلف عنه عن أهل الفضل إلا نفر يسير خذلوا وبايع الناس. وكان عثمان قد عود قريشا والصحابة كلهم وصبت عليهم الدنيا صبا وآثر بعضهم على بعض وخص أهل بيته من بني أمية وجعل لهم البلاد وخولهم العباد فأظهروا في الارض فسادا وحمل أهل الجاهلية والمؤلفة قلوبهم على رقاب الناس حتى غلبوه على أمره فأنكر الناس ما رأوا من ذلك فعاتبوه فلم يعتبهم وراجعوه فلم يسمع منهم وحملهم على رقاب الناس حتى انتهى إلى أن ضرب بعضا ونفى بعضا وحرم بعضا فرأى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدفعوه وقالوا: إنما بايعناه على كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) والعمل بهما فحيث لم يفعل ذلك لم تكن له عليهم طاعة. فافترق الناس في أمره على خاذل وقاتل فأما من قاتل فرأى أنه حيث خالف الكتاب والسنة واستأثر بالفئ واستعمل من لا يستأهل رأوا أن جهاده جهاد. وأما من خذله فإنه رأى أنه يستحق الخذلان ولم يستوجب النصرة بترك أمر الله حى قتل واجتمعوا على علي بن أبي طالب فبايعوه فقام وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإني قد كنت كارها لهذه الولاية يعلم الله في سماواته وفوق عرشه على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اجتمعتم على ذلك فدخلت فيه وذلك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيما وال ولي أمر أمتي من بعدي أقيم يوم القيامة على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن نجا فبعدله وإن جار انتقض به الصراط انتقاضة تزيل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو وعضو من أعضائه مسيرة مائة عام يخرق به الصراط فأول ما

[27]

يلقى به النار أنفه وحر وجهه ولكني لما اجتمعتم علي نظرت فلم يسعني ردكم حيث اجتمعتم أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم. فقام إليه الناس فبايعوه فأول من قام فبايعه طلحة والزبير ثم قام المهاجرون والانصار وسائر الناس حتى بايعه الناس وكان الذي يأخذ عليهم البيعة عمار بن ياسر وأبو الهيثم بن التيهان وهما يقولان: نبايعكم على طاعة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وإن لم نف لكم فلا طاعة لنا عليكم ولا بيعة في أعناقكم والقرآن إمامنا وإمامكم. ثم التفت علي (عليه السلام) عن يمينه وعن شماله وهو على المنبر وهو يقول: ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الانهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة - فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إن لم يغفر لهم الغفار - إذا منعوا ما كانوا فيه وصيروا إلى حقوقهم التي يعلمون يقولون حرمنا ابن أبي طالب وظلمنا حقوقنا ونستعين بالله ونستغفره. وأما من كان له فضل وسابقة منكم فإنما أجره فيه على الله فمن استجاب لله ولرسوله ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده فأنتم أيها الناس عباد الله المسلمون والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية وليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى وللمتقين عند الله خير الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين جزاءا وما عند الله خير للابرار. [و] إذا كان غدا فاغدوا فإن عندنا مالا اجتمع فلا يتخلفن أحد كان في عطاء أو لم يكن إذا كان مسلما حرا احضروا رحمكم الله. فاجتمعوا من الغد ولم يتخلف عنه أحد فقسم بينهم ثلاثة دنانير لكل إنسان الشريف والوضيع والاحمر والاسود ولم يفضل أحدا، ولم يتخلف عنه أحد إلا هؤلاء الرهط: طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وناس معهم.

[28]

فسمع عبيد الله بن أبي رافع وهو كاتب علي بن أبي طالب (عليه السلام) عبد الله بن الزبير وهو يقول للزبير وطلحة وسعيد بن العاص لقد التفت إلى زيد بن ثابت فقلت له: إياك أعني واسمعي يا جارة. فقال له عبيد الله: يا سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير إن الله يقول في كتابه: * (وأكثرهم للحق كارهون) * قال عبيد الله: فأخبرت عليا فقال: لئن سلمت لاحملنهم على الطريق قاتل الله ابن العاص لقد علم في كلامي أني أريده وأصحابه بكلامي والله المستعان. قال مالك ابن أوس: وكان علي بن أبي طالب عليه السلام أكثر ما يسكن القناة فبينا نحن في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي (عليه السلام) ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير والمسور بن مخرمة فجلسوا. وكان علي (عليه السلام) جعل عمار بن ياسر على الخيل فقال لابي الهيثم بن التيهان ولخالد بن زيد أبي أيوب ولابي حية ولرفاعة بن رافع في رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا إلى هؤلاء القوم فإنه بلغنا عنهم ما نكره من خلاف أمير المؤمنين إمامهم والطعن عليه وقد دخل معهم قوم من أهل الجفاء والعداوة فإنهم سيحملونهم على ما ليس من رأيهم فقال: فقاموا وقمنا معهم حتى جلسوا إليهم فتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: إن لكم لقدما في الاسلام وسابقة وقرابة من أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد بلغنا عنكم طعن وسخط لامير المؤمنين فإن يكن أمر لكما خاصة فعاتبا ابن عمتكما وإمامكما وإن كان نصيحة للمسلمين فلا تؤخراه عنه ونحن عون لكما فقد علمتما أن بني أمية لن تنصحكما أبدا وقد عرفتما - وقال أحمد عرفتم - عدواتهم لكما وقد شركتما في دم عثمان ومالأتما. فسكت الزبير وتكلم طلحة فقال: افرغوا جميعا مما تقولون فإني قد عرفت أن في كل واحد منكم خطبة. فتكلم عمار بن ياسر رحمه الله فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي. (صلى الله عليه وآله) وقال: أنتما صاحبا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد

[29]

أعطيتما إمامكما للطاعة والمناصحة والعهد والميثاق على العمل بطاعة الله وطاعة رسوله وأن يجعل كتاب الله - قال أحمد: وجعل كتاب الله - إماما ففيم السخط والغضب على علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ فغضب الرجال للحق انصرا نصركما الله. فتكلم عبد الله بن الزبير فقال: لقد تهذرت يا أبا اليقظان فقال له عمار: مالك تتعلق في مثل هذا يا أعبس ثم أمر به فأخرج فقام الزبير فقال: عجلت يا أبا اليقظان على ابن أخيك رحمك الله فقال عمار: يا أبا عبد الله أنشدك الله أن تسمع قول من رأيت فإنكم معشر المهاجرين لم يهلك من هلك منكم حتى استدخل في أمره المؤلفة قلوبهم فقال الزبير: معاذ الله أن نسمع منهم فقال عمار: والله يا أبا عبد الله لو لم يبق أحد إلا خالف علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما خالفته ولا زالت يدي مع يده وذلك لان عليا لم يزل مع الحق منذ بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فإني أشهد أنه لا ينبغي لاحد أن يفضل عليه أحدا. فاجتمع عمار بن ياسر وأبو الهيثم ورفاعة وأبو أيوب وسهل بن حنيف فتشاوروا أن يركبوا إلى علي (عليه السلام) بالقناة فيخبروه بخبر القوم فركبوا إليه فأخبروه باجتماع القوم وما هم فيه من إظهار الشكوى والتعظيم لقتل عثمان وقال له أبو الهيثم: يا أمير المؤمنين انظر في هذا الامر فركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخل المدينة وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واجتمع أهل الخير والفضل من الصحابة والمهاجرين فقالوا لعلي (عليه السلام) إنهم قد كرهوا الاسوة وطلبوا الاثرة وسخطوا لذلك. فقال: علي (عليه السلام): ليس لاحد فضل في هذا المال هذا كتاب الله بيننا وبينكم ونبيكم محمد (صلى الله عليه وآله) وسيرته ثم صاح بأعلى صوته يا معشر الانصار أتمنون علي بإسلامكم بل لله ورسوله المن عليكم إن كنتم صادقين - وقال أحمد: [أتمنون على الله بإسلامكم (1)] - أنا أبو الحسن القرم.


(1) من قوله: " بل لله ورسوله المن - إلى قوله: - بإسلامكم " قد سقط عن الطبعة الكمباني من هذا الكتاب وأخذناه من أمالي الطوسي.

[30]

ونزل عن المنبر وجلس ناحية المسجد وبعث إلى طلحة والزبير فدعاهما ثم قال لهما: ألم تأتياني وتبايعاني طائعين غير مكرهين فما أنكرتم أجور في حكم أو استيثار في فئ ؟ قالا: لا. قال: أو في أمر دعوتماني إليه من أمر المسلمين فقصرت عنه ؟ قالا: معاذ الله. قال: فما الذي كرهتمان أمري حتى رأيتما خلافي ؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم وانتقاصنا حقنا من الفئ جعلت حظنا في الاسلام كحظ غيرنا فيما أفاء الله علينا بسيوفنا ممن هو لنا فئ فسويت بيننا وبينهم. فقال علي (عليه السلام): الله أكبر اللهم إني أشهدك وأشهد من حضر عليهما أما ما ذكرتما من الاستيثار (1) فو الله ما كانت لي في الولاية رغبة ولا لي فيها محبة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فكرهت خلافكم فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع وأمر فيه بالحكم وقسم وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمضيته ولم أحتج فيه إلى رأيكما ودخولكما معي ولا غيركما ولم يقع أمر جهلته فأتقوى فيه برأيكما ومشورتكما ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما إذا لم يكن في كتاب الله ولا في سنة نبينا صلى الله عليه وآله فأما ما كان فلا يحتاج فيه إلى أحد. وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه ووجدت أنا وأنتما قد جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) من كتاب الله فلم أحتج فيه إليكما قد فرغ من قسمه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قولكما جعلتنا فيه كمن ضربناه بأسيافنا وأفاء الله علينا وقد سبق رجال رجالا فلم يضرهم ولم يستأثرهم عليهم من سبقهم لم يضرهم حين


(1) هذا الكلام يدل بالصراحة على أنهما ذكرا في جملة معاذيرهما قولهما: " إنا أعطيناك ببيعتنا على أن تستشيرنا ولا تستبد بأمر دوننا " أو نحوه كما مر في رواية أبي جعفر الاسكافي، وقد سقط هذه الفقرة ها هنا من هذا الكتاب ومن كتاب الامالي أيضا.

[31]

استجابوا لربهم والله مالكم ولا لغيركم إلا ذلك ألهمنا الله وإياكم الصبر عليه. فذهب عبد الله بن الزبير يتكلم فأمر به فوجئت عنقه وأخرج من المسجد فخرج وهو يصيح ويقول: اردد إليه بيعته. فقال علي (عليه السلام): لست مخرجكما من أمر دخلتما فيه ولا مدخلكما في أمر خرجتما منه. فقاما عنه وقالا: أما إنه ليس عندنا أمر إلا الوفاء قال: فقال (عليه السلام): رحم الله عبدا رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا للحق على من خالفه (1). بيان: يخرق به الصراط أي من الاعوام التي يخرق بها الصراط أي يقطع بها. وفي النهاية: " قناة ": واد من أودية المدينة عليه حرث ومال وزرع. وقال في حديث علي (عليه السلام): " أنا أبو حسن القرم أي المقدم في الرأي، والقرم فحل الابل أي أنا فيهم بمنزلة الفحل في الابل. قال الخطابي: وأكثر الروايات " القوم " بالواو ولا معنى له وإنما هو بالراء أي المقدم في المعرفة وتجارب الامور. 10 - 18 - الكافية لابطال توبة الخاطئة (2) عن الحسين بن عيسى عن زيد عن أبيه قال: حدثنا أبو ميمونة عن أبي بشير العائذي قال: كنت بالمدينة حين قتل عثمان فاجتمع المهاجرون فيهم طلحة والزبير فأتوا عليا (عليه السلام) فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، قال: لا حاجة لي في أمركم أنا بمن اخترتم راض. قالوا: ما نختار غيرك واختلفوا إليه بعد قتل عثمان مرارا.


(1) رواه الشيخ الطوسي في الحديث الاخير من المجلس: (26) من المجلد الثاني من أماليه ص 735. (2) هذا الكتاب من تأليف معلم الامة الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، ومع الفحص الاكيد عنه لم نظفر بعد به.

[32]

وعن إسحاق بن راشد عن عبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي عن أبي أروى قال: لا أحدثك إلا بما رأته عيناي وسمعته أذناي لما برز الناس للبيعة عند بيت المال قال علي (عليه السلام) لطلحة: ابسط يدك للبيعة، فقال له طلحة: أنت أحق بذلك مني وقد استجمع لك الناس ولم يجتمعوا لي فقال علي (عليه السلام) لطلحة: والله ما أخشى غيرك ! ! ! فقال طلحة: لا تخشى فو الله لا تؤتى من قبلى أبدا فبايعه وبايع الناس. وعن يحيى بن سلمة عن أبيه قال: قال ابن عباس: والذي لا إله إلا هو أن أول خلق الله عزوجل ضرب على يد علي بالبيعة طلحة بن عبيد الله. وعن محمد بن عيسى النهدي عن أبيه عن الصلت بن دينار عن الحسن قال: بايع طلحة والزبير عليا (عليه السلام) على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) طائعين غير مكرهين. وعن عبيدالله بن حكيم بن جبير عن أبيه عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن طلحة والزبير بايعا عليا. وعن الحسن بن مبارك عن بكر بن عيسى قال: إن طلحة والزبير أتيا عليا (عليه السلام) بعدما بايعاه بأيام فقالا: يا أمير المؤمنين قد عرفت شدة مؤنة المدينة وكثرة عيالنا وإن عطاءنا لا يسعنا قال: فما تريدان نفعل ؟ قالا: تعطينا من هذه المال ما يسعنا ! ! فقال: اطلبا إلى الناس فإن اجتمعوا على أن يعطوكما شيئا من حقوقهم فعلت. قالا: لم نكن لنطلب ذلك إلى الناس ولم يكونوا يفعلوا لو طلبنا إليهم ! ! قال: فأنا والله أحرى أن لا أفعل فانصرفا عنه. وعن عمرو بن شمر عن جابر عن محمد بن علي عليهما السلام إن طلحة والزبير أتيا عليا (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة فقال لهما: لعلكما تريدان الشام والبصرة ؟ فقالا: اللهم غفرا ما ننوي إلا العمرة. وعن الحسين بن مبارك عن بكر بن عيسى (عليه السلام) أن عليا أخذ عليهما عهد الله وميثاقه وأعطم ما أخذ على أحد من خلقه أن لا يخالفا ولا

[33]

ينكثا ولا يتوجها وجها غير العمرة حتى يرجعا إليها فأعطياه ذلك من أنفسهما ثم أذن لهما فخرجا. وعن أم راشد مولاة أم هانئ أن طلحة والزبير دخلا على علي (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة فأذن لهما فلما وليا ونزلا من عنده سمعتهما يقولان: لا والله ما بايعناه بقلوبنا إنما بايعناه بأيدينا [قالت:] فأخبرت عليا (عليه السلام) بمقالتهما فقال: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " (1). 19 - شا: [و] من كلامه صلوات الله عليه - حين تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد - ما رواه الشعبي قال: لما اعتزل سعد ومن سميناه أمير المؤمنين (عليه السلام) وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم وإن على الامام الاستقامة وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب من دين الاسلام واتبع غير سبيل أهله ولم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا وإني أريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم وأيم الله لانصحن للخصم ولانصفن للمظلوم وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان بن ثابت أمور كرهتها والحق بيني وبينهم.


(1) اقتباس من الآية العاشرة من سورة الفتح: (48). 19 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (16) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 130. وللكلام مصادر أخر يجدها الباحث في ذيل المختار: (59) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 208 ط 2.

[34]

بيان: " وإنما الخيار " أي بزعمكم وعلى ما تدعون من ابتناء الامر على البيعة " لم تكن بيعتكم [إياي فلتة] " تعريض ببيعة أبي بكر. 20 - 22 - قب: في جمل أنساب الاشراف أنه قال الشعبي في خبر لما قتل عثمان أقبل الناس لعلي (عليه السلام) ليبايعوه وقالوا إليه فمدوا يده فكفها وبسطوها فقبضها حتى بايعوه (1). وفي سائر التواريخ: أن أول من بايعه طلحة بن عبيدالله - وكانت إصبعه أصيبت يوم أحد فشلت فبصرها أعرابي حين بايع فقال: ابتدأ هذا الامر يد شلاء لا يتم - ثم بايعه الناس في المسجد. ويروى أن الرجل كان عبيد بن ذويب فقال: يد شلاء وبيعة لا تتم وهذا عنى البرقي في بيته: ولقد تيقن من تيقن غدرهم * إذ مد أولهم يدا شلاءا جبلة بن سحيم عن أبيه أنه قال: لما بويع علي (عليه السلام) جاء إليه المغيرة بن شعبة فقال إن معاوية من قد علمت قد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الاسلام ثم أعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قالا: لا. قال: لا يسألني الله عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا " وما كنت متخذا المضلين عضدا " الخبر. ولما بويع علي (عليه السلام) أنشأ خزيمة بن ثابت يقول:


20 - 22 - رواه ابن شهر أشوب إلى آخر الابيات المذكورة ها هنا في آخر قضايا الحكمين والخوارج من كتاب مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 375 ط الغري. (1) ولذيل الكلام مصادر، وقد ذكره البلاذري بسندين في الحديث: (258) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 209 - 210.

[35]

إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس أنه * أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا لا تشق غباره * إذا ما جرى يوما على ضمر البدن ففيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم مثل الذي فيه من حسن وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذي المنن وصاحب كبش القوم في كل وقعة * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه * إمامهم حتى أغيب بي الكفن [وقال ابو العباس: احمد بن] عطية. رأيت عليا خير من وطى الحصا * وأكرم خلق الله من بعد أحمد وصي رسول المرتضى وابن عمه * وفارسه المشهور في كل مشهد تخيره الرحمان من خير أسرة * لاطهر مولود وأطيب مولد إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * ببيعته بعد النبي محمد بيان: أطب قريش أي أعلمهم ورجل طب - بالفتح - أي عالم. " تكون لها " أي لشدة الواقعة " نفس الشجاع " وروحه للخوف منها " عند الذقن " أي مشرفة على مفارقة البدن. أقول: سيأتي في أعمال يوم النيروز عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن اليوم الذي بويع فيه أمير المؤمنين ثانية كان يوم النيروز. 23 - نهج ومن كلام له [عليه السلام] لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا يقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وإن الآفاق قد أغامت والحجة قد تنكرت


23 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (90) من كتاب نهج البلاغة.

[36]

واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا. تبيين: المخاطبون بهذا الخطاب [هم] الطالبون للبيعة بعد قتل عثمان، ولما كان الناس نسوا سيرة النبي واعتادوا بما عمل فيهم خلفاء الجور من تفضيل الرؤساء والاشراف لانتظام أمورهم وأكثرهم إنما نقموا على عثمان استبداده بالاموال كانوا يطمعون منه عليه السلام أن يفضلهم أيضا في العطاء والتشريف ولذا نكث طلحة والزبير في اليوم الثاني من بيعته ونقموا عليه التسوية في العطاء وقالوا آسيت بيننا وبين الاعاجم وكذلك عبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان وأضرابهم ولم يقبلوا ما قسم لهم فهؤلاء القوم لما طلبوا البيعة بعد قتل عثمان قال عليه السلام " دعوني والتمسوا غيري... " إتماما للحجة عليهم وأعلمهم باستقبال أمور لها وجوه وألوان لا يصبرون عليها وإنه بعد البيعة لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه ولا يصغي إلى قول القائل وعتب العاتب بل يقيمهم على المحجة البيضاء ويسير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. [قوله]: " وإن الآفاق قد أغامت " أي أظلمت بغيم سنن أرباب البدع وخفاء شمس الحق تحت سحاب شبه أهل الباطل. " والمحجة ": جادة الطريق " وتنكرها " تغيرها وخفاؤها. قوله عليه السلام: " ركبت بكم " أي جعلتكم راكبين. وتركهم إياه عدم طاعتهم له واختيار غيره للبيعة حتى لا تتم شرايط الخلافة لعدم الناصر كقوله (عليه السلام) في الشقشقية: " لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لالقيت حبلها على غاربها " وليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجة وإبطال لما علم عليه السلام من ادعائهم الاكراه على البيعة كما فعل طلحة والزبير بعد النكث، مع أن المرء حريص على ما منع والطبع نافر عما سورع إلى إجابته " والوزير " من يحمل عن الملك ثقل التدبير.

[37]

وقال ابن أبي الحديد (1) - كما هو دأبه أن يأتي بالحق ثم عنه يحيد -: هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره ويقولون: أنه (عليه السلام) لم يكن منصوصا عليه بالامامة وإن كان أولى الناس بها لانه لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول: دعوني والتمسوا غيري. ثم ذكر تأويل الامامية منه أن يسير فيهم بسيرة الخلفاء ويفضل بعضهم على بعض في العطاء أو بأن الكلام خرج مخرج التضجر والتسخط لافعال الذين عدلوا عنه (عليه السلام) قبل ذلك للاغراض الدنيوية أو بأنه خرج مخرج التهكم كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * أي بزعمك ثم قال: واعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد لو دل عليه دليل فأما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره. ولا يخفى على اللبيب أنه بعد الاغماض عن الادلة القاهرة والنصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التأويل ولا يستقيم الحمل على ظاهره إلا على القول بأن إمامته عليه السلام كانت مرجوحة وأن كونه وزيرا أولى من كونه أميرا وهو ينافي القول بالتفضيل الذي قال به فإنه (عليه السلام) إذا كان أحق الامامة وبطل تفضيل المفضول على ما هو الحق واختاره أيضا كيف يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره وكيف يجوز له (عليه السلام) أن يأمر الناس بتركه والعدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك الامامة، ومع وجود الضرورة كما جاز ترك الامامة الواجبة بالدليل جاز ترك الامامة المنصوص عليها فالتأويل واجب على التقديرين ولا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان.


(1) ذكره في شرح المختار: (91) من خطب نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 597 طبع الحديث ببيروت.

[38]

على أن الظاهر للمتأمل في أجزاء الكلام حيث علل الامر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب وتنكر المحجة وأنه إن أجابهم حملهم على الحق هو أن السبب في ذلك المانع دون عدم النص وأنه لم يكن متعينا للامامة أو لم يكن أحق وأولى به ونحو ذلك ولعل الوجه في قوله (عليه السلام) " لعلي أسمعكم وأطوعكم " هو أنه أذا تولى الغير أمر الامامة ولم تتم الشرائط في خلافته (عليه السلام) لم يكن ليعدل عن مقتضى التقية بخلاف سائر الناس حيث يجوز الخطأ عليهم. وأما قوله: " فأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا " فلعل المراد بالخيرية فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا فإنه (عليه السلام) على تقدير الامامة وبسط اليد لا يجب عليه العمل بمحض الحق وهو يصعب على النفوس ولا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيرا فإن الوزير يشير بالرأي مع تجويز التأثير في الامير وعدم الخوف ونحوه من شرايط الامر بالمعروف ولعل الامير الذي يولونه الامر يرى في كثير من الامور ما يطابق آمال القوم ويوافق أطماعهم ولا يعمل بما يشير به الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم فالحاصل أن ما قصدتموه من بيعتي لا يتم لكم ووزارتي أوفق لغرضكم والغرض إتمام الحجة كما عرفت. 24 - ما: الحسين بن عبد الله عن أحمد بن جعفر البزوفري عن حميد بن زياد عن العباس بن عبيدالله الدهقان عن إبراهيم بن صالح الانماطي رفعه قال: لما أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد البيعة دخل بيت المال ودعى بمال كان قد اجتمع فقسمه ثلاثة دنانير بين من حضر من الناس كلهم فقام سهل بن حنيف فقال يا أمير المؤمنين قد اعتقت هذا الغلام فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف.


24 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث الاخير من المجلس (20) من المجلد الثاني من أماليه ص 697.

[39]

25 - نهج: ومن خطبة له [عليه السلام]: قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لايح واعتدل مائل واستبدل الله بقوم قوما وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر وإنما الائمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه. وإن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخلصكم له وذلك لانه اسم سلامة وجماع كرامة اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه من ظاهر علم وباطن حكم لا تفنى غرائبه ولا تنقضي عجائبه فيه مرابيع النعم ومصابيح الظلم لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه قد أحمى حماه وأرعى مرعاه فيه شفاء المشتفى وكفاية المكتفى توضيح: قيل هذه خطبة خطب بها (عليه السلام) بعد قتل عثمان وانتقال الخلافة إليه ويمكن أن يكون المراد بطلوع الطالع ظهور إمرته وخلافته (عليه السلام) وأن يشير ب‍ " لموع " اللامع إلى ظهورها من حيث هي حق له وسطوع أنوار العدل بصيرورتها إليه، وب‍ " لوح اللائح " إلى الحروب والفتن الواقعة بعد انتقال الامر إليه. وقيل المراد بالجميع واحد فيحتمل أن يكون المراد طلع ما كان طالعا فإن الخلافة كانت له (عليه السلام) حقيقة أي طلع ظاهرا ما كان طالعا حقيقة كقوله (عليه السلام): " واعتدل مائل " أي الخلافة التي كانت مائلة عن مركزها أو أركان الدين القويم. ولعل انتظار الغير كناية عن العلم بوقوعه أو الرضى بما قضى الله من ذلك والمراد " بالغير " ما جرى قبل ذلك من قتل عثمان وانتقال الامر إليه عليه السلام أو ما سيأتي من الحروب والوقايع والاول أنسب. قوله (عليه السلام): " قوام الله " أي يقومون بمصالحهم وقيم المنزل هو


25 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (150) من باب خطب نهج البلاغة.

[40]

المدبر له " والعرفاء " جمع عريف وهو القيم بأمور القبيلة والجماعة يلي أمورهم ويتعرف الامير منه أحوالهم " فعيل " بمعنى فاعل. " إلا من عرفهم " أي بالامامة " وعرفوه " أي بالتشيع والولاية. ومنكرهم من لم يعرفهم ولم يقر بما أتوا به من ضروريات الدين فهو منكر لهم. قوله (عليه السلام): لانه أسم سلامة أي الاسلام مشتق من السلامة وقال الجوهري: جماع الشئ بالكسر: جمعه يقال: الخمر جماع الاثم. والمرابيع: الامطار التي تجئ في أول الربيع فيكون سببا لظهور الكلا. ويقال: أحميت المكان أي جعلته حمى. قال ابن أبي الحديد أحمأه أي جعله عرضة لان يحمي أي عرض الله سبحانه حماه ومحارمه لان يجتنب وأرعى مرعاه لان يرعى أي مكن من الانتفاع بمواعظه لانه خاطبنا بلسان عربي مبين. ويمكن أن يقال المعنى جعل له حرمات ونهى عن انتهاكها. أو إرتكاب نواهيه وتعدى حدوده ورخصا أباح للناس التمتع بها. أو المراد بقوله عليه السلام " قد أحمى حماه " منع المغيرين من تغيير قواعده وبقوله: " أرعى مرعاه " مكن المطيعين من طاعته التي هي الاغذية الروحانية للصالحين كما أن النبات غذاء للبهائم. 26 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام) في أول خلافته: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا نهج الخير تهتدوا واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا الفرايض الفرائض أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة، إن الله تعالى حرم حراما غير مجهول وأحل حلالا غير مدخول وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب.


26 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (165) من باب خطب نهج البلاغة. وقريبا منه رواه أيضا الطبري في أوائل حوادث سنة: (35) من تاريخه.

[41]

بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم آخركم اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه. بيان: واصدفوا أي اعرضوا عن طريقه. والقصد: العدل. ونصب الفرائض على الاغراء. قوله (عليه السلام): " وشد بالاخلاص " أي ربط الحقوق بها فأوجب على المخلصين الموحدين المحافظة على حقوق المسلمين. قوله: " وخاصة أحدكم " قال ابن أبي الحديد: الموت وإن كان عاما لكل حيوان إلا أن له مع كل حيوان خصوصية وكيفية مخالفة مع غيره. " فإن الناس أمامكم " أي سبقوكم إلى الموت وفي بعض النسخ: " الباس " بالباء الموحدة مع الهمزة أي الفتنة تحدوكم أي تسوقكم. والحداء: سوق الابل والغناء لها " تخففوا " أي بالقناعة من الدنيا باليسير وترك الحرص عليها وارتكاب المأثم فإن المسافر الخفيف أحرى بلحوق أصحابه وبالنجاة " إنما ينتظر " أي للبعث والنشور. 27 - فس: أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله قال: خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعدما بويع له بخمسة أيام خطبة فقال: واعلموا أن لكل حق طالبا ولكل دم ثائرا والطالب كقيام الثائر بدمائنا والحاكم في حق نفسه هو العدل الذي لا يحيف والحاكم الذي لا يجور وهو الله الواحد القهار.


27 - رواه علي بن إبراهيم رفع الله مقامه في تفسير الآية: (25) من سورة النحل من تفسيره: ج 1، ص 384، ولفقرات الكلام شواهد ومصادر ذكر بعضها في ذيل المختار: (68) من باب خطب نهج السعادة: ج 1، ص 235 ط 2.

[42]

واعلموا أن على كل شارع بدعة وزره ووزر كل مقتد به من بعده إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا وسينتقم الله من الظلمة مأكل بمأكل ومشرب بمشرب من لقم العلقم ومشارب الصبر الادهم فليشربوا الصلب من الراح السم المذاف وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا ولهم بكل ما أتوا وعملوا من أفاريق الصبر الادهم فوق ما أتوا وعملوا أما أنه لم يبق ألا الزمهرير من شتائهم وما لهم من الصيف إلا رقدة ويحبسهم وما توازروا وجمعوا على ظهورهم من الآثام. فيا مطايا الخطايا ويا زور الزور وأوزار الاثام مع الذين ظلموا اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على أنفسكم فسيعلم الذين ظلموا أي منقل ينقلبون. فأقسم ثم أقسم لتحملنها بنو أمية من بعدي وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل فلا يبعد الله إلا من ظلم وعلى البادي - يعني الاول - ما سهل لهم من سبيل الخطايا مثل أوزارهم وأوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون. إيضاح: والطالب كقيام الثائر أي طلب الطالب للحق كقيام الطالب بدمائنا، والثأر بالهمز: الدم والطلب به وقاتل حميمك " والثائر ": من لا يبقى على شئ حتى يدرك ثاره ذكره الفيروز آبادي " والحاكم في حق نفسه " ولعل المعنى أن في قتلنا حقا لنا وحقا لله تعالى حيث قتلوا حجته ووليه والقائم يطلب حقنا والله العادل يحكم في حق نفسه أن على كل شارع بدعة وزره، شرع لهم كمنع: سن. وقوله: " وزره " اسم إن وخبره الظرف المقدم إي يلزم مبدع البدعة ومحدثها وزر نفسه ووزر كل من اقتدى به " من لقم العلقم " اللقم جمع اللقمة والعلقم: الحنظل وكل شئ مر " والاديم ": الاسود " فليشربوا الصلب " أي الشديد الغليظ فإن شربه أعسر أو هو تصحيف " الصئب " بالهمز يقال: صئب من الشراب كفرح إذا روى وامتلأ " والصبب " بالباء محركة بمعنى المصوب " والراح ": الخبر أطلق هنا تهكما. و " الدوف ": الخلط والبل بماء ونحوه. وقال الفيروز آبادي: الفرقة: السقأ الممتلئ لا يستطاع يمخض حتى يفرق. والطائفة من الناس والجمع: فرق وجمع الجمع: أفاريق

[43]

" إلا الزمهرير من شتائهم " أي لم يبق من شدائد الدنيا إلا ما أصابهم من تلك الشدة وليس لهم في ذلك أجر " إلا رقده " - بالهاء - أي إلا نومة. وفي بعض النسخ بالفاء مع الضمير. والرفد بالكسر: العطاء. وبالكسر والفتح: القدح الضخم والحاصل أنه لم يبق لهم من راحة الدنيا إلا راحة قليلة ذهبت عنهم " ويحبسهم ما توازروا " أي يحبسهم يوم القيامة أوزارهم. وفي بعض النسخ: " وما توازروا " أي يحبسهم الله " ويا زور الزور " قال في القاموس الزورة: الناقة التي تنظر بمؤخر عينها لشدتها. ولعل في بعض الفقرات تصحيفات. 28 - شا: مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإن الله لم يقصم جباري دهر قط إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم أحد من الامم إلا من بعد أزل وبلاء أيها الناس وفي دون ما استقبلتم من خطب واستدبرتم من عتب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير. ألا فاحسنوا النظر عباد الله فيما يعنيكم ثم أنظروا إلى عرصات من قد أباده الله بعلمه كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم فها هي عرصة المتوسمين وإنها لبسبيل مقيم تنذر من يأتها من الثبور بعد النضرة والسرور ومقيل من الامن والحبور ولمن صبر منكم العاقبة ولله عاقبة الامور. فواها لاهل العقول كيف أقاموا بمدرجة السيول واستضافوا غير مأمون. ويسا لهذه الامة الجائرة في قصدها الراغبة عن رشدها لا يقتفون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يرعوون من عيب كيف


28 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (52) مما اختار من كلام الامام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 155.

[44]

ومفزعهم في المبهمات إلى قلوبهم وكل امرئ منهم إمام نفسه أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات لا يألون قصدا ولن يزدادوا إلا بعدا لشدة أنس بعضهم ببعضهم وتصديق بعضهم بعضا حيادا كل ذلك عما ورث الرسول ونفورا عما أدى إليه من فاطر السموات والارضين العليم الخبير فهم أهل عشوات وكهوف شبهات قادة حيرة وريبة ممن وكل إلى نفسه فاغرورق في الاضاليل هذا. وقد ضمن الله قصد السبيل " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وان الله لسميع عليم " [42 / الانفال: 8] فيا ما أشبهها من أمة صدرت عن ولائها ورغبت عن رعاتها. ويا أسفا أسفا يكلم القلب ويد من الكرب من فعلات شيعتنا بعد مهلكي على قرب مودتها وتاشب ألفتها كيف يقتل بعضها بعضا وتحول ألفتها بغضا. فلله الاسرة المتزحزحة غدا عن الاصل، المخيمة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، المتوكفة الروح من غير مطلعه، كل حزب منهم معتصم بغصن آخذ به، أينما مال الغصن مال معه. مع أن الله - وله الحمد - سيجمعهم كقزع الخريف ويؤلف بينهم ويجعلهم ركاما كركام السحاب يفتح الله لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم إليها كسيل العرم حيث لم تسلم عليه قارة ولم تمنع منه أكمة ولم يرد ركن طود سنته يغرسهم الله في بطون أودية يسلكهم ينابيع في الارض ينفى بهم عن حرمات قوم ويمكن لهم في ديار قوم لكي لا يغتصبوا ما غصبوا يضعضع الله بهم ركنا وينقض به على الجندل من ارم ويملأ منه بطنان الزيتون.

[45]

الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا (1). بيان [قوله عليه السلام:] " إلى عرصات من قد أباده الله " أي أنظروا إلى ديار من قد أهلكه الله بعمله كالخلفاء الثلاثة خصوصا عثمان فها هي أي عرصات هؤلاء عرصة المتوسمين والمتفكرين في الدنيا وعواقبها المعتبرين بها " وإنها لسبيل مقيم " أي عرصاتهم ومنازلهم على سبيلكم تنظرون إليها صباحا ومساء تنذر تلك العرصة من يأتها معتبرا بلسان الحال بالويل والثبور بعدما كان أصحابها في النضرة والسرور " والحبور " كالسرور لفظا ومعنى. " واستضافوا " أي طلبوا الضيافة أو قبلوها ممن لا يؤمن من الغدر وهو الدنيا. " ويسا لهذه الامة " [قال الفيروز آبادي] في القاموس: ويس كلمة تستعمل في موضع رأفة واستملاح للصبي، والويس: الفقر. وفي بعض النسخ: " ويا لهذه الامة " أي: يا قوم اعجبوا لهم " لا يألون قصدا " أي لا يقصرون في قصد الخيرات أو في طلب قصد السبيل ووسطه بزعمهم لكن لقصور علمهم لا يزيدون إلا بعدا. وفي بعض النسخ: " لا يأتون " وهو أصوب. " وقد ضمن الله " إشارة إلى قوله تعالى: " وعلى الله قصد السبيل " " فياما أشبهها (2) " أي يا قوم ما أشبه هذه الامة بأمة كذا تعريضا لهم وإعراضا عن التصريح بصدور هذه الاعمال منهم. والاظهر ما في الكافي " فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها " وفي الصحاح: تأشب القوم: اختلطوا وائتشبوا أيضا يقال: جاء فلان فيمن تأشب


(1) رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (52) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد ص 155. (2) وكان في اصلي مكتوب فوق هذه الجملة بين الاسطر: " فيامن اشبهها ".

[46]

إليه أي انضم إليه: وقال: تزحزح: تنحى. وقال: خيم بالمكان أي أقام. والتوكف: الترقب والانتظار والحاصل أنهم تفرقوا عن أئمة الحق ولم ينصروهم وتعلقوا بالاغصان والفروع التي لا ينفع التعلق بها كمختار وأبي مسلم وزيد ويحيى وإبراهيم وأمثالهم (1). قوله (عليه السلام): " سيجمعهم " إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية. والآنك بضم النون: الا سرب. قوله (عليه السلام): " ولعل الله يجمع شيعتي " إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام) وقد مر [وسيأتي " خ ل "] مزيد توضيح للخطبة عند إبرادها بسند آخر. 29 - ني: الكليني عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن يعقوب السراج عليه السلام بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب خطبة ذكرها يقول فيها: وعلي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما بويع أمير المؤمنين ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سباقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم.


(1) ذكر المثال في القضية بالمختار وأبي مسلم ليس بصواب إذ كل ما قيل في حق المختار من جهات الضعف والانحراف فهو من مفتريات شيعة بني أمية، وأما أبو مسلم فهو من شيعة بني العباس لا غير. 29 - رواه النعماني رحمه الله في الحديث: (132) في باب: " ما يلحق الشيعة من التمحيص... " وهو الباب (12) من كتاب الغيبة ص 135، ط بيروت.

[47]

30 - نهج: ذمتي بما أقول رهينه وأنابه زعيم أن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجره التقوى عن تقحم الشبهات. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم. ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار. ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل أهل فلئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل ولقل ما أدبر شئ فأقبل. بيان: الزعيم الكفيل " أن من صرحت " أي كشفت. والمثلات: العقوبات: وقحم في الامر وتقحمه: رمى بنفسه فيه: والشبهات: ما اشتبه حقيته وحليته. وقيل: أراد بالشبهات ما يتوهم كونه حقا ثابتا باقيا من الامور الزائلة الفانية. وقد مر تفسير باقي الكلام في باب شكايته (عليه السلام).


30 - ذكر السيد الرضي رحمه الله في المختار: (16) من باب الخطب من نهج البلاغة ثم قال السيد رحمه الله إن في هذا الكلام الادنى من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان وإن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ولا يطلع فجها إنسان ولا يعرف ما أقوله إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عرق وما يعقلها إلا العالمون. (*)

[48]

31 - نهج [وقال عليه السلام وقد] قال له طلحة والزبير: نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الامر. فقال: (عليه السلام): ولا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة وعونان على العجز والاود. بيان: قال ابن أبي الحديد أي إذا قوي أمر الاسلام بي قويتما أنتما أيضا والاستعانة هنا الفوز والظفر " وعونان على العجز والاود ": أي العوج. [و] قال ابن ميثم رحمه الله: أي على رفع ما يعرض منهما أو حال وجودهما إذ كلمة على تفيد الحال. وروى ابن أبي الحديد أنه قال في جوابهما: إما المشاركة في الخلافة فكيف يكون ذلك وهل يصح أن يدبر أمر الرعية إمامان ؟ وهل يجمع السيفان ويحك في غمد ؟ 32 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) لما عوتب على التسوية في العطاء: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه والله لا أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجما لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال لهم [فكيف وأنما المال مال الله " خ ل "] ثم قال (عليه السلام): ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله ولم يضع أمرؤ ماله


31 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (202) من قصار نهج البلاغة. وما ذكره المصنف عن ابن أبي الحديد، ذكره في شرح الكلام في ج 5 ص 488 ط الحديث ببيروت. 32 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (125) من نهج البلاغة. وله مصادر أخر يجدها الباحث في ذيل المختار: (278) من نهج السعادة: ج 2 ص 453

[49]

في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره ودهم فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خدين وألام خليل. إيضاح: قوله (عليه السلام) " أتأمروني " أصله تأمرونني فأسكنت الاولى وأدغمت: " لا أطور به " أي لا أقربه أبدا ولا أدور حوله. و [قال الفيروز آبادى] في القاموس: السمر محركة الليل وحديثه. " وما أفعله ما سمر السمير " أي ما اختلف الليل والنهار. " وما أم نجم " أي قصد أو تقدم لان النجوم لا تزال يتبع بعضها بعضا فلابد فيها من تقدم وتأخر ولا يزال يقصد بعضها بعضا. " فإن زلت به النعل " أي إذا عثر وافتقر. والخدين: الصديق. 33 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): لم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لانصفن المظلوم ولاقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها. إيضاح الفلتة: الامر يقع من غير تدبر ولا روية وفيه تعريض ببيعة أبي بكر كما روت العامة عن عمر أنه قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه. وقوله (عليه السلام): " إني أريدكم " الخطاب لغير الخواص من أصحابه (عليه السلام) والمعنى: [إني] أريد إطاعتكم إياي لله وتريدون أن تطيعوني للمنافع الدنيوية. وقال الجوهري: خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنفه ليشد فيها الزمام.


33 - ذكره السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (134) من نهج البلاغة.

[50]

34 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) كلم به طلحة والزبير بعد بيعته للخلافة وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الامور بما: لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا ألا تخبراني أي شئ لكما فيه حق دفعتكما عنه ؟ وأي قسم استأثرت عليكما به ؟ أم أي حق رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه ؟ أم جهلته أم أخطأت بابه ؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ولم يقع حكم جهلته فأستشيركما وإخواني من المسلمين ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما. وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله قد فرغ منه فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى أخذ الله بقلوبكم وقلوبنا إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه. توضيح: قال [إبن الاثير] في النهاية نقم [فلان] إذا بلغت به الكراهة حد السخط. وقال ابن أبي الحديد: أي نقمتما من أحوالي اليسير وتركتما الكثير الذي


34 - ذكره السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (204) من نهج البلاغة.

[51]

ليس لكما ولا لغير كما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير ؟ وليس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن والعيب ولكنه على جهة الاحتجاج. وقال ابن ميثم: أشار باليسير الذي نقماه إلى ترك مشورتهما وتسويتهما لغيرهما في العطاء فإنه وإن كان عندهما صعبا فهو لكونه غير حق في غاية السهولة والكثير الذي أرجاه ما أخراه من حقه ولم يوتياه إياه. وقيل: يحتمل أن يريد أن الذي أبدياه ونقماه بعض ما في أنفسهما وقد دل ذلك على أن في أنفسهما أشياء كثيرة لم يظهراه. والاستيثار: الانفراد بالشئ. ودفع الحق عنهما أعم من أن يصير إليه (عليه السلام) أو إلى غيره أو لم يصر إلى أحد بل بقي بحاله في بيت المال، والاستيثار عليهما به هو أن يأخذ حقهما لنفسه. وجهل الحكم أن يكون الله قد حكم بحرمة شئ فأحله الامام، وجهل الباب أن يصيب في الحكم ويخطئ في الاستدلال أو يكون جهل الحكم بمعنى التحير فيه وأن لا يعلم كيف يحكم والخطأ في الباب أن يحكم بخلاف الواقع. والاربة بالكسر: الحاجة. والاسوة بالضم والكسر: القدوة أي أسوتكما بغيركما في العطاء. ويقال للامر الذي لا يحتاج إلى تكميل مفروغ منه. والعتبى: الرجوع من الذنب والاساءة. 35 - نهج: [و] من كلام له (عليه السلام) في وصف بيعته بالخلافة وبسطتم يدي فكففتها ومددتموها فقبضتها ثم تداككتم على تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء، ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب.


35 - ذكره السيد قدس سره في المختار: (227) من كتاب نهج البلاغة. وللكلام شواهد كثيرة بعضها مذكور في الحديث: (252) من ترجمة على من أنساب الاشراف.

[52]

بيان تداككتم أي ازدحمتم إزدحاما شديدا يدك بعضكم بعضا والدك: الدق. والهيم: العطاش. وقال الجوهري: الهدجان: مشية الشيخ. وهدج الظليم إذا مشى في ارتعاش. وحسرت أي كشفت عن وجهها حرصا على حضور البيعة. والكعاب - بالفتح - المرأة حين تبدو ثديها للنهود هي الكاعب وجمعها كواعب ذكره [إبن الاثير] في [كتاب] النهاية. 36 - نهج ومن كلام له [عليه السلام] يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك: يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه فقد أقر بالبيعة وادعى الوليجة فليأت عليها بأمر يعرف وإلا فليدخل فيما خرج منه. بيان الوليجة: البطانة. والامر يسر ويكتم. قال ابن أبي الحديد: كان الزبير يقول: بايعت بيدي لا بقلبي وكان يدعي تارة أنه أكره عليها و [تارة] يدعي أنه ورى في البيعة تورية ! ! فقال عليه السلام: بعد الاقرار لا يسمع دعوى بلا بينة ولا برهان. 37 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الامرين الفشل ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر. بيان يقال: أرعد الرجل وأبرق إذا توعد وتهدد. قوله (عليه السلام): " حتى نوقع " لعل المعنى لسنا نهدد حتى نعلم أنا سنوقع. قوله عليه السلام " حتى نمطر " أي إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالايقاع غيره من خصومنا. 38 - نهج ومن خطبة له (عليه السلام): ألا وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله ورجله وإن معي لبصيرتي ما لبست على نفسي ولا لبس علي وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه.


36 - 37 - رواها السيد الرضي رحمه الله في المختار (8 - 10) من الباب الاول من نهج البلاغة.

[53]

بيان قال ابن ميثم: هذا الفصل ملتقط [و] ملفق من خطبة له (عليه السلام) لما بلغه أن طلحة والزبير خلعا بيعته وهو غير منتظم. والرجل: جمع راجل. وقال ابن أبي الحديد في قوله: " لافرطن لهم " من رواها بفتح الهمزة فأصله: فرط ثلاثي يقال فرط القوم: سبقهم ورجل فرط يسبق القوم إلى البئر فيهئ لهم الارشية والدلاء ومنه قوله: " أنا فرطكم على الحوض " ويكون التقدير: لافرطن لهم إلى حوض فحذف الجار وعدى الفعل بنفسه كقوله تعالى: " واختار موسى قومه " ويكون اللام في " لهم " إما للتقوية كقوله: " يؤمن للمؤمنين " أي يؤمن المؤمنين أو يكون اللام للتعليل أي لاجلهم. ومن رواها " لافرطن " بضم الهمزة فهو من [قولهم]: أفرط المزادة: ملاها. " والماتح " [بالتاء]: المستقي [من قولهم]: " متح يمتح " بالفتح " والمايح " بالياء الذي ينزل إلى البئر فيملا الدلو. وقال: [معنى قوله]: " أنا ماتحه " أي أنا خبير به كما يقول من يدعي معرفة الدار: أنا باني هذه الدار وحاصل المعنى لاملان لهم حياض حرب [هي من دربتي وعادتي] أو لاسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب بها مجرب لها إذا وردوها لا يصدرون عنها يعني قتلهم [وإزهاق أنفسهم] ومن فر منها لا يعود إليها. 39 - نهج ومن خطبة له عليه السلام: ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه واستجلب جلبه ليعود الجور إلى أوطانه ويرجع الباطل في نصابه. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون


39 - رواه السيد الرضي في المختار: (22) من الباب الاول من نهج البلاغة، وللكلام مصادر وشواهد أخر يجدها الباحث في المختار: (79 - 93) من كتاب نهج السعادة: ج 1، 258 و 302 ط 2.

[54]

حقا هم تركوه ودما هم سفكوه فلئن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه. ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعة إلا عندهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم يرتضعون أما قد فطمت ويحيون بدعة قد أميتت يا خيبة الداعي من دعا وإلى ما أجيب وإني لراض بحجة الله تعالى عليهم (1) وعلمه فيهم فإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق. ومن العجب بعثهم إلي أن أبرز للطعان وأن أصبر للجلاد ؟ ! هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وإني لعلى يقين من ربي وغير شبهة من ديني. بيان: قوله [عليه السلام]: " قد ذمر " يروى بالتخفيف والتشديد، وأصله الحث والترغيب. و " الجلب ": الجماعة من الناس وغيرهم يجمع ويؤلف. قوله عليه السلام: " [ليعود الجور] إلى أوطانه " يروى " ليعود الجور إلى قطابه " والقطاب: مزاج الخمر بالماء أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان. ويجوز أن يعني بالقطاب قطاب الجيب وهو مدخل الرأس فيه أي ليعود الجور إلى لباسه وثوبة. والنصاب: الاصل. والذي أنكروه قتل عثمان. والنصف بالكسر الاسم من الانصاف. قوله عليه السلام: " يرتضعون أما " أي يطلبون الشئ بعد فواته لان الام إذا فطمت ولدها فقد انقضى رضاعها ولعل المراد به أن طلبهم لدم عثمان لغو لا فائدة فيه.


(1) كذا في أصلي وفي غير واحد مما عندي من نسخ نهج البلاغة: " بحجة الله عليهم... ".

[55]

وقال ابن ميثم: استعار لفظة الام للخلافة فبيت المال لبنها والمسلمون أولادها المرتضعون وكنى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه (عليه السلام) من الصلاة والتفضيلات مثل ما كان عثمان يصلهم. وكونها قد فطمت عن منعه (عليه السلام). وقوله: " يحيون بدعة قد أميتت " إشارة إلى ذلك التفضيل فيكون بمنزلة التأكيد للقرينة السابقة. ويحتمل أن يكون المراد بالام التي قد فطمت ما كان عادتهم في الجاهلية من الحمية والغضب وإثارة الفتن. وبفطامها اندراسها بالاسلام فيكون ما بعده كالتفسير له. والنداء في قوله: " يا خيبة الداعي " كالنداء في قوله تعالى: * (يا حسرة على العباد) * أي يا خيبة أحضري فهذا أوانك " والداعي " هو أحد الثلاثة طلحة والزبير وعائشة ثم قال على سبيل الاستحقار لهم: " من دعا وإلى ما أجيب " أي احقر بقوم دعاهم هذا الداعي واقبح بالامر الذي أجابوه إليه فما أفحشه وأرذله. وقال الجوهري: هبلته أمه بكسر الباء أي ثكلته. والهبول من النساء: الثكول. قوله عليه السلام: " لقد كنت " قال ابن أبي الحديد: أي ما زلت لا أهدد بالحرب والواو زائدة وهذه كلمة فصيحة كثيرا ما يستعملها العرب وقد ورد في القرآن العزيز كان بمعنى ما زال في قوله: " وكان الله عليما حكيما ". 40 - أقول: قال ابن ميثم رحمه الله بعد إيراد تلك الفقرات: أكثر هذا الفصل من الخطبة التي ذكرنا أنه عليه السلام خطبها حين بلغه أن طلحة والزبير خلعا


40 - رواه كمال الدين ابن ميثم رفع الله مقامه في شرح المختار: (22) من نهج البلاغة: ج 1، ص 333 ط بيروت.

[56]

بيعته وفيه زيادة ونقصان ونحن نوردها بتمامها وهي بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله: أيها الناس إن الله افترض الجهاد فعظمه وجعله نصرته وناصره، والله ما صلحت دين ولا دنيا إلا به، وقد جمع الشيطان حزبه واستجلب خيله ومن أطاعه ليعود له دينه وسنته [وخدعه] وقد رأيت أمورا قد تمخضت. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه ودما سفكوه فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه، وإن كانوا لولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم وإن أول عدلهم لعلى أنفسهم ولا اعتذر مما فعلت ولا أتبرء مما صنعت إن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي وإنها للفئة الباغية فيها الحم والحمة طالت جلبتها وانكفت جونتها ليعودن الباطل إلى نصابه. يا خيبة الداعي لو قيل ما أنكر من ذلك وما إمامه وفيمن سننه [وفيما سنته " خ ل "] والله إذا لزاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه وما أظن الطريق له فيه واضح حيث نهج. والله ما تاب من قتلوه قبل موته ولا تنصل عن خطيئته وما اعتذر إليهم فعذروه ولا دعا فنصروه. وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري ولا يعبون حسوة أبدا وإنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم وعلمه فيهم وإني داعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وقبلوا وأجابوا وأنابوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس علي كفيل وإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من باطل وناصرا لمؤمن، ومع كل صحيفة شاهدها وكاتبها. والله إن الزبير وطلحة وعائشة ليعلمون أني على الحق وهم مبطلون. وقال رحمه الله: تمخضت: تحركت. والتبعة: ما يلحق الانسان من درك. والحم فتح الحاء وتشديد الميم: بقية الالية التي أذيبت وأخذ دهنها. والحمة:

[57]

السواد. وهما استعارتان لاراذل الناس وعوامهم لمشابهتهم حم الالية وما اسود منها في قلة المنفعة والخير. والجلبة: الاصوات. وجونتها بالضم: سوادها. وانكفت واستكفت أي استدارت. وزاح وانزاح: تنحى. وتنصل من الذنب: تبرأ منه. والعب: الشرب من غير مص. والحسوة بضم الحاء: قدر ما يحسى مرة واحدة. والجلاد: المضاربة بالسيف. والهبول: الثكلى. والهبل: الثكل. واعلم أنه عليه السلام نبه أولا على فضل الجهاد لان غرضه استنفارهم لقتال: أهل البصرة وقوله: " وقد رأيت أمورا " إشارة إلى تعيين ما يستنفرهم إليه وهو ما يحس به من مخالفة القوم وأهبتهم لقتاله، وقوله: " والله ما أنكروا " إشارة إلى بطلان ما ادعوه منكرا ونسبوه إليه من قتل عثمان والسكوت عن النكير على قاتليه، فأنكر أولا إنكارهم عليه تخلفه عن عثمان الذي زعموا أنه منكر ولما لم يكن منكرا كان ذلك الانكار عليه هو المنكر. وقوله: " وإنهم ليطلبون " إشارة إلى طلبهم لدم عثمان مع كونهم شركاء فيه. روى الضبري في تاريخه (1) أن عليا كان في ماله بخيبر لما أراد الناس حصر عثمان فقدم المدينة والناس مجتمعون على طلحة في داره فبعث عثمان إليه يشكو أمر طلحة فقال: أما أكفيكه فانطلق إلى دار طلحة وهي مملوءة بالناس فقال له: يا طلحة ما هذا الامر الذي صنعت بعثمان ؟ فقال طلحة: يا أبا الحسن أبعد أن مس الحزام الطبيين. فانصرف علي عليه السلام إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح فكسر الباب وفرق ما فيه على الناس فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده فسر عثمان بذلك وجاء طلحة إلى عثمان فقال له: يا أمير المؤمنين إني أردت


(1) ذكره الطبري في الحديث: (9) من عنوان: " خلافة أمير المؤمنين علي... " في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 430.

[58]

أمرا فحال الله بيني وبينه وقد جئتك تائبا ! فقال: والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا الله حسيبك يا طلحة. وروى الطبري أيضا أنه كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا فقال له طلحة يوما: قد تهيأ مالك فاقبضه. فقال: هو لك معونة على مروتك فلما حصر عثمان قال علي (عليه السلام) لطلحة: أنشدك الله إلا كففت عن عثمان فقال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها (1) فكان علي بعد ذلك يقول: لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان مثل ما أعطاه وفعل به ما فعل. وروي أن الزبير لما برز لعلي عليه السلام يوم الجمل قال له: ما حملك يا أبا عبد الله على ما صنعت ؟ قال: أطلب بدم عثمان. فقال له: أنت وطلحة وليتماه، وإنما توبتك من ذلك أن تقدم نفسك وتسلمها إلى ورثته. وبالجملة فدخولهم في قتل عثمان ظاهر. قوله (عليه السلام): " وإن أول عدلهم " أي إن العدل الذي يزعمون أنهم يقيمونه في الدم المطلوب ينبغي أن يصنعوه أولا على أنفسهم. قوله: " ولا أعتذر " أي الاعتذار الذي فعلته في وقت قتل عثمان لم يكن على وجه تقصير في الذي يوجب الاعتذار والتبرء منه. وقوله (عليه السلام): " طالت جلبتها " كناية عما ظهر من القوم من تهديدهم وتوعدهم بالقتال: " وانكفت جونتها " أي استدار سوادها واجتمع كناية عن تجمع جماعتهم لما يقصدون. وقوله (عليه السلام): " ليعودن " توعد لهم بعود ما كانوا عليه من الباطل في الجاهلية واستنفار إلى القتال.


(1) إلى هنا رواه الطبري مسندا قبيل عنوان: " ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله أمر عثمان ابن عباس أن يحج بالناس سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 405.

[59]

وقوله (عليه السلام): " يا خيبة الداعي " خرج مخرج التعجب من عظم خيبة الدعاء إلى قتاله. " ومن دعا وإلى ما أجيب " استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوين لقتاله والمناصرين إذ كانوا عوام الناس ورعاعهم وللمدعو إليه وهو الباطل الدي دعوا لنصرته. وقوله: " لو قيل " إلى قوله " وانقطع لسانه " متصلة معناه ولو سأل سائل مجادلا لهؤلاء الدعاة إلى الباطل عما أنكروه من أمري وعن إمامهم الذي به يقتدون وفيمن سنتهم التي إليها يرجعون لشهد لسان حالهم بأني أنا إمامه. وفي سنتهم فانزاح باطلهم الذي أتوا به " وانقطع لسانه " على الاستعارة أو بحذف المضاف أي لسان صاحبه. وقوله " وما أظن " عطف على قوله: " وانقطع لسانه " و " واضح " مبتدأ " وفيه " خبره والجملة في محل النصب مفعول ثان لاظن أي ما أظن لو سأل السائل عن ذاك أن الطريق الذي يرتكبه المجيب له فيه مجال بين ومسلك واضح حيث سلك بل كيف توجه في الجواب انقطع. وقوله: " والله ما تاب " إلى قوله: " فنصروه " إشارة إلى عثمان وذم لهم من جهة طلبهم بدم من اعتذر إليهم قبل موته فلم يعذروه ودعاهم إلى نصرته في حصاره فلم ينصروه مع تمكنهم من ذلك. وقوله: " ولا يعبون حسوة " كناية عن عدم تمكينه لهم من هذا الامر أو شئ منه. وقوله: " وإنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم " نفسي منصوب بدلا من الضمير المتصل بإن أو بإضمار فعل تفسير له " وحجة الله " إشارة إلى الاوامر الصادرة بقتل الفئة الباغية كقوله تعالى: " فقاتلوا التي تبغي " أي أني راض بقيام حجة الله عليهم وعلمه بما يصنعون. وقوله " وليس علي كفيل " أي لا أحتاج فيما أبذله لهم من الصفح والامان على تقدير إنابتهم إلى ضامن " وشافيا وناصرا " منصوبان على التميز.

[60]

وقوله: " ومع كل صحيفة " الواو للحال أي إنهم إن لم يرجعوا أعطيتهم حد السيف والملائكة الكرام والكاتبون يكتب كل منهم أعمال من وكل به في صحيفته ويشهد بها في محفل القيامة انتهى. قوله [أي ابن ميثم رحمه الله]: " من اعتذر إليهم " الظاهر أنه حمل الكلام على الاستفهام الانكاري ويحتمل وجها آخر بأن يكون المراد نفى توبته وتنصله واعتذاره ودعوته فيستحق النصرة لكن ما ذكره أوفق بالاخبار والضمير في أنها يحتمل أن يكون للقصة. 41 - 44 - أقول: قال ابن أبي الحديد (1): روى أبو مخنف عن مسافر بن عفيف بن أبي الاخنس قال: لما رجعت رسل علي (عليه السلام) من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا ووبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فلم يستجيبوا، وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان واصبر للجلاد إنما تمنيك نفسك أماني الباطل وتعدك الغرور. ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب ولقد أنصف القارة من راماها فليرعدوا وليبرقوا فقد رأوني قديما وعرفوا نكايتي فقد رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد وعلى يقين من أمري وفي غير شبهة من ديني. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد


(1) رواه ابن أبي الحديد مع الخطبة التالية في شرح المختار: (22) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 247 - 249 ط الحديث ببيروت.

[61]

ولا محيص من لم يقتل مات [و] إن أفضل الموت القتل والذي نفس علي بيده لالف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش. اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني اللهم فلا تمهله. اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر علي عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت. قال: وروى أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن جنادة قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أول إمارة علي فمررت بمكة فاعتمرت ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه فشخصت الابصار نحوه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه قلنا نحن أهل وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذا تنزى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا فصارت الامرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ويتعزز علينا الذليل فبكت الاعين منا لذلك وخشنت الصدور وجزعت النفوس. وايم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شنأ مني لامركم وفراسة تصدقني عما في قلوب كثير منكم وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم. اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية ولا تنعش لهما صرعة ولا تقلهما عثرة ولا تمهلهما فواقا فإنهما يطلبان حقا تركاه ودما سفكاه.

[62]

اللهم إني اقتضيتك وعدك فإنك قلت وقولك الحق لمن بغي عليه لينصرنه الله اللهم فأنجز لي موعدي ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شئ قدير. ثم نزل. وروى الكلبي قال: لما أراد علي عليه السلام المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله: إن الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالامر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثوا عهد بالاسلام والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن ويعكسه أقل خلق. فولي الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله ولي تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الامر بسبيل لم يصبرا علي حولا ولا شهرا حتى وثبا ومرقا ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أما قد فطمت ويحييان بدعة قد أميتت أدم عثمان زعما [يطالبان] ؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم فأن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا وأنفسهما غنما وأعظم بها غنيمة وإن أبيا أعطيتهما حد السيف وكفى به ناصرا لحق وشافيا من باطل. ثم نزل. وروى أبو مخنف عن زيد بن صوحان قال: شهدت عليا (عليه السلام) بذيقار وهو معتم بعمامة سوداء ملتف بساج يخطب فقال في خطبته: الحمد لله على كل أمر وحال في الغدو والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ابتعثه رحمة للعباد وحياة للبلاد حين امتلات الارض فتنة واضطرب حبلها وعبد الشيطان في أكنافها واشتمل عدو الله إبليس على عقايد أهلها فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأها الله به نيرانها

[63]

وأخمد به شرارها ونزع به أوتادها وأقام به ميلها إمام الهدى والنبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) فلقد صدع بما أمره به وبلغ رسالات به فأصلح الله به ذات البين وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين ثم قبضه الله إليه حميدا. ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني فقلت: لا حاجة في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولاجذل وقد علم الله سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وآله ولقد سمعته صلى الله عليه وآله يقول: " ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤوس الخلائق ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا وإن كان جائرا هوى " حتى اجتمع علي ملاؤكم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما والنكث في أعينهما ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليسا العمرة يريدان فسارا إلى مكة واستخفا عايشة وخدعاها وشخص معهما أبناء الطلقاء فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر. ويا عجبا لاستقامتهما لابي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت. ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عني وخرجا يوهمان الطغام والاعراب أنهما يطلبان بدم عثمان. والله ما أنكرا علي منكرا ولا جعلا بيني وبينهم نصفا إن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما. يا خيبة الداعي إلى م دعا ؟ وبماذا أجيب ؟ والله إنهما لعلى ضلالة صماء وجهالة عمياء وإن الشيطان قد ذمر لهما حزبه واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه ويرد الباطل إلى نصابه.

[64]

ثم رفع يديه فقال: اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني والبا علي ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا وانكث ما أبرما ولا تغفر لهما أبدا وأرهما المساءة فيما عملا وأملا. قال أبو مخنف فقام إليه الاشتر فقال: الحمد لله الذي من علينا فأفضل وأحسن إلينا فأجمل قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين ولقد أصبت ووفقت وأنت ابن عم نبينا وصهره ووصيه وأول مصدق به ومصل معه شهدت مشاهده كلها فكان لك الفضل فيها على جميع الامة فمن اتبعك أصاب حظه واستبشر بفلجه ومن عصاك ورغب عنك فإلى أمه الهاوية، لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعايشة علينا بمخيل ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولاجور صنعت فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه وأشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان فإن سيوفنا في عوائقنا وقلوبنا في صدورنا ونحن اليوم كما كنا أمس ثم قعد. توضيح: إرعوي عن القبيح أي كف. وقال الجوهري: القارة قبيلة سموا قارة لاجتماعهم والتقافهم لما أراد إبن الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة وهم رماة وفي المثل: أنصف القارة من راماها. وقال الجوهري: نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت. وقال: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقال: التنزي: التوثب والتسرع. وفي بعض النسخ: " إذا انبرى " - [أي] اعترض - وهو أصوب. والسوقة: خلاف الملك. قوله (عليه السلام): " لم يألوا الناس خيرا " فيه تقية ومصلحة قال الجوهري: ألا يألوا [من باب " دعا "] أي قصر. وفلان لا يألوك نصحا [أي لا يقصر في نصحك]. وقال: قال الفراء في قوله تعالى: * (آخذة رابية) * أي زائدة كقولك: أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. وقال: الفواق ما بين الحلبتين من الوقت لانهما تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال: ما أقام عنده إلا فواقا. قوله (عليه السلام): " لمن بغي عليه " أي قال في حق من بغي عليه والمقول " لينصرنه الله " والآية هكذا: * (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم

[65]

بغي عليه لينصرنه الله " والوطب بالفتح: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن. والمراد بالخلق إما قدم اللبن ومضي زمان عليه أو خلق الزق فإنه يفسد اللبن " وأعظم " بها للتعجب أي ما أعظمها " والجذل " بالتحريك: الفرح " لمعصوب بهما " أي مشدود عليهما. 45 - نهج ومن كتاب له [عليه السلام] إلى أبي موسى الاشعري وهو عامله على الكوفة وقد بلغه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك فإذا قدم عليك رسولي فارفع ذيلك واشدد مئزرك وأخرج من جحرك واندب من معك فإن حققت فانفذ وإن تفشلت فأبعد وأيم الله لتؤتين حيث أنت ولا تترك حتى تخلط زبدك بخاثرك وذائبك بجامدك وحتى تعجل عن قعدتك وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك وما هي بالهوينا التي ترجو ولكنها الداهية الكبرى يركب جملها ويذل صعبها ويسهل جبلها فاعقل عقلك واملك أمرك وخذ نصيبك وحظك فإن كرهت فتنح إلى غير رحب ولا في نجاة فبالحري لتكفين وأنت نائم حتى لا يقال: أين فلان والله إنه لحق مع محق وما يبالي ما صنع الملحدون والسلام. بيان: هو لك وعليك قال ابن أبي الحديد: فإن أبا موسى كان يقول لاهل الكوفة: إن عليا إمام هدى وبيعته صحيحة إلا أنه لا يجوز القتال معه لاهل القبلة انتهى. وأقول كون هذا الكلام له وعليه لاشتماله على الحق والباطل والحق ينفعه والباطل يضره أو ظاهر الكلام له تستحسنه العوام وباطنه حجة عليه إذ بعد


45 - وهذا هو المختار: (63) من الباب الثاني - وهو باب الكتب - من نهج البلاغة. وما يذكره المصنف بعد عن ابن أبي الحديد ذكره في أول شرحه على هذا الكتاب.

[66]

الاقرار بصحة البيعة لا مجال للامر بالمخالفة أو ظن أن هذا الكلام ينفعه وفي الواقع يضره أو ينفعه في الدنيا ويضره في العقبى. والامر برفع الذيل وشد المئزر كنايتان عن الاهتمام في الامر والخروج من الجحر استهانة به حيث جعله ثعلبا أو ضبعا. والجحر بالضم كل شئ تحفره السباع والهوام لانفسها. قوله (عليه السلام): " فإن حققت " أي أمرك مبني على الشك فإن حققت لزوم طاعتي فأنفذ أي فسر حتى تقدم علي وإن أقمت على الشك فاعتزل العمل أو إن أنكرت الطاعة فأظهر إنكارك واعمل بمقتضاه. " والخاثر " اللبن الغليظ " والزبد " خلاصة اللبن وصفوته يقال للرجل إذا ضرب حتى أثخن: " ضرب حتى خلط زبده بخاثره وذائبه بجامده " كأنه خلط مارق ولطف من أخلاطه بما كثف وغلظ منها وهذا مثل ومعناه ليفسدن حالك وليضطربن ما هو الآن منتظم من أمرك. والقعدة بالكسر هيئة القعود كالحلبة والركبة. قوله: " وتحذر من أمامك " قيل كناية عن غاية الخوف. وإنما جعل عليه السلم الحذر من خلف أصلا في التشبيه لكون الانسان من وراءه أشد خوفا. وقيل حتى تخاف من الدنيا كما تخاف من الآخرة. ويحتمل أن يكون المعنى حتى تحذر من هذا الامر الذي أقبلت إليه وأقدمت عليه - وهو تثبيط الناس عن الجهاد - كما تحذر مما خلفته وراء ظهرك ولم تقدم عليه وهو الجهاد. وقال ابن أبي الحديد: أي يأتيكم أهل البصرة مع طلحة ونأتيكم بأهل المدينة والحجاز فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم ومن خلفكم. وقال في قوله (عليه السلام): " وما بالهوينا " أي ليست هذه الداهية بالشئ الهين الذي ترجو اندفاعه بسهولة فإن قصد الجيوش الكوفة من كلا الجانبين أمر صعب المرام فإنه ليركبن أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الامر المستصعب لانا نحن نطلب أن نملك الكوفة وأهل البصرة كذلك فيجتمع عليها الفريقان.

[67]

وقال [ابن الاثير] في النهاية: الهون: الرفق واللين والتثبت " والهوينا " تصغير الهونى تأنيث الاهون. وقوله: " فاعقل عقلك " يحتمل المصدر. وقيل هو مفعول به " وخذ نصيبك وحظك " أي من طاعة الامام وثواب الله وقيل أي لا تتجاوز إلى ما ليس لك. " فإن كرهت فتنح " أي عن العمل فإني قد عزلتك. " إلى غير رحب " أي سعة بل يضيق عليك الامر بعده. وقال في النهاية: بالحري أن يكون كذا أي جدير. وقال ابن أبي الحديد: أي جدير أن تكفي هذه المؤونة التي دعيت إليها " وأنت نائم " أي لست معدودا عندنا وعند الناس من الرجال الذين يفتقر الحرب والتدبيرات إليهم فسيغني الله عنك ولا يقال: أين فلان. 46 - نهج ومن كتاب له [عليه السلام] إلى بعض أمراء جيشه: فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب، وإن توافت الامور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك، فإن المتكاره مغيبه خير من شهوده وقعوده أغنى من نهوضه. توضيح: قال ابن ميثم: روي أن الامير الذي كتب إليه عثمان بن حنيف عامله على البصرة وذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها وعزموا على الحرب فكتب عثمان إليه يخبره بحالهم فكتب (عليه السلام) إليه كتابا فيه الفصل المذكور. " وإن توافت الامور " أي تتابعت بهم المقادير وأسباب الشقاق والعصيان إليهما ويقال: نهد القوم إلى عدوهم إذا صمدوا له وشرعوا في قتالهم


46 - وهذا هو المختار الرابع من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[68]

" وتقاعس ": أبطأ وتأخر. و " المتكاره " من يظهر الكراهة ولا يطيع بقلبه. " والنهوض ": القيام. 47 - نهج ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: أما بعد فإني خرجت من حيي هذا إما ظالما وإما مظلوما وإما باغيا وإما مبغيا عليه، وأنا أذكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلي فإن كنت محسنا أعانني وإن كنت مسيئا استعتبني. بيان " لما نفر " بالتشديد بمعنى إلا أي أذكره في كل وقت إلا وقت النفور كقولهم: سألتك لما فعلت. وفي بعض النسخ بالتخفيف فكلمة وما زائدة كما قيل في قوله تعالى: * (لما عليها حافظ) * فإنه قرء بالتخفيف والتشديد معا والاستعتاب طلب العتبى وهو الرجوع. 48 - ما أحمد بن محمد بن الصلت عن ابن عقدة عن جعفر بن عبد الله العلوي عن عمه القاسم بن جعفر عن عبد الله بن محمد العلوي عن أبيه عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلم قال: حدثني عبد الرحمان بن أبي عمرة الانصاري قال: سماني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الرحمان قال: لما بلغ عليا مسير طلحة والزبير خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:


47 - وهذا هو المختار: (57) من الباب الثاني من نهج البلاغة. وله مصادر أخر يجد الباحث بعضها في ذيل المختار: (26) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 62 ط 1. 48 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث الثاني من المجلس: (25) من الجزء الثاني من أماليه ص 87 ط 1.

[69]

أما بعد فقد بلغني مسير هذين الرجلين واستخفافهما حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله واستفزازهما أبناء الطلقاء وتلبيسهما على الناس بدم عثمان وهما ألبا عليه وفعلا به الافاعيل وخرجا ليضربا الناس بعضهم ببعض اللهم فأكف المسلمين مؤنتهما واجزهما الجوازي. وحض الناس على الخروج في طلبهما فقام إليه أبو مسعود عقبة بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومجلسك فيما بين قبره ومنبره أعظم مما ترجو من الشام والعراق فإن كنت إنما تسير لحرب فقد أقام عمر وكفاه سعد زحف القادسية وكفاه حذيفة بن اليمان زحف نهاوند وكفاه أبو موسى زحف تستر وكفاه خالد بن الوليد زحف الشام فإن كنت سائرا فخلف عندنا شقة منك نرعاه فيك ونذكرك به ثم قال أبو مسعود: بكت الارض والسماء على الشا * خص منا يريد أهل العراق يا وزير النبي قد عظم الخطب * وطعم الفراق مر المذاق وإذا القوم خاصموك فقوم * ناكسو الطرف خاضعوا الاعناق لا يقولون إذ تقول وإن * قلت فقول المبرز السباق فعيون الحجار تذرف بالدمع * وتلك القلوب عند التراقي فعليك السلام ما ذرت به الشمس * ولاح السراب بالرقراق فقال قيس بن سعد: يا أمير المؤمنين ما على الارض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك لانك نجمنا الذي نهتدي به ومفزعنا الذي نصير إليه وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرو من مصر وليفسدن اليمن وليطمعن في العراق ومعه قوم يمانيون قد أشربوا قتل عثمان وقد اكتفوا بالظن عن العلم وبالشك عن اليقين وبالهوى عن الخير فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه ويقصر له من نفسه. فقال: أحسنت والله يا قيس وأجملت. وكتبت أم الفضل بنت الحارث إلى علي (عليه السلام) تخبره بمسير عائشة

[70]

وطلحة والزبير فأزمع المسير فبلغه تثاقل سعد وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة فقال سعد: لا أشهر سيفا حتى يعرف المؤمن من الكافر. وقال أسامة: لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله ولو كنت في زبية الاسد لدخلت فيه معك (1). وقال محمد بن مسلمة: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله سيفا وقال: إذا اختلف المسلمون فاضرب به عرض أحد والزم بيتك. وتخلف عنه عبد الله بن عمر. فقال عمار بن ياسر: دع القوم أما عبد الله فضعيف، وأما سعد فحسود، وأما محمد بن مسلمة فذنبك إليه أنك قتلت بأخيه مرحبا. ثم قال عمار لمحمد بن مسلمة: أما تقاتل المحاربين فوالله لو مال علي جانبا لملت مع علي. وقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين إنه بلغك عنا معشر الانصار ما لو كان غيرنا لم يقم معك ؟ والله ما كل ما رأينا حلالا حلال ولا كل ما رأينا حراما حرام وفي الناس من هو أعلم بعذر عثمان ممن قتله وأنت أعلم بحالنا منا فإن كان قتل ظالما قبلنا [قولك] وإن كان قتل مظلوما فاقبل قولنا فإن وكلتنا فيه إلى شبهة فعجب ليقيننا وشكك وقد قلت لنا: عندي نقض ما اجتمعوا عليه، وفصل ما اختلفوا فيه وقال: كان أولى أهل المدينة بالنصر * علي وال عبد مناف للذي في يديه من حرم الله * وقرب الولاء بعد التصافي


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي ط بيروت من كتاب الامالي ص 725: " ولو كنت في فم الاسد... ".

[71]

[وكان كعب بن مالك من شيعة عثمان] وقال الاشتر إلى علي (عليه السلام) فكلمه بكلام يحضه على أهل الوقوف فكره ذلك علي عليه السلام حتى شكاه وكان من رأي علي (عليه السلام) أن لا يذكرهم بشئ فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين إنا وإن لم نكن من المهاجرين والانصار فإنا فيهم وهذه بيعة عامة والخارج منها عاص والمبطئ عنها مقصر وإن أدبهم اليوم باللسان وغدا بالسيف وما من ثقل عنك كمن خف معك وإنما أرادك القوم لانفسهم فاردهم لنفسك. فقال علي عليه السلام: يا مالك دعي. وأقبل علي عليه السلام عليهم فقال: أرأيتم لو أن من بايع أبا بكر أو عمر أو عثمان ثم نكث بيعته أكنتم تستحلون قتالهم ؟ قالوا: نعم. قال: وكيف تحرجون من القتال معي وقد بايعتموني ؟ قالوا: إنا لا نزعم أنك مخطئ وأنه لا يحل لك قتال من بايعك ثم نكث بيعتك ولكن نشك في قتال أهل الصلاة. فقال الاشتر: دعني يا أمير المؤمنين أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك فقال له: كف عني فانصرف الاشتر وهو مغضب ! ! ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا الاشتر في نفر من المهاجرين والانصار فقال قيس للاشتر: يا مالك كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته ؟ وكلما استبطأت أمرا استعجلته إن أدب الصبر التسليم وأدب العجلة الاناة وإن شر القول ما ضاهى العيب وشر الرأي ما ضاهى التهمة فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع ولا تسأل قبل البلاء ولا تكلف قبل أن ينز ؟ الامر فإن في أنفسنا ما في نفسك فلا تشق على صاحبك فغضب ؟ الاشتر ثم أن الانصار مشوا إلى الاشتر في ذلك فرضوه من غضبه فرضي. فلما هم علي (عليه السلام) بالشخوص قام أبو أيوب خالد بن زيد صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أمير المؤمنين إن أقمت بهذه البلدة فإنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وبها قبره ومنبره فإن

[72]

استقامت لك العرب كنت كمن كان قبلك، وإن وكلت إلى المسير فقد أعذرت. فأجابه (عليه السلام) بعذره في المسير ثم خرج لما سمع توجه طلحة والزبير إلى البصرة وتمكث حتى عظم جيشه وأغد السير في طلبهم فجعلوا لا يرتحلون من منزل إلا نزله (1) حتى نزل بذي قار فقال: والله إنه ليحزنني أن أدخل على هؤلاء في قلة من معي فأرسل إلى الكوفة الحسن بن علي (عليه السلام) وعمار بن ياسر وقيس بن سعد وكتب إليهم كتابا. فقدموا الكوفة فخطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وذكر عليا وسابقته في الاسلام وبيعة الناس له وخلاف من خالفه ثم أمر بكتاب علي عليه السلام فقرئ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه عيانه إن الناس طعنوا عليه وكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عيبه، وكان هذان الرجلان أهون سيرهما فيه الوجيف وقد كان من أمر عائشة فلتة على غضب فأتيح له قوم فقتلوه. ثم إن الناس بايعوني غير مستكرهين وكان هذان الرجلان أول من فعل على ما بويع عليه من كان قبلي. ثم إنهما استأذناني في العمرة وليسا يريدانها فنقضا العهد وآذنا بحرب وأخرجا عائشة من بيتها ليتخذانها فئة وقد سارا إلى البصرة اختيارا لها وقد سرت إليكم اختيارا لكم ولعمري ما إياي تجيبون ما تجيبون إلا الله ورسوله ولن أقاتلهم وفي نفسي منهم حاجة. وقد بعثت إليكم بالحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد


(1) في اللفظ تسامح، والمستفاد من كتب التاريخ أن البعد بينهما في الارتحال والاقامة كان أكثر من منزل ورحيل.

[73]

مستنفرين فكونوا عند ظني بكم ولا حول ولا قوة إلا بالله (1). فلما قرء الكتاب على الناس قام خطباء الكوفة شريح بن هاني وغيره فقالوا: والله لقد أردنا أن نركب إلى المدينة حتى نعلم علم عثمان فقد أنبأنا الله به في بيوتنا ثم بذلوا السمع والطاعة وقالوا: رضينا بأمير المؤمنين ونطيع أمره ولا نتخلف عن دعوته والله لو لم يستنصرنا لنصرناه سمعا وطاعة. فلما سمع الحسن بن علي عليهما السلام ذلك قام خطيبا فقال: أيها الناس إنه قد كان من أمير المؤمنين علي ما تكفيكم جملته وقد أتيناكم مستنفرين لكم لانكم جبهة الامصار ورؤساء العرب وقد كان من نقض طلحة والزبير بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم وهو ضعف النساء وضعف رأيهن وقد قال الله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * [34 / النساء] وأيم الله لو لم ينصره أحد لرجوت أن يكون له فيمن أقبل معه من المهاجرين والانصار ومن يبعث الله له من نجباء الناس كفاية فانصروا الله ينصركم. ثم جلس. وقام عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة إن كانت غابت عنكم أبداننا فقد انتهت إليكم أمورنا إن قاتلي عثمان لا يعتذرون إلى الناس وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم أحيى من أحيى وقتل من قتل وإن طلحة والزبير أول من طعن وآخر من أمر ثم بايعا أول من بايع فلما أخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما على غير حدث كان وهذا ابن الرسول يستنفركم في المهاجرين والانصار فانصروا ينصركم الله. وقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن هذا الامر لو استقبلنا به الشورى لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتال من أبى ذلك حلالا وكيف والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه وخلعاه حسدا.


(1) ولفظ كتابه عليه السلام هذا قريب جدا مما رواه السيد الرضي في المختار الاول من باب الكتب من نهج البلاغة.

[74]

فقام خطباؤهم فأسرعوا الرد بالاجابة فقال النجاشي في ذلك: رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * علي وأبناء النبي محمد وقلنا له أهل وسهلا ومرحبا * نقبل يديه من هوى وتودد فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند وتسويد من سودت غير مدافع * وإن كان من سودت غير مسود فإن نلت ما تهوى فذاك نريده * وإن تخط ما تهوى فغير تعمد وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة: جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة * أجابوا ولم يأتوا بخذلان من خذل وقالوا: علي خير حاف وناعل * رضينا به من ناقض العهد من بدل هما أبرزا زوج النبي تعمدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل فما هكذا كانت وصاة نبيكم * وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل فهل بعد هذا من مقال لقائل * ألا قبح الله الأماني والعلل فلما فرغ الخطباء وأجاب الناس قام أبو موسى فخطب الناس وأمرهم بوضع السلاح والكف عن القتال ثم قال: أما بعد فإن الله حرم علينا دماءنا وأموالنا فقال: * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) * [29 / النساء: 4] وقال: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * [93 / النساء: 4] يا أهل الكوفة. [هذا] تمام الحديث. بيان شقة الثوب والعصا بالكسر: ما شق منه مستطيلا ولعلها كناية استعيرت هنا للاولاد. وترقرق: تحرك. والشئ: لمع. والشمس: صارت كأنها تدور. قوله (عليه السلام): " في نفسي منهم حاجة " أي لا أعلمهم مسلمين ولا أنتظر رجوعهم. وعالية الرمح: ما دخل في السنان إلى ثلثه. والصفيحة: السيف العريض. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند.

[75]

49 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) قال لعبد الله بن العباس لما أنفذه إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل: لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه يركب الصعب ويقول هو الذلول ولكن ألق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا. قال السيد رضي الله عنه: هو أول من سمعت منه هذه الكلمة أعنى: فما عدا مما بدا. بيان يستفيئه أي يسترجعه. " إن تلقه تجده " [و] في رواية: " إن تلفه " تلفه بالفاء أي تجده " عاقصا " أي عاطفا قد التوى قرناه على أذنيه يقال: عقص شعره أي ضفره وفتله والاعقص من التيوس وغيرها: ما التوى قرناه على أذنيه من خلفه. " وعاقصا " إما مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور. " يركب الصعب " أي يستهين المستصعب من الامور. والعريكة: والطبيعة. والتعبير بابن الخال كقول هارون لموسى: " يا بن أم " للاستمالة بالاذكار بالنسب والرحم. قوله (عليه السلام): " فما عدا مما بدا " قال ابن أبي الحديد: معنى الكلام: فما صرفك عما بدا منك أي ظهر أي ما الذي صدك عن طاعتي بعد إظهارك لها " ومن " ها هنا بمعنى " عن " وقد جاءت في كثير من كلامهم وحذف ضمير المفعول كثير جدا. وقال الراوندي له: معنيان: أحدهما: ما الذي منعك مما كان قد بدا منك من البيعة قبل هذه الحالة. الثاني: ما الذي عاقك من البداء الذي يبدو


49 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (31) من كتاب نهج البلاغة. وللكلام مصادر وأسانيد ذكر بعضها في المختار: (94) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 306 ط 2.

[76]

للانسان ويكون المفعول الاول لعدا محذوفا يدل عليه الكلام أي ما عداك يريد ما منعك عما كان بدا لك من نصرتي. وقال ابن ميثم: أقول هذه الوجوه وإن احتملت أن تكون تفسيرا إلا أن في كل منها عدولا عن الظاهر والحق أن يقال: إن " عدا " بمعنى جاوز و " من " لبيان الجنس والمراد ما الذي جاوز لك عن بيعتي مما بدا لك بعدها من الامور التي ظهرت لك وتبقى الالفاظ على أوضاعها الاصلية مع استقامة المعنى وحسنه. وروي عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: سألت ابن عباس عن تلك الرسالة ؟ فقال: بعثني فأتيت الزبير فقلت له فقال: إني أريد ما تريد. كأنه يقول: الملك ولم يزدني على ذلك فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته. 50 - نهج ومن خطبة له (عليه السلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة قال عبد الله بن العباس دخلت على أمير المؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذه النعل ؟ فقلت لا قيمة لها. قال: والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا ثم خرج فخطب الناس فقال: إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس حتى بوأهم محلتهم وبلغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم واطمأنت صفاتهم. أما والله إن كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها ما عجزت ولا جبنت وإن مسيري هذا لمثلها فلانقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه. ما لي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين ولاقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالامس كما أنا صاحبهم اليوم.


50 - ذكره السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (33) من نهج البلاغة.

[77]

بيان: ذو قار موضع قريب من البصرة. " حتى بوأهم " أي أسكنهم محلتهم أي ضرب الناس بسيفه على الاسلام حتى أوصلهم إليه. وقال ابن ميثم: المراد بالقناة القوة والغلبة والدولة التي حصلت لهم مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب فإن الرمح أو الظهر سبب للقوة والغلبة. والصفاة: الحجارة الملساء أي كانوا قبل الاسلام متزلزلين في أحوالهم بالنهب والغارة وأمثالها. " إن كنت لفي ساقتها " هي جمع سائق كحائك وحاكة ثم استعملت للاخير لان السائق إنما يكون في آخر الركب والجيش وشبه أمر الجاهلية إما بعجاجة ثائرة أو بكتيبة مقبلة للحرب فقال: إني طردتها فولت بين يدي أطردها حق لم يبق منها شئ. " لمثلها " أي لمثل تلك الحالة التي كنت عليها معهم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله. " فلانقبن " [و] في بعض النسخ: " لابقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته " شبه عليه السلام الباطل بحيوان ابتلع جوهرا ثمينا أعن منه فاحتيج إلى شق بطنه في استخلاص ما ابتلع. وفي نسخة ابن أبي الحديد بعد قوله (عليه السلام) صاحبهم اليوم: والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا كما قال الاول: أدمت لعمري شربك المحض صابحا * وأكلك بالزبد المقشرة البجرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا أقول: المقشرة: التمرة التي أخرج منها نواتها. والبجر بالضم: الامر العظيم والعجب ولعله هنا كناية عن الكثرة أو الحسن أو اللطافة. ويحتمل أن يكون مكان المفعول المطلق يقال: بجر كفرح - فهو بجر -: امتلأ بطنه من اللبن والماء ولم يرو. وتبجر النبيذ: الح في شربه. وكثير بجير اتباع. والجرد بالضم: جمع الاجرد وهو الفرس الذي رقت شعرته وقصرت وهو مدح. والسمر جمع الاسمر وهو الرمح.

[78]

51 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) في معنى طلحة والزبير: والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه ودما سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم. وإن معي لبصيرتي والله ما لبست ولا لبس علي وإنها للفئة الباغية فيها الحماء والحمة والشبهة المغدفة وإن الامر لواضح وقد زاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه عن شغبه. وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري ولا يعبون بعده في حسي. [و] منها: فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون: البيعة البيعة قبضت كفي فبسطتموها ونازعتكم يدي فجاذبتموها اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي فاحلل ما عقدا ولا تحكم لهما ما أبرما وأرهما المساءة فيما أملا وعملا ولقد استثبتهما قبل القتال واستأنيت بهما أمام الوقاع فغمطا النعمة وردا العافية (1). تبيين النصف بالكسر والتحريك: الانصاف والعدل أي إنصافا أو حكما ذا إنصاف ويقال: ولي أمرا أي قام به. " والطلبة " بكسر اللام: ما طلبته من شئ. وقال في النهاية: لبست الامر بالفتح إذا خلطت بعضه ببعض وربما شدد للتكثير. وقال ابن أبي الحديد: الحماء: الطين الاسود. وحمة العقرب: سمها أي في هذه الفئة الضلال والفساد. ويروى " الحما " بألف مقصورة وهو كناية عن الزبير


51 - أورده السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (135) من كتاب نهج البلاغة. (1) الوقاع على زنة القتال لفظا ومعنى.

[79]

لان كل من كان نسيب الرجل فهم الاحماء وأحدهم حما مثل قفا وأقفاء وما كان نسيب المرأة فهم الاحمأة فأما الاصهار فيجمع الجهتين وكان الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كان النبي صلى الله عليه وآله أعلم عليا بأن فئة تبغي عليه في أيام خلافته فيها بعض زوجاته وبعض أحمائه. فكنى (عليه السلام) عن الزوجة بالحمة وهي سم للعقرب " والحماء " يضرب مثلا لغير الطيب الغير الصافي. وقال ابن ميثم: المغدفة: الخفية وأصله المرأة تغدف وجهها أي تستره وروي " المغذفة " بكسر الذال من أغذف أي أظلم وهي إشارة إلى شبهتهم في الطلب بدم عثمان. " وقد زاح الباطل " أي بعد وذهب " عن نصابه " أي مركزه ومقره. " والشغب " بالتسكين: تهييج الشر وقد يحرك. " والعب ": الشرب بلا مص " والحسي " ماء كامن في رمل يحفر عنه فيستخرج ويكون باردا عذبا (1) وهذه كناية عن الحرب والهيجاء وتهديد بهما وما يتعقبهما من القتل والهلاك. وقال الجوهري: العوذ: حديثات النتايج من الظباء والخيل والابل واحدها: عائد مثل حائل وحول وذلك إذا ولدت عشرة أيام أو خمسة عشر يوما ثم هي مطفل. وفي القاموس المطفل كمحسن: ذات الطفل من الانس والوحش والجمع مطافيل. وقيل: إن في الجمع بين الوصفين تجوز. وعلى ما في القاموس لا يحتاج إلى ذلك. " والبا " بتشديد اللام من التأليب وهو التحريص " قوله واستثبتهما " استفعال من ثاب يثوب إذا رجع أي طلبت منهما أن يرجعا وروي بالتاء المثناة من التوبة. " واستانيت " أي انتظرت من الاناءة " فغمطا " بالكسر أي حقرا.


(1) وقال ابن ميثم: و " الحسي " بكسر الحاء وسكون السين: الماء الذي يشربه الرمل. فينتهي إلى أرض صلبة تحفظه ثم يحفر عنه فيستخرج.

[80]

52 - نهج [و] من خطبة له عليه السلام في ذكر أهل البصرة (1): كل واحد منهما يرجو الامر له ويعطفه عليه دون صاحبه لا يمتان بحبل ولا يمدان إليه بسبب كل واحد منهما صاحب حامل [" خ "] ضب لصاحبه وعما قليل يكشف قناعه به. والله لئن أصابوا الذي يريدون لينتزعن هذا نفس هذا وليأتين هذا على هذا. قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون وقد سنت لهم السنن وقدم لهم الخبر ولكل ضلة علة ولكل ناكث شبهة والله لا أكون كمستمع اللدم يسمع الناعي ويحضر الباكي ثم لا يعتبر. إيضاح: [قوله عليه السلام]: " كل واحد منهما " أي طلحة والزبير " لا يمتان " قال في النهاية: المت: التوسل والتوصل بحرمة أو قرابة أو غير ذلك. وقال: السبب في الاصل: الحبل الذي يتوصل به إلى ماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ كقوله تعالى: * (وتقطعت بهم الاسباب) * أي الوصل والمودات. وقال: الضب: الغضب والحقد. والظاهر أن الضمير المجرور في " قناعه " راجع إلى كل واحد منهما والباء في " به " للسببية، والضمير للضب " يكشف قناعه " الذي استتر به ويظهر حاله بسبب حقده وبغضه. " فأين المحتسبون " أي العاملون لله والطالبون للاجر ويقال أيضا: احتسب عليه أي أنكر. وتقديم الخبر: هو إخبار النبي صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وضمير [في قوله] " لهم " في الموضعين للمحتسبين أو للفئة الباغية وعلة ضلتهم هي البغي والحسد وشبهتهم في نكث البيعة الطلب بدم


52 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (146) من كتاب نهج البلاغة. (1) كذا في طبع الكمباني من البحار والمذكور فيما لدي من نسخ المطبوعة من نهج البلاغة: " ومن كلام له عليه السلام... ".

[81]

عثمان كما قيل أو المعنى أن لكل ضلالة غالبا علة ولكل ناكث شبهة بخلاف هؤلاء فإنهم يعدلون عن الحق مع وضوحه بغير عذر وشبهة. " ومستمع اللدم " الضبع و [اللدم] هو صوت الحجر يضرب به الارض أو حيلة يفعلها الصائد عند باب جحرها فتنام ولا تتحرك حتى يجعل الحبل في عرقوبها فيخرجها والمعنى لا أغتر ولا أغفل عن كيد الاعداء فاستمع الناعي بقتل طائفة من المسلمين ويحضر الباكي على قتلاهم فلا أحاربهم حتى يحيطوا بي. وقيل: لا أكون كمن يسمع الضرب والبكاء ثم لا يصدق حتى يجئ لمشاهدة الحال. [و] قال الجوهري: اللدم: ضرب المرأة صدرها وعضديها في النياحة. 53 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة: إن الله بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق وأمر قائم لا يهلك عنه إلا هالك وإن المبتدعات المشبهات هن من المهلكات إلا ما حفظ الله منها [كذا] وإن في سلطان الله عصمة لامركم فأعطوه طاعتكم غير ملومة ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الاسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الامر إلى غيركم. إن هؤلاء قد تمالؤا على سخطة إمارتي وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم فإنهم إن تمموا على فيالة هذا الرأي انقطع نظام المسلمين وإنما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن أفاءها الله عليه فأرادوا رد الامور على أدبارها. ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام بحقه والنعش لسنته.


53 - ذكره السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (167) من كتاب نهج البلاغة.

[82]

بيان وأمر قائم أي باق وحكمه غير منسوخ. وقيل: أي مستقيم ليس بذي عوج " لا يهلك عنه " أي معرضا وعادلا عنه " الا هالك " أي من بلغ الغاية في الهلاك " والمشبهات " بالفتح أي التي اشبهت ؟ سنن وليست منها أو بالكسر أي التي تشبه الامر على الناس. وقوله (عليه السلام): " إلا ما حفظ الله " استثناء من بعض متعلقات المهلكات أي أنها مهلكة في جميع الاحوال إلا حال حفظ الله بالعصمة عن ارتكابها أو كل أحد إلا من حفظه الله فما بمعنى " من ". قوله (عليه السلام): " وإن في سلطان الله " أو دين الله أو حجة الله أو الامام أي في طاعته. قوله (عليه السلام): " غير ملومة " أي مخلصين غير ملوم صاحبها بأن ينسب إلى النفاق والرياء. وفي بعض النسخ على التفعيل للمبالغة، ويروى " غير ملوية " أي غير معوجة من لويت العود إذا عطفته. قوله " حتى يارز " أي ينقبض وينضم ويجتمع. " إن هؤلاء " أي طلحة والزبير وعائشة " قد تمالؤا " أي تساعدوا واجتمعوا أو تعاونوا. والفيالة: الضعف أي إن بقوا على ضعف رأيهم قطعوا نظام المسلمين. والفئ: الرجوع. قوله: " فأرادوا رد الامور " أي أرادوا انتزاع الامر منه (عليه السلام) كما انتزع أولا. " والنعش ": الرفع. والضميران في " حقه وسنته " راجعان إلى الرسول. 54 - نهج ومن كلامه عليه السلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه


54 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (216) من كتاب نهج البلاغة.

[83]

(عليه السلام): فقدموا على عمالي وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي وعلى أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي فشتتوا كلمتهم وأفسدوا علي جماعتهم ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة عضوا على أسيافهم فضاربوا حتى لقوا الله صادقين. توضيح: شتته: فرقه. وقال [إبن الاثير] في النهاية: أصل العض: اللزوم يقال: " عض عليه عضا وعضيضا " إذا لزمه انتهى أي طائفة من الشيعة لزموا سيوفهم ويروى " طائفة " بالنصب أي وقتلوا طائفة شأنهم ذلك. 55 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) كلم به بعض العرب وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب (عليه السلام) منها يعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبين له (عليه السلام) من أمره معهم ما علم به أنه على الحق ثم قال له: بايع. فقال: إني رسول قوم ولا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم فقال (عليه السلام): أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلأ والماء فخالفوك إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا ؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء. فقال له (عليه السلام): فامدد إذا يدك. فقال الرجل: فو الله ما استطعت ؟ أن أمتنع عند قيام الحجة علي فبايعته عليه السلام (1). والرجل يعرف بكليب الجرمي.


55 - أورده السيد الرضي رحمه الله في المختار: (168) من كتاب نهج البلاغة (1) كذا في غير واحد من مطبوعة نهج البلاغة وفي ط الكمباني من البحار: " فبايعه ".

[84]

بيان: المجادب: محال الجدب 56 - نهج [و] من كتاب له [عليه السلام] إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الانصار وسنام العرب أما بعد فإني أخبركم في أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه، إن الناس طعنوا عليه فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عتابه وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف وأرفق حدائهما العنيف ! ! ! وكان من عائشة فيه فلتة غضب فأتيح له قوم قتلوه وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوكم " إنشاء الله. 57 - ومن كتاب له [عليه السلام] إليهم بعد فتح البصرة: وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته فقد سمعتم وأطعتم ودعيتم فأجبتم. بيان أكثر استعتابه: أي أكثر طلب العتبى منه والرجوع إلى ما يرضى به القوم منه. وأقل عتابه أي لائمته على وجه الاذلال والمواخذة إما لعدم النفع أو للمصلحة. والوجيف: السير السريع. قوله (عليه السلام) " فلتة غضب " أي فجاءة غضب والحاصل إن هؤلاء الثلاثة كانوا أشد الناس عليه. " فأتيح له " أي قدر وهئ. وجاشت: غلت. والمرجل: القدر من النحاس. و " دار الهجرة ": المدينة والغرض إعلامهم باضطراب حال المدينة وأهلها حين علموا بمسير القوم إلى البصرة للفتنة.


56 - وهذا هو المختار الاول من الباب الثاني - وهو باب الكتب - من نهج البلاغة. 57 - وهذا هو المختار الثاني من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[85]

أقول: قال ابن ميثم رحمه الله: كتب [عليه السلام] كتاب الاول حين نزل بماء العذيب متوجها إلى البصرة وبعثه مع الحسن (عليه السلام) وعمار بن ياسر. 58 - 61 - وقال ابن أبي الحديد في الشرح: روى محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمان بن يسار القرشي قال: لما نزل علي عليه السلام الربذة متوجها إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر وكتب إليهم هذا الكتاب يعني الكتاب الاول. وزاد في آخره: فحسبي بكم إخوانا وللدين أنصارا فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله لعلكم تفلحون. وروى أبو محنف قال: حدثني الصقعب قال: سمعت عبد الله بن جنادة يحدث أن عليا (عليه السلام) لما نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى أبي موسى الاشعري وهو الامير يومئذ على الكوفة لينفر إليه الناس وكتب إليه معه: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فإني بعثت إليك هاشم بن عتبة لتشخص إلي من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي وقتلوا شيعتي وأحدثوا في الاسلام هذا الحدث العظيم فأشخص بالناس إلي معه حين يقدم عليك فإني لم أو لك المصر الذي أنت به ولم أقرك عليه إلا لتكون من أعواني على الحق وأنصاري على هذا الامر والسلام.


58 - رواه في شرحه على المختار الاول من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 4 ص 290. طبع الحديث ببيروت. وما ذكره المصنف هنا هو موجز ما رواه ابن أبي الحديد، ولم يذكر المصنف كلامه حرفيا.

[86]

وروى محمد بن اسحاق أنه لما قدم محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفة استنفرا الناس فمنعهم أبو موسى فلحقا بعلي (عليه السلام) فأخبراه بالخبر. وروى أبو مخنف أن هاشم بن عتبة لما قدم الكوفة دعا أبا موسى فقال: اتبع ما كتب به إليك فأبى ذلك فبعث إلى هاشم يتوعده فكتب إلى علي بامتناعه وأنه شاق بعيد الود ظاهر الغل والشنآن وأنه هدده بالسجن والقتل ! ! فلما ورد كتابه على أمير المؤمنين عليه السلام [وقد] أتاه به المحل بن خليفة فسلم عليه ثم قال: الحمد لله الذي أدى الحق إلى أهله ووضعه موضعه فكره ذلك قوم وقد والله كرهوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله ثم بارزوه وجاهدوه فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم والله يا أمير المؤمنين لنجاهدنهم معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته إذ صاروا أعداء لهم بعده. فرحب به علي (عليه السلام) وقال له: خيرا ثم أجلسه إلى جانبه وقرأ كتاب هاشم وسأله عن الناس وعن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين ما أثق به ولا آمنه على خلافك إن وجد من يساعده على ذلك. فقال علي (عليه السلام): والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح ولقد أردت عزله فأتاني الاشتر فسألني أن أقره وذكر أن أهل الكوفة به راضون فأقررته. وروى أبو مخنف قال: وبعث علي (عليه السلام) من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى وكتب معهما: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد يا ابن الحائك

[87]

يا عاض أير أبيه فوالله إن كنت لارى أن بعدك (1) من هذا الامر الذي لم يجعلك الله له أهلا ولا جعل لك فيه نصيبا سيمنعك من رد أمري والافتراء علي وقد بعثت إليك ابن عباس وابن أبي بكر فخلهما والمصر وأهله واعتزل عملنا مذؤما مدحوورا فإن فعلت وإلا فإني قد أمرتهما أن ينابذاك على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين فإذا ظهرا عليك قطعاك إربا إربا والسلام على من شكر النعمة ووفا بالبيعة وعمل برجاء العافية. قال أبو مخنف: فلما أبطأ ابن عباس وابن أبي بكر عن علي (عليه السلام) ولم يدر ما صنعا رحل عن الربذة إلى ذي قار فنزلها قال فلما نزل ذا قار بعث إلى الكوفة الحسن ابنه عليه السلام وعمار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد بن عبادة ومعهم كتاب إلى أهل الكوفة فأقبلوا حتى كانوا بالقادسية فتلقاهم الناس فلما دخلوا الكوفة قرأوا كتاب علي (عليه السلام) وهو: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين أما بعد فإني خرجت مخرجي هذا إما ظالما وإما مظلوما وإما باغيا وإما مبغيا علي فأنشد الله رجلا بلغه كتابي هذا إلا نفر إلي فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما استعتبني والسلام. قال: فلما دخل الحسن (عليه السلام) وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستقر [فاستنفر " خ ل "] الناس فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال: أيها الناس إنا جئنا [كم] ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون وأفضل من تفضلون وأوفى من


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فو الله إن كنت لا أرى إلا بعدك... ". وفي شرح ابن أبي الحديد: " فو الله إني كنت لارى أن بعدك من هذا الامر... ".

[88]

تبايعون من لم يعيه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة إلى من قربه الله إلى رسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مآثرة إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون فقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم مجمحون وصدقه وهم مكذبون إلى من لم ترد له راية ولا تكافئ له سابقة وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويسألكم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به من الصالحون. قال أبو مخنف: وحدثني جابر بن يزيد عن تميم بن حذيم قال: قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام وعمار بن ياسر يستنفران الناس إلى علي (عليه السلام) ومعهما كتابه فلما فرغا من كتابه قام الحسن - وهو فتى حدث والله إني لارثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون: اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا. - فوضع يده على عمود يتساند إليه وكان عليلا من شكوى به فقال: الحمد لله العزيز الجبار الواحد القهار الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله امتن علينا بنبوته واختصه برسالته وأنزل عليه وحيه واصطفاه على جميع خلقه وأرسله إلى الانس والجن حين عبدت الاوثان وأطيع الشيطان وجحد الرحمان فصلى الله عليه وآله وجزاه أفضل ما جزى المرسلين. أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرشد الله أمره وأعز نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب وإلى العمل

[89]

بالكتاب والجهاد في سبيل الله وإن كان في عاجل ذاك ما تكرهون فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله. وقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ثم شهد مع رسول الله جميع مشاهده وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الاسلام ما قد بلغكم ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) راضيا عنه حتى غمضه بيده وغسله وحده والملائكة أعوانه والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ثم أدخله حفرته وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من من الله عليه ثم والله ما دعاهم إلى نفسه ولقد تداك الناس عليه تداك الابل الهيم عند ورودها فبايعوه طائعين ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه فعليكم عابد الله بتقوى الله والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين. عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته وألهمنا وإياكم تقواه وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه واستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم مضى إلى الرحبة فهيأ منزلا لابيه أمير المؤمنين (عليه السلام). قال جابر فقلت لتميم: كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه ؟ فقال: وما سقط عني من قوله أكثر ولقد حفظت بعض ما سمعت. قال أبو مخنف: ولما فرغ الحسن (عليه السلام) من خطبته قام عمار وخطب الناس واستنفرهم فلما سمع أبو موسى خطبتهما صعد المنبر وقال: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد فجمعنا بعد الفرقة وجعلنا إخوانا متحابين بعد العداوة وحرم علينا دماءنا وأموالنا قال الله سبحانه: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وقال تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) * فاتقوا الله عباد الله وضعوا أسلحتكم وكفوا عن قتال إخوانكم.

[90]

إلى آخر خطبته الملعونة التي تركها أولى من ذكرها وتنادى بكفر صاحبها ونفاقه. قال: فلما أتت الاخبار عليا باختلاف الناس بالكوفة بعث الاشتر إليها فأخرجه منها صاغرا. قال أبو مخنف: ولما نزل علي (عليه السلام) ذا قار كتبت عائشة إلى حفصة أما بعد فإني أخبرك أن عليا قد نزل ذاقار وأقام بها مرعوبا خائفا لما بلغه من عدتنا وجماعتنا فهو بمنزلة الاشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر. فدعت حفصة جواري لها يتغنين ويضربن بالدفوف فأمرتهن أن يقلن في غنائهن: ما الخبر ما الخبر ؟ علي في السفر كالفرس الاشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر (1). وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء. فبلغ أم كثوم بنت علي (عليه السلام) ذلك فلبست جلابيبها ودخلت عليهن في نسوة متنكرات ثم أسفرت عن وجهها فلما عرفتها حفصة خجلت واسترجعت فقالت أم كلثوم: لئن تظاهرتما عليه اليوم لقد تظاهرتما على أخيه من قبل فأنزل الله فيكما ما أنزل (2) فقالت حفصة: كفي رحمك الله وأمرت


(1) والحديث رواه أيضا يوسف بن حاتم الشامي في قصة حرب الجمل من كتاب الدر النظيم الورق 114 / /. ولكن واأسفاه من بقاء هذا الكتاب وأمثاله غير منشورة مع حاجة المجتمع إليها، وإلى الله المشتكى من غفلة العلماء وكسلة الفضلاء وسفلة الزملاء وبخلة التجار والاغنياء ! ! !. (2) إشارة إلى ما أجرمت هي وزميلتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزلت في تهديدهما وعظم جرمهما الآية الاولى إلى الآية الرابعة من سورة التحريم: (66) وهذا نص الآية الرابعة: * (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) *. (*)

[91]

بالكتاب فمزق واستغفرت الله (1). فقال سهل بن حنيف في ذلك: عذرنا الرجال بحرب الرجال * فما للنساء وما للسباب أما حسبنا ما أتينا به * لك الخير من هتك ذاك الحجاب ومخرجها اليوم من بيتها * يعرفها الذنب نبح الكلاب ألى أن أتاها كتاب لها * مشوم فيا قبح ذاك الكتاب أقول الاير: الذكر. و [قال ابن الاثير] في النهاية: [وفيه] " من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " أي فقولوا له: اعضض بأير أبيك ولا تكنوا بالاير عن الهن تنكيرا له وتأديبا. و [أيضا قال في مادة أير:] في حديث علي (عليه السلام): " من يطل أير أبيه ينتطق به " هذا مثل ضربه أي من كثرت إخوته اشتد ظهره بهم انتهى. ولعل المعنى هنا أخذه بسنة أبيه الكافر ولزومه بجهله وعصبيته ومعائبه أو قلة أعوانه وأنصاره ودنائته.


(1) قد أشرنا في تعليق ص: 20 رقم: (6) إلى أن المصنف العلامة قد اختصر ما رواه ابن أبي الحديد، وبما أن في هذا المقام الاختصار قد أخل بأمر عظيم نذكر هذا الجزء من الحديث حرفيا من شرح ابن أبي الحديد، قال: [ثم] قال ابو مخنف: روى هذا [الحديث] جرير بن يزيد عن الحكم. ورواه [أيضا] الحسن بن دينار عن الحسن البصري. ثم قال ابن أبي الحديد. وذكر الواقدي مثل ذلك، وذكر المدائني أيضا مثله [ثم] قال [المدائني] فقال سهل بن حنيف في ذلك هذه الاشعار... (*)

[92]

62 - وذكر المفيد قدس سره في [كتاب] الكافية قصة حفصة بسندين آخرين نحوا مما مر. 63 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة: رووا أنه (عليه السلام) لما بلغه وهو بالربذة خبر طلحة والزبير وقتلهما حكيم بن جبلة ورجالا من الشيعة وضربهما عثمان بن حنيف وقتلهما السبابجة قام على الغرائر فقال: إنه أتاني خبر متفظع ونبأ جليل أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضربا مبرحا وترك لا يدري أحيي هو أم ميت وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في عدة من رجال المسلمين الصالحين لقوا الله موفون ببيعتهم ماضين على حقهم، وقتلا السبابجة خزان بيت المال الذي للمسلمين قتلوهم [طائفة منهم] صبرا وقتلوا [طائفة منهم] غدرا. فبكى الناس بكاءا شديدا ورفع أمير المؤمنين (عليه السلام) يديه يدعو ويقول: اللهم اجز طلحة والزبير جزاء الظالم الفاجر والخفور الغادر. 64 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام) في ذكر أصحاب الجمل: فخرجوا يجرون حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تجر الامة عند شرائها متوجهين بها إلى البصرة فحبسا نساءهما في بيوتهما وأبرزا حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما ولغيرهما في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها فقتلوا طائفة صبرا وطائفة غدرا. فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله بلا جرم جره لحل لي قتل ذلك الجيش كله إذ حضروه فلم ينكروه ولم يدفعوا بلسان ولا بيد دع ما انهم


64 - رواه السيد الرضي رحمه الله في ذيل المختار: (170) من كتاب نهج البلاغه. (*)

[93]

قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم. بيان: الحرمة: ما يحرم انتهاكه والمراد بها هنا الزوجة كالحبيس، والضمير في " حبسا " راجع إلى طلحة والزبير [و] قوله (عليه السلام): " صبرا " أي بعد الاسر. [و] " غدرا " أي بعد الامان. قوله (عليه السلام: " جره " أي جذبه أو من الجريرة قال في القاموس: الجر: الجذب. والجريرة: الذنب جر على نفسه وغيره جريرة يجرها بالضم والفتح جرا. قال ابن ميثم (1) فإن قلت المفهوم من هذا الكلام تعليل جواز قتله (عليه السلام) لذلك الجيش بعدم إنكارهم للمنكر فهل يجوز قتل من لم ينكر المنكر ؟ قلت أجاب ابن أبي الحديد عنه فقال: يجوز قتلهم لانهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا كمن يعتقد إباحة الزنا وشرب الخمر. وأجاب الراوندي (رحمه الله) بأن " جواز " قتلهم لدخولهم في عموم قوله تعالى: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا) * الآية وهؤلاء قد حاربوا رسول الله لقوله (صلى الله عليه وآله): يا علي حربك حربي. وسعوا في الارض بالفساد. واعترض المجيب الاول عليه فقال: الاشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر والتعليل بعموم الآية لا ينفعه. وأقول: الجواب الثاني أسد، و [الجواب] الاول ضعيف لان القتل وإن وجب على من اعتقد إباحة ما علم من الدين ضرورة لكن هؤلاء كان جميع ما فعلوه من القتل والخروج بالتأويل وإن كان معلوم الفساد فظهر الفرق بين اعتقاد حل الخمر والزنا وبين اعتقاد هؤلاء إباحة ما فعلوه.


(1) ذكره ابن ميثم رحمه الله في شرح المختار المتقدم وهو (170) من نهج البلاغة من شرحه: ج 3 ص 337.

[94]

وأما الاعتراض على الجواب الثاني فضعيف أيضا لان له أن يقول: إن قتل المسلم إذا صدر عن بعض الجيش ولم ينكر الباقون مع تمكنهم وحضورهم كان ذلك قرينة على الرضا من جميعهم والراضي بالقتل شريك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته والاتحاد به لاتحاد بعض الجيش ببعض وكان خروج ذلك الجيش على الامام محاربة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وسعيا في الارض بالفساد وذلك عين مقتضى الآية انتهى ملخص كلامه. ويمكن أن يجاب عن اعتراضه على الجواب بأن هؤلاء كانوا مدعين لشبهة لم تكن شبهة محتملة لانهم خرجوا على الامام بعد البيعة طائعين غير مكرهين كما ذكره (عليه السلام) مع أن الاحتمال كاف له فتأمل. ويمكن الجواب عن أصل السؤال بأن التعليل ليس بعدم إنكار المنكر مطلقا بل بعدم إنكار هؤلاء لهذا المنكر الخاص أي قتل واحد من المسلمين المعاونين للامام (عليه السلام) بالخروج عليه وربما يشعر بذلك قوله (عليه السلام): لحل لي قتل ذلك الجيش. ويمكن حمل كلام الراوندي على ذلك. وأما ما ذكره أخيرا من جواز قتل الراضي بالقتل فإن أراد الحكم كليا فلا يخفى إشكاله وإن أراد في هذه المادة الخاصة فصحيح. ويرد على جواب ابن أبي الحديد مثل ما أورده هو على الراوندي رحمه الله بأن الاشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر لا في استحلال القتل ولو قدر في كلامه (عليه السلام) كان يقول: " المراد إذ حضروه مستحلين فلم ينكروا ". لامكن للراوندي أن يقول: إذ حضروه محاربين. ولو أجاب بأن الحضور مع عدم الانكار هو الاستحلال فبطلانه ظاهر مع أن للراوندي رحمه الله أن يقول: الحضور في جيش قد قتل بعضهم أحدا من أتباع الامام من حيث إنه من شيعته مع عدم الانكار والدفع محاربة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ولا ريب أنه كذلك.

[95]

65 - نهج ومن كلام له عليه السلام في معنى طلحة بن عبيد الله: قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر. والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه [كان مظنته] ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الامر ويقع الشك. ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه أو ينابذ ناصريه. ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذرين فيه. ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ويدع الناس معه فما فعل واحدة من الثلاث وجاء بأمر لم يعرف بابه ولم يسلم معاذيره. بيان قوله (عليه السلام): " قد كنت " قال ابن أبي الحديد: " كان " ها هنا تامة والواو للحال أي خلقت ووجدت بهذه الصفة ويجوز أن يكون الواو زائدة وكان ناقصة وخبرها " ما أهدد ". " وتجرد في الارض " أي جد فيه. ذكره الجوهري. وقال [ابن الاثير] في [مادة جلب من كتاب] النهاية وفي حديث علي (عليه السلام) " أراد أن يغالط بما أجلب فيه " يقال: اجلبوا عليه إذا تجمعوا وتألبوا. وأجلبه أي أعانه وأجلب عليه إذا صاحبه واستحثه. وقال الجوهري: لبست عليه الامر ألبس: خلطت. وقال: أعذر أي صار


65 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (172) من كتاب نهج البلاغة.

[96]

ذا عذر. وفي النهاية: " فما نهنهها شئ دون العرش " أي ما منعها وكفها عن الوصول إليه. والركود: السكون والثبات. 66 - نهج وقال (عليه السلام) لانس بن مالك وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئا مما سمعه من رسول الله في معناهما فلوى عن ذلك فرجع إليه فقال: إني أنسيت ذلك الامر فقال (عليه السلام) له: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة يعني البرص. فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يرى إلا متبرقعا 67 - ج احتجاجه عليه السلام على الناكثين في خطبة خطبها حين نكثوها فقال: إن الله ذو الجلال والاكرام لما خلق الخلق واختار خيرة من خلقه واصطفى صفوة من عباده وأرسل رسولا منهم وأنزل عليه كتابه وشرع له دينه وفرض فرائضه فكانت الجملة قول الله جل ذكره حيث أمر فقال: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * فهو لنا أهل البيت خاصة دون غيرنا فانقلبتم على أعقابكم وارتددتم ونقضتم الامر ونكثتم العهد ولم تضروا الله شيئا وقد أمركم الله أن تردوا الامر إلى الله وإلى رسوله وإلى أولي الامر منكم المستنبطين للعلم فأقررتم ثم جحدتم وقد قال الله لكم: * (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) *. إن أهل الكتاب والحكمة والايمان وآل إبراهيم بينه الله لهم فحسدوه وأنزل الله جل ذكره " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا " فنحن آل إبراهيم فقد حسدناكما حسد آباؤنا.


66 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (311) من الباب الثالث من نهج البلاغة. 67 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 230، وفي ط بيروت ص 160.

[97]

وأول من حسد آدم الذي خلقه الله عزوجل بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه الاسماء واصطفاه على العالمين فحسده الشيطان فكان من الغاوين. ثم حسد قابيل هابيل فقتله فكان من الخاسرين. ونوح (عليه السلام) حسده قومه فقالوا: " ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ". ولله الخيرة يختار من [ما " خ "] يشاء ويختص برحمته من يشاء يؤتي الحكمة والعلم من يشاء. ثم حسدوا نبينا (صلى الله عليه وآله) ألا ونحن أهل البيت الذين أذهب الله عنا الرجس ونحن المحسودون كما حسد آباؤنا قال الله عزوجل: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي " وقال: " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ". فنحن أولى الناس بإبراهيم ونحن ورثناه ونحن أولوا الارحام الذين ورثنا الكعبة ونحن آل إبراهيم أفترغبون عن ملة إبراهيم ؟ وقد قال الله تعالى: * (فمن تبعني فإنه مني) *. يا قوم أدعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه وإلى ولي أمره وإلى وصيه وإلى وارثه من بعده فاستجيبوا لنا واتبعوا آل إبراهيم واقتدوا بنا فإن ذلك لنا آل ابراهيم فرضا واجبا والافئدة من الناس تهوي إلينا وذلك دعوة إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " فهل نقمتم منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل علينا ؟ ! ولا تتفرقوا فتضلوا والله شهيد عليكم وقد أنذرتكم ودعوتكم وأرشدتكم ثم أنتم وما تختارونه. 68 - ج روى عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه قال: كنت قاعدا عند


68 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 230، وفي ط بيروت ص 161.

[98]

علي عليه السلام حين دخل عليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما وقد قال: قد اعتمرتما. فأعادا عليه الكلام فأذن لهما ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. قلت: فلا تأذن لهما. فردهما ثم قال: والله ما تريدان العمرة وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما وإلا فرقة لامتكما ! ! ! فحلفا له فأذن لهما ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. قلت: فلم أذنت لهما ؟ قال: حلفا لي بالله. قال: فخرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها. 69 - شاج [وروي] عنه (عليه السلام) أنه قال عند توجههما إلى مكة للاجتماع مع عائشة في التأليب عليه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: أما بعد فإن الله عزوجل بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) للناس كافة وجعله رحمة للعالمين فصدع بما أمر به وبلغ رسالة ربه، فلم به الصدع ورتق به الفتق وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الاحن والعداوة والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب. ثم قبضه الله إليه حميدا لم يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة ولابلغ شيئا كان في التقصير عنه القصد وكان من بعده ما كان من التنازع في الامرة فتولى أبو بكر وبعده عمر ثم تولى عثمان فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم: بايعنا فقلت: لا أفعل قلتم: بلى فقلت: لا وقبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم فجذبتموها وحتى تداككتم علي كتداكك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض وبسطت يدي


69 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (17) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الارشاد ص 130. ورواه الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 235 ط الغري وفي ط بيروت ص 161.

[99]

فبايعتموني مختارين وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة والله يعلم أنهما أرادا الغدرة فجددت عليهما العهد في الطاعة وأن لا يبغيا الامة الغوائل فعاهداني ثم لم يفيا لي ونكثا بيعتي ونقضا عهدي. فعجبا لهما من انقيادهما لابي بكر وعمر وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين ولو شئت أن أقول لقلت اللهم اغضب عليهما بما صنعا وأظفرني بهما. بيان اللم: الاصلاح والجمع. والاحن كعنب جمع إحنة بالكسر وهي الحقد. ويقال: في صدره علي وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ والمصدر بالتحريك. قوله (عليه السلام): " ولو شئت أن أقول لقلت " كناية أبلغ من الصريح في ذم الرجلين وكفرهما. 70 - ج وقال عليه السلام في أثناء كلام آخر: وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل [بيت] النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا ولا شهرا كاملا حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني. ثم دعا عليهما. 71 - ما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن عبيدالله بن إسحاق الضبي عن حمزة بن نصر عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي قال: لما رجعت رسل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من عند طلحة


70 - ذكره الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 162، ط بيروت. 71 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (36) من الجزء السادس من كتاب الامالي: ج 1، ص 106، وفي ط بيروت ص 171. وللحديث مصادر وأسانيد يجد الباحث بعضها في المختار: (95) من نهج السعادة: ج 1 ص 309 ط 2.

[100]

والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله ثم قال: يا أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كيما يرعووا ويرجعوا وقد وبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فليسوا يستجيبون ألا وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان واصبر للجلاد فإنما منتك نفسك من أنباء الاباطيل. هبلتهم الهبول قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر وإني لعلى يقين من ربي وفي غير شبهة من أمري. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيص من لم يقتل يمت (1) إن أفضل الموت القتل والذي نفس ابن أبي طالب بيده لالف ضربة بالسيف لاهون علي من موت على فراش. يا عجبي لطلحة ألب على ابن عفان حتى إذا قتل أعطاني صفقة يمينه طائعا ثم نكث بيعتي وطفق ينعى ابن عفان ظالما وجاء يطلبني يزعم بدمه. والله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم حين حصره وألب عليه - إنه [كان] لينبغي أن يوازر قاتليه وأن ينابذ ناصريه، وإن كان في تلك الحال مظلوما إنه لينبغي أن يكون معه، وإن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي أن يعتزله ويلزم بيته ويدع الناس جانبا فما فعل من هذه الخصال واحدة وها هوذا قد أعطاني صفقة يمينه غير مرة ثم نكث بيعته اللهم فخذه ولا تمهله. ألا وإن الزبير قطع رحمي وقرابتي ونكث بيعتي ونصب لي الحرب وهو يعلم أنه ظالم لي اللهم فاكفنيه بم شئت.


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " من لم يمت يقتل... ".

[101]

72 - جاما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن اسماعيل بن أبان عن عمرو بن شمر قال: سمعت جابر بن يزيد الجعفي يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: حدثني أبي عن جدي قال: لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة فلما ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له: " قائد " (1) فقربه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له عبد الله: الحمد لله الذي رد الحق إلى أهله ووضعه في موضعه كره ذلك قوم أم سروا به فقد والله كرهوا محمدا صلى الله عليه وآله ونابذوه وقاتلوه فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم والله لنجاهدن معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه إلى جنبه وكان له حبيبا ووليا وأخذ يسائله عن الناس إلى أن سأله عن أبي موسى الاشعري فقال: والله ما أنا واثق به وما آمن عليك خلافه إن وجد مساعدا على ذلك ! !. فقال أمير المؤمنين: والله ما كان عندي مؤتمنا ولا ناصحا ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته وولوه وسلطوه بالامرة على الناس ولقد أردت عزله فسألني الاشتر فيه وأن أقره فأقررته على كره مني له وعملت على صرفه من بعد. قال: فهو مع عبد الله في هذا ونحوه إذا أقبل سواد كثير من قبل جبال


72 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث: (6) من المجلس: (35) من كتاب الامالي ص 171. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (12) من الجزء الثالث من أماليه: ج 1، ص 67. (1) كذا في ط الكمباني من بحار الانوار، وأمالي الطوسي، وفي أمالي الشيخ المفيد: " قديد ".

[102]

طئ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنظروا ما هذا السواد ؟ وقد ذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت فقيل: هذه طئ قد جاءتك تسوق الغنم والابل والخيل فمنهم من جاءك بهداياه وكرامته ومنهم من يريد النفوذ معك إلى عدوك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزى الله طيا خيرا وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما فلما انتهوا إليه سلموا عليه. قال عبد الله بن خليفة فسرني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيئتهم وتكلموا فأقروا والله لعيني ما رأيت خطيبا أبلغ من خطيبهم. وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني كنت أسلمت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأديت الزكاة على عهده وقاتلت أهل الردة من بعده أردت بذلك ما عند الله وعلى الله ثواب من أحسن واتقى وقد بلغنا أن رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين فأتيناك لننصرك بالحق فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت ثم أنشأ يقول: فنحن نصرنا الله من قبل ذاكم * وأنت بحق جئتنا فسننصر سنكفيك دون الناس طرا بنصرنا * وأنت به من سائر الناس أجدر فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزاكم الله من حي عن الاسلام وأهله خيرا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ونويتم نصر المسلمين. وقام سعيد بن عبيد البختري من بني بختر فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من يقدر أن يعبر بلسانه عما في قلبه ومنهم من لا يقدر أن يبين ما يجده في نفسه بلسانه فإن تكلف ذلك شق عليه وإن سكت عما في قلبه برح به الهم والبرم وإني والله ما كل ما في نفسي أقدر أن أوديه إليك بلساني ولكن والله لاجهدن على أن أبين لك والله ولي التوفيق أما أنا فإني ناصح لك في السر والعلانية ومقاتل معك الاعداء في كل موطن وأرى لك من الحق ما لم أكن أراه لمن كان قبلك ولا لاحد اليوم من أهل زمانك لفضيلتك في الاسلام وقرابتك من الرسول ولن أفارقك أبدا حتى تظفر أو أموت بين يديك.

[103]

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يرحمك الله فقد أدى لسانك ما يجد ضميرك لنا (1) ونسأل الله أن يرزقك العافية ويثيبك الجنة. وتكلم نفر منهم فما حفظت غير كلام هذين الرجلين. ثم ارتحل أمير المؤمنين واتبعه منهم ستمائة رجل حتى نزل " ذاقار " فنزلها في ألف وثلثمائة رجل. 73 - ما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن الفضل بن دكين عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما نزل علي بالربذة سألت عن قدومه إلينا ؟ فقيل: خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة فخرج يريدهم. فصرت إليه فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام فجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى فقال له أمير المؤمنين: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية. فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها فو الله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الابل حتى تستخرجك منه.


(1) كذا في النسخة المطبوعة من أمالي الشيخ المفيد وطبع الكمباني من بحار الانوار، وفي المطبوع من أمالي الطوسي: " ما يكن ضميرك لنا ". 73 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (37) من الجزء الثاني من أماليه ص 32 ط 1. وللحديث مصادر أخر يجد الباحث بعضها في المختار: (82) وما بعده من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 82 ط 2.

[104]

ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت الامة فذاك وأن اختلفت رضيت بما قسم الله وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق وأذكرك بالله لا تقتل بمضيعة ! ! ! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما قولك: إن عثمان حصر. فما ذاك وما علي منه وقد كنت بمعزل عن حصره. وأما قولك: إئت مكة فو الله ما كنت لاكون الرجل الذي يستحل به مكة. وأما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فو الله ما كنت لاكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا ولكن أباك يا بني يضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المخالف أبدا حتى يأتي علي يومي فو الله ما زال أبوك مدفوعا عن حقه مستأثرا عليه منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس هذا. فكان طارق بن شهاب أي وقت حدث بهذا الحديث بكى.. 74 - جاما المفيد عن الجعابي عن ابن عقدة عن أبي عوانة موسى بن يوسف عن عبد السلام بن عاصم عن اسحاق بن اسماعيل عن عمرو بن أبي قيس عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو قال: أخبرني رجل من بني تميم قال:


74 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (5) من المجلس: (39) من أماليه ص 205. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (27) من الجزء الرابع من أماليه 112. وللحديث مصادر أخر ذكر بعضها في ذيل المختار: (89) من نهج السعادة: ج 1، ص 284 ط 2.

[105]

كنا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) بذيقار ونحن نرى أنا سنختطف في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقة ولنقتلن هذين الرجلين يعني طلحة والزبير ولنستبيحن عسكرهما. قال التميمي: فأتيت إلى عبد الله بن العباس فقلت: أما ترى إلى ابن عمك وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى ننظر ما يكون [قال:] فلما كان من أمر البصرة ما كان اتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق. فقال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب محمد أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها إلى أحد غيره فلعل هذا مما عهد إليه. 75 - ل فيما أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) اليهودي السائل عما فيه من خصال الاوصياء قال علي (عليه السلام): وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي وأنا ولي أمرها والوصي عليها فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال وأقبلوا بها تخبط الفيافي وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعند كل حال في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاولى في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم طويلة لحاهم قليلة عقولهم عازبة آراؤهم وهم جيران بدو ووراد بحر فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم ويرمون بسهامهم بغير فهم فوقفت من أمرهم على إثنتين كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم يرجع ولم يعقل [لم يرجعوا ولم يقلعوا " خ ل "] وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت فقدمت الحجة بالاعذار والانذار ودعوة المرأة إلى الرجوع إلي بيتها والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي والترك لنقضهم عهد الله عزوجل في وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه وناظرت بعضهم فرجع وذكرت فذكر ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك


75 - رواه الشيخ الصدوق في الحديث: (58) في عنوان: " امتحان الله... أوصياء الانبياء... " في باب السبعة في الجزء الثاني من الخصال: ج 2 ص 377.

[106]

فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا فلما أبوا إلا هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة وبهم الهزيمة ولهم الحسرة وفيهم الفناء والقتل وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أولا من الاغضاء والامساك ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الاطراف وسفك الدماء وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال كعادة بني الاصفر ومن مضى من ملوك سبأ والامم الخالية فأصير إلى ما كرهت أولا وآخرا وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت وتأنيت وراجعت وأرسلت وسافرت [وشافهت " خ "] وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كل شئ التمسوه بعد أن عرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه فلما أبوا إلا تلك أقدمت عليها فبلغ الله بي وبهم ما أراد وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيدا. 76 - فس: أبي عن فضالة عن أبان بن عثمان عن ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) * قال: نزلت في طلحة والزبير والجمل جملهم. 77 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " وضرب الله مثلا " ثم ضرب الله فيهما مثلا فقال: * (ضرب الله مثلا للذين كفروا إمرأة نوح وإمرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) * قال: والله ما عنا بقوله:


76 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (40) من سورة الاعراف من تفسيره. 77 - الحديث من الاخبار الآحاد التي تراكمت الشواهد على عدم صدقه. (*)

[107]

بيان: المراد بفلان طلحة وهذا إن كان رواية فهي شاذة مخالفة لبعض الاصول، وإن كان قد يبدو من طلحة ما يدل على أنه كان في ضميره الخبيث مثل ذلك لكن وقوع أمثال ذلك بعيد عقلا ونقلا وعرفا وعادة وترك التعرض لامثاله أولى. 78 - فس: قال أمير المؤمنين في كتابه الذي كتبه إلى شيعته ويذكر فيه خروج عائشة إلى البصرة وعظم خطأ طلحة والزبير فقال: وأي خطيئة أعظم مما أتيا أخرجا زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيتها وكشفا عنها حجابا ستره الله عليها وصانا حلائلهما في بيوتهما ما أنصفا لا لله ولا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال مرجعها على الناس في كتاب الله البغي والمكر والنكث قال الله: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) * وقال: * (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) * وقال: * (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) * وقد بغيا علينا ونكثا بيعتي ومكرا بي. 79 - فس: لما أنزل الله * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) * وحرم الله نساء النبي على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا فأنزل الله * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) * إلى قوله * (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما) *.


78 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (35) من سورة فاطر من تفسيره. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 3 ص 366 ط 3. وتقدم برواية المصنف في أول الباب (16) من القسم الاول من هذا المجلد ص 184. 79 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (35) من سورة: الاحزاب 33 من تفسيره ورواه عنه البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 3 ص 333.

[108]

80 - ل سمعت شيخنا محمد بن الحسن رضي الله عنه يروي أن الصادق (عليه السلام) قال: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى أدرك فرخه فنفاه عن رأيه. 81 - ير أحمد بن محمد والحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عن محمد بن سنان رفعه قال: إن عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديدا العداوة لهذا الرجل حتى أبعثه إليه قال: فأتيت به فمثل بين يديها فرفعت إليه رأسها فقالت له: ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل ؟ قال: فقال لها: كثيرا ما أتمنى على ربي أنه وأصحابه في وسطي فضربت ضربة بالسيف يسبق السيف الدم. قالت فأنت له فاذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا رايته أو مقيما أما إنك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنهم طير صواف فتعطيه كتابي هذا وإن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر ! ! قال: فاستقبلته راكبا فناولته الكتاب ففص خاتمه ثم قرأه فقال: تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا وشرابنا ونكتب جواب كتابك. فقال: هذا والله ما لا يكون ! قال: فساء خلقه فأحدق به أصحابه ثم قال له: أسألك قال: نعم قال: وتجيبني ؟ قال: نعم. قال: فنشدتك الله هل قالت: التمسوا لي رجلا شديدا عداوته لهذا الرجل فأتوها بك فقالت لك: ما بلغ من عداوتك هذا الرجل فقلت: كثيرا ما أتمنى على ربي أنه وأصحابه في وسطي وأني


80 - رواه الشيخ الصدوق قدس الله نفسه في عنوان: " السفرجل فيه ثلاث خصال " في باب الثلاثة في ذيل الحديث: (199) من كتاب الخصال: ج 1، ص 157. وقريبا منه رواه السيد الرضي في المختار: (453) من الباب الثالث من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام. ورواه أيضا البلاذري في الحديث: (319) من ترجمة علي عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 255. 81 - رواه الصفار في الباب: الخامس من كتاب بصائر الدرجات ص 67.

[109]

ضربت ضربة بالسيف يسبق السيف الدم ؟ قال: اللهم نعم. قال: فنشدتك الله أقالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنهم طير صواف ؟ فقال: اللهم نعم. قال: فنشدتك بالله هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر ؟ قال: اللهم نعم. قال: فمبلغ أنت عني ؟ قال: اللهم نعم فإني قد أتيتك وما في الارض خلق أبغض إلي منك وأنا الساعة ما في الارض أحب إلي منك فمرني بما شئت قال: ارجع إليها [ب‍] كتابي هذا وقل لها: ما أطعت الله ولا رسوله حيث أمرك الله بلزوم بيتك فخرجت ترددين في العساكر وقل لهما: ما أطعتما الله ولا رسوله حيث خلفتم حلائلكم في بيوتكم وأخرجتم حليلة رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: فجاء بكتابه حتى طرحه إليها وأبلغها مقالته ثم رجع إليه فأصيب بصفين فقالت [عائشة]: ما نبعث إليه بأحد إلا أفسده علينا. 82 - يج علي بن النعمان ومحمد بن سنان مثله. 83 - قب علي بن النعمان ومحمد بن يسار مثله. بيان قوله: " فضربت... " على بناء المجهول وحاصله أنه تمنى أن يكونوا مشدودين على وسطه فيضرب ضربة على وسطه يكون فيها هلاكهم وهلاكه ! ! ! وسبق السيف الدم كناية عن سرعة نفوذها وقوتها. 84 - يج روى عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر رسول الله يوما على علي والزبير قائم معه يكلمه فقال رسول الله (صلى الله


82 - رواه الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. 83 - رواه ابن شهر آشوب في عنوان: " مقاماته مع الانبياء والاوصياء " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 96 ط النجف. 84 - رواه الراوندي في كتاب الخرائج.

[110]

عليه وآله): ما تقول له فو الله لتكونن أول العرب تنكث بيعته ! ! !. 85 - يج روي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: لما رجع الامر إليه أمر أبا الهيثم بن التيهان وعمار بن ياسر وعبيد الله بن [أبي] رافع فقال: اجمعوا الناس ثم انظروا ما في بيت مالهم واقسموا بينهم بالسوية فوجدوا نصيب كل واحد منهم ثلاثة دنانير فأمرهم يقعدون للناس ويعطونهم. قال: وأخذ مكتله ومسحاته ثم انطلق إلى بئر الملك يعمل فيها فأخذ الناس ذلك القسم حتى بلغوا الزبير وطلحة وعبد الله بن عمر أمسكوا بأيديهم وقالوا: هذا منكم أو من صاحبكم ؟ قالوا: بل هذا أمره لا نعمل إلا بأمره قالوا: فاستأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه إذن هوذا ببئر الملك يعمل فركبوا دوابهم حتى جاؤا إليه فوجدوه في الشمس ومعه أجير له يعينه فقالوا له: إن الشمس حارة فارتفع معنا إلى الظل [فارتفع] معهم إليه فقالوا له: لنا قرابة من نبي الله وسابقة وجهاد إنك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية كانوا يفضلوننا على غيرنا. فقال علي أيهما عندكم أفضل عمر أو أبو بكر ؟ قالوا: أبو بكر. قال: فهذا قسم أبي بكر وإلا فدعوا أبا بكر وغيره وهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه. قالا: فسابقتنا ؟ قال: أنتما أسبق مني بسابقتي ؟ قالوا: لا. قالا: قرابتنا بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال: [أهي] أقرب من قرابتي ؟ قالوا: لا. قالوا: فجهادنا. قال: أعظم من جهادي ؟ قالوا: لا. قال: فوالله ما أنا في هذا المال وأجيري هذا إلا بمنزلة سواء قالا: أفتأذن لنا في العمرة ؟ قال: ما العمرة تريدان وإني لاعلم أمركم


85 - رواه الراوندي في كتاب الخرائج. وقريبا منه رواه ابن شهر آشوب في أواخر عنوان: " المسابقة بالعدل والامانة " من مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 315، وفي ط النجف ص 378. ورويناه بلفظ أجود مما ها هنا عن مصدر آخر في المختار: (71) من نهج السعادة: ج 1، ص 240 ط 2.

[111]

وشأنكم فاذهبا حيث شئتما فلما وليا قال: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. 86 - شا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) قلنا: نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأولياؤه وأحق الخلق به لا ننازع حقه وسلطانه فبينما نحن كذلك إذ نفر المنافقون وانتزعوا سلطان نبينا منا وولوه غيرنا فبكت والله لذلك العيون والقلوب منا جميعا معا وخشنت له الصدور وجزعت النفوس منا جزعا أرغم. وأيم الله لولا مخافتي الفرقة بين المسلمين وأن يعود أكثرهم إلى الكفر ويعوز الدين (1) لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا. وقد بايعتموني الآن وبايعني هذان الرجلان طلحة والزبير على الطوع منهما


86 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (18) مما اختار من كلام علي عليه السلام في كتاب الارشاد ص 131، ط النجف. وقريبا منه رواه أيضا في آخر كتاب الجمل ص 233 ط 1. وتقدم الحديث تحت الرقم: (15) من الباب (15) وهو باب شكايته عليه السلام من القسم الاول من هذا المجلد، ص 172 ط الكمباني. وقد ذكرنا هناك أن الشيخ المفيد رحمه الله رواه في الحديث: (6) من المجلس: (19) من أماليه ص 99. (1) لعله من قولهم: " عوز الشئ عوزا " - على زنة علم -: عز فلم يوجد مع الحاجة إليه. والامر: اشتد. والاظهر أنه من باب الافعال من قولهم: " أعوز الشئ إعوازا: تعذر. أو من قولهم إعوز إعوزازا: اختلت حاله. وفي غير واحد من المصادر والطرق: " ويبور الدين " يقال: بار السوق أو العمل: كسد. بطل. وبار فلان: هلك. وبار الطعام فسد.

[112]

ومنكم والايثار ثم نهضا يريدان البصرة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم اللهم فخذهما لغشهما لهذه الامة وسوء نظرهما للعامة. ثم قال: انفروا رحمكم الله في طلب هذين الناكثين القاسطين الباغيين قبل أن يفوت تدارك ما جنياه. أقول: قد أوردناه بسند متصل مع زيادة في باب شكايته [عليه السلام نقلا] عن [كتاب] جا. 87 - ورواه أيضا [المفيد] في [كتاب] الكافية عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عليهم السلام قال: كتبت أم الفضل بنت الحارث مع عطاء مولى ابن عباس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفير طلحة والزبير وعائشة من مكة فيمن نفر معهم من الناس فلما وقف أمير المؤمنين على الكتاب قال محمد بن أبي بكر: ما للذين أوردوا ثم أصدروا غداة الحساب من نجاة ولا عذر. ثم نودي من مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلاة جامعة فخرج الناس وخرج أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله [...]. إلى آخر ما [مر مما] رواه في [كتاب] شا. 88 - شا لما اتصل بأمير المؤمنين صلوات الله عليه مسير عائشة وطلحة والزبير من مكة إلى البصرة حمد الله وأثنى عليه ثم قال:


87 - الكافية الورق... 88 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (19) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 132.

[113]

قد سارت عائشة وطلحة والزبير كل منهما يدعي الخلافة دون صاحبه ولا يدعي طلحة الخلافة إلا أنه ابن عم عائشة ولا يدعيها الزبير إلا أنه صهر أبيها والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربن الزبير عنق طلحة وليضربن طلحة عنق الزبير ينازع هذا على الملك هذا ولقد علمت والله أن الراكبة الجمل لا تحل عقدة ولا تسير عقبة ولا تنزل منزلة إلا إلى معصية الله حتى تورد نفسها ومن معها موردا يقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجع ثلثهم. والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان ولرب عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه. والله لتنبحنها كلاب الحوأب فهل يعتبر معتبر ويتفكر متفكر لقد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون. 89 - أقول ورواه أيضا مرسلا في الكافية وزاد في آخره: مالي وقريش: أما والله لاقتلنهم كافرين ولاقتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالامس ومالنا إليها من ذنب غير أنا خيرنا عليها فأدخلناهم في خيرنا. أما والله لا يترك الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته إنشاء الله فلتضج مني قريش ضجيجا. 90 - شا لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس رضي الله عنه: فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمها إلى صاحبتها وقال لي: قومهما. فقلت: ليس لهما قيمة. قال: على ذاك قلت: كسر درهم


89 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (19) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 131، ط النجف. ورواه أيضا في الكافية. 90 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (20) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الارشاد، ص 132.

[114]

قال: والله لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. قلت: إن الحاج اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسنا كان منك وإن كان غير ذلك كان مني ؟ قال: لا أنا أتكلم ثم وضع يده على صدري وكان شثن الكفين فآلمني ثم قام فأخذت بثوبه وقلت: نشدتك الله والرحم. قال: لا تنشدني ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس في العرب أحد يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس إلى منجاتهم أم والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدلت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها. ما لي ولقريش أم والله لقد قاتلتهم كافرين ولاقاتلنهم مفتونين وإن مسيري هذا عن عهد إلي فيه. أم والله لابقرن الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا [في خيرنا " خ "] وأنشد: أدمت لعمري شربك المحض خالصا * وأكلك بالزبد المقشرة التمرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا 91 - [شا] ولما نزل [عليه السلام] بذيقار أخذ البيعة على من حضره ثم تكلم فأكثر من الحمد لله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: قد جرت أمور صبرنا عليها وفي أعيننا القذى تسليما لامر الله فيما امتحننا به رجاء الثواب على ذلك وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون ويسفك دماؤهم.


91 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (21) مما اختار من كلم أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه الارشاد، ص 133، ط النجف.

[115]

نحن أهل البيت وعترة الرسول وأحق الخلق بسلطان الرسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الامة وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر لم يصبرا حولا واحدا ولا شهرا كاملا حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني. ثم دعا [عليه السلام] عليهما. بيان: قوله (عليه السلام): على ذاك أي قومهما على ذاك التحقير الذي تظهره. قوله: " نشدتك الله " لعله نشده على أن يدع الكلام إليه إذ كان يظن أن المصلحة في ذلك. وقال الجوهري: المحض: اللبن الخالص وهو الذي لم يخالطه الماء حلوا كان أو حامضا. وقال: الجرد: فضاء لا نبات فيه. وقال: السمرة بضم الميم: شجر الطلح والجمع سمر وسمرات وأسمر. 92 - شا: روى عبد الحميد بن عمران العجلي عن سلمة بن كهيل قال: لما التقى أهل الكوفة أمير المؤمنين صلوات الله عليه بذيقار حيوا به ثم قالوا: الحمد لله الذي خصنا بجوارك وأكرمنا بنصرتك. فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل الكوفة إنكم من أكرم المسلمين وأقصدهم تقويما وأعدلهم سنة وأفضلهم سهما في الاسلام وأجودهم في العرب مركبا ونصابا أنتم أشد العرب ودا للنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وإنما جئتكم ثقة بعد الله بكم للذي بذلتم من أنفسكم عند نقض طلحة والزبير وخلفهما [خلعهما " خ "] طاعتي وإقبالهما بعائشة للفتنة وإخراجهما إياها من بيتها حتى أقدماها البصرة فاستغووا طغامها وغوغاءها مع أنه قد بلغني أن أهل الفضل منهم وخيارهم في الدين قد اعتزلوا وكرهوا ما صنع طلحة والزبير. ثم سكت عليه السلام.


92 - رواه محمد بن محمد بن النعمان في الفصل: (22) من مختار كلام أمير المؤمنين في الارشاد ص 133.

[116]

فقال أهل الكوفة: نحن أنصارك وأعوانك على عدوك ولو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ورجوناه فدعا لهم أمير المؤمنين وأثنى عليهم ثم قال: لقد علمتم معاشر المسلمين أن طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين راغبين ثم استأذناني في العمرة فأذنت لهما فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين، وفعلا المنكر اللهم إنهما قطعاني وظلماني وجنياني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي فاحلل ما عقدا ولا تحكم ما أبرما وأرهما المسائة فيما عملا. بيان الطغام بالفتح: أوغاد الناس الواحد والجمع فيه سواء. والغوغاء: الجراد بعد الدباء وبه سمي الغوغاء. والغاغة من الناس وهم الكثر المختلطون. ذكره الجوهري. 93 - شا من كلامه (عليه السلام) وقد نفر من ذي قار متوجها إلى البصرة بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله: أما بعد فإن الله تعالى فرض الجهاد وعظمه وجعله نصرة له، والله ما صلحت دنيا قط ولا دين إلا به وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله وشبه في ذلك وخدع وقد بانت الامور وتمحضت. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولئن كنت شركتهم فيه إن لهم نصيبهم منه، ولئن كانوا ولوه دوني فما تبعته إلا قبلهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وإني لعلى بصيرتي ما التبست علي، وإنها للفئة الباغية فيها اللحم واللحمة قد طالت هينتها وأمكنت درتها يرضعون أما فطمت ويحيون بيعة تركت ليعود الضلال إلى نصابه ما اعتذر مما فعلت ولا أتبرأ مما صنعت.


93 - رواه محمد بن محمد رحمه الله في الفصل: (23) من مختار كلام علي عليه السلام في الارشاد 134.

[117]

فيا خيبة للداعي ومن دعا لو قيل له إلى من دعوتك وإلى من أجبت ومن إمامك وما سنته إذا لزاح الباطل عن مقامه ولصمت لسانه فما نطق. وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه ولا يصدرون عنه ولا يلقون بعده ريا أبدا وإني لراض بحجة الله عليهم وعذره فيهم إذ أنا داعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وأقبلوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس على الله كفران، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف فكفا به شافيا من باطل وناصرا لمؤمن. بيان [قوله عليه السلام:] " فيها اللحم واللحمة " لحم كل شئ: لبه واللحمة بالضم: القرابة أي فيها من يظن الناس أنهم لب الصحابة وفيهم من يدعى قرابة الرسول كالزبير. وفي بعض النسخ " الحمأ والحمة " كما مر (1) " قد طالت هينتها " الهينة: الرفق والسكون شبه (عليه السلام) تلك الفئة وفتنتها بناقة طال سكونها وأمكنت من حلبها كناية عن استمرار الفتنة وتمكنها في أهل الجهل وفي بعض النسخ: " هلبتها " قال الجوهري: الهلبة ما غلظت من شعر الذنب وهلبة الزمان: شدته. 94 - قب بلغ عايشة قتل عثمان وبيعة علي ب‍ " سرف " فانصرفت إلى مكة تنتظر الامر فتوجه طلحة والزبير وعبد الله بن عامر بن كريز فعزموا على قتال علي واختاروا عبد الله بن عمر للامامة فقال: أتلقونني بين مخالب علي وأنيابه ثم أدركهم يعلى بن منبه [قادما] من اليمن وأقرضهم ستين ألف دينار والتمست عايشة من أم سلمة الخروج فأبت، وسألت حفصة فأجابت ثم خرجت عايشة في أول نفر. فكتب الوليد بن عتبة.


(1) تقدم في شرح الحديث: (37) - وهو المختار: (135) من نهج البلاغة - ص 408. 94 - رواه في عنوان: " ما ظهر منه عليه السلام في حرب الجمل " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 335 طبع النجف.

[118]

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم * ولا تهبوه لا تحل مواهبه و [أيضا] أنشأ [الوليد] لما ظفر علي أمير المؤمنين عليه السلام: ألا أيها الناس عندي الخبر * بأن الزبير أخاكم غدر وطلحة أيضا حذا فعله * ويعلى بن منبه فيمن نفر فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام أبياتا منها: فتن تحل بهم وهن شوارع * تسقى أواخرها بكأس الاول فتن إذا نزلت بساحة أمة * أذنت بعدل بينهم متنفل فقدمت عائشة إلى الحوأب وهو ماء نسب إلى الحوأب بنت كليب بن وبرة فصاحت كلابها فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ردوني. [و] ذكر الاعثم في الفتوح والماوردي في أعلام النبوة وشيرويه في الفردوس وأبو يعلى في المسند وابن مردويه في فضائل أمير المؤمنين والموفق في الاربعين وشعبة والشعبي وسالم بن أبي الجعد في أحاديثهم والبلاذري والطبري في تاريخيهما أن عائشة لما سمعت نباح الكلاب قالت: أي ماء هذا ؟ فقالوا: الحوأب قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيه قد سمعت رسول الله وعنده نساؤه يقول: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب. وفي رواية الماوردي: أيتكن صاحبة الجمل الادبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يقتل من يمينها ويسارها قتلى كثيرة تنجو بعدما كادت تقتل. فلما نزلت الخريبة قصدهم عثمان بن حنيف وحاربهم فتداعوا إلى الصلح فكتبوا بينهم كتابا أن لعثمان دار الامارة وبيت المال والمسجد إلى أن يصل إليهم علي فقال طلحة لاصحابه في السر: والله لئن قدم علي البصرة لنؤخذن بأعناقنا فأتوا على عثمان بياتا في ليلة ظلماء وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة وقتلوا منهم خمسين رجلا واستأسروه ونتفوا شعره وحلقوا رأسه وحبسوه.

[119]

فبلغ ذلك سهل بن حنيف فكتب إليهما: أعطي الله عهدا لئن لم تخلوا سبيله لابلغن من أقرب الناس إليكما فأطلقوه. ثم بعثا عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال فقتل أبا سالمة الزطي في خمسين رجلا: وبعثت عائشة إلى أحنف تدعوه فأبى واعتزل بالجلحاء من البصرة في فرسخين وهو في ستة آلاف. فأمر علي سهل بن حنيف على المدينة وقثم بن العباس على مكة وخرج في ستة آلاف إلى الربذة ومنها إلى ذي قار وأرسل الحسن وعمارا إلى الكوفة وكتب [إليهم]: من عبد الله ووليه علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الانصار وسنام العرب. ثم ذكر فيه قتل عثمان وفعل طلحة والزبير وعائشة ثم قال: إن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم وبادروا عدوكم. فلما بلغا الكوفة قال أبو موسى الاشعري: يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية. فسكنه عمار فقال أبو موسى هذا كتاب عائشة تأمرني أن تكف أهل الكوفة فلا تكونن لنا ولا علينا ليصل إليهم صلاحهم. فقال عمار: إن الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت وأمرنا بالقيام لندفع الفتنة فنجلس ؟. فقام زيد بن صوحان ومالك الاشتر في أصحابهما وتهددوه فلما أصبحوا قام زيد بن صوحان وقرأ " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " الآيات ثم قال: يا أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين وانفروا إليه أجمعين تصببوا الحق راشدين. ثم قال عمار: هذا ابن عم رسول الله يستنفركم فأطيعوه في كلام له.

[120]

وقال الحسن بن علي: عليهما السلام أجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما بلينا به في كلام له. فخرج قعقاع بن عمرو وهند بن عمرو وهيثم بن شهاب وزيد بن صوحان والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وحجر بن عدي وابن مخدوج والاشتر يوم الثالث في تسعة آلاف فاستقبلهم علي على فرسخ وقال: مرحبا بكم أهل الكوفة وفئة الاسلام ومركز الدين. في كلام له. وخرج إلى علي من شيعته من أهل البصرة من ربيعته ثلاثة آلاف رجل وبعث الاحنف إليه إن شئت أتيتك في مأتي فارس فكنت معك وإن شئت اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستة آلاف سيف فاختار عليه السلام اعتزاله. الاعثم في الفتوح أنه كتب أمير المؤمنين إليهما: أما بعد فإني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى أكرهوني وأنتما ممن أراد بيعتي. ثم قال (عليه السلام) بعد كلام: ودفعكما هذا الامر قيل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما. البلاذري: لما بلغ عليا قولهما: ما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف. قال: أبعدهما الله أقصى دار وأحر نار (1). الاعثم: وكتب إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله عز وجل ولرسوله محمد تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين فخبريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس ؟


(1) رواه البلاذري في الحديث: (282) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1 / الورق 172 / / وفي ط: 1، ج 2، ص 222.

[121]

وطلبت كما زعمت بدم عثمان ؟ وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم ابن مرة. ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على العصبية لاعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان ! ! وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك سترك. (1) وقالت عائشة: قد جل الامر عن الخطاب احكم كما تريد فلن ندخل في طاعتك ! ! ! فأنشأ حبيب بن يساف الانصاري: أبا حسن أيقظت من كان نائما * وما كان من يدعى (2) إلى الحق يتبع وإن رجالا بايعوك وخالفوا * هواك وأجروا في الضلال وضيعوا وطلحة فيها والزبير قرينه * وليس لما لا يدفع الله مدفع وذكرهم قتل ابن عفان خدعة * هم قتلوه والمخادع يخدع وسأل ابن الكواء وقيس بن عباد أمير المؤمنين عن قتال طلحة والزبير فقال: إنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق فاستحللت قتالهما لنكثهما بيعتي. تاريخي الطبري والبلاذري أنه ذكر مجئ طلحة والزبير إلى البصرة قبل الحسن (3) فقال: يا سبحان الله [أ] ما كان للقوم عقول أن يقولوا: والله ما قتله غيركم ! !.


(1) الحديث مذكور في وقعة الجمل من تاريخ الفتوح للاعثم: ج ص... وفي ترجمته ص 174، ط 1. وللكلام مصادر بعضها مذكور في ذيل المختار: (28) من باب الكتب من نهج السعادة ج 5 من 66 ط 1. (2) هذا هو الظاهر، وفي الاصل المطبوع من بحار الانوار: " ومن كان يدعى إلى الحق يتبع ". (3) هذا هو الصواب والمراد منه هو الحسن البصري، وفي طبع الكمباني من البحار: " قبل الجيش ".

[122]

تاريخ الطبري قال يونس النحوي: فكرت في أمر علي وطلحة والزبير إن كانا صادقين أن عليا قتل عثمان فعثمان هالك، وإن كذبا عليه فهما هالكان ! !. تاريخ الطبري قال رجل من بني سعد: صنتم حلائلكم وقدتم أمكم * هذا لعمرك قلة الانصاف أمرت بجر ذيولها في بيتها * فهوت تشق البيد بالايجاف عرضا يقاتل دونها أبناؤها * بالنبل والخطي والاسياف وانفذ أمير المؤمنين زيد بن صوحان وعبد الله بن عباس فوعظاها وخوفاها. وفي [كتاب] رامش أفزاي: أنها قلت: لا طاقة لي بحجج علي فقال ابن عباس: لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق. 95 - شي: عن جعفر بن مروان قال: إن الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: لا أغمده حتى أبايع لعلي ثم اخترط سيفه فضارب عليا (عليه السلام) وكان ممن أعير الايمان فمشى في ضوء نوره ثم سلبه الله إياه. 96 - شي: عن سعيد بن أبي الاصبغ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يسئل عن مستقر ومستودع قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب وقد يكون مستودع الايمان ثم ينزع منه ولقد مشى الزبير في ضوء الايمان ونوره حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى مشى بالسيف وهو يقول لا نبايع إلا عليا.


95 - 96 - رواهما العياشي في تفسير الآية: (98) من سورة الانعام من تفسيره: ج 1. ورواه عنه السيد البحراني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة في تفسير البرهان ج 1، ص 544.

[123]

97 - قب: عمار وابن عباس أنه لما صعد علي (عليه السلام) المنبر قال لنا: قوموا فتخللوا الصفوف ونادوا هل من كاره فتصارخ الناس من كل جانب اللهم قد رضينا وسلمنا وأطعنا رسولك وابن عمه. فقال: يا عمار قم إلى بيت المال فأعط الناس ثلاثة دنانير لكل انسان وارفع لي ثلاثة دنانير فمضى عمار وأبو الهيثم مع جماعة من المسلمين إلى بيت المال ومضى أمير المؤمنين إلى مسجد قبا يصلى فيه فوجدوا فيه ثلاث مائة ألف دينار ووجدوا الناس مائة ألف فقال عمار: جاء والله الحق من ربكم والله ما علم بالمال ولا بالناس وإن هذه لآية وجبت عليكم بها طاعة هذا الرجل. فأبى طلحة والزبير وعقيل أن يقبلوها القصة. 98 - شي: عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: الزبير شهد بدرا ؟ قال: نعم ولكنه فر يوم الجمل فإن كان قاتل المؤمنين فقد هلك بقتاله إياهم وإن كان قاتل كفارا فقد باء بغضب من الله حين ولاهم دبره. 99 - شي: عن اسماعيل بن السري عن قوله: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * قال أخبرت أنهم أصحاب الجمل.


97 - رواه ابن شهر آشوب في عنوان: " مقامات علي مع الانبياء والاوصياء " من كتاب مناقب ال أبي طالب: ج 2 ص 95 ط النجف. 98 - رواه العياشي في تفسير الآية: (16) من سورة الانفال: 8 من تفسيره: ج 1 ورواه عنه البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 2 ص 69. 99 - رواه العياشي في تفسير الآية: (25) من سورة الانفال: 8 في تفسيره: ج 1. ورواه عنه السيد هاشم البحراني في تفسير الآية الكريمة في تفسير البرهان: ج 2. ص 72 وفيه: " عن الصيقل [قال] سئل أبو عبد الله عليه السلام...

[124]

100 - جا علي بن خالد المراغي عن الحسن بن علي الكوفي عن جعفر بن محمد بن مروان عن إسحاق بن يزيد عن سليمان بن قرم عن أبي الجحاف عن عمار الدهني: عن أبي عثمان مؤذن بني أفصى (1) قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين خرج طلحة والزبير لقتاله يقول: عذيري من طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث ثم تلا هذه الآية * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) *. 101 - جا محمد بن داود الحتمي عن عبد الله بن سليمان بن الاشعث عن أحمد بن محمد بن عبد الله [عبدان " خ "] عن ابراهيم الخولي عن سعيد بن داود بن الزبير عن مالك بن أنس: عن ابي سهل بن مالك عن أبيه قال: إني لواقف مع المغيرة بن شعبة عند نهوض علي بن أبي طالب (عليه السلام) من المدينة إلى البصرة إذ أقبل عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال له: هل لك في الله عزوجل يا مغيرة. فقال: وأين هو يا عمار ؟ قال: تدخل في هذه الدعوة فتلحق بمن سبقك وتسود من خلفك.


100 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في أواخر المجلس) (8) من أماليه ص 53 ط النجف. وقريبا منه رواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (20) من الجزء الخامس من أماليه ج 1، ص 131، ط بيروت. ورواه عنهما البحراني في تفسير الآية: (12) من سورة التوبة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107، ط 3. (1) هذا هو الصواب الموافق لما في أمالي المفيد والطوسي وترجمة عثمان مؤذن بني أفصى من كتاب لسان الميزان ج 4 ص 158. وفى ط الكمباني من أصلي: " أبي عمار مؤذن بني أفصي ". 101 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (4) من المجلس: (25) من أماليه ص 135. ورويناه بسند آخر عن مصدر آخر في المختار: (78) من نهج السعادة: ج 1،

[125]

فقال له المغيرة: أو خير من ذلك يا أبا اليقظان ! ! قال عمار: وما هو ؟ قال: ندخل بيوتنا ونغلق علينا أبوابنا حتى يضئ لنا الامر فنخرج ونحن مبصرون ولا نكون كقاطع السلسلة فر من الضحل فوقع في الغمر (1). فقال له عمار: هيهات هيهات أجهل بعد علم وعمي بعد استبصار ؟ ولكن اسمع لقولي فوالله لن تراني إلا في الرعيل الاول. قال فطلع عليهما أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا اليقظان ما يقول لك الاعور فإنه والله دائما يلبس الحق بالباطل ويموه فيه ولن يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا ويحك يا مغيرة إنها دعوة تسوق من يدخل فيها إلى الجنة. فقال له المغيرة: صدقت يا أمير المؤمنين إن لم أكن معك فلن أكون عليك. 102 - كش روي أن عائشة كتبت من البصرة إلى زيد بن صوحان إلى الكوفة: من عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ابنها زيد بن صوحان الخالص أما بعد إذا أتاك كتابي هذا فاجلس في بيتك وخذل الناس عن علي بن أبي طالب حتى يأتيك أمري. فلما قرأ [زيد] كتابها قال: أمرت بأمر وأمرنا بغيره فركبت ما أمرنا به وأمرتنا نركب ما أمرت هي به أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة والسلام. 103 - كشف من غزواته صلوات الله عليه وقعة الجمل والمجتمعون لها لما


(1) هذا هو الصواب الموافق للمختار: (78) من نهج السعادة: ج 1، ص 256، وفي ط الكمباني من البحار: " كالقاطع السلسلة أراد الضحك فوقع في النعم ". 102 - رواه الكشي في ترجمة زيد بن صوحان العبدي تحت الرقم: (18) من تلخيص رجاله ص 63. 103 - رواه الاربلي رحمه الله في وقعة الجمل من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 238.

[126]

رفضوا عليا ونقضوا بيعته ونكثوا عهده وغدروا به وخرجوا عليه وجمعوا الناس لقتاله مستخفين بعقد بيعته التي لزمهم فرض حكمها مسفين إلى إثارة فتنة عامة باءوا بإثمها لم ير إلا مقاتلتهم على مسارعتهم إلى نكث بيعته ومقاتلتهم عن الخروج عن حكم الله ولزوم طاعته وكان من الداخلين في البيعة أولا والملتزمين لها ثم من المحرضين ثانيا على نكثها ونقضها طلحة والزبير فأخرجا عائشة وجمعا من استجاب لهما وخرجوا إلى البصرة ونصبوا لعلي عليه السلام حبائل الغوائل وألبوا عليه مطيعهم من الرامح والنابل مظهرين المطالبة بدم عثمان مع علمهم في الباطن أن عليا عليه السلام ليس بالآمر ولا القاتل. ومن العجب أن عائشة حرضت الناس على قتل عثمان بالمدينة وقالت: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا فلقد أبلى سنة رسول الله وهذه ثيابه لم تبل. وخرجت إلى مكة وقتل عثمان وعادت إلى بعض الطريق فسمعت بقتله وأنهم بايعوا عليا فورم أنفها وعادت وقالت: لاطالبن بدمه. فقيل لها: يا أم المؤمنين أنت أمرت بقتله وتقولين هذا ؟ قالت: لم يقتلوه حيث قلت وتركوه حتى تاب وعاد كالسبيكة من الفضة وقتلوه. وخرج طلحة والزبير من المدينة على خفية ووصلا إليها بمكة وأخرجاها إلى البصرة. ورحل علي عليه السلام من المدينة يطلبهم فلما قرب من البصرة كتب إلى طلحة والزبير: أما بعد فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى أكرهوني وأنتما ممن أرادوا بيعتي وبايعوا ولم تبايعا لسلطان غالب ولا لعرض [غرض " خ "] حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله عز وجل عما أنتما عليه، وأن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية. وأنت يا زبير فارس قريش وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ودفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما به.

[127]

وأما قولكما: إني قتلت عثمان بن عفان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل. وهؤلاء بنو عثمان - إن قتل مظلوما كما تقولان - أولياؤه وأنتما رجلان من المهاجرين وقد بايعتماني ونقضتما بيعتي وأخرجتما أمكما من بيتها الذي أمر الله أن تقر فيه والله حسيبكما والسلام. وكتب إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين الناس فخبريني ما للنساء وقود العساكر ؟ وزعمت أنك طالبة بدم عثمان وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على المعصية لاعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك سترك والسلام. فجاء الجواب إليه: يا ابن أبي طالب جل الامر عن العتاب ولن ندخل في طاعتك أبدا فاقض ما أنت قاض والسلام. 104 - فر الحسن بن محمد معنعنا عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: علم المحفوظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.


104 - رواه الفرات بن إبراهيم في الحديث الاول من تفسير الآية: (40) من سورة الاعراف من تفسيره ص 45.

[128]

105 - كا: علي عن أبيه عن ابن محبوب عن سلام بن عبد الله. ومحمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل بن زياد. وأبو علي الاشعري عن محمد بن حسان جميعا عن محمد بن علي عن علي بن أسباط عن سلام بن عبد الله الهاشمي قال محمد بن علي وقد سمعته عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بعث طلحة والزبير رجلا من عبد القيس يقال له خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقالا له: إنا نبعثك إلى رجل طال ما كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك منه، وأن تحاجه لنا حتى تقفه [تفقه " خ ل "] على أمر معلوم وإعلم أنه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه ومن الابواب التي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدهن وأن يخالى الرجل فلا تأكل له طعاما ولا تشرب له شرابا ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه واحذر هذا كله منه وانطلق على بركة الله فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة وتعوذ بالله من كيده وكيد الشيطان فإذا جلست إليه فلا تمكنه من بصرك كله ولا تستأنس به ثم قل له: إن أخويك في الدين وابني عميك يناشدانك القطيعة ويقولان لك: أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) فلما نلت أدنى منال ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا ثم قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك وسعة البلاد دونك وأن من كان يصرفك عنا وعن صلتنا كان أقل لك نفعا وأضعف عنك دفعا منا وقد وضح الصبح لذي عينين (1) وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا فما الذي يحملك على ذلك فقد كنا نرى أنك أشجع فرسان العرب أتتخذ اللعن لنا دينا وترى أن ذلك يكسرنا عنك.


105 - رواه ثقة الاسلام الكليني في باب: " ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل " من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 343. (1) وقد أشار المصنف في متن الاصل من ط الكمباني أن في بعض نسخ كتاب الكافي: " وقد وضح الحق لذي عيني ".

[129]

فلما أتى خداش أمير المؤمنين صلوات الله عليه صنع ما أمراه فلما نظر إليه علي عليه السلام وهو يناجي نفسه ضحك وقال: ها هنا يا أبا عبد قيس وأشار له إلى مجلس قريب منه فقال: ما أوسع المكان أريد أن أؤدي إليك رسالة. قال: بل تطعم وتشرب وتخلي ثيابك وتدهن ثم تؤدي رسالتك قم يا قنبر فأنزله. قال: ما بي إلى شئ مما ذكرت حاجة. قال: فأخلو بك. قال: كل سر لي علانية. قال: فأنشدك الله الذي هو أقرب إليك من نفسك الحائل بينك وبين قلبك الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور أتقدم لك الزبير بما عرضت عليك ؟ قال: اللهم نعم. قال: لو كتمت بعدما سألتك ما ارتد إليك طرفك فأنشدك الله هل علمك كلاما تقوله إذا أتيتني ؟ قال: اللهم نعم. قال علي عليه السلام آية السخرة ؟ قال: نعم. قال: فاقرأها فقرأها وجعل علي عليه السلام يكررها عليه ويرددها ويفتح عليه إذا أخطأ حتى إذا قرأها سبعين مرة قال الرجل: ما يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرة ؟ قال له: أتجد قلبك اطمأن ؟ قال إي والذي نفسي بيده. قال: فما قالا لك ؟ فأخبره فقال: قل لهما: كفى بمنطقكما حجة عليكما ولكن الله لا يهدي القوم الظالمين زعمتما أنكما أخواي في الدين وابنا عمي في النسب أما النسب فلا أنكره وإن كان النسب مقطعوعا إلا ما وصله الله بالاسلام. وأما قولكما إنكما أخواي فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عزوجل وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين وإلا فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنكما أخواي في الدين. وأما مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمدا فإن كنتما فارقتماهم بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إياي أخيرا وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما مع أن صفقتكما بمفارقتكما الناس لم يكن إلا لطمع الدنيا زعمتما وذلك قولكما: " قطعت رجاءنا " لا تعيبان بحمد الله علي من ديني شيئا.

[130]

وأما الذي صرفني عن صلتكما فالذي صرفكما عن الحق وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه، وهو الله ربي لا أشرك به شيئا فلا تقولا: " [هو] أقل نفعا وأضعف دفعا " فتستحقا اسم الشرك مع النفاق. وأما قولكما: " إني أشجع فرسان العرب وهربكما من لعني ودعائي فإن لك موقف عملا إذا اختلفت الاسنة وماجت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما فثم يكفيني الله بكمال القلب. وأما إذا أبيتما بأني أدعو الله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما. [ثم قال] اللهم اقعص الزبير شر قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرف طلحة المذلة وادخر لهما في الآخرة شرا من ذلك إن كانا ظلماني وافتريا علي وكتما شهادتهما وعصياني وعصيا رسولك في قل آمين. قال خداش آمين ثم قال خداش لنفسه والله ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك حامل حجة ينقض بعضها بعضا لم يجعل الله لها سماكا أنا أبرأ إلى الله منهما. [ثم] قال علي عليه السلام: إرجع إليهما وأعلمهما ما قلت: قال: لا والله حتى تسأل الله أن يردني إليك عاجلا وأن يوفقني لرضاه فيك ! ! ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله. توضيح: خداش بكسر الخا وتخفيف الدال [وقول]: " من أنفسنا " بيان لمن أي من الذين هم منا وفي بعض النسخ " في أنفسنا " وهو أظهر. وقوله: " من أن تمتنع " متعلق ب‍ [قوله] " أوثق " ومن تعليلية " وأن تحاجه " معطوف على " أن تمتنع " حتى تفقه أي تتفقه بحذف إحدى التائين وتضمين معنى الاطلاع والاظهر " تقفه " من وقفته بمعنى أطلعته " وأن يخالى الرجل " أي يخلو به " فلا تمكنه من بصرك " أي لا تنظر إليه كثيرا. وإنما نهياه عن ذلك لئلا

[131]

يرى محاسن أخلاقه وآدابه فيميل إلى الحق " وابني عمك " إنما قالا ذلك لكونهما من قريش. " يناشدانك القطيعة " أي يقسمان عليك أن لا تقطع الرحم. " فلما نلت أدنى منال " أي أصبت أدنى مقدرة وجاه. " أتتخذ اللعن لنا دينا " عرضهما أن اللعن دأب العاجزين وكنا نظن أنك أشجع الفرسان. " وتخلى ثيابك " أي من القمل والادناس وفي بعض النسخ: " وتحل " ولعله أظهر " الحائل بينك وبين قلبك " أي يعلم من قلبك ما تغفل عنه أو هو أملك لقلبك منك " وخائنة الاعين ": نظرها إلى ما لا ينبغي ومسارقة النظر وتحريك الجفون للغمز ونحوه " ما ارتد إليك طرفك " كناية عن الموت " قال الرجل " أي في نفسه متعجبا من أمره بتكريره الآية وكان ذلك لرفع سحرهما وشبههما عن قلبه وتنوير قلبه بالايمان " مع الحدث الذي أحدثتما " أي من إبراز زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) من بيتها وإحداث الفتنة بين المسلمين. أو المعنى إنكم تعلمون أني على الحق وأن ما أردتم بي باطل فلزمكم الاثم من جهتين متناقضتين. أو المراد نصرتهما له مع علمهما بكونه على الباطل ولعل الاول أظهر. " زعمتما " أي أنكما تصيبانها. وقال الجوهري: فرس حرون: لا ينقاد وإذا اشتد به الجري وقف. " وهو الله ربي " أي الذي صرفني عن صلتكما هو الله تعالى فلا تقولا [هو] أقل نفعا وأضعف دفعا فتكفرا. أو صارفهما عن الحق أيضا هو الله مجازا لسلب توفيقه عنهما. أو المراد أن صارفي عن الصلة هو سوء عقيدتكم وسريرتكم الذي حملكم على نقض البيعة والصارف عن الصلة حقيقة هو الله تعالى لانه نهى عن صلة الكافرين. وقيل الضمير للشأن. ولا يخفى ما فيه. " وهربكما " في بعض النسخ: " وهزؤكما " وهو أظهر. واللبود جمع اللبد وهو الشعر المتراكم بين كتفي الفرس.

[132]

والسحر بالضم والتحريك: الرئة ويقال للجبان: قد انتفخ سحره ذكره الجوهري وقال: ضربه فاقعصه أي قتله مكانه. " ما رأيت لحية " أي ذا لحية أو المراد بقوله: " منك " من لحيتك. 106 - كا علي عن أبيه عن بعض أصحابه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما خرج أمير المؤمنين عليه السلام يريد البصرة نزل بالربذة فأتاه رجل من محارب فقال: يا أمير المؤمنين إني تحملت في قومي حمالة وإني سألت في طوائف منهم المواساة والمعونة فسبقت إلي ألسنتهم بالنكد فمرهم يا أمير المؤمنين بمعونتي وحثهم على مواساتي. فقال: أين هم ؟ فقال: هؤلاء فريق منهم حيث ترى. قال: فنص راحلته فأدلفت كأنها ظليم فأدلف بعض أصحابه في طلبها فلا يا بلاي ما لحقت فانتهى إلى القوم فسلم عليهم وسألهم ما يمنعهم من مواساة صاحبهم ؟ فشكوه وشكاهم. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وصل امرء عشيرته فإنهم أولى ببره وذات يده ووصلت العشيرة أخاها إن عثر به دهر وأدبرت عنه دنيا فإن المتواصلين المتباذلين مأجورون وإن المتقاطعين المتدابرين موزورون. قال: ثم بعث راحلته وقال حل [خل " خ ل "]. بيان: الربذة قرية معروفة قرب المدينة. ومحارب اسم قبيلة. والحمالة بالفتح ما يتحمله الانسان من غيره من دية أو غرامة. والنكد: الشدة والعسر. " ونص راحلته ": استخرج أقصى ما عندها من السير ذكره الجوهري وقال:


106 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث: (18) من باب صلة الرحم من كتاب الايمان والكفر: ج 2 ص 153.

[133]

الدلف: المشي الرويد يقال: دلف الشئ إذا مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة في الحرب إذا تقدمت. وقال [الفيروز آبادي] في القاموس: اندلف علي: انصب. وتدلف إليه: تمشى ودنا انتهى. والمراد هنا الركض والتقدم. والظليم: ذكر النعامة. والضمير في " طلبها " راجع إلى الراحلة. وقال الجوهري: يقال: فعل كذا بعد لاي أي بعد شدة وإبطاء. ولآى لايا أي أبطأ. وقال في النهاية: في حديث أم أيمن " فبلاي ما استغفر لهم " أي بعد مشقة وجهد وإبطاء انتهى. وما زائدة للابهام والمبالغة أي فلحقت راحلة بعض الاصحاب راحلته عليه السلام بعد إبطاء مع إبطاء وشدة " فلايا " إما حال أو مفعول مطلق من غير اللفظ ويمكن أن يقرأ " لحقت " على بناء المفعول. " وصل امرؤ " أمر في صورة الخبر والنكرة للعموم كقولهم: " أنجز حر ما وعد ". " وذات يده " أي ما في يده من الاموال وقال: " حل " بالحاء المهملة وتخفيف اللام وهو زجر للناقة كما ذكره الجوهري. وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة وتشديد اللام فكأن الرجل كان آخذا بزمام الناقة أو بغرزها فلما فرغ [أمير المؤمنين] من وعظهم قال [للرجل]: خل سبيل الناقة. 107 - كا العدة عن سهل عن ابن يزيد عن محمد بن جعفر العقبى رفعه قال: خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:


107 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث: (26) من كتاب الروضة من الكافي: ج 8 ص 69.

[134]

أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار ولكن الله خول بعضكم بعضا فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله جل وعز ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر. فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما. قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير وجاء بعد [ه] غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الانصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام اعتقته بالامس تجعلني وإياه سواءا ؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد اسماعيل على ولد إسحاق فضلا. 108 - مد بإسناده إلى مسند عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه عن أبيه عن وكيع عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: حدثني ابن عباس قال: أرسلني علي إلى طلحة والزبير يوم الجمل قال: فقلت لهما إن أخاكما يقرئكما السلام ويقول لكما: هل وجدتما علي حيفا في حكم أو في استئثار في فئ ؟ أو وفي كذا ؟ قال: فقال الزبير: لا ولا في واحدة منهما ولكن مع الخوف شدة المطامع. 109 - مد من الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من موطئ


108 - رواه العلامة يحيى بن الحسن المعروف بابن البطريق في الحديث الاول من الفصل: (36) من كتاب العمدة ص 161. وهذا هو الحديث (137) من فضائل أمير المؤمنين من كتاب الفضائل - تأليف أحمد بن حنبل - ص 91 ط 1، وكان في نسختي من البحار، وكتاب العمدة تصحيفات صححناها عليه. وللحديث مصادر أخر يجد الباحث بعضها في تعليق المختار: (98) من نهج السعادة: ج 1 ص 317 ط 2، وتعليق الحديث: (137) من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 91 ط 1. 109 - رواه يحيى بن الحسن في أواخر الفصل الاخير من كتاب العمدة ص 244.

[135]

مالك بإسناده عن أبي وائل قال: دخل أبو وائل وابن مسعود على عمار حين بعثه [علي مع الحسن ابنه] إلى الكوفة يستنفرهم فقالا له: ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الامر منذ أسلمت ! ! فقال لهما عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندي من إبطائكما [عن هذا الامر]. وكساهما ابن مسعود حلة حلة. 110 - نهج [و] من كلام له (عليه السلام) لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد [يصدر " خ ل "] لهما القتال: والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها ولكن اضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا حتى يأتي علي يومي فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس هذا. بيان اللدم [على زنة اللطم والشتم]: صوت الحجر أو العصاء أو غيرهما يضرب بها الارض ضربا ليس بشديد يحكى أن الضبع يستغفل في جحرها بمثل ذلك فيسكن حتى يصاد. ويضرب بها المثل في الحمق. 111 - نهج ومن كتاب له (عليه السلام) إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي ذكره أبو جعفر الاسكافي في كتاب المقامات: أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أن لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني وإنكما ممن أرادني وبايعني وأن العامة لم تبايعني لسلطان غاصب


110 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (6) من نهج البلاغة. 111 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (52) من باب الكتب من نهج البلاغة.

[136]

ولا لحرص حاضر (1) فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة واسراركما المعصية ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان وإن دفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به. وقد زعمتما أني قتلت عثمان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل. فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام. بيان قوله (عليه السلام): " من قبل " متعلق بقوله فارجعا. 112 - أقول قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال كل من صنف من أهل السير والاخبار: أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يبل وعثمان قد أبلى سنته. [و] قالوا: أول من سمى عثمان نعثلا عائشة. والنعثل: الكثير شعر اللحية والجسد. وكانت تقول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا.


(1) كذا في أصلي من طبع الكمباني من كتاب البحار، وفي النسخ الموجودة عندي من نهج البلاغة: " لسلطان غالب، ولا لعرض حاضر... ". 112 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (79) وهو كلامه عليه السلام في ذم النساء من نهج البلاغة: ج 2 ص 407 ط الحديث ببيروت، وقد لخص المصنف رواية ابن أبي الحديد.

[137]

وروى المدائني في كتاب الجمل قال: لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف فلم تشك في أن طلحة صاحب الامر وقالت: بعدا لنعثل وسحقا إيه ذا الاصبع إيه أبا شبل ايه يا ابن عم لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له حنوها لا بل وذعذعوها (1). قال وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثم فسد أمره [فدفعها] إلى علي عليه السلام. وقال أبو مخنف في كتابه: إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول: إيه ذا الاصبع لله أبوك أما إنهم وجدوا طلحة والزبير لها كفوا فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة فقالت له: ما عندك ؟ قال: قتل عثمان. قالت: ثم ماذا ؟ قال: ثم جارت بهم الامور إلى خير مجار بايعوا عليا. فقالت: لوددت أن السماء إنطبقت على الارض إن تم هذا انظر ما تقول ؟ قال: هو ما قلت لك يا أم المؤمنين فولولت ! ! فقال لها: ما شأنك يا أم المؤمنين والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال: فما ردت جوابا. وفي رواية قيس بن أبي حازم ثم ردت ركائبها إلى مكة فرأيتها في مسيرها تخاطب نفسها قتلوا ابن عفان مظلوما ! ! فقلت لها: يا أم المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا ؟ ! فقالت: لقد كان ذلك ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه. قال: وكتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتابا أن خذلي الناس عن


(1) كذا في المطبوع من البحار، وفي شرح النهج: ج 2 ص 408 ط بيروت: " حثوها لابل. ودعدعوها ". وسيأتي تفسيره من المصنف في آخر الحديث ص 422.

[138]

بيعة علي وأظهري الطلب بدم عثمان. وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان. قال: ولما عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا أيدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن أمية [منية " خ "] (1) ببعير يسمى عسكرا وكان عظيم الخلق شديدا فلما رأته أعجبها وأنشأ الجمال يحدثها بقوته وشدته ويقول في أثناء كلامه " عسكر " فلما سمعت هذه اللفظة استرجعت وقالت: ردوه لا حاجة لي فيه وذكرت حيث سئلت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغير لها بجلال غير جلاله وقيل لها: قد أصبنا لك أعظم منه خلقا وأشد منه قوة وأتيت به فرضيت ! ! ! قال أبو مخنف: وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فأتى أخته فعزم عليها فأقامت وحطت الرحال بعدما همت. وكتب الاشتر من المدينة إلى عائشة وهي بمكة: أما بعد فإنك ظعينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أمرك أن تقري في بيتك فإن فعلت فهو خير لك وإن أبيت إلا أن تأخذي منسأتك وتلقي جلبابك وتبدي للناس شعيراتك قاتلتك حتى أردك إلى بيتك والموضع الذي يرضاه لك ربك. فكتبت إليه في الجواب: أما بعد فإنك أول العرب شب الفتنة ودعا إلى الفرقة وخالف الائمة وسعى في قتل الخليفة وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم وقد جاءني كتابك


(1) منية اسم أمه وأمية أبوه وهو - على ما في مناقب يعلى من كتاب المستدرك: ج 3 ص 423 نقلا عن مصعب الزبيري - أمية بن أبي عبيد بن همام بن الحارث بن بكر.

[139]

وفهمت ما فيه وسنكفيك وكل من أصبح مماثلا لك في غيك وضلالك إنشاء الله. قال أبو مخنف: لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحوأب وهو ماء لبني عامر بن صعصعة نبحتها الكلاب حتى نفرت صعاب إبلها فقال: قائل من أصحابها: ألا ترون ما أكثر كلاب الحوأب وما أشد نباحها ؟ فأمسكت زمام بعيرها وقالت: وإنها لكلاب الحوأب ؟ ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله يقول وذكرت الخبر. فقال لها قائل: مهلا يرحمك الله فقد جزنا ماء الحوأب. فقالت: فهل من شاهد ؟ فلفقوا لها خمسين أعرابيا جعلوا لهم جعلا فحلفوا لها أن هذا ليس بماء الحوأب فسارت لوجهها. ولما انتهوا إلى حفر أبي موسى قريبا من البصرة أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل علي عليه السلام على البصرة إلى القوم أبا الاسود الدئلي يعلم له علمهم فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها ؟ فقالت: أطلب بدم عثمان. قال: إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد. قالت: صدقت ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ! ! أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ؟ ؟ فقال لها: ما أنت من السوط والسيف ؟ إنما أنت حبيس رسول الله أمرك أن تقري في بيتك وتتلي كتاب ربك ليس على النساء قتال ولا لهن الطلب بالدماء وإن عليا لاولى بعثمان منك وأمس رحما فإنهما إبنا عبد مناف. فقالت: لست بمنصرفة حتى أمضى لما قدمت له أفتظن يا أبا الاسود أن أحدا يقدم على قتالي ؟ فقال: أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. ثم قام فأتى الزبير فقال: يا أبا عبد الله عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول: لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك ؟ ! فذكر له دم عثمان قال: أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغناه. قال: فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول. فذهب إلى طلحة فوجده

[140]

مصرا على الحرب والفتنة فرجع إلى عثمان بن حنيف فقال: إنها الحرب فتأهب لها. قال: ولما نزل علي (عليه السلام) البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي: من عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد فأقم في بيتك وخذل عن علي وليبلغني عنك ما أحب فإنك أوثق أهلي عندي والسلام. فكتب إليها: من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر أما بعد فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر، أمرك أن تقري في بيتك وأمرنا أن نجاهد، وقد أتاني كتابك فأمرتني أن أصنع خلاف ما أمرني الله فأكون قد صنعت ما أمرك الله به، وصنعت ما أمرني الله به، فأمرك عندي غير مطاع وكتابك غير مجاب والسلام. بيان " حنوها " أي جعلوا إصبعه منحينة للبيعة " لا بل وذعذعوها " أي كسروها وبددوها لهجومهم على البيعة. و " الظعينة " الامرأة في الهودج و " المنسأة ": العصا تهمز ولا تهمز. 113 - 115 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة عن نوح بن دراج عن إسحاق قال: دعا عثمان بن حنيف عمران بن الحصين الخزاعي وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبعثه وبعث معه أبا الاسود الدئلي إلى طلحة والزبير وعائشة فقال: إنطلقا فاعلما ما أقدم علينا هؤلاء القوم وما يريدون ؟. قال أبو الأسود: فدخلنا على عائشة فقال لها عمران بن الحصين: يا أم المؤمنين ما أقدمك بلدنا ولم تركت بيت رسول الله الذي فارقك فيه ؟ وقد أمرك


113 - 115 - قد بخل وتولى أصحاب الثروة والمكنة عن السعي وراء تكثير نسخة هذا الكتاب ونشره وما ظفرت به بعد.

[141]

أن تقري في بيتك وقد علمت أنك إنما أصبت الفضيلة والكرامة والشرف وسميت أم المؤمنين وضرب عليك الحجاب ببني هاشم فهم أعظم الناس عليك منة وأحسنهم عندك يدا ولست من اختلاف الناس في شئ لولا لك من الامر شئ وعلي أولى بدم عثمان فاتقي الله واحفظي قرابته وسابقته فقد علمت أن الناس بايعوا أباك فما أظهر عليه خلافا وبايع أبوك عمر وجعل الامر له دونه فصبر وسلم ولم يزل بهما برا ثم كان من أمرك وأمر الناس وعثمان ما قد علمت ثم بايعتم عليا (عليه السلام) فغبنا عنكم فأتتنا رسلكم بالبيعة فبايعنا وسلمنا. فلما قضى كلامه قالت عائشة: يا أبا عبد الله ألقيت أخاك أبا محمد يعني طلحة ؟ فقال لها: ما لقيته بعد وما كنت لآتي أحدا ولا أبدأ به قبلك. قالت: فأته فانظر ماذا يقول. قال: فأتيناه فكلمه عمران فلم يجد عنده شيئا مما يحب فخرجنا من عنده فأتينا الزبير وهو متكئ وقد بلغه كلام عمران وما قال لعائشة فلما رآنا قعد وقال: أيحسب ابن أبي طالب أنه حين ملك ليس لاحد معه أمر فلما رأى ذلك عمران لم يكلمه فأتى عمران عثمان فأخبره. وعن أسوس [أشرس " خ "] العبدي عن عبد الجليل بن إبراهيم أن الاحنف بن قيس أقبل حين نزلت عائشة أول مرحلة من البصرة فدخل عليها فقال: يا أم المؤمنين وما الذي أقدمك وما أشخصك وما تريدين ؟ قالت: يا أحنف قتلوا عثمان فقال: يا أم المؤمنين مررت بك عام أول بالمدينة وأنا أريد مكة وقد أجمع الناس على قتل عثمان ورمي بالحجارة وحيل بينه وبين الماء فقلت لك: يا أم المؤمنين اعلمي أن هذا الرجل مقتول ولو شئت لتردين عنه وقلت: فإن قتل فإلى من ؟ فقلت: إلى علي بن أبي طالب. قالت: يا أحنف صفوه حتى إذا جعلوه مثل الزجاجة قتلوه. فقال: لها أقبل قولك في الرضا ولا أقبل قولك في الغضب.

[142]

ثم أتى طلحة فقال: يا أبا محمد ما الذي أقدمك وما الذي أشخصك وما تريد ؟ فقال: قتلوا عثمان. قال: مررت بك عاما أول بالمدينة وأنا أريد العمرة وقد أجمع الناس على قتل عثمان ورمي بالحجارة وحيل بينه وبين الماء فقلت لكم: إنكم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) لو تشاؤن أن تردوا عنه فعلتم فقلت: دبر فأدبر. فقلت لك: فإن قتل فإلى من ؟ فقلت: إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ما كنا نرى أن أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله) يرى أن يأكل الامر وحده. وعن حريز بن حازم عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن رجل من ضبيعة قال: لما قدم طلحة والزبير ونزلا طاحية ركبت فرسي فأتيتهما فقلت لهما: إنكما رجلان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أصدقكما وأثق بكما خبراني عن مسيركما هذا شئ عهده إليكما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ أما طلحة فنكس رأسه وأما الزبير فقال: حدثنا أن ها هنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها. وعن أشعث عن ابن سيرين عن أبي الجليل وكان من خيار المسلمين قال: دخلنا على طلحة والزبير حين قدما البصرة فقلنا: أرأيتما مقدمكما هذا شئ عهد إليكما رسول الله أم رأي رأيتماه ؟ فقالا: لا ولكنا أردنا أن نصيب من دنياكم. 116 - أقول: وروى أحمد بن أعثم الكوفي أنه لما قضت عائشة حجها وتوجهت إلى المدينة استقبلها عبيد بن سلمة الليثي وكان يسمى ابن أم كلاب فسألته عائشة عن المدينة وأهلها ؟ فقال: قتل عثمان. قالت: فما فعلوا ؟ قال: بايعوا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالت: ليت السماء سقطت على


116 - رواه أحمد بن أعثم الكوفي المتوفى نحو سنة: (314) في كتاب الجمل من كتاب الفتوح.

[143]

الارض ولم أسمع ذلك منك والله لقد قتل عثمان مظلوما ولاطلبن بثاره ووالله إن يوما من عمر عثمان أفضل من حياة علي ! ! ! فقال عبيد: أما كنت تثنين على علي (عليه السلام) وتقولين: ما على وجه الارض أحد أكرم على الله من علي بن أبي طالب (عليه السلام) فما بدا لك إذ لم ترضى بإمامته ؟ وأما كنت تحرضين الناس على قتل [عثمان] وتقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. فقالت عائشة: قد كنت قلته ولكني علمته خيرا فرجعت عن قولي وقد استتابوه فتاب وغفر له ! ! ! فرجعت عائشة إلى مكة وكان من أمرها ما ستر. 117 - وروى ابن الاثير في الكامل أنه لما أخبرها عبيد بن سلمة بقتل عثمان واجتماع الناس على بيعة أمير المؤمنين قالت: أيتم الامر لصاحبك ؟ ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لاطلبن بدمه ! ! فقال لها: لقد كانت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر ! ! فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الاخير خير من قولي الاول فقال لها ابن أم الكلاب: فمنك البداة ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت لنا: إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر ولم يسقط السقف من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمر


117 - ذكره ابن الاثير في حوادث سنة: (36) في عنوان: " ذكر ابتداء وقعة الجمل من كتاب الكامل: ج 3 ص 105، ط دار الكتاب العربي ببيروت. ورواه أيضا في حوادث تلك السنة مسندا الطبري في تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 311 ط 1، وفي ط ج 4 ص 458 وما بعدها.

[144]

وقد بايع الناس ذا بدرة * يزيل الشبا ويقيم الصغر (1) وتلبس للحرب أثوابها * وما من وفا مثل من قد غدر فانصرفت [عائشة] إلى مكة فقصدت الحجر فاجتمع الناس إليها فقالت: أيها الناس إن الغوغاء من أهل الامصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالامس ونقموا عليه استعمال من حدث سنه - وقد استعمل أمثالهم من قبله - ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام، والله لاصبع من عثمان خير من طباق الارض أمثالهم ! ! ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه والثوب من ذرنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء. فقال عبد الله بن عامر الحضرمي وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا أول طالب بدمه - فكان أول مجيب - وتبعه بنو أمية وكانوا هربوا من المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة فرفعوا رؤوسهم وكان أول ما تكلموا بالحجاز وتبعهم سعيد بن العاص والوليد بن عتبة [و] سائر بني أمية. وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى بن منية من اليمن ومعه ست مائة بعير وستة آلاف دينار فأناخ بالابطح.


(1) كذا في تاريخ الكامل وتاريخ الطبري، وفي أصلي من البحار: وقد بايع الناس ذا بدرة * يزيد السماء ويعم الصغر وذو التدرأ، والتدرأة: ذو العزة والمنعة.

[145]

وقدم طلحة والزبير من المدينة ولقيا عائشة فقالت: ما وراؤكما ؟ قالا: إنا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم. فقالت: انهضوا إلى هذه الغوغاء. فقالوا: نأتي الشام. فقال ابن عامر: كفاكم الشام معاوية فأتوا البصرة. فاستقام الرأي على البصرة. وكانت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم معها على قصد المدينة فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم فمنعها أخوها عبد الله. وجهزهم يعلى بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم وجهزهم ابن عامر بمال كثير ونادى مناديها إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن أراد إعزاز الاسلام وقتال المستحلين والطلب بثار عثمان وليس له مركب فليأت فحملوا على ستمائة بعير وساروا في ألف. وقيل في تسعمائة من أهل المدينة ومكة ولحقهم الناس فكانوا في ثلاثة آلاف رجل. فلما بلغوا ذات عرق بكوا على الاسلام فلم ير يوم كان أكثر باكيا من ذلك اليوم يسمى يوم النحيب فمضوا ومعهم أبان والوليد إبنا عثمان. وأعطى يعلى بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمأتي دينار ويقال: اشتراه بثمانين دينارا فركبته وقيل كان جملها لرجل من عرينة قال العرني: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: أتبيع جملك ؟ قلت: نعم. قال: بكم قلت: بألف درهم. قال: أمجنون أنت ؟ قلت: ولم والله ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته قال: لو تعلم لمن نريده ؟ إنما نريده لام المؤمنين عائشة. فقلت: خذه بغير ثمن قال: بل ارجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة ودراهم قال: فرجعت وأعطوني ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة وقالوا لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق ؟ قلت: أنا من أدل الناس قالوا: فسر معنا فسرت معهم فلا أمر علي واد إلا سألوني عنه حتى طرقنا الحوأب وهو ماء فنبحتها كلابه فقالوا: أي ماء هذا ؟ فقلت: هذا

[146]

ماء الحوأب فصرخت عائشة بأعلا صوتها فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ؟ ثم ضربت عضد بعيرها وأناخته وقالت: ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب فأناخوا حولها يوما وليلة. فقال عبد الله بن الزبير: إنه كذب ولم يزل بها وهي تمتنع فقال لها: النجا النجا قد أدرككم علي بن أبي طالب فارتحلوا نحو البصرة انتهى كلام ابن الاثير. 118 - وقال الدميري في حيات الحيوان: روى الحاكم عن قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس أن النبي قال لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الادبب تسير أو تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب. [قال:] والحوأب نهر بقرب البصرة والادبب: الادب وهو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية: والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب العواصم والقواصم له وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح (1). وروي أن عائشة لما خرجت مرت بماء يقال له: الحوأب فنبحتها الكلاب فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كيف بإحدأكن إذا نبحتها كلاب الحوأب انتهى كلام الدميري. (2)


118 - ذكر الدميري في مادة: " الجمل " من كتاب حياة الحيوان. (1) وكل من يراجع كتابه العواصم من القواصم يتجلى له أنه وابن تيمية كفرسي رهان في إنكار الضروريات والقطعيات. (2) ورواه أيضا أبو موسى المديني محمد بن أبي بكر ابن أبي عيسى الاصفهاني المتوفى سنة: (581) كما في مادة: " حوب " من كتاب النهاية.

[147]

119 - وقال السيد علم الهدى في شرح قصيدة السيد الحميري رضي الله عنهما: روي أن عائشة لما نبحتها كلاب الحوأب وأرادت الرجوع قالوا لها: ليس هذا ماء الحوأب فأبت أن تصدقهم فجاؤا بخمسين شاهدا من العرب فشهدوا أنه ليس بماء الحوأب وحلفوا لها فكسوهم أكسية. وأعطوهم دراهم. قال السيد: وقيل: كانت هذه أول شهادة زور في الاسلام. 120 - وروى الصدوق قدس الله روحه في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال: أول شهادة شهد بها بالزور في الاسلام شهادة سبعين رجلا حين انتهوا إلى ماء الحوأب فنبحتهم كلابها فأرادت صاحبتهم الرجوع وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لازواجه: إن إحداكن تنبحها كلاب الحوأب في التوجه إلى قتال وصيي علي بن أبي طالب فشهد عندها سبعون رجلا أن ذلك ليس بماء الحوأب فكانت أول شهادة شهد بها في الاسلام بالزور. 121 - 122 - كش جبرئيل بن أحمد عن الحسن بن خرزاد عن ابن مهران عن أبان بن جناح عن الحسن بن حماد بلغ به قال: كان سلمان إذا رأى الجمل الذي يقال له عسكر يضربه فيقال: يا أبا عبد الله ما تريد من هذه البهيمة ؟ فيقول: ما هذا ببهيمة ولكن هذا عسكر بن كنعان الجني يا أعرابي لا ينفق جملك ها هنا ولكن اذهب به إلى الحوأب فإنك تعطى به ما تريد ! ! وبهذا الاسناد عن ابن مهران عن البطائني عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: اشتروا عسكرا بسبعمائة درهما وكان شيطانا.


119 - لم أظفر بعد بشرح السيد المرتضى على قصيدة السيد الحميري رضوان الله عليهما. 120 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الباب: (35) وهو باب نوادر الشهادات من أبواب القضايا والاحكام من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 44 ط النجف. 121 - 122 - رواه الكشي رحمه الله في أواسط ترجمة سلمان الفارسي رفع الله مقامه تحت الرقم الاول من رجاله ص 18.

[148]

123 - نهج [و] من خطبة له عليه السلام خطبها بذيقار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل: فصدع بما أمر به وبلغ رسالة ربه فلم الله به الصدع ورتق به الفتق وألف به بين ذوي الارحام بعد العداوة الواغرة في الصدور والضغائن الفادحة في القلوب.


123 - رواه السيد الرضي في المختار (229) من نهج البلاغة.

[149]

[الباب الثاني] باب احتجاج أم سلمة رضي الله عنها على عائشة ومنعها عن الخروج 124 - ج روى الشعبي عن عبد الرحمان بن مسعود العبدي قال: كنت بمكة مع عبد الله بن الزبير وطلحة والزبير فأرسلا إلى عبد الله بن الزبير فأتاهما وأنا معه فقالا له: إن عثمان قتل مظلوما وإنا نخاف أن ينقض أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن رأت عائشة أن تخرج معنا لعل الله أن يرتق بها فتقا ويشعب بها صدعا ! ! قال: فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها فدخل عبد الله بن الزبير معها في سترها فجلست على الباب فأبلغها ما أرسلا [ه به] فقالت: سبحان الله والله ما أمرت بالخروج وما يحضرني من أمهات المؤمنين إلا أم سلمة فإن خرجت خرجت معها. فرجع إليهما فبلغهما ذلك فقالا: ارجع إليها فلتأتها فهي أثقل عليها منا فرجع إليها فبلغها فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة. فقالت لها أم سلمة: مرحبا بعائشة والله ما كنت لي بزوارة فما بدا لك ؟ قالت: قدم طلحة والزبير فخبرا أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما ؟ ! قال: فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار فقالت: يا عائشة أنت بالامس تشهدين عليه بالكفر وهو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما فما تريدين ؟ ! قالت: تخرجين معنا فلعل الله أن يصلح بخروجنا أمر أمة محمد صلى الله عليه


124 - رواه الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 166، ط بيروت.

[150]

وسلم. قالت: يا عائشة أتخرجين وقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعنا ؟ نشدتك بالله يا عائشة الذي يعلم صدقك إن صدقت أتذكرين يوما كان يومك من رسول الله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو عليه وآله السلام يقول: " والله لا تذهب الليالي والايام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له " الحوأب " امرأة من نسائي في فئة باغية " فسقط الاناء من يدي فرفع رأسه إلي وقال: ما لك يا أم سلمة ؟ فقلت: يا رسول الله ألا يسقط الاناء من يدي وأنت تقول ما تقول ما يؤمنني أن يكون أنا هي ؟ ! فضحكت أنت فالتفت إليك فقال: بما تضحكين يا حمراء الساقين إني أحسبك هي. ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكان كذا وكذا وهو بيني وبين علي بن أبي طالب عليه السلام يحدثنا فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي بن أبي طالب فرفع مقرعة كانت عنده يضرب بها وجه جملك وقال: أما والله ما يومه منك بواحد ولا بليته منك بواحدة أما إنه لا يبغضه إلا منافق كذاب. وأنشدك بالله أتذكرين مرض رسول الله الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده ومعه عمر - وقد كان علي بن أبي طالب عليه السلام يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونعله وخفه ويصلح ما وهي منها فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول الله وهى حضرمية وهو يخصفها خلف البيت - فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا: يا رسول الله كيف أصبحت ؟ فقال: أصبحت أحمد الله. قالا: ما بد من الموت. قال: أجل لابد منه. قالا: يا رسول الله فهل استخلفت أحدا ؟ قال: ما خليفتي فيكم إلا خاصف النعل فخرجا فمرا على علي بن أبي طالب وهو يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكل ذلك تعرفينه يا عائشة وتشهدين عليه. ثم قالت أم سلمة: يا عائشة أنا أخرج على علي عليه السلام بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! فرجعت عائشة إلى منزلها وقالت: يا ابن الزبير أبلغهما أني لست بخارجة

[151]

بعد الذي سمعته من أم سلمة فرجع فبلغهما قال: فما انتصف الليل حتى سمعنا رغاء إبلها ترتحل فارتحلت معهما. بيان نباح الكلب: صياحه قاله الجوهري: [ويقال:] وهي السقايهي وهيا إذا تخرق وانشق. والرغاء: صوت الابل. 125 - أقول روى السيد المرتضى رضي الله عنه هذه الرواية في شرح قصيدة السيد الحميري رحمه الله عن أبي عبد الرحمان المسعودي عن السرى بن اسماعيل عن الشعبي إلى آخرها. ثم قال قدس سره: ومن العجائب أن يكون مثل هذا الخبر المتضمن للنص بالخلافة وكل فضيلة غريبة موجودا في كتب المخالفين وفيما يصححونه من رواياتهم ويصنفونه من سيرهم لكن القوم رووا وسمعوا وأودعوا كتبهم ما حفظوا ونقلوا ولم يتخيروا ليثبتوا ما وافق مذاهبهم دون ما خالفها وهكذا يفعل المسترسل المستسلم للحق انتهى كلامه رفع الله مقامه. 126 - ج روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: دخلت أم سلمة بنت أمية على عائشة لما أزمعت الخروج إلى البصرة فحمدت الله وصلت على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قالت: يا هذه أنت سدة بين رسول الله وبين أمته وحجابه عليك مضروب وعلى حرمته وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وضم ضفرك فلا تنشريه واسكني عقيرتك فلا تصحريها إن الله من وراء هذه الامة قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد إليك فعل بك فقد نهاك عن الفرطة في البلاد، ان عمود الدين لن يثاب بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حمادي النساء غض الاطراف وضم الذيول والاعطاف وما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عارضك في بعض هذه الفلوات وأنت ناصة قعودا من منهل إلى منهل ومنزل إلى منزل ولغير الله


125 - لم أظفر بعد بشرح قصيدة السيد الحميري للسيد المرتضى رفع الله مقامه. 126 - نقله الطبرسي رفع الله مقامه في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 167، ط بيروت.

[152]

مهواك وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تردين وقد هتكت عنك سجافه ونكثت عهده وبالله أحلف لو أن سرت مسيرك ثم قيل لي: ادخلي الفردوس لاستحييت من رسول الله أن ألقاه هاتكة حجابا ضربه علي صلى الله عليه وآله وسلم فاتقي الله واجعليه حصنا وقاعة الستر منزلا حتى تلقينه أطوع ما تكونين لربك ما قصرت عنه وأنصح ما تكونين لله ما لزمتيه، وأنصر ما تكونين للدين ما قعدت عنه وبالله أحلف لو حدثتك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة. فقالت لها عائشة: ما أعرفني بموعظتك وأقبلني لنصيحتك ليس مسيري على ما تظنين ما أنا بالمغترة ولنعم المطلع تطلعت فيه فرقت بين فئتين متشاجرتين فإن أقعد ففي غير حرج وإن أخرج ففي ما لا غناء عنه من الازدياد به في الاجر. قال الصادق عليه السلام: فلما كان من ندمها أخذت أم سلمة تقول: لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس من زوجة لرسول الله فاضلة * وذكر آي من القرآن مدراس وحكمة لم تكن إلا لهاجسها * في الصدر يذهب عنها كل وسواس يستنزع الله من قوم عقولهم * حتى يمر الذي يقضي على الرأس ويرحم الله أم المؤمنين لقد * تبدلت لي إيحاشا بإيناس فقالت لها عائشة: شتمتيني يا أخت ؟ فقالت لها أم سلمة: لا ولكن الفتنة إذا أقبلت غطت عين البصير وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل. بيان قولها: " وضم ضفرك " بالضاد قال الجوهري: الضفر نسج الشعر وغيره عريضا والضفيرة: العقيصة يقال: ضفرت المرأة شعرها ولها ضفيرتان وضفران أيضا أي عقيصتان انتهى. والعطاف بالكسر: الرداء. وعطفا كل شئ جانباه. و [قال الجوهرى] في الصحاح: القعود من الابل هو البكر حين يركب أي يمكن ظهره من الركوب. وقال أبو عبيد. القعود من البعير الذي يقتعده الراعي في كل حاجة

[153]

والسجاف ككتاب: الستر " ما قصرت عنه " الظاهر أن كلمة " ما " بمعنى ما دام فالضمير في " عنه " راجع إلى الامر الذي أرادته أو إلى الرب أو إلى ترك الخروج فيكون " عن " بمعنى على. والضمير في " لزمتيه " إما راجع إلى الله أي طاعته أو إلى ترك الخروج ولزوم البيت. والضمير في [قولها]: " ما قعدت عنه " راجع إلى الدين أي نصره بالجهاد أو إلى النصر أو إلى الامر الذي أرادت " بين فئتين متشاجرتين " أي متنازعتين وفي بعض النسخ " متناجزتين " وفي بعضها " متناحرتين " والمناجزة في الحرب: المبارزة والتناحر: التقابل. وقال ابن أبي الحديد (1): " فئتان متناجزتان " أي يسرع كل منهما إلى نفوس الاخرى. ومن رواه " متناحرتان " أراد الحرب وطعن النحور بالاسنة رشقها بالسهام. و " الرتبى " فعلى من الرتبة بمعنى الدرجة والمنزلة. وفي بعض الروايات: " العتبى " وهو الرجوع عن الاساءة. وبعد ذلك في سائر الروايات: كم سنة لرسول الله دارسة * وتلو آي من القرآن مدراس يقال: درس الرسم يدرس دروسا أي عفا. ودرسته الريح يتعدى ولا يتعدى. ودرست الكتاب درسا ودراسة. والتلو كأنه مصدر بمعنى التلاوة. والهاجس: الخاطر. يقال: هجس في صدري شئ يهجس أي حدث. 127 - مع ماجيلويه عن عمه عن محمد بن علي الكوفي عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن عقبة الازدي عن أبي الاخنس الارجي قال:


(1) ذكره عند شرحه للحديث في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 414 طبع الحديث ببيروت. 127 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في " باب معنى ما كتبته أم سلمة إلى عائشة.. " في آخر كتاب معاني الاخبار، ص 356 ط النجف.

[154]

لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة كتبت إليها أم سلمة رحمة الله عليها زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما بعد فإنك سدة بين رسول الله وبين أمته وحجابه المضروب على حرمته وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وسكن عقيراك فلا تصحريها، الله من وراء هذه الامة وقد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد إليك لفعل، وقد عهد فاحفظي ما عهد ولا تخالفي فيخالف بك. واذكري قوله في نباح كلاب الحوأب، وقوله: ما للنساء والغزو، وقوله: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت علت (1) بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد. إن عمود الاسلام لن يثأب بالنساء إن مال، ولن يرأب بهن إن صدع، حماديأت النساء غض الابصار وخفر الاعراض وقصر الوهازة. ما كنت قائلة لو أن رسول الله عارضك ببعض الفلوات ناصة قلوصا من منهل إلى آخر إن بعين الله مهواك وعلى رسوله تردين وقد وجهت سدافته وتركت عهيداه. لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى رسول الله هاتكة حجابا قد ضربه علي فاتقي الله [و] اجعلي حصنك بيتك ورباعة الستر قبرك حتى تلقيه وأنت على تلك الحال أطوع ما تكونين لله ما لزمته وأنصر ما تكونين للدين ما جلست عنه، لو ذكرتك بقول تعرفينه لنهشت نهش الرقشا المطرق. فقالت عائشة: ما أقبلني لوعظك وما أعرفني بنصحك وليس الامر على ما تظنين ولنعم المسير مسيرا فزعت إلي فيه فئتان متشاجرتان إن أقعد ففي غير حرج وإن أنهض فإلى ما لابد من الازدياد منه. فقالت أم سلمة: لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة العتبى على الناس


(1) كذا ها هنا ومثله يأتي قريبا عند نقل المصنف تفسير الحديث عن الصدوق. وفي طبع بيروت من كتابمعاني الاخبار ها هنا. وفيما يأتي عند تفسير الحديث: " علت علت ".

[155]

كم سنة لرسول الله دارسة * وتلو آي من القرآن مدراس قد ينزع الله من قوم عقولهم * حتى يكون الذي يقضي على الرأس ثم قال رحمه الله تفسيره: قولها رحمة الله عليها: إنك سدة بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي إنك باب بينه وبين أمته فمتى أصيب ذلك الباب بشئ فقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حريمه وحوزته فاستبيح ما حماه فلا تكوني أنت سبب ذلك بالخروج الذي لا يجب عليك فتحوجي الناس إلى أن يفعلوا مثل ذلك. وقولها: " فلا تندحيه " أي لا تفتحيه فتوسعيه بالحركة والخروج يقال: ندحت الشئ إذا أوسعته. [و] منه يقال: أنا في مندوحة عن كذا أي في سعة. وتريد بقولها: " قد جمع القرآن ذيلك " قول الله عزوجل: * (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * وقولها: " وسكن عقيراك " من عقر الدار وهو أصلها وأهل الحجاز يضمون العين وأهل نجد يفتحونها فكانت عقيرا اسم مبني من ذاك على التصغير ومثله مما جاء مصغرا " الثريا والحميا " وهي سورة الشراب، ولم يسمع بعقيرا إلا في هذا الحديث. وقولها: " فلا تصحريها " أي لا تبرزيها وتباعديها وتجعليها بالصحراء يقال: أصحرنا إذا أتينا الصحراء كما يقال: أنجدنا إذا أتينا نجدا. وقولها: " علت " أي ملت إلى غير الحق. والعول: الميل [عن الشئ] والجور قال الله عزوجل: " ذلك أدنى أن لا تعولوا " يقال: عال يعول إذا جار. وقولها: " بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد " أي عن التقدم والسبق في البلاد لان الفرطة اسم في الخروج والتقدم مثل غرفة وغرفة يقال في فلان فرطة: أي تقدم وسبق يقال: فرطته في الماء أي سبقته. وقولها: إن عمود الاسلام لن يثأب بالنساء إن مال " أي لا يرد بهن إلى استوائه. [يقال:] ثبت إلى كذا أي عدت إليه.

[156]

وقولها: " لن يرأب بهن إن صدع " أي لا يسد بهن يقال: رأبت الصدع: لامته فانضم. وقولها " حماديات النساء " هي جمع حمادى يقال: قصاراك أن تفعل ذلك وحماداك كأنها تقول: جهدك وغايتك. وقولها: " غض الابصار " معروف. وقولها: " وخفر الاعراض " الاعراض: جماعة العرض وهو الجسد. والخفر: الحياء أرادت أن محمدة النساء في غض الابصار وفي الستر للخفر الذي هو الحياء " وقصر الوهازة " وهو الخطو تعنى بها أن تقل خطوهن. وقولها: " ناصة قلوصا من منهل إلى آخر " أي رافعة لها في السير. والنص: سير مرفوع ومنه يقال: نصصت الحديث إلى فلان إذا رفعه إليه ومنه الحديث: " كان رسول الله يسير العنق فإذا وجد فجوة نص يعني زاد في السير. وقولها: " إن بعين الله مهواك " يعني مرادك لا يخفى على الله. وقولها: " وعلى رسول الله تردين " أي لا تفعلي فتخجلي من فعلك " وقد وجهت سدافته " أي هتكت الستر لان السدافة: الحجاب والستر وهو اسم مبني من أسدف الليل إذا ستر بظلمته. ويجوز أن يكون أرادت [من قولها:] " وجهت سدافته " يعني أزلتيها من مكانها الذي أمرت أن تلزميه وجعلتها أمامك. وقولها: " وتركت عهيداه " تعني بالعهيدة الذي تعاهده ويعاهدك (1) ويدل على ذلك قولها: " لو قيل لي ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله هاتكة حجابا قد ضربه علي ". وقولها: " اجعلي


(1) هذا هو الظاهر، وفي ط بيروت من كتاب معاني الاخبار: " تعني بالعهيدة التي.. ". وأما اصلي من طبع الكمباني من البحار فقد جمع فيه بين اللفظتين ولكن وضع فيه لفظة " الذي " فوق " التي ". وقال ابن قتيبة قولها: " وتركت عهيدا " لفظة مصغرة مأخوذة من العهد مشابهة لما سلف من قولها: " عقيراك " و " حماديات النساء ".

[157]

حصنك بيتك ورباعة الستر قبرك " فالربع: المنزل. ورباعة الستر: ما وراء الستر تعني اجعلي ما وراء الستر من المنزل قبرك و [هذا] معنى ما يروى " ووقاعة الستر قبرك " هكذا رواه القتيبي وذكر أن معناه " ووقاعة الستر " موقعه من الارض إذا أرسلت. وفي رواية القتيبي: " لو ذكرت قولا تعرفينه نهستني نهس (1) الرقشاء المطرق " فذكر أن الرقشاء سميت بذلك لرقش في ظهرها وهي النقط. وقال [غير] القتيبي: الرقشاء من الافاعي التي في لونها سواد وكدورة قال: والمطرق: المسترخى جفون العين. توضيح: كلامها رضي الله عنها مع عائشة متواتر المعنى رواه الخاصة والعامة بأسانيد جمة وفسروا ألفاظه في كتب اللغة ورواه ابن أبي الحديد في شرح [المختار (79) من] النهج وشرحه وقال ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث. ورواه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بلاغات النساء بأدن تغيير وقال بعد حكاية كلام أم سلمة: قالت عائشة: يا أم سلمة ما أقبلني لموعظتك وأعرفني بنصحك ليس الامر كما تقولين ما أنا بمغتمرة بعد التغريد ولنعم المطلع مطلع أصلحت فيه بين فئتين متناجزتين والله المستعان. ورواه الزمخشري في الفائق وقال بعد قولها: " سدافته " وروي: " سجافته " وبعد قولها: " فئتان متناجزتان " أو " متناحرتان " ثم قال: السدة: الباب تريد أنك من رسول الله بمنزلة سدة الدار من أهلها فإن نابك أحد بنائبة أو نال منك نائل فقد ناب رسول الله ونال منه وترك ما يجب فلا تعرضي بخروجك أهل الاسلام لهتك حرمة رسول الله وترك ما يجب عليهم من تعزيزه وتوقيره.


(1) كذا - بالسين المهملة - في طبع الكمباني من البحار، وفي معاني الاخبار: " نهشتني نهش... " بالمعجمة فيهما.

[158]

[و] " ندح الشئ ": فتحه ووسعه وبدحه نحوه من البداح وهو المتسع من الارض [و] " العقيرى " كأنها تصغير العقرى فعلى من عقر إذا بقي مكانه لا يتقدم ولا يتأخر فزعا أو أسفا أو خجلا وأصله من عقرت به إذا أطلت حبسه كأنك عقرت راحلته فبقي لا يقدر على البراح أرادت نفسها أي سكني نفسك التي صفتها أو حقها أن تلزم مكانها أو لا تبرح بيتها واعملي بقوله [تعالى] " وقرن في بيوتكن ". [و] " أصحر " أي خرج إلى الصحراء وأصحر به غيره وقد جاء ها هنا متعديا على حذف الجار وإيصال الفعل. وقال [ابن الاثير في مادة " عال "] في النهاية: في حديث أم سلمة قالت لعائشة: " لو أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعهد إليك علت " أي عدلت عن الطريق وملت. قال: [وقال] القتيبي: وسمعت من يرويه بكسر العين فإن كان محفوظا فهو من عال في البلاد يعيل إذا ذهب ويجوز أن يكون من عاله يعوله إذا غلبه أي غلبت على رأيك ومنه قولهم عيل صبرك... وقيل: جواب لو محذوف أي " لو أراد فعل " فتركته لدلالة الكلام عليه، ويكون قولها: " علت " كلاما مستأنفا. وقال [في مادة فرط من كتاب النهاية] في قولها: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاك عن الفرطة في الدين " يعني السبق والتقدم ومجاوزة الحد. الفرطة بالضم اسم للخروج والتقدم وبالفتح المرة الواحدة. و [أيضا] قال [في مادة " رأب "] يقال: رأب الصدع إذا شعبه ورأب الشئ إذا جمعه وشده برفق ومنه حديث أم سلمة: [لا يرأب بهن إن صدع] قال القتيبي: الرواية " صدع " فإن كان محفوظا فإنه يقال: صدعت الزجاجة فصدعت كما يقال جبرت العظم فجبر وإلا فإنه صدع أو انصدع. وقال [في مادة " حمد ": وفي حديث أم سلمة] " حماديات النساء " أي غاياتهن ومنتهى ما يحمد منهن. يقال: حماداك أن تفعل أي جهدك وغايتك.

[159]

وقال في الفائق في " غض الاطراف " أورده القتيبي هكذا وفسر الاطراف بجمع طرف وهو العين ويدفع ذلك أمران: أحدهما أن الاطراف في جمع طرف لم يرد به سماع بل ورد برده وهو قول الخليل: إن الطرف لا يثنى ولا يجع وذلك لانه مصدر طرف إذا حرك جفونه في النظر. والثاني أنه غير مطابق ل‍ [قولها:] " خفر الاعراض " ولا أكاد أشك أنه تصحيف والصواب: " غض الاطراق وخفر الاعراض " والمعنى أن يغضضن من أبصارهن مطرقات أي راميات بأبصارهن إلى الارض ويتخفرن من السوء معرضات عنه. وقال في [مادة طرف من] النهاية: [وفي حديث أم سلمة قالت لعائشة: " حماديات النساء غض الاطراف] أرادت قبض اليد والرجل عن الحركة والسعي تعني تسكين الاطراف وهي الاعضاء. ثم ذكر كلام القتيبي والزمخشري. وقال في " خفر الاعراض " أي الحياء من كل ما يكره لهن أن ينظرن إليه فأضافت الخفر إلى الاعراض أي الذي تستعمل لاجل الاعراض. ويروى " الاعراض " بالفتح جمع العرض أي أنهن يستحيين ويتسترن لاجل أعراضهن وصونها انتهى. [أقول] والعرض وإن ورد بمعنى الجسد لكن في هذا المقام بعيد قال الفيروز آبادي: العرض بالكسر: الجسد وكل موضع يعرق منه ورائحته رائحة طيبة كانت أو خبيثة والنفس. وجانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقض ويثلب. وقال في الفائق: الوهازة: الخطو يقال: هو يتوهز ويتوهس: إذا وطئ وطئا ثقيلا. وقال ابن الاعرابي: الوهازة: مشية الخفرات. والاوهز: الرجل الحسن المشية.

[160]

و [قال ابن الاثير] في النهاية: النص: التحريك حتى يستخرج أقصى سير الناقة وأصل النص أقصى الشئ وغايته ثم سمي به ضرب من السير سريع ومنه حديث أم سلمة: " ناصة قلوصا " أي دافعة لها في السير وقال: القلوص: الناقة. والفجوة: ما اتسع من الارض و [قال الزمخشري] في الفائق: السدافة والسجافة: الستارة وتوجيهها هتكها وأخذ وجهها كقولك لاخذ قذى العين تغذية أو تغييرها وجعلها لها وجها غير الوجه الاول. وفي النهاية " العهيدا " بالتشديد والقصر فعيلا من العهد كالجهيدى من الجهد والعجيلى من العجلة. وأما ما ذكره الصدوق رحمه الله فكأنه قرأ على فعيل مخففا قال الجوهري: عهيدك: الذي يعاهدك وتعاهده وأراد أنه مأخوذ من العهيد بهذا المعنى. وفي الفائق: وقاعة الستر وموقعته: موقعه على الارض إذا أرسلت ويروى " وقاحة الستر " أي وساحة الستر وموضعه. قوله: " وفي رواية القتيبي " إلى قولها: " نهستني نهس الرقشاء " لعل الاختلاف بين الروايتين في السين المهملة والمعجمة وهما متقاربان معنا إذ بالمهملة [معناه] أخذ اللحم بأطراف الاسنان، وبالمعجمة: لسع الحية والاخير أنسب: وفي بعض النسخ " نهست " ففيه إختلاف آخر. وقال في النهاية: في حديث أم سلمة قالت لعائشة: " لو ذكرتك قولا تعرفينه نهشته نهش الرقشاء المطرق " الرقشاء: الافعى سميت به لترقيش في ظهرها وهي خطوط ونقط و [إنما] قالت " المطرق " لان الحية تقع على الذكر والانثى انتهى ولعله كناية عن سمنها وكثرة سمها أو استغفالها وأخذها دفعة. وفي رواية أحمد بن أبي طاهر: " وقد سكن القرآن ذيلك فلا تبدحيه، وهدأ من عقيرتك فلا تصحليها ". وفي [مادة " بدح " من كتاب] النهاية: [وفي حديث أم سلمة قالت لعائشة]: " قد جمع القرآن ذيلك فلا تبدحيه " أي لا توسعيه بالحركة والخروج. والبدح: العلانية. وبدح بالامر: باح به ويروى بالنون انتهى. و " هدأ " على التفعيل أي سكن. " والعقيرة " على فعيلة: الصوت أو

[161]

صوت المغني والباكي والقاري. وقال في النهاية: الصحل - بالتحريك -: كالبحة ومنه: " فإذا أنا بهاتف يهتف بصوت صحل " ومنه: " أنه كان يرفع صوته بالتلبية حتى يصحل " أي يبح. ثم في تلك الرواية: " الله من وراء هذه الامة لو أراد أن يعهد فيك، بله أن قد نهاك عن الفرطة في البلاد ". قال الجوهري: بله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف، ومعناها: دع، ويقال معناها. سوى. وقال الفيروز آبادي: بله ككيف اسم له كدع، ومصدر بمعنى الترك، واسم مرادف لكيف وما بعدها منصوب على الاول مخفوض على الثاني مرفوع على الثالث وفتحها بناء على الاول والثالث اعراب على الثاني. والفراطة بالضم أيضا بمعنى التقدم. ثم فيها: " ما كنت قائلة لو [إن " خ ظ "] كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عارضك بأطراف الفلوات ناصة قعودا من منهل إلى منهل إن بعين الله مثواك وعلى رسول الله تعرضين، ولو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا هاتكة حجابا جعله الله علي فاجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك حتى تلقينه وهو عنك راض ". قولها: " وما أنا بمغتمزة بعد التغريد " لعل المعنى أني بعدما أعلنت العداوة وعلم الناس بخروجي لا أرجع إلى إخفاء الامر والاشارة بالعين والحاجب. ويمكن أن يقرأ " بمغتمزة " على بناء المفعول أي لا يطعن علي أحد بعد تغريدي ورفعي الصوت بأمري قال الجوهري: فعلت شيئا فاغتمزه فلان أي طعن علي ووجد بذلك مغمزا. وقال الغرد - بالتحريك -: التطريب في الصوت والغناء والتغريد مثله.

[162]

128 - ختص: محمد بن علي بن شاذان عن أحمد بن يحيى النحوي أبي العباس ثعلب عن أحمد بن سهل عن يحيى بن محمد بن إسحاق بن موسى عن أحمد بن قتيبة عن عبد الحكم القتيبي عن أبي كبسة ويزيد بن رومان قالا: لما اجتمعت عائشة على الخروج إلى البصرة أتت أم سلمة رضي الله عنها وكانت بمكة فقالت: يا ابنة أبي أمية كنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله (صلى الله عليه) يقمؤ في بيتك وكان يقسم لنا في بيتك وكان ينزل الوحي في بيتك. قالت لها: يا بنت أبي بكر لقد زرتيني وما كنت زوارة ولامر ما تقولين هذه المقالة قالت: إن بني وابن أخي (1) أخبراني أن الرجل قتل مظلوما وأن بالبصرة مائة ألف سيف يطاعون فهل لك أن أخرج أنا وأنت لعل الله أن يصلح بين فئتين متشاجرتين. فقالت: يا بنت أبي بكر أبدم عثمان تطلبين ؟ فلقد كنت أشد الناس عليه وإن كنت لتدعينه بالتبري أم أمر ابن أبي طالب تنقضين فقد بايعه المهاجرون والانصار إنك سدة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أمته وحجابه مضروبة على حرمه وقد جمع القرآن ذيلك فلا تبذخيه وسكنى عقيراك فلا تضحي [فلا تفضحي " خ ل "] بها، الله من وراء هذه الامة قد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكانك ولو أراد أن يعهد إليك فعل قد نهاك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الفراطة في البلاد إن عمود الاسلام لا ترأبه النساء إن انثلم ولا يشعب بهن إن انصدع حماديات النساء غض بالاطراف وقصر الوهادة وما كنت قائلة لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عرض لك ببعض الفلوات وأنت ناصة قلوصا من منهل إلى آخر إن بعين الله مهواك وعلى رسول الله تردين وقد وجهت سدافته وتركت عهيداه أقسم بالله لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا (صلى الله


128 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في أواسط كتاب الاختصاص ص 113، ط النجف. (1) كذا في طبعة الكمباني من أصلي، ولعل الصواب: " وابن أختي " ومرادها منه هو " عبد الله بن الزبير ".

[163]

عليه وآله) هاتكة حجابا قد ضربه علي اجعلي حصنك بيتك وقاعة الستر قبرك حتى تلقيه وأنت على ذلك أطوع ما تكونين لله ما لزمته وانصر ما تكونين للدين ما جلست عنه. ثم قالت: لو ذكرتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسا في علي صلوات الله عليه لنهشتني نهش الحية الرقشاء المطرقة ذات الخبب أتذكرين إذ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرع بين: نسائه إذا أراد سفرا فأقرع بينهن فخرج سهمي وسهمك فبينا نحن معه وهو هابط من " قديد " ومعه علي صلوات الله عليه ويحدثه فذهبت لتهجمي عليه فقلت لك: رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه ابن عمه ولعل له إليه حاجة فعصيتني ورجعت باكية فسألتك فقلت بأنك هجمت عليهما فقلت: يا علي إنما لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم من تسعة أيام وقد شغلته عني فأخبرتيني أنه قال لك أتبغضينه فما يبغضه أحد من أهلي ولا من أمتي إلا خرج من الايمان أتذكرين هذا يا عائشة ؟ قالت: نعم. ويوم أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سفرا وأنا أجش له جشيشا فقال: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحوأب فرفعت يدي من الجشيش وقلت: أعوذ بالله أن أكونه. فقال: والله لابد لاحداكما أن تكونه اتقى الله يا حميراء أن تكونيه. أتذكرين هذا يا عائشة ؟ قالت: نعم. ويوم تبدلنا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فلبست ثيابي ولبست ثيابك فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فجلس إلى جنبك فقال: أتظنين يا حميراء أني لا أعرفك ؟ أما إن لامتي منك يوما مرا - أو يوما أحمر ! ! - أتذكرين هذا يا عائشة ؟ قالت: نعم. ويوم كنت أنا وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء أبوك وصاحبه يستأذنان فدخلنا الخدر فقالا: يا رسول الله إنا لا ندري قدر مقامك فينا فلو جعلت لنا إنسانا نأتيه بعدك. قال: أما إني أعرف مكانه وأعلم موضعه ولو أخبرتكم به لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن عيسى بن مريم فلما.

[164]

خرجا خرجت إليه أنا وأنت وكنت جريئة عليه فقلت من كنت جاعلا لهم ؟ فقال: خاصف النعل وكان علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يصلح نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا تخرقت ويغسل ثوبه إذا اتسخ فقلت: ما أرى إلا عليا فقال: هو ذاك أتذكرين هذا يا عائشة قالت: نعم. قالت ويوم جمعنا رسول الله في بيت ميمونة فقال: يا نسائي اتقين الله ولا يسفر بكن أحد. أتذكرين هذا يا عائشة قالت: نعم ما أقبلني لوعظك وأسمعني لقولك فإن أخرج ففي غير حرج وإن أقعد ففي غير بأس. فخرجت [من عندها] فخرج رسولها فنادى في الناس من أراد أن يخرج [فليخرج] فإن أم المؤمنين غير خارجة فدخل عليها عبد الله بن الزبير فنفث في أذنها وقلبها في الذروة فخرج رسولها تنادى من أراد أن يسير فليسر فإن أم المؤمنين خارجة. فلما كان من ندمها [بعد انقضاء حرب الجمل ما كان] أنشأت أم سلمة تقول: لو أن معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس كم سنة [من] رسول الله تاركة * وتلو آي من القرآن مدراس قد ينزع الله من ناس عقولهم * حتى يكون الذي يقضي على الناس فيرحم الله أم المؤمنين لقد * كانت تبدل إيحاشا بإيناس قال أبو العباس ثعلب قوله: " يقمؤ في بيتك " يعني يأكل ويشرب. " وقد جمع القرآن ذيلك فلا تبذخيه " البذخ: النفخ والريا والكبر. " سكنى عقيراك ": مقامك وبذلك سمي العقار لانه أصل ثابت. وعقر الدار: أصلها وعقر المرأة: ثمن بضعها. " فلا تضحي بها " قال الله عزوجل: " إنك لا تظمؤ فيها ولا تضحى " أي لا تبرز للشمس وقال النبي (صلى الله عليه وآله) لرجل محرم: " أضح لمن أحرمت له " أي اخرج إلى البراز والموضع الظاهر المنكشف من الاغطية والستور. " الفراطة في البلاد ": السعي والذهاب. " لا ترأبه النساء ": لا تضمه النساء. [و] " حمادي النساء ": ما يحمد منهن. " غض

[165]

بالاطراف " [أي] لا يبسطن أطرافهن في الكلام. " قصر الوهادة " [هي] جمع وهد ووهاد، والوهاد: الموضع المنخفض. " ناصة قلوصا " النص: السوق بالعنف ومن ذلك الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان إذا وجد فجوة نص أي أسرع ومن ذلك نص الحديث أي رفعه إلى أصله بسرعة. " من منهل إلى آخر " المنهل: الذي يشرب منه الماء. [و] " مهواك ": الموضع الذي تهوين وتستقرين فيه قال الله عزوجل: " والنجم إذا هوى " أي نزل " سدافته " من السدفة وهي شدة الظلمة. قاعة الستر [و] قاعة الدار: صحنها. [و] السدة: الباب. إيضاح: قال في النهاية فيه أنه (عليه السلام) كان يقمأ إلى منزل عائشة كثيرا أي يدخل. وقماءت بالمكان قمأ: دخلته وأقمت [به] كذا فسر في الحديث قال الزمخشري: ومنه إقتمأ الشئ إذا جمعه. وفي القاموس: قمأت الابل بالمكان: أقامت لخصبه فسمنت. وتقمأ المكان: وافقه فأقام به كقماء. وبذخ - من باب تعب -: طال أو تكبر. ولم أر في كتب الغة [مجئ بذخ] بمعنى النفخ. ولعله قراء على بناء الافعال واستعمل في هذا المعنى تجوزا أو كان هذا هو أصل واستعمل في الكبر تجوزا ثم صار حقيقة فيه. " والخبب " محركة ضرب من العدو. [و] " القديد " كزبير اسم واد وموضع. [قوله:] " أجش له جشيشا " بالجيم والشين المعجمة قال الفيروز ابادي: جشه: دقه وكسره، والجشيش: السويق. وحنطة تطحن جليلا فتجعل في قدر ويلقى فيه لحم أو تمر فيبطخ. والتبذل: ترك التزين ولبس ثياب المهنة. والابتذال: ضد الصيانة ولعل المراد هنا جعلهما نفسهما عرضة للطفه كأنهما خلقنا وابتذلتا كما ورد في خبر آخر في كيفية معاشرة الزوجين: " ولم تبذل له تبذل الرجل " وكان [لفظ المصدر] المأخوذ منه يحتمل الدال المهملة أيضا فالمراد الزينة وتغيير الثياب. " أو يوما أحمر " أي يوما صعبا شديدا ويعبر عن الشدة بالحمرة يقال: أحمر البأس أي اشتد إما لحمرة النار أو لحمرة الدم.

[166]

قوله (صلى الله عليه وآله) " ولا يسفر بكن أحد " قال الجوهري: سفرت المرأة: كشفت عن وجهها فهي سافر. ويقال: سفرت أسفر سفورا: خرجت إلى السفر فأنا سافر انتهى. والظاهر في الخبر المعنى الاخير وإن كان [المعنى] الاول أيضا محتملا. قوله " في الذروة " أي كان هذا النفث حال كونه في ذروتها و " راكبا على سنامها " كناية عن التسلط عليها ولعل فيه سقطا. قال في النهاية: في حديث الزبير: " سأل عائشة الخروج إلى البصرة فأبت عليه فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته " جعل فتل وبرذروة البعير وغاربه مثلا لازالتها عن رأيها كما يفعل بالجمل النفور إذا أريد تأنيسه وإزالة نفاره انتهى. ولا يخفى تصحيف " الوهادة " وبعدما ذكره ثعلب في " السدافة " وإن وردت في اللغة بهذا المعنى. وقال ابن أبي الحديد: (1) قولها: " الله من وراء هذه الامة " أي محيط بهم وحافظ لهم وعالم بأحوالهم كقوله تعالى: * (والله من ورائهم محيط) *. وقال " إن بعين الله مهواك " أي إن الله يرى سيرك وحركتك. والهوى: الانحدار في السير من النجد إلى الغور " وعلى رسول الله تردين " أي تقدمين في القيامة. وقال: " وجهت سدافته " أي نظمتها بالخرز، والوجيهة خرزة معروفة وعادة العرب أن تنظم على المحمل خرزات إذا كان للنساء. وقال: " وتركت عهيداه " لفظة مصغرة مأخوذة من العهد مشابهة لقولها " عقيراك ".


(1) ذكره في شرحه على المختار: (79) من نهج البلاغة: ج 2 ص 412 طبع الحديث ببيروت.

[167]

قولها: " وأنت على تلك " أي على تلك الحال. قولها: " أطوع ما تكونين " أطوع مبتدأ " وإذا لزمته " خبر المبتدأ والضمير في لزمته راجع إلى العهد والامر الذي أمرت به. قولها: " لنهشت به نهش الرقشاء المطرقة " أي لعضك ونهشك ما أذكره لك وأذكرك به كما ينهشك أفعى رقشاء. والرقش: في ظهرها هو النقط. والافعى يوصف بالاطراق وكذلك الاسد والنمر والرجل الشجاع وكان معاوية يقول في علي: الشجاع المطرق. 129 - أقول وروى أحمد بن أعثم الكوفي في تاريخه أن عائشة أتت أم سلمة فقالت لها: أنت أقرب منزلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نسائه وأول من هاجر معه وكان رسول الله يبعث إلى بيتك ما يتحف له ثم يقسمه بيننا وأنت تعلمين ما نال عثمان من هذه الامة من الظلم والعدوان ولا أنكر عليهم إلا أنهم استتابوه فلما تاب ورجع قتلوه وقد أخبرني عبد الله بن عامر وكان عامل عثمان على البصرة (1) أنه قد اجتمع بالبصرة مائة ألف من الرجال يطلبون بثاره وأخاف الحرب بين المسلمين وسفك الدماء بغير حل لعزمت على الخروج لاصلح بينهم فلو خرجت معنا لرجونا أن يصلح الله بنا أمر هذه الامة. فقالت أم سلمة: يا بنت أبي بكر أما كنت تحرضين الناس على قتله وتقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر ! ! وما أنت والطلب بثأره وهو رجل من بني عبد مناف وأنت امرأة من تيم بن مرة ما بينك وبينه قرابة وما أنت والخروج على علي بن أبي طالب أخي رسوله (صلى الله عليه وآله) وقد اتفق المهاجرون والانصار على إمامته.


(1) هذا هو الصواب، وفي الاصل الحاكي: " وكان عامل عثمان على مكة... ".

[168]

ثم ذكرت طرفا من مناقبه وعدت نبذة من فضائله وقد كان عبد الله بن الزبير واقفا على الباب يسمع كلامها فناداها: يا أم سلمة قد علمنا بغضك لآل الزبير وما كنت محبة لنا ولا تحبينا أبدا. فقالت أم سلمة: أتريد أن نخرج على خليفة رسول الله ومن علم المهاجرون والانصار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولاه أمر هذه الامة. فقال: ما سمعنا ذلك من رسول الله فقالت: إن كنت لم تسمع فقد سمعته خالتك هذه فاسألها تحدثك وقد سمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: أنت خليفتي في حياتي وبعد موتي من عصاك فقد عصاني أهكذا يا عائشة ؟ فقالت: نعم سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشهد بها فقالت أم سلمة: فاتقي الله يا عائشة واحذري ما سمعت من رسول الله وقد قال لك: لا تكوني صاحبة كلاب الحوأب. ولا يغرنك الزبير وطلحة فإنهما لا يغنيان عنك من الله شيئا. فقامت عائشة مغضبة فخرجت من بيتها. 130 - وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى هشام بن محمد الكلبي في كتاب الجمل أن أم سلمة كتبت إلى علي (عليه السلام) من مكة: أما بعد فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة ومعهم عبد الله بن عامر بن كريز ويذكرون أن عثمان قتل مظلوما وأنهم يطلبون بدمه والله كافيهم بحوله وقوته ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج وأمرنا به من لزوم البيت لم أدع الخروج إليك والنصرة لك ولكني باعثة نحوك ابني عدل نفسي عمر بن أبي سلمة فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا. قال: فلما قدم عمر على علي (عليه السلام) أكرمه ولم يزل مقيما معه حتى


130 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 410 ط الحديث ببيروت.

[169]

شهد مشاهده كلها ووجهه علي (عليه السلام) أميرا على البحرين وقال لابن عم له بلغني أن عمر يقول الشعر فابعث إلي [شيئا] من شعره. فبعث إليه بأبيات له أولها: جزتك أمير المؤمنين قرابة * رفعت بها ذكري جزاء موفرا فعجب علي (عليه السلام) من شعره واستحسنه. قال: وقال أبو مخنف: جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لنا من بيتك وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك. فقالت أم سلمة: لامر ما قلت هذه المقالة. فقالت عائشة: إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام وقد عزمت الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا وبنا ! ! ! فقالت أم سلمة: إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك إلا نعثلا وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفأذكرك ؟ قالت: نعم. قالت: أتذكرين يوم أقبل [النبي] عليه السلام ونحن معه حتى إذا هبط من " قديد " ذات الشمال خلا بعلي يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك ؟ فقلت: إني هجمت عليهما وهما تتناجيان فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام فما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي ؟ فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي وهو غضبان محمر الوجه فقال: ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان فرجعت نادمة ساقطة فقالت: عائشة نعم أذكر ذلك.

[170]

قالت: وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حيسا وكان الحيس يعجبه فرفع رأسه وقال: " ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط " فرفعت يدي من الحيس فقلت: أعوذ بالله ورسوله من ذلك ثم ضرب على ظهرك وقال: إياك أن تكونيها. ثم قال: يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها [ثم قال] " يا حميراء أما إني فقد أنذرتك " قالت عائشة: نعم أذكر هذا. قالت وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله فيخصفهما ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها في ظل سمرة وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا فحادثاه فيما أرادا ثم قالا: يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران فسكتا ثم خرجا فلما خرجنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت له وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال: خاصف النعل. فنظرنا فلم نر أحدا إلا عليا فقلت: يا رسول الله ما أرى إلا عليا فقال: هو ذاك. فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك فقالت: فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟ فقالت: إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجوا فيه الاجر إنشاء الله تعالى. فقالت: أنت ورأيك فانصرفت عائشة عنها وكتبت أم سلمة بما قالت وقبل لها إلى علي (عليه السلام).

[171]

[الباب الثالث] باب ورود البصرة ووقعة الجمل وما وقع فيها من الاحتجاج 131 - شا من كلام أمير المؤمنين صلوات الله [عليه] حين دخل البصرة وجمع أصحابه فحرضهم على الجهاد وكان مما قال: عباد الله انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنهم نكثوا بيعتي وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح والعقوبة الشديدة وقتلوا السبابجة ومثلوا بحكيم بن جبلة العبدي وقتلوا رجالا صالحين ثم تتبعوا منهم من نجى يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا مالهم قاتلهم الله أنى يؤفكون. انهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم والقوهم صابرين محتسبين تعلمون أنكم منازلوهم ومقاتلوهم ولقد وطنتم أنفسكم على الطعن الدعسي (1) والضرب الطلحفي ومبارزة الاقران. وأي امرء أحسن من نفسه رباطة جأش عند اللقاء ورآى من أحد من


131 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (24) مما اختار من كلم أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 134، ط النجف، وفيه: " ومن كلامه عليه السلام حين دخل البصرة.. فكان مما قال ". (1) هذا هو الصواب المذكور في طبع النجف من كتاب الارشاد، وفي ط الكمباني من. البحار: " على القتل الدعسى... ".

[172]

إخوانه فشلا فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله. بيان: نهد إلى العدو ينهد بالفتح أي نهض ذكره الجوهري وقال: برح به الامر تبريحا أي جهده. وضربه ضربا مبرحا. وقال: السبابجة قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن. والدعسي - بفتح الدال والياء المشددة - قال في القاموس: الدعس: شدة الوطئ والطعن والطعان. والمداعسة: المطاعنة. والطلحف بكسر الطاء وفتح اللام وسكون الحاء: الشديد وسيأتي شرح بعض الفقرات. 132 - قب جمل أنساب الاشراف أنه زحف علي (عليه السلام) بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين على ميمنته الاشتر وسعيد بن قيس وعلى ميسرته عمار وشريح بن هانئ وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعدي بن حاتم وعلى الجناح زياد بن كعب وحجر بن عدي وعلى الكمين عمرو بن الحمق وجندب بن زهير وعلى الرجالة أبو قتادة الانصاري. وأعطى رايته محمد بن الحنفية ثم أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم ويقول لعائشة: إن الله أمرك أن تقري في بيتك فاتقي الله وارجعي ويقول لطلحة والزبير خبأتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستفززتماها ! ! فيقولان: إنما جئنا للطلب بدم عثمان وأن يرد الامر شورى. وألبست عائشة درعا وضربت على هودجها صفائح الحديد وألبس الهودج


132 - رواه محمد بن علي بن شهر آشوب رحمه الله في عنوان " ما ظهر منه عليه السلام في حرب الجمل " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 339 ط النجف.

[173]

درعا، وكان الهودج لواء أهل البصرة وهو على جمل يدعى عسكرا (1) روى ابن مردويه في كتاب الفضائل من ثمانية طرق أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال للزبير: أما تذكر يوما كنت مقبلا بالمدينة تحدثني إذ خرج رسول الله فرآك معي وأنت تتبسم إلي فقال لك: يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت: وكيف لا أحبه وبيني وبينه من النسب والمودة في الله ما ليس لغيره. فقال: إنك ستقاتله وأنت ظالم له ! ! فقلت: أعوذ بالله من ذلك. وقد تظاهرت الروايات أنه قال (عليه السلام) إن النبي صلى الله عليه وآله قال لك: يا زبير تقاتله ظلما وضرب كتفك ؟ ! قال: اللهم نعم. قال: أفجئت تقاتلني ؟ فقال: أعوذ بالله من ذلك. ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): دع هذا بايعتني طائعا ثم جئت محاربا فما عدا مما بدا ؟ فقال: لا جرم والله لا قاتلتك. حلية الاولياء قال عبد الرحمان بن أبي ليلى: فلقيه عبد الله ابنه فقال: جبنا جبنا ؟ ! فقال: يا بني قد علم الناس أني لست بجبان ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحلفت أن لا أقاتله. فقال: دونك غلامك فلان اعتقه كفارة ليمينك. نزهة الابصار عن ابن مهدي أنه قال همام الثقفي: أيعتق مكحولا ويعصى نبيه * لقد تاه عن قصد الهدى ثم عوق (2) لشتان ما بين الضلالة والهدى * وشتان من يعصى الاله ويعتق


(1) من أول الحديث إلى قوله: " وألبس الهودج درعا " ذكره البلاذري في الحديث: (269) من ترجمة أمير المؤمنين من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 239. (2) كذا في هامش البحار، وكتب بعده: " خ ل ". وفي متن البحار " ثم عرق ".

[174]

وفي رواية: قالت عائشة: لا والله بل خفت سيوف ابن أبي طالب أما إنها طوال حداد تحملها سواعد أنجاد ولئن خفتها فلقد خافها الرجال من قبلك. فرجع إلى القتال فقيل لامير المؤمنين (عليه السلام) إنه قد رجع فقال: دعوه فإن الشيخ محمول عليه ثم قال: أيها الناس غضوا أبصاركم وعضوا على نواجذكم وأكثروا من ذكر ربكم وإياكم وكثرة الكلام فإنه فشل. ونظرت عائشة إليه وهو يجول بين الصفين فقالت: أنظروا إليه كان فعله. فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر أما والله لا ينتظر بك إلا زوال الشمس. فقال علي (عليه السلام): يا عائشة عما قليل لتصبحن نادمين. فجد الناس في القتال فنهاهم أمير المؤمنين وقال: اللهم إني أعذرت وأنذرت فكن لي عليهم من الشاهدين. ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ". الآية فقال مسلم المجاشعي: ها أنا ذا فخوفه بقطع يمينه وشماله وقتله فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين فهذا قليل في ذات الله ! ! فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى فقطعت فأخذه بأسنانه فقتل فقالت أمه: يا رب إن مسلما أتاهم * بمحكم التنزيل إذ دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم * فرملوه رملت لحاهم فقال (عليه السلام): الآن طاب الضراب. وقال لمحمد بن الحنفية والراية في يده: يا بني تزول الجبال ولا تزل عض على ناجذك، أعر الله جمجمتك تد في الارض قدميك ارم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك واعلم أن النصر من الله.

[175]

ثم صبر سويعة فصاح الناس من كل جانب من وقع النبال فقال عليه السلام: تقدم يا بني فتقدم وطعن طعنا منكرا وقال: اطعن بها طعن أبيك تحمد * لا خير في حرب إذا لم توقد بالمشرفي والقنا المسدد * والضرب بالخطى والمهند فأمر الاشتر أن يحمل فحمل وقتل هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل. وكان زيد يرتجز ويقول: ديني ديني وبيعي وبيعي. وجعل مخنف بن سليم يقول: قد عشت يا نفس وقد غنيت * دهرا وقبل اليوم ما عييت وبعد ذا لا شك قد فنيت * أما مللت طول ما حييت فخرج عبد الله بن اليثربي قائلا: يا رب إني طالب أبا الحسن * ذاك الذي يعرف حقا بالفتن فبرز إليه علي عليه السلام قائلا: إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن * فاليوم تلقاه مليا فاعلمن وضربه ضربة مجزمة [مجرفة]. فخرج بنو ضبة وجعل يقول بعضهم: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * والموت أحلى عندنا من العسل ردوا علينا شيخنا بمرتحل * إن عليا بعد من شر النذل وقال آخر: نحن بنو ضبة أعداء علي * ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي

[176]

وكان عمرو بن اليثربي يقول: إن تنكروني فأنا ابن اليثربي * قاتل علباء وهند الجمل ثم ابن صوحان على دين علي فبرز إليه عمار قائلا: لا تبرح العرصة يا ابن اليثربي * أثبت أقاتلك على دين علي [فطعنه] وأرداه عن فرسه وجر برجله إلى علي فقتله بيده. فخرج أخوه قائلا: أضربكم ولو أرى عليا * عممته أبيض مشرفيا وأسمرا عنطنطا خطيا * أبكى عليه الولد والوليا فخرج [إليه] علي [عليه السلام] متنكرا وهو يقول: يا طالبا في حربه عليا * يمنحه أبيض مشرفيا أثبت ستلقاه بها مليا * مهذبا سميد عا كميا فضربه فرمى نصف رأسه. فناداه عبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة بالبصرة أتبارزني ؟ فقال [علي] (عليه السلام): ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟ فقال: ذرني من بذخك يا ابن أبي طالب ثم قال: إن تدن مني يا علي فترا * فإنني دان إليك شبرا ؟ صارم يسقيك كأسا مرا * ها إن في صدري عليك وترا

[177]

فبرز علي (عليه السلام) قائلا: يا ذا الذي يطلب مني الوترا * إن كنت تبغي أن تزور القبرا حقا وتصلى بعد ذاك جمرا * فادن تجدني أسدا هزبرا أصعطك اليوم زعاقا صبرا فضربه فطير جمجمته. فخرج مازن الضبي قائلا: لا تطمعوا في جمعنا المكلل * الموت دون الجمل المجلل فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلا: إن تنكروني فأنا بن نهشل * فارس هيجا وخطيب فيصل فقتله. وكان طلحة يحث الناس ويقول: عباد الله الصبر الصبر في كلام له البلاذري (1) [قال:] إن مروان بن الحكم قال: والله ما أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم أبدا فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته والتفت إلى أبان بن عثمان وقال: لقد كفيتك أحد قتلة أبيك. معارف القتيبي أن مروان قتل طلحة يوم الجمل بسهم فأصاب ساقه. [وقال السيد] الحميري:


(1) رواه البلاذري في الحديث: (304) وما حوله في عنوان: " مقتل طلحة " من ترجمة أمير المؤمنين من أنسب الاشراف: ج 2 ص 246 ط 1.

[178]

واختل من طلحة المزهو جنته * سهم بكف قديم الكفر غدار في كف مروان مروان اللعين أرى * رهط الملوك ملوك غير أخيار وله: واغتر طلحة عند مختلف القنا * عبل الذراع شديد أصل المنكب فاختل حبة قلبه بمدلق * ريان من دم جوفه المتصبب في مارقين من الجماعة فارقوا * باب الهدى وحيا الربيع المخصب وحمل أمير المؤمنين على بني ضبة فما رأيتهم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز وجز رأسه وأتى به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) القصة. قال [السيد اسماعيل] الحميري (1): أما الزبير فحاص حين بدت له * جاؤا ببرق في الحديد الاشهب حتى إذا أمن الحتوف وتحته * عارى النواهق ذو نجاء صهلب أثوى ابن جرموز عمير شلوه * بالقاع منعفرا كشلو التولب وقال غيره. طار الزبير على إحصار ذي خضل * عبل الشوى لاحق المتنين محصار حتى أتى واديا لاقى الحمام به * من كف محتبس كالصيد مغوار فقالوا: يا عائشة قتل طلحة والزبير وجرح عبد الله بن عامر [كذا] من يدي علي فصالحي عليا.


(1) من قوله: " قال الحميري - إلى قوله - فقالوا: يا عائشة قتل طلحة " مأخوذ من كتاب المناقب وقد سقط عن طبع الكمباني من بحار الانوار.

[179]

فقالت: كبر عمرو عن الطوق وجل أمر عن العتاب ثم تقدمت. فحزن علي (عليه السلام) وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون فجعل يخرج واحد بعد واحد ويأخذ الزمام حتى قتل [قطع " خ ل "] ثمان وتسعون رجلا. ثم تقدمهم كعب بن سور الازدي وهو يقول: يا معشر الناس عليكم أمكم * فإنها صلاتكم وصومكم والحرمة العظمى التى تعمكم * لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم فقتله الاشتر فخرج ابن جفير الازدي يقول: قد وقع الامر بما لم يحذر * والنبل يأخذن وراء العسكر وأمنا في خدرها المشمر فبرز إليه الاشتر قائلا: اسمع ولا تعجل جواب الاشتر * واقرب تلاق كأس موت أحمر ينسيك ذكر الجمل المشمر فقتله ثم قتل عمر الغنوي وعبد الله بن عتاب بن أسيد ثم جال في الميدان جولا وهو يقول: نحن بنو الموت به غذينا فخرج إليه عبد الله بن الزبير فطعنه الاشتر وأرداه وجلس على صدره ليقتله فصاح عبد الله: اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معى فقصد إليه من كل جانب فخلاه وركب فرسه فلما رأوه راكبا تفرقوا عنه. وشد رجل من الازد على محمد بن الحنفية وهو يقول: يا معشر الازد كروا فضربه ابن الحنفية فقطع يده فقال: يا معشر الازد فروا ! ! !

[180]

فخرج الاسود بن البختري السلمي قائلا: ارحم إلهي الكل من سليم * وانظر إليه نظرة الرحيم فقتله عمرو بن الحمق. فخرج جابر الازدي قائلا: يا ليت أهلي من عمار حاضري * من سادة الازد وكانوا ناصري فقتله محمد بن أبي بكر. وخرج عوف القيني قائلا: يا أم يا أم خلا مني الوطن * لا أبتغي القبر ولا أبغي الكفن فقتله محمد بن الحنفية. فخرج بشر الضبي قائلا: ضبة أبدى للعراق عمعمة * وأضرمي الحرب العوان المضرمة فقتله عمار. وكانت عائشة تنادي بأرفع صوت أيها الناس عليكم بالصبر فإنما يصبر الاحرار. فأجابها كوفي: يا أم يا أم عققت فاعلموا * والام تغذوا ولدها وترحم أما ترى كم من شجاع يكلم * وتجتلي هامته والمعصم وقال آخر: قلت لها وهي على مهوات * إن لنا سواك أمهات في مسجد الرسول ثاويات

[181]

فقال الحجاج بن عمر الانصاري: يا معشر الانصار قد جاء الاجل * إني أرى الموت عيانا قد نزل فبادروه نحو أصحاب الجمل * ما كان في الانصار جبن وفشل فكل شئ ما خلا الله جلل وقال خزيمة بن ثابت: لم يغضبوا لله إلا للجمل * والموت خير من مقام في خمل والموت أحرى من فرار وفشل * والقول لا ينفع إلا بالعمل وقال شريح بن هانئ: لا عيش إلا ضرب أصحاب الجمل * ما إن لنا بعد علي من بدل وقال هانئ بن عروة المذحجي: يا لك حربا جثها جمالها * قائدة ينقصها ضلالها هذا علي حوله أقيالها وقال سعيد بن قيس الهمداني: قل للوصي اجتمعت قحطانها * إن يك حرب أضرمت نيرانها وقال عمار: إني لعمار وشيخي ياسر * صاح كلانا مؤمن مهاجر طلحة فيها والزبير غادر * والحق في كف علي ظاهر وقال الاشتر: هذا علي في الدجى مصباح * نحن بذا في فضله فصاح وقال عدي بن حاتم:

[182]

أنا عدي ونماني حاتم * هذا علي بالكتاب عالم لم يعصه في الناس إلا ظالم وقال عمرو بن الحمق: هذا علي قائد يرضى به * أخو رسول الله في أصحابه من عوده النامي ومن نصابه وقال رفاعة بن شداد البجلي: إن الذين قطعوا الوسيلة * ونازعوا على علي الفضيلة في حربه كالنعجة الاكيلة وشكت السهام الهودج حتى كأنه جناح نسر أو شوك قنفذ. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما أراه يقاتلكم غير هذا الهودج اعقروا الجمل. وفي رواية [أخرى] عرقبوه فإنه شيطان. وقال لمحمد بن أبي بكر: أنظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها. فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبي ثم عرقب [رجل] أخرى [منه] عبد الرحمان فوقع على جنبه فقطع عمار نسعه. فأتاه علي ودق رمحه على الهودج وقال: يا عائشة أهكذا أمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تفعلي ؟ فقالت: يا أبا الحسن ظفرت فأحسن وملكت فأسجح. فقال [علي] لمحمد بن أبي بكر: شأنك وأختك فلا يدنو أحد منها سواك. فقال [محمد]: فقلت لها: ما فعلت بنفسك ؟ عصيت ربك وهتكت سترك ثم أبحت حرمتك وتعرضت للقتل فذهب بها إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي فقالت: أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحا كان أو قتيلا.

[183]

فقال: إنه كان هدفا للاشتر فانصرف محمد إلى العسكر فوجده فقال: اجلس يا ميشوم أهل بيته فأتاها به فصاحت وبكت ثم قالت: يا أخي استأمن له من علي فأتى [محمد] أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستأمن له منه فقال (عليه السلام): أمنته وأمنت جميع الناس. وكانت وقعة الجمل بالخريبة ووقع القتال بعد الظهر وانقضى عند المساء فكان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) عشرون ألف رجل منهم البدريون ثمانون رجلا وممن بايع تحت الشجرة مائتان وخمسون ومن الصحابة ألف وخمسمائة رجل. وكانت عائشة في ثلاثين ألف أو يزيدون منها المكيون ست مائة رجل. قال قتادة قتل يوم الجمل عشرون ألفا. وقال الكلبي: قتل من أصحاب علي (عليه السلام) ألف راجل وسبعون فارسا منهم زيد بن صوحان وهند الجملي وأبو عبد الله العبدي و عبد الله بن رقية. وقال أبو مخنف والكلبي: قتل من أصحاب الجمل من الازد خاصة أربعة آلاف رجل ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلا ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل ومن بني حنظلة تسعمائة رجل ومن [بني] ناجية أربعمائة رجل والباقي من أخلاط الناس إلى تمام تسعة آلاف إلا تسعين رجلا القرشيون منهم طلحة والزبير وعبد الله بن عتاب بن أسيد وعبد الله بن حكيم بن حزام وعبد - الله بن شافع بن طلحة ومحمد بن طلحة وعبد الله بن أبي بن خلف الجمحي وعبد الرحمان بن معد وعبد الله بن معد. وعرقب الجمل أولا أمير المؤمنين ويقال: المسلم بن عدنان ويقال رجل من الانصار ويقال: رجل ذهلي. وقيل لعبد الرحمان بن صرد التنوخي: لم عرقبت الجمل ؟ فقال: عقرت ولم أعقر بها لهوانها * علي ولكني رأيت المهالكا

[184]

إلى قوله: فياليتني عرقبته قبل ذلكا (1). وقال عثمان بن حنيف: شهدت الحروب فشيبنني * فلم أر يوما كيوم الجمل أشد على مؤمن فتنة * وأقتل منهم لحرق بطل فليت الظعينة في بيتها * ويا ليت عسكر لم يرتحل بيان رحله بالدم أي لطخه. والمشرفية: سيوف نسب إلى مشارف وهى قرى من أرض العرب تدنو من الريف ذكره الجوهري وقال: المهند: السيف المطبوع من حديد الهند. وقال الفيروز آبادي: جرفه جرفا وجرفة: ذهبت به كله. والنذل: الخسيس من الناس. والاسمر: الرمح. والعنطنط: الطويل. والخط: موضع باليمامة تنسب إليه الرماح الخطية لانها تحمل من بلاد الهند فتقوم به. والملئ - بالهمز وقد يخفف -: الثقة وبغير همز: طائفة من الزمان. والسميدع بالفتح: السيد الموطوء الاكتاف. والكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه لانه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة. والبذخ: الكبر. والفتر بالكسر: ما بين طرف السبابة والابهام إذا فتحتهما. والصارم. السيف القاطع. والوتر بالفتح والكسر: الحقد والطلب الدم. والهزبر: الاسد. وسعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه: أدخله في أنفه. وأسعطه الرمح: طعنه به في أنفه. والسعيط: دردى الخمر. وصعطه وأصعطه: سعطه. واختله بسهم أي انتظمه. ورجل عبل الذراعين أي ضخمهما. ودلق السيف من غمده: أخرجه. والحيا - بالقصر -: الخصب والمطر. قولها: كبر عمرو عن الطوق " أي لم يبق للصلح مجال.


(1) وإليك بقية الابيات كاملة: وما زالت الحرب العوان تحثها * بنوها بها حتى هوى القود باركا. فأضجعته بعد البروك لجنبه * فخر صريعا كالثنية مالكا فكانت شرارا إذ أطيفت بوقعه * فياليتني عرقبته قبل ذالكا

[185]

قال الزمخشري في المستقصى هو عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة قد طوق صغيرا ثم استهوته الجن مدة فلما عاد همت أمه بإعادة الطوق إليه فقال جذيمة ذلك. وقيل: إنها نظفته وطوقته وأمرته بزيارة خاله فلما رأى لحيته والطوق قال ذلك انتهى. والعماعم: الجماعات المتفرقة. والعوان من الحرب: التي قوتل فيها مرة. والجلل بالتحريك: العظيم والهين. وهو من الاضداد. وشكه بالرمح: انتظمه. 133 - شي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقال: دخل علي أناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير فقلت لهم: كانا إمامين من أئمة الكفر إن عليا يوم البصرة لما صف الخيول قال لاصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون علي جورا في حكم ؟ قالوا: لا. قال: فحيفا في قسم ؟ قالوا: لا. قال: فرغبة في دنيا أصبتها لي ولاهل بيتي دونكم فنقمتم علي فنكثتم علي بيعتي ؟ قالوا: لا. قال: فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم ؟ قالوا: لا. قال: فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث إني ضربت الامر أنفه وعيينه ولم أجد إلا الكفر أو السيف. ثم ثنى إلى أصحابه فقال: إن الله يقول في كتابه " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " فقال أمير المؤمنين: والذي فلق الحبة وبرئ النسمة واصطفى محمدا بالنبوة إنهم لاصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت.


133 - 134 - رواهما العياشي مع أحاديث أخر في معناهما في تفسير الآية: (11) من سورة الانفال من تفسيره. ورواهما عنه السيد هاشم البحراني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107.

[186]

134 - ب: محمد بن عبد الحميد وعبد الصمد بن محمد جميعا عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا أ عبد الله وذكر مثله. 135 - شي: عن أبي الطفيل قال: سمعت عليا (عليه السلام) يوم الجمل وهو يحرض الناس على قتالهم ويقول: والله ما رمي أهل هذه الآية بكنانة قبل اليوم * (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * فقلت لابي الطفيل: ما الكنانة ؟ قال: السهم موضع الحديد فيه عظم يسميه بعض العرب الكنانة. بيان: الكنانة بهذا المعنى غير معروف فيما عندنا من كتب اللغة. 136 - جا: المراغي عن الحسن بن علي عن جعفر بن محمد بن مروان عن أبيه عن إسحاق بن يزيد عن خالد بن مختار عن الاعمش عن حبة العرني قال: سمعت حذيفة اليماني قبل أن يقتل عثمان بن عفان بسنة وهو يقول: كأني بأمكم الحميراء قد سارت يساق بها على جمل وأنتم آخذون بالشوى والذنب معها الازد أدخلهم الله النار وأنصارها بني ضبة جد الله أقدامهم. قال فلما كان يوم الجمل وبرز الناس بعضهم لبعض نادى منادي أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يبدأن أحد منكم بقتال حتى آمركم. قال: فرموا فينا. فقلنا: يا أمير المؤمنين قد رمينا. فقال: كفوا ثم رمونا فقتلوا منا. قلنا: يا أمير المؤمنين قد قتلونا. فقال: احملوا على بركة الله. قال: فحملنا عليهم فأنشب بعضنا في بعض الرماح حتى لو مشى ماش لمشى عليها ثم نادى منادي علي (عليه السلام) عليكم بالسيوف فجعلنا نضرب بها البيض فتنبو لنا. قال: فنادى منادي أمير المؤمنين: عليكم بالاقدام. قال: فما رأينا يوما كان أكثر قطع أقدام منه. قال: فذكرت حديث حذيفة أنصارها بني ضبة جد الله أقدامهم فعلمت


134 - رواه الحميري رحمه الله في الحديث: (311) من كتاب قرب الاسناد، ص 46. ورواه عنه البحراني في تفسير البرهان: ج 2 ص 106. 136 - رواه الشيخ المفيد في المجلس: (7) من أماليه ص 59

[187]

أنها دعوة مستجابة ثم نادى منادي أمير المؤمنين عليكم بالبعير فإنه شيطان قال: فعقره رجل برمحه وقطع إحدى يديه رجل آخر فبرك ورغا وصاحت عائشة صيحة شديدة فولى الناس منهزمين. فنادى منادي أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تجيزوا على جريح ولا تبتغوا مدبرا ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن. بيان: الشوى [بفتح الشين]: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين. وشوى الفرس: قوائمه ذكره الجوهري وقال: جددت الشئ أجده جدا: قطعته. وقال: نبأ السيف: إذا لم يعمل في الضريبة. وقال: قال الاصمعي: أجهزت على الجريح: إذا أسرعت قتله وتممت عليه ولا تقل أجزت على الجريح انتهى. والرواية مع ضبط النسخ تدل على كونه فصيحا بهذا المعنى. 137 - قب: دعى أمير المؤمنين محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل فذهب فمنعوه بنو ضبه فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده وقصد قصد الجمل وطعنه برمحه ورجع إلى والده وعلى رمحه أثر الدم فتمغر وجه محمد من ذلك فقال أمير المؤمنين: لا تأنف فإنه ابن النبي وأنت ابن علي. 138 - كش: جبرئيل بن أحمد عن موسى بن معاوية بن وهب عن علي بن معبد عن عبيدالله بن عبد الله الواسطي عن واصل بن سليمان عن عبد الله بن سنان:


137 - ورواه ابن شهر آشوب في عنوان: " سيادة الحسن عليه السلام " في ترجمته من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 185. 138 - رواه الكشي رحمه الله في ترجمة زيد بن صوحان تحت الرقم: (18) من رجاله ص 63.

[188]

عن أبي عبد الله قال: لما صرع زيد بن صوحان رحمة الله عليه يوم الجمل جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى جلس عند رأسه فقال: رحمك الله يا زيد قد كنت خفيف المؤنة عظيم المعونة. قال فرفع زيد رأسه إليه ثم قال: وأنت فجزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين فوالله ما علمتك إلا بالله عليما وفي أم الكتاب عليا حكيما وإن الله في صدرك لعظيم والله ما قتلت معك على جهالة ولكني سمعت أم سلمة زوج النبي تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " فكرهت والله أن أخذلك فيخذلني الله. 139 - ختص جعفر بن الحسين وجماعة من مشايخنا عن محمد الحميري عن أبيه عن موسى بن جعفر البغدادي عن علي بن معبد عن عبيدالله بن الدهقان، عن واصل مثله. 140 - كشف لما تراءى الجمعان وتقاربا ورأى علي تصميم عزمهم على قتاله فجمع أصحابه وخطبهم خطبة بليغة قال فيها واعلموا أيها الناس أني قد تأنيت هاؤلاء القوم وراقبتهم وناشدتهم كيما يرجعوا يرتدعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا وقد بعثوا إلي أن أبرز إلى الطعان واثبت للجلاد ! ! ! وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أدعي إليها وقد أنصف القارة من راماها منها (1) فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم فبذلك القلب ألقى عدوي وأنا على بينة من ربي لما وعدني من النصر والظفر وإني لعلى غير شبهة من أمري.


139 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (134) في أوائل كتاب الاختصاص ص 74 ط النجف. 140 - رواه الاربلي في وقعة الجمل من كشف الغمة: ج 1، 240. (1) هذا هو الظاهر الموافق لما رويناه عن مصادر في المختار: (95) وتاليه من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 309 - 316، وفي كشف الغمة وطبع الكمباني من البحار: " من راماها منها ". فكلمة " منها " لا مورد لها.

[189]

ألا وإن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ومن لم يقتل يمت فإن أفضل الموت القتل والذي نفس علي بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش. ثم رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إن طلحة بن عبيدالله أعطاني صفقة يمينه طائعا ثم نكث بيعتي اللهم فعاجله ولا تمهله وإن الزبير بن العوام قطع قرابتي ونكث عهدي وظاهر عدوي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ظالم لي اللهم فاكفنيه كيف شئت وأنى شئت. ثم تقاربوا وتعبوا لابسي سلاحهم ودروعهم متأهبين للحرب كل ذلك وعلي (عليه السلام) بين الصفين عليه قميص ورداء وعلى رأسه عمامة سوداء وهو راكب على بغلة. فلما رأى أنه لم يبق إلا مصافحة الصفاح والمطاعنة بالرماح صاح بأعلى صوته أين الزبير بن العوام فليخرج إلي فقال الناس: يا أمير المؤمنين أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج في الحديد ؟ فقال عليه السلام: ليس علي منه بأس. ثم نادى ثانية فخرج إليه [الزبير] ودنا منه حتى واقفه فقال له علي: يا أبا عبد الله ما حملك على ما صنعت ؟ فقال الطلب بدم عثمان ! ! فقال: أنت وأصحابك قتلتموه فيجب عليك أن تقيد من نفسك ! ! ولكن أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) أما تذكر يوما قال لك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت: وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي ؟ ! فقال لك: أما أنت فستخرج عليه يوما وأنت له ظالم. فقال الزبير: اللهم بلى فقد كان ذلك. فقال علي (عليه السلام): فأنشدك الله الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) أما تذكر يوما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عند ابن عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك فاستقبلته أنا فسلمت عليه فضحك في وجهي فضحكت أنا إليه فقلت: أنت لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبدا فقال لك النبي (صلى الله عليه وآله) مهلا يا زبير فليس به زهو ولتخرجن

[190]

عليه يوما وأنت ظالم له ! ! فقال الزبير: اللهم بلى ولكن أنسيت فأما إذا ذكرتني ذلك فلانصرفن عنك ولو ذكرت هذا لما خرجت عليك. ثم رجع إلى عائشة فقالت: ما وراءك يا أبا عبد الله ؟ فقال الزبير: والله ورائي إني ما وقفت موقفا في شرك ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة وأنا اليوم على شك من أمري وما أكاد أبصر موضع قدمي. ثم شق الصفوف وخرج من بينهم ونزل على قوم من بني تميم. فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي فقتله حين نام وكان في ضيافته فنفذت دعوة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه. وأما طلحة فجاءه سهم وهو قائم للقتال فقتله ثم التحم القتال. وقال علي (عليه السلام) يوم الجمل * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * [12 / التوبة] ثم حلف حين قرأها أنه ما قوتل عليها منذ نزلت حتى اليوم واتصل الحرب وكثر القتل والجروح. ثم تقدم رجل من أصحاب الجمل يقال له: عبد الله فجال بين الصفوف وقال: أين أبو الحسن فخرج إليه علي وشد عليه وضربه بالسيف فأسقط عاتقه ووقع قتيلا فوقف عليه وقال: لقد رأيت أبا الحسن فكيف وجدته ؟ ! ولم يزل القتل يؤجج ناره والجمل يفني أنصاره حتى خرج رجل مدجج يظهر باسا ويعرض بعلي [بذكر علي " خ ل "] حتى قال. أضربكم ولو أرى عليا * عممته أبيض مشرفيا فخرج إليه علي متنكرا وضربه على وجهه فرمى بنصف قحف رأسه ثم انصرف فسمع صائحا من ورائه فالتفت فرآى ابن أبي خلف الخزاعي من أصحاب الجمل فقال: هل لك يا علي في المبارزة ؟ فقال علي: ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن أبي خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟ فقال: ذرني يا ابن أبي طالب من بذخك بنفسك وادن مني لترى أينا يقتل صاحبه

[191]

فثنى علي عنان فرسه إليه فبدره ابن خلف بضربة فأخذها علي في جحفته ثم عطف عليه بضربة أطار بها يمينه ثم ثنى بأخرى أطار بها قحف رأسه واستعر الحرب حتى عقر الجمل فسقط وقد احمرت البيداء بالدماء وخذل الجمل وحزبه، وقامت النوادب بالبصرة على القتلى. وكان عدة من قتل من جند الجمل ستة عشر ألفا وسبعمائة وتسعين إنسانا وكانوا ثلاثين ألفا فأتى القتل على أكثر من نصفهم وقتل من أصحاب علي عليه السلام ألف وسبعون رجلا وكانوا عشرين ألفا. وكان محمد بن طلحة المعروف بالسجاد قد خرج مع أبيه وأوصى علي (عليه السلام) أن لا يقتله من عساه أن يظفر به وكان شعار أصحاب علي (عليه السلام) " حم " فلقيه شريح بن أوفى العبسي من أصحاب علي (عليه السلام) فطعنه فقال: " حم " وقد سبق - كما قيل - السيف العذل فأتى على نفسه وقال شريح هذا: وأشعث قوام بآيات ربه * قليل الاذى فيما ترى العين مسلم شككت بصدر الرمح حبيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم على غير شئ غير أن ليس تابعا * عليا ومن لم يتبع الحق يندم يذكرني " حم " والرمح شاجر * فهلا تلا " حم " قبل التقدم وجاء علي حتى وقف عليه وقال: هذا رجل قتله بره بأبيه. وكان مالك الاشتر قد لقي عبد الله بن الزبير في المعركة ووقع عبد الله إلى الارض والاشتر فوقه فكان ينادي: اقتلوني ومالكا. فلم ينتبه أحد من أصحاب الجمل لذلك ولو علموا أنه الاشتر لقتلوه ثم أفلت عبد الله من يده وهرب. فلما وضعت الحرب أوزارها ودخلت عائشة إلى البصرة دخل عليها عمار بن ياسر ومعه الاشتر فقالت: من معك يا أبا اليقظان ؟ فقال: مالك الاشتر. فقالت: أنت فعلت بعبدالله ما فعلت ؟ فقال: نعم ولولا كوني شيخا كبيرا وطاويا لقتلته وأرحت المسلمين منه. قالت: أو ما سمعت قول النبي

[192]

(صلى الله عليه وآله): إن المسلم لا يقتل إلا عن كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل النفس التي حرم الله قتلها ؟ فقال: يا أم المؤمنين على أحد الثلاثة قاتلناه ثم أنشد: أعائش لولا أنني كنت طاويا * ثلاثا لالفيت ابن اختك هالكا عشية يدعو والرجال تجوزه * بأضعف صوت اقتلوني ومالكا فلم يعرفوه إذ دعاهم وعمه * خدب عليه في العجاجة باركا فنجاه منى أكله وشبابه * وإنى شيخ لم أكن متماسكا بيان الحاسر الذي لا مغفر عليه ولا درع ذكره الجوهري وقال: رجل مدجج ومدجج أي شاك في السلاح تقول: متنه مدجج في شكته أي دخل في سلاحه. وقال: الزهو: الكبر والفخر. قوله: " وقد سبق كما قيل " قوله كما قيل معترضة بين المثل، وأصل المثل " سبق السيف العذل " والعذل بالتحريك: الملامة. قال الميداني: قاله ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر لما لامه الناس على قتله قاتل ابنه في الحرم وذكر لذلك قصة طويلة. وقال الزمخشري يضرب في الامر الذي لا يقدر على رده قال جريرة. تكلفني رد الغرايب بعدما * سبقن كسبق السيف ما قال عاذله. وشجره بالرمح: طعنه. قوله: قتله بره أي لم يكن يرى الخروج جائزا لكن خرج لطاعة أبيه فقتل مع أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قوله: " وعمه " يعني نفسه و " رجل خدب " بكسر الخاء وفتح الدال وتشديد الباء أي ضخم.

[193]

141 - فر جعفر بن محمد الفزاري معنعنا عن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه قال: أخبر جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) أن أمتك سيختلفون من بعدك فأوحى الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله) " وقل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين " قال أصحاب الجمل قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عليه * (وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون) * قال: فلما نزلت هذه الآية جعل النبي (صلى الله عليه وآله) لا يشك أنه سيرى ذلك. قال جابر بينما أنا جالس إلى جنب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو بمنى يخطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أليس قد بلغتكم ؟ قالوا: بلى فقال: ألا لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض أما لئن فعلتم ذلك لتعرفنني في كتيبة أضرب وجوهكم فيها بالسيف فكأنه غمز من خلفه فالتفت ثم أقبل علينا محمد فقال: أو على بن أبي طالب (عليه السلام) فأنزل الله تعالى " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون " وهي واقعة الجمل. 142 - كا علي عن أبيه عن ابن محبوب رفعه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب يوم الجمل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني أتيت هؤلاء القوم ودعوتهم واحتججت عليهم فدعوني إلى أن أصبر للجلاد وأبرز للطعان. فلامهم الهبل وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا


141 - رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في الحديث: (353) في آخر تفسير سورة الحج من تفسيره ص 101، ط النجف. ورواه عنه الحسكاني مع أحاديث أخر في معناه - في تفسير الآية: (93) من سورة " المؤمنون " في الحديث: (562) من شواهد التنزيل ج 1، ص 405 ط 1. 142 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث (4) من الباب: (25) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 53، وله مصادر أخر.

[194]

أرهب بالضرب أنصف القارة من راماها فلغيري فليبرقوا وليرعدوا فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر وإنى لعلى يقين من ربي وغير شبهة من أمرى. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيص ومن لم يقتل يمت (1) وإن أفضل الموت القتل والذي نفسي بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على فراشي. واعجبا لطلحة ألب الناس على ابن عفان حتى إذا قتل أعطاني صفقته بيمينه طائعا ثم نكث بيعتي اللهم خذه ولا تمهله وإن الزبير نكث بيعتي وقطع رحمي وظاهر علي عدوي فاكفينه اليوم بما شئت. 143 - مد صحيح البخاري بإسناده إلى الحسن بن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أن فارسا ملكوا ابنة كسرى فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة. وبإسناده أيضا عن عبد الله بن زياد الاسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة بعث علي (عليه السلام) إلى عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر فكان الحسن فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " ومن لا يمت يقتل... ". 143 - رواه يحيى بن الحسن بن البطريق في الحديث: (900) وما بعده قبيل آخر كتاب العمدة - بقليل - ص أو الورق 236 / أ. ورواه أيضا ابن أبي الحديد من دون ذكر مصدر للحديث في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة: ج 2 ص 416 ط الحديث ببيروت. ورواه أيضا الحاكم النيسابوري بسند آخر في أواسط كتاب الفتن والملاحم من كتاب المستدرك: ج 4 ص 524. والحديث رواه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه: ج 9 ص 70.

[195]

الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول: إن عائشة سارت إلى البصرة والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله عزوجل ابتلاكم [بها] ليعلم إياه تطيعون أم هي. وبإسناده عن حذيفة اليمان رضي الله عنه قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون (1). 144 - نهج من كلامه عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل: تزول الجبال ولا تزل عض على ناجذك، أعر لله جمجمتك، تد في الارض قدمك، ارم ببصرك أقصى القوم، وغض بصرك واعلم أن النصر من عند الله سبحانه. بيان قوله (عليه السلام) " تزول الجبال " خبر فيه معنى الشرط فالمعنى إن زالت الجبال فلا تزل. والنواجذ. أقصى الاضراس وقيل الاضراس كلها. والعض على الناجذ يستلزم أمرين: أحدهما رفع الرعدة والاضطراب في حال الخوف كما يشاهد ذلك في حال البرد. وثانيهما أن الضرب في الرأس لا يؤثر مع ذلك كما ذكر عليه السلام في موضع آخر [وقال:] " وعضوا على النواجذ فإنه أنبا للسيوف عن الهام " فيحتمل أن يراد به شدة الحنق والغيظ. قوله: " أعر الله " أمر من الاعارة أي ابذلها في طاعة الله. والجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ.


(1) والحديث رواه أيضا الحاكم. 144 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (10) من نهج البلاغة.

[196]

قيل: [وفي] ذلك اشعار بأنه لا يقتل في ذلك الحرب لان العارية مردودة بخلاف ما لو قال: " بع الله جمجمتك ". وهذا الوجه وإن كان لطيفا لكن الظاهر أن إطلاق الاعارة باعتبار الحياة عند ربهم وفي جنة النعيم. قوله (عليه السلام): " تد " أي أثبتها في الارض كالوتد. قوله (عليه السلام): " ارم ببصرك " أي اجعل سطح نظرك أقصى القوم ولا تقصر نظرك على الاداني واحمل عليهم فإذا حملت وعزمت فلا تنظر إلى شوكتهم وسلاحهم ولا تبال ما أمامك. قوله (عليه السلام): " وغض بصرك " أي عن بريق السيوف ولمعانها لئلا يحصل خوف بسببه. 145 - ما: ابن الصلت عن ابن عقدة عن محمد بن جبارة عن سعاد بن سلمان عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: شهد مع علي (عليه السلام) يوم الجمل ثمانون من أهل بدر وألف وخمسمائة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). 146 - الكافية لابطال توبة الخاطئة: عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) أن أمير المؤمنين واقف طلحة والزبير في يوم الجمل وخاطبهما فقال في كلامه لهما: لقد علم المستحفظون من آل محمد - وفي حديث آخر: من أصحاب عائشة ابنة أبي بكر وها هي ذه فاسألوها - أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد خاب من افترى.


145 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في المجلس: (26) من المجلد الثاني من أماليه ص 90 ط 1، وللكلام شواهد ذكرناه في تعليق المختار: (175) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 91 ط 1. 146 - ما ظفرنا بعد على مخطوطة هذا الكتاب.

[197]

فقال له طلحة: سبحان الله تزعم أنا ملعونون وقد قال رسول الله (صلى الله عليه): عشرة من أصحابي في الجنة. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا حديث سعيد بن زيد بن نفيل في ولاية عثمان سموا إلى العشرة ؟ قال: قسموا تسعة وأمسكوا عن واحد فقال لهم: فمن العاشر ؟ قالوا: أنت قال: الله أكبر أما أنتم فقد شهدتم لي أني من أهل الجنة وأنا بما قلتما من الكافرين والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لعهد النبي الامي (صلى الله عليه وآله) الي أن في جهنم جبا فيه ستة من الاولين وستة من الآخرين على رأس ذلك الجب صخرة إذا أراد الله تعالى أن يسعر جهنم على اهلها أمر بتلك الصخرة فرفعت إن فيهم أو معهم لنفرا ممن ذكرتم وإلا فأظفركم الله بي وإلا فأظفرني الله بكما وقتلكما بمن قتلتما من شيعتي. 147 - ج: عن سليم بن قيس الهلالي قال: لما التقى أمير المؤمنين أهل البصرة يوم الجمل نادى الزبير يا أبا عبد الله اخرج إلي فخرج الزبير ومعه طلحة فقال: والله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) وقد خاب من افترى. قال الزبير: كيف نكون ملعونين ونحن أهل الجنة ! ! فقال علي (عليه السلام): لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم. فقال له الزبير: أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: عشرة من قريش في الجنة قال علي (عليه السلام): سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته. فقال الزبير: أفتراه يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال علي (عليه السلام): لست أخبرك بشئ حتى تسميهم. قال الزبير: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد - الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن


147 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 162.

[198]

عمرو بن نفيل. فقال له علي (عليه السلام): عددت تسعة فمن العاشر ؟ قال: أنت. قال له علي (عليه السلام): قد أقررت لي بالجنة وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين. قال الزبير: أفتراه كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: ما أراه كذب ولكنه والله اليقين ووالله إن بعض من ذكرت لفي تابوت في شعب في جب في أسفل درك من جهنم على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على يديك وإلا أظفرني الله عليك وعلى أصحابك وعجل أرواحكم إلى النار. فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي. 148 - ج روى نصر بن مزاحم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين وقع القتال وقتل طلحة تقدم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء بين الصفين فدعا الزبير فدنا إليه حتى اختلف أعناق دابتيهما فقال: يا زبير أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم ؟ قال: اللهم نعم. قال: فلم جئت ؟ قال: جئت لاصلح بين الناس فأدبر الزبير وهو يقول:. ترك الامور التي تخشى عواقبها * لله أجمل في الدنيا وفي الدين نادى علي بأمر لست أذكره * إذ كان عمر أبيك الخير مذحين فقلت حسبك من عذل أبا حسن * فبعض ما قلته ذا اليوم يكفيني فاخترت عارا على نار مؤججة * ما إن يقوم لها خلق من الطين أخاك طلحة وسط القوم منجدلا * ركن الضعيف ومأوى كل مسكين قد كنت أنصر أحيانا وينصرني * في النائبات ويرمي من يراميني حتى ابتلينا بأمر ضاق مصدره * فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني قال: فأقبل الزبير على عائشة فقال: يا أمة والله ما لي في هذا بصيرة وأنا منصرف. قالت عائشة: أبا عبد الله أفررت من سيوف ابن أبي طالب فقال إنها والله طوال حداد تحملها فتية أنجاد.

[199]

ثم خرج [الزبير] راجعا فمر بوادي السباع وفيه الاحنف بن قيس قد اعتزل في بني تميم فأخبر الاحنف بإنصرافه فقال: ما أصنع به إن كان الزبير لف بين غارين (1) من المسلمين وقتل أحدهما بالآخر ثم هو يريد اللحاق بأهله فسمعه ابن جرموز فخرج هو ورجلان معه وقد كان لحق بالزبير رجل من كلب ومعه غلامه فلما أشرف ابن جرموز وصاحباه على الزبير حرك الرجلان رواحلهما وخلفا الزبير وحده فقال لهما الزبير: ما لكما ؟ هم ثلاثة ونحن ثلاثة. فلما أقبل ابن جرموز قال له الزبير: إليك عني فقال ابن جرموز: يا أبا عبد الله إنني جئتك أسألك عن أمور الناس ؟ قال: تركت الناس على الركب يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف. قال ابن جرموز: يا أبا عبد الله أخبرني عن أشياء أسألك عنها. قال: هات. قال: أخبرني عن خذلك عثمان وعن بيعتك عليا وعن نقضك بيعته وعن إخراجك أم المؤمنين وعن صلاتك خلف ابنك وعن هذه الحرب الذي جنيتها وعن لحوقك بأهلك ؟ قال: أما خذلي عثمان فأمر قدم الله فيه الخطيئة وأخر فيه التوبة. وأما بيعتي عليا فلم أجد منها بدا إذ بايعه المهاجرون والانصار. وأما نقضي بيعته فإنما بايعته بيدي دون قلبي. وأما إخراجي أم المؤمنين فأردنا أمرا وأراد الله غيره. وأما صلاتي خلف ابني فإن خالته قدمته. فتنحى ابن جرموز وقال قتلني الله ن لم أقتلك. توضيح: قال [إبن الاثير] في [مادة ؟ عور من كتاب] النهاية في حديث علي (عليه السلام) يوم الجمل: " ما ظنك بامرء مع بين ؟ ذين الغارين " أي


(1) هذا هو الصواب، وفي الاصل: " كف ".

[200]

الجيشين. والغار: الجماعة هكذا أخرجه أبو موسى في الغين والواو، وذكره الهروي في الغين والياء وقال: ومنه حديث الاحنف قال في الزبير منصرفة من الجمل: ما أصنع به إن كان جمع بين غارين ثم تركهم. والجوهري ذكره في الواو، والواو والياء متقاربان في الانقلاب. 149 - ج روي أنه جئ إلى أمير المؤمنين برأس الزبير وسيفه فتناول سيفه وقال: طال ما جلى به الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن الحين ومصارع السوء. بيان الحين بالفتح الهلاك: أي الهلاك المعنوي أو أجل الموت. 150 - ج روي أنه عليه السلام لما مر على طلحة بين القتلى قال: أقعدوه. فأقعد فقال: إنه كانت لك سابقة لكن الشيطان دخل منخريك فأوردك النار. 151 - ج روي أنه مر عليه فقال: هذا الناكث بيعتي والمنشئ للفتنة في الامة والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي اجلسوا طلحة فأجلس فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا طلحة بن عبيدالله لقد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ثم قال اضجعوا طلحة وسار. فقال بعض من كان معه. يا أمير المؤمنين أتكلم طلحة بعد قتله ؟ فقال: أما والله لقد سمع كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر. وهكذا فعل (عليه السلام) بكعب بن سور لما مر به قتيلا وقال: هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر أمه يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعلم ما فيه ثم استفتح " وخاب كل جبار عنيد " أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله.


149 - 151 - رواها الطبرسي في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين على الزبير... وطلحة " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 162، ط بيروت.

[201]

152 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة. روى خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: مر أمير المؤمنين على طلحة وهو صريع فقال أجلوه فأجلس فقال: أم والله لقد كانت لك صحبة ولقد شهدت وسمعت ورأيت ولكن الشيطان أزاغك وأما لك فأوردك جهنم. أقول: وأورد الاخبار السابقة بأسانيد عن الباقر (عليه السلام) وغيره تركناها حذرا عن الاطناب. 153 - ج روي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به. وروي أيضا أن مروان يوم الجمل كان يرمي بسهامه في العسكرين معا ويقول " من أصبت منهما فهو فتح " لقلة دينه وتهمته للجميع. وقيل: إن اسم الجمل الذي ركبته يوم الجمل عائشة عسكر ورئي منه ذلك اليوم كل عجب لانه كلما أبين منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى حتى نادى أمير المؤمنين: اقتلوا الجمل فإنه شيطان. وتولى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما عقره بعد طول دعائه. 154 - ج روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي (عليه السلام): والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله رجلا سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي " لما قام فشهد. فقام ثلاثة عشر رجلا فيهم بدريان فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول " يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي ".


152 - رواه الشيخ المفيد في كتاب الكافية. 153 - رواه الطبرسي في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على الزبير... وطلحة " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 164.

[202]

قال: فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكاءها فقال علي (عليه السلام): لقد أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنبأ وقال: يا علي إن الله يمدك بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. بيان: رشقه: رماه بالسهام. والنبل: السهام العربية ولا واحد لها من لفظها فلا يقال نبلة ذكرهما في النهاية. 155 - ج عن الاصبغ بن نباتة قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا وهلل القوم وهللنا وصلى القوم وصلينا فعلى ما نقاتلهم ؟ فقال أمير المؤمنين: على ما أنزل الله عزوجل في كتابه. فقال: يا أمير المؤمنين ليس كلما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلمنيه. فقال (عليه السلام): ما أنزل الله في سورة البقرة. فقال: يا أمير المؤمنين ليس كلما أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلمنيه. فقال (عليه السلام) هذه الآية " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " [252 / البقرة] فنحن الذي آمنا، وهم الذين كفروا فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله.


154 - 155 - رواهما الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين على الزبير... واحتجاجه بعد دخوله البصرة، من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 164 و 170. والحديث: (136) رواه أيضا الطوسي في الحديث (40) من الجزء السابع من أماليه ص 200.

[203]

156 - ما المفيد عن علي بن خالد عن الحسن بن علي الكوفي عن القاسم بن محمد الدلال عن يحيى بن اسماعيل المزني عن جعفر بن علي عن علي بن هاشم عن بكير بن عبيدالله الطويل وعمار بن أبي معاوية قالا: حدثنا أبو عثمان البجلي مؤذن بني قصي قال بكير: أذن لنا أربعين سنة قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول يوم الجمل: " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " ثم حلف حين قرأها أنه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتى اليوم. قال بكير: فسألت عنها أبا جعفر (عليه السلام) فقال: صدق الشيخ هكذا قال علي (عليه السلام) هكذا كان. 157 - ما المفيد عن الحسن بن عبد الله المرزباني عن أبي دريد عن إسحاق بن عبد الله الطلحى قال: قال الاصمعي: ولى عمر بن الخطاب كعب بن سور قضاء البصرة وكان سبب ذلك أنه حضر مجلس عمر فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام فقال عمر: إن هذا الرجل صالح ليتني كنت كذا. فردت عليه القول فقال عمر كما قال. فقال كعب بن سور الازدي. يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها بخير [ولكن تقول:] إنها لا حظ لها منه فقال علي بزوجها فأتي به فقال: ما بالها تشكوك وما رأيت أكرم شكوى منها ؟ ! قال له: يا أمير المومنين إني امرء أفزعني ما قد نزل في الحجر والنحل وفي السبع الطوال. فقال له كعب: إن لها عليك حقا يا بعل فأوفها الحق وصم وصل فقال عمر لكعب: اقض بينهما. قال: نعم أحل الله للرجال أربعا فأوجب لكل واحدة ليلة فلها من كل أربع ليال ليلة ويصنع بنفسه في الثلاث ما شاء فألزمه ذلك.


156 - 158 - رواها الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (19 - 20 و 36) من الجزء (5) من أماليه ص 130، و 147 و 137. والاول رواه عنه وعن الشيخ المفيد السيد البحراني في تفسير الآية: (12) من سورة التوبة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107، ط 3.

[204]

وقال [عمر] لكعب: أخرج قاضيا على البصرة فلم يزل عليها حتى قتل عثمان فلما كان يوم الجمل خرج مع أهل البصرة وفي عنقه مصحف فقتل هو يومئذ وثلاثة إخوة له أو أربعة فجاءت أمهم فوجدتهم في القتلى فحملتهم وجعلت تقول: أيا عين أبكي بدمع سرب * على فتية من خيار العرب فما ضرهم غير حين النفوس * وأي امرء لقريش غلب 158 - ما المفيد عن علي بن محمد الكاتب عن الحسن بن علي الزعفراني عن الثقفي عن إبراهيم بن عمر قال: حدثني أبي عن أخيه عن بكر بن عيسى قال: لما اصطفت الناس للحرب بالبصرة خرج طلحة والزبير في صف أصحابهما فنادى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الزبير بن العوام فقال له: يا أبا عبد الله ادن مني لافضى إليك بسر عندي. فدنا منه حتى اختلفت أعناق فرسيهما فقال أمير المؤمنين. نشدتك الله إن دكرتك شيئا فذكرته أما تعترف به ؟ فقال له: نعم. فقال: أما تذكر يوما كنت مقبلا علي بالمدينة تحدثني إذ خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرآك معي وأنت تبسم إلي فقال لك: يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت: وكيف لا أحبه وبيني وبينه من النسب والمودة في الله ما ليس لغيره. فقال: إنك ستقاتله وأنت له ظالم. فقلت: أعوذ بالله من ذلك فنكس الزبير رأسه ثم قال: إني أنسيت هذا المقام فقال له أمير المؤمنين: دع هذا أفلست بايعتني طائعا ؟ قال: بلى قال: أفوجدت مني حدثا يوجب مفارقتي ؟ فسكت ثم قال: لا جرم والله لا قاتلتك. ورجع متوجها نحو البصرة فقال له طلحة: مالك يا زبير ؟ مالك تنصرف عنا سحرك ابن أبي طالب ؟ فقال: لا ولكن ذكرني ما كان أنسانيه الدهر واحتج علي ببيعتي له. فقال له طلحة: لا ولكن جبنت وانتفخ سحرك ! ! !

[205]

فقال الزبير: لم أجبن ولكن أذكرت فذكرت فقال له عبد الله: يا ابه جئت بهذين العسكرين العظميين حتى إذا اصطفا للحرب. قلت: أتركهما وانصرف فما تقول قريش غدا بالمدينة ؟ الله الله يا أبت لا تشمت الاعداء ولا تشن نفسك بالهزيمة قبل القتال. قال: يا بني ما أصنع وقد حلفت له بالله أن لا أقاتله. قال له: فكفر عن يمينك ولا تفسد أمرنا فقال الزبير: عبدي مكحول حر لوجه الله كفارة ليميني ثم عاد معهم للقتال ! ! فقال همام الثقفي في فعل الزبير وما فعل وعتقه عبده في قتال علي (عليه السلام) (1) أيعتق مكحولا ويعصى نبيه * لقد تاه عن قصد الهدى ثم عوق أينوي بهذا الصدق والبر والتقى * سيعلم يوما من يبر ويصدق لشتان ما بين الضلالة والهدى * وشتان من يعصى النبي ويعتق ومن هو في ذات الاله مشمر * يكبر برا ربه ويصدق أفي الحق أن يعصى النبي سفاهة * ويعتق من عصيانه ويطلق كدافق ماء للسراب يؤمه * ألا في ضلال ما يصب ويدفق 159 - ما المفيد عن عمر بن محمد الصيرفي عن محمد بن القاسم عن جعفر بن عبد الله المحمدي عن يحيى بن الحسن بن فرات عن المسعودي عن الحارث بن حصيرة عن أبي محمد العنزي قال: حدثني ابن عمي أبو عبد الله العنزي قال:


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وجملة " حيث يقول " غير موجودة في أمالي الشيخ. 159 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (10) من الجزء الثامن من أماليه: ج 1، ص 213.

[206]

إنا لجلوس مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الجمل إذ جاءه الناس يهتفون به يا أمير المؤمنين لقد نالنا النبل والنشاب فسكت ثم جاء آخرون فذكروا مثل ذلك فقالوا: قد جرحنا. فقال علي (عليه السلام): يا قوم من يعذرني من قوم يأمرونني بالقتال ولم ينزل بعد الملائكة. فقال: [العنزي] إنا لجلوس وما نرى ريحا ولا نحسها إذ هبت ريح طيبة من خلفنا والله لوجدت بردها بين كتفي من تحت الدرع والثياب قال: فلما هبت صب أمير المؤمنين درعه ثم قام إلى القوم فما رأيت فتحا كان أسرع منه. 160 - يج عن أبي عبد الله الغنوي مثله. 161 - ما جماعة عن أبي المفضل عن علي بن محمد بن مخلد عن عباد بن سعيد الجعفي عن محمد بن عثمان بن أبي البهلول عن صالح بن أبي الاسود عن هاشم بن البريد عن أبي سعيد التيمي: عن ثابت مولى أبي ذر رحمه الله قال: شهدت مع علي يوم الجمل فلما رأيت عائشة واقفة دخلني من الشك بعض ما يدخل الناس فلما زالت الشمس كشف الله ذلك عني فقاتلت مع أمير المؤمنين ثم أتيت بعد ذلك أم سلمة زوج النبي [صلى الله عليه وآله] ورحمها [الله] فقصصت عليها قصتي فقالت: كيف صنعت حين طارت القلوب مطايرها ؟ قال: قلت إلى أحسن ذلك والحمد لله كشف الله عزوجل عني ذلك عند زوال الشمس فقاتلت مع أمير المؤمنين قتالا شديدا. فقالت: أحسنت سمعت رسول الله [صلى الله عليه وآله] يقول: علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض.


160 - رواه القطب الرواندي رحمه الله في الحديث من كتاب الخرائج. 161 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (37) من الجزء (16) من أماليه: ج 1، ص 474.

[207]

162 - ما جماعة عن أبي المفضل عن محمد بن جرير الطبري عن محمد بن عمارة الاسدي عن عمرو بن حماد بن طلحة عن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه عن أبي سعيد عن ثابت مثله. بيان [قوله:] " إلى أحسن ذلك " أي آل أمري ورجع إلى أحسن الامور والاحوال. أقول: قد سبق خبر اليهودي الذي سأل أمير المؤمنين عما فيه من خصال الانبياء. 163 - شا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تطوافه على القتلى: هذه قريش جدعت أنفي وشفيت نفسي فقد تقدمت إليكم أحذركم عض السيف وكنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ولكنه الحين وسوء المصرع وأعوذ بالله من سوء المصرع. ثم مر على معبد بن المقداد فقال رحم الله أبا هذا أما إنه لو كان حيا لكان رأيه أحسن من رأي هذا. فقال عمار بن ياسر: الحمد لله الذي أوقعه وجعل خده الاسفل، إنا والله يا أمير المؤمنين لا نبالي من عند عن الحق من والد وولد. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): رحمك الله وجزاك عن الحق خيرا. قال ومر بعبد الله بن ربيعة بن دراج وهو في القتلى وقال: هذا البائس ما كان أخرجه ؟ أدين أخرجه أم نصر لعثمان ؟ والله ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن.


162 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (15) من الجزء (18) من أماليه ص 518. 163 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (26) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 135، ط النجف ورواه أيضا في كتاب الجمل ص 209 ط النجف.

[208]

ثم مر بمعبد بن زهير بن أبي أمية فقال: لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام والله ما كان فيها بذي نخيرة ولقد أخبرني من أدركه وإنه ليولول فرقا من السيف. ثم مر بمسلم بن قرظة فقال: البر أخرج هذا ! ! والله لقد كلمني أن أكلم له عثمان في شئ كان يدعيه قبله بمكة فأعطاه عثمان وقال: لولا أنت ما أعطيته إن هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ثم جاء المشوم للحين ينصر عثمان. ثم مر بعبد الله بن حميد بن زهير فقال: هذا أيضا ممن أوضع في قتالنا. زعم يطلب الله بذلك ولقد كتب إلي كتبا يؤذي عثمان فيها فأعطاه شيئا فرضي عنه. ثم مر بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال: هذا خالف أباه في الخروج وأبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا وإن كان قد كف وجلس حين شك في القتال ما ألوم اليوم من كف عنا وعن غيرنا ولكن المليم الذي يقاتلنا. ثم مر بعبدالله بن حكيم بن حزام فقال: هذا خالف أباه في الخروج وأبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا وإن كان قد كف وجلس حين شد في القتال ما ألوم اليوم من كف عنا وعن غيرنا ولكن المليم الذي يقاتلنا. ثم مر بعبد الله بن المغيرة بن الاخنس بن شريق فقال: أما هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج مغضبا لقتل أبيه وهو غلام حدث جبن لقتله. ثم مر بعبدالله بن أبي عثمان بن الاخنس بن شريق فقال: أما هذا فكأني أنظر إليه وقد أخذت القوم السيوف هاربا يعدو من الصف فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت حتى قتله وكان هذا مما خفي على فتيان قريش أغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا واستنزلوا فلما وقفوا لحجوا فقتلوا.

[209]

ثم مشى قليلا فمر بكعب بن سور فقال: هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر أمه يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعلم ما فيه ثم استفتح فخاب كل جبار عنيد أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله اجلسوا كعب بن سور فأجلس فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا كعب لقد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ثم قال: اضجعوا كعبا. ومر على طلحة بن عبيدالله فقال: هذا الناكث بيعتي والمنشئ الفتنة في الامة والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي. اجلسوا طلحة بن عبيدالله فأجلس فقال له أمير المؤمنين: يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ثم قال: اضجعوا طلحة وسار. فقال له بعض من كان معه: يا أمير المؤمنين أتكلم كعبا وطلحة بعد قتلهما ؟ فقال: أم والله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر. إيضاح: جدعت أنفي أي لم أكن أحب قتل هؤلاء ؟ وهم من قبيلتي وعشيرتي ولكن اضطررت إلى ذلك. [قوله:] " بذي نخيرة " النخير: صوت بالانف أي كان يقيم الفتنة لكن لم يكن له بعد قيامها صوت وحركة بل كان يخاف ويولول يقال: ولولت المرأة إذا اعولت " وما علمت " أي فيما علمت وفي علمي " ممن أوضع " على بناء المعلوم أي ركض دابته وأسرع أو على بناء المجهول. قال الجوهري يقال: وضع الرجل في تجارته وأوضع على ما لم يسم فاعله فيهما أي خسر " فنهنهت عنه " أي كففت وزجرت. " وكان هذا مما خفي علي " أي لم أعلم بوقت قتله. فتيان قريش مبتدء والاغمار [خبره، وهو]: جمع الغمر بالضم وبضمتين وهو الذي لم يجرب الامور ذكره الجوهري وقال: لحج السيف وغيره بالكسر يلحج لحجا أي نشب في الغمد فلا يخرج ومكان لحج أي ضيق.

[210]

ثم استفتح إشارة إلى قوله تعالى: * (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) * أي سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم وبين أعدائهم من الفناحة ؟. 164 - كا: الحسين بن محمد الاشعري عن معلى بن محمد عن الوشا عن أبان بن عثمان عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام إن عليا (عليه السلام) سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل الشرك. قال: فغضب ثم جلس ثم قال سار فيهم والله بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الفتح إن عليا كتب إلى مالك وهو على مقدمته يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل ولا يقتل مدبرا ولا يجهز على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن. فأخذ الكتاب فوضعه بين يديه على القربوس من قبل أن يقرأه ثم قال: اقتلوا فقتلهم حتى أدخلهم سكك البصرة ثم فتح الكتاب فقرأه ثم أمر مناديا فنادى بما في الكتاب. 165 - ني: محمد بن همام عن أحمد بن مابندار عن أحمد بن هليل عن ابن أبي عمير عن أبي المغرا عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لما التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتزلزلت أقدامهم فما اصفرت الشمس حتى قالوا: آمنا يا ابن أبي طالب فعند ذلك قال: لا تقتلوا الاسراء ولا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا موليا ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن. ولما كان يوم صفين سألوه نشر الراية فأبى عليهم فتحملوا عليه بالحسن والحسين وعمار بن ياسر فقال للحسن: يا بني إن للقوم مدة يبلغونها وإن هذه راية لا ينشرها بعدي إلا القائم (عليه السلام).


164 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث: (5) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 33. 165 - رواه النعماني في أول الباب: (19) من كتاب الغيبة ص 208 ط 3.

[211]

166 - د: في تاريخ المفيد: في النصف من جماد الاولى سنة ست وثلاثين من الهجرة كان فتح البصرة ونزول النصر من الله تعالى على أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي كتاب التذكرة: في هذه السنة أظهر معاوية الخلافة وفيها بايع جارية بن قدامة السعدي لعلي بالبصرة وهرب منها عبد الله بن عامر. وفيها لحق الزبير بمكة وكانت عائشة معتمرة فأشار عليهم ابن عامر بقصد البصرة وجهزهم بألف ألف درهم ومائة بعير وقدم يعلى بن منية من البصرة فأعانهم بمائة ألف درهم وبعث إلى عائشة بالجمل الذي اشتراه بمأتي دينار. وسار علي (عليه السلام) إليهم وكان معه سبعمائة من الصحابة وفيهم أربعمائة من المهاجرين والانصار منهم سبعون بدريا وكانت وقعة الجمل بالخريبة يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة قتل فيها طلحة وقتل فيها محمد بن طلحة وكعب بن سور. وأوقف علي الزبير ما سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) وهو أنك تحاربه وأنت ظالم. فقال: أذكرتني ما أنسانيه الدهر وانصرف راجعا فلحقه عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو قائم يصلي فطعنه فقتله وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل إن عدة من قتل من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي أربعة آلاف أو خمسة آلاف. وسار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الكوفة واستخلف على البصرة عبد - الله بن عباس وسير عائشة إلى المدينة.


166 - رواه علي بن سديد الدين يوسف بن علي بن مطهر الحلي في كتاب العدد القوية. ولا يزال الكتاب غير منشور.

[212]

وفي هذه السنة صالح معاوية الروم على مال حمله إليهم لشغله بحرب علي (عليه السلام). 167 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) لما مر بطلحة وعبد الرحمان بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل: لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان غريبا أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب أدركت وترى من بني عبد مناف وأفلتتني أعيان بني جمح لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله فوقصوا دونه. بيان: عبد الرحمان من التابعين وأبوه كان أمير مكة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله). والوتر: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. وأعيان بني جمح في بعض النسخ بالراي أي ساداتهم: أو جمع عير بمعنى الحمار وهو ذم لجماعة من بني جمح حضروا الجمل وهربوا ولم يقتل منهم إلا اثنان. وأتلعوا أعناقهم أي رفعوها. والوقص كسر العنق يقال: واقص الرجل فهو موقوص. 168 - وقال ابن أبي الحديد: ركبت عائشة يوم الحرب الجمل المسمى عسكرا في هودج قد ألبس الرفوف ثم ألبس جلود النمر ثم ألبس فوق ذلك دروع الحديد. وروى الشعبي عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما قدم طلحة والزبير البصرة تقلدت سيفي وأنا أريد نصرهما فدخلت على عائشة وإذا هي تأمر وتنهى وإذا الامر أمرها فذكرت حديثا كنت سمعته من رسول الله (صلى -


167 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (217) من نهج البلاغة. 168 - رواه ابن أبي الحديد في آخر شرحه على المختار: (79) من نهج البلاغة: ج 2 ص 416 ط الحديث ببيروت.

[213]

الله عليه وآله): " لن يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة " فانصرفت واعتزلتهم. وقد روي هذا الخبر على صورة أخرى: أن قوما يخرجون بعدي في فئة رأسها امرأة لا يفلحون أبدا وكان الجمل لواء عسكر البصرة لم يكن لواء غيره فلما تواقف الجمعان قال علي (عليه السلام): لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤكم فإنكم بحمد الله على حجة وكفكم عنهم حتى يبدؤكم حجة أخرى وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا من أموالهم شيئا ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعفاء القوى والانفس والعقول ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والجريدة فيعير بها وعقبه من بعده. قال: وقتل بنو ضبة حول الجمل فلم يبق فيهم إلا من لا نفع عنده وأخذت الازد بخطامه فقالت عائشة: من أنتم ؟ قالوا: الازد قالت: صبرا فإنما يصبر الاحرار. ورمى الجمل بالنبل حتى صارت القبة عليه كهيئة القنفذ فقال علي (عليه السلام) - لما فني الناس على خطام الجمل وقطعت الايدي وسالت النفوس -: ادعوا لي الاشتر وعمارا فجاآ فقال: اذهبا فاعقرا هذا الجمل فإنهم قد اتخذوه قبلة فذهبا ومعهما فتيان من مراد يعرف أحدهما بعمر بن عبد - الله فما زالا يضربان الناس حتى خلصا إليه فضربه المرادي على عرقوبيه فأقعى وله رغاء ثم وقع لجبنه وفر الناس من حوله فنادى علي: اقطعوا أنساع الهودج. ثم قال لمحمد بن أبي بكر: اكفئ أختك. فحملها محمد حتى أنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي. 169 - كا علي عن أبيه والقاساني جميعا عن الاصبهاني عن المنقري عن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين يوم البصرة نادى


169 - رواه ثقة الاسلام الكليني في آخر الحديث الثاني من " باب وجوه الجهاد " وهو الباب (3) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 12.

[214]

فيهم لا تسبوا لهم ذرية ولا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن. 170 - أقول: قال السيد بن طاووس في كتاب سعد السعود [نقلا] من كتاب ما نزل من القرآن في علي برواية أبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ياسين عن محمد بن الكند عن عبيدالله بن موسى عن أسباط بن عروة: عن سعيد بن كرز قال: كنت مع مولاي يوم الجمل مع اللواء فأقبل فارس فقال: يا أم المؤمنين قالت عائشة: سلوه من هو ؟ قيل له: من أنت ؟ قال: أنا عمار بن ياسر قالت قولوا له: ما تريد ؟ قال: أنشدك بالله الذي أخرج الكتاب على نبيه صلى الله عليه وآله في بيتك أتعلمين أن رسول الله جعل عليا وصيه على أهله ؟ قالت: اللهم نعم. 171 - كا: العدة عن سهل ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد وعلي عن أبيه جميعا عن ابن محبوب عن حماد بن عيسى عن سوار: عن الحسن قال: إن عليا عليه السلام لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس منهزمين فمروا بامرأة حامل على ظهر الطريق ففزعت منهم فطرحت ما في بطنها حيا فاضطرب حتى مات ثم ماتت أمه من بعده فمر بها علي (عليه السلام)


170 - وليلاحظ الحديث: من كتاب سعد السعود، ص 236. 171 - رواه ثقة الاسلام الكليني في " باب المقتول لا يدرى من قتله " من كتاب الديات من الكافي: ج 7 ص 354. ورواه أيضا الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الباب: (153) وهو باب ميراث الجنين والمنقوس والسفط من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص ورواه عنه ابن شهر آشوب في فصل قضايا علي بعد بيعة العامة له من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 194.

[215]

وأصحابه وهي مطروحة وولدها على الطريق فسألهم عن أمرها ؟ فقالوا له: إنها كانت حبلى ففزعت حين رأت القتال والهزيمة قال: فسألهم أيهما مات قبل صاحبه ؟ فقيل: إن ابنها مات قبلها. قال: فدعى بزوجها أبي الغلام الميت فورثه من ابنه ثلثي الدية وورث أمه ثلث الدية ثم ورث الزوج أيضا من المرأة نصف ثلث الدية الذي ورثته من إبنها، وورث قرابة المرأة الميتة الباقي ثم ورث الزوج أيضا من دية امرأته الميتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم وورث قرابة المرأة الميتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم وذلك أنه لم يكن لها ولد غير الذي رمت به حين فزعت قال: وأدى ذلك كله من بيت مال البصرة. أقول: شرح الخبر لا يناسب هذا المقام وقد شرحناه في موضعه. - وجدت في كتاب سليم بن قيس: قال أبان: سمعت سليما يقول: شهدت يوم الجمل عليا (عليه السلام) وكنا اثني عشر ألفا وكان أصحاب الجمل زيادة على عشرين ومائة ألف وكان مع علي (عليه السلام) من المهاجرين والانصار نحو من أربعة آلاف ممن شهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدرا والحديبية ومشاهده، وسائر الناس من أهل الكوفة إلا من تبعه من أهل البصرة والحجاز ليست له هجرة ممن أسلم بعد الفتح وجل الاربعة آلاف من الانصار ولم يكره أحدا على البيعة ولا على القتال إنما ندبهم فانتدبوا من أهل بدر سبعون ومائة رجل وجلهم من الانصار ممن شاهد أحدا والحديبية ولم يتخلف عنه أحد، وليس أحد من المهاجرين والانصار إلا وهواه معه يتولونه ويدعون له بالظفر والنصر ويحبون ظهوره على من ناواه ولم يخرجهم ولا يضيق عليهم وقد بايعوه وليس كل الناس يقاتل في سبيل الله والطاعن عليه والمتبرئ منه قليل مستتر عنه مظهر له الطاعة غير ثلاثة رهط بايعوه ثم شكوا في القتال معه وقعدوا في بيوتهم [وهم] محمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص


172 - كتاب سليم بن قيس الهلالي رحمه الله ص 187، ط 1.

[216]

وابن عمر، [وأما] أساتر بن زيد [فقد] سلم بعد ذلك ورضي ودعا لعلي (عليه السلام) واستغفر له وبرئ من عدوه وشهد أنه على الحق ومن خالفه ملعون حلال الدم. قال أبان قال سليم: لما التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة يوم الجمل نادى علي (عليه السلام) الزبير: يا أبا عبد الله اخرج إلي فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين تخرج إلى الزبير الناكث بيعته وهو على فرس شاك في السلاح وأنت على بغلة بلا سلاح فقال علي (عليه السلام): إن علي جنة واقية، لن يستطيع أحد فرارا من أجله وإني لا أموت ولا أقتل إلا على يدي أشقاها كما عقر ناقة الله أشقى ثمود. فخرج إليه الزبير فقال: أين طلحة ليخرج فخرج طلحة فقال: نشدتكما الله أتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأهل النهر ملعونون على لسان محمد وقد خاب من افترى ؟ فقال الزبير: كيف نكون ملعونين ونحن من أهل الجنة ؟ قال علي (عليه السلام): لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم فقال الزبير: أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم أحد " أوجب طلحة الجنة ومن أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الارض حيا فلينظر إلى طلحة " أوما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عشرة من قريش في الجنة ؟ فقال علي عليه السلام فسمهم فقال: فلان وفلان وفلان حتى عد تسعة فيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال علي (عليه السلام): عددت تسعة فمن العاشر ؟ قال الزبير: أنت فقال: أما أنت فقد أقررت أني من أهل الجنة وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فإني به لمن الجاحدين والله إن بعض من سميت لقى تابوت في جب في أسفل درك من جهنم على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة فأسعر جهنم سمعت ذلك من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي بيدك وإلا فأظفرني الله بك وأصحابك فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي. ثم أقبل على طلحة فقال: يا طلحة معكما نساؤكما ؟ قال: لا قال: عمدتما إلى امرأة موضعها في كتاب الله القعود في بيتها فأبرزتماها وصنتما

[217]

حلائلكما في الخيام والحجال ما أنصفتما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمر الله أن لا يكلمن إلا من وراء حجاب أخبرني من صلاة ابن الزبير بكما أما يرضى أحدكما بصاحبه ؟ أخبرني عن دعائكما الاعراب إلى قتالي ما يحملكما على ذلك ؟. فقال طلحة يا هذا كنا في الشورى سنة مات منا واحد وقتل آخر فنحن اليوم أربعة كلنا لك كاره ! ! فقال له علي (عليه السلام) ليس ذاك علي قد كنا في الشورى والامر في يد غيرنا وهو اليوم في يدي أرأيت لو أردت بعدما بايعت عثمان أن أرد هذا الامر شورى أكان ذلك لي ؟ قال: لا. [قال:] ولم ؟ قال: لانك بايعت طائعا. فقال علي (عليه السلام) وكيف ذلك والانصار معهم السيوف مخترطة يقولون: لا فرغتم وبايعتم واحدا منكم وإلا ضربنا أعناقكم أجمعين فهل قال لك ولاصحابك أحد شيئا من هذا وقت ما بايعتماني ؟ وحجتي في الاستكراه في البيعة أوضح من حجتك وقد بايعتني وأصحابك طاتعين غير مكرهين وكنتما أول من فعل ذلك ولم يقل أحد لتبايعان أو لنقتلكما. فانصرف طلحة ونشب القتال فقتل طلحة وانهزم الزبير. بيان: قوله " أكان ذلك بي " أي بحسب معتقدكم أو هل كانوا يسمعون مني ذلك. واعلم أن الدلائل على بطلان ما ادعوا من ورود الحديث ببشارة العشرة انهم من أهل الجنة كثيرة قد مر بعضها وكفى بإنكاره (عليه السلام) ورده في بطلانه، ومقاتلة بعضهم معه (عليه السلام) أدل دليل على بطلانه للاخبار المتواترة بين الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) كقوله (عليه السلام): " لا يبغضك إلا منافق " وقوله: " حربك حربي " وغير ذلك مما مر وسيأتي في المجلد التاسع، والعشرة بزعمهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوى وعبد الرحمان بن عوف وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح على التسعة اللعنة.

[218]

تذنيب قال أبو الصلاح رحمه الله في تقريب المعارف (1) تناصر الخبر من طريقي الشيعة وأصحاب الحديث بأن عثمان وطلحة والزبير وسعدا وعبد الرحمان من جملة أصحاب العقبة الدين نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن عثمان وطلحة القائلان: أينكح محمد نساءنا ولا تنكح نساءه ؟ ! والله لو قد مات لاجلنا على نسائه بالسهام ! ! !. وقول طلحة لاتزوجن أم سلمة (2) ؟ فأنزل الله سبحانه * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) *. وقول عثمان لطلحة وقد تنازعا: والله إنك أول أصحاب محمد تزوج بيهودية فقال طلحة: وأنت والله لقد قلت: ما يحبسنا ها هنا ألا نلحق بقومنا. وقد روي من طريق موثوق به ما يصحح قول عثمان لطلحة فروي أن طلحة عشق يهودية فخطبها ليتزوجها فأبت إلا أن يتهود ففعل ! ! ! وقدحوا في نسبه بأن أباه عبيدالله كان عبدا راعيا بالبلقاء فلحق بمكة فادعاه عثمان بن عمرو بن كعب التيمي فنكح الصعبة بنت دز مهر الفارسي وكان بعث به كسرى إلى اليمن فكان بحضرموت خرازا. وأما الزبير فكان أبوه ملاحا بجدة وكان جميلا فادعاه خويلد وزوجه عبد المطلب صفية. وقال العلامة قدس الله روحه في كشف الحق ومؤلف كتاب إلزام النواصب وصاحب كتاب تحفة الطالب: ذكر أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي


(1) لا عهد لي بهذا الكتاب ولعله لا يزال غير منشور. (2) كذا في ط الكمباني من أصلي، ولعل الصواب: " عائشة " كما رواه من طريق القوم العلامة الحلي في أواسط المطلب الخامس في الامامة في مطاعن عثمان من كتاب كشف الحق ونهج الصدق ص 304 - 307 ط بيروت.

[219]

من علماء الجمهور (1) أن من جملة البغايا وذوات الرايات صعبة بنت الحضرمي كانت لها راية بمكة واستبضعت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر فاختصم أبو سفيان وعبيدالله في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله فقيل لها كيف تركت أبا سفيان ؟ فقالت يد عبيد الله طلقة ويد أبي سفيان نكرة. وقال [العلامة] في كشف الحق أيضا (2). وممن كان يلعب به ويتخنث عبيد الله أبو طلحة فهل يحل لعاقل المخاصمة مع هؤلاء لعلي (عليه السلام) انتهى. وقال مؤلف كتاب الزام النواصب وصاحب تحفة الطالب: قد ورد أن العوام كان عبدا لخويلد ثم أعتقه وتبناه ولم يكن من قريش وذلك إن العرب في الجاهلية كان إذا كان لاحدهم عبد وأراد أن ينسب إلى نفسه ويلحق به نسبه أعتقه وزوجه كريمة من العرب فيلحق بنسبه وكان هذا من سنن العرب. ويصدق ذلك شعر عدي بن حاتم في عبد الله بن الزبير بحضرة معاوية وعنده جماعة قريش وفيهم عبد الله بن الزبير فقال عبد الله لمعاوية: يا أمير المؤمنين ذرنا نكلم عديا فقد زعم أن عنده جوابا فقال: إني أحذركموه فقال: لا عليك دعنا وإياه. [فرضي معاوية] فقال: يا أبا طريف متى فقئت عينك ؟ فقال: يوم فر أبوك وقتل شر قتلة وضربك الاشتر على أستك فوقعت هاربا من الزحف وأنشد يقول:


(1) فيه سهو عظيم. (2) رواه وما قبله العلامة في أواخر المسألة الخامسة في الامامة في عنوان " نسب " طلحة بعد ذكر زلات عمر من كتاب كشف الحق ونهج الصدق، ص 356 ط بيروت. وأيضا ذكر قبل ذلك في أواسط ذكر زلات عثمان ص 304 - 306 بعض الخلال المذمومة المشتركة بين عثمان وطلحة.

[220]

أما وأبي يا ابن الزبير لو أنني * لقيتك يوم الزحف رمت مدى شحطا وكان أبي في طئ وأبو أبي * صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا. قال معاوية: قد حذرتكموه فأبيتم. وقوله: " صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا " تعريض بان الزبير بأن أباه وأبا أبيه ليسا بصحيحي النسب وأنهما من القبط ولم يستطع ابن الزبير انكار ذلك في مجلس معاوية. أقول: وروى صاحب كتاب تحفة الطالب الابيات هكذا: [أما وأبي يا ابن الزبير لو أنني] (1) * لقيتك يوم الزحف ما رمت لي سخطا ولو رمت شقى عند عدل قضاؤه * لرمت به يا بن الزبير مدى شحطا


(1) ما بين المعقوفين زيادة توضيحية منا، وكان المصنف رحمه الله أسقطه ثم ذكر الشطر الثاني ثم قال: إلى قوله: ولو رمت شقي عند عدل قضاؤه * لرمت به يا ابن الزبير مدى شحطا

[221]

[الباب الرابع] باب احتجاجه عليه السلام على أهل البصرة وغيرهم بعد إنقضاء الحرب وخطبه (عليه السلام) عند ذلك 173 - ج روى يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عبد الله بن الحسن قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب بالبصرة بعد دخولها بأيام فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة ؟ ومن أهل البدعة ومن أهل السنة ؟ فقال [أمير المؤمنين عليه السلام]: ويحك أما إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل عنها أحدا بعدي أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا وذلك الحق عن أمر الله وعن أمر رسوله.


173 - رواه الطبرسي رفع الله مقامه في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بعد دخوله البصرة... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 168، ط بيروت. ورواه السيوطي بصورة مطولة في الحديث: (1781) من مسند علي عليه السلام من كتاب جمع الجوامع: ج 2، 129. ورواه أيضا المتقي الهندي نقلا عن وكيع في الحديث: (3529) من كتاب كنز العمال: ج 8 ص 215 ط 1. وقد رواه أيضا في كتاب المواعظ من منتخب العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 315 ط 1. وقد رويناه حرفيا - وذكرنا لكثير من فقراته شواهد ومصادر - في المختار: (122) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 372 ط 2.

[222]

و [أما] أهل الفرقة [ف‍] المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا. وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا. وأما أهل البدعة فالمخالفون لامر الله تعالى وكتابه ولرسوله والعاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا وقد مضى منهم الفوج الاول وبقيت أفواج وعلى الله فضها واستيصالها عن جدد الارض. فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفئ ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وولده فئ لنا. فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال: يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت بالرعية ! ! فقال: ولم ويحك ؟ قال: لانك قسمت ما في العسكر وتركت النساء والاموال والذرية. فقال [عليه السلام]: أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات ! ! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف. فقيل ومن غلام ثقيف ؟ فقال: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها. فقيل: أفيموت أو يقتل ؟ فقال: يقصمه قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه ! !. يا أخا بكر أنت امرء ضعيف الرأي أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير وأن الاموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشدة وولدوا على فطرة وإنما لكم ما حوى عسكرهم و [أما] ما كان في دورهم فهو ميراث [لذريتهم] فإن عدا [علينا] أحد منهم أخذناه بذنبه وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره. يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة فقسم ما حوى العسكر ولم يتعرض لما سوى ذلك وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل.

[223]

يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق فمهلا مهلا رحمكم الله فإن لم تصدقوني وأكثرتم علي وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد فأيكم يأخذ عائشة بسهمه ؟ ! فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا فنحن نستغفر الله تعالى ونادى الناس من كل جانب أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك الرشاد والسداد. فقام عمار فقال: أيها الناس والله إن اتبعتموه وأطعتموه لن يضل عن منهل نبيكم (عليه السلام) حتى قيس شعرة وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهج هارون (عليه السلام) وقال له: " أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " فضلا خصه الله به وإكراما منه لنبيه (صلى الله عليه وآله) حيث أعطاه ما لم يعطه أحدا من خلقه. ثم قال أمير المؤمنين: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له فإن العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الاخس فإني حاملكم إنشاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة وإن كانت فيه مشقة شديدة ومرارة عتيدة، والدنيا حلوة الحلاوة لمن اغتر بها من الشقوة والندامة عما قليل. ثم إني أخبركم أن جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر. فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلا منهم فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم. وأما عائشة فأدركها رأي النساء ولها بعد ذلك حرمتها الاولى والحساب على الله يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء. بيان فلان ذو عارضة أي ذو جلد وصرامة وقدرة على الكلام ذكره الجوهري وقال: قال الاصمعي: الترهات: الطرق الصغار غير الجادة تتشعب عنها. الواحدة: ترهة فارسي معرب ثم استعير في الباطل. وقال: يقال بينهما قيس رمح وقاس رمح أي قدر رمح. والعتيد: الحاضر المهيأ.

[224]

174 - ج عن المبارك بن فضالة عن رجل ذكره قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الجمل فقال له: يا أمير المؤمنين رأيت في هذه الواقعة أمرا هالني من روح قد بانت وجثة قد زالت ونفس قد فاتت لا أعرف فيهم مشركا بالله تعالى فالله الله فما يحللني من هذا فإن يك شرا فهذا يتلقى بالتوبة وإن يك خيرا ازددنا أخبرني عن أمرك هذا الذي أنت عليه أفتنة عرضت لك ؟ فأنت تنفح الناس بسيفك أم شئ خصك به رسول الله صلى الله عليه وآله ؟. فقال له علي: إذا أخبرك إذا أنبئك إذا أحدثك إن ناسا من المشركين أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسلموا ثم قالوا لابي بكر: استأذن لنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نأتي قومنا فنأخذ أموالنا ثم نرجع فدخل أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستأذن لهم فقال عمر: يا رسول الله أيرجع من الاسلام إلى الكفر ؟ قال: وما علمك يا عمر ان ينطلقوا فيأتوا بمثلهم معهم من قومهم ؟ ثم إنهم أتوا أبا بكر في العام المقبل فسألوه أن يستأذن لهم على النبي (صلى الله عليه وآله) فاستأذن لهم وعنده عمر فقال مثل قوله فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: والله ما أراكم تنتهون حتى يبعث الله عليكم رجلا من قريش يدعوكم إلى الله فتختلفون عنه اختلاف الغنم الشرد فقال له أبو بكر: فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا هو ؟ فقال: لا. فقال عمر: فأنا هو يا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: لا. قال عمر: فمن هو يا رسول الله فأومى إلي وأنا أخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هو خاصف النعل عندكما ابن عمي وأخي وصاحبي ومبرئ ذمتي والمؤدي عني ديني وعدتي والمبلغ عني رسالتي ومعلم الناس من بعدي ويبين لهم من تأويل القرآن مالا يعلمون فقال الرجل: اكتفي منك بهذا يا أمير المؤمنين ما بقيت. فكان ذلك الرجل أشد أصحاب علي عليه السلام فيما بعد على من خالفه. بيان قال الجوهري: نفحه بالسيف. تناوله من بعيد. وفي بعض النسخ " تنصح " بالصاد المهملة والاول أظهر. قوله (عليه السلام) " غنم الشرد " من

[225]

قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة. وفي بعض النسخ: " الغنم " بالتعريف وهو أظهر. " والشرد " إما بالتحريك جمع شارد كخدم وخادم أو بضمتين جمع شرود كزبور وزبر من شرد البعير إذا نفر. 175 - ج عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من قتال أهل البصرة وضع قتبا على قتب ثم صعد عليه فخطب فحمد الله وأثنى عليه فقال: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة يا أهل الداء العضال يا أتباع البهيمة يا جند المرأة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق ودينكم نفاق وأحلامكم دقاق. ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالامس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله يصلون الخمس ويسبغون الوضوء فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا ؟ فقال: والله لاصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي


174 - 175 - رواهما الطبرسي رحمه الله في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بعد دخوله البصرة... " من كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 170 - 171. والحديثان مرسلان لم يعلم حال روايتهما - كحديث آخر بعد الحديث الثاني ذكره في الاحتجاج أيضا - فلا يمكن بلا قرينة قطعية على صدقهما أو كذبهما الاستدلال بهما على إثبات شئ أو نفيه كما تحقق في علم الاصول. إذا فلا يمكن جعلهما دليلا على انحراف الحسن البصري لاسيما مع قيام شواهد كثيرة على حسن حاله وإنه كان يدافع عن علي عليه السلام ويذكر خصائصه وأنه كان على الحق وأن من خالفه كان على الباطل. والحق أن الرجل لم يكن من المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام وإن لم يكن من حواريهم أيضا.

[226]

وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هم الكفر فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد: يا حسن ارجع فإن القاتل والمقتول في النار فرجعت ذعرا وجلست في بيتي. فلما كان اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر فتحنطت وصببت على سلاحي وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي يا حسن إلى أين مرة بعد أخرى فإن القاتل والمقتول في النار. قال علي: صدقت أفتدري من ذاك المنادي ؟ قال: لا. قال: ذالك أخوك أبليس وصدقك أن القاتل والمقتول منهم في النار. فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى. بيان قال الفيروز آبادي: الخريبة كجهينة موضع بالبصرة تسمى البصرة الصغرى. 176 - فس " والمؤتفكة أهوى " قال: المؤتفكة البصرة والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: يا أهل البصرة ويا أهل المؤتفكة يا جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق وأحلامكم دقاق وفيكم خم النفاق ولعنتم على لسان سبعين نبيا إن رسول الله أخبرني أن جبرئيل أخبره أنه طوى له الارض فرأى البصرة أقرب الارضين من الماء وأبعدها من السماء وفيها تسعة أعشار الشر والداء العضال المقيم فيها مذنب والخارج منها برحمة وقد ايتفكت بأهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة وتمام الثالثة في الرجعة.


176 - رواه علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسير الآية: (53) من سورة: " والنجم " من تفسيره: ج 2 ص 339 ط 2. ورواه عنه السيد هاشم البحراني رفع الله مقامه في تفسير الآية الكريمة من سورة " النجم " من تفسير البرهان: ج 4 ص 256.

[227]

بيان قال البيضاوي: المؤتفكة: القرى التي ايتفكت بأهلها أي انقلبت. وقال في النهاية: في حديث أنس " البصرة إحدى المؤتفكات " يعني إنها غرقت مرتين فشبه غرقها بانقلابها. وقال الجوهري: داء عضال أي شديد أعيى الاطباء. 177 - فس " والمؤتفكات يالخاطئة " المؤتفكات: البصرة والخاطئة فلانة. بيان قال البيضاوي: " بالخاطئة " أي بالخطأ أو بالفعلة أو بالافعال ذات الخطأ. وأما التأويل الذي ذكره علي بن إبراهيم فقد رواه مؤلف تأويل الآيات الباهرة عن محمد البرقي عن سيف بن عميرة عن أخيه عن منصور بن حازم عن حمران قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقرأ " وجاء فرعون " يعني الثالث " ومن قبله " يعني الاولين " والمؤتفكات " أهل البصرة " بالخاطئة " الحميراء فالمراد بمجئ الاولين والثالث بعائشة أنهم أسسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البيت عليهم السلام أساسا به تيسر لها الخروج والاعتدا على أمير المؤمنين عليه السلام ولولا ما فعلوا لمن تكن تجترئ على ما فعلت، والمراد بالمؤتفكات أهل المؤتفكات والجمع باعتبار البقاع والقرى والمحلات. 178 - ما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن أبي الوليد


177 - رواه علي بن إبراهيم رضي الله عنه في تفسير الآية: (9) من سورة الحاقة من تفسيره: ج 2 ص... ورواه السيد البحراني عنه وعن شرف الدين النجفي في كتاب تأويل الآيات الباهرة في تفسير الآية الكريمة من سورة الحاقة من تفسير البرهان: ج 4 ص 375 ط 3. 178 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (29) من الجزء الخامس من أماليه ص 134. وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي في المختار: (262) من باب قصار نهج البلاغة.

[228]

الضبي عن أبي بكر الهذلي قال: دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة أضحوا إلا على حق. فقال [له أمير المؤمنين عليه السلام]: يا حار إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك جزت عن الحق إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه والباطل باجتناب من اجتنبه. قال: فهلا أكون تبعا لعبد الله بن عمر، وسعد بن مالك ؟ فقال أمير المؤمنين: إن عبد الله بن عمر وسعدا خذلا الحق ولم ينصرا الباطل متى كانا إمامين في الخير فيتبعان. بيان إنك نظرت تحتك لعله كناية عن الغفلة عن معالي الامور أو أنه اقتصر على النظر إلى أمثاله ومن هو أدون منه ولم يتبع من يجب اتباعه ممن هو فوقه. 179 - ما بالاسناد المتقدم عن الهذلي عن محمد بن سيرين قال: سمعت غير واحد من مشيخة أهل البصرة يقولون: لما فرغ علي بن أبي طالب (عليه السلام) من [حرب] الجمل عرض له مرض وحضرت الجمعة فتأخر عنها وقال لابنه الحسن: انطلق يا بني فاجمع بالناس فأقبل الحسن إلى المسجد فلما استقل على المنبر حمد الله وأثنى عليه وتشهد وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:


179 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (30) من الجزء (3) من أماليه ج 1، ص 80.

[229]

أيها الناس إن الله اختارنا لنبوته واصطفانا على خلقه وأنزل علينا كتابه ووحيه وأيم الله لا ينتقصنا أحد من حقنا شيئا إلا ينقصه الله في عاجل دنياه وآجل آخرته ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين. ثم جمع بالناس وبلغ أباه كلامه فلما انصرف إلى أبيه (عليه السلام) نظر إليه فما ملك عبرته أن سالت على خديه ثم استدناه إليه فقبل بين عينيه وقال: بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. 180 - مع ماجيلويه عن عمه عن الكوفي عن سفيان الحريري عن علي بن الحزور عن ابن نباته قال: لما أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) من البصرة تلقاه أشراف الناس فهنوه وقالوا: إنا نرجوا أن يكون هذا الامر فيكم ولا ينازعكم فيه أحد أبدا. فقال: هيهات - في كلام له - أنى ذلك ولما ترمون بالصلعاء. قالوا: يا أمير المؤمنين وما الصلعاء ؟ قال: يؤخذ أموالكم قهرا فلا تمنعون [فلا تمتنعون " خ ل "]. بيان قال في النهاية: الصلعاء: الارض التي لا تنبت. وفي حديث عائشة أنها قالت لمعاوية حين ادعى زيادا: ركبت الصليعاء أي الداهية والامر الشديد أو السوءة الشنيعة البارزة المكشوفة. 181 - يج روي عن أبي الصيرفي عن رجل من مراد: قال: كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال: إن لي [إليك] حاجة فقال (عليه السلام): ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها تطلب الامان لابن الحكم ؟ قال: نعم أريد أن تؤمنه قال: آمنته


180 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في " باب معنى الرمي بالصلعاء " وهو الباب من كتاب معاني الاخبار، ص 163. 181 - رواه قطب الدين الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج.

[230]

ولكن اذهب إليه وجئني به ولا تجئني به إلا رديفا فإنه أذل له فجاء به ابن عباس ردفا خلفه فكأنه قرد [ف‍] قال [له] أمير المؤمنين: أتبايع ؟ قال: نعم وفي النفس ما فيها. قال: الله أعلم بما في القلوب. فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كف مروان فترها فقال لا حاجة لي فيها إنها كف يهودية لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بإسته ثم قال: هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الامة خسفا ويسقونه كأسا مصبرة. بيان قوله: " فترها " كذا في أكثر النسخ بالتاء والراء المهملة [قال الفيروز آبادي] في القاموس: تر العظم يتر ويتر [على زنة يمد ويفر] ترا وترورا: بان وانقطع وقطع كأتر. و [تر] عن بلده: تباعد. والتترتر. التزلزل والتقلقل. وترتروا السكران: حركوه وزعزعوه واستنكهوه حتى يوجد منه الريح. وفي بعض النسخ: " فنثرها " بالنون والثاء المثلثة أي نفضها. وفي بعضها بالنون والتاء المثناة من النتر وهو الجذب بقوة. وقال في القاموس: يقال لشئ يطرد: هيه هيه بالكسر وهي كلمة استزادة أيضا. وفي النهاية: المعامع: شدة الموت. والجد في القتال. والمعمعة في الاصل: صوت الحريق. والمعمعان. شدة الحر. 182 - شا [و] من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالبصرة حين ظهر على القوم بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: أما بعد فإن الله ذو رحمة واسعة ومغفرة دائمة، وعفو جم وعقاب أليم، قضى أن رحمته ومغفرته وعفوه لاهل طاعته من خلقه، وبرحمته اهتدى


182 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (27 و 28) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد ص 137. والقسم الاول - أعني خطبته عليه السلام - رواه أيضا الشيخ المفيد في كتاب الجمل ص 214 ط النجف.

[231]

المهتدون، وقضى أن نقمته وسطواته وعقابه على أهل معصيته من خلقه، وبعد الهدى والبينات ما ضل الضالون فما ظنكم يا أهل البصرة وقد نكثتم بيعتي وظاهرتم على عدوي ؟ ! فقام إليه رجل فقال: نظن خيرا ونراك قد ظهرت وقدرت فإن عاقبت فقد اجترمنا ذلك، وإن عفوت فالعفو أحب إلى الله تعالى. فقال: قد عفوت عنكم فإياكم والفتنة فإنكم أول الرعية نكث البيعة وشق عصا هذه الامة. قال: ثم جلس للناس فبايعوه، ثم كتب (عليه السلام) بالفتح إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال. أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم من طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم فنهضت من المدينة حين انتهى إلي خبر من سار إليها وجماعتهم وما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذاقار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله وحقي فأقبل إلي إخوانكم سراعا حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فأعذرت بالدعاء قمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة من أهل الردة من قريش وغيرها ؟ واستتبتهم ؟ من نكثهم بيعتي وعهد الله عليهم، فأبوا إلى قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد فقتل الله من قتل منهم ناكثا وولى من ولى إلى مصرهم وقتل طلحة والزبير على نكثهما وشقاقهما. وكانت المرأة عليهم أشأم من ناقة الحجر فخذلوا وأدبروا وتقطعت بهم

[232]

الاسباب فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم فقبلت منهم وغمدت السيف عنهم وأجريت الحق والسنة فيهم واستعملت عبد الله بن العباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إنشاء الله تعالى: وقد بعثت إليكم زحر بن قيس الجعفي لتسائلوه فيخبركم عنا وعنهم وردهم الحق علينا ورد الله لهم وهم كارهون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. توضيح: كلمة ما في قوله (عليه السلام): " ما ضل " زائدة أو مصدرية والاول أظهر. " وشق العصا " مثل يضرب لتفريق الجماعة وأصله من أن الاعرابيين إذا [إجتمعا] كانت لهما عصا واحدة فإذا تفرقا شقا العصا وأخذ كل منهما شقا منها. وقال الجوهري: تأشب القوم: اختلطوا. وائتشبوا أيضا يقال: جاء فلان فيمن تأشب إليه أي انضم إليه. وقال: ناهضته أي قاومته. وتناهض القوم في الحرب إذا نهض كل فريق إلى صاحبه. وقال: فولى عنه أي أعرض وولى هاربا أي أدبر. والحجر بالكسر: منازل ثمود. قال تعالى: * (كذب أصحاب الحجر المرسلين) *. 183 - شي عن الحسن البصري قال: خطبنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) على هذا المنبر وذلك بعدما فرغ من أمر طلحة والزبير وعائشة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال:


183 - رواه العياشي مع الحديثين التاليين في تفسير الآية: (12) من سورة التوبة من تفسيره. ورواها البحراني مع أحاديث أخر عنه وعن غيره في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107، ط 3.

[233]

أيها الناس والله ما قاتلت هؤلاء بالامس إلا بآية تركتها في كتاب الله إن الله يقول: * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * أما والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لي: يا علي لتقاتلن الفئة الباغية والفئة الناكثة والفئة المارقة. 184 - شي عن الشعبي قال: قرأ عبد الله * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) * إلى آخر الآية ثم قال: ما قوتل أهلها بعد. فلما كان يوم الجمل. قرأها علي (عليه السلام) ثم قال: ما قوتل أهلها منذ يوم نزلت حتى كان اليوم. 185 - شي عن أبي عثمان مولى بني أقصى قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: عذرني الله من طلحة والزبير (1) بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته والله ما قوتل أهل هذه الآية مذ نزلت حتى قاتلتهم * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم) * الآية. 186 - كا محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن محمد بن نعمان أبو جعفر الاحول عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما انقضت القصة فيما بينه وبين طلحة والزبير وعائشة بالبصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) ثم قال: أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة تفتن الناس بالشهوات وتزين لهم


(1) كذا. 186 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث: (368) من كتاب الروضة من الكافي: ج 8 ص 256.

[234]

بعاجلها وأيم الله إنها لتغر من أملها، وتخلف من رجاها، وستورث غدا أقواما الندامة والحسرة بإقبالهم عليها وتنافسهم فيها وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها ظلما وعدوانا وبغيا وأشرا وبطرا. وبالله إنه ما عاش قوم قط في غضارة من كرامة نعم الله في معاش دنيا ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فأزال ذلك عنهم إلا من بعد تغيير من أنفسهم وتحويل عن طاعة الله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله عزوجل وتهاون بشكر نعم الله لان الله عزوجل يقول: * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال) *. ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله جل ذكره بصدق من نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساءتهم لصفح لهم عن كل ذنب وإذا لاقالهم كل عثرة ولرد عليهم كل كرامة نعمة ثم أعاد لهم من صالح أمرهم ومما كان أنعم به عليهم كلما زال عنهم وأفسد عليهم. فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته واستشعروا خوف الله عز ذكره وأخلصوا النفس وتوبوا إليه من قبيح ما استنفركم الشيطان من قتال ولي الامر وأهل العلم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة وتشتت الامر وفساد صلاح ذات البين إن الله عزوجل يقبل التوبة ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون. 187 - نهج [و] من كلام له (عليه السلام) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة.


187 - رواه السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (71) من كتاب نهج البلاغة.

[235]

قالوا: أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع بالحسن والحسين إلى أمير المؤمنين عليهما السلام فكلماه فيه فخلى سبيله فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين فقال (عليه السلام): أو لم يبايعني بعد قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الاربعة وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر. إيضاح: الحكم بن أبي العاص أبو مروان هو الذي طرده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه عثمان كما مر. والضمير في " إنها " يعود إلى الكف المفهوم من البيعة لجريان العادة بأن يضع المبايع كفه في كف المبتاع والنسبة إلى اليهود لشيوع العذر فيهم. والسبة بالفتح: الاست أي لو بايع في الظاهر لغدر في الباطن. وذكر السبة إهانة له. والامرة بالكسر مصدر كالامارة. وقيل: اسم. ولعقه - كسمعه -: لحسه. والغرض قصر مدة إمارته وكانت تسعة أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: أربعة أشهر وعشرة أيام. والكبش - بالفتح -: الحمل إذا خرجت رباعيته. وكبش القوم: رئيسهم. وفسر الاكثر الكبش ببني عبد الملك: الوليد وسليمان ويزيد وهشام، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء. وقيل: هم بنو مروان لصلبه عبد الملك الذي ولي الخلافة وعبد العزيز الذي ولي مصر وبشر الذي ولي العراق ومحمد الذي ولي الجزيرة ولكل منهم آثار مشهورة. والولد بالتحريك مفرد وجمع. واليوم الاحمر: الشديد. وفي بعض النسخ: " موتا أحمر " وهو كناية عن القتل. 188 - ما بإسناده قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة فقال:


188 - رواه الشيخ الطوسي قدس الله نفسه في الحديث (6) من المجلس: (22) من أماليه: ج 2 ص 78 ط 1.

[236]

يا جند المرأة ويا أصحاب البهيمة رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم الله أمركم بجهادي ؟ أم على الله تفترون ؟ ثم قال: يا بصرة أي يوم لك لو تعلمين وأي قوم لك لو تعلمين إن لك من الماء يوما عظيما بلاؤه. وذكر كلاما كثيرا. 189 - نهج [و] من كلام له (عليه السلام): أنتم الانصار على الحق والاخوان في الدين والجنن يوم البأس والبطانة دون الناس بكم أضرب المدبر وأرجو طاعة المقبل فأعينوني بمنا صحة خلية من الغش سليمة من الريب فو الله إني لاولى الناس بالناس. بيان قال ابن أبي الحديد: قاله للانصار بعد فراغه من حرب الجمل ذكره المدايني والواقدي في كتابيهما (1). وبطانة الرجل: خاصته وأصحاب سره. والمدبر: من أدبر وأعرض عن الحق. قوله (عليه السلام) " وأرجو... " أي من أقبل إلي إذا رأى أخلاقكم الحميدة أطاعني بصميم قلبه ويمكن أن يراد بالمقبل من كان من شأنه الاقبال والطاعة. 190 - شا من كلامه (عليه السلام) حين قتل طلحة وانفض [جمع] أهل البصرة:


189 - رواه السيد الرضي في المختار: (116) من نهج البلاغة، وما ذكره المصنف في ذيل الكلام عن ابن أبي الحديد، ذكره ابن أبي الحديد في ذيل هذا الكلام من شرحه: ج 2 ص 779. (1) كتب في هامش الاصل المطبوع بأن ها هنا كان في النسخة بياضا. 190 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (25) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 135.

[237]

بنا تسنمتم الشرف وبنا انفجرتم عن السرار وبنا اهتديتم في الظلماء. وقر سمع لم يفقه الواعية [و] كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة ربط جنان لم يفارقه الخفقان. [و] ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر وأتوسمكم بحلية المغترين سترني عنكم جلباب الدين وبصرنيكم صدق النية أقمت لكم الحق حيث تعرفون ولا دليل وتحتفرون ولا تميهون. اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان عزب فهم امرئ تخلف عني ما شككت في الحق منذ رأيته. كان بنوا يعقوب على المحجة العظمى حتى عقوا أباهم وباعوا أخاهم وبعد الاقرار كان توبتهم وباستغفار أبيهم وأخيهم غفر لهم. بيان [هذا الكلام] رواه [السيد الرضي] في النهج بأدنى تغيير وأوله: " بنا اهتديتم في الظلماء وتسنمتم العلياء وبنا انفجرتم عن السرار وقر سمع. - إلى قوله - أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة حيث تلتقون ولا دليل - إلى قوله -: ما شككت في الحق مذ أريته لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. اليوم تواقفنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ (1). قوله " وتسنمتم العليا " أي ركبتم سنامها. وسنام كل شئ: أعلاه أي بتلك الهداية على قدركم " وبنا انفجرتم " وروي " أفجرتم ".


(1) رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار الرابع من نهج البلاغة.

[238]

قال ابن أبي الحديد: هو نحو أغد البعير أي صرتم ذوي فجر، وعن للمجاوزة أي متنقلين عن السرار، والسرار: الليلة والليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر. أقول: وعلى الرواية الاخرى لعل المعنى انفجرتم انفجار العين من الارض أو الصبح من الليل. " وقر سمع " دعاء على السمع الذي لم يفقه كلام الداعي إلى الله بالثقل والصمم " كيف يراعى النبأة " أي من أصمته الصيحة القوية فإنه لم يسمع الصوت الضعيف والمعنى من لم ينتفع بالمواعظ الجلية كيف ينتفع بالعبر الضعيفة ولعله كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى دعاء الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). " ربط جنان " دعاء للقلوب الخائفة الوجلة التي لا تزال تخفق من خشية الله والاشفاق من عذابه بالسكينة والثبات والاطمئنان والتقدير: ربط جنان نفسه. ومن روى بضم الراء فالمعنى: ربط الله جنانا كانت كذلك وهو أظهر. والخفقان بالتحريك: التحرك والاضطراب " ما زلت أنتظر بكم " الخطاب لبقية أصحاب الجمل أو مع المقتولين أو الاخير فقط. وإضافة " عواقب الغدر " بياينة أو لامية. والتوسم: التفرس أي كنت أتفرس منكم أنكم ستغترون بالشبه الباطلة. " سترني عنكم جلباب الدين " أي الدين حال بيني وبينكم فلم تعرفوا ما أقوى عليه من الغلظة عليكم وقتلكم وسترني من عين قلوبكم ما وقفني عليه الدين من الرفق والشفقة وسحب ذيل العفو على الجرائم. ويحتمل أن يكون المعنى إظهاركم شعار الاسلام عصمكم مني مع علمي بنفاقكم فأجريتكم مجرى المخلصين وهذا أنسب بما رواه بعضهم " ستركم عني ". " وبصرنيكم صدق النية " أي جعلني بصيرا بكم إخلاصي لله تعالى وبه صارت مرآة نفسي صافية كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): المؤمن ينظر بنور الله. ذكره ابن ميثم والراوندي.

[239]

ويحتمل أن يكون المراد بصدق النية العلم الصادق الحاصل له عليه السلام بنفاقهم من العلامات كما قال تعالى * (فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) * أي أنزلكم منزلة المخلصين لظاهر إسلامكم مع علمي واقعا بنفاقكم. وقال الراوندي رحمه الله: ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المعنى إنما أخفى رتبتي ومنزلتي عليكم ما أنا متباطئه من التخلق بأخلاق الديانة: وهو أنه لا يعرفهم نفسه بمفاخرها ومآثرها فيكون من باب قوله " إن ها هنا علما جما لو أصبت له حملة " وعلى هذا يكون معناه إنكم إن صدقت نياتكم ونظرتم بعين صحيحة وأنصفتموني أبصرتم منزلتي. " أقمت لكم على سنن الحق " أي قمت لكم على جادة طريق الحق حيث يضل من تنكب عنه ولا دليل غيري وحيث تحتفرون الآبار لتحصيل الماء " ولا تميهون " أي لا تجدون ماء. " اليوم أنطق لكم العجماء... " كني بالعجماء ذات البيان عن العبر الواضحة وما حل بقوم فسقوا عن أمر ربهم وعما هو واضح من كمال فضله (عليه السلام) وعن حال الدين ومقتضى أوامر الله تعالى فإن هذه الامور عجماء لا نطق لها مقالا ذات البيات حالا ولما بينها عليه السلام وعرفهم ما يقوله لسان حالها فكأنه (عليه السلام) أنطقها لهم. وقيل: العجماء صفة لمحذوف أي الكلمات العجماء والمراد بها ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنها ذات بيان عند أولي الالباب. " عزب " أي بعد ويحتمل الاخبار والدعاء " وأوجس في نفسه خيفة ": أضمر [...]. " اليوم تواقفنا " أي أنا واقف على سبيل الحق وأنتم على الباطل " ومن وثق بماء " لعل المراد من كان على الحق وأيقن ذلك واعتمد على ربه لا يبالي بما وقع عليه كما أن من وثق بماء لم يفزعه عطشه.

[240]

وقال الشارحون أي إن سكنتم إلى قولي ووثقتم به كنتم أبعد عن الضلال وأقرب إلى اليقين. وقال القطب الرواندي رحمه الله [في شرحه على هذه الخطبة من نهج البلاغة]: أخبرنا بهذه الخطبة جماعة عن جعفر الدور يستي عن أبيه محمد بن العباس عن محمد بن علي بن موسى عن محمد بن علي الاسترابادي عن علي بن محمد بن سيار عن أبيه عن الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين. 191 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم: فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على الله فليفعل فإن أطعتموني فإني حاملكم إنشاء الله على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقة شديدة عظيمة ومذاقة مريرة. وأما فلانة فأدركها رأي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل ! ! ! ولها بعد حرمتها الاولى والحساب على الله. ومنه. سبيل أبلج المنهاج أنور السراج فبالايمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يستدل على الايمان وبالايمان يعمر العلم وبالعلم يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا وبالدنيا تحرز الآخرة.


191 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (154) من نهج البلاغة. ورويناه بزيادات كثيرة وشواهد جمة في المختار: (122) من نهج السعادة: ج 1، ص 372 ط 2.

[241]

وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى. [و] منه: قد شخصوا من مستقر الاجداث وصاروا إلى مصائر الغايات لكل دار أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها. وإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله سبحانه وإنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق. وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين والنور المبين والشفاء النافع والري الناقع والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق لا يعوج فيقام ولا يزيغ فيستعتب ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع من قال به صدق ومن عمل به سبق. وقام إليه رجل فقال: [يا أمير المؤمنين] أخبرنا عن الفتنة وهل سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) ؟ فقال عليه السلام: لما أنزل الله سبحانه قوله: * (ألم أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * [1 - 2 / العنكبوت: 29] علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال: يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي. فقلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: أبشر فإن الشهادة من ورائك ؟ فقال لي: إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر ! ! وقال: يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال: بمنزلة فتنة.

[242]

بيان قوله (عليه السلام): " أن يعتقل " أي يحبس نفسه على طاعة الله. " وفلانة " كناية عن عائشة ولعله من السيد رضي الله عنه تقية. قوله (عليه السلام): " وضغن " أي حقد. [وكان من أسباب حقدها لامير المؤمنين (عليه السلام) سد النبي صلى الله عليه وآله باب أبيها من المسجد وفتح بابه، وبعثه (عليه السلام) بسورة برائة بعد أخذها من أبي بكر، وإكرام رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة عليها السلام وحسدها عليها إلى غير ذلك من الاسباب المعلومة. والمرجل كمنبر: القدر. والقين: الحداد أي كغليان قدر من حديد. قوله (عليه السلام): " من غيري " يعني به عمر كما قيل أو الاعم وهو أظهر أي لو كان عمر أو أحد من أضرابه ولي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل عليه ونسب إليه أنه كان يحرض الناس على قتله ودعيت إلى أن تخرج عليه في عصابة تثير فتنة وتنقض البيعة لم تفعل - وهذا بيان لحقدها له (عليه السلام). والبلوج: الاضائة. قوله (عليه السلام): " لا مقصر " أي لا محبس ولا غاية لهم دونه " مرقلين " أي مسرعين " قد شخصوا " أي خرجوا. " والاجداث ": القبور. والخلق بالضم وبضمتين: السجية والطبع والمروءة والدين والرجل إذا روى من الماء فتغير لونه يقال [له]: نقع. قوله (عليه السلام): " لا يزيغ فيستعتب " أي لا يميل فيطلب منه الرجوع. والعتبى: الرجوع والمراد بكثرة الرد الترديد في الالسنة. قوله (عليه السلام): " لا تنزل بنا " قال ابن أبي الحديد لقوله تعالى: * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * " وحيزت عني " أي منعت " والاهواء الساهية " أي الغافلة. قوله (عليه السلام): " بمنزلة فتنة " أي لا يجري عليهم في الظاهر أحكام الكفر وإن كانوا باطنا من أخبث الكفار.

[243]

أقول: قال ابن ميثم وابن أبي الحديد (1): هذا الخبر رواه كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لي إن الله كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. قال: فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب [علي] فيها الجهاد ؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة. فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال: على الاحداث في الدين ومخالفة الامر. فقلت: يا رسول الله أنت كنت وعدتني الشهادة فاسئل الله أن يعجلها لي بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أما إني قد وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا بموطن صبر هذا موطن شكر. قال: أجل أصبت فاعد للخصومة فإنك تخاصم. فقلت: يا رسول الله لو بينت لي قليلا. فقال: إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن وتعمل بالرأي وتستحل الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال فكن حلس (2) بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الامور فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين ؟ أبمنزلة فتنة أم بمنزلة رده ؟ فقال: [أنزلهم] بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا ؟ قال: بل منا فبنا فتح [الله] وبنا يختم وبنا ألف بين القلوب بعد الفتنة فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله.


(1) رواه ابن ميثم رحمه الله في آخر شرحه على المختار: (156) - وهو المختار المتقدم الذكر - من نهج البلاغة: ج 3 ص 265 ط 3. وأما ابن أبي الحديد فهو أيضا رواه في شرح المختار المذكور: ج 3 ص 277 ط بيروت وفي ط مصر: ج 9. ص 206. (2) أي كن ملازما لبيتك كملازمة الحلس لظهر البعير. والحلس: الكساء الذي يلي ظهر. البعير تحت القتب.

[244]

بيان: " كن حلس بيتك " بالكسر أي ملازما له غير مفارق بالخروج للقتال ودفع أهل الضلال. والضمير " في تقلدها " و " قلدتها " على المجهول فيهما راجع إلى الخلافة والامارة، والتقليد مأخوذ من عقد القلادة على الاستعارة وتقليدهم: إطاعتهم وتركهم العناد " وجاش القدر " بالهمز وغيره: غلا. " وقلبت لك الامور " أي دبروا أنواع المكائد والحيل لدفعك. 192 - نهج قيل: إن الحارث بن حوط أتاه عليه السلام فقال: أتراني أظن أصحاب الجمل كانوا على ضلالة ؟ فقال: يا حار إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت. إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه ! ! فقال الحارث: فإني أعتزل مع سعد بن مالك وعبد الله بن عمر. فقال: إن سعدا وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل. بيان " نظرت تحتك " أي نظرت في أعمال الناكثين بظاهر الاسلام الذين هم دونك في الرتبة لبغيهم على إمام الحق فاغتررت بشبهتهم واقتديت بهم ولم تنظر إلى من هو فوقك وهو إمامك الواجب الطاعة ومن تبعه من المهاجرين والانصار ولا سمعت حكمهم بكون خصومهم على الباطل فكان ذلك سبب حيرتك. ويحتمل أن يكون [معنى] نظره تحته كناية عن نظره إلى باطل هؤلاء وشبههم المكتسبة عن محبة الدنيا، ونظره فوقه كناية عن نظره إلى الحق وتلقيه من الله. أو المعنى نظرت إلى هذا الامر الذي يستولي عليه فكرك وهو خطر قتال أهل القبلة ولم تنظر إلى الامر العالي الذي هو فوق نظرك من وجوب قتالهم لبغيهم وفسادهم وخروجهم على الامام العادل.


192 - رواه السيد الرضي في المختار: (262) من قصار نهج البلاغة، وقد رويناه عن مصادر في المختار: (96) من نهج السعادة: ج 1، ص 312 ط 2.

[245]

193 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) لما أظفره الله بأصحاب الجمل وقد قال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعداءك. فقال (عليه السلام): أهوى أخيك معنا ؟ قال: نعم قال: فقد شهدنا ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الايمان. بيان " سيرعف بهم الزمان " الرعاف: الدم الخارج من أنف الانسان والمعنى: سيخرجهم الزمان من العدم إلى الوجود. [وهذا] من قبيل الاسناد إلى الظرف أو الشرط. 194 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): في ذم البصرة وأهلها: كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهزمتم أخلاقكم رقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه. كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها. وفي رواية أخرى: وأيم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة.


193 - رواه السيد رحمه الله في المختار: (12) من نهج البلاغة. 194 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (13) من نهج البلاغة. وفي شرح ابن أبي الحديد زيادة عما رواه المصنف ها هنا. ولعلها سقط عن نسخة المصنف عند الطباعة وإليكم نص الزيادة. وفي رواية أخرى: بلادكم أنتن بلاد الله تربة، [و] أقربها من الماء، وابعدها من السماء وبها تسعة أعشار الشر، المحتبس فيها بذنبه، والخارج بعفو الله. كأني أنظر إلى قريتكم هذه قد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر.

[246]

وفي رواية أخرى: كجؤجؤ طير في لجة بحر. أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء خففت عقولكم وسفهت حلومكم [أحلامكم " خ ل "] فأنتم غرض لنا بل وأكلة لآكل وفريسة لصائد [لصائل " خ "]. بيان [إنما قال (عليه السلام):] وأتباع البهيمة لان جمل عائشة كان راية عسكر البصرة. والرغا: صوت الابل. قوله (عليه السلام): " أخلاقكم دقاق ". قال ابن أبي الحديد: الدق من كل شئ: حقيره وصغيره يصفهم باللؤم وفي الحديث: أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب أن أنكح فلانة إلا. أن في أخلاق أهلها دقة فقال له: إياك وخضراء الدمن. والشقاق: الخلاف والافتراق. والزعاق: المالح. وسبب ملوحة مائهم قربهم من البحر وامتزاج مائه بمائهم. قيل: ذكرها في معرض ذمهم لعله من سوء اختيارهم هذا الموضع أو كونها سببا لسوء المزاج والبلادة وغير ذلك كما تقوله الاطباء. قوله (عليه السلام): " بين أظهركم " أي بينكم على وجه الاستظهار والاستناد إليكم وأما كونه مرتهنا بذنبه فلان المقيم بينهم لابد وأن ينخرط في سلكهم ويكتسب من رذائل أخلاقهم فيكون موثقا بذنوبه أو أن كونه بينهم يجري مجرى العقوبة بذنبه والخارج من بينهم لحقه رحمة الله فوفقه لذلك. وجؤجؤ السفينة: صدرها. ويقال: جثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البرك للابل. وقال ابن ميثم. أما وقوع المخبر عنه فالمنقول أنها غرقت في أيام القادر بالله، وفي أيام القائم بالله غرقت بأجمعها وغرق من في ضمنها وخرجت دورها ولم يبق إلا مسجدها الجامع [ثم]. قال: ويمكن أن يكون المراد بقربها من الماء وبعدها من السماء كون موضعها هابطا قريبا من البحر.

[247]

وقيل: المراد ببعدها من السماء كونها بعيدة من دائرة معدل النهار فإن الارصاد دلت على أن أبعد موضع في المعمورة عن معدل النهار الابلة قصبة البصرة. وقيل: المراد [من] بعدها عن سماء الرحمة [كونها] مستعدة لنزول العذاب انتهى. ولعل مراده أنها أبعد بلاد العرب عن المعدل وإلا فظاهر أن الابلة ليست أبعد موضع في المعمورة والابلة - بضم الهمزة والباء وتشديد اللام المفتوحة -: إحدى الجنات الاربع وهي الموضع الذي فيه الدور والابنية الآن. والسفه: رذيلة مقابل الحلم. والنابل: ذو النبل. والاكلة: المأكول. والفريسة: ما يفترسه السبع. والصولة: الحملة والوثبة. 195 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): [في بيان بعض شئون النساء]. معاشر الناس إن النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن. وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين منهن كشهادة الرجل الواحد. وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر.


195 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (80) - أو قبله - من نهج البلاغة.

[248]

توضيح: الغرض ذم عائشة وتوبيخ من تبعها وإرشاد الناس إلى ترك طاعة النساء. ونقصان الايمان بالقعود عن الصلاة والصيام لعله مبني على أن الاعمال أجزاء الايمان وقعودهن وإن كان بأمر الله تعالى إلا أن سقوط التكليف لنوع من النقص فيهن وكذا الحال في الشهادة والميراث. وترك طاعتهن في المعروف إما بالعدول إلى فرد آخر منه أو فعله على وجه يظهر أنه ليس لطاعتهن بل لكونه معروفا أو ترك بعض المستحبات فيكون الترك حينئذ مستحبا كما ورد تركها في بعض الاحوال كحال الملال. 196 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام): فتن كقطع الليل المظلم لا تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية تأتيكم مزمومة مرحولة يحفزها قائدها ويجهدها راكبها أهلها قوم شديد كلبهم قليل سلبهم يجاهدهم في الله قوم أذلة عند المتكبرين في الارض مجهولون وفي السماء معروفون فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حس وسيبتلى أهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر. إيضاح: قطع الليل جمع قطع بالكسر وهو الظلمة. قال تعالى: * (فأسر بأهلك بقطع من الليل) * [81 / هود] كذا ذكره ابن أبي الحديد ولعله سهو [منه] والظاهر أنه جمع قطعة. " لا تقوم لها قائمة " أي لا تنهض لحربها فئة ناهضة أو قائمة من قوائم الخيل أو قلعة أو بنية قائمة بل تنهدم يعني لا سبيل إلى قتال أهلها (1). " ولا ترد لها راية " أي لا تنهزم راية من رايات تلك الفتنة بل تكون


196 - رواه السيد الرضي في ذيل المختار: (100 / أو 102) من نهج البلاغة. (1) جملة: " يعني لا سبيل إلى قتال أهلها " كانت في أصلي قبل قوله: " أو قلعة أو بنية قائمة بل تنهدم ".

[249]

غالبة دائما أو لا ترجع لحربها راية من الرايات التي هربت عنها " مزمومة مرحولة ": عليها زمام ورحل أي تامة الادوات يدفعها قائدها والحفز: السوق الشديد. ويجهدها أي يحمل عليها في السير فوق طاقتها. " قليل سلبهم " أي ما سلبوه من الخصم أي همتهم القتل لا السلب. وقيل: إن هذه إشارة إلى صاحب الزنج وجيشه. وفيه أن الذين جاهدوهم لم يكونوا على الاوصاف المذكورة إلا أن يقال: لشقاوة الطرف الآخر أمدهم الله بالملائكة وهو بعيد. وقيل: إشارة إلى ملحمة أخرى في آخر الزمان لم تأت بعد. وهو قريب. والرهج: الغبار. قال ابن أبي الحديد كنى بهذا الجيش عن طاعون يصيبهم حتى يبيدهم. وقال ابن ميثم: إشارة إلى فتنة الزنج وظاهر أن لم يكن لهم غبار ولا أصوات إذ لم يكونوا أهل خيل ولا قعقعة لجم فإذن لا رهج لهم ولا حس. وقال ابن أبي الحديد: الموت الاحمر كناية عن الوباء، والجوع الاغبر [كناية] عن المحل (1) والحمرة كناية عن الشدة، ووصف الجوع بالاغبر لان الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة وظلاما. وقيل: الموت الاحمر إشارة إلى قتلهم بالسيف. وقال ابن ميثم. أقول: قد فسره عليه السلام بهلاكهم من قبل الغرق كما سيأتي.


(1) هذا هو الظاهر الموجود في شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 650 ط بيروت. وفي أصلي من البحار، طبع الكمباني: " والجوع الاغبر عن الموت... ".

[250]

197 - نهج [و] من كلامه (عليه السلام) فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة: يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام. [قال الرضي رحمه الله] يؤمى بذلك إلى صاحب الزنج. ثم قال (عليه السلام): ويل لسكككم العامرة والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ولا يفقد غائبهم ! ! أنا كأب الدنيا لوجهها وقادرها بقدرها وناظرها بعينها. ومنه يؤمى [عليه السلام] به إلى وصف الاتراك: كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ويكون المفلت أقل من المأسور. فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ! ! فضحك (عليه السلام) وقال للرجل وكان كلبيا: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله: " إن الله عنده علم الساعة " الآية فيعلم سبحانه ما في الارحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون في النار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا


197 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (126 / أو 128) من نهج البلاغة.

[251]

فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي. بيان الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة والقتال. واللجب: الصوت. والقعقعة: حكاية صوت السلاح ونحوه. والحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل. قوله: " يثيرون الارض " أي التراب لان أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل كذاقيل. وفيه إنه لا يلائم قوله (عليه السلام): " لا يكون له غبار " ولعله كناية عن شدة وطئهم الارض أو يقال مع ذلك ليس غبارهم كالغبار الذي يثار من الحوافر ولما كانت أقدام الزنج في الاغلب قصارا عراضا منتشرة الصدر مفرجات الاصابع أشبهت أقدام النعام في تلك الاوصاف. " والسكك ": جمع سكة بالكسر وهي الزقاق والطريق المستوي والطريقة المصطفة من النخل. و " المزخرفة ": المزينة المموهة بالزخرف وهو الذهب. و " أجنحة الدور " - التي شبهها بأجنحة النسور -: رواشنها وما يعمل من الاخشاب والبواري بارزة عن السقوف لوقاية الحيطان وغيرها عن الامطار وشعاع الشمس. وخراطيمها: ميازيبها التي تطلى بالقار يكون نحوا من خمسة أذرع أو أزيد تدلى من السطوح حفظا للحيطان. والفيلة: كغينة جمع الفيل. وأما قوله (عليه السلام): " لا يندب قتيلهم " قيل: إنه وصف لهم بشدة البأس والحرص على القتال وإنهم لا يبالون بالموت. وقيل لانهم كانوا عبيدا غرباء لم يكن لهم أهل وولد ممن عادتهم الندبة وافتقاد الغائب. وقيل: لا يفقد غائبهم وصف لهم بالكرة وأنه إذا قتل منهم قتيل سد مسده غيره.

[252]

قوله: " أنا كاب الدنيا " يقال: كببت فلانا على وجهه أي تركته ولم ألتفت إليه. وقيل: إنه كناية عن العلم ببواطنها وأسرارها كما يقال: غلبت الامر ظهرا لبطن. وقوله (عليه السلام): " وقادرها بقدرها " أي معامل لها بمقدارها " وناظرها بعينها " أي ناظر إليها بعين العبرة وأنظر إليها نظرا يليق بها فيكون كالتفسير لقوله (عليه السلام) " وقادرها بقدرها " وحكي عن عيسى (عليه السلام): [أنه كان يقول:] أنا الذي كببت الدنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت ولا بيت يخرب وسادتي الحجر وفراشي المدر وسراجي القمر. أقول: سيأتي شرح باقي الخطبة مع ساير أخبار الآتية في بابه. 198 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن عبد الله بن عاصم عن محمد بن بشير الهمداني قال: ورد كتاب أمير المؤمنين مع عمر بن سلمة الارجي [الارحبي] إلى أهل الكوفة فكبر الناس تكبيرة سمعها عامة الناس واجتمعوا لها في المسجد ونودي الصلاة جمعا فلم يتخلف أحد وقرأ الكتاب فكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى قرظة بن كعب ومن قبله من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا والمفارقين لجماعتنا الباغين علينا في أمتنا فحججناهم فحاكمناهم إلى الله فأدالنا عليهم فقتل طلحة والزبير وقد


198 - وقد روى الشيخ المفيد أيضا الكتاب بسند آخر في كتاب الجمل ص 215.

[253]

تقدمت إليهما بالمعذرة وأقبلت إليهما بالنصيحة واستشهدت عليهما صلحاء الامة فما أطاعا المرشدين ولا أجابا الناصحين. ولاذ أهل البغي بعائشة فقتل حولها من أهل البصرة عالم جسيم وضرب الله وجه بقيتهم فأدبروا فما كانت ناقة الحجر بأشأم عليهم منها على أهل ذلك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها ربها ونبيها واغترارها في تفريق المسلمين وسفك دماء المؤمنين بلا بينة ولا معذرة ولا حجة ظاهرة. فلما هزمهم الله أمرت أن لا يتبع مدبر ولا يجاز [ولا يجهز] على جريح ولا يكشف عورة ولا يهتك ستر ولا يدخل دار إلا باذن وآمنت الناس. وقد استشهد منا رجال صالحون ضاعف الله حسناتهم ورفع درجاتهم وأثابهم ثواب الصادقين الصابرين. وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن جزاء العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته فقد سمعتم وأطعتم وأجبتم إذا دعيتم فنعم الاخوان والاعوان على الحق أنتم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب عبيدالله بن أبي رافع في رجب سنة ست وثلاثين. 199 - أقول: روى كمال الدين ابن ميثم البحراني مرسلا أنه لما فرغ أمير المؤمنين من أمر الحرب لاهل الجمل أمر مناديا ينادي في أهل البصرة أن الصلاة الجامعة لثلاثة أيام من غد إنشاء الله ولا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو علة فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.


199 - روى ابن ميثم الحديث إلى قوله: " وآجامها قصورا " في أول شرح المختار: (13) من نهج البلاغة: ج 1، ص 289 ط 2. ثم شرح مفردات الخطبة ثم ذكر قسما آخرا منها في ص 292 من ج 1، ثم ذكر قسما كبيرا في شرح المختار: (99) من نهج البلاغة في ج 3 ص 16، ط 2، وقد جمعها المصنف العلامة وذكرها ها هنا بتمامها.

[254]

فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج (عليه السلام) فصلى بالناس الغداة في المسجد الجامع فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ثم قال: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة وائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة يا جند المرأة وأعوان البهيمة رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم أخلاقكم دقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق بلادكم أنتن بلاد الله تربة وأبعدها من السماء بها تسعة أعشار الشر المحتبس فيها بذنبه والخارج منها بعفو الله. كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر ! ! فقام إليه الاحنف بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك ؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان وإن بينك وبينه لقرونا ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دورا وآجامها قصورا فالهرب الهرب فإنه لا بصيرة لكم يومئذ. ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الابلة ؟ فقال له المنذر بن الجارود: فداك أبي وأمي أربعة فراسخ قال له: صدقت فو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة وعجل بروحه إلى الجنة لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال لي: " يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الابلة أربعة فراسخ وسيكون التي تسمى الابلة موضع أصحاب العشور ويقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألفا شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم فداك أبي وأمي ؟ قال:

[255]

يقتلهم إخوان الجن وهم جيل كأنهم الشياطين سود ألوانهم منتنة أرواحهم شديد كلبهم قليل سلبهم طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل الزمان مجهولون في الارض معروفون في السماء تبكي السماء عليهم وسكانها والارض وسكانها. ثم هملت عيناه بالبكاء ثم قال: ويحك يا بصرة ويلك يا بصرة من جيش لا رهج له ولا حس. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما ذكرت ؟ وما الويح وما الويل ؟ فقال: هما بابان فالويح باب الرحمة. والويل باب العذاب، يا ابن الجارود نعم تارات عظيمة منها عصبة تقتل بعضها بعضا، ومنها فتنة تكون بها أخراب منازل وخراب ديار وانتهاك أموال وقتل رجال وسباء نساء يذبحن ذبحا يا ويل أمرهن حديث عجيب. منها أن يستحل بها الدجال الاكبر الاعور الممسوخ العين اليمنى والاخرى كأنها ممزوجة بالدم لكأنها في الحمرة علقة نأتي الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالابلة من الشهداء أناجيلهم في صدورهم يقتل من يقتل ويهرب من يهرب. ثم رجف ثم قذف ثم خسف ثم مسخ ثم الجوع الاغبر ثم الموت الاحمر وهو الغرق. يا منذر إن للبصرة ثلثة أسماء سوى البصرة في الزبر الاول لا يعلمها إلا العلماء منها الخريبة ومنها تدمر ومنها المؤتفكة. يا منذر والذي فلق الحبة وبرء النسمة لو أشاء لاخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة متى تخرب ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة ! ! ! وإن عندي من ذلك علما جما، وإن تسألوني تجدوني به عالما لا أخطئ منه

[256]

علما ولا دافئا (1) ولقد استودعت علم القرون الاول وما هو كائن إلى يوم القيامة ! ! ! ثم قال: يا أهل البصرة إن الله لم يجعل لاحد من أمصار المسلمين خطة شرف ولا كرم إلا وقد جعل فيكم أفضل ذلك وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم أنتم أقوم الناس قبلة قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام بمكة وقارؤكم أقرأ الناس وزاهدكم أزهد الناس وعابدكم أعبد الناس وتاجركم أتجر الناس وأصدقهم في تجارته (2) ومتصدقكم أكرم الناس صدقة وغنيكم أشد الناس بذلا وتواضعا وشريفكم أحسن الناس خلقا، وأنتم أكرم الناس جوارا، وأقلهم تكلفا لما لا يعنيه، وأحرصهم على الصلاة في جماعة ثمرتكم أكثر الثمار وأموالكم أكثر الاموال وصغاركم أكيس الاولاد ونساؤكم أقنع النساء وأحسنهن تبعلا. سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم والبحر سببا لكثرة أموالكم فلو صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا، وغير أن حكم الله فيكم ماض وقضاؤه نافذ لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب يقول الله: * (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا) *. وأقسم لكم يا أهل البصرة ما الذي ابتدأتكم به من التوبيخ إلا تذكير وموعظة لما بعد لكي لا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي وثبتم وقد قال الله لنبيه صلوات الله عليه وآله: * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * ولا الذي


(1) كذا. (2) هذا هو الظاهر الموافق لما في شرح المختار: (13) من نهج البلاغة من شرح البحراني، وفي ط الكمباني من البحار: " وأصدقكم... ".

[257]

ذكرت فيكم من المدح والتطرية بعد التذكير والموعظة رهبة مني لكم ولا رغبة في شئ مما قبلكم فإني لا أريد المقام بين أظهركم إنشاء الله لامور تحضرني قد يلزمني القيام بها فيما بيني وبني الله لا عذر لي في تركها ولا علم لكم بشئ منها حتى يقع مما أريد أن أخوضها مقبلا ومدبرا فمن أراد أن يأخذ بنصيبه منها فليفعل فلعمري إنه للجهاد الصافي صفاه لنا كتاب الله ولا الذي أردت به من ذكر بلادكم موجدة مني عليكم لما شاققتموني غير أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي يوما وليس معه غيري: إن جبرئيل الروح الامين حملني على منكبه الايمن حتى أراني الارض ومن عليها وأعطاني أقاليدها وعلمني ما فيها وما قد كان على ظهرها وما يكون إلى يوم القيامة ولم يكبر ذلك علي كما لم يكبر على أبي آدم علمه الاسماء كلها ولم يعلمها الملائكة المقربون وإني رأيت بقعة على شاطئ البحر تسمى البصرة فإذا هي أبعد الارض من السماء وأقربها من الماء وإنها لاسرع الارض خرابا وأخشنها ترابا وأشدها عذابا ولقد خسف بها في القرون الخالية مرارا وليأتين عليها زمان وإن لكم يا أهل البصرة وما حولكم من القرى من الماء ليوما عظيما بلاؤه وإني لاعرف موضع منفجره من قريتكم هذه ثم أمور قبل ذلك تدهمكم أخفيت عنكم وعلمناه فمن خرج [منها] عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له، ومن بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه وما الله بظلام للعبيد. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة ؟ ومن أهل البدعة ومن أهل السنة ؟ فقال: إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل أحدا بعدي. أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله (صلى الله عليه وآله). وأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا.

[258]

وأما أهل السنة فالمستمسكون بما سنه الله [لهم] ورسوله [وإن قلوا (1) وأما أهل البدعة فالمخالفون لامر الله ولكتابه ورسوله] العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا (2) وقد مضى الفوج الاول وبقيت أفواج وعلى الله قصمها واستيصالها عن جدد الارض وبالله التوفيق (3). تبيين: أقول: ذكر ابن ميثم رحمه الله هذه الخطبة متفرقة فجمعنا ما وجدنا منها في كتابه (4) ولنوضح بعض فقراتها قوله عليه السلام: " لثلاثة أيام " أي الصلاة التي يلزمكم حضورها بأمير المؤمنين بعد ثلاثة أيام من غد. واللام للاختصاص. قال الشيخ الرضي رضي الله عنه: الاختصاص على ثلاثة أضرب إما أن يختص الفعل بالزمان لوقوعه فيه نحو كتبت لغرة كذا. أو يختص به لوقوعه بعده نحو لليلة خلت. أو يختص به لوقوعه قبله نحو لليلة بقيت وذلك بحسب القرينة انتهى. والكلام إخبار في معنى الامر أي احضروا جميعا للصلاة يوم كذا والصلوة الموعودة هي غداة الرابع.


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من كتاب الاحتجاج، وقد سقط عن شرح البحراني - على المختار: (99) من نهج البلاغة -: ج 3 ص 16، ط 3، وسقط أيضا عن طبعة الكمباني من كتاب البحار. (2) هذا هو الصواب الموافق لكتاب الاحتجاج والمختار: (122) من نهج السعادة: ج 1، ص 373 ط 2، وفي البحار وشرح البحراني: " لا العاملون برأيهم... ". (3) الظاهر أن جملة: " وبالله التوفيق " من كلام ابن ميثم رحمه الله، وليست من كلام أمير المؤمنين وجزء للخطبة كما يؤيد ذلك عدم وجودها في كتاب الاحتجاج وكنز العمال. (4) قد تقدم في تعليق الحديث: (181) ص 449 / أن ابن ميثم روى الكلام في شرح الخطبة: (13، و 99) من شرحه: ج 1، ص 289 و 292، وفي ج 3 ص 16، ط 3.

[259]

والمؤتفكة: المنقلبة إما حقيقة أو كناية عن الغرق كما مر " وقد طبقها الماء " أي غطاها وعمها. والاحنف بالمهملة هو الذي كان معتزلا عن الفريقين يوم الجمل ويكنى أبا بحر بالباء الموحدة والحاء المهملة واسمه الضحاك بن قيس من تميم. والاخصاص: جمع خص بالضم: بيت يعمل من الخشب والقصب. والابلة: بضم الهمزة والباء وتشديد اللام: الموضع الذي به اليوم مدينة البصرة وكان من قراها وبساتينها يومئذ وكانوا يعدونه إحدى الجنات الاربع وفي الابلة اليوم موضع العشارين حسب ما أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام). والجيل بالكسر: الصنف من الناس. وقيل كل قوم يختصون بلغة فهم جيل. والارواح جمع ريح أي الرايحة. والكلب بالتحريك: الشر والاذى وشبه جنون يعرض للانسان من عض الكلب. والسلب بالتحريك: ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها. " ينفر لجهادهم " أي يخرج إلى قتالهم " وهملت عينه " كنصرت وضربت أي فاضت بالدمع. " والرهج " بالتحريك: الغبار. والحس بالكسر وكذلك الحسيس: الصوت الخفي وكأنه إشارة إلى خروج صاحب الزنج وكان جيشه مشاة حفاة لم يكن لهم قعقعة لجم ولا حمحمة خيل " والتارات " جمع تارة أي مرات والمعنى: ترد عليهم فتن عظيمة مرة بعد أخرى. والعصبة إما بالضم بمعنى الجماعة أو ما بين العشرة إلى العشرين. وإما بالتحريك بمعنى الاقرباء وعصبة الرجل: بنوه وقرابته لابيه.

[260]

وانتهاك الاموال: أخذها بما لا يحل. وسباء النساء بالكسر والمد: أسرهن " أن يستحل بها الدجال " أي يتخدها مسكنا وينزلها من " حل بالمكان " إذا نزل. ووصف الدجال بالاكبر يدل على تعدد من يدعي بالاباطيل كما روي في بعض الاخبار. والاعور: الذي ذهبت إحدى عينيه. والعلقة بالتحريك: القطعة من الدم الغليظ. والناتي: المرتفع. وطفا على الماء يطفو إذا علا ولم يرسب. والرجف بالفتح: الزلزلة والاضطراب. والقذف: الرمي بالحجارة ونحوها. والخسف: الذهاب في الارض وخسف المكان: أن يغيب في الارض. وهذا الخسف يحتمل أن يكون خسف جيش أو طائفة بالبصرة أو خسف مدينتهم وبعض مساكنهم وأماكنهم. ووصف الجوع بالاغبر إما لان الجوع غالبا تكون في السنين المجدبة وسنو الجدب تسمى غبرا لاغبرار آفاقها من قلة الامطار وأرضيها لعدم النبات. وإما لان وجه الجائع يشبه الوجه المغبر. والمراد بالجوع الاغبر الجوع الكامل الذي يظهر لكل أحد. والموت الاحمر فسره (عليه السلام) بالغرق ويعبر عنه غالبا عن القتل بالسيف وإراقة الدماء. وبالابيض عن الطاعون وسيأتي التفسيران في الحديث عن الصادق (عليه السلام). والزبر بضمتين: جمع الزبور بالفتح وهو الكتاب فعول بمعنى مفعول من الزبر بمعنى الكتابة. و " تدمر " من الدمار بمعنى الهلاك. والجم: بالفتح: الكثير. والعلم بالتحريك: الجبل والراية. ودافنا الامر: داخله وذكره في القاموس أي لا أخطئ منه ظاهرا ولا خفيا. والخطة بالضم: الامر والقضية. والكيس بالفتح: خلاف الحمق. والتبعل: مصاحبة الزوجية. وغدو الماء ورواحه إليه كناية عن الجزر والمد في الوقتين فإن نهر البصرة والانهار المقارنة له يمد في كل يوم وليلة مرتين ويدور في اليوم والليلة ولا يخص وقتا كطلوع الشمس وغروبها وارتفاعها وانخفاضها ويسمى ذلك بالمد اليومي

[261]

ويكون المد عند زيادة نور القمر أشد ويسمى ذلك بالمد الشهري. وأشار هذه الفقرة إلى فائدة المد والجزر إذ لو كان الماء دائما على حد النقصان ولم يصل إلى حد المد لما سقي زرعهم ونخيلهم، ولو كان دائما على حد الزيادة لغرقت أراضيهم بأنهارهم وفي نقص الانهار بعد زيادتها فائدة غسل الاقذار وإزالة الخبائث عن شاطئها وفيها فوايد أخرى كحركة السفن ونحوها. والمقيل: موضع القائلة. والظل الظليل: القوي الكامل. ومن عادة العرب وصف الشئ بمثل لفظه للمبالغة. وقيل أي الظل الدائم الذي لا تنسخه الشمس كما في الدنيا. وقيل أي الظل الذي لا حر فيه ولا برد. ولعل المعنى لو صبرتم واستقمتم على منهاج الحق لكان ظل شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا. والتعقيب: رد الشئ بعد فصله ومنه قولهم: عقب العقاب على صيده إذا رد الكرور عليه بعد فصله منه. وقيل: المعقب الذي يعقب الشئ بالابطال وغيره ومنه قيل لصاحب الحق معقب لانه يقفو غريمه بالاقتضاء. وفسر الكتاب في الآية باللوح المحفوظ. والمسطور: المكتوب. وفي إيراد الآية نوع استرضاء لهم وتسكين لقلوبهم فإن البلية إذا عمت طابت. والتطرئة: المبالغة في المدح والشائع فيه الاطراء. والمقام مصدر بمعنى القيام. والخوض: الدخول في الماء وخضت الغمرة: اقتحمتها. والخوض في تلك الامور مقبلا ومدبرا مبالغة في نفي الاستنكاف عنها وتوطين النفس على القيام بها. " وصفاه لنا كتاب الله " أي جعله خالصا من الشكوك والشوائب والآثام.

[262]

والموجدة بكسر الجيم: الغضب. والمشاقة والشقاق: الخلاف والعداوة. والاقاليد: جمع إقليد بالكسر وهو المفتاح. قوله (عليه السلام): ولم يكبر ذلك علي أي قويت عليه أو لم أستعظمها من فعل ربي والاول أظهر. والتنوين في " زمان " للتفخيم أي يأتي عليها زمان شديد فظيع. والظاهر أن القرية المشار إليها هي الابلة السابقة ذكرها. و " تدهمكم " أي تفجأكم وتغشاكم. والمرابطة: الارصاد لحفظ الثغر. والقصم: كسر الشئ وإبانته. والاستئصال: قلع الشئ وإزالته من أصله. وجدد الارض بالتحريك. الارض الصلبة المستوية ولا يبعد أن يكون المراد هنا وجهها. والمراد بالفوج الاول إما أصحاب الجمل أو الاعم منهم ومن الخلفاء وأتباعهم. 200 - ما جماعة عن أبي المفضل عن محمد بن الحسين بن حفص عن عباد بن يعقوب عن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه عن عبد الله بن مخارق: عن هاشم بن مساحق عن أبيه أنه شهد يوم الجمل وأن الناس لما انهزموا اجتمع هو ونفر من قريش فيهم مروان فقال بعضهم لبعض: والله لقد ظلمنا هذا الرجل ونكثنا بيعته على غير حدث كان منه ثم لقد ظهر علينا فما رأينا رجلا قط كان أكرم سيرة ولا أحسن عفوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منه فتعالوا فلندخل عليه ولنعتذر مما صنعنا قال: فدخلنا عليه فلما


200 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (16) من الجزء (18) من أماليه ص 323 ط 1، وفي ط بيروت ص 518. وسند الحديث ضعيف فلا يعتبر منه إلا خصوص ما دلت القرائن الخارجية على صدقه وكونه على طيق الواقع. والحديث رواه الشيخ المفيد رحمه الله بلفظ أجود مما ها هنا في كتاب الجمل ص 222 ط النجف الاشرف.

[263]

ذهب متكلمنا يتكلم قال: انصتوا أكفكم إنما أنا رجل منكم فإن قلت حقا فصدقوني وإن قلت غير ذلك فردوه علي. [ثم قال:] أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض وأنا أولى الناس برسول الله وبالناس ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فبايعتم أبا بكر وعدلتم عني فبايعت أبا بكر كما بايعتموه وكرهت أن أشق عصا المسلمين وأن أفرق بين جماعتهم. ثم إن أبا بكر جعلها لعمر من بعده وأنتم تعلمون أني أولى الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالناس من بعده فبايعت عمر كما بايعتموه فوفيت له ببيعته وأردنه على الماء (1) حتى لما قتل جعلني سادس ستة فدخلت فيما أدخلني وكرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم فبايعتم عثمان فبايعته ثم طعنتم على عثمان فقتلتموه وأنا جالس في بيتي ثم أتيتموني غير داع لكم لا مستكره لاحد منكم فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان فما جعلكم أحق أن ؟ ؟ لابي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين كن كما قال العبد الصالح " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ". فقال [علي عليه السلام]: كذلك أقول: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين مع أن فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث بأسته يعني مروان.


(1) جملة: " واردنه على الماء " غير موجودة في النسخة البيروتية من الامالي.

[265]

[الباب الخامس] باب أحوال عائشة بعد الجمل 201 - مع: أحمد بن الحسين بن علي عن أبي عبد الله البخاري عن سهل بن المتوكل عن سليمان بن أبي شيخ عن محمد بن الحكم عن عوانة قال: قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم الجمل لعائشة: كيف رأيت صنع الله بك يا حميراء ؟ (1) فقالت له: ملكت فأسجح. تعني تكرم. تأييد: قال في النهاية: الاسجح: السهل ومنه حديث عائشة قالت لعلي (عليه السلام) يوم الجمل حين ظهر: ملكت فاسجح أي قدرت فسهل وأحسن العفو وهو مثل سائر.


201 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في " باب معنى الاسجاح " من كتاب معاني الاخبار، ص 304، ط بيروت. (1) قال ابن الاثير في مادة: " حمر " من كتاب النهاية - نقلا عن كتاب غريب الحديث للهروي -: وفيه [يعني في الحديث]: " خذوا شطر دينكم من الحميراء " يعني عائشة. كان [رسول الله صلى الله عليه وآله] يقول لها أحيانا: " يا حميراء " تصغير الحمراء يريد البيضاء وقد تكرر في الحديث. وروى البلاذري في الحديث: (310) من ترجمة أمير المؤمنين من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 249 ط 1، قال: وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي [قال]: حدثنا أبو النصر، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن عمرو بن سعيد [قال:] حدثني سعيد بن عمرو، عن ابن حاطب قال: أقبلت مع علي يوم الجمل إلى الهودج وكأنه شوك قنفذ من النيل فضرب [بسوطه] الهودج ثم قال: إن حميراء ارم هذه أردت أن تقتلني كما قتلت عثمان بن عفان...

[266]

202 - ما: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن محمد بن عثمان عن أبي عبد الله الاسلمي عن موسى بن عبد الله الاسدي قال: لما انهزم أهل البصرة أمر علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تنزل عائشة قصر ابن أبي خلف فلما نزلت جاءها عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال:: يا أمة كيف رأيت ضرب بنيك دون دينهم بالسيف ؟ فقالت: استبصرت يا عمار من أنك غلبت ؟ فقال: أنا أشد استبصارا من ذلك أم والله لو ضربتمونا حتي تبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنكم على الباطل. فقالت له عائشة: هكذا يخيل إليك اتق الله يا عمار فإن سنك قد كبرت ودق عظمك وفني أجلك وأذهبت دينك لابن أبي طالب ! ! فقال عمار رحمه الله: إني والله اخترت لنفسي في أصحاب رسول الله فرأيت عليا أقرأهم لكتاب الله عزوجل وأعلمهم بتأويله وأشدهم تعظيما لحرمته وأعرفهم بالسنة مع قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعظم عنائه وبلائه في الاسلام. فسكتت. 203 - ج: روى الواقدي أن عمار بن ياسر لما دخل على عائشة قال: كيف رأيت. [وساق الحديث] إلى قولها: يا عمار اتق الله أذهبت دينك لابن أبي طالب (عليه السلام). بيان: قال في [مادة سعف من] النهاية: في حديث عمار: " لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر " السعفات: جمع سعفة بالتحريك وهي أغصان النخيل. وقيل: إذا يبست سميت سعفة وإذا كانت رطبة فهي شطبة. وإنما خص هجر للمباعدة في المسافة ولانها موصوفة بكثرة النخل.


202 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (45) من الجزء (5) من أماليه ج 1، ص 142، ط بيروت. 203 - 206 - رواها الطبرسي رحمه الله في آخر عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على الزبير وطلحة... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 164.

[267]

و [قال الفيروز آبادي] في القاموس: هجر محركة بلدة باليمن واسم لجميع أرض البحرين 204 - ج: روي أن ابن عباس قال لامير المؤمنين (عليه السلام) - حين أبت عائشة من الرجوع -: دعها في البصرة ولا ترحلها. فقال علي (عليه السلام): إنها لا تألوا شرا ولكن أردها إلى بيتها. بيان: لا تألوا شرا: أي لا تقصر فيه. 205 - ج: روى محمد بن إسحاق أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع الاسود بن البختري تحرضهم عليه (عليه السلام). بيان: قال الجوهري: التحريض على القتال: الحث والاحماء عليه انتهى وفي بعض النسخ [ضبط لفظة: " تحرص "] بالمهملة في الموضعين. 206 - ج: روي أن عمرو بن العاص قال لعائشة: لوددت أنك قتلت يوم الجمل ! ! فقالت: ولم لا أبالك ؟ قال: كنت تموتين بأجلك وتدخلين الجنة ونجعلك أكبر التشنيع على علي ! ! ! 207 - ج: في رواية سعد بن عبد الله الاشعري عن القائم (عليه السلام) قال: قلت له: يا مولانا وابن مولانا روي لنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين علي حتى أنه بعث يوم الجمل رسولا إلى عائشة وقال: " إنك أدخلتي الهلاك على الاسلام وأهله بالغش الذي حصل منك وأوردتي أولادك في موضع الهلاك للجهالة فإن امتنعت وإلا طلقتك ". فأخبرنا يا مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ فقال عليه السلام: إن الله تقدس إسمه عظم شأن نساء النبي فخصهن بشرف الامهات


207 - رواه الطبرسي رفع الله مقامه في أوائل احتجاجات امام العصر عجل الله فرجه من كتاب الاحتجاج: ج 2 ص 462 ط بيروت.

[268]

فقال رسول الله: يا أبا الحسن إن هذا شرف باق ما دمن لله على طاعة (1) فأيتهن عصت الله بعدي في الازواج بالخروج عليك فطلقها وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين (1). 208 - ما ابن الصلت عن ابن عقدة عن يعقوب بن يوسف عن عبيد الله بن موسى عن جعفر الاحمر عن الشيباني: عن جميع بن عمير قال: قالت عمتي لعائشة وأنا أسمع أنت مسيرك إلى علي (عليه السلام) ما كان ؟ قالت: دعينا منك إنه ما كان من الرجال أحب إلى رسول الله من علي ولا من النساء أحب إليه من فاطمة عليهما السلام. 209 - جا الجعابي عن ابن عقدة عن عبد الله بن أحمد بن مستورد، عن محمد بن منير عن إسحاق بن وزير عن محمد بن الفضيل بن عطا مولى مزينة عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام: عن محمد بن علي ابن الحنفية قال: كان اللواء معي يوم الجمل وكان أكثر القتلى في بني ضبة فلما انهزم الناس أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه


(1) كذا في أصلي من البحار، طبعة الكمباني، وفي الاحتجاج: " فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فطلقها من الازواج وأسقطها من شرف أمية المؤمنين ! ! !. 208 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث (3) من الجزء (12) من أماليه ص 341. وقريبا منه رواه أيضا في الحديث: (30) من الجزء (9) من الامالي ص 254. وقد رواه على وجه آخر في الحديث: (80) من الجزء (13) ص 391. وللحديث أسانيد كثيرة ومصادر جمة يجد الباحثون أكثرها في الحديث (111) وما بعده وتعليقاتها من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي. ورواه أيضا الحافظ الحسكاني بأسانيد في تفسير آية التطهير تحت الرقم: (682) وما بعده من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 37 ط 1. ورواه أيضا بأسانيد كثيرة الحافظ ابن عساكر في الحديث: (650) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 2 ص 163. 209 - رواه الشيخ المفيد في أواخر المجلس: (3) من أماليه ص 22 ط النجف.

[269]

عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر رضي الله عنهما فانتهى إلى الهودج وكأنه شوك القنفذ مما فيه من النبل فضربه بعصا ثم قال: هيه يا حميراء أردت أن تقتليني كما قتلت ابن عفان أبهذا أمرك الله ؟ أو عهد [إليك] به رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) ؟ قالت: ملكت فأسجح. فقال لمحمد بن أبي بكر: انظر [هل] نالها شئ من السلاح ؟ فوجدها قد سلمت لم يصل إليها إلا سهم خرق في ثوبها خرقا وخدشها خدشا ليس بشئ فقال ابن أبي بكر: يا أمير المؤمنين قد سلمت من السلاح إلا سهما خلص إلى ثوبها فخدش منه شيئا فقال علي (عليه السلام) احتملها فأنزلها دار ابن أبي خلف الخزاعي. ثم أمر مناديه [ينادي]: لا يدفف على جريح ولا يتبع مدبر ومن أغلق بابه فهو آمن. بيان [قال الفيروز آبادي] في القاموس: أدففته: أجهزت عليه كدففته، ومنه داف ابن مسعود أبا جهل يوم بدر. 210 - كش جعفر بن معروف عن الحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عن معاذ بن مطر عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: حدثني بعض أشياخي قال: لما هزم علي بن أبي طالب (عليه السلام) أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد الله بن عباس رحمة الله عليهما إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل وقلة العرجة. قال ابن عباس فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة قال: فطلبت الاذن عليها فلم تأذن فدخلت عليها من غير إذنها فإذا بيت قفار لم يعد لي فيه مجلس فإذا هي من وراء سترين قال: فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة قال: فمددت الطنفسة فجلست عليها فقالت من وراء الستر: يا ابن عباس أخطأت الستة دخلت بيتنا بغير إذننا وجلست على متاعنا بغير إذننا ! ! ! فقال لها ابن عباس رحمة الله عليه: نحن أولى بالسنة منك ونحن علمناك السنة وإنما بيتك الذي خلفك فيه رسول الله فخرجت منه


210 - رواه الكشي رحمه الله في ترجمة عبد الله بن العباس من رجاله ص 55 ط النجف.

[270]

ظالمة لنفسك غاشة لدينك عاتية على ربك عاصية لرسول الله فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلا بإذنك، ولم نجلس على متاعك إلا بأمرك، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعث إليك يأمرك بالرحيل إلى المدينة وقلة العرجة. فقالت: رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب. فقال ابن عباس: هذا والله أمير المؤمنين وإن تربدت فيه وجوه ورغمت فيه معاطس أما والله لهو أمير المؤمنين وأمس برسول الله رحما وأقرب قرابة وأقدم سبقا وأكثر علما وأعلى منارا وأكثر آثارا من أبيك ومن عمر. فقالت: أبيت ذلك. فقال: أما والله إن كان إباؤك فيه لقصير المدة عظيم التبعة ظاهر الشوم بين النكد وما كان إباؤك فيه إلا حلب شاة حتى صرت ما تأمرين ولا تنهين ولا ترفعين ولا تضعين وما كان مثلك إلا كمثل الحضرمي بن نجمان أخي بني أسد حيث يقول: ما زال إهداء القصائد بيننا * شتم الصديق وكثرة الالقاب حتى تركتهم كأن قلوبهم * في كل مجمعة طنين ذباب قال: فأراقت دمعها وأبدت عويلها وتبدا نشيجها ثم قالت: أخرج والله عنكم فما في الارض بلد أبغض إلي من بلد تكونون فيه ! ! فقال ابن عباس رحمه الله: فلم ؟ والله ماذا بلاءنا عندك ولا بصنيعنا إليك إنا جعلناك للمؤمنين أما وأنت بنت أم رومان وجعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة حامل قصاع الودك لابن جذعان إلى أضيافه ؟ ! فقالت: يا ابن عباس تمنون علي برسول الله ؟ فقال: ولم لا يمن عليك بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به ! ! ونحن لحمه ودمه ومنه وإليه وما أنت إلا حشيته من تسع حشايا خلفهن بعده لست بأبيضهن لونا ولا بأحسنهن وجها ولا بأرشحهن عرقا ولا بأنضرهن ورقا ولا بأطراهن أصلا فصرت تأمرين فتطاعين وتدعين فتجابين وما مثلك إلا كما قال أخو بني فهر: مننت على قومي فأبدوا عداوة * فقلت لهم: كفوا العداوة والشكرا ففيه رضا من مثلكم لصديقه * واحج بكم أن تجمعوا البغي والكفرا قال [ابن عباس]: ثم نهضت وأتيت أمير المؤمنين فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها

[271]

فقال: أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك. بيان: رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج ورواه الشيخ المفيد رحمه الله في الكافية بسندين أحدهما من طريق العامة والآخر من طريق الخاصة باختلاف يسير في بعض الالفاظ. وقال الجوهري: التعريج على الشئ: الاقامة عليه يقال: عرج فلان على المنزل إذا حبس مطيته عليه وأقام وكذلك التعرج ويقال: مالي عليه عرجة ولا تعريج ولا تعرج. و [أيضا] قال [الجوهري]: القفر مفازة لا نبات فيها ولا ماء والجمع قفار يقال: قفر ومفازة قفر وقفرة أيضا والقفار - بالفتح -: الخبز بلا أدم يقال: أخذ خبزه قفارا. وقال الفيروز آبادي: الطنفسة - مثلثة الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس -: واحدة الطنافس [يقال] للبسط والثياب والحصير من سعف عرضه ذراع. وقال الجوهري: تربد وجه فلان أي تغير من الغضب وقال: المعطس مثال المجلس الانف وربما جاء بفتح الطاء. وقال نكد عيشهم بالكسر ينكد نكدا إذا اشتد. ورجل نكد أي عسر. والعويل: رفع الصوت بالبكاء. ونشج الباكي ينشج نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. ونشج بصوته نشيجا: ردده في صدره. قوله: " ماذا بلاؤنا عندك " كلمة " ما " نافية أي ليس هذا جزاء نعمتنا عندك. قوله " مننتنا " أي مننت علينا على الحذف والايصال. وفي بعض النسخ " منيتنا " من المنية بمعنى الموت أي قتلتنا و " الحشية " - كمنية -: الفراش المحشو والجمع حشايا كنى عن النساء والتعبير عنهن بالفرش شايع. قوله: " ولا بأرشحهن " بالشين المعجمة والحاء المهملة من الرشح وهو نضح الماء. وفي بعض النسخ بالسين المهملة والخاء المعجمة من الرسوخ بمعنى الثبات. [قوله:] " ولا بأطراهن " من الطراوة.

[272]

قوله: " وأحج بكم " أي هو ألزم لحجتكم. وفي بعض النسخ: أحجى وهو أصوب أي أولى وأقرب إلى العقل والحجى. 211 - كشف: من ربيع الابرار للزمخشري قال: [قال] جميع بن عمير: دخلت على عائشة فقلت: من كان أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: فاطمة (عليها السلام) قلت: إنما أسألك عن الرجال قالت: زوجها وما يمنعه فوالله إن كان لصواما قواما ولقد سالت نفس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في يده فردها إلى فيه ! ! ! فقلت: فما حملك على ما كان ؟ فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: امر قضى علي. وروي أنه قيل لها قبل موتها: أندفنك عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: لا إني أحدثت بعده. 212 - فر: عبيد بن كثير معنعنا عن أصبغ بن نباتة قال: لما هزمنا أهل البصرة جاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) حتى استند إلى حائط من حيطان البصرة فاجتمعنا حوله وأمير المؤمنين راكب والناس نزول فيدعو الرجل باسمه فيأتيه ثم يدعو الرجل باسمه فيأتيه ثم يدعو الرجل باسمه فيأتيه حتى وافاه منا ستون شيخا كلهم قد صغروا اللحى وعقصوها وأكثرهم يومئذ من همدان فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريقا من طرق البصرة ونحن معه وعلينا الدرع والمغافر متقلدي السيوف متنكبي الاترسة حتى انتهى إلى دار قوراء فدخلنا فإذا فيها نسوة يبكين فلما رأينه صحن صيحة واحدة وقلن: هذا قاتل الاحبة.


211 - رواه الاربلي رحمه الله في آخر عنوان: " وقعة الجمل " من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 244. وانظر الحديث: (657) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 2 ص 167. 212 - رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في الحديث: (84) من تفسيره ص 29 ط النجف، ولكثير من فقراته شواهد ذكرنا بعضها في ذيل المختار: (114) من نهج السعادة: ج 1، ص 348 ط 1.

[273]

فأمسك عنهن [أمير المؤمنين] ثم قال: أين منزل عائشة ؟ فأومأن إلى حجرة في الدار فحملنا عليا عن دابته فأنزلناه فدخل عليها فلم أسمع من قول علي شيئا إلا أن عائشة كانت امرأة عالية الصوت فسمعنا [قولها] كهيئة المعاذير: أني لم أفعل ثم خرج علينا أمير المؤمنين فحملناه على دابته فعارضته امرأة من قبل الدار فقال: أين صفية قالت: لبيك يا أمير المؤمنين قال: ألا تكفين عني هؤلاء الكلبات التى يزعمن أني قاتل الاحبة لو قتلت الاحبة لقتلت من في تلك الدار - وأومى بيده إلى ثلاث حجر في الدار - [قال:] فضربنا بأيدينا على قوائم السيوف وضربنا بأبصارنا إلى الحجر التي أومى إليها فو الله ما بقيت في الدار باكية إلا سكنت ولا قائمة إلا جلست. قلت: يا أبا القاسم فمن كان في تلك الثلاث حجر ! ! قال: أما واحدة فكان فيها مروان بن الحكم جريحا ومعه شباب قريش جرحى. وأما الثانية فكان فيها عبد الله بن الزبير ومعه آل الزبير جرحى. وأما الثالثة فكان فيها رئيس أهل البصرة يدور مع عائشة أين ما دارت. قلت: يا أبا القسم هؤلاء أصحاب القرحة فهلا ملتم عليهم بهذه السيوف ؟ قال: يا ابن أخي أمير المؤمنين كان أعلم منك وسعهم أمانه إنما لما هزمنا القوم نادى مناديه: " لا يدفف على جريح ولا يتبع مدبر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن " سنة يستن بها بعد يومكم هذا. ثم مضى ومضينا معه حتى انتهينا إلى المعسكر. فقام إليه ناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) منهم أبو أيوب الانصاري وقيس بن سعد وعمار بن ياسر وزيد بن حارثة وأبو ليلى فقال: ألا أخبركم بسبعة [هم] من أفضل الخلق يوم يجمعهم الله تعالى ؟ قال أبو أيوب: بلى والله فأخبرنا يا أمير - المؤمنين فإنك كنت تشهد ونغيب قال: فإن أفضل الخلق يوم يجمعهم الله تعالى سبعة من بني عبد المطلب لا ينكر فضلهم إلا كافر ولا يجحد إلا جاحد. قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: ما اسمهم يا أمير المؤمنين فلنعرفنهم ؟

[274]

قال: إن أفضل الناس يوم يجمع الله الخلق [و] الرسل محمد وإن من أفضل الرسل محمدا عليهم الصلوة والسلام ثم إن أفضل كل أمة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي وإن أفضل الاوصياء وصي محمد عليهما الصلاة والسلام. ثم إن أفضل الناس بعد الاوصياء الشهداء وإن أفضل الشهداء حمزة وجعفر بن أبي طالب ذا جناحين يطير بهما مع الملائكة لم يحل بحليته أحد من الآدميين في الجنة شئ شرفه الله به، والسبطان الحسنان سيدا شباب أهل الجنة، والمهدي يجعله الله من أحب منا أهل البيت. ثم قال: أبشروا ثلاثا * (من يطع الله والرسول فأولئك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) * [71 - 72 / النساء: 4]. بيان: عقص الشعر: ضفره وليه على الرأس ذكره الجوهري وقال: تنكب القوس أي ألقاها على منكبه وقال: دار قوراء: واسعة. 213 - 220 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة: عن إبراهيم بن عروة عن ثابت عن أبيه عن حبة العرني أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعث إلى عائشة محمدا أخاها رحمة الله عليه وعمار بن ياسر رضوان الله عليه وأن ارتحلي والحقي بيتك الذي تركك فيه رسول الله. فقالت: والله لا أريم (1) [عن] هذا البلد أبدا ! ! فرجعا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخبراه بقولها فغضب ثم ردهما إليها وبعث معهما الاشتر فقال: والله لتخرجن أو لتحملن احتمالا. ثم قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: يا معشر عبد القيس اندبوا إلى


213 - الكتاب لا يزال في سلسلة الكتب التي لا نعرف أين استقر بها النوا. (1) أي لا أنتقل ولا أزال عن هذا البلد. والفعل من باب باع وعلى زنته.

[275]

الحرة الخيرة من نسائكم فإن هذه المرأة من نسائكم فإنها قد أبت أن تخرج لتحملوها احتمالا فلما علمت بذلك قالت لهم. قولوا فليجهزني. فأتوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فذكروا له ذلك فجهزها وبعث معها بالنساء. وعن الحسن بن ربيع قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن محصن بن زياد الضبي قال: سمعت الاحنف بن قيس يقول: بعث علي إلى عائشة أن ارجعي إلى الحجاز فقالت: لا أفعل فقال لها: لئن لم تفعلي لارسلن إليك نسوة من بكر بن وائل بسفار حداد يأخذنك بها. قال: فخرجت حينئذ. وعن إسحاق بن إبراهيم عن أشرس العبدي عن عبد الجليل أن أمير - المؤمنين بعث عمار بن ياسر رحمه الله إلى عائشة أن ارتحلي فأبت عليه فبعث إليها بامرأتين وامرأة من ربيعة معهن الابل فلما رأتهن ارتحلت. وعن محمد بن علي بن نصر عن عمر بن سعد [الاسدي] أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه دخل على عائشة لما أبت الخروج فقال لها: يا شعيرا ارتحلي وإلا تكلمت بما تعلمينه ! ! فقالت: نعم ارتحل. فجهزها وأرسلها ومعها أربعين امرأة من عبد القيس الحديث بطوله. وعن الحسين بن حماد قال: حدثنا أبو الجارود عن الاصبغ بن نباته أن أمير المؤمنين قال لعائشة: ارجعي إلى بيتك الذي تركك رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوك فيه. فأبت فقال لها: ارجعي وإلا تكلمت بكلمة تبرئين إلى الله تعالى ورسوله فارتحلت. وعن مطلب بن زياد عن كثير النوا قال: قال ابن عباس رضي الله عنه لعائشة: السلام عليك يا أمة ألسنا ولاة بعلك ؟ أو ليس قد ضرب الله الحجاب عليك ؟ أو ليس قد أوتيت أجرك مرتين ؟ قالت: بلى. قال: فما أخرجك علينا مع منافقي قريش ؟ ! قالت: كان قدرا يا ابن عباس. قال: وكانت أمنا تؤمن بالقدر ! !

[276]

وعن أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد قال: قال رجل لعائشة: يا أم المؤمنين لم خرجت على علي ؟ قالت له: أبوك لم تزوج بأمك قدرا لله عزوجل (1). وعن فضيل بن مرزوق (2) عن أبي إسحاق قال: كانت عائشة إذا سئلت عن خروجها على أمير المؤمنين قالت: كان شئ قدره الله علي ! ! ! 221 - البرسي في [كتاب] مشارق الانوار قال: لما قدم الحسن بن علي عليهما السلام من الكوفة جاءت النسوة يعزينه بأمير المؤمنين (عليه السلام) ودخلت عليه أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت عائشة: يا أبا محمد ما فقد جدك إلا يوم فقد أبوك. فقال لها الحسن (عليه السلام): نسيت نبشك في بيتك ليلا بغير قبس بحديدة - حتى ضربت الحديدة كفك فصارت جرحا إلى الآن - تبغين جرارا خضرا فيها ما جمعت من خيانة حتى أخذت منها أربعين دينارا عددا لا تعلمين لها وزنا تفرقيها في مبغضي علي من تيم وعدي قد تشفيت بقتله ! ! فقالت: قد كان ذلك.


(1) وقريبا منه جدا رواه ابن حجر في ترجمة محمد بن أبي الخصيب الانطاكي من كتاب لسان الميزان: ج 5 ص 154. وقد علقناه على الحديث: (657) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 2 ص 167، ط 2. (2) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي ط الكمباني من كتاب البحار: " فضيل بن مروان ". 221 - إلى الآن لم أطلع على هذا الحديث في غير هذا المصدر، وهو مرسل، والمصنف قدس الله نفسه أيضا صرح بعدم اعتبار متفردات الشيخ البرسي.

[277]

[الباب السادس] باب نهى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة عن مقاتلة علي عليه السلام وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياها بذلك. 222 - فس محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله بن غالب عن ابن أبي نجران عن حماد عن حريز قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله * (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) * [31 / الاحزاب: 33] قال: الفاحشة: الخروج بالسيف. أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب ذم عائشة وحفصة. 223 - ج عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عليهم السلام في خبر الطير أنه جاء علي (عليه السلام) مرتين فردته عائشة فلما دخل في الثالثة وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) به قال النبي (صلى الله عليه وآله): أبيت إلا أن


222 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية الكريمة وهي الآية: (31) من سورة الاحزاب: 33 - من تفسيره. ورواه عنه السيد البحراني كما روي قريبا منه بسند آخر عن محمد بن العباس بن الماهيار - في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 3 ص 308. 223 - رواه الطبرسي رحمه الله متصلا بعنوان: " احتجاجه عليه السلام فيما يتعلق بتوحيد الله... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 198.

[278]

يكون الامر هكذا يا حميراء ما حملك على هذا ؟ قالت: يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي أن يأكل من الطير. فقال لها: ما هو أول ضغن بينك وبين علي وقد وقفت على ما في قلبك لعلي إنشاء الله تعالى لتقاتلينه ! ! فقالت: يا رسول الله وتكون النساء يقاتلن الرجال ؟ فقال لها: يا عائشة إنك لتقاتلين عليا ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي فيحملونك عليه وليكونن في قتالك أمر يتحدث به الاولون والآخرون وعلامة ذلك أنك تركبين شيطانا تبتلين [به] قبل أن تبلغي إلى الموضع الذي يقصد بك إليه فتنبح عليك كلاب الحوأب فتسألين الرجوع فيشهد عندك قسامة أربعين رجلا ما هي كلاب الحوأب فتصيرين إلى بلد أهله أنصارك وهو أبعد بلاد في الارض من السماء وأقربها إلى الماء ولترجعن وأنت صاغرة غير بالغة ما تريدين ويكون هذا الذي يردك مع من يثق به من أصحابه وأنه لك خير منك له ولينذرنك ما يكون به الفراق بيني وبينك في الآخرة وكل من فرق علي بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائز. فقالت له: يا رسول الله ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني ؟ قال: فقال لها: هيهات هيهات والذي نفسي بيده ليكونن ما قلت حتى كأني أراه. 224 - مع: أحمد بن الحسين بن علي عن محمد بن العباس عن إبراهيم بن إسحاق عن إبراهيم بن سعيد عن أبي نعيم عن عصام بن قدامة عن عكرمة: عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله [وسلم]) أنه قال لنسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الا ذيب التي تنبحها كلاب الحوأب فيقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير ثم تنجو بعدما كادت.


224 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في " باب معنى الحوأب والجمل الا ذيب " وهو الباب (342) من كتاب معاني الاخبار، ص 290 ط النجف، وفي ط ص 305.

[279]

[قال الصدوق رحمه الله:] الحوأب ماء لبني عامر. و " الجمل الا ذيب " يقال: إن المذئبة داء تأخذ الدواب يقال: برذون مذؤب وأظن الجمل الا ذيب مأخوذ من ذلك. وقوله: " تنجو بعدما كادت " أي تنجو بعدما كادت تهلك. 225 - الكافية عن عصام مثله [ثم] قال: ورواه أبو بكر بن عياش عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وروى المسعودي في حديثه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]): يا علي إذا أدركتها فاضربها واضرب أصحابها. 226 - سر: قال محمد بن إدريس: وجدت في الغريبين للهروي هذا الحديث وهو بالدال غير المعجمة مع الباء النقطة تحتها نقطة واحدة قال أبو عبيد: وفي الحديث: " ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحوأب " قيل: أراد الادب فأظهر التضعيف. والادب: الكثير الوبر، يقال: جمل أدب إذا كان كثير الدبب والدبب كثرة شعر الوجه ودببه أنشدني أبو بكر بن الانباري: يمشقن كل غصن معلوش * مشق النساء دبب العروس


225 - كتاب الكافية للشيخ المفيد. 226 - ذكره محمد بن إدريس الحلي رحمه الله في كتاب السرائر. والحديث من أثبت الاقوال الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقلما يوجد معجم لغوي - أو موسوعة حديثية أو كتاب تاريخ يتعرض لوقعة الجمل - لم يتعرض لذكر هذا الخبر الغيبي وقد ذكره ابن الاثير نقلا عن الهروي في مادة " دبب " من كتاب النهاية، وذكره أيضا في مادة " حوب " وليراجع هاتين المادتين من كتاب الصحاح والقاموس وتاج العروس ولسان العرب وغيرها.

[280]

يمشقن: يقطعن كل غصن كثير الورق كما تنتف النساء الشعر من وجه العروس. قال محمد بن إدريس [و] وجدت أيضا في [كتاب] مجمل اللغة لابن فارس ما ذكره أبو عبيد صاحب الغريبين قد أورد الحديث على ما ذكره وفسره على ما فسره وضعه في باب الدال غير المعجمة مع الباء، والاعتماد على أهل اللغة في ذلك فإنهم أقوم به وأظن [أن] شيخنا ابن بابويه تجاوز نظره في الحرف وزل فيه فأورده بالذال المعجمة والياء على ما في كتابه واعتقد أن الجمل الا ذيب مشتق من المذئبة ففسره على ما فسره وهذا تصحيف منه. أقول: قال [إبن الاثير] في النهاية (1) بعد إيراد الرواية: أراد الادب فأظهر الادغام لاجل الحوأب، والادب: الكثير وبر الوجه. وقال السيوطي في بعض تصانيفه: إنه قد يفك ما استحق الادغام لاتباع كلمة أخرى كحديث: " أيتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحوأب " فك الادبب - وقياسه: الادب - إتباعا للحوأب. 227 - ل علي بن أحمد الدقاق، عن حمزة بن القاسم، عن علي بن الجنيد الرازي عن أبي عوانة عن الحسين بن علي عن عبد الرزاق عن أبيه عن ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف: عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله من يغسلك إذا مت ؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه. قلت: فمن وصيك يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب. فقلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله ؟


(1) قاله في حرف الدال في مادة: " دبب ". 227 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الباب الاول - أو أواخر المقدمة - من كتاب إكمال الدين ص 27 طبع النجف.

[281]

قال: ثلاثين سنة فإن يوشع بن نون وصي موسى عاش من بعده ثلاثين سنة وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوج موسى فقالت: أنا أحق بالامر منك فقاتلها فقتل مقاتلها وأسرها فأحسن أسرها وإن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من أمتي فيقاتلها فيقتل مقاتلها ويأسرها فيحسن أسرها وفيها أنزل الله * (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * [33 / الاحزاب] يعني صفراء بنت شعيب. 228 - يج: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب فتنبحها كلاب الحوأب. وروي [أنه] لما أقبلت عائشة مياه بني عامر ليلا نبحتها كلاب الحوأب [ف‍] قالت: ما هذا [الماء ؟] قالوا الحوأب قالت: ما أظنني إلا راجعة ردوني إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكن إذا نبح عليها كلاب الحوأب. 229 - شف: من كتاب المعرفة لابراهيم بن محمد الثقفي عن عثمان بن سعد عن محمد بن كثير عن إسماعيل بن زياد عن أبي إدريس: عن نافع مولى عائشة قال: كنت خادما لعائشة وأنا غلام أغاطيهم إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندها فبينا رسول الله عند عائشة إذ جاء جاء فدق الباب فخرجت إليه فإذا جارية معها إناء مغطى فرجعت إلى عائشة فأخبرتها فقالت: أدخلها فدخلت فوضعته بين يدي عائشة فوضعته عائشة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمد يده يأكل ثم قال: ليت أمير المؤمنين


228 - رواه قطب الدين الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. 229 - رواه العلامة في كتاب كشف اليقين. ورواه الاربلي مرسلا نقلا عن مناقب ابن مردويه في عنوان: " مخاطبة علي بأمير المؤمنين في حياة النبي " من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 342 ط بيروت.

[282]

وسيد المسلمين [كان حاضرا كي] يأكل معي قالت عائشة: ومن أمير المؤمنين ؟ فسكت ثم أعادت فسألت ؟ فسكت ثم جاء جاء فدق الباب فخرجت إليه فإذا علي بن أبي طالب فرجعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته فقال: أدخله [ففتحت له الباب فدخل] فقال: مرحبا وأهلا لقد تمنيتك حتى لو أبطأت علي لسألت الله أن يجئ بك اجلس فكل. فجلس فأكل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قاتل الله من يقاتلك ومن يعاديك فسكت ثم أعادها فقالت عائشة: من يقاتله ومن يعاديه ؟ قال: أنت ومن معك أنت ومن معك. 230 - شف: محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان عن محمد بن أحمد بن عيسى العلوي عن محمد بن أحمد المكتب عن حميد بن مهران عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن محمد بن علي عن محمد بن كثير عن اسماعيل بن زياد عن أبي إدريس عن نافع مثله. 231 - كافية المفيد: عن محمد بن علي بن مهران عن محمد بن علي بن خلف عن محمد بن كثير عن إسماعيل بن الزياد البزاز عن أبي إدريس عن نافع مولى عائشة مثله. 232 - قب: [قال] السدي: نزل قوله تعالى * (واتقوا فتنة) * في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا. [وعن] الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم لا تفسدوا


230 - رواه العلامة رحمه الله في كتاب كشف اليقين. 231 - رواه الشيخ المفيد في كتاب الكافية ولكن لم نعلم أين مستقرها ومستودعها. 232 - رواه ابن شهر آشوب في عنوان: " ما ظهر منه عليه السلام في حرب الجمل " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 334.

[283]

في الارض قالوا إنما نحن مصلحون ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) * قال: ما قوتل أهل هذه يعني البصرة [إلا بهذه الآية] (1) وقرأ أمير المؤمنين يوم البصرة * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * ثم قال: لقد عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة والفئة الباغية والفرقة المارقة إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. الاعمش عن شقيق وزر بن حبيش عن حذيفة وذكر السمعاني في الفضايل والديلمي في الفردوس عن جابر الانصاري وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) واللفظ لهما في قوله " فإما نذهبن بك " يا محمد من مكة إلى المدينة فإنا رادوك منها ومنتقمون منهم بعلي. [وفي] تفسير الكلبي: يعني [في] حرب الجمل. [وعن] عمار وحذيفة وابن عباس والباقر والصادق عليهما السلام أنه نزلت في علي (عليه السلام) * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) * الآية. وروي عن علي [عليه السلام أنه قال] يوم البصرة: والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم وتلا هذه الآية. ابن عباس [قال:] لما علم الله أنه سيجري حرب الجمل قال لازواج النبي (صلى الله عليه وآله): * (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * وقال تعالى: * (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) * في حربها مع علي (عليه السلام).


(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الاصل الحاكي والمحكي عنه، وإنما هو زيادة ظنية منا.

[284]

شعبة والشعبي والاعثم وابن مردويه وخطيب خوارزم في كتبهم بالاسانيد عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وقتادة وقيس بن أبي حازم وأم سلمة وميمونة وسالم بن أبي الجعد واللفظ له أنه ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خروج بعض نسائه فضحكت عائشة فقال: أنظري يا حميراء لا تكونين هي ثم التفت إلى علي فقال: يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها. 233 - قب: حذيفة قال: لو أحدثكم بما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لوجمتموني قالوا: سبحان الله نحن نفعل ؟ قال: لو أحدثكم أن بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عددها شديد بأسها تقاتلكم صدقتم ؟ قالوا: سبحان الله ومن يصدق بهذا ؟ قال: تأتيكم أمكم الحميراء في كتيبة يسوق بها أعلاجها من حيث يسؤكم وجوهكم. ابن عباس قال: [قال] النبي (صلى الله عليه وآله): أيتكن صاحبة الجمل الادبب يقتل حولها قتلى كثير بعد أن كادت. بيان: " لوجمتموني " يقال: وجم الشئ أي كرهه. ووجم فلانا: لكزه. وكانت النسخة تحتمل الراء أيضا (1) والاعلاج جمع العلج بالكسر وهو الرجل من كفار العجم وغيرهم.


233 - رواه محمد بن علي بن شهر آشوب رحمه الله في عنوان: " فيما ظهر من معجزات النبي بعد وفاته " من سيرة رسول الله أو شرح حاله من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 122، ط النجف. ورواه أيضا الحاكم وصععه هو والذهبي في أواسط كتاب الفتن والملاحم من المستدرك: ج 4 ص 471، ورواه أيضا مختصرا مع خصوصيات أخرى في ص 469. (1) وكون الفظة بالراء هو الراحج وهكذا ذكره الحاكم في المستدرك: ج 4 ص 471.

[285]

234 - 237 - الكافية عن الحسن بن حماد عن زياد بن المنذر عن الاصبغ بن نباتة قال: لما عقر الجمل وقف علي (عليه السلام) على عائشة فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ قالت: ذيت وذيت. فقال: أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد ملات أذنيك من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يلعن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان أما أحياؤهم فيقتلون في الفتنة وأما أمواتهم ففي النار على ملة اليهود. وعن أبي داود الطهوي عن عبد الله بن شريك العامري عن عبد الله بن عامر أن عبد الله بن محمد بن بديل الخزاعي قال لعائشة: أنشدك بالله ألم نسمعك تقولين: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي على الحق والحق معه لن يزيلا حتى يردا علي الحوض ؟ قالت: بلى. قال: فما بدا لك ؟ قالت: دعوني والله لوددت أنهم تفانوا. وعن يحيى بن مساور، عن اسماعيل بن أبي زياد عن أبي سعيد المهري قال: كان عبد الملك بن أبي رافع نازلا في بيعة كدى يتحدث إليه فقال أبو رافع: سأحدثكم بحديث سمعته أذناي لا أحدثكم عن غيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي (عليه السلام): قاتل الله من قاتلك وعادى الله من عاداك. فقالت عائشة: يا رسول الله من يقاتله ومن يعاديه ؟ قال: أنت ومن معك أنت ومن معك. وعن علي بن مسهر [من رجال الصحاح الست] عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني رأيتك في المنام مرتين أرى جملا يحملك في سدافة من حرير فقال: هذه إمرأتك فاكشفها فإذا هي أنت.


234 - 237 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الكافية.

[286]

بيان: في القاموس: ذيت وذيت مثلثة الآخر أي كيت وكيت. وكدى: جبل قريب من مكة. والسدافة ككتابة: الحجاب. 238 - شي: عن عبد الرحمان بن سالم الاشل عن الصادق (عليه السلام) قال: " التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا " عائشة هي نكثت إيمانها. 239 - 240 - كنز: محمد البرقي عن الحسين بن سيف عن أخيه عن أبيه عن سالم بن مكرم عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قوله: " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا " قال: هي الحميراء. قال مؤلف الكتاب: إنما كني عنها بالعنكبوت لانه حيوان ضعيف اتخذت بيتا ضعيفا أوهن البيوت وكذلك الحميراء حيوان ضعيف لقلة حظها وعقلها ودينها اتخذت من رأيها الضعيف وعقلها السخيف في مخالفتها وعداوتها لمولاها بيتا مثل بيت العنكبوت في الوهن والضعف. وروى محمد بن العباس عن الحسين بن أحمد عن محمد بن عيسى عن يونس بن كرام عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أتدري ما الفاحشة المبينة ؟ قلت: لا. قال: قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) يعني أهل الجمل.


238 - رواه العياشي في تفسير الآية الكريمة - وهي الآية: (92) من سورة النحل: 16 - من تفسيره. ورواه عنه السيد هاشم البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 2 ص 383 ط 3. 239 - 240 - رواهما العلامة الكراجكي في الرسالة من كنز الفوائد.

[287]

241 - مد: من صحيح البخاري بإسناده عن نافع عن عبد الله قال: قام النبي (صلى الله عليه وسلم) خطيبا وأشار نحو مسكن عائشة فقال: هنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشيطان.


241 - رواه يحيى بن الحسن ابن البطريق رحمه الله في الحديث: (841) في الفصل الاخير من كتاب العمدة ص 237. ورواه البخاري في عنوان: " ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما نسب من البيوت اليهن... " من باب فرض الجهاد من كتاب الوصايا قبيل كتاب بدء الخلق من صحيحه: ج 4 ص 100، ط دار إحياء التراث العربي. وفي معناه ما رواه أيضا البخاري في آخر كتاب الحج قبيل كتاب الصوم في " باب آطام المدينة من صحيحه: ج 3 ص 27 قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا ابن شهاب، قال: أخبرني عروة [قال:] سمعت أسامة رضي الله عنه قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى ؟ إني لارى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر. [ثم قال البخاري]: تابعه معمر وسليمان بن كثير عن الزهري. ورواه أيضا بسندين آخرين في " باب قول النبي: ويل للعرب من شر قد اقترب " من كتاب الفتن: ج 9 ص 60. ورواه أيضا مسلم في الحديث: (9) من باب نزول الفتن من كتاب الفتن تحت الرقم: (2885) من صحيحه: ج 4 ص 2211. ورواه أيضا الحاكم النيسابوري وصححه على شرط البخاري وسلم - وأقره الذهبي - في أواسط كتاب الفتن والملاحم من كتاب المستدرك: ج 4 ص 508.

[289]

[الباب السابع] باب أمر الله ورسوله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وكل من قاتل عليا صلوات الله عليه وفي [بيان] عقاب الناكثين الآيات البقرة: * (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) * [253 / البقرة: 2]. الزخرف: * (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون) * [42 - 44 / الزخرف: 43]. الحجرات: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين) *. تفسير " ولو شاء الله " قال [الطبرسي] في [تفسير جامع] الجوامع: أي مشيئة الجاء وقسر " من بعدهم " أي من بعد الرسل لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضا " فمنهم من آمن " لالتزامه دين الانبياء " ومنهم من كفر " لاعراضه عنه " ولو شاء الله ما اقتتلوا " كرره للتأكيد. " فإما نذهبن بك " أي نتوفينك " فإنا منهم " أي من أمتك " منتقمون، أو نرينك " في حياتك " الذي وعدناهم " من العذاب " فإنا عليهم مقتدرون " أي قادرون على الانتقام منهم وعقوبتهم في حياتك وبعد وفاتك.

[290]

قال [الطبرسي] في [تفسير] المجمع: قال الحسن وقتادة: إن الله أكرم نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لم يره تلك النقمة ولم ير في أمته إلا ما قرت به عينه وقد كان بعده (عليه السلام) نقمة شديدة. وقد روي أنه أري ما يلقى أمته بعده فما زال منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى لقى الله تعالى. 242 - روى جابر بن عبد الله الانصاري قال: إني لادناهم من رسول الله في حجة الوداع بمنى [فسمعته] قال: [في خطبته]: لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم. [قال:] ثم التفت إلى خلفه ثم قال: أو علي أو علي - ثلاث مرات -. [قال جابر:] فرأينا أن جبرئيل غمزه فأنزل الله على أثر ذلك: * (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) * بعلي بن أبي طالب. وقيل: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أري الانتقام منهم وهو ما كان من نقمة الله يوم البدر. والبغي: الاستطالة والظلم. والفئ: الرجوع " وأقسطوا " أي اعدلوا. أقول: قد مر خبر أبي رافع وأخبار حذيفة بن اليمان في باب أحوال الصحابة وقد مضى في باب إنه باب مدينة العلم وباب جوامع المناقب وغيرها أنه أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) [عليا] أنه قاتل الفجرة.


242 - رواه الطبرسي رحمه الله في تفسير الآية: (42) من سورة الزخرف من تفسير مجمع البيان. وللحديث مصادر وأسانيد كثيرة يجد الباحث كثيرا منها في تفسير الآية الكريمة من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 251.

[291]

243 - ما: بإسناد أخي دعبل عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لام سلمة: اشهدي على أن عليا يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. 244 - ما: بهذا الاسناد عن الباقر (عليه السلام) عن جابر الانصاري قال: إني لادناهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع بمنى فقال: لا عرفتكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم. ثم التفت إلى خلفه ثم قال: أو علي أو علي أو علي. [قال جابر:] فرأينا أن جبرئيل غمزه وأنزل الله عزوجل: * (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " بعلي " أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون) *. ثم نزلت: * (قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون إدفع بالتي هي أحسن) *. ثم نزلت: * (فاستمسك بالذي أوحي إليك) * من أمر علي بن أبي طالب * (إنك على صراط مستقيم) * وإن عليا لعلم للساعة لك ولقومك ولسوف تسألون عن محبة علي ابن أبي طالب. 245 - مد: بإسناده إلى مناقب [أبي الحسن علي بن محمد المعروف ب‍] إبن المغازلي قال:


243 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله. 244 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (10) من الجزء (13) من أماليه ج 1، ص 373 ط بيروت. 245 - وهذا هو الحديث: (321) من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لابن المغازلي ص 274 ط 1، ورواه أيضا باختصار في الحديث: (366). والحديث الاول رواه عنه يحيى بن الحسن بن البطريق رحمه الله في أواسط الفصل: (36) في الحديث: (580) من كتاب العمدة ص 185.

[292]

أخبرنا الحسن بن أحمد بن موسى عن هلال بن محمد، عن اسماعيل بن علي عن أبيه عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه عن محمد بن علي الباقر صلوات الله عليهم عن جابر رضي الله عنه مثله. 246 - كنز: محمد بن العباس عن علي بن العباس عن الحسن بن محمد عن العباس بن أبان العامري عن عبد الغفار بإسناد يرفعه إلى عبد الله بن العباس وعن جابر بن عبد الله مثله. بيان: " وإن عليا لعلم للساعة " هكذا [جاء] في نسخ جميع الكتب، وفي القرآن * (وإنه لذكر لك ولقومك) * وبعده بورق [في الآية: (61) من السورة] عند ذكر عيسى (عليه السلام) " وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم " وقد ورد في الاخبار أنها أيضا [نزلت] في أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمكن أن يكون في قراءتهم عليهم السلام هكذا وأنه أشار هنا إلى نزول تلك الآية أيضا فيه، والظاهر أنه سقط من الخبر شئ أو جرى فيه تصحيف. 247 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن الحسين بن حفص، عن إسماعيل بن إسحاق عن حسين بن أنس، عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن مجاهد: عن ابن عباس قال: لما نزلت: " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين " [73 / التوبة: 9] قال النبي صلى الله عليه وآله: لاجاهدن العمالقة - يعني الكفار والمنافقين - فأتاه جبرئيل وقال: أنت أو علي. 248 - كا: علي عن أبيه والقاساني جميعا عن الاصفهاني عن المنقري عن الفضيل بن عياض عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: قال:


246 - رواه العلامة الكراجكي رحمه الله في كتاب كنز الفوائد. 247 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (7) من الجزء (18) من أماليه ص 514، وبعده أيضا حديثان آخران بمعناه يأتيان هنا تحت الرقم 229. 248 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في " باب وجوه الجهاد " وهو الباب (3) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 10، ط الآخوندي.

[293]

بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله [وسلم]) بخمسة أسياف ثلاثة منها شاهرة، وسيف منها مكفوف، وسيف منها مغمود سله إلى غيرنا وحكمه إلينا (1). ثم قال: وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]): إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل. فسئل النبي (صلى الله عليه وآله [وسلم]) من هو ؟ فقال: خاصف النعل يعني أمير المؤمنين (عليه السلام. فقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع النبي صلى الله عليه وآله ثلاثا وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى بلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل الخبر. 249 - ن: بإسناد التميمي عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي (عليه السلام) أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. 250 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن القاسم بن زكريا، عن عباد بن يعقوب، عن نوح بن دراج، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح: عن جابر بن عبد الله قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) يوم الفتح خطيبا فقال: أيها الناس لا أعرفنكم ترجعون بعدي كفارا يضرب


(1) كذا في ط الحديث من الكافي وكلمة: " مغمود " أيضا مأخوذة منه، وفي أصلي من البحار: " وحكمه إليه ". 249 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في أواخر الباب: (31) تحت الرقم: (141) منه في أواسط المجلد الثاني من كتاب عيون أخبار الرضا، ص 61. 250 - الحديث رواه الشيخ الطوسي قدس سره في الحديث: (6) من الجزء (18) من أماليه: ج 1، ص 514 ط بيروت.

[294]

بعضكم رقاب بعض ولئن فعلتم ذلك لتعرفنني في كتيبة أضربكم بالسيف. ثم التفت عن يمينه فقال الناس: لقنه جبرئيل شيئا النبي فقال (صلى الله عليه وآله [وسلم]) هذا جبرئيل يقول أو علي. 251 - ختص: سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن عبد - الرحمان بن سالم، عن نوح بن دراج مثله. 252 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن جرير الطبري ومحمد بن علي بن الحسين معا، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن حسن بن حسن، عن يحيى بن يعلى، عن عبيد الله بن موسى عن أبي الزبير: عن جابر الانصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع وركبتي تمس ركبته يقول: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض أما إن فعلتم [ذلك] لتعرفنني في ناحية الصف. قال: وأشار إليه جبرئيل (عليه السلام) فالتفت إليه فقال: قل إنشاء الله أو علي ؟ قال: إنشاء الله أو علي. 253 - ما: بالاسناد عن الطبري عن محمد بن العلاء، عن عبد الرحمان بن أبي حاتم، عن عبد الله بن عبد الكريم، عن عمرو بن حماد بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة: عن ابن عباس رحمه الله [قال:] إن عليا كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله [وسلم]: إن الله عزوجل يقول: * (وما محمد إلا رسول قد


251 - رواه الشيخ المفيد في الحديث من كتاب الاختصاص. 252 - 253 - الاحاديث رواها الشيخ الطوسي قدس سره في الحديث: (8 و 9) من الجزء (18) من أماليه: ج 1، ص 514 - 515 ط بيروت.

[295]

خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت ! ! ! والله إني لاخوه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني ؟ ! ! 254 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن أحمد الهمداني، عن محمد بن أحمد القطواني، عن منذر العبدي: عن علي بن أبي فاطمة قال: كنت عند أبي بردة بن أبي موسى وعنده العيزار بن جرول التميمي قال أبو بردة: إن أهل الكوفة كانوا يدعون الله عز وجل أن ينصر المظلوم فنصر الله عليا على أهل الجمل فقال له العيزار بن جرول: ألا أحدثك بحديث سمعته من ابن عباس ؟ قال أبو بردة: بلى. قال: سمعت ابن عباس. يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كيف أنتم يا معشر قريش إذا كفرتم وضرب بعضكم وجه بعض بالسيف ثم تعرفوني أضربكم في كتيبة من الملائكة ؟ ! وأتاه جبرئيل فقال أنت إنشاء الله أو علي. فقال أبو بردة: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: نعم. 255 - فر: الحسين بن الحكم معنعنا عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه


254 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (34) من الجزء (16) من أماليه ج 1، 472 ط بيروت. 255 - رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في آخر تفسير سورة يوسف من تفسيره ص 71 ط 1.

[296]

قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بقيع الغرقد فقال: والذي نفسي بيده إن فكيم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلت المشركين على تنزيله وهم في ذلك يشهدون أن لا إله إلا الله، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فيكبر قتلهم على الناس حتى يطعنوا على ولي الله ويسخطوا عمله كما سخط موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار وكان خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لله رضا وسخط ذلك موسى (عليه السلام). بيان: قال الجوهري: الغرقد شجر وبقيع الغرقد مقبرة بالمدينة. 256 - ما: أبو عمر، عن ابن عقدة، عن يعقوب بن يوسف عن أحمد بن حماد عن فطر بن خليفة وبريد بن معاوية العجلي عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه: عن أبي سعيد الخدري قال: خرج إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وقد انقطع شسع نعله فدفعها إلى علي (عليه السلام) يصلحها ثم جلس وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير فقال: إن منكم لمن يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت الناس على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. فقال عمر: أنا يا رسول الله ؟ فقال: لا. ولكنه خاصف النعل. [قال أبو سعيد:] فأتينا عليا (عليه السلام) نبشره بذلك فكأنه لم يرفع به رأسا فكأنه قد سمعته قبل. قال إسماعيل بن رجاء: فحدثني أبي عن جدي أبي أمي خزام بن زهير إنه


256 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (48) من الجزء (9) من أماليه: ج 1، ص 260. ومثله رواه بسنده عن أبي عمر - ابن عساكر في الحديث: (1185) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 169، ط 2. وقريبا منه جدا رواه عبد الله بن أحمد في الحديث: (205) من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل ص 139، ط 1. وللحديث مصادر وأسانيد كثيرة فراجع تعليق الكتابين

[297]

كان عند علي في الرحبة فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين هل كان في النعل حديث ؟ فقال: اللهم إنك تعلم إنه كان مما كان يسره إلي رسول الله صلى الله عليه وآله. وأشار بيديه ورفعهما. 257 - جاما: المفيد، عن علي بن بلال، عن أحمد بن الحسن البغدادي عن الحسين بن عمر، عن علي بن الازهر، عن علي بن صالح المكي عن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله: " إذا جاء نصر الله والفتح " قال لي: يا علي لقد جاء نصر الله والفتح فإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا. يا علي إن الله قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم جهاد المشركين معي. فقلت: يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد ؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله الا الله، وأني رسول الله وهم مخالفون لسنتي وطاعنون في ديني فقلت: فعلام نقاتلهم يا رسول الله وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ فقال: على أحداثهم في دينهم وفراقهم لامري واستحلالهم دماء عترتي ! ! قال: فقلت: يا رسول الله إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله تعجيلها إلي فقال: أجل قد كنت وعدتك الشهادة فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا وأومي إلى رأسي ولحيتي فقلت: يا رسول الله أما إذا ثبت لي ما ثبت فليس [ذلك] بموطن صبر لكنه موطن بشرى وشكر فقال: أجل فقال: فأعد للخصومة فإنك مخاصم أمتي.


257 - رواه الشيخ المفيد في المجلس: (43) من أماليه ص 177. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (5) من الجزء الثالث من أماليه ج 1، ص 62، وفي الحديث سقط وتمامه في المختار: (122) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 397 ط 2.

[298]

[ف‍] قلت: يا رسول الله أرشدني [إلى] الفلج قال: إذا رأيت قومك قد عدلوا عن الهدى إلى الضلال فخاصمهم فإن الهدى من الله والضلال من الشيطان. يا علي إن الهدى هو اتباع أمر الله دون الهوى والراي وكأنك بقوم قد تأولوا القرآن وأخذوا بالشبهات واستحلوا الخمر بالنبيذ والبخس بالزكاة والسحت بالهدية. قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك ؟ أهم أهل فتنة أم أهل ردة ؟ فقال: هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول الله العدل منا أم من غيرنا ؟ فقال: بل منا بنا فتح الله وبنا يختم الله وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك وبنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة. فقلت الحمد لله على ما وهب لنا من فضله. بيان: " والبخس بالزكاة " لعل المراد به أنهم يبخسون المكيال والميزان وأموال الناس ثم يتداركون ذلك يالزكوات والصدقات من المال الحرام و [قوله:] " والسحت بالهدية " أي يأخذون الرشوة بالحكم ويسمونها الهدية. 258 - مع: ابن الوليد عن محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي الصيرفي عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله في حديث طويل يقول في آخره: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لام سلمة رضي الله عنها: يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب أخي في الدنيا وأخي في الآخرة. يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب وزيري في الدنيا ووزيري في الآخرة. يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب حامل لوائي في الدنيا وحامل لواء الحمد غدا في القيامة.


258 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في " باب معنى الناكثين والقاسطين والمارقين " وهو الباب: (188) من كتاب معاني الاخبار، ص 195.

[299]

يا أم سلمة: اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب وصيي وخليفتي من بعدي وقاضي عداتي والذائد عن حوضي. يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. قلت يا رسول الله من الناكثون ؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة وينكثونه بالبصرة. قلت: من القاسطون ؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام. ثم قلت: من المارقون ؟ قال: أصحاب النهروان. 259 - ير: محمد بن الحسين، عن النضر بن شعيب، عن خالد بن زياد القلانسي عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى علي (عليه السلام) وهو على منبره فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي أتكلم بما سمعت من عمار بن ياسر يرويه عن رسول الله قال: اتقوا الله ولا تكذبوا على عمار. فلما قال الرجل ذلك ثلاث مرات قال له علي (عليه السلام) تكلم. قال: سمعت عمارا يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا أقاتل على التنزيل وعلي يقاتل على التأويل. قال: صدق ورب الكعبة إن هذه عندي في الالف الكلمة [التي] تتبع كل كلمة ألف كلمة. 260 - شا: روى اسماعيل بن علي العمي عن نائل بن نجيح عن عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عليهما السلام قال: انقطع شسع نعل النبي (صلى الله عليه وآله) فدفعها إلى علي (عليه


259 - رواه الصفار قدس سره في الباب من كتاب بصائر الدرجات. 260 - رواه الشيخ المفيد قدس الله نفسه في الفصل الذي عقده لما ظهر في الحديبية لعلي في غزوات رسول الله من كتاب الارشاد، ص 65

[300]

السلام) يصلحها ثم مشى في نعل واحدة غلوة أو نحوها وأقبل على أصحابه وقال: إن منكم من يقاتل على التأويل كما قاتل معي على التنزيل. فقال أبو بكر: أنا ذاك يا رسول الله ؟ فقال: لا. فقال عمر: أنا [ذاك] يا رسول الله ؟ قال: لا. فأمسك القوم ونظر بعضهم إلى بعض فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]): ولكنه خاصف النعل وأومأ بيده إلى علي (عليه السلام) وانه يقاتل على التأويل إذا تركت سنتي ونبذت وحرف كتاب - الله وتكلم في الدين من ليس له في ذلك فيقاتلهم علي على إحياء دين الله تعالى. 261 - قب: أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري مثله إلى قوله خاصف النعل. 262 - قب: صحيح الترمذي أن النبي قال يوم الحديبية لسهيل بن عمرو وقد سأله رد جماعة فروى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم على الدين امتحن الله قلبه بالايمان قالوا: من هو يا رسول الله ؟ قال: هو خاصف النعل. وكان أعطى عليا (عليه السلام) نعله يخصفها.


261 - رواه أحمد في الحديث: (326 و 336 و 820 و 821) من مسند أبي سعيد الخدري من كتاب المسند: ج 3 ص 31 و 33 و 82 ط 1، ورواه أيضا في الحديث: (193) و (205) من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 130، و 140، ط 1. 262 - رواه ابن شهر اشوب - مع ما قبله وما بعده - في عنوان: " خاصف النعل " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 244 ط النجف. والحديث رواه الترمذي في باب مناقب علي عليه السلام من كتاب الفضائل تحت الرقم: (3715) من سننه: ج 5 ص 634. وقد رواه أيضا النسائي في الحديث: (31) من خصائص أمير المؤمنين ص 85 ط بيروت وقد علقنا عليه عن مصادر منها حديث الترمذي.

[301]

263 - يف: من مسند أحمد لتنتهن معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم. وذكر مثله. ثم قال ورووه في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث من سنن أبي داود وصحيح الترمذي. 264 - قب: الخطيب في التاريخ والسمعاني في الفضائل أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تنتهن يا معشر قريش حتى يبعث الله رجلا امتحن [الله] قلبه بالايمان الحديث سواءا. [و] روى ابن بطة في الابانة حديث خاصف النعل بسبعة طرق منها ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا ولكنه خاصف النعل [قال أبو سعيد:] فابتدرنا ننظر فإذا هو علي عليه السلام يخصف نعل رسول الله.


263 - والظاهر أن الحديث هو ما رواه عبد الله بن أحمد في الحديث: (227) من باب فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 158، ط 1. 264 - رواه ابن شهر اشوب في عنوان: " خاصف النعل " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 244 ط النجف. ورواه الخطيب البغدادي في الحديث الاول من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام وبسند آخر في ترجمة ربعي بن حراش من تاريخ بغداد: ج 1 ص 133، وج 8 ص 433. ورواه عنه وعن غيره بأسانيد الحافظ ابن عساكر في الحديث: (873) من ترجمة. علي عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 2 ص 366 ط 2.

[302]

265 - كشف: [عن] البغوي في شرح السنة عن أبي سعيد مثله. 266 - قب: وكاتبني الخطيب في الاربعين بإسناده عن الخدري ما رويناه بأسانيد عن جابر بن يزيد عن الباقر (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انقطع شسع نعله فدفعها إلى علي (عليه السلام) ليصلحها فقال: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. [فاستشرف لها القوم فقال أبو بكر: أنا هو ؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو ؟ قال: لا ولكن هو خاصف النعل يعني عليا] قال أبو سعيد: فخرجت فبشرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يكترث به فرحا كأنه سمعه. ذكره أحمد في الفضائل والبخاري ومسلم (1) ولفظه لمسلم: عن الخدري قال: [قال] رسول الله (صلى الله عليه وسلم) [تفرق أمتي] فرقتان فيخرج من بينهما فرقة ثالثة يلي قتلهم أولاهم بالحق.


265 - ورواه الاربلي رحمه الله في أواسط عنوان: " فضل مناقبه وما أعده الله لمحبيه " ثم أعاده في بيانه ما ظهر لامير المؤمنين في غزوة الحديبية من غزوات رسول الله نقلا عن المفيد والترمذي، ثم ذكره في عنوان: " خاصف النعل " نقلا عن كتاب الجمع بين الصحاح لرزين وعن مسند أحمد - من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 123، و 211، و 335 ط بيروت. 266 - ذكره ابن شهر آشوب في عنوان: " خاصف النعل " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 244، ومراده من الخطيب هو موفق بن أحمد الخوارزمي والحديث موجود في الفصل الرابع من الفصل: (16) من مناقب الخوارزمي - وهو المقصود للمصنف من أربعين الخطيب - ص 183، ط 3. والحديث رواه الخوارزمي بسنده عن الحاكم، والحاكم رواه في باب فضائل علي عليه السلام من كتاب المستدرك: ج 3 ص 122، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منهما. (1) انظر الباب 48 وما حوله من كتاب الزكاة من صحيح مسلم ج 2 ص 748 وما حولها، والحديث: (323 و 341) وما بعده من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل.

[303]

267 - قب: أبو يعلى الموصلي والخطيب التاريخي وأبو بكر ابن مردويه بطرق كثيرة عن علي (عليه السلام) أنه قال: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. عبدوس بن عبد الله الهمداني وأبو بكر بن فورك الاصفهاني وشيرويه الديلمي والموفق الخوارزمي وأبو بكر بن مردويه في كتبهم عن الخدري في خبر قال: فقال علي: يا رسول الله على ما أقاتل القوم ؟ قال: على الاحداث في الدين. وفي رواية أنه قال: فأين الحق يومئذ ؟ قال: يا علي الحق معك وأنت معه قال: إذا لا أبالي ما أصابني. شيرويه في الفردوس عن وهب بن صيفي وروى غيره عن زيد بن أرقم قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا أقاتل على التنزيل وعلي يقاتل على التأويل.


267 - رواه ابن شهر اشوب في عنوان: " فصل في ظالميه ومقاتليه " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 18، ط النجف. وللحديث أسانيد كثيرة ومصادر يجد الباحث كثيرا منها تحت الرقم: (1206) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 200 ط 2. وأيضا رواه الحاكم النيسابوري بأسانيد كثيرة في كتاب الاربعين كما رواها عنه الحموئي في الباب: (53) من السمط الاول من فرائد السمطين: ج 1، ص 278 ط بيروت. ورواه أيضا السيوطي عن أربعين الحاكم في فضائل علي عليه عليه السلام من كتاب اللآلئ المصنوعة: ج 1، ص 213. وأيضا رواها عن الحاكم ابن كثير في ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ البداية والنهاية: ج 7 ص 305 كما رواها عنه المتقي في كنز العمال: ج 6 ص 72 ط 1. ورواها أيضا العلامة الاميني عن مصادر في رد مخاريق ابن تيمية وحكم قتال الجمل وصفين من كتاب الغدير: ج 3 ص 174

[304]

268 - جا: أحمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن أبي جميلة عن ابن تغلب عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال: بلغ رسول الله عن قوم من قريش أنهم قالوا: يرى محمد أنه قد أحكم الامر في أهل بيته ؟ ! ولئن مات لنعزلنها عنهم ولنجعلنها في سواهم ! ! ! فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قام في مجمعهم ثم قال: يا معشر قريش كيف بكر وقد كفرتم بعدي ثم رأيتموني في كتيبة من أصحابي أضرب وجوهكم ورقابكم بالسيف ؟ فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) في الحال. فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: قل إنشاء الله أو علي بن أبي طالب. فقال رسول الله: إنشاء الله أو علي بن أبي طالب يتولى ذلك منكم. 269 - كشف: قال ابن طلحة: قال البغوي في شرح السنة: عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتى منزل أم سلمة فجاءه علي (عليه السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أم سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي. وعن زر أنه سمع عليا (عليه السلام) يقول: أنا فقأت عين الفتنة [و] لولا أنا ما قتل أهل النهروان وأهل الجمل ولولا أنني أخشى أن تتركوا العمل لانبأتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله لمن قاتلهم مستبصرا ضلالهم عارفا للهدى الذي نحن عليه.


268 - رواه الشيخ المفيد في المجلس: (3) من أماليه ص 73. 269 - رواه الاربلي رحمه الله قبيل العنوان: " وأما تفصيل العلوم فمنه ابتداؤها " من كتاب كشف الغمة: ج 1 ص 129، ط بيروت.

[305]

270 - جش: محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد بن سعيد عن أحمد بن يوسف عن علي بن الحسين بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن اسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين عن اسماعيل بن الحكم عن عبد الله بن عبيدالله بن أبي رافع عن أبيه: عن أبي رافع قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نائم أو يوحى إليه وإذا حية في جانب البيت فكرهت أن أقتلها فأوقظه فاضطجعت بينه وبين الحية حتى إن كان منها سوء يكون لي دونه فاستيقظ وهو يتلو هذه الآية: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون) * [55 / المائدة: 5] ثم قال: الحمد لله الذي أكمل لعلي منته وهنيئا لعلي بتفضيل الله إياه ثم التفت فرآني إلى جانبه فقال: ما أضجعك ها هنا يا أبا رافع ؟ فأخبرته خبر الحية فقال: قم إليها فاقتلها فقتلتها. ثم أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيدي فقال: يا أبا رافع كيف أنت وقوم يقاتلون عليا وهو على الحق وهم على الباطل يكون في حق الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم فبقلبه فمن لم يستطع فليس وراء ذلك شئ (1).


270 - رواه النجاشي رفع الله مقامه في ترجمة أبي رافع إبراهيم مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رجاله ص 3. وانظر الحديث: (5) وتعليقه من كتاب النور المشتعل ص 60 ط 1. (1) كذا في طبعة الكمباني من كتاب البحار هذا. وفي رواية أبي نعيم في كتاب ما نزل...: " يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا، حق على الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه... "

[306]

فقلت: [يا رسول الله] ادع لي إن إدركتهم أن يعينني الله ويقويني على قتالهم فقال: الله إن أدركهم فقوه وأعنه. ثم خرج إلى الناس فقال: يا أيها الناس من أحب أن ينظر إلى أميني على نفسي وأهلي فهذ أبو رافع أميني على نفسي. قال عون بن عبيد الله بن أبي رافع فلما بويع علي (عليه السلام) وخالفه معاوية بالشام وسار طلحة والزبير إلى البصرة قال أبو رافع: هذا قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " سيقاتل عليا قوم يكون حقا في الله جهادهم " فباع أرضه بخيبر وداره ثم خرج مع علي (عليه السلام) وهو شيخ كبير له خمس وثمانون سنة وقال: الحمد لله لقد أصبحت ولا أحد بمنزلتي لقد بايعت البيعتين بيعة العقبة وبيعة الرضوان وصليت القبلتين وهاجرت الهجر الثلاث. قلت: وما الهجر الثلاث ؟ قال: هاجرت مع جعفر بن أبي طالب رحمة الله عليه إلى أرض الحبشة وهاجرت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وهذه الهجرة مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الكوفة. فلم يزل مع علي حتى استشهد علي فرجع أبو رافع إلى المدينة مع الحسن (عليه السلام) ولا دار له بها ولا أرض فقسم له الحسن دار علي بنصفين وأعطاه سنخ أرض أقطعه إياها فباعها عبيدالله بن أبي رافع من معاوية بمائة ألف وسبعين ألفا. 271 - ك: أبي عن الحميري عن هارون عن ابن زياد عن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي: إن في النار لمدينة يقال لها الحصينة أفلا تسألوني ما فيها ؟ فقيل: وما فيها يا أمير المؤمنين ؟ فقال: فيها أيدي الناكثين.


271 - رواه الصدوق رحمه الله في الباب من كتاب اكمال الدين.

[307]

272 - كافية: المفيد عن إبراهيم بن عمر عن أبيه عن الاجلح عن عمران قال: قال حذيفة: من أراد منكم أن يقاتل شيعة الدجال فليقاتل أهل الناكثين وأهل النهروان. 273 - أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى إبراهيم بن ديزيل الهمداني في كتاب صفين عن يحيى بن سليمان عن يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، عن أبيه عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه ومحمد بن الفضيل عن الاعمش عن إسماعيل بن رجاء: عن أبي سعيد الخدري رحمه الله قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانقطع شسع نعله فألقاها إلى علي (عليه السلام) يصلحها ثم قال: إن منكم من يقاتل علي تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. فقال عمر بن الخطاب: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا ولكنه ذاكم خاصف النعل. [قال:] و [كان] يد علي (عليه السلام) [على نعل النبي (صلى الله عليه وآله] يصلحها (1). قال أبو سعيد فأتيت عليا فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شئ قد كان علمه من قبل.


272 - رواه الشيخ المفيد في كتاب الكافية. 273 - الحديثان رواهما ابن أبي الحديد في شرح المختار: (48) - من نهج البلاغة -: ج 1 ط بيروت ص 6430، وفي ط الحديث بمصر: ج 3 ص 206. (1) ما بين المعقوفين الاخيرين مأخوذ من شرح ابن أبي الحديد، وأما المعقوفات الاول فزيادة توضيحية منا.

[308]

وروى ابن ديزيل في هذا الكتاب أيضا عن يحيى بن سليمان عن ابن فضيل عن إبراهيم بن الهجري عن أبي صادق قال: فدم علينا أبو أيوب الانصاري العراق فأهدت له الازد جزرا فبعثوها معي فدخلت إليه فسلمت عليه وقلت له: يا أبا أيوب قد كرمك الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وآله ونزوله عليك فما لي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم هؤلاء مرة وهؤلاء مرة ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين فقد قاتلناهم وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم يعني معاوية وأصحابه وعهد إلينا أن نقاتل مع علي المارقين ولم أرهم بعد. 274 - و [أيضا] قال [إبن أبي الحديد]: روى كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. قال: فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد ؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة. فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال: على الاحداث في الدين ومخالفة الامر. فقلت: يا رسول الله إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها لي بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ؟ أما إني وعدتك بالشهادة وتستشهد يضرب على هذه فتخضب هذه (1) فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يا


274 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (157) من نهج البلاغة: ج 3 ط الحديث ببيروت ص 277. وليلاحظ المختار: (122) وتعليقاته من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 397 ط 2. (1) كذا في طبع الكمباني من أصلي، وفي شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة طبع بيروت: " أما إني وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه... "

[309]

رسول الله ليس ذا بموطن صبر هذا موطن شكر ! ! قال: أجل أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم. فقلت: يا رسول الله لو بينت لي قليلا فقال: إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن وتعمل بالرأي وتستحل الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال فكن حلس بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الامور تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك ؟ أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة ؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا ؟ فقال: بل منا، بنا فتح الله وبنا يختم وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله. وقال عند قوله (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية: " فلما نهضت بالامر نكثت. طائفة ومرقت أخرى وفسقت آخرون " ما هذا لفظه: فأما الطائفة الناكثة فهم أصحاب الجمل، وأما الطائفة القاسطة فأصحاب صفين وسماهم رسول الله صلى الله عليه وآله القاسطين، وأما الطائفة المارقة فأصحاب النهروان. وأشرنا نحن بقولنا: سماهم رسول الله القاسطين إلى قوله: " ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين " وهذا الخبر من دلائل نبوته صلوات الله عليه، لانه إخبار صريح بالغيب لا يحتمل التمويه والتدليس كما تحتمله الاخبار المجملة. وصدق قوله عليه السلام: " والمارقين " (1). قوله أولا في الخوارج:


(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة: ج 1 ص 170، ط الحديث ببيروت، وفي ط الكمباني من البحار: " وصدق لقوله صلى الله عليه وآله: " والمارقين " قوله أولا في الخوارج يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ".

[310]

" يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ". وصدق قوله: الناكثين كونهم نكثوا البيعة بادئ بدء وقد كان يتلو وقت مبايعتهم " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " وأما أصحاب الصفين فإنهم عند أصحابنا مخلدون في النار لفسقهم فصح فيهم قوله تعالى: * (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) * 275 - كنز الكراجكي: عن القاضي أسد بن إبراهيم السلمي - وكان من المخالفين المعاندين - عن محمد بن أحمد الحنظلي عن عبد الله بن أحمد بن عامر عن محمد بن يونس عن أحمد بن مضا عن محمد بن يعقوب ومعاذ بن حكيم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عوف بن مالك المازني: عن ابن عباس قال: رأيت أبا ذر الغفاري متعلقا بحلقة بيت الله الحرام وهو يقول: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته باسمي أنا جندب الربذي أبو ذر الغفاري إني رأيت رسول الله في العام الماضي وهو آخذ بهذه الحلقة وهو يقول: أيها الناس لو صمتم حتى تكونوا كالاوتار وصليتم حتى تكونوا كالحنايا ودعوتم حتي تقطعوا إربا إربا ثم أبغضتم علي بن أبي طالب أكبكم الله في النار. [ثم قال:] قم يا أبا الحسن فضع خمسك في خمسي يعني كفك في كفي فإن الله اختارني وإياك من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها فمن قطع فرعها أكبه الله على وجهه في النار. [ثم قال:] علي سيد المرسلين وإمام المتقين يقتل الناكثين والمارقين والجاحدين.


275 - رواه العلامة الكراجكي رحمه الله في كتاب كنز الفوائد.

[311]

علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. 276 - يف: روى محمود الخوارزمي في كتاب الفائق في الاصول في باب " قال " وقال: يعني النبي صلى الله عليه وآله في ذكر بيان معجزاته يعني معجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: وقال يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): " ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ". [ثم قال محمود الخوارزمي: ف‍] قاتل [علي] طلحة والزبير بعدما نكثا بيعته وقاتل معاوية وقومه وهم القاسطون أي الظالمون، وقاتل الخوارج وهم المارقون. هذا لفظ الخوارزمي. ومن ذلك ما رواه الخوارزمي محمود في كتاب الفائق المذكور في باب ذكر في ساير معجزاته (عليه السلام) من قصة ذي الثدية الذي قتل مع الخوارج. وقد رواه الحميدي في الحديث الرابع من المتفق عليه من مسند أبي سعيد الخدري في حديث ذي الثدية وأصحابه الذين قتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق. وفي رواية الاوزاعي في صفة ذى الثدية: إن إحدى ثدييه مثل البيضة تدورت يخرجون على خير فرقة [من] المسلمين (1). قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وأشهد أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قاتلهم وأنا معه وأمر


276 - رواه السيد ابن طاووس في الحديث: (154) من كتاب الطرائف 104 (1) كذا.

[312]

بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وآله الذي نعت. [قال صاحب الطرائف:] هذا لفظ ما رواه الحميدي في حديثه. ومن ذلك ما رواه الخوارزمي في كتاب الفايق أيضا في باب ذكر سائر معجزاته (عليه السلام) قال: وقال يعني النبي صلى الله عليه وآله لعلي (عليه السلام): ألا أخبرك بأشقى الناس رجلان أحيمر ثمود ومن يضربك يا علي على هذا ووضع يده على قرنه فيبتل منه هذه وأخذ بلحيته فكان كما أخبر. هذا لفظ الخوارزمي. وأحيمر ثمود: عاقر ناقة صالح، وقاتل علي (عليه السلام) [هو] عبد الرحمن بن ملجم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. 277 - كنز: محمد بن العباس عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن حسن بن فرات عن مصبح بن الهلقام العجلي عن أبي مريم عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة قال في قوله تعالى * (فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) * [42 / الزخرف: 43] يعني بعلي بن أبي طالب (عليه السلام). 278 - كنز: محمد بن العباس عن أحمد بن محمد بن موسى النوفلي عن عيسى بن مهران عن يحيى بن حسن بن فرات بإسناده إلى حرب بن أبي الاسود الدئلي عن عمه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما نزل [عليه قوله تعالى] " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " [قال:] أي بعلي كذلك حدثني جبرئيل.


277 - 282 - رواها العلامة الكراجكي في كتاب كنزل الفوائد، وأكثرها رواها الحسكاني في الحديث: (851) من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 152.

[313]

279 - كنز: محمد بن العباس عن عبد العزيز بن يحيى عن المغيرة بن محمد عن عبد الغفار بن محمد عن منصور بن أبي الاسود عن زياد بن المنذر: عن عدي بن ثابت قال: سمعت ابن عباس يقول: ما حسدت قريش عليا (عليه السلام) بشئ مما سبق له أشد مما وجدت [عليه] يوما ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: كيف أنتم معشر قريش لو قد كفرتم من بعدي فرأيتموني في كتييبة أضرب وجوهكم بالسيف فهبط عليه جبرئيل فقال: قل إنشاء الله أو علي فقال: إنشاء الله أو علي. 280 - كنز: محمد بن العباس عن الحسين بن أحمد عن محمد بن عيسى عن يونس عن عبد الرحمن بن سالم: عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) * وقال: الله انتقم بعلي (عليه السلام) يوم البصرة وهو الذي وعد الله رسوله. 281 - كنز: محمد بن العباس عن علي بن عبد الله عن إبراهيم بن محمد عن علي بن هلال عن محمد بن الربيع قال: قرأت على يوسف الازرق حتي انتهيت في الزخرف إلى قوله: " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " فقال: يا محمد أمسك فأمسكت فقال يوسف: قرأت على الاعمش فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: يا يوسف أتدري فيمن نزلت ؟ قلت: الله أعلم قال: نزلت في علي ابن أبي طالب " فإما نذهبن بك فإنا منهم بعلي منتقمون " محيت والله من القرآن واختلست والله من القرآن. 282 - كنز: محمد بن العباس عن ابن عقدة عن محمد بن أحمد عن المنذر بن جعفر بن الحكم عن أبيه عن منصور بن المعتمر: عن ربعى بن حراش قال: خطبنا علي في الرحبة ثم قال: إنه لما كان في زمان الحديبية خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أناس من قريش من أشراف أهل مكة فيهم سهيل بن عمرو فقالوا: يا محمد أنت جارنا وحليفنا

[314]

وابن عمنا ولقد لحق بك أناس من آبائنا وإخواننا وأقاربنا ليس بهم التفقه في الدين ولا رغبة فيما عندك ولكن إنما خرجوا فرارا من ضياعنا وأعمالنا وأموالنا فارددهم علينا. فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر فقال له: أنظر فيما يقولون ؟ فقال: صدقوا يا رسول الله وأنت جارهم فارددهم عليهم. قال: ثم دعا عمر فقال مثل قول أبي بكر فقال رسول الله عند ذلك لا تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه للتقوى يضرب رقابكم على الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. فقام عمر فقال: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا ولكنه خاصف النعل. و [أنا] كنت أخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ثم التفت إلينا علي (عليه السلام) فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. 283 - أقول: روى في المستدرك من كتاب فضائل الصحابة للسمعاني بإسناده إلى ربعي مثله. 284 - مد: بإسناده إلى أحمد بن حنبل من مسنده بإسناده إلى ابن عباس أن عليا كان يقول في حيات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله عز


283 - لم يصل إلي كتاب المستدرك، ولكن الحديث الذي رواه عن السمعاني له مصادر كثيرة تقدم ذكر بعضها. 284 - رواه يحيى بن الحسن بن البطريق رفع الله مقامه في الفصل: (19) من كتاب العمدة ص 84. والحديث مذكور تحت الرقم: (232) من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل - تأليف أحمد بن حنبل وابنه - ص 166، ط 1. وقد ذكرناه في المختار: (3) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 27 ط 2 عن مصادر كثيرة. (*)

[315]

وجل قال: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ولئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل [عليه] حتى أموت، والله إني لاخوه ووليه وابن عمه ووارثه ومن أحق به مني. 285 - مد: من الجزء الثاني من كتاب الشريعة تصنيف الشيخ أبي بكر محمد بن الحسين تلميذ أبي بكر ولد أبي داود السجستاني عن عبد الله بن محمد بن ناجية عن أحمد بن يحيى الصوفي عن حسين بن حسن الاشقر عن سابح عن علي بن الحكم العبدي عن الاعمش عن إبراهيم: عن علقمة بن قيس والاسود بن يزيد قالا: أتينا أبا أيوب الانصاري فقلنا له: إن الله تبارك وتعالى أكرمك بمحمد إذ أوحى إلى راحلته فبرك على بابك فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضيفك فضلك الله عزوجل بها ثم خرجت تقاتل مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ ! [ف‍] قال [أبو أيوب]: مرحبا بكما وأهلا إنني أقسم لكما بالله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي (عليه السلام) جالس عن يمينه وأنا. قائم بين يديه إذ حرك الباب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أنس أنظر من بالباب ؟ فخرج ونظر ورجع وقال: هذا عمار بن ياسر قال: قال أبو أيوب: فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يا أنس افتح لعمار الطيب المطيب ففتح أنس الباب فدخل عمار فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرد عليه ورحب به وقال: يا عمار إنه سيكون في أمتي بعد هنات واختلاف حتى يختلف السيف بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا وتتبرأ بعضهم من


285 - رواه ابن البطريق رحمه الله في أواخر الفصل: " 36 " في أواخر كتاب العمدة ص 235. وقريبا منه رواه أيضا في أواسط الفصل: (36) ص 178، نقلا عن رزين العبدري في كتاب الجمع بين الصحاح الست عن موطأ مالك بن أنس الاصبحي.

[316]

بعض فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الذي عن يميني يعني عليا فإن سلك [الناس] كلهم واديا وعلي واديا فاسلك وادي علي وخل الناس طرا يا عمار إنه لا يزيلك عن هدى. يا عمار إن طاعة علي لمن طاعتي وطاعتي من طاعة الله عزوجل. 286 - 287 - أقول وروى في المستدرك من كتاب حلية الاولياء بإسناده عن المنهال بن عمرو عن زر أنه سمع عليا يقول: أنا فقأت عين الفتنة [و] لولا أنا ما قوتل أهل النهروان وأهل الجمل ولولا أنني أخشى أن تتركوا العمل لانبأتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله لمن قاتلهم مبصرا بضلالتهم عارفا بالهدى الذي نحن عليه. وبإسناده عن ربعي بن حراش قال: خطبنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالمدائن فقال: جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اردد علينا أبناءنا وأرقاءنا فإنما خرجوا تعوذا بالاسلام. فقال النبي صلى


286 - تقدم الحديث عن مصدر آخر تحت الرقم: (248) في الباب: (7) ص 456 من طبعة الكمباني. والحديث رواه أبو نعيم في ترجمة زر بن حبيش الاسدي من كتاب حلية الاولياء: ج 1، ص 186. ورواه أيضا النسائي المتوفي سنة: (303) في الحديث: (188) من كتاب خصائص أمير المؤمنين ص 324 وقد ذكرناه في تعليقه عن مصادر كثيرة. وقد ذكرناه أيضا عن مصادر في المختار: (276) وما قبله من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 435 - 447 - ط 1. 287 - للحديث أسانيد كثيرة ومصادر جمة يجد الباحث كثيرا منها تحت الرقم: (873) وما بعده وتعليقاته من ترجمة الامام أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 2 ص 366 - 375 ط 2.

[317]

الله عليه وآله. لا تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله رجلا امتحن الله قلبه للايمان يضرب رقابكم على الدين. 288 - ومن كتاب فضائل الصحابة للسمعاني بإسناده عن أبي الزبير عن جابر قال: لما أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله * (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) * [42 / الزخرف] قال بعلي بن أبي طالب. أقول: قد مر بعض الاخبار في باب شكايته (عليه السلام).


288 - للحديث أسانيد كثيرة ومصادر يجد الطالب كثيرا منها في الحديث: (851) وما بعده وتعليقاته من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 153، ط 1. وفي الفصل (11) من كتاب خصائص الوحي المبين ص 97 ط 1.

[319]

[الباب الثامن] باب حكم من حارب عليا أمير المؤمنين صلوات الله عليه 289 - ن: الحسين بن أحمد البيهقي عن محمد بن يحيى الصولي عن عون بن محمد عن سهل بن القاسم قال: سمع الرضا (عليه السلام) بعض أصحابه يقول: لعن الله من حارب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: قل إلا من تاب وأصلح. ثم قال له: ذنب من تخلف عنه ولم يتب أعظم من ذنب من قاتله ثم تاب. 290 - ما: المفيد عن علي بن بلال عن محمد بن الحسين بن حميد اللحمي عن سليمان بن الربيع عن نصر بن مزاحم. قال علي بن بلال: وحدثني علي بن عبد الله بن أسد الاصفهاني عن الثقفي عن محمد بن علي عن نصر بن مزاحم عن يحيى بن يعلى الاسلمي عن علي بن الحزور: عن الاصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير


289 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في آخر الباب: (32) من كتاب عيون أخبار الرضا - عليه السلام -: ج 2 ص 86 طبع النجف.

[320]

المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة والرسول واحد والصلاة واحدة والحج واحد فبم نسميهم ؟ قال: بما سماهم الله تعالى في كتابه فقال: ما كل ما في كتاب الله أعلمه. فقال: أما سمعت الله تعالى يقول في كتابه: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) * فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله عزوجل وبدينه وبالنبي صلى الله عليه وآله وبالكتاب وبالحق فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا وشاء الله منا قتالهم فقاتلناهم بمشيته وإرادته. 291 - جا: علي بن بلال مثله. 292 - قب: اختلفوا في محاربة علي (عليه السلام) فقالت الزيدية ومن المعتزلة النظام وبشر بن المعتمر ومن المرجئة أبو حنيفة وأبو يوسف وبشر المريسي ومن قال بقولهم: إنه كان مصيبا في حروبه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن من قاتله (عليه السلام) كان على خطأ. وقال أبو بكر الباقلاني وابن إدريس: من نازع عليا (عليه السلام) في خلافته فهو باغ.


290 - 291 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في المجلس: (12) من أماليه ص 67. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (39) من الجزء (7) من أماليه: ج 1، ص 200. وقد تقدم عن المصنف نقل الحديث عن كتاب الاحتجاج في الحديث: (136) في الباب: (3) ص 436. ورواه أيضا ابن شهر اشوب في عنوان: " فصل في ظالميه ومقاتليه " من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 19، ط النجف. 292 - رواه ابن شهر آشوب رحمه الله في عنوان: " فصل في ظالميه ومقاتليه " من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 17.

[321]

وفي تلخيص الشافي: إنه قالت الامامية: من حارب أمير المؤمنين كان كافرا يدل عليه إجماع الفرقة وأن من حاربه كان منكرا لامامته ودافعا لها ودفع الامامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لان الجهل بهما على حد واحد. وقوله (عليه السلام) " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر. وقوله: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ولا تجب عداوة أحد بالاطلاق دون الفساق. ومن حاربه كان يستحل دمه ويتقرب إلى الله بذلك واستحلال دم المؤمن كفر بالاجماع وهو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق فكيف استحلال دم الامام. وروى عنه المخالف والمؤالف: " يا علي حربك حربي وسلمك سلمي " ومعلوم أنه (عليه السلام) إنما أراد أن أحكام حربك تماثل أحكام حربي ولم يرد أن أحد الحربين هو الآخر لان المعلوم خلاف ذلك وإذا كان حرب النبي كفرا وجب مثل ذلك في حربه. [وروى] أبو عيسى في جامعه والسمعاني في كتابه وابن ماجة في سننه وأحمد في المسند والفضائل وابن بطة في الابانة وشيرويه في الفردوس والسدي في التفسير والقاضي المحاملي كلهم عن زيد بن أرقم. وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة وأبو الجحاف عن مسلم بن صبيح كلهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. تاريخ الطبري وأربعين ابن المؤذن [قالا: روى] أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله [أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين]: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.

[322]

ابن مسعود قال: [قال النبي] (صلى الله عليه وآله) له: عاديت من عاداك وسالمت من سالمك (1). الخركوشي في اللوامع [قال] قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من قاتلني في الاولى وقاتل أهل بيتي في الثانية فأولئك شيعة الدجال. 293 - قب: عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه ذكر الذين حاربهم علي (عليه السلام) فقال: أما إنهم أعظم جرما ممن حارب رسول الله صلى الله عليه وآله ! ! قيل له: وكيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال: أولئك كانوا أهل جاهلية وهؤلاء قرؤا القرآن وعرفوا أهل الفضل فأتوا ما أتوا بعد البصيرة. 294 - فر: الحسن بن علي بن بزيع معنعنا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يا معشر المسلمين قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ثم قال: هؤلاء القوم هم ورب الكعبة يعني أهل صفين والبصرة والخوارج. 295 - فر: الحسين بن سعيد معنعنا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه


(1) كذا في طبع الكمباني من البحار، وفي طبع النجف من مناقب آل أبي طالب: " ابن مسعود قال [قال النبي] صلى الله عليه وآله وسلم [لعلي]: عاديت من عاداك وسالمت من سالمك. 293 - أيضا رواه ابن شهر اشوب في العنوان المتقدم الذكر من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 18، ط النجف. 294 - رواه فرات بن إبراهيم في أواسط تفسير سورة التوبة في تفسير الآية (12) منها من تفسيره ص 57 ط 1. 295 - رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسير الآية: (20) من سورة الحشر من تفسيره ص 181، ط 1. ورواه الشيخ الطوسي بسند آخر في الحديث: (12) من الجزء (13) من أماليه: ج 1، ص 373 ط بيروت.

[323]

قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الآية: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) * ثم قال: أصحاب الجنة من أطاعني وسلم لعلي الولاية بعدي وأصحاب النار من نقض البيعة والعهد وقاتل عليا بعدي ألا إن عليا بضعة مني فمن حاربه فقد حاربني. ثم دعا عليا فقال: يا علي حربك حربي وسلمك سلمي وأنت العلم فيما بيني وبني أمتي. 296 - كا: محمد بن يحيى عن ابن عيسى عن محمد بن خالد والحسين [بن] سعيد معا عن النضر عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان: عن ضريس قال: تمارى الناس عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال بعضهم: حرب علي شر من حرب (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ! ! ! وقال بعضهم: حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شر من حرب علي (عليه السلام). قال: فسمعهم أبو جعفر (عليه السلام) فقال: ما تقولون ؟ فقالوا أصلحك الله تمارينا في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وفي حرب علي (عليه السلام) فقال بعضنا: حرب علي شر من حرب رسول الله صلى الله عليه وآله. وقال بعضنا: حرب رسول الله صلى الله عليه وآله شر من حرب علي (عليه السلام) ! ! ! فقال أبو جعفر (عليه السلام): لا بل حرب علي أشر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: جعلت فداك أحرب علي شر من حرب رسول الله ؟ قال: نعم وسأخبرك عن ذلك إن حرب رسول الله صلى الله عليه


296 - رواه ثقة الاسلام الكليني رحمه الله. (1) المصدر بمعنى اسم الفاعل كما يدل عليه ذيل الحديث أي إن محاربي علي كانوا شرا من محاربي رسول الله..

[324]

وآله لم يقروا بالاسلام وإن حرب علي (عليه السلام) أقروا بالاسلام ثم جحدوه. 297 - ب: ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه أن عليا (عليه السلام) كان يقول لاهل حربه: إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم نقاتلهم على التكفير لنا ولكنا رأينا أنا على حق ورأوا أنهم على حق. 298 - ب: بالاسناد قال: إن عليا لم يكن ينسب أحدا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكنه كان يقول: هم أخواننا بغوا علينا. 299 - ما: المفيد عن أبي عبد الله المرزباني قال: وجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحمدوني الشاعر قال: سمعت الرياشي ينشد للسيد بن محمد الحميري: أن امرءا خصمه أبو حسن * لعازب الرأي داحض الحجج لا يقبل الله منه معذرة * ولا يلقنه حجة الفلج 300 - 303 - كا بإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عزوجل نصب عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا ومن جهله كان ضالا ومن نصب معه شيئا كان مشركا ومن جاء بولايته دخل الجنة. وعن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن عليا


297 - 298 - رواه الحميري رحمه الله في الحديث: " 297 و 302 " من كتاب قرب الاسناد، ص 45 ط 1. 299 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: 56 من الجزء (8) من أماليه: ج 1 ص 234. 300 - 303 - رواهما ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في " باب فرض طاعة الائمة " وفي باب: " نتف وجوامع من الرواية في الولاية " من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 187، و 437 ط الآخوندي. (*)

[325]

(عليه السلام) باب فتحه الله فمن دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله [تبارك و] تعالى: [لي] فيهم المشية. وعن أبي سلمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول نحن الذين فرض الله طاعتنا لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا من عرفنا كان مؤمنا من أنكرنا كان كافرا ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء. وعن محمد بن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال حبنا إيمان وبغضنا كفر. 304 - 306 - وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى نصر بن مزاحم عن أبي عبد الرحمان المسعودي عن يوسف بن الارقم عن عوف بن عبد الله عن عمرو بن هند عن أبيه قال: لما نظر علي (عليه السلام) إلى أصحاب معاوية وأهل الشام قال: والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا رجعوا إلى عداوتهم لنا إلا أنهم لم يتركوا الصلاة. وعن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما كان قتال صفين قال رجل لعمار: يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله): قاتلوا الناس حتى يسلموا فإذا أسلموا عصموا مني دمائهم وأموالهم ؟ قال: بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا.


304 - 306 - رواه ابن أبي الحديد في آخر شرح المختار: (54) من نهج البلاغة: ج 1، ص 760 ط بيروت، وفي ط الحديث بمصر: ج 4 ص 31. وقد رواها نصر بن مزاحم رحمه الله في الوقعة الثالثة من القتال بصفين وهي مقاتلة عمار بن ياسر وأصحابه مع عمرو بن العاص وأصحابه في أول الجزء الرابع من كتاب صفين ص 215 ط مصر، وفي ط ص 241.

[326]

وعن حبيب عن منذر الثوري قال: قال محمد بن الحنفية لما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله من أعلى الوادي ومن أسفله وملأ الاودية كتائب يعني يوم فتح مكة استسلموا حتى وجدوا أعوانا. 307 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من فارقني فقد فارق الله ومن فارق عليا فقد فارقني. 308 - 317 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة عن صالح بن أبي الاسود عن كثير النواء قال: سألت أبا جعفر عن محاربي أمير المؤمنين صلوات الله عليه أقتلهم وهم مؤمنون ؟ قال: إذا كان يكون والله أضل من بغلي هذا. وعن محمد بن يحيى عن أبي الجارود عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: الشاك في حرب علي (عليه السلام) كالشاك في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله. وعن صالح بن أبي الاسود عن أخيه أسيد بن أبي الاسود قال: سألت عبد الله بن الحسن عن محاربي أمير المؤمنين صلوات الله عليه ؟ فقال: ضلال. فقلت ضلال مؤمنون ؟ قال: لا. ولا كرامة إنما هذا قول المرجئة الخبيثة. وعن يوسف بن كليب المسعودي قال: حدثنا أبو مالك عن عبد الله بن عطاء عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال: قال علي صلوات الله عليه لعن أهل الجمل. فقال رجل: يا أمير المؤمنين إلا من كان منهم مؤمنا ! ! فقال (عليه السلام): ويلك ما كان فيهم مؤمن.


307 - وهذا هو الحديث: (195) من تلخيص كتاب الغاراة: ج 2 ص 521 ط 1. 308 - الكافية غير موجودة عندنا.

[327]

ثم قال أبو جعفر: لو أن عليا قتل مؤمنا واحدا لكان شرا عندي من حماري هذا وأومئ بيده إلى حمار بين يديه. وعن زياد بن المنذر عن عطية عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: الشاك في حرب علي كالشاك في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله. وعن يونس بن أرقم عن الحسين بن دينار عن الحسن البصري قال: حدثني من سمع طلحة يوم الجمل - حيث أصابه السهم ورأى الناس قد أنهزموا - أقبل على رجل فقال: ما أرانا بقية يومنا إلا كفارا. وعن إبراهيم بن عمر قال: حدثني أبي عن بكر بن عيسى قال: قال الزبير يوم الجمل لمولى له ما: أرانا بقية يومنا إلا كفارا. وعن مصعب بن سلام عن موسى بن مطير عن أبيه عن أم حكيم بنت عبد الرحمان بن أبي بكر قال: لما نزل بعائشة الموت قلت لها يا أمتاه ندفنك في البيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ - وقد كان فيه موضع قبر تدخره لنفسها - قالت: لا ألا تعلمون حيث سرت ادفنوني مع صواحبي فلست خيرهن. وعن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عائشة أنها قالت: ادفنوني مع أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) فإني قد أحدثت بعده حدثا. تذييل: اعلم أنه اختلف في أحكام البغاة في مقامين: الاول في كفرهم فذهب أصحابنا إلى كفرهم قال لحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: محاربوا علي كفرة ومخالفوه ؟ ؟ ؟. أقول: ولعل مراده أن مخالفيه في الحرب والدين لم ينصروه فسقة كما يؤمي إليه بعض كلماته فيما بعد. وذهب الشافعي إلى أن الباغي ليس باسم ذم بل هو اسم من اجتهد فأخطأ بمنزلة من خالف الفقهاء في بعض المسائل.

[328]

وقال شارح المقاصد: والمخالفون لعلي (عليه السلام) بغاة لخروجهم على إمام الحق بشبهة من ترك القصاص من قتلة عثمان. ولقوله صلى الله عليه وآله لعمار " تقتلك الفئة الباغية " وقد قتل يوم صفين على يد أهل الشام. ولقول علي (عليه السلام): " إخواننا بغوا علينا ". وليسوا كفارا ولا فسقة وظلمة لمالهم من التأويل وإن كان باطلا فغاية الامر أنهم أخطأوا في الاجتهاد وذلك لا يوجب التفسيق فضلا عن التكفير. وذهبت المعتزلة إلى أنه اسم ذم ويسمونهم فساقا. [أقول:] والدلائل على ما ذهب إليه أصحابنا أكثر من أن تحصى وقد مضت الاخبار الدالة عليه وسيأتي في أبواب حب أمير المؤمنين (عليه السلام) وبغضه وأبواب مناقبه وإيرادها هنا يوجب التكرار فبعضها صريح في كفر مبغض أهل البيت عليهم السلام ولا ريب في أن الباغي مبغض. وبعضها يدل على كفر من أنكر إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام). وأبغضه. وبعضها يدل على أن الجاحد له (عليه السلام) من أهل النار ولو عبد الله منذ خلق السماوات والارضين في أشرف الاماكن وظاهر أن المؤمن مع تلك العبادة لا يكون من أهل النار. وبعضها يدل على كفر من لم يعرف إمام زمانه، وذلك مما اتفقت عليه كلمة الفريقين والبغي لا يجامع في الغالب معرفة الامام ولو فرض باغ على الامام لامر دنيوي من غير بغض له ولا إنكار لامامته فهو كافر أيضا لعدم القائل بالفرق. ثم إن الظاهر أن قوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله،

[329]

فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين) * (8 / الحجرات: 49] لا يتعلق بقتال البغاة بالمعنى المعروف لما عرفت من كفرهم، وإطلاق المؤمن عليهم بإعتبار ما كانوا عليه بعيد. وظاهر الآية الآتية وهي قوله تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم فاتقوا الله لعلكم ترحمون) * بقاء المذكورين في الآية السابقة على الايمان ولعله السر في خلو أكثر الاخبار عن الاحتجاج بهذه الآية في هذا المقام فتكون الآية مسوقة لبيان حكم طائفتين من المؤمنين تعدى وبغت إحداهما على الاخرى لامر دنيوي أو غيرهما مما لا يؤدي إلى الكفر. [المقام] الثاني فيما اغتنمه المسلمون من أموال البغاة فذهب بعض الاصحاب إلى أنه لا يقسم أموالهم مطلقا. وذهب بعضهم إلى قسمة ما حواه العسكر دون غيره من أموالهم وتمسك الفريقان بسيرته (عليه السلام) في أهل البصرة. قال الاولون: لو جاز الاغتنام لم يرد عليه السلام عليهم أموالهم وقد روي أنه (عليه السلام) نادى من وجد ماله فله أخذه. فكان الرجل منهم يمر بمسلم يطبخ في قدره فيسأله أن يصبر حتى ينضج فلا يصبر فيكفأها ويأخذها وأنه كان يعطي من القوم من له بينة، ومن لم يكن له بينة فيحلفه ويعطيه. وقال الآخرون: لولا جوازه لما قسم (عليه السلام) أموالهم أولا بين المقاتلة وقد كان ردها عليهم بعد ذلك على سبيل المن لا الاستحقاق كما من النبي صلى الله عليه وآله على كثير من المشركين وقد رووا عنه (عليه السلام) أنه قال: " مننت على أهل البصرة كما من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل مكة " ولذا ذهب بعض أصحابنا إلى جواز استرقاقهم كما جاز للرسول صلى الله عليه وآله في أهل مكة والمشهور [بين علمائنا] عدمه. والذي نفهم من الاخبار أنهم واقعا في حكم المشركين وغنائمهم وسبيهم. في حكم غنائم المشركين وسبيهم والقائم (عليه السلام) يجري تلك الاحكام

[330]

عليهم ولما علم أمير المؤمنين (عليه السلام) استيلاء المخالفين على شيعته لم يجر هذه الاحكام عليهم لئلا يجروها على شيعته وكذا الحكم بطهارتهم وجواز مناكحتهم وحل ذبيحتهم لاضطرار معاشرة الشيعة معهم في دولة المخالفين. ويدل عليه ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لسيرة علي (عليه السلام) يوم البصرة كانت خيرا لشيعته مما طلعت عليه الشمس إنه علم أن للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته. قلت: فأخبرني عن القائم (عليه السلام) أيسير بسيرته ؟ قال: لا إن عليا (عليه السلام) سار فيهم بالمن للعلم من دولتهم وإن القائم (عليه السلام) يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لانه لا دولة لهم. وأما ما لم يحوها العسكر من أموالهم فنقلوا الاجماع على عدم جواز تملكها وكذلك ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الامام وإنما الخلاف فيما حواه العسكر مع إصرارهم. وأما مدبرهم وجريحهم وأسيرهم فذوا الفئة منهم يتبع ويجهز عليه ويقتل بخلاف غيره. وقد مضت الاخبار في ذلك وسيأتي في باب سيره (عليه السلام) في حروبه. تكملة: قال الشيخ قدس الله روحه في تلخيص الشافي (1) عندنا أن من حارب أمير المؤمنين (عليه السلام) وضرب وجهه ووجه أصحابه بالسيف كافر والدليل المعتمد في ذلك إجماع الفرقة المحقة الامامية على ذلك فإنهم لا


(1) ذكره في تلخيص الشافي: ج 3 ص 135، ط النجف الاشرف.

[331]

يختلفون في هذه المسألة على حال من الاحوال وقد دللنا على أن إجماعهم حجة فيما تقدم. وأيضا فنحن نعلم أن من حاربه كان منكرا لامامته ودافعا لها ودفع الامامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لان الجهل بهما على حد واحد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر. وأيضا روي عنه [صلى الله عليه وآله وسلم] أنه قال: " حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي " ومعلوم أنه إنما أراد أحكام حربك تماثل أحكام حربي ولم يرد أن أحد الحربين هي الاخرى المعلوم ضرورة خلاف ذلك، فإن كان حرب النبي صلى الله عليه وآله كفرا وجب مثل ذلك في حرب أمير المؤمنين (عليه السلام) لانه جعله مثل حربه. ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وآله " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ونحن نعلم أنه لا يجب عداوة أحد بإطلاق إلا عداوة الكفار. وأيضا فنحن نعلم أن من كان يقاتله يستحل دمه ويتقرب إلى الله بذلك واستحلال دم امرئ مسلم مؤمن كفر بالاجماع وهو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق. فإن قيل لو كانوا كفارا لوجب أن يسير فيهم بسيرة الكفار فيتبع موليهم ويجهز على جريحهم ويسبي ذراريهم فلما لم يفعل ذلك دل على أنهم لم يكونوا كفارا. قلنا: لا يجب بالتساوي في الكفر التساوي في جميع أحكامه لان أحكام الكفر مختلفة فحكم الحربي خلاف حكم الذمي وحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عباد الاصنام فإن أهل الكتاب يؤخذ منهم الجزية ويقرون على أديانهم ولا يفعل ذلك بعباد الاصنام.

[332]

وعند من خالفنا من الفقهاء يجوز التزوج بأهل الذمة وإن لم يجز ذلك في غيرهم، وحكم المرتد بخلاف حكم الجميع. وإذا كان أحكام الكفر مختلفة مع الاتفاق في كونه كفرا لا يمتنع أن يكون من حاربه (عليه السلام) كافرا وإن سار فيهم بخلاف أحكام الكفار. وأما المعتزلة وكثير من المنصفين من غيرهم فيقولون بفسق من حاربه (عليه السلام) ونكث بيعته ومرق عن طاعته و [لكنهم] إنما يدعون أنه تابوا بعد ذلك ويرجعون في ادعاء توبتهم إلى أمور غير مقطوع بها ولا معلومة، من أخبار الآحاد. والمعصية [منهم] معلومة مقطوع عليها وليس يجوز الرجوع عن المعلوم إلا بمعلوم مثله. 318 - 326 - وقد روى الواقدي (1) بإسناده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما فتح البصرة كتب إلى أهل الكوفة بالفتح: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال. [وإني] أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم (2) من قريش وغيرهم مع طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم وتنكبهم


(1) وقد روى مثله الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (28) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 137، ط النجف. (2) ما بين المعقوفين مأخوذ من رواية الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الجمل ص 213، وقد ذكرناها في المختار: (34) من باب الكتب من كتاب نهج السعادة: ج 4 ص 73 ط 1. ويقال: إن القوم أشبوا وتأشبوا وانتشبوا " أي التقوا وخلط بعضهم ببعض.

[333]

عن الحق فنهضت من المدينة حين انتهى إلي خبرهم حين ساروا إليها في جماعتهم وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذاقار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله فأقبل إلي إخوانكم سراعا حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فأعذرت بالدعاء وقدمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة واستتبتهم من نكثهم بيعتي وعهد الله عليهم فأبوا إلا قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد في سبيل الله، فقتل الله من قتل منهم ناكثا وولى من ولى إلى مصرهم فسألوني ما دعوتهم إليه قبل القتال فقبلت منهم وأغمدت السيف عنهم وأخذت بالعفو عنهم وأجريت الحق والسنة بينهم واستعملت عبد الله بن عباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إنشاء الله تعالى. وقد بعثت إليكم زحر بن قيس الجعفي لتسألوه وليخبركم عني وعنهم وردهم الحق علينا فردهم الله وهم كارهون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب عبيدالله بن أبي رافع في جميدي سنة ست وثلاثين. فكيف يكون طلحة والزبير تائبين وقد صرح [أمير المؤمنين عليه السلام] بأنهما تماديا في الغي حتى قتلا ناكثين ؟ ! وقد روى أبو مخنف لوط بن يحيى هذا الكتاب بخلاف هذه الالفاظ وروى في جملته بعد حمد الله والثناء عليه وذكر بغي القوم ونكثهم: " وحاكمناهم إلى الله فأدالنا عليهم فقتل طلحة والزبير وقد تقدمت إليهما بالمعذرة وأبلغت إليهما في النصيحة واستشهدت عليهما صلحاء الامة، فما أطاعا المرشدين، ولا أجابا الناصحين. ولاذ أهل البغي بعائشة فقتل حولها عالم جم وضرب الله وجه بقيتهم فأدبروا، فما كانت ناقة الحجر بأشأم عليهم منها على أهل ذلك المصر مع ما جاءت من الحوب الكبير في معصية ربها ونبيها واغترارها في تفريق المسلمين

[334]

وسفك دماء المسلمين بلا بينة ولا معذرة ولا حجة ظاهرة. فلما هزمهم الله أمرت أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا تكشف عورة ولا يهتك ستر ولا يدخل دار إلا بإذن وآمنت الناس. وقد استشهد منا رجال صالحون ضاعف الله حسناتهم ورفع درجاتهم وأثابهم ثواب الصادقين الصالحين الصابرين ". و [ليتعمق المنصفون في هذا البيان ليتجلى لهم أنه] ليست هذه أوصاف من تاب وقبض على الطهارة والانابة. وفي تفريقه (عليه السلام) في الخبر بين قتلاه وقتلاهم ووصف من قتل من عسكره بالشهادة دون من قتل منهم ثم في دعائه لقتلى عسكره دون طلحة والزبير دلالة على ما قلناه، ولو كانا مضيا تائبين لكانا أحق الناس بالوصف بالشهادة والترحم والدعاء. و [ايضا] قد روى الواقدي أيضا كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أهل المدينة [وهو أيضا] يتضمن مثل معاني كتابه إلى أهل الكوفة وقريبا من ألفاظه ووصفهم بأنهم قتلوا على النكث والبغي ولولا الاطالة لذكرناه بعينه (1). و [ايضا] روى الواقدي أن ابن جرموز لما قتل الزبير نزل فاجتز رأسه وأخذ سيفه ثم أقبل حتى وقف على باب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: أنا رسول الاحنف فتلا عليه هذه الآية * (الذين يتربصون بكم) * فقال: هذا رأس الزبير وسيفه وأنا قاتله. فتناول أمير المؤمنين (عليه السلام) سيفه وقال: " طال


(1) وقد ذكرناه حرفيا - آخذا من كتاب الجمل ص 211 - في المختار: (31) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج السعادة: ج 4 ص 69.

[335]

ما جلا به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الحين ومصارع السوء ". ولو كان تائبا ما كان مصرعه مصرع سوء لا سيما وقد قتله غادرا به وهذه شهادة لو كان تائبا مقلعا عما كان عليه. و [قد] روى الشعبي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ألا إن أئمة الكفر في الاسلام خمسه طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الاشعري ! ! و [ايضا] قد روى مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود. و [قد] روى نوح بن دراج عن محمد بن مسلم عن حبة العرني قال: سمعت عليا (عليه السلام) حين برز أهل الجمل وهو يقول: والله لقد علمت صاحبة الهودج أن أهل الجمل ملعونون على لسان النبي الامي (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وقد خاب من افترى. وقد روي هذا المعنى بهذا اللفظ أو بقريب منه من طرق مختلفة. و [قد] روى البلاذري في تاريخه (1) بإسناده عن جويرية ابن أسماء أنه قال: بلغني أن الزبير حين ولى ولم يكن بسط يده بسيف اعترضه عمار بن ياسر بالرمح وقال: أين يا أبا عبد الله والله ما كنت بجبان ولكني أحسبك شككت ؟ قال: هو ذاك ومضى حتى نزل بوادي السباع فقتله ابن جرموز. واعترافه بالشك يدل على خلاف التوبة لانه لو كان تائبا لقال له في


(1) رواه في أواسط عنوان: " مقتل الزبير " في الحديث: " 324 " من ترجمة أمير المؤمنين. عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 259 ط بيروت.

[336]

الجواب: ما شككت بل تحققت أنك وصاحبك على الحق وأنا على الباطل وقد ندمت على ما كان مني وأي توبة لشاك غير متحقق. فهذه الاخبار وما شاكلها تعارض أخبارهم لو كان لها ظاهر يشهد بالتوبة وإذا تعارضت الاخبار في التوبة والاصرار سقط الجميع وتمسكنا بما كنا عليه من أحكام فسقهم وعظيم ذنبهم. وليس لهم أن يقولوا: إن كل ما رويتموه من طريق الآحاد وذلك إن جميع أخبارهم بهذه المثابة وكثير مما رويناه أظهر مما رووه وأفشى فإن كان من طريق الآحاد فالامران سيان. وأما توبة طلحة فالامر فيها أضيق على المخالف من الكلام في توبة الزبير لان طلحة قتل بين الصفين وهو مباشر للحرب مجتهد فيها ولم يرجع عنها حتى أصابه السهم فأتى على نفسه. وادعاء توبة مثل هذا مكابرة. فإن قيل: أليس قد روي أن أمير المؤمنين لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير قال: " بشر قاتل ابن صفية بالنار " فلو لم يكن تائبا لما استحق النار بقتله. قيل لهم: إن ابن جرموز غدر بالزبير وقتله بعد أن أعطاه الامان وكان قتله على وجه الغيلة والمكر وهذه منه معصية لا شبهة فيها وقد تظاهر الخبر بما ذكرناه حتى روي أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثم الزبير قالت في ذلك: غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش اللسان ولا اليد فإنما استحق ابن جرموز النار بقتله إياه غدرا لا لان المقتول في الجنة.

[337]

وهذا الجواب يتضمن الكلام على قولهم: إن بشارته بالنار مع الاضافة إلى قتل الزبير يدل على أنه إنما استحق النار بقتله لانا قد بينا في الجواب أنه من حيث قتله غدرا استحق النار. وقد قيل في هذا الخبر أن ابن جرموز كأن من جملة الخوارج الخارجين على أمير المؤمنين (عليه السلام) في النهروان وأن النبي صلى الله عليه وآله قد كان أخبره بحالهم ودله على جماعة منهم بأعيانهم وأوصافهم فلما جاءه برأس الزبير أشفق أمير المؤمنين من أن يظن به لعظيم ما فعله الخير ويقطع له على سلامة العاقبة ويكون قتله الزبير شبهة فيما يصير إليه من الخارجية قطع عليه بالنار لتزول الشبهة في أمره وليعلم أن هذا الفعل الذي فعله لا يساوي شيئا مع ما يرتكبه في المستقبل. وجرى ذلك مجرى شهادة النبي صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار يقال له: قزمان أبلى في يوم " أحد " بلاءا شديدا وقتل بيده جماعة [فبشره النبي صلى الله عليه وآله] بالنار (1) فعجب من ذلك السامعون حتى كشفوا عن أمره فوجدوا أنه لما حمل جريحا إلى منزله ووجد ألم الجراح قتل نفسه بمشقص. وإنما شهد النبي صلى الله عليه وآله بالنار عليه عقيب بلائه للوجه الذي ذكرناه. والذي يدل على أن بشارته بالنار لم تكن لكون الزبير تائبا مقلعا بل لبعض ما ذكرناه هو أنه لو كان الامر كما أدعوه لاقاده أمير المؤمنين (عليه السلام) به ولما طل دمه وفي عدوله (عليه السلام) من ذلك دلالة على ما ذكرناه.


(1) ما بين المعقوين قد سقط من الاصل ولابد منه أو ما في معناه.

[338]

فأما طلحة فقد بينا أنه تضيق إقامة العذر له لانه قتل في المعركة في حال التوبة فيها بعيدة وظاهر الحال الاصرار. وليس لاحد أن يقول: إنه روي عنه أنه قال بعدما أصابه السهم: ندمت ندامة الكسعي لما * رأيت عيناه ما صنعت يداه لان هذا بعيد من الصواب والبيت المروي بأن يدل على خلاف التوبة أولى لانه جعل ندامته مثل ندامة الكسعي وخبر الكسعي معروف لانه ندم بحيث لا ينفعه الندم وحيث فاته الامر وخرج عن يده ولو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعي بل كان شبيها لندامة من تلافى ما فرط فيه على وجه ينتفع به. وروى حسين الاشقر عن يوسف البزاز عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر أمير المؤمنين بطلحة وهو صريع فقال: اقعدوه. فأقعد [وه] فقال: لقد كانت لك سابقة لكن دخل الشيطان في منخريك فأدخلك النار. ثم روى عن معاوية بن هشام عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن إبراهيم مولى قريش أن عليا (عليه السلام) مر بطلحة قتيلا يوم الجمل. وساق الحديث في التكلم معه ومع كعب بن سور مثل ما مر. ثم قال رحمه الله - بعد إيراد أسئلة وأجوبة تركناها حذرا من الاطناب -: فإن قيل قول النبي صلى الله عليه وآله: " عشرة من أصحابي في الجنة " يدل على أنهما تابا لانهما من جملتهم بلا شك. قيل لهم: قد بينا فيما تقدم الكلام على بطلان هذا الخبر حيث تعلقوا به في فضائل أبي بكر وقلنا: إنه لا يجوز أن يعلم الله مكلفا ليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنة لان ذلك يغريه بالقبيح وليس يمكن أحدا إدعاء عصمة التسعة ولو لم يكن إلا ما وقع من طلحة والزبير من الكبيرة لكفى.

[339]

وقد ذكرنا أن هذا الخبر لو كان صحيحا لاحتج به أبو بكر لنفسه واحتج له به في [يوم] السقيفة وغيرها وكذلك عمر وعثمان. ومما يبين أيضا بطلانه إمساك طلحة والزبير عن الاحتجاج به لما دعوا الناس إلى نصرتهما واستنفارهم إلى الحرب معهما وأي فضيلة أعظم وأفخم من الشهادة لهما بالجنة وكيف يعدلان مع العلم والحاجة عن ذكره إلا لانه باطل. ويمكن أن يسلم مسلم هذا الخبر ويحمله على الاستحقاق في الحال لا العاقبة فكأنه أراد أنهم يدخلون الجنة إن وافوا بما هم عليه الآن ويكون الفائدة في الخبر إعلامنا بأنهم يستحقون الثواب في الحال. وأما الكلام في توبة عائشة فما بيناه من الطرق الثلاث في توبة طلحة والزبير هي معتمدة فيما يدعونه من توبة عائشة. أولها أن جميع ما يروونه من الاخبار لا يمكن ادعاء العلم فيها ولا القطع على صحتها وأحسن الاحوال فيها أن يوجب الظن وقد بينا أن المعلوم لا يرجع عنه بالمظنون. والثاني أنها معارضة بأخبار تزيد على ما رووه في القوة أو تساويه. فمن ذلك ما رواه الواقدي بإسناده عن شعبة عن ابن عباس قال: أرسلني علي (عليه السلام) إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين فأمرها أن ترجع إلى بلادها. وساق الحديث نحوا مما مر برواية الكشي (1) إلى قوله: فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الاول ثم قالت: والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن.


(1) قد مرت رواية الكشي في الباب: (5) تحت الرقم: (191) ص 450 ط الكمباني.

[340]

ثم ساق الحديث إلى آخره ثم قال: فإن قيل: ففي هذا الخبر دليل على التوبة وهي قولها عقيب بكائها: لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن. قلنا قد كشف الامر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببغض أمير المؤمنين (عليه السلام) وبغض أصحابه المؤمنين وقد أوجب الله عليها محبتهم وتعظيمهم وهذا دليل على الاصرار وأن بكائها إنما كان للخيبة لا للتوبة وما كان في قولها: " لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن " من دليل التوبة وقد يقول المصر مثل ذلك إذا كان عارفا بخطائه فيما ارتكبه وليس كل من ارتكب ذنبا يعتقد أنه حسن حتى لا يكون خائفا من العقاب عليه وأكثر مرتكبي الذنوب يخافون العقاب مع الاصرار ويظهر منهم مثل ما حكي عن عائشة ولا يكون توبة. وروى الواقدي بإسناده أن عمارا رحمة الله عليه استأذن على عائشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال: يا أمة كيف رأيت صنع الله حين جمع بين الحق والباطل ألم يظهر الله الحق على الباطل ويزهق الباطل ؟ فقالت: إن الحروب دول وسجال وقد أديل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكن انظر يا عمار كيف تكون في عاقبة أمرك. وروى الطبري في تاريخه (1) أنه لما انتهى إلى عائشة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) قالت: فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر


(1) ذكره في حوادث سنة الاربعين من الهجرة في أواخر عنوان: " ذكر الخبر عن مقتل علي... " من تاريخ الامم والملوك: ج 5 ص 150، وفي ط 1: ج 1، ص 3466. وأيضا حديث عائشة هذا وتمثلها عندما بلغها شهادة أمير المؤمنين عليه السلام رواه جماعة منهم ابن سعد في ترجمة أمير المؤمنين من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 40 ط بيروت.

[341]

فمن قتله ؟ فقيل: رجل من مراد فقالت: فإن يك نائيا فلقد نعاه * نعي ليس في فيه التراب (1) فقالت زينب بنت أبي سلمة: العلي تقولين هذا ؟ فقالت: إني أنسى فإذا نسيت فذكروني ! ! وهذه سخرية منها بزينب وتمويه خوفا من شناعتها ومعلوم أن الناسي والساهي لا يتمثل بالشعر في الاغراض المطابقة ولم يكن ذلك منها إلا عن قصد ومعرفة. وروي عن ابن عباس أنه قال لامير المؤمنين (عليه السلام) - لما أبت عائشة الرجوع إلى المدينة -: أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحلها. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنها لا تألوا شرا ولكني أردها إلى بيتها الذي تركها فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) فإن الله بالغ أمره. وروى محمد بن إسحاق عن جنادة أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع الاسود بن أبي البختري تحرضهم عليه صلوات الله عليه. وروي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني واستدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمان فجاء حتى وقف فقالت: يا


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي من طبعة الكمباني من البحار: " فلقد نعاه نباع " وفي تاريخ الطبري: " فلقد نعاه غلام ليس في فيه التراب ".

[342]

مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمان ؟ فقلت: لا. فقالت حبا مني لعبد الرحمان بن ملجم. فأما قصتها في دفن الحسن [عليه السلام) فمشهورة حتى قال لها عبد - الله بن عباس: يوما على بغل ؟ ! ! ويوما على جمل ؟ ! ! فقالت: أوما نسيتم يوم الجمل يا ابن عباس إنكم لذووا أحقاد ؟ ! ولو ذهبنا إلى تقصي ما روي عنها من الكلام الغليظ الشديد الدال على بقاء العداوة واستمرار الحقد والضغينة لاطلنا وأكثرنا. و [أما] ما روي عنها من التلهف والتحسر على ما صدر عنها فلا يدل على التوبة إذ يجوز أن يكون ذلك من حيث خابت عن طلبتها ولم تظفر ببغيتها مع الذل الذي لحقها وألحقها العار في الدنيا والاثم في الآخرة. بيان: قال الجوهري: عرد الرجل تعريدا: فر. وقال: كسع حي من اليمن ومنه قولهم: " ندامة الكسعي " وهو رجل ربي نبعة حتى أخذ منه قوسا فرمى الوحش عنها ليلا فأصابت وظن أنه أخطأ فكسر القوس. فلما أصبح رأى ما أصمى من الصيد (1) فندم قال الشاعر: ندمت ندامة الكسعي لما * رأت عيناه ما صنعت يداه


(1) أصمى فلان الصيد: رماه فقتله مكانه. وأصله من السرعة والخفة. وصمى الصيد: مات وأنت تراه.

[343]

[الباب التاسع] باب إحتجاجات الائمة عليهم السلام وأصحابهم على الذين أنكروا على أمير المؤمنين صلوات الله عليه حروبه 327 - ج جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال: يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين. فهملت عين علي بن الحسين دموعا حتى امتلأت كفه منها ثم ضرب بها على الحصى ثم قال: يا أخا أهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمنا ولا قتل مسلما ! ! ! وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الاسلام فلما وجدوا على الكفر أعوانا أظهروه. وقد علمت صاحبة الجمل والمستحفظون من آل محمد أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي الامي (صلى الله عليه وآله [و سلم]) وقد خاب من افترى. فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول:


327 - ذكره الطبرسي رحمه الله في الحديث (2) من باب احتجاج الامام علي بن الحسين عليه السلام من كتاب الاحتجاج: ج 2 ص 310.

[344]

إخواننا بغوا علينا ! ! فقال علي بن الحسين أما تقرأ كتاب الله * (وإلى عاد أخاهم هودا) * [65 / الاعراف و 50 / هود] فهم مثلهم أنجى الله عزوجل هودا والذين معه وأهلك عادا بالريح العقيم. 328 - ج: روي أن سالما دخل على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: جئت أكلمك في أمر هذا الرجل قال: أيما رجل ؟ قال: علي بن أبي طالب قال: في أي أموره ؟ قال في أحداثه قال أبو جعفر (عليه السلام): انظر ما استقر عندك مما جاءت به الرواة عن آبائهم قال: ثم نسبهم ثم قال: يا سالم أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه واله بعث سعد بن معاذ براية الانصار إلى خيبر فرجع منهزما ثم بعث عمر بن الخطاب براية المهاجرين فأتى بسعد جريحا وجاء عمر يجبن أصحابه ويجبنونه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هكذا تفعل المهاجرون والانصار حتى قالها ثلاثا. ثم قال: لاعطين الراية رجلا ليس بفرار يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ؟ قال: نعم وقال القوم جميعا أيضا. فقال أبو جعفر: يا سالم إن قلت إن الله أحبه وهو لا يعلم ما هو صانع فقد كفرت وإن قلت إن الله عزوجل أحبه وهو يعلم ما هو صانع فأي حدث ترى ؟ فقال: فأعد علي فأعاد عليه فقال: يا سالم عبدت الله على ضلالة سبعين سنة. بيان: [قوله:] " فقال يا سالم " أي [فقال] سالم مخاطبا لنفسه، أو [قال] الامام مخاطبا له. والاول أظهر ويؤيده أن في بعض النسخ: فقال سالم [...].


328 - رواه الطبرسي في أواسط باب احتجاج أبي جعفر الامام الباقر عليه السلام من كتاب الاحتجاج: ج 2 ص 328.

[345]

329 - شي: عن يحيى بن المساور الهمداني عن أبيه قال جاء رجل من أهل الشام إلى علي بن الحسين فقال: أنت علي بن الحسين ؟ قال: نعم. قال: أبوك الذي قتل المؤمنين ؟ فبكى علي بن الحسين ثم مسح عينيه فقال: ويلك كيف قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين ؟ قال لقوله: " إخواننا قد بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم " فقال: ويلك أما تقرأ القرآن ؟ قال: بلى. قال: فقد قال الله تعالى: * (وإلى مدين أخاهم شعيبا) * (1) * (وإلى ثمود أخاهم صالحا) * (2) أفكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم ؟ قال له الرجل: لا بل في عشيرتهم قال (عليه السلام): فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم وليسوا إخوانهم في دينهم قال: فرجت عني فرج الله عنك. 330 - ع: ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان عن الاعمش عن عباية الاسدي قال: كان عبد الله بن العباس جالسا على شفير زمزم يحدث الناس فلما فرغ من حديثه أتاه رجل فسلم عليه ثم قال: يا عبد الله إني رجل من أهل الشام فقال: أعوان كل ظالم إلا من عصم الله منكم سل عما بدا لك. فقال: يا


329 - رواه العياشي في تفسير الآية: (85) من سورة الاعراف: (7) من تفسيره. ورواه عنه السيد البحراني في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 25. (1) هذه الجملة وردت في ثلاث موارد من القرآن الكريم في الآية: (85) من سورة الاعراف: 7، وفي الآية: (84) من سورة هود: 11، وفي الآية: (36) من سورة العنكبوت: (29). (2) هذه الجملة مذكورة في الآية: (73) من سورة الاعراف: (7)، وفي الآية: (61) من سورة هود: 11. 330 - رواه الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (3) من الباب: (54) من كتاب علل الشرائع، ج 1، ص 64.

[346]

عبد الله بن عباس إني جئتك أسألك عمن قتله علي بن أبي طالب من أهل لا إله إلا الله لم يكفروا بصلاة ولا بحج ولا بصوم شهر رمضان ولا بزكاة ! ! فقال له عبد الله: ثكلتك أمك سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. فقال: ما جئتك أضرب إليك من حمص للحج ولا للعمرة ولكني أتيتك لتشرح لي أمر علي بن أبي طالب وفعاله. فقال له: ويلك إن علم العالم صعب لا تحتمله ولا تقر به قلوب الصدية ! ! ! أخبرك أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان مثله في هذه الامة كمثل موسى والعالم (عليه السلام) وذلك إن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: * (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ) * [144 - 145 / الاعراف: 7] وكان موسى يرى أن جميع الاشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم أن علماءكم قد أثبتوا جميع الاشياء فلما انتهى موسى إلى ساحل البحر فلقي العالم فاستنطق بموسى ليصل علمه - ولم يحسده كما حسدتم أنتم علي بن أبي طالب وأنكرتم فضله - فقال له موسى: * (هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) * [66 / الكهف: 18] فعلم العالم أن موسى لا يطيق بصحبته ولا يصبر على علمه فقال له: * (إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا فقال له موسى ستجدني إنشاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) * [67 - 69 / الكهف: 18] فعلم العالم أن موسى لا يصير على علمه فقال: " فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " قال: فركبا في السفينة فخرقها العالم فكان خرقها لله عزوجل رضى وسخطا لموسى ولقي الغلام فقتله فكان قتله لله عزوجل رضا وسخط ذلك موسى وأقام الجدار فكان إقامته لله عزوجل رضى وسخط موسى ذلك. كذلك كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يقتل إلا من كان قتله لله عزوجل رضى ولاهل الجهالة من الناس سخطا اجلس حتى أخبرك. إن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج زينب بنت جحش فأولم فكانت

[347]

وليمته الحيس وكان يدعو عشرة فكانوا إذا أصابوا طعام رسول الله صلى الله عليه وآله استأنسوا إلى حديثه واستغنموا النظر إلى وجهه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يشتهي أن يخفوا عنه فيخلوا له المنزل لانه حديث عهد بعرس وكان يكره أذى المؤمنين فأنزل الله عزوجل فيه قرآنا أدبا للمؤمنين وذلك قوله عزوجل: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق) * فلما نزلت هذه الآية كان الناس إذا أصابوا طعام نبيهم صلى الله عليه وآله لم يلبثوا أن يخرجوا. قال: فلبث رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعة أيام ولياليهن عند زينب بنت جحش ثم تحول إلى بيت أم سلمة بنت أبي أمية وكان ليلتها وصبيحة يومها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فلما تعالى النهار انتهى علي (عليه السلام) إلى الباب فدقه دقا خفيفا له عرف رسول الله دقه وأنكرته أم سلمة فقال: يا أم سلمة قومي فافتحي له الباب. فقالت: يا رسول الله من هذا الذي يبلغ من خطره أن أقوم له فأفتح له الباب ؟ وقد نزل فينا بالامس ما قد نزل من قول الله عز وجل: * (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) * فمن هذا الذي بلغ من خطره أن أستقبله بمحاسني ومعاصمي ؟ قال: فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كهيئة المغضب: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " قومي فافتحي له الباب فإن بالباب رجلا ليس بالخرق ولا بالنزق ولا بالعجول في أمره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وليس بفاتح الباب حتى يتوارى عنه الوطئ. فقامت أم سلمة وهي لا تدري من بالباب غير أنها قد حفظت النعت والمدح فمشت نحو الباب وهي تقول بخ بخ لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ففتحت له. قال: فأمسك [علي] بعضادتي الباب ولم يزل قائما حتى خفي عنه الوطئ

[348]

ودخلت أم سلمة خدرها ففتح الباب ودخل فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال رسول الله: يا أم سلمة أتعرفينه ؟ قالت: نعم وهنيئا له هذا علي بن أبي طالب. فقال: صدقت يا أم سلمة هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد الوصيين وهو عيبة علمي وبابي الذي أوتي منه وهو الوصي بعدي على الاموات من أهل بيتي والخليفة على الاحياء من أمتي وأخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السنام الاعلى. اشهدي يا أم سلمة واحفظي أنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقال الشامي: فرجت عني يا عبد الله وأشهد أن علي بن أبي طالب مولاي ومولى كل مسلم (1). 331 - شف: من كتاب أحمد بن محمد الطبري عن أحمد بن هشام عن محمد بن نسيم القرشي عن الحسن بن الحسين عن يحيى بن يعلى عن الاعمش.


(1) ولقصة أم سلمة مصادر وأسانيد جمة يجد الباحث كثيرا منها في الحديث: (1214) وتواليه من ترجمة علي من تاريخ دمشق: ج 3 ص 205 ط 2. ورواها أيضا ابن خالويه في كتاب الآل كما رواها عنه في عنوان: " محبة الرسول وتحريضه على محبته " من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 91. 331 - رواه العلامة في كتاب كشف اليقين.

[349]

قال: وحدثني جعفر بن محمد الكوفي عن عبد الله بن داهر الرازي عن أبيه داهر بن يحيى عن الاعمش عن عباية عن ابن عباس مثله. 332 - شف: المظفر بن جعفر عن محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني عن محمد بن جرير الطبري عن محمد بن حميد الرازي عن داهر عن الاعمش عن عباية عن ابن عباس مثله. بيان: [قال إبن الاثير] في [مادة " صدأ " من كتاب] النهاية: فيه: " إن هذه القلوب تصدأكما كما يصدأ الحديد " هو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام فيذهب بجلائه كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما. قوله " فاستنطق بموسى " أي أنطقه الله بسبب موسى ليضل علم موسى في جنب علمه ويقر موسى بالجهل فلم يحسده موسى. والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط. قوله " وكان ليلتها " أي كان زمان التحول الليلة والصبيحة التي كانت نوبتها منه (صلى الله عليه وآله وسلم). قوله: " دقا خفيفا له " أي دقا خفيفا كان مختصا به (عليه السلام) عرف بذلك أنه هو الداق. والخرق: ترك الرفق في الامر. والنزق: الخفة والطيش. والخدر بالكسر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت. وسنام كل شئ: أعلاه. 333 - جاما: المفيد عن المراغى عن زيد بن الحسن الكوفي عن جعفر بن


332 - رواه العلامة في كتاب كشف اليقين. 333 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في المجلس: (27) من أماليه ص 146. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (14) من الجزء الاول من أماليه ص 10.

[350]

نجيح عن جندل بن والق، عن محمد بن محمد بن عمر، عن زيد الانصاري عن سعيد بن بشير عن قتادة: عن سعيد بن المسيب قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين وبايع البيعتين ولم يعبد صنما ولا وثنا ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح ولد على الفطرة [و] لم يشرك بالله طرفة عين. فقال الرجل: إني لم أسألك عن هذا إنما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفا ثم سار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم ثم أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم. فقال له ابن عباس: أعلي أعلم عندك أم أنا ؟ فقال: لو كان علي أعلم عندي منك ما سألتك ! ! قال: فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثم قال: ثكلتك أمك علي علمني وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله علمه الله من فوق عرشه فعلم النبي (صلى الله عليه وآله) من علم الله وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي، وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر.

[351]

[الباب العاشر] باب خروجه صلوات الله عليه من البصرة وقدومه الكوفة إلى خروجه إلى الشام 334 - شا: من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قدم الكوفة من البصرة بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: أما بعد فالحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الكاذب المبطل عليكم يا أهل [هذا] المصر بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم من المنتحلين المدعين القائلين إلينا (1) يتفضلون بفضلنا ويجاحدونا أمرنا وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه، وقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا (2).


334 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (29) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 138. (1) كذا في طبعة الكمباني من البحار، وفي طبع النجف من كتاب الارشاد: " القائلين إلينا إلينا... ". (2) كذا في أصلي من طبع الكمباني من البحار. واجترحوا: اكتسبوا أو ارتكبوا كما في الآية: 21 - من سورة الجاثية: " أم حسب الذين اجترحوا السيآت أن نجعلهم كالذين آمنوا... ". وفي طبع النجف من كتاب الارشاد: " وقد ذاقوا وبال ما ا ؟ ؟ موا... ".

[352]

قد قعد عن نصرتي منكم رجال وأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبونا ونرى منهم ما نحب. بيان: قال الجوهري: زريت عليه بالفتح إذا عتبت عليه. وقال: أعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الاساءة. 335 - جا: المرزباني عن محمد بن موسى عن محمد بن سهل عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن الحارث بن حصيرة: عن عبد الرحمان بن عبيد أبي الكنود قال: قدم أمير المؤمنين عن البصرة إلى الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب فأقبل حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فالحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الكاذب المبطل عليكم يا أهل هذا المصر بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المنتحلين المدعين الغالين الذين يتفضلون بفضلنا ويجاحدوناه وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه وقد ذاقوا وبال ما اجترموا فسوف يلقون غيا. إنه قد قعد عن نصري رجال منكم فأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى. قال: فقام إليه مالك بن حبيب التميمي ثم اليربوعي - وكان صاحب شرطته - فقال: والله إني لارى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا والله لئن أمرتنا لنقتلنهم. فقال له أمير المؤمنين يا مال جزت المدى وعدوت الحق وأغرقت في


335 - رواه الشيخ المفيد قدس الله نفسه في الحديث: (5) من المجلس: (15) من أماليه ص 82.

[353]

النزع ! ! فقال: يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الاعادي. فقال أمير المؤمنين: ليس هكذا قضاء الله يا مال قال الله تعالى: * (النفس بالنفس) * فما بال بعض الغشم ؟ وقال سبحانه: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) *. فقام إليه أبو بردة بن عوف الازدي - وكان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل وحضر معه صفين على ضعف نية في نصرته - فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير بم قتلوا ؟ فقال أمير المؤمنين: قتلوا بما قتلوا شيعتي وعمالي وبقتلهم أخا ربيعة - العبدي رحمه الله في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث البيعة كما نكثتم ولا نغدر كما غدرتم. فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما وعدوانا فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني منهم لنقتلنهم بهم ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم فأبوا علي وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك أفي شك أنت من ذلك ؟ فقال: قد كنت في شك فأما الآن فقد عرفت واستبان لي خطأ القوم وأنك أنت المهتدي المصيب. ثم إن عليا تهيأ لينزل فقام رجال ليتكلموا فلما رأوه قد نزل جلسوا ولم يتكلموا. قال أبوالكنود: وكان أبو بردة مع حضوره صفين ينافق أمير المؤمنين (عليه السلام) ويكاتب معاوية سرا فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة وكان عليه كريما. 336 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة: عن عمرو بن شمر عن جابر عن


336 - الكافية لا تزال في مكمن الغيب عنا.

[354]

أبي جعفر (عليه السلام) أن أمير المؤمنين لما دنا إلى الكوفة مقبلا من البصرة، خرج الناس مع قرظة بن كعب يتلقونه فلقوه دون نهر النضر بن زياد فدنوا منه يهنونه بالفتح وإنه ليمسح العرق عن جبهته فقال له قرظة بن كعب: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعز وليك وأذل عدوك ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين. فقال له عبد الله بن وهب الراسبي: إي والله إنهم الباغون الظالمون الكافرون المشركون. فقال له أمير المؤمنين: ثكلتك أمك ما أقواك بالباطل وأجراك على أن تقول ما لم تعلم أبطلت يا ابن السوداء ليس القوم كما تقول لو كانوا مشركين سبينا وغنمنا أموالهم وما ناكحناهم ولا وارثناهم. 337 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين: دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة بعد رجوعه من البصرة ومعه أشراف من أهل البصرة وغيرهم فاستقبلهم أهل الكوفة فيهم قراؤهم وأشرافهم فدعوا له وقالوا: يا أمير المؤمنين أين تنزل أتنزل القصر ؟ قال: لا ولكن أنزل الرحبة فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الاعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الاسلام فضلا ما لم تبدلوا أو تغيروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم وبدأتم بالمنكر فغيرتم ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله فأما في الاحكام والقسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه.


337 - القصة رواها نصر بن مزاحم رحمه الله في أول كتاب صفين ص 3 - 8 ط مصر. ورواها عن نصر ابن أبي الحديد بإيجاز في بعض مواضيعها في شرح المختار: (43) من نهج البلاغة: ج 3 ص 102، ط الحديث بمصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 572.

[355]

ألا إن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الامل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الامل فينسى الآخرة. ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ! ! ! اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الناكث المبطل. عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلين المدعين القالين لنا يتفضلون بفضلنا ويجاحدوننا أمرنا وينازعوننا حقنا ويباعدوننا عنه، فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا. ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم وأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة. فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي وكان صاحب شرطته فقال: والله إني لارى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا. إلى آخر ما مر برواية المفيد رحمه الله ثم قال: قال نصر: ولما قدم علي (عليه السلام) الكوفة نزل على باب المسجد فدخل فصلى ثم تحول فجلس إليه الناس فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة فقال قائل: استأثر الله به. فقال: إن الله تعالى لا يستأثر بأحد من خلقه إنما أراد الله جل ذكره بالموت إعزاز نفسه وإذلال خلقه وقرأ * (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) *. قال نصر: فلما لحقه ثقله (عليه السلام) قالوا [له]: أتنزل القصر ؟ قال: قصر الخبال لا تنزلونيه ! ! قال: وأنب عليه [السلام] جماعة ممن أبطأوا عنه ولم يحضروا القتال وقال: ما بطأ بكم عني وأنتم أشراف قومكم ؟ والله إن كان من

[356]

ضعف النية وتقصير البصيرة فإنكم لبور، وإن كان من شك في فضلي ومظاهرة علي إنكم لعدو. فقالوا: حاش لله يا أمير المؤمنين نحن سلمك وحرب عدوك ثم اعتذر القوم. قال نصر: وأتم علي (عليه السلام) صلاته يوم دخل الكوفة فلما كانت الجمعة خطب الناس فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من الضلالة، من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله انتجبه لامره واختصه بنبوته أكرم خلقه عليه وأحبهم إليه فبلغ رسالة ربه ونصح لامته وأدى الذي عليه. أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله وأقربه إلى رضوان الله وخيره في عواقب الامور عند الله وبتقوى الله أمرتم وللاحسان والطاعة خلقتم فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه فإنه حذر بأسا شديدا واخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا في غير رياء ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له، ومن عمل لله مخلصا تولى الله ثوابه. وأشفقوا من عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثا ولم يترك [شيئا] من أمركم سدى قد سمى آثاركم وعلم أعمالكم وكتب آجالكم فلا تغتروا بالدنيا فإنها غرارة لاهلها، مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي، وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون. أسأل الله منازل الشهداء ومرافقة الانبياء ومعيشة السعداء فإنما نحن به وله (1).


(1) هذا هو الظاهر المذكور في شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 577 ط الحديث ببيروت. وفي كتاب صفين: " فانما نحن له وبه " وفي أصلي من البحار: " فإنما نحن به أولى ".

[357]

قال نصر: ثم استعمل علي (عليه السلام) العمال وفرقهم في البلاد وكتب مع جرير بن عبد الله البجلي كتابا إلى معاوية يدعوه إلى البيعة. بيان: قال في النهاية: و [في] حديث ابن مسعود: إن قوما بنوا مسجدا بظهر الكوفة فقال: جئت لافسد مسجد الخبال أي الفساد. أقول: أورده نصر في كتابه على وجه البسط ثم قال: [و] بعث يزيد بن قيس الارحبي على المدائن ومخنف بن سليم على إصبهان وهمذان وقرظة بن كعب على البهقباذات، (1) وقدامة بن مظعون على كسكر وعدي بن حاتم على مدينة بهر سير وآستانها وأبا حسان البكري على آستان العالي وسعد بن مسعود الثقفي على آستان الزوابي وربعي بن كاس على سجستان - وكاس أمه يعرف بها - وخليد إلى خراسان فسار خليد حتى إذا دنا من نيسابور بلغه أن أهل خراسان قد كفروا ونزعوا يدهم من الطاعة وقدم عليهم عمال كسرى من كابل فقاتل أهل نيسابور فهزمهم وحصر أهلها وبعث إلى علي (عليه السلام) بالفتح والسبي. ثم صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان فبعث بهن إلى علي (عليه السلام) فلما قدمن عليه قال: أزوجكن ؟ قلن: لا إلا أن تزوجنا ابنيك فإنا لا نرى لنا كفوا غيرهما فقال علي (عليه السلام): إذهبا حيث شئتما. فقام نرسا فقال: مر لي بهن فإنها منك كرامة وبيني وبينهن قرابة. ففعل


(1) " البهقبات ذات " بالباء الموحدة ثم الهاء ثم القاف ثم الالف بعده ياء مثناة تحتانية. ثم ذال معجمة ثم ألف ثم تاء في آخرها رستاق من رساتيق المداين مملكة كسرى دفن فيها سلمان الفارسي رضي الله عنه. كذا أفاده في مجمع البحرين عليم ما في هامش ط الكمباني من كتاب البحار هذا.

[358]

فأنزلهن نرسا معه وجعل يطعمهن ويسقيهن في الذهب والفضة ويكسوهن كسوة الملوك ويبسط لهن الديباج. وبعث الاشتر على الموصل ونصيبين ودارا وسنجار وآمد وهيت وعانات وما غلب عليه من تلك الارضين من أرض الجزيرة. وبعث معاوية بن أبي سفيان الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة وكان في يديه حران والرقة والرها وقرقيسا وكان من كان بالكوفة وبالبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية. فخرج الاشتر وهو يريد الضحاك بحران فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه وكان جل أهلها عثمانية فجاؤا وعليهم سماك بن مخرمة وأقبل الضحاك يستقبل الاشتر فالتقى الضحاك وسماك بين حران والرقة ورحل الاشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كان عند المساء فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى أصبح بحران فدخلها وأصبح الاشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمان بن خالد في خيل يغيثهم. فلما بلغ ذلك الاشتر كتب كتائبه وعبأ جنوده وخيله ثم ناداهم الاشتر: ألا إن الحي عزيز ألا إن الذمار منيع ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة احتجرتم احتجار الضباب فنادوا يا عباد الله أقيموا قليلا، علمتم والله أن قد أتيتم. فمضى الاشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسا فتحرزوا منه وبلغ عبد الرحمان بن خالد انصراف الاشتر فانصرف. 338 - وروى نصر أيضا عن عبد الله بن كردم بن مرثد قال: لما قدم علي عليه السلام حشر إليه أهل السواد فلما اجتمعوا أذن لهم فلما رأى كثرتهم قال: إني لا أطيق كلامكم ولا أفقه عنكم فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم وأعمه نصيحة لكم.

[359]

قالوا: نرسا ما رضى فقد رضيناه وما سخط سخطنا [ه]. فتقدم [نرسا] فجلس إليه فقال: يا نرسا أخبرني عن ملوك فارس كم كانوا ؟ قال: كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة إثنين وثلاثين ملكا. قال: فكيف كانت سيرتهم ! ! قال: ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة حتى ملكنا كسرى بن هرمز فاستأثر بالمال والاعمال وخالف أولينا وأخرب الذي للناس وعمر الذي له واستخف بالناس وأوغر نفوس فارس حتى ثاروا إليه فقتلوه فأرملت نساؤه ويتم أولاده (1). فقال: يا نرسا إن الله عز وجل خلق الخلق بالحق ولا يرضى من أحد إلا بالحق وفي سلطان الله تذكرة مما خول الله وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير ولابد من إمرة ولا يزال أمرنا متماسكا ما لم يشتم آخرنا أولنا فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا هلكوا وأهلكوا. ثم أمر عليهم أمرا أهم. ثم إن عليا بعث إلى العمال في الآفاق وكان أهم الوجوه إليه الشام. 339 - وروى عن محمد بن عبيدالله القرشي عن الجرجاني قال: لما بويع علي (عليه السلام) وكتب إلى العمال في الآفاق كتب إلى جزير بن عبد الله البجلي - وكان عاملا لعثمان على ثغر همدان - مع زحر بن قيس الجعفي: أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال. وإني أخبرك عمن سرنا إليه من جموع طلحة والزبير عند نكثهم بيعتهم وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف أني هبطت من المدينة بالمهاجرين والانصار


(1) كذا في كتاب صفين، وفي ط الكمباني من بحار الانوار: " فأمت نساؤه " ولعله كان في الاصل: " فأويمت نساؤه " فصحف.

[360]

حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن علي وعبد الله بن العباس وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة فاستنفروهم فأجابوا فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت [في] الدعاء وأقلت العثرة وناشدتهم عقد بيعتهم فأبوا إلا قتالي فاستعنت بالله عليهم فقتل من قتل وولوا مدبرين إلى مصرهم فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء فقبلت العافية ورفعت [عنهم] السيف واستعملت عليهم عبد الله بن عباس وسرت إلى الكوفة وقد بعثت إليكم زحر بن قيس فاسأل عما بدا لك. فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال: يا أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو المأمون على الدين والدنيا وقد كان من أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه وقد بايعه السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والتابعين بإحسان ولو جعل هذا الامر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها. ألا وإن البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم فإن ملتم أقام ميلكم. فقال الناس: سمعا وطاعة رضينا رضينا فأجاب جرير وكتب جواب كتابه [بالطاعة]. ثم قام زحر بن قيس خطيبا فكان مما حفظ من كلامه أن قال: الحمد لله الذي اختار الحمد لنفسه وتولاه دون خلقه لا شريك له في الحمد، ولا نظير له في المجد، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائم الدائم، إله السماء والارض، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق الواضح والكتاب الناطق داعيا إلى الخير وقائدا إلى الهدى. ثم قال: أيها الناس إن عليا كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول ولكن لابد من رد الكلام إن الناس بايعوا عليا بالمدينة غير محاباة

[361]

ببيعته (1) لعلمه بكتاب الله وسنن الحق وإن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث وألبا عليه الناس ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب وأخرجا أم المؤمنين فلقيهما فأعذر في الدعاء وأحسن في البقية وحمل الناس على ما يعرفون هذا عيان ما غاب عنكم وإن سألتم الزيادة فزدناكم ولا قوة إلا بالله. ثم ذكر أبياتا من جرير وغيره تركناها روما للاختصار. قال: ثم أقبل جرير سائرا من ثغر همدان حتى ورد على علي (عليه السلام) بالكوفة فبايعه ودخل فيما دخل فيه [الناس] من طاعة علي واللزوم لامره. وقال نصر: أخبرنا محمد بن عبيد الله عن الجرجاني: قال لما بويع علي (عليه السلام) وكتب إلى العمال كتب إلى الاشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني والاشعث على آذربيجان عامل لعثمان - وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الاشعث بن قيس قبل ذلك - فكتب إليه علي (عليه السلام) -: أما بعد فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله. ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وصارا إلى البصرة فسرت إليهما فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية.


(1) كذا في أصلي من طبعة الكمباني من البحار، وفي ط مصر من كتاب صفين: " من غير محابات له بيعتهم... ".

[362]

وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة وفي يديك مال من مال الله وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلي ولعلي أن لا أكون شر ولا تك لك إن استقمت ولا قوة إلا بالله. فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان ولا يشفي منه الخبر غير أن من سمع بن ليس كمن عاينه إن الناس بايعوا عليا راضين به وإن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث ثم اذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة فأورثه الله الارض وجعل له عاقبة المؤمنين. ثم قام الاشعث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولاني آذربيجان فهلك وهي في يدي وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له [كطاعة من كان قبله] (1) وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم، وعلي المأمون على ما قد غاب عنا وعنكم من ذلك الامر. قال: فلما أتى منزله دعا أصحابه وقال: إن كتاب علي قد أوحشني وهو آخذ بمال آذربيجان (2) وأنا لاحق بمعاوية فقال القوم: الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لاهل الشام ؟ فاستحيا [الاشعث] فسار حتى قدم على علي (عليه السلام). قال: وإنه قدم على علي (عليه السلام) بعد قدومه الكوفة الاحنف بن


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من كتاب صفين وقد سقط من أصلي من طبعة الكمباني من البحار. (2) كذا في أصلي ومثله في كتاب صفين ط مصر. وفي كتاب الامامة والسياسة: " وهو آخذي بمال آذربيجان " وهو الظاهر.

[363]

قيس وجارية بن قدامة وحارثة بن زيد وزيد بن جبلة وأعين بن ضبيعة وعظم الناس بنو تميم وكان فيهم أشراف ولم يقدم هؤلاء على عشيرة من أهل الكوفة. فقام الاحنف بن قيس وجارية بن قدامة وحارثة بن بدر فتكلم الاحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنه إن يك [بنو] سعد لم تنصرك يوم الجمل فإنها لم تنصر عليك وقد عجبوا أمس ممن نصرك وعجبوا اليوم ممن خذلك لانهم شكوا في طلحة والزبير ولم يشكوا في معاوية وعشيرتنا في البصرة فلو بعثنا إليهم فقدموا إلينا فقاتلنا بهم العدو وانتصفنا بهم وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس. [ف‍] قال علي لجارية بن قدامة وكان رجل تميم بعد الاحنف: ما تقول يا جارية ؟ فأجاب بما يدل على كراهته من إشخاص قومه عن البصرة. ثم خاطب [علي عليه السلام] حارثة فوافق الاحنف في رأيه (1). فقال (عليه السلام) للاحنف: اكتب إلى قومك فكتب إليهم يحثهم على الخروج والمسير إليه. وكتب معاوية بن صعصعة وهو ابن أخي الاشعث إليهم أبياتا في ذلك فلما انتهى كتاب الاحنف وشعر معاوية إلى بني سعد ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة فعزت بالكوفة وكثرت ثم قدمت عليهم ربيعة ولهم حديث. بيان: قال في القاموس: الاستان بالضم أربع كور ببغداد عالي وأعلى وأوسط وأسفل انتهى. " وبهرسير " ربما يقرأ بالباء الموحدة [المفتوحة] والسين المهملة [المفتوحة] المعد للتنزه.


(1) وهذا نقل بالمعنى وتلخيص مخل، وتفصيل الكلام في الجزء الاول من كتاب صفين ص 25

[364]

وربما يقرء بالنون والشين المعجمة أي نهر اللبن الذي أجراه فرهاد لشيرين. قوله (عليه السلام): " وفي سلطان الله " لعل المعنى أن في سلطنة الله على عباده ولطفه بهم وشفقته عليهم وعفوه عنهم وعدم معاجلتهم بالمعاصي مع غناه عنهم وكمال حاجتهم إليه ما يتذكر من خوله الله سلطنته فيتبع سنة الله فيهم. والرجيع: الروث.

[365]

[الباب الحادي عشر] باب بغي معاوية وامتناع أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن تأميره وتوجهه إلى الشام للقائه إلى ابتداء غزوات صفين 340 - نهج [و] من كتاب له [عليه السلام] إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة ذكره الواقدي في كتاب الجمل: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد علمت إعذاري فيكم وإعراضي عنكم حتى كان ما لابد منه ولا دفع له، والحديث طويل والكلام كثير وقد أدبر ما أدبر وأقبل ما أقبل فبايع من قبلك وأقبل إلي في وفد من أصحابك والسلام. بيان: قوله: " إعذاري فيكم " يحتمل أن يكون الخطاب لبني أمية أو لجميع الامة واختار ابن أبي الحديد الاول وقال: أي مع كوني ذا عذر لو ذممتكم وأسأت إليكم فلم أفعله بل أعرضت عن إساءتكم إلي وضربت عنكم صفحا حتى كان ما لابد منه يعني قتل عثمان.


340 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (75) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[366]

وقال ابن ميثم: يعني إعذاره إلى الله فيهم وإظهار عذره باجتهاده في نصيحة عثمان أولا ونصرة بني أمية بالذب عنه ثانيا وإعراضه عنهم بعد إياسه عنهم من قبول عثمان نصيحته ومن نصرته والدفع عنه حتى كان ما لابد منه ولا دفع له من قبله انتهى. قيل: ويحتمل أن يكون المراد بإعذاره (عليه السلام) استنكافه عن البيعة أولا وهو إعراضه عنهم، وما لابد منه ولا دفع له هو خلافته (عليه السلام)، وقد مر مثله في مخاطبة طلحة والزبير فالخطاب لجميع الامة. قوله (عليه السلام): " وقد أدبر ما أدبر " أي أدبر ذلك الزمان وأقبل زمان آخر. وفي بعض النسخ " من أدبر " أي بعض الناس أقبلوا إلي وبعضهم أدبر كطلحة والزبير وأشباههما. وقال الجوهري: وفد فلان على الامير أي ورد رسولا فهو وافد والجمع: وفد مثل. صاحب وصحب. 341 - كتاب الصفين لنصر بن مزاحم عن عمر بن سعد [الاسدي] عن نمير بن وعلة عن عامر الشعبي أن عليا (عليه السلام) حين قدم من البصرة نزع جريرا عن همدان فجاء حتى نزل الكوفة فأراد [علي] أن يبعث إلى معاوية رسولا فقال له جرير: ابعثني إليه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الامر ويكون


341 - رواه نصر بن مزاحم في الجزء الاول من كتاب صفين ص 27 ط مصر 2، وما هنا تلخيص ما في كتاب صفين. ورواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (43) من نهج البلاغة: ج 1 ص 554 ط الحديث ببيروت.

[367]

أميرا من أمراءك وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وجلهم قومي وأهل بلادي وقد رجوت أن لا يعصوني. فقال له الاشتر: لا تبعثه ودعه ولا تصدقه فو الله إني لاظن هواه هواهم ونيته نيتهم ! ! فقال له علي عليه السلام: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا. فبعثه علي (عليه السلام) وقال له حين أراد أن يبعثه: إن حولي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل الدين والرأي من قد رأيت وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيك: " من خير ذي يمن " إئت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه وأعلمه إني لا أرضى به أميرا وأن العامة لا ترضى به خليفة. فانطلق جرير حتى [أتى الشام و] نزل بمعاوية فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر، وأهل العروض والعروض عمان (1) وأهل البحرين. واليمامة فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ولو سال عليها سيل من أوديته غرقها وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل. ودفع إليه كتاب علي بن أبي طالب (عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام (2)


(1) كذا في طبعة الكمباني من كتاب البحار، ومثله في شرح المختار: (43) من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وفي طبع مصر من كتاب صفين: " وأهل مصر، وأهل العروض وعمان... ". (2) ومثله في الطبعة القديمة من كتاب صفين وفي شرح المختار: (43) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: " أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام... ".

[368]

لانه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغايب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والانصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا. وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب الامور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس وحاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن. ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى. وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله وهو من أهل الايمان والهجرة فبايع ولا قوة إلا بالله. فلما قرأ الكتاب قام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أمر عثمان [قد] أعيا من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه، وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث. ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن ألا وإن العرب لا تحتمل السيف وقد ؟ كانت بالبصرة أمس ملحمة إن تشفع البلاء بمثلها فلا نبأ للناس (1) وقد بايعت


(1) كذا في أصلي وفي ط مصر من كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " فلا بقاء للناس... ".

[369]

العامة عليا. ولو ملكنا والله أمورنا لم نختر لها غيره، ومن خالف هذا استعتب. فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس. فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين وكان لكل امرئ ما في يده ولكن الله لم يجعل للآخر من الولاة حق الاول وجعل تلك أمورا موطأة وحقوقا ينسخ بعضها بعضا (1). فقال معاوية: انظر وتنظر وأستطلع رأي أهل الشام. فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية مناديا فنادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر وقال بعد كلام طويل (2). أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأني خليفة عثمان بن عفان عليكم وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط وأني ولي عثمان وقد قتل مظلوما والله يقول: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ؟ ! فقام أهل الشام بأجمعهم وأجابوا إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا ثاره أو يفني الله أرواحهم (3).


(1) كذا في الاصل، ومثله في ط مصر من كتاب صفين، وفي شرح ابن أبي الحديد: " ولكن الله جعل للآخر من الولات حق الاول... " وهذا هو الظاهر. (2) قد ذكر نصر بن مزاحم رحمه الله كلام معاوية حرفيا في الجزء الاول من كتاب صفين ص 31 ط 2 بمصر. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (43) من نهج البلاغة: ج 1، ص 554 ط الحديث ببيروت. (3) وفي كتاب صفين: " أو يدركوا بثأره... " وفي شرح ابن أبي الحديد: " حتى يدركوا. بثاره أو تلتحق أرواحهم بالله ".

[370]

قال: فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه. 342 - 356 - قال نصر: وحدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: واستحثه جرير بالبيعة فقال: يا جرير إنها ليست بخلسة وإنه أمر له ما بعده فأبلعني ريقي حتى أنظر. ودعا ثقاته [وشارهم في الامر ؟] فقال له عتبة بن أبي سفيان: استعن على هذا الامر بعمرو بن العاص وأثمن له بدينه فإنه من قد عرفت وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لامرك أشد اعتزالا إلا أن يرى فرصة. فروى نصر عن عمر بن سعد ومحمد بن عبيد الله قالا: كتب معاوية إلى عمرو: أما بعد فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني أقبل أذاكرك أمرا. قال: فلما قرئ الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبد الله ومحمدا فقال: ما تريان ؟ فقال عبد الله: أرى أن نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده وقتل عثمان وأنت عنه غائب فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أو شك أن تهلك فتشقي فيها (1). وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ولن يصرم هذا الامر


(1) كذا في كتاب صفين ص 34. وفي شرح المختار: (26) من نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1، ص 318 ط الحديث ببيروت. " ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشكتما أن تهلكا فتستويا في عقابها ". وفي ط الكمباني من البحار: " على دنيا قليل أوشك أن تهلكا فتشق ما فيها ".

[371]

وأنت فيه خامل يتصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديها واطلب بدم عثمان فإنك قد استسلمت فيه إلى بني أمية (1). فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وأنا ناظر فيه. فلما جنه الليل رفع صوته ينشد أبياتا في ذلك يرددها (2) فقال عبد الله ترحل الشيخ. قال: ودعا عمرو غلاما له يقال له: وردان وكان داهيا ماردا فقال: ارحل يا وردان ثم قال: حط يا وردان. فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك ؟ قال: هات ويحك قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا عوض من الآخرة فأنت واقف بينهما ! ! قال [عمرو]: فإنك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان ؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك ! ! ! قال: الآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية (3).


(1) كذا في أصلي، وفي شرح ابن أبي الحديد: " فإنه سيقوم بذلك بنو أمية ". وفي ط مصر من كتاب صفين: " فإنك قد استنمت فيه إلى بني أمية " وهو الظاهر، واستنمت: سكنت. (2) والابيات مذكورة في كتاب صفين وأنساب الاشراف وتاريخ الطبري وشرح ابن أبي الحديد، وللقصة مصادر كثيرة يجد الباحث كثيرا من محتوياتها في صدر المختار: (176) من نهج السعادة وتعليقاته: ج 2 ص 5 ط 2، وفي ط 1: ج 2 ص 57 - 83. (3) ومثله في كتاب صفين، وفي شرح ابن أبي الحديد: " قال: الآن لما أشهرت العرب سيرى إلى معاوية ". وفي كتاب الامامة والسياسة: " الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية ". (*)

[372]

فارتحل وسار حتى قدم على معاوية وعرف ذلك معاوية فباعده وكايد كل واحد منهما صاحبه ! ! ! فلما دخل عليه قال: أبا عبد الله طرقتنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر. قال [عمرو]: وما ذاك ؟ قال ذاك إن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه وهو من آفات هذا الدين. ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم إلي ليغلب على الشام. ومنها أن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا. قال [عمرو]: ليس كل ما ذكرت عظيما (1). أما أمر ابن أبي حذيفة فما يعظمك من رجل خرج في أشباهه أن تخرج [إليه] الخيل [حتى] تقتله أو تأتيك به وإن فاتك لا يضرك (2) وأما قيصر فاهد له من وصفاء الروم ووصائفها (3) وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنه إليها سريع. وأما علي فلا والله يا معاوية لا تسوى العرب بينك وبينه في شئ من الاشياء وإن له في الحرب لحظا ما هو لاحد من قريش وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه.


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في ط مصر من كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من البحار: " قال: كل هذا عظيم ". (2) هذا هو الظاهر الموافق لكتاب صفين غير أن فيه: " أن تبعث إليه خيلا تقتله... ". وفي أصلي من البحار: " أن تخرج [إليه] الخيل تقتله ولا يضرك... ". (3) هذا هو الصواب الموافق لكتاب صفين، وفي أصلي: " وصفائها ". الوصفاء: جمع الوصيف:: الغلام دون المراهق. والمؤنث: وصيفة وجمعها: وصائف. (*)

[373]

وروى نصر عن عمر بن سعد بإسناده قال: قال معاوية لعمرو: يا أبا عبد الله إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وشق عصا المسلمين وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرق الجماعة وقطع الرحم ! ! قال عمرو: إلى من ؟ قال: إلى جهاد علي قال: فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا فقهه ولا علمه ووالله وإن له مع ذلك جدا وجدودا وحظا وحظوة وبلاء من الله حسنا فما تجعل لي إن شايعتك على ما تريد ؟ قال: حكمك. قال: مصر طعمة. قال: فتلكأ عليه معاوية. قال نصر وفي حديث غير عمر قال: قال له معاوية: يا أبا عبد الله إني أكره أن تحدث العرب أنك إنما دخلت في هذا الامر لغرض دنيا ! ! قال: دعني منك قال معاوية: إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت قال عمرو: لا لعمر الله ما مثلي يخدع ولانا أكيس من ذلك. قال له معاوية: ادن مني برأسك أسارك. قال: فدنا منه عمرو [كي] يساره فعض معاوية أذنه وقال: هذه خدعة هل ترى في البيت أحدا غيري وغيرك. ثم رجع [الكلام] إلى حديث عمر (1) فقال معاوية: يا أبا عبد الله ألم تعلم أن مصرا مثل العراق ؟ قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق. قال فدخل عليه عتبة بن أبي سفيان فقال: أما ترضى أن تشتري عمروا بمصر إن هي صفت لك ؟ فليتك لا تغلب على الشام.


(1) وفي كتاب صفين هكذا: ثم رجع [الكلام] إلى حديث عمر: قال: فأنشأ عمرو يقول: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع وساق بقية الابيات إلى أن قال: [ف‍] قال [معاوية]: يا أيا عبد الله ألم تعلم أن مصر مثل العراق ؟...

[374]

فقال معاوية: يا عتبة بت عندنا الليلة قال: فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية بأبيات يحثه فيها على إرضاء عمرو، فلما سمع معاوية ذلك أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه. قال: فقال عمرو: ولي الله عليك بذلك شاهد ؟ قال له معاوية: نعم لك الله علي بذلك لئن فتح الله علينا الكوفة. قال عمرو: والله على ما نقول وكيل. قال: فخرج عمرو من عنده فقال له ابناه: ما صنعت ؟ قال: أعطانا مصر. فقالا: وما مصر في ملك العرب ؟ قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر. قال: فأعطاها إياه وكتب له كتابا وكتب معاوية: على أن لا ينقض شرط طاعة (1) فكتب عمرو على أن لا تنقض طاعته شرطا. وكايد كل منهما صاحبه (2).


(1) وأشار في أصلي وكتب تحت هذه الجملة إشارة أن في بعض النسخ من كتاب صفين بدل هذه الجملة هكذا: " على أن لا ينقض شرطه طاعته ". (2) كذا في ط الكمباني من البحار، ولكن أشار تحت قوله: " على أن لا ينقض شرط طاعة " أن في نسخة هكذا: " على أن لا ينقض شرطه طاعته ". قال ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (26) من نهج البلاغة: ج 1، ص 138، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 322: وقد ذكر هذا اللفظ أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه الكامل ولم يفسره، وتفسيره: أن معاوية قال للكاتب: " اكتب على أن لا ينقض شرط طاعة " يريد أخذ إقرار عمر وله أنه قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشئ. وهذه مكايدة له، لانه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع في إعطائه مصر، ولم يكن لعمرو أن يرجع عن طاعته، ويحتج عليه برجوعه عن إعطائه مصر، لان مقتضى المشارطة المذكورة أن طاعة معاوية واجبة عليه مطلقا، سواء أكانت مصر مسلمة إليه أولا. =

[375]

وكان مع عمرو ابن عم له فتى شاب وكان داهيا فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتى وقال: ألا تخبرنا يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب ؟ فقال عمرو: يا ابن الاخ إن الامر لله دون علي ومعاوية فأنشد الفتى في ذلك شعرا فقال له عمرو: يا ابن أخي لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكني الآن مع معاوية. فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك ولكنك تريد دنياه ويريد دينك. وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب ولحق بعلي فحدثه بأمر عمرو ومعاوية قال: فسر ذلك عليا وقربه. قال: وغضب مروان وقال ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو ؟ قال: فقال له معاوية: إنما نبتاع الرجال لك. قال: فلما بلغ عليا ما صنع معاوية وعمرو قال: يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعراء إلى آخر ما سيأتي من الابيات في آخر الابواب. وروى نصر عن محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما بات عمرو عند


= فلما انتبه عمرو إلى هذه المكيدة منع الكاتب من أن يكتب ذلك وقال: بل اكتب " على أن لا تنقض طاعة شرطا " يريد أخذ إقرار معاوية له بأنه إذا كان أطاعه لا تنقض طاعته إياه ما شارطه عليه من تسليم مصر إليه. وهذا أيضا مكايدة من عمرو لمعاوية، ومنع له من أن يغدر بما أعطاه من مصر. وسيأتي عن المصنف نقل كلام ابن أبي الحديد هذا في ص 472.

[376]

معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة وكتب له بها كتابا وقال: ما ترى ؟ قال: امض الرأي الاول. فبعث [معاوية] مالك بن هبيرة في طلب ابن أبي حذيفة فأدركه فقتله وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه. ثم قال: [معاوية لعمرو]: ما ترى في علي ؟ قال: أرى فيه خيرا أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق ومن عند خير الناس في أنفس الناس ودعوتك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد ورأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدو لجرير فأرسل إليه ووطئ له ثقاتك فليفشوا في الناس أن عليا قتل عثمان وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ومن تعلق بقلبه شئ لم يخرجه شئ أبدا. فدعا معاوية يزيد بن لبيد وبسر بن أرطأة وعمرو بن سفيان ومخارق بن الحرث الزبيدي وحمزة بن مالك وحابس بن سعيد الطائي ثم كتب إلى شرحبيل أن جرير بن عبد الله قدم علينا من قبل علي بأمر فظيع فاقدم. فاستشار شرحبيل أهل اليمن من أهل حمص فاختلفوا عليه، فقام إليه عبد الرحمان بن غنم وهو صاحب معاذ وختنه وكان أفقه أهل الشام فنهاه عن المسير إلى معاوية ووعظه ونهاه أيضا عياض اليماني وكان ناسكا. فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية. فلما قدم عليه تلقاه الناس فأعظموه ودخل على معاوية فقال له معاوية: يا شرحبيل إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي وعلي خير الناس لولا أنه قتل عثمان وحبست نفسي عليك وإنما أنا رجل من أهل الشام أرضى ما رضوا وأكره ما كرهوا. فقال شرحبيل: أخرج فانظر فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطئون له كلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان فرجع مغضبا إلى معاوية فقال: يا معاوية أبى الناس إلا أن عليا قتل عثمان والله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك !

[377]

قال معاوية: ما كنت لاخالف عليكم ما أنا إلا رجل من أهل الشام. قال فرد هذا الرجل إلى أصحابه [إذن]. قال: فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق وأن أهل الشام مع شرحبيل. فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال: ابعث إلى جرير فبعث إليه حصين أن زرنا فإن عندنا شرحبيل بن السمط فاجتمعا عنده. فتكلم شرحبيل فقال: يا جرير أتيتنا بأمر ملفق لتلقينا في لهوات الاسد وأردت أن تخلط الشام بالعراق وأطريت عليا وهو قاتل عثمان والله سائلك عما قلت يوم القيامة. فأقبل عليه جرير وقال: يا شرحبيل أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون أمرا ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والانصار وقوتل على رده طلحة والزبير. وأما قولك: إني ألقيتك في لهوات الاسد ففي لهواتها ألقيت نفسك. وأما خلط العراق بالشام فخلطها على حق خير من فرقتها على باطل. وأما قولك إن عليا قتل عثمان فو الله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد، ولكنك ملت إلى الدنيا وشئ كان في نفسك علي زمن سعد بن أبي وقاص. فبلغ معاوية قول الرجلين فبعث إلى جرير وزجره وكتب جرير إلى شرحبيل أبياتا يعظه فيها فزعر شرحبيل وفكر فاستزله القوم ولفف له معاوية الرجال ولم ينفعه زجر قومه [له] ولا غيرهم حتى أنه بعثه معاوية إلى مدائن الشام يدعوهم إلى الطلب بدم عثمان فبدأ بأهل حمص فأجابوه إلا نساك من أهل حمص فإنهم قاموا إليه فقالوا: بيوتنا قبورنا ومساجدنا وأنت أعلم بما ترى.

[378]

وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به. فآيس جرير [عند ذلك] من معاوية ومن عوام الشام. قال [نصر]: وكان معاوية قد أتى جريرا قبل ذلك في منزله فقال: يا جرير إني قد رأيت رأيا. قال: هاته. قال: اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لاحد بعده بيعة في عنقي وأسلم له هذا الامر واكتب إليه بالخلافة ! ! ! فقال جرير: اكتب بما أردت واكتب معك فكتب معاوية بذلك إلى علي. فكتب علي إلى جرير: أما بعد فإنما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما أحب، وأراد أن يريثك حتى يذوق أهل الشام، وإن المغيرة بن شعبة قد كان أشار علي أن أستعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت ذلك عليه. ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل وإلا فأقبل. وفشا كتاب معاوية في العرب. وفي حديث صالح بن صدقة قال: أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس وقال علي: " وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا " وأبطأ على علي (عليه السلام) حتى آيس منه. وفي حديث محمد وصالح بن صدقة قالا: وكتب علي (عليه السلام) إلى جرير: أما بعد فإذا أتاك كتابي [هذا] فاحمل معاوية على الفصل ثم خيره وخذه

[379]

بالجواب بين حرب مخزية أو سلم محظية (1) فإن اختار الحرب فانبذ له، وإن اختار السلم فخذه ببيعته (2). فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى به إلى معاوية فأقرأه الكتاب وقال: يا معاوية إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب ولا ينشرح إلا بتوبة ولا أظن قلبك لا مطبوعا أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي ؟ ؟ ؟ فقال معاوية ألقاك بالفيصل في أول مجلس إنشاء الله. فلما بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال: يا جرير الحق بصاحبك وكتب إليه بالحرب (3) فأجابه علي (عليه السلام): من علي إلى معاوية بن صخر أما بعد فقد أتاني كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه وقاده [الضلال] فاتبعه (4).


(1) كذا في أصلي، ومثله في شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 562 ط الحديث ببيروت. وفي ط مصر من كتاب صفين: " فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالامر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم محظية... ". (2) كذا في أصلي، وفي أواخر الجزء الاول من كتاب صفين والمختار: (8) من الباب الثاني من نهج البلاغة: " فخذ بيعته ". وللكلام مصادر أخر يجد الباحث بعضها في ذيل المختار: (47) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 98 ط 1. (3) ورسالة معاوية إلى الامام أمير المؤمنين عليه السلام في إعلانه بالحرب ذكرها المبرد في كتاب الكامل ص 148، ورواها عنه محقق كتاب صفين في هامش المقام منه ص 56 ط 2. (4) هذا هو الظاهر المذكور في شرح المختار: (43) من شرح ابن أبي الحديد، والمختار: (7) من الباب الثاني من نهج البلاغة غير أن فيه: " قد دعاه الهوى فأجابه... ". وفي كتاب صفين: " ليس له نظر يهديه ولا قائد يرشده... ". وها هنا في ط الكمباني من البحار تقديم وتأخير.

[380]

زعمت أنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا وما كان الله ليجمعهم على ضلالة ولا ليضربهم بالعمى وما أمرت فيلزمني خطيئة الامر، ولا قتلت فيجب علي قصاص. وأما قولك: إن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة ؟ فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والانصار وإلا أتيتك به من قريش الحجاز. وأما قولك: ادفع إلينا قتلة عثمان، فما أنت وعثمان ؟ إنما أنت رجل من بني أمية وبنو عثمان أولى بذلك منك. فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلي أحملك إياهم على المحجة. وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبينك وبين طلحة والزبير فلعمري ما الامر فيما هناك إلا واحد لانها بيعة عامة لا يثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار. وأما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان ولا يقين بالخبر. وأما فضلي بالاسلام وقرابتي من النبي صلى الله عليه وآله وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته (1). [نصر، عن] صالح بن صدقة بإسناده قال: لما رجع جرير إلى علي (عليه


(1) وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي في المختار: (6 - 7) من باب كتب أمير المؤمنين في نهج البلاغة.

[381]

السلام) كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية فاجتمع جرير والاشتر عند علي (عليه السلام) فقال الاشتر: أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى من خناقه وأقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو روحه إلا فتحه أو يخاف غمه الا سده. فقال جرير: والله أو أتيتهم لقتلوك - وخوفه بعمرو، وذي الكلاع وحوشب - وقد زعموا أنك من قتلة عثمان. فقال الاشتر: لو أتيته والله يا جرير لم يعييني جوابها ولم يثقل علي محملها ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر قال: فأتهم إذا. قال: الآن وقد أفسدتهم ووقع بيننا الشر ؟ وعن الشعبي قال: اجتمع جرير والاشتر عند علي (عليه السلام) فقال الاشتر: أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه وأقبل الاشتر يشتمه ويقول: يا أخا بجيلة إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان والله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الارض حيا إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم وأنت والله منهم ولا أرى سعيك إلا لهم ولئن أطاعني فيك أمير المؤمنين (عليه السلام) ليحبسنك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستبين من هذه الامور ويهلك الله الظالمين. قال: فلما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسا ولحق به أناس من قيس ولم يشهد صفين من قيس (1) غير تسعة عشر رجلا ولكن أحمس (2) شهدها منهم سبعمائة رجل.


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي في الموردين: " قيس ". وقسر - بفتح القاف -: هم بنو بجيلة رهط جرير بن عبد الله البجلي. (1) بنو أحمس هم من بطون بجيلة بن أنمار بن نزار. وكانت بجيلة في اليمن. كذا في هامش كتاب صفين عن كتاب المعارف 29 و 46.

[382]

وخرج علي (عليه السلام) إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه وخرج أبو زرعة عمرو بن جرير وقال: أصلحك الله إن فيها أيضا لغير جرير فخرج علي منها إلى دار ثوير بن عامر فحرقها وهدم منها وكان ثوير رجلا شريفا وكان قد لحق بجرير. وفي حديث صالح بن صدقة قال: لما أراد معاوية المسير إلى صفين كتب إلى أهل مكة وأهل المدينة كتابا يذكرهم فيه أمر عثمان (1) فكتب إليه عبد الله بن عمر مجيبا له ولابن العاص: أما بعد فلقد أخطأتما موضع النصرة وتناولتما من مكان بعيد وما زاد الله من شك في هذا الامر بكتابكما إلا شكا (2) وما أنتما والمشورة ؟ وما أنتما والخلافة ؟ وأما أنت يا معاوية فطليق وأما أنت يا عمرو فظنون ألا فكفا عنا أنفسكما فليس لكما ولي ولا نصير. وأجابه سعد بن أبي وقاص أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة من قريش فلم يكن أحد منا أحق من صاحبه إلا باجتماعنا عليه، غير أن عليا قد كان فيه ما فينا ولم يك فينا ما فيه وهذا أمر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره. وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما كان خيرا لهما والله يغفر لام المؤمنين ما أتت [به].


(1) ونص كتابه مذكور في كتاب صفين ص 63 ط مصر 2. (2) كذا في الاصل، وفي كتاب صفين: " وما زاد الله من شاك في هذا الامر بكتابكما إلا شكا ".

[383]

وكتب إليه محمد بن مسلمة أما بعد فقد اعتزل هذا الامر من ليس في يده من رسول الله صلى الله عليه وآله مثل الذي في يدي فقد أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو كائن قبل أن يكون فلما كان كسرت سيفي وجلست في بيتي واتهمت الرأي على الدين إذا لم يصلح لي معروف آمر به ولا منكر أنهى عنه ولعمري ما طلبت إلا الدنيا ولا اتبعت إلا الهوى فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا فما أخرجني الله من نعمة ولا صيرني إلى شك. إلى آخر ما كتب. قال: وروى صالح بن صدقة عن إسماعيل بن زياد عن الشعبي أن عليا (عليه السلام) قدم من البصرة مستهل رجب وأقام بها سبعة عشر شهرا يجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص. وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما قدم عبيد الله بن عمر على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان وينال منه ؟ فقال: الرأي ما رأيت. فبعث إليه فأتاه فقال له يا ابن أخ إن لك اسم أبيك فانظر بملأ عينيك وتكلم بكل فيك فأنت المأمون المصدق فاصعد المنبر فاشتم عليا واشهد عليه أنه قتل عثمان. فقال: يا أمير المؤمنين أما شتمي له فإنه علي بن أبي طالب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فما عسى أن أقول في حسبه، وأما بأسه فهو الشجاع المطرق وأما أيامه فما قد عرفت ولكني ملزمه دم عثمان ! ! فقال عمرو: إذا والله قد نكأت القرحة. فلما خرج عبيد الله قال معاوية: أما والله لولا قتلة الهرمزان ومخافة علي على نفسه ما أتانا أبدا ألم تر إلى تقريظه عليا. فلما قام [عبيد الله] خطيبا تكلم بحاجته حتى إذا أتى إلى أمر علي

[384]

أمسك ! ! فعاتبه معاوية فاعتذر بأني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان وعرفت أن الناس محتملوها عني ! ! فهجره معاوية واستخف بحقه حتى أنشد شعرا في مدح عثمان وتصويب طلحة والزبير فأرضاه وقربه وقال حسبي هذا منك. بيان: قوله (عليه السلام): " من خير ذي يمن " إشارة إلى رواية وردت في مدحه قال [ابن الاثير] في [مادة ذوى من كتاب] النهاية في حديث المهدي " قرشي يمان ليس من ذي ولا ذو " أي ليس في نسبه نسب أذواء اليمن وهم ملوك حمير منهم ذو يزن وذو رعين. وقوله: [" قرشي يمان "] أي وهو قرشي النسب يماني المنشأ ومنه حديث جرير " يطلع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك " وكذا أورده أبو عمر الزاهد وقال: ذي ها هنا صلة أي زايدة انتهى. والعكم بالكسر: العدل وعكمت المتاع: شددته. قوله: " على أن لا ينقض " قال ابن أبي الحديد: تفسيره أن معاوية قال للكاتب: اكتب على أن لا ينقض شرط طاعة يريد أخذ إقرار عمرو له أنه قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشئ وهذه مكايدة له لانه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع عن مصر ولم يكن لعمرو أن يرجع عن طاعته ويحتج عليه برجوعه عن إعطائه مصر لان مقتضي المشارطة المذكورة أن طاعة معاوية واجبة عليه مطلقا سواء كان مصر مسلمة إليه أولا. فلما انتبه عمرو على هذه المكيدة منع الكاتب من أن يكتب ذلك وقال: بل اكتب على أن لا تنقض طاعة شرطا. يريد أخذ إقرار معاوية بأنه إذا أطاعه لا تنقض طاعته إياه ما شارطه عليه من تسليم مصر إليه. وهذا أيضا مكايدة من عمرو لمعاوية. وفي النهاية والصحاح: نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتح الفاء وسكونها والنفيضة: قوم يبعثون متجسسين هل

[385]

يرون عدوا أو خوفا. وقرقيسا بالكسر ويمد ويقصر: بلد على الفرات. والتقريظ: مدح الانسان وهو حي بحق أو باطل. 357 - البرسي في مشارق الانوار عن محمد بن سنان قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يجهز أصحابه إلى قتال معاوية إذا اختصم إليه إثنان فلغى أحدهما في الكلام فقال له: اخسأ يا كلب. فعوى الرجل لوقته وصار كلبا فبهت من حوله وجعل الرجل يشير بإصبعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ويتضرع فنظر إليه وحرك شفتيه فإذا هو بشر سوي ! ! فقام إليه بعض أصحابه وقال له: مالك تجهز العسكر ولك مثل هذه القدرة ؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في هذه الفلوات حتى أضرب صدر معاوية فأقلبه عن سريره لفعلت ولكن عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. 358 - ختص: محمد بن علي عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير: عن أبان الاحمر قال: قال الصادق (عليه السلام): يا أبان كيف ينكر الناس قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما قال: " لو شئت لرفعت رجلي هذه فضربت بها صدر ابن أبي سفيان بالشام فنكسته عن سريره " ولا ينكرون تناول آصف وصي سليمان عرش بلقيس وإتيان سليمان به قبل أن يرتد إليه طرفه ؟ أليس نبينا أفضل الانبياء ووصيه أفضل الاوصياء ؟ أفلا جعلوه كوصي سليمان حكم الله بيننا وبين من جحد حقنا وأنكر فضلنا.


357 - وانظر كتاب مشارق الانوار للبرسي. 358 - رواه الشيخ المفيد بعد عنوان: " إثبات إمامة الائمة الاثنا عشر " في أواسط كتاب الاختصاص ص 207 ط النجف.

[386]

359 - ما: المفيد عن الكاتب، عن الزعفراني عن الثقفي عن عبيد الله بن أبي هاشم، عن عمر بن ثابت عن جبلة بن سحيم قال: لما بويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بلغه أن معاوية قد توقف عن إظهار البيعة له وقال: إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته. فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أمير المؤمنين إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الامور ثم اعزله إن بدا لك. فقال [له] أمير المؤمنين (عليه السلام) أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال: لا. قال: لا يسألني الله عزوجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا وما كنت متخذ المضلين عضدا لكن ابعث إليه وأدعوه إلى ما في يدي من الحق فإن أجاب فرجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم وإن أبى حاكمته إلى الله. فولى المغيرة وهو يقول فحاكمه إذا فحاكمه إذا فأنشأ يقول: نصحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فما مني له الدهر ثانية ولم يقبل النصح الذي جئته به * وكانت له تلك النصيحة كافية وقالوا له: ما أخلص النصح كله * فقلت له: إن النصيحة غالية فقام قيس بن سعد رحمه الله فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله به فقدم فيه رجلا وأخر فيه أخرى فإن كان لك الغلبة تقرب إليك بالنصيحة وإن كانت لمعاوية تقرب إليه بالمشورة ثم أنشأ يقول:


359 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (42) من الجزء الثالث من أماليه: ج 1، ص 85. وليلاحظ المختار: (70) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 238 ط 2.

[387]

يكاد ومن أرسى ثبيرا مكانه * مغيرة أن يقوي عليك معاوية وكنت بحمد الله فينا موفقا * وتلك التي آراكها غير كافية فسبحان من علا السماء مكانها * والارض دحاها فاستقرت كما هيه بيان: قوله: " الدهر " منصوب على الظرفية أي ليس مني نصيحة ثانية ما بقي الدهر. قوله " ومن أرسى " الواو للقسم أي بحق الذي أثبت جبل ثبير المعروف بمنى. 360 - شا: من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لما عمد المسير إلى الشام لقتال معاوية بن أبي سفيان [قال] بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اتقوا الله عباد الله وأطيعوه وأطيعوا إمامكم فإن الرعية الصالحة تنجو بالامام العادل ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالامام الفاجر وقد أصبح معاوية غاصبا لما في يديه من حقي ناكثا لبيعتي طاعنا في دين الله عزوجل. وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالامس وجئتموني راغبين إلي في أمركم حتى استخرجتموني من منزلي لتبايعوني فالتويت عليكم لابلو ما عندكم فراودتموني القول مرارا وراودتكم وتكأكأتم علي تكأكؤ الابل الهيم على حياضها حرصا على بيعتي حتى خفت أن يقتل بعضكم بعضا. فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمري وأمركم وقلت إن أنا لم أجبهم إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدا يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي وقلت:


360 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (30) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 139، ط النجف.

[388]

والله لالينهم وهم يعرفون حقي وفضلي أحب إلي من أن يلوني وهم لا يعرفون حقي وفضلي فبسطت لكم يدي فبايعتموني يا معشر المسلمين وفيكم المهاجرون والانصار والتابعون بإحسان. فأخذت عليكم عهد بيعتي وواجب صفقتي [من] عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق لتفن لي ولتسمعن لامري ولتطيعوني وتناصحوني وتقاتلون معي كل باغ أو مارق إن مرق، فأنعمتم لي بذلك جميعا فأخذت عليكم عهد الله وميثاقه وذمة الله ورسوله فأجبتموني إلى ذلك وأشهدت الله عليكم وأشهدت بعضكم على بعض وقمت فيكم بكتاب الله. وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله [وسلم]) فالعجب من معاوية بن أبي سفيان ينازعني الخلافة ويجحدني الامامة ويزعم أنه أحق بها مني جرأة منه على الله وعلى رسوله بغير حق له فيها ولا حجة ولم يبايعه عليها المهاجرون ولا سلم له الانصار والمسلمون. يا معشر المهاجرين والانصار وجماعة من سمع كلامي أو ما أوجبتم لي على أنفسكم الطاعة ؟ أما بايعتموني على الرغبة ؟ ألم آخذ عليكم العهد بالقبول لقولي ؟ أما بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر ؟ فما بال من خالفني لم ينقض عليهما حتى مضيا ونقض علي ولم يف لي ؟ أما يجب لي عليكم نصحي ويلزمكم أمري ؟ أما تعلمون أن بيعتي تلزم الشاهد عنكم والغائب ؟ فما بال معاوية وأصحابه طاعنين في بيعتي ؟ ولم لم يفوا بها لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى بالامر ممن تقدمني ؟. أما سمعتم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) يوم الغدير في ولايتي وموالاتي ؟ فاتقوا الله أيها المسلمون وتحاثوا على جهاد معاوية الناكث القاسط وأصحابه القاسطين. واسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب الله المنزل على نبيه المرسل لتتعظوا فإنه عظة لكم فانتفعوا بمواعظ الله وازدجروا عن معاصي الله فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه (صلى الله عليه وآله [وسلم]): * (ألم تر إلى الملا من بني

[389]

إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله. فقال لهم نبيهم هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلو ؟ قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا. فلما كتب عليكم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين، وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا. قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * [246 - 247 / البقرة: 2]. يا أيها الناس إن لكم في هذه الآيات عبرة لتعلموا أن الله تعالى جعل الخلافة والامر من بعد الانبياء في أعقابهم وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة باصطفائه إياه وزيادته بسطة في العلم والجسم فهل تجدون الله عز وجل اصطفى بني أمية على بني هاشم ؟ وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم ؟ فاتقوا الله عباد الله وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخطه بعصيانكم له، قال الله عزوجل: * (لعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) * [78 - 79 / المائدة: 5] [وقال تعالى:] * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) *. [15 / الحجرات: 49]. [وقال تعالى:] * (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) * [10 - 11 / الصف: 61].

[390]

اتقوا الله عباد الله وتحاثوا على الجهاد مع إمامكم فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر إذا أمرتهم أطاعوني وإذا استنهضتهم نهضوا معي لاستغنيت بهم عن كثير منكم وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد المفروض. بيان: التكاكؤ: التجمع. والتوى عن الامر: تثاقل. وروى في الامر تروية: نظر وتفكر. وأنعم له أي قبل [قوله] وأجاب بنعم. قوله (عليه السلام): " إن الله جعل الخلافة " فيه إشكال وهو أن المشهور بين المفسرين أن طالوت لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة إذ النبوة كانت في سبط لاوى والمملكة في سبط يهودا. وقيل في سبط يوسف وهو كان من سبط بنيامين فالآيات تدل على عدم لزوم كون الخلافة في أعقاب الانبياء. ويمكن أن يجاب [عنه] بوجوه: الاول القدح في تلك الامور فإنها مستندة إلى أقوال المؤرخين والمفسرين من المخالفين فيمكن أن يكون طالوت من سبط النبوة أو المملكة فيكون ادعاؤهم الاحقية من جهة المال فقط. الثاني أن كونه من ولد يعقوب وإسحاق وإبراهيم كاف في ذلك. الثالث أن يكون الاستدلال من جهة ما يفهم من الآية من كون النبوة في سبط مخصوص آباؤهم أنبياء فالمراد بالخلافة رئاسة الدين وإن اجتمعت رئاسة الدين والدنيا في تلك الامة فلا ينافي الاستدلال بالبسطة في العلم والجسم فإنه إذا اشترط في الرياسة الدنيوية فقط البسطة في العلم والجسم فاشتراطهما في الرياستين ثابت بطريق أولى. 361 - شا: [و] من كلامه (عليه السلام) وقد بلغه عن معاوية وأهل الشام ما يؤذيه من الكلام فقال:


361 - رواه الشيخ المفيد قدس الله نفسه في الفصل: (31) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 141.

[391]

الحمد لله قديما وحديثا ما عاداني الفاسقون فعاداهم الله ألم تعجبوا أن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقا غير مرضيين وعن الاسلام وأهله منحرفين خدعوا بعض هذه الامة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالافك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب وهبوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون. اللهم إن ردوا الحق فاقضض خدمتهم (1) وشتت كلمتهم وابسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. 362 - نهج: [و] من كلام له (عليه السلام) عند عزمه على المسير إلى الشام: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في النفس والاهل والمال. اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الاهل ولا يجمعهما غيرك لان المستخلف لا يكون مستصحبا والمستصحب لا يكون مستخلفا. قال السيد رضي الله عنه: وابتداء هذا الكلام مروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قفاه [أمير المؤمنين عليه السلام] بأبلغ كلام وتممه بأحسن تمام من قوله: " لا يجمعهما غيرك " إلى آخر الفصل. بيان: قال ابن ميثم: روي أنه [عليه السلام] دعا بهذا الدعاء عند وضعه رجله في الركاب متوجها إلى حرب معاوية. والوعثاء: المشقة. والكآبة:


(1) كذا في أصلي، وفي طبعة النجف من كتاب الارشاد: " فأفضض حرمتهم... ". 362 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (46) من نهج البلاغة، وقريبا منه رويناه في المختار: (184) من نهج السعادة: ج 2 ص 124، ط 1.

[392]

الحزن. والمنقلب: مصدر [من قولهم]: انقلب منقلبا: رجع. وسوء المنظر: هو أن يرى في نفسه أو أهله أو ماله ما يكرهه. 363 - نهج: ومن كتاب له (عليه السلام) إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية: أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل وخذه بالامر الجزم ثم خيره بين حرب مجلية، أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب فانبذ إليه وإن اختار السلم فخذ بيعته والسلام. تبيين: قال ابن ميثم: روي أن جريرا أقام عند معاوية حين أرسله (عليه السلام) حتى اتهمه الناس فقال علي (عليه السلام): " قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا. فأبطأ [جرير] حتى أيس منه فكتب إليه بعد ذلك هذا الكتاب فلما انتهى إليه أتى معاوية فأقرأه إياه وقال: يا معاوية إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب ولا يشرح إلا بتوبة ولا أظن قلبك إلا مطبوعا أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يد غيرك. فقال معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إنشاء الله ثم أخذ في بيعة أهل الشام فلما انتظم أمره لقي جريرا وقال له: الحق بصاحبك وأعلمه بالحرب فقدم جرير إلى علي (عليه السلام). قال: والبجلي منسوب إلى بجيلة قبيلة. والمجلية من الاجلاء وهو الاخراج عن الوطن قهرا. والمخزية: المهينة والمذلة وروي مجزية بالجيم أي كافية. والحرب والسلم مؤنثان لكونهما في معنى المحاربة والمسالمة. والنبذ: الالقاء والرمي والمقصود أن يجهر له بذلك من غير مداهنة كقوله تعالى: * (وإما


363 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (8) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[393]

تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * [58 / الانفال: 8]. 364 - نهج: [و] من كلام له (عليه السلام) وقد أشار إليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبد الله إلى معاوية: إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام وصرف لاهله عن خير إن أرادوه ولكن قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا والرأي عندي مع الاناة فأرودوا ولا أكره لكم الاستعداد لحرب أهل الشام. ولقد ضربت أنف هذا الامر وعينه وقلبت ظهره وبطنه فلم أر لي إلا القتال أو الكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله. إنه قد كان على الامة وال أحدث أحداثا وأوجد الناس مقالا فقالوا ثم نقموا فغيروا. بيان: جرير بن عبد الله البجلي كان عاملا لعثمان على ثغر همدان فلما صار الامر إليه طلبه فأجاب بالسمع والطاعة وقدم إليه (عليه السلام) فأرسله إلى معاوية. 365 -: وروى أنه (عليه السلام) لما أراد بعثه قال جرير: والله يا أمير المؤمنين ما ادخرك من نصري شيئا وما أطمع لك في معاوية فقال (عليه السلام) قصدي حجة أقيمها ثم كتب معه " فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام " إلى آخر ما مر برواية نصر بن مزاحم.


364 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (43) من نهج البلاغة. ورويناه عن مصادر في المختار: (174) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 89 ط 1.

[394]

فأجابه معاوية أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ولكنك أغريت بعثمان وخذلت عنه الانصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير لانهما بايعاك ولم أبايعك ولا حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لانهم أطاعوك ولم يطعك أهل الشام. فأما شرفك في الاسلام وقرابتك من النبي (صلى الله عليه وسلم) وموضعك من قريش فلست أدفعه. وكتب في آخر الكتاب قصيدة كعب بن جعيل: أرى الشام يكره أهل العراق * وأهل العراق لها كارهونا 366 - ويروى أن الكتاب الذي كتبه (عليه السلام) مع جرير كانت صورته: إني قد عزلتك ففوض الامر إلى جرير والسلام. وقال لجرير: صن نفسك عن خداعه فإن سلم إليك الامر وتوجه إلي فأقم أنت بالشام وإن تعلل بشئ فارجع. فلما عرض جرير الكتاب على معاوية تعلل بمشاورة أهل الشام وغير ذلك فرجع جرير وكتب معاوية في أثره في ظهر كتاب علي (عليه السلام): من ولاك حتى تعزلني والسلام.


366 - إلى حين كتابة هذا التعليق وهو (29) من جمادى الاولى عام (1404) ما رأيت صورة هذا الكتاب في مصدر موثوق.

[395]

ويقال: أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه. والمراد بالخير: الطاعة. والاناة كالقناة اسم من التأني. و " أرودوا " على صيغة الافعال أي ارفقوا. والاعداد: التهية كالاستعداد. وربما يتوهم التنافي بين ذكر مفسدة الاستعداد أولا وعدم كراهة الاعداد ثانيا. ودفع بوجوه: منها أنه كره استعداد نفسه بجمع العسكر وعرضهم وتحريضهم على القتال دون إعداد أصحابه بإصلاح كل منهم فرسه وأسلحته. ومنها أن المكروه إظهار الاعداد دون الاعداد سرا وتركنا بعض الوجوه لوهنها. وضرب الانف والعين مثل للعرب يراد منه الاستقصاء في البحث والتأمل. وقلب الظهر والبطن: التأمل في ظاهر الامر وباطنه. وإطلاق الكفر هنا على المبالغة أو بالمعنى الذي يطلق على ترك الفرايض وفعل الكبائر كما سيأتي في أبواب الايمان والكفر. ويحتمل على بعد اختصاص ذلك بالامام والمراد بالوالي عثمان وبالاحداث البدع والامور المنكرة. و " أوجد الناس مقالا " أي أبدى لهم طريقا إليه بأحداثه. وتفسير " أوجدها " هنا بأغضب كما قيل غريب. و " نقموا " كضربوا أي عتبوا وطعنوا عليه. 367 - نهج: [و] من وصية [له عليه السلام] لمعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له:


367 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (12) من باب الكتب من نهج البلاغة.

[396]

اتق الله الذي لابد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه، ولا تقاتلن إلا من قاتلك وسر البردين وغور الناس ورفه في السير، ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، وقدره مقالا لا ظعنا، فأرح فيه بدنك وروح ظهرك فإذا وقفت حين ينبطح السحر أو حين ينفجر الفجر فسر على بركة الله. فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى يأتيك أمري. ولا يحملنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم. بيان: قال ابن ميثم [روي أنه] (عليه السلام): بعثه من المدائن وقال له: امض على الموصل حتى توافيني بالرقة ثم أوصاه بذلك. والبردان: الغداة والعشي. وقال الجوهري: التغوير: القيلولة. يقول: غوروا أي انزلوا للقائلة. قال أبو عبيد: يقال للقائلة: الغائرة. والترفيه: الاراحة. والسكن: ما يسكن إليه. والظعن: الارتحال. و [قال ابن الاثير] في النهاية: الظهر الابل الذي يحمل عليها ويركب. قوله (عليه السلام): " فإذا وقفت " قال ابن أبي الحديد أي إذا وقفت ثقلك وجملك لتسير فليكن ذلك " حين ينبطح السحر " أي حين يتسع ويمتد أي لا يكون السحر الاول بل ما بين السحر الاول وبين الفجر الاول. وأصل الانبطاح: السعة ومنه الابطح بمكة. وقال الجوهري: نشب الشئ في الشئ بالكسر نشوبا أي علق فيه. وأنشبته أنا فيه. ويقال: نشب الحرب بينهم: [ثارت]. والشنآن: البغض. وفي بعض النسخ " شبابكم ". " قبل دعائهم " أي إلى الاسلام. ويقال: أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر.

[397]

368 - نهج [و] قال (عليه السلام) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الانبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه: وما هذا الذي صنعتموه ؟ فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا فقال (عليه السلام): والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم وإنكم لتشقون به على أنفسكم وتشقون به في آخرتكم وما أخسر المشقة وراءها العقاب وأربح الدعة معها الامان من النار. بيان: الدهقان بكسر الدال وضمها: رئيس القرية. والشد العدو، واشتد: عدا. " وتشقون به " لعله لكون غرضهم التسلط على الناس والجور عليهم للتقرب عند الامام وإظهاره عند الناس أو يكون غرضه (عليه السلام) تعليمهم ونهيهم عن فعل ذلك مع غيره (عليه السلام) من أئمة الجور. 369 - 373 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم روى عن عبد الرحمان بن عبيد الله قال: لما أراد علي (عليه السلام) المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين والانصار فجمعهم ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنكم ميامين الرأي مراجيح الحلم [الحكم " خ ل "] مباركوا الامر مقاويل بالحق وقد عزمنا على المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم. فقام هاشم بن عتبة وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن حنيف فصوبوا رأبه وبذلوا إليه نصرته. أقول: وتركنا كلامهم مخافة التطويل والاسهاب.


368 - رواه السيد الرضي في المختار: (37) من الباب الثالث من نهج البلاغة، ورويناه أيضا في المختار: (190) من نهج السعادة: ج 2 ص 141. 369 - رواه نصر - مع التوالي - في أوائل الجزء الثاني من كتاب صفين ص 92 ط 2 بمصر، ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار (46) من نهج البلاغة: ج 3 ص 171.

[398]

ثم روى نصر عن معبد قال: قام علي (عليه السلام) على منبره خطيبا فكنت تحت المنبر أسمع تحريضه الناس وأمره لهم بالمسير إلى صفين فسمعته يقول: سيروا إلى أعداء الله سيروا إلى أعداء القرآن والسنن، سيروا إلى بقية الاحزاب وقتلة المهاجرين والانصار. فعارضه رجل من بني فزارة ووطأه الناس بأرجلهم وضربوه بنعالهم حتى مات فوداه أمير المؤمنين من بيت المال. فقام الاشتر وقال: يا أمير المؤمنين لا يهدنك ما رأيت ولا يؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن إلى آخر ما قال: [رفع الله مقامه] وبالغ في إظهاره الثبات على الحق وبذل النصرة. فقال (عليه السلام): الطريق مشترك والناس في الحق سواء ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى ما عليه. ثم نزل [عليه السلام عن المنبر] فدخل منزله. فدخل عليه عبد الله بن المعتم العبسي وحنظلة بن الربيع التميمي والتمسا منه (عليه السلام) أن يستأني بالامر ويكاتب معاوية ولا يعجل في القتال فتكلم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإن الله وارث العباد والبلاد ورب السماوات السبع والارضين السبع وإليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء أما الدبرة فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم. وأيم الله إني لاسمع كلام قوم ما يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا. فقال الحاضرون: هما من أصحاب معاوية ويكاتبانه وكثر الكلام بين أصحابه في ذلك.

[399]

وروى نصر عن عبد الله بن شريك قال: خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة من أهل الشام فأرسل علي (عليه السلام) إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين ألسنا محقين ؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتبرؤن ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر و [لو] قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءهم ودماءنا وأصلح ذات بينهم وبيننا واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لج به لكان أحب إلي وخيرا لكم. فقالا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك. قال نصر: وقال له عمرو بن الحمق يومئذ: والله يا أمير المؤمنين إني ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ولا إرادة ما تؤتينيه ولا إرادة سلطان ترفع به ذكري ولكني أجبتك بخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وأول من آمن به وزوج سيدة نساء الامة فاطمة بنت محمد ووصيه وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله وأسبق الناس إلى الاسلام وأعظم المهاجرين سهما في الجهاد فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي حتى يأتي على يومي في أمر أقوي به وليك وأهين به عدوك ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك. فقال علي (عليه السلام): اللهم نور قلبه بالتقى واهده إلى صراطك المستقيم ليت أن في جندي مائة مثلك ! ! فقال حجر: إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك وقل فيهم من يغشك. قال: وكتب علي (عليه السلام) إلى عماله حينئذ يستنفرهم فكتب إلى مخنف بن سليم. سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن جهاد

[400]

من صدف عن الحق رغبة عنه وهب في نعاس العمى والضلال اختيارا له فريضة على العارفين إن الله يرضى عمن أرضاه ويسخط على من عصاه وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله [في كتاب الله " خ ل "] بغير ما أنزل الله واستأثروا بالفئ وعطلوا الحدود وأماتوا الحق وأظهروا في الارض الفساد واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين فإذا ولي الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه ! ! ! فقد أصروا على الظلم وأجمعوا على الخلاف وقديما ما صدوا عن الحق وتعاونوا على الاثم وكانوا ظالمين. فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك وأقبل إلينا لعلك تلقى معنا هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتجامع المحق وتباين المبطل فإنه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكتب عبيد الله بن أبي رافع في سنة سبع وثلاثين. قال فاستعمل مخنف على إصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع واستعمل على همدان سعيد بن وهب وأقبل حتى شهد مع علي (عليه السلام) صفين. قال وكتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى علي يذكر له اختلاف أهل البصرة فكتب [علي] (عليه السلام) إليه: أما بعد فقد قدم علي رسولك وقرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة واختلافهم بعد إنصرافي عنهم وسأخبرك عن القوم: هم بين مقيم لرغبة يرجوها أو خائف من عقوبة يخشاها فارغب راغبهم بالعدل عليه والانصاف له والاحسان إليه واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم وانته إلى أمري وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة وكل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت إنشاء الله. قال نصر: وكتب إلى الاسود بن قصبة:

[401]

أما بعد فإنه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر، ومن أعجبته الدنيا رضي بها وليست بثقة فاعتبر بما مضى تحذر ما بقي واطبخ للمسلمين قبلك من الطلا ما يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وأكثر لنا من لطف الجند واجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند فإن للولدان علينا حقا وفي الذرية من يخاف دعاؤه وهو لهم صالح والسلام (1). وكتب [إلى بعض ولاته]: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر (2). أما بعد فإن خير الناس عند الله عزوجل أقومهم لله بالطاعة فيما له وعليه وأقولهم بالحق ولو كان مرا فإن الحق به قامت السماوات والارض ولتكن سريرتك كعلانيتك، وليكن حكمك واحدا وطريقتك مستقيمة فإن البصرة مهبط الشيطان فلا تفتحن على يد أحد منهم بابا لا نطيق سده نحن ولا أنت والسلام. وكتب [عليه السلام إلى عبد الله بن العباس]: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن -


(1) كذا في طبع الكمباني من كتاب البحار، وفي طبع مصر من كتاب صفين: " الاسود بن قطنة ". والكتاب رواه السيد الرضي على نهج آخر في المختار: (59) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة، وفيه: " الاسود بن قطبة ". (2) كذا في الاصل ومثله في كتاب صفين، وهذا سهو من الرواة أو الكتاب فإن عليا عليه السلام لم يول ابن عامر آنا من الزمان حتى يكتب إليه، والصواب: " إلى عبد الله بن عباس... ".

[402]

عباس أما بعد فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم فاقسمه على من قبلك حتى تغنيهم وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا والسلام. و [أيضا] كتب [عليه السلام إلى عبد الله بن عباس]: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس أما بعد فإن الانسان قد يسره [درك] ما لم يكن ليفوته، ويسؤه فوت ما لم يكن ليدركه وان جهد، فليكن سرورك فيما قدمت من حكم أو منطق أو سيرة وليكن أسفك على ما فرطت لله من ذلك ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزنا وما أصابك فيها فلا تبغ به سرورا وليكن همك فيما بعد الموت والسلام. أقول: ثم ذكر كتابه عليه السلام إلى معاوية وجوابه كما سيأتي ثم قال: وكتب إلى عمرو بن العاص: أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها وصاحبها مقهور فيها لم يصب منها شيئا قط إلا فتحت له حرصا وأدخلت عليه مؤنة تزيده رغبة فيها ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغه، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ولا تجارين معاوية في باطله فإن معاوية غمص الناس وسفه الحق. فكتب إليه عمرو بن العاص: من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تنيب إلى الحق وأن تجيب إلى ما تدعون إليه من شورى فصبر الرجل منا نفسه على الحق وعذره الناس بالمحاجزة والسلام. فجاء الكتاب إلى علي (عليه السلام) قبل أن يرتحل من النخيلة.

[403]

قال نصر: روى عمر بن سعد عن أبي روق قال: قال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بديل بن ورقاء: إن يومنا ويومهم ليوم عصيب ما يصبر عليه إلا كل قوي القلب صادق النية رابط الجأش وأيم الله ما أظن ذلك اليوم يبقى منا ومنهم إلا رذالا. قال عبد الله بن بديل: وأنا والله أظن ذلك. فقال علي (عليه السلام) ليكن هذا الكلام [مخزونا] في صدوركما لا تظهراه ولا يسمعه منكم سامع (1) إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين وكل آتية منيته كما كتب الله لكم فطوبى للمجاهدين في سبيل الله والمقتولين في طاعته. فلما سمع هاشم بن عتبة مقالتهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: سر بنا إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وعملوا في عباد الله بغير رضاء الله فأحلوا حرامه وحرموا حلاله واستهواهم الشيطان (2) ووعدهم الاباطيل ومناهم الاماني حتي أزاغهم عن الهدى وقصد بهم قصد الردى وحبب إليهم الدنيا فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة إنجازنا موعود ربنا وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله رحما وأفضل الناس سابقة وقدما وهم يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي علمنا ولكن كتب عليهم الشقاء ومالت بهم الاهواء وكانوا ظالمين فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة وأنفسنا


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب صفين ص 111، ط مصر، وفي ط الكمباني: " في صدوركم لا تظهروه ولا يسمعه منكم سامع... ". (2) كذا في ط الكمباني من البحار وط القديم من كتاب صفين. وفي شرح المختار: (46) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 1 ص 628: " واستهوى بهم الشيطان... " (*)

[404]

بنورك جذلة على من خالفك وتولى الامر دونك والله ما أحب أن لي ما على الارض مما أقلت وما تحت السماء مما أظلت وإني واليت عدوا لك أو عاديت وليا لك. فقال علي (عليه السلام): اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك والمرافقة لنبيك. ثم إن عليا صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد فبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم قال: إن الله قد أكرمكم بدينه وخلقكم لعبادته فانصبوا أنفسكم في أدائها وتنجزوا موعوده واعلموا أن الله جعل أمراس الاسلام متينة وعراه وثيقة ثم جعل الطاعة حظ الانفس ورضا الرب وغنيمة الاكياس عند تفريط العجزة، وقد حملت أمر أسودها وأحمرها ولا قوة إلا بالله. ونحن سائرون إنشاء الله إلى من سفه نفسه وتناول ما ليس له وما لا يدركه معاوية وجنده الفئة الطاغية الباغية يقودهم إبليس ويبرق لهم بيارق تسويفه ويدليهم بغروره. وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام فاستغنوا بما علمتم واحذروا ما حذركم [الله] من الشيطان وارغبوا فيما هيأ لكم عنده من الاجر والكرامة واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته والمغرور من آثر الضلالة على الهدى فلا أعرفن أحدا منكم تقاعس عني وقال في غيري كفاية فإن الذود إلى الذود إبل من لا يذد عن حوضه يهدم.

[405]

ثم إني آمركم بالشدة في الامر والجهاد في سبيل الله وأن لا تغتابوا مسلما وانتظروا النصر العاجل من الله إنشاء الله. ثم قام ابنه الحسن [عليه السلام] فقال: الحمد لله لا إله غيره وحده لا شريك له. ثم إن مما عظم الله عليكم من حقه وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره ولا يؤدى شكره ولا يبلغه قول ولا صفة ونحن إنما غضبنا لله ولكم فإنه من علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قول يصعد إلى الله فيه الرضا وتنتشر فيه عارفة الصدق يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربنا، قولا يزيد ولا يبيد فإنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم واستحكمت عقدتهم. فاحتشدوا في قتال عدوكم معاوية وجنوده فإنه قد حضر ولا تخاذلوا فإن الخذلان يقطع نياط القلوب وإن الاقدام على الاسنة نجدة وعصمة لانه لم يمتنع قوم قط إلا دفع الله عنهم العلة وكفاهم جوائح الذلة وهداهم إلى معالم الملة. ثم أنشد: والصلح تأخذ منه ما رضيت به * والحرب بكفيك من أنفاسها جرع ثم قام الحسين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وقال: يا أهل الكوفة أنتم الاحبة الكرماء والشعار دون الدثار فجدوا في إحياء ما دثر بينكم وتسهيل ما توعر عليكم. ألا إن الحرب شرها ذريع وطعمها فظيع وهي جرع مستحساة فمن أخذ لها أهبتها واستعد لها عدتها ولم يألم كلومها عند حلولها فذاك صاحبها ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن أن لا ينفع قومه

[406]

وأن يهلك نفسه نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفئة (1) ثم نزل. قال نصر: فأجاب عليا (عليه السلام) إلى المسير جل الناس إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه وفيهم عبيدة السلماني وأصحابه فقالوا له: إنا نخرج معكم ولا ننزل عسكركم ونعسكر علا حدة حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام فمن رأيناه أراد ما لا يحل له أو بدا لنا منه بغي كنا عليه. فقال لهم علي (عليه السلام): مرحبا وأهلا هذا هو الفقه في الدين والعلم بالسنة من لم يرض فهو خائن جائر. وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود فيهم ربيع بن خثيم وهم يومئذ أربعمائة رجل فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك ولا غناء بنا ولا بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل العدو فولنا بعض هذه الثغور نكون به نقاتل عن أهله. فوجهه علي عليه السلام إلى ثغر الري فكان أول لواء عقده بالكوفة لواء ربيع بن خثيم. [نصر، عن عمر بن سعد] عن ليث بن أبي سليم قال: دعا علي (عليه السلام) باهلة فقال: يا معشر باهلة أشهد الله أنكم تبغضوني وأبغضكم فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم وكانوا قد كرهوا أن يخرجوا معه إلى صفين (2). وعن عبد الله بن عوف قال: إن عليا (عليه السلام) لم يبرح النخيلة حتى


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين: " نسأل الله بعونه أن يدعمكم بألفته ". (2) ما بين المعقوفين مأخوذ من كتاب صفين، وما نقله المصنف عنه في الباب: "... " الآتي في ص 603 من طبعة الكمباني.

[407]

قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة قال: وكان كتب علي (عليه السلام) إلى ابن عباس: أما بعد فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين وذكرهم بلائي عندهم وعفوي عنهم واستبقائي لهم ورغبهم في الجهاد وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل والسلام. قال فلما وصل كتابه إلى ابن عباس بالبصرة قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب وحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس استعدوا للشخوص إلى إمامكم وانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين الذين لا يقرأون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب ولا يدينون دين الحق مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والصادع بالحق والقيم وبالهدى والحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم ولا يداهن الفجار ولا تأخذه في الله لومة لائم. فقام إليه الاحنف بن قيس فقال: نعم والله لنجيبنك ولنخرجن معك على العسر واليسر والرضا والكره نحتسب في ذلك الخير ونأمل به من الله العظيم من الاجر. وقام إليه خالد بن المعمر السدوسي فقال: سمعنا وأطعنا فمتى استنفرتنا نفرنا ومتى دعوتنا أجبنا. وقام إليه عمرو بن مرحوم العبدي فقال: وفق الله أمير المؤمنين وجمع له أمر المسلمين ولعن المحلين القاسطين الذين لا يقرؤن القرآن نحن والله عليهم حنقون ولهم في الله مفارقون فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا إنشاء الله. فأجاب الناس إلى المسير ونشطوا وخفوا واستعمل ابن عباس على البصرة أبا الاسود الدئلي وخرج حتى قدم على علي (عليه السلام) بالنخيلة.

[408]

وأمر علي الاسباع من أهل الكوفة (1) [فأمر] سعد بن مسعود الثقفي على قيس وعبد القيس، ومعقل بن قيس اليربوعي على تميم وضبة والرباب وقريش وكنانة والاسد، ومخنف بن سليم على الازد وبجيلة وخثعم والانصار وخزاعة، وحجر بن عدي الكندي على كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة، وزياد بن النضر على مذحج والاشعريين وسعيد بن قيس بن مرة على همدان ومن معهم من حمير، وعدي بن حاتم على طئ. قال نصر: وأمر علي (عليه السلام) الحارث الاعور أن ينادي في الناس: أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة فنادى بذلك واستخلف عقبة بن عمرو الانصاري على الكوفة ثم خرج وخرج الناس. بيان: " بقية الاحزاب " أي أحزاب الشرك الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). [وقوله عليه السلام:] " الطريق مشترك " أي طريق الحق مشترك بيني وبينكم يجب عليكم سلوكه كما يجب علي " والدبرة " بالتحريك: الهزيمة في القتال أي هم المنهزمون عن الحق والمدبرون عنه وإن ظفروا أو يلحقهم ضررها وعقابها. و " طمأ البحر ": ارتفع بأمواجه " والهب " الانتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته، وهب يفعل كذا: طفق ذكرها الفيروز آبادي وقال: رجل " محل " أي منتهك للحرام أو لا يرى للشهر الحرام حرمة. " وأكثر لنا من لطف الجند " أي ابعث " الطلا إلينا كثيرا من جملة لطف الجند أي طعامهم قال في القاموس: اللطف بالتحريك: اليسير من الطعام وغيره وبهاء الهدية انتهى.


(1) كذا في كتاب صفين، وفي ط الكمباني من البحار: " وأمر على الاشياع من أهل الكوفة وسعد بن مسعود... ".

[409]

ويمكن أن يقرأ " لنأمن " على الفعل من الامن أي إذا علم الجند أن أرزاق أولادهم موفرة لا يخونوننا في لطفهم وعطفهم " وهم لهم صالح " أي الطلا صالح للذرية والاطفال. " غمص الناس " أي احتقرهم ولم يرهم شيئا " وسفه الحق " أي جهله أو عده سفها " ويوم " عصيب وعصبصب: شديد وفلان رابط الجأش: شجاع " وهو جذل " بالذال أي فرح. وبالرأي أي صاحب رأي جيد وشديد. والامراس: الحبال " إلى من سفه نفسه " أي جعلها سفيهة استعمل استعمال المتعدي فهو في قوة سفه نفسا. " وما لا يدركه " أي الخلافة الواقعية " وبرقت السماء ": لمعت أو جاءت تبرق والبارق: سحاب ذو برق. وقال الجوهري: الذود من الابل ما بين الثلاث إلى العشر وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها والكثير أذواد وفي المثل: الذود إلى الذود إبل. قولهم " إلى " بمعنى مع أي إذا جمعت القليل مع القليل صار كثيرا. وقال الزمخشري في المستقصى: " من لا يزد عن حوضه يهدم " من قول زهير: ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه * يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم يضرب [مثلا] في تهضم غير المدافع عن نفسه انتهى. وقال أبو عبيد أي من لا يدفع الضيم عن نفسه يركب بالظلم. أقول: روى ابن أبي الحديد أكثر ما رويناه (1) عن نصر فجمعنا بين الروايتين.


(1) روى ابن أبي الحديد ما مر وما يأتي عن نصر في كتاب صفين - في شرح المختار: (46) من نهج البلاغة من شرحه: ج 3 ص 180، ط مصر، وفي طبع بيروت: ج 1، ص 617 - 636.

[410]

ثم قال نصر وابن ابي الحديد: ودعا [علي عليه السلام] زياد بن النضر وشريح بن هانئ وكانا على مذحج والاشعريين فقال: يا زياد اتق الله في كل ممسى ومصبح وخف على نفسك الدنيا الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنك إن لم تزعها عن كثير مما تحب مخافة مكروهه سمت بك الاهواء إلى كثير من الضرر فكن لنفسك مانعا وازعا من البغي والظلم والعدوان فإني قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلن عليهم إن خيركم عند الله أتقاكم وتعلم من عالمهم وعلم جاهلهم واحلم عن سفيههم فإنك إنما تدرك الخير بالحلم وكف الاذى والجهل. فقال: زياد أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك مؤدبا بأدبك يرى الرشد في نفاذ أمرك والغي في تضييع عهدك. فأمرهما أن يأخذا على طريق واحد ولا يختلفا، وبعثهما في إثني عشر ألفا على مقدمته وكل منهما على جماعة من هذا الجيش. فلما سارا اختلفا وكتب كل منهما إليه يشكو من صاحبه فكتب (عليه السلام) إليهما: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ سلام عليكما فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإني وليت زياد بن النضر مقدمتي وأمرته عليها وشريح على طائفة منها أمير فإن جمعكما بأس فزياد على الناس كلهم وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير على الطائفة التي وليته عليها. واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم وإذا أنتما خرجتما من بلادكما ودنوتما من بلاد عدوكما فلا تسأما من توجيه الطائع ومن نفض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب كيلا يعتريكما عدو أو يكون لهم

[411]

كمين (1). ولا تسيرن الكتائب من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبئة فإن دهمكم دهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبئة. فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم [عدو] فليكن معسكركم في قبل الاشراف أو سفاح الجبال أو أثناء الانهار كيما يكون لكم ردءا ودونكم مردا، ولتكن مقاتلتكم من وجه [واحد] أو إثنين. واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعا وإذا رحلتم فارحلوا جميعا. وإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والترسة ولتكن رماتكم من وراء ترستكم ورماحكم يلونهم وما أقمتم فكذلكم فافعلوا كيلا تصاب لكم غفلة ولا تلفى لكم غرة فما من قوم يحفون عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون. واحرسا عسكركما بأنفسكما وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو مضمضة ثم ليكن ذلك شأنكما ورأيكما إلى أن تنتهيا إلى عدوكما وليكن عندي كل يوم خبركما ورسول من قبلكما فإنني - ولا شئ إلا ما شاء الله - حثيث السير في آثاركما.


(1) كذا في أصلي وهو أظهر مما في شرح المختار: (46) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد وط مصر من كتاب صفين ص 123: " كيلا يغتركما عدو فيكون لكم كمين... ".

[412]

وعليكما في حربكما بالتوأدة (1) وإياكما والعجا ؟ إلا أن يمكنكما فرصة بعد الاعذار والحجة. وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلا أن تبدئا أو يأتيكما أمري إنشاء الله. أقول: أورد ابن ميثم هذا المكتوب في شرحه وأورد السيد [الرضي] رضي الله عنه في النهج (2) بعض هذا المكتوب على خلاف الترتيب وآخره: وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة. وقال ابن ميثم: العين: الجاسوس. وطليعة الجيش: الذي يبعث ليطلع على حال العدو ونفض الشعاب: استقراؤها. أقول: قال في النهاية: فيه أنا أنفض لك ما حولك أي أحرسك وأطوف هل أرى طلبا يقال: نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا أظهرت [نظرت] جميع ما فيه والنفضة والنفيضة قوم يبعثون متجسسين هل يرون عدوا أو خوفا. وقال ابن ميثم: الخمر ما واراك من شجر أو جبل ونحوهما. والكمين: الواحد أو الجمع يستخفون في الحرب حيلة للايقاع بالعدو. والكتيبة: الجيش وتعبئته: جمعه وإعداده.


(1) ومثله في ط مصر، من كتاب صفين ص 125، وفي طبع الحديث بيروت من شرح ابن أبي الحديد: " وعليكما في جريكما بالتوأدة ". والتوأدة - بضم التاء وسكون الواو، وفتح الهمزة والدال - والتوآد - كتوراة - التأني. الرزانة. (2) رواه في المختار: (11) من باب الكتب من نهج البلاغة.

[413]

وتكرير الاستثناء في عقيب النهي عن تسيير الكتائب للحصر أما الاولى: فيفيد حصر التسيير في الوقت المشار إليه وأما الثانية فيفيد حصره في حال التعبئة. ودهمه الامر كمنع وسمع: غشيه. والدهم: العدد الكثير. والمعسكر بفتح الكاف: موضع العسكر. وقال الجوهري: الاشراف: الاماكن العالية. وقال: القبل والقبل نقيض الدبر والدبر يقال: أنزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه ولي قبل فلان حق أي عنده. وسفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء. والثنى من الوادي والجبل: منعطفه ذكره الجوهري والردء: العون في المقاتلة. قوله (عليه السلام): مردا أي حاجزا بينكم وبين العدو أي تكون تلك الاماكن حافظة لكم من ورائكم مانعة من العدو أن يأتيكم من تلك الجهة وبذلك كانت معينة [لهم]. ثم وصاهم بأن يكون مقاتلتهم من وجه واحد فإن لم يكن فمن وجهين حيث يحفظ بعضهم ظهر بعض وأما المقاتلة من وجوه كثيرة فتستلزم التفرق والضعف. والرقباء: الحفظة. و [قال الفيروز آبادي] في القاموس: الرقيب: الحافظ والمنتظر والحارس. واصل الصياصي القرون ثم استعير للحصون لانه يمتنع بها كما يمتنع ذو القرن بقرنه. وقال ابن ميثم: صياصي الجبال: أعاليها وأطرافها. ومناكب الهضاب. أعاليها. وقال الجوهري: الهضبة الجبل المنبسط على وجه الارض والجمع هضب وهضاب. قوله (عليه السلام): " كفة " قال ابن أبي الحديد: أي مستديرة حولكم وكل ما استدار فهو كفة بالكسر نحو كفة الميزان، وكل ما استطال فهو كفة [بالضم] نحو كفة الثوب [وهي حاشيته وكفة الرمل وهي ما كان منه كالحبل]. وقال في النهاية: غرار النوم: قلته وقال في [مادة " مضمض " نقلا عن

[414]

الهروي] في حديث علي: " لا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة " لما جعل النوم ذوقا أمرهم أن لا ينالوا منه إلا بألسنتهم ولا يسيغوه لشبهه بالمضمضة بالماء والقائه من الفم من غير ابتلاع انتهى. والترسة: جمع الترس وقوله (عليه السلام): " ولا شئ إلا ما شاء الله " جملة معترضة بين اسم إن وخبره قوله (عليه السلام): " إلا أن تبدأ " على بناء المجهول أي يبدؤكم العدو بالقتال. 374 - نهج: [و] من كتاب له (عليه السلام) إلى أميرين من أمراء جيشه: وقد أمرت عليكما وعلى من في حيزكما مالك بن الحارث الاشتر فاسمعا له وأطيعا [ه] واجعلاه درعا ومجنا فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل. بيان: قال ابن ميثم: الاميران هما زياد بن النضر وشريح بن هانئ وذلك إنه حين بعثهما مقدمة له في إثني عشر ألفا لقيا أبا الاعور السلمي في جند من أهل الشام فكتبا إليه يعلمانه بذلك، فأرسل إلى الاشتر فقال له: يا مالك إن زياد بن النضر وشريحا أرسلا إلي يعلماني أنهما لقيا أبا الاعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجا إلى أصحابك النجا فإذا أتيتهم فأنت عليهم وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤك حتى تلقاهم وتسمع منهم. ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم مرة بعد مرة. واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا وقف من أصحابك وسطا


374 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (13) من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة.

[415]

ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم إليك فإني حثيث السير إليك إنشاء الله. وكتب إليهما: " أما بعد فإني أمرت عليكما " إلى آخر الكتاب. والحيز: الناحية. والسقطة: الزلة. والامثل: الافضل. 375 - 385 وقال ابن أبي الحديد: قال نصر بن مزاحم: وكتب عليه السلام إلى أمراء الاجناد - وكان قد قسم عسكره أسباعا فجعل على كل سبع أميرا -: أما بعد فإني أبرأ إليكم من معرة الجنود فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان (1) وخذوا على أيدي سفهائكم واحرسوا (2) أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد بها علينا وعليكم دعاءنا فإنه تعالى يقول: * (ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم) * [77 / الفرقان: 25] وإن الله إذا أمقت قوما من السماء هلكوا في الارض. فلا تألوا أنفسكم خيرا، ولا الجند حسن سيرة ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة، وابلوه في سبيله ما استوجب عليكم فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ما يجب علينا أن نشكره بجهدنا وأن ننصره ما بلغت قوتنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.


375 - رواه ابن أبي الحديد في أواخر شرحه على المختار: (48) من خطب نهج البلاغة: ج 1، ص 648 ط الحديث ببيروت. (1) كذا في أصلي ومثله في طبع مصر من كتاب صفين، وأرى قول: " فاعزلوا " محرفا عن لفظة " فاعذبوا " بالذال المعجمة أو بالزاء المعجمة أي أبعدوا الناس عن الظلم أو امنعوهم واصرفوهم منه، أي من يريد أن يظلم الناس اصرفوه وامنعوه وأبعدوه عن ظلم الناس. (2) كذا في أصلي المطبوع، وفي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " واحترسوا ".

[416]

قال: وكتب (عليه السلام) إلى جنوده يخبرهم بالذي لهم وعليهم: أما بعد فإن الله جعلكم في الحق جميعا سواءا أسودكم وأحمركم وجعلكم من الوالي وجعل الوالي منكم بمنزلة الولد من الوالد والوالد من الولد، فجعل لكم عليه إنصافكم والتعديل بينكم والكف عن فيئكم فإذا فعل معكم ذلك وجبت عليكم طاعته فيما وافق الحق ونصرته والدفع عن سلطان الله فإنكم وزعة الله في الارض فكونوا له أعوانا ولدينه أنصارا ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها إن الله لا يحب المفسدين. قال نصر: وروى عن ابن نباتة قال: قال علي (عليه السلام): ما يقول الناس في هذا القبر بالنخيلة ؟ - وبالنخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله - فقال الحسن بن علي عليهما السلام: يقولون: هذا قبر هود لما عصاه قومه جاء فمات ها هنا. فقال: كذبوا لانا أعلم به منهم هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بكر يعقوب. ثم قال: أها هنا أحد من مهرة ؟ فأتي بشيخ فقال أين منزلك ؟ قال: على شاطئ البحر. قال: أين أنت من الجبل [الاحمر ؟] قال: أنا قريب منه. قال: فما يقول قومك فيه ؟ قال: يقولون: إن فيه قبر ساحر. قال: كذبوا ذاك قبر هود النبي (عليه السلام) وهذا قبر يهودا بن يعقوب [بكره]. ثم قال: يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفا على غرة الشمس يدخلون الجنة بلا حساب. قال نصر: فلما نزل علي النخيلة متوجها إلى الشام وبلغ معاوية خبره وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مختضبا بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله فخطبهم وحثهم على القتال فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي (عليه السلام). بيان: وجدت [الحديث] في كتاب صفين مثله. وقال في النهاية: فيه: " اللهم إني أبرء إليك من معرة الجيش " هو أن

[417]

ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم بغير علم. وقيل هو قتال الجيش بدون إذن الامير. والمعرة: الامر القبيح المكروه والاذى إنتهى. والتعميم أولى أي [إني] أبرء إليكم من كل ما فعلتموه وفعل جنودكم من الظلم والعدوان فإني أنهاكم عنه وأعلمكم آداب السير والنزول " فلا تألوا أنفسكم خيرا " أي لا تقصروا في كسب الخير لانفسكم ولا في أمر الجند بحسن السيرة ولا في إعانة الرعية ولا في تقوية الدين " وأبلوه " أي أعطوه. وفي النهاية: " فيه أقيد من وزعة الله ؟ " الوزعة: جمع وازع وهو الذي يكف الناس ويحبس أولهم على آخرهم أراد أقيد من الذين يكفون الناس عن الاقدام على الشر ؟ ومنه حديث الحسن لما ولي القضاء قال: " لابد للناس من وزعة " أي من يكف بعضهم عن بعض يعني السلطان وأصحابه. وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين - ووجدته في أصل كتابه أيضا - قال: لما وضع علي (عليه السلام) رجله في ركاب دابته يوم خرج من الكوفة إلى صفين قال: بسم الله، فلما جلس على ظهرها قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الاهل والمال والولد، ومن الحيرة بعد اليقين. اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الاهل، ولا يجمعهما غيرك، لان المستخلف لا يكون مستصحبا والمستصحب لا يكون مستخلفا. قال: فخرج (عليه السلام) حتى إذا جاز حد الكوفة صلى ركعتين. وروي عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام أن عليا (عليه السلام) خرج وهو يريد صفين حتى إذا قطع النهر أمر مناديه فنادى بالصلاة فتقدم فصلى ركعتين حتى إذا قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال: أيها الناس

[418]

ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة فإنا قوم سفر ألا ومن صحبنا فلا يصومن المفروض والصلاة المفروضة ركعتان. قال نصر: ثم خرج حتى أتى دير أبي موسى وهو من الكوفة على فرسخين فلما انصرف من الصلاة قال: سبحان الله ذي الطول والنعم سبحان الله ذي القدرة والافضال أسأله الرضا بقضائه والعمل بطاعته والانابة إلى أمره إنه سميع الدعاء. ثم خرج (عليه السلام) حتى نزل على شاطئ نرس بين مسجد حمام أبي بردة وحمام عمر فصلى بالناس المغرب فلما انصرف قال: الحمد لله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل والحمد لله كلما وقب ليل وغسق، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق. ثم أقام حتى صلى الغداة ثم شخص حتى بلغ إلى بيعة إلى جانبها نخل طوال (1) فلما رآها قال: " والنخل باسقات لها طلع نضيد " فنزلها ومكث بها قدر الغذاء. قال نصر: [و] روي عن محمد بن مخنف أنه قال: إني لانظر إلى أبي وهو يسائر عليا (عليه السلام) وهو يقول: إن بابل أرض قد خسف بها (2) فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر. قال: وحدثني عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن عبد خير قال: كنت مع علي (عليه السلام) أسير في أرض بابل قال: وحضرت


(1) كذا في أصلي، وفي طبع مصر من كتاب صفين: " ثم شخص حتى بلغ قبة " قبين " [و] فيها نخل طوال إلى جانب البيعة ". (2) كذا في الاصل المطبوع، وفي كتاب صفين: " إن ببابل أرضا قد خسف بها فحرك دابتك لعلنا أن نصلي العصر خارجا منها ".

[419]

الصلاة: صلاة العصر قال: فجعلنا لا نأتي مكانا إلا رأيناه أفيح من الآخر قال: حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا وقد كادت الشمس أن تغيب قال: ونزل علي (عليه السلام) ونزلت معه قال: فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر قال: فصلينا العصر ثم غابت الشمس. ثم خرج حتى أتى دير كعب ثم خرج منه فبات بساباط فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل والطعام فقال: لا ليس ذلك لنا عليكم فلما أصبح وهو بمظلم ساباط قال: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون " [128 / الشعراء: 26]. قال نصر: وحدثنا منصور بن سلام عن حيان التيمي عن أبي عبيدة عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع علي (عليه السلام) صفين فلما نزل بكربلاء صلى بنا فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واها لك يا تربة ليحشرن معك قوم يدخلون الجنة بغير حساب. قال: فلما رجع هرثمة من غزاته إلى إمرأته جرداء بنت سمير وكانت من شيعة علي (عليه السلام) حدثها هرثمة فيما حدث فقال لها: ألا أعجبك من صديقك أبي حسن ؟ قال: لما نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من تربتها فشمها وقال: " واها لك أيتها التربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب " وما علمه بالغيب ؟ فقالت المرأة له: دعنا منك أيها الرجل فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا. قال: فلما بعث عبيدالله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عليه السلام) كنت في الخيل التي بعث إليهم فلما انتهيت إلى الحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع علي والبقعة التي رفع من تربتها والقول الذي قاله فكرهت مسيري فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين (عليه السلام) فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل فقال الحسين (عليه السلام): أمعنا أم علينا ؟ فقلت: يا ابن رسول الله لا معك ولا عليك تركت ولدي وعيالي وأخاف عليهم من ابن زياد. فقال (عليه السلام): اذهب حتى لا ترى مقتلنا فوالذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم أحد مقتلنا

[420]

ثم لا يعيننا إلا دخل النار. قال: فأقبلت في الارض اشتد هربا حتى خفي علي مقتلهم. وروي أيضا عن سعيد وهب قال: بعثني مخنف بن سليم إلى علي (عليه السلام) عند توجهه إلى صفين فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ويقول: ها - هنا ها هنا فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ثقل لآل محمد ينزل ها هنا فويل لهم منكم وويل لكم منهم. فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال: ويل لهم منكم تقتلونهم وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم إلى النار. قال نصر: وقد روي هذا الكلام على وجه آخر: قال: فويل لكم منهم وويل لكم عليهم. فقال الرجل: أما ويل لنا منهم فقد عرفناه فويل لنا عليهم ما معناه ؟ فقال: ترونهم يقتلون لا تستطيعون نصرتهم. قال نصر: وحدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه أن عليا (عليه السلام) أتى كربلاء فوقف بها فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء ؟ فقال: نعم ذات كرب وبلاء ثم أومئ بيده إلى مكان آخر فقال: ها - هنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم ثم أومى بيده إلى مكان آخر ثم قال: ها هنا مراق دمائهم ! ! ثم مضى إلى ساباط حتى إنتهى إلى مدينة بهرسير. 386 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام) عند المسير إلى الشام: الحمد لله كلما وقب ليل وغسق، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق، والحمد لله غير مفقود الانعام ولا مكافأ الافضال.


386 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: " 48) من خطب نهج البلاغة.

[421]

أما بعد فقد بعثت مقدمتي وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط حتى يأتيهم أمري وقد رأيت أن أقطع هذه النطفة إلى شرذمة منكم موطنين أكناف دجلة فأنهضهم معكم إلى عدوكم وأجعلهم من أمداد القوة لكم. قال السيد رضي الله عنه: يعني بالملطاط السمت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطئ الفرات ويقال ذلك أيضا لشاطئ البحر وأصله ما استوى من الارض ويعني بالنطفة ماء الفرات وهو من غريب العبارات وعجيبها. بيان: قال ابن ميثم روي أنه (عليه السلام) خطب بها وهو بالنخيلة خارجا من الكوفة متوجها إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة سبع وثلاثين. ووقب الليل: أي دخل. وغسق أي أظلم. ولاح أي ظهر. وخفق النجم وأخفق إذا انحط في الغرب أو غاب. وكافأته مكافأة وكفاءا أي جازيته وكل شئ ساوى شيئا فهو مكافئى له. والافضال: الاحسان. ومقدمة الجيش - بالكسر وقد يفتح -: أوله ومتقدموه " والنطفة " بالضم الماء الصافي قل أو كثر. والشرذمة بالكسر: القليل من الناس. والجار متعلق بمحذوف أي متوجها إليهم. وأوطن المكان ووطنه واستوطنه: اتخذه وطنا. والمراد قوم من أهل المدائن روي أنهم كانوا ثمانمائة رجل. والكنف بالتحريك: الجانب والناحية. ونهض كمنع: قام. وأنهضه غيره: أقامه. والامداد: جمع مدد بالتحريك وهو المعين والناصر. وقال ابن الحديد (1): وزاد أصحاب السير في هذه الخطبة: " وقد أمرت


(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح الكلام المتقدم وهو المختار: (48) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1 ص 640 ط الحديث ببيروت. ورواه مع كثير مما قبله مرسلا أبو جعفر الاسكافي في كتاب المعيار والموازنة ص 131، ط 1، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه.

[422]

على المصر عقبة بن عمرو ولم الكم ولا نفسي [نصحا] فإياكم والتخلف والتربص فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي وأمرته أن لا يترك متخلفا إلا ألحقه بكم عاجلا إنشاء الله. وروى نصر بن مزاحم عوض قوله: " إلى عدوكم " إلى عدو الله. 387 - 394 - أقول: وجدت في كتاب صفين زيادة وهي: (1) " الحمد لله غير مفقود النعم ولا مكافأ الافضال، وأشهد أن لا إله إلا الله ونحن على ذلكم من الشاهدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد.. ". وقال نصر: فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: يا أمير المؤمنين والله ما يتخلف عنك إلا ظنين ولا بتربص بك إلا منافق فمر مالك بن حبيب فيضرب أعناق المتخلفين. فقال: قد أمرته بامري وليس بمقصر إنشاء الله. قال وقال مالك بن حبيب - وهو آخذ بعنان دابته (عليه السلام) -: يا أمير المؤمنين أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد والقتال وتخلفني في حشر الرجال ؟ فقال له علي (عليه السلام): إنهم لن يصيبوا من الاجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه وأنت ها هنا أعظم عن‍ ؟ ؟ منك عنهم لو كنت معهم. قال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. قال نصر: ثم سار عليه السلام حتى انتهى إلى مدينة " بهرسير " وإذا رجل


(1) ذكرها في أول الجزء الثالث من كتاب صفين ص 131، ط مصر.

[423]

من أصحابه يقال له جرير بن سهم ينظر إلى آثار كسرى (1) ويتمثل بقول الاسود بن يعفر: جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد فقال (عليه السلام): ألا قلت * (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين) * [24 - 29 / الدخان]. إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم. [ثم قال:] أنزلوا بهذه الفجوة (2) (4). قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن مسلم الاعور عن حبة العرني قال: أمر على (عليه السلام) الحارث الاعور فصاح في أهل المدائن من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر فوافوه في الساعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها الهالك أكثر ساكنيها لا معروف تأمرون به ولا منكر تنهون عنه. قالوا: يا أمير المؤمنين كنا ننتظر أمرك مرنا بما أحببت.


(1) كذا في ط الكمباني من كتاب البحار، ومثله في ترجمة الاسود بن يعفر من كتاب الاغاني: ج 13، ص 18، ط تراثنا. وفي شرح ابن أبي الحديد: حر بن سهم بن طريف من بني ربيعة بن مالك... (2) وللحديث مصادر أخر ذكر بعضها في ذيل المختار: (188) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 135، ط 1.

[424]

فسار وخلف عليهم عدي بن حاتم فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج في ثمانمائة رجل منهم وخلف ابنه زيدا بعده فلحقه في أربعمائة رجل منهم. وجاء علي (عليه السلام) حتى مر بالانبار فاستقبله بنو خشنوشك [دهاقنتها] قال نصر: الكلمة فارسية أصلها خش أي الطيب [و " نوشك ": راض يعني بني الطيب الراضي بالفارسية] (1) قال: فلما استقبلوه نزلوا عن خيولهم ثم جاؤا يشتدون معه وبين يديه ومعهم براذين قد أوقفوها في طريقه. فقال: ما هذه الدواب التي معكم وما أردتم بهذا الذي صنعتم ؟ قالوا: أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الامراء وأما هذه البراذين فهدية لك وقد صنعنا للمسلمين طعاما وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا. فقال (عليه السلام): أما هذا الذي زعمتم أنه فيكم خلق تعظمون به الامراء فوالله ما ينفع ذلك الامراء وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم فلا تعودوا له. وأما دوابكم هذه فإن أحببتم أن آخذها منكم وأحسبها لكم من خراجكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم إلا بثمن ! ! قالوا: يا أمير المؤمنين نحن نقومه ثم نقبل ثمنه. قال: إذا لا تقومونه قيمته نحن نكتفي بما هو دونه قالوا: يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالي ومعارف أتمنعنا أن نهدي لهم أو تمنعهم أن تقبلوا منا ؟ فقال: كل العرب لكم موال وليس لاحد من المسلمين أن يقبل هديتكم وإن غصبكم أحد فأعلمونا


(1) ما بين المعقوفات مأخوذ من كتاب صفين ص 144، وفيه: قال سليمان [أحد روات كتاب صفين]: خشن: طيب. نوشك: راض. يعني بني الطيب الراضي بالفارسية.

[425]

قالوا: يا أمير المؤمنين إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا قال: ويحكم فنحن أغنى منكم. فتركهم وسار. قال نصر: وحدثنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي سعيد التيمي المعروف بعقيصا (1) قال: كنا مع علي (عليه السلام) في مسيره إلى الشام حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا إلى الماء فانطلق بنا علي (عليه السلام) حتى أتى إلى صخرة مضرس في الارض كأنها ربضة عنز (2) فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا تحتها ماء فشرب الناس منه حتى ارتووا ثم أمرنا فاكفأناها عليه. وسار الناس حتى إذا مضى قليلا قال (عليه السلام): أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه ؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناه فلم نقدر على شئ إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم ؟ قالوا: ليس قربنا ماء فقلنا: بلى إنا شربنا منه قالوا: أنتم شربتم منه ؟ قلنا: نعم.


(1) رواة هذا الحديث مترجمون في كتاب تهذيب التهذيب. والحديث رواه أيضا إبراهيم بن ديزيل بهذا السند كما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (48) من شرحه: ج 1 ص 643. ورواه أبو جعفر الاسكافي المتوفى (240) على وجه قريب في كتاب المعيار والموازنة ص 134. ورواه أيضا الخوارزمي في الفصل الثالث من الفصل: (16) من مناقب علي عليه السلام ص 167. (2) كذا في أصلي المطبوع، وفي شرح ابن أبي الحديد: " حتى أتى بنا إلى صخرة ضرس في الارض... وفي كتاب صفين: " فانطلق بنا علي حتى أتى بنا على صخرة ضرس من الارض... ".

[426]

فقال صاحب الدير: والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي. قال: ثم مضى (عليه السلام) حتى نزل بأرض الجزيرة فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بجزر (1) فقال (عليه السلام) ليزيد بن قيس الارحبي: يا يزيد. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: هؤلاء قومك من طعامهم فاطعم ومن شرابهم فاشرب. قال: نعم. ثم سار حتى أتى الرقة وجل أهلها عثمانية فروا من الكوفة إلى معاوية فأغلقوا أبوابها دونه فتحصنوا وكان رئيسهم سماك بن مخرمة الاسدي بالرقة في طاعة معاوية وقد كان فارق عليا في نخو من مائة رجل من بني أسد ثم كاتب معاوية وأقام بالرقة حتى لحق به منهم سبعمائة رجل. قال نصر: فروى حبة أن عليا (عليه السلام) لما نزل على الرقة نزل على موضع يقال له: البليخ على جانب الفرات فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي (عليه السلام) إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم أعرضه عليك ؟ قال: نعم فقرأ الراهب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما كتب (2) أنه باعث في الاميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويدلهم على سبيل الله لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشر وفي كل صعود وهبوط تذل ألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح وينصره الله على من ناواه.


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي ط الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: " بجزور... ". وفي كتاب صفين ط مصر: " فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بالجزيرة... ". (2) ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي كتاب صفين ص 147: " وسطر فيما سطر... ".

[427]

فإذا توفاه الله اختلفت أمته من بعده ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله ثم اختلفت فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقضي بالحق، ولا يركس في الحكم (1) الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمآن (2). يخاف الله في السر وينصح له في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم ثم فمن أدرك ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضوانه والجنة. ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة. ثم قال: أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك. فبكى [علي] عليه السلام ثم قال: الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا، الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الابرار. فمضى الراهب معه فكان فيما ذكروا يتغدى مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ويتعشى حتى أصيب يوم صفين فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال (عليه السلام): أطلبوه فلما وجده صلى عليه ودفنه وقال: هذا منا أهل البيت واستغفر له مرارا.


(1) كذا في طبع الكمباني من البحار، ومثله في شرح المختار: (48) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد، وفي طبع مصر من كتاب صفين، ومثله في كتاب المعيار والموازنة ص 135: " ولا يرتشي في الحكم... ". والحديث رواه أيضا من غير نقاش فيه ابن كثير بسنده عن ابن ديزيل في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 4 ص 254 ط بيروت وفيه: " ولا ينكس الحكم... ". (2) كذا في أصلي ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي كتاب صفين: " على الظماء... ". والظمأ - على زنة الفرس - والظماء والظماءة - كسحاب وسحابة -: العطش.

[428]

روى هذا الخبر نصر في [أواسط الجزء الثالث من] كتاب صفين عن عمر بن سعد عن مسلم الاعور عن حبة العرني. ورواه أيضا إبراهيم ابن ديزيل الهمداني بهذا الاسناد عن حبة أيضا في كتاب صفين (1). قال نصر: وحدثني عمر بن سعد [الاسدي] عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك أن عليا (عليه السلام) بعث من المدائن معقل بن قيس الرياحي في ثلاثة آلاف وقال له: خذ على الموصل ثم نصيبين ثم القني بالرقة فإني موافيها وسكن الناس وآمنهم ولا تقاتل إلا من قاتلك وسر البردين وغور بالناس أقم الليل ورفه في السير ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، أرح فيه نفسك وجندك وظهرك فإذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر فسر [على بركة الله] (2). فسار [معقل] حتى أتى " الحديثة " وهي إذ ذاك منزل الناس إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان فإذا بكبشين ينتطحان ومع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة فأخذ يقول: إيه إيه فقال معقل: ما تقول ؟ فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا فانصرفا فقال الخثعمي: لا تغلبون ولا تغلبون قال معقل: من أين علمت ؟ قال: أبصرت الكبشين أحدهما مشرق والآخر مغرب التقيا فاقتتلا وانتطحا فلم يزل كل واحد من صاحبه منتصفا حتى أتى كل واحد منهما صاحبه فانطلق به فقال معقل: أو يكون خيرا مما تقول: يا أخا خثعم.


(1) قد تقدم أنه رواه عن ابن ديزيل ابن أبي الحديد في شرح المختار: (48) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 643 ط الحديث ببيروت، ورواه أيضا ابن كثير - نقلا عن ابن ديزيل - في البداية والنهاية: ج 4 ص 254. (2) وهذه الوصية رواها السيد الرضي بزيادة وألفاظ أجود مما هنا في المختار: (12) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

[429]

ثم مضى [معقل] حتى وافى عليا (عليه السلام) بالرقة. قال نصر: وقالت طائفة من أصحاب علي (عليه السلام) له: يا أمير المؤمنين اكتب إلى معاوية ومن قبله من قومك فإن الحجة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظما فكتب (عليه السلام) إليهم: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية ومن قبله من قريش سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل وعرفوا التأويل وفقهوا في الدين وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول (صلى الله عليه وآله) مكذبون بالكتاب مجمعون على حرب المسلمين من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه وقتلتموه، حتى أراد الله تعالى إعزاز دينه وإظهار أمره فدخلت العرب في الدين أفواجا وأسلمت هذه الامة طوعا وكرها. فكنتم فيمن دخل هذا الدين إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم وفاز المهاجرون والانصار بفضلهم ولا ينبغي لمن ليست لهم مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الاسلام أن ينازعهم الامر الذي هم أهله وأولى به فيحوب ويظلم (1). ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره ولا يعدو طوره ويشقى نفسه بالتماس ما ليس بأهله فإن أولى الناس بأمر هذه الامة قديما وحديثا أقربها من الرسول وأعلمها بالكتاب وأفقهها في الدين أولهم إسلاما وأفضلهم جهادا وأشدهم بما تحمله الرعية من أمر الله اضطلاعا فاتقوا الله الذي إليه ترجعون " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ". واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون وأن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم فإن للعالم بعلمه فضلا وإن الجاهل لا يزداد


(1) كذا في أصلي من البحار طبع الكمباني، وفي كتاب صفين: " فيجور ويظلم ".

[430]

بمنازعته العالم إلا جهلا. ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وحقن دماء هذه الامة فإن قبلتم أصبتم رشدكم واهتديتم لحظكم وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الامة لن تزدادوا من الله إلا بعدا ولن يزداد الرب عليكم إلا سخطا والسلام (1). فكتب إليه معاوية جواب هذا الكتاب سطرا واحدا وهو أما بعد فإنه: ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب فقال علي (عليه السلام) لما أتاه هذا الجواب: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. قال نصر: أخبرني عمر بن سعد عن الحجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث أن عليا (عليه السلام) قال لاهل الرقة: جسروا لي جسرا أعبر عليه من هذا المكان إلى الشام فأبوا وقد كانوا ضموا السفن إليهم. فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج وخلف عليهم الاشتر فناداهم فقال: يا أهل هذا الحصن: إني أقسم بالله إن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لاجردن فيكم السيف فلاقتلن مقاتلتكم ولاخربن أرضكم ولآخذن أموالكم. فلقي بعضهم بعضا فقالوا: إن الاشتر يفي بما يحلف عليه وإنما خلفه علي عندنا ليأتينا بشر فبعثوا إليه إنا ناصبون لك جسرا فأقبلوا. فأرسل الاشتر إلى علي (عليه السلام) فجاء ونصبوا له الجسر فعبروا


(1) وهذه الرسالة رويناها عن مصدر آخر في المختار: (78) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 216 ط 1.

[431]

الاثقال والرجال وأمر الاشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر ثم عبر آخر الناس. قال الحجاج: وازدحمت الخيل حين عبرت فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين فنزل فأخذها فركب ثم سقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب فقال لصاحبه: فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا * كما زعموا (1) أقتل وشيكا وتقتل فقال [عبد الله بن أبي الحصين]: ما شئ أحب إلي مما ذكرت فقتلا معا يوم صفين. قال نصر: فلما قطع علي الفرات دعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ فسرحهما أمامه نحو معاوية في إثني عشر ألفا وقد كانا حين سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات فبلغهما أخذ علي عليه السلام طريق الجزيرة وعلما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله فقالا: والله ما هذا برأي أن نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر وما لنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلة من العدد منقطعين عن المدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهلها وحبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ولحقوا عليا (عليه السلام) بقرية دون قرقيسيا فلما لحقوا عليا (عليه السلام) عجب وقال مقدمتي يأتي من ورائي ؟ فأخبره زياد وشريح بالرأي الذي رأيا فقال: قد أصبتما رشدكما. فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية فلما انتهيا إلى معاوية لقيهما أبو


(1) كذا في تاريخ الطبري وهو الظاهر، وفي ط الكمباني ساق الكلام بصورة النثر هكذا: إن يكن زاجر الطير صادقا كما تزعمون أقتل وشيكا وتقتل.

[432]

الاعور السلمي في جنود من الشام وهو على مقدمة معاوية فدعواه إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبى فبعثوا إلى علي (عليه السلام) إنا قد لقينا أبا الاعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه وأصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبى علينا فمرنا بأمرك. فأرسل علي (عليه السلام) إلى الاشتر فقال: يا مالك إن زيادا وشريحا أرسلا إلي. إلى آخر ما مر برواية ابن ميثم. قال: وكتب علي (عليه السلام) إليهما - وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي -: أما بعد فإني قد أمرت عليكما مالكا فاستمعا له وأطيعا أمره فإنه من لا يخاف رهقه ولا سقاطه (1) ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما أن لا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم ويدعوهم ويعذر إليهم. فخرج الاشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به علي (عليه السلام) وكف عن القتال ولم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الاعور فثبتوا له واضطربوا ساعة ثم إن اهل الشام انصرفوا. ثم خرج [إليهم] هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها فخرج إليهم أبو الأعور فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال وصبر بعضهم لبعض ثم انصرفوا. وبكر عليهم الاشتر فقتل من أهل الشام عبد الله بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن وان كان


(1) الرهق: خفة العقل. الجهل. الكذب. العربدة. والسقاط - ككتاب: العثرة والزلة.

[433]

الشامي: لفارس أهل الشام وأخذ الاشتر يقول: ويحكم أروني أبا الاعور. ثم إن أبا الاعور دعا الناس فرجعوا نحوه فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة وجاء الاشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أول مرة فقال الاشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي الاعور فادعه إلى المبارزة. فقال، إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال الاشتر: أولو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال: نعم والذي لا إله إلا هو تعالى لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي فعلته حتى أضربه بالسيف فقال: يا ابن أخي أطال الله بقاءك قد والله ازددت فيك رغبة لا ما أمرتك بمبارزته إنما أمرتك أن تدعوه لمبارزتي فإنه لا يبارز إن كان ذلك من شأنه إلا ذوي الاسنان والكفاءة والشرف وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف ولكنك حديث السن وليس يبارز الاحداث فاذهب فادعه إلى مبارزتي. فأتاهم فقال: أنا رسول فأمنوني. فأمنوه فجاء حتى انتهى إلى أبي الاعور فقال له: إن الاشتر يدعوك إلى المبارزة قال فسكت عني طويلا ثم قال: إن خفة الاشتر وسوء رأيه هو الذي دعاه إلى إجلاء عمال عثمان وافترائه عليه يقبح محاسنه ويجهل حقه ويظهر عداوته ومن خفة الاشتر أنه سار إلى عثمان في داره وقراره فقتله فيمن قتله وأصبح متبعا بدمه (1) لا حاجة لي في مبارزته ! ! فقلت: إنك قد تكلمت فاسمع حتى أجيبك فقال: لا حاجة لي في جوابك ولا الاستماع منك اذهب عني وصاح بي أصحابه فانصرفت عنه ولو سمع لاسمعته عذر صاحبي وحجته فرجعت إلى الاشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة فقال: لنفسه نظر. قال: فتواقفنا حتى حجز بيننا وبينهم الليل وبتنا متحارسين فلما أن أصبحنا نظرنا فإذا هم انصرفوا.


(1) كذا بالعين المهملة، ولعل الصواب: " مبتغى " بالمعجمة أي مطلوبا بدمه.

[434]

قال: وصبحنا علي عليه السلام غدوة سائرا نحو معاوية فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الارض وسعة المنزل وشريعة الماء مكان أفيح وكان أبو الاعور على مقدمة معاوية واسمه سفيان بن عمرو. وكان وصول علي (عليه السلام) إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين. قال نصر: فلما انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعا سبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناصرين إلى جانب صفين (1) وساق الاشتر يتبعه فوجده غالبا على الماء وكان في أربعة آلاف من مستبصري أهل العراق فصدموا أبا الاعور وأزالوه عن الماء فأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه وقضيضه فلما رآهم الاشتر انحاز إلى علي (عليه السلام) وغلب معاوية وأهل الشام على الماء وحالوا بين أهل العراق وبينه. وأقبل علي (عليه السلام) في جموعه فطلب موضعا لعسكره وأمر الناس أن يضعوا أثقالهم وهم أكثر من مائة ألف فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علي (عليه السلام) على خيولهم إلى جهة معاوية يطعنون ويرمون بالسهام ومعاوية بعد لم ينزل فناوشهم أهل الشام القتال فاقتتلوا هويا (2). قال نصر فحدثني عمر بن سعد عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة قال: فكتب معاوية إلى علي (عليه السلام): عافانا الله وإياك ما أحسن العدل


(1) انظر تاج العروس. (2) أي قطعة من الزمان، وهي بفتح الهاء وكسر الواو وشد الياء، ويأتي قريبا عن المصنف تفسيرها.

[435]

والانصاف بمن عمل وأقبح الطيش ثم النفش في الرجل (1) وكتب بعده: اربط حمارك لا تنزع سويته * إذا يرد وقيد العير مكروب ليست ترى السيد زيدا في نفوسهم * كما تراه بنو كوز ومرهوب إن تسألوا الحق يعط الحق سائله * والدرع محقبة والسيف مقروب أو تأنفون فإنا معشر أنف * لا نطعم الضيم إن السم مشروب فأمر علي (عليه السلام) أن يوزع الناس عن القتال حتى أخذ أهل الشام مصافهم ثم قال: أيها الناس إن هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة ومن فلج فيه فلج يوم القيامة. ثم قال لما رأى نزول معاوية بصفين: لقد أتانا كاشرا عن نابه * يهمط الناس على اعتزا به فليأتنا الدهر بما أتى به قال نصر: وكتب علي إلى معاوية جواب كتابه أما بعد: فإن للحرب عراما شررا * إن عليها قائدا عشنزرا ينصف من أحجر أو تنمرا * على نواحيها مزجا زمجرا أذا ونين ساعة تغشمرا


(1) كذا في أصلي المطبوع وظاهره أنه نثر، ولكن الظاهر أن الباء في قوله: " بمن " من زيادة الكتاب وان الصواب أنه شعر هكذا: ما أحسن العدل والانصاف من عمل * وأقبح الطيش ثم النفش في الرجل وهكذا ضبطه في ط مصر من كتاب صفين والطبع الحديث من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 718 ط الحديث ببيروت.

[436]

وكتب بعده: ألم تر قومي إذ دعاهم أخوهم * أجابوا وإن يغضب على القوم يغضبوا هم حفظوا غيبي كما كنت حافظا * لقومي أخرى مثلها إذ تغيبوا بنو الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم * وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا قال: فتراجع الناس كل من الفريقين إلى معسكره وذهب شباب من الناس إلى الماء ليستقوا فمنعهم أهل الشام. قال ابن أبي الحديد (1): قلت في هذه الالفاظ ما ينبغي أن يشرح قوله: " فاقتتلوا هويا " بفتح الهاء أي قطعة من الزمان، وذهب هوي من الليل أي هزيع منه " والنفش ": كثرة الكلام. والدعاوى وأصله من نفش الصوف. " والسوية ": كساء محشو بثمام ونحوه كالبرزعة. وكربت القيد إذا ضيقته على المقيد، وقيد مكروب أي ضيق يقول: لا تنزع برزعة حمارك عنه واربطه وقيده وإلا أعيد إليك وقيده ضيق. وهذا مثل ضربه لعلي (عليه السلام) يأمره فيه بأن يردع جيشه عن التسرع والعجلة عند الحرب. وزيد المذكور في الشعر هو زيد بن حصين بن ضرار [بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن ادبن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان] من بني ضبة وهو المعروف بزيد الخيل وكان فارسهم. وبنو السيد من ضبة أيضا [وهم بنو السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة - إلى آخر النسب -] وبنو السيد بنو عم زيد الفوارس


(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار: (51) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 718 ط الحديث ببيروت.

[437]

[لانه من بني دهل بن مالك] وهؤلاء بنو السيد بن مالك وبينهم عداوة النسب يقول: إن بني السيد لا يرون زيدا في نفوسهم كما يراه أهله الادنون منه نسبا وهم بنو كوز وبنو مرهوب يقول: نحن لا نعظم زيدا ولا نعتقد فيه من الفضيلة ما يعتقده أهله وبنو عمه الادنون. والمثل لعلي (عليه السلام) أي نحن لا نرى في علي ما يراه أهل العراق من تعظيمه وتبجيله. والدرع محقبة أي بحالها في حقابها وهو ما يشد به في غلافها والسيف بحاله في قرابه وهو جفنه يقال: حقبت الدرع وقربت السيف كلاهما ثلاثيان يقول: إن سألتم الحق أعطيناكموه من غير حاجة إلى الحرب بل نجيبكم إليه والدروع بحالها لم تلبس والسيوف في أجفانها لم تشهر. وأما إثبات النون في " تأنفون " فللشعر (1) يقول: وإن أنفتم وأبيتم إلا الحرب فإنا نأنف مثلكم [أيضا] لا نطعم الضيم ولا نقبله ثم قال: إن السم مشروب أي إن السم قد نشربه ولا نشرب الضيم أي نختار الموت على الذلة. والشعر لعبد الله بن غنم الضبي (2) من بني السيد. فأما قوله (عليه السلام): " هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة "


(1) كذا في طبعة الكمباني من بحار الانوار، وقال ابن أبي الحديد في شرح المختار: (51) من شرح نهج البلاغة: ج 1 ص 719 ط الحديث ببيروت: وأما إثبات النون في " تأنفون " فإن الاصوب حذفها لعطف الكلمة على المجزوم قبلها ولكنه استأنف ولم يعطف كأنه قال: أو كنتم تأنفون، يقول: وإن أنفتم وأبيتم إلا الحرب فإنا نأنف مثلكم أيضا لا نطعم الضيم ولا نقبله... (2) كذا في أصلي المطبوع، وفي طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: " لعبد الله عنمة الضبي من بني السيد ".

[438]

أي من تلطخ فيه بعيب من فرار أو نكول عن العدو. يقال: نطف فلان - بالكسر - إذا تدنس بعيب ونطف أيضا إذا أفسد يقول: من فسدت حاله اليوم في هذا الجهاد فسدت حاله غدا عند الله. قوله: " من فلج فيه " بفتح اللام أي من ظهر وفاز يقال: فلج على خصمه كنصر أي ظهرت حجته عليه. قوله (عليه السلام) " يهمط الناس " أي يقهرهم ويخبطهم وأصله الاخذ بغير تقدير. وقوله (عليه السلام): " على اعتزا به " أي على بعده عن الامارة والولاية على الناس. والعرام بالضم: الشراسة والهوج. والعشنزر: الشديد القوي ينصف من يظلم الناس. وأحجر: ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا حجرهم أي بيوتهم. وتنمر أي تنكر حتى صار كالنمر يقول: هذا القائد الشديد القوي ينصف من يظلم الناس ويتنكر لهم أي ينصف منه فحذف حرف الجر كقوله تعالى: * (واختار موسى قومه) * أي من قومه. والمزج بكسر الميم: السريع النفوذ وأصله الرمح القصير كالمزراق ورجل زمجر أي مانع حوزته والميم زايدة. ومن رواها زمخرا بالخاء عنى به المرتفع العالي الشأن وجعل الميم زائدة أيضا من زخر الوادي أي علا وارتفع. وغشمر السيل: أقبل. والغشمرة: إتيان الامر بغير تثبت يقول: إذا أبطأن ساقهن سوقا عنيفا. والابيات البائية لربيع بن مسروم (1) الضبي.


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي شرح نهج البلاغة ط الحديث ببيروت: " والابيات البائية لربيعة بن مشروم الطائي ".

[439]

وروى نصر عن عبد الله بن عوف قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستويا بساطا واحدا (1) وأخذوا الشريعة فهي في أيديهم وقد صف أبو الأعور عليها الخيل والرجالة وقدم المرامية ومعهم أصحاب الرماح والدرق وعلى رؤسهم البيض وقد أجمعوا أن يمنعونا الماء ففزعنا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبرناه بذلك. فدعا صعصعة بن صوحان فقال: إئت معاوية فقل له: إنا سرنا إليك مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الاعذار إليكم وإنك قدمت خيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالحرب ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وهذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس وبين الماء فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا. فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لاصحابه: ما ترون ؟ فقال الوليد بن عقبة: امنعنهم الماء كما منعوه ابن عفان حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء ولين الطعام اقتلهم عطشا قتلهم الله. وقال عمرو بن العاص: خل بين القوم وبين الماء فإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ولكن لغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم. فأعاد الوليد مقالته. وقال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح (2) وكان أخا عثمان من الرضاعة: امنعهم الماء إلى الليل فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمتهم امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة.


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين وشرح النهج: " بساطا واسعا ". (2) له ترجمة في كتاب الاصابة: ج 2 ص 470.

[440]

فقال صعصعة: إنما يمنع الماء يوم القيامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك وضرب هذا الفاسق (1) يعني الوليد فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه فقال معاوية كفوا عن الرجل فإنما هو رسول. قال عبد الله بن عوف: إن صعصعة لما رجع إلينا حدثنا بما قال معاوية وما كان منه وما رده علينا وقال: لما أردت الانصراف من عنده قلت: ما ترد علي ؟ قال: سيأتيكم رأيي. قال: فو الله ما راعنا إلا تسوية الرجال والصفوف والخيل فأرسل إلى أبي الاعور امنعهم الماء فازدلفنا والله إليهم فارتمينا وأطعنا بالرماح واضطربنا بالسيوف فطال ذلك بيننا وبينهم حتى صار الماء في أيدينا فقلنا: لا والله لا نسقيهم. فأرسل علي عليه السلام أن خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا معسكركم وخلوا بينهم وبين الماء فإن الله قد نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم. وقال نصر: قال عمرو بن العاص خل بينهم وبين الماء فإن عليا لم يكن ليظلمأ وأنت ريان وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق وقد سمعته أنا مرارا وهو يقول: " لو أن معي أربعين رجلا " يوم فتش البيت - يعني بيت فاطمة - لو استمكنت من أربعين رجلا يعني في الامر الاول (2). قال: ولما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة وقال معاوية: يا


(1) الضرب بمعنى المثل والشبيه. (2) كذا في طبع الكمباني من البحار، وفي شرح ابن أبي الحديد: ط الحديث ببيروت. " وقد سمعته أنا مرارا وهو يقول: لو استمكنت من أربعين رجلا يعني في الامر الاول. أقول: وليلاحظ " طبع " القديم من هذا الشرح أو مخطوطه إن تيسر. وفي كتاب صفين: وقد سمعته أنا وأنت وهو يقول: لو استمكنت من أربعين رجلا - فذكر أمرا - يعني لو أن معي أربعين رجلا يوم فتش البيت. يعني بيت فاطمة.

[441]

أهل الشام هذا والله أول الظفر لا سقاني الله ولا أبا سفيان إن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه وتباشر أهل الشام. فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يقال له المعري بن الاقبل فقال: يا معاوية سبحان الله ألان سبقتم القوم إلى الفرات تمنعونهم الماء ؟ أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه، أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم [فرضة من] الفرات فينزلون على فرضة أخرى فيجازونكم بما صنعتم ! أما تعلمون أن فيهم العبد والامة والاجير والضعيف ومن لا ذنب له ؟ هذا والله أول الجهل. فأغلظ له معاوية. قال [نصر]: ثم سار [الرجل] الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي عليه السلام ومكث أصحاب علي عليه السلام بغير ماء واغتم عليه السلام بما فيه أهل العراق من العطش فأتى الاشعث عليا فقال: يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا والسيوف في أيدينا ؟ خل عنا وعن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت ومر الاشتر يعلو بخيله ويقف حيث تأمر فقال علي عليه السلام ذاك إليكم. فنادى الاشعث في الناس من كان يريد الماء [أ] والموت فميعاده موضع كذا فإني ناهض فأتاه إثنا عشر ألفا من كندة وأفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم فشد عليه سلاحه ونهض بهم حتى كاد [أن] يخالط أهل الشام وجعل يلقي رمحه ويقول لاصحابه: بأبي وأمي وأنتم تقدموا إليهم قاب رمحي هذا (1) فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم وحسر عن رأسه ونادى: أنا الاشعث بن قيس خلوا عن الماء فنادى أبو الأعور: أما والله حتى لا تأخذنا وإياكم السيوف فلا فقال الاشعث: قد والله أظنها دنت منا ومنكم.


(1) القاب: القدر.

[442]

وكان الاشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي عليه السلام فبعث إليه الاشعث: أقحم الخيل فاقحمها حتى وضعت بسنابكها في الفرات وأخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين. قال: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وزيد بن الحسن قالا: فنادى الاشعث عمرو بن العاص فقال: ويحك يا ابن العاص خل بيننا وبين الماء فو الله لئن لم تفعل لتأخذنا وإياكم السيوف. فقال عمرو: والله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف وإياكم فيعلم ربنا سبحانه أينا أصبر اليوم. فترجل الاشعث والاشتر وذووا البصائر من أصحاب علي عليه السلام وترجل معهما إثنا عشر ألفا فحملوا على عمرو وأبي الاعور ومن معهما من أهل الشام فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل علي عليه السلام سنابكها في الماء. قال نصر: فروى لنا عمر بن سعد أن عليا عليه السلام قال ذاك اليوم: هذا يوم نصرتم فيه بالحمية. قال نصر: فحدثنا عمرو عن جابر قال: خطب علي عليه السلام يوم الماء فقال: أما بعد: فإن القوم قد بدؤكم بالظلم وفاتحوكم بالبغي واستقبلوكم بالعدوان وقد استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء فأقروا على مذلة وتأخير محلة أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين ألا وإن معاوية قاد لمة من الغواة وعمس عليهم الخبر حتى جعل نحورهم أغراض المنية (1).


(1) هذه الخطبة هو المختار: (51) من كتاب نهج البلاغة. والخطبة مع الكلام الآتي قبل قول المصنف: " توضيح " قد سقطتا عن المطبوع من كتاب صفين، وقد رواها عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (51) من شرحه على نهج البلاغة، ج 3 ص 325 ط الحديث بمصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1 ص 725 و 729.

[443]

قال نصر: ودعا الاشتر بالحارث بن همام النخعي فأعطاه لواءه ثم صاح الاشتر في أصحابه فدتكم نفسي شدوا شدة المحرج الراجي للفرج فإذا نالتكم الرماح التووا فيها فإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل على ناجذه فإنه أشد لشئون الرأس ثم استقبلوا القوم بهامكم. قال و: كان الاشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب وقتل بيده من أهل الشام من فرسانهم وصناديدهم سبعة صالح بن فيروز العكي ومالك بن أدهم السلماني ورياح بن عتيك الغساني والاجلح بن منصور الكندي وكان فارس أهل الشام وإبراهيم بن وضاح الجمحي وزامل بن عتيك الجذامي ومحمد بن روضة الجمحي وسمع أمير المؤمنين مرثية بعض نساء القتلى فقال: أما إنهم أضروا بنسائهم فتركوهن أيامى حزانى بائسات قاتل الله معاوية اللهم حمله آثامهم وأوزارا وأثقالا مع أثقاله أللهم لا تعف عنه. وعن صعصعة قال: أقبل الاشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء وحمل أبو الأعور وحمل الاشتر عليه فلم ينتصف أحدهما صاحبه. قال: وقال عمرو بن العاص لمعاوية: لما ملك أهل العراق الماء: ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه ؟ ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوءة ؟ فقال له معاوية: دع عنك ما مضى فما ظنك بعلي بن أبي طالب ؟ قال ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه وأن الذي جاء له غير الماء. قال: نصر فقال أصحاب علي عليه السلام له: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك. فقال: لا خلوا بينهم وبينه لا أفعل ما فعله الجاهلون فسنعرض عليهم كتاب الله وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلا ففي حد السيف ما يغني إنشاء الله قال: فو الله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم وسقاة أهل الشام ورواياهم وروايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنسانا.

[444]

أقول: [رجعنا] إلى أصل كتاب نصر فوجدناه مطابقا لما رواه ابن أبي الحديد عنه (1). توضيح: قال الفيروز آبادي: منبج كمجلس: موضع. وقال: زجر الطائر: تفأل به. والزجر: العيافة والتكهن. وقال: الرهق محركة: السفه والنوك والخفة وركوب الشر والظلم وغشيان المحارم. وقال: السقاط: الوقعة الشديدة والعثرة. وقال: بحر أفيح: واسع. والفيحاء: الواسعة من الدور. وقال: الفيلق - كصيقل -: الجيش. وقال: جاؤا قضهم بفتح الضاد وبضمها وفتح القاف وكسرها بقضيضهم وجاؤا قضهم وقضيضهم أي جميعهم. أو القض: الحصى الصغار والقضيض: الكبار أي جاؤا بالكبير والصغير أو القض بمعنى القاض والقضيض بمعنى المقضوض. قوله: " لو استمكنت " لو للتمني أو الجزاء محذوف والامر الاول بيعة أبي بكر. وقاب رمحي أي قدر رمحي قوله: " قد استطعموكم ". أقول: روى السيد في [المختار (اه) من] النهج من هذا الموضع إلى آخر الكلام أي طلبوا منكم القتال كأنهم اضطروكم إليه إذ لا طاقة لكم على العطش فجعلوه مرغوبا لكم كما يرغب الانسان إلى الطعام الذي به قوام بدنه " فأقروا على مذلة " أي اعترفوا بها وانه لا قدرة لكم على دفعهم واصبروا عليها. أو اسكنوا أنفسكم في مكان الذل والمقهورية " وتأخير المحلة " دناءة المرتبة " أو رووا السيوف " أي اجعلوها ريا - ضد عطشى - وقاد الفرس: ضد ساقه فالقود من أمام والسوق من خلف. واللمة بالضم والتخفيف: الجماعة


(1) ابن أبي الحديد أورد ما في كتاب صفين بإيجاز وبحذف بعض الخصوصيات في شرح المختار: (51) من نهج البلاغة من شرحه ج 3 ص 320 ط مصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 1، ص 717 - 729. ورواه نصر في أواسط الجزء (3) من كتاب صفين ص 157، وما حولها.

[445]

وقيل المثل في السن والترب. وعمس بالمهملتين وتشديد الميم أي أبهم وأخفى ويظهر من ابن الاثير أنه بالتخفيف. ويروى بالغين المعجمة وهو موجود في بعض نسخ النهج لكن بالتشديد وغمسه في الماء أي مقله وغمس النجم أي غاب والغميس: الليل المظلم والظلمة والشئ الذي لم يظهر للناس ولم يعرف بعد. وفي بعض النسخ و " رمس عليهم " بالتشديد والرمس: كتمان الخبر والمراد بالخبر خزي الدنيا أو عذاب الآخرة أو الاعم. والغرض: الهدف الذي يرمى فيه. والمنية: الموت. وقال الجوهري: الحلك: السواد يقال: أسود مثل حلك الغراب وهو سواده.

[447]

[الباب الثاني عشر] باب جمل ما وقع بصفين من المحاربات والاحتجاجات إلى التحكيم قال ابن أبي الحديد - موافقا لما وجدته في أصل كتاب صفين لنصر بن مزاحم (1) -: لما ملك علي عليه السلام الماء بصفين ثم سمح لاهل الشام بالمشاركة فيه والمساهمة استمالة لقلوبهم مكث أياما لا يرسل إلى معاوية أحدا ولا يأتيه من عند معاوية أحد، واستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال وقالوا: يا أمير المؤمنين خلفنا ذرارينا ونساءنا بالكوفة إئذن لنا في قتال القوم فإن الناس قد قالوا قال علي عليه السلام: ما قالوا ؟ فقال منهم قائل: انهم يظنون أنك تكره الحرب كراهية للموت ومنهم من يظن أنك في شك في قتال أهل الشام. فقال عليه السلام: ومتى كنت كارها للحرب قط إن من العجب حبي لها غلاما ويفعا وكراهيتي لها شيخا بعد نفاد العمر وقرب الوقت وأما شكي في


(1) رواه نصر في أواخر الجزء الثالث من كتاب صفين ص 187، ط مصر. ورواه عنه ابن أبي الحديد باختصار بسيط في بعض مواضيعه في شرح المختار: (54) من نهج البلاغة: ج 1، ص 749 ط الحديث ببيروت. والمصنف اختصر روايات ابن أبي الحديد وأسقط أسانيد الاحاديث أكثريا.

[448]

القوم فلو شككت فيهم لشككت في أهل البصرة فو الله لقد ضربت هذا الامر ظهرا وبطنا فما وجدت يسعني إلا القتال أو أن أعصى الله ورسوله ولكني أستأني بالقوم عسى أن يهتدوا أو يهتدي فيهم طائفة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي يوم الخيبر: لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس (1): قال نصر بن مزاحم: فبعث علي عليه السلام إلى معاوية بشر بن عمرو وسعيد بن قيس وشبث بن ربعي فقال: إئتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة وإلى إتباع أمر الله سبحانه. فقال شبث: يا أمير المؤمنين ألا نطمعه في سلطان توليه إياه ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك ؟ قال: إئتوه الآن والقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه في هذا. فدخلوا عليه فابتدأ بشر بن عمرو بن محصن فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة وإن الله مجازيك بعملك ومحاسبك بما قدمت يداك وإنني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الامة وأن تسفك دماءها بينها. فقطع معاوية عليه الكلام فقال: فهلا أوصيت صاحبك ؟ فقال: سبحان الله إن صاحبي لا يوصى إن صاحبي ليس مثلك صاحبي أحق الناس بهذا الامر في الفضل والدين والسابقة في الاسلام والقرابة من الرسول. قال معاوية: فتقول: ماذا ؟ قال: أدعوك إلى تقوى ربك وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دينك وخير لك في عاقبة أمرك. قال: ويطل دم عثمان ؟ لا والرحمن لا أفعل ذلك أبدا. فذهب سعيد بن قيس ليتكلم فبدره شبث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه


(1) وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي في المختار: (54) من نهج البلاغة.

[449]

ثم قال: يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن إنه لا يخفى علينا ما تطلب إنك لا تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم إلا أن قلت لهم: قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه فاستجاب لك سفلة طغام رذال وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب ورب مبتغي أمرا وطالب له يحول الله دونه وربما أوتي المتمني امنيته وربما لم يؤتها ووالله مالك في واحدة منهما خير والله إن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الامر أهله. فحمد معاوية الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن أول (1) ما عرفت به سفهك وخفة حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم عنفت بعد فيما لا علم لك به ولقد كذبت ولو مت أيها الاعرابي الجلف الجافي (2) في كل ما وصفت انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف وغضب. فخرج القوم وشبث يقول: أعلينا تهول بالسيف ؟ أما والله لنعجلنه إليك. قال نصر: وخرج قراء أهل العراق وقراء أهل الشام فعسكروا في ناحية صفين في ثلاثين ألفا. قال: وعسكر علي عليه السلام على الماء وعسكر معاوية فوقه على الماء أيضا ومشت القراء بين علي عليه السلام ومعاوية منهم عبيدة السلماني وعلقمة بن قيس النخعي وعبد الله بن عتبة وعمار بن عبد القيس فدخلوا على معاوية فقالوا: يا معاوية ما الذي تطلب ؟


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في طبعة مصر من كتاب صفين وطبعة بيروت من شرح نهج البلاغة. وفي أصلي: " أما بعد إنه أول... ". (2) كذا في طبع الكمباني من البحار، والتلويم: الملامة، والتشديد للمبالغة. وفي شرح ابن أبي الحديد: " ولؤمت... ". (*)

[450]

قال: أطلب بدم عثمان. قالوا: ممن تطلب بدم عثمان ؟ قال: أطلبه من علي. قالوا: أو علي قتله ؟ قال: نعم هو قتله وآوى قتلته. فانصرفوا من عنده فدخلوا على علي عليه السلام وقالوا: إن معاوية زعم أنك قتلت عثمان قال: اللهم لكذب علي لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر ومالا. فرجعوا إليه عليه السلام وقالوا: يزعم أنك إن لم تكن قتلت بيدك فقد أمرت ومالأت على قتل عثمان. فقال: اللهم لكذب فيما قال: فرجعوا إلى معاوية فقالوا: إن عليا يزعم أنه لم يفعل. فقال معاوية إن كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان فإنهم في عسكره وجنده وأصحابه وعضده. فرجعوا إلى علي عليه السلام فقالوا: إن معاوية يقول لك إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلة عثمان أو مكنا منهم فقال لهم: إن القوم تأولوا عليه القرآن ووقعت الفرقة وقتلوه في سلطانه وليس على ضربهم قود فخصم علي معاوية (1). فقال لهم معاوية إن كان الامر كما تزعمون فلم ابتز الامر دوننا على غير مشورة منا ولا ممن ها هنا معنا ؟ فقال علي عليه السلام: إن الناس تبع المهاجرين والانصار وهم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم وأمراء دينهم فرضوا بي وبايعوني ولست أستحل أن أدع ضرب معاوية يحكم على هذه الامة ويركبهم ويشق عصاهم. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك فقال: ليس كما يقول فما بال من هو ها هنا من المهاجرين والانصار لم يدخلوا في هذا الامر ؟ فانصرفوا إليه عليه السلام فأخبروه بقوله فقال: ويحكم هذا للبدريين دون


(1) أي غلبه في الخصومة، وهو على زنة ضرب. والقود: القصاص.

[451]

الصحابة وليس في الارض بدري إلا وقد بايعني وهو معي أو قد أقام ورضي فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم. قال نصر: فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربيع الآخر وجماديين وهم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينها ويزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم قال ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسا وثلاثين فزعة يزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم. قال نصر: وخرج أبو أمامة الباهلي وأبو الدرداء فدخلا على معاوية فقالا: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل ؟ فو الله لهو أقدم منك سلما وأحق منك بهذا الامر وأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلام تقاتله ؟ قال: أقاتله على دم عثمان فإنه آوى قتلته فقولوا له: فليقدنا من قتلته وأنا أول من بايعه من أهل الشام فانطلقوا إلى علي عليه السلام فأخبروه فقال: إنما يطلب الذين ترون فخرج عشرون ألفا وأكثر متسربلين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقالوا: كلنا قتله فإن شاؤا فليروموا ذلك منا. فرجع أبو أمامة وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال. حتى إذا كان في رجب وخشي معاوية أن يبايع القراء عليا عليه السلام جد في المكر وكتب في سهم: من عبد الله الناصح إني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم ثم رمى السهم في عسكر علي عليه السلام. فوقع السهم في يد رجل فقرأه ثم أقرأ صاحبه فلما قرأه من أقبل وأدبر قالوا: هذا أخ لنا ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع حتى رفع إلى علي عليه السلام وبعث معاوية فأتى رجال من العملة إلى عاقول من النهر بأيديهم المرور والزبل يحفرون (1) فيها بحيال عسكر


(1) عاقول النهر والوادي: ما اعوج منه. والمرور: جمع المر - بالفتح - وهو المسحاة. والزبل: جمع زبيل وهو الجراب والقفة.

[452]

علي عليه السلام فقال عليه السلام: ويحكم إن الذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوى عليه إنما يرد أن يزيلكم عن مكانكم فانتهوا عن ذلك ودعوه. فقالوا له: هم والله يحفرون والله لنرتحلن وإن شئت فأقم فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليا وارتحل علي عليه السلام في اخريات الناس وهو يقول: فلو أني أطعت عصبت قومي * إلى ركن اليمامة أو شمام (1) ولكني متى أبرمت أمرا * منيت بخلف آراء الطغام قال: فارتحل معاوية حتى نزل بمعسكر علي عليه السلام الذي كان فيه. فدعا علي عليه السلام الاشتر فقال: ألم تغلبني على رأيي أنت والاشعث برأيكما ؟ فقال الاشعث: أنا أكفيك يا أمير المؤمنين سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك فجمع كندة فقال لهم: يا معشر كندة لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني فإنما أنا أقارع بكم أهل الشام فخرجوا معه رجالة يمشون وبيده رمح له يلقيه على الارض ويقول: امشوا قيس رمحي هذا فيمشون فلم يزل يقيس لهم الارض برمحه ويمشون معه حتى أتى معاوية وسط بني سليم واقفا على الماء وقد جاءه أداني عسكره فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا وأقبل الاشتر في جند من أهل العراق فحمل على معاوية والاشعث يحارب في ناحية أخرى فانحاز معاوية في بني سليم فردوا وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم والاشعث يهدر ويقول: أرضيتك يا أمير المؤمنين ؟ وقال الاشتر: يا أمير المؤمنين قد غلب الله لك على الماء.


(1) كذا في ط الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد، ومثله في ط مصر من كتاب صفين. قالوا: و " شمام " جبل لبني الباهلة. وفي نسخة من كتاب صفين ومثلها في البحار: " والشام " قال المصنف في بيانه الآتي ص 17: " الشام " على [زنة] فعال: الشامي كاليمان [بمعنى اليماني]

[453]

قال نصر: وكان كل واحد من علي ومعاوية يخرج الرجل الشريف في جماعة ويقاتل مثله وكانوا يكرهون أن يزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستيصال والهلاك فاقتتل الناس ذا الحجة كله فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم لعل الله أن يجري صلحا أو اجتماعا فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض. قال نصر: حدثنا عمر بن سعد عن أبي المجاهد (1) عن المحل بن خليفة قال: لما توادعوا في المحرم اختلف الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح فأرسل علي عليه السلام إلى معاوية عدي بن حاتم وشبث بن ربعي ويزيد بن قيس وزياد بن خصفة فلما دخلوا عليه حمد الله تعالى عدي بن حاتم وأثنى عليه وقال: أما بعد فقد أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ويحقن دماء المسلمين ندعوك إلى أفضل الناس سابقة وأحسنهم في الاسلام آثارا وقد اجتمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا وأتوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل. فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان (2) أما والله إنك من المجلبين على عثمان وإنك لمن قتلته وإني لارجو أن تكون ممن يقتله الله. فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة وتنازعا كلاما واحدا: أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الامثال دع ما لا ينفع من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه.


(1) قال في هامش كتاب صفين: هو سعد الطائي الكوفي وثقه وكيع وابن حبان، وقال ابن حجر: لا بأس به. (2) الشنان والاشنان - كسنان وأسنان -: جمع الشن - بفتح أوله -: القربة الخلق كانوا يحركونها للابل إذا أرادوا إسراع الابل في السير كما ذكره الميداني.

[454]

وتكلم يزيد بن قيس فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلغك الذي بعثنا به إليك ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ولم ندع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن فيه عليك حجة أو أنه راجع بك إلى الامة والجماعة إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ولا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين والفضل لا يعدلونك بعلي ولا يساوون بينك وبينه فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليا فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعلم بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه. فحمد معاوية الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنكم دعوتم إلى الجماعة والطاعة فأما التي دعوتهم إليها فنعما هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنه لا نرضى به (1) إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه أرأيتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلنهم به ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شبث: أيسرك يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته ؟ قال: وما يمنعني من ذلك والله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما أقتله بعثمان ولكن كنت أقتله بنائل مولى عثمان ! ! فقال شبث: وإله السماء ما عدلت معدلا ولا والذي لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال (2) وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها فقال معاوية: إذا كان ذلك كانت عليك أضيق. ثم رجع القوم عن معاوية فبعث إلى زياد بن


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وكتب بدل هذه الجملة في هامشه هكذا: " فإنا لا نراها [خ ل] ". أقول: وذكرها في كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد بمثل ما في هامش البحار بعنوان البدلية. (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين ط مصر، وفي شرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من البحار: " لا يصل إليك قتل ابن ياسر... ".

[455]

خصفة من بينهم فأدخل عليه فحمد معاوية الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا وقتل إمامنا وآوى قتلة صاحبنا وإني أسألك النصرة عليه بأسرتك وعشيرتك ولك علي عهد الله وميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت. قال زياد فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: أما بعد فإني لعلى بينة من ربي وبما أنعم الله علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص وكان إلى جانبه: ما لهم عضبهم الله ما قلبهم إلا قلب رجل واحد (1). قال نصر: وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى إلى علي عليه السلام و [بعث معه] شرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد فدخلوا عليه عليه السلام فتكلم حبيب وحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمر الله فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به فإن قلت: إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.


(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد، وفي ط مصر من كتاب صفين: " ليس يكلم رجل منا رجلا منهم بكلمة فيجيب بخير ! ! ما لهم ؟ عضبهم الله ما قلوبهم إلا قلب رجل واحد ". وفي ط الكمباني من بحار الانوار: " فقال معاوية... ما لهم عضبهم الله ما في قلوبهم ما قلبهم [كذا] إلا قلب رجل واحد ". والعضب: القطع، قال صاحب لسان العرب: وتدعو العرب على الرجل فتقول: " ما له عضبه الله " يدعون عليه بقطع يده ورجله. والحديث التالي مع كثير مما يأتي رواه الطبري بسنده عن أبي مخنف في حوادث سنة: (37) من تاريخ الامم والملوك.

[456]

فقال له علي عليه السلام: ومن أنت لا أم لك والولاية والعزل والدخول في هذا الامر اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل لذاك فقام حبيب بن مسلمة وقال: والله لتريني حيث تكره فقال له علي عليه السلام: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك اذهب فصوب وصعد ما بدا لك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت. فقال شرحبيل بن السمط: إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي فهل عندك جواب غير الذي أجبته ؟ قال: نعم. قال: فقله. فحمد الله علي عليه السلام وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله فأنقذ به من الضلالة ونعش به من الهلكة وجمع به بعد الفرقة ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه فاستخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة وعدلا في الامة وقد وجدنا عليهما أن توليا الامر درننا ونحن آل الرسول وأحق بالامر فغفرنا ذلك لهما. ثم ولي أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه فسار إليه ناس فقتلوه ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمرهم فقالوا لي: بايع فأبيت عليهم فقالوا لي: بايع فإن الامة لن ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الاسلام طليق ابن طليق وحزب من الاحزاب لم يزل لله ولرسوله عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين مكرهين فيا عجبا لكم ولانقيادكم له وتدعون آل نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم أحدا من الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله عزوجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وإماتة الباطل وإحياء معالم الدين أقول قولي هذا وأستغفر الله لنا ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة. فقال له شرحبيل ومعن بن يزيد: أتشهد أن عثمان قتل مظلوما ؟ فقال لهما:

[457]

إني لا أقول ذلك. قالا: فمن لا يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن براء منه ثم قاما فانصرفا. فقال علي عليه السلام: " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ان تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " [80 - 81 / النمل]. ثم أقبل على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى بالجد منكم في حقكم وطاعة إمامكم. ثم مكث الناس متوادعين إلى انسلاخ المحرم. فلما انسلخ [شهر المحرم] واستقبل الناس صفرا من سنة سبع وثلاثين [من هجرة النبي] بعث علي عليه السلام نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام يزيد بن الحارث فنادى عند غروب الشمس يا أهل الشام إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون لكم: إنا والله لم نكف عنكم شكا في أمركم ولا بقيا عليكم (1): وإنما كففنا عنكم لخروج المحرم وقد انسلخ وإنا قد نبذنا إليكم على سواء فإن الله لا يحب الخائنين. قال: فسار الناس إلى رؤسائهم وأمرائهم. 395 - قال نصر: وأما رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير أن نداء ابن مرثد الخثعمي كانت صورته: يا أهل الشام ألا إن أمير المؤمنين عليه السلام يقول لكم: إني قد استأنيت بكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه واحتججت عليكم بكتاب الله ودعوتكم إليه فلم تتناهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى حق فإني قد


(1) أي ابقاءا عليكم ورحمة لكم وإشقاقا بكم.

[458]

نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (1). قال: فسار الناس إلى رؤسائهم وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب ويعبئان العساكر وأوقدوا النيران وجاؤا بالشموع وبات علي عليه السلام ليلته تلك كلها يعبي الناس ويكتب الكتائب ويدور في الناس ويحرضهم. قال نصر: فخرجوا أول يوم من صفر سنة سبع وثلاثين وهو يوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم انصرفوا وقد صبر القوم بعضهم لبعض. وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر وخرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد قتال كان وجعل عمار يقول: يا أهل الاسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وهو والله فيما يرى راهب غير راغب ثم قبض الله رسوله وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم ألا وإنه معاوية فقاتلوه والعنوه فإنه ممن يطفي نور الله ويظاهر أعداء الله. قال: وكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل


(1) وهذا وكثيرا مما قبله رواه أيضا الطبري في حوادث سنة: (37) من تاريخه: ج 4 ص 6 ط مصر، ورواه أيضا المسعودي في مروج الذهب: ج 1، ص 387. وقد أسقط المصنف ها هنا كثيرا مما في كتاب صفين ص 203 ط مصر، ومما في شرح ابن أبي الحديد على المختار: (51) من شرحه: ج 1، ص 757 ط بيروت. (*)

[459]

فحمل فصبروا له وشد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه ورجع الناس يومهم ذلك. 396 - قال نصر: وحدثني أبو عبد الرحمن المسعودي عن يونس بن الارقم عمن حدثه من شيوخ بكر بن وائل قال: كنا مع علي عليه السلام بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى علي عليه السلام فقال: أتدرون ما هذا اللواء إن عمروا أخرج له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله ؟ فقال: لا تقاتل بها مسلما ولا تقربها من كافر فأخذها فقد والله قربها من المشركين وقاتل بها اليوم المسلمين والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما أسلموا ولكنهم استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه. بيان: قوله عليه السلام: " عصبت قومي " يقال: عصبت الشجرة إذا ضممت أغصانها ثم ضربتها ليسقط ورقها، قال الحجاج: لاعصبنكم عصب السلم. واليمامة: ناحية الحجاز واليمن. " والشآم " على فعال الشامي كاليمان وفي الديوان المصرع الثاني هكذا: ولكني إذا أبرمت أمرا * تخالفني أقاويل الطغام وقال الميداني: القعقعة: تحريك الشئ اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره. والشنان جمع شن وهي القربة اليابسة وهم يحركونها إذا أرادوا حث الابل على السير لتفزع فتسرع قال النابغة: كأنك من جمال بني أقيس * يقعقع خلف رجليه بشن يضرب لمن لا يتضع لما تنزل به من حوادث الدهر ولا يروعه ما لا حقيقة له.

[460]

وقال أيضا ابن أبي الحديد كما وجدته في أصل الكتاب: كان أول أيام الحرب بصفين في صفر من سنة سبع وثلاثين. قال نصر بن مزاحم: كان علي عليه السلام يركب بغلة له قبل أن تلتقي الفئتان بصفين فلما حضرت الحرب وبات تلك الليلة (1) يعبئ الكتائب حتى أصبح قال: إئتوني بفرسي فأتي بفرس له أدهم يبحث الارض بيديه جميعا له حمحمة وصهيل فركبه وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 397 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: كان علي عليه السلام إذا سار إلى قتال ذكر اسم الله تعالى حين يركب كان يقول: الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه إلى السماء ويقول: اللهم إليك نقلت الاقدام وأتعبت الابدان وأفضت القلوب ورفعت الايدي وشخصت الابصار ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ثم يقول: سيروا على بركة الله، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر يا الله يا أحد يا صمد يا رب محمد أكفف عنا شر الظالمين. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكانت هذه الكلمات شعاره بصفين.


(1) رواه نصر في أواسط الجزء (4) من كتاب صفين ص 23. ورواه ابن أبي الحديد عن نصر في شرح المختار: (65) من نهج البلاغة: ج 2 ص 208 ط بيروت.

[461]

398 - قال: وروى سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة قال: ما كان علي في قتال قط إلا نادى يا كهيعص. 399 - قال نصر: وحدثنا قيس بن ربيع عن عبد الواحد بن حسان العجلي عمن حدثه عن علي أنه سمعه يقول يوم صفين: اللهم إليك رفعت الابصار وبسطت الايدي ونقلت الاقدام ودعت الالسن وأفضت القلوب وإليك التحاكم في الاعمال فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الحاكمين. اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وقلة عددنا وتشتت أهوائنا وشدة الزمان وظهور الفتن فأعنا على ذلك بفتح تعجله ونصر تعز به سلطان الحق وتظهره. 400 - وعن عمر بن سعد عن سلام بن سويد عن علي عليه السلام في قوله: " وألزمهم كلمة التقوى " قال: هي لا إله إلا الله. وفي قوله " الله أكبر " قال: هي آية النصر. قال نصر: [هذه] كانت شعاره يقولها في الحرب ثم يحمل فيورد والله من اتبعه ومن حاده حياض الموت (1). 401 - قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: لما كان غداة الخميس لسبع خلون من [شهر] صفر سنة سبع وثلاثين صلى علي عليه السلام الغداة فغلس - ما رأيت عليا غلس بالغداة أشد من تغليسه - يومئذ وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف نحوهم وكان هو يبدؤهم فيسير إليهم فإذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم. 402 - وعن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال: لما خرج علي عليه السلام إليهم غداة ذلك اليوم فاستقبلوه رفع يديه إلى السماء فقال:


(1) كذا في طبع الكمباني من البحار هذا، وفي شرح ابن أبي الحديد: " قال سلام: [هذه] كانت شعاره عليه السلام يقولها في الحرب ثم يحمل فيورد... ".

[462]

اللهم رب هذا السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته مغيضا لليل والنهار وجعلت فيه مجرى للشمس والقمر ومنازل الكواكب والنجوم وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ورب هذه الارض التي جعلتها قرارا للانام والهوام والانعام وما لا يحصى مما يرى ومما لا يرى من خلقك العظيم ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والارض ورب البحر المسجور والمحيط بالعالمين ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للارض أوتادا وللخلق متاعا إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغى وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة. قال: فلما رأوه قد أقبل تقدموا إليه بزحوفهم وكان على ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلي عليه السلام في القلب في أهل المدينة جمهورهم الانصار ومعه من خزاعة وكنانة عدد حسن. قال نصر: ورفع معاوية قبة عظيمة وألقى عليها الكرابيس وجلس تحتها وقد كان لهم قبل هذا اليوم ثلاثة أيام وهو اليوم الرابع من صفر. وخرج في هذا اليوم محمد بن الحنفية في جمع من أهل العراق فخرج إليه معاوية عبيدالله بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام فاقتتلوا فطلب عبيدالله محمدا إلى المبارزة فلما خرج إليه دعاه علي عليه السلام وخرج بنفسه راجلا بيده سيفه وقال: أنا أبارزك فهلم. فقال عبيد الله لا حاجة بي إلى مبارزتك فرجع إلى صفه. قال نصر: وأما اليوم الخامس فإنه خرج عبد الله بن العباس فخرج إليه الوليد بن عقبة وأكثر من سب بني عبد المطلب فأرسل إليه ابن عباس ابرز إلي فأبى أن يفعل وقاتل ابن عباس ذلك اليوم قتالا شديدا ثم انصرفوا وكل غير غالب.

[463]

وخرج ذلك اليوم شمر بن أبرهة بن الصباح الحميري (1) فلحق بعلي عليه السلام في ناس من قراء أهل الشام ففت ذلك في عضد معاوية وعمرو بن العاص. وقال عمرو: يا معاوية إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد صلى الله عليه وآله قرابة قريبة ورحم ماسة وقدم في الاسلام ليس لاحد مثله قد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين وفرسانهم وأشرافهم ومهما نسيت فلا تنس أنك على باطل وعليا على الحق فبادر الامر قبل اضطرابه عليك فقام معاوية في أهل الشام خطيبا وحثهم على القتال. فخطب علي عليه السلام أصحابه - قال أبو سنان الاسلمي (2) كأني أنظر إليه متكئا على قوسه وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يلونه كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه - فقال: أيها الناس اسمعوا مقالتي وعوا كلامي فإن الخيلاء من التجبر وإن النخوة من التكبر وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل. ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابذوا ولا تجادلوا.


(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين ص 222. وفي طبع الكمباني من البحار: " سمرة بن أبرهة ". (2) هذا هو الصواب المذكور في أواسط الجزء الرابع من كتاب صفين ص 223، ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (65) من نهج البلاغة: ج 2 ص 212 ط الحديث ببيروت: وللحديث مصادر أخر ذكرناه في ذيل المختار: (200) من نهج السعادة، ج 2 ص 173. وفي ط الكمباني من البحار: " قال ابن سنان الاسلمي " وقد حذف المصنف ها هنا السند، ومطالب كما هو عادته في أكثر ما يرويه عن كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد.

[464]

ألا إن شرايع الدين واحدة وسبله قاصدة من أخذ بها لحق ومن فارقها محق ومن تركها مرق. ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن ولا بالمخلف إذا وعد ولا الكاذب إذا نطق. نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الصدق وفعلنا القصد ومنا خاتم النبيين وفينا قادة الاسلام وفينا حملة الكتاب ألا إنا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء مرضاته وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ على أهله. ألا وإن من أعجب العجائب أن معاوية بن أبي سفيان الاموي وعمرو بن العاص السهمي أصبحا يحرضان على طلب الدين بزعمهما ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قط، ولم أعصيه في أمر قط، أقيه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الابطال وترعد فيها الفرائص نجدة أكرمني الله سبحانه بها وله الحمد. ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن رأسه لفي حجري ولقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي وأيم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله. قال: فقال أبو سنان الاسدي فسمعت عمار بن ياسر يقول: أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الامة لم تستقم عليه [أولا] وأنها لن تستقيم عليه [آخرا] ثم تفرق الناس وقد نفذت بصائرهم. 403 - وعن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام قال في هذه الليلة: حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا فقام في الناس عيشة الثلاثاء بعد العصر فقال: الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ولا ينقض ما أبرم ولو شاء ما اختلف

[465]

إثنان من هذه الامة ولا من خلقه ولا تنازع البشر في شئ من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم اللاقدار حتى لفت بيننا في هذا الموضع ونحن من ربنا بمرأى ومسمع ولو شاء لعجل النقمة ولكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الاعمال وجعل الآخرة دار الجزاء والقرار * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * [31 / النجم] ألا إنكم لاقوا العدو غدا إنشاء الله فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله الصبر والنصر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين. قال: فوثب الناس إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم ليصلحونها وخرج عليه السلام وعبئ الناس ليلته تلك كلها حتى أصبح وعقد الالوية وأمر الامراء وبعث إلى أهل الشام مناديا ينادي فيهم: اغدوا على مصافكم. فضج أهل الشام في معسكرهم واجتمعوا إلى معاوية فعبئ خيله وعقد ألويته وأمر أمراءه وكتب كتائبه وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف ونصب لمعاوية منبر فقعد إليه في قبة ضربها عظيمة ألقى عليها الثياب والدرانك (1). ثم تناهض القوم يوم الاربعاء سادس صفر واقتتلوا إلى آخر نهارهم وانصرفوا عند المساء وكل غير غالب.


(1) كذا في أصلي، وهو جمع الدرنوك والدرنيك - كزنبور ودردير -: نوع من البسط أو الثياب له خمل. وصحفت هذه اللفظة في طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 213 ب‍ " الارائك ". ثم إن ما يأتي بعد الحديث التالي وهو المختار: (65) من نهج البلاغة موجود في شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 216، ولكنه سقط عن طبعة إيران وطبعة مصر من كتاب صفين. وللخطبة مصادر كثيرة يجدها الباحث في ذيل المختار: (215) من نهج السعادة: ج 2 ص 235 ط 1.

[466]

فأما اليوم السابع فكان القتال فيه شديدا والخطب عظيما وكان عبد الله بن بديل الخزاعي على ميمنة العراق فزحف نحو حبيب بن مسلمة وهو على مسيرة أهل الشام حتى اضطرهم إلى قبة معاوية وقت الظهر. 404 - قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي عمرو عن أبيه أن عليا عليه السلام خطب هذا اليوم فقال: معاشر المسلمين استشعروا الخشية. إلى آخر ما سيأتي بطوله. وبالاسناد أن عليا خطب ذلك اليوم فقال: أيها الناس إن الله تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله (1) إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد رحمه الله ثم قام قيس بن سعد وخطب خطبة بليغة حث الناس فيها على الجهاد. ثم قام الاشتر رضي الله عنه بمثل ذلك وكذا يزيد بن قيس الارحبي وغيرهم (2). 405 - وروي عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام وزيد بن الحسن قالا: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوي صفوف أهل الشام فقال لهم عمرو: يا معشر أهل الشام سووا صفوفكم قص الشارب وأعيرونا جماجمكم ساعة فإنه قد بلغ الحق مقطعه فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم.


(1) وقد رواه الطبري بسند آخر بمغايرة في بعض الالفاظ في حوادث سنة: (37) من تاريخ الامم والملوك: ج 5 ص 17، ط الحديث، وفي ط: ج 1، ص 3291، وفي ط: ج 4 ص 12. (2) وخطبهم حرفية مذكورة في كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد، وتاريخ الطبري.

[467]

وأقبل أبو الهيثم بن التيهان وكان من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله بدريا عقيبا يسوي صفوف أهل العراق وهو يقول: يا معشر أهل العراق إنه ليس بينكم وبين الفتح العاجل أو الجنة في الآجل إلا ساعة من النهار فارسوا أقدامكم وسووا صفوفكم وأعيروا ربكم جماجمكم واستعينوا بالله ربكم واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. 406 - وروى عن عمرو بن شمر، عن جابر عن الشعبي أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم - وهو اليوم السابع وكان من الايام العظيمة - حجر بن عدي من أصحاب علي عليه السلام وابن عم حجر من أصحاب معاوية كلاهما من كندة فاطعنا برمحيهما وخرج خزيمة الاسدي من عسكر معاوية فضرب حجر بن عدي ضربة برمحه فحمل أصحاب علي عليه السلام فقتلوا خزيمة ونجا ابن عم حجر فخرج رفاعة الحميري من صف العراق وقتل قرن ابن عدي (1). ثم إن عليا (ع) دعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشام فقال: من يذهب إليهم فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف فسكت الناس وأقبل فتى اسمه سعيد فقال: أنا صاحبه. وقال ثانيا ولم يجب إلا الفتى فقبضه بيده ثم أتاهم فناشدهم ودعاهم إلى ما فيه فقتلوه. فقال أمير المؤمنين عليه السلام لعبد الله بن بديل: احمل عليهم الآن فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة وعليه يومئذ سيفان ودرعان فجعل يضرب بسيفه قدما ويرتجز فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية والذين بايعوه


(1) وهذا نقل بالمعنى لا يوافق لفظه لفظ كتاب صفين ولا شرح ابن أبي الحديد، وفيه: فحمل أصحاب علي عليه السلام فقتلوا خزيمة الاسدي، ونجا حجر الشر هاربا فالتحق بصف معاوية. ثم برز حجر الشر ثانية فبرز إليه الحكم بن أزهر من أهل العراق فقتله حجر الشر، فخرج إليه رفاعة بن ظالم الحميري من صف العراق فقتله وعاد إلى أصحابه [وهو] يقول: الحمد لله الذي قتل حجر الشر بالحكم بن أزهر.

[468]

على الموت فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجمع من أصحابه واختلط الناس واصطدم الصفان ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام وأقبل ابن بديل يضرب الناس بسيفه قدما حتى أزال معاوية عن موقفه وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا وأشفق على نفسه وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ولحج ابن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية وجعل يطلب موقفه حتى انتهى إليه فنادى معاوية في الناس ويلكم الصخرة والحجارة إذا عجزتم عن السلاح أثخنوه. فرضخه الناس بالحجارة حتى أثخنوه فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه. وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه فألقى عبد الله عمامته على وجهه وترحم عليه وكان له أخا وصديقا من قبل فقال معاوية: اكشف عن وجهه فقال: لا والله لا يمثل به وفي روح فقال له معاوية: قد وهبناه لك فكشف عن وجهه فقال معاوية هذا كبير القوم ورب الكعبة اللهم ظفرني بالاشتر النخعي والاشعث الكندي قال: فاستعلا أهل الشام عند قتل ابن بديل على أهل العراق يومئذ وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة وأجفلوا إجفالا شديدا. فأمر علي عليه السلام سهل بن حنيف فاستقدم ممن كان معه ليريد الميمنة بعقدها (1) فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة فحملت عليهم


(1) كذا في طبع الكمباني من البحار، وفي ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد: " فأمر علي عليه السلام سهل بن حنيف فاستقدم من كان معه ليرفد الميمنة ويعضدها فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة ". وفي تاريخ الطبري: فأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة فاستقبلتهم جموع لاهل الشام عظيمة... وفي كتاب صفين: " فأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان مع علي من أهل المدينة... ".

[469]

فألحقتهم بالميمنة وكانت ميمنة أهل العراق متصلة بموقف علي عليه السلام في القلب في أهل اليمن فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي عليه السلام فانصرف يمشي نحو الميسرة فانكشفت عنه مضر من الميسرة فلم يبق مع علي عليه السلام من أهل العراق إلا ربيعة وحدها في الميسرة. 407 - وروى عن زيد بن وهب قال: لقد مر علي يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة ومعه ربيعة وحدها وإني لارى النبل يمر من بين عاتقه ومنكبه وما من بنيه إلا يقيه بنفسه فيكره علي ذلك فيتقدم عليه ويحول بينه وبين أهل الشام ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فليقيه من ورائه. وبصر به أحمر مولى بني أمية وكان شجاعا فقال: علي ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي عليه السلام فاختلفا ضربتين فقتله أحمر وخالط عليا عليه السلام ليضربه بالسيف فمد [علي] يده إلى جيب درعه فجذبه عن فرسه وحمله على عاتقه والله لكأني أنظر إلى رجلي أحمر يختلفان على عنق علي ثم ضرب به الارض فكسر منكبيه وعضديه. وشد ابناء علي حسين ومحمد فضرباه بأسيافهما حتى برد فكأني أنظر إلى علي عليه السلام قائما وشبلاه يضربان الرجل حتى إذا أتيا عليه أقبلا على أبيهما. ثم إن أهل الشام دنوا عنه يريدونه والله ما يزيده قربهم منه ودنوهم سرعة في مشيه فقال له الحسن: ما ضرك لو أسرعت حتى تنتهي إلى الذين صبروا بعدك من أصحابك قال يعني ربيعة الميسرة فقال علي عليه السلام: يا بني إن لابيك يوما لا يبطئ به عنه السعي ولا يقربه إليه الوقوف إن أباك لا يبالي وقع على الموت أو وقع الموت عليه (1).


(1) ورواه أيضا الطبري بسنده عن أبي مخنف في حوادث سنة: (37) من تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 3293 وفي ط: ج 4 ص 13، وفي ط: ج 5 ص 19.

[470]

408 - قال نصر: وروى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي إسحاق قال: خرج علي عليه السلام يوما من أيام صفين وفي يده عنزة فمر على سعيد بن قيس الهمداني فقال له سعيد: أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك ؟. فقال علي عليه السلام: إنه ليس من أحد إلا وعليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب أو يخرب عليه حايط أو تصيبه آفة فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه (1). 409 - وعن عمرو عن فضيل بن خديج عن مولى الاشتر (2) قال: لما انهزمت ميمنة العراق يومئذ أقبل علي نحو الميسرة يركض ليستثيب الناس ويستوقفهم (3) ويأمرهم بالرجوع نحو الفزع فمر بالاشتر فقال: يا مالك قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال: إئت هؤلاء القوم فقل لهم: أين فراركم عن الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم ؟. فمضى الاشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم الكلمات فناداهم أيها الناس أنا مالك بن الحارث فلم يلتفت أحد منهم إليه فقال: أيها الناس أنا الاشتر فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فقال: عضضتهم بهن أبيكم وما أقبح ما قاتلتم اليوم أيها الناس غضوا الابصار وعضوا على النواجذ فاستقبلوا الناس بهامكم وشدوا عليهم شدة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم حنقا على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بثار إن هؤلاء القوم والله لن يقاتلوكم إلا عن دينكم ليطفئوا السنة ويحيوا البدعة ويدخلوكم


(1) وقد رويناه عن مصدر آخر، بسندين آخرين في المختار: (201) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 174، ط 1. (2) كذا في الاصل المطبوع، ومثله في كتاب صفين وتاريخ الطبري، ولا يوجد في ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد قول: " عن مولى الاشتر ". (3) هذا هو الصواب الموافق لما في ط مصر من كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد، وفي أصلي المطبوع ها هنا تصحيف. ويستثيب الناس: يسترجعهم.

[471]

في دين قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم فإن الفرار فيه سلب العز والغلبة على الفئ وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وسخط الله وأليم عقابه. ثم قال: أيها الناس أخلصوا إلي مذحجا فاجتمعوا إليه فقال عضضتم بصم الجندل والله ما أرضيتم اليوم ربكم ولا نصحتم له في عدوه وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات وفرسان الطرار وحتوف الاقران ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولم تطل دماؤهم ولم يعرفوا في موطن من المواطن بخسف، وأنتم سادة مصركم (1) وأعز حي في قومكم وما تفعلوا في هذا اليوم مأثور بعد اليوم فأتقوا مأثور الحديث في غد واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصابرين والذي نفسي بيده ما من هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجل في مثل جناح البعوضة من دين الله، الله ما أحسنتم اليوم القراع أجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي [و] عليكم بهذا السواد الاعظم فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمه. فقالوا: خذ بنا حيث أحببت فصمد بهم نحو عظمهم واستقبله سنام من همدان (2) وهم نحو ثمان مائة مقاتل قد انهزموا آخر الناس وكانوا قد صبروا في ميمنة علي حتى قتل منهم مائة وثمانون رجلا وأصيب منهم أحد عشر رئيسا كلما قتل منهم رئيسا أخذ الراية آخر [فانصرفوا وهم يقولون ليت لنا عديدا من العرب يحالفوننا ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظهر] (3)


(1) هذا هو الصواب الموافق لما في شرح ابن أبي الحديد، وكتاب صفين وتاريخ الطبري غير أن في كتاب صفين: " أحد أهل مصركم ". وفي ط الكمباني من بحار الانوار: " بجبن، وسادة من حضركم... ". قوله: " ولم تطل دماؤهم " أي لم يهدر. والخسف: الذل. (2) كذا في أصلي ومثله في ط القديم من كتاب صفين، فإن صح فالكلام خرج مخرج الكناية والاستعارة. وفي شرح ابن أبي الحديد: " وأستقبله أشباههم من همدان ". وفي تاريخ الطبري " يستقبله شباب من همدان... ". (3) ما بين المعقوفين زيادة محتاجة إليها أخذناها من كتاب صفين.

[472]

فقال لهم الاشتر إني أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فوقفوا معه على هذه النية والعزيمة وزحف نحو الميمنة وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والوفاء والحياء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ولا بجمع الاجازه ورده. 410 - فروي عن مولى للاشتر قال: لما اجتمع إلى الاشتر من كان انهزم من الميمنة حمل على صفوف أهل الشام حتى كشفهم فألحقهم بمضارب معاوية وذلك بين العصر والمغرب. 411 - وعن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشفت من بإزائها أقبل حتى انتهى إليهم فقال: قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة الطغام أعراب أهل الشام وأنتم لهاميم العرب والسنام الاعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا قتالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف وكنتم فيما أرى من الهالكين. ولقد هون علي بعض وجدي وشفى بعض لاعج نفسي أن رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم فأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسيف يركب أولهم آخرهم كالابل المطرودة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم اليقين. وليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه وفي الفرار موجدة الله عليه والذل لازم عليه (1) ومفسدة العيش عليه وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره ولا يرضي ربه لموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا


(1) كذا في ط الكمباني من بحار الانوار. وفي شرح ابن أبي الحديد: " وفي الفرار موجدة الله عليه، والذل اللازم له وفساد العيش... ".

[473]

بالتلبيس بها والاصرار عليها (1). قال نصر: فحمل أبو كعب الخثعمي رأس خثعم العراق على خثعم الشام واقتتلوا أشد قتال فجعل أبو كعب يقول لاصحابه: يا معشر خثعم خذموا أي اضربوا الخذمة وهي الخلخال يعني اضربوهم في سوقهم. فحمل شمر بن عبد الله على أبي كعب فطعنه فقتله ثم انصرف يبكي ويقول: رحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس إلي رحما وأحب إلي منهم نفسا ولكني والله لا أدري ما أقول ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا ولا أرى قريشا إلا قد لعبت بنا (2). فوثب كعب بن أبي كعب إلى راية أبيه فأخذها ففقئت عينه وصرع ثم أخذها شريح بن مالك فقاتل القوم تحتها حتى صرع منهم حول رايتهم نحو ثمانين رجلا وأصيب من خثعم الشام مثل ذلك ثم ردها شريح إلى كعب بن أبي كعب. 412 - وقال [نصر: وحدثنا عمرو، قال: حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر] (3): ان راية بجيلة في صفين مع أهل العراق كانت في أحمس مع أبي


(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من بحار الانوار: " يموت الرجل... خير من الرضا بالتلبيس بها... ". وفي كتاب صفين: " خير من التلبس بها والاقرار عليها ". وفي تاريخ الطبري: " إن في الفرار موجدة الله عزوجل عليه، والذل اللازم، والعار الباقي واعتصار الفئ من يده وفساد العيش عليه... فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها والاقرار عليها. ورواه قريبا منه أيضا الاسكافي المتوفى سنة (240) في كتاب المعيار والموازنة ص 149، ط 1، وفيه: " فيموت المرء محقا خير من الحياة على الفرار بهذه الخصال ". (2) ورواه أيضا الاسكافي في كتاب المعيار والموازنة ص 156، ط 1. (3) ما بين المعقوفين أخذناه من كتاب صفين وكان سقط عن طبع الكمباني من كتاب البحار.

[474]

شداد فقالت له بجيلة خذ رايتنا قال: غيري خير لكم مني قالوا: لا نريد غيرك قال: فو الله لئن أعطيتها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب الذي هو قائم على رأس معاوية يستره من الشمس فقالوا: اصنع ما شئت فأخذها ثم زحف بها وهم حوله يضربون الناس بأسيافهم حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب وهو في خيل عظيمة من أصحاب معاوية فاقتتل الناس هناك قتالا شديدا وشد أبو شداد بسيفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومي فضرب قدم أبي شداد فقطعها وضرب أبو شداد ذلك الرومي فقتله فأشرعت إليه الاسنة فقتل. فأخذ الراية عبد الله بن قلع الاحمسي وقاتل حتى قتل فأخذها أخوه عبد الرحمن فقاتل حتى قتل ثم أخذها عفيف بن أياس فلم يزل بيده حتى تحاجز الناس فحمل غطفان العراق على غطفان الشام وقتل منهما كثير وكذا أزد العراق على أزد الشام وكذا كل قبيلة على من بإزائهم. 413 - قال نصر: وروى عمر بن سعد عن الحارث بن حصيرة عن أشياخ النمر أن عتبة بن جوبة (1) قال يوم صفين: إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما وأصبح شجرها حصيدا وحديدها سملا وحلوها مر المذاق.


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي ط مصر من كتاب صفين: " عتبة بن جويرية " وفي أواسط شرح المختار: (65) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 230. قال نصر: وحدثنا عمرو، عن الحارث بن حصين، عن أشياخ الحي أن عتبة بن حومة قال يوم صفين... وفي قصة حرب صفين من تاريخ الطبري: ج 5 ص 27 ط بيروت: قال: قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن حصيرة، عن أشياخ النعر أن عقبة بن حديد النعري قال يوم صفين... والحديث رواه أيضا أبو جعفر الاسكافي في كتاب المعيار والموازنة ص 159.

[475]

ألا وإني أنبئكم نبأ امرئ صادق أني سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل حين فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم ألا وأني متعرض ساعتي هذه لها وقد طمعت أن لا أحرمها. فما تنتظرون عباد الله من جهاد أعداء الله أخوف الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة ؟ أو من ضربة كف أو حس بالسيف أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله عزوجل ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأى السديد. ثم قال: يا إخوتاه إني قد بعت هذه الدار بالدار التي أمامها وهذا وجهي إليه لا يبرح الله وجوهكم ولا يقطع الله أرحامكم. فتبعه أخواه عبيد الله وعوف وقالا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك قبح الله العيش بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا. قال: فاقتتل الناس قتالا شديدا يوم الاربعاء فقال رجل من أصحاب علي عليه السلام والله لاحملن على معاوية حتى أقتله فأخذ فرسا فركبه ثم ضربه حتى إذا قام على سنابكه دفعه فلم ينهنهه شئ عن الوقوف على رأس معاوية ودخل معاوية خباءه فنزل الرجل عن فرسه ودخل عليه فخرج معاوية من الخباء وطلع الرجل في أثره فخرج معاوية فأحاط به الناس وقال: ويحكم إن السيوف لم يؤذن لها في هذا ولولا ذلك لم يصل إليكم عليكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتى همد الرجل ثم عاد معاوية إلى مجلسه. قال نصر: فلما انقضى هذا اليوم بما فيه أصبحوا في اليوم الثاني والفيلقان متقابلان فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق فاقتتلا قتالا شديدا ثم إن العراقي اعتنقه فوقعا جميعا وعاد الفرسان ثم إن العراقي قهره فجلس على صدره وكشف المغفر عنه يريد [أن] يذبحه فإذا هو أخوه لابيه فصاح به أصحاب علي عليه السلام ويحك أجهز عليه. قال: إنه أخي قالوا: فاتركه قال: لا والله حتى يأذن أمير المؤمنين فأخبر علي عليه السلام بذلك فأرسل إليه أن دعه فتركه وعاد إلى صف معاوية.

[476]

414 - وعن الجرجاني قال: كان معاوية يعد لكل عظيم حريثا ومولاه وكان يلبس سلاح معاوية متشبها به فإذا قاتل قال الناس: ذاك معاوية وإن معاوية دعاه وقال: يا حريث إتق عليا وضع رمحك حيث شئت. فأتاه عمرو بن العاص وقال: يا حريث إنك والله لو كنت قرشيا لاحب لك معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لك حظها فإن رأيت فرصة فاقتحم. وخرج علي عليه السلام في هذا اليوم وكان أمام الخيل فحمل عليه حريث. وفي رواية عمرو بن شمر عن جابر (1) قال: برز حريث مولى معاوية هذا اليوم وكان شديدا ذا بأس لا يرام فصاح يا علي هل لك في المبارزة ؟ فأقدم أبا حسن إن شئت فأقبل علي وهو يقول: أنا علي وابن عبد المطلب * نحن لعمر الله أولى بالكتب منا النبي المصطفى غير كذب * أهل اللواء والمقام والحجب نحن نصرناه على كل العرب ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين فجزع معاوية عليه جزعا شديدا وعاب عمروا في إغرائه بعلي. فلما قتل حريث برز عمرو بن الحصين السكسكى فنادى أبا حسن هلم إلى المبارزة فأومى علي إلى سعيد بن قيس الهمداني فبارزه فضربه بالسيف فقتله. قال نصر: وكان لهمدان بلاء عظيم في نصرة علي عليه السلام في صفين ومن الشعر الذي لا يشك أن قائله علي لكثرة الرواية له: دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير لئام بكل رديني وعضب تخاله * إذا اختلف الاقوام شعل ضرام لهمدان أخلاق كرام يزينهم * وبأس إذا لاقوا وجد خصام


(1) كذا في اصلي، وفي كتاب صفين ص 273: " عن جابر عن تميم قال... ". إنهم ليعلمون....

[477]

وجد وصدق في الحروب ونجدة * وقول إذا قالوا بغير أثام متى تأتهم في دارهم تستضيفهم * تبت ناعما في خدمة وطعام جزى الله همدان الجنان فإنها * سمام العدى في كل يوم زحام فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام 415 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر قال: ثم قام علي بين الصفين ونادى: يا معاوية يكررها فقال معاوية: سلوه ما شأنه ؟ قال: أحب أن يظهر لي فأكلمه بكلمة واحدة فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية: ويحك علام تقتل الناس بيني وبينك ويقتل بعضهم بعضا أبرز إلي فأينا قتل فالامر إلى صاحبه. فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله ؟ قال: قد أنصفك الرجل فاعلم أنك إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي على ظهر الارض عربي فقال معاوية: يا ابن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه والله ما بارز ابن أبي طالب شجاع قط إلا وسقى الارض بدمه ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه فلما رأى علي عليه السلام ذلك ضحك وعاد إلى موقفه. قال: وحقدها معاوية عل عمرو باطنا (1). قال نصر: ثم التقى الناس واقتتلوا قتالا شديدا وحاربت طي مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبا عظيمة وقتل منهم أبطال كثيرون وقاتلت النخع أيضا معه ذلك اليوم قتالا شديدا وقطعت رجل علقمة بن قيس النخعي وقتل أخوه أبي بن قيس فكان علقمة يقول بعد: ما أحب أن رجلي أصح ما كانت لما أرجو بها الثواب وقال: رأيت أخي في نومي فقلت له: ما الذي قدمتم عليه ؟ قال: التقينا نحن وأهل الشام بين يدي الله سبحانه فاحتججنا عنده فحججنا فسررت بذلك.


(1) وهذا إيجاز من المصنف، وفي القصة تفصيل وأبيات حذفها المصنف كما صنع فيما تقدم وفيما يأتي أيضا.

[478]

416 - وروي عن الحضين بن المنذر أنه لما تصاف الناس ذلك اليوم وحمل بعضهم على بعض وضعضعت ميمنة أهل العراق جاءنا علي عليه السلام ومعه بنوه فنادى بصوت جهر: لمن هذه الرايات ؟ فقلنا ؟: رايات ربيعة فقال: بل هي رايات عصم الله أهلها وصبرها وثبت أقدامها ثم قال لي وأنا حامل راية ربيعة: يا فتى ألا تدني [رايتك] هذه ذراعا ؟ [فقلت: بلى والله وعشرة أذرع ثم ملت بها هكذا [فأدنيتها (1) فقال لي: حسبك. وروي أنهم أعطوا الراية الحضين بن المنذر الرقاشي وهو يومئذ غلام وهو يزحف براية ربيعة وكانت حمراء فأعجب عليا عليه السلام زحفه وثباته فقال: لمن راية حمراء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما ويدنو بها في الصف حتى يديرها * حمام المنايا تقطر الموت والدماء جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدى البأس حرا ما أعز وأكرما وأحزم صبرا يوم يدعي إلى الوغى * إذا كان أصوات الكماة تغمغما ربيعة أعني إنهم أهل نجدة وبأس * إذا لاقوا خميسا عرمرما وقد صبرت عك ولخم وحمير * لمذحج حتى لم تفارق دم دما ونادت جذام يا لمذحج ويحكم * جزى الله شرا أينا كان أظلما اما تتقون الله في حرماتكم * وما قرب الرحمن منها وعظما أذفنا ابن حرب طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما وسر ينادي الزبرقان مراطم (2) * ونادى كلاعا والكريب وأنعما


(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ الطبري: ج 5 ص 23 وشرح ابن أبي الحديد، وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منهما. وفي ط الكمباني من البحار: " يا ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ هدي هذه ذراعا ؟ فأبديتها فقال لي: حسبك. (2) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " وفر ينادي الزبرقان وظالما ".

[479]

وعمرا وسفيانا وجهما ومالكا * وحوشب والغاوي سريحا وأظلما وكرز بن نبهان وعمرو بن جحدر * وصباحا العبسي به ؟ ؟ واسلما (1) قال نصر: وأقبل ذو الكلاع في الحمير ومن لف لفها ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام فحملوا على ربيعة وهم ميسرة أهل العراب وفيهم عبد الله بن العباس حملة شديدة ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ رايات ربيعة ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم يلبثوا إلا قليلا حتى كروا ثانية وعبيد - الله بن عمر في أولهم يقول: يا أهل الشام هذا الحي من العمراني قتلة عثمان وأنصار علي فإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان فشدوا على الناس شدة عظيمة فثبتت لهم ربيعة وصبرت صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء واشتد القتال بين ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر وكثرت القتلى. ثم خرج نحو خمس مائة فارس أو أكثر من أصحاب علي عليه السلام على رؤوسهم البيض وهم غائصون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين والناس وقوف تحت راياتهم فلم يرجع من هؤلاء مخبر (2) لا عراقي ولا شامي قتلوا جميعا بين الصفين. وكان بصفين تل يلقى عليه الجماجم من الرجال فكان يدعى تل الجماجم. قال نصر: ثم ذهب هذا اليوم بما فيه فأصبحوا من اليوم التاسع من صفر وقد خطب معاوية أهل الشام وحرضهم فحمل عبيد الله وقراء أهل الشام


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " القيني ". ثم قال ابن أبي الحديد: هكذا روى نصر بن مزاحم، وسائر الرواة رووا له عليه السلام الابيات الستة الاولى، ورووا باقي الابيات من قوله: " وقد صبرت عك " للحضين بن المنذر صاحب الراية. أقول: وقد روى الطبري ستة منها في تاريخه: ج 5 ص 37 ط بيروت. (2) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " يخبر إلا عراقي... ".

[480]

ومعه ذو الكلاع في حمير على ربيعة في ميسرة علي عليه السلام فقاتلوا قتالا شديدا. فأتى زياد بن خصفة إلى عبد القيس فقال: لا يكونن وائل بعد اليوم إن ذا الكلاع وعبيد الله بن عمر قد أبادا ربيعة فانهضوا لهم وإلا هلكت فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء فشدت أزر الميسرة وعظم القتال فقتل ذو الكلاع قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف وتضعضعت أركان حمير وثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر. فأرسل عبيد الله إلى الحسن بن علي عليه السلام إن لي إليك حاجة فالقني فلقيه الحسن عليه السلام فقال له عبيد الله: إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا وقد شنئه الناس فهل لك في خلعه وأن تتولى أنت هذا الامر فقال: كلا والله. ثم قال: يا ابن الخطاب والله لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك أو في غدك أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق تري نساء أهل الشام موقفك وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا (1). قال: فو الله ما كان إلا بياض النهار حتى قتل عبيد الله وهو في كتيبة رقطاء وكانت تدعى الخضرية كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب مخضر فمر الحسن فإذا رجل متوسد رجل قتيل وقد ركز رمحه في عينه وربط فرسه برجله فقال الحسن لمن معه: انظروا إلى هذا وإذا رجل من همدان وإذا القتيل عبيد الله بن عمر قد قتله الهمداني في أول الليل وبات عليه حتى أصبح. قال نصر: وقد اختلفت الرواة في قاتله فقالت همدان: نحن قتلناه قتله هانئ بن الخطاب وقالت حضرموت: نحن قتلناه قتله مالك بن عمرو وقال بكر بن وائل: قتله منا محرز بن الصحصح وروي أن قاتله حريث بن جابر بن الجعفي.


(1) هذا ذكره نصر في أواسط الجزء (5) من كتاب صفين ص 297 ط مصر، وهذا خبر غيبي أخذه ريحانة رسول الله إما عن جده أو عن أبيه أو أمه.

[481]

417 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: لما حمل ذو الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف العراق ناداهم أبو شجاع الحميري تبت أيديكم أترون معاوية خيرا من علي أسد الله أضل الله سعيكم ثم أنت يا ذا الكلاع قد كنا نرى أن لك نية في الدين فقال ذو الكلاع: إيها يا أبا شجاع والله ما معاوية بأفضل من علي ولكني أقاتل عن دم عثمان. قال: فأصيب ذو الكلاع حينئذ قتله خندف البكري في المعركة. قال نصر: وقال معاوية لما قتل ذو الكلاع: لانا أشد فرحا بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فتحتها قال: لان ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها. قال نصر: فلما قتل ذو الكلاع اشتدت الحرب وشد عك ولخم وجذام والاشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق. 418 - وقال نصر: وحدثني عمرو بن الزبير: [قال:] لقد سمعت الخصين بن المنذر يقول: أعطاني علي ذلك اليوم راية ربيعة ومضر وقال: بسم الله سر يا حضين واعلم أنه لا تخفق على رأسك براية مثلها أبدا هذه راية رسول الله. قال: فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي إلى الحضين فقال: هل لك أن تعطيني الراية أحملها فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها ؟ فقال الحضين وما غناي يا عم عن أجرها مع ذكرها فقال: إنه لا غناء بك عن ذلك ولكن اعرها عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك قال حضين: فعلمت أنه قد استقتل (1) وأنه يريد أن يموت مجاهدا قال فقلت له: خذها فأخذها ثم قال لاصحابه إن عمل الجنة كره كله وثقيل وإن عمل النار خف كله وحبيب إن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره وليس شئ مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد هو أفضل الاعمال ثوابا عند


(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 249، وفي كتاب صفين ص 305: " فعلم أنه يريد أن يستقتل... " وفي ط الكمباني من البحار: " فعلمت أنه قد استقبل... ".

[482]

الله فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا ويحكم اما تشتاقون إلى الجنة (1) أما تحبون أن يغفر الله لكم. فشد وشدوا معه وقاتلوا قتالا شديدا فقتل أبو عرفاء وشدت ربيعة بعدها شدة عظيمة على صفوف أهل الشام. وقال نصر: فاضطرب الناس ذلك اليوم بالسيوف حتى قطعت وتكسرت وصارت كالمناجل وتطاعنوا بالرماح حتى تناثرت أسنتها (2) ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب ثم تعانقوا وتكادموا بالافواه ثم تراموا بالصخرة والحجارة ثم تحاجزوا فكان الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول: كيف أصير إلى رايات بني فلان ؟ فيقول: ها هنا لا هداك الله ويمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول: كيف أمضي إلى رايات بني فلان ؟ فيقولون: ها هنا لا حفظك الله. فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلي عليه السلام إحداق بياض العين بسوادها. قال نصر: وحدثني عمرو أنه لما وقف عليه السلام تحت رايات ربيعة قال عتاب بن لقيط: يا معشر ربيعة حاموا عن علي منذ اليوم فإن أصيب فيكم افتضحتم ألا ترونه قائما تحت راياتكم. فقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة ليس لكم عذر عند العرب إن أصيب علي وفيكم رجل حي فامنعوه اليوم واصدقوا عدوكم اللقاء. فتعاقدت ربيعة وتحالفت بالايمان العظيمة وتبايع منهم سبعة آلاف على أن لا ينظر رجل خلفه حتى يردوا سرادق معاوية فقاتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا لم


(1) هذا هو الصواب الموافق لكتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد، وكان مذكورا في هامش طبع الكمباني من كتاب البحار بعنوان: " خ. ل " وكان في متنه: " أما تشتان إلى الموت... ". (2) كذا في أصلي - غير انه كان فيه: " حتى قطعت وتكسرت " - وصوبه تحقق كتاب صفين ب " تعطفت " أي تلوت وثنت. وفيه أيضا: " وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت ". وفى شرح ابن أبي الحديد: " وتطاعنوا بالرماح حتى تقصفت وتناثرت أسنتها.. ".

[483]

يكن قبله مثله وأقبلوا نحو سرادق معاوية فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال: إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت * كتائب منها كالجبال تجالد ثم قال لعمرو يا عمرو ما ترى ؟ قال: أرى أن لا تحنث أخوالي اليوم فقام معاوية وخلا لهم سرادقه ورحله وخرج فارا عنه لائذا ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس وانتهبت ربيعة سرادقه ورحله وبعث إلى خالد بن المعمر إنك قد ظفرت ولك إمرة خراسان إن لم تتم فقطع خالد القتال ولم يتمه وقال لربيعة قد برت أيمانكم فحسبكم. فلما كان عام الجماعة وبايع الناس معاوية أمره معاوية على خراسان وبعثه إليها فمات قبل أن يبلغها. 419 - قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد أن عليا عليه السلام صلى بهم هذا اليوم صلاة الغداة ثم زحف بهم فلما أبصروه استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن خيل الشام حملت على خيل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي عليه السلام ألف رجل أو أكثر فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم. فنادى علي عليه السلام ألا رجل يشرى نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته ؟ ! فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنعا في الحديد فقال: يا أمير المؤمنين مرني بأمرك. فقال علي عليه السلام: سمحت بأمر لا يطاق حفيظة * وصدقا (1) وإخوان الحفاظ قليل


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في ط مصر، من كتاب صفين، وفي ط الكمباني من البحار: شربت لامر لا يطاق حفيظة * حياء وإخوان الحفاظ قليل وفي شرح ابن أبي الحديد هكذا: سمحت بأمر لا يطاق حفيظة * وصدقا وإخوان الوفاء قليل جزاك إله الناس خيرا فإنه * لعمرك فضل ما هناك جزيل والحفيظة: الحمية. والحفاظ كالمحافظة: الدفاع والمحامات عن المحارم وما ينبغي أن يذب ويدافع عنه.

[484]

جزاك إله الناس خيرا فقد وفت * يداك بفضل ما هناك جزيل فقال عليه السلام [يا أبا الحارث] شد الله ركنك احمل على أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم: إن أمير المؤمنين عليه السلام يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: هللوا وكبروا من ناحيتكم ونهلل ونكبر من ناحيتنا واحملوا ونحمل عليهم فضرب الجعفي فرسه وقاتلهم حتى خلص إلى أصحابه فلما رأوه استبشروا به وفرحوا وقالوا: ما فعل أمير المؤمنين ؟ قال: صالح يقرئكم السلام ويقول: هللوا وكبروا واحملوا حملة رجل واحد ونحمل من جانبنا ففعلوا ما أمرهم به وهللوا وكبروا وهلل علي وكبر هو وأصحابه وحمل على أهل الشام وحملوهم من وسط أهل الشام فانفرج القوم عنهم وخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد ولقد قتل من فرسان الشام يومئذ زهاء سبعمائة نفر وكان علي عليه السلام من أعظم الناس اليوم عناء. قال: وكان علي لا يعدل بربيعة أحدا من الناس فشق ذلك على مضر وأظهروا لهم القبيح وأبدوا ذات أنفسهم. فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة وعمير بن عطارد وقبيصة بن جابر وعبد الله بن الطفيل في وجوه قبائلهم فأتوا عليا عليه السلام فتكلم أبو الطفيل فقال: إنا والله يا أمير المؤمنين ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا فاعفهم عن القتال أياما واجعل لكل امرئ منا يوما نقاتل فيه فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا فقال عليه السلام نعم أعطيكم ما طلبتم. وأمر ربيعة أن تكف عن القتال وكانت بإزاء اليمن من صفوف الشام. فغدا أبو الطفيل في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة فتقدم أمام الخيل واقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف إلى علي عليه السلام وأثنى عليه خيرا.

[485]

ثم غدا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم وهو يومئذ سيد مضر كوفة فقاتل أصحابه قتالا شديدا ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة في بني أسد فقاتل القوم إلى أن دخل الليل. ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطفيل في جماعة هوازن فحاربهم حتى الليل فانصرفوا. قال نصر: وكتب عقبة بن مسعود عامل علي عليه السلام على الكوفة إلى سليمان بن صرد الخزاعي وهو مع علي عليه السلام: أما بعد فإنهم " إن يظهروا عليكم ويرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا " (1) فعليك بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين عليه السلام والسلام. 420 - قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد وعمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قام علي عليه السلام فخطب الناس بصفين فقال: الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه منهم ومن عصاه إن يرحم فبفضله ومنه، وإن عذب فبما كسبت أيديهم (2) وإن الله ليس بظلام لعبيد.


(1) اقتباس من الآية: (20) من سورة الكهف. (2) كذا في ط الكمباني من البحار، ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي ط مصر من كتاب صفين: " إن رحم فبفضله ومنه، وإن عذب فبما كسبت أيديهم... ". وفي رواية الصدوق رحمه الله: " إن يعف فبفضل منه، وإن يعذب فبما قدمت أيديهم وما الله بظلام للعبيد... ".

[486]

أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ارتضاه لذلك وكان أهله واصطفاه على جميع العباد لتبليغ رسالته وجعله رحمة منه على خلقه وكان كعلمه فيه رؤوفا رحيما أكرم خلق الله حسبا وأجمله منظرا وأسخاه نفسا وأبره بوالد وأوصله لرحم وأفضله علما وأثقله حلما وأوفاه بعهد وآمنه على عقد لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح فيعفو حتى مضى صلى الله عليه وآله وسلم مطيعا لله صابرا على ما أصابه مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله فكان ذهابه أعظم المصيبة على جميع أهل الارض البر والفاجر. ثم [إنه] ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته (1) وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله عهدا فلست أحيد عنه وقد حضرتم عدوكم وعلمتم أن رئيسهم منافق بن منافق يدعوهم إلى النار وابن عم نبيكم معكم وبين أظهركم يدعوكم إلى الجنة وإلى طاعة ربكم والعمل بسنة نبيكم. ولا سواء من صلى قبل كل ذكر لم يسبقني بالصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد (2) وأنا من أهل بدر ومعاوية طليق بن طليق، والله


(1) كذا في أصلي ومثله في شرح ابن أبي الحديد، غير أن ما بين المعقوفين غير موجود في أصولي وإنما هي زيادة تجميلية منا. وفي كتاب صفين: " ثم ترك كتاب الله فيكم يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته ". (2) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي ط مصر من كتاب صفين: " لم يسبقني بصلاتي مع رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم] أحد... ". وفي شرح ابن أبي الحديد: " لم يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد... ".

[487]

إنا على الحق وإنهم على الباطل ولا يجتمعن عليه وتتفرقوا عن حقكم (1) حتى يغلب باطلهم حقكم * (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) * فإن لم تفعلوا ليعذبنهم الله بأيدي غيركم (2). فقام أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين عليه السلام انهض بنا إلى عدونا وعدوك إذا شئت فو الله ما نريد بك بدلا بل نموت معك [ونحيا معك]. فقال لهم: والذي نفسي يده لنظر إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم [و] أضرب بين يديه بسيفي هذا فقال: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " فقال لي: " يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وموتك وحياتك يا علي معي " والله ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي ولا نسيت ما عهد إلي وإني على بينة من ربي وعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا (3). ثم نهض إلى القوم فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق الاحمر وما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيرا. 421 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان قال: برز في أيام صفين رجل اشتهر بالبأس والنجدة اسمه كريب بن الوضاح فنادى من يبارز ؟ فخرج إليه المرتفع ابن الوضاح فقتله ثم نادى من


(1) كذا في الاصل المطبوع، وفي كتاب صفين: " فلا يكونن القوم على باطلهم اجتمعوا وتفرقون عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم ". وفي شرح ابن أبي الحديد: " فلا يجتمعن على باطلهم وتتفرقوا عن حقكم... ". (2) كذا في أصلي، وما بين القوسين مقتبس من الآية: " 14 " من سورة التوبة. وفي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم ". (3) هذا هو الصواب الموافق لما في أمالي الصدوق رفع الله مقامه، ومعنى ألقطه لقطا: كنت أخذت منه أخذا كأخذ الفرخ من أمه، أي علمنيه بحنان وعناية وحرص وأخذت منه برغبة وولع وحرص. وها هنا في أصلي وكتاب صفين ط مصر، وشرح ابن أبي الحديد ط بيروت تصحيف.

[488]

يبارز ؟ فخرج إليه الحارث بن الجلاح فقتله، ثم نادى: من يبارز ؟ فخرج إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتله ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ونادى من يبارز ؟. فخرج إليه علي عليه السلام وناداه: ويحك يا كريب إني أحذرك الله وبأسه ونقمته وأدعوك إلى سنة الله وسنة رسوله ويحك لا يدخلنك معاوية النار فكان جوابه أن قال: ما أكثر ما قد سمعت منك هذه المقالة ولا حاجة لنا فيها أقدم إذا شئت من يشتري سيفي وهذا أثره. فقال علي: ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يتشحط في دمه. ثم نادى من يبارز فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتل الحارث ثم نادى من يبارز ؟ فبرز إليه المطاع بن المطلب القيني فقتل مطاعا ثم نادى من يبرز ؟ فلم يبرز إليه أحد فنادى * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) * [194 / البقرة: 2] يا معاوية هلم إلي فبارزني ولا يقتلن الناس فيما بيننا. فقال عمرو بن العاص: اغتنمه منتهزا قد قتل ثلاثة من أبطال العرب وإني أطمع أن يظفرك الله به ! ! فقال معاوية: والله لن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي إذهب إليك فليس مثلي يخدع. قال نصر: وخطب عبد الله بن العباس في هذا اليوم وقال بعد الحمد والثناء والشهادة بالتوحيد والرسالة: وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الامة وانتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره وأول ذكر صلى معه بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله كل مشاهده التي منها الفضل ومعاوية مشرك يعبد الاصنام والذي ملك الملك وحده وبان به وكان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول " صدق الله ورسوله " ومعاوية يقول: " كذب الله ورسوله ".

[489]

فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر والله إنكم لعلى حق وإن القوم لعلى باطل فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم وإنا لنعلم أن سيعذبهم الله بأيديكم أو بأيدي غيركم. اللهم أعنا ولا تخذلنا وانصرنا على عدونا ولا تخل عنا وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. 422 - قال نصر: وحدثنا عمرو عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله قال: قام عمار يوم صفين فقال: انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالاحسان فقالوا هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه ؟ فقلنا: لاحداثه فقالوا: إنه لم يحدث شيئا وذلك لانه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدمت الجبال والله ما أظنهم يطلبون بدم إنهم ليعلمون أنه لظالم ولكن القوم دانوا للدنيا فاستحبوها واستمرؤها وعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها (1) إن القوم لم تكن لهم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما. ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولاها ما بايعهم من الناس رجلان.


(1) كذا في ط الكمباني من أصلي، وفي كتاب صفين: " وذلك لانه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدت عليهم الجبال ! ! والله ما أظنهم يطلبون دمه إنهم ليعلمون أنه لظالم ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمروها، وعلموا لو أن صاحب الحق لزمهم لحال بينهم وبين [ما يأكلون و] يرعون فيه منها. وفي ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد: " ولكن القوم ذاقوا الدينا فاستحلوها واستمرؤها وعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال... " وقريبا منه رواه الطبري بسند آخر في عنوان: " مقتل عمار " من تاريخ الامم والملوك: ج 5 ص 39، وفي ط: ج 1، ص 3318.

[490]

اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الاليم. ثم مضى ومضى معه أصحابه فدنا من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو بعت دينك بمصر فتبا لك فطال ما بغيت الاسلام عوجا. وفي كتاب نصر: ثم نادى عمار عبيد الله بن عمر وذلك قبل مقتله فقال: يا ابن عمر صرعك الله بعت دينك بالدنيا من عدو الله وعدو الاسلام ؟ قال: كلا ولكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم. قال: كلا أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله وإنك إن لم تقتل اليوم فتموت غدا فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك (1). ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي هذا البحر لفعلت. اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت. اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملا اليوم هذا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء القاسطين ولو أعلم اليوم عملا هو أرضى لك منه لفعلته (2).


(1) رواه نصر في أواسط الجزء (5) قبيل قضية ليلة الهرير من كتاب صفين ص 320 ط مصر. ورواه أيضا الطبري بسندين عن أبي مخنف في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من تاريخه: ج 5 ص 39 ط بيروت. وها هنا في ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 257 ما ينبغي أن يتثبت فيه فإن أمره داثر بين أن يكون محرف هذا الحديث، أو أنه حديث آخر سقط عن كتاب صفين والبحار ؟ ! (2) وهذا رواه أيضا الاسكافي المتوفى عام: (240) في كتاب المعيار والموازنة ص 106، ط 1، والطبري في أول عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 3317، وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 38.

[491]

423 - وروى ابن ديزيل في كتاب صفين عن سيف الضبى عن الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة المحاربي عن أبيه عن جده شريك قال: كان الناس من أهل العراق وأهل الشام يقتتلون أيام صفين ويتزايلون فلا يستطيع الرجل أن يرجع إلى مكانه حتى يسفر الغبار عنه، فاقتتلوا يوما وأسفر الغبار فإذا علي عليه السلام تحت رايتنا يعني بني محارب فقال: هل من ماء ؟ فأتيته بإداوة فخنثتها له ليشرب فقال: لا إنا نهينا أن نشرب من أفواه الاسقية ثم علق سيفه وإنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه فصببت له على يديه فغسلهما حتى أنقاهما ثم شرب بيديه حتى إذا روى رفع رأسه ثم قال: أين مضر ؟ فقلت: أنت فيهم يا أمير المؤمنين فقال: من أنتم بارك الله فيكم: فقلنا: نحن بنوا محارب فعرف موقفه ثم رجع إلى موضعه. قال ابن أبي الحديد (1) خنثت الاداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج. وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن اختناث الاسقية لان رجلا اختنث سقاء فشرب فدخل إلى جوفه حية كانت في السقاء. 424 - قال: وروى نصر بن مزاحم عن يحيى بن يعلى عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن زيد بن أبي رجاء عن أسماء بن حكيم الفزاري قال: كنا بصفين مع علي تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى وقد استظللنا برداء أحمر (2) إذ أقبل رجل فقال: أيكم عمار بن ياسر ؟ فقال: أنا عمار. قال: أبو اليقظان ؟ قال: نعم قال: إن لي إليك حاجة فأنطق بها سرا أو


(1) ذكره ابن أبي الحديد - مع روايات أخر عن كتاب صفين لابن ديزيل - في آخر شرح المختار: (65) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 258 ط الحديث ببيروت. (2) كذا في ط الكمباني من أصلي، ومثله في شرح ابن أبي الحديدي، وفي أواسط الجزء (5) من كتاب صفين ص 321 ط مصر: " ببرد أحمر إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمار بن ياسر ؟... ". ثم إن للحديث في كتاب صفين ذيلا غير مذكور في كتاب البحار وشرح ابن أبي الحديد.

[492]

علانية ؟ قال: اختر لنفسك أيهما شئت قال: لا بل علانية. قال: فانطق قال: إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى ليلتي هذه فإني رأيت في مقامي هذا تقدم منادينا فقام وأذن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى بالصلاة والفلاح ونادى مناديهم بمثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة وتلونا كتابا واحدا ودعونا دعوة واحدة ورسولنا واحد فأدركني الشك في ليلتي هذه فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر ؟ قلت: لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه. فجئتك لذلك فقال عمار: تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة [لي ؟] - وأومئ إلى راية عمرو بن العاص - قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله مرات وهذه الرابعة فما هي بخيرهن ولا أبرهن بل هي شرهن وأفجرهن أشهدت بدرا واحدا ويوم حنين أو شهدها أب لك فيخبرها لك ؟ قال: لا. قال: فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين وإن مراكز هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الاحزاب فهل ترى هذا العسكر ومن فيه ؟ والله لوددت أن جميع من أقبل فيه [مع] معاوية [ممن] يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته وذبحته والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور أترى دم عصفور حراما ؟ قال: لا بل حلال قال: فإنهم حلال كذلك أتراني بينت ؟ قال: قد بينت قال: فاختر أي ذلك أحببت. فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال: سيضربونكم بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولوا: لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا والله ما هم من الحق على ما يقذي عين ذباب والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل.


(1) كذا في أصلي، ولعل الصواب: " فأقام وأذن ". ولفظة: " فقام " غير موجودة في كتاب صفين ص 321 ط - مصر، واللفظة لا توجه أيضا في شرح ابن أبي الحديد.

[493]

425 - قال نصر: وحدثنا يحيى بن يعلى عن الاصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين تقاتلهم الدعوة واحدة والرسول واحد والصلاة واحدة والحج واحد فماذا أسميهم ؟ قال: سمهم بما سماهم الله في كتابه. قال: ما كل ما في الكتاب أعلمه. قال: أما سمعت الله يقول: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) * إلى قوله: * (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) * [253 / البقرة: 2] فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبي وبالحق فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا وشاء الله قتالهم فقتالنا هذا بمشيئة الله وإرادته (1). توضيح: الادهم: الاسود. والحمحمة: صوت الفرس إذا طلب العلف. والصهيل: صوته المعروف. " وما كنا له مقرنين " أي مطيقين " وأفضت القلوب " أي دنت وقربت ووصلت أو أفضت بسرها أو سرها فحذف المفعول أو ظهرت لك بما فيها من عيوبها وأسرارها أو خرجت إلى فضاء رحمتك وساحة مغفرتك. قال الجوهري: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء وأفضيت إلى فلان سري وقال الخليل في العين: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه وأصله أنه سار في فضاء. وقال الجوهري: شخص بصره فهو شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا


(1) رواه ابن أبي الحديد في آخر شرح المختار: (65) من شرحه على نهج البلاغة: ج 2 ص 260 ط الحديث ببيروت. ورواه نصر بن مزاحم قبيل قصة براز عمار وهاشم بن عتبة المرقال من كتاب صفين ص 322 ط مصر، وفيه: " وشاء الله قتالهم فقاتلناهم هدى بمشيئة الله ربنا وإرادته ".

[494]

يطرف. والمناع اسم جبل وأريد هنا ما يمتنع به ويلجأ إليه. وسيأتي أكثر الادعية والخطب برواية أخرى مع شرحها. وقال الفيروز آبادي: الفت: الدق والكسر بالاصابع. وفت في ساعده: أضعفه. وقال الجوهري: نابذه الحرب: كاشفه. قوله: " قص الشارب " قص الشعر: قطعه أي كما يسوي القاص شعرات الشارب. و [قال ابن الاثير] في [مادة لحج من كتاب] النهاية: لحج في الامر يلحج إذا دخل فيه ونشب. قوله: " عضضتم بهن أبيكم " العض: اللزوم. وهن كناية عن الشئ القبيح أي لزمتم عادات السوء التي كانت لآبائكم. والشدة بالفتح: الحملة. والموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. والثأر بالهمزة وقد يخفف: طلب الدم وقاتل الحميم. " إلا عن دينكم " أي بسببه أو يزيلوكم عنه. " عضضتم بصم الجندل " أي الحجارة الصلبة ولعله دعاء عليهم بالخيبة أو إخبار بأنهم خيبوا أنفسهم. والحتوف: جمع الحتف وهو الموت. لم تطل أي لم تبطل. فهو مأثور أي مذكور. وقال الجوهري: الصدق بالفتح: الصلب من الرماح ويقال: المستوي. ويقال أيضا: رجل صدق اللقاء ويقال للرجل الشجاع: إنه لذو مصدق بالفتح أي صادق الحملة كأنه ذو صدق فيما يعدك من ذلك. " واستقبله سنام " أي طائفة عظيمة على المجاز. قوله: " قد رأيت جولتكم ". 426 - أقول: روى الكليني عن مالك بن أعين أنه قال أمير المؤمنين عليه السلام حين مر براية لاهل الشام أصحابها لا يزالون عن مواضعهم: إنهم لن يزالوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والاكف وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد وتنشر

[495]

حواجبهم على الصدور والاذقان أين أهل الصبر وطلاب الاجر (1). وصارت إليه عصابة من المسلمين فعادت ميمنته إلى موقفها ومصافها وكشفت من بإزائها فأقبل حتى انتهى إليهم وقال عليه السلام: " إني رأيت جولتكم ". وساق [الحديث] نحو ما مر إلى قوله: " فأزلتموهم من مصافهم كما أزالوكم وأنتم تضربونهم بالسيوف حتى ركب أولهم آخرهم كالابل المطرودة الهيم الآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين وليعلم المنهزم بأنه مسخط ربه وموبق نفسه، إن في الفرار موجدة الله والذل اللازم والعار الباقي وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه ولا يرضى ربه ولموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها والاقرار عليها. 427 - وفى النهج: وأنتم لهاميم العرب ويآفيخ الشرف والانف المقدم، والسنام الاعظم، ولقد شفا وحاوح صدري أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسا بالنصال وشجرا بالرماح تركب أولاهم أخرهم كالابل الهيم المطرودة ترمى عن حياضها وتذاد عن مواردها (2). 428 - وقد روى المفيد في الارشاد الكلام الاول إلى قوله: " أين أهل النصر أين طلاب الاجر " وسيأتي شرحه عند إيراد ما رواه الرضي رضي الله عنه. ويقال: جال جولة: أي طاف. وإنحاز عنه أي عدل وانحاز القوم أي تركوا مراكزهم والجفاة: هم الذين بعدوا عن الآداب الحسنة. والطغام: الاراذل. وفي الكافي: الطغاة. واللهاميم: جمع لهموم وهو الجواد من الناس والخيل.


(1) وقريبا منه جدا رواه الشيخ المفيد - كما يشير المصنف إليه قريبا - في الفصل: (34) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الارشاد، ص 142. (2) رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (105) من نهج البلاغة. وقريبا منه مع زيادات رواه الطبري بسنده عن أبي مخنف، عن مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب كما في تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 3301، وفي طبع الحديث ببيروت: ج 5 ص 25.

[496]

واليآفيخ: جمع يافوخ وهو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل. ولعجه الضرب أي آلمه وأحرق جلده. ويقال: هوى لاعج لحرقة الفؤاد من الحب. والوحوحة: صوت معه بحح يصدر عن المتألم. وفي الكافي " وشفى بعض حاج صدري " والحاج بالتخفيف جمع الحاجة. وضرب من الشوك. ويقال: ما قد صدري حوجاء ولا لوجاء أي لا مرية ولا شك. " بأخرة " بالتحريك أي أخيرا. والحوز: الجمع والسوق: اللين والشديد. وحسناها حسا أي استأصلناهم قتلا. والنصال جمع نصل: السهم أو السيف وغيرهما. وفي بعض النسخ: [النضال] بالمعجمة [وهو مصدر] " ناضلته ". إذا رميته. وشجرت زيدا بالرمح: طعنته. والهيم بالكسر: العطاش. والذود: الصد والمنع. ومواردها: المواضع التي تردها للشرب. والعار الباقي أي في الاعقاب أوله بين الناس. ويومه: أجله المقدر لموته. وفي القاموس: الخذمة محركة: السير الغليظ المحكم مثل الحلقة يشد في رسغ البعير ويشد إليها سرايح نعلها. والخلخال والساق. والهشيم من النبات: اليابس المتكسر. والهمود: الموت وطفؤ النار. قوله عليه السلام: " منا النبي صلى الله عليه وآله ". أقول: في الديوان هكذا: " وبالنبي المصطفى غير الكذب " وفيه رجز آخر مخاطبا لحريث: أنا الغلام العربي المنتسب * من غير عود ومصاص المطلب يا أيها العبد اللئيم المنتدب * إن كنت للموت محبا فاقترب واثبت رويدا أيها الكلب الكلب * أو لا فول هاربا ثم انقلب والعود بالفتح: القديم من السؤدد. وفلان مصاص قومه بالضم إذا كان أخلصهم نسبا. وندبه لامر أي دعاه وحثه له فانتدب أي أجاب ورجل كلب بكسر اللام: شديد الحرص. وكلب كلب أي مجنون يكلب بلحوم الناس. [قوله عليه السلام] " أولا " أي أولا تثبت. وقيل أو بمعنى بل.

[497]

ويروى أنه لما قتل حريث قال معاوية: حريث ألم تعلم وعلمك ضائر * بأن عليا للفوارس قاهر وأن عليا لا يبارز فارسا * من الناس إلا أقصدته الاظافر أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر فدلاك عمرو والحوادث جمة * غرورا وما جرت عليك المقادر وظن حريث أن عمرا نصيحه * وقد يهلك الانسان إذ لا يحاذر أيركب عمرو رأسه خوف نفسه * ويصلي حريثا إنه لمماكر (1) وروى في الديوان أبياته عليه السلام في مدح همدان هكذا: ولما رأيت الخيل تقرع بالقنا * فوارسها حمر العيون دوامي وأقبل رهج في السما كأنه * غمامة جن ملبس بقتام ونادى بن هند ذا الكلاع ويحصبا * وكندة في لخم وحي جذام تيممت همدان الذين هم * إذا ناب أمر جنتي وسهامي وناديت فيهم دعوة فأجابني * فوارس من همدان غير لئام فوارس من همدان ليسوا بعزل * غداة الوغا من يشكر وشبام ومن أرحب الشم المطاعين بالقنا * ورهم وأحياء السبيع ويام ومن كل حي قد أتتني فوارس * ذوو نجدات في اللقاء كرام بكل رديني وعصب تخاله * إذا اختلف الاقوام شعل ضرام يقودهم حامي الحقيقة منهم * سعيد بن قيس والكريم يحامي فخاضوا لظاها واصطلوا بشرارها * وكانوا لدى الهيجاء كشرب مدام جزى الله همدان الجنان فإنهم * سمام العدى في كل يوم خصام لهمدان أخلاق ودين يزينهم * ولين إذا لاقوا وحسن كلام متى تأتهم في دارهم لضيافة * تبت عندهم في غبطة وطعام


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب صفين ط مصر، ص 273: " إنه لفرافر ". والفرافر: الاحمق.

[498]

ألا إن همدان الكرام أعزة * كما عن ركن البيت عند مقام أناس يحبون النبي ورهطه * سراع إلى الهيجاء غير كهام إذا كنت بوابا على باب جنة * أقول لهمدان ادخلوا بسلام 429 - قال الشارح: وروى ابن أعثم أن عمرو بن حصين أتى عليا عليه السلام من عقبه ليغتاله بسنان رمحه فقتله سعيد بن قيس وقال: ألا أبلغ معاوية بن صخر * ورجم الغيب يكشفه الظنون بأنا لا نزال لكم عدوا * طوال الدهر ما سمع الحنين ألم تر أن والدنا علي * أبو حسن ونحن له بنون وإنا لا نريد به سواه * وذاك الرشد والحظ السمين فلما سمعه معاوية بعث ذا الكلاع مع كثير من القبائل وقال: اخرج واقصد بحربك همدان خاصة فلما رآهم علي قال: يا لهمدان عليكم بهذه الخيل فإن معاوية قد قصدكم بها خاصة دون غيركم فأقبل عليهم ابن قيس مع همدان فهزمهم فقال علي عليه السلام لهم: أنتم درعي ورمحي وسناني وجنتي والله لو كانت الجنة في يدي لادخلنكم إياها خاصة يا معشر همدان ثم أنشأ هذه الابيات. والدامي: الملطخ بالدم. والرهج: الغبار. والدجن: البأس. الغيم: السماء. والقتام: الغبار الاسود. ويحصب بكسر الصاد حي من يمن وكذا اللخم والجذام قبيلتان من يمن. وتيممت أي قصدت. والاعزال: الذي لا سلاح معه والعزل بالتشديد جمعه. ويشكر بضم الكاف وشبام بكسر الشين وأرحب بالحاء المهملة ورهم بضم المهملة وسبيع بفتح السين ويام بالمثناة التحتانية قبائل همدان. والشم جمع الاشم وهو السيد ذو الانفة. والمطاعين جمع المطعان وهو كثير الطعن.

[499]

وقال الجوهري: القناة الردينية والرمح الرديني زعموا أنه منسوب إلى امرأة السمهري تسمى ردينة وكانا يقومان القنا بخط هجر. والعضب: السيف القاطع. والشرب بالفتح جمع شارب. والمدام: الخمر. والسمام بالكسر جمع سم وفرس كهام أي بطئ. قوله عليه السلام: " لمن راية حمراء " أقول في الديوان هكذا: لنا الراية السوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما فيوردها في الصف حتى يزيرها * حياض المنايا يقطر الموت والدماء تراه إذا ما كان يوم كريهة * أبى فيه إلا عزة وتكرما وأجمل صبرا حين يدعى إلى الوغا * إذا كان أصوات الرجال تغمغما وقد صبرت عك ولخم وحمير * لمذحج حتى أورثتها تندما ونادت جذام يا لمذحج ويحكم * جزى الله شرا أينا كان أظلما أما تتقون الله في حرماتنا * وما قرب الرحمن منا وعظما جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم * لدى الموت قدما ما أعز وأكرما ربيعة أعني إنهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما أذقنا ابن هند طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما وولى ينادي زبرقان بن ظالم * وذا كلع يدعو كريبا وأنعما وعمروا ونعمانا وبسرا ومالكا * وحوشب والداعي معاد وأظلما وكرز بن نبهان وابني محرق * وحرثا وقينيا عبيدا وسلما وخفقت الراية تخفق وتخفق [على زنة تضرب وتنصر]: اضطربت. " حتى يزيرها " أي يذهب بها إلى الزيارة. والكماة جمع الكمي وهو الشجاع المتكمي في سلاحه لانه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة. والغمغمة: أصوات الابطال عند القتال. والكلام الذي لا يبين كالتغمغم. والعك واللخم بالخاء المعجمة وحمير كمنبر ومذحج بالذال المعجمة كمسجد وجذام بضم الجيم وإعجام الذال قبائل من اليمن. واللام في قوله: يا لمذحج للاستغاثة. والخميس: الجيش. والعرمرم: الجيش الكثير. والزبرقان بكسر الزاي والراء: ابن بدر الفزاري.

[500]

وذو كلع: بفتح الكاف واللام. وكريب: مصغر كرب ابن صباح الحميرى. وعمرو: ابن العاص. ونعمان: ابن بشير القيسي. وبسر: ابن أرطأة. ومالك: ابن مسهر القضاعي. وحوشب: المكنى ذا الظليم. وكرز: بضم الكاف وتقديم المهملة. ونبهان بالنون ثم الباء الموحدة ابنا محرق بالحاء المهملة والراء المشددة. وحرث بالثاء المثلثة: ابن وداع الحميري. والقيني: مطاع بن مطلب. وعبيدالله: ابن عمر بن الخطاب. وسلم: أبو الأعور السلمي. كلهم أشقياء من أصحاب معاوية عليه وعليهم اللعنة وأنعم أي أجاب. ومعاو مرخم معاوية للشعر. وأظلم أي أتى بالظلم أو كان أشد ظلما أو كان مظلما ذا سواد وشقاوة. وقتل ذو الكلاع بصفين وقتل كريب بيد أمير المؤمنين بعد أن قتل مترقع بن وضاح الخولاني وشرحبيل بن طارق وحرب بن الجلاج وعباد بن مسروق مبارزة. وقتل مالك بسيف حجر بن عدي وحوشب بسيف سليمان بن صرد الخزاعي وحرث ومطاع بسيفه عليه السلام وعبيدالله بسيف عبد الله بن سوار أو حريث بن خالد أو هانئ بن خطاب أو هانئ بن عمر أو محرز بن صحصح. وقال الجوهري: وقولهم: جاؤا ومن لف لفهم أي ومن عد فيهم وتأشب إليهم. 430 - أقول: ثم قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين (1) بعدما ذكر قتل عمار وهاشم بن عتبة رضي الله عنهما كما سيأتي في الباب الآتي: وبعث علي عليه السلام خيلا ليحبسوا عن معاوية مادته فبعث معاوية الضحاك بن قيس الفهري في خيل إلى تلك الخيل فأزالوها وجاءت عيون علي عليه السلام فأخبرته بما قد كان فقال عليه السلام لاصحابه: فما ترون فيما ها هنا ؟ فاختلفوا فقال عليه السلام فاغدوا إلى القتال فأمرهم غدوة بالقتال فانهزم أهل الشام وانهزم عتبة بن أبي سفيان حتى أتى الشام.


(1) هذا تلخيص ما ذكره نصر في أوائل الجزء (6) من كتاب صفين ص 36 ط مصر، ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (124) من نهج البلاغة: ج 2 ص 82 ط الحديث ببيروت.

[501]

431 - وعن عمر بن سعد عن سليمان الاعمش عن إبراهيم الهجري عن القعقاع بن الابرد قال: والله إني لواقف قريبا من علي عليه السلام بصفين يوم وقعة الخميس وقد التقت مذحج وكانوا في ميمنة علي وعك وجذام ولخم والاشعريون وكانوا مستبصرين في قتال علي عليه السلام فلقد سمعت من قتالهم صوتا ليست أصوات هد الجبال ولا الصواعق بأعظم هولا في الصدور من ذلك الصوت وعلي عليه السلام يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله المستعان الله ثم نهض حين قام قائم الظهيرة وهو يقول: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " فلا والله ما حجز بيننا وبينهم إلا الله رب العالمين في قريب من ثلث الليل وقتلت يومئذ أعلام العرب وكان في رأس علي عليه السلام ثلث ضربات وفي وجهه ضربتان (1). قال: وكتب معاوية كتابين أحدهما إلى أبي أيوب الانصاري وكتب فيه: " لا تنسى شيباء أبا عذرتها ولا قاتل بكرها " فلم يدر أبو أيوب ما هو فأتى به عليا عليه السلام وقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام إن معاوية كتب إلي بكتاب لا أدرى ما هو ؟ فقال عليه السلام: هذا مثل ضربه لك يقول: ما أنسى الذي لا تنسى الشيباء [هي] لا تنسى أبا عذرتها الشيباء المرأة البكر ليلة افتضاضها لا تنسى بعلها الذي افترعها أبدا ولا تنسى قاتل بكرها وهو أول ولدها كذلك لا أنسى أنا قتلة عثمان (2). وكتب الآخر إلى زياد بن سمية وكان عاملا لعلي على بعض فارس فكتب إليه يتهدده ويوعده فقال زياد: ويلي على ابن آكلة الاكباد، وكهف المنافقين وبقية الاحزاب يتهددني ويوعدني وبيني وبينه ابن عم محمد صلى الله عليه وآله


(1) وبعده في كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد هكذا: وقد قيل: إن عليا لم يجرح قط. وهذا مع التوالي رواه نصر بن مزاحم في أواسط الجزء (6) من كتاب صفين ص 362 ط 2 بمصر. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (114) من نهج البلاغة: ج 2 ص 821 ط الحديث ببيروت. (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد. وفي ط الكمباني من البحار: " قتلة عثمان ".

[502]

معه سبعون ألف طوائع سيوفهم عند أذقانهم ولا يلتفت أحد منهم وراءه حتى يموت أما والله لو خلص الامر إلي ليجدني أحمر ضرابا بالسيف. والاحمر يعني أنه مولى فلما أدعاه معاوية صار عربيا [منافيا] (1). وكتب معاوية في أسفل كتاب أبي أيوب أبياتا. فأجابه أبو أيوب بأبيات ردها عليه [وكان نص كتابه في جواب معاوية:] [أما بعد فإنك كتبت إلي]: " لا تنسي الشيباء ثكل ولدها ولا أبا عذرتها " فضربتها مثلا بقتل عثمان وما نحن وقتل عثمان ؟ إن الذي تربص بعثمان وثبط يزيد بن أسد وأهل الشام في نصرته لانت، وإن الذين قتلوه لغير الانصار (2). فلما أتى معاوية بكتاب أبي أيوب كسره. 432 - وعن عمر بن سعد عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي قال: شهدت مع علي عليه السلام بصفين فاقتتلنا ثلاثة أيام وثلاثة ليال حتى تكسرت الرماح ونفدت السهام ثم صارت إلى المسائفة (3) فاجتلدنا بها إلى نصف الليل حتى صرنا في أهل الشام في اليوم الثالث وعانق بعضنا بعضا ولقد قاتلنا بجميع السلاح فلم يبق شئ من السلاح إلا قاتلنا به حتى تحاثينا بالتراب وتكاد منا حتى صرنا قياما ينظر بعضنا إلى بعض ما يستطيع واحد من


(1) كذا في أصلي المطبوع، ومثله في كتاب صفين ص 367 ط مصر، غير أن فيه: " لو خلص الامر إلي... ". وفي شرح ابن أبي الحديد: " أما والله لو ظفر ثم خلص إلي ليجدنني.. " وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه. (2) كذا في كتاب صفين ط مصر، غير أن ما بين المعقوفين الاولين زيادة منا لترميم عبارة المتن فإنه من جهة كونه نقلا بالمعنى وقع فيه اختلال، وكان فيه: " فأجابه أبو أيوب بأبيات ردها عليه وكتب " لا ينسى الشيباء ثكل ولدها ولا أبا عذرتها " ضربتها مثلا في عثمان، وما أنا وقتل عثمان... ". (3) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين ط مصر، وشرح ابن أبي الحديد، ط بيروت، وفي أصلي من طبع الكمباني: " وخضدت السهام ثم صارت... ".

[503]

الفريقين ينهض إلى صاحبه ولا يقاتل فلما كان نصف الليل انحاز معاوية وخيله من الصف من الليلة الثالثة وغلب علي عليه السلام على القتلى تلك الليلة وأقبل علي عليه السلام على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فدفنهم وقتل شمر بن أبرهة وقتل جماعة كثيرة من أصحاب علي عليه السلام يومئذ. 433 - وعن ابن أبي شقيق أن عبد الله بن جعفر ذالجناحين كان يحمل على الخيل بصفين إذ جاء رجل من خزيمة فقال: هل من فرس ؟ قال: نعم خذ أي الخيل شئت فلما ولى قال ابن جعفر إن يصيب أفضل الخيل يقتل. قال: فما عتم أن أخذ أفضل الخيل فركبه وحمل على الذي دعاه إلى البراز فقتله [الشامي] (1) وحمل غلامان من الانصار جميعا أخوان حتى انتهيا إلى سرادق معاوية فقتلا عنده وأقبلت الكتائب بعضها نحو بعض فاقتتلت قياما على الركب لا يسمع السامعون إلا وقع السيوف على البيض والدروع. قال وجاء عدي بن حاتم يلتمس عليا ما يطأ إلا على إنسان ميت أو قدم أو ساعد فوجده تحت رايات بكر بن وائل فقال: يا أمير المؤمنين ألا نقوم حتى نموت ؟ فقال علي عليه السلام: ادنه. فدنا حتى وضع أذنه عند أنفه فقال: ويحك إن عامة من معي يعصيني وإن معاوية فيمن يطيعه ولا يعصيه. قال: وكتب إلى معاوية: أما بعد فإنك قد ذقت ضراء الحرب وأذقتها وإني عارض عليكم ما عرض المخارق على بني فالج (2):


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من كتاب صفين ص 373 ط مصر، وشرح نهج البلاغة: ج 2 ص 826 ط بيروت. وقوله: " فما عتم أن أخذ... ": ما كف عما مضى فيه من انتقاء أفضل الخيل حتى انتقاه وأخذه من قولهم: " عتم عن الامر عتما وعتم عنه تعتيما " على وزن ضرب وفعل: كف عنه بعد المضي فيه. (2) كذا صححه محقق كتاب صفين آخذا عن كتاب الحيوان: ج 6 ص 369، وفي كتاب صفين ص 385 ط مصر، والبحار ط الكمباني فيه وما بعده " بني فاتح ". والحديث السابق أي تفقد عدي بن حاتم عليا عليه السلام وما قال له وما أجابه عليه السلام ذكره نصر في كتاب صفين ص 379 ط مصر، ورواه عنه ابن أبي الحديد في أواسط شرح المختار: (124) من شرح نهج البلاغة: ج 2 ص 844 ط الحديث ببيروت. =

[504]

أيا راكبا إما عرضت فبلغا * بني فالج حيث استقر قرارها هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم * بلاقع أرض طار عنها غبارها سليم بن منصور أناس بحرة * وأرضهم أرض كثير وبارها فأجابه معاوية: من معاوية إلى علي أما بعد عافانا الله وإياك فإني إنما قاتلت على دم عثمان وكرهت التدهين في أمره وإسلام حقه فإن أدرك به فبها وإلا فإن الموت على الحق أجمل من الحياة على الضيم ثم تمثل ببعض الابيات. قال: وأرسل علي عليه السلام إلى معاوية أن أبرز لي واعف الفريقين من القتال فأينا قتل صاحبه كان الامر له. قال عمرو: لقد أنصفك الرجل فقال معاوية: إني لاكره أن أبارز الاهوج الشجاع لعلك طمعت فيها يا عمرو ؟ [و] قال علي عليه السلام: وانفساه أيطاع معاوية وأعصى ؟ ما قاتلت أمة قط أهل بيت نبيها وهي مقر بنبيها إلا هذه الامة. ثم إن عليا عليه السلام أمر الناس أن يحملوا على أهل الشام فحملت خيل علي عليه السلام على صفوف أهل الشام فقوضت صفوفهم فقال عمرو يومئذ: على من هذا الرهج ؟ فقيل على ابنيك عبد الله ومحمد فقال عمرو: يا وردان قدم لواءك فتقدم فأرسل إليه معاوية إنه ليس على ابنيك بأس فلا تنقض الصف والزم موقفك فقال عمرو: هيهات الليث يحمي شبليه * ما خيره بعد ابيه ثم قال: إنك لم تلدهما إني أنا ولدتهما.


= والحديث التالي أيضا رواه ابن أبي الحديد عن نصر، في شرح المختار: (124) من نهج البلاغة: ج 2 ص 829 ط بيروت.

[505]

فأرسل علي عليه السلام إلى أهل الكوفة وأهل البصرة أن احملوا فحمل الناس من كل جانب فاقتتلوا قتالا شديدا فخرج رجل من أهل الشام فقال: من يبارز ؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي عليه السلام فاقتتلا ساعة ثم إن العراقي ضرب رجل الشامي فقطعها فقاتل ساعة ثم ضرب يده فقطعها فرمى الشامي بسيفه بيده اليسرى إلى أهل الشام ثم قال: يا أهل الشام دونكم سيفي هذا فاستعينوا به على عدوكم فأخذوه فاشترى معاوية ذلك السيف من أولياء المقتول بعشرة آلاف. 434 - قال نصر: وحدثني رجل عن مالك الجهئي (1) عن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام مر على جماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فأخبروه بذلك فوقف في ناس من أصحابه فقال: انهدوا إليهم وعليكم بالسكينة وسيماء الصالحين ووقار الاسلام والله لاقرب قوم من الجهل بالله عز وجل قوم قائدهم ومؤدبهم معاوية وابن النابغة وأبو الاعور السلمي وابن أبي معيط شارب الحرام والمجلود حدا في الاسلام وهم أولى يقومون فيقصبونى ويشتموني (2) وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعوني إلى عبادة الاصنام فالحمد لله ولا إله إلا الله وقديما ما عاداني الفاسقوني.


(1) هذا هو الصواب المذكور في أواسط الجزء (6) من كتاب صفين ص 391 ط مصر، وشرح المختار: (124) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 830. ورواه أيضا الطبري في تاريخه: ج 5 ص 45، عن أبي مخنف قال: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب... وفي ط الكمباني من بحار: " وعن رجل عن منازل الجهني عن زيد بن وهب... ". (2) كذا في كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من البحار ها هنا تصحيف، وفيه أيضا: " فيقصبوني ويشتموني... ".

[506]

إن هذا هو الخطب الجليل أن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين وعلى الاسلام وأهله متخوفين أصبحوا وقد خدعوا شطر (1) هذه الامة فأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالافك والبهتان وقد نصبوا لنا الحرب وجدوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون. اللهم فإنهم قد ردوا الحق فافضض جمعهم وشتت كلمتهم وابسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. 435 - وعن نمير بن وعلة عن عامر الشعبي أن علي بن أبي طالب عليه السلام مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض الناس على قتالهم وذكر أنهم غسان فقال: إن هؤلاء القوم لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم وضرب يفلق الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والاكف حتى تصدع جباههم وتنشر حواجبهم على الصدور والاذقان أين أهل الصبر وطلاب الخير ؟ أين من يشري وجهه لله عزوجل ؟ فثابت إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال له: امش نحو هذه الراية مشيا رويدا على هينتك (2) حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك يدك حتى يأتيك أمري ورأيي ففعل وأعد علي مثلهم فلما دنى منهم محمد وأشرع الرماح في صدورهم أمر علي الذين أعد فشدوا عليهم ونهض محمد


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه ابن أبي الحديد عن كتاب صفين، وفي البحار: " حتى خدعوا شطر هذه الامة... ". (2) أي على رسلك يعني بسكينة ووقار. ويقال: مشوا مشيا رويدا أي برفق وتوءدة. والحديث رواه نصر في أواسط الجزء (6) من كتاب صفين ص 392، وقد اختصره المصنف كما هو الحال في أكثر ما يرويه عن كتاب صفين. ورواه أيضا الطبري في وقعة صفين من تاريخه: ج 5 ص 45 عن أبي مخنف، قال: حدثني نمير بن وعلة عن الشعبي...

[507]

في وجوههم فزالوا عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا واقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا فما صلى كثير من الناس إلا إيماء. 436 - وعن شيخ من حضرموت قال: كان منا رجل يدعى هانئ بن نمر، فخرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد فقال: سبحان الله ما يمنعكم أن يخرج رجل منكم إلى هذا فلولا أني موعوك وإني أجد لذلك ضعفا لخرجت إليه فما رد عليه رجل من أصحابه شيئا فوثب فقال أصحابه: سبحان الله تخرج إليه وأنت موعوك ؟ قال: والله لاخرجن إليه ولو قتلني فلما رآه عرفه وإذا الرجل من قومه يقال له معمر بن أسيد الحضرمي وبينهما قرابة من قبل النساء فقال له: يا هانئ ارجع إنه ان يخرج إلي غيرك أحب إلي إني لست أريد قتلك قال له هانئ: ما خرجت إلا وأنا موطن نفسي على القتل ما أبالي أنت قتلتني أو غيرك ثم مشى نحوه فقال: اللهم في سبيلك وسبيل رسولك ونصرا لابن عم نبيك ثم اختلفا ضربتين فقتل هانئ صاحبه وشد أصحابه ونحوه وشد أصحاب هانئ نحوهم ثم اقتتلوا وانفرجوا عن إثنين وثلاثين قتيلا. ثم إن عليا عليه السلام أرسل إلى الناس أن احملوا فحمل الناس على راياتهم كل قوم بحيالهم فتجالدوا بالسيوف وعمد الحديد لا يسمع إلا أصوات الحديد ومرت الصلوات كلها ولم يصلوا إلا تكبيرا عند مواقيت الصلوات حتى تفانوا ورق الناس. فخرج رجل بين الصفين فقال: أخرج فيكم المحلقون ؟ قلنا: لا قال: إنهم سيخرجون ألسنتهم أحلا من العسل وقلوبهم أمر من الصبر لهم حمة كحمة الحيات ثم غاب الرجل فلم يعلم من هو (1).


(1) رواه نصر في أواسط الجزء (6) من كتاب صفين ص 394، ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (124) من النهج من شرحه: ج 2 ص 831.

[508]

437 - وعن محمد بن إسحاق عن عبد الله ابن أبي يحيى عن عبد الرحمن بن حاطب قال: خرجت ألتمس أخي في القتلى بصفين سويدا فإذا رجل قد أخذ بثوبي صريع في القتلى فالتفت فإذا بعبد الرحمن بن كلدة فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون هل لك في الماء ؟ قال: لا حاجة لي في الماء قد أنفذ في السلاح وخرقني ولست أقدر على الشرب هل أنت مبلغ عني أمير المؤمنين عليه السلام رسالة ؟ قلت: نعم. قال: إذا رأيته فاقرأه مني السلام وقل يا أمير المؤمنين احمل جرحاك إلى عسكرك حتى تجعلهم من وراء القتلى فإن الغلبة لمن فعل ذلك ثم لم أبرح حتى مات فخرجت حتى أتيت عليا عليه السلام فقلت له إن عبد الرحمن بن كلدة يقرأ عليك السلام قال: وعليه أين هو ؟ قلت: قد والله يا أمير المؤمنين أنفذه السلاح وخرقه فلم أبرح حتى توفي فاسترجع قلت: قد أرسلني إليك برسالة [قال: فما هي ؟] فلما أبلغته الرسالة قال: صدق والذي نفسي بيده. فنادى منادي العسكر أن احملوا جرحاكم إلى عسكركم ففعلوا. فلما أصبح نظر أهل الشام وقد ملوا من الحرب وأصبح علي قد رحل الناس وهو يريد أن ينزل على أهل الشام في عسكرهم فقال معاوية: فأخذت معرفة فرسي ووضعت رجلي في الركاب حتى ذكرت أبيات ابن الاطنابة: أبت لي عفتي وأبي بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح إلى آخر الابيات فعدت إلى مقعدي فأصبت خير الدنيا. وكان علي عليه السلام إذا أراد القتال هلل وكبر ثم قال: من أي يومي من الموت أفر * يوم لم يقدر أم يوم قدر وأقبل عبد الرحمان بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية الاعظم مرتجزا فاستقبله جارية بن قدامة وأطعنا مليا ومضى عبد الرحمن وانصرف جارية وعبد الرحمن لا يأتي على شئ إلا أهمده فغم ذلك عليا عليه السلام. وأقبل عمرو بن العاص في خيل من بعده فقال: أقحم يا ابن سيف الله فإنه الظفر.

[509]

وأقبل الناس على الاشتر فقالوا: يوم من أيامك الاول وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى فأخذ الاشتر لواءه ثم حمل فضارب القوم حتى ردهم على أعقابهم فرجعت خيل عمرو. وذكروا أنه لما رد لواء معاوية ورجعت خيل عمرو انتدب لعلي عليه السلام همام بن قبيصة وكان من أشتم الناس لعلي عليه السلام وكان معه لواء هوازن فقصد المذحج فقال عدي بن حاتم لصاحب لوائه: ادن مني فأخذه فحمل وطعن ساعة ثم رجع ثم حمل جندب بن زهير مرتجزا. فلما رأى ابن العاص الشر استقبل فقال له معاوية: ائت ببني أبيك فقاتل بهم. فأتى جماعة أهل اليمن فقال: أنتم اليوم الناس وغدا لكم الشأن هذا يوم له ما بعده من الامر احملوا معى على هذا الجمع قالوا نعم فحملوا وحمل عمرو. فقال عمرو بن الحمق: دعوني والرجل فان القوم قومي فقال له ابن بديل: دع القوم يلقى بعضهم بعضا فأبى عليه وحمل ثم طعنه في صدره فقتله وولت الخيل وأزال القوم عن مراكزهم. ثم إن حوشبا ذا ظليم أقبل في جمعه وصاحب لوائه يرتجز فحمل عليه سليمان بن صرد الخزاعي فطعنه فقتله واستدار القوم وقتل حوشب وابن بديل (1) وصبر بعضهم لبعض وفرح أهل الشام بقتل هاشم واختلط أمرهم حتى ترك أهل الرايات مراكزهم وأقحم أهل الشام من آخر النهار وتفرق الناس عن علي عليه السلام فأتى ربيعة وكان فيهم وتعاظم الامر. وأقبل عدي بن حاتم يطلب عليا عليه السلام في موضعه الذي تركه فيه فلم يجده فأصابه في مصاف ربيعة فقال: يا أمير المؤمنين أما إذا كنت حيا فالامر أمم ما مشيت إليك إلا على قتيل وما أبقت هذه الواقعة لنا ولهم عميدا فقاتل حتى يفتح الله عليك فإن في الناس بقية بعد.


(1) كذا في أصلي، ومثله في كتاب صفين، ولعل الصواب: وقتل هاشم وابن بديل...

[510]

وأقبل الاشعث يلهث جزعا فلما رأى عليا عليه السلام هلل وكبر وقال: يا أمير المؤمنين خيل كخيل ورجال كرجال ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه فعد إلى مقامك الذي كنت فيه فإن الناس يظنونك حيث تركوك. وأرسل سعيد بن قيس [إلى أمير المؤمنين عليه السلام] إنا مشتغلون بأمرنا مع القوم وفينا فضل فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه. وأقبل علي عليه السلام على ربيعة فقال أنتم درعي ورمحي فقال عدي بن حاتم إن قوما أنست بهم وكنت فيهم في هذه الجولة لعظيم حقهم علينا والله إنهم لصبر عند الموت أشداء عند القتال. وركب على فرسه الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وكان يقال له: المرتجز ثم قدم علي بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء فركبها (1) ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله السوداء ثم نادى أيها الناس من يشرى نفسه لله يربح هذه يوم له ما بعده إن عدوكم قد قرح كما قرحتم. فانتدب له من بين العشرة آلاف إلى إثني عشر ألفا وضعوا سيوفهم على عواتقهم وتقدمهم علي عليه السلام على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * وأصبحوا بحربكم وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتوا * * أو لا فإني طال ما عصيت قد قلتم لو جئتنا فجئت * ليس لكم ما شئتم وشئت بل ما يريد المحيي المميت


(1) كذا في طبع الكمباني من بحار الانوار: والمستفاد من هامش طبعة مصر من كتاب صفين ص 403 / أن لفظ أصله من كتاب صفين كان مثل ما نقله عنه المجلسي في البحار، غير أن محقق كتاب صفين جود لفظه بزيادة ألفاظ وضعها بين المعقوفات. ولم أجد هذا المطلب منقولا في شرح ابن أبي الحديد حرفيا عن كتاب صفين نعم =

[511]

وتبعه ابن عدي بن حاتم مرتجزا وتقدم الاشتر مرتجزا وحمل الناس حملة واحدة فلم يبق لاهل الشام صف إلا انتفض وأهمدوا ما أتوا عليه حتى أفضى الامر إلى مضرب معاوية وعلي عليه السلام يضربهم بسيفه ويقول: أضربهم ولا أرى معاوية * الاخرز العين العظيم الحاوية هوت به في النار أم هاوية فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه فوضع رجله في الركاب ثم ندم وتمثل بأبيات وقال: يا ابن العاص اليوم صبر وغدا فخر. فقال عمرو: صدقت وانصرفوا وقد غلبوا وقهروا وكل قد كره صاحبه. ثم إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال: إن هذا يوم تمحيص إن القوم قد أسرع فيهم ما أسرع فيكم اصبروا يومكم هذا وخلاكم ذم. وحض علي عليه السلام أصحابه فقام إليه الاصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين إنك جعلتني على شرطة الخميس وقدمتني في الثقة دون الناس وإنك اليوم لا تفقد لي صبرا ولا نصرا أما أهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم وأما نحن ففينا بعض البقية فاطلب بنا أمرك وأذن لي في التقدم فقال له علي عليه السلام تقدم بسم الله. وأقبل الاحنف بن قيس السعدي فقال: يا أهل العراق والله لا تصيبون هذا الامر أذل عنقا منه اليوم قد كشف القوم عنكم قناع الحياء وما يقاتلون على دين وما يصبرون إلا حياء فتقدموا فقالوا: إنا إن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس فما تقول يا أمير المؤمنين ؟ قال: تقدموا في موضع التقدم وتأخروا في موضع التأخر تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم.


= رواه بالمعنى في أواسط شرح المختار: (35) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 430 ط الحديث ببيروت. ولعل عدوله عن نقل الكلام حرفيا إلى النقل بالمعنى هو عدم جودة لفظ كتاب صفين.

[512]

وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا وحمل عمرو بن العاص معلما مرتجزا فاعترضه علي عليه السلام وهو يقول: قد علمت ذات القرون الميل * والخصر والانامل الطفول أني بنصل السيف خنشليل * أحمي وأرمي أول الرعيل بصارم ليس بذي فلول ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله فبدت عورته فصرف علي وجهه عنه وارتث فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين قال: وهل تدرون من هو إنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه. فلما رجع [عمرو إلى صفه] قال له معاوية: احمد الله وعورتك. ثم ذكر نصر سعي معاوية في افتتان الاشعث بن قيس وعبد الله بن العباس والمراسلة والمكاتبة إليهما وإجابتهما بما لم يرض به وندم. [ثم] قال: ولما تعاظمت الامور على معاوية دعا عمروا وبسرا وعبيد الله بن عمر وعبد الرحمان بن خالد فقال لهم: قد غمني رجال من أصحاب علي منهم سعيد بن قيس في همدان والاشتر في قومه والمرقال وعدي بن حاتم وقيس بن سعد في الانصار وقد وقتكم بما نيتكم بأنفسها أياما كثيرة حتى لقد استحييت لكم وأنتم عدتهم من قريش وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي فقالوا: ذلك إليك قال: فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا وأنت يا عمرو لاعور بني زهرة المرقال وأنت يا بسر لقيس بن سعد وأنت يا عبيد الله للاشتر وأنت يا عبد الرحمان لعدي بن حاتم ثم ليرد كل رجل منكم من حماة الخيل فجعلها نوائب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما. فأصبح معاوية في غده فلم يدع فارسا إلا دعاه ثم قصد لهمدان بنفسه وتقدم الخيل فطعن في أعراض الخيل مليا ثم إن همدان نادت بشعارها وأقحم سعيد بن قيس على فرسه على معاوية واشتد القتال وحجز بينهم الليل وذكرت. همدان أن معاوية فاته ركضا فانصرف معاوية ولم يعمل شيئا.

[513]

وإن عمرو بن العاص غدا في اليوم الثاني في حماة الخيل نحو المرقال ومع المرقال لواء علي الاعظم في حماة الناس وكان عمرو من فرسان قريش فتقدم وارتجز وطعن في أعراض الخيل مزبدا فحمل هاشم مرتجزا وطعن عمروا حتى رجع واشتد القتال وانصرف الفريقان ولم يسر معاوية ذلك. وإن بسرا غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الانصار كأنه فنيق مقرم فطعن في خيل بسر وبرز له بسر بعد ملئ وطعن بسر قيسا فضربه قيس بالسيف فرده على عقبه ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل. وإن عبيدالله بن عمر تقدم في اليوم الرابع ولم يترك شيئا وجمع من استطاع فقال له معاوية إنك تلقى أفاعي أهل العراق فارفق واتئد فلقيه الاشتر أمام الخيل مزبدا وكان الاشتر إذا أراد القتال أزبد فرد الخيل فاستحيى عبيدالله فبرز أمام الخيل وكان فارسا فحمل عليه الاشتر فطعنه واشتد الامر وانصرف القوم وللاشتر الفضل فغم ذلك معاوية. وإن عبد الرحمن غدا في اليوم الخامس وكان أرجأهم عند معاوية فقواه بالخيل والسلاح وكان يعده ولدا فلقيه عدي بن حاتم في حماة مذحج وقضاعة فبرز عبد الرحمان أمام الخيل ثم حمل فطعن الناس وقصده عدي بن حاتم وحمل في حماة الناس حتى تواروا في العجاج وفضح القوم ورجع عبد الرحمان إلى معاوية وانكسر معاوية (1) وان القرشيين استحيوا مما صنعوا وشمتت بهم اليمانية وعيرهم معاوية وأنبهم فانقطعوا عنه أياما ثم اعتذر [إليهم] معاوية في أبيات فأتوه واعتذروا إليه واستقاموا له على ما يحب.


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، والقصة رواها نصر في أوائل الجزء (7) من كتاب صفين ص 426 - 431 وفيه: " فلما كاد أن يخالطه بالرمح توارى عبد الرحمان في العجاج واستتر بأسنة أصحابه واختلط القوم ورجع عبد الرحمان إلى معاوية مقهورا وانكسر معاوية ".

[514]

ثم إن معاوية ضاعف الفرائض والعطايا لعك والاشعريين وهم بذلوا جهدهم في القتال ووفا لهم بذلك فلم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلا طمع في معاوية وشخص بصره إليه حتى فشا ذلك في الناس. وبلغ عليا عليه السلام فساءه [ذلك] فقال المنذر بن أبي حميصة وكان فارس همدان وشاعرهم: يا أمير المؤمنين إن عكا والاشعريين طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء فأعطاهم (1) فباعوا الدين بالدنيا وإنا قد رضينا بالآخرة من الدنيا وبالعراق من الشام وبك من معاوية والله لآخرتنا خير من دنياهم ولعراقنا خير من شامهم ولامامنا أهدى من إمامهم فامتحنا بالصبر واحملنا على الموت. فقال علي عليه السلام حسبك رحمك الله وأثنى عليه وعلى قومه خيرا. ولما أصبح الناس غدوا على مصافهم ونادى معاوية في أحياء اليمن فقال علي عليه السلام يا آل همدان فأجابه سعيد بن قيس فقال له: احمل فحمل حتى خلط الخيل بالخيل واشتد القتال وحطمتهم همدان حتى ألحقوهم معاوية وأسرع في فرسان أهل الشام القتل وأثنى علي عليه السلام على همدان وقال: أنتم درعي ورمحي يا همدان ما نصرتم إلا الله ولا أجبتم غيره. فقال سعيد: أجبنا الله وإياك ونصرنا نبي الله صلى الله عليه وآله في قبره وقاتلنا معك من ليس مثلك فارم بنا حيث أحببت. فدعا معاوية مروان وأمره أن يخرج فأبى ثم دعا عمرو بن العاص وأمره بالخروج فلما خرج لقيه الاشتر أمام الخيل فلما غشيه الاشتر بالرمح راوغه عمرو فطعنه الاشتر في وجهه فلم يصنع شيئا ولوى عمرو عنان فرسه وجعل يده على وجهه ورجع إلى العسكر. فجاء ذو الكلاع إلى معاوية وقال: تولي علينا من لا يقاتل معنا ؟ ول رجلا منا وإلا فلا حاجة لنا بك. فقال لهم معاوية: لا أولي عليكم بعد يومي هذا إلا رجلا منكم.


(1) هذا هو الظاهر، وفي الاصل المطبوع: " الفرائض والعقار... ".

[515]

قال: وحرض علي عليه السلام أصحابه فقام إليه الاصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين قدمني في البقية من الناس فإنك لا تفقد لي اليوم صبرا ولا نصرا قال عليه السلام تقدم باسم الله والبركة فتقدم وأخذ رايته فمضى بالراية مرتجزا فرجع وقد خضب سيفه ورمحه دما وكان شيخا ناسكا عابدا وكان إذا لقي القوم لا يغمد سيفه وكان من ذخائر علي عليه السلام ممن قد بايعه على الموت وكان من فرسان أهل العراق وكانوا قد ثقلوا عن البراز حين عضتهم الحرب. فقال الاشتر: يا أهل العراق أما من رجل يشري نفسه لله ؟ فخرج آثال بن حجل فنادى بين العسكرين هل من مبارز ؟ فدعى معاوية حجلا فقال: دونك الرجل وكانا مستبصرين في رأيهما. فبرز كل منهما إلى صاحبه فبدره الشيخ بطعنة فطعنه الغلام فانتسبا فإذا هو ابنه فنزلا واعتنق كل منهما صاحبه وبكيا فقال له الاب: أي اثال هلم إلى الدنيا. فقال له الغلام: يا أباه هلم إلى الآخرة والله يا أبت لو كان من رأيي الانصراف إلى أهل الشام لكان من رأيك لي أن تنهاني واسوأتاه فما يقول لي علي ؟ كن على ما أنت عليه وأنا أكون على ما أنا عليه وانصرف كل منهما إلى أصحابهما. ثم إن معاوية دعا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد فقال: يا هذان ما لقيت من الاوس والخزرج ؟ صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع منهم والجبان حتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا قتلته الانصار أما والله لاعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب في حلقه ثم لالقينهم بأعدادهم من قريش رجال لم يغذهم التمر والطفيشل (1) يقولون نحن الانصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم.


(1) الطفيشل - كسميدع وغضنفر -: نوع من المرق. وقيل: هو كل طعام يعمل من الحبوب.

[516]

فغضب النعمان وقال: يا معاوية، لا تلومن الانصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية. وأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فإن لها وفاء به. وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه. وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناهم غلبناهم عليه كما غلبت قريش على السخينة (1). ثم تكلم مسلمة بنحو من ذلك ولم يكن مع معاوية غير هذين الرجلين من الانصار. وانتهى الكلام إلى الانصار. فجمع قيس بن سعد الانصار وقام خطيبا فيهم وقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحباكم فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه أمس وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الذي أنتم عليه فجدوا اليوم جدا تنسونه ما كان أمس وجدوا غدا فتنسونه ما كان اليوم وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل والقوم مع لواء أبي جهل والاحزاب. وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه. وأما الطفيشل فلو كان طعامنا سميناه اسما كما سميت قريش السخينة. (2).


(1) السخينة: طعام يتخذ من دقيق وسمن أو من دقيق وتمر، أغلظ من الحساء، وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة. (2) كذا في ط الكبماني من البحار، وفي كتاب صفين: " فلو كان طعامنا لسمينا به إسما... ".

[517]

وتحركت الخيل غدوة فظن قيس أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية وحمل الثانية [على آخر يشبهه أيضا] فضربه ثم انصرف. ثم إن النعمان خرج حتى وقف بين الصفين فقال: يا قيس أنا النعمان بن بشير. قال قيس: ما حاجتك. قال: يا قيس إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه ألستم معشر الانصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم المدينة وقتلتم أنصاره يوم الجمل واقحامكم على خيولكم أهل الشام بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا وهونتم عليه المصيبة ووعدتموه الظفر وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية. قال: فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه وأنت والله الغاش الضال المضل (1). وأما ذكرك عثمان فإن كانت الاخبار تكفيك فخذها مني واحدة قتل عثمان من لست خيرا منه وخذله من هو خير منك. وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. وأما معاوية فو الله لئن اجتمعت عليه العرب لقاتلته الانصار. وأما قولك إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحروب كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو اعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور.


(1) هذا هو الصواب المذكور في كتاب صفين ص 449 ط مصر، وفي ط الكمباني من البحار: " إنما المنصف المحق من نصح نفسه وغش أخاه، وأنت والله الغاش المبطل ".

[518]

انظر أين المهاجرون والانصار والتابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. ثم انظر هل ترى مع معاوية أنصاريا غيرك وغير صويحبك ولستما والله ببدريين ولا عقبيين ولا أحديين ولا لكما سابقة في الاسلام ولا آية في القرآن ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك. 438 - وذكروا أنه كان فارس أهل كوفة الذي لا ينازع رجلا يقال له العكبر بن جدير الاسدي وكان فارس أهل الشام الذي لا ينازع عوف بن مجزأة المرادي وكان العكبر له عبارة ولسان لا يطاق فلما خرج الناس إلى مصافهم خرج المرادى نادرا من الناس وكذلك كان يصنع وقد كان قتل قبل ذلك نفرا [من أهل العراق] مبارزة فنادى يا أهل العراق هل من رجل عصاه سيفه يبارزني ولا أغركم من نفسي فأنا عوف بن مجزأة فارس زوف فصاح الناس بالعكبر فخرج إليه منقطعا من أصحابه والناس وقوف ووقف المرادي مرتجزا فبرز إليه العكبر وارتجز فاطعنا فصرعه العكبر فقتله ومعاوية على التل في أناس من قريش وأناس من الناس قليل فوجه العكبر فرسه فملا فروجه ركضا ويضربه بالسوط [مسرعا] نحو التل فنظر إليه معاوية فقال: إن هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن فاسألوه فأتاه رجل فناداه فلم يجبه فمضى حتى انتهى إلى معاوية وجعل يطعن في أعراض الخيل ورجا العكبر أن يفردوا له معاوية فقتل رجلا وقام القوم دون معاوية بالسيوف والرماح فلما لم يصل إلى معاوية نادى أولى لك يا ابن هند أنا الغلام الاسدي ورجع إلى علي عليه السلام فقال [له علي] عليه السلام: ماذا دعاك إلى ما صنعت يا عكبر لا تلق نفسك إلى الهلكة قال: أردت غرة ابن هند فحيل بيني وبينه. وانكسر أهل الشام لقتل المرادي ونذر معاوية (1) دم العكبر فقال العكبر: يد الله فوق يد معاوية فأين دفاع الله عن المؤمنين.


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي كتاب صفين: " وهدر ".

[519]

ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الانصار وكان طلائع أهل الشام وأهل العراق يلتقون فيما بين ذلك ويتناشدون الاشعار ويفخر بعضهم على بعض ويحدث بعضهم بعضا على أمان. 439 - قال نصر: وروى عمر بن سعد، عن عبد الرحمان بن عبد الله أن عبد الله بن كعب قتل يوم صفين فمر به الاسود بن قيس وهو بآخر رمق فقال: عز علي والله مصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ولو أعرف الذي أشعرك لاحببت أن لا يزايلني حتى [أقتله أو] يلحقني بك ثم نزل إليه فقال: والله إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت من الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله. قال: أوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين حتى يظهر الحق أو تلحق بالله وأبلغه عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب ثم لم يلبث أن مات. فأقبل الاسود إلى علي عليه السلام فأخبره فقال: يرحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة (1). ثم إن عليا عليه السلام غلس بالناس بصلاة الفجر ثم زحف بهم فخرج الناس على راياتهم وأعلامهم وزحف إليهم أهل الشام. 440 - قال نصر: وحدثني عمرو بن شمر عن جابر عن عامر عن صعصعة بن صوحان والحارث بن أدهم أن أبرهة بن الصباح قام فقال: ويلكم يا معشر أهل اليمن والله إني لاظن الله آذن بفنائكم ويحكم خلوا بين هذين الرجلين فليقتتلا فأيهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا وكان [أبرهة] من أصحاب معاوية.


(1) والحديث رواه أيضا أبو جعفر الاسكافي المتوفى: (240) في كتاب المعيار والموازنة ص 156، ط 1. ورواه أيضا الطبري في وقعة صفين من تاريخ الامم والملوك: ج 4 ص 32 وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 46.

[520]

فبلغ ذلك عليا عليه السلام فقال: صدق أبرهة بن الصباح والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا مني بهذه. وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف وقال لمن حوله (1) والله إنى لاظنه مصابا في عقله فارتج أهل الشام يقولون: والله إن أبرهة لافضلنا دينا ورأيا وبأسا ولكن معاوية كره مبارزة علي عليه السلام. وبرز يومئذ عروة بن داود الدمشقي فقال: إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إلي فتقدم إليه علي وحمل عليه وقتله ثم قال: يا عروة اذهب فاخبر قومك أما والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين. فنظر إليه معاوية وكان واقفا على التل فقال: والله لقد دعاني علي إلى البراز حتى لقد استحييت من قريش. وإنما أراد بذلك [أن يبرز إليه] بسر بن أرطاة فقبل بسر أن يبارزه عليه السلام ثم ندم واستحيا من الاستعفاء فغدا علي عليه السلام منقطعا من خيله ومعه الاشتر وهو يريد التل فاستقبله بسر قريبا من التل فطعنه وهو لا يعرفه فاتقاه بسر برجله فانكشف عورته فانصرف علي عليه السلام عنه وناداه الاشتر يا أمير المؤمنين إنه بسر قال: دعه عليه لعنة الله (2).


(1) كذا في كتاب صفين ص 457، وفي ط الكمباني من البحار: " قال معاوية نحو هذا في آخر الصفوف: والله إني لاظنه مصابا في عقله ". (2) وهذا اختصار مخل، وحري بنا أن نذكر القصة بحذف الابيات نقلا عن الجزء (7) من كتاب صفين ص 458 تتميما للفائدة، قال: وبرز يومئذ عروة بن داود الدمشقي فقال: إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إلي ! !. فتقدم إليه علي [عليه السلام] فقال له أصحابه: ذر هذا الكلب فإنه ليس لك بخطر [يعني أنه ليس بأهل أن يبارزه مثلك]. فقال [علي]: والله ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه دعوني وإياه ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين سقطت إحداهما يمنة والاخرى يسرة.

[521]


فارتج العسكران لهول الضربة ! ! ! ثم قال: إذهب يا عروة فأخبر قومك، أما والذي بعث محمدا بالحق نبيا لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين. وقال ابن عم لعروة: واسوء صباحا، قبح الله البقاء بعد أبي داود [ف‍] حمل على علي فطعنه فضرب [علي] الرمح فبراه ثم قنعه ضربة فألحقه بأبي داود، ومعاوية واقف على التل يبصر ويشاهد [ما جرى] فقال: تبا لهذه الرجال وقبحا أما فيهم من يقتل هذا مبارزة أو غيلة أو في اختلاف الفيلق وثوران النقع ؟ ! فقال [له] الوليد بن عقبة: ابرز إليه أنت فإنك أولى الناس بمبارزته ! ! فقال [معاوية]: والله لقد دعاني إلى البراز حتى استحييت من قريش وإني والله لا أبرز إليه، ما جعل العسكر بين يدي الرئيس إلا وقاية له. فقال عتبة بن أبي سفيان: ألهوا عن هذا كأنكم لم تسمعوا نداءه فقد علمتم أنه قتل حريثا وفضح عمرا ولا أرى أحدا يتحكك به إلا قتله. فقال معاوية لبسر بن أرطأة: أتقوم لمبارزته ؟ فقال: ما أحد أحق بها منك، وإذ أبيتموه فأنا له. فقال له معاوية: أما إنك ستلقاه في العجاجة غدا في أول الخيل... فغدا علي [عليه السلام] منقطعا من خيله ومعه الاشتر وهو يريد التل وهو يقول: إني علي فاسألوا لتخبروا * ثم ابرزوا إلى الوغى أو أدبروا سيفي حسام وسناني أزهر * منا النبي الطيب المطهر وحمزة الخبر ومنا جعفر * له جناح في الجنان أخضر ذا أسد الله وفيه مفخر * هذا وهذا وابن هند محجر مذبذب مطرد مؤخر فاستقبله بسر قريبا من التل وهو مقنع في الحديد لا يعرف، فناداه ابرز إلي أبا حسن. فانحدر إليه علي [عليه السلام] على تؤدة غير مكترث حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع، فألقاه على الارض، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه فاتقاه بسر [بعورته] وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه ! ! ! فانصرف عنه علي عليه السلام مستدبرا له، فعرفه الاشتر حين سقط، فقال: يا أمير المؤمنين هذا بسر بن أرطأة عدو الله وعدوك. فقال: دعه عليه لعنة الله أبعد أن فعلها ؟ ! !... وقام بسر من طعنة علي [موليا] وولت خيله، وناداه علي [عليه السلام]: يا بسر معاوية كان أحق بهذا منك ! ! !

[522]

وحمل ابن عم لبسر على علي عليه السلام فطعنه الاشتر فكسر صلبه وقام بسر من طعنة علي وولت خيله فقال له معاوية قد أدال الله عمروا منك فكان بسر بعد ذلك إذا لقي الخيل التي فيها علي عليه السلام تنحى ناحية وتحامى فرسان أهل الشام عليا عليه السلام. 441 - وعن عمر بن سعد بإسناده قال: كان من أهل الشام بصفين رجل يقال له الاصبغ بن ضرار وكان يكون طليعة ومسلحة [لمعاوية] فندب علي عليه السلام له الاشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل وكان علي عليه السلام ينهى عن قتل الاسير الكاف فجاء به ليلا وشد وثاقه وألقاه مع أضيافه ينتظر به الصباح فأنشد فيها أشعارا أثرت في الاشتر فغدا به الاشتر على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل من المسلحة لقيته بالامس فوالله لو علمت أن قتله الحق قتلته وقد بات عندنا الليلة وحركنا بشعره فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه ! ! وإن كنت فيه بالخيار فهبه لنا. قال: هو لك يا مالك فإذا أصبت أسيرا فلا تقتله فإن أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل فرجع به الاشتر إلى منزله وقال: لك ما أخذنا منك ليس لك عندنا غيره. وذكروا أن عليا عليه السلام أظهر أنه مصبح معاوية ومناجزه فبلغ ذلك معاوية ففزع أهل الشام لذلك وانكسروا لقوله فكتب معاوية إليه عليه السلام: " أما بعد فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت ". إلى آخر ما سيأتي برواية سليم الهلالي وما جرى بين معاوية وبين عمرو في ذلك. قال: ثم إن عليا عليه السلام غلس بالناس صلاة الغداة ثم زحف إليهم فخرج الناس على راياتهم وأعلامهم وزحف إليهم أهل الشام إلى آخر ما سيأتي.

[523]

توضيح: قوله: " لا تنسى شيباء " هذا مثل لمن وقع به من رجل سوء شديد وضرر عظيم فإنه لا ينساها ويظهر من المثل أن مضربها امرأة تزوجت رجلا فلما كان ليلة الزفاف غلب على زوجها رجل فقتله وأخذها قهرا فإنها لا تنسى تلك الواقعة أبدا فمثل بذلك قتل عثمان وأخذ الخلافة لامير المؤمنين عليه السلام. قال الجوهري: " باتت فلانة بليلة شيباء " بالاضافة إذا افتضت. وباتت بليلة حرة إذا لم تفتض. وقال الفيروز آبادي: باتت بليلة شيباء بالاضافة وبليلة الشيباء إذا غلبت على نفسها ليلة هدائها. وقال: العذرة: البكارة ومفتضها أبو عذرها. وفي بعض الكتب: يقال: فلان أبو عذرة هذا الكلام أي هو الذي اخترعه ولم يسبقه إليه أحد وهو مستعار من قولهم أبو عذرتها أي هو الذي افتض بكارتها ويقال: إن المرأة لا تنسى أبا عذرتها. وقال الميداني في مجمع الامثال: لا تنسى المرأة أبا عذرها وقاتل بكرها أي أول من ولدها يضرب في المحافظة على الحقوق انتهى. والاظهر هنا ما ذكرنا. وقال [ابن الاثير] في [مادة " حمر " من كتاب] النهاية: في حديث علي عليه السلام قيل له: غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم والروم، والعرب تسمى الموالي الحمراء [و] في حديث عبد الملك: " أراك أحمر قرفا قال الحسن: أحمر " يعني أن الحسن في الحمرة ومنه قول الشاعر: وإذا ظهرت تقنعي * بالحمر إن الحسن أحمر وقيل: كني بالاحمر عن المشقة والشدة أي من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها انتهى.

[524]

قوله: " وخضدت السهام " الخضد: الكسر والقطع وفي بعض النسخ بالمهملتين على الاستعارة. وقال الجوهري: العتم: الابطاء. ويقال: ما عتم أن فعل كذا - بالتشديد - أي ما لبث وما أبطأ. وقال في النهاية: الاهوج: المتسرع إلى الامور كما يتفق. وقيل: الاحمق القليل الهداية انتهى. والتقويض: الهدم. والرهج: بالتحريك: الغبار. ويقال: قصبه يقصبه أي عابه. وأبسلت فلانا: أسلمته للهلكة. وقال في النهاية: في حديث الحسن: لا يزال أمر هذه الامة أمما ما ثبتت الجيوش في أماكنها. الامم: القرب واليسير. وقال الجوهري: قال ابن السكيت: الامم: بين القريب والبعيد وهو من المقاربة. والامم: الشئ اليسير ويقال: أخذت ذلك من أمم أي من قرب. وداري أمم داره أي مقابلتها. والقرن: الذوابة والخصلة من الشعر. وبالتحريك: السيف والنبل. والاول أنسب. والحضر بالحاء المهملة محركة: ضيق الصدر والعي في المنطق. وبالخاء المعجمة: وسط الانسان. وكشح مخصر: دقيق. وقال الجوهري: الطفل بالفتح: الناعم يقال: جارية طفلة وبنان طفل انتهى أي يعرف النساء المخدرات النواعم ذلك فكيف الرجال. والخنشليل: الماضي. والرعيل: القطعة من الخيل ومقدمتها. ويقال: ارتث فلان على ما لم يسم فاعله أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق والفنيق: الفحل المكرم والمقرم: البعير لا يحمل عليه ولا يذلل. وقال في القاموس: راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا: مال وحاد عن الشئ والمراوغة: المصارعة وأن يطلب بعض القوم بعضا. وقال: الطفيشل كسميدع: نوع من المرق.

[525]

وفي النهاية: في حديث فاطمة أنها جات النبي صلى الله عليه وآله ببرمة فيها سخينة أي طعام حار. وقيل طعام يتخد من دقيق وسمن. وقيل: دقيق وتمر أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة انتهى. والشغب: تهييج الشر. واطعنا على بناء الافتعال أي طعن كل منهما صاحبه. وفي النهاية: وفي حديث أبي جعفر الانصاري: " فملات ما بين فروجي " جمع فرج وهو ما بين الرجلين يقال للفرس: ملا فروجه وفرجه إذا عدا وأسرع، وبه سمي فرج الرجل والمرأة لانهما بين الرجلين. وقال: إشعار البدن هو أن يشق أحد جانبي السنام حتى يسيل دمها ويجعل ذلك علامة يعرف بها أنها هدي ومنه حديث مكحول: لا سلب إلا لمن أشعر علجا أو قتل أي طعنه حتى يدخل السنان جوفه. 442 - أقول: ثم قال ابن أبي الحديد (1): قال نصر بن مزاحم في [الجزء (7) من] كتاب صفين - وهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال وهو من رجال أصحاب الحديث -: حدثنا عمرو بن شمر عن أبي ضرار عن عمار بن ربيعة قال: غلس علي عليه السلام صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الاول سنة سبع وثلاثين وقيل: عاشر صفر ثم زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق والناس على راياتهم وأعلامهم وزحف إليهم أهل الشام وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعا قد ملوا الحرب وكرهوا القتال وتضعضعت أركانهم.


(1) رواه في شرحه عليه المختار: (35) من نهج البلاغة: ج 1، ص 419 ط الحديث ببيروت. ورواه نصر بن مزاحم في الجزء: (7) من كتاب صفين 473 ط مصر، وللكلام مصادر أخر يجد الباحث بعضها في ذيل المختار: (214) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 225 ط 1.

[526]

قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح فجعل يضرب رؤوس أهل العراق بالقناة ويقول: سووا صفوفكم رحمكم الله حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي جعل فينا ابن عم نبيه أقدمهم هجرة وأولهم إسلاما سيف من سيوف الله صبه الله على أعدائه فانظروا إذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسر المران وجالت الخيل بالابطال فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة فاتبعوني وكونوا في أثري قال: ثم حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو الاشتر. قال: وخرج رجل من أهل الشام ونادى بين الصفين: يا أبا الحسن يا علي ابرز إلي فخرج إليه علي عليه السلام حتى اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين فقال: إن لك يا علي لقدما في الاسلام والهجرة فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب حتى ترى رأيك ؟ قال: وما هو ؟ قال: ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ونرجع نحن إلى شامنا فتخلي بيننا وبين الشام. فقال علي عليه السلام: قد عرفت ما عرضت إن هذه لنصيحة وشفقة ولقد أهمني هذا الامر وأسهرني وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله إن الله تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الارض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر فوجدت القتال أهون علي من معالجة الاغلال في جهنم. قال: فرجع الرجل وهو يسترجع وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق ومن

[527]

جبال تهامة يدك بعضها بعضا وانكسفت الشمس بالنقيع وثار القطام والقسطل فضلت الالوية والرايات (1) وأخذ الاشتر يسير فيما بين اليمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالاقدام على التي تليها فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة فلم يزل الاشتر يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة خلف ظهره وافترقوا على سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة وهي ليلة الهرير المشهورة وكان الاشتر في ميمنة الناس وعلي عليه السلام في القلب والناس يقتتلون ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى والاشتر يقول لاصحابه - وهو يزحف بهم نحو أهل الشام -: ازحفوا قيد رمحي هذا ويلقي رمحه فإذا فعلوا ذلك قال: ازحفوا قاب هذه القوس (2) فإذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس من الاقدام فلما رأى ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم. ثم دعا بفرسه وركز رايته وكانت مع حيان بن هوذة النخعي وسار بين الكتائب وهو يقول: ألا من يشرى نفسه لله ويقاتل مع الاشتر حتى يظهر أمر الله أو يلحق بالله ؟ فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه فيقاتل معه. 443 - قال نصر: وحدثني عمر بن سعد عن أبي ضرار عن عمار بن ربيعة قال: مر بي الاشتر فأقبلت معه حتى رجع إلى المكان الذي كان به فقام في أصحابه فقال: شدوا فداء لكم عمي وخالي شدة ترضون بها الله وتعزون بها الدين إذا أنا حملت فاحملوا ثم نزل يضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته: اقدم فتقدم بها ثم شد على القوم وشد معه أصحابه فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى معسكرهم فقاتلوا عند المعسكر قتالا شديدا وقتل صاحب رايتهم وأخذ علي عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال.


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي المطبوع: " وسار... فظلمت الالوية... " والقتام كالقسطل: الغبار. (2) القيد والقيد والقاد والقاب: القدر.

[528]

444 - وروى نصر عن رجاله قال: لما بلغ القوم إلى ما بلغوا إليه قام علي عليه السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس قد بلغ بكم الامر وبعدوكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس وإن الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا وأنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله. قال فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص وقال: يا عمرو إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفضل فما ترى ؟ قال: إن رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله وهو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم وأهل الشام لا يخافون عليا إن ظفر بهم ولكن الق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا إن ردوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم فإنك بالغ به حاجتك في القوم وإني لم أزل أدخر هذا الامر لوقت حاجتك إليه فعرف معاوية ذلك وقال له: صدقت. 445 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر بن عمير الانصاري قال: والله لكأني أسمع عليا عليه السلام يوم الهرير وذلك بعدما طحنت رحا مذحج فيما بينها وبين عك ولخم وجذام والاشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي حتى استقلت الشمس وقام قائم الظهيرة وعلي عليه السلام يقول لاصحابه: حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا [فنيتا " خ "] وأنتم وقوف تنظرون أما تخافون مقت الله ؟ ثم انقتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله عزوجل ثم نادى: يا الله يا رحمان يا واحد يا صمد يا الله يا إله محمد إليك اللهم نقلت الاقدام وأفضت القلوب ورفعت الايدي ومدت الاعناق وشخصت الابصار وطلبت الحوائج.


(1) هكذا صوبه محقق كتاب صفين نقلا عن ترجمة الرجل من كتاب الاصابة: ج 1، ص 1030، وفي ط: ج 1، ص 215. وذكره أيضا أبو عمر في كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 1، ص 223. وفي الطبعة القديمة من كتاب صفين: " عن جابر بن نمير... ". وفي ط الكمباني من كتاب البحار: " عن جابر، عن تميم الانصاري... ".

[529]

اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. سيروا على بركة الله ثم نادى: لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى. قال: فلا والذي بعث محمدا بالحق نبيا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السموات والارض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول: معذرة إلى الله وإليكم من هذا لقد هممت [مرات] أن أفلقه (1) ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول كثيرا: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وأنا أقاتل به دونه عليه السلام. قال: فكنا نأخذه ونقومه ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به عرض الصف فلا والله ما ليث بأشد نكاية منه في عدوه (2). 446 - وعن عمرو بن شمر عن جابر عن تميم بن حذيم (3) قال: لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام أهل الشام في وسط الفيلق حيال موقف علي عليه السلام ومعاوية فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح وهي عظام مصاحف العسكر وقد شدوا ثلاثة رماح جميعا وربطوا عليها مصحف المسجد الاعظم يمسكه عشرة رهط.


(1) كذا في جميع ما رأيناه من المصادر الاصلية، وصوبه بعضهم ب‍ " أصقله " قال: إنما أراد أن يصقله ليزيل عنه ما به من الفقار وهي الخفر الصغار. (2) وتقدم قريب منه في آخر الصفحة 487 ط الكمباني. وقريب منه يجئ أيضا في ص 627. وقريبا منه رواه أيضا الجلودي في كتاب صفين من تأليفه كما رواه عنه المصنف في القسم الثاني من المجلد (19) من بحار الانوار ص 335، وفي ج 18 ص 379. (3) ويقال له أيضا تميم بن حذلم - كجعفر - من أصحاب عبد الله بن مسعود، وهو من رجال الصحاح الست السنية مترجم في حرف التاء من كتاب تهذيب التهديب: ج 1، ص 512 وذكر توثيقه عن ابن سعد وابن حبان بلا معارض قال: وقد قيل: إن كنيته أبو حذلم. وذكر في هامش كتاب صفين أنه مات سنة: (100). (*)

[530]

447 - قال نصر: وقال أبو جعفر وأبو الطفيل: استقبلوا عليا بمائة مصحف ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف وكان جميعها خمسمائة مصحف. قال أبو جعفر عليه السلام: ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي عليه السلام وقام أبو شريح حيال الميمنة وورقاء بن المعتمر حيال الميسرة ثم نادوا يا معشر العرب الله الله في النساء والبنات والابناء من الروم والاتراك وأهل فارس غدا إذا فنيتم الله الله في دينكم هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال علي عليه السلام: اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون فاحكم بيننا وبينهم إنك أنت الحكم الحق المبين. فاختلف أصحاب علي عليه السلام في الرأي فطائفة قالت: القتال، وطائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها. 448 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لما كان اليوم الاعظم قال أصحاب معاوية: والله لا نبرح اليوم العرصة حتى نموت أو يفتح لنا. وقال أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام مثل ذلك فباكروا القتال غدوة في يوم من أيام الشعرى طويل شديد الحر فتراموا حتى فنيت النبال وتطاعنوا حتى تقصفت الرماح ثم نزل القوم عن خيولهم ومشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى تكسرت جفونها وقال الفرسان في الركب ثم اضطربوا بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا تغمغم القوم وصليل الحديد في الهام وتكادم الافواه وكسفت الشمس وثار القتام وضلت الالوية والرايات ومرت مواقيت أربع صلوات ما يسجد فيهن لله إلا تكبيرا ونادت المشيخة في تلك الغمرات: يا معشر العرب الله الله في الحرمات من النساء والبنات. قال جابر: فبكى أبو جعفر عليه السلام وهو يحدثنا بهذا الحديث قال: وأقبل الاشتر على فرس كميت محذوف قد وضع مغفره على قربوس السرج

[531]

وهو يقول: اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمي الوطيس ورجعت الشمس من الكسوف واشتد القتال وأخذت السباع بعضها بعضا. فقال رجل في تلك الحال: أي رجل هذا لو كانت له نية ؟ ! فقال له صاحبه: وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك إن رجلا فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب وقد غلت هام الكماة من الحر وبلغت القلوب الحناجر وهو كما تراه جذعا (1) يقول هذه المقالة اللهم لا تبقنا بعد هذا. 449 - قال نصر: وروى الشعبي عن صعصعة أنه بدر من الاشعث بن قيس ليلة الهرير قول نقله الناقلون إلى معاوية فاغتنمه وبنا عليه تدبيره وذلك أنه خطب أصحابه من كندة تلك الليلة وقال في خطبته: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي وقد فنى فيه من العرب فو الله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط ألا فليبلغ الشاهد الغائب وإنا إن نحن تواقفنا غدا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات. [أ] و [قال] نحو ذلك مما يخذلهم عن القتال. فلما بلغ ذلك معاوية قال: أصاب ورب الكعبة فدبر تلك الليلة ما دبر من رفع المصاحف على الرماح فأقبلوا بالمصاحف ينادون كتاب الله بيننا وبينكم.


(1) هذا هو الظاهر المذكور في طبعة مصر من كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد أي هو نشيط ومجد في حربه وجهاده مع المنافقين والباغين كنشاط الشاب الحدث السن في بداية عمله وابتداء شغله. وأصل الجذع - على زنة سبب -: الاخذ في الشئ حديثا. والمراد هنا لازم هذا المعنى أي أنه نشيط يعمل بقوة واستعجال كأنه بدأ بالامر الآن. وأيضا " الجذع ": الشاب الحدث الصغير السن. ويصح ها هنا إرادة هذا أيضا كلازمه. وفي طبع الكمباني من البحار: " وهو كما ترى جذع... ".

[532]

قال فجاء عدي بن حاتم فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم تصب منا عصبة إلا وقد أصيب منهم مثلها وكل مقروح ولكنا أمثل بقية منهم وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب فناجزهم. وقام الاشتر فقال: يا أمير المؤمنين إن معاوية لا خلف له من رجاله ولك بحمد الله الخلف ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نصرك فاقرع الحديد بالحديد واستعن بالله المجيد. وقال عمرو بن الحمق: يا أمير المؤمنين إنا والله ما أجبناك ولا نصرناك على الباطل ولا أجبنا إلا الله ولا طلبنا إلا الحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه لاستشرى فيه اللجاج وطال فيه النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي. فقام الاشعث مغضبا فقال: يا أمير المؤمنين إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس وليس آخر أمرنا كأوله وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لاهل الشام مني فأجب القوم إلى كتاب الله عزوجل فإنك أحق به منهم وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال. فقال علي عليه السلام هذا أمر ينظر فيه. ونادى الناس من كل جانب الموادعة الموادعة. وفي حديث عمر بن سعد قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح قال علي عليه السلام: أيها الناس إني أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرح وابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني أعرف بهم منكم صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شر صغار وشر رجال ويحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل إنهم ما رفعوها وإنهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعة ولم يبق إلا أن يقطع دابر الظالمين.

[533]

فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين [قالوا:] يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا إبن عفان فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال لهم [علي عليه السلام]: ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعا إلى كتاب الله فلا أقبله إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده ونبذوا كتابه ولكني قد أعملتكم أنهم قد كادوكم وأنهم ليس العمل بالقرآن يريدون. قالوا: فابعث إلى الاشتر ليأتيك. - وقد كان الاشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله -. 450 - قال نصر: فحدثني فضيل بن خديج قال: سأل مصعب [ابن الزبير] إبراهيم بن الاشتر عن الحال كيف كانت ؟ فقال: كنت عند علي عليه السلام حين بعث إلى الاشتر ليأتيه وقد كان الاشتر أشرف على عسكر معاوية ليدخله فأرسل إليه علي عليه السلام يزيد بن هانئ أن ائتني فأتاه فأبلغه فقال له الاشتر: آتيه فقل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي إني قد رجوت الفتح فلا تعجلني. فرجع يزيد إليه عليه السلام فأخبره فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الاصوات من قبل الاشتر وظهرت دلايل الفتح والنصر لاهل العراق ودلائل الخذلان والادبار على أهل الشام فقال القوم لعلي: ما نراك أمرته إلا بالقتال ! ! قال: أرأيتموني ساررت رسولي إليه ؟ أليس إلا كلمته على رؤوسكم (1) علانية وأنتم تسمعون ؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك. فقال: ويحك يا يزيد قل له: أقبل إلي فإن


(1) كذا في أصلي من طبعة الكمباني، وفي كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد: " أليس إنما كلمته ".

[534]

الفتنة قد وقعت. فأتاه فأخبره فقال الاشتر: أبرفع هذه المصاحف (1) قال: نعم. قال: أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة إنها مشورة ابن النابغة ثم قال ليزيد بن هانئ: ويحك ألا ترى إلى الفتح ؟ ألا ترى إلى ما يلقون ؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ فقال له: يزيد أتحب أنك ظفرت ها هنا وأن أمير المؤمنين عليه السلام بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه ويسلم إلى عدوه ؟ فقال: سبحان الله لا والله لا أحب ذلك. قال: فإنهم قد قالوا له وحلفوا عليه: لترسلن إلى الاشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك. فأقبل الاشتر حتى انتهى إليهم فصاح: يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله فيها وتركوا سنة من أنزلت عليه فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا نمهلك. قال: فأمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر. قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك قال: فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم متى كنتم محقين ؟ أحين كنتم تقتلون أهل الشام ؟ فأنتم الآن حيت أمسكتم عن قتالهم مبطلون ؟ أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون ؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وأنهم خير منكم في النار قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا فقال: خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون فسبوه وسبهم وضربوا بسياطهم وجه دابته وضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح بهم علي عليه السلام فكفوا.


(1) كذا في أصلي ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 50 وكتاب صفين ص 490: " الرفع... ".

[535]

وقال الاشتر: يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف تصرع القوم. فتصايحوا أن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضي بحكم القرآن. فقال الاشتر: إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي فقد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين. فأقبل الناس يقولون: قد رضي أمير المؤمنين عليه السلام قد قبل أمير المؤمنين عليه السلام وهو ساكت لا يفيض بكلمة مطرق إلى الارض (1) ثم قام فسكت الناس كلهم فقال: أيها الناس إن أمرى لم يزل معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وأخذت من عدوكم فلم تترك وإنها فيهم أنكى وأنهك ألا وإني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأمورا وكنت ناهيا فأصبحت منهيا وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون. ثم قعد ثم تكلم رؤساء القبائل فكل قال ما يراه ويهواه إما من الحرب أو من السلم. 451 - قال ابن أبي الحديد (2): وذكر ابن ديزيل في كتاب صفين قال: خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية فارتجز فخرج إليه جارية بن قدامة ثم إطعنا فلم يصنعا شيئا وانصرف كل واحد منهما عن صاحبه فقال عمرو بن العاص لعبد الرحمن: اقحم يا ابن سيف الله فتقدم عبد الرحمن بلوائه وتقدم أصحابه فأقبل علي عليه السلام على الاشتر فقال له: قد بلغ لواء معاوية حيث ترى فدونك القوم فأخذ الاشتر لواء علي عليه السلام وارتجز وضارب القوم حتى ردهم فانتدب له همام بن قبيصة وكان مع معاوية فشد عليه في مذحج فانتصر عدي بن حاتم للاشتر فحمل عليه في طي فاشتد القتال جدا.


(1) كذا في ط الكمباني من البحار، ومثله في الطبعة القديمة من كتاب صفين على ما حكي عنها وفي شرح ابن أبي الحديد: لا يبض.. (2) رواه في أواسط شرح المختار: (35) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 429 ط الحديث ببيروت.

[536]

فدعا علي عليه السلام ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى: أيها الناس من يشري نفسه لله ؟ إن هذا يوم له ما بعده فانتدب معه ما بين عشرة آلاف إلى إثني عشر ألفا فتقدم علي عليه السلام وقال: دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * وأصبحوا في أمركم وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتوا وحمل الناس كلهم حملة واحدة فلم يبق لاهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا معاوية بفرسه ليفر عليه فكان معاوية بعد ذلك يحدث ويقول لما وضعت رجلي في الركاب ذكرت قول عمرو بن الاطنابة: أبت لي عفتي وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح وقولي لكما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي فأخرجت رجلي من الركاب وأقمت ونظرت إلى عمرو فقلت له: اليوم صبر وغدا فخر. فقال: صدقت فكان ذلك يوم الهرير ورفعت المصاحف بعده. وروى إبراهيم [بن ديزيل] عن ابن لهيعة (1) عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط قال: شهدنا صفين فمطرت السماء علينا دما عبيطا. قال: وفي حديث الليث بن سعد: إن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية. وفي حديث ابن لهيعة: حتى أن الصحاف والآنية لتمتلئ ونهريقها وذلك في يوم الهرير وفزع أهل الشام وهموا أن يتفرقوا فقام عمرو بن العاص فيهم فقال: أيها الناس إنما هذه آية من آيات الله فأصلح أمرؤ ما بينه وبين الله ثم لا عليه أن ينتطح هذا الجبلان فأخذوا في القتال.


(1) هذا هو الظاهر المذكور في شرح ابن أبي الحديد، ط بيروت، وفي ط الكمباني من البحار: " وروي عن إبراهيم، عن أبي لهيعة... ".

[537]

وعن ابن عباس قال: حدثني معاوية إنه كان يومئذ قد قرب إليه فرس له أنثى بعيدة البطن من الارض ليهرب عليها حتى أتاه آت من أهل العراق فقال له: إني قد تركت أصحاب علي عليه السلام في مثل ليلة الصدر من منى فأقمت. قال نصر وإبراهيم أيضا: وكتب معاوية إلى علي عليه السلام: أما بعد إن هذا الامر قد طال بيننا وبينك وكل منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه ولن يعطي واحد منا الطاعة للآخر وقد قتل فيما بيننا بشر كثير وأنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى وإنا سوف نسأل عن هذه المواطن ولا يحاسب به غيري وغيرك وقد دعوتك إلى أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة وصلاح للامة وحقن الدماء وذهاب للضغائن والفتن وأن تحكم بيني وبينك حكمين مرضيين أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك فيحكمان بيننا بما أنزل الله فهو خير لي ولك واقطع لهذه الفتن فاتق الله فيما دعيت إليه وارض بحكم القران إن كنت من أهله والسلام. فكتب إليه علي عليه السلام. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء المسلم نفسه اتباع ما حسن به فعله واستوجب فضله وسلم من عيبه، وإن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه ويبديان من خلله عند من يغنيه ما استرعاه الله ما لا يغني عنه تدبيره. فاحذر الدنيا فإنه لا فرح في شئ وصلت إليه منها ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته وقد رام قوم أمرا بغير الحق وتأولوه على الله جل وعز فأكذبهم ومتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ. فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ويندم فيه من أمكن الشيطان من قيادة ولم يحاده وغرته الدنيا واطمئن إليها.

[538]

ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن وقد علمت أنك لست من أهل القرآن ولا حكمه تريد والمستعان الله فقد أجبنا القرآن إلى حكمه ولسنا إياك أجبنا نعم فبيننا وبينك حكم القرآن (1) ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا. فكتب معاوية إلى أمير المؤمنين: أما بعد عافانا الله وإياك فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وألفة [ما] بيننا وقد فعلت الذي فعلت وأنا أعرف حقي ولكني اشتريت بالعفو صلاح الامة ولم أكثر فرحا بشئ جاء ولا ذهب وإنما أدخلني في هذا الامر القيام بالحق فيما بين الباغي والمبغي عليه والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك فإنه لا يجمعنا وإياكم إلا هو نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن والسلام. قال نصر: فكتب علي عليه السلام إلى عمرو بن العاص يعظه ويرشده: أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ولن يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا يزيده فيها رغبة ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغ ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره فلا تحبط أبا عبد الله أجرك ولا تجار معاوية في باطله والسلام. فكتب إليه عمرو بن العاص الجواب: أما بعد فالذي فيه صلاحنا وألفتنا الانابة إلى الحق، وقد جعلنا القرآن بيننا حكما وأجبنا إليه فصبر الرجل منا نفسه على ما حكم عليه القرآن وعذره الناس بعد المحاجرة والسلام.


(1) كذا في ط الكبماني من البحار، وجملة: " نعم فبيننا وبينك حكم القرآن " غير موجودة في شرح ابن أبي الحديد طبع الحديث ببيروت ج 1، ص 432، وفيه: " والله المستعان فقد أجبنا القرآن إلى حكمه ولسنا إياك أجبنا، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا ". ورواه نصر في آخر الجزء (7) من كتاب صفين من 493 ط مصر، وفيه: " ولست حكمه تريد، والله المستعان، وقد أجبنا القرآن إلى حكمه... ".

[539]

فكتب إليه علي عليه السلام أما بعد فإن الذي أعجبك من الدنيا مما نازعتك إليه نفسك ووثقت به منها لمنقلب عنك ومفارق لك فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة ولو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقي وانتفعت منها بما وعظت به والسلام. فأجابه عمرو: أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن إماما ودعا الناس إلى أحكامه فاصبر أبا حسن فإنا غير منيليك إلا ما أنالك القرآن والسلام. قال نصر: وجاء الاشعث إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى الناس إلا وقد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ونظرت ما الذي يسأل ؟ قال: أئته إن شئت فأتاه فسأله: يا معاوية لاي شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به فيها فابعثوا رجلا منكم ترضون به ونبعث منا رجلا ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ولا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه. فقال الاشعث: هذا هو الحق وانصرف إلى علي عليه السلام فأخبره فبعث علي عليه السلام قراء من أهل العراق وبعث معاوية قراء من أهل الشام فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوه واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ويميتوا ما أمات القرآن ورجع كل فريق إلى صاحبه فقال أهل الشام: إنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص. وقال الاشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد: وقد رضينا نحن واخترنا أبا موسى الاشعري. فقال: لهم علي عليه السلام: فإني لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه. فقال الاشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة: إنا لا نرضى إلا به فإنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه ! فقال عليه السلام: فإنه ليس لي برضا وقد فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى آمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك. قالوا: والله ما نبالي أكنت أنت أو ابن عباس ولا نريد إلا رجلا هو منك

[540]

ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما أدنى من الآخر فقال علي عليه السلام فإني أجعل الاشتر. فقال الاشعث: وهل سعر الارض علينا إلا الاشتر وهل نحن إلا في حكم الاشتر ؟ قال علي عليه السلام: وما حكمه ؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيف حتى يكون ما أردت وما أراد. 452 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: لما أراد الناس عليا أن يضع الحكمين قال لهم: إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الامر أحدا هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص وإنه لا يصلح للقرشي إلا القرشي فعليكم بعبدالله بن العباس فارموه به فإن عمروا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله ولا يحل عقدة إلا عقدها ولا يبرم أمرا إلا نقضه ولا ينقض أمرا إلا أبرمه. فقال الاشعث: لا والله لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة ولكن نجعل رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من أهل مضر فقال عليه السلام: إني أخاف أن يخدع يمنيكم فإن عمروا ليس من الله في شئ إذا كان له في أمر هوى. فقال الاشعث: والله لان يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما وهما مضريان. قال وذكر الشعبي أيضا مثل ذلك. قال نصر: وفي حديث عمرو: فقال علي عليه السلام: قد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما شئتم. فبعثوا إلى أبي موسى وهو بأرض من أرض الشام يقال لها عرض (1) قد اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال: إن الناس قد اصطلحوا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: وقد جعلوك حكما. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر علي عليه السلام.


(1) قيل: إنه بلد بين تدمر ورصافة الشام

[541]

وجاء الاشتر عليا فقال: يا أمير المؤمنين الزني بعمرو بن العاص (1) فوالله الذي لا إله غيره لئن ملئت عيني منه لاقتلنه. وجاء الاحنف بن قيس عليا عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الارض ومن حارب الله ورسوله أنف الاسلام وإني قد عجمت هذا الرجل يعني أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر كليل المدية وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم ويتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم فإن شئت أن تجعلني حكما فاجعلني وإن شئت أن تجعلني ثانيا أو ثالثا فإن عمروا لا يعقد عقدة إلا عقدت لك أشد منها. فعرض علي عليه السلام ذلك على الناس فأبوه وقالوا: لا يكون إلا أبو موسى. فبعث أيمن بن خريم الاسدي (2) وكان معتزلا لمعاوية بأبيات تدل على أن صلاحهم في اختيار ابن عباس وترك أبي موسى فطارت أهواء قوم من أولياء علي عليه السلام وشيعته إلى ابن عباس وأبت القراء إلا أبا موسى. قال نصر: فلما رضي أهل الشام بعمرو وأهل العراق بأبي موسى أخذوا في سطر كتاب الموادعة وكانت صورته: هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان. فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته ! وقال عمرو: لا بل نكتب اسمه واسم أبيه إنما هو أميركم فأما أميرنا فلا. فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه فقال الاحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك فإني أتخوف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا فلا تمحها.


(1) أي ألصقني به وألزمني إياه. (2) كذا في كتاب صفين ص 503 وشرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من كتاب البحار: " أيمن بن جرير الاسدي... ".

[542]

فقال علي عليه السلام: إن هذا اليوم كيوم الحديبية حين كتبت الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو أعلم أنك لرسول الله لم أقاتلك ولم أخالفك، إني لظالم لك إن منعتك أن تطوف بيت الله وأنت رسوله ولكن اكتب من محمد بن عبد الله. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إني لرسول الله وأنا محمد بن عبد الله ولن يمحوا عني الرسالة كتابي لهم من محمد بن عبد الله فاكتبها فامح ما أراد محوه أما إن لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد. 453 - قال نصر: وروي أن عمروا عاد بالكتاب إليه عليه السلام وطلب أن يمحو إسمه من إمرة المؤمنين فقص علي عليه وعلى من حضر قصة صلح الحديبية وقال: إن ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا وبني المشركين واليوم أكتبه إلى أبنائهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله كتبه إلى آبائهم شبها ومثلا فقال عمرو: سبحان الله أتشبهنا بالكفار ونحن مسلمون ؟ فقال علي عليه السلام: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للكافرين وليا وللمسلمين عدوا ؟ فقام عمرو وقال: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم. فقال علي عليه السلام أما والله إني لارجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك. (1) وجاءت عصابة قد وضعت سيوفها على عواتقها فقالوا: يا أمير المؤمنين مرنا بما شئت فقال لهم سهل بن حنيف: أيها الناس اتهموا رأيكم فلقد شهدنا صلح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا (2).


(1) كذا في أصلي ومثله في كتاب صفين، والصواب هو ما ورد في نفس القصة من تاريخ الطبري: " إني لارجو أن يطهر الله مجلسي منك... ". (2) وهذه القطعة من كلام سهل بن حنيف وجدتها في صحيح البخاري. ورواها أيضا الطبراني في ترجمة محمد بن حاتم المروزي من كتاب المعجم الصغير: ج 2 ص 6.

[543]

454 - وروى أبو إسحاق الشيباني أنه قيل لعلي عليه السلام - حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام -: أتقر أنهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال علي عليه السلام: ما أقر لمعاوية ولا لاصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون ولكن يكتب معاوية ما شاء ويقر بما شاء لنفسه ولاصحابه ويسمي نفسه بما شاء وأصحابه. فكتبوا: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي بن أبي طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين وقاضي معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين أنا ننزل عند حكم الله وكتابه (1) ولا يجمع بيننا إلا إياه وأن كتاب الله سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن فإن وجد الحكمان أن ذلك في كتاب الله اتبعناه وإن لم يجداه أخذا بالسنة العادلة غير المفرقة والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص. وقد أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين أنهما آمنان على أنفسهما وأموالهما وأهلهما والامة لهما أنصار وعلى الذي يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين عهد الله أن يعملوا بما يقضيان عليه مما وافق الكتاب والسنة وأن الامن والموادعة ووضع السلاح متفق عليه بين الطائفتين إلى أن يقع الحكم. وعلى كل واحد من الحكمين عهد الله ليحكمن بين الامة بالحق لا بالهوى. وأجل الموادعة سنة كاملة فإن أحب الحكمان أن يعجلا الحكم عجلاه وإن توفي أحدهما فلامير شيعته أن يختار معه رجلا لا يألوا الحق والعدل وإن توفي أحد الاميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممن يرتضون أمره ويحمدون


(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين ص 510 ط مصر، وفي شرح ابن أبي الحديد: " اننا ننزل عند حكم الله تعالى... " وفي ط الكمباني من البحار: " إنما ينزل... ".

[544]

طريقة اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحادا أو ظلما. 455 - قال نصر: هذه رواية محمد بن علي بن الحسين عليه السلام والشعبي وروى جابر عن زيد بن الحسن بن الحسن زيادات على هذه النسخة. أقول: وذكر تلك الرواية وساقها إلى أن قال: وشهد فيه من أصحاب علي عليه السلام عشرة ومن أصحاب معاوية عشرة وتاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين (1). قال: ولما كتبت الصحيفة دعي لها الاشتر ليشهد مع الشهود عليه فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة أو لست على بينة من أمري ويقين من ضلال عدوي ؟ أو لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور ؟ ! وجرى بينه وبين الاشعث كلام ثم قال: ولكني قد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين ودخلت فيما دخل فيه وخرجت مما خرج منه فإنه لا يدخل إلا في الهدى والصواب. قال: فلما تم الكتاب خرج الاشعث ومعه ناس بنسخة الكتاب يقرأها على الناس ويعرضها عليهم فمر به على صفوف من أهل الشام وهم على راياتهم فأسمعهم إياه فرضوا به ثم مر على صفوف من أهل العراق وهم على راياتهم فاسمعهم إياه فرضوا به حتى مر برايات عنزة وكان معه عليه السلام [منهم] أربعة آلاف فقال: فتيان منهم: لا حكم إلا لله ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما حتى قتلا ثم مر به على مراد فقال صالح بن شقيق وكان من رؤوسهم: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. ثم مر على رايات بني راسب فقرأ عليهم فقالوا: لا حكم إلا لله لا نرضى ولا نحكم الرجال في دين الله. ثم مر على رايات تميم فقارأه عليهم فقال رجل منهم: لا حكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين. فشد عليه رجل بسيفه فرجع إلى


(1) كذا في كتاب صفين وشرح ابن أبي الحديد طبع الحديث ببيروت. وفي طبع الكمباني من البحار: " من صفر سنة تسع [سبع " خ ل "] وثلاثين ".

[545]

علي عليه السلام فأخبره بما جرى فقال عليه السلام: هل هي غير راية أو رايتين أو نبذ من الناس ؟ قال: لا. قال: فدعهم فظن عليه السلام أنهم قليلون فما راعه إلا نداء الناس من كل ناحية: لا حكم إلا لله الحكم لله يا علي لا لك لا نرضى بأن نحكم الرجال في دين الله إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا تحت حكمنا عليهم وقد كنا زللنا حين رضينا بالحكمين وقد بان لنا زللنا وخطأنا فرجعنا إلى الله وتبنا فارجع أنت يا علي كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا وإلا برأنا منك. فقال عليه السلام: ويحكم أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع ؟ أليس الله تعالى قد قال: * (أوفوا بالعقود) * [1 / المائدة] وقال: * (أوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) * [91 / النحل] فأبى أن يرجع وأبت الخوارج إلا تضليل التحكيم والطعن فيه فبرؤا من علي وبرئ منهم علي. 456 - وعن عمر بن سعد بإسناده قال: أتى سليمان بن صرد عليا أمير المؤمنين عليه السلام بعد كتاب الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف فلما نظر إليه علي عليه السلام قال: * (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) * وأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل فقال: يا أمير المؤمنين أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة أبدا أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الاول فما وجدت أحدا عنده خيرا إلا قليلا. وقال محرز بن حويش (1) فقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام أما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل فو الله إني لاخاف أن يورث ذلا. فقال عليه السلام: أبعد أن كتبناه ننقضه، إن هذا لا يحل.


(1) كذا في ط الكمباني من كتاب البحار، وفي كتاب صفين ص 519 ط مصر: " محرز بن جريش ".

[546]

457 - قال نصر: وحدثني عمرو بن نمير عن أبي الوداك قال: لما كتبت صحيفة الصلح والتحكيم قال علي عليه السلام إنما فعلت ما فعلت لما بدا فيكم من الخور والفشل عن الحرب فجاءت إليه همدان كأنها ركن حصير (1) فيهم سعيد بن قيس وابنه عبد الرحمن فقال سعيد: ها أنا ذا وقومي لا نرد أمرك فقل ما شئت نعمله فقال: أما لو كان هذا قبل سطر الصحيفة لازلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتي ولكن انصرفوا راشدين فلعمري ما كنت لاعرض قبيلة واحدة للناس. 458 - قال نصر: وروى الشعبي أن عليا عليه السلام قال يوم صفين حين أقر الناس بالصلح: إن هؤلاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحق ولا ليجيبوا إلى كلمة سواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب وحتى تجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس وحتى تدعق الخيول في نواحي أرضهم وبأعنان مساربهم ومسارحهم (2) وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج وحتى تتلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله وحرصا على لقاء الله. ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وأخوالنا وأعمامنا لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على أمض الالم (3) وجدا على جهاد العدو والاستقلال بمبارزة الاقران ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا


(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد: ص 440، والظاهر أنه هو الصواب، و " حصير " قيل: هو حصن باليمن من أبنية ملوكهم القدماء. وقيل: هو جبل باليمن. وليلاحظ مادة " حصير " من كتاب معجم البلدان. وفي الطبعة القديمة من كتاب صفين وطبع الكمباني من البحار: " كأنها ركن حصين.. ". (2) كذا في متن طبع الكمباني من كتاب البحار، وكتب فوقه بين السطور نقلا عن بعض النسخ: " وحتى تدعوا الخيول في نواحي أرضهم وبأحناء مساربهم ومسارحهم ". (3) كذا في متن طبع الكمباني من البحار وفي هامشه نقلا عن نسخة من كتاب صفين: " على مضض ".

[547]

يتصاولان تصاول الفحلين ويتخالسان أنفسهما أيهما يسقى صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا فلما رآنا الله صدقا صبرا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر ولعمري لو كنا نأتي مثل هذا الذي أتيتم ما قام الدين ولا عز الاسلام وأيم الله لتحلبنها دما فاحفظوا ما أقول لكم يعني الخوارج (1). 459 - وروى نصر عن عمرو بن شمر عن فضيل بن خديج قال: قيل لعلي عليه السلام لما كتب الصحيفة: إن الاشتر لم يرض بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم فقال علي عليه السلام: بلى إن الاشتر ليرضى إذا رضيت ورضيتم ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلا أن يعصى الله ويتعدى ما في كتابه. وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك ولا أعرفه على ذلك وليت فيكم مثله إثنان بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي مثل رأيه إذا لخفت مؤنتكم علي ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم. وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها وقد طمعت أن لا تضلوا إنشاء الله رب العالمين. وكان الكتاب في صفر والاجل في شهر رمضان لثمانية أشهر يلتقي الحكمان. ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم (2).


(1) وقريبا منه رواه الاسكافي المتوفى عام: (240) في كتاب المعيار والموازنة ص 184، ط 1. ورواه أيضا الشيخ المفيد في الفصل: (35) مما اختار من كلم أمير المؤمنين في كتاب الارشاد، ص 142. ورواه أيضا السيد الرضي في المختار: (53) ش من كتاب نهج البلاغة. (2) ورواه أيضا الطبري عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج الكندي كما في تاريخه: ج 4 ص 410 ط مصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 59، وفي الطبع الاول القديم.

[548]

إيضاح: الوطيس: شبه التنور. أو الضراب في الحرب. أو حجارة مدورة حيث لم يقدر أحد يطؤها عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق وقد مر مرارا. والقتام: الغبار: والمران كعثمان: رماح القنا. والغمغمة: أصوات الابطال عند القتال والكلام الذي لا يبين. والنقع والقسطل: الغبار والمجنبة بفتح النون: المقدمة والمجنبتان بالكسر الميمنة والميسرة. وقال الجوهري صل المسمار وغيره يصل صليلا أي صوت. وقال الكدم: العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار. وأصحرته الشمس: المت دماغه. وفي القاموس: لزه لزا ولززا: شده وألصقه كألزه. واللز: الطعن ولزوم الشئ بالشئ والزامه به. و [قال:] في النهاية: فيه " وعجمتك الامور " أي جربتك من العجم: العض. يقال: عجمت العود إذا عضضته لتنظر أصلب هو أم رخو. وقال وفي حديث الاحنف: إني قد عجمت الرجل وحلبت أشطره. الاشطر جمع شطر وهو خلف الناقة. وقيل للناقة أربعة أخلاف كل خلفين منها شطر وجعل الاشطر موضع الشطرين كما تجعل الحواجب موضع الحاجبين يقال: حلب فلان الدهر أشطره أي اختبر ضروبه من خيره وشره تشبها بحلب جميع أخلاف الناقة ما كان منها حفلا وغير حفل ودارا وغير دار. والمدية: السكين. وقال [و] في حديث الحديبية: " لاقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي " هي صفحة العنق ومجمعها وهما سالفتان من جانبيه وكنى بانفرادها عن الموت لانها لا تنفرد عن ما يليها إلا بالموت. وقيل: أراد حتى يفرق بين رأسي وجسدي.

[549]

460 - شا: ومن كلامه عليه السلام [إن هؤلاء القوم] لم يكونوا لينيبوا إلى الحق. إلى آخر ما مر برواية ابن أبي الحديد وزاد في آخره: " وأيم الله لتحتلبنها دما عبيطا فاحفظوا ما أقول ". بيان: السواء: العدل والوسط والمعنى إلى كلمة حق نساوي نحن وهم فيه كما قال تعالى: * (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) * والمنسر: قطعة من الجيش يكون أمام الجيش الاعظم. والكتيبة: طائفة من الجيش. واجلبوا: إذا جاؤا من كل أوب للنصرة. والاعناق النواحي. وأحناء الوادي: جمع حنو بالكسر وهو منعطفه. والمسارب: المراعي. والمسرح أيضا المرعى. والفرق بينهما أن السروح إنما يكون في أول النهار وليس ذلك بشرط في السروب. 461 - نهج ومن كلام له عليه السلام: ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم وصبرا على مضض الالم وجدا في جهاد العدو ولقد كان الرجل منا [والآخر من عدونا. يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا] فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه ومتبوأ أوطانه ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضر للايمان عود وأيم الله لتحتلبنها دما ولتتبعنها ندما.


460 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (35) مما اختار من كلم أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد ص 142، ط النجف. 461 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (55) من كتاب نهج البلاغة. ومن قوله " والآخر من عدونا " إلى قوله: " ومرة لعدونا منا " كان المصنف رحمه الله اسقطه اكتفاءا بما سبق في رواية نصر في كتاب صفين. وقال بعد قوله: " لقد كان الرجل منا " إلى قوله عليه السلام: " فلما رأى الله صدقنا.. ". ولاجل أن ذكر ما أسقطه المصنف كان أحسن من إسقاطه أثبتناه ووضعناه بين المعقوفين دلالة على عدم وجوده في أصلي.

[550]

توضيح: اللقم: منهج الطريق. والمضض: حرقة الالم. يتصاولان أي يحمل كل من القرنين على صاحبه. والتخالس: التسالب. " أنفسهما " أي كل منهما يختلس نفسه صاحبه أو نفسه من يد صاحبه والاول أظهر. والمنون: الموت والكبت: الاذلال والصرف. والجران: مقدم عنق البعير من منحره إلى مذبحه. وإلقاؤه كناية عن استقراره في قلوب عباد الله كالبعير الذي أخذ مكانه واستقر فيه. وتبوأ وطنه: سكن فيه. ولعله شبه الاسلام بالرجل الخائف المتزلزل الذي استقر في وطنه بعد خوفه. " لتحتلبنها " الضمير المؤنث مبهم يرجع في المعنى إلى أفعالهم وكذا في قوله " لتتبعنها " شبهها بالناقة التي أصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها والمقصود عدم انتفاعهم بتلك الافعال عاجلا وآجلا. 462 - كتاب الصفين قال نصر: حدثني عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن جندب قال: لما أقبل علي عليه السلام من صفين أقبلنا معه فقال علي عليه السلام: آئبون عائدون لربنا حامدون اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في المال والاهل. قال: ثم أخذ بنا طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى " هيت " وأخذنا على " صندودا " (1) فخرج الانماريون بنو سعد بن حزيم واستقبلوا عليا


462 - رواه نصر بن مزاحم في أواسط الجزء الثامن - وهو الجزء اخير - من كتاب صفين ص 528 ط مصر. ورواه بأوجز منه أبو جعفر الاسكافي المتوفى عام: (240) في كتاب المعيار والموازنة ص 182، ط 1. ورواه أيضا الطبري في ختام أخبار صفين من تاريخه: ج 5 ص 60 ط بيروت، وفي ط: ج 4 ص 45. ورواه أيضا ابن الاثير في ختام صفين من تاريخ الكامل: ج 3 ص 164. ولبعض فقرات الحديث مصادر أخر يجد الباحث ذكر بعضها في ذيل المختار: (238) من نهج السعادة: ج 2 ص 3000 ط 1. (1) قال الياقوت في كتاب معجم البلدان: هي بلدة في الطريق ما بين الشام والعراق.

[551]

فعرضوا عليه النزل فلم يقبل، فبات بها (1) ثم غدا وأقبلنا معه حتى جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة فإذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه علي عليه السلام ونحن معه حتى سلم وسلمنا عليه قال: فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه فقال له علي: ما لي أرى وجهك منكفئا أمن مرض ؟ (2) قال نعم قال فلعلك كرهته ؟ فقال: ما أحب أنه بغيري ! ! قال: أليس احتسابا للخير فيما أصابك منه ؟ (3) قال: بلى قال: أبشر برحمة ربك وغفران ذنبك فمن أنت يا عبد الله ؟ قال: أنا صالح بن سليم. قال: أنت ممن ؟ قال: أما الاصل فمن سلامان بن طئ وأما الجوار والدعوة فمن بني سليم بن منصور. قال: سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه (4) هل شهدت معنا غزاتنا هذه ؟ قال: لا والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى في من لجب الحمى خذلني عنها قال علي عليه السلام: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) * [91 / التوبة: 9] أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام ؟ قال: منهم المسرور فيما كان بينك وبينهم وأولئك أغشاء الناس ومنهم المكبوت الآسف (5) لما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك. فذهب لينصرف فقال: صدقت


(1) هذا هو الظاهر المذكور في طبع مصر من كتاب صفين، وفي طبع الكمباني من كتاب البحار: " بنو سعد بن خزيم... فعرضوا عليه النزول فبات بهم... ". وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 60: " بنو سعد بن حرام فبات فيهم ثم غدا... ". (2) منكفئا: متغيرا. ومثله " منكفتا " بالتاء المثناة الفوقانية. (3) هذا هو الصواب الموافق لتاريخ الطبري، وفي طبع الكمباني من كتاب البحار: " ما أحب أنه يعتريني. قال: أليس احتساب بالخير... ". (4) هذا هو الظاهر المذكور في تاريخ الطبري، وفي أصلي: " واسم أعدادك... " والادعياء: الحللفاء. (5) هذا هو الظاهر المذكور في تاريخ الطبري، وفي أصلي: " أغنياء " ولعله مصحف عن " أغنياء ".

[552]

جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فإن المرض لا أجر فيه ولكن لا يدع للعبد ذنبا إلا حطه إنما الاجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله عزوجل يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة [عالما جما] (1) من عباده الجنة. ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الانصاري فدنا منه وسأله فقال له: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا هذا ؟ قال: منهم المعجب به ومنهم المكاره له والناس كما قال الله تعالى: * (ولا يزالون مختلفين) * [118 / هود 11] فقال له: فما يقول ذوو الرأي ؟ قال: يقولون: إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه وحصن حصين فهدمه فحتى متى يبني مثل ما هدم وحتى متى يجمع مثل ما قد فرق ؟ ! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظهره الله أو يهلك إذا كان ذلك هو الحزم. فقال عليه السلام: أنا هدمت أم هم هدموا ؟ أم أنا فرقت أم هم تفرقوا ؟ وأما قولهم: لو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك هو الحزم. فو الله ما غبي عني ذلك الرأي وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا (2) طيب النفس بالموت ولقد هممت بالاقدام فنظرت إلى هذين قد استقدماني فعلمت إن هذين إن هلكا انقطع نسب محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا ولقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما يعني بذلك ابنيه الحسن والحسين وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومي لالقينهم وليس هما معي في عسكر ولا دار.


(1) ما بين المعقوفين غير موجود في طبع الكمباني من كتاب البحار، وإنما أخذناه من تاريخ الطبري. وقريبا مما رواه الطبري رواه أيضا قبله أبو جعفر الاسكافي في كتاب المعيار والموازنة ص 193، ص 1. وهذه القطعة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام رواها السيد الرضي في المختار: (42) الباب الثالث من كتاب نهج البلاغة وفيه: " وإن الله سبحانه يدخل بصدق الندية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة ". (2) هذا هو الظاهر المذكور في تاريخ الطبري، وفي ط الكمباني من البحار: " فو الله ما غني عن ذلك رأيي وإن كنت سخي النفس بالدنيا... ".

[553]

قال: ثم مضى حتى جزنا دور بني عوف فإذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذه القبور ؟ فقال له: قدامة بن العجلان الازدي: يا أمير المؤمنين إن خباب بن الارت توفي بعد مخرجك فأوصى أن يدفن في الظهر وكان الناس يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه. فقال: رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسده أحوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. فجاء حتى وقف عليهم ثم قال: عليكم السلام يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف وفرط ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم. ثم قال: الحمد لله الذي جعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا (1) الحمد لله الذي جعل منها خلقنا وفيها يعيدنا وعليها يحشرنا طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله بذلك. ثم أقبل حتى دخل سكة الثوريين فقال: خشوا [بين] هذه الابيات (2). وعن عمر بن سعد بن عبد الله بن العاصم الفائشي قال: لما مر علي عليه السلام بالثوريين يعني ثور همدان سمع البكاء فقال: ما هذه الاصوات ؟ قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين قال: أما إني شهيد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين فسمع الاصوات فقال ذلك.


(1) الكفات - بكسر الكاف -: الموضع الذي يودع ويضم فيه الشئ، وفي الآية: (25) من سورة المرسلات: (77): " ألم نجعل الارض كفاتا أحياءا وأمواتا. (2) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه، وخشوا: أدخلوا. وكانت هذه اللفظة مذكورة في أصلي من البحار بالحاء المهملة " حشوا ".

[554]

ثم مر بالشاميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشامي فقال علي عليه السلام: أتغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين ؟ قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثة قدرنا على ذلك ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل فليس من دار إلا وفيها بكاء أما نحن معاشر الرجال فإنا لا نبكي ولكن نفرح لهم بالشهادة فقال علي عليه السلام: رحم الله قتلاكم وموتاكم وأقبل يمشي معه وعلي راكب فقال له علي عليه السلام: ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن (1). ثم مضى حتى مر بالناعطيين فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن مرثد فقال: ما صنع علي والله شيئا ذهب ثم انصرف في غير شئ فلما نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام أبلس (2) فقال عليه السلام لاصحابه: قوم فارقتهم آنفا خير من هؤلاء ثم قال: أخوك الذي إن أجهضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما (3) وليس أخوك بالذي إن تشعبت * عليك أمور ظل يلحاك لائما ثم مضى فلم يزل يذكر الله حتى دخل الكوفة. بيان: قال في النهاية فيه: إنه انكفئ لونه عام الرمادة أي تغير عن حاله ومنه حديث الانصار: مالي أرى لونك منكفئا ؟ قال: من الجوع انتهى والاجهاض: الغلبة. ولم يبرح أي لم يزل. والواجم: الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام. والتشعب: التفرق.


(1) هذا هو الظاهر الموافق للمختار: (322) من الباب الثالث من كتاب نهج البلاغة، وفي كتاب صفين الكمباني من البحار: " ومذلة للمؤمنين ". سكت كسكوت المنقطع عن الحجة. (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفين غير أن فيه: " إن أحرضتك " وهو من قولهم: أحرضه الحزن: أفسده وأسقطه بحيث ما بقي له قدرة على النهوض. (3) وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 63: " إن أجرضتك... " وهو من قولهم: أجرضه بربقه أغضه وفي ط الكمباني من البحار: " من الدهر لم يبرح من الدهر واجما " وهو تصحيف.

[555]

463 - نهج: ومن كلام له عليه السلام فتداكوا علي تداك الابل الهيم يوم ورودها قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها حتى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي وقد قلبت هذا الامر بطنه وظهره حتى منعني النوم فما وجدتني يسعني إلا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فكانت معالجة القتال أهون علي من معالجة العقاب وموتات الدنيا أهون علي من موتات الآخرة. بيان: قال ابن ميثم: " هذا إشارة إلى صفة أصحابه بصفين لما طال منعه لهم من قتال أهل الشام " كما هو الظاهر من آخر الكلام لكن كثير من الشواهد تدل على أنه لبيان حالة البيعة [بعد هلاك عثمان] كما سيأتي بعضها لا سيما ما كان في نسخة ابن أبي الحديد (1) فإنه ذكر العنوان هكذا: " من كلام له عليه السلام في ذكر البيعة ". قوله عليه السلام " تداكوا " أي دك بعضهم بعضا. والدك هو الدق. وقيل: أصله الكسر. والهيم: العطاش. والورد بالكسر: النصيب من الماء والاشراف عليه. وفي بعض النسخ " ورودها " وهو حضورها لشرب الماء. و " أرسلها " أي أهملها وأطلقها. والمثاني جمع مثناة بفتح الميم وكسرها وهي حبل من صوف أو شعر أو غيره تثنى ويعقل بها البعير و " قاتلي " على صيغة الجمع مضافة إلى ياء المتكلم. وجملة: " يسعني " مفعول ثان والضمير في " قتالهم " يعود إلى معاوية وأصحابه على الاول وإلى الناكثين على الثاني. والمعالجة: المزاولة. وموتات الدنيا: شدائدها وأهوالها ومتاعبها بقرينة موتات الآخرة. ويحتمل أن يراد بالاولى أنواع الموت وبالثانية الشدائد التي هي أشد من الموت.


463 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (54) من كتاب نهج البلاغة. (1) ذكره ابن أبي الحديد في بدء الشروع في شرح الخطبة: (54) المتقدم الذكر من شرحه: ج 1، ص 744 ط بيروت.

[556]

464 - نهج: ومن كلام له عليه السلام وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين: أما قولكم: كل ذلك كراهية الموت فو الله ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إلي. وأما قولكم: شكا في أهل الشام فو الله ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشوا إلى ضوئي وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها. توضيح: استبطأه أي عده بطيئا وزعم أن المصلحة في التعجيل. روى ابن ميثم أنه عليه السلام لما ملك الماء بصفين وسمح بأهل الشام في المشاركة كما سبق مكث أياما لا يرسل إلى معاوية أحدا ولا يأتيه من عنده أحد قال له أهل العراق: يا أمير المؤمنين خلفنا نساءنا وذرارينا بالكوفة وجئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطنا فأذن لنا في القتال فإن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية الموت ومنهم من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام ! ! فأجابهم عليه السلام بذلك. و " كل " مرفوع و " كراهيته " منصوب في أكثر النسخ وروي " كل ذلك " بالنصب وهو مفعول فعل مقدر أي تفعل كل ذلك و " كراهية " منصوب بأنه مفعول لاجله. ومن رواه بالرفع أجاز في " كراهية " الرفع والنصب أما الرفع فبالخبرية وأما النصب فلكونه مفعولا له للخبر المحذوف. وعشى النار وإليها عشوا وعشوا: رآها ليلا من بعيد ببصر ضعيف فقصدها


والذي ذكره ابن أبي الحديد هو الظاهر من صدر الكلام ولا ينافيه ذيل الكلام فإنه عليه السلام ما كان يسعه إلا قتال الناكثين والقاسطين والمارقين جميعا لانه كان مأمورا بقتالهم بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والكلام الذي ذكره المصنف عن ابن ميثم رحمه الله ووضعناه بين المسلمين ذكره ابن ميثم في بدء شرحه لكلام الامام من شرحه على نهج البلاغة: ج 2 ص 144. 464 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (54) من كتاب نهج البلاغة.

[557]

ويقال لكل قاصد: عاش وفيه تعريض بضعف بصائر أهل الشام. " وتبوء بآثامها " أي ترجع إلى ربها متلبسة بمعاصيها. 465 - نهج ومن كلام له عليه السلام في بعض أيام صفين: معاشر المسلمين استشعروا الخشيته، وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللامة وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها والحظوا الخزر، وأطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى، واعلموا أنكم بعين الله مع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله فعاودوا الكر واستحيوا من الفر فإنه عار في الاعقاب ونار يوم الحساب وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت مشيا سجحا وعليكم بهذا السواد الاعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان كامن في كسره قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. إيضاح: قال بعض الشارحين: هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين عليه وفي رواية نصر بن مزاحم أنه خطب به أول أيام الحرب بصفين وذلك في صفر من سنة سبع وثلاثين. والمعشر: الجماعة. واستشعار الخشية أن يجعلوا الخوف من الله عزوجل ملازما لهم كالشعار وهو من اللباس ما يلي شعر الجسد. ويحتمل على بعد أن يراد به إخفاء الخوف عن العدو إذا لم يمكن سلبه عن النفس. والجلباب بالكسر: القميص أو ثوب واسع للمرأة دون الملحلفة أو الملحفة أو الخمار أو ثوب كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها. وتجلبب أي اتخذه [جلبابا] والسكينة: الوقار والتأني في الحركة والسير. والنواجذ: أقاصي الاضراس وهي


465 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (64) من كتاب نهج البلاغة. وقد روينا الكلام عن مصادر في المختار: (215) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 228 ط 1.

[558]

أربعة بعد الارحاء. وقيل: هي الضواحك التي تبدوا عند الضحك. وقيل الانياب. وقيل: التي تليها. وقيل: الاضراس كلها. ونبا السيف عن الضريبة إذا لم يعمل فيها. والهام: جمع هامة وهي رأس كل شئ. والامر إما محمول على الحقيقة لان هذا العض يصلب الاعصاب والعضلات فيكون تأثير السيف في الرأس أقل أو كناية عن شدة الاهتمام بأمر الحرب أو الصبر وتسكين القلب وترك الاضطراب فإنه أشد إبعادا لسيف العدو عن الرأس وأقرب إلى النصر. والضمير في قوله: " فإنه " يعود إلى المصدر الذي دل عليه " عضوا " كقولك: من أحسن كان خيرا له. واللامة بفتح اللام والهمزة الساكنة: الدرع. وقيل: جميع آلات الحرب والسلاح. وإكمال اللامة على الاول أن يزاد البيضة والسواعد ونحوهما أو أتخاذها كاملة شاملة للجسد. والقلقلة: التحريك. والغمد بالكسر: جفن السيف. وسل السيف: إخراجه من الغمد وقيل سلها أي قبل وقت الحاجة إلى سلها. واللحظ: النظر بمؤخر العين. والخزر بسكون الزاي: النظر بلحظ العين. والشزر بالفتح: الطعن عن اليمين والشمال. وقيل: أكثر ما يستعمل في الطعن عن اليمين خاصة. وقال ابن الاثير في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " الخطوا الشزر وطعنوا اليسر " والشزر: النظر بمؤخر العين وهو نظر الغضبان: واليسر بالفتح الطعن حذاء الوجه. والخزر والشزر صفتان لمصدرين محذوفين أي الحظوا لحظا خزرا واطعنوا طعنا شزرا. واللام للعهد. وفائدة الامر الاول واضحة فإن النظر بمؤخر العين يهيج الحمية والغضب ويدفع طمع العدو ويغفله عن التعرض وبملاء العين يورث الجبن وعلامة له عند العدو ويصير سببا لتحرزه وأخذ أهبته والتوجه إلى القرن.

[559]

وأما الامر الثاني فقيل إنه يوسع المجال على الطاعن وأكثر المناقشة للخصم في الحرب تكون عن يمينه وعن شماله ويمكن أن تكون الفائدة أن احتراز العدو عن الطعن حذاء الوجه أسهل والغفلة عنه أقل هذا على ما في الاصل وما في النهاية يخالفه. والمنافحة: المضاربة والمدافعة. والظبى جمع ظبة بالضم فيهما وهي طرف السيف وحده ويطلق على حد السيف والسنان. قيل: المعنى قاتلوا بالسيوف وأصله أن يقرب أحد المتقاتلين إلى الآخر بحيث يصل نفح كل منهما أي ريحه ونفسه إلى صاحبه. وقيل: أي ضاربوا بأطراف السيوف وفائدته أن مخالطة العدو والقرب الكثير منه يشغل عن التمكن من حربه وأيضا لا يؤثر الضرب كما ينبغي مع القرب المفرط قوله عليه السلام: " وصلوا السيوف بالخطى " وصل الشئ بالشئ جعله متصلا به. والخطى جمع خطوة بالضم فيهما والمعنى إذا قصرت السيوف عن الضريبة فتقدموا تلحقوا ولا تصبروا حتى يلحقكم العدو وهذا التقدم يورث إلقاء الرعب في قلب العدو. وروى أنه قيل له عليه السلام في بعض الغزوات: ما أقصر سيفك فقال: أطوله بخطوة. وفي رواية ابن الاثير: " صلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبل " أي إذا لم تلحقهم بالرماح فارموهم بالسهام. والمراد بكونهم بعين الله أنه سبحانه يراهم ويعمل أعمالهم والباء مثلها في قولك: " أنت بمرأى مني ومسمع " أي بحيث أراك وأسمع كلامك. فيكون تمهيدا للنهي عن الفرار وأنه سبحانه يحفظهم وينصرهم لكونهم على الحق كما يناسب كونهم مع ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله. والكر: الرجوع والحملة ومعاودته عند التحرف للقتال: أو التحيز إلى فئة أو عند الفرار جبنا لو كان أو المراد لا تقصروا على حملة لليأس عن حصول الغرض بل عاودوا واحملوا كرة بعد أخرى.

[560]

والاعقاب: جمع عقب بالضم وبضمتين أي العاقبة والمعنى أن الفرار عار في عاقبة أمركم وما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان على ما قيل. أو جمع عقب ككتف أو عقب بالفتح أي الولد وولد الولد والمعنى إن الفرار ما يعير به أولادكم. وطاب نفسي بالشئ وطيب به نفسا. إذا لم يكرهك عليه أحد والتعدية ب‍ " عن " لتضمين معنى التجافي والتجاوز. و " نفسا " منصوب على التميز وإفراده مع عدم اللبس أولى ولعل المعنى وطنوا أنفسكم على بذلها في سبيل الله وارضوا به للحياة الباقية واللذات الدائمة. والسجح بضمتين: السهل. وسواد الناس: عامتهم والمراد معظم القوم المجتمعين على معاوية. والرواق ككتاب: الفسطاط والقبة. وقيل: هو ما بين يدي البيت. والمطنب: المشدود بالاطناب والمراد مضرب معاوية وكان في قبة عالية وحوله صناديد أهل الشام. وثبج الشئ بالتحريك: وسطه ومعظمه " وكمن " كنصر وسمع أي استخفى. وكسر الخباء بالكسر: الشقة السفلى يرفع أحيانا ويرخى أخرى والوثبة: الطفرة. ونكص كنصر وضرب أي رجع. والشيطان: هو " إبليس " لا معاوية كما قيل لانه كان بارزا في الصدر لا كامنا في الكسر إلا أن يكون ذلك لبيان جبنه. وتقديم اليد للوثبة وتأخير الرجل للنكوص لا ينافي إرادة إبليس فإنه كان من رفقاء معاوية وأصحابه يثب بوثوبهم ويرجع برجوعهم. ويمكن أن يراد بوثبته طمعه في غلبة أصحاب معاوية وتحريضهم على القتال وبالنكوص ما يقابله. ويحتمل أن يراد بالشيطان عمرو بن العاص والاول أظهر. وحمله على القوة الوهمية كما قيل من الاوهام الفاسدة.

[561]

" والصمد " بالفتح القصد وناصبه محذوف والتأكيد للتحريص على قصد العدو والصبر على الجهاد أو التقرب إلى الله تعالى وإخلاص النية في الاعمال التي من جملتها الجهاد. وانجلى الشئ وتجلى أي انكشف وظهر و " عمود الحق " لعله للتشبيه بالفجر الاول وفيه إشعار بعدم الظهور لاكثر القوم كما ينبغي " وأنتم الاعلون " الواو للحال أي الغالبون على الاعداء بالظفر أو بأ ؟ كم على الحق والله معكم أي بالنصر والحياطة أو لانكم أنصاره " ولن يتركم " أي لا ينقصكم الله جزاء أعمالكم بل يوفيكم أجوركم. وقيل أي لا يضيع أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له حميما ولعل حاصل المعنى: اقصدوا ربكم بأعمالكم التي منها جهاد أعدائكم وأخلصوا نياتكم حتى ينجلي لكم أنكم على الحق كما قال تعالى: * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) * والجملة الحالية تفيد أنهم على الحق ومن أنصار الله وحزبه. أو أقصدوا أعداءكم بتصميم العرم حتى يظهر آية النصر وينجز الله لكم ما وعد من الظفر ووعده الحق. ويمكن أن يراد بالحق الطريقة المستقيمة وأن يكون الظفر سببا لظهوره للقوم. 466 - نهج ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين: إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر فقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به. بيان: قوله عليه السلام: وأبلغ في العذر أي العذر في القتال معهم أو في إتمام الحجة عليهم وإبداء عذر الله تعالى في عقابهم.


466 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (206) من كتاب نهج البلاغة.

[562]

وفي النهاية: حقنت له دمه إذا منعت من قتله. وإراقته أي جمعته له وحبسته عليه و " يرعوي " أي يرجع ويكف. واللهج بالشئ: الولع به. وقد لهج بالكسر: أغرى به. 467 - نهج ومن كلام له عليه السلام في بعض أيام صفين (1) وقد رأى الحسن يتسرع إلى الحرب: أملكوا عني هذا الغلام لا يهذني فإني أنفس بهذين يعني - الحسن والحسين عليهما السلام - على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله. قال السيد الرضي: وقوله عليه السلام: أملكوا عني هذا الغلام. من أعلى الكلام وأفصحه. بيان: في أكثر النسخ " املكوا " بفتح الهمزة وقال ابن أبي الحديد: الالف في " أملكوا " ألف وصل لان الماضي ثلاثي من ملكت الفرس والدار أملك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه و " عن " متعلقة بمحذوف وتقديره استولوا عليه وأبعدوه عني ولما كان الملك سبب الحجر عبر بالسبب عن المسبب. ووجه علو هذا الكلام وفصاحته أنه لما كان في " أملكوا " معنى البعد أعقبه بعن وذلك أنهم لا يملكونه دونه إلا وقد أبعدوه عنه. قوله: " لا يهدني " أي لئلا يهدني وهد البناء: كسره. ونفست به بالكسر أي بخلت به. 468 - كا: في حديث مالك بن أعين قال: حرض أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين فقال: إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من


(1) كذا في جميع ما رأيناه من نسخ نهج البلاغة، وفي طبع الكمباني من البحار: " قال عليه السلام وقد رأى الحسن... ". 468 - رواه ثقة الاسلام الكليني أعلى الله مقامه في الحديث: (4) من الباب (15) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 39. والكلام في أكثر فقراته موافق للمختار: (122) من كتاب نهج البلاغة.

[563]

عذاب أليم وتشفي بكم على الخير والايمان بالله والجهاد في سبيل الله وجعل ثوابه مغفرة للذنب ومساكن طيبة في جنات عدن وقال جل وعز: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * [4 / الصف: 61] فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على النواجذ فإنه أنبأ للسيوف عن الهام والتووا على أطراف الرماح فإنه أمور للاسنة وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ولا تميلوا براياتكم ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا مع شجعانكم فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ ولا تمثلوا بقتيل. وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوى والانفس والعقول وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعير بها وعقبه من بعده. واعلموا أن أهل الحفاظ هم الذين يحفون براياتكم ويكتنفونها ويصبرون حفافيها وورائها وأمامها ولا يضيعونها لا يتأخرون عنها فيسلموها ولا يتقدمون عليها فيفردوها. رحم الله امرءا واسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة ويأتي بدناءة وكيف لا يكون كذلك وهو يقاتل الاثنين وهذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هاربا ينظر إليه وهذا فمن يفعله يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله عزوجل فإنما ممركم إلى الله وقد قال الله عزوجل * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * [16 / الاحزاب: 33] وأيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيوف الآجلة فاستعينوا بالصبر والصدق فإنما ينزل النصر بعد الصبر فجاهدوا في الله حق جهاده ولا قوة إلا بالله.

[564]

469 - وفي كلام آخر له [قال عليه السلام:] وإذا لقيتم هؤلاء القوم غدا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا بدأوا بكم فانهدوا إليهم وعليكم السكينة والوقار وعضوا على الاضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام وغضوا الابصار ومدوا جباه الخيول ووجوه الرجال وأقلوا الكلام فإنه أطرد للفشل وأذهب بالوهل ووطنوا أنفسكم على المبارزة والمنازلة والمجادلة واثبتوا واذكروا الله عزوجل كثيرا فإن المانع للذمار عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويضربون حافتيها وأمامها وإذا حملتم فافعلوا فعل رجل واحد وعليكم بالتحامي فإن الحرب سجال لا يشتدن عليكم كرة بعد فرة (1) ولا حملة بعد جولة ومن ألقى إليكم السلام فاقبلوا منه واستعينوا بالصبر فإن بعد الصبر النصر من الله عزوجل إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. بيان: قال الجوهري: رصصت الشئ رصا: الصقت بعضه ببعض ومنه " بنيان مرصوص " والدارع: لابس الدرع. والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع. [قوله عليه السلام:] " والتووا على أطراف الرماح " في القاموس: تلوى: انعطف كالتوى. والمور: التحرك والاضطراب أي إذا وصلت إليكم أطراف الرماح فانعطفوا ليزلق ويتحرك فلا ينفذ. وحمله ابن ميثم على الالتواء عند إرسال الرمح ورميه إلى العدو بأن يميل صدره ويده فإن ذلك أنفذ. وفيه بعد. وقال الجوهري: الجاش جأش القلب وهو رواعه إذا اضطرب عند الفزع يقال فلان رابط الجأش أي ربط نفسه عن الفرار لشجاعته.


469 - رواه الكليني قدس الله نفسه في ذيل الحديث: (4) من الباب: (15) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 41. (1) هذا هو الظاهر الموافق للمختار: (16) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة وفيه: " لا تشتدن عليكم فره بعدها كرة، ولا جولة بعدها حملة... ". وفي طبع الكمباني من البحار: " لا يشدون عليكم.. ".

[565]

و [مثله] في القاموس [وزاد:] ونفس الانسان، وقد لا يهمز [وجمعه جؤش]. وإنما أمرهم عليه السلام بغض الابصار لئلا يروا ما يهولهم لئلا يرى العدو منهم جبنا وكذا قلة الكلام وترك رفع الاصوات علامة الشجاعة فإن الجبان يصيح ويرعد ويبرق. وقال الجوهري قولهم: فلان حامي الذمار أي إذا زمر وغضب وحمى ويقال: الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه لانهم قالوا: حامي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة وسمي ذمارا لانه يحق على أهله الدفع عنها. فالاظهر أن الحقائق هنا جمع الحقيقة بمعنى ما يحق للرجل أن يحميه والمراد بنزول الحقائق نزولها به أو نزوله بها وما يعرض للانسان في الحرب هي حالة تحق أن يحمي عنها. ويحتمل أن يكون جمع الحقيقة بمعنى الراية كما ذكره الجوهري والفيروز آبادي. وقال ابن ميثم: أي الشدائد الحقة المتيقنة وأما ما ذكره ابن أبي الحديد وتبعه غيره من أن الحقائق جمع حاقة وهي الامر الصعب الشديد ففي كونه جمعا لها نظر. والحفاظ بالكسر: الذب عن المحارم. وقوله عليه السلام " حفافيها " متعلق بقوله " يكتنفونها " أو بقوله: " يصبرون " أيضا على التنازع. والحفافان: اليمين واليسار. وفي بعض النسخ " ورائها " بدون العطف فهما الامام والوراء. قوله عليه السلام: " من سيوف الآجلة " سمي عقاب الله على فرارهم وتخاذلهم سيفا على الاستعارة أو مجاز المشاكلة. وفي القاموس: نهدا الرجل: نهض. ولعدوه: صمد لهم. قوله عليه السلام: " ومدوا جباه الخيول ووجوه الرجال " لعل المراد بهما تسوية الصفوف وإقامتها راكبين وراجلين أو كناية عن تحريكها وتوجيهما إلى جانب العدو. والوهن: الضعف والفزع. وفي النهاية فيه: " والحرب بيننا سجال " أي مرة لنا ومرة علينا وأصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل والسجل: الدلو الملاى ماءا.

[566]

والسلام: الاستسلام. وقد مر شرح بعض أجزاء الخبرين وسيأتي بعضها. 470 - شا من كلامه عليه السلام في تحضيضه على القتال يوم صفين بعد حمد الله والثناء عليه: عباد الله اتقوا الله وغضوا الابصار واخفضوا الاصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجادلة والمبارزة والمبالطة والمبالدة والمعانقة والمكادمة واثبتوا * (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) * [45 - 46 / الانفال: 8] اللهم الهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الاجر. إيضاح: [قال الفيروز آبادي:] في القاموس: بالط القوم تجالدوا بالسيف كتبالطوا. وبني فلان: نازلوهم بالارض وقال: المبالدة: المبالطة بالسيوف والعصي. كدمه يكدمه ويكدمه [كضرب ونصر]: عضه بأدنى فمه أو أثر فيه بحديدة وكمعظم المعضض. واكدم الاسير بالضم: استوثق منه. وقال: الريح: الغلبة والقوة والرحمة والنصرة والدولة. 471 - شا [و] من كلامه عليه السلام أيضا في هذا المعنى: معشر الناس إن الله قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفي بكم على الخير العظيم الايمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله والجهاد في سبيله وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه * (يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * [4 / الصف: 61] فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الاضراس فإنه أنبا


470 - 471 - رواهما الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (32 - 33) مما اختاره من كلم أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 141، ط النجف. والحديث الاول رويناه عن مصادر في المختار: (45) من باب الوصايا من كتاب نهج السعادة: ج 8 ص 340 ط 1.

[567]

للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للاسنة، وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ورأيتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ولا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم فإن المانعين للذمار الصابرين على نزول الحقائق [هم] أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم و يكتنفونها. رحم الله امرءا منكم آسا أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه فتكتسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة فلا تعرضوا لمقت الله ولا تفروا من الموت فإن الله تعالى يقول: * (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * [86 / الاحزاب: 33] وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآجلة، فاستعينوا بالصبر والصلاة والصدق في النية فإن الله تعالى بعد الصبر ينزل النصر. بيان: في رواية ابن أبي الحديد: " في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ثم أخبركم بالذي يحب فقال: إن الله يحب " وفيه " إلا بأيدي شجعانكم المانعي الذمار والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفون برايتكم ويكتنفونها يضربون خلفها وأمامها، وهلا أجزأ كل امرئ منكم قرنه واسى أخاه " (1) إلي قوله: " ويأتي دنائة أني هذا وكيف يكون هذا [و] هذا يقاتل إثنين وهذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنما مردكم إلى الله قال الله تعالى لقوم عابهم: * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * إلى قوله: * (استعينوا بالصدق والصبر فإنه بعد الصبر ينزل النصر) *. وسيأتي شرحه في رواية السيد رضى الله عنه.


(1) كذا في طبع الكمباني من كتاب البحار، والكلام رواه نصر بن مزاحم في الجزء (4) من كتاب صفين ص 235 مصر، وفي ط بيروت: ج 2 ص 216 ولا توجد فيهما، لفظه: " هيلا ".

[568]

472 - قب: تفسير الحسن والسدي ووكيع والثعلبي ومسند أحمد أنه قال الزبير في قوله " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " لقد لبثنا أزمانا ولا نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون. قال السدي في قوله: " فلا عدوان إلا على الظالمين " نزلت في حربين في يوم صفين ويوم الجمل فسمى الله أصحاب الجمل وصفين ظالمين ثم قال " واعلموا أن الله مع المتقين " بالنصر والحق مع أمير المؤمنين وأصحابه. بعض المفسرين في قوله: " قل للمخلفين من الاعراب ستدعون " أي فيما بعد " إلى قوم أولي بأس شديد " أنهم أهل صفين وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله قال للاعراب الذين تخلفوا عنه بالحديبية وعزموا على خيبر: " قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ". أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر قالا في قوله تعالى: * (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " كنا نقول: ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة ؟ فلما كان حرب صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا. قال الباقر عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقاتل معاوية: " قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " الايآت هم هؤلاء ورب الكعبة. ابن مسعود قال: [قال:] النبي صلى الله عليه وآله: أئمة الكفر معاوية وعمرو.


472 - رواه ابن شهر آشوب رحمه الله في عنوان: " حرب صفين " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 348 ط النجف ولكن المصنف قد لخص بعض مطالبه كما أسقط أيضا بعضا منها. والحديث الاول رواه أحمد بن حنبل في الحديث: (1) من مسند الزبير من كتاب المسند: ج 1، ص 165 ط 1. وقريبا منه رواه أيضا بسند آخر في الحديث الاخير من مسند الزبير من مسنده: ج 1، ص 167، ط 1. وبالسند الاول رواه عنه الحافظ الحسكاني في تفسير الآية: (25) من سورة الانفال في الحديث: (276) من كتاب شواهد التنزيل: ج 1، ص 208 ط 1.

[569]

ولما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من [حرب] الجمل نزل في الرحبة السادس من رجب وخطب فقال: الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الناكث المبطل. ثم إنه دعا الاشعث بن قيس من ثغر آذربيجان والاحنف بن قيس من البصرة وجرير بن عبد الله البجلي من همدان فأتوه إلى الكوفة فوجه جريرا إلى معاوية يدعوه إلى طاعته فلما بلغها توقف معاوية في ذلك حتى قدم [بطلب منه] شرحبيل الكندي ثم خطب فقال: أيها الناس قد علمتم أني خليفة عمر وخليفة عثمان وقد قتل عثمان مظلوما وأنا وليه وابن عمه وأولى الناس بطلب دمه فماذا رأيكم ؟ فقالوا: نحن طالبون بدمه. فدعا عمرو بن العاص على أن يطعمه مصر فكان عمرو يأمر بالحمل والحط مرارا فقال له غلامه وردان: تفكر أن الآخرة مع علي عليه السلام والدنيا مع معاوية فقال عمرو: لا قاتل الله وردانا وفطنته (1) * أبدى لعمري ما في الصدر وردان فلما ارتحل قال ابن عمرو له: ألا يا عمرو ما أحرزت نصرا * ولا أنت الغداة إلى رشاد أبعت الدين بالدنيا خسارا * وأنت بذاك من شر العباد فانصرف جرير فكتب معاوية إلى أهل المدينة أن عثمان قتل مظلوما وعلي آوى قتلته فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلنا هذا الامر شورى بين المسلمين كما جعله عمر عند وفاته فانهضوا رحمكم الله معنا إلى حربه فأجابوه بكتاب فيه:


(1) هذا هو الظاهر المذكور في طبع النجف من كتاب المناقب، وفي ط الكمباني من البحار: " وأنيه ؟ ".

[570]

معاوي إن الحق أبلج واضح * وليس كما ربصت أنت ولا عمرو نصبت لنا اليوم ابن عفان خدعة * كما نصب الشيخان إذ زخرف الامر رميتم عليا بالذي لم يضره * وليس له في ذاك نهي ولا أمر وما ذنبه إن نال عثمان معشر * أتوه من الاحياء تجمعهم مصر وكان علي لازما قعر بيته * وهمته التسبيح والحمد والذكر فما أنتما لا دردر أبيكما * وذكركم الشورى وقد وضح الامر فما أنتما والنصر منا وأنتما * طليقا أسارى ما تبوح بها الخمر وجاء أبو مسلم الخولاني بكتاب من عنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام يذكر فيه: وكان أنصحهم لله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت. إلى آخر ما سيأتي. فلما وصل الخولاني وقرأ على الناس [كتاب معاوية] قالوا: كلنا [له] قاتلون ولافعاله منكرون. فكان جواب أمير المؤمنين: وبعد فإني رأيت قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي ثم حاكم القوم إلي أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله. وأما الذي تريدها فإنها خدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك لعلمت أني من أبرأ الناس من دم عثمان وقد علمت أنك من أبناء الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة. وأجمع عليه السلام على المسير وحض الناس على ذلك. قال ابن مردويه: قال ابن أبي حازم التميمي وأبو وائل: قال أمير المؤمنين عليه السلام: انفروا إلى بقية الاحزاب أولياء الشيطان انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله.

[571]

وجاء رجل من عبس إلى أمير المؤمنين عليه السلام [بكتاب من معاوية] فسأل: ما الخبر ؟ فقال: إن في الشام يلعنون قاتلي عثمان ويبكون على قميصه. فقال أمير المؤمنين: ما قميص عثمان بقميص يوسف ولا بكاؤهم إلا كبكاء أولاد يعقوب فلما فتح الكتاب وجده بياضا فحولق (1). فقال قيس بن سعد: ولست بناج من علي وصحبه * وإن تك في جابلق لم تك ناجيا وكتب [معاوية] إلى أمير المؤمنين عليه السلام: ليت القيامة قد قامت فترى المحق من المبطل ! ! فقال أمير المؤمنين عليه السلام [في جوابه:] * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) * الآية [18 / الشورى: 42]. فقال لعبد الله بن أبي رافع اكتب: إن بيعتي شملت الخاص والعام وإنما الشورى للمؤمنين من المهاجرين الاولين السابقين بالاحسان من البدريين وإنما أنت طليق بن طليق لعين بن لعين وثن بن وثن ليست لك هجرة ولا سابقة ولا منقبة ولا فضيلة وكان أبوك من الاحزاب الذين حاربوا الله ورسوله فنصر الله عبده وصدق وعده وهزم الاحزاب ثم وقع في آخر الكلام: ألم تر قومي إذ دعاهم أخوهم * أجابوا وإن يغضب على القوم يغضب وكتب معاوية اتق الله يا علي وذر الحسد فطالما لم ينتفع به أهله إلى آخر كتابه اللعين. فأجابه عليه السلام بعد كلام طويل: عظتي لا تنفع من حقت عليه كلمة العذاب ولم يخف العقاب ولا يرجو لله وقارا ولم يخف [له] حذارا فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة تجد الله عزوجل في ذلك بالمرصاد.


(1) أي قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".

[572]

ثم قال في آخره: فأنا ألابو الحسن قاتل جدك عتبة وعمك شيبة وأخيك حنظلة الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوي فنهاه عمرو عن مكاتبته ولم يكتب إلا بيتا: ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب قال أمير المؤمنين عليه السلام: قاتلت الناكثين وهؤلاء القاسطين وسأقاتل المارقين. ثم ركب فرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقصده في تسعين ألفا. قال سعيد بن جبير: منها تسعة مائة رجل من الانصار وثمانمائة من المهاجرين. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: سبعون رجلا من أهل بدر. ويقال: مائة وثلاثون رجلا (1). وخرج معاوية في مائة وعشرين ألفا يتقدمهم مروان وقد تقلد بسيف عثمان فنزل صفين في المحرم على شريعة الفرات وقال: أتاكم الكاشر عن أنيابه * ليث العرين جاء في أصحابه ومنعوا عليا عليه السلام وأصحابه الماء. فأنفذ علي عليه السلام شبث بن ربعي الرياحي وصعصعة بن صوحان فقالا في ذلك لطفا وعنفا فقال: أنتم قتلتم عثمان عطشا. فقال [علي] عليه السلام: رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء إلى آخر ما مر (2)


(1) وليلاحظ ما علقناه على المختار: (175) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص ص 91 ط 1 وراجع أيضا ما علقناه على المختار: (175) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 91 ط 1 وراجع أيضا ما علقناه على الحديث: (347) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 268 ط 1. (2) تقدم تحت الرقم: (337) ص 507 من طبع الكمباني:

[573]

[فرجز الاشتر والاشعث] وحملا في سبعة عشر ألفا رجل حملة رجل واحد ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ بعضهم وانهزم الباقون فأمر علي عليه السلام أن لا يمنعوهم الماء. وكان نزوله عليه السلام بصفين لليالي بقين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين. وأنفذ سعيد بن قيس الهمداني وبشر بن عمرو الانصاري [إلى معاوية] ليدعوه إلى الحق فانصرفا بعدما احتجا عليه. ثم أنفذ شبث بن ربعى الرياحي وعدي بن حاتم الطائي ويزيد بن قيس الارحبي وزياد بن حفص بمثل ذلك. فكان معاوية يقول: سلموا [إلي] قتلة عثمان لاقتلنهم به ثم نعتزل الامر حتى يكون شورى. فتقاتلوا في ذي الحجة وأمسكوا في المحرم فلما استهل صفر سنة سبع وثلاثين أمر علي عليه السلام فنودي. في أهل الشام بالاعمار والانذار ثم ؟ ؟ عسكره فجعل على ميمنته الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل (1). وعلى ميسرته محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال. وعلى القلب عبد الله بن العباس وعباس بن ربيعة بن الحارث والاشتر والاشعث. وعلى الجناح سعيد بن قيس الهمداني وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ورفاعة بن شداد البجلي وعدي بن حاتم. وعلى الكمين عمار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعامر بن واثلة الكناني وقبيصة بن جابر الاسدي.


(1) لم أجد هذه الكيفية في تعبئة ؟ قواد العسكر في غير كتاب المناقب والعمدة

[574]

وجعل معاوية على ميمنته ذا الكلاع الحميري وحوشب ذا الظليم وعلى الميسرة عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وعلى القلب الضحاك بن قيس الفهري وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعلى الساقة بسر بن أرطأة الفهري وعلى الجناح عبد الله بن مسعدة الفزاري وهمام بن قبيصة النمري وعلى الكمين أبا الاعور السلمي وحابس بن سعد الطائي. فبعث علي عليه السلام إلى معاوية أن أخرج إلي أبارزك فلم يفعل. وقد جرى بين العسكرين أربعون وقعة يغلبها أهل العراق أولها يوم الاربعاء بين الاشتر وحبيب بن مسلمة والثاني بين المرقال وأبي الاعور السلمي والثالث بين عمار وعمرو بن العاص والرابع بين ابن الحنفية وعبيدالله بن عمر والخامس بين عبد الله بن العباس والوليد بن عقبة والسادس بين سعيد بن قيس وذي الكلاع إلى تمام الاربعين وقعة آخرها ليلة الهرير. وخرج عوف بن عون الحارثي قائلا: إني أنا عوف أخو الحروب * صاحبها ولست بالهيوب (1) فبارزه علقمة [بن عمرو] قائلا: يا عوف لو كنت امرءا حازما * لم تبرز الدهر إلى علقمة لقيت ليثا أسدا باسلا * يأخذ بالانفاس والغلصمة وخرج أحمر مولى عثمان قائلا: إن الكتيبة عند كل تصادم * تبكي فوارسها على عثمان فأجابه كيسان مولى علي عليه السلام: عثمان ويحك قد مضى لسبيله * فأثبت لحد مهند وسنان


(1) كذا في طبع الكمباني من أصلي من البحار، وفيه أيضا في جميع الموارد المتقدمة: " عوف " ومثله في كتاب صفين ص 194، مع زيادة أبيات. وفي طبعة النجف من مناقب ؟ آل أبي طالب: " صاحبها ولست بالهروب " وفيه أيضا. " عون " بدل " عوف ".

[575]

فقتله الاحمر فقال عليه السلام: قتلني الله إن لم أقتلك وأخذ بجربان درعه ورفعه وضربه على الارض وجعل يجول في الميدان ويقول: لهف نفسي وقليل ما أسر * ما أصاب الناس من خير وشر لم أرد في الدهر يوما حربهم * وهم الساعون في الشر الشمر فحث معاوية غلامه حريثا أن يغتال عليا في قتله فطير أمير المؤمنين عليه السلام قحفه في الهواء وجعل يجول ويقول: ألا احذروا في حربكم أبا الحسن * فلا تروموه فذا من الغبن فإنه يدقه دق الطحن * فلا يخاف في الهياج من ومن وخرج عمرو بن العاص مرتجزا يقول: لاعيش إن لم ألق يومي هاشما * ذاك الذي جشمني المجاشما ذاك الذي يشتم عرضي ظالما * ذاك الذي لم ينج مني سالما فبرز هاشم مرتجزا: ذاك الذي نذرت فيه النذرا * ذاك الذي أعذرت فيه العذرا ذاك الذي ما زال ينوي الغدرا * أو يحدث الله لامر أمرا فضربه هاشم وخرج عبد الرحمن بن خالد بن وليد يقول: قل لعلي هكذى الوعيد * أنا بن سيف الله لا مزيد وخالد تربية الوليد * قد افتر الحرب فزيد وازيدوا فبرز الاشتر مرتجزا يقول: بالضرب أو في ميتة مؤخرة * يا رب جنبني سبيل الفجرة ولا تخيبني ثواب البررة * واجعل وفاتي بأكف الكفرة فضربه الاشتر فانصرف قائلا: أفنا نادم عثمان. فقال معاوية: هذه قاشرة الصباة في اللعب فاصبر فإن الله مع الصابرين. وخرج معاوية يشير إلى همدان وهو يقول:

[576]

لا عيش إلا فلق قحف الهام * من أرحب ويشكر شبام قوم هم أعداء أهل الشام * كم من كريم بطل همام وكم قتيل وجريح دامي * كذاك حرب السادة الكرام فبرز سعيد بن قيس يرتجز ويقول: لا هم رب الحل والحرام * لا تجعل الملك لاهل الشام فحمل وهو مشرع رمحه فولى معاوية هاربا ودخل في غمار القوم وجعل قيس يقول: يا لهف نفسي فاتني معاوية * على طمر كالعقاب هاوية والراقصات لا يعود ثانية * إلا هوى معفرا في الهاوية وبرز ابو الطفيل الكناني قائلا: تحامت كنانة في حربها * وحامت تميم وحامت أسد وحامت هوازن من بعدها * فما حام منها ومنهم أحد طحنا الفوارس يوم العجاج * وسقنا الارازل سوق النكد وجال علي عليه السلام في الميدان قائلا: أنا علي فاسألوني تخبروا * ثم أبرزوا لي في الوغى وأبدروا سيفي حسام وسناني يزهر * منا النبي الطاهر المطهر وحمزة الخير ومنا جعفر * وفاطم عرسي وفيها مفخر هذا لهذا وابن هند محجر * مذبذب مطرد مؤخر فاستخلفه عمرو بن الحصين بن السكوني على أن يطعنه فرآه سعيد بن قيس فطعنه وأنشد: أقول له وفي رمحي حناه * وقد قرت بمصرعه العيون ألا يا عمرو عمرو بني حصين * وكل فتى ستدركه المنون أتطمع أن تنال أبا حسين * بمعضلة وذاما لا يكون

[577]

وأنفذ معاوية ذا الكلاع إلى بني همدان فاشتبكت الحرب بينهم إلى الليل ثم انهزم أهل الشام. ثم أنشأ أمير المؤمنين عليه السلام أبياتا منها: فوارس من همدان ليسوا بعزل * غداة الوغى من شاكر وشبام يقودهم حامي الحقيقة ماجد * سعيد بن قيس والكريم محامي جزى الله همدان الجنان فإنهم * سمام العدى في كل يوم حمام وبرز أبو أيوب الانصاري فنكلوا عنه فحاذى معاوية حتى دخل فسطاطه فترفع ابن منصور (1) فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وعلمنا الحرب آباؤنا * وسوف نعلم أيضا بيننا وخرج رجل في براز رجل كوفي فصرعه الكوفي فإذا هو أخوه فقالوا: خله فأبا أن يطلقه إلا بأمر علي فأذن له بذلك. وبرز عبد الله بن خليفة الطائي في جماعة من طي وارتجز: يا طي طي السهل والاجبال * ألا أثبتوا بالبيض والعوالي فقاتلوا أئمة الضلال. وخرج من العسكرين زهاء ألف رجل فاقتتلوا حتى لم يبق منهم أحد وفيهم يقول شبث بن ربعي: وقاتلت الابطال منا ومنهم * وقامت نساء حولنا بنحيب وخرج بسر بن أرطأة مرتجزا: أكرم بجند طيب الاردان * جاؤا يكونوا أولياء الرحمان إني أتاني خبر شجاني * أن عليا نال من عثمان فبرز إليه سعيد بن قيس قائلا: بؤسا لجند ضايع الايمان * أسلمهم بسر إلى الهوان


(1) كذا في الاصل الحاكي والمحكي عنه

[578]

إلى سيوف لبني همدان فانصرف بسر من طعنته مجروحا. وخرج أدهم بن لام القضاعي مرتجزا: أثبت لوقع الصارم الصقيل * فأنت لا شك أخو قتيل فقتله حجر بن عدي. فخرج الحكم بن الازهر قائلا: يا حجر حجر بني عدي الكندي * أثبت فإني ليس مثلي بعدي فخرج إليه مالك بن مسهر القضاعي يقول: أنا بن مالك بن مسهر * أنا بن عم الحكم بن الازهر فأجابه حجر: إني حجر وأنا بن مسعر * أقدم إذا شئت ولا تؤخر وبرز علقمة فأصيب في رجله. وقتل من أهل العراق عمير بن عبيد المحاربي وبكر بن هوذة النخعي وابنه حيان وسعيد بن نعيم وابان بن قيس. فحمل علي عليه السلام فهزمهم فقال معاوية: كنت أرجو اليوم ظفرا. وبرز الاشتر وجعل يقتل واحدا بعد واحد فقال معاوية في ذلك فبرز عمرو بن العاص في أربعمائة فارس إليه وتبع الاشتر مائتا رجل من نخع ومذحج وحمل الاشتر عليه فوقعت الطعنة في القربوس فانكسر وخر عمرو صريعا وسقطت ثناياه فاستأمنه. وبرز الاصبغ بن نباتة قائلا: حتى متى ترجو البقا يا أصبغ * إن الرجاء للقنوط يدمغ

[579]

وقاتل حتى حرك معاوية من مقامه. وخرج عوف المرادي قائلا: أنا المرادي واسمي عوف * هل من عراقي عصاه سيف. فبرز إليه كعير الاسدي (1) مرتجزا فقتله ورأى معاوية على تل فقصد نحوه فلما قرب منه حمل عليه مرتجزا: ويلي عليك يا بني هند * أنا الغلام الاسدي حمد فأخذه أهل الشام بالطعان والضراب فانسل من بينهم قائلا: فلو نلته نلت الذي ليس بعدها * من الامر شيئا غير مين مقال ولو مت من نيلي له ألف ميتة * لقلت لما قد نلت ليس أبالي وخرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. فبرز إليه حارثة بن قدامة السعدي فقتله (2). فخرج أبو الأعور السلمي فانصرف من طعنته زياد بن كعب الهمداني مجروحا وقتل بنو همدان خلقا كثيرا من أهل الشام فقال [معاوية]: بنو همدان أعداء عثمان. وبزر عمير بن عطارد التميمي في قومه قائلا: قد صابرت في حربها تميم * لها حديث ولها قديم


(1) كذا في أصلي ومثله في مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 356 ط النجف. وانظر ما تقدم عن المصنف في ص 501 الكمباني وفي هذه الطبعة نقلا عن كتاب صفين ص 450 ط مصر. (2) كذا في أصلي من طبع الكبماني ومثله في طبع النجف من مناقب آل أبي طالب، وهذا سهو من الراوي أو تصحيف من الكتاب، والصواب أن الذي برز لعبد الرحمان هو جارية بن قدامة رحمه الله ولم يقتل أي واحد منهما الآخر وعاشا بعد وقعة صفين برهة من الزمان.

[580]

دين قديم وهدى قديم فقاتلوا إلى الليل. وبرز قيس بن سعد وقال: أنا بن سعد وأبي عبادة * والخزر جيون رجال سادة حتى متى أنثني إلى الوسادة * يا ذا الجلال لقني الشهادة فخرج بسر بن أرطاة الفهري وارتجز: أنا بن أرطأة الجليل القدر * في أسرة من غالب وفهر إن أرجع اليوم بغير وتر * فقد قضيت في ابن سعد نذري فانصرف مجروحا من ضربة قيس. وخرج المخارق بن عبد الرحمان فقتل المرادي ومسلم الازدي ورجلين آخرين. فبرز إليه علي عليه السلام متنكرا فقتله وقتل سبعة بعده. وخرج كريب بن الصباح فقتل مبرقعا الخولاني وشرحبيل البكري والحارث الحكيمي وعبد الرحمن الهمداني فقتله أمير المؤمنين ثم قتل الحارث بن وداع والمطاع بن المطلب وعروة بن داود. وخرج مولى لمعاوية مرتجزا: إني أنا الحارث ما بي من خور * مولى ابن صخر وبه قد انتصر فقتله قنبر. وخرج يزيد الكلبي فقتله الاشتر وخرج مشجع الجذامي فطعنه عدي بن حاتم. ونادى خالد [بن معمر] السدوسي من يبايعني على الموت ؟ فأجابه تسعة آلاف فقاتلوا حتى بلغوا فسطاط معاوية فهرب معاوية فنهبوا فسطاطه.

[581]

وأنفذ معاوية إليه فقال يا خالد لك عندي إمرة خراسان متى ظفرت فاقصر ويحك عن فعالك هذا فنكل عنها فتفل أصحابه في وجهه وحاربوا إلى الليل وفيه يقول النجاشي: وفر ابن حرب غير الله وجهه * وذاك قليل من عقوبة قادر وخرج حمزة بن مالك الهمداني فقتله المرقال فهجموا على المرقال فقتلوه فأخذ سفيان بن الثور رايته فقاتل حتى قتل ثم أخذها عتبة بن المرقال فقاتل حتى قتل فأخذها أبو الطفيل الكناني مرتجزا: يا هاشم الخير دخلت الجنة * قتلت في الله عدو السنة فقاتل حتى جرح فرجع القهقرى وأخذها عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي مرتجزا: أضربكم ولا أرى معاوية * الابرح العين العظيم الحاوية هوت به في النار أم هاوية * جاوره فيها كلاب عاوية فهجموا عليه وقتلوه. فأخذها عمرو بن الحمق قائلا: جزى الله فينا عصبة أي عصبة * حسان وجوه صرعوا حول هاشم وقاتل أشد قتال فخرج ذو الظليم قائلا: أهل العراق ناسبوا وانتسبوا * أنا اليماني واسمي حوشب من ذي الظليم أين أين المهرب فبرز إليه سليمان بن صرد الخزاعي قائلا: يا أيها الحي الذي تذبذبا * لسنا نخاف ذا الظليم حوشبا فحملت الانصار حملة رجل واحد وقتلوا ذا الكلاع وذا الظليم وساروا إليهم وكاد يؤخذ معاوية فقال الانصاري: معاوي ما أفلت إلا بجرعة * من الموت حتى تحسب الشمس كوكبا

[582]

فإن تفرحوا بابن البديل وهاشم * فإنا قتلنا ذا الكلاع وحوشبا وخرج عبيد الله بن عمر ودعا محمد بن الحنفية فنهض محمد فنهاه أبوه [وبرز هو عليه السلام إليه راجلا فتقهقهر عبيدالله] فقتله عبد الله بن سوار ويقال حريث بن خالد ويقال هانئ بن عمرو ويقال: محمد بن الصبيح. فأمر معاوية بتقديم سبعين راية. وبرز عمار في رايات فقتل من أصحاب معاوية سبعمائة رجل ومن أصحاب علي مائتا رجل. وخرج علي عليه السلام في مقاتلة همدان وقال بعضهم: برك الجمل برك الجمل فبركوا وبركت أيضا همدان فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قد حمل القوم فبركا بركا * لا يدخل القوم على ما شكا وخرج عمرو بن العاص مرتجزا فقصده الاشتر مرتجزا: إني أنا الاشتر معروف السير * إني أنا الافعى العراقي الذكر فهزمهم وجرح عمروا. وخرج الفراز بن الادهم (1) ودعا العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فقتله العباس فنهاه علي عليه السلام عن المبارزة.


(1) كذا في أصلي، وفي طبع النجف من كتاب مناقب آل أبي طالب: " العراد بن الادهم ".

[583]

فقال معاوية من قتل العباس فله عندي ما يشاء فخرج رجلان لخميان فدعاه أحدهما فقال: إن أذن لي سيدي أبارزك وأتى عليا عليه السلام فبرز علي في سلاح العباس وفرسه متنكرا فقال الرجل آذنك سيدك ؟ فقال عليه السلام: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " فقتله وتقدم الآخر فقتله. وخرج قبيصة النميري وكان يشتم عليا ويرتجز: أقدم إقدام الهزبر العالي * في نصر عثمان ولا أبالي فبرز عدي بن حاتم قائلا: يا صاحب الصوت الرفيع العالي * نفدي عليا ولدي ومالي وخرج حجل بن آثال العبسي فطلب البراز فبرز إليه ابنه آثال فلما رآه قال: انصرف إلى الشام فإن فيها أموالا جمة فقال ابنه: يا ابت إنصرف إلينا وجنة الخلد مع علي. وعبئ معاوية أربعة صفوف فتقدم أبو الأعور السلمي يحرضهم ويقول: يا أهل الشام إياكم والفرار فإنها سبة وعار فدقوا على أهل العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق. فبرز سعيد بن قيس وعدي بن حاتم والاشتر والاشعث فقتلوا منهم ثلاثة آلاف ونيفا وانهزم الباقون. وخرج كعب بن جعيل شاعر معاوية قائلا: ابرز إلي الآن يا نجاشي * فإنني ليث لدى الهراش فأجابه النجاشي شاعر علي عليه السلام وبرز إليه: اربع قليلا فأنا النجاشي * لست أببع الدين بالمعاش انصر خير راكب وماش * ذاك علي بين الرياش

[584]

وبرز عبد الله بن جعفر في ألف رجل فقتل خلقا حتى استغاث عمرو بن العاص. وأتى أويس القرنى متقلدا بسيفين ويقال: كان معه مرماة ومخلاة من الحصى فسلم على أمير المؤمنين عليه السلام وودعه وبرز مع رجالة ربيعة فقتل من يومه فصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ودفنه. ثم إن عمارا جعل يقاتل ويقول: نحن ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله * أو يرجع الحق إلى سبيله فلم يزل يقاتل حتى قتل. وبرز أمير المؤمنين عليه السلام ودعا معاوية وقال: أسألك أن تحقن الدماء وتبرز إلي وأبرز إليك فيكون الامر لمن غلب فبهت معاوية ولم ينطق بحرف. فحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الميمنة فأزالها ثم حمل على الميسرة فطحنها ثم حمل على القلب وقتل منهم جماعة وأنشد: فهل لك في أبي حسن علي * لعل الله يمكن من قفاكا دعاك إلى البراز فعكت عنه * ولو بارزته تربت يداكا فانصرف أمير المؤمنين عليه السلام ثم برز متنكرا فخرج عمرو بن العاص مرتجزا. يا قادة الكوفة من أهل الفتن * يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن كفى بهذا حزنا من الحزن * أضربكم ولا أرى أبا الحسن فتناكل عنه علي عليه السلام حتى تبعه عمرو ثم ارتجز:

[585]

أنا الغلام القرشي المؤتمن * الماجد الابيض ليث كالشطن يرضى به السادة من أهل اليمن * أبو الحسين فاعلمن أبو الحسن فولى عمرو هاربا فطعنه أمير المؤمنين فوقعت في ذيل درعه فاستلقى على قفاه وأبدا عورته فصفح عنه استحياءا وتكرما. فقال معاوية أحمد الله الذي عافاك واحمد استك الذي وقاك. قال أبو نواس: فلا خير في دفع الردى بمذلة * كما ردها يوما بسوءته عمرو وقال حيص بيص: قبح مخازيك هازم شرفي * سوءة عمرو ثنت سنان علي وبرز علي عليه السلام ودعا معاوية فنكل عنه وخرج بسر بن أرطاة يطمع في علي عليه السلام فصرعه أمير المؤمنين عليه السلام فاستلقى على قفاه وكشف على عورته فانصرف عنه علي عليه السلام فقال: ويلكم يا أهل الشام أما تستحيون من معاملة المخانيث لقد علمكم رأس المخانيث عمرو. ولقد روى عن هذه السيرة عن أبيه عن جده في كشف الاستاه وسط عرصة الحروب (1). فخرج غلامه لاحق ثم قال: أرديت بسرا والغلام ثائره * وكل آب من عليه قادره فطعنه الاشتر قائلا:


(1) كذا في أصلي، وفي طبع النجف من كتاب المناقب: ج 2 ص 360: " لقد روى هذه السيرة عن أبيه عن جده في كشف أستاه وسط عرصة الحروب.

[586]

في كل يوم رجل شيخ بارزة * وعورة وسط العجاج ظاهرة أبرزها طعنة كف فاترة * عمرو وبسر رهبا بالقاهرة فلما رأى معاوية كثرة براز أمير المؤمنين عليه السلام أخذ في الخديعة فأنفذ عمرو إلى ربيعة خالاته فوقعوا فيه فقال: اكتب إلى ابن عباس وغره فكان فيما كتب: طال البلاء فما ندري له آسى * بعد الاله سوى رفق ابن عباس فكان جواب ابن عباس: يا عمرو حسبك من خدع ووسواس * فاذهب فما لك في ترك الهدى آسى إلا بوادر طعن في نحوركم * تشجى النفوس له في النقع إفلاس إن عادت الحرب عدنا والتمس هربا * في الارض أو سلما في الافق يا قاسي ثم كتب معاوية إليه يذكر فيه: إنما بقي من قريش ستة أنا وعمرو بالشام ناصبان، وسعد وابن عمر بالحجاز، وعلي وأنت بالعراق على خطب عظيم ولو بويع لك بعد عثمان لاسرعنا فيه. فأجابه ابن عباس: دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة * وليس لها حتى تموت بخادع وأمر معاوية لابن خديج الكندي أن يكاتب الاشعث والنعمان بن بشير أن يكاتب قيس بن سعد في الصلح. ثم أنفذ عمروا وعتبة وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فلما كلموه قال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فإن تجيبوا إلى ذلك فللرشد أصبتم وللخير وفقتم وإن تابوا لم تزدادوا من الله إلا بعدا. فقالوا: قد رأينا أن تنصرف عنا فنخلي بينكم وبين

[587]

غراقكم وتخلون بيننا وبين شامنا فنحن نحقن دماء المسلمين فقال عليه السلام: لم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله عزوجل على محمد صلى الله عليه وآله. ثم برز الاشتر وقال: سووا صفوفكم وقال أمير المؤمنين: أيها الناس من يبع يربح في هذا اليوم. في كلام له ألا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير في عواقب الامور ألا إنها أحن بدرية وضغاين أحدية وأحقاد جاهلية وقرأ * (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * فتقدم وهو يرتجز. دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * واصبحوا في حربكم وبيتوا كيما تنالوا الدين أو تموتوا * أولا فإني طال ما عصيت قد قلتم لو جئتنا فجئت وحمل في سبعة عشر ألف رجل فكسروا الصفوف فقال معاوية لعمرو: اليوم صبر وغدا فخر. فقال عمرو: صدقت يا معاوية ولكن الموت حق والحياة باطل ولو حمل علي في أصحابه حملة أخرى فهو البوار. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فما انتظاركم إن كنتم تريدون الجنة. فبرز أبو الهيثم بن التيهان قائلا: أحمد ربى فهو الحميد * ذاك الذي يفعل ما يريد دين قويم وهو الرشيد فقاتل حتى قتل. وبرز خزيمة بن ثابت قائلا: كم ذا يرجى أن يعيش الماكث * والناس موروث وفيهم وارث هذا على من عصاه ناكث فقاتل حتى قتل.

[588]

وبرز عدي بن حاتم قائلا: أبعد عمار وبعد هاشم * وابن بديل صاحب الملاحم ترجو البقاء من بعد يا ابن حاتم فما زال يقاتل حتى فقئ عينه. وبرز الاشتر مرتجزا: سيروا إلى الله ولا تعرجوا * دين قويم وسبيل منهج وقتل جندب بن زهير فلم يزالوا يقاتلون حتى دخل وقعة الخميس وهي ليلة الهرير وكان أصحاب علي عليه السلام يضربون الطبول من أربع جوانب عسكر معاوية ويقولون علي المنصور وهو يرفع رأسه إلى السماء ساعة بعد ساعة ويقول: اللهم إليك نقلت الاقدام وإليك أفضت القلوب ورفعت الايدي ومدت الاعناق وطلبت الحوائج وشخصت الابصار اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. و [كان] ينشد: الليل داج والكباش تنتطح * نطاح أسد ما أراها تصطلح أسد عرين في اللقاء قد مرح * منها قيام وفريق منبطح فمن نجا برأسه فقد ربح وكان يحمل عليهم مرة بعد مرة ويدخل في غمارهم ويقول الله الله في البقية الله الله في الحرم والذرية فكانوا يقاتلون أصحابهم بالجهل. فلما أصبح كان قتلى عسكره أربعة آلاف رجل وقتلى عسكر معاوية إثنين وثلاثين ألف رجل فصاحوا يا معاوية هلكت العرب فاستغاث هو بعمرو فأمره برفع المصاحف.

[589]

قال قتادة: القتلى يوم صفين ستون ألفا. وقال ابن سيرين: سبعون ألفا. وهو المذكور في أنساب الاشراف وضعوا على كل قتيل قصبة ثم عدوا القصب. بيان: " ستدعون إلى قوم " (1) قال الطبرسي رحمه الله: قيل: هم هوازن وخيبر وقيل: هم هوازن وثقيف. وقيل: هم بنوا حنيفة مع مسيلمة وقيل: أهل فارس. وقيل: الروم. وقيل: هم أهل صفين أصحاب معاوية انتهى. واستدل على كونهم أصحاب معاوية بأن الله تعالى أخبر عن المتخلفين بأنهم لن يتبعوا الرسول أبدا فلابد أن يكون بعده صلى الله عليه وآله وبعده أصحاب معاوية أظهر من غيرهم أو الغرض محض نفي قول من قال: إنها فيما وقع في حياته صلى الله عليه وآله. وقال الفيروز آبادي: ربص بفلان ربصا: انتظر به خيرا أو شرا يحل به كتربص ويقال: ربصني أمر وأنا مربوص. والمراد بالشيخين طلحة والزبير. وفي القاموس الدر: النفس واللبن وكثرته ولله دره أي عمله. ولا در دره: لا زكا عمله. ودر العرق: سال. قوله: " ما تبوح بها الخمر " باح بسره: أظهره. والضمير راجع إلى الخمر أي ما دام الخمر تظهر نفسها ولا يمكن كتمانها والباسل: البطل كشجاع. والعلقمة: المرارة. وجربان القميص بضم الجيم والراء وتشديد الباء معرب گريبان شمر بكسر الشين والميم وتشديد الراء: أي شديد. قوله عليه السلام: " من ومن " أي من هو ومن هو. وفي الديوان: وشر


(1) هذه قطعة من الآية: (16) من سورة الفتح، وإليك تمام الآية الكريمة: * (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أن يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أذجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ".

[590]

" من وهن " وبعده " وقد غذى بالباس في وقت اللين " والغبن بالتسكين في البيع وبالتحريك في الرأي. والطحن - بالكسر - الدقيق ولعل التحريك من ضرورة الشعر والوهن بالفتح وقد يحرك: الضعف في العمل. وجشمته الامر تجشيما: كلفته. وفرس طمر بكسر الطاء والميم وتشديد الراء هو المستقر للوثب والعدو [قوله]: " كالعقاب هاوية " أي كالعقاب وقت هويها فإنها أسرع. ونكد عيشهم: اشتد ورجل نكد أي عسر. قوله عليه السلام: " ومنها جعفر " في الديوان: " وتربي جعفر " والترب بالكسر: من ولد معك. " هذا لهذا " أي هذا الفخر لهذا اليوم ولعله عذر للمفاخرة. وتقول: أجحرته إذا ألجأته إلى أن دخل جحره. والتذبذب: التحرك. والمذبذب: المتردد بين أمرين. أكرم بجند أي ما أكرمهم والاردان: جمع الردن بالضم: أصل الكم. وطهارتها كناية عن كرم الاخلاق والامانة. وشجاني أي آخرنني. والمين: الكذب. قوله: " الابرح العين " أقول: نسب في الديوان هذا الرجز إليه عليه السلام وفيه: " الاخزر العين " أي الضيق العين. والحاوية: البطن كله أو المعاء. والهاوية: الهواة و المرأة الثاكلة. ولطفها هنا ظاهر. قوله عليه السلام: " أنا الغلام القرشي " في الديوان " أنا الامام القرشي " وفيه: " كالشطن " و [زاد] بعد قوله: " من أهل اليمن ": من ساكني نجد ومن أهل عدن * أبو حسين فاعلمن وأبو حسن والابلج: المشرق الوجه أو منفصل الحاجبين " والقطن " بالتحريك جبل لبني أسد و " الشطن " بالتحريك: الحبل الطويل. قوله: " يا فاسى " من الفسوة ويحتمل القاف. قوله عليه السلام: " أولا " أي بل لا تقبلون قولي فإني كثيرا ما عصيت. وما كافة أو مصدرية. قوله عليه السلام: " لو جئتنا " لو للتمني وزاد في الديوان في آخره:

[591]

ليس لكم ما شئتم وشئت * بل ما يريد المحيي ؟ ؟ يت وفي الديوان في الرجز الآخر بعد قوله عليه السلام " تصطلح ": أسد عرين في اللقاء قد مرح. والعرين: مأوى الاسد. والعدول في " مرح " من الجمع إلى المفرد لضرورة الشعر وللاشعار بأنها لاجتماعها كأسد واحد كما قيل في قوله تعالى " وهم لكم عدو " ويقال: بطحه أي ألقاه على وجهه فانبطح. قوله عليه السلام " الله الله " أي اتقوه واذكروه. 473 - شي عن أبي الاغر التميمي قال: إني لواقف يوم ؟ ؟ ين إذ مر بي العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شاك في السلاح على رأسه مغفر وبيده صفيحة يمانية يقلبها وهو على فرس له أدهم وكأن عينيه عينا أفعى فبينا هو يروض فرسه ويلين في عريكته إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم: يا عباس هلم إلى البراز. قال: فالنزول إذا فإنه أيأس من القفول. قال: فنزل الشامي ووجد وهو يقول: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * أو تنزلون فإنا معشر نزل قال: وثنى عباس رجله وهو يقول:


473 - رواه العياشي رحمه الله في تفسير الآية: (14) من سورة التوبة من تفسيره: ج 2 ص 79. ورواه عنه السيد هاشم البحراني رفع الله مقامه في تفسير الآية الكريمة من تفسيره ج 2 ص 108، ط 2. ورواه أيضا أبن قتيبة في كتاب عيون الاخبار: ج 1، ص 180، وفي ط ج 2 ص 74. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (65) من نهج البلاغة: ج 2 ص 236 ط بيروت. ورواه أيضا العلامة الاميني نقلا عن كتاب عيون الاخبار: ج 2 ص 180 في كتاب الغدير: ج 10، ص 173. ورواه أيضا أبو مخنف كما رواه عنه المسعودي في سيرة معاوية من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 27 ط مصر. (*)

[592]

ويصد عنك مخيلة الرجل * العريض موضحة عن العظم بحسام سيفك أو لسانك * والكلم الاصيل كأرعب الكلم ثم عصب فضلات درعه في حجزته ودفع فرسه إلى غلام يقال له أسلم كأني أنظر إلى قلاقل شعره ودلف كل واحد منهما إلى صاحبه قال: فذكرت قول أبي ذويب: فتنازلا وتواقفت خيلاهما * وكلاهما بطل اللقاء مخدع قال ثم تكافحا بسيفهما مليا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته إلى أن لحظ العباس وهيا [وهنا " خ ل "] في درع الشامي فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته ثم عاود لمحاولته وقد أصحر له مفتق الدرع فضربه العباس ضربة بالسيف فانتظم به جوانح صدره وخر الشامي صريعا بخده وسما العباس في الناس وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الارض فسمعت قائلا يقول من ورائي: * (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء) * [14 / التوبة: 9] فالتفت فإذا هو أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: يا أبا الاغر من المبارز لعدونا ؟ قلت: هذا ابن شيخكم العباس بن ربيعة قال علي عليه السلام: يا عباس. قال: لبيك. قال: ألم أنهك وحسنا وحسينا وعبد الله بن جعفر أن تخلوا بمركز أو تباشروا حدثا ؟ قال: إن ذلك لكذلك. قال: فما عدا مما بدا ؟ قال: أفأدعى إلى البراز يا أمير المؤمنين فلا أجيب جعلت فداك ؟ قال: نعم طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوك ود معاوية إنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في نيطه إطفاء لنور الله * (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون) * أما والله ليهلكنهم منا رجال ورجال يسومونهم الخسف حتى يتكففوا بأيديهم ويحفروا الآبار. [ثم قال:] إن عادوا لك فعد لي. قال: ونمى الخبر إلى معاوية فقال: الله دم عرار ألارجل يطلب بدم عرار ؟ قال فانتدب له رجلان من لخم فقالا: نحن له. قال: إذهبا فأيكما قتل العباس برازا فله كذا و كذا فأتياه فدعواه إلى البراز فقال: إن لي سيدا أوامره.

[593]

قال: فأتى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره فقال: ناقلني سلاحك بسلاحي فناقله قال: وركب أمير المؤمنين على فرس العباس ودفع فرسه وبرز إلى الشاميين فلم يشكا أنه العباس فقالا له: أذن لك سيدك فتحرج أن يقول نعم فقال: * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) * [39 / الحج: 22]. قال: فبرز إليه أحدهما فكأنما اختطفه ثم برز إليه الثاني فألحقه بالاول وانصرف وهو يقول: * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * [194 / البقرة: 2] ثم قال: يا عباس خذ سلاحك وهات سلاحي. قال: ونمى الخبر إلى معاوية فقال: قبح الله اللجاج إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت. فقال عمرو بن العاص: المخذول والله اللخميان لا أنت. قال: اسكت أيها الشيخ فليس هذه من ساعاتك. قال: فإن لم يكن فرحم الله اللخميين وما أراه يفعل. قال: ذلك والله أضيق لحجرك وأخسر لصفقتك. قال أجل ولولا مصر لقد كانت المنجاة منها. فقال: هي والله أعمتك ولولاها لالفيت بصيرا. بيان [و] رواه ابن أبي الحديد عن ابن قتيبة من كتاب عيون الاخبار عن أبي الاغر بأدنى تغيير وزاد بعد قوله: " من إجابة عدوك ": ثم تغيظ واستطار حتى قلت الساعة الساعة ثم سكن وتطامن ورفع يديه مبتهلا وقال: اللهم اشكر للعباس مقامه واغفر له ذنبه. وساق الخبر إلى قوله: " فقال علي: فو الله لود معاوية ". والمخيلة: الظن والكبر. والعريض كسكيت: من يتعرض للناس بالشر أي يمنع عنك ظن المتعرض للشر وكبره وخيلاءه ضربة أو شجة موضحة عن العظم أو كلام بلسانك فإن الكلام الاصيل في التأثير كأرعب الكلم أي الجرح وفي بعض النسخ " قارعة الكلم " بالقاف أو الفاء أي تفوقه وتزيد عليه والاول أظهر. والعصب: الطي الشديد. والقلاقل بالضم: السريع التحرك. ودلف: مشى بتثاقل كمشي الشيخ. ودلفت الكتيبة في الحرب: تقدمت.

[594]

قال الجوهري: قال الاصمعي: كافحوهم إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس. وقال: مضى ملي من النهار أي ساعة طويلة. وقال الجوهري: اللامة: الدرع اللامة وقوله عليه السلام: " فما عدا مما بدا " أي ما صرفك عما ظهر لك. وقد مر سابقا. وقال [الجوهري]: الضرمة السعفة أو الشحة في طرفها نار يقال ما بها فافخ ضرمة أي أحد. وقال في النهاية في حديث علي عليه السلام: " والله لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في ينطه " الضرمة بالتحريك: النار وهذا يقال عند المبالغة في الهلاك لان النار ينفخها الصغير والكبير والذكر والانثى أي ما بقي أحد منهم. ويقال: طعن في نيطه أي في جنازته ومن ابتدأ في شئ أو دخله فقد طعن فيه ويروى طعن على ما لم يسم فاعله. والنيط نياط القلب وهو علاقته. وقال في [مادة] " نيط ": يقال طعن في نيطه وجنازته إذا مات. والقياس النوط لانه من ناط ينوط إذا علق غير أن الواو تعاقب الياء في حروف كثيرة. وقيل: النيط نياط القلب وهو العرق الذي القلب معلق به. وقال الجوهري: سامه خسفا أي أولاه ذلا ويقال: كلفه المشقة والذل. وقال: استكف وتكفف بمعنى وهو أن يمد كفه يسأل الناس يقال فلان يتكفكف الناس. وقال: القعود من الابل هو البكر حين يركب أي يمكن ظهره من الركوب. قوله " أضيق لجحرك " أي إقرارك ببطلان أمرنا يضيق الامر عليك ويجعل صفقتك أي بيعتك لي خاسرة بائرة.

[595]

474 - جا: التمار عن محمد بن الحسن عن أبي نعيم عن صالح بن عبد الله عن هشام عن أبي مخنف عن الاعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن الاصبغ بن نباتة قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس اسمعوا مقالتي وعوا كلامي إن الخيلاء من التجبر والنخوة من التكبر وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل. ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابزوا ولا تخاذلوا فإن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة من أخذ بها لحق، ومن تركها مرق ومن فارقها محق. ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن ولا بالمخلف إذا وعد ولا بالكذوب إذا نطق. نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الحق وفعلنا القسط ومنا خاتم النبيين وفينا قادة الاسلام وأمناء الكتاب ندعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء مرضاته وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ لاهله. ألا وإن [من] أعجب العجب أن معاوية بن أبي سفيان الاموي وعمرو بن العاص السهمي يحرضان الناس على طلب ذم ابن عمهما و [قد علمتم] أني والله لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وآله قط ولم أعصه في أمره قط أقيه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الابطال وترعد منها الفرائص بقوة أكرمني الله بها فله الحمد. ولقد قبض النبي صلى الله عليه وآله وإن رأسه لفي حجري ولقد وليت غسله بيدي تقلبه الملائكة المقربون معي وأيم الله ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر باطلها على حقها إلا ما شاء الله.


474 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث: (25) من المجلس: (27) من أماليه ص 145، ط النجف. ورواه عنه الشيخ الطوسي رحمة الله في الحديث: (13) من الجزء الاول من أماليه ص 9 ط بيروت.

[596]

قال: فقام عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال: أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الامة لم يستقم عليه. [قال:] فتفرق الناس وقد نفذت بصائرهم. 475 - كشف خرج من عسكر معاوية المخراق بن عبد الرحمان وطلب البراز فخرج إليه من عسكر علي عليه السلام المؤمل بن عبيد الله المرادي فقتله الشامي فنزل فجز رأسه وحك وجهه بالارض وكبه على وجهه فخر إليه فتى من الازد اسمه مسلم بن عبد ربه فقتله الشامي وفعل به كما فعل فلما رأى علي عليه السلام ذلك تنكر والشامي واقف يطلب البراز فخرج إليه وهو لا يعرفه فطلبه فبدره علي عليه السلام بضربة على عاتقه فرمى بشقه فنزل فاجتز رأسه وقلب وجهه إلى السماء وركب ونادى هل من مبارز فخرج إليه فارس فقتله وفعل به كما فعل وركب ونادى هل من مبارز فخرج إليه فارس فقتله وفعل كما فعل كذا إلى أن قتل سبعة فأحجم عنه الناس ولم يعرفوه. وكان لمعاوية عبد يسمى حربا وكان شجاعا فقال له معاوية: ويلك يا حرب اخرج إلى هذ الفارس فاكفني أمره فقد قتل من أصحابي ما قد رأيت فقال له حرب: إني والله أرى مقام فارس لو نزل إليه أهل عسكرك لافناهم عن آخرهم فإن شئت برزت إليه واعلم أنه قاتلي وإن شئت فاستبقني لغيره فقال: معاوية لا والله ما أحب أن تقتل فقف مكانك حتى يخرج إليه غيرك. وجعل علي عليه السلام يناديهم ولا يخرج إليه أحد فرفع المغفر عن رأسه ورجع إلى عسكره. فخرج رجل من أبطال الشام اسمه كريب بن الصباح فطلب البراز فخرج إليه المبرقع الخولاني فقتله الشامي وخرج إليه آخر فقتله أيضا فرأى علي عليه السلام فارسا بطلا فخرج إليه علي عليه السلام بنفسه فوقف قبالته وقال له: من أنت قال: أنا كريب بن الصباح الحميري فقال له علي عليه السلام:


475 - رواه الاربلي رحمه الله في عنوان: " ومن حروبه [عليه السلام] حرب صفين " من كتاب كشف الغمة: ج 2 ث 246.

[597]

ويحك يا كريب إني أحذرك الله في نفسك وأدعوك إلى كتابه وسنة نبيه فقال كريب: من أنت ؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب فالله الله في نفسك فإني أراك فارسا بطلا فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا وتصون نفسك من عذاب الله ولا يدخلنك معاوية نار جهنم. فقال كريب: ادن مني إن شئت وجعل يلوح بسيفه فمشى إليه علي عليه السلام والتقيا بضربتين فبدره علي عليه السلام فقتله فخرج إليه الحرث بن الحميري فقتله وآخر فقتله حتى قتل أربعة وهو يقول: * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) * ثم صاح علي عليه السلام يا معاوية هلم إلى مبارزتي ولا تفنين العرب بيننا. فقال معاوية: لا حاجة لي في ذلك فقد قتلت أربعة من سباع العرب فحسبك. فصاح شخص من أصحاب معاوية اسمه عروة بن داود يا علي إن كان معاوية قد كره مبارزتك فهلم إلى مبارزتي فذهب علي عليه السلام نحوه فبدره عروة بضربة فلم يعمل شيئا وضربه علي فأسقطه قتيلا ثم قال: انطلق إلى النار. وكبر على أهل الشام قتل عروة وجاء الليل. وخرج علي عليه السلام في يوم آخر متنكرا فطلب البراز فخرج إليه عمرو بن العاص وهو لا يعرف أنه علي وعرفه علي عليه السلام فاطرد بين يديه ليبعده عن عسكره فتبعه عمرو مرتجزا: يا قادة الكوفة يا أهل الفتن * أضربكم ولا أرى أبا الحسن فرجع إليه علي عليه السلام وهو يقول: أبو الحسين فاعلمن والحسن * جاءك يقتاد العنان والرسن فعرفه عمرو فولى ركضا ولحقه علي فطعنه طعنة وقع الرمح في فضول درعه فسقط إلى الارض وخشي أن يقتله فرفع رجليه فبدت سؤته فصرف علي عليه السلام وجهه وانصرف إلى عسكره.

[598]

وجاء عمرو ومعاوية يضحك منه فقال: مم تضحك والله لو بدا لعلي من صفحتك ما بدا له من صفحتي إذا لاوجع قذالك وأيتم عيالك وأنهب مالك فقال معاوية: لو كنت تحتمل مزاحا لمازحتك فقال عمرو: وما أحملني للمزاح ولكن إذا لقي الرجل رجلا فصد عنه ولم يقتله أتقطر السماء دما ؟ فقال معاوية: لا ولكنها تعقب فضيحة الابد حينا وحينا أما والله لو عرفته لما أقدمت عليه. وكان في أصحاب معاوية فارس مشهور بالشجاعة اسمه بسر بن أرطأة فلما سمع بسر عليا عليه السلام يدعو معاوية إلى البراز ومعاوية يمتنع قال: قد عزمت على مبارزة علي فلعلي أقتله فأذهب بشهرته في العرب وشاور غلاما يقال له لاحق فقال: إن كنت واثقا من نفسك وإلا فلا تبارز إليه فإنه والله الشجاع المطرق. [وأنشد]:. فأنت له يا بسر إن كنت مثله * وإلا فإن الليث للضبع آكل متى تلقه فالموت في رأس رمحه * وفي سيفه ضغل لنفسك شاغل فقال: ويحك هل هي إلا الموت ولابد من لقاء الله على كل حال اما بموت أو قتل (1). ثم خرج بسر إلى علي عليه السلام وهو ساكت بحيث لا يعرفه علي عليه السلام لحالة كانت صدرت منه. فلما نظر إليه علي عليه السلام حمل عليه فسقط بسر عن فرسه على قفاه ورفع رجليه وانكشفت سوأته فصرف علي عليه السلام وجهه عنه، ووثب بسر قائما وسقط المغفر عن رأسه فصاح أصحاب علي عليه السلام: يا أمير المؤمنين إنه بسر بن أرطأة فقال علي عليه السلام ذروه عليه لعنة الله. فضحك معاوية من بسر وقال: لا عليك فقد نزل بعمرو مثلها ! ! !.


(1) لو صح أن هذا الكلام صدر من هذا العفريت المارد لا ينبغي لعاقل أن يغتر بما قال فإن هذا شأن أكثر المتمردين في جميع الاعصار فإنهم بمرأى ومسمع من الناس يتفوهون بأمثال هذه الكلم لتبرير عتوهم وطغيانهم ولتشجيع مردتهم وهمج الرعاء على اتباعهم وتشجيعهم ! ! !. (*)

[599]

وصاح فتى من أهل الكوفة ويلكم يا أهل الشام أما تستحيون لقد علمكم ابن عاص كشف الاستاه في الحروب ؟ ! وأنشد: أفي كل يوم فارس ذو كريهة * له عورة وسط العجاجة بادية يكف بها عنه علي سنانه * ويضحك منه في الخلاء معاوية فقولا لعمرو وابن أرطأة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية فلا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا والله للنفس واقية فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها من العود ثانية وكان بسر يضحك من عمرو فعاد عمرو يضحك منه ! ! وتحامى أهل الشام عليا فخافوه خوفا شديدا. وكان لعثمان مولى اسمه أحمر فخرج يطلب البراز فخرج إليه كيسان مولى علي عليه السلام فحمل عليه فقتله فقال علي عليه السلام: قتلني الله إن لم أقتلك ثم حمل عليه فاستقبله بالسيف فاتقى علي عليه السلام ضربته بالحجفة ثم قبض ثوبه واقتلعه من سرجه وضرب به الارض فكسر منكبيه وعضديه ودنا منه أهل الشام فما زاده قربهم إسراعا فقال له ابنه الحسن عليه السلام: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى أصحابك فقال: يا بني إن لابيك يوما لم يعدوه ولا به تبطئ عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي وإن أباك والله لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه (1) وكان لمعاوية عبد اسمه حريث وكان فارسا بطلا فحذره معاوية من التعرض لعلي فخرج وتنكر له فقال عمرو بن العاص لحريث: لا يفوتك هذا الفارس وعرف عمرو أنه علي عليه السلام فحمل حريث فداخله علي وضربه ضربة أطار بها قحف رأسه فسقط قتيلا واغتم معاوية عليه غما شديدا وقال لعمرو: أنت قتلت حريثا وغررته.


(1) قد تقدم هذا نقلا عن كتاب صفين، ورواه أيضا الطبري في تاريخه: ج 4. وفي ط بيروت: ج 5 ص 19، وما فيهما أوضح مما ها هنا.

[600]

وخرج العباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي فأبلى. وخرج [إليه] فارس من أصحاب معاوية فتنازلا وتضاربا ونظر العباس إلى وهن في درع الشامي فضربه العباس على ذلك الوهن فقده بإثنتين فكبر جيش علي عليه السلام وركب العباس فرسه فقال معاوية: من خرج إلى هذا فقتله فله كذا وكذا. فوثب رجلان من لخم من اليمن فقالا: نحن نخرج إليه فقال: اخرجا فأيكما سبق إلى قتله فله من المال ما ذكرت وللآخر مثل ذلك فخرجا إلى مقر المبارزة وصاحا بالعباس ودعواه إلى القتال فقال: استأذن صاحبي وأعود إليكما وجاء إلى علي عليه السلام ليستأذنه فقال له: أعطني ثيابك وسلاحك وفرسك ولبسها وركب الفرس وخرج إليهما [فظنا] أنه على العباس فقالا: استأذنت صاحبك ؟ فتحرج من الكذب فقرأ * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) * فتقدم إليه أحد الرجلين فالتقيا ضربتين ضربه علي عليه السلام على مراق بطنه قطعه بإثنتين فظن أنه أخطأه فلما تحرك الفرس سقط قطعتين وغار فرسه وصار إلى عسكر علي عليه السلام وتقدم الآخر فضربه علي عليه السلام فألحقه بصاحبه ثم جال عليهم جولة ورجع إلى موضعه. وعلم معاوية أنه علي فقال: قبح الله اللجاج إنه لقعود ما ركبته إلا خذلت. فقال عمرو بن العاص: المخذول والله اللخميان لا أنت. فقال له معاوية: اسكت أيها الانسان ليس هذه الساعة من ساعتك. فقال عمرو: فإن لم تكن من ساعاتي فرحم الله اللخميين ولا أظنه يفعل. وقال في وصف ليلة الهرير: فما لقي عليه السلام شجاعا إلا أراق دمه ولا بطلا إلا زلزل قدمه ولا مريدا إلا أعدمه ولا قاسطا إلا قصر عمره وأطال ندمه ولا جمع نفاق إلا فرقه ولا بناء ضلال إلا هدمه وكان كلما قتل فارسا أعلن بالتكبير فأحصيت تكبيراته ليلة الهرير فكانت خمسمائة وثلاثا وعشرين تكبيرة بخمسمائة وثلاثة وعشرين قتيلا من أصحاب السعير.

[601]

وقيل: إنه في تلك الليلة فتق نيفق درعه لثقل ما كان يسيل من الدم على ذراعه وقيل: إن قتلاه عرفوا في النهار فإن ضرباته كانت على وتيرة واحدة إن ضرب طولا قد أو عرضا قط وكانت كأنها مكواة بالنار. بيان قال الجوهري القذال: جماع مؤخر الرأس وفي القاموس: نيفق السراويل بالفتح: الموضع المتسع منه. 476 - بشا: إبراهيم بن الحسين البصري عن محمد بن الحسين بن عتبة عن محمد بن أحمد بن مخلد عن أبي المفضل الشيباني عن محمد بن محمد بن معقل عن محمد بن أبي الصهبان عن البزنطي عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: عقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ما كشفت النساء ذيولهن عن مثله لا والله ما رأيت فارسا محدثا يوزن به لرأيته يوما ونحن معه بصفين وعلى رأسه عمامة سوداء وكأن عيينه سراجا سليط يتوقدان من تحتهما يقف على شرذمة شرذمة يحضهم حتى انتهى إلى نفر أنا فيهم وطلعت خيل لمعاوية تدعى بالكتيبة الشهباء عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب فاقشعر الناس لها لما رأوها وانحاز بعضهم إلى بعض فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فيم النخع والخنع يا أهل العراق هل هي إلا أشخاص ماثلة فيها قلوب طايرة لو مسها سيوف قلوب أهل الحق لرأيتموها كجراد بقيعة سفته الريح في يوم عاصف.


476 - رواه الطبري رحمه الله في أواخر الجزء الرابع من كتاب بشارة المصطفى ص 172، ط النجف. وللخطبة أسانيد ومصادر أخر يجد الباحث بعضها في المختار: (215) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 228 ط 1.

[602]

ألا فاستشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وادرعوا الصبر وغضوا الاصوات وقلقلوا الاسياف في الاغماد قبل السلة وانظروا الشزر واطعنوا الوجر وكافحوا بالظبي وصلوا السيوف بالخطى والنبال بالرماح وعاودا الكر واستحيوا من الفر فإنه عار في الاعقاب ونار يوم الحساب وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت مشية سجحا فإنكم بعين الله عزوجل ومع أخي رسول الله صلى الله عليه وآله. وعليكم بهذا السرادق الادلم والرواق المظلم فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راقد في كسره نافج حضنيه مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ها أنا شاد فشدوا بسم الله حم لا ينصرون. ثم حمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام وعلى ذريته حملته وتبعه خويلة لم يبلغ المائة فارس فأجالهم فيها جولان الرحى المسرحة بثقالها فارتفعت عجاجة منتعتني النظر ثم انجلت فاثبت النظر فلم نر إلا رأسا نادرا ويدا طايحة فما كان بأسرع أن ولوا مدبرين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فإذا أمير المؤمنين عليه السلام قد أقبل وسيفه ينظف ووجهه كشقة القمر وهو يقول: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لعلهم ينتهون. قال عكرمة: وكان ابن عباس رضي الله عنه يحدث قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله عليا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وقال: يا علي إنك لمقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. بيان: قال في القاموس: نخع لي بحقي - كمنع -: أقر. والذبيحة: جاوز منتهى الذبح فأصاب نخاعها. وفلان الود والنصيحة: أخلصهما له. وأنخع الاسماء: أذلها وأقهرها. ونخع العود كفرح: جرى فيه الماء. وقال: الخانع: المريب الفاجر. وقد خنع كمنع. والخنعة: الفجرة والريبة. وكصبور: الغادر الذي يحيد عنك. وبالضم: الخضوع و الذل. والخنع: التجميش واللين.

[603]

قوله عليه السلام: ماثلة أي قائمة أو متمثلة مشبهة بالانسان [وقال الفيروز آبادي] في القاموس: مثل: قام منتصبا - كمثل بالضم - ولطأ بالارض ضد زال عن موضعه. وفلان فلانا: صار مثله. وفي بعض النسخ: " مائلة " من الميل أي عادلة عن الحق " فيها قلوب طائرة " أي من الخوف. والقيعة بالكسر: الارض المستوي أو جمع القاع. " واطعنوا الوجر " بالجيم والراء المهملة قال في القاموس: أو جره بالرمح: طعنه به في فيه. وفي النهاية: في حديث عبد الله بن أنيس: " فوجرته بالسيف وجرا " أي طعنته والمعروف في الطعن أوجرته الرمح ولعله لغة فيه. أو بالحاء المهملة وهو الحقد والغيظ. أو بالخاء والراي. وهو الطعن بالرمح وغيره لا يكون نافذا ولا يناسب إلا بتكلف. أو بالجيم والزاي وهو السريع الحركة وقد مر على وجه آخر. والمكافحة: المضاربة والمدافعة تلقاء الوجه كالمنافحة ويروى بهما " والنبال بالرماح " أي أرموهم بالنبال فإذا قربتم فاستعملوا الرماح والعكس أظهركما سيأتي أي إذا لم تصل الرماح فاستعملوا النبال كأنكم وصلتموها بها فيكون أنسب بالفقرة السابقة وكذا في النهاية أيضا وقد مر. والادلم: الاسود صورة أو معنى كالمظلم. قوله عليه السلام " نافج حضنيه " [الحضن] بالكسر: ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر أو العضدين أو ما بينهما. ونفجت الشئ أو رفعته وعظمته قال في النهاية: كنى به عن التعظم والتكبر والخيلاء. وفي بعض النسخ " نافش " بالشين ولا يناسب المقام وقال في [مادة بيت من] النهاية: في حديث الجهاد " إذا بيتم فقولوا حم لا ينصرون " قيل: معناه اللهم لا ينصرون ويريد به الخبر لا الدعاء وأنه لو كان دعاء لقال: لا ينصروا مجزوما فكأنه قال: والله

[604]

لا ينصرون. وقيل: إن السور التي أولها " حم " سور لها شأن فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله وقوله: " لا ؟ نصرون " كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا حم قيل ماذا يكون إذا قلناها ؟ فقال: لا ينصرون. " والخويلة " كأنه تصغير الخيل وإن لم " يساعده " القياس أو تصغير الخول بمعنى الخدم والحشم. وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام " تدقهم الفتن دق الرحا بثفالها " الثفال بالكسر جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق ويسمى الحجر الاسفل ثفالا بها والمعنى أنها تدقهم دق الرحا للحب إذا كانت مثفلة ولا تثفل إلا عند الطحن انتهى. والعجاجة بالفتح: الغبار. وندر الشئ: سقط. وطاح يطوح ويطيح: هلك وأشرف على الهلاك وذهب وسقط. وطوحته الطوائح: قذفته القواذف. والقسورة: الاسد. وسيفه ينطف أي يقطر وفي النهاية: نطف الماء ينطف وينطف إذا قطر قليلا قليلا ومنه صفة المسيح ينطف رأسه ماءا. والشقة بالكسر: القطعة المشقوقة ونصف الشئ إذا شق. قوله صلى الله عليه وآله: " على تأويل القرآن " أي ليقبلوا منك تأويل القرآن أو أن آيات قتال المشركين والكافرين ظاهرها قتال من قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وباطنها يشتمل قتال من قاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام. وأما آية " وإن طائفتان " فليست بنازلة فيهم لعدم إيمان هؤلاء وإن كان عليه السلام قرأها في بعض المواطن إلزاما عليهم مع أنه يحتاج إجراؤها في ابتداء قتالهم إلى استدلال ونظر وقد مر شرح سائر اجزاء الخبر في رواية النهج.

[605]

477 - كا: علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذنية عن زرارة وفضيل ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة: يصلي كل إنسان منهم بالايماء حيث كان وجهه وإن كانت المسائفة والمعانقة وتلاحم القتال فإن أمير المؤمنين عليه السلام صلى ليلة صفين وهي ليلة الهرير لم تكن صلواتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند كل وقت صلاة إلا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء فكانت تلك صلواتهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. 478 - فر: إبراهيم بن بنان الخثعمي عن جعفر بن أحمد بن يحيى عن علي بن أحمد بن القاسم الباهلي عن ضرار بن الازور أن رجلا من الخوارج سأل ابن عباس رضي الله عنه عن أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب فأعرض عنه ثم سأله فقال: والله لقد كان أمير المؤمنين يشبه القمر الزاهر والاسد الخادر والفرات الزاخر والربيع الباكر فأشبه من القمر ضوؤه وبهاؤه ومن الاسد شجاعته ومضاؤه ومن الفرات جوده وسخاؤه ومن الربيع خصبه وحياؤه عقمت النساء أن يأتين بمثل علي بعد النبي والله ما سمعت ولا رأيت إنسانا محاربا مثله وقد رأيته يوم صفين وعليه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجان وهو يتوقف على شرذمة شرذمة يحضهم ويحثهم إلى أن أنتهى إلي وأنا في كنف من المسلمين فقال: معاشر الناس استشعروا الخشية وأميتوا الاصوات وتجلببوا بالسكينة وأكملوا اللامة وقلقلوا السيوف في الغمد قبل السلة والحظوا الشزر واطعنوا الخزر ونافجوا بالظبى وصلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبال فإنكم بعين الله [و] مع ابن عم نبيكم وعاودوا الكر واستحيوا من الفر فإنه عار باق في الاعقاب ونار


477 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه. 478 - رواه فرات بن إبراهيم في تفسير الآية (8) من سورة الحجرات وهي الآية: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله... ".

[606]

يوم الحساب فطيبوا عن أنفسكم أنفسا وطوا واطروا عن الحياة كشحا (1) وامشوا إلى الموت مشيا وعليكم بهذا السواد الاعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان عليه اللعنة راكد في كسره نافج حضنيه ومفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا فصمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. قال: وأقبل معاوية في الكتيبة الشهباء وهي زهاء عشرة آلاف بجيش شاكين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق تحت المغافر فقال عليه السلام: ما لكم تنظرون بما تعجبون ؟ إنما هم جثث ماثلة فيها قلوب طائرة مزخرفة بتمويه الخاسرين ورجل جراد زفت به ريح صبا ولفيف سداه ولحمته الضلالة: وصرخ بهم ناعق البدعة وفيهم خور الباطل وضحضحة المكاثر فلو قد مسها سيوف أهل الحق لتهافتت تهافت الفراس في النار ألا فسووا بين الركب، وعضوا على النواجذ واضربوا القوابض بالصوارم واشرعوا الرماح في الجوانح وشدوا فإني شاد حم لا ينصرون. فحملوا حملة ذي لبد فأزالوهم عن مصافهم ودفعوهم عن أماكنهم ورفعوهم عن مراكبهم وارتفع الرهج وخمدت الاصوات فلا يسمع إلا صلصلة الحديد وغمغمة الابطال ولا يرى إلا رأس نادر ويد طائحة وأنا كذلك إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام من موضع يريد أن ينجلي من الغبار وينفذ العلق من ذراعيه سيفه يقطر الدماء وقد انحنى كقوس النازع وهو يتلو هذه الآية: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * [9 / الحجرات: 49] فما رأيت قتالا أشد من ذلك اليوم. يا بني إني أرى الموت لا يقلع ومن مضى لا يرجع ومن بقي فإليه ينزع إني أوصيك بوصية فاحفظها واتق الله وليكن أولى الامر بك الشكر لله في


(1) كذا في متن طبع الكمباني من البحار، وفي هامشه نقلا عن بعض النسخ: " واطووا "

[607]

السر والعلانية فإن الشكر خير زاد. بيان: قال في القاموس: الخدر: أجمة الاسد ومنه أسد الخادر. والربيع الباكر أي أول ما دخل فإنه أكثر مطرا وأظهر آثارا وكل من بادر إلى شئ فقد أبكر إليه وبكر أي وقت كان. والباكورة: أول الفاكهة ذكره الجوهري وقال: مضى الامر مضاءا: نفذ. وقال: الحياء مقصورا: الخصب والمطر. " وأنا في كنف " أي في ناحية وجانب. وفي بعض النسخ " في كتيبة " وهو أظهر والرجل: الجماعة الكثيرة من الجراد خاصة. والخور: الضعف. وضحضحة المكاثر هي التوهيم والتهديد الذي يأتي به المكاثر ويدعيه ولا أصل له. قال في القاموس: ضحضح السراب: ترقرق والضحضخة جري السراب. " واضربوا القوانص " أي الاعناق والصدور تشبيها بقانصة الطير أو الفرق التي يريدون أصطيادكم من قنصه أي صاده. ويحتمل القوابض بالباء والضاد المعجمة أي الايدي القابضة. والصارم: السيف القاطع. وأشرعت الرمح قبله أي سددت وكذا شرعت. والجوانح: الاضلاع التي تلي الصدر. والشدة بالفتح: الحملة في الحرب. والرهج بالتحريك: الغبار. والغمغمة: أصوات الابطال في القتال. وفي القاموس: اللبدة بالكسر: شعر زبرة الاسد وكنيته ذو لبدة. 479 - نهج ومن كلامه عليه السلام لما عزم على لقاء القوم بصفين: اللهم رب السقف المرفوع والجو المكفوف الذي جعلته مغيضا لليل والنهار ومجرى للشمس والقمر ومختلفا للنجوم السيارة وجعلت سكانه سبطا من ملائكتك لا يسأمون عن عبادتك، ورب هذه الارض التي جعلتها قرارا للانام ومدرجا للهوام والانعام وما لا يحصى مما يرى وما لا يرى ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للارض أوتادا وللخلق اعتمادا إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة.


479 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (169) من نهج البلاغة. وللكلام مصادر أخر يقف الباحث على بعضها في المختار: (206) من نهج السعادة: ج 2 ص 197، ط 1.

[608]

أين المانع للذمار والغاير عند نزول الحقايق من أهل الحفاظ العار ورائكم والجنة أمامكم. بيان الجو: ما بين السماء والارض. والهواء. وغاض الماء غيضا: نضب وقل. والمراد هنا بالسقف المرفوع السماء وبالجو المكفوف السماء أيضا من كفه أي جمعه وضم بعضه إلى بعض أو الهواء لكونه مضموما بالسماء محفوظا عن الانتشار كما ورد في الدعاء " وسد الهواء بالسماء " لكن يأبى عنه وصفه بكونه مجرى للشمس والقمر ومختلفا للنجوم السيارة وكونه مغيضا لليل والنهار لان الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس على وجه الارض يكون سببا لغيبوبة الليل وعن وجهها لغيبوبة النهار فكان كالمغيض لهما. وقيل: المغيض الغيضة وهي في الاصل الاجمة يجتمع إليها الماء فيسمى غيضة ومغيضا وينبت فيها الشجر وكذلك الليل والنهار يتولدان من جريان الفلك فكان كالغيضة لهما والاختلاف: التردد. قوله عليه السلام " سبطا " أي قبيلة. قوله عليه السلام " قرارا " أي موضع استقرارهم و " مدرجا " أي موضع سيرها وحركاتها والهوام: الحشرات. قوله عليه السلام " وللخلق اعتمادا " لانهم يجعلونها مساكن لهم ويستغنون عن بناء جدار مثلا ولانها من أمهات العيون ومنابع المياه وفيها المعادن والاشجار والثمار والاعشاب فهي معتمد للخلق في مرافقهم ومنافعهم وذمار الرجل: كل شئ يلزمه الدفع عنه وإن ضيعه لزمه الذم أي اللوم والحقائق الامور الشديدة. العار ورائكم أي يسوقكم إلى الحرب ويمنعكم من الهرب وفي بعض النسخ " النار " بهذا الوجه أو لان الهارب مصيره إليها. 480 - نهج: روى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الاشعث أنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد: إني سمعت عليا عليه السلام رفع الله درجته في


480 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (373) من قصار نهج البلاغة. ورواه الطبري في أول أحداث سنة (83) من تاريخ الامم والملوك: ج 2 ص 1086، ط 1، وفي ط الحديث ببيروت. ج 6 ص 357 نقلا عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن أبي الزبير الهمداني عن عبد الرحمان بن أبي ليلى الفقيه عن علي عليه السلام.

[609]

الصالحين وأثابه ثواب الشهداء والصديقين يقوم يول لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن أنكره بلسانه فقد آجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين. بيان: قوله عليه السلام: فقد سلم وبرئ أي من العذاب المترتب على فعل المنكر والرضا به لانه خرج بمجرد ذلك عن العهدة. وقال ابن ميثم: إنما خصصه بالسلامة والبراءة من العذاب لانه لم يحمل إثما وإنما لم يذكر له أجرا - وإن كان كل واجب يثاب عليه - لان غاية إنكار المنكر دفعه والانكار بالقلب ليس له في الظاهر تأثير في دفع المنكر فكأنه لم يفعل ما يستحق به أجرا انتهى وفيه ما فيه. 481 - كتاب سليم بن قيس عن أبان بن أبي عياش عنه قال: سألت عبد الله بن عباس هل شهدت صفين ؟. قال: نعم قلت: هل شهدت يوم الهرير ؟ قال: نعم قلت: كم كان أتى عليك من السن ؟ قال: أربعون سنة. قلت: فحدثني رحمك الله. قال: نعم مهما نسيت من شئ من الاشياء فلا أنسى هذا الحديث ثم بكى وقال: صفوا وصففنا فخرج مالك الاشتر على فرس أدهم وسلاحه معلق على فرسه وبيده الرمح وهو يقرع به رؤوسنا ويقول: أقيموا صفوفكم فلما كتب الكتائب وأقام الصفوف أقبل على فرسه حتى قام بين الصفين فولى أهل الشام ظهره وأقبل علينا بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:


356 - رواه سليم بن قيس الهلالي رحمه الله في كتابه ص 191، ط النجف.

[610]

أما بعد فإنه كان من قضاء الله وقدره اجتماعنا في هذه البقعة من الارض لآجال قد اقتربت وأمور تصرمت يسوسنا فيها سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وابن عم نبينا وأخوه ووارثه وسيف من سيوف الله ورئيسهم ابن آكلة الاكباد وكهف النفاق وبقية الاحزاب يسوقهم إلى الشقاء والنار ونحن نرجو بقتالهم من الله الثواب وهم ينتظرون العقاب فإذا حمي الوطيس وثار القتام وجالت الخيل بقتلانا وقتلاهم رجونا بقتالهم النصر من الله فلا أسمعن إلا غمغمة أو همهمة. أيها الناس غضوا الابصار وعضوا على النواجذ من الاضراس فإنها أشد لصررا الرأس واستقبلوا القوم بوجوهكم وخذوا قوائم سيوفكم بأيمانكم فاضربوا الهام واطعنوا بالرماح مما يلي الشرسوف فإنه مقتل وشدوا شدة قوم موتورين بآبائهم وبدماء اخوانهم حنقين على عدوهم قد وطنوا أنفسهم على الموت لكيلا تذلوا ولا يلزمكم في الدنيا عار. ثم التقى القوم فكان بينهم أمر عظيم فتفرقوا عن سبعين ألف قتيل من جحاجحة العرب وكانت الوقعة يوم الخميس من حيث استقلت الشمس حتى ذهب ثلث الليل الاول ما سجد لله في ذينك العسكرين سجدة حتى مرت مواقيت الصلوات الاربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سليم ثم إن عليا عليه السلام قام خطيبا فقال: أيها الناس إنه قد بلغ بكم ما قد رأيتم بعدوكم فلم يبق منهم إلا آخر نفس وإن الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا فيكم ما قد بلغوا أنا غاد عليهم بالغداة إنشاء الله ومحاكمهم إلى الله (1).


(1) وتقدم هذا الكلام برواية نصر بن مزاحم، ورواه أيضا الدينوري في كتاب الاخبار الطوال ص 188.

[611]

فبلغ ذلك معاوية ففزع فزعا شديدا وانكسر هو وجميع أصحابه وأهل الشام كذلك فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إنما هو الليلة حتى يغدوا علينا فما ترى ؟ قال: أرى الرجال قد قوا ؟ وما بقي فلا يقومون لرجاله ولست مثله وإنما يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء وليس يخاف أهل الشام عليا إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم ولكن الق إليهم أمرا فإن ردوه اختلفوا وإن قبلوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب الله وارفع المصاحف على رؤوس الرماح فإنك بالغ حاجتك فإني لم أزل أدخرها لك. فعرفها معاوية وقال: صدقت ولكن قد رأيت رأيا أخدع به عليا طلبي إليه الشام على الموادعة وهو الشئ الاول الذي ردني عنه. فضحك عمرو وقال: أين أنت يا معاوية من خديعة علي وإن شئت أن تكتب فاكتب. قال فكتب معاوية إلى علي عليه السلام كتابا مع رجل من أهل السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة أما بعد فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمناه نحن لم يجنها بعضنا على بعض وإنا إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما يزم به ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني لك طاعة ولا بيعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوه ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف وقد والله رقت الاكباد وذهبت الرجال ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز ولا يسترق به ذليل والسلام. قال سليم فلما قرأ علي عليه السلام كتابه ضحك وقال: العجب من معاوية وخديعته لي فدعا كاتبه عبيدالله بن أبي رافع فقال له: اكتب:

[612]

أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وأنا وإياك يا معاوية على غاية منها لم نبلغها بعد. وأما طلبك [إلي] الشام فإني لم أعطك اليوم ما منعتك أمس. وإما استواؤنا في الخوف والرجاء فإنك قلت لست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام أحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن ولا المحق كالمبطل وفي أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب واستعبدنا بها العجم والسلام (1). فلما انتهى كتاب علي عليه السلام إلى معاوية كتمه عمرا ثم دعاه فأقرأه فشمت به عمرو وقد كان نهاه ولم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلي عليه السلام من عمرو بعد اليوم الذي صرعه عن دابته فقال عمرو: ألا لله درك يا بن هند * ودر المردي الحال المسود أتطمع لا أبالك في علي * وقد قرع الحديد على الحديد وترجو أن تخادعه بشك * وترجو أن يهابك بالوعيد وقد كشف القناع وجر حربا * يشيب لهولها رأس الوليد له جأواه مظلمة طحون * فوارسها تلهب كالاسود يقول لها إذا رجعت إليه * بقتل بالطعان اليوم عودي فإن وردت فأولها ورودا * وإن صدرت فليس بذي ورود وما هي من أبي حسن بنكر * وما هي من مساتك بالبعيد وقلت له مقالة مستكين * ضعيف القلب منقطع الوريد


(1) وللكلام مصادر كثيرة يجد الباحث كثيرا منها في ذيل المختار: (101) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 272 ط 1.

[613]

طلبت الشام حسبك يا بن هند * من السوآت والرأي الزهيد ولن أعطاكها ما ازددت عزا * ومالك في استزادك من مزيد فلم تكسر بهذا الرأي عودا * سوى ما كان لا بل رق عود (1) فقال معاوية: والله لقد علمت ما أردت بهذا. قال عمرو: وما أردت به قال عيبك رأيي في خلافك ومعصيتك والعجب لك تفيل رأيي وتعظم عليا وقد فضحك. فقال: أما تفييلي رأيك فقد كان وأما إعظامي عليا فإنك بإعظامه أشد معرفة مني ولكنك تطويه وأنشره وأما فضيحتي فلن يفتضح رجل بارز عليا فإن شئت أن تبلوها أنت منه فافعل فسكت معاوية وفشا أمرهما في أهل الشام. قال أبان قال سليم ومر علي عليه السلام بجماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهم يشتمونه فأخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه وقال لهم: انهضوا إليهم وعليكم السكينة وسيماء الصالحين ووقار الاسلام أقربنا من الجهل بالله (2) والجرأة عليه والاغترار لقوم رئيسهم معاوية وابن النابغة وأبو الاعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر والمجلود الجد في الاسلام والطريد مروان وهم هؤلاء يقربون ويشتمون وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعوني إلى عبادة الاوثان فالحمد لله على ما عاداني الفاسقون إن هذا لخطب جليل أن فساقا منافقين كانوا عندنا غير مؤتمنين وعلى الاسلام منحرفين [متخوفين " خ ل "] خدعوا شطر هذه الامة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهوائهم إلى الباطل فقد نصبوا لنا الحرب


(1) كذا في أصلي، والابيات رواها نصر بن مزاحم في أواسط الجزء (7) من كتاب صفين ص 472 ط مصر، ورواها عنه ابن أبي الحديد باختلاف في بعض الكلمات في شرح المختار: (17) من الباب الثاني من نهج البلاغة: ج 3 ص 424 ط القديم وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 556 وفيهما: " ودر الامرين لك الشهود ". (2) كذا في الاصل، وفي كتاب صفين وتاريخ الطبري: " فوالله لاقرب قوم من الجهل بالله عزوجل قوم قائدهم ومؤدبهم معاوية وابن النابغة... ".

[614]

وجدوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون (1). ثم حرض عليهم وقال: إن هؤلاء لا يزولون عن موقفهم هذا دون طعن دراك تطير منه القلوب وضرب تفلق الهام وتطيح منه الانوف والعظام ويسقط منه المعاصم وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد وتنشر حواجبهم على صدورهم والاذقان والنحور. أين أهل الدين وطلاب الاجر. [قال:] فثارت عليه عصابة نحو أربعة آلاف فدعا محمد بن الحنفية [و] قال: يا بني امش نحو هذه الرابة مشيا وئيدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الاسنة فأمسك حتى يأتيك رأيي ففعل. وأعد علي مثلهم فلما دنا محمد وأشرع الرماح في صدورهم أمر علي الذين كان أعدهم أن يحملوا معه فشدوا عليهم ونهض محمد ومن معه في وجوههم فأزالوهم عن مواقفهم وقتلوا عامتهم (2). بيان: لصرر الرأس كأنه جمع صرة على الاستعارة، فشبه خرايط الدماغ وأوعية الرأس بالصرة التي تجعل فيها الدراهم. وقال الجوهري: الشراسيف: مقاط الاضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن ويقال: الشرسوف: غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف. وقال: الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. وقال: الجحجاح: السيد، والجمع: الجحاجح، وجمع الجحاجح: جحاجحة. قوله: ودر المردى الحال [كذا].


(1) وقريب منه ومن التالي تقدم برواية نصر بن مزاحم، ورواه أيضا مع التالي بسندين الطبري في تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 3325، وفي ط الحديث ببيروت: ج 5 ص 45. (2) وهذا رواه أيضا المسعودي في قصة صفين من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 398 ط مصر.

[615]

أقول: روى ابن أبي الحديد (1) عن نصر بن مزاحم كتاب معاوية وجوابه عليه السلام وما جرى بين معاوية وبين عمرو في ذلك وفي الابيات اختلاف وفيها: " و در الآمرين لك الشهود " والمسود: الرعية لسيد يقال: ساد قومه يسودهم وفيها: وترجو أن تحيره بشك * وتأمل أن يهابك [بالوعيد] والوليد: الطفيل. وقال الجوهري: كتيبة جأوا: بينة الجأي وهي التي يعلوها لون السواد لكثرة الدروع. وفيها [أيضا]: [يقول لها] إذا رجعت إليه * وقد ملت طعان القوم عودي والضمير في " لها " راجع إلى الجأواء. [وبدل] قوله: " وإن صدرت " في الرواية " وإن صدت فليس بذي صدود ". وفيها [أيضا]: ولو أعطاكها ما ازددت عزا * ولا لك لو أجابك من مزيد فلم تكسر بذاك الراي عودا * لركته ولا ما دون عود والدق بالكسر الدقيق. والركة: الرقة والضعف. وقال الجوهري: فيل رأيه: ضعفه. وقال: مشى مشيا وئيدا أي على تؤدة. وقال: يقال: امش على هينتك أي على رسلك وقد مر شرح سائر أجزاء الخبر ولم أبال بالتكرار للاختلاف الكثير بين الروايات. أقول: وروى نصر بن مزاحم في كتاب صفين (2) هذه المراسلة مع ما جرى فيه بين معاوية وعمرو والابيات باختلاف وقد أشرنا إلى بعضه. 482 - لي: الحافظ عن أحمد بن عبد العزيز بن الجعد عن عبد الرحمن بن


(1) رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (17) من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 3 ص 424 ط القديم، وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 556. (2) رواه نصر بن مزاحم في أواسط الجزء (7) من كتاب صفين ص 472 ط مصر. 482 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (10) من المجلس: (63) من كتاب الامالي ص 332.

[616]

صالح، عن شعيب بن راشد عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قام علي عليه السلام يخطب الناس بصفين يوم جمعة وذلك قبل [ليلة] الهرير بخمسة أيام فقال: الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع خلقه البر والفاجر وعلى حججه البالغة على خلقه من عصاه أو أطاعه إن يعف فبفضل منه، وإن يعذب فبما قدمت أيديهم وما الله بظلام للعبيد. أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وأستعينه على ما نابنا من أمر ديننا وأومن به وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا. ثم إني أشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودينه الذي ارتضاه وكان أهله واصطفاه على جميع العباد بتبليغ رسالته وحججه على خلقه وكان كعلمه فيه رؤوفا رحيما أكرم خلق الله حسبا وأجملهم منظرا وأشجعهم نفسا وأبرهم بوالد وآمنهم على عقد لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح ويعفو حتى مضى مطيعا لله صابرا على ما أصابه مجاهدا في الله حق جهاده عابدا لله حتى أتاه اليقين فكان ذهابه عليه السلام أعظم المصيبة على جميع أهل الارض البر والفاجر. ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله عهدا لن أخرج عنه وقد حضركم عدوكم وقد عرفتم من رئيسهم يدعوهم إلى باطل وابن عم نبيكم صلى الله عليه وآله بين أظهركم يدعوكم إلى طاعة ربكم والعمل بسنة نبيكم ولا سواء من صلى قبل كل ذكر لم يسبقني بالصلاة غير نبي الله، وأنا والله من أهل بدر، والله إنكم لعلى الحق وإن القوم لعلى الباطل فلا يصبر القوم على باطلهم ويجتمعوا عليه وتتفرقوا عن حقكم قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإن لم تفعلوا ليعذبنهم الله بأيدي غيركم.

[617]

فأجابه أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين انهض [بنا] إلى القوم إذا شئت فو الله ما نبغي بك بدلا نموت معك ونحيا معك فقال لهم مجيبا لهم: والذي نفسي بيده لنظر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أضرب قدامه بسيفي فقال: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " ثم قال لي: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي وحياتك يا علي وموتك معي " فو الله ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي ولا نسيت ما عهد إلي إني إذا لنسئ وإني لعلى بينة من ربي بينها لنبيه صلى الله عليه وآله فبينها لي وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا. ثم نهض إلى القوم يوم الخميس فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق ما كانت صلاة القوم يومئذ إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة فقتل علي عليه السلام يومئذ بيده خمس مائة وستة نفر من جماعة القوم فأصبح أهل الشام ينادون يا علي اتق الله في البقية ورفعوا المصاحف على أطراف القنا. بيان: وموتك معي أي بعد الموت معي وأنا حاضر عندك ونصري وتأييدي معك في حياتك وبعد موتك أو حياتك كحياتي وموتك كموتي. [قوله (عليه السلام)] " الفظه لفظا " أي أقول هذا الكلام جهرا ولا أبايى أن أبينه للناس. وقال الجوهري: القنا جمع قناة وهي الرمح ويجمع على قنوات. وقنى على فعول وقناء. 483 - فس: هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: حدثني رجل من ولد عدي بن حاتم عن أبيه عن جده عدي بن حاتم وكان مع علي صلوات الله عليه في حروبه أن عليا عليه السلام قال ليلة الهرير بصفين حين التقى مع معاوية رافعا صوته يسمع أصحابه: لاقتلن معاوية وأصحابه ثم قال في آخر قوله: " إنشاء الله " يخفض به صوته وكنت منه قريبا فقلت: يا أمير المؤمنين إنك حلفت على ما قلت ثم استثنيت فما أردت بذلك ؟ فقال: إن الحرب خدعة وأنا عند أصحابي صدوق فأردت أن أطمع أصحابي في قولي كي لا يفشلوا ولا يفروا فافهم فإنك تنتفع بها بعد إنشاء الله تعالى.


483 - رواه علي بن إبراهيم قدس الله نفسه.

[618]

484 - ختص:: أحمد بن هارون الفامي عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن محمد البرقي عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من التابعين ثلاثة نفر بصفين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة ولم يرهم أويس القرني وزيد بن صوحان العبدي وجندب الخير الازدي رحمة الله عليهم. بيان: قال الشيخ في رجاله: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ويقال جندب الخير وجندب الفارق ويظهر من ابن عبد البر أن الفارق وهو جندب بن كعب الازدي الذي قتل الساحر بين يدي الوليد بن عقبة كما مر في مطاعن عثمان ولذا لقب بالفارق لانه فرق بضربة بين الحق والباطل وذكر أنه شهد مع علي عليه السلام بصفين ولعله المذكور في الخبر. 485 - مد: بإسناده إلى صحيح مسلم بإسناده إلى شقيق قال: سمعت سهل بن حنيف يقول بصفين: اتهموا رأيكم على دينكم والله لقد رأيتني يوم أبى جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرددته والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا سهل بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا. بيان: " أسهل بنا " كناية عن انتهاء الامر ورفع الحرب من قولهم: أسهل إذا صار إلى السهل من الارض ضد الحزن وقصة أبي جندل واشتباه الامر فيها على


484 - ما وجدته في نسختي الناقصة من كتاب الاختصاص. 485 - 486 - رواهما يحيى بن البطريق رحمه الله في الحديث: (7) وتاليه من الفصل: (35) من كتاب العمدة ص 162، نقل الاول عن الجزء الثالث من صحيح مسلم والثاني عن الثعلبي في تفسير الآية: (31) من سورة الزمر " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ".

[619]

الصحابة قد مر في باب الحديبية وغرضه أن هذا الامر شبيه بذاك فلا تنكروه. 486 - مد: من تفسير الثعلبي قال: روي خلف بن أبي خليفة عن أبي هاشم عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشدد بعضنا على بعض بالسيف قلنا نعم هو ربكم تختصمون ".

[619]

الصحابة قد مر في باب الحديبية وغرضه أن هذا الامر شبيه بذاك فلا تنكروه. 486 - مد: من تفسير الثعلبي قال: روي خلف بن أبي خليفة عن أبي هاشم عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشدد بعضنا على بعض بالسيف قلنا نعم هو هذا. 487 - نهج: روي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادما من صفين مر بالشاميين فسمع بكاء النساء على قتلى صفين وخرج إليه حرب بن شرحبيل الشامي وكان من وجوه قومه فقال له: أيغلبكم نساؤكم على ما أسمع ألا تنهونهن عن هذا الانين [الرنين " خ ل "] وأقبل يمشي معه وهو عليه السلام راكب فقال له: ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن. 488 - نهج: قال عليه السلام وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة: يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فرط سابق ونحن لكم تبع لاحق أما الدور فقد سكنت وأما الازواج فقد نكحت وأما الاموال فقد قسمت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى.


487 - 488 - رواهما السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (322 و 130) من قصار نهج البلاغة، ولهما مصادر خر ذكر بعضها في المختار: (238) وتعليقه من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 292 وما بعدها من ط 1. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية