بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثاني والثلاثون
[5]
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب ما جرى بعد قتل عثمان من الفتن والوقايع والحروب وغيرها [الباب الاول] باب بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وما جرى بعدها من نكث الناكثين إلى غزوة الجمل 1 - أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح النهج قال علي عليه السلام للزبير يوم بايعه: إني لخائف أن تغدر بي فتنكث بيعتي ؟ ! قال: لا تخافن فإن ذلك لا يكون مني أبدا. فقال علي عليه السلام: فلي الله عليك بذلك راع وكفيل ؟ قال: نعم الله لك علي بذلك راع وكفيل. ولما بويع عليه السلام كتب إلى معاوية: أما بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني وبايعوني عن مشورة منهم وإجتماع فإذا أتاك كتابي فبايع لي وأوفد إلي [في] أشراف أهل الشام قبلك. فلما قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه بعث رجلا من بني عبس وكتب
معه كتابا إلى الزبير بن العوام وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوثقوا الحلف فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقنك لها ابن أبي طالب فإنه لا شئ بعد
1 - ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار: (8) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 230 ط 1 مصر، وفي ط الحديث ببيروت ص 190.
[6]
هذين المصرين وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك وليكن منكما الجد والتشمير أظهركما الله وخذل مناوئكما. فما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به وأعلم به طلحة وأقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية وأجمعا عند ذلك على خلاف علي. قال: وجاء الزبير وطلحة إلى علي عليه السلام بعد البيعة له بأيام فقالا له: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها وعلمت [أن] رأي عثمان كان في بني أمية وقد ولاك الله الخلافة من بعده فولنا بعض أعمالك. فقال لهما: ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي واعلما أني لما أشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي ومن قد عرفت دخيله. فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة. وروي أنهما طلبا منه أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة فقال: حتى أنظر. ثم لم يولهما فأتياه فاستأذناه للعمرة فقال: " ما العمرة تريدان " فحلفا له بالله ما الخلاف عليه ولا نكث بيعته يريدان وما رأيهما غير العمرة قال لهما: فأعيدا البيعة لي ثانيا فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق فأذن لهما.
فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا: والله لا ترونهما إلا في فئة يقتتلان فيها. قالوا: يا أمير المؤمنين فمر بردهما عليك قال: ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلما خرجا إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا وقالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنما بايعناه مكرهين. فبلغ عليا قولهما فقال: أبعدهما الله وأغرب دارهما أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم والله ما العمرة يريدان ولقد أتياني بوجهي فاجرين ورجعا بوجهي غادرين ناكثين والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما فبعدا لهما وسحقا.
[7]
2 - وقال ابن الاثير في الكامل: لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليا فقالوا له: لا بد للناس من إمام قال: لا حاجة لي في أمركم فمن أخترتم رضيت به فقالوا: ما نختار غيرك وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك: إنا لا نعلم أحدا أحق به منك لا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله. فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا يكون خفيا ولا تكون إلا في المسجد. وكان في بيته وقيل في حائط لبني عمرو بن مبذول فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق قميص وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا على قوسه فبايعه الناس. وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيدالله فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أول من بدء بالبيعة من الناس يد شلاء لا يتم هذا الامر. فبايعه الزبير. وقال لهما علي: إن أحببتما أن تبايعا لي، وإن
أحببتما بايعتكما ؟ فقالا: بل نبايعك، وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا ! ! وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر. وبايعه الناس [بعدما بايعه طلحة والزبير]. وجاؤا بسعد بن أبي وقاص فقال علي: بايع. قال: لا حتى يبايع الناس والله ما عليك مني بأس. فقال: خلوا سبيله. وجاؤا بابن عمر فقالوا: بايع. فقال: لا حتى يبايع الناس. قال: ائتني بكفيل. قال: لا أرى كفيلا. قال الاشتر
2 - ومثله ذكره الطبري مسندا مع خصوصيات أخر في عنوان: " خلافة أمير المؤمنين... وذكر الخبر عن بيعة من بايعه... " في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 427 ط بيروت. وقريبا منه ذكر أيضا بأسانيد البلاذري في عنوان: " بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام " من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 205.
[8]
دعني أضرب عنقه، قال: دعوه أنا كفيله. إنك ما علمت لسئ الخلق صغيرا وكبيرا. وبايعت الانصار إلا نفرا يسيرا منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت وكعب بن مالك ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية. فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه وهرب به فلحق بالشام فكان معاوية يعلق قيص عثمان وفيه الاصابع فإذا رؤا ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدوا في
أمرهم. وروي أنهم لما أتوا عليا ليبايعوه قال: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول (1). فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى الاسلام ؟ ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله. فقال: قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما أعلم فإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد. فلما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي عليه السلام فصعد المنبر وقال: أيها الناس عن ملا وإذن إن هذا أمركم ليس لاحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالامس على أمر وكنت كارها لامركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا آخذ على أحد فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالامس فقال: اللهم اشهد.
(1) وقريبا منه ورواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (90) من خطب نهج البلاغة.
[9]
وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة وأول خطبه خطبها علي عليه السلام حين استخلف حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرايض [الفرائض] أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده إلا بالحق [و] لا يحل أذى امرئ مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإنما خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر الناس بآخركم اتقوا الله عباد الله في عباده وبلاده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم وأطيعوا الله ولا تعصوه فإذا رأيتم الخير فخذوه وإذا رأيتم الشر فدعوه (1). 3 - شا: روت الخاصة والعامة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته أن أمير المؤمنين قال في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على أمر وذلك بعد قتل عثمان بن عفان: أما بعد فلا يرعين مرع إلا على نفسه شغل من الجنة والنار أمامه ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار ثلاثة وإثنان ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيديه لا سادس هلك من ادعى وردى من اقتحم.
(1) ومثله رواه الطبري عن السري عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن علي بن الحسين... ورواه بألفاظ أجود مما روياه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (165) من باب خطب نهج البلاغة. 3 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (13) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 136.
[10]
اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة إن الله تعالى داوي هذه الامة بداوئين السوط والسيف لا هوادة عند الامام فيهما فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا فيما بينكم والتوبة من ورائكم من
أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها معذورين أما إني لو أشاء أن أقول: لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويله [ويحه " خ "] لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له. انظروا فإن أنكرتم فأنكروا أن عرفتم فبادروا [فآزروا " خ "] حق وباطل ولكل أهل ولئن أمر الباطل فلقديما فعل ولئن قل الحق فلربما ولعل وقل ما أدبر شئ فأقبل ولئن رجعلت إليكم أموركم [نفوسكم " خ "] إنكم لسعداء وإني لاخشى أن تكونوا في فترة وما علي إلا الاجتهاد. ألا وإن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا يقول صادق أخذنا [من قول صادق سمعنا " خ "]، فان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا وإن لم تفعلوا. يهلككم الله بأيدينا. معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم وبنا فتح الله لا بكم وبنا يختم لا بكم. 4 - أقول: وفي النهج هكذا: شغل من الجنة والنار أمامه ساع سريع نجا
4 - رواه السيد الرضي بزيادات كثيرة في المختار (16) من خطب نهج البلاغة.
[11]
وطالب بطئ رجا ومفصر في النار هوى اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ومنها منفذ السنة وإليها
مصير العاقبة هلك من ادعى وخاب من افترى من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس وكفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره لا يهلك على التقوى سنخ أصل ولا يظمأ عليها زرع [حرث " خ "] قوم. فاستتروا ببيوتكم واصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم فلا يحمد حامد الا ربه ولا يلم لائم إلا نفسه. 5 - روى ابن أبي الحديد عن الجاحظ من كتاب البيان والتبيين عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: أول خطبة خطبها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: " ألا لا يرعين ". وساق الخطبة كما مر إلى قوله " وما علينا إلا الاجتهاد " [ثم] قال: قال الجاحظ: وقال ابو عبيدة: وزاد فيها في رواية جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام: ألا إن أبرار عترتي. إلى قوله: " وبنا يختم لا بكم ". قال ابن أبي الحديد: قوله: " لا يرعين " أي لا يبقين [يقال:] أرعيت عليه أي أبقيت يقول: من أبقى على الناس فإنما أبقى على نفسه. و " الهوادة ": الرفق والصلح وأصله اللين والسهولة، والتهويد: المشي رويدا، وآزرت زيدا: أعنته، والترة: الوتر، والربقة: الحبل يجعل في عنق الشاة. وردي: هلك من الردى كقولك: عمى من العمى [وشجي من الشجى].
5 - رواه الجاحظ في المجلد الثالث من كتاب البيان والتبيين ص 44 ط مصر، ورويناه عنه حرفيا في المختار: (56) من كتاب نهج السعادة ج 1، ص 191، ط 2 وله مصادر كثيرة أشرنا إليها في ذيل المختار المشار إليه. ورواه أيضا عنه حرفيا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (16) من نهج البلاغة
من شرحه: ج 1، ص 224 ط بيروت.
[12]
وقوله: " شغل من الجنة والنار أمامه " يريد به أن من كانت هاتان الداران أمامه لفي شغل عن أمور الدنيا إن كان رشيدا. وقوله: " ساع مجتهد " إلى قوله: " لا سادس " كلام تقديره المكلفون على خمسة أقسام: " ساع مجتهد وطالب راجع ومقصر هالك " ثم قال: ثلاثة أي فهو ثلاثة أقسام: وهذا ينظر إلى قوله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله " [32 / فاطر 35]. ثم ذكر القسمين: الرابع والخامس فقال: هما ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيده. يريد عصمة هذين النوعين من القبيح ثم قال: " لا سادس " أي لم يبق في المكلفين قسم سادس. وقوله: " هلك من ادعى " يريد هلك من ادعى وكذب لابد من تقدير ذلك لان الدعوى يعم الصدق والكذب وكأنه يقول: هلك من ادعى الامامة وردي من اقتحمها وولجها من غير استحقاق لان كلامه في هذه الخطبة كله كنايات عن الامامة لا عن غيرها. وقوله: " اليمين والشمال [مضلة] " مثال لان السالك الطريق المنهج اللاحب ناج والعادل عنها يمينا وشمالا معرض للخطر. وقوله عليه السلام: " كالغراب " يعني في الحرص والجشع، والغراب يقع على الجيفة ويقع على التمرة وعلى الحبة وفي المثل أشجع من غراب وأحرص من غراب. وقوله: " ويحه لو قص... " يريد لو كان قتل أو مات قبل أن يتلبس
بالخلافة لكان خيرا من أن يعيش ويدخل فيها. ثم قال لهم: افكروا فيها قد قلت فإن كان منكرا فأنكروه، وإن كان حقا فأعينوا عليه. وقوله: " استتروا في بيوتكم " نهي لهم عن العصبية والاجتماع والتحزب فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلموا في قتله من شيعة بني امية بالمدينة.
[13]
وأما قوله: " قد كانت أمور " فمراده أمر عثمان وتقديمه في الخلافة عليه. ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا ويبعد عندي [أن يكون أراده] لان المدة قد كانت طالت ولم يبق من يعاتبه (1) ولسنا نمنع من ان يكون في كلامه الكثير من التوجد والتألم لصرف الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله عنه، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة على أن قوله: " سبق الرجلان " والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما. وأما قوله: " حق وباطل " إلى آخر الفصل فمعناه كل أمر إما حق وإما باطل ولكل واحد من هذين أهل وما زال أهل الباطل أكثر من أهل الحق ولئن كان الحق قليلا فربما كثر ولعله ينتصر أهله ثم قال على سبيل التضجر بنفسه " وقل ما أدبر شئ فأقبل " استبعد عليه السلام أن تعود دولة قوم بعد زواها عنهم. ثم قال: " ولئن رجعت إليكم أموركم " أي إن ساعدني الوقت وتمكنت من أن أحكم فيكم بحكم الله تعالى ورسوله وعادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة مماثلة لسيرته في أصحابه إنكم لسعداء ثم قال: " وإني لاخشى أن تكونوا في فترة " الفترة هي الازمنة التي بين الانبياء إذ:
انقطعت الرسل فيها فيقول عليه السلام: إني لاحتى أن لا أتمكن من الحكم بكتاب الله تعالى فيكم فتكونوا كالامم الذين في ازمنة الفترة لا يرجعون إلى نبي يشافههم بالشرايع والاحكام وكأنه عليه السلام قد كان يعلم أن الامر سيضطرب عليه (2).
(1) بل أكثر من مال - مع المائلين - إلى الشيخين وبايعهما كانوا باقين بعد قتل عثمان، فقول هذا القائل هو القريب لا غير. (2) علمه عليه السلام بما يعامل الناس معه وبما يؤول إليه أمره هو المستفاد من محكمات الاخبار.
[14]
ثم قال: " وما علينا إلا الاجتهاد " يقول: أنا أعمل بما يجب علي من الاجتهاد في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء عن المسلمين فإن تم ما أريده فذاك وإلا كنت قد أعذرت. وأما التتمة المروية عن جعفر بن محمد [عليهما السلام] فواضحة الالفاظ وقوله في آخرها: " وبنا يختم لا بكم " إشارة إلى المهدي عليه السلام الذى يظهر في آخر الزمان من ولد فاطمة عليها السلام. 6 - أقول: روى ابن ميثم رحمه الله تمام الخطبة هكذا: الحمد لله أحق محمود بالحمد، وأولاه بالمجد، إلها واحدا صمدا، أقام أركان العرش، فأشرق بضوئه شعاع الشمس، خلق فأتقن، وأقام فذلت له وطأة المستمكن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالنور الساطع والضياء المنير، أكرم خلق الله حسبا وأشرفهم نسبا لم يتعلق عليه مسلم ولا معاهد بمظلمة، بل كان يظلم.
فأما بعد فإن أول من بغى على الارض عناق ابنه آدم [و] كان مجلسها من الارض جريبا وكان لها عشرون اصبعا وكان لها ظفران كالمنجلين فسلط الله عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا كالحمار وكان ذلك في الخلق الاول فقتلها وقد قتل الله الجبابرة على أحسن أحوالهم وإن الله أهلك فرعون وهامان وقتل قارون بذنوبهم. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون.
6 - رواها رفع الله مقامه في شرح المختار: (16) من خطب نهج البلاغة: ج 1، ص 297 ط 3.
[15]
كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا اليوم وهذا المقام، ألا وأن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار فهم فيها كالحون. ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها فسارت بهم تاودا حتى إذا جاؤا ظلا ظليلا فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه ومن ليست له منه توبة - إلا بنبي مبعوث ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم - أشفى منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. أيها الناس كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا يرعى مرع
إلا على نفسه، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع نجا وطالب يرجو ومقصر في النار ولكل أهل. ولئن أمر الباطل فقديما فعل، ولئن قل الحق لربما ولعل، ولقلما أدبر شئ فأقبل، ولئن رد أمركم عليكم إنكم لسعداء وما علينا إلا الجهد. قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم عندي فيها غير محمودي الرأي ولو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار - ثلاثة وإثنان: خمسة ليس فيهم سادس - [و] ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بضبعيه، هلك من ادعى وخاب من افترى. اليمين والشمال مضلة ووسط الطريق المنهج، عليه باقى الكتاب وآثار النبوة.
[16]
الا وإن الله قد جعل أدب هذه الامة بالسوط والسيف ليس عند إمام فيهم هوادة ! ! فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم من بعدى صفحته للحق هلك. الا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان أو مال أخذه من بيت مال المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في البلدان فإنه إن لم يسعه الحق فالباطل أضيق عليه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. 7 - وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلا عن أبي جعفر الاسكافي
قال: لما أجتمعت الصحابة بعد قتل عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الامامة أشار أبو الهيثم بن التيهان ورفاعة بن رافع ومالك بن العجلان وأبو أيوب الانصاري وعمار بن ياسر بعلي عليه السلام وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي عليه السلام فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة ومنهم من فضله على المسلمين كلهم كافة. ثم بويع وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة وهو يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله وأثنى عليه وذكر محمدا فصلى عليه ثم ذكر نعمة الله على أهل الاسلام ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها وذكر الآخرة فرغبهم إليها ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة
7 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (91) من خطب نهج البلاغة: ج 7 ص 38 ط مصر، وفي ط الحديث بيروت: ج 2 ص 599. ورواه أيضا باختصار محمد بن عبد الله الاسكافي المتوفى سنة: (240) من كتاب المعيار ؟ والموازنة ص 51 ط 1.
[17]
فأفضى الامر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم وعرفتم ثم حصر وقتل ثم جئتموني فطلبتم إلي وإنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعلي ما عليكم وقد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة فأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ولا يحمل هذا الامر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الامر وإني حاملكم على منهج نبيكم صلى الله عليه وآله ومنفذ فيكم ما أمرت به إن إستقتم لي والله
المستعان. ألا إن موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته، فامضوا لما تؤمرون به وقفوا عندما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم فإن لنا عن كل أمر منكر تنكرونه عذرا. ألا وإن الله عالم من فوق سمائه وعرشه أني كنت كارها للولاية على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اجتمع رأيكم على ذلك لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " أيما وال ولي الامر من بعدي أقيم على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله وإن كان جائرا انتقض به الصراط حتى تتزايل مقاصله ثم يهوي إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه وحر وجهه " ولكني لما اجتمع رأيكم لما يسعني ترككم. ثم التفت عليه السلام يمينا وشمالا فقال: ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الانهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا. ألا وأيما رجل من المهاجرين والانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته فأن له الفضل النير غدا عند الله وثوابه وأجره على الله. وأيما رجل أستجاب لله وللرسول فصدق ملتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده. فأنتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على
[18]
أحد وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا [جزاءا " خ "] ولا ثوابا وما عند الله خير للابرار. وإذا كان غدا إنشاء الله فاغدوا علينا فأن عندنا مالا نقسمه فيكم ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر إذا كان مسلما حرا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم نزل. قال أبو جعفر: وكان هذا أول ما أنكروه من كلامه عليه السلام وأورثهم الضغن عليه وكراهوا عطاءه وقسمه بالسوية. فلما كان من الغد غدا وغدا الناس لقبض المال فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه: ابدأ بالمهاجرين فنادهم وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثن بالانصار فافعل معهم مثل ذلك ومن يحضر من الناس كلهم الاحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك. فقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالامس وقد اعتقته اليوم. فقال: نعطيه كما نعطيك فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير ولم يفضل أحدا على أحد. وتخلف عن هذا القسم يومئذ طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم ورجال من قريش وغيرها. قال: وسمع عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير يقول لابيه وطلحة ومروان وسعيدا: ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد ؟ فقال سعيد بن العاص - والتفت إلى زيد بن ثابت -: إياك أعني واسمعي يا جارة فقال ابن أبي رافع لسعيد وابن الزبير: إن الله يقول في كتابه " ولكن أكثرهم للحق كارهون " [43 / الزخرف].
ثم إن ابن أبي رافع أخبر عليا عليه السلام بذلك فقال: والله إن بقيت وسلمت لهم لاقيمنهم على المحجة البيضاء والطريق الواضح قاتل الله ابن
[19]
العاص لقد عرف من كلامي ونظري إليه أمس أني أريده وأصحابه ممن هلك فيمن هلك. قال: فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي عليه السلام ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير فجلسوا إليهما ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجيا ساعة ثم قام الوليد بن عقبة فجاء إلى علي عليه السلام فقال: يا أبا الحسن إنك قد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا وخذلت أخي يوم الدار بالامس وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب وكان ثور قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركتنا والتحقنا بالشام. فقال عليه السلام: أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم. وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم. وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قلتهم اليوم لقتلتهم أمس ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم وإن خفتكم أن أسيركم. فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم وافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف. فلما ظهر ذلك من أمرهم قال عمار بن ياسر لاصحابه: قوموا بنا إلى
هؤلاء النفر من إخوانكم فإنه قد بلغنا عنهم ورأينا منهم ما نكره من الخلاف والطعن على إمامهم وقد دخل أهل الجفاء بينهم وبين الزبير والاعسر العاق يعني طلحة. فقام أبو الهيثم وعمار وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة معهم فدخلوا على علي عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين انظر في أمرك وعاتب قومك هذا الحى من قريش فإنهم قد نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك وقد دعونا في السر إلى
[20]
رفضك هداك الله لرشدك، وذاك لانهم كرهوا الاسوة، وفقدوا الاثرة، ولما آسيت بينهم وبين الاعاجم أنكروا واستشاروا عدوك وعظموه وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة وتألفا لاهل الضلالة فرأيك. فخرج علي عليه السلام فدخل المسجد وصعد المنبر مرتديا بطاق مؤتزرا ببرد قطري متقلدا سيفا متوكئا على قوس فقال: أما بعد فإنا نحمد الله ربنا وإلهنا وولينا وولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة امتنانا منه بغير حول منا ولا قوة ليبلونا أنشكر أم نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه، فأفضل الناس عند الله منزلة وأقربهم من الله وسيلة أطوعهم لامره وأعملهم بطاعته وأتبعهم لسنة رسوله وأحياهم لكتابه ليس لاحد عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة الرسول. هذا كتاب الله بين أظهرنا وعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته فينا لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [13 / الحجرات]. ثم صاح بأعلا صوته: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول: فإن توليتم فإن الله لا
يحب الكافرين. ثم قال: يا معشر المهاجرين والانصار أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين. ثم قال: أنا أبو الحسن - وكان يقولها إذا غضب - ثم قال: ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم فقد حذرتموها واستتموا نعم الله عليكم بالصبر لانفسكم على طاعة الله والذل لحكمه جل ثناؤه. فأما هذا الفئ فليس لاحد على أحد فيه أثرة فقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا وعهد نبينا
[21]
بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه. ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين ثم بعث بعمار بن ياسر وعبد الرحمان بن حسل القرشي (1) إلى طلحة والزبير وهما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما فقاما حتى جلسا إليه عليه السلام فقال لهما: نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره لها ؟ قالا: نعم فقال: غير مجبرين ولا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما ؟ قالا: نعم قال: فما دعاكما بعد إلى ما أرى ؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الامور ولا تقطعها دوننا وأن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت فأنت تقسم القسم وتقطع الامر وتمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا ! !
فقال: لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا فاستغفرا الله يغفر لكما ألا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه ؟ قالا: معاذ الله. قال: فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشئ ؟ قالا: معاذ الله. قال: أفوقع حكم أو حق لاحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه ؟ قالا: معاذ الله. قال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا وظهرت عليه دعوتنا وأخذناه قسرا وقهرا ممن لا يرى الاسلام إلا كرها. فقال عليه السلام: أما ما ذكرتموه من الاستشارة بكما فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ولكنكم دعوتموني إليها وجعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الامة فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما
(1) كذا في طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد، وفي أصلي من البحار: (عبد الله بن خل... ".
[22]
دلاني عليه واتبعته ولم أحتج إلى رأيكما فيه ولا رأي غيركما ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه. وأما القسم والاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء قد وجدت أنا وأنتما رسول الله صلى الله عليه وآله يحكم بذلك وكتاب الله ناطق به، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قولكما: جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا سواءا بيننا وبين غيرنا.
فقديما سبق إلى الاسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم فلم يفضلهم رسول الله صلى الله عليه وآله (1) في القسم ولا آثرهم بالسبق والله سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم وليس لكما والله عندي ولا لغير كما إلا هذا أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. ثم قال: رحم الله امرءا رأى حقا فأعان عليه ورأى جورا فرده وكان عونا للحق على من خالفه (2). قال ابن أبي الحديد: فإن قلت فإن أبا بكر قسم بالسواء ولم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قلت إن أبا بكر قسم محتذيا لقسم رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ولي عمر الخلافة ونفل قوما على قوم ألفوا ذلك (3) ونسوا تلك القسمة الاولى وطالت أيام عمر وأشربت قلوبهم حب المال
(1) هذا هو الظاهر المذكور في شرح ابن أبي الحديد، وفي ط الكمباني من البحار: " فلا فضلهم [الله " خ "] رسول الله صلى الله عليه وآله ". (2) وقريبا منه جدا يجده الباحث في المختار: (61 - 62) من نهج السعادة: ج 1، ص 212 ط 2، وفي المعيار والموازنة ص 109، ط 1. (3) كذا في أصلي، وفي ط الحديث من شرح ابن أبي الحديد: " وفضل قوما ".
[23]
وكثرة العطاء، وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرنوا على القناعة فلما ولي عثمان أجرى الامر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق العوام بذلك، ومن ألف أمرا شق عليه فراقه فلما ولي أمير المؤمنين عليه السلام أراد أن يرد الامر إلى ما كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نسي ذلك ورفض وتخلل بين الزمانين إثنان وعشرون سنة فشق ذلك عليهم وأنكروه وأكبروه حتى حدث ما حدث ولله أمر هو بالغه.
بيان: قوله [عليه السلام]: " كنت كارها " أي طبعا وإن أحبها شرعا. أو كنت كارها قبل دعوتكم لعدم تحقق الشرائط. والمراد بالوالي الوالي بغير الاستحقاق، والعامل بغير أمر الله فيها. فعلى الوجه الاول التعليل للكراهة طبعا لعسر العمل بأمر الله فيها. وعلى [الوجه] الثاني التعليل لعدم التعرض قبل تحقق الشرائط لانها تكون حينئذ ولاية جور أيضا. وقال الجوهري: راقني الشئ: أعجبني ومنه قولهم: غلمان روقة وجوار روقة أي حسان. ولعل مفعول القول محذوف أو هو " جرمنا " وقوله: " يقولون " تأكيد للقول أولا. وقال الجوهري: الطاق: ضوب من الثياب. وقال: القطر: ضرب من البرود يقال لها: القطرية. 8 - وروى ابن أبي الحديد أيضا عن الطبري وغيره أن الناس غشوه وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو يأبى ذلك ويقول: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب.
8 - رواه الطبري في أوائل حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 1، ص 3076، وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 434. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (198) من نهج البلاغة: ج 3 ص 572 ط الحديث ببيروت.
[24]
قالوا [له] ننشدك الله ألا ترى الفتنة ؟ ألا ترى إلى ما حدث في الاسلام ؟ ألا تخاف الله ؟ فقال: قد أجبتكم لما أرى منكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم فقالوا: ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال: إن كان لابد من
ذلك ففي المسجد إن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين وفي ملاء وجماعة. فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون فبايعوه [و] فيهم طلحة والزبير. قال: وروى أبو عثمان الجاحظ (1) قال: أرسل طلحة والزبير إلى علي (عليه السلام) قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة وقالا: لا تقل له يا أمير المؤمنين وقل له: يا أبا الحسن لقد فال فيك رأينا وخاب ظننا أصلحنا لك الامر ووطدنا لك الامرة وأجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لامرهم جئناك وأسرعنا إليك وبايعناك وقدنا إليك أعناق العرب ووطئ المهاجرون والانصار أعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا ورفضتنا رفض التريكة وملكت أمرك الاشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الاعراب ونزاع الامصار فكنا فيما رجوناه منك كما قال الاول: فكنت كمهريق الذي في سقائه * لرقراق آل فوق رابية صلد فلما جاءه محمد بن طلحة. وأبلغه ذلك قال (عليه السلام): إذهب إليهما فقل لهما: فما الذي يرضيكما فذهب وجاء وقال: إنهما يقولان: ول أحدنا البصرة والآخر الكوفة فقال: والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين اذهب إليهما فقل: أيها الشيخان أحذرا من الله ونبيه على أمته ولابتغيا المسلمين غائلة وكيدا وقد سمعتما قول الله " تلك الدار الآخرة
(1) رواه عنه ابن أبي الحديد في أواسط شرح المختار: (198) من نهج البلاغة: ج 3 ص 576 ط بيروت.
[25]
نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين "
[83 / القصص]. فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه، وتأخرا عنه أياما ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا. قال: ولما خرجا قال علي (عليه السلام) لاصحابه: والله ما يريدان العمرة وإنما يريدان الغدرة " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " (1). وروى عن الطبري (2) أنه لما بايع الناس عليا أتى الزبير فاستأذن عليه قال أبو حبيبة (3) مولى الزبير فأعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه وقال: إئذن له فأذنت له فدخل فسلم وهو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل الامر ما قضاه قم مقامه وانظر هل ترى من السيف شيئا ؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته فقال ذاك. 9 - ما: أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت عن أحمد بن [محمد ابن] عقدة قال: حدثنا الحسن بن صالح من كتابه في ربيع الاول سنة ثمان وسبعين وأحمد بن يحيى عن محمد بن عمرو، عن عبد الكريم، عن القاسم بن أحمد عن أبي الصلت الهروي.
(1) اقتباس من الآية العاشرة من سورة الفتح: (48). (2) رواه الطبري مسندا في أوائل حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 1، ص 3073 / ط 1، وفي ط بيروت: ج 4 ص 432. ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (198) من نهج البلاغة: ج 3 ط الحديث ببيروت ص 577.
(3) ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وفي تاريخ الطبري " لقد دخل المرء ما أقصاه.. " 9 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث الاخير من المجلس: (26) من المجلد الثاني من أماليه ص 735 ط بيروت.
[26]
وقال ابن عقدة: وحدثناه القاسم بن الحسن الحسيني عن أبي الصلت عن علي بن عبد الله بن النعجة عن أبي سهيل بن مالك: عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: لما ولي علي بن أبي طالب (عليه السلام) أسرع الناس إلى بيعته المهاجرون والانصار وجماعة الناس لم يتخلف عنه عن أهل الفضل إلا نفر يسير خذلوا وبايع الناس. وكان عثمان قد عود قريشا والصحابة كلهم وصبت عليهم الدنيا صبا وآثر بعضهم على بعض وخص أهل بيته من بني أمية وجعل لهم البلاد وخولهم العباد فأظهروا في الارض فسادا وحمل أهل الجاهلية والمؤلفة قلوبهم على رقاب الناس حتى غلبوه على أمره فأنكر الناس ما رأوا من ذلك فعاتبوه فلم يعتبهم وراجعوه فلم يسمع منهم وحملهم على رقاب الناس حتى انتهى إلى أن ضرب بعضا ونفى بعضا وحرم بعضا فرأى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدفعوه وقالوا: إنما بايعناه على كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) والعمل بهما فحيث لم يفعل ذلك لم تكن له عليهم طاعة. فافترق الناس في أمره على خاذل وقاتل فأما من قاتل فرأى أنه حيث خالف الكتاب والسنة واستأثر بالفئ واستعمل من لا يستأهل رأوا أن جهاده جهاد. وأما من خذله فإنه رأى أنه يستحق الخذلان ولم يستوجب النصرة بترك أمر الله حى قتل واجتمعوا على علي بن أبي طالب فبايعوه فقام وحمد الله وأثنى
عليه بما هو أهله وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإني قد كنت كارها لهذه الولاية يعلم الله في سماواته وفوق عرشه على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اجتمعتم على ذلك فدخلت فيه وذلك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيما وال ولي أمر أمتي من بعدي أقيم يوم القيامة على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن نجا فبعدله وإن جار انتقض به الصراط انتقاضة تزيل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو وعضو من أعضائه مسيرة مائة عام يخرق به الصراط فأول ما
[27]
يلقى به النار أنفه وحر وجهه ولكني لما اجتمعتم علي نظرت فلم يسعني ردكم حيث اجتمعتم أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم. فقام إليه الناس فبايعوه فأول من قام فبايعه طلحة والزبير ثم قام المهاجرون والانصار وسائر الناس حتى بايعه الناس وكان الذي يأخذ عليهم البيعة عمار بن ياسر وأبو الهيثم بن التيهان وهما يقولان: نبايعكم على طاعة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وإن لم نف لكم فلا طاعة لنا عليكم ولا بيعة في أعناقكم والقرآن إمامنا وإمامكم. ثم التفت علي (عليه السلام) عن يمينه وعن شماله وهو على المنبر وهو يقول: ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الانهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة - فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إن لم يغفر لهم الغفار - إذا منعوا ما كانوا فيه وصيروا إلى حقوقهم التي يعلمون يقولون حرمنا ابن أبي طالب وظلمنا حقوقنا ونستعين بالله ونستغفره. وأما من كان له فضل وسابقة منكم فإنما أجره فيه على الله فمن استجاب
لله ولرسوله ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده فأنتم أيها الناس عباد الله المسلمون والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية وليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى وللمتقين عند الله خير الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين جزاءا وما عند الله خير للابرار. [و] إذا كان غدا فاغدوا فإن عندنا مالا اجتمع فلا يتخلفن أحد كان في عطاء أو لم يكن إذا كان مسلما حرا احضروا رحمكم الله. فاجتمعوا من الغد ولم يتخلف عنه أحد فقسم بينهم ثلاثة دنانير لكل إنسان الشريف والوضيع والاحمر والاسود ولم يفضل أحدا، ولم يتخلف عنه أحد إلا هؤلاء الرهط: طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وناس معهم.
[28]
فسمع عبيد الله بن أبي رافع وهو كاتب علي بن أبي طالب (عليه السلام) عبد الله بن الزبير وهو يقول للزبير وطلحة وسعيد بن العاص لقد التفت إلى زيد بن ثابت فقلت له: إياك أعني واسمعي يا جارة. فقال له عبيد الله: يا سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير إن الله يقول في كتابه: * (وأكثرهم للحق كارهون) * قال عبيد الله: فأخبرت عليا فقال: لئن سلمت لاحملنهم على الطريق قاتل الله ابن العاص لقد علم في كلامي أني أريده وأصحابه بكلامي والله المستعان. قال مالك ابن أوس: وكان علي بن أبي طالب عليه السلام أكثر ما يسكن القناة فبينا نحن في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي (عليه السلام) ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير
والمسور بن مخرمة فجلسوا. وكان علي (عليه السلام) جعل عمار بن ياسر على الخيل فقال لابي الهيثم بن التيهان ولخالد بن زيد أبي أيوب ولابي حية ولرفاعة بن رافع في رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا إلى هؤلاء القوم فإنه بلغنا عنهم ما نكره من خلاف أمير المؤمنين إمامهم والطعن عليه وقد دخل معهم قوم من أهل الجفاء والعداوة فإنهم سيحملونهم على ما ليس من رأيهم فقال: فقاموا وقمنا معهم حتى جلسوا إليهم فتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: إن لكم لقدما في الاسلام وسابقة وقرابة من أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد بلغنا عنكم طعن وسخط لامير المؤمنين فإن يكن أمر لكما خاصة فعاتبا ابن عمتكما وإمامكما وإن كان نصيحة للمسلمين فلا تؤخراه عنه ونحن عون لكما فقد علمتما أن بني أمية لن تنصحكما أبدا وقد عرفتما - وقال أحمد عرفتم - عدواتهم لكما وقد شركتما في دم عثمان ومالأتما. فسكت الزبير وتكلم طلحة فقال: افرغوا جميعا مما تقولون فإني قد عرفت أن في كل واحد منكم خطبة. فتكلم عمار بن ياسر رحمه الله فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي. (صلى الله عليه وآله) وقال: أنتما صاحبا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد
[29]
أعطيتما إمامكما للطاعة والمناصحة والعهد والميثاق على العمل بطاعة الله وطاعة رسوله وأن يجعل كتاب الله - قال أحمد: وجعل كتاب الله - إماما ففيم السخط والغضب على علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ فغضب الرجال للحق انصرا نصركما الله. فتكلم عبد الله بن الزبير فقال: لقد تهذرت يا أبا اليقظان فقال له
عمار: مالك تتعلق في مثل هذا يا أعبس ثم أمر به فأخرج فقام الزبير فقال: عجلت يا أبا اليقظان على ابن أخيك رحمك الله فقال عمار: يا أبا عبد الله أنشدك الله أن تسمع قول من رأيت فإنكم معشر المهاجرين لم يهلك من هلك منكم حتى استدخل في أمره المؤلفة قلوبهم فقال الزبير: معاذ الله أن نسمع منهم فقال عمار: والله يا أبا عبد الله لو لم يبق أحد إلا خالف علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما خالفته ولا زالت يدي مع يده وذلك لان عليا لم يزل مع الحق منذ بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فإني أشهد أنه لا ينبغي لاحد أن يفضل عليه أحدا. فاجتمع عمار بن ياسر وأبو الهيثم ورفاعة وأبو أيوب وسهل بن حنيف فتشاوروا أن يركبوا إلى علي (عليه السلام) بالقناة فيخبروه بخبر القوم فركبوا إليه فأخبروه باجتماع القوم وما هم فيه من إظهار الشكوى والتعظيم لقتل عثمان وقال له أبو الهيثم: يا أمير المؤمنين انظر في هذا الامر فركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخل المدينة وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واجتمع أهل الخير والفضل من الصحابة والمهاجرين فقالوا لعلي (عليه السلام) إنهم قد كرهوا الاسوة وطلبوا الاثرة وسخطوا لذلك. فقال: علي (عليه السلام): ليس لاحد فضل في هذا المال هذا كتاب الله بيننا وبينكم ونبيكم محمد (صلى الله عليه وآله) وسيرته ثم صاح بأعلى صوته يا معشر الانصار أتمنون علي بإسلامكم بل لله ورسوله المن عليكم إن كنتم صادقين - وقال أحمد: [أتمنون على الله بإسلامكم (1)] - أنا أبو الحسن القرم.
(1) من قوله: " بل لله ورسوله المن - إلى قوله: - بإسلامكم " قد سقط عن الطبعة الكمباني من هذا الكتاب وأخذناه من أمالي الطوسي.
[30]
ونزل عن المنبر وجلس ناحية المسجد وبعث إلى طلحة والزبير فدعاهما ثم قال لهما: ألم تأتياني وتبايعاني طائعين غير مكرهين فما أنكرتم أجور في حكم أو استيثار في فئ ؟ قالا: لا. قال: أو في أمر دعوتماني إليه من أمر المسلمين فقصرت عنه ؟ قالا: معاذ الله. قال: فما الذي كرهتمان أمري حتى رأيتما خلافي ؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم وانتقاصنا حقنا من الفئ جعلت حظنا في الاسلام كحظ غيرنا فيما أفاء الله علينا بسيوفنا ممن هو لنا فئ فسويت بيننا وبينهم. فقال علي (عليه السلام): الله أكبر اللهم إني أشهدك وأشهد من حضر عليهما أما ما ذكرتما من الاستيثار (1) فو الله ما كانت لي في الولاية رغبة ولا لي فيها محبة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فكرهت خلافكم فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع وأمر فيه بالحكم وقسم وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمضيته ولم أحتج فيه إلى رأيكما ودخولكما معي ولا غيركما ولم يقع أمر جهلته فأتقوى فيه برأيكما ومشورتكما ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما إذا لم يكن في كتاب الله ولا في سنة نبينا صلى الله عليه وآله فأما ما كان فلا يحتاج فيه إلى أحد. وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه ووجدت أنا وأنتما قد جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) من كتاب الله فلم أحتج فيه إليكما قد فرغ من قسمه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قولكما جعلتنا فيه كمن ضربناه بأسيافنا وأفاء الله علينا وقد سبق رجال رجالا فلم يضرهم ولم يستأثرهم عليهم من سبقهم لم يضرهم حين
(1) هذا الكلام يدل بالصراحة على أنهما ذكرا في جملة معاذيرهما قولهما: " إنا أعطيناك
ببيعتنا على أن تستشيرنا ولا تستبد بأمر دوننا " أو نحوه كما مر في رواية أبي جعفر الاسكافي، وقد سقط هذه الفقرة ها هنا من هذا الكتاب ومن كتاب الامالي أيضا.
[31]
استجابوا لربهم والله مالكم ولا لغيركم إلا ذلك ألهمنا الله وإياكم الصبر عليه. فذهب عبد الله بن الزبير يتكلم فأمر به فوجئت عنقه وأخرج من المسجد فخرج وهو يصيح ويقول: اردد إليه بيعته. فقال علي (عليه السلام): لست مخرجكما من أمر دخلتما فيه ولا مدخلكما في أمر خرجتما منه. فقاما عنه وقالا: أما إنه ليس عندنا أمر إلا الوفاء قال: فقال (عليه السلام): رحم الله عبدا رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا للحق على من خالفه (1). بيان: يخرق به الصراط أي من الاعوام التي يخرق بها الصراط أي يقطع بها. وفي النهاية: " قناة ": واد من أودية المدينة عليه حرث ومال وزرع. وقال في حديث علي (عليه السلام): " أنا أبو حسن القرم أي المقدم في الرأي، والقرم فحل الابل أي أنا فيهم بمنزلة الفحل في الابل. قال الخطابي: وأكثر الروايات " القوم " بالواو ولا معنى له وإنما هو بالراء أي المقدم في المعرفة وتجارب الامور. 10 - 18 - الكافية لابطال توبة الخاطئة (2) عن الحسين بن عيسى عن زيد عن أبيه قال: حدثنا أبو ميمونة عن أبي بشير العائذي قال: كنت بالمدينة حين قتل عثمان فاجتمع المهاجرون فيهم طلحة والزبير فأتوا عليا (عليه السلام) فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، قال: لا حاجة لي في أمركم أنا بمن اخترتم راض.
قالوا: ما نختار غيرك واختلفوا إليه بعد قتل عثمان مرارا.
(1) رواه الشيخ الطوسي في الحديث الاخير من المجلس: (26) من المجلد الثاني من أماليه ص 735. (2) هذا الكتاب من تأليف معلم الامة الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، ومع الفحص الاكيد عنه لم نظفر بعد به.
[32]
وعن إسحاق بن راشد عن عبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي عن أبي أروى قال: لا أحدثك إلا بما رأته عيناي وسمعته أذناي لما برز الناس للبيعة عند بيت المال قال علي (عليه السلام) لطلحة: ابسط يدك للبيعة، فقال له طلحة: أنت أحق بذلك مني وقد استجمع لك الناس ولم يجتمعوا لي فقال علي (عليه السلام) لطلحة: والله ما أخشى غيرك ! ! ! فقال طلحة: لا تخشى فو الله لا تؤتى من قبلى أبدا فبايعه وبايع الناس. وعن يحيى بن سلمة عن أبيه قال: قال ابن عباس: والذي لا إله إلا هو أن أول خلق الله عزوجل ضرب على يد علي بالبيعة طلحة بن عبيد الله. وعن محمد بن عيسى النهدي عن أبيه عن الصلت بن دينار عن الحسن قال: بايع طلحة والزبير عليا (عليه السلام) على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) طائعين غير مكرهين. وعن عبيدالله بن حكيم بن جبير عن أبيه عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن طلحة والزبير بايعا عليا. وعن الحسن بن مبارك عن بكر بن عيسى قال: إن طلحة والزبير أتيا عليا (عليه السلام) بعدما بايعاه بأيام فقالا: يا أمير المؤمنين قد عرفت شدة مؤنة المدينة وكثرة عيالنا وإن عطاءنا لا يسعنا قال: فما تريدان نفعل ؟ قالا:
تعطينا من هذه المال ما يسعنا ! ! فقال: اطلبا إلى الناس فإن اجتمعوا على أن يعطوكما شيئا من حقوقهم فعلت. قالا: لم نكن لنطلب ذلك إلى الناس ولم يكونوا يفعلوا لو طلبنا إليهم ! ! قال: فأنا والله أحرى أن لا أفعل فانصرفا عنه. وعن عمرو بن شمر عن جابر عن محمد بن علي عليهما السلام إن طلحة والزبير أتيا عليا (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة فقال لهما: لعلكما تريدان الشام والبصرة ؟ فقالا: اللهم غفرا ما ننوي إلا العمرة. وعن الحسين بن مبارك عن بكر بن عيسى (عليه السلام) أن عليا أخذ عليهما عهد الله وميثاقه وأعطم ما أخذ على أحد من خلقه أن لا يخالفا ولا
[33]
ينكثا ولا يتوجها وجها غير العمرة حتى يرجعا إليها فأعطياه ذلك من أنفسهما ثم أذن لهما فخرجا. وعن أم راشد مولاة أم هانئ أن طلحة والزبير دخلا على علي (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة فأذن لهما فلما وليا ونزلا من عنده سمعتهما يقولان: لا والله ما بايعناه بقلوبنا إنما بايعناه بأيدينا [قالت:] فأخبرت عليا (عليه السلام) بمقالتهما فقال: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " (1). 19 - شا: [و] من كلامه صلوات الله عليه - حين تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد - ما رواه الشعبي قال: لما اعتزل سعد ومن سميناه أمير المؤمنين (عليه السلام) وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم وإن على الامام الاستقامة وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب من دين الاسلام واتبع غير سبيل أهله ولم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا وإني أريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم وأيم الله لانصحن للخصم ولانصفن للمظلوم وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان بن ثابت أمور كرهتها والحق بيني وبينهم.
(1) اقتباس من الآية العاشرة من سورة الفتح: (48). 19 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (16) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 130. وللكلام مصادر أخر يجدها الباحث في ذيل المختار: (59) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 208 ط 2.
[34]
بيان: " وإنما الخيار " أي بزعمكم وعلى ما تدعون من ابتناء الامر على البيعة " لم تكن بيعتكم [إياي فلتة] " تعريض ببيعة أبي بكر. 20 - 22 - قب: في جمل أنساب الاشراف أنه قال الشعبي في خبر لما قتل عثمان أقبل الناس لعلي (عليه السلام) ليبايعوه وقالوا إليه فمدوا يده فكفها وبسطوها فقبضها حتى بايعوه (1). وفي سائر التواريخ: أن أول من بايعه طلحة بن عبيدالله - وكانت إصبعه أصيبت يوم أحد فشلت فبصرها أعرابي حين بايع فقال: ابتدأ هذا الامر يد شلاء لا يتم - ثم بايعه الناس في المسجد. ويروى أن الرجل كان عبيد بن ذويب فقال: يد شلاء وبيعة لا تتم وهذا عنى البرقي في بيته:
ولقد تيقن من تيقن غدرهم * إذ مد أولهم يدا شلاءا جبلة بن سحيم عن أبيه أنه قال: لما بويع علي (عليه السلام) جاء إليه المغيرة بن شعبة فقال إن معاوية من قد علمت قد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الاسلام ثم أعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قالا: لا. قال: لا يسألني الله عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا " وما كنت متخذا المضلين عضدا " الخبر. ولما بويع علي (عليه السلام) أنشأ خزيمة بن ثابت يقول:
20 - 22 - رواه ابن شهر أشوب إلى آخر الابيات المذكورة ها هنا في آخر قضايا الحكمين والخوارج من كتاب مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 375 ط الغري. (1) ولذيل الكلام مصادر، وقد ذكره البلاذري بسندين في الحديث: (258) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 209 - 210.
[35]
إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس أنه * أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا لا تشق غباره * إذا ما جرى يوما على ضمر البدن ففيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم مثل الذي فيه من حسن وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذي المنن وصاحب كبش القوم في كل وقعة * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه * إمامهم حتى أغيب بي الكفن [وقال ابو العباس: احمد بن] عطية.
رأيت عليا خير من وطى الحصا * وأكرم خلق الله من بعد أحمد وصي رسول المرتضى وابن عمه * وفارسه المشهور في كل مشهد تخيره الرحمان من خير أسرة * لاطهر مولود وأطيب مولد إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * ببيعته بعد النبي محمد بيان: أطب قريش أي أعلمهم ورجل طب - بالفتح - أي عالم. " تكون لها " أي لشدة الواقعة " نفس الشجاع " وروحه للخوف منها " عند الذقن " أي مشرفة على مفارقة البدن. أقول: سيأتي في أعمال يوم النيروز عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن اليوم الذي بويع فيه أمير المؤمنين ثانية كان يوم النيروز. 23 - نهج ومن كلام له [عليه السلام] لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا يقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وإن الآفاق قد أغامت والحجة قد تنكرت
23 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (90) من كتاب نهج البلاغة.
[36]
واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا. تبيين: المخاطبون بهذا الخطاب [هم] الطالبون للبيعة بعد قتل عثمان، ولما كان الناس نسوا سيرة النبي واعتادوا بما عمل فيهم خلفاء الجور من تفضيل الرؤساء والاشراف لانتظام أمورهم وأكثرهم إنما نقموا على عثمان استبداده بالاموال كانوا يطمعون منه عليه السلام أن يفضلهم أيضا في العطاء والتشريف ولذا نكث طلحة والزبير في اليوم الثاني من بيعته ونقموا عليه
التسوية في العطاء وقالوا آسيت بيننا وبين الاعاجم وكذلك عبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان وأضرابهم ولم يقبلوا ما قسم لهم فهؤلاء القوم لما طلبوا البيعة بعد قتل عثمان قال عليه السلام " دعوني والتمسوا غيري... " إتماما للحجة عليهم وأعلمهم باستقبال أمور لها وجوه وألوان لا يصبرون عليها وإنه بعد البيعة لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه ولا يصغي إلى قول القائل وعتب العاتب بل يقيمهم على المحجة البيضاء ويسير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. [قوله]: " وإن الآفاق قد أغامت " أي أظلمت بغيم سنن أرباب البدع وخفاء شمس الحق تحت سحاب شبه أهل الباطل. " والمحجة ": جادة الطريق " وتنكرها " تغيرها وخفاؤها. قوله عليه السلام: " ركبت بكم " أي جعلتكم راكبين. وتركهم إياه عدم طاعتهم له واختيار غيره للبيعة حتى لا تتم شرايط الخلافة لعدم الناصر كقوله (عليه السلام) في الشقشقية: " لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لالقيت حبلها على غاربها " وليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجة وإبطال لما علم عليه السلام من ادعائهم الاكراه على البيعة كما فعل طلحة والزبير بعد النكث، مع أن المرء حريص على ما منع والطبع نافر عما سورع إلى إجابته " والوزير " من يحمل عن الملك ثقل التدبير.
[37]
وقال ابن أبي الحديد (1) - كما هو دأبه أن يأتي بالحق ثم عنه يحيد -: هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره ويقولون: أنه (عليه السلام) لم يكن منصوصا عليه بالامامة وإن كان أولى الناس بها لانه لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول: دعوني والتمسوا غيري.
ثم ذكر تأويل الامامية منه أن يسير فيهم بسيرة الخلفاء ويفضل بعضهم على بعض في العطاء أو بأن الكلام خرج مخرج التضجر والتسخط لافعال الذين عدلوا عنه (عليه السلام) قبل ذلك للاغراض الدنيوية أو بأنه خرج مخرج التهكم كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * أي بزعمك ثم قال: واعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد لو دل عليه دليل فأما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره. ولا يخفى على اللبيب أنه بعد الاغماض عن الادلة القاهرة والنصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التأويل ولا يستقيم الحمل على ظاهره إلا على القول بأن إمامته عليه السلام كانت مرجوحة وأن كونه وزيرا أولى من كونه أميرا وهو ينافي القول بالتفضيل الذي قال به فإنه (عليه السلام) إذا كان أحق الامامة وبطل تفضيل المفضول على ما هو الحق واختاره أيضا كيف يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره وكيف يجوز له (عليه السلام) أن يأمر الناس بتركه والعدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك الامامة، ومع وجود الضرورة كما جاز ترك الامامة الواجبة بالدليل جاز ترك الامامة المنصوص عليها فالتأويل واجب على التقديرين ولا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان.
(1) ذكره في شرح المختار: (91) من خطب نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 597 طبع الحديث ببيروت.
[38]
على أن الظاهر للمتأمل في أجزاء الكلام حيث علل الامر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب وتنكر المحجة وأنه إن أجابهم حملهم على
الحق هو أن السبب في ذلك المانع دون عدم النص وأنه لم يكن متعينا للامامة أو لم يكن أحق وأولى به ونحو ذلك ولعل الوجه في قوله (عليه السلام) " لعلي أسمعكم وأطوعكم " هو أنه أذا تولى الغير أمر الامامة ولم تتم الشرائط في خلافته (عليه السلام) لم يكن ليعدل عن مقتضى التقية بخلاف سائر الناس حيث يجوز الخطأ عليهم. وأما قوله: " فأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا " فلعل المراد بالخيرية فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا فإنه (عليه السلام) على تقدير الامامة وبسط اليد لا يجب عليه العمل بمحض الحق وهو يصعب على النفوس ولا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيرا فإن الوزير يشير بالرأي مع تجويز التأثير في الامير وعدم الخوف ونحوه من شرايط الامر بالمعروف ولعل الامير الذي يولونه الامر يرى في كثير من الامور ما يطابق آمال القوم ويوافق أطماعهم ولا يعمل بما يشير به الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم فالحاصل أن ما قصدتموه من بيعتي لا يتم لكم ووزارتي أوفق لغرضكم والغرض إتمام الحجة كما عرفت. 24 - ما: الحسين بن عبد الله عن أحمد بن جعفر البزوفري عن حميد بن زياد عن العباس بن عبيدالله الدهقان عن إبراهيم بن صالح الانماطي رفعه قال: لما أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد البيعة دخل بيت المال ودعى بمال كان قد اجتمع فقسمه ثلاثة دنانير بين من حضر من الناس كلهم فقام سهل بن حنيف فقال يا أمير المؤمنين قد اعتقت هذا الغلام فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف.
24 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث الاخير من المجلس (20) من المجلد
الثاني من أماليه ص 697.
[39]
25 - نهج: ومن خطبة له [عليه السلام]: قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لايح واعتدل مائل واستبدل الله بقوم قوما وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر وإنما الائمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه. وإن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخلصكم له وذلك لانه اسم سلامة وجماع كرامة اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه من ظاهر علم وباطن حكم لا تفنى غرائبه ولا تنقضي عجائبه فيه مرابيع النعم ومصابيح الظلم لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه قد أحمى حماه وأرعى مرعاه فيه شفاء المشتفى وكفاية المكتفى توضيح: قيل هذه خطبة خطب بها (عليه السلام) بعد قتل عثمان وانتقال الخلافة إليه ويمكن أن يكون المراد بطلوع الطالع ظهور إمرته وخلافته (عليه السلام) وأن يشير ب " لموع " اللامع إلى ظهورها من حيث هي حق له وسطوع أنوار العدل بصيرورتها إليه، وب " لوح اللائح " إلى الحروب والفتن الواقعة بعد انتقال الامر إليه. وقيل المراد بالجميع واحد فيحتمل أن يكون المراد طلع ما كان طالعا فإن الخلافة كانت له (عليه السلام) حقيقة أي طلع ظاهرا ما كان طالعا حقيقة كقوله (عليه السلام): " واعتدل مائل " أي الخلافة التي كانت مائلة عن مركزها أو أركان الدين القويم. ولعل انتظار الغير كناية عن العلم بوقوعه أو الرضى بما قضى الله من ذلك والمراد " بالغير " ما جرى قبل ذلك من قتل عثمان وانتقال الامر إليه
عليه السلام أو ما سيأتي من الحروب والوقايع والاول أنسب. قوله (عليه السلام): " قوام الله " أي يقومون بمصالحهم وقيم المنزل هو
25 - رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (150) من باب خطب نهج البلاغة.
[40]
المدبر له " والعرفاء " جمع عريف وهو القيم بأمور القبيلة والجماعة يلي أمورهم ويتعرف الامير منه أحوالهم " فعيل " بمعنى فاعل. " إلا من عرفهم " أي بالامامة " وعرفوه " أي بالتشيع والولاية. ومنكرهم من لم يعرفهم ولم يقر بما أتوا به من ضروريات الدين فهو منكر لهم. قوله (عليه السلام): لانه أسم سلامة أي الاسلام مشتق من السلامة وقال الجوهري: جماع الشئ بالكسر: جمعه يقال: الخمر جماع الاثم. والمرابيع: الامطار التي تجئ في أول الربيع فيكون سببا لظهور الكلا. ويقال: أحميت المكان أي جعلته حمى. قال ابن أبي الحديد أحمأه أي جعله عرضة لان يحمي أي عرض الله سبحانه حماه ومحارمه لان يجتنب وأرعى مرعاه لان يرعى أي مكن من الانتفاع بمواعظه لانه خاطبنا بلسان عربي مبين. ويمكن أن يقال المعنى جعل له حرمات ونهى عن انتهاكها. أو إرتكاب نواهيه وتعدى حدوده ورخصا أباح للناس التمتع بها. أو المراد بقوله عليه السلام " قد أحمى حماه " منع المغيرين من تغيير قواعده وبقوله: " أرعى مرعاه " مكن المطيعين من طاعته التي هي الاغذية الروحانية للصالحين كما أن النبات غذاء للبهائم. 26 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام) في أول خلافته: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا نهج الخير تهتدوا واصدفوا عن
سمت الشر تقصدوا الفرايض الفرائض أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة، إن الله تعالى حرم حراما غير مجهول وأحل حلالا غير مدخول وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب.
26 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (165) من باب خطب نهج البلاغة. وقريبا منه رواه أيضا الطبري في أوائل حوادث سنة: (35) من تاريخه.
[41]
بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم آخركم اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه. بيان: واصدفوا أي اعرضوا عن طريقه. والقصد: العدل. ونصب الفرائض على الاغراء. قوله (عليه السلام): " وشد بالاخلاص " أي ربط الحقوق بها فأوجب على المخلصين الموحدين المحافظة على حقوق المسلمين. قوله: " وخاصة أحدكم " قال ابن أبي الحديد: الموت وإن كان عاما لكل حيوان إلا أن له مع كل حيوان خصوصية وكيفية مخالفة مع غيره. " فإن الناس أمامكم " أي سبقوكم إلى الموت وفي بعض النسخ: " الباس " بالباء الموحدة مع الهمزة أي الفتنة تحدوكم أي تسوقكم. والحداء: سوق الابل والغناء لها " تخففوا " أي بالقناعة من الدنيا باليسير وترك الحرص عليها وارتكاب المأثم
فإن المسافر الخفيف أحرى بلحوق أصحابه وبالنجاة " إنما ينتظر " أي للبعث والنشور. 27 - فس: أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله قال: خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعدما بويع له بخمسة أيام خطبة فقال: واعلموا أن لكل حق طالبا ولكل دم ثائرا والطالب كقيام الثائر بدمائنا والحاكم في حق نفسه هو العدل الذي لا يحيف والحاكم الذي لا يجور وهو الله الواحد القهار.
27 - رواه علي بن إبراهيم رفع الله مقامه في تفسير الآية: (25) من سورة النحل من تفسيره: ج 1، ص 384، ولفقرات الكلام شواهد ومصادر ذكر بعضها في ذيل المختار: (68) من باب خطب نهج السعادة: ج 1، ص 235 ط 2.
[42]
واعلموا أن على كل شارع بدعة وزره ووزر كل مقتد به من بعده إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا وسينتقم الله من الظلمة مأكل بمأكل ومشرب بمشرب من لقم العلقم ومشارب الصبر الادهم فليشربوا الصلب من الراح السم المذاف وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا ولهم بكل ما أتوا وعملوا من أفاريق الصبر الادهم فوق ما أتوا وعملوا أما أنه لم يبق ألا الزمهرير من شتائهم وما لهم من الصيف إلا رقدة ويحبسهم وما توازروا وجمعوا على ظهورهم من الآثام. فيا مطايا الخطايا ويا زور الزور وأوزار الاثام مع الذين ظلموا اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على أنفسكم فسيعلم الذين ظلموا أي منقل ينقلبون. فأقسم ثم أقسم لتحملنها بنو أمية من بعدي وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل فلا يبعد الله إلا من ظلم وعلى البادي - يعني الاول - ما سهل لهم من
سبيل الخطايا مثل أوزارهم وأوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون. إيضاح: والطالب كقيام الثائر أي طلب الطالب للحق كقيام الطالب بدمائنا، والثأر بالهمز: الدم والطلب به وقاتل حميمك " والثائر ": من لا يبقى على شئ حتى يدرك ثاره ذكره الفيروز آبادي " والحاكم في حق نفسه " ولعل المعنى أن في قتلنا حقا لنا وحقا لله تعالى حيث قتلوا حجته ووليه والقائم يطلب حقنا والله العادل يحكم في حق نفسه أن على كل شارع بدعة وزره، شرع لهم كمنع: سن. وقوله: " وزره " اسم إن وخبره الظرف المقدم إي يلزم مبدع البدعة ومحدثها وزر نفسه ووزر كل من اقتدى به " من لقم العلقم " اللقم جمع اللقمة والعلقم: الحنظل وكل شئ مر " والاديم ": الاسود " فليشربوا الصلب " أي الشديد الغليظ فإن شربه أعسر أو هو تصحيف " الصئب " بالهمز يقال: صئب من الشراب كفرح إذا روى وامتلأ " والصبب " بالباء محركة بمعنى المصوب " والراح ": الخبر أطلق هنا تهكما. و " الدوف ": الخلط والبل بماء ونحوه. وقال الفيروز آبادي: الفرقة: السقأ الممتلئ لا يستطاع يمخض حتى يفرق. والطائفة من الناس والجمع: فرق وجمع الجمع: أفاريق
[43]
" إلا الزمهرير من شتائهم " أي لم يبق من شدائد الدنيا إلا ما أصابهم من تلك الشدة وليس لهم في ذلك أجر " إلا رقده " - بالهاء - أي إلا نومة. وفي بعض النسخ بالفاء مع الضمير. والرفد بالكسر: العطاء. وبالكسر والفتح: القدح الضخم والحاصل أنه لم يبق لهم من راحة الدنيا إلا راحة قليلة ذهبت عنهم " ويحبسهم ما توازروا " أي يحبسهم يوم القيامة أوزارهم. وفي بعض النسخ: " وما توازروا " أي يحبسهم الله " ويا زور الزور " قال في القاموس
الزورة: الناقة التي تنظر بمؤخر عينها لشدتها. ولعل في بعض الفقرات تصحيفات. 28 - شا: مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإن الله لم يقصم جباري دهر قط إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم أحد من الامم إلا من بعد أزل وبلاء أيها الناس وفي دون ما استقبلتم من خطب واستدبرتم من عتب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير. ألا فاحسنوا النظر عباد الله فيما يعنيكم ثم أنظروا إلى عرصات من قد أباده الله بعلمه كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم فها هي عرصة المتوسمين وإنها لبسبيل مقيم تنذر من يأتها من الثبور بعد النضرة والسرور ومقيل من الامن والحبور ولمن صبر منكم العاقبة ولله عاقبة الامور. فواها لاهل العقول كيف أقاموا بمدرجة السيول واستضافوا غير مأمون. ويسا لهذه الامة الجائرة في قصدها الراغبة عن رشدها لا يقتفون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يرعوون من عيب كيف
28 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (52) مما اختار من كلام الامام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 155.
[44]
ومفزعهم في المبهمات إلى قلوبهم وكل امرئ منهم إمام نفسه أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات لا يألون قصدا ولن يزدادوا إلا بعدا لشدة أنس بعضهم ببعضهم وتصديق بعضهم بعضا حيادا كل ذلك عما ورث الرسول ونفورا عما
أدى إليه من فاطر السموات والارضين العليم الخبير فهم أهل عشوات وكهوف شبهات قادة حيرة وريبة ممن وكل إلى نفسه فاغرورق في الاضاليل هذا. وقد ضمن الله قصد السبيل " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وان الله لسميع عليم " [42 / الانفال: 8] فيا ما أشبهها من أمة صدرت عن ولائها ورغبت عن رعاتها. ويا أسفا أسفا يكلم القلب ويد من الكرب من فعلات شيعتنا بعد مهلكي على قرب مودتها وتاشب ألفتها كيف يقتل بعضها بعضا وتحول ألفتها بغضا. فلله الاسرة المتزحزحة غدا عن الاصل، المخيمة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، المتوكفة الروح من غير مطلعه، كل حزب منهم معتصم بغصن آخذ به، أينما مال الغصن مال معه. مع أن الله - وله الحمد - سيجمعهم كقزع الخريف ويؤلف بينهم ويجعلهم ركاما كركام السحاب يفتح الله لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم إليها كسيل العرم حيث لم تسلم عليه قارة ولم تمنع منه أكمة ولم يرد ركن طود سنته يغرسهم الله في بطون أودية يسلكهم ينابيع في الارض ينفى بهم عن حرمات قوم ويمكن لهم في ديار قوم لكي لا يغتصبوا ما غصبوا يضعضع الله بهم ركنا وينقض به على الجندل من ارم ويملأ منه بطنان الزيتون.
[45]
الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا (1). بيان [قوله عليه السلام:] " إلى عرصات من قد أباده الله " أي أنظروا إلى ديار من قد أهلكه الله بعمله كالخلفاء الثلاثة خصوصا عثمان فها هي أي عرصات هؤلاء عرصة المتوسمين والمتفكرين في الدنيا وعواقبها
المعتبرين بها " وإنها لسبيل مقيم " أي عرصاتهم ومنازلهم على سبيلكم تنظرون إليها صباحا ومساء تنذر تلك العرصة من يأتها معتبرا بلسان الحال بالويل والثبور بعدما كان أصحابها في النضرة والسرور " والحبور " كالسرور لفظا ومعنى. " واستضافوا " أي طلبوا الضيافة أو قبلوها ممن لا يؤمن من الغدر وهو الدنيا. " ويسا لهذه الامة " [قال الفيروز آبادي] في القاموس: ويس كلمة تستعمل في موضع رأفة واستملاح للصبي، والويس: الفقر. وفي بعض النسخ: " ويا لهذه الامة " أي: يا قوم اعجبوا لهم " لا يألون قصدا " أي لا يقصرون في قصد الخيرات أو في طلب قصد السبيل ووسطه بزعمهم لكن لقصور علمهم لا يزيدون إلا بعدا. وفي بعض النسخ: " لا يأتون " وهو أصوب. " وقد ضمن الله " إشارة إلى قوله تعالى: " وعلى الله قصد السبيل " " فياما أشبهها (2) " أي يا قوم ما أشبه هذه الامة بأمة كذا تعريضا لهم وإعراضا عن التصريح بصدور هذه الاعمال منهم. والاظهر ما في الكافي " فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها " وفي الصحاح: تأشب القوم: اختلطوا وائتشبوا أيضا يقال: جاء فلان فيمن تأشب
(1) رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (52) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد ص 155. (2) وكان في اصلي مكتوب فوق هذه الجملة بين الاسطر: " فيامن اشبهها ".
[46]
إليه أي انضم إليه: وقال: تزحزح: تنحى. وقال: خيم بالمكان أي أقام.
والتوكف: الترقب والانتظار والحاصل أنهم تفرقوا عن أئمة الحق ولم ينصروهم وتعلقوا بالاغصان والفروع التي لا ينفع التعلق بها كمختار وأبي مسلم وزيد ويحيى وإبراهيم وأمثالهم (1). قوله (عليه السلام): " سيجمعهم " إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية. والآنك بضم النون: الا سرب. قوله (عليه السلام): " ولعل الله يجمع شيعتي " إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام) وقد مر [وسيأتي " خ ل "] مزيد توضيح للخطبة عند إبرادها بسند آخر. 29 - ني: الكليني عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن يعقوب السراج عليه السلام بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب خطبة ذكرها يقول فيها: وعلي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما بويع أمير المؤمنين ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سباقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم.
(1) ذكر المثال في القضية بالمختار وأبي مسلم ليس بصواب إذ كل ما قيل في حق المختار من جهات الضعف والانحراف فهو من مفتريات شيعة بني أمية، وأما أبو مسلم فهو من شيعة بني العباس لا غير. 29 - رواه النعماني رحمه الله في الحديث: (132) في باب: " ما يلحق الشيعة من التمحيص... " وهو الباب (12) من كتاب الغيبة ص 135، ط بيروت.
[47]
30 - نهج: ذمتي بما أقول رهينه وأنابه زعيم أن من صرحت له العبر عما
بين يديه من المثلات حجره التقوى عن تقحم الشبهات. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم. ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار. ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل أهل فلئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل ولقل ما أدبر شئ فأقبل. بيان: الزعيم الكفيل " أن من صرحت " أي كشفت. والمثلات: العقوبات: وقحم في الامر وتقحمه: رمى بنفسه فيه: والشبهات: ما اشتبه حقيته وحليته. وقيل: أراد بالشبهات ما يتوهم كونه حقا ثابتا باقيا من الامور الزائلة الفانية. وقد مر تفسير باقي الكلام في باب شكايته (عليه السلام).
30 - ذكر السيد الرضي رحمه الله في المختار: (16) من باب الخطب من نهج البلاغة ثم قال السيد رحمه الله إن في هذا الكلام الادنى من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان وإن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ولا يطلع فجها إنسان ولا يعرف ما أقوله إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عرق وما يعقلها إلا العالمون. (*)
[48]
31 - نهج [وقال عليه السلام وقد] قال له طلحة والزبير: نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الامر. فقال: (عليه السلام): ولا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة وعونان على العجز والاود. بيان: قال ابن أبي الحديد أي إذا قوي أمر الاسلام بي قويتما أنتما أيضا والاستعانة هنا الفوز والظفر " وعونان على العجز والاود ": أي العوج. [و] قال ابن ميثم رحمه الله: أي على رفع ما يعرض منهما أو حال وجودهما إذ كلمة على تفيد الحال. وروى ابن أبي الحديد أنه قال في جوابهما: إما المشاركة في الخلافة فكيف يكون ذلك وهل يصح أن يدبر أمر الرعية إمامان ؟ وهل يجمع السيفان ويحك في غمد ؟ 32 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) لما عوتب على التسوية في العطاء: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه والله لا أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجما لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال لهم [فكيف وأنما المال مال الله " خ ل "] ثم قال (عليه السلام): ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله ولم يضع أمرؤ ماله
31 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (202) من قصار نهج البلاغة. وما ذكره المصنف عن ابن أبي الحديد، ذكره في شرح الكلام في ج 5 ص 488 ط الحديث ببيروت. 32 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (125) من نهج البلاغة. وله مصادر أخر يجدها الباحث في ذيل المختار: (278) من نهج السعادة: ج 2
ص 453
[49]
في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره ودهم فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خدين وألام خليل. إيضاح: قوله (عليه السلام) " أتأمروني " أصله تأمرونني فأسكنت الاولى وأدغمت: " لا أطور به " أي لا أقربه أبدا ولا أدور حوله. و [قال الفيروز آبادى] في القاموس: السمر محركة الليل وحديثه. " وما أفعله ما سمر السمير " أي ما اختلف الليل والنهار. " وما أم نجم " أي قصد أو تقدم لان النجوم لا تزال يتبع بعضها بعضا فلابد فيها من تقدم وتأخر ولا يزال يقصد بعضها بعضا. " فإن زلت به النعل " أي إذا عثر وافتقر. والخدين: الصديق. 33 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): لم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لانصفن المظلوم ولاقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها. إيضاح الفلتة: الامر يقع من غير تدبر ولا روية وفيه تعريض ببيعة أبي بكر كما روت العامة عن عمر أنه قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه. وقوله (عليه السلام): " إني أريدكم " الخطاب لغير الخواص من أصحابه (عليه السلام) والمعنى: [إني] أريد إطاعتكم إياي لله وتريدون أن تطيعوني للمنافع الدنيوية. وقال الجوهري: خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة
أنفه ليشد فيها الزمام.
33 - ذكره السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (134) من نهج البلاغة.
[50]
34 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) كلم به طلحة والزبير بعد بيعته للخلافة وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الامور بما: لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا ألا تخبراني أي شئ لكما فيه حق دفعتكما عنه ؟ وأي قسم استأثرت عليكما به ؟ أم أي حق رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه ؟ أم جهلته أم أخطأت بابه ؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ولم يقع حكم جهلته فأستشيركما وإخواني من المسلمين ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما. وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله قد فرغ منه فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى أخذ الله بقلوبكم وقلوبنا إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه. توضيح: قال [إبن الاثير] في النهاية نقم [فلان] إذا بلغت به الكراهة حد السخط.
وقال ابن أبي الحديد: أي نقمتما من أحوالي اليسير وتركتما الكثير الذي
34 - ذكره السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (204) من نهج البلاغة.
[51]
ليس لكما ولا لغير كما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير ؟ وليس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن والعيب ولكنه على جهة الاحتجاج. وقال ابن ميثم: أشار باليسير الذي نقماه إلى ترك مشورتهما وتسويتهما لغيرهما في العطاء فإنه وإن كان عندهما صعبا فهو لكونه غير حق في غاية السهولة والكثير الذي أرجاه ما أخراه من حقه ولم يوتياه إياه. وقيل: يحتمل أن يريد أن الذي أبدياه ونقماه بعض ما في أنفسهما وقد دل ذلك على أن في أنفسهما أشياء كثيرة لم يظهراه. والاستيثار: الانفراد بالشئ. ودفع الحق عنهما أعم من أن يصير إليه (عليه السلام) أو إلى غيره أو لم يصر إلى أحد بل بقي بحاله في بيت المال، والاستيثار عليهما به هو أن يأخذ حقهما لنفسه. وجهل الحكم أن يكون الله قد حكم بحرمة شئ فأحله الامام، وجهل الباب أن يصيب في الحكم ويخطئ في الاستدلال أو يكون جهل الحكم بمعنى التحير فيه وأن لا يعلم كيف يحكم والخطأ في الباب أن يحكم بخلاف الواقع. والاربة بالكسر: الحاجة. والاسوة بالضم والكسر: القدوة أي أسوتكما بغيركما في العطاء. ويقال للامر الذي لا يحتاج إلى تكميل مفروغ منه. والعتبى: الرجوع من الذنب والاساءة. 35 - نهج: [و] من كلام له (عليه السلام) في وصف بيعته بالخلافة وبسطتم يدي فكففتها ومددتموها فقبضتها ثم تداككتم على تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء، ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج
إليها الكبير وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب.
35 - ذكره السيد قدس سره في المختار: (227) من كتاب نهج البلاغة. وللكلام شواهد كثيرة بعضها مذكور في الحديث: (252) من ترجمة على من أنساب الاشراف.
[52]
بيان تداككتم أي ازدحمتم إزدحاما شديدا يدك بعضكم بعضا والدك: الدق. والهيم: العطاش. وقال الجوهري: الهدجان: مشية الشيخ. وهدج الظليم إذا مشى في ارتعاش. وحسرت أي كشفت عن وجهها حرصا على حضور البيعة. والكعاب - بالفتح - المرأة حين تبدو ثديها للنهود هي الكاعب وجمعها كواعب ذكره [إبن الاثير] في [كتاب] النهاية. 36 - نهج ومن كلام له [عليه السلام] يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك: يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه فقد أقر بالبيعة وادعى الوليجة فليأت عليها بأمر يعرف وإلا فليدخل فيما خرج منه. بيان الوليجة: البطانة. والامر يسر ويكتم. قال ابن أبي الحديد: كان الزبير يقول: بايعت بيدي لا بقلبي وكان يدعي تارة أنه أكره عليها و [تارة] يدعي أنه ورى في البيعة تورية ! ! فقال عليه السلام: بعد الاقرار لا يسمع دعوى بلا بينة ولا برهان. 37 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الامرين الفشل ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر. بيان يقال: أرعد الرجل وأبرق إذا توعد وتهدد. قوله (عليه السلام): " حتى نوقع " لعل المعنى لسنا نهدد حتى نعلم أنا سنوقع. قوله عليه السلام " حتى نمطر " أي إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالايقاع غيره من خصومنا.
38 - نهج ومن خطبة له (عليه السلام): ألا وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله ورجله وإن معي لبصيرتي ما لبست على نفسي ولا لبس علي وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه.
36 - 37 - رواها السيد الرضي رحمه الله في المختار (8 - 10) من الباب الاول من نهج البلاغة.
[53]
بيان قال ابن ميثم: هذا الفصل ملتقط [و] ملفق من خطبة له (عليه السلام) لما بلغه أن طلحة والزبير خلعا بيعته وهو غير منتظم. والرجل: جمع راجل. وقال ابن أبي الحديد في قوله: " لافرطن لهم " من رواها بفتح الهمزة فأصله: فرط ثلاثي يقال فرط القوم: سبقهم ورجل فرط يسبق القوم إلى البئر فيهئ لهم الارشية والدلاء ومنه قوله: " أنا فرطكم على الحوض " ويكون التقدير: لافرطن لهم إلى حوض فحذف الجار وعدى الفعل بنفسه كقوله تعالى: " واختار موسى قومه " ويكون اللام في " لهم " إما للتقوية كقوله: " يؤمن للمؤمنين " أي يؤمن المؤمنين أو يكون اللام للتعليل أي لاجلهم. ومن رواها " لافرطن " بضم الهمزة فهو من [قولهم]: أفرط المزادة: ملاها. " والماتح " [بالتاء]: المستقي [من قولهم]: " متح يمتح " بالفتح " والمايح " بالياء الذي ينزل إلى البئر فيملا الدلو. وقال: [معنى قوله]: " أنا ماتحه " أي أنا خبير به كما يقول من يدعي معرفة الدار: أنا باني هذه الدار وحاصل المعنى لاملان لهم حياض حرب [هي من دربتي وعادتي] أو لاسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب بها مجرب لها إذا وردوها لا يصدرون عنها يعني قتلهم [وإزهاق أنفسهم] ومن فر منها لا يعود إليها.
39 - نهج ومن خطبة له عليه السلام: ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه واستجلب جلبه ليعود الجور إلى أوطانه ويرجع الباطل في نصابه. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون
39 - رواه السيد الرضي في المختار: (22) من الباب الاول من نهج البلاغة، وللكلام مصادر وشواهد أخر يجدها الباحث في المختار: (79 - 93) من كتاب نهج السعادة: ج 1، 258 و 302 ط 2.
[54]
حقا هم تركوه ودما هم سفكوه فلئن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه. ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعة إلا عندهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم يرتضعون أما قد فطمت ويحيون بدعة قد أميتت يا خيبة الداعي من دعا وإلى ما أجيب وإني لراض بحجة الله تعالى عليهم (1) وعلمه فيهم فإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق. ومن العجب بعثهم إلي أن أبرز للطعان وأن أصبر للجلاد ؟ ! هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وإني لعلى يقين من ربي وغير شبهة من ديني. بيان: قوله [عليه السلام]: " قد ذمر " يروى بالتخفيف والتشديد، وأصله الحث والترغيب. و " الجلب ": الجماعة من الناس وغيرهم يجمع ويؤلف. قوله عليه السلام: " [ليعود الجور] إلى أوطانه " يروى " ليعود الجور إلى قطابه " والقطاب: مزاج الخمر بالماء أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان. ويجوز أن يعني بالقطاب قطاب الجيب وهو مدخل الرأس فيه أي ليعود الجور إلى لباسه
وثوبة. والنصاب: الاصل. والذي أنكروه قتل عثمان. والنصف بالكسر الاسم من الانصاف. قوله عليه السلام: " يرتضعون أما " أي يطلبون الشئ بعد فواته لان الام إذا فطمت ولدها فقد انقضى رضاعها ولعل المراد به أن طلبهم لدم عثمان لغو لا فائدة فيه.
(1) كذا في أصلي وفي غير واحد مما عندي من نسخ نهج البلاغة: " بحجة الله عليهم... ".
[55]
وقال ابن ميثم: استعار لفظة الام للخلافة فبيت المال لبنها والمسلمون أولادها المرتضعون وكنى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه (عليه السلام) من الصلاة والتفضيلات مثل ما كان عثمان يصلهم. وكونها قد فطمت عن منعه (عليه السلام). وقوله: " يحيون بدعة قد أميتت " إشارة إلى ذلك التفضيل فيكون بمنزلة التأكيد للقرينة السابقة. ويحتمل أن يكون المراد بالام التي قد فطمت ما كان عادتهم في الجاهلية من الحمية والغضب وإثارة الفتن. وبفطامها اندراسها بالاسلام فيكون ما بعده كالتفسير له. والنداء في قوله: " يا خيبة الداعي " كالنداء في قوله تعالى: * (يا حسرة على العباد) * أي يا خيبة أحضري فهذا أوانك " والداعي " هو أحد الثلاثة طلحة والزبير وعائشة ثم قال على سبيل الاستحقار لهم: " من دعا وإلى ما أجيب " أي احقر بقوم دعاهم هذا الداعي واقبح بالامر الذي أجابوه إليه فما أفحشه وأرذله. وقال الجوهري: هبلته أمه بكسر الباء أي ثكلته. والهبول من النساء:
الثكول. قوله عليه السلام: " لقد كنت " قال ابن أبي الحديد: أي ما زلت لا أهدد بالحرب والواو زائدة وهذه كلمة فصيحة كثيرا ما يستعملها العرب وقد ورد في القرآن العزيز كان بمعنى ما زال في قوله: " وكان الله عليما حكيما ". 40 - أقول: قال ابن ميثم رحمه الله بعد إيراد تلك الفقرات: أكثر هذا الفصل من الخطبة التي ذكرنا أنه عليه السلام خطبها حين بلغه أن طلحة والزبير خلعا
40 - رواه كمال الدين ابن ميثم رفع الله مقامه في شرح المختار: (22) من نهج البلاغة: ج 1، ص 333 ط بيروت.
[56]
بيعته وفيه زيادة ونقصان ونحن نوردها بتمامها وهي بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله: أيها الناس إن الله افترض الجهاد فعظمه وجعله نصرته وناصره، والله ما صلحت دين ولا دنيا إلا به، وقد جمع الشيطان حزبه واستجلب خيله ومن أطاعه ليعود له دينه وسنته [وخدعه] وقد رأيت أمورا قد تمخضت. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه ودما سفكوه فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه، وإن كانوا لولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم وإن أول عدلهم لعلى أنفسهم ولا اعتذر مما فعلت ولا أتبرء مما صنعت إن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي وإنها للفئة الباغية فيها الحم والحمة طالت جلبتها وانكفت جونتها ليعودن الباطل إلى نصابه. يا خيبة الداعي لو قيل ما أنكر من ذلك وما إمامه وفيمن سننه [وفيما سنته " خ ل "] والله إذا لزاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه وما أظن الطريق
له فيه واضح حيث نهج. والله ما تاب من قتلوه قبل موته ولا تنصل عن خطيئته وما اعتذر إليهم فعذروه ولا دعا فنصروه. وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري ولا يعبون حسوة أبدا وإنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم وعلمه فيهم وإني داعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وقبلوا وأجابوا وأنابوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس علي كفيل وإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من باطل وناصرا لمؤمن، ومع كل صحيفة شاهدها وكاتبها. والله إن الزبير وطلحة وعائشة ليعلمون أني على الحق وهم مبطلون. وقال رحمه الله: تمخضت: تحركت. والتبعة: ما يلحق الانسان من درك. والحم فتح الحاء وتشديد الميم: بقية الالية التي أذيبت وأخذ دهنها. والحمة:
[57]
السواد. وهما استعارتان لاراذل الناس وعوامهم لمشابهتهم حم الالية وما اسود منها في قلة المنفعة والخير. والجلبة: الاصوات. وجونتها بالضم: سوادها. وانكفت واستكفت أي استدارت. وزاح وانزاح: تنحى. وتنصل من الذنب: تبرأ منه. والعب: الشرب من غير مص. والحسوة بضم الحاء: قدر ما يحسى مرة واحدة. والجلاد: المضاربة بالسيف. والهبول: الثكلى. والهبل: الثكل. واعلم أنه عليه السلام نبه أولا على فضل الجهاد لان غرضه استنفارهم لقتال: أهل البصرة وقوله: " وقد رأيت أمورا " إشارة إلى تعيين ما يستنفرهم إليه وهو ما يحس به من مخالفة القوم وأهبتهم لقتاله، وقوله: " والله ما أنكروا " إشارة إلى بطلان ما ادعوه منكرا ونسبوه إليه من قتل عثمان والسكوت عن النكير على قاتليه، فأنكر أولا إنكارهم عليه تخلفه عن عثمان
الذي زعموا أنه منكر ولما لم يكن منكرا كان ذلك الانكار عليه هو المنكر. وقوله: " وإنهم ليطلبون " إشارة إلى طلبهم لدم عثمان مع كونهم شركاء فيه. روى الضبري في تاريخه (1) أن عليا كان في ماله بخيبر لما أراد الناس حصر عثمان فقدم المدينة والناس مجتمعون على طلحة في داره فبعث عثمان إليه يشكو أمر طلحة فقال: أما أكفيكه فانطلق إلى دار طلحة وهي مملوءة بالناس فقال له: يا طلحة ما هذا الامر الذي صنعت بعثمان ؟ فقال طلحة: يا أبا الحسن أبعد أن مس الحزام الطبيين. فانصرف علي عليه السلام إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح فكسر الباب وفرق ما فيه على الناس فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده فسر عثمان بذلك وجاء طلحة إلى عثمان فقال له: يا أمير المؤمنين إني أردت
(1) ذكره الطبري في الحديث: (9) من عنوان: " خلافة أمير المؤمنين علي... " في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 430.
[58]
أمرا فحال الله بيني وبينه وقد جئتك تائبا ! فقال: والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا الله حسيبك يا طلحة. وروى الطبري أيضا أنه كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا فقال له طلحة يوما: قد تهيأ مالك فاقبضه. فقال: هو لك معونة على مروتك فلما حصر عثمان قال علي (عليه السلام) لطلحة: أنشدك الله إلا كففت عن عثمان فقال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها (1) فكان علي بعد ذلك يقول: لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان مثل ما أعطاه وفعل به ما فعل. وروي أن الزبير لما برز لعلي عليه السلام يوم الجمل قال له: ما حملك يا
أبا عبد الله على ما صنعت ؟ قال: أطلب بدم عثمان. فقال له: أنت وطلحة وليتماه، وإنما توبتك من ذلك أن تقدم نفسك وتسلمها إلى ورثته. وبالجملة فدخولهم في قتل عثمان ظاهر. قوله (عليه السلام): " وإن أول عدلهم " أي إن العدل الذي يزعمون أنهم يقيمونه في الدم المطلوب ينبغي أن يصنعوه أولا على أنفسهم. قوله: " ولا أعتذر " أي الاعتذار الذي فعلته في وقت قتل عثمان لم يكن على وجه تقصير في الذي يوجب الاعتذار والتبرء منه. وقوله (عليه السلام): " طالت جلبتها " كناية عما ظهر من القوم من تهديدهم وتوعدهم بالقتال: " وانكفت جونتها " أي استدار سوادها واجتمع كناية عن تجمع جماعتهم لما يقصدون. وقوله (عليه السلام): " ليعودن " توعد لهم بعود ما كانوا عليه من الباطل في الجاهلية واستنفار إلى القتال.
(1) إلى هنا رواه الطبري مسندا قبيل عنوان: " ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله أمر عثمان ابن عباس أن يحج بالناس سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 405.
[59]
وقوله (عليه السلام): " يا خيبة الداعي " خرج مخرج التعجب من عظم خيبة الدعاء إلى قتاله. " ومن دعا وإلى ما أجيب " استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوين لقتاله والمناصرين إذ كانوا عوام الناس ورعاعهم وللمدعو إليه وهو الباطل الدي دعوا لنصرته. وقوله: " لو قيل " إلى قوله " وانقطع لسانه " متصلة معناه ولو سأل سائل مجادلا لهؤلاء الدعاة إلى الباطل عما أنكروه من أمري وعن إمامهم الذي به يقتدون وفيمن سنتهم التي إليها يرجعون لشهد لسان حالهم بأني أنا إمامه.
وفي سنتهم فانزاح باطلهم الذي أتوا به " وانقطع لسانه " على الاستعارة أو بحذف المضاف أي لسان صاحبه. وقوله " وما أظن " عطف على قوله: " وانقطع لسانه " و " واضح " مبتدأ " وفيه " خبره والجملة في محل النصب مفعول ثان لاظن أي ما أظن لو سأل السائل عن ذاك أن الطريق الذي يرتكبه المجيب له فيه مجال بين ومسلك واضح حيث سلك بل كيف توجه في الجواب انقطع. وقوله: " والله ما تاب " إلى قوله: " فنصروه " إشارة إلى عثمان وذم لهم من جهة طلبهم بدم من اعتذر إليهم قبل موته فلم يعذروه ودعاهم إلى نصرته في حصاره فلم ينصروه مع تمكنهم من ذلك. وقوله: " ولا يعبون حسوة " كناية عن عدم تمكينه لهم من هذا الامر أو شئ منه. وقوله: " وإنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم " نفسي منصوب بدلا من الضمير المتصل بإن أو بإضمار فعل تفسير له " وحجة الله " إشارة إلى الاوامر الصادرة بقتل الفئة الباغية كقوله تعالى: " فقاتلوا التي تبغي " أي أني راض بقيام حجة الله عليهم وعلمه بما يصنعون. وقوله " وليس علي كفيل " أي لا أحتاج فيما أبذله لهم من الصفح والامان على تقدير إنابتهم إلى ضامن " وشافيا وناصرا " منصوبان على التميز.
[60]
وقوله: " ومع كل صحيفة " الواو للحال أي إنهم إن لم يرجعوا أعطيتهم حد السيف والملائكة الكرام والكاتبون يكتب كل منهم أعمال من وكل به في صحيفته ويشهد بها في محفل القيامة انتهى. قوله [أي ابن ميثم رحمه الله]: " من اعتذر إليهم " الظاهر أنه حمل
الكلام على الاستفهام الانكاري ويحتمل وجها آخر بأن يكون المراد نفى توبته وتنصله واعتذاره ودعوته فيستحق النصرة لكن ما ذكره أوفق بالاخبار والضمير في أنها يحتمل أن يكون للقصة. 41 - 44 - أقول: قال ابن أبي الحديد (1): روى أبو مخنف عن مسافر بن عفيف بن أبي الاخنس قال: لما رجعت رسل علي (عليه السلام) من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا ووبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فلم يستجيبوا، وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان واصبر للجلاد إنما تمنيك نفسك أماني الباطل وتعدك الغرور. ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب ولقد أنصف القارة من راماها فليرعدوا وليبرقوا فقد رأوني قديما وعرفوا نكايتي فقد رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد وعلى يقين من أمري وفي غير شبهة من ديني. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد
(1) رواه ابن أبي الحديد مع الخطبة التالية في شرح المختار: (22) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 247 - 249 ط الحديث ببيروت.
[61]
ولا محيص من لم يقتل مات [و] إن أفضل الموت القتل والذي نفس علي بيده لالف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش. اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به
ورماني اللهم فلا تمهله. اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر علي عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت. قال: وروى أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن جنادة قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أول إمارة علي فمررت بمكة فاعتمرت ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه فشخصت الابصار نحوه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه قلنا نحن أهل وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذا تنزى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا فصارت الامرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ويتعزز علينا الذليل فبكت الاعين منا لذلك وخشنت الصدور وجزعت النفوس. وايم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شنأ مني لامركم وفراسة تصدقني عما في قلوب كثير منكم وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم. اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية ولا تنعش لهما صرعة ولا تقلهما عثرة ولا تمهلهما فواقا فإنهما يطلبان حقا تركاه ودما سفكاه.
[62]
اللهم إني اقتضيتك وعدك فإنك قلت وقولك الحق لمن بغي عليه لينصرنه الله اللهم فأنجز لي موعدي ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شئ قدير. ثم نزل. وروى الكلبي قال: لما أراد علي عليه السلام المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله: إن الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالامر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثوا عهد بالاسلام والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن ويعكسه أقل خلق. فولي الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله ولي تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الامر بسبيل لم يصبرا علي حولا ولا شهرا حتى وثبا ومرقا ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أما قد فطمت ويحييان بدعة قد أميتت أدم عثمان زعما [يطالبان] ؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم فأن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا وأنفسهما غنما وأعظم بها غنيمة وإن أبيا أعطيتهما حد السيف وكفى به ناصرا لحق وشافيا من باطل. ثم نزل. وروى أبو مخنف عن زيد بن صوحان قال: شهدت عليا (عليه السلام) بذيقار وهو معتم بعمامة سوداء ملتف بساج يخطب فقال في خطبته: الحمد لله على كل أمر وحال في الغدو والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ابتعثه رحمة للعباد وحياة للبلاد حين امتلات الارض
فتنة واضطرب حبلها وعبد الشيطان في أكنافها واشتمل عدو الله إبليس على عقايد أهلها فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأها الله به نيرانها
[63]
وأخمد به شرارها ونزع به أوتادها وأقام به ميلها إمام الهدى والنبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) فلقد صدع بما أمره به وبلغ رسالات به فأصلح الله به ذات البين وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين ثم قبضه الله إليه حميدا. ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني فقلت: لا حاجة في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولاجذل وقد علم الله سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وآله ولقد سمعته صلى الله عليه وآله يقول: " ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤوس الخلائق ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا وإن كان جائرا هوى " حتى اجتمع علي ملاؤكم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما والنكث في أعينهما ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليسا العمرة يريدان فسارا إلى مكة واستخفا عايشة وخدعاها وشخص معهما أبناء الطلقاء فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر. ويا عجبا لاستقامتهما لابي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت. ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عني
وخرجا يوهمان الطغام والاعراب أنهما يطلبان بدم عثمان. والله ما أنكرا علي منكرا ولا جعلا بيني وبينهم نصفا إن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما. يا خيبة الداعي إلى م دعا ؟ وبماذا أجيب ؟ والله إنهما لعلى ضلالة صماء وجهالة عمياء وإن الشيطان قد ذمر لهما حزبه واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه ويرد الباطل إلى نصابه.
[64]
ثم رفع يديه فقال: اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني والبا علي ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا وانكث ما أبرما ولا تغفر لهما أبدا وأرهما المساءة فيما عملا وأملا. قال أبو مخنف فقام إليه الاشتر فقال: الحمد لله الذي من علينا فأفضل وأحسن إلينا فأجمل قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين ولقد أصبت ووفقت وأنت ابن عم نبينا وصهره ووصيه وأول مصدق به ومصل معه شهدت مشاهده كلها فكان لك الفضل فيها على جميع الامة فمن اتبعك أصاب حظه واستبشر بفلجه ومن عصاك ورغب عنك فإلى أمه الهاوية، لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعايشة علينا بمخيل ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولاجور صنعت فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه وأشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان فإن سيوفنا في عوائقنا وقلوبنا في صدورنا ونحن اليوم كما كنا أمس ثم قعد. توضيح: إرعوي عن القبيح أي كف. وقال الجوهري: القارة قبيلة سموا قارة لاجتماعهم والتقافهم لما أراد إبن الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة
وهم رماة وفي المثل: أنصف القارة من راماها. وقال الجوهري: نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت. وقال: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقال: التنزي: التوثب والتسرع. وفي بعض النسخ: " إذا انبرى " - [أي] اعترض - وهو أصوب. والسوقة: خلاف الملك. قوله (عليه السلام): " لم يألوا الناس خيرا " فيه تقية ومصلحة قال الجوهري: ألا يألوا [من باب " دعا "] أي قصر. وفلان لا يألوك نصحا [أي لا يقصر في نصحك]. وقال: قال الفراء في قوله تعالى: * (آخذة رابية) * أي زائدة كقولك: أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. وقال: الفواق ما بين الحلبتين من الوقت لانهما تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال: ما أقام عنده إلا فواقا. قوله (عليه السلام): " لمن بغي عليه " أي قال في حق من بغي عليه والمقول " لينصرنه الله " والآية هكذا: * (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم
[65]
بغي عليه لينصرنه الله " والوطب بالفتح: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن. والمراد بالخلق إما قدم اللبن ومضي زمان عليه أو خلق الزق فإنه يفسد اللبن " وأعظم " بها للتعجب أي ما أعظمها " والجذل " بالتحريك: الفرح " لمعصوب بهما " أي مشدود عليهما. 45 - نهج ومن كتاب له [عليه السلام] إلى أبي موسى الاشعري وهو عامله على الكوفة وقد بلغه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك فإذا قدم عليك رسولي فارفع ذيلك واشدد مئزرك
وأخرج من جحرك واندب من معك فإن حققت فانفذ وإن تفشلت فأبعد وأيم الله لتؤتين حيث أنت ولا تترك حتى تخلط زبدك بخاثرك وذائبك بجامدك وحتى تعجل عن قعدتك وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك وما هي بالهوينا التي ترجو ولكنها الداهية الكبرى يركب جملها ويذل صعبها ويسهل جبلها فاعقل عقلك واملك أمرك وخذ نصيبك وحظك فإن كرهت فتنح إلى غير رحب ولا في نجاة فبالحري لتكفين وأنت نائم حتى لا يقال: أين فلان والله إنه لحق مع محق وما يبالي ما صنع الملحدون والسلام. بيان: هو لك وعليك قال ابن أبي الحديد: فإن أبا موسى كان يقول لاهل الكوفة: إن عليا إمام هدى وبيعته صحيحة إلا أنه لا يجوز القتال معه لاهل القبلة انتهى. وأقول كون هذا الكلام له وعليه لاشتماله على الحق والباطل والحق ينفعه والباطل يضره أو ظاهر الكلام له تستحسنه العوام وباطنه حجة عليه إذ بعد
45 - وهذا هو المختار: (63) من الباب الثاني - وهو باب الكتب - من نهج البلاغة. وما يذكره المصنف بعد عن ابن أبي الحديد ذكره في أول شرحه على هذا الكتاب.
[66]
الاقرار بصحة البيعة لا مجال للامر بالمخالفة أو ظن أن هذا الكلام ينفعه وفي الواقع يضره أو ينفعه في الدنيا ويضره في العقبى. والامر برفع الذيل وشد المئزر كنايتان عن الاهتمام في الامر والخروج من الجحر استهانة به حيث جعله ثعلبا أو ضبعا. والجحر بالضم كل شئ تحفره السباع والهوام لانفسها. قوله (عليه السلام): " فإن حققت " أي أمرك مبني على الشك فإن حققت لزوم طاعتي فأنفذ أي فسر حتى تقدم علي وإن أقمت على الشك فاعتزل العمل أو إن أنكرت الطاعة فأظهر إنكارك واعمل
بمقتضاه. " والخاثر " اللبن الغليظ " والزبد " خلاصة اللبن وصفوته يقال للرجل إذا ضرب حتى أثخن: " ضرب حتى خلط زبده بخاثره وذائبه بجامده " كأنه خلط مارق ولطف من أخلاطه بما كثف وغلظ منها وهذا مثل ومعناه ليفسدن حالك وليضطربن ما هو الآن منتظم من أمرك. والقعدة بالكسر هيئة القعود كالحلبة والركبة. قوله: " وتحذر من أمامك " قيل كناية عن غاية الخوف. وإنما جعل عليه السلم الحذر من خلف أصلا في التشبيه لكون الانسان من وراءه أشد خوفا. وقيل حتى تخاف من الدنيا كما تخاف من الآخرة. ويحتمل أن يكون المعنى حتى تحذر من هذا الامر الذي أقبلت إليه وأقدمت عليه - وهو تثبيط الناس عن الجهاد - كما تحذر مما خلفته وراء ظهرك ولم تقدم عليه وهو الجهاد. وقال ابن أبي الحديد: أي يأتيكم أهل البصرة مع طلحة ونأتيكم بأهل المدينة والحجاز فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم ومن خلفكم. وقال في قوله (عليه السلام): " وما بالهوينا " أي ليست هذه الداهية بالشئ الهين الذي ترجو اندفاعه بسهولة فإن قصد الجيوش الكوفة من كلا الجانبين أمر صعب المرام فإنه ليركبن أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الامر المستصعب لانا نحن نطلب أن نملك الكوفة وأهل البصرة كذلك فيجتمع عليها الفريقان.
[67]
وقال [ابن الاثير] في النهاية: الهون: الرفق واللين والتثبت " والهوينا " تصغير الهونى تأنيث الاهون. وقوله: " فاعقل عقلك " يحتمل المصدر. وقيل هو مفعول به " وخذ
نصيبك وحظك " أي من طاعة الامام وثواب الله وقيل أي لا تتجاوز إلى ما ليس لك. " فإن كرهت فتنح " أي عن العمل فإني قد عزلتك. " إلى غير رحب " أي سعة بل يضيق عليك الامر بعده. وقال في النهاية: بالحري أن يكون كذا أي جدير. وقال ابن أبي الحديد: أي جدير أن تكفي هذه المؤونة التي دعيت إليها " وأنت نائم " أي لست معدودا عندنا وعند الناس من الرجال الذين يفتقر الحرب والتدبيرات إليهم فسيغني الله عنك ولا يقال: أين فلان. 46 - نهج ومن كتاب له [عليه السلام] إلى بعض أمراء جيشه: فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب، وإن توافت الامور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك، فإن المتكاره مغيبه خير من شهوده وقعوده أغنى من نهوضه. توضيح: قال ابن ميثم: روي أن الامير الذي كتب إليه عثمان بن حنيف عامله على البصرة وذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها وعزموا على الحرب فكتب عثمان إليه يخبره بحالهم فكتب (عليه السلام) إليه كتابا فيه الفصل المذكور. " وإن توافت الامور " أي تتابعت بهم المقادير وأسباب الشقاق والعصيان إليهما ويقال: نهد القوم إلى عدوهم إذا صمدوا له وشرعوا في قتالهم
46 - وهذا هو المختار الرابع من الباب الثاني من نهج البلاغة.
[68]
" وتقاعس ": أبطأ وتأخر. و " المتكاره " من يظهر الكراهة ولا يطيع بقلبه. " والنهوض ": القيام.
47 - نهج ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: أما بعد فإني خرجت من حيي هذا إما ظالما وإما مظلوما وإما باغيا وإما مبغيا عليه، وأنا أذكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلي فإن كنت محسنا أعانني وإن كنت مسيئا استعتبني. بيان " لما نفر " بالتشديد بمعنى إلا أي أذكره في كل وقت إلا وقت النفور كقولهم: سألتك لما فعلت. وفي بعض النسخ بالتخفيف فكلمة وما زائدة كما قيل في قوله تعالى: * (لما عليها حافظ) * فإنه قرء بالتخفيف والتشديد معا والاستعتاب طلب العتبى وهو الرجوع. 48 - ما أحمد بن محمد بن الصلت عن ابن عقدة عن جعفر بن عبد الله العلوي عن عمه القاسم بن جعفر عن عبد الله بن محمد العلوي عن أبيه عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلم قال: حدثني عبد الرحمان بن أبي عمرة الانصاري قال: سماني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الرحمان قال: لما بلغ عليا مسير طلحة والزبير خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:
47 - وهذا هو المختار: (57) من الباب الثاني من نهج البلاغة. وله مصادر أخر يجد الباحث بعضها في ذيل المختار: (26) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 62 ط 1. 48 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث الثاني من المجلس: (25) من الجزء الثاني من أماليه ص 87 ط 1.
[69]
أما بعد فقد بلغني مسير هذين الرجلين واستخفافهما حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله واستفزازهما أبناء الطلقاء وتلبيسهما على الناس بدم عثمان وهما ألبا عليه وفعلا به الافاعيل وخرجا ليضربا الناس بعضهم ببعض اللهم فأكف المسلمين مؤنتهما واجزهما الجوازي. وحض الناس على الخروج في طلبهما فقام إليه أبو مسعود عقبة بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومجلسك فيما بين قبره ومنبره أعظم مما ترجو من الشام والعراق فإن كنت إنما تسير لحرب فقد أقام عمر وكفاه سعد زحف القادسية وكفاه حذيفة بن اليمان زحف نهاوند وكفاه أبو موسى زحف تستر وكفاه خالد بن الوليد زحف الشام فإن كنت سائرا فخلف عندنا شقة منك نرعاه فيك ونذكرك به ثم قال أبو مسعود: بكت الارض والسماء على الشا * خص منا يريد أهل العراق يا وزير النبي قد عظم الخطب * وطعم الفراق مر المذاق وإذا القوم خاصموك فقوم * ناكسو الطرف خاضعوا الاعناق لا يقولون إذ تقول وإن * قلت فقول المبرز السباق فعيون الحجار تذرف بالدمع * وتلك القلوب عند التراقي فعليك السلام ما ذرت به الشمس * ولاح السراب بالرقراق فقال قيس بن سعد: يا أمير المؤمنين ما على الارض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك لانك نجمنا الذي نهتدي به ومفزعنا الذي نصير إليه وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرو من مصر وليفسدن اليمن وليطمعن في العراق ومعه قوم يمانيون قد أشربوا قتل عثمان وقد اكتفوا بالظن عن العلم وبالشك عن اليقين وبالهوى عن الخير فسر
بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه ويقصر له من نفسه. فقال: أحسنت والله يا قيس وأجملت. وكتبت أم الفضل بنت الحارث إلى علي (عليه السلام) تخبره بمسير عائشة
[70]
وطلحة والزبير فأزمع المسير فبلغه تثاقل سعد وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة فقال سعد: لا أشهر سيفا حتى يعرف المؤمن من الكافر. وقال أسامة: لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله ولو كنت في زبية الاسد لدخلت فيه معك (1). وقال محمد بن مسلمة: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله سيفا وقال: إذا اختلف المسلمون فاضرب به عرض أحد والزم بيتك. وتخلف عنه عبد الله بن عمر. فقال عمار بن ياسر: دع القوم أما عبد الله فضعيف، وأما سعد فحسود، وأما محمد بن مسلمة فذنبك إليه أنك قتلت بأخيه مرحبا. ثم قال عمار لمحمد بن مسلمة: أما تقاتل المحاربين فوالله لو مال علي جانبا لملت مع علي. وقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين إنه بلغك عنا معشر الانصار ما لو كان غيرنا لم يقم معك ؟ والله ما كل ما رأينا حلالا حلال ولا كل ما رأينا حراما حرام وفي الناس من هو أعلم بعذر عثمان ممن قتله وأنت أعلم بحالنا منا فإن كان قتل ظالما قبلنا [قولك] وإن كان قتل مظلوما فاقبل قولنا فإن وكلتنا فيه إلى شبهة فعجب ليقيننا وشكك وقد قلت لنا: عندي نقض ما اجتمعوا عليه، وفصل ما اختلفوا فيه وقال: كان أولى أهل المدينة بالنصر * علي وال عبد مناف
للذي في يديه من حرم الله * وقرب الولاء بعد التصافي
(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وفي ط بيروت من كتاب الامالي ص 725: " ولو كنت في فم الاسد... ".
[71]
[وكان كعب بن مالك من شيعة عثمان] وقال الاشتر إلى علي (عليه السلام) فكلمه بكلام يحضه على أهل الوقوف فكره ذلك علي عليه السلام حتى شكاه وكان من رأي علي (عليه السلام) أن لا يذكرهم بشئ فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين إنا وإن لم نكن من المهاجرين والانصار فإنا فيهم وهذه بيعة عامة والخارج منها عاص والمبطئ عنها مقصر وإن أدبهم اليوم باللسان وغدا بالسيف وما من ثقل عنك كمن خف معك وإنما أرادك القوم لانفسهم فاردهم لنفسك. فقال علي عليه السلام: يا مالك دعي. وأقبل علي عليه السلام عليهم فقال: أرأيتم لو أن من بايع أبا بكر أو عمر أو عثمان ثم نكث بيعته أكنتم تستحلون قتالهم ؟ قالوا: نعم. قال: وكيف تحرجون من القتال معي وقد بايعتموني ؟ قالوا: إنا لا نزعم أنك مخطئ وأنه لا يحل لك قتال من بايعك ثم نكث بيعتك ولكن نشك في قتال أهل الصلاة. فقال الاشتر: دعني يا أمير المؤمنين أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك فقال له: كف عني فانصرف الاشتر وهو مغضب ! ! ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا الاشتر في نفر من المهاجرين والانصار فقال قيس للاشتر: يا مالك كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته ؟ وكلما استبطأت أمرا استعجلته إن أدب الصبر التسليم وأدب العجلة الاناة وإن شر
القول ما ضاهى العيب وشر الرأي ما ضاهى التهمة فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع ولا تسأل قبل البلاء ولا تكلف قبل أن ينز ؟ الامر فإن في أنفسنا ما في نفسك فلا تشق على صاحبك فغضب ؟ الاشتر ثم أن الانصار مشوا إلى الاشتر في ذلك فرضوه من غضبه فرضي. فلما هم علي (عليه السلام) بالشخوص قام أبو أيوب خالد بن زيد صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أمير المؤمنين إن أقمت بهذه البلدة فإنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وبها قبره ومنبره فإن
[72]
استقامت لك العرب كنت كمن كان قبلك، وإن وكلت إلى المسير فقد أعذرت. فأجابه (عليه السلام) بعذره في المسير ثم خرج لما سمع توجه طلحة والزبير إلى البصرة وتمكث حتى عظم جيشه وأغد السير في طلبهم فجعلوا لا يرتحلون من منزل إلا نزله (1) حتى نزل بذي قار فقال: والله إنه ليحزنني أن أدخل على هؤلاء في قلة من معي فأرسل إلى الكوفة الحسن بن علي (عليه السلام) وعمار بن ياسر وقيس بن سعد وكتب إليهم كتابا. فقدموا الكوفة فخطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وذكر عليا وسابقته في الاسلام وبيعة الناس له وخلاف من خالفه ثم أمر بكتاب علي عليه السلام فقرئ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه عيانه إن الناس طعنوا عليه وكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عيبه، وكان هذان الرجلان أهون سيرهما فيه الوجيف وقد كان من أمر عائشة فلتة على غضب فأتيح له قوم فقتلوه.
ثم إن الناس بايعوني غير مستكرهين وكان هذان الرجلان أول من فعل على ما بويع عليه من كان قبلي. ثم إنهما استأذناني في العمرة وليسا يريدانها فنقضا العهد وآذنا بحرب وأخرجا عائشة من بيتها ليتخذانها فئة وقد سارا إلى البصرة اختيارا لها وقد سرت إليكم اختيارا لكم ولعمري ما إياي تجيبون ما تجيبون إلا الله ورسوله ولن أقاتلهم وفي نفسي منهم حاجة. وقد بعثت إليكم بالحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد
(1) في اللفظ تسامح، والمستفاد من كتب التاريخ أن البعد بينهما في الارتحال والاقامة كان أكثر من منزل ورحيل.
[73]
مستنفرين فكونوا عند ظني بكم ولا حول ولا قوة إلا بالله (1). فلما قرء الكتاب على الناس قام خطباء الكوفة شريح بن هاني وغيره فقالوا: والله لقد أردنا أن نركب إلى المدينة حتى نعلم علم عثمان فقد أنبأنا الله به في بيوتنا ثم بذلوا السمع والطاعة وقالوا: رضينا بأمير المؤمنين ونطيع أمره ولا نتخلف عن دعوته والله لو لم يستنصرنا لنصرناه سمعا وطاعة. فلما سمع الحسن بن علي عليهما السلام ذلك قام خطيبا فقال: أيها الناس إنه قد كان من أمير المؤمنين علي ما تكفيكم جملته وقد أتيناكم مستنفرين لكم لانكم جبهة الامصار ورؤساء العرب وقد كان من نقض طلحة والزبير بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم وهو ضعف النساء وضعف رأيهن وقد قال الله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * [34 / النساء] وأيم الله لو لم ينصره أحد لرجوت أن يكون له فيمن أقبل معه من المهاجرين والانصار ومن يبعث الله له من نجباء الناس كفاية فانصروا الله ينصركم.
ثم جلس. وقام عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة إن كانت غابت عنكم أبداننا فقد انتهت إليكم أمورنا إن قاتلي عثمان لا يعتذرون إلى الناس وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم أحيى من أحيى وقتل من قتل وإن طلحة والزبير أول من طعن وآخر من أمر ثم بايعا أول من بايع فلما أخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما على غير حدث كان وهذا ابن الرسول يستنفركم في المهاجرين والانصار فانصروا ينصركم الله. وقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن هذا الامر لو استقبلنا به الشورى لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتال من أبى ذلك حلالا وكيف والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه وخلعاه حسدا.
(1) ولفظ كتابه عليه السلام هذا قريب جدا مما رواه السيد الرضي في المختار الاول من باب الكتب من نهج البلاغة.
[74]
فقام خطباؤهم فأسرعوا الرد بالاجابة فقال النجاشي في ذلك: رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * علي وأبناء النبي محمد وقلنا له أهل وسهلا ومرحبا * نقبل يديه من هوى وتودد فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند وتسويد من سودت غير مدافع * وإن كان من سودت غير مسود فإن نلت ما تهوى فذاك نريده * وإن تخط ما تهوى فغير تعمد وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة: جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة * أجابوا ولم يأتوا بخذلان من خذل وقالوا: علي خير حاف وناعل * رضينا به من ناقض العهد من بدل
هما أبرزا زوج النبي تعمدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل فما هكذا كانت وصاة نبيكم * وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل فهل بعد هذا من مقال لقائل * ألا قبح الله الأماني والعلل فلما فرغ الخطباء وأجاب الناس قام أبو موسى فخطب الناس وأمرهم بوضع السلاح والكف عن القتال ثم قال: أما بعد فإن الله حرم علينا دماءنا وأموالنا فقال: * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) * [29 / النساء: 4] وقال: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * [93 / النساء: 4] يا أهل الكوفة. [هذا] تمام الحديث. بيان شقة الثوب والعصا بالكسر: ما شق منه مستطيلا ولعلها كناية استعيرت هنا للاولاد. وترقرق: تحرك. والشئ: لمع. والشمس: صارت كأنها تدور. قوله (عليه السلام): " في نفسي منهم حاجة " أي لا أعلمهم مسلمين ولا أنتظر رجوعهم. وعالية الرمح: ما دخل في السنان إلى ثلثه. والصفيحة: السيف العريض. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
[75]
49 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) قال لعبد الله بن العباس لما أنفذه إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل: لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه يركب الصعب ويقول هو الذلول ولكن ألق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا. قال السيد رضي الله عنه: هو أول من سمعت منه هذه الكلمة أعنى:
فما عدا مما بدا. بيان يستفيئه أي يسترجعه. " إن تلقه تجده " [و] في رواية: " إن تلفه " تلفه بالفاء أي تجده " عاقصا " أي عاطفا قد التوى قرناه على أذنيه يقال: عقص شعره أي ضفره وفتله والاعقص من التيوس وغيرها: ما التوى قرناه على أذنيه من خلفه. " وعاقصا " إما مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور. " يركب الصعب " أي يستهين المستصعب من الامور. والعريكة: والطبيعة. والتعبير بابن الخال كقول هارون لموسى: " يا بن أم " للاستمالة بالاذكار بالنسب والرحم. قوله (عليه السلام): " فما عدا مما بدا " قال ابن أبي الحديد: معنى الكلام: فما صرفك عما بدا منك أي ظهر أي ما الذي صدك عن طاعتي بعد إظهارك لها " ومن " ها هنا بمعنى " عن " وقد جاءت في كثير من كلامهم وحذف ضمير المفعول كثير جدا. وقال الراوندي له: معنيان: أحدهما: ما الذي منعك مما كان قد بدا منك من البيعة قبل هذه الحالة. الثاني: ما الذي عاقك من البداء الذي يبدو
49 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (31) من كتاب نهج البلاغة. وللكلام مصادر وأسانيد ذكر بعضها في المختار: (94) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 306 ط 2.
[76]
للانسان ويكون المفعول الاول لعدا محذوفا يدل عليه الكلام أي ما عداك يريد ما منعك عما كان بدا لك من نصرتي. وقال ابن ميثم: أقول هذه الوجوه وإن احتملت أن تكون تفسيرا إلا أن في كل منها عدولا عن الظاهر والحق أن يقال: إن " عدا " بمعنى جاوز و " من "
لبيان الجنس والمراد ما الذي جاوز لك عن بيعتي مما بدا لك بعدها من الامور التي ظهرت لك وتبقى الالفاظ على أوضاعها الاصلية مع استقامة المعنى وحسنه. وروي عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: سألت ابن عباس عن تلك الرسالة ؟ فقال: بعثني فأتيت الزبير فقلت له فقال: إني أريد ما تريد. كأنه يقول: الملك ولم يزدني على ذلك فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته. 50 - نهج ومن خطبة له (عليه السلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة قال عبد الله بن العباس دخلت على أمير المؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذه النعل ؟ فقلت لا قيمة لها. قال: والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا ثم خرج فخطب الناس فقال: إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس حتى بوأهم محلتهم وبلغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم واطمأنت صفاتهم. أما والله إن كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها ما عجزت ولا جبنت وإن مسيري هذا لمثلها فلانقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه. ما لي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين ولاقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالامس كما أنا صاحبهم اليوم.
50 - ذكره السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (33) من نهج البلاغة.
[77]
بيان: ذو قار موضع قريب من البصرة. " حتى بوأهم " أي أسكنهم محلتهم أي ضرب الناس بسيفه على الاسلام حتى أوصلهم إليه.
وقال ابن ميثم: المراد بالقناة القوة والغلبة والدولة التي حصلت لهم مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب فإن الرمح أو الظهر سبب للقوة والغلبة. والصفاة: الحجارة الملساء أي كانوا قبل الاسلام متزلزلين في أحوالهم بالنهب والغارة وأمثالها. " إن كنت لفي ساقتها " هي جمع سائق كحائك وحاكة ثم استعملت للاخير لان السائق إنما يكون في آخر الركب والجيش وشبه أمر الجاهلية إما بعجاجة ثائرة أو بكتيبة مقبلة للحرب فقال: إني طردتها فولت بين يدي أطردها حق لم يبق منها شئ. " لمثلها " أي لمثل تلك الحالة التي كنت عليها معهم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله. " فلانقبن " [و] في بعض النسخ: " لابقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته " شبه عليه السلام الباطل بحيوان ابتلع جوهرا ثمينا أعن منه فاحتيج إلى شق بطنه في استخلاص ما ابتلع. وفي نسخة ابن أبي الحديد بعد قوله (عليه السلام) صاحبهم اليوم: والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا كما قال الاول: أدمت لعمري شربك المحض صابحا * وأكلك بالزبد المقشرة البجرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا أقول: المقشرة: التمرة التي أخرج منها نواتها. والبجر بالضم: الامر العظيم والعجب ولعله هنا كناية عن الكثرة أو الحسن أو اللطافة. ويحتمل أن يكون مكان المفعول المطلق يقال: بجر كفرح - فهو بجر -: امتلأ بطنه من اللبن والماء ولم يرو. وتبجر النبيذ: الح في شربه. وكثير بجير اتباع. والجرد بالضم: جمع الاجرد وهو الفرس الذي رقت شعرته وقصرت وهو مدح. والسمر جمع الاسمر وهو الرمح.
[78]
51 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) في معنى طلحة والزبير: والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه ودما سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم. وإن معي لبصيرتي والله ما لبست ولا لبس علي وإنها للفئة الباغية فيها الحماء والحمة والشبهة المغدفة وإن الامر لواضح وقد زاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه عن شغبه. وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري ولا يعبون بعده في حسي. [و] منها: فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون: البيعة البيعة قبضت كفي فبسطتموها ونازعتكم يدي فجاذبتموها اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي فاحلل ما عقدا ولا تحكم لهما ما أبرما وأرهما المساءة فيما أملا وعملا ولقد استثبتهما قبل القتال واستأنيت بهما أمام الوقاع فغمطا النعمة وردا العافية (1). تبيين النصف بالكسر والتحريك: الانصاف والعدل أي إنصافا أو حكما ذا إنصاف ويقال: ولي أمرا أي قام به. " والطلبة " بكسر اللام: ما طلبته من شئ. وقال في النهاية: لبست الامر بالفتح إذا خلطت بعضه ببعض وربما شدد للتكثير. وقال ابن أبي الحديد: الحماء: الطين الاسود. وحمة العقرب: سمها أي في هذه الفئة الضلال والفساد. ويروى " الحما " بألف مقصورة وهو كناية عن الزبير
51 - أورده السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (135) من كتاب نهج البلاغة. (1) الوقاع على زنة القتال لفظا ومعنى.
[79]
لان كل من كان نسيب الرجل فهم الاحماء وأحدهم حما مثل قفا وأقفاء وما كان نسيب المرأة فهم الاحمأة فأما الاصهار فيجمع الجهتين وكان الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كان النبي صلى الله عليه وآله أعلم عليا بأن فئة تبغي عليه في أيام خلافته فيها بعض زوجاته وبعض أحمائه. فكنى (عليه السلام) عن الزوجة بالحمة وهي سم للعقرب " والحماء " يضرب مثلا لغير الطيب الغير الصافي. وقال ابن ميثم: المغدفة: الخفية وأصله المرأة تغدف وجهها أي تستره وروي " المغذفة " بكسر الذال من أغذف أي أظلم وهي إشارة إلى شبهتهم في الطلب بدم عثمان. " وقد زاح الباطل " أي بعد وذهب " عن نصابه " أي مركزه ومقره. " والشغب " بالتسكين: تهييج الشر وقد يحرك. " والعب ": الشرب بلا مص " والحسي " ماء كامن في رمل يحفر عنه فيستخرج ويكون باردا عذبا (1) وهذه كناية عن الحرب والهيجاء وتهديد بهما وما يتعقبهما من القتل والهلاك. وقال الجوهري: العوذ: حديثات النتايج من الظباء والخيل والابل واحدها: عائد مثل حائل وحول وذلك إذا ولدت عشرة أيام أو خمسة عشر يوما ثم هي مطفل. وفي القاموس المطفل كمحسن: ذات الطفل من الانس والوحش والجمع مطافيل. وقيل: إن في الجمع بين الوصفين تجوز. وعلى ما في القاموس لا يحتاج إلى
ذلك. " والبا " بتشديد اللام من التأليب وهو التحريص " قوله واستثبتهما " استفعال من ثاب يثوب إذا رجع أي طلبت منهما أن يرجعا وروي بالتاء المثناة من التوبة. " واستانيت " أي انتظرت من الاناءة " فغمطا " بالكسر أي حقرا.
(1) وقال ابن ميثم: و " الحسي " بكسر الحاء وسكون السين: الماء الذي يشربه الرمل. فينتهي إلى أرض صلبة تحفظه ثم يحفر عنه فيستخرج.
[80]
52 - نهج [و] من خطبة له عليه السلام في ذكر أهل البصرة (1): كل واحد منهما يرجو الامر له ويعطفه عليه دون صاحبه لا يمتان بحبل ولا يمدان إليه بسبب كل واحد منهما صاحب حامل [" خ "] ضب لصاحبه وعما قليل يكشف قناعه به. والله لئن أصابوا الذي يريدون لينتزعن هذا نفس هذا وليأتين هذا على هذا. قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون وقد سنت لهم السنن وقدم لهم الخبر ولكل ضلة علة ولكل ناكث شبهة والله لا أكون كمستمع اللدم يسمع الناعي ويحضر الباكي ثم لا يعتبر. إيضاح: [قوله عليه السلام]: " كل واحد منهما " أي طلحة والزبير " لا يمتان " قال في النهاية: المت: التوسل والتوصل بحرمة أو قرابة أو غير ذلك. وقال: السبب في الاصل: الحبل الذي يتوصل به إلى ماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ كقوله تعالى: * (وتقطعت بهم الاسباب) * أي الوصل والمودات. وقال: الضب: الغضب والحقد. والظاهر أن الضمير المجرور في " قناعه " راجع إلى كل واحد منهما والباء في " به " للسببية، والضمير للضب " يكشف قناعه " الذي استتر به ويظهر حاله بسبب حقده وبغضه. " فأين
المحتسبون " أي العاملون لله والطالبون للاجر ويقال أيضا: احتسب عليه أي أنكر. وتقديم الخبر: هو إخبار النبي صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وضمير [في قوله] " لهم " في الموضعين للمحتسبين أو للفئة الباغية وعلة ضلتهم هي البغي والحسد وشبهتهم في نكث البيعة الطلب بدم
52 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (146) من كتاب نهج البلاغة. (1) كذا في طبع الكمباني من البحار والمذكور فيما لدي من نسخ المطبوعة من نهج البلاغة: " ومن كلام له عليه السلام... ".
[81]
عثمان كما قيل أو المعنى أن لكل ضلالة غالبا علة ولكل ناكث شبهة بخلاف هؤلاء فإنهم يعدلون عن الحق مع وضوحه بغير عذر وشبهة. " ومستمع اللدم " الضبع و [اللدم] هو صوت الحجر يضرب به الارض أو حيلة يفعلها الصائد عند باب جحرها فتنام ولا تتحرك حتى يجعل الحبل في عرقوبها فيخرجها والمعنى لا أغتر ولا أغفل عن كيد الاعداء فاستمع الناعي بقتل طائفة من المسلمين ويحضر الباكي على قتلاهم فلا أحاربهم حتى يحيطوا بي. وقيل: لا أكون كمن يسمع الضرب والبكاء ثم لا يصدق حتى يجئ لمشاهدة الحال. [و] قال الجوهري: اللدم: ضرب المرأة صدرها وعضديها في النياحة. 53 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة: إن الله بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق وأمر قائم لا يهلك عنه إلا هالك وإن المبتدعات المشبهات هن من المهلكات إلا ما حفظ الله منها [كذا] وإن في
سلطان الله عصمة لامركم فأعطوه طاعتكم غير ملومة ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الاسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الامر إلى غيركم. إن هؤلاء قد تمالؤا على سخطة إمارتي وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم فإنهم إن تمموا على فيالة هذا الرأي انقطع نظام المسلمين وإنما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن أفاءها الله عليه فأرادوا رد الامور على أدبارها. ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام بحقه والنعش لسنته.
53 - ذكره السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (167) من كتاب نهج البلاغة.
[82]
بيان وأمر قائم أي باق وحكمه غير منسوخ. وقيل: أي مستقيم ليس بذي عوج " لا يهلك عنه " أي معرضا وعادلا عنه " الا هالك " أي من بلغ الغاية في الهلاك " والمشبهات " بالفتح أي التي اشبهت ؟ سنن وليست منها أو بالكسر أي التي تشبه الامر على الناس. وقوله (عليه السلام): " إلا ما حفظ الله " استثناء من بعض متعلقات المهلكات أي أنها مهلكة في جميع الاحوال إلا حال حفظ الله بالعصمة عن ارتكابها أو كل أحد إلا من حفظه الله فما بمعنى " من ". قوله (عليه السلام): " وإن في سلطان الله " أو دين الله أو حجة الله أو الامام أي في طاعته. قوله (عليه السلام): " غير ملومة " أي مخلصين غير ملوم صاحبها بأن ينسب إلى النفاق والرياء. وفي بعض النسخ على التفعيل للمبالغة، ويروى " غير ملوية " أي غير
معوجة من لويت العود إذا عطفته. قوله " حتى يارز " أي ينقبض وينضم ويجتمع. " إن هؤلاء " أي طلحة والزبير وعائشة " قد تمالؤا " أي تساعدوا واجتمعوا أو تعاونوا. والفيالة: الضعف أي إن بقوا على ضعف رأيهم قطعوا نظام المسلمين. والفئ: الرجوع. قوله: " فأرادوا رد الامور " أي أرادوا انتزاع الامر منه (عليه السلام) كما انتزع أولا. " والنعش ": الرفع. والضميران في " حقه وسنته " راجعان إلى الرسول. 54 - نهج ومن كلامه عليه السلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه
54 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (216) من كتاب نهج البلاغة.
[83]
(عليه السلام): فقدموا على عمالي وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي وعلى أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي فشتتوا كلمتهم وأفسدوا علي جماعتهم ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة عضوا على أسيافهم فضاربوا حتى لقوا الله صادقين. توضيح: شتته: فرقه. وقال [إبن الاثير] في النهاية: أصل العض: اللزوم يقال: " عض عليه عضا وعضيضا " إذا لزمه انتهى أي طائفة من الشيعة لزموا سيوفهم ويروى " طائفة " بالنصب أي وقتلوا طائفة شأنهم ذلك. 55 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) كلم به بعض العرب وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب (عليه السلام) منها يعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبين له (عليه السلام) من أمره معهم ما علم به أنه على الحق ثم قال له: بايع. فقال: إني رسول قوم ولا
أحدث حدثا حتى أرجع إليهم فقال (عليه السلام): أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلأ والماء فخالفوك إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا ؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء. فقال له (عليه السلام): فامدد إذا يدك. فقال الرجل: فو الله ما استطعت ؟ أن أمتنع عند قيام الحجة علي فبايعته عليه السلام (1). والرجل يعرف بكليب الجرمي.
55 - أورده السيد الرضي رحمه الله في المختار: (168) من كتاب نهج البلاغة (1) كذا في غير واحد من مطبوعة نهج البلاغة وفي ط الكمباني من البحار: " فبايعه ".
[84]
بيان: المجادب: محال الجدب 56 - نهج [و] من كتاب له [عليه السلام] إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الانصار وسنام العرب أما بعد فإني أخبركم في أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه، إن الناس طعنوا عليه فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عتابه وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف وأرفق حدائهما العنيف ! ! ! وكان من عائشة فيه فلتة غضب فأتيح له قوم قتلوه وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوكم " إنشاء الله. 57 - ومن كتاب له [عليه السلام] إليهم بعد فتح البصرة:
وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته فقد سمعتم وأطعتم ودعيتم فأجبتم. بيان أكثر استعتابه: أي أكثر طلب العتبى منه والرجوع إلى ما يرضى به القوم منه. وأقل عتابه أي لائمته على وجه الاذلال والمواخذة إما لعدم النفع أو للمصلحة. والوجيف: السير السريع. قوله (عليه السلام) " فلتة غضب " أي فجاءة غضب والحاصل إن هؤلاء الثلاثة كانوا أشد الناس عليه. " فأتيح له " أي قدر وهئ. وجاشت: غلت. والمرجل: القدر من النحاس. و " دار الهجرة ": المدينة والغرض إعلامهم باضطراب حال المدينة وأهلها حين علموا بمسير القوم إلى البصرة للفتنة.
56 - وهذا هو المختار الاول من الباب الثاني - وهو باب الكتب - من نهج البلاغة. 57 - وهذا هو المختار الثاني من الباب الثاني من نهج البلاغة.
[85]
أقول: قال ابن ميثم رحمه الله: كتب [عليه السلام] كتاب الاول حين نزل بماء العذيب متوجها إلى البصرة وبعثه مع الحسن (عليه السلام) وعمار بن ياسر. 58 - 61 - وقال ابن أبي الحديد في الشرح: روى محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمان بن يسار القرشي قال: لما نزل علي عليه السلام الربذة متوجها إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر وكتب إليهم هذا الكتاب يعني الكتاب الاول. وزاد في آخره: فحسبي بكم إخوانا وللدين أنصارا فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله لعلكم تفلحون. وروى أبو محنف قال: حدثني الصقعب قال: سمعت عبد الله بن جنادة
يحدث أن عليا (عليه السلام) لما نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى أبي موسى الاشعري وهو الامير يومئذ على الكوفة لينفر إليه الناس وكتب إليه معه: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فإني بعثت إليك هاشم بن عتبة لتشخص إلي من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي وقتلوا شيعتي وأحدثوا في الاسلام هذا الحدث العظيم فأشخص بالناس إلي معه حين يقدم عليك فإني لم أو لك المصر الذي أنت به ولم أقرك عليه إلا لتكون من أعواني على الحق وأنصاري على هذا الامر والسلام.
58 - رواه في شرحه على المختار الاول من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 4 ص 290. طبع الحديث ببيروت. وما ذكره المصنف هنا هو موجز ما رواه ابن أبي الحديد، ولم يذكر المصنف كلامه حرفيا.
[86]
وروى محمد بن اسحاق أنه لما قدم محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفة استنفرا الناس فمنعهم أبو موسى فلحقا بعلي (عليه السلام) فأخبراه بالخبر. وروى أبو مخنف أن هاشم بن عتبة لما قدم الكوفة دعا أبا موسى فقال: اتبع ما كتب به إليك فأبى ذلك فبعث إلى هاشم يتوعده فكتب إلى علي بامتناعه وأنه شاق بعيد الود ظاهر الغل والشنآن وأنه هدده بالسجن والقتل ! ! فلما ورد كتابه على أمير المؤمنين عليه السلام [وقد] أتاه به المحل بن خليفة فسلم عليه ثم قال: الحمد لله الذي أدى الحق إلى أهله ووضعه موضعه فكره ذلك قوم وقد والله كرهوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله ثم بارزوه وجاهدوه
فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم والله يا أمير المؤمنين لنجاهدنهم معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته إذ صاروا أعداء لهم بعده. فرحب به علي (عليه السلام) وقال له: خيرا ثم أجلسه إلى جانبه وقرأ كتاب هاشم وسأله عن الناس وعن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين ما أثق به ولا آمنه على خلافك إن وجد من يساعده على ذلك. فقال علي (عليه السلام): والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح ولقد أردت عزله فأتاني الاشتر فسألني أن أقره وذكر أن أهل الكوفة به راضون فأقررته. وروى أبو مخنف قال: وبعث علي (عليه السلام) من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى وكتب معهما: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد يا ابن الحائك
[87]
يا عاض أير أبيه فوالله إن كنت لارى أن بعدك (1) من هذا الامر الذي لم يجعلك الله له أهلا ولا جعل لك فيه نصيبا سيمنعك من رد أمري والافتراء علي وقد بعثت إليك ابن عباس وابن أبي بكر فخلهما والمصر وأهله واعتزل عملنا مذؤما مدحوورا فإن فعلت وإلا فإني قد أمرتهما أن ينابذاك على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين فإذا ظهرا عليك قطعاك إربا إربا والسلام على من شكر النعمة ووفا بالبيعة وعمل برجاء العافية. قال أبو مخنف: فلما أبطأ ابن عباس وابن أبي بكر عن علي (عليه السلام) ولم يدر ما صنعا رحل عن الربذة إلى ذي قار فنزلها قال فلما نزل ذا قار بعث إلى
الكوفة الحسن ابنه عليه السلام وعمار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد بن عبادة ومعهم كتاب إلى أهل الكوفة فأقبلوا حتى كانوا بالقادسية فتلقاهم الناس فلما دخلوا الكوفة قرأوا كتاب علي (عليه السلام) وهو: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين أما بعد فإني خرجت مخرجي هذا إما ظالما وإما مظلوما وإما باغيا وإما مبغيا علي فأنشد الله رجلا بلغه كتابي هذا إلا نفر إلي فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما استعتبني والسلام. قال: فلما دخل الحسن (عليه السلام) وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستقر [فاستنفر " خ ل "] الناس فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال: أيها الناس إنا جئنا [كم] ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون وأفضل من تفضلون وأوفى من
(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فو الله إن كنت لا أرى إلا بعدك... ". وفي شرح ابن أبي الحديد: " فو الله إني كنت لارى أن بعدك من هذا الامر... ".
[88]
تبايعون من لم يعيه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة إلى من قربه الله إلى رسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مآثرة إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون فقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم مجمحون وصدقه وهم مكذبون إلى من لم ترد له راية ولا تكافئ له سابقة وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويسألكم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله فاشخصوا
إليه رحمكم الله فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به من الصالحون. قال أبو مخنف: وحدثني جابر بن يزيد عن تميم بن حذيم قال: قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام وعمار بن ياسر يستنفران الناس إلى علي (عليه السلام) ومعهما كتابه فلما فرغا من كتابه قام الحسن - وهو فتى حدث والله إني لارثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون: اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا. - فوضع يده على عمود يتساند إليه وكان عليلا من شكوى به فقال: الحمد لله العزيز الجبار الواحد القهار الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله امتن علينا بنبوته واختصه برسالته وأنزل عليه وحيه واصطفاه على جميع خلقه وأرسله إلى الانس والجن حين عبدت الاوثان وأطيع الشيطان وجحد الرحمان فصلى الله عليه وآله وجزاه أفضل ما جزى المرسلين. أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرشد الله أمره وأعز نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب وإلى العمل
[89]
بالكتاب والجهاد في سبيل الله وإن كان في عاجل ذاك ما تكرهون فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله. وقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ثم شهد مع رسول الله جميع مشاهده وكان
من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الاسلام ما قد بلغكم ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) راضيا عنه حتى غمضه بيده وغسله وحده والملائكة أعوانه والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ثم أدخله حفرته وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من من الله عليه ثم والله ما دعاهم إلى نفسه ولقد تداك الناس عليه تداك الابل الهيم عند ورودها فبايعوه طائعين ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه فعليكم عابد الله بتقوى الله والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين. عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته وألهمنا وإياكم تقواه وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه واستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم مضى إلى الرحبة فهيأ منزلا لابيه أمير المؤمنين (عليه السلام). قال جابر فقلت لتميم: كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه ؟ فقال: وما سقط عني من قوله أكثر ولقد حفظت بعض ما سمعت. قال أبو مخنف: ولما فرغ الحسن (عليه السلام) من خطبته قام عمار وخطب الناس واستنفرهم فلما سمع أبو موسى خطبتهما صعد المنبر وقال: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد فجمعنا بعد الفرقة وجعلنا إخوانا متحابين بعد العداوة وحرم علينا دماءنا وأموالنا قال الله سبحانه: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وقال تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) * فاتقوا الله عباد الله وضعوا أسلحتكم وكفوا عن قتال إخوانكم.
[90]
إلى آخر خطبته الملعونة التي تركها أولى من ذكرها وتنادى بكفر صاحبها ونفاقه.
قال: فلما أتت الاخبار عليا باختلاف الناس بالكوفة بعث الاشتر إليها فأخرجه منها صاغرا. قال أبو مخنف: ولما نزل علي (عليه السلام) ذا قار كتبت عائشة إلى حفصة أما بعد فإني أخبرك أن عليا قد نزل ذاقار وأقام بها مرعوبا خائفا لما بلغه من عدتنا وجماعتنا فهو بمنزلة الاشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر. فدعت حفصة جواري لها يتغنين ويضربن بالدفوف فأمرتهن أن يقلن في غنائهن: ما الخبر ما الخبر ؟ علي في السفر كالفرس الاشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر (1). وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء. فبلغ أم كثوم بنت علي (عليه السلام) ذلك فلبست جلابيبها ودخلت عليهن في نسوة متنكرات ثم أسفرت عن وجهها فلما عرفتها حفصة خجلت واسترجعت فقالت أم كلثوم: لئن تظاهرتما عليه اليوم لقد تظاهرتما على أخيه من قبل فأنزل الله فيكما ما أنزل (2) فقالت حفصة: كفي رحمك الله وأمرت
(1) والحديث رواه أيضا يوسف بن حاتم الشامي في قصة حرب الجمل من كتاب الدر النظيم الورق 114 / /. ولكن واأسفاه من بقاء هذا الكتاب وأمثاله غير منشورة مع حاجة المجتمع إليها، وإلى الله المشتكى من غفلة العلماء وكسلة الفضلاء وسفلة الزملاء وبخلة التجار والاغنياء ! ! !. (2) إشارة إلى ما أجرمت هي وزميلتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزلت في تهديدهما وعظم جرمهما الآية الاولى إلى الآية الرابعة من سورة التحريم: (66) وهذا نص الآية الرابعة: * (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) *. (*)
[91]
بالكتاب فمزق واستغفرت الله (1). فقال سهل بن حنيف في ذلك: عذرنا الرجال بحرب الرجال * فما للنساء وما للسباب أما حسبنا ما أتينا به * لك الخير من هتك ذاك الحجاب ومخرجها اليوم من بيتها * يعرفها الذنب نبح الكلاب ألى أن أتاها كتاب لها * مشوم فيا قبح ذاك الكتاب أقول الاير: الذكر. و [قال ابن الاثير] في النهاية: [وفيه] " من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " أي فقولوا له: اعضض بأير أبيك ولا تكنوا بالاير عن الهن تنكيرا له وتأديبا. و [أيضا قال في مادة أير:] في حديث علي (عليه السلام): " من يطل أير أبيه ينتطق به " هذا مثل ضربه أي من كثرت إخوته اشتد ظهره بهم انتهى. ولعل المعنى هنا أخذه بسنة أبيه الكافر ولزومه بجهله وعصبيته ومعائبه أو قلة أعوانه وأنصاره ودنائته.
(1) قد أشرنا في تعليق ص: 20 رقم: (6) إلى أن المصنف العلامة قد اختصر ما رواه ابن أبي الحديد، وبما أن في هذا المقام الاختصار قد أخل بأمر عظيم نذكر هذا الجزء من الحديث حرفيا من شرح ابن أبي الحديد، قال: [ثم] قال ابو مخنف: روى هذا [الحديث] جرير بن يزيد عن الحكم. ورواه [أيضا] الحسن بن دينار عن الحسن البصري. ثم قال ابن أبي الحديد. وذكر الواقدي مثل ذلك، وذكر المدائني أيضا مثله [ثم] قال [المدائني] فقال سهل بن حنيف في ذلك هذه الاشعار... (*)
[92]
62 - وذكر المفيد قدس سره في [كتاب] الكافية قصة حفصة بسندين آخرين نحوا مما مر. 63 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة: رووا أنه (عليه السلام) لما بلغه وهو بالربذة خبر طلحة والزبير وقتلهما حكيم بن جبلة ورجالا من الشيعة وضربهما عثمان بن حنيف وقتلهما السبابجة قام على الغرائر فقال: إنه أتاني خبر متفظع ونبأ جليل أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضربا مبرحا وترك لا يدري أحيي هو أم ميت وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في عدة من رجال المسلمين الصالحين لقوا الله موفون ببيعتهم ماضين على حقهم، وقتلا السبابجة خزان بيت المال الذي للمسلمين قتلوهم [طائفة منهم] صبرا وقتلوا [طائفة منهم] غدرا. فبكى الناس بكاءا شديدا ورفع أمير المؤمنين (عليه السلام) يديه يدعو ويقول: اللهم اجز طلحة والزبير جزاء الظالم الفاجر والخفور الغادر. 64 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام) في ذكر أصحاب الجمل: فخرجوا يجرون حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تجر الامة عند شرائها متوجهين بها إلى البصرة فحبسا نساءهما في بيوتهما وأبرزا حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما ولغيرهما في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها فقتلوا طائفة صبرا وطائفة غدرا. فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله بلا جرم جره لحل لي قتل ذلك الجيش كله إذ حضروه فلم ينكروه ولم يدفعوا بلسان ولا بيد دع ما انهم
64 - رواه السيد الرضي رحمه الله في ذيل المختار: (170) من كتاب نهج البلاغه. (*)
[93]
قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم. بيان: الحرمة: ما يحرم انتهاكه والمراد بها هنا الزوجة كالحبيس، والضمير في " حبسا " راجع إلى طلحة والزبير [و] قوله (عليه السلام): " صبرا " أي بعد الاسر. [و] " غدرا " أي بعد الامان. قوله (عليه السلام: " جره " أي جذبه أو من الجريرة قال في القاموس: الجر: الجذب. والجريرة: الذنب جر على نفسه وغيره جريرة يجرها بالضم والفتح جرا. قال ابن ميثم (1) فإن قلت المفهوم من هذا الكلام تعليل جواز قتله (عليه السلام) لذلك الجيش بعدم إنكارهم للمنكر فهل يجوز قتل من لم ينكر المنكر ؟ قلت أجاب ابن أبي الحديد عنه فقال: يجوز قتلهم لانهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا كمن يعتقد إباحة الزنا وشرب الخمر. وأجاب الراوندي (رحمه الله) بأن " جواز " قتلهم لدخولهم في عموم قوله تعالى: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا) * الآية وهؤلاء قد حاربوا رسول الله لقوله (صلى الله عليه وآله): يا علي حربك حربي. وسعوا في الارض بالفساد. واعترض المجيب الاول عليه فقال: الاشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر والتعليل بعموم الآية لا ينفعه. وأقول: الجواب الثاني أسد، و [الجواب] الاول ضعيف لان القتل وإن وجب على من اعتقد إباحة ما علم من الدين ضرورة لكن هؤلاء كان جميع ما فعلوه من القتل والخروج بالتأويل وإن كان معلوم الفساد فظهر الفرق بين اعتقاد حل الخمر والزنا وبين اعتقاد هؤلاء إباحة ما فعلوه.
(1) ذكره ابن ميثم رحمه الله في شرح المختار المتقدم وهو (170) من نهج البلاغة من
شرحه: ج 3 ص 337.
[94]
وأما الاعتراض على الجواب الثاني فضعيف أيضا لان له أن يقول: إن قتل المسلم إذا صدر عن بعض الجيش ولم ينكر الباقون مع تمكنهم وحضورهم كان ذلك قرينة على الرضا من جميعهم والراضي بالقتل شريك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته والاتحاد به لاتحاد بعض الجيش ببعض وكان خروج ذلك الجيش على الامام محاربة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وسعيا في الارض بالفساد وذلك عين مقتضى الآية انتهى ملخص كلامه. ويمكن أن يجاب عن اعتراضه على الجواب بأن هؤلاء كانوا مدعين لشبهة لم تكن شبهة محتملة لانهم خرجوا على الامام بعد البيعة طائعين غير مكرهين كما ذكره (عليه السلام) مع أن الاحتمال كاف له فتأمل. ويمكن الجواب عن أصل السؤال بأن التعليل ليس بعدم إنكار المنكر مطلقا بل بعدم إنكار هؤلاء لهذا المنكر الخاص أي قتل واحد من المسلمين المعاونين للامام (عليه السلام) بالخروج عليه وربما يشعر بذلك قوله (عليه السلام): لحل لي قتل ذلك الجيش. ويمكن حمل كلام الراوندي على ذلك. وأما ما ذكره أخيرا من جواز قتل الراضي بالقتل فإن أراد الحكم كليا فلا يخفى إشكاله وإن أراد في هذه المادة الخاصة فصحيح. ويرد على جواب ابن أبي الحديد مثل ما أورده هو على الراوندي رحمه الله بأن الاشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر لا في استحلال القتل ولو قدر في كلامه (عليه السلام) كان يقول: " المراد إذ حضروه مستحلين فلم ينكروا ". لامكن للراوندي أن يقول: إذ حضروه محاربين.
ولو أجاب بأن الحضور مع عدم الانكار هو الاستحلال فبطلانه ظاهر مع أن للراوندي رحمه الله أن يقول: الحضور في جيش قد قتل بعضهم أحدا من أتباع الامام من حيث إنه من شيعته مع عدم الانكار والدفع محاربة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ولا ريب أنه كذلك.
[95]
65 - نهج ومن كلام له عليه السلام في معنى طلحة بن عبيد الله: قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر. والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه [كان مظنته] ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الامر ويقع الشك. ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه أو ينابذ ناصريه. ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذرين فيه. ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ويدع الناس معه فما فعل واحدة من الثلاث وجاء بأمر لم يعرف بابه ولم يسلم معاذيره. بيان قوله (عليه السلام): " قد كنت " قال ابن أبي الحديد: " كان " ها هنا تامة والواو للحال أي خلقت ووجدت بهذه الصفة ويجوز أن يكون الواو زائدة وكان ناقصة وخبرها " ما أهدد ". " وتجرد في الارض " أي جد فيه. ذكره الجوهري. وقال [ابن الاثير] في [مادة جلب من كتاب] النهاية وفي حديث علي (عليه
السلام) " أراد أن يغالط بما أجلب فيه " يقال: اجلبوا عليه إذا تجمعوا وتألبوا. وأجلبه أي أعانه وأجلب عليه إذا صاحبه واستحثه. وقال الجوهري: لبست عليه الامر ألبس: خلطت. وقال: أعذر أي صار
65 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (172) من كتاب نهج البلاغة.
[96]
ذا عذر. وفي النهاية: " فما نهنهها شئ دون العرش " أي ما منعها وكفها عن الوصول إليه. والركود: السكون والثبات. 66 - نهج وقال (عليه السلام) لانس بن مالك وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئا مما سمعه من رسول الله في معناهما فلوى عن ذلك فرجع إليه فقال: إني أنسيت ذلك الامر فقال (عليه السلام) له: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة يعني البرص. فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يرى إلا متبرقعا 67 - ج احتجاجه عليه السلام على الناكثين في خطبة خطبها حين نكثوها فقال: إن الله ذو الجلال والاكرام لما خلق الخلق واختار خيرة من خلقه واصطفى صفوة من عباده وأرسل رسولا منهم وأنزل عليه كتابه وشرع له دينه وفرض فرائضه فكانت الجملة قول الله جل ذكره حيث أمر فقال: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * فهو لنا أهل البيت خاصة دون غيرنا فانقلبتم على أعقابكم وارتددتم ونقضتم الامر ونكثتم العهد ولم تضروا الله شيئا وقد أمركم الله أن تردوا الامر إلى الله وإلى رسوله وإلى أولي الامر منكم المستنبطين للعلم فأقررتم ثم جحدتم وقد قال الله لكم: * (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) *.
إن أهل الكتاب والحكمة والايمان وآل إبراهيم بينه الله لهم فحسدوه وأنزل الله جل ذكره " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا " فنحن آل إبراهيم فقد حسدناكما حسد آباؤنا.
66 - ذكره السيد الرضي رحمه الله في المختار: (311) من الباب الثالث من نهج البلاغة. 67 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 230، وفي ط بيروت ص 160.
[97]
وأول من حسد آدم الذي خلقه الله عزوجل بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه الاسماء واصطفاه على العالمين فحسده الشيطان فكان من الغاوين. ثم حسد قابيل هابيل فقتله فكان من الخاسرين. ونوح (عليه السلام) حسده قومه فقالوا: " ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ". ولله الخيرة يختار من [ما " خ "] يشاء ويختص برحمته من يشاء يؤتي الحكمة والعلم من يشاء. ثم حسدوا نبينا (صلى الله عليه وآله) ألا ونحن أهل البيت الذين أذهب الله عنا الرجس ونحن المحسودون كما حسد آباؤنا قال الله عزوجل: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي " وقال: " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ". فنحن أولى الناس بإبراهيم ونحن ورثناه ونحن أولوا الارحام الذين ورثنا الكعبة ونحن آل إبراهيم أفترغبون عن ملة إبراهيم ؟ وقد قال الله تعالى: * (فمن تبعني فإنه مني) *.
يا قوم أدعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه وإلى ولي أمره وإلى وصيه وإلى وارثه من بعده فاستجيبوا لنا واتبعوا آل إبراهيم واقتدوا بنا فإن ذلك لنا آل ابراهيم فرضا واجبا والافئدة من الناس تهوي إلينا وذلك دعوة إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " فهل نقمتم منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل علينا ؟ ! ولا تتفرقوا فتضلوا والله شهيد عليكم وقد أنذرتكم ودعوتكم وأرشدتكم ثم أنتم وما تختارونه. 68 - ج روى عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه قال: كنت قاعدا عند
68 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 230، وفي ط بيروت ص 161.
[98]
علي عليه السلام حين دخل عليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما وقد قال: قد اعتمرتما. فأعادا عليه الكلام فأذن لهما ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. قلت: فلا تأذن لهما. فردهما ثم قال: والله ما تريدان العمرة وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما وإلا فرقة لامتكما ! ! ! فحلفا له فأذن لهما ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. قلت: فلم أذنت لهما ؟ قال: حلفا لي بالله. قال: فخرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها. 69 - شاج [وروي] عنه (عليه السلام) أنه قال عند توجههما إلى مكة للاجتماع مع عائشة في التأليب عليه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: أما بعد فإن الله عزوجل بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) للناس كافة وجعله رحمة للعالمين فصدع بما أمر به وبلغ رسالة ربه، فلم به الصدع ورتق به الفتق وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الاحن والعداوة والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب.
ثم قبضه الله إليه حميدا لم يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة ولابلغ شيئا كان في التقصير عنه القصد وكان من بعده ما كان من التنازع في الامرة فتولى أبو بكر وبعده عمر ثم تولى عثمان فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم: بايعنا فقلت: لا أفعل قلتم: بلى فقلت: لا وقبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم فجذبتموها وحتى تداككتم علي كتداكك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض وبسطت يدي
69 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (17) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الارشاد ص 130. ورواه الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 235 ط الغري وفي ط بيروت ص 161.
[99]
فبايعتموني مختارين وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة والله يعلم أنهما أرادا الغدرة فجددت عليهما العهد في الطاعة وأن لا يبغيا الامة الغوائل فعاهداني ثم لم يفيا لي ونكثا بيعتي ونقضا عهدي. فعجبا لهما من انقيادهما لابي بكر وعمر وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين ولو شئت أن أقول لقلت اللهم اغضب عليهما بما صنعا وأظفرني بهما. بيان اللم: الاصلاح والجمع. والاحن كعنب جمع إحنة بالكسر وهي الحقد. ويقال: في صدره علي وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ والمصدر بالتحريك. قوله (عليه السلام): " ولو شئت أن أقول لقلت " كناية أبلغ من الصريح في ذم الرجلين وكفرهما.
70 - ج وقال عليه السلام في أثناء كلام آخر: وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل [بيت] النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا ولا شهرا كاملا حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني. ثم دعا عليهما. 71 - ما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن عبيدالله بن إسحاق الضبي عن حمزة بن نصر عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي قال: لما رجعت رسل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من عند طلحة
70 - ذكره الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 162، ط بيروت. 71 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (36) من الجزء السادس من كتاب الامالي: ج 1، ص 106، وفي ط بيروت ص 171. وللحديث مصادر وأسانيد يجد الباحث بعضها في المختار: (95) من نهج السعادة: ج 1 ص 309 ط 2.
[100]
والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله ثم قال: يا أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كيما يرعووا ويرجعوا وقد وبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فليسوا يستجيبون ألا وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان واصبر للجلاد فإنما منتك نفسك من أنباء الاباطيل. هبلتهم الهبول قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر وإني لعلى يقين من ربي وفي غير شبهة من أمري. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت
محيص من لم يقتل يمت (1) إن أفضل الموت القتل والذي نفس ابن أبي طالب بيده لالف ضربة بالسيف لاهون علي من موت على فراش. يا عجبي لطلحة ألب على ابن عفان حتى إذا قتل أعطاني صفقة يمينه طائعا ثم نكث بيعتي وطفق ينعى ابن عفان ظالما وجاء يطلبني يزعم بدمه. والله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم حين حصره وألب عليه - إنه [كان] لينبغي أن يوازر قاتليه وأن ينابذ ناصريه، وإن كان في تلك الحال مظلوما إنه لينبغي أن يكون معه، وإن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي أن يعتزله ويلزم بيته ويدع الناس جانبا فما فعل من هذه الخصال واحدة وها هوذا قد أعطاني صفقة يمينه غير مرة ثم نكث بيعته اللهم فخذه ولا تمهله. ألا وإن الزبير قطع رحمي وقرابتي ونكث بيعتي ونصب لي الحرب وهو يعلم أنه ظالم لي اللهم فاكفنيه بم شئت.
(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " من لم يمت يقتل... ".
[101]
72 - جاما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن اسماعيل بن أبان عن عمرو بن شمر قال: سمعت جابر بن يزيد الجعفي يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: حدثني أبي عن جدي قال: لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة فلما ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له: " قائد " (1) فقربه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له عبد الله: الحمد لله الذي رد الحق إلى أهله ووضعه في موضعه كره ذلك قوم أم سروا به فقد والله كرهوا محمدا صلى الله عليه وآله ونابذوه وقاتلوه فرد الله كيدهم في نحورهم
وجعل دائرة السوء عليهم والله لنجاهدن معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه إلى جنبه وكان له حبيبا ووليا وأخذ يسائله عن الناس إلى أن سأله عن أبي موسى الاشعري فقال: والله ما أنا واثق به وما آمن عليك خلافه إن وجد مساعدا على ذلك ! !. فقال أمير المؤمنين: والله ما كان عندي مؤتمنا ولا ناصحا ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته وولوه وسلطوه بالامرة على الناس ولقد أردت عزله فسألني الاشتر فيه وأن أقره فأقررته على كره مني له وعملت على صرفه من بعد. قال: فهو مع عبد الله في هذا ونحوه إذا أقبل سواد كثير من قبل جبال
72 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث: (6) من المجلس: (35) من كتاب الامالي ص 171. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (12) من الجزء الثالث من أماليه: ج 1، ص 67. (1) كذا في ط الكمباني من بحار الانوار، وأمالي الطوسي، وفي أمالي الشيخ المفيد: " قديد ".
[102]
طئ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنظروا ما هذا السواد ؟ وقد ذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت فقيل: هذه طئ قد جاءتك تسوق الغنم والابل والخيل فمنهم من جاءك بهداياه وكرامته ومنهم من يريد النفوذ معك إلى عدوك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزى الله طيا خيرا وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما فلما انتهوا إليه سلموا عليه. قال عبد الله بن خليفة فسرني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيئتهم
وتكلموا فأقروا والله لعيني ما رأيت خطيبا أبلغ من خطيبهم. وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني كنت أسلمت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأديت الزكاة على عهده وقاتلت أهل الردة من بعده أردت بذلك ما عند الله وعلى الله ثواب من أحسن واتقى وقد بلغنا أن رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين فأتيناك لننصرك بالحق فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت ثم أنشأ يقول: فنحن نصرنا الله من قبل ذاكم * وأنت بحق جئتنا فسننصر سنكفيك دون الناس طرا بنصرنا * وأنت به من سائر الناس أجدر فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزاكم الله من حي عن الاسلام وأهله خيرا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ونويتم نصر المسلمين. وقام سعيد بن عبيد البختري من بني بختر فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من يقدر أن يعبر بلسانه عما في قلبه ومنهم من لا يقدر أن يبين ما يجده في نفسه بلسانه فإن تكلف ذلك شق عليه وإن سكت عما في قلبه برح به الهم والبرم وإني والله ما كل ما في نفسي أقدر أن أوديه إليك بلساني ولكن والله لاجهدن على أن أبين لك والله ولي التوفيق أما أنا فإني ناصح لك في السر والعلانية ومقاتل معك الاعداء في كل موطن وأرى لك من الحق ما لم أكن أراه لمن كان قبلك ولا لاحد اليوم من أهل زمانك لفضيلتك في الاسلام وقرابتك من الرسول ولن أفارقك أبدا حتى تظفر أو أموت بين يديك.
[103]
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يرحمك الله فقد أدى لسانك ما يجد ضميرك لنا (1) ونسأل الله أن يرزقك العافية ويثيبك الجنة. وتكلم نفر منهم فما حفظت غير كلام هذين الرجلين.
ثم ارتحل أمير المؤمنين واتبعه منهم ستمائة رجل حتى نزل " ذاقار " فنزلها في ألف وثلثمائة رجل. 73 - ما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن الفضل بن دكين عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما نزل علي بالربذة سألت عن قدومه إلينا ؟ فقيل: خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة فخرج يريدهم. فصرت إليه فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام فجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى فقال له أمير المؤمنين: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية. فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها فو الله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الابل حتى تستخرجك منه.
(1) كذا في النسخة المطبوعة من أمالي الشيخ المفيد وطبع الكمباني من بحار الانوار، وفي المطبوع من أمالي الطوسي: " ما يكن ضميرك لنا ". 73 - رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (37) من الجزء الثاني من أماليه ص 32 ط 1. وللحديث مصادر أخر يجد الباحث بعضها في المختار: (82) وما بعده من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 82 ط 2.
[104]
ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت الامة فذاك وأن اختلفت رضيت بما قسم الله وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم
العراق وأذكرك بالله لا تقتل بمضيعة ! ! ! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما قولك: إن عثمان حصر. فما ذاك وما علي منه وقد كنت بمعزل عن حصره. وأما قولك: إئت مكة فو الله ما كنت لاكون الرجل الذي يستحل به مكة. وأما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فو الله ما كنت لاكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا ولكن أباك يا بني يضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المخالف أبدا حتى يأتي علي يومي فو الله ما زال أبوك مدفوعا عن حقه مستأثرا عليه منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس هذا. فكان طارق بن شهاب أي وقت حدث بهذا الحديث بكى.. 74 - جاما المفيد عن الجعابي عن ابن عقدة عن أبي عوانة موسى بن يوسف عن عبد السلام بن عاصم عن اسحاق بن اسماعيل عن عمرو بن أبي قيس عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو قال: أخبرني رجل من بني تميم قال:
74 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (5) من المجلس: (39) من أماليه ص 205. ورواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (27) من الجزء الرابع من أماليه 112. وللحديث مصادر أخر ذكر بعضها في ذيل المختار: (89) من نهج السعادة: ج 1، ص 284 ط 2.
[105]
كنا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) بذيقار ونحن نرى أنا سنختطف
في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقة ولنقتلن هذين الرجلين يعني طلحة والزبير ولنستبيحن عسكرهما. قال التميمي: فأتيت إلى عبد الله بن العباس فقلت: أما ترى إلى ابن عمك وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى ننظر ما يكون [قال:] فلما كان من أمر البصرة ما كان اتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق. فقال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب محمد أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها إلى أحد غيره فلعل هذا مما عهد إليه. 75 - ل فيما أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) اليهودي السائل عما فيه من خصال الاوصياء قال علي (عليه السلام): وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي وأنا ولي أمرها والوصي عليها فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال وأقبلوا بها تخبط الفيافي وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعند كل حال في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاولى في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم طويلة لحاهم قليلة عقولهم عازبة آراؤهم وهم جيران بدو ووراد بحر فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم ويرمون بسهامهم بغير فهم فوقفت من أمرهم على إثنتين كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم يرجع ولم يعقل [لم يرجعوا ولم يقلعوا " خ ل "] وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت فقدمت الحجة بالاعذار والانذار ودعوة المرأة إلى الرجوع إلي بيتها والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي والترك لنقضهم عهد الله عزوجل في وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه وناظرت بعضهم فرجع وذكرت فذكر ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك
75 - رواه الشيخ الصدوق في الحديث: (58) في عنوان: " امتحان الله... أوصياء
الانبياء... " في باب السبعة في الجزء الثاني من الخصال: ج 2 ص 377.
[106]
فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا فلما أبوا إلا هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة وبهم الهزيمة ولهم الحسرة وفيهم الفناء والقتل وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أولا من الاغضاء والامساك ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الاطراف وسفك الدماء وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال كعادة بني الاصفر ومن مضى من ملوك سبأ والامم الخالية فأصير إلى ما كرهت أولا وآخرا وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت وتأنيت وراجعت وأرسلت وسافرت [وشافهت " خ "] وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كل شئ التمسوه بعد أن عرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه فلما أبوا إلا تلك أقدمت عليها فبلغ الله بي وبهم ما أراد وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيدا. 76 - فس: أبي عن فضالة عن أبان بن عثمان عن ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) * قال: نزلت في طلحة والزبير والجمل جملهم. 77 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " وضرب الله مثلا " ثم ضرب الله فيهما مثلا فقال: * (ضرب الله مثلا للذين كفروا إمرأة نوح وإمرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) * قال: والله ما عنا بقوله:
76 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (40) من سورة الاعراف من تفسيره. 77 - الحديث من الاخبار الآحاد التي تراكمت الشواهد على عدم صدقه. (*)
[107]
بيان: المراد بفلان طلحة وهذا إن كان رواية فهي شاذة مخالفة لبعض الاصول، وإن كان قد يبدو من طلحة ما يدل على أنه كان في ضميره الخبيث مثل ذلك لكن وقوع أمثال ذلك بعيد عقلا ونقلا وعرفا وعادة وترك التعرض لامثاله أولى. 78 - فس: قال أمير المؤمنين في كتابه الذي كتبه إلى شيعته ويذكر فيه خروج عائشة إلى البصرة وعظم خطأ طلحة والزبير فقال: وأي خطيئة أعظم مما أتيا أخرجا زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيتها وكشفا عنها حجابا ستره الله عليها وصانا حلائلهما في بيوتهما ما أنصفا لا لله ولا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال مرجعها على الناس في كتاب الله البغي والمكر والنكث قال الله: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) * وقال: * (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) * وقال: * (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) * وقد بغيا علينا ونكثا بيعتي ومكرا بي. 79 - فس: لما أنزل الله * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) * وحرم الله نساء النبي على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا فأنزل الله * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) * إلى قوله * (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما) *.
78 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (35) من سورة فاطر من تفسيره. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 3 ص 366 ط 3. وتقدم برواية المصنف في أول الباب (16) من القسم الاول من هذا المجلد
ص 184. 79 - رواه علي بن إبراهيم في تفسير الآية: (35) من سورة: الاحزاب 33 من تفسيره ورواه عنه البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 3 ص 333.
[108]
80 - ل سمعت شيخنا محمد بن الحسن رضي الله عنه يروي أن الصادق (عليه السلام) قال: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى أدرك فرخه فنفاه عن رأيه. 81 - ير أحمد بن محمد والحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عن محمد بن سنان رفعه قال: إن عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديدا العداوة لهذا الرجل حتى أبعثه إليه قال: فأتيت به فمثل بين يديها فرفعت إليه رأسها فقالت له: ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل ؟ قال: فقال لها: كثيرا ما أتمنى على ربي أنه وأصحابه في وسطي فضربت ضربة بالسيف يسبق السيف الدم. قالت فأنت له فاذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا رايته أو مقيما أما إنك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنهم طير صواف فتعطيه كتابي هذا وإن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر ! ! قال: فاستقبلته راكبا فناولته الكتاب ففص خاتمه ثم قرأه فقال: تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا وشرابنا ونكتب جواب كتابك. فقال: هذا والله ما لا يكون ! قال: فساء خلقه فأحدق به أصحابه ثم قال له: أسألك قال: نعم قال: وتجيبني ؟ قال: نعم. قال: فنشدتك الله هل قالت: التمسوا لي رجلا شديدا عداوته لهذا الرجل فأتوها بك فقالت لك: ما بلغ من عداوتك هذا الرجل فقلت: كثيرا ما أتمنى على ربي أنه وأصحابه في وسطي وأني
80 - رواه الشيخ الصدوق قدس الله نفسه في عنوان: " السفرجل فيه ثلاث خصال " في باب الثلاثة في ذيل الحديث: (199) من كتاب الخصال: ج 1، ص 157. وقريبا منه رواه السيد الرضي في المختار: (453) من الباب الثالث من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام. ورواه أيضا البلاذري في الحديث: (319) من ترجمة علي عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 255. 81 - رواه الصفار في الباب: الخامس من كتاب بصائر الدرجات ص 67.
[109]
ضربت ضربة بالسيف يسبق السيف الدم ؟ قال: اللهم نعم. قال: فنشدتك الله أقالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنهم طير صواف ؟ فقال: اللهم نعم. قال: فنشدتك بالله هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر ؟ قال: اللهم نعم. قال: فمبلغ أنت عني ؟ قال: اللهم نعم فإني قد أتيتك وما في الارض خلق أبغض إلي منك وأنا الساعة ما في الارض أحب إلي منك فمرني بما شئت قال: ارجع إليها [ب] كتابي هذا وقل لها: ما أطعت الله ولا رسوله حيث أمرك الله بلزوم بيتك فخرجت ترددين في العساكر وقل لهما: ما أطعتما الله ولا رسوله حيث خلفتم حلائلكم في بيوتكم وأخرجتم حليلة رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: فجاء بكتابه حتى طرحه إليها وأبلغها مقالته ثم رجع إليه فأصيب بصفين فقالت [عائشة]: ما نبعث إليه بأحد إلا أفسده علينا. 82 - يج علي بن النعمان ومحمد بن سنان مثله.
83 - قب علي بن النعمان ومحمد بن يسار مثله. بيان قوله: " فضربت... " على بناء المجهول وحاصله أنه تمنى أن يكونوا مشدودين على وسطه فيضرب ضربة على وسطه يكون فيها هلاكهم وهلاكه ! ! ! وسبق السيف الدم كناية عن سرعة نفوذها وقوتها. 84 - يج روى عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر رسول الله يوما على علي والزبير قائم معه يكلمه فقال رسول الله (صلى الله
82 - رواه الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج. 83 - رواه ابن شهر آشوب في عنوان: " مقاماته مع الانبياء والاوصياء " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 96 ط النجف. 84 - رواه الراوندي في كتاب الخرائج.
[110]
عليه وآله): ما تقول له فو الله لتكونن أول العرب تنكث بيعته ! ! !. 85 - يج روي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: لما رجع الامر إليه أمر أبا الهيثم بن التيهان وعمار بن ياسر وعبيد الله بن [أبي] رافع فقال: اجمعوا الناس ثم انظروا ما في بيت مالهم واقسموا بينهم بالسوية فوجدوا نصيب كل واحد منهم ثلاثة دنانير فأمرهم يقعدون للناس ويعطونهم. قال: وأخذ مكتله ومسحاته ثم انطلق إلى بئر الملك يعمل فيها فأخذ الناس ذلك القسم حتى بلغوا الزبير وطلحة وعبد الله بن عمر أمسكوا بأيديهم وقالوا: هذا منكم أو من صاحبكم ؟ قالوا: بل هذا أمره لا نعمل إلا بأمره قالوا: فاستأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه إذن هوذا ببئر الملك يعمل فركبوا دوابهم حتى جاؤا إليه فوجدوه في الشمس ومعه أجير له يعينه فقالوا له: إن
الشمس حارة فارتفع معنا إلى الظل [فارتفع] معهم إليه فقالوا له: لنا قرابة من نبي الله وسابقة وجهاد إنك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية كانوا يفضلوننا على غيرنا. فقال علي أيهما عندكم أفضل عمر أو أبو بكر ؟ قالوا: أبو بكر. قال: فهذا قسم أبي بكر وإلا فدعوا أبا بكر وغيره وهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه. قالا: فسابقتنا ؟ قال: أنتما أسبق مني بسابقتي ؟ قالوا: لا. قالا: قرابتنا بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال: [أهي] أقرب من قرابتي ؟ قالوا: لا. قالوا: فجهادنا. قال: أعظم من جهادي ؟ قالوا: لا. قال: فوالله ما أنا في هذا المال وأجيري هذا إلا بمنزلة سواء قالا: أفتأذن لنا في العمرة ؟ قال: ما العمرة تريدان وإني لاعلم أمركم
85 - رواه الراوندي في كتاب الخرائج. وقريبا منه رواه ابن شهر آشوب في أواخر عنوان: " المسابقة بالعدل والامانة " من مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 315، وفي ط النجف ص 378. ورويناه بلفظ أجود مما ها هنا عن مصدر آخر في المختار: (71) من نهج السعادة: ج 1، ص 240 ط 2.
[111]
وشأنكم فاذهبا حيث شئتما فلما وليا قال: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. 86 - شا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) قلنا: نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأولياؤه وأحق الخلق به لا ننازع حقه وسلطانه فبينما نحن كذلك إذ نفر المنافقون وانتزعوا سلطان نبينا منا وولوه غيرنا فبكت والله لذلك العيون والقلوب منا جميعا معا وخشنت له الصدور وجزعت النفوس منا جزعا
أرغم. وأيم الله لولا مخافتي الفرقة بين المسلمين وأن يعود أكثرهم إلى الكفر ويعوز الدين (1) لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا. وقد بايعتموني الآن وبايعني هذان الرجلان طلحة والزبير على الطوع منهما
86 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (18) مما اختار من كلام علي عليه السلام في كتاب الارشاد ص 131، ط النجف. وقريبا منه رواه أيضا في آخر كتاب الجمل ص 233 ط 1. وتقدم الحديث تحت الرقم: (15) من الباب (15) وهو باب شكايته عليه السلام من القسم الاول من هذا المجلد، ص 172 ط الكمباني. وقد ذكرنا هناك أن الشيخ المفيد رحمه الله رواه في الحديث: (6) من المجلس: (19) من أماليه ص 99. (1) لعله من قولهم: " عوز الشئ عوزا " - على زنة علم -: عز فلم يوجد مع الحاجة إليه. والامر: اشتد. والاظهر أنه من باب الافعال من قولهم: " أعوز الشئ إعوازا: تعذر. أو من قولهم إعوز إعوزازا: اختلت حاله. وفي غير واحد من المصادر والطرق: " ويبور الدين " يقال: بار السوق أو العمل: كسد. بطل. وبار فلان: هلك. وبار الطعام فسد.
[112]
ومنكم والايثار ثم نهضا يريدان البصرة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم اللهم فخذهما لغشهما لهذه الامة وسوء نظرهما للعامة. ثم قال: انفروا رحمكم الله في طلب هذين الناكثين القاسطين الباغيين قبل أن يفوت تدارك ما جنياه.
أقول: قد أوردناه بسند متصل مع زيادة في باب شكايته [عليه السلام نقلا] عن [كتاب] جا. 87 - ورواه أيضا [المفيد] في [كتاب] الكافية عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عليهم السلام قال: كتبت أم الفضل بنت الحارث مع عطاء مولى ابن عباس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفير طلحة والزبير وعائشة من مكة فيمن نفر معهم من الناس فلما وقف أمير المؤمنين على الكتاب قال محمد بن أبي بكر: ما للذين أوردوا ثم أصدروا غداة الحساب من نجاة ولا عذر. ثم نودي من مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلاة جامعة فخرج الناس وخرج أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله [...]. إلى آخر ما [مر مما] رواه في [كتاب] شا. 88 - شا لما اتصل بأمير المؤمنين صلوات الله عليه مسير عائشة وطلحة والزبير من مكة إلى البصرة حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
87 - الكافية الورق... 88 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (19) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 132.
[113]
قد سارت عائشة وطلحة والزبير كل منهما يدعي الخلافة دون صاحبه ولا يدعي طلحة الخلافة إلا أنه ابن عم عائشة ولا يدعيها الزبير إلا أنه صهر أبيها والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربن الزبير عنق طلحة وليضربن طلحة عنق
الزبير ينازع هذا على الملك هذا ولقد علمت والله أن الراكبة الجمل لا تحل عقدة ولا تسير عقبة ولا تنزل منزلة إلا إلى معصية الله حتى تورد نفسها ومن معها موردا يقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجع ثلثهم. والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان ولرب عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه. والله لتنبحنها كلاب الحوأب فهل يعتبر معتبر ويتفكر متفكر لقد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون. 89 - أقول ورواه أيضا مرسلا في الكافية وزاد في آخره: مالي وقريش: أما والله لاقتلنهم كافرين ولاقتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالامس ومالنا إليها من ذنب غير أنا خيرنا عليها فأدخلناهم في خيرنا. أما والله لا يترك الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته إنشاء الله فلتضج مني قريش ضجيجا. 90 - شا لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس رضي الله عنه: فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمها إلى صاحبتها وقال لي: قومهما. فقلت: ليس لهما قيمة. قال: على ذاك قلت: كسر درهم
89 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (19) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 131، ط النجف. ورواه أيضا في الكافية. 90 - رواه الشيخ المفيد في الفصل: (20) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الارشاد، ص 132.
[114]
قال: والله لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. قلت: إن الحاج اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسنا كان منك وإن كان غير ذلك كان مني ؟ قال: لا أنا أتكلم ثم وضع يده على صدري وكان شثن الكفين فآلمني ثم قام فأخذت بثوبه وقلت: نشدتك الله والرحم. قال: لا تنشدني ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس في العرب أحد يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس إلى منجاتهم أم والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدلت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها. ما لي ولقريش أم والله لقد قاتلتهم كافرين ولاقاتلنهم مفتونين وإن مسيري هذا عن عهد إلي فيه. أم والله لابقرن الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا [في خيرنا " خ "] وأنشد: أدمت لعمري شربك المحض خالصا * وأكلك بالزبد المقشرة التمرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا 91 - [شا] ولما نزل [عليه السلام] بذيقار أخذ البيعة على من حضره ثم تكلم فأكثر من الحمد لله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: قد جرت أمور صبرنا عليها وفي أعيننا القذى تسليما لامر الله فيما امتحننا به رجاء الثواب على ذلك وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون ويسفك دماؤهم.
91 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (21) مما اختار من كلم أمير المؤمنين عليه السلام
في كتابه الارشاد، ص 133، ط النجف.
[115]
نحن أهل البيت وعترة الرسول وأحق الخلق بسلطان الرسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الامة وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر لم يصبرا حولا واحدا ولا شهرا كاملا حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني. ثم دعا [عليه السلام] عليهما. بيان: قوله (عليه السلام): على ذاك أي قومهما على ذاك التحقير الذي تظهره. قوله: " نشدتك الله " لعله نشده على أن يدع الكلام إليه إذ كان يظن أن المصلحة في ذلك. وقال الجوهري: المحض: اللبن الخالص وهو الذي لم يخالطه الماء حلوا كان أو حامضا. وقال: الجرد: فضاء لا نبات فيه. وقال: السمرة بضم الميم: شجر الطلح والجمع سمر وسمرات وأسمر. 92 - شا: روى عبد الحميد بن عمران العجلي عن سلمة بن كهيل قال: لما التقى أهل الكوفة أمير المؤمنين صلوات الله عليه بذيقار حيوا به ثم قالوا: الحمد لله الذي خصنا بجوارك وأكرمنا بنصرتك. فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل الكوفة إنكم من أكرم المسلمين وأقصدهم تقويما وأعدلهم سنة وأفضلهم سهما في الاسلام وأجودهم في العرب مركبا ونصابا أنتم أشد العرب ودا للنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وإنما جئتكم ثقة بعد الله بكم للذي بذلتم من أنفسكم عند نقض طلحة والزبير وخلفهما [خلعهما " خ "] طاعتي
وإقبالهما بعائشة للفتنة وإخراجهما إياها من بيتها حتى أقدماها البصرة فاستغووا طغامها وغوغاءها مع أنه قد بلغني أن أهل الفضل منهم وخيارهم في الدين قد اعتزلوا وكرهوا ما صنع طلحة والزبير. ثم سكت عليه السلام.
92 - رواه محمد بن محمد بن النعمان في الفصل: (22) من مختار كلام أمير المؤمنين في الارشاد ص 133.
[116]
فقال أهل الكوفة: نحن أنصارك وأعوانك على عدوك ولو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ورجوناه فدعا لهم أمير المؤمنين وأثنى عليهم ثم قال: لقد علمتم معاشر المسلمين أن طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين راغبين ثم استأذناني في العمرة فأذنت لهما فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين، وفعلا المنكر اللهم إنهما قطعاني وظلماني وجنياني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي فاحلل ما عقدا ولا تحكم ما أبرما وأرهما المسائة فيما عملا. بيان الطغام بالفتح: أوغاد الناس الواحد والجمع فيه سواء. والغوغاء: الجراد بعد الدباء وبه سمي الغوغاء. والغاغة من الناس وهم الكثر المختلطون. ذكره الجوهري. 93 - شا من كلامه (عليه السلام) وقد نفر من ذي قار متوجها إلى البصرة بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله: أما بعد فإن الله تعالى فرض الجهاد وعظمه وجعله نصرة له، والله ما صلحت دنيا قط ولا دين إلا به وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله وشبه في ذلك وخدع وقد بانت الامور وتمحضت. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون
حقا تركوه، ودما سفكوه، ولئن كنت شركتهم فيه إن لهم نصيبهم منه، ولئن كانوا ولوه دوني فما تبعته إلا قبلهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وإني لعلى بصيرتي ما التبست علي، وإنها للفئة الباغية فيها اللحم واللحمة قد طالت هينتها وأمكنت درتها يرضعون أما فطمت ويحيون بيعة تركت ليعود الضلال إلى نصابه ما اعتذر مما فعلت ولا أتبرأ مما صنعت.
93 - رواه محمد بن محمد رحمه الله في الفصل: (23) من مختار كلام علي عليه السلام في الارشاد 134.
[117]
فيا خيبة للداعي ومن دعا لو قيل له إلى من دعوتك وإلى من أجبت ومن إمامك وما سنته إذا لزاح الباطل عن مقامه ولصمت لسانه فما نطق. وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه ولا يصدرون عنه ولا يلقون بعده ريا أبدا وإني لراض بحجة الله عليهم وعذره فيهم إذ أنا داعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وأقبلوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس على الله كفران، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف فكفا به شافيا من باطل وناصرا لمؤمن. بيان [قوله عليه السلام:] " فيها اللحم واللحمة " لحم كل شئ: لبه واللحمة بالضم: القرابة أي فيها من يظن الناس أنهم لب الصحابة وفيهم من يدعى قرابة الرسول كالزبير. وفي بعض النسخ " الحمأ والحمة " كما مر (1) " قد طالت هينتها " الهينة: الرفق والسكون شبه (عليه السلام) تلك الفئة وفتنتها بناقة طال سكونها وأمكنت من حلبها كناية عن استمرار الفتنة وتمكنها في أهل الجهل وفي بعض النسخ: " هلبتها " قال الجوهري: الهلبة ما غلظت من شعر الذنب وهلبة الزمان: شدته. 94 - قب بلغ عايشة قتل عثمان وبيعة علي ب " سرف " فانصرفت إلى
مكة تنتظر الامر فتوجه طلحة والزبير وعبد الله بن عامر بن كريز فعزموا على قتال علي واختاروا عبد الله بن عمر للامامة فقال: أتلقونني بين مخالب علي وأنيابه ثم أدركهم يعلى بن منبه [قادما] من اليمن وأقرضهم ستين ألف دينار والتمست عايشة من أم سلمة الخروج فأبت، وسألت حفصة فأجابت ثم خرجت عايشة في أول نفر. فكتب الوليد بن عتبة.
(1) تقدم في شرح الحديث: (37) - وهو المختار: (135) من نهج البلاغة - ص 408. 94 - رواه في عنوان: " ما ظهر منه عليه السلام في حرب الجمل " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 335 طبع النجف.
[118]
بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم * ولا تهبوه لا تحل مواهبه و [أيضا] أنشأ [الوليد] لما ظفر علي أمير المؤمنين عليه السلام: ألا أيها الناس عندي الخبر * بأن الزبير أخاكم غدر وطلحة أيضا حذا فعله * ويعلى بن منبه فيمن نفر فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام أبياتا منها: فتن تحل بهم وهن شوارع * تسقى أواخرها بكأس الاول فتن إذا نزلت بساحة أمة * أذنت بعدل بينهم متنفل فقدمت عائشة إلى الحوأب وهو ماء نسب إلى الحوأب بنت كليب بن وبرة فصاحت كلابها فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ردوني. [و] ذكر الاعثم في الفتوح والماوردي في أعلام النبوة وشيرويه في الفردوس وأبو يعلى في المسند وابن مردويه في فضائل أمير المؤمنين والموفق في الاربعين وشعبة والشعبي وسالم بن أبي الجعد في أحاديثهم والبلاذري والطبري
في تاريخيهما أن عائشة لما سمعت نباح الكلاب قالت: أي ماء هذا ؟ فقالوا: الحوأب قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيه قد سمعت رسول الله وعنده نساؤه يقول: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب. وفي رواية الماوردي: أيتكن صاحبة الجمل الادبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يقتل من يمينها ويسارها قتلى كثيرة تنجو بعدما كادت تقتل. فلما نزلت الخريبة قصدهم عثمان بن حنيف وحاربهم فتداعوا إلى الصلح فكتبوا بينهم كتابا أن لعثمان دار الامارة وبيت المال والمسجد إلى أن يصل إليهم علي فقال طلحة لاصحابه في السر: والله لئن قدم علي البصرة لنؤخذن بأعناقنا فأتوا على عثمان بياتا في ليلة ظلماء وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة وقتلوا منهم خمسين رجلا واستأسروه ونتفوا شعره وحلقوا رأسه وحبسوه.
[119]
فبلغ ذلك سهل بن حنيف فكتب إليهما: أعطي الله عهدا لئن لم تخلوا سبيله لابلغن من أقرب الناس إليكما فأطلقوه. ثم بعثا عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال فقتل أبا سالمة الزطي في خمسين رجلا: وبعثت عائشة إلى أحنف تدعوه فأبى واعتزل بالجلحاء من البصرة في فرسخين وهو في ستة آلاف. فأمر علي سهل بن حنيف على المدينة وقثم بن العباس على مكة وخرج في ستة آلاف إلى الربذة ومنها إلى ذي قار وأرسل الحسن وعمارا إلى الكوفة وكتب [إليهم]: من عبد الله ووليه علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الانصار وسنام العرب. ثم ذكر فيه قتل عثمان وفعل طلحة والزبير وعائشة ثم قال:
إن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم وبادروا عدوكم. فلما بلغا الكوفة قال أبو موسى الاشعري: يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية. فسكنه عمار فقال أبو موسى هذا كتاب عائشة تأمرني أن تكف أهل الكوفة فلا تكونن لنا ولا علينا ليصل إليهم صلاحهم. فقال عمار: إن الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت وأمرنا بالقيام لندفع الفتنة فنجلس ؟. فقام زيد بن صوحان ومالك الاشتر في أصحابهما وتهددوه فلما أصبحوا قام زيد بن صوحان وقرأ " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " الآيات ثم قال: يا أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين وانفروا إليه أجمعين تصببوا الحق راشدين. ثم قال عمار: هذا ابن عم رسول الله يستنفركم فأطيعوه في كلام له.
[120]
وقال الحسن بن علي: عليهما السلام أجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما بلينا به في كلام له. فخرج قعقاع بن عمرو وهند بن عمرو وهيثم بن شهاب وزيد بن صوحان والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وحجر بن عدي وابن مخدوج والاشتر يوم الثالث في تسعة آلاف فاستقبلهم علي على فرسخ وقال: مرحبا بكم أهل الكوفة وفئة الاسلام ومركز الدين. في كلام له. وخرج إلى علي من شيعته من أهل البصرة من ربيعته ثلاثة آلاف رجل
وبعث الاحنف إليه إن شئت أتيتك في مأتي فارس فكنت معك وإن شئت اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستة آلاف سيف فاختار عليه السلام اعتزاله. الاعثم في الفتوح أنه كتب أمير المؤمنين إليهما: أما بعد فإني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى أكرهوني وأنتما ممن أراد بيعتي. ثم قال (عليه السلام) بعد كلام: ودفعكما هذا الامر قيل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما. البلاذري: لما بلغ عليا قولهما: ما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف. قال: أبعدهما الله أقصى دار وأحر نار (1). الاعثم: وكتب إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله عز وجل ولرسوله محمد تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين فخبريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس ؟
(1) رواه البلاذري في الحديث: (282) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1 / الورق 172 / / وفي ط: 1، ج 2، ص 222.
[121]
وطلبت كما زعمت بدم عثمان ؟ وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم ابن مرة. ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على العصبية لاعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان ! ! وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك سترك. (1) وقالت عائشة: قد جل الامر عن الخطاب احكم كما تريد فلن ندخل في طاعتك ! ! !
فأنشأ حبيب بن يساف الانصاري: أبا حسن أيقظت من كان نائما * وما كان من يدعى (2) إلى الحق يتبع وإن رجالا بايعوك وخالفوا * هواك وأجروا في الضلال وضيعوا وطلحة فيها والزبير قرينه * وليس لما لا يدفع الله مدفع وذكرهم قتل ابن عفان خدعة * هم قتلوه والمخادع يخدع وسأل ابن الكواء وقيس بن عباد أمير المؤمنين عن قتال طلحة والزبير فقال: إنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق فاستحللت قتالهما لنكثهما بيعتي. تاريخي الطبري والبلاذري أنه ذكر مجئ طلحة والزبير إلى البصرة قبل الحسن (3) فقال: يا سبحان الله [أ] ما كان للقوم عقول أن يقولوا: والله ما قتله غيركم ! !.
(1) الحديث مذكور في وقعة الجمل من تاريخ الفتوح للاعثم: ج ص... وفي ترجمته ص 174، ط 1. وللكلام مصادر بعضها مذكور في ذيل المختار: (28) من باب الكتب من نهج السعادة ج 5 من 66 ط 1. (2) هذا هو الظاهر، وفي الاصل المطبوع من بحار الانوار: " ومن كان يدعى إلى الحق يتبع ". (3) هذا هو الصواب والمراد منه هو الحسن البصري، وفي طبع الكمباني من البحار: " قبل الجيش ".
[122]
تاريخ الطبري قال يونس النحوي: فكرت في أمر علي وطلحة والزبير إن كانا صادقين أن عليا قتل عثمان فعثمان هالك، وإن كذبا عليه فهما هالكان ! !.
تاريخ الطبري قال رجل من بني سعد: صنتم حلائلكم وقدتم أمكم * هذا لعمرك قلة الانصاف أمرت بجر ذيولها في بيتها * فهوت تشق البيد بالايجاف عرضا يقاتل دونها أبناؤها * بالنبل والخطي والاسياف وانفذ أمير المؤمنين زيد بن صوحان وعبد الله بن عباس فوعظاها وخوفاها. وفي [كتاب] رامش أفزاي: أنها قلت: لا طاقة لي بحجج علي فقال ابن عباس: لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق. 95 - شي: عن جعفر بن مروان قال: إن الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: لا أغمده حتى أبايع لعلي ثم اخترط سيفه فضارب عليا (عليه السلام) وكان ممن أعير الايمان فمشى في ضوء نوره ثم سلبه الله إياه. 96 - شي: عن سعيد بن أبي الاصبغ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يسئل عن مستقر ومستودع قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب وقد يكون مستودع الايمان ثم ينزع منه ولقد مشى الزبير في ضوء الايمان ونوره حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى مشى بالسيف وهو يقول لا نبايع إلا عليا.
95 - 96 - رواهما العياشي في تفسير الآية: (98) من سورة الانعام من تفسيره: ج 1. ورواه عنه السيد البحراني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة في تفسير البرهان ج 1، ص 544.
[123]
97 - قب: عمار وابن عباس أنه لما صعد علي (عليه السلام) المنبر قال
لنا: قوموا فتخللوا الصفوف ونادوا هل من كاره فتصارخ الناس من كل جانب اللهم قد رضينا وسلمنا وأطعنا رسولك وابن عمه. فقال: يا عمار قم إلى بيت المال فأعط الناس ثلاثة دنانير لكل انسان وارفع لي ثلاثة دنانير فمضى عمار وأبو الهيثم مع جماعة من المسلمين إلى بيت المال ومضى أمير المؤمنين إلى مسجد قبا يصلى فيه فوجدوا فيه ثلاث مائة ألف دينار ووجدوا الناس مائة ألف فقال عمار: جاء والله الحق من ربكم والله ما علم بالمال ولا بالناس وإن هذه لآية وجبت عليكم بها طاعة هذا الرجل. فأبى طلحة والزبير وعقيل أن يقبلوها القصة. 98 - شي: عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: الزبير شهد بدرا ؟ قال: نعم ولكنه فر يوم الجمل فإن كان قاتل المؤمنين فقد هلك بقتاله إياهم وإن كان قاتل كفارا فقد باء بغضب من الله حين ولاهم دبره. 99 - شي: عن اسماعيل بن السري عن قوله: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * قال أخبرت أنهم أصحاب الجمل.
97 - رواه ابن شهر آشوب في عنوان: " مقامات علي مع الانبياء والاوصياء " من كتاب مناقب ال أبي طالب: ج 2 ص 95 ط النجف. 98 - رواه العياشي في تفسير الآية: (16) من سورة الانفال: 8 من تفسيره: ج 1 ورواه عنه البحراني في تفسير الآية من تفسير البرهان: ج 2 ص 69. 99 - رواه العياشي في تفسير الآية: (25) من سورة الانفال: 8 في تفسيره: ج 1. ورواه عنه السيد هاشم البحراني في تفسير الآية الكريمة في تفسير البرهان: ج 2. ص 72 وفيه: " عن الصيقل [قال] سئل أبو عبد الله عليه السلام...
[124]
100 - جا علي بن خالد المراغي عن الحسن بن علي الكوفي عن جعفر بن
محمد بن مروان عن إسحاق بن يزيد عن سليمان بن قرم عن أبي الجحاف عن عمار الدهني: عن أبي عثمان مؤذن بني أفصى (1) قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين خرج طلحة والزبير لقتاله يقول: عذيري من طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث ثم تلا هذه الآية * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) *. 101 - جا محمد بن داود الحتمي عن عبد الله بن سليمان بن الاشعث عن أحمد بن محمد بن عبد الله [عبدان " خ "] عن ابراهيم الخولي عن سعيد بن داود بن الزبير عن مالك بن أنس: عن ابي سهل بن مالك عن أبيه قال: إني لواقف مع المغيرة بن شعبة عند نهوض علي بن أبي طالب (عليه السلام) من المدينة إلى البصرة إذ أقبل عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال له: هل لك في الله عزوجل يا مغيرة. فقال: وأين هو يا عمار ؟ قال: تدخل في هذه الدعوة فتلحق بمن سبقك وتسود من خلفك.
100 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في أواخر المجلس) (8) من أماليه ص 53 ط النجف. وقريبا منه رواه عنه الشيخ الطوسي في الحديث: (20) من الجزء الخامس من أماليه ج 1، ص 131، ط بيروت. ورواه عنهما البحراني في تفسير الآية: (12) من سورة التوبة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107، ط 3. (1) هذا هو الصواب الموافق لما في أمالي المفيد والطوسي وترجمة عثمان مؤذن بني أفصى من كتاب لسان الميزان ج 4 ص 158. وفى ط الكمباني من أصلي: " أبي عمار مؤذن بني
أفصي ". 101 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (4) من المجلس: (25) من أماليه ص 135. ورويناه بسند آخر عن مصدر آخر في المختار: (78) من نهج السعادة: ج 1،
[125]
فقال له المغيرة: أو خير من ذلك يا أبا اليقظان ! ! قال عمار: وما هو ؟ قال: ندخل بيوتنا ونغلق علينا أبوابنا حتى يضئ لنا الامر فنخرج ونحن مبصرون ولا نكون كقاطع السلسلة فر من الضحل فوقع في الغمر (1). فقال له عمار: هيهات هيهات أجهل بعد علم وعمي بعد استبصار ؟ ولكن اسمع لقولي فوالله لن تراني إلا في الرعيل الاول. قال فطلع عليهما أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا اليقظان ما يقول لك الاعور فإنه والله دائما يلبس الحق بالباطل ويموه فيه ولن يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا ويحك يا مغيرة إنها دعوة تسوق من يدخل فيها إلى الجنة. فقال له المغيرة: صدقت يا أمير المؤمنين إن لم أكن معك فلن أكون عليك. 102 - كش روي أن عائشة كتبت من البصرة إلى زيد بن صوحان إلى الكوفة: من عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ابنها زيد بن صوحان الخالص أما بعد إذا أتاك كتابي هذا فاجلس في بيتك وخذل الناس عن علي بن أبي طالب حتى يأتيك أمري. فلما قرأ [زيد] كتابها قال: أمرت بأمر وأمرنا بغيره فركبت ما أمرنا به وأمرتنا نركب ما أمرت هي به أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة والسلام.
103 - كشف من غزواته صلوات الله عليه وقعة الجمل والمجتمعون لها لما
(1) هذا هو الصواب الموافق للمختار: (78) من نهج السعادة: ج 1، ص 256، وفي ط الكمباني من البحار: " كالقاطع السلسلة أراد الضحك فوقع في النعم ". 102 - رواه الكشي في ترجمة زيد بن صوحان العبدي تحت الرقم: (18) من تلخيص رجاله ص 63. 103 - رواه الاربلي رحمه الله في وقعة الجمل من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 238.
[126]
رفضوا عليا ونقضوا بيعته ونكثوا عهده وغدروا به وخرجوا عليه وجمعوا الناس لقتاله مستخفين بعقد بيعته التي لزمهم فرض حكمها مسفين إلى إثارة فتنة عامة باءوا بإثمها لم ير إلا مقاتلتهم على مسارعتهم إلى نكث بيعته ومقاتلتهم عن الخروج عن حكم الله ولزوم طاعته وكان من الداخلين في البيعة أولا والملتزمين لها ثم من المحرضين ثانيا على نكثها ونقضها طلحة والزبير فأخرجا عائشة وجمعا من استجاب لهما وخرجوا إلى البصرة ونصبوا لعلي عليه السلام حبائل الغوائل وألبوا عليه مطيعهم من الرامح والنابل مظهرين المطالبة بدم عثمان مع علمهم في الباطن أن عليا عليه السلام ليس بالآمر ولا القاتل. ومن العجب أن عائشة حرضت الناس على قتل عثمان بالمدينة وقالت: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا فلقد أبلى سنة رسول الله وهذه ثيابه لم تبل. وخرجت إلى مكة وقتل عثمان وعادت إلى بعض الطريق فسمعت بقتله وأنهم بايعوا عليا فورم أنفها وعادت وقالت: لاطالبن بدمه. فقيل لها: يا أم المؤمنين أنت أمرت بقتله وتقولين هذا ؟ قالت: لم يقتلوه حيث قلت وتركوه حتى تاب وعاد كالسبيكة من الفضة وقتلوه. وخرج طلحة والزبير من المدينة على خفية ووصلا إليها بمكة وأخرجاها إلى
البصرة. ورحل علي عليه السلام من المدينة يطلبهم فلما قرب من البصرة كتب إلى طلحة والزبير: أما بعد فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى أكرهوني وأنتما ممن أرادوا بيعتي وبايعوا ولم تبايعا لسلطان غالب ولا لعرض [غرض " خ "] حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله عز وجل عما أنتما عليه، وأن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية. وأنت يا زبير فارس قريش وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ودفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما به.
[127]
وأما قولكما: إني قتلت عثمان بن عفان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل. وهؤلاء بنو عثمان - إن قتل مظلوما كما تقولان - أولياؤه وأنتما رجلان من المهاجرين وقد بايعتماني ونقضتما بيعتي وأخرجتما أمكما من بيتها الذي أمر الله أن تقر فيه والله حسيبكما والسلام. وكتب إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين الناس فخبريني ما للنساء وقود العساكر ؟ وزعمت أنك طالبة بدم عثمان وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على المعصية لاعظم
إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك سترك والسلام. فجاء الجواب إليه: يا ابن أبي طالب جل الامر عن العتاب ولن ندخل في طاعتك أبدا فاقض ما أنت قاض والسلام. 104 - فر الحسن بن محمد معنعنا عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: علم المحفوظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
104 - رواه الفرات بن إبراهيم في الحديث الاول من تفسير الآية: (40) من سورة الاعراف من تفسيره ص 45.
[128]
105 - كا: علي عن أبيه عن ابن محبوب عن سلام بن عبد الله. ومحمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل بن زياد. وأبو علي الاشعري عن محمد بن حسان جميعا عن محمد بن علي عن علي بن أسباط عن سلام بن عبد الله الهاشمي قال محمد بن علي وقد سمعته عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بعث طلحة والزبير رجلا من عبد القيس يقال له خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقالا له: إنا نبعثك إلى رجل طال ما كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك منه، وأن تحاجه لنا حتى تقفه [تفقه " خ ل "] على أمر معلوم وإعلم أنه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه ومن الابواب التي يخدع الناس بها
الطعام والشراب والعسل والدهن وأن يخالى الرجل فلا تأكل له طعاما ولا تشرب له شرابا ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه واحذر هذا كله منه وانطلق على بركة الله فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة وتعوذ بالله من كيده وكيد الشيطان فإذا جلست إليه فلا تمكنه من بصرك كله ولا تستأنس به ثم قل له: إن أخويك في الدين وابني عميك يناشدانك القطيعة ويقولان لك: أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) فلما نلت أدنى منال ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا ثم قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك وسعة البلاد دونك وأن من كان يصرفك عنا وعن صلتنا كان أقل لك نفعا وأضعف عنك دفعا منا وقد وضح الصبح لذي عينين (1) وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا فما الذي يحملك على ذلك فقد كنا نرى أنك أشجع فرسان العرب أتتخذ اللعن لنا دينا وترى أن ذلك يكسرنا عنك.
105 - رواه ثقة الاسلام الكليني في باب: " ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل " من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 343. (1) وقد أشار المصنف في متن الاصل من ط الكمباني أن في بعض نسخ كتاب الكافي: " وقد وضح الحق لذي عيني ".
[129]
فلما أتى خداش أمير المؤمنين صلوات الله عليه صنع ما أمراه فلما نظر إليه علي عليه السلام وهو يناجي نفسه ضحك وقال: ها هنا يا أبا عبد قيس وأشار له إلى مجلس قريب منه فقال: ما أوسع المكان أريد أن أؤدي إليك رسالة. قال: بل تطعم وتشرب وتخلي ثيابك وتدهن ثم تؤدي رسالتك قم يا قنبر فأنزله. قال: ما بي إلى شئ مما ذكرت حاجة. قال: فأخلو بك. قال: كل سر لي علانية. قال: فأنشدك الله الذي هو أقرب إليك من نفسك الحائل بينك
وبين قلبك الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور أتقدم لك الزبير بما عرضت عليك ؟ قال: اللهم نعم. قال: لو كتمت بعدما سألتك ما ارتد إليك طرفك فأنشدك الله هل علمك كلاما تقوله إذا أتيتني ؟ قال: اللهم نعم. قال علي عليه السلام آية السخرة ؟ قال: نعم. قال: فاقرأها فقرأها وجعل علي عليه السلام يكررها عليه ويرددها ويفتح عليه إذا أخطأ حتى إذا قرأها سبعين مرة قال الرجل: ما يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرة ؟ قال له: أتجد قلبك اطمأن ؟ قال إي والذي نفسي بيده. قال: فما قالا لك ؟ فأخبره فقال: قل لهما: كفى بمنطقكما حجة عليكما ولكن الله لا يهدي القوم الظالمين زعمتما أنكما أخواي في الدين وابنا عمي في النسب أما النسب فلا أنكره وإن كان النسب مقطعوعا إلا ما وصله الله بالاسلام. وأما قولكما إنكما أخواي فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عزوجل وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين وإلا فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنكما أخواي في الدين. وأما مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمدا فإن كنتما فارقتماهم بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إياي أخيرا وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما مع أن صفقتكما بمفارقتكما الناس لم يكن إلا لطمع الدنيا زعمتما وذلك قولكما: " قطعت رجاءنا " لا تعيبان بحمد الله علي من ديني شيئا.
[130]
وأما الذي صرفني عن صلتكما فالذي صرفكما عن الحق وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه، وهو الله ربي لا أشرك به شيئا فلا تقولا: " [هو] أقل نفعا وأضعف دفعا " فتستحقا اسم الشرك مع
النفاق. وأما قولكما: " إني أشجع فرسان العرب وهربكما من لعني ودعائي فإن لك موقف عملا إذا اختلفت الاسنة وماجت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما فثم يكفيني الله بكمال القلب. وأما إذا أبيتما بأني أدعو الله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما. [ثم قال] اللهم اقعص الزبير شر قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرف طلحة المذلة وادخر لهما في الآخرة شرا من ذلك إن كانا ظلماني وافتريا علي وكتما شهادتهما وعصياني وعصيا رسولك في قل آمين. قال خداش آمين ثم قال خداش لنفسه والله ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك حامل حجة ينقض بعضها بعضا لم يجعل الله لها سماكا أنا أبرأ إلى الله منهما. [ثم] قال علي عليه السلام: إرجع إليهما وأعلمهما ما قلت: قال: لا والله حتى تسأل الله أن يردني إليك عاجلا وأن يوفقني لرضاه فيك ! ! ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله. توضيح: خداش بكسر الخا وتخفيف الدال [وقول]: " من أنفسنا " بيان لمن أي من الذين هم منا وفي بعض النسخ " في أنفسنا " وهو أظهر. وقوله: " من أن تمتنع " متعلق ب [قوله] " أوثق " ومن تعليلية " وأن تحاجه " معطوف على " أن تمتنع " حتى تفقه أي تتفقه بحذف إحدى التائين وتضمين معنى الاطلاع والاظهر " تقفه " من وقفته بمعنى أطلعته " وأن يخالى الرجل " أي يخلو به " فلا تمكنه من بصرك " أي لا تنظر إليه كثيرا. وإنما نهياه عن ذلك لئلا
[131]
يرى محاسن أخلاقه وآدابه فيميل إلى الحق " وابني عمك " إنما قالا ذلك لكونهما من قريش. " يناشدانك القطيعة " أي يقسمان عليك أن لا تقطع الرحم. " فلما نلت أدنى منال " أي أصبت أدنى مقدرة وجاه. " أتتخذ اللعن لنا دينا " عرضهما أن اللعن دأب العاجزين وكنا نظن أنك أشجع الفرسان. " وتخلى ثيابك " أي من القمل والادناس وفي بعض النسخ: " وتحل " ولعله أظهر " الحائل بينك وبين قلبك " أي يعلم من قلبك ما تغفل عنه أو هو أملك لقلبك منك " وخائنة الاعين ": نظرها إلى ما لا ينبغي ومسارقة النظر وتحريك الجفون للغمز ونحوه " ما ارتد إليك طرفك " كناية عن الموت " قال الرجل " أي في نفسه متعجبا من أمره بتكريره الآية وكان ذلك لرفع سحرهما وشبههما عن قلبه وتنوير قلبه بالايمان " مع الحدث الذي أحدثتما " أي من إبراز زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) من بيتها وإحداث الفتنة بين المسلمين. أو المعنى إنكم تعلمون أني على الحق وأن ما أردتم بي باطل فلزمكم الاثم من جهتين متناقضتين. أو المراد نصرتهما له مع علمهما بكونه على الباطل ولعل الاول أظهر. " زعمتما " أي أنكما تصيبانها. وقال الجوهري: فرس حرون: لا ينقاد وإذا اشتد به الجري وقف. " وهو الله ربي " أي الذي صرفني عن صلتكما هو الله تعالى فلا تقولا [هو] أقل نفعا وأضعف دفعا فتكفرا. أو صارفهما عن الحق أيضا هو الله مجازا لسلب توفيقه عنهما. أو المراد أن صارفي عن الصلة هو سوء عقيدتكم وسريرتكم الذي حملكم على نقض البيعة والصارف عن الصلة حقيقة هو الله تعالى لانه نهى عن صلة الكافرين.
وقيل الضمير للشأن. ولا يخفى ما فيه. " وهربكما " في بعض النسخ: " وهزؤكما " وهو أظهر. واللبود جمع اللبد وهو الشعر المتراكم بين كتفي الفرس.
[132]
والسحر بالضم والتحريك: الرئة ويقال للجبان: قد انتفخ سحره ذكره الجوهري وقال: ضربه فاقعصه أي قتله مكانه. " ما رأيت لحية " أي ذا لحية أو المراد بقوله: " منك " من لحيتك. 106 - كا علي عن أبيه عن بعض أصحابه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما خرج أمير المؤمنين عليه السلام يريد البصرة نزل بالربذة فأتاه رجل من محارب فقال: يا أمير المؤمنين إني تحملت في قومي حمالة وإني سألت في طوائف منهم المواساة والمعونة فسبقت إلي ألسنتهم بالنكد فمرهم يا أمير المؤمنين بمعونتي وحثهم على مواساتي. فقال: أين هم ؟ فقال: هؤلاء فريق منهم حيث ترى. قال: فنص راحلته فأدلفت كأنها ظليم فأدلف بعض أصحابه في طلبها فلا يا بلاي ما لحقت فانتهى إلى القوم فسلم عليهم وسألهم ما يمنعهم من مواساة صاحبهم ؟ فشكوه وشكاهم. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وصل امرء عشيرته فإنهم أولى ببره وذات يده ووصلت العشيرة أخاها إن عثر به دهر وأدبرت عنه دنيا فإن المتواصلين المتباذلين مأجورون وإن المتقاطعين المتدابرين موزورون. قال: ثم بعث راحلته وقال حل [خل " خ ل "]. بيان: الربذة قرية معروفة قرب المدينة. ومحارب اسم قبيلة. والحمالة بالفتح ما يتحمله الانسان من غيره من دية أو غرامة. والنكد: الشدة والعسر.
" ونص راحلته ": استخرج أقصى ما عندها من السير ذكره الجوهري وقال:
106 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث: (18) من باب صلة الرحم من كتاب الايمان والكفر: ج 2 ص 153.
[133]
الدلف: المشي الرويد يقال: دلف الشئ إذا مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة في الحرب إذا تقدمت. وقال [الفيروز آبادي] في القاموس: اندلف علي: انصب. وتدلف إليه: تمشى ودنا انتهى. والمراد هنا الركض والتقدم. والظليم: ذكر النعامة. والضمير في " طلبها " راجع إلى الراحلة. وقال الجوهري: يقال: فعل كذا بعد لاي أي بعد شدة وإبطاء. ولآى لايا أي أبطأ. وقال في النهاية: في حديث أم أيمن " فبلاي ما استغفر لهم " أي بعد مشقة وجهد وإبطاء انتهى. وما زائدة للابهام والمبالغة أي فلحقت راحلة بعض الاصحاب راحلته عليه السلام بعد إبطاء مع إبطاء وشدة " فلايا " إما حال أو مفعول مطلق من غير اللفظ ويمكن أن يقرأ " لحقت " على بناء المفعول. " وصل امرؤ " أمر في صورة الخبر والنكرة للعموم كقولهم: " أنجز حر ما وعد ". " وذات يده " أي ما في يده من الاموال وقال: " حل " بالحاء المهملة وتخفيف اللام وهو زجر للناقة كما ذكره الجوهري. وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة وتشديد اللام فكأن الرجل كان آخذا بزمام الناقة أو بغرزها فلما فرغ [أمير المؤمنين] من وعظهم قال [للرجل]: خل سبيل الناقة.
107 - كا العدة عن سهل عن ابن يزيد عن محمد بن جعفر العقبى رفعه قال: خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
107 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث: (26) من كتاب الروضة من الكافي: ج 8 ص 69.
[134]
أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار ولكن الله خول بعضكم بعضا فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله جل وعز ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر. فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما. قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير وجاء بعد [ه] غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الانصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام اعتقته بالامس تجعلني وإياه سواءا ؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد اسماعيل على ولد إسحاق فضلا. 108 - مد بإسناده إلى مسند عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه عن أبيه عن وكيع عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: حدثني ابن عباس قال: أرسلني علي إلى طلحة والزبير يوم الجمل قال: فقلت لهما إن أخاكما يقرئكما السلام ويقول لكما: هل وجدتما علي حيفا في حكم أو في استئثار في فئ ؟ أو وفي كذا ؟ قال: فقال الزبير: لا ولا في واحدة منهما ولكن مع الخوف شدة المطامع. 109 - مد من الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من موطئ
108 - رواه العلامة يحيى بن الحسن المعروف بابن البطريق في الحديث الاول من الفصل: (36) من كتاب العمدة ص 161.
وهذا هو الحديث (137) من فضائل أمير المؤمنين من كتاب الفضائل - تأليف أحمد بن حنبل - ص 91 ط 1، وكان في نسختي من البحار، وكتاب العمدة تصحيفات صححناها عليه. وللحديث مصادر أخر يجد الباحث بعضها في تعليق المختار: (98) من نهج السعادة: ج 1 ص 317 ط 2، وتعليق الحديث: (137) من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 91 ط 1. 109 - رواه يحيى بن الحسن في أواخر الفصل الاخير من كتاب العمدة ص 244.
[135]
مالك بإسناده عن أبي وائل قال: دخل أبو وائل وابن مسعود على عمار حين بعثه [علي مع الحسن ابنه] إلى الكوفة يستنفرهم فقالا له: ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الامر منذ أسلمت ! ! فقال لهما عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندي من إبطائكما [عن هذا الامر]. وكساهما ابن مسعود حلة حلة. 110 - نهج [و] من كلام له (عليه السلام) لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد [يصدر " خ ل "] لهما القتال: والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها ولكن اضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا حتى يأتي علي يومي فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس هذا. بيان اللدم [على زنة اللطم والشتم]: صوت الحجر أو العصاء أو غيرهما يضرب بها الارض ضربا ليس بشديد يحكى أن الضبع يستغفل في جحرها بمثل ذلك فيسكن حتى يصاد. ويضرب بها المثل في الحمق.
111 - نهج ومن كتاب له (عليه السلام) إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي ذكره أبو جعفر الاسكافي في كتاب المقامات: أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أن لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني وإنكما ممن أرادني وبايعني وأن العامة لم تبايعني لسلطان غاصب
110 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (6) من نهج البلاغة. 111 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (52) من باب الكتب من نهج البلاغة.
[136]
ولا لحرص حاضر (1) فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة واسراركما المعصية ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان وإن دفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به. وقد زعمتما أني قتلت عثمان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل. فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام. بيان قوله (عليه السلام): " من قبل " متعلق بقوله فارجعا. 112 - أقول قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال كل من صنف من أهل السير والاخبار: أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يبل وعثمان قد أبلى سنته.
[و] قالوا: أول من سمى عثمان نعثلا عائشة. والنعثل: الكثير شعر اللحية والجسد. وكانت تقول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا.
(1) كذا في أصلي من طبع الكمباني من كتاب البحار، وفي النسخ الموجودة عندي من نهج البلاغة: " لسلطان غالب، ولا لعرض حاضر... ". 112 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (79) وهو كلامه عليه السلام في ذم النساء من نهج البلاغة: ج 2 ص 407 ط الحديث ببيروت، وقد لخص المصنف رواية ابن أبي الحديد.
[137]
وروى المدائني في كتاب الجمل قال: لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف فلم تشك في أن طلحة صاحب الامر وقالت: بعدا لنعثل وسحقا إيه ذا الاصبع إيه أبا شبل ايه يا ابن عم لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له حنوها لا بل وذعذعوها (1). قال وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثم فسد أمره [فدفعها] إلى علي عليه السلام. وقال أبو مخنف في كتابه: إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول: إيه ذا الاصبع لله أبوك أما إنهم وجدوا طلحة والزبير لها كفوا فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة فقالت له: ما عندك ؟ قال: قتل عثمان. قالت: ثم ماذا ؟ قال: ثم جارت بهم الامور إلى خير مجار بايعوا عليا. فقالت: لوددت أن السماء إنطبقت على الارض إن تم هذا انظر ما تقول ؟ قال: هو ما قلت لك يا أم المؤمنين فولولت ! ! فقال لها: ما شأنك يا أم المؤمنين والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال: فما ردت جوابا.
وفي رواية قيس بن أبي حازم ثم ردت ركائبها إلى مكة فرأيتها في مسيرها تخاطب نفسها قتلوا ابن عفان مظلوما ! ! فقلت لها: يا أم المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا ؟ ! فقالت: لقد كان ذلك ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه. قال: وكتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتابا أن خذلي الناس عن
(1) كذا في المطبوع من البحار، وفي شرح النهج: ج 2 ص 408 ط بيروت: " حثوها لابل. ودعدعوها ". وسيأتي تفسيره من المصنف في آخر الحديث ص 422.
[138]
بيعة علي وأظهري الطلب بدم عثمان. وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان. قال: ولما عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا أيدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن أمية [منية " خ "] (1) ببعير يسمى عسكرا وكان عظيم الخلق شديدا فلما رأته أعجبها وأنشأ الجمال يحدثها بقوته وشدته ويقول في أثناء كلامه " عسكر " فلما سمعت هذه اللفظة استرجعت وقالت: ردوه لا حاجة لي فيه وذكرت حيث سئلت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغير لها بجلال غير جلاله وقيل لها: قد أصبنا لك أعظم منه خلقا وأشد منه قوة وأتيت به فرضيت ! ! ! قال أبو مخنف: وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فأتى أخته فعزم عليها فأقامت وحطت الرحال بعدما همت.
وكتب الاشتر من المدينة إلى عائشة وهي بمكة: أما بعد فإنك ظعينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أمرك أن تقري في بيتك فإن فعلت فهو خير لك وإن أبيت إلا أن تأخذي منسأتك وتلقي جلبابك وتبدي للناس شعيراتك قاتلتك حتى أردك إلى بيتك والموضع الذي يرضاه لك ربك. فكتبت إليه في الجواب: أما بعد فإنك أول العرب شب الفتنة ودعا إلى الفرقة وخالف الائمة وسعى في قتل الخليفة وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم وقد جاءني كتابك
(1) منية اسم أمه وأمية أبوه وهو - على ما في مناقب يعلى من كتاب المستدرك: ج 3 ص 423 نقلا عن مصعب الزبيري - أمية بن أبي عبيد بن همام بن الحارث بن بكر.
[139]
وفهمت ما فيه وسنكفيك وكل من أصبح مماثلا لك في غيك وضلالك إنشاء الله. قال أبو مخنف: لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحوأب وهو ماء لبني عامر بن صعصعة نبحتها الكلاب حتى نفرت صعاب إبلها فقال: قائل من أصحابها: ألا ترون ما أكثر كلاب الحوأب وما أشد نباحها ؟ فأمسكت زمام بعيرها وقالت: وإنها لكلاب الحوأب ؟ ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله يقول وذكرت الخبر. فقال لها قائل: مهلا يرحمك الله فقد جزنا ماء الحوأب. فقالت: فهل من شاهد ؟ فلفقوا لها خمسين أعرابيا جعلوا لهم جعلا فحلفوا لها أن هذا ليس بماء الحوأب فسارت لوجهها. ولما انتهوا إلى حفر أبي موسى قريبا من البصرة أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل علي عليه السلام على البصرة إلى القوم أبا الاسود الدئلي يعلم
له علمهم فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها ؟ فقالت: أطلب بدم عثمان. قال: إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد. قالت: صدقت ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ! ! أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ؟ ؟ فقال لها: ما أنت من السوط والسيف ؟ إنما أنت حبيس رسول الله أمرك أن تقري في بيتك وتتلي كتاب ربك ليس على النساء قتال ولا لهن الطلب بالدماء وإن عليا لاولى بعثمان منك وأمس رحما فإنهما إبنا عبد مناف. فقالت: لست بمنصرفة حتى أمضى لما قدمت له أفتظن يا أبا الاسود أن أحدا يقدم على قتالي ؟ فقال: أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. ثم قام فأتى الزبير فقال: يا أبا عبد الله عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول: لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك ؟ ! فذكر له دم عثمان قال: أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغناه. قال: فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول. فذهب إلى طلحة فوجده
[140]
مصرا على الحرب والفتنة فرجع إلى عثمان بن حنيف فقال: إنها الحرب فتأهب لها. قال: ولما نزل علي (عليه السلام) البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي: من عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد فأقم في بيتك وخذل عن علي وليبلغني عنك ما أحب فإنك أوثق أهلي عندي والسلام. فكتب إليها: من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر أما بعد فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر، أمرك أن تقري في بيتك وأمرنا أن نجاهد، وقد أتاني
كتابك فأمرتني أن أصنع خلاف ما أمرني الله فأكون قد صنعت ما أمرك الله به، وصنعت ما أمرني الله به، فأمرك عندي غير مطاع وكتابك غير مجاب والسلام. بيان " حنوها " أي جعلوا إصبعه منحينة للبيعة " لا بل وذعذعوها " أي كسروها وبددوها لهجومهم على البيعة. و " الظعينة " الامرأة في الهودج و " المنسأة ": العصا تهمز ولا تهمز. 113 - 115 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة عن نوح بن دراج عن إسحاق قال: دعا عثمان بن حنيف عمران بن الحصين الخزاعي وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبعثه وبعث معه أبا الاسود الدئلي إلى طلحة والزبير وعائشة فقال: إنطلقا فاعلما ما أقدم علينا هؤلاء القوم وما يريدون ؟. قال أبو الأسود: فدخلنا على عائشة فقال لها عمران بن الحصين: يا أم المؤمنين ما أقدمك بلدنا ولم تركت بيت رسول الله الذي فارقك فيه ؟ وقد أمرك
113 - 115 - قد بخل وتولى أصحاب الثروة والمكنة عن السعي وراء تكثير نسخة هذا الكتاب ونشره وما ظفرت به بعد.
[141]
أن تقري في بيتك وقد علمت أنك إنما أصبت الفضيلة والكرامة والشرف وسميت أم المؤمنين وضرب عليك الحجاب ببني هاشم فهم أعظم الناس عليك منة وأحسنهم عندك يدا ولست من اختلاف الناس في شئ لولا لك من الامر شئ وعلي أولى بدم عثمان فاتقي الله واحفظي قرابته وسابقته فقد علمت أن الناس بايعوا أباك فما أظهر عليه خلافا وبايع أبوك عمر وجعل الامر له دونه فصبر وسلم ولم يزل بهما برا ثم كان من أمرك وأمر الناس وعثمان ما قد علمت ثم بايعتم عليا (عليه السلام) فغبنا عنكم فأتتنا رسلكم بالبيعة
فبايعنا وسلمنا. فلما قضى كلامه قالت عائشة: يا أبا عبد الله ألقيت أخاك أبا محمد يعني طلحة ؟ فقال لها: ما لقيته بعد وما كنت لآتي أحدا ولا أبدأ به قبلك. قالت: فأته فانظر ماذا يقول. قال: فأتيناه فكلمه عمران فلم يجد عنده شيئا مما يحب فخرجنا من عنده فأتينا الزبير وهو متكئ وقد بلغه كلام عمران وما قال لعائشة فلما رآنا قعد وقال: أيحسب ابن أبي طالب أنه حين ملك ليس لاحد معه أمر فلما رأى ذلك عمران لم يكلمه فأتى عمران عثمان فأخبره. وعن أسوس [أشرس " خ "] العبدي عن عبد الجليل بن إبراهيم أن الاحنف بن قيس أقبل حين نزلت عائشة أول مرحلة من البصرة فدخل عليها فقال: يا أم المؤمنين وما الذي أقدمك وما أشخصك وما تريدين ؟ قالت: يا أحنف قتلوا عثمان فقال: يا أم المؤمنين مررت بك عام أول بالمدينة وأنا أريد مكة وقد أجمع الناس على قتل عثمان ورمي بالحجارة وحيل بينه وبين الماء فقلت لك: يا أم المؤمنين اعلمي أن هذا الرجل مقتول ولو شئت لتردين عنه وقلت: فإن قتل فإلى من ؟ فقلت: إلى علي بن أبي طالب. قالت: يا أحنف صفوه حتى إذا جعلوه مثل الزجاجة قتلوه. فقال: لها أقبل قولك في الرضا ولا أقبل قولك في الغضب.
[142]
ثم أتى طلحة فقال: يا أبا محمد ما الذي أقدمك وما الذي أشخصك وما تريد ؟ فقال: قتلوا عثمان. قال: مررت بك عاما أول بالمدينة وأنا أريد العمرة وقد أجمع الناس على قتل عثمان ورمي بالحجارة وحيل بينه وبين الماء فقلت لكم: إنكم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) لو تشاؤن أن تردوا عنه فعلتم
فقلت: دبر فأدبر. فقلت لك: فإن قتل فإلى من ؟ فقلت: إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ما كنا نرى أن أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله) يرى أن يأكل الامر وحده. وعن حريز بن حازم عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن رجل من ضبيعة قال: لما قدم طلحة والزبير ونزلا طاحية ركبت فرسي فأتيتهما فقلت لهما: إنكما رجلان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أصدقكما وأثق بكما خبراني عن مسيركما هذا شئ عهده إليكما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ أما طلحة فنكس رأسه وأما الزبير فقال: حدثنا أن ها هنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها. وعن أشعث عن ابن سيرين عن أبي الجليل وكان من خيار المسلمين قال: دخلنا على طلحة والزبير حين قدما البصرة فقلنا: أرأيتما مقدمكما هذا شئ عهد إليكما رسول الله أم رأي رأيتماه ؟ فقالا: لا ولكنا أردنا أن نصيب من دنياكم. 116 - أقول: وروى أحمد بن أعثم الكوفي أنه لما قضت عائشة حجها وتوجهت إلى المدينة استقبلها عبيد بن سلمة الليثي وكان يسمى ابن أم كلاب فسألته عائشة عن المدينة وأهلها ؟ فقال: قتل عثمان. قالت: فما فعلوا ؟ قال: بايعوا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالت: ليت السماء سقطت على
116 - رواه أحمد بن أعثم الكوفي المتوفى نحو سنة: (314) في كتاب الجمل من كتاب الفتوح.
[143]
الارض ولم أسمع ذلك منك والله لقد قتل عثمان مظلوما ولاطلبن بثاره ووالله إن يوما من عمر عثمان أفضل من حياة علي ! ! !
فقال عبيد: أما كنت تثنين على علي (عليه السلام) وتقولين: ما على وجه الارض أحد أكرم على الله من علي بن أبي طالب (عليه السلام) فما بدا لك إذ لم ترضى بإمامته ؟ وأما كنت تحرضين الناس على قتل [عثمان] وتقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. فقالت عائشة: قد كنت قلته ولكني علمته خيرا فرجعت عن قولي وقد استتابوه فتاب وغفر له ! ! ! فرجعت عائشة إلى مكة وكان من أمرها ما ستر. 117 - وروى ابن الاثير في الكامل أنه لما أخبرها عبيد بن سلمة بقتل عثمان واجتماع الناس على بيعة أمير المؤمنين قالت: أيتم الامر لصاحبك ؟ ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لاطلبن بدمه ! ! فقال لها: لقد كانت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر ! ! فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الاخير خير من قولي الاول فقال لها ابن أم الكلاب: فمنك البداة ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت لنا: إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر ولم يسقط السقف من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمر
117 - ذكره ابن الاثير في حوادث سنة: (36) في عنوان: " ذكر ابتداء وقعة الجمل من كتاب الكامل: ج 3 ص 105، ط دار الكتاب العربي ببيروت. ورواه أيضا في حوادث تلك السنة مسندا الطبري في تاريخ الامم والملوك: ج 1، ص 311 ط 1، وفي ط ج 4 ص 458 وما بعدها.
[144]
وقد بايع الناس ذا بدرة * يزيل الشبا ويقيم الصغر (1)
وتلبس للحرب أثوابها * وما من وفا مثل من قد غدر فانصرفت [عائشة] إلى مكة فقصدت الحجر فاجتمع الناس إليها فقالت: أيها الناس إن الغوغاء من أهل الامصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالامس ونقموا عليه استعمال من حدث سنه - وقد استعمل أمثالهم من قبله - ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام، والله لاصبع من عثمان خير من طباق الارض أمثالهم ! ! ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه والثوب من ذرنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء. فقال عبد الله بن عامر الحضرمي وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا أول طالب بدمه - فكان أول مجيب - وتبعه بنو أمية وكانوا هربوا من المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة فرفعوا رؤوسهم وكان أول ما تكلموا بالحجاز وتبعهم سعيد بن العاص والوليد بن عتبة [و] سائر بني أمية. وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى بن منية من اليمن ومعه ست مائة بعير وستة آلاف دينار فأناخ بالابطح.
(1) كذا في تاريخ الكامل وتاريخ الطبري، وفي أصلي من البحار: وقد بايع الناس ذا بدرة * يزيد السماء ويعم الصغر وذو التدرأ، والتدرأة: ذو العزة والمنعة.
[145]
وقدم طلحة والزبير من المدينة ولقيا عائشة فقالت: ما وراؤكما ؟ قالا: إنا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم.
فقالت: انهضوا إلى هذه الغوغاء. فقالوا: نأتي الشام. فقال ابن عامر: كفاكم الشام معاوية فأتوا البصرة. فاستقام الرأي على البصرة. وكانت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم معها على قصد المدينة فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم فمنعها أخوها عبد الله. وجهزهم يعلى بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم وجهزهم ابن عامر بمال كثير ونادى مناديها إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن أراد إعزاز الاسلام وقتال المستحلين والطلب بثار عثمان وليس له مركب فليأت فحملوا على ستمائة بعير وساروا في ألف. وقيل في تسعمائة من أهل المدينة ومكة ولحقهم الناس فكانوا في ثلاثة آلاف رجل. فلما بلغوا ذات عرق بكوا على الاسلام فلم ير يوم كان أكثر باكيا من ذلك اليوم يسمى يوم النحيب فمضوا ومعهم أبان والوليد إبنا عثمان. وأعطى يعلى بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمأتي دينار ويقال: اشتراه بثمانين دينارا فركبته وقيل كان جملها لرجل من عرينة قال العرني: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: أتبيع جملك ؟ قلت: نعم. قال: بكم قلت: بألف درهم. قال: أمجنون أنت ؟ قلت: ولم والله ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته قال: لو تعلم لمن نريده ؟ إنما نريده لام المؤمنين عائشة. فقلت: خذه بغير ثمن قال: بل ارجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة ودراهم قال: فرجعت وأعطوني ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة وقالوا لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق ؟ قلت: أنا من أدل الناس قالوا: فسر معنا فسرت معهم فلا أمر علي واد إلا سألوني عنه
حتى طرقنا الحوأب وهو ماء فنبحتها كلابه فقالوا: أي ماء هذا ؟ فقلت: هذا
[146]
ماء الحوأب فصرخت عائشة بأعلا صوتها فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ؟ ثم ضربت عضد بعيرها وأناخته وقالت: ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب فأناخوا حولها يوما وليلة. فقال عبد الله بن الزبير: إنه كذب ولم يزل بها وهي تمتنع فقال لها: النجا النجا قد أدرككم علي بن أبي طالب فارتحلوا نحو البصرة انتهى كلام ابن الاثير. 118 - وقال الدميري في حيات الحيوان: روى الحاكم عن قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس أن النبي قال لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الادبب تسير أو تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب. [قال:] والحوأب نهر بقرب البصرة والادبب: الادب وهو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية: والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب العواصم والقواصم له وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح (1). وروي أن عائشة لما خرجت مرت بماء يقال له: الحوأب فنبحتها الكلاب فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كيف بإحدأكن إذا نبحتها كلاب الحوأب انتهى كلام الدميري. (2)
118 - ذكر الدميري في مادة: " الجمل " من كتاب حياة الحيوان. (1) وكل من يراجع كتابه العواصم من القواصم يتجلى له أنه وابن تيمية كفرسي رهان في
إنكار الضروريات والقطعيات. (2) ورواه أيضا أبو موسى المديني محمد بن أبي بكر ابن أبي عيسى الاصفهاني المتوفى سنة: (581) كما في مادة: " حوب " من كتاب النهاية.
[147]
119 - وقال السيد علم الهدى في شرح قصيدة السيد الحميري رضي الله عنهما: روي أن عائشة لما نبحتها كلاب الحوأب وأرادت الرجوع قالوا لها: ليس هذا ماء الحوأب فأبت أن تصدقهم فجاؤا بخمسين شاهدا من العرب فشهدوا أنه ليس بماء الحوأب وحلفوا لها فكسوهم أكسية. وأعطوهم دراهم. قال السيد: وقيل: كانت هذه أول شهادة زور في الاسلام. 120 - وروى الصدوق قدس الله روحه في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال: أول شهادة شهد بها بالزور في الاسلام شهادة سبعين رجلا حين انتهوا إلى ماء الحوأب فنبحتهم كلابها فأرادت صاحبتهم الرجوع وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لازواجه: إن إحداكن تنبحها كلاب الحوأب في التوجه إلى قتال وصيي علي بن أبي طالب فشهد عندها سبعون رجلا أن ذلك ليس بماء الحوأب فكانت أول شهادة شهد بها في الاسلام بالزور. 121 - 122 - كش جبرئيل بن أحمد عن الحسن بن خرزاد عن ابن مهران عن أبان بن جناح عن الحسن بن حماد بلغ به قال: كان سلمان إذا رأى الجمل الذي يقال له عسكر يضربه فيقال: يا أبا عبد الله ما تريد من هذه البهيمة ؟ فيقول: ما هذا ببهيمة ولكن هذا عسكر بن كنعان الجني يا أعرابي لا ينفق جملك ها هنا ولكن اذهب به إلى الحوأب فإنك تعطى به ما تريد ! ! وبهذا الاسناد عن ابن مهران عن البطائني عن أبي بصير عن أبي جعفر
عليه السلام قال: اشتروا عسكرا بسبعمائة درهما وكان شيطانا.
119 - لم أظفر بعد بشرح السيد المرتضى على قصيدة السيد الحميري رضوان الله عليهما. 120 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الباب: (35) وهو باب نوادر الشهادات من أبواب القضايا والاحكام من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 44 ط النجف. 121 - 122 - رواه الكشي رحمه الله في أواسط ترجمة سلمان الفارسي رفع الله مقامه تحت الرقم الاول من رجاله ص 18.
[148]
123 - نهج [و] من خطبة له عليه السلام خطبها بذيقار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل: فصدع بما أمر به وبلغ رسالة ربه فلم الله به الصدع ورتق به الفتق وألف به بين ذوي الارحام بعد العداوة الواغرة في الصدور والضغائن الفادحة في القلوب.
123 - رواه السيد الرضي في المختار (229) من نهج البلاغة.
[149]
[الباب الثاني] باب احتجاج أم سلمة رضي الله عنها على عائشة ومنعها عن الخروج 124 - ج روى الشعبي عن عبد الرحمان بن مسعود العبدي قال: كنت بمكة مع عبد الله بن الزبير وطلحة والزبير فأرسلا إلى عبد الله بن الزبير فأتاهما وأنا معه فقالا له: إن عثمان قتل مظلوما وإنا نخاف أن ينقض أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن رأت عائشة أن تخرج معنا لعل الله أن يرتق بها فتقا ويشعب بها صدعا ! ! قال: فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها فدخل عبد
الله بن الزبير معها في سترها فجلست على الباب فأبلغها ما أرسلا [ه به] فقالت: سبحان الله والله ما أمرت بالخروج وما يحضرني من أمهات المؤمنين إلا أم سلمة فإن خرجت خرجت معها. فرجع إليهما فبلغهما ذلك فقالا: ارجع إليها فلتأتها فهي أثقل عليها منا فرجع إليها فبلغها فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة. فقالت لها أم سلمة: مرحبا بعائشة والله ما كنت لي بزوارة فما بدا لك ؟ قالت: قدم طلحة والزبير فخبرا أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما ؟ ! قال: فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار فقالت: يا عائشة أنت بالامس تشهدين عليه بالكفر وهو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما فما تريدين ؟ ! قالت: تخرجين معنا فلعل الله أن يصلح بخروجنا أمر أمة محمد صلى الله عليه
124 - رواه الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 166، ط بيروت.
[150]
وسلم. قالت: يا عائشة أتخرجين وقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعنا ؟ نشدتك بالله يا عائشة الذي يعلم صدقك إن صدقت أتذكرين يوما كان يومك من رسول الله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو عليه وآله السلام يقول: " والله لا تذهب الليالي والايام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له " الحوأب " امرأة من نسائي في فئة باغية " فسقط الاناء من يدي فرفع رأسه إلي وقال: ما لك يا أم سلمة ؟ فقلت: يا رسول الله ألا يسقط الاناء من يدي وأنت تقول ما تقول ما يؤمنني أن يكون أنا هي ؟ ! فضحكت أنت فالتفت إليك فقال: بما تضحكين يا حمراء الساقين إني أحسبك هي. ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا مع رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم من مكان كذا وكذا وهو بيني وبين علي بن أبي طالب عليه السلام يحدثنا فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي بن أبي طالب فرفع مقرعة كانت عنده يضرب بها وجه جملك وقال: أما والله ما يومه منك بواحد ولا بليته منك بواحدة أما إنه لا يبغضه إلا منافق كذاب. وأنشدك بالله أتذكرين مرض رسول الله الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده ومعه عمر - وقد كان علي بن أبي طالب عليه السلام يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونعله وخفه ويصلح ما وهي منها فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول الله وهى حضرمية وهو يخصفها خلف البيت - فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا: يا رسول الله كيف أصبحت ؟ فقال: أصبحت أحمد الله. قالا: ما بد من الموت. قال: أجل لابد منه. قالا: يا رسول الله فهل استخلفت أحدا ؟ قال: ما خليفتي فيكم إلا خاصف النعل فخرجا فمرا على علي بن أبي طالب وهو يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكل ذلك تعرفينه يا عائشة وتشهدين عليه. ثم قالت أم سلمة: يا عائشة أنا أخرج على علي عليه السلام بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! فرجعت عائشة إلى منزلها وقالت: يا ابن الزبير أبلغهما أني لست بخارجة
[151]
بعد الذي سمعته من أم سلمة فرجع فبلغهما قال: فما انتصف الليل حتى سمعنا رغاء إبلها ترتحل فارتحلت معهما. بيان نباح الكلب: صياحه قاله الجوهري: [ويقال:] وهي السقايهي وهيا إذا تخرق وانشق. والرغاء: صوت الابل. 125 - أقول روى السيد المرتضى رضي الله عنه هذه الرواية في شرح قصيدة
السيد الحميري رحمه الله عن أبي عبد الرحمان المسعودي عن السرى بن اسماعيل عن الشعبي إلى آخرها. ثم قال قدس سره: ومن العجائب أن يكون مثل هذا الخبر المتضمن للنص بالخلافة وكل فضيلة غريبة موجودا في كتب المخالفين وفيما يصححونه من رواياتهم ويصنفونه من سيرهم لكن القوم رووا وسمعوا وأودعوا كتبهم ما حفظوا ونقلوا ولم يتخيروا ليثبتوا ما وافق مذاهبهم دون ما خالفها وهكذا يفعل المسترسل المستسلم للحق انتهى كلامه رفع الله مقامه. 126 - ج روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: دخلت أم سلمة بنت أمية على عائشة لما أزمعت الخروج إلى البصرة فحمدت الله وصلت على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قالت: يا هذه أنت سدة بين رسول الله وبين أمته وحجابه عليك مضروب وعلى حرمته وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وضم ضفرك فلا تنشريه واسكني عقيرتك فلا تصحريها إن الله من وراء هذه الامة قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد إليك فعل بك فقد نهاك عن الفرطة في البلاد، ان عمود الدين لن يثاب بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حمادي النساء غض الاطراف وضم الذيول والاعطاف وما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عارضك في بعض هذه الفلوات وأنت ناصة قعودا من منهل إلى منهل ومنزل إلى منزل ولغير الله
125 - لم أظفر بعد بشرح قصيدة السيد الحميري للسيد المرتضى رفع الله مقامه. 126 - نقله الطبرسي رفع الله مقامه في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 167، ط بيروت.
[152]
مهواك وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تردين وقد هتكت عنك سجافه ونكثت عهده وبالله أحلف لو أن سرت مسيرك ثم قيل لي: ادخلي
الفردوس لاستحييت من رسول الله أن ألقاه هاتكة حجابا ضربه علي صلى الله عليه وآله وسلم فاتقي الله واجعليه حصنا وقاعة الستر منزلا حتى تلقينه أطوع ما تكونين لربك ما قصرت عنه وأنصح ما تكونين لله ما لزمتيه، وأنصر ما تكونين للدين ما قعدت عنه وبالله أحلف لو حدثتك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة. فقالت لها عائشة: ما أعرفني بموعظتك وأقبلني لنصيحتك ليس مسيري على ما تظنين ما أنا بالمغترة ولنعم المطلع تطلعت فيه فرقت بين فئتين متشاجرتين فإن أقعد ففي غير حرج وإن أخرج ففي ما لا غناء عنه من الازدياد به في الاجر. قال الصادق عليه السلام: فلما كان من ندمها أخذت أم سلمة تقول: لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس من زوجة لرسول الله فاضلة * وذكر آي من القرآن مدراس وحكمة لم تكن إلا لهاجسها * في الصدر يذهب عنها كل وسواس يستنزع الله من قوم عقولهم * حتى يمر الذي يقضي على الرأس ويرحم الله أم المؤمنين لقد * تبدلت لي إيحاشا بإيناس فقالت لها عائشة: شتمتيني يا أخت ؟ فقالت لها أم سلمة: لا ولكن الفتنة إذا أقبلت غطت عين البصير وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل. بيان قولها: " وضم ضفرك " بالضاد قال الجوهري: الضفر نسج الشعر وغيره عريضا والضفيرة: العقيصة يقال: ضفرت المرأة شعرها ولها ضفيرتان وضفران أيضا أي عقيصتان انتهى. والعطاف بالكسر: الرداء. وعطفا كل شئ جانباه. و [قال الجوهرى] في الصحاح: القعود من الابل هو البكر حين يركب أي يمكن ظهره من
الركوب. وقال أبو عبيد. القعود من البعير الذي يقتعده الراعي في كل حاجة
[153]
والسجاف ككتاب: الستر " ما قصرت عنه " الظاهر أن كلمة " ما " بمعنى ما دام فالضمير في " عنه " راجع إلى الامر الذي أرادته أو إلى الرب أو إلى ترك الخروج فيكون " عن " بمعنى على. والضمير في " لزمتيه " إما راجع إلى الله أي طاعته أو إلى ترك الخروج ولزوم البيت. والضمير في [قولها]: " ما قعدت عنه " راجع إلى الدين أي نصره بالجهاد أو إلى النصر أو إلى الامر الذي أرادت " بين فئتين متشاجرتين " أي متنازعتين وفي بعض النسخ " متناجزتين " وفي بعضها " متناحرتين " والمناجزة في الحرب: المبارزة والتناحر: التقابل. وقال ابن أبي الحديد (1): " فئتان متناجزتان " أي يسرع كل منهما إلى نفوس الاخرى. ومن رواه " متناحرتان " أراد الحرب وطعن النحور بالاسنة رشقها بالسهام. و " الرتبى " فعلى من الرتبة بمعنى الدرجة والمنزلة. وفي بعض الروايات: " العتبى " وهو الرجوع عن الاساءة. وبعد ذلك في سائر الروايات: كم سنة لرسول الله دارسة * وتلو آي من القرآن مدراس يقال: درس الرسم يدرس دروسا أي عفا. ودرسته الريح يتعدى ولا يتعدى. ودرست الكتاب درسا ودراسة. والتلو كأنه مصدر بمعنى التلاوة. والهاجس: الخاطر. يقال: هجس في صدري شئ يهجس أي حدث. 127 - مع ماجيلويه عن عمه عن محمد بن علي الكوفي عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن عقبة الازدي عن أبي الاخنس الارجي قال:
(1) ذكره عند شرحه للحديث في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2
ص 414 طبع الحديث ببيروت. 127 - رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في " باب معنى ما كتبته أم سلمة إلى عائشة.. " في آخر كتاب معاني الاخبار، ص 356 ط النجف.
[154]
لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة كتبت إليها أم سلمة رحمة الله عليها زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما بعد فإنك سدة بين رسول الله وبين أمته وحجابه المضروب على حرمته وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وسكن عقيراك فلا تصحريها، الله من وراء هذه الامة وقد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد إليك لفعل، وقد عهد فاحفظي ما عهد ولا تخالفي فيخالف بك. واذكري قوله في نباح كلاب الحوأب، وقوله: ما للنساء والغزو، وقوله: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت علت (1) بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد. إن عمود الاسلام لن يثأب بالنساء إن مال، ولن يرأب بهن إن صدع، حماديأت النساء غض الابصار وخفر الاعراض وقصر الوهازة. ما كنت قائلة لو أن رسول الله عارضك ببعض الفلوات ناصة قلوصا من منهل إلى آخر إن بعين الله مهواك وعلى رسوله تردين وقد وجهت سدافته وتركت عهيداه. لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى رسول الله هاتكة حجابا قد ضربه علي فاتقي الله [و] اجعلي حصنك بيتك ورباعة الستر قبرك حتى تلقيه وأنت على تلك الحال أطوع ما تكونين لله ما لزمته وأنصر ما تكونين للدين ما جلست عنه، لو ذكرتك بقول تعرفينه لنهشت
نهش الرقشا المطرق. فقالت عائشة: ما أقبلني لوعظك وما أعرفني بنصحك وليس الامر على ما تظنين ولنعم المسير مسيرا فزعت إلي فيه فئتان متشاجرتان إن أقعد ففي غير حرج وإن أنهض فإلى ما لابد من الازدياد منه. فقالت أم سلمة: لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة العتبى على الناس
(1) كذا ها هنا ومثله يأتي قريبا عند نقل المصنف تفسير الحديث عن الصدوق. وفي طبع بيروت من كتابمعاني الاخبار ها هنا. وفيما يأتي عند تفسير الحديث: " علت علت ".
[155]
كم سنة لرسول الله دارسة * وتلو آي من القرآن مدراس قد ينزع الله من قوم عقولهم * حتى يكون الذي يقضي على الرأس ثم قال رحمه الله تفسيره: قولها رحمة الله عليها: إنك سدة بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي إنك باب بينه وبين أمته فمتى أصيب ذلك الباب بشئ فقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حريمه وحوزته فاستبيح ما حماه فلا تكوني أنت سبب ذلك بالخروج الذي لا يجب عليك فتحوجي الناس إلى أن يفعلوا مثل ذلك. وقولها: " فلا تندحيه " أي لا تفتحيه فتوسعيه بالحركة والخروج يقال: ندحت الشئ إذا أوسعته. [و] منه يقال: أنا في مندوحة عن كذا أي في سعة. وتريد بقولها: " قد جمع القرآن ذيلك " قول الله عزوجل: * (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * وقولها: " وسكن عقيراك " من عقر الدار وهو أصلها وأهل الحجاز
يضمون العين وأهل نجد يفتحونها فكانت عقيرا اسم مبني من ذاك على التصغير ومثله مما جاء مصغرا " الثريا والحميا " وهي سورة الشراب، ولم يسمع بعقيرا إلا في هذا الحديث. وقولها: " فلا تصحريها " أي لا تبرزيها وتباعديها وتجعليها بالصحراء يقال: أصحرنا إذا أتينا الصحراء كما يقال: أنجدنا إذا أتينا نجدا. وقولها: " علت " أي ملت إلى غير الحق. والعول: الميل [عن الشئ] والجور قال الله عزوجل: " ذلك أدنى أن لا تعولوا " يقال: عال يعول إذا جار. وقولها: " بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد " أي عن التقدم والسبق في البلاد لان الفرطة اسم في الخروج والتقدم مثل غرفة وغرفة يقال في فلان فرطة: أي تقدم وسبق يقال: فرطته في الماء أي سبقته. وقولها: إن عمود الاسلام لن يثأب بالنساء إن مال " أي لا يرد بهن إلى استوائه. [يقال:] ثبت إلى كذا أي عدت إليه.
[156]
وقولها: " لن يرأب بهن إن صدع " أي لا يسد بهن يقال: رأبت الصدع: لامته فانضم. وقولها " حماديات النساء " هي جمع حمادى يقال: قصاراك أن تفعل ذلك وحماداك كأنها تقول: جهدك وغايتك. وقولها: " غض الابصار " معروف. وقولها: " وخفر الاعراض " الاعراض: جماعة العرض وهو الجسد. والخفر: الحياء أرادت أن محمدة النساء في غض الابصار وفي الستر للخفر الذي هو الحياء " وقصر الوهازة " وهو الخطو تعنى بها أن تقل خطوهن. وقولها: " ناصة قلوصا من منهل إلى آخر " أي رافعة لها في السير. والنص: سير مرفوع ومنه يقال: نصصت الحديث إلى فلان إذا رفعه إليه ومنه
الحديث: " كان رسول الله يسير العنق فإذا وجد فجوة نص يعني زاد في السير. وقولها: " إن بعين الله مهواك " يعني مرادك لا يخفى على الله. وقولها: " وعلى رسول الله تردين " أي لا تفعلي فتخجلي من فعلك " وقد وجهت سدافته " أي هتكت الستر لان السدافة: الحجاب والستر وهو اسم مبني من أسدف الليل إذا ستر بظلمته. ويجوز أن يكون أرادت [من قولها:] " وجهت سدافته " يعني أزلتيها من مكانها الذي أمرت أن تلزميه وجعلتها أمامك. وقولها: " وتركت عهيداه " تعني بالعهيدة الذي تعاهده ويعاهدك (1) ويدل على ذلك قولها: " لو قيل لي ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله هاتكة حجابا قد ضربه علي ". وقولها: " اجعلي
(1) هذا هو الظاهر، وفي ط بيروت من كتاب معاني الاخبار: " تعني بالعهيدة التي.. ". وأما اصلي من طبع الكمباني من البحار فقد جمع فيه بين اللفظتين ولكن وضع فيه لفظة " الذي " فوق " التي ". وقال ابن قتيبة قولها: " وتركت عهيدا " لفظة مصغرة مأخوذة من العهد مشابهة لما سلف من قولها: " عقيراك " و " حماديات النساء ".
[157]
حصنك بيتك ورباعة الستر قبرك " فالربع: المنزل. ورباعة الستر: ما وراء الستر تعني اجعلي ما وراء الستر من المنزل قبرك و [هذا] معنى ما يروى " ووقاعة الستر قبرك " هكذا رواه القتيبي وذكر أن معناه " ووقاعة الستر " موقعه من الارض إذا أرسلت. وفي رواية القتيبي: " لو ذكرت قولا تعرفينه نهستني نهس (1) الرقشاء المطرق " فذكر أن الرقشاء سميت بذلك لرقش في
ظهرها وهي النقط. وقال [غير] القتيبي: الرقشاء من الافاعي التي في لونها سواد وكدورة قال: والمطرق: المسترخى جفون العين. توضيح: كلامها رضي الله عنها مع عائشة متواتر المعنى رواه الخاصة والعامة بأسانيد جمة وفسروا ألفاظه في كتب اللغة ورواه ابن أبي الحديد في شرح [المختار (79) من] النهج وشرحه وقال ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث. ورواه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بلاغات النساء بأدن تغيير وقال بعد حكاية كلام أم سلمة: قالت عائشة: يا أم سلمة ما أقبلني لموعظتك وأعرفني بنصحك ليس الامر كما تقولين ما أنا بمغتمرة بعد التغريد ولنعم المطلع مطلع أصلحت فيه بين فئتين متناجزتين والله المستعان. ورواه الزمخشري في الفائق وقال بعد قولها: " سدافته " وروي: " سجافته " وبعد قولها: " فئتان متناجزتان " أو " متناحرتان " ثم قال: السدة: الباب تريد أنك من رسول الله بمنزلة سدة الدار من أهلها فإن نابك أحد بنائبة أو نال منك نائل فقد ناب رسول الله ونال منه وترك ما يجب فلا تعرضي بخروجك أهل الاسلام لهتك حرمة رسول الله وترك ما يجب عليهم من تعزيزه وتوقيره.
(1) كذا - بالسين المهملة - في طبع الكمباني من البحار، وفي معاني الاخبار: " نهشتني نهش... " بالمعجمة فيهما.
[158]
[و] " ندح الشئ ": فتحه ووسعه وبدحه نحوه من البداح وهو المتسع من الارض [و] " العقيرى " كأنها تصغير العقرى فعلى من عقر إذا بقي مكانه لا يتقدم ولا يتأخر فزعا أو أسفا أو خجلا وأصله من عقرت به إذا
أطلت حبسه كأنك عقرت راحلته فبقي لا يقدر على البراح أرادت نفسها أي سكني نفسك التي صفتها أو حقها أن تلزم مكانها أو لا تبرح بيتها واعملي بقوله [تعالى] " وقرن في بيوتكن ". [و] " أصحر " أي خرج إلى الصحراء وأصحر به غيره وقد جاء ها هنا متعديا على حذف الجار وإيصال الفعل. وقال [ابن الاثير في مادة " عال "] في النهاية: في حديث أم سلمة قالت لعائشة: " لو أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعهد إليك علت " أي عدلت عن الطريق وملت. قال: [وقال] القتيبي: وسمعت من يرويه بكسر العين فإن كان محفوظا فهو من عال في البلاد يعيل إذا ذهب ويجوز أن يكون من عاله يعوله إذا غلبه أي غلبت على رأيك ومنه قولهم عيل صبرك... وقيل: جواب لو محذوف أي " لو أراد فعل " فتركته لدلالة الكلام عليه، ويكون قولها: " علت " كلاما مستأنفا. وقال [في مادة فرط من كتاب النهاية] في قولها: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاك عن الفرطة في الدين " يعني السبق والتقدم ومجاوزة الحد. الفرطة بالضم اسم للخروج والتقدم وبالفتح المرة الواحدة. و [أيضا] قال [في مادة " رأب "] يقال: رأب الصدع إذا شعبه ورأب الشئ إذا جمعه وشده برفق ومنه حديث أم سلمة: [لا يرأب بهن إن صدع] قال القتيبي: الرواية " صدع " فإن كان محفوظا فإنه يقال: صدعت الزجاجة فصدعت كما يقال جبرت العظم فجبر وإلا فإنه صدع أو انصدع. وقال [في مادة " حمد ": وفي حديث أم سلمة] " حماديات النساء " أي غاياتهن ومنتهى ما يحمد منهن. يقال: حماداك أن تفعل أي جهدك وغايتك.
[159]
وقال في الفائق في " غض الاطراف " أورده القتيبي هكذا وفسر الاطراف بجمع طرف وهو العين ويدفع ذلك أمران: أحدهما أن الاطراف في جمع طرف لم يرد به سماع بل ورد برده وهو قول الخليل: إن الطرف لا يثنى ولا يجع وذلك لانه مصدر طرف إذا حرك جفونه في النظر. والثاني أنه غير مطابق ل [قولها:] " خفر الاعراض " ولا أكاد أشك أنه تصحيف والصواب: " غض الاطراق وخفر الاعراض " والمعنى أن يغضضن من أبصارهن مطرقات أي راميات بأبصارهن إلى الارض ويتخفرن من السوء معرضات عنه. وقال في [مادة طرف من] النهاية: [وفي حديث أم سلمة قالت لعائشة: " حماديات النساء غض الاطراف] أرادت قبض اليد والرجل عن الحركة والسعي تعني تسكين الاطراف وهي الاعضاء. ثم ذكر كلام القتيبي والزمخشري. وقال في " خفر الاعراض " أي الحياء من كل ما يكره لهن أن ينظرن إليه فأضافت الخفر إلى الاعراض أي الذي تستعمل لاجل الاعراض. ويروى " الاعراض " بالفتح جمع العرض أي أنهن يستحيين ويتسترن لاجل أعراضهن وصونها انتهى. [أقول] والعرض وإن ورد بمعنى الجسد لكن في هذا المقام بعيد قال الفيروز آبادي: العرض بالكسر: الجسد وكل موضع يعرق منه ورائحته رائحة طيبة كانت أو خبيثة والنفس. وجانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقض ويثلب. وقال في الفائق: الوهازة: الخطو يقال: هو يتوهز ويتوهس: إذا وطئ
وطئا ثقيلا. وقال ابن الاعرابي: الوهازة: مشية الخفرات. والاوهز: الرجل الحسن المشية.
[160]
و [قال ابن الاثير] في النهاية: النص: التحريك حتى يستخرج أقصى سير الناقة وأصل النص أقصى الشئ وغايته ثم سمي به ضرب من السير سريع ومنه حديث أم سلمة: " ناصة قلوصا " أي دافعة لها في السير وقال: القلوص: الناقة. والفجوة: ما اتسع من الارض و [قال الزمخشري] في الفائق: السدافة والسجافة: الستارة وتوجيهها هتكها وأخذ وجهها كقولك لاخذ قذى العين تغذية أو تغييرها وجعلها لها وجها غير الوجه الاول. وفي النهاية " العهيدا " بالتشديد والقصر فعيلا من العهد كالجهيدى من الجهد والعجيلى من العجلة. وأما ما ذكره الصدوق رحمه الله فكأنه قرأ على فعيل مخففا قال الجوهري: عهيدك: الذي يعاهدك وتعاهده وأراد أنه مأخوذ من العهيد بهذا المعنى. وفي الفائق: وقاعة الستر وموقعته: موقعه على الارض إذا أرسلت ويروى " وقاحة الستر " أي وساحة الستر وموضعه. قوله: " وفي رواية القتيبي " إلى قولها: " نهستني نهس الرقشاء " لعل الاختلاف بين الروايتين في السين المهملة والمعجمة وهما متقاربان معنا إذ بالمهملة [معناه] أخذ اللحم بأطراف الاسنان، وبالمعجمة: لسع الحية والاخير أنسب: وفي بعض النسخ " نهست " ففيه إختلاف آخر. وقال في النهاية: في حديث أم سلمة قالت لعائشة: " لو ذكرتك قولا تعرفينه نهشته نهش الرقشاء المطرق " الرقشاء: الافعى سميت به لترقيش في
ظهرها وهي خطوط ونقط و [إنما] قالت " المطرق " لان الحية تقع على الذكر والانثى انتهى ولعله كناية عن سمنها وكثرة سمها أو استغفالها وأخذها دفعة. وفي رواية أحمد بن أبي طاهر: " وقد سكن القرآن ذيلك فلا تبدحيه، وهدأ من عقيرتك فلا تصحليها ". وفي [مادة " بدح " من كتاب] النهاية: [وفي حديث أم سلمة قالت لعائشة]: " قد جمع القرآن ذيلك فلا تبدحيه " أي لا توسعيه بالحركة والخروج. والبدح: العلانية. وبدح بالامر: باح به ويروى بالنون انتهى. و " هدأ " على التفعيل أي سكن. " والعقيرة " على فعيلة: الصوت أو
[161]
صوت المغني والباكي والقاري. وقال في النهاية: الصحل - بالتحريك -: كالبحة ومنه: " فإذا أنا بهاتف يهتف بصوت صحل " ومنه: " أنه كان يرفع صوته بالتلبية حتى يصحل " أي يبح. ثم في تلك الرواية: " الله من وراء هذه الامة لو أراد أن يعهد فيك، بله أن قد نهاك عن الفرطة في البلاد ". قال الجوهري: بله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف، ومعناها: دع، ويقال معناها. سوى. وقال الفيروز آبادي: بله ككيف اسم له كدع، ومصدر بمعنى الترك، واسم مرادف لكيف وما بعدها منصوب على الاول مخفوض على الثاني مرفوع على الثالث وفتحها بناء على الاول والثالث اعراب على الثاني. والفراطة بالضم أيضا بمعنى التقدم. ثم فيها: " ما كنت قائلة لو [إن " خ ظ "] كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عارضك بأطراف الفلوات ناصة قعودا من منهل إلى منهل إن بعين الله
مثواك وعلى رسول الله تعرضين، ولو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا هاتكة حجابا جعله الله علي فاجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك حتى تلقينه وهو عنك راض ". قولها: " وما أنا بمغتمزة بعد التغريد " لعل المعنى أني بعدما أعلنت العداوة وعلم الناس بخروجي لا أرجع إلى إخفاء الامر والاشارة بالعين والحاجب. ويمكن أن يقرأ " بمغتمزة " على بناء المفعول أي لا يطعن علي أحد بعد تغريدي ورفعي الصوت بأمري قال الجوهري: فعلت شيئا فاغتمزه فلان أي طعن علي ووجد بذلك مغمزا. وقال الغرد - بالتحريك -: التطريب في الصوت والغناء والتغريد مثله.
[162]
128 - ختص: محمد بن علي بن شاذان عن أحمد بن يحيى النحوي أبي العباس ثعلب عن أحمد بن سهل عن يحيى بن محمد بن إسحاق بن موسى عن أحمد بن قتيبة عن عبد الحكم القتيبي عن أبي كبسة ويزيد بن رومان قالا: لما اجتمعت عائشة على الخروج إلى البصرة أتت أم سلمة رضي الله عنها وكانت بمكة فقالت: يا ابنة أبي أمية كنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله (صلى الله عليه) يقمؤ في بيتك وكان يقسم لنا في بيتك وكان ينزل الوحي في بيتك. قالت لها: يا بنت أبي بكر لقد زرتيني وما كنت زوارة ولامر ما تقولين هذه المقالة قالت: إن بني وابن أخي (1) أخبراني أن الرجل قتل مظلوما وأن بالبصرة مائة ألف سيف يطاعون فهل لك أن أخرج أنا وأنت لعل الله أن يصلح بين فئتين متشاجرتين. فقالت: يا بنت أبي بكر أبدم عثمان تطلبين ؟ فلقد كنت أشد الناس عليه
وإن كنت لتدعينه بالتبري أم أمر ابن أبي طالب تنقضين فقد بايعه المهاجرون والانصار إنك سدة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أمته وحجابه مضروبة على حرمه وقد جمع القرآن ذيلك فلا تبذخيه وسكنى عقيراك فلا تضحي [فلا تفضحي " خ ل "] بها، الله من وراء هذه الامة قد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكانك ولو أراد أن يعهد إليك فعل قد نهاك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الفراطة في البلاد إن عمود الاسلام لا ترأبه النساء إن انثلم ولا يشعب بهن إن انصدع حماديات النساء غض بالاطراف وقصر الوهادة وما كنت قائلة لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عرض لك ببعض الفلوات وأنت ناصة قلوصا من منهل إلى آخر إن بعين الله مهواك وعلى رسول الله تردين وقد وجهت سدافته وتركت عهيداه أقسم بالله لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا (صلى الله
128 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في أواسط كتاب الاختصاص ص 113، ط النجف. (1) كذا في طبعة الكمباني من أصلي، ولعل الصواب: " وابن أختي " ومرادها منه هو " عبد الله بن الزبير ".
[163]
عليه وآله) هاتكة حجابا قد ضربه علي اجعلي حصنك بيتك وقاعة الستر قبرك حتى تلقيه وأنت على ذلك أطوع ما تكونين لله ما لزمته وانصر ما تكونين للدين ما جلست عنه. ثم قالت: لو ذكرتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسا في علي صلوات الله عليه لنهشتني نهش الحية الرقشاء المطرقة ذات الخبب أتذكرين إذ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرع بين: نسائه إذا أراد سفرا فأقرع
بينهن فخرج سهمي وسهمك فبينا نحن معه وهو هابط من " قديد " ومعه علي صلوات الله عليه ويحدثه فذهبت لتهجمي عليه فقلت لك: رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه ابن عمه ولعل له إليه حاجة فعصيتني ورجعت باكية فسألتك فقلت بأنك هجمت عليهما فقلت: يا علي إنما لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم من تسعة أيام وقد شغلته عني فأخبرتيني أنه قال لك أتبغضينه فما يبغضه أحد من أهلي ولا من أمتي إلا خرج من الايمان أتذكرين هذا يا عائشة ؟ قالت: نعم. ويوم أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سفرا وأنا أجش له جشيشا فقال: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحوأب فرفعت يدي من الجشيش وقلت: أعوذ بالله أن أكونه. فقال: والله لابد لاحداكما أن تكونه اتقى الله يا حميراء أن تكونيه. أتذكرين هذا يا عائشة ؟ قالت: نعم. ويوم تبدلنا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فلبست ثيابي ولبست ثيابك فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فجلس إلى جنبك فقال: أتظنين يا حميراء أني لا أعرفك ؟ أما إن لامتي منك يوما مرا - أو يوما أحمر ! ! - أتذكرين هذا يا عائشة ؟ قالت: نعم. ويوم كنت أنا وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء أبوك وصاحبه يستأذنان فدخلنا الخدر فقالا: يا رسول الله إنا لا ندري قدر مقامك فينا فلو جعلت لنا إنسانا نأتيه بعدك. قال: أما إني أعرف مكانه وأعلم موضعه ولو أخبرتكم به لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن عيسى بن مريم فلما.
[164]
خرجا خرجت إليه أنا وأنت وكنت جريئة عليه فقلت من كنت جاعلا لهم ؟ فقال: خاصف النعل وكان علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يصلح نعل
رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا تخرقت ويغسل ثوبه إذا اتسخ فقلت: ما أرى إلا عليا فقال: هو ذاك أتذكرين هذا يا عائشة قالت: نعم. قالت ويوم جمعنا رسول الله في بيت ميمونة فقال: يا نسائي اتقين الله ولا يسفر بكن أحد. أتذكرين هذا يا عائشة قالت: نعم ما أقبلني لوعظك وأسمعني لقولك فإن أخرج ففي غير حرج وإن أقعد ففي غير بأس. فخرجت [من عندها] فخرج رسولها فنادى في الناس من أراد أن يخرج [فليخرج] فإن أم المؤمنين غير خارجة فدخل عليها عبد الله بن الزبير فنفث في أذنها وقلبها في الذروة فخرج رسولها تنادى من أراد أن يسير فليسر فإن أم المؤمنين خارجة. فلما كان من ندمها [بعد انقضاء حرب الجمل ما كان] أنشأت أم سلمة تقول: لو أن معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس كم سنة [من] رسول الله تاركة * وتلو آي من القرآن مدراس قد ينزع الله من ناس عقولهم * حتى يكون الذي يقضي على الناس فيرحم الله أم المؤمنين لقد * كانت تبدل إيحاشا بإيناس قال أبو العباس ثعلب قوله: " يقمؤ في بيتك " يعني يأكل ويشرب. " وقد جمع القرآن ذيلك فلا تبذخيه " البذخ: النفخ والريا والكبر. " سكنى عقيراك ": مقامك وبذلك سمي العقار لانه أصل ثابت. وعقر الدار: أصلها وعقر المرأة: ثمن بضعها. " فلا تضحي بها " قال الله عزوجل: " إنك لا تظمؤ فيها ولا تضحى " أي لا تبرز للشمس وقال النبي (صلى الله عليه وآله) لرجل محرم: " أضح لمن أحرمت له " أي اخرج إلى البراز والموضع الظاهر المنكشف من الاغطية والستور. " الفراطة في البلاد ": السعي والذهاب. " لا ترأبه
النساء ": لا تضمه النساء. [و] " حمادي النساء ": ما يحمد منهن. " غض
[165]
بالاطراف " [أي] لا يبسطن أطرافهن في الكلام. " قصر الوهادة " [هي] جمع وهد ووهاد، والوهاد: الموضع المنخفض. " ناصة قلوصا " النص: السوق بالعنف ومن ذلك الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان إذا وجد فجوة نص أي أسرع ومن ذلك نص الحديث أي رفعه إلى أصله بسرعة. " من منهل إلى آخر " المنهل: الذي يشرب منه الماء. [و] " مهواك ": الموضع الذي تهوين وتستقرين فيه قال الله عزوجل: " والنجم إذا هوى " أي نزل " سدافته " من السدفة وهي شدة الظلمة. قاعة الستر [و] قاعة الدار: صحنها. [و] السدة: الباب. إيضاح: قال في النهاية فيه أنه (عليه السلام) كان يقمأ إلى منزل عائشة كثيرا أي يدخل. وقماءت بالمكان قمأ: دخلته وأقمت [به] كذا فسر في الحديث قال الزمخشري: ومنه إقتمأ الشئ إذا جمعه. وفي القاموس: قمأت الابل بالمكان: أقامت لخصبه فسمنت. وتقمأ المكان: وافقه فأقام به كقماء. وبذخ - من باب تعب -: طال أو تكبر. ولم أر في كتب الغة [مجئ بذخ] بمعنى النفخ. ولعله قراء على بناء الافعال واستعمل في هذا المعنى تجوزا أو كان هذا هو أصل واستعمل في الكبر تجوزا ثم صار حقيقة فيه. " والخبب " محركة ضرب من العدو. [و] " القديد " كزبير اسم واد وموضع. [قوله:] " أجش له جشيشا " بالجيم والشين المعجمة قال الفيروز ابادي: جشه: دقه وكسره، والجشيش: السويق. وحنطة تطحن جليلا فتجعل في قدر ويلقى فيه لحم أو تمر فيبطخ. والتبذل: ترك التزين ولبس ثياب
المهنة. والابتذال: ضد الصيانة ولعل المراد هنا جعلهما نفسهما عرضة للطفه كأنهما خلقنا وابتذلتا كما ورد في خبر آخر في كيفية معاشرة الزوجين: " ولم تبذل له تبذل الرجل " وكان [لفظ المصدر] المأخوذ منه يحتمل الدال المهملة أيضا فالمراد الزينة وتغيير الثياب. " أو يوما أحمر " أي يوما صعبا شديدا ويعبر عن الشدة بالحمرة يقال: أحمر البأس أي اشتد إما لحمرة النار أو لحمرة الدم.
[166]
قوله (صلى الله عليه وآله) " ولا يسفر بكن أحد " قال الجوهري: سفرت المرأة: كشفت عن وجهها فهي سافر. ويقال: سفرت أسفر سفورا: خرجت إلى السفر فأنا سافر انتهى. والظاهر في الخبر المعنى الاخير وإن كان [المعنى] الاول أيضا محتملا. قوله " في الذروة " أي كان هذا النفث حال كونه في ذروتها و " راكبا على سنامها " كناية عن التسلط عليها ولعل فيه سقطا. قال في النهاية: في حديث الزبير: " سأل عائشة الخروج إلى البصرة فأبت عليه فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته " جعل فتل وبرذروة البعير وغاربه مثلا لازالتها عن رأيها كما يفعل بالجمل النفور إذا أريد تأنيسه وإزالة نفاره انتهى. ولا يخفى تصحيف " الوهادة " وبعدما ذكره ثعلب في " السدافة " وإن وردت في اللغة بهذا المعنى. وقال ابن أبي الحديد: (1) قولها: " الله من وراء هذه الامة " أي محيط بهم وحافظ لهم وعالم بأحوالهم كقوله تعالى: * (والله من ورائهم محيط) *. وقال " إن بعين الله مهواك " أي إن الله يرى سيرك وحركتك. والهوى:
الانحدار في السير من النجد إلى الغور " وعلى رسول الله تردين " أي تقدمين في القيامة. وقال: " وجهت سدافته " أي نظمتها بالخرز، والوجيهة خرزة معروفة وعادة العرب أن تنظم على المحمل خرزات إذا كان للنساء. وقال: " وتركت عهيداه " لفظة مصغرة مأخوذة من العهد مشابهة لقولها " عقيراك ".
(1) ذكره في شرحه على المختار: (79) من نهج البلاغة: ج 2 ص 412 طبع الحديث ببيروت.
[167]
قولها: " وأنت على تلك " أي على تلك الحال. قولها: " أطوع ما تكونين " أطوع مبتدأ " وإذا لزمته " خبر المبتدأ والضمير في لزمته راجع إلى العهد والامر الذي أمرت به. قولها: " لنهشت به نهش الرقشاء المطرقة " أي لعضك ونهشك ما أذكره لك وأذكرك به كما ينهشك أفعى رقشاء. والرقش: في ظهرها هو النقط. والافعى يوصف بالاطراق وكذلك الاسد والنمر والرجل الشجاع وكان معاوية يقول في علي: الشجاع المطرق. 129 - أقول وروى أحمد بن أعثم الكوفي في تاريخه أن عائشة أتت أم سلمة فقالت لها: أنت أقرب منزلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نسائه وأول من هاجر معه وكان رسول الله يبعث إلى بيتك ما يتحف له ثم يقسمه بيننا وأنت تعلمين ما نال عثمان من هذه الامة من الظلم والعدوان ولا أنكر عليهم إلا أنهم استتابوه فلما تاب ورجع قتلوه وقد أخبرني عبد الله بن عامر وكان عامل عثمان على البصرة (1) أنه قد اجتمع بالبصرة مائة ألف من الرجال يطلبون بثاره وأخاف الحرب بين المسلمين وسفك الدماء بغير حل
لعزمت على الخروج لاصلح بينهم فلو خرجت معنا لرجونا أن يصلح الله بنا أمر هذه الامة. فقالت أم سلمة: يا بنت أبي بكر أما كنت تحرضين الناس على قتله وتقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر ! ! وما أنت والطلب بثأره وهو رجل من بني عبد مناف وأنت امرأة من تيم بن مرة ما بينك وبينه قرابة وما أنت والخروج على علي بن أبي طالب أخي رسوله (صلى الله عليه وآله) وقد اتفق المهاجرون والانصار على إمامته.
(1) هذا هو الصواب، وفي الاصل الحاكي: " وكان عامل عثمان على مكة... ".
[168]
ثم ذكرت طرفا من مناقبه وعدت نبذة من فضائله وقد كان عبد الله بن الزبير واقفا على الباب يسمع كلامها فناداها: يا أم سلمة قد علمنا بغضك لآل الزبير وما كنت محبة لنا ولا تحبينا أبدا. فقالت أم سلمة: أتريد أن نخرج على خليفة رسول الله ومن علم المهاجرون والانصار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولاه أمر هذه الامة. فقال: ما سمعنا ذلك من رسول الله فقالت: إن كنت لم تسمع فقد سمعته خالتك هذه فاسألها تحدثك وقد سمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: أنت خليفتي في حياتي وبعد موتي من عصاك فقد عصاني أهكذا يا عائشة ؟ فقالت: نعم سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشهد بها فقالت أم سلمة: فاتقي الله يا عائشة واحذري ما سمعت من رسول الله وقد قال لك: لا تكوني صاحبة كلاب الحوأب. ولا يغرنك الزبير وطلحة فإنهما لا يغنيان عنك من الله شيئا. فقامت عائشة مغضبة فخرجت من بيتها. 130 - وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى هشام بن محمد الكلبي
في كتاب الجمل أن أم سلمة كتبت إلى علي (عليه السلام) من مكة: أما بعد فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة ومعهم عبد الله بن عامر بن كريز ويذكرون أن عثمان قتل مظلوما وأنهم يطلبون بدمه والله كافيهم بحوله وقوته ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج وأمرنا به من لزوم البيت لم أدع الخروج إليك والنصرة لك ولكني باعثة نحوك ابني عدل نفسي عمر بن أبي سلمة فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا. قال: فلما قدم عمر على علي (عليه السلام) أكرمه ولم يزل مقيما معه حتى
130 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2 ص 410 ط الحديث ببيروت.
[169]
شهد مشاهده كلها ووجهه علي (عليه السلام) أميرا على البحرين وقال لابن عم له بلغني أن عمر يقول الشعر فابعث إلي [شيئا] من شعره. فبعث إليه بأبيات له أولها: جزتك أمير المؤمنين قرابة * رفعت بها ذكري جزاء موفرا فعجب علي (عليه السلام) من شعره واستحسنه. قال: وقال أبو مخنف: جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لنا من بيتك وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك. فقالت أم سلمة: لامر ما قلت هذه المقالة. فقالت عائشة: إن عبد الله
أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام وقد عزمت الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا وبنا ! ! ! فقالت أم سلمة: إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك إلا نعثلا وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفأذكرك ؟ قالت: نعم. قالت: أتذكرين يوم أقبل [النبي] عليه السلام ونحن معه حتى إذا هبط من " قديد " ذات الشمال خلا بعلي يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك ؟ فقلت: إني هجمت عليهما وهما تتناجيان فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام فما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي ؟ فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي وهو غضبان محمر الوجه فقال: ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان فرجعت نادمة ساقطة فقالت: عائشة نعم أذكر ذلك.
[170]
قالت: وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حيسا وكان الحيس يعجبه فرفع رأسه وقال: " ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط " فرفعت يدي من الحيس فقلت: أعوذ بالله ورسوله من ذلك ثم ضرب على ظهرك وقال: إياك أن تكونيها. ثم قال: يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها [ثم قال] " يا حميراء أما إني فقد أنذرتك " قالت عائشة: نعم أذكر هذا.
قالت وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله فيخصفهما ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها في ظل سمرة وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا فحادثاه فيما أرادا ثم قالا: يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران فسكتا ثم خرجا فلما خرجنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت له وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال: خاصف النعل. فنظرنا فلم نر أحدا إلا عليا فقلت: يا رسول الله ما أرى إلا عليا فقال: هو ذاك. فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك فقالت: فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟ فقالت: إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجوا فيه الاجر إنشاء الله تعالى. فقالت: أنت ورأيك فانصرفت عائشة عنها وكتبت أم سلمة بما قالت وقبل لها إلى علي (عليه السلام).
[171]
[الباب الثالث] باب ورود البصرة ووقعة الجمل وما وقع فيها من الاحتجاج 131 - شا من كلام أمير المؤمنين صلوات الله [عليه] حين دخل البصرة وجمع أصحابه فحرضهم على الجهاد وكان مما قال: عباد الله انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنهم نكثوا بيعتي وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح والعقوبة الشديدة وقتلوا السبابجة ومثلوا بحكيم بن جبلة العبدي وقتلوا رجالا صالحين ثم تتبعوا منهم
من نجى يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا مالهم قاتلهم الله أنى يؤفكون. انهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم والقوهم صابرين محتسبين تعلمون أنكم منازلوهم ومقاتلوهم ولقد وطنتم أنفسكم على الطعن الدعسي (1) والضرب الطلحفي ومبارزة الاقران. وأي امرء أحسن من نفسه رباطة جأش عند اللقاء ورآى من أحد من
131 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (24) مما اختار من كلم أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 134، ط النجف، وفيه: " ومن كلامه عليه السلام حين دخل البصرة.. فكان مما قال ". (1) هذا هو الصواب المذكور في طبع النجف من كتاب الارشاد، وفي ط الكمباني من. البحار: " على القتل الدعسى... ".
[172]
إخوانه فشلا فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله. بيان: نهد إلى العدو ينهد بالفتح أي نهض ذكره الجوهري وقال: برح به الامر تبريحا أي جهده. وضربه ضربا مبرحا. وقال: السبابجة قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن. والدعسي - بفتح الدال والياء المشددة - قال في القاموس: الدعس: شدة الوطئ والطعن والطعان. والمداعسة: المطاعنة. والطلحف بكسر الطاء وفتح اللام وسكون الحاء: الشديد وسيأتي شرح بعض الفقرات. 132 - قب جمل أنساب الاشراف أنه زحف علي (عليه السلام) بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين على
ميمنته الاشتر وسعيد بن قيس وعلى ميسرته عمار وشريح بن هانئ وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعدي بن حاتم وعلى الجناح زياد بن كعب وحجر بن عدي وعلى الكمين عمرو بن الحمق وجندب بن زهير وعلى الرجالة أبو قتادة الانصاري. وأعطى رايته محمد بن الحنفية ثم أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم ويقول لعائشة: إن الله أمرك أن تقري في بيتك فاتقي الله وارجعي ويقول لطلحة والزبير خبأتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستفززتماها ! ! فيقولان: إنما جئنا للطلب بدم عثمان وأن يرد الامر شورى. وألبست عائشة درعا وضربت على هودجها صفائح الحديد وألبس الهودج
132 - رواه محمد بن علي بن شهر آشوب رحمه الله في عنوان " ما ظهر منه عليه السلام في حرب الجمل " من كتاب مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 339 ط النجف.
[173]
درعا، وكان الهودج لواء أهل البصرة وهو على جمل يدعى عسكرا (1) روى ابن مردويه في كتاب الفضائل من ثمانية طرق أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال للزبير: أما تذكر يوما كنت مقبلا بالمدينة تحدثني إذ خرج رسول الله فرآك معي وأنت تتبسم إلي فقال لك: يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت: وكيف لا أحبه وبيني وبينه من النسب والمودة في الله ما ليس لغيره. فقال: إنك ستقاتله وأنت ظالم له ! ! فقلت: أعوذ بالله من ذلك. وقد تظاهرت الروايات أنه قال (عليه السلام) إن النبي صلى الله عليه وآله قال لك: يا زبير تقاتله ظلما وضرب كتفك ؟ ! قال: اللهم نعم. قال: أفجئت تقاتلني ؟ فقال: أعوذ بالله من ذلك.
ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): دع هذا بايعتني طائعا ثم جئت محاربا فما عدا مما بدا ؟ فقال: لا جرم والله لا قاتلتك. حلية الاولياء قال عبد الرحمان بن أبي ليلى: فلقيه عبد الله ابنه فقال: جبنا جبنا ؟ ! فقال: يا بني قد علم الناس أني لست بجبان ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحلفت أن لا أقاتله. فقال: دونك غلامك فلان اعتقه كفارة ليمينك. نزهة الابصار عن ابن مهدي أنه قال همام الثقفي: أيعتق مكحولا ويعصى نبيه * لقد تاه عن قصد الهدى ثم عوق (2) لشتان ما بين الضلالة والهدى * وشتان من يعصى الاله ويعتق
(1) من أول الحديث إلى قوله: " وألبس الهودج درعا " ذكره البلاذري في الحديث: (269) من ترجمة أمير المؤمنين من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 239. (2) كذا في هامش البحار، وكتب بعده: " خ ل ". وفي متن البحار " ثم عرق ".
[174]
وفي رواية: قالت عائشة: لا والله بل خفت سيوف ابن أبي طالب أما إنها طوال حداد تحملها سواعد أنجاد ولئن خفتها فلقد خافها الرجال من قبلك. فرجع إلى القتال فقيل لامير المؤمنين (عليه السلام) إنه قد رجع فقال: دعوه فإن الشيخ محمول عليه ثم قال: أيها الناس غضوا أبصاركم وعضوا على نواجذكم وأكثروا من ذكر ربكم وإياكم وكثرة الكلام فإنه فشل. ونظرت عائشة إليه وهو يجول بين الصفين فقالت: أنظروا إليه كان فعله. فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر أما والله لا ينتظر بك إلا زوال
الشمس. فقال علي (عليه السلام): يا عائشة عما قليل لتصبحن نادمين. فجد الناس في القتال فنهاهم أمير المؤمنين وقال: اللهم إني أعذرت وأنذرت فكن لي عليهم من الشاهدين. ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ". الآية فقال مسلم المجاشعي: ها أنا ذا فخوفه بقطع يمينه وشماله وقتله فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين فهذا قليل في ذات الله ! ! فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى فقطعت فأخذه بأسنانه فقتل فقالت أمه: يا رب إن مسلما أتاهم * بمحكم التنزيل إذ دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم * فرملوه رملت لحاهم فقال (عليه السلام): الآن طاب الضراب. وقال لمحمد بن الحنفية والراية في يده: يا بني تزول الجبال ولا تزل عض على ناجذك، أعر الله جمجمتك تد في الارض قدميك ارم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك واعلم أن النصر من الله.
[175]
ثم صبر سويعة فصاح الناس من كل جانب من وقع النبال فقال عليه السلام: تقدم يا بني فتقدم وطعن طعنا منكرا وقال: اطعن بها طعن أبيك تحمد * لا خير في حرب إذا لم توقد بالمشرفي والقنا المسدد * والضرب بالخطى والمهند فأمر الاشتر أن يحمل فحمل وقتل هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل. وكان زيد يرتجز ويقول:
ديني ديني وبيعي وبيعي. وجعل مخنف بن سليم يقول: قد عشت يا نفس وقد غنيت * دهرا وقبل اليوم ما عييت وبعد ذا لا شك قد فنيت * أما مللت طول ما حييت فخرج عبد الله بن اليثربي قائلا: يا رب إني طالب أبا الحسن * ذاك الذي يعرف حقا بالفتن فبرز إليه علي عليه السلام قائلا: إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن * فاليوم تلقاه مليا فاعلمن وضربه ضربة مجزمة [مجرفة]. فخرج بنو ضبة وجعل يقول بعضهم: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * والموت أحلى عندنا من العسل ردوا علينا شيخنا بمرتحل * إن عليا بعد من شر النذل وقال آخر: نحن بنو ضبة أعداء علي * ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي
[176]
وكان عمرو بن اليثربي يقول: إن تنكروني فأنا ابن اليثربي * قاتل علباء وهند الجمل ثم ابن صوحان على دين علي فبرز إليه عمار قائلا: لا تبرح العرصة يا ابن اليثربي * أثبت أقاتلك على دين علي [فطعنه] وأرداه عن فرسه وجر برجله إلى علي فقتله بيده. فخرج أخوه قائلا:
أضربكم ولو أرى عليا * عممته أبيض مشرفيا وأسمرا عنطنطا خطيا * أبكى عليه الولد والوليا فخرج [إليه] علي [عليه السلام] متنكرا وهو يقول: يا طالبا في حربه عليا * يمنحه أبيض مشرفيا أثبت ستلقاه بها مليا * مهذبا سميد عا كميا فضربه فرمى نصف رأسه. فناداه عبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة بالبصرة أتبارزني ؟ فقال [علي] (عليه السلام): ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟ فقال: ذرني من بذخك يا ابن أبي طالب ثم قال: إن تدن مني يا علي فترا * فإنني دان إليك شبرا ؟ صارم يسقيك كأسا مرا * ها إن في صدري عليك وترا
[177]
فبرز علي (عليه السلام) قائلا: يا ذا الذي يطلب مني الوترا * إن كنت تبغي أن تزور القبرا حقا وتصلى بعد ذاك جمرا * فادن تجدني أسدا هزبرا أصعطك اليوم زعاقا صبرا فضربه فطير جمجمته. فخرج مازن الضبي قائلا: لا تطمعوا في جمعنا المكلل * الموت دون الجمل المجلل فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلا: إن تنكروني فأنا بن نهشل * فارس هيجا وخطيب فيصل
فقتله. وكان طلحة يحث الناس ويقول: عباد الله الصبر الصبر في كلام له البلاذري (1) [قال:] إن مروان بن الحكم قال: والله ما أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم أبدا فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته والتفت إلى أبان بن عثمان وقال: لقد كفيتك أحد قتلة أبيك. معارف القتيبي أن مروان قتل طلحة يوم الجمل بسهم فأصاب ساقه. [وقال السيد] الحميري:
(1) رواه البلاذري في الحديث: (304) وما حوله في عنوان: " مقتل طلحة " من ترجمة أمير المؤمنين من أنسب الاشراف: ج 2 ص 246 ط 1.
[178]
واختل من طلحة المزهو جنته * سهم بكف قديم الكفر غدار في كف مروان مروان اللعين أرى * رهط الملوك ملوك غير أخيار وله: واغتر طلحة عند مختلف القنا * عبل الذراع شديد أصل المنكب فاختل حبة قلبه بمدلق * ريان من دم جوفه المتصبب في مارقين من الجماعة فارقوا * باب الهدى وحيا الربيع المخصب وحمل أمير المؤمنين على بني ضبة فما رأيتهم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز وجز رأسه وأتى به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) القصة. قال [السيد اسماعيل] الحميري (1): أما الزبير فحاص حين بدت له * جاؤا ببرق في الحديد الاشهب
حتى إذا أمن الحتوف وتحته * عارى النواهق ذو نجاء صهلب أثوى ابن جرموز عمير شلوه * بالقاع منعفرا كشلو التولب وقال غيره. طار الزبير على إحصار ذي خضل * عبل الشوى لاحق المتنين محصار حتى أتى واديا لاقى الحمام به * من كف محتبس كالصيد مغوار فقالوا: يا عائشة قتل طلحة والزبير وجرح عبد الله بن عامر [كذا] من يدي علي فصالحي عليا.
(1) من قوله: " قال الحميري - إلى قوله - فقالوا: يا عائشة قتل طلحة " مأخوذ من كتاب المناقب وقد سقط عن طبع الكمباني من بحار الانوار.
[179]
فقالت: كبر عمرو عن الطوق وجل أمر عن العتاب ثم تقدمت. فحزن علي (عليه السلام) وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون فجعل يخرج واحد بعد واحد ويأخذ الزمام حتى قتل [قطع " خ ل "] ثمان وتسعون رجلا. ثم تقدمهم كعب بن سور الازدي وهو يقول: يا معشر الناس عليكم أمكم * فإنها صلاتكم وصومكم والحرمة العظمى التى تعمكم * لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم فقتله الاشتر فخرج ابن جفير الازدي يقول: قد وقع الامر بما لم يحذر * والنبل يأخذن وراء العسكر وأمنا في خدرها المشمر فبرز إليه الاشتر قائلا: اسمع ولا تعجل جواب الاشتر * واقرب تلاق كأس موت أحمر
ينسيك ذكر الجمل المشمر فقتله ثم قتل عمر الغنوي وعبد الله بن عتاب بن أسيد ثم جال في الميدان جولا وهو يقول: نحن بنو الموت به غذينا فخرج إليه عبد الله بن الزبير فطعنه الاشتر وأرداه وجلس على صدره ليقتله فصاح عبد الله: اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معى فقصد إليه من كل جانب فخلاه وركب فرسه فلما رأوه راكبا تفرقوا عنه. وشد رجل من الازد على محمد بن الحنفية وهو يقول: يا معشر الازد كروا فضربه ابن الحنفية فقطع يده فقال: يا معشر الازد فروا ! ! !
[180]
فخرج الاسود بن البختري السلمي قائلا: ارحم إلهي الكل من سليم * وانظر إليه نظرة الرحيم فقتله عمرو بن الحمق. فخرج جابر الازدي قائلا: يا ليت أهلي من عمار حاضري * من سادة الازد وكانوا ناصري فقتله محمد بن أبي بكر. وخرج عوف القيني قائلا: يا أم يا أم خلا مني الوطن * لا أبتغي القبر ولا أبغي الكفن فقتله محمد بن الحنفية. فخرج بشر الضبي قائلا: ضبة أبدى للعراق عمعمة * وأضرمي الحرب العوان المضرمة فقتله عمار.
وكانت عائشة تنادي بأرفع صوت أيها الناس عليكم بالصبر فإنما يصبر الاحرار. فأجابها كوفي: يا أم يا أم عققت فاعلموا * والام تغذوا ولدها وترحم أما ترى كم من شجاع يكلم * وتجتلي هامته والمعصم وقال آخر: قلت لها وهي على مهوات * إن لنا سواك أمهات في مسجد الرسول ثاويات
[181]
فقال الحجاج بن عمر الانصاري: يا معشر الانصار قد جاء الاجل * إني أرى الموت عيانا قد نزل فبادروه نحو أصحاب الجمل * ما كان في الانصار جبن وفشل فكل شئ ما خلا الله جلل وقال خزيمة بن ثابت: لم يغضبوا لله إلا للجمل * والموت خير من مقام في خمل والموت أحرى من فرار وفشل * والقول لا ينفع إلا بالعمل وقال شريح بن هانئ: لا عيش إلا ضرب أصحاب الجمل * ما إن لنا بعد علي من بدل وقال هانئ بن عروة المذحجي: يا لك حربا جثها جمالها * قائدة ينقصها ضلالها هذا علي حوله أقيالها وقال سعيد بن قيس الهمداني:
قل للوصي اجتمعت قحطانها * إن يك حرب أضرمت نيرانها وقال عمار: إني لعمار وشيخي ياسر * صاح كلانا مؤمن مهاجر طلحة فيها والزبير غادر * والحق في كف علي ظاهر وقال الاشتر: هذا علي في الدجى مصباح * نحن بذا في فضله فصاح وقال عدي بن حاتم:
[182]
أنا عدي ونماني حاتم * هذا علي بالكتاب عالم لم يعصه في الناس إلا ظالم وقال عمرو بن الحمق: هذا علي قائد يرضى به * أخو رسول الله في أصحابه من عوده النامي ومن نصابه وقال رفاعة بن شداد البجلي: إن الذين قطعوا الوسيلة * ونازعوا على علي الفضيلة في حربه كالنعجة الاكيلة وشكت السهام الهودج حتى كأنه جناح نسر أو شوك قنفذ. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما أراه يقاتلكم غير هذا الهودج اعقروا الجمل. وفي رواية [أخرى] عرقبوه فإنه شيطان. وقال لمحمد بن أبي بكر: أنظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها. فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبي ثم عرقب [رجل] أخرى [منه]
عبد الرحمان فوقع على جنبه فقطع عمار نسعه. فأتاه علي ودق رمحه على الهودج وقال: يا عائشة أهكذا أمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تفعلي ؟ فقالت: يا أبا الحسن ظفرت فأحسن وملكت فأسجح. فقال [علي] لمحمد بن أبي بكر: شأنك وأختك فلا يدنو أحد منها سواك. فقال [محمد]: فقلت لها: ما فعلت بنفسك ؟ عصيت ربك وهتكت سترك ثم أبحت حرمتك وتعرضت للقتل فذهب بها إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي فقالت: أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحا كان أو قتيلا.
[183]
فقال: إنه كان هدفا للاشتر فانصرف محمد إلى العسكر فوجده فقال: اجلس يا ميشوم أهل بيته فأتاها به فصاحت وبكت ثم قالت: يا أخي استأمن له من علي فأتى [محمد] أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستأمن له منه فقال (عليه السلام): أمنته وأمنت جميع الناس. وكانت وقعة الجمل بالخريبة ووقع القتال بعد الظهر وانقضى عند المساء فكان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) عشرون ألف رجل منهم البدريون ثمانون رجلا وممن بايع تحت الشجرة مائتان وخمسون ومن الصحابة ألف وخمسمائة رجل. وكانت عائشة في ثلاثين ألف أو يزيدون منها المكيون ست مائة رجل. قال قتادة قتل يوم الجمل عشرون ألفا. وقال الكلبي: قتل من أصحاب علي (عليه السلام) ألف راجل وسبعون فارسا منهم زيد بن صوحان وهند الجملي وأبو عبد الله العبدي و عبد الله بن
رقية. وقال أبو مخنف والكلبي: قتل من أصحاب الجمل من الازد خاصة أربعة آلاف رجل ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلا ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل ومن بني حنظلة تسعمائة رجل ومن [بني] ناجية أربعمائة رجل والباقي من أخلاط الناس إلى تمام تسعة آلاف إلا تسعين رجلا القرشيون منهم طلحة والزبير وعبد الله بن عتاب بن أسيد وعبد الله بن حكيم بن حزام وعبد - الله بن شافع بن طلحة ومحمد بن طلحة وعبد الله بن أبي بن خلف الجمحي وعبد الرحمان بن معد وعبد الله بن معد. وعرقب الجمل أولا أمير المؤمنين ويقال: المسلم بن عدنان ويقال رجل من الانصار ويقال: رجل ذهلي. وقيل لعبد الرحمان بن صرد التنوخي: لم عرقبت الجمل ؟ فقال: عقرت ولم أعقر بها لهوانها * علي ولكني رأيت المهالكا
[184]
إلى قوله: فياليتني عرقبته قبل ذلكا (1). وقال عثمان بن حنيف: شهدت الحروب فشيبنني * فلم أر يوما كيوم الجمل أشد على مؤمن فتنة * وأقتل منهم لحرق بطل فليت الظعينة في بيتها * ويا ليت عسكر لم يرتحل بيان رحله بالدم أي لطخه. والمشرفية: سيوف نسب إلى مشارف وهى قرى من أرض العرب تدنو من الريف ذكره الجوهري وقال: المهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
وقال الفيروز آبادي: جرفه جرفا وجرفة: ذهبت به كله. والنذل: الخسيس من الناس. والاسمر: الرمح. والعنطنط: الطويل. والخط: موضع باليمامة تنسب إليه الرماح الخطية لانها تحمل من بلاد الهند فتقوم به. والملئ - بالهمز وقد يخفف -: الثقة وبغير همز: طائفة من الزمان. والسميدع بالفتح: السيد الموطوء الاكتاف. والكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه لانه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة. والبذخ: الكبر. والفتر بالكسر: ما بين طرف السبابة والابهام إذا فتحتهما. والصارم. السيف القاطع. والوتر بالفتح والكسر: الحقد والطلب الدم. والهزبر: الاسد. وسعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه: أدخله في أنفه. وأسعطه الرمح: طعنه به في أنفه. والسعيط: دردى الخمر. وصعطه وأصعطه: سعطه. واختله بسهم أي انتظمه. ورجل عبل الذراعين أي ضخمهما. ودلق السيف من غمده: أخرجه. والحيا - بالقصر -: الخصب والمطر. قولها: كبر عمرو عن الطوق " أي لم يبق للصلح مجال.
(1) وإليك بقية الابيات كاملة: وما زالت الحرب العوان تحثها * بنوها بها حتى هوى القود باركا. فأضجعته بعد البروك لجنبه * فخر صريعا كالثنية مالكا فكانت شرارا إذ أطيفت بوقعه * فياليتني عرقبته قبل ذالكا
[185]
قال الزمخشري في المستقصى هو عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة قد طوق صغيرا ثم استهوته الجن مدة فلما عاد همت أمه بإعادة الطوق إليه فقال جذيمة ذلك. وقيل: إنها نظفته وطوقته وأمرته بزيارة خاله فلما رأى لحيته والطوق قال
ذلك انتهى. والعماعم: الجماعات المتفرقة. والعوان من الحرب: التي قوتل فيها مرة. والجلل بالتحريك: العظيم والهين. وهو من الاضداد. وشكه بالرمح: انتظمه. 133 - شي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقال: دخل علي أناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير فقلت لهم: كانا إمامين من أئمة الكفر إن عليا يوم البصرة لما صف الخيول قال لاصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون علي جورا في حكم ؟ قالوا: لا. قال: فحيفا في قسم ؟ قالوا: لا. قال: فرغبة في دنيا أصبتها لي ولاهل بيتي دونكم فنقمتم علي فنكثتم علي بيعتي ؟ قالوا: لا. قال: فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم ؟ قالوا: لا. قال: فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث إني ضربت الامر أنفه وعيينه ولم أجد إلا الكفر أو السيف. ثم ثنى إلى أصحابه فقال: إن الله يقول في كتابه " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " فقال أمير المؤمنين: والذي فلق الحبة وبرئ النسمة واصطفى محمدا بالنبوة إنهم لاصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت.
133 - 134 - رواهما العياشي مع أحاديث أخر في معناهما في تفسير الآية: (11) من سورة الانفال من تفسيره. ورواهما عنه السيد هاشم البحراني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107.
[186]
134 - ب: محمد بن عبد الحميد وعبد الصمد بن محمد جميعا عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا أ عبد الله وذكر مثله. 135 - شي: عن أبي الطفيل قال: سمعت عليا (عليه السلام) يوم الجمل وهو يحرض الناس على قتالهم ويقول: والله ما رمي أهل هذه الآية بكنانة قبل اليوم * (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * فقلت لابي الطفيل: ما الكنانة ؟ قال: السهم موضع الحديد فيه عظم يسميه بعض العرب الكنانة. بيان: الكنانة بهذا المعنى غير معروف فيما عندنا من كتب اللغة. 136 - جا: المراغي عن الحسن بن علي عن جعفر بن محمد بن مروان عن أبيه عن إسحاق بن يزيد عن خالد بن مختار عن الاعمش عن حبة العرني قال: سمعت حذيفة اليماني قبل أن يقتل عثمان بن عفان بسنة وهو يقول: كأني بأمكم الحميراء قد سارت يساق بها على جمل وأنتم آخذون بالشوى والذنب معها الازد أدخلهم الله النار وأنصارها بني ضبة جد الله أقدامهم. قال فلما كان يوم الجمل وبرز الناس بعضهم لبعض نادى منادي أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يبدأن أحد منكم بقتال حتى آمركم. قال: فرموا فينا. فقلنا: يا أمير المؤمنين قد رمينا. فقال: كفوا ثم رمونا فقتلوا منا. قلنا: يا أمير المؤمنين قد قتلونا. فقال: احملوا على بركة الله. قال: فحملنا عليهم فأنشب بعضنا في بعض الرماح حتى لو مشى ماش لمشى عليها ثم نادى منادي علي (عليه السلام) عليكم بالسيوف فجعلنا نضرب بها البيض فتنبو لنا. قال: فنادى منادي أمير المؤمنين: عليكم بالاقدام. قال: فما رأينا يوما كان أكثر قطع أقدام منه. قال: فذكرت حديث حذيفة أنصارها بني ضبة جد الله أقدامهم فعلمت
134 - رواه الحميري رحمه الله في الحديث: (311) من كتاب قرب الاسناد، ص 46.
ورواه عنه البحراني في تفسير البرهان: ج 2 ص 106. 136 - رواه الشيخ المفيد في المجلس: (7) من أماليه ص 59
[187]
أنها دعوة مستجابة ثم نادى منادي أمير المؤمنين عليكم بالبعير فإنه شيطان قال: فعقره رجل برمحه وقطع إحدى يديه رجل آخر فبرك ورغا وصاحت عائشة صيحة شديدة فولى الناس منهزمين. فنادى منادي أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تجيزوا على جريح ولا تبتغوا مدبرا ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن. بيان: الشوى [بفتح الشين]: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين. وشوى الفرس: قوائمه ذكره الجوهري وقال: جددت الشئ أجده جدا: قطعته. وقال: نبأ السيف: إذا لم يعمل في الضريبة. وقال: قال الاصمعي: أجهزت على الجريح: إذا أسرعت قتله وتممت عليه ولا تقل أجزت على الجريح انتهى. والرواية مع ضبط النسخ تدل على كونه فصيحا بهذا المعنى. 137 - قب: دعى أمير المؤمنين محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل فذهب فمنعوه بنو ضبه فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده وقصد قصد الجمل وطعنه برمحه ورجع إلى والده وعلى رمحه أثر الدم فتمغر وجه محمد من ذلك فقال أمير المؤمنين: لا تأنف فإنه ابن النبي وأنت ابن علي. 138 - كش: جبرئيل بن أحمد عن موسى بن معاوية بن وهب عن علي بن معبد عن عبيدالله بن عبد الله الواسطي عن واصل بن سليمان عن عبد الله بن سنان:
137 - ورواه ابن شهر آشوب في عنوان: " سيادة الحسن عليه السلام " في ترجمته من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 185. 138 - رواه الكشي رحمه الله في ترجمة زيد بن صوحان تحت الرقم: (18) من رجاله ص 63.
[188]
عن أبي عبد الله قال: لما صرع زيد بن صوحان رحمة الله عليه يوم الجمل جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى جلس عند رأسه فقال: رحمك الله يا زيد قد كنت خفيف المؤنة عظيم المعونة. قال فرفع زيد رأسه إليه ثم قال: وأنت فجزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين فوالله ما علمتك إلا بالله عليما وفي أم الكتاب عليا حكيما وإن الله في صدرك لعظيم والله ما قتلت معك على جهالة ولكني سمعت أم سلمة زوج النبي تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " فكرهت والله أن أخذلك فيخذلني الله. 139 - ختص جعفر بن الحسين وجماعة من مشايخنا عن محمد الحميري عن أبيه عن موسى بن جعفر البغدادي عن علي بن معبد عن عبيدالله بن الدهقان، عن واصل مثله. 140 - كشف لما تراءى الجمعان وتقاربا ورأى علي تصميم عزمهم على قتاله فجمع أصحابه وخطبهم خطبة بليغة قال فيها واعلموا أيها الناس أني قد تأنيت هاؤلاء القوم وراقبتهم وناشدتهم كيما يرجعوا يرتدعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا وقد بعثوا إلي أن أبرز إلى الطعان واثبت للجلاد ! ! ! وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أدعي إليها وقد أنصف القارة من راماها منها (1) فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم فبذلك القلب ألقى عدوي وأنا
على بينة من ربي لما وعدني من النصر والظفر وإني لعلى غير شبهة من أمري.
139 - رواه الشيخ المفيد في الحديث: (134) في أوائل كتاب الاختصاص ص 74 ط النجف. 140 - رواه الاربلي في وقعة الجمل من كشف الغمة: ج 1، 240. (1) هذا هو الظاهر الموافق لما رويناه عن مصادر في المختار: (95) وتاليه من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 309 - 316، وفي كشف الغمة وطبع الكمباني من البحار: " من راماها منها ". فكلمة " منها " لا مورد لها.
[189]
ألا وإن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ومن لم يقتل يمت فإن أفضل الموت القتل والذي نفس علي بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش. ثم رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إن طلحة بن عبيدالله أعطاني صفقة يمينه طائعا ثم نكث بيعتي اللهم فعاجله ولا تمهله وإن الزبير بن العوام قطع قرابتي ونكث عهدي وظاهر عدوي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ظالم لي اللهم فاكفنيه كيف شئت وأنى شئت. ثم تقاربوا وتعبوا لابسي سلاحهم ودروعهم متأهبين للحرب كل ذلك وعلي (عليه السلام) بين الصفين عليه قميص ورداء وعلى رأسه عمامة سوداء وهو راكب على بغلة. فلما رأى أنه لم يبق إلا مصافحة الصفاح والمطاعنة بالرماح صاح بأعلى صوته أين الزبير بن العوام فليخرج إلي فقال الناس: يا أمير المؤمنين أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج في الحديد ؟ فقال عليه السلام: ليس علي منه بأس.
ثم نادى ثانية فخرج إليه [الزبير] ودنا منه حتى واقفه فقال له علي: يا أبا عبد الله ما حملك على ما صنعت ؟ فقال الطلب بدم عثمان ! ! فقال: أنت وأصحابك قتلتموه فيجب عليك أن تقيد من نفسك ! ! ولكن أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) أما تذكر يوما قال لك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت: وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي ؟ ! فقال لك: أما أنت فستخرج عليه يوما وأنت له ظالم. فقال الزبير: اللهم بلى فقد كان ذلك. فقال علي (عليه السلام): فأنشدك الله الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) أما تذكر يوما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عند ابن عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك فاستقبلته أنا فسلمت عليه فضحك في وجهي فضحكت أنا إليه فقلت: أنت لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبدا فقال لك النبي (صلى الله عليه وآله) مهلا يا زبير فليس به زهو ولتخرجن
[190]
عليه يوما وأنت ظالم له ! ! فقال الزبير: اللهم بلى ولكن أنسيت فأما إذا ذكرتني ذلك فلانصرفن عنك ولو ذكرت هذا لما خرجت عليك. ثم رجع إلى عائشة فقالت: ما وراءك يا أبا عبد الله ؟ فقال الزبير: والله ورائي إني ما وقفت موقفا في شرك ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة وأنا اليوم على شك من أمري وما أكاد أبصر موضع قدمي. ثم شق الصفوف وخرج من بينهم ونزل على قوم من بني تميم. فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي فقتله حين نام وكان في ضيافته فنفذت دعوة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه. وأما طلحة فجاءه سهم وهو قائم للقتال فقتله ثم التحم القتال.
وقال علي (عليه السلام) يوم الجمل * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * [12 / التوبة] ثم حلف حين قرأها أنه ما قوتل عليها منذ نزلت حتى اليوم واتصل الحرب وكثر القتل والجروح. ثم تقدم رجل من أصحاب الجمل يقال له: عبد الله فجال بين الصفوف وقال: أين أبو الحسن فخرج إليه علي وشد عليه وضربه بالسيف فأسقط عاتقه ووقع قتيلا فوقف عليه وقال: لقد رأيت أبا الحسن فكيف وجدته ؟ ! ولم يزل القتل يؤجج ناره والجمل يفني أنصاره حتى خرج رجل مدجج يظهر باسا ويعرض بعلي [بذكر علي " خ ل "] حتى قال. أضربكم ولو أرى عليا * عممته أبيض مشرفيا فخرج إليه علي متنكرا وضربه على وجهه فرمى بنصف قحف رأسه ثم انصرف فسمع صائحا من ورائه فالتفت فرآى ابن أبي خلف الخزاعي من أصحاب الجمل فقال: هل لك يا علي في المبارزة ؟ فقال علي: ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن أبي خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟ فقال: ذرني يا ابن أبي طالب من بذخك بنفسك وادن مني لترى أينا يقتل صاحبه
[191]
فثنى علي عنان فرسه إليه فبدره ابن خلف بضربة فأخذها علي في جحفته ثم عطف عليه بضربة أطار بها يمينه ثم ثنى بأخرى أطار بها قحف رأسه واستعر الحرب حتى عقر الجمل فسقط وقد احمرت البيداء بالدماء وخذل الجمل وحزبه، وقامت النوادب بالبصرة على القتلى. وكان عدة من قتل من جند الجمل ستة عشر ألفا وسبعمائة وتسعين إنسانا وكانوا ثلاثين ألفا فأتى القتل على أكثر من نصفهم وقتل من أصحاب
علي عليه السلام ألف وسبعون رجلا وكانوا عشرين ألفا. وكان محمد بن طلحة المعروف بالسجاد قد خرج مع أبيه وأوصى علي (عليه السلام) أن لا يقتله من عساه أن يظفر به وكان شعار أصحاب علي (عليه السلام) " حم " فلقيه شريح بن أوفى العبسي من أصحاب علي (عليه السلام) فطعنه فقال: " حم " وقد سبق - كما قيل - السيف العذل فأتى على نفسه وقال شريح هذا: وأشعث قوام بآيات ربه * قليل الاذى فيما ترى العين مسلم شككت بصدر الرمح حبيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم على غير شئ غير أن ليس تابعا * عليا ومن لم يتبع الحق يندم يذكرني " حم " والرمح شاجر * فهلا تلا " حم " قبل التقدم وجاء علي حتى وقف عليه وقال: هذا رجل قتله بره بأبيه. وكان مالك الاشتر قد لقي عبد الله بن الزبير في المعركة ووقع عبد الله إلى الارض والاشتر فوقه فكان ينادي: اقتلوني ومالكا. فلم ينتبه أحد من أصحاب الجمل لذلك ولو علموا أنه الاشتر لقتلوه ثم أفلت عبد الله من يده وهرب. فلما وضعت الحرب أوزارها ودخلت عائشة إلى البصرة دخل عليها عمار بن ياسر ومعه الاشتر فقالت: من معك يا أبا اليقظان ؟ فقال: مالك الاشتر. فقالت: أنت فعلت بعبدالله ما فعلت ؟ فقال: نعم ولولا كوني شيخا كبيرا وطاويا لقتلته وأرحت المسلمين منه. قالت: أو ما سمعت قول النبي
[192]
(صلى الله عليه وآله): إن المسلم لا يقتل إلا عن كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل النفس التي حرم الله قتلها ؟ فقال: يا أم المؤمنين على أحد
الثلاثة قاتلناه ثم أنشد: أعائش لولا أنني كنت طاويا * ثلاثا لالفيت ابن اختك هالكا عشية يدعو والرجال تجوزه * بأضعف صوت اقتلوني ومالكا فلم يعرفوه إذ دعاهم وعمه * خدب عليه في العجاجة باركا فنجاه منى أكله وشبابه * وإنى شيخ لم أكن متماسكا بيان الحاسر الذي لا مغفر عليه ولا درع ذكره الجوهري وقال: رجل مدجج ومدجج أي شاك في السلاح تقول: متنه مدجج في شكته أي دخل في سلاحه. وقال: الزهو: الكبر والفخر. قوله: " وقد سبق كما قيل " قوله كما قيل معترضة بين المثل، وأصل المثل " سبق السيف العذل " والعذل بالتحريك: الملامة. قال الميداني: قاله ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر لما لامه الناس على قتله قاتل ابنه في الحرم وذكر لذلك قصة طويلة. وقال الزمخشري يضرب في الامر الذي لا يقدر على رده قال جريرة. تكلفني رد الغرايب بعدما * سبقن كسبق السيف ما قال عاذله. وشجره بالرمح: طعنه. قوله: قتله بره أي لم يكن يرى الخروج جائزا لكن خرج لطاعة أبيه فقتل مع أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قوله: " وعمه " يعني نفسه و " رجل خدب " بكسر الخاء وفتح الدال وتشديد الباء أي ضخم.
[193]
141 - فر جعفر بن محمد الفزاري معنعنا عن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه قال: أخبر جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) أن أمتك سيختلفون من بعدك فأوحى الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله) " وقل
رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين " قال أصحاب الجمل قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عليه * (وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون) * قال: فلما نزلت هذه الآية جعل النبي (صلى الله عليه وآله) لا يشك أنه سيرى ذلك. قال جابر بينما أنا جالس إلى جنب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو بمنى يخطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أليس قد بلغتكم ؟ قالوا: بلى فقال: ألا لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض أما لئن فعلتم ذلك لتعرفنني في كتيبة أضرب وجوهكم فيها بالسيف فكأنه غمز من خلفه فالتفت ثم أقبل علينا محمد فقال: أو على بن أبي طالب (عليه السلام) فأنزل الله تعالى " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون " وهي واقعة الجمل. 142 - كا علي عن أبيه عن ابن محبوب رفعه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب يوم الجمل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني أتيت هؤلاء القوم ودعوتهم واحتججت عليهم فدعوني إلى أن أصبر للجلاد وأبرز للطعان. فلامهم الهبل وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا
141 - رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في الحديث: (353) في آخر تفسير سورة الحج من تفسيره ص 101، ط النجف. ورواه عنه الحسكاني مع أحاديث أخر في معناه - في تفسير الآية: (93) من سورة " المؤمنون " في الحديث: (562) من شواهد التنزيل ج 1، ص 405 ط 1. 142 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث (4) من الباب: (25) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 53، وله مصادر أخر.
[194]
أرهب بالضرب أنصف القارة من راماها فلغيري فليبرقوا وليرعدوا فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر وإنى لعلى يقين من ربي وغير شبهة من أمرى. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيص ومن لم يقتل يمت (1) وإن أفضل الموت القتل والذي نفسي بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على فراشي. واعجبا لطلحة ألب الناس على ابن عفان حتى إذا قتل أعطاني صفقته بيمينه طائعا ثم نكث بيعتي اللهم خذه ولا تمهله وإن الزبير نكث بيعتي وقطع رحمي وظاهر علي عدوي فاكفينه اليوم بما شئت. 143 - مد صحيح البخاري بإسناده إلى الحسن بن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أن فارسا ملكوا ابنة كسرى فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة. وبإسناده أيضا عن عبد الله بن زياد الاسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة بعث علي (عليه السلام) إلى عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر فكان الحسن فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من
(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " ومن لا يمت يقتل... ". 143 - رواه يحيى بن الحسن بن البطريق في الحديث: (900) وما بعده قبيل آخر كتاب العمدة - بقليل - ص أو الورق 236 / أ. ورواه أيضا ابن أبي الحديد من دون ذكر مصدر للحديث في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة: ج 2 ص 416 ط الحديث ببيروت. ورواه أيضا الحاكم النيسابوري بسند آخر في أواسط كتاب الفتن والملاحم من
كتاب المستدرك: ج 4 ص 524. والحديث رواه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه: ج 9 ص 70.
[195]
الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول: إن عائشة سارت إلى البصرة والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله عزوجل ابتلاكم [بها] ليعلم إياه تطيعون أم هي. وبإسناده عن حذيفة اليمان رضي الله عنه قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون (1). 144 - نهج من كلامه عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل: تزول الجبال ولا تزل عض على ناجذك، أعر لله جمجمتك، تد في الارض قدمك، ارم ببصرك أقصى القوم، وغض بصرك واعلم أن النصر من عند الله سبحانه. بيان قوله (عليه السلام) " تزول الجبال " خبر فيه معنى الشرط فالمعنى إن زالت الجبال فلا تزل. والنواجذ. أقصى الاضراس وقيل الاضراس كلها. والعض على الناجذ يستلزم أمرين: أحدهما رفع الرعدة والاضطراب في حال الخوف كما يشاهد ذلك في حال البرد. وثانيهما أن الضرب في الرأس لا يؤثر مع ذلك كما ذكر عليه السلام في موضع آخر [وقال:] " وعضوا على النواجذ فإنه أنبا للسيوف عن الهام " فيحتمل أن يراد به شدة الحنق والغيظ. قوله: " أعر الله " أمر من الاعارة أي ابذلها في طاعة الله. والجمجمة:
عظم الرأس المشتمل على الدماغ.
(1) والحديث رواه أيضا الحاكم. 144 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (10) من نهج البلاغة.
[196]
قيل: [وفي] ذلك اشعار بأنه لا يقتل في ذلك الحرب لان العارية مردودة بخلاف ما لو قال: " بع الله جمجمتك ". وهذا الوجه وإن كان لطيفا لكن الظاهر أن إطلاق الاعارة باعتبار الحياة عند ربهم وفي جنة النعيم. قوله (عليه السلام): " تد " أي أثبتها في الارض كالوتد. قوله (عليه السلام): " ارم ببصرك " أي اجعل سطح نظرك أقصى القوم ولا تقصر نظرك على الاداني واحمل عليهم فإذا حملت وعزمت فلا تنظر إلى شوكتهم وسلاحهم ولا تبال ما أمامك. قوله (عليه السلام): " وغض بصرك " أي عن بريق السيوف ولمعانها لئلا يحصل خوف بسببه. 145 - ما: ابن الصلت عن ابن عقدة عن محمد بن جبارة عن سعاد بن سلمان عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: شهد مع علي (عليه السلام) يوم الجمل ثمانون من أهل بدر وألف وخمسمائة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). 146 - الكافية لابطال توبة الخاطئة: عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) أن أمير المؤمنين واقف طلحة والزبير في يوم الجمل وخاطبهما فقال في كلامه لهما: لقد علم المستحفظون من آل محمد - وفي حديث آخر: من أصحاب عائشة ابنة أبي بكر وها هي ذه فاسألوها - أن
أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد خاب من افترى.
145 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في المجلس: (26) من المجلد الثاني من أماليه ص 90 ط 1، وللكلام شواهد ذكرناه في تعليق المختار: (175) من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 91 ط 1. 146 - ما ظفرنا بعد على مخطوطة هذا الكتاب.
[197]
فقال له طلحة: سبحان الله تزعم أنا ملعونون وقد قال رسول الله (صلى الله عليه): عشرة من أصحابي في الجنة. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا حديث سعيد بن زيد بن نفيل في ولاية عثمان سموا إلى العشرة ؟ قال: قسموا تسعة وأمسكوا عن واحد فقال لهم: فمن العاشر ؟ قالوا: أنت قال: الله أكبر أما أنتم فقد شهدتم لي أني من أهل الجنة وأنا بما قلتما من الكافرين والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لعهد النبي الامي (صلى الله عليه وآله) الي أن في جهنم جبا فيه ستة من الاولين وستة من الآخرين على رأس ذلك الجب صخرة إذا أراد الله تعالى أن يسعر جهنم على اهلها أمر بتلك الصخرة فرفعت إن فيهم أو معهم لنفرا ممن ذكرتم وإلا فأظفركم الله بي وإلا فأظفرني الله بكما وقتلكما بمن قتلتما من شيعتي. 147 - ج: عن سليم بن قيس الهلالي قال: لما التقى أمير المؤمنين أهل البصرة يوم الجمل نادى الزبير يا أبا عبد الله اخرج إلي فخرج الزبير ومعه طلحة فقال: والله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) وقد خاب من افترى.
قال الزبير: كيف نكون ملعونين ونحن أهل الجنة ! ! فقال علي (عليه السلام): لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم. فقال له الزبير: أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: عشرة من قريش في الجنة قال علي (عليه السلام): سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته. فقال الزبير: أفتراه يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال علي (عليه السلام): لست أخبرك بشئ حتى تسميهم. قال الزبير: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد - الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن
147 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 162.
[198]
عمرو بن نفيل. فقال له علي (عليه السلام): عددت تسعة فمن العاشر ؟ قال: أنت. قال له علي (عليه السلام): قد أقررت لي بالجنة وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين. قال الزبير: أفتراه كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: ما أراه كذب ولكنه والله اليقين ووالله إن بعض من ذكرت لفي تابوت في شعب في جب في أسفل درك من جهنم على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على يديك وإلا أظفرني الله عليك وعلى أصحابك وعجل أرواحكم إلى النار. فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي. 148 - ج روى نصر بن مزاحم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين وقع القتال وقتل طلحة تقدم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء بين الصفين فدعا الزبير فدنا إليه حتى اختلف أعناق دابتيهما فقال: يا زبير أنشدك
بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم ؟ قال: اللهم نعم. قال: فلم جئت ؟ قال: جئت لاصلح بين الناس فأدبر الزبير وهو يقول:. ترك الامور التي تخشى عواقبها * لله أجمل في الدنيا وفي الدين نادى علي بأمر لست أذكره * إذ كان عمر أبيك الخير مذحين فقلت حسبك من عذل أبا حسن * فبعض ما قلته ذا اليوم يكفيني فاخترت عارا على نار مؤججة * ما إن يقوم لها خلق من الطين أخاك طلحة وسط القوم منجدلا * ركن الضعيف ومأوى كل مسكين قد كنت أنصر أحيانا وينصرني * في النائبات ويرمي من يراميني حتى ابتلينا بأمر ضاق مصدره * فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني قال: فأقبل الزبير على عائشة فقال: يا أمة والله ما لي في هذا بصيرة وأنا منصرف. قالت عائشة: أبا عبد الله أفررت من سيوف ابن أبي طالب فقال إنها والله طوال حداد تحملها فتية أنجاد.
[199]
ثم خرج [الزبير] راجعا فمر بوادي السباع وفيه الاحنف بن قيس قد اعتزل في بني تميم فأخبر الاحنف بإنصرافه فقال: ما أصنع به إن كان الزبير لف بين غارين (1) من المسلمين وقتل أحدهما بالآخر ثم هو يريد اللحاق بأهله فسمعه ابن جرموز فخرج هو ورجلان معه وقد كان لحق بالزبير رجل من كلب ومعه غلامه فلما أشرف ابن جرموز وصاحباه على الزبير حرك الرجلان رواحلهما وخلفا الزبير وحده فقال لهما الزبير: ما لكما ؟ هم ثلاثة ونحن ثلاثة. فلما أقبل ابن جرموز قال له الزبير: إليك عني فقال ابن جرموز: يا أبا عبد الله إنني جئتك أسألك عن أمور الناس ؟ قال: تركت الناس على الركب
يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف. قال ابن جرموز: يا أبا عبد الله أخبرني عن أشياء أسألك عنها. قال: هات. قال: أخبرني عن خذلك عثمان وعن بيعتك عليا وعن نقضك بيعته وعن إخراجك أم المؤمنين وعن صلاتك خلف ابنك وعن هذه الحرب الذي جنيتها وعن لحوقك بأهلك ؟ قال: أما خذلي عثمان فأمر قدم الله فيه الخطيئة وأخر فيه التوبة. وأما بيعتي عليا فلم أجد منها بدا إذ بايعه المهاجرون والانصار. وأما نقضي بيعته فإنما بايعته بيدي دون قلبي. وأما إخراجي أم المؤمنين فأردنا أمرا وأراد الله غيره. وأما صلاتي خلف ابني فإن خالته قدمته. فتنحى ابن جرموز وقال قتلني الله ن لم أقتلك. توضيح: قال [إبن الاثير] في [مادة ؟ عور من كتاب] النهاية في حديث علي (عليه السلام) يوم الجمل: " ما ظنك بامرء مع بين ؟ ذين الغارين " أي
(1) هذا هو الصواب، وفي الاصل: " كف ".
[200]
الجيشين. والغار: الجماعة هكذا أخرجه أبو موسى في الغين والواو، وذكره الهروي في الغين والياء وقال: ومنه حديث الاحنف قال في الزبير منصرفة من الجمل: ما أصنع به إن كان جمع بين غارين ثم تركهم. والجوهري ذكره في الواو، والواو والياء متقاربان في الانقلاب. 149 - ج روي أنه جئ إلى أمير المؤمنين برأس الزبير وسيفه فتناول سيفه وقال: طال ما جلى به الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن الحين ومصارع السوء. بيان الحين بالفتح الهلاك: أي الهلاك المعنوي أو أجل الموت.
150 - ج روي أنه عليه السلام لما مر على طلحة بين القتلى قال: أقعدوه. فأقعد فقال: إنه كانت لك سابقة لكن الشيطان دخل منخريك فأوردك النار. 151 - ج روي أنه مر عليه فقال: هذا الناكث بيعتي والمنشئ للفتنة في الامة والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي اجلسوا طلحة فأجلس فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا طلحة بن عبيدالله لقد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ثم قال اضجعوا طلحة وسار. فقال بعض من كان معه. يا أمير المؤمنين أتكلم طلحة بعد قتله ؟ فقال: أما والله لقد سمع كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر. وهكذا فعل (عليه السلام) بكعب بن سور لما مر به قتيلا وقال: هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر أمه يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعلم ما فيه ثم استفتح " وخاب كل جبار عنيد " أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله.
149 - 151 - رواها الطبرسي في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين على الزبير... وطلحة " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 162، ط بيروت.
[201]
152 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة. روى خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: مر أمير المؤمنين على طلحة وهو صريع فقال أجلوه فأجلس فقال: أم والله لقد كانت لك صحبة ولقد شهدت وسمعت ورأيت ولكن الشيطان أزاغك وأما لك فأوردك جهنم. أقول: وأورد الاخبار السابقة بأسانيد عن الباقر (عليه السلام) وغيره تركناها حذرا عن الاطناب.
153 - ج روي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به. وروي أيضا أن مروان يوم الجمل كان يرمي بسهامه في العسكرين معا ويقول " من أصبت منهما فهو فتح " لقلة دينه وتهمته للجميع. وقيل: إن اسم الجمل الذي ركبته يوم الجمل عائشة عسكر ورئي منه ذلك اليوم كل عجب لانه كلما أبين منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى حتى نادى أمير المؤمنين: اقتلوا الجمل فإنه شيطان. وتولى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما عقره بعد طول دعائه. 154 - ج روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي (عليه السلام): والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله رجلا سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي " لما قام فشهد. فقام ثلاثة عشر رجلا فيهم بدريان فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول " يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي ".
152 - رواه الشيخ المفيد في كتاب الكافية. 153 - رواه الطبرسي في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على الزبير... وطلحة " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 164.
[202]
قال: فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكاءها فقال علي (عليه السلام): لقد أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنبأ وقال: يا علي إن الله يمدك بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. بيان: رشقه: رماه بالسهام. والنبل: السهام العربية ولا واحد لها من
لفظها فلا يقال نبلة ذكرهما في النهاية. 155 - ج عن الاصبغ بن نباتة قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا وهلل القوم وهللنا وصلى القوم وصلينا فعلى ما نقاتلهم ؟ فقال أمير المؤمنين: على ما أنزل الله عزوجل في كتابه. فقال: يا أمير المؤمنين ليس كلما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلمنيه. فقال (عليه السلام): ما أنزل الله في سورة البقرة. فقال: يا أمير المؤمنين ليس كلما أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلمنيه. فقال (عليه السلام) هذه الآية " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " [252 / البقرة] فنحن الذي آمنا، وهم الذين كفروا فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله.
154 - 155 - رواهما الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين على الزبير... واحتجاجه بعد دخوله البصرة، من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 164 و 170. والحديث: (136) رواه أيضا الطوسي في الحديث (40) من الجزء السابع من أماليه ص 200.
[203]
156 - ما المفيد عن علي بن خالد عن الحسن بن علي الكوفي عن القاسم بن محمد الدلال عن يحيى بن اسماعيل المزني عن جعفر بن علي عن
علي بن هاشم عن بكير بن عبيدالله الطويل وعمار بن أبي معاوية قالا: حدثنا أبو عثمان البجلي مؤذن بني قصي قال بكير: أذن لنا أربعين سنة قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول يوم الجمل: " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " ثم حلف حين قرأها أنه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتى اليوم. قال بكير: فسألت عنها أبا جعفر (عليه السلام) فقال: صدق الشيخ هكذا قال علي (عليه السلام) هكذا كان. 157 - ما المفيد عن الحسن بن عبد الله المرزباني عن أبي دريد عن إسحاق بن عبد الله الطلحى قال: قال الاصمعي: ولى عمر بن الخطاب كعب بن سور قضاء البصرة وكان سبب ذلك أنه حضر مجلس عمر فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام فقال عمر: إن هذا الرجل صالح ليتني كنت كذا. فردت عليه القول فقال عمر كما قال. فقال كعب بن سور الازدي. يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها بخير [ولكن تقول:] إنها لا حظ لها منه فقال علي بزوجها فأتي به فقال: ما بالها تشكوك وما رأيت أكرم شكوى منها ؟ ! قال له: يا أمير المومنين إني امرء أفزعني ما قد نزل في الحجر والنحل وفي السبع الطوال. فقال له كعب: إن لها عليك حقا يا بعل فأوفها الحق وصم وصل فقال عمر لكعب: اقض بينهما. قال: نعم أحل الله للرجال أربعا فأوجب لكل واحدة ليلة فلها من كل أربع ليال ليلة ويصنع بنفسه في الثلاث ما شاء فألزمه ذلك.
156 - 158 - رواها الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (19 - 20 و 36) من الجزء (5) من أماليه ص 130، و 147 و 137.
والاول رواه عنه وعن الشيخ المفيد السيد البحراني في تفسير الآية: (12) من سورة التوبة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107، ط 3.
[204]
وقال [عمر] لكعب: أخرج قاضيا على البصرة فلم يزل عليها حتى قتل عثمان فلما كان يوم الجمل خرج مع أهل البصرة وفي عنقه مصحف فقتل هو يومئذ وثلاثة إخوة له أو أربعة فجاءت أمهم فوجدتهم في القتلى فحملتهم وجعلت تقول: أيا عين أبكي بدمع سرب * على فتية من خيار العرب فما ضرهم غير حين النفوس * وأي امرء لقريش غلب 158 - ما المفيد عن علي بن محمد الكاتب عن الحسن بن علي الزعفراني عن الثقفي عن إبراهيم بن عمر قال: حدثني أبي عن أخيه عن بكر بن عيسى قال: لما اصطفت الناس للحرب بالبصرة خرج طلحة والزبير في صف أصحابهما فنادى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الزبير بن العوام فقال له: يا أبا عبد الله ادن مني لافضى إليك بسر عندي. فدنا منه حتى اختلفت أعناق فرسيهما فقال أمير المؤمنين. نشدتك الله إن دكرتك شيئا فذكرته أما تعترف به ؟ فقال له: نعم. فقال: أما تذكر يوما كنت مقبلا علي بالمدينة تحدثني إذ خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرآك معي وأنت تبسم إلي فقال لك: يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت: وكيف لا أحبه وبيني وبينه من النسب والمودة في الله ما ليس لغيره. فقال: إنك ستقاتله وأنت له ظالم. فقلت: أعوذ بالله من ذلك فنكس الزبير رأسه ثم قال: إني أنسيت هذا المقام فقال له أمير المؤمنين: دع هذا أفلست بايعتني طائعا ؟ قال: بلى قال: أفوجدت مني حدثا يوجب
مفارقتي ؟ فسكت ثم قال: لا جرم والله لا قاتلتك. ورجع متوجها نحو البصرة فقال له طلحة: مالك يا زبير ؟ مالك تنصرف عنا سحرك ابن أبي طالب ؟ فقال: لا ولكن ذكرني ما كان أنسانيه الدهر واحتج علي ببيعتي له. فقال له طلحة: لا ولكن جبنت وانتفخ سحرك ! ! !
[205]
فقال الزبير: لم أجبن ولكن أذكرت فذكرت فقال له عبد الله: يا ابه جئت بهذين العسكرين العظميين حتى إذا اصطفا للحرب. قلت: أتركهما وانصرف فما تقول قريش غدا بالمدينة ؟ الله الله يا أبت لا تشمت الاعداء ولا تشن نفسك بالهزيمة قبل القتال. قال: يا بني ما أصنع وقد حلفت له بالله أن لا أقاتله. قال له: فكفر عن يمينك ولا تفسد أمرنا فقال الزبير: عبدي مكحول حر لوجه الله كفارة ليميني ثم عاد معهم للقتال ! ! فقال همام الثقفي في فعل الزبير وما فعل وعتقه عبده في قتال علي (عليه السلام) (1) أيعتق مكحولا ويعصى نبيه * لقد تاه عن قصد الهدى ثم عوق أينوي بهذا الصدق والبر والتقى * سيعلم يوما من يبر ويصدق لشتان ما بين الضلالة والهدى * وشتان من يعصى النبي ويعتق ومن هو في ذات الاله مشمر * يكبر برا ربه ويصدق أفي الحق أن يعصى النبي سفاهة * ويعتق من عصيانه ويطلق كدافق ماء للسراب يؤمه * ألا في ضلال ما يصب ويدفق 159 - ما المفيد عن عمر بن محمد الصيرفي عن محمد بن القاسم عن جعفر بن عبد الله المحمدي عن يحيى بن الحسن بن فرات عن المسعودي عن
الحارث بن حصيرة عن أبي محمد العنزي قال: حدثني ابن عمي أبو عبد الله العنزي قال:
(1) كذا في ط الكمباني من البحار، وجملة " حيث يقول " غير موجودة في أمالي الشيخ. 159 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (10) من الجزء الثامن من أماليه: ج 1، ص 213.
[206]
إنا لجلوس مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الجمل إذ جاءه الناس يهتفون به يا أمير المؤمنين لقد نالنا النبل والنشاب فسكت ثم جاء آخرون فذكروا مثل ذلك فقالوا: قد جرحنا. فقال علي (عليه السلام): يا قوم من يعذرني من قوم يأمرونني بالقتال ولم ينزل بعد الملائكة. فقال: [العنزي] إنا لجلوس وما نرى ريحا ولا نحسها إذ هبت ريح طيبة من خلفنا والله لوجدت بردها بين كتفي من تحت الدرع والثياب قال: فلما هبت صب أمير المؤمنين درعه ثم قام إلى القوم فما رأيت فتحا كان أسرع منه. 160 - يج عن أبي عبد الله الغنوي مثله. 161 - ما جماعة عن أبي المفضل عن علي بن محمد بن مخلد عن عباد بن سعيد الجعفي عن محمد بن عثمان بن أبي البهلول عن صالح بن أبي الاسود عن هاشم بن البريد عن أبي سعيد التيمي: عن ثابت مولى أبي ذر رحمه الله قال: شهدت مع علي يوم الجمل فلما رأيت عائشة واقفة دخلني من الشك بعض ما يدخل الناس فلما زالت الشمس كشف الله ذلك عني فقاتلت مع أمير المؤمنين ثم أتيت بعد ذلك أم سلمة زوج النبي [صلى الله عليه وآله] ورحمها [الله] فقصصت عليها قصتي فقالت: كيف صنعت حين طارت القلوب مطايرها ؟ قال: قلت إلى أحسن ذلك
والحمد لله كشف الله عزوجل عني ذلك عند زوال الشمس فقاتلت مع أمير المؤمنين قتالا شديدا. فقالت: أحسنت سمعت رسول الله [صلى الله عليه وآله] يقول: علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض.
160 - رواه القطب الرواندي رحمه الله في الحديث من كتاب الخرائج. 161 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (37) من الجزء (16) من أماليه: ج 1، ص 474.
[207]
162 - ما جماعة عن أبي المفضل عن محمد بن جرير الطبري عن محمد بن عمارة الاسدي عن عمرو بن حماد بن طلحة عن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه عن أبي سعيد عن ثابت مثله. بيان [قوله:] " إلى أحسن ذلك " أي آل أمري ورجع إلى أحسن الامور والاحوال. أقول: قد سبق خبر اليهودي الذي سأل أمير المؤمنين عما فيه من خصال الانبياء. 163 - شا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تطوافه على القتلى: هذه قريش جدعت أنفي وشفيت نفسي فقد تقدمت إليكم أحذركم عض السيف وكنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ولكنه الحين وسوء المصرع وأعوذ بالله من سوء المصرع. ثم مر على معبد بن المقداد فقال رحم الله أبا هذا أما إنه لو كان حيا لكان رأيه أحسن من رأي هذا. فقال عمار بن ياسر: الحمد لله الذي أوقعه وجعل خده الاسفل، إنا والله يا أمير المؤمنين لا نبالي من عند عن الحق من والد وولد.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): رحمك الله وجزاك عن الحق خيرا. قال ومر بعبد الله بن ربيعة بن دراج وهو في القتلى وقال: هذا البائس ما كان أخرجه ؟ أدين أخرجه أم نصر لعثمان ؟ والله ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن.
162 - رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في الحديث: (15) من الجزء (18) من أماليه ص 518. 163 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (26) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 135، ط النجف ورواه أيضا في كتاب الجمل ص 209 ط النجف.
[208]
ثم مر بمعبد بن زهير بن أبي أمية فقال: لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام والله ما كان فيها بذي نخيرة ولقد أخبرني من أدركه وإنه ليولول فرقا من السيف. ثم مر بمسلم بن قرظة فقال: البر أخرج هذا ! ! والله لقد كلمني أن أكلم له عثمان في شئ كان يدعيه قبله بمكة فأعطاه عثمان وقال: لولا أنت ما أعطيته إن هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ثم جاء المشوم للحين ينصر عثمان. ثم مر بعبد الله بن حميد بن زهير فقال: هذا أيضا ممن أوضع في قتالنا. زعم يطلب الله بذلك ولقد كتب إلي كتبا يؤذي عثمان فيها فأعطاه شيئا فرضي عنه. ثم مر بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال: هذا خالف أباه في الخروج وأبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا وإن كان قد كف وجلس حين
شك في القتال ما ألوم اليوم من كف عنا وعن غيرنا ولكن المليم الذي يقاتلنا. ثم مر بعبدالله بن حكيم بن حزام فقال: هذا خالف أباه في الخروج وأبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا وإن كان قد كف وجلس حين شد في القتال ما ألوم اليوم من كف عنا وعن غيرنا ولكن المليم الذي يقاتلنا. ثم مر بعبد الله بن المغيرة بن الاخنس بن شريق فقال: أما هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج مغضبا لقتل أبيه وهو غلام حدث جبن لقتله. ثم مر بعبدالله بن أبي عثمان بن الاخنس بن شريق فقال: أما هذا فكأني أنظر إليه وقد أخذت القوم السيوف هاربا يعدو من الصف فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت حتى قتله وكان هذا مما خفي على فتيان قريش أغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا واستنزلوا فلما وقفوا لحجوا فقتلوا.
[209]
ثم مشى قليلا فمر بكعب بن سور فقال: هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر أمه يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعلم ما فيه ثم استفتح فخاب كل جبار عنيد أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله اجلسوا كعب بن سور فأجلس فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا كعب لقد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ثم قال: اضجعوا كعبا. ومر على طلحة بن عبيدالله فقال: هذا الناكث بيعتي والمنشئ الفتنة في الامة والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي. اجلسوا طلحة بن عبيدالله
فأجلس فقال له أمير المؤمنين: يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ثم قال: اضجعوا طلحة وسار. فقال له بعض من كان معه: يا أمير المؤمنين أتكلم كعبا وطلحة بعد قتلهما ؟ فقال: أم والله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر. إيضاح: جدعت أنفي أي لم أكن أحب قتل هؤلاء ؟ وهم من قبيلتي وعشيرتي ولكن اضطررت إلى ذلك. [قوله:] " بذي نخيرة " النخير: صوت بالانف أي كان يقيم الفتنة لكن لم يكن له بعد قيامها صوت وحركة بل كان يخاف ويولول يقال: ولولت المرأة إذا اعولت " وما علمت " أي فيما علمت وفي علمي " ممن أوضع " على بناء المعلوم أي ركض دابته وأسرع أو على بناء المجهول. قال الجوهري يقال: وضع الرجل في تجارته وأوضع على ما لم يسم فاعله فيهما أي خسر " فنهنهت عنه " أي كففت وزجرت. " وكان هذا مما خفي علي " أي لم أعلم بوقت قتله. فتيان قريش مبتدء والاغمار [خبره، وهو]: جمع الغمر بالضم وبضمتين وهو الذي لم يجرب الامور ذكره الجوهري وقال: لحج السيف وغيره بالكسر يلحج لحجا أي نشب في الغمد فلا يخرج ومكان لحج أي ضيق.
[210]
ثم استفتح إشارة إلى قوله تعالى: * (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) * أي سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم وبين أعدائهم من الفناحة ؟. 164 - كا: الحسين بن محمد الاشعري عن معلى بن محمد عن الوشا عن أبان بن عثمان عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام
إن عليا (عليه السلام) سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل الشرك. قال: فغضب ثم جلس ثم قال سار فيهم والله بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الفتح إن عليا كتب إلى مالك وهو على مقدمته يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل ولا يقتل مدبرا ولا يجهز على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن. فأخذ الكتاب فوضعه بين يديه على القربوس من قبل أن يقرأه ثم قال: اقتلوا فقتلهم حتى أدخلهم سكك البصرة ثم فتح الكتاب فقرأه ثم أمر مناديا فنادى بما في الكتاب. 165 - ني: محمد بن همام عن أحمد بن مابندار عن أحمد بن هليل عن ابن أبي عمير عن أبي المغرا عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لما التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتزلزلت أقدامهم فما اصفرت الشمس حتى قالوا: آمنا يا ابن أبي طالب فعند ذلك قال: لا تقتلوا الاسراء ولا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا موليا ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن. ولما كان يوم صفين سألوه نشر الراية فأبى عليهم فتحملوا عليه بالحسن والحسين وعمار بن ياسر فقال للحسن: يا بني إن للقوم مدة يبلغونها وإن هذه راية لا ينشرها بعدي إلا القائم (عليه السلام).
164 - رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث: (5) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 33. 165 - رواه النعماني في أول الباب: (19) من كتاب الغيبة ص 208 ط 3.
[211]
166 - د: في تاريخ المفيد: في النصف من جماد الاولى سنة ست وثلاثين
من الهجرة كان فتح البصرة ونزول النصر من الله تعالى على أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي كتاب التذكرة: في هذه السنة أظهر معاوية الخلافة وفيها بايع جارية بن قدامة السعدي لعلي بالبصرة وهرب منها عبد الله بن عامر. وفيها لحق الزبير بمكة وكانت عائشة معتمرة فأشار عليهم ابن عامر بقصد البصرة وجهزهم بألف ألف درهم ومائة بعير وقدم يعلى بن منية من البصرة فأعانهم بمائة ألف درهم وبعث إلى عائشة بالجمل الذي اشتراه بمأتي دينار. وسار علي (عليه السلام) إليهم وكان معه سبعمائة من الصحابة وفيهم أربعمائة من المهاجرين والانصار منهم سبعون بدريا وكانت وقعة الجمل بالخريبة يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة قتل فيها طلحة وقتل فيها محمد بن طلحة وكعب بن سور. وأوقف علي الزبير ما سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) وهو أنك تحاربه وأنت ظالم. فقال: أذكرتني ما أنسانيه الدهر وانصرف راجعا فلحقه عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو قائم يصلي فطعنه فقتله وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل إن عدة من قتل من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي أربعة آلاف أو خمسة آلاف. وسار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الكوفة واستخلف على البصرة عبد - الله بن عباس وسير عائشة إلى المدينة.
166 - رواه علي بن سديد الدين يوسف بن علي بن مطهر الحلي في كتاب العدد القوية. ولا يزال الكتاب غير منشور.
[212]
وفي هذه السنة صالح معاوية الروم على مال حمله إليهم لشغله بحرب علي (عليه السلام). 167 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) لما مر بطلحة وعبد الرحمان بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل: لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان غريبا أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب أدركت وترى من بني عبد مناف وأفلتتني أعيان بني جمح لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله فوقصوا دونه. بيان: عبد الرحمان من التابعين وأبوه كان أمير مكة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله). والوتر: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. وأعيان بني جمح في بعض النسخ بالراي أي ساداتهم: أو جمع عير بمعنى الحمار وهو ذم لجماعة من بني جمح حضروا الجمل وهربوا ولم يقتل منهم إلا اثنان. وأتلعوا أعناقهم أي رفعوها. والوقص كسر العنق يقال: واقص الرجل فهو موقوص. 168 - وقال ابن أبي الحديد: ركبت عائشة يوم الحرب الجمل المسمى عسكرا في هودج قد ألبس الرفوف ثم ألبس جلود النمر ثم ألبس فوق ذلك دروع الحديد. وروى الشعبي عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما قدم طلحة والزبير البصرة تقلدت سيفي وأنا أريد نصرهما فدخلت على عائشة وإذا هي تأمر وتنهى وإذا الامر أمرها فذكرت حديثا كنت سمعته من رسول الله (صلى -
167 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (217) من نهج البلاغة. 168 - رواه ابن أبي الحديد في آخر شرحه على المختار: (79) من نهج البلاغة: ج 2
ص 416 ط الحديث ببيروت.
[213]
الله عليه وآله): " لن يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة " فانصرفت واعتزلتهم. وقد روي هذا الخبر على صورة أخرى: أن قوما يخرجون بعدي في فئة رأسها امرأة لا يفلحون أبدا وكان الجمل لواء عسكر البصرة لم يكن لواء غيره فلما تواقف الجمعان قال علي (عليه السلام): لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤكم فإنكم بحمد الله على حجة وكفكم عنهم حتى يبدؤكم حجة أخرى وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا من أموالهم شيئا ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعفاء القوى والانفس والعقول ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والجريدة فيعير بها وعقبه من بعده. قال: وقتل بنو ضبة حول الجمل فلم يبق فيهم إلا من لا نفع عنده وأخذت الازد بخطامه فقالت عائشة: من أنتم ؟ قالوا: الازد قالت: صبرا فإنما يصبر الاحرار. ورمى الجمل بالنبل حتى صارت القبة عليه كهيئة القنفذ فقال علي (عليه السلام) - لما فني الناس على خطام الجمل وقطعت الايدي وسالت النفوس -: ادعوا لي الاشتر وعمارا فجاآ فقال: اذهبا فاعقرا هذا الجمل فإنهم قد اتخذوه قبلة فذهبا ومعهما فتيان من مراد يعرف أحدهما بعمر بن عبد - الله فما زالا يضربان الناس حتى خلصا إليه فضربه المرادي على عرقوبيه فأقعى وله رغاء ثم وقع لجبنه وفر الناس من حوله فنادى علي: اقطعوا أنساع الهودج. ثم قال لمحمد بن أبي بكر: اكفئ أختك. فحملها محمد حتى أنزلها
دار عبد الله بن خلف الخزاعي. 169 - كا علي عن أبيه والقاساني جميعا عن الاصبهاني عن المنقري عن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين يوم البصرة نادى
169 - رواه ثقة الاسلام الكليني في آخر الحديث الثاني من " باب وجوه الجهاد " وهو الباب (3) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 12.
[214]
فيهم لا تسبوا لهم ذرية ولا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن. 170 - أقول: قال السيد بن طاووس في كتاب سعد السعود [نقلا] من كتاب ما نزل من القرآن في علي برواية أبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ياسين عن محمد بن الكند عن عبيدالله بن موسى عن أسباط بن عروة: عن سعيد بن كرز قال: كنت مع مولاي يوم الجمل مع اللواء فأقبل فارس فقال: يا أم المؤمنين قالت عائشة: سلوه من هو ؟ قيل له: من أنت ؟ قال: أنا عمار بن ياسر قالت قولوا له: ما تريد ؟ قال: أنشدك بالله الذي أخرج الكتاب على نبيه صلى الله عليه وآله في بيتك أتعلمين أن رسول الله جعل عليا وصيه على أهله ؟ قالت: اللهم نعم. 171 - كا: العدة عن سهل ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد وعلي عن أبيه جميعا عن ابن محبوب عن حماد بن عيسى عن سوار: عن الحسن قال: إن عليا عليه السلام لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس منهزمين فمروا بامرأة حامل على ظهر الطريق ففزعت منهم فطرحت ما في بطنها حيا
فاضطرب حتى مات ثم ماتت أمه من بعده فمر بها علي (عليه السلام)
170 - وليلاحظ الحديث: من كتاب سعد السعود، ص 236. 171 - رواه ثقة الاسلام الكليني في " باب المقتول لا يدرى من قتله " من كتاب الديات من الكافي: ج 7 ص 354. ورواه أيضا الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الباب: (153) وهو باب ميراث الجنين والمنقوس والسفط من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص ورواه عنه ابن شهر آشوب في فصل قضايا علي بعد بيعة العامة له من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 194.
[215]
وأصحابه وهي مطروحة وولدها على الطريق فسألهم عن أمرها ؟ فقالوا له: إنها كانت حبلى ففزعت حين رأت القتال والهزيمة قال: فسألهم أيهما مات قبل صاحبه ؟ فقيل: إن ابنها مات قبلها. قال: فدعى بزوجها أبي الغلام الميت فورثه من ابنه ثلثي الدية وورث أمه ثلث الدية ثم ورث الزوج أيضا من المرأة نصف ثلث الدية الذي ورثته من إبنها، وورث قرابة المرأة الميتة الباقي ثم ورث الزوج أيضا من دية امرأته الميتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم وورث قرابة المرأة الميتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم وذلك أنه لم يكن لها ولد غير الذي رمت به حين فزعت قال: وأدى ذلك كله من بيت مال البصرة. أقول: شرح الخبر لا يناسب هذا المقام وقد شرحناه في موضعه. - وجدت في كتاب سليم بن قيس: قال أبان: سمعت سليما يقول: شهدت يوم الجمل عليا (عليه السلام) وكنا اثني عشر ألفا وكان أصحاب الجمل زيادة على عشرين ومائة ألف وكان مع علي (عليه السلام) من
المهاجرين والانصار نحو من أربعة آلاف ممن شهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدرا والحديبية ومشاهده، وسائر الناس من أهل الكوفة إلا من تبعه من أهل البصرة والحجاز ليست له هجرة ممن أسلم بعد الفتح وجل الاربعة آلاف من الانصار ولم يكره أحدا على البيعة ولا على القتال إنما ندبهم فانتدبوا من أهل بدر سبعون ومائة رجل وجلهم من الانصار ممن شاهد أحدا والحديبية ولم يتخلف عنه أحد، وليس أحد من المهاجرين والانصار إلا وهواه معه يتولونه ويدعون له بالظفر والنصر ويحبون ظهوره على من ناواه ولم يخرجهم ولا يضيق عليهم وقد بايعوه وليس كل الناس يقاتل في سبيل الله والطاعن عليه والمتبرئ منه قليل مستتر عنه مظهر له الطاعة غير ثلاثة رهط بايعوه ثم شكوا في القتال معه وقعدوا في بيوتهم [وهم] محمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص
172 - كتاب سليم بن قيس الهلالي رحمه الله ص 187، ط 1.
[216]
وابن عمر، [وأما] أساتر بن زيد [فقد] سلم بعد ذلك ورضي ودعا لعلي (عليه السلام) واستغفر له وبرئ من عدوه وشهد أنه على الحق ومن خالفه ملعون حلال الدم. قال أبان قال سليم: لما التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة يوم الجمل نادى علي (عليه السلام) الزبير: يا أبا عبد الله اخرج إلي فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين تخرج إلى الزبير الناكث بيعته وهو على فرس شاك في السلاح وأنت على بغلة بلا سلاح فقال علي (عليه السلام): إن علي جنة واقية، لن يستطيع أحد فرارا من أجله وإني لا أموت ولا أقتل إلا على يدي أشقاها كما عقر ناقة الله أشقى ثمود. فخرج إليه الزبير فقال: أين طلحة ليخرج فخرج طلحة فقال: نشدتكما
الله أتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأهل النهر ملعونون على لسان محمد وقد خاب من افترى ؟ فقال الزبير: كيف نكون ملعونين ونحن من أهل الجنة ؟ قال علي (عليه السلام): لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم فقال الزبير: أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم أحد " أوجب طلحة الجنة ومن أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الارض حيا فلينظر إلى طلحة " أوما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عشرة من قريش في الجنة ؟ فقال علي عليه السلام فسمهم فقال: فلان وفلان وفلان حتى عد تسعة فيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال علي (عليه السلام): عددت تسعة فمن العاشر ؟ قال الزبير: أنت فقال: أما أنت فقد أقررت أني من أهل الجنة وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فإني به لمن الجاحدين والله إن بعض من سميت لقى تابوت في جب في أسفل درك من جهنم على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة فأسعر جهنم سمعت ذلك من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي بيدك وإلا فأظفرني الله بك وأصحابك فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي. ثم أقبل على طلحة فقال: يا طلحة معكما نساؤكما ؟ قال: لا قال: عمدتما إلى امرأة موضعها في كتاب الله القعود في بيتها فأبرزتماها وصنتما
[217]
حلائلكما في الخيام والحجال ما أنصفتما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمر الله أن لا يكلمن إلا من وراء حجاب أخبرني من صلاة ابن الزبير بكما أما يرضى أحدكما بصاحبه ؟ أخبرني عن دعائكما الاعراب إلى قتالي ما يحملكما على ذلك ؟.
فقال طلحة يا هذا كنا في الشورى سنة مات منا واحد وقتل آخر فنحن اليوم أربعة كلنا لك كاره ! ! فقال له علي (عليه السلام) ليس ذاك علي قد كنا في الشورى والامر في يد غيرنا وهو اليوم في يدي أرأيت لو أردت بعدما بايعت عثمان أن أرد هذا الامر شورى أكان ذلك لي ؟ قال: لا. [قال:] ولم ؟ قال: لانك بايعت طائعا. فقال علي (عليه السلام) وكيف ذلك والانصار معهم السيوف مخترطة يقولون: لا فرغتم وبايعتم واحدا منكم وإلا ضربنا أعناقكم أجمعين فهل قال لك ولاصحابك أحد شيئا من هذا وقت ما بايعتماني ؟ وحجتي في الاستكراه في البيعة أوضح من حجتك وقد بايعتني وأصحابك طاتعين غير مكرهين وكنتما أول من فعل ذلك ولم يقل أحد لتبايعان أو لنقتلكما. فانصرف طلحة ونشب القتال فقتل طلحة وانهزم الزبير. بيان: قوله " أكان ذلك بي " أي بحسب معتقدكم أو هل كانوا يسمعون مني ذلك. واعلم أن الدلائل على بطلان ما ادعوا من ورود الحديث ببشارة العشرة انهم من أهل الجنة كثيرة قد مر بعضها وكفى بإنكاره (عليه السلام) ورده في بطلانه، ومقاتلة بعضهم معه (عليه السلام) أدل دليل على بطلانه للاخبار المتواترة بين الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) كقوله (عليه السلام): " لا يبغضك إلا منافق " وقوله: " حربك حربي " وغير ذلك مما مر وسيأتي في المجلد التاسع، والعشرة بزعمهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوى وعبد الرحمان بن عوف وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح على التسعة اللعنة.
[218]
تذنيب قال أبو الصلاح رحمه الله في تقريب المعارف (1) تناصر الخبر من طريقي الشيعة وأصحاب الحديث بأن عثمان وطلحة والزبير وسعدا وعبد الرحمان من جملة أصحاب العقبة الدين نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن عثمان وطلحة القائلان: أينكح محمد نساءنا ولا تنكح نساءه ؟ ! والله لو قد مات لاجلنا على نسائه بالسهام ! ! !. وقول طلحة لاتزوجن أم سلمة (2) ؟ فأنزل الله سبحانه * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) *. وقول عثمان لطلحة وقد تنازعا: والله إنك أول أصحاب محمد تزوج بيهودية فقال طلحة: وأنت والله لقد قلت: ما يحبسنا ها هنا ألا نلحق بقومنا. وقد روي من طريق موثوق به ما يصحح قول عثمان لطلحة فروي أن طلحة عشق يهودية فخطبها ليتزوجها فأبت إلا أن يتهود ففعل ! ! ! وقدحوا في نسبه بأن أباه عبيدالله كان عبدا راعيا بالبلقاء فلحق بمكة فادعاه عثمان بن عمرو بن كعب التيمي فنكح الصعبة بنت دز مهر الفارسي وكان بعث به كسرى إلى اليمن فكان بحضرموت خرازا. وأما الزبير فكان أبوه ملاحا بجدة وكان جميلا فادعاه خويلد وزوجه عبد المطلب صفية. وقال العلامة قدس الله روحه في كشف الحق ومؤلف كتاب إلزام النواصب وصاحب كتاب تحفة الطالب: ذكر أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي
(1) لا عهد لي بهذا الكتاب ولعله لا يزال غير منشور. (2) كذا في ط الكمباني من أصلي، ولعل الصواب: " عائشة " كما رواه من طريق القوم
العلامة الحلي في أواسط المطلب الخامس في الامامة في مطاعن عثمان من كتاب كشف الحق ونهج الصدق ص 304 - 307 ط بيروت.
[219]
من علماء الجمهور (1) أن من جملة البغايا وذوات الرايات صعبة بنت الحضرمي كانت لها راية بمكة واستبضعت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر فاختصم أبو سفيان وعبيدالله في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله فقيل لها كيف تركت أبا سفيان ؟ فقالت يد عبيد الله طلقة ويد أبي سفيان نكرة. وقال [العلامة] في كشف الحق أيضا (2). وممن كان يلعب به ويتخنث عبيد الله أبو طلحة فهل يحل لعاقل المخاصمة مع هؤلاء لعلي (عليه السلام) انتهى. وقال مؤلف كتاب الزام النواصب وصاحب تحفة الطالب: قد ورد أن العوام كان عبدا لخويلد ثم أعتقه وتبناه ولم يكن من قريش وذلك إن العرب في الجاهلية كان إذا كان لاحدهم عبد وأراد أن ينسب إلى نفسه ويلحق به نسبه أعتقه وزوجه كريمة من العرب فيلحق بنسبه وكان هذا من سنن العرب. ويصدق ذلك شعر عدي بن حاتم في عبد الله بن الزبير بحضرة معاوية وعنده جماعة قريش وفيهم عبد الله بن الزبير فقال عبد الله لمعاوية: يا أمير المؤمنين ذرنا نكلم عديا فقد زعم أن عنده جوابا فقال: إني أحذركموه فقال: لا عليك دعنا وإياه. [فرضي معاوية] فقال: يا أبا طريف متى فقئت عينك ؟ فقال: يوم فر أبوك وقتل شر قتلة وضربك الاشتر على أستك فوقعت هاربا من الزحف وأنشد يقول:
(1) فيه سهو عظيم. (2) رواه وما قبله العلامة في أواخر المسألة الخامسة في الامامة في عنوان " نسب " طلحة بعد ذكر زلات عمر من كتاب كشف الحق ونهج الصدق، ص 356 ط بيروت. وأيضا ذكر قبل ذلك في أواسط ذكر زلات عثمان ص 304 - 306 بعض الخلال المذمومة المشتركة بين عثمان وطلحة.
[220]
أما وأبي يا ابن الزبير لو أنني * لقيتك يوم الزحف رمت مدى شحطا وكان أبي في طئ وأبو أبي * صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا. قال معاوية: قد حذرتكموه فأبيتم. وقوله: " صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا " تعريض بان الزبير بأن أباه وأبا أبيه ليسا بصحيحي النسب وأنهما من القبط ولم يستطع ابن الزبير انكار ذلك في مجلس معاوية. أقول: وروى صاحب كتاب تحفة الطالب الابيات هكذا: [أما وأبي يا ابن الزبير لو أنني] (1) * لقيتك يوم الزحف ما رمت لي سخطا ولو رمت شقى عند عدل قضاؤه * لرمت به يا بن الزبير مدى شحطا
(1) ما بين المعقوفين زيادة توضيحية منا، وكان المصنف رحمه الله أسقطه ثم ذكر الشطر الثاني ثم قال: إلى قوله: ولو رمت شقي عند عدل قضاؤه * لرمت به يا ابن الزبير مدى شحطا
[221]
[الباب الرابع] باب احتجاجه عليه السلام على أهل البصرة وغيرهم بعد إنقضاء الحرب وخطبه (عليه السلام) عند ذلك
173 - ج روى يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عبد الله بن الحسن قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب بالبصرة بعد دخولها بأيام فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة ؟ ومن أهل البدعة ومن أهل السنة ؟ فقال [أمير المؤمنين عليه السلام]: ويحك أما إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل عنها أحدا بعدي أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا وذلك الحق عن أمر الله وعن أمر رسوله.
173 - رواه الطبرسي رفع الله مقامه في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بعد دخوله البصرة... " من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 168، ط بيروت. ورواه السيوطي بصورة مطولة في الحديث: (1781) من مسند علي عليه السلام من كتاب جمع الجوامع: ج 2، 129. ورواه أيضا المتقي الهندي نقلا عن وكيع في الحديث: (3529) من كتاب كنز العمال: ج 8 ص 215 ط 1. وقد رواه أيضا في كتاب المواعظ من منتخب العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 315 ط 1. وقد رويناه حرفيا - وذكرنا لكثير من فقراته شواهد ومصادر - في المختار: (122) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 372 ط 2.
[222]
و [أما] أهل الفرقة [ف] المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا. وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا. وأما أهل البدعة فالمخالفون لامر الله تعالى وكتابه ولرسوله والعاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا وقد مضى منهم الفوج الاول وبقيت أفواج وعلى الله فضها واستيصالها عن جدد الارض.
فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفئ ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وولده فئ لنا. فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال: يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت بالرعية ! ! فقال: ولم ويحك ؟ قال: لانك قسمت ما في العسكر وتركت النساء والاموال والذرية. فقال [عليه السلام]: أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات ! ! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف. فقيل ومن غلام ثقيف ؟ فقال: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها. فقيل: أفيموت أو يقتل ؟ فقال: يقصمه قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه ! !. يا أخا بكر أنت امرء ضعيف الرأي أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير وأن الاموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشدة وولدوا على فطرة وإنما لكم ما حوى عسكرهم و [أما] ما كان في دورهم فهو ميراث [لذريتهم] فإن عدا [علينا] أحد منهم أخذناه بذنبه وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره. يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة فقسم ما حوى العسكر ولم يتعرض لما سوى ذلك وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل.
[223]
يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها وأن دار الهجرة يحرم ما
فيها إلا بحق فمهلا مهلا رحمكم الله فإن لم تصدقوني وأكثرتم علي وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد فأيكم يأخذ عائشة بسهمه ؟ ! فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا فنحن نستغفر الله تعالى ونادى الناس من كل جانب أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك الرشاد والسداد. فقام عمار فقال: أيها الناس والله إن اتبعتموه وأطعتموه لن يضل عن منهل نبيكم (عليه السلام) حتى قيس شعرة وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهج هارون (عليه السلام) وقال له: " أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " فضلا خصه الله به وإكراما منه لنبيه (صلى الله عليه وآله) حيث أعطاه ما لم يعطه أحدا من خلقه. ثم قال أمير المؤمنين: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له فإن العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الاخس فإني حاملكم إنشاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة وإن كانت فيه مشقة شديدة ومرارة عتيدة، والدنيا حلوة الحلاوة لمن اغتر بها من الشقوة والندامة عما قليل. ثم إني أخبركم أن جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر. فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلا منهم فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم. وأما عائشة فأدركها رأي النساء ولها بعد ذلك حرمتها الاولى والحساب على الله يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء. بيان فلان ذو عارضة أي ذو جلد وصرامة وقدرة على الكلام ذكره الجوهري وقال: قال الاصمعي: الترهات: الطرق الصغار غير الجادة تتشعب
عنها. الواحدة: ترهة فارسي معرب ثم استعير في الباطل. وقال: يقال بينهما قيس رمح وقاس رمح أي قدر رمح. والعتيد: الحاضر المهيأ.
[224]
174 - ج عن المبارك بن فضالة عن رجل ذكره قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الجمل فقال له: يا أمير المؤمنين رأيت في هذه الواقعة أمرا هالني من روح قد بانت وجثة قد زالت ونفس قد فاتت لا أعرف فيهم مشركا بالله تعالى فالله الله فما يحللني من هذا فإن يك شرا فهذا يتلقى بالتوبة وإن يك خيرا ازددنا أخبرني عن أمرك هذا الذي أنت عليه أفتنة عرضت لك ؟ فأنت تنفح الناس بسيفك أم شئ خصك به رسول الله صلى الله عليه وآله ؟. فقال له علي: إذا أخبرك إذا أنبئك إذا أحدثك إن ناسا من المشركين أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسلموا ثم قالوا لابي بكر: استأذن لنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نأتي قومنا فنأخذ أموالنا ثم نرجع فدخل أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستأذن لهم فقال عمر: يا رسول الله أيرجع من الاسلام إلى الكفر ؟ قال: وما علمك يا عمر ان ينطلقوا فيأتوا بمثلهم معهم من قومهم ؟ ثم إنهم أتوا أبا بكر في العام المقبل فسألوه أن يستأذن لهم على النبي (صلى الله عليه وآله) فاستأذن لهم وعنده عمر فقال مثل قوله فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: والله ما أراكم تنتهون حتى يبعث الله عليكم رجلا من قريش يدعوكم إلى الله فتختلفون عنه اختلاف الغنم الشرد فقال له أبو بكر: فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا هو ؟ فقال: لا. فقال عمر: فأنا هو يا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: لا. قال عمر: فمن هو يا رسول الله فأومى إلي وأنا أخصف نعل رسول الله (صلى الله
عليه وآله) فقال: هو خاصف النعل عندكما ابن عمي وأخي وصاحبي ومبرئ ذمتي والمؤدي عني ديني وعدتي والمبلغ عني رسالتي ومعلم الناس من بعدي ويبين لهم من تأويل القرآن مالا يعلمون فقال الرجل: اكتفي منك بهذا يا أمير المؤمنين ما بقيت. فكان ذلك الرجل أشد أصحاب علي عليه السلام فيما بعد على من خالفه. بيان قال الجوهري: نفحه بالسيف. تناوله من بعيد. وفي بعض النسخ " تنصح " بالصاد المهملة والاول أظهر. قوله (عليه السلام) " غنم الشرد " من
[225]
قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة. وفي بعض النسخ: " الغنم " بالتعريف وهو أظهر. " والشرد " إما بالتحريك جمع شارد كخدم وخادم أو بضمتين جمع شرود كزبور وزبر من شرد البعير إذا نفر. 175 - ج عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من قتال أهل البصرة وضع قتبا على قتب ثم صعد عليه فخطب فحمد الله وأثنى عليه فقال: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة يا أهل الداء العضال يا أتباع البهيمة يا جند المرأة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق ودينكم نفاق وأحلامكم دقاق. ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالامس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله يصلون الخمس ويسبغون الوضوء فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام):
قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا ؟ فقال: والله لاصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي
174 - 175 - رواهما الطبرسي رحمه الله في عنوان: " احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بعد دخوله البصرة... " من كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 170 - 171. والحديثان مرسلان لم يعلم حال روايتهما - كحديث آخر بعد الحديث الثاني ذكره في الاحتجاج أيضا - فلا يمكن بلا قرينة قطعية على صدقهما أو كذبهما الاستدلال بهما على إثبات شئ أو نفيه كما تحقق في علم الاصول. إذا فلا يمكن جعلهما دليلا على انحراف الحسن البصري لاسيما مع قيام شواهد كثيرة على حسن حاله وإنه كان يدافع عن علي عليه السلام ويذكر خصائصه وأنه كان على الحق وأن من خالفه كان على الباطل. والحق أن الرجل لم يكن من المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام وإن لم يكن من حواريهم أيضا.
[226]
وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هم الكفر فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد: يا حسن ارجع فإن القاتل والمقتول في النار فرجعت ذعرا وجلست في بيتي. فلما كان اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر فتحنطت وصببت على سلاحي وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي يا حسن إلى أين مرة بعد أخرى فإن القاتل والمقتول في النار. قال علي: صدقت أفتدري من ذاك المنادي ؟ قال: لا. قال: ذالك أخوك أبليس وصدقك أن القاتل والمقتول منهم في النار. فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى.
بيان قال الفيروز آبادي: الخريبة كجهينة موضع بالبصرة تسمى البصرة الصغرى. 176 - فس " والمؤتفكة أهوى " قال: المؤتفكة البصرة والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: يا أهل البصرة ويا أهل المؤتفكة يا جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق وأحلامكم دقاق وفيكم خم النفاق ولعنتم على لسان سبعين نبيا إن رسول الله أخبرني أن جبرئيل أخبره أنه طوى له الارض فرأى البصرة أقرب الارضين من الماء وأبعدها من السماء وفيها تسعة أعشار الشر والداء العضال المقيم فيها مذنب والخارج منها برحمة وقد ايتفكت بأهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة وتمام الثالثة في الرجعة.
176 - رواه علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسير الآية: (53) من سورة: " والنجم " من تفسيره: ج 2 ص 339 ط 2. ورواه عنه السيد هاشم البحراني رفع الله مقامه في تفسير الآية الكريمة من سورة " النجم " من تفسير البرهان: ج 4 ص 256.
[227]
بيان قال البيضاوي: المؤتفكة: القرى التي ايتفكت بأهلها أي انقلبت. وقال في النهاية: في حديث أنس " البصرة إحدى المؤتفكات " يعني إنها غرقت مرتين فشبه غرقها بانقلابها. وقال الجوهري: داء عضال أي شديد أعيى الاطباء. 177 - فس " والمؤتفكات يالخاطئة " المؤتفكات: البصرة والخاطئة فلانة. بيان قال البيضاوي: " بالخاطئة " أي بالخطأ أو بالفعلة أو بالافعال ذات الخطأ.
وأما التأويل الذي ذكره علي بن إبراهيم فقد رواه مؤلف تأويل الآيات الباهرة عن محمد البرقي عن سيف بن عميرة عن أخيه عن منصور بن حازم عن حمران قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقرأ " وجاء فرعون " يعني الثالث " ومن قبله " يعني الاولين " والمؤتفكات " أهل البصرة " بالخاطئة " الحميراء فالمراد بمجئ الاولين والثالث بعائشة أنهم أسسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البيت عليهم السلام أساسا به تيسر لها الخروج والاعتدا على أمير المؤمنين عليه السلام ولولا ما فعلوا لمن تكن تجترئ على ما فعلت، والمراد بالمؤتفكات أهل المؤتفكات والجمع باعتبار البقاع والقرى والمحلات. 178 - ما المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن أبي الوليد
177 - رواه علي بن إبراهيم رضي الله عنه في تفسير الآية: (9) من سورة الحاقة من تفسيره: ج 2 ص... ورواه السيد البحراني عنه وعن شرف الدين النجفي في كتاب تأويل الآيات الباهرة في تفسير الآية الكريمة من سورة الحاقة من تفسير البرهان: ج 4 ص 375 ط 3. 178 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (29) من الجزء الخامس من أماليه ص 134. وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي في المختار: (262) من باب قصار نهج البلاغة.
[228]
الضبي عن أبي بكر الهذلي قال: دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة أضحوا إلا على حق. فقال [له أمير المؤمنين عليه السلام]:
يا حار إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك جزت عن الحق إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه والباطل باجتناب من اجتنبه. قال: فهلا أكون تبعا لعبد الله بن عمر، وسعد بن مالك ؟ فقال أمير المؤمنين: إن عبد الله بن عمر وسعدا خذلا الحق ولم ينصرا الباطل متى كانا إمامين في الخير فيتبعان. بيان إنك نظرت تحتك لعله كناية عن الغفلة عن معالي الامور أو أنه اقتصر على النظر إلى أمثاله ومن هو أدون منه ولم يتبع من يجب اتباعه ممن هو فوقه. 179 - ما بالاسناد المتقدم عن الهذلي عن محمد بن سيرين قال: سمعت غير واحد من مشيخة أهل البصرة يقولون: لما فرغ علي بن أبي طالب (عليه السلام) من [حرب] الجمل عرض له مرض وحضرت الجمعة فتأخر عنها وقال لابنه الحسن: انطلق يا بني فاجمع بالناس فأقبل الحسن إلى المسجد فلما استقل على المنبر حمد الله وأثنى عليه وتشهد وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:
179 - رواه الشيخ الطوسي رفع الله مقامه في الحديث: (30) من الجزء (3) من أماليه ج 1، ص 80.
[229]
أيها الناس إن الله اختارنا لنبوته واصطفانا على خلقه وأنزل علينا كتابه ووحيه وأيم الله لا ينتقصنا أحد من حقنا شيئا إلا ينقصه الله في عاجل دنياه وآجل آخرته ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين. ثم جمع بالناس وبلغ أباه كلامه فلما انصرف إلى أبيه (عليه السلام) نظر
إليه فما ملك عبرته أن سالت على خديه ثم استدناه إليه فقبل بين عينيه وقال: بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. 180 - مع ماجيلويه عن عمه عن الكوفي عن سفيان الحريري عن علي بن الحزور عن ابن نباته قال: لما أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) من البصرة تلقاه أشراف الناس فهنوه وقالوا: إنا نرجوا أن يكون هذا الامر فيكم ولا ينازعكم فيه أحد أبدا. فقال: هيهات - في كلام له - أنى ذلك ولما ترمون بالصلعاء. قالوا: يا أمير المؤمنين وما الصلعاء ؟ قال: يؤخذ أموالكم قهرا فلا تمنعون [فلا تمتنعون " خ ل "]. بيان قال في النهاية: الصلعاء: الارض التي لا تنبت. وفي حديث عائشة أنها قالت لمعاوية حين ادعى زيادا: ركبت الصليعاء أي الداهية والامر الشديد أو السوءة الشنيعة البارزة المكشوفة. 181 - يج روي عن أبي الصيرفي عن رجل من مراد: قال: كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال: إن لي [إليك] حاجة فقال (عليه السلام): ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها تطلب الامان لابن الحكم ؟ قال: نعم أريد أن تؤمنه قال: آمنته
180 - رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في " باب معنى الرمي بالصلعاء " وهو الباب من كتاب معاني الاخبار، ص 163. 181 - رواه قطب الدين الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج.
[230]
ولكن اذهب إليه وجئني به ولا تجئني به إلا رديفا فإنه أذل له فجاء به ابن عباس ردفا خلفه فكأنه قرد [ف] قال [له] أمير المؤمنين: أتبايع ؟ قال: نعم وفي النفس ما فيها. قال: الله أعلم بما في القلوب. فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه
عن كف مروان فترها فقال لا حاجة لي فيها إنها كف يهودية لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بإسته ثم قال: هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الامة خسفا ويسقونه كأسا مصبرة. بيان قوله: " فترها " كذا في أكثر النسخ بالتاء والراء المهملة [قال الفيروز آبادي] في القاموس: تر العظم يتر ويتر [على زنة يمد ويفر] ترا وترورا: بان وانقطع وقطع كأتر. و [تر] عن بلده: تباعد. والتترتر. التزلزل والتقلقل. وترتروا السكران: حركوه وزعزعوه واستنكهوه حتى يوجد منه الريح. وفي بعض النسخ: " فنثرها " بالنون والثاء المثلثة أي نفضها. وفي بعضها بالنون والتاء المثناة من النتر وهو الجذب بقوة. وقال في القاموس: يقال لشئ يطرد: هيه هيه بالكسر وهي كلمة استزادة أيضا. وفي النهاية: المعامع: شدة الموت. والجد في القتال. والمعمعة في الاصل: صوت الحريق. والمعمعان. شدة الحر. 182 - شا [و] من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالبصرة حين ظهر على القوم بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: أما بعد فإن الله ذو رحمة واسعة ومغفرة دائمة، وعفو جم وعقاب أليم، قضى أن رحمته ومغفرته وعفوه لاهل طاعته من خلقه، وبرحمته اهتدى
182 - رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (27 و 28) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد ص 137. والقسم الاول - أعني خطبته عليه السلام - رواه أيضا الشيخ المفيد في كتاب الجمل ص 214 ط النجف.
[231]
المهتدون، وقضى أن نقمته وسطواته وعقابه على أهل معصيته من خلقه،
وبعد الهدى والبينات ما ضل الضالون فما ظنكم يا أهل البصرة وقد نكثتم بيعتي وظاهرتم على عدوي ؟ ! فقام إليه رجل فقال: نظن خيرا ونراك قد ظهرت وقدرت فإن عاقبت فقد اجترمنا ذلك، وإن عفوت فالعفو أحب إلى الله تعالى. فقال: قد عفوت عنكم فإياكم والفتنة فإنكم أول الرعية نكث البيعة وشق عصا هذه الامة. قال: ثم جلس للناس فبايعوه، ثم كتب (عليه السلام) بالفتح إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال. أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم من طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم فنهضت من المدينة حين انتهى إلي خبر من سار إليها وجماعتهم وما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذاقار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله وحقي فأقبل إلي إخوانكم سراعا حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فأعذرت بالدعاء قمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة من أهل الردة من قريش وغيرها ؟ واستتبتهم ؟ من نكثهم بيعتي وعهد الله عليهم، فأبوا إلى قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد فقتل الله من قتل منهم ناكثا وولى من ولى إلى مصرهم وقتل طلحة والزبير على نكثهما وشقاقهما.
وكانت المرأة عليهم أشأم من ناقة الحجر فخذلوا وأدبروا وتقطعت بهم
[232]
الاسباب فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم فقبلت منهم وغمدت السيف عنهم وأجريت الحق والسنة فيهم واستعملت عبد الله بن العباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إنشاء الله تعالى: وقد بعثت إليكم زحر بن قيس الجعفي لتسائلوه فيخبركم عنا وعنهم وردهم الحق علينا ورد الله لهم وهم كارهون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. توضيح: كلمة ما في قوله (عليه السلام): " ما ضل " زائدة أو مصدرية والاول أظهر. " وشق العصا " مثل يضرب لتفريق الجماعة وأصله من أن الاعرابيين إذا [إجتمعا] كانت لهما عصا واحدة فإذا تفرقا شقا العصا وأخذ كل منهما شقا منها. وقال الجوهري: تأشب القوم: اختلطوا. وائتشبوا أيضا يقال: جاء فلان فيمن تأشب إليه أي انضم إليه. وقال: ناهضته أي قاومته. وتناهض القوم في الحرب إذا نهض كل فريق إلى صاحبه. وقال: فولى عنه أي أعرض وولى هاربا أي أدبر. والحجر بالكسر: منازل ثمود. قال تعالى: * (كذب أصحاب الحجر المرسلين) *. 183 - شي عن الحسن البصري قال: خطبنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) على هذا المنبر وذلك بعدما فرغ من أمر طلحة والزبير وعائشة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال:
183 - رواه العياشي مع الحديثين التاليين في تفسير الآية: (12) من سورة التوبة من
تفسيره. ورواها البحراني مع أحاديث أخر عنه وعن غيره في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 2 ص 107، ط 3.
[233]
أيها الناس والله ما قاتلت هؤلاء بالامس إلا بآية تركتها في كتاب الله إن الله يقول: * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * أما والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لي: يا علي لتقاتلن الفئة الباغية والفئة الناكثة والفئة المارقة. 184 - شي عن الشعبي قال: قرأ عبد الله * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) * إلى آخر الآية ثم قال: ما قوتل أهلها بعد. فلما كان يوم الجمل. قرأها علي (عليه السلام) ثم قال: ما قوتل أهلها منذ يوم نزلت حتى كان اليوم. 185 - شي عن أبي عثمان مولى بني أقصى قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: عذرني الله من طلحة والزبير (1) بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته والله ما قوتل أهل هذه الآية مذ نزلت حتى قاتلتهم * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم) * الآية. 186 - كا محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن محمد بن نعمان أبو جعفر الاحول عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما انقضت القصة فيما بينه وبين طلحة والزبير وعائشة بالبصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) ثم قال:
أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة تفتن الناس بالشهوات وتزين لهم
(1) كذا. 186 - رواه ثقة الاسلام الكليني في الحديث: (368) من كتاب الروضة من الكافي: ج 8 ص 256.
[234]
بعاجلها وأيم الله إنها لتغر من أملها، وتخلف من رجاها، وستورث غدا أقواما الندامة والحسرة بإقبالهم عليها وتنافسهم فيها وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها ظلما وعدوانا وبغيا وأشرا وبطرا. وبالله إنه ما عاش قوم قط في غضارة من كرامة نعم الله في معاش دنيا ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فأزال ذلك عنهم إلا من بعد تغيير من أنفسهم وتحويل عن طاعة الله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله عزوجل وتهاون بشكر نعم الله لان الله عزوجل يقول: * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال) *. ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله جل ذكره بصدق من نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساءتهم لصفح لهم عن كل ذنب وإذا لاقالهم كل عثرة ولرد عليهم كل كرامة نعمة ثم أعاد لهم من صالح أمرهم ومما كان أنعم به عليهم كلما زال عنهم وأفسد عليهم. فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته واستشعروا خوف الله عز ذكره وأخلصوا النفس وتوبوا إليه من قبيح ما استنفركم الشيطان من قتال ولي الامر وأهل
العلم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة وتشتت الامر وفساد صلاح ذات البين إن الله عزوجل يقبل التوبة ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون. 187 - نهج [و] من كلام له (عليه السلام) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة.
187 - رواه السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (71) من كتاب نهج البلاغة.
[235]
قالوا: أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع بالحسن والحسين إلى أمير المؤمنين عليهما السلام فكلماه فيه فخلى سبيله فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين فقال (عليه السلام): أو لم يبايعني بعد قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الاربعة وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر. إيضاح: الحكم بن أبي العاص أبو مروان هو الذي طرده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه عثمان كما مر. والضمير في " إنها " يعود إلى الكف المفهوم من البيعة لجريان العادة بأن يضع المبايع كفه في كف المبتاع والنسبة إلى اليهود لشيوع العذر فيهم. والسبة بالفتح: الاست أي لو بايع في الظاهر لغدر في الباطن. وذكر السبة إهانة له. والامرة بالكسر مصدر كالامارة. وقيل: اسم. ولعقه - كسمعه -: لحسه. والغرض قصر مدة إمارته وكانت تسعة أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: أربعة أشهر وعشرة أيام. والكبش - بالفتح -: الحمل إذا خرجت رباعيته. وكبش القوم: رئيسهم. وفسر الاكثر الكبش ببني عبد الملك: الوليد وسليمان ويزيد وهشام، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء. وقيل: هم
بنو مروان لصلبه عبد الملك الذي ولي الخلافة وعبد العزيز الذي ولي مصر وبشر الذي ولي العراق ومحمد الذي ولي الجزيرة ولكل منهم آثار مشهورة. والولد بالتحريك مفرد وجمع. واليوم الاحمر: الشديد. وفي بعض النسخ: " موتا أحمر " وهو كناية عن القتل. 188 - ما بإسناده قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة فقال:
188 - رواه الشيخ الطوسي قدس الله نفسه في الحديث (6) من المجلس: (22) من أماليه: ج 2 ص 78 ط 1.
[236]
يا جند المرأة ويا أصحاب البهيمة رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم الله أمركم بجهادي ؟ أم على الله تفترون ؟ ثم قال: يا بصرة أي يوم لك لو تعلمين وأي قوم لك لو تعلمين إن لك من الماء يوما عظيما بلاؤه. وذكر كلاما كثيرا. 189 - نهج [و] من كلام له (عليه السلام): أنتم الانصار على الحق والاخوان في الدين والجنن يوم البأس والبطانة دون الناس بكم أضرب المدبر وأرجو طاعة المقبل فأعينوني بمنا صحة خلية من الغش سليمة من الريب فو الله إني لاولى الناس بالناس. بيان قال ابن أبي الحديد: قاله للانصار بعد فراغه من حرب الجمل ذكره المدايني والواقدي في كتابيهما (1). وبطانة الرجل: خاصته وأصحاب سره. والمدبر: من أدبر وأعرض عن الحق. قوله (عليه السلام) " وأرجو... " أي من أقبل إلي إذا رأى أخلاقكم الحميدة أطاعني بصميم قلبه ويمكن أن يراد بالمقبل من كان من شأنه الاقبال والطاعة.
190 - شا من كلامه (عليه السلام) حين قتل طلحة وانفض [جمع] أهل البصرة:
189 - رواه السيد الرضي في المختار: (116) من نهج البلاغة، وما ذكره المصنف في ذيل الكلام عن ابن أبي الحديد، ذكره ابن أبي الحديد في ذيل هذا الكلام من شرحه: ج 2 ص 779. (1) كتب في هامش الاصل المطبوع بأن ها هنا كان في النسخة بياضا. 190 - رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الفصل: (25) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 135.
[237]
بنا تسنمتم الشرف وبنا انفجرتم عن السرار وبنا اهتديتم في الظلماء. وقر سمع لم يفقه الواعية [و] كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة ربط جنان لم يفارقه الخفقان. [و] ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر وأتوسمكم بحلية المغترين سترني عنكم جلباب الدين وبصرنيكم صدق النية أقمت لكم الحق حيث تعرفون ولا دليل وتحتفرون ولا تميهون. اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان عزب فهم امرئ تخلف عني ما شككت في الحق منذ رأيته. كان بنوا يعقوب على المحجة العظمى حتى عقوا أباهم وباعوا أخاهم وبعد الاقرار كان توبتهم وباستغفار أبيهم وأخيهم غفر لهم. بيان [هذا الكلام] رواه [السيد الرضي] في النهج بأدنى تغيير وأوله: " بنا اهتديتم في الظلماء وتسنمتم العلياء وبنا انفجرتم عن السرار وقر سمع.
- إلى قوله - أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة حيث تلتقون ولا دليل - إلى قوله -: ما شككت في الحق مذ أريته لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. اليوم تواقفنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ (1). قوله " وتسنمتم العليا " أي ركبتم سنامها. وسنام كل شئ: أعلاه أي بتلك الهداية على قدركم " وبنا انفجرتم " وروي " أفجرتم ".
(1) رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار الرابع من نهج البلاغة.
[238]
قال ابن أبي الحديد: هو نحو أغد البعير أي صرتم ذوي فجر، وعن للمجاوزة أي متنقلين عن السرار، والسرار: الليلة والليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر. أقول: وعلى الرواية الاخرى لعل المعنى انفجرتم انفجار العين من الارض أو الصبح من الليل. " وقر سمع " دعاء على السمع الذي لم يفقه كلام الداعي إلى الله بالثقل والصمم " كيف يراعى النبأة " أي من أصمته الصيحة القوية فإنه لم يسمع الصوت الضعيف والمعنى من لم ينتفع بالمواعظ الجلية كيف ينتفع بالعبر الضعيفة ولعله كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى دعاء الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). " ربط جنان " دعاء للقلوب الخائفة الوجلة التي لا تزال تخفق من خشية الله والاشفاق من عذابه بالسكينة والثبات والاطمئنان والتقدير: ربط جنان نفسه. ومن روى بضم الراء فالمعنى: ربط الله جنانا كانت كذلك وهو أظهر. والخفقان بالتحريك: التحرك والاضطراب " ما زلت أنتظر بكم " الخطاب لبقية أصحاب الجمل أو مع المقتولين أو الاخير فقط.
وإضافة " عواقب الغدر " بياينة أو لامية. والتوسم: التفرس أي كنت أتفرس منكم أنكم ستغترون بالشبه الباطلة. " سترني عنكم جلباب الدين " أي الدين حال بيني وبينكم فلم تعرفوا ما أقوى عليه من الغلظة عليكم وقتلكم وسترني من عين قلوبكم ما وقفني عليه الدين من الرفق والشفقة وسحب ذيل العفو على الجرائم. ويحتمل أن يكون المعنى إظهاركم شعار الاسلام عصمكم مني مع علمي بنفاقكم فأجريتكم مجرى المخلصين وهذا أنسب بما رواه بعضهم " ستركم عني ". " وبصرنيكم صدق النية " أي جعلني بصيرا بكم إخلاصي لله تعالى وبه صارت مرآة نفسي صافية كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): المؤمن ينظر بنور الله. ذكره ابن ميثم والراوندي.
[239]
ويحتمل أن يكون المراد بصدق النية العلم الصادق الحاصل له عليه السلام بنفاقهم من العلامات كما قال تعالى * (فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) * أي أنزلكم منزلة المخلصين لظاهر إسلامكم مع علمي واقعا بنفاقكم. وقال الراوندي رحمه الله: ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المعنى إنما أخفى رتبتي ومنزلتي عليكم ما أنا متباطئه من التخلق بأخلاق الديانة: وهو أنه لا يعرفهم نفسه بمفاخرها ومآثرها فيكون من باب قوله " إن ها هنا علما جما لو أصبت له حملة " وعلى هذا يكون معناه إنكم إن صدقت نياتكم ونظرتم بعين صحيحة وأنصفتموني أبصرتم منزلتي. " أقمت لكم على سنن الحق " أي قمت لكم على جادة طريق الحق حيث يضل من تنكب عنه ولا دليل غيري وحيث تحتفرون الآبار لتحصيل الماء
" ولا تميهون " أي لا تجدون ماء. " اليوم أنطق لكم العجماء... " كني بالعجماء ذات البيان عن العبر الواضحة وما حل بقوم فسقوا عن أمر ربهم وعما هو واضح من كمال فضله (عليه السلام) وعن حال الدين ومقتضى أوامر الله تعالى فإن هذه الامور عجماء لا نطق لها مقالا ذات البيات حالا ولما بينها عليه السلام وعرفهم ما يقوله لسان حالها فكأنه (عليه السلام) أنطقها لهم. وقيل: العجماء صفة لمحذوف أي الكلمات العجماء والمراد بها ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنها ذات بيان عند أولي الالباب. " عزب " أي بعد ويحتمل الاخبار والدعاء " وأوجس في نفسه خيفة ": أضمر [...]. " اليوم تواقفنا " أي أنا واقف على سبيل الحق وأنتم على الباطل " ومن وثق بماء " لعل المراد من كان على الحق وأيقن ذلك واعتمد على ربه لا يبالي بما وقع عليه كما أن من وثق بماء لم يفزعه عطشه.
[240]
وقال الشارحون أي إن سكنتم إلى قولي ووثقتم به كنتم أبعد عن الضلال وأقرب إلى اليقين. وقال القطب الرواندي رحمه الله [في شرحه على هذه الخطبة من نهج البلاغة]: أخبرنا بهذه الخطبة جماعة عن جعفر الدور يستي عن أبيه محمد بن العباس عن محمد بن علي بن موسى عن محمد بن علي الاسترابادي عن علي بن محمد بن سيار عن أبيه عن الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين. 191 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) خاطب به أهل البصرة على جهة
اقتصاص الملاحم: فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على الله فليفعل فإن أطعتموني فإني حاملكم إنشاء الله على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقة شديدة عظيمة ومذاقة مريرة. وأما فلانة فأدركها رأي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل ! ! ! ولها بعد حرمتها الاولى والحساب على الله. ومنه. سبيل أبلج المنهاج أنور السراج فبالايمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يستدل على الايمان وبالايمان يعمر العلم وبالعلم يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا وبالدنيا تحرز الآخرة.
191 - رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (154) من نهج البلاغة. ورويناه بزيادات كثيرة وشواهد جمة في المختار: (122) من نهج السعادة: ج 1، ص 372 ط 2.
[241]
وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى. [و] منه: قد شخصوا من مستقر الاجداث وصاروا إلى مصائر الغايات لكل دار أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها. وإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله سبحانه وإنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق.
وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين والنور المبين والشفاء النافع والري الناقع والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق لا يعوج فيقام ولا يزيغ فيستعتب ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع من قال به صدق ومن عمل به سبق. وقام إليه رجل فقال: [يا أمير المؤمنين] أخبرنا عن الفتنة وهل سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) ؟ فقال عليه السلام: لما أنزل الله سبحانه قوله: * (ألم أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * [1 - 2 / العنكبوت: 29] علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال: يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي. فقلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: أبشر فإن الشهادة من ورائك ؟ فقال لي: إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر ! ! وقال: يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال: بمنزلة فتنة.
[242]
بيان قوله (عليه السلام): " أن يعتقل " أي يحبس نفسه على طاعة الله. " وفلانة " كناية عن عائشة ولعله من السيد رضي الله عنه تقية. قوله (عليه السلام): " وضغن " أي حقد. [وكان من أسباب حقدها لامير المؤمنين (عليه السلام) سد النبي صلى الله عليه وآله باب أبيها من
المسجد وفتح بابه، وبعثه (عليه السلام) بسورة برائة بعد أخذها من أبي بكر، وإكرام رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة عليها السلام وحسدها عليها إلى غير ذلك من الاسباب المعلومة. والمرجل كمنبر: القدر. والقين: الحداد أي كغليان قدر من حديد. قوله (عليه السلام): " من غيري " يعني به عمر كما قيل أو الاعم وهو أظهر أي لو كان عمر أو أحد من أضرابه ولي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل عليه ونسب إليه أنه كان يحرض الناس على قتله ودعيت إلى أن تخرج عليه في عصابة تثير فتنة وتنقض البيعة لم تفعل - وهذا بيان لحقدها له (عليه السلام). والبلوج: الاضائة. قوله (عليه السلام): " لا مقصر " أي لا محبس ولا غاية لهم دونه " مرقلين " أي مسرعين " قد شخصوا " أي خرجوا. " والاجداث ": القبور. والخلق بالضم وبضمتين: السجية والطبع والمروءة والدين والرجل إذا روى من الماء فتغير لونه يقال [له]: نقع. قوله (عليه السلام): " لا يزيغ فيستعتب " أي لا يميل فيطلب منه الرجوع. والعتبى: الرجوع والمراد بكثرة الرد الترديد في الالسنة. قوله (عليه السلام): " لا تنزل بنا " قال ابن أبي الحديد لقوله تعالى: * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * " وحيزت عني " أي منعت " والاهواء الساهية " أي الغافلة. قوله (عليه السلام): " بمنزلة فتنة " أي لا يجري عليهم في الظاهر أحكام الكفر وإن كانوا باطنا من أخبث الكفار.
[243]
أقول: قال ابن ميثم وابن أبي الحديد (1): هذا الخبر رواه كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
قال: لي إن الله كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. قال: فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب [علي] فيها الجهاد ؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة. فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال: على الاحداث في الدين ومخالفة الامر. فقلت: يا رسول الله أنت كنت وعدتني الشهادة فاسئل الله أن يعجلها لي بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أما إني قد وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا بموطن صبر هذا موطن شكر. قال: أجل أصبت فاعد للخصومة فإنك تخاصم. فقلت: يا رسول الله لو بينت لي قليلا. فقال: إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن وتعمل بالرأي وتستحل الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال فكن حلس (2) بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الامور فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين ؟ أبمنزلة فتنة أم بمنزلة رده ؟ فقال: [أنزلهم] بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا ؟ قال: بل منا فبنا فتح [الله] وبنا يختم وبنا ألف بين القلوب بعد الفتنة فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله.
(1) رواه ابن ميثم رحمه الله في آخر شرحه على المختار: (156) - وهو المختار المتقدم الذكر - من نهج البلاغة: ج 3 ص 265 ط 3. وأما ابن أبي الحديد فهو أيضا رواه في شرح المختار المذكور: ج 3 ص 277 ط بيروت وفي ط مصر: ج 9. ص 206.
(2) أي كن ملازما لبيتك كملازمة الحلس لظهر البعير. والحلس: الكساء الذي يلي ظهر. البعير تحت القتب.
[244]
بيان: " كن حلس بيتك " بالكسر أي ملازما له غير مفارق بالخروج للقتال ودفع أهل الضلال. والضمير " في تقلدها " و " قلدتها " على المجهول فيهما راجع إلى الخلافة والامارة، والتقليد مأخوذ من عقد القلادة على الاستعارة وتقليدهم: إطاعتهم وتركهم العناد " وجاش القدر " بالهمز وغيره: غلا. " وقلبت لك الامور " أي دبروا أنواع المكائد والحيل لدفعك. 192 - نهج قيل: إن الحارث بن حوط أتاه عليه السلام فقال: أتراني أظن أصحاب الجمل كانوا على ضلالة ؟ فقال: يا حار إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت. إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه ! ! فقال الحارث: فإني أعتزل مع سعد بن مالك وعبد الله بن عمر. فقال: إن سعدا وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل. بيان " نظرت تحتك " أي نظرت في أعمال الناكثين بظاهر الاسلام الذين هم دونك في الرتبة لبغيهم على إمام الحق فاغتررت بشبهتهم واقتديت بهم ولم تنظر إلى من هو فوقك وهو إمامك الواجب الطاعة ومن تبعه من المهاجرين والانصار ولا سمعت حكمهم بكون خصومهم على الباطل فكان ذلك سبب حيرتك. ويحتمل أن يكون [معنى] نظره تحته كناية عن نظره إلى باطل هؤلاء وشبههم المكتسبة عن محبة الدنيا، ونظره فوقه كناية عن نظره إلى الحق وتلقيه من الله. أو المعنى نظرت إلى هذا الامر الذي يستولي عليه فكرك وهو خطر قتال أهل القبلة ولم تنظر إلى الامر العالي الذي هو فوق نظرك من وجوب قتالهم
لبغيهم وفسادهم وخروجهم على الامام العادل.
192 - رواه السيد الرضي في المختار: (262) من قصار نهج البلاغة، وقد رويناه عن مصادر في المختار: (96) من نهج السعادة: ج 1، ص 312 ط 2.
[245]
193 - نهج ومن كلام له (عليه السلام) لما أظفره الله بأصحاب الجمل وقد قال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعداءك. فقال (عليه السلام): أهوى أخيك معنا ؟ قال: نعم قال: فقد شهدنا ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الايمان. بيان " سيرعف بهم الزمان " الرعاف: الدم الخارج من أنف الانسان والمعنى: سيخرجهم الزمان من العدم إلى الوجود. [وهذا] من قبيل الاسناد إلى الظرف أو الشرط. 194 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): في ذم البصرة وأهلها: كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهزمتم أخلاقكم رقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه. كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها. وفي رواية أخرى: وأيم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة.
193 - رواه السيد رحمه الله في المختار: (12) من نهج البلاغة. 194 - رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: (13) من نهج البلاغة. وفي شرح
ابن أبي الحديد زيادة عما رواه المصنف ها هنا. ولعلها سقط عن نسخة المصنف عند الطباعة وإليكم نص الزيادة. وفي رواية أخرى: بلادكم أنتن بلاد الله تربة، [و] أقربها من الماء، وابعدها من السماء وبها تسعة أعشار الشر، المحتبس فيها بذنبه، والخارج بعفو الله. كأني أنظر إلى قريتكم هذه قد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر.
[246]
وفي رواية أخرى: كجؤجؤ طير في لجة بحر. أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء خففت عقولكم وسفهت حلومكم [أحلامكم " خ ل "] فأنتم غرض لنا بل وأكلة لآكل وفريسة لصائد [لصائل " خ "]. بيان [إنما قال (عليه السلام):] وأتباع البهيمة لان جمل عائشة كان راية عسكر البصرة. والرغا: صوت الابل. قوله (عليه السلام): " أخلاقكم دقاق ". قال ابن أبي الحديد: الدق من كل شئ: حقيره وصغيره يصفهم باللؤم وفي الحديث: أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب أن أنكح فلانة إلا. أن في أخلاق أهلها دقة فقال له: إياك وخضراء الدمن. والشقاق: الخلاف والافتراق. والزعاق: المالح. وسبب ملوحة مائهم قربهم من البحر وامتزاج مائه بمائهم. قيل: ذكرها في معرض ذمهم لعله من سوء اختيارهم هذا الموضع أو كونها سببا لسوء المزاج والبلادة وغير ذلك كما تقوله الاطباء. قوله (عليه السلام): " بين أظهركم " أي بينكم على وجه الاستظهار والاستناد إليكم وأما كونه مرتهنا بذنبه فلان المقيم بينهم لابد وأن ينخرط في
سلكهم ويكتسب من رذائل أخلاقهم فيكون موثقا بذنوبه أو أن كونه بينهم يجري مجرى العقوبة بذنبه والخارج من بينهم لحقه رحمة الله فوفقه لذلك. وجؤجؤ السفينة: صدرها. ويقال: جثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البرك للابل. وقال ابن ميثم. أما وقوع المخبر عنه فالمنقول أنها غرقت في أيام القادر بالله، وفي أيام القائم بالله غرقت بأجمعها وغرق من في ضمنها وخرجت دورها ولم يبق إلا مسجدها الجامع [ثم]. قال: ويمكن أن يكون المراد بقربها من الماء وبعدها من السماء كون موضعها هابطا قريبا من البحر.
[247]
وقيل: المراد ببعدها من السماء كونها بعيدة من دائرة معدل النهار فإن الارصاد دلت على أن أبعد موضع في المعمورة عن معدل النهار الابلة قصبة البصرة. وقيل: المراد [من] بعدها عن سماء الرحمة [كونها] مستعدة لنزول العذاب انتهى. ولعل مراده أنها أبعد بلاد العرب عن المعدل وإلا فظاهر أن الابلة ليست أبعد موضع في المعمورة والابلة - بضم الهمزة والباء وتشديد اللام المفتوحة -: إحدى الجنات الاربع وهي الموضع الذي فيه الدور والابنية الآن. والسفه: رذيلة مقابل الحلم. والنابل: ذو النبل. والاكلة: المأكول. والفريسة: ما يفترسه السبع. والصولة: الحملة والوثبة. 195 - نهج ومن كلام له (عليه السلام): [في بيان بعض شئون النساء]. معاشر الناس إن النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص
العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن. وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين منهن كشهادة الرجل الواحد. وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر.
195 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (80) - أو قبله - من نهج البلاغة.
[248]
توضيح: الغرض ذم عائشة وتوبيخ من تبعها وإرشاد الناس إلى ترك طاعة النساء. ونقصان الايمان بالقعود عن الصلاة والصيام لعله مبني على أن الاعمال أجزاء الايمان وقعودهن وإن كان بأمر الله تعالى إلا أن سقوط التكليف لنوع من النقص فيهن وكذا الحال في الشهادة والميراث. وترك طاعتهن في المعروف إما بالعدول إلى فرد آخر منه أو فعله على وجه يظهر أنه ليس لطاعتهن بل لكونه معروفا أو ترك بعض المستحبات فيكون الترك حينئذ مستحبا كما ورد تركها في بعض الاحوال كحال الملال. 196 - نهج: ومن خطبة له (عليه السلام): فتن كقطع الليل المظلم لا تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية تأتيكم مزمومة مرحولة يحفزها قائدها ويجهدها راكبها أهلها قوم شديد كلبهم قليل سلبهم يجاهدهم في الله قوم أذلة عند المتكبرين في الارض مجهولون وفي السماء معروفون فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حس وسيبتلى أهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر.
إيضاح: قطع الليل جمع قطع بالكسر وهو الظلمة. قال تعالى: * (فأسر بأهلك بقطع من الليل) * [81 / هود] كذا ذكره ابن أبي الحديد ولعله سهو [منه] والظاهر أنه جمع قطعة. " لا تقوم لها قائمة " أي لا تنهض لحربها فئة ناهضة أو قائمة من قوائم الخيل أو قلعة أو بنية قائمة بل تنهدم يعني لا سبيل إلى قتال أهلها (1). " ولا ترد لها راية " أي لا تنهزم راية من رايات تلك الفتنة بل تكون
196 - رواه السيد الرضي في ذيل المختار: (100 / أو 102) من نهج البلاغة. (1) جملة: " يعني لا سبيل إلى قتال أهلها " كانت في أصلي قبل قوله: " أو قلعة أو بنية قائمة بل تنهدم ".
[249]
غالبة دائما أو لا ترجع لحربها راية من الرايات التي هربت عنها " مزمومة مرحولة ": عليها زمام ورحل أي تامة الادوات يدفعها قائدها والحفز: السوق الشديد. ويجهدها أي يحمل عليها في السير فوق طاقتها. " قليل سلبهم " أي ما سلبوه من الخصم أي همتهم القتل لا السلب. وقيل: إن هذه إشارة إلى صاحب الزنج وجيشه. وفيه أن الذين جاهدوهم لم يكونوا على الاوصاف المذكورة إلا أن يقال: لشقاوة الطرف الآخر أمدهم الله بالملائكة وهو بعيد. وقيل: إشارة إلى ملحمة أخرى في آخر الزمان لم تأت بعد. وهو قريب. والرهج: الغبار. قال ابن أبي الحديد كنى بهذا الجيش عن طاعون يصيبهم حتى يبيدهم. وقال ابن ميثم: إشارة إلى فتنة الزنج وظاهر أن لم يكن لهم غبار ولا أصوات إذ لم يكونوا أهل خيل ولا قعقعة لجم فإذن لا رهج لهم ولا حس.
وقال ابن أبي الحديد: الموت الاحمر كناية عن الوباء، والجوع الاغبر [كناية] عن المحل (1) والحمرة كناية عن الشدة، ووصف الجوع بالاغبر لان الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة وظلاما. وقيل: الموت الاحمر إشارة إلى قتلهم بالسيف. وقال ابن ميثم. أقول: قد فسره عليه السلام بهلاكهم من قبل الغرق كما سيأتي.
(1) هذا هو الظاهر الموجود في شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 650 ط بيروت. وفي أصلي من البحار، طبع الكمباني: " والجوع الاغبر عن الموت... ".
[250]
197 - نهج [و] من كلامه (عليه السلام) فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة: يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام. [قال الرضي رحمه الله] يؤمى بذلك إلى صاحب الزنج. ثم قال (عليه السلام): ويل لسكككم العامرة والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ولا يفقد غائبهم ! ! أنا كأب الدنيا لوجهها وقادرها بقدرها وناظرها بعينها. ومنه يؤمى [عليه السلام] به إلى وصف الاتراك: كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على
المقتول ويكون المفلت أقل من المأسور. فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ! ! فضحك (عليه السلام) وقال للرجل وكان كلبيا: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله: " إن الله عنده علم الساعة " الآية فيعلم سبحانه ما في الارحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون في النار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا
197 - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (126 / أو 128) من نهج البلاغة.
[251]
فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي. بيان الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة والقتال. واللجب: الصوت. والقعقعة: حكاية صوت السلاح ونحوه. والحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل. قوله: " يثيرون الارض " أي التراب لان أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل كذاقيل. وفيه إنه لا يلائم قوله (عليه السلام): " لا يكون له غبار " ولعله كناية عن شدة وطئهم الارض أو يقال مع ذلك ليس غبارهم كالغبار الذي يثار من الحوافر ولما كانت أقدام الزنج في الاغلب قصارا عراضا منتشرة الصدر مفرجات الاصابع أشبهت أقدام النعام في تلك الاوصاف. " والسكك ": جمع سكة بالكسر وهي الزقاق والطريق المستوي والطريقة المصطفة من النخل. و " المزخرفة ": المزينة المموهة بالزخرف وهو الذهب. و " أجنحة الدور " - التي
شبهها بأجنحة النسور -: رواشنها وما يعمل من الاخشاب والبواري بارزة عن السقوف لوقاية الحيطان وغيرها عن الامطار وشعاع الشمس. وخراطيمها: ميازيبها التي تطلى بالقار يكون نحوا من خمسة أذرع أو أزيد تدلى من السطوح حفظا للحيطان. والفيلة: كغينة جمع الفيل. وأما قوله (عليه السلام): " لا يندب قتيلهم " قيل: إنه وصف لهم بشدة البأس والحرص على القتال وإنهم لا يبالون بالموت. وقيل لانهم كانوا عبيدا غرباء لم يكن لهم أهل وولد ممن عادتهم الندبة وافتقاد الغائب. وقيل: لا يفقد غائبهم وصف لهم بالكرة وأنه إذا قتل منهم قتيل سد مسده غيره.
[252]
قوله: " أنا كاب الدنيا " يقال: كببت فلانا على وجهه أي تركته ولم ألتفت إليه. وقيل: إنه كناية عن العلم ببواطنها وأسرارها كما يقال: غلبت الامر ظهرا لبطن. وقوله (عليه السلام): " وقادرها بقدرها " أي معامل لها بمقدارها " وناظرها بعينها " أي ناظر إليها بعين العبرة وأنظر إليها نظرا يليق بها فيكون كالتفسير لقوله (عليه السلام) " وقادرها بقدرها " وحكي عن عيسى (عليه السلام): [أنه كان يقول:] أنا الذي كببت الدنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت ولا بيت يخرب وسادتي الحجر وفراشي المدر وسراجي القمر. أقول: سيأتي شرح باقي الخطبة مع ساير أخبار الآتية في بابه. 198 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن
عبد الله بن عاصم عن محمد بن بشير الهمداني قال: ورد كتاب أمير المؤمنين مع عمر بن سلمة الارجي [الارحبي] إلى أهل الكوفة فكبر الناس تكبيرة سمعها عامة الناس واجتمعوا لها في المسجد ونودي الصلاة جمعا فلم يتخلف أحد وقرأ الكتاب فكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى قرظة بن كعب ومن قبله من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا والمفارقين لجماعتنا الباغين علينا في أمتنا فحججناهم فحاكمناهم إلى الله فأدالنا عليهم فقتل طلحة والزبير وقد
198 - وقد روى الشيخ المفيد أيضا الكتاب بسند آخر في كتاب الجمل ص 215.
[253]
تقدمت إليهما بالمعذرة وأقبلت إليهما بالنصيحة واستشهدت عليهما صلحاء الامة فما أطاعا المرشدين ولا أجابا الناصحين. ولاذ أهل البغي بعائشة فقتل حولها من أهل البصرة عالم جسيم وضرب الله وجه بقيتهم فأدبروا فما كانت ناقة الحجر بأشأم عليهم منها على أهل ذلك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها ربها ونبيها واغترارها في تفريق المسلمين وسفك دماء المؤمنين بلا بينة ولا معذرة ولا حجة ظاهرة. فلما هزمهم الله أمرت أن لا يتبع مدبر ولا يجاز [ولا يجهز] على جريح ولا يكشف عورة ولا يهتك ستر ولا يدخل دار إلا باذن وآمنت الناس. وقد استشهد منا رجال صالحون ضاعف الله حسناتهم ورفع درجاتهم وأثابهم ثواب الصادقين الصابرين. وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن جزاء العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته فقد سمعتم وأطعتم وأجبتم إذا دعيتم فنعم الاخوان
والاعوان على الحق أنتم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب عبيدالله بن أبي رافع في رجب سنة ست وثلاثين. 199 - أقول: روى كمال الدين ابن ميثم البحراني مرسلا أنه لما فرغ أمير المؤمنين من أمر الحرب لاهل الجمل أمر مناديا ينادي في أهل البصرة أن الصلاة الجامعة لثلاثة أيام من غد إنشاء الله ولا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو علة فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
199 - روى ابن ميثم الحديث إلى قوله: " وآجامها قصورا " في أول شرح المختار: (13) من نهج البلاغة: ج 1، ص 289 ط 2. ثم شرح مفردات الخطبة ثم ذكر قسما آخرا منها في ص 292 من ج 1، ثم ذكر قسما كبيرا في شرح المختار: (99) من نهج البلاغة في ج 3 ص 16، ط 2، وقد جمعها المصنف العلامة وذكرها ها هنا بتمامها.
[254]
فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج (عليه السلام) فصلى بالناس الغداة في المسجد الجامع فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ثم قال: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة وائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة يا جند المرأة وأعوان البهيمة رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم أخلاقكم دقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق بلادكم أنتن بلاد الله تربة وأبعدها من السماء بها تسعة أعشار الشر المحتبس فيها بذنبه والخارج منها بعفو الله. كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف
المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر ! ! فقام إليه الاحنف بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك ؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان وإن بينك وبينه لقرونا ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دورا وآجامها قصورا فالهرب الهرب فإنه لا بصيرة لكم يومئذ. ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الابلة ؟ فقال له المنذر بن الجارود: فداك أبي وأمي أربعة فراسخ قال له: صدقت فو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة وعجل بروحه إلى الجنة لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال لي: " يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الابلة أربعة فراسخ وسيكون التي تسمى الابلة موضع أصحاب العشور ويقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألفا شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم فداك أبي وأمي ؟ قال:
[255]
يقتلهم إخوان الجن وهم جيل كأنهم الشياطين سود ألوانهم منتنة أرواحهم شديد كلبهم قليل سلبهم طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل الزمان مجهولون في الارض معروفون في السماء تبكي السماء عليهم وسكانها والارض وسكانها. ثم هملت عيناه بالبكاء ثم قال: ويحك يا بصرة ويلك يا بصرة من جيش لا رهج له ولا حس. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما
ذكرت ؟ وما الويح وما الويل ؟ فقال: هما بابان فالويح باب الرحمة. والويل باب العذاب، يا ابن الجارود نعم تارات عظيمة منها عصبة تقتل بعضها بعضا، ومنها فتنة تكون بها أخراب منازل وخراب ديار وانتهاك أموال وقتل رجال وسباء نساء يذبحن ذبحا يا ويل أمرهن حديث عجيب. منها أن يستحل بها الدجال الاكبر الاعور الممسوخ العين اليمنى والاخرى كأنها ممزوجة بالدم لكأنها في الحمرة علقة نأتي الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالابلة من الشهداء أناجيلهم في صدورهم يقتل من يقتل ويهرب من يهرب. ثم رجف ثم قذف ثم خسف ثم مسخ ثم الجوع الاغبر ثم الموت الاحمر وهو الغرق. يا منذر إن للبصرة ثلثة أسماء سوى البصرة في الزبر الاول لا يعلمها إلا العلماء منها الخريبة ومنها تدمر ومنها المؤتفكة. يا منذر والذي فلق الحبة وبرء النسمة لو أشاء لاخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة متى تخرب ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة ! ! ! وإن عندي من ذلك علما جما، وإن تسألوني تجدوني به عالما لا أخطئ منه
[256]
علما ولا دافئا (1) ولقد استودعت علم القرون الاول وما هو كائن إلى يوم القيامة ! ! ! ثم قال: يا أهل البصرة إن الله لم يجعل لاحد من أمصار المسلمين خطة شرف ولا كرم إلا وقد جعل فيكم أفضل ذلك وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم أنتم أقوم الناس قبلة قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام بمكة وقارؤكم أقرأ الناس وزاهدكم أزهد الناس وعابدكم أعبد الناس وتاجركم أتجر الناس
وأصدقهم في تجارته (2) ومتصدقكم أكرم الناس صدقة وغنيكم أشد الناس بذلا وتواضعا وشريفكم أحسن الناس خلقا، وأنتم أكرم الناس جوارا، وأقلهم تكلفا لما لا يعنيه، وأحرصهم على الصلاة في جماعة ثمرتكم أكثر الثمار وأموالكم أكثر الاموال وصغاركم أكيس الاولاد ونساؤكم أقنع النساء وأحسنهن تبعلا. سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم والبحر سببا لكثرة أموالكم فلو صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا، وغير أن حكم الله فيكم ماض وقضاؤه نافذ لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب يقول الله: * (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا) *. وأقسم لكم يا أهل البصرة ما الذي ابتدأتكم به من التوبيخ إلا تذكير وموعظة لما بعد لكي لا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي وثبتم وقد قال الله لنبيه صلوات الله عليه وآله: * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * ولا الذي