الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 30

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 30


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار

[3]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثلاثون تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا بيروت - لبنان

[5]

قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام...... في حديث: فقال له رجل: يا بن رسول الله ! إني عاجز ببدني عن نصرتكم ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن [عليهم]، فكيف حالي ؟. فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلوات الله عليهم أنه قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته جميع الاملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه ولعنوا من يلعنه ثم ثنوا، فقالوا: اللهم صل على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عزوجل: قد أجبت دعاءكم، وسمعت نداءكم، وصليت على روحه في الارواح، وجعلته عندي من المصطفين الاخيار. بحار الانوار: 27 / 222 - 223 حديث 11 تفسير الامام العسكري (ع): 16 و 17

[6]

عن الصادق عليه السلام: من خالفكم وإن عبد واجتهد منسوب إلى هذه الآية: * (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) *. تفسير القمي: 723 بحار الانوار: 8 / 356 روضة الكافي: 160. ثواب الاعمال: 200.

[7]

[16] باب آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحا وتلويحا 1 - قال السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة (1): قال محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل: علي بن ابراهيم، بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يقرأ على الناس، وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان، فغضب عليه السلام وقال: قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم، وهذه مصر قد انفتحت، وقتل معاوية بن خديج محمد بن أبي بكر، فيا لها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي بمحمد ! فو الله ما كان إلا كبعض بني، سبحان الله ! بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا، وأنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم إن شاء الله تعالى. فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: أدخل علي عشرة من ثقاتي، فقال: سمهم لي يا أمير المؤمنين، فقال: أدخل أصبغ بن نباتة وأبا الطفيل عامر


(1) كشف المحجة لثمرة المهجة: 173 - 189 - طبعة النجف - باختلاف يسير. [235 - 269 مركز النشر].

[8]

ابن واثلة (1) الكناني، وزر بن حبيش الاسدي، وجويرية (2) بن مسهر العبدي، وخندق (3) بن زهير الاسدي، وحارثة بن مضرب (4) الهمداني، والحارث بن عبد الله الاعور الهمداني، ومصابيح (5) النخعي، و (6) علقمة بن قيس، وكميل بن زياد، وعمير بن زرارة، فدخلوا إليه (7)، فقال لهم: خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله ابن أبي رافع وأنتم شهود كل يوم جمعة، فإن شغب شاغب عليهم فانصفوه بكتاب الله بينكم وبينه: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين، فإن الله يقول: * (وإن من شيعته لابراهيم) * (8) وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب وأنتم شيعة النبي محمد صلى الله عليه وآله كما أن من شيعته إبراهيم (9) اسم غير مختص، وأمر غير مبتدع، وسلام عليكم، والله هو السلام المؤمن أولياءه من العذاب المهين، الحاكم عليهم بعدله، بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأنتم معاشر العرب على شر حال، يغذوا أحدكم كلبه (10)، ويقتل ولده، ويغير على غيره، فيرجع وقد أغير عليه، تأكلون العلهز والهبيد (11) والميتة والدم، منيخون (12) على أحجار خشن وأوثان مضلة، تأكلون الطعام الجشب، وتشربون


(1) في المصدر: واثلة. (2) في (ك): حويريه. (3) في المصدر: خندف. (4) في (ك): مضراب. (5) في المصدر: مصباح وهو خلاف الظاهر، فراجع. (6) شطب على الواو في (ك)، وهو الظاهر. انظر: تنقيح المقال 2 / 259. (7) في كشف المحجة: عليه، بدلا من: إليه. (8) الصافات: 83. (9) في المصدر: كما أن محمدا من شيعة إبراهيم. (10) في (س): كلية، وفي المصدر: يغدوا أحدكم كلبه. (11) في المصدر: الهبيدة، وسيذكرهما المصنف في بيانه. (12) قال في القاموس 1 / 272: تنوخ الجمل الناقة: أبركها للفساد، كأناخها فاستناخت، وتنوخت. = أي يجعلون أنفسهم خاضعين على أحجار خشن وأوثان مضلة، كناية عن عبادتهم للاصنام والاوثان.

[9]

الماء الآجن، تسافكون دماءكم، ويسبي بعضكم بعضا، وقد خص الله قريشا بثلاث آيات وعم العرب بآية، فأما الآيات اللواتي في قريش فهو قوله تعالى: * (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) * (1)، والثانية: * (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) * (2)، والثالثة: قول قريش لنبي الله صلى الله عليه وآله حين دعاهم إلى الاسلام والهجرة: * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) *، فقال الله تعالى: * (أو لم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون) * (3)، وأما الآية التي عم بها العرب فهو قوله (4): * (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون) * (5)، فيا لها نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها، ويا لها مصيبة (6) ما أعظمها إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها، فمضى نبي الله صلى الله عليه وآله وقد بلغ ما أرسل به، فيا لها مصيبة خصت الاقربين وعمت المؤمنين لم تصابوا بمثلها ولن تعاينوا بعدها مثلها، فمضى لسبيله صلى الله عليه وآله وترك كتاب الله وأهل


(1) لانفال: 26. (2) النور: 55. (3) القصص: 57. (4) في المصدر: قوله تعالى. (5) آل عمران: 103. (6) في كشف المحجة: من مصيبة.

[10]

بيته إمامين لا يختلفان، وأخوين لا يتخاذلان، ومجتمعين لا يفترقان، ولقد قبض الله نبيه (1) صلى الله عليه وآله ولانا أولى بالناس (2) مني بقميصي هذا، وما ألقى في روعي، ولا عرض في رأيي ان وجه الناس إلى غيره، فلما أبطأوا عني بالولاية لهممهم، وتثبط (3) الانصار - وهم أنصار الله وكتيبة الاسلام - قالوا: اما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا (4) أحق بها من غيري (5)، فو الله ما أدري إلى من أشكو ؟ فإما أن يكون الانصار ظلمت حقها، وإما أن يكونوا ظلموني حقي، بل حقي المأخوذ وأنا المظلوم. فقال قائل قريش: إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش، فدفعوا الانصار عن دعوتها ومنعوني حقي منها، فأتاني رهط يعرضون علي النصر، منهم ابنا (6) سعيد، والمقداد بن الاسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن العازب. فقلت لهم: إن عندي من نبي الله صلى الله عليه وآله عهدا وله (7) إلي (8) وصية لست أخالف عما أمرني به، فو الله لو خزموني (9) بأنفي لاقررت لله تعالى سمعا وطاعة، فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله منه ومن غيره، وقد كان نبي الله أمر أسامة بن زيد على جيش وجعلهما في جيشه، وما زال النبي صلى الله عليه


(1) في المصدر: محمدا نبيه (ص). (2) جاءت العبارة في المصدر: أولى الناس به.. (3) في (ك): نبثط، وهو خلاف الظاهر. وفي المصدر: وتثبيط. (4) الكلمة في مطبوع البحار مشوشة، وما أثبتناه من المصدر، ونسخة بدل في (ك). (5) في المصدر: أحق لها حق غيره. (6) جاء في المصدر: ابناء، بدلا من: ابنا - بالتثنية -. (7) لا توجد: عهدا وله، في المصدر. (8) في (س): إليه، بدلا من: إلي. (9) في المصدر: خرموني.. كما مر.

[11]

وآله إلى أن فاضت نفسه يقول: أنفذوا جيش أسامة (1)، فمضى جيشه إلى الشام حتى انتهوا إلى اذرعات (2) فلقى جمعا (3) من الروم فهزموهم (4) وغنمهم الله أموالهم، فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن (5) الاسلام تدعو إلى محودين محمد وملة ابراهيم عليهما السلام خشيت إن أنا لم أنصر الاسلام وأهله أرى فيه ثلما وهدما تك المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم تزول وتنقشع كما يزول وينقشع (6) السحاب، فنهضت مع القوم في تلك الاحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا وإن زعم (7) الكافرون. ولقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيها الناس ! إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، ولا أبايعكم حتى يبايع علي، ولعلي لا أفعل وإن بايع، ثم ركب دابته وأتى حوران (8) وأقام في خان (9) حتى هلك ولم يبايع. وقام فروة بن عمر الانصاري - وكان يقود مع رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) قوله عليه السلام: انفذوا جيش أسامة، كرر في المصدر. (2) قال في القاموس 3 / 23: واذرعات - بكسر الراء وتفتح - بلدة بالشام. وانظر: مراصد الاطلاع 1 / 47، ومعجم البلدان: 1 / 130 - 131، وغيرهما. قال في المراصد: اذرعات - بالفتح، ثم السكون، وكسر الراء، وعين مهملة والف وتاء - بلد في طرف الشام، وتجاور أرض البلقاء (3) في المصدر: جيشا، وهي نسخة بدل في المطبوع من البحار. (4) جاءت نسخة في (ك): فهزمهم. (5) في المصدر: من، بدلا من: عن. (6) في كشف المحجة: وتتقشع كما يزول ويتقشع.. (7) كذا، ولعله: رغم. (8) قال في القاموس 2 / 15: حواروان - بفتح الحاء مشددة الواو - بلد، والحوراء: موضع قرب المدينة، وهو مرفأ سفن مصر، وماء لبني نبهان. وانظر معجم البلدان 2 / 613، ومراصد الاطلاع 1 / 534. (9) خ. ل: عنان. جاء على مطبوع البحار.

[12]

فرسين ويصرم ألف وسق من تمر (1) فيتصدق به على المساكين - فنادى: يا معشر قريش ! أخبروني هل (2) فيكم رجل تحل له الخلافة وفيه ما في علي عليه السلام ؟ !. فقال قيس بن مخزمة الزهوي (3): ليس فينا من فيه ما في علي عليه السلام. فقال له: صدقت، فهل في علي عليه السلام ما ليس في أحد منكم ؟. قال: نعم. قال: فما يصدكم عنه ؟. قال: إجماع (4) الناس على أبي بكر. قال: أما والله لئن أحييتم (5) سنتكم لقد أخطأتم سنة نبيكم، ولو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم. فولي أبو بكر فقارب واقتصد فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، حتى إذا احتضر، قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، ولولا خاصة بينه وبين عمر وأمر كانا رضياه بينهما، لظننت أنه لا يعدله عني وقد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة الاسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن وقال: إذا افترقتما فكل واحد منكما على حياله، وإذا اجتمعتما فعلي عليكم جميعا، فأغزنا (6) وأصبنا سبيا فيهم خويلة (7) بنت جعفر جار الصفا - وإنما سمي جار الصفا من حسنه - فأخذت الحنفية (8) خولة واغتنمها خالد مني، وبعث بريدة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله محرشا علي، فأخبره بما كان من اخذي خولة، فقال: يا بريدة ! حظه في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي، سمعها أبو بكر وعمر، وهذا بريدة حي لم يمت، فهل


(1) في المصدر: ويصرع الفساد ويشتري تمر.. والصرم - لغة - هو: القطع، كما في القاموس 4 / 139. (2) لا توجد: هل، في (ك). (3) في المصدر: الزهري، وهي نسخة جاءت في (ك). (4) في كشف المحجة: اجتماع. (5) في المصدر ونسخة مصححة (خ صححه) جاءت على مطبوع البحار: أصبتم. (6) في المصدر: فغزونا. (7) في كشف المحجة: خولة، وهي نسخة في (س). (8) في المصدر: الخيفة.

[13]

بعد هذا مقال لقائل ؟ !. فبايع عمر دون المشورة فكان مرضي السيرة (1) من الناس عندهم، حتى إذا احتضر قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، للذي قد رأى مني في المواطن، وسمع من الرسول صلى الله عليه وآله، فجعلني سادس ستة وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، ودعا أبا طلحة زيد بن سعد الانصاري فقال له: كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن يرضى من هؤلاء الستة، فالعجب من اختلاف (2) القوم إذ زعموا أن أبي بكر (3) استخلفه النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان هذا حقا لم يخف على الانصار فبايعه الناس على الشورى، ثم جعلها أبو بكر لعمر برأيه خاصة، ثم جعلها عمر برأيه شورى بين ستة، فهذا العجب من اختلافهم، والدليل على ما لا أحب أن أذكر قول (4) هؤلاء الرهط الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض، فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم ورسوله ؟ !. إن هذا الامر (5) عجيب، ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي ! كانوا يسمعون وأنا أحاج أبا بكر وأنا أقول: يا معشر قريش ! أنا أحق بهذا الامر منكم، ما كان منكم من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، ويدين دين الحق (6)، وإنما حجتي إني ولي هذا الامر من دون قريش، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الولاء لمن أعتق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق (7) الرقاب من النار، وأعتقها من الرق، فكان للنبي صلى الله عليه وآله ولاء هذه


(1) الشورة، بدلا من: السيرة، نسخة جاءت في (ك). (2) نسخة في (س): خلاف. (3) كذا في مطبوع البحار والمصدر، والصحيح: ان أبا بكر. (4) في (س) نسخة: قوله. (5) في (س): لامر. (6) في المصدر: دين الله الحق. (7) في كشف المحجة: يعتق.

[14]

الامة، وما لي بعده ما كان له، فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه وآله جاز لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم، بقول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه (1)، إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلى الله عليه وآله، فإن شاؤا فليقولوا ذلك، فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن آخد بأنفاسهم، وأعترض في حلوقهم، ولا يكون لهم في الامر نصيب، فأجمعوا على إجماع رجل واحد منهم حتى صرفوا الولاية عني إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها فيما بينهم، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو - وأظنه جنيا - فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان فقال: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وبدا منكر ما لقريش لا علا كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا إن عليا هو أولى به * منه فولوه ولا تنكروا فكان لهم في ذلك عبرة، ولولا أن العامة قد علمت بذلك لم أذكره، فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا، وعلمت أهل القنوت أن يقولوا (2): اللهم لك أخلصت القلوب وإليك شخصت الابصار، وأنت دعيت بالالسن، وإليك تحوكم في الاعمال فافتح بيننا وبين قومنا بالحق، اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وهواننا على الناس، وشدة الزمان، ووقوع الفتن بنا، اللهم ففرج ذلك بعدل تظهره، وسلطان حق تعرفه. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا بن أبي طالب ! إنك على هذا الامر لحريص ؟ !. فقلت: لست عليه حريصا، و (3) إنما أطلب ميراث رسول الله صلى الله


(1) مرت مصادر الحديث مفصلا، وانظر جملة منها في الغدير 1 / 222 - 240 وغيره. (2) في (س): أن يقول. (3) لا توجد الواو في المصدر.

[15]

عليه وآله وحقه، وإن ولاء أمته لي من بعده، وأنتم أحرص عليه مني إذ تحولون بيني وبينه، وتصرفون (1) وجهي دونه بالسيف، اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا (2) أيامي، ودفعوا حقي، وصغروا (3) قدري وعظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم، فاستلبونيه. ثم قال: اصبر مغموما أو مت متأسفا، وأيم الله لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا، ولكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا، إنما حقي على هذه الامة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وعجلوا له حقه قبله حامدا، وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد، وليس يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي عهدا فقال: يا بن أبي طالب ! لك ولايتي (4) فإن ولوك في عافية ورجعوا عليك (5) بالرضا فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله سيجعل لك (6) مخرجا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، ولو كان (7) بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها (8)، ولكنني منيت برجلين حديثي عهد بالاسلام، العباس (9) وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت


(1) تضربون: نسخة في (ك). (2) في نسخة في (ك): وأذاعوا. (3) في (س): وحروا. قال في القاموس 4 / 316: وحرى - كرمى -: نقص. (4) في المصدر: ولاء أمتي. وهي نسخة في مطبوع البحار. (5) في كشف المحجة: وأجمعوا عليك. (6) لا توجد: لك، في (س). (7) في المصدر: ولو كان لي. (8) مكرها: نسخة في (ك). (9) في (ك) نسخة: عباس.

[16]

ريقي على الشجا، وصبرت على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز (1) الشفار (2). وأما أمر عثمان فكأنه علم من القرون الاولى * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * (3) خذله أهل بدر وقتله أهل مصر، والله ما أمرت ولا نهيت ولو أنني (4) أمرت كنت قاتلا، ولو أني (5) نهيت كنت ناصرا، وكان الامر لا ينفع فيه العيان ولا يشفي فيه (6) الخبر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله (7) من أنا خير منه، ولا يستطيع من خذله أن يقول نصره من هو خير مني، وأنا جامع أمره: استأثر فأسا الاثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، والله يحكم بينكم وبينه (8) والله ما يلمزني في دم عثمان ثلمة (9) ما كنت إلا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي فلما قتلتموه أتيتموني تبايعوني، فأبيت عليكم وأبيتم على، فقبضت يدي فبسطتموها، وبسطتها فمددتموها، ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم (10) على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل لبعض، حتى


في (ك) نسخة: جز وجاء في حاشيتها: جز الشعر والحشيش جزا وجزة حسنة فهو مجزور، وحزيز: قطعة قاموس. انظر: القاموس 2 / 168 وفيه: جزيز، بدلا من: حزيز. (2) جاء في حاشية (ك): شفر العين: حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب، قال ابن قتيبة: والعامة يجعل اشفار العين الشفر وهو غلط، وإنما الاشفار حروف العين التي ينبت عليه الشعر، والشفر: الهدب، والجمع أشفار، مثل قفل وأقفال، وشفر كل شي: حرفه. مصباح المنير. انظر المصباح المنير 1 / 383، وفيه: تجعل، بدلا من يجعل، وينبت عليها الشعر والشعر، بدلا من: ينبت عليه الشعر والشفر. (3) طه: 52. (4) في مطبوع البحار خ. ل: اني. (5) في المصدر: انني. (6) في المصدر: منه، وهي نسخة في (ك). (7) في المصدر: هو خذله. (8) في كشف المحجة: بيننا وبينه. (9) في المصدر: تهمة،، وهي نسخة في (ك). (10) أي العطاش.

[17]

انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن حمل إليها الصغير وهدج (1) إليها الكبير، وتحامل إليها العليل، وحسرت لها الكعاب (2). فقالوا: بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر، فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق ولا نختلف، فبايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايعني طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فكان أول من بايعني طلحة والزبير، فقالا: نبايعك على أنا شركاءك في الامر. فقلت: لا، ولكنكما شركائي في القوة، وعوناي في العجز. فبايعاني على هذا الامر ولو أبيا لم أكرههما كما لم أكره غير هما، وكان طلحة يرجو اليمن والزبير يرجو العراق، فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدر، فأتيا عائشة (3) واستخفاها مع كل شئ في نفسها علي، والنساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان أيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين وشهادة امرأتين برجل، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال، وقادهما عبيد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الاموال والرجال، فبينما هما يقودانها إذ (4) هي تقود هما، فاتخذاها فئة يقتلان دونها (5)، فأي خطيئة أعظم مما أتيا إخراجهما زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله من بيتها، فكشفا عنها حجابا ستره الله عليها، وصانا حلائلهما في بيوتهما ولا أنصفا الله ولا رسوله من أنفسها،


(1) قال في القاموس 1 / 212: الهدجان - محركة - وكغراب: مشية الشيخ، وقد هدج يهدج وهو هداج. (2) في المصدر: الكعبات. (3) في المصدر: فأتبعا عائشة. (4) في (ك) نسخة: أو، بدلا من: إذ. (5) دونهما. نسخة في (ك).

[18]

ثلاث خصال مرجعهما على الناس، قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) * (1)، وقال: * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * (2) وقال: * (لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) * (3) فقد بغيا علي، ونكثنا بيعتي، ومكرابي (4)، فمنيت بأطوع الناس في الناس عائشة بنت أبي بكر، وبأشجع (5) الناس الزبير، وبأخصم الناس طلحة، وأعانهم علي يعلى بن منبه بأصوع (6) الدنانير، والله لئن استقام أمري لاجعلن ماله فيئا للمسلمين، ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي، وبها شيعتي خزان بيت مال الله ومال المسلمين، فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي (7)، فمن أطاعهم أكفروه، ومن عصاهم قتلوه، فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوها (8) في سبعين رجلا من عباد أهل البصرة ومخبتيهم يسمون: المثفنين، كأن راح أكفهم ثفنات الابل، وأبي أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري، فقال: اتقيا الله ! إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضى على الغائب، أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب ببيعتي إياه، وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما، فخنق حتى مات، وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال: يا طلحة ! هل تعرف هذا (9) الكتاب ؟ قال: نعم، هذا كتابي إليك. قال: هل تدري ما فيه ؟ قال: اقرأه علي، فإذا فيه عيب عثمان ودعاؤه إلى قتله، فسيره من البصرة، وأخذوا على عاملي عثمان


(1) يونس: 23. (2) الفتح: 10. (3) الفاطر: 43. (4) في المصدر: ومكراني. (5) في (ك) نسخة: أشجع، وفي نسخة صحيحة: أنجع، وفي نسخة على (س): أفجع. (6) في المصدر: بأصواع. (7) في المصدر زيادة: وطاعتي. (8) في المصدر: فقتلوه.. وهو الظاهر. (9) في كشف المحجة: من يعرف هذا..

[19]

ابن حنيف الانصاري غدرا فمثلوا به كل المثلة، ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه، وقتلوا شيعتي، طائفة صبرا، وطائفة غدرا، وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله، فو الله لو لم يقتلوا منهم إلا رجلا واحدا لحل لي به دماءهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل، دع مع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم (1) فبعدا للقوم الظالمين، فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله، وأما الزبير فذكرته قول رسول الله صلى الله عليه وآله: انك تقاتل عليا (ع) وأنت ظالم له (2)، وأما عائشة فإنها كان نهاها رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسيرها فعضت (3) يديها نادمة على ما كان منها. وقد كان طلحة لما نزل ذا قار (4) قام خطيبا فقال: يا أيها الناس ! إنا أخطأنا في عثمان خطيئة ما يخرجنا منها إلا الطلب بدمه، وعلي قاتله، وعليه دمه. وقد نزل دارن (5) مع شكاك اليمن ونصارى ربيعة ومنافقي مضر، فلما بلغني قوله وقل كان عن الزبير فيه (6)، بعثت اليهما أناشدهما بحق محمد صلى الله عليه وآله (7) ما أتيتماني وأهل مصر محاصروا عثمان، فقلتما: اذهب بنا إلى هذا الرجل فإنا لا نستطيع قتله إلا بك، فلما تعلم أنه سير أبا ذر رحمه الله، وفتق عمارا، وآوى الحكم بن أبي العاص - وقد طرده رسول الله صلى الله


(1) قال في الصحاح 4 / 1700: وأدالنا الله من عدونا من الدولة، والادالة: الغلبة، يقال: اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه. وفي المصدر: أزال الله منهم. (2) وهي رواية مشهورة من الطريقين. انظر بعض مصادرها في الغدير 3 / 191 وغيره. (3) في (ك): فغضت، قال في القاموس 2 / 337: عضضته وعليه - كسمع ومنع - عضا وعضيضا: أمسكته بأسناني أو بلساني. وقال: بعد صفحة: غض طرفه..: خفضه، واحتمل المكروه. أقول: لا يخفى مناسبة الاول وبعد الثاني. (4) ذوقار: ماء لبكر.. قاله في مراصد الاطلاع 3 / 1055 - 1056. وانظر: معجم البلدان 3 / 293 - 295. (5) لم نجد لهذه البلدة في معجم البلدان ومراصد الاطلاع ذكرا، وليس في الاسماء المقاربة لها ما يناسب المقام، ولعل النون زائدة، فتدبر، أو لعلها: دارا. (6) في المصدر: قبيح، بدلا من: فيه. (7) في كشف المحجة: بحق محمد وآله.

[20]

عليه وآله وأبو بكر وعمر - واستعمل الفاسق على كتاب الله الوليد بن عقبة، وسلط خالد بن عرفطة العذري (1) على كتاب الله يمزق ويخرق، فقلت: كل هذا قد علمت ولا أرى قتله يومي هذا، وأوشك سقاءه أن يخرج المخض زبدته، فأقرا بما قلت. وأما قولكما: إنكما تطلبان بدم عثمان فهذان ابناه عمرو (2) وسعيد فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما، متى كانت أسد وتيم أولياء بني أمية ؟ ! فانقطعا عند ذلك. فقام عمران بن حصين الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو الذي جاءت عنه (3) الاحاديث - وقال: يا هذان لا تخرجان (4) ببيعتكما من طاعة علي، ولا تحملانا على نقض بيعته، فإنا لله رضا، أما وسعتكما بيوتكما حتى أتيتما بأم المؤمنين ؟ ! فالعجب لاختلافها اياكما، ومسيرها معكما، فكفا عنا أنفسكما، وارجعا من حيث جئتما، فلسنا عبيد من غلب، ولا أول من سبق، فهما به ثم كفا عنه، وكانت عائشة قد شكت في مسيرها وتعاظمت (5) القتال، فدعت ء كاتبها عبيد الله بن كعب النميري فقالت: اكتب، من عائشة بنت أبي بكر إلى علي ابن أبي طالب فقال هذا أمر لا يجري به القلم، قالت: ولم ؟ ! قال: لان علي بن أبي طالب في الاسلام أول، وله بذلك البداء في الكتاب. فقالت: اكتب، إلى علي بن ابي طالب من عائشة بنت أبي بكر، أما بعد: فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا قدمك في الاسلام، ولا غناك من رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما خرجت مصلحة بين بيني لا أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين.. في كلام لها كثير، فلم أجبها بحرف، وأخرت جوابها لقتالها، فلما قضى الله لي الحسني سرت إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عباس على


(1) في (ك): الغدري. (2) في (ك) نسخة: عمر - بدون واو. (3) في المصدر: فيه، بدلا من: عنه. (4) في الكشف المحجة: لا تخرجانا.. وهو الظاهر. (5) في (ك): جائت نسخة هي في المصدر: تعاضمها.

[21]

البصرة، فقدمت الكوفة وقد اتسقت (1) لي الوجوه كلها إلا الشام، فأحببت أن أتخذ الحجة، وأقضى العذر، وأخذت بقول الله تعالى: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * (2)، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذرا إليه، متخذا للحجة عليه، فرد كتابي، وجهد حقي، ودفع بيعتي، وبعث إلي أن ابعث إلي قتلة عثمان، فبعثت إليه: ما أنت وقتلة عثمان ؟ ! أولاده أولى به، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصموا إلي (3) القوم لاحملكم وإياهم على كتاب الله، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي، فلما يئس من هذا الامر بعث إلي أن اجعل الشام لي حياتك، فإن حدث بك حادثة عن الموت لم يكن لاحد علي طاعة، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه (4) فأبيت عليه. فبعث إلي: إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام فلما قتلوا (5) عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز، فبعثت إليه: إن كنت صادقا فسم لي رجلا من قريش الشام تحل له الخلافة، ويقبل في الشورى فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من تحل له الخلافة، ويقبل في الشورى، ونظرت إلى أهل شام فإذا هم بقية الاحزاب فراش نار وذباب (6) طمع تجمع من كل اوب ممن ينبغي له أن يؤدب ويحمل على السنة، ليسوا من المهاجرين ولا الانصار ولا التابعين بإحسان، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي، ثم نهضوا في وجه المسلمين، ينضحونهم بالنبل، ويشاجرونهم بالرماح، فعند ذلك نهضت إليهم، فلما عضتهم السلاح، ووجدو ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم (7) إلى ما فيها،


(1) في (س): اتسعت. (2) الانفال: 58، وذكر في المصدر ذيل الآية أيضا وهو: (إن الله لا يحب الخائنين). (3) لا توجد: إلي، في المصدر. (4) في (ك): عن عنقه.. (5) في (ك): فلما قتل.. (6) في المصدر: وذئاب، وفي (س): ذو ذئاب. (7) في المصدر: يدعوكم.

[22]

فأنبأكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن وإنما رفعوها مكيدة (1) وخديعة، فامضوا لقتالهم، فقلتم: اقبل منهم وأكففت عنهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن جامعونا (2) على ما نحن عليه من الحق، فقبلت منهم وككفت عنهم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ويميتا من أماته القرآن، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما، فنبذا ما في الكتاب وخالفا ما في القرآن وكانا أهله، ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا حتى إذا عاثوا في الارض يفسدون ويقتلون، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد، وقتلوا خباب (3) بن الارت (4) وابنه وأم ولده، والحارث بن مرة العبدي، فبعثت إليهم داعيا، فقلت: ادفعوا الينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلتهم، ثم شدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين، فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فقلتم: كلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصيدا (5) فأذن لنا فلنرجع ولنقصد (6) بأحسن عدتنا، وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا عدة من قتل منا حتى إذا أظللتم (7) على النخيلة أمرتكم أن تلزموا معسكركم، وأن


(1) في كشف المحجة: رفعوا بها مكيدة. (2) في المصدر: ان حاجونا. (3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: خباب - بالخاء المعجمة والباءين الموحدتين بينهما ألف - ابن الارت - بالالف والراء المهملة والتاء الفوقانية المشددة - مات قبل الفتنة، ترحم عليه علي عليه السلام فقال: يرحم الله خبابا لقد اسلم راعبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، والارت من في كلامه رنة وهي عجمة لا تغير الكلام. مجمع. انظر: مجمع البحرين 2 / 48. (4) في (ك) نسخة: الارب، ولعلها غلط أو تصحيف، إذ لا يعرف بهذا الاسم. وفي المصدر: الخباب وابنه و.. (5) في المصدر: قصيرا. ونسخة جائت في (ك): قعيدا، واللفظة مشوشة في (س) ولعها: قصدا أو قعيدا. وانظر ما جاء في بيانه طاب ثراه. (6) في المصدر: ولنصتعد. (7) نسخة في (س): ظللتم، وهي كذلك في المصدر، وهي سهو لما سيأتي في بيانه، وقد جائت على = = بناء التفعيل والافعال، فلا حظ. (*)

[23]

تضموا إليه نواصيكم، وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم (1) ولا (2) نسائكم، فإن أصحاب الحرب مصابروها وأهل التشهير (3) فيها، والذين لا يتوجدن من سهر ليلهم، ولا ظمأ نهارهم، ولا فقدان أولادهم ولا نسائهم، وأقامت طائفة منكم معدة وطائفة دخلت المصر عاصية، فلا من دخل المصر عاد إلي، ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر، فلقد رأيتني (4) وما في عسكري منكم خمسون رجلا، فلما رأيت ما أنتم عليه دخلت عليكم فما قدر لكم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا، لله أبوكم (5) ألا ترون أي مصر (6) قد افتتحت ؟ وأي (7) أطرافكم قد انتقصت ؟ وأي (8) مسالحكم (9) ترقى ؟ وأي (10) بلادكم تغزى ؟ وأنتم ذوو عدد جم وشوكة شديدة (11)، واولو بأس قد كان مخوفا، لله أنتم ! أين تذهبون ؟ وأنى تؤفكون ؟. ألا إن القوم جدوا وتأسوا (12) وتناصروا، وإنكم أبيتم ونيتم وتخاذلتم


(1) في (س): أبياتكم. (2) لا توجد في المصدر كلمة: لا. (3) في المصدر: أهل التشمير، ولعل ما في (س) يقرء كذلك. (4) رابتني، بدلا من: رأيتني في المصدر. (5) قال في مجمع البحرين 1 / 17: في الحديث: لله أبوك، قيل: الاصل فيه انه إذا اضيف شئ إلى عظيم اكتسى عظما كبيت الله، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه قيل: لله أبوك للمدح والتعجب.. أي لله أبوك خالصا حيث أتى بمثلك.. وقيل: هو تهزؤ: وقيل: تعجب منهم وليس بدعاء. (6) في المصدر: إلى مصر.. وهو الظاهر. (7 و 8 و 10) إلى، بدلا من أي في المصدر. (9) كذا، وسيأتي في بيانه - قدس سره - أنها بالصاد، وجعل كونها بالسين نسخة. (11) في (ك) نسخة: جديدة. (12) في المصدر: وبأسوا.

[24]

وتغاششتم، ما أنتم إن بقيتم على ذلك سعداء، فأنبهوا (1) - رحمكم الله - نائمكم، وتحروا (2) لحرب عدوكم، فقد أبدت الرغوة عن الصريح، وأضاء الصبح لذي عينين، فانتبهوا (3) إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأهل الجفاء، ومن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله انفا، وللاسلام كله حربا، أعداء السنة والقرآن، وأهل البدع والاحداث، ومن كانت نكايته تتقى (4) وكان على الاسلام وأهله مخوفا، وأكلة الرشا، وعبيد الدنيا، ولقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يديه من سلطانه، فصغرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين، وأي سهم لهذا المشتري (5) وقد شرب الخمر، وضرب حدا في الاسلام، وكلكم يعرفه بالفساد في الدنيا (6)، وإن منهم من لم يدخل في الاسلام وأهله حتى رضخ له (7) عليه رضيخة، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت لكم ذكر مساوية أكثر وأبور (8)، وأنتم تعرفونهم بأعيانهم وأسمائهم كانوا على الاسلام ضدا، ولنبي الله صلى الله عله وآله حربا، وللشيطان حزبا، لم يتقدم إيمانهم، ولم يحدث نفاقهم، وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لاظهروا فيكم الفخر والتكبر والتسلط بالجبرية والفساد في الارض، وأنتم على ما كان منكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، منكم الفقهاء والعلماء والفهماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار، ألا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية السفهاء البطاة عن الاسلام


(1) في مطبوع البحار: فانتبهوا. (2) في المصدر: وتحرزوا. (3) في (س): فانبهوا. (4) في (ك): تبقى. (5) هنا زيادة جاءت في المصدر: بنصرة فاسق غادر. (6) في المصدر: في الدين، وهي نسخة جاءت على حاشية (ك). (7) لا توجد: له في المصدر. (8) في كشف المحجة: وأنور.

[25]

الجفاة فيه ؟ ! اسمعوا قولي - يهدكم الله - إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، فو الله لئن أطعتموني لا تغووا، وإن عصيتموني لا ترشدوا، قال الله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * (1)، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * (2)، فالهادي (3) من بعد النبي صلى الله عليه وآله هاد لامته على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن عسى أن يكون الهادي إلا الذي دعاكم إلى الحق وقادكم إلى الهدى، خذوا للحرب أهبتها (4)، وأعدوا لها عدتها، فقد شبت وأوقدت نارها، وتجرد لكم الفاسقون لكيلا يطفئوا نور الله بأفواههم ويغزوا عباد الله، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء أولى بالحق من أهل البر والاخباث (5) في طاعة ربهم ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم وحدي وهم (6) أهل الارض ما استوحشت منهم ولا باليت، ولكن أسف يريني (7)، وجزع يعتريني من أن يلي هذه الامة فجارها وسفهاؤها فيتخذون (8) مال الله دولا، وكتاب الله (9) دغلا، والفاسقين حزبا، والصالحين حربا، وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأنيبكم وتحريصهم (10)، وتركتكم إذا (11) أبيتم حتى ألقاهم متى حم لي لقاءهم،


(1) يونس: 35. (2) الرعد: 7. (3) في (س): فالهاد - بلا ياء - وهو سهو. (4) قال في القاموس 1 / 37: الاهبة - بالضم -: العدة. (5) كذا، والظاهر: الاخبات، وتقرأ ما في (س): الاجنات، وهي تحتمل أن تكون جمع الجنت، وهي بمعنى الاصل، كما في القاموس 1 / 163. (6) في (ك) نسخة: لهم. (7) في المصدر: يريبني، وهي نسخة في (ك). (8) في كشف المحجة: يتخذون. (9) في المصدر: وكتابه. (10) في كشف المحجة: وتحريضكم.. وهو الظاهر. (11) في المصدر: ولتركتكم إذا. وفي (س): إذ.

[26]

فو الله إني لعلى الحق، وإنني للشهادة لمحب، وإني إلى لقاء الله ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه منتظر (1)، إني نافرتكم (2) ف‍ * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) * (3) ولا تثاقلوا في الارض فتعموا (4) بالذل، وتقروا بالخسف، ويكون نصيبكم الاخسر (5)، إن أخا الحرب اليقظان الارق إن نام لم تنم عينه، ومن ضعف أو ذي، ومن كره الجهاد في سبيل الله كان المغبون المهين، إني لكم اليوم على ما كنت عليه أمس ولستم لي على ما كنتم عليه، من تكونوا ناصريه أخذ بالسهم الاخيب، والله لو نصرتم الله لنصركم (6) وثبت (7) أقدامكم، إنه حق على الله أن ينصر من نصره ويخذل من خذله، أترون الغلبة لمن صبر بغير نصر وقد يكون الصبر جبنا ويكون حمية، وإنما الصبر بالنصر (8) والورود بالصدر (9)، والبرق بالمطر. اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا من الاولى. تبيين: الشغب - بالتسكين (10) -: تهييج الشر (11).


(1) في كشف المحجة: لمنتظر. (2) في المصدر: نافر بكم، وهي نسخة في (ك). (3) التوبة: 41. (4) في (ك) نسخة: فتغموا. (5) في المصدر: الخسران. (6) نسخة في (ك): لينصركم. (7) نسخة في (ك): يثبت. (8) خ. ل: النصر بالصبر، كذا في حاشية (ك)، وهو الظاهر. (9) خ. ل: بالصدور، جاءت على مطبوع البحار. (10) لا توجد: بالتسكين، في (س). (11) ذكره في مجمع البحرين 2 / 91، والصحاح 1 / 157

[27]

وقال الجوهري: العلهز - بالكسر -: طعام كانوا يتخذونه من الدم ووير البعير في سني المجاعة (1). وقال: الهبيد: حب الحنظل (2). والجشب - بكسر الشين - الغليظ (3). والاجن: المتغير (4). والروع - بالضم -: القلب والعقل (5)، ولعله كناية عن أنه لم يكن مظنة أن يفعلوا ذلك لما اجتمع له من النصوص والفواضل والسوابق، لانه عليه السلام كان يعلم وقوع تلك الامور ويخبر بها قبل وقوعها. ويقال (6): خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة انفه يشد فيها (7) الزمام ويقال لكل مثقوب: مخزوم، ذكره الجوهري (8). وقال: انثال عليه الناس من كل وجه: انصبوا (9). قوله عليه السلام: وظننت.. أي علمت، كما ورد كثيرا في الآيات بهذا المعني (10)، أو المعنى: إني ظننت أن الناس يرونني أولى وأحق ويعاونونني على


(1) الصحاح 3 / 887، وانظر: لسان العرب 3 / 431. (2) الصحاح 2 / 554، ومثله في لسان العرب 5 / 381، وغيره. (3) نص عليه في لسان العرب 1 / 266، والصحاح 1 / 99. (4) قاله في الصحاح 5 / 2067، وفي القاموس 4 / 195: الاجن: الماء المتغير الطعم واللون. (5) كما في الصحاح 3 / 1223، ولسان العرب 8 / 137. (6) لا يوجد: يقال، في المصدر. (7) في (ك) نسخة: يشد بها. (8) كما جاء في الصحاح 5 / 1911، ومثله في لسان العرب 12 / 174 - 175 باختلاف يسير في اللفظ. (9) قاله في لسان العرب 11 / 95، والصحاح 4 / 1649، وغيرهما. (10) كما لو أسند إلى الانبياء مثلا كقوله تعالى في سورة الانبياء: 87: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن..)، أو في سورة ص: 24: (وظن داود انما فتناه..)، أو سورة الحاقة: 22: (اني ظننت اني ملاق حسابيه..)، وغيرها.

[28]

منازعتهم. وقوله عليه السلام: تقارب.. أي لم يبالغ في معاندة الحق بعد غصب الخلافة حيلة وخديعة، لانه كان يستقيل تارة ويعتذر إليه عليه السلام أخرى، ويرجع إليه في الامور ليتمشى أمره، ويظهر للناس أنه إنما ولي الامر لصلاح المسلمين. قال في النهاية: فيه سددوا وقاربوا.. أي اقتصدوا في الامور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في أموره: إذا اقتصد (1). قوله عليه السلام: لولا خاصة.. أي محبة أو خلطة خاصة. والتحريش: الاغراء بين القوم (2). وهذا الخبر يدل على أن خولة إنما سبيت في حياة النبي صلى الله عليه وآله فلا تبقى للمخالفين فيها شبهة، وقد مر الكلام فيه (3) وسيأتي (4). والنعي: خبر الموت (5). وقوله عليه السلام: لا علا كعبها.. جملة دعائية. قال في النهاية:.. في حديث قيلة: والله لا يزال كعبك عاليا.. هو دعاء لها بالشرف والعلو (6). قوله عليه السلام: واضاعوا أيامي.. أي ضيعوا (7) ولم يلتفتوا إلى أيامي (8) المشهورة التي نصرت فيها الدين ووقيت فيها المسلمين، وفي بعض النسخ:


(1) كما جاء في النهاية 4 / 33، ولسان العرب 1 / 669، والقاموس 3 / 296. (2) صرح بذلك في مجمع البحرين 4 / 133، والصحاح 3 / 1001، وغيرهما. (3) بحار الانوار: 22 / 181 و 192 - 193. (4) بحار الانوار 42 / 84 - 87 و 99. ولا حظ: 41 / 303 و 326. (5) ذكره في الصحاح 6 / 2512، ومجمع البحرين 1 / 418. (6) قاله في النهاية: 4 / 179، ولسان العرب 1 / 719. (7) نص عليه في الصحاح 3 / 1252، وقريب منه في القاموس 3 / 58. (8) في (س): أيام. (*)

[29]

بالذال المعجمة من الاذاعة بمعنى الافشاء (1)، فالمراد بالايام أيام (2) مظلوميته عليه السلام، ولعله تصحيف، والظاهر: واكفئوا إنائي أو أصغوا إنائي كما مر (3). قوله عليه السلام: فكأنه علم.. إشارة إلى ما ذكره تعالى في قصة فرعون إنه قال لموسى عليه السلام: * (فما بال القرون الاولى) * (4)، والمشهور في تفسيره أنه سئل عن حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة، فقال موسى: * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * (5) أي إنه غيب لا يعلمه إلا الله، وإنما أنا عبد ملك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به (6)، فمراده عليه السلام هنا أن أمر عثمان في الآخرة وما ترتب على أعماله الشنيعة في علمه تعالى وهو أعلم بذلك، وإنما عبر كذلك للمصلحة، أو المعنى أن أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الاولى كقارون. قوله عليه السلام: لا ينفع فيه العيان.. لعل المعنى أن أمره كان أمرا مشتبها على من عاين الامر وعلى من سمع الخبر فلا يدري (7) كيف وقع، أو اشتبه على أكثر الناس إنه هل كان قتله حقا أو باطلا. والثلمة - بالضم -: الخلل في الحايط وغيره (8). قوله عليه السلام: فئة يقاتلان دونها.. لعل المراد بها هنا المرجع، من فاء إذا رجع (9)، ولا يبعد أن يكون قبة - بالقاف والباء الموحدة المشددة أو بالقاف


(1) كذا ذكره في القاموس 3 / 24، والصحاح 3 / 1211، وغيرهما. (2) لا توجد: أيام، في (س). (3) كما مر ذلك قريبا: (4) طه: 51. (5) طه: 52. (6) لا توجد: به في (س). (7) خ. ل: ولا يدري. (8) صرح بذلك في مجمع البحرين 6 / 25، والصحاح 5 / 1881. (9) قال به في مجمع البحرين 1 / 333، والصحاح 1 / 63، وغيرهما.

[30]

والنون المشددة - وهي بالضم (1) -: الجبل الصغير وقلة الجبل، والمنفرد المستطيل في السماء أو الجبل السهل المستوي المنبسط على الارض (2). وقوله عليه السلام: ثلاث خصال.. استئناف كلام. قوله عليه السلام: بأطوع الناس.. أي انها لقلة عقلها كانت تطيع الناس في كل باطل، أو على بناء المفعول.. أي كان الناس يطيعونها في كل ما تريد، والاول أظهر لفظا، والثاني معنى. والانجع: الانفع، والذي أثر كلامه أكثر، أو تدبيره أوفر، قال في القاموس: نجع الطعام - كمنع - نجوعا (3): هنأ أكله، والعلف في الدابة والوعظ والخطاب فيه: دخل فأثر كانجع.. وانتجع: طلب الكلا في موضعه، وفلانا: اتاه طالبا معروفة (4)، وفي بعض النسخ: وبأشجع الناس. والمناجزة في الحرب: المبادرة والمقاتلة (5). والراح - جمع الراحة - وهي الكف (6)، ولعل المراد بها هنا بطونها. والثفنة - بكسر الفاء: واحدة ثفنات البعير - وهي ما يقع على الارض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين وغيرهما (7). قوله عليه السلام: الفاسق على كتاب الله.. أي الذي سماه الله في كتابه


(1) أي القنة. (2) كما جاء في القاموس 4 / 261، ولسان العرب 13 / 348. (3) لا توجد: نجوعا في (س). (4) كما جاء في القاموس 3 / 87، ومثله معنى في لسان العرب 8 / 347 - 348، وغيره. (5) قال في القاموس 2 / 193: المناجزة: المقاتلة.. والمحاجزة قبل المناجزة.. أي المسالمة قبل المعالجة في القتال. وقال في النهاية 5 / 21: المناجزة في الحرب: المبارزة.. لاناجزنك.. أي لاقاتلنك وأخاصمنك. وقال في الصحاح 3 / 898: والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة. وعليه فيحتمل قويا أن يكون الصحيح: المبارزة والمقاتلة. (6) كذا صرح به في القاموس 1 / 224، والصحاح 1 / 368، ونظائرهما. (7) نص بذلك في الصحاح 5 / 2088، ونظيره في النهاية 1 / 215 - 216.

[31]

فاسقا، في قوله تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) * (1) كما مر مرارا. وعرفطة - بضم العين وسكون الراء وضم الفاء (2) -. والعذري.. نسبة إلى جدته العليا: عذرة بن سعد. قوله عليه السلام: وأوشك سقاءه.. لعله مثل. والمخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج ما فيه من الزبد (3)، والمعنى أنه يفعل بنفسه ما يحصل به المقصود، أو يفعل هؤلاء فيه ما يغني عن فعل غيرهم. قولها: ولا قدمك.. أي تقدمك في الاسلام وسبقك، ذكره الجزري (4). والغنا - بالفتح - النفع: ويقال ما يغني عنك هذا.. أي ما يجدي عنك وما ينفعك (5). وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهو التعب، والاول أظهر. قوله تعالى: * (من قوم) *.. أي معاهدين * (خيانة) *.. أي نقض (6) عهد بأمارات تلوح لك * (فانبذ إليهم) *.. أي فاطرح إليهم (7) عهدهم * (على سوآء) * (8).. أي على عدل (9) وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد، وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الاول.. أي ثابتا على طريق سوي، أو من (10) المنبوذ إليهم، أو


(1) السجدة: 18. (2) كما قاله في القاموس 2 / 373، ولسان العرب 7 / 350، وهي علم هنا. (3) ذكره في النهاية 5 / 306، وانظر: لسان العرب 7 / 230، وتاج العروس 5 / 83، وغيرهما. (4) قاله في النهاية 4 / 25 و 26، وقارن بتاج العروس 9 / 19. (5) صرح به في مجمع البحرين 1 / 320، وانظر: الصحاح 6 / 2449، والمصباح المنير 2 / 126. (6) في (س): نقص. (7) كما جاء في مجمع البحرين 3 / 189، والقاموس 1 / 359، وغيرهما. (8) الانفال: 58. (9) نص عليه في مجمع البحرين 1 / 234، وقريب منه في القاموس 4 / 345. (10) في المصدر زيادة: أو منه، قبل أو من.

[32]

منهما على غيره، ذكره البيضاوي (1). قوله عليه السلام: عن رضاع الملي.. في الروايات الاخر: خدع الصبي عن اللبن، ولعله هنا عن الرضاع الملي.. أي عن رضاع يتملا الصبي منه (2)، ولعله - على ما في النسخ - المراد به رضاع اللبن الملي، أو الطفل الملي. والفراش - بالفتح -: الطير الذي يلقي نفسه في ظوء السراج (3). قوله عليه السلام: من كل أوب.. أي من جهة (4)، وفي بعض النسخ: ادب - بالدال المهملة - وهو الظرف (5). وقال الفيروز آبادي: نضح فلانا بالنبل: رماه (6)، وقال: شجرة (7) بالرمح: طعنه (8). قوله عليه السلام: وكانا أهله.. أي كانا أهلا لمخالفة القرآن، ولم يكن مستبعدا منهما. وعثا يعثو عثوا: أفسد (9). وقال في النهاية: يقال نصل السهم: إذا خرج منه النصل، ونصل - أيضا -: إذا ثبت نصله في الشئ.. فهو من الاضداد (10).


(1) نفسير البيضاوي 1 / 388 - بدون أي التفسيرية بعد الآيات -. (2) بمعنى يستمتع الصبي منه، ولعل مراده - طاب ثراه - كونه رضاعا في مدة طويلة يستمتع الصبي فيها من اللبن، وذلك لان الملي بمعني الحين الطويل، والمدة الطويلة التي لا حد لها، كما نص عليه غير واحد كما في مجمع البحرين 1 / 367 وغيره. (3) كما جاء في النهاية 3 / 430، ولسان العرب 6 / 330، وغيرهما. (4) ذكره في القاموس 1 / 37، وانظر: لسان العرب 1 / 220، وغيره. (5) قاله في القاموس 1 / 36، ومثله في لسان العرب 1 / 206. (6) صرح به في لسان العرب 2 / 620، والقاموس 1 / 253، وغيرهما. (7) في (س): شحره - بالحاء المهملة - ولا معنى لها. (8) قاله في القاموس 2 / 56، ونظيره في لسان العرب 4 / 396. (9) كما صرح به في مجمع البحرين 1 / 282، والقاموس 4 / 359، وغيرهما. (10) قاله في النهاية 5 / 67، ومثله في لسان العرب 11 / 662.

[33]

قوله عليه السلام: وعاد أكثرها قصدا.. قال في القاموس: رمح قصد - ككتف - وقصيد واقصاد: متكسر (1) انتهى. وفي بعض النسخ: وعاد أكثرنا قعيدا.. أي قاعدا عن الحرب عاجزا، والقعيد: الجراد لم يستو جناحه (2)، ولعله تصحيف. قوله عليه السلام: ظللتم على النخيلة.. على بناء التفعيل، وفي بعض النسخ على الافعال.. أي أشرفتم، يقال: اظلك فلان: إذا دنا منك كأنه القى عليك ظله (3) فضمن معنى الاشراف، ويقال: ظللت اعمل كذا - بالكسر -: إذا عملته بالنهار (4)، فيمكن أن يقرأ على بناء المجرد، لكن فيه تكلف. قوله عليه السلام: نواصيكم.. أي تطيعوا إمامكم في لزوم معسكركم، فإن الاخذ بالناصية كناية عن الاطاعة، وفي بعض النسخ: قواصيكم.. أي تدعوا إلى حضور معسكركم الفرق القاصية البعيدة عنكم، ولعله أظهر. قوله عليه السلام: والى مصالحكم ترقى.. أي تصعد (5) وترفع من بينكم، أو من المهموز من رقأ الدمع إذا سكن (6)، ولا يبعد أن يكون بالزاء مهموزا من الرزء (7) بمعنى النقص فخفف، وفي بعض النسخ إلى مسالحكم - بالسين -.. أي ثغوركم (8) وهو الصواب.. أي يرقى العدو عليها.


(1) القاموس 1 / 327، ونظيره في لسان العرب 3 / 355، وغيره. (2) كما صرح به في الصحاح 2 / 526، وقاله في القاموس 1 / 328. (3) جاء في الصحاح 5 / 1756، ولسان العرب 11 / 418، وغيرهما. (4) ذكره في مجمع البحرين 5 / 415، والصحاح 5 / 1756، وغيرهما. (5) كما صرح به في مجمع البحرين 1 / 194، والقاموس 4 / 336، وغيرهما. (6) ذكره صاحب الصحاح فيه 1 / 53، والقاموس 1 / 16. (7) في حاشية (ك) حاشية غير معلمة لعل محلها هنا، وهي: يقال: ما رزأته - بالكسر -: ما نقصته، وارتزأ: انتقص. قاموس. القاموس المحيط 1 / 16 باختلاف يسير. (8) قاله في مجمع البحرين 2 / 374، والقاموس 1 / 229، وغيرهما.

[34]

قوله عليه السلام: تأسوا.. أي اقتدى بعضهم ببعض في التعاون والجد (1)، وفي بعض النسخ: بؤسوا - بضم الهمزة - من البأس - بمعنى الشدة في الحرب (2). قوله عليه السلام: فقد أبدت (3) الرغوة (4).. هذا مثل ساير يضرب لظهور الحق (5).


(1) قال في الصحاح 6 / 2268، والقاموس 4 / 299 ما نصه: تأسوا.. أي آسى بعضهم بعضا وآساه بماله مواساة.. أي جعله فيه اسوة. ولعل ما في المتن يرجع إلى ما ذكرناه، فتدبر. (2) كما جاء في القاموس 2 / 199، والصحاح 3 / 906 - 907، وغيرهما. (3) في (س): أبدب. وجاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة، لعلها هنا، وهي: أبدى: لازم ومتعدي، يقال: أبديت في منطقك.. أي جرت، فيكون المعني بدأ الصريح عن الرغوة، ويجوز أن يكون متعد أو المفعول محذوف.. أي أبدى الصريح نفسه، وهذا المثل لعبيد الله بن زياد قاله لهاني بن عروة المرادي، وكان مسلم بن عقيل بن أبي طالب قد استخفى عنده أيام بعثه الحسين بن علي عليهما السلام، فلما عرف مكانه عبيد الله أرسل إلى هاني فسأله فكتمه، فتوعده وخوفه، فقال هاني: هو عندي، فعندها قال عبيد الله: أبدى الصريح عن الرغوة.. أي وضح الامر وبان. قال فضلة شعرا: ألم تسل الفوارس يوم غول * بنضلة وهو موتور مشيح رأوه فازدروه وهو حر * وينفع أهله الرجل القبيح ولم يخشوا مصالته عليهم * وتحت الرغوة اللبن الصريح ومعني البيت: رأواني فازدروني لدمامتي فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا ظاهرا، يضرب عند انكشاف الامر وظهوره. أقول: هذا ما ذكره الميداني في مجمع الامثال 1 / 103 بألفاظ مقاربة. (4) جاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة ظاهرها هنا، وهي: والرغوة فيها ثلاث لغات: رغوة ورغوة ورغوة، وحكى الكسر فيها اللحياني وغيره، وهو زبد اللبن، وفي المثل: يسر حسوا في ارتغاء، يضرب لمن يظهر امرا ويريد غيره. الصحاح. أقول: انظر: مجمع الامثال للميداني 2 / 416، والمستقصى 2 / 412، وفرائد اللآلي 2 / 366، والعبارة كلها جاءت في الصحاح 6 / 2360. مثلها في لسان العرب 14 / 330 إلا أنه ليست فيه الجملة المعترضة، أعني وحكي الكسر.. إلى آخره. (5) كما جاء في كتب الامثال كمجمع الامثال 1 / 103، وفرائد اللآلي 1 / 84، وغيرهما.

[35]

قال الزمخشري في المستقصى (1): أبدى الصريح عن الرغوة هذا من مقلوب (2) الكلام، وأصله أبدت الرغوة عن الصريح، كقوله وتحت الرغوة اللبن الصريح. قال (3) عبيد الله بن زياد لهانئ بن عروة حين سأل (4) عن مسلم ابن عقيل (5) - وكان متواريا عنه - فجحد ثم اقر، يضرب في ظهور كامن الامر. قوله: انفا - ككتف أو كصاحب - ولعله من الانفة بمعنى الاستنكاف (6) والتكبر، والاظهر إلبا - باللام والباء - بقرينة حربا، يقال: هم عليه إلب - بالفتح والكسر - أي مجتمعون عليه باظلم والعداوة، والتأليب: التحريص والافساد، والالب - بالفتح -: التدبير على العدو من حيث لا يعلم والطرد الشديد (7)، والالب والحرب كثيرا ما يذكران معا، وعلى تقديرين لا بد من تجوز في اللام. وقال الجوهري (8): شببت النار والحرب أشبها شبا وشبوبا: إذا اوقدتهما. قوله عليه السلام: ولكن أسف يبريني.. أي يهزلني، من بريت السهم (9) أو ينبريني من انبرى له أي اعترض (10)، أو يريني من ورى القيح جوفه: افسده، وفلان فلانا اصاب رئته (11)، أو يريبني من اربيته.. أي زدته (12) يعني يزيدني هما،


(1) المستقصى 1 / 15. (2) في (س): مغلوب - بالغين المعجمة - وهو خلاف الظاهر. (3) في المستقصى: قاله. (4) في المصدر: سأله. (5) في المستقصى: مسلم بن عقيل بن أبي طالب. (6) كما جاء في القاموس 3 / 119، والصحاح 4 / 1333، وغيرهما. (7) ذكره في لسان العرب 1 / 215 - 216، والقاموس 1 / 37. (8) الصحاح 1 / 151، ونظيره في لسان العرب 1 / 481، وفيهما: أوقدتها. (9) قال في القاموس 4 / 303: وبراه السفر يبريه بريا: هزله. وقال في الصحاح 6 / 2280: وبريت (3) القلم بريا وبريت البعير أيضا: إذا حسرته وأذهبت لحمه. (10) كما جاء في الصحاح 6 / 2280، والقاموس 4 / 303، وغيرهما. (11) ذكره في القاموس 4 / 399، وتاج العروس 10 / 388. (12) نص عليه في النهاية 2 / 192، ولسان العرب 7 / 305، وغيرهما.

[36]

وكانت نسخ المنقول منه تحتمل الجميع. والدول - جمع دولة، بالضم -: هو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم (1). وكتاب الله دغلا.. أي يخدعون الناس به (2). والدغل بالتحريك -: الفساد والشر والمكر (3). وحم له كذا - على المجهول - قدر (4). والخسف: الذل والمشقة والنقصان (5). والارق: السهر، وقد أرقت - بالكسر -.. أي سهرت.. فانا ارق، ذكره الجوهري (6). قوله: بغير نصر.. أي من الله تعالى، فينبغي أن يكون الصبر لله تعالى، فإن الصبر قد يكون لاجل الجبن عن الفرار وللحمية، ويمكن أن يقرأ بالبصر - بالباء -.. أي بالعلم أو البصيرة. قوله عليه السلام: وإنما الصبر بالنصر.. أي ما قرن الصبر إلا بالنصر، وفي بعض النسخ بالعكس، وهو ظاهر، ويؤيد الاول الفقرتان اللتان بعدهما، فإن المراد بهما أن الورود على الماء مقرون بالصدور. والصدر - بالفتح (7) - الرجوع،


(1) قاله في النهاية 2 / 140، ومقارب له في تاج العروس 7 / 326. (2) صرح به في لسان العرب 11 / 245، والنهاية 2 / 123. (3) قال في مجمع البحرين 5 / 372: دغل السريرة: خبثها ومكرها وخديعتها. وقال في الصحاح 4 / 1697: الدغل بالتحريك -: الفساد، مثل الدخل، وقال في صفحة: 1696 منه: والدخل: العيب والريبة.. وكذلك الدخل - بالتحريك - دخلا بينكم.. أي مكرا وخديعة. (4) كما جاء في القاموس 4 / 100، والصحاح 5 / 1904، وغيرهما. (5) قاله في الصحاح 4 / 1250، ولسان العرب 9 / 68. (6) صرح به في الصحاح في اللغة 4 / 1445، ولسان العرب 10 / 4، وغيرهما. (7) سقطت: بالفتح، عن (س).

[37]

وبالتحريك الاسم منه (1). والبرق مقرون بالمطر.. ويمكن أن يقرأ بالبصر هنا - أيضا بالباء -، فتفطن. وقد مر تفسير بعض الفقرات وسيأتي شرح بعضها فيما نقلناه وسننقل من خطبه عليه السلام. 2 - وروى السيد رضي الله عنه في الكتاب المذكور (2)، عن محمد بن يعقوب الكليني مما رواه في كتاب الرسائل، عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن وغيرهما، عن سهل بن زياد، عن العباس بن عمران، عن محمد بن القاسم بن الوليد الصيرفي، عن المفضل، عن سنان بن ظريف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يكتب بهذا الخطبة إلى (3) أكابر أصحابه، وفيها كلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم، إلى المقربين في الاضلة، الممتحنين بالبلية، المسارعين في الطاعة، المنشئين (4) في الكرة، تحية منا إليكم، سلام عليكم، أما بعد: فإن نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلا به مع اتباع (5) كلمة الله والتصديق بها، فالكلمة من الروح، والروح من النور، والنور نور السماوات والارض، فبأيديكم سبب وصل إليكم منا نعمة (6) من الله لا تعقلون (7) شكرها،


(1) ذكره في القاموس 2 / 68، ومجمع البحرين 3 / 363، وغيرهما. (2) كشف المحجة لثمرة المهجة: 189 - 193، باختلاف يسير. (3) في المصدر: إلى بعض.. (4) المنشرين: نسخة في (ك). وفي المصدر: المستيقنين بي الكرة. (5) في (ك) نسخة: اتباعه. (6) في المصدر: واتيان نعمة من.. (7) في كشف المحجة: لا تغفلون..

[38]

خصكم بها واستخلصكم لها * (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) * (1) إن الله عهد أن لن يحل عقده أحد سواه، فتسارعوا إلى وفاء العهد (2)، وامكثوا (3) في طلب الفضل، فإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق (4) يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الامر كما قد (5) وقع لسبع بقين من صفر، تسير فيها الجنود، يهلك (6) فيها البطل الجحود، خيولها عراب، وفرسانها حراب (7)، ونحن بذلك واقفون (8)، ولما ذكرنا منتظرون انتظار المجدب المطر لينبت العشب، ويجنى الثمر، دعاني إلى الكتاب اليكم استنقاذكم من العمى، وإرشادكم باب الهدى، فاسلكوا سبيل السلامة، فإنها جماع الكرامة، اصطفى الله منهجه، وبين حججه (9)، وأرف أرفه (10)، ووصفه وحده وجعله نصا (11) كما وصفه (12)، إن العبد إذا أدخل حفرته يأتيه ملكان أحدهما منكر


(1) العنكبوت: 43. (2) في حاشية (ك) جملة لم يعلم عليها ولعل محلها هنا وهي: إتيان الواجبات، وفيها نسخة: الواجبتان، وسيذكرهما المصنف رحمه الله في بيانه. (3) في (س) ونسخة جاءت في (ك): واكمشوا. وهي بمعنى شمروا وجدوا في الطلب كما جاء في مجمع البحرين 4 / 153. (4) في (ك) نسخة: معاوق. قال في مفردات الراغب: 353: العائق: الصارف عما يراد من خير، ومنه عوائق الدهر، يقال: عاقه وعوقه واعتاقه، قال: قد يعلم الله المعوقين.. أي المثبطين الصارفين عن طريق الخير. والمعنى المناسب للمقام.. أي وعد غير حاضر يصرف الناس عن الدنيا. (5) لا توجد: قد في المصدر. (6) في (ك): ويهلك. (7) في المصدر: احزاب. (8) في كشف المحجة: واثقون، وهي نسخة في (ك). (9) في (س): حجبه. (10) في المصدر: وازف أزفة. (11) في (ك) نسخة: رصا. (12) هنا سقط جاء في المصدر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

[39]

والآخر نكير، فأول ما يسألانه عن ربه، وعن نبيه، وعن وليه، فإن أجاب نجا وإن تحير عذباه. فقال قائل: فما حال من عرف ربه، وعرف نبيه، ولم يعرف وليه ؟. فقال: ذلك مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. قيل: فمن الولي يا رسول الله (ص) ؟. فقال: وليكم في هذا الزمان أنا، ومن بعدي وصيي، ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله كي ما تقولوا كما قال الضلال قبلكم حيث (1) فارقهم (2) نبيهم: * (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى) * (3)، وإنما كان تمام ضلالتهم جهالتهم بالآيات وهم الاوصياء (4) فأجابهم الله: * (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) * (5) وإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة عن معرفة الاوصياء حتى يعلن إمام (6) علمه، فالاوصياء قوام عليكم (7) بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، لانهم عرفاء العباد عرفهم الله إياهم عند أخذ المواثيق علهيم بالطاعة لهم، فوصفهم في كتابه فقال عزوجل: * (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيمهم) * (8) وهم الشهداء على الناس، والنبيون شهداء لهم بأخذه (9) لهم مواثيق العباد بالطاعة، وذلك قوله: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين


(1) في (ك) نسخة: حين، ولا توجد حيث ولا حين في المصدر. (2) في المصدر: من قبلكم فارقهم. (3) طه: 134. (4) في المصدر: وفهم الاوصياء. (5) طه: 134. (6) جاءت كلمة الامام في المصدر بالالف واللام. (7) في (ك): عليك. (8) الاعراف: 46. (9) نسخة في (ك): بأخذهم.

[40]

كقروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا تكتمون الله حديثا) * (1). وكذلك (2) أوحى الله إلى آدم: أن يا آدم ! قد انقضت مدتك، وقضيت نبوتك، واستكملت أيامك، وحضر أجلك، فخذ النبوة وميراث النبوة واسم الله الاكبر فادفعه إلى ابنك: هبة الله، فإني لم أدع الارض بغير علم يعرف، فلم تزل (3) الانبياء والاوصياء يتوارثون ذلك حتى انتهى الامر إلي، وأنا أدفع ذلك إلى علي وصيي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، وإن عليا يورث ولده حيهم عن ميتهم، فمن سره أن يدخل جنة ربه فليتول عليا والاوصياء من بعده، وليسلم لفضلهم، فإنهم الهداة بعدي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، فهم عترتي من لحمي ودمي، أشكوا إلى الله عدوهم والمنكر لهم فضلهم، والقاطع عنهم صلتي، فنحن أهل البيت (4) شجرة النبوة ومعدن الرحمة ومختلف الملائكة، وموضع الرسالة، فمثل أهل بيتي في هذه الامة كمثل سفينة نوح (ع) من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك (5)، ومثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له، فأيما (6) راية خرجت ليست من أهل بيتي فهي الدجالية، إن الله اختار لدينه أقواما انتجبهم للقيام عليه والنصر له، طهرهم بكلمة الاسلام، وأوحى إليهم (7) مفترض القرآن، والعمل بطاعته في مشارق الارض ومغاربها، إن الله خصكم بالاسلام، واستخلصكم له، وذلك لانه أمتع (8) سلامة، وأجمع كرامة، اصطفى الله منهجه،


(1) السناء: 41 - 42. (2) في نسخة جاءت على حاشية (ك): ولذلك. (3) في المصدر: فلم يزل. (4) في كشف المحجة: أهل بيت.. (5) حديث السفينة سبق، وقد ذكرنا له جملة مصادر، وجاء بألفاظ مختلفة. انظر: الغدير 10 / 280 وما بعدها وغيره. (6) نسخة في (ك): فإنما. (7) في (س): إليه. (8) في المصدر ونسخة في (ك): أمنع.

[41]

ووصفه ووصف أخلاقه، ووصل أطنابه من ظاهر علم وباطن حكم (1)، ذي حلاوة ومرارة، فمن طهر (2) باطنه رأى عجائب مناظره في موارده ومصادره، ومن فطن لما بطن (3) راى مكنون الفطن (4) وعجائب الامثال والسنن، فظاهره أنيق (5)، وباطنه عميق، ولا تفنى (6) غرائبه، ولا تنقضي عجائبه، فيه مفاتيح الكلام، ومصابيح الظلام، لا يفتح الخيرات إلا بمفاتحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه، فيه تفصيل وتوصيل، وبيان الاسمين الاعلين اللذين جمعا فاجتمعا، لا يصلحان إلا معا، يسميان فيفترقان، ويوصلان فيجتمعان، تمامهما في تمام أحدهما، حواليها (7) نجوم، وعلى نجومها نجوم، ليحمي حماه، ويرعى مرعاه، وفي القرآن تبيانه وبيانه (8) وحدوده وأركانه، ومواضع مقاديره، ووزن ميزانه، ميزان العدل، وحكم الفصل، إن دعاة (9) الدين فرقوا بين الشك واليقين، وجاؤا بالحق، بنوا للاسلام (10) بنيانا فأسسوا له أساسا وأركانا، وجاؤا على ذلك شهودا بعلامات وأمارات، فيها كفي المكتفي، وشفاء المشتفي (11)، يحمون (12) حماه، ويرعون مرعاه، ويصونون مصونه، ويفجرون عيونه، بحب الله وبره وتعظيم أمره وذكره بما يحب أن يذكر به، يتواصلون بالولاية، ويتنازعون بحسن الرعاية،


(1) في المصدر: حلم، وهي نسخة في (ك). (2) في كشف المحجة: ظهر. (3) هنا زيادة في المصدر وهي: لما فطر. (4) في (ك) نسخة: مكتوم الفتن. (5) الانيق: المعجب، كما ذكره في مجمع البحرين 5 / 136. (6) ولا تغني: نسخة جاءت في (ك). (7) نسخة في (ك): عليهما. (8) لا يوجد في المصدر: وبيانه. (9) في كشف المحجة: رعاة. (10) في المصدر: الاسلام. (11) في المصدر: المستشفى. (12) في طبعة (ك): يحومون.

[42]

ويتساقون (1) بكأس رؤية، ويتلاقون بحسن التحية، وأخلاق سنية، قوام علماء أمناء (2)، لا يسوق (3) فيهم الريبة، ولا تشرع (4) فيهم الغيبة، فمن استبطن من ذلك شيئا استبطن خلقا سنيا (5)، فطوبى لذى قلب سليم أطاع من يهديه، واجتنب من يرديه، ويدخل مدخل كرامة، وينال سبيل سلامة، تبصرة لمن بصره، وطاعة لمن يهديه (6) إلى أفضل الدلالة، وكشفا لغطاء (7) الجهالة المضلة المهلكة، ومن أراد بعد هذا فليظهر بالهدى (8) دينه، فإن الهدى لا تغلق أبوابه (9)، وقد فتحت أسبابه ببرهان وبيان، لامرئ (10) استنصح وقبل نصيحة من نصح بخضوع وحسن خشوع، فليقبل امرئ بقبولها، وليحذر قارعة قبل حلولها، والسلام. توضيح: إلى المقربين في الاظلة.. أي الذين قربوا إلى الله أو (11) إلينا في عالم الظلال وعالم الارواح قبل حلولها الاجساد، وفي بعض النسخ: المقرين.. أي أقروا بإمامتنا في عالم الارواح عند الميثاق. قوله عليه السلام: المنشئين.. وفي بعض النسخ: المنشرين.. أي الذين


(1) نسخة: يتناسقون، ونسخة أخرى: يتراشفون، جاءتا في (ك)، وسيتعرض لهما المصنف - في بيانه - طاب ثراه. (2) في المصدر: علماء وأوصياء. (3) نسخة في (ك): يسوغ. (4) نسخة في (ك): لا تسرع. (5) في كشف المحجة: سيئا. (6) في المصدر: لمن أطاع يهديه. (7) في كشف المحجة: وكشف غطاء. (8) في المصدر: بالمهدي. (9) في المصدر: فإن المهدي لا يغلق بابه.. (10) كذا، وفي كشف المحجة: لامر. (11) خ. ل: و، بدلا من: أو.

[43]

ينشرهم الله ويبعثهم وينشئهم بعد موتهم في الرجعة، أي هذا كتاب إلى المقربين، و (تحية) حال، أو خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف يفسره قوله: سلام عليكم، أو (سلام) مبتدأ و (تحية) خبره، وفي الاخير بعد. وقوله عليه السلام: كلمة الله.. مبتدأ، وقوله: مع اتباعه.. خبره، والضمير راجع إلى الروح أو النور، أو الضمير راجع إلى المؤمن بقرينة المقام، وكلمة (الله) مفعول المصدر، ويؤيده أن في بعض النسخ: مع اتباع.. فيكون حال [كذا] عن المضير المجرور. والحاصل، أن نور البصيرة - وهي الولاية ومعرفة الائمة (ع) - يصير سببا لتعلق روح الايمان، وبروح الايمان يحصل ويكمل التوحيد الخالص المقبول، والنور هو الذي مثل الله تعالى به نوره في القرآن المجيد في آية النور (1)، والسبب الذي بأيدي الشعبة أيضا الولاية التي هي سبب التقرب إلى الله والنجاة من عقابه، أو حججها وبراهينها، أو علومهم ومعارفهم التي علموها مواليهم، والاحكام (2) والشرائع خاصة، فإنها الوسيلة إلى التقرب إليه تعالى والى حججه عليهم السلام، ويؤيده ما في بعض النسخ وهو قوله: إتيان الواجبات.. وفي بعضها: إتيان واجبتان [كذا] - أي الكتاب وأهل البيت عليهم السلام - وإنما أتي بصيغة المفرد أولا وثانيا لارتباطهما بل اتحادهما حقيقة، و (نعمة) بدل أو عطف بيان للسبب، أو خبر الضمير الراجع إليه. قوله عليه السلام: أن لن يحل عقده.. لعل المراد عقد الامامة.. أي ليس للناس أن يحلوا عقدا وبيعة عقده الله تعالى لي في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، وفي بعض النسخ: عقده الاهواء.. أي لا يحل ما عقده الله تعالى لاحد آراء الناس وأهوائهم.


(1) النور: 35. (2) في (س): بالاحكام.

[44]

وقوله عليه السلام: كما قد وقع.. لعله إشارة إلى الصلح والرضا بالحكمين، أو إلى بعض غزواة الصفين (1)، فعلى الاول سير الجنود إشارة إلى قتال الخوارج، وعلى الثاني إلى ما أراد عليه السلام من الرجوع إلى قتال معاوية. والحراب: مصدر كالمحاربة، وجمع حربة (2)، وفيها هنا تجوز، ويمكن أن يقرأ بالضم والتشديد جمع حارب، وفي بعض النسخ: أحزاب.. أي أحزاب الشرك الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وآله. والارف، كغرف جمع: أرفة - بالضم -، وهي الحد بين الارضين، وأرف على الارض تأريفا جعل لها حدودا وقسما (3). ونص الشئ: أظهره (4). وفي بعض النسخ: رصا - بالراء - من قولهم: رص البناء رصا: إذا لصق بعضه ببعض (5). قوله عليه السلام: حيهم (6).. أي يرص حيهم (7). والمراد بالاسمين الاعلين: كلمتا التوحيد، أو القرآن وأهل البيت عليهم السلام، والمراد بالنجوم أولا الائمة، وثانيا الدلائل الدالة على إمامتهم. قوله عليه السلام: ليحيى حماه.. الضمير راجع إلى الاسلام، وحماه ما حرمه الله فيه، ومرعاه ما أحله، وميزان العدل بيان للميزان، وحكم الفصل الحكم الذي يفصل بين الحق والباطل، ويقال: كفيك من رجل - مثلثة - حسبك (8).


(1) كذا، ولعله من باب إضافة المظروف إلى ظرفه، أي غزواة من الصفين. (2) كما جاء في القاموس 1 / 53، ولسان العرب 1 / 303، وغيرهما. (3) قاله في لسان العرب 9 / 4، والقاموس 3 / 117. (4) ذكره في تاج العروس 4 / 440، والقاموس 2 / 319، وغيرهما. (5) صرح به في الصحاح 3 / 1041، ولسان العرب 7 / 40. (6) و (7) في (س): حبهم. (8) كما جاء في القاموس 4 / 383، وتاج العروس 10 / 316 وغيرهما.

[45]

وقوله: يحب (1) الله.. إما متعلق بيفجرون، أو به وبما قبله على التنازع، أو بقوله: يتواصلون. قوله: ويتساقون.. تفاعل من السقي. وفي بعض النسخ: يتناسقون.. أي يتتابعون (2)، وفي بعضها: يتراشفون من قولهم رشف الماء: مصه (3). أقول: وكانت النسخ التي عندنا سقيمة فصححناها على ما تيسر من اجتماعها، وعسى أن تيسر نسخة أخرى أقرب إلى الصحة، وبالله التوفيق. * * * * *


(1) في (س): بجب، والظاهر بحب - بالحاء المهملة -. (2) قال في القاموس 3 / 285: وناسق بينهما: تابع، وتناسقت الاشياء وانتسقت وتنسقت بعضها إلى بعض بمعنى. وقال في النهاية 5 / 48: ناسق بمعنى تابع. (3) صرح بذلك في القاموس 3 / 144، ولسان العرب 9 / 119.

[47]

[17] باب احتجاج الحسين عليه السلام على عمر وهو على المنبر 1 - ج (1): روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر في خطبته أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فقال له الحسين عليه السلام من ناحية المسجد: انزل أيها الكذاب عن منبر أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، لا منبر (2) أبيك. فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين ! لا منبر أبي، من علمك هذا (3) ؟ أبوك (4) علي بن أبي طالب ؟. فقال له الحسين: إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنه لهاد وأنا مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عقد رسول الله (ص) نزل بها جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى لا ينكرها أحد إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم وأنكروها بألطسنتهم، وويل للمنكرين حقنا أهل البيت (ع)، ماذا يلقاهم به محمد رسول الله صلى الله عليه وآله من إدامة الغضب وشدة العذاب ؟ !.


(1) الاحتجاج 2 / 292 [طبعة النجف 2 / 13 - 15] تحت عنوان، احتجاج الحسين بن علي عليهما السلام على عمر.. (2) في (س): إلى منبر.. وهو الظاهر. (3) إلى هنا ورد في تاريخ ابن عساكر 4 / 321، وفيه: من أمرك بهذا. وحكاه عنه في الغدير 7 / 126. (4) لا توجد: أبوك، في (س).

[48]

فقال (1) عمر: يا حسين ! من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله ! أمرنا الناس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لاطعنا، فقال له الحسين (ع): يا بن الخطاب ! فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمروا أبا بكر على نفسك ليؤمرك على الناس بلا حجة من نبي ولا رضى من آل محمد ؟ ! فرضاكم كان لمحمد عليه وآله السلام رضى، أو رضى أهله كان له سخطا ؟ ! أما والله لو أن للسان مقالا يطول تصديقه، وفعلا يعينه المؤمنون لما تخطيت رقاب آل محمد (ص)، ترقى منبرهم وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله إلا سماع الآذان، المخطئ والمصيب (2) عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عما أحدثت سؤالا حفيا. قال: فنزل عمر مغضبا، ومشى معه أناس من أصحابه حتى أتى باب أمير المؤمنين صلواتت الله عليه، فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال: (3): يا أبا الحسن ! ما لقيت من (4) ابنك الحسين ؟ ! يجهرنا بصوت في مسجد رسول الله (ص) ويحرض علي الطغام وأهل المدينة ؟ !. فقال له الحسن عليه السلام: مثل (5) الحسين بن النبي صلى الله عليه وآله يستحث (6) بمن لا حكم له، أو يقول بالطغام على أهل دينه، أما والله ما نلت ما نلت (7) إلا بالطغام، فلعن الله من حرض الطغام !. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مهلا يا أبا محمد ! فإنك لن تكون قريب الغضب، ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي، ولا


(1) في (ك): فقال له. (2) وضع على كلمة: المصيب في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، وهي موجودة في المصدر. (3) في (ك): فقال له. (4) في الاحتجاج: ما لقيت اليوم من.. (5) في المصدر: على مثل.. (6) في الاحتجاج: يشخب، بدلا من: يستحث. (7) لا توجد: ما نلت، الثانية في المصدر. وفي (ك): تحت (ما) الاولى.. أي نافيه، وتحت (ما) الثانية.. أي موصولة.

[49]

تعجل بالكلام. فقال له عمر: يا أبا الحسن ! إنهما ليهمان في أنفسما بما لا يرى بغير الخلافة. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هما أقرب نسبا برسول الله صلى الله على وآله من أبيهما (1) أما فأرضهما - يا بن الخطاب - بحقهما يرض عنك من بعدهما. قال: وما رضاهما يا أبا الحسن ؟ قال: رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقية عن المعصية بالتوبة. فقال له عمر: أدب - يا أبا الحسن - ابنك أن لا يتعاطى السلاطين الذين هم الحكماء (2) في الارض. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أودب أهل المعاصي على معاصيهم، ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من ولده (3) رسول الله (ص) لا يحل (4) أدبه، فإنه ينتقل (5) إلى أدب خير له منه، أما فارضهما يا بن الخطاب !. قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن (6): يا أبا حفص ! ما صنعت وقد (7) طالت بكما الحجة ؟. فقال له عمر: وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه ؟ !. فقال له عثمان: يا بن الخطاب ! هم بنو عبد مناف الاسمنون والناس عجاف. فقال له عمر: ما أعد (8) ما صرت إليه فخرا فخرت به، أبحمقك (9) ؟. فقبض عثمان على مجامع ثيابه ثم جذبه ورده، ثم قال (10): يا بن الخطاب ! كأنك تنكر ما أقول. فدخل بينهما عبد الرحمن بن عوف


(1) في الاحتجاج: من أن يهما، بدلا من: من أبيهما. (2) في (ك) نسخة: الحكام. (3) في الاحتجاج: والده.. (4) في المصدر: ونحله ادبه، وفي نسخة في (ك): لا يخل.. (5) في الاحتجاج: لا ينتقل. (6) في (ك): عبد الرحمن بن عوف. (7) في المصدر: فقد. (8) في (ك): أعذ. (9) لا توجد همزة الاستفهام في المصدر. (10) في الاحتجاج: نبذ به، ورده ثم قال له..

[50]

وفرق بينهما، وافترق القوم (1). بيان: قوله عليه السلام: إلا سماع الآذان.. أي لا تعرف معنى الكتاب إلا بما تسمعه الآذان من الناس، وفي بعض النسخ: الفعلان - بصيغة الغيبة - أي لا يمكن معرفة الكتاب وتأويله إلا (2) بالسماع ممن ينتهي عمله إلى الوحي الالهي. والحفاوة والحفاية (3) والاحفاء: الاستقصاء في السؤال (4). والتحريض على القتال: الحث (5) والترغيب والتحريض عليه. والطغام: الاراذل (6). قوله: ليهمان.. أي يقصدان أمرا لا يحصل إلا بالخلافة، فأجاب عليه السلام بأن الخلافة غير بعيد منهما، فإن أباهما خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وهما أقرب نسبا به صلى الله عليه وآله منه. قوله عليه السلام: فإنه ينتقل.. أي يترقى بنفسه في الآداب الحسنة من غير تأديب، ويحتمل الاستفهام الانكاري، ويؤيده أن في بعض النسخ: ويحك ! أأؤدبه ؟ ! فإنه ينتقل.. والسمن.. كناية عن وفور المال والشرف، كما أن العجف.. كناية عن


(1) وتجد نظائر هذه الاحتجاجات من ريحانتي رسول الل وسيدي شباب أهل الجنة سلام الله عليهما كثيرة. انظر كتب العامة: الرياض النضرة 1 / 139، الصواعق المحرقة: 108، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 4، كنز العمال 3 / 132، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 17، وغيرها. (2) في (س): أي، بدلا من: إلا. (3) وقال في القاموس 4 / 318: وحفى به - كرضى - حفاوة ويكسر وحفاية - بالكسر - وتحفاية فهو حاف وحفي - كغني - وتحفى، واحتفى: بالغ في إكرامه وأظهر السرور والفرح، وأكثر السؤال عن حاله. (4) كما في مجمع البحرين 1 / 104، والنهاية 1 / 410، وغيرهما. (5) قاله في القاموس 2 / 327، وانظر: الصحاح 3 / 1070. (6) ذكره في النهاية 3 / 128، والصحاح 5 / 1975، وغيرهما.

[51]

عدمهما وقلتهما. 2 - كشف (1): عن زيد بن علي، عن أبيه، أن الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر بن الخطاب - وهو على المنبر يوم الجمعة - فقال له: انزل عن منبر أبي. فبكى عمر، ثم قال: صدقت يا بني، منبر أبيك لا منبر أبي ! فقال علي عليه السلام: ما هو والله عن رأيي. فقال: صدقت ! والله ما اتهمتك (2) يا أبا الحسن، ثم نزل عن المنبر فأخذه فأجلسه إلى جانبه على المنبر فخطب الناس - وهو جالس على المنبر معه (3) -، ثم قال: أيها الناس ! سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله يقول: احفظوني في عترتي وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله، ألا لعنة الله على من آذاني فيهم.. ثلاثا. 3 - ما (4): ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد.. مثله. * * *


(1) كشف الغمة في معرفة الائمة 1 / 552 [المطبعة العلمية قم: 1 / 416]. (2) في المصدر: ما أتهمك.. ونظير ما في المتن في أمالي الشيخ. (3) في (ك): وهو جالس معه على المنبر.. وهي موافقة لما في الامالي. (4) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 313 - 314، وحكاه عنه في معالم الزلفى 59. أقول: ما في الامالي عين ما في الكشف متنا لا إسنادا، وفيه: عن كثير، عن زيد بن علي، عن أبيه.. وما قبل كثير لم نجده هناك، فراجع.

[53]

[18] باب في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وغصب الخلافة، وظهور جهل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد أوردنا كثيرا من ذلك في أبواب الاحتجاج (1)، ونورد هاهنا أمثالها بأسانيد أخرى لمناسبتها لهذا الكتاب أيضا، ولكونها مشتملة على تغييرات وزيادات. 1 - إرشاد القلوب (2): بحذف الاسناد مرفوعا إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عزوجل به قريشا بعد نبيها صلى الله عليه وآله ليعرفها أنفسها ويجرح (3) شهادتها على ما ادعته على رسول الله


(1) في مطبوع البحار الاحتجات، ولعله: الاحتجات. انظر: بحار الانوار، المجلد العاشر، في احتجاجاتهم عليهم السلام في فروع ومسائل مختلفة. (2) إرشاد القلوب 2 / 92 - 108 [2 / 299 - 315] في كلامه مع الجاثليق. وقد ذكرنا أكثر الاختلافات بين المصدر والمتن مع عدم تثبتنا من صحة هذه الطبعة لكثرة ما فيها من أغلاط (3) في المصدر: وتخرج..

[54]

صلى الله عليه وآله بعد وفاته، ودحض حجتها، وكشف غطاء (1) ما أسرت في قلوبها، وأخرجت ضغاينها لآل رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعين وأزالتهم عن إمامتهم، وميراث كتاب الله فيهم، ما عظمت خطيئته، وشملت فضيحته، ووضحت هداية الله فيه لاهل (2) دعوته وورثة نبيه صلى الله عليه وآله، وأنارت (3) به قلوب أوليائهم، وغمرهم نفعه وأصابهم بركاته: أن (4) ملك الروم لما بلغه وفاة (5) رسول الله صلى الله عليه وآله وخبر أمته واختلافهم في الاختيار عليهم، وتركهم سبيل هدايتهم، وادعائهم على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يوص إلى أحد بعد وفاته صلى الله عليه وآله، وإهماله إياهم يختاروا (6) لانفسهم، وتوليتهم الامر بعده الاباعد من قومه، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابة (7)، دعا علماء بلده واستفاهم (8) فناظرهم في الامر الذي ادعته قريش بعد نبيها صلى الله عليه وآله وفيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأجابوه بجوابات من حججهم على أنه (9) محمد صلى الله عليه وآله، فسأل أهل مدينة أن يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم والاحتجاج عليهم، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته، فاختار منهم مائة رجل، فخرجوا يقدمه جاثليق لهم قد أقرت العلماء له جميعا بالفضل والعلم، متبحرا (10) في علمه يخرج الكلام من تأويله، ويرد كل فرع


(1) لا توجد في المصدر: وكشف غطاء. (2) لا توجد: لاهل، في المصدر. (3) في المصدر: وأثارت. (4) زيادة في المصدر قبل كلمة أن، وهي: وعمهم نفعه وأضاء به برهانه ان.. (5) في إرشاد القلوب: خبر وفاة.. (6) في إرشاد القلوب: حتى يختاروا. (7) في المصدر: وذريته وأقرباؤه. (8) في إرشاد القلوب ونسخة جاءت على (ك): وأساقفتهم. (9) في (ك): أمة. (10) في (ك): متجرءا.

[55]

إلى أصله، ليس بالخرق (1) ولا بالنزق (2) ولا بالبليد والرعديد (3)، ولا النكل (4) ولا الفشل، ينصت لمن يتكلم، ويجيب إذا سئل، ويصبر إذا منع، فقدم المدينة بمن معه من خيار (5) أصحابه حتى نزل القوم عن رواحلهم، فسأل أهل المدينة عمن أوصى إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن قام مقامه فدلوه على أبي بكر، فأتوا مسجد رسول الله، فدخلوا، على أبي بكر وهو في حشدة (6) من قريش فيهم عمر بن الخظاب وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وأنا في القوم (7)، فوقفوا عليه فقال زعيم القوم: السلام عليكم.. فردوا عليه السلام، فقال: أرشدونا إلى القائم مقام نبيكم فإنا قوم من الروم، وإنا على دين المسيح عيسى بن المريم عليهما السلام، فقدمنا (8) لما بلغنا وفاة نبيكم واختلافكم نسأل (9) عن صحة نبوته ونسترشد لديننا، ونتعرف (10) دينكم، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلمنا وقبلنا الرشد منكم طوعا وأجبناكم إلي دعوة نبيكم (ص)، وإن يكن على


(1) الحمق وضعف العقل، كذا جاء في حاشية (ك). أقول: قال في النهاية 2 / 16: الخرق - بالضم -: الجهل والحمق. (2) جاء في (ك) كذا: نزق - كفرح وضرب -: طاش وحف عند الغذب، قاموس. انظر: القاموس 3 / 285. وفي المصدر: البزق. قال في القاموس 3 / 213: بزق: بسق، والارض: بذرها، والشمس: بزغت. (3) فسره في حاشية (ك) ب: الجبان، قاله في القاموس 1 / 295. وفي المصدر: الرعيد. (4) نكل عن العدو وعن اليمين ينكل - بالضم -: أي جبن، والناكل: الجبان الضعيف. صحاح. كذا جاء في حاشية (ك). انظر: الصحاح 5 / 1835. (5) في المصدر: اخبار قومه - بالباء الموحدة -، والظاهر: أخيار، أو أحبار. (6) في حاشية (ك) عبارة وهي: عندي حشد من الناس: أي جماعة. صحاح. انظر: صحاح اللغة 2 / 2465، وفيه: حسك. كما في الارشاد. قال في القاموس 3 / 298: الحسك: الحقد والعداوة، وحسك: غضب. (7) في إرشاد القلوب: وباقي القوم، بدلا من: وأنا في القوم. (8) في المصدر: قدمنا. (9) في (س): لنسأل. (10) في المصدر: نتعرض.

[56]

خلاف ما جائت به الرسل وجاء به عيسى عليه السلام رجعنا إلى دين المسيح فإن عنده من عهد رأينا فيه أنبياءه (1) ورسله دلالة ونورا واضحا، فأيكم صاحب الامر بعد نبيكم صلى الله وعليه وآله ؟. فقال عمر بن الخطاب: هذا صاحبنا (2) وولي الامر بعد نبينا. قال الجاثليق: هو هذا الشيخ ؟ !. فقال (3): نعم. فقال: يا شيخ (4) ! أنت القائم الوصي لمحمد صلى الله عليه في أمته ؟. وأنت العالم المستغنى بعلمك مما علمك (5) نبيك من أمر الامة وما تحتاج إليه ؟. قال أبو بكر: لا، ما أنا بوصي. قال له: فما أنت ؟ !. قال عمر: هذا خليفة رسول الله. قال النصراني: أنت خليفة رسول الله استخلفك في أمته ؟. قال أبو بكر لا. قال: فما هذا الاسم الذي ابتدعتموه وإدعيتموه بعد نبيكم ؟ !. فإنا قد قرأنا كتب الانبياء صلوات الله عليهم فوجدنا الخلافة لا تصلح إلا لنبي من أنبياء الله، لان الله تعالى جعل آدم خليفة في الارض فرض طاعته على أهل السماء والارض، ونوه (6) باسم داود عليه السلام فقال: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض) * (7)


(1) في المصدر: ربنا في أنبيائه. وهي نسخة في مطبوع البحار. (2) في إرشاد القلوب زيادة: هذا صاحب أمر نبينا بعده قالوا صاحبنا.. (3) في المصدر: فقالوا. (4) في المصدر: أيها الشيخ.. (5) لا توجد في المصدر: مما علمك. (6) نوه وبه: دعاه ورفعه، قاله في القاموس 4 / 294. (7) سورة ص: 26.

[57]

كيف تسميتم بهذا الاسم ؟ ومن سماك به ؟ أنبيك سماك به ؟. قال: لا، ولكن تراضوا الناس فولوني واستخلفوني. فقال: أنت خليفة قومك لا نبيك (2)، وقد قلت إن النبي لم يوص إليك، وقد وجدنا في كتب من (3) سنن الانبياء، إن الله لم يبعث نبيا إلا وصي يوصي إليه (4)، ويحتاج الناس كلهم إلى علمه وهو مستغن عنهم، وقد زعمت أنه لم يوص كما أوصت الانبياء، وادعيت أشياء لست بأهلها، وما أراكم إلا وقد دفعتم نبوة محمد وقد أبطلتم سنن الانبياء في قومهم. قال: فالتفت (5) الجاثليق إلى أصحابه وقال: إن هؤلاء يقولون إن محمدا لم يأتهم بالنبوة وإنما كان أمره بالغلبة، ولو كان نبيا لاوصى كما أوصت الانبياء، وخلف فيهم كما خلفت الانبياء من الميراث والعلم، ولسنا نجد عند القوم أثر ذلك، ثم التفت كالاسد، فقال: يا شيخ ! أما أنت فقد أقررت أن محمدا (6) لم يوص إليك ولا استخلفك وإنما تراضوا الناس بك، ولو رضي الله عزوجل برضى (7) الخلق واتباعهم لهواهم واختيارهم لانفسهم ما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وآتاهم الكتاب والحكمة ليبينوا للناس ما يأتون ويذرون وما فيه يختلفون: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (8)، فقد دفعتم النبيين عن رسالاتهم، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله عزوجل الرسل للعباد، واختيار الرسل لامتهم، ونراكم تعظمون بذلك الفرية على الله عز


(1) في المصدر: فكيف تسميت.. (2) في المصدر: لا خليفة نبيك. (3) لا توجد: كتب من، في المصدر. (4) في إرشاد القلوب: يوصي به اليوم. (5) في المصدر: ثم التفت. (6) في المصدر: محمدا النبي. (7) في إرشاد القلوب: لرضى. (8) النساء: 165 (*).

[58]

وجل وعلى نبيكم، ولا ترضون إلا أن تسسموا بعد ذلك بالخلافة، وهذا لا يحل إلا لنبي أو وصي نبي، وإنما تصح الحجة لكم بتأكيدكم النبوة لنبيكم وأخذكم بسنن الانبياء في هداهم، وقد تغلبتم فلا بد لنا أن نحتج عليكم فيما أدعيتم حتى نعرف سبيل ما تدعون إليه، ونعرف الحق فيكم بعد نبيكم، أصواب ما فعلتم بإيمان أم كفرتم بجهل (1) ؟. ثم قال: يا شيخ ! أجب. قال: فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه، فلم يحر جوابا، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: بناء القوم على غير أساس ولا أرى لهم حجة، أفهمتم ؟. قالوا: بلى. ثم قال لابي بكر: يا شيخ ! أسألك ؟. قال: سل. قال: أخبرني عني وعنك ما (2) أنت عند الله، وما أنا عند الله (3) ؟. قال: أما أنا فعند نفسي مؤمن، وما أدري ما أنا عند الله فيما بعد، وأما أنت فعندي كافر، وما (4) أدري ما أنت عند الله ؟. قال الجاثليق: أما أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الايمان، وجهلت مقامك في إيمانك، أمحق أنت فيه أم مبطل، وأما أنا فقد منيتني الايمان بعد الكفر، فما أحسن حالي وأسوأ (5) حالك عند نفسك، إذ كنت لا توقن بما لك عند الله، فقد شهدت لي بالفوز والنجاة، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر.


(1) في المصدر: بإيمان أو بجهل وكفرتم.. (2) في (ك): وما. (3) لا توجد: عند الله.. في المصدر. (4) في (ك): ولا. بدلا من: وما، وفي المصدر: ولا أدري ما أدري قال:.. (5) في المصدر: ما أسوء..

[59]

ثم التفت إلى أصحابه فقال: طيبوا نفسا (1) فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: يا شيخ ! اين مكانك الساعة من الجنة إذا ادعيت الايمان، وأين مكاني من النار ؟ !. قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر وأبو عبيدة مرة أخرى ليجيبا عنه، فلم ينطق أحدهما (2). قال: ثم قال: ما أدري أين مكاني وما حالي عند الله ؟. قال الجاثليق: يا هذا ! أخبرني كيف استجزت لنفسك أن تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك ؟ فهل في أمة محمد (3) من هو أعلم منك ؟. قال: نعم. قال: ما أعلمك وإياهم إلا وقد حملوك أمرا عظيما، وسفهوا بتقديمهم إياك على من هو أعلم منك، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عما سألتك كعجزك فأنت وهو واحد في دعواكم، فأرى نبيكم إن كان نبيا فقد ضيع علم الله عزوجل وعهده وميثاقه الذي أخذه على النبيين من قبله في إقامة الاوصياء لامتهم حيث لم يقم وصيا ليتفرغوا (4) إليه فيما (5) تتنازعون (6) في أمر دينكم، فدلوني على هذا الذي هو أعلم منكم، فعساه في العلم أكثر منك في (7) محاورة وجواب وبيان وما يحتاج إليه من أثر النبوة وسنن الانبياء، ولقد ظلمك القوم وظلموا أنفسهم فيك. قال سلمان رضي الله عنه: فلما رأيت ما نزل بالقوم من البهت والحيرة والذل


(1) في المصدر: أنفسكم. (2) في إرشاد القلوب: أحد منهما قال إنه قال:.. (3) في المصدر: نبيكم، بدلا من: محمد. (4) في (ك): لتفزعوا. (5) في المصدر: لامتهم ليفزعوا إليهم فيما.. (6) في المصدر: يتنازعون. وهي نسخة في مطبوع البحار. (7) في إرشاد القلوب: في العلم أقل منكم في..

[60]

والصغار، وما حل بدين محمد (ص)، وما نزل بالقوم من الحزن، نهضت - لا أعقل أين أضع قدمي - إلى باب أمير المؤمنين عليه السلام، فدققت عليه الباب، فخرج وهو (1) يقول: ما دهاك يا سلمان ؟ ! قال: قلت: هلك دين محمد صلى الله عليه وآله (2)، وهلك الاسلام بعد محمد صلى الله عليه وآله، وظهر أهل الكفر على دينه وأصحابه بالحجة، فأدرك - يا أمير المؤمنين ! - دين محمد صلى الله عليه وآله والقوم قد ورد عليهم مالا طاقة لهم به ولا بد ولا حيلة، وأنت اليوم مفرج كربها، وكاشف بلواها، وصاحب ميسمها (3) وتاجها، ومصباح ظلمها، ومفتاح مبهمها. قال: فقال علي عليه السلام و (4) ما ذاك ؟. قال: قلت: قد قدم قوم من ملك الروم في مائة رجل من أشراف الناس من قومهم (5) يقدمهم جاثليق لهم (6) لم أر مثله، يورد الكلام على معانيه، ويصرفه على تأويله (7)، ويؤكد حجته ويحكم ابتداءه، لم أسمع مثل حجته ولا سرعة جوابه من كنوز علمه، فأتى أبا بكر - وهو في جماعة - فسأله عن مقامه ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبطل دعواه (8) بالخلافة، وغلبهم بادعائهم تخليفهم مقامه، فأورد على أبي بكر مسألة أخرجه بها عن إيمانه، وألزمه الكفر والشك في دينه، فعلتهم لذلك (9) ذلة وخضوع وحيرة، فأدرك - يا أمير المؤمنين - دين محمد،


(1) لا توجد: وهو، في (س). (2) في المصدر: هلك دين الله و.. (3) الميسم - بكسر الميم -: أثر الحسن، قاله في القاموس 4 / 186. (4) وضع في مطبوع البحار على حرف الواو رمز نسخة بدل. (5) في المصدر: من أشراف قومهم. (6) لا توجد: لهم، في المصدر. (7) في (س) على ما تأويله. (8) في إرشاد القلوب: دعواهم. (9) في المصدر: في ذلك.

[61]

فقد ورد عليهم مالا طاقة لهم به (1). فنهض أمير المؤمنين عليه السلام معي حتى أتينا القوم وقد ألبسو الذلة والمهانة والصغار والحيرة، فسلم علي عليه السلام ثم جلس، فقال: يا نصراني ! أقبل علي بوجهك واقصدني بمسائلك (2) فعندي جواب ما يحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون، وبالله التوفيق. قال: فتحول النصراني إليه، وقال: يا شاب ! إنا وجدنا في كتب الانبياء أن الله لم يبعث نبيا قط إلا وكان له وصيا [كذا] يقوم مقامه، وقد بلغنا اختلاف عن أمة محمد في مقام نبوته، وادعاء قريش على الانصار وادعاء الانصار على قريش، واختيارهم لانفسهم، فأقدمنا ملكنا وفدا، وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد صلى الله عليه وآله ونعرف سنن الانبياء فيه (3) والاستماع من قومه الذين ادعوا مقامه، أحق ذلك أم باطل ؟ قد كذبوا عليه كما كذبت الامم بعد أنبيائها على نبيها، ودفعت الاوصياء عن حقها، فإنا وجدنا قوم موسى عليه السلام بعده عكفوا على العجل ودفعوا هارون عن وصيته، واختاروا ما أنتم عليه، وكذلك: * (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) * (4)، فقدمنا فأرشدنا (5) القوم إلى هذا الشيخ، فادعى مقامه والامر له من بعده، فسألنا عن الوصية إليه عن نبيه (ص) (6) ؟ فلم يعرفها، وسألناه عن قرابته منه إذ كانت الدعوة في إبراهيم (7) عليه السلام فيما سبقت في الذرية في إمامته أنه لا ينالها إلا (8) ذرية بعضها من بعض،


(1) لا توجد: به، في المصدر. (2) في المصدر: بحاجتك، بدلا من: بمسائلك. (3) لا توجد: فيه، في المصدر. (4) الاحزاب: 62. (5) في (ك) نسخة بدل: وأرشدنا، في المصدر: وأرشدونا إلى هذا.. (6) في المصدر: من نبيه. (7) في المصدر: إذا كانت الدعوة من ابراهيم. (8) هنا سقط، وجاءت العبارة في المصدر هكذا:.. في الذرية إني جاعلك للناس إماما، قال ومن = = ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمون [كذا]، وإن الامامة لا ينالها إلا..

[62]

ولا ينالها إلا مصطفى مطهر، فأردنا أن نتبين السنة من محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به النبيون عليهم السلام، واختلاف الامة على الوصي كما اختلفت على من مضى من الاوصياء، ومعرفة العترة فيهم ؟، فإن وجدنا لهذا الرسول وصيا وقائما بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس، ويجيب بجوابات بينة، ويخبر عن أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والانساب، وما يهبط من العلم في ليلة القدر في كل سنة، وما ينزل (1) به الملائكة والروح إلى الاوصياء صدقنا بنبوته، وأجبنا دعوته، واقتدينا بوصيته، وآمنا به وبكتابه (2)، وبما جاءت به الرسل من قبله، وإن يكن غير ذلك رجعنا إلى ديننا وعلمنا أن محمدا (3) لم يبعث، وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح نبوة (4) محمد صلى الله عليه وآله، وإنما ادعوا له وكان جبارا (5) غلب على قومه بالقهر، وملكهم ولم يكن عنده أثر النبوة، ولا ما جاءت به الانبياء عليهم السلام قبله، وأنه مضى وتركهم بهما يغلب بعضهم بعضا، وردهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم لانفسهم.. أي دين أحبوا، وأي ملك أرادوا، وأخرجوا محمدا صلى الله عليه وآله من سبيل الانبياء، وجهلوه في رسالته، ودفعوا وصيته (6)، وزعموا أن الجاهل يقوم مقام العالم، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وظهور الفساد في الارض في البر والبحر، وحاشا الله عزوجل أن يبعث نبيا إلا مطهرا مسددا مصطفى على العالمين، وإن العالم أمير على الجاهل أبدا إلى يوم القيامة، فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه: هذا خليفة رسول


(1) في (ك): وما يتنزل. وفي المصدر: وما تنزل. (2) في المصدر: واقتدينا بوصيه وأمنائه وبكتابه. (3) في إرشاد القلوب: وان أحمد.. (4) في المصدر: النبوة نبوة.. (5) في الارشاد: وإنما ادعى أنه كان جبارا. (6) في (س): وصيه.

[63]

الله. فقلت: إن (1) هذا الاسم لا نعرفه لاحد بعد النبي إلا أن يكون لغة من اللغات (2)، فأما الخلافة فلا تصلح إلا لآدم وداود عليهما السلام، والسنة فيها للانبياء والاوصياء، وإنكم لتعظمون الفرية (3) على الله وعلى رسوله، فانتفى من العلم، واعتذر من الاسم، وقال: إنما تراضوا الناس بي فسموني خليفة، وفي الامة من هو أعلم مني، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى من اختاره، فقدمت مسترشدا وباحثا عن الحق، فإن وضح لي ابتعته (4) ولم تأخذني في الله لومة لائم، فهل عندك أيها الشاب شفاء لما في صدورنا (5) ؟. قال علي عليه السلام: بلى ! عندي شفاء لصدوركم، وضياء لقلوبكم، وشرح لما أنتم عليه، وبيان لا يختلجكم الشك معه، وإخبار عن أموركم، وبرهان لدلالتكم، فأقبل علي (6) بوجهك، وفرغ لي مسامع قلبك، وأحضرني ذهنك، وع ما أقول لك: إن الله بمنه وطوله وفضله - له الحمد كثيرا دائما - قد صدق وعده، وأعز دينه، ونصر محمدا عبده ورسوله، وهزم الاحزاب وحده، فله الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، إنه (7) تبارك وتعالى اختص محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه وهداه، وانتجبه لرسالته إلى الناس كافة برحمته، وإلى الثقلين برأفته، وفرض طاعته على أهل السماء والارض (8)، وجعله إماما لمن قبله من الرسل، وخاتما لمن بعده من الخلق، وورثه مواريث الانبياء، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة،


(1) في (ك): وضع رمز نسخة بدل على كلمة: إن. (2) في المصدر: من لغات العرب. (3) في (ك): القربة، ولا معنى لها هنا. (4) في إرشاد القلوب: اتبعه. (5) في (س): الصدور. (6) في المصدر: إلى، بدلا من: علي. (7) لا توجد: إنه، في المصدر. (8) في الارشاد: وأهل الارض.

[64]

واتخذه نبيا ورسولا وحبيبا وإماما، ودفعه (1) إليه، وقربه يمين (2) عرشه بحيث لا يبلغه (3) ملك مقرب ولا نبي مرسل، فأوحى الله إليه في وحيه ما أوحى (4) * (ما كذب الفؤاد ما رأى) * (5)، وأنزل علاماته على الانبياء، وأخذ ميثاقهم: * (لتؤمنن به ولتنصرنه) * (6). قال: ثم * (قال (7) ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) * (8) وقال: * (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) * (9) فما مضى صلى الله عليه وآله حتى أتم الله مقامه، وأعطاه وسيلته، ورفع له درجته، فلن يذكر الله تعالى (10) إلا كان معه مقرونا، وفرض دينه، ووصل طاعته بطاعته، فقال: و * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * (11) وقال: * (ماءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا) * (12) فأبلغ عن الله عزوجل رسالته، وأوضح برهان ولايته، وأحكم آياته، وشرع شرائعه وأحكامه، ودلهم على سبيل نجاتهم، وباب هدايته


(1) في المصدر: رفعه. وهي نسخة في مطبوع البحار. (2) في الارشاد: عن يمين. (3) في المصدر: لم يبلغه. (4) لا توجد: ما أوحى، في المصدر. (5) النجم: 11. (6) آل عمران: 81. (7) لا توجد: قال، في (س). وفي المصدر: ثم قال للانبياء. (8) آل عمران: 81. (9) الاعراف: 157. (10) في المصدر: عزوجل، بدلا من: تعالى. (11) النساء: 80. (12) الحشر: 7.

[65]

وحكمته، وكذلك بشر به النبيون صلى الله عليهم قبله، وبشر به عيسى روح الله وكلمته إذ يقول في الانجيل: أحمد العربي النبي الامي صاحب الجمل الاحمر والقضيب، وأقام لامته وصيه فيهم، وعيبة علمه، وموضع سره، ومحكم آيات كتابه، وتاليه حق تلاوته، وباب حطته، ووارث كتابه، وخلفه مع كتاب الله فيهم، وأخذ فيهم الحجة (1)، فقال صلى الله عليه وآله: قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا (2)، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان: كتاب الله الثقل الاكبر حبل ممدود من السماء إلى الارض سبب بأيديكم وسبب بيد الله عز وجل، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا (3) ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وأنا وصيه والقائم بتأويل كتابه، والعارف بحلاله وحرامه، وبمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وأمثاله وعبره وتصاريفه، وعندي علم ما يحتاج (4) إليه أمته من بعده، وكل قائم وملتو (5)، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والانساب وفصل الخطاب، ومولد الاسلام، ومولد الكفر، وصاحب الكرات، ودولة الدول، فاسألني عما يكون إلى يوم القيامة وعما كان على عهد عيسى عليه السلام منذ بعثه الله تبارك وتعالى، وعن كل وصي، وكل فئة تضل مائة وتهدي مائة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم القيامة، وكل آية نزلت في كتاب الله في ليل نزلت أم نهار (6)، وعن التوراة والانجيل والقرآن (7) العظيم، فإنه صلى الله عليه وآله لم يكتمني من علمه شيئا ولا ما تحتاج إليه الامم من أهل التوراة والانجيل، وأصناف الملحدين وأحوال


(1) في المصدر: بالحجة. (2) في المصدر: لن تضلوا أبدا. (3) في إرشاد القلوب: فلا تتقدموهم فتمزقوا.. (4) في المصدر: تحتاج. (5) قال في القاموس 4 / 387: لوي القدح والرمل - كرضي - لوى فهو لو: إعوج، كالتوى. (6) في المصدر: أم في نهار. (7) خ. ل: الفرقان، جاءت على مطبوع البحار.

[66]

المخالفين، وأديان المختلفين، وكان (1) صلى الله عليه وآله خاتم النبيين بعدهم، وعليهم فرضت طاعته والايمان به والنصرة له، تجدون ذلك مكتوبا في التوراة والانجيل والزبور، و * (في الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) * (2)، ولم يكن ليضيع عهد الله (3) في خلقه ويترك الامة قائهين (4) بعده، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة القسطاس المستقيم ؟ !. وإن الله عزوجل أوحى إليه كما أوحى (5) إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحى إلى موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام فصدق الله وبلغ رسالته وأنا على ذلك من الشاهدين، وقد (6) قال الله تبارك وتعالى: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * (7) وقال: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * (8) وقد صدقه الله وأعطاه الوسيلة إليه والى الله عزوجل، فقال: * (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (9)، فنحن الصادقون (10)، وأنا أخوه في الدنيا والآخرة، والشاهد منه عليهم بعده، وأنا وسيلته بينه وبين أمته (11)، وأنا وولدي ورثته، وأنا وهم كسفينة


(1) في المصدر: إذ كان. (2) الاعلى: 18 - 19. (3) في الارشاد زيادة: عزوجل بعد لفظ الجلالة. (4) كذا، وجاءت نسخة بدل في مطبوع البحار: تائهين، وهو الظاهر. وفي المصدر: تاهين. ولم نجد معنا مناسبا لغة لما أثبتناه متنا. (5) لا يوجد في المصدر: إليه كما أوحى. (6) لا توجد: قد، في (ك). (7) النساء: 41. (8) الرعد: 43. (9) التوبة: 119. (10) في المصدر: فنحن والله الصادقون. (11) في (س): وبين الله.

[67]

نوح في قومه من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق، وأنا وهم كباب حطة في بني إسرائيل، وأنا (1) بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة، ورسول الله على بينة من ربه ويعرض (2) طاعتي ومحبتي بين (3) أهل الايمان وأهل الكفر وأهل النفاق، فمن أحبني كان مؤمنا، ومن أبغضني كان كافرا، والله ما كذبت ولا كذبت ولا كذب بي (4)، ولا ضللت ولا ضل بي، وإني لعلى (5) بينة بينها ربي عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله فبينها لي، فاسألوني عما كان وعما يكون (6) وعما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: هذا هو (7) والله الناطق بالعلم والقدرة الفاق (8) الراتق، ونرجو من الله تعالى أن نكون صادفنا (9) حظنا، ونور هدايتنا، وهذه والله حجج الاوصياء من الانبياء على قومهم. قال: فالتفت إلى علي عليه السلام: فقال: كيف عدل بك القوم عن قصدهم إياك، وادعوا ما أنت أولى به منهم ؟ ! ألا وقد وقع القول عليهم، قصروا في أنفسهم (10) وما ضر ذلك الاوصيا مع ما أغناهم الله عزوجل به من العلم واستحقاق مقامات رسله، فأخبرني - أيها العالم الحكيم - عني وعنك ما (11)


(1) في الارشاد: وأنا منه. (2) في المصدر: وفرض. (3) جاء في الارشاد: على، بدلا من: بين. (4) لا يوجد في المصدر: ولا كذبت ولا كذب بي. (5) في المصدر: وإني على. (6) في المطبوع وضع على: عما يكون، نسخة بدل، ولا توجد في المصدر. (7) في المصدر لا توجد: هو. (8) في (س): الفائق. وفي المصدر: الفاتن، بدلا من: الفاتق. (9) في الارشاد القلوب: أن يكون قد صادقنا. (10) في المصدر: فضربوا أنفسهم. (11) في المصدر: أيها الحكيم عني وأنت ما..

[68]

أنت عند الله ؟ وما أنا عند الله ؟. قال علي عليه السلام: أما أنا فعند الله عزوجل مؤمن وعند نفسي مؤمن متيقن (1) بفضله ورحمته وهدايته ونعمه علي، وكذلك أخذ الله جل جلاله (2) ميثاقي على الايمان وهداني لمعرفته (3) لا أشك في ذلك ولا أرتاب، ولم أزل على ما أخذ الله تعالى (4) علي من الميثاق، لم أبدل ولم أغير وذلك بمن الله ورحمة وصنعه، أنا في الجنة لا أشك في ذلك ولا أرتاب (5)، لم أزل على ما أخذ الله تعالى (6) علي من الميثاق، فإن الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبينة، وأما أنت فعند الله كافرا بجحودك الميثاق والاقرار الذي أخذه الله عليك بعد خروجك من بطن أمك وبلوغك العقل ومعرفة التمييز (7) للجيد والردئ والخير والشر، وإقرارك بالرسل، وجحودك لما أنزل الله في الانجيل من أخبار النبيين عليهم السلام ما دمت على هذه الحالة، كنت في النار لا محالة. قال: فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنة ؟. فقال علي عليه السلام: لم أدخلها فأعرف مكاني من الجنة ومكانك من النار، ولكن أعرفك ذلك (8) من كتاب الله عزوجل: إن الله جل جلاله بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق، وأنزل عليه كتابا: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه


(1) في الارشاد:.. عزوجل وعند نفسي مؤمن مستيقن. (2) في المصدر: الله عزوجل. (3) جاءت زيادة: ولا ارتاب، في المصدر. (4) لا توجد كلمة: تعالى، في (س) والمصدر، وفيه: ما أخذه الله على.. (5) وضع في طبعتي البحار على قوله: ولم أزل.. إلى هنا ما يوهم كونه نسخة بدل، وظاهره التكرار، فراجع. (6) في المصدر: عزوجل، بدلا من: تعالى. (7) في الارشاد: والمعرفة والتميز.. وهو الظاهر. (8) في المصدر: أعرف ذلك.

[69]

ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * (1) أحكم فيه جميع علمه، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنة بدرجاتها ومنازلها، وقسم الله (2) جل جلاله الجنان بين خلقه لكل عامل منهم ثوابا منها، وأحلهم على قدر فضائلهم في الاعمال والايمان، فصدقنا الله وعرفنا منازل الابرار، وكذلك (3) منازل الفجار، وما أعد لهم من العذاب في النار، وقال: * (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) * (4) فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه ف‍ * (لكل باب منهم جزء مقسوم) * (5)، وقد قال جل جلاله: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * (6) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المتوسم، وأنا والائمة من ذريتي المتوسمون إلى يوم القيامة. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: قد أصبتم إرادتكم وأرجوا أن تظفروا بالحق الذي طلبنا، ألا إنه (7) قد نصبت له مسائل فإن أجابني عنها نضرنا في أمرنا وقبلت منه. قال علي عليه السلام: فإن أجبتك عما تسألني عنه - وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له مدفعا ولا من قبوله بدا أن (8) - تدخل في ديننا ؟ قال نعم. فقال علي عليه السلام: الله عليك راع و (9) كفيل، إذا وضح لك الحق وعرفت الهدى أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك ؟. قال الجاثليق: نعم، لك الله علي راع و (10) كفيل أني أفعل ذلك.


(1) فصلت: 42. (2) الله، وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (3) لا توجد: منازل الابرار، وكذلك في المصدر. (4 و 5) الحجر: 44. (6) الحجر: 75. (7) في المصدر: ألا إني.. وهو الظاهر. (8) لا توجد: أن، في المصدر، وهو أولى. (9 و 10) لا توجد الواو في المصدر.

[70]

فقال علي عليه السلام: فخذ على أصحابك الوفاء. قال: فأخذ عليهم العهد. ثم قال علي عليه السلام: سل عما أحببت. قال: خبرني عن الله عزوجل (1) أحمل العرش أم العرش يحمله ؟. قال علي عليه السلام: الله حامل العرش والسماوات والارض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول الله تعالى: * (إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا) * (2). قال: أخبرني عن قول الله: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * (3) فكيف ذلك ؟ وقلت إنه يحمل العرش والسماوات (4) والارض ؟. قال علي عليه السلام: إن العرش خلقة الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر - أحمرت منه الحمرة -، ونور أخضر - أخضرت منه الخضرة -، ونور أصفر - اصفرت منه الصفرة -، ونور أبيض - ابيض (5) منه البياض - وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره ابيضت قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والارض - من جميع خلائقه - إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والاديان المتشتتة (6) وكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته (7) وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وكل شئ محمول (8) والله عزوجل الممسك لهما أن تزولا، والمحيط بهما


في المصدر: جل وعلا. (2) فاطر: 41. (3) الحاقة: 17. (4) لا توجد: والسماوات، في المصدر. (5) في (ك): ابيضت. (6) في (س): المنشأة، وهي نسخة في (ك). (7) في المصدر: نوره ونور عظمة. (8) في إرشاد القلوب: محمل.

[71]

وبما فيهما من شئ، وهو حياة كل شئ (1) ونور كل شئ * (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) * (2). قال: فأخبرني عن الله عزوجل أين هو ؟. قال عليه السلام: هو ها هنا.. وها هنا.. وها هنا.. وها هنا (3)..، وهو فوق (4) وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله (5): * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معه أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) * (6)، والكرسي محيط بالسماوات والارض: * (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * (7) فالذين يحملون العرش هم العلماء، وهم الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج عن (8) هذه الاربعة شئ خلقه الله تعالى في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه الله عزوجل خليله عليه السلام، فقال: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين) * (9) فكيف يحمله حملة العرش (10) وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته وانتقادوا (11) ؟ !. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه، فقال: هذا هو - والله - الحق من عند


(1) في المصدر زيادة: سبحانه. (2) الاسراء: 43. وفي الارشاد و (س): سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون.. فلا تصبح آيه. (3) في (ك) ذكر: هاهنا، ثلاث مرات. (4) في (ك) وضع على: وهو فوق، رمز نسخة بدل. (5) في المصدر زيادة: تعالى:. (6) المجادلة: 7. وفي المصدر زيادة: إن الله بكل شئ عليم. (7) البقرة: 255. (8) في المصدر: من، بدلا من، عن. (9) الانعام: 75. (10) في المصدر: وكيف يحمل عرش الله.. (11) لا توجد: وانقادوا، في المصدر. (*)

[72]

الله عزوجل على لسان المسيح والنبيين والاوصياء عليهم السلام. قال: أخبرني عن الجنة في الدنيا (1) هي أم في الآخرة ؟ وأين الآخرة والدنيا ؟. قال عليه السلام: الدنيا في الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا، إذا كانت النقلة من الحياة إلى الموت ظاهرة، كانت (2) الاخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، وذلك أن الدنيا نقلة والآخرة حياط ومقام مثل ذلك النائم، وذلك أن الجسم ينام والروح لا تنام، والبدن يموت والروح لا تموت، قال الله عزوجل: * (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * (3) والدنيا رسم الآخرة، والآخرة رسم الدنيا، وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروج الجسم يرجع كل واحد (4) منهما إلي ما منه بدأ، وما منه خلق، وكذلك الجنة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة (5)، لان العبد إذا مات صار في دار من الارض، إما (6) روضة من رياض الجنة، وإما بقعة من بقاع النار، وروحه إلى إحدى دارين: إم في دار نعيم مقيم لا موت فيها، وإما في دار العذاب أليم لا يموت فيها، والرسم لمن عقل موجود واضح، وقد قال الله تعالى: * (كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) * (7)، وعن (8) الكفار فقال إنهم: * (كانت أعينهم في غطاء عن ذكري


(1) في (ك) نسخة بدل: هي في الدنيا أم.. وفي المصدر: هل في الدنيا. (2) في المصدر: وكانت. (3) العنكبوت: 64. (4) وضع على كلمة (واحد) رمز نسخة بدل في (ك). (5) لا توجد: موجودة - الثانية - في المصدر. (6) في (س) زيادة: روحة في. (7) التكاثر: 5 - 8. (8) خ. ل: عني.

[73]

وكانوا (1) لا يستطيعون سمعا) * (2)، ولو علم الانسان علم (3) ما هو فيه مات حبا (4) من الموت، ومن نجا فبفضل اليقين. قال: فأخبرني عن قول الله عزوجل: * (وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا (5) قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشكرون) * (6)، فإذا طويت السماوات وقبضت الارض، فأين تكون الجنة والنار وهما (7) فيهما ؟. قال: فدعا بدواة وقرطاس ثم كتب فيه: الجنة والنار، ثم درج القرطاس ودفعه إلى النصراني، وقال له: اليس قد طويت هذا القرطاس ؟ قال: نعم. قال: فافتحه (8).. ففتحته قال: هل ترى آية النار وآية الجنة أمحاهما القرطاس (9) ؟. قال: لا. قال فهكذا في (10) قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الارض لم تبطل الجنة والنار كما لم تبطل طي هذا الكتاب آية الجنة وآية النار. قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: * (كل شئ هالك إلا وجهه) * (11) ما هذا الوجه ؟، وكيف هو ؟، وأين يؤتى ؟، وما دليلنا عليه ؟. قال علي عليه السلام: يا غلام ! علي بحطب ونار، فأتى بحطب ونار وأمر


(1) في المصدر: وعن الكافرين: فقال إنهم كانوا في شغل عن ذكري وكانوا.. (2) الكهف: 101. (3) لا توجد: علم، في المصدر، وهو الظاهر. (4) في (س)، ونسخة في (ك): حيا، وفي المصدر: مات خوفا، وهنو الظاهر. (5) جاءت العبارة في المصدر باختلاف، وهي:.. عن قوله تعالى جل ثناؤه: * (يوم تبدل الارض غير الارض جميعا) * وهو خلط بين الآيتين. (6) الزمر:. 67 (7) لا توجد: وهما، في المصدر. (8) هنا سقط كلمة: قال.. جاءت في المصدر. (9) في المصدر: طي القرطاس.. وهو الظاهر. (10) في (ك) وضع على: في، رمز نسخة بدل. (11) القصص: 88.

[74]

أن تضرم، فلما استوقدت واشتعلت، قال له: يا نصراني هل تجد لهذه النار وجها دون وجه ؟. قال: لا، حيثما أتيتها فهو (1) وجه. قال عليه السلام: فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في ضعفها وسرعة زوالها لا تجد لها وجها فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شئ أجابه ؟ كيف (2) يوصف بوجه أو يحد بحد، أو يدرك ببصر، أو يحيط به عقل، أو يضبطه وهم، وقال الله تعالى: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * (3). قال الجاثليق: صدقت أيها الوصي العليم (4) الحكيم الرفيق الهادي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وأنك وصيه وصديقه ودليله وموضع سره وأمينه على أهل بيته وولي المؤمنين من بعده، من أحبك وتولاك هديته ونورت قلبه وأغنيته (5) وكفيته وشفيته، ومن تولى عنك وعدل عن سبيلك ضل (6) وغبن عن حظه واتبع هواه بغير هدى من الله ورسوله، وكفى هداك ونورك هاديا وكافيا وشافيا. قال: ثم التفت الجاثليق إلى القوم فقال: يا هؤلاء ! قد أصبتم أمنيتكم وأخطأتم سنة نبيكم، فاتبعوه تهتدوا وترشدوا، فما دعاكم إلى ما فعلتم ؟ ! ما أعرف لكم عذرا بعد آيات الله والحجة عليكم، أشهد (7) أنها سنة الله في (8) الذين خلوا


(1) في المصدر: حيث ما لقيتها فهو.. (2) لا يوجد في المصدر: أجابه كيف.. وهو الظاهر. (3) الشورى: 11. (4) في المصدر: العلي، بدلا من: العليم. (5) في حاشية (ك) كلمة: وعيبته، كتب بعدها كلمة: صح، ولم يعلم عليها، ولم ترد في (س)، وفي المصدر: أعنته، ولعل الكلمة في (ك): عيينه و.. (6) في (س) وضع على كلمة: ضل، رمز نسخة بدل. ولا توجد في المصدر. (7) لا توجد: أشهد في المصدر. (8) لا توجد: الله في.. في المصدر.

[75]

من قبلكم (1) ولا تبديل لكلمات الله، وقد قضى عزوجل الاختلاف على الامم، الاستبدال بأوصيائهم بعد أنبيائهم، وما العجب إلا منكم بعد ما شاهدتم ؟ ! فما هذه القلوب القاسية، والحسد الظاهر، والضغن والافك المبين ؟ !. قال: وأسلم النصراني ومن معه (2) وشهدوا لعلي عليه السلام بالوصية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالحق والنبوة، وأنه الموصوف المنعوت في التوراة والانجيل، ثم خرجوا منصرفين إلى ملكهم ليردوا عليه (3) ما عاينوا وما سمعوا. فقال علي عليه السلام: الحمد لله الذي أوضح برهان محمد صلى الله عليه وآله وأعز دينه ونصره، وصدق رسوله وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله. قال: فتباشر (4) القوم بحجج علي عليه السلام وبيان ما أخرجه إليهم، فانكشفت (5) عنهم الذلة، وقالوا: جزاك الله يا أبا الحسن (6) في مقامك بحق نبيك، ثم تفرقوا وكأن الحاضرين لم يسمعوا شيئا مما فهمه القوم و (7) الذين هم عندهم أبدا، وقد نسوا ما ذكروا به، والحمد لله رب العالمين. قال سلمان الخير: فلما خرجوا من المسجد وتفرق الناس وأرادوا الرحيل أتوا عليا عليه السلام مسلمين عليه ويدعون الله تعالى له (8) واستأذنوا، فخرج إليهم علي عليه السلام فجلسوا، فقال الجاثليق: يا وصي محمد وأبا ذريته ! ما نرى الامة


(1) في إرشاد القلوب: من قبل. (2) في المصدر: ومن كان معه.. (3) ففي الارشاد: إليه، بدلا من: عليه. (4) في (ك) نسخة بدل: فتباشروا. (5) في المصدر: وكشف. (6) في إرشاد القلوب: أحسن الله جزاك يا أبا الحسن.. (7) لا توجد الواو، في المصدر. (8) في المصدر: ويدعون له.

[76]

إلا هالكة (1) كهلاك من من مضى من بني إسرائيل من قوم موسى وتركهم موسى (2) وعكوفهم على أمر (3) السامري، وإنا وجدنا لكل نبي بعثه الله عدوا شياطين الانس والجن يفسدان على النبي دينه، ويهلكان أمته، ويدفعان وصيه، ويدعيان الامر بعده، وقد أرانا الله عزوجل ما وعد الصادقين ومن المعرفة بهلاك هؤلاء القوم، وبين لنا سبيلك وسبيلهم، وبصرنا ما أعماهم عنه، ونحن أولياؤك وعلى دينك وعلى طاعتك، فمرنا بأمرك، إن أحببت أقمنا معك ونصرناك على عدوك، وإن أمرتنا بالمسير وسرنا وإلى ما صرفتنا إليه صرنا (4)، وقد نوى (5) صبرك على ما ارتكب منك، وكذلك شيم الاوصياء وسنتهم بعد نبيهم، فهل عندك من نبيك عهد فيما أنت فيه وهم ؟. قال علي عليه السلام: نعم، والله إن عندي لعهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله مما هم صائرون إليه، وما هم عاملون، وكيف يخفى علي أمر أمته وأنا منه بمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من عيسى ؟ ! أو ما تعلمون أن وصى عيسى شمعون بن حمون الصفا - ابن خاله - اختلفت عليه أمة عيسى (ع) وافترقوا أربع فرق، وافترقت الاربع فرق (6) على اثنين وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة واحدة (7) ؟ وكذلك أمة موسى (ع) افترقت على اثنين وسبعين (8) فرقة،


(1) في المصدر: هلكت. (2) خ. ل: هارون، وهي كذلك في المصدر، وهو الظاهر. (3) وضع في (ك) على: أمر، رمز نسخة بدل. (4) في المصدر: صرفنا. (5) قال في النهاية 5 / 132: ومن ينو الدنيا تعجزه.. أي من يسع لها يخب، يقال: نويت الشئ: إذا جددت في طلبه، والنوى: البعد. وقال في الصحاح 6 / 2156: نويت نية ونواة. أي عزمت. وفي المصدر: وقد نرى. (6) لا توجد: فرق، في المصدر. (7) لا توجد: واحدة، في المصدر. (8) في إرشاد القلوب: إحدى وسبعين.. وهو الظاهر..

[77]

كلها هالكة إلا فرقة واحدة (1)، وقد عهد إلي محمدا صلى الله عليه وآله أن أمته يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، ثلاث عشرة فرقة تدعي محبتنا ومودتنا (2) كلهم هالكة إلا فرقة واحدة (3)، وإني لعلى بينة من ربي، وإني عالم بما يصير القوم إليه، ولهم مدة وأجل معدود، لان الله عزوجل يقول: * (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) * (4) وقد صبر (5) عليهم القليل لما هو بالغ أمره وقدره المحتوم فيهم (6)، وذكر نفاقهم وحسدهم و (7) أنه سيخرج أضغانهم ويبين مرض قلوبهم بعد فراق نبيهم (8) قال الله عزوجل: * (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون) * (9) أي تعلمون (10) * (ولئن سئلتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وءاياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) * (11) فقد (12) عفا الله عن القليل من هؤلاء ووعدني أن يظهرني على أهل الفتنة ويردوا الامر إلي ولو كره المبطلون، وعندكم كتاب من رسول الله صلى الله عليه وآله في المصالحة والمهادنة على أن لا تحدثوا ولا تؤوا محدثا، فلكم الوفاء على (13)


(1) لا توجد في المصدر: واحدة.. (2) في المصدر: تدعي مودتنا. (3) في إرشاد القلوب لا توجد: واحدة. (4) الانبياء: 111. (5) في المصدر: صبرت. (6) في (س): فيه. (7) لا توجد الواو في المصدر. (8) في (س): بينهم. (9) التوبة: 64. (10) في المصدر: أي تعقلون. (11) التوبة: 65. (12) في (س): قد. (13) لا توجد في المصدر: على.

[78]

ما وفيتم، ولكم العهد والذمة على (1) ما أقمتم على الوفاء بعهدكم علينا (2) مثل ذلك لكم، وليس هذا أوان نصرنا ولا يسل سيف (3) ولا يقام عليهم بحق ما لم يقبلوا ويعطوا (4) طاعتهم، إذ كنت فريضة من الله عزوجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله مثل الحج والزكاة والصوم والصلاة، فهل يقام بهذه الحدود إلا بعالم قائم يهدي إلى الحق وهو أحق أن يتبع ؟ ! ولقد أنزل الله سبحانه: * (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * (5) فأنا - رحمك الله (6) - فريضة من الله ورسوله صلى الله عليه وآله عليكم، بل أفضل الفرائض وأعلاها، وأجمعها للحق، وأحكمها لدعائم الايمان، وشرائع الاسلام، وما يحتاج إليه الخلق لصلاحهم ولفسادهم ولامر دنياهم وآخرتهم، فقد تولوا عني، ودفعوا فضلي، وفرض رسول الله صلى الله عليه وآله إمامتي وسلوك سبيلي، فقد رأيتم ما شملهم من الذل والصغار من بعد (7) الحجة. وكيف أثبت الله عليهم الحجة وقد نسوا ما ذكروا به من عهد نبيهم، وما أكد عليهم من طاعتي وأخبرهم من مقامي، وبلغهم من رسالة الله عزوجل في فقرهم إلى علمي وغناي عنهم وعن جميع الامة مما أعطاني الله عزوجل، فكيف آسى على من ضل عن الحق من بعد ما (8) تبين له و * (اتخذ إلهه هواه وأضله الله


(1) لا توجد في المصدر: على. (2) في المصدر: وعلينا - بزيادة الواو - وهو الظاهر. (3) في إرشاد القلوب: بسيف. (4) في المصدر: ويعطوني. (5) يونس: 35. (6) في المصدر: فان رحمكم الله.. والظاهر: فأنا رحمكم الله. (7) في إرشاد القلوب: بعض، بدلا من: بعد، وما في المتن أولى. (8) في المصدر: صد الحق بعد ما..

[79]

على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) * (1) أن هده للهدى، وهما السبيلان: سبيل الجنة وسبيل النار والدنيا والآخرة، فقد ترى ما نزل بالقوم من استحقاق العذاب الذي عذب به من كان قبلهم من الامم، وكيف بدلوا كلام الله، وكيف جرت السنة فيهم (2) من الذين خلوا من قبلهم، فعليكم بالتمسك بحبل الله وعروته، وكونوا من حزب (3) الله ورسوله، والزموا عهد رسول الله وميثاقه عليكم، فإن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وكونوا في أهل ملتكم كأصحاب الكهف، وإياكم أن تغشوا (4) أمركم إلى أهل أو ولد أو حميم أو قريب، فإنه دين الله الذي أوجب له التقية لاوليائه (5) فيقتلكم قومكم وإن أصبتم من الملك فرصة ألقيتم على قدر ما ترون من قبوله، وإنه باب الله وحصن الايمان لا يدخله إلا من أخذ الله ميثاقه، ونور له في قلبه (6) وأعانه على نفسه، انصرفوا إلى بلادكم على عهدكم الذي عاهدتموني عليه، فإنه سيأتي على الناس بعد (7) برهة من دهرهم (8) ملوك بعدي وبعد هؤلاء يغيرون دين الله عزوجل، ويحرفون كلامة، ويقتلون أولياء الله، ويعزون أعداء الله، وبهم (9) تكثر البدع، وتدرس السنن، حتى تملا الارض جورا وعدوانا وبدعا (10)، ثم يكشف الله بنا أهل البيت جميع البلايا عن أهل دعوة الله بعد شدة


(1) الجاثية: 23، ولا يوجد في المصدر ذيل الآية: أفلا تذكرون. (2) لا توجد في المصدر: فيهم. (3) في المصدر: وعروة وكونوا حزب.. (4) في الارشاد: أن تفشوا. (5) في المصدر: ولاوليائه، ولا توجد جملة: فيقتلكم فومكم. (6) في (س): قبره. (7) وضع على: بعد، في) ك) رمز نسخة بدل: خ. ولا توجد في المصدر. (8) في المصدر: من دهركم، وهو الظاهر. (9) لا توجد: بهم في المصدر. (10) لا توجد: بدعا، في المصدر.

[80]

من البلاء العظيم حتى تملا (1) الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، ألا وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أن الامر صائر إلي بعد الثلاثين من وفاته وظهور الفتن، واختلاف الامة علي، ومروقهم من دين الله، وأمرني بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين، فمن أدرك منكم ذلك الزمان وتلك الامور وأراد أن يأخذ بحظه من الجهاد معي فليفعل، فإنه والله الجهاد الصافي، صفاه لنا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فكونوا - رحمكم الله - من أحلاس بيوتكم إلى أوان ظهور أمرنا، فمن مات منكم كان من المظلومين، ومن عاش منكم أدرك ما تقر به عينه إن شاء الله تعالى. ألا وإني أخبركم أنه سيحملون علي خطة جهلهم (2)، وينقضون علينا عهد نبينا صلى الله عليه وآله لقلة علمهم بما يأتون ويذرون (3)، وسيكون منكم (4) ملوك يدرس عندهم العهد، وينسون ما ذكروا به، ويحل بهم ما يحل بالامم حتى يصيروا إلى الهرج والاعتداء وفساد العهد، وذلك لطول المدة وشدة المحنة التي أمرت بالصبر عليها، وسلمت لامر الله في محنة عظيمة يكدح فيها المؤمن حتى يلقى الله (5) ربه، وواها (6) للمتمسكين بالثقلين وما يعمل بهم ! وواها لفرج (7) آل محمد صلى الله عليه وآله من خليفة متخلف عتريف مترف (8)، يقتل خلفي وخلف


(1) في المصدر: يملا. (2) في المصدر: من جهلهم. (3) في الارشاد: وما يذرون. (4) في (ك): منهم، وهو الظاهر. (5) يلقى الله، وضع عليها في المطبوع رمز نسخة بدل. (6) قال في مجمع البحرين 1 / 466: وفي حديث علي عليه السلام مع الرجلين: واها لهما فقد نبذا الكتاب جملته.. قيل معنى هذه الكلمة: التلهف، وقد توضع موضع إلا عجاب بالشئ، يقال: واها له. (7) خ. ل: لفرخ، وهو الاصوب، كما ذكرها المصنف رحمه الله في بيانه. (8) في المصدر: في خليفة مستخلف عريف مترف.

[81]

الخلف، بلى (1) اللهم لا تخلو الارض من قائم بحجة إما ظاهرا مشهورا أو باطنا مستورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته (2)، ويكون محنة (3) لمن اتبعه واقتدى به، وأين أولئك ؟ وكم أولئك ؟ أولئك (4) الاقلون عددا، الاعظمون عند الله خطرا، بهم يحفظ الله دينه وعلمه حتى يزرعها في صدور أشباههم، ويودعها أمثالهم، هجم بهم العلم على حقيقة الايمان، واستروحوا روح اليقين، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون، واستلانوا ما استوعر منه المترفون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملا (5) الاعلى، أولئك حجج الله في أرضه، وأمناؤه على خلقه، آه.. آه شوقا إليهم (6) وإلى رؤيتهم، وواها لهم على صبرهم على عدوهم، وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. قال:.. ثم بكى.. وبكى القوم معه ودعوه (7) وقالوا: نشهد لك بالوصية والامامة والاخوة، وإن عندنا لصفتك وصورتك، وسيقدم وفد بعد هذا الرجل من قريش على الملك، ولنخرجن إليهم صورة الانبياء وصورة نبيك وصورتك وصورة ابنيك الحسن والحسين (8) عليهما السلام وصورة فاطمة عليها السلام زوجتك سيدة نساء العالمين بعد مريم الكبرى البتول، وإن ذلك لمأثور عندنا ومحفوظ، ونحن راجعون إلى الملك ومخبروه بما أودعتنا من نور هدايتك وبرهانك وكرامتك وصبرك على ما أنت فيه، ونحن المرابطون لدولتك، الداعون


(1) في (ك): بل. (2) في (ك): بنيانه. (3) في المصدر: نحلة. (4) اولئك، لا توجد في المصدر وجاءت نسخة في مطبوع البحار. (5) في المصدر: بالمحل، وهي نسخة في (ك). (6) في إرشاد القلوب: على خلقه فواشوقاه إليهم..، وفي مطبوع البحار جعلت بين آه وآه: هاة، ووضع عليها رمز نسخة بدل. (7) في المصدر: ثم ودعوه. (8) وضع على: الحسن والحسين (ع)، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل.

[82]

لك ولامرك، فما أعظم هذا البلاء، وما أطول هذه المدة، ونسأل الله التوفيق بالثبات، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. بيان: قوله: ما عظمت.. اسم كان، أو خبره، أو عطف بيان للبلاء العظيم، وعلى الاخير إن ملك الروم أحد معمولي كان، وعلى الاولين استئناف لبيان ما تقدم، أو بيان لما، أو خبر بعد خبر لكان. قال الجوهري: الخرق - بالتحريك -: الدهش من الخوف أو الحياء، وقد خرق - بالكسر - فهو خرق.. وبالتحريك (1) أيضا مصدر الاخرق، وهو ضد الرفيق (2). والنزق: الخفة والطيش (3). والرعديد - بالكسر -: الجبان (4). والناكل: الجبان (5). قوله: وتركهم بهما.. البهم - بالضم - جمع: البهيم، وهو المجهول الذي لا يعرف، وبالفتح ويحرك، جمع: البهيمة (6)، والبهيم الاسود: الخالص الذي لم يشبه غيره، وفي الحديث: يحشر الناس بهما - بالضم - قيل: أي ليس بهم شئ مما كان في الدنيا نحو البرص والعرج، أو عراة (7).


(1) في المصدر: والخرق، بدلا من: وبالتحريك. وقال في القاموس 3 / 226:.. فهو خرق، والخرق - بالضم وبالتحريك -: ضد الرفق. (2) في صحاح اللغة 4 / 1468، ومثله في لسان العرب 10 / 76، وفي (ك): الرقيق، بدل: الرفيق. (3) ذكره في الصحاح 4 / 1558، والقاموس 3 / 285، وغيرهما. (4) نص عليه في صحاح اللغة 2 / 475، والقاموس 1 / 295. (5) صرح به في القاموس 4 / 60، وقال في الصحاح 5 / 1835: الناكل: الجبان الضعيف. (6) كذا، والظاهر: البهمة كما في النهاية والقاموس. (7) جاء في النهاية 1 / 167 - 169، ولسان العرب 12 / 56 - 59، والقاموس 4 / 82.

[83]

والحاصل أنه تركهم كالبهائم لا راعي لهم أو أشباها لا تميز بينهم بالامامة والرعية. ومرق السهم من الرمية - كنصر -: خرج من الجانب الآخر (1). وعطب كفرح - هلك (2). قوله عليه السلام: فكيف آسى.. أي أحزن، من الاسى - بالفتح والقصر - وهو الحزن (3). قوله عليه السلام: وهما السبيلان.. الضمير راجع إلى ما ظهر سابقا من اتباع الوصي وعدمه. قوله عليه السلام: بعد الثلاثين.. هذا تاريخ آخر زمان خلافته عليه السلام، ولما اجتمعت أسباب استيلائه عليه السلام على المنافقين في قرب وفاته ولم يتيسر له ذلك بعروض شهادته علق رجوع الامر بهذا الزمان، أو هذا مما وقع فيه بداء، والمراد بالامر الشهادة والاستراحة عن تلك الدار (4) الفانية وآلامها وفتنها. وقال الجوهري (5): احلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب (6)، وفي الحديث: كن حلس بيتك.. أي لا تبرح. والحظة - بالضم -: الامر والقصة (7).


(1) قاله في القاموس 3 / 282، ولسان العرب 10 / 341، وغيرهما. (2) كما في لسان العرب 1 / 610، والقاموس 1 / 106. ولا توجد: هلك في (س). (3) نص عليه في الصحاح 6 / 2268، والقاموس 4 / 299، ومجمع البحرين 1 / 27. (4) في (س): الزمان. (5) الصحاح 3 / 919، ومثله في القاموس 2 / 207. (6) في المصدر: تحت الحر من الثياب، وفي القاموس 2 / 207 كما في المتن. (7) جاء في القاموس 2 / 358، والصحاح 3 / 1123: والخطة - بالضم -: شبه القصة والامر، وفي كليهما بالخاء المعجمة والطاء المهملة. وما تقدمت في المتن أيضا كانت كذلك، وأما الحظة - بالحاء المهملة والظاء المعجمة - فليست بذلك المعنى.

[84]

قوله: لفرج آل محمد (ص).. في أكثر النسخ بالجيم فهو تحسر على عدم حصول الفرج بسبب المتخلف (1) العتريف، والاصوب - بالخاء المعجمة (2) - أي نسلهم وذريتهم، وقد مر وسيأتي أنه عبر عن الحسنين عليهما السلام في كتب الانبياء عليهم السلام ب‍: الفرخين المستشهدين. ويقال: رجل عتريف.. أي خبيث فاجر جرئ ماض (3)، ولعل المراد به يزيد لعنه الله، فإنه قتل الحسين وأولاده عليهم السلام. قوله: وسيقدم وفد بعد هذا الرجل.. أي سيقدم ويأتي إلى ملكنا بعد ذهاب أبي بكر وخلافة عمر رسل ونخرج إلى رسله تلك الصور، ويحتمل أن يكون اشارة إلى ما سيأتي أنه وقع في زمن معاوية، حيث أخرج ملك الروم صور الانبياء عليهم السلام إلى يزيد فلم يعرفها وعرفها الحسن عليه السلام، وأجاب عن مسائله بعد ما عجز يزيد - لعنه الله - عنها (4). وقد مر شرح بعض أجزاء الخبر في كتاب التوحيد (5) وكتاب المعاد (6) وسيأتي شرح بعضها في كتاب الغيبة وغيره (7)، فإن المحدثين فرقوا أجزاءه على الابواب،


(1) في (ك): التخلف. (2) قال في مجمع البحرين 2 / 439، والقاموس 1 / 266: الفرخ: ولد الطائر، وكل صغير من الحيوان والنبات. (3) كما صرح به في الصحاح 4 / 1399، والقاموس 3 / 171، وزاد في الاخير: غاشم متغشرم، بعد قوله ماض. (4) كما جاء في جملة من الروايات، انظر: تفسير القمي 2 / 269 وما بعدها في حديث طويل. (5) بحار الانوار 3 / 333 - 334. (6) بحار الانوار 10 / 52 - 69 كتاب الاحتجاج. (7) بحار الانوار لم نجده في كتاب الغيبة، وقد مرت قطعة منه في بحار الانوار: 3 / 272 - 275 و 328. وسيأتي في 41 / 308، 58 / 9 - 14 حكاه عن الكافي والمناقب وغيرهما -، ونقل بعضه العامة كما صرح بذلك العلامة الاميني في غديره 7 / 179 - 181 عن الحافظ العاصمي في كتابه: زين الفتى في شرح سورة هل أتى.

[85]

وهي مروية في الاصول المعتبرة، وهذا مما يدل على صحتها، ويؤيده أيضا أنه قال الشيخ قدس الله روحه في فهرسته (1): سلمان الفارسي رحمة الله عليه.. روى خبر الجاثليق الرومي الذي (2) بعثه ملك الروم بعد النبي صلى الله عليه وآله، أخبرنا به ابن أبي جيد، عن ابن الوليد (3)، عن الصفار والحمير (4) عمن حدثه، عن إبراهيم بن حكم الاسدي، عن أبيه، عن شريك بن عبد الله، عن عبد الاعلى الثعلبي، عن أبي وقاص، عن سلمان الفارسي، انتهى. 2 - إرشاد القلوب (5): بحذف الاسانيد، قيل: لما كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله دخل يهودي المسجد فقال: أين وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فأشاروا إلى أبي بكر، فوقف عليه وقال: إني أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال أبو بكر: سل عما بدا لك ؟ فقال اليهودي: أخبرني عما ليس لله ؟ وعما ليس عند الله ؟ وعما لا يعلمه الله ؟. فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة، يا يهودي ! أو في السماء شئ لا يعلمه الله (6) ؟ وهم به المسلمون - وكان في القوم ابن عباس - فقال: ما أنصفتم الرجل ؟ !. قال أبو بكر: أو ما سمعت ما تكلم به ؟. فقال ابن عباس: إن كان عندكم جواب (7) وإلا فاذهبوا به إلى من يجيبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه.


(1) الفهرست للشيخ الطوسي: 1 / 158 برقم 329 طبعة جامعة مشهد [وصفحه: 80 برقم 328]. (2) لا توجد: الذي في (س). (3) في (س): أبي الويد، وهو غلط. (4) في المصدر: عن الحميري. (5) إرشاد القلوب 2 / 108 - 109 [وفي طبعة أخرى: 2 / 315]. (6) في المصدر: أو في السماء والارض شئ ليس الله [كذا] ولا يعلمه إلا الله. (7) في المصدر: جوابه.

[86]

قال: فقام أبو بكر ومن حضر (1) من المهاجرين والانصار فأتوا (2) عليا عليه السلام، فاستأذنوا عليه، فدخلوا، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن ! إن هذا اليهودي سألني عن مسائل الزنادقة. قال: فقال علي عليه السلام لليهودي: ما تقول يا يهودي ؟ قال: إني أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال عليه السلام: سل، يا يهودي ! فأنبئك به. قال: أخبرني عما ليس لله ؟ وعما ليس (3) عند الله ؟ وعما لا يعلمه الله ؟. قال عليه السلام: أما قولك عما (4) ليس لله، فليس لله شريك، وأما قولك عما ليس عند الله، فليس عند الله ظلم للعباد (5)، وأما قولك عما لا يعلمه الله، فذلك قولكم إن عزيرا ابن الله، والله لا يعلم أن له ولدا. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله (6) وأن محمدا رسول الله، وأنك وصيه. فقام أبو بكر ومن معه من المهاجرين فقبلوا رأس علي بن أبي طالب (7) عليه السلام وقال: يا مفرج الكروب (8). 3 - إرشاد القلوب (9): - بحذف الاسانيد (10) أيضا - مرفوعا إلى ابن


(1) في المصدر: حضره. (2) في الارشاد: حتى أتوا.. (3) في المصدر: ما ليس.. (4) في المصدر: أخبرني عما.. (5) وضع في (ك) على: للعباد، رمز نسخة بدل. (6) في (ك) زيادة:.. وحده. (7) في المصدر: أمير المؤمنين، بدلا من: علي بن أبي طالب. (8) في الارشاد الكرب. (9) إرشاد القلوب 2 / 109 - 112 [وفي طبعة أخرى: 2 / 316] سؤال اليهودي أبا بكر وعجزه عن جوابه، باختلاف يسير. (10) في المصدر: الاسناد

[87]

عباس، قال: قدم يهوديان أخوان من رؤوس (1) اليهود، فقالا: يا قوم ! إن نبينا حدثنا أنه يظهر بتهامة رجل يسفه أحلام اليهود، ويطعن في دينهم، ونحن نخاف أن يزيلنا عما كانت عليه آباؤنا، فأيكم هذا النبي ؟. فإن كان المبشر به داود آمنا به واتبعناه، وإن كان يورد (2) الكلام على إبلاغه ويورد الشعر ويقهرنا جاهدناه (3) بأنفسنا وأموالنا، فأيكم هذا النبي ؟. فقال المهاجرون والانصار: إن نبينا قبض. فقالا: الحمد لله، فأيكم وصيه ؟ فما بعث الله نبيا إلى قوم إلا (4) وله وصي يؤدي من بعده ويحكم ما (5) أمره به ربه، فأومأ المهاجرون والانصار إلى أبي بكر. فقالوا (6): هذا وصيه. فقالا لابي بكر: إنا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الاوصياء، ونسألك عما يسأل الاوصياء عنه ؟. فقال أبو بكر: ألقيا، سأخبركما عنه (7) إن شاء الله تعالى. فقال له أحدهما: ما أنا وأنت عند الله ؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة ؟ وما قبر سار بصاحبه ؟ ومن أين تطلع الشمس وأين تغرب ؟ وأين سقطت الشمس ولم تسقط مرة أخرى في ذلك الموضع (8) ؟ وأين تكون الجنة ؟ وأين تكون النار ؟ وربك يحمل أو يحمل ؟ وأين يكون وجه ربك ؟ وما اثنان شاهدان ؟ وما اثنان غائبان ؟ وما اثنان متباغضان ؟ وما الواحد ؟ وما الاثنان ؟ وما الثلاثة ؟ وما الاربعة ؟ وما الخمسة ؟ وما الستة ؟ وما السبعة ؟ وما الثمانية ؟ وما التسعة ؟ وما العشرة ؟ وما الاحدى عشر ؟ وما الاثني عشر ؟ وما العشرون ؟ وما


(1) في المصدر: ورؤساء. (2) في (س): يود. (3) في الارشاد: بالبلاغة ويقول الشعر بلسانه جاهدناه. (4) في المصدر: فما أرسل الله نبيا إلا.. وفي (س): بعثه.. وهو سهو. (5) في إرشاد القلوب: ويحكي ما.. (6) في (س): فقالا.. (7) بدل: عنه، مسائلكما، كذا في المصدر. (8) جاء السؤال في المصدر هكذا: واين طلعت الشمس ولم تطلع فيه بعد ذلك ؟.

[88]

الثلاثون ؟ وما الاربعون ؟ وما الخمسون ؟ وما الستون ؟ وما السبعون ؟ (1) وما الثمانون ؟ وما التسعون ؟ وما المائة ؟ !. قال ابن عباس: فبقي أبو بكر لا يرد جوابا، وتخوفنا أن يرتد القوم عن الاسلام، فأتيت منزل علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت له: يا علي ! إن رؤوسا من رؤساء اليهود (2) قد (3) قدموا المدينة، ألقوا على أبي بكر مسائل، وقد بقي لا يرد جوابا. فتبسم علي عليه السلام ضاحكا، ثم قال: هو الذي وعدني به رسول الله (4) صلى الله عليه وآله. وأخذ يمشي أمامي فما أخطأت مشيته مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه (5) رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم التفت إلى اليهوديين. فقال: يا يهوديان ! ادنوا مني وألقيا علي ما ألقيتما على الشيخ. فقالا: من أنت ؟. فقال: أنا علي بن أبي طالب، أخو النبي، وزوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، ووصيه في خلافته كلها (6)، وصاحب كل نفيسة (7) وغزاة، وموضع سر النبي صلى الله عليه وآله. فقال اليهودي (8): ما أنا وأنت عند الله ؟. قال: أنا مؤمن (9) منذ عرفت نفسي، وأنت كافر منذ عرفت نفسك، وما


(1) لا توجد: وما السبعون ؟، في المصدر. (2) في المصدر: إن رؤساء اليهود.. (3) وضع على: قد، في (ك) رمز نسخة بدل. (4) في المصدر: هو اليوم الذي وعدني رسول الله.. (5) وضع في مطبوع البحار على: فيه رمز نسخة بدل، ولا يوجد في المصدر. (6) في المصدر: في حالاته كلها.. (7) توجد في (ك) هنا نسخة بدل: قبسة. (8) في المصدر: فقال له أحد اليهوديين.. (9) في الارشاد: أما أنا فمؤمن.

[89]

أدري ما يحدث الله بك (1) يا يهودي بعد ذلك ؟. قال اليهودي: فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة ؟. قال: يونس بن متى في (2) بطن الحوت. قال: فما قبر سار بصاحبه ؟. قال: يونس، حين طاف به الحوت في سبعة أبحر. قال له: فالشمس (3) من أين تطلع ؟. قال: من قرن (4) الشيطان !. قال: فأين تغرب ؟. قال: في عين حمئة، وقال لي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تصل في إقبالها ولا في إدبارها حتى تصير في مقدار رمح أو رمحين. قال: فأين سقطت الشمس ولم تسقط مرة أخرى في ذلك الموضع (5) ؟. قال: البحر، حين فرقة الله تعالى لقوم موسى عليه السلام. قال له: ربك يحمل أو يحمل ؟. قال: ربي يحمل كل شئ ولا يحمله شئ. قال: فكيف قوله: * (ويحمل عرض ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * (6). قال: يا يهودي ! ألم تعلم أن الله له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى، وكل شئ على الثرى، والثرى (7) على القدرة، والقدرة عند ربي.


(1) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر، وبدل: بك: فيك. (2) في المصدر: قال: ذاك يونس عليه السلام في.. (3) لا توجد الفاء في المصدر. (4) في الارشاد: قرني - بالتثنية -. (5) جاء السؤال في المصدر هكذا: فأين طلعت الشمس ثم لم تطلع في ذلك الموضع ؟. (6) الحاقة: 17. (7) لا يوجد في المصدر قوله: وكل شئ على الثرى، والثرى..

[90]

قال: فأين تكون الجنة ؟ وأين تكون (1) النار ؟. قال: الجنة في السماء، والنار في الارض. قال: فأين يكون (2) وجه ربك ؟. فقال علي عليه السلام لابن عباس: ائتني بنار وحطب فأضرمها، وقال: يا يهودي ! فأين (3) وجه هذه النار ؟. فقال: لا أقف لها على وجه. قال: كذلك ربي * (فأين ما تولوا فثم وجه الله) * (4). قال: فما اثنان شاهدان ؟. قال: السماء والارض لا يغيبان (5). قال: فما اثنان غائبان ؟. قال: الموت والحياة لا نقف عليهما. قال: فما اثنان متباغضان ؟. قال: الليل والنهار. قال: فما نصف (6) الشئ ؟. قال: المؤمن. قال: فما لا شئ ؟. قال: يهودي مثلك كافر لا يعرف ربه (7). قال: فما الواحد ؟.


(1) واين تكون، وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل، ولا توجد في (ك). (2) لا يوجد: يكون، في المصدر. (3) في (ك): واين، وفي المصدر: قال: أين وجه هذه النار. (4) البقرة: 115. (5) جاء السؤال والجواب في المصدر هكذا: قال: فما اثنان شاهدان لا يغيبان ؟ قال: السماء والارض. (6) في المطبوع، نسخة بدل: وصف، ووضع بعدها في (ك) رمز الاستظهار: (ظ). (7) سقط السؤالان في المصدر من قوله: قال: فما نصف الشئ.. إلى: لا يعرف ربه.

[91]

قال: الله عزوجل. قال: فما الاثنان ؟. قال: آدم وحوا. قال: فما الثلاثة ؟. قال: كذبت النصارى على الله عزوجل، قالوا عيسى (1) بن مريم ابن الله، والله (2) لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. قال: فما الاربعة ؟. قال: التوراة والانجيل والزبور والفرقان (3) العظيم. قال: فما الخمسة ؟. قال: خمس صلوات مفترضات. قال: فما الستة ؟. قال: خلق الله السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش. قال: فما السعبة ؟. قال: سبعة أبواب النار متطابقات. قال: فما الثمانية ؟. قال: ثمانية أبواب الجنة. قال: فما التسعة ؟. قال: * (تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون) * (4). قال: فما العشرة ؟.


(1) هنا سقط، وفي المصدر: فقالوا: ثالث ثلاثة عيسى.. (2) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر. (3) في المصدر: القرآن، بدل: الفرقان. (4) النمل: 48.

[92]

قال: عشرة أيام من العشر (1). قال: فما الاحد عشر ؟. قال: قول يوسف لابيه: * (إني لرأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) * (2). قال: فما الاثنا عشر ؟. قال: شهور السنة. قال: فما العشرون ؟. قال: بيع يوسف بعشرين درهما. قال: فما الثلاثون ؟. قال: ثلاثون ليلة من شهر رمضان صيامه فرض واجب على كل مؤمن إلا من كان مريضا أو على سفر. قال: فما الاربعون ؟. قال: كان (3) ميقات موسى ثلاثين ليلة قضاها (4)، والعشر كانت تمامها. قال: فما الخمسون ؟. قال: دعا نوح قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. قال: فما الستون ؟. قال: قال الله: * (فإطعام ستين مسكينا) * أو * (صيام شهرين متتابعين) * (5). قال: فما السبعون ؟.


(1) في (ك) نسخة: الشهر، وهو الظاهر، ولا توجد: من، في المصدر. (2) يوسف: 4. (3) في (ك) وضع على: كان، رمز نسخة بدل. (4) كتبت كلمة: قضاها، في حاشية (ك) ووضع عليهما رمز نسخة بدل. (5) المجادلة: 4.

[93]

قال: اختار موسى قومه (1) سبعين رجلا لميقات ربه. قال: فما الثمانون ؟. قال: قرية بالجزيرة يقال لها: ثمانون (2)، منها قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وغرق (3) الله القوم. قال: فما التسعون ؟. قال: الفلك المشحون اتخد يوما (4) فيها بيتا للبهائم. قال: فما المائة ؟. قال: كانت لداود عليه السلام ستون سنة فوهب له آدم أربعين (5)، فلما حضر آدم عليه السلام الوفاة جحده، فجحد ذريته. فقال: يا شاب ! صف لي محمدا صلى الله عليه وآله كأني أنظر إليه حتى أؤمن به الساعة ؟. فبكى علي عليه السلام، ثم قال: يا يهودي ! هيجت أحزاني، كان حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله صلت (6) الجبين، مقرون الحاجبين، أدعج (7)


(1) في المصدر: من قومه. (2) وضع على: ثمانون في المطبوع رمز نسخة بدل، وقد تقرأ ثمانين، ولعل كل منهما نسخة. (3) في المصدر: وأغرق. (4) في المصدر: اتخذ نوح فيه تسعين بيتا.. وهو الظاهر. ولا توجد: يوما في (س). (5) هنا زيادة في المصدر: سنة من عمره. (6) جاء في حاشية (ك): أي واسعة. نهاية. انظر: النهاية 3 / 45. (7) الدعج والدعجة: السواد في العين وغيرها. نهاية، كذا جاءت في حاشية (ك). انظر: النهاية 2 / 119.

[94]

العينين، سهل الخدين، أقنى (1) الانف، دقيق (2) المسربة (3)، كث (4) اللحية، براق الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كان له شعرات من لبته (5) إلى سرته متفرقة (6) كأنها قضيب كافور، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير النزر، كان إذا مشى مع الناس غمرهم (7)، كان إذا مشى كأنه ينقلع من صخرة أو ينحدر من صبب (8)، كان مبدول (9) الكعبين، لطيف القدمين، دقيق الخصر، عمامته السحاب، سيفه ذو الفقار، بغلته الدلدل، حماره اليعفور، ناقته العضباء (10)، فرسه المبدول (1)، قضيبه الممشوق، كان أشفق الناس على الناس، وأرأف الناس بالناس، كان بين كتفيه خاتم النبوة (12) مكتوب على الخاتم سطران، أول سطر: لا إله إلا الله. والثاني: محمد (13) رسول الله، هذه صفته يا يهودي !.


(1) حاشية جاءت في (ك): أقنى، وفي وصفه صلى الله عليه وآله: اقنى العرنين.. القنا في الانف: طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه، والعرنين، الانف. نهاية. انظر: النهاية 4 / 116 وفيها: قنا (س) في صفته عليه الصلاة والسلام.. ورقة ارنبته.. (2) في إرشاد القلوب: رقيق. (3) جاء في حاشية (ك) هكذا: المسربة - بضم الراء -: ما دق من شعر الصدر مائلا إلى الجوف. نهاية. انظر: النهاية 2 / 356 وفيه: سائلا، بدلا من: مائلا. وفي المصدر: المشربة. (4) والكثافة في اللحية: أن تكون غير رقيقة ولا طويلة. نهاية. كذا جاءت في حاشية (ك). انظر: النهاية 4 / 152. (5) قال في الصحاح 1 / 217: واللبة: المنحر، والجمع اللبات. (6) في المصدر: متفرقة، ولا يوجد: قضيب. (7) جاء في حاشية (ك) ما يلي: أي كان فوق كل من كان معه. نهاية. انظر: النهاية 3 / 384. وفي المصدر: غمرهم نوره وكان. (8) في (ك): الصلب. (9) في إرشاد القلوب: مدور. (10) جاء في (ك): الغضباء، وهو غلط ظاهرا. (11) في المصدر: فرسه لزار. (12) وضع في (س) على: خاتم النبوة، رمز نسخة بدل، وقد حذفت من (ك). (13) في الارشاد: فأما أول سطر ف‍: لا إله إلا الله، وأما الثاني ف‍: محمد..

[95]

فقال اليهوديان: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وانك وصي محمد حقا. وأسلما وحسن إسلامهما، ولزما أمير المؤمنين عليه السلام فكانا معه حتى كان من أمر الجمل ما كان، فخرجا معه إلى البصرة، فقتل احدهما في وقعة الجمل، وبقي الآخر حتى خرج معه إلى صفين فقتل. إيضاح: قوله عليه السلام: كل نفيسة.. أي خصلة أو منقبة يتنافس ويرغب فيه (1)، وفي بعض النسخ: قبسة.. أي اقتباس علم وحكمة (2). قوله: فكيف قوله: ويحمل.. غرضه إنك قلت الله حامل كل شئ فكيف يكون حامل العرش غيره ؟ فأجاب عليه السلام: بأن حامل الحامل حامل، والله حامل الحامل والمحمول بقدرته. والنزر: القليل (3)، ولعل المراد به هنا الحقير، والمبدول لم نعرف له معنى، ولعله تصحيف (4)، وقد مر شرح سائر أجزاء الخبر في أبواب صفاته وحلاه صلى الله عليه وآله (5). 4 - إرشاد القلوب (6): - بحذف الاسناد - مرفوعا إلى الصادق عليه السلام قال: لما بايع الناس عمر بعد وفاة أبي بكر أتاه رجل من شبان اليهود - وهو


(1) قال في القاموس 2 / 255، والصحاح 3 / 985: والنفيس: يتنافس فيه ويرغب. (2) قال في مجمع البحرين 4 / 94، والقاموس 2 / 238، والصحاح 3 / 960، والنهاية 4 / 4: القبس: شعلة من نار، والاقتباس: الاستفادة. (3) كما في مجمع البحرين 3 / 492، والقاموس 2 / 141، وغيرهما. (4) وقد مر أن في المصدر: لزار. (5) بحار الانوار: 16 / 147 - 148 و 155 - 171 و 182 - 184 وغيرهما. (6) إرشاد القلوب 2 / 112 - 113 [وفي طبعة أخرى 2 / 319] في جوابه عليه السلام عن مسألة يهودي آخر باختلاف يسير، وانظر بقية روايات الباب هناك.

[96]

في المسجد - فسلم عليه والناس حوله، فقال: يا أمير المؤمنين (1) ! دلني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وسنته ؟. فأومأ إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: هذا. فتحول الرجل إلى علي عليه السلام فسأله: أنت كذلك ؟. قال (2): نعم (3). فقال: إني أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة. قال: أفلا قلت عن سبع ؟. قال: أفلا قلت عن سبع ؟. قال اليهودي: لا (4)، إنما أسألك عن ثلاث، فإن أجبت فيهم فسألتك (5) عن ثلاث بعدها، وإن لم تصب لم أسألك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرني إذا أجبتك بالصواب والحق تعرف ذلك ؟ - وكان الفتى من علماء اليهود وأحبارهم، يروون (6) أنه من ولد هارون أخي موسى بن عمران -. فقال: نعم. قال أمير المؤمنين عليه السلام: بالله الذي لا إله إلا هو لئن أجبتك بالصواب والحق لتسلمن وتدع اليهودية، فحلف له وقال: ما جئتك إلا مرتادا أريد الاسلام. فقال: يا هاروني ! سل عما بدا لك تخبر إن شاء الله. فقال: أخبرني عن أول شجرة نبتت على وجه الارض ؟ وعن أول عين نبعت في الارض ؟ وعن أول حجر وضع على وجه الارض ؟.


(1) في المصدر: يا عمر. (2) خ. ل: فقال: (3) لا توجد في المصدر: قال نعم. (4) وضع في المطبوع رمز نسخة بدل على: لا. (5) في إرشاد القلوب: فإن أصبت فيهن سألتك والظاهر: فيها، بدلا من: فيهم. (6) في المصدر: يرون، وهي نسخة في مطبوع البحار.

[97]

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما أول شجرة نبتت على وجه الارض، فإن أهل الرأض يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا، وإنما هي النخلة، وهي العجوة، هبط بها آدم من الجنة فغرسها، وأصل النخل كله منها، وأما أول عين نبعت على وجه الارض، فإن اليهود يزعمون أنها العين التي في بيت المقدس تحت الحجر وكذبوا، بل هي (1) عين الحياة التي انتهي موسى وفتاه إليها فغسلا فيها السمكة فحييت (2)، وليس من ميت يصيبه ذلك الماء إلا حيى، وكان الخضر عليه السلام شرب منها ولم يجدها ذو القرنين، وأما أول حجر وضع على وجه الارض فإن اليهود يزعمون أنه الحجر الذي في بيت المقدس وكذبوا، وإنما هو الحجر الاسود هبط به آدم (ع) من الجنة فوضعه على الركن، والناس يستلمونه، وكان أشد بياضا من الثلج فاسود من خطايا بني آدم. قال: فأخبرني كم لهذه الامة من إمام هدى هادين مهديين، لا يضرهم خذلان من خذلهم ؟ وأين منزل محمد من الجنة ؟، ومن معه من أمته في الجنة ؟. قال أمير المؤمنين عليه السلام: أما قولك: كم لهذه الامة من (3) إمام هدى ؟ واين منزل محمد في الجنة ؟ ومن معه من أمته في الجنة ؟ فإن الائمة (4) اثنا عشر، وأما منزل محمد ففي أشرف الجنان وأفضلها: جنة عدن، وأما الذين معه فهم الائمة الاثنى عشر أئمة الهدى. قال الفتى: صدقت، فو الله الذي لا إله إلا هو إنه لمكتوب عندي بإملاء موسى وخط هارون بيده. ثم (5) قال: أخبرني كم يعيش وصي محمد صلى الله عليه وآله بعده ؟ وهل


(1) في المصدر: إنما هي.. (2) في المصدر: السمكة المالحة فحييت. (3) لا توجد: من، في (ك). (4) في المصدر: فإن أئمة الهدى. (5) لا توجد: ثم، في المصدر، وفيه: فاخبرني.

[98]

يموت موتا أو يقتل قتلا ؟. قال له: ويحك ! أنا وصي محمد، أعيش بعده ثلاثين (1) لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، ثم يبعث أشقاها شقيق عاقر ناقة صالح، فيضربني ضربة في مفرقي فتخضب منه لحيتي، ثم بكى عليه السلام بكاءا شديدا. قال: (2) فصرخ الفتى وقطع كستيجه (3) وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد (4) أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله (5)، والحمد لله رب العالمين. بيان: قوله عليه السلام: تعرف ذلك.. أي تصدق وتقر به (6). قوله عليه السلام: لا تزيد يوما.. أقول: ليس هذا في أكثر الروايات، ويشكل تصحيحه، لعدم اتحاد يومي وفاتهما صلوات الله عليهما، ويمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب، وقوله عليه السلام: (لا يزيد) استئناف لبيان أن الموعد الذي وعدت لك لا يتخلف، وأعلمه بحيث لا يزيد يوما ولا ينقص يوما، وقيل: الضمير راجع إلى كتاب هارون، وربما يقرأ تزيد وتنقص - على صيغة الخطاب (7) - أي أنك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة فتتوهم أنه لا كسر فيها، وليس كذلك، بل هو مبني على


(1) في المصدر زيادة: سنة. وفيه: لا أزيد... ولا أنقص. (2) لا توجد: قال، في (س). (3) في المصدر: كيتجه، ولا معنى لها. (4) لا توجد: أشهد، في المصدر. (5) هنا زيادة جاءت في المصدر وهي: وإنك وصيه وخليفة وهاد الامة ومحي السنة من بعده. (6) قال في الصحاح 4 / 1400: وقولهم ما اعرف لاحد يصعرني.. أي ما اعترف، وقال فيه بعد صفحتين: الاعتراف بالذنب: الاقرار به،.. وربما وضعوا اعترف موضع عرف، كما وضعوا عرف موضع اعترف. وقال في القاموس 3 / 173: وقرأ الكسائي: عرف بعضه.. أي جازي حفصة ببعض ما فعلت، أو معناه أقر ببعضه وأعرض عن بعض. (7) في (س): الكتاب.

[99]

إتمام الكسر، ولا يخفى بعدهما. وقال الفيروز آبادي (1): الكستيج - بالضم -: خيط غليظ يشده الذمي فوق ثيابه دون الزنار، معرب كستي. 5 - كتاب صفوة الاخبار (2): عن أبي اسماعيل، عن أبي نون، قال: لما تو في رسول الله صلى الله عليه وآله دخل المدينة رجل من أولاد داود عليه السلام على دين اليهود، فوجد الناس متفزعين مغمومين، فقال: ما شأنكم ؟. قالوا: توفي رسول الله صلي الله عليه وآله. فقال: أما انه توفي في اليوم الذي هو المذكور في كتابنا، ثم قال: أرشدوني إلى خليفة نبيكم. قالوا (3): تنتظر قليلا حتى نرشدك إلى من يخبرك بما تسأل، فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام من باب المسجد، فقالوا: عليك بهذا الغلام فإنه يخبرك عما تسأل. فقام إليه وقال له: أأنت (4) علي بن أبي طالب عليه السلام ؟. فقال: نعم، يرحمك الله، وأخذ بيده وأجلسه. وقال: أردت أن أسأل هؤلاء عن أربعة حروف فأرشدوني إليك، فعن أذنك أسألك ؟. فقال له: سل عما بدا لك، فإني أخبرك إن شاء الله تعالى. فقال: أخبرني عن أول حرف كلم الله به نبيك لما أسري به ورجع عن (5)


(1) القاموس 1 / 205، وقارن ب‍ -: تاج العروس 2 / 91. (2) قال في أول بحار الانوار 1 / 21 في عده لمصادره أنه: لبعض العلماء الاخيار، وقال في الفصل الثاني 1 / 40: وكتاب صفوة الاخبار ورياض الجنان مشتملان على أخبار غريبة في المناقب، وأخرجنا منهما ما وافق أخبار الكتب المعتبرة. وينقل عنه في مدينة المعاجز بعنوان: صفوة الاخبار عن الائمة الاطهار، واحتمل بعض تلامذة المجلسي أنه وكتاب رياض الجنان كليهما لفضل الله بن محمود الفارسي، وهو شقيق الشيخ البرسي، وناقش شيخنا في الذريعة 15 / 48 ذلك، فراجع. (3) في (ك): فقالوا. (4) في (ك): أنت - بدون همزة الاستفهام. (5) جائت نسخة هنا على (س): من.

[100]

محل الشرف ؟ وأخبرني عن الاربعة الذين كشف مالك عنهم طبقا من أطباق النار فكلمو نبيك ؟ وأخبرني عن الملك الذي زاحم نبيك ؟ وأخبرني عن منزل نبيك في الجنة ؟. فقال عليه عليه السلام: أما أول حرف كلم الله عزوجل نبينا صلى الله عليه وآله به فهو قوله تعالى * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) * (1). فقال: ليس هذا أردت، ولا عنه سألت. فقال: إن الامر الذي تريد مستور. فقال: أخبرني بالذي هو، وإلا فما أنت هو ؟. فقال له: إذا أنبأتك تسلم ؟. قال: نعم. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع عن (2) محل الشرف والكرامة ليلة الاسراء رفع له الحجاب قبل أن يصير إلى مقام جبرئيل عليه السلام ونادى ملك: يا محمد [صلى الله عليه وآله] ! إن الله يقرئك السلام ويقول لك: اقرأ على السيد المولى مني السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من السيد المولى ؟. فقال: علي بن أبي طالب [ع]. فقال اليهودي: صدقت إني لاجده مكتوبا في كتاب داود عليه السلام. فقال: وأما الاربعة الذين كشف عنهم مالك طبق النار فهم: قابيل، ونمرود، وهامان، وفرعون. فقالوا: يا محمد [صلى الله عليه وآله] ! اسأل ربك يردنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا، فغضب جبرئيل عليه السلام وأخذ الطبق برشية من جناحه ورده عليهم. وأما الملك الذي زاحم نبيا صلى الله عليه وآله فإنه ملك الموت، جاء من


(1) البقرة: 285. (2) جاء على مطبوع البحار نسخة بدل: من.

[101]

عند جبار من ملوك الدنيا قد تكلم عند موته بكلام عظيم فغضب لله (1) فزاحم نبيا ولم يعرفه لغيظه. فقال جبرئيل عليه السلام: يا ملك الموت ! هذا محمد بن عبد الله رسول الله وحبيبه. فقال: إني أتيت من عند ملك جبار قد تكلم بكلام عظيم عند موته فغضبت لله عزوجل ولم أعرفك، فعذره رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما منزل رسول الله، فإن مسكنه جنة عدن ومعه فيها أوصياؤه الاثنا عشر، وفوقها منزل يقال له: الوسيلة، وليس في الجنة شبهه ولا أرفع منه، وهو منزل رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال الداودي: والله لقد رأيته في كتاب داود عليه السلام، ولقد صدقت، وإنا متوارثوه واحد عن واحد حتى وصل إلي، فأخرج كتابا فيه مسطور ما ذكر. ثم (2) قال: مد يدك أجدد إسلامي، ثم قال: والله إنك خير هذه الامة بعد نبيها وأكرمها على الله تعالى. وعلمه دينه وشرائع الاسلام، وقد أسلم وحسن إسلامه. 6 - نبه (3): روي عن ابن عباس أنه حضر مجلس (4) عمر بن الخطاب يوما - وعنده كعب الاحبار - إذ قال عمر: يا كعب ! أحافظ أنت للتوراة (5) ؟. قال كعب: إني لاحفظ منها كثيرا. فقال رجل من جنبه (6): يا أمير المؤمنين ! سله أين


(1) في (ك): الله. (2) لا توجد: ثم، في (س). (3) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام) 2 / 5، فيما جرى بين كعب الاحبار وعمر. (4) في المصدر: في مجلس. (5) في المطبوع: التورية، وكذا تكتب التوراة في إملاء القدماء وجاء بعدهما في المصدر: فقال كعب.. (6) في المصدر زيادة: في المجلس (*).

[102]

كان الله جل جلاله (1) قبل أن يخلق عرشه ؟ ومم خلق الماء الذي جعل عليه عرشه (2) ؟ فقال عمر: يا كعب ! هل عندك من هذا علم ؟. فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين ! نجد في الاصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديما قبل خلق العرش، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه. قال ابن عباس: وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضرا.. فعظم ربه (3) وقام على قديمه، ونفض ثيابه، فأقسم عليه عمر عاد إلى مجلسه، ففعل، قال عمر: غص عليها يا غواص، ما يقول (4) أبو حسن فما علمتك إلا مفجرا للغم ؟. فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال: غلط أصحابك وحرفوا كتب الله، وقبحوا (5) الفرية عليه، يا كعب ! ويحك !: إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله، ولا تسع عظمته، والهواء الذي ذكرت لا يجوز (6) أقطاره، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكانت لهما قدمته، وعز الله وجل أن يقال له مكان يومى إليه، والله ليس كما يقول (7) الملحدون، ولا كما يظن الجاهلون، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الاذهان، وقولي: (كان) لتعريف كونه، وهو (8) مما علم من اللبيان، يقول الله عزوجل (9): * (خلق الانسان * علمه البيان) * (10)، فقولي له


(1) في (ك): ثناؤه، وكتبت في حاشية (س) من دون رمز نسخة بدل. (2) في تنبيه الخواطر: جعل عرشه عليه - بتقديم وتأخير -. (3) في المصدر: على ربه.. وما هنا أظهر. (4) جاء في (س) زيادة: منها، قبل: يقول، ووضع عليها رمز الزيادة في (ك). (5) في المصدر: وفتحوا. (6) جاء في (س): لا يجود، وفي المصدر: لا يجوز، وهو الظاهر، وما في المتن نسخة في المصدر. (7) في (س): يقال. (8) جاء في المصدر: وقولي: كان، محدث كونه وهو.. (9) لا توجد في المصدر: عزوجل. (10) الرحمن: 3 - 4.

[103]

كان مما علمني البيان (1) لانطق بحجة عظمة المنان، ولم يزل ربنا مقتدرا على ما يشاء، محيطا بكل الاشياء، ثم كون ما أراد بلا فكرة حادثة له (2) أصاب، ولا بشبهة (3) دخلت عليه فيما أراد، وإنه عزوجل خلق نورا ابتدعه من غير شئ، ثم خلق منه ظلمة وكان قديرا أن يخلق الظلمة لا من شئ، كما خلق النور من غير شئ، ثم خلق من الظلمة نورا وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، ثم زجر الياقوتة فما عت (4) لهيبته فصارت مارا مرتعدا، ولا يزال مرتعدا إلى يوم القيامة، ثم خلق عرشه من نوره، وجعله على الماء، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف (5)، ليس فيها لغة تشبه الاخرى، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب (6)، وذلك قوله: * (وكان عرشه على الماء ليبلوكم..) * (7)، يا كعب ! ويحك ! إن من كانت البحار تفلته - على قولك - كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس، أو يحويه (8) الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه.. فضحك عمر بن الخطاب، وقال: هذا هو الامر، وهكذا يكون العلم لا (9) كعلمك يا كعب، لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن. 7 - كا (10): العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القالسم، عن


(1) في مجموعة ورام: من البيان. (2) لا توجد في المصدر: له. (3) في التنبيه: ولا شبهة. (4) أي سالت وذابت كما في المصباح المنير 2 / 807 - 808 وغيره. (5) في المصدر: بعشرة آلاف لغة. (6) قال في المجمع البحرين 1 / 104: والضباب - كسحاب - جمع ضبابة - كسحابة - وهو ندى يغشى الارض بالغدوات، وجاء في الصحاح 1 / 168: الضبابة: سحابة تغشي الارض كالدخان. (7) هود: 7. (8) في المصدر: تحوية. (9) جاءت في مجموعة ورام زيادة: يكون، بعد: لا. (10) أصول الكافي 1 / 444 - 445 حديث 5 باب 125 من كتاب الحجة [1 / 529 - 530 الطبعة = = الثلاثة من الاسلامية] باختصار في الاسناد علي دأبه.

[104]

حنان بن السراج (1)، عن داود بن السليمان الكسائي (2)، عن أبي الطفيل، قال: شهدت جنازة أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر حين بويع وعلي عليه السلام جالس ناحية، فأقبل غلام يهودي جميل الوجه، بهي، عليه ثياب حسان - وهو من ولد هارون - حتى قام على رأس عمر، فقال: يا أمير المؤمنين ! أنت أعلم هذه الامة بكتابهم وأمر نبيهم ؟. قال: فطأطأ عمر رأسه، فقال: إياك أعني.. وأعاد عليه القول، فقال له عمر: لم ذاك ؟. قال إني جئتك مرتادا لنفسي، شاكا في ديني. فقال: دونك هذا الشاب، قال: ومن هذا الشاب ؟. قال: هذا على بن أبي طالب ابن عم رسول الله عليه وآله، وهذا أبو الحسن والحسين ابني رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا زوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل اليهودي على علي عليه السلام فقال: أكذلك (3) أنت ؟ !. فقال: نعم. قال: إني أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة. قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام من غير تبسم، فقال (4) يا هاروني ! ما منعك أن تقول سبعا ؟. قال: أسألك عن ثلاث، فإن أجبتني سألت عما بعدهن، وإن لم تعلمهن علمت أنه ليس فيكم عالم. قال علي السلام: فإني أسألك بالاله الذي تعبده لئن أنا أجبتك في كل ما تريد لتدعن دينك ولتدخلن في ديني ؟. قال: ما جئت إلا لذاك. قال: فسل ؟.


(1) الاظهر - كما صرح به المجلسي - رحمه الله - في مرآة العقول -: أن يكون: حيان السراج، فراجع. (2) نسخة جاءت في (ك): الكتاني. (3) في الكافي: أكذاك. (4) في المصدر: وقال.

[105]

قال: أخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الارض، أي قطرة هي ؟ وأول عين فاضت على وجه الارض، أي عين هي ؟ وأول شئ اهتز على وجه الارض، أي شئ هو ؟. فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال (1): أخبرني عن ثلاث الاخر، أخبرني عن محمد كم له من امام عادل ؟. وفي أي جنة يكون ؟ ومن يساكنه (2) معه في جنته (3) ؟. قال: يا هاروني ! إن لمحمد صلى الله عليه وآله اثني عشر امام عدل لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا يستوحشون بخلاف من خلافهم، وإنهم في الدين أرسب من الجبال الرواسي في الارض، ومسكن محمد في جنته، معه اولئك الاثنا عشر الامام العدل. فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لاجدها في كتب أبي هارون، كتبه (4) بيده وأملاه موسى عمي عليه السلام. قال: فأخبرني عن الواحدة ؟ أخبرني عن وصي محمد كم يعيش من بعده ؟ وهل يموت أو يقتل ؟. قال: يا هاروني ! يعيش بعبده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص يوما، ثم يضرب ضربته هاهنا - يعني على قرنه - فيخضب (5) هذه من (6) هذا قال: فصاح الهاروني وقطع كستيجه، وهو يقول: أشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله وعليه وآله، وأنك


(1) في (ك) زيادة كلمة: قال، ووضع عليها رمز نسخة بدل. (2) في الكافي: ساكنه. (3) في (ك): جنة. (4) لا توجد: كتبه، في (س). (5) في المصدر: فتخضب. (6) في (س): عن.

[106]

وصيه، ينبغي أن تفوق ولا تفاق، وأن تعظم ولا تستضعف. قال: ثم (1) مضى به علي عليه السلام إلى منزله فعلمه معالم الدين. بيان: في القاموس (2): جبل راسب.. أي ثابت، وكذا الراسي بمعنى الثابت (3). 8 - كا (4): محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام. ومحمد بن الحسين، عن ابراهيم، عن (5) ابن أبي يحيى المديني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت حاضرا لما هلك (6) أبو بكر واستخلف عمر، أقبل يهودي من عظماء يهود يثرب، ويزعم (7) يهود المدينة أنه أعلم أهل زمانه حتى رفع إلى عمر، فقال له: يا عمر ! إني جئتك أريد الاسلام فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما أريد أن أسأل عنه. قال: فقال له عمر: إني لست هناك، لكني أرشدك إلى من هو أعلم أمتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه، وهو ذاك، فأومى إلى علي عليه السلام. فقال له اليهودي: يا عمر ! إن كان هذا كما تقول فما لك ولبيعة الناس، وإنما


(1) في (س): ثم قال: بتقديم وتأخير. (2) القاموس 1 / 73، وقال في مجمع البحرين 2 / 70: وفي الحديث: أئمة العدل أرسب من الجبال الرواسي.. أي أثقل. (3) نص عليه في القاموس 4 / 334، مجمع البحرين 1 / 183، وغيرهما. (4) أصول الكافي 1 / 446 حديث 8، باب 125 كتاب الحجة [1 / 531 في طبعة أخرى من الاسلامية] باختصار في الاسناد، وتلاحظ بقية روايات الباب. (5) وضع على كلمة: عن، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل. (6) في (ك): قال لما هلك.. (7) في المصدر: يهود يثرب وتزعم..

[107]

ذاك أعلمكم، فزبره عمر. ثم إن اليهودي قام إلى علي عليه السلام فقال: أنتم كما ذكر عمر ؟. فقال (1): وما قال عمر ؟. فأخبره. قال: فأن كنت كما قال: سألتك عن أشياء أريد أن أعلم هل يعلمه أحد منكم فأعلم أنكم في دعواكم خير الامم وأعلمها صادقين، ومع ذلك أدخل في دينكم الاسلام. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: نعم، أنا كما ذكر لك عمر، سل عما بدا لك أخبرك به إن شاء الله تعالى (2). قال: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة. فقال له علي عليه السلام: يا يهودي ! و (3) لم لم تقل أخبرني عن سبع ؟. فقال له اليهودي: إنك إن أخبرتني بالثلاث، سألتك عن البقية وإلا كففت، فإن أنت أجبتني في هذه السبع فأنت أعلم أهل الارض وأفضلهم وأولى الناس بالناس. فقال له: سل عما بدا لك أخبرك به إن شاء الله تعالى (4). قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الارض ؟ وأول شجرة غرست على وجه الارض ؟ وأول عين نبعت على وجه الارض ؟. فأخبره أمير المؤمنين عليه السلام. ثم قال له اليهودي: أخبرني عن هذه الامة كم لها من امام هدى ؟ وأخبرني عن نبيكم محمد اين منزله في الجنة ؟ وأخبرني من معه في الجنة ؟. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن لهذه الامة اثنا عشر إمام هدى من


(1) خ. ل: قال: جاءت على المطبوع من البحار. (2) لا توجد: تعالى، في المصدر. (3) لا توجد: الواو في (ك). (4) في الكافي المطبوع لا توجد: أخبرك به إن شاء الله تعالى، وفيه: يا يهودي.

[108]

ذرية نبيها وهم مني. وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها: جنة عدن، وأما من معه في منزله فيها فهؤلاء الاثنا عشر من ذريته، وأمهم وجدتهم أم (1) أمهم وذراريهم لا يشركهم فيها أحد. 9 - كا (2): محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي، عن زكريا المؤمن، عن ابن مسكان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن رجلا أتى بامرأته إلى عمر، فقال: إن امرأتي هذه سوداء وأنا أسود وإنها ولدت غلاما أبيض. فقال لمن بحضرته: ما ترون ؟. قالوا: نرى أن ترجمها فإنها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض. قال: فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه بها لترجم، فقال: ما حالكما ؟. فحدثاه. فقال للاسود: أتتهم امرأتك ؟ !. فقال: لا. قال: فأتيتها وهي طامث ؟. قال: قد قالت لي في ليلة من الليالي إني طامث، فظننت أنها تتقي البرد فوقعت عليها. فقال للمرأة: هل أتاك وأنت طامث ؟. قالت: نعم، سله، قد حرجت عليه وأبيت. قال: فانطلقا فإنه ابنكما، وإنما غلب الدم النطفة فابيض، ولو قد تحرك اسود. فلما أيفع اسود. بيان: التحريج: التضييق، ذكره الجوهري (3)، وقال: ايفع الغلام.. أي


(1) في المصدر: وأم.. (2) الكافي: 5 / 566 حديث 46، كتاب النكاح، باب النوادر. (3) في الصحاح 1 / 306، ومثله في القاموس 1 / 183.

[109]

ارتفع (1). 10 - مشارق الانوار (2): قال: إن رجلا حضر مجلس أبي بكر فادعى أنه لا يخاف الله، ولا يرجو الجنة، ولا يخشى النار، ولا يركع ولا يسجد، ويأكل الميتة والدم، ويشهد بما لا يرى (3)، ويحب الفتنة، ويكره الحق، ويصدق اليهود والنصارى، وأن عنده ما ليس عند الله، وله ما ليس لله، واني (4) أحمد النبي، واني (5) علي وأنا ربكم، فقال له عمر: ازددت كفرا على كفرك ؟ !. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هون عليك يا عمر ! فإن هذا رجل من أولياء الله لا يرجو الجنة ولكن يرجو الله، ولا يخاف النار ولكن يخاف ربه، ولا يخاف الله من ظلم ولكن يخاف عدله، لانه حكم عدل، ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة، ويأكل الجراد والسمك، ويحب الاهل والولد، ويشهد بالجنة والنار ولم يرهما، ويكره الموت وهو الحق، ويصدق اليهود والنصارى في تكذيب بعضهما (6) بعضا، وله ما ليس لله، لان له ولدا وليس لله ولد، وعنده ما ليس عند الله (7)، فإنه يظلم نفسه وليس عند الله ظلم، وقوله أنا (8) أحمد النبي صلى الله عليه وآله.. أي أنا أحمده على تبليغ (9) الرسالة عن ربه، وقوله: أنا علي.. يعني علي في قولي، وقوله: أنا ربكم.. أي رب كم بمعني (10) لي كم أرفعها وأضعها، ففرح عمر،


(1) نص عليه الجوهري في صحاحه 3 / 1310، وقال في القاموس 3 / 102: يفع الجبل - كمنع - صعده، والغلام: راهق العشرين، كأيفع وهو يافع. (2) مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (ع): 78. (3) في المصدر: لم ير - بلا ياء -. (4) في المصدر: وأنا. (5) في المشارق: وأنا. (6) في المصدر: بعضهم. (7) في المشارق: من عند الله. (8) لا توجد: أنا، في المصدر (9) في المصدر: تبليغه. (10) لا توجد: رب كم من بمعنى، في المصدر.

[110]

وقام وقبل رأس أمير المؤمنين، وقال: لا بقيت بعدك يا أبا الحسن. بيان: هون عليك.. أي سهل (1) على نفسك بالسؤال أو بالانتظار ليتبين الحق، أو المعنى ما أهون عليك.. أي ليس فيه اشكال، ولعل المراد بدم دم السمك، أو مطلق الدم المتخلف، وتركه عليه السلام للظهور، والمراد بالميتة ما لم يذبح، كما ورد: في البحر تحل ميتته (2). 11 - كنز (3): محمد بن العباس، عن احمد بن هوزة (4)، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن نصر بن يحيى، عن المقتبس بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مع عمر ابن الخطاب فأرسله في جيش فغاب ستة أشهر ثم قدم، وكان مع أهله ستة أشهر فعلقت منه فجاءت بولد لستة أشهر فأنكره، فجاء بها إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين ! كنت في البعث الذي وجهتني فيه، وتعلم أني قدمت (5) ستة أشهر، وكنت مع أهلي وقد جاءت بغلام وهو ذا، وتزعم أنه مني ؟. فقال لها عمر: ماذا تقولين أيتها المرأة ؟. فقالت: والله ما غشيني رجل غيره، وما فجرت، وإنه لابنه، وكان اسم الرجل: الهيثم. فقال لها عمر: أحق ما يقول زوجك ؟. قالت: قد صدق يا أمير المؤمنين !. فأمر بها عمر أن ترجم، فحفر لها حفيرة


(1) كما في القاموس 4 / 278، لسان العرب 13 / 439، وغيرهما. قال الثاني: والهون مصدر هان عليه الشئ.. أي خف، وهونه عليه.. أي سهله وخففه، وشئ هين على فيعل - أي سهل. (2) وسائل الشيعة 16 / 296 - 297 باب 31، انظر روايات الباب فانها مختلفة. ولا حظ: المحاسن للبرقي: 475 و 480، والتهذيب 4 / 31، وغيرها. (3) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 581 - 582 حديث 6، مع اختصار في الاسناد. (4) في المصدر: هوذة الباهلي. (5) هنا في المصدر زيادة: منذ.. وهو الظاهر.

[111]

ثم أدخلها فيه، فبلغ ذلك عليا عليه السلام، فجاء مسرعا حتى أدركها وأخذ بيديها فسلها (1) من الحفيرة. ثم قال لعمر: اربع على نفسك (2) إنها قد صدقت، إن الله عزوجل يقول في كتابه: * (حمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (3)، وقال في الرضاع: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) * (4)، فالحمل والرضاع ثلاثون شهرا، وهذا الحسين ولد لستة أشهر. فعندها قال عمر: لولا علي لهلك عمر (5). 12 - ما (6) المفيد، عن علي بن خالد، عن محمد بن الحسين بن صالح، عن محمد بن علي بن زيد، عن محمد بن تسنيم، عن جعفر بن محمد الخثعمي، عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن رقية بن مصقلة بن عبد الله بن جوية (7) العبدي، عن أبيه، عن جده (8)، قال: أتى عمر بن الخطاب رجلان يسألان عن طلاق الامة، فالتفت إلى خلفه فنظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أصلع ! ما ترى في طلاق الامة ؟. فقال بإصبعيه.. هكذا، وأشار بالسبابة والتي تليها، فالتفت اليهما عمر وقال (9): ثنتان.


(1) في الكنز: وسلها. (2) قال في مجمع البحرين 4 / 331: واربع على نفسك.. أي ارفق بنفسك وكف وتمكث ولا تعجل. (3) الاحقاف: 15. (4) البقرة: 232. (5) وأورده أيضا في البحار 40 / 232 حديث 12، وجاء في المناقب مختصرا: 2 / 187، وحكاه بعينه في تفسير البرهان 4 / 174 حديث 11. (6) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 243، باختصار في الاسناد. (7) في المصدر: خوذعة. (8) كذا، ولعله: عن أبيها عن جدها.. (9) في (س): فقال.

[112]

فقال: سبحان الله ! جئناك وأنت أمير المؤمنين فسألناك فجئت إلى رجل سألته، والله ما كلمك. فقال عمر (1): تدريان من هذا ؟. قالا: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لو أن السماوات السبع والارضين السبع وضعتا في كفة ووضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي (ع). 13 - عدة (2): روى الحكم بن مروان، عن جبير بن حبيب، قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد، وترنح لها (3) وتقطر. ثم قال: يا (4) معشر المهاجرين ! ما عندكم فيها ؟. قالا: يا أمير المؤمنين ! أنت المفزع والمنزع، فغضب، ثم قال (5): * (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) * (6) أما والله إنا وإياكم لنعرف ابن بجدتها، والخبير بها. قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب ؟. قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة (7) بمثله. قالوا: فلو بعثت إليه. قال: هيهات ! هناك شمخ من هاشم ولحمة من الرسول (ص)، واثرة من


(1) لا توجد: عمر في (س). (2) عدة الداعي: 101 - 102 باب 2 في ذم الدنيا وبينونتها من الآخرة. (3) ما في المتن نسخة في المصدر، وفي متنه: تربح لها. (4) لا يوجد حرف النداء في العدة. (5) في المصدر: وقال. (6) الاحزاب: 70. (7) في المصدر: طفحت جرة، ونسخة فيه: نفحت حرة. (*)

[113]

علم يؤتى لها ولا يأتي، امضوا إليه فاقصفوا نحوه، وافضوا إليه، وهو في حائط له و (1) عليه تبان يتركل على مسحاته وهو (2) يقول: * (أيحسب الانسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى) * (3) ودموعه تهمي (4) على خديه، فأجهش (5) القوم لبكائه، ثم سكن وسكنوا، وسأله عمر عن مسألته فأصدر إليه جوابها، فلوى عمر يديه. ثم قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك !. فقال عليه السلام له: يا أبا حفص ! خفض (6) عليك من هنا ومن هنا * (إن يوم الفصل كان ميقاتا) * (7). فانصرف وقد اظلم وجهه وكأنما ينظر من (8) ليل. بيان: قال الجوهري: ترنح: تمايل من السكر وغيره، ورنح عليه ترنيحا - على بناء ما لم يسم فاعله -.. أي غشي عليه، أو (9) اعتراه وهن في عظامه فتمايل، وهو مرنح (10).


(1) لا توجد الواو في المصدر. (2) وضع على: هو، في (ك) رمز نسخة بدل. (3) القيامة: 36 - 38. (4) قال في القاموس 4 / 404: همى الماء والدمع يهمي هميا وهميا وهميانا، والعين: صبت دمعها. (5) قال في مجمع البحرين 4 / 131: في حديث فاطمة عليها السلام: فاجهشت.. ويروى: فجهشت.. والمعنى واحد، والجهش: أن يفزع الانسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد تهيأ للبكاء. ونحوه في القاموس 2 / 266. (6) في (س): حفص. (7) النبأ: 17. (8) في المصدر: ينظر إليه من.. (9) في (ك) ولسان العرب جاءت الواو بدلا من: أو. (10) الصحاح 1 / 367، ونحوه في لسان العرب 2 / 454 - 455، والقاموس 1 / 224، وغيرهما.

[114]

وفي القاموس: تقطر: تهيأ للقتال ورمى بنفسه من علو، والجذع (1).. انجعف (2).. أي انقلع (3). وقال (4): هو ابن بجدتها: للعالم بالشئ، وللدليل الهادي، ولمن لا يبرح عن قوله، وعنده بجدة ذلك.. أي علمه. وقال (5): طفحت - كمنع - بالولد: ولدته لتمام. وقال (6): شمخ الجبل: علا وطال، والرجل بأنفه: تكبر.. ونية شمخ - محركة -: بعيدة..، والشامخ: الرافع انفه عزا. ولاثرة: البقية من العلم يؤثر (7). وقال: في الحديث: أنا والنبيون فراط القاصفين (8): هم المزدحمون كأن بعضهم يقصف بعضا لفرط الزحام، وتزاحمهم بدارا (9) إلى الجنة.. اي نحن متقدمون في الشفاعة لقوم كثيرين متدافعين..، والقصفة من القوم: تدافعهم وتزاحمهم، ورقة الارطى وقد اقصف (10). وقال: التبان - كرمان -: سراويل صغير يستر العورة المغلظة (11). وقال: تركل بمسحاته: ضربها برجله لتدخل في الارض (12).


(1) في (س): انجدع. (2) القاموس 2 / 119، وعينه جاء في لسان العرب 5 / 107، ومثله في الصحاح 2 / 769. (3) كما جاء في لسان العرب 9 / 27، والقاموس 3 / 123، وغيرهما. (4) في القاموس 1 / 275، ونظيره في لسان العرب 3 / 77، ولا توجد في (س): علمه. (5) في القاموس 1 / 237، وقارن ب‍: تاج العروس 2 / 190. وفي (س) لتمامه - بالضمير -. (6) في القاموس 1 / 262، ونحوه في لسان العرب 3 / 30، وغيره. (7) نص عليه في القاموس 1 / 362، وفيه: تؤثر، بدلا من: يؤثر. (8) في المصدر ولسان العرب: لقاصفين. (9) في (س): بدار. ولا توجد في المصدر: وتزاحمهم. (10) القاموس 3 / 185، وانظر لسان العرب 9 / 283 - 284. وفي (س): الاوطى، بدل الارطى. (11) في القاموس 4 / 205، ومثله في لسان العرب 13 / 72، وغيرهما. (12) في القاموس 3 / 386، وبعينه في لسان العرب 11 / 294.

[115]

وقال: سحا الطين يسحيه ويسحوه ويسحاه سحيا: قشره وجرفه، والمسحاة - بالكسر - ما سحي به (1). وقال: خفض القول يا فلان: لينه، والامر: هونه (2). قوله: من هنا ومن هنا.. أي من اول الامر حيث منعتني الخلافة ومن هذا الوقت حيث تقر لي بالفضل، ويمكن أن يقرأ (من) بالفتح فيهما.. أي من كان المانع في اول الامر ومن القائل في هذا الوقت، أي لا تناسب بينهما، وعلى الاول يحتمل أن يكون أحدهما اشارة إلى الدنيا والآخر إلى العقبى (3).


(1) نص عليه في القاموس 4 / 341، ومثله في لسان العرب 14 / 327. (2) ذكره في القاموس 2 / 330، وانظر: لسان العرب 7 / 145 - 146. وفي (ك) نسخة: هينة، بدلا من: هونه. (3) أقول: نظير هذا ما جاء عن طريق العامة كثيرا وسيأتي في مطاعن الثلاثة منه جملة، ونذكر منه ما أورده أبو إسحاق الثعلبي المتوفى سنة 427 ه‍ في كتابه العرائس: 232 - 239 في قصة مفصلة، نذكر منها صدرها ويكشف منه استمرار خبطهم وجهلهم، قال: لما ولي... عمر بن الخطاب الخلافة أتاه قوم من أحبار اليهود فقالوا: يا عمر ! أنت ولي الامر بعد محمد (ص) وصاحبه، وإنا نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها علمنا أن الاسلام حق وأن محمدا كان نبيا، وإن لم تخبرنا به علمنا أن الاسلام باطل وأن محمدا لم يكن نبيا. فقال: سلوا عما بدا لكم ؟. قالوا: أخبرنا... قال: فنكس عمر رأسه في الارض ثم قال: لا عيب بعمر إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن يسئل عما لا يعلم. فوثبت اليهود وقالوا: نشهد أن محمدا لم يكن نبيا وأن الاسلام باطل !. فوثب سلمان الفارسي وقال لليهود: قفوا قليلا.. ثم توجه نحو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حتى دخل عليه، فقال: يا أبا حسن ! أغث الاسلام. فقال: وما ذاك ؟.. فأخبره الخبر، فأقبل يرفل في بردة رسول الله (ص)، فلما نظر إليه عمر وثب قائما فاعتنقه، وقال: يا أبا الحسن ! أنت لكل معضلة وشدة تدعى. فدعا علي كرم الله وجهه اليهود فقال: سلوا عما بدا لكم فإن النبي (ص) علمني ألف باب من العلم فتشعب لي من كل باب ألف باب، فسألوه عنه، فقال علي كرم الله وجهه: إن لي عليكم شريطة إذا أخبرتكم كما في توراتكم دخلتم في ديننا وآمنتم ؟. فقالوا: نعم. فقال: سلوا عن خصلة.. خصلة. قالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي ؟. =

[116]

= قال: أقفال السماوات، الشرك بالله، لان العبد والامة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما عمل. قالوا: فأخبرنا عن مفاتيح السماوات ما هي ؟. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويقولون: صدق الفتى. قالوا: فأخبرنا بقبر سار بصاحبه ؟. فقال: ذلك الحوت الذي التقم يونس بن متى فسار به في البحار السبع [كذا]. فقالوا: أخبرنا عمن أنذر قومه لا هو من الجن ولا هو من الانس ؟. قال: هي نملة سليمان بن داود، قالت: * (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) *. قالوا: فأخبرنا عن خمسة مشوا على الارض ولم يخلقوا في الارحام ؟. قال: ذلكم: آدم، وحواء، وناقة صالح، وكبش ابراهيم، وعصى موسى. قالوا: فأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه ؟. قال: يقول: الرحمن على العرش استوى. قالوا: فأخبرنا ما يقول الديك في صراخه ؟. قال: يقول: اذكروا الله يا غافلين. قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله ؟. قال: يقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين إلى الجهاد: اللهم انصر عبادك المؤمنين على الكافرين. قالوا: فأخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه ؟. قال: يقول: لعن الله العشار.. وينهق في أعين الشياطين. قالوا: فأخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه ؟. قال: يقول: سبحان ربي المعبود المسبح في لجج البحار. قالوا: فأخبرنا ما يقول القنبر في صفيره ؟. قال: يقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد. وكان اليهود ثلاثة نفر، قال اثنان منهم: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ووثب الحبر الثالث فقال: يا علي ! لقد وقع في قلوب أصحابي ما وقع من الايمان والتصديق، وقد بقي خصلة واحدة أسألك عنها ؟. فقال: سل عما بدا لك. =

[117]

= فقال: أخبرني عن قوم في أول الزمان ماتوا ثلاثمائة وتسع سنين ثم أحياهم الله فما كان من قصتهم ؟. قال علي رضي الله عنه: يا يهودي ! هؤلاء اصحاب، وقد أنزل الله على نبينا قرآنا فيه قصتهم ؟، وإن شئت قرأت عليك قصتهم. فقال اليهودي: ما أكثر ما قد سمعنا قراءتكم، إن كنت عالما فأخبرني بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وأسماء مدينتهم، واسم ملكهم، واسم كلبهم، واسم جبلهم، واسم كهفهم ؟ وقصتهم من أولها إلى آخرها ؟. فاحتبى علي ببردة رسول الله (ص) ثم قال:... وأورد قصة أصحاب الكهف بطولها، ونقلها شيخنا الاميني طاب ثراه في غديره 6 / 148 - 155. ومنها: ما جاء عن طريق العامة - كما أورده الحافظ العاصمي في كتابه زين الفتى في شرح سورة هل أتى (خطي) -.. وحكاه عنه في الغدير 6 / 242 - 243، وفيه: قدم أسقف نجران على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في صدر خلافته فقال: يا أمير المؤمنين ! إن أرضنا باردة.. إلى أن قال: فقال له الاسقف: يا عمر ! أتقرؤون في كتابكم: وجنة عرضها كعرض السماء والارض، فأين تكون النار ؟. فسكت عمر وقال لعلي: أجبه أنت. فقال له علي: أنا أجيبك يا أسقف، أرأيت إذا جاء الليل اين يكون النهار ؟. وإذا جاء النهار اين يكون الليل ؟. فقال الاسقف: ما كنت أرى عن أحد ليجيبني عن هذه المسألة. من هذا الفتى يا عمر ؟. فقال: علي بن أبي طالب، ختن رسول الله (ص) وابن عمه، وهو أبو الحسن والحسين. فقال الاسقف: فأخبرني يا عمر ! عن بقعة من الارض طلع فيها الشمس مرة واحدة ثم لم تطلع قبلها ولا بعدها ؟. فقال عمر: سل الفتى، فسأله. فقال: أنا أجيبك، هو البحر حيث انفلق لبني اسرائيل ووقعت فيه الشمس مرة واحدة لم تقع قبلها ولا بعدها ؟. فقال الاسقف: أخبرني عن شئ في أيدي الناس شبه بثمار الجنة ؟. فقال عمر: سل الفتى. فسأله. فقال علي: أنا أجيبك، هو القرآن، يجتمع عليه أهل الدنيا فيأخذون منه حاجتهم فلا ينقص منه شئ فكذلك ثمار الجنة. فقال الاسقف: صدقت. قال: أخبرني هل للسماوات من قفل ؟. =

[118]

= فقال علي: قفل السماوات الشرك بالله. فقال الاسقف: وما مفتاح ذلك القفل ؟. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، لا يحجبها شئ دون العرش. فقال: صدقت. فقال: أخبرني عن أول دم وقع على وجه الارض ؟. فقال علي: أما نحن فلا نقول كما يقولون: دم الخشاف، ولكن أول دم وقع على وجه الارض مشيمة حواء حيث ولدت هابيل بن آدم. قال: صدقت، وبقيت مسألة واحدة. أخبرني: أين الله ؟. فغضب عمر. فقال علي: أنا أجيبك، وسل عما شئت، كنا عند رسول الله (ص) إذا أتاه ملك فسلم، فقال له رسول الله (ص) من أين أرسلت ؟. فقال: من السماء السابعة من عند ربي، ثم أتاه آخر فسأله، فقال: أرسلت من الارض السابعة من عند ربي، فجاء ثالث من الشرق، ورابع من المغرب فسألهما فأجابا كذلك، فالله عزوجل ههنا وههنا، في السماء إله وفي الارض إله. ونظيره أورده الفضل بن شاذان في كتابه الروضة: 145، والفضائل: 202، وحكاه عنهما العلامة المجلسي في بحاره 10 / 58 - 60، عن أنس بن مالك، وهناك روايات عديدة في هذا الباب. ومنها: ما أخرجه أحمد بن حنبل - امام الحنابلة - في الفضائل بإسناده عن ابن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن. قال ابن المسيب: ولهذا القول سبب وهو: ان ملك الروم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل فعرضها على الصحابة فلم يجد عندهم جوابا، فعرضها على أمير المؤمنين فأجاب عنها في أسرع وقت بأحسن جواب.. وذكر الكتاب بطوله، ثم قال: فقرأ علي (ع) الكتاب وكتب في الحال خلفه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فقد وقفت على كتابك أيها الملك، وأنا أجيبك بعون الله وقوته وبركته وبركة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أما الشئ الذي لم يخلقه الله تعالى، فالقرآن، لانه كلامه وصفته، وكذا كتب الله المنزلة، والحق سبحانه قديم وكذا صفاته. وأما الذي لا يعلمه الله، فقولكم: له ولد وصاحبة وشريك، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله لم يلد ولم يولد. =

[119]

= وأما الذي ليس عند الله، فالظلم، وما ربك بظلام للعبيد. وأما الذي كله فم، فانار، تأكل ما يلقى فيها. وأما الذي كله رجل، فالماء. وأما الذي كله عين، فالشمس. وأما الذي كله جناح، فالريح. وأما الذي لا عشيرة له، فآدم. وأما الذي لم يحمل بهم رحم، فعصى موسى، وكبش ابراهيم، وآدم وحواء. وأما الذي يتنفس من غير روح، فالصبح، لقوله تعالى: * (والصبح إذا تنفس) *. وأما الناقوس، فإنه يقول: طقا طقا، حقا حقا، مهلا مهلا، عدلا عدلا، صدقا صدقا، إن الدنيا قد غرتنا واستهوتنا، تمضي الدنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنا إلا أوهى منا ركنا، إن الموتى [كذا] قد أخبرنا انا نرحل فاستوطنا. وأما الظاعن، فطور سيناء لما عصت بنو إسرائيل وكان بينه وبين الارض المقدسة أيام فقلع الله منه قطعة وجعل لها جناحين من نور فنتقه عليهم، فذلك قوله: * (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم) *. وقال لبني إسرائيل: إن لم تؤمنوا وإلا أوقعته عليكم، فلما تابوا رده إلى مكانه. وأما المكان الذي لم تطلع عليه الشمس إلا مرة واحدة، فأرض البحر لما فلقه الله لموسى (ع) وقام الماء أمثال الجبال ويبست الارض بطلوع الشمس عليها، ثم عاد ماء البحر إلى مكانه. وأما الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام، فشجرة طوبى، وهي سدرة المنتهى في السماء السابعة، إليها ينتهي أعمال بني آدم، وهي من أشجار الجنة، ليس في الجنة قصر ولا بيت إلا وفيه غصن من أغصانها، ومثلها في الدنيا الشمس أصلها واحد وضوئها في كل مكان. وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء، فشجرة يونس، وكان ذلك معجزة له، لقوله تعالى: * (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) *. وأما غذاء أهل الجنة، فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن أمه، فإنه يغتذي من سرتها ولا يبول ولا يتغوط. وأما الالوان في القصعة الواحدة، فمثلها في الدنيا البيضة فيها لونان: أبيض وأصفر ولا يختلطان. وأما الجارية التي تخرج من التفاحة، فمثلها في الدنيا الدودة تخرج من التفاحة ولا تتغير. وأما الجارية التي تكون بين اثنين، فالنخلة التي تكون في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك، وهي لي في الآخرة دونك، لانها في الجنة وأنت لا تدخلها. وأما مفاتيح الجنة، فلا إله إلا الله، محمد رسول الله. =

[120]

= قال ابن السميب: فلما قرأ قيصر الكتاب قال: ما خرج هذا الكلام إلا من بيت النبوة. ثم سأل عن المجيب، فقيل له: هذا جواب ابن عم محمد (ص)، فكتب إليه: (سلام عليك، أما بعد، قد وقفت على جوابك، وعلمت أنك من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وأنت موصوف بالشجاعة والعلم، وأؤثر أن تكشف لي عن مذهبكم، والروح التي ذكرها الله في كتابكم في قوله: * (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) *). فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد، فالروج نكتة لطيفة، ولمعة شريفة، من صنعة بارئها، وقدرة منشئها، أخرجها من خزائن ملكه وأسكنها في ملكه، فهي عنده لك سبب، وله عندك وديعة، فإذا أخذت ما لك عنده أخذ ما له عندك، والسلام. وقد نص على القصة بطولها الحافظ العاصمي في زين الفتى في شرح سورة هل أتى، وتذكرة خواص الامة، لسبط ابن الجوزي الحنفي: 87. * * * * *

[121]

[19] باب ما أظهر أبو بكر وعمر من الندامة على غصب الخلافة عند الموت 1 - قال أبو الصلاح قدس الله روحه في تقريب المعارف (1): لما طعن عمر جمع بني عبد المطلب وقال: يا بني عبد المطلب ! أراضون أنتم عني ؟. فقال رجل من أصحابه: ومن ذا الذي يسخط عليك ؟.. فأعاد الكلام ثلاث مرات، فأجابه رجل بمثل جوابه، فانتهره عمر وقال: نحن أعلم بما أشعرنا قلوبنا، إنا والله أشعرنا قلوبنا ما.. نسأل الله أن يكفينا شره، وإن بيعة أبي بكر كانت فلتة نسأل الله أن يكفينا شرها. وقال لابنه عبد الله - وهو مسنده إلى صدره -: ويحك ! ضع رأسي بالارض، فأخذته الغشية، قال: فوجدت من ذلك، فقال: ويحك ! ضع رأسي بالارض، فوضع رأسه بالارض فعفر بالتراب، ثم قال: ويل لعمر ! وويل لامه ! إن لم يغفر الله له. وقال - أيضا - حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: من اغتصابي هذا الامر أنا وأبو بكر من دون الناس، من استخلافي عليهم، ومن تفضيلي


(1) لم نعثر عليه في القسم الاول المطبوع، وأما القسم الثاني المربوط بهذا الموضوع فلم يطبع.

[122]

المسلمين بعضهم على بعض. وقال - أيضا -: أتوب إلى الله من ثلاث: من ردي رقيق اليمن، ومن رجوعي أن جيش أسامة بعد أن (1) أمره رسول الله صلى الله عليه [وآله] علينا، ومن تعاقدنا على أهل البيت إن قبض رسول الله أن لا نولي منهم أحدا. ورووا عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: كنت عند عمر - وهو يموت - فجعل يجزع، فقلت: يا أمير المؤمنين ! أبشر بروح الله وكرامته، فجعلت كلما رأيت جزعه قلت هذا، فنظر إلي فقال: ويحك ! فكيف بالممالاة على (2) أهل بيت محمد صلى الله عليه [وآله]. انتهى ما أخرجناه من التقريب (3). وقال الزمخشري في ربيع الابرار (4): لما حضرت عمر بن الخطاب الوفاة قال لبنيه ومن حوله: لو أن لي مل ء الارض من صفراء أو بيضاء لافتديت به من أهوال ما أرى. 2 - ل (5): المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن محمد بن


(1) لا توجد: ان في (ك)، وبدلا منها: إذ، ووضع عليها رمز نسخة بدل. (2) قال في مجمع البحرين 1 / 399: وفي حديث علي عليه السلام: ما قتلت عثمان ولا ملات عليه.. أي ما ساعدت ولا عاونت. أقول: استعمال الملاء مع كلمة (على) يفيد معنى المساعدة والمعاونة على ضرر شخص، وعليه تكون الممالاة مساوقة للمعاداة. (3) مرت مصادر جملة من هذه النصوص، وستأتي لبعضها الآخر مصادر من طريق العامة. (4) ربيع الابرار للزمخشري: والرواية قد حذفت من الطبعة الحديثة مع مراجعتنا لكل مجلدات الكتاب أكثر من مرة، نعم، فيه قوله لعمر: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما استعملت أحدا من الطلقاء. 4 / 219، وقولة أيضا: لو كان لنا مع إسلامنا أخلاق آبائنا لكنا ! ! 2 / 38، وفيه قصة مفصلة عندما قيل لعمر: لو أخذت حلي الكعبة فجهزت به جيوش المسلمين... وقد سأل فيها عليا وقال في آخرها له سلام الله عليه: لولاك لافتضحنا.. 4 / 26، ونهج البلاغة 4 / 65، وغيرها. وجاء في 1 / 828 قول رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض. (5) الخصال للشيخ الصدوق 1 / 171 - 173 باب الثلاثة حديث 288 مع تفصيل في السند.

[123]

حاتم، عن عبد الله بن حماد وسليمان بن معبد، هما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن علوان بن داود بن صالح، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: قال أبو بكر في مرضه الذي قبض فيه: أما اني لا آسى من الدنيا إلا على ثلاث فعلتها، وددت (1) أني تركتها، وثلاث تركتها وددت (2) أني فعلتها، وثلاث وددت أني كنت سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وآله، أما التي وددت أني تركتها، فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وإن كان علق (3) علي الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت (4) الفجاءة وإني قتلته سريحا (5) أو أطلقته نجيحا (6)، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين - عمر أو أبي عبيدة - فكان أميرا وكنت وزيرا. وأما التي تركتها (7): فوددت أني يوم أتيت بالاشعث أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لم ير صاحب شر إلا أعانه، ووددت أني حين سيرت خالدا إلى أهل الردة كنت قدمت إلى قربه (8) فإن ظفر المسلمون ظفروا وإن هزموا (9) كنت بصدد لقاء أو مدد، ووددت أني كنت إذ وجهت خالدا إلى الشام قذفت المشرق


(1) في المصدر: ووددت. (2) في المصدر: وددت. (3) في (ك) نسخة بدل: اعلق، وفي المصدر: اعلن، وجاء في هامشه: اغلق، وفي النسخة المطبوعة: علق. (4) في المصدر وفي (ك): احرقت. (5) كتب في حاشية (س) هنا: أي سريعا. وهو معنى السريح كما في القاموس 1 / 228. وانظر قصة الفجاءة ذيل الخصال، وفصلها شيخنا الاميني في غديره 7 / 156 - 158. (6) قال في القاموس 1 / 251: النجيح: الصواب من الرأي. (7) في نسخة على المصدر: فوددت أني فعلتها. (8) في المصدر: قرية. (9) في الخصال زيادة لفظ: كيدا.

[124]

بعمر بن الخطاب، فكنت بسطت يدي - يميني وشمالي - في سبيل الله. وأما التي وددت أني كنت سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وآله: فوددت أني كنت سألته فيمن هذا الامر فلم ننازعه أهله، ووددت أني كنت سألته هل للانصار في هذا الامر نصيب، ووددت أني كنت سألته عن ميراث الاخ والعم، فإن في نفسي منها حاجة (1). قال الصدوق رضي الله عنه (2): إن يوم غدير خم لم يدع لاحد عذرا، هكذا قالت سيدة النسوان فاطمة عليها السلام لما منعت من فدك وخاطبت الانصار فقالوا: يا بنت محمد ! لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لابي بكر ما عدلنا بعلي أحدا. فقالت: وهل ترك أبي يوم غدير خم لاحد عذرا ؟ ! 3 - ل (3): أبي، عن المؤدب، عن أحمد الاصبهاني، عن الثقفي، عن يحيى ابن الحسن بن الفرات، عن هارون بن عبيدة، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن (4) ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: قال عمر حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: اغتصابي هذا الامر أنا وأبو بكر من دون الناس، واستخلافي عليهم، وتفضيلي المسلمين بعضهم على بعض. 4 - ل (5): بالاسناد إلى الثقفي، عن المسعودي، عن الحسن بن حماد


(1) ذكر القصة جمهور علماء العامة، ونص عليها الطبري في تاريخه 4 / 52، وابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 18، والمسعودي في مروج الذهب 1 / 414، وابن عبد البر في العقد الفريد 2 / 254، وأبو عبيدة في الاموال: 131، وغيرهم، والاسناد صحيح رجاله كلهم ثقات عندهم أربعة منهم من رجال الصحاح الست، كما نص على ذلك شيخنا الاميني في الغدير 7 / 170 - 171، فراجع. وانظر حول الكشف عن بيت فاطمة سلام الله عليها - غير ما مر - تاريخ ابن جرير 2 / 619، وميزان الاعتدال 2 / 215، وغيرهما. (2) الخصال 1 / 173. (3) الخصال 1 / 170 باب الثلاثة حديث 225، بتفصيل في السند. (4) وضع على: الحسن، في (ك) رمز نسخة بدل. (5) الخصال 1 / 171، باب الثلاثة حديث 226، باختلاف يسير.

[125]

الطائي، عن زياد بن المنذر، عن عطية - فيما يظن -، عن جابر بن عبد الله، قال: شهدت عمر عند موته يقول: أتوب إلى الله من ثلاث: من ردي رقيق اليمن، ومن رجوعي عن جيش أسامة بعد أن أمره رسول الله صلى الله عليه وآله علينا، ومن تعاقدنا على أهل هذا البيت إن قبض الله رسوله لا نولي منهم أحدا. 5 - ل (1): بالاسناد إلى الثقفي، عن محمد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن فضل بن الزبير، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لما حضر عمر الموت قال: أتوب إلى الله من رجوعي من جيش أسامة، وأتوب إلى الله من عتقي سبي اليمن، وأتوب إلى الله من شئ كنا أشعرناه قلوبنا نسأل الله أن يكفينا ضره، وأن بيعة أبي بكر كانت فلته. بيان: قال في النهاية في حديث عمر: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها)، أراد بالفلتة: الفجأة، ومثل هذه البيعة جدير (2) بان تكون مهيجة للشر والفتنة، فعصم الله عن ذلك ووقى، والفلتة: كل شئ فعل من غير روية وإنما يورد (3) بها خوف انتشار الامر، وقيل: اراد بالفلتة: الخلسة.. أي ان الامامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الانفس ولذلك كثر (4) فيها التشاجر، فما (5) قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الايدي واختلاسا، وقيل: الفلتة آخر ليلة من الاشهر الحرم، فيختلفون (6) أمن الحل هي ام من الحرام (7) ؟ فيتسارع الموتود (8) إلى درك الثار


(1) الخصال 1 / 171، باب الثلاثة حديث 227، مع تفصيل في الاسناد. (2) في المصدر وفي اللسان: جديرة. (3) في المصدر وفي اللسان: بودر. (4) لا توجد: كثر، في (س). (5) وضع على: فما في (ك) رمز نسخة بدل. (6) في النهاية واللسان: فيختلفون فيها. (7) في المصدر واللسان: ام من الحرم. (8) في اللسان وفي المصدر: فيسارع الموتور، وهو الصحيح.

[126]

فيكثر الفساد ويسفك (1) الدماء، فشبة ايام النبي صلى الله عليه وآله (2) بالاشهر الحرم ويوم موته بالفلتة في (3) وقوع الشر من ارتداد العرب وتخلف الانصار عن الطاعة، ومنع من منع الزكاة، والجري على عادة العرب في ان لا يسود (4) القبيلة إلا رجل منها (5). انتهى. ولا يخفى ضعف تلك التأويلات على عاقل، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى (6). 6 - جا (7): الجعابي، عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن بريد (8)، عن يحيى بن سعيد، عن عاصم، عن (9) عبيد الله بن (10) عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن عثمان بن عفان، قال: كنت آخر (11) الناس عهدا بعمر بن الخطاب، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله وهو يولول (12)، فقال له: ضع خدي بالارض، فأبي عبد الله، فقال له: ضع خدي بالارض لا أم لك، فوضع خده على الارض، فجعل يقول:


(1) في النهاية ولسان العرب: وتسفك. (2) في المصدر: عليه الصلاة والسلام، بدل التصلية. (3) في النهاية: من، وفي اللسان: في، كما في المتن. (4) كتب في المصدر: مدغما - ألا يسود - وما في اللسان كالمتن. (5) النهاية 3 / 467 - 468 وفيه: وفي صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: لا تثنى فلتاته.. الفلتات: الزلات، جمع فلتة.. أي لم يكن في مجلسه زلات فتحفظ وتحكى. ومثل النهاية ما في لسان العرب 2 / 67 - 68، وقال في القاموس 1 / 154: وفلتات المجلس: هفواته وزلآته. (6) في (ك): فيه، بعد كلمة: تعالى: بتقديم وتأخير. (7) مجالس (أمالي) الشيخ المفيد: 50 حديث 10، بتفصيل في الاسناد. (8) في المصدر: بن زيد. (9) في المصدر: بن، بدلا من: عن، وهو الظاهر. (10) في الامالي: عن، بدلا من: بن، وهو الظاهر. (11) في المجالس: أنا آخر.. (12) جاءت في حاشية المصدر، وفي متنه: ملول.

[127]

ويل أمي ! ويل أمي ! إن لم تغفر لي.. فلم يزل يقولها حتى خرجت نفسه. 7 - إرشاد القلوب (1): - بحذف الاسناد - مرفوعا إلى عبد الرحمن بن غنم الازدي - ختن معاذ بن جبل (2) - وحين مات (3) كانت ابنته (4) تحت معاذ بن جبل، وكان أفقه (5) أهل الشام وأشدهم اجتهادا، قال: مات معاذ بن جبل بالطاعون، فشهدت يوم مات - والناس متشاغلون بالطاعون -، قال: وسمعته حين احتضر وليس (6) في البيت غيري - وذلك في خلافة (7) عمر بن الخطاب -، فسمعته يقول: ويل لي ! ويل لي (8) !. فقلت في نفسي: أصحاب الطاعون يهذون ويقولون الاعاجيب. فقلت له: أتهذي ؟. قال: لا، رحمك الله (9). قلت: فلم تدعو بالويل والثبور ؟. قال: لموالاتي عدو الله على ولي الله. فقلت له: من هم (10) ؟. قال: موالاتي عتيقا وعمر على خليفة رسول الله ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام. فقلت: إنك لتهجر !. فقال: يا بن غنم ! والله ما أهجر، هذان، رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام يقولان لي: يا معاذ ! أبشر بالنار


(1) إرشاد القلوب 2 / 183 - 186 [2 / 391 - 394] تحت عنوان فيما قاله معاذ بن جبل حين موته.. باختلاف يسير أشرنا لبعضه. (2) لا يوجد: ختن معاذ بن جبل، في المصدر. (3) في إرشاد القلوب: حين مات معاذ بن جبل، ووضع على: حين مات، رمز نسخة بدل في (ك). (4) في (س): ابنة - بلا ضمير -.. (5) جاء في المصدر:.. الازدي حين مات معاذ بن جبل وكان أفقه.. (6) في الارشاد: وليس معه.. (7) في المصدر: في زمن خلافة. (8) في (ك): وويل لي، ووضعه على الواو رمز نسخة بدل. وفي (س) جاءت الجملة مشوشة. (9) وضع على: رحمك الله، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار. (10) من قوله: فقلت في نفسي. إلى هنا لا يوجد في إرشاد الديلمي المطبوع، وفيه: فقلت له: مم ؟. قال: من موالاتي.

[128]

أنت (1) وأصحابك. أفليس قلتم إن مات رسول الله صلى الله عليه وآله أو قتل (2) زوينا الخلافة عن علي بن أبي طالب (ع) فلن تصل إليه، فاجتمعت أنا وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم (3)، قال: قلت: متى يا معاذ ؟. قال: في حجة الوداع، قلنا: نتظاهر على علي (ع) فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قلت لهم: أنا (4) أكفيكم قومي الانصار فاكفوني قريشا، ثم دعوت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى (5) هذا الذي تعاهدنا عليه بشر بن سعيد وأسيد (6) بن حصين فبايعاني على ذلك، فقلت: يا معاذ ! إنك لتهجر، فألصق خده بالارض فلما (7) زال يدعو بالويل والثبور حتى مات. فقال ابن غنم: ما حدثت بهذا الحديث يا بن قيس بن (8) هلال أحدا إلا ابنتي امرأة معاذ ورجلا آخر، فإني فزعت مما رأيت وسمعت من معاذ. قال: فحججت ولقيت الذي غمض أبا عبيدة وسالما فأخبراني أنه حصل لهما ذلك (9) عند موتهما، لم يزد فيه حرفا ولم ينقص حرفا، كأنهما قالا مثل ما قال معاذ بن جبل فقلت: أو لم يقتل سالم يوم التهامة ؟. قال: بلى، ولكنا احتملناه وبه رمق (10). قال سليم: فحدثت بحديث ابن غنم هذا كله محمد بن أبي بكر، فقال


(1) لا توجد: أنت، في المصدر. (2) أو قتل.. لا توجد في الارشاد. (3) في المصدر: وسالم مولى حذيفة. (4) لا توجد: أنا، في المصدر. (5) في الارشاد: على، بدلا من: إلى. (6) في (س): اسد. (7) في المصدر: فما.. وهو الظاهر. (8) في إرشاد الديلمي: ما حدثت غير قيس بن.. (9) في (س): كذلك، وفي المصدر: نحو ذلك. (10) من قوله: فقلت أو لم.. إلى هنا لا يوجد في المطبوع من المصدر.

[129]

لي: اكتم علي واشهد أن أبي قد قال عند موته مثل مقالتهم، فقالت: عائشة: إن أبي يهجر (1). قال محمد: فلقيت عبد الله بن عمر في خلافة عثمان وحدثته بما سمعت من أبي عند موته فأخذت عليه العهد والميثاق ألا يكتم (2) علي. فقال لي ابن عمر: اكتم علي، فو الله لقد قال أبي مثل ما قال أبوك وما زاد (3) ولا نقص، ثم تداركها ابن عمر بعد وتخوف أن أخبر بذلك علي بن أبي طالب عليه السلام لما علم من حبي له وانقطاعي إليه، فقال: إنما كان يهجر. فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته بما سمعته من أبي وما حدثني به ابن عمر. فقال علي (4): قد حدثني بذلك عن أبيه وعن أبي عبيدة وسالم وعن معاذ من هو أصدق منك ومن ابن عمر. فقلت: ومن ذاك يا أمير المؤمنين ؟. فقال: بعض (5) من حدثني. فعرفت ما عنى، فقلت: صدقت، إنما ظننت إنسانا حدثك، وما شهد أبي - وهو يقول ذلك - غيري. قال سليم: قلت لابن غنم: مات معاذ بالطاعون فبما مات أبو عبيدة ؟. قال: مات بالدبيلة (6)، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت: هل شهد موت أبيك غيرك وأخيك (7) عبد الرحمن وعائشة وعمر ؟. قال: لا. قلت: وهل (8) سمعوا (9) منه ما


(1) في المصدر: يهجو.. ولا معنى له. (2) في المصدر: ليكتم علي.. وما في المتن هو الظاهر. (3) في المصدر: فو الله لقد قال مثل مقالة أبيك ما زاد.. (4) في الارشاد: قال عليه السلام. (5) خط على: بعض، في (ك)، ولا توجد في المصدر. (6) قال في القاموس 3 / 373: ودبيل مبالغة وكجهينة: الداهية، وداء في الجوف. وقال في مجمع البحرين 5 / 369: الدبيلة: الطاعون، وخراج، ودمل يظهر في الجوف ويقتل صاحبه غالبا. (7) في المصدر: وغير أخيك. (8) وضع رمز نسخة بدل على: هل، في المطبوع من البحار. (9) لا توجد: سمعوا، في (س).

[130]

سمعت ؟. قال: سمعوا منه طرفا فبكوا. وقال: هو يهجر، فأما كل ما سمعت أنا فلا، قلت: فالذي سمعوا ما هو ؟. قال: دعا بالويل والثبور، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله ! لم تدعو بالويل والثبور ؟ !. قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه علي بن أبي طالب يبشراني بالنار، ومعه الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: قد وفيت بها وظاهرت على ولي الله (1) فأبشر أنت وصاحبك بالنار في أسفل السافلين، فلما سمعها عمر خرج وهو يقول: إنه ليهجر ! قال: لا والله لا أهجر (2) أين تذهب ؟. قال عمر: كيف لا تهجر وأنت ثاني اثنين إذ هما (3) في الغار ؟ ! قال: الآن أيضا ! أو لم أحدثك أن محمدا - ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله - قال لي وأنا (4) معه في الغار: إني أرى سفينة جعفر وأصحابه تعوم (5) في البحر، فقلت: أرنيها، فمسح يده على وجهه (6) فنظرت إليها، وأضمرت عند ذلك أنه ساحر، وذكرت لك ذلك بالمدينة، فأجمع (7) رأيي ورأيك أنه ساحر، فقال عمر: يا هؤلاء ! إن أباكم (8) يهجر فاكتموا ما تسمعون عنه (9) لئلا يشمت بكم أهل هذا البيت، ثم خرج وخرج أخي وخرجت عائشة ليتوضؤا للصلاة، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا، فقلت له - لما خلوت به: يا أبة ! (10) قل: لا إله إلا


(1) في (ك) هنا زيادة: وأصحابك. (2) في المصدر: ما أهجر. (3) لا يوجد: إذ هما، في المصدر. (4) في (ك): قال لي أنا. (5) أي تسبح وتسير، قاله في القاموس 4 / 155. (6) في المصدر: وجهي، وهو الظاهر. (7) في إرشاد الديلمي: وذكرت ذلك لك بالمدينة فاجتمع.. (8) في المصدر: إن أبا بكر. (9) في المصدر: منه، بدلا من: عنه. (10) في المطبوع من البحار وضع على: يا أبة، رمز نسخة بدل، ولا توجد في المصدر.

[131]

الله، قال: لا أقولها (1) ولا أقدر عليها أبدا حتى أرد النار فأدخل التابوت، فلما ذكر التابوت ظننت أنه يهجر، فقلت له: أي تابوت ؟. فقال: تابوت من نار مقفل بقفل من نار فيه اثنا عشر رجلا، أنا وصاحبي هذا، قلت: عمر ؟. قال: نعم، وعشرة في جب من جهنم على صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع الصخرة. قلت: أتهذي ؟. قال: لا والله (2) ما أهذي، ولعن الله ابن صهاك هو الذي أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني فبئس القرين، ألصق خدي بالارض، فألصقت خده بالارض (3)، فما زال يدعو بالويل والثبور حتى غمضته، ثم دخل عمر علي، فقال: هل قال (4) بعدنا شيئا (5) ؟ فحدثته (6). فقال: يرحم الله خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، اكتم ! هذا كله هذيان، وأنتم أهل بيت يعرف لكم الهذيان في موتكم ؟. قالت عائشة: صدقت، ثم قال لي عمر: إياك أن يخرج منك شيئا مما سمعت به إلى علي بن أبي طالب (ع) (7) وأهل بيته. قال: قال سليم (8): قلت لمحمد: من تراه حدث أمير المؤمنين عليه السلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله، إنه يراه في (9)


(1) في المصدر: لا قلتها ولا أقولها. (2) في الارشاد:.. من جهنم عليه صخرة، قلت: هل تهذي ؟ قال: والله.. (3) في المصدر: ثم ألصق خده بالارض فما زال.. (4) في المصدر: هل حدث. (5) لا توجد كلمة: شيئا، في (س). (6) في (ك) والمصدر: فحدثتهم. (7) في المصدر: مما سمعت ويشمت به ابن أبي طالب. (8) وضع على: قال سليم، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، ولا توجد في المصدر. (9) لا توجد في المصدر: في.

[132]

كل ليلة في المنام وحديثه إياه (1) في المنام مثل حديثه (2) إياه في اليقظة والحياة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا لا يتمثل بي في نوم ولا يقظة (3) ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة. قال سليم (4): فقلت لمحمد: فمن حدثك بهذا ؟. قال: علي (5). فقلت: قد سمعت أنا أيضا منه كما سمعت أنت، قلت لمحمد: فلعل ملكا من الملائكة حدثه. قال: أو (6) ذاك ؟ قلت: فهل تحدث الملائكة إلا الانبياء ؟ !. قال: أما تقرأ كتاب الله: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) * (7) ولا محدث. قلت أنا: أمير المؤمنين (8) محدث. قال: نعم، وفاطمة محدثة، ولم تكن نبية، ومريم محدثة ولم تكن نبية، وأم موسى محدثة ولم تكن نبية، وسارة امرأة ابراهيم قد (9) عاينت الملائكة ولم تكن نبية، فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قال سليم: فلما قتل محمد بن أبي بكر بمصر وعزينا (10) أمير المؤمنين، جئت إلى أمير المؤمنين عليه السلام (11) وخلوت به فحدثته بما أخبرني به محمد بن أبي بكر وبما حدثني به ابن غنم.


(1) في (س): أباه، وفي المصدر: وحدثه أباه. (2) في الارشاد: مثل ما حدثه. (3) في المصدر: في النوم ولا في اليقظة. (4) لا توجد في المصدر: قال سليم، وهي نسخة في المطبوع من البحار. (5) في الارشاد: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. (6) في المصدر: الواو، بدلا من: أو. (7) الحج: 52. (8) في المصدر: قلت فأمير المؤمنين عليه السلام.. (9) في إرشاد الديلمي: وسارة امرأة ابراهيم محدثة قد.. (10) لعلها تقرأ في مطبوع البحار: غوينا، أو غزينا، إلا أنها في المصدر: ونعي فعزيت.. (11) لا توجد: جئت إلى أمير المؤمنين عليه السلام.. في المصدر.

[133]

قال: صدق محمد رحمه الله، أما انه شهيد حي مرزوق، يا سليم ! إني وأوصيائي أحد عشر رجلا من ولدي أئمة هدى مهديون محدثون. قلت: يا أمير المؤمنين ! ومن هم ؟ (1). قال: ابني الحسن والحسين، ثم ابني هذا - وأخذ بيد علي بن الحسين عليهم السلام وهو رضيع - ثم (2) ثمانية من ولده واحدا بعد واحد، وهم الذين أقسم الله (3) بهم فقال: * (ووالد وما ولد) * (4)، فالوالد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا، وما ولد يعني هؤلاء الاحد عشر وصيا صلوات الله عليهم (5). قلت: يا أمير المؤمنين ! يجتمع إمامان ؟. قال: لا، إلا و (6) أحدهما صامت لا ينطق حتى يهلك الاول. 8 - أقول: وجدت الخبر في كتاب سليم (7) عن أبان عن سليم عن عبد الرحمن بن غنم.. وذكر الحديث مثله سواء. بيان: هذا الخبر أحد الامور التي صارت سببا للقدح في كتاب سليم، لان محمدا ولد في حجة الوداع - كما ورد في أخبار الخاصة والعامة - فكان له عند موت أبيه سنتان وأشهر، فكيف كان يمكنه التكلم بتلك الكلمات، وتذكر تلك الحكايات ؟. ولعله مما صحف فيه النساخ أو الرواة، أو يقال إن ذلك كان من معجزات


(1) في المصدر: قلت: من هم يا أمير المؤمنين. (2) هنا زيادة: قال.. في المصدر. (3) في المصدر: الله تبارك وتعالى. (4) البلد: 3. (5) في المصدر: أوصياء عليهم السلام واللعنة على أعدائهم أبد الآبدين. (6) لا يوجد: إلا و، في المصدر. (7) كتاب سليم بن قيس: 222 - 227، وانظر: معالم الزلفي: 429.

[134]

أمير المؤمنين عليه السلام ظهر فيه. وقال بعض الافاضل: رأيت فيما وصل إلي من نسخة هذا الكتاب أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند موته. والحق ان بمثل هذا لا يمكن القدح في كتاب معروف بين المحدثين اعتمد عليه الكليني والصدوق وغير هما من القدماء، وأكثر أخباره مطابقة لما روي بالاسانيد الصحيحة في الاصول المعتبرة، وقل كتاب من الاصول المتداولة يخلو عن مثل ذلك. قال النعماني في كتاب الغيبة (1) - بعدما أورد من كتاب سليم أخبارا كثيرة ما هذا لفظه -:... كتابه أصل من الاصول (2) التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام وأقدمها، لان جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب (3) إنما هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام وسمع منها، وهو من الاصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها. انتهى (4). 9 - وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (5): المبرد في الكامل (6)، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه، فسلمت وسألته (7) فاستوى جالسا، فقلت: لقد أصبحت بحمد الله بارئا. فقال:


(1) غيبة الشيخ النعماني: 101 - 102، باختلاف يسير تحت عنوان: ما روي في أن الائمة اثنا عشر إماما. (2) في المصدر: من أكبر كتب الاصول. (3) في الغيبة: هذا الاصل. (4) انظر مقدمة كتاب سليم بن قيس إذ نقل أقوال العلماء والقدماء حول الكتاب وجامعه. (5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 45 - 47. (6) الكامل للمبرد - شرح المرصقي - 1 / 54 - 55، وجاء في تاريخ الطبري 3 / 234 وما بعدها. (7) في المصدر: وسألته كيف به.

[135]

أما إني على ما ترى لوجع، وجعلتم لي - معشر المهاجرين - شغلا مع وجعي، جعلت لكم عهدا من بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الامر له، ورأيتم الدنيا قد أقبلت، والله لتتخذن ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الازدري (1)، كأن أحدكم على حسك السعدان، والله لئن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد لخير له من أن يسبح في غمرة الدنيا، وإنكم غدا لاول صال بالنار (2)، تجودون (3) عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق جرت، إنما هو البحر (4) أو الفجر. فقال له عبد الرحمن: لا تكثر على ما بك فيهيضك، والله ما أردت إلا الخير (5)، وأنا (6) صاحبك لذو خير، وما الناس إلا رجلان، رجل رأى ما رأيت فلا خلاف عليك منه (7)، ورجل رأى غير ذلك، وإنما يشير عليك برأيه، فسكن وسكت هنيئة، فقال عبد الرحمن: ما أرى بك بأسا، والحمد لله، فلا تأس (8) على الدنيا، فو الله إن علمناك إلا صالحا مصلحا. فقال: أما إني لا آسى إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهم، وثلاث وددت (9) أني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنهن.


(1) في (ك): الازري، وفي المصدر: الاذربي، وسيتعرض المصنف رحمه الله مفصلا في بيانه الآتي، فراجع. (2) في (ك) نسخة بدل: بالناس. وفي المصدر: لاول ضال بالناس. (3) في المصدر: تجورون، وهو الصحيح، وسيتعرض لها في بيانه. (4) في المصدر: البجر، والعبارة تختلف في الكامل وتعرض لها المصنف رحمه الله في بيانه الآتي. (5) في المصدر: خيرا. والى هنا رواية المبرد في الكامل. (6) في شرح النهج: وإن هي نسخة جاءت في (ك).. (7) في (ك): فيه. (8) في المصدر: فلا بأس. (9) جاءت نسخة في (ك): ودت.

[136]

فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أني لم أكن فعلتها، فوددت أني لم أكن كشفت عن بيت فاطمة (ع) وتركته ولو أغلق على حرب، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين، عمر أو أبي عبيدة، فكان أميرا وكنت وزيرا، ووددت أني إذ أتيت بالفجاءة (1) لم أكن أحرقته (2). وأما الثلاث التي لم أفعلها (3) ووددت أني فعلتها، فوددت أني يوم أتيت بالاشعث أسيرا (4) كنت ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه، ووددت أني حيث وجهت خالدا إلى أهل الردة أقمت بذي القصة (5)، فإن ظفر المسلمون (6) وإلا كنت ردءا لهم (7)، ووددت حيث وجهت خالدا إلى الشام كنت وجهت عمر إلى العراق، فأكون قد بسطت كلتا يدي - اليمين والشمال - في سبيل الله. وأما الثلاث اللواتي وددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه [وآله] عنهن، فوددت أني سألته فيمن هذا الامر، فكنا لا ننازعه أهله ؟ ووددت أني سألته هل للانصار في هذا الامر نصيب ؟ ووددت أني سألته عن ميراث العمة وابنة


(1) الفجاءة: هو اياس بن عبد الله بن عبد ياليل السلمي، وكان قد استعرض الناس يقتلهم ويأخذ أموالهم، فأمر أبو بكر بأحراقة، انظر: تاريخ الطبري 3 / 234، تاريخ ابن كثير 6 / 319، الكامل لابن الاثير 2 / 146، الاصابة 2 / 322، وغير ها. (2) في المصدر زيادة: وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته. (3) في المصدر: التي تركتها، بدلا من: لم أفعلها. (4) لا توجد: أسيرا، في شرح النهج. (5) ذو القصة، موضع بينه وبين المدينة اربعة وعشرون ميلا، وهو طريق الربذة، وقد ورد أن أبا بكر خرج إليه - وهو على بريد من المدينة تلقاء نجد - قطع الجنود فيه وعقد فيه ألوية، انظر: معجم البلدان 4 / 366، ومراصد الاطلاع 3 / 1102، ولا حظ القاموس 2 / 313. (6) فإن ظفر المسلمون، خط عليها في (س). (7) وضع على: لهم، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل.

[137]

الاخ (1) فإن في نفسي منهما حاجة. توضيح: قوله: ورم انفه (2).. اي امتلا وانتفخ من ذلك غضبا، وخص الانف بالذكر لانه موضع الانفة والكبر، كما يقال: شمخ بأنفه، ومنه قول الشاعر: ولا يهاج إذا ما أنفه ورما (3).............. وفي النهاية، في حديث ابي بكر: لتتخذن نضائد الديباج.. أي الوسائد، واحدتهما (4) نضيدة (5) والآزري: نسبة إلى آزر، وهي - كهاجر -: ناحية بين الاهواز ورامهرمز (6). وفي النهاية: الازربي (7)، قال: في حديث أبي بكر: لتأملن (8) النوم على الصوف الازربي كما يألم أحدكم أن نوم على حسك السعدان.. الازربي منسوب إلى اذربيجان - على غير قياس - هكذا تقوله العرب، والقياس ان تقول ازري - بغير باء (9) - كما يقال في النسب إلى رامهرمز: وامي (10) وهو مطرد في النسب إلى الاسماء


(1) في المصدر: الاخت، وهي نسخة في (ك). (2) قال في النهاية 5 / 177: ومنه حديث أبي بكر: وليت أموركم خيركم فكلكم ورم أنفه على أن يكون الامر له من دونه. (3) نص عليه في النهاية 5 / 177، ولسان العرب 12 / 634. (4) في المصدر: واحدتها، وهو الصحيح. (5) النهاية 5 / 71، ومثله في لسان العرب 3 / 424، وغيره. (6) صرح به في القاموس 1 / 363. (7) كذا، والظاهر أن تكون العبارة هكذا: والاذربي في النهاية قال.. أي جائت الاذربي في النهاية. وجاء في النهاية: اذرب (س [ه‍]) في حديث.. وكل ما ذكره المصنف - طاب ثراه - جاء في المصدر بالذال المجمعة. (8) في المصدر: لتألمن، وكذا في اللسان. (9) في (س): بغير ياء، وهو سهو. (10) كذا، والظاهر: رامي، كما جاءت في المصدر.

[138]

المركبة (1)، والسعدان: نبت ذو شوك يشبه حلمة الثدي (2)، والحسك جمع الحسكة - بتحريكهما -: وهي شوكة صلبة (3). والجور: الميل عن الطريق (4). وقال ابن الاثير - في حديث أبي بكر -: (انما هو الفجر أو البجر) البجر - بالفتح والضم -: الداهية والامر العظيم.. اي ان انتظرت حتى يضئ الفجر ابصرت الطريق، وان خبطت (5) الظلماء افضت بك إلى المكروه، ويروى البحر - بالحاء - يريد غمرات الدنيا، شبهها بالبحر لتبحر اهلها فيها (6). والهيض - بالفتح -: الكسر بعد الجبر وهو اشد ما يكون من الكسر، يقال هاضه الامر يهيضه (7). ولا تأس.. اي لا تحزن (8). تذييل: اعلم أن ما اشتمل عليه هذا الخبر أحد المطاعن المشهورة لابي بكر ذكره الاصحاب، قالوا: إن قوله: ليتني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله هل للانصار في هذا الامر حق ؟ يدل على شكه في صحة بيعته، وقوله ليتني تركت بيت فاطمة عليها السلام لم أكشفه، وليتني في ظلة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين.. يدل على ما روي من إقدامه على بيت فاطمة عليها


(1) النهاية 1 / 33، ومثله في لسان العرب 1 / 207. (2) ذكره في الصحاح 2 / 488، والقاموس 1 / 302، ولسان العرب 3 / 215. (3) قاله في النهاية 1 / 386، وانظر: مجمع البحرين 5 / 262، والقاموس 3 / 298. (4) كما في النهاية 1 / 313، وانظر: مجمع البحرين 3 / 251، والقاموس 2 / 394. (5) تقرأ الكلمة في (س): خطت، وفي المصدر ولسان العرب: خبطت، كالمتن. (6) النهاية 1 / 97، ومثله في لسان العرب 4 / 41. (7) نص عليه في نهاية ابن الاثير 5 / 288، ومثله في لسان العرب 7 / 249، وانظر: مجمع البحرين 4 / 233، والقاموس 2 / 348. (8) ذكره في مجمع البحرين 1 / 27، والصحاح 6 / 2269، والقاموس 4 / 299.

[139]

السلام عند اجتماع علي عليه السلام والزبير وغيرهما فيه، وعلى أنه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه. وقوله: وددت أني سألت فيمن هذا الامر فكنا لا ننازعه أهله.. كالصريح في أنه لم يكن أهلا للامامة. وقوله: وددت أني سألت عن ميراث العمة والخالة.. اعتراف بجهله بأحكام الدين. وأجاب عنه قاضي القضاة في المغني (1) بأن قوله: ليتني.. لا يدل على الشك فيما تمناه (2)، وقول ابراهيم عليه السلام: * (رب أرني كيف تحيي الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) * (3) أقوى في الشبهة من ذلك (4)، ثم حمل تمنيه على أنه أراد سماع شئ مفصل، أو (5) أراد ليتني سألته عند الموت لقرب العهد، لان ما قرب عهده لا ينسى، ويكون أردع للانصار عما حاولوه (6). ثم قال: على أنه ليس في ظاهره أنه تمنى أن يسأل (7) هل له حق للامامة أم لا ؟ لان الامامة قد يتعلق بها حقوق سواها، ثم دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمة عليها السلام، وقال: فأما (8) تمنيه أن يبايع غيره، فلو ثبت لم يكن ذما، لان من اشتد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه (9).


(1) المغني 20 / 341، باختلاف وتصرف. (2) هنا بياض في المصدر بعد كلمة: فيما. ولا توجد: تمناه. (3) البقرة: 260، وقد ذكر في المصدر القسم الاول منها إلى قوله تعالى: الموتى. (4) في المغني: أقوم من ذلك في الشبهة. (5) في (س): واو، بدلا من: أو. (6) من قوله: ثم حمل.. إلى هنا نقل بالمعنى عن المصدر. (7) في المغني: ان يشك. (8) في (س): فقال فأما.. وفي المصدر: وقال وأما.. (9) إلى هنا كلام قاضي القضاة في المغني.

[140]

وذكر شارح المقاصد (1) الطعن بأنه شك عند موته في استحقاقه للامامة، حيث قال: وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه [وآله] عن هذا الامر فيمن هو وكنا لا ننازع أهله ؟ ثم أجاب: بأن هذا على تقدير صحته لا يدل عليه الشك، بل على عدم النص، وبأن (2) إمامته كانت بالبيعة والاختيار، وأنه في طلب الحق بحيث يحاول أن لا يكتفي بذلك، بل يريد اتباع النص خاصة. وبنحو ذلك أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول (3) عن الطعن بقوله: ليتني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله هل للانصار فيه حق ؟.. إلا أنه لم يمنع صحة الرواية. وأورد السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي (4) على كلام صاحب المغني بأنه ليس يجوز أن يقول أبو بكر: ليتني سألت عن.. كذا إلا مع الشك والشبهة، لان مع العلم واليقين لا يجوز مثل هذا القول، هكذا يقتضي الظاهر، فأما قول ابراهيم عليه السلام فإنما ساغ أن يعدل عن (5) ظاهره، لان الشك لا يجوز على الانبياء عليهم السلام ويجوز على غيرهم، على أنه عليه السلام قد نفى عن نفسه الشك بقوله: * (بلى ولكن ليطمئن قلبي) * (6)، وقد قيل: إن نمرود قال له: إذا كنت تزعم أن لك ربا يحيي الموتى فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا، فإن لم يفعل ذلك قتلتك (7)، فأراد بقوله: * (ولكن ليطمئن قلبي) * (8).. أي لآمن


(1) شرح المقاصد 5 / 280. (2) في المصدر: وإن. (3) نهاية العقول: لا زلنا لا نعرف له نسخة خطية تامة فضلا عن كونه مطبوعا. (4) الشافي 4 / 138 - 140 [الحجرية: 244 - 245]. وفيه: يقال له: ليس يجوز.. إلى آخره. (5) وضع على: عن، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل، وهو مثبت في المصدر. (6) البقرة: 260. (7) في المصدر: فقتلتك. (8) البقرة: 260.

[141]

من (1) توعد عدوك، وقد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه وقد سألوه أن يرغب إلى الله فيه، فقال ليطمئن قلبي إلى إجابتك لي والى إزاحة علة قومي، ولم يرد ليطمئن قلبي إلى أنك تقدر أن تحيي الموتى، لان قلبه قد كان (2) بذلك مطمئنا، وأي شئ يريد أبو بكر من التفصيل (3) أكثر من قوله: إن هذا الامر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش، وأي فرق بين ما يقال عند الموت وبين ما يقال قبله إذا كان محفوظا معلوما لم يرفع حكمه ولم ينسخ. وبعد، فظاهر الكلام لا يقتضي هذا التخصيص ونحن مع الاطلاق والظاهر، وأي حق يجوز أن يكون للانصار في الامامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق الذي تمنى أن يسأل عنه غير الامامة ؟ وهل هذا إلا تعسف وتكلف ؟ ! وأي شبهة تبقى بعد قول أبي بكر: ليتني كنت سألته هل للانصار في هذا الامر حق فكنا لا ننازعه أهله ؟ ومعلوم أن التنازع بينهم لم يقع إلا (4) في الامامة نفسها لا في حق آخر من حقوقها. فأما قوله: إنا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة عليها السلام ما يوجب أن يتمنى أنه (5) لم يفعله، فقد بينا فساد ظنه فيما تقدم (6). فأما قوله: إن من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافة.. فليس بصحيح، لان ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين والنظر للمسلمين في تلك الحال، وما عداها كان مفسدة ومؤديا إلى الفتنة، فالتمني بخلافها لا يكون إلا قبيحا.


(1) لا توجد: من، في المصدر. (2) لا يوجد في الشافي: قد كان. وفيه: مطمئن. (3) في المصدر: التفضيل. (4) في المصدر: التنازع لم يقع بينهم إلا.. (5) في الشافي: ان - بدون ضمير -. (6) في المصدر: فساد ما ظنه في هذا الباب، ومضى الكلام فيه مستقصى.

[142]

10 - كتاب الاستدراك (1): قال: ذكر عيسى بن مهران في كتاب الوفاة، بإسناده عن الحسن بن الحسين العرني، قال: حدثنا مصبح العجلي، عن أبي عوانة، عن الاعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: لما ثقل أبي أرسلني إلى علي عليه السلام فدعوته، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن ! إني كنت ممن شغب عليك، وأنا كنت أولهم، وأنا صاحبك، فأحب أن تجعلني في حل. فقال: نعم، على أن تدخل عليك رجلين فتشهدهما على ذلك. قال: فحول وجهه إلى (2) الحائط، فمكث طويلا ثم قال: يا أبا الحسن ! ما تقول ؟. قال: هو ما أقول لك. قال: فحول وجهه.. فمكث طويلا ثم قام فخرج. قال: قلت: يا أبة ! قد أنصفك، ما عليك لو أشهدت له رجلين !. قال: يا بني إنما أراد أن لا يستغفر لي رجلان من بعدي. بيان: يقال شغب عليه - كمنع وفرح -: هيج الشر عليه (3). 11 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة (4): عن سليم، عن محمد بن أبي بكر، قال: لما حضر أبا بكر أمره جعل يدعو بالويل والثبور، وكان عمر عنده، فقال لنا: اكتموا هذا الامر على أبيكم، فإنه يهذي، وأنتم قوم معروفون لكم عند


(1) لم يطبع، وعبر عنه ب‍: المستدرك، وقال في أول البحار 1 / 29: وأما المستدرك فعندنا منه نسخة قديمة نظن أنها بخط المؤلف، واسمه الكامل: المستدرك المختار في مناقب وصي المختار، للشيخ أبي الحسين يحيى بن الحسن بن علي بن محمد بن بطريق الحلي الاسدي المتوفى سنة 606 ه‍ أو سنة 600، جمع فيه الفضائل والمناقب التي لم يذكرها في العمدة، أخرج فيه قريبا من ستمائة حديث من كتب العامة، وعبر عنه في رياض العلماء ب‍: المستطرف، توجد منه نسخة خطية في مكتبة راجه فيض آباد - في الهند -. وانظر: الذريعة 21 / 5. (2) في (س): على، بدلا من: إلى. (3) كما جاء في القاموس 1 / 89، وصحاح اللغة 1 / 157، وغيرهما. (4) ويقال لها: الكافئة، أو المسألة الكافئة (الكافية) للشيخ السعيد أبي عبد الله المفيد: 46 برقم: = = 56، تحت عنوان استدراك.

[143]

الوجع الهذيان. فقالت عائشة: صدقت، فخرج عمر فقبض أبو بكر. 12 - وعن (1) هشام بن عروة، عن عبد الله بن عمر، قال: قيل لعمر: ألا تستخلف ؟. فقال: إن أستخلف فقد استخلف من (2) هو خير مني، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني أبو بكر (3)، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وآله، فاثنوا عليه، فقال - راغبا راهبا -: وددت (4) أني كفافا لا علي ولا لي. 13 - وعن (5) شعبة، عن عاصم بن عبد الله بن عباس بن ربيعة (6)، قال: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة (7) من الارض، فقال: ليتني كنت نسيا منسيا، ليت أمي لم تلدني. 14 - وعن (8) سفيان، عن عاصم، قال: حدثني أبان بن عثمان، قال: آخر كلمة قالها عمر حتى قضى: ويل أمي إن لم يغفر لي ربي ! ويل أمي إن لم يغفر لي ربي !. 15 - وعن (9) عمرو (10) بن دينار، عن يحيى بن جعدة، قال: قال عمر -


(1) نفس المصدر والصفحة، برقم: 57. (2) لا توجد: من في (س). (3) من قوله: وإن أترك.. إلى هنا لا يوجد في المصدر، وهو الظاهر لتكرره. (4) قد تقرأ في (س): وردت.. فلا حظ. (5) المسألة الكافية في أبطال توبة الخاطئة: 46، برقم: 58. (6) جاء السند في (ك) هكذا: عن شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن ربيعة، وجاء في حاشيتها: ابن عباس، ولم يعلم على محلها. والصحيح - كما في تهذيب التهذيب 5 / 42 و 237 -: عن عاصم ابن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة. (7) في (ك): نبتة. (8) نفس المصدر السالف والصفحة، برقم: 59. (9) نفس المصدر، الصفحة: 47، برقم: 60. (10) في (س): عمر، بدلا من: عمرو. وهو غلط.

[144]

حين حضره الموت -: لو أن لي الدنيا وما فيها لا فتديت بها من النار. 16 - وعن (1) شعبة، عن سماك اليماني، عن ابن عباس، قال: أتيت على عمر فقال: وددت (2) أني أنجو منها كفافا لا أجر ولا وزر. 17 - وعن (3) حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن ميمون، قال: جاء شاب إلى عمر فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من القدم في الاسلام وصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. فقال: يا بن أخي ! وددت (4) أن ذلك كفافا لا علي ولا لي. 18 - وعن (5) ابن أبي إياس، عن سليمان بن حنان (6)، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر - حين طعن -، فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين ! أسلمت حين كفر الناس، وقبض صلى الله عليه وآله وهو عنك راض، ولم يختلف في خلافتك، وقتلت شهيدا. فقال عمر: أعد علي قولك.. فأعدته عليه. فقال: إن المغرور من غررتموه، والذي لا إله غيره لو كان لي ما على الارض من صفراء وبيضاء لا فتديت به من هول المطلع (7).


(1) كما في الكافئة: 47، برقم: 61. (2) جاء في (س): وردت، ولا معنى لها. (3) المسألة الكافية في إبطال توبة الخاطئة: 47، برقم: 62. (4) جاء في (س): وردت، ولا معنى لها. (5) كما في استدراكات الكافئة في إبطال توبة الخاطئة: 47، برقم: 63. (6) جاء في (ك) نسخة بدل: حنين. (7) قال في مجمع البحرين 4 / 368:.. وفي الدعاء: أعوذ بك من هول المطلع - بتشديد الطاء المهملة والبناء للمفعول -: أمر الآخرة وموقف القيامة الذي يحصل الاطلاع عليه بعد الموت.

[145]

[20] باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم وفضل التبري منهم ولعنهم 1 - ير (1): احمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: قلت له: أسألك (2) عن فلان وفلان ؟. قال: فعليهما لعنة الله بلعناته كلها، ماتا - والله - كافرين مشركين (3) بالله العظيم. 2 - فس (4): أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام: إن صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت، فقال لها عمر (5): غطي


(1) بصائر الدرجات: 289 - 290 حديث 2 باب 3، تحت عنوان: إن الائمة عليهم السلام يحيون الموتى ويبرؤن الاكمه والابرص بإذن الله. بتفصيل في السند. (2) زيادة جاءت في المصدر، وهي: قلت له: أسألك - جعلت فداك - عن ثلاث خصال انف عني فيه التقية، قال: فقال: ذلك لك. قلت: أسألك.. (3) في البصائر: والله هما كافران مشركان. (4) تفسير علي بن ابراهيم القمي 1 / 188 باختلاف يسير أشرنا له. (5) في المصدر: فقال لها الثاني..، بدلا من: عمر. (*)

[146]

قرطك، فإن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله لا تنفعك شيئا، فقالت له: هل رأيت لي قرطا يا ابن اللخناء ؟ !. ثم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته بذلك فبكت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس. فقال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع ؟ ! لو قد (1) قمت المقام المحمود لشفعت في علوجكم (2)، لا يسألني اليوم أحد من أبواه.. إلا أخبرته، فقام إليه رجل فقال: من أبي يا رسول الله (3) ؟. فقال: أبوك غير الذي تدعى له، أبوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله ؟. قال (4): أبوك الذي تدعى له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بال الذي يزعم أن قرابتي لا تنفع، لا يسألني عن أبيه ؟ !. فقام إليه عمر فقال: (5): أعوذ بالله يا رسول الله (6) من غضب الله وغضب رسوله، اعف عني عفا الله عنك، فأنزل الله (7): * (يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم..) * - إلى قوله - * (ثم أصبحوا بها كافرين) * (8).


(1) لا توجد: قد، في (س)، وفي المصدر: قربت، بدلا من: قمت. (2) في (ك) نسخة بدل مشوشة، لعلها حاء وكم. أقول: ويأتي في بيان المصنف - رحمه الله نفي البعد عن كونها: حاء وحكم. وفي التفسير: في أحوجكم. (3) لا يوجد في المصدر: يا رسول الله. (4) في التفسير: فقال،. (5) في المصدر: فقام إليه الثاني وقال له.. (6) يا رسول الله، لم تجئ في المصدر. (7) في المصدر زيادة: تعالى. (8) المائدة: 101 - 102.

[147]

بيان: قوله: غطي قرطك.. في بعض النسخ، قطي - بالقاف -.. أي اقطعي (1) وبالغين أظهر، والقرط - بالضم - الذي يعلق في شحمة الاذن (2). وفي النهاية: فيه (3): يا ابن اللخناء ! هي التي لم تختم، وقيل: اللخن: النتن من لخن السقاء يلخن (4). ولعل المراد بالعلوج عبيدهم الذين أسلموا من كفار العجم، وفيه بعض التصحيفات لا يعرف لها معنى، ولا يبعد أن يكون في حاء وحكم. قال في النهاية (5): فيه شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي حتى حكم وحاء.. هما قبيلتان جافيتان من وراء رمل (6) يبرين. وقال في موضع آخر (7): هما حيان من اليمن من وراء الرمل (8) يبرين.. قال ابو موسى: يجوز أن يكون حا من الحوة، وقد حذفت لامه، ويجوز أن يكون من حوى يحوي، ويجوز ان يكون مقصورا غير ممدود. وقال الجوهري (9): يبرين اسم موضع.. يقال: رمل يبرين (10).


(1) كما جاء في مجمع البحرين 4 / 270، والصحاح 3 / 1153، وتاج العروس 5 / 207. (2) صرح به في الصحاح 3 / 1151، وتاج العروس 5 / 202، ولسان العرب 7 / 374، وغيرها. (3) أي في حديث ابن عمر. (4) النهاية 4 / 244. وقال في تاج العروس 9 / 332 بعد كلام: وقولهم يابن اللخناء ! قيل معناه: يا دني الاصل ويا لئيم الام، أشار إليه الراغب. (5) النهاية 1 / 421. (6) في (س): رحل. (7) نهاية ابن الاثير 1 / 466. (8) في (س): رحل. (9) الصحاح 5 / 2078 باختلاف في اللفظ، ولا يوجد في (س) من: قال الجوهري.. إلى: يبرين. (10) إلى هنا كلام ابن الاثير في النهاية.

[148]

3 - فس (1): * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) * (2). قال علي بن ابراهيم: إنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ومرض عبد الله بن أبي - وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمنا - فجاء إلى النبي (3) صلى الله عليه وآله - وأبوه يجود بنفسه - فقال: يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي إنك إن لم تأت أبي (4) كان ذلك عارا علينا، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله - والمنافقون عنده - فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله ! استغفر له (5)، فاستغفر له، فقال عمر (6): ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي عليهم أو تستغفر لهم ؟ ! فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعاد (7) عليه. فقال له: ويلك ! إني خيرت (8) فاخترت، ان الله يقول: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) * (9) فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! إن رأيت أن تحضر (10) جنازته، فحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وقام على قبره، فقال له عمر (11): يا رسول الله ! ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبدا ؟ !


(1) تفسير القمي علي بن ابراهيم 1 / 302. (2) التوبة: 80. (3) في المصدر: إلى رسول الله.. (4) نسخة في (س): لم تأت أبي عائدا.. (5) استغفر الله له، نسخة في (س). (6) في التفسير: الثاني، بدلا من: عمر، ولعله بدلت الكلمة خوفا. (7) في المصدر: فأعاد.. وهو الظاهر. (8) في (ك): خرت، وفي حاشيتها نسخة بدل: خبرت فأخبرت، ووضع تحتها: نهج (9) التوبة: 80. (10) جاءت نسخة في حاشية (ك): أي في أن تحضر.. (11) في المصدر: الثاني، بدلا من: عمر.

[149]

وأن تقوم على قبره ؟. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ويلك ! وهل تدري ما قلت ؟ إنما قلت: اللهم أحش قبره نارا، وجوفه نارا، وأصله النار، فبدا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن يحب. 4 - فس (1): قال علي بن ابراهيم في قوله: * (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) * (2) قال: - يعني (3) يحملون آثامهم - يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام وآثام كل من اقتدى بهم، وهو قول الصادق صلوات الله عليه: والله ما أهريقت محجمة من دم، ولا قرعت عصا بعصا، ولا غصب فرج حرام، ولا أخذ مال من غير حله، إلا وزر ذلك في أعناقهما (4) من غير أن ينقص من أوزار العالمين شئ (5). 5 - فس (6): * (ويوم يعض الظالم على يديه..) * قال: الاول * (يقول (7) يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) * (8). قال أبو جعفر عليه السلام يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول عليا (9): * (يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا) * (10) يعني الثاني: * (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) * يعني الولاية


(1) تفسير علي بن ابراهيم القمي 1 / 383. (2) النحل: 25. (3) خط على كلمة: قال في (ك) ولا توجد كلمة: يعني، في المصدر. (4) نسخة في (ك): أعناقهم. (5) في المصدر: العاملين بشئ، وهو الظاهر. (6) تفسير القمي 2 / 113. (7) وضع رمز نسخة بدل على: يقول، في (ك). (8) الفرقان: 27. (9) في المصدر: عليا وليا. (10) الفرقان: 28.

[150]

* (وكان الشيطان) * وهو الثاني (1) * (للانسان خذولا) * (2). 6 - فس (3): الحسين بن محمد، عن المعلى، عن بسطان بن مرة، عن إسحاق بن حسان، عن الهيثم بن واقد (4)، عن علي بن الحسين العبدي، عن سعد الاسكاف، عن الاصبغ به نباتة، أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله: * (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) * (5)، فقال: الوالدان اللذان أوجب الله لهما الشكر هما اللذان ولدا العلم، وورثا الحكم، وأمرا الناس بطاعتهما. ثم قال: (إلي المصير)، فمصير العباد إلى الله، والدليل على ذلك الوالدان، ثم عطف القول (6) على ابن حنتمة (7) وصاحبه، فقال في الخاص: * (وإن جاهداك على أن تشرك بي..) * (8) يقول في الوصية وتعدل عمن أمرت بطاعته فلا تطعهما ولا تسمع قولهما، ثم عطف القول على الوالدين وقال (9): * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) * (10) يقول: عرف الناس فضلهما وادع إلى سبيلهما، وذلك قوله: * (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم) * (11) فقال: إلى الله ثم إلينا، فاتقوا الله ولا تعصوا الوالدين، فإن رضاهما رضا الله، وسخطهما سخط الله.


(1) في (ك) زيادة كان، بعد لفظ الثاني. (2) الفرقان: 29. (3) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 148 - 149، في تفسير سورة العنكبوت. (4) في المصدر: راقد. (5) لقمان: 14. (6) في تفسير القمي زيادة لفظ: الله، قبل كلمة: القول. (7) في المصدر: ابن فلانة، ولعله من فعل مخرج الكتاب. (8) لقمان: 15. (9) في المصدر: فقال، وهي نسخة في (ك). (10) لقمان: 15. (11) لقمان: (15).

[151]

بيان: قوله عليه السلام: والدليل على ذلك الوالدان.. إذ الظاهر ذكوريتهما، لكون التغليب مجازا، والحقيقة أولى مع الامكان. ويحتمل أن يكون الغرض عدم بعد التأويل، فإن التجوز في الوالدية يعارضه عدم التجوز في الذكورية، ويحتمل أن يكون (ذلك) راجعا إلى كون مصير العباد إلى الله أو كيفيته، لكنه بعيد (1). وابن حنتمة: عمر، لان امة حنتمة بنت ذي الرمحين، كما ذكر في القاموس (2). قوله عليه السلام: فقال في الخاص.. أي الخطاب مخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله، وأما خطاب (صاحبهما) فإن كان إليه صلى الله عليه وآله ففي المصاحبة توسع، وإن كان إلى غيره كخطاب (اشكر) فلا توسع. وفي الكافي: فقال في الخاص والعام (3).. أي مخاطبا للرسول وسائر الناس، أو بحسب ظهر الآية الخطاب عام وبحسب بطنها خاص، أو المعنى أن بحسب بطنهما أيضا الخطاب إلى الرسول (4) صلى الله عليه وآله بمعنى عدم الاشتراك في الوصية، والى الناس بمعنى عدم العدول عمن أمروا بطاعته، فيكون ما ذكره بعد على اللف والنشر المرتب. وأما تطبيق المعنى على سابق الآية وهو قوله تعالى: * (ووصينا الانسان


(1) ما احتمله رحمه الله اخيرا هو الظاهر من الكلام.. أي أن الدليل على مصير العباد إلى الله الوالدان فإنهما يدلان الناس إلى ذلك. (2) القاموس 4 / 103، ومثله في لسان العرب 13 / 162، وتاج العروس 8 / 265، وقال في مجمع البحرين 6 / 53: وهي - أي حنتمة - من المشهورات المستعلنات بالزنا، هي وسارة والرباب ممن كن يغنين بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جاء في الحديث: ابن حنتم وصاحبه.. يعني بهما أبا بكر وعمر. أقول: الظاهر ابن حنتمة - بالتاء المطوقة في آخره -. (3) الكافي 1 / 428 باب 108 حديث 79 كتاب الحجة. (4) في (س): الخطاب للرسول.

[152]

بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين) * (1) فيحتمل وجوها: الاول: أن يكون (حملته أمه) معترضة لبيان أشدية حق الوالدين في العلم على حق الوالدين في النسب. الثاني: أن يكون المراد بالوالدين أو للمعنى الحقيقي (2) وبهما ثانيا المعنى المجازي بتقدير عطف أو فعل ثانيا. الثالث: أن يكون ظهر الآية للوالدين حقيقة وبطنها للوالدين مجازا بتوسط أن العلة للحياة الحقيقية أولى بالرعاية من العلة للحياة الظاهرية، والله يعلم. 7 - فس (3): قال علي بن ابراهيم في قوله: * (يوم تقلب وجوههم في النار) * (4) فإنها كناية عن الذين غصبوا آل محمد حقهم: * (يقولون يا ليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا) * (5) يعني في أمير المؤمنين عليه السلام: * (وقالوا ربنا إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا) * (6) وهما رجلان، والسادة والكبراء هما أول من بدأ بظلمهم وغصبهم. قوله: * (فأضلونا السبيلا..) * أي طريق الجنة، والسبيل: أمير المؤمنين عليه السلام. ثم يقولون: * (ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) * (7). أقول: قد مر (8) في باب أن الامامة (9) المعروضة هي الولاية بأسانيد جمة أن الانسان


(1) لقمان: 14. (2) كذا، والصحيح أن يقال: أولا المعنى الحقيقي، كما لعله يظهر من (ك). (3) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 197. (4) الاحزاب: 66. (5) الاحزاب: 66. (6) الاحزاب: 67. (7) الاحزاب: 68. (8) بحار الانوار 23 / 273 - 283، الباب السادس عشر، وفيه ثلاثون حديثا. (9) كذا في المطبوع، والصحيح أن الامانة هي المعروضة على الجبال، وإن فسرت بالامامة في بعض = = الروايات.

[153]

في قوله تعالى: * (وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا) * (1) هو أبو بكر 8 - فس (2): احمد بن إدريس، عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن حسان، عن هاشم بن عمار يرفعه في قوله: * (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) * (3) قال: نزلت في زريق (4) وحبتر. بيان: زريق (5) وحبتر: كنايتان عن الملعونين، عبر عنهما بهما تقية، والعرب تتشاءم بزرقة العين، والحبتر: الثعلب (6)، والثاني بالاول أنسب. 9 - فس (7): * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) * (8) يعني فلانا وفلانا، * (قالوا بل لم تكونوا مؤمنين) * (9). 10 - فس (10): * (وإن للطاغين لشر مآب) * (11) وهم الاولان (12) وبنو أمية.. ثم ذكر من كان من بعدهم ممن غصب آل محمد صلى الله عليه وآله حقهم، فقال:


(1) الاحزاب: 72. (2) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 207. (3) فاطر: 8. (4 و 5) في (س): رزيق - بتقديم الراء المهملة على الزاء المعجمة - وهو غلط. (6) نص عليه في القاموس 2 / 3، وتاج العروس 3 / 121، وقال في لسان العرب 4 / 162: الحبتر: من أسماء الثعالب. (7) تفسير القمي 2 / 222. (8) الصافات: 27 - 28. (9) الصافات: 29. (10) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 242 - 243. (11) سورة ص: 55. (12) في المصدر: وهم زريق وحبتر و...

[154]

* (وأخر من شكله أزواج) * (1) * (هذا فوج مقتحم معكم) * (2) وهم بنو السباع فيقولون (3) بنو أمية: * (لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار) * (4) فيقولون بنو فلان: * (بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا) * (5) وبدأتم بظلم آل محمد * (فبئس القرار) * (6) ثم يقول بنو أمية: * (ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار) * (7) يعنون الاولين، ثم يقول أعداء آل محمد في النار: * (ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار) * (8) في الدنيا، وهم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام * (أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار) * (9) ثم قال: * (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * (10) فيما بينهم، وذلك قول الصادق عليه السلام: والله إنكم لفي الجنة تحبرون، وفي النار تطلبون. بيان: بنو السباع.. كناية عن بني العباس. وقال الطبرسي (11) رحمه الله: * (وآخر) * أي وضرب (12) آخر.. من شكل هذا العذاب وجنسه. * (أزواج) *.. أي ألوان وأنواع متشابهة في الشدة.. * (هذا فوج) *.. ها هنا حذف، أي يقال: هذا فوج، وهم قادة الضلال (13) إذا دخلوا


(1) سورة (ص): 58. (2) سورة (ص): 59. (3) في المصدر: ويقولون. (4) سورة ص: 59. (5 و 6) سورة ص: 60. (7) سورة ص: 61. (8) سورة ص: 62. (9) سورة ص: 63. (10) سورة ص: 64. (11) في مجمع البيان 8 / 483. (12) في المصدر: وضروب. (13) في المجمع: الضلالة.

[155]

النار، ثم يدخل الاتباع فتقول (1) الخزنة للقادة: هذا فوج.. أي قطعة (2) من الناس، وهم الاتباع. * (مقتحم معكم) * في النار دخلوها كما دخلتم. * (لا مرحبا بهم..) * قال البيضاوي (3): دعاء من المتبوعين على أتباعهم، أو صفة لفوج، أو حال.. أي مقولا فيهم لا مرحبا.. أي ما أتوا رحبا وسعة. * (أم زاغت عنهم الابصار) *... أي مالت، فلا تراهم (4). والحبرة - بالفتح -: النعمة وسعة العيش (5). 11 - فس (6): * (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) * (7) نزلت في أبي فلان. 12 - فس (8): * (إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) * (9) نزلت في فلان وفلان. 13 - فس (10): * (وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والانس) * (11) قال العالم عليه السلام: من الجن، إبليس الذي أشار (12) على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله في دار الندوة، وأضل الناس بالمعاصي، وجاء بعد


(1) في المجمع: فيقول. (2) في المصدر: قطع. (3) تفسير البيضاوي 1 / 315. (4) في (س): نراهم. (5) كما صرح به في مجمع البحرين 3 / 256، ولسان العرب 4 / 158، وتاج العروس 3 / 118. (6) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 246. (7) الزمر: 8. (8) تفسير القمي 2 / 250. (9) الزمر: 45، وفي المصدر: إلى قوله: إذا هم يستبشرون، فإنها نزلت في فلان وفلان. (10) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 265. (11) فصلت: 29. (12) في المصدر: دبر، بدل: أشار على..

[156]

وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر (1) فبايعه، ومن الانس، فلان (2) * (نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين) * (3). بيان: لا يبعد أن يكون المعنى أن مصداق الآية في تلك المادة إبليس وعمر، لان قوله تعالى: * (الذين كفروا..) * (4) شامل للمخالفين، والآية تدل على أن كل صنف من الكفار لهم مضل من الجن ومضل من الانس، والمضل من الجن مشترك، والمضل من الانس في المخالفين هو (5) الثاني، لانه كان أقوى وأدخل في ذلك من غيره، وهذا الكلام يجري في أكثر أخبار هذا الباب وغيره، ومعه لا نحتاج إلى تخصيص الآيات وصرفها عن ظواهرها، والله يعلم. 14 - فس (6): جعفر بن احمد، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: نزلت هاتان الآيتان هكذا، قول الله: * (حتى إذا جاءنا) * (7) - يعني فلانا وفلانا - يقول احدهما لصاحبه حين يراه: * (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) * (8) فقال الله لنبيه: قل لفلان وفلان وأتباعهما: * (لن ينفعكم اليوم * (إذ ظلمتم) * آل محمد حقهم * (أنكم في العذاب مشتركون) *، ثم قال الله (9) لنبيه: * (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين * فإما نذهبن بك


(1) في التفسير: إلى فلان. ولعله من فعل المخرج للكتاب. (2) وضع على: فلان، رمز نسخة بدل في (س)، وفيها نسخة اخرى: دلام، بدلا من: فلان. (3) فصلت: 29. (4) فصلت: 29. (5) في (ك): وهو. (6) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 286: وانظر: تفسير البرهان 4 / 142 - 146. (7) الزخرف: 38. (8) الزخرف: 38. (9) وضع على لفظ الجلالة في (س) رمز نسخة بدل.

[157]

فإنا منهم منتقمون) * (1) يعني من فلان وفلان (2)، ثم أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله: * (فاستمسك بالذي أوحي إليك) * في علي * (إنك على صراط مستقيم) * (3) يعني انك على ولاية علي، وعلي هو الصراط المستقيم. توضيح: قرأ عليه السلام: جاءانا - على التثنية - كما هو قراءة عاصم برواية أبي بكر وغيره (4)، وفسرهما بأبي بكر وعمر، وفسرهما المفسرون بالشيطان ومن أغواه. والمشرقان: المشرق والمغرب على التغليب. فبئس القرين.. أي أنت إلي اليوم، وروى ابن عباس أنهما يكونان مشدودين في سلسلة واحدة لزيادة العقوبة، فيقول الله تعالى لهم (5): * (لن ينفعكم) * (6).. أي لا يخفف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لان لكل من الكفار والشياطين الحظ الاوفر من العذاب (7). 15 - فس (8): * (ولا يصدنكم الشيطان) * (9) يعني الثاني عن (10) أمير المؤمنين عليه السلام * (إنه لكم عدو مبين) * (11).


(1) الزخرف: 40 - 41. (2) في (ك) زيادة: واتباعهما - بعد فلان -. (3) الزخرف: 43. (4) كما في الكشف عن وجوه القراءات السبع 2 / 258، وحجة القراءات: 650، وكتاب السبعة في القراءات: 586. (5) لا توجد: لهم، في (س). (6) الزخرف: 39. (7) صرح بما ذكره رحمه الله في مجمع البيان 9 / 48، وجاء بعضه في تفسير ابن عباس: 413. (8) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 287. (9) الزخرف: 62. (10) في المصدر: يعني فلانا لا يصدنك عن.. (11) الزخرف: 62.

[158]

16 - فس (1): * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) * (2) نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (3) الذين ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وغصبوا أهل بيته حقهم وصدوا عن أمير المؤمنين عليه السلام ولاية (4) الائمة * (أضل أعمالهم) * (5).. أي أبطل (6) ما كان تقدم منهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله من الجهاد والنصرة. 17 - فس (7): * (وقال قرينه) * أي شيطانه وهو الثاني (8) * (هذا ما لدي عتيد) * (9). 18 - فس (10): * (مناع للخير) * (11): قال: المناع: الثاني، والخير: ولاية (12) أمير المؤمنين عليه السلام وحقوق آل محمد عليهم السلام، ولما كتب الاول كتاب فدك يردها على فاطمة عليها السلام منعه (13) الثاني، فهو * (معتد مريب) * (14)، * (الذي جعل مع الله إلها آخر) * (15) قال: هو ما قالوا نحن كافرون بمن جعل لكم الامامة والخمس.


(1) تفسير القمي 2 / 300. (2) سورة محمد (ص): 1. (3) لا يوجد في المصدر: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) في تفسير القمي: عن ولاية.. (5) سورة محمد (ص): 1. (6) في (س): بطل. (7) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 324. (8) في المصدر: وهو حبتر. (9) سورة ق: 23. (10) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 326. (11) سورة ق: 25. (12) في (ك): هو ولاية: وهي نسخة في (س). (13) في المصدر: شقه، بدلا من: منعه (14) سورة ق: 25. (15) سورة ق: 26.

[159]

قوله (1): * (قال قرينه) * (2).. أي شيطانه وهو الثاني (3): * (ربنا مآ أطغيته) * (4) يعني الاول (5) * (ولكن كان (6) في ضلال بعيد) * (7) فيقول الله لهما: * (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي) * (8).. أي ما فعلتم لا تبدل (9) حسنات، ما وعدته لا أخلفه. بيان: ما وعدته.. استئناف، والمعنى لا تبدل سيئاتكم حسنات كما تبدل للذين يستحقون ذلك من الشيعة، بل توفون جزاء سيئاتكم، والوعد (10) بمعنى الايعاد. وقال الطبرسي رحمه الله (11): المعنى ان الذى قدمته لكم في دار الدنيا من أني أعاقب من جحدني وكذب رسلي وخالف أمري (12) لا يبدل بغيره، ولا يكون خلافه. 19 - فس (13): قال علي بن ابراهيم في قوله تعالى (14): * (ألم تر إلى الذين


(1) في التفسير: وأما قوله. (2) سورة ق: 23. (3) في المصدر: وهو حبتر. (4) سورة ق: 27. (5) في تفسير القمي: يعني زريقا. (6) وضع في (ك) على: كان، رمز نسخة بدل، وعليه فلا تكون هذا الجملة بآية. (7) سورة ق: 27. (8) سورة ق: 28 - 29. (9) في المصدر: لا يبدل. (10) كذا، والظاهر، الوعيد. (11) مجمع البيان 9 / 147. (12) في المصدر: وخالفني في أمري (13) تفسير القمي 2 / 357 - 358. (14) لا توجد كلمة: تعالى في المصدر.

[160]

تولوا قوما غضب الله عليهم) * (1) قال: نزلت في الثاني، لانه (2) مر به رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس عند رجل من اليهود يكتب خبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله جل ثناؤه: * (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم) * (3) فجاء الثاني (4) إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله (5) صلى الله عليه وآله: رأيتك تكتب عن اليهود، وقد نهى الله عن ذلك ؟. فقال: يا رسول الله ! كتبت عنه ما في التوراة من صفتك وأقبل يقرأ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو غضبان، فقال رجل من الانصار: ويلك ! أما ترى غضب النبي عليك. فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، إني إنما كتبت ذلك لما وجدت فيه من خبرك !. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان ! لو أن موسى بن عمران فيهم قائما ثم أتيته رغبة عما جئت به لكنت كافرا بما جئت به، وهو قوله: * (اتخذوا أيمانهم جنة) * (6).. أي حجابا بينهم وبين الكفار، وأيمانهم إقرارا (7) باللسان فزعا (8) من السيف ودفع (9) الجزية. بيان: لعله عليه السلام قرأ ايمانهم - بالكسر -.


(1) المجادلة: 14. (2) وضع على: لانه، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل. (3) المجادلة: 14. (4) لا يوجد: الثاني، في المصدر. (5) في المصدر: النبي، بدلا من رسول الله. (6) المجادلة: 16. (7) في (ك): كان اقرارا. (8) نسخة في (ك): فرقا. وجاء في المصدر: وخوفا. (9) في التفسير: ورفع.

[161]

قال الطبرسي (1): وفي الشواذ (2) قراءة الحسن: اتخذوا إيمانهم - بكسر الهمزة - قال: حذف المضاف.. أي اتخذوا إظهار إيمانهم جنة. 20 - فس (3): محمد بن جعفر، عن عبد الله بن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي الخزاز، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي العباس المكي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن عمر لقي عليا عليه السلام فقال: أنت الذي تقرأ هذه الآية: * (بأيكم المفتون) * (4) تعرض بي وبصاحبي، قال: أفلا أخبرك بآية نزلت في بني أمية * (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) * (5) فقال عمر (6): بنو أمية أوصل للرحم منك !، ولكنك أبيت إلا عداوة (7) لبني أمية وبني عدي وبني تيم !. 21 - كا (8): الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان.. مثله. بيان: * (بأيكم المفتون) * (9) قال الطبرسي رحمه الله (10):.. أي أيكم الذي فتن بالجنون، أأنت أم هم ؟ وقيل: بأيكم الفتنة وهو الجنون، يريد أنهم يعلمون عند العذاب أن الجنون كان بهم حين كذبوك وتركوا دينك لا بك. وقيل: معناه، في


(1) في مجمع البيان 9 / 254. (2) في (س): الشوار، ولا معنى لها هنا. (3) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 308. (4) القلم: 6. (5) سورة محمد (ص): 22. (6) في الكافي وفي نسخة جاءت في (ك): فقال كذبت. (7) في تفسير القمي: ولكنك أثبت العداوة... وأبيت.. وهي كذلك في الروضة من الكافي. (8) الكافي 8 / 103 باب 25، حديث 76، وجاء بسند آخر في صفحة 239 باب 43، حديث 325. (9) القلم: 6. (10) مجمع البيان 10 / 333.

[162]

أي الفريقين المجنون الذي فتنه الشيطان. وقال رحمه الله (1): إن توليتم.. أي الاحكام وجعلتم (2) ولاة أن تفسدوا في الارض بأخذ الرشا وسفك الدم الحرام فيقتل بعضكم بعضا، ويقطع بعضكم رحم بعض، كما قتلت قريش بني هاشم وقتل بعضهم بعضا. وقيل: إن توليتم معناه إن أعرضتم عن كتاب الله العمل بما فيه أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا بقتل بعضكم بعضا. 22 - فس (3): محمد بن القاسم بن عبيد الكندي، عن عبد الله بن عبد الفارس، عن محمد بن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: * (إن الذين ارتدوا، على أدبارهم) * (4) عن الايمان بتركهم ولاية (5) أمير المؤمنين عليه السلام: * (الشيطان سول لهم) * (6) يعني الثاني. وقوله (7): * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) * (8) هو ما افترض الله على خلقه من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام: * (سنطيعكم في بعض الامر) * (9) قال: دعوا بني أمية إلى ميثاقهم أن لا يصيروا لنا الامر بعد النبي صلى الله عليه وآله ولا يعطونا من الخمس شيئا، وقالوا: إن أعطيناهم الخمس استغنوا به، فقالوا (10): * (سنطيعكم في بعض الامر) * (11) لا


(1) مجمع البيان 9 / 104. (2) في المصدر: إن توليتم الاحكام ووليتم أي جعلتم.. (3) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 308 - 309. (4) سورة محمد (ص): 25. (5) في المصدر زيادة: علي عليه السلام. (6) سورة محمد (ص): 25. (7) جاء في تفسير القمي: (الشيطان) يعني فلانا (سول لهم) يعني بني فلان وبني فلان وبني أمية، قوله.. (8 و 9) سورة محمد (ص): 26. (10) في المصدر: فقال. (11) سورة محمد (ص): 26.

[163]

تعطوهم (1) من الخمس شيئا، فأنزل الله على نبيه: * (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجويهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون) * (2). وقال علي بن ابراهيم في قوله: * (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) * (3) نزلت في الذين نقضوا عهد الله في أمير المؤمنين عليه السلام * (الشيطان سول لهم) * (4).. أي هين لهم، وهو فلان، * (وأملى لهم) * (5).. أي بسط لهم أن لا يكون مما قال محمد شيئا * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) * (6) يعني (7) في أمير المؤمنين عليه السلام: * (سنطيعكم في بعض الامر) * (8) يعني في الخمس أن لا يردوه في بني هاشم: * (والله يعلم إسرارهم) * (9) قال الله: * (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدرباهم) * (10) بنكثهم وبغيهم وإمساكهم الامر بعد (11) أن أبرم عليهم إبراما، يقول: إذا ماتوا ساقتهم الملائكة إلى النار فيضربونهم من خلفهم ومن قدامهم * (ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله) * (12) يعني موالاة فلان وفلان و (13) ظالمي أمير المؤمنين عليه السلام * (فأحبط أعمالهم) * (14) يعني الذي عملوها من الخير (15): * (إن الذين كفروا وصدوا عن


(1) في المصدر وفي نسخة في (ك): أي لا تعطوهم. (2) الزخرف: 79 - 80. (3 - 5) سورة محمد (ص): 25. (6) سورة محمد (ص): 26. (7) لا توجد: يعني، في المصدر. (8 و 9) سورة محمد (ص): 26. (10) سورة محمد (ص): 27. (11) في التفسير: من بعد. (12) سورة محمد (ص): 28. (13) لا توجد الواو في المصدر. (14) سورة محمد (ص): 28. (15) في التفسير: أي التي عملوها من الخيرات.

[164]

سبيل الله) * (1)، قال: عن أمير المؤمنين عليه السلام: * (وشاقوا الرسول) * (2).. أي قطعوه (3) في أهل بيته بعد أخذه الميثاق عليهم له. بيان: سول لهم.. أي زين لهم (4)، وأملى لهم.. أي طول لهم (5) أملهم فاغتروا به. * (قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) * (6). قال الطبرسي قدس سره (7): المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهم بنوا أمية كرهوا ما نزل الله في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. قوله: يعني في الخمس.. لعلهم أولا لم يوافقوهم إلا في واحد من الامرين، ثم وافقوهم فيهما، * (فكيف إذا توفتهم الملائكة..) * (8).. أي عند قبض أرواحهم. والمشاقة: المعاندة والمعاداة (9). ثم اعلم أن ظاهر الروايات (10) أن الذين كرهوا ما نزل الله غير بني أمية، وهم الذين دعوا بني أمية، وظاهر الطبرسي رحمه الله أنه فسر الموصول ببني أمية،


(1) سورة محمد (ص): 32. (2) سورة محمد (ص): 32. (3) في المصدر: قاطعوه. (4) كما في مجمع البحرين 5 / 398، والنهاية 2 / 425، وتاج العروس 7 / 385. (5) قاله في مجمع البحرين 1 / 397، وفي النهاية 4 / 363، وجاء في لسان العرب 15 / 291 مثله. (6) سورة محمد (ص): 26. (7) مجمع البيان 9 / 105، وجاءت الرواية مسندة في أصول الكافي 1 / 421 باب 108 حديث 43، وتلاحظ بقية روايات الباب. (8) سورة محمد (ص): 27. (9) قال في لسان العرب 9 / 183: المشاقة والشقاق: غلبة العداوة والخلاف. وقال الجوهري في صحاحه 4 / 1503: المشاقة: الخلاف والعداوة. (10) في (س): الرواية.

[165]

ولعله أخذ من خبر آخر، ويحتمل أن يكون مراده تفسير فاعل (قالوا) بهم، ويكون ضمير (كرهوا) راجعا إلى الموصول، ويكون الغرض تفسير ما نزل الله. 23 - فس (1): * (فستبصرو ويبصرون * بأيكم المفتون) * (2) بأيكم تفتنون.. هكذا نزلت في بني أمية بأيكم بأبي حفر وزفر وغفل (3). وقال الصادق عليه السلام: لقي عمر (4) أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا علي ! بلغني أنك تتأول هذه الآية في وفي صاحبي * (فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون) * (5). قال أمير المؤمنين: أفلا أخبرك يا أبا حفص ! (6) ما نزل في بني أمية * (والشجرة الملعونة في القرآن) * (7) ؟. قال عمر: كذبت يا علي ! بنو أمية خير منك وأوصل للرحم. قوله (8): * (فلا تطع المكذبين) * (9) قال: في علي عليه السلام: * (ودوا لو تدهن فيدهنون) * (10).. أي أحبوا أن تغش في علي عليه السلام فيغشون معك * (ولا تطع كل حلاف مهين) * (11). قال: الحلاف الثاني، حلف لرسول الله صلى الله عليه وآله أنه لا ينكث


(1) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 380 - 381. (2) القلم: 5 - 6. (3) في المصدر: بأيكم.. أي حبتر وزفر وعلي، وسيتعرض المصنف - رحمه الله - في بيانه لبعض النسخ. (4) في المصدر: لقي فلان.. ولعلها منتصرفات مخرج الكتاب. (5) القلم: 6. (6) في التفسير: يا أبا فلان. وهي كسابقتها. (7) الاسراء: 60. (8) في المصدر: وقوله. (9) القلم: 8. (10) القلم: 9. (11) القلم: 10.

[166]

عهد. * (هماز مشآء بنميم) * (1) قال: كان ينم رسول الله صلى الله عليه وآله ويهمز بين أصحابه. قوله: * (مناع للخير) * (2) قال: الخير أمير المؤمنين عليه السلام. * (معتد) * (3).. أي قال: (4)، اعتدى عليه. قوله: * (عتل بعد ذلك زنيم) * (5) قال: العتل: عظيم الكفر، والزنيم: الدعي. وقال الشاعر: زنيم تداعاه الرجال تداعيا * كما زيد في عرض الاديم الاكارع (6) قوله: * (إذا تتلى عليه ءاياتنا) * (7) قال: كنى عن الثاني، آياتنا (8) * (قال أساطير الاولين) * (9).. أي: أكاذيب الاولين: * (سنسمه على الخرطوم) * (10) قال: في الرجعة إذا رجع أمير المؤمنين عليه السلام ويرجع (11) أعداؤه فيسمهم بميسم معه كما توسم البهائم على الخراطيم الانف والشفتان (12).


(1) القلم: 11. (2) القلم: 12. (3) القلم: 12. (4) لا توجد: قال في المصدر، ووضع عليها في (س) رمز نسخة بدل. (5) القلم: 13. (6) كما في تاج العروس 8 / 329 في مادة زنم، وفيه: زيادة، بدلا من: تداعيا. (7) القلم: 15. (8) في المصدر: عن فلان، بدلا من: عن الثاني آياتنا. والظاهر أن: آياتنا، زائدة أو هنا سقط. (9) القلم: 15. (10) القلم: 16. (11) في المصدر ونسخة على (ك): ورجع. (12) في المصدر: على الخرطوم والانف والشفتين.. وهو الظاهر

[167]

بيان: لعل التعبير عن أبي بكر ب‍: أبي حفر لمحض الوزن، أو بالخاء المعجمة لانه خفر الذمة والعهد في أمير المؤمنين عليه السلام. وفي بعض النسخ: ب‍: حبتر، والتعبير عن زفر ب‍: عمر ظاهر، لاشتراكهما في الوزن، وتقدير العدل (1)، وغفل كناية عن عثمان، وقال في القاموس (2): الغفل - بالضم -: من لا يرجي خيره ولا يخشى شره وما لا علامة فيه من القداح... وما لا عمارة فيه من الارضين... ومن لا نصيب له ولا غرم عليه من القداح، ومن لا حسب له... والغفل - محركة - الكبير (3) الرفيع. انتهى. ولا يخفى أنه على بعض المعاني يحتمل أن يكون كناية عن أمير المؤمنين عليه السلام بأن يكون ذكره لبيان الطرف الآخر من الترديد، ويؤيده أن في بعض النسخ: وعلي، وعلى الاحتمال الاول يكون الطرف الآخر غير مذكور. والمهين: الحقير الرأي. والهماز: العياب. والمشاء: نميم، النقال للحديث على وجه السعاية، ذكرها البيضاوي (4). وقال: عتل: جاف غليظ.. من عتله إذا قاده بعنف وغلظة. بعد ذلك.. أي بعد ما عد من مثالبه (5). والكراع في البقر والغنم (6) بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير، وهو


(1) أي أن عمر وزفر على وزان واحد مع كونهما غير منصرفين بتقدير العدل والعلمية. (2) القاموس 4 / 26، وقارن ب‍: تاج العروس 8 / 47. (3) في المصدر: الكثير. (4) تفسير البيضاوي 2 / 494. (5) ذكره أيضا في تفسير البيضاوي 2 / 494. (6) في المصدر: في الغنم والبقر. - بتقديم وتأخير -.

[168]

مستدق الصاق (1)،... والجمع اكرع ثم اكارع، ذكره الجوهري (2)، وكأنه شبه الرجال الذين يدعون هذا الزنيم بالاكارع التي تكون في أطراف النطع لعدم مجانسة الاكارع للنطع، والاكارع قائم مقام فاعل زيد. وقال البيضاوي (3): سنسمه.. أي بالكي على الخرطوم.. أي على الانف، وقيل: هو عبارة عن أن يذله غاية الاذلال. 24 - فس (4): أبو العباس، عن يحيى بن زكريا، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: * (ذرني ومن خلقت وحيدا) * (5)، قال: الوحيد: ولد الزنا، وهو زفر، * (وجعلت له مالا ممدودا) * (6) قال: أجلا إلى مدة * (وبنين شهودا) * (7) قال: أصحابه الذين شهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يورث * (ومهدت له تمهيدا) * (8) ملكه الذي ملك مهدت له (9) * (ثم يطمع أن أزيد) * (10) * (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا) * (11) قال: لولاية أمير المؤمنين عليه السلام جاحدا، عاندا لرسول الله صلى الله عليه وآله فيها * (سأرهقه صعودا * إنه فكر وقدر) * (12) فكر فيما أمر به من الولاية، وقدر إن مضى رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يسلم لامير المؤمنين (ع) البيعة التي بايعه بها


(1) في المصدر: الساق، وهو الظاهر. (2) الصحاح 3 / 1275، وراجع: تاج العروس 5 / 493. (3) تفسير البيضاوي 2 / 495. (4) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 395. (5) المدثر: 11. (6) المدثر: 12. (7) المدثر: 13. (8) المدثر: 14. (9) في المصدر: الذي ملكه مهده له. (10) المدثر: 15. (11) المدثر: 16. (12) المدثر: 17 - 18.

[169]

على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله * (فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر) * (1) قال: عذاب بعد عذاب يعذبه القائم عليه السلام، * (ثم نظر) * (2) إلى النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه ف‍ * (عبس وبسر) * (3) مما أمر به * (ثم أدبر واستكبر * فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر) * (4) قال زفر: إن النبي سحر الناس لعلي (5)، * (إن هذا إلا قول البشر) * (6).. أي ليس هو وحي من الله عز وجل * (سأصليه سقر..) * (7)... إلى آخر الآية نزلت فيه. بيان: قال الطبرسي قدس سره (8) في قوله تعالى: (وحيدا).. أي دعني وإياه فإني كاف في عقابه.. وقد خلقته متوحدا بخلقه، أو حال عن المخلوق.. أي من (9) خلقته في بطن أمه لا مال ولا لولد. و (10) قال مقاتل معناه: خل بيني وبينه فإني أنفرد (11) بهلكته، وقال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة (12) يسمى الوحيد في قومه. وروى العياشي (13)، بإسناده عن زرارة وحمران، عن (14) محمد بن مسلم،


(1) المدثر: 19 - 20. (2) المدثر: 21. (3) المدثر: 22. (4) المدثر: 23 - 24. (5) في المصدر: بعلي. (6) المدثر: 25. (7) المدثر: 26. (8) في مجمع البيان 10 / 387. (9) في المصدر: وإن حملته على صفة المخلوق، فمعناه دعني ومن.. (10) لا توجد الواو في المصدر. (11) في المصدر: فأنا أفرد. (12) لا توجد: ابن المغيرة، في المصدر. (13) في تفسيره، وهذا القسم من التفسير لم يطبع، ويقال إنه لم يظفر به. (14) في مجمع البيان: (و) بدلا من: (عن).

[170]

عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (1) أن الوحيد ولد الزنا، قال زرارة ذكر لابي جعفر عليه السلام عن أحد بني هاشم (2) أنه قال في خطبته: أنا ابن الوحيد. فقال: ويله ! لو علم ما الوحيد ما فخر بها. فقلنا له: وما هو ؟ قال: من لا يعرف له أب. وقال رحمه الله (3): * (سأرهقه صعودا) * (4).. أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه، وقيل: صعودا جبل في جهنم من نار.. * (فقتل) * (5).. أي لعن وعذب.. * (ثم عبس وبسر) * (6).. أي كلح وكره وجهه ونظر بكراهة شديدة كالمهتم المتفكر في الشئ، * (ثم أدبر) * عن الايمان * (واستكبر) * (7) حين دعي (8) إليه.. * (إلا سحر يؤثر) * (9).. أي يروى عن السحرة، أو (10) هو من الايثار.. أي تؤثره النفوس وتختاره.. * (سأصليه سقر) * (11) أي سأدخله جهنم وألزمه إياها، وقيل: سقر (12) دركة من دركات جهنم، وقيل: باب من أبوابها. انتهى. وتأويل المال والبنين بما ذكر عليه السلام على المجاز، وبابه واسع.


(1) في المصدر: بتقديم أبي عبد الله على أبي جعفر عليهما السلام. (2) في التفسير: بني هشام. (3) مجمع البيان 10 / 388. (4) المدثر: 17. (5) المدثر: 19. (6) المدثر: 22. (7) المدثر: 23. (8) في المصدر كتب: دعا - بالالف -. (9) المدثر: 24. (10) في مجمع البيان: وقيل، بدلا من: أو. (11) المدثر: 26. (12) لا توجد: سقر، في (س).

[171]

25 - فس (1): فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد) * (2) قال: هو الثاني (3). 26 - فس (4): * (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتآء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) * (5): قال: العدل: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والاحسان، أمير المؤمنين عليه السلام، والفحشاء والمنكر والبغي (6)، فلان وفلان وفلان. 27 - فس (7): * (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) * (8) قال: لا تكون الخلافة في آل فلان ولا آل فلان ولا آل فلان ولا آل طلحة ولا آل الزبير (9). 28 - فس (10): محمد بن جعفر، عن يحيى بن زكريا، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: * (حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم) * (11) يعني أمير المؤمنين عليه السلام * (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) * (12) الاول والثاني والثالث (13).


(1) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 421. (2) الفجر: 25 و 26. (3) في المصدر: هو فلان. (4) تفسير علي بن ابراهيم 1 / 388. (5) النحل: 90. (6) لا توجد: والبغي، في (س). (7) تفسير القمي 2 / 129. (8) النمل: 52. (9) في المصدر: ولا طلحة ولا الزبير. (10) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 319. (11) الحجرات: 7. (12) الحجرات: 7 (13) في المصدر: فلان وفلان وفلان.

[172]

بيان: تفسير الايمان بأمير المؤمنين عليه السلام لكون ولايته من أصوله وكماله فيه، وكونه مروجه ومؤسسه ومبينه غير بعيد، وكذا التعبير عن الثلاثة ب‍: الثلاث - لكونهم أصلهما ومنشؤها ومنبتها وكمالها فيهم، وكونهم سببا لصدورها عن الناس إلى يوم القيامة، لعنة الله عليهم وعلى أشياعهم - غير غريب، وسيأتي مزيد توضيح لذلك في مواضعه. 29 - فس (1): أبي (2) عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام - في قوله تعالى: * (إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) * (3) - قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعثمان (4)، وذلك أنه كان بينهما منازعة في حديفة، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ترضى (5) برسول الله صلى الله عليه وآله ؟. فقال عبد الرحمن بن عوف لعثمان (6): لا تحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يحكم له عليك ! ! ولكن حاكمه إلى ابن شيبة (7) اليهودي. فقال عثمان (8) لامير المؤمنين عليه السلام: لا أرضى إلا بابن شيبة اليهودي. فقال ابن شيبة لعثمان (9): تأتمنون محمدا على وحي السماء وتتهمونه في الاحكام ؟ !. فأنزل الله على رسوله: * (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم


(1) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 107. (2) وضع على كلمة: أبي، رمز نسخة في (ك). (3) النور: 48. (4) وضع على: عثمان، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل. وحذفها من المصدر المطبوع. (5) في المصدر: نرضى. (6) في التفسير: له، بدلا من: لعثمان. ولا توجد: لعثمان في (س). (7) في المصدر: ابن أبي شيبة. (8) وضع على: عثمان، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، وحذفها من المصدر المطبوع. (9) في التفسير: له، بدلا من: لعثمان.

[173]

بينهم..) * إلى قوله: * (بل أولئك هم الظالمون) * (1). 30 - فس (2): * (يمنون عليك أن أسلموا) * (3) نزلت في عثمان (4) يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار بن ياسر يحفر (5) الخندق - وقد ارتفع الغبار من الحفر - فوضع عثمان (6) كمه على أنفه ومر، فقال عمار: لا يستوي من يعمر (7) المساجدا * يضل (8) فيها راكعا وساجدا كمن يمر بالغبار حائدا * يعرض عنه جاحدا معاندا فالتفت إليه عثمان (9) فقال: يا بن السوداء ! إياي تعني، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: لم ندخل معك في الاسلام (10) لتسب أعراضنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل الله عز وجل: * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هديكم للايمان إن كنتم صادقين) * (11).. أي ليس هم صادقين (12) * (إن الله يعلم غيب السموات والارض والله بصير بما تعملون) * (13).


(1) النور: 48 - 50. (2) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 322. (3) الحجرات: 17. (4) جاء في مطبوع البحار والمصدر: عثكن، وذكرت في (ك) نسخة بدل: عثمان، وفي (س) نسخة: عثكوا. (5) في التفسير: وهو يحفر. (6) لا توجد كلمة: عثمان في المصدر، وتوجد نسختان على مطبوع البحار: عثكوا، عثكن. (7) في المصدر: يبني، وهي نسخة بدل في مطبوع البحار. (8) في التفسير: فيصلي، ويوجد نسخة على (ك): وهو يظل راكعا وساجدا. (9) جاء في المطبوع من المصدر والبحار: عثكن، وذكر نسخة بدل: عثكو، في مطبوع البحار. (10) لا توجد: في الاسلام، في (س) ولا في المصدر. (11) الحجرات: 17. (12) في المصدر: أي لستم صادقين. (13) الحجرات: 18.

[174]

31 - فس (1) * (عبس وتولى * أن جاءه الاعمى) * (2) قال: نزلت في عثمان (3) وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذن رسول (4) الله صلى الله عليه وآله وكان أعمى، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أصحابه وعثمان (5) عنده، فقدمه رسول الله صلى الله عليه وآله على عثمان، فعبس عثمان وجهه (6) وتولى عنه، فأنزل الله: * (عبس وتولى) * يعني عثمان (7) * (إن جاءه الاعمى * وما يدريك لعله يزكى) * (8).. أي يكون طاهرا أزكى (9) * (أو يذكر) *، قال: يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله * (فتنفعه الذكرى) * (10) ثم خاطب عثمان (11) فقال: * (أما من استغنى * فأنت له تصدى) * (12) قال: أنت إذا جاءك غني تصدى له (13) وترفعه: * (وما عليك ألا يزكى) * (14).. أي لا تبالي زكيا كان أو غير زكي إذا كان غنيا * (وأما من جاءك يسعى) * (15) يعني (16) ابن أم مكتوم * (وهو يخشى * فأنت عنه


(1) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 404 - 405. (2) عبس: 1 - 2. (3) في مطبوع المصدر: عثكن. (4) في التفسير: لرسول.. (5) في مطبوع المصدر: عثكن. (6) في المصدر: عليه فعبس وجهه - أي لا توجد كلمتا: عثمان -. (7) في مطبوع المصدر: عثكن. (8) عبس: 2 - 3. (9) في (س): ظاهرا الزكي. (10) عبس: 4. ولا توجد الآية في المصدر. (11) في المطبوع من المصدر: عثكن. (12) عبس: 5 - 6. (13) في التفسير: تتصدى له، بلا حذف للتاء الاولى. (14) عبس: 7. (15) عبس: 8. (16) لا توجد: يعني، في (س).

[175]

تلهى) * (1).. أي تلهو ولا تلتفت إليه. بيان: قال السيد رضي الله عنه في كتاب تنزيه الانبياء (2) في سياق تأويل تلك الآيات: وقد روي عن الصادق عليه السلام أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي صلى الله عليه وآله، فجاء ابن أم مكتوم، فما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه، وقد مر الكلام فيها. 32 - ب (3): محمد بن عيسى، عن ابراهيم بن عبد الحميد (4)... قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخرج إلي مصحفا، قال: فتصحفته (5) فوقع (6) بصري على موضع منه فإذا فيه مكتوب: هذا جهنم التي كنتما بها تكذبان فاصليا فيها لا تموتان فيها ولا تحييان.. يعني الاولين. 33 - فس (7): وقرأ أبو عبد الله عليه السلام: هذه جهنم التي كنتما بها فاصليا فيها لا تموتان فيها ولا تحييان.. يعني الاولين. 33 - فس (7): وقرأ أبو عبد الله عليه السلام: هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان، تصليانها لا تموتان (8) فيها ولا تحييان، يعني الاولين (9). وقوله: * (يطوفون بينها وبين حميم ءآن) * (10) قال: لهما (11) أنين في شدة (12)


(1) عبس: 9 - 10. (2) تنزيه الانبياء: 118 - 119، ولم نجد نص الكلام هناك. (3) قرب الاسناد: 9. (4) في المصدر زيادة: في سنة ثمان وتسعين ومائة في المسجد الحرام. (5) في (س): فتصحفه، وهي نسخة في المصدر. (6) في المصدر: فوضع. (7) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 345. ولا توجد هذه الرواية في (س). (8) في المصدر: ولا تموتان. (9) في التفسير: يعني زريق وحبتر. (10) الرحمن: 44. (11) في المصدر: لها. (12) كذا، والظاهر: من شدة.. كما في المصدر.

[176]

حرها. 34 - ل (1): ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن (2) ابن محبوب، عن حنان بن سدير، قال: حدثني رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة لسبعة (3) نفر، أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاج ابراهيم في ربه، واثنان في بني أسرائيل (4) هودا قومهم ونصارهم، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الاعلى، واثنان في (5) هذه الامة. 35 - فس (6): * (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان) * (7) فإنه حدثني أبي عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت في القرآن زعلان (8) تاب حيث لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه. بيان: زعلان: كناية عن عثمان لموافقه الوزن، كما قد يعبر عنه بفعلان. 36 - ب (9) السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كانت امرأة من الانصار تدعى: حسرة تغشى آل محمد وتحن، وإن زفر وحبتر لقياها ذات يوم فقالا: أين تذهبين يا حسرة ؟ فقالت: أذهب إلى آل


الخصال 2 / 346 باب السبعة حديث 15، بتفصيل في السند. (2) في (س): وعن. (3) في المصدر: سبعة. (4) في الخصال: من بني اسرائيل. (5) في المصدر: من، بدلا من: في. (6) تفسير علي بن ابراهيم القمي 1 / 133. (7) النساء: 18. (8) كذا، والظاهر: نزلت هذه الآية في زعلان، وجاء في المصدر: نزل في القرآن أن زعلون. (9) قرب الاسناد: 29.

[177]

محمد فأقضي من حقهم وأحدث بهم عهدا، فقالا: ويلك إنه ليس لهم حق، إنما كان هذا على عهد الرسول الله صلى الله عليه وآله، فانصرفت حسرة ولبثت (1) أياما، ثم جاءت فقالت لها أم سلمة - زوجة (2) النبي صلى الله عليه وآله -: ما أبطأ بك عنا (3) يا حسرة ؟ !. فقالت: استقبلني زفر وحبتر فقالا: أين تذهبين يا حسرة ؟ ! فقلت: أذهب إلى آل محمد فأقضي من حقهم الواجب. فقالا: إنه ليس لهم حق، إنما كان هذا على عهد النبي (4) صلى الله عليه وآله. فقالت: أم سلمة: كذبا، لعنهما الله (5)، لا يزال حقهم واجب (6) على المسلمين إلى يوم القيامة. 37 - ما (7): الفحام، عن المنصوري، عن أبيه، عن أبي الحسن الثلاث، عن آبائه، عن الباقر عليهم السلام، عن جابر وأيضا: الفحام، عن عمه عمير بن يحيى (8)، عن ابراهيم بن عبد الله البلخي، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله - أنا من جانب وعلي أمير المؤمنين صلوات الله وعليه من جانب - إذ أقبل عمر بن الخطاب ومعه رجل قد تلبب به، فقال: ما باله ؟. قال: حكى عنك يا رسول الله (ص) أنك قلت: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة، وهذا إذا سمعته (9) الناس فرطوا في الاعمال، أفأنت قلت ذلك يا رسول الله (ص) ؟. قال: نعم، إذا


(1) في المصدر: فلبثت. (2) في (س): زوج. (3) في قرب الاسناد: علينا، بدلا من: عنا. (4) في (س): رسول الله (ص)..، بدلا من: النبي (ص).. (5) جاء: لعنة الله، في (س). (6) كذا، والظاهر: واجبا، بالنصب لانه خبر لا يزال. (7) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 288، وقد جاء الاسناد الاول في صفحة: 287 مع اختصار. (8) في الامالي: عمر بن يحيى. (9) في المصدر: سمعه.

[178]

تمسك بمحبة هذا وولايته. 38 - شئ (1): عن محمد بن سالم، عن أبي بصير، قال: قال (2) جعفر بن محمد عليهما السلام: خرج عبد الله بن عمرو بن العاص من عند عثمان فلقي أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا علي ! بتنا (3) الليلة في أمر نرجو أن يثبت الله هذه الامة، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لن يخفى علي ما بيتم فيه، حرفتم وغيرتم وبدلتم تسعمائة حرف، ثلاثمائة حرفتم، وثلاثمائة غيرتم، وثلاثمائة بدلتم: * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) * (4).. إلى آخر الآية. أقول: سيأتي في باب حج التمتع (5) إنكار عمر للنص، وقول النبي صلى الله عليه وآله له: إنك لن تؤمن بهذا أبدا.. في أخبار كثيرة، وكذا سيأتي في باب (المقام) (6) نقل عمر المقام عن الموضع الذين نقله إليه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع الجاهلية خلافا للنبي صلى الله عليه وآله. 39 - مع (7): محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي عبد القاسم بن سلام رفعه (8) إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: أتى عمر رسول


(1) تفسير العياشي 1 / 47 - 48، وانظر: تفسير البرهان 1 / 119. (2) لا توجد: قال، في (س). (3) في المصدر: بيتنا. (4) البقرة: 79. (5) سيأتي في بحار الانوار، باب مثالب عمر.. الطعن الرابع، مصادر هذه القصة مفصلا، ولم يتعرض لها طاب ثراه في حج التمتع، ولعل العبارة كانت هكذا: وسيأتي في باب مثالب عمر في إنكار حج التمتع.. (6) سيأتي قريبا في: باب مثالب عمر ضمن الطعن الثالث عشر، ولم يتعرض له رحمه الله في باب الحج، ولعل العبارة - كالسالفة - فيها نوع خلل أو سقط. (7) معاني الاخبار 2 / 269 باب معنى المحاقلة والمذابتة.. [2 / 282 باب 317]. (8) جاء الاسناد في المعاني 2 / 263، وفيه هنا: القاسم بن سلام بأسانيد متصلة إلى النبي صلى الله = = عليه وآله، وما ذكر هنا جاء في أواخر الحديث.

[179]

الله صلى الله عليه وآله فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، فترى أن نكتب بعضها ؟. فقال: أمتهوكون أنتم (1) كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لولو كان موسى حيا ما (2) وسعه إلا اتباعي. قوله: متهوكون.. أي متحيرون، يقول: أمتحيرون أنتم في الاسلام لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى ؟ ومعناه إنه كره أخذ العلم من أهل الكتاب، وأما قوله: لقد جئتكم بها بيضاء نقية.. فإنه أراد الملة الحنيفية، فلذلك جاء التأنيث كقول الله عزوجل: * (وذلك دين القيمة) * (3) إنما هي الملة الحنيفية. بيان: روى هذا الخبر ابن الاثير في النهاية، ثم قال: التهوك: كالتهور، وهو الوقوع في الامر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو المتحير (4). ثم قال: وفي حديث آخر: إن عمر أتاه بصحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب، فغضب، فقال: أمتهوكون فيها يابن الخطاب ؟ ! (5). 40 - مع (6): المكتب، عن الاسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن عبد الله المروزي، عن أبيه، عن اسماعيل بن الفضل، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ظلمت العيون العين كان قتل العين على يد الرابع من العيون، فإذا كان ذلك استحق الخاذل له لعنة الله


(1) لا توجد: أنتم، في المصدر. (2) في (س): نسخة بدل: لما. (3) البينة: 5. (4) في المصدر: هو التحير. (5) النهاية 5 / 282، وقارن به لسان العرب 10 / 508، والصحاح 4 / 1617، وتاج العروس 7 / 197، ومجمع البحرين 5 / 299، وهذا الخبر أشاروا كلهم إليه. (6) معاني الاخبار 2 / 387 باب 429 حديث 22، بتفصيل في الاسناد.

[180]

والملائكة والناس أجمعين. فقيل له: يا رسول الله ! ما العين والعيون ؟. فقال: أما العين، فأخي علي بن أبي طالب عليه السلام، وأما العيون فأعداؤه، رابعهم قاتله ظلما وعدوانا. تنبيه: المراد بالعيون من ابتداء اسمه العين، وأبو بكر اسمه: عتيق أو عبد الله، والرابع القاتل عبد الرحمن بن ملجم لعنهم الله. 41 - مع (1): ابن موسى، عن الاسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام، قال: (2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد. قال (3): فلما كان من الغد دخلت إليه وعنده أمير المؤمنين عليه السلام وأبو بكر وعمر وعثمان، فقلت له: يا أبة (4) ! سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولا، فما هو ؟. فقال عليه وآله السلام: نعم، ثم أشار بيده إليهم، فقال: هم السمع والبصر والفؤاد، وسيسألون عن ولاية وصيي هذا - وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام -، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى (5) يقول: * (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) * (6)، ثم قال عليه وآله السلام: وعزة ربي إن جميع أمتي لموقوفون يوم


(1) معاني الاخبار 2 / 367 - 368 [2 / 387 باب 429 حديث 23]. (2) جاء الاسناد في المصدر هكذا: حدثنا أبو القاسم علي بن احمد بن موسى بن عمران الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: حدثني سيدي علي بن محمد بن علي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسن بن علي عليهما السلام، قال.. (3) وضع على: قال، في (ك) رمز نسخة بدل. (4) في (س): يا أبته. (5) في المصدر: إن الله عزوجل.. (6) الاسراء: 36.

[181]

القيامة ومسؤولون عن ولايته، وذلك قول الله عزوجل: * (وقفوهم إنهم مسؤولون) * (1). بيان: لعل التعبير عنهم بتلك الاسماء التي تدل على الاختصاص والامتياز على التهكم، أو على زعم قوم يحسبونهم كذلك، أو للاختصاص (2) الظاهري مع قطع النظر عن النفاق الباطني. 42 - مع (3): ابن موسى، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير (4)، قال: سألته عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن ولد الزنا شر الثلاثة، ما معناه ؟. قال: عنى به الاوسط، أنه شر ممن تقدمه وممن تلاه. 43 - ير (5): احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن ربيع بن محمد، عن عبد الله بن سليمان (6)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لابي بكر: نسيت تسليمك لعلي (7) بإمرة المؤمنين بأمر من الله ورسوله ؟. فقال له (8): قد كان ذاك. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أترضى برسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الصافات: 24. (2) في (ك): الاختصاص. (3) معاني الاخبار 2 / 392 - 393 [2 / 412 باب 429 حديث 103]. (4) جاء الاسناد في المصدر هكذا: حدثنا علي بن احمد بن موسي رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد ابن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخغي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير. (5) بصائر الدرجات، الجزء السادس 297 - 298، حديث 11، وانظر بقية روايات الباب. (6) في المصدر: عبد الله بن سنان. (7) في نسخة على مطبوع البحار: لي، بدلا من: لعلي، ويحتمل: علي. (8) وضع في (ك) على له: رمز نسخة بدل.

[182]

بيني وبينك ؟. قال: واين هو ؟. قال: فأخذ بيده ثم انطلق إلى مسجد قبا، فدخلا، فوجدا رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، فجلسا حتى فرغ. فقال: يا أبا بكر سلم لعلي عليه السلام ما توكدته من الله ومن رسوله. قال: فرجع أبو بكر فصعد المنبر فقال: من يأخذها بما فيها. فقال علي عليه السلام: من جدع (1) أنفه. قال له عمر - وخلى به -: وما دعاك (2) إلى هذا (3) ؟. قال: إن عليا ذهب إلى مسجد قبا فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله قائم يصلي فأمرني أن أسلم الامر إليه. فقال: سبحان الله يا أبا بكر ! أما تعرف سحر بني هاشم !. بيان: قوله عليه السلام: من جدع أنفه (4) - على بناء المجهول -.. أي من أذل وقهر على غصب الخلافة منه، يعني نفسه عليه السلام. أقول: قد مر كثير من تلك الاخبار في الابواب السابقة (5). 44 - ج (6): سعد بن عبد الله القمي الاشعري، قال: بليت بأشد النواصب منازعة، فقال لي يوما - بعد ما ناظرته -: تبا لك ولاصحابك، أنتم معاشر الروافض تقصدون المهاجرين والانصار بالطن عليهم والجحود (7) لمحبد النبي صلى الله عليه وآله لهم، فالصديق هو فوق الصحابة بسبب سبق الاسلام،


(1) في المصدر: من جذع - بالذال المعجمة -. (2) نسخة في (ك): دعا به. (3) هذا، لا توجد في (س). (4) قال في الصحاح 3 / 1193: الجدع: قطع الانف، ومثله في تاج العروس 5 / 295. (5) بحار الانوار 28 / 58 - 174، الباب الثالث و 175 إلى آخر المجلد، والباب الرابع وغيره. (6) الاحتجاج 2 / 268 - 275 طبعة النجف [2 / 461 - 465] تحت عنوان احتجاج الحجة القائم المنتظر المهدي صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين. (7) في المصر: وبالجحود.

[183]

ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما (1) ذهب بن ليلة الغار لانه خاف عليه كما خاف على نفسه، ولما علم أنه يكون الخليفة في أمته أراد (2) أن يصون نفسه كما يصون عليه السلام خاصة نفسه، كيلا يختل حال الدين من بعده، ويكون الاسلام منتظما، وقد أقام عليا علي فراشه لما كان في علمه أنه لو قتل لا يختل الاسلام بقتله، لانه يكون من الصحابة من يقول مقامه، لا جرم لم يبال من قتله. قال سعد: إني قد (3) قلت على ذلك أجوبة لكنها غير مسكتة (4). ثم قال: معاشر الروافض تقولون: إن الاول والثاني كانا ينافقان، وتستدلون على ذلك بليلة العقبة ؟ ثم قال لي (5): أخبرني عن إسلامهما كان عن طوع (6) ورغبة أو كان عن إكراه وإجبار ؟. فاحترزت عن جواب ذلك وقلت مع نفسي إن كنت أجيبه (7) بأنه كان عن طوع فيقول: لا يكون على هذا الوجة إيمانهما عن نفاق، وإن قلت كان على إكراه وإجبار لم يكن في ذلك الوقت للاسلام قوة حتى يكون إسلامهما بإكراه وقهر، فرجعت عن هذا الخصم على حال يقطع (8) كبدي، فأخذت طومارا وكتبت بضعا وأربعين مسألة من المسائل (9) الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، وقلت (10): أدفعها إلى صاحب مولاي أبي محمد (11) الحسن


(1) لا توجد: انما، في (س). (2) في المصدر: وأراد، ولا توجد في (س). (3) لا توجد: قد، في الاحتجاج. (4) في (ك): مسكنة. (5) لا توجد: لي، في (س). (6) في المصدر: من طوع. (7) في الاحتجاج: أجبته. (8) في المصدر: ينقطع. ونسخة في مطبوع البحار: تقطع. (9) في (ك): عن المسائل.. (10) في الاحتجاج: فقلت. (11) جاء في (س): ابن محمد.. وهو غلط.

[184]

ابن علي عليهما السلام الذي كان في قم، احمد بن إسحاق، فلما طلبته كان هو قد ذهب، فمشيت على أثره فأدركته، وقلت الحال معه، فقال لي: تجئ (1) معي إلى سر من رأى حتى تسأل (2) عن هذه المسائل مولانا الحسن بن على عليهما السلام، فذهبت معه إلى سر من رأى، ثم جئنا إلى باب دار مولانا عليه السلام، فاستأذنا بالدخول (3) عليه فأذن لنا، فدخلنا الدار وكان مع احمد بن إسحاق جراب قد ستره بكساء طبري، وكان فيه مائة وستون صرة من الذهب والورق، على كل واحدة منها خاتم صاحبها الذي دفعها إليه، ولما دخلنا ووقع أعيننا على وجه (4) أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام كان وجهه كالقمر ليلة البدر، وقد رأينا على فخذه غلاما يشبه المشتري في الحسن والجمال... (5). فأردت أن أسأله عن مسائل فقال: سل (6) قرة عيني - وأومأ إلى الغلام - عما بدالك، فسألته عن مسائل فأجابني... (7) ثم قال مبتدئا: يا سعد (8) ! إن من ادعى أن النبي صلى الله عليه وآله - وهو خصمك - ذهب بمختار هذه الامة مع نفسه إلى الغار، فإنه خاف عليه كما خاف على نفسه، لما علم أنه الخليفة من بعده على أمته، لانه لم يكن من حكم الاختفاء أن يذهب بغيره معه، وإنما أنام (9) عليا


في المصدر: جئ. (2) في المصدر: نسأل. (3) لا توجد: بالدخول، في المصدر. (4) لا توجد: وجه، في المصدر. (5) هنا زيادة مفصله أسقطها المصنف هنا لعدم ارتباطها بما نحن فيه، وذكرها بتمامها في أبواب من رأي القائم عليه السلام. (6) هذا نقل بالمعنى للنص، وهو: قال: المسائل التي أردت أن تسأل عنها. قلت: على حالها يا مولاي. قال: سل.. (7) هنا حذف كلام لعدم ارتباطه بالمقام.. (8) في الاحتجاج: ثم قال مولانا عليه السلام: يا سعد.. (9) في المصدر: أقام، بدلا من: أنام.

[185]

عليه السلام على مبيته لانه علم أنه إن قتل لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر، لانه يكون لعلي من يقوم مقامه في الامور، ألم تنقض (1) عليه بقولك: أو لستم تقولون إن النبي عليه السلام قال: إن الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ؟ ! وصيرها موقوفة على أعمار هذه (2) الاربعة، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلى.. فإنهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فإن خصمك لم يجد بدا من قوله: بلى. ثم قلت (3): فإذا كان الامر كذالك فلما (4) كان أبو بكر الخليفة من بعده كان هذه الثلاثة خلفاء أمته من بعده ؟ فلم ذهب بخليفة وحده (5) - وهو أبو بكر - إلى الغار ولم يذهب بهذه الثلاثة، فعلى هذا الاساس يكون لنبي صلى الله عليه وآله مستخفا بهم دون أبي بكر، فإنه يجب عليه أن يفعل (6) ما فعل بأبي بكر، فلما لم يفعل ذلك بهم يكون متهاونا بحقوقهم، وتاركا للشفقة عليهم بعد أن كان يجب عليه أن يفعل بهم (7) جميعا على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبي بكر. وأما ما قال لك الخصم: بأنهما أسلما طوعا أو كرها لم (8) لم تقل بل إنهما أسلما طمعا، وذلك أنهما يخالطان مع اليهود ويخبران (9) بخروج محمد صلى الله عليه وآله واستيلائه على العرب من التوراة والكتب المتقدمة (10) وملاحم قصة محمد عليه وآله


(1) في الاحتجاج: لم لا تنقض.. (2) في المصدر: هؤلاء، بدل: هذه. (3) في الاحتجاج: قلت له.. (4) في المصدر: فكما. (5) في الاحتجاج: واحد..، وهو الظاهر. (6) في المصدر زيادة: بهم. (7) من قوله: ما فعل بأبي بكر.. إلى أن يفعل بهم، لا يوجد في (ك)، وهو سطر واحد سقط من الناسخ وجاء في المصدر. (8) لا توجد: لم، في (س). (9) توجد نسخة في (ك) يخبرون. (10) في المصدر: والكتب المقدسة. (*)

[186]

السلام، ويقولون لهما: يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء بخت نصر على بني إسرائيل إلا أنه يدعي النبوة ولا يكون من النبوة في شئ، فلما ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله تساعدا (1) معه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلي الله عليه وآله طمعا أن يجدا من جهة رسول الله صلى الله عليه وآله ولاية بلد (2) إذا انتظم أمره وحسن حاله (3)، واستقامت ولايته فلما أيسا من ذلك وافقا (4) من أمثالهما ليلة العقبة، وتلثما مثل من تلثم منهم، ونفروا (5) بدابة رسول الله صلى الله عليه وآله لتسقطه ويسير (6) هالكا بسقوطه بعد أن صعدا العقبة فيمن صعد، فحفظ الله تعالى نبيه من كيدهم ولم يقدروا أن يفعلوا شيئا، وكان حالهما كحال طلحة والزبير إذ جاء عليا عليه السلام وبايعا طعما أن يكون (7) لكل واحد منهما ولاية، فلما لم يكن (8) وأيسا من الولاية نكثا بيعة وخرجا عليه حتى آل أمر كل واحد منهما إلى ما يؤول أمر من ينكث العهود والمواثيق. أقول: سيأتي الخبر بتمامه في أبواب من راى القائم عليه السلام (9). 45 - فس (10): أبي، عن الحسين بن سعيد (11)، عن علي بن أبي حمزة، عن


(1) في (س): لتساعدا، وفي المصدر: فساعدا. (2) في الاحتجاج: من جهة ولاية رسول الله (ص) ولاية بلد.. (3) في المصدر: وحسن باله. (4) هناك نسخة في (س): واقفا. (5) في المصدر: فنفروا. (6) في الاحتجاج: ويصير، وهو الظاهر. (7) في المصدر: وبايعاه طمعا أن تكون.. (8) في الاحتجاج: لم يكن ذاك.. (9) بحار الانوار 52 / 78 - 90 باب 12. (10) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 63 - 64. (11) في المصدر: عن الحسن بن محبوب بن سعيد.

[187]

أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما بعث الله رسولا إلا وفي وقته شيطانان يؤذيانه ويفتنانه ويضلان الناس بعده (1)، فأما الخمسة أولو العزم من الرسل، نوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم (2)، وأما صاحبا نوح، فقيطيفوس (3) وخرام، وأما صاحبا ابراهيم، فمكيل (4) ورذام (5)، وأما صاحبا موسى، فالسامري ومر عقيبا، وأما صاحبا عيسى، فمولس (6) ومريسان (7)، وأما صاحبا محمد صلى الله عليه وآله، فحبتر وزريق. ورواه في موضع آخر (8) عن أبيه، عن الحسين، عن بعض رجاله، عنه عليه السلام مثله. 46 - ير (9) ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) * (10) فلان وفلان، * (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا) * (11) لائمة الضلال والدعاة


(1) ثم قال في التفسير: وقد ذكرنا هذا الحديث في تفسير: * (وكذلك جعلنا لكل نبي...) * في سورة الانعام. (2) من قوله: فأما الخمسة... إلى هنا، لا يوجد في المطبوع من المصدر، وباقي الرواية جاءت في 1 / 214 الآتية. (3) جاء الاسم في (ك): فقيطيوفولين، وفي المصدر: فقنطيفوص، ونسخة هناك: فغنطيغوص. (4) جعلها في المصدر نسخة وذكر في المتن: فمكثل. (5) في التفسير: ورزام. (6) نسخة في حاشية (ك): فبوليس، وفي متن المصدر: فبولس، ونسخة فيه: يرليس، ونسخة أخرى فيه: يرليش. (7) في المصدر: مرثيون، وذكر نسخة فيه: مريبون. (8) تفسير القمي 1 / 214، وفيه ما ذكرناه سلفا. (9) بصائر الدرجات 1 / 54 حديث 3، بتفصيل في أسماء السند. (10) النساء: 51. (11) النساء: 52.

[188]

إلى النار، هؤلاء أهدى من آل محمد وأوليائهم سبيلا، * (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا * أم لهم نصيب من الملك) * (1) - يعني الامامة والخلافة - فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) * (2) نحن الناس الذي عنى الله (3). 47 - ثو (4): أبي، عن سعد، عن أبي عيسى، عن الوشا، عن احمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يؤتى يوم القيامة بإبليس لعنه (5) الله مع مضل (6) هذه الامة في زمامين غلظهما مثل جبل أحد فيسحبان على وجوههما فيسد بهما باب من أبواب النار. 48 - ثو (7): أبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن عبد الرحمن ومحمد بن سنان، عن أبي الجارود، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أخبرني بأول من يدخل النار ؟. قال: إبليس ورجل عن يمينه ورجل (8) عن يساره. 49 - ثو (9): ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن احمد ابن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بكر الارجاني، قال: صبحت أبا عبد الله عليه السلام في طريق مكة من المدينة، فنزل منزلا يقال له: عسفان (10) ثم مررنا بجبل أسود - على يسار


(1) النساء: 52. (2) النساء: 53. (3) انظر: تفسير البرهان 1 / 376 وما بعدها. (4) ثواب الاعمال 2 / 249 باب 9 حديث 9، بتفصيل في الاسناد. (5) في (س): لعنهم. (6) في (س) قد تقرأ: فصل ونصل، ولا معنى لهما. (7) ثواب الاعمال 2 / 255 - 256 باب 12 حديث 2، بتفصيل في الاسناد. (8) في (س): رجلا. ولعله: رجلان. (9) ثواب الاعمال 2 / 258 باب 13 حديث 6، بتفصيل في الاسناد. (10) في (س): عسقان.

[189]

الطريق - وحش، فقلت: يا بن رسول الله (ص) ! ما أوحش هذا الجبل ؟ ! ما رأيت في الطريق جبلا مثله ؟ !. فقال: يا بن بكر ! أتدري أي جبل هذا ؟ هذا جبل يقال له: الكمد، وهو على واد من أودية جهنم، فيه قتلة أبي الحسين صلوات الله عليه، استودعهم الله فيه، تجري (1) من تحته مياه جهنم من الغسلين والصديد والحميم الآن (2)، وما يخرج من جهنم وما يخرج من طينة خبال، وما يخرج من لظى، وما يخرج من الحطمة، وما يخرج من سقر، وما يخرج من الجحيم، وما يخرج من الهاوية، وما يخرج من السعير، وما مررت بهذا الجبل في مسيري فوقفت إلا رأيتهما يستغيثان ويتضرعان، وإني لانظر إلى قتلة أبي فأقول لهما: إن هؤلاء إنما فعلوا لما أسستما (3) لم ترحمونا إذ وليتم وقتلتمونا وحرمتمونا وثبتم على حقنا واستبددتم بالامر دوننا، فلا رحم الله من رحمككا (4)، ذوقا وبال ما صنعتما وما الله بظلام للعبيد. 50 - مل (5): محمد الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سليمان، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله الاصم، عن الارجاني مثله.. وزاد في آخره: وأشدهما تضرعا واستكانة الثاني، فربما وقفت عليهما ليسألا عن (6) بعض ما في قلبي، وربما طويت الجبل الذي هما فيه - وهو الجبل الكمد -. قال: قلت (7): جعلت فداك، فإذا طويت الجبل فما تسمع ؟.


(1) لا توجد: فيه، في المصدر: وفيه: يجري. (2) اقتباس من قوله تعالى: * (حميم ءان) * الرحمن: 44. (3) في كامل الزيارات: ما أسستما. (4) في ثواب الاعمال: فلا يرحم الله من يرحمكما. (5) كامل الزيارات: 326 - 327 باب 108 حديث 2، بتفصيل في الاسناد واختلاف. (6) في المصدر: ليتسلى عني.. (7) في الكامل: قلت له.

[190]

قال: أسمع أصواتها يناديان: عرج علينا نكلمك فإنا نتوب، وأسمع من الجبل صارخا يصرح بي أجبهما وقل لهما: * (اخسئوا فيها ولا تكلمون) * (1). قال: قلت له: جعلت فداك، ومن معهم ؟. قال: كل فرعون عتا على الله وحكى الله عنه فعاله، وكل من علم العباد الكفر. قلت (2): من هم ؟. قال: نحو بولس (3) الذي علم اليهود أن * (يد الله مغلولة) * (4)، ونحو نسطور الذي علم النصارى أن * (المسيح (5) ابن الله) * (6)، وقال لهم: هم ثلاثة، ونحو فرعون موسى الذي قال: * (أنا ربكم الاعلى) * (7)، ونحو نمرود الذي قال: قهرت أهل الارض وقلت من في السماء، وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام، وقاتل فاطمة ومحسن (8)، وقاتل الحسن والحسين عليهم السلام، وأما (9) معاوية وعمر (10) فما يطمعان في الخلاص، معهما من (11) نصب لنا العداوة وأعان علينا بلسانه ويده وماله. قلت له: جعلت فداك، فأنت تسمع ذا كله ولا تفزع ؟.


(1) المؤمنون: 108. (2) في المصدر: فقلت. (3) في (س): يولس. (4) المائدة: 64. (5) في كامل الزيارات: أن عيسى المسيح. (6) التوبة: 30. (7) النازعات: 24. (8) في (ك) على كلمة: محسن، رمز نسخة بدل. (9) في المصدر: فأما. (10) في المصدر: وعمرو. وكتب في حاشيته: أنه ابن العاص، كما في رواية المفيد في الاختصاص، وهو الظاهر. (11) في كامل الزيارات: ومعهم كل من.

[191]

قال: يا بن بكر ! إن قلوبنا غير قلوب الناس، إنا مصفون (1) مصفون نرى ما لا يرى الناس ونسمع ما لا يسمعون (2). أقول: تمامه في باب غرائب أحوالهم عليهم السلام من كتاب الامامة (3). 51 - ثو (4): احمد بن الصقر (5)، عن محمد بن العباس، عن بسان (6)، عن محمد بن يزداد، عن نصر ابن سيار، عن محمد ابن عبد ربه وعبد الله بن خالد السلولي، عن نجيح المزني (7)، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرطي (8) وعمارة بن غزية (9) وسعيد بن أبي معد المقري (10) وعبد الله بن أبي مليكة وغيرهم من مشيخة أهل المدينة، قالوا: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل عمر بن الخطاب يقول: والله ما مات محمد وإنما غاب كغيبة موسى عن قومه، وإنه سيظهر بعد غيبته، فما زال يردد هذا القول ويكرره حتى ظن الناس أن عقله قد ذهب، فأتاه أبو بكر - وقد اجتمع الناس عليه يتعجبون من قوله - فقال: اربع على نفسك - يا عمر ! - من يمينك التي تحلف بها، فقد أخبرنا الله عزوجل في كتابه، فقال: يا محمد ! * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (11). فقال عمر: وإن هذه الآية في كتاب الله


(1) في المصدر: إنا مطيعون مصفون مصطفون. (2) في الكامل: ما لا يسمع الناس..، وللحديث ذيل يلا يلاحظ. (3) بحار الانوال 25 / 372 - 376. وجاء أيضا عنه في بحار الانوار 6 / 288 حديث 10. (4) لا توجد الرواية في ثواب الاعمال ولا عقاب الاعمال، وقد وجدناها في كتابه الآخر: كمال الدين وتمام النعمة 1 / 30 - 32. (5) في (س): الصفر، وفي كمال الدين: احمد بن محمد الصقر الصائغ العدل. (6) في الاكمال: ابن بسام. (7) في إكمال الدين: أبو معشر نجيح المدني.. (8) في الاكمال: القرظي. (9) في (ك) نسخة بدل: عزية. (10) في إكمال الدين: سعيد بن أبي سعيد المقبري. (11) الزمر: 30.

[192]

يا أبا بكر ؟ ! فقال: نعم. فقال: الحمد لله (1)، أشهد بالله (2) لقد ذاق محمد الموت ولم يكن عمر جمع القرآن. 52 - ير (3): احمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أبي الصخر (4)، عن الحسن بن علي عليهما السلام، قال: دخلت أنا ورجل من أصحابي (5) على ابن عيسى (6) بن عبد الله بن أبي طاهر العلوي، قال أبو الصخر: فأظنه من ولد عمر بن علي، قال: وكان أبو طاهر في دار الصيديين نازلا، قال: فدخلنا عليه عند العصر وبين يديه ركوة من ماء وهو يتمسح، فسلمت عليه، فرد علينا السلام، ثم ابتدأنا فقال: ومعكم أحد ؟. فقلنا: لا. ثم التفت يمينا وشمالا هل يرى (7) أحدا، ثم قال: أخبرني أبي عن جدي أنه كان مع أبي جعفر محمد بن علي بمنى - وهو يرمي الجمرات - وإن أبا جعفر عليه السلام رمى الجمرات قال: فاستتمها ثم بقي في يده بعد (8) خمس حصيات، فرمى اثنتين في ناحية وثلاثة في ناحية، فقال له جدي: جعلت فداك، لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعه أحد قط، رأيتك رميت الجمرات ثم رميت بخمسة بعد ذلك، ثلاثة في ناحية، واثنتين في ناحية. قال: نعم إذا كان كل موسم (9) أخرج الفاسقان الغاصبان ثم يفرق بينهما ههنا لا يراهما إلا إمام عدل، فرميت الاول اثنتين والآخر ثلاثة، لان الآخر أخبث


(1) لا توجد: الحمد لله، في المصدر. (2) وضع على: أشهد بالله، في (ك) رمز نسخة بدل. (3) بصائر الدرجات 6 / 306 حديث 8. (4) في المصدر: أبي الصخرة، وما في المتن الصح لما يأتي. (5) في البصائر: من أصحابنا. (6) في (س): على عيسى. وهي نسخة في (ك). (7) في المصدر: لا يرى. (8) وضع على: بعد، رمز نسخة بدل في (ك). (9) في (س): إذا كان في الموسم.

[193]

من الاول (1). 53 - ختص (2): احمد بن محمد بن عيسى، عن الوشا، عن أبي الصخر احمد بن عبد الرحيم، عن الحسن بن علي - رجل كان يكون (3) في جباية (4) مأمون - قال: دخلت... وذكر مثله، أخرجا الفاسقان (5) غضين طريين فصلبا ههنا لا يراهما إلا إمام عدل. 54 - ير (6) ابن عيسى وابن أبي الخطاب معا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ومعه أبو الفصيل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لانظر الآن إلى جعفر وأصحابه الساعة تعوم (7) بينهم سفينتهم في البحر، وإني لانظر إلى رهط من الانصار في مجالسهم محتبين (8) بأفنيهم، فقال له أبو الفصيل: أتراهم يا رسول الله الساعة ؟ !. قال: نعم. قال: (9): فأرنيهم. قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله على عينيه ثم قال: انظر. فنظر فرآهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرأيتهم ؟. قال: نعم. وأسر (10) في نفسه أنه ساحر.


(1) وجاء في المحتضر للحسن بن سليمان الحلي: 13 - 14. (2) الاختصاص: 277، مع تفصيل في الاسناد. (3) لا توجد: يكون، في المصدر: وهو الظاهر. (4) أي من يجمعون الزكاة من الاطراف. (5) كذا ورد في المصدر أيضا والبصائر. (6) بصائر الدرجات 9 / 442 باب 1 حديث 13، وجاء السند فيه: احمد بن محمد ومحمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زياد الكناسي. (7) في (ك): تقوم. وفي هامش المصدر: تغوم بهم، كذا في البحار. أقول: تعوم.. أي تسير، كما في القاموس 4 / 155، وفي المصدر: تغوم. قال في المصباح المنير 2 / 626: غال غولا - من باب قال -: اهلكه. ولعل النقطة على العين في المصدر زائدة. (8) في المصدر: مخبتين، وفي (ك): محبئين. (9) لا توجد: قال في المصدر: وفي (س) من البحار. (10) في (س): وأصر.

[194]

بيان: الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه (1)، ويكنى عن أبي بكر ب‍: أبي الفصيل لقرب معنى البكر، وهو الفتى من الابل (2) والفصيل. 55 - ير (3): موسى بن عمر، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، سمى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر: الصديق ؟. قال: نعم. قلت: فكيف ؟. قال: حين (4) كان معه في الغار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لارى سفينة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) تضطرب في البحر ضالة. قال: يا رسول الله (ص) ! وإنك لتراها ؟ ! قال: نعم. قال: فتقدر أن ترينيها ؟. قال: ادن مني. قال: (5): فدنا منه، فمسح على عينيه، ثم قال: انظر، فنظر أبو بكر فراى السفينة وهي تضطرب في البحر، ثم نظر إلى قصور أهل المدينة فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصديق أنت. 56 - خص (6): سعد، عن موسى بن عمر مثله، وزاد في آخره: فقلت (7) لم سمي عمر: الفاروق ؟. قال: نعم، ألا ترى أنه قد فرق بين الحق والباطل وأخذ الناس بالباطل. فقلت: فلم سمي سالما: الامين ؟. قال: لما كتبوا الكتب وضعوها على يد سالم فصار الامين. قلت: فقال: اتقوا دعوة سعد. قال: نعم، قلت: وكيف ذلك ؟. قال: إن سعدا يكر فيقاتل عليا عليه السلام.


(1) كما في مجمع البحرين 5 / 442، ولسان العرب 11 / 522، وتاج العروس 8 / 59. (2) ذكره في النهاية 1 / 149، وتاج العروس 3 / 57، ولسان العرب 4 / 79، والصحاح 2 / 595. (3) بصائر الدرجات 9 / 442 باب 1 حديث 14. (4) لا توجد: حين، في (س). (5) لا توجد: قال، في (ك). (6) مختصر البصائر: 29. (7) لا توجد: فقلت في (س).

[195]

بيان: قوله صلى الله عليه وآله: الصديق أنت.. على التهكم، أو على الاستفهام الانكاري. 57 - ير (1): محمد بن عبد الجبار، عن عبد الله بن الحجال، عن أبي عبد الله المكي الحذاء، عن سوادة أبي علي (2)، عن بعض رجاله، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الاعور - وهو عنده -: هل ترى ما أرى ؟. فقال: كيف أرى ما ترى وقد نور الله لك وأعطاك ما لم يعط أحدا ؟. قال: هذا فلان - الاول - على ترعة (3) من ترع النار يقول: يا أبا الحسن ! استغفر لي، لا غفر الله له. قال (4): فمكث هنيئة ثم قال: يا حارث ! هل ترى ما أرى ؟. فقال: وكيف أرى ما ترى وقد نور الله لك وأعطاك ما لم يعط أحدا (5). قال: هذا فلان - الثاني - على ترعة من ترع النار يقول: يا أبا الحسن ! استغفر لي، لا غفر الله له. 58 - ير (6): محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن (7) الحسين، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: إن لله بلدة خلف المغرب يقال لها: جابلقا، وفي جابلقا سبعون


(1) بصائر الدرجات، الجزء التاسع: 441 باب 1 حديث 11. (2) في المصدر: أبي يعلي. (3) في (س) جاء: نزعة من نزع، ولعلها اشتباه، والترعة - بالضم -: الباب جمعها ترع - كصرد -: قاله في القاموس 3 / 9، وقال فيه في صفحة: 88: الترعة: الطريق في الجبل. (4) لا توجد: قال، في (ك). (5) في المصدر لا يوجد: أحدا. (6) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 510 باب 14 حديث 1. (7) جاء في حاشية (ك): علي بن.. وبعدها صح ولم يعلم على محلها، ومحلها هنا: أي عن علي بن الحسين، وكذا جاءت في المصدر.

[196]

ألف أمة ليس منها (1) أمة إلا مثل هذه الامة، فما عصوا الله طرفة عين، فما يعملون عملا ولا يقولون قولا إلا الدعاء على الاولين والبراءة منهما، والولاية لاهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله. 59 - ير (2): يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم الحميري (3)، عن أبي عمران الارمني (4) عن الحسين بن الجارود، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن من وراء أرضكم هذه أرضا بيضاء ضوءها منها، فيها خلق الله يعبدون الله و (5) لا يشركون به شيئا، يتبرأون (6) من فلان وفلان. 60 - ير (7): احمد بن موسى، عن الحسين بن موسى الخشاب، عن علي ابن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمرا فيها خلق كثير، لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه، ألهموا إلهاما لعنة.. فلان وفلان. 61 - ير (8): سلمة، عن احمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سليمان، عن يقطين الجواليقي، عن قلقلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن الله خلق جبلا محيطا بالدنيا من زبرجد أخضر (9)، وإنما خضرة السماء من خضرة ذلك


(1) في (ك): فيها. (2) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 510 باب 14 حديث 2. (3) في المصدر: الجريري. (4) جاء في (ك): الاعمري، وذكر في الحاشية: الارمني، نسخة بدل. (5) لا توجد الواو في المصدر. (6) في (ك): ويتبرؤن. (7) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 510 باب 14 حديث 3. (8) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 512 باب 14 حديث 6، بتفصيل في الاسناد. (9) في المصدر: خضر.

[197]

الجبل، وخلق خلفه (1) خلقا لم يفرض (2) عليهم شيئا مما افترض على خلقه من صلاة وزكاة، وكلهم يعلن رجلين من هذه الامة.. وسماهما. 62 - ير (3): احمد بن الحسين، عن علي بن رئاب (4) عن عبيد الله الدهقان، عن أبي الحسن عليه السلام.. مثله. أقوله: روى الحسن (5) بن سليمان في كتاب المختصر (6) من بصائر سعد.. مثله (7). وروى أيضا عنه، عن أحمد بن الحسين، عن علي بن الريان (8)، عن عبيد الله الدهقان، عن الرضا عليه السلام، قال: سمعته يقول: إن لله خلف (9) هذا النطاق زبرجدة خضراء، فبالخضرة منها خضرت السماء (10)، قلت: وما النطاق ؟. قال: الحجاب، ولله عزوجل وراء ذلك سبعون ألف عالم أكثر من عدد


(1) لا توجد: خلفه، في المصدر. (2) في المصدر وفي نسخة جاءت في (ك): ولم يفرض. (3) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 516 حديث 7، باختلاف في السند وتقارب في المضمون، وسيأتي ذكره بعد قليل. (4) في المصدر: علي بن زيات. (5) في مطبوع البحار: الحسين، وهو غلط. (6) في (ك): المحتضر. أقول: لنا كتابان المختصر والمحتضر وكلاهما للحسن بن سليمان الحلي وقد وردت الرواية فيهما. (7) مختصر البصائر: 11، وكتاب المحتضر: 161. (8) في المصدر: علي بن زيات. (9) في البصائر: خلق، بدلا من: خلف. (10) في البصائر: فمن خضرتها اخضرت السماء.

[198]

الجن والانس، وكل (1) يلعن.. فلانا وفلانا (2). بيان: النطاق - ككتاب -: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها (3)، وأطلق على الحجاب مجازا. 63 - ير (4): احمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن درست، عن عجلان أبي صالح، قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام، فقال له: جعلت فداك هذه قبة آدم ؟. قال: نعم، وفيه قباب كثيرة، إن خلف مغربكم هذه (5) تسعة وثلاثين مغربا أرضا بيضاء مملوءة خلقا يستضيؤون بنورها لم يعصوا الله طرفة عين، ما يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه، يتبرأون من.. فلان وفلان لعنهما الله. 64 - ير (6): محمد بن هارون، عن أبي يحيى الواسطي، عن سهل بن زياد، عن عجلان أبي صالح، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قبة آدم، فقلت (7): هذه قبة آدم (8) ؟. فقال: نعم، ولله قباب كثيرة، أما إن خلف مغربكم هذه (9) تسعة وثلاثين مغربا أرضا بيضاء و (10) مملوة خلقا يستضيؤون بنورها (11) لم


(1) في البصائر: وكلهم. (2) رواه الحسن بن سليمان في كتابيه: مختصر البصائر: 12، والمحتضر: 161. (3) ذكره في مجمع البحرين 5 / 239، ولسان العرب 10 / 355، والصحاح 4 / 1559. (4) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 513 باب 14 حديث 10. (5) في المصدر: هذا، وهي نسخة في (ك). (6) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 513 باب 14 حديث 8. (7) في المصدر: فقلت له. (8) لا توجد كلمة: آدم في (ك). (9) في المصدر: هذا. (10) وضع على الواو في (س) رمز نسخة بدل. (11) في البصائر: بنورنا.

[199]

يعصوا الله طرفة عين، لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه، يتبرأون (1) من.. فلان وفلان، قيل له: كيف هذا يتبرأون من.. فلان وفلان وهم لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه ؟. فقال - للسائل عنه -: أتعرف إبليس ؟. قال: لا، إلا بالخبر. قال: فأمرت باللعنة والبراءة منه ؟. قال: نعم. قال (2): فكذلك أمر هؤلاء. أقول: رواه الحسن بن سليمان من بصائر سعد بن عبد الله مثله (3). 65 - ير (4): محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الصمد، عن جابر (5) عن أبي جعفر عليه السلام، قال سمعت (6) يقول: إن من وراء هذه أربعين عين شمس ما بين شمس إلى شمس أربعون عاما فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه، وإن من وراء قمركم هذا أربعين قمرا ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوما فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه، قد ألهموا كما ألهمت النحل لعنة الاول والثاني في كل وقت من الاوقات، وقد وكل بهم ملائكة متى ما لم يلعنوهما عذبوا. 66 - يج (7): روى عن محمد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن يزيد بن خليفة، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام قاعدا فسأله رجل من القميين (8): أتصلي النساء على الجنائز ؟. فقال: إن المغيرة بن أبي العاص ادعى


(1) في المصدر: يبرؤن. (2) لا توجد: قال، في (ك). (3) مختصر البصائر: 12. (4) بصائر الدرجات، الجزء العاشر: 513 باب 14 حديث 9. (5) لا يوجد: عن جابر، في المصدر. (6) في البصائر: سمعته. (7) الخرائج والجرائح 1 / 94 حديث 156 - تحقيق مدرسة الامام المهدي (ع) - النسخة الخطية: 20. (8) في المصدر: قال.

[200]

أنه رمى رسول الله صلى الله عليه وآله فكسرت (1) رباعيته وشق شفتيه وكذب، وادعى أنه قتل حمزة وكذب، فلما كان يوم الخندق ضرب على أذنيه فنام فلم يستيقظ حتى أصبح فخشى أن يؤخذ (2)، فتنكر وتقنع بثوبه وجاء إلى منزل عثمان يطلبه، وتسمى باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل والغنم والسمن، فجاء عثمان فأدخله، منزله وقال: ويحك ! ما صنعت ؟ ادعيت أنك رميت رسول الله (ص)، وادعيت أنك شققت شفتيه وكسرت رباعيته، وادعيت أنك قتلت حمزة،. فأخبره (3) بما لقى وأنه ضرب على أذنه، فلما سمعت ابنة النبي (ص) بما صنع بأبيهما وعمها صاحت، فأسكتها عثمان، ثم خرج عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو جالس في المسجد - فاستقبله بوجهه وقال: يا رسول الله ! إنك آمنت عمي المغيرة فكذب (4)، فصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه (5)، ثم استقبله من الجانب الآخر فقال: يا رسول الله ! إنك امنت عمي المغيرة، فكذب (6)، فصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه عنه، ثم قال: آمناه (7) وأجلناه ثلاثا، فلعن الله من أعطاه راحلة أو رحلا أو قتبا (8) أو سقاء أو قربة أو دلوا (9) أو خفا أو نعلا أو زادا أو (10) ماء. قال عاصم: هذه عشرة أشياء فأعطاها كلها عثمان (11) فخرج فسار على ناقته


(1) في الخرائج: فكسر.. (2) في المصدر: فخشي أن يجئ الطلب فيأخذوه. (3) في الخرائج: وأخبره. (4) في المصدر: وكذب. (5) في الخرائج: فصرف رسول الله (ص) وجهه عنه. (6) في المصدر: وكذب. (7) في المصدر: فصرف عنه رسول الله (ص) وجهه ثلاثا، ثم قال: قد آمناه.. (8) في (س): قبتا.. ولا معنى له لغة. (9) في المصدر: أو أداوة.. والمراد منه إناء صغير من جلد، وفي الصحاح 6 / 2266: المطهرة. (10) في (س) واو، بدلا من: أو. (11) في المصدر زيادة: إياه قبل: عثمان.

[201]

فنقبت، ثم مشى في خفيه فنقبا، ثم مشى في نعليه فنقبتا، ثم حبا (1) على رجليه فنقبتا، ثم مشى على (2) ركبتيه فنقبتا، فأتى شجرة فجلس تحتها، فجاء الملك فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا والزبير (3) فقال لهما: ايتياه فهو بمكان.. كذا وكذا فاقتلاه، فلما أتياه (4) قال زيد للزبير: إنه ادعى أنه قتل أخي - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين حمزة وزيدا - فاتركني أقتله، فتركه الزبير فقتله، فرجع عثمان من عند النبي صلى الله عليه وآله فقال لمرأته، إنك أرسلتي إلى أبيك فأعلمتيه بمكان عمي، فحلفت له بالله ما فعلت، فلم يصدقها، فأخذ خشبة القتب (5) فضربها ضربا مبرحا، فأرسلت إلى أبيها تشكوا ذلك وتخبره بما صنع، فأرسل إليه: إني لاستحيي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها وتشكو زوجها، فأرسلت إليه أنه: قد قتلني، فقال لعلي (6): خذ السيف ثم ائت بنت عمك فخذ بيدها، فمن حال بينك وبينها فاضربه بالسيف فدخل علي، فأخذ بيدها فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله فأرته ظهرها، فقال أبوها: قتلها قتله الله، فمكثت يوما وماتت في الثاني، واجتمع الناس للصلاة عليها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من بيته - وعثمان جالس مع القوم -، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ألم جاريته الليلة فلا تشهد (7) جنازتها ؟ قالها مرتين، وهو ساكت، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه


(1) في المصدر: مشى بدلا من: حبا. (2) في الخرائج: حتى جثى على.. (3) في الكافي: انطلق انت وعمار وثالث لهم فأت المغيرة بن العاص تحت الشجرة.. (4) في المصدر: فلما انتهيا إليه.. (5) في (س): القيت، وهو اشتباه. قال في مجمع البحرين 2 / 139: القتب - بالتحريك -: رحل البعير صغير على قدر السنام. (6) في المصدر: فقال صلى الله عليه وآله لعلي.. (7) في الخرائج: فلا يشهد، وهو الظاهر.

[202]

وآله ليقومن أو لاسمينه باسمه واسم أبيه، فقام يتوكأ على مولى (2) له. قال: فخرجت فاطمة عليها السلام في نسائها فصلت على أختها (3). بيان: قال الجوهري: نقب البعير - بالكسر - إذا ألقت (4) اخفافه.. ونقب الخف الملبوس: تخرق (5) (6). وقال: حبا الصبي على استه حبوا.. إذا زحف (7). والبراح: المشقة والشدة (8). وأقول: قد مر هذا الخبر برواية الكليني أبسط من هذا في باب أحوال أولاد النبي صلى الله عليه وآله (9).


(1) في المصدر: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الظاهر. (2) في الخرائج: على مهين، وهو اسم مولى لعثمان. (3) وقريب من هذا الحديث ما جاء في الكافي 3 / 251 حديث 8، والتهذيب 3 / 303 حديث 69، وأخرجه في الوسائل 2 / 818 حديث 2، وذكره في البحار 22 / 158 حديث 19، و 78 / 391 - 392 حديث 57. (4) في المصدر: رقت، وفي (ك): زقت. (5) في الصحاح: أي تخرق. (6) الصحاح 1 / 227، وانظر: مجمع البحرين 2 / 176، وتاج العروس 1 / 492. (7) الصحاح 6 / 2307، وقارن بتاج العروس 10 / 81. (8) قال في مجمع البحرين 2 / 342: التبريح: المشقة والشدة، ونحوه في النهاية 1 / 113، وكذا في لسان العرب 2 / 411، وزاد في الثاني: والبرحاء: الشدة والمشقة. وعليه يحتمل أن يكون الاصل التربيح، مع أن كلمة التي كان - رحمه الله - بصدد بيانها هي: مبرحا، ولا ترتبط كلمة البراح بها، إلا أن يجعل مصدر الباب التفعيل كسلام وكلام. (9) بحار الانوار 22 / 160 - 162 حديث 22، الكافي 3 / 69 - 70.

[203]

67 - شف (1): أحمد بن محمد بن (2) الطبري من كتابه...، عن محمد بن الحسين بن حفص وعلي بن احمد بن حاتم وعلي بن العباس وعلي بن الحسين العجلي وجعفر بن محمد بن مالك والحسن بن السكن (3) جميعا، عن عباد بن يعقوب، عن علي بن هاشم بن زيد (4)، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن عمران بن ميثم الكيال، عن مالك بن زمرد الرواسي، عن أبي ذر الغفاري، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله: * (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) * (5) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ترد أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فأولها مع عجل هذه الامة فآخذ بيده فترجف قدماه ويسود وجهه وجوه أصحابه، فأقول: ما فعلتم بالثقلين ؟. فيقولون: أما الاكبر فخرقنا (6) ومزقنا، وأما الاصغر فعادينا وأبغضنا (7)، فأقول: ردوا ظماء مظمئين مسودة وجوهكم فيؤخذ بهم ذات الشمال لا يسقون قطرة. ثم يرد (8) علي راية فرعون هذه الامة فأقوم فآخذ بيده ثم ترجف قدماء (9) ويسود وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما فعلتم بالثقلين ؟. فيقولون: أما الاكبر


(1) كشف اليقين: 104 باب 124، بتفصيل في الاسناد. أقول: هذا الكتاب هو كتاب اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليه السلام لابن طاووس - رحمه الله - يعبر عنه العلامة المجلسي ب‍: كشف اليقين أيضا. (2) لا توجد: بن، في المصدر، وهي نسخة في (ك). (3) في اليقين: الكوفيون. (4) في (س): يزيد. (5) آل عمران: 106. (6) في (ك) فخرقناه، وفي المصدر: فحرقناه، وهي نسخة في (ك) من البحار. (7) في المصدر: فعاديناه وأبغضناه. (8) في المصدر: ترد. (9) في (س): قدما.

[204]

فمزقنا منه، وأما (1) الاصغر فبرئنا (2) منه ولعناه، فأقول: ردوا ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، فيؤخذ بهم ذات الشمال لا يسقون قطرة. ثم يرد (3) علي راية ذي الثدية معها أول خارجة وآخرها، فأقوم فآخذ بيده فترجف قدماه وتسود وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما فعلتم بالثقلين بعدي ؟. فيقولون: أما الاكبر فمزقنا منه، وأما الاصغر فبرئنا منه ولعناه. فأقول: ردوا ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، فيؤخذ (4) بهم ذات الشمال لا يسقون قطرة. ثم ترد علي راية أمير المؤمنين وسيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، فأقوم فآخذ بيده فتبيض (5) وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما فعلتم بالثقلين بعدي ؟. فيقولون: أما الاكبر فاتبعناه وأطعناه، وأما الاصغر فقاتلنا معه حتى قتلنا. فأقول: ردوا رواء مرويين مبيضة وجوهكم، فيؤخذ بهم ذات اليمين، وهو قول الله عزوجل: * (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) * (6). بيان: أقول: سقط من هذا الخبر راية قارون هذه الامة، وقد أوردنا في باب


(1) في اليقين: فمزقناه وأما.. (2) في اليقين: فتبرءنا. (3) في المصدر: ترد. (4) في (س): فتؤخذ. (5) في اليقين: فيبيض. (6) آل عمران: 106. ونظير هذا الحديث ذكره ابن طاووس في كتابه اليقين: 77 باب 96، وصفحة: 126 باب 129، وصفحة: 150، فراجع.

[205]

الرايات (1) برواية ابن عقدة وغيره، عن أبي ذر هذه الرواية، وفيها: إن شرار الآخرين، العجل، وفرعون، وهامان، وقارون، والسامري، والابتر.. ثم ذكر راية العجل، وراية فرعون، وراية فلان.. أمام خمسين ألفا من أمتي، وراية فلان.. أمام سبعين ألفا، ثم راية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقد أوردنا فيه أخبارا أخر بأسانيد تركناها هنا حذرا من التكرار. 68 - شف (2): من كتاب المناقب لاحمد بن مردويه...، عن اسماعيل بن علي الواسطي، عن الهيثم بن عدي الطائي، عن حماد بن عيسى، عن علي بن هاشم، عن أبيه وابن أذنية، عن أبان بن تغلب، عن مسلم، قال: سمعت أبا ذر والمقداد بن الاسود وسلمان الفارسي (3) رضوان الله عليهم، قالوا: كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وآله ما معنا غيرنا، إذ أقبل ثلاثة رهط من المهاجرين البدريين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله عليه وآله: تفترق أمتي بعدي (4) ثلاث فرق، فرقة أهل حق لا يشوبونه بباطل، مثلهم كمثل الذهب كلما فتنته (5) النار ازداد طيبا، وإمامهم (6) هذا - لاحد (7) الثلاثة -، وهو الذي أمر الله (8) به في كتابه إماما


(1) في (س): الآيات، وهو سهو. بحار الانوار 37 / 341 - 347، باب خبر الرايات فيه جملة من الروايات. (2) اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليه السلام: 182 باب 185، بتفصيل في الاسناد. وقال في اليقين: رواه من أربع طرق في ترجمة ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله... نذكر منها طريقين.. (3) لا توجد: الفارسي، في المصدر. (4) لا توجد: بعدي، في المصدر. (5) في (س): فتته، وهي لا تناسب المقام معنى. قال في المصباح المنير 2 / 231: وأصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب والفضة: إذا أحرقته بالنار ليبين الجيد من الردئ. (6) في اليقين: فتنته بالنار ازداد حسنا وثناءا، امامهم.. (7) كذا، والظاهر: أشار إلى أحد الثلاثة. وكذلك ما يأتي من قوله عليه السلام: امامهم هذا لاحد الثلاثة، أو يكون إمامهم هذا، وجملة: أحد الثلاثة من الرواي، فتكون بيانية معترضة. (8) ذكر الله، نسخة جاءت في (ك).

[206]

ورحمة (1)، وفرقة أهل الباطل لا يشوبونه بحق، مثلهم كمثل خبث (2) الحديد، كلما فتنته بالنار ازداد خبثا ونتنا، إمامهم هذا - لاحد الثلاثة -، وفرقة أهل (3) الضلالة مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إمامهم أحد الثلاثة. قال: فسألته عن أهل الحق وإمامهم. فقال: علي بن أبي طالب (ع) إمام المتقين، وأمسك عن الاثنين، فجهدت أن يعفل فلم يفعل. 69 - شف (4): من كتاب عتيق من أصول المخالفين، عن محمد بن عبد الله بن الحسين الجعفي، عن الحسين بن محمد بن الفرزدق القطيعي (5)، عن الحسين بن علي بن بزيع، عن يحيى بن حسن بن فرات، عن أبي عبد الرحمن المسعودي، عن (6) عبد الله بن عبد المالك، عن الحرث بن حصيرة، عن صخر بن الحكم الفزاري (7)، عن حيان بن الحرث الازدي - يكنى أبا عقيل -، عن الربيع ابن جميل الضبي، عن مالك بن ضمرة (8) الرواسي، عن أبي ذر الغفاري: اجتمع هو وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والمقداد بن الاسود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، قال: فقال أبو ذر: حدثونا حديثا نذكر به رسول الله صلى الله عليه وآله فنشهد له وندعو له ونصدقه، فقالوا: حدثنا.. يا علي !.


(1) في المصدر لا يوجد من قوله: وهو الذي.. إلى: ورحمة. (2) لا توجد: خبث، في المصدر. (3) من قوله: وفرقة أهل.. إلى آخر الحديث تجده في الصفحة: 181 من اليقين. وقد جمع بين الحديثين، أو كان المجموع في مكان آخر غير ما ذكرناه. (4) اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليه السلام: 166 - 169 باب 169. (5) في المصدر: أبو عبد الله الحسين بن محمد الفرزدق القطعي الفزازي. (6) خط على: عن، في (ك). (7) في اليقين: عن الحرث بن الحضيرة بن الحكم الفزاري. (8) في (س): حمزة، ويأتي في آخر الحديث في المتن والمصدر: ضمرة أيضا.

[207]

قال (1): فقال علي (2) عليه السلام: لقد علمتم ما هذا زمان حديثي، قالوا: صدقت. قال: فقالوا: حدثنا.. يا حذيفة !. قال: لقد علمتم أني سئلت عن المعضلات فحذرتهن. قالوا (3): صدقت. قال: فقالوا: حدثنا.. يا بن مسعود ! قال: لقد علمتم أني قرأت القرآن لم أسأل عن غيره. قالوا: صدقت. قال: فقالوا: حدثنا.. يا مقداد !. قال: لقد علمتم إنما كنت فارسا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله أقاتل، ولكن أنتم أصحاب الحديث. فقالوا: صدقت. قال: فقالوا: حدثنا.. يا عمار !. قال: فقال: لقد علمتم أني إنسان نساء (4) إلا أن أذكر فأذكر. قالوا: صدقت. قال: فقال أبو ذر رحمة الله عليه: إنما أحدثكم بحديث سمعتموه أو من سمعه منكم بلغ (5)، ألستم تشهدون أن (6) لا إله إلا الله وأن محمد عبد ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن البعث حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق ؟. قالوا: نشهد. قال: وأنا من (7) الشاهدين. قال: ألستم تشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثنا أن (8) شر الاولين والآخرين اثنا عشر: ستة من الاولين وستة من الآخرين، ثم سمى من الاولين ابن آدم (9) الذي قتل أخاه، وفرعون، وهامان، وقارون، والسامري، والدجال اسمه في الاولين ويخرج في الآخرين، وسمى من الآخرين ستة: العجل


(1) لا توجد: قال، في المصدر. (2) في (س): فقال لي. (3) في اليقين: فقالوا. (4) في الصمدر: أنسى. (5) هنا زيادة جاءت في المصدر: تشهدون أنه حق. (6) لا توجد: أن، في (س). (7) في اليقين: وأنا معكم من.. (8) لا توجد: إن، في المصدر. (9) في المصدر: آدم النبي.

[208]

- وهو عثمان -، وفرعون - وهو معاوية -، وهامان - وهو زياد بن أبي سفيان -، وقارون - وهو سعد بن أبي وقاص -، والسامري - وهو عبد الله بن قيس أبو موسى -، قيل: وما السامري ؟. قال: قال السامري (1): لا مساس، وهو يقول: لا قتال (2)، والابتر - وهو عمرو بن العاص -، قالوا: وما أبترها (3) ؟. قال: لا دين له (4) ولا نسب. قال: فقالوا: نشهد على ذلك. قال: وأنا على ذلك من الشاهدين. ثم قال: ألستم تشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن من أمتي من يرد علي الحوض على خمس رايات: أولهن راية العجل فأقوم (5) فإذا أخدت بيده اسود وجهه، ورجفت قدماه، وخفقت أحشاؤه، وفعل ذلك تبعه (6)، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: كذبنا الاكبر ومزقناه واضطهدناه، والاصغر أبترناه حقه (7)، فأقول: اسلكوا ذات الشمال، فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون (8) منه قطرة. ثم يرد (9) علي راية فرعون أمتي - وهم أكثر الناس البهرجيون -، فقلت: يا رسول الله (ص) ! وما البهرجيون ؟ أبهرجوا الطريق ؟. قال: لا، ولكن بهرجوا دينهم، وهم الذين يغضبون للدنيا ولها يرضون، ولها يسخطون، ولها ينصبون، فأقوم فآخذ بيد صاحبهم فإذا أخذت بيده اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت


(1) لا توجد: قال السامري، في المصدر. (2) في اليقين: قال يقولون لا قتال. (3) في (ك): تبرها، وفي الصمدر: وما أبترها بعينه. (4) لا توجد: له، في الصمدر. (5) في اليقين زيادة: فآخذ بيده. (6) في الصمدر: بمن تبعه، بدلا من: تبعه. (7) نسخة في (ك): ابتززناه، وفي الصمدر: وأما الاصغر فابتززنا حقه. (8) في (ك): لا يطمعون - بتقديم الميم على العين المهملة -. وما في المتن نسخة فيها. (9) في المصدر: ترد.

[209]

أحشاؤه، وفعل ذلك تبعه (1)، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: كذبنا الاكبر ومزقناه، وقاتلنا الاصغر وقتلناه، فأقول: اسلكوا طريق أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون (2) منه قطرة. ثم ترد (3) علي الراية عبد الله بن قيس - وهو إمام خمسين ألفا من أمتي -، فأقوم فآخذ بيده، فإذا أخذت بيده اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه، وفعل ذلك تبعه (4)، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: كذبنا الاكبر وعصيناه وخذلنا الاصغر وخذلنا منه (5)، فأقول: اسلكوا طريق (6) أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون (7) منه قطرة. ثم ترد علي راية المخدج - وهو إمام سبعين (8) ألفا من الناس - فأقوم فآخذ بيده، فإذا أخذت بيده اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه، وفعل ذلك تبعه (9)، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟، فيقولون: كذبنا الاكبر وعصيناه، وقاتلنا الاصغر وقتلناه (10). فأقول: اسلكوا سبيل أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثم ترد علي راية علي بن أبي طالب (ع) أمير المؤمنين وإمام الغر المحجلين، فأقوم فآخذ بيده فيبيض وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين


(1) في المصدر: بمن تبعه. (2) جاءت: يطمعون، في (ك). (3) في (ك): يرد. (4) في اليقين: بمن تبعه، بدلا من: تبعه. (5) في المصدر: وخذلنا عنه. (6) جاءت نسخة بدلا من طريق: سبيل، في (ك). (7) في (ك): لا يطمعون. (8) في (ك): سبعون، وهو غلط. (9) جاء: من تبعه، بدلا من: تبعه، في المصدر. (10) في (س): وقلناه.

[210]

بعدي ؟. فيقولون تبعنا الاكبر وصدقناه، ووازرنا الاصغر ونصرناه وقاتلنا معه، فأقول: ردوا رواء مرويين، فيشربون شربة لا يظمؤون بعدها أبدا (1)، وجه إمامهم كالشمس الطالعة ووجوههم كالقمر ليلة البدر، أو كأضوء نجم في السماء. ثم قال: ألستم تشهدون على ذلك ؟. قالوا: بلى (2)، وأنا على ذلك من الشاهدين. قال لنا القاضي محمد بن عبد الله: اشهدوا علي عند الله أن الحسين بن محمد (3) بن الفرزدق حدثني بهذا، وقال الحسين بن محمد: اشهدوا علي بهذا عند الله أن الحسين بن علي بن بزيع حدثني بهذا، وقال الحسين بن علي (4) بن بزيع: اشهدوا علي بهذا عند الله أن يحيى بن الحسن حدثني بهذا، وقال يحيى بن الحسن: اشهدوا علي عند الله أن أبا عبد الرحمن حدثني بهذا عن الحارث بن حصيرة (5)، وقال أبو عبد الرحمن (6): اشهدوا علي بهذا (7) عند الله أن الحارث بن حصيرة (8) حدثني بهذا عن صخر بن الحكم، وقال الحارث بن حصيرة (9): اشهدوا علي عند الله أن صخر بن الحكم حدثني بهذا عن حيان بن الحرث، وقال صخر بن الحكم: اشهدوا علي بهذا عند الله أن حيان بن الحرث حدثني بهذا عن الربيع بن جميل الضبي، وقال حيان بن الحرث: اشهدوا علي بهذا عند الله أن الربيع بن


(1) لا توجد: أبدا، في (س). (2) في المصدر زيادة: قال. (3) لا توجد في اليقين: بن محمد. (4) في المصدر لا توجد: بن علي. (5) لا توجد: عن الحارث بن حصيرة، في المصدر. (6) في الصمدر: عبد الله بن عبد الملك، بدلا من: أبو عبد الرحمن. (7) لا توجد: بهذا، في اليقين. (8) في المصدر: حضيرة - بالضاد المعجمة -. (9) في الصمدر: حضيرة - بالضاد المعجمة -.

[211]

جميل الضبي حدثني بهذا عن مالك بن ضمرة الرواسي (1)، وقال الربيع (2) بن جميل: اشهدوا علي بهذا عند الله أن مالك بن ضمرة حدثني بهذا عن أبي ذر الغفاري، وقال مالك بن ضمرة: اشهدوا علي بهذا عند الله أن أبا ذر الغفاري حدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال أبو ذر: اشهدوا علي بهذا عند الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله (3) حدثني بهذا عن جبرئيل، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اشهدوا علي بهذا عن الله (4) أن جبرئيل حدثني بهذا عن الله جل وجهه (5) وتقدست أسماؤه. وقال يوسف بن كليب ومحمد بن حنبل: أن أبا عبد الرحمن حدثه بهذا الحديث بهذا الاسناد و (6) بهذا الكلام، قال الحسن بن علي بن بزيع: وزعم إسماعيل بن أبان أنه سمع هذا الحديث - حديث الرايات - من أبي عبد الرحمن المسعودي. بيان: لعله عمل بعض الرواة في تفسير العجل وفرعون وهامان نوع تقية، لرسوخ حب صنمي قريش في قلوب الناس. وقال الجوهري: خفقت الراية تخفق وتخفق خفقا وخفقانا وكذلك القلب والسراب إذا اضطربا (7). وقال الفيروز آبادي: البهرج: الباطل والردئ والمباح، والبهرجة: أن


(1) في (س): الراوي. ولا توجد من قوله: الضبي، وقال حيان.. إلى هنا في المصدر. (2) في المصدر: وقال ربيع - بلا ألف ولام -. (3) لا توجد في المصدر: من قوله: وقال أبو ذر.. إلى هنا. (4) في اليقين: عند الله. (5) في اليقين: جل جلاله. (6) لا توجد الواو، في المصدر. (7) الصحاح 4 / 1469، وقارن بتاج العروس 6 / 333، ولسان العرب 10 / 80.

[212]

تعدل (1) بالشئ عن الجادة القاصدة إلى غيرها، والمبهرج من المياه: المهمل الذي لا يمنع عنه، ومن الدماء: المهدر (2). 70 - شف (3): من كتاب المناقب لاحمد بن مردويه، عن احمد بن ابراهيم ابن يوسف (4)، عن عمران بن عبد الرحيم، عن يحيى الحماني، عن الحكم بن ظهير، عن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة - وعمر على بغل وأنا على فرس - فقرأ آية فيها ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: أم والله - يا بني عبد المطلب - لقد كان صاحبكم أولى بهذا الامر مني ومن أبي بكر (5)، فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلتك، فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين ؟ !، وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتم (6) منا الامر دون الناس ؟. فقال: إليكم (7) يا بني عبد المطلب، أما إنكم أصحاب عمر بن الخطاب، فتأخرت وتقدم هنيئة، فقال: سر.. لا سرت، فقال: أعد علي كلامك. فقلت: إنما ذكرت شيئا فرددت جوابه، ولو سكت سكتنا. فقال: والله إنا ما فعلنا ما فعلنا (8) عداوة، ولكن استصغرناه وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد (9) وترها، فأردت أن أقول: كان رسول الله صلى


(1) في المصدر: أن يعدل. (2) القاموس 1 / 180، وقارنه بتاج العروس 2 / 7، وانظر: لسان العرب 2 / 217. (3) اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليه السلام: 205 - 206، بتفصيل في الاسناد. (4) في (س): يوسف قال:..، وخط عليها في (ك). (5) إلى هنا باختلاف يسير جاء في كتاب محاضرات الادباء للراغب الاصفهاني 2 / 213 - طبعة مصر -. (6) بالمصدر: انتزعتما، وهي نسخة في مطبوع البحار. (7) لعل قوله: اليكم.. دعاء عليهم.. أي الي الله إياكم.. أي قصركم. أو كان معناه أبعدوا عني. (8) لا توجد: ما فعلنا - الثانية - في المصدر. (9) لا توجد: قد في المصدر.

[213]

الله عليه وآله يبعثه (1) في الكتيبة فينطح كبشها فلم يستصغره (2) فتستصغره أنت وصاحبك ؟، فقام (3) لا جرم، فكيف ترى والله ما نقطع أمرا دونه، و (4) لا نعمل شيئا حتى نستأذنه. بيان: قوله لعنه الله: أما إنكم.. لعله قال ذلك على سبيل التهديد.. أي إنكم تخاصموني، إما إخبارا، واما استفهاما إنكاريا. 71 - شف (5): احمد بن مردويه في كتاب المناقب، عن احمد بن ابراهيم ابن يوسف، عن عمران بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي بن حكيم، عن محمد ابن سعد، عن الحسن بن عمارة، عن الحكيم بن عتبة (6)، عن عيسى بن طلحة ابن عبيد الله، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام وأخرج معه العباس بن عبد المطلب، قال: فجعل الناس يتلقون (7) ويقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين !، وكان العباس رجلا جميلا فيقول: هذا صاحبكم، فلما كثر عليه التفت إلى عمر، فقال: ترى أنا والله أحق بهذا الامر منك، فقال عمر: أسكت، أولى (8) - والله - بهذا الامر مني ومنك رجل خلفته أنا وأنت بالمدينة، علي بن أبي طالب (ع) ! ! !. 72 - سر (9): موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ما حرم الله شيئا إلا وقد عصي فيه، لانهم تزوجوا أزواج رسول الله صلى الله


(1) في (س): بيعته. (2) لا يوجد في اليقين: يستصغره، وفيه: فلم تستصغره. (3) كذا في (س)، وفي (ك): فقا..، والظاهر: فقال، كما في المصدر. (4) لا توجد الواو في (ك). (5) اليقين: 206، بتفصيل في الاسناد وتصرف. (6) خ. ل: الحكم بن عتيبة. (7) في المصدر: يتلقون العباس. (8) لا توجد: فقال عمر اسكت أولى..، في المصدر. (9) السرائر: 472 - حجرية -، النوادر، مستطرفات السرائر: 18، حديث 7.

[214]

عليه وآله من بعده فخيرهن أبو بكر بين الحجاب ولا يتزوجن أو يتزوجن، فاخترن التزويج فتزوجن. قال زرارة: ولو سألت بعضهم أرأيت لو أن أباك تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى مات، أتحل لك إذن ؟. لقال: لا، وهم قد استحلوا أن يتزوجوا أمهاتهم إن كانوا مؤمنين، فإن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله مثل أمهاتهم (1). 73 - شئ (2): المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن جعفر بن محمد وأبي جعفر عليهما السلام في قول الله: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى...) * (3) إلى آخر الآية، قال: نزلت في عثمان، وجرت في معاوية وأتباعهما (4). 74 - شئ (5): عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى...) * (6) لمحمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام، هذا تأويل، قال (7): أنزلت في عثمان (8). 75 - شئ (9): عن أبي بصير، عن عبد الله في قوله: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذي...) * (إلى قوله: * (لا يقدرون على شئ مما


(1) انظر: بحار الانوار 22 / 199، حديث 17، ونظيره في البحار 16 / 397 و 22 / 210 ذيل حديث 36 - 37، و 104 / 23 حديث 34، ووسائل الشيعة 14 / 313 ذيل حديث 4، والكافي 5 / 421 ذيل حديث 3. (2) تفسير العياشي 1 / 147، حديث 482. (3) البقرة: 264. (4) وانظر: البرهان 1 / 253 و 254، وتفسير الصافي 1 / 225. (5) تفسير العياشي 1 / 147، حديث 483. (6) البقرة: 264. (7) وضع على: قال، في (ك) رمز نسخة بدل. (8) وانظر: تفسير البرهان 1 / 253. (9) تفسير العياشي 1 / 148، حديث 484.

[215]

كسبوا) * (1) قال (2) صفوان: أي حجر * (والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس) * (3) ؟. قال: فلان وفلان وفلان ومعاوية وأشياعهم (4). 76 - شئ (5): عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: * (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء) * (6) قال: حقيق على الله أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما (7). 77 - سر (8): أبو عبد الله السياري، عن الرضا عليه السلام، قال: كان عثمان إذا أتي بشئ من الفئ فيه ذهب عزله، وقال: هذا لطوق عمرو (9)، فلما كثر ذلك قيل له: كبر عمرو (10) عن الطوق، فجرى به المثل (11). بيان: ذكر (12) أصحاب كتب الامثال مورد المثل على وجه آخر تعصبا، مع أنه لا تنافي بينهما. قال الزمخشري في المستقصى (13): هو عمرو بن عدي ابن اخت جذيمة قد


(1) البقرة: 264. (2) لا توجد: قال، في (ك). (3) النساء: 38. (4) وانظر: تفسير البرهان 1 / 254. (5) تفسير العياشي 1 / 156، حديث 528. (6) البقرة: 284. (7) انظر: تفسير البرهان 1 / 267، وتفسير الصافي 1 / 237. (8) النوادر، مستطرفات السرائر 47، حديث 2، وفي الطبعة الحجرية من السرائر: 476، وانظر: مستطرفات السرائر: 43، حديث 15. (9) في (ك): عمر، وهو نسخة في المصدر. (10) في (ك): عمر، وهو نسخة في المصدر. (11) قد ذكره الميداني في مجمع الامثال 2 / 137. (12) في (س): سر، ذكر..، ولم نجده في كتاب السرائر ولا نوادره، والظاهر كون الرمز زائدا، فتدبر. (13) المستقصى في أمثال العرب 2 / 214.

[216]

طوق كثيرا (1) صغيرا ثم استهوته الجن مدة، فلما عاد همت أمه بإعادة الطوق إليه، فقال جذيمة:.. ذلك، وقيل إنها نطقته وطوقته وأمرته بزيارة خاله، فلما رأى لحيته والطوق قال:.. ذلك. ويروى شب عمرو عن الطوق وجل عمرو، يضرب في ارتفاع الكبير عن هيئة الصغير وما يستهجن من تحليته بحليته (2). ونحوه قال الميداني (3) لكنه طول القصة الغريبة. 78 - شي (4): علي بن ميمون الصايغ، عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة * (لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم) * (5): من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماما من الله، ومن قال إن لفلان وفلان في الاسلام نصيبا (6). 79 - شي (7): عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام.. مثله (8). 80 - شي (9): عن عامر بن كثير السراج، عن عطاء الهمداني، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: * (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) * (10) قال: فلان وفلان وفلان وأبو عبيدة بن الجراح. وفي رواية عمرو بن سعيد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: هما وأبو عبيدة بن الجراح.


(1) خط على: كثيرا في (ك)، وكتب عليها رمز نسخة بدل. (2) في (س): بحلية - بلا ضمير -. (3) مجمع الامثال 2 / 137 برقم: 3017. (4) تفسير العياشي 1 / 178، حديث 64، بتفصيل في السند. (5) آل عمران: 77. (6) وحكاه في تفسير البرهان 1 / 293. (7) تفسير العياشي 1 / 178، حديث 65. (8) وانظر: تفسير البرهان 1 / 293. (9) تفسير العياشي 1 / 274 - 275، حديث 267 و 268 و 269. (10) النساء: 108.

[217]

وفي رواية عمر بن صالح، قال: الاول والثاني وأبو عبيدة بن الجراح (1). 81 - شي (2): عن جابر، قال: قلت لمحمد بن علي عليهما السلام قوله تعالى (3) في كتابه: * (الذين ءامنوا ثم كفروا) * (4)، قال: هما والثالث والرباع وعبد الرحمن وطلحة وكانوا سبعة عشر رجلا. قال: لما وجه النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام وعمار ابن ياسر رحمه الله إلى أهل مكة، قالوا: بعث هذا الصبي ولو بعث غيره - يا حذيفة - إلى أهل (5) مكة، وفي مكة صناديدها، وكانوا يسمون عليا: الصبي، لانه كان اسمه في كتاب الله الصبي، لقول (6) الله: * (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا) * (7) وهو صبي * (وقال إنني من المسلمين) * (8)، والله (9) الكفر بنا أولى مما نحن فيه، فساروا فقالوا لهما وخوفوهما بأهل مكة فعرضوا لهما وغلظوا عليهما الامر، فقال علي صلوات الله عليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضى، فلما دخلا مكة أخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله بقولهم لعلي عليه السلام وبقول علي لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه، وذلك قول الله ألم تر إلى (10) * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل..) * إلى قوله: * (والله ذو فضل عظيم) * (11)، وإنما نزلت (ألم تر إلى..)


(1) انظر: تفسير البرهان 1 / 414. (2) تفسير العياشي 1 / 279 - 280، حديث 286. (3) في الصمدر: قول الله. (4) النساء: 137. (5) لا توجد: أهل، في (ك). (6) في (س): يقول. (7 و 8) فصلت: 33. (9) في الصمدر: وقالوا: والله. (10) عبارة: ألم تر إلى.. ليست جزءا من الآية في القرآن، ولعلها تفسير أو تأويل للآية من قبل الائمة عليهم السلام. (11) آل عمران: 173 - 174. (*)

[218]

فلان وفلان لقوا عليا وعمارا فقالا: إن أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهما اللذان قال الله: * (إن الذين ءامنوا ثم كفروا..) * إلى آخر الآية (1) فهذا أول كفرهم. والكفر الثاني قول النبي عليه وآله السلام: يطلع عليكم من هذا الشعب رجل فيطلع عليكم بوجهه، فمثله عند الله كمثل عيسى لم يبق منهم أحد إلا تمنى أن يكون بعض أهله، فإذا بعلي عليه السلام قد خرج وطلع بوجهه، قال (2): هو هذا، فخرجوا غضابا وقالوا: ما بقي إلا أن يجعله نبيا، والله الرجوع إلى آلهتنا خير مما نسمع منه في ابن عمه ! وليصدنا علي إن دام هذا، فأنزل الله: * (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون..) * إلى آخر الآية (3)، فهذا الكفر الثاني. وزيادة الكفر (4) حين قال الله: * (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * (5)، وقال (6) النبي صلى الله عليه وآله: يا علي ! أصبحت وأمسيت خير البريد، فقال له الناس: هو خير من آدم ونوح ومن ابراهيم ومن الانبياء.. فأنزل الله: * (إن الله اصطفئ ادم ونوحا وءال إبراهيم..) * إلى * (سميع عليم) * (7) قالوا: فهو خير منك يا محمد.. قال الله (8): * (قل... إني رسول الله إليكم جميعا) * (9) ولكنه خير منكم وذريته خير من ذريتكم، ومن اتبعه خير ممن اتبعكم، فقاموا غضابا، وقالوا زيادة: الرجوع إلى الكفر أهون علينا مما


(1) النساء: 137. (2) في المصدر: وقال. (3) الزخرف: 57. (4) في تفسير العياشي: وزاد الكفر بالكفر. (5) البينة: 7. (6) في المصدر: فقال. (7) آل عمران: 33 - 34. (8) الظاهر سقوط: قال، أي قال: قال الله.. (9) الاعراف: 158.

[219]

يقول في ابن عمه ! وذلك قول الله: * (ثم ازدادوا كفرا) * (1). باين: يصدون.. بمعنى يضجون (2)، وقوله وليصدنا.. ليس لبيان هذا الصدود، بل هو بمعنى المنع (3) عما هو مرادهم. قوله عليه السلام: وقالوا زيادة.. بالنصب، أو الرفع بالاضافة 82 - شي (4): عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله (5): * (إن الذين ءامنوا ثم كفروا... (6) ثم ازدادوا كفرا) * (7) قال: نزلت في أبي (8) عبد الله بن أبي سرح الذي بعثه عثمان إلى مصر، قال: وازدادوا كفرا حين لم يبق فيه من الايمان شئ (9). 83 - شئ (10): عن عبد الله (11) بن كثير الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: * (إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) * (12) قال: نزلت في فلان وفلان آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله في أول


(1) النساء: 137. وقد ذكر صدر الحديث في تفسير العياشي أيضا 1 / 206، حديث 154، وانظر: تفسير البرهان 1 / 421، وذكره الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي عن العياشي مختصرا. (2) كما في مجمع البحرين 3 / 83، وانظر: لسان العرب 3 / 246، والصحاح 2 / 496، وغيرهما. (3) ذكره في مجمع البحرين 3 / 83، وانظر: اصحاح 2 / 495، ولسان العرب 3 / 246. (4) تفسير العياشي 1 / 280، حديث 287. (5) في المصدر: في قول الله. (6) في التفسير ذكر المحذوف من الآية وهي: ثم آمنوا ثم كفروا. (7) النساء: 137. (8) لا توجد: أبي، في المصدر، وهو الظاهر، وهو اسم أخي عثمان من الرضاع، وهو الذي أهدر النبي صلى الله عليه وآله دمه يوم فتح مكة. (9) لا توجد: شئ في (س)، وانظر: تفسير البرهان 1 / 422، وتفسير الصافي 1 / 404. (10) تفسير العياشي 1 / 281، حديث 289. (11) في المصدر: عبد الرحمن. (12) النساء: 137.

[220]

الامر ثم كفروا حين عرضت عليهم الولاية، حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لامير المؤمنين عليه السلام ديث قالوا له: بأمر الله وأمر رسوله.. فبايعوه، ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الايمان شئ (1). 84 - كا (2): الحسين بن محمد، عن المعلى، عن محمد بن أورمة وعلي بن عبد الله، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير.. مثله. بيان: المراد بمن بايعوه: أمير المؤمنين صلوات الله عليه. 85 - شي (3): عن جابر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: * (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) * (4)، قال: فقال: هم أولياء فلان وفلان وفلان اتخذوهم ائمة دون (5) الامام الذي جعله الله للناس إماما، فلذلك قال الله تبارك وتعالى: * (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا..) * (6) إلى قوله: * (من النار) * (7)، قال: ثم قال أبو جعفر عليه السلام:


(1) لا توجد: شئ، في (س)، وانظر: تفسير البرهان 1 / 422، والصافي 1 / 404. (2) الكافي 1 / 420 - كتاب الحجة - باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، حديث 42، وانظر بقية روايات الباب. (3) تفسير العياشي 1 / 72، حديث 142. (4) البقرة: 165. (5) في الصمدر: من دون. (6) البقرة: 165 - 166. (7) البقرة: 167.

[221]

هم والله - يا جابر - أئمة (1) الظلم وأشياعهم (2). 86 - شي (3): عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قوله (4): * (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ءامنوا أشد حبا لله) * (5) قال: هم آل محمد (6) صلى الله عليه وآله (7). 87 - شي (8): عن منصور بن حازم، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: * (وما هم بخارجين من النار) * (9) ؟. قال: أعداء علي عليه السلام هم المخلدون في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين (10). 88 - شي (1): عن الحسين بن بشار، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله: * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) * (12) ؟. قال: فلان وفلان. * (ويهلك الحرث والنسل) * (13)، النسل: هم الذرية، والحرث: الزرع (14).


(1) في تفسير العياشي: والله يا جابر هم أئمة.. (2) وانظر: تفسير البرهان 1 / 172، والصافي 1 / 156، وإثبات الهدى 1 / 262. (3) تفسير العياشي 1 / 72، حديث 143. (4) في (س): قال. (5) البقرة: 165. (6) في (ك) نسخة بدل: هم أصحاب آل محمد.. (7) انظر: تفسير البرهان 1 / 172، والصافي 1 / 157. (8) تفسير العياشي 1 / 73، حديث 145. (9) البقرة: 167. (10) لا حظ: تفسير البرهان 1 / 172، والصافي 1 / 157. (11) تفسير العياشي 1 / 100، حديث 287. (12) البقرة: 204. (13) البقرة: 205. (14) وقد حكاه في تفسير البرهان 1 / 205، والصافي 1 / 181 عنه.

[222]

89 - شي (1): عن بعض أصحابه، قال: سمعت عمارا يقول - على منبر الكوفة -: ثلاثة يشهدون على عثمان أنه كافر وأنا الرابع، وأنا أتم الاربعة (2)، ثم قرأ هؤلاء الآيات (3) في المائدة: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * (4) و * (الظالمون) * (5) و * (الفاسقون) * (6). بيان: يعني أن الآيات الثلاث يشهدون [كذا] على عثمان أنه كافر وأنا رابعهم، وأتم وأوضح دلالة منهم على كفر. 90 - شي (7): عن أبي جميلة، عن بعض أصحابه، عن أحدهما عليهما السلام، قال: قد فرض الله في الخمس نصيبا لآل محمد صلى الله عليه وآله فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم حسدا وعداوة، وقد قال الله: * (ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) * (8)، وكان أبو بكر أول من منع آل محمد عليهم السلام حقهم وظلمهم، وحمل الناس على رقابهم، ولما قبض أبو بكر استخلف عمر على غير شورى من المسلمين ولا رضى من آل محمد، فعاش عمر بذلك لم يعط آل محمد عليهم السلام حقهم وصنع ما صنع أبو بكر (9). 91 - شي (10): عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام: * (من جاء


(1) تفسير العياشي 1 / 323، حديث 123. (2) في المصدر: وأنا أسمي الاربعة. (3) في (س): هذه الآيات، وجعل ما في المتن نسخة. (4) المائدة: 44. (5) المائدة: 45. (6) المائدة: 47. وقد جاء في تفسير البرهان 1 / 476. (7) تفسير العياشي 1 / 325، حديث 130. (8) المائدة: 47. (9) وانظر: تفسير البرهان 1 / 478. (10) تفسير العياشي 1 / 387، حديث 140.

[223]

بالحسنة فله عشر أمثالها) * (1) قال: من ذكرهما فلعنهما كل غداة كتب الله (2) له سبعين حسنة، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات (3). 92 - م (4): قوله عزوجل: * (وإذا لقو الذين آمنوا قالوا: ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) * (5) ؟. قال موسى بن جعفر عليهما السلام: وإذا رقى (6) هؤلاء الناكثون لبيعته (7) المواطئون على مخالفة علي عليه السلام ودفع الامر عنه، الذين آمنوا قالوا آمنا كإيمانكم، إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذر وعمارا قالوا لهم: آمنا بمحمد (ص) وسلمنا له بيعة علي عليه السلام وفضله (8) وأنفذنا لامره كما آمنتهم (9) إن كان (10) أولهم وثانيهم وثالثهم إلى تاسعهم، ربما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان وأصحابه، فإذا لقوهم اشمأزوا منهم وقالوا: هؤلاء أصحاب الساحر والاهوج - يعنون محمدا وعليا عليهما السلام -، ثم يقول بعضهم لبعض: احترزوا منهم لا يقفون من فلتات كلامكم على كفر محمد فيما قاله في علي فينموا عليكم، فيكون فيه هلاككم، فيقول أولهم: انظروا إلي كيف أسخر منهم وأكف عاديتهم عنكم ؟. فإذا لقوا (11) قال أولهم: مرحبا بسلمان ابن الاسلام الذي


(1) الانعام: 160. (2) لا يوجد لفظ الجلالة في (س). (3) انظر: البرهان في تفسير القرآن 1 / 566. (4) تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام: 120 - 125، حديث 63، وهناك نسخ أخرى جاءت في ذيل المصدر أو خلال متنه لم نشر إليهما. (5) البقرة: 14 - 15. وذكر بعدهما في المصدر: قال الامام عليه السلام. (6) في المصدر: إذا لقوا... (7) في التفسير: للبيعة.. (8) وضع في مطبوع البحار على: فضله، رمز نسخة بدل وبعدها: ص، أي في نسخة صحيحة. (9) كذا، وفي المصدر: كما أمنتم. (10) في (س) وضع على: كان، رمز نسخة بدل، وهي لا توجد في المصدر. (11) في الصمدر: فإذا التقوا.

[224]

قال فيه محمد سيد الانام: لو كان الدين متعلقا (1) بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس، هذا أفضلهم، يعنيك. وقال فيه: سلمان منا أهل البيت، فقرنه بجبرئيل الذي قال له يوم العباء لما قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: وأنا منكم، فقال: وأنت منا حتى ارتقى جبرئيل إلى الملكوت الاعلى يفتخر على أهله يقول: من مثلي ؟ ! بخ بخ وأنا (2) من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله. ثم يقول للمقداد: مرحبا بك يا مقداد ! أنت الذي قال فيك رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي ! المقداد أخوك في الدين وقد قدمك (3) فكأنه بعضك، حبا لك وتعصبا على أعدائك، وموالاة لاوليائك، ومعاداة لاعدائك (4)، لكن ملائكة السماوات والحجب أكثر حبا لك منك لعلي عليه السلام، وأكثر تعصبا على أعدائك (5) منك على أعداء علي عليه السلام، فطوباك ثم طوباك. ثم يقول لابي ذر: مرحبا بك يا أبا ذر ! أنت الذي قال فيك رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، و (6) قيل: بماذا فضله الله وشرفه (7) ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لانه كان بفضل علي - أخي رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما - قوالا، وله في كل الاحوال مداحا، ولشانئيه وأعدائه شانئا، ولاوليائه وأحبائه مواليا، وسوف يجعله


(1) في التفسير: معلقا. (2) نسخة بدل في (ك): انا - بتشديد النون -، وجاء في (س) بدلا من: وأنا، وأنت. (3) في المصدر: وقد قد منك، وهو الظاهر. (4) لا توجد في التفسير: ومعاداة لاعدائك. (5) من قوله عليه السلام: ومولاة لاوليائك.. إلى هنا لا توجد في (س)، ولعلها سطر ساقط، وهي موجودة في المصدر إلا أن بدلا من: أكثر تعصبا، أشد بغضا. (6) لا توجد الواو في المصدر. (7) في المصدر: الله تعالى بهذا وشرفه.

[225]

الله في الجنان من أفضل ساكنيها (1)، ويخدمه ما لا يعرف عدده إلا الله من وصائفها وغلمانها، وولدانها. ثم يقول لعمار بن ياسر: أهلا وسهلا ومرحبا بك يا عمار ! نلت بماولاة أخي رسول الله صلى الله عليه وآله مع أنك وادع رافه لا تزيد على المكتوبات والمسنونات من سائر (2) العبادات ما لا يناله الكاد بدنه ليلا ونهارا - يعني الليل قياما والنهار صياما -، والباذل أمواله وإن كانت جميع أموال الدنيا له، مرحبا بك، قد رضيك رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي - أخيه - مصافيا، وعنه مناوئا، حتى أخبر أنك ستقتقل في محبته، وتحشر يوم القيامة في خيار زمرته، وفقني الله تعالى لمثل عملك وعمل أصحابك، حتى (3) توفر على خدمة محمد رسول الله (ص) وأخي محمد - علي ولي الله - ومعاداة أعدائهما بالعداوة، ومصافاة أوليائهما بالموالاة والمتابعة، سوف يسعدنا الله يومنا (4) إذا التقينا بكم، فيقول (5) سلمان وأصحابه ظاهرهم كما أمرهم الله، يجوزون عنهم، فيقول الاول لاصحابه: كيف رأيتم سخريتي لهؤلاء (6) ؟ وكيف كففت عاديتهم عني وعنكم ؟. فيقولون له (7): لا تزال بخير ما عشت لنا. فيقول لهم: فهكذا فلتكن معاملتكم لهم إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذا، فإن اللبيب العاقل من تجرع على الغصة حتى ينال الفرصة، ثم يعودون إلى أخدانهم من المنافقين المتمردين المشاركين لهم في تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أداه إليهم عن الله عزوجل من ذكر تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام


(1) جاء في التفسير: الله عزوجل في الجنان من أفضل سكانها. (2) خط على كلمة: سائر في (س). (3) في المصدر: ممن، بدلا من: حتى، وهي نسخة في (ك)، وهو الظاهر. (4) يومنا هذا، جاءت في المصدر. (5) في المصدر: فيقبل، وهي نسخة في (ك). (6) جاء: بهؤلاء، بدلا من: لهؤلاء، في المصدر. (7) لا توجد في المصدر: له.

[226]

ونصبه إماما على كافة المكلفين. قالوا لهم: إنا معكم.. (1) على ما واطأناكم عليه من دفع علي عن هذا الامر إن كانت لمحمد كائنة، فلا يغرنكم ولا يهولنكم ما تستمعونه منا من تقريظهم، وتروننا نجترى عليه (2) من مداراتهم فإنا (3) نحن مستهزئون بهم، فقال الله عزوجل يا محمد (ص) !: * (الله يستهزئ بهم) * (4) يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا والآخرة: * (ويمدهم في طغيانهم) * (5) يمهلهم ويتأتى بهم (6) برفقه ويدعوهم إلى التوبة، ويعدهم إذا أنابوا المغفرة * (يعمهون) * (7) وهم يعمهون ولا يرعوون (8). قال العالم صلوات الله عليه (9): فأما استهزاء الله (10) بهم في الدنيا فإنه مع إجرائه إياهم على ظاهر أحكام المسلمين لاظهارهم ما يظهرونه من السمع والطاعة والموافقة، يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالتعريض لهم حتى لا يخفى على المخلصين من المراد بذلك التعريض، ويأمر بلعنهم. وأما استهزاؤه بهم في الآخرة، فهو إن الله عزوجل إذ أقرهم في دار اللعنة والهوان وعذبهم بتلك الالوان العجيبة من العذاب، وأقر هؤلاء المؤمنين في الجنان


(1) ذكر ما بعد الآية في المصدر:.. إنما نحن.. (2) جاء في المصدر: وترونا نجتري عليهم، وهو الظاهر. (3) في التفسير: فإنما، فيكون جزء الآية الكريمة. (4) البقرة: 15. (5) البقرة: 15. (6) في المصدر: ويتأنى بهم. (7) البقرة: 15. وفي نسخة من المصدر: وهم يعمهون. (8) في التفسير: يعمهون لا ينزعون.. وفيه زيادة هنا: عن قبيح، ولا يتركون أذى لمحمد (ص) وعلي عليه السلام يمكنهم ايصاله إليهما إلا بلغوه. (9) في المصدر: قال الامام العالم عليه السلام. (10) جاء: الله تعالى، في المصدر.

[227]

بحضرة محمد صلى الله عليه وآله صفي الملك الديان، أطلعهم على هؤلاء المستهزئين بهم (1) في الدنيا حتى يروا ما هم (2) فيهم من عجايب اللعاين، وبدايع النقمات، فيكون (3) لذتهم وسرورهم بشماتتهم (4) كما لذتهم وسرورهم بنعيمهم في جنان ربهم، فالمؤمنون يعرفون أولئك الكافرين المنافقين (5) بأسمائهم وصفاتهم، وهم على أصناف: منهم: من هو بين أنياب أفاعيها تمضغه. ومنهم: من هو بين مخاليب (6) سباعها تعبث به وتفترسه. ومنهم: من هو تحت سياط زبانيتها وأعمدتها ومرزباتها يقع (7) من أيديهم عليه تشدد (8) في عذابه، وتعظم خزيه ونكاله. ومنهم: من هو في بحار حميمها يغرق ويسحب فيها. ومنهم: من هو (9) في غسلينها وغساقها تزجره (10) زبانيتها. ومنهم: من هو في ساير أصناف عذابها، والكافرون و (11) المنافقون ينظرون فيرون هؤلاء المؤمنين الذين كانوا بهم في الدنيا يسخرون لما كانوا من موالاة محمد


(1) في المصدر: المستهزئين الذين كانو يستهزؤن بهم.. (2) لا توجد: هم، في (س)، وجاء في (ك): فيه، بدلا من: فيهم. (3) في التفسير: فتكون. (4) في المصدر: بشماتتهم بهم.. (5) في المصدر: والمنافقين. (6) في التفسير: مخالب - بلا ياء -. (7) في المصدر: تقع. (8) في التفسير: ما تشدد..، وهو الظاهر. (9) لا توجد كلمة: هو، في (س). (10) في المصدر: يزجره فيها. (11) وضع رمز نسخة بدل على الواو في (س).

[228]

وعلي وآلهما صلوات الله عليهم يعتقدون، فيرونهم (1) منهم من هو على فرشها يتقلب، ومنهم من هو على (2) فواكهها يرتع، ومنهم من هو على (3) غرفاتها أو في بساتينها ومتنزهاتها (4) يتبحبح (5)، والحور العين والوصفاء والولدان والجواري والغلمان قائمون بحضرتهم وطائفون بالخدمة حواليهم، وملائكة الله عزوجل يأتونهم من عند ربهم بالحباء والكرامات وعجايب التحف والهدايا والمبرات، يقولون (6): * (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) * (7)، فيقول هؤلاء المؤمنون المشرفون على هؤلاء الكافرين المنافقين: يا أبا فلان ! (8) ويا فلان ! ويا فلان ! (9).. حتى ينادونهم بأسمائهم: ما بالكم في مواقف خزيكم ماكثون ؟ ! هلموا إلينا نفتح لكم أبواب الجنان لتخلصوا من عذابكم، وتلحقوا بنا في نعيمها، فيقولون: يا ويلنا ! أنى لنا هذا ؟. يقول المؤمنون: انظروا إلى هذه الابواب، فينظرون إلى أبواب من (10) الجنان مفتحة يخيل إليهم أنها إلى جهنم التي فيها يعذبون، ويقدرون أنهم ممكنون (11) أن يتخلصوا إليها، فيأخذون في


(1) في المصدر: ويرون. (2) في التفسر: في، بدلا من: على ووضع رمز نسخة في (ك) على كلمة: على. (3) وضع على كلمة: على، رمز نسخة بدل في (ك)، وجاء بدلا منها: في، في المصدر. (4) في المصدر: منتزهاتها، قال في القاموس 4 / 294: التنزه: التباعد، والاسم النزهة.. ونزه - ككرم وضرب - نزاهة ونزاهية، والرجل تباعد عن كل مكروه فهو نزيه. (5) في (ك): يبتجح - بتقديم الباء الموحدة على التاء المثناة - وهو غلط، وتقرأ ما في (س): يبتجح - بتقديم الجيم على الحاء المهملة، والتبجح: الفرح كما في القاموس 1 / 214. أما معنى: يتبحبح فقد تعرض المصنف - رحمه الله - له في بيانة. (6) في المصدر: يقولون لهم، وهي نسخة بدل في (ك). (7) الرعد: 24. (8) في المصدر: يا فلان. (9) في (س) وضع على فلان - الثالثة - رمز نسخة بدل. (10) وضع على: من، في (س) رمز نسخة بدل. (11) في المصدر: يتمكنون.

[229]

السباحة (1) في بحار حميمها وعدوا من (2) بين أيدي زبانيتها وهم يلحقونهم ويضربونهم بأعمدتهم ومرزباتهم وسياطهم، فلا يزالون هكذا يسيرون هناك، وهذه الاصناف من العذاب تمسهم حتى إذا قدروا أنهم قد بلغوا تلك الابواب وجدوها مردومة عنهم، وتدهدههم (3) الزبانية بأعمدتها فتنكسهم إلى سواء الجحيم، ويستلقي أولئك المؤمنون على فرشهم في مجالسهم يضحكون منهم مستهزئين بهم، فذلك قول الله عزوجل: * (الله يستهزئ بهم) * (4)، وقوله عز وجل: * (فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون * على الارائك ينظرون) * (5). بيان: قال الفيروز آبادي: الهوج - محركة - طول في حمق وطيش وتسرع (6). والوداع الساكن الخافض في العيش (7). ورجل رافه.. أي وادع، وهو في رفاهة من العيش.. أي سعة (8). وقال الجوهري: الارزبة - بالكسر (9) - التي يكسر بها المدر، فان قلتها بالميم


(1) في التفسير: بالسباحة. (2) لا توجد: من، في المصدر، ووضع عليها في (س) رمز نسخة بدل. (3) في (س): تدهدهم، وفي نسخة: تزهدهم، وفي أخرى: دهدهم. أقول: إن المصنف - رحمه الله - قد تعرض لمادة الدهدهة، وأما الدهد فليس له في كتب اللغة التي بأيدينا عين ولا أثر، ولعله: دهدأ فحذفت الهمزة تخفيفا، وهو بمعنى الدهدهة كما في النهاية 2 / 143. (4) البقرة: 15. (5) المطففين: 34 - 35. (6) القاموس 1 / 221، وقارن بتاج العروس 2 / 118، وانظر: لسان العرب 2 / 394. (7) كما في مجمع البحرين 4 / 401، والصحاح 3 / 1295، وتاج العروس 5 / 534. (8) ذكره في الصحاح 6 / 2232، ولسان العرب 13 / 493، وغيرهما. (9) لا توجد في المصدر: بالكسر.

[230]

خففت، قلت (1): المرزبة (2). وقال: سحبت ذيلي فانسحب (3): جررته فانجرر (4). وقال: التبحبح: التمكن في الحلول والمقام (5). والردم: السد (6). ودهدهت الحجر فتدهده: دحرجته فتدحرج (7). 93 - شي (8): عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن هذه الآية في قول الله تعالى (9): * (يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءابآءكم وإخوانكم أولياء..) * إلى قوله: * (الفاسقين) * (10) فأما * (لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان) * (11) فإن الكفر في الباطن في هذه الآية ولاية الاول والثاني وهو كفر، وقوله: على الايمان، فالايمان ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: * (ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) * (12). 94 - شي (13): عن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله


(1) في الصحاح: فقلت. (2) الصحاح 1 / 135، وقارن ب‍: لسان العرب 1 / 416. (3) في المصدر: اسحب. (4) صحاح اللغة 1 / 146 وفيه: فانجر، بدلا من: فانجرر، وانظر: لسان العرب 1 / 461. (5) الصحاح 1 / 354، ولا حظ: النهاية 1 / 98. (6) كما نص عليه في الصحاح 5 / 1930، وتاج العروس 8 / 309. (7) ذكره في صحاح اللغة 6 / 2231، وانظر: لسان العرب 13 / 489، وغيرهما. (8) تفسير العياشي 2 / 84، حديث 36. (9) لا توجد: تعالى، في المصدر. (10) التوبة: 23. (11) التوبة: 24. (12) وذكرت في تفسير البرهان 2 / 111 عنه. (13) تفسير العياشي 2 / 84، حديث 38.

[231]

تعالى: * (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم...) * إلى: * (ثم وليتم مدبرين) * (1) ؟. فقال: أبو فلان (2). 95 - سر (3): عبد الله بن بكير، عن حمزة بن حمران، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام في احتجاج الناس علينا في الغار، فقال عليه السلام: حسبك بذلك عارا - أو قال (4): شرا - إن الله (5) لم يذكر رسول الله (6) صلى الله عليه وآله مع المؤمنين إلا أنزل الله السكينة عليهم جميعا، وإنه أنزل السكينة على رسوله وأخرجه منها و (7) خص رسول الله صلى الله عليه وآله دونه. 96 - سر (8): من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، قال: خطب الناس عمر بن الخطاب - وذلك قبل أن يتزوج أم كلثوم بيومين -، فقال: أيها الناس ! لا تغالوا بصدقات النساء فإنه لو كان الفضل فيها لكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل (9)، كان نبيكم عليه السلام يصدق المرأة من نسائه المحشوة وفراش الليف والخاتم والقدح وما أشبهها (10)، ثم نزل عن المنبر، وما أقام يومين (11) أو ثلاثة حتى أرسل صداق (12) بنت علي عليه السلام بأربعين ألفا.


(1) التوبة: 25. (2) وانظر: تفسير البرهان 2 / 112، وتفسير الصافي 1 / 690. (3) مستطرفات السرائر: 138، حديث 6. (4) في (س): وقال، وهو غلط. (5) في المصدر: ان الله تعالى. (6) في المستطرفات: رسوله. (7) لا توجد الواو، في المصدر. (8) مستطرفات السرائر: 144، حديث 12. (9) في المصدر: يفعله. (10) في المستطرفات: والقدح الكثيف وما أشبه ذلك. (11) في المصدر: فما أقام إلا يومين. (12) في المصدر: في صداق..

[232]

97 - شي (1): عن أبي بصير، قال (2): يؤتي بجهنم لها أبواب سبعة أبواب، بابها الاول: للظالم وهو زريق، وبابها الثاني: لحبتر، والباب الثالث: للثالث، والرابع: لمعاوية، والباب الخامس: لعبد الملك، والباب السادس: لعسكر بن هو سر، والباب السابع: لابي سلامة، فهم أبواب لمن اتبعهم (3). بيان: سيأتي (4) أن عسكر اسم جمل عائشة، فيكون كناية عن عائشة وصاحبيها، ويحتمل أن يكون كناية عن بعض ولاة بني أمية كأبي سلامة، ويحتمل أن يكون أبو سلامة كناية عن أبي مسلم إشارة إلى من سلطهم من بني عباس. 98 - شي (5): عن حريز، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: * (وقال الشيطان لما قضي الامر) * (6)، قال: هو الثاني، وليس في القرآن شئ و (قال الشيطان) إلا وهو الثاني (7). 99 - شي (8): عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه: إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلا وسبعين كبلا (9)، فينظر الاول إلى زفر في


(1) تفسير العياشي 2 / 243، حديث 19. (2) في المصدر: عن أبي جعفر عليه السلام قال.. (3) وقد ذكرها في تفسير البرهان 2 / 345. (4) بحار الانوار 32 / 172 - 173، حديث 132، وغيره. (5) تفسير العياشي 2 / 223، حديث 8. (6) سورة ابراهيم (ع): 22. (7) وجاء في البرهان 2 / 310، وتفسير الصافي 1 / 885. (8) تفسير العياشي 2 / 223، حديث 9. (9) جاء في حاشية (ك): الكبل: القيد والضخم، يقال: كبلت الاسير وكبلته: إذا قيدته فهو مكبول ومكبل. صحاح. انظر: الصحاح 5 / 1808. ولا توجد واو من: والضخم.

[233]

عشرين ومائة كبل وعشرين ومائة غل، فينظر إبليس فيقول: من هذا الذي أضعفه الله العذاب (1) وأنا أغويت هذا الخلق جميعا. فيقال: هذا زفر. فيقول: بما جدر له (2) هذا العذاب ؟ !. فيقال: ببغيه على علي عليه السلام. فيقول له إبليس: ويل لك أو ثبور لك !، أما علمت أن الله أمرني بالسجود لآدم فعصيته وسألته أن يجعل لي سلطانا على محمد وأهل بيته وشيعته فلم يجبني إلى ذلك، وقال: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) * (3) وما عرفتهم حين استثناهم إذ قلت: * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) * (4) فمنيت به (5) نفسك غرورا، فيوقف (6) بين يدي الخلائق فيقال له (7): ما الذي كان منك إلى علي والى الخلق الذين اتبعوك على الخلاف ؟ !. فيقول الشيطان - وهو زفر - لابليس: أنت أمرتني بذلك. فيقول له إبليس: فلم عصيت ربك وأطعتني ؟. فيرد زفر عليه ما (8) قال الله: * (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان..) * (9) إلى آخر الآية (10). بيان: قوله عليه السلام: فيرد زفر عليه.. ظاهر السياق أن يكون قوله: * (إن الله وعدكم) * كلام إبليس، فيكون كلام زفر ما ذكر قبل تلك الآية من قوله: * (إنا كنا


(1) في المصدر: له العذاب. (2) في التفسير: بما حدد له، وفي (ك): جدد. (3) الحجر: 42. (4) الاعراف: 17. (5) في تفسير العياشي: فمنتك به. (6) في المصدر: فتوقف. (7) في التفسير: فقال له. (8) وضع في (س) على: ما، رمز نسخة بدل. (9) سورة ابراهيم (ع): 22. (10) وحكاه في تفسير البرهان 2 / 310.

[234]

لكم تبعا) * (1) وترك اختصارا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما يجري بين عمر وبين أتباعه، فيكون المراد بالرد عليه الرد على أتباعه، أو يكون (عليهم) فصحف، ولعله سقط من الكلام شئ، وفي بعض النسخ لم تكن كلمة (ما) في (ما) (2) قال الله، ولعله أقرب، وعلى تقديره يمكن أن يقرأ فيرد - على بناء المجهول - والظرف بدل من زفر، فتكون الجملة بيان للجملة (3) السابقة. 100 - شي (4): عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: * (مآ أشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخد المضلين عضدا) * (5) ؟. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب ! أو بأبي جهل بن هشام !، فأنزل الله: * (وما كنت متخذ المضلين عضدا (6) يعنيهما (7). 101 - شي (8): عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: جعلت فداك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعز الاسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب. فقال: يا محمد ! قد والله قال ذلك، وكان علي أشد من ضرب العنق، ثم أقبل علي فقال: هل تدري ما أنزل الله يا


(1) سورة ابراهيم (ع): 21. (2) لا توجد: ما، في (س). (3) في (س): الجملة.. (4) تفسير العياشي 2 / 328 - 329، حديث 39. (5) الكهف: 51. (6) الكهف: 51. (7) وذكره في تفسير البرهان 2 / 471 - 472، وتفسير الصافي 2 / 17 عنه. (8) تفسير العياشي 2 / 329، حديث 40. أقول: هذه الرواية والتي سبقتها بنظري القاصر لا يليق صدورهما من الامام عليه السلام، فلعل الراوي اشتبه عليه المطلب ونقل المعنى الذي فهمه دون مغزى كلامه عليه السلام، أو سقط من الروايتين عبارات، فتأمل، والله العالم.

[235]

محمد ؟ !. قلت: أنت أعلم جعلت فداك. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان (1) في دار الارقم فقال: اللهم أعز الاسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأنزل الله: * (مآ أشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخد المضلين عضدا) * (2) يعنيهما (3). 102 - شي (4): عن عبد الله بن عثمان البجلي، عن رجل: أن النبي صلى الله عليه وآله اجتمعا عنده فتكلما في علي (5) وكان من النبي صلى الله عليه وآله أن لين (6) لهما في بعض القول، فأنزل الله: * (لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا) * (7) ثم لا يجدا (8) بعدك مثل علي وليا (9). بيان: قال البيضاوري (10): ضعف الحياة وضعف الممات.. أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا العمل غيرك، لان خطأ الخطير أخطر. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة وبضعف الممات عذاب القبر.


(1) لا توجد: كان، في (س). (2) الكهف: 51. (3) وحكاه في تفسير البرهان 2 / 471 - 472، وتفسير الصافي 2 / 17. (4) تفسير العياشي 2 / 306، حديث 133. (5) في المصدر: اجتمعا عنده وابنتيهما فتكلموا في علي.. (6) في التفسير: أن يلين.. (7) الاسراء: 74 - 75. (8) في المصدر: ثم لا تجد. (9) وحكاه في البرهان 2 / 433. (10) تفسير البيضاوي 3 / 208. (*)

[236]

انتهى. وفي تفسير علي بن ابراهيم: وضعف المات من يوم الموت إلى أن تقوم الساعة (1). ولعل قوله: ثم لا يجدا بعدك.. من تتمة الآية في قراءة أهل البيت عليهم السلام. 103 - جا (2): عمر بن محمد، عن جعفر بن محمد الحسني، عن عيسى ابن مهران، عن مخول، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، قال: سمعت الحسن ابن علي عليهما السلام يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الامر وهو لنا كله فأخذاه دوننا، وجعلا لنا فيه سهما كسهم الجد (3)، أما والله لتهمنهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا. بيان: التشبيه بسهم الجد إما من جهة القلة، أو عدم اللزوم مع وجود الوالدين، أو إشارة إلى الشورى، فإن عمر جعل أمير المؤمنين عليه السلام أحد الستة و (4) سهم الجد السدس. 104 - قب (5): حدثت أبو عبد الله محمد بن احمد الديلمي البصري (6)، عن محمد بن أبي كثير (7) الكوفي، قال: كنت لا أختم صلاتي ولا أستفتحها إلا


(1) تفسير علي بن ابرهيم القمي 2 / 24. (2) أمالي الشيخ المفيد: 48، حديث 8، بتفصيل في السند. (3) في المصدر: الجدة. (4) في (ك): أو وهو غلط. (5) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 237. (6) في حاشية (ك) من البحار كلمة: بصير، ووضع بعدها رمز نسخة بدل لم يعلم محلها، ولعلها بدل من: البصري. (7) في المصدر: محمد بن كثير.

[237]

بلعنهما، فرأيت في منامي طائرا معه تور (1) من الجوهر (2) فيه شئ أحمر شبه الخلوق، فنزل إلى البيت المحيط برسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أخرج شخصين من الضريح فخلقهما بذلك الخلوق في عوارضهما، ثم ردهما إلى الضريح وعاد مرتفعا، فسألت من حولي من هذا الطائر ؟ وما هذا الخلوق ؟. فقال: هذا ملك يجئ في كل ليلة جمعة يخلقهما، فأزعجني ما رأيت فأصبحت لا تطيب نفسي بلعنهما، فدخلت على الصادق عليه السلام، فلما رآني ضحك وقال: رأيت الطائر ؟. فقلت: نعم يا سيدي. فقال: اقرأ: * (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) * (3) فإذا رأيت شيئا تكره فاقرأها، والله ما هو بملك موكل بهما لاكرامهما، بل هو ملك موكل بمشارق الارض ومغاربها، إذا قتل قتيل ظلما أخذ من دمه فطوقهما به في رقابهما، لانهما سبب كل ظلم مذ كانا. بيان: التور إنا يشرب فيه (4). 105 - كش (5): العياشي، عن جعفر بن أحمد، عن حمدان بن سليمان والعمركي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحجاج، عن علي بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وعمار يعملون مسجدا، فكمر عثمان في بزة له يخطر، فقال (6) أمير المؤمنين عليه


(1) في المناقب: نور.. ولعلها سهو. (2) في (ك): جواهر. (3) المجادلة: 10. (4) كما في الصحاح 2 / 603، وانظر: مجمع البحرين 3 / 234، ولسان العرب 4 / 96. (5) اختيار معرفة الرجال معرفة الرجال - رجال الكشي -: 31 - 32 [1 / 138]، حديث 59 بتفصيل في الاسناد (6) في المصدر زيادة: له.

[238]

السلام: أرجز به. فقال عمار: لا يستوي من يعمر المساجدا * يظل راكعا وساجدا ومن تراه عاندا معاندا * عن الغبار لا يزال حايدا قال: فأتى: فأتى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: ما أسلمنا لتشتم أعرضنا وأنفسنا !. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفتحب أن تقال بذلك ؟، فنزلت (1) آيتان: * (يمنون عليك أن أسلموا..) * الآية (3)، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أكتب هذا في صاحبك، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: أكتب هذه الآية: * (إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله...) * (4). بيان: البزة - بالكسر -: الهيئة، والبزة أيضا السلاح، ذكره الجوهري (5)، وقال: خطران الرجل.. اهتزازه في المشي وتبختره (6). قوله صلى الله عليه وآله: أن تقال بذلك.. أي أقيل إسلامك وارجع عن بيعتك بذلك الامر الذي وقع، فهو إما (7) على الاستفهام الانكاري، أو لانه كان يعلم من باطنه أنه لم يؤمن. 106 - كش (8): جعفر بن معروف، قال: حدثنا الحسن بن علي بن نعمان، عن أبيه، عن صالح الحذاء، قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وآله ببناء المسجد قسم عليهم المواضع، وضم إلى كل رجل رجلا، فضم عمارا إلى علي عليه


(1) في الرجال: أتحب أن تقال فنزلت. (2) الحجرات: 17. (3) وضع على كلمة: الآية، رمز نسخة بدل في (س). (4) الحجرات: 17. (5) في صحاحه 3 / 865، وانظر: لسان العرب 5 / 312. (6) صحاح اللغة 2 / 648، وانظر: مجمع البحرين 3 / 290، وتاج العروس 3 / 183. (7) لا توجد: اما، في (س). (8) اختيار معرفة الرجال - رجال الكشي -: 32 [1 / 140]، حديث 60.

[239]

السلام، قال: فبيناهم (1) في علاج البناء إذ خرج عثمان عن (2) داره وارتفع الغبار فتمنع بثوبه وأعرض بوجهه، قال: فقال علي عليه السلام لعمار: إذا قلت شيئا فرد علي، قال: فقال علي عليه السلام: لا يستوي من يعمر المساجدا * يظل فيها راكعا وساجدا كمن (3) ترى (4) عن الطريق حائدا و (5) عائدا قال: فأجابه عمار كما قال، فغضب عثمان من ذلك فلم يستطع (6) أن يقول لعلي شيئا، فقال لعمار: يا عبد ! يا لكع ! ومضى، فقال علي عليه السلام لعمار: رضلت بما قال ؟. ألا تأتي النبي صلى الله عليه وآله فتخبره ؟. قال: فأتاه فأخبره، فقال يا نبي الله (ص) ! إن عثمان قال لي: يا لكع ! (7). فقال: رسول الله صلى الل عليه وآله: من يعلم ذلك ؟، قال: علي. قال: فدعاه وسأله، فقال له كما قال عمار، فقال لعلي عليه السلام: اذهب فقل له حيث ما كان: يا عبد ! يا لكع ! أنت القائل لعمار يا عبد ! يا لكع !، فذهب علي عليه السلام فقال له ذلك فانصرف (8). بيان: فتمنع.. أي امتنع (9) من الغبار، وفي بعض النسخ باليا المثناة التحتانية (10)


(1) لا توجد: هم، في متن المصدر، وهي نسخة جاءت فيه. وفي (ك) نسخة: نحن، بدلا من: هم. (2) في الرجال: من داره. (3) في (س) كما. (4) في المصدر: يرى. (5) لا توجد: حائدا و،.. في المصدر، ووضع عليها رمز نسخة في المطبوع من البحار. (6) في (ك): فلم يستطيع، وهو غلط. (7) جاء في المصدر: يا عبد.. يا لكع. (8) في الرجال: ثم انصرف.. وما هنا نسخة هناك. (9) انظر: تاج العروس 5 / 516، ولسان العرب 8 / 343. (10) أي تميع.

[240]

أي جرى على الارض (1) ومضى، والاول أظهر. واللكع - بضم اللام وفتح الكاف -: اللئيم والذليل النفس (2). 107 - كش (3): حمدويه وابراهيم معا (4)، عن محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن الحارث بن المغيرة، عن الورد بن زيد، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلني الله فداك قدم الكميت. فقال: أدخله. فسأله الكميت عن الشيخين ؟، فقال له أبو جعفر عليه السلام: ما أهريق دم ولا حكم بحكم (5) غير موافق لحكم الله وحكم رسوله (6) صلى الله عليه وآله وحكم علي عليه السلام إلا وهو في أعناقهما. فقال الكميت: الله أكبر الله أكبر حسبي حسبي. 108 - كا (7): حميد بن زياد، عن أبي العباس عبيدالله بن احمد الدهقان، عن علي بن الحسن (8) الطاطري، عن محمد بن زياد، عن أبان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن عثمان قال للمقداد: أما والله لتنتهين أو لاردنك إلى ربك الاول، قال فلما حضرت مقداد (9) الوفاة قال لعمار: أبلغ عثمان عني أني قد رددت إلى ربي الاول. بيان: لعل الملعون أراد بالرب الاول الصنم أو المالك، وأراد مقداد رضي الله عنه به الرب تعالى.


(1) كما في تاج العروس 5 / 516، والصحاح 3 / 1287، وغيرهما. (2) ذكره في الصحاح. 3 / 1280، وتاج العروس 5 / 502. (3) رجال الكشي: 205 - 206 [2 - 461]، حديث 361، مع تفصيل في الاسناد. (4) لا توجد: معا، في (س)، وفي المصدر: قالا - بدون معا -. (5) ما هنا نسخة في المصدر، وفيه: ولا حكم يحكم بحكم.. (6) في رجال الكشي: وحكم النبي.. (7) الكافي 8 / 331، حديث 513. (8) في (س): الحسين. (9) في الكافي: المقداد.

[241]

109 - كتاب سليم بن قيس (1): عن أبان بن أبي عياش، عن سليم، قال: سمعت سلمان الفارسي يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس (2) مزموما بزمام من نار، ويؤتى بزفر مزموما بزمامين من نار، فينطلق إليه إبليس فيصرخ ويقول: ثكلتك أمك، من أنت ؟ أنا الذي فتنت الاولين والآخرين وأنا مزموم بزمام واحد وأنت مزموم بزمامين. فيقول: أنا الذي أمرت فأطعت وأمر الله فعصي. 110 - كش (3): محمد بن مسعود، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر وجعفر بن محمد بن حكيم، عن أبان بن عثمان الاحمر، عن أبي بصير، قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام إذ جاءت أم خالد - التي كان قطعها يوسف - يستأذن (4) عليه، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ايسرك أن تشهد كلامها ؟. قال: فقلت: نعم، جعلت فداك. فقال: إما لا (5) فأدن. قال: فأجسلني على عقبة (6) الطنفسة ثم دخلت فتكلمت، فإذا هي امرأة بليغة، فسألته عن فلان وفلان، فقال لها: توليهما. فقالت: فأقول لربي إذ لقيته إنك أمرتني بولايتهما. قال: نعم. قالت: فإن هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما، وكثير النوا يأمرني بولايتهما، فأيهما أحب إليك ؟. قال: هذا والله وأصحابه أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول: * (من لم يحكم


(1) كتاب سليم بن قيس: 93. (2) في (س): إبليس. (3) اختيار معرفة الرجال: 241 [2 / 509]، حديث 441. وجاء بإسناد آخر إلى أبي بصير في روضة الكافي 8 / 237، حديث 319، مع اختلاف يسير أشرنا لبعضه. (4) كذا، والظاهر: تستأذن، كما في المصدر والروضة. (5) كذا في النسخ الخطية. قال في النهاية 1 / 72: (اما لا) ترد في المحاورات كثيرا، وأصلها: (إن) و (ما) و (لا)، فادغمت النون في الميم و (ما) زائدة في اللفظ ولا حكم لها، ومعناها: إن لم تفعل هذا فليكن هذا، وفي تنقيح المقال: أما الآن، ولعله أخذه من الروضة، وفي (ك): إما الا.. (6) لا توجد: عقبة، في المصدر والروضة.

[242]

بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * (1) * (ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون) * (2) * (ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) * (3). فلما خرجت، قال: إني خشيت أن تذهب فتخبر كثير النوا (4) فتشهرني (5) بالكوفة، اللهم إني إليك من كثير النوا (4) برئ في الدنيا والآخرة. بيان: قوله عليه السلام: إما لا.. لعله على الاكتفاء ببعض الكلام لظهور المراد، أي إما إذا كان لا بد من سماعك فأدن. وفي بعض النسخ: إما الآن فأدن. وفي روضة الكافي (6) قال: فأذن (7) لها، وأجلسني. وفي القاموس: الطنفسة - مثلثة الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس -: واحدة الطنافس للبسط والثياب وكحصير (8) من سعف عرضه ذراع (9). قوله عليه السلام: إن هذا يخاصم.. أي أبو بصير يخاصم في شأن كثير وذمه أو الرجلين وكفرهما بالآيات المذكورة، فأبهم عليه السلام تقية مع أنه لو كان المراد به كثير لدل على كفرهما بل كفر جميع خلفاء الجور لاشتراك الدليل، فبين عليه السلام الحق مع نوع من التقية.


(1) المائدة: 44. (2) المائدة: 45. (3) المائدة: 47. والى هنا جاء في روضة الكافي. (4) ما هنا نسخة في المصدر، ولا يوجد فيه: النوا. (4) ما هنا نسخة في المصدر، ولا يوجد فيه: النوا. (5) في المصدر: فيشهرني. (6) روضة الكافي 8 / 237. (7) في (ك): فادن. (8) في متن المصدر: والحصير، وأشار في هامشه لنسخة أخرى: كحصير، كما في المتن. (9) القاموس 2 / 235، وقارنه ب‍: تاج العروس 4 / 181.

[243]

أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1)، نقلت من كتاب تاريخ بغداد لابي احمد بن أبي طاهر، بسنده عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر بن الخطاب في أول خلافته - وقد ألقي له صاع من تمر على حصفة (2) - فدعاني للاكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جر (3) كان عنده واستلقى على مرفقة له (4)، وطفق يحمد الله يكرر (5) ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله ؟. قلت: من المسجد. قال: كيف خلفت بني عمك (6) ؟. فظننته يعني عبد الله بن جعفر، فقلت: خلفته يلعب من أترابه. قال: لم أعن ذا (7)، وإنما عنيت (8) عظيمكم أهل البيت ؟. قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخلات له (9) وهو يقرأ القرآن. فقال: يا عبد الله ! عليك (10) دماء البدن إن كتمتنيها، أبقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟. قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعلها له (11) ؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عما يدعيه، فقال:


(1) شرح النهج 12 / 20 - 21. (2) في المصدر: خصفه - بالخاء المعجمة - وهو الظاهر، ومعناها الجلة من الخوص للتمر، كما في المصباح المنير 1 / 234، وغيره. (3) هي إنا معروف من الفخار، قاله في النهاية 1 / 260. (4) لا توجد: له، في (س). (5) في (س) يكون. (6) في المصدر: ابن عمك، وهو الظاهر. (7) جاء: ذلك، بدلا من: ذا، في المصدر. (8) في (س): اعنيت. (9) في شرح النهج: على نخيلات من فلان. (10) لا توجد: عليك، في المصدر. (11) في المصدر: نص عليه، بدلا من: جعلها له.

[244]

صدق، قال عمر: لقد كان عن (1) رسول الله صلى الله عليه وآله في أمره ذرو (2) من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا، وقد كان يزيغ (3) في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضة أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك أشفاقا وحفظة (4) على الاسلام، لا ورب هذه البنية (5) لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لا نتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (ص) أني علمت ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم. توضيح: قال الجوهري: الماتح: المستسقي،.. يقال (6) متح الماء يمتحه متحا.. إذا نزعه (7) المتح أن يدخل البئر فيملا لقلة مائها (8). والغرب (9) - بالفتح -: الدلو العظيمة (10). وقال في النهاية: فيه (11) بلغني عن


(1) جاءت: من، في المصدر بدلا من: عن، وهي نسخة بدل في (ك). (2) كتبت: ذرء، فوق كلمة ذرو، في (ك)، والكلمة مشوشة في (س)، ولعلها: ذرو أو ذرء، وجاء في المصدر وفي بيان المنصف - رحمه الله -: ذرو، وقال في القاموس 1 / 15: ذرء من خير: شئ منه. (3) في شرح النهج: يربع. قال في المصباح المنير: زاغت الشمس.. أي مالت. وقال في مجمع البحرين 4 / 331: أربع على نفسك.. أي ارفق بنفسك وكف وتمكث ولا تعجل. (4) جاء في المصدر: حيطة، وفي (ك): حفيظة. (5) في (س): البينة. (6) في المصدر: المستقي نقول. (7) الصحاح 1 / 403، وقارن ب‍: تاج العروس 2 / 220. (8) من كلمة: المتح.. إلى: مائها، خط عليها في (ك)، ورمز عليها بالزيادة. قال في الصحاح 1 / 408 في مادة (ميح): المائح الذي ينزل البئر فيملا الدلو، وذلك إذا قل ماؤها، ونحوه في مجمع البحرين 2 / 416. (9) في (س): القرب، وهو سهو. (10) كما نص عليه في الصحاح 1 / 193، ولسان العرب 1 / 642، والقاموس 1 / 109، كلها في مادة (الغرب)، وفي (س): العفلية، بدلا من العظيمة، جاءت نسخة بدل ولا معنى لها. (11) في المصدر: في حديث سليمان.

[245]

علي ذروة (1) من القول.. الرو من الحديث: ما ارتفع إليك وترامى من حواشيه واطرافه، من قولهم ذرأ (2) إلي فلان.. أي إرتفع وقصد (3). 111 - كنز (4): روي عن محمد بن إسماعيل بإسناده عن جعفر بن الطيار، عن أبي الخطاب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: والله ما كنى الله في كتابه حتى قال: * (يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا) * (5) وإنما هي في مصحف فاطمة (6) يا ويلتي ليتني لم اتخذ الثاني خليلا. وسيظهر يوما، فمعنى هذا التأويل ان الظالم العاض على يديه الاول، والحال بين لا يحتاج إلى بيان (7). 112 - ويؤيده ما رواه محمد بن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال: * (يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) * (8) قال: يقول الاول للثاني (9).


(1) في النهاية: ذرو. وجاء في حاشية (ك) ما نصه: قال الجزري في النهاية ما هذا لفظه: بلغني عن علي عليه السلام ذرو من قول تشذر لي فيه بالوعية.. الذرو من الحديث.. إلى آخر ما في المتن. وقال في موضع آخر: ومنه حديث علي عليه السلام، قال له سليمان بن صرد: لقد بلغني عن أمير المؤمنين ذرو من قول تشذر لي به.. أي توعد وتهدد، محمد خليل الموسوي غفر له. انظر: النهاية 2 / 160 - 454. (2) في (س): ذئرا، ولعله سهو. (3) النهاية 2 / 160. (4) تأويل الآيات الظاهرة 1 / 374، حديث 8، بتفصيل في الاسناد وتعدد في النسخ. (5) الفرقان: 28. (6) في المصدر: في مصحف علي عليه السلام. (7) وانظر: تفسير البرهان 3 / 162، حديث 4، وقد مر الحديث في البحار 24 / 18، حديث 31. (8) الفرقان: 27 - 28. (9) وانظر: تأويل الآيات الظاهرة 1 / 374 - 375، حديث 9، ولا حظ بقية روايات الباب هناك، وقد سلف من المصنف - رحمه الله - في بحاره 24 / 19، حديث 3، وقد حكاه في تفسير البرهان 3 / 162، حديث 5.

[246]

113 - كتاب الاستدراك (1): بإسناده، أن المتوكل قيل له إن أبا الحسن - يعني علي بن محمد بن علي الرضا - يفسر قول الله عزوجل: * (ويوم يعض الظالم على يديه..) * (2) الآيتين، في الاول والثاني. قال: فكيف الوجه في أمره (3) ؟. قالا: تجمع له الناس وتسأله بحضرتهم، فإن فسرها بهذا كفاك الحاضرون أمره، وإن فسرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه، قال: فوجه إلى القضاة وبني هاشم والاولياء، وسئل عليه السلام، فقال: هذان رجلان كنى الله عنهما ومن بالستر عليهما، أفيحب أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره الله ؟. فقال: لا أحب. أقول: 114 - رأيت في بعض كتب المناقب، عن المفضل، قال الصادق عليه السلام: إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بلغه عن بعض (4) شئ، فأرسل إليه سلمان الفارسي فقال: إنه بلغني عنك كيت وكيت وكرهت أن أفضحك، وجعلت كفارة ذلك فك رقبتك من المال الذي حمل إليك من خراسان الذي خنت فيه الله والمؤمنين. قال سلمان: فلما قلت ذلك له تغير وجهه وارتعدت فرائصه وأسقط في يديه، ثم قال بلسان كليل: يا أبا عبد الله ! أما الكلام فلعمري قد جرى بيني وبين أهلي وولدي وما كانوا بالذي يفشون (5) علي، فمن أين علم ابن أبي طالب ؟ وأما المال الذي ورد علي فو الله ما علم به إلا الرسول الذي أتى به، وإنما هو هدية، فمن أين علم ؟ يا أبا عبد الله: والله ثم والله.. - ثلاثا - إن ابن أبي طالب ساحر عليم.


(1) كتاب الاستدراك: لا بن بطريق - رحمه الله - لا نعلم بطبعه. (2) الفرقان: 27 - 28. (3) في (س): أمر. (4) في (ك): عن بعض أصحابه، والظاهر زيادة لفظ: أصحابه. (5) في (ك): يغشون، بدلا من: يفشون، نسخة.

[247]

قال سلمان: قلت: بئس ما قلت يا عبد الله ؟. فقال: ويحك ! اقبل مني ما أقوله فو الله ما علم أحد بهذا الكلام ولا أحد عرف خبر هذا المال غيري، فمن أين علم ؟ وما علم هو إلا من السحر، وقد ظهر لي من سحره غير هذا ؟. قال سلمان: فتجاهلت عليه، فقلت: بالله ظهر لك منه غير هذا ؟. قال: اي والله يا أبا عبد الله ؟. قلت: فأخبرني ببعضه. قال: إذا والله أصدقك ولا أحرف قليلا ولا كثيرا مما رأيته منه، لاني أحب أن أطلعك على سحر صاحبك حتى تجتنبه وتفارقه، فو الله ما في شرقها وغربها أحد أسحر منه، ثم احمرت عيناه وقام وقعد، وقال: يا أبا عبد الله ! إني لمشفق عليك ومحب لك، على أنك قد اعتزلتنا ولزمت ابن أبي طالب، فلو ملت إلينا وكنت في جماعتنا لآثرناك وشاركناك في هذه الاموال، فاحذر ابن أبي طالب ولا يغرنك ما ترى من سحره ! فقلت: فأخبرني ببعضه. قال: نعم، خلوت ذات يوم أنا وابن أبي طالب (ع) في شئ من أمر الخمس، فقطع حديثي وقال لي: مكانك حتى أعود إليك، فقد عرضت لي حاجة، فخرج، فما (1) كان بأسرع أن انصرف وعلى عمامته وثيابه غبار كثيرة، فقلت: ما شأنك يا أمير المؤمنين ؟. قال: أقبلت على عساكر من الملائكة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريدون بالمشرق مدينة يقال لها: صحور، فخرجت لاسلم عليه، فهذه الغبرة من ذلك، فضحكت تعجبا من قوله، وقلت: يا أبا الحسن ! رجل قد بلي في قبره وأنت تزعم أنك لقيته الساعة وسلمت عليه، هذا ما لا يكون أبدا. فغضب من قولي، ثم نظر إلي فقال: أتكذبني ؟ !. قلت: لا تغضب فإن هذا ما لا يكون. قال: فإن عرضته عليك حتى لا تنكر منه شيئا تحدث لله توبة مما أنت عليه ؟. قلت: لعمر الله. فاعرضه علي، فقال: قم، فخرجت معه إلى طرف المدينة، فقال لي: يا شاك غمض عينيك، فغمضتها فمسحهما ثم قال: يا غافل افتحهما، ففتحتهما فإذا أنا والله - يا أبا عبد الله - برسول


(1) في (س): فيما.

[248]

الله (ص) مع الملائكة لم أنكر منه شيئا، فبقيت والله متعجبا أنظر في وجهه، فلما أطلت النظر إليه فعض الانامل بالاسنان وقال لي: يا فلان بن فلان ! * (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) * (1)، قال: فسقطت مغشيا على الارض، فلما أفقت قال لي: هل رأيته وسمعته كلامه ؟. قلت: نعم. قال: انظر إلى النبي (ص)، فنظرت فإذا لا عين ولا أثر ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وآله ولا من تلك الخيول. فقال لي: يا مسكين فأحدث توبة من ساعتك هذه. فاستقر عندي في ذلك اليوم أنه أسحر أهل الارض، وبالله لقد خفته في ذلك اليوم وهالني أمره، ولولا أني وقفت - يا سليمان - على أنك تفارقه ما أخبرتك، فاكتم هذا وكن معنا لتكون منا وإلينا حتى أوليك المدائن وفارس، فصر إليهما ولا تخبر ابن أبي طالب (ع) بشئ مما جرى بيننا، فإني (2) لا آمنه أن يفعل لي من كيده شيئا. قال: فضحكت وقلت: إنك لتخافه ؟. قال: اي والله خوفا لا أخاف شيئا مثله. قال سلمان: فنشطت متجاهلا بما حدثني وقلت: يا عبد الله ! أخبرني عن غيره فو الله إنك أخبرتني عن أعجوبة ؟. قال: إذا أخبرك بأعجب من هذا مما عاينته أنا بعيني. قلت: فأخبرني. قال: نعم، إنه أتاني يوما مغضبا وفي يده قوسه فقال لي: يا فلان ! عليك بشيعتك الطغاة ولا تتعرض لشيعتي، فإني خليق أن أنكل بك. فغضبت أنا أيضا - ولم أكن وقفت على سحره قبل ذلك -، فقلت: يا ابن أبي طالب ! مه، ما هذا الغضب والسلطنة ؟. أتعرفني حق المعرفة ؟. قال: نعم، فو الله لاعرفن قدرك، ثم رمى بقوسه الارض، وقال: خذيه، فصارت ثعبانا عظيما مثل ثعبان موسى بن عمران ففغر فاه (3) فأقبل نحوي ليبعلني، فلما رأيت ذلك طار روحي فرقا وخوفا


(1) الكهف: 37. (2) في (س): فانه. (3) جاء في حاشية (ك): فغرفاه.. أي فتحه. صحاح. انظر: صحاح اللغة: 2 / 782.

[249]

وصحت وقلت: الله ! الله ! الامان الامان يا أمير المؤمنين، أذكر ما كان في خلافة الاول مني حين وثب إليك، وبعد فاذكر ما كان مني إلى خالد بن الوليد الفاسق ابن الفاسق حين أمره الخليفة بقتلك، وبالله ما شاورني في ذلك فكان مني ما كان حتى شكاني ووقع بيننا العداوة، واذكر - يا أمير المؤمنين - ما كان مني في مقامي حين قلت: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فارتاب الناس وصاحوا وقالوا: طعن على صاحبه، قد عرفت هذا كله، وبالله إن شيعتك يؤذونني ويشنعون علي، ولولا مكانك - يا أمير المؤمنين - لكنت نكلت بهم، وأنت تعلم أني لم أتعرض لهم من أجلك وكرامتك، فاكفف عني هذا الثعبان فإنه يبلعني. فلما سمع هذا المقال مني قال: أيها المسكين لطفت في الكلام، وإنا أهل بيت (1) نشكر القليل، ثم ضرب بيده إلى الثعبان وقال: ما تقول ؟. قلت: الامان ! الامان ! قد علمت أني لم أقل إلا حقا، فإذا قوسه في يده وليس هناك ثعبان ولا شئ، فلم أزل أحذره وأخافه إلى يومي هذا. قال سلمان: فضحكت وقلت: والله ما سمعت بمثل هذه الاعجوبات. قال: يا أبا عبد الله ! هذا ما رأيته أنا بعيني هاتين، ولولا أني قد رفعت الحشمة فيما بيني وبينك ما كنت بالذي أخبرك بهذا. قال سلمان: فتجاهلت عليه، فقلت: هل رأيت منه سحرا غير ما أخبرتني به ؟. قال: نعم، لو حدثتك لبقيت منه متحيرا، ولا تقل - يا أبا عبد الله - إن هذا السحر هو الذي أظهره، لا والله ولكن هو وراثة يرثونها. قلت: كيف ؟. قال: أخبرني أبي أنه راى من أبيه أبي طالب ومن عبد الله سحرا لم يسمع بمثله، وذكر أبي أن أباه نفيلا أخبره أنه رأى من عبد المطلب سحرا لم يسمع بمثله. قال سلمان: فقلت:: حدثني بما أخبرك به أبوك ؟. قال: نعم، أخبرني أبي أنه خرج مع أبي طالب (ع) في سفر يريدون الشام


(1) لا توجد: بيت، في (س).

[250]

مع تجار قريش تخرج من السنة إلى السنة مرة واحدة فيجمعون أموالا كثيرة، ولم يكن في العرب أتجر من قريش، فلما كانوا ببعض الطرق إذا قوم من الاعراب قطاع شاكون في السلاح لا يرى منهم إلا الحدق، فلما ظهروا لنا ها لنا أمرهم وفزعنا ووقع الصياح في القافلة، واشتغل كل إنسان بنفسه يريد أن ينجوا بنفسه فقط، ودهمنا أمر جليل، واجتمعنا وعزمنا على الهرب، فمررنا بأبي طالب وهو جالس، فقلنا: يا أبا طالب ! ما لك ؟ ألا ترى ما قد دهمنا فانج بنفسك معنا ؟. فقال: إلى أين نهرب في هذه البراري ؟. قلنا: فلما الحلة ؟. قال: الحلة أن ندخل هذه الجزيرة فنقيم فيها ونجمع أمتعتنا ودوابنا وأموالنا فيها. قال: فبقينا متعجبين، وقلنا: لعله جن وفزع مما نزل به، فقلنا: ويحك ! ولنا هنا جزيرة ؟ !. قال: نعم. قلنا: أين هي ؟. قال: انظروا أمامكم. قال: فنظرنا إذا والله جزيرة عظيمة لم ير الناس أعظم منها ولا أحصن منها، فارتحلنا وحملنا أمتعتنا، فلما قربنا منها إذا بيننا وبينها واد عظيم من ماء لا يمكن أحدا أن يسلكه، فقال: ويحكم ! ألا ترون هذا الطريق اليابس الذي في وسطه قلنا: لا. قال: فانظروا أمامكم وعن يمينكم، فنظرنا فإذا والله طريق يابس سهل المسلك ففرحنا، وقلنا: لقد من الله علينا بأبي طالب، فسلك وسلكنا خلفه حتى دخلنا الجزيرة فحططنا، فقام أبو طالب فخط خطا على جميع القافلة، ثم قال: يا قوم ! أبشروا فإن القوم لن يصلوا إليكم ولا أحد منهم بسوء. قال: وأقبلت الاعراب يتراكضون خلفنا، فلما انتهوا إلى الوادي إذا بحر عظيم قد حال بينهم وبيننا فبقوا متعجبين، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: يا قوم ! هل رأيتم قط ها هنا جزيرة أو بحرا ؟. قالوا: لا. فلما كثر تعجبهم قال شيخ منهم - قد مرت عليه (1) التجارب -: يا قوم ! أنا أطلعكم على بيان هذا الامر الساعة. قالوا: هات - يا شيخ - فإنك أقدمنا وأكبرنا سنا وأكثرنا تجاربا. قال:


(1) في (س): مر عليه.

[251]

نادوا القوم، فنادوهم، فقالوا: ما تريدون ؟. قال الشيخ: قولوا لهم: أفيكم أحد من ولد عبد المطلب ؟ فنادوهم، فقالوا: نعم، فينا أبو طالب بن عبد المطلب قال الشيخ: يا قوم !، قالوا: لبيك. قال: لا يمكننا أن نصل إليهم بسوء أصلا، فانصرفوا ولا تشتغلوا بهم، فو الله ما في أيديكم منهم قليل ولا كثير، فقالوا: قد خرفت أيها الشيخ، أتنصرف عنهم وتترك هذه الاموال الكثيرة والامتعة النفيسة معهم ؟ !، لا والله ولكن نحاصرهم أو يخرجون إلينا فنسلبهم. قال الشيخ: قد نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين، فاتركوا نصحكم وذروا. قالوا: اسكت يا جاهل ! فحطوا رواحلهم ليحاصروهم فلما حطوا أبصر بعضهم بالطريق اليابس، فصاح: يا قوم ! ها هنا طريق يابس، فأبصر القوم كلهم الطريق اليابس، وفرحوا وقالوا: نستريح ساعة ونعلف دوابنا ثم نرتحل إليهم فإنهم لا يمكنهم أن يتخلصوا، ففعلوا، فلما أرادوا الارتحال تقدمت طائفة منهم إلى الطريق اليابس فلما توسطوا غرقوا وبقي الآخرون ينظرون إليهم فأمسكوا وندموا فاجتمعوا إلى الشيخ، وقالوا: ويحك يا شيخ ! ألا أخبرتنا أمر هذا الطريق فإنه قد أغرق فيه خلق كثير، قال الشيخ: قد أخبرتكم ونصحت لكم فخالفتموني وعصيتم أمري حتى هلك منكم من هلك. قالوا له: ومن أين علمت ذاك يا شيخ ؟. قال: ويحكم ! إنا خرجنا مرة قبل هذا نريد الغارة على تجارة قريش، فوقعنا على القافلة فإذا فيها من الاموال والامتعة ما لا يحصى كثرة، فقلنا (1) قد جاء الغنى آخر الابد، فلما أحسوا بنا - ولم يكن بيننا وبينهم إلا قدر ميل - قام رجل من ولد عبد المطلب يقال له: عبد الله، فقال: يا أهل القافلة ! ما ترون ؟. قالوا: ما ترى، قد دهمنا هذا الخيل الكثير، فسلوهم أن يأخذوا منا أموالنا ويخلوا سربنا فإنا إن نجونا بأنفسنا فقد فزنا. فقال عبد الله: قوموا وارتحلوا فلا بأس عليكم. فقلنا: ويحك ! وقد قرب القوم وإن ارتحلنا وضعوا علينا السيوف. فقال: ويحكم ! إنا (2) لنا ربا يمنعنا منهم،


(1) في (ك): فقنا ما..، والظاهر أن: ما، زائدة. (2) نسخة جاءت في مطبوع البحار: إن، بدلا من: إنا.

[252]

وهو رب البيت الحرام والركن والمقام، وما استجرنا به قط إلا أجارنا، فقوموا وبادروا. قال: فقام القوم وارتحلوا، فجعلوا يسيرون سيرا رويدا، ونحن نتبعهم بالركض الحثيث والسير الشديد فلا نلحقهم، وكثر تعجبنا من ذلك، ونظر بعضنا إلى بعض وقلنا: يا قوم ! هل رأيتم أعجب من هذا ؟ ! إنهم يسيرون سيرا رويدا ونحن نتراكض فلا يمكننا أن نلحقهم، فما زال ذلك دأبنا ودأبهم ثلاثة أيام ولياليها، كل يوم يخطون فيقوم عبد الله فيخط خطا حول القافلة ويقول لاصحابه: لا تخرجوا من الخط فإنهم لا يصلون إليكم فننتهي إلى الخط فلا يمكننا أن نتجاوزه، فلما كان بعد ثلاثة أيام - كل يوم يسيرون سيرا رويدا ونحن نتراكض - أشرفنا على هلاك أنفسنا وعطبت دوابنا وبقينا لا حركة بنا ولا نهوض، فقلنا: يا قوم ! هذا والله العطب والهلاك، فما ترون ؟. قالوا: الرأي الانصراف عنهم (1)، فإنهم قوم سحرة. فقال بعضهم لبعض: إن كانو سحرة فالرأي أن نغيب عن أبصارهم ونوهمهم أنا قد انصرفنا عنهم، فإذا ارتحلوا كررنا عليهم كرة وهجمنا عليهم في مضيق. قالوا: نعم الراي هذا، فانصرفنا عنهم وأوهمناهم أنا قد يئسنا، فلما كان من الغد ارتحلوا ومضوا فتركناهم حتى استبطنوا واديا فقمنا فأسرجنا وركبنا حتى لحقناهم، فلما أحسوا بنا فزعوا إلى عبد الله بن عبد المطلب، وقالوا: قد لحقونا. فقال: لا بأس عليكم، امضوا رويدا. قال: فجعلوا يسيرون سيرا رويدا، ونحن نتراكض ونقتل أنفسنا ودوابنا حتى أشرفنا على الموت مع دوابنا، فلما كان في آخر النهار قال عبد الله لاصحابه: حطوا رواحلكم، وقام فخط خطا وقال: لا تخرجوا من الخط فإنهم لن يصلوا إليكم بمكروه، فانتهينا إلى الخط فو الله ما أمكننا أن نتجاوزه، فقال بعضنا لبعض: والله ما بقي إلا الهلاك أو الانصراف عنهم على أن لا نعود إليهم. قال: فانصرفنا عنهم فقد عطبت دوابنا وهلكت، وكانت سفرة مشومة علينا، فلما سمعوا ذلك من الشيخ قالوا: ألا أخبرتنا بهذا


(1) لا توجد: عنهم، في (س).

[253]

الحديث فكنا ننصرف عنهم ولم يغرق (1) منا من غرق ؟. قال الشيخ: قد أخبرتكم ونصحت لكم، وقلت لكم: انصرفوا عنهم فليس لكم الوصول إليهم، وفيهم رجل من ولد عبد المطلب، وقلتم: إني قد خرفت وذهب عقلي، فلما سمع أبي هذا الكلام من الشيخ وهو يحدث أصحابه على رأس الخطة نظر إلى أبي طالب فقال: ويحك ! أما تسمع ما يقول الشيخ ؟. قال: بلى يا خطاب ! أنا والله في ذلك اليوم مع عبد الله في القافلة وأنا غلام صغير، وكان هذا الشيخ على قعود له، وكان شائكا لا يرى منه إلا حدقته، وكانت له جمة قد أرخاها عن يمينه وشماله. فقال الشيخ: صدق والله كنت يومئذ على قعود علي ذوابتان قد أرسلتهما عن يميني وشمالي. قال: الخطاب: فانصرفوا عنا. فقال أبو طالب: ارتحلوا. فارتحلنا، فإذا لا جزيرة ولا بحر ولا ماء، وإذا نحن على الجادة والطريق الذي لم نزل نسلكه فسرنا وتخلصنا بسحر أبي طالب حتى وردنا الشام فرحين مستبشرين، وحلف الخطاب أنه مر بعد بذلك الموضع بعينه أكثر من عشرين مرة إلى الشام فلم ير جزيرة ولا بحرا ولا ماء، وحلفت قريش على ذلك، فهل هذا - يا سلمان - إلا سحر مستمر ؟. قال سلمان: قلت: والله ما أدري ما أقول لك إلا إنك تورد علي عجائب من أمر بني هاشم. قال: نعم، يا أبا عبد الله ! هم أهل بيت يتوارثون السحر كابرا عن كابر !. قال سلمان: فقلت - وأنا أريد أن أقطع الحديث -: ما أرى أن هذا سحر. قال: سبحان الله ! يا أبا عبد الله ! ترى كذب الخطاب وأصحابه، أتراك ما حدثتك به مما عايتنه أنا بعيني كذب ؟. قال سلمان: فضحكت، فقلت: ويلك ! إنك لم تكذب ولا كذب الخطاب


(1) في (س): ولم يعرف.

[254]

وأصحابه، وهذا كله صدق وحق. فقال: والله لا تفلح أبدا، وكيف تفلح وقد سحرك ابن أبي طالب ؟. قلت: فاترك هذا.. ما تقول في فك الرقبة والمال الذي وافاك من خراسان ؟. قال: ويحك ! يمكنني أن أعصي هذا الساحر في شئ يأمرني به ؟ نعم أفكها على رغم مني وأوجه بالمال إليه. قال سلمان: فانصرفت من عنده، فلما بصر بي أمير المؤمنين عليه السلام قال: يا سلمان ! طال حديثكما. قلت: يا أمير المؤمنين حدثني بالعجائب من أمر الخطاب وأبي طالب. قال: نعم - يا سلمان - قد علمت ذلك وسمعت جميع ما جرى بينكما، وما قال لك أيضا انك لا تفلح. قال سلمان: والله الذي لا إله إلا هو ما حضر الكلام غيري وغيره، فأخبرني مولاي أمير المؤمنين عليه السلام بجميع ما جرى بيني وبينه. ثم قال: يا سلمان ! عد إليه فخذ منه المال وأحضر فقراء المهاجرين والانصار في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وفرقه إليهم. بيان: القعود - بالفتح - من البعير الذي يقتعده الراعي في كل حاجة (1)، وهذا الخبر وإن كان غريبا (2) غير مذكور في الكتب المعتبرة، لكن لما وجدناه في أصل عتيق أخرجناه. 115 - كنز (3): روي عن محمد بن جمهور، عن فضالة، عن أيوب (4)، عن عبد الرحمن، عن ميسر، عن بعض آل محمد صلوات الله عليهم في قوله: * (ولقد


(1) كما في الصحاح 2 / 525، ولسان العرب 3 / 359، وغيرهما. (2) في (س): قريبا، وهو خلاف الظاهر. (3) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 608، حديث 1. (4) في المصدر: ابان، ولعل كلمة: ابن، سقطت قبل كلمة أيوب من المتن.

[255]

خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه) * (1)، قال: هو الاول. و * (قال (2) قرينه ربنا مآ أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد) * (3)، قال: هو زفر، وهذه الآيات إلى قوله: * (يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد) * (4) فيهما وفي أتباعهما، وكانوا أحق بها وأهلها (5). 116 - كنز (6): روى بحذف الاسناد مرفوعا إلى أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لمولاي علي بن الحسين عليهما السلام: أسألك عن شئ تنفي به عني ما خامر نفسي ؟. قال: ذاك إليك. قلت: أسألك عن الاول والثاني ؟. فقال: عليهما لعائن الله، كلاهما (7) مضيا والله مشركين كافرين بالله العظيم. قلت: يا مولاي والائمة منكم يحيون الموتى ؟ ويبرئون الاكمه والابرص ؟ ويمشون على الماء ؟. فقال عليه السلام: ما أعطى الله نبيا شيئا إلا أعطى محمدا صلى الله عليه وآله مثله، وأعطاه ما لم يعطهم وما لم يكن عندهم، وكل ما كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقد أعطاه أمير المؤمنين عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين عليهما السلام ثم إماما (8) بعد إمام إلى يوم القيامة، مع الزيادة التي تحدث في كل سنة، وفي كل شهر، وفي كل يوم (9).


(1) سورة ق: 16. (2) في تأويل الآيات الظاهرة: وقال في قوله قال. (3) سورة ق: 27. (4) سورة ق: 30. (5) وذكره في تفسير البرهان 4 / 219، حديث 1. وجاء بهذا المضمون في تفسير القمي: 643، وفي طبعة النجف 2 / 324. (6) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 631 - 632، حديث 4. (7) في المصدر: كلها، بدلا من: كلاهما. (8) في مطبوع من البحار نسخة بدل: من، ثم رمز بعدها: ظ، أي ظاهرا.. (9) وقد سلف في بحار الانوار 27 / 29، حديث 1، وحكاه هناك عن بصائر الدرجات: 269، = = حديث 2 - مع اختلاف -.

[256]

117 - كنز (1): محمد بن العباس، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن الحسن بن علي بن مهران، عن سعيد بن عثمان، عن داود الرقي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: * (الشمس والقمر بحسبان) * (2) ؟. قال (3): إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره، ثم إن الله ضرب ذلك مثلا لمن وثب علينا وهتك حرمتنا وظلمنا حقنا، فقال: هما بحسبان، قال: هما في عذابي (4). إيضاح: بحسبان.. قال المفسرون: أي يجريان بحساب مقدر معلوم في بروجهما ومنازلهما (5). وقال في القاموس: الحسبان - بالضم - جمع الحساب والعذاب والبلاء والشر (6) فالتعبير عنهما بالشمس والقمر على زعم أتباعهما أو على التهكم. 118 - ويؤيده ما رواه علي بن ابراهيم في تفسير (7)، عن أبيه، عن الحسين ابن خالد، عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: * (الرحمن * علم القرءان) * (8) قال: الله علم محمدا القرآن. قلت: * (خلق الانسان) * (9) ؟. قال: ذلك أمير


(1) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 632، حديث 5. (2) الرحمن: 5. (3) في المصدر زيادة: يا داود سألت عن أمر فاكتف بما يرد عليك. (4) قد سلف من المصنف - قدس سره - في بحاره 24 / 309، حديث 12، وذكره هناك مفصلا، وجاء في تفسير البرهان 4 / 264، حديث 3. (5) كما في مجمع البيان 9 / 197 - 198، وتفسير الفخر الرازي 29 / 87، وتفسير البيضاوي 5 / 108. (6) القاموس 1 / 56، وقارنه ب‍: تاج العروس 1 / 212. (7) تفسير القمي 2 / 343. (8) الرحمن: 1 - 2. (9) الرحمن: 3.

[257]

المؤمنين عليه السلام. قلت: * (علمه البيان) * (1) ؟. قال: علمه بيان (2) كل شئ يحتاج الناس إليه. قلت: * (الشمس والقمر بحسبان) * (3) ؟. قال: هما بعذاب الله. قلت: الشمس والقمر يعذبان ؟. قال: سألت عن شئ فأيقنه (4)، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له، ضوءهما من نور عرشه وحرهما من جهنم، فإذا كانت القيامة عادا إلى العرش نورهما وعاد إلى النار حرهما، فلا يكون شمس ولا قمر، وإنما عناهما لعنهما الله، أو ليس قد روى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الشمس والقمر نوران في النار ؟ !. قلت: بلى. قال: أما سمعت قول الناس:.. فلان وفلان شمس هذه الامة ونورها (5) ؟ ! فهما في النار. قلت (6): بلى. قال: والله (7) ما عنى غيرهما... إلى آخر الخبر كما سيأتي. 119 - كنز (8): في رواية محمد بن (9) علي بن الحكم، عن ابن عميرة (10)، عن ابن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (11): * (وضرب الله مثلا


(1) الرحمن: 4. (2) في المصدر: تبيان. (3) الرحمن: 5. (4) في المصدر: فاتقنه. (5) نسخة في (ك): نورهما. (6) وضع على كلمة: قلت، رمز نسخة بدل في المطبوع من البحار. (7) جاء في المصدر بزيادة: قال: أما سمعت قول الناس فلان وفلان شمسا هذه الامة ونورها فهما في النار، والله.. (8) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 700 - 701، حديث 8، بتفصيل في الاسناد. (9) في المصدر: عن، بدلا من: ابن. (10) في (ك): ابن أبي عميرة، هو غلط ظاهرا، وفي المصدر: عن سيف بن عميرة.. (11) جاء في المصدر: عزوجل، بدلا من: تعالى.

[258]

للذين ءامنوا امرأة فرعون..) * (1) الآية ؟. فقال (2): هذا مثل ضربه الله لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله التي تزوجها عثمان بن عفان. قال: وقوله: * (ونجني من فرعون وعمله) * (3) ؟. يعني من الثالث وعمله. وقوله: * (ونجني من القوم الظالمين) * (4) ؟. يعني بني أمية (5). 120 - كنز (6): روي عن محمد بن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عنهم عليهم السلام في قوله تعالى (7): * (ولا تطع كل حلاف مهين) * (8) ؟، الثاني. * (هماز مشآء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم) * (9)، قال: العتل: الكافر العظيم الكفر، والزنيم: ولد الزنا (10). 121 - كنز (11): محمد بن البرقي، عن الاحمسي، عن أبي عبد الله عليه السلام.. مثله، إلا أنه زاد فيه: وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقرأ: * (فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون) * (12)، فلقيه الثاني، فقال له: (13) تعرض بي وبصاحبي ؟ !. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام - ولم يعتذر إليه -: ألا أخبرك بما


(1) التحريم: 11. (2) في الكنز: الآية قال. (3) التحريم: 11. (4) التحريم: 11. (5) وذكره في تفسير البرهان 4 / 358، حديث 1. (6) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 712، حديث 4. (7) في المصدر: في قوله عزوجل. (8) القلم: 10. (9) القلم: 11 - 13. (10) وجاء أيضا في تفسير البرهان 4 / 370، حديث 6. (11) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 712، حديث 5. (12) القلم: 5 - 6. (13) في المصدر بزيادة: فقال له: أنت الذي تقول كذا وكذا.

[259]

نزل في بني أمية ؟ نزل فيهم: * (فهل عسيتم إن توليتم..) * (1) الآية، قال: فكذبه، وقال: هم خير منكم (2)، وأوصل للرحم (3). 122 - كنز (4): محمد بن العباس، عن الحسن بن احمد المالكي، عن محمد ابن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن الحسين الجمال (5)، قال: حملت أبا عبد الله عليه السلام من المدينة إلى مكة، فلما بلغ غدير خم نظر إلي وقال: هذا موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وآله حين أخذ بيد علي عليه السلام، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وكان عن يمين الفسطاط أربعة نفر من قريش سماهم لي، فلما نظروا إليه وقد رفع يده حتى بان بياض إبتيه (6)، قال: انظروا إلى عينيه قد انقلبتا كأنهما عينا مجنون، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: اقرأ: * (وإن يكاد الذين كفروا..) * (7) الآية، والذكر: علي بن أبي طالب عليه السلام. فقلت: الحمد لله الذي أسمعني هذا منك. فقال: لولا أنك جمالي لما حدثتك بهذا، لانك لا تصدق إذا رويت عني (8). بيان: أي لا يصدقك (9) الناس لانهم لا يعتمدون على كلام الجمالين، أو لانه


(1) سورة محمد (ص): 22. (2) في الكنز: وقال له هم خير منك. (3) وأورده في البرهان 4 / 370، حديث 7. (4) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 713، حديث 6. (5) في المصدر: عن حسان الجمال. (6) في المصدر: ابطيه، وهو الظاهر، وما في المتن لا معنى له. (7) القلم: 51، وقد جاءت الآية في المصدر كاملة. (8) وقد جاء في البحار 37 / 221، حديث 89، وتفسير البرهان 4 / 374، حديث 2، وأخرجه في الوسائل 3 / 548، حديث 1، والكافي 4 / 566، حديث 2، والتهذيب 3 / 263، حديث 66، باختلاف يسير. (9) عبارة: أي لا يصدقك، مطموسة في (س).

[260]

كثيرا ما يقع بين الجمال وراكبه نزاع، ويؤيد الاول أن في بعض النسخ: جمال - بدون الياء -. 123 - كنز (1): محمد، عن (2) البرقي، عن سيف بن عميرة، عن أخيه، عن منصور بن حازم، عن حمران، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقرأ هذه الآية (3): * (وجاء فرعون) * (4) يعني الثالث، * (ومن قبله) * الاوليين (5)، * (والمؤتفكات) * (6) أهل البصرة، * (بالخاطئة) * (7) الحميراء (8). 124 - وبالاسناد (9)، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، قال: * (وجاء فرعون) * (10) - يعني الثالث - * (ومن قبله) * - يعني الاولين - * (بالخاطئة) * (11) - يعني عائشة -. بيان (12): قال المؤلف (رحمه الله): فمعنى قوله: * (وجاء فرعون ومن قبله


(1) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 714، حديث 1. (2) في (ك) نسخة: بن، بدلا من: عن، ولا توجدان في المصدر، وفيه تعليقة حول سيف بن عميرة جديرة بالملاحظة. (3) قد ذكر الآية كاملة في المصدر ثم أولت بقوله: قال.. إلى آخره. (4) الحاقة: 9. (5) لا توجد: الاوليين، في (س)، وهي تفسير ل‍ (من قبله). (6) الحاقة: 9. (7) الحاقة: 9. (8) وقد ذكره في تفسير البرهان 4 / 375، حديث 1. (9) في تأويل الآيات الظاهرة 2 / 714، حديث 2. (10) الحاقة: 9. (11) الحاقة: 9. وفي المصدر: والمؤتفكات الخاطئة يعني ع اي ش ة هكذا وردت. (12) الظاهر أن كلمة: بيان، زائدة. ويستمر كلام مؤلف كتاب تأويل الآيات الظاهرة إلى قوله: خسفت بهم.

[261]

والمؤتفكات بالخاطئة) * (1) في أقوالها وأفعالها، وفي (2) كل خطأ وقع فإنه منسوب إليها، وكيف جاءا (3) بها، بمعنى أنهم وثبوها (4) وسنوا لها الخلاف لمولاها (5) ووزر ذلك عليهم وفعل من تابعها إلى يوم القيامة. وقوله: والمؤتفكات: أهل البصرة، فقد جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام لاهل البصرة (6): يا أهل المؤتفكة ! ائتفكت بأهلها ثلاث مرات، وعلى الله تمام الرابعة. ومعنى ائتفكت باهلها.. أي خسفت بهم (7). 125 - كنز (8): في تفسير أهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى (9): * (فالملقيت ذكرا) *) (10) قال (11): هي الملائكة (12) تلقي الذكر على الرسول والامام عليهما السلام، و (13) في قوله عزوجل: * (ألم نهلك الاولين * ثم نتبعهم الاخرين) * (14) قال: نهلك الاولين.. أي الامم الماضية قبل النبي صلى الله عليه


(1) الحاقة: 9. وفي المصدر زيادة: أي المخطئة. (2) خط على: في، في (س)، ولا توجد في المصدر. (3) في المصدر: جاؤا، وهي نسخة في (ك). (4) ما هنا نسخة في المصدر، وفيه متنا: وثبوا بها. (5) جاء في (س): لمولاه. (6) كما أورده شيخنا ابن ميثم في شرحه على النهج 1 / 289، وحكاه عنه العلامة المجلسي - رحمه الله - في بحار الانوار 60 / 39، حديث 3، فراجع. (7) انظر: لسان العرب 10 / 391، وتاج العروس 7 / 102. إلى هنا كلام صاحب تأويل الآيات الظاهرة، وقد جاء بنصه في تفسير البرهان 4 / 375، حديث 1، وقد مر في بحار الانوار 8 / 447. (8) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 753 - 754. (9) لا توجد: تعالى، في (س). (10) المرسلات: 5. (11) في المصدر زيادة: قال علي بن ابراهيم - رحمه الله - في تفسيره. (12) كما جاء في تفسير القمي: 708 [طبعة النجف 2 / 400]. (13) لا توجد الواو في المصدر و (ك) من البحار. (14) المرسلات: 16 - 17.

[262]

وآله، ثم نتبعهم الآخرين الذين خالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله: * (كذلك نفعل بالمجرمين) * (1) يعني بني أمية وبني فلان (2). 126 - وروى (3) بحذف الاسناد مرفوعا إلى العباس بن إسماعيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في هذه الآية (4) قال: يعني الاول والثاني، * (ثم نتبعهم الاخرين) * (5) قال: الثالث والرابع والخامس، * (كذلك نفعل بالمجرمين) * (6) من بني أمية، وقوله: * (ويل يومئذ للمكذبين) * (7) بأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام (8). 127 - كنز (9): محمد بن العباس، عن محمد بن القاسم بن يسار (10)، عن بعض أصحابنا مرفوعا إلى أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا لاذ الناس من العطش قيل لهم: * (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) * (11) - يعني أمير المؤمنين عليه السلام - فيقول لهم: * (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) * (12)، قال: يعني الثلاثة، فلان.. وفلان.. وفلان (13).


(1) المرسلات: 18. (2) وحكى قطعة منه في بحار الانوار 7 / 45، حديث 27، وتفسير البرهان 4 / 417، حديث 1. (3) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 754، حديث 1. (4) في المصدر: في قوله عزوجل: (الم نهلك الاولين)، بدلا من: في هذه الآية. (5) المرسلات: 17. (6) المرسلات: 18. (7) المرسلات: 19. (8) وقد جاء في تفسير البرهان 4 / 417، حديث 1. (9) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 755، حديث 4. (10) جاء السند في المصدر هكذا: ويؤيده: ما رواه محمد بن العباس - رحمه الله - عن أحمد بن القاسم، عن احمد بن محمد بن سيار.. إلى آخره، وهناك تعليقة جديرة بالملاحظة. (11) المرسلات: 29. (12) المرسلات: 30. (13) وأورده في تفسير البرهان 4 / 418، حديث 2.

[263]

قال المؤلف (رحمه الله) (1): معنى هذا التأويل (2) أن أعداء آل محمد صلوات الله عليهم يوم القيامة يأخذهم العطش فيطلبون منه الماء، فيقول (3) لهم: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب، ويعني بالظل هنا ظلم أهل البيت عليهم السلام، ولهذا الظل ثلاث شعب، لكل شعبة منها راية (4)، وهم أصحاب الرايات الثلاث، وهم أئمة الضلال، ولكل راية منهن (5) ظل يستظل به أهله، ثم أوضح لهم الحال، فقال: إن هذا الظل المشار إليه * (لا ظليل) * (6) يظلكم ولا يغنيكم من اللهب.. أي العطش، بل يزيدكم عطشا، وإنما يقال لهم هذا استهزاء بهم وإهانة لهم، وكانوا أحق بها وأهلها. 128 - كا (7): الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن أورمة وعلي بن عبد الله، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله تعالى: * (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) * (8) فلان.. وفلان.. وفلان ارتدوا عن الايمان في ترك ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. قلت: قوله تعالى: * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم


(1) المراد به هو صاحب تأويل الآيات الظاهرة. (2) لا توجد كلمة: التأويل، في المصدر. (3) في المصدر زيادة وتغيير، وإليك نصه: فيطلبون الماء فيقال لهم: * (إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) *.. أي بولاية علي عليه السلام وإمامته، فإنه على حوض الكوثر يسقي أولياءه ويمنع أعداءه، فيأتون إليه ويطلبون منه الماء فيقول.. (4) في تأويل الآيات: ربي، بدلا من: راية. (5) في المصدر: منها، بدلا من: منهن. (6) المرسلات: 31. (7) اصول الكافي 1 / 348، حديث 43 [الطبعة الاخرى الاسلامية 1 / 420 - 421]. (8) سورة محمد (ص): 25.

[264]

في بعض الامر) * (1) قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله عزوجل الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله: * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) * في علي * (سنطيعكم في بعض الامر) * (2) قال: دعوا بني أمية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الامر فينا بعد النبي صلى الله عليه وآله ولا يعطونا من الخمس شيئا، وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ، ولم يبالوا أن لا يكون الامر فيهم، فقالوا: * (سنطيعكم في بعض الامر) * (3) الذين دعوتمونا إليه - وهو الخمس - أن لا نعطيهم منه شيئا، وقوله: * (كرهوا ما نزل الله) * (4) والذي نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وكان معهم أبو عبيدة وكان كاتبهم، فأنزل الله: * (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجويهم..) * (5) الآية. بيان: ظاهر السياق أن فاعل قالوا الضمير الراجع إلى الذين ارتدوا، فلو فسرنا الكنايات الثلاث الاول بأبي بكر وعمر وعثمان - كما هو ظاهر - لا يستقيم النظام، ويمكن توجيهه بوجهين: الاول: أن يكون المراد بالكنايات بعض بني أمية كعثمان وأبي سفيان ومعاوية، فالمراد ب‍ (الذين كرهوا ما نزل الله) أبو بكر وأخواه. الثاني: أن يكون المراد بالكنايات أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وضمير (قالوا) راجعا إلى بني أمية، والمراد ب‍ (الذين كرهوا) الذين ارتدوا، فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، ويؤيد هذا عدم وجود الكناية الثالثة في بعض النسخ. 129 - كا (6) بالاسناد المتقدم، عن أبي عبد الله عليه السلام (7): * (ومن يرد


(1 - 4) سورة محمد (ص): 26. (5) الزخرف: 79 - 80. (6) الكافي 1 / 348، حديث 44 [1 / 421]. (7) في المصدر زيادة: قول الله عزوجل.

[265]

فيه بإلحاد بظلم) * (1) قال: نزلت فيهم، حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا (2) على كفرهم وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه * (فبعدا للقوم الظالمين) * (3). 130 - يب (4): الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة من الليالي العشاء الآخرة ما شاء الله، فجاء عمر فدق الباب، فقال: يا رسول الله (ص) نام النساء، نام الصبيان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: ليس لكم أن تؤذوني ولا تأمروني، إنما عليكم أن تسمعوا وتطيعوا. 131 - كا (5): الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشا، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن الله عز ذكره (6) من علينا بأن عرفنا توحيده، ثم من علينا بأن أقررنا بمحمد صلى الله عليه وآله بالرسالة، ثم اختصنا بحبكم أهل البيت (ع) نتولاكم ونتبرأ من عدوكم، وإنما يريد (7) الله بذلك خلاص أنفسنا من النار. قال: ورققت وبكيت. فقال أبو عبد الله عليه السلام: سلني، فو الله لا تسألني عن شئ إلا أخبرتك به. قال: فقال له عبد الملك بن أعين: ما سمعته قالها (8) لمخلوق قبلك، قال: قلت: خبرني عن الرجلين ؟.


(1) الحج: 25. (2) في (س): وتقاعدوا. (3) هود: 44، والمؤمنون: 41. (4) التهذيب 2 / 28 ذيل حديث 81، بتفصيل في الاسناد. (5) الكافي - الروضة - 8 / 102، حديث 74، بتفصيل في الاسناد. (6) في المصدر: وجل، بدلا من: ذكره. (7) في الكافي: نريد، وجاءت نسخة على مطبوع البحار: يزيد. (8) نسخة في (ك): قال.

[266]

قال: فقال (1) ظلمانا حقنا في كتاب الله عزوجل ومنعا فاطمة عليها السلام ميراثها من أبيها، وجرى ظلمهما إلى اليوم، قال: - وأشار إلى خلفه - ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما. 132 - كا (2): وبهذا الاسناد، عن أبان، عن عقبة بن بشير الاسدي، عن الكميت بن زيد الاسدي، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فقال: والله يا كميت ! لو كان عندنا مال لاعطيناك منه، ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: لن يزال (3) معك روح القدس ما ذببت عنا (4)، قال: قلت: خبرني عن الرجلين ؟. قال: فأخذ الوسادة فكسرها في صدره ثم قال: والله يا كميت ! ما أهريق محجمة من دم، ولا أخذ مال من غير حله، ولا قلب حجر عن (5) حجر إلا ذاك في أعناقهما. 133 - كا (6): وبهذا الاسناد، عن أبان بن عثمان، عن الحارث النضري (7)، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: عن قول الله عزوجل: * (الذين بدلوا نعمت الله كفرا) * (8) قال: ما تقولون في ذلك ؟. قلت: نقول: هم الافجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة. قال: ثم قال: هي والله قريش قاطبة، إن الله تبارك وتعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال: إني فضلت قريشا على


(1) لا توجد في المصدر: فقال، ووضع عليها رمز نسخة بدل في (س). (2) الكافي 8 / 102، حديث 75. وأورده في بحار الانوار 46 / 341 حديث 32. (3) في (س): لن يراك، ولا معنى لها. (4) لقد حكاه إلى هنا العلامة الاميني - رحمه الله - في غديره 2 / 187، عن المسعودي في مروج الذهب 2 / 195، وقد فصل حول الكميت الشاعر قبله وبعده، فراجع. (5) في (س): من، بدلا من: عن. (6) الكافي - الروضة - 8 / 103، حديث 77. (7) في المصدر: النصري، بدلا من: النضري، وفي (س): ابن النضري. (8) ابراهيم (ع): 28.

[267]

العرب، وأتممت عليهم نعمتي، وبعثت إليهم رسولي (1) ف‍: * (بدلوا نعمتي كفرا وأحلوا قومهم دار البوار) * (2). 134 - كا (3): علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كانت امرأة من الانصار تودنا أهل البيت وتكثر التعاهد لنا، وإن عمر بن الخطاب لقيها ذات يوم وهي تريدنا، فقال لها: أين تذهبين يا عجوز الانصار ؟. فقالت: أذهب إلى آل محمد صلى الله عليه وآله أسلم عليهم وأجدد (4) بهم عهدا، وأقضي حقهم. فقال لها عمر: ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا، إنما كان لهم حق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأما اليوم فليس لهم حق، فانصرفي (5). فانصرفت حتى أتت أم سلمة، فقالت لها أم سلمة: ماذا أبطأ بك عنا ؟. فقالت: إني لقيت عمر بن الخطاب.. فأخبرتها (6) بما قالت لعمر وما قال لها عمر (7)، فقالت لها أم سلمة: كذب (8)، لا يزال حق آل محمد واجبا على المسلمين إلى يوم القيامة. 135 - كا (9) حميد، عن ابن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن الفضيل بن الزبير، عن فروة (10)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ذاكرته شيئا


(1) في (س): رسولا. (2) ابراهيم (ع): 28. (3) الكافي - الروضة - 8 / 156، حديث 145. (4) نسخة في (س): أحدث. (5) ما هنا نسخة في (ك)، وفي متنها: فانصرفني. (6) في المصدر: وأخبرتها. (7) في (س): عمر لها - بتقديم وتأخير -. (8) في (س): وكذب. (9) الكافي - الروضة - 8 / 189، حديث 215. (10) جاء السند في المصدر: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل بن زبير، قال: حدثني فروة..

[268]

من أمرهما، فقال: ضربوكم على دم عثمان ثمانين سنة وهم يعلمون إنه كان ظالما، فكيف - يا فروة - إذا ذكرتم (1) صنميهم ؟. 136 - كا (2): محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (3): * (وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه) * (4) قال: نزلت في أبي الفصيل، إنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله عنده ساحرا فكان إذا مسه الضر - يعني السقم - دعا ربه منيبا إليه - يعني تائبا إليه من قوله في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقول - * (ثم إذا خوله نعمة منه) * (5) يعني العافية * (نسي ما كان يدعو إليه) * (6) يعني نسي التوبة إلى الله عزوجل مما كان يقول في رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ساحر، ولذلك قال الله عزوجل: * (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) * (7) يعني إمرتك على الناس بغير حق من الله عزوجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله. قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: ثم عطف القول من الله عزوجل في علي عليه السلام يخبر بحاله وفضله عند الله تبارك وتعالى، فقال: * (أمن هو قانت ءاناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون) * (8) أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله * (والذين لا يعلمون) * (9) أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه ساحر كذاب * (إنما يتذكر أولوا الالباب) * (10) قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: هذا تأويله يا عمار !.


(1) في (س) ذكرتهم. (2) الكافي - الروضة - 8 / 204، حديث 246، بتفصيل في الاسناد. (3) في المصدر: قول الله تعالى. (4 - 7) الزمر: 8. (8 - 10) الزمر: 9.

[269]

137 - كا (1): علي، عن أبيه، عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:.. إن الشيخين (2) فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يذكرا (3) ما صعنا بأمير المؤمنين عليه السلام، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. 138 - وبهذا الاسناد (4)، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عنهما، فقال: يا أبا الفضل ! ما تسألني عنهما ؟ ! فو الله ما مات منا ميت قط إلا ساخطا عليهما، وما منا اليوم إلا ساخطا عليهما يوصي بذلك الكبير منا الصغير، إنهما ظلمانا حقنا، ومنعانا فيئنا، وكانا أول من ركب أعناقنا، وبثقا (5) علينا بثقا في الاسلام لا يسكر (6) أبدا حتى يقوم قائمنا أو يتكلم متكلمنا. ثم قال: أما والله لو قد قام قائمنا وتكلم لابدى من أمورهما ما كان يكتم، ولكتم من أمورهما ما كان يظهر، والله ما أسست من بلية ولا قضية تجري علينا أهل البيت إلا هما أسسا أولها، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.


(1) الكافي - الروضة - 8 / 246، حديث 343. (2) في المصدر زيادة: قلت له: ما كان ولد يعقوب أنبياء ؟. قال: لا، ولكنهم كانوا أسباط أولاد الانبياء، ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا سعدا تابوا وتذكروا ما صنعوا، وإن الشيخين.. (3) في الكافي: ولم يتذكرا. (4) في الكافي - الروضة - 8 / 245، حديث 340. (5) في (س): وشقا، وهو غلط. وجاء في حاشية (ك) ما يلي: هو من قولهم: بثق النهر: انكسر شطه.. أي ثلما علينا ثلمة في الاسلام لا يسدها شئ، ويقال: بثقت الماء بثقا - من باب ضرب وقتل -: إذا أهرقته، وكذلك في السكر، فانبثق هو، وانبثق الماء.. إنفجر وجرى، ومنه حديث هاجر أم إسماعيل في إسماعيل، فغمض بعقبه الارض فانبثق الماء: يعني ماء زمزم، والبثق - بالكسر - اسم للمصدر، مجمع. انظر: مجمع البحرين 5 / 136 وفيه: بأبي، بدلا من: باب، وهو الصحيح. (6) في (س): لا يسكرا.

[270]

بيان: وثبق (1) السيل موضع كذا - كنصر - ثبقا (بالفتح والكسر -.. أي خرقه وشقه، فانبثق.. أي انفجر (2). وسكرت النهر سكرا سددته (3). 139 - كا (4): محمد بن احمد القمي، عن عمه عبد الله بن الصلت، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن حسين الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله تبارك وتعالي: * (ربنا أرنا الذين اضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين) * (5) قال: هما، ثم قال: وكان فلان شيطانا. بيان: إن المراد بفلان: عمر.. أي الجن المذكور في الآية عمر، وإنما كنى به عنه لانه كان شيطانا، إما لانه كان شرك شيطان لكونه ولد زنا، أو لانه كان في المكر والخديعة كالشيطان، وعلى الاخير يحتمل العكس بأن يكون المراد بفلان: أبا بكر. 140 - كا (6): بالاسناد، عن يونس، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: * (ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن


(1) كذا، والصحيح: بثق - بتقديم الباء الموحدة على الثاء المثلثة - فإن المذكور في الرواية بثق مع أن ما ذكره المصنف طاب ثراه من المعنى هو ل‍: بثق. (2) قاله في الصحاح 4 / 1448، ومثله في لسان العرب 10 / 13. وقال في الاول 4 / 1453 في مادة ثبق: ثبقت العين تثبق: أسرع دمعها، وثبق النهر: أسرع جريه وكسر ماؤه، ومثله في لسان العرب في مادة ثبق 10 / 33. (3) كما في مجمع البحرين 3 / 335، ولسان العرب 4 / 375، ولا حظ: النهاية 2 / 383. (4) الكافي - الروضة - 8 / 334، حديث 523. (5) فصلت: 29. (6) الكافي - الروضة - 8 / 334، حديث 524.

[271]

والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين) * (1) قال: يا سورة ! هما والله هما.. ثلاثا، والله يا سورة ! إنا لخزان علم الله في السماء وإنا لخزان علم الله في الارض. 141 - كا (2): محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في قول الله تبارك (3): * (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) * (4) قال: يعني فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح. بيان: بيت امرا.. أي دبره ليلا (5). 142 - كا (6): علي، عن أبيه، عن محمد (7) بن إسماعيل وغيره، عن منصور بن يونس، عن ابن أذينة، عن عبد الله بن النجاشي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قول الله عزوجل: * (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) * (8) يعني والله فلانا وفلانا، * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) * (9) يعني والله


(1) فصلت: 29. (2) الكافي - الروضة - 8 / 334، حديث 525. (3) في الكافي زيادة: وتعالى. (4) النساء: 108. (5) صرح به في لسان العرب 2 / 16، والصحاح 1 / 245، وغيرهما. (6) الكافي - الروضة - 8 / 334، حديث 526. (7) في المصدر: ومحمد.. (8) النساء: 63. (9) النساء: 64.

[272]

النبي صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام، مما صنعوا، يعني لو جاؤك بها (1) يا على * (فاستغفروا الله) * مما صنعوا * (واستغفروا لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) * (2)، * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) * (3) فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو - والله - علي بعينه * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4) على لسانك يا رسول الله، يعني به من ولاية علي عليه السلام، * (ويسلموا تسليما) * (5) لعلي عليه السلام. تبيان: قوله تعالى: * (فأعرض عنهم) * (6).. أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، أو عن قبول معذرتهم، وفي بعض النسخ: وما أرسلناك رسولا إلا لتطاع.. فتكون قراءتهم عليهم السلام هكذا. قوله عليه السلام: يعني والله النبي (ص).. أي المراد بالرسول في قوله تعالى: * (واستغفر لهم الرسول) * (7) النبي صلى الله عليه وآله، والمخاطب في قوله جاؤك، علي عليه السلام، ولو كان المخاطب الرسول صلى الله عليه وآله لكان الاظهر أن يقول: واستغفرت لهم، وفي بعض نسخ تفسير العياشي (8): يعني والله عليا عليه السلام، وهو أظهر. قوله عليه السلام: هو والله على.. أي المخاطب، أو المعنى أن المراد بما شجر بينهم ما شجر بينهم في أمر علي عليه السلام وخلافة (9)، والاول أظهر.


(1) في المصدر: أي لو جاءت بها وفي (س): لها، بدلا من: بها. (2) النساء: 64. (3 - 5) النساء: 65. (6) النساء: 63. (7) النساء: 64. (8) تفسير العياشي 1 / 255 حديث 182، وهو كالمتن، ولم نظفر بالنسخة التي أشار لها المصنف رحمه الله. (9) في (س): خلافه.

[273]

قوله عليه السلام: مما قضيت على لسانك.. ظاهره أن قراءتهم عليهم السلام به (1) على صيغة التكلم، ويحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى، أي المراد بقضاء الرسول صلى الله عليه وآله ما يقضي الله على لسانه. 143 - ختص (2): محمد بن عيسى، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مروان، عن يونس بن صهيب، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر - وقد ذهب به إلى الغار - فقال: ما لك ؟ أليس الله معنا ؟ ! تريد أن أريك أصحابي من الانصار في مجالسهم يتحدثون، وأريك جعفر بن أبي طالب وأصحابه في سفينة يغوصون ؟. فقال: نعم، أرنيهم. فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه وعينيه، فنظر إليهم، فأمضر في نفسه أنه ساحر. 144 - كنز (3): الشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله في مصباح الانوار (4) بإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله في حفر الخندق - وقد حفر الناس وحفر علي عليه السلام - فقال له (5) النبي صلى الله عليه وآله: بأبي من يحفر وجبرئيل يكنس التراب بين يديه، ويعينه ميكائيل، ولم يكن يعين أحدا قبله من الخلق، ثم قال النبي صلى الله وعليه وآله لعثمان بن


(1) لا توجد: به، في (ك). (2) الاختصاص: 19 - حديث الغار -. (3) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 607، حديث 9. (4) هو كتاب مصباح الانوار في فضائل إمام الابرار للشيخ هاشم بن محمد، وقد نسب إلى الشيخ الطوسي - لما جاء على ظهر نسخة - كما هنا وكتاب مدينة المعاجز، وكشكول شيخ احمد شكر، وتأويل الآيات الظاهرة، وكنز المطالب للسيد ولي الله بن نعمة الله.. وغيرهما، ونفى النسبة شيخنا الطهراني في الذريعة 21 / 103 - 104، وقال العلامة المجلسي رحمه الله في أول بحاره في مقام توثيق مصادره 1 / 40: وكتاب مصباح الانوار مشتمل على غرر الاخبار ويظهر من الكتاب أن مؤلفه من الافاضل الكبار، ويروي من الاصول المعتبرة من الخاصة والعامة. (5) في (س): فقاله.

[274]

عفان: احفر: ! فغضب عثمان وقال: لا يرضى محمد أن أسلمنا على يده حتى أمرنا (1) بالكد، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله: * (يمنون عليك إن أسلموا...) * (2) الآية. 145 - ختص (3): القاسم بن محمد الهمداني، عن ابراهيم بن محمد بن ابراهيم الكوفي، عن أبي الحسين يحيى بن محمد الفارسي، عن أبيه، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قال: خرجت ذات يوم إلى ظهر الكوفة وبين يدي قنبر، فقلت (4): يا قنبر ! ترى ما أرى ؟. فقال: قد ضوء الله لك (5) - يا أمير المؤمنين ! - عما عمي عنه بصري. فقلت: يا أصحابنا ! ترون ما أرى ؟. فقالوا: لا، قد ضوء الله لك يا أمير المؤمنين (ع) عما عمي عنه أبصارنا. فقلت: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لترونه كما أراه، ولتسمعن كلامه كما أسمع، فما لبثنا أن طلع شيخ عظيم الهامة (6) له عينان بالطول، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقلت: من أين أقبلت يا لعين ؟. قال: من الآثام (7). فقلت: وأين تريد ؟. قال: الآثام (8). فقلت: بئس الشيخ أنت. فقال: لم تقول هذا يا أمير المؤمنين (ع)، فو الله لاحدثنك بحديث عني عن الله عز وجل ما بيننا ثالث. فقلت: يا لعين (9) ! عنك عن الله عزوجل ما بينكما ثالث ؟ !.


(1) في الكنز: حتى يأمرنا. (2) الحجرات: 17. وذكر الآية إلى قوله تعالى: صادقين، في المصدر. (3) الاختصاص: 108، بتفصيل في الاسناد. (4) في المصدر: فقلت له. (5) في الاختصاص: فقال ضوء الله عزوجل لك. (6) في المصدر زيادة: مديد القامة له. (7) في الاختصاص: من الانام. (8) في الاختصاص: الانام. (9) لا توجد: يا لعين في (س).

[275]

قال: نعم (1)، إنه لما هبطت بخطيئتي إلى السماء الرابعة ناديت: إلهي وسيدي ما أحسبك خلقت من (2) هو أشقي مني، فأوحى الله تبارك وتعالى إلي (3): بلى، قد خلقت من هو أشقى منك، فانطلق إلى مالك يريكه، فانطلقت إلى مالك، فقلت: السلام يقرأ عليك السلام ويقول: أرني من هو أشقى مني، فانطلق بي مالك إلى النار فرفع الطبق الاعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكا، فقال لها: إهدايي (4) فهدأت، ثم انطلق بي إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشد من تلك سوادا وأشد حمى، فقال لها: اخمدي ! فخمدت إلى أن انطلق بي إلى السابع (5)، وكل نار تخرج من طبق هي أشد من الاولى، فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكا وجميع ما خلقه الله عزوجل، فوضعت يدي على عيني وقلت: مرها يا مالك تخمد (6) وإلا خمدت، فقال أنت لم تخمد (7) إلى الوقت المعلوم، فأمرها فخمدت، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النيران معلقين بها إلى فوق، وعلى رؤوسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت: يا مالك ! من هذان ؟. فقال: أو ما قرأت في ساق (8) العرش، وكنت قبل (9) قرأته قبل أن يخلق الله الدنيا بألفي عام: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه آله أيدته ونصرته بعلي، فقال: هذان عدوا أولئك وظالماهم (10).


(1) جاء في (س): قال بعد كلمة: نعم، وخط عليها في (ك)، ولا معنى لها. (2) لا توجد: من، في المطبوع من البحار، وفي المصدر: خلقت خلقا هو.. (3) لا توجد إلي، في الاختصاص. (4) كذا، وفي المصدر: اهدئي، وهو الظاهر. (5) جاء: إلى الطبق السابع، في المصدر. (6) في المصدر: ان تخمد. (7) جاء في (ك) نسخة: لن تخمد، وفي المصدر: إنك لن تخمد. وهو الظاهر. (8) في الاختصاص: على ساق.. (9) لا توجد: قبل، في (س). (10) وفي آخر الحديث: فقال: هذان من أعداء اولئك، أو ظالميهم - الوهم من صاحب الحديث..

[276]

146 - ختص (1): روي عن حكم بن جبير، قال: قلت لابي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام: إن الشعبي يروي عندنا بالكوفة أن عليا (ع) قال: خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فقال إن الرجل يفضل على نفسه من ليس هو مثله حبا وكرامة (2)، ثم أتيت علي بن الحسين عليهما السلام فأخبرته ذلك، فضرب على فخذي وقال: هو أفضل منهما كما بين السماء والارض. 147 - ختص (3): روي عن ابن كدينة الارض. 147 - ختص (3): روي عن ابن كدينة الاودي (4)، قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول الله عزوجل: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * (5) فيمن نزلت ؟. قال: في رجلين من قريش. 148 - البرسي، في مشارق الانوار (6) عن محمد بن سنان، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر (7): يا مغرور ! إني أراك في الدنيا قتيلا بجراحة من عبد أم معمر (8) تحكم عليه جورا فيقتلك توفيقا، يدخل بذلك الجنة على رغم منك، وإن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه صلبا وهتكا، تخرجان عن جوار رسول الله (9) صلى الله عليه وآله فتصلبان على أغصان جذعة (10) يابسة فتورق فيفتتن بذلك (11) من والاك. فقال عمر: ومن يفعل ذلك يا أبا الحسن (ع) ؟. فقال: قوم


(1) الاختصاص: 128. (2) في المصدر: وتكرما. (3) الاختصاص: 128. (4) كذا، والظاهر انه: أبي كريبة الازدي. (5) الحجرات: 1. (6) مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه السلام: 70 - 79. (7) في المصدر: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول للرجل. (8) جاءت نسخة بدل في حاشية (ك): ابن معمر. (9) في المصدر: من عند رسول الله.. (10) في المشارق: دوحة، بدلا من: جذعة. (11) في المصدر: بذاك، وهي نسخة في (ك).

[277]

قد فرقوا بين السيوف وأغمادها، فيؤتى (1) بالنار التي أضرمت لابراهيم عليه السلام ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبي وصديق، ثم يأتي ريح فينسفكما في اليم نسفا. وقال عليه السلام يوما (2) للحسن: يا أبا محمد ! أما ترى عندي تابوت (3) من نار يقول: يا علي ! استغفر لي، لا غفر الله له. وروي في تفسير قوله تعالى: * (إن أنكر الاصوات لصوت الحمير) * (4) قال: سأل رجل (5) أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى هذه الحمير ؟. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله أكرم من أن يخلق شيئا ثم ينكره، إنما هو زريق وصاحبه في تابوت من نار في (6) صورة حمارين، إذا شهقا في النار انزعج أهل النار من شدة صراخهما. 149 - كنز (7): محمد بن العباس، عن محمد بن القاسم، بإسناده عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: إذا كان يوم القيامة أخرجت أريكتان من الجنة فبسطتا على شفير جهنم، ثم يجئ علي عليه السلام حتى يقعد عليهما، فإذا قعد ضحك، وإذا ضحك انقلبت جنهم فصار (8) عاليها سافلها، ثم يخرجان فيوقفان بين يديه فيقولان: يا أمير المؤمنين ! يا وصي رسول الله (9) ! ألا ترحمنا ؟ ! ألا تشفع لنا عند ربك ؟ !. قال: فيضحك منهما، ثم يقوم فيدخل


(1) جاء في المشارق: ثم يؤتى. (2) في المصدر: من ذلك أن أمير المؤمنين عليه السلام قال يوما.. (3) في المشارق: ما ترى عند ربي تابوتا. (4) لقمان: 19. (5) في المصدر: رجل من.. (6) في (ك): وفي.. (7) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 781 - 782، حديث 17، باختصار في الاسناد هنا. (8) في المصدر: فصارت. (9) كرر لفظ الجلالة في (س).

[278]

الاريكتان (1) ويعادان إلى موضعهما، وذلك قوله عزوجل: * (فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون * على الارائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) * (2). أقول: روى البخاري في صحيحه في كتاب المغازي (3) بعد باب وفد بني تميم، وفي تفسير سورة الحجرات (4)، والترمذي (5) والنسائي (6) في صحيحهما، وأورده في كتاب جامع الاصول (7) في كتاب (8) تفسير القرآن من حرف الطاء، عن عبد الله ابن الزبير، قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه [وآله]، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد (9) بن زرارة، وقال عمر: أمر الاقرع بن حابس (10)، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي (11)، وقال عمر: ما أردت خلافك. قال (12): فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت (13) في ذلك: * (يا أيها الذين ءامنوا لا


(1) هنا نسخة في المصدر بها يصح المعنى والاعراب، وهي: ويدخل وترفع الاريكتان. (2) المطففين: 34 - 36. (3) صحيح البخاري 6 / 172، باب وفد بني تميم. وفي الاعتصام، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم. (4) صحيح البخاري 8 / 452 - 454 في تفسير سورة الحجرات، باب لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي (ص): وباب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. (5) صحيح الترمذي، حديث 3262 في التفسير، باب ومن سورة الحجرات. (6) صحيح النسائي 8 / 226 في القضاء، باب استعمال الشعراء، ولا توجد فيه: حتى انقضت. (7) جامع الاصول 2 / 360، حديث 809. (8) وضع على لفظ كتاب، رمز نسخة بدل في (ك). (9) في (س): معه، وهو غلط. (10) في (س): جابس، وهو غلط. (11) في مسند احمد بن حنبل: إنما أردت خلافي.. (12) لا توجد في المصدر: قال. (13) في المصدر: فنزل.

[279]

تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * (1) حتى انقضت (2). قال في جامع الاصول (3): وفي رواية قال ابن أبي مليكة: كاد الخيران (4) يهلكا (5) أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي صلى الله عليه [وآله] وفد بني تميم أشار أحدهما بالاقرع بن حابس الحنظلي وأشار الآخر بغيره.. ثم ذكر نحوه ونزول الآية (6)، ثم قال ابن الزبير (7): فكان عمر بعد إذا حدث بحديث كأخي (8) السرار لم يسمعه حتى يستفهمه (9)، ولم يذكر ذلك عن (10) أبيه (11). قال (12): أخرجه البخاري (13)، وأخرج النسائي (14) الرواية الاولى، وأخرج الترمذي (15) قال: إن الاقرع بن حابس قدم على رسول الله (16) صلى الله عليه [وآله]، فقال أبو بكر: يا رسول الله ! استعمله على قومه.. فقال عمر: لا


(1) الحجرات: 1. وذكر في المصدر ذيلها (.. واتقوا الله إن الله سميع عليم). (2) لا يوجد: حتى انقضت، في جامع الاصول. (3) جامع الاصول 2 / 361 - 362 في تفسير سورة الحجرات. (4) في (ك): الخبران. (5) في المصدر: كاد الخيران أن يهلكا. (6) هناك حاشية على جامع الاصول 2 / 361 حرية بالملاحظة. (7) قال ابن الزبير، كذا جاء في المصدر. (8) في المصدر: حدثه كأخي.. (9) جاء في المصدر زيادة: وفي أخرى نحوه، وفيه: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يستفهمه.. (10) في (س): عند، بدل: عن. (11) في المصدر: عن أبيه، يعني أبا بكر الصديق. (12) أي في جامع الاصول 2 / 361. (13) مر صحيح البخاري في بابين منه قريبا. (14) سنن النسائي 8 / 226، وقد سلف. (15) سنن الترمذي 5 / 387، حديث 3266 - كما مر -. (16) في المصدر: على النبي (ص).

[280]

تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النبي صلى الله عليه [وآله] حتى علت (1) أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. فقال: ما أردت خلافك. قال: فنزلت هذه الآية: * (يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي..) * (2) قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وآله لم يسمع كلامه حتى يستفهمه، وما ذكر ابن الزبير جده - يعني أبا بكر -. وقال الترمذي (3): وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلا، ولم يذكر ابن الزبير، وقال: حديث غريب حسن، انتهى (4) حكاية رواياتهم. ومن تأمل فيها وفي الآيات النازلة في تلك الحال بعين الاعتبار علم أنهما بلغا في سوء الادب وكشف جلباب الحياء الغاية (5) القصوى، حتى لم يقنعا في الجفاء وترك الاحتشام بأن يروا (6) آرائهما الفاسدة متقدمة على ما يراه الرسول صلى الله عليه وآله، بل زعماها متقدمة على حكم الله سبحانه، كما نطق به نهية تعالى إياهما بقوله: * (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * (7) ثم أمرهما بالتقوى والخشية من الله معللا نهيه وأمره بأن الله سميع عليم، تعريضا بأنهما لسوء الادب والاقدام على التقدم بين يدي الله ورسوله في كلامهما كأنهما لم يذعنا بأن الله سميع عليم، ثم حذرهما في رفع أصواتهما فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله والجهر له بالقول


(1) في سنن الترمذي: حتى ارتفعت.. (2) الحجرات: 2. (3) الجامع الصحيح للترمذي 5 / 387 - بتقديم وتأخير -.. (4) وانظر: الجامع الصغير، حديث 3266. وفصل مصادره في الغدير 7 / 323، وغيره. (5) في (س): غاية. (6) في (ك) نسخة: يريا. (7) الحجرات: 1.

[281]

كما كان دأب أجلاف العرب وطغامهم (1) في مخاطبة بعضهم بعضا عن حبط الاعمال من حيث لا يشعران، وفيه دلالة على أنهما لم يقتصرا على رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وآله في مخاطبة أحدهما للآخر بل خاطباه بصوت رفيع من دون احترام وتوقير، ثم حصر الممتحنين قلوبهم للتقوى في الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: * (لهم مغفرة وأجر عظيم) * (2) تنبيها على خروجهما عن زمرة هؤلاء. وقد ظهر لذي فطرة سليمة أن ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر - عند حكايته عن عمر بن الخطاب انتهاؤه عن هذه الوقاحة الشنيعة، مع أن أبا بكر كان جدا له، واهتمامه بتزكيته كان أشد من اعتنائه بشأن عمر بن الخطاب -، دليل على عدم ظهور آثار المتابعة والانقياد عنه كما ظهر عن عمر، فكان أغلظ منه وأخبث باطنا وأقبح سريرة، وليس في الذم والتقبيح أفحش من هذا. ولنعم ما قاله ابن أبي مليكة: من أنه كاد الخيران أن (3) يهلكا، فو الله لقد هلكا وكان الرجل غريقا في نومة الجهل خائضا في غمرات البهت والغفلة، وليت شعري ما حملها على شدة الاهتمام وبذل الجهد في تأمير الاقرع أو القعقاع بحضرة الرسول صلى الله عليه وآله أكان ذلك تشييدا لاركان الدين ومراعاة لمصالح المسلمين ؟ !، فتقدما بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وآله لظنهما أنهما أعلم من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله بما يصلح شأن الامة، فخافا من أن يلحقهم ضرر بتأمير من يؤمره الرسول أو لزعمهما أنهما أبر وأرأف بهم من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله،


(1) قال في القاموس 4 / 144: الطغام - كسحاب -: أوغاد الناس، ورذال الطير وكسحابة واحدها، والاحمق.. وانظر: الصحاح 5 / 1975. (2) الحجرات: 1. (3) لا توجد: أن، في (س).

[282]

فلم يرضيا بالسكوت شفقة عليهم ورأفة بهم، أم كان ذلك لامر (1) دنيوي، يعود نفعه إليهما، فمن رأى نفسه أعلم وأرأف من رب العالمين ومن رسوله الامين (2) صلى الله عليه وآله الطاهرين، أو رد على الله وعلى رسوله، ولم يرض بقضائهما لغرض فاسد دنيوي، كيف يصلح أن يكون قائدا للامة طرا وهاديا لهم إلى الرشاد ؟ ! وقد قال سبحانه: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (3) ولعل الناصرين لابي بكر وعمر يرون رسول الله صلى الله عليه وآله مجتهدا في كثير من الاحكام كما يرونهما مجتهدين، ويجوزون مخالفته سيما فيما يتعلق بأمر الجيش وترتيب العسكر ولا يلتفتون إلى خلاف الله تعالى في ذلك، حيث جعل التقدم بين يدي رسوله صلى الله عليه وآله تقدما عليه. فقال: * (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * (4). فانظر بعين الانصاف في تعصب طائفة من علماء الجمهور وأئمتهم كالرازي والبيضاوي وغيرهما وبذل جهدهم في إخفاء الحق وستر عورات مشايخهم، فقد ذكر الرازي في تفسيره (5) في شأن نزول الآيات عدة وجوه لم يسندها إلى رواية صحيحة أو كتاب معروف، ولم يذكر نزولها في أبي بكر وعمر مع وجوده في صحيح البخاري - الذي يجعلونه تاليا لكتاب الله سبحان، ويرون مؤلفة أوثق الناس وأعد لهم -، وكذا في غيره من صحاحهم كما سبق، فذلك إما لعدم الاطلاع على ما في هذه الكتب، وكفى به شاهدا على جهلهم وقلة إحاطتهم بأخبارهم وأمور دينهم، أو لان سنتهم إخفاء الحق وأطفاء نور الله بأفواههم فتعمدوا في ستر ما لا يوافق آراءهم ويستلزم القدح في مشايخهم وأسلافهم، وقد


(1) في (ك): الامر. (2) لا توجد: الامين، في (س). (3) النساء: 65. (4) الحجرات: (1). (5) تفسير الفخر الرازي 28 / 113.

[283]

اعترف في تفسيره بأن رفع الصوت عند أحد والتقدم بين يديه يدل على أنه لا يرى المتكلم للمخاطب وزنا ولا مقدارا، بل جعل لنفسه اعتبارا زائدا وعظمة. وقال (1): إن الآية تدل على أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي صلى الله عليه وآله (2) كما يتكلم العبد عند سيده، لان العبد داخل في (3) قوله تعالى: * (كجهر بعضكم لبعض..) * (4)، واستدل عليه أيضا بقوله (5) تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * (6) قال (7): والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، فلو كانا (8) في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وآله (9)، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقي نفسه في المهلكة (10) لانجاء سيده، ويجب لانجاء النبي صلى الله عليه وآله، وذلك (11) كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لان عند خلل القلب (12) لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الانسان نفسه وترك النبي (13) لهلك هو أيضا بخلاف العبد والسيد. انتهى. فأين هذا من سيرة الشيخين وترك احترامهما للنبي صلى الله عليه وآله


(1) الفخر الرازي في تفسيره 28 / 113، وفيه: إن هذا أفاد أنه لا ينبغي.. (2) في المصدر: عليه السلام، بدلا من الصلاة. (3) في تفسير الفخر: تحت، بدلا من: في. (4) الحجرات: 2. (5) في المصدر: ويؤيد ما ذكرناه قوله.. (6) الاحزاب: 6. (7) لا توجد: قال، في المصدر. (8) في المصدر: حتى لو كانا. (9) في تفسير الفخر: وسلم، بدلا من: وآله. (10) في المصدر: في التهلكة. (11) في تفسير الفخر: لانجاء النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. (12) في المصدر:.. القلب مثلا.. (13) في تفسير الفخر زيادة: عليه الصلاة والسلام.

[284]

وتخطئتهما إياه، وتسفيههما رأيه، وتنازعهما بحضرته فيما حسباه أصلح من اختياره ؟ !. وأما البيضاوي فقد دلس في هذا المقام تدليسا غريبا، فسكت في تفسير قوله تعالى: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تقدموا..) * إلى قوله سبحانه * (وأنتم لا تشعرون) * (1) عن ذكر أبي بكر وعمر، ونزول الآيات فيهما، ثم ذكر في تفسير قوله سبحانه: * (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) * (2) أنه قيل: كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما) * (3). فانظر كيف صور المنقصة بصورة المنقبة ؟ ! ولبس الحال على الجهال، حتى يتوهموا أنهما مما وصفهم الله في كتابه بامتحان قلوبهم للتقوى، ونزلت الآية فيهم، فقد عرفت - لو أنصفت - من ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر - مع القرابة الخصيصة - عند حكاية الاسرار في الحديث عن عمر أن ما رواه البيضاوي عن قائل مجهول افتراء على أبي بكر، وأما عمر، فهو وإن روى فيه ابن الزبير ذلك إلا أن في حكاية التنازع عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه، ورفع الاصوات عنده، والرد عليه بقوله: حسبنا كتاب الله (4)، ما يفهم منه عدم انتهائه عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والجهر بالقول، ولا يشتبه على ذي فطرة سليمة أن المراد حين نزول الآية ب‍ * (الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) * من كان دأبهم ذلك قبل نزولها، كما أن المراد ب‍ (الذين ينادونه من وراء الحجرات) من ناداه قبل نزول الآية، ولا يخفى أن في قول البيضاوي: كانا بعد ذلك يسرانه.. اعترافا لطيفا بأنه كان


(1) الحجرات: 1 - 2. (2) الحجرات: 3. (3) تفسير البيضاوي 5 / 86. (4) ستأتي القصة مع مصادرها.

[285]

داؤهما (1) قبل ذلك سوء الادب، وسيرتهما الوقاحة، وقد كان وفود بني تميم والاقرع والقعقاع في أواخر سنة تسع من الهجرة (2)، وكان وفاته صلى الله عليه وآله في صفر سنة احدى عشرة - على ما ذكره أرباب السير -، فكانا - على تقدير صحة ما ذكره - مصرين على الجفاء وقلة الحياء في مدة مقامه صلى الله عليه وآله بمكة، وقريبا من تسع سنين بعد الهجرة، ولم ينتهيا عنه (3) إلا في سنة وبضع شهور بعد أن وبخهما الله تعالى ورغم أنفهما، مع أن رعاية الادب في خدمة السيد المطاع القادر على القتل فما دونه، المرجو منه الشفاعة والنجاة في الآخرة - لو كان الايمان به صادقا - أمر لا يخرج عن ربقته إلا رقبة من جبل على طينة السباع من البهائم، فمن (4) كان هذا شأنه كيف يصلح لان (5) يكون مطاعا للامة كافة ؟ ! وكيف تكون سيرته مع رعيته ومن لا يقدر على الخروج عن طاعته ؟ ! وهل يزجر نفسه ويملكه عند الغضب، وتنقلات الاحوال بحيث يرتكب لا (6) أقل ما ينافي العدالة ؟ ! ولعمري لا يقول به إلا مباهت مبهوت، ولم ينشأ تعبير (7) عمر لامير المؤمنين عليه السلام بالدعابة إلا لما يرى من نفسه ومن شيخه من سوء الخلق والزعارة (8)، فظن حسن خلقه عليه السلام، وبشره عند لقاء الناس، ورفقه بهم من قبيل اللهو والدعابة، ثم نسج على منواله عمرو بن العاص كما صرح به عليه السلام في قوله: عجبا لابن النابغة يزعم لاهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة.. (9).


(1) وقد يقرأ ما في المطبوع من البحار: دأبهما، وكلاهما له وجه. (2) بحار الانوار 21 / 364 - 372، وقد فصل قصة الوفود عن جملة مصادر هناك. (3) لا توجد: عنه، في (س). (4) خط على: فمن، في (س). (5) في (س): ان. (6) كذا، ولعل في العبارة تقديم وتأخير، فتكون: لا يرتكب.. (7) قد تقرأ في (ك): تعيير.. وله وجه. (8) الزعارة - بتشديد الرا -: شراسة الخلق لا يصرف منه فعل، كما في الصحاح 2 / 670. (9) نهج البلاغة - محمد عبده - 1 / 147، الدكتور صبحي الصالح: 115، برقم 84.

[286]

150 - كتاب نفحات اللاهوت (1): نقلا من كتاب المثالب لابن شهر آشوب (2)، أن الصادق عليه السلام سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: كانا إمامين قاسطين عادلين، كانا على الحق وماتا عليه، فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فلما خلا المجلس، قال له بعض أصحابه (3): كيف قلت يابن رسول الله ؟ !. فقال: نعم، أما قولي: كانا إمامين، فهو مأخوذ من قوله تعالى: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) * (4)، وأما قولي قاسطين، فهو من قوله تعالى: * (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) * (5)، وأما قولي عادلين، فهو مأخوذ من قوله تعالى: * (الذين كفروا بربهم يعدلون) * (6)، وأما قولي كانا على الحق، فالحق علي عليه السلام، وقولي: ماتا عليه، المراد أنه (7) لم يتوبا عن تظاهرهما عليه، بل ماتا على ظلمهما إياه، وأما قولي: فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فالمراد به أن رسول الله صلى الله عليه وآله ينتصف له منهما، آخذا من قوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * (8). أقول: أجاز لي بعض الافاضل في مكة - زاد الله شرفها - رواية هذا الخبر، وأخبرني أنه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب دلائل الامامة (9)، وهذه صورته:


(1) نفحات اللاهوت: 128. (2) لا زال غير مطبوع، ويحاول جمع من الافاضل طبعه مع كتاب المناقب إن شاء الله. (3) في المصدر: أصحابنا. (4) القصص: 41. (5) الجن: 15. (6) الانعام: 1. (7) في المصدر: فالمراد به انهم لم.. (8) الانبياء: 107. (9) دلائل الامامة، لابي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي المازندراني المعاصر للشيخ الطوسي والنجاشي، ويقال له: دلائل الائمة، والدلائل، وفصل عنه شيخنا الطهراني في الذريعة = = 8 / 241 - 247 برقم 1018، ويظهر منها أن المطبوع منه ناقص وهو الذ ي وصل إلى الشيخ النوري، ويظهر من هذه العبارة أن ما وصل إلى شيخنا المجلسي طاب ثراه كذلك، إذ لم نجده في كلا طبعتي الكتاب، الحيدرية، النجف 1383 ه‍، والاخرى طبعة ايران.

[287]

151 - حدثنا أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام، قال: حدثنا جعفر ابن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، قال: حدثني عبد الرحمن بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن علي الحوار، عن الحسن بن مسكان، عن المفضل بن عمر الجعفي. عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيب، قال: لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما ورد نعيه إلى المدينة، وورد الاخبار بجز رأسه وحمله إلى يزيد بن معاوية، وقتل ثمانية عشر من أهل بيته، وثلاث وخمسين رجلا من شيعته، وقتل علي ابنه بين يديه وهو طفل بنشابة، وسبي ذراريه (1) أقيمت المآتم عند أزواج النبي صلى الله عليه وآله في منزل أم سلمة رضي الله عنها، وفي دور المهاجرين والانصار، قال: فخرج عبد الله بن عمر بن الخطاب صارخا من داره لاطما وجهه شاقا جيبه يقول: يا معشر بني هاشم وقريش والمهاجرين والانصار ! يستحل هذا من رسول الله (ص) في أهله وذريته وأنتم أحياء ترزقون ؟ ! لا قرار دون يزيد، وخرج من المدينة تحت ليله، لا يرد مدينة إلا صرخ فيها واستنفر أهلها على يزيد، وأخباره يكتب بها إلى يزيد، فلم يمر بملا من الناس إلا لعنه وسمع كلامه، وقالوا هذا عبد الله بن عمر ابن (2) خليفة رسول الله (ص) وهو ينكر فعل يزيد بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ويستنفر الناس على يزيد، وإن من لم يجبه (3) لا دين له ولا إسلام، واضطرب الشام بمن فيه، وورد دمشق وأتى باب اللعين يزيد في خلق من الناس يتلونه، فدخل إذن


(1) في مطبوع البحار: زراريه، وهو غلط. (2) لا توجد: ابن.. في (س): ووضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (3) في (س): يحبه.

[288]

يزيد إليه فأخبره بوروده (1) ويده على أم رأسه والناس يهرعون إليه قدامه ووراءه، فقال يزيد: فورة من فورات أبي محمد، وعن قليل يفيق منها، فأذن له وحده فدخل صارها يقول: لا أدخل يا أمير المؤمنين ! وقد فعلت بأهل بيت محمد صلى الله عليه وآله ما لو تمكنت الترك والروم ما استحلوا ما استحللت، ولا فعلوا ما فعلت: قم عن هذا البساط حتى يختار المسلمون من هو أحق به منك، فرحب به يزيد وتطاول له وضمه إليه وقال له: يا أبا محمد ! اسكن من فورتك، واعقل، وانظر بعينك واسمع بأذنك، ما تقول في أبيك عمر بن الخطاب أكان هاديا مهديا خليفة رسول الله (ص) وناصره ومصاهره بأختك حفصة، والذي قال: لا يعبد الله سرا ؟ !. فقال عبد الله: هو كما وصفت، فأي شئ تقول فيه ؟. قال: أبوك قلد أبي أمر الشام أم أبي قلد أباك خلافة رسول الله (ص) ؟. فقال: أبي قلد أباك الشام. قال: يا أبا محمد ! أفترضي به وبعهده إلى أبي أو ما ترضاه ؟. قال: بل أرضى. قال: أفترضي بأبيك ؟. قال: نعم، فضرب يزيد بيده على يد عبد الله بن عمر وقال له: قم - يا أبا محمد - حتى تقرأ، فقام معه حتى ورد خزانة من خزائنه، فدخلها ودعا بصندوق ففتح واستخرج منه تابوتنا مقفلا مختوما فاستخرج منه طومارا لطيفا في خرقة حرير سوداء، فأخذ الطومار بيده ونشره، ثم قال: يا أبا محمد ! هذا خط أبيك ؟. قال: اي والله.. فأخذه من يده فقبله، فقال له: اقرأ، فقرأه ابن عمر، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم إن الذي أكرهنا بالسيف على الاقرار به فأقررنا، والصدور وغرة، والانفس واجفة، والنيات والبصائر شائكة مما كانت عليه من


(1) في (س): ودوده.

[289]

جحدنا ما دعانا إليه وأطعناه فيه رفعا لسيوفه عنا، وتكاثره بالحي علينا من اليمن، وتعاضد من سمع به ممن ترك دينه وما كان عليه آباؤه في قريش، فبهبل أقسم والاصنام والاوثان واللات والعزى ما جحدها عمر مذ عبدها ! ولا عبد للكعبة ربا ! ولا صدق لمحمد صلى الله عليه وآله قولا، ولا ألقى السلام إلا للحيلة عليه وإيقاع البطش به، فإنه قد أتانا بسحر عظيم، وزاد في سحره على سحر بني إسرائيل مع موسى وهارون وداود وسليمان وابن أمه عيسى، ولقد أتانا بكل ما أتوا به من السحر وزاد عليهم ما لو أنهم شهدوه لاقروا له بأنه سيد السحرة، فخذ - يابن أبي سفيان - سنة قومك واتباع ملتك والفاء بما كان عليه سلفك من جحد هذه البنية التي يقولون إن لها ربا أمرهم بإتيانها والسعي حولها وجعلها لهم قبلة فأقروا بالصلاة والحج الذي جعلوه ركنا، وزعموا أنه لله اختلقوا (1)، فكان ممن أعان محمدا منهم هذا الفارسي الطمطاني: روزبه، وقالوا إنه أوحي إليه: * (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) * (2)، وقولهم: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (3)، وجعلوا صلاتهم للحجارة، فما الذي أنكره علينا لولا سحره من عبادتنا للاصنام والاوثان واللات والعزى وهي من الحجارة والخشب والنحاس والفضة والذهب، لا - واللات والعزى - ما وجدنا سببا للخروج عما عندنا وإن سحروا وموهوا، فانظر بعين مبصرة، واسمع بأذن واعية، وتأمل بقلبك وعقلك ما هم فيه، واشكر اللات والعزى واستخلاف السيد الرشيد عتيق بن عبد العزى على أمة محمد وتحكمه في أمواله ودمائهم وشريعتهم وأنفسهم وحلالهم وحرامهم، وجبايات الحقوق التي زعموا أنهم


(1) في (ك): اختلفوا. (2) آل عمران: 96. (3) البقرة: 144.

[290]

يجبونها (1) لربهم ليقيموا بها أنصارهم وأعوانهم، فعاش شديدا رشيدا يخضع جهرا ويشتد سرا، ولا يجد حيلة غير معاشرة القوم، ولقد وثبت وثبة على شهاب بني هاشم الثاقب، وقرنها الزاهر، وعلمها الناصر، وعدتها وعددها مسمى بحيدرة المصاهر لمحمد على المرأة التي جعلوها سيدة نساء العالمين يسمونها: فاطمة، حتى أتيت دار علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين وابنتيهما زينب وأم كلثوم، والامة المدعوة بفضة، ومعي خالد بن وليد وقنفذ مولى أبي بكر ومن صحب من خواصنا، فقرعت الباب عليهم قرعا شديدا، فأجابتني الامة، فقلت لها: قولي لعلي: دع الاباطيل ولا تلج نفسك إلى طمع الخلافة، فليس الامر لك، الامر لمن اختاره المسلمون واجتمعوا عليه، ورب اللات والعزى لو كان الامر والرأي لابي بكر لفشل عن الوصول إلى ما وصل إليه من خلافة ابن أبي كبشة، لكني أبديت لها صفحتي، وأظهرت لها بصري، وقلت للحيين - نزار وقحطان - بعد أن قلت لهم ليس الخلافة إلا في قريش، فأطيعوهم ما أطاعوا الله، وإنما قلت ذلك لما سبق من ابن أبي طالب من وثوبه واستيثاره بالدماء التي سفكها في غزوات محمد وقضاء ديونه، وهي - ثمانون ألف درهم - وإنجاز عداته، وجمع القرآن، فقضاها على تليده وطارفه (2)، وقول المهاجرين والانصار - لما قلت إن الامامة في قريش - قالوا: هو الاصلع البطين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أخذ رسول الله (ص) البيعة له على أهل ملته، وسلمنا له بإمرة المؤمنين في أربعة مواطن، فإن كنتم نسيتموها - معشر قريش - فما نسيناها وليست البيعة ولا الامامة والخلافة والوصية ألا حقا مفروضا، وأمرا صحيحا، لا تبرعا ولا ادعاء فكذبناهم، وأقمت أربعين رجلا شهدوا على محمد أن الامامة بالاختيار. فعند ذلك قال الانصار: نحن أحق من قريش، لانا آوينا ونصرنا وهاجر


(1) في (ك): يجيبونها. (2) قال في القاموس 1 / 279: التليد: ما ولد عندك من مالك أو نتج. أقول: إنه كناية عن القديم، والطارف ضده، كما في النهاية 1 / 194.

[291]

الناس إلينا، فإذا كان دفع من كان الامر له فليس هذا الامر لكم دوننا، وقال قوم: منا أمير ومنكم أمير. قلنا لهم: قد شهدوا أربعون رجلا أن الائمة من قريش، فقبل قوم وأنكر آخرون وتنازعوا، فقلت - والجمع يسمعون -: ألا أكبرنا سنا وأكثرنا لينا. قالوا: فمن تقول ؟. قلت: أبو بكر الذي قدمه رسول الله (ص) في الصلاة، وجلس معه في العريش يوم بدر يشاوره ويأخذ برأيه، وكان صاحبه في الغار، وزوج ابنته عائشة التي سماها: أم المؤمنين، فأقبل بنو هاشم يتميزون غيظا، وعاضدهم الزبير وسيفه مشهور وقال: لا يبايع إلا علي أو لا أملك رقبة قائمة سيفي هذا، فقلت: يا زبير ! صرختك سكن (1) من بني هاشم، أمك صفية بنت عبد المطلب، فقال: ذلك - والله - الشرف الباذخ والفخر الفاخر، يابن خنتمة و (2) يابن صهاك ! أسكت لا أم لك، فقال قولا فوثب أربعون رجلا ممن حضر سقيفة بني ساعدة على الزبير، فو الله ما قدرنا على أخذ سيفه من يده حتى وسدناه الارض، ولم نر له علينا ناصرا، فوثبت إلى أبي بكر فصافحته وعاقدته البيعة وتلاني عثمان بن عفان وسائر من حضر غير الزبير، وقلنا له: بايع أو نقتلك، ثم كففت عنه الناس، فقلت له (3): أمهلوه، فما غضب إلا نخوة لبني هاشم، وأخذت أبا بكر بيده (4) فأقمته - وهو يرتعد (5) - قد اختلط عقله، فأزعجته إلى منبر محمد إزعاجا، فقال لي: يا أبا حفص ! أخاف وثبة علي، فقلت له: إن علينا عنك مشغول، وأعانني على ذلك أبو عبيدة بن الجراح كان يمده بيده إلى المنبر وأنا أزعجه من ورائه كالتيس (6) إلى شفار (7) الجاذر، متهونا، فقام عليه


(1) قال في القاموس 4 / 235: والسكن - بالتحريك - النار. (2) وضع على الواو في (ك): رمز نسخة بدل. (3) كذا، ولعلها: لهم. (4) قد تقرأ في المطبوع: بيدي. (5) في (س) وفي نسخة على (ك): يرعد. (6) قال في القاموس 2 / 203: التيس: الذكر من الظباء والمعز والوعول، أو إذا أتى عليه سنة. (7) الشفار - جمع الشفرة - وهي: السكين العظيم وما عرض من الحديد وحدد، قاله في القاموس = = 2 / 61. والجاذر: القاطع، واضافة الشفار إلى الجاذر من الضافة الموصوف إلى الصفة.. أي إلى الشفار الجاذرة، ولعله مثل.

[292]

مدهوشا (1)، فقلت له: اخطب ! فأغلق عليه وتثبت فدهش، وتلجلج وغمض، فعضضت على كفي غيظا، وقلت له (2): قل ما سنح لك، فلم يأت خيرا ولا معروفا، فأردت أن (3) أحطه عن المنبر وأقوم مقامه، فكرهت تكذيب الناس لي بما قلت فيه، وقد سألني الجمهور منهم: كيف قلت من فضله ما قلت ؟ ما الذي سمعته من رسول الله (ص) في أبي بكر ؟ فقلت: لهم: قد قلت: سمعت (4) من فضله على لسان رسول الله ما لو وددت أني شعرة في صدره ولي حكاية، فقلت: قل وإلا فانزل، فتبينها (5) والله في وجهي وعلم أنه لو نزل لرقيت، وقلت ما لا يهتدي إلى قوله، فقال بصوت ضعيف عليل: وليتكم ولست بخيركم وعلي فيكم، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني - وما أراد به سواي - فإذا زللت فقوموني لا أقع في شعوركم وأبشاركم، وأستغفر الله لي ولكم، ونزل فأخذت بيده - وأعين الناس ترمقه - وغمزت يده غمزا، ثم أجلسته وقدمت الناس إلى بيعته وصحبته لارهبه، وكل من ينكر بيعته ويقول: ما فعل علي بن أبي طالب ؟ فأقول: خلعها من عنقه وجعلها طاعة المسلمين قلة خلاف عليهم في اختيارهم، فصار جليس بيته، فبايعوا وهم كارهون، فلما فشت بيعته علمنا أن عليا يحمل فاطمة والحسن والحسين إلى دور المهاجرين والانصار يذكرهم (6) بيعته علينا في أربعة مواطن،


(1) جاء في متن (س): مدموشا، ثم استظهر ما أثبتناه كما هو في (ك)، قال في القاموس 2 / 274: الدمش: الهيجان والثوران من حرارة أو شرب دواء. (2) لا توجد: له، في (س). (3) في (ك): وأن. (4) خط على كلمة: سمعت، في (ك). (5) الكلمة مشوشة في مطبوع البحار، وهذا ما استظهرناه، ولعلها تقرأ: فبيتها، فيتيها، أو غير ذلك. (6) في (س): ويذكرهم.

[293]

ويستنفرهم فيعدونه النصرة ليلا ويقعدون عنه نهارا، فأتيت داره مستيشرا (1) لاخراجه منها، فقالت الامة فضة - وقد قلت لها قولي لعلي: يخرج إلى بيعة أبي بكر فقد اجتمع عليه المسلمون فقالت - إن أمير المؤمنين (ع) مشغول، فقلت: خلي عنك هذا وقولي له يخرج وإلا دخلنا عليه وأخرجناه كرها، فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب، فقالت: أيها الضالون المكذبون ! ماذا تقولون ؟ وأي شئ تريدون ؟. فقلت: يا فاطمة !. فقالت فاطمة: ما تشاء يا عمر ؟ !. فقلت: ما بال ابن عمك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب ؟. فقالت لي: طغيانك - يا شقي - أخرجني وألزمك الحجة، وكل ضال غوي. فقلت: دعي عنك الاباطيل وأساطير النساء وقولي لعلي يخرج. فقالت: لا حب ولا كرامة (2) أبحزب الشيطان تخوفني يا عمر ؟ ! وكان حزب الشيطان ضعيفا. فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها نارا على أهل هذا البيت وأحرق من فيه، أو يقاد علي إلى البيعة، وأخذت سوط قنفذ فضربت (3) وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلموا في جمع الحطب، فقلت: إني مضرمها. فقالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين، فضربت فاطمة يديها (4) من الباب تمنعني من فتحه فرمته فتصعب علي فضربت كفيها بالسوط فألمها، فسمعت لها زفيرا وبكاء، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب فذكرت أحقاد


(1) ما في مطبوع البحار يقرأ: مستأشرا، والمستأشر: هو الذي يدعو إلى تحزيز الاسنان، كما في القاموس 1 / 364. قال في مجمع البحرين 3 / 511: وشرت المرأة أنيابها وشرا - من باب وعد - إذا حددتها ورققتها فهي واشرة، واستوشرت: سألت أن يفعل بها ذلك. أقول: ولعل الواو قلبت ياء ولعله كناية. (2) كذا وردت في (ك)، إلا أنه وضع على: فقالت، رمز مؤخر (م)، وعلى: لا حب ولا كرامة، رمز مقدم، فتصير هكذا: لا حب ولا كرامة فقالت: أبحزب.. إلى آخره، والظاهر: لا حبا. (3) في (س): وضربت وأخذت سوط قنفذ. (4) جاء في (س): يدها.

[294]

علي وولوعه في دماء صناديد العرب، وكيد محمد وسحره، فركلت (1) الباب وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه ! يا رسول الله ! هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضة ! إليك فخذيني فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض (2) وهي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب ودخلت فأقبلت إلي بوجه أغشى بصري، فصفقت صفقة (3) على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها وتناثرت إلى الارض، وخرج علي، فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار وقلت لخالد وقنفذ ومن معهما: نجوت من أمر عظيم. وفي رواية أخرى: قد جنيت جناية عظيمة لا آمن على نفسي. وهذا علي قد برز من البيت وما لي ولكم جميعا به طاقة. فخرج علي وقد ضربت يديها إلى ناصيتها لتكشف عنها وتستغيث بالله العظيم ما نزل بها، فأسبل علي عليها ملاتها (4) وقال لها: يا بنت رسول الله ! إن الله بعث أباك رحمة للعالمين، وأيم الله لئن كشفت عن ناصيتك سائلة إلى ربك ليهلك هذا الخلق لاجابك حتى لا يبقى على الارض منهم بشرا، لانك وأباك أعظم عند الله من نوح (ع) الذي غرق من أجله بالطوفان جميع من على وجه الارض وتحت السماء إلا من كان في السفينة، وأهلك قوم هود بتكذيبهم له، وأهلك عادا بريح صر صر، وأنت وأبوك أعظم قدرا من هود، وعذب ثمود - وهي اثنا عشر ألفا - بعقر الناقة والفصيل، فكوني - يا سيدة النساء - رحمة على هذا الخلق المنكوس ولا تكوني عذابا، واشتد بها المخاض ودخلت البيت فأسقطت سقطا سماه علي: محسنا، وجمعت جمعا كثيرا، لا مكاثرة لعلي ولكن ليشد بهم قلبي وجئت - وهو محاصر - فاستخرجته من داره


(1) قال في القاموس 3 / 386: الركل: الضرب برجل واحدة. (2) قال في القاموس 2 / 344: مخضت تمخيضا: أخذها الطلق. (3) في (س): صفقته. (4) قال في مجمع البحرين 1 / 398: ملاءة: كل ثوب لين رقيق.

[295]

مكرها مغصوبا وسقته إلى البيعة سوقا، وإني لاعلم علما يقينا لا شك فيه لو اجتهدت أنا وجميع من على الارض جميعا على قهره ما قهرناه، ولكن لهنات (1) كانت في نفسه أعلمها ولا أقولها، فلما انتهيت إلى سقيفة بني ساعة قام أبو بكر ومن بحضرته يستهزؤن بعلي، فقال علي: يا عمر ! أتحب أن أعجل (2) لك ما أخرته سواء عنك (3) ؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين ! فسمعني والله خالد بن الوليد، فأسرع إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: ما لي ولعمر.. ثلاثا، والناس يسمعون، ولما دخل السقيفة صبا (4) أبو بكر إليه، فقلت له: قد بايعت يا أبا الحسن ! فانصرف، فأشهد ما بايعه ولا مد يده إليه، وكرهت أن أطالبه بالبيعة فيعجل لي ما أخره عني، وود أبو بكر أنه لم ير عليا في ذلك المكان جزعا وخوفا منه، ورجع علي من السقيفة وسألنا عنه (5)، فقالوا: مضى إلى قبر محمد فجلس إليه، فقمت أنا وأبو بكر إليه، وجئنا نسعى وأبو بكر يقول: ويلك يا عمر ! ما الذي سنعت بفاطمة، هذا والله الخسران المبين، فقلت: إن أعظم ما عليك أنه ما بايعنا ولا أثق أن تتثاقل المسلمون عنه. فقال: فما تصنع ؟. فقلت: تظهر أنه قد بايعك عند قبر محمد، فأتيناه وقد جعل القبر قبلة، مسندا كفه على تربته وحوله سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان، فجلسنا بإزائه وأوعزت إلى أبي بكر أن يضع يده على مثل ما وضع علي يده ويقربها من يده، ففعل ذلك وأخذت بيده أبي بكر لامسحها على يده، وأقول قد بايع، فقبض علي يده فقمت أنا (6) وأبو بكر موليا، وأنا أقول: جزا الله عليا خيرا فإنه لم يمنعك البيعة لما حضرت قبر رسول الله


(1) قال في القاموس 4 / 404: هنات وهنوات والهنات: الداهية. (2) توجد في (ك) نسخة: تعجل. (3) نسخة جاءت على (ك): من سوأتك عنه. (4) صبا إليه: حن، كما في القاموس 4 / 351، وغيره. (5) في (س): منه، بدلا من: عنه. (6) لا توجد: انا، في (س).

[296]

(ص)، فوثب من دون الجماعة أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري وهو (1) يصيح ويقول: والله - يا عدو الله - ما بايع علي عتيقا، ولم يزل كلما لقينا قوما (2) وأقبلنا على قوم نخبرهم ببيعته وأبو ذر يكذبنا، والله ما بايعنا في خلافة أبي بكر ولا في خلافتي ولا يبايع لمن بعدي ولا بايع من أصحابه اثنا عشر رجلا لا لابي بكر ولا لي، فمن فعل - يا معاوية - فعلي واستشار أحقاده السالفة غيري ؟ !. وأما أنت وأبوك أبو سفيان وأخوك عتبة فأعرف ما كان منكم في تكذيب محمد (ص) وكيده، وإدارة الدوائر بمكة وطلبته في جبل حرى لقتله، وتألف الاحزاب وجمعهم عليه، وركوب أبيك الجمل وقد قاد الاحزاب، وقول محمد: لعن الله الراكب والقائد والسائق، وكان أبوك الراكب وأخوك عتبة القائد وأنت السائق، ولم أنس أمك هندا وقد بذلت لوحشي ما بذلت حتى تكمن لحمزة - الذي دعوه أسد الرحمن في أرضه - وطعنه بالحربة، ففلق فؤاده وشق عنه وأخذ كبده فحمله إلى أمك، فزعم محمد بسحره أنه (3) لما أدخلته فاها لتأكله صار جلمودا (4) فلفظته (5) من فيها، فسماها محمد وأصحابه: آكلة الاكباد، وقولها في شعرها لاعتداء محمد ومقاتليه: نحن بنات طارق * نمشي على النمارق كالدر في المخانق (6) * والمسك في المافرق (7)


(1) وهو، لا توجد في (س). (2) لا توجد: قوما، في (س). (3) لا توجد: انه، في (س). (4) جلمود - كعصفور -: الصخر، كما في القاموس 1 / 284. (5) في (س): فلفظتها. (6) قال في القاموس 3 / 229: مخنقة - كمكنسة -: القلادة. وجمعها: مخانق. (7) مفرق - كمقعد ومجلس -: وسط الرأس، كما في القاموس 3 / 274.

[297]

إن يقبلوا نعانق * أو يدبروا نفارق فراق غير وامق (1) ونسوتها في الثياب الصفر المرئية (2) مبديات وجوههن ومعاصمهن ورؤوسهن يحرصن (3) على قتال محمد، انكم لم تسلموا طوعا وإنما أسلمتم كرها يوم فتح مكة فجعلكم طلقاء، وجعل أخي زيدا وعقيلا أخا علي بن أبي طالب والعباس عمهم مثلهم، وكان من أبيك في نفسه، فقال: والله يا بن أبي كبشة ! لاملانها عليك خيلا ورجلا وأحول بينك وبين هذه الاعداء. فقال محمد: ويؤذن للناس أنه علم ما في نفسه أو يكفي الله شرك يا أبا سفيان ! وهو يرى الناس أن لا يعلوها أحد غيري، وعلي ومن يليه من أهل بيته فبطل سحره وخاب سعيه، وعلاها أبو بكر وعلوتها بعده وأرجوا أن تكونوا معاشر بني أمية عيدان أطنابها، فمن ذلك قد وليتك وقلدتك إباحة ملكها وعرفتك فيها وخالفت قوله فيكم، وما أبالي من تأليف شعره ونثره، أنه قال: يوحى إلي منزل من ربي في قوله: * (والشجرة الملعونة في القرءآن) * (4) فزعم أنها أنتم يا بني أمية، فبين عداوته حيث ملك كما لم يزل هاشم وبنوه أعداء بني عبد شمس، وأنا - مع تذكيري إياك يا معاوية ! وشرحي لك ما قد شرحته - ناصح لك ومشفق عليك من ضيق عطنك (5) وحرج صدرك، وقلة حلمك، أن تعجل فيما وصيتك به ومكنتك منه من شريعة محمد (ص) وأمته أن تبدي لهم مطالبته بطعن أو شماتة بموت أو ردا عليه فيما أتى به، أو استصغارا لما أتى به فتكون من الهالكين، فتخفض ما رفعت وتهدم ما بنيت، واحذر كل


(1) وامق.. أي محب، كما نص عليه في القاموس 3 / 290. (2) في (ك): المرسبة، ولم نجد لها معنا مناسبا لغة، فراجع. (3) في (س): يحرصهن، والظاهر: يحرضن. (4) الاسراء: 60. (5) قال في القاموس 4 / 248: العطن - محركة -: وطن الابل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء.

[298]

الحذر حيث دخلت على محمد مسجده ومنبره وصدق محمدا في كل ما أتى به وأورده ظاهرا، وأظهر التحرز والواقعة في رعيتك، وأوسعهم حلما، وأعمهم بروايح العطايا، وعليك بإقامة الحدود فيهم وتضعيف الجناية منهم لسببا محمد (1) من مالك ورزقك (2) ولا ترهم أنك تدع لله حقا ولا تنقض فرضا ولا تغير لمحمد سنة (3) فتفصد علينا الامة، بدل خذهم من مأمنهم، واقتلهم بأيديهم، وأبدهم (4) بسيوفهم وتطاولهم ولا تناجزهم، ولن لهم ولا تبخس عليهم، وافسح لهم في مجلسك، وشرقهم في مقعدك، وتوصل إلى قتلهم برئيسهم، وأظهر البشر والبشاشة بل أكظم غيظك واعف عنهم يحبوك ويطيعوك، فما آمن علينا وعليك ثورة علي وشبليه الحسن والحسين، فإن أمكنك في عدة من الامة فبادر ولا تقنع بصغار الامور، واقصد بعظيمها واحفظ وصيتي إليك وعهدي واخفه ولا تبده، وامتثل أمري ونهيي وانهض بطاعتي، وإياك والخلاف علي، واسلك طريق أسلافك، واطلب بثارك، واقتص آثارهم، فقد أخرجت إليك بسري وجهري، وشفعت هذا بقولي: معاوي (5) إن القوم جلت أمورهم * بدعوة من عم البرية بالوتري صبوت (6) إلى دين لهم فأرابني * فابعد بدين قد قصمت به ظهري وأن أنس لا أنس الوليد وشيبة وعتبة والعاص السريع لدى بدر وتحت شغاف (7) القلب لدغ لفقدهم * أبو حكم أعني الضيئل (8) من الفقري


(1) كذا، ولعله: لسبب. (2) من كلمة: وتضعيف.. إلى رزقك، لا توجد في (س). (3) في (ك): سنته. (4) في (ك): أيدهم. (5) معاوي: مرخم معاوية - لعنة الله عليه -. (6) صبى إليه: حن ومال، كما جاء في القاموس 4 / 351، وغيره. (7) ذكر في القاموس المحيط 3 / 159 ان: الشغاف - كسحاب -: غلاف القلب أو حجابه أو حبته أو سويداؤه. (8) في (س): الضيل. والضئيل - كأمير - بمعنى الصغير، الدقيق الحقير، والنحيف، كما = = نص عليه في القاموس 4 / 5. ولا معنى ل‍ (ضيل) هنا.

[299]

اولئك فاطلب - يا معاوي - ثارهم * بنصل سيوف الهند والاسل (1) السمري (2) وصل برجال الشام في معشرهم * هم الاسدو الباقون في أكم (3) الوعري (4) توسل إلى التخليط في الملة التي * أتانا به الماضي المسموه (5) بالسحري وطالب بأحقاد مضت لك مظهرا * لعلة دين عم كل بني النضر فلست تنال الثار إلا بدينهم * فتقتل بسيف القوم جيد بني عمري لهذا لقد وليتك الشام راجيا * وأنت جدير أن تؤول إلى صخري قال: فلما قرأ عبد الله بن عمر هذا العهد، قام إلى يزيد فقبل رأسه، وقال: الحمد لله - يا أمير المؤمنين ! - على قتلك الشاري ابن الشاري، والله ما أخرج أبي إلي بما أخرج إلى أبيك، والله لا رآني أحد من رهط محمد بحيث (6) يحب ويرضى، فأحسن جائزته وبره، ورده مكرما. فخرج عبد الله بن عمر من عنده ضاحكا، فقال له الناس: ما قال لك ؟. قال: قولا صادقا لوددت أني كنت مشاركه فيه، وسار راجعا إلى المدينة، وكان جوابه لمن يلقاه هذا الجواب. ويروى أنه أخرج يزيد لعنه الله إلى عبد الله بن عمر كتابا فيه عهد عثمان بن عفان (7) فيه أغلظ من هذا وأدهى وأعظم من العهد الذي كتبه عمر لمعاوية، فلما


(1) قال الفيروز آبادي في قاموسه 3 / 328: الاسل - محركة -: نبات.. والرماح، والنبل. (2) سيجئ في بيان المصنف - رحمه الله -: ان السمر جمع الاسمر وهو الرمح. (3) الاكمة - محركة -: التل من القف من حجارة واحدة أو هي دون الجبال... وجمعها: أكم، كما في القاموس 4 / 75. (4) قال في القاموس 2 / 154: الوعر: ضد السهل. والمعنى أن الباقين أكم في مكان صلب سهل إبادتهم واهلاكهم. (5) الكلمة مشوشة في مطبوع البحار. (6) كذا، ولعلها: إلا بحيث.. (7) لا توجد في (س): بن عفان.

[300]

قرأ عبد الله العهد الآخر قام فقبل رأست يزيد لعنهما الله، وقال: الحمد لله على قتلك الشاري ابن الشاري (1)، واعلم أن والدي عمر أخرج إلي من سره بمثل هذا الذي أخرج إلى أبيك معاوية، ولا أرى أحدا من رهط محمد وأهله وشيعته بعد يومي هذا إلا غير منطو لهم على (2) خير أبدا. فقال يزيد: أفيه شرح الخفا يا بن عمر ؟. والحمد لله وحده وصلى الله على وآله، قال ابن عباس: أظهروا الايمان وأسروا الكفر، فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه. بيان: لم أجد الرواية بغير هذا السند، وفيها غرائب. والشائكة من الشوك.. يقال: شجرة شائكة.. أي ذات شوك (3)، أي كانت البصائر والنيات غير خالصة مما يختلج بالبال من الشكوك والشبهات. ورجل طمطماني - بالضم - في لسانه عجمة (4). وقال الجوهري (5): فلان واسع العطن (6) والبلد: إذا كان رحب الذراع. 152 - كتاب سليم بن قيس (7): عن أبان، قال: قال سليم: كتب أبو المختار بن أبي الصعق إلى عمر هذه الابيات:


(1) هنا ثلاثة أبيات لا ربط لها بالمقام، وخط عليها في (ك)، والصحيح موضعها بعد مصرع: وما عاصم فيها بصفر غيابة. وقد ذكرنا هناك. (2) لا توجد: على، في (ك). (3) كما في تاج العروس 75 / 151، وانظر: مجمع البحرين 5 / 278، ولسان العرب 10 / 453. (4) نص عليه في تاج العروس 8 / 381، وانظر: لسان العرب 12 / 371، ومجمع البحرين 6 / 107. وفي (س) طمطاني. ولم أجدها في كتب اللغة. (5) في صحاحه 6 / 2165، وقارنه ب‍: لسان العرب 13 / 287. (6) في (س): القطن، وهو اشتباه. (7) كتاب سليم بن قيس: 132 - 146.

[301]

أبلغ (1) أمير المؤمنين رسالة * فأنت أمير الله (2) في المال والامر وأنت أمين الله فينا ومن يكن * أمينا (3) لرب الناس يسلم له صدري فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى * يخونون مال الله في الادم والخمر (4) وأرسل إلى النعمان وابن معقل * وأرسل إلى حزم وأرسل إلى بشر وأرسل إلى الحجاج واعلم حسابه * و ذاك الذي في السوق مولى بني بدر ولا تنسين التابعين كليهما * وصهر بني غذوان (5) في القوم ذا وفر وما عاصم فيها بصفر عيابة (6) * ولا ابن غلاب من رماة بني نصر واستل ذاك المال دون ابن محرز * وقد كان منه في الرساتيق ذا وفر (7) فأرسل إليهم يخبروك ويصدقوا (8) * أحاديث هذا المال من كان ذا فكر وقاسمهم - أهلي فداؤك - أنهم * سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر ولا تدعوني للشهادة إنني * أغيب ولكني أرى عجب (9) الدهر إراء (10) الخيل كالجدران والبيض كالدمى * وخطية في عدة النمل والقطر ومن ريطة مطوية في قرابها * ومن طي أبراد (11) مضاعفة صفر


(1) في المصدر: ألا أبلغ. (2) في (ك): لله. (3) جاء في كتاب سليم: أميرا، بدلا من: أمينا. (4) كذا، والصحيح: الحمر، كما في المصدر. (5) في (ك): مروان، ونسخة جاءت على (ك): غزوان. (6) جاء في (س): خيانة، وفي نسخة على (س): عيابة - بالعين المهملة - وقد تعرض لها المصنف - رحمه الله - وجعلها جمع عيبة. (7) هذه المصارع الثلاث جاءت في هامش (س)، ووضع بعدها: صح، ولكن وضعت العلامة بعد كلمة: الشاري وابن الشاري وقبل: اعلم، وموضعها هنا كما جاء في المصدر و (ك). (8) ويروى: يصدقوك ويخبروا، منه قدس سره. وكذا جاء في المصدر. (9) في (ك): أعجب. (10) كذا، وفي (س): اداء، وفي المصدر: أرى، وهي نسخة في (ك). (11) في المصدر: ايراد.

[302]

إذا التاجر الداري جاء بفأرة * من المسك راحت في مفارقهم تجري (1) فقال (2) ابن غلاب المصري: ألا أبلغ أبا المختار أني اتيته * ولم أك ذا قربى لديه ولا صهر وما كان عندي من تراث ورثته * ولا صدقات (3) من سبا ولا غدر ولكن دراك الركض في كل غارة (4) * وصبري إذا ما لموت (5) كان ورى السمري بسابغة يغشى اللبان فضولها (6) أكفكفها (7) عني بأبيض ذي وقر قال سليم: فأغرم (8) عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عماله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار، ولم يغرم قنفذ العدوي شيئا - وقد كان من عماله - ورد عليه ما أخذ منه - وهو عشرون ألف درهم - ولم يأخذ منه عشره ولا نصف عشره، وكان من عماله الذين أغرموا أبو هريرة على (9) البحرين فأحصي ماله فبلغ أربعة وعشرين ألفا، فأغرمه اثني عشر ألفا. فقال (10) أبان: قال سليم: فلقيت عليا صلوات الله عليه وآله فسألته عما صنع عمر ؟ فقال: هل تدري لم كف عن قنفذ ولم يغرمه شيئا ؟ !. قلت: لا. قال: لانه هو الذي ضرب فاطمة صلوات الله عليها بالسوط حين جاءت لتحول


(1) سقط هنا بيت جاء في المصدر. تنوب إذا نابوا وتغزو إذا غزوا * فإن لهم مالا وليس لنا وفر (2) في المصدر: وقال. (3) نسخة في (ك): ولا سرقات. (4) في (س): غادة. (5) في المصدر: ما الموت. وقبلها توجد كلمة كان في (س)، ولكن خط عليها في (ك). (6) جاء في كتاب سليم: فصولها. (7) في (س) الكلمة مشوشة تقرأ: أكفكها، و: اكفكفا. (8) في (س): فاعزم. (9) في كتاب سليم: وكان على.. (10) جاء في المصدر: وقال.

[303]

بيني وبينهم فماتت صلوات الله عليهما، وإن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج. قال أبان: قال (1) سليم: انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ليس فيها إلا هاشمي غير سلمان وأبي ذر والمقداد ومحمد بن أبي بكر وعمر ابن أبي سلمة وقيس بن سعد بن عبادة (2)، فقال العباس لعلي عليه السلام: ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذا كما غرم (3) جميع عماله ؟. فنظر علي عليه السلام إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة عليهما السلام بالسوط فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج. ثم قال (ع): العجب مما أشربت قلوب هذه الامة من حب هذا الرجل وصاحبة من قبله، والتسليم له في كل شئ أحدثه. لئن كان عماله خونة وكان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حل له تركه ؟ !، وكان له أن يأخذه كله، فإنه فئ للمسلمين، فما باله يأخذ نصفه ويترك نصفه. ولئن كانوا غير خونة فما حل له أن يأخذ أموالهم ولا شيئا منها قليلا ولا كثيرا وإنما أخذ أنصافها. ولو كانت في أيديهم خيانة، ثم لم يقروا بها ولم تقم عليهم البينة ما حل له أن يأخذ منهم قليلا ولا كثير. وأعجب من ذلك أعادته إياهم إلى أعمالهم، لئن كانوا خونة ما حل له أن يستعملهم، ولئن كانوا غير خونة ما حلت له أموالهم، ثم أقبل علي (ع) على القوم فقال: العجب لقوم يرون سنة نبيهم تتبدل وتتغير شيئا شيئا وبابا بابا (4) ثم يرضون ولا ينكرون، بل يغضبون له ويعتبون (5) على من عاب عليه وأنكره، ثم يجئ قوم


(1) في المصدر: بدل قال: عن. (2) في كتاب سليم: بن أبي عبادة.. (3) في المصدر: أغرم. (4) في المصدر: وبابا. (5) جاء في (ك): يعيبون.

[304]

بعدنا فيتبعون بدعته وجوره وأحداثه ويتخذون احداثه سنة ودينا يتقربون بهما (1) إلى الله في مثل تحويله مقام ابراهيم من (2) الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الموضع الذي كان فيه في الجاهلية الذي حوله منه رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي تغييره صاع رسول الله صلى الله عليه وآله ومده، وفيهما فريضة وسنة، فما كان زيادته إلا سوء، لان المساكين في كفارة اليمين والظهار بهما يعطون وما (3) يجب في الزرع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا، لا يحولون بينه وبين ذلك، لكنهم رضوا وقبلوا ما صنع، وقبضه وصاحبه فدك - وهي في يدي فاطمة عليها السلام مقبوضة، قد أكلت غلتها على عهد النبي صلى الله عليه وآله - فسألها البينة على ما في يدها، ولم يصدقها ولا صدق أم أيمن، وهو يعلم يقينا - كما نعلم - أنها في يدها، ولم يحل (4) له أن يسألها البينة على ما في يدها، ولا أن يتهمها، ثم استحسن الناس ذلك وحمدوه وقالوا: إنما حمله على ذلك الورع والفضل، ثم حسن قبح فعلهما أن عدلا عنها فقالا - بالظن - (5): إن فاطمة لن تقول إلا حقا، وإن عليا لم يشهد إلا بحق، ولو كانت مع أم أيمن امرأة أخرى أمضينا لها، فخطبا (6) بذلك عند الجهال، و (7) ما لهما (8) ومن أمرهما أن يكونا حاكمين فيعطيان أو يمنعان، ولكن الامة ابتلوا بهما فأدخلا (9)


(1) في كتاب سليم: بها. (2) في (ك): عن، بدلا من: من (3) لا توجد الواو في المصدر. (4) في كتاب سليم: ولم يكن يحل.. (5) في المصدر: نظن. (6) في كتاب سليم: فحظيا. (7) لا توجد الواو في (س). (8) في المصدر: وما هما.. (9) جاء في (س): فادخلوا.

[305]

نفسهما فيما لا حق لهما فيه ولا علم لهما فيه (1)، وقد قالت فاطمة عليها السلام - حين أراد انتزاعها منها (2)، وهي في يدها -: أليست في يدي وفيها وكيلي، وقد أكلت غلتها ورسول الله صلى الله عليه وآله حي ؟ !. قالا: بلى. قالت: فلم تسألاني البينة (3) على ما في يدي ؟. قالا: لانها فئ للمسلمين (4)، فإن قامت بينة وإلا لم نمضها. فقالت (5) لهما - والناس حولهما يسمعون -: أفتريدان (6) أن تردا ما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحكما فينا خاصة بما لم تحكما في سائر المسلمين ؟ ! أيها الناس ! اسمعوا ما ركباها (7). قلت (8): أرأيتما إن ادعيت ما في أيدي المسلمين من أموالهم تسألوني (9) البينة أم تسألونهم ؟. قالا: لا، بل نسألك. قلت (10): فإن ادعى جميع المسلمين ما في يدي تسألونهم البينة أم تسألوني (11) ؟. فغضب عمر، وقال: إن هذا فئ المسلمين وأرضهم وهي في يدي فاطمة (ع) تأكل غلتها، فإن أقامت بينة على ما ادعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وهبها لها من بين المسلمين وهي فيئهم وحقهم نظرنا في ذلك. فقال (12): أنشدكم بالله (13) أما سمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:


(1) لا توجد: فيه، في (س)، وفي المصدر بدلا منها: به. (2) لا توجد: منها، في المصدر. (3) في المصدر: في البينة. (4) في كتاب سليم: المسلمين. (5) في المصدر: قالت. (6) في كتاب سليم: أتريدان. (7) هنا نسخة في المصدر: ما ركبا هؤلاء من الاثم. (8) في المصدر: قالت.. وهو الظاهر. (9) في كتاب سليم: تسألونني. (10) في المصدر: قالت، وهو الظاهر. (11) في المصدر: تسألونني. (12) في المصدر: فقالت: حسبي.. وهو الظاهر. (13) هنا زيادة جاءت في المصدر: أيها الناس.

[306]

إن ابنتي سيدة نساء أهل الجنة ؟. قالوا: اللهم نعم، قد سمعناها (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالت: أفسيدة نساء أهل الجنة تدعي الباطل وتأخذ ما ليس لها ؟ ! أرأيتم لو أن أربعة شهدوا علي بفاحشة أو رجلان بسرقة أكنتم مصدقين على ؟ !. فأما أبو بكر فسكت، وأما عمر فقال (2): ونوقع عليك الحد. فقالت: كذبت ولؤمت، إلا أن تقر أنك لست على دين محمد صلى الله عليه وآله، إن الذي يجيز على سيدة نساء أهل الجنة شهادة أو يقيم عليها حدا لملعون كافر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله، إن من أذهب الله عنهم الرجس أهل البيت (3) وطهرهم تطهيرا، لا يجوز عليهم شهادة، لانهم معصومون من كل سوء، مطهرون من كل فاحشة، حدثني عن أهل (4) هذه الآية، لو أن قوما شهدوا عليهم أو على أحد منه بشرك أو كفر أو فاحشة كان المسلمون يتبرؤن منهم ويحدونهم ؟. قال: نعم، وما هم وسائر الناس في ذلك إلا سواء. قالت: كذبت وكفرت (5)، لان الله عصمهم وأنزل عصمتهم وتطهيرهم وأذهب عنهم الرجس، فمن صدق عليهم يكذب (6) الله ورسوله. فقال أبو بكر: أقسمت عليك - يا عمر - لما سكت، فلما أن كان الليل أرسل (7) إلى خالد بن الوليد، فقال (8) إنا نريد أن نسر إليك أمرا ونحملك


(1) في المصدر: قد سمعناه. (2) في المصدر: فقال: نعم.. (3) لا توجد لفظ: أهل البيت، في المصدر و (س) من البحار. (4) في كتاب سليم: حدثني يا عمر من أهل... (5) هنا سقط جاء في المصدر: ما هم وسائر الناس في ذلك سواء. (6) في المصدر: فإنما يكذب. (7) في المصدر: أرسلا. (8) في المصدر: فقالا.

[307]

عليه (1). فقال: إحملاني على ما شئتما فإني طوع أيديكما. فقالا له: إنه لا ينفعنا ما نحن فيه (2) من الملك والسلطان ما دام علي حيا، أما سمعت ما قال لنا وما استقبلنا به، ونحن لا نأمنه أن يدعوا في السر فيستجيب له قوم فيناهضنا (3) فإنه أشجع العرب، وقد ارتكبنا منهم (4) ما رأيت وغلبناه (5) على ملك ابن عمه ولا حق لنا فيه، وانتزعنا فدك من امرأته، فإذا صليت بالناس الغداة (6)، فقم إلى جانبه وليكن سيفك معك، فإذا صليت وسلمت فاضرب عنقه. فقال: صلى (7) خالد بن الوليد بجنبي متقلد السيف، فقام أبو بكر في الصلاة فجعل (8) يوامر نفسه وندم وأسقط في يده حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: - قبل أن يسلم - لا تفعل يا خالد ما أمرتك، ثم سلم، فقلت لخالد: ما (9) ذاك ؟. قال: قد (10) كان أمرني إذا سلم أضرب (11) عنقك. قلت: أو كنت فاعلا ؟ !. قال: اي وربي إذا لفعلت. قال سليم: ثم أقبل (ع) على العباس ومن حوله ثم قال: ألا تعجبون من حبسه وحبس صاحبه عنا سهم ذي القربى الذي فرضه الله لنا في القرآن، وقد علم الله أنهم سيظلمونا وينتزعونه منا، فقال: * (إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا


(1) في كتاب سليم: ونحملكه لثقتنا بك. (2) لا توجد: فيه، في المصدر. (3) جاء في حاشية (ك): ناهضه: قاومه.. قاموس. انظر القاموس 2 / 348. (4) في المصدر: منه، بدلا: منهم، وهو الظاهر. (5) في (س): ما غلبناه. (6) في كتاب سليم: صلاة الغداة. (7) في المصدر: قال علي عليه السلام: فصلى.. (8) في كتاب سليم: وجعل. (9) في المصدر: وما. (10) لا توجد: قد، في المصدر. (11) في المصدر: أن أضرب.

[308]

على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) * (1) ؟ !. والعجب لهدمه منزل أخي جعفر وإلحاقه في المسجد، ولم يعط بنيه من ثمنه قليلا ولا كثيرا، ثم لم يعب ذلك عليه الناس ولم يغيروه، فكأنما أخذ منزل رجل من الديلم - وفي رواية أخرى: دار رجل من ترك كابل -. والعجب لجهله وجهل الامة أنه كتب إلى جميع عماله: إن (2) الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصلي وليس له أن يتيمم (3) بالصعيد حتى يجد الماء (4)، وإن لم يجده حتى يلقى الله - وفي رواية أخرى: وإن لم يجده سنة - ثم قبل الناس منه (5) ورضوا به، وقد علم وعلم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر عمارا وأمر أبا ذر أن يتيمما من الجنابة ويصليا وشهدا به عنده (6) وغيرهما فلم يقبل (7) ذلك ولم يرفع به رأسا. والجعب لما قد خلط قضايا مختلفة في الجد (8) بغير علم تعسفا وجهلا، وادعائهما (9) ما لم يعلما جرأة على الله وقلة ورع، ادعيا أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات ولم يقض في الجد شيئا منه، ولم يدع أحدا يعلم ما للجد من الميراث، ثم تابعوهما (10) على ذلك وصدقوهما.


(1) الانفال: 41. (2) لا توجد: ان، في (س). (3) في (ك): أن تيمم. (4) لا يوجد في المصدر: حتى يجد الماء. (5) في كتاب سليم: بدلا من منه: ذلك. (6) نسخة جاءت في (ك): عندهما. وهو خلاف الظاهر. (7) في (ك) نسخة بدل: يقبلا، وهو غلط. (8) جاء في المصدر: الحد - بالحاء المهملة - وهو خلاف الظاهر. (9) لعل التثنية بلحاظ الشيخين، وفي (ك) نسخة بدل: وادعاءه. (10) في المصدر: بايعوهما، وفي نسخة على (ك): تابعوه.

[309]

وعتقه أمهات الاولاد، فأخذ الناس بقوله وتركوا أمر الله (1) وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله. وما صنع بنصر بن حجاج وبجعد (2) بن سليم وبابن وتره (3). وأعجب من ذلك أن أبا كيف (4) العبدي أتاه، فقال: إني طلقت امرأتي - وأنا غائب - فوصل إليها الطلاق ثم راجعتها وهي في عدتها، وكتبت إليها فلم يصل الكتاب إليها حتى تزوجت، فكتب له: إن كان هذا الذي تزوجها دخل (5) بها فهي امرأته وإن كان لم يدخل بها فهي امرأتك، وكتب له ذلك وأنا شاهد، ولم يشاورني (6) ولم يسألني، يرى استغناءه بعلمه عني، فأردت أن أنهاه ثم قلت: ما أبالي أن يفضحه الله ثم لم تعبه (7) الناس بل استحسنوه واتخذوه سنة وقبلوه عنه (8)، ورأوه صوابا، وذلك قضاء ولا يقضي به مجنون (9). ثم تركه من الاذان (حي على خير العمل) فاتخذوه سنة وتابعوه على ذلك. وقضيته في المفقود أن أجل امرأته أربع سنين ثم تتزوج فإن جاء زوجها خير بين امرأته وبين الصداق، فاستحسنه الناس واتخذوه سنة وقبلوه عنه (10) جهلا وقلة علم بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وإخراجه من المدينة كل أعمى، وإرساله إلى عماله بالبصرة خمسة


(1) لا توجد في المصدر: أمر الله و.. (2) في كتاب سليم: الحجاج وبجعدة. (3) في كتاب سليم: وبابن وبرة، وفي نسخة على (ك): وبابن زيد. (4) جاء في المصدر: أبا كتف. (5) في كتاب سليم: قد دخل. (6) في المصدر: فلم يشاورني. (7) في كتاب سليم: لم يعبه.. (8) في المصدر: وقبلوه منه. (9) جاءت العبارة في المصدر هكذا: وذلك قضاء لو قضى به مجنون نحيف سخيف لما زاد. (10) في المصدر: منه، بدلا من: عنه.

[310]

أشبار، وقوله من أخذتموه من الاعاجم فبلغ طول هذا الحبل فاضربوا عنقه !. ورده سبايا تستر، وهن حبالى. وإرساله بحبل من (1) صبيان سرقوا بالبصرة، وقوله من بلغ طول هذا الحبل فاقطعوه. وأعجب من ذلك أن كذابا رجم بكذابة فقبلها وقبلها الجهال، فزعموا أن الملك ينطق على لسانه ويلقنه. وإعتاقه سبايا أهل اليمن. وتخلفه وصاحبه عن جيش أسامة بن زيد مع تسليمهما عليه بالامرة. ثم أعجب من ذلك أنه قد علم وعلمه الناس (2) أنه الذي صد رسول الله صلى الله عليه وآله عن الكتف الذي دعا به (3) ثم لم يضره ذلك عندهم ولم ينقصه. وانه صاحب صفية حين قال لها ما قال، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال ما قال. وانه الذي مررت به يوما فقال: ما مثل محمد في أهل بيته إلا كنخلة نبتت في كناسة !، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب وخرج فأتى المنبر، وفزعت الانصار فجاءت شائكة (4) في السلاح لما رأت من غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عليه السلام: ما بال أقوام يعيروني بقرابتي، وقد سمعوا مني ما قلت في فضلهم وتفضيل الله إياهم، وما خصهم به (5) من إذهاب


(1) في المصدر: في، بدلا من: من. (2) في المصدر: قد علم الله واعلم الناس. (3) في كتاب سليم: دعاه به. (4) في المصدر: شاكة، قال في مجمع البحرين 5 / 278: يقال: شاك الرجل - من باب خاف -: أظهر شوكته وحدته فهو شائك في السلاح وشاكي السلاح على القلب، ورجل شاك في السلاح وهو اللابس السلاح التام فيه. (5) في كتاب سليم: وما اختصهم الله به. (*)

[311]

الرجس عنهم وتطعير الله إياهم، وقد سمعتم ما قلت في أفضل أهل بيتي وخيرهم مما خصه الله به وأكرمه وفضله على من سبقه إلى الاسلام وتدينه فيه (1) وقرابته مني، وإنه مني (2) بمنزلة هارون من موسى، ثم تزعمون أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة في كناسة !، ألا إن الله خلق خلقه ففرقه فرقتين فجعلني في خير الفرقتين، ثم فرق الفرقة ثلاث فرق، شعوبا، وقبائل، وبيوتا، فجعلني في خيرها شعبا وخيرها قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطيرا) * (3)، فحصلت في أهل بيتي وعترتي، و (4) أنا وأخي علي بن أبي طالب (ع)، ألا وإن الله نظر إلى أهل الارض نظرة فاختارني منهم، ثم نظر نظرة فاختار عليا أخي (5) ووزيري ووارثي (6) ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي، فبعثني رسولا ونبيا ودليلا، وأوحى (7) إلي أن اتخذ عليا أخا ووليا ووصيا وخليفة في أمتي بعدي، ألا وإنه ولي كل مؤمن بعدي، من والاه والاه الله، ومن عاداه عاداه الله، ومن أحبه أحبه الله، ومن أبغضه أبغضه الله، لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا كافر، هو (8) رب الارض بعدي وسكنها - وفي نسخة: هو زر الارض (9) بعدي وسكنها - وهو كلمة التقوى، وعروة الوثقى أتريدون أن تطفؤوا نور الله بأفواهكم والله متم نوره ولو كره


(1) في المصدر: في الاسلام وبلاءه فيه. (2) لا توجد: مني، في (ك). (3) الاحزاب: 33. (4) لا توجد الواو في المصدر. (5) في المصدر: أخي عليا.. - بتقديم وتأخير -. (6) لا توجد: ووارثي، في المصدر. (7) في المصدر: فأوحى. (8) لا توجد: هو، في المصدر. (9) في المصدر: ذر الارض..

[312]

المشركون ؟ ! - وفي رواية أخرى: ولو كره الكافرون (1) - ويريد أعداء الله أن يطفئوا نور أخي ويأبى الله ألا أن يتم نوره. يا أيها الناس ! ليبلغ مقالتي شاهدهكم غائبكم، اللهم اشهد عليهم. أيها الناس ! إن الله نظر نظرة ثالثة فاختار منهم بعدي اثنا عشر (2) وصيا من أهل بيتي، وهم خيار أمتي - وفي نسخة أخرى: فجعلهم خيار أمتي (3) - منهم أحد عشر إماما بعد أخي، واحدا بعد واحد، كلما هلك واحد قام واحد به (4)، مثلهم كمثل النجوم في السماء كلما غاب نجم طلع نجم، لانهم أئمة هداة مهتدون، لا يضرهم كيد من كادهم ولا خذلان من خذلهم، بل يضر الله بذلك من كادهم وخذلهم، فهم حجة الله في أرضه وشهداؤه على خلقه، من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله، هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا علي حوضي، أول الائمة علي خيرهم، ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين (ع) ثم تسعة من ولد الحسين، وأمهم ابنتي فاطمة صلوات الله عليهم. ثم من بعدهم جعفر بن أبي طالب ابن عمي وأخو أخي، وعمي حمزة بن عبد المطلب. أنا خير المرسلين والنبيين، وفاطمة ابنتي سيدة نساء أهل الجنة، وعلي و (5) بنوه الاوصياء خير الوصيين، وأهل بيتي خير أهل بيوتات النبيين، وابناي سيدي (6) شباب أهل الجنة. أيها الناس ! إن شفاعتي تنال علوجكم، أفتعجز عنها (7) أهل بيتي، ما


(1) هذا اقتباس مما جاء في سورة التوبة آية: 32، وسورة الصف آية: 8. (2) في المصدر: اثني عشر.. وهو الظاهر. (3) قوله: وفي نسخة.. إلى هنا لا يوجد في المصدر المطبوع. (4) في المصدر: منهم، بدلا من: به. (5) لا توجد الواو في المصدر. (6) في المصدر: سيدا.. وهو الصحيح. (7) في كتاب سليم: إن شفاعتي ليرجوها رجاءكم، أفبعجز عنها..

[313]

أحد (1) ولده جدي عبد المطلب يلقى الله موحدا لا يشرك به شيئا إلا أدخله الجنة، ولو كان فيه من الذنوب عددا لحصى وزبد البحر. أيها الناس ! عظموا أهل بيتي في حياتي ومن بعدي وأكرموهم وفضلوهم، فإنه لا يحل لاحد أن يقوم من مجلسه لاحد إلا لاهل بيتي - وفي نسخة أخرى: أيها الناس ! (2) عظموا أهل بيتي في حياتي وبعد موتي -، إني لو قد (3) أخذت بحلقة باب الجنة ثم تجلى لي ربي فسجدت وأذن لي بالشفاعة لم أؤثر على أهل بيتي أحدا. أيها الناس ! انسبوني من أنا ؟. فقام رجل من الانصار، فقال - وفي رواية أخرى: فقامت الانصار، فقال -: نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، أخبرنا - يا رسول الله - من الذي آذاك في أهل بيتك حتى نضرب عنقه ؟ - وفي رواية أخرى: حتى نقتله ونبير (4) عترته -. فقال: انسبوني ! أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.. - حتى انتسب إلى نزار، ثم مضى في نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم خليل الله -. ثم قال: إني وأهل بيتي لينة من تحت العرش إلى آدم، نكاح غير سفاح لم يخالطنا نكاح الجاهلية، فاسألوني، فو الله لا يسألني رجل عن أبيه وعن أمه وعن نسبه إلا أخبرته به. فقام رجل، فقال: من أبي ؟. فقال: أبوك فلان الذي تدعى إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: والله لو (5) نسبتني إلى غيره لرضيت وسلمت. ثم قام رجل آخر، فقال: من أبي ؟. فقال: أبوك فلان - لغير أبيه الذي يدعى إليه - فارتد عن الاسلام، ثم قام رجل آخر، فقال: أمن أهل الجنة أنا أم من هل النار ؟.


(1) في المصدر ما من أحد، وفي (ك): أجد، ولا معنى لها. (2) لا توجد: أيها الناس، في (ك). (3) لا توجد: قد، في المصدر. (4) في المصدر: وليبر عترته. (5) في المصدر: وقال لو..

[314]

فقال: من أهل الجنة، ثم قام رجل آخر، فقال: أمن أهل الجنة أنا من أهل النار ؟. فقال: من أهل النار. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو مغضب -: ما يمنع الذي عير أهل بيتي وأخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي أن يقوم فيسألني من أبوه، وأين هو في الجنة أم في النار ؟. فقال عمر بن الخطاب، فقال: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، أعف عنا يا رسول الله عفا الله عنك، أقلنا أقالك الله، أسترنا سترك الله، إصفح عنا صلى الله عليك.. فاستحى رسول الله صلى الله عليه وآله وكف. وهو (1) صاحب العباس الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله ساعيا فرجع وقال: إن العباس قد منع صدقة ماله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: الحمد لله الذي عافانا أهل البيت من شر ما يلطخونا به، إن العباس لم يمنع صدقة ماله ولكنك عجلت عليه، وقد عجل زكاة سنين ثم أتاني بعد يطلب أن أمشي معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليرضى عنه، ففعلت. وهو صاحب عبد الله بن أبي سلول حين تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله ليصلي عليه فأخذ بثوبه من وراءه، وقال: لقد (2) نهاك الله أن تصلي عليه ولا يحل لك أن تصلي عليه، فقال له (3) رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما صليت عليه كرامة لابنه، وإني لارجو أن يسلم به سبعون رجلا من بني أبيه وأهل بيته، وما يدريك ما قلت: إنما دعوت عليه. وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية حين كتب القضية إذ قال: أنعطي الدنية في ديننا.. ثم جعل يطوف في عسكر رسول الله صلى الله


(1) هنا زيادة: قال علي عليه السلام: وهو.. جاءت في المصدر. (2) في كتاب سليم: قد.. (3) لا توجد: له، في المصدر.

[315]

عليه وآله يحرضهم (1) ويقول: أنعطي الدنية في ديننا ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفرجوا عني، أتريدون أن أغدر بذمتي ؟ ! - وفي رواية أخرى: أخرجوه عني، أتريد أن أخفر ذمتي ولا أفي لهم بما كتبت لهم -، خذ - يا سهيل ! - ابنك جندلا، فأخذه فشده وثاقا في الحديد، ثم جعل الله عاقبة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الخير والرشد والهدى والعزة والفضل. وهو صاحب يوم غدير خم إذ قال هو وصاحبه حين نصبني رسول الله صلى الله عليه وآله لولايتي، فقال: ما يألو أن ترفع (2) خسيسته، وقال الآخر: ما يألو رفعا بضبع ابن عمه، وقال لصاحبه - وأنا منصوب -: إن هذه لهي الكرامة، فقطب صاحبه في وجهه، وقال: لا والله، ما أسمع ولا أطيع أبدا، ثم اتكأ عليه ثم تمطى وانصرفا، فأنزل الله فيه: * (فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى) * (3) وعيدا من الله له (4). وهو الذي دخل علي مع (5) رسول الله صلى الله عليه وآله يعودني في رهط من أصحابه حين غمزه صاحبه، فقال: يا رسول الله (ص) إنك قد كنت عهدت إلينا في علي عهدا وإني لاراه لما به، فإن هلك فإلى من ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس... فأعادها ثلاث مرات، فأقبل عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنه لا يموت في مرضه هذا، ولا يموت حتى تملياه غيظا وتوسعاه غدرا وظلما، ثم تجداه صابرا قواما، ولا يموت حتى يلقى منكما هنات وهنات، ولا يموت إلا شهيدا مقتولا. وأعظم من ذلك كله أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع ثمانين رجلا،


(1) في كتاب سليم: يحضضهم. (2) في المصدر: إن يرفع.. (3) القيامة: 30 - 34. (4) في المصدر هنا زيادة: وانتهارا. (5) لا توجد: مع، في (ك). وجاء في المصدر: دخل على علي مع..

[316]

أربعين من العرب وأربعين من العجم - وهما فيهم - فسلموا علي (1) بإمرة المؤمنين، ثم قال: أشهدكم أن عليا أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي ووصيي وولي كل مؤمن من (2) بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وسالم ومعاذ بن جبل ورهط من الانصار، ثم قال: إني (3) أشهد الله عليكم.. ثم أقبل على (4) القوم، فقال: سبحان الله ! ما أشربت قلوب هذه الامة من بليتها وفتنتها من عجلها وسامريها، إنهم أقروا وادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يجمع الله لنا أهل البيت النبوة والخلافة، وقد قال لاولئك الثمانين رجلا: سلموا على علي بإمرة المؤمنين، واشهدكم (5) على ما أشهدهم عليه أنهم أقروا (6) أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحدا، وأنهم أقروا بالشورى، ثم أقروا أنهم لم يشاوروا وأن بيعته كانت فلتة، وأي ذنب أعظم من الفلتة، ثم استخلف أبو بكر عمر ولم يقتد (7) برسول الله صلى الله عليه وآله فيدعهم بغير استخلاف (8)، طعنا منه على رسول الله صلى الله عليه وآله ورغبة عن رأيه، ثم صنع عمر شيئا ثالثا لم يدعهم على ما ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلف، ولم يستخلف (9) كما استخلف أبو بكر، وجاء بشئ ثالث


(1) في المصدر: على علي.. وهو سهو. (2) وضع على: من، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار. (3) لا توجد: اني، في المصدر. (4) في المصدر: ثم أقبل علي على.. وهو الظاهر. (5) في كتاب سليم: وأشهدهم. (6) في المصدر:.. عليه ثم زعموا ان.. (7) بزعمهم في عدم استخلافه صلوات الله عليه من بعده. (8) في المصدر زيادة: فقيل له في ذلك فقال: ادع أمة محمد (ص) كالنعل الخلق، ادعهم بلا استخلاف، طعنا.. بدلا من: فيدعهم بغير استخلاف. (9) لا توجد: ولم يستخلف، في المصدر.

[317]

جعلها شورى بين ستة نفر، وأخرج منها جميع العرب، ثم حطني (1) بذلك عند العامة فجعلهم مع ما أشربت قلوبهم من الفتنة والضلالة أقراني، ثم بايع ابن عوف عثمان فبايعوه، وقد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عثمان ما سمعوا من لعنه إياه في غير موطن، فعثمان - على ما كان عليه - خير منهما، ولقد قال منذ أيام قولا رققت له (2) وأعجبتني مقالته، بينما أنا قاعد عنده في بيته إذ أتته عائشة وحفصة تطلبان ميراثهما من ضياع أموال (3) رسول الله صلى الله عليه وآله التي في يديه (4)، فقال: ولا كرامة (5) لكن أجيز شهادتكما على أنفسكما، فإنكما شهدتما عند أبويكما أنكما سمعتما من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن النبي (ص) (6) لا يورث ما ترك فهو صدقة، ثم لقنتما أعرابيا جلفا يبول على عقبيه يتطهر ببوله - مالك بن الحرث بن الحدثان - فشهد معكما، لا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ولا من الانصار أحد شهد بذلك غير أعرابي، أما والله ما أشك في أنه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وكذبتما عليه معه، فانصرفتا من عنده تبكيان وتشتمانه، فقال: ارجعا، ثم قال: أشهدتما (7) بذلك (8) عند أبي بكر ؟ !. قالتا: نعم. قال: فإن شهدتما بحق فلا حق لكما، وإن كنتما شهدتما بباطل فعليكما وعلى من أجاز شهادتكما على أهل هذا البيت لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قال: ثم نظر إلي فتبسم وقال: يا أبا الحسن ! شفيتك منهما ؟. قلت: نعم والله وأبلغت، وقلت حقا، فلا يرغم الله إلا بأنفيهما، فرققت لعثمان


(1) في المصدر: حظى. (2) في كتاب سليم: وقفت له. (3) في المصدر: وأموال. (4) جاء في مطبوع البحار: يده، على أنه نسخة بدل من يديه. (5) في المصدر: لا والله ولا كرامة. (6) لا يوجد: النبي (ص)، في المصدر. (7) في المصدر:.. ارجعا أليس قد شهدتهما.. (8) جاء في (س): ذلك. (*)

[318]

وعلمت أنه أراد بذلك رضاي، وأنه أقرب منهما رحما (1) وإن كان لا عذر له ولا حجة بتأمره علينا وادعائه حقنا. توضيح: قال الجوهري: الادمة في الابل: البياض الشديد، يقال: بعير آدم وناقة أدماء، والجمع أدم.. ويقال: هو الابيض الاسود المقلتين..، والادم: الالفة والاتفاق (2)، وفي بعض النسخ: الادم الحمر - بالحاء المهملة بدون الواو -. قوله: بصفر عيابه.. العياب: جمع العيبة (3).. أي ليست صناديقه خالية من تلك الاموال. والبيض: جمع الابيض، والبيضة من الحديد وغيره (4). والدمى: جمع الدمية بضمها، وهو الصنم والصورة من العاج ونحوه (5). والرماح الخطية: مشهورة (6). والريطة: الثوب الناعم اللين (7). وذكر القراب لانها لجودتها يجعل في مثل القراب، وفي بعض النسخ: جرابها. والابراد جمع البرد.. (8) أي برود صفر طويلة.


(1) في المصدر زيادة هنا: وأكف عنا منهما. (2) الصحاح 5 / 1859، وانظر: لسان العرب 12 / 11. (3) نص عليه في لسان العرب 1 / 634، والصحاح 1 / 190، وغيرهما. (4) كما في الصحاح 3 / 1068، وقريب منه في لسان العرب 7 / 134. (5) قاله في صحاح اللغة 6 / 2340، ولا حظ: لسان العرب 14 / 271. (6) انظر: مجمع البحرين 4 / 245، ولسان العرب 7 / 290. (7) جاء قريب من المتن في لسان العرب 7 / 307، وتاج العروس 5 / 145، والقاموس 2 / 362. وكأن المصنف - رحمه الله - نقل مضمون ما في كتب اللغة. (8) انظر: مجمع البحرين 3 / 13، والصحاح 2 / 447، وغيرهما.

[319]

والداري: العطار (1). والدراك - بكسر الدال -: المداركة.. (2) أي مداركة أسراع الخيل والابل في الغارات. والسمر: - جمع الاسمر -: وهو الرمح (3). ودرع سابغة: تامة طويلة (4). واللبان - بالفتح -: الصدر أو وسطه أو ما بين الثديين.. (5) أي حال كوني لابسا درعا طويلة تستر صدر الفرس الذي أنا راكبه فضول تلك الدرع وزوائدها. وفي بعض النسخ: اللباد: - جمع لبدة السرج (6) -. ويقال: كفكفه عنه.. أي صرفه ودفعه (7)، والضمير راجع إلى السمر. قوله صلى الله عليه وآله: علوجكم.. أي من أسلم من كفار العجم (8)، وفيه نسخ أخرى مشتبهة، وقد مر أن في النهاية: حاوكم، وهو الصواب. قوله صلى الله عليه وآله: ما يلطخونا به.. اللطخ: التسويد وإفساد الكتابة واللطخ بالعذرة (9).


(1) ذكره في الصحاح 2 / 660، ومجمع البحرين 3 / 305. (2) نص عليه في لسان العرب 10 / 420، والصحاح 4 / 1583، وغيرهما. (3) جاء في صحاح اللغة 2 / 689، وتاج العروس 3 / 277. (4) قاله في القاموس 3 / 107، وتاج العروس 6 / 15، وغيرهما. (5) كما في القاموس 4 / 265، وتاج العروس 9 / 329، وانظر: لسان العرب 13 / 376. (6) قال في القاموس 1 / 334: وكل شعر أو صوف متلبد لبد ولبدة ولبدة جمعها: ألباد ولبود، واللباد: عاملها.. وبلا هاء [أي اللبد]: الامر، وبساط معروف، وما تحت السرج، ونحوه في تاج العروس 2 / 490. وعليه يكون الظاهر: الالباد أو اللبود، بدلا من: اللباد. (7) كما في تاج العروس 6 / 236، وانظر: الصحاح 4 / 1423، ولسان العرب 9 / 303. (8) كذا ذكره في مجمع البحرين 2 / 319، ولا حظ: النهاية 3 / 286. (9) نص عليه في القاموس 1 / 265، وتاج العروس 2 / 269، وانظر: لسان العرب 3 / 38، وقال في = = صفحة: 51 منه: لطخه بالشئ...: رماه به، وتلطخ فلان بأمر قبيح: تدنس، وهو أعم من اللطخ.

[320]

قوله: ما يألوا.. أي ما يقصر، يقال: آلى الرجل وألى: إذا قصر وترك الجهد (1)، قال تعالى: * (لا يألونكم خبالا) * (2). والخسيسة والخساسة: الحالة التي يكون عليها الخسيس، يقال: رفعت خسيسته، ومن خسيسته: إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته، ذكره في النهاية (3). وقال: الضبع - بسكون الباء -: وسط العضد، وقيل هو ما تحت الابط (4). وقال البيضاوي (5): يتمطى (6).. أي يتبختر افتخارا بذلك - من المط -، فإن المتبختر يمد خطاه فيكون أصله يتمطط، أو من المطا وهو الظهر، فإنه يلويه. أولى لك فأولى.. ويل لك - من الولى - وأصله: أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة كما في ردف لكم، أو أولى لك الهلاك، وقيل: إفعل من الويل بعد القلب كأدنى - من دون -، أو فعل من آل يؤل بمعنى عقباك النار. قوله عليه السلام: على ما أشهدهم (7).. أي على نحو ما أشهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي بعض النسخ: وأشهدهم على ما أشهدهم عليه.. أي كيف يدعون على الرسول أنه بعدما أمر ثمانين رجلا بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين قال: ما ادعوا أنه أشهدهم عليه وهما متناقضان ؟ !، فيكون قوله: إنهم أقروا.. استيناف كلام آخر لبيان التناقض في أقوالهم وأفعالهم.


(1) كما في مجمع البحرين 1 / 29، وانظر: الصحاح 6 / 2370، ولسان العرب 14 / 39، وتاج العروس 10 / 19. (2) آل عمران: 118. (3) النهاية 2 / 31، وقارن ب‍: لسان العرب 6 / 64. (4) النهاية 3 / 73، وقارن ب‍: لسان العرب 8 / 216. (5) تفسير البيضاوي 2 / 523 في سورة القيامة. (6) لا توجد كلمة: يتمطى، في (س). (7) في (ك): أشهدكم.

[321]

أقول: سيأتي تفاصيل البدع المذكورة في الخبر. ثم ان ظاهر صدر الخبر كون هذا الكلام في خلافة عمر، وقوله: ثم صنع عمر شيئا ثالثا.. إلى آخره يدل على أنه كان في خلافة عثمان أو بعده، ولعل سليما سمع هذا الكلام منه عليه السلام في مقام آخر فألحقه بهذا الكلام. 153 - كتاب سليم بن قيس (1): عن أبان، عن سليم، قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول - قبل وقعة صفين -: إن هؤلاء القوم لن ينيبوا إلى الحق ولا إلى كلمة سواء بيننا وبينهم حتى يرامونا (2) بالعساكر تتبعها العساكر، وحتى يردفونا (3) بالكتائب تتبعها الكتائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس تتبعها الخميس، وحتى ترعى (4) الخيول بنواحي أرضهم وتنزل عن (5) مسالحهم، وحتى يشن (6) الغارات عليهم من كل فج، وحتى يلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم (7) في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وأخوالنا وأعمامنا وأهل بيوتنا (8) ثم لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما وجدا في طاعة الله، واستقلالا بمبارزة الاقران، وإن كان الرجل منا والرجل من عدونا ليتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس الموت، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله منا صدقا وصبرا أنزل الكتاب بحسن الثناء علينا والرضا عنا، وأنزل علينا النصر، ولست أقول ان كل من كان مع رسول الله


(1) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 147 - 151. (2) في المصدر: يرموا. (3) في كتاب سليم: يردفوا - بلا ضمير -. (4) تقرأ في مطبوع البحار: ترعى، و: يرعى. وفي المصدر ما أثبتناه. (5) جاء في المصدر: على، وهي نسخة في (ك). (6) في كتاب سليم: تشن. (7) خط على: تا، من موتاهم في (س)، ولا معنى لها. (8) في المصدر: بيوتاتنا.

[322]

صلى الله عليه وآله كذلك (1)، ولقد كانت معنا بطانة لا يألونا (2) خبالا (3)، قال الله عزوجل: * (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) * (4) ولقد كان منهم بعضا من تفضله أنت وأصحابك - يا ابن قيس -، فارين، فلا رمى بسهم، ولا ضرب بسيف، ولا طعن برمح، إذا كان الموت والنزال توارى (5) واعتل ولاذ كما تلوذ النعجة العوراء لا يدفع (6) يد لامس، وإذا ألقى العدو فر ومنح العدو دبره جبنا ولؤما، وإذا كان عند الرخاء والغنيمة تكلم كما قال الله: * (سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير) * (7) فلا يزال قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ضرب عنق الرجل الذي ليس يريد رسول الله صلى الله عليه وآله قتله، فأبى عليه، ولقد نظر رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وعليه السلاح تام (8)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال يكنيه: أبا فلان اليوم يومك ؟. فقال الاشعث: ما أعلمني من (9) تعني ! إن ذلك يفر منه الشيطان. قال: يا ابن قيس ! لا آمن الله روعة الشيطان إذا قال. ثم قال: ولو كنا حين كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقضينا (10) الشدائد والاذى والبأس فعلنا كما تفعلون اليوم لما قام لله دين، ولا أعز الله


(1) هنا زيادة جاءت في كتاب سليم: ولكن أعظمهم وجلهم وعامتهم كانوا كذلك. (2) في المصدر: لا تألونا. (3) الخبال: الفساد، كما جاء في المصباح المنير 1 / 222، وغيره. (4) آل عمران: 118. (5) في كتاب سليم: لاذ وتوارى. (6) في المصدر: لا تدفع. (7) الاحزاب: 19. (8) كذا، ولعله: التام. (9) في المصدر: بمن. (10) في كتاب سليم: وتصيبنا.

[323]

الاسلام، وأيم الله لتحلبنها (1) دما وندما وحيرة (2)، فاحفظوا ما أقول لكم واذكروه، فليسلطن عليكم شراركم والادعياء منكم والطلقاء والطرداء والمنافقون فليقتلنكم، ثم لتدعن الله فلا يستجيب لكم، ولا يدفع البلاء عنكم حتى تتوبوا وترجعوا، فإن تتوبوا وترجعوا فيستنقذكم (3) الله من فتنتهم وضلالتهم كما استنفذكم من شرككم (4) وجهالتكم، إن العجب كل العجب من جهال هذه الامة وضلالها وقادتها وساقتها إلى النار، إنهم قد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول - عودا وبدءا -: ما ولت أمة رجلا قط أمرها وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فولو أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما منهم رجل جمع القرآن، ولا يدعي أن له علما بكتاب الله ولا سنة نبيه (ص)، وقد علموا أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وأفقههم وأقرأهم بكتاب (5) الله وأقضاهم بحكم الله، وأنه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عناء معه في جميع مشاهده، فرمى بسهم، ولا طعن برمح، ولا ضرب بسيف جبنا ولؤما ورغبة في البقاء، وقد علموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قاتل بنفسه فقتل أبي بن خلف، وقتل مسجع بن عوف - وكان من أشجع الناس وأشدهم لقاء، وأحقهم بذلك - وقد علموا يقينا أنه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي ولا يبارز الابطال ويفح الحصون غيري، ولا نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله شديدة قط ولا كربه ولا ضيق ولا مستضعف (6) من الامر إلا قال: أين أخي علي ؟ أين سيفي ؟ أين رمحي ؟ أين المفرج عني (7) عن وجهي ؟


(1) في (س): لتجلينها، وفي المصدر: لتحتلبنها.. وهو الظاهر. (2) في المصدر: وحسرة، بدلا من: وحيرة. (3) في المصدر: يستنقذكم - بلا فاء -. (4) في كتاب سليم: استنقذكم من شركم. (5) في المصدر: لكتاب. (6) في كتاب سليم: ولا مستصعب.. وهو الظاهر. (7) في المصدر: غمي، وهي نسخة في مطبوع البحار، وهو الظاهر.

[324]

فيقدمني فأتقدم فأقيه بنفسي (1) ويكشف الله بيدي الكرب عن وجهه، ولله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله بذلك المن والطول حيث خصني بذلك ووفقني له، وإن بعض من قد (2) سميت ما كان له بلاء (3) ولا سابقة ولا مبارزة قرن، ولا فتح ولا نصر غير مرة واحدة ثم فر ومنح عدوه دبره ورجع يجبن أصحابه ويجبنونه، وقد فر مرارا، فإذا كان عند الرخاء والغنيمة تكلم (4) وأمر ونهى، ولقد ناداه (5) ابن عبد ود يوم الخندق باسمه فحاد عنه ولاذ بأصحابه حتى تبسم رسول الله صلى الله عليه وآله لما راى (6) به من الرعب، وقال: أين حبيبي علي ؟ تقدم يا حبيبي يا علي، ولقد قال (7) لاصحابه الاربعة - أصحاب الكتاب -: الرأى - والله - ان يدفع محمدا برمته (8) ونسلم من ذلك حين جاء العدو من فوقنا ومن تحتنا كما قال الله تعالى: * (وزلزلوا زلزالا شديدا) * (9) * (وتظنون بالله الظنونا) * (10) * (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * (11)، فقال صاحبه: لا،


(1) في كتاب سليم: فافديه بنفسي. (2) لا توجد في المصدر كلمة: قد. (3) في كتاب سليم: ذا بلاء. (4) في كتاب سليم: تكلم وتغير.. (5) في المصدر: ولقد نادى. (6) في كتاب سليم: فما راى. (7) جاء في المصدر: وقال - بدون كلمة: لقد -. (8) في كتاب سليم: والرأي والله أن ندفع محمدا إليهم برمته. وفي (س): الرأي وإن والله يدفع محمدا برمته ونسلم من ذلك، وهذه العبارة كما ترى مشوشة. والمتن أيضا يحتاج إلى توجيه من فرض الفاعل ل‍ (يدفع) أحدنا - المحذوف - أو من حذف الالف من آخر كلمة محمد (ص) أو غيرهما من التوجيهات. (9) الاحزاب: 11. (10) الاحزاب: 10. (11) الاحزاب: 12. وفي المصدر: وقال المنافقون.. إلى آخره.

[325]

ولكن نتخذ صنما عظيما نعبده، لانا لا نأمن (1) أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، ولكن يكون هذا الصنم لنا زخرا (2)، فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا لن نفارق ديننا، وإن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرا، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، ثم خبرني به رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قتلي ابن عبد ود، فدعاهما، فقال: كم صنما عبدتما في الجاهلية ؟. فقالا: يا محمد ! لا تعيرنا بما مضى في الجاهلية. فقال: فكم صنم (3) تعبدان وقتكما هذا (4) ؟. فقالا: والذي بعثك بالحق نبيا ما نعبد إلا الله منذ أظهرنا لك (5) من دينك ما أظهرنا. فقال: يا علي ! خذ هذا السيف، فانطلق إلى موضع كذا.. وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه (6)، فإن حال بينك وبينه أحد فاضرب عنقه، فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالا: استرنا سترك الله. فقلت أنا لهما: اضمنا لله ولرسوله ألا تعبدا إلا الله ولا تشركا به شيئا. فعاهدا (7) رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك (8)، وانطلقت حتى استخرجت الصنم من موضعه وكسرت وجهه ويديه وجزمت (9) رجليه، ثم انصرفت إلى رسول


(1) في (س) جاءت نسخة: لا آمن، بدلا من: لا نأمن. (2) في المصدر: ذخرا، وهو الظاهر. (3) كذا، والظاهر: صنما. (4) جاء في المصدر: يومكما هذا. (5) في كتاب سليم لا توجد: لك. (6) الهشم: الكسر، كما في مجمع البحرين 6 / 186، وغيره. (7) جاءت نسخة على (س): فعاهدا على هذا. (8) جاءت العبارة في (ك) هكذا: فعاهدا رسول الله (ص) على هذا (9) في المصدر: وجذمت.. أي قطعته، كما في مجمع البحرين 6 / 27، وجاء فيه في صفحة: 29: = = الجزم: القطع.

[326]

الله صلى الله عليه وآله وسلم، فو الله لقد عرفت ذلك في وجههما حتى ماتا، ثم انطلق هو وأصحابه حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فخاصموا الانصار بحقي، فإن كانوا صدقوا واحتجوا بحق أنهم أولى من الانصار لانهم من قريش ورسول الله صلى الله عليه وآله من قريش، فمن كان أولى برسول الله (ص) كان أولى بالامر ؟ ! وإنما ظلموني حقي. وإن كانوا احتجوا بباطل فقد ظلموا الانصار حقهم، والله يحكم بيننا وبين من ظلمنا وحمل الناس على رقابنا. والعجب لما قد أشربت قلوب هذه الامة من حبهم وحب من صدقهم (1) وصدهم عن سبيل ربهم وردهم عن دينهم، والله لو أن هذه الامة قامت على أرجلها على التراب، والرماد واضعة على (2) رؤوسها، وتضرعت (3) ودعت إلى يوم القيامة على من أضلهم، وصدهم عن سبيل الله، ودعاهم إلى النار، وعرضهم لسخط ربهم، وأوجب عليهم عذابه بما أجرموا إليهم لكانوا مقصرين في ذلك، وذلك أن المحق الصادق والعالم بالله ورسوله يتخوفان أن غيرا (4) شيئا من بدعهم وسننهم وأحداثهم عادية (5) العامة، ومتى فعل شاقوه وخالفوه وتبرؤا منه وخذلوه وتفرقوا عن حقه، وإن أخذ ببدعهم وأقر بها وزينها (6) ودان بها أحبته وشرفته وفضلته، والله لو ناديت في عسكري هذا بالحق الذي أنزل الله على نبيه وأظهرته ودعوت إليه وشرحته وفسرته على ما سمعت من نبي الله عليه وآله السلام فيه ما


(1) لا توجد: صدقهم.. في كتاب سليم. (2) في المصدر: ووضعت الرماد على. (3) في كتاب سليم: وتضرعت إلى الله.. (4) في المصدر: يتخوف أن غير شيئا من.. وهو الظاهر. وقد جاء نسخة في مطبوع البحار: يتخوف أن غير. (5) في المصدر: وعادته. (6) وضع على: وزينها، رمز نسخة بدل في (ك).

[327]

بقي فيه إلا أقله وأذله وأرذله، ولا ستوحشوا منه، ولتفرقوا مني (1)، ولولا ما عاهد (2) رسول الله صلى الله عليه وآله إلي وسمعته منه، وتقدم إلي فيه لفعلت، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال (3): كلما اضطر إليه العبد فقد أحله الله له وأباحه إياه، وسمعته يقول: إن التقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له، ثم أقبل علي، فقال: ادفعهم بالراح دفعا عني، ثلثان من حي وثلث مني، فإن عوضني ربي فاعذرني. إيضاح: أقول: روى ابن ميثم (4) بعض الخطبة، وفيه: حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر، وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب (5)، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه (6) الخميس، وحتى تدعق الخيول في نواحي (7) أرضهم وبأحناء مشاربهم (8) ومسارحهم، وبعد قوله: في طاعة الله: وحرصا على لقاء الله. وروى في النهج أيضا بأدنى اختلاف (9). قوله عليه السلام: إلى كلمة سواء.. أي (10) عادلة أو مشتركة بيننا وبينهم.


(1) في المصدر: ولتفرقوا عني. (2) كذا، والظاهر: عهد، كما جاء في المصدر. (3) في كتاب سليم زيادة: يا أخي، بعد كلمة قال. (4) في شرحه على النهج 3 / 123. (5) في المصدر: حتى برموا بالمناسر تتبعها المناسر، ويرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب. قال في مجمع البحرين 2 / 46: والحلبة - بالتسكين -: خيل تجمع للسباق ومن كل أوب لا يخرج من اصطبل واحد. (6) في (ك): يلوه. (7) في المصدر: نواحي. (8) قال في شرح ابن ميثم: وباعنان مساربهم. (9) نهج البلاغة في طبعة صبحي الصالح: 180 - 181 خطبة: 124، وفي طبعة محمد عبده 2 / 2 - 5. (10) في (س): إلى..

[328]

والمنسر: خيل من المائة إلى المائتين، ويقال: هو الجيش ما يمر بشئ إلا اقتلعه (1). والجلائب: الابل التي تجلب إلى الرجل النازل على الماء ليس له ما يحمل عليه فيحملونه عليها (2)، ولا يبعد أن يكون بالنون (3). والخميس: الجيش (4). وقال الجوهري (5): دعق الطريق فهو مدعوق.. أي كثر عليه الوطئ، ودعقته الدواب: اثرت فيه. والاحناء: الجوانب (6). والمسارح: مواضع سرح الدواب (7)، والمسالح: الثغور والمراقب (8). قوله عليه السلام: لقد رأيتنا.. في النهج (9): ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما مضيا على اللقم، وصبرا على مضض الالم، وجدا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا


(1) صرح به في المصباح المنير 2 / 828، وذكر المعنى الاول في مجمع البحرين 3 / 429، وتاج العروس 3 / 564، ولسان العرب 5 / 205، أيضا. (2) قاله في لسان العرب 1 / 268، والنهاية: 1 / 282، وغيرهما. (3) يعني بدل اللام.. أي الجنائب. (4) نص عليه في مجمع البحرين 4 / 66، ونهاية ابن الاثير 2 / 79، وغيرهما. (5) في صحاح اللغة 4 / 1474، وقارن ب‍: مجمع البحرين 5 / 160، والنهاية 2 / 119. (6) جاء في مجمع البحرين 1 / 112، والصحاح 6 / 2321 ولسان العرب 14 / 206. (7) كما في النهاية 2 / 357، ومجمع البحرين 2 / 371 ولسان العرب 2 / 478. (8) ذكره في لسان العرب 2 / 487 والصحاح 1 / 376. وانظر: مجمع البحرين 2 / 374. (9) نهج البلاغة، محمد عبده 1 / 104 - 105، وصبحي الصالح: 91 برقم 56، باختلاف يسير، وجاء مقارب من هذا المعني في نهج البلاغة، محمد عبده 1 / 236، فراجع.

[329]

أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه، ومتبوئا أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضر للايمان عود، وأيم الله لتحتلبنها دما ولتتبعنها ندما. والشن: الصب والتفريق، وشن الغارات: تفريقها عليهم من كل ناحية (1). واللقم: منهج الطريق (2). والمضض: حرقة الالم (3). (والتصاول: ان يحمل كل من القرينين (4) على صاحبه (5). والتخالس: التسالب.. أي ينتهز كل منهما فرصة صاحبه (6). والمنون: الموت (7) والكبت: الاذلال والصرف (8). والجران: مقدم عنق البعير من منخره إلى مذبحه (9)، كناية عن استقراره في قلوب عباد الله كالبعير الذي أخذ مكانه واستقر فيه. ويقال: تبوأ وطنه.. أي سكن فيه (10)، شبه عليه السلام الاسلام بالرجل


(1) كما في لسان العرب 13 / 242، وتاج العروس 9 / 256، وانظر: مجمع البحرين 6 / 272. (2) نص عليه في المصباح المنير 2 / 765، وانظر: تاج العروس 9 / 61، ولسان العرب 12 / 547. (3) قال في تاج العروس 5 / 86: مضه الهم والحزن والقول يمضه مضا ومضيضا: أحرقه وشق عليه.. والمضض: وجع المصيبة، ونحوه في لسان العرب 7 / 233، وانظر: القاموس 2 / 344. (4) في (س): القرنين. (5) انظر: لسان العرب 11 / 387، والنهاية 3 / 61، والصحاح 5 / 1746. (6) قاله في لسان العرب 6 / 65، وتاج العروس 4 / 138، ولا حظ: صحاح اللغة 3 / 923. (7) نص عليه في الصحاح 6 / 2207 و 2497، وتاج العروس 9 / 350، ولسان العرب 13 / 415. (8) كذا جاء في الصحاح 1 / 262، ولسان العرب 2 / 76، وتاج العروس 1 / 575. (9) كما ذكره في تاج العروس 9 / 160، والصحاح 5 / 2091، وانظر: مجمع البحرين 6 / 225. (10) انظر: مجمع البحرين 1 / 67، وتاج العروس 10 / 51، ولسان العرب 1 / 39.

[330]

الخائف المتزلزل الذي استقر في وطنه بعد خوفه. قوله عليه السلام: لتحتلبنها.. الضمير مبهم يرجع إلى أفعالهم، شبهها بالناقة التي أصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها، ولعل المقصود عدم انتفاعهم بتلك الافعال عاجلا وآجلا. والبطانة: الوليجة (1): وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به (2). لا يألونا خبالا.. أي لا يقصرون لنا في الفساد، والالو: التقصير (3). قد بدت البغضاء من أفواههم.. أي (4) في كلامهم، لانهم لا يملكون من أنفسهم لفرط بغضهم، وما تخفي صدورهم أكبر مما بدا، لان بدوه ليس عن روية واختيار. قوله عليه السلام: سلقوكم.. أي ضربوكم واذوكم (5) (بألسنة حداد): ذرية (6) يطلبون الغنيمة. والسلق: البسط بقهر (7) باليد أو باللسان. قوله عليه السلام: يكنيه: أي ناداه بالكنية، فقال: يا أبا حفص، فقال الاشعث: أنا أعرف أنك تعني عمر، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله: إن الشيطان يفر منه، فقال عليه السلام استهزاء وتكذيبا للخبر الموضوع: ما آمن الله روعة الشيطان إذا كان يفر من مثل عمر.


(1) نص عليه في مجمع البحرين 6 / 214، والقاموس 4 / 202، وغيرهما. (2) انظر: مجمع البحرين 6 / 214، ولسان العرب 13 / 55، وتاج العروس 9 / 141، والنهاية 1 / 136. (3) كما في لسان العرب 14 / 39، وانظر: مجمع البحرين 1 / 29، والصحاح 6 / 2270. (4) في (س): أو. (5) قاله في مجمع البحرين 5 / 186. (6) ذكره في لسان العرب 10 / 160، والذربة: السليطة، كما في القاموس 1 / 67. (7) صرح به في الصحاح 5 / 1497، وتاج العروس 6 / 386، وانظر: لسان العرب 10 / 162.

[331]

ويقال: كربه الغم.. أي اشتد عليه (1). والجذم: القطع (2). قوله عليه السلام: لقد عرفت ذلك.. أي أثر البغض والعداوة لذلك الامر. 154 - كنز (3): قوله تعالى: * (علمت نفس ما قدمت وأخرت) * (4) قال علي ابن ابراهيم: نزلت (5) في الثاني، يعني ما قدمت من ولاية أبي فلان ومن ولاية نفسه وما أخرت من ولاة الامر من بعده... (6) إلى قوله: * (بل تكذبون بالدين) * (7)، قال (8): الولاية (9). 155 - كنز (10): روي عن عمر بن أذينة، عن معروف بن خربوذ (11)، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا بن خربوذ (12) ! أتدري ما تأويل هذه الآية: * (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) * (13) ؟ !. قلت: لا. قال: ذلك (14) الثاني،


(1) ذكره في لسان العرب 1 / 711، وتاج العروس 1 / 542، وغيرهما. (2) نص عليه في مجمع البحرين 6 / 27، ولسان العرب 12 / 86. (3) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 770. (4) الانفطار: 5. (5) جاء في المصدر: ذكر علي بن ابراهيم في تفسيره انها نزلت.. إلى آخره، وقد بحثنا عنها في تفسيره فلم نجدها. (6) جاء في الكنز: وذكر أيضا قال: وقوله عزوجل.. إلى آخره. (7) الانفطار: 9. (8) في (ك): قالوا. (9) في المصدر: بعد الآية قال أي بالولاية، فالدين هو الولاية، وقد ذكره في تفسير البرهان 4 / 236، حديث 4 و 5. (10) تأويل الآيات الظاهرة 2 / 795، حديث 5. (11) و (12) في (س): خربوز. (13) الفجر: 25. وذكر في المصدر ما بعد الآية: * (ولا يوثق وثاقه أحد) *. (14) في الكنز: ذاك.

[332]

لا يعذب الله يوم القيامة عذابه أحدا (1). 156 - كتاب المحتضر (2): عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين عليه السلام - في حديث طويل -: ولقد قال لاصحابه الاربعة - أصحاب الكتاب - الرأي - والله - أن ندفع محمدا برمته ونسلم، وذلك حين جاء العدو من فوقنا ومن تحتنا، كما قال الله تعالى: * (وزلزلوا زلزالا شديدا * وتظنون بالله الظنونا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * (3). فقال صاحبه: ولكن (4) نتخذ صنما عظيما فنعبده لانا لا نأمن من أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، ولكن يكون هذا الصنم لنا زخرا (5) فإن ظفرت (6) قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا كنا لم نفارق ديننا، وإن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرا، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وآله، ثم خبرني رسول الله صلى الله عليه وآله به بعد قتلي ابن عبد ود، فدعاهما، وقال: كم صنما عبدتما في الجاهلية ؟ !. فقالا: يا محمد ! لا تعيرنا بما مضى في الجاهلية. فقال: كم صنما تعبدان يومكما هذا ؟. فقالا: والذي بعثك بالحق نبيا ما نعبد الله منذ أظهرنا لك من دينك ما أظهرنا.


(1) وذكره في تفسير البرهان 4 / 460، حديث 1. (2) المحتضر: 58 - 59، باختلاف يسير. (3) الاحزاب: 10 و 11 - 12 بتقديم وتأخير. (4) في المصدر: لا ولكن. (5) كذا، والظاهر: ذخرا، كما في المصدر، وإن جاء زخرا لغة بمعنى الفخر، قال في القاموس 2 / 38: زخر... الرجل بما عنده فخر. (6) في المحتضر: ظهرت.

[333]

فقال (1): يا علي ! خذ هذا السيف فانطلق إلى موضع كذا.. وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه، فإن حال بينك وبينه أحد فاضرب عنقه، فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالا: استرنا سترك الله. فقلت أنا لهما: اضمنا لله ولرسوله أن لا تعبدا إلا الله ولا تشركا به شيئا. فعاهدا رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، وانطلقت حتى استخرجت الصنم فكسرت وجهه ويديه وجزمت رجليه، ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فو الله لقد عرف ذلك في وجوههما علي حتى ماتا (2).. وساق الحديث إلى آخره. 157 - قال (3): وذكر بعض العلماء في كتابه (4)، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخرج في كل (5) جمعة إلى ظاهر المدينة ولا يعلم أحدا أين يمضي، قال: فبقي على ذلك برهة من الزمان، فلما كان في بعض الليالي، قال (6) عمر بن الخطاب: لا بد (7) من أن أخرج وأبصر أين يمضي علي بن أبي طالب (ع)، قال: فقعد له عند باب المدينة حتى خرج ومضى على عادته، فتبعه عمر - وكان كلما وضع علي عليه السلام قدمه في موضع وضع عمر رجله مكانها - فما كان إلا قليلا حتى وصل إلى بلدة عظيمة ذات نخل وشجر ومياه غزيرة، ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام دخل إلى حديقة بها ماء جار فتوضأ ووقف بين النخل يصلي إلى أن مضى من الليل أكثره، وأما عمر فإنه نام فلما قضى


(1) في المصدر: فقال لي. (2) في كتاب المحتضر: ذلك منهما في وجوههما على.. ولا توجد فيه: حتى ماتا. (3) قاله الشيخ حسن بن سليمان الحلي في كتابه المحتضر: 66 - 68 باختلاف. (4) لا توجد في المصدر: في كتابه. (5) في المحتضر زيادة: ليلة. (6) لا توجد: قال، في (س)، وفي المصدر: فقال. (7) في المحتضر: لا بد لي.

[334]

أمير المؤمنين عليه السلام وطره من الصلاة عاد ورجع إلى المدينة حتى وقف خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى معه الفجر، فانتبه عمر فلم يجد أمير المؤمنين عليه السلام في موضعه، فلما أصبح راى موضعا لا يعرفه وقوما لا يعرفهم ولا يعرفونه، فوقف على رجل منهم، فقال له الرجل: من أين أنت (1) ؟ ومن أين أتيت ؟. فقال عمر (2): ممن يثرب مدينة رسول الله (ص). فقال الرجل: يا شيخ (3) ! تأمل أمرك وأبصر ما (4) تقول ؟. فقال: هذا الذي أقوله لك. قال الرجل: متى خرجت من المدينة ؟. قال: البارحة. قال له: اسكت، لا يسمع الناس منك هذا فتقتل أو يقولون هذا مجنون. فقال: الذي أقول حق. فقال له الرجل: حدثني كيف حالك ومجيؤك إلى ها هنا ؟ !. فقال عمر: كان علي بن أبي طالب في كل ليلة جمعة يخرج من المدينة ولا نعلم أين يمضي، فلما كان في هذه الليلة تبعته وقلت أريد أن أبصر أين يمضي، فوصلنا إلى ها هنا، فوقف يصلي ونمت ولا أدري ما صنع ؟. فقال له الرجل: أدخل هذه المدينة وأبصر الناس واقطع أيامك إلى ليلة الجمعة فما لك من يحملك إلى موضع الذي جئت منه إلا الرجل (5) الذي جاء


(1) في (ك): من أنت. (2) في المصدر: فقال عربي: أتيت. (3) لا توجد: يا شيخ، في المصدر. (4) في كتاب المحتضر: وانظر ايش. (5) لا توجد: الرجل، في المصدر.

[335]

بك، فبيننا وبين المدينة أزيد من مسيرة (1) سنتين، فإذا رأينا من يرى المدينة وراى رسول الله صلى الله عليه وآله نتبرك به ونزوره، وفي الاحيان نرى من أتى بك فنقول (2) أنت قد جئت (3) في بعض ليلة (4) من المدينة، فدخل عمر إلى المدينة فراى الناس كلهم يلعنون ظالمي أهل بيت (5) محمد صلى الله عليه وآله ويسموهم بأسمائهم واحدا واحدا، وكل صاحبه صناعة يقول كذلك وهو على صناعته، فلما سمع عمر ذلك ضاقت عليه الارض بما رحبت وطالت عليه الايام حتى جاء (6) ليلة الجمعة، فمضى إلى ذلك المكان فوصل (7) أمير المؤمنين عليه السلام إليه (8) عادته، فكان عمر يترقبه حتى مضى معظم الليل وفرغ من صلاته وهم بالرجوع فتبعه عمر حتى وصلا الفجر المدينة، فدخل أمير المؤمنين عليه السلام المسجد وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى عمر أيضا، ثم التفت النبي صلى الله عليه وآله إلى عمر، فقال: يا عمر ! أين كنت اسبوعا لا نراك عندنا ؟ ! فقال عمر: يا رسول الله (ص) ! كان من شأني.. كذا وكذا، وقص عليه ما جرى له، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا تنس ما شاهدت بنظرك فلما سأله من سأله عن ذلك، فقال: نفذ في سحر بني هاشم. أقول: هذا حديث غريب لم أره إلا في الكتاب المذكور. 158 - كشف الحق (9) للعلامة الحلي رحمه الله: روى الحافظ محمد بن


(1) في المصدر: على، بدلا من: أزيد من مسيرة. (2) في (س): فتقول، وفي المصدر: وتقول. ولا توجد فيه: وفي الاحيان نرى من أتى بك. (3) في المحتضر: أنت جئت، وفي (س): جئتك. (4) في المصدر زيادة: إلى هنا. (5) في المحتضر: آل، بدلا من: أهل بيت. (6) في المصدر: جاءت، وهو الظاهر. (7) في المحتضر: فأتى. (8) في المصدر: على، بدلا من: إليه. وهو الظاهر. (9) نهج الحق وكشف الصدق: 330 - 332، وطبع باسم: كشف الحق، وهما واحد. (*)

[336]

موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر: تفسير (1) أبي يوسف يعقوب بن سفيان، وتفسير ابن جريح، وتفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير وكيع بن جراح، وتفسير يوسف بن موسى القطان، وتفسير قتادة، وتفسير أبي عبيدة (2) القاسم بن سلام، وتفسير علي بن حرب الطائي، وتفسير السدي، وتفسير مجاهد، وتفسير مقاتل بن حيان، وتفسير أبي صالح، وكلهم من الجماهرة (3)، عن أنس بن مالك، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا رجلا يصلي ويصوم ويتصدق (4) ويزكي، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: لا أعرفه.. فقلنا: يا رسول الله ! إنه عبد الله (5) ويسبحه ويقدسه ويوحده. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا أعرفه، فبينا نحن في ذكر الرجل إذ قد (6) طلع علينا، فقلنا: هو ذا، فنظر إليه رسول الله صلى اله عليه وآله، فقال (7) لابي بكر: خذ سيفي هذا وامض إلى هذا الرجل فاضرب (8) عنقه، فإنه أول من يأتيه من حزب الشيطان.. فدخل أبو بكر المسجد فرآه راكعا، فقال: والله لا أقتله، فإن رسول الله (ص) نهانا عن قتل (9) المصلين، فرجع إلى رسول الله عليه وآله، فقال يا رسول الله ! إني رأيته يصلي.


(1) لا توجد في المصدر: تفسير. (2) في المصدر: وتفسير سليمان وتفسير أبي عبد الله.. (3) في الكشف: الجماهر. (4) لا يوجد في المصدر: ويتصدق. (5) في كشف الحق: إنه يعبد الله.. وهو الظاهر. (6) لا توجد: قد، في المصدر. (7) في المصدر: وقال. (8) في نهج الحق: واضرب. (9) في كشف الحق: قتال.

[337]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس، فلست بصاحبه، قم يا عمر ! و (1) خذ سيفي من يد (2) أبي بكر وأدخل المسجد فاضرب عنقه (3)، قال عمر: فأخذت السيف من أبي بكر ودخلت المسجد فرأيت الرجل ساجدا، فقلت: والله لا أقتله فقد استأمنه من هو خير مني فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله إني رأيت الرجل ساجدا. فقال: يا عمر ! اجلس فلست بصاحبه، قم يا علي فإنك أنت قاتله، إن وجدته فاقتله، فإنك إن قتلته لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا. قال علي عليه السلام: فأخذت السيف ودخلت المسجد فلم أره، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله (ص) ! ما رأيته. فقال: يا أبا الحسن ! إن أمة موسى افترقت إحدى وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار، وإن أمة عيسى (ع) افترقت اثنتين وسبعين فرقة ناجية ناجية والباقون في النار، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار. فقلت: يا رسول الله (ص) ! وما الناجية ؟. فقال: المتمسك بما أنت عليه وأصحابه (4)، فأنزل الله تعالى في ذلك الرجل (5): * (ثاني عطفه) * (6). يقول: هذا أول من يظهر من أصحاب البدع والضلالات. قال ابن عباس، والله ما قتل ذلك الرجل إلا أمير المؤمنين (ع) يوم صفين،


(1) لا توجد الواو في (س). (2) لا توجد: يد، في المصدر. (3) لا توجد عبارة: فاضرب عنقه في (س)، وفي المصدر: واضرب عنقه. (4) في كشف الحق: بما أنت وأصحابك عليه. (5) لا توجد: تعالى، في المصدر، وكذا كلمة: الرجل. (6) الحج: 9.

[338]

ثم قال: * (له في الدنيا خزي) * (1) قال القتل (2): * (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) * (3) بقتاله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين (4). قال العلامة رحمه الله (5): تضمن الحديث أن أبا بكر (6) وعمر لم يقبلا أمر النبي صلى الله عليه وآله ولم يقبلا قوله، واعتذرا بأنه يصلي ويسجد، ولم يعلما أن النبي صلى الله عليه وآله أعرف بما هو عليه منهما، ولو لم يكن مستحقا للقتل لم يأمر الله تعالى (7) نبيه بذلك، وكيف ظهر إنكار النبي صلى الله عليه وآله على أبي بكر بقوله: لست بصاحبه، وامتنع عمر من فعله (8)، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله حكم بأنه لو قتل لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا، وكرر الامر بقتله ثلاث مرات عقيب الانكار على الشيخين، وحكم صلى الله عليه وآله بأن أمته ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون منها في النار، وأصل هذا بقاء ذلك الرجل الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله الشيخين بقتله فلم يقتلاه، فكيف يجوز للعامي تقليد من يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وآله. 159 - وقال رحمه الله في كتاب المذكور (9): وقد روى عبد الله بن عباس، وجابر، وسهل بن حنيف، وأبو وايل، والقاضي عبد الجبار، وأبو علي الجبائي،


(1) الحج: 9. (2) في المصدر: خزي القتل، ويذيقه.. وعليه فلا تكون آية. (3) الحج: 9. (4) لا توجد في المصدر: يوم صفين. وجاءت هذه القصة بمضامين مختلفة، منها ما أورده احمد بن حنبل في مسنده 3 / 15، وابن عبد ربه في العقد الفريد 1 / 305، وابن حجر في الاصابة 1 / 484، وغيرهم. (5) في نهج الحق وكشف الصدق: 332. (6) في المصدر: فلينظر العاقل إلى ما تضمنه هذا الحديث المشهور المنقول من أن أبا بكر.. (7) لا توجد: تعالى، في المصدر. (8) في المصدر: من قتله، بدلا: من فعله. (9) نهج الحق وكشف الصدق (كشف الحق): 336 - 337.

[339]

وأبو مسلم الاصفهاني، ويوسف الثعلبي (1)، والطبري، والواقدي، والزهري، والبخاري، والحميدي في الجمع بين الصحيحين (2) في مسند المسور بن مخرمة في حديث الصلح بين سهيل بن عمرو وبين النبي صلى الله عليه وآله بالحديبية، يقول فيه: فقال (3) عمر بن الخطاب: فأتيت النبي صلى الله عليه [وآله]، فقلت له: ألست نبي الله حقا ؟ !. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا (4). قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.. قلت: أو ليس كنت تحدثنا (5) أنا سنأتي البيت فنطوف به (6). قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ !. قال: بلى. قلت: فلم نعطي هذه (7) الدنية في ديننا إذا. قال: أيها الرجل ! إنه رسول الله، ولا يعصي لربه (8) وهو ناصره، فاستمسك بعذره (9)، فو الله إنه على الحق.


(1) في المصدر: والثعلبي، وهو الظاهر. (2) الجمع بين الصحيحين، للحميدي، لا نعلم بطبعه. (3) لا توجد: فقال، في المصدر. (4) لا توجد: إذا، في المصدر. (5) في كشف الحق: حدثتنا. (6) في المصدر: ونطوف به، وهنا سقط جاء في المصدر وهو: قال: بلى، أفأخبرك أنا، فأتيه العام ؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. (7) لا توجد: هذه، في المصدر. (8) في كشف الحق: وليس يعصي ربه. (9) كذا، والظاهر: بغرزه، كما في المصدر. قال في القاموس 2 / 185: والزم غرز فلان.. أي أمره ونهيه، واشدد يديك بغرزه.. أي حث نفسك على التمسك به.

[340]

قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به (1) ؟ !. قال: فأخبرك أنه يأتيه (2) العام ؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به (3). وزاد الثعلبي في تفسيره عند ذكر سورة الفتح وغيره من الرواة: أن عمر ابن الخطاب قال: ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ (4). ثم قال رحمه الله (5): فهذا (6) الحديث يدل على تشكيك عمر والانكار على رسول الله (7) صلى الله عليه وآله فيما فعله بأمر الله، ثم رجوعه إلى أبي بكر حتى أجابه بالصحيح، وكيف استجاز عمر أن يوبخ النبي صلى الله عليه وآله ويقول له - عقيب قوله صلى الله عليه وآله: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري - أليس (8) كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ !. 160 - ثم قال قدس سره (9): في الجمع بين الصحيحين (10) في مسند عائشة


(1) في المصد ر: إنا سنأتي البيت ونطوف به. (2) في كشف الحق: إنك تأتيه. (3) في المصدر: ومطوف به. أقول: أورده السيوطي في الدر المنثور 6 / 76، وتفسير الخازن 4 / 168، والتاج الجامع للاصول 4 / 336، وغيرها. (4) الكلام للعلامة في نهجه، وذكر ما ذكره السيوطي في الدر المنثور 6 / 76، وتفسير الخازن 4 / 148، وتاريح الخميس 1 / 241، وغيرهم. (5) قاله العلامة - رحمه الله - في نهج الحق وكشف الصدق: 337. (6) في المصدر: وهذا. (7) في المصدر: النبي، بدلا من: رسول الله صلى الله عليه وآله. (8) في كشف الحق: وألست.. (9) في نهج الحق وكشف الصدق: 337 - 338. (10) الجمع بين الصحيحين، للحميدي، ولا نعلم بطبعه.

[341]

من المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعتم (1) بالعشاء (2) حتى ناداه عمر: الصلاة (3) ! نام النساء والصبيان، فخرج (4) ! وقال: ما كان لكم أن تبرزوا (5) رسول الله صلى الله عليه وآله على الصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب (6) وقد قال الله تعالى: * (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) * (7) فجعل ذلك محبطا للعمل، وقال: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم) * (8). 161 - وقال رحمه الله (9): وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي (10) في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: أنه لما توفى عبد الله بن أبي سلول (11) جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (12) فقام رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) قال في نهاية ابن الاثير 3 / 181: اعتم الشئ وعتمه: إذا أخره، وقال في الصفحة السابقة: حتى يعتموا: أي يدخلوا في عتمة الليل، وهي ظلمته. (2) في المصدر: إن عائشة قالت: أعتم رسول الله صلى الله عليه وآله بالعشاء (3) في كشف الحق: بالصلاة. (4) في المصدر: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) في نهج الحق: وما كان لكم أن تنذروا. (6) إلى هنا جاء في صحيح مسلم 1 / 241، وصحيح البخاري 1 / 141. (7) الحجرات: 2. (8) الحجرات: 4 - 5. وجاء في الهامش من النهج: إنه قد روى غير واحد أنها نزلت في أبي بكر وعمر، منهم البخاري في صحيحه 6 / 171، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 184، ومنصور علي ناصف في التاج الجامع للاصول 4 / 239... والنسفي في تفسيره المطبوع في هامش تفسير الخازن 4 / 176، والآلوسي في تفسيره 26 / 123.. وغيرهم. (9) في نهج الحق وكشف الصدق: 338. (10) الجمع بين الصحيحين، للحميدي، ولا نعلم بطبعه. (11) في المصدر: بن أبي بن سلول. (12) هنا زيادة جاءت في المصدر: فسأله أن يصلي عليه. (*)

[342]

ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله (ص) ! أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ !. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما خيرني (1) الله تعالى قال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة..) * (2) وسأزيد على السبعين. قال: إنه منافق.. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله. وهذا رد على النبي صلى الله عليه وآله (3). 163 - وقال رحمه الله (4): وفي الجمع في الصحيحين (5) من مسند عائشة، قالت: كانت (6) أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله تخرجن (7) ليلا إلى ليل قبل المصانع، فخرجت سودة بنت ذمعة (8) فرآها عمر وهو في المجلس، فقال: عرفتك يا سودة ! فنزل آية الحجاب عقيب ذلك (9). وهو يدل على سوء أدب عمر حيث كشف ستر (10) زوجة النبي صلى الله عليه وآله ودل عليها أعين الناس وأخجلها، وما قصدت بخروجها ليلا إلا الاستتار عن الناس (11) وصيانة نفسها، وأي ضرورة له (12) إلى تخجيلها حتى أوجب ذلك نزول


(1) في المصدر: خبرني، وهو سهر. (2) التوبة: 80. (3) وأورد القصة أكثر من واحد، كما جاءت في صحيح البخاري 2 / 92 و 115 باب ما يكره من الصلاة على المنافقين، وباب الكفن في القميص من أبواب الجنائز، و 6 / 85، وغيره. (4) نهج الحق وكشف الصدق: 338. (5) الجمع بين الصحيحين، ولم نعلم بطبعه مع كل ما سألنا عن ذلك. (6) في المصدر: كان. (7) في كشف الحق: يخرجن. (8) في (س): ذمغة، وفي المصدر: زمعة. (9) وقد جاءت في صحيح البخاري 1 / 48، وصحيح مسلم 2 / 6. (10) في المصدر: سر. (11) جاء في كشف الحق: أعين الناس. (12) لا توجد: له، في (س).

[343]

آية الحجاب. أقول: أورد قدس الله روحه كثيرا من مطاعنهم تركناها اختصارا وسنعيد الكلام بذكر تفاصيل مثالبهم وإثباتها بما هو متداول بينهم اليوم من كتبهم التي لا يمكنهم القدح في روياتها وبسط القول فيها اعتراضا وجوابا ليتم الحجة على المخالفين ولا يبقى لهم عذر في الدنيا ولا في يوم الدين. ونرجو من فضله تعالى أن لا يحرمني أجر ذلك، فإنه لا يضيع عنده أجر المحسنين. 163 - يل (1): البراء بن عازب، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا (2) في أصحابه إذ أتاه وفد من بني تميم، منهم (3) مالك بن نويرة، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ! علمني الايمان ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وتصلي الخمس، وتصوم شهر (4) رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج البيت، وتوالي وصيي هذا من بعدي - وأشار إلى علي (ع) بيده - ولا تسفك دما، ولا تسرق، ولا تخون، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تشرب الخمر، وتوفي بشرائعي، وتحلل حلالي وتحرم حرامي، وتعطي الحق من نفسك للضعيف والقوي والكبير والصغير.. حتى عد عليه شرائع الاسلام. فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ! أعد علي فإني رجل نساء، فأعادها عليه فعقدها بيده، وقام وهو يجر إزاره وهو يقول: تعلمت الايمان ورب الكعبة، فلما بعد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال صلى الله عليه وآله: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا الرجل. فقال أبو بكر وعمر: إلى من تشير يا رسول الله (ص) ؟ !. فأطرق إلى الارض


(1) الفضائل، لابن شاذان: 75، خبر مالك بن نويرة. (2) في المصدر: جالس - بالرفع - وهو أولى. (3) لا توجد: منهم، في المصدر. (4) لا توجد لفظة: شهر، في المصدر.

[344]

فاتخذا (1) في السير فلحقاه، فقالا له (2): البشارة من الله ورسوله بالجنة، فقال: أحسن الله تعالى بشارتكما إن كنتما ممن يشهد بما شهدت به، فقد علمتما ما علمني النبي (3) صلى الله عليه وآله، وإن لم تكونا كذلك فلا أحسن الله بشارتكما. فقال أبو بكر: لا تقل ذلك (4) فأنا أبو عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله. قال: قلت: ذلك فما حاجتكما ؟. قالا: إنك من أصحاب الجنة فاستغفر لنا. فقال: لا غفر الله لكما، أنتما نديمان لرسول الله صلى الله عليه وآله صاحب (5) الشفاعة وتسألاني أستغفر لكما ؟ ! فرجعا والكآبة لائحة في وجهيهما، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وآله تبسم، وقال: في (6) الحق مغضبة ؟ !. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع بنو تميم إلى المدينة ومعهم مالك بن نويرة، فخرج لينظر من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل يوم الجمعة - وأبو بكر على المنبر يخطب الناس - فنظر إليه وقالوا (7): أخو تيم ؟. قالوا (8): نعم. قال: ما (9) فعل وصي رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أمرني بموالاته ؟. قالوا: يا أعرابي ! الامر يحدث بعد الامر الآخر.


(1) في المصدر: فجدا.. وهو الظاهر. (2) في كتاب الفضائل: لك، بدلا من: له. (3) في المصدر: النبي محمد (ص). (4) لا توجد: ذلك، في المصدر. (5) جاء الجملة في المصدر: تتركان رسول الله (ص) صاحب.. (6) في المصدر: أفي.. - بهمزة الاستفهام -. (7) في كتاب الفضائل:.. بالناس فنظر إليه وقال.. وهو الظاهر. (8) نسخة في مطبوع البحار: قال، بدلا من: قالوا. (9) في المصدر: فما.

[345]

قال: تالله (1) ما حديث شئ وإنكم لخنتم (2) الله ورسوله، ثم تقدم إلى أبي بكر وقال له (3): من أرقاك هذا المنبر ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله جالس ؟ !. فقال أبو بكر: أخرجوا الاعرابي البوال على عقيبه من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله !. فقام إليه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد فلم يزالا يكذان (4) عنقه حتى أخرجاه، فركب راحلته وأنشأ يقول شعرا (5): أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر إذا مات بكر قام (6) عمرو أمامه (7) * فتلك - وبيت الله - قاصمة الظهر يذب (8) ويغشاه العشار كأنما (9) * يجاهد جما (10) أو يقوم على قبر فلو طاف (11) فينا من قريش عصابة * أقمنا ولو كان (12) القيام على جمر قال: فلما استتم الامر لابي بكر وجه خالد بن الوليد وقال له: قد علمت


(1) في المصدر: بعده الامر قال: بالله.. (2) في كتاب الفضائل: قد خنتم. (3) لا يوجد: له، في المصدر. (4) في المصدر: يلكذان. والظاهر أنها: يلكزان - بالزاء المعجمة -. قال في المصباح المنير 2 / 766: لكزه لكزا - من باب قتل - ضربه بجمع كفه في صدره، وربما أطلق على جميع البدل، ومثله في مجمع البحرين 4 / 33. وأما الكذ، فقد جاء في القاموس 1 / 358: كذ: خشن. (5) لا توجد: شعرا، في المصدر. (6) في (س): وقام. (7) في المصدر: مقامه. (8) في كتاب الفضائل: يدب. (9) في (س): الغشا وكأنما. (10) لا توجد: جما، في (س). (11) جاء في المصدر: فلو قام. (12) في كتاب الفضائل: ولكن، بدلا من: ولو كان.

[346]

ما قال على رؤوس الاشهاد، لست (1) آمن أن يفتق علينا فتقا لا يلتام، فاقتله، فحين أتاه خالد ركب جواده وكان فراسا يعد بألف فارس (2)، فخاف خالد منه فآمنه وأعطاه المواثيق ثم غدر به بعد أن ألقى سلاحه فقتله، وعرس (3) بامرأته في ليلته وجعل رأسه في قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه (4) لامرأته (5) ينزو عليها نزو الحمار.. والحديث طويل. بيان (6): العشار - بالكسر -: جمع العشراة، وهي الناقة التي مضى لحملها عشرة اشهر (7). والجم - جمع الجماء -: وهي الشاة التي لا قرن لها (8). والاجم: الرجل بلا رمح (9)، ولعل تشبيه القوم بالعشار لما أكلوا من الاموال (10) المحرمة وطمعوا من الولايات الباطلة، ونفي (11) كونها جما تهديد بأنه وقومه كاملوا الارادة والسلاح.


(1) في المصدر: ما قاله مالك على رؤوس الاشهاد ولست.. (2) لا توجد: فارس، في المصدر. (3) في كتاب الفضائل: وأعرس. (4) في (س): عرس. (5) في المصدر: وبات ينز، ولا توجد فيه: لامرأته. (6) في (س) كلمة: بيان، يوجد فراغ وبياض. (7) كما صرح به في مجمع البحرين 3 / 403، ولسان العرب 4 / 572، والصحاح 2 / 747. (8) قاله في تاج العروس 8 / 233، والصحاح 5 / 1891، ومجمع البحرين 6 / 30. (9) نص عليه في لسان العرب 12 / 108، والصحاح 5 / 1891، وغيرهما. (10) في (س): الاحوال. (11) كذا، والظاهر: وفي.

[347]

164 - إرشاد القلوب (1): من مثالبهم - لما (2) ما تضمنه خبر وفاة الزهراء عليها السلام قرة عين الرسول وأحب الناس إليه مريم الكبرى والحوراء التي أفرغت من ماء الجنة من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله، التي قال في حقها رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك. وقال عليه وآله السلام: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني. وروي أنه لما حضرتها الوفاة قالت لاسماء بنت عميس: إذا أنا مت فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفا من سندس من الجنة قد ضرب فسطاطا في جانب الدار فاحمليني (3) وزينب وأم كلثوم فاجعلوني (4) من وراء السجف وخلوا (5) بيني وبين نفسي، فلما توفيت عليها السلام وظهر السجف حملناها وجعلناها وراءه، فغسلت


(1) أقول: إلى هنا اعتمدنا في تخريجنا على إرشاد القلوب (في الحكم والمواعظ) لابي محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي، الذي هو من منشورات دار الفكر - بيروت -، بتصور أنه هو المصدر، إلا أنه قد ظهر لنا بالتتبع وفقد بعض الموراد التي نقلها صاحب البحار ولم نجدها فيه، ولنقله عن صاحب البحار في أكثر من مورد كما في قوله في المجلد الثاني صفحة: 91: ذكره المجلسي رحمه الله في المجلد التاسع من كتاب بحار الانوار... والسيد البحراني في كتاب مدينة المعاجز بتغير ما، فمن أراده فليراجعها.. وغيرها من الموارد، أنه ليس هو الذي اعتمده صاحب البحار، كما أن من الملاحظ عليه أنه في المجلد الاول من المطبوع يقول: قال مصنف الكتاب.. أو: يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن أبي محمد الديلمي جامع هذه الآيات من الذكر الحكيم.. 1 / 9، 1 / 11، وغيرها أن المجلد الاول غير الثاني، إذ لا نجد مثل هذا هناك، وهذا الذي ذكرناه ألفينا المرحوم ثقة الاسلام الشهيد التبريزي في كتاب مرآة الكتب 2 / 31 - 32 قد تفطن إليه والى امور تؤيده حرية بالملاحظة. ولا حظ ما ذكره شيخنا الطهراني في الذريعة 1 / 517. هذا ولعل المجلد الثاني المطبوع من إرشاد القلوب ما هو إلا تلخيص له مع إضافات منه وهو للشيخ شرف الدين يحيى بن عز الدين حسين بن عشيرة بن ناصر البحراني نزيل يزد، كما حكى عنه في رياض العلماء. وعلى كل، فإنا لم نجد هذا الحديث في إرشاد القلوب مع كل ما تفحصنا فيه وراجعناه أكثر من مرة. (2) أي كثيرا مع كونها مجتمعة، كما في النهاية 4 / 273، خط عليها في (ك)، وهو الظاهر. (3) في (س): فاحليني. (4) كذا، والظاهر: فاجعلنيني. (5) كذا، والظاهر: خللن.

[348]

وكفنت وحنطت بالحنوط، وكان كافور أنزله جبرئيل عليه السلام من الجنة في ثلاث صرر، فقال: يا رسول الله ! ربك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخى علي مقسوم أثلاثا، وإن أكفانها وماؤها وأوانيها من الجنة. وروي أنها توفيت عليها السلام بعد غسلها وتكفينها وحنوطها، لانها طاهرة لا دنس فيها، وأنها أكرم على الله تعالى أن يتولى ذلك منها غيرها، وإنه لم يحضرها إلا أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها (1) وأسماء بنت عميس، وأن أمير المؤمنين عليه السلام أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلوا عليها، ولم يعلم بها أحد، ولا حضروا وفاتها ولا صلى عليها أحد من ساير الناس غيرهم، لانها عليها السلام أوصت بذلك، وقال: لا تصل علي أمة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى الله عليه وآله في أمير المؤمنين علي عليه السلام، وظلموني حقي، وأخذوا إرثي، وخرقوا صحيفتي التي كتبها لي أبي بملك فدك، وكذبوا شهودي وهم - والله - جبرئيل وميكائيل وأمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن، وطفت عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين عليه السلام يحملني ومعي الحسن والحسين ليلا ونهارا إلى منازلهم أذكرهم بالله وبرسوله ألا تظلمونا ولا تغصبونا حقنا الذي جعله الله لنا، فيجيبونا ليلا ويقعدون عن نصرتنا نهارا، ثم ينفذون إلى دارنا قنفذا ومعه عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمي عليا إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلا بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وبأزواجه وبتأليف القرآن وقضاء ثمانين ألف درهم وصاه بقضائها عنه عدات ودينا، فجمعوا الحطب الجزل (2) على بابنا وأتوا بالنار ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفوا عنا وينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ - مولى أبي بكر - فضرب به عضدي


(1) في (ك): وجاريتها - بزيادة الواو -. (2) قال في النهاية 1 / 270: حطبا جزلا.. أي غليظا قويا.

[349]

فالتوى السوط على عضدي حتى صار كالدملج، وركل (1) الباب برجله فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي (2) والنار تسعر وتسفع (3) وجهي، فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم، فهذه أمة تصلي علي ؟ ! وقد تبرأ الله ورسوله منهم، وتبرأت منهم. فعمل أمير المؤمنين (ع) بوصيتها ولم يعلم أحدا بها فأصنع (4) في البقيع ليلة دفنت فاطمة عليها السلام أربعون قبرا جددا. ثم إن المسلمين لما علموا بوفاة فاطمة ودفنها جاؤا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يعزونه بها، فقالوا: يا أخا رسول الله (ص) ! لو أمرت بتجهيزها وحفر تربتها. فقال عليه السلام: قد وريت ولحقت بأبيها صلى الله عليه وآله وسلم (5). فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، تموت ابنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ولم يخلف فينا ولدا غيرها، ولا نصلي عليها ! إن هذا لشئ عظيم. فقال عليه السلام: حسبكم ما جنيتم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته ولم أكن - والله - لاعصيها في وصيتها التي أوصت (6) بها في أن لا يصلي عليها أحد منكم، ولا بعد العهد فأعذر، فنفض القوم أثوابهم، وقالوا لا بد لنا من الصلاة على ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبرا جددا، فاشتبه عليهم قبرها عليها السلام بين تلك القبور فصح الناس ولام بعضهم بعضا، وقالوا: لم تحضوروا وفاة بنت نبيكم ولا


(1) الركل: الضرب برجل واحدة، كما في مجمع البحرين 4 / 385. (2) الظاهر زيادة: لوجهي. (3) أي تضرب وتلطم، كما في القاموس 3 / 38. (4) في (س): فاضع. (5) من كلمة: إلى أمير المؤمنين عليه السلام.. إلى هنا لا توجد في (س). (6) في (س): أوصفت، وفي (ك): أوضعت، والظاهر ما أثبتناه.

[350]

الصلاة عليها ولا تعرفون قبرها فتزورونه ؟. فقال أبو بكر: هاتوا من ثقات المسلمين من ينبش هذه القبور حتى تجدوا قبرها فنصلي عليها ونزورها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فخرج من داره مغضبا وقد احمر وجهه وقامت عيناه ودرت أوداجه، وعلى يده قباه (1) الاصفر - الذي لم يكن يلبسه إلا في يوم كريهة - يتوكأ على سيفه ذي الفقار حتى ورد البقيع، فسبق الناس النذير، فقال لهم: هذا علي قد أقبل كما ترون يقسم بالله لان بحث من (2) هذه القبور حجر واحد لاضعن السيف على غائر (3) هذه الامة، فولى القوم هاربين قطعا قطعا. ومنها: ما فعله الاول من التآمر على الامة من غير أن أباح الله له ذلك ولا رسوله، ومطالبة جميعهم بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعا وكرها، وكان ذلك أول ظلم ظهر في الاسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان هو وأولياؤه جميعا مقربين بأن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله لم يولياه ذلك ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته. وطالب الناس بالخروج إليه مما كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله من الاخماس والصدقات والحقوق الواجبات. ثم تسمى بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد علم هو ومن معه من الخاص والعام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم والمعصية والكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، ولما امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأمرنا بدفع ذلك إليك، فسماهم: أهل الردة، وبعث إليهم خالد بن الوليد رئيس القوم في جيش،


(1) في (ك): قباء. (2) لا توجد كلمة من، في (س). (3) كذا، والظاهر: غابر - بالباء الموحدة -.

[351]

فقتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم، واستباح أموالهم، وجعل ذلك فيئا للمسلمين، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم: مالك بن نويرة، وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك (1) واستحل الباقون فروج نسائهم من غير استبراء. وقد روى أهل الحديث جميعا بغير خلاف عن القوم الذين كانوا مع خالد أنهم قالوا: أذن مؤذننا وأذن مؤذنهم، وصلينا وصلوا، وتشهدنا وتشهدوا، فأي ردة ها هنا ؟ ! مع ما رووه أن عمر قال لابي بكر: كيف نقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله (ص): فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم ؟ !. فقال: لو منعوني عقالا مما كانوا يدفعونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لقاتلتهم - أو قال: لجاهدتهم -، وكان هذا فعلا فظيعا في الاسلام وظلما عظيما، فكفى بذلك خزيا وكفرا وجهلا، وإنما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لانه كان بين عمر وبين مالك خلة أوجبت المعصية (2) له من عمر. ثم رووا جميعا أن عمر لما ولي جمع من بقي من عشيرة مالك واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، ورد ذلك جميعا عليهم. فإن كان فعل أبي بكر بهن خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم وملكهم العبيد الاحرار من أبنائهم (3)، وأوطأهم فروجا حراما من نسائهم، وإن كان ما فعله حقا فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهن بحق فانتزعهن من أيديهم غصبا وظلما وردهن إلى قوم لا يستحقونهم بوطئهن حراما من غير مباينة وقعت ولا أثمان دفعت إلى من كن عنده في تملكه، فعلى كلا الحالين قد أخطئنا جميعا أو أحدهما،


(1) لا توجد: تلك، في (س). (2) كذا، والظاهر: العصبية. (3) كذا، ولعل العبارة حقها أن تكون كذا: وملكهم الاحرار من أبنائهم عبيدا، ويحتمل زيادة كلمة: العبيد. أو تكون: وملكهم العبيد والاحرار من أبنائهم. فغضبت الناس، في (ك).

[352]

لانهما أباحا للمسلمين فروجا حراما، وأطعماهم طعاما حراما من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، وليس له ذلك على ما تقدم ذكره. ومنها: تكذيبه لفاطمة عليها السلام في دعواها فدك، ورد شهادة أم أيمن، مع أنهم رووا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة، ورد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وقد رووا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار، وأخبرهم (1) أيضا بتطهير علي وفاطمة من الرجس عن الله تعالى، فمن توهم أن عليا وفاطمة يدخلان - بعد هذه الاخبار من الله عزوجل - في شئ من الكذب والباطل فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر بغير خلاف. ومنها: قوله في الصلاة: لا تفعل (2) خالد من أمره، فهذه بدعة يقارنها كفر، وذلك أنه أمر خالد بقتل أمير المؤمنين عليه السلام إذا هو سلم من صلاة الفجر، فلما قام في الصلاة ندم على ذلك وخشي إن فعل ما أمر به من قتل أمير المؤمنين عليه السلام أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها. فقال: لا يفعلن خالد ما أمر.. قبل أن يسلم، والكلام في الصلاة بدعة، والامر بقتل علي كفر. ومنها: أنهم رووا - بغير خلاف - أنه قال - وقت وفاته -: ثلاث فعلتها وددت أني لم أفعلها، وثلاث لم أفعلها ووددت أني أفعلها، وثلاث غفلت عنها ووددت أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عنها، أما الثلاث التي وددت أني (3) لم أفعلها، فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وقومه المسمين بأهل الردة، وكشف بيت فاطمة (ع) وإن كان أغلق على حرب.. واختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها وذكرنا ما اجتمعوا عليه. فقد دل قوله: أني لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه


(1) في (س): أخبر بهم. (2) خ. ل: لا يفعل. (3) لا توجد: أني، في (س).

[353]

وآله.. أنه أغضب فاطمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك، فقد أوجب بفعله هذا غضب الله عليه بغضب فاطمة. وقال صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، فقد لزمه أن يكون قد (1) آذى الله ورسوله بما لحق فاطمة عليها السلام من الاذى بكشف بيتها، وقد (2) قال الله عزوجل: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة) * (3)، وأما الثلاثة التي ود أن يسأل رسول الله عنها فهي: الكلالة ما هي ؟ وعن الجد ما له من الميراث ؟ وعن الامر لمن بعده ؟ ومن صاحبه ؟. وكفى بهذا الاقرار على نفسه خزيا وفضيحة، لانه شهر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، ومن كان هذه حاله كان ظالما فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (4). وقوله: ووددت أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله لمن الامر بعده ؟ ومن صاحبه ؟ فقد أقر وأشهد على نفسه بأن الامر لغيره، وأنه لا حق له فيه، لانه لو كان له حق لكان قد علمه من الله عزوجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله، فلما لم يكن له فيه حق لم يعلم لمن هو بزعمه، وإذا لم يكن فيه حق ولم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، وأخذ حقا هو لغيره، وهذا يوجب الظلم والتعدي، وقال الله تعالى: * (ألا لعنة الله عليه الظالمين) * (5). وأما ما وافقه عليه صاحبه الثاني: فمنها (6): أنه لما أمر أن يجمع ما تهيأ له من القرآن أمر مناديا ينادي في


(1) لا توجد: قد، في (س). (2) خط على: قد، في (ك). (3) الاحزاب: 57. (4) الشعراء: 227. (5) هود: 18. (6) أقول: كل ما ذكر هنا من مثالب للخليفة ستأتي مصادره مفصلا بإذن الله، ونشير لبعضها هنا = = مجملا، انظر: صحيح البخاري، باب جمع القرآن 6 / 98 - 99، كنز العمال، باب جمع القرآن 2 / 361، ومنتخب كنز العمال - هامش مسند احمد بن حنبل - 2 / 43 - 52، وغيرها مما سيأتي في محله.

[354]

المدينة: من كان عنده شئ من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا تقبل من أحد شيئا إلا بشاهدي عدل. وهذا منه مخالف لكتاب الله عزوجل إذ يقول: * (لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله) * (1) فذلك غاية الجهل وقلة الفهم، وهذا الوجه أحسن أحوالهما، ومن حل هذا المحل لم يجز أن يكون حاكما بين المسلمين فضلا عن منزلة الامامة، وإن كانا قد علما ذلك من كتاب الله، ولم يصدقا إخبار الله فيه، ولم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كل ذي فهم، ولكن الائمة من أهل البيت عليهم السلام قالوا: إنهما قصدا بذلك عليا عليه السلام فجعلا هذا سببا لترك قبول ما كان علي عليه السلام جمعه وألفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل الله عزوجل على رسوله منه، وخشيا أن يقبلا ذلك منه، فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد (2) إلا بشاهدي عدل، هذا مع ما يلزم من يتولاهما أنهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لانهما لو كان يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببينة عادلة، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله، ومن كان بهذه الصفة (3) خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكما بين المسلمين أو إماما لهم، ومن لم يصلح لذلك ثم دخل فيه فقد استوجب


(1) الاسراء: 88. (2) لا توجد في (س): من أحد. (3) الكلمة في مطبوع البحار مشوشة، ولعلها تقرأ: الضفة.

[355]

المقت من الله عزوجل، لانه من لا يعلم حدود الله يكون حاكما بغير ما أنزل الله، وقال سبحانه وتعالى: * (ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * (1). ومنها: إن الامة مجتمعة (2) على أن رسول الله صلى الله عليه وآله ضمه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والانصار إلى أسامة بن زيد وولاه عليهما، وأمره بالمسير فيهم، وأمرهم بالمسير تحت رايته، وهو أمير عليهم إلى بلاد من الشام، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لينفذوا جيش أسامة.. حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه ذلك، وأنهما لم ينفذا وتأخرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الامة، فبايع الناس لابي بكر - وأسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة - والامة مجتمعة، (3) على أن من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله وخالفه فقد عصى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، بنص الكتاب العزيز (4)، والامة أيضا مجمعة على أن معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، وأن طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، وأنهما لم يطيعاه في الحالتين، وتركا لهما بالخروج، ومن ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا وخالفه وجب الحكم بارتداده. ومنها: أنه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به كره في ذلك من كره ورغب من رغب، وقد أجمعوا في روايتهم أن الغالب كان من الناس يومئذ الكراهية، فلم يفكر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم، وخوفوه من الله عزوجل في توليته، فقال: أبا لله تخوفوني ؟ ! إذا أنا لقيته قلت له: استخلفت عليهم خير أهلك !. فكان هذا القول جامعا لعجائب من المنكرات القطعيات، أرأيت لو


(1) المائدة: 44. (2) في (س) نسخة بدل: مجمعة. (3) في مطبوع البحار على الكلمة نسخة بدل: مجمعة. (4) النساء: 80.

[356]

أجابه الله تعالى، فقال: ومن جعل إليك ذلك ؟ ومن ولاك أنت (1) حتى تستخلف عليهم غيرك ؟ ! فقد تقلد الظلم في حياته وبعد وفاته. ثم إن قوله: تخوفوني بالله.. ! إما هو دليل على استهانته بملاقاة الله تعالى، أو يزعم أنه زكي عند الله برئ من كل ذلة (2) وهفوة، وهذا مخالفة لقوله تعالى، فإنه قال: * (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) * (3). ثم إنه لم يكتف بذلك حتى شهد لعمر أنه خير القوم، وهذا مما لا يصل إليه مثله ولا يعرفه. ثم إنه ختم ذلك بالطامة الكبرى أنه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته وموضع قبره وجعل - أيضا - بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنه فعل كما فعله، وصيرت العامة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول الله (ص)، ومن عقل وميز وفهم علم أنهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبدا، وأوجبا على أنفسهما المعصية لله ولرسوله والظلم الظاهر الواضح، لان الله سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبي صلى الله عليه وآله إلا بإذنه، حيث يقول: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * (4) والحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته، إلا أن يخص الله عزوجل ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول خاصة فقد عصيا الله بدخولهما إليه بغير إذن الرسول صلى الله عليه وآله، وختما أعمالهما بمعصية الله تعالى في ذلك، وإن كان البيت من جملة التركة، فإما أن يكون كما زعموا أنه صدقة أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختص واحد دون واحد، ولا يجوز أيضا شراؤه من المسلمين ولا


(1) ولعل كلمة: أنت، زائدة، أو تأكيد، أو بدلا عن الضمير. (2) كذا، والظاهر أنها بالزاء لا الذال المعجمة، وهي بمعنى الهفوة، فيكون عطف تفسير. (3) النجم: 32. (4) الاحزاب: 53.

[357]

استيهابه، وإن كان ميراثا، فلم يكونا ممن يرث الرسول صلى الله عليه وآله. وإن ادعى جاهل ميراث ابنتهما من الرسول (ص) فإن نصيبهما تسعا الثمن لان الرسول صلى الله عليه وآله مات عن تسع نسوة وعن ولد للصلب، فلكل واحدة منهما تسع الثمن، وهذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة. وبالجملة، فإنهما غصبا الموضع حتى تقع القسمة على تركة الرسول ولا قسمة مع زعمهم أن ما تركه صدقة. وأما صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، وزاد عليه فيما غير من حدود الله تعالى في الوضوء، والاذان والاقامة.. وسائر أحكام الدين. أما الوضوء، فقد قال عز من قائل: * (يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (1) فقد جعل سبحانه للضوء حدودا أربعة، حدان منها غسل، وحدان منها مسح، فلما قدم الثاني بعد الاول جعل المسح على الرجلين غسلا وأمر الناس بذلك، فاتبعوه إلا الفرقة المحقة، وأفسدوا على من اتبعه وضوءه وصلاته لفساد الوضوء لانه على غير ما أنزل الله به من حدود الوضوء، وأجاز أيضا (2) المسح على الخفين من غير أمر من الله تعالى (3) ورسوله. وأما الاذان والاقامة، فأسقط منهما وزاد فيهما، أما الاذان فإنه كان فيه على عهد النبي صلى الله عليه وآله: (حي على خير العمل) بإجماع العلماء وأهل المعرفة بالاثر والخبر، فقال الثاني: ينبغي (4) لنا أن نسقط: (حي على خير العمل)، في الاذان والاقامة لئلا يتكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من


(1) المائدة: 6. (2) في (س) زيادة: على، وخط عليها في (ك). (3) لا توجد كلمة: تعالى، في (ك). (4) في (ك): لا ينبغي، وهو غلط.

[358]

الاذان والاقامة جميعا لهذه العلة بزعمه، فقبلوا ذلك منه وتابعوه عليه، ويلزمهم (1) أن يكون عمر قد أبصر من الرشد ما لم يعلمه الله عزوجل ولا رسوله صلى الله عليه وآله، لان الله ورسوله قد أثبتا ذلك في الاذان والاقامة ولم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر وقدره فيهم، ومن ظن ذلك وجهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الاذان بذلك أيضا، لانه من تعمد الزيادة والنقيصة في فريضة أو سنة فقد أفسدها. ثم انه بعد إسقاط ما أسقط من الاذان والاقامة من (حي على خير العمل)، أثبت في بعض الاذان زيادة من عنده، وذلك أنه زاد في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فصارت هذه البدعة - عند من اتبعه - من السنن الواجبة لا يستحلون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متبعة معمول بها يطالب من تركها بالقهر عليها، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها ويقتل من أقامها. وجعل أيضا الاقامة فرادى، فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الاذان والاقامة فرقا بينا، وكانت الاقامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله سبيلها كسبيل الاذان مثنى مثنى، وكان فيها: (حي على خير العمل) مثنى، وكانت أنقص من الاذان بحرف واحد، لان في آخر الاذان: (لا إله إلا الله) مرتين، وفي آخر الاقامة مرة واحدة، وكان هذا هو الفرق فغيره الرجل وجعل بينهما فرقا من عنده، فقد خالف الله ورسوله، وزعم أنه قد أبصر من الرشد في ذلك وأصاب من الحق ما لم يعلمه الله تعالى ورسوله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولا شك انه كل من ابتدع بدعة كان عليه وزرها ووزر العامل بها إلى يوم القيامة. وأما الصلاة، فأفسد من حدودها ما فيه الفضيحة والهتك لمذهبهم، وهو إنهم رووا أن: تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وان الصلاة المفروضة على


(1) في (ك): فيلزمهم.

[359]

الحاضرين الظهر أربعا، والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا، والعشاء الآخرة أربعا، لا سلام إلا في آخر التشهد في الرابعة، وأجمعوا على أنه من سلم قبل التشهد عامدا متعمدا فلا صلاة له، وقد لزمه الاعادة، وأنه من سلم في كل ركعتين من هذه الصلوات الاربع عامدا غير ناس فقد أفسد صلاته وعليه الاعادة، فاستن الرجل لهم في التشهد الاول والثاني ما أفسد صلاتهم وأبطل عليهم تشهدهم، فليس منهم أحد يتشهد في صلاته قط ولا يصلي من هذه الصلوات الاربع التي ذكرناها، وذلك انهم يصلون ركعتين ثم يقعدون للتشهد الاول فيقولون عوضا عن التشهد: التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالوا ذلك فقد سلموا أتم السلام و (1) أكمله، لانه إذا سلم المصلي على النبي وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين لم يبق من هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإن عباد الله الصالحين يدخل في جملتهم الاولون والآخرون والجن والانس والملائكة (2) وأهل السماوات والارضين والانبياء والاوصياء وجميع المرسلين من الاحياء والاموات ومن قد مضى ومن هو آت، فحينئذ يكون المصلي منهم قد قطع صلاته الاربع ركعات بسلامه هذا، ثم يقول بعد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، والتشهد هو الشهادتان، فالمصلي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزمهم أنه ليس منهم أحد يتشهد في الصلاة إذا كان التسليم موجبا للخروج من الصلاة، ولا عبرة بالتشهد بعد الصلاة. ثم أتبع ذلك بقوله: آمين، عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنة واجبة، حتى أن من يتلقن القرآن من الاعاجم وغيرهم وعوامهم وجهالهم يلعنونهم (3) من بعد قول ولا الضالين: آمين، فقد زادوا آية في أم


(1) في (س): أو. (2) في (س): وأهل الملائكة. (3) كذا، والظاهر بل الصحيح: يلقنونهم.

[360]

الكتاب، وصار عندهم من لم يأت بها في صلاته وغير صلاته كأنه قد ترك آية في كتاب الله. وقد أجمع أهل النقل عن الائمة عليهم السلام من أهل البيت أنهم قالوا: من قال: آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الاعادة، لانها عندهم كلمة سر يانية معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللهم افعل، ثم استن (1) أولياؤه وأنصاره رواية متخرصة (2) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه (3) كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك، ولما رأينا أهل البيت عليهم السلام مجتمعين على إنكارها صح عندنا فساد أخبارهم فيها، لان الرسول صلى الله عليه وآله حكم - بالاجماع - أن لا نضل ما تمسكنا بأهل بيته عليهم السلام، فتعين ضلالة من تمسك بغيرهم. وأما الدليل على خرص روايتهم أنهم مختلفون في الرواية: فمنهم من روى: إذا أمن الامام فأمنوا. ومنهم من يروي: إذا قال الامام (ولا الضالين) فقولوا: آمين. ومنهم من يروي: ندب (4) رفع الصوت بها. ومنهم من يروي: الاخفات بها. فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحا - لمن فهم - على تخرص روايتهم. ثم أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، وذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة، لان اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلما رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضا اقتداء بهم وأمر الناس بفعل ذلك، وقال: إن هذا تأويل قوله


(1) الكلمة مشوشة في المطبوع، والظاهر ما أثبتناه. (2) الكلمة مشوشة في مطبوع البحار، وتقرأ: متخرضة - بالحاء المهملة والضاد المعجمة -، وما سيأتي يؤيد ما أثبتناء. (3) في (س) لا توجد: أنه. (4) لا توجد كلمة: ندب، في (س).

[361]

تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * (1) يريد بزعمه التذلل والتواضع، ومما روي عنه بالخلاف أنه قال للرسول صلى الله عليه وآله يوما: إنا نسمع من اليهود أشياء نستحسنها منهم، فنكتب ذلك منهم ؟. فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال: أمتهوكون (2) أنتم يابن الخطاب !، لو كان موسى حيا لم يسعه إلا اتباعي. ومن استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد النبي أولى، وقد أنكر أهل البيت عليهم السلام ونهوا عنه نهيا مؤكذا، وحال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول صلى الله عليه وآله لهم بإزالة الضلالة عنهم وعمن تمسك (3) بهم، فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلا أولياؤه متحفظون بها مواظبون عليها وعلى العمل بها، طاعنون على تاركها، وكل تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعة فهو عندهم مطروح متروك مهجور ويطعن على من استعمله، وينسب عندهم إلى الامور المنكرات، ولقد رووا جميعا أن الرسول قال: لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، ولا تنقروا كنقر الديك، ولا تقعوا كإقعاء الكلب، ولا تلتفتوا (4) كالتفات القرود، فهم لاكثر ذلك فاعلون، ولقول الرسول مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدؤا بركبهم فيطرحونها إلى الارض قبل أيديهم، وذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، ويعلمون ذلك جهالهم خلافا على تأديب


(1) البقرة: 238. (2) جاء في حاشية (ك): التهوك: التحير، وفي الحديث: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى. صحاح. انظر: الصحاح 4 / 1617. أقول: قال في النهاية 5 / 282 ما نصه: فيه قال لعمر في كلام: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! لقد جئت بها بيضاء نقية). التهوك - كالتهور - وهو الوقوع في الامر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير. ولا يخفى وجه الشبه لهم باليهود والنصارى في التهوك. (3) في (س): عنهم عين وتمسك، وهو غلط. (4) في (س): ولا تلتفت.

[362]

الرسول صلى الله عليه وآله، وهذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطول الكلام (1) بذكرها الكتاب. ولما أمر الله سبحانه نبيه صلوات الله عليه وآله بسد أبواب الناس من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله شريفا (2) له وصونا له عن النجاسة سوى باب النبي صلى الله عليه وآله وباب علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمره أن ينادي في الناس بذلك، فمن أطاعه فاز وغنم ومن عصاه هلك وندم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله المنادي فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يهرعون، فلما تكاملوا صعد النبي المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ! إن الله سبحانه و (3) وتعالى قد أمرني بسد أبوابكم المفتوحة إلى المسجد بعد يومي، وأن لا يدخله جنب ولا نجس، بذلك (4) أمرني ربي جل جلاله، فلا يكون في نفس أحد منكم أمر، ولا تقولوا: لم ؟ وكيف ؟ وأنى ذلك ؟ فتحبط أعمالكم وتكونوا من الخاسرين، وإياكم والمخالفة والشقاق فإن الله تعالى أوحى إلي أن أجاهد من عصاني، وأنه لا ذمة له في الاسلام، وقد جعلت مسجدي طاهرا من كل دنس، محرما على كل من يدخل إليه مع هذه الصفة التي ذكرتها غيري وأخي علي بن أبي طالب عليه السلام وابنتي فاطمة وولدي الحسن والحسين كما كان مسجد هارون وموسى، فإن الله أوحى إليهما أن اجعلا بيوتكما قبلة لقومكما، وإني قد أبلغتكم ما أمرني به ربي وأمرتكم بذلك، ألا فاحذروا الحسد والنفاق وأطيعوا الله يوافق بينكم سركم علانيتكم، ف‍ * (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * (5). فقال الناس بأجمعهم: سمعنا وأطعنا الله ورسوله ولا نخالف ما أمرنا به،


(1) خط في (ك) على: الكلام. (2) كذا، والظاهر أنه: شرفا أو تشريفا. (3) لا توجد الواو في (ك). (4) في (س): فذلك. (5) آل عمران: 102.

[363]

ثم خرجوا أبوابهم جميعا غير باب النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، فأظهر الناس الحسد والكلام، فقال عمر: ما بال رسول الله (ص) يؤثر ابن عمه علي بن أبي طالب ويقول على الله الكذب، ويخبر عن الله بما لم يقل في علي ؟ ! وإنما سأل محمد صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب وأجابه إلى ما يريد، فلو سأل الله ذلك لنا لاجابه، وأراد عمر أن يكون له باب مفتوح إلى المسجد، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله قول عمر وخوض الناس والقوم في الكلام، أمر المنادي بالنداء إلى: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: معاشر الناس ! قد بلغني ما خضتم فيه وما قال قائلكم، وإني أقسم بالله العظيم إني لم أقل على الله الكذب ولا كذبت فيما قلت، ولا أنا سددت أبوابكم، ولا أنا فتحت باب علي بن أبي طالب (ع)، ولا أمرني في ذلك إلا الله عزوجل الذي خلقني وخلقكم أجمعين، فلا تحاسدوا فتهلكوا، ولا تحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله، فإنه يقول في محكم كتابه: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) * (1) فاتقوا الله وكونوا من الصابرين، ثم صدق الله رسوله بنزول الكوكب من السماء على دار علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنزل الله سبحانه قرآنا، وأقسم بالنجم تصديقا لرسوله صلى الله عليه وآله، فقال: * (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى..) * (2) الآيات كلها، وتلاها النبي صلى الله عليه وآله فلم يزدادوا إلا غضبا وحسدا ونفاقا وعتوا واستكبارا، ثم تفرقوا و (3) في قلوبهم من الحسد والنفاق ما لا يعلمه إلا الله سبحانه. فلما كان بعد أيام دخل عليه عمه العباس وقال: يا رسول الله ! قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة، وأنا ممن يدين الله بطاعتك، فاسأل الله


(1) البقرة: 253. (2) النجم: 1 - 4. (3) لا توجد الواو في (س).

[364]

تعالى أن يجعل لي باب إلى المسجد أتشرف بها على من سواي ؟. فقال له عليه وآله السلام: يا عم ! ليس إلى ذلك سبيل. فقال: فميزابا يكون من داري إلى المسجد أتشرف به على القريب والبعيد. فسكت النبي صلى الله عليه وآله - وكان كثير الحياء - لا يدري ما يعيد من الجواب خوفا من الله تعالى وحياء من عمه العباس، فهبط جبرئيل عليه السلام في الحال على النبي صلى الله عليه وآله - وقد علم الله سبحانه ما في نفسه صلى الله عليه وآله من ذلك -، فقال: يا محمد (ص) ! إن الله يأمرك أن تجيب سؤال عمك، وأمرك أن تنصب له ميزابا إلى المسجد كما أراد، فقد علمت ما في نفسك وقد أجبتك إلى ذلك كرامة لك ونعمة مني عليك وعلى عمك العباس، فكبر النبي صلى الله عليه وآله وقال: أبى الله إلا إكرامكم يا بني هاشم وتفضيلكم على الخلق أجمعين، ثم قام ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتى صار على سطح العباس، فنصب له ميزابا إلى المسجد وقال: معاشر المسلمين ! إن الله قد شرف عمي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذوني في عمي، فإنه بقية الآباء والاجداد، فلعن الله من آذاني في عمي وبخسه حقه أو أعان عليه. ولم يزل الميزاب على حاله مدة أيام النبي صلى الله عليه وآله وخلافة أبي بكر وثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب، فلما كان في بعض الايام وعك (1) العباس ومرض مرضا شديدا وصعدت الجارية تغسل قميصه فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد، فنال بعض الماء ثوب الرجل، فغضب غضبا شديدا وقال لغلامه: اصعد واقلع الميزاب، فصعد الغلام فقلعه ورمى به إلى سطح العباس، وقال: والله لئن رده أحد إلى مكانه لاضربن عنقه، فشق ذلك على العباس ودعا بولديه عبد الله وعبيد الله ونهض يمشي متوكئا عليهما - وهو يرتعد من شدة المرض - وسار حتى دخل على أمير المؤمنين عليه السلام، فلما نظر إليه أمير المؤمنين عليه السلام انزعج لذلك، وقال: يا عم ! ما جاء بك وأنت على هذه


(1) قال في مجمع البحرين 5 / 298: الوعك: الحمى، وقيل: ألمها، والموعوك: المحموم.

[365]

الحالة ؟ !. فقص عليه القصة وما فعل معه عمر من قلع الميزاب وتهدده (1) من يعيده إلى مكانه، وقال له: يا بن أخي ! إنه كان لي عينان أنظر بهما، فمضت إحداهما وهي رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيت الاخرى وهي أنت يا علي، وما أظن أن أظلم ويزول ما شرفني به رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت لي، فانظر في أمري، فقال له: يا عم ! ارجع إلى بيتك، فسترى مني ما يسرك إن شاء الله تعالى. ثم نادى: يا قنبر ! علي بذي الفقار، فتقلده ثم خرج إلى المسجد والناس حوله وقال: يا قنبر ! اصعد فرد الميزاب إلى مكانه، فصعد قنبر فرده إلى موضعه، وقال علي عليه السلام: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لئن قلعه قالع لاضربن عنقه وعنق الآمر له بذلك، ولا صلبنهما في الشمس حتى يتقددا (2)، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فنهض ودخل (3) المسجد ونظر إلى الميزاب، فقال: لا يغضب أحدا أبا الحسن فيما فعله، ونكفر (4) عن اليمين، فلما كان من الغداة مضى أمير المؤمنين إلى عمه العباس، فقال له: كيف أصبحت يا عم ؟. قال: بأفضل النعم ما دمت لي يا بن أخي. فقال له: يا عم ! طب نفسا وقر عينا، فو الله لو خاصمني أهل الارض في الميزاب لخصمتهم، ثم لقتلتهم بحول الله وقوته، ولا ينالك ضيم (5) يا عم، فقام العباس فقبل ما بين عينيه، وقال: يا بن أخي ! ما خاب من أنت ناصره. فكان هذا فعل عمر بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال في غير موطن وصية منه في عمه العباس: إني عمي العباس بقية الآباء والاجداد


(1) كذا، والظاهر: تهديده. (2) في (س): يتغددا، وهو غلط. (3) في (س): فدخل. (4) في (ك): ونكفر عنه عن. (5) الضيم: الظلم، قاله في الصحاح 5 / 1973، والقاموس 4 / 143، وغيرهما.

[366]

فاحفظوني فيه، كل في كنفي، وأنا في كنف عمي العباس، فمن آذاه فقد آذاني، ومن عاداه فقد عاداني، سلمه سلمي، وحربه حربي. وقد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة غير خفية: منها: قصة الميزاب، ولولا خوفه من علي (ع) لم يتركه على حاله. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قبل الهجرة خرج يوما إلى خارج مكة ورجع طالبا منزله فاجتاز بمناد ينادي من بني تميم - وكان لهم سيد يسمى عبد الله ابن جذعان، وكان يعد من سادات قريش وأشياخهم، وكان (1) له منادية ينادون في شعاب مكة وأوديتها: من أراد الضيافة والقرى فليأت مائدة عبد الله بن جذعان، وكان مناديه: أبو قحافة، واجرته أربعة دوانيق، وله مناد آخر فوق سطح داره، فأخبر عبد الله بن جذعان بجواز النبي صلى الله عليه وآله على بابه، فخرج يسعى حتى لحق به وقال: يا محمد ! بالبيت الحرام إلا ما شرفتني بدخولك إلى منزلي وتحرمك بزادي، وأقسم عليه برب البيت والبطحاء وبشيبة بن عبد المطلب، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك ودخل منزله وتحرم بزاده، فلما خرج النبي صلى الله عليه وآله خرج معه ابن جذعان مشيعا له، فلما أراد الرجوع عنه قال له النبي صلى الله عليه وآله: إني أحب أن تكون غدا في ضيافتي أنت وتيم وأتباعها وحلفاؤها عند طلوع الغزالة (2)، ثم افترقا ومضى النبي إلى دار عمه أبي طالب وجلس ومتفكرا فيما وعده لعبد الله بن جذعان، إذ دخلت عليه فاطمة بنت أسد صلوات الله عليها زوجة عمه أبي طالب - وكانت هي مربيته، وكان يسميها الام - فلما رأته مهموما قالت: فداك أبي وأمي، ما لي أراك مهموما ؟ أعارضك أحد من


(1) كذا، والظاهر: وكانت. (2) غزالة الضحى: أولها، يقال: جاءنا فلان في غزالة الضحى، قاله في الصحاح 5 / 1781، ثم قال: ويقال: الغزالة الشمس أيضا. وفي القاموس 4 / 24:.. كسحابه الشمس لانها تمد حبالا كأنها تعزل، أو الشمس عند طلوعها، أو عند ارتفاعها، أو عين الشمس. وانظر: مجمع البحرين 5 / 433.

[367]

أهل مكة ؟. فقال: لا. قالت: فبحقي عليك إلا ما أخبرتني بحالك.. فقص عليها قصته مع ابن جذعان وما قاله وما وعده من الضيافة، فقالت: يا ولدي ! لا تضيقن صدرك، معي مشار (1) عسل يقوم لك بكل ما تريد، فبينما هما في الحديث إذ دخل أبو طالب رضي الله عنه، فقال لزوجته: فيما أنتما ؟. فأعلمته بذلك كله، وبما قال النبي صلى الله عليه وآله لا بن جذعان، فضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه، وقال: يا ولدي ! بالله عليك لا تضيقن صدرك من ذلك، وفي نهار غد أقوم لك بجميع ما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى، وأصنع وليمة تتحدث بها الركبان في سائر البلدان، وعزم على وليمة تعم سائر القبائل، وقصد نحو أخيه العباس ليقترض من ماله شيئا يضمه إلى ماله، فوجد بني عبد الطلب في الطريق فأقرضوه من الجمال والذهب ما يكفيه، فرجع عن القصد ألى أخيه العباس، وآثر التخفيف عنه، فبلغ أخاه العباس ذلك فعظم عليه رجوعه، فأقبل إلى أخيه أبي طالب - وهو مغموم كئيب حزين - فسلم عليه، فقال له أبو طالب: ما لي أراك حزينا كئيبا ؟. قال: بلغني أنك قصدتني في حاجة ثم بدالك عنها فرجعت من الطريق، فما هذه الحال ؟. فقص عليه القصة.. إلى آخرها، فقال له العباس: الامر إليك، وإنك لم تزل أهلا لكل مكرمة وموئلا (2) لكل نائبة، ثم جلس عنده ساعة وقد أخذ أبو طالب فيما يحتاج إليه من آلة الطبخ وغير ذلك، فقال له العباس: يا أخي ! لي إليك حاجة ؟. فقال له أبو طالب: هي مقضية، فاذكرها، فقال العباس: أقسمت عليك بحق البيت وشيبة الحمد (3) إلا ما (4) قضيتها، فقال:


(1) المشار: الخلية، كما جاء في القاموس المحيط 2 / 65، وانظر: الصحاح 2 / 704، وزاد: يشتار منها. (2) الموئل: الملجأ. قال في النهاية 5 / 143:.. وقد وأل يئل فهو وائل: إذا التجأ إلى موضع ونجا. ولا حظ: القاموس المحيط 4 / 62، والصحاح 5 / 1838، وغيرهما. (3) قال في مجمع البحرين 2 / 95: شيبة الحمد.. هو عبد المطلب بن هاشم المطعم طير السماء، لانه لما نحر فداء ابنه عبد الله مائة بعير فرقها على رؤوس الجبال، فأكلتها الطير. (4) (ما) هنا مصدرية، أي إلا قضاءك إياها.

[368]

لك ذلك ولو سألت في النفس والولد، فقال: تهب لي هذه المكرمة تشرفني بها. فقال: قد أجبتك إلى ذلك مع ما أصنعه أنا.. فنحر العباس الجزر (1) ونصب (2) القدور، وعقد الحلاوات، وشوى المشوي، وأكثر من الزاد فوق ما يراد، ونادى سائر الناس، فاجتمع أهل مكة وبطون قريش وسائر العرب على أختلاف طبقاتها يهرعون من كل مكان حتى كأنه عيد الله الاكبر، ونصب للنبي صلى الله عليه وآله منصبا عليا، وزينه بالدر والياقوت والثياب الفاخرة، وبقي الناس من حسن النبي صلى الله عليه وآله ووقاره وعقله وكماله متحيرين، وضوؤه يعلو نور الشمس، وتفرق الناس مسرورين وقد أخذوا في الخطب والاشعار ومدح النبي صلى الله عليه وآله وعشيرته على حسن ضيافتهم. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أشده وتزوج خديجة وأوحى الله إليه ونبأه وأرسله إلى سائر العرب والعجم، وأظهره على المشركين، وفتح مكة ودخلها مؤيدا منصورا، وقتل من قتل، وبغي من بغي، أوحى الله إليه: يا محمد ! إن عمك العباس له عليك يد سابقة وجميل متقدم، وهو ما أنفق عليك في وليمة عبد الله بن جذعان، وهو ستون ألف دينار مع ماله عليك في سائر الازمان، وفي نفسه شهوة من سوق عكاظ، فامنه إياه في مدة حياة ولولده بعد وفاة، فأعطاه ذلك، ثم قال صلى الله عليه وآله: ألا لعنة الله على من عارض عمي في سوق عكاظ و (3) نازعه فيه، ومن أخذه منه فأنا برئ منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فلم يكثرت (4) عمر بذلك وحسد العباس على دخل سوق عكاظ، وغصبه منه،


(1) قال في مجمع البحرين 3 / 245: في حديث ذكر الجزور - بالفتح -: وهي من الابل خاصة ما كمل خمس سنين ودخل في السادسة، يقع على الذكر والانثى، والجمع جزر كرسول ورسل، ونحوه في الصحاح 2 / 612، ولم يعين فيها السن. (2) في (س) نصبا - بالتثنية -، وعليه يرجع الضمير إلى أبي طالب والعباس. (3) في (كم) نسخة بدل: أو. (4) جاء في حاشية (ك) ما يلي: فلم يكترث عمر.. أي لا يعبأ به ولا يبالي. مجمع. انظر مجمع البحرين 2 / 262.

[369]

ولم يزل العباس متظلما إلى حين وفاته. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان جالسا في مسجد يوما. وحوله جماعة من الصحابة - إذ دخل عليه عمه العباس - وكان رجلا صبيحا حسنا حلو الشمائل - فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله: قام إليه واستقبله وقبل ما بين عينيه ورحب به وأجلسه إلى جانبه، فأنشد العباس أبياتا في مدحه (ص)، فقال النبي صلى الله عليه وآله: جزاك الله - يا عم - خيرا ومكافأتك على الله تعالى. ثم قال: معاشر الناس ! احفظوني في عمي العباس وانصروه ولا تخذلوه. ثم قال: يا عم ! أطلب مني شيئا أتحفك به على سبيل الهدية. فقال: يا بن أخي ! أريد من الشام الملعب، ومن العراق الحيرة، ومن هجر الخط، وكانت هذه المواضع كثيرة العمارة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: حبا وكرامة، ثم دعا عليا عليه السلام، فقال: أكتب لعمك العباس هذه المواضع، فكتب له أمير المؤمنين كتابا بذلك، وأملى رسول الله صلى الله عليه وآله وأشهد الجماعة الحاظرين، وختم النبي صلى الله عليه وآله بخاتمة (1) وقال: يا عم ! إن يفتح الله تعالى هذه المواضع فهي لك هبة من الله تعالى ورسوله، وإن فتحت بعد موتي فإني أوصي الذي ينظر بعدي في الامة بتسليم هذه المواضع إليك. ثم قال: معاشر المسلمين ! إن هذه المواضع المذكورة لعمي العباس، فعلى من يغير عليه أو يبدله أو يمعنه أو يظلمه لعنة الله ولعنة اللاعنين، ثم ناوله الكتاب، فلما ولي عمر وفتح هذه المواضع المذكورة أقبل عليه العباس بالكتاب، فلما نظر فيه دعا رجلا من أهل الشام وسأله عن الملعب، فقال: يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم، ثم سأل عن الآخرين، فذكر له أن ارتفاعهما تقوم بمال كثير. فقال: يا أبا الفضل ! إن هذا المال كثير لا يجزلك أخذه من دون المسلمين. فقال العباس: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله يشهد لي بذلك قليلا كان أو


في (س): بخاتم.

[370]

كثيرا، فقال عمر: والله إن كنت تساوي المسلمين في ذلك وإلا فارجع من حيث أتيت، فجرى بينهما كلام كثير غليظ، فغضب عمر - وكان سريع الغضب - فأخذ الكتاب من العباس ومزقه وتفل فيه ورمى به في وجه العباس، وقال: والله ؟ لو طلبت منه حبة واحدة ما أعطيتك، فأخذ العباس بقية الكتاب وعاد إلى منزله حزينا باكيا شاكيا إلى الله تعالى والى رسوله، فصاح العباس بالمهاجرين والنصار، فغضبوا لذلك وقالوا: يا عمر ! تخرق كتاب رسول الله وتلقي به في الارض، هذا شئ لا نصبر عليه. فخاف عمر أن ينخرم عليه الامر، فقال: قوموا بنا إلى العباس نسترضيه ونفعل معه ما يصلحه، فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس فوجدوه موعوكا (1) لشدة ما لحقه من الفتن والالم والظلم، فقال: نحن في الغداة عائدوه إن شاء الله تعالى ومعتذرون إليه من فعلنا، فمضى غد وبعد غد ولم يعد إليه ولا اعتذر منه، ثم فرق الاموال على المهاجرين والانصار وبقي كذلك إلى أن مات. ولو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، وهذا القدر فيه عبرة لاولي الا باب. وأما صاحبهما الثالث، فقد استبد بأخذ الاموال ظلما على ما تقدم به الشرح في صاحبيه، واختص بها مع أهل بيته من بني أمية دون المسلمين، فهل يستحق هذا أو يستجيزه مسلم ؟. ثم إنه ابتدع أشياء أخر: منها: منع المراعي من الجبال والاودية وحماها حتى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين. ومنها: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نفى الحكم بن العاص - عم عثمان - عن المدينة، وطرده عن جواره فلم يزل طريدا من المدينة ومعه ابنه مروان أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وأيام ابي بكر وأيام عمر يسمى: طريد رسول الله


(1) الموعوك: المحموم، كما في مجمع البحرين 5 / 298.

[371]

صلى الله عليه وآله، حتى استولى عثمان فرده إلى المدينة وآواه، وجعل ابنه مروان كاتبه وصاحب تدبيره في داره، فهل هذا منه إلا خالفا على رسول الله صلى الله عليه وآله ومضادة لفعله ؟ وهل يستجيز هذا الخلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله والمضادة أفعاله إلا خارج عن الدين برئ من المسلمين ؟ وهل يظن ذوفهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله طرد الحكم ولعنه وهو مؤمن ؟ وإذا لم يكن مؤمنا فما الحال التي دعت عثمان إلى رده والاحسان إليه - وهو رجل كافر - لولا أنه تعصب لرحمه (1) ولم يفكر (2) في دينه، فحقت عليه الآية، قوله تعالى: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم إو عشيرتهم) * (3). ومنها: إنه جمع ما كان عند المسلمين من صحف القرآن وطبخها بالماء على النار وغسلها ورمى بها إلا ما كان عند ابن مسعود، فإنه امتنع من الدفع إليه، فأتى إليه فضربه حتى كسر له ضلعين وحمل من موضعه ذلك فبقي عليلا حتى مات، وهذه بدعة عظيمة، لان تلك الصحف إن كان فيها زيادة عما في أيدي الناس، وقصد لذها به ومنع الناس منه، فقد حق عليه قوله تعالى: * (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون) * (4). هذا، مع ما يلزم أنه لم يترك ذلك ويطرحه تعمدا إلا وفيه ما قد كرهه، ومن كره ما أنزل الله في كتابه حبط جميع عمله، كما قال الله تعالى: * (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) * (5)، وإن لم تكن في تلك الصحف زيادة عما في أيدي


(1) في (س): لرجعه. (2) في (س): ولم يتفكر. (3) المجادلة: 22. (4) البقرة: 85. (5) سورة محمد (ص): 9.

[372]

الناس فلا معنى لما فعله. ومنها: إن عمار بن ياسر قام يوما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله - وعثمان يخطب على المنبر - فوبخ عثمان بشئ من أفعاله، فنزل عثمان فركله (1) برجله وألقاه على قفاه، وجعل يدوس (2) في بطنه ويأمر أعوانه بذلك حتى غشي على عمار، وهو يفتري على عمار ويشتمه، وقد رووا جميعا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الحق مع عمار يدور (3) معه حيثما دار، وقال صلى الله عليه وآله: إذا افترق الناس يمينا وشمالا فانظروا الفرقة التي فيها عمار فاتبعوه، فإنه يدور الحق معه حيثما دار. فلا يخلو حال ضربه لعمار من أمرين: أحدهما، أنه يزعم أن ما قال عمار وما فعله باطل، وفيه تكذيب لقول النبي صلى الله عليه وآله حيث يقول: الحق مع عمار، فثبت أن يكون ما قاله عمار حقا كرهه عثمان فضربه عليه. ومنها: ما فعل بأبي ذر حين نفاه عن المدينة إلى الربذة، مع إجماع الامة في الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، ورووا أنه قال: إن الله عزوجل أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم، فقيل: من هم يا رسول الله (ص) ؟. قال: علي سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر. فحينئذ ثبت أن أبا ذر حبه (4) الله وحبه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومحال عند ذوي الفهم أن يكون الله ورسوله يحبان رجلا وهو يجوز أن بفعل فعلا يستوجب به النفي عن حرم الله ورسوله، ومحال أيضا أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل أنه ما على وجه الارض ولا تحت السماء أصدق منه، ثم يقول


(1) قال في مجمع البحرين 5 / 385: الركل: الضرب برجل واحدة. (2) قال في لسان العرب 6 / 90: الدوس: شدة وطئ الشئ بالاقدام. (3) في (ك): ويدور. (4) جاء في حاشية (ك): حبه يحبه - بالكسر - فهو محبوب. صحاح. انظر: الصحاح 1 / 105.

[373]

باطلا، فتعين أن يكون ما فعله وما قاله حقا كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين، ومن كره الحق ولم يحب الصدق فقد كره ما أنزل الله في كتابه، لانه أمر بالكون مع الصادقين، فقال: * (يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (1). ومنها: أن عبيدالله بن عمر بن الخطاب لما ضرب أبو لؤلؤة عمر الضربة التي مات فيها سمع ابن عمر قوما يقولون: قتل العلج أمير المؤمنين، فقدر أنهم يعنون الهرمزان - رئيس فارس - وكان قد أسلم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم أعتقه من قسمته من الفئ فبادر إليه عبيد الله بن عمر فقتله قبل أن يموت أبوه، فقيل لعمر: إن عبيد الله بن عمر قد قتل الهرمزان، فقال: أخطأ، فإن الذي ضربني أبو لؤلؤة، وما كان للهرمزان (2) في أمري صنع، وإن عشت احتجت أن أقيده به، فإن علي بن أبي طالب لا يقبل منا الدية، وهو مولاه، فمات عمر واستولى عثمان على الناس بعده، فقال علي عليه السلام لعثمان: إن عبيد الله بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حق، وأنا وليه الطالب بدمه، سلمه إلي لاقيده به ؟. فقال عثمان: بالامس قتل عمر وأنا أقتل ابنه أورد علي آل عمر ما لا قوام لهم به، فامتنع من تسليمه إلى علي عليه السلام شفقة منه - بزعمه - على آل عمر، فلما رجع الامر إلى علي عليه السلام هرب منه عبيد الله بن عمر إلى الشام فصار مع معاوية، وحضر يوم صفين مع معاوية محاربا لامير المؤمنين فقتل في معركة الحرب ووجد متقلد السيفين يومئذ. فانظروا - يا أهل الفهم - في أمر عثمان كيف عطل حدا من حدود الله تعالى لا شبهة فيه شفقة منه - بزعمه - على آل عمر ولم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود الله تعالى ومخالفته، وأشفق على آل عمر في قتل من أوجب الله قتله وأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) التوبة: 119. (2) في (س): الهرمزان.

[374]

ومنها: إنه عمد إلى صلاة الفجر فنقلها من أول وقتها حين طلوع الفجر فجعلها بعد الاسفار وظهور ضياء النهار، واتبعه أكثر الناس إلى يومنا هذا، وزعم أنه إنما فعل ذلك إشفاقا منه على نفسه في خروجه إلى المسجد خوفا أن يقتل في غلس الفجر كما قتل عمر، وذلك أن عمر قد جعل لنفسه سربا تحت الارض من بيته إلى المسجد، فقعد أبو لؤلؤة في السرب فضربه بخنجر في بطنه، فلما ولي عثمان أخر صلاة الفجر إلى الاسفار، فعطل وقت فريضة الله وحمل الناس على صلاتها في غير وقتها، لان الله سبحانه قال: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل..) * (1) يعني ظلمته، ثم قال: * (وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا) * (2)، والفجر هو أول ما يبدو من المشرق في الظلمة، وعنده تجب الصلاة، فإذا علا في الافق وانبسط الظياء وزالت الظلمة صار صبحا، وزال عن أن يكون فجرا، ودرج على هذه البدعة أولياؤه، ثم تخرص بنو أمية بعده أحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله غلس بالفجر وأسفر بها، وقال للناس: أسفروا بها أعظم لاجركم (3)، فصار المصلي للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعا، ومن اتبع بدعة عثمان فهو على السنة. فما أعجب أحوالهم وأشنعها !. ثم ختم بدعه بأن أهل مصر شكوا من عامله وسألوه أن يصرفه عنهم، أو يبعث رجلا ناظرا بينهم وبينه، فوقع الاختيار على محمد بن أبي بكر ناظرا - وكان محمد ممن يشير بالحق وينهى عن مخالفة - فثقل على عثمان وكادوه (4)، وبقي حريصا على قتله بحيلة، فلما وقع الاختيار عليه أن يكون ناظرا بين أهل مصر وبين عامله خرج معهم، وكتب عثمان بعد خروجه إلى عامله بمصر يأمره بقتل


(1 و 2) الاسراء: 78. (3) في العبارة اضطراب، والظاهر سقوط مثل: فهو، قبل: أعظم. (4) في البحار: كاده. وقال في القاموس 1 / 334: وتكون كاد بمعنى أراد، أكاد أخيفها: أريد. وما أثبتناه هو الظاهر.

[375]

محمد بن أبي بكر إذا صار إليه، ودفع الكتاب إلى عبد من عبيده، فركب العبد راحلته وسار نحو مصر بالكتاب مسرعا ليدخل مصر قبل دخول محمد بن أبي بكر، فقيل أن العبد مر يركض فنظر إليه القوم الذين مع محمد فاخبروا محمدا بذلك، فبعث خلفه خيلا فأخذوه وارتاب به محمد، فلما ردوه إليه وجد الكتاب معه، فقرأه وانصرف راجعا مع القوم والعبد والراحلة معهم، فثاروا على عثمان في ذلك، فقال: أما العبد فعبدي والراحلة راحلتي وختم الكتاب ختمي، وليس الكتاب كتابي ولا أمرت به، وكان الكتاب بخط مروان، فقيل له: إن كنت صادقا فادفع إلينا مروان فهذا خطه وهو كاتبك، فامتنع عليهم، فحاصروه وكان ذلك سبب قتله، فسحقا وبعدا لهم جميعا فإنهم كانوا كافرين. بيان: السجف - بالفتح والكسر - الستر (1). والجزل - بالفتح - الكثير (2). وقال الجوهري (3): سفعته النار والسموم: إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة (4). والخرص والتخرص: الكذب (5). والغزالة: الشمس (6). ومشار عسل - بضم الميم - من إضافة الصفة إلى الموصوف أو بفتحها بتقدير اللام، يقال: شرت العسل.. أي اجتنيتها، والمشار - بالفتح - الخلية


(1) قاله في المجمع البحرين 5 / 69، والصحاح 4 / 1371. وفي (س): السر، وهو سهو. (2) ذكره في القاموس 3 / 348، ومجمع البحرين 5 / 337، وغيرهما. (3) الصحاح 3 / 1230. (4) ونحوه في لسان العرب 8 / 157، وغيره. (5) جاء في لسان العرب 7 / 21، والصحاح 3 / 1035. (6) ذكره في مجمع البحرين 5 / 433، والقاموس 4 / 24، وغيرهما.

[376]

يشتار منها (1). وفي القاموس (2): الخط.. سيف البحرين أو كل سيف، وموضع باليمامة، ومرقي (3) السفن بالبحرين، ويكسر واليه نسبت الرماح لانها تباع به. أقول: إنما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الاخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتج به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتضح لك حقيقة الامر في الابواب الآتية، والله الموفق. 165 - وقال أبو الصلاح رحمه الله في تقريب المعارف (4): ومما يقدح في عدالة الثلاثة، قصدهم أهل بيت نبيهم عليهم السلام بالتخفيف (5) والاذى، والوضع من أقدارهم، واجتناب ما يستحقونه من التعظيم، فمن ذلك: أمان كل معتزل بيعتهم ضررهم، وقصدهم عليا عليه السلام بالاذي لتخلفه (5) عنهم، والاغلاظ له في الخطاب والمبالغة في الوعيد، وإحضار الحطب لتحريق منزله، والهجوم عليه بالرجال من غير إذنه، والاتيان به ملببا، وإضطرارهم بذلك زوجته وبناته ونسائه وحامته من بنات هاشم وغيرهم إلى الخروج عن بيوتهم، وتجريد السيوف من حوله، وتوعده بالقتل إن امتنع من بيعتهم، ولم يفعلوا شيئا من ذلك لسعد بن عبادة ولا بالخباب بن المنذر.. وغيرهما ممن تأخر عن بيعتهم حتى مات أو طويل الزمان. ومن ذلك ردهم دعوى فاطمة عليها السلام وشهادة علي والحسنين عليهم


(1) نص عليه في الصحاح 2 / 704، ولسان العرب 4 / 434. والخلية: بيت النحل الذي تسعل فيه، كما في الصحاح 6 / 2331. (2) القاموس 2 / 357 - 358. (3) جاء في المصدر: مرفا السفن. (4) تقريب المعارف (في الكلام): 167. (5): بالتحيف.

[377]

السلام وقبول شهادة (1) جابر بن عبد الله في الخبيثات، وعائشة في الحجرة والقميص والنعل، وغيرهما. ومنها: تفضيل الناس في العطاء والاقتصار بهم على أدنى المنازل. ومنها: عقد الرايات والولايات لمسلمية الفتح (2) والمؤلفة قلوبهم ومكيدي الاسلام من بني أمية، وبني مخزوم، وغيرهما، والاعراض عنهم واجتناب تأهيلهم لشئ من ذلك (3). ومنهم (4): موالاة المعروفين ببغضهم وحسدهم وتقديمهم على رقاب العالم كمعاوية، وخالد، وأبي عبيدة، والمغيرة، وأبي موسى، ومروان، وعبد الله بن أبي سرح، وابن كريز.. ومن ضارعهم في عداوتهم، والغض (5) من المعروفين بولايتهم وقصدهم بالاذى كعمار، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وأبي بن كعب، وابن مسعود.. ومن شاركهم في التخصص (6) بولايتهم عليهم الصلاة والسلام. ومنها: قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لها على ما بيناه. وإباحة معاوية الشام، وأبي موسى العراق، وابن كريز البصرة، وابن أبي صرح [كذا] مصر والمغرب.. وأمثالهم من المشهورين بكيد الاسلام وأهله. وتأمل هذا بعين إنصاف يكشف لك عن شديد عداوتهم وتحاملهم عليهم كأمثاله من الافعال الدالة على تميز العدو من الولي، ولا وجه لذلك إلا تخصصهم بصاحب الشريعة صلوات الله عليه وعلى آله في النسب، وتقدمهم لديه في


(1) في المصدر: دعوى، وهي نسخة بدل (س) من البحار. (2) في (س): المسلمية الفتح. وفي المصدر: لمسلمة القبح. وجعل فيه: الفتح نسخة. (3) في (س): من شئ ذلك. (4) في تقريب المعارف: وفيها..، والانسب: ومنها. (5) جاء في حاشية (ك): غض منه: نقص من قدره، منه قدس سره. انظر: القاموس 2 / 338، والصحاح 3 / 1095. (6) في (ك): في التخصيص.

[378]

الدين، وبذل (1) الجهد في طاعته، والمبالغة في نصيحته (2) ونصرة ملته بما لا يشاركون فيه، وفي هذا ما لا يخفى ما فيه على متأمل. ثم قال (3): ومما يقدح في عدالتهم ما حفظ عن وجوه الصحابة وفضلاء السابقين والتابعين من الطعن عليهم وذم أفعالهم والتصريح بذمهم وتصريحهم بذلك عند الوفاة، وتحسرهم على ما فرط منهم، فأما أقوال الصحابة والتابعين ما حفظ عن أمير المؤمنين عليه السلام من التظلم منهم والتصريح والتلويح بتقدمهم عليه بغير حق في مقام بعد مقام، كقوله - حين أرادوه بالبيعة لابي بكر -: والله أنا لا أبايعكم وأنتم أحق بالبيعة لي. وقوله عليه السلام: يابن أم ! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.. ثم ذكر ما مر من تظلماته وشكاياته صلوات الله عليه. ثم قال: ومنه ما روي عن الاصبغ بن نباتة ورشيد الهجري وأبي كدبية الاسدي [كذا] وغيرهم من أصحاب علي عليه السلام بأسانيد مختلفة - قالوا: كنا جلوسا في المسجد إذ خرج علينا أمير المؤمنين عليه السلام من الباب الصغير يهوي بيده عن يمينه يقول: أما ترون ما أرى ؟ !. قلنا: يا أمير المؤمنين ! وما الذي ترى ؟. قال: أرى أبا بكر عتيقا في سدف النار يشير إلي بيده يقول: استغفر لي، لا غفر الله له، وزاد أبو كديبة [كذا]: إن الله لا يرضى عنهما حتى يرضياني، وأيم الله لا يرضياني أبدا. وسئل عن السدف ؟ فقال: الوهدة العظيمة.


(1) في المصدر: وتحققهم من بذل. (2) الكلمة في (س) مشوشة. (3) أقول: من هنام لم يطبع في الطبعة المحققة، مع أنه ذكر في مقدمة الكتاب أن هذا القسم موجود عند المحقق - ولعله لمصالحه الخاصة ولحفظ موقعيته السياسية - لم يطبعه، وقد ذكر في صفحة: 26 في عده لفهرس القسم الثاني من الخطية: 74 - 83 عين ما ذكر هنا: قال: ومما يقدح في عدالة الخلفاء الثلاثة ما حفظ... ثم قال: وفي ذلك الباب نحو من ثمانين رواية، وفيها روايات طريفة جدا.. (*)

[379]

قال: ورووا عن الحارث الاعور، قال: دخلت على علي عليه السلام - في بعض الليل -، فقال لي: ما جاء بك في هذه الساعة ؟. قلت: حبك يا أمير المؤمنين قال: الله.. ؟. قلت: الله. قال: ألا أحدثك بأشد الناس عداوة لنا وأشدهم عداوة لمن أحبنا ؟. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، أما والله لقد ظننت ظنا. قال: هات ظنك. قلت: أبو بكر وعمر. قال: أدن مني يا أعور، فدنوت منه، فقال: إبرأ منهما.. برئ الله منهما. وفي رواية أخرى: إني لاتوهم توهما فأكره أن أرمي به بريئا، أبو بكر وعمر. فقال: اي والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انهما لهما (1) ظلماني حقي ونغصاني (2) ريقي وحسداني وآذياني، وانه ليوذي أهل النار ضجيجهما ورفع أصواتهما وتعيير رسول الله صلى الله عليه وآله إياهما. قال: ورووا عن عمارة، قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين (ع) و (3) هو في ميمنة مسجد الكوفة وعنده الناس، إذ أقبل رجل فسلم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين ! والله إني لاحبك. فقال: لكني واللهما أحبك، كيف حبك لابي بكر وعمر ؟. فقال: والله إني لاحبهما حبا شديدا. قال: كيف حبك لعثمان ؟. قال: قد رسخ حبه في السويداء من قلبي. فقال علي عليه السلام: أنا أبو الحسن... الحديث (4). قال: ورووا عن سفيان، عن فضيل بن الزبير، عن نقيع، عن أبي كديبة (5) الازدي، قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول الله


(1) كذا، والظاهر زيادة: لهما، هنا. (2) في (س): نقصاني. قال في مجمع البحرين 4 / 186: يقال: نغص عليه العيش تنغيصا: كدره. (3) لا توجد الواو في (ك). (4) لا توجد كلمة: الحديث، في (س). (5) وتقرأ في (س): كذيبة - بالذال المعجمة -.

[380]

تعالى: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * (1) فيمن نزلت ؟. فقال: ما تريد ؟ أتريد أن تغري بي الناس ؟. قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أحب أن أعلم. قال: اجلس، فجلس، فقال: أكتب عامرا أكتب معمرا أكتب عمر أكتب عمارا أكتب معتمرا.. في أحد الخمسة نزلت. قال سفيان: قلت لفضيل: أتراه عمر ؟. قال: فمن هو غيره. قال: ورووا عن المنذر الثوري، قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى الامر - وهو لنا كله - فجعلا لنا فيه سهما كسهم الجدة، أما والله ليهم بهما أنفسهما يوم يطلب الناس في شفاعتنا. قال: ورووا عنه عليه السلام - وسأله رجل عن أبي بكر وعمر -، فقال: والله لقد ضيعانا، وذهبا بحقنا، وجلسا مجلسا كنا أحق به منهما، ووطئا على أعناقنا، وحملا الناس على رقابنا. قال: ورووا عن أبي الجارود زياد بن المنذر، قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام عن أبي بكر وعمر ؟. فقال: أضغنا بآبائنا، واضطجعا (2) بسبيلنا، وحملا الناس على رقابنا. وعن أبي إسحاق، أنه قال: صحبت علي بن الحسين عليهما السلام بين مكة والمدينة، فسألته عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما ؟. قال: ما عسى أن أقول فيهما، لا رحمهما الله، ولا غفر لهما. وعن القاسم بن مسلم، قال: كنت مع علي بن الحسين عليهما السلام بينبع يدي في يده، فقلت: ما تقول في هذين الرجلين ؟ تبرأ من عدوهما ؟. فغضب ورمى بيده من يدي، ثم قال عليه السلام: ويحك ! يا قاسم ! هما أول من أضغنا بآبائنا (3)، واضطجعا بسبيلنا، وحملا الناس على رقابنا، وجلسا مجلسا كنا


(1) الحجرات: 1. (2) في (ك): واضطجعنا. (3) في (ك) نسخة بدل: أصغيا بآنائنا.

[381]

أحق به منهما. وعن حكيم بن جبير، عنه عليه السلام مثله، وزاد: فلا غفر الله لهما. وعن أبي علي الخراساني، عن مولى لعلي بن الحسين عليهما السلام، قال: كنت معه عليه السلام في بعض خلواته، فقلت: إن لي عليك حقا، ألا تخبرني عن هذين الرجلين، عن أبي بكر وعمر ؟. فقال: كافران، كافر من أحبهما. وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام - وقد خلا -: أخبرني عن هذين الرجلين ؟. قال: هما أول من ظلمنا حقنا وأخذا ميراثنا، وجلسا مجلسا كنا أحق به منهما، لا غفر الله لهما ولا رحمهما، كافران، كافر من تولاهما. وعن حكيم بن جبير، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أنتم تقتلون في عثمان منذ ستين سنة، فكيف لو تبرأتم من صنمي قريش ؟ !. قال: ورووا عن سورة بن كليب، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر ؟. قال: هما أول من ظلمنا حقنا وحمل الناس على رقابنا، فأعدت عليه، فأعاد علي ثلاثا، فأعدت عليه الرابعة، فقال: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان الا ليعلما وعن كثير النوى، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن أبي بكر وعمر، فقال: هما أول من انتزى على حقنا وحملا الناس على أعناقنا وأكنافنا، وأدخلا الذل بيوتنا. وعنه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: والله لو وجد عليهما أعوانا لجاهدهما (1) - يعني أبا بكر وعمر -. وعن بشير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر فلم يجبني، ثم سألته فلم يجبني، فلما كان في الثالثة قلت: جعلت فداك، أخبرني


(1) في (ك): جاهدهما.

[382]

عنهما ؟. فقال: ما قطرت قطرة من دمائنا ولا من دماء أحد من (1) المسلمين إلا وهي في أعناقهما إلى يوم القيامة. ورووا أن ابن بشير قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن الناس يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز الاسلام بأبي جهل أو بعمر. فقال أبو جعفر: والله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله قط، إنما أعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وآله، ما كان الله ليعز الدين بشرار خلقه. ورووا عن قدامة بن سعد الثقفي، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر، فقال: أدركت أهل بيتي وهم يعيبونهما. وعن أبي الجارود، قال: كنت أنا وكثير النوى عند أبي جعفر عليه السلام، فقال كثير: يا أبا جعفر ! رحمك الله، هذا أبو الجارود يبرأ من أبي بكر وعمر، فقلت لابي جعفر عليه عيله السلام: كذب والله الذي لا إله إلا هو ما سمع ذلك مني قط، وعنده عبد الله بن علي أخو أبي جعفر عليه السلام، فقال: هلم إلي، أقبل إلي يا كثير، كانا والله أول من ظلمنا حقنا وأضغنا (2) بآبائنا، وحملا الناس على رقابنا، فلا غفر الله لهما، ولا غفر لك معهما يا كثير. وعن أبي الجارود، قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عنهما وأنا جالس ؟ فقال: هما أول من ظلمنا حقنا، وحملا الناس على رقابنا، وأخذا من فاطمة عليها السلام عطية رسول الله صلى الله عليه وآله فدك بنواضحهما. فقام ميسر، فقال: الله ورسوله منهما بريئان. فقال أبو جعفر عليه السلام: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما ورووا عن بشير بن أراكة النبال، قال: سألتا أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر، فقال - كهيئة المنتهر -: ما تريد من صنمي العرب ؟ ! أنتم تقتلون


(1) لا توجد: من، في (س). (2) جاءت في (ك) نسخة: أصغيا، بدلا من: أضغنا.

[383]

على دم عثمان بن عفان، فكيف لو أظهرتم البراءة منهما، إذا لما ناظروكم طرفة عين ؟ !. وعن حجر البجلي، قال: شككت في أمر الرجلين، فأتيت المدينة، فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن أول من ظلمنا وذهب بحقنا وحمل الناس على رقابنا أبو بكر وعمر. وعنه عليه السلام، قال: لو وجد علي أعوانا لضرب أعناقهما. وعن سلام بن سعيد المخزومي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ثلاثة لا يصعد عملهم إلى السماء ولا يقبل منهم عمل: من مات ولنا أهل البيت في قلبه بغض، ومن تولى عدونا، ومن تولى أبا بكر وعمر. وعن ورد بن زيد - أخي الكميت -، قال: سألنا محمد بن علي عليهما السلام عن أبي بكر وعمر ؟. فقال: من كان يعلم أن الله حكم عدل برئ منهما، وما من محجمة دم يهراق إلا وهي في رقابهما. وعنه عليه السلام، - وسئل عن أبي بكر وعمر، فقال -: هما أول من ظلمنا، وقبض حقنا، وتوثب على رقابنا، وفتح علينا باب لا يسده شئ إلى يوم القيامة، فلا غفر الله لهما ظلمهما إيانا. وعن سالم بن أبي حفصة، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فقلت: أئمتنا وسادتنا نوالي من واليتم، ونعادي من عاديتم، ونبرأ من عدوكم. فقال: بخ بخ يا شيخ ! إن كان لقولك حقيقة. قلت: جعلت فداك، إن له حقيقة. قال: ما تقول في أبي بكر وعمر ؟. قال: إماما عدل رحمهما الله ؟. قال: يا شيخ ! والله لقد أشركت في هذا الامر من لم يجعل الله له فيه نصيبا. وعن فضيل الرسان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: مثل أبي بكر وشيعته مثل فرعون وشيعته، ومثل علي وشيعته مثل موسى وشيعته. ورووا عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عزوجل: * (وإذ أسر النبي إلى

[384]

بعض أزواجه حديثا..) * (1)، قال: أسر إليهما أمر القبطية، وأسر إليهما أن أبا بكر وعمر يليان أمر الامة من بعده ظالمين فاجرين غادرين. ورووا عن عبيد بن سليمان النخعي، عن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين، عن ابن أخيه الارقط، قال: قلت لجعفر بن محمد: يا عماه ! إني أتخوف علي وعليك الفوت أو الموت، ولم يفرش لي أمر هذين الرجلين ؟. فقال لي جعفر عليه السلام: إبرأ منهما، برئ الله ورسوله منهما. وعن عبد الله بن سنان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: قال لي: أبو بكر وعمر صنما قريش اللذان يعبدونهما. وعن اسماعيل بن يسار، عن غير واحد، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: كان إذا ذكر عمر زناه، وإذا ذكر أبا جعفر الدوانيق زناه، ولا يزني غيرهما. قال: وتناصر الخبر عن علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد علهيم السلام من طرق مختلفة أنهم قالوا - وكل منهم -: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، من زعم أنه إمام وليس بإمام، ومن جحد إمامة إمام من الله، ومن زعم أن لهما في الاسلام نصيبا. ومن طرق أخر: أن للاولين، ومن أخر: للاعرابيين في الاسلام نصيبا.. -... إلى غير ذلك من الروايات عمن ذكرناه، وعن أبنائهم عليهم السلام مقترنا بالمعلوم من دينهم لكل متأمل حالهم، وأنهم يرون في المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ومن دان بدينهم أنهم كفار، وذلك كاف عن إيراد رواية، وإنما ذكرناه طرفا منها استظهارا. وقد روت الخاصة والعامة عن جماعة من وجوه الطالبيين ما يضاهي المروي من ذلك عن الائمة عليهم السلام:


(1) التحريم: 3.

[385]

فرووا عن معمر بن خيثم، قال: بعثني زيد بن علي داعية، فقلت: جعلت فداك، ما أجابتنا إليه الشيعة، فإنها لا تجيبنا إلى ولاية أبي بكر وعمر. قال لي: ويحك ! أحد أعلم بمظلمته منا، والله لئن قلت إنهما جارا في الحكم لتكذبن، ولئن قلت أنهما استأثرا بالفئ لتكذبن، ولكنهما أول من ظلمنا حقنا وحمل الناس على رقابنا، والله إني لابغض أبناءهما من بغضي آباءهما ولكن لو دعوت الناس إلى ما تقولون لرمونا بقوس واحد. ورووا عن محمد بن فرات الجرمي، قال: سمعت زيد بن علي يقول: إنا لنلتقي وآل عمر في الحمام فيعلمون أنا لا نحبهم ولا يحبونا، والله إنا لنبغض الابناء لبغض الآباء. ورووا عن فضيل بن الزبير، قال: قلت لزيد بن علي (ع): ما تقول في أبي بكر وعمر ؟. قال: قل فيهما ما قال علي: كف كما كف لا تجاوز قوله. قلت: أخبرني عن قلبي أنا خلقته ؟. قال: لا. قلت: فإني أشهد على الذي خلقه أنه وضع في قلبي بغضهما، فكيف لي بإخراج ذلك من قلبي ؟. فجلس جالسا وقال: أنا والله الذي لا إله إلا هو إني لابغض بنيهما من بغضهما، وذلك لانهم إذا سمعوا سب علي عليه السلام فرحوا. ورووا عن العباس بن الوليد الاغداري، قال: سئل زيد بن علي عن أبي بكر وعمر، فلم يجب فيهما، فلما أصابته الرمية فنزع الرمح (1) من وجهه استقبل الدم بيده حتى صار كأنه كبد، فقال: أين السائل عن أبي بكر وعمر ؟ هما والله شركاء في هذا الدم، ثم رمي به وراء ظهره. وعن نافع الثقفي - وكان قد أدرك زيد بن علي -، قال: فسأله رجل عن أبي بكر وعمر، فسكت فلم يجبه، فلما رمي قال: أين السائل عن أبي بكر وعمر ؟ هما أوقفاني هذا الموقف.


(1) الكلمتان مشوشتان في المطبوع من البحار، ولعلهما: فزع الزج.

[386]

ورووا عن يعقوب بن عدي، قال: سئل يحيى بن زيد عنهما - ونحن بخراسان وقد التقى الصفان -، فقال: هما أقامانا هذا المقام، والله لقد كانا لئيما جدهما، ولقد هما بأمير المؤمنين عليه السلام أن يقتلاه. ورووا عن قليب بن حماد، عن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: كنت مع أبي بمكة، فلقيت رجلا من أهل الطائف مولى لثقيف، فنال (1) من أبي بكر وعمر، فأوصاه أبي بتقوى الله، فقال الرجل: يا أبا محمد ! أسألك (2) برب هذا البنية ورب هذا البيت ! هل صليا على فاطمة ؟. قال: اللهم لا. قال (3): فلما مضى الرجل قال موسى: سببته وكفرته. فقال: أي بني ! لا تسبه ولا تكفره، والله لقد فعلا فعلا عظيما. وفي رواية أخرى:.. أي بني ! لا تكفره، فو الله ما صليا على رسول الله صلى الله عليه وآله، ولقد مكث ثلاثا ما دفنوه، إنه شغلهم ما كانا يبرمان. ورووا، أنه أتي بزيد بن علي الثقفي إلى عبد الله بن (4) الحسن - وهو بمكة -، فقال: أنشدك الله ! أتعلم أنهم منعوا فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ميراثها ؟. قال: نعم. قال: فأنشدك الله ! أتعلم أن فاطمة ماتت وهي لا تكلمهما - يعني أبا بكر وعمر - وأوصت أن لا يصليا عليها ؟. قال: نعم. قال: فأنشدك الله ! أتعلم أنهم بايعوا قبل أن يدفن رسول الله صلى الله عليه وآله واغتنموا شغلهم ؟. قال: نعم. قال: وأسألك بالله ! أتعلم أن عليا عليه السلام لم يبايع لهما حتى أكره ؟. قال: نعم.


(1) في (ك) نسخة بدل: فقال. (2) في (ك): سألك، ولعله: سائلك. (3) وضع على كلمة: قال، في (ك) رمز نسخة بدل. (4) لا توجد: بن، في (س).

[387]

قال: فأشهدك أني منهما برئ وأنا على رأي علي وفاطمة عليهما السلام. قال موسى: فأقبلت عليه، فقال أبي: أي بني ! والله لقد اتيا أمرا عظيما. ورووا عن مخول بن ابراهيم، قال: أخبرني موسى بن عبد الله بن الحسن وذكرهما، فقال: قل لهؤلاء نحن نأتم بفاطمة، فقد جاء البيت (1) عنها أنها ماتت وهي غضبى عليهما، فنحن نغضب لغضبها ونرضى لرضاها، فقد جاء غضبها، فإذا جاء رضاها رضينا. قال مخول: وسألت موسى بن عبد الله عن أبي بكر وعمر، فقال لي (2): ما أكره ذكره. قلت (3) لمخول: قال فيهما أشد من الظلم والفجور والغدر (4) ؟ !. قال: نعم. قال مخول: وسألت عنهما مرة، فقال: أتحسبني تبريا (5) ؟ ثم قال فيهما قولا سيئا. وعن ابن مسعود، قال: سمعت موسى بن عبد الله يقول: هما أول من ظلمنا حقنا وميراثنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وغصبانا فغصب الناس. ورووا عن يحيى بن مساور، قال: سألت يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر (6) ؟. فقال لي: ابرأ منهما. ورووا عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: شهدت أبي، محمد بن عمر، ومحمد بن عمر بن الحسن (7) - وهو الذي كان


(1) كذا، ولم نجد معنا مناسبا للكلمة، ولا وزن وقافية لما بعدها إن كانت أبياتا. (2) لا توجد: لي، في (ك). (3) في (ك): وقلت. (4) في (س): الهذر. (5) التبرية: فرقة من الزيدية، إلا أنهم يتولون أبا بكر وعمر أيضا. (6) لا توجد في (س): وعمر. (7) كذا، وفي الاسناد ما لا يخفى، فتأمل.

[388]

مع الحسين بكربلاء، وكانت الشيعة تنزله بمنزلة أبي جعفر عليه السلام يعرفون حقه وفضله -، قال: فكلمه في أبي بكر، فقال محمد بن عمر بن الحسن بن علي ابن أبي طالب لابي: أسكت ! فإنك عاجز، والله إنهما لشركاء في دم الحسين عليه السلام. وفي رواية أخرى عنه، أنه قال: والله لقد أخرجهما رسول الله صلى الله عليه وآله من مسجده وهما يتطهران وأدخلا وهما جيفة في بيته. ورووا عن أبي حذيفة - من أهل اليمن وكان فاضلا زاهدا -، قال: سمعت عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين عليه لاسلام وهو يطوف بالبيت، فقال: ورب هذا البيت، ورب هذا الركن، ورب هذا الحجر، ما قطرت منا قطرة دم ولا قطرت من دماء المسلمين قطرة إلا وهو في أعناقهما - يعني أبا بكر وعمر -. ورووا عن إسحاق بن أحمر، قال: سألت محمد بن الحسن بن علي بن الحسين عليهما السلام، قلت: أصلي خلف من يتوالى أبا بكر وعمر ؟. قال: لا، ولا كرامة. ورووا عن أبي الجارود، قال: سئل محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن أبي بكر وعمر ؟. فقال: قتلتم منذ ستين سنة في أن ذكرتم عثمان، فوالله لو ذكرتم أبا بكر وعمر لكانت دماؤكم أحل عندهم من دماء السنانير. ورووا عن أرطاة بن حبيب الاسدي، قال: سمعت الحسن بن علي بن الحسين الشهيد عليه السلام بفخ يقول: هما والله أقامانا هذا المقام، وزعما أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يورث. ورووا عن ابراهيم بن ميمون، عن الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ابن علي عليهما السلام، قال: ما رفعت امرأة منا طرفها إلى السماء فقطرت منها قطرة إلا كان في أعناقهما. ورووا عن قلبب بن حماد، قال: سألت الحسن بن ابراهيم بن عبد الله بن

[389]

زيد بن الحسن، والحسين بن زيد بن علي عليه السلام وعدة من أهل البيت عن رجل من أصحابنا لا يخالفنا في شئ إلا إذا انتهي إلى أبي بكر وعمر أوقفهما وشك في أمرهما ؟ فكلهم قالوا: من أوقفهما شكا في أمرهما فهو ضال كافر. ورووا عن محمد بن الفرات، قال: حدثتني فاطمة الحنفية، عن فاطمة ابنة الحسين أنها كانت تبغض أبا بكر وعمر وتسبهما. ورووا عن عمر بن ثابت، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: إن أبا بكر وعمر عدلا في الناس وظلمانا، فلم تغضب الناس لنا، وإن عثمان ظلمنا وظلم الناس، فغضبت الناس (1) لانفسهم فمالوا إليه فقتلوه. ورووا عن القاسم بن جندب، عن أنس بن مالك، قال: مرض علي عليه السلام فثقل، فجلست عند رأسه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه الناس فامتلا البيت، فقمت من مجلسي، فجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فغمز أبو بكر عمر فقام، فقال: يا رسول الله (ص)، إنك كنت عهدت إلينا في هذا عهدا وإنا لا نراه إلا لما به، فإن كان شئ فإلى من ؟. فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجبه، فغمزه الثانية فكذلك، ثم الثالثة، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه ثم قال: إن هذا لا يموت من وجعه هذا، ولا يموت حتى تملياه غيظا، وتوسعاه غدرا، وتجداه صابرا. ورووا عن يزيد بن معاوية البكالي، قالت [كذا]: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: ولي أبو بكر فطعن في الاسلام طعنة أوهنه، ثم ولي عمر فطعن في الاسلام طعنة مرق منه. وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه، قال: ولينا أبو بكر فطعن في الاسلام طعنة، ثم ولينا عمر فحل الازرار، ثم ولينا عثمان فخرج منه عريانا. ورووا عن أبان بن تغلب، عن الحكم بن عيينة، قال: كان إذا ذكر عمر


(1) لا توجد جملة: فغضبت الناس، في (ك).

[390]

أمضه (1)، ثم قال: كان يدعوا ابن عباس فيستفتيه مغايظة لعلي عليه السلام. ورووا عن الاعمش، أنه كان يقول: قبض نبيهم صلى الله عليه وآله فلم يكن لهم هم إلا أن يقولوا: منا أمير ومنكم أمير، وما أظنهم يفلحون. ورووا عن معمر بن زائدة الوشاء، قال: أشهد على (2) الاعمش أني سمعته يقول: إذا كان يوم القيامة يجاء بأبي بكر وعمر كالثورين العقيرين لهما في نار جهنم خوار (3). ورووا عن سليمان بن أبي الورد، قال: قال الاعمش في مرضه الذي قبض فيه هو برية منهما وسماهما، قلت للمسعودي: سماهما ؟ !. قال: نعم، أبو بكر وعمر. ورووا عن عمر بن زائدة، قال: كنا عند حبيب بن أبي ثابت، قال بعض القوم أبو بكر أفضل من علي، فغضب حبيب ثم قام قائما، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لفيهما (4): * (الظآنين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم..) * (5) الآية. ورووا عن يحيى بن المساور، عن أبي الجارود، قال: إن لله عزوجل مدينتين، مدينة بالمشرق ومدينة بالمغرب لا يفتران من لعن أبي بكر وعمر. ورووا عن ابن عبد الرحمن، قال: سمعت شريكا يقول: ما لهم ولفاطمة عليها السلام ؟ والله ما جهزت جيشا ولا جمعت جمعا، والله لقد آذيا رسول الله صلى الله عليه وآله في قبره.


(1) قال في القاموس 2 / 344: مضه الشئ مضا ومضيضا: بلغ من قلبه الحزن به، كأمضه، والخل فاه: أحرقه، والكحل العين يمضها - بالضم والفتح - آلمها كأمض. (2) في (ك) نسخة بدل: عن، بدلا من: على. (3) قال في مجمع البحرين 3 / 293: الخوار - بالضم - صوت شديد كصوت البقر. (4) في (ك) توجد كلمة: زلت هنا، ولعلها: نزلت. (5) الفتح: 6.

[391]

ورووا عن ابراهيم بن يحيى الثوري، قال: سمعت شريكا - وسأله رجل يا أبا عبد الله !: حب أبي بكر وعمر سنة ؟ -. فقال: يا معافا، خذ بثوبه فأخرجه واعرف وجهه ولا تدخله علي، يا أحمق ! لو كان حبهما سنة لكان واجبا عليك أن تذكرهما في صلاتك كما تصلي على محمد وآله محمد. ولنوضح بعض ما يحتاج إلى الايضاح: قوله عليه السلام: الوهدة العظيمة. أقول: لم أره بهذا المعنى (1) فيما عندنا من كتب اللغة، ولعله أطلق عليه مجازا، فإن السدفة - بالفتح والضم - والسدف - بالتحريك -: الظملة والضوء - ضد -، وبالضم: الباب، أو سدته، وسترة تكون بالباب تقيه (2) من المطر، وبالتحريك: سواد الليل، ذكرها الفيروز آبادي (3). قوله: أضغنا، لعل الباء زائدة أو ليست الالف للتعدية بل للاظهار.. أي أظهر الضغن بآبائنا، وفي بعض النسخ: أضطغنا بآبائنا، وفي بعضها: بإنائنا. قال في القاموس (4): اضطغنوا (5): انطووا على الاحقاد واضطغنه: اخذه تحت حضنه. وفي بعض النسخ (6): اصغيا بإنائنا، وهو أصوب. قال في النهاية (7) في حديث الهرة: أنه كان يصغي لها الاناء.. أي يميله


(1) أي كون السدف بمعنى الوهدة العظيمة لم أره. قال في القاموس 1 / 347: الوهدة: الارض المنخفضة كالوهد. (2) في (س): تقية. (3) في قاموسه 3 / 151، ونحوه في لسان العرب 9 / 148، إلا أنه لم يذكر المعنى الرابع. (4) القاموس 4 / 243، ومثله في لسان العرب 13 / 256. (5) في (س): اصطغنوا - بالصاد. (6) لا توجد في (س): النسخ. (7) النهاية 3 / 33.

[392]

ليسهل عليه (1) الشرب منه. فالمعنى: إنهم سهلوا لغيرهم أخذ حقنا. وقال الجوهري (2): أضغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوة، واصغيت الاناء: مثله (3) يقال فلان مصغى إناؤه إذا نقص حقه (4)، انتهى. فلمعنى: إنهم نقصوا حقنا، ولعل التعبير عن نقص الحق بذلك لانه إذا اميل الاناء لا يمتلي. قوله عليه السلام: واضتجعا.. لعله كناية عن ترصدهما للاضرار حيلة وغيلة والانتهاز للفرصة في ذلك. قوله عليه السلام: لذي الحكم.. قال الجوهري (5): وقول الشاعر: وزعمت أنا لا حلوم لنا (6) * إن العصا قرعت لذي الحلم أي ان الحليم إذا نبه انتبه، وأصله أن حكما من حكام العرب عاش حتى أهتر، فقال ابنته: إذا انكرت من فهمي شيئا عند الحكم فاقرعي لي المجن بالعصا لارتدع قال المتلمس: لذي الحلم... (7) البيت (8). قوله عليه السلام: ما قال هذا.. يمكن حمله (9) على أنه صلى الله عليه وآله لم يقل هذا على وجه السؤال والاعتقاد، بل لتنزل الآية ويظهر للناس حالهما، أو لم يكن غرضه صلى الله عليه وآله أن يعز الدين بهما مع كفرهما ونفاقهما، بل مع إسلامهما واقعا، فأخبر الله تعالى بأنهما لا يسلمان أبدا، فلا ينافي الاخبار السابقة.


(1) جاء في المصدر: عليها. (2) الصحاح 6 / 2401. (3) في المصدر: املته، بدلا من: مثله. (4) ونحوه في القاموس 4 / 352. (5) الصحاح 3 / 1261. (6) لا توجد في المصدر من قوله: وقول الشاعر.. إلى هنا، وجاءت: وقولهم، بدلا منه. (7) جاء البيت كله في المصدر. (8) وانظر لمزيد الاطلاع على المثل، مجمع الامثال 1 / 37، والمستقصى في أمثال العرب 1 / 408، وفرائد اللآلي 1 / 34. (9) لعل هذا من باب مماشاة الخصم وتنزلا بفرض الصدور، وهو توجيه غريب منه طاب ثراه.

[393]

قوله عليه السلام: زناه.. أي قال انه ولد زنا (1)، وإن كان يستعمل في المشور فيمن نسب غيره إلى فعل الزنا. 166 - مهج الدعوات (2): عن الرضا عليه السلام، قال: من دعا بهذا الدعاء في سجدة الشكر (3) كان كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله في بدر وأحد وحنين بألف ألف سهم. 167 - وحكاها الكفعمي (4) في الجنة: الدعا اللهم العن الذين بدلا دينك، وغيرا نعمت، واتهما رسولك (ص)، وخالفا ملتك، وصدا عن سبيلك، وكفرا آلاءك، وردا عليك كلامك، واستهزأ برسولك، وقتلا ابن نبيك، وحرفا كتابك، وجحدا آياتك (5)، واستكبرا عن عبادتك، وقتلا أولياءك، وجلسا في مجلس لم يكن لهما بحق، وحملا الناس على أكتاف آل محمد عليه السلام، اللهم العنهما لعنا يتلوا بعضه بعضا، واحشرهما وإتباعهما إلى جهنم زرقا (6)، اللهم إنا نتقرب إليك باللعنة لهما والبراءة منهما في الدنيا والآخرة، اللهم العن قتلة أمير المؤمنين وقتلة الحسين بن علي بن بنت (7) رسول الله صلى الله عليه وآله، اللهم زدهما عذابا فوق العذاب (8)، وهوانا


(1) ذكره في الصحاح 6 / 2369، ولسان العرب 14 / 359 - 360، وغيرهما. (2) مهج الدعوات: 257 - 258، باختصار وزيادة في صدر الحديث. (3) في المصدر: في سجدة الشكر بهذا الدعا - بتقديم وتأخير -. (4) في المصباح: 554. (5) زيادة في المصدر وهي: وسخرا بآياتك. (6) قال في مجمع البحرين 5 / 186: قوله تعالى: * (ونحشر المجرمين يومئذ زرقا) * (طه: 102)، المراد بالزرق: العمي. (7) في مصدر: وابن فاطمة بنت.. (8) في المصدر: عذاب، بغير الالف واللام.

[394]

فوق هوان، وذلا فوق ذل، وخزيا فوق خزي، اللهم دعهما إلى (1) النار دعا (2)، وأركسهما في أليم عذابك ركسا (3)، اللهم احشرهما وأتباعهما إلى جهنم زمرا، اللهم فرق جمعهم، وشتت أمرهم، وخالف بين كلمتهم، وبدد جماعتهم، والعن أئمتهم، واقتل قادتهم وسادتهم، والعن رؤساءهم وكبراءهم (4)، واكسر رايتهم، وألق البأس بينهم، ولا تبق منهم ديارا، اللهم العن أبا جهل والوليد لعنا يتلوا بعضه بعضا، ويتبع بعضه بعضا، اللهم العنهما لعنا يلعنهما به كل ملك مقرب، وكل نبي مرسل، وكل مؤمن امتحنت قلبه للايمان، اللهم العنهما لعنا يتعوذ منه أهل النار (5)، ومن (6) عذابهما، اللهم العنهما لعنا لا يخطر (7) لاحد ببال، اللهم العنهما في مستسر سرك وظاهر علانيتك، وعذبهما عذابا في التقدير وفوق التقدير (8)، وشارك معهما ابنتيهما وأشياعهما ومحبيهما ومن شايعهما. أقول: ودعا صنمي قريش مشهور بين الشيعة، ورواه الكفعمي (9) عن ابن عباس، أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقنت به صلاته، وسيأتي في كتاب الصلاة (10) إن شاء الله، وهو مشتمل على جميع بدعهما، ووقع فيه الاهتمام والمبالغة في لعنهما بما لا مزيد عليه. 168 - كا (11): عن العدة، عن احمد البرقي، عن عبد الرحمن بن حماد،


(1) جاء في مهج الدعوات: في، بدلا من: إلى. (2) قال في مجمع البحرين 4 / 325: الدع: الدفع بعنف. (3) الركس: رد الشئ مقلوبا، كما ذكره في مجمع البحرين 4 / 76. (4) في المصدر: وكبرائهم، ولعن رؤسائهم - بتقديم وتأخير -. (5) جاء في (س): يتعوذ أهل النار منه - بتقديم وتأخير -. (6) في المصدر: من - بدون واو -. (7) جاء في المصدر: لم يخطر. وهي نسخة بدل جاءت في حاشية (ك). (8) لا توجد: وفوق التقدير، في مهج الدعوات. (9) في المصباح: 552 - 553، باختلاف يسير. (10) بحار الانوار 85 / 235. (11) أصول الكافي 2 / 529 - 530، باب 48، - حديث 23 [2 / 385]، باختصار في الاسناد.

[395]

عن عمرو بن مصعب، عن فرات بن الاحنف، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: مهما تركت من شئ فلا تترك أن تقول في كل صباح ومساء: اللهم إني أصبحت.. إلى آخر الدعاء، وفيه: اللهم العن الفرق (1) المخلتفة على رسولك وولاة الامر بعد رسولك والائمة من بعده وشيعتهم، وأسألك.. إلى آخر ما سيجئ في كتاب الصلاة (2)، وكذا الشيخ رحمه الله (3) وغيره في كتبهم مرسلا هذا الدعاء بتغيير يسير. 169 - مهج (4): بسنده الذي سيجئ في كتاب الصلاة (5)، عن أبي يحيى المادئني (6) عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: من حقنا على أوليائنا وأشياعنا أن لا ينصرف الرجل (7) من صلاته حتى تدعو بهذا الدعاء، وهو: اللهم إني أسألك باسمك العظيم (8) أن تصلي على محمد وآله الطاهرين.. إلى قوله عليه السلام: اللهم وضاعف لعنتك وبأسك ونكالك وعذابك على الذين كفرا نعمتك، وخونا رسولك، واتهما نبيك وبايناه، وحلا عقده في وصية (9)، ونبذا عهده في خليفة من بعده، وادعيا مقامه، وغيرا أحكامه، وبدلا


(1) في المصدر: اللهم العن فلانا وفلانا والفرق.. (2) بحار الانوار 86 / 151، باب الادعية والاذكار عند الصباح والمساء، ومر فيه 27 / 218، باب ثواب اللعن على أعدائهم، وسيأتي عن التهذيب وغيره: أن الصادق عليه السلام كان يلعن في دبر كل صلاة مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء: انظر: البحار 22 / 128، و 86 / 58. (3) مصباح المتهجد، للشيخ الطوسي: 148 - 150. (4) خ. ل: نهج. والظاهر أنه غلط وهو في مهج الدعوات: 333 / 334. (5) بحار الانوار 86 / 59 - 60، حديث 67. (6) جاء السند في مهج الدعوات هكذا: حدثنا محمد بن علي بن رقاق القمي، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن شاذان القمي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، عن أبيه، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله الحميري، عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ابن أبي هاشم، عن أبي يحيى المدني. (7) في المصدر: الرجل منهم. (8) في المهج والبحار: اللهم إني أسئلك بحقك العظيم العظيم.. (9) كذا، ويحتمل أن يكون: وصيه، كما في البحار. (*)

[396]

سنتة، وقلبا دينه، وصغرا قدر حججك، وبدءا بظلمهم، وطرقا طريق الغدر عليهم، والخلاف عن أمرهم، والقتل لهم، وارهاج الحروب عليهم، ومنع خليفتك من سد الثلم، وتقويم العوج، وتثقيف الاود، وإمضاء الاحكام، وأظهار دين الاسلام، وإقامه حدود القرآن. اللهم العنهما وابنتيهما وكل من مال ميلهم وحذا حذوهم، وسلك طريقتهم، وتصدر ببدعتهم لعنا لا يخطر على بال، ويستعيذ منه أهل النار، والعن اللهم من دان بقولهم، واتبع أمرهم، ودعا إلى ولايتهم، وشكك في كفرهم من الاولين والآخرين. بيان: في النهاية (1): التخون: التنقص. وقال الجوهري (2): رجل خائن.. وخونه: نسبه إلى الخيانة. وفي النهاية (3): نبذت الشئ أنبذه نبذا فهو منبوذ إذا رميته وأبعدته. وقلبا دينه.. أي ردا (4)، أو بالتشديد، يقال رجل مقلبا (5).. أي محتال (6). ارهاج الغبار: اثارته (7).


(1) النهاية 2 / 89، ومثله في لسان العرب 13 / 145. (2) الصحاح 5 / 2109، ومثله في لسان العرب 13 / 144. (3) النهاية 5 / 6، ومثله في لسان العرب 3 / 511. (4) كما في لسان العرب 1 / 686، والنهاية 4 / 97. (5) كذا، والظاهر: مقلب - بالرفع -. (6) قال في الصحاح 1 / 205 وقولهم: هو حول قلب.. أي محتال بصير بتقليب الامور. وقال في القاموس 1 / 119: قلبه يقلبه: حوله عن وجهه، كأقلبه وقلبه.. والشئ: حوله ظهرا لبطن كقلبه. وذكر نحو ما مر في الصحاح. (7) القاموس 1 / 191، والصحاح 1 / 318، وقد يقرأ: الاوهاج، وهو كما في القاموس 1 / 211: وهج النار تهج وهجا وهجانا: اتقدت وأوهجتها، ونحوه في الصحاح 1 / 341.

[397]

والثلمة: الخلل في الحائط وغيره (1). وتثقيف الرمح: تسويتها (2). وأود: اعوج (3). 170 - يب (4): بإسناده عن الحسين بن ثوير وأبي سلمة السراج، قالا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام وهو يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء: التيمي والعدوي وفعلان (5) ومعاوية.. ويسميهم، وفلانة وفلانة وهند وأم الحكم أخت معاوية. 171 - كشف المحجة (6)، للسيد علي بن طاوس: قال - بعد ما حكى خبر سعد بن عبد الله المتقدم المشتمل على سبب إسلامهما -: ووقفت أنا في كتاب دانيال المختصر من كتاب الملاحم ما يتضمن أن (7) أبا بكر وعمر كانا عرفا من كتاب دانيال - وكان عند اليهود - حديث ملك النبي صلى الله عليه وآله وولاية رجل من تيم ورجل من عدي بعده دون وصيه، ولما (8) رأيا الصفة التي كان في الكتاب (9) في محمد صلى الله عليه وآله تبعاه وأسلما معا طلبا للولاية التي ذكرها دانيال في كتابه.


(1) قاله في مجمع البحرين 6 / 25، ولسان العرب 12 / 79، وغيرهما. (2) جاء في لسان العرب 9 / 20، والقاموس 3 / 121. (3) كما في مجمع البحرين 3 / 9، والقاموس 1 / 275، ثم إن من قوله: (كا) عن العدة.. إلى هنا لا يوجد في طبعة (س). (4) التهذيب 2 / 321، باب 15، حديث 1 / 169، وجاء في الكافي 3 / 342، باب 32، حديث 10. (5) في الكافي: فلان وفلان وفلان.. (6) كشف المحجة: 61، الفصل السادس والثمانون. (7) في المصدر: من كتاب الملاحم وهو عندنا الآن يتضمن ما يقتضي أن.. (8) في الكشف: دون وصية أبيك علي عليه السلام وصفتهما فلما.. (9) لا توجد عبارة: التي كانت في الكتاب، في المصدر، وفيه: في محمد جدك (ص) وفيهما..

[398]

172 - يج (1): عن داود الرقي، قال: كنت عند الصادق عليه السلام والمفضل (2) وأبو عبد الله البلخي إذ دخل علينا كثير النوى، وقال: إن أبا الخطاب يشتم أبا بكر وعمر ويظهر البراءة منهما، فالتفت الصادق عليه السلام إلى أبي الخطاب وقال: يا محمد ! ما تقول ؟. قال: كذب والله، ما قد (3) سمع قط شتمهما مني (4). فقال الصادق عليه السلام: قد حلف، ولا يحلف كاذبا. فقال: صدق، لم أسمع أنا منه، ولكن حدثني الثقة به عنه. قال الصادق عليه السلام: إن الثقة لا يبلغ ذلك، فلما خرج كثير النوى قال الصادق عليه السلام: أما والله لئن كان أبو الخطاب ذكر ما قال كثير لقد علم من أمرهم ما لم يعلمه كثير، والله لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين عليه السلام غصبا، فلا غفر الله لهما ولا عفا عنهما. فبهت أبو عبد الله البلخي، فنظر إلى الصادق عليه السلام متعجبا مما قال فيهما، فقال الصادق عليه السلام: أنكرت ما سمعت فيهما (5) ؟ !. قال: كان ذلك. فقال: فلهلا الانكار منك ليلة دفع إليك (6) فلان بن فلان البلخي جارية فلانة لتبيعها، فلما (7) عبرت النهر افترشتها (8) في أصل شجرة. فقال البلخي: قد مضى والله لهذا الحديث أكثر من عشرين سنة، ولقد تبت إلى الله من ذلك. فقال الصادق عليه السلام: لقد تبت وما تاب الله عليك، وقد غضب الله لصاحب الجارية (9).


(1) الخرائج والجرائح: 78 - الخطيه، و 1 / 297 - 298، حديث 5 [تحقيق مدرسة الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف]، باختلاف يسير. (2) هنا سقط جاء في المصدر وهو، أنا وأبو الخطاب والمفضل. (3) لا توجد: قد، في المصدر، ووضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (4) في الخرائج: ما سمع قط مني شتمهما. (5) في المصدر زيادة: فقال له.. مني فيهما. (6) في الخرائج: رفع اليك. (7) جاء في المصدر: جاريته فلانة لتبيعها له فلما. (8) في (س): افترشها. (9) ذكره في إثبات الهداة 5 / 404، حديث 136، وذكر قطعة منه في بحار الانوار 47 / 111، حديث 149، ومدينة المعاجز 407، حديث 186.

[399]

173 - مصبا (1): بإسناده عن عقبة بن خالد، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام في زيارة عاشوراء: اللهم خص أنت أول ظالم باللعن مني وابدأ به أولا ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، اللهم العن يزيد بن معاوية خامسا.. إلى آخر الزيارة. والزيارات مشحونة بأمثال ذلك كما سيأتي في المجلد الثاني والعشرين (2). أقول: الاخبار الدالة على كفر أبي بكر وعمر وأضرابهما وثواب لعنهم والبراءة منهم، وما يتضمن بدعهم أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتى، وفيما أوردنا كفاية لمن أراد الله هدايته إلى الصراط المستقيم. تذنيب وتتميم: اعلم، أن طائفة من أهل الخلاف لما رأوا أن إنكار أهل البيت عليهم السلام على أئمتهم ومشايخهم حجة قاطعة على بطلانهم، ولم يقدروا على القدح في أهل البيت صلوات الله عليهم ورد أخبارهم - لما تواتر بينهم من فضائلهم وما نزل في الكتاب الكريم من تفضيلهم ومدحهم، حتى صار وجوب مودتهم وفرض ولايتهم من الضروريات في دين الاسلام - اضطروا إلى القول بأنهم عليهم السلام لم يقدحوا في الخلفاء ولم يذكروهم إلا بحسن الثناء - كما ذكر ه التفتازاني في شرح المقاصد (3) -. وربما تمسكوا بأخبار شاذة موضوعة رووها عن النواصب، ولا يخفى - على من له أدنى مسكة من العقل - أنه لا يصلح أمثال تلك الروايات المعدودة الشاذة - مع ظهور التقية فيها - لمعارضة ما تواتر عنهم عليهم السلام وروتها خواص أصحابهم وبطانتهم، ولا يمكن صدور مثلها إلا عن صميم القلب بدون الخوف


(1) مصباح المتهجد: 713 - 718، مصباح الكفعمي: 482 - 485. (2) بحار الانوار 98 / 290، باب 24. (3) شرح المقاصد 5 / 303، وما بعدها.

[400]

والتقية - وأي ضرورة في أن ينصب إلى أئمتهم في زمان الخوف والتقية ما يصير سببا لتضررهم من المخالفين، ولتضاعف خوفهم، ووقوع الجرائم والقتل والنهب عليهم ؟. ولم لم يمنعهم أئمتهم من تدوين أمثال ذلك في كتبهم في مدة مديدة تزيد على ثلاثمائة سنة، وأكثر تلك الكتب قد دونت في زمانهم ؟ ولم يتبروا منهم كما تبروا من الغلاة كأبي الخطاب وأضرابه ؟ وهل هذا مثل أن يقال لم ير أحد من أصحاب الائمة الذين دونوا أسماءهم في رجال الشيعة أحدا من الائمة عليهم السلام ولم يسمعوا منه شيئا بل كانوا يفترون عليهم ؟ أو يقال لم يكن جماعة موسومون بتلك الاسامي، بل وضعت الشيعة تلك الاسامي من غير أصل ؟ وتقول اليهود والنصارى لم يبعث رجل مسمى بمحمد بأمثال تلك الخرافات ؟. وبالجملة، لا ريب في أن مذاهب الناس وعقائدهم إنما يؤخذ من خواصهم وأحبائهم دون المنحرفين عنهم والمنخرطين في سلك أعدائهم، وهذا من أجلى الواضحات. ولعمري كيف لا يكذبون أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأضرابهم فيما ينسبون إليهم، ويكذبون أصحاب أئمتنا عليهم السلام في ذلك ؟ !. وأعجب من ذلك أنهم يعتمدون على أصولهم المشحونة بالاباطيل والاكاذيب المروية عن جماعة من المنافقين ظهر على الناس فسقهم وكذبهم، ولا يلتفتون إلى ما يرويه أفاضل الشيعة في أصولهم مع كونهم معروفين بين الفريقين بالورع والزهد والصدق والديانة ؟ وهل هذا إلا لمحض العصبية والعناد ؟ !. فقد روى مسلم في صحيحه (1)، بإسناده عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله - جهارا غير سر - يقول: ألا إن آل أبي طالب ليسوا لي أولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين (2).


(1) صحيح مسلم 1 / 197، باب 93، كتاب الايمان، حديث 366 (215)، ولكن حذف فيه: آل أبي طالب، وهناك حاشية في ذيل الصفحة حرية بالملاحظة. ومثله في مسند احمد 4 / 203. (2) كما رواه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 11 / 42.

[401]

وقد حكى ابن أبي الحديد (1)، عن أبي جعفر الاسكافي - وهو من مشايخ المعتزلة - كلاما في المنحرفين عن علي عليه السلام والمبغضين له. وعد منهم عمرو ابن العاص، فروى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص (2)، وذكر الحديث، فيظهر من كلامه (3) الاعتراف بوجود (4) الخبر في صحيح البخاري أيضا (5). ثم لما رأى بعض العامة شناعة تلك الرواية (6) غيروا في كثير من النسخ لفظ أبي طالب بلفظ أبي فلان. وروى مسلم (7)، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. ولا ريب في أن تحريم الكتابة عن الرسول صلى الله عليه وآله باطل باتفاق أهل الاسلام. ونقل ابن أبي الحديد (8) أيضا، عن الاسكافي: أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام، يقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.


(1) في شرحه على النهج 4 / 63. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 64. (3) في (س): في كل أمة. (4) جاءت في (س): بوجوه. (5) لا توجد كلمة: أيضا، في (ك). (6) في (س) الروايات. (7) صحيح مسلم 4 / 2298، باب 16، كتاب الزهد، حديث 3004. (8) في شرحه على النهج 4 / 63 - 64.

[402]

روى الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة ! إن هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني. وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي عليه السلام، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما ؟ ! الله أعلم بهما، إني لاتهمهما (1) في بني هاشم. قال (2): أما الحديث الاول فقد ذكرناه، وأما الحديث الثاني فهو: ان عروة زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة ! إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعنا، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب. انتهى. ومع وجود أمثال تلك الروايات في أصولهم الفاسدة يعتمدون عليها اعتمادهم على القرآن، ويفرون من روايات الشيعة المتدينين البررة * (كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة) * (3)، وأي نص قاطع دل على انحصار المحدثين ورواة الاخبار في البخاري ومسلم ومن يحذو حذوهما في التعصب وإخفاء الحق وطرح ما يخالف أهواءهم من الاخبار، كما يظهر للفطن البصير مما حكاه ابن الاثير (4)، قال: قال البخاري: أخرجت كتابي الصحيح من زهاء (5) ستمائة ألف حديث. وقال (6) مسلم: صنفت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.


(1) في (ك): لا أتهمهما، وهو اشتباه ظاهرا. (2) القائل هو الزهري،، والعبارة لابن أبي الحديد، وفي الشرح: فاما.. (3) المدثر: 50 - 51. (4) جامع الاصول 1 / 109 [تحقيق الارناووط 1 / 186]، وفيه: خرجت كتاب الصحيح.. (5) جاء في حاشية (ك): وقولهم: هم زهاء مائة.. أي قدر مائة. صحاح. انظر: الصحاح 6 / 2371. (6) أي قال ابن الاثير في جامع الاصول 1 / 110، قال.. [تحقيق الارناووط: 1 / 188].

[403]

وقال أبو داود (1): كتبت عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - أربعة (2) آلاف حديث وثمانمائة. وإنما تأخذ الشيعة أخبار دينهم عمن تعلق بالعروة الوثقى التي هي متابعة أهل بيت النبوة الذين شهد الله لهم بالتطهير، ونص عليهم الرسول صلى الله عليه وآله بأنهم سفينة النجاة، ولا يأخذون شطر دينهم عن امرأة ناقصة العقل والدين مبغضة لامير المؤمنين عليه السلام، وشطره الآخر عن أبي هريرة الدوسي الكذاب المدني، وأنس بن مالك - الذي فضحه الله بكتمان الحق وضربه ببياض لا تغطيه العامة - ومعاوية، وعمرو بن العاص، وزياد المعروفين عند الفريقين بخبث المولد وبغض من أخبر النبي صلى الله عليه وآله الامين بأن بغاضه آية النفاق.. وأضراب هؤلاء، لكن التعصب أسدل (3) أغطية الغي والضلال على أبصارهم إلى يوم النشور، * (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) * (4). * * * * *


(1) جامع الاصول 1 / 112 [تحقيق الارناووط 1 / 190]. (2) في المصدر: جمعت فيه أربعة.. (3) في (س): أسدد. أقول: أسدد من السد.. أي جعل التعصب أغطية الضلال موثوقة على أبصارهم. (4) النور: 40.

[405]

[20] باب آخر في ذكر أهل التابوت في النار 1 - ج (1): سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في يوم بيعة أبي بكر: لست بقائل غير شئ واحد أذكركم بالله أيها الاربعة - يعنيني والزبير وأبا ذر والمقداد - أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن تابوتا من نار فيه اثنا عشر رجلا، ستة من الاولين وستة من الآخرين في جب في قعر جهنم في تابوت مقفل، على ذلك الجب صخرد إذا أراد الله أن يسعر جهنم (2) كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعاذت جهنم من وهج (3) ذلك الجب، فسألناه عنهم وأنتم شهود، فقال النبي صلى الله عليه واله: أما الاولون: فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة، والذي حاج ابراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهما وغيرا سنتهما (4)، أما أحدهما فهود


(1) الاحتجاج 1 / 105 - 106، وجاء متن الحديث في الصفحة: 112 - 113 من طبعة النجف [وفي طبعة منشورات الرضي: 80، والحديث صفحة 86] باختلاف يسير. (2) في المصدر: نار جهنم. (3) جاء في القاموس 1 / 211: وهج النار يهج وهجا ووهجانا: اتقدت، والاسم الوهج - محركة -. (4) في الاحتجاج: كتابهم.. سنتهم - بضمير الجمع -، وهو الظاهر.

[406]

اليهود، والآخر نصر النصارى، وإبليس سادسهم، الدجال في الآخرين، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتك يا أخي، والتظاهر عليك بعدي هذا.. وهذا (1) حتى عددهم (2) وسماهم. فقال سلمان: فقلنا: صدقت نشهد إنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله. 2 - كتاب سليم (3): مثله، وقد مر (4). 3 - فس (5): * (قل أعود برب الفلق) * (6)، قال: الفلق جب في جهنم يتعوذ أهل النار من شدة حره، سأل (7) الله أن يأذن له أن يتنفس فأذن له، فتنفس فأحرق جهنم. قال: وفي ذلك الجب صندوق من نار يتعوذ (8) أهل تلك (9) الجب من حر ذلك الصندوق، وهو التابوت، وفي ذلك التابوت ستة من الاولين وستة من الآخرين، فأما الستة من (10) الاولين: فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون (11) إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار، وفرعون موسى، والسامري الذي اتخذ العجل، والذي هود اليهود، والذي نصر النصارى، وأما الستة من (12) الآخرين:


(1) في المصدر: هذا وهذا وهذا. (2) في الاحتجاج: حتى عدهم.. وهو الظاهر. (3) كتاب سليم بن قيس: 91 - 92، وصدر الحديث في صفحة: 74. (4) بحار الانوار 28 - 58، وفي (ك) من البحار 8 / 23 و 54 و 362 اشارة إلى الصحيفة الملعونة. (5) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 499. (6) الفلق: 1. (7) في المصدر: قال. (8) جاء في (ك): ويتعوذ. (9) لا توجد: تلك، في المصدر. (10) في التفسير: فأما الستة التي من.. (11) كذا، وفي المصدر: ونمرود ابراهيم. (12) في التفسير: فأما الستة التي من..

[407]

فهو الاول والثاني والثالث والرابع وصاحب الخوارج وابن ملجم (1). * (ومن شر غاسق إذا وقب) * (2)، قال: الذي يلقى في الجب يقب فيه (3). 4 - ثو (4): ابن الوليد، عن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن إسحاق بن عمار، عن موسى بن جعفر عليهما السلام، قال: قلت: جعلت فداك، حدثني فيهما بحديث، فقد سمعت من (5) أبيك فيهما بأحاديث (6) عدة. قال: فقال لي: يا إسحاق ! الاول (7) بمنزلة العجل، والثاني بمنزلة السامري. قال: قلت: جعلت فداك، زدني فيهما ؟. قال: هما والله نصرا وهودا ومجسا، فلا غفر الله ذلك لهما. قال: قلت: جعلت فداك، زدني فيهما. قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال: قلت: جعلت فداك، فمن هم ؟. قال: رجل ادعى إماما من غير الله، وآخر طعن في إمام من الله، وآخر زعم أن لهما في الاسلام نصيبا. قال: قلت: جعلت فداك، زدني فيهما ؟. قال: ما أبالي - يا إسحاق - محوت المحكم من كتاب الله أو جحدت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم النبوة أو (8)


(1) جاءت زيادة: لعنهم الله، في المصدر. (2) الفلق: 3. (3) في تفسير القمي: فيه يقب، واستظهر في هامشه: يغيب فيه. (4) ثواب الاعمال 2 / 255 - 256، باب 12، حديث 3 [وفيه طبعة مؤسسة الاعلمي: 256 - 257]، مع تفصيل في الاسناد. (5) في المصدر: عن، بدلا من: من. (6) في المصدر: أحاديت. (7) في (س): الاولى، وهو سهو (8) في (ك): واو، بدلا من: أو.

[408]

زعمت أن ليس في السماء إله، أو تقدمت على علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: قلت: جعلت فداك، زدني ؟. قال: فقال لي: يا إسحاق ! إن في النار لواديا - يقال له: سقر - لم يتنفس منذ خلقه الله، لو أذن الله عزوجل (1) له في التنفس بقدر مخيط لاحرق ما (2) على وجه الارض، وإن أهل النار ليتعوذون (3) من حر ذلك الوادي (4) ونتنه وقذره، وما أعد الله فيه لاهله، وإن في ذلك الوادي لجبلا يتعوذ جميع أهل ذلك الوادي من حر ذلك الجبل ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لاهله من العذاب (5)، وإن في ذلك الجبل لشعبا يتعوذ جميع أهل ذلك الجبل من حر ذلك الشعب ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لاهله، وإن في ذلك الشعب لقليب يتعوذ جميع أهل (6) ذلك الشعب من حر ذلك القليب ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لاهله، وإن في ذلك القليب لحية يتعوذ أهل (7) ذلك القليب من خبث تلك الحية ونتنها وقذرها وما أعد الله (8) في أنيابها من السم لاهلها، وإن في جوف تلك الحية لسبعة صناديق فيها خمسة من الامم السالفة، وإثنان من هذه الامة. قال: قلت: جعلت فداك، ومن الخمسة ؟ ومن الاثنان ؟. قال: فأما (9) الخمسة: فقابيل الذي قتل هابيل، ونمرود الذي حاج ابراهيم في ربه، فقال: * (أنا أحيي وأميت) * (10)، وفرعون الذي قال: * (أنا ربكم الاعلى) * (11) ويهود الذي


(1) لا توجد: عزوجل، في المصدر. (2) في ثواب الاعمال: من، بدل: ما. (3) في المصدر: يتعوذون - بدون لام -. (4) في (س): الجبل، بدلا من: الوادي. (5) لا توجد: من العذاب، في المصدر. (6) لا توجد كلمة: أهل، في (ك)، وفي المصدر لا توجد كلمة: جميع. (7) في ثواب الاعمال: جميع أهل ذلك.. (8) في المصدر زيادة: عزوجل. (9) في المصدر: أما - بدون فاء -. (10) البقرة: 258. (11) النازعات: 24.

[409]

هود اليهود، وبولس الذي نصر النصارى، ومن هذه الامة أعرابيان. 5 - ل (1): بهذا الاسناد من قوله: يا إسحاق ! إن في النار لواديا.. إلى آخر الخبر. بيان: الاعرابيان: الاول والثاني اللذان لم يؤمنا بالله طرفة عين. 6 - ل (2): أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين (3)، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن جعيد همدان، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن في التابوت الاسفل من النار (4) ستة من الاولين وستة من الآخرين، فأما الستة من الاولين: فابن آدم الذي قاتل أخيه (5)، وفرعون الفراعنة، والسامري، والدجال، - كتابه في الاولين، ويخرج في الآخرين - وهامان، وقارون، والستة من الآخرين: فنعثل، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الاشعري.. ونسي المحدث اثنين. بيان: نعثل: كناية عن عثمان كما سيأتي، والمنسيان الاعرابيان الاولان بشهادة ما تقدم وما سيأتي.


(1) خصال الصدوق 2 / 398، أبواب السبعة، حديث 106. (2) الخصال، للصدوق - رحمه الله -: 2 / 485، أبواب الاثنى عشر، حديث 59، بتفصيل في الاسناد. (3) ورد السند في المصدر هكذا: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثني الحسن بن مسكين الثقفي.. (4) لا توجد في الخصال: من النار. (5) في المصدر:... آدم قاتل أخيه، وهو الظاهر.

[410]

7 - ثو (1): ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف (2)، عن ابن محبوب، عن حنان بن سدير، قال: حدثني رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر: أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاج ابرهيم عليه السلام في ربه، واثنان في بني اسرائيل هودا قومهما ونصراهما، وفرعون الذي قال: * (أنا ربكم الاعلى) * (3)، واثنان من (4) هذه الامة أحدهما شرهما في تابوت من قوارير تحت الفلق في بحار من نار. 8 - كتاب الاستدرك (5): بإسناده إلى الاعمش، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لجهنم سبعة أبواب - وهي الاركان - لسبعة فراعنة: نمرود بن كنعان فرعون الخليل، ومصعب ابن الوليد فرعون موسى، وأبو جهل بن هشام، والاول، والثاني، ويزيد قاتل ولدي، ورجل من ولد العباس يلقب بالدوانيقي اسمه المنصور. أقول: سيأتي (6) في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على الزبير ما يناسب الباب. * * * * *


(1) ثواب الاعمال 2 / 255، باب 12، حديث 1، باختصار في الاسناد. (2) في المصدر: عن العباس بن معروف، وفي (س): عن الصفار، عن ابن محبوب.. (3) النازعات: 24. (4) جاءت: في، بدلا من: من، في (س). (5) كتاب الاستدراك، لابن بطريق، لا نعرف بطبعه حتى هذا التاريخ. (6) بحار الانوار 36 / 324.

[411]

[22] باب تفصيل مطاعن أبي بكر والاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الاخبار من كتبهم الطعن الاول: ما ذكره أصحابنا رضوان الله عليهم: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يول أبا بكر شيئا من الاعمال مع أنه كان يوليها غيره، ولما أنفذه لاداء سورة براءة إلى أهل مكة عزله وبعث عليا عليه السلام ليأخذها منه ويقرأها على الناس، ولما رجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله قال له (1): لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني (2). فمن لم يصلح لاداء سورة واحدة إلى أهل بلدة كيف يصلح للرئاسة العامة المتضمنة لاداء جميع الاحكام إلى عموم الرعايا في سائر البلاد ؟ ! وسيأتي الروايات الواردة في ذلك مع الكلام فيها على وجه يناسب الكتاب في المجلد التاسع في باب


(1) لا توجد: له، في (س). (2) وهذا ما أخرجه جمع كثير من أئمة الحديث وحفاظه من العامة بعدة طرق صحيحة، يتأتى التواتر بأقل منها. عد منهم شيخنا الاميني في غديره 6 / 338 - 341 ثلاثة وسبعين إماما !.

[412]

مفرد (1). وما أجابوا به من أنه صلى الله عليه وآله ولاه الصلاة بالناس، فقد (2) تقدم (3) القول فيه مفصلا. وما ذكره قاضي القضاة في المغني (4) من أنه لو سلم أنه لم يوله لما دل ذلك (5) على نقص ولا على أنه لا يصلح للامارة والامامة (6)، بل لو قيل إنه لم يوله لحاجته إليه بحضرته وإن ذلك رفعة له لكان أقرب، سيما وقد روي عنه صلى الله عليه وآله (7) ما يدل على أنهما وزيراه، فكان عليه السلام محتاجا إلهيما والى رأيهما. وأجاب السيد رضي الله عنه في الشافي (8) بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يستشير أحدا لحاجة منه إلى رأيه وفقر إلى تعليمه وتوقيفه، لانه عليه وآله السلام، الكامل الراجح المعصوم المؤيد بالملائكة، وإنما كانت مشاورته أصحابه ليعلمهم كيف يعملون في أمورهم، وقد قيل يستخرج بذلك دخائلهم وضمائرهم. وبعد، فكيف استمرت هذا الحاجة واتصلت منه إليهما حتى لم يستغن في زمان من الازمان عن حضورهما فيوليهما ؟ ! وهل هذا إلا قدح في رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ونسبة له إلى أنه كان ممن يحتاج إلى أن يلقن ويوقف على كل شئ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك.


(1) بحار الانوار 35 / 284 - 313، الباب التاسع: نزول سورة براءة وقراءة أمير المؤمنين عليه السلام على أهل مكة ورد أبي بكر.. (2) في (ك): قد. (3) بحار الانوار 27 / 323 - 324. (4) المغني - الجزء المتمم للعشرين -: 349. (5) في المصدر: ما كان يدل، بدلا من: لما دل ذلك. (6) في المغني: للامامة، بدلا من: للامارة والامامة. (7) لا توجد: الصلاة، في المصدر. (8) الشافي 4 / 154، وهو نقل بالمعنى في أوله ونص في آخره.

[413]

فأما ادعاؤه أن الرواية وردت بأنهما وزيراه، فقد كان يجب أن يصحح ذلك قبل أن يعتمده ويحتج به، فإذا (1) ندفعه عنه أشد دفع. انتهى كلامه قدس سره. وأقول: الرواية التي أشار إليها القاضي هي ما رواها في المشكاة (2)، عن الترمذي (3)، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الارض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبرئيل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الارض فأبوبكر وعمر !. ولا يخفي أنه خبر واحد من طريق الخصم لا حجة فيه، ووضع الحديث عادة قديمة، وقد قدمنا الاخبار في ذلك (4). وحكى في (5) جامع الاصول (6) أن بعض أهل الضلال كان يقول - بعد ما رجع عن ضلالته -: انظروا إلى هذه الاحاديث عمن تأخذونها، فإنا كنا إذ رأينا


(1) في الشافي: فإنا، وهو الظاهر. (2) مشكاة المصابيح 3 / 233، حديث 6056. (3) سنن الترمذي 5 / 616، كتاب المناقب، باب 17، حديث 3680. ورواه ابن الاثير في جامع الاصول: 8 / 630 - 631، حديث 6462. (4) ما حكاه رحمه الله عن كتاب سليم بن قيس في بحار الانوار 27 / 211 - 213، و 22 / 102، وقد ذكر جملة من الكذابين في 25 / 261 وما بعدها. وانظر: سلسلة الموضوعات من الجزء التاسع من الغدير: 218 - 246. (5) في (ك): وحكى عن.. (6) جامع الاصول 1 / 136 - تحقيق الارناؤوطي - بمعنى مقارب لما ذكرناه، وانظر بنصه في الموضوعات لابن الجوزي 1 / 38 وغيرهما، وقد فصل البحث فيه في كتاب مقباس الهداية إلى علم الدارية 1 / 398 - 419، في تعريفه للحديث الموضوع، ومعرفاته، ودواعيه وغيرها، وانظر: مستدركات البحث حيث ذكر جملة من مصنفاتهم. وبالله عليك إلا ما راجعت سلسلة الاحاديث المقلوبة والموضوعة في الخلافة والخلفاء وما يكذبها ويناقضها مع إشباع في مصادرها في موسوعة شيخنا الاميني طاب ثراه 5 / 288 - 375 ترى العجب العجاب ومصداق القوله عز اسمه: * (أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون) * النجم: 59.

[414]

رأيا وضعنا له حديث. وقد صنف جماعة من العلماء كتبا في الاحاديث الموضوعة. وحكي عن الصغاني (1) - من علماء المخالفين - أنه قال في كتاب الدر الملتقط (2): ومن الموضوعات ما زعموا أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: إن الله يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلي لك يا أبا بكر خاصة، وأنه قال: حدثني جبرئيل ان الله تعالى لما خلق الارواح اختار روح أبي بكر من الارواح (3). ثم قال الصنعاني: وأنا أنتسب إلى عمر بن الخطاب وأقول فيه الحق لقول النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: قولوا الحق ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين. فمن الموضوعات ما روي أن أول من يعطى كتابه بيمينه عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس. قيل: فأين أبو بكر ؟. قال: سرقته الملائكة (4). ومنها: من سب أبا بكر وعمر قتل، ومن سب عثمان وعليا جلد الحد (5).. إلى غير ذلك من الاخبار المختلفة. ومن الموضوعات: زر غبا تزدد حبا (6).


(1) في البحار: وعن، والصغاني، وهو أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن (577 - 650 ه‍). (2) أقول: لم أجد هذا النص في كتاب الصغاني: الدر الملتقط في تبيين الغلط، وكذا في كتابه الآخر: الموضوعات، وكلاهما تحقيق أبو الفداء عبد الله القاضي، وإصدار دار الكتب العلمية - بيروت - بعد أن راجعتهما أكثر من مرة، ولعله حذف منه وحرف كأكثر مصادرهم مما فيه منقبة لنا أو طعن عليهم. (3) ذكرهما وغيرهما ابن الجوزي في كتاب الموضوعات 1 / 303 - 319، وناقشها بما لا مزيد عليه، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة في الاحاديث الموضوعة 1 / 286 - 289. (4) أدرجه ابن الجوزي في كتابه الموضوعات 1 / 320، وعد غيره، وكذا السيوطي في كتابه في الموضوعات 1 / 302. (5) أورده ابن الجوزي في الموضوعات 1 / 328، والسيوطي في اللآلئ 1 / 309. (6) كما في الدر الملتقط للصغاني: 26، برقم 25، وقاله العجلوني في كشف الخفاء 1 / 438 - 439، برقم 1412.

[415]

النظر إلى الخضرة تزيد في البصر (1). من قاد أعمى أربعين خطوة غفر الله له (2). العلم علمان: علم الاديان، وعلم الابدان (3). انتهى. وعد من الاحاديث الموضوعة: الجنة دار الاسخياء (4). طاعة النساء ندامة (5). دفن (6) البنات من المكرمات (7). أطلب الخير عند حسان الوجوه (8). لا هم إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين.


(1) كما نص عليه في الدر الملتقط: 24، برقم 18، والموضوعات، وكلاهما للصغاني: 13، برقم 65، وأورده العجلوني في كشف الخفاء 2 / 439، والشوكاني في الفوائد المجموعة 217، والالباني في السلسلة الضعيفة 1 / 165. (2) كما في كتاب الموضوعات للصغاني: 12، برقم 57، وجاء في كشف الخفاء ومزيل الالباس للعجلوني 2 / 269، برقم 2558، وبمضامين أخر في الموضوعات لابن الجوزي 2 / 173 - 178. هذا، مع أنه قد أخرجه أبو نعيم في حلية الاولياء 3 / 158، والخطيب في تايخ بغداد 5 / 105 و 9 / 214، والذهبي في الميزان 4 / 459، والهيثمي في مجمع الزوائد 3 / 138، وغيرهم. (3) قاله الصغاني في الموضوعات: 10، برقم 38، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 68، برقم 1765. أقول: وضع في (ك) على الاديان والابدان رمز التقديم والتأخير (خ. م). (4) كما في كشف الخفاء ومزيل الالباس 1 / 337، برقم 1083، وعده ابن الجوزي في الموضوعات. (5) كشف الخفاء 2 / 37، برقم 1648. (6) في (ك): ودفن. (7) كشف الخفاء 1 / 407، برقم 1308. (8) كشف الخفاء 1 / 136، برقم 394.

[416]

الموت كفارة لكل مسلم (1). إن التجار هم الفجار (2).. إلى غير ذلك مما يطول ذكره. وبالجملة، قد عرفت مرارا أن الاحتجاج في مثل هذا إنما يكون بالاخبار المتواترة أو المتفق عليه بين الفريقين لا ما ذكره آحاد أحد الجانبين. ثم إن صاحب المغني (3) ادعى أن ولاية أبي بكر على الموسم والحج قد ثبت بلا خلاف بين أهل الاخبار، ولم يصح أنه عزله، ولا يدل رجوع أبي بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله مستفهما عن القصة على العزل، ثم جعل إنكار من أنكر حج أبي بكر بالناس في هذه السنة كإنكار عباد بن سليمان وطبقته وأخذ أمير المؤمنين عليه السلام سورة براءة من أبي بكر. أقول: روى ابن الاثير في جامع الاصول (4) بإسناده عن أنس، قال: بعث النبي صلى الله عليه [وآله] ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: لا ينبغي (5) أن يبلغ عني (6) إلا رجل من أهل بيتي (7). وزاد رزين (8): ثم اتفقا فانطلقا. وهذا يشعر بأنه لم يثبت عنده مسير أبي بكر إلى مكة (9).


(1) كما في الموضوعات لابن الجوزي 3 / 218 - 219، وكشف الخفاء 2 / 289 برقم 2663، واللآلي المصنوعة 2 / 414. (2) قد أورده في: كشف الخفاء 1 / 218، برقم 665، وقريب منه في الموضوعات لابن الجوزي 2 / 238، وغيرهما. وفي (س): الهجار، ولا معنى لها. (3) المغني - الجزء المتمم للعشرين -: 350، مع اختلاف يسير. (4) جامع الاصول 8 / 660، حديث 6508. وانظر ما سبقه ولحقه من الروايات.. (5) في المصدر زيادة: لاحد. (6) في الجامع: هذا، بدلا من: عني. (7) وزاد في المصدر: ودعي عليا فأعطاه إياها. (8) هذه الزيادة جاءت في جامع الاصول ذيل حديث 6509 من المجلد الثامن، صفحة 660. (9) أقول: تعد واقعة إرسال أبي بكر بسورة براءة ثم تنحيته وبعث أمير المؤمنين عليه السلام بها من الضروريات التاريخية المتواترة سندا والمتحدة مضمونا وإن اختلفت ورودا، ندرج جملة من مصادرها = = العامية، فانظر: مسند الحميدي (تحقيق الاعظمي) 1 / 26، حديث 48، والدر المنثور للسيوطي 3 / 209، وكنز العمال للهندي 1 / 246 - 247، وتفسير الشوكاني 2 / 319، والرياض النضرة 2 / 147، وذخائر العقبى: 69، وتاريخ ابن كثير 5 / 38، و 7 / 357، وتفسير ابن كثير 2 / 333، ومناقب الخوارزمي: 99، ومجمع الزوائد 7 / 29، و 9 / 119، وشرح صحيح مسلم للعيني 8 / 637، وتفسير المنار 10 / 157، وتفسير الطبري 10 / 46، وخصائص النسائي: 20، ومسند احمد بن حنبل 1 / 151 و 230 و 3 / 283، والكفاية للكنجي: 126، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني 8 / 256، ومطالب السؤول لابن طلحة: 17، وشرح ابن أبي الحديد 3 / 105، وتفسير الطبري 10 / 46 و 47، ومستدرك الحاكم 3 / 51، وصحيح الترمذي 2 / 183، وشواهد التنزيل 1 / 233، وغيرها كثيرة جدا لا يسعنا عدها. ولا تعدادها، ذكر جملة منها شيخنا الاميني في غديره 6 / 341 - 350.

[417]

وروى الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان (1)، عن عروة بن الزبير وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله أخذها من أبي بكر قبل الخروج ودفعها إلى علي عليه السلام، وقال: لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني. وقال: وروى أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وآله ولاه أيضا الموسم، وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر. وستعرف أن أكثر أخبارهم خالية عن ذكر حج أبي بكر وعوده إلى الموسم، وكذا الاخبار الواردة من طرق أهل البيت عليهم السلام، فاستعظامه ذلك مما لا وجه له، بخلاف قول عباد بن سليمان لظهور شناعته. وقال السيد رضي الله عنه (2): لو سلمنا أن ولاية الموسم لم تنسخ (3) لكان الكلام باقيا، لانه إذا كان ما ولي مع تطاول الازمان (4) إلا هذه الولاية ثم سلب شطرها والافخم الاعظم منها فليس ذلك إلا تنبيها على ما ذكرنا.


(1) مجمع البيان 5 / 3 سورة التوبة [3 / 3]، بتقديم المتن على الاسناد، وانظر ما بعده من الروايات فيه وفي تفسير التبيان 5 / 169. (2) في الشافي 4 / 155، وفي الحجرية: 248. (3) في المصدر: لم تفسخ، وهي نسخة في مطبوع البحار. (4) في الشافي: الزمان.

[418]

ثم إن إمامهم الرازي ترقى في التعصب في هذه الباب حتى قال (1): قيل قرر أبا بكر على الموسم وبعث عليا عليه السلام خليفة (2) لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي (3) خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريا مجرى تنبيه (4) على إمامة أبي بكر، والله أعلم. قال (5): وقرر الجاحظ هذا المعنى، فقال: إن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث أبا بكر أميرا على الحاج وولاه الموسم، وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة، فكان أبو بكر الامام وعلي المؤتم، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسائق (6) لهم، والآمر لهم ولم يكن ذلك لعلي عليه السلام (7). انتهى. وأقول: الطعن في هذا الكلام من وجوه: الاول: إن بقاء أبي بكر على إمارة الموسم ممنوع، كما مر وسيأتي. الثاني: إن الامارة على من جعله الرسول صلى الله عليه وآله من أهل الموسم بنفسها لا يقتضي صلاتهم خلف الامير، فضلا عن اقتضائه فيمن لم يكن من أهل الموسم وبعثه الرسول صلى الله عليه وآله أخيرا لتبليغ الآيات من الله سبحانه ومن رسوله صلى الله عليه وآله، وخلو الاخبار من الصلاة مما لا سترة فيه. الثالث: إن تقرير أبي بكر على الموسم لو دل على الامر بالصلاة خلفه لم يثبت له فضيلة على ما زعموه من جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر (8).


(1) في تفسير 15 / 219. (2) في المصدر: وبعث عليا خلفه.. (3) في المصدر زيادة لفظ: علي بعد: يصلي. (4) في تفسير الفخر: التنبيه - بالالف واللام -. (5) قال الفخر الرازي في تفسيره تلو قوله: والله أعلم. (6) في المصدر: والسابق. (7) في التفسير: الترضية، بدل: التسليم. (8) انظر من باب المثال، سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب 63.

[419]

الرابع: إن تفصيل (1) إمارة الحاج على قراءة الآيات على الناس - كما يشعر به كلام بعضهم - باطل، إذ قراءة الآيات على الناس من المناصب الخاصة بالرسول صلى الله عليه وآله أو من كان منه، كما يدل عليه لفظ أخبار المخالف (2) والمؤالف (3)، حيث قال صلى الله عليه وآله: لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني. وأما إمارة الحاج فيتولاها كل بر وفاجر، وليس من شروطها إلا نوع من الاطلاع على ما هو الاصلح في سوق الابل والبهائم ومعرفة المياه والتجنب عن مواضع اللصوص.. ونحو ذلك، والفرق بين الامرين غير خفي على عاقل لم يذهب التعصب به مذاهب التعسف. الخامس: إن قوله: فكان أبو بكر الامام وعلي المؤتم.. إن أراد به إمامة الصلاة فقد عرفت ما فيه، وإن أراد الامامة في الحج، فالحج بنفسه مما لا يجري فيه الامامة، وإن أراد كونه إماما من حيث إمارته على الموسم فلا نسلم أن عليا عليه السلام كان من المؤتمين به، ومجرد الرفاقة لا إمامة فيها، مع أن عود أبي بكر إلى الحج بعد رجوعه في محل المنع، وبقاؤه على الامارة - بعد تسليمه - كذلك، كما


(1) كذا، والظاهر: تفضيل - بالضاد المعجمة -. (2) كما جاء في سنن الترمذي 5 / 636، كتاب المناقب، باب 21، حديث 3719، وفي جامعه في تفسيره سورة البراءة، وسنن ابن ماجة 1 / 44، باب 11، حديث 119، ومسند احمد 1 / 3، 151، 330 و 2 / 299 و 3 / 212، 283، و 4 / 164 - 165، صحيح البخاري 1 / 31، و 6 / 81، و 19 / 510 طبع الهند، وتفسير الطبري 1 / 410، 10 / 44 و 46، وتفسير زاد المسير 3 / 391، والدر المنثور للسيوطي 2 / 319، وتاريخ ابن كثير 5 / 38، ومناقب الخوارزمي: 99، وشرح صحيح البخاري للعيني 8 / 637، وتفسير المنار 10 / 158، وشرح المواهب المدنية للزرقاني 3 / 91، والاموال لابي عبيدة: 165، والكفاية للكنجي 126، ومجمع الزوائد للهيثمي 7 / 29، والفردوس، حديث 4171 - 4178، والخصائص للنسائي: 2، وسيأتي له مصادر أخرى. (3) تظافر النقل عند الخاصة واستفاض حتى كاد أن يكون متواترا، وعد السيد ابن طاووس في الطرائف 1 / 38 جملة روايات من الطريقين، وانظر: مجمع البيان 3 / 3، والتبيان 5 / 169، وتفسير القمي 1 / 282، والخصال 1 / 311، باب 1، حديث 87، و 2 / 55، باب 2، حديث 31، والصراط المستقيم 2 / 6 - 9، والشافي 4 / 153 - 157، وتلخيص الشافي 2 / 232 - 233 و 3 / 240 وغيرها، وسندرج له مصادر أخر ضمن البحث.

[420]

عرفت. السادس: إن إمارة الحاج لا تستلزم خطابة حتى يلزم استماع المأمورين فضلا عن استماع من بعث لقراءة الآيات على مشركي مكة. السابع: لو كان غرض الرسول صلى الله عليه وآله بيان فضل أبي بكر وعلو درجته - حيث جعله سائقا لاهل الموسم ورافعا لهم - لكان الانسب أن يجعل عليا عليه السلام من المأمورين بأمره أولا، أو يبعثه أخيرا ويأمره بإطاعة أمره والانقياد له، لا أن يقول له خذ البراءة منه حتى يفزع الامير ويرجع إليه صلى الله عليه وآله خائفا ذعرا من أن يكون نزل فيه ما يكون سببا لفضيحته (1) وبروز كفره ونفاقه، كما يدل عليه قوله: أنزل في شئ ؟ ! وجوابه صلى الله عليه وآله، كما لا يخفى على المتأمل. الثامن: إن ذلك لو كان منبها على إمامة أبي بكر دالا على فضله لقال له رسول الله صلى الله عليه وآله - لما رجع جزعا فزعا -: يا لكع ! أما علمت أني ما أردت بذلك إلا تنويها بذكرك وتفضيلا لك على علي عليه السلام وتنبيها على إمامتك ؟ ! وكيف خفي ذلك على أبي بكر مع حضوره الواقعة واطلاعه على القرائن الحالية والمقالية، وكذا على أتباعه والقائلين بإمامته، ولم يفهمه أحد سوى الرازي وأشباهه. وأما ما تشبث به المخالفون في مقام الدفع والمنع: فمنها: إنكار عزل أبي بكر عن أداء الآيات كما فعل عباد بن سليمان والشارح الجديد للتجريد (2).. وأضرابهما. وأيده بعضهم بأنه لو عزل أبا بكر عن التأدية قبل الوصول إلى موضعها لزم فسخ الفعل قبل وقته وهو غير جائز.


(1) في (س): لفضيحة - بلا ضمير -. (2) شرح التجريد للقوشجي: 372 - الحجرية -.

[421]

وأنت بعد الاطلاع على ما سيأتي من أخبار الجانبين في ذلك لا ترتاب في أن ذلك الانكار ليس إلا للجهل الكامل بالآثار، وللتعصب المفرط المنبئ عن خلع الغدار (1)، وقد اعترف قاضي القضاة (2) ببطلان ذلك الانكار لاقرار الثقات من علمائهم بعزله وشهادة الاخبار به. وقال ابن أبي الحديد (3): روى طائفة عظيمة من المحدثين أنه لم يدفعها إلى أبي بكر، لكن الاظهر الاكثر أنه دفعها إليه ثم أتبعه بعلي عليه السلام فانتزعها منه. انتهي. ولم نظفر في شئ من رواياتهم بما يدل على ما حكاه، وكان الانسب أن يصرح بالكتاب والراوي حتى لا يظن به التعصب والكذب. وأما حديث النسخ، فأول ما فيه إنا لا نسلم عدم جوازه، وقد جوزه جمهور الاشاعرة وكثير من علماء الاصول، سلمناه لكن لا نسلم أمره صلوات الله عليه أبا بكر بتبليغ الآيات، ولعله أمره بحملها إلى ورود أمر ثان، أو تبليغها لو لم يرد أمر بخلافه، ولم يرد في الروايات أمر صريح منه صلى الله عليه وآله بتبليغ أبي بكر إياها مطلقا، وورود النهي عن التأدية لا يدل على سبق الامر بها ككثير النواهي، ولئن سلمنا ذلك لا نسلم كون الامر مطلقا - وإن لم يذكر الشرط -، لجواز كونه منويا وإن لم تظهر الفائدة. فإن قيل: فأي فائدة في دفع السورة إلى أبي بكر وهو لا يرى أن يؤديها، ثم ارتجاعها ؟ وهلا دفعها ابتداء إلى (4) علي عليه السلام ؟. قلنا: الفائدة ظهور فضل أمير المؤمنين عليه السلام ومزيته، وأن الرجل الذي نزعت منه السورة لا يصلح له، وقد وقع التصريح بذلك في بعض الاخبار


(1) الكلمة مشوشة في (س). (2) في كتابه المغني - الجزء المتمم للعشرين -: 350، وقد ذكره عنه في الشافي 4 / 153. (3) في شرحه على نهج البلاغة 17 / 200، بتصرف واختصار. (4) في (س): على، بدلا من: إلى.

[422]

وإن كان يكفينا الاحتمال. ومنها: ما اعتذر به الجبائي (1)، قال: لما كانت عادة العرب أن سيدا من سادات قبائلهم إذا عقد عهدا لقوم فإن ذلك العقد لا ينحل إلا أن يحله هو أو بعض سادات قومه، فعدل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبي بكر إلى أمير المؤمنين عليه السلام حذرا من أن لا يعتبروا نبذ العهد من أبي بكر لبعده في النسب. وتشبث به جل من تأخر عنه كالفخر الرازي (2)، والزمخشري (3) والبيضاوي (4) وشارح التجريد (5).. وغيرهم (6). ورد عليهم أصحابنا (7) بأن ذلك كذب صريح وافتراء على أصحاب الجاهلية والعرب، ولم يعرف في زمان من الازمنة أن يكون الرسول - سيما لنبذ العهد - من سادات القوم وأقارب العاقد، وإنما المعتبر فيه أن يكون موثوقا به، مقبول القول ولو بانضمام قرائن الاحوال، ولم ينقل هذه العادة من العرب أحد من أرباب السير ورواة الاخبار، ولو كانت موجودة في رواية أو كتاب لعينوا موضعها، كما هو الشأن في مقام الاحتجاج. وقد اعترب ابن أبي الحديد (8) بأن ذلك غير معروف عن عادة العرب، وإنما


(1) كما في المغني، الجزء المتمم للعشرين: 351، وحكاه في الشافي 4 / 155، وأجاب عنه. (2) في تفسيره 15 / 218. (3) في كشافه 2 / 172. (4) في تفسيره 1 / 405 في سورة البراءة. (5) شرح التجريد: 372 - الحجرية -. (6) مثل ابن كثير في تفسيره 2 / 345، والقرطبي في جامع أحكام القرآن 8 / 61، وصاحب تفسير بحر المحيط 5 / 7، وغيرهم. (7) قد مرت مصادر متعددة، ونذكر هنا مثالا: الشافي 4 / 150، والصراط المستقيم 2 / 6، وتلخيص الشافي 2 / 233. (8) في شرحه على نهج البلاغة 17 / 200 بتصرف، وقال قبله: فالذي قاله المرتضى أصح وأظهر.

[423]

هو تأويل تأول به متعصبوا أبي بكر لانتزاع البراءة منه، وليس بشئ. انتهى. ومما يدل على بطلانه، أنه لو كان ذلك معروفا من عادة العرب لما خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بعث أبا بكر، ولا على أبي بكر وعمر العارفين بسنن الجاهلية الذين يعتقد المخالفون أنهما كانا وزيري رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه كان لا يصدر عن شئ ولا يقدم على أمر إلا بعد مشاورتهما واستعلام رأيهما، ولو كان بعث أمير المؤمنين عليه السلام استدراكا لما صدر عنه على الجهل بالعادة المعروفة أو الغفلة عنها، لقال الله له: اعتذر إلى أبي بكر، وذكره عادة الجاهلية حتى لا يرجع خائفا يترقب نزول شئ فيه، أو كان يعتذر إليه بنفسه صلى الله عليه وآله بعد رجوعه، بل لو كان كذلك فما غفل عنها الحاضرون من المسلمين حين بعثه والمطلعون عليه، ولا احتاج صلى الله عليه وآله إلى الاعتذرا بنزول جبرئيل لذلك من عند الله تعالى. وقال ابن أبي الحديد (1) - في مقام الاعتذار، بعد رد اعتذار القوم بما عرفت -: لعل السبب في ذلك أن عليا عليه السلام من بني عبد مناف، وهم جمرة (2) قريش بمكة، وعلي أيضا شجاع لا يقام له، وقد حصل في صدور قريش منه (3) الهيبة الشديدة والمخافة العظيمة، فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل وحوله من بني عمه من (4) هم أهل العز والقوة والحمية، كان أدعى إلى نجاته من قريش وسلامة نفسه، وبلوغ الغرض من نبذ العهد على يده. ولا يخفى عليك أنه تعليل عليل، إذ لو كان بعث أمير المومنين عليه السلام باجتهاد منه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الغرض سلامة من أرسل لتبليغ


(1) في شرحه على النهج 17 / 200. (2) قال في النهاية 1 / 292: وبنو فلان جمرة: إذا كانوا أهل منعة وشدة.. والجمرة: اجتماع القبيلة على من ناواها. (3) لا توجد: منه، في (س). (4) في المصدر: و، بدلا من: من.

[424]

الآيات ونجاته كان الاحرى أن يبعث عمه العباس أو عقيلا أو جعفرا أو غيرهم من بني هاشم ممن لم يلتهب في صدور المشركين نائرة حقده لقتل آبائهم وأقاربهم، لامن كانوا ينتهزون الفرصة لقتله والانتقام منه بأي وجه كان، وحديث الشجاعة لا ينفع في هذا المقام، إذ كانت آحاد قريش تجترى عليه صلوات الله عليه في المعارك والحروب، فكيف إذا دخل وحده بين جم غفير من المشركين ؟ !. وأما من جعله من الدافعين الذابين عنه عليه السلام من أهل مكة فهم كانوا أعاظم أعاديه وأكابر معانديه، وأيضا لو كان الغرض ذلك (1) لكان الانسب أن يجعله أميرا على الحاج كما ذهب إليه قوم من أصحابنا، لا كما زعموه من أنه لم يعزل أبا بكر عن الامارة بل جعله مأمورا بأمره، كما مر. بل نقول: الاليق بهذا الغرض بعث رجل حقير النفس خامل الذكر في الشجاعة من غير الاقارب حتى لا يهموا بقتله، ولا يعدوا الظفر عليه انتقاما وثأرا لدماء من قتل الرسول صلى الله عليه وآله من عشيرتهم وذوي قراباتهم، مع أنه لم تجر العادة بقتل من بعث إلى قوم لاداء رسالة، لا سيما إذا كان ميتا في الاحياء، غير معروف إلا بالجبن والهرب، وكيف لم يستشعر النبي صلى الله عليه وآله بذلك الذي ذكره حتى أرسل أبا بكر ثم عزله ؟ ! وكيف اجترأ أبو بكر حتى عرض نفسه للهلكة مع شدة جبنه ؟ ! وكيف غفل عنه عمر بن الخطاب - الوزير بزعمهم المشير في عظائم الامور ودقائقها - مع شدة حبه لابي بكر ؟. ولو كان الباعث ذلك لافصح عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله أو غيره بعد رجوع أبي بكر أو قبله كما سبق التنبيه على مثله، هذا مع كون تلك التعليلات مخالفة لما صرح به الصادقون، الذين (2) هم أعرف بمراد الرسول صلى الله عليه وآله من ابن أبي الحديد والجبائي ومن اقتفى أثرهما.


(1) في (ك): منه، نسخة بدل: من ذلك. (2) في (س): الذي، وقد تقرأ في (ك) كذلك، وما أثبتناه أظهر.

[425]

وقد حكى في كتاب الصراط المستقيم (1)، عن كتاب المفاضح (2) أن جماعة قالوا لابي بكر: أنت المعزول والمنسوخ من الله ورسوله صلى الله عليه وآله عن أمانة واحدة، وعن راية خيبر، وعن جيش العاديات، وعن سكنى المسجد، وعن الصلاة (3)، ولم ينقل أنه أجاب وعلل بمثل هذه التعليلات. والعجب من هؤلاء المتعصبين الذين يدفعون منقصة عن مثل أبي بكر بإثبات جهل أو غفلة عن عادة معروفة أو مصلحة من المصالح التي لا يغفل عنها آحاد الناس للرسول المختار الذي لا ينطق عن الهوى، وليس كلامه إلا وحيا يوحى، أو لا يجوز (4) عليه السهو والنسيان، بل يثبتون ذلك له ولجميع أصحابه، نعوذ بالله من التورط في ظلم الضلالة والانهماك في لجج الجهالة. وأعجب من ذلك أنهم يجعلون تقديم أبي بكر للصلاة نصا صريحا لخلافته - مع ما قد عرفت مما فيه من وجوه السخافة - ويتوقفون في أن يكون مثل هذا التخصيص والتنصيص والكرامة موجبا لفضيلة له عليه السلام، مع أنهم رووا أن جبرئيل عليه السلام قال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك (5). فإما أن يراد به الاختصاص التام الذي كان بين الرسول صلى الله عليه وآله وبين أمير المؤمنين عليه السلام كما يدل عليه ما سيأتي (6) ومضى (7) من الروايات


(1) كتاب الصراط المستقيم 2 / 7. (2) في المصدر: الفاضح. (3) ثم قال في الصراط المستقيم: فكيف تولى في الامور العامات والخاصات وليس للامة تولية من عزله الله في السماء ورسول الله في الارض. (4) كذا، والظاهر: ولا يجوز - بالواو -. (5) قد مرت مصادره، وجاء في الملل والنحل 1 / 144، وفي الارشاد للشيخ المفيد: 37، وأورده في إحقاق الحق 5 / 242 - 255، و 6 / 443، و 7 / 390، و 9 / 269 - 481، عن عدة مصادر عامية، وذكره في كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة 1 / 168. (6) سيأتي من المصنف - قدس سره - في بحاره 37 / 80 و 40 / 18. (7) قد مرت في البحار 24 / 88، و 25 / 29، و 26 / 3، و 4، وغيرها.

[426]

الواردة في أنهما كانا من نور واحد، وما اتفقت عليه الخاصة والعامة من أنه لما وقع منه عليه السلام ما وقع يوم أحد، قال جبرئيل: يا محمد ! إن هذه لهي المواساة. فقال صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه. فقل جبرئيل: وأنا منكما (1) ولم يقل: وإنكما مني.. رعاية للادب وتنبيها على شرف منزلتهما، وقوله تعالى: * (وأنفسنا وأنفسكم) * (2) في آية المباهلة (3)، وقوله صلى الله عليه وآله لبني وليعة (4): لابعثن إليكم رجلا كنفسي.. (5) وغير ذلك مما سيأتي. وأما أن يراد به الاختصاص الذي نشأ من كونه عليه السلام من أهل بيت الرسالة، ويناسبه ما ورد في بعض الروايات: لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي (6)، أو ما نشأ من كثرة المتابعة وإطاعة الاوامر كما فهمه بعض الاصحاب وأيده بقوله تعالى: * (فمن تبعني فإنه مني) * (7) وعلى أي التقادير يدل على أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يصلح للاداء عن الرسول صلى الله عليه وآله، وكلما كان هذا الاختصاص أبلغ في الشرف كان أكمل في إثبات الفضيلة


(1) كما جاء في تاريخ الطبري 2 / 514، وتاريخ الكامل لابن الاثير 2 / 154 وذيلهما حري بالملاحظة، وتفسير الفرات الكوفي: 22، وكتاب عيون أخبار الرضا (ع) 1 / 81 - 85، حديث 9، وإرشاد المفيد: 543 - 548، وقد ورد مواساة أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة أحد في موراد مختلفة من بحار الانوار، منها: 20 / 54 و 55 و 69 و 71 و 85 و 95 و 105 و 107 و 108 و 112 و 113 و 129 و 144، و 39 / 111. (2) ابراهيم: 36. (3) قد فصل المصنف - قدس سره - البحث فيها في بحاره: 21 / 276، و 37 / 49. (4) قال في القاموس 3 / 97: بنو وليعة - كسفينة -: حي من كندة. (5) كما جاء في مستدرك الصحيحين 2 / 120، وخصائص النسائي 19، ومجمع الهيثمي 7 / 110، وكنز العمال 6 / 400، والاستيعاب 2 / 464، وتفسير الكشاف في تفسير قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق..) * الخ من سورة الحجرات، وغيرها كثير. (6) كما جاء في عيون أخبار الرضا (ع) 2 / 61، باب 31، حديث 243، وعلل الشرائع 1 / 189، باب 150، حديث 1، وتلاحظ بقية روايات الباب، وإرشاد المفيد: 37. (7) آل عمران: 61.

[427]

لامير المؤمنين عليه السلام، وكلما ضايق الخصم في كماله كان أتم في إثبات الرذيلة لابي بكر، فلا نتربص في ذلك إلا إحدى الحسنيين كما ذكره بعض الافاضل. ثم إن المفعول المحذوف في هذا الكلام، إما أن يكون أمرا عاما - كما يناسب حذفه - خرج ما خرج منه بالدليل فبقي حجة في الباقي، أو يكون أمرا خاصا هو تبليغ أوامر المهمة، أو يخص بتبليغ تلك الآيات، كما ادعى بعض (1) العامة، وعلى التقادير الثلاثة يدل على عدم استعداد أبي بكر لاداء الاوامر عامة عن الرسول صلى الله عليه وآله، أما على الاول فظاهر، وكذا على الثاني، لاشتمال الخلافة على تبليغ الاوامر المهمة، وأما على الثالث فلان من لم يصلح لاداء آيات خاصة وعزل عنه بالنص الالهي كيف يصلح لنيابة الرسول الله صلى الله عليه وآله في تبليغ الاحكام عامة، ودعوة الخلائق كافة ؟ !. ولنكتف بذلك حذرا من الاطناب، وسيأتي تمام الكلام في ذلك في أبواب فضائله عليه السلام إن شاء الله تعالى (2). الطعن الثاني: التخلف عن جيش أسامة. قال أصحابنا رضوان الله عليهم: كان أبو بكر وعمر وعثمان من جيش أسامة (3)، وقد كرر رسول الله صلى الله عليه وآله - لما اشتد مرضه - الامر بتجهيز جيش أسامة ولعن المتخلف عنه (4)، فتأخروا عنه واشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة، وخالفوا أمره، وشملهم اللعن، وظهر أنهم لا يصلحون للخلافة. قالوا: ولو تنزلنا عن هذا المقام وقلنا بما ادعاه بعضهم من عدم كون أبي بكر


(1) في (س): كما ورد عن بعض.. (2) بحار الانوار 38 / 195 - 458، والمجلد الذي يليه. (3) في (س): من جيشه، بدلا من: من جيش أسامة. (4) كما في الطرائف 2 / 449، تلخيص الشافي 3 / 32، الشافي 4 / 144، وغيرها.

[428]

من الجيش. نقول: لا خلاف في أن عمر منهم، وقد منعه أبو بكر من النفوذ معهم، وهذا كالاول في كونه معصية ومخالفة للرسول صلى الله عليه وآله. أما أنهم كانوا من جيش أسامة، فلما ذكره السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي (1) من: أن كون أبي بكر في جيش أسامة، قد (2) ذكره أصحاب السير والتواريخ (3): قال روى البلاذري في تاريخه (4) - وهو معروف ثقة كثير الضبط وبرئ (5) من ممالاة الشيعة -: أن أبا بكر وعمر كانا معا في جيش أسامة. وروى سعيد بن محمد بن مسعود الكازراني - من متعصبي الجمهور - في تاريخه (6) أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم لاربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال له: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم مد (7) الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فلما كان يوم الاربعاء بدأ رسول الله صلى الله عليه وآله فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده، ثم قال: أغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله. فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار إلا


(1) الشافي: 246 - الحجرية، و 4 / 147 - المحققة -. (2) في (ك): وقد. (3) نص على ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 / 159، تاريخ الطبري 3 / 186، تاريخ ابن عساكر - في ترجمة أسامة - 2 / 391، طبقات ابن سعد 2 / 41، حياة محمد (ص) ل‍: محمد حسنين هيكل: 483، سيرة ابن هشام 2 / 650، كنز العمال 5 / 312، تاريخ اليعقوبي 3 / 93، تاريخ الخميس 2 / 172. (4) لم نجده في المقدار المطبوع من تاريخ البلاذري، وحكاه في الشافي وتلخيصه. (5) قد تقرأ الكلمة في (س): تبرئ. (6) تاريخ الكازراني. أقول: لعله لعلي بن محمد بن محمود الكازروني ظهير الدين (611 - 697 ه‍)، يعد مؤرخا، وله جملة مصنفات في التاريخ وغيره، ولا أعلم بطبع تاريخه - مع كل ما بحثت عنه - كما لم يدرجه المصنف (طاب ثراه) في أول كتابه من مصادره ولعله نقل عن غيره. (7) وضع على كلمة: مد، رمز نسخة بدل في (ك). (*)

[429]

انتدب في تلك الغزاة، فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين ؟ ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس ! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إنه كان للامارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للامارة، وإن (1) كان لمن أحب الناس إلى فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم. ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان يوم الاحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وآله مغمى عليه، وفي رواية: قد أصمت وهو لا يتكلم فطأطأ رأسه فقبله رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة. قال: فعرفت أنه يدعو لي، ورجع أسامة إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه - أم أيمن - قد جاءه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت.. إلى آخر القصة. وذكر ابن الاثير في الكامل (2) أن في المحرم من سنة إحدى عشرة ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بعثا إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد.. وذكر بعض ما مر، وصرح بأنه كان منهم أبو بكر وعمر، قال: وهما ثبتا (3) الناس على الرضا


(1) كذا، والظاهر: وانه. (2) الكامل في التاريخ لابن الاثير 2 / 334 - 336. (3) قال في الصحاح 1 / 245: واثبته غيره وثبته بمعنى، ويقال أثبته السقم: إذا لم يفارقه، وقوله تعالى: (ليثبتوك).. أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها، ونحوه في لسان العرب 2 / 19 - 20. وعليه = = فيحتمل أن يكون المعنى: أنهما يجرحان الناس ويعيبان عليهم لرضايتهم بإمارة أسامة. ويحتمل أن العبارة هكذا: ثبطا الناس عن الرضا أو تبطئا...

[430]

بإمارة أسامة. وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج (1)، عن احمد بن عبد العزيز الجوهري، عن احمد بن سيار، عن سعيد بن كثير، عن عبد الله بن عبد الله (2) بن عبد الرحمن (3)، أن رسول الله صلى الله عليه وآله في مرض موته أمر أسامة بن زيد ابن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والانصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير، وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزوا وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يثقل (4) ويخف ويؤكد القول فيي تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له أسامة: بأبي أنت وأمي ! أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله تعالى. فقال: اخرج وسر على بركة الله تعالى. فقال: يا رسول الله (ص) ! إني إن خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة منك. فقال: سر على النصر والعافية. فقال:: يا رسول الله (ص) ! إني أكره أن أسأل عنك الركبان. فقال: أنفذ لما أمرتك به.. ثم أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام أسامة فجهز (5) للخروج، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنهم يتجهزون، فجعل يقول: أنفذوا جيش (6) أسامة،


(1) شرح النهج 6 / 52. (2) وضع على كلمة: عبد الله، رمز نسخة بدل في (ك)، ولا توجد في المصدر. (3) جاء السند في شرح النهج: قال أبو بكر: حدثنا احمد بن اسحاق بن صالح عن احمد بن سيار عن سعيد بن كثير الانصاري عن رجاله عن عبد الله بن عبد الرحمن.. (4) في المصدر: في مرضه يثقل. (5) في المصدر: فتجهز. (6) جاء في شرح النهج: بعث، بدلا من: جيش، وهي نسخة بدل في (ك).

[431]

لعن الله من تخلف عنه.. ويكرر (1) ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه، حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الانصار: أسيد بن حضير (2) وبشر (3) بن سعد.. وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أم أيمن يقول له: ادخل فإن رسول الله (ص) يموت، فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله صلى الله عليه وآله قد مات في تلك الساعة، قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن مات إلا ب‍: الامير. وروى الطبري في المسترشد (4) - على ما حكاه في الصراط المستقيم (5) - أن جماعة من الصحابة كرهوا إمارة (6) أسامة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فخطب وأوصى (7) ثم دخل بيته، وجاء المسلمون يودعونه فيلحقون (8) بأسامة، وفيهم أبو بكر وعمر، والنبي صلى الله عليه وآله يقول: أنفذوا جيش أسامة، فلما بلغ الجرف بعثت أم أسامة - وهي أم أيمن - أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، فاضطرب القوم وامتنعوا عليه ولم ينفذوا لامر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم بايعوا لابي بكر قبل دفنه. وقال في الصراط المستقيم (9) - أيضا - أسند الجوهري في كتاب السقيفة أن أبا بكر وعمر كانا فيه.


(1) في المصدر: كرر، ونسخة بدل: تكرر. (2) حصر، بدلا من: حضير، جاءت في (س)، وهي غلط. (3) في شرح النهج: بشير - بالباء -. (4) المسترشد: 1 و 2، مع اختلاف يسير وتلخيص. (5) الصراط المستقيم 2 / 296 - 297. (6) خط على كلمة: إمارة، في (س)، وفي المصدر بدلا منها: تأمير. (7) في الصراط: وأوصى به. (8) في الصراط: ويلحقون. (9) الصراط المستقيم 2 / 298.

[432]

وقال (1): حدث الواقدي، عن ابن أبي الزياد (2)، عن هشام بن عورة أن أباه قال: كان فيهم أبو بكر. قال: وحدث - أيضا - مثله، عن محمد بن عبد الله بن عمر. وذكره البلاذري في تاريخه، والزهري، وهلال بن عامر، ومحمد بن إسحاق، وجابر، عن الباقر عليه السلام. ومحمد بن أسامة، عن أميد (3). ونقلت الرواة أنهما كانا في حال خلافتهما يسلمان على أسامة بالامرة. وفي كتاب العقد (4): اختصم أسامة وابن عثمان في حائط، فافتخر ابن عثمان، فقال أسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه (5)، أفإياي تفاخر ؟ !، ولما بعث أبو بكر إلى أسامة يخبره بخلافته (6)، قال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله صلى الله عليه وآله عنكما، وأنت وصاحبك بغير إذني رجعتما، وما خفي على النبي صلى الله عليه وآله موضع، وقد ولاني عليكما ولم يولكما، فهم الاول أن يخلع نفسه فنهاه الثاني، فرجع أسامة ووقف بباب المسجد وصاح: يا معاشر المسلمين ! عجبا لرجل استعملني رسول الله صلى الله عليه وآله فعزلني وتأمر علي (7)، انتهى كلامه. وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل (8) - عند ذكر الاختلافات الواقعة في مرض النبي صلى الله عليه وآله -: الخلاف الثاني: أنه صلى الله عليه وآله قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش


(1) في الصراط المستقيم 2 / 297. (2) في المصدر: ابن أبي الزناد - بالنون -، وهو الظاهر. (3) في الصراط المستقيم: عن أبيه، بدلا من: عن أمية. (4) الصراط المستقيم 2 / 297، ولم نجده في العقد الفريد المطبوع. (5) في (س): وصاحبه. ولا توجد همزة الاستفهام التالية في المصدر. (6) في المصدر: إلى أسامة أنه خليفة. (7) في الصراط: استعلمني عليه فتآمر علي وعزلني. (8) الملل والنحل 1 / 29 (وفي طبعة دار المعرفة 1 / 23).

[433]

أسامة (1). فقال: قوم (2) يجب علينا إمتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتد مرض النبي صلى الله عليه وآله فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال (3) هذه، فنصبر حتى نبصر أي شئ يكون من أمره ؟، انتهى. وصرح صاحب روضة الاحباب (4)، بأن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا من جيش أسامة. وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الارشاد (5): لما تحقق لرسول الله صلى الله عليه وآله من دنو أجله ما كان قدم (6) الذكر به لامته،، فجعل صلى الله عليه وآله يقوم مقاما بعد مقام في المسلمين يحذرهم الفتنة بعده والخلاف عليه، ويؤكد وصاءتهم (7) بالتسمك بسنته (8) والاجماع عليها والوفاق، ويحثهم على الاقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرد والحراسة والاعتصام بهم في الدين، ويزجرهم


(1) في الملل والنحل: من تخلف عنه. (2) في (ك): يا قوم. (3) في المصدر: والحالة.. (4) روضة الاحباب.. أقول: الذي يظهر - كما سيصرح قريبا - أنه من كتب العامة، ولا نعرف للخاصة بهذا الاسم إلا ما ألفه السيد الامير جمال (جلال) الدين عطاء الله بن فضل الله بن عبد الرحمن الحسيني النيسابوري الدشتكي الملقب ب‍: الامير جمال الدين المحدث الشيرازي، وهو (في سيرة النبي (ص) والآل والاصحاب) المتوفى حدود سنة 953 ه‍، فارسي، في ثلاث مجلدات، كتب بأمر الامير علي شير الوزير في هراة، وفرغ منه سنة 953 ه‍، ومع هذا فقد راجعته ولم أجد ما نقله المصنف طاب ثراه منه إلا مورد واحد سنذكره فيما بعد، ولم يذكره المصنف في مصادره، وهناك كتاب مطبوع بهذا الاسم باللغة التركية في مكتبة السيد النجفي المرعشي أستبعد كونه هو، فلاحظ. (5) الارشاد: 96 - 98. (6) في (ك): ندم، ولا معنى له. (7) كذا، والظاهر: وصايتهم - بالياء - وهي اسم كالوصية. (8) جاء في (س): وسنته.

[434]

عن الاختلاف (1) والارتداد.. وساق الكلام إلى (2) قوله: ثم أنه عقد لاسامة بن زيد (3) الامرة، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الامة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه صلى الله عليه وآله على إخراج جماعة من مقدمي المهاجرين والانصار في معسكره - حتى لا يبقى في المدينة عند وفاة من يختلف في الرئاسة، ويطمع في التقدم على الناس بالامارة - ليستتب (4) الامر بعده لمن استخلفه من بعده، ولا ينازعه في حقة منازع، فعقد له الامرة على ما ذكرناه، وجد صلى الله عليه وآله في إخراجهم، وأمر أسامة بالبروز عن المدينة بعسكره (5) إلى الجرف، وحث الناس على خروج إليه، والمسير معه وحذوهم (6) من التلوم والابطاء عنه، فبينا (7) هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها.. وساق الحديث إلى قوله: واستمر المرض به أياما وثقل، فجاء بلال عند صلاة الصبح - ورسول الله مغمور بالمرض -، فنادى: الصلاة يرحمكم الله، فأوذن رسول الله صلى الله عليه وآله بندائه، فقال: يصلي بالناس بعضهم فإني مشغول بنفسي، فقالت عائشة: مروا أبا بكر، وقالت حفصة: مروا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - حين سمع كلامهما، ورأى حرص كل واحدة منهما على التنويه (8) بأبيها، وافتتانهما بذلك، ورسول الله صلى الله عليه وآله حي - أكففن فإنكن كصويحبات يوسف،


(1) في المصدر: الخلاف. (2) في (ك): في، بدلا من: إلى. (3) جاء في المصدر: لاسامة بن زيد بن الحارثة. (4) قال في لسان العرب 1 / 226: إستتب الامر: تهيأ واستوى، واستتب أمر فلان: إذا اطرد واستقام وتبين. وفي المصدر: ويستتب. (5) في الارشاد: بمعسكره. (6) كذا، وفي المصدر: حذرهم، وهو الظاهر. (7) في الارشاد: فبينما. (8) جاء في مجمع البحرين 6 / 364: نوهت باسمه - بالتشديد -: إذا رفعت ذكره، ونوهته تنويها: إذا رفعته. (*)

[435]

ثم قام صلى الله عليه وآله مبادرا خوفا من تقدم أحد الرجلين، وقد كان أمرهما بالخروج مع أسامة ولم يك عنده أنهما قد تخلفا، فلما سمع من عائشة وحفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره، فبدر (1) لكف الفتنة وإزالة الشبهة، فقام صلى الله عليه وآله - وأنه لا يستقل على الارض من الضعف - فأخذ بيده علي بن أبي طالب عليه السلام والفضل بن عباس، فاعتمد عليها ورجلاه يخطان (2) الارض من الضعف، فلما خرج إلى مسجد وجد أبا بكر و (3) قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده أن تأخر عنه، فأتخر أبو بكر وقام رسول الله صلى الله عليه وآله مقامه، فقام وكبر (4) وابتدأ الصلاة التي كان ابتدأها أبو بكر، ولم يبن على ما مضى من فعاله، فلما سلم انصرف إلى منزله، واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة ممن حضر المسجد (5) من المسلمين، ثم قال: ألم آمر (6) أن تنفذوا جيش أسامة ؟ !. فقالوا: بلى يا رسول الله (ص) !. قال: فلم تأخرتم عن أمري ؟ !. قال أبو بكر: أني (7) خرجت ثم رجعت لاجدد بك عهدا. وقال عمر: يا رسول الله (ص) إني لم أخرج، لانني لم أحب أن أسأل عنك الركب. فقال النبي صلى الله عليه وآله: نفذوا جيش أسامة.. يكررها ثلاثا (8).. إلى آخر ما مر (9) في أبواب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله مع أخبار أخر أوردناها هناك، وقد تقدم (10) في هذا المجلد خبر


(1) في الارشاد: لبدر. (2) في المصدر: تخطان. (3) لا توجد الواو في المصدر، وهو الظاهر. (4) لا توجد في المصدر: فقام، وفيه: فكبر. (5) في الارشاد: بالمسجد. (6) في المصدر: آمركم. (7) في الارشاد: أني كنت.. (8) إلى هنا في الارشاد: 96. (9) بحار الانوار 22 / 468، وجاء فيه: 21 / 410 - 411، وتقدم الاشارة إليها فيه: 390. (10) بحار الانوار: 22 / 465 - 470 باب 1.

[436]

الصحيفة المشتمل على تلك القصة مفصلا. هذا ما يتعلق بكونهم في جيش أسامة وأمره (ص) بالخروج ولعنه المتخلف. وأما عدم خروجهم وتخلفهم فلا ينازع أحد فيه. وأما أن في (1) ذلك قادح (2) في خلافتهم، فلانهم كانوا مأمورين لاسامة ما دام لم يتم غرض الرسول صلى الله عليه وآله في إنفاد الجيش، فلم يكن لابي بكر الحكم على أسامة، والخلافة رئاسة عامة تتضمن الحكم على الامة كافة بالاتفاق، فبطل خلافة أبي بكر، وإذا بطل خلافته ثبت بطلان خلافة عمر لكونها بنص أبي بكر، وخلافة عثمان لا بتنائها على الشورى بأمر عمر. وأيضا لو لم تبطل خلافة الاخيرين لزم خرق الاجماع المركب، ولان رد كلام الرسول صلى الله عليه وآله في وجهه - كما سبق - من أبي بكر وعمر وعدم الانقياد لامره بعد تكريره (3) الامر إيذاء له صلى الله عليه وآله، وقد قال الله عزوجل: * (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) * (4)، وقال: * (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) * (5)، وذلك مع قطع النظر عن اللعن الصريح في ذلك الامر - كما اعترف به الشهرستاني (6) - والمستحق للعن من الله ومن رسوله لا يصلح للامامة، ولو جوزوا لعن خلفائهم صالحناهم على ذلك واتسع الامر علينا. وأجاب قاضي القضاة في المغني: بأنا لا نسلم أن أبا بكر كان في جيش


(1) خط في (ك) على كلمة: في، وهو أولى. (2) الظاهر: ذلك إسمها، وقادح خبرها. (3) الكلمة مشوشة في (ك). (4) الاحزاب: 57. (5) التوبة: 61. (6) الملل والنحل 1 / 29.

[437]

أسامة (1) ولم يسند منعه إلى رواية وخبر، وذكره له بعض المتعصبين (2) خبرا ضعيفا يدل بزعمه على لم يكن فيه وقال ابن أبي الحديد (3): كثير من المحدثين يقولون كان أبو بكر من الجيش، والامر عندي في هذا الموضع مشتبه، والتواريخ مختلفة (4). والجواب أن وروده في رواياتهم - سيما إذا كان جلهم قائلين به مع اتفاق رواياتنا عليه - يكفينا في الاحتجاج ولا يضرنا خلاف بعضهم. وأما استناد صاحب المغني (5) في عدم كونه من الجيش بما حكاه عن أبي علي من أنه لو كان أبو بكر من الجيش لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الصلاة في مرضه مع تكريره أمر الجيش بالخروج والنفوذ (6)، فقد عرفت ما في حكاية الصلاة من وجوه الفساد، مع أنه لم يظهر من رواياتهم ترتيب بين الامر بالتجهيز والامر بالصلاة، فلعل الامر بالصلاة كان قبل الامر بالخروج، أو كان في أثناء تلك الحال، فلم يدل على عدم كون أبي بكر من الجيش. ويؤده ما رواه ابن أبي الحديد (7) من أنه لم يجاوز آخر القوم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله. ولو بني الكلام على ما رويناه، فبعد تسليم الدلالة على التأخر يندهم به بنيان ما أسسه، إذ يظهر منها أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما سمع صوت أبي بكر، وعلم أنه تأخر عن أمره ولم يخرج، خرج متحاملا وإخره عن المحراب وابتدأ بالصلاة.


(1) المغني، الجزء المتمم للعشرين: 344. (2) كما حكاه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 17 / 182 - 183. (3) قاله في شرحه 17 / 183. (4) ذكره في شرح النهج 17 / 182. (5) المغني، الجزء المتمم للعشرين: 346. (6) وقد حكاه عنه في الشافي 4 / 154، وشرح النهج لابن أبي الحديد 17 / 176. (7) في شرحه على النهج 17 / 183 بتصرف.

[438]

ثم أجاب صاحب المغني (1) - بعد تسليم أنه كان من الجيش - بأن الامر لا يقتضي الفور، فلا يلزم من تأخره أن يكون عاصيا (2). ورد عليه السيد رضي الله عنه في الشافي (3): بأن المقصود بهذا الامر الفور دون التراخي، أما من حيث مقتضى الامر على مذهب من يرى (4) ذلك لغة، وأما شرعا (5)، من حيث وجدنا جميع الامة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره صلى الله عليه وآله (6) على الفور، ويطلبون في تراخيها الادلة. قال (7): على أن في قول أسامة: لم أكن لاسال عنك الركب (8).. أوضح


(1) المغني، الجزء المتمم للعشرين: 344، ونص عبارته: فيقال عند ذلك: إن نفس الامر يقتضي تأخره، فكيف يكون عاصيا بأن يتأخر.. (2) وقد نقله في الشافي 4 / 144، وشرح النهج لا بن أبي الحديد 17 / 185. (3) الشافي 246 - الحجرية -، وفي الطبعة الجديدة 4 / 147 - 148، باختلاف يسير. (4) في المصدر: من رأى. (5) في الشافي: أو شرعا، وهو الظاهر، وفي شرح النهج: وشرعا. (6) في المصدر زيادة: ونواهيه. (7) جاءت العبارة في الشافي هكذا: ثم لم يثبت كل ذلك لكان قول أسامة.. وهي غير وافية بالمطلوب إلا بإضافة كلمة: لو، بعد: ثم، مثلا. (8) جاء في حاشية (ك) ما يلي: غرض السيد رحمه الله أنه صلى الله عليه وآله لو لم يأمره على الفور وكان أمره فيه سعة وتراخ، وجاز له أن يتأخر كما تأخر أبو بكر أمكن أن يستغني عن سؤال الركب إما بصحته صلى الله عليه وآله أو برحلته وعلم أسامة بذلك، وفي التقدرين لا معنى لسؤال الركب والتعلل به. وتعرض رحمه الله لشق (كذا، والظاهر: للشق) الثاني وأحال الاول على الظهور، فلا يرد عليه ما أورده ابن أبي الحديد بأن هذا قول من توهم على قاضي القضاة أنه يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله إنما أمرهم بالنفوذ بعد الوفاة ولم يقل القاضي بذلك، وإنما ادعى أن الامر بالسير المتراخي لا غير، وأن كلام أسامة لا يدل على أنه فعل (الكلمة مشوشة، ولعله: فعله بالفور) الفور، بل يمكن أن يكون الامر فيه مهلة يفوض إلى رأيه التأجيل والتعجيل، فلما قال له النبي: لم تأخرت عن المسير ؟. قال له ذلك الكلام. [منه (طاب ثراه)]

[439]

دليل على أنه عقل من الامر الفور، لان سؤال الركب بعد الوفاة لا معنى له (1). وأما قول صاحب الكتاب أنه لم ينكر على أسامة تأخره فليس بشئ، وأي أنكار أبلغ من تكراره الامر، ويزداده القول في حال يشغل عن المهم ويقطع عن الفكر إلا فيها، وقد (2) ينكر الآمر على المأمورة تارة بتكرر (3) الأمر، وأخرى بغيره. وأيده (4) بما حكاه صاحب المغني عن أبي علي من الاستدلال على عدم كون أبي بكر من الجيش بأمر الصلاة وابتناؤه على كون الامر للفور واضح. وقد ارتضى صاحب المغني استدلاله. فهذا المنع مناقض له. أقول (5): ومن القرائن الواضحة على أنهم فهموا من هذا الامر الفور خروجهم عن المدينة - مع شدة مرضه صلى الله عليه وآله - إذ العادة قاضية بأنه لو كان لهم سبيل إلى تأخير الخروج حتى يستعلموا مصير الامر في مرضه صلى الله عليه وآله لتوسلوا إليه بوسعهم، لاشتغال قلوبهم وحرصهم على العليم ببرئه، واستعلام حال الخلافة، ولخوفهم من وقوع الفتن في المدينة، فيكون ما استخلفوه من الاموال والاولاد معرضا للهلكة والضياع، وقد كانوا وتروا (6) العرب وأورثوهم الضغائن، ولعمري إنهم ما خرجوا إلا وقد ضاق الخناق عليهم، وبلغ أمره وحثه صلى الله عليه وآله لهم كل مبلغ، ونال التقريع والتوبيخ منهم كل منال، وما سبق من رواية الجوهري واضح الدلالة على أن المراد هو الفور والتعجيل، وقد اعترف ابن ابي الحديد (7) بأن الظاهر في هذا الموضع صحة ما ذكره السيد، لان قرائن


(1) في المصدر: لان سؤال الركب عنه (ص) لا معنى له بعد الوفاة. (2) في (س): ولم، بدلا من: وقد. (3) في الشافي: بتكرار. (4) الشافي 4 / 149، وهو حاصل كلامه هناك. (5) في (س): قوله، بدلا من: أقول. (6) الكلمة مشوشة في (ك)، ولعلها: أوتروا. (7) في شرحه على نهج 17 / 185 بتصرف، ثم قال، وهذا هو الفور.

[440]

الاحوال عند من يقرأ السير والتواريخ (1) يدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يحثم على الخروج والمسير، انتهى. على أن التراخي إنما ينفع له إذا كان أبو بكر قد خرج في الجيش ولو بعد حين، ولم يقل أحد بخروجه مطلقا. ثم أجاب صاحب المغني (2) - بعد تسليمه كون أبي بكر من الجيش - بأن خطابه (ص) بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى القائم بالامر بعده، لانه من خطاب الائمة، وهذا يقتضي أن لا يكون المخاطب بالتنفيذ في الجملة. ثم قال: وهذا يدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه، لانه لو كان لاقبل بالخطاب عليه، وخصه بالامر بالتنفيذ دون الجميع. ويرد عليه: أن المخاطب في هذا المقام إما الخليفة المنصوص عليه أو من يختاره الامة، وإما الجيش المأمور بالخروج، وإما جميع الحاضرين - الجيش وغيرهم -، وإما الجماعة الخارجة من الجيش بأمره صلى الله عليه وآله، وعلى أي حال فالمأمور به إما إنفاذ الجيش حال حياته صلى الله عليه وآله أو بعد وفاة، أو مطلقا. أما كون المخاطب الخليفة - بقسميه - مع كون المأمور به تنفيذ الجيش حال الحياة فباطل، لورود الخطاب بلفظ الجمع، ولانه لا حكم للخليفة في حياة صلى الله عليه وآله من حيث الخلافة، ولانه لو كان المخاطب هو بعينه لانكر الرسول صلى الله عليه وآله تأخر القوم عن الخروج عليه لا على القوم، والمروي خلافه. ويخص القسم الثاني بأنه لا معنى لخطاب من يختاره الامة بعد الوفاة بالامر بتنفيذ الجيش حال الحياة، وهو واضح، وكذا على الاطلاق، ولو خوطب بالتنفيذ بعد الوفاة فبأمر من خرج الاصحاب حال حياته صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا ينكر صلى الله عليه وآله تخلف من تخلف ويحثهم على الخروج ؟ ! وكذا لو كان المخاطب


(1) في المصدر: ويعرف التواريخ. (2) المغني، الجزء المتمم للعشرين: 345، وهذا حاصل كلامه، وقد حكاه عنه في الشافي 4 / 145.

[441]

الامام المنصوص. ولو كان المخاطب هو الجيش المأمور بالخروج فعلى الاقسام الثلاثة يكون الداخل فيهم عاصيا بالتخلف حال الحياة أو بعدها أو مطلقا، وقد ثبت باعتراف الثقات عندهم دخول أبي بكر في الجيش، فثبت عصيانه بالتخلف على أحد الوجوه، على أن هذا الكلام من صاحب المغني - بعد تسليم كون أبي بكر من الجيش - ولعله رجع عن ذلك التسليم معتمدا على دليله هذا، وهو كما ترى، وحينئذ يكون المراد بالتفيذ - في كلامه صلى الله عليه وآله أو التجهيز على اختلاف الروايات - إتمام أمر الجيش في بلوغه إلى حيث أمر به، فكل واحد منهم مكلف بالخروج الذي هو شرط لتحقق المأمور به وحصول الامتثال، وباجتماعهم في ذلك يحصل الغرض. ولا يذهب عليك أن القسم الثاني من هذه الثلاثة وإن كان مثبتا للمطلوب إلا أنه باطل، إذ لو كان المأمور به خروجهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله لما تركوه في شدة المرض مع تعلق القلوب باستعلام العاقبة في أمره صلى الله عليه وآله وأمر الخلافة وما خلفوه كما سبق، ولما أنكر صلى الله عليه وآله خروج من تخلف منهم. ولو كان المخاطب جميع من حضر فمعنى التنفيذ والتجهيز أن يبذل كل منهم جهده في حصول المأمور به، فالمطلوب من الجيش الخروج، ومن غيرهم تهيئة أسبابهم وحثهم عليه، وفعل كل ما هو شرط فيه مما يدخل تحت طاقته ويعصي كل بترك ما أمر به، فمن كان داخلا في الجيش كالثلاثة بالتخلف ومن خرج بترك ما سبق. ولو كان المخاطب الجماعة التي لم تؤمر بالخروج فيهم، كما هو الاظهر من لفظ التنفيذ مع صيغة الجمع، فمع جريان بعض المفاسد السابقة فيه وبطلانه بأقسامه لا يغني صاحب المغني، إذ هو مخالف لما تعرض لاثباته من كون الخطاب متوجها إلى الائمة، ولا يلزم منه خروج أبي بكر عن المأمورين أيضا، وهو مما لم يقل به أحد.

[442]

ولو سلمنا توجه هذا الخطاب إلى غير الجيش أما (1) كان أو غيره، نقول لا ريب في أنه متضمن لامر الجيش بالخروج، فعصيان من تخلف من الداخلين فيه لازم على هذا الوجه، فعلى أي تقدير ثبت عصيان أبي بكر واندفع كلام المجيب. وقوله: لانه من خطاب الائمة.. إن أراد به أن الامر بالتنفيذ لا يصلح لغير الائمة فقد عرفت ضعفه، وإن أراد أن الخطاب بصيغة الجمع لا يتوجه إلى غيرهم، فالظاهر أن الامر بالعكس، على أنا لو ساعدناه على ذلك نقول: إذا ثبت كون من تزعمه إماما من الجيش فبعد توجه الخطاب إليه كان مأمورا بالخروج، عاصيا بتكره، ويكون معنى التنفيذ والتجهيز ما تقدم، فإذا قلت بأن الخطاب على هذا الوجه لا يتوجه إلا إلى الائمة ويستدعي بخروج من توجه إليه الخطاب، فبعد ثبوت أن أبا بكر كان من الجيش أو تسليمه كان ذلك دليلا على أنه لا يصلح لان يختاره الامة للامامة، وأما توصله بذلك إلى عدم النص فيتوجه عليه أن كون الخطاب بصيغة الجمع محمولا على ظاهره مع توجهه إلى الامام يستلزم كون الامام جماعة، ولم يقل به أحد، ولو فتحت به باب التأويل وأولته إلى من يصير خليفة باختياركم أولناه إلى من جعلته خليفة نبيكم، مع أن توجه الخطاب إلى الخليفة قد عرفت بطلانه بأقسامه. أقول: قد تكلم السيد رحمه الله في الشافي (2) وغيره من الافاضل (3) في هذا الطعن سؤالا وجوابا ونقضا وإبراما بما لا مزيد عليه، واكتفينا بما أوردنا لئلا نخرج عن الغرض المقصود من الكتاب، وكفى ما ذكرنا لاولي الالباب.


(1) كذا، وجاءت نسخة بدل في (ك): إماما، وهو الظاهر. (2) الشافي 4 / 144 - 152. (3) كما ذكره في تلخيص الشافي 3 / 177 - 180، وفي الصراط المستقيم 2 / 296 - 299، وغيرهما.

[443]

الطعن الثالث: ما جرى منه في أمر فدك، وقد تقدم القول فيه مفصلا فلا نعيده (1). الطعن الرابع: أنه قال عمر بن الخطاب - مع كونه وليا وناصرا لابي بكر -: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها (2)، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (3)، ولا يتصور في


(1) أقول: لقد سلف منا في أول الكتاب ذكر جملة من المصادر تبعا لشيخنا العلامة - طاب ثراه - وللباحث عن هذا الموضوع أن يراجع المطولات من كتب الحديث والتاريخ والتراجم ليرى من ذلك الغرائب، فانظر مثلا: مروج الذهب 3 / 252، معجم البلدان 4 / 238، شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 77 - 100، المختصر في أخبار البشر 1 / 178، وذكر ذلك المرحوم السيد الفيروز آبادي في كتابه السبعة من السلف: 35 - 36. وحسبنا في المقام ما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 39 عن عمر، قال: لما قبض رسول الله (ص) جئت أنا وأبو بكر إلى علي عليه السلام، فقلنا: ما تقول فيما ترك رسول الله (ص) ؟. قال: نحن أحق الناس برسول الله (ص)، قال: فقلت: والذي بخيبر ؟. قال: والذي بخيبر. قلت: والذي بفدك ؟. قال: والذي بفدك. فقلت: أما والله حتى تحزوا رقابنا بالمناشير فلا ! !. وقد رواه الطبراني في الاوسط، وقد فصلها بمصادرها شيخنا الاميني - رحمه الله - في غديره 7 / 190 - 197، فراجع. (2) ما الذي أباح لعمر أو لغيره من الصحابة قولهم في خلافة أبي بكر: إنها كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها، كما جاء في صحيح البخاري، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت 10 / 44 [8 / 2080]، مسند احمد 1 / 55، تاريخ ابن كثير 5 / 246، تاريخ الطبري 3 / 200 - 205، سيرة ابن هشام 4 / 338، السيرة الحلبية 3 / 388 - 392، كامل ابن الاثير 2 / 135 و 327، أنساب البلاذري 5 / 15، تيسير الوصول 2 / 42 - 44، نهاية ابن الاثير 3 / 238، الرياض النضرة 1 / 161، الصواعق المحرقة: 5 و 8، وقال: سند صحيح، تمام المتون للصفدي: 137، تاج العروس 1 / 568. وجاء في بعض المصادر: فلتة كفلتات الجاهلية فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، كما في التاريخ للطبري 3 / 210، والتمهيد للباقلاني 196، وشرح ابن أبي الحديد 2 / 19، وغيرها، وقد أشار إلى كلتا العبارتين في الغدير 5 / 370 و 7 / 79. (3) كما جاء في الصواعق المحرقة: 21، والتمهيد: 196، وشرح ابن أبي الحديد 1 / 123 - 124، = = وغيرها.

[444]

التخطئة والذم أوكد من ذلك. وأجاب عنه قاضي القضاة في المغني (1): لا يجوز لقول محتمل ترك ما علم ضرورة، ومعلوم (2) من حال عمر إعظام أبي بكر والقول بإمامته والرضا ببيعته، وذلك يمنع مما ذكروه، لان المصوب للشئ لا يجوز أن يكون مخطئا له. قال: وقال أبو علي: إن (3) الفلتة ليست هي الزلة والخطيئة، بل هي البغتة وما وقع فجأة من غير (4) روية ولا مشاورة، واستشهد بقول الشاعر: من يأمن الحدثان مثل (5) ضبيرة القرشي ماتا * سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلانا يعني بغتة من غير مقدمة، وحكى عن الرياضي (6) إن العرب تسمي آخر


(1) المغني، الجزء المتمم للعشرين: 339 - 340، بتصرف أشرنا إليه، وقد حكاه في الشافي 4 / 124 - 125، والمتن أقرب منه في العبارات، وقد جاء نقله عنه في شرح ابن أبي الحديد 2 / 26 و 27. (2) في المصدر: لا يجوز القول بمثل ترك ما نعلم باضطرار ومعلوم.. وهو مقلوب ما ذكره السيد في الشافي: 1 / 124 - 125. (3) لا توجد كلمة: إن، في المصدر، وفيه قد قدمت كلمة: ليست على: الفلتة.. (4) جاءت العبارة في المغني هكذا: بل يجب أن تكون محمولة على ما نقل عن أهل اللغة من أن المراد بها بغتة وفجأة من غير.. (5) نسخة جاءت في مطبوع البحار: بعد، بدلا من: مثل. والشعر في المصدر: هربا من الحدثان بعد جبيرة القرشي * ما ناسف ميتته المسبب وكان ميتته افتلاتا وقال في هامشه: في البيت تحريف أضاع منه الوزن والمعنى معا، والشعر في الشافي جاء هكذا: هربا من الحدثان بعد صبيرة القرشي * ما نأسف ميتته المسبب وكان ميتته افتلاتا وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا * سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلاتا (6) في المغني: أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي.

[445]

يوم من شوال: فلتة، من حيث إن كل (1) من لم يدرك ثاره وطلبه (2) فيه فاته (3) لانهم كانوا إذا دخلوا في الاشهر الحرم لا يطلبون الثار، وذو القعدة من الاشهر الحرم، فسموا ذلك اليوم فلتة (4)، لانهم إذا أدركوا فيه ثارهم فقد أدركوا (5) ما كاد يفوتهم، فأراد عمر على هذا أن بيعة أبي بكر تداركها (6) بعد ما كادت تفوت. وقوله: وقى الله شرها.. دليل على تصويب البيعة (7)، لان المراد بذلك أن الله تعالى (8) دفع شر الاختلاف فيها. قال (9): فأما قوله: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فالمراد من عاد إلى أن يبايع من غير (10) مشاورة ولا عدد يثبت صحة البيعة به ولا ضرورة داعية إلى البيعة (11) ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة قهرا (12) فاقتلوه، وإذا احتل ذلك وجب حمله على المعنى الذي ذكرنا ولم نتكلف (13) ذلك، لان قول عمر يطعن في بيعة أبي


(1) لا توجد: إن كل.. في المغني والشافي. (2) في المصدر والشافي: وطلبه، ولا توجد في شرح النهج لابن أبي الحديد. (3) لا توجد: فاته، في (س) وفي المصدر جاء بدلها: فلتة. (4) في المغني والشافي: إنما سموه فلتة. (5) لا توجد: ثارهم فقد أدركوا، في المغني والشافي، وهي مثبتة في شرح النهج. (6) في المصدر: على هذا الوجه أن بيعة أبي بكر تداركوها.. (7) في المغني والشافي: على التصويب - بالالف واللام مع حذف المضاف إليه -، وفي شرح النهج كالمتن. (8) في المصدر والشافي: أنه تعالى. (9) وقد قاله القاضي في المغني أيضا، وقد حكاه عنه في الشافي 4 / 125 - 126، وجاء في شرح النهج 2 / 27. (10) في المغني والشافي: من عاد إلى مثلها من غير.. (11) في المصدر: ولا عذر ولا ضرورة، وفي الشافي: ولا عدة ولا ضرورة، ولا توجد فيهما بقية العبارة إلى هنا، وما في الشرح لابن أبي الحديد كالمتن. (12) لا توجد: قهرا، في المصدر. (13) في المغني: الذي ذكرناها ولم يتكلف.

[446]

بكر، ولا أن (1) قوله حجة عند المخالف، ولكن تعلقوا به ليوهموا أن بيعته غير متفق عليه (2)، وأن أول من ذمها من عقدها. انتهى ما ذكره أبو علي. وبمثل هذا الجواب أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول (3)، وشارح المقاصد (4)، وشارح المواقف (5)، ومن يحذو حذوهم. وأورد السيد الاجل (6) رضي الله عنه على صاحب المغني: بأن ما تعلقت به من العلم الضروري برضا عمر ببيعته أبي بكر وإمامته.. فالمعلوم ضرورة بلا شبهة أنه كان راضيا بإمامته، وليس كل من رضي شيئا كان متدينا به معتقدا لصوابه، فإن كثيرا من الناس يرضون بأشياء من حيث كانت دافعة لما هو أضر منها وإن كانوا لا يرونها صوابا، ولو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرها، وقد علمنا أن معاوية كان راضيا ببيعة يزيد لعنه الله وولايته العهد من بعده، ولمن يكن متدينا بذلك ومعتقدا صحته، وإنما رضي عمر ببيعة أبي بكر من حيث كانت حاجزة عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولو ملك الاختيار لكان مصير الامر إليه آثر في نفسه وأقر لعينه. فإن ادعى أن المعلوم ضرورة تدين عمر ببيعة أبي بكر وأنه أولى بالامامة منه فهو مدفوع عن ذلك أشد دفع، مع أنه قد كان يندر (7) منه - أعني عمر - في وقت بعد آخر ما يدل على ما ذكرناه. وقد روى الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عباس (8) الهمداني، عن سعيد


(1) لا توجد: ان، في المصدر، وفيه تقديم: عند المخالف، على قوله: حجة. (2) في المغني والشافي: عليها. وهو الصحيح. (3) نهاية العقول: مخطوط. (4) شرح المقاصد 5 / 280 - 281. (5) شرح المواقف: 8 / 358. (6) الشافي 4 / 126 - 135، وفي الحجرية: 241 - 244، بتصرف يسير أشرنا لاكثره، وحكاه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 / 29 - 35. (7) في الشافي: يبدر. (8) في المصدر: عياش.

[447]

ابن جبير، قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل: كانا والله شمسي هذه الامة ونوريها. فقال له ابن عمر: وما يدريك ؟. فقال له الرجل: أو ليس قد ائتلفا ؟. فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، وأشهد أني كنت (1) عند أبي يوما وقد أمرني أن أحبس (2) الناس عنه، فاستأذن عليه (3) عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال عمر: دويبة سوء ولهو خير من أبيه، فأوجسني ذلك (4)، فقلت: يا أبة ! عبد الرحمن خير من أبيه ؟ !. فقال (5): ومن ليس خيرا من أبيه لا أم لك، إئذن لعبد الرحمن، فدخل عليه فكلمه في الحطيئة الشاعر أن يرضى عنه - وكان عمر قد حبسه في شعر قاله -، فقال عمر: إن الحطيئة لبذي فدعني أقومه بطول الحبس، فألح عليه عبد الرحمن وأبى عمر، وخرج عبد الرحمن فأقبل علي أبي، فقال: أفي غفلة أنت إلى يومك هذا عما (6) كان من تقدم أحيمق بني تيم علي وظلمه لي ؟ !. فقلت: يا أبة ! لا علم لي بما كان من ذلك. فقال: يا بني ! وما عسيت ان تعلم ؟. فقلت: والله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم. قال: إن ذلك لكذلك على زعم (7) أبيك وسخطه. فقلت: يا أبة ! أفلا تحكي عن فعله بموقف في الناس تبين ذلك لهم. قال: وكيف لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم ؟ إذن يرضخ رأس أبيك بالجندل (8).


(1) لا توجد: كنت، في المصدر، ومثبتة في شرح النهج، ولا يتم المعنى إلا بها. (2) في (س): أجلس، والمقصود واحد. إذ أجلس الناس عنه.. أي اجعل الناس جليسا عن الوصول إليه.. أي أمنعهم عنه. (3) لا توجد في الشافي: عليه. (4) في المصدر: فأوحشني ذلك منه. (5) لا توجد: فقال، في (ك). (6) في المصدر: على ما، بدلا من: عما. (7) في الشافي: رغم - بالراء المهملة -، وهو الظاهر. (8) الرضح: بمعنى الكسر والدق، كما في مجمع البحرين 2 / 432، والجندل: الحجارة، كما نص عليه في الصحاح 4 / 1652. (*)

[448]

قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس، فقال: يا أيها الناس ! إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه. وروى الهيثم بن عدي - أيضا -، عن مجالد بن سعيد، قال: غدوت يوما إلى الشعبي - وإنما أريد أن أسأله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقول -، فأتيته في مسجد حية - وفي المسجد قوم ينتظرونه - فخرج، فتقربت إليه (1)، وقلت: أصلحك الله ! كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدثا قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ؟. قال: نعم، قد كان ابن مسعود يقول ذلك. وكان (2) ابن عباس يقوله أيضا، وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها، ويصرفها عن غيرهم ؟ فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الازد فجلس إلينا فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب على أبي بكر. فقال الازدي، والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل ولا أقول (3) بالجميل فيه من عمر في أبي بكر، فأقبل علي الشعبي (4) فقال: هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل فقال: يا أخا الازد ! كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها ؟ ! أترى عدوا يقول في عدو يريد (5) أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر. فقال الرجل: سبحان الله ! يا أبا عمرو ! وأنت تقول ذلك ؟ !. فقال الشعبي: أنا أقوله، قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الاشهاد، فلمه أو دع ! فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم (6) بشئ لم أفهمه (7)، فقال مجالد:


(1) في الشافي وشرح النهج: فتعرفت. (2) في (س): وقال، بدلا من: وكان. (3) في الشافي: ولا أقوله، وفي شرح النهج: ولا أقول فيه بالجميل. (4) في الشافي: على عامر الشعبي. (5) في المصدر: ويريد - بزيادة الواو -. (6) الهمهمة: ترديد الصوت، كما في مجمع البحرين 6 / 189، وغيره. (7) في المصدر زيادة: في الكلام، بعد: لم أفهمه.

[449]

فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثه فيهم.. قال: إذا والله لا أحفل به، وشئ (1) لم يحفل به عمر بن الخطاب حين قام على رؤوس المهاجرين والانصار أحفل به أنا ؟ ! وأنتم (2) أيضا فأذيعوه عني ما بدا لكم (3). وروى (4) شريك بن عبد الله النخعي، عن محمد بن عمرو بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن عبد الله بن سلمة، عن أبي موسى الاشعري، قال: حججت مع عمر ابن خطاب، فلما نزلنا وعظم الناس، خرجت من رحلي أريد (5) عمر فلقيني مغيرة ابن شعبة فرافقني، ثم قال: أين تريد ؟. فقلت: أمير المؤمنين عمر (6)، فهل لك ؟. قال: نعم، قال: فانطلقنا نريد رحل عمر، فإنا لفي طريقنا إذ ذكرنا تولي عمر، و (7) قيامة بما هو فيه، وحياطته على الاسلام، ونهوضه بما قبله من ذلك، ثم خرجنا إلى ذكر أبي بكر، فقلت (8) للمغيرة، يا لك الخير (9) ! لقد كان أبو بكر مسددا في عمر كأنه ينظر إلى قيامة من بعده وجده واجتهاده وعنائه (10) في الاسلام. فقال المغيرة: لقد كان ذلك، وإن كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه، وما كان لهم في ذلك من حظ. فقلت له: لا أبا لك ! من القوم (11) الذين كرهوا ذلك من


(1) في (ك): لا أحفل بذلك شئ..، وفي المصدر: لا حفل بذلك شيئا، وهي نسخة جاءت في (ك) من البحار، وهو الظاهر. (2) في (س): أنتم - بلا واو -. (3) وقد ذكره الشيخ في تلخيص الشافي 3 / 161. (4) في الشافي: وقد روى. (5) في الشافي: وأنا اريد. (6) لا توجد: عمر، في المصدر. (7) لا توجد: عمرو، في (س). (8) في المصدر: ثم قال: فقلت.. (9) جاءت في (س): بالك الخبر. ونسخة في (ك): مالك الخبر. (10) في (س): غنائه - بالغين المعجمة -. (11) في المصدر: ما نرى القوم، وما في شرح النهج كالمتن.

[450]

عمر ؟. فقال لي المغيرة: لله أنت كأنك في غفلة لا تعرف هذا الحي من قريش، وما قد خصوا به من الحسد ؟. فو الله لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشار الحسد وللناس كلهم عشر (1). فقلت: مه يا مغيرة ! فإن قريشا بانت (2) بفضلها على الناس.. ولم نزل في مثل (3) ذلك حتى انتهينا إلى رحل عمر بن الخطاب فلم نجده (4)، فأسلنا عنه، فقيل: خرج آنفا، فمضينا نقفوا أثره حتى دخلنا المسجد، فإذا عمر يطوف بالبيت، فطفنا معه، فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة فتوكأ على المغيرة، وقال (5): من أين جئتما ؟. فقلنا: يا أمير المؤمنين ! خرجنا نريدك فأتينا رحلك فقيل لنا خرج يريد المسجد فاتبعناك. قال: تبعكما الخير، ثم إن المغيرة نظر الي وتبسم (6)، فنظر إليه عمر فقال: مم تبسمت أيها العبد ؟. فقال (7): من حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا إليك. فقال (8): وما ذاك الحديث ؟.. فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش وذكر من أراد صرف أبي بكر عن استخلافه (9)، فتنفس الصعداء، ثم قال: ثكلتك أمك يا مغيرة، وما تسعة أعشار الحسد ؟ ! إن فيها لتسعة أعشار الحسد كما ذكرت (10) وتسعة أعشار العشر، وفي الناس عشر، وقريش شركاؤهم في عشر العشر أيضا، ثم سكت مليا وهو يتهادى بيننا، ثم قال: ألا أخبركما بأحسد قريش


(1) في الشافي وفي نسخة على (ك) من البحار: عشر بينهم. (2) في المصدر: قد بانت. (3) لا توجد: مثل، في المصدر. (4) في المصدر: إلى عمر بن خطاب أو إلى رحله فلم نجده. (5) في المصدر وفي نسخة جاءت على (ك): ثم قال. (6) في الشافي: فتبسم. (7) في المصدر: قال - بلا فاء -. (8) في المصدر: قال - بلا فاء. (9) في الشافي: عن ولاية عمر، وهي نسخة في (ك). (10) لا توجد: كما ذكرت، في المصدر.

[451]

كلها ؟ !. قلنا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: أو عليكما (1) ثيابكما ؟. قلنا: نعم. قال: وكيف بذلك وأنتما ملبسان ثيابكما ؟ !. قلنا له: يا أمير المؤمنين ! وما بال الثياب ؟. قال: خوف الاذاعة من الثياب. فقلت له (2): أتخاف الاذاعة من الثياب، فأنت والله من ملبسي (3) الثياب أخوف، وما الثياب أردت !. قال: هو ذلك، فانطلق وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله فخلى أيدنا من يده، ثم قال: لا تريما (4).. ثم دخل، فقلت للمغيرة: لا أبا لك لقد عثرنا بكلامنا معه (5) وما كنا فيه وما رآه حبسنا (6) إلا ليذاكرنا إياها. قال: فإنا لكذلك إذ خرج إلينا آذنه، فقال: ادخلا، فدخلنا، فإذا عمر مستلق على برذعة الرحل، فلما دخلنا أنشأ يتمثل ببيت كعب ابن زهير: لا تفش سرك إلا عند ذي ثقة * أولى وأفضل (7) ما استودعت أسرارا صدرا رحيبا وقلبا واسعا ضمنا (8) * لا تخش منه إذا أودعت اظهارا (9) فعلمنا (10) أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه، فقلت أنا له (11): يا أمير


(1) في المصدر: وعليكما - بلا همزة استفهامية -. (2) في نسخة في (ك): فقلنا. (3) الكلمة مشوشة في (س). (4) جاء في هامش المصدر أن في الاصل: لا تريحا. وفيه: لا تبحرا، وسيتعرض لهما المصنف رحمه الله. (5) لا توجد: معه، في الشافي. (6) في (س): حسبنا. (7) في (س) نسخة بدل: ولا بأفضل. (8) في الشافي: صمتا، وفي شرح النهج: قمنا. (9) وفي رواية ابن أبي الحديد: صدرا وقلبا واسعا قمنا ألا تخاف متى أودعت إظهارا (10) في الشافي هنا: فلما سمعناه يتمثل بالشعر علمنا.. (11) في المصدر: فقلنا له، وفي (س): فقلت أنا - من دون: له -.

[452]

المؤمنين ! أكرمنا وخصنا وصلنا (1). فقال: بماذا يا أخا الاشعريين ؟. قلت (2): بإفشاء سرك إلينا (3) وإشراكنا (4) في همك، فنعم المستسران نحن لك (5). فقال: إنكما لكذلك، فاسألا عما بدا لكما ؟ ثم (6) قال: فقام إلى الباب ليغلقه، فإذا آذنه الذي أذن لنا عليه في الحجرة، فقال: امض عنا - لا أم لك -، فخرج وأغلق الباب خلفه ثم جلس وأقبل علينا، وقال (7): سلا تخبرا. قلنا: نريد أن تخبرنا يا أمير المؤمنين (8) بأحسد قريش الذي لم تأمن ثيابنا على ذكره لنا (9). فقال: سألتما عن معضلة وسأخبر كما، فليكن (10) عندكما في ذمة منيعة وحرز ما بقيت، فإذا مت فشأنكما وما أحببتما من إظهار أو كتمان. قلنا: فإن لك عندنا ذلك. قال أبو موسى: وأنا أقول في نفسي ما أظنه يريد إلا الذين كرهوا استخلاف أبي بكر له كطلحة وغيره، فإنهم قالوا: لا يستخلف علينا فظا غليظا (11)، وإذا هو يذهب إلى غير ما في نفسي. فعاد إلى التنفس، فقال (12): من تريانه ؟.


(1) في الشافي: ووصلنا، وفي (ك) نسخة بدل: حملنا. (2) في (ك) من البحار: فقلت، وفي المصدر: قلنا. (3) لا توجد: إلينا، في (س) ولا في شرح ابن أبي الحديد. (4) في المصدر: أشركنا. (5) في شرح النهج: المستشاران لك. (6) لا توجد: ثم، في المصدر. (7) في المصدر: ثم أقبل إلينا (علينا) فجلس معنا فقال.. (8) لا توجد في الشافي: أمير المؤمنين. (9) في المصدر: لم تأمن ثيابنا عليه إن تذكره لنا. (10) في الشافي: فلتكن. (11) في حاشية (ك) جاءت نسخة بدل وهي:.. كرهوا من أبي بكر استخلافه لعمر، وكان طلحة أحدهم، فأشاروا عليه أن لا يستخلفه لانه فض غليظ.. والظاهر فظ، بدلا من: فض، كما في المصدر. وهذه النسخة مطابقة للمصدر وجاء فيه بعدها: ثم قلت في نفسي: قد عرفنا هؤلاء القوم بأسمائهم وعشائرهم وعرفهم الناس. (12) في المصدر: وإذا هو يريد غير ما نذهب إليه منهم، فعاد عمر إلى النفس، ثم قال..

[453]

قلنا: والله ما ندري إلا ظنا. قال: ومن تظنان ؟. قلنا: عساك (1) تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف (2) هذا الامر عنك. قال: كلا والله (3)، بل كان أبو بكر أعق وأظلم، هو الذي سألتما عنه، كان والله أحسد قريش كلها، ثم أطرق طويلا فنظر إلي المغيرة ونظرت إليه، وأطرقنا مليا لاطراقه (4)، وطال السكوت منا ومنه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه، ثم قال: وا لهفاه ! على ضئيل بني تميم بن مرة، لقد تقدمني ظالما وخرج إلي منها آثما. فقال له المغيرة: أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالما فقد عرفناه (5)، فكيف (6) خرج إليك منها آثما ؟. قال: ذلك لانه لم يخرج إلي منها إلا بعد يأس منها، أما والله لو كنت أطعت زيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشئ أبدا (7)، ولكني قدمت وأخرت، وصعدت وصوبت، ونقضت وأبرمت، فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشب به منها (8) والتلفهف على نفسير (9)، وأملت إنابته ورجوعه، فو الله ما فعل حتى فرغ منها بشيما (10).


(1) في الشافي: نراك. (2) لا توجد: صرف، في (س). (3) لا توجد: والله، في المصدر. (4) في الشافي: وأطرقنا لاطراقه - ولا توجد: مليا -. (5) في الشافي: هذا يقدمك ظالما قد عرفنا. (6) في (س): كيف. (7) وضع على: أبدا، رمز نسخة بدل في (ك). (8) في المصدر: على ما نشبت منه فيها. (9) في حاشية (ك) نسخة بدل: فلم يجبني نفسي إلى ذلك. (10) في الشافي: فغربها بشما، وفي شرح النهج: نغر.

[454]

قال المغيرة: فما منعك منها يا أمير المؤمنين ! (1) وقد عرضها عليك يوم السقيفة بدعائك إليها ؟ !. ثم أنت الآن تنقم وتتأسف (2)، فقال: ثكلتك أمك يا مغيرة ! إني كنت لاعدك من دهاة العرب، كأنك كنت غائبا عما هناك، إن الرجل كادني فكدته، وماكرني فماكرته، وألفاني أحذر من قطاة، أنه لما راى شغف (3) الناس به وإقبالهم بوجوههم عليه، أيقن أنهم لا يريدون (4) به بدلا، فأحب لما رأى من حرص الناس عليه وشغفهم (5) به أن يعلم ما عندي، وهل تنازعني نفسي إليها (6)، وأحب أن يبلوني بإطماعي فيها والتعريض لي بها، وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرضه علي لم يجب (7) الناس إلى ذلك، فألفاني (8) قائما على أخمصي مستوفزا (9) حذرا ولو اجبته إلى قبولها لم يسلم الناس (10) إلى ذلك، واختبأها ضغنا علي (11) في قلبه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين، مع ما بدا لي من كراهة (12) الناس لي، أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها علي: لا نريد سواك يا أبا بكر، أنت لها، فرددتها إليه فعند ذلك رأيته وقد التمع وجهه لذلك سرورا، ولقد عاتبني


(1) لا توجد: أمير المؤمنين، في المصدر. (2) في الشافي: بالتأسف عليه. (3) في (س): شعف. (4) في المصدر: أيقن أن لا يريدون.. (5) في (س): شعفهم - بالعين المهملة -. (6) في المصدر: وهل تنازع إليها نفسي. (7) في الشافي: ما عرض علي منها لم يجبه، وقد جاء نسخة في (س): علي منها. ولعله إشارة إلى المصدر. (8) في المصدر: فألقاني. (9) في الشافي: متشوزا، وفي شرح النهج: مستوشزا، وفي نسخة جاءت في (ك): متواريا. (10) وضع على كلمة: الناس، رمز نسخة بدل في (ك). (11) في (ك) زيادة كلمة: ما، بعد: على. (12) في المصدر: كراهية.

[455]

مرة على كلام (1) بلغه عني، وذلك لما قدم عليه (2) بالاشعث أسيرا فمن عليه وأطلقه وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، فقلت للاشعث - وهو قاعد بين يديه (3) -: يا عدو الله ! أكفرت بعد إسلامك، وارتددت ناكصا (4) على عقبيك، فنظر إلي الاشعث نظرا شزرا علمت أنه يريد أن يكلمني بكلام في نفسي، ثم لقيني (5) بعد ذلك في بعض سكك المدينة فرافقني، ثم قال لي: أنت صاحب الكلام يا ابن الخطاب ؟ !. فقلت: نعم يا عدو الله، ولك عندي شر من ذلك. فقال: بئس الجزاء هذا لي منك. فقلت: على م (6) تريد مني حسن الجزاء ؟. قال: لانفتي لك من اتباع هذا الرجل - يريد أبا بكر -، والله (7) ما جرأني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك (8)، ولو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا عليك. قلت: ولقد كان ذلك فما تأمر الآن ؟. قال: إنه ليس بوقت أمر، بل وقت صبر (9)، ومضى ومضيت، ولقي الاشعث الزبرقان بن بدر السعدي فذكر له ما جرى بيني وبينه، فنقل الزبرقان ذلك إلى أبي بكر (10)، فأرسل إلي فأتيته، فذكر ذلك لي، ثم قال: إنك لتشوق (11) إليها يابن الخطاب. فقلت: وما يمنعني الشوق (12) إلى ما كنت أحق


(1) في الشافي: شئ، بدلا من: كلام. (2) لا توجد: عليه، في المصدر، وفيه: بالاشعث بن قيس. (3) في الشافي: وهو بين يدي أبي بكر. (4) في المصدر: ناكصا كافرا. (5) في المصدر: علمت له أنه يريد كلامنا يكلمني به، ثم سكت فلقيني. (6) في (س) زيادة: مني، قبل: تريد، وهو خلاف الظاهر. (7) لا توجد لفظة: والله، في الشافي. (8) في الشافي: إلا بقدمه عليك وتخلفك عنها.. (9) في المصدر: قال ما هذا وقت أمر إنما هو وقت صبر حتى يأتي الله بفرج ومخرج. (10) في الشافي: فنقل الزبرقان إلى أبي بكر الكلام.. (11) في المصدر:: لمتشوف.. (12) في (ك) نسخة بدل: التشوق.

[456]

به ممن غلبني عليه ؟ أما والله لتكفن أو لاكلمن (1) كلمة بالغة بي وبك في الناس تحملها الركبان حيث ساروا، وإن شئت استدمنا ما نحن فيه عفوا. فقال: بل تستديمه (2) وإنها لصائرة إليك بعد أيام، فما ظننت أنه يأتي عليه جمعة حتى يردها علي، فتغافل والله، فما ذكرني بعد ذلك المجلس حرفا حتى هلك، ولقد مد في أمدها عاضا على نواجذه حتى حضره الموت، فأيس منها فكان منه ما رأيتما، فاكتما (3) ما قلت لكما عن الناس كافة (4) وعن بني هاشم خاصة، وليكن منكما بحيث أمرتكما إذا شئتما على بركة الله، فمضينا ونحن نعجب من قوله، فو الله ما أفشينا سره حتى هلك. ثم قال السيد (5) رضي الله عنه: فكأني بهم عند سماع هذه الروايات (6) يستغرقون ضحكا تعجبا واستبعادا وإنكارا ويقولون: كيف يصغى (7) إلى هذه الاخبار، ومعلوم ضرورة تعظيم عمر لابي بكر ووفاقه (8) له وتصويبه لامامته ؟ وكيف يطعن عمر في إمامة أبي بكر وهي أصل لامامته وقاعدة لولايته ؟ ! وليس هذا بمنكر ممن طمست العصبية على قلبه وعينيه، فهو لا يرى ولا يسمع إلا ما يوافق اعتقادات مبتدأة قد اعتقدها، ومذاهب فاسدة قد انتحلها، فما بال هذه الضرورة تخصهم ولا تعم من خالفهم، ونحن نقسم بالله على أنا لا نعلم ما يدعونه، ونزيد (9) على ذلك بأنا نعتقد أن الامر بخلافه، وليس في طعن عمر على بيعته أبي


(1) جاء في المصدر: من التشوف لذلك فذكر أحق به فمن غلبني عليه، أما والله لتكفن أو لاقولن. (2) في شرح النهج: بل نستدعيه. وفي المصدر: إذا نستديمها على أنها صائرة. (3) في المصدر: ثم قال اكتما.. (4) لا توجد في المصدر: عن الناس كافة، وهي مثبتة في شرح النهج. (5) في الشافي 4 / 135 - 137، بتصرف يسير. [الحجرية 241 - 244]، وانظر: تلخيص الشافي 3 / 162 - 167، وشرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد 2 / 30، وغيرهما. (6) في المصدر: هذه الاخبار. (7) في المصدر: نصفي. (8) الكلمة مشوشة في (س). (9) في (س): تزيد.

[457]

بكر ما يؤدي إلى فساد إمامته، لانه يمكن أن يكون ذهب إلى أن إمامته نفسه (1) لم تثبت (2) بانص عليه، وإنما تثبت بلاجماع من الامة والرضا، فقد ذهب إلى ذلك جماعة من الناس، ويرى أن إمامته أولى من حيث لم تقع بقتة ولا فجأة، ولا اختلف الناس في أصلها، وامتنع كثير منهم من الدخول فيها حتى أكرهوا وتهددوا وخوفوا. وأما الفلتة، وإن كانت محتملة للبغتة - على ما حكاه صاحب الكتاب - والزلة (3)، والخطيئة، فالذي يخصصها بالمعنى الذي ذكرناه قوله: وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا الكلام لا يليق بالمدح وهو بالذم أشبه، فيجب أن يكون محمولا على معناه وقوله: إن المراد بقوله (4): وقى الله شرها.. إنه دفع شر الاختلاف فيها عدول عن الظاهر، لان الشر في ظاهر الكلام مضاف إليها دون غيرها. وأبعد من هذا التأويل قوله: إن المراد من عاد إلى مثلها من غير ضرورة وأكره المسلمين عليها فاقتلوه، لان ما جرى هذا المجرى لا يكون مثلا لبيعة أبي بكر عندهم، لان كل ذلك ما جرى فيها على مذاهبهم، وقد كان يجب على هذا أن يقول من عاد إلى خلافها فاقتلوه، وليس له أن يقول إنما أراد بالتمثيل وجها واحدا، وهو وقوعها من غير مشاورة لان ذلك إنما تم في أبي بكر خاصة، لظهور أمره واشتهار فضله، ولانهم بادروا إلى العقد خوفا من الفتنة، وذلك لانه (5) غير منكر أن يتفق من ظهور فضل غير أبي بكر (6) واشتهار أمره، وخوف الفتنة ما اتفق


(1) لا توجد: نفسه، في المصدر. (2) في المصدر: زيادة: إلا، بعد: لم تثبت. (3) في المصدر: وللزلة، وفي (س): المزلة. (4) لا توجد: بقوله، في المصدر. (5) في المصدر: انه - من غير لام -. (6) في الشافي زيادة: بالعقد له، قبل واشتهار..

[458]

لابي بكر، فلا يستحق قتلا ولا ذما، على أن قوله: مثلها.. يقتضي وقوعها على الوجه الذي وقعت عليه، وكيف يكون ما وقع من غير مشاورة لضرورة داعية وأسباب موجبة مثلا لما وقع بلا مشاورة، ومن غير ضرورة ولا أسباب ؟. والذي رواه عن أهل اللغة من أن آخر يوم من شوال يسمى: فلتة، من حيث إن كل من (1) لم يدرك فيه ثاره فقد فاته (2).. فإنا لا نعرفه، والذي نعرفه (3) أنهم يسمون الليلة التي ينقضي بها أحد الشهور الحرم ويتم: فلتة، وهي آخر ليلة من ليالي الشهر (4)، لانه ربما رأى قوم الهلال لتسع وعشرين ولم يبصره الباقون فيغير هؤلاء على أولئك وهم غارون، فلهذا سميت هذه الليلة: فلتة، على أنا قد بينا أن مجموع الكلام يقتضي ما ذكرنا (5) من المعنى، ولو سلم له ما رواه عن أهل اللغة في احتمال هذه اللفظة (6). وقوله في أول الكلام: ليست الفلتة: الزلة والخطيئة.. إن أراد أنها لا تختص بذلك فصحيح، وإن أراد أنها لا تحتمله (7) فهو ظاهر الخطأ، لان صاحب العين قد ذكر في كتابه أن الفلتة من الامر الذي يقع على غير إحكام (8). وبعد، فلو كان عمر لم يرد بقوله توهين بيعة أبي بكر بل أراد ما ظنه المخالفون، لكان ذلك عائدا عليه بالنقص، لانه وضع كلامه في غير موضعه،


(1) لا توجد في المصدر: إن كل من. (2) لا توجد في المصدر: فقد فاته. (3) في الشافي: نعرفه من القوم. (4) انظر لمزيد الاطلاع: النهاية 3 / 467، والقاموس 1 / 154. (5) في المصدر: ما ذكرناه. (6) وهذا ما نقله ابن أبي الحديد عن الشافي في شرحه على النهج 2 / 34 - 35، بتصرف وتحريف في بعض كلماته. (7) في المصدر: لا تحملها. (8) كتاب العين 8 / 122، وقد ذكره في لسان العرب 2 / 67، وقال في القاموس 1 / 154، والصحاح 1 / 260: وكان الامر فلتة.. أي فجأة من غير تردد وتدبر، وزاد في القاموس: وفلتات المجلس: هفواته وزلاته.

[459]

وأراد شيئا فعبر عن خلافه، فليس يخرج هذا الخبر من أن يكون طعنا على أبي بكر إلا (1) بأن يكون طعنا على عمر. انتهى (2). ولنوضح بعض ما تقدم في كلام السيد، وما أو رده من الروايات: قوله: قد كان يندر من عمر.. أي يسقط ويقع. قال في النهاية: في حديث عمر: (ان رجلا ندر في مجلسه فامر القوم كلهم بالتطهير لئلا يخجل الرجل). قال (3): معناه أنه ضرط كأنها ندرت منه من غير اختيار (4). ودويبة سوء - بفتح السين - بالاضافة، وفيه دلالة على غباوة عبد الرحمن للتصغير وعلى حمقه لكون اللفظة تصغير الدابة، وعلى خبث طينته للاضافة إلى السوء. والوجس - كالوعد -: الفزع (5)، وأوجسثني.. أي أفزعني. والبذاء - بالمد -: الفحش (6) والكلم القبيح، ويقال فلان: بذي - كغني - وبذي اللسان (7). ويرضح رأس ابيك.. أي يسكر ويدق، من الرضح - بالراء والضاد المعجمة والحاء المهملة أو بالخاء المعجمة - (8). والجندل - كجعفر -: الحجارة (9).


(1) إلا، هنا عاطفة بمعنى أو، كما ذكرها في القاموس 4 / 407، وغيره. (2) وقد حكاه عنه الشيخ الطوسي، رحمه الله في تلخيص الشافي 3 / 167 - 170، وابن أبي الحديد في شرحه على النهج 2 / 27 - 35، وملاحظة هامش التلخيص وشرح النهج لا تخلو عن فائدة. (3) أي ابن الاثير. والظاهر أنها زائدة. (4) النهاية 5 / 35، وانظر: مجمع البحرين 3 / 490، والصحاح 2 / 825 فإنهما قد صرحا بأن: ندر بمعنى سقط. (5) ذكره في مجمع البحرين 4 / 121، والصحاح 3 / 987، والقاموس 2 / 257. (6) قاله في النهاية 1 / 111، ومجمع البحرين 1 / 48، والصحاح 6 / 2279. (7) كما في القاموس 4 / 302 - 303، ولسان العرب 14 / 69. (8) نص عليه في الصحاح 1 / 365 - 366 و 421 - 422، ولسان العرب 2 / 450 و 3 / 19. (9) صرح به في مجمع البحرين 5 / 336، والصحاح 4 / 1654، وغيرهما.

[460]

وتجاسر فجسر.. أي اجترأ (1) فاقدم على اظهار ما كان في ضميره. والضب - بالفتح -: الحقد والغيظ (2)، ولا احفل به.. أي لا ابالي (3). وبالك الخير - بالباء -.. أي قلبك وشأنك (4)، ويحتمل الياء، حرف الناداء بحذف المنادى أي: يا هذا لك الخير أو يا من لك الخير، وفي بعض النسخ: مالك الخير. والصعداء - بضم الصاد وفتح العين والمد -: تنفس ممدود (5). وسكت مليا.. أي طائفة من الزمان (6). ويتهادى بيننا.. أي يمشي بيننا معتمدا علينا (7). والاذاعة: الافشاء (8). ولا تريما.. أي لا تبرحا، يقال رام يريم: إذا برح (9) وزال عن مكانه. والعثرة: الزلة (10)، وعثرنا بكلامنا.. أي أخطأنا في حكاية كلامنا. وبرذعة الرحل: الكساء الذي يلقى تحت الرحل (11) على رحل البعير. ووا لهفاه: كلمة يتحسر بها (12).


(1) كما في القاموس 1 / 390، وغيره. (2) جاء في لسان العرب 1 / 540، والقاموس 1 / 95. (3) قاله في الصحاح 4 / 1671، ولسان العرب 11 / 159، وغيرهما. (4) نص عليه في النهاية 1 / 164، ومجمع البحرين 5 / 326. (5) ذكره في الصحاح 2 / 498، ولسان العرب 3 / 253، وغيرهما. (6) انظر: القاموس 4 / 391، والصحاح 6 / 2496، ومجمع البحرين 1 / 397. (7) كما في الصحاح 6 / 2534، ولسان العرب 15 / 359. (8) جاء في مجمع البحرين 4 / 328، والصحاح 3 / 1211. (9) نص عليه في الصحاح 5 / 1939، ومجمع البحرين 6 / 77، وغيرهما. (10) صرح به في مجمع البحرين 3 / 396، ولسان العرب 4 / 539. (11) ذكره في الصحاح 3 / 1184، ولسان العرب 8 / 8 إلا أن فيهما: الحلس، بدلا من الكساء. (12) قاله في القاموس 3 / 197، ولسان العرب 9 / 322.

[461]

والضئيل: الحقير السخيف (1). وخرج إلي منها.. أي تركها لي وسلمها إلي. والتلمظ: تتبع بقية الطعام في الفم باللسان (2)، والمعنى لم يذق من حلاوتها أبدا. والتصوب: النزول (3)، والمراد: قلبت هذا الامر ظهرا لبطن، وتفكرت في جميع شقوقه. والاغضاء: - في الاصل -: إدناء الجفون (4). ونشب.. أي علق (5)، والمعنى لم أجد بدا من الصبر على الشدة كما يصبر الانسان على قذى في عينه أو شجا في حلقه. قوله: حتى فرغ منها.. في بعض النسخ: فغر بها.. أي فتح فاه (6). والبشم - بالباء الموحدة والشين المعجمة -: التخمة. والسئام (7):.. أي لم يسلمها إلي إلا بعد استيفاء الحظ والسأم منها. ونقم.. أي كره كراهة بالغة حد السخط (8). والدهاء: النكر وجودة الرأي (9). والشغف - بالغين المعجمة والمهملة -: شدة الحب (10).


(1) ذكر في مجمع البحرين 5 / 409، والقاموس 4 / 5، قالا: الضئيل: النحيف الدقيق الحقير. (2) جاء في الصحاح 3 / 1179، ومجمع البحرين 4 / 291، وغيرهما. (3) كما صرح به في الصحاح 1 / 165، وفي القاموس 1 / 94 مثله في المعنى. (4) نص عليه في مجمع البحرين 1 / 318، والصحاح 6 / 2448، ولا توجد فيهما: في الاصل. (5) كما في الصحاح 1 / 224، ومجمع البحرين 2 / 171، وغيرهما. (6) جاء في مجمع البحرين 3 / 441، والصحاح 2 / 782. (7) قاله في الصحاح 5 / 1873، والقاموس 4 / 80، وزاد في الاخير: والسآمة، بدلا من: السئام. (8) ذكر في مجمع البحرين 6 / 180، وقريب منه في الصحاح 5 / 2045. (9) صرح به في القاموس 4 / 329، والصحاح 6 / 2344، وغيرهما. (10) قال في مجمع البحرين 5 / 75، و 76، وفي النهاية 2 / 481 في مادة شعف - بالعين المهملة -، ولسان العرب 9 / 179 وفي الجميع ما يستفاد من مجموعة ما ذكره المصنف رحمه الله.

[462]

ويبلوني.. أي يمتحنني ويختبرني (1). والاخمص: ما لم يصب الارض من القدم (2). والوفز: العجلة، والمستوفز: الذي يقعد قعودا منتصبا غير مطمئن (3).. أي أوجدني متهيئا للاقدام والنهوض منتظرا للفرصة غير غافل. واختباها.. أي ادخرها (4). والغائلة: الداهية (5). والنظر الشزر: النظر بمؤخر العين (6). والانفة: الاستنكاف (7) وكراهة الشئ للحمية (8) ولغيره (9). وامد الشئ غايته (10). والنواجذ: أقاصي الاسنان (11)، والعض عليها: كناية عن شدة التعلق والتمسك بالشئ (12). ثم اعلم أن ابن أبي ا لحديد (13) - بعد ما ذكر كلام السيد رضي الله عنه -


(1) ذكره في مجمع البحرين 1 / 60، والقاموس 4 / 305، وغيرهما. (2) نص عليه في القاموس 2 / 302، ومجمع البحرين 4 / 170، وغيرهما. (3) نص عليه في القاموس 2 / 195، والصحاح 3 / 901، وانظر: مجمع البحرين 4 / 40، وقد تقدم أن في المصدر: المتشوز، وهو أيضا بمعنى ما في المتن، كما في القاموس 2 / 195. (4) قاله في مجمع البحرين 1 / 119، والنهاية 2 / 3. (5) كما في القاموس 4 / 27، ولسان العرب 11 / 507، وغيرهما. (6) ذكره في مجمع البحرين 3 / 345، والقاموس 2 / 58. (7) جاء في القاموس 3 / 119، ومجمع البحرين 5 / 28، وغيرهما. (8) لا توجد: للحمية، في (س). (9) في النهاية 1 / 76، ولسان العرب 9 / 15 ما يقرب من ذلك المعنى. (10) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 8، والصحاح 2 / 442. (11) صرح به في الصحاح 2 / 571، ومجمع البحرين 3 / 190، وغيرهما. (12) ذكره في مجمع البحرين 4 / 217، وقال في النهاية 3 / 252: هذا مثل في شدة الاستمساك. (13) في شرحه على النهج 2 / 35 - 36 بتصرف.

[463]

قال - ما حاصله -: إنه لا يبعد أن يقال: إن الرضا والسخط والحب والبغض وما شاكل ذلك (1) من الاخلاق النفسانية وإن كانت أمورا باطنة فإنها قد تعلم وتضطر الحاضرون إلى حضولها بقرائن أحوال يفيدهم العلم الضروري، كما يعلم خوف الخائف وسرور المبتهج... فغير منكر أن يقول قاضي القضاة إن المعلوم ضرورة من حال عمر تعظيم أبي بكر ورضاه بخلافته وتدينه بذلك، فالذي اعترضه السيد به غير وارد عليه، وأما الاخبار التي رواها عن عمر (2) فأخبار غريبة ما رأيناها في الكتب المدونة إلا في كتاب المرتضى وكتاب المستبشر (3) لمحمد بن جرير الطبري - الذي هو من رجال الشعية -.. وأنت تعلم حال الاخبار الغريبة التي لا توجد في الكتب المدونة، كيف هي ؟. وأورد عليه أن الامور الباطنة والصفات النفسانية لا ريب في أنها قد تظهر (4) أحيانا بظهور آثارهم وشهادة القرائن عليها، لكن الاطلاع عليها - سيما على وجه العلم بها والجزم بحصولها - أمر متعسر، سيما إذا قامت الدواعي إلى إخفائها وتعلق الغرض بسترها، وأكثر ما يظن (5) به العلم في هذا الباب فهو من قبيل الظن، بل من قبيل الوهم، وجميعها - وإن اشتركت في تعسر العلم بها - إلا أنه في بعضها - سيما في بعض الاشخاص، وفي بعض الاحوال أشد - وكثيرا ما يظن المخالطون لرجل وخواصه وبطانته في دهر طويل إنه يتدين بدين أو يحب أحدا أو يبغضه ثم يظهر خلافه، والدواعي إلى إخفاء عمر بعض أبي بكر أو عدم التدين بخلافته أمر واضح لا سترة به، فإنه كان أساسا لخلافته واصلا لامارته، ومع ذلك كانت


(1) لا توجد كلمة: ذلك، في (ك). (2) في (ك): من عمر. (3) كذا في المصدر أيضا، والصحيح: كتاب المسترشد في الامامة طبع في النجف، راجع رجال النجاشي: 266. (4) في (س): نظر. (5) في (س): نظن.

[464]

خلافة أبي بكر وسيلة إلى ما هو مقصدهم الاقصى، وقرة عيونهم من دفع أهل البيت عليهم السلام عن هذا المقام، فكان قدح عمر في أبي بكر تخريبا لهذا الاساس ومناقضا لذلك الغرض، ولم يكن كارها لخلافة أبي بكر إلا لانه كانت خلافة نفسه أحب إليه وأقر لعينه - كما يظهر من كلام السيد رضي الله عنه ومن رواياته -. ومن نظر بعين الانصاف علم أن تعظيم عمر لابي بكر وإظهاره الرضا بإمارته - مع كونها وسيلة لانتقال الامر إليه وصرفه عن أهل البيت - لا دلالة فيه بوجه من الوجوه على تدينه بإمامة أبي بكر، وكونها أحب إليه من خلافة نفسه، وإن ما ادعوا من العلم الضروري في ذلك ليس إلا عتوا في التعصب وعلوا في التعسف. لا يقال: إذا كانت خلافة أبي بكر أساسا لخلافة عمر وسببا لدفع علي عليه السلام عنها فكيف كان عمر - مع شدة حيلته ودهائه - يقول على رؤوس الاشهاد: كانت بيعة أبي بكر فلتة - بالمعنى الذي زعمتموه ؟ وكيف يظهر مكنون ضميره لابي موسى والميغرة وغيرهما - كما يدل عليه الروايات المذكورة ؟ !. لانا نقول: إما إفشاؤه ما أسر في نفسه إلى أبي موسى والمغيرة وابن عمر فلم يكن مظنة للخوف على ذهاب الخلافة، إذ كان يعرفهم بحبهم له وثيق (1) بأنهم لا يظهرون ذلك إلا لاهله، ولو أظهروه لانكر عليهم عامة الناس، فلم يبال بإفشائه إليهم. وأما حكاية الفلتة، فكانت بعد استقرار خلافته وتمكن رعبه وهيبته في قلوب الناس، وقد دعاه إليها أنه سمع أن عمار بن ياسر كان يقول: لو قد مات عمر لبايعت عليا عليه السلام - كما اعترف به الجاحظ، وحكاه عنه ابن أبي


(1) كذا، والظاهر: يثق - بتقديم الياء المثناة على الثاء المثلثة -.

[465]

الحديد (1) - قال: وقال غيره..: إن المعزوم على بيعته لو مات (2) عمر كان (3) طلحة ابن عبيد الله (4)، ويدل على أن قصة الفلتة كانت لمثل ذلك ما في رواية طويلة رواها البخاري (5) وغيره (6) من قول عمر في خطبته أنه: بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعت فلانا، فلا يغرن امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت، فلقد كان كذلك، ولكن وقى (7) الله شرها. فخاف من بطلان ما مهدوه وعقدوا عليه العهود والمواثيق من بذل الجهد واستفراغ الوسع في صرف الامر عن أمير المؤمنين عليه السلام ومنعه عنه، ومع ذلك هاج الضغن الكامن في صدره فلم يقدر على إخفائه والصبر عليه، فظهر منه مثل هذا الكلام. وأما ما ذكره من أن الاخبار التي رواها السيد رضي الله عنه غير موجودة في الكتب، فليس غرضه من إيرادها إلا نوع تأييد لما ذكره من أن ادعائهم العلم الضروري من قبيل المجازفة، ومن راعى جانب الانصاف وجانب الاعتساف علم أن الامر كما ذكره. ثم قال ابن أبي الحديد (8): اعلم أن هذه اللفظة وأمثالها كان عمر يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة، ولا حيلة له فيها، لانه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها. ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن


(1) في شرحه على نهج البلاغة 2 / 25. (2) في (س): كان، بدلا من: مات. (3) لا توجد: كان، في شرح النهج. (4) في (س): عبد الله - مكبرا -، وهو سهو. (5) صحيح البخاري 8 / 208، كتاب المحاربين، باب 31. (6) منهم احمد بن حنبل في مسنده 1 / 55، وابن هشام في سيرته 2 / 658، وابن الاثير في جامع الاصول 4 / 90، حديث 2076، ولا حظ كتاب الصراط المستقيم 3 / 302. (7) في (س): لقى. (8) في شرحه على النهج 2 / 27، بتصرف واختصار.

[466]

يتكلف (1) وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءا ولا يريد بها تخطئة ولا ذما (2) !، كما قدمناه في اللفظة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية.. وغير ذلك (3)، والله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه، ولقد كانت نيته من أظهر (4) النيات وأخلصها لله سبحانه والمسلمين، ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق. ويرد عليه أن اقتضاء الطبيعة واستدعاء الغريزة - التي جعله معذرة له - إن أراد أنه بلغ إلى حيث لم يبق (5) لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلم بخلاف ما في ضميره، بل كان يصدر عنه الذم في مقام يريد المدح، والشتم في موضع يريد الاكرام، ويخرج بذلك عن حد التكليف، فلا مناقشة في ذلك، لكن مثل هذا الرجل يعده العقلاء في زمرة المجانين، ولا خلاف في أن العقل من شروط الامامة. وإن أراد أنه يبقى مع ذلك ما هو مناط التكليف فذلك مما لا يسمن ولا يغني من جوع، فإن إبليس استكبر على آدم بمقتضى الجبلة النارية ومع ذلك استحق النار وشملته اللعنة إلى يوم الدين، والزاني إنما يزني بمقتضى الشهوة التي جبله الله عليها ولا حيلة له فيها، ومع ذلك يرجم ولا يرحم. ونعم ما تمسك به في إصلاح هذه الكلمة من قول عمر - في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليهذوا، أو إن الرجل ليهجر -، ورده على رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبنا كتاب الله، كما سيأتي (6) في مطاعنه مفصلا


(1) في المصدر: أن يتلطف.. (2) في شرح النهج بعد قوله ولا ذما: ولا تخطئة - بتقديم وتأخير -. (3) سيأتي بحثها في مطاعن عمر مفصلا مع مصادرها، وانظر: الطرائف 2 / 479، وغيره. (4) في المصدر: أطهر - بالطاء المهملة -. (5) نسخة في (ك): أنه لم يبق. (6) سيأتي مفصلا كلامه ومصادره.

[467]

إن شاء الله تعالى. وهذا في الحقيقة تسليم لما ذكره السيد رضي الله عنه من أنه لا يخرج هذا الكلام من أن يكون طعنا على أبي بكر إلا (1) بأن يكون طعنا على عمر. ثم قال ابن أبي الحديد (2): وقول المرتضى: قد يتفق من ظهور فضل غير أبي بكر، وخوف الفتنة ما اتفق لابي بكر فلا يستحق القتل، فإن لقائل أن يقول: إن عمر لم يخاطب بهذا إلا أهل عصره، وكان يذهب إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر، ولا من يحتمل له أن يبايع فلتة كما احتمل ذلك لابي بكر، فإن اتفق أن يكون في عصر آخر بعد عصره من يظهر فضله، ويكون في زمانه كأبي بكر في زمانه فهو غير داخل في نهي عمر وتحريمه. ويرد عليه ظاهر (3) مثل هذا الخطاب عمومه لما بعد عصر الخطاب، ولذلك لم يخصص أحد ما ورد في الاخبار من الاوامر والنواهي بزمان دون آخهر. ولو فرضنا اختصاص الحكم بأهل ذلك العصر نقول: من أين كان يعلم عمر أن مدة خلافته - والعياذ بالله - لا يمتد حينا من الدهر يظهر للناس من فضل رجل من أهل ذلك العصر مثل ما ظهر لابي بكر حتى لا يستحق من دعا إلى بيعته القتل، فإن ظهور الفضل الذي زعمه لابي بكر لم يكن ثابتا له في جميع عمره، بل إنما توهمه فيه من توهم بعد حين وزمان، ولم يكن عمر خطب بهذه (4) الخطبة عند علمه بموته حتى يعلم أنه ليس في أهل العصر من تمد إليه الاعناق مثل أبي بكر فإنه خطب بها أول جمعة دخل المدينة بعد إنصرافه من الحج، ولم يكن طعنه أبو لؤلؤة حتى يعلم أنه سيموت ولا يبقى زمانا يمكن فيه ظهور فضل رجل من أهل العصر فكان اللائق أن يقيد كلامه ببعض القيود ولا يهمل ذكر الشروط.


(1) كلمة: إلا، هنا عاطفة. (2) في شرحه على النهج 2 / 37، بتصرف. (3) في (س): أن ظاهر.. ووضع على: أن، رمز الاستظهار وهو كذلك. (4) في (س): هذه، من دون الباء.

[468]

ولا يخفى أن ما جعله ابن أبي الحديد عذرا لعمر - من أنه ليس فيهم كأبي بكر - باطل على مذهبه، فإنه يرى (1) أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من أبي بكر (2)، على أن اشتراط بلوغ الفضل إلى ما بلغه أبو بكر - لو سلم له فضل - باطل من أصله، إذ لا يشترط في الامام - على رأي من شرط أفضلية الامام - إلا كونه أفضل أهل زمانه لا كونه مثل من كان إماما في زمان من الازمان، وبطلان القول بأنه لم يكن في جملة المخاطبين حينئذ - وإن فرض تخصيص الخطاب بأهل ذلك العصر - من سبق غيره إلى الخيرات، أظهر من أن يخفى على أحد. وقال في جامع الاصول (3) - في تفسير الفلتة -: الفجأة، وذلك أنهم لم ينتظروا ببيعة أبي بكر عامة الصحابة، وإنما ابتدرها عمر ومن تابعه. قال: وقيل الفلتة آخر ليلة من الاشهر الحرم فيختلفون فيها أمن (4) الحل هي أم من الحرام فيسارع الموتور إلى درك الثار فيكثر الفساد ويسفك (5) الدماء، فشبه أيام رسول الله (ص) بالاشهر الحرم، ويوم موته بالفلتة في وقوع الشر من ارتداد العرب، وتخلف الانصار عن الطاعة، ومنع من منع الزكاة، والجري على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها. ويجوز أن يريد بالفلتة: الخلسة، يعني أن الامامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الانفس ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الايدي


(1) توجد كلمة: في، بعد: يرى في (ك). (2) حيث قال في خطبة شرحه: الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل. وقد ورد عن طريق السنة أن عليا عليه السلام أفضل الصحابة، وقامت نصوص متظافرة على أفضلية علي عليه السلام على سائر الصحابة، وسنأتي عليها في حينها - ونذكر منها مصادر الفردوس 3 / 61، حديث 41 / 70 - 4182 [طبعة أخرى: 3 / 88، حديث 3989 - 4001]، وذكرت مصادر في الصراط المستقيم 2 / 68 - 73، وكشف الغمة 1 / 148، ونوادر الاثر في كون علي (ع) خير البشر: 33، وغيرها. (3) جامع الاصول 4 / 98، ذيل حديث 2076. (4) في المصدر: من - بلا همزة -. (5) في جامع الاصول: وتسفك. (*)

[469]

واختلاسا، ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيجة للفتن، فعصم الله (1) من ذلك ووقى شرها، وذكر مثل ذلك في النهاية (2). وأقول: إن سلمنا أن اللفظة الفتلة لا تدل على الذم، وأنه إنما أراد بها محض حقيقتها في اللغة، وهو الامر الذي يعمل فجأة من غير تردد ولا تدبر (3) وكان مظنة للشر والفساد، ففي قوله: وقى الله شرها، وأمره بقتل من دعا إلى مثلها، دلالة على أنه زلة قبيحة وخطيئة فاحشة، فالمستفاد من اللفظة بمجردها - وإن كان أعم من الزلة والخطيئة - إلا أنه حمل عليها، بل على أخص منها، لما هو في قوة المخصصة له، فليس كل زلة وخطيئة يستحق فاعلها القتل، ومن له أدنى معرفة بأساليب الكلام يعلم أنهم يكتفون في حمل اللفظ على أحد المعاني في صورة الاشتراك بأقل مما في هذا الكلام، وقول عمر: من دعاكم إلى مثلها فاقتلوه.. ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه.. (4).. وإن لم يكن موجودا فيما حكاه في جامع الاصول (5) عن البخاري (6) إلا أن كونه من تتمة كلامه من المسلمات عند الفريقين، واعترف به ابن أبي الحديد (7)، ولا يريب عاقل في أنه لو وجد المتعصبون منهم - كقاضي القضاة والفخر الرازي وصاحب المواقف وشارحه وصاحب المقاصد وشارحه وغيرهم - سبيلا إلى إنكاره لما فاتهم ذلك، ولا احتاجوا إلى التأويلات الركيكة


(1) في جامع الاصول: فعصهم الله. (2) النهاية لابن الاثير 3 / 467 - 468. (3) وقد جاء في القاموس 1 / 154، والصحاح 1 / 260، ولسان العرب 2 / 67، والنهاية 3 / 467. وقد مر. (4) وقد ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 2 / 26. (5) جامع الاصول 4 / 91 في حديث 2076. (6) صحيح البخاري 12 / 128 - 135، في مواطن متعددة في أبواب المحاربين، الاعتراف بالزنا، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت، كتاب الاعتصام وغيرها من الابواب، وذكر في صحيح مسلم مختصرا في باب الحدود، حديث 1691. باب رجم الثيب. (7) في شرحه على النهج 2 / 26.

[470]

الباردة. ومن تتبع كتاب البخاري علم أن عادته في الروايات المشتملة على ما ينافي آرائهم الفاسدة إسقاطه من الرواية أو التعبير بلفظ الكناية تلبيسا على الجاهلين، بل يترك الروايات المنافية لعقائدهم رأسا، وقد قال ابن خلكان (1) في ترجمة البخاري أنه قال: صنفت كتابي الصحيح من ستمائة الف حديث، ونحوه قال في جامع الاصول (2)، وروى (3) عن مسلم أنه أخرج صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وعن أبي داود (4) أنه انتخب ما أورده في كتابه من خمسمائة ألف حديث. ومن أبي داود (4) أنه انتخب ما أورده في كتابه من خمسمائة ألف حديث. ومن سنة القوم تسمية ما يخالف عقائدهم بغير الصحيح، ولما كان اهتمام البخاري في هذا المعنى أكثر من سائر من زعموا أن أخبارهم من صحاح الاخبار، فلذلك رفض المخالفون أكثر كتبهم في الاخبار، وعظموا كتاب البخاري - مع رداءته في ترتيب الابواب وركاكته في عنوانها - غاية التعظيم، وقدموه على باقي الكتب، ومع ذلك بحمد الله لا يشتبه على من أعمن النظر فيه وفي غيره من كتبهم أنها مملوة من الفضائح، ومشحونة بالاعتراف بالقبائح. وأما ما ذكره في تفسير الفلتة بآخر الاشهر الحرم وتوجيهه في ذلك، فقد عرفت ما فيه، وما ذكره من تفسيره (5) بالخلسة فهو تفسير صحيح، إلا أن الحق أنها خلسة سرقتة عن ذي الحق لا عن النفوس التي مالت إلى تولي الامامة، فإنهم كانوا - أيضا - من السارقين، والاخذ من السارق لا يسمى اختلاسا، وهو واضح.


(1) وفيات الاعيان 4 / 190. (2) في مقدمة جامع الاصول 1 / 186. (3) ابن الاثير في جامع الاصول 1 / 188، وفي مقدمة صحيح مسلم 1 / 2. (4) وروي عنه في جامع الاصول 1 / 190، وجاء في سنن أبي داود. (5) في (ك): تفسيرها.

[471]

الطعن الخامس: أنه ترك إقامة الحد والقود في خالد بن الوليد وقد قتل مالك بن نويرة وضاجع امرأته من ليلته، وأشار إليه عمر بقته وعزله، فقال: إنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه (1). وقال عمر مخطابا لخالد: لئن وليت الامر لاقيدنك له. وقال القاضي في المغني (2) - ناقلا عن أبي علي - أن (3) الردة قد ظهرت من مالك، لان في الاخبار أنه رد صدقات قومه عليهم لما بلغه موت رسول الله صلى الله عليه [وآله] كما فعله سائر أهل الردة، فاستحق القتل (4). قال أبو علي: و (5) إنما قتله لانه ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: صاحبك وأوهم بذلك أنه ليس بصاحب له، وكان عنده أن ذلك ردة، وعلم


(1) وقد جاءت قصة قتل خالد مالك بن نويرة في تاريخ ابن جرير 2 / 502. والاصابة لابن حجر 2 / القسم الاول / 99، وغيرهما. وانظر: الصراط المستقيم 2 / 279 - 280، وغيره. ولكشف رأي الخليفة في قصة مالك انظر: الغدير 7 / 158 - 196، وقد حكى القصة مفصلا عن جملة من المصادر، ولا حظ: تاريخ أبي الفداء 1 / 158، تاريخ الطبري 3 / 241 [طبعة أخرى: 4 / 66 - 68]، تاريخ ابن الاثير 3 / 149 [طبعة أخرى 2 / 536]، تاريخ ابن العساكر 5 / 105 - 112، تاريخ ابن كثير 6 / 321، تاريخ الخميس 2 / 233، تاريخ ابن شحنة - المطبوع في هامش الكامل - 7 / 165، أسد الغابة 4 / 295، خزانة الادب 1 / 237، الاصابة 1 / 414 و 3 / 357. وخليفة الاول هو أول من فتح باب التأويل والاجتهاد، وقدس ساحة المجرمين والبغاة، ومحاباة رجال الجرائم والانحرافات في عمله في قصة خالد، إذ نزحه بأعذار مفتعلة عن دنس آثامه الخطيرة، ودرأ عن الحد بذلك، وتلك طامة لحقتها طامات، وبلية ما أكثر ما لقينا منها من بليات إلى يومك هذا. (2) المغني 20 - القسم الاول -: 355. (3) في المصدر: وهو أن.. (4) وقد جاء: فاستحق القتل، في المغني في الصحفة: 354. (5) لا توجد الواو في المصدر.

[472]

عند (1) المشاهدة المقصد - وهو أمير القوم - فجاز أن يقتله، وإن كان الأولى أن لا يستعجل وأن يكشف الامر في ردة حتى يتضح، فلهذا لم يقتله (2). (وبهذين الوجهين أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول (3) وشارح المواقف (4) وشارح المقاصد (5). ثم قال قاضي القضاة (6): فإن قال قائل: فقد (7) كان مالك يصلي ؟ قيل له (8): وكذلك سائر أهل الردة، وإنما كفروا بالامتناع من الزكاة واعتقادهم إسقاط وجوبها دون غيره. فإن قيل: فلم أنكر عمر ؟. قيل (9): كان الامر إلى أبي بكر فلا وجه لانكار عمر، وقد يجوز أن يعلم أبو بكر من الحال ما يخفى على (10) عمر. فإن قيل فما معنى ما روي عن أبي بكر من: أن خالدا تأول فأخطأ. قيل: أراد تأول في عجلته عليه بالقتل (11)، فكان الواجب عنده على خالد


(1) في المغني: ان بدلا من: عند. (2) لا توجد: في المصدر: فلهذا لم يقتله. ولا معنى لها، فتدبر. (3) نهاية العقول: مخطوط. (4) شرح المواقف للجرجاني 8 / 358. (5) لم نجدهما في شرح المقاصد للتفتازاني. (6) المغني 20 / - القسم الاول -: 355. (7) في (ك): لقد. (8) من قوله: فإن قال.. إلى قيل له، لا توجد في المصدر وجاءت في الشافي 4 / 161، وشرح النهج لابن أبي الحديد 17 / 203. (9) في المغني:: فإن قيل: فلم أنكر عليه عمر ؟. قيل له..، ولا توجد: له، في الشافي، وما جاء في شرح النهج كالمتن. (10) نسخة جاءت في (س): عن، بدلا من: على. وجاءت العبارة في المصدر هكذا: وقد يجوز أنه علم من حاله ما يخفى عن عمر. (11) في المصدر: بالقول، بدلا من: بالقتل.

[473]

أن يتوقف للشبهة (1). واستدل أبو علي على ردة مالك بأن أخاه متمم بن نويرة لما أنشد عمر مرثية أخيه (2) قال له عمر: وددت أني أقول الشعر فأرثي زيدا كما رثيت أخاك. فقال له متمم: لو قتل أخي على مثل ما قتل عليه أخوك لما رثيته. فقال له عمر: ما عزاني أحد كتعزيتك (3)، فدل هذا على أنه لم يقتل على الاسلام (4). ثم أجاب عن تزويجه بامرأته بأنه أذا قتل على الردة في دار الكفر جاز ذلك عند كثير من أهل العلم وإن كان لا يجوز أن يطأها إلا بعد الاستبراء، فأما وطئه لامرأته (5) فلم يثبت عنده، ولا يجوز (6) أن يجعل طعنا في هذا الباب. واعترض عليه السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي (7) بقول: أما صنيع (8) خالد - في قتل مالك بن نويرة واستباحة ماله وزوجته لنسبته إلى الردة التي لم تظهر، بل كان الظاهر خلافها من الاسلام - فعظيم، ويجري مجراه في العظم تغافل من تغافل عن أمره ولم يقم فيه حكم الله تعالى وأقره على الخطأ الذي شهد هو به على نفسه، ويجري مجراهما من أمكنه أن يعلم الحال فأهملها ولم يتصفح ما


(1) جاءت العبارة في المغني والشافي: فكان عنده الواجب أن يتوقف للشبهة، وفي المغني زيادة لفظ: الاستنابة، بعد كلمة: للشبهة. (2) في المصدر: مرثيته أخاه. أقول: وقد جاء قول متمم في الصراط المستقيم 2 / 281 أيضا. (3) في المغني: بتعزيتك، وفي شرح النهج: بمثل تعزيتك. (4) في المصدر والشافي وشرح النهج زيادة: كما قتل زيد، بعد: الاسلام. (5) لا توجد في المغني: لامرأته. (6) في المصدر والشافي وشرح النهج: ولا يصح: بدلا من: ولا يجوز. (7) الشافي 4 / 162 - 167. وفي الحجرية منه: 422 - 423. وجاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 17 / 204 - 207. (8) في المصدر: أما صنع. وفي شرح النهج: أما منع..

[474]

روي من الاخبار في هذا الباب، وتعصب لاسلافه (1) ومذهبه (2)، وكيف يجوز عند خصومنا على مالك وأصحابه جحد الزكاة مع المقام على الصلاة، وهما جميعا في قرن (3) ؟ ! لان العلم الضروري بأنهما من دينه صلى الله عليه وآله وشريعته على حد واحد، وهل نسبة مالك إلى الردة - بعد (4) ما ذكرناه - إلا قدح في الاصول ونقض لما تضمنته من أن الزكاة معلومة ضرورة من (5) دينه صلى الله عليه وآله ؟. وأعجب من كل عجيب قوله: وكذلك سائر أهل الردة - يعني انهم كانوا يصلون ويجحدون الزكاة - ؟ ! لانا قد بينا أن ذلك مستحيل غير ممكن، وكيف يصح ذلك وقد روى جميع أهل النقل أن أبا بكر وصى (6) الجيش الذين أنفذهم بأن يؤذنوا ويقيموا، فإن أذن القوم بأذانهم وأقاموا (7) كفوا عنهم، وإن لم يفعلوا أغاروا عليهم ؟ ! فجعل إمارة الاسلام والبراءة من الردة الاذان والاقامة، وكيف يطلق في سائر أهل الردة ما يطلقه من أنهم كانوا يصلون ؟ ! وقد علمنا أن أصحاب مسيلمة وطليحة وغيرهما ممن ادعى النبوة وخلع الشريعة ما كانوا يصلون (8) ولا شيئا مما جاءت به شريعتنا، وقصة مالك معروفة عند من تأملها من كتب النقل والسيرة، وأنه قد كان (9) على صدقات قومه بني يربوع واليا من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أمسك عن أخذ


(1) في (ك): لاسلامه، والمذكور هنا أورده هناك نسخة بدل. (2) لا توجد في المصدر: وتعصب لاسلافه ومذهبه، ولكن أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 17 / 202. (3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: القرن - بتحريك -: حبل يجمع به البعيران. منه قدس سره. انظر: القاموس 4 / 258، والصحاح 6 / 2180، وغيرهما. (4) في المصدر وشرح النهج: مع، بدلا من: بعد. (5) لا توجد كلمة: من، في (ك). (6) في الشافي وشرح النهج: لما وصى.. (7) في الشافي وشرح النهج: كأذانهم وإقامتهم. (8) في المصدر وشرح النهج: ما كانوا يرون الصلاة.. (9) في الشافي: عند من تأملها من أهل النقل لانه كان.. (*)

[475]

الصدقة من قومه، وقال لهم: تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي صلى الله عليه وآله وننظر ما يكون من أمره، وقد صرح بذلك في شعره حيث يقول: وقالت رجال سدد اليوم مالك * وقال رجال، مالك لم يسدد فقلت دعوني لا أبا لابيكم * فلم أخط (1) وأيا (2) في المقال ولا اليد وقلت خذوا أموالكم غير خائف * ولا ناظر فيما يجئ به غدي (3) فدونكموها إنما هي مالك * مصررة (4) أخلافها لم تجدد سأجعل نفسي دون ما تخذرونه * وأرهنكم يوما بما قتله يدي فإن قام بالامره (5) المجدد (6) قائم * أطعنا وقلنا الدين دين محمد فصرح - كما ترى - أنه استبقى الصدقة في أيدي قومه رفقا بهم وتقربا إليهم إلى أن يقوم بالامر من يدفع ذلك إليه. وقد روى جماعة من أهل السير (7) وذكره الطبري في تاريخه (8) أن مالكا نهى قومه عن الاجماع على منع الصدقات وفرقهم، وقال: يا بني يربوع ! إن كنا قد عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين، وبطأنا الناس عليه (9) فلم نفلح ولم ننجح، وإني قد نظرت في هذا الامر فوجدت الامر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذ الامر لا يسوسه الناس فإيكم ومعاداة قوم يصنع لهم، فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم،


(1) لعله يقرأ في البحار: فلم أحظ، بمعنى: لم أفضل، كما في الصحاح 6 / 2316، وغيره. (2) في المصدر وشرح النهج: رأيا، والوأي: الوعد، كما نص عليه في الصحاح 6 / 2518. (3) في الشافي: به عندي. وروي: من الغد. (4) في (س): مصردة. وهي بمعنى مقللة، كما في لسان العرب 3 / 249، ومصررة.. أي مجتمعة، قد ذكره في اللسان 4 / 452. (5) في (ك): بالامن. (6) في المصدر: المحدث. (7) كابن الاثير في كامله 2 / 358. (8) تاريخ الطبري 3 / 176 [3 / 279 - 280] حوادث سنة 11 ه‍، بتصرف واختصار. (9) في المصدر: عنه، بدلا من: عليه.

[476]

ورجع مالك إلى منزله، فلما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام، وأن يأتوه بكل من لم يجب، وأمرهم (1) إن امتنع أن يقاتلوه، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع، واختلفت السرية في أمرهم، وفي السرية (2) أبو قتادة الحرث بن ربعي، فكان (3) ممن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم خالد فحبسوا، وكانت ليلة باردة لا يقوم لها شئ، فأمر خالد مناديا ينادي: أدفئوا أسراءكم، فظنوا أنه أمرهم (4) بقتلهم، لان هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة للقتل، فقتل ضرار بن الازود (5) مالكا، وتزوج خالد زوجته أم تميم بنت المنهال. وفي خبر آخر (6): أن السرية التي بعث بها (7) خالد لما غشيت القوم تحت الليل راعوهم (8) فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنا لمسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون. قلنا: فما بال السلاح ؟. قالوا لنا: فما بال السلاح معكم ؟. قلنا: فضعوا السلاح. فلما وضعوا ربطوا أسارى، فأتوا بهم خالدا، فحدث أبو قتادة خالد بن الوليد بأن القوم نادوا بالاسلام (9) وأن لهم أمانا، فلم يلتفت خالد إلى


(1) لا توجد في الشافي: أمرهم. (2) في المصدر: فيهم، وفيهم أبو قتادة..، بدلا من: في أمرهم وفي السرية. وما هنا جاء في شرح النهج. (3) في الشافي: وكان. (4) وضع في المطبوع من البحار على: هم، رمز نسخة بدل. (5) في المصدر: ضرار بن الحارث بن الازور. (6) أورده الطبري في تاريخه 3 / 280، وغيره. (7) في الشافي: فيها. (8) جاءت في المصدر زيادة: له، قبل: راعوهم. وفي حاشية (ك) ما يلي: راعوهم.. أي افزعوهم، وخاف القوم منهم. منه (قدس سره). انظر: مجمع البحرين 4 / 340، والصحاح 3 / 1223. (9) في (ك): الاسلام - بلا باء -.

[477]

قوله وأمر بقتلهم وقسم سبيهم، فحلف أبو قتادة أن لا يسير تحت لواء خالد في جيش أبدا، وركب فرسه شادا (1) إلى أبي بكر وأخبره (2) بالقصة، وقال له: أني نهيت خالدا عن قتله فلم يقبل قولي، وأخذ بشهادة الاعراب الذين غرضهم الغنائم، وأن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر (3)، وقال: إن القصاص قد وجب عليه، فلما (4) أقبل خالد بن الوليد قافلا دخل المسجد وعليه قباء له عليه (5) صدأ (6) الحديد، معتجرا (7) بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما (8)، فلما دخل (9) المسجد قام إليه عمر فنزع الاسهم عن رأسه فحطمها، ثم قال: يا عدي نفسه ! أعدوت على امرئ مسلم فقتلته ثم نزوت على امرأته، والله لنرجمنك (10) بأحجارك.. وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر مثل ما رأى عمر فيه، حتى دخل إلى (11) أبي بكر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه، فخرج خالد - وعمر جالس في المسجد - فقال: هلم إلي يابن أم شملة (12)، فعرف عمر أن أبا


(1) في الشافي: فركب فرسه شاذا، أي مفردا، وهو الظاهر. (2) في المصدر: وخبره. (3) جاء في الشافي: وأكثر. (4) في (س) من البحار وفي شرح النهج: ولما (5) وضع في (ك) على: عليه، رمز نسخة بدل. (6) قال في مجمع البحرين 1 / 261: صدأ الحديد: وسخه. (7) في (ك): معتجزا. وما أثبتناه هو الظاهر. والاعتجار: لف العمامة على الرأس ويرد طرفها على وجهه، ولا يجعل شيئا تحت ذقنه، قاله في مجمع البحرين 3 / 397. وأما الاعتجاز فلم يستعمل، ومجرده إما من العجز أو التعجز، ويقال: تعجزت البعير.. أي ركبت عجزه. (8) في المصدر: سهما. (9) في الشافي: فلما أن دخل. وهي نسخة جاءت في (ك). (10) في المصدر: لارجمنك. (11) في الشافي: على، بدلا من: إلى، وهو الظاهر. (12) جاء في حاشية (ك): ما يلى: الشملة: كساء يشتمل به، كأنه عير عمر بأن أمها [كذا] كانت تلبسه لفقرها، وأم شملة: كنية للدنيا وللخمر أيضا، فلعله عيره بهما، وعلى الاخيرين يحتمل أن = = يكون خطابا لنفسه يتحما [كذا] بإقبال الدنيا عليه وحصول سكر الدولة له. منه (قدس سره). أقول: ما ذكره للشملة وأم شملة من المعنى جاء في القاموس 3 / 403 في مادة شمل.

[478]

بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته. وقد روى - أيضا - أن عمر لما ولي جمع عشيرة (1) مالك بن نويرة - من وجده منهم - واسترجع (2) ما وجد عند المسلمين من أموالهم نسائهم وأولادهم (3) فرد ذلك جميعا عليهم (4) مع نصيبه (5) كان فيهم. وقيل: إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحي دمشق - وبعضهن حوامل - فردهن على أزواجهن. فالامر ظاهر في خطأ خالد وخطأ من تجاوز عنه، وقول صاحب المغني (6) - إنه يجوز أن يخفى على عمر ما يظهر لابي بكر - ليس بشئ، لان الامر في قصة خالد لم يكن مشتبها، بل كان مشاهدا معلوما لكل من حضر، وما تأول به في القتل لا يعذر لاجله، وما رأينا أبا بكر حكم فيه (7) بحكم المتأول ولا غيره، ولا تلافى خطأه وزلله، وكونه: سيفا من سيوف الله - على ما ادعاه - لا يسقط عنه الاحكام، ولا يبرئه من الآثام. فأما قول متمم: لو قتل أخي على ما قتل عليه أخوك لما رثيته.. (8) فإنه لا يدل على أنه كان مرتدا، وكيف يظن عاقل أن متمما يعترف بردة (9) أخيه وهو


(1) في الشافي: جمع من بقي من عشيرة.. (2) لا توجد في (س): من وجده منهم. (3) جاء في المصدر بتقديم وتأخير: وأولادهم ونسائهم.. وجاء في (ك): فرد ذلك عليهم جميعا - بتقديم وتأخير -. (4) في (ك): عليهم جميعا. (5) في الشافي: مع نصيبه الذي.. (6) في المصدر: صاحب الكتاب. (7) في المصدر: وتأوله في القتل إن كان تأول لا يعذره وما رأينا حكم فيه.. (8) الذي مر قريبا صفحة 473، وحكاه في الصراط المستقيم 2 / 281، وغيره. (9) في الشافي: اعترف بردة، وفي (س): يعترف ردة.

[479]

يطالب أبا بكر بدمه والاقتصاص من قاتله ورد سبيه، فإنما (1) أراد في الجملة التقرب إلى عمر بتقريظ (2) أخيه. ثم لو كان ظاهر القول كباطنه (3) لكان إنما يفيد تفضيل قتلة زيد (4) على قتلة مالك، والحال في ذلك أظهر، لان زيدا قتل في بعث المسلمين ذابا عن وجوههم، ومالك قتل على شبهة، وبين الامرين فرق. فأما قوله في النبي صلى الله عليه وآله: صاحبك.. فقد قال أهل العلم إنه أراد القرشية، لانه خالدا قرشي، وبعد فليس في ظاهر أضافته إليه دلالة (5) على نفيه له عن نفسه، ولو كان علم من مقصده الاستخفاف والاهانة - على ما ادعاه صاحب المغني (6) - لوجب أن يعتذر خالد بذلك (7) عند أبي بكر وعمر، ويعتذر به أبو بكر لما (8) طالبه عمر بقتله، فإن عمر ما كان يمنع من قتل قادح في نبوة النبي صلى الله عليه وآله، وإن كان الامر على ذلك فأي معنى لقول أبي بكر: تأول فأخطأ ؟ !، وإنما تأول فأصاب، إن كان الامر على ما ذكر (9). وأورد عليه ابن أبي الحديد (10): بأنه لا ملازمة بين القول بوجوب الصلاة وبين القول بوجوب الزكاة، لانه لا تلازم بين العبادتين في الوجود، وكونهما متشاركين في العلم بهما من الدين ضرورة لا يقتضي امتناع سقوط أحدهما بشبهة، فإنهم قالوا


(1) في المصدر: وإنما. (2) أي بمدح أخيه، كما جاء في القاموس 2 / 398. (3) في الشافي: هذا القول كما ظنه، بدلا من: القول كباطنه. (4) في المصدر: تفضيل زيد وقتلته.. (5) في الشافي: دلالته.. (6) في المصدر: صاحب الكتاب. (7) هنا تقديم وتأخير في الشافي، أي: بذلك خالد. (8) في المصدر زيادة: له، قبل: لما. (9) في الشافي: على ما ذكره، وفي شرح النهج: على ما ذكر - بلا ضمير -. وحكاه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17 / 202 - 207 بألفاظ متقاربة. (10) شرح نهج البلاغة 17 / 208، باختلاف واختصار كثير. (*)

[480]

إن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وآله: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم..) * (1) الآية. قالوا (2): فوصف الله الصدقة بأنها من شأنها أن يطهر رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ويزكيهم بأخذها منهم، ثم عقب ذلك بأن فرض عليه - مع أخذ الزكاة منهم - أن يصلي عليهم صلاة تكون سكنا لهم. قالوا: وهذه صفات لا تتحقق في غيره، لان غيره لا يطهر الناس ولا يزكيهم بأخذ الصدقة، ولا إذا صلى على الناس كان صلاته سكنا لهم، فلم يجب علينا دفع الزكاة إلى غيره. والجواب: إن كلام قاضي القضاة صريح في أن مالكا وأصحابه كفروا بالامتناع من الزكاة، واعتقادهم إسقاط وجوبها، ولو كان الحال كما ذكره من أنهم اعتقدوا سقوطها لشبهة ولم ينكروا وجوبها مطلقا لم يلزم كفرهم لانكار أمر معلوم من الدين ضرورة، وفي كلام ابن أبي الحديد (3) اعتراف بذلك، حيث قال: إنهم ما جحدوا وجوبها، ولكنهم قالوا: إنه وجوب مشروط، وليس يعلم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة، وإنما يعلم ذلك بنظر وتأويل. فبطل جواب القاضي ويتوجه إيراد السيد عليه. وقد صرح غير ابن أبي الحديد - من أهل الخلاف - بأن مالكا وأصحابه لم يكفروا بمنعهم الزكاة، حكى شارح صحيح مسلم في المنهاج (4) في كتاب الايمان


(1) التوبة: 103. (2) لا توجد: قالوا، في (س). (3) في شرحه على النهج 17 / 208. (4) المنهاج (وهو شرح صحيح مسلم للنووي)، ولم نجد نص العبارة، والذي فيه 1 / 202 نقلا عن الخطابي في شرح كلام أبي بكر، قال: مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب، وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوا على دعواه في النبوة... والطائفة الاخرى: ارتدوا عن الدين، وأنكروا الرشائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور = = الدين... والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا وافرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الامام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بها الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة، إذ كان أعظم الامرين وأهمها..

[481]

كلاما استحسنه عن الخطابي، وهذا لفظه، قال - بعد تقسيم أهل الردة إلى ثلاثة أقسام -: فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فأنهم أهل بغي، ولم يسموا على الانفراد منهم كفارا وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن اسم الردة اسم لغوي، وكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا. ثم قال - بعد كلام في تقسيم خطاب الله - فإن قيل: كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغي ؟ ! وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الصلاة (1) والزكاة وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي ؟ !. قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة (2) في هذا الزمان كان (3) كافرا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما (4) عذورا لاسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، ومنها: قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الاحكام بالنسخ، ومنها: إن القوم كانوا جهالا بأمور الدين وكان عهدهم بالاسلام قريبا فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الاسلام


(1) في (ك) خط على كلمة: الصلاة. (2) في (س) بدل الزكاة: الصلاة، ثم جعل الزكاة نسخة بدل. (3) لا توجد: كان، في (س). (4) وضع في (ك) على: إنما: رمز نسخة بدل.

[482]

واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى (1) عرفها الخاص والعام واشترك فيهم العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الامر في كل من أنكر شيئا مما اجمعت (2) الامة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا كالصلوات والخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم (3) ونحوها من الاحكام، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالاسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم في صدق اسم الدين عليه، فأما ما كان الاجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وإن القاتل عمدا لا يرث، وإن للجدة السدس.. وما أشبه ذلك من الاحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة ونحوه. قال في شرح الوجيز (4) في أول كتاب الجنايات: وأما التلازم بين العبادتين في الوجود فأمر لم يدعه السيد ولا حاجة له إلى ادعائها، وإنما ادعى الملازمة بين اعتقاد وجوب الصلاة وبين التصديق بوجوب الزكاة على الوجه الذي علم من الدين ضرورة، وخرج منكره عن الاسلام. والظاهر إن غرضه ان منكر الضروري إنما يحكم بكفره لكون إنكاره ذلك كاشفا عن تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله إنكار نبوته، لا أن ذلك الانكار في نفسه علة للحكم بالكفر، ولذلك لا يحكم بكفر من ادعى شبهة محتملة، ولو دل دليل على كفر من أنكر ضروريا من الدين (5) مخصوصا مطلقا لم يحكم (6)


(1) لا توجد: حتى، في (س). (2) في (ك): اجتمعت. (3) خط في (س) على الالف واللام من كلمة: المحارم. (4) شرح الوجيز، ولم نحصل عليه للتخريج. (5) لا توجد في (س): من الدين. (6) في (س): نحكم.

[483]

بكفره، لكون ذلك الانكار من أفراد هذا الامر الكلي، بل لقيام ذلك الدليل بخصوصه، والظاهر أن من أنكر ضروريا من الدين - لا لشبهة قادته إلى الانكار - لم ينفك إنكاره ذلك عن (1) إنكار سائر الضروريات، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وآله. وما يشاهد في بعض الناس من نفي بعض الضروريات كحدوث العالم والمعاد الجسماني ونحو ذلك مع الاقرار في الظاهر بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله واعترافهم بسائر الضروريات وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله فذلك لاحد الامرين: إما لكونم ضالين لشبهة اعترتهم فيما زعموه كتوهمهم كون أباطيل بعض الفلاسفة وسائر الزنادقة برهانا يوجب تأويل الادلة السمعية ونحو ذلك، أو لكونهم منكرين للنبوة في الباطن ولكن لخوف القتل والمضار الدنيوية لا يتجرؤن (2) على إنكار غير ما كشفوا عن إنكاره من الضروريات، وأما إظهارهم إنكار ذلك البعض فلارتفاع الخوف في إظهاره لاختلاط عقائد الفلاسفة وغيرهم بعقائد المسلمين بحيث لا تتميز إحداهما عن الاخرى إلا عند من عصمه الله سبحانه، فمن دخل منهم تحت القسم الاول يشكل الحكم بخروجهم عن الاسلام، لكون ما أنكروه غير ضروري في حقهم وإن صدق عليه عنوان الضرورة بالنسبة إلى غيرهم، ولا ينافي ذلك أن يكونوا من أهل الضلال معاقبين على إنكارهم لاستناده إلى تقصير منهم في طلب الحق. وأما القسم الثاني فخروجهم عن الاسلام لانكار النبوة، فظهر أن إنكار أمر ضروري على وجه يوجب الكفر لا ينفك عن إنكار النبوة المستلزم لانكار سائر الضروريات. فإن قيل: من أين يعلم أن مالكا وأصحابه لم يكونوا من القسم الثاني، فلعلهم لم ينكروا الصلاة في الظاهر لامر دنيوي.


(1) في (س): على، بدلا من: عن. (2) في (ك): لا يجترون.

[484]

قلنا: أولا: هذا خلاف ما اعترف به ابن أبي الحديد وقاضي القضاة والخطابي.. وغيرهم (1). وثانيا: إن مالكا وأصحابه لو كانوا مشفقين من أهل الاسلام أو بقي لهم مطمع فيهم لما أعلنوا بالعداوة، ولم يريدوا قتال المسلمين كما زعمه الجمهور، على أنه لا نزاع في إسلامهم قبل ذلك الامتناع، فقد كان عاملا من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله على صدقات قومه - كما رواه أرباب السير منهم (2) - وإذا ثبت إسلامهم وأقروا في الظاهر بسائر الضروريات لم يحكم بكفرهم بمجرد ذلك الامتناع المحتمل للامرين، بل لامر ثالث: وهو أن يكون منعهم مستندا إلى الشح والبخل، فلم يلزم كفرهم كما ادعاه قاضي القضاة وغيرهم، ولم يجز (3) سبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم كما فعلوا وإن جاز قتالهم لاخذ الزكاة لو أصروا على منعها على الوجه الاخير، بعد أن يكون المتصدي للاخذ مستحقا له. وأما إذا استند المنع إلى الشبهة فكان الواجب على من تصدى للاخذ (4) وأراد القتال أن يبدأ (5) بإزالة شبهتهم، كما صرح به فقهاؤهم في جمهور أهل البغي. قال في شرح الوجيز في بحث البغاة من كتاب الجنايات (6): لا يبدأون بالقتال حتى يبدأوا وليبعث الامام أمينا ناصحا يسألها ما ينقمون، فإن عللوا امتناعهم بمظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها لهم، وإن لم يذكروا شيئا نصحهم ووعظهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة، فإن أصروا آذنهم بالقتال.. إلى آخر ما قال.


(1) مرت المصادر قريبا، فراجع. (2) كالطبري في تاريخه 3 / 277، وابن الاثير في كامله 2 / 358، وغيرهما في غيرهما. (3) قد تقرأ ما في (س): ولم يخبر، ولا معنى لها هنا. (4) لا توجد جملة: على من تصدى للاخذ، في (س). (5) في (ك): يبدؤا. (6) شرح الوجيز، ولم نحصل عليه.

[485]

فكان على خالد أن يسألهم أولا عن شبهتهم ويبين لهم بطلانها، ثم إن أصروا على الامتناع والخروج عن الطاعة قاتلهم، ولم ينقل أحد أن خالدا وأصحابه أزاح لهم علة أو أبطل لهم شبهة، ولا أنهم أصروا على العصيان، بل قد سبق (1) في القصة التي رواها السيد وصدقه ابن أبي الحديد (2) أنهم قالوا: نحن مسلمون، فأمرهم أصحاب خالد بوضع السلاح، ولما وضعوا أسلحتهم ربطوهم أسارى، وكان على أبي بكر أن ينكر على خالد ويوضح سوء صنيعه للناس، لا أن يلقاه بوجه يخرج من عنده ويستهزئ بعمر ويقول له: هلم إلي يا ابن أم شملة !. وقد روى كثير من مؤرخيهم - منهم صاحب روضة الاحباب (3) - أنه قبض على قائمة سيفه وقال لعمر ذلك. ولا يذهب على من له نصيب من الفهم أنه لو شم من أبي بكر رائحة من الكراهة أو التهديد لما اجترأ على عمر بالسخرية والاستهزاء، والامر في ذلك أوضح من أن يحتاج إلى الكشف والافصاح، هذا مع أنه قد اعترف أبو بكر بخطأ خالد - كما رواه ابن أبي الحديد (4) - حيث قال: لما قتل خالد مالك بن نويرة ونكح امرأته كان في عسكره أبو قتادة الانصاري، فركب فرسه والتحق بأبي بكر، وحلف أن لا يسير في جيش تحت لواء خالد أبدا، فقص على أبي بكر القصة، فقال أبو بكر: لقد فتنت الغنائم العرب، وترك خالد ما أمرته (5). فقال عمر: إن عليك أن تقيده بمالك، فسكت أبو بكر، وقدم خالد فدخل المسجد وعليه ثياب قد صدئت من الحديد، وفي عمامته ثلاثة أسهم، فلما رآه عمر قال: أرياءا ! يا عدو الله ؟، عدوت على رجل من المسلمين فقتلته ونكحت امرأته، أما والله إن أمكنني الله (6)


(1) في هذا الطعن صفحة: 476. (2) شرح نهج البلاغة 17 / 206. (3) روضة الاحباب، انظر: التعليقة رقم (4) في صفحة (432)، من هذا المجلد. (4) شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة 1 / 179. (5) في المصدر: ما أمر به. (6) في المصدر زيادة: منك، بعد لفظ الجلالة.

[486]

لارجمنك، ثم تناول الاسهم من عمامته فكسرها، وخالد ساكت لا يرد عليه ظنا أن ذلك عن أمر أبي بكر ورأيه، فلما دخل على (1) أبي بكر وحدثه صدقه (2) فيما حكاه وقبل عذره، فكان عمر يحرص (3) أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه بدم مالك، فقال أبو بكر: أيها (4) يا عمر ! ما هو بأول من أخطأ ! فارفع لسانك عنه (5) ! ثم ودى مالكا من بيت مال المسلمين، انتهى. فقوله ما هو بأول من أخطأ !.. صريح في أنه كان مخطئا في زعمه أيضا، وأما تصديقه وقبول عذره فكان للاغراض الدنيوية، وإلا فالتنافي بينه وبين قوله: ما هو بأول من أخطأ، وأداء دية مالك من بيت المال (6) واضح. وبالجملة، لم ينقل أحد من أرباب السير أن أبا بكر أنكر خطأ خالد، وإنما ذكروا أنه قال: لا أغمد سيفا سله الله على الكفار (7)، قيل: وذلك - على تقدير صحته - ليس إلا تمسكا بخبر موضع رووه مرسلا عن أبي هريرة الكذاب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: نعم عبد الله، خالد سيف من سيوف الله. وروى ذلك في خبر طويل يلوح من صدره إلى عجزه آثار الوضع (8)، والاظهر أنه ليس غرضه التمسك بالخبر، بل انما جعله سيفا سله (9) الله على الكافر لمعاونته له على التسلط على الاخيار.


(1) خط على كلمة: على، في (س)، وكتب عليها: كذا. وفي المصدر بدلا منها: إلى. (2) لا توجد كلمة: صدقه، في (س). (3) في شرح النهج: يحرض - بالضاد المعجمة -. (4) قال في الصحاح 6 / 2226: ايه: اسم سمي به الفعل.. فإذا أسكته وكففته قلت: إيها عنا وإذا أردت التبعية قلت: أيها - بفتح الهمزة - بمعنى هيهات. (5) في (س): عنهم. (6) كما ذكره ابن الاثير في كامله 2 / 359.. (7) انظر مثلا: الكامل في التاريخ لابن الاثير 2 / 359، وتاريخ الطبري 3 / 279، وغيرهما. (8) وجاء في مثل الكامل في التاريخ لابن الاثير 3 / 359، وتاريخ الطبري 3 / 279، ويوجد في صحيحي البخاري ومسلم، كما حكاه عنهما في كتاب الصراط المستقيم.. (9) نسخة في (ك): سلطه، بدلا من: سله.

[487]

وقد (1) ذكر ابن الاثير في الكامل (2) تبري النبي صلى الله عليه وآله من صنيع خالد، وأنه صلى الله عليه وآله وبخه لكلامه لعبد الرحمن بن عوف، وأن النبي صلى الله عليه وآله أرسل أمير المؤمنين عليه السلام لاصلاح ما أفسده كما مر (3) وسيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام (4). وقد اعترف ابن أبي الحديد (5) بأن خالدا: كان جبارا فاتكا (6) لا يراقب الدين فيما يحمله عليه غضبه وهوى نفسه. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (7) في ترجمة مالك بن نويرة (8): قال الطبري (9): بعث النبي صلى الله عليه وآله (10) مالك بن نويرة على صدقة بني يربوع - وكان قد أسلم هو وأخوه: متمم الشاعر (11) - فقتل خالد مالكا بظن (12) أنه إرتد - حين وجهه أبو بكر لقتال أهل الردة -، وقد اختلف فيه هل قتله مسلما أو


(1) وضع على: قد، رمز نسخة بدل، في (ك). (2) الكامل 2 / 256، 3 / 173 - 174 و 180. (3) بحار الانوار 21 / 139 - 146 حديث 1 - 7 باب 27 عن امالي الشيخ الصدوق: 104 - 105، والخصال 2 / 152، وامالي الشيخ الطوسي: 317 وغيرها. (4) بحار الانوار 39 / 90. (5) في شرحه على النهج 17 / 214، باختلاف يسير. (6) الفاتك: الجرئ، والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله... وفي الحديث: (قيد الايمان الفتك، لا يفتك مؤمن) قاله في الصحاح 4 / 1602، ومثله في النهاية 3 / 409، إلا أنه ذكر الحديث هكذا: (الايمان قيد الفتك). ويحتمل قويا تعدد الرواية عندهما. (7) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 3 / 515. (8) كذا، والصحيح: متمم بن نويرة أخوه. (9) في تاريخه 3 / 591. (10) في المصدر: بتقديم وتأخير. (11) لا توجد: الشاعر، في المصدر، وفيه: قال أبو عمر: أما مالك فقتله خالد بن الوليد، واختلف فيه هل قتله مرتدا أو مسلما، وأما متمم فلم يختلف في إسلامه وكان شاعرا محسنا.. (12) في (ك): يظن.

[488]

مرتدا ؟ - والله - أعلم (1) قتله خطأ، وأما متمم فلا شك في إسلامه، انتهى (2). ومما يدل على سوء صنيع (3) خالد أن عمر لما نزع الاسهم من رأسه وقال ما قال، لم يرد عليه ولم ينكره، وظاهر للمنصف أنه لو كان له عذر، ولم يكن خائفا لخيانته لابدى عذره، ولما صبر على المذلة. وقد روى أصحابنا (4) أن مالكا إنما منع أبا بكر الزكاة لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال له - لما سأل أن يعلمه الايمان -: هذا وصيي من بعدي - وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام - فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله رجع في بني تميم إلى المدينة فرأى أبا بكر على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فتقدم إليه، وقال: من أرقاك هذا المنبر وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وصيه، وأمرني بموالاته ؟ !. فأمر أبو بكر بإخراجه من المسجد، فأخرجه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد، ثم وجه أبو بكر خالدا وقال له: لقد علمت ما قال: ولست آمن أن يتفق علينا فتقا لا يلتئم فاقتله، فقتله خالد وتزوج بامرأته في ليلته. ولو تنزلنا عن ذلك وفرضنا أن مالكا وأصحابه كفروا بمنع الزكاة، فلا ريب في إسلام النساء والذراري، وليس ارتداد الرجال بمنعهم الزكاة موجبا لكفر النساء والذراري * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (5)، فما العذر في سبي خالد


(1) في حاشية (ك) كتبت: وأراه، ورمز لها برمز مشوش، ولم يظهر محله جيدا، ولعلها نسخة بدل من: اعلم. (2) ولا حظ: الاصابة في تمييز الصحابة لابن الحجر العسقلاني 3 / 357 برقم 7696 في ترجمة مالك ابن نويرة، وأسد الغابة 4 / 295، وسيرة ابن هشام 4 / 247، وسيرة ابن كثير 3 / 591، وغيرها في هذا الموضوع. (3) في متن (ك): ضع. والظاهر أنها: صنع، وجعل فيها: صنيع، نسخة بدل. (4) وقد سلف منا وحكاه عن الفضائل لابن شاذان، وجاء أيضا في الصراط المستقيم 2 / 280 عن البراء عن كتاب الواحدة للشيخ القمي، وغيره. (5) الانعام: 164، والاسراء: 15، وفاطر: 18، والزمر: 7.

[489]

وإغماض أبي بكر عن غصب الفروج والزنا حتى رد عمر بن الخطاب الاموال والنساء الحوامل إلى أزواجهن ؟. وسيأتي (1) في باب أحوال أولاد أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما سبيت الحنفية - فيمن سبي - ونظرت إلى جمع الناس، عدلت إلى تربة رسول الله صلى الله عليه وآله فرنت رنة (2)، وزفرت (3) زفرة (4) وأعلنت بالبكاء والنحيب، ثم نادت: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيتك من بعدك، هؤلاء أمتك سبونا (5) سبي النوب والديلم، والله ما كان لنا إليهم من ذنب إلا الميل إلى أهل بيتك، فجعلت الحسنة سيئة والسيئة حسنة، فسبينا، ثم انعطفت إلى الناس وقالت: لم سبيتمونا ؟ ! وقد أقررنا بشهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله (ص) ؟ !. قالوا: أمنعتمونا (6) الزكاة. قالت: هؤلاء الرجال (7) منعوكم، فما بال النساء ؟. فسكت المتكلم كأنما ألقم حجرا (8). وقد روي (9) أن أمير المؤمنين عليه السلام لما أخذها بعثها إلى أسماء بنت عميس حتى جاء أخوها فتزوجها، ويظهر بذلك بطلان ما تمسك به بعضهم من أنه لو كان السبي ظلما لما أخذ أمير المؤمنين عليه السلام من سبيهم، ولو كان أمير


(1) بحار الانوار 42 / 85. وحكاه عن الخرائج 2 / 589 - 593، وجاء أيضا فيه 2 / 562 - 565. وفي مدينة المعاجز: 350، حديث 98، وإثبات الهداة 5 / 92، حديث 45 ملخصا، وجاء في البحار 41 / 302 مع فرق يسير. (2) رنت المرأة ترن رنينا وأرنت أيضا: صاحت. قاله في الصحاح 5 / 2127. (3) قال في القاموس 2 / 39: زفر يزفر زفرا وزفيرا: أخرج نفسه بعد مده إياه. وقال في الصحاح 2 / 670: الزفير: اغتراق النفس للشدة. (4) لا توجد كلمة: زفرة في (ك)، ولا في المجلد الثاني والاربعين من البحار المطبوع. (5) في الخرائج: سبينا. (6) في المصدر: منعتمونا. (7) في الخرائج: هب الرجال.. (8) أي فكأنما جعل الحجر لقمة له، وهو كناية عن السكوت الناشئ من العجز عن الجواب. (9) بحار الانوار 42 / 87 و 41 / 304.

[490]

المؤمنين عليه السلام تزوجها لكونها من السبي لردها عمر فيمن رد. ومن نظر في القصة حق النظر علم أن ما صنعه خالد لم يكن إلا لاخذ الغنيمة والطمع في النساء والذراري وأحقاد الجاهلية. وقد روى مؤلف روضة الاحباب (1) أنه لما أحضر مالك للقتل جاءت زوجته أم تميم بنت المنهال - وكانت من أجل نساء زمانها - فألقت نفسها عليه، فقال لها: أعزبي عني، فما قتلني غيرك (2). وقال الزمخشري في أساس البلاغة (3): أقتله و (4) عرضه (5) للقتل كما قال مالك بن نويرة لامرأته حين رآه (6) خالد بن الوليد: أقتلتني بامرأة (7) ؟ يعني سيقتلني خالد بن الوليد (8) من أجلك. وقال ابن الاثير في النهاية (9) في حديث خالد: إن مالك بن نويرة قال لامرأته يوم قتله خالد: أقتلتني.. ؟ ! أي عرضتني للقتل بوجوب الدفع (10) عنك والمحاماة عليك - وكانت جميلة تزوجها (11) خالد بعد قتله. ثم إن ابن أبي الحديد (12) روى عن الطبري (13) عذرا لخالد، وساق الرواية


(1) روضة الاحباب:.. انظر: التعليقة رقم (4) في صفحة 432 من هذا المجلد. (2) وجاء في الاصابة 3 / 357 ترجمة 7696. (3) أساس البلاغة: 354، في مادة قتل. (4) لا توجد الواو في المصدر: وهو الصحيح. (5) في (س): عوضه، وهو سهو ظاهرا. (6) في المصدر: رآها، وهو الظاهر، وفي (س): رؤيا. (7) في أساس البلاغة: يا مرأة، وهو الظاهر. (8) لا توجد في المصدر: بن الوليد. (9) النهاية 4 / 15. (10) في المصدر: الدفاع، بدلا من: الدفع. (11) في النهاية: وتزوجها. (12) في شرحه على النهج 17 / 205 - 206، وانظر فيه 1 / 179. (13) اريخ الطبري 3 / 278. وجاء في الكامل لابن الاثير 2 / 358. (*)

[491]

إلى قوله: فلما اختلفوا فيهم أمر بهم خالد فحبسوا - وكانت ليلة باردة لا يقوم لها شئ - فأمر خالد مناديا ينادي: ادفئوا أسراءكم.. فظنوا أنه (1) أمر بقتلهم، لان هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة في القتل (2)، فقتل ضرار بن الازور مالكا... وأن (3) خالد لما سمع الواعية، خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه...، وتزوج خالد زوجته، وإن أبا قتادة فارقه وقال: هذا عملك، فغضب عليه أبو بكر ولم يرض إلا أن يرجع إلى خالد. ويتوجه عليه أنه يدل على بطلانه ما رواه الطبري (4) وابن الاثير (5) وغيرهما (6) من أرباب السير: أن خالدا كان يعتذر عن قتل مالك بأنه كان يقول - وهو يراجع الكلام -: ما أخال صاحبكم إلا قال:.. كذا. وقد حكى قاضي القضاة (7) عن أبي علي أنه: قتل خالد مالكا لانه أوهم بقوله ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس صاحبا له، فلو كان قتله ضرار عن غير أمر خالد فأي حاجة له إلى هذا الاعتذار، فالتعارض بين الاعتذراين واضح، فتساقطا. ويدل على بطلانهما أن عمر لما عاتبه وكسر أسهمه لم يعتذر بأني لم أقتل مالكا بل قتله ضرار عن غير أمري، أو بأنه ارتد عن الدين لقوله: صاحبك.. فلا موضع لابداء العذر أليق من ذلك، وهل يجوز عاقل أن يكون لخالد عذر يرى نفسه به بريئا من الاثم والخيانة، ثم يصبر مع جرأته وتهتكه على ما أصابه عن (8)


(1) في المصدر: انهم. (2) في الشرح: للقتل. (3) ومن هنا إلى آخره جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 17 / 213، بتصرف واختصار. (4) في تاريخه 3 / 279. (5) في الكامل 2 / 359. (6) قد سلفت مصادره قريبا، فلا حظ. (7) في المغني، الجزء المتمم للعشرين: 355. (8) كذا، والظاهر: من، بدلا من: عن.

[492]

عمر من الاهانة والاذي ؟ !. ويدل على أن القتل كان بأمر خالد، أو كان هو القاتل، قول أبي بكر: تأول فأخطأ. قال ابن الاثير في الكامل (1)، قال عمر لابي بكر: إن سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه في ذلك. فقال: يا عمر (2) ! تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم (3) سيفا سله الله على الكافرين، وودى مالكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل (4)، ودخل المسجد وعليه قباء وقد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر فانتزعها فحطمها (5)، وقال له: قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لارجمنك باحجارك.. وخالد لا يكمله يظن أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذر وتجاوز عنه، وعنفه في التزويج للذي (6) كانت عليه العرب من كراهة أيام الحرب، فخرج خالد وعمر جالس. فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة (7)، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، انتهى. فلو كان القاتل ضرار لم يكن خالد متأولا ولا مخطئا، بل كان ضرارا (8) هو المتأول المخطئ في فهم النداء الذي أمر به خالد من قوله: ادفئوا أسراءكم، ولا يخفى أن هذا الاعتذار لو كان صحيحا لصار الامر في تزويج زوجة مالك أفحش، إذ لو كان حبسه لاختلاف الجيش في أنه وقوم (9) يصلون أم لا، ولم يثبت كفره،


(1) الكامل 2 / 242 - 243 من التبعة الثانية، وفي الاخرى 2 / 358 - 359. (2) في المصدر: هيه يا عمر !. (3) شمت السيف: أغمدته، وشمته: سللته، وهو من الاضداد، قاله في الصحاح 5 / 1963، وغيره. (4) في (س): فنعل. (5) في المصدر: فنزعها وحطمها. (6) في الكامل: الذي - بلا لام -. (7) في المصدر: أم سلمة. (8) كذا، والظاهر: ضرار - بالرفع -. (9) خ. ل. وقومه، وهو الظاهر.

[493]

وقد كان إسلامه سابقا مستصحبا إلى أن يتحقق ما يزيله - ولو كان قتله لخطأ ضرار في فهم نداء خالد - فزوجته (1) في حكم زوجات سائر المسلمين المتوفى عنهن أزواجهن، ولا يجوز تزوجها إلا بعد انقضاء عدتها، فظهر شناعة الجواب الذي حكاه قاضي القضاة (2) عن أبي علي أو أجاب به من عند نفسه، وهو أنه إذا قتل الرجل على الردة في دار الكفر جاز التزويج بامرأته (3) عند كثير من أهل العلم وإن كان لا يجوز وطؤها (4) إلا بعد الاستبراء. على أن التزوج بامرأته فجور على أي حال، لكون المرأة مسلمة وارتداد الزوج لا يصير سببا لحل التزوج بامرأته، ولا لكون الدار دار الكفر، سيما إذا كان ارتداده لما اعتذروا به من قوله: صاحبك.. فإن ذلك ارتداد لا يسري إلى غيره من زوجته وأصحابه. ومن الغرائب أن الشارح الجديد للتجريد (5) ادعى أن امرأة مالك كانت مطلقة منه وقد انقضت عدتها. ولا عجب ممن غلب عليه الشقاء، وسلب الله منه الحياء أن يعتمد في رفع هذا الطعن الفاحش عن إمامه الغوي وعن خالد الشقي بإبداء هذا الاحتمال الذي لم يذكره أحد ممن تقدمه، ولم يذكر في خبر ورواية، ولم يعتذر به خالد في جواب تشنيع عمر وطعنه عليه بأنه نزا على زوجة خالد (6) وتهديده بالرجم للزنا. ثم أعلن (7) أن معاتبة عمر وغيظه على خالد في قتل مالك لم يكن مراقبة


(1) فزوجته، جواب ل‍: لو كان.. (2) في المغني، الجزء المتمم للعشرين: 355 - القسم الاول -. (3) في المصدر: ذلك، بدلا من: التزويج بامرأته. (4) في المغني: أن يطأها. (5) شرح التجريد للقوشجي: 373 - الحجرية -. (6) كذا، والظاهر: مالك. (7) شرح التجريد للقوشجي: 373 - الحجرية -، وعبارته هكذا: وإنكار عمر عليه لا يدل على قدحه في إمامة أبي بكر ولا على قصده إلى القدح فيها، بل إنما أنكر، كما ينكر بعض المجتهدين على.=

[494]

للدين ورعاية لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، وإنما تألم من قتله لانه كان حليفا له في الجاهلية، وقد عفا عن خالد لما علم أنه هو قاتل سعد بن عبادة. روي عن بعض أصحابنا، عن أهل البيت عليهم السلام أن عمر استقبل (1) في خلافته خالد بن الوليد يوما في بعض حيطان المدينة، فقال له: يا خالد ! أنت الذي قتل مالكا ؟. فقال: يا أمير المؤمنين ! إن كنت قتلت مالك بن نويرة لهنات كانت بيني وبينه فقد قتلت لكم سعد بن عبادة لهنات كانت بينكم وبينه، فأعجب عمر قوله وضمه إلى صدره، وقال له: أنت سيف الله وسيف رسوله (ص) !. وجملة القصة (2)، أن سعد بن عبادة لما امتنع من بيعة أبي بكر يوم السقيفة وأراد المبايعون لابي بكر أن يطالبوه بالبيعة، قال لهم قيس بن سعد: إني ناصح لكم فاقبلوا مني. قالوا: وما ذاك ؟. قال: إن سعدا قد حلف أن لا يبايعكم، وهو إذا حلف فعل، ولن يبايعكم حتى يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وأهل بيته، ولن يقتلوا حتى يقتل الاوس كلها، ولن يقتلوا حتى يقتل الخزرج، ولن يقتل الاوس والخزرج حتى يقتل اليمن، فلا تفسدوا عليكم أمرا قد كمل واستتم لكم، فقبلوا منه ولم يتعرضوا لسعد. ثم إن سعدا خرج من المدينة إلى الشام، فنزل في قرى غسان من بلاد دمشق - وكان غسان من عشيرته، وكان خالد يومئذ بالشام، وكان ممن يعرف بجودة الرمي، وكان معه رجل من قريش موصوف بجودة الرمي - فاتفقا على قتل سعد بن عبادة لامتناعه من البيعة لقريش، فاستترا ليلة بين شجر وكرم، فلما مر بهما في مسيره رمياه بسهمين، وأنشدا بيتين من الشعر ونسباهما إلى الجن:


بعض. (1) في (س): ان عمرا مستقبل. أقول: إن الالف في: عمرا زائدة. (2) كما أوردها مفصلا الطبري في تاريخه 3 / 198، 200، 207، 210، وانظر: ما جاء في مسند احمد بن حنبل 1 / 405، وطبقات ابن سعد 2 / 128، وغيرها.

[495]

نحن قتلنا سيد الخزرج * سعد بن عباده ورميناه بسهمين * فلم نخط فؤاده فظنت العامة أن الجن قتلوه، فكان قول خالد لعمر كشفا لما استتر على الناس في تلك الواقعة، ومثل هذه الرواية - إن لم تنهض بانفرادها حجة على المخالفين لكونها من روايات أصحابنا - إلا (1) أن سكوت عمر عن خالد أيام خلافته وترك الاقتصاص منه مع قوله في خلافة أبي بكر: لئن وليت الامر لاقيدنك به، قرينة واضحة على صحتها، ومع قطع النظر عن تلك الرواية فلا ريب في المناقضة بين هذا السكوت وذلك القول، فظهر أن له أيضا من قداح هذا القدح (2) سهم، ومن نصال هذا الطعن نصيب. الطعن السادس: إن أبا بكر قال - مخبرا عن نفسه -: إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني. (3).


(1) في (س): إلى، وهو خلاف الظاهر. (2) أي له من أسهم هذا الطعن سهم وكذا ما بعده. (3) أقول: وردت هذه القصة بألفاظ مختلفة في موارد متعددة نذكر بعضها ونختمها بجملة من المصادر. فمنها: قد وليت أمركم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني - كما جاء في لفظ ابن الجوزي في الصفوة -. ومنها: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على الحق فأعينوني، وإن رأيتموني على الباطل فسددوني - كما في طبقات ابن سعد 3 / 151 [3 / - القسم الاول - 139]. ومنها: ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإن رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم - كما في الطبقات أيضا - والامامة والسياسة 1 / 16، وتاريخ الطبري 3 / 210، وغيرها. ومنها: أما والله ما أنا بخيركم، ولقد كنت لمقامي هذا كارها، ولوددت أن فيكم من يكفيني، أفتظنون أني أعمل فيكم بسنة رسول الله (ص) ؟ ! اذن لا أقوم بها، إن رسول الله كان يعصم = = بالوحي وكان معه ملك، وإن لي شيطانا يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني.. انظر: مسند احمد بن حنبل 1 / 14، مجمع الزوائد للهيثمي 5 / 183، الامامة والسياسة 1 / 16 [صفحة: 6، ضمن خطبة أبي بكر]، والصفوة 1 / 99، المجتبى لابن دريد: 27، عيون الاخبار لابن قتيبة 2 / 234، كنز العمال 3 / 126، 135 و 136. قال: رواه الطبراني في الاوسط، الرياض النضرة 1 / 167 و 177، تاريخ الطبري 3 / 203 و 210، تاريخ ابن كثير 5 / 247، تاريخ الخلفاء: 47 - 48، تاريخ ابن جرير 2 / 440، تاريخ اليعقوبي 2 / 107، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 134 و 3 / 8 و 14، 4 / 167 [الطبعة ذات أربعهة مجلدات]، سيرة ابن هشام 4 / 340، السيرة الحلبية 3 / 388، تهذيب الكامل 1 / 6، إعجاز القرآن: 115، العقد الفريد 2 / 158، وغيرها من مصادر العامة، ولا حظ: الطرائف 2 / 402، والفصول المختارة من العيون والمحاسن: 7 و 197، والصراط المستقيم 2 / 294 - 296 و 300، وكشف المحجة: 67، والغدير 2 / 42 و 7 / 104 و 105 و 108 و 118.. ومن هذا الباب ما جاء منه في الجواب عن الكلالة: إني سأقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. أخرجه سعد بن منصور الدارمي في سننه 2 / 365، وابن جرير الطبري في تفسير 6 / 30، وابن المنذر البيهقي في سننه الكبرى 6 / 223، وحكى عنهم السيوطي في الجامع الكبير - كما في ترتيبه - 6 / 20، وذكره ابن كثير في تفسيره 1 / 260، والخازن في تفسيره 1 / 367، وابن القيم في اعلام الموقعين: 29، كما نقله العلامة الاميني - رحمه الله - في غديره 7 / 104 - 105.

[496]

ولا يصلح للارشاد من يطلب الرشاد. وقال: أقيلوني فلست بخيركم.. ولا يحل للامام الاستقالة من البيعة. وأجاب قاضي القضاة في المغني (1) ناقلا عن شيخه أبي علي أن إخباره عن نفسه بما أخبر لو كان نقصا فيه لكان قوله تعالى في آدم وحواء: * (فوسوس لهما (2) الشيطان) * (3)، وقوله: * (فأزلهما الشيطان) * (4)، وقوله تعالى: * (وما أرسلنا من


(1) المغني، الجزء المتمم للعشرين: 338 - 339 - القسم الاول -. (2) في المصدر: إليه، وهو غلط. (3) الاعراف: 20. (4) البقرة: 36.

[497]

قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى..) * (1) الآية، يوجب النقص في الانبياء عليهم السلام، وإذا لم يجب ذلك فذلك (2) ما وصف به أبو بكر نفسه، وإنما أراد أن عند الغضب يشفق من المعصية ويحذر منها، ويخاف (3) أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه، وذلك منه على طريق الزجر لنفسه عن المعاصي. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ترك مخاصمة الناس في حقوقه إشفاقا من المعصية، وكان يولي ذلك عقيلا، فلما أسن عقيل كان يوليها (4) عبد الله ابن جعفر رحمه الله. قال: فأما ما روي في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف، وإن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لامر يرجع إليه أن يقيله الناس (5) البيعة، وإنما يضرون بذلك أنفسهم، فكأنه نبه بذلك على أنه غير مكره لهم، وأنه قد خلاهم وما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه، وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله، والمراد بذلك على أنه تركه وما يختاره ولم يكرهه (6). وأورد عليه السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي (7) بأن قول أبي بكر: وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن


(1) الحج: 52. (2) في المغني: فكيف. (3) في المصدر: ويجوز منها ويخشى. (4) في المغني: فلما أيس عقيل منها كان يوليها. (5) في المصدر: لامر إن يرجع إليه أن يستقيله الناس.. (6) في المصدر: وما يختار من التأخير وغير ذلك، بدلا من: وما يختاره ولم يكرهه. انظر: المغني 21 / 338 - 339، باختلاف يسير. (7) الشافي: 415 - 416 الحجرية [4 / 121 - 124].

[498]

لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم ولا أبشاركم.. (1) يدل (2) على أنه لا يصلح للامامة من وجهين: أحدهما: إن هذه صفة من ليس بمعصوم ولا يأمن الغلط على نفسه، ومن يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا واقع المعصية، وقد بينا أن الامام لا بد أن يكون معصوما مسددا موفقا. والوجه الآخر: إن هذه صفة من لا يملك نفسه، ولا يضبط غضبه، ومن هو في نهاية الطيش والحدة، والخرق والعجلة، ولا خلاف في (3) أن الامام يجب أن يكون منزها عن هذه الاوصاف غير حاصل عليها، وليس يشبه قول أبي بكر ما تلاه من الآيات كلها، لان أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، وأن عادته بذلك جارية، وليس هذا بمنزلة من يوسوس له الشيطان ولا يطيعه، ويزين له القبيح فلا يأتيه، وليس وسوسة الشيطان قبحا (4) بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التكليف ووجه يتضاعف معه الثواب. وقوله تعالى: * (ألقى الشيطان في أمنيته) * (5) قيل معناه: في تلاوته، وقيل: في فكرته على سبيل الخاطر، وأي الامرين كان فلا عار في ذلك على النبي صلى الله عليه وآله ولا نقص، وإنما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتبع ما يدعو


(1) أي لا أترك أثرا في أشعاركم بالنتف ولا في أبشاركم بالجرح، وهو نوع كناية عن التجاوز والجور. وقد جاء في الصواعق المحرقة: 30، وبلفظ: أقيلوني في صفحة: 50، ورياض النضرة 1 / 175، والامامة والسياسة 1 / 14. وعبارة ابن قتيبة في صفحة: 16 هكذا: لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني.. ثم قال: واحتجب عن الناس ثلاثة يشرف كل يوم يقول: أقلتكم بيعتي. وقد سبق منا مصادر جمة في أول هذا الطعن ولا حاجة إلى الاعادة، فراجع. (2) في المصدر: فإنه يدل.. (3) لا توجد في الشافي كلمة: في. (4) لا توجد: قبحا، في المصدر. (5) الحج: 52.

[499]

إليه، وليس لاحد أن يقول هذا - إن سلم لكم في جميع الآيات - لم يسلم لكم في قوله تعالى (1): * (فأزلهما الشيطان) * (2) لانه قد خبر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من الفعل، وذلك لان المعنى الصحيح في هذه الآية أن آدم وحواء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها، ولم يكن ذلك عليهما واجبا لازما، لان الانبياء عليهم السلام لا يخلون بالواجب، فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة فتركا مندوبا إليه، وحرما بذلك أنفسهما الثواب وسماه (3): إزلالا، لانه حط لهما عن درجة الثواب، وفعل الافضل. وقوله تعالى في موضع آخر: * (وعصئ ادم ربه فغوى) * (4) لا ينافي هذا المعنى، لان المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب والندب، وقوله: فغوى.. أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه، على أن صاحب المغني (5) يقول: إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحق بها عقابا ولا ذما، فعلى مذهبه - أيضا - يكون (6) المفارقة بينه وبين أبي بكر ظاهرة، لانأبا بكر خبر عن نفسه أن الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الاشعار والابشار، ويأتي ما يستحق به التقويم، فأين هذا من ذنب صغير لا ذم و (7) لا عقاب عليه ؟. وهو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح، لانه لا يؤثر في أحوال فاعله وحط رتبته، وليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية والاشفاق على ما ظن، لان مفهوم خطابة يقتضي خلاف ذلك، ألا ترى أنه قال: إن لي شيطانا يعتريني، وهذا قول من قد عرف عادته، ولو كان على سبيل الاشفاق والخوف لخرج غير هذا المخرج، ولكان يقول


(1) لا توجد: تعالى، في المصدر. (2) البقرة: 36. (3) في المصدر: وسمى - بلا ضمير -. (4) طه: 121. (5) في الشافي: صاحب الكتاب. (6) في المصدر: تكون. (7) لا توجد الواو في (س).

[500]

فإني لا آمن من كذا.. وإني لمشفق منه. فأما ترك أمير المؤمنين عليه لاسلام مخاصمة الناس (1)، فإنما كان تنزها وتكرما، وأي شبه بين ذلك وبين من صرح وشهد على نفسه بما لا يليق بالائمة ؟ !. وأما خبر استقالة البيعة وتضعيف صاحب المغني (2) له فهو - أبدا - يضعف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه. وقوله: إنه ما استقالها (3) على التحقيق وإنما نبه على أنه لا يبالي بخروج الامر عنه، وإنه غير مكره لهم عليه.. فبعيد عن الصواب (4)، لان ظاهر قوله: أقيلوني.. أمر بالاقالة، وأقل أحواله أن يكون عرضا لها أو بذلا، وكلا الامرين قبيح. ولو أراد ما ظنه لكان له في غير هذا القول مندوحة (5)، ولكان يقول: إني ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي، وما كنت أبالي أن لا يكون هذا الامر في، ولا إلي، وإن مفارقته لتسرني (6) لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به، ومتى عدلنا عن ظواهر الكلام (7) بلا دليل جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به. فأما أمير المؤمنين عليه السلام فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخوله فيها، وإنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداءا فأعفاه (8)، علما بأن إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها، فأين هذا من (9) استقالة بيعة قد تقدمت واستقرت، انتهى كلامه رفع الله مقامه.


(1) في المصدر زيادة: في حقوقه، بعد: الناس. (2) في المصدر: صاحب الكتاب. (3) في الشافي: ما استقال - بلا ضمير -. (4) جاء في المصدر: من الصواب. (5) في (س): مندرجة. وهو سهو ظاهرا. (6) في الشافي: تسرني - بلا لام -. (7) لا توجد: الكلام، في (س). (8) في المصدر زيادة: قلة فكر فيه، بعد: فأعفاه. (9) لا توجد: من، في (س).

[501]

وأورد عليه ابن أبي الحديد (1):.. بأن أبا بكر كان حديدا (2) ولكن لا يخل ذلك بالامامة، لان المخل بالامامة من ذلك ما يخرج به الانسان عن العقل، فأما ما دون ذلك فلا، وقوله: فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.. محمول على البلاغة (3) في وصف القوة الغضبية لا على ظاهره، لانه لم ينقل أنه قام إلى رجل فضربه بيده ومزق شعره... وأما قول شيخنا أبي علي أن كلام أبي بكر خرج مخرج الاشفاق والحذر.. فجيد. واعتراض المرتضى غير لازم، لان في هذه عادة العرب يعبرون عن الامر بما هو منه بسبيل، كقولهم: لا تدن من الاسد فيأكلك، ليس أنهم قطعوا على الاكل عند الدنو. فأما الكلام في قوله: أقيلوني.. فلو صح الخبر لم يكن فيه مطعن عليه، لانه إنما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في (4) البيعة التي وقعت في اليوم الاول ليعلم ولهى من عدوه منهم... على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البيعة حقيقة، فلم قال المرتضى: إن ذلك لا يجوز ؟. أليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاء بعد توليه إياه ودخلوه فيه ؟ فكذلك يجوز للامام أن يستقيل من الامامة إذا آنس من نفسه ضعفا عنها، أو آنس من رعيته نبوة (5) عنه أو أحس بفساد ينشأ في الارض من جهة ولايته على الناس، ومن يذهب إلى (6) أن الامامة تكون بالختيار كيف


(1) في شرحه على النهج 17 / 161 - 164 عند شرح قوله عليه السلام: هذه صفة طائش لا يملك لنفسه..، وقد نقله باختصار. (2) هي صفة مشبهة منالحدة بمعنى النشاط والسرعة في الامور والمضاء فيها، كما في نهاية ابن الاثير 1 / 353. (3) في المصدر: على المبالغة، وهو الظاهر. (4) في (س): على، بدلا من: في. (5) قال في القاموس 4 / 393: نبا بصره نبوا ونبيا ونبوة، والسيف عن الشريبة نبوا ونبوة: كل. (6) لا توجد في (س): إلى. (*)

[502]

يمنع من جواز استقالة الامام وطلبه إلى الامة أن يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه ؟ ! وإنما يمتنع من ذلك المرتضى وأصحابه القائلون بأن الامامة بالنص...، على أنه إذا جاز عندهم ترك (1) الامام الامامة في الظاهر - كما فعله الحسن عليه السلام، والائمة بعد الحسين عليهم السلام - جاز (2) للامام على مذهب أصحاب الاختيار أن يترك الامامة ظاهرا وباطنا لعذر يعلمه. والجواب، أن الكل اتفقوا على اشتراط العدالة في الامام، ولا ريب في أنه يكون من الحدة والطيش ما لا يضبط الانسان نفسه عند هيجانه فيقدم على المعصية، ولا يدخل بذلك عرفا في زمرة المجانين، ولا يخرج عن حد التكليف، وقوله: فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.. اعتراف باتصافه بفرد بالغ من هذا النوع، ولا خلاف في كونه قادحا في الامامة، وادعاؤه أنه لم ينقل أنه فعل ذلك برجل، فقد روى نفسه ما يكذبه، حيث روى عن محمد بن جرير الطبري (3) أن الانصار بعثوا عمر إلى أبي بكر يسأله أن يولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة، فوثب أبو بكر - وكان جالسا - فأخد بلحية عمر، وقال: ثكلتك أمك يابن الخطاب ! استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وتأمرني أن أنزعه ؟ !. فخرج عمر إلى الناس، فقالوا: ما صنعت ؟. قال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله.. إلى آخر ما رواه. و (4) وثوبه على عمر بن الخطاب وأخذه بلحيته وشتمه - مع كونه معظما مبجلا عنده في أول خلافته، والمقام لم يكن مقام الخفة والطيش - يدل على أن ذلك الصنيع لم يخرج منه مخرج الندرة والافتلات، بل كان ذلك من الفعل المعتاد، ومع الاغماض عنه نقول: إن ذلك الشهادة من قبيل الرجم بالغيب، ومن الذي


(1) في شرح النهج: أن يترك (2) في المصدر زيادة: للتقية، قبل كلمة: جاز. (3) في تاريخه 3 / 226. (4) لا توجد الواو في (ك).

[503]

أحصى أفعال أبي بكر حتى علم أنه لم يفعل ذلك بأحد من معاشريه وخواصه وأهل بيته ؟ وبعد تسليم أنه لم يقدم قط على جرح الابشار ونتف الاشعار، نقول: إذا بلغ الطيش والحدة في الشدة إلى حد يخاف صاحبه على نفسه الوثوب على الناس فلا يشك في أنه يصدر عنه عند الغضب من الشتم والبذاء وأصناف الاذى قولا وفعلا ما يخرجه عن حد العدالة المشترطة في الامامة، ولو قصر الغضب عن القيام بما يخل بالعدالة - ولو بالاصرار على ما كان من هذا النوع من قبيل الصغائر - لم يعبر عنه بهذا النوع من الكلام. وبالجملة، حمل كلام أبي بكر على المبالغة لا ينفعهم ولا يضرنا، وكذا التمسك بقولهم: لا تدن من الاسد.. لا ينفعهم، إذ لا يقال ذلك إلا إذا جرت عادته بأكل من دنى منه، فكذلك لا موقع لكلام أبي بكر ما لم تجر عادته بأن يؤثر غضبه في أشعار الناس وأبشارهم، أو يؤذيهم بالشتم والبذاء.. ونحو ذلك مما كنى عنه بقوله: لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم، ومثل هذا الطيش والحدة لا ريب في كونه مخرجا عن العدالة، قادحا في صلوح صاحبه للامامة، فخروج الكلام مخرج الاشفاق والحذر - على هذا الوجه - لا ينفع في دفع الطعن. وأما ما أشار (1) إليه - تبعا للقاضي - من منع صحة الخبر في استقالة أبي بكر فمما لا وقع له، لاستفاضة الخبر واشتهاره في كل عصر وزمان، وكونه مسلما عند كثير من أهل الخلاف، ولذا لم يمنع الرازي في نهاية العقول (2) صحته مع ما علم من حاله من كثرة التشكيك والاهتمام بإيراد الاجوبة العديدة، وإن كانت سخيفة ضعيفة. وقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام - على ما حكاه بعض الثقات من الاصحاب -.


(1) في (س): أشاروا - بصيغة الجمع -. (2) نهاية العقول: مخطوط.

[504]

وقال مؤلف كتاب الصراط المستقيم (1): ذكره الطبري في تاريخه (2)، وابلاذري في أنساب الاشراف (3)، والسمعاني في الفضائل (4)، وأبو عبيدة: قول (5) أبي بكر على المنبر - بعد ما بويع (6) -: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم (7). وقد أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية (8) بقوله: فيا عجبا ! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته.. وصحة الخطبة مسلمة عند ابن أبي الحديد (9) وقاضي القضاة (10) وغيرهما (11) كما عرفت. وأما عدم رواية أصحاب أصولهم قصة الاستقالة فلا حجة فيه، لانهم لا يروون ما لا تتعلق أغراضهم بروايته، بل تعلق غرضهم بانمحاء ذكره. ويدل على بطلان ما زعمه من أن أبا بكر أراد اختبار حال الناس في اليوم الثاني من بيعته ليعلم وليه من عدوه، قول أمير المؤمنين عليه السلام: بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته.. إذ لو كان المراد ما توهمه لم يكن عقده لآخر بعد الوفاة مع الاستقالة في الحياة موضعا للعجب، وإنما التعجب من صرفها عن أمير المؤمنين عليه السلام عند الوفاة وعقدها لغيره مع الاستقالة منها


(1) الصراط المستقيم 2 / 294. (2) تاريخ الطبري 3 / 210. (3) أنساب الاشراف، ما طبع منه حتى الآن لم نجده فيه. (4) فضائل السمعاني، لم نجد له نسخة خطية فضلا عن المطبوعة. (5) في المصدر: من قول.. (6) في الصراط المستقيم: حين بويع. (7) انظر: الامامة والسياسة: 16، وسيرة ابن هشام 2 / 666، والطرائف 2 / 402، والصراط المستقيم 2 / 294 وغيرها مما تقدم من المصادر. (8) الخطبة الثالثة من النهج في طبعة محمد عبده 1 / 32، وفي طبعة الدكتور صبحي الصالح: 48. (9) كما اعترف به في شرحه على النهج 17 / 161. (10) في كتابه المغني 20 / 328. (11) قد مرت مصادرها مفصلة، فراجع.

[505]

في الحياة، لعلمه بأنه كان حقا لامير المؤمنين عليه السلام وهو واضح، ولعلهم لا ينكرون أن فهم أمير المؤمنين عليه السلام مقدم على فهمهم. وقد ظهر مما ذكرناه ضعف ما أجاب به الفخر الرازي في نهاية العقول (1) من أنه (2) ذكر ذلك على سبيل التواضع وهضم النفس، كما قال عليه السلام: لا تفضلوني على يونس بن متى.. والفرق بين استقالة أبي بكر والخبر الذي رواه - على تقدير صحته - واضح، ولو أراد مجرد الاستشهاد على ورود الكلام للتواضع وهضم النفس - وهو أمر لا ينازع فيه - لكن لا يلزم منه صحة حمل كل كلام عليه. وأما ما ذكره من جواز الاستقالة تشبيها بالقضاء، فيرد عليه، أنه إذا جازت الاستقالة من الامام ولم يتعين عليه القيام بالامر فلم لم يرض عثمان بالخلع مع أن القوم حصروه وتواعدوه (3) بالقتل، فقال: لا أخلع قميصا قمصنيه الله عز وجل (4)، وأصر على ذلك حتى قتل، وقد جاز - بلا خلاف - إظهار كلمة الشرك وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الخوف على النفس، فدل ذلك الاصرار منه على أن الخلع أعظم من إظهار كلمة الكفر وغيره من الكبائر، وأن ما أتى به أبو بكر كان أعظم مما ذكر على مذهب عثمان، فما دفع به الطعن عن أبي بكر يوجب قدحا شنيعا في عثمان، فإن تعريض النفس للقتل لامر مباح لم يقل بجوازه أحد. وقد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد قدس الله روحه (5)، حيث قال: على أن


(1) نهاية العقول: مخطوط. (2) في طبعة (س) هنا كلمة: رض، وخط عليها في (ك). (3) في (ك): توعدوه. (4) أو قال: سر بلني الله. وقد ذكر شيخنا الاميني - رحمه الله - قصة الحصار مفصلا بمصادرها في غديره 9 / 177 - 203. (5) في الفصول المختارة من العيون والمحاسن: 199.

[506]

الاختيار إن كان للامة وكان (1) إليها الخلع والعزل لم يكن (2) لدعائها عثمان إلى أن يخلع نفسه معنى يعقل، لانه كان لها أن تخلعه وإن لم يجبها إلى ذلك (3)، وإن كان الخلع إلى الامام فلا معنى لقول أبي بكر (4): أقيلوني.. وقد (5) كان يجب لما كره الامر أن يخلع هو نفسه... وهذا أيضا تناقض آخر يبين عن بطلان الاختيار وتخليط القوم. وأنت - أرشدك الله - إذا تأملت قول أمير المؤمنين عليه السلام (6): فيا عجبا ! بينا هو يستقيلها.. إلى آخره، وجدته عجبا، وعرفت من المغزى كان (7) من الرجل في القوم وبان خلاف الباطن منه (8)، وتيقنت الحيلة التي أوقعها والتلبيس، وعثرت به على الضلال وقلة الدين، والله (9) نسأل التوفيق، انتهى. وأما ما ذكره من قياس خلع الخليفة نفسه اختيارا بما صدر عن أئمتنا عليهم السلام تقية واضطرارا فهو أظهر فسادا من أن يفتقر إلى البيان، مع أنه يظهر مما مر جوابه وسيأتي بعض القول في ذلك، والله المستعان. الطعن السابع: إنه كان جاهلا بكثير من أحكام الدين (10)، فقد قال في الكلالة: أقول فيها


(1) في المصدر: فكان. (2) في الفصول المختارة: ولم يكن. (3) في المصدر: إذا لم يجبها إلى ذلك واختار.. (4) في المصدر زيادة: للناس، بعد: أبي بكر. (5) وضع على: قد، في (ك) رمز نسخة بدل. (6) في المصدر زيادة: في خطبته في الكوفة عند ذكر الخلافة حيث يقول.. (7) في المصدر زيادة: الذي، قبل: كان. (8) في الفصول المختارة زيادة: للظاهر، بعد: منه. (9) في المصدر: والله تعالى. (10) إن غاية جهد الباحث عن علم الخليفة بالسنة وسعة اطلاعه عليها لتوصله إلى أمور مضحكة ظاهرا = = مبكية واقعا، وقد قال العلامة الاميني في غديره 7 / 115: إذا قسنا مجموع ما ورد عن الخليفة - من الصحيح والموضوع في التفسير والاحكام والفوائد، من المائة وأربعة حديث، أو المائة واثنين وأربعين حديث - إلى ما جاء عن النبي الاقدس من السنة الشريفة لتجدها كقطرة من بحر لجئ، لا تقام به قائمة للاسلام، ولا تدعم به أي دعامة للدين، ولا تروى بها غلة صاد، ولا تنحل بها عقدة أية مشكلة.. إلى آخر ما أجاد وأفاد.

[507]

برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني (1)، لم يعرف ميراث الجدة (2)، فقال: لجدة سألته عن إرثها ؟ لا أجد لك شيئا في كتاب الله وسنة نبيه


(1) وقد قال في الكلالة: أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر قال: إني لاستحيي الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر ! !. أقول: قد أخرجه جمع من الحفاظ ورجال الحديث، منهم الدارمي في سننه 2 / 365 - 366، والطبري في تفسيره 6 / 30 [4 / 191 - 192]، والبيهقي في سنن الكبرى 6 / 223، والسيوطي في ترتيب الجامع الكبير 6 / 20، وابن كثير في تفسيره 1 / 260، والخازن في تفسيره 1 / 367، وابن القيم في اعلام الموقعين: 29، وغيرهم. وفي تفسير ابن كثير 1 / 595، عن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة والقول ما قلت. وذكر الحاكم في المستدرك 2 / 304، والبيهقي في السنن الكبرى 6 / 225، وابن كثير في تفسيره 1 / 595، والذهبي في تلخيص المستدرك، وكلهم صححوا الحديث عن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت ؟. قال: قلت: الكلالة ما لا ولد له. وهذا عمر يقول. وقد ذكر عنه البيهقي في سننه الكبرى 6 / 224: أتى علي زمان لا أدري ما الكلالة، وإذا الكلالة من لا أب له ولا ولد. (2) والرواية مفصلة جاءت بطرق متعددة تجدها في صحيح الترمذي 4 / 420 كتاب الفرائض باب 10 حديث 2100 - 2101، وفي سنن الدارمي 2 / 359، وسنن أبي داود 2 / 17 [3 / 121 حديث 2894]، وسنن ابن ماجه 3 / 163 [2 / 910 حديث 2724]، ومسند احمد 4 / 224، وسنن البيهقي 6 / 234، وموطأ مالك 1 / 335، وبداية المجتهد 2 / 344، ومصابيح السنة 2 / 22، وغيرها من المصادر. وقد ذكرها الخاصة أيضا، انظر مثالا: الغدير 7 / 104 - 105، والصراط المستقيم 2 / 296، والسبعة من السلف: 90، وما بعدها، والشافي 4 / 193، وتلخيصه 4 / 25، وقد قضى في الجد سبعين قضية، كما صرح بذلك ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3 / 165، و 4 / 262 [أربعة = = مجلدات - مصر]، وروى مائة قضية كل منها ينقض الآخر، كما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى 6 / 245 عن عبيدة، ومثله عن المتقي الهندي في كنز العمال 6 / 15 كتاب الفرائض، وفي المبسوط للسرخسي 29 / 180: والصحيح أن مذهب عمر لم يستقر على شئ في الجد. وهو القائل - كما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1 / 61، وغيره -: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه..

[508]

صلى الله عليه [وآله]، فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة أن الرسول صلى الله عليه وآله أعطاها السدس، وقال: أطعموا الجدات السدس (1)، وقطع يسار السارق (2)، وأحرق فجاءة بالنار (3)، ولم يعرف ميراث العمة والخالة (4).. إلى غير ذلك.


(1) ونظير هذا رأيه في الجدتين، فقد روى القاسم بن محمد أنه قال: أتت الجدتان إلى أبي بكر، فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الام، فقال له رجل من الانصار.. إلى آخره. وجاء بألفاظ أخر، انظر: موطأ مالك 1 / 335، وسنن الدارمي 2 / 359، وسنن ابن ماجة 2 / 910 حديث 2724، وسنن البيهقي 1 / 235، وبداية المجتهد 2 / 344، والاستيعاب 2 / 400، والاصابة 2 / 402، وقال: رجاله ثقات، وكنز العمال 6 / 6، وغيرها، ونقله في الصراط المستقيم 2 / 96 عن الترمذي، وغيره. وعن جمع من الصحابة قالوا: إن أبا بكر جعل الجد أبا، أي كان يحجب الاخوة بالجد ولم يشرك بينهما، كما أن الاب يحجب الاخوة والاخوات ! كما جاء في صحيح البخاري باب ميراث الجد، وسنن الدارمي 2 / 352، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 94، وسنن البيهقي 6 / 246، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 65، وتفسير القرطبي 5 / 68، وانظر: اعذار الدارمي في سننه 2 / 353. (2) روى شيخنا الاميني - رحمه الله - في غديره 7 / 129 عن جمع بعدة طرق، منها ما أورده البيهقي في سننه 8 / 273 - 274، من جهل الخليفة في قطع السارق، إذ روى أن رجلا سرق على عهد أبي بكر مقطوعة يده ورجله، فأراد أبو بكر أن يقطع رجله ويدع يده يستطيب بها ويتطهر بها وينتفع بها.. كما وقد تعرض لها في الصراط المستقيم 2 / 305. (3) كما أورده الطبري في تاريخه 3 / 264، واحمد بن أعثم الكوفي في الفتوح 1 / 16، وغيرهما. وقد ذكر القصة مفصلا في المتن عن كامل ابن الاثير، وتعرض لها العلامة الاميني في غديره 7 / 156 - 157 و 170 - 171 عن عدة مصادر، فراجع. (4) لا حظ: الغدير 7 / 171.

[509]

وقصة فجاءة - على ما ذكره ابن الاثير في الكامل (1) - هي: أنه جاء فجاءة السلمي - واسمه: أياس بن عبد الله (2) يا ليل (3) - إلى أبي بكر، فقال له: أعني بسلاح أقاتل أهل الردة، فأعطاه سلاحا وأمره أمره فخالف إلى المسلمين، وخرج حتى نزل بالجواء (4)، وبعث نجية (5) وأمره بالمسلمين، فشن الغارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن، فبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بن حاشي فأمره (6) أن يجمع له ويسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قس (7) الحاشي عونا، فنهض (8) إليه وطلباه، فلاذ منهما (9)، ثم لقياه على الجواء (10) فاقتتلوا فقتل (11) نجية وهرب الفجاءة، فلحقه طريفة فأسره، ثم بعث به إلى أبي بكر، فلما قدم أمر أبو بكر أن


(1) الكامل 2 / 237، باختلاف يسير. (2) وضع على لفظ الجلالة رمز نسخة بدل في (س)، وخط عليها في (ك)، وهو الظاهر. (3) في الغدير وجملة من المصادر جاء اسم الفجاءة أياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف، وهنا حاشية جاءت في (ك) وهي: وابن عبد ياليل بن عبد كلال - كغراب - عرض النبي (ص) نفسه عليه، فلم يجبه إلى ما اراد. قاموس وجاء: أياس بن عبد ياليل، كما في المصدر. انظر: القاموس 4 / 46. ومن هنا جاء نص ما أورده ابن الاثير في الكامل 2 / 350 [وفي الطبعة الثانية 2 / 237]. (4) في (س): الحواء، ولعلها سهو. وجاء في حاشية (ك): والجواء - ككتاب -: ماء بحمى ضرية، وموضع باليمامة، وواد في ديار عبس. قاموس. انظر: القاموس 4 / 314. وقريب منه في مراصد الاطلاع 1 / 352 - 353، ومعجم البلدان 2 / 174. (5) وفي المصدر: نخبة بن أبي الميثاء من بني الشريد، بدلا من: نجية. (6) في الكامل: طريفة بن جاجز يأمره. (7) في (ك): قش - بالشين المعجمة -. (8) في المصدر: فنهضا. (9) في (س): منها. (10) في (س): الحواء. (11) في الكامل: وقتل.

[510]

يوقد (1) له نار في مصلى المدينة، ثم رمى به فيها مقموطا - أي مشدود اليدين والرجلين - (2). وقد روى القصة كثير من أرباب السير (3). وأجاب صاحب المواقف وشارحه (4) بأن الاصل - وهو كون الامام عالما بجميع الاحكام - ممنوع، وإنما الواجب الاجتهاد، ولا يقتضي كون جميع الاحكام حاضرة عنده بحيث لا يحتاج المجتهد فيها إلى نظر وتأمل، وأبو بكر مجتهد، إذ ما من مسألة - في الغالب - إلا وله فيه قول مشهور عند أهل العلم، وإحراق فجاءة إنما كان لاجتهاده وعدم قبول توبته لانه زنديق، ولا تقبل توبة الزنديق في الاصح. وأما قطع يسار السارق، فلعله من غلط الجلاد، أو رآه في المرة الثالثة من السرقة، وهو رأي الاكثر من العلماء. ووقوفه في مسألة الجدة ورجوعه إلى الصحابة في ذلك لانه غير بدع من المجتهد البحث عن مدارك الاحكام، انتهى. وأجيب: بأنه قد ثبت أن من شرائط الامامة العلم بجميع الاحكام، وقد ظهر من أبي بكر الاعتراف على نفسه بأنه لم يعرف الحكم فيها، وعدم تعرض من تصدى للجواب لمنع صحة ما ذكر اعتراف بصحته (5). ثم ان الكلالة - على ما رواه الاصحاب عن أئمتنا عليهم السلام - أولاد


(1) في المصدر: ان توقد. (2) انظر: الصحاح 3 / 1154 - 1155، ومجمع البحرين 4 / 270. (3) وقد سلفت منا جملة من المصادر في قصة الفجاءة، وإليك جملة أخرى منها: تاريخ الطبري 3 / 234، وتاريخ ابن كثير 6 / 319، وتاريخ اليعقوبي 2 / 134، والبداية والنهاية لابي الفداء 3 / 319، والاصابة 2 / 322، وشرح القوشجي على التجريد: 482، وذكرها ملخصة ابن أبي الحديد في شرحه 17 / 222، وغيرهم. (4) المواقف وشارحه: 403 [شرح المواقف وحواشيه 8 / 348] وقصة فجاءة في 8 / 357. (5) لا حظ: المصدر السالف، والتجريد وشرحه: 296، والصواعق المحرقة: 33، وجهله بهذه المسألة وغيرها جاء - أيضا - في: سنن ابن ماجة 3 / 163، ومسند احمد بن حنبل 4 / 224، وسنن أبي داود 2 / 17، والموطأ 1 / 335، وغيرها كما سلف بعضه.

[511]

الاب والام، وهم الاخوة من الطرفين أو من أحدهما (1)، وقد دلت آية الميراث في أول سورة النساء (2) على حكم من كان (3) من قبل الام منهم، وفي آخر السورة (4) على حكم من كان من قبل الاب والام أو من قبل الاب، سميت كلالة لاحاطتها بالرجل كالاكليل بالرأس - وهو ما يزين بالجوهر - شبه العصابة، أو لانها مأخوذة من الكل لكونها ثقلا على الرجل (5)، والذي رواه قوم من المفسرين عن أبي بكر و (6) عمر وابن عباس - في أحد (7) الروايتين - عنه أنها من عدا الوالد والولد (8). وفي الرواية الاخرى عن ابن عباس أنها من عدا الولد (9). أقول: يرد هنا طعن آخر على أبي بكر، بل على صاحبه، وهو أنهما فسرا القرآن برأيهم -، كما صرح به أبو بكر (10) - ورووا في صحاحهم المنع من ذلك،


(1) لاحظ مثالا: فروع الكافي 7 / 100 حديث 3، والتهذيب 9 / 290 حديث 5، ومن لا يحضره الفقيه 4 / 200. (2) في قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة..) الآية، النساء: 12. (3) في (س): على ما كان. (4) النساء: 176. (5) كما جاء في مجمع البحرين 5 / 464، والنهاية 4 / 197، وغيرهما. (6) في (س): أو. (7) في (ك): إحدى. (8) كما أورده الدارمي في سننه 2 / 366، والبيهقي في سننه 6 / 225 أيضا، والطبري في تفسيره 4 / 192، وغيرهم في غيرها. (9) كما جاءت في تفسير الطبري 4 / 193، وسنن البيهقي 6 / 225. وفي (ك): للوالد، بدلا من: الولد. (10) ولقد فتح الخليفة وخليفته - لقصر باعه في علوم الكتاب والسنة - باب القول بالرأي بمصراعيه بعد ما سده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته بكلي ذراعيه، إذ نجد أن جمعا من الاعلام كابن سعد في الطبقات، وأبي عمر في كتاب العلم 2 / 51، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 71، وابن القيم في اعلام الموقعين: 19، وغيرهم ذكروا أن أبا بكر نزلت به قضيته فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة إثرا، فاجتهد رأيه، ثم قال: هذا رأي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني.

[512]

ومن فسر القرآن برأيه فقد كفر (1)، وروى في المشكاة والمصابيح (2)، عن الترمذي (3)، عن ابن عباس، قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية (4): من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. وعن الترمذي (5) وأبي داود (6)، عن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. وعن أحمد (7) وابن ماجة (8) بإسنادهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي صلى الله عليه [وآله] قوما يتدارؤن (9) في القرآن، فقال:


(1) كما في صحيح الترمذي 5 / 199، كتاب التفسير حديث 2953، وسنن أبي داود كتاب العلم حديث 3652، جامع البيان برقم 80، ونقله ابن الاثير في جامع الاصول 2 / 3 حديث 469 عن أصولهم. (2) مشكاة المصابيح: 35. (3) صحيح الترمذي 5 / 199 كتاب التفسير حديث 2951 و 2952. (4) صحيح الترمذي 5 / 199 كتاب التفسير حديث 2950. ونقلها عنه ابن الاثير في جامع الاصول 2 / 6 حديث 470، وأخرجها احمد في مسنده 1 / 233 برقم 2069، 3025، والطبري في جامع البيان: 1 / 73 - 80. (5) صحيح الترمذي 5 / 199 كتاب التفسير الباب الاول حديث 2952، وتلاحظ بقية روايات الباب. (6) سنن أبي داود 3 / 320 كتاب العلم حديث 3652. (7) مسند احمد بن حنبل 2 / 185. (8) سنن ابن ماجه، ولم نجده فيه. وذكره الهندي في كنز العمال 1 / 196 حديث 970 عن البيهقي في شعب الايمان. (9) قال في مجمع البحرين 1 / 136 - 137: وفي الحديث: يتدارؤن الحديث.. أي يتدافعونه، وذلك أن كل واحد منهم يدفع قول صاحبه بما ينفع له من القول، وكأن المعنى إذا كان بينهم محاجة في القرآن طفقوا يدافعون بالآيات، وذلك كأن يسند أحدهم كلامه إلى آية ثم يأتي صاحبه بآية أخرى. مدافعا يزعم أن الذي أتى به نقيض ما استدل به صاحبه، ولهذا شبه حالهم بحال من قبلهم، فقال: ضربوا كتاب الله بعضه ببعض.

[513]

إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه (1) فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه. والاخبار في ذلك كثيرة. وقال الفخر الرازي (2): اختار أبو بكر أن الكلالة عبارة عن سوى (3) الوالدين والولد، وهذا هو المختار (4)، وأما عمر فإنه كان يقول: الكلالة ما (5) سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال: كنت أرى الكلالة (6) من لا ولد له وأنا أستحيي أن أخالف أبا بكر (7). وعن عمر فيه رواية أخرى وهو التوقف، وكان يقول: ثلاثة لان يكون بينها الرسول (ص) لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها، الكلالة، والخلافة، والربا. انتهى (8). ولا يشتبه على الفطن الناظر في مثل هذه الروايات أن آراءهم لم يتفرع عن أصل وليست إلا اتباعا للاهواء وقولا في أحكام الله بغير علم ولا هدى من الله، ولو كان ما رآه عمر في الكلالة اجتهادا منه - كما زعموا - لما جاز له الحكم بخلافه استحياء من خلاف أبي بكر، والله ورسوله أحق بأن يستحي منهما، ومن لا يستحي من أن يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليهجر (9)، فاللائق


(1) في (س): من - بلا ضمير -، ولا معنى لها. (2) تفسير الفخر الرازي 9 / 221. (3) في المصدر: واختيار أبي بكر الصديق أنها عبارة عمن سوى.. (4) في التفسير زيادة: والقول الصحيح، بعد كلمة: المختار. (5) في المصدر: من، بدلا من: ما. (6) في تفسير الفخر: إن الكلالة. (7) إلى هنا ذكره الطبري في تفسيره 4 / 192 أيضا. وفي المصدر بعد لفظ أبي بكر: الكلالة من عدا الوالد والولد. (8) وانظر سنن ابن ماجة 2 / 911 حديث 2727، وسنن البيهقي 6 / 225. (9) سنأتي مصادره مفصلا، وانظر مثالا: صحيح البخاري 1 / 39، كتاب العلم باب 39 حديث = = 4، والصراط المستقيم 3 / 3 - 7، وغيرهما.

[514]

بحاله أن لا يستحي من أحد، وتمنيه أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله بين لهم الخلافة دليل واضح على شكه في خلافة أبي بكر وفي خلافته، كما سبق ما يدل على الشك عن أبي بكر، وما جعله دليلا على اجتهادا أبي بكر - من أن له في المسائل أقوالا مشهورة عند أهل العلم - فأول ما فيه أنه افتراء على أبي بكر، وأين هذه الاقوال المشهورة التي لم يسمعها أحد ؟ ! ومن لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله في مدة البعثة، وقد كان - بزعمهم الفاسد - أول الناس إسلاما، وكان من بطانته وصاحبا له في الغار غير مفارق عنه في الاسفار - إلا مائة واثنين وأربعين حديثا (1)، مع ما وضعه في ميراث الانبياء لحرمان أهل البيت عليهم السلام ودفنهم حيث يموتون لان يدفن النبي صلى الله عليه وآله في بيت عائشة ويسهل ما أوصى به من دفنه مع الرسول صلى الله عليه وآله وغير ذلك لاغراض أخر، فمبلغ علمه وكثرة أقواله ظاهر لاولي الالباب. ثم لو سلمت كثرة أقواله فليس مجرد القول دليلا على الاجتهاد والقوة في العلم، ومن تتبع آثارهم وأخبارهم علم أنه ليس فيها ما يدل على دقة النظر وجودة الاستنباط، بل فيها ما يستدل به على دناءة الفطرة وركاكة الفهم، كما لا يخفى على المتتبع. وأما قطع يسار السارق في المرة الاولى فهو خلاف الاجماع، وقد اعترف به الفخر الرازي في تفسير آية السرقة (2)، ولو كان من غلط الجلاد لا نكره عليه أبو بكر وبحث عن الحال، هل كان عن تعمد من الجلاد فيقاصه بفعله أو على السهو والخطأ فيعمل بمقتضاه ؟ وكون القطع في المرة الثالثة خلاف المنقول، ولم يبد هذا الاحتمال أحد غير الفخر الرازي (3) وتبعه المتأخرون عنه.


(1) كما في شرح رياض الصالحين للصديقي 2 / 23، وفصله شيخنا الاميني في غديره 7 / 108 - 114. (2 و 3) تفسير الفخر الرازي 11 / 227.

[515]

وأما الاجتهاد في إحراق فجاءة السلمي فهو من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص، وقد قامت الادلة على بطلانه، وما ذكره من عدم قبول توبته لانه زنديق فاسد، إذ لم ينقل أحد عن فجاءة إلا الاغارة على قوم من المسلمين، ومجرد ذلك ليس زندقة حتى لا تقبل توبته، وقد ذكر في المواقف (1) في الطعن أنه كان يقول: أنا مسلم.. ولم يمنعه في مقام الجواب. واعلم أن الرواية الدالة على عدم التعذيب بالنار من الروايات الصحيحة عند العامة، ورواه (2) البخاري في باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد (3) عن أبي هريرة وعن ابن عباس. ورواه ابن أبي الحديد (4) أيضا. والذي رواه أصحابنا ما روي في الفقيه (5) وغيره (6)، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى أن يحرق شئ من الحيوان بالنار، لكن في بعض أخبارنا (7) ما ينافي هذا العموم، وسيأتي الكلام فيه في كتاب المناهي (8) إن شاء الله تعالى، ولا يضر ذلك في الطعن، لان بناءه على الالزام لاعتراف العامة بصحتها. وما روي من فعل أمير المؤمنين عليه السلام فهو عندنا استناد إلى نص خاص ورثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعند العامة استناد إلى الاجتهاد،


(1) المواقف: 402. (2) في (س): رواه في. (3) صحيح البخاري 4 / 74 - 75. (4) في شرحه على النهج 17 / 222. (5) كتاب من لا يحضره الفقيه 4 / 3 باب 1، ذيل حديث الاول. (6) أمالي الصدوق: 254. (7) كما جاء في الكافي 7 / 199 حديث 5، و 6 وفي صفحة: 201 حديث 1، وفي صفحة: 204 حديث 3، والتهذيب 6 / 142 باب 63 حديث 2، والمحاسن: 112 باب 51 حديث 106، وأورده في بحار الانوار 25 / 300 عن رجال الكشي: 198 - 199. (8) بحار الانوار 76 / 329.

[516]

فلا مطعن فيه بالاتفاق. * * * * *

[517]

خاتمة في ذكر ولادة أبي بكر ووفاته وبعض أحواله قال المخالفون: كان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، واسمه: عبد الله بن عثمان (1) بن (2) أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وقيل اسمه: عتيق، وقيل: كان اسمه: عبد رب الكعبة، فسماه النبي صلى الله عليه وآله: عبد الله، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب (3). غصب (4) الخلافة ثاني يوم مات فيه النبي صلى الله عليه وآله، ومات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بين المغرب والعشاء وله ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وستون، والاول أشهر. وكانت مدة خلافته المغصوبة سنتين وأربعة أشهر (5).


(1) وضع في (ك) على كلمة: عثمان، رمز نسخة بدل. (2) لا توجد في (س): بن. (3) كما جاء في تاريخ الطبري 3 / 419 - 424 [4 / 46]، والكامل لابن الاثير 2 / 418 - 424 [2 / 160]. (4) في (ك): وغصب. (5) انظر: تاريخ اليعقوبي 2 / 106، وصفة الصفوة 1 / 88، وحلية الاولياء 4 / 93، وتاريخ الخميس = = 2 / 199، والرياض النضرة: 44 - 187، ومنهاج السنة 3 / 118، وطبقات ابن سعد 9 / 26 - 28، وغيرها.

[518]

وقال في الاختصاص (1): مات وهو ابن ثلاث وستين سنة، وولي الامر سنتين وستة أشهر. ثم اعلم أنه لم يكن له نسب شريف ولا حسب منيف، وكان في الاسلام خياطا، وفي الجاهلية معلم الصبيان، ونعم ما قيل: كفى للمرء نقصا أن يقال بأنه * معلم أطفال وإن كان فاضلا وكان أبوه سيئ الحال ضعيفا، وكان كسبه أكثر عمره (2) من صيد القماري والدباسي لا يقدر على غيره، فلما عمي وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد الله ابن جدعان - من رؤساء مكة - فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لاحضار الاضياف، وجعل له على ذلك ما يعونه من الطعام، ذكر ذلك جماعة منهم الكلبي في كتاب المثالب (3) - على ما أورده في الصراط المستقيم (4) - ولذا قال أبو سفيان لعلي عليه لاسلام - بعد ما غصب الخلافة -: - أرضيتم يا بني عبد مناف ! - أن يلي عليكم تيمي رذل ؟ !، وقال أبو قحافة: ما رواه ابن حجر في صواعقه (5) حيث قال: وأخرج الحاكم (6) أن أبا قحافة لما سمع بولاية ابنه قال: هل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟. قالوا: نعم. قال: اللهم لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت (7).


(1) الاختصاص: 130. (2) في (س): من عمره. (3) المثالب للكلبي - هشام بن محمد السائب الكلبي المتوفى سنة 205 ه‍. ذكره ابن النديم في فهرسته: 141، ولا نعلم بطبعه. توجد منه نسخة في المتحف العراقي، ولا يسمح لاحد برؤيتها أو نسخها أو غير ذلك. (4) الصراط المستقيم 3 / 102، وانظر صفحة: 28. (5) الصواعق المحرقة: 7 - طبعة الحلبي، مصر -. (6) المستدرك للحاكم النيسابوري، ولم نجد هذه الرواية هناك. (7) وقريب منه في الاستيعاب 2 / 256.

[519]

وقالت فاطمة عليها السلام - في بعض كلماتها -: إنه من أعجاز قريش وأذنابها (1). وقال بعض الظرفاء: بل من ذوي أذنابها. وقال صاحب إلزام النواصب (2): أجمع النسابون أن أبا قحافة كان حبرا لليهود يعلم أولادهم (3). والعجب أنهم مع ذلك يدعون أن الله تعالى أغنى النبي صلى الله عليه وآله بمال أبي بكر. وعقد الخلافة عند موته لعمر، فحمل أثقاله مع أثقاله، وأضاف وباله إلى وباله. وقال ابن أبي الحديد (4) - في كيفية ذلك - أنه أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه - فأمر (5) أن يكتب عهدا، وقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به (6) عبد الله بن عثمان (7) إلى المسلمين أما بعد،.. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم ابن الخطاب (8)، وأفاق أبو بكر، فقال: إقرأ فقرأه، فكبر أبو بكر، وقال (9): أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي !


(1) كما في شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 164 - 165. (2) وقال في إلزام النواصب: 97 - خطية -: أبو بكر ابن أبي قحافة، أجمع أهل السير أن أبا قحافة كان أجيرا لليهود يعلم أولادهم، وقد تعجب أبوه: أبو قحافة يوم بويع ابنه للخلافة، فقال: كيف ارتضت الناس بابني مع حضور بني هاشم ؟ !. قالوا: لانه أكبر الصحابة سنا. فقال: والله أنا أكبر منه. ثم قال هذا يدل على انحطاطه عن مرتبة الخلافة. (3) لا توجد: يعلم أولادهم، في (س). (4) في شرحه على النهج 1 / 165، بتصرف. (5) في المصدر: فأمره. (6) لا توجد في المصدر: به. (7) في تاريخ الطبري 4 / 52 [3 / 429]: وفيه: أبو بكر بن أبي قحافة. (8) في شرح النهج: عمر بن الخطاب. (9) في المصدر: وسر وقال..

[520]

قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله، ثم أتم العهد وأمره أن يقرأ على الناس فقرأ (1)، ثم أوصى إلى عمر بوصايا (2). قال: وروى كثير من الناس أن ابا بكر لما نزل به الموت دعا عبد الرحمن ابن عوف، فقال: أخبرني عن عمر، فقال: إنه أفضل من رأيته (3) إلا أن فيه غلظة. فقال: ذاك لانه يراني رفيقا (4) ولو قد أفضي الامر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد رمقته (5) إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت أراني الشدة عليه، ثم دعا عثمان، فقال: أخبرني عن عمر. فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله. فقال لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركت عمر ما (6) عدوتك يا عثمان، والخيرة لك أن لا تلي من أمورهم شيئا، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا، وكنت فيمن مضى من سلفكم. ودخل طلحة (7) على أبي بكر، فقال: إنه بلغني أنك - يا خليفة رسول الله (ص) ! - استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف إذا (8) خلا بهم ؟ ! وأنت غدا لاق ربك فسائلك (9) عن رعيتك !. فقال أبو بكر: أجلسوني.. أجلسوني (10)، ثم قال: أبا لله تخوفني ؟ !، إذا لقيت ربي فساءلني، قلت: استخلفت عليهم خير أهلك. فقال طلحة: أعمر خير الناس


(1) في شرح النهج: وأمر أن يقرأ.. فقرأ عليهم. (2) في المصدر: أوصى عمر فقال له:.. (3) في المصدر: رأيك. وما ذكره نقله عن الطبري 3 / 428. (4) في شرح النهج: رقيقا. (5) رمقته.. أي أطلت النظر إليه، كما في مجمع البحرين 5 / 173. (6) في المصدر: لما. (7) في شرح النهج: طلحة بن عبيد الله. (8) في المصدر: فكيف به. (9) في شرح النهج: فيسألك. (10) لا توجد في المصدر: أجلسوني - الثانية -.

[521]

يا خليفة رسول الله ؟ !. فاشتد غضبه وقال: إي والله، هو خيرهم وأنت شرهم، أما والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذي يضعها، أتيتني وقد دلكت عينيك تريد أن تفتنني عن ديني، وتزيلني عن رأيي، قم لا أقام الله رجليك، أما والله لئن عشت فواق ناقة وبلغني أنك غمضته (1) فيها أو ذكرته بسوء لالحقنك بخمصات (2) قنة حيث كنتم تسقون (3) ولا تروون، وترعون ولا تشبعون، وأنتم بذلك مبتهجون (4) راضون !. فقام طلحة فخرج. قال (5): وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة. انتهى. وقال في الاستيعاب (6): قول الاكثر أنه توفي عشية يوم الثلاثاء المذكور. وقيل: ليلته. وقيل: عشية يوم الاثنين. قال: ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: سنتين


(1) في المصدر: غمصته، وفي (س): قمصة. قال في لسان العرب 7 / 82: وفي حديث عمر: فقمص منها قمصا.. أي نفر وأعرض. (2) في شرح النهج: بمحمضات. قال في القاموس 2 / 328: الحمضة: الشهوة للشئ، وبنو حمضة بطن، وأما خمصات فهو جمع الخمصة وهي: الجوع والمجاعة، كأنه أراد إن ظهرت منك كلمة غير مطابقة لهواي لالحقنك بالمساكين الذين أشد حالا، مثل: زيد عدل. وأما قنة: فهو موضع قرب حومانة الدراج، كما في القاموس 4 / 261. (3) في المصدر: تسقوم، وهو غلط. (4) في شرح النهج: بجحون. ويقرأ ما في (س): متبجحون. أقول: البجح والابتجاح والابتهاج بمعنى السرور والفرح. (5) قاله ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 1 / 166 بلفظه. (6) الاستيعاب المطبوع هامش الاصابة 2 / 256 - 257، وفيه مضمون ما ذكره المصنف - رحمه الله - وقال: اختلف - أيضا - في حين وفاته، فقال.. وقيل عشي يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، هذا قول أكثرهم.

[522]

وثلاثة أشهر وسبع ليال (1). وقال ابن إسحاق: توفي على رأس اثنتين (2) وثلاثة أشهر واثني عشر يوما (3) من متوفى رسول الله صلى الله عليه وآله. وقيل: وعشرة أيام. وقيل (4): وعشرين يوما. قال: واختلف في السبب الذي مات منه، فذكر الواقدي أنه اغتسل في يوم بارد فحم ومرض خمسة عشر يوما، وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل، وروي عن سلام بن أبي مطيع: إنه سم. قال (5): وأوصى بغسله أسماء بنت أبي عميس (6) زوجته فغسلته، وصلى عليه عمر بن الخطاب ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الله (7) بن أبي بكر، ودفن ليلا في بيت عائشة. أقول: انظروا بعين الانصاف إلى الخلافة الكبرى ورئاسة الدين والدنيا كيف صارت لعبة للجهال وخلسة لاهل الغي والضلال، بحيث يلهم بها الفاسق الفاجر اللئيم عثمان ويكتبها برأيه بدون مصلحة الخليفة الخوان، ثم يمدحه هذا الشقي ويشكره ويجزيه خيرا عن الاسلام وأهله، ولا يقول له (8): لم اجترأت على هذا الامر الكبير والخطب الخطير الذي يترتب عليه (9) عظائم الامور بمحض رأيك وهواك، مع أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يجترئ أن يخبر بأدني حكم بدون


(1) هنا سقط، وفي المصدر: قال اسحاق: توفي أبو بكر على رأس سنتين وثلاثة أشهر وسبع ليال. (2) في المصدر: توفي أبو بكر على رأس سنتين. (3) في الاستيعاب: اثني عشرة ليلة، بدلا من: يوما. (4) في المصدر: وقال غيره: وعشرة أيام. وقال غيره:.. (5) قاله في الاستيعاب 2 / 257 أيضا. (6) في المصدر: وأوصى أن تغسله أسماء بنت عميس. (7) في الاستيعاب: عبد الرحمن، بدلا من: عبد الله. (8) لا توجد: له، في (س). (9) في (ك) نسخة بدل: يتوثب عليه.

[523]

الوحي الالهي. ويلزم - على زعمهم - أن يكون أبو بكر وعثمان أشفق على أهل الاسلام والايمان من الرسول الذي أرسله الرحمن لهداية الانس والجان، لانه صلى الله عليه وآله - بزعمهم - أهمل أمر الامة ولم يوص لهم بشئ، وهما أشفقا على الامة حذرا من ضلالتهم فعينا لهم جاهلا شقيا فظا غليظا ليدعو الناس إلى نصبهم وغباوتهم، ويصرفهم عن أهل بيت نبيهم صلوات الله عليه [كذا]. والعجب من عمر كيف لم يقل لابي بكر - في تلك الحالة التي يغمى عليه فيها ساعة ويفيق أخرى - إنه ليهجر، ويمنعه من الوصية كما منع نبيه صلى الله عليه وآله ونسبه إلى الهجر ؟ !. وكيف اجترأ أبو بكر على ربه في تلك الحالة التي كان يفارق الدنيا ويرد على ربه تعالى فحكم بكون عمر أفضل الصحابة مع كون أمير المؤمنين عليه السلام بينهم، وقال فيه نبيهم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك.. وسائر ما رووه في صحاحهم فيه عليه السلام، وأنزله الله فيه صلوات الله عليه ؟ !. وهل يريب لبيب في أن تلك الامور المتناقضة، والحيل الفاضحة الواضحة لم تكن إلا لتتميم ما أسسوه في الصحيفية الملعونة من منع أهل البيت عليهم السلام عن الخلافة ولامامة، وحطهم عن رتبة الرئاسة والزعامة، جزاهم الله عن الاسلام وأهله شر الجزاء، وتواتر عليهم لعن ملائكة الارض والسماء. أقول: وقد مر في باب ما أظهرا (1) من الندامة عند الوفاة ما يناسب هذه خاتمة (2).


(1) في (ك): أظهر. (2) تذييل: بسم الله الرحمن الرحيم * (وما محمدا إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * آل عمران: 144. =

[524]

= قد سلفت من المصنف قدس سره في أوائل الجزء الثامن والعشرين - باب افتراق الامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاث وسبعين فرقة، وأنه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الامم، وارتدادهم عن الدين - جملة من الروايات الارتداد من الطريقين، وروى في صحيح البخاري في الرقاق باب في الحوض عن النبي (ص) قال: أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول: يا رب أصحابي ! فيقال لانك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ورواه عن أبي هريرة وحذيفة بطرق أخر، وعن ابن مسيب باختلاف يسير، وجاء في المسند احمد بن حنبل 1 / 384 و 402، و 406، و 407، و 453، و 455، 2 / 281. وفي جامع الاصول 11 / 120 عن الصحيحين - البخاري ومسلم -، عن أبي هريرة، أن رسول الله (ص) قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال من أمتي - فيحلؤن عن الحوض، فأقول: يا رب ! أصحابي، فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى.. وبهذا المضمون روايات مستفيضة بل متواترة، انظر بحار الانوار 28 / 27 - 32، وحيث جاء بجملة روايات عن طريقهم حرية بالملاحظة والتدبر، فراجع، وانظر: صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها، والترمذي في صحيحه المجلد الثاني باب ما جاء في شأن الحشر، وصحيح النسائي المجلد الاول في ذكر أول من يكسى يوم القيامة، ومسند احمد بن حنبل 1 / 235، 353، 2 / 300، 408، 454، 5 / 48، 50، 388، 400. وراجع: ترجمة بسر بن ارطاة في الاستيعاب، وكنز العمال 6 / 424، 7 / 224، 7 / 224 - 225، وتفسير ابن جرير 4 / 27، ومجمع الزوائد 10 / 364 - 365. وقال في الاصابة: 3 / القسم الاول - 84 بسنده عن أبي سعيد، قلنا له هنيئا لك برؤية رسول الله (ص) وصحبته. قال: إنك لا تدري ما أحدثنا بعده. ونظيره ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدأ الخلق في غزوة الحديبية عن البراء بن عازب، وما جاء في طبقات ابن سعد 8 / 51 عن عائشة، وفي تهذيب التهذيب 8 / 9 عن عمرو بن ثابت، قال: لما مات النبي (ص) كفر الناس إلا خمسة. ومنها: أن لسان أبي بكر قد أورده الموارد. فقد جاء في حلية الاولياء 9 / 17 بسنده عن أسلم: أن عمر اطلع على أبي بكر وهو آخذ بطرف لسانه فيعضعضه وهو يقول: إن هذا أوردني الموارد. وقريب منه في موطأ مالك في كتاب الجامع ما جاء فيما يخاف من اللسان، وطبقات ابن سعد 5 / 5، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال 2 / 173 وقال: رواه مالك وابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة واحمد بن حنبل وهناد والخرائطي، =

[525]

= وجاء في تفسير الدر المنثور ذيل قوله تعالى: * (لا خير في كثير من نجواهم) * من سورة النساء، وقال: أخرج احمد والنسائي والبيهقي عن زيد بن أسلم... إلى آخره. ونظيره في مجمع الزوائد للهيثمي 10 / 302. ومنها: كون الخليفة سبابا بذي اللسان. فقد سلف أن أوردنا لك في رأيه في القدر، وقوله للرجال: يابن اللخناء.. وما أجاب به السائل من السباب المقذع والتمني بأن يكون عنده من يجاء أنفه مع عدم بيانه لما سأله وعدم ايفاء الرجل إلى الحق، ويظهر من الخصائص الكبرى 2 / 86 ما كان بينه وبين عقيل - وبمحضر من رسول الله صلى الله عليه وآله ومشهد من المسلمين - من التنازع والشتم، ويظهر من القصة أنها كانت في أخريات أيام الرسالة، مع ما روته العامة وجاء عن طريق الخاصة من أن: سباب المسلم فسوق كما في الصواعق المحرقة: 43، تاريخ الخلفاء: 37.. وغيرها، وحيث لا نريد الاطالة والتعليق، نذكر المصادر درجا، ونحيل الامر إلى فطنة القارئ وتتبعه، فانظر ما أورده احمد بن حنبل في مسنده 1 / 114، وابن ماجة في سننه 1 / 416، والخطيب البغدادي في تاريخه 5 / 144، والباقلاني في التمهيد: 193، والطبري في تاريخه 3 / 212، وابن عساكر في تاريخه 1 / 117، وابن الاثير في الكامل 2 / 139، وأبي الفداء في تاريخه 1 / 156، والروض الانف 2 / 375، وغيرها. ومنها: إعراض رسول الله (ص) عنهم: فقد وردت في ذلك روايات عن طريقهم، منها ما جاء في مسند احمد بن حنبل 3 / 219 بسنده عن أنس عندما شاور رسول الله (ص) الناس يوم بدر. وانظر 3 / 257. وقد روى احمد بن حنبل في مسنده 1 / 155 بسنده، قال: جاء النبي (ص) أناس من قريش، فقالوا: يا محمد ! إنا جيرانك وحلفائك وإن ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه، إنما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا، فقال لابي بكر: ما تقول ؟. قال: صدقوا، إنهم جيرانك وحلفائك. قال: فتغير وجه النبي (ص)، ثم قال لعمر: ما تقول ؟. قال: صدقوا، إنهم جيرانك وحلفائك، فتغير وجه النبي (ص)، ورواه النسائي في خصائصه: 11، وزاد عليه، ثم قال النبي (ص): يا معشر قريش ! والله ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للايمان فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم. قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟. قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟. قال: لا، ولكن ذلك الذي يخصف النعل، وقد كان أعطى عليا عليه السلام نعلا يخصفها. ومنها: جبن الشيخين وانهزامهم في الحروب: فقد أورد الحاكم في مستدركه على الصحيحين 3 / 37 عن علي عليه السلام أنه قال: يا أبا ليلى ! =

[526]

= أما كنت معنا بخيبر ؟. قال: بلى والله كنت معكم، فإن رسول الله (ص) بعث أبا بكر إلى خيبر، فسار بالناس وانهزم ورجع. قال: هذا حديث صحيح الاسناد، وذكر جملة أحاديث، منها: ما رواه في 3 / 38 بسنده عن جابر: أن النبي (ص) دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه. وذكره في كنز العمال 5 / 284 عن بريدة. وانظر: تاريخ ابن جرير 2 / 300 بطريقين، والنسائي في خصائصه: 5، والهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 150، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 187، وهذا متفق عليه في وقعة خيبر لم يرتب به ذو مسكة انظر: كنز العمال 5 / 283 - 284، 6 / 394، وأخرجه ابن أبي شيبة واحمد بن حنبل وابن ماجة والبزار وابن جرير، وصححه الطبراني في الاوسط، والحاكم والبيهقي في الدلائل والضياء المقدس. وأورده في مجمع الزوائد للهيثمي 2 / 151، 9 / 124، وذكر له عدة روايات. وعن عائشة - كما في كنز العمال 5 / 274 - أنها قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى... ثم أنشأ - يعني أبا بكر - يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد - أي رجع وفر -. ونحن نقول: نأخذ بإقرارها وإقراره دون ادعائهم، مع أنه ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال - كما في شرح الجامع الصغير 3 / 458 للمناوي -: خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، والفرار من الزحف.. إلى آخره. ولنختم بحثنا بإيراد ما أورده الطبري في تاريخه 4 / 52، وابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 18، والمسعودي في مروج الذهب 1 / 414، وأبو عبيدة في الاموال: 131، وابن عبد ربه في العقد الفريد 2 / 254.. وغيرهم. ذكروا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مهتما... وفيه: قال أبو بكر:.. أجل إني لا آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله (ص). فأما الثلاث اللآتي وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وإن كانوا قد غلقوه على الحرب !، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، وأني كنت وإن قتلته سريحا، أو خليت نجيحا، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، وأني كنت وإن قتلته سريحا، أو خليت نجيحا، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. وأما اللآتي تركتهن: فوددت أني يوم أتيت بالاشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه، ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد، ووددت أني وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي = = كلتيهما في سبيل الله.. ومد يديه. ووددت أني كنت سألت رسول الله (ص) لمن هذا الامر ؟ فلا ينازعه أحد، ووددت أني كنت سألته هل للانصار في هذا الامر نصيب ؟، ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الاخ والعمة، فإن في نفسي منهما شئ. وأوردها أيضا ابن جرير في تاريخه 2 / 619، وجاء ذكرها في ميزان الاعتدال 2 / 215، وغيرهما. وتلك جولة لنا مع الباطل وننتظر دولة الحق معهم، وقد ألفيت أول خليفتهم أبي بكر الذي لم يعهد له نبوغ في علم، أو تقدم في جهاد، أو تبرز في أخلاق، أو تهالك على عبادة، أو ثبات على مبدأ، وليت شعري ما الذي نقموه من أبي الحسن صلوات الله عليه ؟ !. فارجع النظر كرتين، عسى أن يعود عليه بالحق. فنحن قد راجعنا كتب التفسير فلم نجد ما يؤثر عنه في هذا العلم شئ يحفل به، وكل ما جاء عنه هو جهله في الاب في قوله عز اسمه: * (وفاكهة وأبا) *، والكلالة، وغيرهما، وهو - وأيم الله - جهل بلغة العرب الاصلية، لا بمعاني القرآن العظيمة، وأما السنة، فها إمامهم احمد بن حنبل - مع دعواهم أنه كان يحفظ ألف ألف حديث ! !، والتقط مسنده من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث - لم يثبت لخليفتهم الاول إلا ستين حديثا - بحذف المتكرر - 1 / 2 - 14، واكثر ما أوردوه له كلام لم ينقله عن رسول الله (ص)، هذا مع كل ما فيه من وضع وتدليس، وقد ناقش العلامة الاميني طاب ثراه في غديره ما أورده له من أحاديث بما لا مزيد عليه 7 / 108 - 120. ونحسب أن في ما ذكرناه للخليفة من القضايا - مع قلته - غنية وكفاية، وتذكرة وهداية، لمن ألقى السمع وهو شهيد.

[527]

وأما افتخارهم بدفنه في جوار النبي صلى الله عليه وآله فسيأتي فيه. وروى في الصراط المستقيم (1) بإسناده عن عاصم بن حميد، عن صفوان عن الصادق عليه السلام: أنهما لم يبيتا معه إلا ليلة ثم نقلا إلى واد في جهنم يقال لها (2): واد الدود.


(1) الصراط المستقيم 3 / 116. (2) في المصدر: له، وهو الظاهر.

[529]

[23] باب تفصيل مثالب عمر والاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الاخبار (1) من صحاحهم، وذكر بعض أحواله وبعض ما حدث في زمانه الطعن الاول: ما روته العامة والخاصة أنه أراد النبي صلى الله عليه وآله في مرضه أن يكتب لامته كتابا لئلا يضلوا بعده ولا يختلفوا، فطلب دواة وكتفا أو نحو ذلك، فمنع عمر من إحضار ذلك وقال: إنه ليهجر، أو ما يؤدي هذا المعنى، وقد وصفه الله سبحانه بأنه: لا ينطق عن الهوى، وان كلامه ليس إلا وحيا يوحى (2)، وكثر اختلافهم وارتفعت أصواتهم حتى تسأم وتزجر. فقال بعضهم: أحضروا ما طلب. وقال بعضهم: القول ما قال عمر، وقد قال الله سبحانه: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص


(1) في (س): الاختبار، وقد يظهر من (ك)، وما أثبتناه هو الظاهر. (2) اقتباس من الآية الثالثة والرابعة من سورة النجم.

[530]

الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (1)، وقال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (2)، وقد قدمنا في باب وصية النبي صلى الله عليه وآله (3) في ذلك أخبارا كثيرة من طرق الخاص والعام ولنذكر هنا زائدا على ما تقدم ما يؤيد تلك الاخبار من الجانبين. فأما الروايات العامية: فروى البخاري (4) في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجهاد والسير، ومسلم في كتاب الوصايا (5)، عن سفيان (6)، عن سليمان الاحول، عن سعيد بن جبير، أنه سمع ابن عباس يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، قلت يا ابن عباس ! ما يوم الخميس ؟. قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له أهجر ؟ ! استفهموه ؟ (7). فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. فأمرهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة: إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها (8)،


(1) الاحزاب: 36. (2) النساء: 65. (3) بحار الانوار 22 / 465 - 470 و 472 - 473 عن جمع من العامة، وفي صفحة: 474 عن مجالس الشيخ المفيد، وفي: 497 - 498 عن كتاب سليم بن قيس الهلالي. (4) صحيح البخاري 4 / 85 كتاب الجهاد باب هل يستشفع إلى أهل الذمة. (5) صحيح مسلم 5 / 75. (6) في (ك) نسخة بدل: سفين. أقول: لعل الفرق بينهما برسم الخط. (7) في المصادر: هجر رسول الله (ص)، بدلا من: ما له أهجر ؟ ! استفهموه ؟. (8) انظر: صحيح البخاري 4 / 120 باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، والكامل لابن الاثير = = 2 / 320 باب مرض النبي (ص) ووفاته، والسيرة الحلبية 3 / 344 باب ذكر مرضه (ص)، ومسند احمد بن حنبل 1 / 222، وطبقات ابن سعد 2 / 36 باختلاف في اللفظ.

[531]

قال: قال سفيان (1): هذا من قول سليمان. وفي باب جوائز الوفد من الكتاب المذكور (2)، عن سليمان الاحول، عن ابن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء (3)، فقال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر (4) رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة. وروى البخاري (5) في باب كتابة العلم من كتاب العلم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه [وآله] وجعه، قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر: إني النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله.. حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط (6)، فقال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبين كتابه.


(1) في (ك) نسخة بدل: سفين - بلا ألف -. (2) صحيح البخاري 4 / 85 [2 / 178] الباب السالف. (3) في (ك): الحصاء. (4) في (ك) أهجر. (5) صحيح البخاري 1 / 39 دار الشعب [1 / 32]. (6) قال في الصحاح 3 / 1157: اللغط - بالتحريك -: الصوت والجلبة. وقال في النهاية 4 / 257: اللغط: صوت وضجة لا يفهم معناها، وقد تكرر في الحديث.

[532]

وفي باب مرض النبي صلى الله عليه وآله (1) مثل الرواية الاولى. وفي هذا الباب (2)، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: لما خضر رسول الله صلى الله عليه [وآله] - وفي البيت رجال (3) - فقال النبي صلى الله عليه [وآله]: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال بعضهم (4): إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد غلبه (5) الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا (6) لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا (7) اللغو والاختلاف (8)، قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: قوموا. قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، لاختلافهم ولغطهم. وروى البخاري (9) أيضا في باب قول المريض: قوموا عني، من كتاب المرضى (10).


(1) صحيح البخاري 6 / 11 [3 / 91] كتاب المرض، باب قول المريض: قوموا عني.. رواه بطريقين. (2) صحيح البخاري.. باب كتاب النبي (ص) إلى كسرى 6 / 11 [دار الشعب]. (3) في المصدر زيادة: فيهم عمر بن الخطاب قال.. ولا توجد في طبعة دار الشعب. (4) في صحيح البخاري: عمر، بدلا من: بعضهم. (5) في المصدر: قد غلبه عليه، ولعلها سهو أو قد غلب عليه. وفي طبعة دار الشعب للصحيح كما في المتن. (6) في صحيح البخاري: يكتب لكم النبي (ص) كتابا. وفي طبعة دار الشعب منه كما في المتن. (7) في (ك): كثروا. ونجد هناك حاشية لم يعلم عليها وهي: وأكثروا اللغو. ووضع بعدها (صح)، ولعل العبارة تكون هكذا: فلما كثروا اللغط وأكثروا اللغو والاختلاف. (8) في المصدر: والاختلاف عند النبي (ص). (9) صحيح البخاري 6 / 11 [3 / 91] وذكرنا موارد الاختلاف بين الروايتين. (10) في (ك) نسخة بدل: المرتضى، وهو غلط.

[533]

ومسلم (1) في كتاب الوصايا، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه [وآله] - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب -، قال النبي صلى الله عليه [وآله]: هلم أكتب لكم كتابا.. وساق الحديث مثل ما مر آنفا. وروى مسلم (2) في الكتاب (3) المذكور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: إئتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب (4) كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] يهجر. وقد حكى في جامع الاصول (5) الاخبار (6) في هذا المعنى، عن البخاري (7) ومسلم (8). وروى السيد ابن طاوس قدس الله روحه في كتاب كشف اليقين (9) من كتاب الجمع بين الصحيحين: جمع الحافظ محمد بن أبي نصر بن عبد الله


(1) صحيح مسلم 5 / 76 [3 / 1259 - دار احياء التراث] كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصي فيه، وذكره البخاري في صحيحه أيضا 4 / 7. وانظر: مسند احمد بن حنبل 1 / 224 و 336، وطبقات ابن سعد 2 / 37. (2) صحيح مسلم 5 / 76 [3 / 1259 - دار احياء التراث]، وجاء في مسند احمد بن حنبل 1 / 355، وطبقات ابن سعد 2 / 37، وغيرهما. (3) خ. ل: الموضع. (4) في المصدر أكتب لكم. (5) جامع الاصول 11 / 69 - 71 حديث 8533، وفي الطبعة الاخرى منه حديث 8597 من نفس المجلد. (6) كذا. (7) صحيح البخاري 6 / 11 - 12 [دار الشعب]. (8) صحيح مسلم 3 / 1257 - 1259 [دار احياء التراث]. (9) كشف اليقين: 204.

[534]

الحميدي من نسخة - عليها عدة سماعات واجازات تاريخ بعضها سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ما هذا لفظه -: قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس (1) - في رواية: ثم بكى حتى بل دمعه الحصى -، فقلت: يابن عباس ! وما يوم الخميس ؟. قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه [وآله] وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - (2). فقالوا: ما شأنه، هجر ؟ استفهموه ؟. فذهبوا يرددون عليه، فقال: ذروني (3).. دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه. وفي رواية من الحديث الرابع من الصحيحين: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبين كتابه. وروى حديث الكتاب - الذي أراد أن يكتبه رسول الله صلى الله عليه وآله لامته لامانهم من الضلالة عن رسالته - (4) جابر بن عبد الله الانصاري - في المتفق عليه من صحيح مسلم - فقال في الحديث السادس والتسعين من أفراد مسلم من مسند جابر بن عبد الله ما هذا لفظه: قال: ودعى رسول الله صلى الله عليه [وآله] بصيحفة عند موته فأراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده، وكثر اللغط (5) وتكلم عمر، فرفضها صلى الله عليه [وآله]. وقال رضي الله عنه في كتاب الطرائف (6): من أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعا أن نبيهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده أبدا وأن


(1) لا توجد في المصدر: وما يوم الخميس. (2) في المصدر: فتنازعوا، فقال: لا ينبغي عندي التنازع. (3) في (ك): ردوني. (4) في كشف اليقين: رسالة - بلا ضمير -. (5) جاء في حاشية (ك): اللغط: صوت وضجة لا يفهم معناه. نهاية. انظر: النهاية لابن الاثير 4 / 257. (6) الطرائف: 431 - 433.

[535]

عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب (1) وسبب ضلال من ضل من أمته، وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم، وتلف الاموال، واختلاف الشريعة، وهلاك اثنين وسبعين فرقة من أصل فرق الاسلام، وسبب خلود من يخلد في النار منهم، ومع هذا كله فإن أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب، الذي قد شهدوا عليه بهذه الاحوال في الخلافة وعظموه وكفروا بعد ذلك من يطعن فيه - وهم من جملة الطاعنين - وضللوا من يذمه - وهم من جملة الذامين - وتبرؤا ممن يقبح ذكره وهم من جملة المقبحين (2).. فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه في صحته من مسند عبد الله بن عباس قال: لما احتضر النبي صلى الله عليه وآله - وفي بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب -، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هلموا أكتب لكم كتابا (3) لن تضلوا بعده أبدا. فقال عمر بن الخطاب: إن النبي صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع (4) وعندكم القرآن، حسبكم كتاب ربكم (5). وفي رواية ابن عمر - من غير كتاب الحميدي -، قال عمر: إن الرجل ليهجر. وفي كتاب الحميدي (6): قالوا: ما شأنه، هجر ؟.


(1) لا توجد في الطرائف: الكتاب. (2) هنا سقط جاء في المصدر: 431 - 432. (3) لا توجد في المصدر: كتابا. (4) في الطرائف: قد غلبه عليه الوجع. (5) لا حظ: صحيح البخاري 5 / 127، وصحيح مسلم 5 / 75 - 76، [3 / 1257] كتاب الوصية، وطبقات ابن سعد 2 / 242 - 245 باب ذكر الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] أن يكتبه لامته في مرضه الذي مات فيه، وذكر تسعة روايات. (6) الجمع بين الصحيحين، ولم نجد له نسخة مطبوعة، ووجدنا أكثر من نسخة مخطوطة في مكتبة السيد النجفي المرعشي في قم.

[536]

وفي المجلد الثاني من صحيح مسلم: فقال (1): إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] يحجر... (2). قال الحميدي: فاختلف الحاضرون عند النبي صلى الله عليه وآله، فبعضهم يقول القول ما قاله النبي صلى الله عليه وآله، فقربوا إليه كتابا يكتب لكم، ومنهم من يقول القول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاط، قال النبي صلى الله عليه وآله: قوموا عني فلا ينبغي عندي التنازع، فكان ابن عباس يبكي حتى تبل دموعه الحصى، ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس. قال راوي الحديث: فقلت: يابن عباس ! وما يوم الخميس ؟. فذكره عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك الكتاب، وكان يقول (3): الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه (4). أقول: الهجر: الهذيان. قال في جامع الاصول في شرح غريب الميم (5): الهجر - بالفتح -: الهذيان، وهو النطق بما لا يفهم، يقال: هجر فلان إذا هذى، وأهجر: نطق (6) بالفحش، والهجر - بالضم -: النطق بالفحش (7). وفي القاموس (8): هجر في نومه ومرضه هجرا - بالضم -..: هذى، وفي الصحاح (9): الهجر..: الهذيان، وقد هجر المريض يهجر هجرا فهو هاجر


(1) في صحيح مسلم المطبوع: فقالوا. ولعله من تصحيفاتهم. (2) هنا سقط جاء في الاصل، فراجع. (3) في المصدر: وكان ابن عباس يقول.. (4) انظر: صحيح البخاري 1 / 37، وصحيح مسلم 5 / 75 - 76 [3 - 1259]. (5) جامع الاصول 11 / 71، ذيل حديث 8533. (6) في المصدر: إذا نطق. (7) في الجامع: الفحش في النطق. (8) القاموس 2 / 158. (9) الصحاح 2 / 851. وقال في المصباح المنير 2 / 347: هجر المريض في كلامه هجرا أيضا: خلط وهذى، والهجر: الفحش وهو اسم من هجر يهجر - من باب قتل - وفيه لغة أخرى.. وأهجرت = = بالرجل: استزأت به وقلت فيه قولا قبيحا، وقال ابن الاثير في النهاية 5 / 245 - 246: يقال: أهجر في منطقه يهجر إهجارا: إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الهجر - بالضم -، وهجر يهجر هجرا - بالفتح -: إذا خلط في كلامه وإذا هذى.. ومنه حديث مرض النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: قالوا: ما شأنه ؟ أهجر ؟.. أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغير كلامه واختلط لاجل ما به من المرض، وهذا أحسن ما يقال فيه، ولا يجعل إخبارا فيكون إما من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر ولا يظن به ذلك !. أقول: إن كان ما قاله عمر على سبيل الاستفهام كان اعتقاده في الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله كاعتقاده في سائر الناس، ولكن صدر الحديث وذيله لا يلائم الاستفهام، ولعله ترك الصدر والذيل ونقل مختصرا منه لذلك.

[537]

والكلام مهجور. قال ابو عبيد: يروى عن ابراهيم ما يثبت هذا القول في قوله تعالى: * (إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) * (1) قال: قالوا فيه غير الحق، الم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق. وعن مجاهد نحوه. فظهر أن إنكار بعضهم كون الهجر بمعنى الهذيان من أفحش الهذيان. وقد اعترف ابن حجر - مع شدة تعصبه - بأنه بمعنى الهذيان، في مقدمة شرحه لصحيح البخاري (2). واللغط - بالتسكين والتحريك -: الصوت والجلبة أو اصوات مبهمة لا تفهم (3). والرزية: المصيبة (4). ثم اعلم أن قاضي القضاة في المغني لم يتعرض لدفع هذا الطعن عن عمر ابن الخطاب، وكذلك كثير من العامة كشارح المقاصد وغيره، ولم يذكره السيد


(1) الفرقان: 30. (2) هدي الساري مقدمة فتح الباري لشرح صحيح البخاري: 200 قال: أهجر - بهمزة الاستفهام - والاسم الهجر، وهو الهذيان، ويطلق على كثرة الكلام الذي لا معنى له، قيل: وهو استفهام إنكار. (3) قاله في مجمع البحرين 4 / 271، والقاموس 2 / 383، وغيرهما. (4) ذكره في القاموس 1 / 16، ومجمع البحرين 1 / 183.

[538]

الاجل رضي الله عنه في الشافي لكون نظره فيه مقصورا على دفع كلام صاحب المغني، وقد تصدى القاضي عياض المالكي في كتابه الموسوم ب‍: الشفاء (1) لدفعه وتوجيه الاختلاف الصادر عن الاصحاب بوجوه نذكرها مع ما يرد على كلامه، قال: أولا: فإن قلت: قد تقررت عصمة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في أقواله في جميع أحواله، وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ولا سهو، ولا صحة ولا مرض، ولا جد ولا مزاح، ولا رضى ولا غضب، فما معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه [وآله] وسلم الذي حدثنا به القاضي أبو علي، عن أبي الوليد، عن أبي ذر، عن أبي محمد وأبي الهيثم وأبي إسحاق جميعا، عن محمد بن يوسف، عن محمد بن اسماعيل، عن علي بن عبد الله، عن عبد الرزاق، عن (2) معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم - وفي البيت رجال - قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده. فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم (3) غلبه الوجع.. الحديث. وفي رواية: أئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فتنازعوا، فقالوا: ما له ؟ أهجر ؟ استفهموه. فقال: دعوني فإن الذي أنا فيه خير. وفي بعض طرقه أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم هجر (4)، وفي رواية: هجر، ويروى: أهجر، ويروى (5): أهجرا، وفيه: فقال عمر: إن النبي (ص) قد اشتد به الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، وكثرت اللغط. فقال: قوموا عني. وفي رواية: واختلف أهل البيت


(1) الشفاء للقاضي عياض المالكي 2 / 191 - 195 باختلاف أشرنا لمهمه. (2) في المصدر: عبد الرزاق بن همام أخبرنا.. مع اختصار في الاسناد، وتبديل حدثنا ب‍: عن. (3) في الشفا زيادة: قد. (4) في المصدر: يهجر. (5) في (ك): خط على كلمة: يروى.

[539]

واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كتابا، ومنهم من يقول القول ما قال عمر: قال أئمتنا في هذا الحديث: النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم غير معصوم من الامراض، ما (1) يكون من عوارضها من شدة وجع وغشي.. ونحوه مما يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته، ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان واختلال في كلام، وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في (2) الحديث: هجرا (3) إذ معناه هذي، يقال: هجر هجرا إذا هذى، وأهجر هجرا إذا أفحش، وأهجر تعدية هجر، وإنما الاصح والاولى: أهجر ! على طريق الانكار، على من قال: لا يكتب، وهكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة، و (4) في حديث الزهري المتقدم وفي حديث محمد بن سلام، عن ابن عيينة (5) وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر - على حذف ألف الاستفهام - والتقدير: أهجرا، وان (6) يحمل قول القائل هجرا واهجر على (7) دهشة من قائل ذلك وحيرة لعظم (8) ما شاهد من حال الرسول صلى الله عليه [وآله] وشدة وجعه، وهول (9) المقام الذي اختلف فيه عليه، والامر الذي هم بالكتاب فيه حق لم يضبط هذا القائل لفظه، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع، لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر كما حملهم


(1) في الشفا: وما. (2) في (س) لا توجد: في. (3) في المصدر: هجر. (4) لا توجد الواو في (س). (5) هنا سقط جاء في الشفا وهو: وكذا ضبطه الاصلي بخطه في كتابه وغيره من هذه الطرق، وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره. (6) في المصدر: أهجر ؟ أو إن.. (7) لا توجد في الشفا: على. (8) في المصدر: لعظيم. (9) لا توجد: هول، في المصدر.

[540]

الاشفاق على حراسته، والله تعالى يقول: * (والله يعصمك من الناس) * (1) ونحو هذا، وأما على رواية: أهجرا فقد (2) يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وآله ومخاطبة لهم من بعضهم، أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه هجرا ومنكرا من القول، والهجر - بضم الهاء -: الفحش في المنطق. وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، وكيف اختلفوا بعد أمره لهم (3) أن يأتوه بالكتاب، فقال بعضهم: أوامر النبي صلى الله عليه [وآله] يفهم إيجابها من ندبها وندبها من إباحتها بقرائن، فلعله قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم يكن منه عزمة بل رده إلى اختيارهم، وبعضهم لم يفهم ذلك. فقال: استفهموه ؟ فلما اختلفوا كف عنه إذ لم يكن عزمة، ولما رأوه من صواب رأي عمر، ثم هؤلاء قالوا: ويكون امتناع عمر إما إشفاقا على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم من تكلفه (4) في تلك الحال إملاء الكتاب، وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: إن (5) النبي صلى إليه عليه [وآله] وسلم: اشتد به الوجع. وقيل: خشي عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج و (6) العصيان (7) بالمخالفة، ورأى أن الاوفق بالامة في تلك الامور سعة الاجتهاد وحكم النظر، وطلب الثواب (8)، فيكون المخطئ والمصيب مأجورا. وقد علم عمر تقرر


(1) المائدة: 67. (2) هنا سقط جاء في الشفا وهو: وهي رواية أي اسحاق المستملي في الصحيح في حديث أبي جبير عن ابن عباس من رواية قتيبة فقد.. (3) في المصدر: صلى الله عليه وسلم، ولا توجد: لهم. (4) في الشفا: تكليفه. (5) لا توجد في (س): ان. (6) حذفت الواو من (س). (7) لا توجد: العصيان، في المصدر. (8) في الشفا: الصواب، بدلا من: الثواب.

[541]

الشرع وتأسس (1) الملة، وأن الله تعالى قال: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * (2)، وقوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أوصيكم بكتاب الله وعترتي. وقول عمر: حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وآله. وقد قيل: إن عمر قد خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض و (3) لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الاقاويل، كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك. وقيل: إنه كان من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم على طريق المشورة والاختبار، هل يتفقون على ذلك أم يختلفون ؟ فلما اختلفوا تركه. وقالت طائفة أخرى: إن معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه أبتداء بالامر به (4) بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، واتسدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعلي (ع): انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فإن كان الامر فينا علمناه، وكراهة علي (ع) هذا، وقوله: والله لا أفعل (5) واستدل بقوله (ص): دعوني فالذي أنا فيه خير.. أي الذي أنا فيه خير من إرسال الامر وترككم كتاب الله وإن تدعوني من الذي طلبتم (6)، وذكر أن الذي طلب كتابة أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك. انتهى كلامه. ويرد على ما ذكره أولا، وما نقله عن القوم ثانيا وجوه من الايراد: فأما ما اختاره في تفسير الهجر وتوجيهه فهو هجر تبع فيه إمامه، فإن ما رواه


(1) في المصدر: تأسيس، وهو الظاهر. (2) المائدة: 3. (3) خط على الواو في (ك). (4) لا توجد: به، في (س). (5) جاء في الشفا هنا زيادة كلمة: الحديث. (6) في المصدر: مما طلبتم.

[542]

البخاري في باب العلم صريح في أن عمر نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قد غلبه الوجع، ولا يلزمنا إجابته في إحضار الكتاب، وظاهر أن قائل: ماله أهجر ؟ استفهموه، هو قائل: قد قلبه الوجع، وإن مفاد العبارتين واحد، ومعلوم من سياق مجموع الاخبار أن اللغط والاختلاف لم يحصلا إلا من قول عمر، وأن ترك النبي صلى الله عليه وآله الكتابة لم يكن إلا من جهته، وأنه آذاه وأغاظه. وأما الاعتذار بأنه صدر منه هذا الكلام من الدهشة فهو باطل، لانه لو كان كذلك لكان يلزمه أن يتدارك ذلك بما يظهر للناس أنه لا يستخف بشأنه صلى الله عليه وآله. وأيضا لو كان في هذه الدرجة من المحبة له صلى الله عليه وآله بحيث يضطرب بسماع ما هو مظنة وفاته صلى الله عليه وآله إلى حد يختل نظام كلامه لكان تلك الحالة أشد بعد تحقق الوفاة، ولو كان كذلك لم يبادر إلى السقيفة قبل تجهيزه صلى الله عليه وآله وغسله ودفنه، ولو سلم ذلك فهو لا ينفعه، لان مناط الطعن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وآله وممانعته فيما يوجب صلاح عامة المسلمين إلى يوم القيامة، والسهو في خصوص عبارة لا ينفع في ذلك. وأما ما نقله عن القوم في ذلك فالاعتراض عليه من وجوه: الاول: إن ما ذكره أولا - من أن فهم البعض أن أمره صلى الله عليه وآله بأحضار ما طلب كان مردودا إلى اختيارهم - ظاهر الفساد، فإن الامر مع أنه ظاهر في الوجوب - كما حرر في محله - قد اقترن به في المقام ما يمنع من أن يراد به الندب أو الاباحة، فإن النبي صلى الله عليه وآله علل الكتاب بأن: لا يضلوا بعده، وظاهر أن الامر الذي يكون في تركه ضلال الامة لا يكون مباحا ولا مندوبا، وليس مناط الوجوب إلا قوة المصلحة وشدة المفسدة، وقد علل من منع الاحضار بأنه صلى الله عليه وآله يهجر، كما صرحت به الرواية الثانية المتقدمة، أو أنه قد غلبه الوجع، وظاهر أن هذا الكلام لا ارتباط له بفهم الاباحة أو الندب. ويؤيده قول ابن عباس - مع اعتراف الجمهور له بجودة الفهم وإصابه النظر -

[543]

أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الكتابة، وهل يسمى فوت أمر مباح أو مندوب رزية كل الرزية، ويبكي عليه حتى يبل الدمع الحصى، ولا ينكر من له أدنى ألفة بكلام العرب أنهم يكتفون في فهم المعاني المجازية ونفي الحقايق بقرائن أخفى من هذا، فكيف بالمعنى الحقيقي إذا اقترن بمثل تلك القرينة ؟ على أن اشتغال الرسول صلى الله عليه وآله في حال المرض وشدة الوجع، ودنو الرحيل، وفراق الامة التي بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا لهم بكتابة ما كان نسبة الخير والشر إليه على حد سواء، حتى يكون رده وقبوله مفوضا إليهم ومرجوعا إلى اختيارهم، مما لا يقول به إلا من بلغ الغاية في السفه والنوك (1)، فبقي أن يكون من الامور المستحسنة، وإن كان على وجه الندب فظاهر أن رد ما استحسنه له الرسول صلى الله عليه وآله وحكم به ولو على وجه الندب وظن أن الصواب في خلافه، وعده من الهذيان تقبيح قبيح لرأي من لا ينطق عن الهوى، وتجهيل وتضليل لمن لا يضل ولا يغوى، وليس كلامه إلا وحيا يوحى، وهو في معنى الرد على الله سبحانه، وعلى حد الشرك بالله. ولعل المجوزين للاجتهاد في مقابلة النص - ولو على وجه الاستحباب - لا يقولون بجواز الرد عليه على هذا الوجه المشتمل على إساءة الادب وتسفيه الرأي. فإن قيل: إذا كان أمره صلى الله عليه وآله بإضحار ما طلب على وجه الايجاب والالزام للخوف في ترك الكتابة من ترتب مفسدة عظيمة - هي ضلال الامة - فكيف تركها رسول الله صلى الله على وآله ولم يصر على المطلب ؟ وهل هذا إلا تقصير في هداية الامة واللطف بهم ؟. قلنا: لعله صلى الله عليه وآله لما رأي من حال الحاضرين إمارة العصيان، وشاهد منهم إثارة الفتنة وتهييج الشرخاف من أن يكون في الوصية وتأكيد


(1) النوك: الحمق، قاله في الصحاح 4 / 1612، وغيره.

[544]

التنصيص على من عينه للامامة وجعله أولى بالناس من أنفسهم تعجيل للفتنة بين المسلمين وتفريق كلمتهم، فيتسلط بذلك الكفار وأهل الردة عليهم، وينهدم أساس الاسلام، وينقلع دعائم الدين، وذلك لان الراغبين في الامامة والطامعين في الملك والخلافة قد علموا من مرضه صلى الله عليه وآله وإخباره تصريحا وتلويحا في غير موقف بأنه قد دنى أجله ولا يبرأ من مرضه، فوطنوا أنفسهم لالقاء الشبهة بين المسلمين لو كتب الكتاب وأكد الوصية، بأنه كان على وجه الهجر والهذيان، فيصدقهم الذين في قلوبهم مرض، ويكذبهم المؤمنون (1) بأن كلامه ليس إلا وحيا يوحى، فيقوم فيهم المحاربة والقتال وينتهي الحال إلى استيصال أهل الايمان وظهور أهل الشرك والطغيان، فاكتفى صلى الله عليه وآله بنصه يوم الغدير وغيره، وقد بلغ الحكم وأدى رسالة ربه كما أمره بقوله: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته) * (2) فلم يكون في ترك الكتابة تقصير في التبليغ والرسالة، وإنما منعت الطائفة من الامة لشقاوتهم ذلك الفعل، وسدوا باب الرحمة، فضلوا عن سواء الصراط وأضلوا كثيرا: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (3) الثاني: إن ما يظهر كلامه - من أن استفهامهم كان لاستعلام أن الامر على وجه العزم، أو رد الامر إلى اختيارهم - مردود، بأن قولهم ما شأنه: أهجر ؟ استفهموه ؟ لا يفهم منه من له أدنى فطانة، إلا أن هذا الاستفهام عبارة عن استعلام أن كلامه ذلك كان من الهجر وكلام المرضى والهذيان، أو هو كلام صحيح، لا أن أمره كان على وجه العزم أو الرد إلى الاختيار، وهو واضح. وأما ما علل به الكف من صواب رأي عمر، ففيه أنه ليس في الكلام ما يدل على تصويب رأي عمر، فإن قوله صلى الله عليه وآله في الرواية الثالثة من


(1) في (ك) نسخة بدل: الموقنون. (2) المائدة: 67. (3) الشعراء: 227.

[545]

روايات البخاري: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع التنازع.. صريح في الغيظ والتأذي بتلك المخالفة، وهل يجوز عاقل أن ينطق بمثل هذا الكلام في مقام تصويب الرأي من وصفه الله سبحانه بالخلق العظيم، وبعثه رحمة للعالمين ؟ ! وكيف لم يأمر صلى الله عليه وآله من كان يؤذيه بطول الجلوس في بيته بالقيام والخروج ويستحي من إظهار ذلك، حتى نزل قوله: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) * (1)، فكيف أستحيي من الامر بقيام من كان يؤذيه وأمر به من اهتدى إلى الصواب في مثل ذلك الامر الذي يعم نفعه الامة طرا ويعظم بلواه، ومع قطع النظر عن ذلك فسقم هذا الرأي مما لاريب فيه، فإن قوله: حسبنا كتاب الله.. يدل على أنه لا خوف على الامة من الضلال بعد كتاب الله في حكم من الاحكام، وإلا لم يصح الاستناد إليه في منع كتابة ما أراده النبي صلى الله عليه وآله ولم يصرح بتعيينه، والآيات التي يستنبط منها الاحكام - كما ذكروا - خمسمائة آية أو قريب منها، وظاهر أنها ليست في الظاهر مدركا لكثير من الاحكام، وليس دلالتها على وجه يقدر على استنباط الحكم منها كل أحد، ولا يقع في فهمه اختلاف بين الناس حتى ينسد باب الضلال، ومن راجع كلام المفسرين أدنى مراجعة علم أنه ليس آية إلا وقد اختلفوا في فهمها واستخراج الاحكام منها على أقوال متضادة ووجوه مختلفة، والكتاب الكريم مشتمل على ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظاهر ومؤول، وعام وخاص، ومطلق ومقيد.. وغير ذلك مما لا يصيب في فهمه إلا الراسخون في العلم المعصومون من الزيغ والضلال، ومن ذلك يعلم أنه لم يكن غرضه صلى الله عليه وآله إلا تعيين الاوصياء إلى يوم القيامة، لانه إذا كان كتاب الله عزوجل بطوله


(1) الاحزاب: 53.

[546]

وتفصيله لم يرفع الاختلاف بين الامة، فكيف يتصور في مثل هذا الوقت منه صلى الله عليه وآله إملاء كتاب يشتمل على أسطر قلائل يرفع الاختلاف في جميع الامور عن الامة، إلا بأن يعين في كل عصر من يرجعون إليه عند الاختلاف، ويرشدهم إلى جميع مصالح الدين (1) والدنيا، ويفسر القرآن المجيد لهم بحيث لا يقع منهم اختلاف فيه ؟ !. وينطق بما ذكرنا قول أمير المؤمنين عليه السلام: أنا كلام الله الناطق وهذا كلام الله الصامت (2). وقد قيل: ان قوله هذا كقول المريض: لا حاجة لنا إلى الطبيب لوجود كتب الطب بين أظهرنا، وظاهر أنها أشمل للفروع الطبية من الكتاب الكريم لتفاصيل الاحكام الشرعية، فاتضح أن المنع عن كتابة ما يمنع عن الضلال عين الضلال والاضلال، وكثرة الخلاف بين الامة وتشتت طرقه - مع وجود كتاب الله بينهم -، دليل قاطع على ما ذكرنا. الثالث: إن ما ذكره - من أن عمر أشفق على الرسول صلى الله عليه وآله من تحمل مشقة الكتابة مع شدة الوجع - فاسد، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لم تجر عادته في أيام صحته بأن يكتب الكتاب بيده، وإنما كان يملي على الكاتب ما يريد، إما لكونه أميا لا يقرأو ولا يكتب، أو لغير ذلك، ولم يكن ذلك مستورا على عمر، فكيف أشفق عليه من الكتابة ؟ !. وأما الاملاء، فمن أين علم أنه لا يمكن للرسول صلى الله عليه وآله التعبير عما يريد بلفظ مختصر وعبارة وجيزة لم يكن في إلقائها إلى الكاتب مشقة لا يقدر على تحملها، على أنه تحمله صلى الله عليه وآله للمشاق في هداية الامة لم


(1) في (س): الدينية. (2) كما في الوسائل 18 / 20 باب 5 حديث 12، ويؤيده ما أورده في الكافي وكنز الفوائد، وحكاه العلامة المجلسي في بحاره 23 / 197 عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق..) * قال: إن الكتاب لا ينطق ولكن محمد وأهل بيته هم الناطقون بالكتاب.

[547]

تكن هذه الكتابة مبدأه، فكيف لم يشفق عمر في شئ من المواضع إلا فيما فهم فيه أن المراد تأكيد النص في أمير المؤمنين عليه السلام - كما سيجئ تصريحه بذلك إن شاء الله - ؟ !. ولا ريب في (1) أنه صلى الله عليه وآله كان أشفق على نفسه وأعلم بحاله من عمر بن الخطاب. وبالجملة، برودة مثل هذا الاعتذار مما لا يرتاب فيه ذو فطنة. وأما اشتداد الوجع، فإنما استند إليه عمر لاثبات كلامه (2) أن كلامه صلى الله عليه وآله ليس مما يجب (3) الاصغاء إليه، لكونه ناشئا من اختلال العقل لغلبة الوجع وشدة المرض كما يظهر من قولهم في الروايات السابقة ما شأنه ؟ هجر ؟ أو انه ليهجر ! لا لما زعمه هذا القائل، وهو واضح. الرابع: إن ما ذكره من الاعتلال - بأن عمر رأى أن (4) الاوفق بالامة ترك البيان ليكون المخطئ أيضا مأجورا، وأنه خاف من أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج والعصيان بالمخالفة - يرد عليه، أنه لو صح الاول لجاز للناس منع الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغ الاحكام، وكان الاخرى (5) أن لا يبعث الله الرسل إلى الخلق ويكلفهم المشاق واحتمال الاذى في تبليغ الاحكام، ويترك الناس حتى يجتهدوا ويصيبوا الاجر، مصيبين أو مخطئين، ولا يرى المصلحة (6) في خلاف ما حكم الرسول صلى الله عليه وآله بأن في تركه خوف الضلال على الامة إلا من خرج عن ربقة الايمان، وقد قال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا


(1) في (س): فيه، وخط عليها في (ك). (2) لا توجد: كلامه، في (س). (3) في (س): يجيب. (4) في (ك): بأن. (5) كذا، والظاهر: الاحرى - بالحاء المهملة -. (6) كذا، والظاهر: المفسدة.

[548]

تسليما) * (1)، وقال سبحانه: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (2). وأما الخوف من أن يكتب أمرا يعجز الناس عنه، فلو أريد به الخوف من أن يكلفهم فوق الطاقة فقد بان له ولغيره - بدلالة العقل، وقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (3) وبغيره من الادلة النقلية - أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكلف أمته إلا دون طاقتهم، ولو أريد الخوف من تكليفهم بما فيه مشقة فلم لم يمنع عمر وغيره رسول الله صلى الله عليه وآله عن فرض الحج والجهاد والنهي عن (4) وطئ امرأة جميلة تأبى عن النكاح أو كان لها بعل مع شدة العزوبة وميل النفس، وظاهر أن كثيرا من الناس يعصون الله في الاوامر الشاقة ويخالفون الرسول صلى الله عليه وآله. وأما المشقة البالغة التي تعد في العرف حرجا وضيقا - وإن كان دون الطاقة - فقد نفاه الله تعالى بقوله: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * (5)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعثت إليكم بالحنفية السمحة السهلة البيضاء (6). وكيف فهم من قوله: أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي... إنه أراد أن يكتب لهم ما يعجزون عن القيام به، وأي ارتباط لهذا الاعتذار بقوله: إنه قد غلبه الوجع، أو إنه ليهجر. وبالجملة، لم يكن عمر بن الخطاب ولا غيره أعلم بشأن الامة وما يصلحهم


(1) النساء: 65. (2) الاحزاب: 36. (3) البقرة: 286. (4) لا توجد: عن، في (س). (5) البقرة: 185. (6) مسند احمد بن حنبل 5 / 266.

[549]

ممن تواتر عليه الوحي الالهي وأيده الله بروح القدس، ولا أشفق عليهم وأرأف بهم ممن أرسله رحمة للعالمين. الخامس: إن ما ذكره - من أن عمر علم تقرر الشرع والملة بقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم..) * (1)، وقوله صلى الله عليه وآله: أوصيكم بكتاب الله وعترتي.. - يرد عليه: أنه لو كان المراد بكمال الدين ما فهمه لزم غناء الناس عن الرسول صلى الله عليه وآله وعدم احتياجهم إليه بعد نزول الآية في حكم من الاحكام، وأما قوله صلى الله عليه وآله: أوصيكم بكتاب الله وعترتي.. فليس فيه دلالة على أنه لم يبق أمر مهم للامة أصلا حتى تكون الكتابة التي أراد النبي صلى الله عليه وآله لغوا عبثا، ويصح منعه عنها وقد كان المراد من الكتابة تأكيد الامر باتباع الكتاب والعترة الطاهرة الحافظة له والعالمة بما فيه على وجهه خوفا من ترك الامة الاعتصام بهما فيتورطوا في أودية الهلاك، ويضلوا كما فعل كثير منهم وضلوا عن سواء السبيل، ولو فرضنا أن مراده صلى الله عليه وآله كان أمرا ووراء ذلك، فليس هذا الاعتذار إلا إلتزاما للمفسدة وقولا بأن النبي صلى الله عليه وآله حاول أن يكتب عبثا لا فايدة فيه أصلا، وكان قوله: لا تضلوا بعده.. هجرا من القول وهذيانا محضا، ولو كان الغناء بهذه الوصية فلم لم يتمسك عمر بعد النبي صلى الله عليه وآله بالعترة المطهرة ولا رآهم أهلا للخلافة ولا للمشورة فيها ؟ ! فترك الرسول صلى الله عليه وآله والعترة صلوات الله عليهم وسارع إلى السقيفة لعقد الخلافة لحليفة وصديقه ؟ ولم لم يرتدع ولم يرجع عما فعل بعد ما رأى من سيد العترة إنكاره لخلافة أبي بكر وعدم الانقياد له ؟ ! وقد مضى من صحاح أخبارهم ما يدل على أنه عليه السلام وسائر بني هاشم لم يبايعوا ستة أشهر، ولم لم يقل في مقام المنع عن إحضار ما طلبه رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبنا كتاب الله وعترة الرسول صلى الله عليه وآله.


(1) المائدة: 3. (*)

[550]

ولا يذهب على ذي البصيرة أن ذكر العترة في هذا المقام مما أجراه الله تعالى على لسان هذا المعتذر تفظيعا لشأنه وإظهارا لضلال أمامه. السادس: إن قوله، وقول عمر حسبنا كتاب الله.. رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وآله.. كلام ظاهر الفساد، فإن الرواية التي رواها البخاري في باب كتابة العلم صريحة في أنه رد على قول النبي صلى الله عليه وآله، وأن الاختلاف من (1) الحاضرين إنما وقع بعد قوله ذلك، وكذلك روايته في باب قول المريض: قوموا عني.. ولو سلمنا أنه لم يواجه بكلامه ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله بل أحد المنازعين فالرواية الاخيرة للبخاري تضمنت أن أحد (2) الفرقتين المتخاصمتين كانوا يقولون: قربوا.. يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده.. والآخرون يقولون ما قال عمر، فلم يبق إلا أن يكون كلامه ردا عليه صلى الله عليه وآله وإن واجه به المنازعين، وهو مثل الاول في استلزام الانكار والكفر، وإن كانت المواجهة أبلغ في سوء الادب وترك الحياء. السابع: إن ما ذكره - من أن عمر قد خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا (3) في ذلك الاقاويل كادعاء الرفضة الوصية.. - يرد عليه: أولا: إن كون الكتابة في الخلوة كذب مخالف للمشهور، فإن المشهور اجتماع بني هاشم ووجوه المهاجرين والانصار عند النبي صلى الله عليه وآله يومئذ، ويؤيده قول ابن عباس في الروايات السابقة: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب.. وقوله: وكثر اللغط وأكثروا اللغو والاختلاف.. وثانيا: إنه لو كان عمر خائفا من ذلك لما قال: حسبنا كتاب الله.. وأن


(1) خط على: من، في (ك)، وكتب فوقها: بين (2) كذا، والظاهر: إحدى. (3) في (س): وأن يقولوا.

[551]

النبي صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع.. و (1) إنه ليهجر.. وكان المناسب أن يعرض على النبي صلى الله عليه وآله أنه ينبغي إحضار طائفة ممن يثق الناس بهم وتكون شهادتهم حجة عند العامة ليشهدوا الكتابة، ويقيموا الشهادة، دفعا لاختلاف الناس. وثالثا: إن غاية ما يلزم من تطرق المنافقين أن يقع فيها الاختلاف فلا يعمل بعض الناس بها، وليس ذلك بأبلغ في الضرر من منع الكتابة حتى لا يعمل بها أحد، وأما الخوف من وقوع الفتنة بين المسلمين فهو موجود في صورة ترك الكتابة والوصية، بل هو أحرى وأقرب بوقوع الفتنة وثوران الشرور. ورابعا: إنه لو أراد بتطرق المنافقين مجرد قدحهم في الوصية من دون أن يلحق الاسلام والمسلمين ضرر وتزلزل فليس به بأس، ولا ينقطع به طعنهم (2) وقدحهم بها ولا بعدمها. ولو أراد به لحوق الضرر.. ففساده ظاهر، كيف ولو كانت جهة الفساد فيها أغلب لما أرادها من هو أعلم بأمته وأرأف بهم من كل رؤف عليم، ولما عللها بعدم ضلالهم. وأما الاجتهاد بخلاف قوله.. فقد تبين بطلانه في محله وسيأتي، على أن دفع هذا الضرر الذي توهموه - بنسبة الهجر والهذيان إلى الرسول صلى الله عليه وآله وتقبيح رأيه، والرد عليه بأن كتاب الله حسبنا - دفع للفاسد بمثله. وخامسا: إن تشبيهه ادعاء الرافضة بتطرق المنافقين في غاية الركاكة والبرودة، فإن الظاهر منهم أنه زعم أن ادعاء الرافضة أعظم من الفساد من تطرق المنافقين وتقولهم الاقاويل أو مثله، وظاهر أن هذا الادعاء إنما لزم من منع الكتابة لا من كتابة ما أراده النبي صلى الله عليه وآله بزعمهم، وقد رووا عن عائشة أنه


(1) في (س): أو. (2) في (س): طعن.

[552]

قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله - في مرضه - ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، وأني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل.. فلولا منع عمر بن الخطاب لانسد باب ادعاء الرافضة. وبالجملة، لا ريب في أن ترك الوصية والكتابة أولى بتقول الاقاويل وادعاء الاباطيل، ووالله لقد تطرق المنافقون ومن في قلبه مرض في أول الامر، فقال أحدهم: إنه قد غلبه الوجع.. وحسبنا كتاب الله.. وصدقه الآخرون، وقالوا: القول ما قال عمر، فثلموا في الاسلام وهدموا الايمان، كما أفصح عن ذلك ابن عباس بقوله: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب. الثامن: إن ما حكاه - من قول طائفة أخرى أن النبي صلى الله عليه وآله في هذا الكتاب كان مجيبا لما طلب عنه (1) فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها - يرد عليه أنه لا فرق باتفاق المسلمين فيما حكم الله ورسوله به بين ما كان ابتداءا وبين ما طلبه أحد فنص عليه وجرى الحكم به، وكما أن إنكار الاول ورده رد (2) على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وفي حكم الشرك بالله كذلك الثاني، وقد سبقت الدلالة على أن الامر لم يكن مردودا إلى اختيار القوم، بل كان على وجه الحتم والايجاب، وأما كراهة من كره الكتابة للعلل المذكورة ففسادها يظهر لك مما عرفت من فساد اللعلل. التاسع: إن ما استدل به من كراهة علي عليه السلام لسؤال الخلافة ورغبة العباس وطلبه. يرد عليه: إنه لا نزاع في وقوع الخلاف في كثير من الامور بين الصحابة وغيرهم، وذلك مما لا حاجة له إلى شاهد، بل لا نزاع في وقوع الخلاف فيما حكم


(1) كذا، والظاهر: منه. (2) في (س): ورد ردا.

[553]

به الرسول صلى الله عليه وآله أيضا، ولكن الكلام في أن خلاف الرسول والرد عليه في معنى الكفر وهذا الدليل لا تعلق له بنفي ذلك، على أن الرواية في كلام علي عليه السلام والعباس في طلب الخلافة والسؤال عنها مما وضعوه وتمسكوا به في إبطال النص، كما عرفت. العاشر: ان ما تمسك به في إثبات كون النبي صلى الله عليه وآله مجيبا إلى ما سألوه من كتابة الوصية من قوله: دعوني فالذي أنا فيه خير.. يرد عليه: أن المخاطب بقوله صلى الله عليه وآله: دعوني.. إما جميع الحاضرين من الطالبين للكتابة والمانعين عنها أو بعضهم. فإن كان الاول، كان المراد بقوله صلى الله عليه وآله: ما تدعونني إليه استماعه لمشاجرتهم ومنازعتهم، ويؤيد ذلك أمره صلى الله عليه وآله إياهم بأجمعهم بالخروج بقوله: قوموا عني.. وزجرهم بقوله: لا ينبغي عندي التنازع.. على ما سبق في بعض الروايات السابقة، وحينئذ فسقوط الاحتجاج به واضح. وإن كان الثاني، لم يجز أن يكون المخاطب من طلب الكتابة، بل من منع عنها، وإلا لناقض كلامه أخيرا أمره بالاحضار ليكتب لهم ما لا يضلوا بعده، وحيث تنقلب الحجة عليهم ويكون المراد بما كانوا يدعون إليه ترك الكتابة، ويكون الافضلية المستفادة من قوله صلى الله عليه وآله: فالذي أنا فيه خير.. مثلها في قوله تعالى: * (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) * (1). ولو سلمنا أن المراد بما تدعونني إليه طلب الكتاب، نقول: يجب أن يحمل الردع عن الكتابة على أنها صارت مكروهة له صلى الله عليه وآله لممانعة المانعين وظهور إثارة (2) الفتنة من المعاندين وإلا لزم التناقض في كلامه (ص) كما عرفت،


(1) الفرقان: 15. (2) في (س): إشارة، ولو صحت فهي بمعنى الامرة أو الرفع، كما أشار اليهما في القاموس 2 / 65.

[554]

فالتمسك بهذا الكلام على أي وجه كان لا يجديهم نفعا. وأما ما ذكره - من أن المطلوب منه (ص) كان تعيين الخليفة وكتاب الوصية في ذلك - فهو وإن كان باطلا من حيث أن إرادة الرسول صلى الله عليه وآله للكتابة كان إبتداء منه، لا إجابة لرغبة أحد، كما هو الظاهر من خلو الروايات بأجمعها عن ذلك الطلب، إلا أنه لا شك في أن مراده صلى الله عليه وآله كان الوصية في أمر الخلافة وتأكيد النص في علي عليه السلام. ومما يدل على ذلك ما رواه ابن أبي الحديد (1) في الجزء الثاني عشر من شرحه على النهج (2) في سلك الاخبار التي رواها عن عمر، قال: روى ابن عباس، قال: خرجت مع عمر إلى الشام (3)، فانفرد يوما يسير على بعير (4) فاتبعته، فقال لي: يا بن عباس ! أشكوا إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولا أزال (5) أراه واجدا، فيما (6) تظن موجدته ؟ قلت: يا أمير المؤمنين ! إنك لتعلم، قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة ؟ قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله (ص) أراد الامر له. فقال: يا بن عباس ! وأراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] الامر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك، إن رسول الله (ص) أراد أمرا وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله (7) ولم ينفذ مراد رسول الله، أو كلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله كان إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله تعالى فلم يسلم !.


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 78 - 79. (2) لا توجد في (ك): على النهج. (3) في المصدر: في إحدى خرجاته. (4) في شرح النهج: بعيره. (5) في المصدر: ولم أزل. (6) في (ك): أفيما، نسخة بدل. (7) في شرح النهج: الله تعالى.

[555]

قال (1): وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أن يذكره للامر في مرضه، فصددته عنه خوفا من الفتنة وانتشار أمر الاسلام، فعلم رسول الله (ص) ما في نفسي وأمسك، وأبي الله إلا إمضاء ما حتم. وروى (2) أيضا في الموضع المذكور، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر في أول خلافته وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة، فدعاني إلى الاكل، فأكلت تمرة واحدة وأقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جرة (3) كانت عنده، واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد الله.. يكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله ؟. قلت: من المسجد. قال: كيف خلفت ابن عمك ؟. فظننته يعني عبد الله بن جعفر، قلت: خلفته يلعب مع أترابه. قال: لم أعن ذلك، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلفته يمتح (4) بالغرب على نخيلات من فلان ويقرأ (5) القرآن. قال: يا عبد الله ! عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟. قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] نص عليه ؟. قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عما يدعيه، فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله صلى الله عليه [وآله] في أمره ذرؤ من قول لا يثبت


(1) قاله ابن أبي الحديث في شرحه 12 / 79. بنصه (2) في شرحه على النهج 12 / 20 بتصرف. (3) قال في النهاية 1 / 260: الجر والجرار: جمع جرة، وهو الاناء المعروف من الفخار. وفي المصدر: جر. (4) في (س): يمنح. وجاء في حاشية (ك): متح الدلو يمتحها متحا: جذب. والغرب - بفتح الغين وسكون الراء -: الدلو العظيمة. [منه (قدس سره)]. انظر: مجمع البحرين 2 / 411 و 131، والنهاية 4 / 291 و 3 / 349. (5) في المصدر: وهو يقرأ.

[556]

حجة ولا يقطع عذرا، ولقد كان يزيغ (1) في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته (2) من ذلك إشفاقا وحيطة على الاسلام، لا ورب هذا البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لا انتقضت (3) عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله صلى الله عليه [وآله] أني علمت ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم. قال ابن أبي الحديد (4): ذكر هذا الخبر احمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا. قوله: على خصفة هي - بالتحريك -: الجلة من الخوص تعمل للتمر (5). وعليك دماء البدن: قسم بوجوب نحر البدن لو كتم ما سأله من أمر الخلافة. وذرؤ من قول.. أي طرف منه ولم يتكامل (6)، والمراد القول غير الصريح، وذرء من خير (7) - بالهمزة - بمعنى شئ منه (8). والزيغ - بالزاي والياء المثناة من تحت والغين المعجمة -: الجور والميل عن الحق (9)، والضمير في أمره راجع إلى علي عليه السلام، أي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج عن الحق في أمر علي عليه السلام لحبه إياه أو إليه صلى الله عليه وآله، والمراد الاعتذار عن صرفه عما أراد بأنه كان يقع في الباطل أحيانا.


(1) في شرح النهج: يربع. أقول: هي بمعنى ينتظر. (2) في المصدر: فمنعت - بلا ضمير -. (3) كذا، وفي شرح: لانتقضت، وهو الظاهر. (4) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 21 بتصرف. (5) ذكره في الصحاح 4 / 1350، وانظر: النهاية 2 / 37، ومجمع البحرين 5 / 46. (6) قاله في لسان العرب 14 / 286، والصحاح 6 / 2345. (7) كذا، والظاهر أنها: خبر - بالباء الموحدة -، كما في القاموس واللسان. (8) نص عليه في القاموس 1 / 15، ولسان العرب 14 / 286، وغيرهما. (9) صرح به في النهاية 2 / 324، ومجمع البحرين 5 / 10، والقاموس 3 / 107.

[557]

والاشفاق: الخوف (1). والحيطة: الحفظ والصيانة (2). قال الجوهري (3): مع فلان حيطة لك، ولا تقل عليك.. أي تحنن. واستدل بعض الاصحاب على ذلك بما سبق في رواياتهم من تحسر ابن عباس وتحزنه عند تذكر تلك الواقعة وبكائه حتى بل دمعه الحصى، إذ من الظاهر أنه لم يقع بعد النبي صلى الله عليه وآله رزية ومصيبة توجب هذا النوع من الحزن والاسف، ولم تصب الامة عامة وبني هاشم خاصة آفة إلا خلافة ابن أبي قحافة. يؤيد ذلك أنه لا شك في اقتضاء المقام والحال أن يكون مراده عليه السلام كتابة الوصية في أمر الخلافة والامامة، إذ العادة قد جرت - قديما وحديثا - في كل من ظهر له أمارة الارتحال من بين قومه وظن بدنو موته وحضور أجله بأن يوصي فيهم ويفوض أمرهم إلى من يحميهم عن الفتن والآفات، ويكون مرجعا لهم في نوائبهم، ويدفع عنهم شر الاعداء، وكلما تكثرت جهات المنافع وتشتتت وجوه المضار كانت الوصية أوجب وتركها أقبح، ولا ريب في أن الامة يخاف عليهم بتركهم سدى من غير راع يقيمهم وهاد يهديهم أنواع الضرر في الدنيا والآخرة، فهل يظن عاقل بمن أرسله الله رحمة للعالمين أنه لا يهتم بأمر الاسلام والمسلمين ولا يوصي فيهم ولا ينصب لهم واليا يدفع عنهم شر أعدائهم ويهديهم إلى ما يصلحهم، ويكون خيرا لهم في آخرتهم ودنياهم ؟ ! مع أنه قد أمر أمته بالوصية ورغبهم فيها. وإذا ظهر أن مراده صلى الله عليه وآله كان تعيين الخليفة - كما اعترف به هذا القائل أيضا - فإن كان مقصوده صلى الله عليه وآله تأكيد نص الغدير وغيره في أمير المؤمنين عليه السلام، وتجديد ما عهد إلى الامة فيه، ثبت المدعى، وتم الطعن.


(1) جاء في مجمع البحرين 5 / 193، والقاموس 3 / 250، وانظر: الصحاح 4 / 1501. (2) كما في القاموس 2 / 355، والنهاية 1 / 461، ومجمع البحرين 4 / 243. (3) الصحاح 3 / 1121، وانظر: لسان العرب 7 / 280.

[558]

وإن كان المراد الوصية لابي بكر - كما رووه عن عائشة - فكيف يتصور من عمر بن الخطاب الممانعة في إحضار ما كان وسيلة إلى استخلافه مع شدة رغبته فيه ؟ !. وقد قال شارح المقاصد (1) في قصة الفلتة: كيف يتصور من عمر القدح في إمامة أبي بكر مع ما علم من مبالغته في تعظيمه وانعقاد (2) البيعة له، ومن صيرورته خليفة باستخلافه. وروى أنه لما كتب أبو بكر وصيته في عمر وأرسله بيد رجلين ليقرأه على الناس، قالا للناس: هذا ما كتبه أبو بكر، فإن قبلتموه نقرأه وإلا نرده ؟ !. فقال طلحة: اقرأه وإن كان فيه عمر. فقال له عمر: من أين عرفت ذكري فيه ؟. فقال طلحة: وليته بالامس وولاك اليوم. على أنه لا حاجة في مقام الطعن إلى إثبات خصوص ما كان مرادا له صلى الله عليه وآله، فإن الرد عليه وظن أن الصواب في خلاف ما قضى به في معنى الشرك بالله، ولو كان في استخلاف أبي بكر أو (3) عمر. لكن كان الغرض التنبيه على فساد ما ذكره بعض المتعصبين من أن القول بأنه صلى الله عليه وآله أراد أن يؤكد النص على خلافة علي عليه السلام من باب الاخبار بالغيب، ولم لا يريد أن ينص بخلافة أبي بكر ؟ وقد وافق هذا ما روينا عن عائشة أنه قال: ادعي لي أبا بكر - أباك - حتى أكتب له كتابا. ومن تأمل بعين البصيرة فيما سبق - مع ما سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير وغيره - ظهر له أن المراد كان تأكيد النص بالكتاب، وليس الفهم من القرائن (4) والدلائل من الاخبار بالغيب.


(1) شرح المقاصد 5 / 281. (2) في المصدر زيادة: في، قبل: انعقاد. (3) في (ك): واو، بدلا من: أو. (4) في (س): القراءة.

[559]

ثم إن ابن أبي الحديد (1) في شرح الخطبة الشقشقية تصدى للاعتذار عن قول عمر، فقال: قد كان في أخلاق عمر (2) فظاظة وعنجهية (3) ظاهرة بحسب السامع لكلماته إن أراد (4) بها ما لم يكن قد أراد، ويتوهم من يحكى له أنه قصد بها ما لم يقصده، فمنها: الكلمة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها، ولكنه أرسلها على (5) مقتضى خشونة غريزية (6) ولم يتحفظ منها، وكان الاحسن أن يقول: مغمور أو مغلوب بالمرض، وحاشاه أن يعني بها غير ذلك، ولجفاة الاعراب من هذا الفن كثير، سمع سليمان بن عبد الملك (7) أعرابيا يقول في سنة قحط: رب العباد ما لنا وما لكا * قد كنت تستقينا (8) فما بدا لكا أنزل علينا القطر لا أبا لكا فقال سليمان: أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد، فأخرجه أحسن مخرج (9) وعلى نحو هذا يحمل (10) كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبي صلى الله عليه وآله: ألم تقل لنا ستدخلونها.. ؟ في ألفاظ نكره حكايتها، حتى شكاه النبي صلى


(1) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 183 بتصرف. (2) في المصدر: في أخلاق عمر وألفاظه جفاء.. (3) جاء في حاشية (ك): قال الفراء: يقال فلان فيه عنجهية، وعنجهانية.. وهي الكبر والعظمة، ويقال: العنجهية: الجهل والحمق. صحاح. انظر الصحاح 6 / 2239، وفيه: ذو، بدلا من: فيه. (4) في شرح النهج: يحسبه السامع لها أنه أراد. (5) في (ك): إلى. (6) في المصدر: غريزته. (7) في شرح النهج: عبد الله. (8) لا توجد في (س): تسقينا، ولا يتم المعنى إلا بها. (9) إلى هنا جاء الخبر في الكامل لابن الاثير 7 / 145 - بشرح المرصفي -. (10) في المصدر: يحتمل.

[560]

الله عليه وآله إلى أبي بكر، وحتى قال له أبو بكر: إلزم بغرزه (1)، فو الله إنه لرسول الله. انتهى. ويرد عليه: أولا: انه لا وجه لحمل الكلام على المحامل البعيدة وإخراجه عن ظاهره من غير دليل، وظاهر الكلام تقبيح لرأي رسول الله صلى الله عليه وآله ورد لقوله على أقبح وجه، ولم يقم برهان على عدم جواز الخطأ والارتداد على عمر بن الخطاب حتى يأول كلامه بالتأويلات البعيدة، وما رووه في فضله من الاخبار - فمع أنه من موضوعاتهم ولا حجة فيها على الخصم لتفردهم بروايتها - فأكثرها لا دلالة فيها على ما يجديهم في هذا المقام، والعجب أنهم يثبتون أنواع الخطايا والذنوب للانبياء عليهم السلام لظواهر الآيات الواردة فيهم وينكروه علينا حملها على ترك الاولى وغيره من الوجوه - كما سبق ذكر كثير منها في المجلد الخامس (2) - مع قيام الادلة العقلية والنقلية على عصمتهم وجلالة قدرهم عما يظنون بهم، ولا يرضون بمثله في عمر بن الخطاب - مع عدم دليل على عصمته واشتمال كتبهم ورواياتهم على ما تسمع من مطاعنه - ولو جانبوا الاعتساف لم يجعلوه أجل قدرا من أنبياء الله عليهم السلام. وثانيا: ان الطعن ليس مقصورا على سوء الادب والتعبير بالعبارة الشنيعة، بل به وبالرد لقول الرسول صلى الله عليه وآله والانكار عليه، وهو في معنى الرد على الله عزوجل والشرك به، وإن كان بأحسن (3) الالفاظ وأطيب العبارات، وما


(1) جاء في حاشية (ك): قال الجزري: الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب.. ومنه حديث أبي بكر أنه قال لعمر: استمسك بغرزه.. أي إعتلق به وامسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره. [منه (طاب ثراه)]. انظر: نهاية ابن الاثير 3 / 359. (2) بحار الانوار 11 / 72 - 96. (3) في (س): أحسن.

[561]

ذكره - لو تم - فإنما ينفع في دفع الاول دون الثاني. وأما قصة صلح الحديبية - التي أشار إليها - فليس الطعن فيها بلفظ يشتمل على سوء الادب حتى يجري فيه تأويل، بل بالانكار لقول الرسول صلى الله عليه وآله وعدم تصديقه بعد قوله: أنا رسول الله (ص)، أفعل ما يأمرني به.. وهو إما تكذيب صريح للرسول صلى الله عليه وآله لو لم يصدقه في قوله ذلك، أو تقبيح صريح لما قضى الله به لو صدق الرسول صلى الله عليه وآله، وقد ذكر الموجه نفسه (1) شرح هذه القصة في الجزء الثاني عشر في سلك الاخبار التي رواها عن عمر، قال: لما كتب النبي صلى الله عليه [وآله] كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين سهيل بن عمرو، وكان في الكتاب أن من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد ومن خرج من المشركين إلى النبي صلى الله عليه [وآله] يرد إليهم، غضب عمر وقال لابي بكر: ما هذا يا أبا بكر ؟ أيرد المسلمون إلى المشركين ؟ !. ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فجلس بين يديه، وقال: يا رسول الله ! ألست رسول الله حقا ؟ !. قال: بلى. قال: ونحن المسلمون حقا ؟. قال: نعم. قال: وهم الكافرون (2) ؟ !. قال: نعم. قال: فعلى م نعطي الدنية في ديننا ؟ !. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا رسول الله (ص) أفعل ما يأمرني به ولن يضيعني، فقام عمر مغضبا، وقال: والله لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا !، وجاء إلى أبي بكر، فقال له: يا أبا بكر ! ألم يكن وعدنا، أنا سندخل مكة، فأين ما وعدنا به ؟ !. فقال أبو بكر: أقال لك أن العام ندخلها ؟. قال: لا. قال: فسندخلها (3). قال: فما هذه الصحيفة التي كتبت ؟ وكيف نعطي الدنية في (4)


(1) ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 12 / 59 - 60. (2) في المصدر: وهم الكافرون حقا. (3) في شرح ابن أبي الحديد: فسيدخلها. (4) في (ك): من، بدلا من: في.

[562]

أنفسنا ؟. فقال: يا هذا ! إلزم غرزه (1) فو الله إنه لرسول الله، إن الله لا يضيعه، فلما كان يوم الفتح وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله مفتاح الكعبة، قال: ادعوا لي عمر، فجاء، فقال: هذا الذي كنت وعدت به (2). وروى البخاري (3) في صحيحه في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب، عن الزهري، عن عروة بن الزهير (4)، عن المسور بن مخرمة (5) ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] من (6) الحديبية... وساق (7) الحديث.. إلى أن قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه [وآله]، فقلت: ألست نبي الله حقا ؟. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل ؟. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا. قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ !. قال: بلى، فأخبرتك انا نأتيه العام ؟. قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟. قال: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فو الله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا إنا سنأتي البيت


(1) في (ك): غرره. (2) في المصدر: وعدتكم به. (3) صحيح البخاري 2 / 119 - 122. (4) في (ك) نسخة بدل: الزبير. (5) جاء في حاشية (ك) ما يلي: مسورة بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبو عبد الرحمن، له ولابيه صحبة، مات سنة أربع وستين. تقريب ابن حجر انظر: تقريب التهذيب 2 / 249 برقم 1136. (6) قد تقرأ في (ك): زمن. (7) في (س) قد تقرأ: وساقا.

[563]

ونطوف به ؟ !. قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟. قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. وروى البخاري (1) في تفسير سورة الفتح من كتاب تفسير القرآن، ومسلم (2) في كتاب القضاء، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفين، فقال رجل: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله..) * (3) فقال علي [عليه السلام]: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه [وآله] والمشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر، فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟. قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا ؟. فقال: يا بن الخطاب ! إني رسول الله (ص) ولن يضيعني الله أبدا. فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء إلى (4) أبي بكر، فقال: يا أبا بكر ! ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟. قال: يا بن الخطاب ! إنه رسول الله (ص) ولن يظيعه (5) الله أبدا... (6)، فنزلت سورة الفتح، كذا في رواية البخاري. وفي رواية مسلم - بعد قوله: ولن يضيعه الله أبدا - نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه [وآله] بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله


(1) صحيح البخاري 3 / 190 [6 / 170 - 171، دار الشعب]. (2) صحيح مسلم 5 / 175 بتفاوت في صدر الحديث. (3) آل عمران: 23. وقد جاءت العبارة التالية في صحيح البخاري بدلا من الآية: ألم تر الذين يدعون إلى كتاب الله. (4) لا توجد: إلى، في (س). (5) في المصدر: يضيعني. (6) هنا سقط راجعه في المصدر. ولعله وجد الرواية وربطها مع سورة الفتح، قوله عز اسمه: * (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما) * (26).

[564]

(ص) ! أو فتح هو ؟. فقال: نعم. فطابت نفسه ورجع. وقد ذكر الروايات في جامع الاصول (1) في كتاب الغزوات من حرف الغين. وروى الشيخ الطبرسي رضي الله عنه في مجمع البيان (2) قصة الحديبية بنحو مما سبق، وفيه: قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله، فقلت: ألست نبي الله.. إلى آخر الخبر. ومن نظر في هذه الاخبار لم يشك في أنه لم يرض بقول النبي صلى الله عليه وآله وكان في صدره حرج مما قضى به رسول صلى الله عليه وآله، وقد قال الله عز وجل: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (3)، وظن رسول الله صلى الله عليه وآله في وعده كاذبا، وإلا فلا معنى لقيامه مغضبا متغيظا غير صابر حتى جاء إلى أبي بكر، وقوله: لو وجدت أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا، وإعادته كلامه في معرض الانكار لابي بكر بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إني رسول الله (ص) ولست أعصيه، أو: أنا رسول الله (ص) أفعل ما يأمرني به.. على اختلاف ألفاظ الروايات السابقة، وكذلك يدل على ظنه الكذب برسول الله صلى الله عليه وآله قوله له: هذا الذي كنت وعدت به.. بعد أخذ مفتاح الكعبة وإرساله إليه ليقرأ عليه آية الفتح. ويدل على شدة غضبه صلى الله عليه وآله وغيظه على عمر ما رواه البخاري (4) - في باب غزوة الحديبية من كتاب المغازي -، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن


(1) جامع الاصول 8 / 291 من الحديث 6108 و 8 / 330 من الحديث 6123 [9 / حديث 6098 و 6113]. (2) مجمع البيان 9 / 119 [6 / 66]. (3) النساء: 65. (4) صحيح البخاري 3 / 45.

[565]

الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شئ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ثم سأله فلم يجبه بشئ، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر ! نزرت رسول الله صلى الله عليه [وآله] ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أنا ينزل في قرآن، فما نسيت أن سمعت صارخا يصرخ بي. قال: فقلت: لقد خشيت أن ينزل في قرآن وجئت رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فسلمت عليه، فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) * (1). وقال في النهاية (2): حديث عمر (أنه سأل رسول الله (ص) عن شئ مرارا فلم يجبه فقال لنفسه: ثكلتك أمك إنك (3) يا عمر نزرت رسول الله (ص) مرارا لا يجيبك)، أي الححت عليه في المسألة الحاحا أدبك بسكوته عن جوابك، يقال فلان لا يعطي حتى ينزر (4).. أي يلح عليه. انتهى. ولا يخفى على ذي بصيرة أن ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وآله من الغضب والغيظ عليه - في الحديبية وفي مرضه صلى الله عليه وآله، حيث أمره بالخروج من البيت مع المتنازعين - لم يظهر بالنسبة إلى أحد من الصحابة، وكذلك ما ظهر عنه (كذا) من سوء الادب لم يظهر عن غيره، ولا شك أن ظهور ذلك الغيظ منه صلى الله عليه وآله - مع خلقه العظيم، وعفوه الكريم، وخوفه في الفظاظة والغلظة من انفضاضهم، كما قال سبحانه: * (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفظوا من حولك) * (5) - لم يكن إلا لشدة تفاحشه في ترك الادب والوقاحة،


(1) الفتح: 1. (2) النهاية 5 / 40، وانظر: لسان العرب 5 / 204. (3) لا توجد في المصدر: إنك. (4) في (ك): ينزر عليه. (5) آل عمران: 159.

[566]

وبلوغ تأذي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغاية، وقد قال الله تعالى: * (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) * (1)، وقال سبحانه وتعالى: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة واعد لهم عذابا مهينا) * (2) وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصبر على كثير من الاذى ويستحي من زجرهم، كما يدل عليه قوله تعالى - مشيرا إلى دخولهم بيوت النبي صلى الله عليه وآله من دون الاذن وغيره -: * (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق) * (3) كما سبق. هذا مع أن أتباع عمر بن الخطاب وحزبه قد ستروا كثيرا من كلماته الشنيعة وما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، كما يظهر من قول ابن أبي الحديد (4): في ألفاظ نكره حكايتها حتى شكاه النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر. ويؤيد هذا المعني أن قصة منع الكتابة لم يروها أحد ممن حضرها إلا ابن عباس، وقد صرحت الرواية بأنه كان في البيت رجال، وقالوا (5) بعضهم: قربوا يكتب لكم، وبعضه قال ما قال عمر وكثر لغطهم وارتفعت أصواتهم. وثالثا: إن ما اعتذر به - مع أن عمر كان يرسل في (6) تلك الالفاظ على مقتضى غريزته وخشونة جبلته ولم يكن يقصد بها ظواهرها - فيه اعتراف بأنه كان لا يملك لسانه حتى يتكلم بما يحكم به عقله، وظاهر أن رجلا لم يقدر على ضبط لسانه في مخاطبة مثل النبي صلى الله عليه وآله - في علو شأنه في الدنيا والآخرة - معدود عند العقلاء في المجانين، ومثله لا يصلح للرئاسة العامة وخلافة من


(1) التوبة: 61. (2) الاحزاب: 57. (3) الاحزاب: 53. (4) في شرحه على نهج البلاغة 2 / 43. (5) في حاشية (ك) استظهر كون الكلمة: قال، وهو في محله. (6) في (ك) وضع على: في، رمز نسخة بدل.

[567]

اصطفاه الله على العالمين، ومن رضي بإمامة من يكره حكاية ألفاظه - كما مر من كلام الموجه - فقد بلغ الغاية في السفاهة وفاز بالقدح المعلى من الحماقة. وأما من استشهد الشارح بشعره من الاعراب فهو ممن قال الله تعالى فيه: * (الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله) * (1)، ومثله أحرى بأن يعد من البهائم، ولم يقل أحد بأن مثله يصلح للامامة حتى يقاس بفعله فعل من ادعى الامامة. وما ذكره من أن الاحسن كان أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض فهو هذيان كقول إمامه، إذ الكلام في أنه لا يجوز الرد على الرسول صلى الله عليه وآله وإنكار قوله صلى الله عليه وآله (2) مطلقا، سواء كان في حال المرض أو غيره، للآيات والاخبار الدالة على وجوب الانقياد لاوامره ونواهيه، وأنه لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا حقا، والهجر وغلبة المرض - وإن كان أمرا شائعا في أكثر البشر - إلا أنه لا استبعاد في براءة من اصطفاه الله على العالمين عنه، كما أن غلبة النوم يعم (3) سائر الخلق. وقد روى الخاص (4) والعام (5) أنه صلى الله عليه وآله كان لا ينام قلبه إذا


(1) التوبة: 97. (2) في (س): قوله تعالى، بدلا من: قوله صلى الله عليه وآله، وهو خلاف الظاهر. (3) في (ك): تعم. (4) كما ورد في تفسير العسكري: 164، والاحتجاج 1 / 23، وبحار الانوار 9 / 286، 307، والروايات في أن نوم الامام عليه السلام ويقظته واحدة تجد جملة منها في بحار الانوار 25 / 157 و 27 / 302، و 49 / 63، 87، و 50 / 290، و 61 / 239. (5) كما في صحيح البخاري كتاب التهجد باب 16، وكتاب التراويح باب 1، وكتاب المناقب باب 24، وصحيح مسلم كتاب المسافرين باب 125، وسنن أبي داود كتاب الطهارة باب 79، وكتاب التطوع باب 26، وصحيح الترمذي كتاب المواقيت باب 208، وكتاب الفتن باب 63، وسنن النسائي كتاب الليل باب 36، وموطأ ابن مالك كتاب الليل باب 9، ومسند احمد بن حنبل 1 / 220 و 278، و 2 / 251، 438، و 5 / 40، 50، و 6 / 36، 73، 104، وغيرها.

[568]

نامت عيناه، وقد اعترف النووي - على ما نقله عنه الكرماني في شرح صحيح البخاري (1) - بأن النبي صلى الله عليه وآله كان معصوما من الكذب ومن تغيير الاحكام الشرعية في حال الصحة والمرض. ومن الغرائب أنهم يستدلون على خلافة عمر بن الخطاب بما نص عليه أبو بكر في مرضه وكتب له، ولم يجوز أحد فيه أن يكون هجرا وناشئا من غلبة المرض، مع أنه أغمي عليه في أثناء كتابته العهد - كما رواه ابن أبي الحديد (2) في كيفية عقده الخلافة لعمر من أنه كان يجود بنفسه فأمر عثمان أن يكتب عهدا، وقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به عبد الله بن عثمان (3) إلى المسلمين، أما بعد.. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم ابن الخطاب.. وأفاق أبو بكر، فقال: اقرأ، فقرأه، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله، ثم أتم العهد وأمره أن يقرأ على الناس. وجوزوا في رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون عهده هجرا وهذيانا، وقد كان في كتاب أبي بكر ووصيته - على ما ذكره شارح المقاصد (4) وغيره (5) - نوع من التردد في شأن عمر، حيث قال: إني استخلفت عمر بن الخطاب فإن عدل فذاك ظني به ورأيي فيه، وإن بدل وجار فلكل امرء ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب، * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (6) وكان قوله صلى الله عليه وآله: ائتوني بكتاب [كذا] أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده.. خاليا من


(1) صحيح البخاري - شرح الكرماني - 2 / 128. (2) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 165 باختلاف كثير، وانظر ما بعدها وما قبلها. (3) وجاءت في تاريخ الطبري 4 / 52: أبو بكر بن أبي قحافة، بدلا من: عبد الله بن عثمان. (4) شرح المقاصد 5 / 287. (5) وقد جاءت العبارة في شرح المواقف 8 / 365: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن أحسن السيرة وذلك ظني به، والخير أردت، وإن تكن الاخرى فسيعلم الذين... إلى آخره. (6) الشعراء: 227.

[569]

التردد صريحا في بعدهم عن الضلال بعد الكتاب، فكتاب أبي بكر من حيث المتن أولى بالشك، كما أن احتمال الهجر وغلبة المرض في شأنه كان أظهر، ولم يدل دليل من العقل والنقل على براءته من الهذيان، وكان كتاب الله بين أظهرهم، فكان اللائق بديانة عمر بن الخطاب أن لا يرضى بذلك الكتاب ويقول حسب الناس كتاب الله، وكان الانسب لاشياعه الذين يجوزون الهذيان على سيد الانام صلى الله عليه وآله تصحيحا لقول عمر بن الخطاب أن يترددوا في إمامته ولا يستندوا إلى وصية أبي بكر في شأنه. ثم إن في (1) قول عمر بن الخطاب في مقام الرد على الرسول صلى الله عليه وآله: حسبنا كتاب الله.. يدل على أنه لا حاجة إلى الخليفة مطلقا، فكيف سارع إلى السقيفة لعقد البيعة وجعله أهم من دفن سيد البرية عليه وآله أكمل الصلاة والتحية. والحاصل، إن من لم يطبع الله على قلبه لم يشك في أنهم لم يهتموا إلا بنيل حطام الدنيا وزخارفها، وصرف الامارة والخلافة عن أهاليها ومعادنها. واعلم أنهم عدوا من فضائل عمر بن الخطاب أنه كان يرد على (2) رسول الله صلى الله عليه وآله في كثير من المواطن، وكان يرجع إلى قوله ويترك ما حكم به. فمن ذلك ما رواه ابن أبي الحديد (3) في أخبار عمر في الجزء الثاني عشر، ورواه مسلم في صحيحه (4) في كتاب الايمان، عن أبي هريرة، قال: كنا قعودا حول النبي صلى الله عليه [وآله] ومعنا أبو بكر وعمر (5) في نفر، فقام رسول الله صلى الله


(1) وضع في (ك) رمز نسخة بدل على: في. (2) لا توجد في (س): على. (3) شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة 12 / 55 - 56 [3 / 108 و 116 ذات أربع مجلدات] باختلاف كثيرا جدا. (4) صحيح مسلم 1 / 44 باب من لقى الله بالايمان. (5) لا توجد في المصدر: ومعنا أبو بكر وعمر..

[570]

عليه [وآله] من بين أظهرنا فأبطأ علينا، فخشينا أن يقطع دوننا وفزعنا (1) وقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه [وآله] حتى أتيت حائطا للانصار لقوم من بني النجار فلم أجد له باب، فإذا ربيع يدخل (2) في جوف حائط من بئر خارجة (3) - والربيع: الجدول (4) - فاحتفزت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه [وآله] (5)، فقال: أبو هريرة ؟. فقلت: نعم يا رسول الله، قال (6): ما شأنك ؟. قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقطع دوننا، ففزعنا - فكنت أول من فزع - فأتيت هذا الحايط فاحتفزت (7) كما تحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة ! - وأعطاني نعليه، قال (8): - اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة، فكان (9) أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة ؟. قلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه [وآله] بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت (10) لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة !. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فأجهشت ببكاء (11) وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله


(1) لا توجد في الرشح: وفزعنا. (2) في المصدر: إلا ربيعا فدخلت. (3) لا توجد في شرح النهج: من بئر خارجة. (4) جاء في مجمع البحرين 4 / 332: والربيع: جدول أو ساقية تجري إلى النخل أو الزرع. (5) في المصدر: فدخلت منه بعد أن احتقرته فإذا رسول الله (ص).. (6) في شرح النهج: قلت. (7) في المصدر: فاحتقرته. (8) لا توجد في الشرح: وأعطاني نعليه قال. (9) في المصدر: بالجنة فخرجت وكان.. (10) في الشرح: فضرب عمر فخررت.. (11) في المصدر: فقال: ارجع، فأجشهت بالبكاء راجعا.

[571]

صلى الله عليه [وآله]: ما لك يا أبا هريرة ؟. قلت (1): لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي (2) ضربة خررت لاستي، قال: ارجع. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: ما حملك على (3) ما فعلت ؟. فقال: يا رسول الله (4) ! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها (5) قلبه بشره بالجنة ؟. قال: نعم. قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون. قال رسول الله (ص): فخلهم (6). قوله: من بين اظهرنا.. أي من بيننا (7). ويقطع دوننا.. أي يصاب بمكروه من عدو وغيره (8). وبئر خارجة - على التوصيف -.. أي قليب (9) خارجة عن البستان، وقيل: البئر: هو البستان، كقولهم: بئر أريس، وبئر بضاعة (10)، وقيل: الخارجة اسم رجل (11) فيكون على الاضافة.


(1) في شرح النهج: فقال (ص): ما لك ؟ قلت.. (2) في المصدر: صدري، بدلا من: ثديي. (3) جاء في الشرح هكذا: وقال: ارجع إلى رسول الله، فخرج رسول الله فإذا عمر فقال (ص): ما حملك يا عمر على.. (4) في المصدر: فقال عمر: أنت بعثت أبا هريرة بكذا ؟. قال: نعم يا رسول الله.. (5) لا توجد في (س): بها. (6) أقول: جاءت الرواية في صحيح مسلم 1 / 44، وسيرة عمر لابن الجوزي: 38، وفتح الباري 1 / 184، وغيرها، وعلق عليها شيخنا الاميني في غديره 6 / 175 - 177 بما هو حري بها، والفيروز آبادي في السبعة من السلف: 107، وغيرهما من أعلامنا رضوان الله عليهم. (7) كما في مجمع البحرين 3 / 392، ولسان العرب 4 / 523، والقاموس 2 / 82، والنهاية 3 / 166. (8) قال في النهاية 4 / 82: فخشينا أن يقتطع دوننا.. أي يؤخذ وينفرد به. وانظر: مجمع البحرين 4 / 380. (9) جاء في لسان العرب 4 / 36، وانظر: مجمع البحرين 3 / 312. (10) البئر - مهموز الوسط -: وهي الجب، وذكر في مراصد الاطلاع 1 / 140 - 142 اكثر من ثلاثين بئر مسماة، ولا حظ: معجم البلدان 1 / 298 - 302. (11) نص عليه في القاموس 1 / 185، ولسان العرب 2 / 254.

[572]

واحتفزت - بالزاي -.. أي تضاممت (1) ليسعني المدخل كما يفعل الثعلب، وقيل بالراء. وروى البخاري (2) في تفسير سورة براءة من كتاب تفسير القرآن، ورواه مسلم (3) في باب فضائل عمر بن الخطاب، عن ابن عمر، قال (4): لما توفي عبد الله ابن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه [وآله] فقال: يا رسول الله ! أتصلي عليه (5) وقد نهاك ربك أن تصلي عليه (6) ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: إنما خيرني الله، فقال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة..) * (7) وسأزيد (8) على السبعين، فقال: إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فأنزل الله تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله) * (9). وفي رواية أخرى (10) له عن عمر: أنه قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: أخر عني يا عمر ! فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه


(1) قاله في مجمع البحرين 4 / 16، والنهاية 1 / 407 وغيرهما. (2) صحيح البخاري 3 / 137 [6 / 56 - 58]، وانظر ما قبلها وما بعدها من الروايات. (3) صحيح مسلم 7 / 116، وانظر ما قبلها وما بعدها من الروايات. (4) لا توجد: قال، في (س). (5) في المصدر: تصلي عليه. (6) في (س) لا توجد: عليه. (7) التوبة: 80. (8) في صحيح البخاري: وسأزيده. (9) التوبة: 84. ولا يوجد ذيلها في المصدر. (10) جاءت في الصحيحين تلو الرواية السابقة.

[573]

[وآله] ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآياتان من براءة... قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه [وآله] والله ورسوله أعلم !. وروى ابن أبي الحديد (1) في أخبار عمر قريبا من الرواية الاولى، وفيها: فقام رسول الله صلى الله عليه [وآله] بين يدي الصف، فجاء (2) عمر فجذبه من خلفه، وقال: ألم ينهك الله عن الصلاة على المنافقين ؟ !.. (3) قال: فعجب الناس من جرأة عمر على رسول الله صلى الله عليه [وآله]. ولا يذهب عليك أن الرواية الاولى - مع أن راويها أبو هريرة الكذاب - ينادي ببطلانها سخافة أسلوبها، وبعث أبي هريرة مبشرا للناس، وجعل النعليين علامة لصدقه، وقد أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله مبشرا ونذيرا للناس، وأمره بأن (4) يبلغ ما أنزل إليه من ربه، ولم يجعل أبا هريرة نائبا له في ذلك، ولم يكن القوم المبعوث إليهم أبو هريرة غائبين عنه صلى الله عليه وآله حتى يتعذر عليه أن يبشرهم بنفسه، وكان الاحرى تبليغ تلك البشارة في المسجد وعند اجتماع الناس لا بعد قيامه من بين القوم وغيبته عنهم واستتاره بالحائط، ولم تكن هذه البشارة مما يفوت وقته بالتأخير إلى حضور الصلاة واجتماع الناس، أو رجوعه صلى الله عليه وآله عن الحائط، وكيف جعل النعلين علامة لصدق أبي هريرة مع أنه يتوقف على العلم بأنهما نعلا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جاز أن لا يعلم ذلك من يلقاه أبو هريرة فيبشره، وإذا كان ممن يظن الكذب بأبي هريرة أمكن أن يظن أنه سرق نعلي رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يعتمد على قوله، ولو فرضنا


(1) في شرحه على نهج البلاغة 12 / 55 بتصرف يسير. وجاءت في صحيح البخاري كتاب اللباس باب لبس القميص، وأوردها في كتاب الجنائز باب الكفن في القميص، وفي صحيح الترمذي 2 / 185، وصحيح النسائي 1 / 269، وسنن ابن ماجة باب الصلاة على أهل القبلة، وابن عبد ربه في الاستيعاب 1 / 366، وغيرها وغيرهم. (2) في شرح النهج: فقام بين يدي الصف يريد ذلك، فجاء.. (3) هنا سقط لم يذكره المصنف - قدس سره -. (4) في (س): أن.

[574]

صدق أول الخبر أمكن أن يكون ما رواه أخيرا من رجوعه صلى الله عليه وآله إلى قول عمر من أكاذيبه. ويؤيده ما رواه مسلم (1) في الموضع المذكور ورواه غيره في عدة روايات أنه صلى الله عليه وآله: بشر الناس بأنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، وقد روى أبو هريرة نفسه ما يقرب من هذا المعنى (2). ثم لو سلمنا صدق الخبر إلى آخره فلا شك في أنه يتضمن أن عمر رد قول النبي صلى الله عليه وآله على أخشن الوجوه وأقبحها - كما هو دأب الطغام (3) والاجلاف (4) -، ومع قطع النظر عما عرفت وستعرف من عدم جواز الاجتهاد في مقابلة النص، وأن الرد عليه صلى الله عليه وآله رد على الله وعلى حد الشرك بالله، كيف يجوز هذا النوع من سوء الادب والغلظة من مقام الرد على المجتهد ولو كان مخطئا ؟ ! وهو مأجور في خطأه، وقد أمكنه أن يرد أبا هريرة برفق ويناظر برسول الله صلى الله عليه وآله يوقفه على خطأه. ثم من أين استحق أبو هريرة أن يضرب على صدره حتى يقع على أسته ولم يقدم على أمر سوى طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وطاعة الله، وقد أمر الله تعالى بها في زهاء (5) عشرين موضعا من كتابه بقوله: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (6).


(1) صحيح مسلم 1 / 43 كتاب الايمان وكتاب الزكاة. (2) وقريب منه ما جاء في مسند احمد بن حنبل 2 / 426، و 4 / 345 - 346، و 5 / 229، وأورده في صحيح البخاري كتاب الجنائز حديث 1، وكتب أخر، وصحيح الترمذي كتاب الايمان، وصحيح النسائي في كتاب الجهاد، وكتاب الزهد لابن ماجة، وغيرها. (3) قال في النهاية 3 / 128، في حديث علي: يا طغام الاحلام..: أي من لا عقل له ولا معرفة، وقيل: هم أوغاد الناس وأراذلهم. (4) قال في مجمع البحرين 5 / 33: يقال: اعرابي جلف.. أي جاف. (5) زهاء - كغراب - بمعنى القدر، كما في مجمع البحرين 1 / 210. (6) النساء: 59، وغيرها من الآيات.

[575]

وأما رجوعه صلى الله عليه وآله عن الامر بتبشير الناس - فعلى تقدير صحته - لا دلالة فيه على اجتهاده صلى الله عليه وآله وخطأه في رأيه، ولا ينفي الشناعة عن فعل عمر، لجواز أن يكون (1) الرجوع من قبيل النسخ بالوحي لمصلحة يعلمها الله تعالى، ويمكن أن تكون (2) مصلحة تأليف قلب هذا الفظ الغليظ، كما أمر الله سبحانه بذلك في سائر المنافقين لئلا ينفضوا عن رسوله صلى الله عليه وآله فيلحق الاسلام ضرر أعظم من فوت المصلحة بترك التبشير في ذلك الوقت، ولا يخفي أن الاجتهاد المذكور مما لم يجوزه كثير من العامة، لكون المسألة مما يتعلق بأمور الدين لا الحروب وأمور الدنيا، و (3) قد صرح بذلك شارح صحيح مسلم في شرح هذا الخبر، وقال: عدم جواز الخطأ عليه صلى الله عليه [وآله] في الامور الدينية مذهب المحققين، وحكى عن شيخه أبي عمرو بن الصلاح توجيه النافين للاجتهاد المذكور بانه كان لوحي ناسخ للوحي السابق. وأما الرواية الثانية فسوء الادب فيها بالاخذ بالثوب وجذبه صلى الله عليه وآله من خلفه واضح، وكذلك الانكار على قول الرسول صلى الله عليه وآله كما يظهر من قوله: إنه منافق - بعد قوله صلى الله عليه وآله: إني خيرت - وقوله: فلما أكثرت عليه.. - بعد قوله صلى الله عليه وآله: أخر عني، ونزول الآية (4)، والنهي


(1) في (س): إن يكن، وهو سهو. (2) في (س): أن يكون. (3) لا توجد الواو في (س). (4) إن رواياتهم في نزول الآية قبل هذه الواقعة أو بعدها مختلفة، فإن كانت الصلاة بعد نزول الآية فقد علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها، كما صرح به صلى الله عليه وآله وسلم، وانتخاب أحد الشقين لمصلحة وهي عين الحكمة. وإن كان الصلاة قبل نزول الآية فنتسائل: من اين جاء علم عمر بان الصلاة عليهم منهي عنها - مع فرض عدم نزول القرآن والوحي به ؟ ! -، وإن لم يكن منهيا عنها في نظره فلماذا خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بأن الصلاة على المنافقين منهي عنها، وصرف استحسان ترك الصلاة عنده - مع كون عمل النبي صلى الله عليه وآله بخلافه - لا يسوغ فعله وجرأته.

[576]

عن الصلاة على المنافقين لا يدل على تصويبه كما مر، ويمكن أن تكون المصلحة في اختياره صلى الله عليه وآله الصلاة ونزول النهي أن يظهر للمنافقين أو غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينتفر عنهم لما يعود إلى البشرية والطبع بل لمحض الاتباع لما أمره الله سبحانه، وفي ذلك نوع من الاستمالة وتأليف القلوب. ثم إنهم رووا في أخبارهم من إنكاره ورده على الرسول صلى الله عليه وآله ما لا يتضمن الرجوع. روى البخاري في صحيحه (1) في باب ما جاء في المتأولين من كتابة استتابة المرتدين عن سعيد بن عبيدة، قال: تنازع أبو عبد الرحمن وحبان (2) بن عطية، فقال أبو عبد الرحمن لحيان: لقد علمت ما الذي جرأ صاحبك على الدماء - يعني عليا عليه السلام - ؟. قال: ما هو ؟ لا أبا لك !. قال: شئ سمعته يقوله. قال: ما هو ؟. قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله والزبير وأبا مرثد - وكلنا فارس -، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج...، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأتوني بها، فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله تسير على بعير لها، وكان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله صلى الله عليه [وآله] إليهم، فقلنا: أين الكتاب الذي معك ؟. قالت: ما معي كتاب، فأنخنا بها بعيرها، فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئا، فقال صاحباي: ما نرى معها كتابا ؟. قال فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه [وآله] ؟ ثم حلف علي: والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لاجردنك، فأهوت إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجت الصحيفة، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقال عمر: يا رسول الله ! قد خان الله ورسوله والمؤمنين، دعني فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه


(1) صحيح البخاري 4 / 199 [9 / 23 - 24 - دار الشعب -]. (2) في المصدر: حبان.

[577]

[وآله]: يا حاطب ! ما حملك على ما صنعت ؟. قال: يا رسول الله ! ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله، ولكني أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابك أحد إلا وله هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله، قال: صدق، لا تقولوا له إلا (1) خيرا، قال: فعاد عمر، فقال: يا رسول الله ! قد خان الله ورسوله والمؤمنين، دعني فلاضرب عنقه. قال: أو ليس من أهل بدر، وما يدريك لعل الله اطلع عليهم، فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم (2) الجنة ؟، فاغرورقت عيناه، فقال: الله ورسوله أعلم. قال أبو عبد الله: خاخ - يعني بخائين معجمتين - أصح، ولكن كذا قال أبو عوانة: حاج - بالحاء المهملة ثم الجيم - وهو تصحيف، وهو موضع (3). وروى البخاري (4) في باب فضل من شهد بدرا من كتاب المغازي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي عليه السلام (5) مثله بتغيير في اللفظ. قوله: فأهوت إلى حجزتها.. الحجزة - بضم الحاء المهملة ثم الجيم الساكنة ثم الزاي -: مقعد الازار، وحجزة السراويل: تكتها (6). واغرورقت عيناه:.. أي دمعتا (7). وأبو عبد الله هو: البخاري. وقال الواقدي: روضة خاخ - بالمعجمتين - قريب من ذي الحليفة على بريد


(1) في (ك) نسخة بدل: انه.. (2) في (س): عليكم. (3) إلى هنا كلام البخاري. (4) صحيح البخاري 3 / 7 [5 / 99 - دار الشعب -]. (5) لا توجد في (س): عن علي عليه السلام. (6) نص عليه في الصحاح 3 / 872: وفيه: التي فيها التكة، بدلا من: تكتها، وانظر: لسان العرب 5 / 332، ومجمع البحرين 4 / 14. (7) جاء في القاموس 3 / 271، ومجمع البحرين 5 / 221، وانظر: النهاية 3 / 361.

[578]

من المدينة (1). أقول: ما في (2) هذه الرواية من عود عمر إلى قوله: قد خان الله ورسوله.. دعني فلاضرب عنقه، بعد اعتذار حاطب وتصديق الرسول صلى الله عليه وآله إياه، وقوله: لا تقولوا له إلا خيرا.. رد صريح لقول الرسول صلى الله عليه وآله وارتكاب لنهيه. واعتذار بعض المتعصبين بأنه ظن أن صدقه في عذره لا يدفع عنه ما يجب عليه من القتل في غاية السخافة، فإن قوله (ص): لا تقولوا له إلا خيرا، بعد قوله: صدق، يهدم أساس هذه الاوهام، ولا ريب في أن من رد على الرسول صلى الله عليه وآله في وجهه أحرى بضرب العنق ممن تلقى الرسول صلى الله عليه وآله عذره بالقبول، ونهى الناس عن تقريعه وتوبيخه. ومما يدل على أن عمر كان يخالف صريحا قول رسول الله صلى الله عليه وآله ما حكاه في كتاب فتح الباري (3) في شرح صحيح البخاري في باب من ترك قتال الخوارج للتأليف قال: أخرج احمد بسند جيد، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقال: يا رسول الله ! إني مررت بوادي.. كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه، فقال: اذهب إليه فاقتله، قال: فذهب إليه أبو بكر (4) فلما رآه يصلي كره أن يقتله، فرجع. فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لعمر: إذهب فاقتله، فذهب فرآه


(1) قال في النهاية 2 / 86، والقاموس 1 / 258: روضة خاخ: موضع بين مكة والمدينة، وزاد في الثاني: وخاخ يصرف ويمنع. وراجع معجم البلدان 2 / 235 - 236، ومراصد الاطلاع 1 / 444. هناك موضع باسم: حاج، قالوا: ذات حاج موضع بين المدينة والشام وذو حاج: واد لغطفان، كما جاء في معجم البلدان 2 / 204، ومراصد الاطلاع 1 / 370. (2) لا توجد في (س): ما في. (3) فتح الباري 12 / 251. (4) لا توجد في (س): أبو بكر.

[579]

في تلك (1) الحالة، فرجع. فقال: يا علي ؟ إذهب إليه فاقتله، فذهب علي [عليه السلام] فلم، يره، فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (2) يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (3)، لا يعودون فيه، فاقتلوهم فهم شر البرية. قال: وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات. وروى ابن أبي حديد (4) في الجزء الثاني في شرح خطبته عليه السلام في تخويف أهل النهر. قال: في بعض الصحاح: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لابي بكر، وقد غاب الرجل - يعني ذا الخويصرة (5) - عن عينه: قم إلى هذا فاقتله، فقام ثم عاد، وقال: وجدته يصلي، فقال لعمر: مثل ذلك، فعاد وقال: وجدته يصلي، فقال لعلي عليه السلام مثل ذلك، فعاد فقال: لم أجده. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو قتل هذا لكان (6) أول الفتنة وآخرها، أما إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (7).. الحديث. وقال الجزري (8)، في حديث الخوارج: (يخرج من ضئضئ هذا قوم... يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، الضئضئ: الاصل يقال:


(1) في (ك): على تلك. (2) في المصدر: ترافيهم، والظاهر أنها سهو. (3) في فتح الباري زيادة: ثم. (4) في شرح نهج البلاغة 2 / 266 - 267. (5) لا توجد في المصدر: يعني ذا الخويصرة. (6) أقول: إن - (لو) هنا للتمني وجوابها محذوف كما هو الغالب، أي لو قتل هذا كان حسنا لكان هو أول الفتنة وآخرها، واللام في (لكان) للابتداء والتأكيد. ويحتمل كون: لكان جوابا لها. (7) لا توجد في شرح النهج: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. (8) في النهاية 3 / 69.

[580]

ضئضئ صدق وضوء ضوء صدق، وحكى بعضهم: ضئضئ - بوزن قنديل - يريد أنه يخرج من نسله وعقبه، ورواه بعضهم: بالصاد المهملة وهو بمعناه (1). يمرقون من الدين.. أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه كما يمرق السهم الشئ المرمي به ويخرج منه (2)، وستأتي الاخبار في ذلك مشروحة في باب كفر الخوارج (3). وقال في الصراط المستقيم (4): ذكر الموصلي في مسنده، وأبو نعيم في حليته، وابن عبد ربه في عقده، وأبو حاتم في زينته، والشيرازي في تفسيره المستخرج من الاثنى عشر تفسيرا: أن الصحابة مدحوا رجلا بكثرة العبادة فدفع النبي صلى الله عليه [وآله] سيفه إلى أبي بكر وأمره بقتله، فدخل فرآه يصلي فرجع، فدفعه إلى عمر وأمره بقتله، فدخل فرجع، فدفعه إلى علي عليه السلام فدخل فلم يجده، فقال صلى الله على [وآله]: لو قتل لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا. وفي رواية أخرى: لكان (5) أول الفتنة وآخرها. فما أقدم عليه أبو بكر من الرجوع من دون أن يقتله - لكونه يصلي - لا ريب في أنه مخالفة ظاهرة للرسول صلى الله عليه وآله، فإن أمره بقتله (6) كان بعد أن وصفه أبو بكر بالصلاة والخشوع، فلم يكن صلاته شبهة توهم دفع القتل، بل هو تقبيح صريح لامر النبي صلى الله عليه وآله بقتله، وتكذيب لما يتضمنه ذلك من وجوب قتله، وأفحش منه رجوع عمر بن الخطاب معتذرا بعين ذلك الاعتذار الذي ظهر بطلانه ثانيا أيضا بأمره بالقتل بعد رجوع أبي بكر، واعتذاره ولزمهما بتلك المخالفة الشركة في آثام من خرج من ضئضئ هذا الرجل من الخوارج إلى


(1) وجاء أيضا في لسان العرب 1 / 110. (2) ذكره في النهاية 4 / 320 ولسان العرب 10 / 341، وغيرهما. (3) بحار الانوار 33 / 421 - 428. (4) الصراط المستقيم 3 / 8. (5) في المصدر: وفي قول آخر: لو قتل لكان.. (6) لا توجد في (س): بقتله.

[581]

يوم القيامة. ومن أمعن النظر فيما سبق من الاخبار وغيرها علم أن رد عمر على رسول صلى الله عليه وآله وسلوكه مسلك الجفاء، وخلعه جلباب الحياء لم يكن مخصوصا بما أقدم عليه في مرضه (ص)، ومنعه عن الوصية لم يكن (1) بدعا منه، بل كان ذلك عادة له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصفح عنه وعن غيره من المنافقين وغيرهم خوفا على الاسلام وإشفاقا من أن ينفضوا عنه لو قابلهم بمقتضى خشونتهم، وكافاهم بسوء صنيعهم (2).


(1) في (ك) نسخة: ولم يكن - بالواو -. (2) إن تجاسر الرجل وتعديه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه لم يكن إلا استمرارا لسوء أدبه معه صلى الله عليه وآله في موارد شتى ومواضع مختلفة في أيام حياته صلوات الله عليه وآله. منها: ما جاء في حلية الاولياء لابي نعيم 2 / 27 بسنده عن ابن مسيب، قال خرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليلا فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الانصار، فقال لصاحب الحائط: أطعمنا بسرا، فجاء بعذق فوضعه، فأكلوا، ثم دعا بماء فشرب، فقال: ليسألن عن هذا اليوم القيامة. قال: وأخذ عمر العذق فضرب به الارض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، ثم قال: يا رسول الله ! إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة ؟ !. قال: نعم... الحديث. وذكره العسقلاني في الاصابة 7 / 131 القسم الاول، وقال: أورده البغوي، ورواه احمد بن حنبل في مسنده 5 / 81، وابن جرير في تفسيره 30 / 185، وعلي بن سلطان في مرقاته 4 / 397، وقال: رواه احمد والبيهقي في شعب الايمان. ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد باب وقت العشاء وتأخيرها بسنده عن أبي شهاب، عن عروة بن الزبير: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قالت: اعتم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء - وهي التي تدعى العتمة - فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حتى قال عمر بن الخطاب: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال لاهل المسجد حين خرج عليهم.. وساق الحديث إلى أن قال: قال ابن شهاب وذكر لي: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: ما كان لكم أن تنزوا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم على الصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب. وقد علق عليهما وعلى التي ظهرت منه في حال مرض النبي صلى الله عليه وآله الفيروز آبادي - رحمه = = الله - في السبعة من السلف: 104 - 105.

[582]

وقد تبين من تفاسيرهم وصحاحهم أن عمر (1) كان داخلا فيمن أريد بقوله تعالى: * (ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك) * (2) فيكون من الذين قال الله تعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين) * (3)، وقد علم - أيضا مما سبق - أن الصحابة - إلا الاصفياء منهم - لم يقدروا رسول الله صلى الله عليه وآله حق قدره، ولذلك مال الطائفة إلى قول عمر وطائفة إلى قوله صلى الله عليه وآله، وسووا بينه وبين عمر، وجعلوه كواحد من المتجهدين والقائلين برأيهم ما شاؤا فجوزوا رد ما قضى به والانكار لقوله صلى الله عليه وآله. الطعن الثاني: التخلف عن جيش أسامة. ولا خلاف في أن عمر بن الخطاب كان من الجيش، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله المتخلف عنه. وقد سبق في مطاعن أبي بكر ما فيه كفاية في هذا المعنى، ولا يجري هنا هاهنا ما سبق من الاجوبة الباطلة في منع الدخول في الجيش، فتوجه الطعن على عمر أظهر. الطعن الثالث: أنه بلغ في الجهل إلى حيث لم يعلم بأن كل نفس ذائقة الموت، وأنه يجوز الموت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه أسوة الانبياء في ذلك، فقال: والله


(1) في (س): إنه. (2) آل عمران: 159. (3) الحج: 11.

[583]

ما مات حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم !، فقال له أبو بكر: أما سمعت قول الله عزوجل: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (1)، وقوله تعالى: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (2) قال: فلما سمعت ذلك أيقنت بوفاته، وسقطت إلى الارض، وعلمت أنه قد مات (3). أقول: ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الاثير في النهاية (4) حيث قال: اسن الماء يأسن فهو اسن: إذا تغيرت ريحه، ومنه حديث العباس في موت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال لعمر: خل بيننا وبين صاحبنا، فأنه يأسن كما يأسن الناس.. أي يتغير (5)، وذلك أن عمر كان قد قال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لم يمت ولكنه صعق كما صعق موسى ومنعهم عن دفنه. وأجاب عنه قاضي القضاة (6) بأنه قد روي عن عمر أنه قال: كيف (7)


(1) الزمر: 30. (2) آل عمران: 144. (3) ويؤيده ما جاء في طبقات ابن سعد 2 / 54 - القسم الثاني - [267] بسنده عن عائشة، قالت: لما توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم استأذن عمر والمغيرة بن شعبة فدخلا عليه، فكشفا الثوب عن وجهه، فقال عمر: واغشيا ! ما أشد غشي رسول الله صلى الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، ثم قاما فلما انتهيا إلى الباب قال المغيرة: يا عمر ! مات والله رسول الله (ص). فقال عمر: كذبت ما مات رسول الله (ص).. إلى أن قال: ثم جاء أبو بكر - وعمر يخطب الناس - فقال له أبو بكر: اسكت !، فسكت، فصعد أبو بكر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ: * (إنك ميت وإنهم ميتون) *، ثم قرأ: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..) * حتى فرغ من الآية - إلى أن قال -: فقال عمر: هذا في كتاب الله ؟. قال: نعم.. الحديث. ورواه بطريق آخر باختلاف في اللفظ. وأورده البخاري في صحيحه في باب مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته، وفيه: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها. (4) النهاية 1 / 49 - 50، وجاء بنصه في لسان العرب 13 / 16 و 18. (5) في (س): يغير. (6) المغني 20 / 9 - القسم الثاني -، ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 12 / 195 فما بعدها بتفاوت يسير، وجاء في الشافي 173 - 176. (7) في المصدر: روى عنه: كيف.

[584]

يموت وقد قال الله تعالى (1): * (ليظهره على الدين كله) * (2)، وقال (3): * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * (4) فلذلك نفى موته صلى الله عليه وآله، لانه حمل الآية على أنه (5) خبر عن ذلك في حال حياته حتى قال له أبو بكر: إن الله وعد بذلك وسيفعله، وتلا عليه (6) فأيقن عند ذلك بموته، وإنما ظن أن موته متأخر (7) عن ذلك الوقت، لا أنه منع من موته. ثم قال: فإن قيل: فلم قال لابي بكر - عند سماع الآية -: كأني لم أسمعها، ووصف نفسه بأنه أيقن بالوفاة. قلنا: (8): لما كان الوجه في ظنه ما أزال الشبهة أبو بكر (9) فيه جاز أن يتيقن. ثم سأل (10) نفسه عن سبب يقينه في ما لا يعلم إلا بالمشاهدة، وأجاب بأن قرينة الحال عند سماع الخبر أفادته اليقين (11) ولو لم يكن في ذلك إلا خبر أبي بكر وادعاؤه لذلك والناس مجتمعون لحصل (12) اليقين. وقوله: كأني لم أسمع بهذه الآية ولم أقرأها (13).. تنبيه على ذهابه عن


(1) لا توجد في المغني: تعالى. (2) الصف: 9. (3) في المصدر: قال تعالى. (4) النور: 55. (5) في المغني: لانه على أنها. أقول: وعليه في الكلام سقط. (6) في المغني: وتلا عليه ما تلا. (7) في المصدر: يتأخر. (8) في المغني: قيل له. (9) في المصدر: - بتقديم وتأخير -: ما أزال أبو بكر الشبهة. (10) سؤال القاضي في المغني 20 / 10 - القسم الثاني -. (11) في المصدر: وأجاب لان الحال حال سماع الخبر، بدلا من: بأن... اليقين. (12) في المغني: مجمعون يحصل. (13) في المصدر: كأني لم أقرأ هذه الآية أو لم أسمعها.

[585]

الاستدلال بها، لا أ نه على (1) الحقيقة لم يقرأها و (2) لم يسمعها، ولا يجب فيمن ذهب عن بعض (3) أحكام الكتاب أن يكون (4) لا يعرف القرآن، لان ذلك لو دل لوجب (5) أن لا يحفظ القرآن إلا من يعرف جميع أحكامه (6). وأجاب بنحو ذلك الرازي في نهاية العقول (7)، وبمثله أجاب صاحب المقاصد (8). وأجاب السيد رضي الله عنه في الشافي (9) عن جواب القاضي بأنه: ليس يخلو خلاف عمر في وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله من أن يكون على سبيل الانكار لموته (ص) على كل حال، والاعتقاد لان (10) الموت لا يجوز عليه (11) أو يكون منكرا لموته في تلك الحال من حيث لم يظهر دينه على الدين كله.. وما أشبه ذلك مما قال صاحب الكتاب أنها كانت شبهة في تأخر موته عن تلك الحال. فإن كان الوجه الاول، فهو مما لا يجوز خلاف العقلاء فيه (12)، والعلم بجواز الموت على سائر البشر لا يشك فيه عاقل، والعلم من دينه صلى الله عليه وآله بأنه


(1) جاءت: في، بدلا من: على، في المصدر. (2) في المغني: أو، بدلا من: الواو. (3) في المصدر: عنه - مع الضمير -. (4) لا توجد: يكون، في المغني. (5) في مطبوع البحار: أو وجب، والظاهر ما أثبتناه. (6) لا توجد: إلا من يعرف جميع أحكامه، في المغني. (7) نهاية العقول: مخطوط. (8) انظر: شرح المقاصد 5 / 281، وقد ذكر متن المقاصد ثم أخذ بشرحه في الصفحة التالية. (9) الشافي 4 / 176 - 177. (10) في المصدر: بأن، وهو الظاهر. (11) في الشافي زيادة: على كل وجه. (12) في المصدر: في مثله.

[586]

سيموت كما فات (1) من قبله ضروري، ولا (2) يحتاج في مثل هذا إلى الآيات التي تلاها أبو بكر من قوله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (3) وما أشبهه. وإن كان خلافه على الوجه الثاني، فأول ما فيه أن هذا الخلاف لا يليق بما احتج به أبو بكر من قوله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (4) لانه لم ينكر على هذا جواز الموت، وإنما خالف في تقدمه وإن كان يجب أن يقول وأي (5) حجة في هذه الآيات على من جوز عليه صلى الله عليه وآله الموت في المستقبل وأنكره في هذه الحال. وبعد، فكيف دخلت الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق ؟ ومن أين زعم أنه لا يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم ؟ وكيف حمل معنى قوله تعالى: * (ليظهره على الدين كله) * (6)، وقوله تعالى: * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) * (7)، على أن ذلك لا يكون في المستقبل و (8) بعد الوفاة، وكيف لم يخطر هذا إلا لعمر وحده ؟ ومعلوم أن ضعف الشبهة إنما يكون من ضعف الفكرة وقلة التأمل والبصيرة، وكيف لم يوقن بموته لما رأى عليه أهل الاسلام من اعتقاد موته وما ركبهم من الحزن والكآبة لفقده ؟ وهلا دفع بهذا اليقين ذلك التأويل البعيد فلم يحتج إلى موقف ومعرف، وقد كان يجب - إن كانت هذه شبهة - أن يقول في حال مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد راى جزع أهله وأصحابه وخوفهم عليه الوفاة، حتى يقول أسامة بن زيد - معتذرا من تباطؤه عن


(1) جاءت في الشافي: مات، بدلا من: فات، وهو الظاهر. (2) في المصدر: وليس، بدلا من: ولا. (3) و (4) الزمر: 30. (5) في المصدر: وقد كان يجب أن يقول له وأي.. (6) الصف: 9. (7) النور: 55. ولم تجئ في المصدر: يعبدونني لا يشركون بي شيئا. (8) لا توجد الواو في الشافي.

[587]

الخروج في الجيش الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرر ويردد الامر (1) بتنفيذه -: لم أكن لاسأل عنك الركب ؟ ما هذا الجزع والهلع وقد أمنكم الله من موته.. بكذا، ومن وجه.. كذا (2)، وليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها - على ما ظنه - صاحب الكتاب، انتهى كلامه قدس الله روحه. وأقول (3): وأعجب من قول عمر قول من يتوجه لتوجيه كلامه ! وأي أمر أفحش من إنكار مثل هذا الامر عن مثل عمر - مع اطلاعه على مرض النبي صلى الله عليه وآله منذ حدث إلى أوان اشتداده، وانتهاء حاله إلى حيث انتهى - وكانت ابنته زوجة النبي صلى الله عليه وآله ومن ممرضاته، وقد رجع عن جيش أسامة بعد أمر النبي صلى الله عليه وآله له بالخروج في الخارجين (4) خوفا من أن يحضره الوفاة فينقل الامر إلى من لا يطيب نفسه به، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد بين للناس في مجالس عديدة دنو أجله وحضور موته، وأوصى للانصار وأمر الناس باستيفاء حقوقهم كما هو دأب من حضره الموت، كما روي مفصلا في صحيح البخاري (5) وصحيح مسلم (6) وصحيح الترمذي (7) وكتاب جامع الاصول (8) وكامل ابن الاثير (9) وغيرها (10) من كتب السير والاخبار.


(1) في الشافي زيادة: حينئذ. (2) جاءت العبارة في المصدر هكذا: من كذا وكذا من وجه كذا. (3) في (ك): أقول، - بلا واو -. (4) في (س): بالخارجين. (5) صحيح البخاري 5 / 227 باب الوصايا والمغازي، باب مرض النبي (ص) ووفاته، وكتاب فضائل القرآن باب الوصاة بكتاب الله عزوجل. (6) صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصي به، حديث 1634. (7) سنن الترمذي في الوصايا حديث 2120. (8) جامع الاصول 11 / 634، حديث 9255 وما بعده. (9) الكامل لابن الاثير 2 / 215 - 218. (10) وجاء في سنن النسائي 6 / 240 في الوصايا وغيرها.

[588]

وقد روى مسلم (1) في صحيحه عن زيد بن أرقم أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما (2) - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر (3)، ثم قال: أما بعد، ألا (4) أيها الناس ! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي.. (5). وقد روي متواترا من الطريقين قوله لعلي عليه السلام: ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين (6). وروى في جامع الاصول، أنه صلى الله عليه وآله قال: علي ولي كل مؤمن بعدي (7).


(1) صحيح مسلم 4 / 1873، حديث 2408. (2) في (س): ضما، ولا معنى لها، ولا حظ عنها معجم البلدان 2 / 389 - 390، ومراصد الاطلاع 1 / 482. (3) في (س): وذكرتم، بدل: وذكر. (4) وضع في (ك) رمز نسخة بدل على: ألا (5) وقريب منه ما رواه الترمذي في سننه كتاب العلم باب 16 برقم 2678، وكتاب المناقب باب 77 برقم 3790 بعدة طرق، وأبو داود في سننه، كتاب السنة باب لزوم السنة برقم 4607، واحمد في مسنده 4 / 126 - 127، وابن ماجة في المقدمة: 42. (6) نذكر جملة من المصادر - مثالا هنا - لكون الحديث متواترا عند الفريقين، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 139 - 140، والكنجي في الكافية: 70، والخطيب في تاريخ بغداد 8 / 340 و 13 / 186 - 187، وجاء في جمع الجوامع - كما في الترتيب - 6 / 392، ومناقب الخوارزمي: 52 و 58، وكنز العمال 6 / 72، 88، 154، 155، والاستيعاب 3 / 53، وتاريخ ابن كثير 7 / 306، وتاريخ ابن عساكر 5 / 41. ولا يختلف اثنان من الخاصة في صحة الحديث وتواتره ولا حاجة لذكر مصادره. (7) جامع الاصول 8 / 652، حديث 6492. وأخرجه الترمذي في المناقب برقم 3713.

[589]

وقد رووا في المفتريات: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (1). وقد كان كثير مما ذكر مما (2) خطب به صلى الله عليه وآله على رؤوس الاشهاد، فهل يجوز عاقل أن لا يقرع شئ من ذلك سمع عمر - مع شدة ملازمته للرسول صلى الله عليه وآله - ومن شك في مثل ذلك هل يجوز من شم رائحة من العقل أن يفوض إليه أمر بهيمة فضلا عن أن يفوض إليه أمر جميع المسلمين، ويرجع إليه في جميع أحكام الدين. وأما اعتذار ابن أبي الحديد (3) بأنه لم ينكر ذلك عمر (4) على وجه الاعتقاد، بل على الاستصلاح، وللخوف من ثوران الفتنة قبل مجئ أبي بكر، فلما جاء أبو بكر قوي به جأشه (5) فسكت عن هذا (6) الدعوى، لانه قد أمن بحضوره من خطب يحدث أو فساد يتجدد. فيرد عليه: أولا: أنه لو كان إنكاره ذلك إيقاعا للشبهة في قلوب الناس حتى يحضر أبو بكر لسكت عن دعواه عند حضوره. وقد روى ابن الاثير في الكامل (7) أن أبا بكر أمره بالسكوت فأبى، وأقبل أبو بكر على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر. وثانيا: أنه لو كان الامر كما ذكر لاقتصر على إنكار واحد بعد حضور أبي


(1) يراجع الموضوعات لابن الجوزي وغيره. وناقشه شيخنا المفيد طاب ثراه في الافصاح المطبوع مع عدة رسائل: 138 - 142، سندا ودلالة، ولعله أقل وأحقر من هذا الاهتمام. (2) لا توجد في (س): ذكر مما. (3) في شرحه على نهج البلاغة 2 / 42 - 43، وهو نقل بالمعنى. (4) في (س): عمر ذلك - بتقديم وتأخير -. (5) قال في القاموس 2 / 264: الجأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع، ونفس الانسان.. وجاش إليه - كمنع -: أقبل، ونفسه: ارتفعت من حزن أو فزع. (6) كذا، والظاهر: هذه. (7) الكامل 2 / 324 [2 / 219 - بيروت -].

[590]

بكر، وقد اعترف ابن أبي الحديد (1) بتكرر الانكار بعد الحضور أيضا. وثالثا: أنه قال ابن أبي الحديد (2): روى جميع أرباب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما توفي كان (3) أبو بكر في منزله بالسنح (4)، فقام عمر بن الخطاب فقال: ما مات رسول الله (ص) ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف (5) بموته، ولا أسمع رجلا يقول: مات رسول الله (ص) إلا ضربته بسيفي، فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: بأبي وأمي طبت حيا وميتا، والله لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج والناس حول عمر وهو يقول لهم: إنه لم يمت، ويحلف، فقال له: أيها الحالف ! على رسلك (6)، ثم قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (7)، وقال: * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (8)، قال عمر: فو الله ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الارض، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات (9).


(1) في شرحه على النهج 2 / 40. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 40 - 41. (3) في (س): كان تؤتي كان. (4) جاء في حاشية (ك): قال الجزري: وفي حديث أبي بكر كان منزله بالسنح - هي بضم السين والنون، وقيل بسكونها -: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحرث من الخزرج. (منه رحمه الله). انظر: النهاية 2 / 407 وفيها: الحارث بن الخزرج. ولا حظ القاموس 1 / 229. (5) قال في القاموس 3 / 142 و 143، إرجف القوم: تهيؤا للحرب، والرعد: ترددت هدهدته في السحاب. (6) على رسلك يقال لمن يتأنى ويعمل الشئ على هنيئة، قاله في لسان العرب 11 / 382، وغيره. (7) الزمر: 30. (8) آل عمران: 144. (9) كما صرح بذلك ابن أبي الحديد كما صرح بذلك ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 2 / 40 - 41، وقريب منه في صفحة: 43 من نفس المجلد.

[591]

وقد روى البخاري (1) في صحيحه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] مات وأبو بكر بالسنح، قال: قال اسماعيل: تعني بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله (ص). قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه (2) رسول الله (ص) فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك (3) الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف ! على رسلك، فلما تلكم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمد... الخبر (4). فقوله: في رواية عائشة: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك.. صريح في نفي ما (5) ذكره، إذ ظاهر أنه حكاية كلام عمر بعد تلك الواقعة مؤكدا بالحلف عليه، بل لا يرتاب ذو فطنة في أن قوله: فو الله ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الارض وعلمت أن رسول الله قد مات.. مما قاله عمر بعد ذلك اليوم وحكاية لما جرى فيه، فلو كان للمصلحة لا على وجه الاعتقاد لبين (6) ذلك للناس بعد مجئ أبي بكر، أو بعد ذلك اليوم وزوال الخوف، ولم ينقل أحد من نقلة الاخبار ذلك، بل رووا ما يدل على خلافه. قال المفيد قدس الله روحه في المجالس (7): روي عن (8) محمد بن إسحاق،


(1) صحيح البخاري 7 / 22 - 23 في فضائل أصحاب النبي (ص)، وفي الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه، وفي كتاب المغازي باب مرض النبي (ص). (2) لا يوجد في الجامع: وجه. (3) في نسخة جاءت في جامع الاصول: لا يذيقنك. (4) وأورده في جامع الاصول 4 / 85 - 87، حديث 2074. (5) لا توجد: ما، في (س). (6) في (س): تبين. (7) كتاب العيون والمحاسن للشيخ المفيد: 195 - 196. (8) لا توجد في (س): عن.

[592]

عن الزهري (1)، عن أنس أنه لما بويع أبو بكر في السقيفة - وكان الغد - جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم (2) قبل أبي بكر، فحمد الله عزوجل (3) وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس ! إني (4) كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت إلا عن رأي، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله مستدبر (5) أمرنا حتى يكون آخرنا موتا. قال: وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: والله إني لامشي مع عمر في خلافته و (6) ما معه غيري، وهو يحدث نفسه ويضرب قدميه بدرته إذ التفت إلي، فقال: يا بن عباس ! هل تدري ما حملني على مقاتلي التي قلت حين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟. قال: قلت: لا أدري، أنت أعلم يا أمير المؤمنين، قال: فإنه والله ما حملني على ذلك إلا أني (7) كنت أقرأ هذه الآية: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) * (8)، فكنت (9) أظن أنه سيبقى بعد أمته حتى يشهد عليها بآخر (10) أعمالها، فإنه الذي حملني على أن قلت ما قلت. والظاهر أنه جعل المخاطب بقوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة..) * (11).


(1) قد تقرأ في (س): الزهيري، وهو غلط. (2) في المصدر زيادة: من، قبل: قبل. (3) لا توجد: عزوجل في (ك) ولا المصدر. (4) في العيون: قد كنت، بدلا من: إني كنت. (5) في المصدر: سيدبر. (6) لا توجد الواو في المصدر. (7) في المصدر: أنني. (8) البقرة: 143. (9) في المصدر: وكنت. (10) في العيون: تأخر. (11) البقرة: 143.

[593]

جميع الامة، فيلزم على ما فهم من دلالة الشهادة على البقاء وتأخر الموت أن يعتقد تأخر موت كل واحد من الامة عن الناس، فكان عليه أن لا يذعن بموت أحد من الامة، ولو سامحنا في كون المراد بعض الامة لا نهدم أساس إنكاره، إذ لا شك في تأخر موته صلى الله عليه وآله عن بعض أمته، وأنه قد مات قبله كثير من أمته، ولو كان المراد ب‍ (البعض) الصحابة لزمه أن لا يذعن بموت أحد منهم، ولم يتعين ذلك البعض بوجه آخر حتى يزعم تأخر موته صلى الله عليه وآله عنهم. وبالجملة، سوء الفهم وسخافة الرأي في مثل هذا الاستنباط مما لا يريب فيه عاقل، والظاهر أن هذا الاعتلال مما تفطن به بعد حال الانكار فدفع به بزعمه شناعة إنكاره. ثم إنه أجاب شارح المقاصد (1) بوجه آخر، وهو: أن ذلك الاشتباه كان لتشوش البال، واضطراب الحال، والذهول عن جليات الاحوال. وحكى شارح كشف الحق (2) عن بعضهم أنه قال: كان هذا الحال من غلبة المحبة، وشدة المصيبة، وإن قلبه كان لا يأذن له أن يحكم بموت النبي صلى الله عليه وآله.. وهذا أمر كان قد عم جميع المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله حتى جن بعضهم، وأغمي على بعضهم من كثره الهم، واختبل بعضهم، فغلب عمر شدة حال المصيبة، فخرج عن حال العلم والمعرفة وتكلم بعدم موته وأنه ذهب إلى مناجاة ربه.. وأمثال هذا لا يكون طعنا. ويرد عليه أنه من الضروريات العادية أن من عظمت عليه المصيبة وجلت الرزية بفقد حبيبه حتى اشبتهت عليه الامور الضرورية لا يترك تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولا يسرع إلى السقيفة لعقد البيعة والطمع في الخلافة


(1) شرح المقاصد 5 / 282. (2) المراد به: الفضل بن روزبهان المعروف ب‍: خواجه مولانا، وخواجه الخنجي، وكتابه هو: إبطال المنهج الباطل في الرد على ابن المطهر الحلي، ولا نعرف له نسخة خطية أو مطبوعة، سوى ما جاء في إحقاق الحق، ولم نجد هذه العبارة هناك.

[594]

والامارة ؟ ! ولم لم يتكلم في ذلك المجلس من شدة الحزن والوجد ما ينافي غرضه ولا يلائم في (1) تدبيره الميشوم، ولم يأت في أمر الرئاسة وغصب الخلافة بهجر ولا هذيان، ولم يتخلل من الزمان ما يسع (2) لا ندمال الجرح ونسيان المصيبة ؟ وكيف لم يأذن قلبه في الحكم بموته صلى الله عليه وآله مع أنه لم يضق صدره بأن يقول في وجهه الكريم: إنه ليهجر، ويمنعه من إحضار ما طلب، ويقول: حسبنا كتاب الله، الذي هو في قوة قوله: لا حاجة لنا بعد موتك إلى كتاب تكتبه لنا ! ! ومن بلغ به الحب إلى حيث يخرجه من حد العقل لا يجبه حبيبه بمثل هذا القول الشنيع، ولا يرفع صوته في الرد عليه، ومنازعة المنازعين من حد العقل (3) إلى حد يخرجه الحبيب وإياهم عن البيت ويقول: اعزبوا عني ولا ينبغي التنازع عندي (4)، ولا ينكر ذلك إلا متعنت لم يشم رائحة الانصاف، وما ذكره من جنون بعض الصحابة، وإغماء بعضهم، وخبل الآخرين فشئ لم نسمعه إلى الآن، نعم، لوعد ما أتوا به من ترك جسده المطهر والمسارعة إلى السقيفة طمعا في الرئاسة وشوقا إلى الامارة من فنون الجنون وضروب الخبل لكان له وجه. الطعن الرابع: أنه حرم (5) المتعتين، متعة الحج ومتعة النساء. ولم يكن له أن يشرع في الاحكام وينسخ ما أمر به سيد الانام صلى الله عليه وآله، ويجعل اتباع نفسه أولى من اتباع من لا ينطق عن الهوى، وتفصيل القول


(1) لا توجد في (س): في. (2) في (س): لا يسع. (3) من حد العقل، لا توجد في (س). (4) ما في (س) تقرأ: الشارع عني. ولا معنى لها. (5) في (س): حرمة.

[595]

في ذلك (1): أن متعة النساء (2) لا خلاف بين الامة قاطبة في أصل شرعيتها وإن اختلفوا في نسخها ودوام حكمها (3)، وفيها نزلت قوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن فريضة) * (4) على أكثر التفاسير وأصحها (5).


(1) أقول: لا حاجة لبسط القول في المتعة بعد ما أغرق البحث فيها محققوا أصحابنا ولا سيما الاواخر منهم نظير: سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين، وسيدنا السيد المحسن الامين، وشيخنا الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، وأفرد فيها الاستاذ توفيق الفكيكي كتابا وغيرهم، وسبقهم شيخنا المفيد في عدة رسائل، وكذا سيدنا المرتضى وغيرهم من أعلامنا طاب ثراهم. وقد أدوا فيها حق المقال. وانظر الغدير 6 / 228 وما بعدها وغيرها. (2) متعة النساء، أو النكاح، أو الزواج الموقت باختصار هو عقد مؤجل بوقت معين بمهر معين بشرائط قررتها الشريعة الاسلامية. (3) قد عد شيخنا الاميني في غديره 6 / 220 - 222: أكثر من عشرين مجوزا من الصحابة والتابعين، وفي 3 / 333: قالوا: بالاباحة مع وقوفهم على نهي عمر. وذكر القرطبي في تفسيره 5 / 133، وابن حجر في فتح الباري 9 / 142، وغيرها: إن أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا. (4) النساء: 24. (5) نذكر جملة من تفاسير العامة التي ذكر فيها نزول هذه الآية في المتعة، منها: تفسير أبي حيان 3 / 218 عن جمع من الصحابة والتابعين، وتفسير الطبري 5 / 9 عن ابن عباس وأبي بن كعب والحكم وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وشعبة وأبي ثابت، وتفسير البغوي 1 / 423 عن جمع، وتفسير الزمخشري 1 / 360، وتفسير القرطبي 5 / 130 وفيه: قال الجمهور: إنها في المتعة، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 178 حكاه عن عدة، وأحكام القرآن للقاضي 1 / 162 رواه عن جمع، وتفسير الخازن 1 / 357 عن قوم، وتفسير البيضاوي 1 / 269، وتفسير ابن كثير 1 / 474 عن جمع من الصحابة والتابعين، وتفسير السيوطي 2 / 140 رواه عن جمع من الصحابة والتابعين بطريق الطبراني وعبد الرزاق والبيهقي وابن جرير وعبد بن حميد وأبي داود وابن الانباري [الدر المنثور 2 / 246 - 247]، وتفسير أبي السعود 3 / 351. ونذكر جملة من مصادرهم غير التفاسير مثالا: شرح صحيح مسلم للنووي 9 / 181، والجامع الكبير للسيوطي 8 / 293 و 295، ومسند احمد بن حنبل 3 / 356، و 4 / 436، والموطأ لمالك 2 / 30، والفائق للزمخشري 1 / 331، وتاريخ ابن خلكان 1 / 359، والمحاضرات للراغب الاصفهاني 2 / 94، وفتح الباري لابن حجر 9 / 141، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 93. وأورد جملة أخرى منها العلامة المجلسي (ره) في المتن. وفي هذا كفاية لمن ألقى التعصب وراء ظهره = = ونصب الانصاف بين عينيه وألقى السمع وهو شهيد.

[596]

وقد اجمع أهل البيت عليهم السلام على دوام شرعيتها، كما ورد في الاخبار المتواترة (1). وقال الفخر الرازي في التفسير (2): اتفقت الامة على أنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام، قال: و (3) روي عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله طول العزبة، فقال: استمتعوا من هذه النساء. وقد صرح بهذا الاتفاق كثير من فقهاء الاسلام. وروى مسلم في صحيحه (5)، وابن الاثير في جامع الاصول (6)، عن قيس، قال: سمعت عبد الله (7) يقول: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه [وآله]


(1) انظر: الكافي 2 / 44، التهذيب 2 / 189، الاستبصار 2 / 29، من لا يحضره الفقيه 3 / 149، الخصال 1 / 75، 106، 396، الاحتجاج 2 / 306، 311، قرب الاسناد: 21، 77، 109، 110، 159، 160، 161، تحف العقول: 355، معاني الاخبار: 225، فقه الرضا (ع): 30، المحاسن: 330، السرائر: 483، تفسير علي بن ابراهيم 1 / 136، 2 / 207، تفسير العياشي 1 / 233 و 234، المقنع لصدوق والهداية، والانتصار للسيد المرتضى، والمراسم لابن يعلى سلار الديلمي، والمبسوط والنهاية للشيخ الطوسي، والتحرير للعلامة الحلي 2 / 27، وشرح اللمعة الدمشقية 2 / 82 - حجرية -، والحدائق الناضرة 6 / 152، وجواهر الكلام 5 / 165، ورسالة المتعة للشيخ المفيد - قدس سره -، وغيرها كثير. (2) تفسير الفخر الرازي 10 / 49 [3 / 200]، وفيه: اتفقوا، بدلا من: اتفقت الامة. (3) لا توجد في المصدر: قال و. (4) وقد ذكر فيه رواياتين عن ابن عباس وعمران بحلية المتعة، فراجع. (5) صحيح مسلم كتاب النكاح باب نكاح المتعة برقم 1404 بطرق عديدة، وأورده البخاري في صحيحه 8 / 207 في تفسير سورة المائدة، وفي النكاح باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والاسلام، وباب ما يكره من التبتل والخصاء. (6) جامع الاصول 10 / 444 حديث 8986. (7) في المصدرين: عبد الله بن مسعود.

[597]

ليس لنا (1) نساء، فقلنا: ألا نستخصي (2) ؟ ! فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا ان نستمتع (3)، فكان أحدنا ينكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: * (يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) * (4). وقد روى هذا الخبر في المشكاة (5) وعده من المتفق عليه. وروى البخاري (6) ومسلم (7) في صحيحهما، وابن الاثير في جامع الاصول (8)، عن سلمة بن الاكوع وعن جابر (9)، قال: خرج (10) علينا منادي رسول الله صلى الله عليه [وآله] فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد أذن لكم أن تستمتعوا (11) فاستمتعوا.. يعني متعة النساء. وعنهما: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] أتانا فأذن لنا في المتعة.


(1) جاءت معنا، بدلا من: لنا، في المصدرين. (2) في مطبوع البحار: لا نستحضي. وفي جامع الاصول: لا نختصي. قال في الصحاح 6 / 2328: وخصيت الفحل خصاء - ممدودا -: إذا سللت خصيته. وكذا في القاموس المحيط 4 / 324، ومجمع البحرين 1 / 124. (3) الكلمة مشوشة في المطبوع من البحار. (4) المائدة: 87. ورواه في مسند أحمد بن حنبل 1 / 420، وبطريق آخر في صفحة: 432 وسنن البيهقي باب نكاح المتعة المجلد السابع بأربع طرق، وشرح معاني الآثار كتاب النكاح باب نكاح المتعة، ومسند شافي: 94 قال: ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالمسمى. وانظر صفحة: 216 أيضا. (5) مشكاة المصابيح: 3 / 273. (6) صحيح البخاري 9 / 148 و 149 في النكاح باب نهي النبي (ص) عن نكاح المتعة ! !. (7) صحيح مسلم كتاب النكاح باب نكاح المتعة برقم 1405 بطريقين. (8) جامع الاصول 11 / 445 حديث 8988. ورواه احمد بن حنبل في مسنده 4 / 47 و 51. وجاء في شرح معاني الآثار للطحاوي كتاب النكاح، باب نكاح المتعة باختلاف في اللفظ. (9) في المصادر: جابر بن عبد الله. (10) في المصدر: كنا في جيش فخرج. (11) في (ك): تتمتعوا، ولا توجد في المصادر: فاستمتعوا.

[598]

وروى مسلم (1) في صحيحه عن عطاء، قال: قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر (2). وروى مسلم (3) - أيضا - وذكره في جامع الاصول (4)، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وعمر (5) حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث (6). وعن أبي نضرة (7) قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى


(1) صحيح مسلم 1 / 395. (2) وأورده أبو داود في مسنده المجلد السادس عشر باب الصداق مختصرا، ورواه أحمد في مسنده 3 / 380، وذكره المتقي في كنز العمال 8 / 294. وقال: أخرجه عبد الرزاق، وقريب منه ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 3 / 304 عن جابر، وفي آخره: حتى نهانا عمر. (3) صحيح مسلم 1 / 395 كتاب النكاح باب نكاح المتعة حديث 1405. (4) جامع الاصول 11 / 451 حديث 8993. (5) لا توجد: وعمر، في جامع الاصول. (6) ورواه البيهقي في سننه المجلد السابع باب ما يجوز أن يكون مهرا بطريقين، وذكره العسقلاني في تهذيب التهذيب 10 / 371، والمتقي الهندي في كنز العمال 8 / 294. وقال في آخره: وكنا نعتد من المستمتع منهن بحيضة، قال: أخرجه عبد الرزاق. وجاء عن أبي سعيد الخدري - كما في مسند احمد بن حنبل 3 / 22 - أنه قال: كنا نتمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بالثوب وقريب منه ما أخرجه الطبري عن جابر كما في كنز العمال 8 / 293، وانظر: عمدة القارئ للعيني 8 / 310، وبداية المجتهد 2 / 58، وغيرها. (7) صحيح مسلم 1 / 395 كتاب الحج باب التقصير في العمرة، وانظر: مسند احمد بن حنبل 1 / 52 و 3 / 325 و 356، 363 قد رواه بطرق، وسنن البيهقي 7 / 206، وشرح معاني الآثار للطحاوي كتاب المناسك: 401، وكنز العمال 5 / 21 و 8 / 293 - 294 قال: أخرجه ابن جرير، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 178، وتفسير الرازي 3 / 26، والدر المنثور 1 / 216، ومسند الطيالسي: 247.

[599]

الله عليه [وآله]، ثم نهانا عمر عنهما فلم نعد لهما (1). وروى مسلم (2)، عن قتادة، عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله عزوجل واثبوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (3).


(1) ويؤيده ما ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار في كتاب النكاح باب النكاح المتعة عن سعيد بن جبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب - وهو يعرض بابن عباس يعيب عليه قوله في المتعة -، فقال ابن عباس: يسأل أمه إن كان صادقا. فسألها، فقالت: صدق ابن عباس قد كان ذلك. فقال ابن عباس: لو شئت لسميت رجالا من قريش ولدوا فيها (يعني في المتعة). وقريب منه ما في محاضرات الراغب 2 / 94، وكتاب العلم لابن عمر 2 / 196، ومختصره: 226. وقال ابن عبد البر في العقد الفريد 2 / 139: قال ابن عباس: أول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير. ويقرب منه ما جاء في صحيح مسلم أيضا 1 / 354 بطريقين عن مسلم القري وعبد الرحمن، وروى في مسند أبي داود الطيالسي: 227 عن مسلم القري، قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر، فسألناها عن متعة النساء ؟. فقالت: فعلناها على عهد النبي (ص). وما رواه ابن جرير - على ما ذكره المتقي الهندي في كنز العمال 8 / 293 و 294، وما أورده ابن حجر العسقلاني في الاصابة 3 - القسم الاول -: 114 و 133، 8 - القسم الاول -: 133، ولا حظ: مسند الشافعي: 132 -. وروى ابن القيم في زاد المعاد 1 / 219، عن أيوب، قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ! ترخص في المتعة ؟. فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية ؟. فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا. فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن النبي (ص) وتحدثون عن أبي بكر وعمر !. (2) صحيح مسلم 1 / 467 كتاب النكاح، باب نكاح المتعة. (3) نقله البيهقي في سننه 7 / 206، فقال: أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام، وفيه: عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن متعة النساء، فقال: حرام، أما أن عمر بن الخطاب لو أخذ فيها أحدا لرجمه بالحجارة. وفي مسند أبي داود الطيالسي: 247، عن جابر بن عبد الله، قال: قال عمر: فلا أوتى برجل = = تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته. تجد قوله برجم المستمتع في المصادر التالية: سنن البيهقي 5 / 21، كنز العمال 8 / 293، أحكام القرآن للجصاص 1 / 342 و 345، و 2 / 178، تفسير الرازي 3 / 26، الدر المثنور 1 / 216، وغيرها. قال الاميني - رحمه الله - في غديره: 6 / 211: لما لم يكن رجم المتمتع بالنساء مشروعا ولم يحكم به فقهاء القوم لشبهة العقد هناك. قال الجصاص بعد ذكر الحديث: فذكر عمر الرجم في المتعة جائز أن يكون على جهة الوعيد والتهديد لينزجر الناس عنها. فتدبر وتبصر.

[600]

وروى الترمذي في صحيحه (1) - على ما حكاه الشهيد الثاني (2)، والعلامة (3) رحمهما الله - أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء ؟. فقال: هي حلال. فقال: إن أباك قد نهى عنها. فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وضعها (4) رسول الله صلى الله عليه [وآله]، أنترك السنة ونتبع قول أبي ؟ ! (5). وروى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: سألته عن هذه الآية: * (فما استمتعتم به منهن..) * (6) أمنسوخة هي ؟. فقال: لا، ثم قال الحكم: قال علي


(1) صحيح الترمذي 3 / 184 [1 / 175] ولكن اللفظ فيه: متعة الحج. وجاء في زاد المعاد لابن القيم 1 / 194، وفي هامش شرح المواهب للزرقاني 2 / 252. (2) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 5 / 283. (3) كشف الحق (نهج الحق وكشف الصدق): 283. (4) كذا، وفي المصادر: سنها، وفي نسخة: صنعها. (5) جاء بنصه في مسند احمد بن حنبل بطرق صحيحة عندهم 2 / 95 و 104، و 4 / 436. وقد روى مثله في تفسير القرطبي 2 / 365 نقلا عن الدارقطني. وجاء قول ابن عمر بعبارات مختلفة في موارد متعددة، منها ما ذكره البيهقي في سننه 5 / 21: أفكتاب الله عزوجل أحق أن يتبع أم عمر. وجاء فيه أيضا: أفرسول الله أحق أن تتبعوا سننه أم عمر. نقله في مجمع الزوائد 1 / 185 أيضا. قال الراغب الاصفهاني في محاضراته 2 / 94: قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة: بمن اقتديت في جواز المتعة ؟. قال: بعمر بن الخطاب. قال: كيف وعمر كان أشد الناس فيها ؟. قال: لان الخبر الصحيح أنه صعد المنبر، فقال: إن الله ورسوله قد أحلا لكم متعتين، وإني محرمهما عليكم وأعاقب عليهما، فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه. وانظر: مسند احمد بن حنبل 2 / 95، ولا حظ تكرار السؤال عن ابن عمر في متعة النساء ومتعة الحج وجوابه فيهما. (6) النساء: 24.

[601]

ابن أبي طالب عليه السلام: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شفا (1). وقال ابن الاثير في النهاية (2): في حديث ابن عباس: (ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا الا شفا).. أي الا قليل من الناس، من قولهم: غابت الشمس الا شفا.. أي الا قليلا من ضوئها عند غروبها. قال (3) وقال الازهري: قوله: الا شفا.. أي الا ان يشفي، يعني يشرف على الزنا ولا يواقعه، فاقام الاسم (4) مقام المصدر الحقيقي، وهو الاشفاء على الشئ، وحرف كل شئ شفاه. وحكى الفخر الرازي (5) في تفسير آية المتعة، عن محمد بن جرير الطبري (6)، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زني إلا شقي (7).


(1) وأورده الطبري في التفسير 5 / 9 بإسناد صحيح، والثعلبي والرازي في التفسير 10 / 50 [3 / 200] شطرا منه، وتفسير أبي حيان 3 / 218، وتفسير النيشابوري، والدر المنثور 2 / 140 بعدة طرق، وفي الكل: ما زنى إلا شقي. وقريب منه ورد عن ابن عباس، كما في أحكام القرآن للجصاص 2 / 179، وبداية المجتهد لابن رشد 2 / 58، والفائق للزمخشري 1 / 331، وتفسير القرطبي 5 / 130 وفيه: إلا شقي، وكذا في الدر المنثور 2 / 140، ولسان العرب لابن منظور 19 / 166، وتاج العروس 10 / 200، وغيرها. (2) النهاية 2 / 488 - 489. (3) أي ابن الاثير. (4) في المصدر زيادة: وهو الشفي. (5) تفسير الفخر الرازي 10 / 49 [3 / 200]. (6) في تفسيره: 5 / 9. (7) وقريب منه ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، عن عطا، عن ابن عباس. وقد جاء بصور مختلفة عن غير واحد وبطرق عديدة في الدر المنثور 2 / 110. وقال المتقي الهندي في كنز العمال 8 / 294: وأخرج الحافظ عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير الطبري عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لامرت بالمتعة، ثم ما زني إلا شقي.

[602]

وعن عمران بن الحصين، أنه قال: نزلت هذه المتعة في كتاب الله لم تنزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وتمتعنا بها ومات ولم ينهنا عنه ثم قال رجل برأيه ما شاء (1). وسيأتي في خبر طويل رواه المفضل، عن الصادق (عليه السلام) أوردناه في المجلد الثالث عشر (2) وهو مشتمل على سبب تحريمه المتعة (3)، وأنه كان لمكان أخته عفراء.


(1) وذكر في التاج الجامع للاصول 2 / 334، باب نكاح المتعة روايتين مما سلف وأسقط الباقي !. (2) بحار الانوار 53 / 26 - 32 و 103 / 297 و 298 و 306 - 314، وقد سلف فيه 24 / 294. (3) أقول: والذي يظهر من كلمات عمر أنه كان يعد متعة النساء من السفاح ! كما جاء في كنز العمال: 8 / 294، ويرتب عليها أحكام السفاح من الرجم، كما سلفت الروايات عنه في ذلك. وعرف أنه أول من نهى عن المتعة، كما عد العسكري في أولياته، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 93، والقرماني في تاريخه - هامش الكامل - 1 / 203، والنووي في شرح المسلم، والقسطلاني في الارشاد 4 / 169، وابن حجر في فتح الباري 4 / 339، و 9 / 141. وانظر: صحيح البخاري باب التمتع، وصحيح مسلم 1 / 395، 396، ومسند أحمد 3 / 356 و 4 / 436، والموطأ لمالك 2 / 30، وسنن البيهقي 7 / 206، وتفسير الطبري 5 / 9، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 178، والنهاية لابن الاثير 2 / 249، والغريبين للهروي، والفائق للزمخشري 1 / 331، وتفسير القرطبي 5 / 130 و 135، وتاريخ ابن خلكان 1 / 359، والمحاضرات للراغب 2 / 94، وتفسير الرازي 3 / 201، 202، وتفسير السيوطي 2 / 140، والجامع الكبير للسيوطي 8 / 293، وشرح التجريد للقوشجي في مبحث الامامة، وغيرها كثير جدا تربو على أربعين حديثا بين صحاح وحسان. وقد عد العلامة الاميني - رحمه الله - في الغدير 6 / 220 - 222 أكثر من عشرين مجوزا من الصحابة والتابعين. ثم بعد الاحاطة بما في المتن والتعاليق من المصادر الكثيرة العديدة الوثيقة عند العامة تقرأ في مثل كتاب الوشيعة في نقد عقائد الشيعة لموسى جار الله: 32 و 166 - حيث بسط القول في المتعة وقال ما ملخصه -: إنها من بقايا الانكحة الجاهلية ! ولم تكن حكما شرعيا ! ولم تكن مباحة في شرع الاسلام ! ونسخها لم يكن نسخ حكم شرعي وإنما كان نسخ أمر جاهلي !، ووقع الاجماع على تحريمها ولم ينزل فيها قرآن، ولا يوجد في غير كتب الشيعة قول لاحد أن: * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) * نزل فيها، ولا يقول به جاهل يدعي أو يعي، وكتب الشيعة ترفع القول به إلى = = الباقر والصادق، وأحسن الاحتمالين أن السند موضوع، وإلا فالباقر والصادق جاهل، ولا نعلم هل نضحك أو نبكي، فكأن الرجل يتكلم في الطيف في عالم الاضغاث والاحلام. وقال العلامه الاميني في الغدير 3 / 324: كنت أود أن لا أحدث لهذا الكتاب ذكرا، وأن لا يسمع أحد منه ركزا، فإن في الفضائح أكثر منه في عداد المؤلفات، لكن طبع الكتاب وانتشاره حداني إلى أن أوقف المجتمع على مقدار الرجل وعلى أنموذج مما سود به صحائفه، وكل صحيفة منه عار على الامة وعلى قومه أشد شنارا. وقد ذكر في هذا المجلد من الغدير الاكاذيب المفتراة على الشيعة من جهال أهل التسنن وأجاب عنها بما لا مزيد عليه.

[603]

وأما متعة الحج (1): فلا خلاف بين المسلمين في شرعيتها وبقاء حكمها. واختلف فقهاء العامة (2) في أنه هل هي أفضل أنواع الحج أم لا ؟ فقال الشافعي - في أحد قوليه (3) - ومالك (4): إن التمتع أفضل، وقال الشافعي في قوله الآخر (5): إن أفضلها الافراد ثم التمتع ثم القران. ويدل على شرعيتها قوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) * (6). ومن الاخبار الواردة فيها ما رواه مسلم في صحيحه (7) بأربعة أسانيد،


(1) ويقال لها: حج التمتع، وهي باختصار إن من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام صح له أن يحرم من الميقات للعمرة في أشهر الحج، فيأتي مكة ويطوف بالبيت سبعا ويصلي ركعتي الطواف ثم يسعى ويقصر ويحل من إحرامه، فيباح له كل ما حرم عليه بالاحرام.. ومن هنا قيل له التمتع لكونه مأخوذا من الاستمتاع والالتذاذ. (2) كما جاء مفصلا في الشرح الكبير 3 / 239، والمجموع 7 / 152، و 163، وفتح العزيز 7 / 106، والمغني 3 / 238، وبداية المجتهد 1 / 335، والتفسير الكبير: 155، ونيل الاوطار 5 / 41، ومعالم السنن 2 / 301، وأحكام القرآن للقرطبي 2 / 387، وغيرها. (3) ذكره في فتح العزيز 7 / 106، والمجموع 7 / 151، والتفسير الكبير 5 / 155، والمنهاج (متن) مغني المحتاج 1 / 514، والمغني 3 / 238، والشرح الكبير 3 / 239، والقوانين الفقهية: 133. (4) ذكره في التفسير الكبير 5 / 155، وكذا في نيل الاوطار 5 / 41. (5) قاله في المجموع 7 / 151، ومنهاج (متن) مغني المحتاج 1 / 514، وغيرهما. (6) البقرة: 196. (7) صحيح مسلم كتاب الحج باب إحرام النفساء حديث 1210 و 1218، وباب حجة النبي (ص) حديث 1228.

[604]

وأورده في جامع الاصول (1) أيضا، قال (2): وأخرجه أبو داود (3) بطوله، وأخرج النسائي (4) أطرافا متفرقة منه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، قال: دخلت (5) على جابر بن عبد الله الانصاري فسأل عن القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الاعلى، ثم نزع زري الاسفل ثم وضع كفه (6) بين ثديي - وأنا يومئذ غلام شاب - فقال: مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت ؟. فسألته - وهو أعمى وقد (7) حضر وقت الصلاة، فقام في نساجه ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (8) فصلى بنا - فقلت: أخبرني عن حجة


(1) ذكر طرفا منه في جامع الاصول 3 / 73 حديث 1352، وفصله فيه 3 / 459 - 474 حديث 1796، فلا حظ. (2) في (س): وقال. أي ابن الاثير في جامع الاصول. (3) سنن أبي داود كتاب المناسك باب صفة حجة النبي (ص) حديث 1905 و 1907 و 1908 و 1909. (4) سنن النسائي 1 / 122 و 123 كتاب الطهارة باب الاغتسال من النفاس، و 5 / 43 و 44، باب كراهية الثياب المصبغة للمحرم، وباب ترك التسمية عند الاهلال، وباب الحج بغير نية يقصدها المحرم، وباب العمل في الاهلال، وباب إهلال النفساء، وباب سوق الهدي، وباب كيف يطوف أول ما يقدم وعلى أي شقيه يأخذ إذا استلم الحجر، وباب ذكر الصفا والمروة، وباب التكبير على الصفا، وباب الذكر والدعاء على الصفا، وباب القول بعد ركعتي الطواف، وباب رفع اليدين في الدعاء بعرفة، وباب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الامام، وباب ايضاع في وادي محسر، وباب عدد الحصى التي يرمي بها الجمار، وكتاب مواقيت الصلاة، باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. وفي سنن ابن ماجة كتاب المناسك باب حجة الرسول (ص) حديث 3074. (5) في جامع الاصول: دخلنا. (6) في المصدر: يده، بدلا من: كفه. (7) في جامع الاصول لا توجد: قد. (8) جاء في حاشية (ك): وفي الحديث: ذكر المشجب - وهو بكسر الميم -: خشبات تضم رؤوسها وتفرج وقوائمها يلقى عليها الثياب وتعلق عليه الاسقية لتبريد الماء. مجمع. = = انظر: مجمع البحرين 2 / 86، وقد تعرض المصنف - ره - لمعنى هذه الكلمة في بيانه.

[605]

رسول الله صلى الله عليه [وآله]. فقال بيده فعقد تسعا (1)، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه [وآله] ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى إذا (2) أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس (3) محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] كيف أصنع ؟. قال: اغتسلي واستشفري (4) بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله (ص) في المسجد فركب (5) القصواء حتى إذا استوت به ناقته إلى البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه [وآله] بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما (6) عمل به من شئ عملنا به، فأهل بالتوحيد: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، وأهل الناس بهذا الذي يهل (7) به، فلم يزد (8) رسول الله صلى الله عليه [وآله] شيئا


(1) في المصدر: فعقد بيده تسعا - من دون: فقال، وبتقديم وتأخير -. (2) لا توجد: إذا، في الجامع. (3) في (س): عمير، وهو غلط. (4) كذا، وفي المصدر: استثفري، وهو لظاهر. والاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويا، كما في القاموس 1 / 383. وقال في النهاية 1 / 214: فيه: أنه أمر المستحاضة أن تستثفر: هوأن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا وتوثق طرفيها في شئ تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها. (5) في الجامع: ثم ركب. (6) في (س): فما. وهي نسخة جاءت في (ك). (7) في المصدر: يهلون - بصيغة الجمع -. (8) جاء في (ك): فلم يزده. وفي المصدر: فلم يرد.

[606]

منهم (1) ولزم رسول الله صلى الله عليه [وآله] تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا (2) البيت معه إستلم الركن فرمل (3) ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام ابراهيم (ع)، فقرأ: * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) * (4)، فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان (5) أبي يقول - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه [وآله] - كان يقرأ (6) في الركعتين: * (قل هو الله أحد) * و * (قل يا أيها الكافرون) *، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب (7) إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * (8) إبدؤا بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده)، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا (9) ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت (10) قدماه في بطن الوادي، رمل (11) حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة.. ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه (12) على


(1) في الجامع لابن الاثير: منه. (2) توجد نسخة بدل في (ك): لقينا. (3) قال في النهاية 2 / 265: يقال: رمل يرمل رملا ورملانا: إذا أسرع في المشي وهز منكبيه. (4) البقرة: 125. ولا توجد في (س): مصلى، وفيها: وكان يقرأ مصلى. وخط عليها في (ك)، وهو الظاهر. (5) في المصدر: فكان. (6) لا توجد: كان يقرأ، في (س). (7) من الباب لا توجد في (س). (8) البقرة: 158. (9) في المصدر: قال: هذا. (10) في (ك): نصبت. (11) في صحيح مسلم: سعى، بدلا من: رمل. (12) في جامع الاصول: طواف - بلا ضمير -.

[607]

المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله ! ألعامنا هذا أم للابد ؟. فشبك رسول الله صلى الله عليه [وآله] أصابعه واحدة في الاخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا.. مرتين، لا، بل لابد أبد. وقدم علي عليه السلام من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه [وآله] فوجد فاطمة عليها السلام ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكأن (1) علي عليه السلام يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله - محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه [وآله] فيما ذكرت عنه - فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها (2)، فقال: صدقت.. صدقت، ماذا قلت حين إذا (3) فرضت الحج ؟. قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه [وآله]. فقال: فإن معي الهدى فلا تحل. قال (4): فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي عليه السلام من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه [وآله] مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا رسول الله (5) صلى الله عليه [وآله] ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج.. وساق الحديث بطوله إلى قوله: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما بغي (6) وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه [وآله]


(1) في المصدر: وكان. (2) هنا سقط وهو: فقالت: أبي أمرني بهذا. جاء في المصدر. (3) لا توجد: إذا، في المصدر. (4) في (س) زيادة: لي، بعد قال: وكتب بعدها رمز نسخة بدل صحيحة (صح د). ولا توجد في المصدر. وفي (ك): قال: قال لي، وخط على: قال لي. (5) في جامع الاصول: إلا النبي. (6) في المصدر: ما غبر.

[608]

فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون (1) على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه. قال في النهاية (2) في حديث جابر: فقام في نساجة ملتحفا بها: هي (3) ضرب من الملاحف منسوجة كأنها سميت بالمصدر، يقال: نسجت انسج نسجا ونساجة. وقال (4): في حديث جابر: فقام وثوبه على المشجب: هو - بكسر الميم -: عيدان تضم رؤسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب، وقد يعلق (5) عليها الاسقية لتبريد الماء، وهو من تشاجب الامر: إذا اختلط. وروى البخاري (6) في صحيحه، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه [وآله] أهل وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه [وآله] وطلحة، وكان علي عليه السلام قدم (7) من اليمن ومعه الهدي، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه [وآله]، وأن النبي صلى الله عليه وآله أذن لاصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من معه الهدي، فقالوا: أننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي صلى الله عليه [وآله]، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما هديت (8)، ولولا أن معي الهدي


(1) جاءت زيادة: وهم، قبل: يسقون، في المصدر. (2) النهاية 5 / 46، وانظر: لسان العرب 2 / 376. (3) لا توجد: هي، في (س). (4) ابن الاثير في النهاية 2 / 445، ونحوها في لسان العرب 1 / 484، وانظر: مجمع البحرين 2 / 86. (5) في المصدر: وتعلق. (6) صحيح البخاري 3 / 402 في كتاب الحج في أبواب متعددة. (7) في المصدر: فقدم علي (ع). (8) في المصدر: ما اهديت.

[609]

لاحللت.. وساق الحديث إلى قوله: وإن سراقة بن مالك بن جعثم (1) لقى النبي صلى الله عليه [وآله] وهو بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله ؟. فقال: للابد (2). وقد روى البخاري (3) ومسلم (4) والنسائي (5) وأبو داود (6) قريبا من هذه الرواية بأسانيد متكثرة وألفاظ متقاربة عن جابر، وهي مذكورة في جامع الاصول (7). وروى البخاري (8)، عن أبي موسى الاشعري، قال: قدمت على النبي صلى الله عليه [وآله] بالبطحاء - وهو منيح (9) - فقال: أحججت ؟. قلت: نعم. قال: بما أهللت ؟. قلت: لبيك بإهلال النبي صلى الله عليه [وآله]. قال: أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحل، فطفت البيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قيس، فقلت: رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به حتى كان في خلافة عمر، فقال: إن أخذنا بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، وإن أخذنا بقول النبي صلى الله عليه [وآله] فإنه لم يحل حتى يبلغ الهدي محله (10).


(1) كذا في طبعتي البحار، والظاهر: جعشم، كما في المصدر وسيأتي التصريح به. (2) وجاء باختلاف يسير في صحيح مسلم كتاب الحج باب بيان وجوب الاحرام حديث 1213. (3) صحيح البخاري 3 / 403 في كتاب الحج في أبواب عديدة. ونقله عن ابن عباس فيه 3 / 148. (4) صحيح مسلم كتاب الحج باب وجوه الاحرام حديث 1214، 1215، 1216، وروى عن سراقة بن مالك فيه 1 / 346. (5) سنن النسائي 5 / 178 و 179 كتاب الحج باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي. (6) سنن أبي داود كتاب المناسك باب في إفراد الحج، أحاديث 1785، 1786، 1788 1787، 1789، وأخرج عن سراقة فيه 2 / 282. (7) جامع الاصول 3 / 127 - 134 حديث 1413 بألفاظ مختلفة ومصادر عدة. ورواه أحمد بن حنبل في المسند 3 / 305، وغيره من أئمة الحديث منهم. (8) صحيح ابخاري 3 / 491 كتاب الحج باب متى يحل المعتمر. (9) في (ك): متيح. وفي المصدر: وهو منيخ بالبطحاء. (10) جاء مقاربا لهذا في صحيح مسلم كتاب الحج باب نسخ التحلل من الاحرام والامر بالتمام حديث = = 1221.

[610]

ومثله روى في موضع آخر بأدنى تغيير (1). وروى في جامع الاصول (2)، عن النسائي (3) مثله. وروى البخاري (4) أيضا، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قال: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا ؟. فقيل: ذبح رسول الله عن أزواجه. وقد حكى في جامع الاصول (5)، عن البخاري ومسلم (6) وأبي داود (7) والموطأ (8) روايات كثيرة عن عائشة تؤدي مؤدى هذه الرواية.


(1) صحيح البخاري كتاب الحج باب من أحل في زمن النبي (ص)، وباب التمتع والقران والافراد بالحج، وباب الذبح قبل الحلق، وكتاب المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، باب حجة الوداع، والالفاظ مختلفة فيه فراجع. وجاء في مسند أحمد بن حنبل 4 / 393 و 395 و 410 ثلاث روايات أكثر تفصيلا عن أبي موسى، ورواها البيهقي في سننه 4 / 388. (2) جامع الاصول 3 / 153 - 155 حديث 1417. (3) سنن النسائي 5 / 153 كتاب الحج باب التمتع. (4) صحيح البخاري 1 / 341 في الحيض، باب كيف كان بدء الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وكتاب الحج باب الحج على الرحل، وباب قول الله تعالى: * (الحج أشهر معلومات..) *، وأبواب أخر. ونقله عنه في جامع الاصول 3 / 146. (5) جامع الاصول 3 / 140 - 150 حديث 1415. (6) صحيح مسلم كتاب الحج باب بيان وجوه الاحرام، وأنه يجوز إفراد الحج، حديث 1211. (7) سنن أبي داود كتاب المناسك باب في إفراد الحج حديث 1778 - 1783. (8) موطأ مالك 1 / 410 - 412 كتاب الحج باب دخول الحائض مكة. وانظر سنن النسائي كتاب الحج باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي حديث 1775 - 1778.

[611]

وروى البخاري (1) أيضا، عن ابن عباس، أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهل المهاجرون والانصار وأزواج النبي صلى الله عليه [وآله] في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد (2) تم حجنا وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى (3): * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) * (4) إلى أمصاركم الشاة تجزي، فجمعوا نسكين في عام (5) بين الحج والعمرة، فإن الهل أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه [وآله] وأباحه ناس غير أهل مكة، قال الله: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * (6) وأشهر الحج الذي (7) ذكر الله عزوجل: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الاشهر فعليه دم أو صوم، والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء (8). وعن أبي حمزة (9)، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته


(1) صحيح البخاري 3 / 345 - 346 تعليق في الحج، باب قول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام). باختلاف يسير. (2) في المصدر: وقد. (3) خط على لفظ: تعالى، في (س). ولا يوجد لفظ الجلالة وأول الآية في المصدر. (4) البقرة: 196. (5) قد تقرأ الكلمة في (ك): عامين. (6) البقرة: 196. (7) في المصدر: التي، وهو الظاهر. (8) وأورده ابن الاثير في جامع الاصول 3 / 120 - 122 حديث 1404، وحكاه عن الجمع بين الصحيحين للحميدي، وذكره الحافظ في فتح الباري 3 / 345. (9) صحيح البخاري 3 / 426 - 428 [3 / 114] كتاب الحج باب (فمن تمتع بالعمرة إلى = = الحج).

[612]

عن الهدي، فقال: جزور (1) أو بقرة أو شاة أو شرك في دم، قال: وكان ناس كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن انسانا ينادي: حج مبرور وعمرة (2) متقبلة، فأيت ابن عباس فحدثته، فقال: الله أكبر (3) سنة أبي القاسم صلى الله عليه [وآله] (4). وروى مسلم قريبا منها (5). وروى في جامع الاصول (6)، عن مسلم (7) والنسائي (8)، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج يوم القيامة.


(1) في المصدر: فيها جزور. (2) خ. ل: متعة، جاءت في المصدر، ووردت في جامع الاصول. (3) الله أكبر، مكررة في المصدر. (4) ورواه السيوطي في الدر المنثور 1 / 217 نقلا عن البخاري، وقال العسقلاني في إرشاد الساري 3 / 204 في قوله: وكان ناسا كرهوها..: يعني كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وغيرهما ممن نقل الخلاف في ذلك. (5) صحيح مسلم كتاب الحج باب جواز العمرة في أشهر الحج حديث 1242. ونقله السيوطي عن مسلم في الدر المنثور 1 / 217. وأورده - والذي قبله - ابن الاثير في جامع الاصول 3 / 124 - 125 حديث 1407. (6) جامع الاصول 3 / 134 - 138 وسط الحديث من 1414. (7) صحيح مسلم كتاب الحج باب جواز العمرة في أشهر الحج حديث 1240 - 1241. (8) سنن النسائي 5 / 180 - 202 كتاب الحج باب الوقت الذي وافى فيه النبي (ص) مكة، وباب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدى. وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 1 / 252. وبألفاظ مختلفة - والمعنى واحد - جاءت في صحيح البخاري 3 / 337 - 338 كتاب الحج باب التمتع والقرآن والافراد بالحج، وباب فسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، وفي كتاب فضائل أصحاب النبي (ص)، وباب أيام الجاهلية، وغيرها.

[613]

وروى البخاري (1) - أيضا -، عن سعيد بن المسيب، قال: اختلف علي وعثمان - وهم بعسفان (2) - في المتعة، فقال علي عليه السلام: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلى الله عليه [وآله] ؟ فلما رأي علي عليه السلام ذلك أهل بهما جميعا. وروى البخاري (3) ومسلم (4)، عن مروان بن الحكم، أنه شهد عليا وعثمان بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأي ذلك علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله ؟ !. فقال: ما كنت لادع سنة رسول الله صلى الله عليه [وآله] لقول أحد. وروى النسائي (5) روايتين في هذا المعنى (6). وروى مسلم (7) روايات في هذا المعنى. وروى البخاري (8)، عن عمران، قال: تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه [وآله] ونزل القرآن، وقال رجل برأيه ما شاء (9).


(1) صحيح البخاري 3 / 336 كتاب الحج باب التمتع والقرآن والافراد في الحج، وباب فسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، وأورده ابن الاثير - باختلاف يسير - في جامع الاصول 3 / 109 صدر حديث 1395. (2) في (ك): يعسفان، وهو سهو. (3) صحيح البخاري 3 / 336 في كتاب الحج. (4) صحيح مسلم كتاب الحج باب جواز التمتع برقم 1223. (5) سنن النسائي 5 / 148 كتاب الحج باب التمتع، وانظر: سنن البيهقي 4 / 352 و 5 / 22. (6) وأخرجهما ابن الاثير في جامع الاصول 3 / 109 - 110 ضمن حديث 1395. (7) صحيح مسلم كتاب الحج باب جواز التمتع حديث 1217. وأورد النسائي في سننه 5 / 152 كتاب الحج باب التمتع عدة روايات. (8) صحيح البخاري 2 / 176 [3 / 151] كتاب الحج باب التمتع حديث 1. (9) قريب من هذا ما روي عن عمران بن حصين في صحيح البخاري 8 / 139 [7 / 24] في تفسير سورة البقرة، باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، وكتاب الحج باب التمتع على عهد رسول الله (ص) 2 / 127، وصحيح مسلم 1 / 474 كتاب الحج باب جواز التمتع حديث 1226، وسنن النسائي 5 / 149 - 155 كتاب الحج باب القران، وسنن ابن ماجة: 220، وقد جاء فيه عن عمران بهذا = = المعنى، وروى أحمد في المسند 4 / 428 و 429 و 434 و 436 و 438 وغيرها روايات عديدة عنه وعن جمع من أئمة الحديث. وأخرجه القرطبي - بلفظ مسلم - في تفسيره 2 / 365، والبيهقي في سننه 5 / 20، ولم يوردها ابن الاثير في جامع الاصول.

[614]

وروى مسلم (1)، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن الحصين: إني لاحدثك بالحديث اليوم، اعلم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي. قال مسلم (2): وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم كلاهما، عن (3) وكيع، عن سفيان، عن الجريري بهذا الاسناد. وقال ابن حاتم (4) في روايته: ارتأى رجل برأيه ما شاء - يعني عمر -، وروى بستة أسانيد عن عمران ما يؤدي هذا المعني. وحكى في جامع الاصول (5) ثلاث روايات في هذا المعنى عن عمران. منها: أنه قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. ثم قال: قال البخاري (6): يقال إنه عمر.


(1) صحيح مسلم 1 / 474، وأورده ابن حنبل في مسنده 4 / 434، وابن ماجة في سننه 2 / 229، وذكره في السنن الكبرى 4 / 334، وفتح الباري 3 / 338. (2) صحيح مسلم 1 / 474، وجاء في سنن الدرامي 2 / 35، وبصورة أخرى في مسند أحمد بن حنبل 4 / 428، وسنن النسائي 5 / 149. (3) لا توجد في (س): عن. (4) صحيح مسلم 1 / 474. (5) جامع الاصول 3 / 116 - 118 حديث 1402. (6) قال شيخنا الاميني الغدري 6 / 199، وفي بعض نسخ صحيح البخاري: قال: محمد - أي البخاري -: يقال إنه عمر.. - أي في صحيحه 7 / 124 [8 / 139] في تفسير سورة البقرة، وفي كتاب الحج باب التمتع على عهد رسول الله (ص) -. قال القسطلاني في الارشاد: لانه كان ينهى عنها، وذكر ابن كثير في التفسير 1 / 233 نقلا عن = = البخاري، فقال: هذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به: أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع. وقال ابن حجر في فتح الباري 4 / 339 ونقله الاسماعيلي عن البخاري كذلك، فهو عمدة الحميدي في ذلك، ولهذا جزم القرطبي والنووي وغيرهما.

[615]

وحكى عن النسائي (1) أيضا روايتين في هذا المعنى. وعن مسلم (2) بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: هذه عمرة استمتعنا بها (3) فمن لم يكن عنده (4) الهدي فليحلل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة (5). وعن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (6)، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الارض ويجعلون المحرم صفرا (7) ويقولون: إذا برأ الدبر (8)، وعفا الاثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر،


(1) سنن النسائي 5 / 149 و 155 كتاب الحج باب القران. (2) صحيح مسلم 1 / 355 كتاب الحج باب جواز العمرة في أشهر الحج حديث 1241، وأورده ابن الاثير في جامع الاصول 3 / 136 ذيل حديث 1414. (3) لا توجد في (ك): بها. (4) في المصدر: معه، بدلا من: عنده. (5) وقد جاء سنن الدارمي 2 / 51، وسنن أبي داود 1 / 283، وسنن النسائي 5 / 181، وسنن البيهقي 4 / 344 و 552، وتفسير ابن كثير 1 / 230 وقد صححه، وبهذا المضمون قد جاء عن سراقة بن مالك كما في مسند احمد بن حنبل 4 / 175، وسنن ابن ماجة 2 / 229. وقال الترمذي في صحيحه 1 / 175: وفي الباب عن سراقة بن مالك وجابر بن عبد الله - ثم قال - ومعنى هذا الحديث: أن لا بأس بالعمرة في أشهر الحج، وهكذا فسره الشافعي وأحمد وإسحق، ومعنى هذا الحديث: أن الجاهلية كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج، فلما جاء الاسلام رخص النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، يعني لا بأس بالعمرة في أشهر الحج. وما أورده العيني في عمدة القاري 4 / 562 حري بالملاحظة. (6) أورده مسلم في صحيحه كتاب الحج باب جواز العمرة في أشهر الحج حديث 1241، ونقله ابن الاثير في جامع الاصول 3 / 134 - 138 حديث 1414. (7) في المصدر: وكانوا يسمون المحرم: صفرا. (8) جاء في حاشية (ك): قال الجزري في حديث ابن عباس: كانوا يقولون في الجاهلية: إذا برأ الدبر = = وعفى الاثر ودخل صفر.. الدبر - بالتحريك -: الجرح الذي يكون في ظهر البعير.. وقيل: هو أن يقرح خف البعير. وعفى الاثر.. أي درس وامحى، وفي رواية: واعفى الوبر.. أي كثر وبر الابل. منه طاب ثراه. انظر: النهاية 2 / 97، وليس فيه: ودخل صفر. و 3 / 266، وفيه: عفى، بدلا من: أعفى. ومثله في لسان العرب 4 / 274 و 15 / 76.

[616]

قدم النبي (1) صلى الله عليه [وآله] وأصحابه صبيحة (2) رابعة مهلين بالحج فأمرهم (3) أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عند هم، فقالوا: يا رسول الله ! أي الحل ؟. قال: الحل كله (4). وقد روى هذه الرواية البخاري (5)، عن ابن عباس، ورواها أبو داود (6) والنسائي (7) وأوردها في جامع الاصول (8)، قال (9): وأخرج أبو داود في رواية أخرى، أنه قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان بدينهم كانوا يقولون: إذا عفا الاثر (10)، وبرأ الدبر، ودخل صفر فقد حلت العمرة


(1) في المصدر: قال فقدم رسول الله. (2) في (ك) نسخة بدل: لصبيحية. (3) في جامع الاصول: فأمرهم النبي (ص). (4) ورواه أيضا مسلم في صحيحه في كتاب الحج باب جواز العمرة في أشهر الحج، واحمد بن حنبل في مسنده 1 / 252، والبقيهي في سننه 4 / 354 وقال: أخرجه البخاري ومسلم - يعني في صحيحيهما -، والطحاوي في مشكل الآثار 3 / 155، والزرقاني في شرح معاني الآثار: 381 كتاب مناسك الحج. (5) صحيح البخاري 3 / 337 و 338 كتاب الحج باب تمتع والقرآن وغيره من الابواب (6) سنن أبي داود كتاب الحج باب العمرة حديث 1987. (7) سنن النسائي 5 / 180 وغيرها من الصفحات، كتاب الحج باب الوقت الذي وافى فيه النبي (ص) مكة، وغيره من الابواب. (8) جامع الاصول 3 / 134 - 138 حديث 1414. (9) أي أبن الاثير في جامع الاصول 3 / 136 - 137. (10) في المصدر: الوبر، بدلا من: الاثر. (*)

[617]

لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم (1). وروى مسلم (2)، عن إبراهيم، عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك بعض (3) فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد حتى لقيه (4) بعد فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه [وآله] قد فعله هو (5) وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الاراك يروحون في الحج يقطر (6) رؤوسهم (7). وروى مسلم (8)، عن إبراهيم، عن أبي موسى هذا الخبر أبسط (9) من ذلك وساقه.. إلى أن قال: فكنت أفتي الناس بذلك (10) في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، وإني لقائم بالموسم إذ جاء رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك ؟. فقلت: أيها الناس ! من كنا أفتيناه بشئ فليتئد (11)، فهذا أمير


(1) وأوردها - وغيرها - أحمد بن حنبل في المسند 1 / 261، وروى البيهقي جملة من الروايات في سننه 4 / 344، والطحاوي في مشكل الآثار 3 / 155 - 156 وغيرهم. (2) صحيح مسلم 1 / 472 كتاب الحج باب نسخ التحلل من الاحرام والامر بالتمام، ونقله في جامع الاصول 3 / 154 - 155 ذيل حديث 1417. (3) في المصدر: ببعض. (4) لا توجد في المصدر: في النسك بعد حتى لقيه، وفيه: فلقيه. (5) لا توجد في (س): هو. وكذا في جامع الاصول. (6) في المصدر: ثم يروحون في الحج تقطر.. (7) وجاء في سنن النسائي 5 / 153 كتاب الحج باب التمتع، سنن ابن ماجة 2 / 229 في كتاب المناسك باب التمتع بالعمرة إلى الحج، ومسند أحمد بن حنبل 1 / 49 و 50، وسنن البيهقي 5 / 20 بطريقين، وتيسير الوصول 1 / 288، شرح الموطأ للزرقاني 2 / 179. (8) صحيح مسلم 1 / 472 كتاب الحج، باب نسخ التحلل من الاحرام والامر بالتمام. وأورده في جامع الاصول 3 / 153 حديث 1417. (9) في طبعتي البحار: السبط، وهو خلاف الظاهر. (10) في المصدر: فلم أزل أفتي بذلك. (11) هو أمر بالتؤدة، وهي التأني والتثبت، خلاف العجلة، قاله في النهاية 1 / 178.

[618]

المؤمنين قادم عليكم فيه (1) فائتموا، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ! ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك ؟. قال: إن نأخذ بكتاب الله، فإن الله يقول: * (واتموا الحج والعمرة لله) * (2)، وإن تأخذ (3) بسنة نبينا فإن النبي صلى الله عليه [وآله] لم يحل حتى نحر الهدي (4). وعن عائشة (5)، قالت: قدم النبي صلى الله عليه [وآله] لاربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل علي - وهو غضبان -، فقلت ما (6) أغضبك يا رسول الله ؟ ! أدخله الله النار. قال: أو ما شعرت إني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما أحلوا (7).


(1) لا توجد في (س): فيه. وفي المصدر: فبه. (2) البقرة: 126. (3) في جامع الاصول: نأخذ. وهو الظاهر. (4) أورده باقي الحفاظ في كتبهم كالبخاري في صحيحه 3 / 491 كتاب الحج باب متى يحل المعتمر وأبواب أخر، والنووي في شرح صحيح مسلم 1 / 401، وغيرهم. وأخرج أحمد في مسنده 1 / 49 عن أبي موسى أيضا: أن عمر قال: هي سنة رسول الله (ص) - يعني المتعة - ولكن أخشى أن يعرسوا بهن تحت الاراك ثم يروحوا بهن حجاجا. (5) باختلاف غير مخل أورده مسلم في صحيحه كتاب الحج باب بيان وجوه الاحرام وأنه يجوز إفراد الحج حديث 1211. ونقله ابن الاثير في جامع الاصول 3 / 147 - 148 ذيل حديث 1415 عن عدة مصادر. (6) خ. ل: من، بدلا من: ما، وكذا جاء في جامع الاصول. (7) قد روى ابن ماجة بسنده عن عازب - في المناسك باب التمتع بالعمرة إلى الحج -: أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأصحابه فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: إجعلوا حجتكم عمرة. فقال الناس: يا رسول الله ! قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة ؟. قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا. فردوا عليه القول، فغضب فانطلق ثم دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك ؟ - أغضبه الله - قال: ومالي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا أتبع. ورواه أحمد بن حنبل في مسنده 4 / 286 أيضا.

[619]

وروى ابن الحديد (1)، عن محمد بن جرير الطبري (2)، قال: روى عبد الرحمن بن أبي زيد، عن عمر بن زيد (3)، عن عمران بن سوادة (4) الليثي، قال: صليت الصبح مع عمر فقرأ (سبحان) وسورة معها، ثم انصرف فقمت معه، فقال: أحاجة ؟. قلت: حاجة. قال: فأحلق. فلحقت، فلما دخل أذن، فإذا هو على ومال (5) سرير ليس فوقه شئ، فقلت: نصيحة !. قال: مرحبا بالناصح غدوا وعشيا. قلت: عابت أمتك - أو قال: رعيتك - عليك أربعا (6)، فوضع عود الدرة ثم ذقن عليها - هكذا روى ابن قتيبة - وقال أبو جعفر: فوضع رأس درته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، وقال: هات. قال: ذكروا أنك حرمت المتعة في أشهر الحج - وزاد أبو جعفر: وهي حلال - ولم يحرمها رسول الله صلى الله عليه [وآله] ولا أبو بكر، فقال: أجل ! إنكم إذا اعتمرتم في أشهر حجكم رأيتموها مجزئة من حجكم (7)، فقرع حجكم (8)، وكان قائبة (9) قوب عامها، والحج بهاء من بهاء الله


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 121 - 123. (2) تاريخ الطبري 5 / 32 [4 / 225]، ونقله العلامة الاميني في الغدير 6 / 212 - 213 عن الطبري. (3) عن عمر بن زيد: لا توجد في المصدر، ووضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (4) في شرح النهج: سودة. (5) كذا، وفي المصدر: رمال، وهي ساقطة من تاريخ الطبري والغدير. (6) في المصدر زيادة: قال، بعد: أربعا. (7) في المصدر: عن حجكم. (8) جاء في حاشية (ك): قال الجوهري: الاقرع: الذي ذهب شعر رأسه من آفة وقد قرع فهو أقرع.. والقرع - أيضا - مصدر قولك: قرع الفناء.. أي خلا من الغاشية، يقال نعوذ بالله من قرع الفناء وصفر الاناء.. وقال تغلب: بالله من قرع الفناء - بالتسكين على غير قياس - وفي الحديث عن عمر.. قرع حجكم.. أي خلت أيام الحج من الناس، انتهى. وقال في النهاية مثل ذلك وزاد في آخره: واجتزؤا بالعمرة. [منه (رحمه الله)]. انظر: الصحاح 3 / 1262 فيه: إذا خلا، بدلا من أي خلا، وأيضا: قال ثعلب: نعوذ بالله. ومثله في لسان العرب 5 / 262 و 268. ولا حظ: النهاية 4 / 45. (9) في شرح النهج: وكانت قابية.

[620]

وقد أصبت. قال: وذكروا أنك حرمت متعة النساء، وقد كانت رخصة من الله يستمتع بقبضة ويفارق من ثلاث (1). قال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] أحلها في زمان ضرورة، ورجع الناس إلى السعة، ثم لم أجد (2) أحدا من المسلمين عاد إليها ولا عمل بها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارقه عن طلاق بثلاث (3)، وقد أصبت. قال: و (4) ذكروا أنك أعتقت الامة إن (5) وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها. قال: ألحقت حرمته بحرمة، وما أدرت إلا الخير، وأستغفر الله. قال: وشكوا منك عنف السياق ونهر (6) الرعية (7). قال: فنزع الدرة ثم مسحها حتى أتى على سيورها، وقال و (8) أنا زميل رسول الله صلى الله عليه [وآله] في غزاة قرقرة الكدر، ثم فو الله (9) إني لارتع فأشبع، وأسقى فأروي (10)، وأضرب (11) العروض، وأزجر العجول، وأؤدب قدري، وأسوق خطوتي، وأرد


(1) في المصدر: نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث. (2) في شرح النهج: ثم لم أعلم. (3) في المصدر: فارق عن ثلاث بطلاق. (4) في شرح النهج: وقال بتقديم وتأخير -. (5) في المصدر: إذا، بدلا من: ان. (6) في (ك) نسخة بدل: نهز. (7) جاء في حاشية (ك): نهر الرعية - بالمهملة - وهو الزجر والمنع، كما ذكره الجوهري، أو بالمعجمة بمعنى الدفع، كما ذكره الجزري. [منه (رحمه الله)]. انظر: الصحاح 2 / 840، النهاية 5 / 136، وفي الصحاح 3 / 900 مثله. (8) لا توجد الواو في (س). (9) في شرح النهج: الكدر لم، فوالله.. (10) جاءت في (ك): وأروي - بالواو -. (11) في المصدر: وإني لاضرب.

[621]

اللفوت (1)، وأضم العنود (2)، وأكثر الزجر (3)، وأقل الضرب، وأشهر بالعصا، وأدفع باليد، ولو ذلك لاعذرت. قال أبو جعفر: وكان معاوية إذا حدث بهذا الحديث يقول: كان والله عالما برعيته. قال ابن قتيبة: رملت السرير وأرملته: إذا نسجته بشريط من خوص أو ليف. وذقن عليها.. أي وضع عليها ذقنه يستمع الحديث. وقوله: فقرع حجكم.. أي خلت أيام الحج من الناس، وكانوا يتعوذون من قرع الفناء و (4) ذلك ألا يكون فيه أهل. والقائبة (5): قشر البيضة إذا خرج منها الفرخ. والقلوب: الفرخ.. قوله: إني لارتع وأشبع (6) وأسقي فأروي.. مثل مستعار من رعية الابل.. أي إذا أرتعت الابل.. أي أرسلتها ترعى، تركتها حتى تشبع، وإذا سقيتها تركتها حتى تروى. وقوله: أضرب العروض.. فالعروض (7): الناقة تأخذ يمينا وشمالا ولا


(1) اللقوت: جاء في (س). (2) جاء في حاشية (ك): قال الجزري في حديث عمر: وانهز اللفوت وأضم العنود.. اللفوت: هي الناقة الضجور عند الحلب تلتفت إلى الحالب فتعضه فينهزها بيده فتدور ليفتدي باللبن من النهر وهو الضرب، فضربها مثلا للذي يستعصي ويخرج عن الطاعة. منه [(رحمه الله)]. انظر: النهاية 4 / 259، لا توجد فيه: اللفوت الثاني - وفيه أيضا: فتدر لتغتدي. (3) في المصدر: الضجر. إلا أنه عند نقل كلام ابن قتيبة ذكره الزاي كالمتن. (4) لا توجد الواو في (س). (5) هنا سقط ذكره في شرح النهج، وهو ذلك ألا يكون عليه غاشية وزوار، ومن قرع المراح، وذلك ألا يكون فيه إبل، والقابية. (6) في المصدر: فاشبع. (7) في المصدر: العروض - بلا فاء -.

[622]

تلزم الحجة (1) يقول: أضربها حتى يعود (2) إلى الطريق، ومثله قوله: وأضم العنود. والعجول: البعير يند (3) عن الابل و (4) يركب رأسه عجلا ويستقبلها. وقوله: وأودب قدري.. أي قدر طاقتي. وقوله: وأسوق خطوتي.. أي قدر خطوتي. واللفوت: البعير يلتفلت يمنيا وشمالا ويروغ. وقوله: وأكثر الزجر وأقل الضرب.. أي أنه يقتصر من التأديب في السياسة على ما يكتفى به حتى يضطر إلى ما هو أشد منه وأغلظ. وقوله: وأشهر بالعصا وأدفع باليد.. يريد أنه يرفع العصاء يرعب (5) بها ولا يستعملها ولكنه يدفع بيده. و (6) قوله: ولولا ذلك لاعذرت.. أي لولا هذا التدبير والسياسة (7) لخلفت بعض ما أسوق، تقول: أعذر الراعي الشاة أو الناقة (8).. إذا تركها، والشاة العذيرة، وعذرت هي.. إذا تخلفت عن الغنم، انتهى. وقد ذكر ابن الاثير في النهاية كثيرا من ألفاظ هذه الرواية وفسرها. قال (9): في حديث عمران بن سوادة قال له: أربع خصال


(1) في المصدر: المحجة. (2) في الشرح: حتى تعود. (3) في (س): ينتد. (4) لا توجد الواو في (س). (5) في الشرح النهج: يرهب. (6) لا توجد الواو في المصدر. (7) في الشرح: وهذه السياسة. (8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: يقال أعذر الراعي الشاة والناقة. (9) النهاية: 2 / 162، ومثله في لسان العرب 13 / 173.

[623]

عاتبتك عليها رعيتك، فوضع عود الدرة ثم ذقن عليها وقال: هات. يقال: ذقن على يده وعلى عصاه - بالتشديد والتخفيف -: إذا وضعه تحت ذقنه واتكأ عليها. وقال (1) في قوب: منه.. حديث (2) عمر إن اعتمرتم في أشهر الحج رأيتموها مجزية من حجتكم (3) فكانت قائبة قوب عامها. ضرب هذا مثلا لخلو مكة من المعتمرين في باقي السنة، يقال: قيبت البيضة (4) إذا انفلقت عن فرخها وانما قيل لها: قائبة (5)، وهي مقوبة على تقدير: ذات قوب.. أي ذات فرخ، والمعنى أن الفرخ إذا قارق بيضته لم يعد إليها وكذا إذا اعتمروا في اشهر الحج لم يعودوا إلى مكة. وقال (6) في العنود: وفي حديث عمر ويذكر سيرته: (واضم العنود) (7) وهو من الابل: الذي لا يخالطها ولا يزال منفردا عنها. وأراد: من خرج عن الجماعة أعدته إليها وعطفته عليها. وقال ابن أبي الحديد (8): وفي حديث عمر، أنه قال - في متعة الحج -: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] فعلها وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا بهن معرسين تحت الاراك، ثم يلبون بالحج يقطر رؤوسهم، قال: المعرس: الذي


(1) النهاية 4 / 118، وانظر: لسان العرب 1 / 694. (2) في المصدر: وفي حديث، وفي (ك): ومنه حديث. (3) في النهاية: عن حجكم. (4) هنا سقط قد جاء في حاشية (ك) أيضا وهو: يقال: قبيت البيضة فهو مقوبة: إذا خرج فرخها منها، فالقائبة: البيضة، والقوب: الفرخ، وتقوبت البيضة: إذا انفلقت عن فرخها.. إلى آخر ما في المتن. نهاية. انظر: النهاية 4 / 118. (5) في (س): إنما هي قائبة. (6) قاله ابن الاثير في النهاية 3 / 308، ونحوه في لسان العرب 3 / 308. (7) لا توجد في المصدر: وأضم العنود. (8) شرح ابن أبي الحديد 12 / 150 - 151.

[624]

يغشى امرأته. قال: كره أن يحل الرجل من عمرته ثم يأتي النساء، ثم يهل بالحج (1). وقال في النهاية (2) في الاعراس: ومنه حديث عمر نهى عن متعة الحج، وقال: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فعله ولكن (3) كرهت أن يظلوا بها معرسين - أي ملمين بنسائهم -. وروى في جامع الاصول (4)، عن الترمذي (5)، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان (6) أبي ينهى عنها وصنعها (7) رسول الله صلى الله عليه [وآله]، أمر (8) أبي يتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] ؟ !. فقال الرجل: بل أمر رسول الله (ص)، فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله] (9).


(1) وانظر: الفائق 2 / 136، وجمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه 3 / 32 نقلا عن جمهرة من الحفاظ. (2) النهاية 3 / 206، ونظيره في لسان العرب 6 / 135. (3) في المصدر: ولكني - بالياء -. (4) جامع الاصول 3 / 115 - 116 حديث 1401، وأورده القرطبي في تفسيره 2 / 365 نقلا عن الدارقطني. (5) سنن الترمذي 1 / 157 كتاب الحج باب ما جاء في التمتع حديث 824، ثم قال: وإسناده صحيح، وجاء في زاد المعاد لابن القيم 1 / 194، وشرح المواهب للزرقاني 2 / 252، ومجمع الزوائد 1 / 158، وذكره بصورتين البيهقي في سننه 5 / 21، وقال في الآخر: أفكتاب الله عزوجل أحق أن يتبع أم عمر ؟ !. (6) لا توجد: كان، في (س). (7) الظاهر أن الكلمة في (س): وضعها. وفي المصدر: نهى عنها. (8) في المصدر: أأمر. (9) وقريب منه ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 2 / 95 وفي ذيله: أفرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أحق أن تتبع سنته أم سنة عمر ؟ !. وبعد تلك النصوص التي سلفت وتأتي عن صاحب الرسالة صلوات الله عليه وآله وسلم نجد هناك نصوصا مستفيضة عن عبد الله بن عمر تحكي نهي أبيه عنها، نظير قوله: افصلوا بين حجكم = = وعمرتكم.. اجعلوا الحج في أشهر الحج.. اجعلوا العمرة في غير أشهر الحج.. أتم للعمرة أن يعتمر في غير أشهر الحج وغيرها، كما في موطأ مالك 1 / 252، وسنن البيهقي 5 / 5، وتيسير الوصول 1 / 279، والدر المنثور 1 / 218، وغيرها من المصادر.

[625]

وروى مسلم (1)، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله]، وهذا - يعني معاوية - كافر بالعرش - يعني بالعرش.. بيوت مكة في الجاهلية -. قال في جامع الاصول (2) - بعد حكايتها عن مسلم -: وفي رواية الموطأ (3) والترمذي (4) والنسائي (5)، عن محمد بن عبد الله بن الحارث، أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال له سعد: بئسما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك: إن عمر قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعناها مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] بأمره، وصنعها هو صلى الله عليه [وآله] وسلم (6).


(1) صحيح مسلم كتاب الحج باب جواز التمتع حديث 1225. وانظر ما ذكره في الغدير 6 / 217. (2) جامع الاصول 3 / 113 - 114 حديث 1399. (3) الموطأ لمالك 1 / 344 [1 / 148] كتاب الحج باب ما جاء في التمتع. (4) سنن الترمذي 1 / 157 كتاب الحج باب ما جاء في التمتع حديث 823. (5) سنن النسائي 5 / 152 - 153 كتاب الحج باب التمتع باختلاف سندا عما هنا، ويشهد له أحاديث في الباب. (6) وقد جاء في كتاب الام للشافعي 7 / 199، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 335، وسنن البيهقي 5 / 17، وتفسير القرطبي 2 / 365 قال: هذا حديث صحيح، وزاد المعاد لابن القيم 1 / 84، وشرح المواهب للزرقاني 8 / 153. وقريب منه ما أورده الدارمي في سننه 2 / 35، ومسلم في صحيحه كتاب الحج باب التقصير في العمرة، وكتاب النكاح باب نكاح المتعة، وأحمد في المسند 1 / 52 و 174 و 252، والبيهقي في سننه 5 / 16، والطحاوي في معاني الآثار 2 / 35. وفي مسند احمد 1 / 337 في آخر الحديث جاء: فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون. أقول: قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ويقول: نهى أبو بكر وعمر. وأصرح من ذلك كله ما رواه في = = 4 / 3 منه، فراجع ولا حظ ما ذكره العلامة الاميني في غديره 6 / 201، وغيره.

[626]

قال (1): ليس عند الترمذي: عام حج معاوية. وروى في صحيح مسلم (2) وفي جامع الاصول (3) وفي المشكاة (4) عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه [وآله] بالحج خالصا وحده، فقدم النبي صلى الله عليه [وآله] صبح رابعة مضت (5) من ذي الحجة فأمرنا أن نحل، قال عطا: قال: أحلوا وأصيبوا النساء، ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم. فقلنا: لما لم يكن (6) بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة يقطر مذاكيرنا المني !. قال جابر بيده - كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها (7) -. قال: فقام النبي صلى الله عليه [وآله] فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله عزوجل وأصدقكم وأبركم، ولولا هدي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا (8).. إلى هنا


(1) جامع الاصول 3 / 115. (2) صحيح مسلم كتاب الحج باب بيان وجوه الاحرام حديث 1214، وانظر ما قبله وما بعده. (3) جامع الاصول 3 / 131 - 132 ضمن حديث 1413. (4) مشكاة المصابيح: 1 / 226. (5) لا توجد في جامع الاصول: مضت. (6) في (س): نسخة بدل: نكن. (7) في (ك): تحركها. (8) أقول: إن جابر وأمثاله حذوا حذو النبي (ص) وتبعوا سنته. وأما عمر وأضرابه فقد دعوا لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال حياته وبعد مماته وأصروا على شقاق الرسول صلى الله عليه وآله وقد تقدمت من الروايات ما تضمنت مخالفته. وقد نقل أبو حنيفة - كما في زاد المعاد لابن القيم 1 / 220 - عن الاسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة فإذا هو برجل مرجل شعره يفوح منه ريح الطيب، فقال له عمر: أمحرم أنت ؟. قال: نعم. فقال عمر: ما هيئتك بهيئة محرم، إنما المحرم الاشعث الاغبر الاذفر. قال: إني قدمت متمتعا وكان معي أهلي، وإنما أحرمت اليوم. فقال عمر عند ذلك: لا تتمتعوا في هذه الايام فإني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الاراك ثم راحوا بهن حجاجا. = = وذكر ابن القيم عن ابن حزم، أنه قال: وكان ماذا ؟ ! وحبذا ذلك وقد طاف النبي (ص) على نساءه ثم أصبح محرما، ولا خلاف أن الوطئ مباح قبل الاحرام بطرفة عين، والله أعلم. وقريب منه ما أخرجه أبو يوسف في كتاب الآثار: 97 عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عمر.

[627]

رواية البخاري (1). وفي رواية مسلم (2)، قال جابر: فقدم علي عليه السلام من سعايته (3)، فقال: بما أهللت ؟. قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه [وآله]. فقال له رسول الله صلى الله عليه [وآله]: فاهد وامكث حراما، واهدى له علي (عليه السلام) هديا، فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله ! لعامنا هذا أم لابد ؟. قال: بل لابد (4).


(1) صحيح البخاري 3 / 402 و 403 كتاب الحج في أبواب متفرقة بمضامين متعددة، وأورده في باب المغازي أيضا، والاعتصام بالكتاب والسنة باب نهي النبي (ص) عن التحريم، ورواه أبو داود في صحيحه المجلد الحادى عشر باب إفراد الحج باختلاف يسير، وأحمد بن حنبل في مسنده 3 / 317، وغيرهما ممن جمع الحديث كثير لا حاجة إلى ذكرهم. (2) صحيح مسلم 1 / 346. (3) السعاية: هي العمل والسعي على جمع الصدقات، وكان علي عليه السلام قد أرسله النبي (ص) إلى اليمن لجمع الصدقات. (4) في (س): لابد. وفي المصدر: للابد. أقول: وقد رواه البخاري في صحيحه 3 / 148 كتاب الحج باب عمرة التنعين، والقاضي أبو يوسف في كتاب الآثار: 126، وابن ماجة في سننه 2 / 230، وأحمد بن حنبل في مسنده 3 / 388 و 4 / 175، وأبو داود في سننه 2 / 282 كتاب الحج باب في إفراد الحج، والنسائي في صحيحه 5 / 178 و 179 كتاب الحج باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، والبيهقي في سننه 5 / 19، وغيرهم. قال شيخنا الاميني في غديره 6 / 213:.. هذا شطر من أحاديث المتعتين، وهي تربو على أربعين حديثا بين صحاح وحسان - تعرب عن أن المتعتين كانتا على عهد رسول الله (ص) ونزل فيهما القرآن وثبتت إباحتهما بالسنة، وأول من نهى عنهما عمر، وقد عده العسكري في أولياته، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 93، والقرماني في تاريخه - هامش الكامل - 1 / 203 أنه أول من حرم المتعة. = = أقول: في هذا الباب أحاديث كثيرة جدا عن طريق العامة دالة على إباحتها - إن لم نقل على استحبابها - لم يتعرض العلامة الاميني لها في غديره لخلوها عن نهي عمر، ولعل فيما ذكرناه كفاية لمن يستمع القول ويلقي السمع ويتبع أحسنه.

[628]

فهذه جملة من الاخبار العامية. وأخبار الخاصة في ذلك أكثر من أن يمكن إيرادها هنا، وسيأتي بعضها في كتاب الحج (1)، وكتب أخبارنا مشحونة بها (2). وأجاب المخالفون: أما عن متعة النساء، فبأنها كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وآله ثم نسخت، وعولوا في ذلك على روايات متناقضة أوردوها في كتبهم تركناها مخافة الاصناب، وأجيب عنها بوجوه: الاول: إن تناقض تلك الروايات تدل على كونها موضوعة، إذ بعضها يدل على أنها نسخت يوم خيبر، وبعضها يدل على أن الاباحة والتحريم كانا في مكة قبل الخروج منها بعد الفتح، وبعضها يدل على أنهم شكوا العزوبة في حجة الوداع فأذن لهم في المتعة، وبعضها يدل أنها ما حلت (3) إلا في عمرة القضاء، وكانت بعد فتح خيبر، وقد دل بعض رواياتهم على أنها نسخت يوم (4) خيبر كما عرفت، وبعضها على أنها نسخت في غزوة تبوك، وبعضها على أنها كانت مباحة في أول الاسلام حتى نسخت بقوله تعالى: * (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) * (5). ولا ريب في أنه لا يعبر عن عام حجة الوداع والفتح وخيبر وتبوك بأول الاسلام، على أن هذه الآية - التي تدل روايتهم عن ابن عباس على نسخ المتعة


(1) بحار الانوار 99 / 86 - 101. (2) انظر: على الشرايع: 412 - 413، 415، وعيون أخبار الرضا (ع) 2 / 15، 124، وخصال الصدوق 1 / 69 و 2 / 394، وأمالي الشيخ الطوسي 2 / 15، وقرب الاسناد: 104، 106، 107، 169، ودعائم الاسلام 1 / 317 و 318 و 319، وغيرها كثير. (3) في (ك): حللت. (4) لا توجد في (س): يوم. وهي نسخة بدل في (ك). (5) المؤمنون: 6.

[629]

بها - تكررت في سورتين: سورة المعارج (1)، وسورة المؤمنون (2)، وهما مكيتان كما ذكره المفسرون (3)، فكيف كان الاذن بها والنهي عنها في حجة الوداع، وعام الفتح، وغيرهما ؟ ! ولهذا (4) الاختلاف الفاحش التجأوا إلى التشبث بوجوه فاسدة سخيفة في الجمع بينها، كالقول بتكرر الاباحة والتحريم، وحمل التحريم في بعضها على التأبيد (5)، وفي بعضها على التأكيد، وذكروا وجوها سخيفة أخرى لا نسود (6) الكتاب بذكرها، وما رووه عن الحسن أنه: ما حلت إلا في عمرة القضاء (7) ظاهر المناقضة لتلك الوجوه. وبالجملة، هذا النوع من الاختلاف في الرواية دليل واضح على كذب الراوي. الثاني: إن ما سبق من روايات جابر وغيرها صريح في أن العمل بإباحة المتعة كان مستمرا إلى منع عمر بن الخطاب عنها. والقول بأن جابر أو غيره من الصحابة لم يبلغهم النسخ إلى زمان عمر ظاهر الفساد، وهل يجوز عاقل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه ينادي بإباحة المتعة بين الناس - كما مر - ويبوح بإباحتها (8) ويتلوا الآية الدالة على حلها، ثم لما (9) نسخ الحكم يخفيه عن طائفة من أصحابه ولا يعلن به بحيث لم يبلغ نسخ الحكم مثل جابر - مع شدة ملازمته


(1) المعارج: 30. (2) المؤمنون: 6. (3) كما في الدر المنثور 5 / 3، 6 / 415، والكشاف 3 / 174، 4 / 148، وغيرهما. (4) في (س): خط على اللام في: لهذا. (5) في (ك): التأييد. (6) في (س): لا تسود، وما أثبتناه هو الظاهر. (7) كما رواه النسائي في سننه كتاب المناسك: 109، 121، والترمذي في كتاب الادب: 70، وغيرهما. (8) أي يظهر إباحتها، يقال: باح بسره.. أي أظهره، كما في الصحاح 1 / 357. (9) وضع على: لما، في (ك) رمز نسخة بدل.

[630]

للرسول صلى الله عليه وآله في السفر والحضر - حتى كانوا يداومون على منكر شنيع يرى عمر رجم من ارتكبه، كما رواه مالك في الموطأ (1). وبالجملة، دعوى كون الحكم في نسخ مثل هذا الحكم بحيث يخفى على مثل جابر وابن مسعود وابن عباس وأضرابهم، بل على أكثر الصحابة - على ما هو الظاهر من قول جابر: كنا نستمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر - دعوي واضح الفساد. الثالث: إن الرواية المشهورة بين الفريقين من أنه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] و (2) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما (3).. صريحة في دوام الحكم بحلها إلى ذلك الزمان، وكذلك يشهد بعدم


(1) الموطأ لمالك 2 / 30 كتاب النكاح 41، وهناك روايات جمة في الباب. وقد أورد بعضها ابن ماجة في سننه: 44 كتب النكاح. أقول: قد جاء قول عمر في رجم رجل تزوج امرأة إلى أجل في مصادر متعددة بألفاظ مختلفة، وإليك بعضها: روى مسلم في صحيحه 1 / 476، والجصاص في أحكام القرآن 2 / 178، والرازي في تفسيره 3 / 26، والهندي في كنز العمال 8 / 293 وقال: أخرجه ابن جرير، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 216 وفيه: قول عمر هكذا: وانتهوا [وابتوا] عن نكاح هذه النساء، لا أوتي برجل نكح [تزوج] امرأة إلى أجل إلا رجمته. ونص على بعضها ابن الجوزي في مرآد الزمان. وأورده الطيالسي في مسنده 8 / 247 هكذا: واتبعوا نكاح هذه النساء، فلا أوتي برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته. وأورده البيهقي في سننه الكبري 5 / 21 و 7 / 206، وبألفاظ أخر: كنكح امرأة.. أو: إلا غيبته بالحجارة. وجاء في مسند الشافعي 132، عن عروة بن الزبير - في حديث -، قال فيه عمر: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت، وقال في كتاب الام 7 / 219، وذكر الجصاص 1 / 342 و 345 و 2 / 184 قول عمر: ومتعة النساء لو تقدمت لرجمته. ونقل البيهقي 7 / 206 في متعة النساء: ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة. وقال: أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام. ولعل هذه الالفاظ الصادرة منه تفسير لقوله: أعاقب عليهما، على متعة الحج ومتعة النساء. (2) لا توجد الواو في (س). (3) وقد سلفت منا جملة من مصادر قوله: أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، ونذكر هنا جملة أخرى منها: = = شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الحج: 374 و 375 و 401، كنز العمال 8 / 293 - 294 بطريقين، وقال: أخرجهما ابن جرير، والبيان والتبيين للجاحظ 2 / 223، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 242 و 245 و 2 / 184، وتفسير القرطبي 2 / 370، والمبسوط للسرخسي باب القران من كتاب الحج وصححه، وجاء في زاد المعاد لابن القيم 1 / 444، وقال: ثبت عن عمر، وتفسير الفخر الرازي 2 / 167 و 3 / 201، 222، وضوء الشمس 2 / 94، وتاريخ ابن خلكان 2 / 359، وغيرها.

[631]

نسخها عدم اعتذار عمر بالنسخ في الرواية السابقة، واعتذاره بأن حلها كان في زمان ضرورة، وهل يجوز عاقل أنه كان عالما بنسخها ونهى النبي صلى الله عليه وآله عنها ومع ذلك يعتذر بمثل هذا العذر الظاهر الفساد ؟ ! فإن إباحة حكم في زمان لا يقتضي تقييد الاباحة بها، وترك عمل الصحابة بأمر مباح - على تقدير تسليمه - لا يدل على عدم (1) إباحته (2)، على أن ذلك شهادة نفي في أمر محصور، ويكذبه قول جابر وغيره: كنا نستمتع.. إلى زمن نهيه، ولو كان مستنده عدم اطلاعه على عمل الصحابة بها بعد زمان (3) الضرورة فبطلانه أوضح. الرابع: إن المتعة لو كانت منسوخة لما خفي ذلك على أهل بيته صلى الله عليه وآله - وهم أعلم بما في البيت - وقد أجمعوا على حلها، وإجماعهم حجة، وإنكار قولهم بذلك مكابرة واضحة. وأما متعة الحج، فقد عولوا في دفع الطعن فيها على أنه نهى عنه عمر وكذلك عثمان - كما سبق - على وجه التنزيه، لكون الافراد أفضل لا على وجه الترحيم، وفيه نظر من وجوه: الاول: إن قول عمر: أنا أحرمهما.. ظاهر في التحريم، ولو سلمنا كون بعض الروايات: أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما.. فمع (4) أن الظاهر من لفظ


(1) لا توجد: عدم، في (س). (2) في (ك): إباحة - بلا ضمير -. (3) في (ك): الزمان، وهو خلاف الظاهر. (4) في المطبوع من البحار: وفمع. ولا معنى لها.

[632]

النهي أيضا الترحيم، قد قرن بالتحريم والنهي قوله: أعقاب عليهما، ولا ريب في أن المعاقبة تنافي التنزيه. الثاني: إنه لو كان نهيه عن متعة الحج للتنزيه لكان نهيه عن متعة النساء أيضا كذلك، للتعبير عنهما بلفظ واحد، ولم يقل أحد بأنه نهى عن متعة النساء تنهيزا، مع أنه قد مر أنه أوعد عليها بالرجم، وقد سبق في رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله دخل عليها غضبان لذلك، وكيف يغضب صلى الله عليه وآله لعدول الناس في عبادة ربهم إلى الافضل أو لترددهم فيه، بل لا يشك منصف في أن ما تضافرت به الروايات من قوله صلى الله عليه وآله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولولا أن معي الهدي لاحللت.. دليل قاطع على بطلان أفضلية الافراد كما زعموه. وبالجملة، القول بأن أمره صلى الله عليه وآله بالاحلال والعدول إلى التمتع كان أمرا بالمرجوع لبيان الجواز، ظاهر الفساد. الثالث: إن رواية عمران بن سوادة الليثي واضحة الدلالة على أن نهيه عنها كان على وجه التحريم، كما لا يخفى على من تأمل فيها، ولو كان نهيه على وجه التنزيه لقال: أني ما حرمتها عليهم ولكني أمرتهم بأفضل الافراد، وقد تقدم في رواية ابن حصين قوله: لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء (1). وقال البخاري: يقال انه عمر (2)، ومن تأمل في الاخبار لا يشك في أنه لم يكن الكلام في أفضلية التمتع أو الافراد، بل في جواز التمتع أو حرمته. الرابع: إنه لو كان نهي عمر وعثمان عن المتعة أمرا بالافضل فلماذا كان أمير


(1) قد مرت الرواية بمصادرها. (2) وقد جاءت في بعض نسخ صحيح البخاري، كما نص على ذلك العلامة الاميني في الغدير 6 / 199، وحكى عن غير واحد منهم، كما نقله الاسماعيلي عن البخاري، ولعله حذف منه أو حرف. وانظر: تفسير ابن كثير 10 / 233، وفتح الباري لابن حجر 4 / 339، والارشاد للقسطلاني 4 / 169، وشرح مسلم للنووي، وغيرها.

[633]

المؤمنين عليه السلام ينازع عثمان، وعثمان ينازعه، كما مر. وروى في جامع الاصول (1)، عن الموطأ (2) بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه [عليهما السلام] أنه قال: إن المقداد بن الاسود دخل على علي بن أبي طالب [عليه السلام] بالسقيا، وهو ينجع بكرات له دقيقا وخبطا. فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى أن يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي [عليه السلام] وعلى يديه أثر الدقيق والخبط، - فما أنسى الخبط والدقيق على ذراعيه - حتى دخل على عثمان بن عفان، فقال: أنت تنهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة ؟. فقال عثمان: ذلك رأي. فخرج (3) علي [عليه السلام] مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم (4) بحجة وعمرة معا. ومعلوم من سيرته عليه السلام أنه كان لا يجاهر الخلفاء بالخلاف ولا يعارضهم إلا في عظائم الامور، بل كان يداريهم ويتقي (5) شرهم ما استطاع، ولا يظهر الخلاف إلا في البدع الشنيعة، وهل يجوز عاقل أن يأمر عثمان بطاعة (6) الله تعالى بما هو أرضى عنده ثم يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلى الله عليه وآله ؟. ويرفع صوته بين الناس بما نهى عنه مع علمه بأن ذلك يثمر العداوة ويثير الفتنة. والبكرة: الفتية من الابل (7).


(1) جامع الاصول 3 / 105 حديث 1391. (2) الموطأ 1 / 336 كتاب الحج، باب القران في الحج، وجاء ما بمعناه في الصحيحين وغيرهما كما تقدم. (3) لا توجد: فخرج، في (س). (4) في المصدر: لبيك اللهم لبيك. (5) في (ك): وينفي. (6) جاء في (س): في طاعة. (7) كما ذكره ابن الاثير في النهاية 1 / 149، والجوهري في الصحاح 2 / 955، والطريحي في مجمع البحرين 3 / 299، وغيرهم.

[634]

والخبط - بالتحريك -: الورق الساقط من الشجر، وهو من علف الابل (1). وينجع.. أي يعلفها النجوع، والنجيع: وهو ان يخلط العلف من الخبط والدقيق بالماء ثم تسقى الابل (2). والسقيا - بالضم -: منزل بين مكة والمدينة (3). تذييل: اعلم، انه لا يشك عاقل - بعد التأمل فيما روت الخاصة والعامة في تلك القصة - أن هذا الشقي جبه النبي صلى الله عليه وآله بالرد حين أدى عن الله تعالى حكم التمتع بالعمرة إلى الحج، وواجهه صلى الله عليه وآله بألفاظ ركيكة، بعد قوله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل.. ولج في ذلك حتى أغضبه وأحزنه - كما مر في خبر عائشة - وقال: إنك لم تؤمن بهذا أبدا، كما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام (4). ثم لما لم يمكنه رفع هذا لاخبر أضمر في نفسه الخبيثة ذلك إلى أن استولى على الامر وتمكن، فقام خطيبا وصرح بأنه يحرم ما أحله النبي صلى الله عليه وآله وحث عليه، وأحيا سنة أهل الشرك والجاهلية، وشنع عليه صلى الله عليه وآله بالوجوه الركيكة التي ذكرها اعتذارا من ذلك، فكيف يكون مثل هذا مؤمنا ؟ ! وقد قال عزوجل: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا


(1) جاء في النهاية 2 / 7، وانظر: مجمع البحرين 4 / 224، والقاموس 2 / 356، وغيرهما. (2) ذكره ابن الاثير في النهاية 5 / 22 مع الفقرة الاولى من الرواية، وابن منظور في لسانه 8 / 348. (3) انظر: معجم البلدان 3 / 228، ومراصد الاطلاع 2 / 721، وقد جاء أيضا في نهاية ابن الاثير 2 / 382، ولا حظ: مجمع البحرين 1 / 221، والقاموس 4 / 343. (4) كما جاءت في علل الشرايع للصدوق: 412 و 413، وبحار الانوار 99 / 88 - 89 و 90، و وسائل الشيعة 8 / 150 - 154 و 157 و 158 و 164 و 165 - 166 و 168 - 169، وتهذيب الشيخ الطوسي 1 / 576، وفروع الكافي 1 / 233 و 234، ومن لا يحضره الفقيه 1 / 84 و 112، وعيون أخبار الرضا (ع): 263 و 264، واعلام الورى: 80 [138]، وغيرها كثير.

[635]

في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (1). تتميم: أجاب الفخر الرازي في تفسيره (2) عن الطعن بنهيه عن متعة الحج بوجه آخر، حيث قال: التمتع (3) بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالا بمكة (4) حتى ينشئ منها الحج فيحج في (5) عامه ذلك..، وهذا (6) صحيح و (7) لا كراهة فيه (8)، وها هنا نوع آخر (9) مكروه، وهو الذي خطب به عمر (10)، وهو أن يجمع بين الاحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة فيتمتع (11) بها إلى الحج. وروي أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أذن لاصحابه في ذلك، ثم نسخ. وهو باطل بوجوه: الاول: إن هذا المعنى لا يفهم من التمتع عند الاطلاق، وإنما يفهم منه المعنى المعروف عند فقهاء الفريقين، ولا ريب في أن الناس قديما وحديثا لم يفهموا


(1) النساء: 65. (2) تفسير الفخر الرازي 5 / 135. (3) في المصدر: المتمتع. (4) في التفسير: بمكة حلالا - بتقديم وتأخير -، ولا توجد فيه: حتى. (5) في المصدر: من، بدلا من: في. (6) ذكر الفخر الرازي وجه التسمية ثم قال: والتمتع على هذا الوجه.. (7) لا توجد الواو في المصدر. (8) لا توجد: فيه، في (س). (9) نوع آخر من التمتع: هكذا جاء في المصدر. (10) في التفسير: حذر عنه عمر. وهنا سقط جاء فيه، وهو: وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. والمراد من هذه المتعة أن يجمع. (11) في المصدر: ويتمتع.

[636]

من المتعة ومنعها غير المعنى المعروف، وإنما ذلك معنى تكلفه المتعصبون لضيق الخناق. الثاني: إن روايات عمران بن حصين في أن: ما نهى عنه الرجل وقال فيه برأيه ما شاء، هو المعنى المعروف، وإيقاع العمرة في أشهر الحج، وظاهر أن النهي عن المتعة والقول بالرأي فيها لم يكن من غير عمر، ولذا لم يصرح عمران به تقية (1). الثالث: إنه قد مر في رواية أبي موسى، أنه علل عمر ما أحدثه في شأن النسك بقوله، كرهت أن يظلوا معرسين.. وظاهر أن هذا التعليل يقتضي (2) المنع عن المتعة بالمعنى المعروف، والرواية صريحة في أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة فحذره الرجل عن مخالفة عمر. الرابع: إن رواية عمران بن سوادة صريحة في اعتراف عمر بأنه حرم المتعة في أشهر الحج معللا بما ذكر فيها، وكذا رواية الترمذي عن ابن عمر صريحة في أنه نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، وكذا غيرهما مما سبق من الروايات. الخامس: إنه لو كان ما نهى عنه وحرمه عمر أمرا منسوخا في زمن الرسول (ص) لانكر على عمران بن سوادة قوله: لم يحرمهما رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أبو بكر، وقد صدقه وعلل التحريم بما سبق. وبالجملة، لا مجال للشك في أن ما حرمه عمر هو التمتع بالعمرة إلى الحج الذي صرحت روايات الفريقين (3) بأنه حكمه باق إلى يوم القيامة، وإنه للابد،


(1) وقد مرت القصة بمصادرها، ونزيدها بما أخرجه القرطبي في تفسيره 2 / 365، وعد لها العلامة الاميني في غديره 6 / 198 - 199 جملة من المصادر، فلا حظ. (2) في (ك): يقضي. (3) قد سلفت مجموعة كبيرة من الروايات بهذا المضمون كادت أن تكون متواترة، انظر: صحيح النسائي 2 / 23، وصحيح ابن ماجة: 220 أبواب المناسك، صحيح أبي داود 11 باب إفراد الحج، مسند احمد بن حنبل 1 / 236، 253 و 259 و 292 و 366 و 388، وغيرها من مواضع كتابه وكتب أخرى منهم.

[637]

وأبد الابد، بل إنه نهى عن أعم منه وهو الاعتمار في أشهر الحج (1). ولنعم ما حكى الشهيد الثاني، قال (2): وجدت في بعض كتب الجمهور أن رجلا كا يتمتع بالنساء، فقيل له: عمن أخذت حلها ؟. قال: عن عمر. قيل له: كيف ذلك وعمر هو الذي نهى عنها وعاقب عليها ؟. فقال: لقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أحرمهما (3) وأعاقب عليهما، متعة


(1) عد شيخنا الاميني - رحمه الله - في الغدير 6 / 214 - 220 جملة من الشبهات وناقشها بما لا مزيد عليه، ولا نرى حاجة لسردها. (2) انظر: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 5 / 245 - 284. (3) أقول: إن العلة في تحريم عمر لمتعة الحج - وقد أحلها الله ورسوله صلى الله عليه وآله للابد ! كما مر - ففيها جملة روايات نذكر منها مثالا: منها: ما ورد في صحيح مسلم كتاب الحج باب في نسخ التحلل عن أبي موسى الاشعري في حديث، وفيه... فقال عمر: قد علمت أن النبي (ص) قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الاراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم. وسنن النسائي 2 / 15، وصحيح ابن ماجة أبواب المناسك، باب التمتع بالعمرة إلى الحج، ومسند احمد بن حنبل 1 / 49، 50، وسنن البيهقي 5 / 5، 20 بطريقين، وغيرها. وانظر: شرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب مناسك الحج: 375 و 401 عدة روايات، وحلية الاولياء لابن نعيم 5 / 205 فيه روايتان وغيرها. وقد أفاد السيد الفيروز آبادي - رحمه الله - في كتابه السبعة من السلف: 69 علة التحريم بما حاصله: أن العلة في نهيه عن متعة الحج هو إحياء سنة الجاهلية وأهل الشرك، لما مر من الروايات في الباب من أن العمرة في أشهر الحج كانت من أفجر الفجور عندهم في الارض، وكانوا يقولون: إذا برء الدبر وعفا الاثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر.. فراجع. وانظر أيضا ما فصله شيخنا الاميني - رحمه الله - في الغدير 6 / 213 - 216. وقد تعجب ابن عباس ممن ترك سنة النبي صلى الله عليه وآله واتبع قول أبي بكر وعمر، حيث روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ؟. فقال ابن عباس: ما يقول عرية ؟ !. قال: يقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ويقولون: قال أبو بكر وعمر. ذكره احمد بن حنبل في مسنده 1 / 337، وأبو عمر في كتاب مختصر العلم: 226، والذهبي في تذكرة الحفاظ 3 / 53، وابن القيم في زاد المعاد 1 / 219. أقول: ويظهر من هذه الرواية أن النهي عن المتعة كان في زمان أبي بكر أيضا، ولكن التهديد = = وإسقاط المتعة عن جامعة المسلمين حدثت في زمن عمر كما في الروايات الاخر، فتدبر. ويكفينا في المقام ما جاء عن حبر الامة - ابن عباس - إذ يقول: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك. وقال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الارض. كما ذكره البخاري في صحيحه 3 / 69، ومسلم في صحيحه 1 / 355، والبيهقي في سننه 4 / 345، والنسائي في سننه 5 / 180، وغيرهم.

[638]

الحج ومتعة النساء، فأنا أقبل روايته في شرعيتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أقبل نهيه (1) من قبل نفسه (2).


(1) جاء عن ابن عباس - كما أخرجه النسائي في سننه 5 / 153 - أنه قال: سمعت عمر يقول: والله إني لانها كم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! ! يعني العمرة في الحج. وإن ابن عباس قال - لمن كان يعارضه في متعة الحج بأبي بكر وعمر -: فقد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ولم ينهنا عن ذلك فأضرب عن ذلك عمر، وأراد أن ينهى عن حلل الحبرة لانها تصبغ بالبول، فقال له أبي: ليس لك ذلك، قد لبسهن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ولبسناهن في عهده. أخرجه امام الحنابلة في مسنده 5 / 243، وذكره البيهقي في مجمع الزوائد 3 / 246 نقلا عن احمد، وقال: رجاله رجال صحيح، والسيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 3 / 33 نقلا عن احمد، وقريب منه ما في الدر المنثور 1 / 216 نقلا عن مسند ابن راهويه واحمد. وروى ابن القيم الجوزية في زاد المعاد 1 / 220 عن طريق علي بن عبد العزيز البغوي: أن عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة وقال: الكعبة غنية عن ذلك المال، وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول، وأراد أن ينهى عن متعة الحج، فقال أبي بن كعب: قد رأى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأصحابه هذا المال وبه وبأصحابه حاجة إليه فلم يأخذه وأنت فلا تأخذه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأصحابه يلبسون الثياب اليمانية فلم ينه عنها، وقد علم أنها تصبغ بالبول، وقد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فلم ينه عنها ولم ينزل الله تعالى فيها نهيا، قد سلف. (2) ذكر الطعن الرابع العلامة الاميني في غديره مفصلا 3 / 306 و 329 - 333 و 6 / 198 - 240، وأجمله السيد الفيروز آبادي في السبعة من السلف: 56 - 77، وتعرض له غيرهما من أعلامنا طاب ثراهم.

[639]

الطعن الخامس: إنه عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهدوا عليه بالزنا، ولقن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة اتباعا لهواه، فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود وفضحهم وحدهم، فتجنب أن يفضح المغيرة - وهو واحد وكان آثما - وفضح الثلاثة، وعطل حد الله ووضعه في غير موضعه. قال ابن أبي الحديد (1): روى الطبري في تاريخه (2)، عن محمد بن يعقوب ابن عتبة، عن أبيه، قال: كان المغيرة يختلف إلى أم جميل - امرأة من بني هلال بن عامر - وكان لها زوج من ثقيف هلك قبل ذلك يقال له: الحجاج بن عبيد، وكان المغيرة - وهو أمير البصرة - يختلف إليها سرا، فبلغ ذلك أهل البصرة فأعظموا، فخرج الميغرة يوما من الايام (3) فدخل عليها - وقد وضعوا عليهما الرصد - فانطلق القوم الذين شهدوا عند عمر فكشفوا التسر فرأوه قد واقعها، فكتبوا بذلك إلى عمر، وأوفدوا إليه بالكتاب أبا بكرة، فانتهى أبو بكرة إلى المدينة، وجاء إلى باب عمر فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة ؟. فقال: نعم. قال: لقد جئت لشر !. قال: إنما جاء به (4) المغيرة.. ثم قص عليه القصة وعرض عليه الكتاب، فبعث (5) أبا موسى عاملا وأمره أن يبعث إليه المغيرة، فلما دخل أبو موسى البصرة وقعد في الامارة أهدى إليه المغيرة عقيلة (6)، وقال: وإنني قد رضيتها


(1) شرح ابن أبي الحديد 12 / 231 - 234 [3 / 161 أربع مجلدات] بتصرف. (2) تاريخ الطبري 4 / 207 [3 / 168] باختصار واختلاف يسير. (3) في الشرح زيادة: إلى المرأة. (4) في الطبري: بي، بدلا من: به. (5) في الطبري زيادة: عمر. (6) جاء في حاشية (ك) ما يلي: قال الفيروز آبادي: العقيلة - كسفينة - الكريمة المخدرة، ومن القوم: سيدهم، ومن كل شئ: أكرمه. وقال: الغرمول - بالضم -: الذكر. = = وقال: ناعاه: أي باراه وعارضه. [منه (رحمه الله تعالى)]. انظر: القاموس 4 / 19 في مادة عقل، و 224 في مادة غرمول - بالغين المعجمة والراء المهملة - وقال في 4 / 394: ناغاه: داناه وباراه، والمرأة: غازلها.

[640]

لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر. قال الطبري (1): وروى الواقدي (2)، عن مالك بن أوس (3)، قال: قدم المغيرة على عمر فتزوج في طريقه امرأة من بني مرة، فقال له عمر: إنك لفارغ القلب شديد الشبق، طويل العزمول (4). ثم سأل عن المرأة فقيل له: يقال لها: الرقطاء، كان زوجها من ثقيف، وهي من بني هلال. قال الطبري (5): وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف: أن المغيرة كان يبغض أبا بكرة، وكان أبو بكرة يبغضه، ويناغي (6) كل واحد منهما صاحبه وينافره عند كل ما يكون منه، وكانا متجاورين بالبصرة بينهما طريق، وهما في مشربتين متقابلتين، فهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الاخرى، فاجتمع إلى أبي بكر نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة وقد فتح (7) الريح بالكوة التي في مشربته، وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: ومن هذه ؟. قال: أم جميل بنت الافقم، وكانت أم جميل إحدى بني عامر (8)


(1) تاريخ الطبري 3 / 169 بتصرف. (2) هنا سقط في السند جاء في المصدر وشرح النهج لابن أبي الحديد، وهو: قال: حدثني عبد الرحمن ابن محمد بن أبي بكر بن محمد بن الطبري عمرو بن حزم الانصاري عن أبيه.. (3) في المصدر والشرح زيادة: بن الحدثان. (4) في شرح النهج: الغرمول - بالغين المعجمة والراء المهملة - وهو الظاهر كما تقدم. (5) تاريخ الطبري 3 / 169 باختلاف كثير واختصار شديد في الاسناد والمتن. (6) في (ك): يناعي. (7) في الشرح: صحت. وفي الطبري: وفتحت. (8) جاءت العبارة في شرح النهج هكذا: قال: أم جميل إحدى نساء بني عامر.

[641]

ابن صعصعة، فقالوا (1): إنما رأينا أعجازا ولا ندري ما الوجوه (2) ؟. فلما قامت صمموا، وخرج المغيرة إلى الصلاة، فحال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، وقال: لا تصل بنا، وكتبوا إلى عمر بذلك، وكتب المغيرة إليه أيضا، فأرسل عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى ! إني مستعملك، وإني باعثك إلى أرض قد (3) باض فيها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل الله بك. فقال: يا أمير المؤمنين ! أعني بعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والانصار، فإني وجدتهم في هذه الامة وهذه الاعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به. قال: فاستعن بمن أحببت، فاستعان بتسعة وعشرين رجلا منهم: أنس بن مالك وعمار (4) بن حصين وهشام بن عامر.. وخرج أبو موسى بهم حتى أناخ بالبصرة في المربد (5)، وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد، فقال: والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا (6) ولكنه جاء أميرا، وإنهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إلى المغيرة كتابا من عمر - إنه لازجر (7) كتاب كتب به أحد من الناس - أربع كلم عزل فيها وعاتب (8) واستحث وأمر: أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى (9) فسلم ما في يديك إليه والعجل. وكتب إلى


(1) هنا عبارة سقطت - وقد جاءت في الطبري -. (2) في الطبري: الوجه. (3) في شرح النهج: الارض التي قد.. (4) كذا، وفي المصدر والشرح: عمران، وهو الظاهر. (5) جاء في حاشية (ك) ما يلي: المربد: الموضع الذي يحبس فيه الابل وغيرها، ومنه يسمى مربد البصرة. ذكره الجوهري، وقال: الفارهة: الجارية الجميلة. [منه (رحمه الله)]. انظر: الصحاح 2 / 471 في مادة: ربد، وفيه: تحبس. وما ذكره للفارهة من المعنى لم نجده في الصحاح. قال في القاموس 4 / 289: والفارهة: الجارية المليحة، والفتية. (6) في شرح النهج والطبري: لا زائرا ولا تاجرا - بتقديم وتأخير -. (7) في المصدر والشرح: لاوجز، وهو الظاهر. (8) في الطبري: عزل منها وعاتب. (9) جاءت زيادة كلمة: أميرا، في الطبري.

[642]

أهل البصرة: أما بعد، فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم وعدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليجبي (1) لكم فيئكم، وليقسم فيكم (2)، وليحمي لكم طرقكم (3). فأهدى إليه المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى: عقيلة، فقال: إني قد رضيتها لك - وكانت فارهة -، وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين ! سل هؤلاء الاعبد كيف رأوني مستقبلهم أم مستدبرهم ؟ فكيف رأوا المرأة وعرفوها ؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر ! وإن كانوا مستدبري فبأي شئ استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي ! والله ما أتيت إلا امرأتي، فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل، وهو يدخله ويخرجه (4)، قال عمر: كيف رأيتهما ؟. قال: متسدبرهما. قال: كيف استبنت (5) رأسها ؟. قال: تخافيت (6). فدعا بشبل بن معبد فشهد مثل ذلك، وقال: استقبلتهما واستدبرتهما (7)، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة، ورأيت قدمين مرفوعين يخفقان (8)، وأستين


(1) في (س): ولتجئ. وفي الطبري: وليحصي. (2) في (س): طرفكم. وفي الطبري: لينقي لكم طرقكم. (3) في الطبري: ثم ليقسمه بينكم ولينقي.. (4) في الطبري زيادة: كالميل في المكحلة. (5) في المصدر والشرح: فكيف استثبت. (6) في شرح النهج: تجافيت. وفي الطبري: تحاملت. (7) في الطبري: فقال: استدبرتهما أو استقبلتهما ؟. قال: استقبلتهما. (8) جاء في حاشية (ك): خفقت الراية: اضطربت وتحركت. وفي الطبري: قدمين مخضوبتين تخفقاتن. وحفز المرأة - بالحاء المهملة والزاي المعجمة -: جامعها، وكذا بالمهملتين. وفي النهاية: الحفز: الحث والاعجال، ومنه حديث أبي بكرة، أنه دب إلى الصف راكعا وقد حفزه النفس. وقال الواجز: الحفز: النفس الشديد المتتابع الذي كأنه يدفع من سياق. [منه (رحمه الله)]. = = انظر: القاموس 3 / 228 في مادة: خفق، و 2 / 12 في مادة: حفر وحفز. والنهاية 1 / 407 في مادة: حفز، وحكى الجوهري في الصحاح 3 / 874 في مادة: حفز، قول الراجز. وفي الطبري: حفزانا.

[643]

مكشوفين، وسمعت حفزا شديدا، قال عمر: فهل رأيته فيها كالميل في المكحلة ؟. قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة ؟. قال: لا، ولكن أشبهها.. فأمر عمر بالثلاثة الحد (1): * (فإذا لم يأتوا بالشهداء فألئك عند الله هم الكاذبون) * (2)، فقال المغيرة: الحمد لله الذي أخزاكم، فصاح به عمر: أسكت.. (3) أسكت الله نأمتك (4)، أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك، فهذا ما ذكره الطبري (5). أقول: ثم روى (6) من كتاب الاغاني (7) لابي الفرج الاصفهاني روايات مختلفة تؤدي مؤدى تلك الرواية.. إلى أن قال (8): قال أبو الفرج: قال أبو زيد عمر بن شيبة (9): فجلس له عمر ودعا به وبالشهود، فتقدم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين فخذيها ؟. قال: نعم، والله لكأني أنظر إلى تشريم (10) جدري بفخذيها.


(1) في شرح: فجلدوا الحد. وفي الطبري: قال: فتح وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد. (2) النور: 13. (3) في الطبري: فقال المغيرة: أشفني من الاعبد. فقال: اسكت. (4) في حاشية (ك): قال الجوهري: النأمة - بالتسكين -: الصوت، يقال: اسكت الله نأمته:.. أي نغمته وصوته. [منه (رحمه الله)]. (5) تاريخ الطبري 4 / 207 [3 / 169 - 170] حوادث سنة 17 ه‍. (6) أي ابن أبي الحديد في شرحه 12 / 234 - 236. (7) الاغاني 14 / 77 - 100. (8) شرح ابن أبي الحديد 12 / 236 - 237. (9) في المصدر: عمر بن شبة. (10) جاء في حاشية (ك): التشريم: التشقيق، وقال الجوهري: ألا يألو.. أي قصر. [منه (قدس سره)]. النظر: الصحاح 5 / 1959، وجاء في القاموس 4 / 136، والنهاية 2 / 468، ومجمع البحرين 6 / 99 في مادة: شرم، والصحاح 6 / 2270 - أيضا - في مادة: إلى.

[644]

فقال المغيرة: لقد ألطفت النظر. قال: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به. فقال عمر: لا والله حتى تشهد، لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة. قال: نعم، أشهد على ذلك. فقال عمر: أذهب عنك، مغيرة ذهب (1) ربعك. قال أبو الفرج: ويقال: إن عليا عليه السلام هو قائل هذا القول، ثم دعا نافعا، فقال: على ما تشهد ؟. قال: على مثل شهادة أبي بكرة. فقال عمر: لا، حتى تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة. قال: نعم، حتى بلغ قذذه (2). فقال: أذهب عنك، مغيرة ذهب نصفك، ثم دعا الثالث - وهو شبل ابن معبد - فقال: على ماذا (3) تشهد ؟. قال: على مثل شهادة صاحبي ؟. فقال: أذهب عنك، مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك. قال: فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه، وبكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه، قال: ولم يكن زياد حضر ذلك المجلس، فأمر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة وأن لا يجالسهم أحد من أهل المدينة، وانتظر قدوم زياد، فلما قدم جلس له في المسجد واجتمع رؤوس المهاجرين والانصار، قال المغيرة - وكنت قد أعددت كلمة أقولها - فلما رأى عمر زيادا مقبلا قال: إني لارى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين (4).


(1) في (س): وذهب. (2) القذذ: ريش السهم، الواحدة القذة. قاله في الصحاح 2 / 568، والقاموس 1 / 357، والنهاية 4 / 28، ومجمع البحرين 3 / 186. (3) في المصدر: على م. (4) وفي فتوح البلدان: 3 - 352: أما إني أرى وجه رجل أرجو أن لا يرجم رجل من أصحاب رسول الله (ص) على يده ولا يخزى بشهادته، وفي لفظ المتقي الهندي في كنز العمال 3 / 18: إني أرى غلاما كيسا لن يشهد - ان شاء الله - إلا بحق !. وأوردها البيهي في سننه 8 / 235. وقد أورد القصة بتفصيلها شيخنا الاميني في الغدير 6 / 137 - 144 عن عدة مصادر، وذكرها ابن الاثير في الكامل 2 / 288، وابن خلكان في تاريخه 2 / 455، وابن كثير في تاريخه 7 / 81، وفي عمدة القاري 6 / 340، وفي أخبار عمر لعلي وناجي الطنطاوي: 59 (ط: دار الفكر)، تاريخ أبي الفداء 1 / 174، وكنز العمال 3 / 88 [8 / 235] وغيرها من المصادر.

[645]

قال أبو الفرج: وفي حديث أبي زيد (1) عن السري، عن عبد الكريم بن رشيد، عن أبي عثمان النهدي أنه لما شهد الشاهد الاول عند عمد تغير (2) لون عمر، ثم جاء الثاني فشهد فانكسر لذلك انكسار شديدا، ثم جاء الثالث فشهد فكأن الرماد نثر على وجه عمر، فلما جاء زياد جاء شاب يخطر (3) بيديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما عندك أنت يا سلح (4) العقاب ؟ وصاح أبو عثمان النهدي صيحة يحكي (5) صيحة عمر، قال عبد الكريم (6): لقد كدت أن يغشى علي لصيحته. قال أبو الفرج: فكان المغيرة يحدث، قال: فقمت إلى زياد، فقلت: لا مخبأ لعطر بعد عروس (7)، يا زياد ! أذكرك الله وأذكرك موقف القيامة وكتابه ورسوله أن


(1) في شرح النهج: زيد بن عمر بن شبة. (2) في المصدر: تغير الثالث لذلك. والظاهر زيادة كلمة: الثالث، وكونها للسطر الآتي. أقول: إن ملاحظة القصة بصدرها وذيلها تعطي علة تغير لون عمر أولا، وانكساره ثانيا، وصيرورته كأن الرماد نثر على وجهه ثالثا، وإيعازه إلى رابع الاربعة في الشهادة بكتمان شهادته رابعا، ولعل لمثل هذه الاوصاف والافعال صار مثلا للعدل عند أهل التسنن ؟ !. (3) جاء في حاشية (ك): والخطر - بالكسر -: نبات يختضب به. صحاح. انظر: الصحاح 2 / 648. أقول: المعنى المناسب للمقام ما جاء في النهاية لابن الاثير 3 / 46: يخطر بسيفه.. أي يهزه معجبا بنفسه. (4) جاء في حاشية (ك): في مصباح اللغة: سلح الطائر سلحا - من باب نفع -: هو منه كالتغوط من الانسان، وهو سلحه تسمية بالمصدر. [منه (رحمه الله)]. انظر: المصباح المنير 1 / 343، وفيه زيادة الواو بعد: نفع. (5) في شرح النهج: تحكي. (6) في المصدر: عبد الكريم بن رشيد. (7) جاء في حاشية (ك): ما يلي: قال الميداني في مجمع الامثال: لا مخبأ لعطر بعد العرس، ويروى لا عطر بعد العروس، قال المفضل: أول من قال ذلك امرأة من عذرة يقال لها: أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بني عمها يقال له: عروس فمات عنها فتزوجها رجل من قومها يقال له: نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلا دميما، فلما أراد أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي وبكيت عند رمسه ؟. فقال: افعلي، فقالت: أبيك يا عروس الاعراس، يا ثعلبا في أهله وأسدا عند = = البأس مع أشياء ليس يعلمها الناس. قال: وما تلك الاشياء ؟. قالت: كان عن الهمة غير نعاس ويعمل السيف صويحات البأس. ثم قالت: يا عروس الاعز الازهر الطيب الخيم الكليم المحضر مع أشياء له لا تذكر، قال: وما تلك الاشياء ؟. قالت: كان عيوفا للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، أيسر غير أعسر، فعرف الزوج أنها تعرض به، فلما رحل بها قال سمي اليك عطرك.. وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: لا عطر بعد عروس.. فذهبت مثلا. ويقال: إن رجلا تزوج امرأة فأهديت إليه فوجدها تفلة، فقال لها: أين الطيب ؟ -. فقال: خبأته. فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس.. فذهبت مثلا، يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس. وقيل: عروس اسم رجل مات فحملت امرأته أواني العطر فكسرتها وصبت العطر، فوبخها بعض معارفها، فقال ذلك. يضرب على الاول في ذم ادخار الشئ وقت الحاجة إليه، وعلى الثاني في الاستغناء عن ادخار الشئ لعدم من يدخر له، انتهى. ولعل المناسب هنا الاول من المعنيين الاخيرين. [منه (رحمه الله)]. انظر: مجمع الامثال 2 / 112 - 113 برقم 3491 بتصرف. وجاءت الفقرة الاخيرة في المستقصى لامثال العرب للزمخشري 2 / 264 برقم 991.

[646]

تتجاوز إلى ما لم تر، ثم صحت يا أمير المؤمنين ! إن هؤلاء قد احتقنوا (1) دمي، فالله الله في دمي، قال: فرتقت (2) عينا زياد واحمر وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين ! أما إن أحق ما حق القوم فليس عندي، ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا حثيثا وانتهارا، ورأيته متبطنها. فقال عمر: رأيته يدخل في فرجها كالميل في المكحلة (3) ؟. قال: لا. قال أبو فرج: وروى كثير من الرواة أنه قال: رأيته رافعا رجليها، ورأيت خصييه مترددين بين فخذيها، ورأيت حفزا شديدا، وسمعت نفسا عاليا، فقال عمر: رأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ؟. قال: لا. قال عمر: الله أكبر، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فقام المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين (4) وضرب


(1) كذا، في المصدر: احتقروا. وهو الظاهر. (2) في شرح النهج: فترنقت. (3) في المصدر: أرأيته يدخل ويخرج كالميل في المكحلة ؟. (4) في (ك): ثمانين جلدة.

[647]

الباقين. وروى قوم أن الضارب لهم الحد لم يكن المغيرة. قال (1): وأعجب عمر قول زياد: ودرأ الحد عن المغيرة، فقال أبو بكرة - بعد أن ضرب -: أشهد أن المغيرة فعل كذا.. وكذا، فهم عمر بضربه، فقال له علي عليه السلام: إن ضربته رجمت (2) صاحبك، ونهاه عن ذلك (3). قال أبو الفرج: يعني إن ضربه يصير شهادته شهادتين فيوجب بذلك الرجم على المغيرة. قال: واستتاب (4) عمر أبا بكرة، قال: إن ما تستتيبني لتقبل (5) شهادتي ؟. قال: أجل. قال: فإني لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. قال: فلما ضربوا الحد، قال المغيرة: الله أكبر ! الحمد لله الذي أخزاكم. فقال عمر: أسكت أخزى الله مكانا رأوك فيه. قال: وقام أبو بكرة على قوله، وكان يقول: والله ما أنسى قط فخذيها، وتاب الاثنان فقبل شهادتهما، وكان أبو بكرة بعد ذلك إذا طلب إلى شهادة يقول: اطلبوا غيري، فإن زيادا أفسد علي شهادتي.. قال (6) أبو الفرج: وحج عمر بعد ذلك مرة فوافق الرقطاء بالموسم، فرآها - وكانت (7) المغيرة يومئذ هناك - فقال عمر للمغيرة: ويحك ! أتتجاهل علي، والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء (8).


(1) قال.. أي ابن أبي الحديد في الشرح 12 / 237. (2) في (ك): وجهت. وفي (س) نسخة بدل: رحمت، وقد تقرأ: رجمت، وهو الظاهر. (3) وجاء في سنن البيهقي 8 / 235 قول علي عليه السلام بلفظ: إن كانت شهادة أبي بكرة شهادة رجلين فارجم صاحبك وإلا فقد جلدتموه، تارة، وبلفظ: إن جلدته فارجم صاحبك، ثانية، وبلفظ: لئن ضربت هذا فارجم ذاك، ثالثة. (4) في شرح النهج: فاستتاب. (5) لا توجد: لتقبل في (س). (6) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 238. (7) كذا، وفي المصدر: وكان. وهو الظاهر. (8) ليت شعري لماذا كان عمر يخاف أن يرمى بالحجارة من السماء ؟ إنها الردة حقا ! وحاشا الله أن يرمي = = مقيم الحق، أو لتعطيله الحكم ؟ أو لجلده مثل أبي بكرة - الذي عدوه من خيار الصحابة. وكان من العبادة كالنصل - ؟ !. انظر: الغدير 6 / 140.

[648]

قال: وكان علي عليه السلام - بعد ذلك - يقول: إن ظفرت بالمغيرة لاتبعته أحجاره (1) قال ابن أبي الحديد (2) - بعد ايراد تلك الاخبار وغيرها -: فهذه الاخبار، كما تراها تدل متأملها على أن الرجل زنى بالمرأة لا محالة، وكل كتب التواريخ والسير يشهد (3) بذلك، وإنما اقتصرنا نحن منها على ما في هذين الكتابين. وقد روى المدائني أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية، فلما دخل في الاسلام قيده الاسلام، وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته بالبصرة (4)، ثم أورد في ذلك روايات أخر تركناها اختصارا. وقال الشيخ قدس الله روحه في تلخيص الشافي (5): فإن قالوا: لم يعطل الحد وإنما لم يتكامل الشهادة، وارادة الرابع لان يشهد لا تكمل بها البينة وإنما تكمل بإقامتها.. وقوله: أرى وجه رجل لا يفضح الله على يده رجلا.. سائغ صحيح، فجرى مجرى ما روي عنه (ص) من أنه أتي بسارق فقال له (6): لا تقر. وقال لصفوان بن أمية - لما أتاه بالسارق وأمر بقطعه - فقال: هي له - يعني ما سرق - هلا قبل أن تأتيني به، فلا يمتنع أن يجب (7) أن لا تكمل الشهادة، وينبه الشاهد على


(1) وفي الاغاني 14 / 147: قال عليه السلام: لئن لم ينته المغيرة لاتبعنه أحجاره. وفيه أيضا: لئن أخذت المغيرة لاتبعنه أحجاره. (2) شرح النهج 2 / 239 [3 / 163]. (3) لا توجد: يشهد، في (س). وفي المصدر: تشهد. وهو الظاهر. (4) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 12 / 239 بتصرف. (5) تلخيص الشافي 4 / 21 - 25. (6) لا توجد: له، في (س). (7) كذا والظاهر: أن يجب - بالحاء المهملة -. وفي المصدر: أنه.

[649]

أن لا يشهد، وجلد الثلاثة من حيث صاروا قذفة، قالوا (1): ليس حالهم (2) وقد شهدوا كحال من لم تتكامل الشهادة عليه، لان الحيلة في إزالة الحد عنه - ولما تكاملت الشهادة - ممكنة بتلقين وتنبيه وغيره، ولا حيلة فيما قد وقع من الشهادة، فلذلك حدهم، وليس في إقامة الحد عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشهادة على المغيرة، لانه يتصور بأنه زان ويحكم بذلك فيه، وليس كذلك حال الشهود، لانهم لا يتصورون بذلك وإن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة، على أنه قيل إن القذف منهم كان (3) تقدم بالبصرة، لانهم صاحوا به في نواحي (4) المسجد بأنا نشهد بأنك زان، فلو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدهم لا محالة، فلم يمكن (5) في إزالة الحد عنهم ما أمكن في المغيرة، وما روي من أن عمر إذا راه كان يقول: لقد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء..، غير صحيح، ولو صح لكان تأويله التخويف وإظهار قوة الظن بصدق القوم لما شهدوا عليه ردعا (6) له، وغير ممتنع أن يحب (7) أن لا يفتضح لما كان متوليا للبصرة من قبله، وسكوت زياد عن إقامة الشهادة لا يوجب تفسيقه، لانا علمنا بالشرع أن له السكوت، ولو كان فسقا لما ولاه أمير المؤمنين عليه السلام فارس، ولما إئتمنه (8) على أموال المسلمين ودمائهم. قيل (9) لهم: إنما نسب عمر إلى تعطيل الحد من حيث كان في حكم


(1) لا توجد: قالوا، في المصدر، ووضع عليها في (ك) رمز نسخة بدل. (2) في (س) زيادة هنا وهي: في إقامة الحد شئ. (3) في (ك): وكان. (4) في تلخيص الشافي: من نواحي. (5) في (ك) فلم يكن. (6) في المصدر: ودعاه. (7) في (ك): يجب - بالجيم المعجمة -. (8) في (س): يأتمنه. (9) قيل جواب وجزاء لقوله: فإن قالوا..

[650]

الثابت، وإنما بتلقينه، لم تكمل الشهادة، لان زيادا ما حضر إلا ليشهد بما شهد به أصحابه، وقد صرح بذلك كما صرحوا قبل حضورهم، ولو لم يكن هذا هكذا لما شهد القوم قبله وهم لا يعلمون هل حال زياد في (1) ذلك كحالهم، لكنه أحجم (2) في الشهادة لما رأى كراهية متولي الامر لكمالها، وتصريحه بأنه لا يريد أن يعمل بموجبها. ومن العجائب أن يطلب الحيلة في دفع الحد عن واحد وهو لا يندفع إلا بانصرافه إلى ثلاثة، فإن كان درأ الحد والاحتيال في دفعه من السنن المتبعة، فدرؤه عن ثلاثة أولى من درئه عن واحد. وقولهم: إن درء (3) الحد عن المغيرة ممكن، ودرؤه (4) عن الثلاثة - وقد شهدوا - غير ممكن طريف، لانه لو لم يلقن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة لا ندفع عن الثلاثة الحد، فكيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكروه، بل لو أمسك عن الاحتيال جملة لما لحق الثلاثة حد. وقولهم: إن المغيرة يتصور بصورة زان لو تكاملت الشهادة، وفي هذا من الفضيحة ما ليس في حد الثلاثة.. غير صحيح ؟ لان الحكم في الامرين واحد، لان الثلاثة إذا حدوا يظن بهم الكذب وإن جوز (5) أن يكونوا صادقين، والمغيرة لو كملت (6) الشهادة عليه بالزنا ظن ذلك به مع التجويز لان يكون (7) الشهود كذبة، فليس في أحد الامرين إلا ما (8) في الآخر.


(1) في (س): زيادة: حاله، قبل: حال زياد، خط عليها في (ك). وفي المصدر: هل حاله في ذلك.. (2) في تلخيص الشافي: لجلج. (3) في المصدر: دفع، وهي نسخة بدل في (ك). (4) في المصدر: دفعه، وهي نسخة بدل في (ك). (5) في المصدر: جوزوا. (6) في التلخيص: لو كانت. (7) جاءت في المصدر: تكون - بالتاء -. (8) لا توجد: ما، في المصدر. (*)

[651]

وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أتي بسارق فقال له: لا تقر - إن كان صحيحا - لا يشبه ما نحن فيه، لانه ليس في دفع الحد عن السارق، إيقاع غيره في المكروه، وقصة المغيرة تخالف ذلك (1)، لما ذكرناه. وأما قوله (2) صلى الله عليه وآله لصفوان: هلا (3) قبل أن تأتيني به.. فلا يشبه ما نحن فيه، لانه بين أن ذلك القول كان يسقط الحد لو تقدم، وليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحدود. وأما قولهم إن القذف منهم كان قد (4) تقدم فغير معروف، والمروي خلافه، والظاهر أنه إنما حدهم عند نكول زياد عن الشهادة، وإن ذلك كان السبب في إيقاع الحد بهم. وتأويلهم لقول عمر: لقد خفت أن يرميني الله بحجارة.. لا يليق بما قالوه، لانه يقتضي (5) التندم والتأسف على تفريط وقع، ولم يخاف أن يرمي بالحجارة وهو لم يدرأ الحد (6) عن مستحق له، ولو أراد الردع والتخويف لمغيرة لاتى بكلام يليق بذلك ولا يقتضي إضافة التفريط إلى نفسه، وكونه واليا من قبله لا يقتضي أن يدرأ الحد عنه (7) ويعدل به إلى غيره. وأما قولهم (8): إنا ما كنا نعلم أن زيادا كان يتمم الشهادة.. فقد بينا أن ذلك كان (9) معلوما بالظاهر، ومن قرأ ما روي في هذه القصة علم - بلا شك - أن


(1) ذلك، لا توجد في التلخيص. (2) في المصدر: فأما. (3) في (س): هل. (4) قد، لا توجد في المصدر و (س). (5) في المصدر: لانه لا يقتضي، وهو الظاهر. (6) في (س): الحق. (7) في (ك) زيادة: الحق. (8) في المصدر: وقولهم. (9) لا توجد: كان، في تلخيص الشافي.

[652]

حال زياد كحال الثلاثة في أنه إنما حضر للشهادة، وإنما عدل عنها لكلام عمر. وقولهم: إن الشرع يبيحه السكوت.. ليس بصحيح، لان الشرع قد حظر كتمان الشهادة. وقولهم: لم يفسق زياد لان أمير المؤمنين عليه السلام ولاه فارس.. فليس بشئ يعتمد، لانه لا يمتنع أن يكون تاب بعد ذلك وأظهر توبته له عليه السلام، فجاز أن يوليه. وكان بعض أصحابنا يقول في قصة المغيرة شيئا طيبا - وهو معتمد في باب الحجة - وهو (1) أن زيادا إنما امتنع من التصريح بالشهادة المطلوبة في الزنا، وقد شهد بأنه شاهده بين شعبها الاربع وسمع نفسا عاليا، فقد صح على المغيرة بشهادة الاربعة جلوسه منها جلوس مجلس (2) الفاحشة.. إلى غير ذلك من مقدمات الزنا وأسبابه، فألا ضم إلى جلد الثلاثة تعزير هذا الذي صح عنده بشهادة الاربعة ما (3) صح من الفاحشة مثل (4) تعريك (5) اذنه أو ما جرى مجراه من خفيف التعزير ويسيره ؟ !، وهل في العدول عن ذلك حين عدل (6) عن لومه وتوبيخه والاستخفاف به إلا ما ذكروه من السبب الذي يشهد الحال به، انتهى كلامه رفع الله مقامه. وأقول: اعترض ابن أبي الحديد (7) وغيره (8) على هذا الكلام بوجوه سخيفة لا طائل في التعرض لها لوهنها.


(1) لا توجد: وهو، في المصدر. (2) مجلس: لا توجد في (س) والمصدر. (3) في (ك) نسخة بدل: من، بدلا من: ما. (4) لا توجد: مثل، في تلخيص الشافي. (5) قال في الصحاح 4 / 1599: عركت الشئ أعركه عركا: دلكته. (6) لا توجد: حين عدل، في المصدر، وفيه: حتى، وهو الظاهر. (7) في شرحه على النهج: 12 / 244. (8) كما في المواقف وشرحها، والمقاصد وشرحها، كما سيأتي.

[653]

وقال ابن أبي الحديد (1) - في تضاعيف كلامه -: ورد في الخبر أن عمر قال للمغيرة: ما أظن أبا بكرة كذب عليك.. وقال: تقديره أظنه لم يكذب عليك، انتهى. ولا يخفى أن هذا إسناد معصيته (2) إلى عمر، إذ لو لم يكن ذلك قذفا صريحا يوجب الحد فلا أقل يكون تعريضا يوجب التعزير، بل كذلك قوله: ما رأيتك إلا خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء (3) ؟ ! وهل يقال مثل ذلك لمن ندب الله إلى درء الحد عنه وسمى في كتابه من رماه بالفجور كاذبا ؟ !، ولو أراد عمر أن يعظ المغيرة أمكنه أن يذكره عذاب الله ويأمره (4) بالاجتناب عن ارتكاب مساخطه على وجه لا يوجب قذفا، ولا يتضمن تعريضا. ثم إن ما ذكروه أن سبب حبه للمغيرة أنه كان واليا من قبله فلا وجه له، بل لا يخفى على من تتبع أحوالهما أنه لم يكن الباعث على الحب وعلى جعله واليا إلا الاتفاق في النفاق والاشتراك في بغض أمير المؤمنين عليه السلام (5).


(1) شرح ابن أبي الحديد 12 / 238 [3 / 162]. (2) كذا، والظاهر: معصية - بلا ضمير -. (3) الاغاني 14 / 147، ونقله في شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 238 [3 / 162]. (4) في (س): يأمر - بدون ضمير -. (5) كان المغيرة في مقدم أناس كانوا ينالون عليا أمير المؤمنين عليه السلام. انظر: رسائل الجاحظ: 92، والاذكياء: 98، ومسند احمد بن حنبل 1 / 188، و 4 / 369، وغيرها. قال ابن الجوزي: قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، فقام صعصعة بن صوحان فتكلم، فقال المغيرة: أخرجوه، فأقيموه على المصطبة فيلعن عليا. فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب.. إلى آخره. وذكر امام الحنابلة في مسنده 4 / 369 بإسناده، قال: نال المغيرة بن شعبة من علي، فقال زيد ابن أرقم: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان ينهى عن سب الموتى، فلم تسب عليا وقد مات ؟ ! !. وغيره من روايات الباب هناك. ويكفي هذا وغيره في إثبات نفاقه أو كفره أو كونه ولد زنا لما ثبت بالنصوص الصريحة المستفيضة من أنه من أبغض عليا (ع) كان أحد هؤلاء الثلاثة.

[654]

كما روي أنه كان من أصحاب الصحيفة الملعونة (1) التي كتبوها لاخراج الخلافة عن أهل البيت عليهم السلام، ولو لم يكن يحبه حبا شديدا فلم كان يتغير عند شهادة كل شاهد على الوجه المتقدم ؟ !، مع أن المغيرة لم يكن ذا سابقة في الاسلام، ومن أهل الورع والاجتهاد حتى يتوهم أنه كان مثل ذلك سببا لحبه، وبغض المغيرة لامير المؤمنين عليه السلام كان أظهر من الشمس، وقد اعترف ابن أبي الحديد (2) بذلك حيث قال: قال أصحابنا البغداديون: من كان إسلامه على هذا الوجه - أي على الخوف والمصلحة - وكانت خاتمته ما تواتر الخبر به من لعن علي عليه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل، وكان المتوسط من عمره الزنا (3)، وإعطاء البطن والفرج سؤالهما، وممالاة الفاسقين، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله، كيف نتولاه ؟ ! وأي عذر لنا في الامساك عنه ؟ وأن لا نكشف للناس فسقه... وذكر (4) أخبارا كثيرة في أنه - لعنه الله - كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر ويأمر بذلك، وكذا اشتهاره بالزنا في الجاهلية والاسلام مما اعترف به ابن أبي الحديد (5)، فكفى طعنا لعمر حبه لمثل هذا الرجل مثل هذا الحب، وهل يظن أحد بعمر أنه لم يكن يعلم بغضه لامير المؤمنين عليه السلام، وقد كان سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا كافر (6) منافق (7).


(1) قد مرت مفصلا في بحار الانوار 28 / 85 - 100 [الحجرية كمباني 8 / 19 و 23 و 54]. (2) في شرحه على النهج: 20 / 10، وذكر عن الاغاني فيه: كيفية إسلام المغيرة، فهي حرية بالملاحظة. (3) في المصدر: الفسق والفجور، بدلا من: الزنا. (4) في شرح النهج لابن أبي الحديد 20 / 10. (5) انظر: شرحه على النهج 4 / 69، و 6 / 288، وغيرها. وقد مرت آنفا مصادر أخرى في ذلك، فراجع. (6) لا توجد: كافر، في (س). (7) جاء بألفاظ مختلفة وبأسانيد متعددة - والمعنى واحد -، مثل: لا يحب عليا المنافق ولا يبغضه المؤمن. أو بزيادة: ولا يحبه إلا مؤمن. أو قوله (ص): لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق. = = ذكر في الغدير 3 / 183 - 188 أكثر من ثلاثين مصدرا ينتهي إسنادها إلى ابن عباس، وسلمان، وأبي ذر، وحذيفة اليماني، وأبي ليلى الغفاري، وغيرهم، أخرج عنهم جمع كبير من الحفاظ والاعلام، فراجع. وأورده الحميدي أبو بكر عبد الله بن الزبير - المتوفى سنة 219 ه‍ - في مسنده 1 / 31 حديث 58، والترمذي عن طريق يحيى بن عيسى 4 / 332، وغيرهما. وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل البيت (ع): لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد ولا يبغضهم.. الرياض النضرة 2 / 189، وتاريخ بغداد 3 / 289. وقول علي عليه السلام لا يحبني كافر ولا ولد زنا. كما في شرح ابن أبي الحديد 1 / 373.

[655]

الطعن السادس: إنه منع من المغالاة في صدقات النساء، وقال: من غالى في مهر ابنته أجعله في بيت مال المسلمين (1)، لشبهة أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله زوج فاطمة عليها السلام بخمسمائة درهم، فقامت إليه امرأة ونبهته بقوله تعالى: * (.. وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * (2) على جواز المغالاة، فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت (3).


(1) جعله في بيت المال جاء بألفاظ شتى وطرق عديدة جدا نذكر جملة منها: الدر المنثور 2 / 133، وسيرة عمر لابن الجوزي: 129، والاذكياء له أيضا: 162، وجمع الجوامع - كما في ترتيب السيوطي الكنز - 8 / 298، وسنن البيهقي 7 / 233، وتفسير القرطبي 5 / 99، وتفسير ابن كثير 1 / 467، وحاشية سنن ابن ماجة للسندي 1 / 583 و 584، وكشف الخفاء للعجلوني 1 / 269 و 270 و 2 / 118، والمستطرف 1 / 70، وغيرها. وأخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات، وابن عبد البر في جامع العلوم، كما في مختصره: 66. (2) النساء: 20. (3) للقصة صور عديدة بألفاظ مختلفة وأسانيد متظافرة متحدة المعنى، سبق بعضها وسيأتي الآخر، تجدها في: المسند الكبير لابي يعلى، وسنن سعيد بن منصور، وأمالي المحاملي، وسيرة عمر لابن الجوزي: 129، وتفسير ابن كثير 10 / 467 عن أبي يعلى، ومجمع الزوائد للهيثمي 4 / 284، والدر المنثور للسيوطي 2 / 133، وجمع الجوامع - كما في ترتيبه الكنز - 8 / 298، الدرر المنتثرة: 243 نقلا عن سبعة من الحفاظ، وفتح الغدير للشوكاني 1 / 407، وتفسير الكاشف 1 / 357، تفسير القرطبي 5 / 99، تفسير النيسابوري في سورة النساء، وتفسير الخازن 1 / 353، والفتوحات =

[656]

= الاسلامية 2 / 477، والاربعين للرازي: 467، والتمهيد للباقلاني: 199، وقد جاءت القصة في المصادر كلها مذيلة بقول عمر: كل الناس أفقه من عمر، وفي بعضها زيادة: حتى النساء، وفي بعضها الآخر: حتى المخدرات في البيوت. قال ابن درويش الحوت في أسنى المطالب: 166: حديث كل أحد أعلم أو أفقه من عمر، قاله عمر لما نهى عن المغالاة في الصداق. وقد جاءت مذيلة بقوله: كل أحد أعلم من عمر، في: تفسير الكشاف 1 / 357، إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري للعسقلاني 8 / 57، تفسير النسفي - هامش الخازن - 1 / 353، كشف الخفاء 1 / 383. كما وقد وردت مع قوله: امرأة أصابت ورجل أخطأ في: الموفقيات للزبير بن بكار، وجامع العلم لابن عبد البر - كما في مختصره: 66 -، سيرة عمر لابن الجوزي: 129، الاذكياء لابن الجوزي: 162، وتفسير القرطبي 5 / 99، وتفسير ابن كثير 1 / 467، والدر المنثور 2 / 133، وجمع الجوامع - كما في ترتيب السيوطي - 8 / 298 نقلا عن ابن بكار وابن عبد البر، وحاشية سنن ابن ماجة للسندي 1 / 584، وكشف الخفاء للعجلوني 1 / 269، 270، 388، و 2 / 118. وجاءت في تفسير الخازن 1 / 353 بلفظ عمر: امرأة أصابت وأمير أخطأ. وأخرجها البيهقي في سننه 7 / 233 عن الشعبي، قال: خطب عمر بن الخطاب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شئ ساقه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أو سبق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل. عرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين ! أكتاب الله أحق أن يتبع أو قولك ؟. قال: بل كتاب الله تعالى: فما ذاك ؟. قالت: نهيت الناس آنفا: أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه: * (وءاتيتم احدا هن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) *. فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر.. مرتين أو ثلاثا. الحديث. وأورده المتقي الهندي في كنز العمال 8 / 298 297. وجاء في بعض المصادر - ذيله - أنه قال لاصحابه: تسمعوني أقول مثل القول فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء !. كما في تفسير الكاشف 1 / 357، وشرح صحيح البخاري للقسطلاني 8 / 57، وسبقهم السندي في حاشية السنن لابن ماجه 1 / 583، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 269، و 2 / 118، وغيرهم. وانظر خيانة الخطيب البغدادي في تاريخه 3 / 257. = = ومن هذا وغيره يظهر مدى الاستبداد الديني الحاكم والضغط السياسي المتسلط من قبل الخليفة آنذاك، وإلا فلا يعقل عدم التفات المسلمين لمثل هذا الحكم. وجمع الحاكم النيسابوري طرق هذه الخطبة لعمر بن الخطاب في جزء كبير - كما قاله في المستدرك 2 / 277 - وقال: تواترت الاسانيد الصحيحة بصحة خطبة أمير المؤمنين ! عمر بن الخطاب بذلك، وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك، وأخرجها الخطيب البغدادي في تاريخه 3 / 257 بعدة طرق وصححها، غير أنه لم يذكر الحديث بتمامه. وذكره السيوطي في جمع الجوامع - كما في الكنز 8 / 298 - نقلا عن سنن سعيد بن منصور والبيهقي، ورواه السندي في حاشية سنن ابن ماجة 1 / 583، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 269 و 2 / 118. وأخرج الحافظ الطبري في الرياض النضرة في أنه دخل علي عليه السالم على عمر - وإذا امرأة حبلى تقاد ترجم - فقال: ما شأن هذه ؟. فقالت: يذهبون ليرجموني.. وفي ذيلها: فقال عمر: كل أحد أفقه مني - ثلاث مرات.. وحكاه الحافظ الكنجي في الكفاية: 105، وقال في ذخائر العقبى: 81:. هذه غير تلك - أي القصة التي مرت للمرأة الحامل، لان اعتراف تلك كان بعد تخويف فلم يصح فلم ترجم، وهذه رجمت، كما مر. وقد ذكر العلامة الاميني - رحمه الله - في الغدير 6 / 95 - 99 صورا تسعا من هذه القصة، وأورد المصادر العديدة، فراجع. وجاء في العقد الفريد 3 / 416: لما قيل له نهاك الله عن التجسس تجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتان بهاتين، وهو يقول: كل الناس أفقه من عمر.

[657]

وأجيب بأنه لم ينه نهي تحريم بل نهي تنزيه، وقوله: كل الناس أفقه من عمر.. على طريق التواضع وكسر النفس (1). وأجاب السيد المرتضى (2) رضي الله عنه بأن (3): المروي أنه منع من ذلك وحظره حتى قالت له المرأة ما قالت، ولو كان غير حاظر للمغالاة لما (4) كان في الآية حجة عليه، ولا كان لكلام المرأة موقع، ولا كان يعترف لها بأنها أفقه منه،


(1) كما في المغني للقاضي 20 / 14 - القسم الاول -. (2) الشافي 4 / 185. (3) في المصدر: فهو دفع للعيان، لان.. (4) في الشافي: ولو كان راغبا عن المغالاة وغير حاظر لها لما..

[658]

بل كان الواجب عليه (1) أن يرد عليها ويوبخها ويعرفها أنه ما حظر ذلك وإنما تكون الآية حجة عليه لو (2) كان حاظرا مانعا. وأما التواضع فلا يقتضي إظهار القبيح وتصويب الخطأ، إذ (3) لو كان الامر على ما توهمه المجيب (4) لكان (5) هو المصيب والمرأة مخطئة، وكيف يتواضع بكلام يوهم أنه المخطئ وهي المصيبة ؟ انتهى. أقول: ومما يدل على بطلان كون هذا (6) الامر للاستحباب ما روه ابن أبي الحديد (7) في شرح نهج البلاغة أنه خطب فقال: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق زوجات رسول الله (8) صلى الله عليه [وآله] إلا ارتجعت ذلك منها، فقامت إليه امرأة فقالت: والله ما جعل الله ذلك لك (9)، إنه تعالى يقول: * (وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا..) * (10)، فقال عمر: لا تعجبون (11) من إمام أخطأ وامرأة أصابت، ناضلت إمامكم فنضلته ! (12). والمناضلة: المغالبة في الرمي، ونضلته.. أي غلبته فيه (13)، فإن كراهة


(1) لا توجد: عليه، في المصدر. (2) في (ك): ولو. (3) في الشافي: الواو، بدلا من: إذ. (4) في المصدر: صاحب الكتاب. (5) في (س): لو كان. (6) لا توجد: هذا، في (س). (7) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 182 [1 / 61]، وأشار إليه في 12 / 208 [3 / 96]، وغيرها من الموارد. وقريب منه في تفسير الخازن 1 / 353، وتفسير القرطبي 5 / 99، والاربعين للرازي: 467، والتمهيد للباقلاني: 199، وغيرهم. (8) في المصدر: صداق نساء النبي. (9) في شرح النهج: فقالت له امرأة: ما جعل لك ذلك. (10) النساء: 20. (11) في المصدر: فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال، ألا تعجبون، وهو الظاهر. (12) في شرح النهج: فاضلت إمامكم ففضلته. (13) كما في المصباح المنير 2 / 317، وانظر: مجمع البحرين 5 / 484، والصحاح 5 / 1831، = = والقاموس 4 / 58، والنهاية 5 / 72، وغيرها. (*)

[659]

المغالاة لا يقتضي جواز الارتجاع، بل استلزام الحرمة له أيضا محل تأمل. وقال ابن أبي الحديد (1) - أيضا - في شرح غريب ألفاظ عمر في حديثه أنه خطب، فقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإن الرجل يغالي بصداق المرأة حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوة، يقول جشمت إليك عرق القربة (2). قال أبو عبيدة: معناه: تكلفت لك حتى عرقت عرق القربة، وعرقها: سيلان مائها. وقال الفخر الرازي في تفسيره (3): روي أن عمر بن الخطاب (4) قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب ! الله يعطينا وأنت تمنعنا (5)، وتلت (6) قوله تعالى: * (وءاتيتم إحداهن قنطارا..) * (7)


(1) في شرحه على النهج 12 / 134 - 135 بتصرف. وانظر: الفائق 2 / 135، وغيرهما. (2) جاء في حاشية (ك) حاشية لم يعلم عليها، ولعل محلها هنا، وهي: قال الجوهري: قال الاصمعي: يقال: لقيت من فلان عرق القربة، ومعناه: الشدة، ولا أدري ما أصله. وقال غيره: العرق انما هو للرجل لا للقربة. قال: وأصله: أن القرب انما تحملها الاماء الزوافر، ومن لا معين له، وربما افتقر الرجل الكريم واحتاج إلى حملها بنفسه فيعرق لما يلحقه من المشقة والحياء من الناس، فيقال: تجشمت لك عرق القربة. وفي النهاية، في حديث عمر: جشمت اليك عرق القربة.. أي تكلفت اليك وتعبت حتى عرقت كعرق القربة، وعرقها سيلان مائها. وقيل: اراد بعرق القربة عرق حاملها من ثقلها. وقيل: اراد إني قصدتك وسافرت اليك واحتجت إلى عرق القربة وهو ماؤها. وقيل: اراد تكلفت لك ما لم يبلغه أحد وما لا يكون، لان القربة لا تعرق. [(منه قدس سره)]. انظر الصحاح 4 / 1522 - 1523، والنهاية 3 / 220 - 221. (3) تفسير الفخر الرازي 10 / 13. (4) لا توجد في المصدر: بن الخطاب. (5) في التفسير: وأنت تمنع. (6) في (س): ثلث، وفي نسخة جاءت عليها: تلت. وفي المصدر: وتلت هذه الآية. (7) النساء: 20.

[660]

الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر ! (1)، ورجع عن كراهة المغالاة. ثم قال (2): وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة (3)، لانه لا يلزم من جعل الشئ شرطا لآخر (4) كون ذلك الشرط جائز الوقوع في نفسه، كما يقول (5) الرجل: لو كان الاله جسما لكان محدثا، انتهى. والظاهر أنه حذف منها ارتجاع المهر دفعا للطعن بذلك، وليتمكن من حملها على الكراهة، إلا (6) أنه مع قطع النظر عنه لا يدفع الطعن، فإن الآية - بعد تسليم دلالتها على جواز إيتاء القنطار - لا شك في عدم دلالتها على نفي كراهة المغالاة، فرجوع عمر عن القول بالكراهة - كما اعترف به - واعترافه بالخطأ بما تلت (7) على المرأة دليل واضح على جهله، ولو حمل منعه على التحريم لم يظهر جهله بتلك المثابة، وإن كان أفحش في مخالفته الشرع، فظهر أن الحمل على الكراهة لا يسمن ولا يغني من جوع. والظاهر من رواية ابن أبي الحديد أنه منع من المغالاة على سبيل الاجتهاد، لظنه أنه مثمر للعداوة في قلب الزوج، فرجوعه عن ذلك القول - بعد سماع الآية كما دلت عليه الروايات - يدل على جواز الاجتهاد في مقابلة النص، وإلا لما اعترف بالخطأ ولم يرجع عن قوله، ولو جاز فرجوعه عن اجتهاده (8) بسماع الآية دليل واضح على جهله، فظهر توجه الطعن سواء كانت المغالاة مباحة أو محرمة أو مكروهة.


(1) في تفسير الفخر: أفقه من عمر. (2) الفخر الرازي في تفسير 10 / 13 - 14. (3) هنا سقط جاء في المصدر. (4) في التفسير: لشئ آخر. (5) في المصدر: الشرط في نفسه جائز الوقوع، وقد يقول:.. وقبلها سقط جاء فيه، فلا حظ. (6) في (ك): لا. (7) الكلمة في المطبوع مشوشة وما أثبتناه أولى، وقد تقرأ: قلت، ولا معنى لها. (8) في (س): اجتهاد، - بلا ضمير -.

[661]

الطعن السابع: وما رواه ابن أبي الحديد (1) وغيره (2): أن عمر كان يعس (3) ليلة فمر بدار سمع فيها صوتا فارتاب وتسور فوجد رجلا عنده امرأة وزق (4) خمر، فقال: يا عدو الله ! أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ؟ !. فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين ! إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال الله: * (ولا تجسسوا) * (5) وتجسست، وقال: * (وأتوا البيوت من أبوابها) * (6) وقد تسورت،


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 17 - 18 [3 / 96] بتصرف، وذكره في 1 / 182 [1 / 61] ولم يأت بذيله. (2) أورده محب الدين في الرياض 2 / 46، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 93، وأوردها مفصلا وبشكل آخر في الفتوحات الاسلامية 2 / 476 - 477، والكامل لابن الاثير 4 / 28، وكنز العمال 2 / 167، وجاء بها في نفس المجلد: 141 بشكل آخر عن السدي مقتصرا على الفقرة الاولى. وجاء شهاب الدين الابشيهي في المستطرف 2 / 115 باب 61 بقضية غير ما مرت في عسن عمر ومواجهة من نبهه على الخطايا الثلاث. ونقل في العقد الفريد 3 / 416 قضية ثالثة في عسه ورجوعه نادما، وفيه: هم بتأديبهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ! نهاك الله عن التجسس تجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت. فقال: هاتين بهاتين وانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر. أقول: انظروا إلى مصالحة الخليفة مع الامة في الخطأ وما تبعت هذه المصالحة من الآثار. وأخذ بتكرارها ولكن نصح له عبد الرحمن بن عوف فامتنع، وقد جاء في سنن البيهقي 8 / 334، والاصابة 1 / 531، والدر المنثور 6 / 93، والسيرة الحلبية 3 / 293، والفتوحات الاسلامية 2 / 472: قال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن حلف وهم الآن شرب، فما ترى ؟. قال عبد الرحمن: أرى قد أتينا ما نهى الله عنه: (ولا تجسسوا) فقد تجسسنا فانصرف عنهم عمر وتركهم. (3) قال في النهاية 3 / 236: وفي حديث عمر: أنه كان يعس بالمدينة.. أي يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة. (4) قال في القاموس 3 / 241: الزق - بالكسر -: السقاء أو جلد يجز وينتف للشراب وغيره. (5) الحجرات: 12. (6) البقرة: 189.

[662]

وقال: * (إذا دخلتم بيوتا فسلموا) * (1) وما سلمت. قال: فهل عندك من خير إن (2) عفوت عنك ؟. قال: نعم - والله - لا أعود. فقال: اذهب فقد عفوت عنك. وفي رواية أخرى (3): فلحقه الخجل. وقد حكى تلك القصة في الصراط المستقيم (4)، عن الطبري (5)، والرازي، والثعلبي، والقزويني، والبصري، وعن الراغب في محاضراته، والغزالي في الاحياء (6)، والمالكي في قوت القلوب. وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان (7): وروي (8) عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب حدث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو المحجن: يا أمير المؤمنين ! إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس !. فقال عمر: ما يقول هذا ؟. فقال زيد بن ثابت وعبد الله بن الارقم: صدق يا أمير المؤمنين !. قال: فخرج عمر وتركه، وخرج مع (9) عمر بن الخطاب أيضا (10) عبد الرحمن بن عوف (11) فتبينت لهما نار فأتيا واستأذنا ففتح الباب فدخلا، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح، فقال عمر: من هذه منك ؟. قال: امرأتي. قال: وما في هذا القدح ؟. قال: الماء، فقال للمرأة ما الذي تغنين، قالت: أقول:


(1) النور: 61. (2) في (س): فإن. (3) جاءت في المغني للقاضي 20 / 14 - القسم الثاني - حيث قال: وإنما لحقه على ما يروى في الخبر الخجل.. (4) الصراط المستقيم 3 / 20. (5) تاريخ الطبري 5 / 20 [طبع مصر]. (6) إحياء العلوم 2 / 201. (7) مجمع البيان 9 / 135. (8) في (س): روى - بلا واو -. (9) لا توجد: مع، في المصدر. (10) في مجمع البيان زيادة: ومعه. (11) في المصدر زيادة: يعسان.

[663]

تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقني إلا حبيب ألاعبه فو الله لولا خشية الله والتقى * لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والهواء (1) يكفني * وأكرم بعلي أن تنال مراكبه فقال (2) الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين ! قال الله تعالى: * (ولا تجسسوا) * (3)، فقال عمر: صدقت، وانصرف (4).


(1) في (ك) نسخة بدل: الحياء. (2) في المصدر: ثم قال. (3) الحجرات: 12. (4) هذا، وإن شرب الخليفة للخمر من المسلمات، ألا ترى إلى ما ذكره الزمخشري في ربيع الابرار 4 / 51 - 52، باب اللهو واللذات والقصف واللعب، والابشيهي في المستطرف: 260 [2 / 291].. وغيرهما في قصة تدرج نزول آيات النهي عن الخمر، وفيها: حتى شربها عمر فأخذ لحى بعير فشج رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الاسود بن عبد يغوث [أبي يعفور، بن يعفور]، وفيها: أيوعدنا ابن كبشةأن سنحيى * وكيف حياة أصداء وهام أيعجز أن يرد الموت عني * وينشرني إذا بليت عظامي ألا من مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام فقل لله يمنعني شرابي ! * وقل لله يمنعني طعامي ! فبلغ ذلك رسول الله (ص)، فخرج مغضبا يجر رداءه، فرفع شيئا كان في يده ليضربه... وحرف القصة الطبري في تفسيره 2 / 203 بوضع كلمة رجل بدلا من: عمر، وناقشها شيخنا الاميني - رحمه الله - في غديره 6 / 251 - 261 بذكر موارد النقض وما يرد على الخليفة. أقول: بعد نزول آية تحريم الخمر، قال الخليفة: انتهينا انتهينا.. فلم نجده قد انتهى، إذ ها هو يقول - كما في السنن الكبرى 8 / 299، والمحاضرات للراغب الاصفهاني 1 / 319، وكنز العمال للمتقي الهندي 3 / 109 بألفاظ متعددة وغيرهم -: إنا نشرب هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم = = الابل في بطوننا أن تؤذينا، فمن رابه من شرابه شئ فليمزجه بالماء !. وأورد الهندي في كنزه، والطبراني في الجامع الكبير 6 / 156، وابن عبد البر في العقد الفريد 3 / 416، وغيرهم أنه شرب وشرب إلى أن مات، فها هم يقولون: وكان يشرب النبيذ الشديد إلى آخر نفس لفظه. قال عمر ابن ميمون: شهدت عمر حين طعن أتي بنبيذ فشربه.. ولا حظ ما أورده الجصاص في أحكام القرآن 2 / 565، بل جاء في جامع مسانيد أبي حنيفة 2 / 192 أنه كان يحب الشراب الشديد، وعنه قوله في الخمر: هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه. وجاء في سنن النسائي 8 / 326 عنه: إذا خشيتم من نبيذ شدته فاكسروه بالماء.. وغيرها، هذا مع تواتر نصوص الفريقين - كما في سنن أبي داود 2 / 129، ومسند احمد 2 / 167، 3 / 343، وصحيح الترمذي 1 / 342، وسنن ابن ماجة 2 / 332، وسنن النسائي 8 / 30، وسنن البيهقي 8 / 296، وغيرهم كثير - مع أن: ما أسكر كثيره فقليله حرام.. وغيره من نصوص الباب.

قال ابن الاثير في النهاية 4 / 144، في حديث أبي سفيان: لقد أمر ابن أبي كبشة.. كان المشركون ينسبون النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى أبي كبشة وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الاوثان وعبد الشعرى العبور فلما خالفهم النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في عبادة الاوثان شبهوه به، وقيل: إنه كان جد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم من قبل أمه فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه.

[664]

وأجيب (1) بأن للامام أن يجتهد في إزالة المنكر بهذا الجنس من الفعل، وإنما لحقه الخجل.. (2) لانه لم يصادف الامر على ما ألقي إليه في إقدامهم على المنكر. وأجاب السيد المرتضى (3) رضوان الله عليه ب‍: أن التجسس محظور (4) بالقرآن والسنة، وليس للامام أن يجتهد فيما يؤدي إلى مخالفة الكتاب والسنة، وقد كان يجب - إن كان هذا عذرا صحيحا - أن يعتذر به إلى من خطأه في وجهه، وقال له: إنك أخطأت السنة من وجوه، فإنه بمعاذير نفسه أعلم من غيره (5)، وتلك الحال حال (6) تدعو إلى الاحتجاج وإقامة العذر، وكل هذا تلزيق وتلفيق. انتهى. ولا يخفى أن قولهم: إنما لحقه الخجل لعدم مصادفته الامر على ما ألقي إليه.. مخالف لما رواه ابن أبي الحديد (7) وغيره كما عرفت.


(1) والمجيب: هو القاضي في المغني 20 / 14 - القسم الثاني -. (2) في المصدر زيادة: على ما روي في الخبر. وفي الاصل: على ما يروى. (3) في الشافي 4 / 185. (4) في المصدر: فأما التجسس فهو محظور. (5) في (س): من غيرها. وفي المصدر: من صاحب الكتاب. (6) لا توجد: حال - الثانية -، في المصدر. (7) في شرح النهج 12 / 18.

[665]

ثم إنهم عدوا من فضائل عمر (1) أنه أول من عس في عمله نفسه، لزعمهم أن ذلك أحرى بسياسة الرعية، وقد ظهر من مخالفته لصريح الآية أنه من جملة مطاعنه، ولو كان خيرا لما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكان الله تعالى يأمر بذلك، فعدهم ذلك من فضائله ترجيح لرأي عمر على ما قضى الله ورسوله به، وهل هذا إلا كفر صريح ؟ !. الطعن الثامن: ما ورد في جميع صحاحهم - وإن لم يتعرض له أكثر أصحابنا، وهو عندي من أفحش مطاعنه وأثبتها - وهو أنه ترك الصلاة لفقد الماء، وأمر من أجنب ولم يجد الماء أن لا يصلي من غير استناد إلى شبهة، كما روى البخاري (2) ومسلم (3) وأبو داود (4) والنسائي (5) وصاحب جامع الاصول (6)، عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الاشعري، فقال له أبو موسى (7): لو أن رجلا أجنب ولم يجد الماء شهرا (8) أما كان يتيمم ويصلي ؟ ! و (9) كيف تصنعون بهذا الآية في سورة


(1) كما في كتاب الاوائل للعسكري: 105 - 108، وذكر قصصا ظريفة عن الخليفة، كما وقد عد ابن الجوزي هذه المخزاة من مناقب وفضائل عمر ! وتبعه شاعر النيل حافظ ابراهيم في قصيدته العمرية، كما جاء في ديوانه المطبوع سنة 1937 م. (2) صحيح البخاري 1 / 385 كتاب التيمم باب إذا خاف الجنب على نفسه وأبواب أخر. (3) صحيح مسلم كتاب الحيض باب التيمم حديث 368. (4) سنن أبي داود حديث 321 كتاب الطهارة باب التيمم. (5) النسائي 1 / 170 كتاب الطهارة باب تيمم الجنب. (6) جامع الاصول 7 / 252 - 254 حديث 5289 باختلاف أشرنا إلى غالبه. (7) في المصدر زيادة: أرأيت يا أبا عبد الرحمن. (8) هنا سقط جاء في المصدر وهو: كيف يصنع بالصلاة ؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شرا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه.. ولا توجد فيه: أما كان يتيمم ويصلي وكيف تصنعون ؟. (9) لا توجد الواو في (ك).

[666]

المائدة: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (1)، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لاوشكوا (2) إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد (3). قلت: وإنما كرهتم هذا لذا (4). قال: نعم. فقال له أبو موسى (5): ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله صلى الله عليه [وآله] في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما يتمرغ (6) الدابة (7)، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه [وآله]، فقال: إنما كان (8) يكفيك أن تصنع هكذا.. فضرب بكفه (9) ضربة على الارض ثم نفضها ثم مسح (10) ظهر كفه بشماله، أو (11) ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه، فقال عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار (12). قال البخاري (13): وزاد يعلى، عن الاعمش، عن شقيق، قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقال له (14) أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] بعثني أنا وأنت، فأجنبت، فتمعكت في الصعيد (15) فأتينا


(1) المائدة: 6. (2) في جامع الاصول: لو رخص لهم في هذه الآية لاوشك.. (3) في المصدر: بالصعيد. (4) لا توجد في صحيح مسلم: وأنما كرهتم هذا لذا. (5) في جامع الاصول: فقال أبو موسى لعبد الله. (6) في صحيح البخاري: تتمرغ، وفي جامع الاصول: تمرغ. (7) هنا سقط جاء في المصادر: ثم أتيت النبي (ص). (8) لا توجد: كان.. في جامع الاصول. ووضع عيها رمز نسخة بدل في البحار. (9) في المصادر: ثم مسح بها. (11) في (ك): لو، بدلا من: أو. (12) ورد الذيل في صحيح البخاري ومسلم، كما في الغدير 6 / 91. (13) صحيح البخاري 1 / 96 كتاب التيمم باب التيمم بضربة. (14) لا توجد: له، في بعض نسخ صحيح البخاري. (15) في المصدر: بالصعيد.

[667]

رسول الله صلى الله عليه [وآله] فأخبرناه، فقال: إنما (1) يكفيك هكذا.. ومسح وجهه وكفيه واحدة. وروى البخاري (2) - أيضا - في موضع آخر، عن شقيق بن سلمة، قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت - يا أبا عبد الرحمن - إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع ؟. فقال عبد الله: لا يصلي حتى يجد الماء. فقال أبو موسى: كيف (3) تصنع بقول عمهار حين قال له النبي صلى الله عليه [وآله]: كان يكفيك.. قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك ! فقال أبو موسى: فدعنا من قول (4) عمار، كيف تصنع بهذه الآية ؟، فما درى عبد الله ما يقول !، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لاوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم، قال الاعمش: فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله لهذا. قال: نعم (5). وروى البخاري (6) - أيضا -، عن أبي وابل، قال: قال أبو موسى لعبد الله ابن مسعود: إذا لم يجد الماء لا يصلي ؟. قال عبد الله: لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني تيمم - وصلى، قال: قلت: فأين قول عمار لعمر ؟. قال: إني لم أر عمر قنع بقول عمار (7). وروى (8) أيضا، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى


(1) في صحيح البخاري زيادة: كان بعد: إنما. (2) صحيح البخاري 1 / 95 كتاب الطهارة باب إذا خاف الجنب على نفسه. (3) في المصدر: فكيف. (4) في (س) بقول. (5) وأخرجه مسلم في صحيحه 1 / 110، وأبو داود في سننه 1 / 53، والبيهقي في سننه 1 / 226، وقال في تيسير الوصول 3 / 97: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. (6) صحيح البخاري 1 / 95 كتاب الطهارة - التيمم - باب إذا خاف الجنب. (7) وجاء في سنن البيهقي 1 / 226، وتيسير الوصول 3 / 97. (8) البخاري في صحيحه 1 / 92 - 93 [1 / 45] حديث 2 في باب المتيمم هل ينفخ فيهما.. من كتاب الطهارة. وأورده في الابواب التي بعده، إلا أنه حرفه ودلس فيه صونا لمقام الخليفة وقدسيته، فقد حذف الكلمة: لا تصل، أو قوله: أما أنا فلم أكن لاصلي.. ذاهلا عن أن كلام عمار عندئذ = = لا يرتبط بشئ، ولعل هذا عنده أخف وطئة من إخراج الحديث على ما هو عليه. ورواه مسلم في صحيحه باب التيمم بأربعة طرق. وذكره البيهقي محرفا في سننه 1 / 209 نقلا عن الصحيحين، وأخرجه النسائي في سننه 1 / 60 وفيه مكان جواب عمر: فلم يدر ما يقول، وأخرجه البغوي في المصابيح 1 / 36 وعده من الصحاح غير أنه حذف صدر الحديث وذكر مجئ عمار إلى رسول الله (ص) فقط. وكذا حرفه الذهبي في تذكرته 3 / 152. إلا أن ابن حجر في فتح الباري في شرح صحيح البخاري 1 / 352 قال: إن هذا مذهب مشهور من عمر. وأورده العيني في عمدة القارى 2 / 172، وقال: إن عمر لم يكن يرى للجنب التيمم لتأدية اجتهاده إلى أن الآية مختصة بالحدث الاصغر. وأورد الواقعة العلامة الاميني في غديره 6 / 83 - 92 وناقشها بما لا مزيد عليه.

[668]

عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء ؟. فقال عمر: لا تصل. فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر إنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي صلى الله عليه [وآله]، فقال النبي صلى الله عليه [وآله]: إنما كان يكفيك هكذا.. فضرب النبي صلى الله عليه [وآله] بكفيه الارض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (1). وروى مسلم (2) بالاسناد المذكور إلى قوله: ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر: اتق الله يا عمار !. فقال: إن شئت لم أحدث (3) به. وفي رواية (4) أخرى لمسلم، فقال عمر: نوليك ما توليت. وفي رواية أخرى له (5)، قال عمار: يا أمير المؤمنين ! إن شئت - لما جعل الله علي من حقك - ألا أحدث به أحدا (6).


(1) وجاءت في سنن أبي داود 1 / 53، سنن ابن ماجة 1 / 200، مسند احمد بن حنبل 4 / 265 و 319، وسنن النسائي 1 / 59، 61. (2) صحيح مسلم كتاب الطهارة باب التيمم. وجاء في سنن ابن ماجة 1 / 200. (3) في (ك) زيادة: أحدا، بعد: أحدث، وفي صحيح مسلم: لم أحدث به. (4) و (5) صحيح مسلم كتاب الطهارة باب التيمم. (6) وأورده والسابق أبو داود في سننه 1 / 53، وابن ماجة في صحيحه: 43، واحمد في مسنده 4 / 265 و 319، والنسائي في سننه 1 / 59 و 60 و 61. وجاءا في سنن البيهقي 1 / 209 بطرق عديدة، وشرح معاني الآثار للطحاوي 1 / 67.

[669]

وقال في جامع الاصول (1) - بعد حكاية رواية البخاري ومسلم: - وفي الرواية أبي داود أنه قال: كنت عند عمر فجاءه رجل، فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين، فقال عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء. قال: فقال عمار: يا أمير المؤمنين ! أما تذكر (2) إذ كنت أنا وأنت في الابل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه [وآله] فذكرت ذلك (3)، فقال: إنما يكون (4) يكفيك أن تقول هكذا.. وضرب بيديه الارض (5) ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع. فقال عمر: يا عمار ! اتق الله. فقال: يا أمير المؤمنين ! إن شئت والله لم أذكره أبدا. فقال عمر: كلا ! والله لنولينك من ذلك ما توليت.. ثم ذكر أربع (6) روايات في ذلك عن أبي داود. وروى (7) عن النسائي أيضا أخبار (8) قريبة المضامين من الاخبار الاخيرة (9). والتمعك: (10) التمرغ (11).


(1) جامع الاصول 7 / 255 - 256 ذيل حديث 5290. (2) في (س): ما تذكر. (3) في المصدر: ذلك له. (4) في جامع الاصول: إنما كان.. وهو الظاهر. (5) في المصدر: إلى الارض. (6) في جامع الاصول عندنا: خمسة، يظهر من خامستها أنها في نسخة من جامع الاصول. (7) جامع الاصول 7 / 256. (8) كذا، والظاهر: اخبارا - بالنصب -، لانها رويت عن جامع الاصول. (9) انظر: النسائي 1 / 170 كتاب الطهارة باب تيمم الجنب باب التيمم في الحضر مرة، وفي السفر أخرى، وكل منهما باختلاف يسير في اللفظ. ورواه أبو داود في صحيحه باب التيمم بطرق، واحمد ابن حنبل في مسنده 4 / 319، وقريب منه ما ذكره في 4 / 265 بطريقين، وكذا في 4 / 320، والمتقي الهندي في كنز العمال 5 / 143 وقال: أخرجه عبد الرزاق. ولا حظ: مسند الطيالسي 3 / 88 و 89 بطرق عديدة. (10) توجد الواو في (س) هنا قبل: التمرغ. (11) نص عليه الطريحي في مجمع البحرين 5 / 288، وابن الاثير في النهاية 4 / 343، والفيروز آبادي في = = القاموس 3 / 319.

[670]

وقال في جامع الاصول (1) في قوله (2): نوليك ما توليت.. أي نكلك إلى ما قلت، ونرد اليك ما وليته نفسك ورضيت لها به. فإذا وقفت على هذه الاخبار التي لا يتطرق للمخالفين فيها سبيل إلى الانكار فنقول: لا تخلو الحال من أن يكون عمر حين أمر السائل بترك الصلاة لفقدان الماء وعدم إذعانه لقول عمار، وقوله: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء.. عالما بشرعية التيمم ووجوب الصلاة على فاقد الماء، متذكرا للآية وأمر النبي صلى الله عليه وآله أو جاهلا بذلك غير متذكر للكتاب والسنة. فإن كان الاول - كما هو الظاهر - كان إنكاره التيمم ردا صريحا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وليس تخصيصا أو تقييدا للنص بالاجتهاد، بل رفعا لحكمه رأسا لظن استلزامه الفسصاد، وهو إسناد للامر بالقبيح إلى الله عزوجل وتجهيل له، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وذلك كفر صريح. وإن كان الثاني، كان ذلك دليلا واضحا على غاية جهله وعدم صلوحه للامامة، فإن من لم يعلم - في أزيد من عشرين سنة - مثل هذا الحكم الذي تعم بلواه ولا يخفى على العوام، وكان مصرحا به في موضعين من كتاب الله عزوجل، ولعله لعلمه تعالى بإنكار هذا اللعين كرره في الكتاب المبين وأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله في غير موطن، كما يظهر بالرجوع إلى رواياتهم المنقولة في جامع الاصول وسائر كتبهم، واستمر عليه عمل الامة في تلك المدة مع تكرر وقوعه، كيف يكون أهلا للامامة صالحا للرئاسة العامة ؟ ! لا سيما وفي القوم صادق مصدق يقول: سلوني قبل أن تفقدوني (3) فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق


(1) جامع الاصول 7 / 259. (2) هنا في (س) زيادة كلمة: تعالى، وقد خط عليها في (ك). (3) أخرجه إمام الحنابلة احمد، وقال: روى عنه نحو هذا كثير، وجاء في ينابيع المودة: 274، وفي = = فرائد السمطين عن أبي سعيد. قال سعيد بن المسيب: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني.. إلا علي بن أبي طالب. أخرجه احمد بن حنبل في المناقب، والبغوي في المعجم، وأبو عمر في العلم 1 / 114، وفي مختصره: 58، والطبري في الرياض 2 / 198، وابن حجر في الصواعق: 76، والحافظ العاصمي في زين الفتى شرح سورة هل أتى، والقالي في أماليه، والحصري القيرواني في زهر الادب 1 / 38، والسيوطي في جمع الجوامع - كما في ترتيبه - 5 / 242، والزبيدي الحنفي في تاج العروس 5 / 268 نقلا عن الامالي، وغيرهم في غيرها. وقد ورد بألفاظ مختلفة تؤدي هذا المعنى: منها: قوله عليه السلام: سلوني قبل أن لا تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي. أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 466، وصححه هو والذهبي في تلخيصه. ومنها: قوله عليه السلام: لا تسألوني عن آية في كتاب الله ولا سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنبأتكم بذلك. أخرجه ابن كثير في التفسير 4 / 231 من طريقين، وقال: وثبت أيضا من غير وجه. ومنها: قوله صلوات الله عليه: سلوني والله لا تسألوني عن شئ يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل. نقله أبو عمر في جامع بيان العلم 1 / 114، والمحب الطبري في الرياض 2 / 198، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 124، والاتقان له 2 / 319، وابن حجر في فتح الباري 8 / 452، وتهذيب التهذيب 7 / 338، والعيني في عمدة القارى 9 / 167، ومفتاح السعادة 1 / 400. ومنها: قوله سلام الله عليه: ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلسائه. أورده أبو عمر في جامع بيان العلم 1 / 144، وفي مختصره: 57. ومنها: قوله عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا. جاء في حلية الاولياء 1 / 68، ومفتاح السعادة 1 / 400. ومنها: قوله صلوات الله عليه: سلوني ولا تسألوني عن شئ إلا أنبأتكم به. أورده البخاري في صحيحه 1 / 46 و 10 / 240، 241، واحمد في مسنده 1 / 278، وأبو داود في مسنده: 356. قال ابن عباس حبر الامة: والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر. حكاه في الاستيعاب 3 / 40، والرياض 2 / 194، ومطالب السؤول: 30.

[671]

الارض.

[672]

ويقول: لو ثنيت لي الوسادة (1) لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى يزهر كل إلى ربه ويقول إن عليا قضى فينا بقضائك، ويقول: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب يفتح من كل باب ألف باب. ويشهد له الرسول الامين صلى الله عليه وآله بأنه: باب مدينة العلم (2)، وأقضى الامة (3). والعجب أنه لعنه الله لم يكن يجوز خلافة عبد الله ابنه عند موته معتلا بأنه لم يعرف كيف يطلق امرأته (4)، ومن يجهل مثل ذلك لا يصلح للامامة ! فكيف يجوز اتباعه و (5) إمامته مع جهله مثل هذا الحكم البين المنصوص عليه بالكتاب والسنة ؟ !. ولا يخفى على المتأمل الفرق بين الامرين من وجوه شتى:


(1) قوله عليه السلام هذا تجده في مصادر كثيرة من الخاصة، وانظر مثالا: بحار الانوار 26 / 182، 28 / 4، 35 / 387 - 391، 40 / 136، 153، 178، 92 / 87 و 95، وإحقاق الحق 7 / 579 - 581 و 615، ولا حظ ما ذكره فيه من مصادر العامة. (2) مرت مصادره في أول تحقيقاتنا، وانظر: الغدير 3 / 95 - 101، وغيره. (3) قد ورد بلفظ: أقضى أمتي علي، في مصابيح البغوي 2 / 277، الرياض النضرة 2 / 198، ومناقب الخوارزمي: 50، وفتح الباري 8 / 136، وبغية الوعاة: 447، وغيرها. وبلفظ: أقضاكم علي، في الاستيعاب 3 / 28 - هامش الاصابة -، ومواقف للايجي 3 / 276، ومطالب السؤول: 23، تمييز الطيب من الخبيث: 25، كفاية السنقيطي: 46، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 235. وقريب منه في حلية الاولياء 1 / 66، والرياض النضرة 2 / 198، ومطالب السؤول: 34، وكفاية الكنجي: 139، وكنز العمال 6 / 153، وغيرها. وكفاك فيه ما ذكره فضل بن روزبهان ردا على العلامة - ذيل هذه الاحاديث -: وأما ما ذكره المصنف - من علم أمير المؤمنين - فلا شك في أنه من علماء الامة والناس محتاجون إليه فيه، وكيف لا وهو وصي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في إبلاغ العلم وودائع حقائق المعارف، فلا نزاع لاحد فيه !.. (4) ستأتي مصادره في الطعن الثامن عشر. (5) لا توجد الواو في (س).

[673]

منها: إن الطلاق أمر نادر الوقوع، والصلاة بالتيمم أكثر وقوعا. ومنها: إن الصلاة أدخل في الدين من النكاح والطلاق. ومنها: إن بطلان هذا النوع من الطلاق لم يظهر من الكتاب والسنة ظهور وجوب التيمم. ومنها: إن فعل ابنه كان في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وبدو نزول الحكم، وإنكاره كان بعد ظهور الاسلام وانتشار الاحكام. ومنها: إن جهل ابنه ارتفع بالتنبيه، وهو قد أصر بعد التذكير والاعلام. وفي الفرق وجوه أخر تركناها للمتدبر. والحق ان ادعاء الجهل منه في مثل تلك المسألة الضرورية المتكررة الوقوع ليس من ادعاء الشبهة المحتملة، بل يجب الحكم بكفره بمجرد ذلك الانكار، ويدل على أن إنكاره لم يكن للجهل، بل كان ردا على الله سبحانه وتعالى وتقبيحا لحكمه، انه لو كان للجهل لسأل غيره من الصحابة حتى يظهر له صدق ما ذكره عمار أو كذبه، فيحكم بعد ذلك بما كان يظهر له، فإن ترك الخوض في تحقيق الحكم - مع كون الخطب فيه جليلا لافضائه إلى ترك الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، مع قرب العهد وسهولة تحقيق الحال - ليس إلا تخريبا للشريعة وإفسادا (1) في الدين. وقال بعض الافاضل: يمكن أن يستدل به على كفره بوجه أخص، وهو أنه لا خلاف في أن من استحل ترك الصلاة فهو كافر، ولا ريب في أن قوله: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء، بعد قول الرجل السائل: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين.. ونهيه السائل عن الصلاة - كما في الروايات الاخر - استحلال لترك الصلاة مع فقد الماء، وهو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وآله: من ترك


(1) في (س): أو فسادا.

[674]

الصلاة متعمدا فقد كفر (1).. ولم (2) يخصصه أحدا (3) إلا بالمستحل (4).


(1) هذا من ضروريات مذهب الامامية، والروايات عليه عند العامة متضافرة. انظر: صحيح الترمذي كتاب الايمان باب 9 حديث 40، وسنن النسائي كتاب الصلاة باب 8، وسنن ابن ماجة كتاب الاقامة: 77، ومسند احمد بن حنبل 5 / 342، وغيرها. (2) في (س): فلم. (3) كذا، والظاهر: احد - بالرع -. (4) أقول: إن اجتهاد عمر وجهله في باب الصلاة أكثر من أن يذكر هنا، ونضيف إلى ما ذكره المصنف - رحمه الله - اثنين: احدهما: اجتهاده في قراءة الصلاة. فعن عبد الرحمن بن حنظلة بن الراهب: أن عمر بن الخطاب صلى بنا المغرب فلم يقرأ في الركعة الاولى، فلما كانت الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين، فلما فرغ وسلم سجد سجدتي السهو. أخرجه ابن حجر في فتح الباري 3 / 69 وقال رجاله ثقات وكأنه مذهب لعمر. وذكره البيهقي في السنن الكبرى 2 / 382، والسيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال 4 / 213 عن جمع من الحافظ باختلاف في اللفظ. وقريب منه ما في سنن البيهقي 2 / 281، 347 و 382، وترتيب جمع الجوامع 4 / 213، وكنز العمال 4 / 213 وفتح الباري 3 / 69، وغيرها. وقد أورد العلامة الاميني - رحمه الله - في غديره 6 / 108 - 109 روايات عن مصادر عدة، وقال في آخرها: يظهر من هذه الموارد وتكرر القصة فيها أن الخليفة لم يستند في صلاته هاتيك إلى أصل مسلم، فمرة لم يقرأ في الركعة الاولى فيقضيها في الثانية ويسجد سجدتي السهو قبل السلام أو بعده، وأخرى اكتفى بحسن الركوع والسجود عن الاعادة وسجدتي السهو، وطورا نراه يحتاط بالاعادة، أو أنه يرى ما أتى به باطلا فيعيد ويعيدون.. فهل هذه اجتهادت وقتية، أو أنه لم يعرف للمسألة ملاكا يرجع إليه ؟ !. والعجب من ابن حجر أنه يعد الشذوذ عن الطريقة المثلى مذهبا. الثاني: جهله في أحكام الشكوك في الصلاة. فقد أخرجه احمد بن حنبل في مسنده 1 / 192، وبلفظ آخر في 1 / 190 و 195، وذكره البيهقي في سننه 2 / 332 بعدة طرق - واللفظ مختلف والمعنى واحد - من أنه سئل عنها، فقال: لا أعرف، مع أنه مبتلى بها في اليوم والليلة خمسا، وهو امام للمسلمين جماعة وخليفة لهم ومرجع ! !. وها هو خليفة المسلمين وإمامهم يروي عنه محمد بن سيرين - كما في طبقات ابن سعد 3 / 286 - قال: كان عمر بن الخطاب قد اعتراه نسيان في الصلاة، فجعل رجل خلفه يلقنه، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل.

[675]

تنبيه: اعلم أنه يظهر من تلك الواقعة ضعف ما يتشبث به المخالفون في كثير من المواضع من ترك النكير، فإن بطلان هذا الحكم ومخالفته للاجماع أمر واضح، ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكار ذلك عليه وقد قال عمار - بعد تذكيره بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله -: إن شئت لم أحدث به أحدا.. خوفا من أن يلحقه ضرر بالرد عليه والانكار لفتياه، ولم يكن عمار في شك من روايته حتى يكون تركه الانكار تصويبا لرأي عمر وتصديقا له، وإذا كان ترك الانكار في أمر التيمم - مع عدم تعلق الاغراض الدنيوية به للخوف أو غير ذلك - مما لا يدل على التصويب، فأمور الخلافة والسلطنة أحرى بأن لا يكون ترك الانكار فيها حجة على صوابها. الطعن التاسع: إنه أمر برجم حامل حتى نبهه معاذ، وقال: إن يكن لك سبيل عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها، فرجع عن حكمه، وقال: لولا معاذ لهلك عمر (1).


(1) وقد جاء بأكثر من لفظ في مصادر عديدة نذكر منها مثالا: سنن البيهقي 7 / 443، وكتاب العلم لابي عمر: 150، وكنز العمال 7 / 82 عن ابن أبي شيبة، وفتح الباري لابن حجر 12 / 120 وقال فيه: أخرجه ابن أبي شيبة ورجاله ثقات، والاصابة 3 / 427 نقلا عن فوائد محمد بن مخلد العطار، وأوعز إليه في التمهيد: 199. وقال ابن أبي الحديد في شرحه 12 / 204 [3 / 150] - بعد نقل القصة وقول السيد المرتضى فيها -: وأما قول المرتضى: كان يجب أن يسأل عن الحمل، لانه أحد الموانع من الرجم.. فكلام صحيح لازم، ولا ريب أن ترك السؤال عن ذلك نوع من الخطأ.. أقول: قد تكرر هذا من عمر ونبهه على خطأه أكثر من واحد - كما مر وسيأتي -. منها: ما جاء في الرياض النضرة 2 / 196، وذخائر العقبى: 80، ومطالب السؤول: 139 والاربعين للفخر الرازي: 466: من أن عليا أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما بال هذه - المرأة الحامل - ؟. فقالوا: أمر عمر برجمها. فردها علي وقال سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها ولعلك انتهرتها أو أخفتها ؟. قال: قد كان ذلك. قال: أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: لا حد على معترف بعد بلاء، إنه من قيد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له. = = فخلى سبيلها ثم قال: عجزت النساء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب، لولا علي لهلك عمر. ويأتي في صفحة: 666، عن المناقب للخوارزمي: 48. ومنها: ما أخرجه الحافظ محب الدين الطبري في الرياض 2 / 196، والحافظ الكنجي في الكفاية: 105. وقال في ذخائر العقبى: 81 - بعد نقله -: هذه غير تلك القضية - القضية السابقة - لان اعتراف تلك كان بعد تخويف فلم يصح فلم ترجم، وهذه رجمت.

[676]

ومن جهل هذا القدر لا يجوز أن يكون إماما، لانه يجري مجرى أصول الشرائع، بل العقل يدل عليه، لان (1) الرجم عقوبة، ولا يجوز أن يعاقب من لا يستحق. وأجاب عنه قاضي القضاة (2) بأنه ليس في الخبر أنه أمر برجمها مع علمه بأنها حامل، لانه ليس ممن يخفى عليه هذا القدر - وهو أن الحامل لا ترجم حتى تضع - وإنما ثبت عنده زناها فأمر برجمها على الظاهر، وإنما قال ما قال (3) في معاذ لانه نبهه على أنها حامل. قال: فإن قيل: إذا لم يكن (4) منه معصية فكيف يهلك لولا معاذ ؟ !. قلنا (5): لم يرد الهلك من جهة العذاب (6)، وإنما أراد أن يجري (7) بقوله: قتل من لا يستحق القتل، كما يقال للرجل هلك من الفقر، وصار سبب القتل (8) خطأ. ويجوز أن يريد بذلك تقصيره في تعرف حالها (9)، لان ذلك لا يمتنع أن


(1) في (س): لانه. (2) المغني 20 / 12 - القسم الثاني -، وجاء بعينه في الشافي 4 / 179 - 180، ونقله أيضا في شرح ابن أبي الحديد 12 / 203 [3 / 150]. (3) لا توجد في المصدر: ما قال. (4) في الشافي: لم تكن. (5) في المغني: قيل له. (6) في المصدر: لهلك عمر من جهة العقاب. (7) في المغني: يجزي - بالزاي المعجمة -. (8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: هلك إذا افتقر أو صار سببا لقتل.. (9) في المغني: في تعرفه حاله.

[677]

يكون خطيئة وإن صغرت. وأورد عليه السيد المرتضى (1) رضوان الله عليه بأنه: لو كان الامر على ما ظنه (2) لم يكن تنبيه معاذ على هذا الوجه، بل كان يجب أن ينبهه بأن يقول (3): هي حامل، ولا يقول له: إن كان لك عليها سبيل (4) فلا سبيل لك على ما في بطنها، لان ذلك (5) قول من عنده أنه يرجمها مع العلم بحالها (6)، وأقل ما يجب - لو كان الامر كما ظنه (7) - أن يقول لمعاذ: ما ذهب علي (8) أن الحامل لا ترجم، وإنما أمرت برجمها لفقد علمي بحملها، فكان ينفي بهذا القول عن نفسه الشبهة. وفي إمساكه عنه - مع شدة الحاجة إليه - دليل على صحة قولنا، وقد كان يجب أيضا أن يسأل عن الحمل لانه أحد الموانع من الرجم، فإذا علم انتفاؤه (9) أمر بالرجم، وصاحب الكتاب قد اعترف بأن ترك المسألة عن ذلك تقصير وخطيئة (10)، وادعى أنهما (11) صغيرة، و (12) من أين له ذلك ولا دليل عنده يدل (13) في غير الانبياء عليهم السلام أن معصيته بعينها صغيرة.


(1) الشافي 4 / 180. (2) في المصدر: ظننته. (3) جاءت زيادة: له، في الشافي. (4) في المصدر: سبيل عليها - بتقديم وتأخير -. (5) هذا، بدلا من: ذلك، في المصدر. (6) في الشافي: أنه أمر برجمها مع العلم بأنها حامل. (7) في المصدر: كما ظنه صاحب الكتاب. (8) أي ما خفي علي. (9) في الشافي: ارتفاعه.. أي الحمل. (10) في (س): تقصيره وخطيئته. (11) في المصدر: أنها. وهو الظاهر. (12) لا توجد الواو في (ك). (13) في الشافي: يدل عنده - بتقديم وتأخير -.

[678]

فأما إقراره بالهلاك لولا تنبيه معاذ.. فهو يقتضي التفخيم والتعظيم (1) لشأن الفعل، ولا يليق ذلك إلا بالتقصير الواقع، إما في الامر برجمها مع العلم بأنها حامل، أو ترك البحث عن ذلك والمسألة عنه، وأي لوم (2) في أن يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل إذا لم يكن ذلك عن تفريط ولا تقصير. انتهى كلامه رفع الله مقامه. ومما يؤيده (3) هذه القصة، ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد (4) أنه أتي عمر بحامل قد زنت فأمر برجمها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هب أن لك سبيلا عليها، أي سبيل لك على ما في (5) بطنها ؟ ! والله تعالى يقول: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (6). فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن (7).


(1) في الشافي: التعظيم والتفخيم. (2) جاءت زيادة: عليه، في المصدر. (3) كذا، والظاهر زيادة الضمير. (4) الارشاد: 109. (5) لا يوجد في المطبوع من البحار: في. (6) جاءت هذه الآية مكررة في سور: الانعام: 164، الاسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7. (7) وقد تكرر من عمر قوله في ذيل القصة في غير مورد بألفاظ مختلفة نشير إلى بعضها: منها: قوله: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب. كما في تذكرة السبط: 87، مناقب الخوارزمي: 58، ومقتله 1 / 45. ومنها: قوله: لا أبقاني الله بأرض لست فيها يا أبا الحسن !. ذكره في إرشاد الساري 3 / 195. ومنها: قوله: لا أبقاني الله بعدك يا علي !. أورده في الرياض النضرة 2 / 197، ومناقب الخوارزمي: 60، وتذكرة السبط: 88 وفيض القدير 4 / 357. ومنها: قوله: أعوذ بالله من معضلة ولا أبو الحسن لها. كما رواه ابن كثير في تاريخه 7 / 359، والفتوحات الاسلامية 2 / 306. وجاء بألفاظ متقاربة في الرياض النضرة 2 / 194 و 197، ومنتخب كنز العمال في هامش مسند احمد 2 / 352، وفيض القدير 4 / 357، وأخرجه ابن البختري كما في الرياض 2 / 194، وأحمد في المناقب، والدارقطني عن أبي سعيد، يوجد في الاستيعاب - هامش الاصابة - 3 / 39، صفوة الصفوة 1 / 121، تذكرة الخواص: 85، طبقات الشافعية للشيرازي: 10، الاصابة 2 / 509، = = الصواعق: 76، ترجمة علي بن أبي طالب: 79، حاشية شرح العزيزي 2 / 417، مصباح الظلام 2 / 56، وغيرها من المصادر الكثيرة جدا.

[679]

وحكى في كشف الغمة (1) من مناقب الخوارزمي (2) أنه قال: أتي عمر في ولايته بامرأة حاملة فسألها عمر فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر أن ترجم، فلقيها علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما بال هذه ؟. فقالوا: أمر بها عمر أن ترجم، فردها علي عليه السلام، فقال: أمرت بها أن ترجم ؟ !. فقال: نعم. اعترفت عندي بالفجور. فقال: هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما في بطنها ؟. ثم قال له علي عليه السلام: فلعلك انتهرتها أو أخفتها. فقال: قد كان ذاك. قال: أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا حد على معترف بعد بلاء (3)، إنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار له. فخلى عمر سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن يلدن (4) مثل علي بن أبي طالب (ع) (5)، لولا علي لهلك عمر (6).


(1) كشف الغمة 1 / 149 - 150، باختلاف يسير. (2) مناقب الخوارزمي: 39 و 48 بألفاظ مقاربة، ولها نظائر هناك. وقد مرت الرواية في هامش صفحة (675) قريبا بمصادر أخرى باختلاف يسير. (3) جاء في بعض نسخ المصدر: البلاء. (4) في كشف الغمة: تلد. (5) وقد جاءت هذه الفقرة باختصار في الرياض النضرة 2 / 196، وذخائر العقبى: 80، ومطالب السؤول: 13، والاربعين للفخر الرازي: 466. (6) قولة عمر: لولا علي لهلك عمر.. جاءت بألفاظ متعددة وموارد كثيرة وفي أكثر من واقعة، فقد قالها عند ما نهاه عليه السلام عن رجم امرأة ولدت لستة أشهر مستدلا بآية الرضا مع آية الحمل والفصال كما أخرجه الحافظان ابن أبي حاتم والبيهقي وكذا الكنجي والنيسابوري. وجاء في لفظ سبط ابن الجوزي وجمع: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب، انظر من المصادر: السنن الكبرى 7 / 442، ومختصر جامع العلم: 150، والرياض النضرة 2 / 194، وذخائر العقبى: 82، وتفسير الفخر الرازي 7 / 484، وأربعين الرازي: 466، وتفسير النيسابوري: 3 - سورة الاحقاف -، والكفاية للكنجي: 105، ومناقب الخوارزمي: 57، وتذكرة سبط ابن الجوزي: 87، والدر المنثور 1 / 288، 6 / 40، وكنز العمال 3 / 96 و 228 نقلا عن = = غير واحد من أئمة الحديث والحفاظ، وأشار إليه في الاستيعاب 2 / 461. وجاء بيان العجز العلمي للخليفة وفقره لباب مدينة العلم بألفاظ كثيرة جدا ومواقع لا تعد كثرة. منها: قول عمر: أبا حسن ! لا أبقاني الله لشدة لست لها، ولا في بلد لست فيه، كما أورده المتقي الهندي في كنز العمال 3 / 179، والجرداني في مصباح الظلام 2 / 56 وغيرهما، في قصة عجيبة حرية بالتأمل. وجاء في الكنز 3 / 179 قولة عمر: يا ابن أبي طالب ! فما زلت كاشف كل شبهة وموضح كل حكم.. وانظر جملة من مراجعات الخليفة الثاني لابي الحسنين سلام الله عليه وآله في مسائل كثيرة جدا، ذكر جملة منها ابن حزم في المحلى 7 / 76 في مسألة الموقف في الحج، والرياض النضرة 2 / 195، وذخائر العقبى: 79، وقد عد الطبري في اختصاص أمير المؤمنين عدة روايات في إحالة جمع من الصحابة عند جهلهم عليه. وانظر الغدير 6 / 327 - 328 في بيان مصادر قولة عمر: لولا علي لهلك عمر، واختلاف ألفاظها. ولا حظ الغدير 6 / 302 - 308.

[680]

وستأتي الاخبار في ذلك في باب قضاياه (1) عليه السلام. الطعن العاشر: أنه أمر برجم المجنونة فنبه أمير المؤمنين عليه السالم وقال: إن القلم مرفوع (2) عن المجون حتى يفيق. فقال: لولا علي لهلك عمر (3).


(1) بحار الانوار 40 / 217 - 218. (2) في (س): موضوع. (3) قضاء الخليفة على مجنونة قد زنت قد ورد عن ابن عباس وغيره في صور متعددة: منها: أنه أمر عمر برجم زانية فمر عليها علي بن أبي طالب عليه السلام في أثناء الرجم فخلصها، فلما أخبر عمر بذلك قال: إنه لا يفعل ذلك إلا عن شئ، فلما سأله قال: إنها مبتلاة بني فلان فلعله أتاها وهو بها، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. أورده أبو داود في سننه بعدة طرق 2 / 227، وابن ماجة في سننه 2 / 227، والحاكم في المستدرك 2 / 59، و 4 / 389 وصححه، والبيهقي في سننه 8 / 264 بعدة طرق، والطبري في الرياض النضرة 2 / 196، والقسطلاني في إرشاد الساري 10 / 9، وابن الجوزي في تذكرته: 57، وابن حجر في فتح الباري 12 / 101، والعيني في عمدة القاري 11 / 151، والمناوي في فيض القدير المجلد الرابع، والمتقي في كنز العمال المجلد الثالث. وتجد قول عمر: لو لا علي لهلك عمر، في الاستيعاب 3 / 39، وتفسير النيسابوري في سورة = = الاحقاف، شرح الجامع الصغير للشيخ محمد الحنفي: 417 هامش السراج المنير، وتذكرة السبط: 87، وفيض القدير 3 / 97، ومر في الطعن السابق، وذكرنا هناك جملة أخرى من المصادر. أقول: قد حرف الحديث - كأكثر ما ورد من الطعون - البخاري في ما سماه بالصحيح، كتاب المحاربين، باب لا يرجم المجنون والمجنونة، وحذف صدر الرواية لما فيه من مس بكرامة خليفته.

[681]

وهذا يدل على أنه لم يكن يعرف الظاهر من الشريعة. وقد اعترف قاضي القضاة (1) وابن أبي الحديد (2) وسائر من تصدى للجواب عنه بصحته. وقد حكى في كشف الغمة (3) من مناقب الخوارزمي (4) مرفوعا عن الحسن، أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة مجنونة (5) قد زنت، فأراد أن يرجمها، فقال له علي عليه السلام: يا عمر (6) ! أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله !. قال: وما قال ؟. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن الغلام حتى يدرك (7)، وعن النائم حتى يستيقظ. قال: فخلى عنها. وحكى في الطرائف (8)، عن أحمد، بن حنبل في مسنده (9)، عن الحسن، مثله. قال: وذكر احمد في مسنده، عن سعيد بن المسيب، قال: كان يتعوذ بالله


(1) المغني 20 / 13 - القسم الثاني -. (2) شرح ابن أبي الحديد 12 / 205 [3 / 150]. (3) كشف الغمة 1 / 149. (4) مناقب الخوارزمي: 38. (5) في المصدرين زيادة كلمة: حبلى. (6) لا توجد: يا عمر، في المناقب. (7) في مناقب الخوارزمي: يحتلم، بدلا من: يدرك. (8) الطرائف 2 / 473. (9) مسند احمد بن حنبل 1 / 140، وقريب منه بإسناد آخر في 1 / 155، وبتحريف وإسقاط لاوله في 1 / 158. (*)

[682]

من معضلة لم يكن لها أبو حسن (1). وحكاه العلامة رحمه الله في كشف الحق (2) من مسند الحمد (3). وأجاب عنه قاضي القضاة (4) بأنه: ليس في الخبر أنه عرف جنونها، فيجوز أن يكون الذي نبه عليه أمير المؤمنين عليه السلام هو (5) جنونها دون الحكم، لانه كان يعلم أن الحد لا يقام (6) في حال الجنون (7)، وإنما قال: لولا علي لهلك عمر، لا من جهة المعصية والاثم، لكن من جهة أن (8) حكمه لو نفذ لعظم غمه، ويقال في شدة الغم أنه هلاك، كما يقال في الفقر وغيره، وذلك مبالغة منه لما كان يلحقه من الغم الذي زال بهذا التنبيه، على أن هذا الوجه مما لا يمتنع في الشرع أن يكون صحيحا، وأن يقال إذا كانت مستحقة للحد فإقامته عليها صحيحة (9) وإن لم يكن لها عقل، لانه لا يخرج الحد من أن يكون واقعا موقعه، ويكون (10) قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة.. يراد به (11) زوال التكليف عنهم دون زوال


(1) كذا، وفي المصدر المطبوع: وكان عمر يتعوذ من معضلة ليس بها أبو الحسن حاضرا، يعني عليا عليه السلام. أقول: وقد جاء الحديث في الرياض النضرة 2 / 197، والاستيعاب 3 / 39، وذخائر العقبى: 82، وأسد الغابة 4 / 22، والاصابة 2 / 509، وغيرها. (2) كشف الحق (نهج الحق وكشف الصدق): 350. (3) وضع على: احمد، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل. (4) المغني 20 / 13 - القسم الثاني -. (5) لا توجد في المصدر: عليه أمير المؤمنين عليه السلام هو. (6) في (س): الحكم لا يقال. (7) كذا. وجاءت العبارة في المغني هكذا: إن في حال الجنون لا يقام الحد عليه - بتقديم وتأخير وزيادة وتغيير -. (8) لا توجد: من جهة أن، في المصدر. (9) في المغني: يصح. (10) في المصدر: ويقال. (11) في المغني: بذلك، بدلا من: به.

[683]

إجراء (1) الحكم عليهم، وما هذه (2) حاله لا يمتنع أن يكون مشتبها فيرجع فيه إلى غيره، فلا يكون الخطأ فيه مما يعظم فيمنع من صحة الامامة. وأورد عليه السيد المرتضى (3) رضوان الله عليه: بأنه لو كان أمر برجم المجنونة من غير علم بجنونها لما قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أما علمت أن القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق ؟ ! بل كان يقول له بدلا عن (4) ذلك: هي مجنونة، وكان (5) ينبغي أن يكون عمر لما سمع من التنبيه له على ما يقتضي الاعتقاد فيه أنه أمر برجمها مع العلم بجنونها، يقول متبرئا من (6) الشبهة: ما علمت بجنونها، ولست ممن يذهب عليه أن المجنون لا يرجم، فلما رأيناه استعظم ما أمر به وقال (7): لولا علي لهلك عمر.. دلنا (8) على أنه كان تأثم وتحرج بوقوع الامر بالرجم، وأنه مما لا يجوز ولا يحل (9)، وإلا فلا معنى لهذا الكلام. وأما ما ذكره من الغم الذي كان يلحقه.. فأي غم يلحقه (10) إذا فعل ما له أن يفعله، ولم يكن منه تفريط ولا تقصير (11) ؟. لانه إذا كان جنونها لم يعلم به، وكانت المسألة عن حالها والبحث لا يجبان عليه، فأي وجه لتأمله (12) وتوجع


(1) في (س): أجراه. (2) في المصدر: هذا. (3) الشافي 4 / 181 - 183. (4) في المصدر: من، بدلا من: عن. (5) في الشافي: ولكان أيضا، ولا توجد فيه: ينبغي أن يكون عمر. (6) جاءت: عن، بدل: من، في المصدر. (7) في الشافي: وقوله. (8) في المصدر: يدل. (9) زيادة: له أن يأمر به، جاءت في المصدر. (10) وأما ذكره الغم فأي غم كان يلحقه ؟ !. كذا جاء في الشافي - بتقديم وتأخير ونقص -. (11) في الشافي: تقصير ولا تفريط - بتقديم وتأخير -. (12) كذا، والظاهر: لتألمه، كما في المصدر.

[684]

واستعظامه لما فعله ؟ ! وهل هذا إلا كرجم المشهود (1) عليه بالزنا في أنه لو ظهر للامام بعد ذلك براءة ساحته لم يجب أن يندم على فعله ويستعظمه، لانه وقع صوابا مستحقا ؟. وأما قوله: إن (2) كان لا يمتنع في الشرع (3) أن يقام الحد على المجنون (4) وتأوله الخبر المروي على أنه (5) يقتضي زوال التكليف دون الاحكام.. فإن أراد أنه لا يمتنع في العقل أن يقام على المجنون ما هو من جنس الحد بغير استخفاف ولا إهانة فذلك صحيح كما يقام على التأديب (6)، وأما الحد في الحقيقة - وهو (7) الذي يضامه الاستخفاف والاهانة فلا يقام إلا على المكلفين ومستحقي العقاب، وبالجنون قد زال التكليف فزال (8) استحقاق العقاب الذي يتبعه الحد. وقوله: لا يمتنع أن يرجع فيما هذا حاله من المشتبه إلى غيره.. فليس هذا من المشتبه الغامض، بل يجب أن يعرفه العوام (9) فضلا عن العلماء، على أنا قد بينا أنه (10) لا يجوز أن يرجع الامام (11) في جلي ولا مشتبه من أحكام الدين إلى غيره (12).


(1) في (ك): المشهور. (2) لا توجد: ان، في الشافي. (3) في المصدر: العقل، بدل: الشرع. (4) في الشافي: على المجنون الحد - بتقديم وتأخير -. (5) جاءت في المصدر: بما، بدلا من: على أنه. (6) في الشافي: على التائب. (7) في المصدر فهو. (8) في (س): فيزال. (9) في (س): الامام، وهو خلاف الظاهر. (10) في المصدر: ان الامام. (11) جاءت: إلى غيره، بدلا من: الامام، في الشافي. (12) لا توجد في المصدر: إلى غيره.

[685]

وقوله: إن الخطأ في ذلك لا يعظم فيمنع من صحة الامامة... اقتراح (1) بغير حجة، لانه إذا اعترف بالخطأ فلا (2) سبيل للقطع (3) على أنه صغير. انتهى كلامه قدس سره. أقول: ويرد على ما ذكره من أن الامر في حد المجنون مقام الاشتباه فلا طعن في جهل عمر به، وإن يرجع فيه إلى غيره.. أنه لو كانت الشبهة لعمر ما ذكره، لكانت القصة دليلا على جهله من وجه آخر، وهو أنه إذا زعم عمر أن رفع القلم إنما يستلزم زوال التكليف دون إجراء الحكم (4) - كما صرح به - كيف يكون تذكير أمير المؤمنين عليه السلام إياه بالحديث النبوي دافعا للشبهة، وإنما النزاع حينئذ في دلالة الخبر على عدم جواز إجراء الحد عليه، فرجوع عمر عند سماعه عما زعمه دليل واضح على غاية جهله، فإن ذكر الرواية حينئذ ليس إلا من قبيل إعادة المدعي. ثم اعلم أن الظاهر من كلام القاضي وغيره في هذا المقام عدم تجويز الخطأ الفاحش على الامام وإن جوزوا عليه الخطأ في الاجتهاد، ولعلهم لم يجوز ذلك لكونه كاشفا عن عدم أهلية صاحبه (5) للاجتهاد، إذ ليس أهلية الاجتهاد غالبا مما يقوم عليه دليل سوى الآثار الدالة عليها، وظاهر أن الاوهام الفاضحة كاشفة عن عدم تلك الاهلية، فهي معارضة لما يستدل به عليها، ولذا تشبت القاضي في مقام الجواب بكون الامر في رجم المجنونة مشتبها، واستند إلى عدم دلالة قوله عليه السلام: رفع القلم عن المجنون.. على عدم إجراء الحكم، إذ يمكن أن يكون المراد به زوال التكليف فقط، وقد عرفت أن ذلك لا يصلح منشأ للاشتباه، لكون


(1) في الشافي زيادة: فقد بينا أنه، قبل كلمة: اقتراح. (2) لا توجد: فلا، في (س). (3) في المصدر: إلى القطع. (4) في (س): العلم، بدل الحكم، وهو سهو. (5) في (س): صاحب - بلا ضمير -، وهو خلاف الظاهر.

[686]

الخطأ حينئذ بالانتهاء عند سماع الخبر من دون إقامة دليل على وجه الدلالة فيه أفحش، فظهر أنه لا يمكنهم الجواب في هذا المقام بأنه إنما كان خطأ عمر من قبيل خطأ المجتهد، وليس يلحقه بذلك ذنب صغيرا وكبيرا، ولذلك طووا كشحا عما هو معقلهم الحصين - بزعمهم - من حديث الاجتهاد، وسلموا على تقدير علم عمر بجنونها كون الامر بالرجم خطيئة. فظهر ضعف ما أجاب به شارح المقاصد (1) عن الطعن برجم الحامل والمجنونة ومنع المغالاة في الصداق من: أن الخطأ في مسألة وأكثر لا ينافي الاجتهاد، ولا يقدح في الامامة، والاعتراف بالنقصان هضم النفس ودليل على الكمال.. وذلك لانا لو تنزلنا عن اشتراط العصمة في الامام وجوزنا له الاجتهاد في الاحكام، فلا ريب في أن الخطأ الفاحش و الغلط الفاضح مانع عن الامامة، وإنما لا يقدح - على فرض الجواز - ما لا يدل على الغباوة الكاملة والبلادة البالغة، وعدم استيهال صاحبه لفهم المسائل واستنباط الاحكام ورد الفروع إلى الاصول، فإذا تواتر الخبط وترادفت الزلة - لا سيما في الامور الظاهرة والاحكام الواضحة - فهل يبقى مجال للشك في منعه عن استيهال الاجتهاد وصلوح الامامة ؟ وليت شعري، من أين هذا اليقين الكامل والاعتقاد الجازم لهؤلاء القوم باجتهاد إمامهم وبلوغه في العلم حد الكمال، مع (2) ما يرون ويروون في كتبهم من خطبه وخطأه واعترافه بالزلة، والعجز موطنا بعد موطن، ومقاما بعد مقام (3)، وقد بذلوا مجهودهم في


(1) شرح المقاصد 5 / 282. (2) لا توجد في (س): مع. (3) ومنها: ما روي عن عبد الرحمن السلمي، قال: أتى عمر بامرأة - أجهدها العطش، فمرت على راع فاستسقته فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت - فشاور الناس في رجمها، فقال علي: هذه مضطرة أرى أن يخلى سبيلها، ففعل. جاءت في سنن البيهقي 8 / 236، الرياض النضرة 2 / 196، ذخائر العقبي: 81، الطرق = = الحكمية: 53، وقريب منها في كنز العمال 3 / 96. أقول: هناك جملة وقائع رائعة لقضاء أمير المؤمنين عليه السلام ووقوفه أمام جهل الخلفاء وتعسفهم تجدها في الطرق الحكمية لابن القيم وغيره، فراجع.

[687]

إضهار فضله فلم يظفروا له على استنباط لطيف واستخراج دقيق في مسألة واحدة يدل على جودة قريحته وذكاء فطرته، وليس ما رووا عنه إلا من محاورات العوام ومحاضرات الاوغاد والطغام (1). الطعن الحادي عشر: ما رواه البخاري (2) ومسلم (3) وغيرهما (4) بعدة طرق، عن عبيد بن عمير وأبي موسى الاشعري، قال: استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولا فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس ؟، ائذنوا له، فدعي له (5)، فقال: ما حملك على ما صنعت ؟. فقال: إنا كنا نؤمر بهذا. فقال: فائتني على (6) هذا ببينة (7) أو لافعلن بك (8) !، فانطلق إلى مجلس من الانصار، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصاغرنا (9)، فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا. فقال عمر:


(1) الوغد: الاحمق الضعيف الرذل الدني، أو الضعيف جسما، وجمعه أوغاد، كما في القاموس 1 / 346، والطغام - كسحاب -: أوغاد الناس، ذكره الفيروز آبادي في القاموس المحيط 4 / 144. (2) صحيح البخاري 3 / 837 [طبعة الهند]. (3) صحيح مسلم 2 / 234 كتاب الآداب. (4) كما جاء في مسند احمد بن حنبل 3 / 19، وسنن الدارمي 2 / 274، وسنن أبي داود 2 / 340، ومشكل الآثار 1 / 499، وغيرها. (5) في المصدر: به، بدلا من: له. (6) لا توجد: على، في (س). (7) في بعض المصادر: لتقيمن على هذا بينة أو لافعلن. وفي لفظ: فوالله لاوجعن ظهرك وبطنك، وفي لفظ الطحاوي: والله لاضربن بطنك وظهرك أو لتأتيني بمن يشهد لك. (8) في المصادر زيادة: فخرج. (9) جاءت العبارة في المصادر هكذا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا.

[688]

خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ألهاني (1) الصفق بالاسواق (2). ولا خفاء في أن ما خفي على عمر من ذلك أمر متكرر الوقوع من العادة والسنن التي كان يعلمها المعاشرون له صلى الله عليه وآله، فكيف خفي على هذا الرجل الذي يدعون أنه صلى الله عليه وآله كان يشاوره في الامور ويستمد بتدبيره ؟ !، فليس هذا إلا من فرط غباوته، أو قلة اعتنائه بأمور الدين، أو إنكاره لامور الشرع مخالفة لسيد المرسلين. الطعن الثاني عشر: ما رواه ابن أبي الحديد (3)، عن أبي سعيد الخدري، قال: حججنا مع عمر أول حجة حجها في خلافته، فلما دخل المسجد الحرام، دنى من الحجر الاسود فقبله واستلمه، فقال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع (4)، ولولا أني رأيت


(1) في المصادر زيادة: عنه. (2) قال النووي في شرحه: فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه، وسمعه من رسول الله (ص)، كما حكاه الاميني في الغدير 6 / 158 - 159، وعلق عليه بما هو جديد بالملاحظة. (3) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 100 - 101 [3 / 123]. (4) جاء قوله: للحجر بعبارات مختلفة والفاظ متعددة في مصادر عديدة: منها: ما ذكر المصنف - رحمه الله - في المتن، وتجده في صحيح البخاري كتاب الحج باب ما ذكره في حجرالاسود بسنده عن عابس بن ربيعة، وصحيح الترمذي 2 / 163، وصحيح النسائي 2 / 37، سنن أبي داود في المجلد الحادي عشر باب تقبيل الحجر، ومسند احمد بن حنبل 1 / 16 و 26 و 42، سنن البيهقي في المجلد الخامس باب تقبيل الحجر. وروى البخاري في صحيحه كتاب الحج باب الرمل في الحج والعمرة بسنده عن أسلم، والبيهقي في سننه 5 / 82. وأورده مسلم في صحيحه كتاب الحج باب استحباب تقبيل الحجر الاسود عن عبد الله بن سرجس، وابن ماجة في صحيحه في أبواب المناسك باب استلام الحجر، واحمد بن حنبل في المسند = = 1 / 34 و 50. وأخرجه النسائي في صحيحه 2 / 38 عن طاووس بن عباس، وقريب منه ما في مسند احمد بن حنبل 1 / 39. ومنها: قوله: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قبلك ما قبلتك. ومنها: قوله: إني لاعلم أنك حجر ولو لم أر حبيبي قبلك أو استلمك ما استلمتك ولا قبلتك. رواه احمد في مسنده 1 / 21، وقريب منه ما ذكره فيه 1 / 34.

[689]

رسول الله صلى الله عليه [وآله] قبلك واستلمك لما قبلتك ولا استلمتك. فقال له علي عليه السلام: بلى - يا أمير المؤمنين - إنه ليضر وينفع (1)، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لعلمت أن الذي أقول لك كما أقول، قال الله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بنئ ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم


(1) قد جاء في فضل الحجر الاسود كثير من الروايت من طرق الخاصة والعامة، ونحن نذكر نموذجا مما جاء من طرق العامة: أخرج الترمذي في صحيحه 1 / 180 بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في الحجر: والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق. ورواه ابن ماجة في صحيحه باب استلام الحجر، واحمد بن حنبل في المسند 1 / 247 و 291 و 307، والبيهقي في سننه 5 / 75، وأبو نعيم في حليته 4 / 306 باختلاف في اللفظ، وجاء في فيض القدير 1 / 527 باختلاف يسير. وأورد احمد بن حنبل في المسند 1 / 373، والخطيب البغدادي 7 / 361، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحجر الاسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك. وهو مذكور في فيض القدير 4 / 546. وقد جاء في صحيح النسائي 2 / 37، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وكذا في مسند احمد ابن حنبل 3 / 277، وفي سنن البيهقي 5 / 75، عن ابن عباس، فقرة منه. وقريب منه ما في صحيح الترمذي 1 / 166، ومسند احمد بن حنبل 1 / 307 و 329، فيض القدير 3 / 409، طبقات ابن سعد 1 / 12 - القسم الاول -، وسنن البيهقي باب ما ورد في الحجر الاسود في المجلد الخامس، وكون الحجر الاسود من الجنة أو من حجارة الجنة بنص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نقله النسائي في صحيحه 2 / 37، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، واحمد بن حنبل في مسنده 5 / 75، وغيرهما.

[690]

ألست بربكم قالوا بلى) * (1)، فلما أشهدهم وأقروا له بأنه (2) الرب عزوجل وأنهم العبيد، كتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه هذا الحجر، وإن له (3) لعينين ولسانا وشفتين، يشهد (4) بالموافاة، فهو أمين الله عزوجل في هذا المكان. فقال عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن (5). ورواه الغزالي في كتاب إحياء العلوم (6). وروى البخاري (7) ومسلم (8) في (9) صحيحهما ولم يذكرا تنبيه أمير المؤمنين عليه السلام إياه. واعتذر عنه في المنهاج (10) بأنه: إنما قال ذلك لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالاسلام الذي قد ألفوا (11) عبادة الاحجار وتعظيمها (12) رجاء نفعها وخوف


(1) الاعراف: 172. (2) في المصدر: أنه - من دون باء. (3) في (س): وأنه - من دون لام -. (4) في شرح ابن أبي الحديد: تشهد لمن وافاه. (5) وفي لفظ: أعوظ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن !. وأخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 457، والمتقي الهندي في الكنز 3 / 35، وابن الجوزي في سيرة عمر: 106، والازرقي في تاريخ مكة، كما في العمدة، والقسطلاني في إرشاد الساري 3 / 195، والعيني في عمدة القارئ 4 / 606 بلفظيه، والسيوطي في الدر المنثور من سورة الانعام، وفي الجامع الكبير - كما في ترتيبه - 3 / 35، واحمد زيني دحلان في الفتوحات الاسلامية 2 / 486، والفخر الرازي في تفسيره في تفسير سورة التين باختلاف في النقل. وهو كاشف عن جهل الخليفة بتأويل كتاب الله كجهله به. (6) إحياء علوم الدين 1 / 241 - 242. (7) صحيح البخاري في كتاب الحج باب ما ذكر في الحجر الاسود، وباب الرمل في الحج والعمرة، وباب تقبيل الحجر. (8) صحيح مسلم كتاب الحج باب استحباب تقبيل الحجر الاسود. (9) لا توجد في (س): في. (10) المنهاج (شرح صحيح مسلم للنووي (9 / 16 - 17. (11) في شرح الصحيح: الذين كانوا ألفوا. (12) في المصدر زيادة: واو، هنا.

[691]

ضررها (1). وما رواه ابن أبي الحديد (2) يبطل هذا الاعتذار، إذ لو كان مراده ذلك لبين عذره ولم يقل: لا أبقاني الله بأرض لست بها، إذ ظاهر أن هذا كلام المقر بالجهل المعترف بالخطأ، وإنما حذفوا التتمة (3) ليتمكنوا من مثل هذا الاعتذار. الطعن الثالث عشر: أشياء كثيرة وأحكام غزيرة تحير فيها وهداه غيره إلى الصواب فيها.. وهذا يدل على غاية جهله وعدم استئهاله للامامة، وسنورد أكثرها في أبواب علم أمير المؤمنين عليه السلام وقضاياه في المجلد التاسع (4)، وبعضها في كتاب القضاء (5)، وكتاب الحدود (6). ولنورد ها هنا قليلا منها من كتب المخالفين: فمنها: ما رواه البخاري (7) في صحيحه، عن أنس، قال: كنا عند عمر، فقال: نهانا عن التكلف. وقال ابن حجر في شرحه (8): ذكر الحميدي، عن ثابت، عن أنس: أن


(1) في المنهاج: وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها.. أقول: إن هذا الاعتذار يستلزم تجهيل وغفلة رسول الله صلى الله عليه وآله - والعياذ بالله - مع قرب عهده (ص) من الجاهلية. (2) في شرحه على النهج 12 / 102. (3) في (س): السمة. (4) بحار الانوار 40 / 149 - 154 و 225 - 235، وغيرهما. (5) انظر: بحار الانوار 104 / 216 - 273. (6) بحار الانوار 104 / 401. (7) صحيح البخاري كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال. وقال العلامة الاميني - رحمه الله - في الغدير 6 / 100 - 101: هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه غير أنه سترا على جهل الخليفة بالاب حذف صدر الحديث وأخرج ذيله وتكلف بعد النهي عن التكلف، ولا يهمه جهل الامة عندئذ بمغزى قول عمر.. وكم وكم في صحيح البخاري من أحاديث لعبت بها يد تحريفه. (8) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 / 230، بتصرف.

[692]

عمر قرأ: * (وفاكهة وأبا) * (1)، فقال: ما الاب ؟. ثم قال: ما كلفنا - أو قال: ما أمرنا - بهذا. ثم قال ابن حجر: قلت: هو عند الاسماعيلي (2) من رواية هشام، عن ثابت: أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: * (وفاكهة وأبا) * (3)، ما الاب ؟. فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف.. وهذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري، وأولى منه ما (4) أخرجه أبو نعيم..، عن أنس، قال: كنا عند عمر وعليه قميص في ظهره أربع رقاع يقرأ (5): * (وفاكهة وأبا) * (6)، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الاب ؟. ثم قال: مه ! نهينا عن التكلف (7). وقد أخرجه (8) عبد بن حميد في تفسيره، عن حماد بن سلمة، وقال بعد قوله (9): فما الاب ؟ ثم قال: يا ابن أم عمر ! إن هذا هو التكلف، وما عليك أن


(1) عبس: 31. (2) في (ك) نسخة بدل: الاسماعيل. (3) عبس: 31. (4) لا توجد: ما، في (س). (5) في المصدر: فقرأ. (6) عبس: 31. (7) وجاء بألفاظ متعددة في موارد مختلفة في المصادر الاصيلة عند العامة، ونكتفي بذكر لفظ آخر: قال أنس بن مالك إن عمر قرأ على المنبر: * (فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا) * (سورة عبس)، قال: كل هذا عرفناه فما الاب ؟، ثم رفض عصا كانت في يده، فقال: هذا - لعمر الله - هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الاب ! اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. وتجد ما روي عن أنس في المتن في: تفسير ابن جرير 30 / 38، مستدرك الحاكم 2 / 514 وصححه، تاريخ بغداد 11 / 468، والكشاف 3 / 253، والرياض النضرة للطبري 2 / 49، والموفقات للشاطي 1 / 21 و 25، وسيرة ابن عمر لابن الجوزي: 120، والنهاية 1 / 10، وأصول التفسير لابن تيمية: 30، وتفسير ابن كثير 4 / 473 وصححه، وكنز العمال 1 / 227، وإرشاد الساري: 10 / 298، وعمدة القاري 11 / 468، وغيرها كثير. (8) أي ابن حجر في شرح صحيح البخاري. (9) في (س): فقوله.

[693]

لا تدري ما الاب ! (1). وعن عبد الرحمن بن يزيد: أن رجلا سأل عمر عن: * (فاكهة وأبا) * (2)، فلما رآهم عمر يقولون، أقبل عليهم بالدرة (3). ومن وجه آخر، عن ابراهيم النخعي، قال: قرأ أبو بكر الصديق: * (وفاكهة وأبا) * (4)، فقيل: ما الاب ؟. فقيل: كذا.. وكذا، فقال أبو بكر: إن هذا هو التكلف، أي أرض تقلني ؟ وأي سماء تظلني ؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم !. ومن طريق ابراهيم التميمي نحوه. انتهى مختصر كلام ابن حجر. وقد ظهر مما رواه (5) أن تفسير (الاب) كان عند الشيخين معضلة لم يوفقا للعلم به مع أنه يعرفها كل حمار، وقولهما: إن هذا هو التكلف.. لا يخلوا عن منافرة لقوله تعالى: * (أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها) * (6)، وفي حذف البخاري حكاية الجهل بالاب دلالة على تعصبه وأنه لا يذكر في أكثر المواضع ما فيه فضيحة للخلفاء. ومنها:: ما رواه البخاري (7) ومسلم (8) وأبو داود (9) والترمذي (10)


(1) وقريب منه ما ذكره ابن سعد في طبقاته 3 / 327، والحاكم في مستدركه 2 / 514 عن أنس. (2) عبس: 31. (3) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5 / 8. (4) عبس: 31. (5) في المطبوع: روه، ولعله: رووه، وما أثبتناه أولى. (6) سورة محمد (ص): 24. (7) صحيح البخاري 12 / 222 كتاب الديات باب جنين المرأة، وفي كتاب الاعتصام باب ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل الله. (8) صحيح مسلم كتاب القسامة باب دية الجنين رقم الحديث 1682. (9) سنن أبي داود كتاب الديات باب دية الجنين برقم 4568 و 4569 و 4570. (10) سنن الترمذي كتاب الديات باب ما جاء في دية الجنين حديث 1411.

[694]

والنسائي (1) وصاحب جامع الاصول (2) بأسانيدهم، عن المغيرة بن شعبة، قال: سئل عمر بن الخطاب عن إملاص (3) المرأة - وهي التي تضرب بطنها فيلقى (4) جنينها -، فقال: أيكم سمع من النبي (ص) فيه شيئا ؟. قال: فقلت: أنا. قال: ما هو ؟. قلت: سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] يقول: فيه غرة عبد أو أمة، قال: لا تبرح حتى تجيئني بالمخرج مما قلت. فخرجت فوجدت محمد بن سلمة (5): فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه [وآله] يقول فيه: غرة عبد أو أمة. هذه رواية البخاري ومسلم، وباقي الروايات على ما أورده في جامع الاصول (6) قريبة منها. ومنها: ما رواه في نهج البلاغة (7): أنه ذكر عند عمر بن الخطاب حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذت فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للاجر، وما تصنع الكعبة بالحلي ؟. فهم عمر بذلك وسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إن القرآن أنزل على محمد (8) صلى الله عليه وآله والاموال الاربعة (9): أموال


(1) سنن النسائي 8 / 49 و 50 و 51 كتاب القسامة باب دية الجنين المرأة. (2) جامع الاصول 4 / 431 - 433 حديث 2509. (3) قال في النهاية 4 / 356، في حديث عمر: أنه سئل عن إملاص المرأة الجنين.. هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة. وفي صحاح اللغة 3 / 1057: وأملصت المرأة بولدها: أسقطت. (4) في المصدر: فتلقى. وهو الظاهر. (5) في المصادر: محمد بن مسلمة. (6) وانظر: جامع الاصول 4 / 428 - 437 حديث 2508 - 2513. وأورده في مسند احمد 4 / 244 و 253، وسنن البيهقي 8 / 114، وتذكرة الحفاظ 1 / 7، الاصابة 2 / 259، تهذيب التهذيب 3 / 36، وغيرها. (7) نهج البلاغة 3 / 201 حكمه عليه السلام، وفي طبعة صبحي الصالح: 523. (8) في المصدر: إن هذا القرآن أنزل على النبي.. (9) في النهج: أربعة. وهو الظاهر.

[695]

المسلمين فقسمها بين الورثة في الفريضة (1)، والفئ فقسمه على مستحقه (2)، والخمس فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلي الكعبة فيها يومئذ فتركه الله على حاله، ولم يتركه نسيانا، ولم يخف عليه مكان (3)، فأقره حيث أقره الله ورسوله. فقال (4) عمر: لولاك لا فتضحنا، وترك الحلي بحاله. وروى البخاري (5)، بإسناده عن أبي وائل، قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته. قلت: إن صاحبيك لم يفعلا. قال: هما المرءان أقتدي بهما. وروى في جامع الاصول (6)، عن شقيق، قال: إن شيبة بن عثمان قال له: قعد عمر مقعدك الذي أنت فيه. فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة. قلت: ما أنت بفاعل. قال: بلى، لافعلن. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم ؟. قلت: مضى النبي صلى الله عليه [وآله] وأبو بكر (7) وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه، فقام وخرج. قال: أخرجه أبو داود (8).


(1) في المصدر: في الفرائض. (2) في النهج: مستحقيه. (3) في المصدر: مكانا - بالنصب -. (4) زيادة: له، جاءت في المصدر. (5) صحيح البخاري 3 / 81 [2 / 183] كتاب الحج باب كسوة الكعبة، وجاء في كتاب الاعتصام أيضا. وجاء اجتهاد الخليفة في حلي الكعبة في: سنن أبي داود 1 / 317، وسنن ابن ماجة 2 / 269، وسنن البيهقي 5 / 159، فتوح البلدان للبلاذري: 55، وفتح الباري 3 / 356، وكنز العمال 7 / 145 بألفاظ متعددة وأسانيد متنوعة. (6) جامع الاصول 9 / 282، حديث 6893. (7) في الجامع: قلت: لان رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد رأى مكانه وأبو بكر.. (8) سنن أبي داود 1 / 317 كتاب المناسك باب في مال الكعبة حديث 2031، وقريب منه رواه = = البخاري في صحيحه 13 / 211 و 212 في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وفي الحج، باب كسوة الكعبة. أقول: ونظير هذا موارد: منها: ما عن نافع وغيره: كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله (ص) تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعهم فيها وأمر بها فقطعت. كما أوردها جمع من أعلامهم كابن الجوزي في سيرة عمر: 107، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 178، 3 / 123 [1 / 60 أربع مجلدات]، والسيرة الحلبية: 3 / 29، وابن حجر في فتح الباري 7 / 361، وإرشاد الساري 6 / 337، والدر المنثور 6 / 73، وغيرها. ومنها: ما أورده ابن الجوزي في سيرة عمر: 107، وابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 3 / 122، والعسقلاني في فتح الباري 1 / 450، وغيرهم في نهيه عن الصلاة في مسجد صلى به رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومنها: تزهده وتظاهره أمام المسلمين بالتقشف والتقوى مع ما له من قصة مفصلة في هدية ملك الروم له التي أوردها في الفتوحات الاسلامية 2 / 413.

[696]

ومنها: ما رواه ابن أبي الحديد (1)، قال: مر عمر بشاب من الانصار (2) وهو ظمآن فاستسقاه فماص (3) له عسلا، فرده ولم يشرب، وقال: إني سمعت الله سبحانه (4) يقول: * (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..) * (5). وقال الفتى (6): إنها والله (7) ليست لك (8)، إقرأ يا أمير المؤمنين (9) ما قبلها:


(1) في شرح النهج 1 / 182 [1 / 61]. (2) في المصدر: ومر يوما بشاب من فتيان الانصار. (3) في (س): فماض له. وفي المصدر: فجدع.. أي خلط. والمض: المص أو أبلغ منه كما في القاموس 2 / 318. وجاء فيه 2 / 344: مض الشئ مضيضا: شرب.. (4) وجاءت العبارة في شرح النهج هكذا: فجدح له ماء بعسل فلم يشربه وقال: إن الله تعالى.. (5) الاحقاف: 20. ولم يذكر ذيلها في المصدر. (6) في الشرح زيادة: له، قبل الفتى، وأمير المؤمنين، بعدها. (7) لا توجد: والله، في المصدر. (8) في الشرح زيادة: ولا لاحد من هذه القبيلة.. (9) لا توجد في المصدر: يا أمير المؤمنين.

[697]

* (.. ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) * (1) فنحن منهم ؟ فشرب (2)، وقال (3): كل الناس أفقه من عمر (4). أقول: لعله كان في رجوعه أبين خطأ من ابتدائه، فتدبر. والاخبار في ذلك كثيرة في كتبنا وكتبهم لا نطيل الكلام بإيرادها (5)،


(1) الاحقاف: 20. (2) لا توجد في شرح النهج: فنحن منهم فشرب. (3) في المصدر: فقال عمر. (4) وقد كرر قوله هذا في أكثر من مورد، وقد أشرنا إلى جملة من هذه الموارد وإليك مورد آخر: أخرج جمع من الحفاظ: أن رجلا قال عند عمر: اللهم اجعلني من القليل. فقال عمر: ما هذا الدعاء ؟. فقال الرجل: إنما سمعت الله يقول: * (وقليل من عبادي الشكور) *. فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل. فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر. تفسير السيوطي 5 / 229، وفي لفظ القرطبي في تفسيره 14 / 277: كل الناس أعلم منك يا عمر، وفي تفسير الكشاف 2 / 445: كل الناس أعلم من عمر: وفي قصة مرت جاء في آخرها: كل واحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر.. كما وردت في الرياض النضرة 2 / 57، والفتوحات الاسلامية 2 / 408، ونور الابصار: 65، وغيرهم. وهناك ألفاظ أخر مرت وستأتي. (5) ونحن تبعا لشيخنا العلامة أعلى الله مقامه نستدرك جملة مما جهله معدن الجهل وجوهره وأس الانحراف وأساسه، بعد أن استدركنا الكثير عليه في مطاعنه السالفة، وسنأتي على غيرها في آخره بإذن الله، فنقول: ومنها: جهله لما لا يجهله الصبيان والعوام وهي معاني الالفاظ، وهي كثيرة جدا نعرض عن ذكرها وندرج بعض مصادرها. منها: ما ذكره الزمخشري في تفسيره الكشاف 2 / 165، القرطبي في تفسيره 10 / 110، والبيضاوي في تفسيره 1 / 667، وغيرهم. ومنها: ما ذكره ابن كثير في تفسيره 1 / 175، وتفسير الخازن 2 / 53، والسيوطي في الدر المنثور 3 / 45، والهندي في كنز العمال 1 / 285،. وذكر واقعة أخرى في كنزه 1 / 257، وقصة رابعة أوردها الحاكم النيسابوري في مستدركه 3 / 305.. وغيرهم وغيرها مما يخجلنا نقلها وسردها، فراجعها. ومنها: ما أورده ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: 46 من جهل الخليفة بمعاريض الكلم وفي أكثر من قصة، وذكرت لها عدة موارد أورد بعضها الكنجي في الكفاية: 96، وابن =

[698]

= الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 18، ونظيرها في نور الابصار للشبلنجي: 79، ومقارب لها في تفسير الكشاف 2 / 445، وتفسير السيوطي 5 / 229، وتفسير القرطبي 14 / 277، وحكى بعض مواردها الدولابي في الكنى والالقاب 1 / 192، والجاحظ في الاذكياء: 49، 142، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 105، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 96، وابن حجر في الاصابة 3 / 315.. وغيرهم. ومن جهل الالفاظ ومعاريض الكلام كيف ينتظر منه دركه لمعاني القرآن أو أحكام الله سبحانه وسنة نبيه و.. ؟ !. ومنها: حكم الخليفة الثاني في التحليل من الاحرام في الحج، ونقض الصحابة طرا عليه، كما جاء في الموطأ لمالك: 285، وصحيح الترمذي 1 / 173، وسنن البيهقي 5 / 204، وجامع بيان العلم 2 / 197، والاصابة للزركشي: 88، وغيرهم كثير. ومنها: ما ارتآه الخليفة في الحائض بعد الافاضة، فعن ابن عمر أنه قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف البيت. كما أخرجها البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب إذا حاضت المرأة، وكتاب الحيض باب المرأة تحيض بعد الافاضة، وكتاب الحج باب المرأة إذا حاضت بعد الافاضة. كما وأخرجها مسلم في صحيحه في تلك الابواب. وقد خان الشيخان هنا إذ أسقطا ذيل الرواية التي ذكرها في فتح الباري 3 / 462 في قولة عمر هنا: يكون آخر عهدها بالبيت !. وأورد القصة الدارمي في سننه 2 / 68، وأبو داود في سننه 1 / 313 بشكل آخر وإسناد مغاير، وقالها الترمذي في سننه 1 / 177، وابن ماجة في كتابه 2 / 68، والبيهقي في سننه 5 / 162، والبغوي في مصابيح السنة 1 / 182، وغيرهم. ومنها: جهله بكفارة بيض النعم، إذ جاء في الرياض النضرة 2 / 50 و 194، وذخائر العقبى: 82، والكفاية للشنقيطي: 57، وغيرهم في قصة حاصلها: أن قوما أصابوا بيض النعم وسألوا الخليفة وجهل الحكم، ثم رجعوا إلى باب مدينة العلم سلام الله عليه، فقال: يضربون الفحل قلائص أبكارا بعدد البيض فما نتج منها أهدوه. قال عمر: فإن الابل تخرج. قال علي عليه السلام: والبيض يمرض. فلما أدبر، قال عمر: اللهم لا تنزل بي شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي !. ومنها: جهل الخليفة بحكم المجوس، وقوله: ما أدري ما أصنع بالمجوس وليسوا أهل الكتاب..، وفي لفظ آخر: ما أدري كيف أصنع في أمرهم ؟.. فقال له عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله (ص) يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. قاله مالك في الموطأ 1 / 207، والبخاري في صحيحه - كتاب الجهاد - باب الجزية 6 / 158، واحمد بن حنبل في مسنده 1 / 190 - 191، والترمذي في الجامع 1 / 192 [طبعة أخرى: 1 / 300] وقد أورده بعدة طرق مصححة، =

[699]

= والدارمي في سننه 2 / 234، وأبو داود في سننه 2 / 45، والجصاص في أحكام القرآن 3 / 114، والبيهقي في السنن الكبرى 8 / 248، 9 / 189، وتيسير الوصول 1 / 245، وسيرة عمر لابن الجوزي: 114 وما بعدها.. وغيرهم. وهذا حكم جهله إلى سنة قبل موته كما نص عليه الخطيب التبريزي: 344 وجمع. ومنها: ما رواه الطبري في تفسيره 6 / 68، وابن كثير في تفسيره 3 / 239، والقرطبي في تفسيره 12 / 107، وغيرهم في قصة حاصلها: أن امرأة تسررت غلامها، فذكر ذلك لعمر، فسألها: ما حملك على ذلك ؟. قال: كنت أراه يحل لي بملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمن، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله (ص)، فقالوا: تأولت كتاب الله عزوجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر: لا جرم، والله لا أحلك لحر بعده أبدا ! !. ومنها: ما أخرجه أبو داود في سننه 2 / 242 في حديث: جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر صدرا من إمارته أربعين، ثم جلد ثمانين في آخر خلافته، وجلد عثمان الحدين كليهما ثمانين وأربعين !، ثم أثبت معاوية الحد على الثمانين !. وأورده في السنن 2 / 240 عن أنس بن مالك - بشكل آخر - من أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، وفعل أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: اخف الحدود ثمانون ! فأمر به عمر.. وجاء بصور متعددة وبطرق متضافرة. انظر: صحيح مسلم - باب حد الخمر - 2 / 38، 52، سنن الدارمي 2 / 175، سنن أبي داود 2 / 240، مسند أبي داود الطيالسي: 265، سنن البيهقي 8 / 319، 320، تيسير الوصول 2 / 17، كنز العمال 3 / 102، وغيرهم. ومنها: جهله في حد الامة، فقد رواه الشافعي في كتاب الام 1 / 135، وأورد بعض وجوه الحديث في هامشه 7 / 144، وحكاه بطرق البيهقي في السنن الكبرى 8 / 238، وكتاب العلم لابي عمر: 148 وغيرهم. وقال الاول: فخالف عليا وعبد الرحمن فلم يحدها حدها عندهما - وهو الرجم -، وخالف عثمان لا يحدها بحال، وجلدها مائة وغربها عاما.. وقد ناقش الواقعة شيخنا الاميني في غديره 6 / 174 - 175 بشكل رائع، فلا حظ. ومنها: ما ورد من أنه أتي عمر بامرأة قد نكحت في عدتها، ففرق بينهما، وجعل مهرها في بيت المال، وقال: لا يجتمعان أبدا، فبلغ عليا عليه السلام، فقال: إن كان جهلا فلها المهر بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فخطب عمر وقال: ردوا الجهالات إلى السنة، فرجع إلى قول علي عليه السلام، وفي لفظ الخوارزمي في مناقبه: 57: ردوا قول عمر إلى علي. وفي التذكرة - لسبط ابن الجوزي -: 87: فقال عمر: لولا علي لهلك عمر.. =

[700]

= وجاءت الواقعة بألفاظ عدة، وقد فصلها الجصاص في أحكام القران 1 / 504، وأوردها البيهقي في السنن الكبرى 7 / 441 - 442، وجاءت في الرياض النضرة 2 / 196، وذخائر العقبى: 81، وغيرها. ومنها: ما أورده المتقي الهندي في كنز العمال 5 / 161 عن قتادة، من أنه سئل عمر بن الخطاب عن رجل طلق امرأته في الجاهلية تطليقتين وفي الاسلام تطليقة، فقال: لا آمرك ولا أنهاك. فقال عبد الرحمن: لكن آمرك، ليس طلاقك في الشرك بشئ. وجاء في هامش مسند احمد بن حنبل 3 / 482. ومنها: ما أورده جمع من الحفاظ منهم في حكم الخليفة في المتسابين، أوردها العلامة الاميني في غديره 6 / 144 - 146 وناقشها بما لا مزيد عليه. ومنها: ما حكاه في السنن الكبري 8 / 252 عن جمع من أعلامهم من قول ابن عمر: كان عمر يضرب الحد في التعريض.. مع ما تواتر عن الفريقين من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ادرؤا الحدود بالشبهات. ومنها: ما جاء عن أبي عمر الشيباني أنه قال: خبر عمر بن الخطاب برجل يصوم الدهر، فجعل يضربه بمخفقته ويقول: كل يا دهر يا دهر. هذا مع أن جمعا من أعلامهم عرفوا بذلك، وقامت عليه النصوص من العامة والخاصة، وناقشها صاحب الغدير مفصلا 6 / 322 - 325. ومنها: جهله بالصلاة بعد العصر، فعن وبرة قال: رأى عمر تميما الداري يصلي العصر فضربه بالدرة !، فقال تميم: لم يا عمر ! تضربني على صلاة صليتها مع رسول الله (ص). فقال عمر: يا تميم ! ليس كل الناس يعلم ما تعلم ! !. وعن السائب بن يزيد أنه رأى عمر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر. وعن الاسود بن يزيد أنه رأى عمر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصبر. وعن الاسود: أن عمر كان يضرب على الركعتين بعد العصر.. وغيرها. انظر: صحيح مسلم 1 / 310، مسند احمد 4 / 102، 115، موطأ مالك 1 / 90، مجمع الزوائد 2 / 222، تيسير الوصول 2 / 295، فتح الباري 2 / 51 و 3 / 82، كنز العمال 4 / 225، وشرح الموطأ للزرقاني 1 / 398، سنن أبي داود 1 / 201، سنن الدارمي 1 / 334، سنن البيهقي 2 / 458.. وقد جاء الحكم بألفاظ مختلفة في وقائع متعددة. ومنها: ما أورده البيهقي في السنن الكبري 8 / 274، والمتقي الهندي في كنز العمال 3 / 118 وغيرهما من حكم الخليفة في قطع رجل سارق أقطع اليد والرجل قد سرق، وما أرشده مولى الكونين أبو الحسن عليه السلام لحكم المسألة. =

[701]

= ومنها: ما جاء عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قضى في الاصابع من الابهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست ! ! وقد حكي عنه أقوال أخر. كما أوردها الشافعي في كتابه الام 1 / 58 و 134 وهامشه 7 / 140، وفي كتابه الرسالة: 113، وانظر السنن الكبرى للبيهقي 8 / 93 وغيرها. هذا مع ما أورده حفاظهم ومحدثيهم في صحاحهم ومسانيدهم من أن رسول الله (ص) قال: في الاصابع عشر عشر. ومنها: ما جاء في سنن للدارقطني - كتاب الصوم - باب القبلة للصائم - عن سعيد بن المسيب: أن عمر خرج على أصحابه، فقال: ما ترون في شئ صنعت اليوم ؟ أصبحت صائما فمرت بي جارية فأعجبتني فأصبت منها.. فعظم القوم عليه ما صنع - وعلي عليه السلام ساكت - فقال: ما تقول ؟. قال أتيت حلالا، ويوم مكان يوم. قال: أنت خيرهم فتوى. ورواه ابن سعد أيضا في طبقاته 3 / 102 - القسم الثاني -. ومنها: ما أورده مسلم في صحيحه 1 / 242، وأبو داود في سننه 2 / 28، ومالك في الموطأ 1 / 147، وابن ماجة في سننه 1 / 188، والترمذي في صحيحه 1 / 106، والنسائي في سننه 3 / 184، والبيهقي في سننه 3 / 294 وغيرهم، واللفظ لابن ماجة عن عبيد الله، قال: خرج عمر يوم عيد فأرسل إلى أبي واقد الليثي: بأي شئ كان النبي (ص) يقرأ في مثل هذا اليوم ؟. فقال: ب‍ (ق) و (اقتربت). ومنها: جهله بليلة القدر، وعده العلم بها تكلفا، كما جاء في مسند عمر: 87، ومستدرك الحاكم 1 / 438، وسنن البيهقي 4 / 313، وتفسير ابن كثير 4 / 533، والدر المنثور 6 / 374، وفتح الباري 4 / 211، وغيرها. ومنها: ما رآه في دية الجنين وسؤاله من المغيرة بن شعبة (أزنى ثقيف وأكذبها) ومحمد بن مسلم وغيرهما عن ذلك، وقال: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا.. كما جاء في صحيح البخاري - كتاب الديات - باب جنين المرأة، وصحيح مسلم 2 / 41، وسنن أبي داود 2 / 255 و 256، ومسند احمد ابن حنبل 4 / 244، 253، وسنن البيهقي 8 / 114، وتذكرة الحفاظ 1 / 7، والاصابة 2 / 259، وتهذيب التهذيب 3 / 36، وغيرها. ولا نعلم هل كان الخليفة يعلم ويخالف، أم لم يعلم وحكم بهواه، كما هو الاقوى.. ونعم ما قال الشاعر: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة.... ومنها: ما نص عليه سعيد بن المسيب على أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا.. حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي (ص) كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبي من ديته.. وجاءت الرواية بألفاظ أخر أوردها جمع من الحفاظ، كأبي داود في سننه 2 / 22، واحمد بن حنبل في سننه 3 / 452، والترمذي في صحيحه 1 / 265، وابن ماجة =

[702]

= في سننه 2 / 142، والبيهقي في سننه الكبري 8 / 134، والخطيب البغدادي في تاريخه 8 / 343، والشافعي في كتابه الام 6 / 77، والرسالة له: 113، واختلاف الحديث - هامش كتاب الام - 7 / 20... وغيرهم. هذا والخليفة كان ناسيا أو جالها بقوله تعالى: * (فدية مسلمة إلى أهله) * النساء: 92. وغيرها من الآيات مع جهله بالسنة المطهرة. ومنها: جهله بمعنى الكلالة.. وهي قصة مضحكة مبكية سبقت من الخليفة الاول مفصلا، وتضاربت أقوالهم جدا، أطبق على ذكرها الحفاظ وأهل المسانيد والسنن، فقد جاء في السنن الكبرى 6 / 224: أن عمر قال: أتى علي زمان لا أدري ما الكلالة، وإذا الكلالة من لا أب له ولا ولد. وقال في تفسير القرطبي 5 / 77: أن أبا بكر وعمر قالا: إن الكلالة من لا ولد له خاصة، ثم رجعا عنه. وروى مسلم في صحيحه - كتاب الفرائض - 2 / 3، واحمد بن حنبل في مسنده 1 / 48، وابن ماجة في سننه 2 / 163، والجصاص في أحكام القرآن 2 / 106، والبيهقي - أيضا - في سننه 8 / 150، والقرطبي في تفسيره 6 / 29، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 251، وغيرهم، وبألفاظ مختلفة والمعنى واحد في خطبة لعمر وفيها:.. ثم إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله (ص) في شئ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه.. حتى طعن باصبعه في صدري وقال: يا عمر ! ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وإني إن عشت أقض فيها [يقضي] بقضية بقضاء بها من يقرأ القرآن ومن لم يقرأ القرآن ! !. وقريب منه في تفسير ابن كثير 1 / 594، وتفسير الطبري 6 / 60، وتفسير السيوطي 2 / 249، وقد جاء في كنز العمال 6 / 20 قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحفصة حين سألتها عنه: أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبدا، فكان عمر يقول ما أراني أعلمها أبدا، وقال فيه: أخرجه ابن راهويه وابن مردويه وهو صحيح. ولا حظ: كتاب السبعة من السلف: 85. وها هو يقول - كما حدثنا مرة بن شرحبيل -: ثلاث لان يكون رسول الله (ص) بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والربا، والخلافة ! !. كما أورده ابن ماجة في سننه 2 / 164، وابن جرير في تفسيره 6 / 30، والجصاص في أحكام القرآن 2 / 105، والحاكم في المستدرك 2 / 304، والقرطبي في تفسيره 6 / 29، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 250... وغيرهم. وأورده البيهقي في السنن الكبرى 6 / 225، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 2 / 304، وذكره الذهبي في تلخيصه للمستدرك وأقر تصحيح الحاكم له، وابن كثير في تفسيره 1 / 595، وذكر تصحيح الحاكم وأقره عليه. = = وعن ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت ؟. قال: الكلالة من لا ولد له. وجاء في تفسير ابن كثير 1 / 595: قال ابن عباس: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة والقول ما قلت !. وقال العلامة الاميني في غديره 7 / 104: أخرج أئمة الحديث بإسناد صحيح رجاله ثقات، عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، قال: إني سأقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، أراه ما خلا الولد والوالد. فلما استخلف عمر قال: إني لاستحيي الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر ! !. أخرجه سعد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم، وأورده الدارمي في سننه 2 / 365، والطبري في تفسيره 6 / 30، والبيهقي في سننه 6 / 223، وحكى عنهم السيوطي في الجامع الكبير - كما في ترتيبه - 6 / 20، وذكره ابن كثير في تفسيره 1 / 260، والخازن في تفسيره 1 / 367، وابن القيم في اعلام الموقعين: 29، وغيرهم. وجاء في كنز العمال 6 / 20 بزيادة قوله (ص) لحفصة سألها عنه: أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبدا، فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها أبدا وقد قال رسول الله (ص) ما قال. قال في الكنز: أخرجه ابن راهويه وابن مردويه وهو صحيح. وقد فصل القول فيها وعلق عليها وأجاد شيخنا الاميني رحمه الله في غديره 6 / 127 - 131، والسيد الفيروز آبادي في السبعة من السلف: 85، وغيرهما من أعلامنا رضوان الله عليهم.

[703]

وسيأتي بعضها في أبواب علم أمير المؤمنين عليه السلام (1). ومن أعجب العجب أن اتباعه - مع نقلهم تلك الروايات - يدعون تقدمه في العلم والفضل، مع أنه ليس أمرا يمكن أن يدعى فيه البداهة، ولم يقم دليل من العقل والنقل على أنه يجب أن يكون عمر من العلماء، وإنما يعلم علم مثله وجهله بما يؤثر عنه ويظهر من فتاويه وأحكامه وسائر أخباره، ولم يكن عمر في أيام كفره من المشتغلين بتحصيل العلوم ومدارسة المسائل، بل كان تارة من رعاة الابل، وتارة حطابا، وأحيانا مبرطسا وأجيرا لوليد بن المغيرة ونحوه (2) في الاسفار لخدمة الابل وغيرها، ولم يكن من أحبار اليهود وأساقفة النصارى وعلماء المشركين، وفي الاسلام أيضا لم يكن من المشتغلين بمدارسة المسائل، وأكثر


(1) بحار الانوار 40 / 149 - 154 و 225 - 236، وغيرهما. (2) في (س): ونحو - بلا ضمير -.

[704]

اشتغاله كان بالبرطسة (1) والصفق بالاسواق (2)، وقد حصروا مروياته - مع طول