الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 29

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 29


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار

[3]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء التاسع والعشرون تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا بيروت - لبنان

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.. " (1) آل عمران: 99


(1) قد وردت روايات مستفيضة في تفسير الآية الكريمة بأهل البيت عليهم السلام وأنهم: حبل الله، انظر مثلا: إسعاف الراغبين: 112، رشفة الصادي: 25 و 270، ينابيع المودة: 118 - 119، العمدة: 150، شواهد التنزيل: 1 / 130، أهل البيت (ع) (توفيق أبو علم): 61 و 62، عن ابن عباس وغيره، وبمضامين متقاربة. وذكر الشيخ النعماني في كتابه الغيبة - الباب الثاني - في ما جاء في تفسير الآية: 39 - 51 جملة من روايات حرية بالملاحظة، وباب 31 من بحار الانوار: 24 / 82 - 85: انهم عليهم السلام حبل الله المتين والعروة الوثقى، وانهم آخذون بحجزة الله، وتفسير العياشي: 1 / 194، ومجمع البيان: 2 / 482 - 488، وكنز الفوائد: 44، 58، 226، ومناقب آل أبي طالب: 2 / 273، و 3 / 170 - 171 و 343، وأمالي الشيخ الطوسي: 171، والعمدة: 35 وغيرها.

[7]

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل ركبت على آسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل وأمسكت حبل الله وهو ولاءهم * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل أبو عبد الله الشافعي رشفة الصادي: 25

[9]

عن حبيش بن المعتمر، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، كيف أمسيت ؟. قال: أمسيت محبا لمحبنا ومبغضا لمبغضنا، وأمسى محبنا مغتبطا برحمة من الله كان ينتظرها وأمسى عدونا يؤسس بنيانه على شفا جرف هار، فكأن ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنم، وكأن أبواب الرحمة قد فتحت لاهلها، فهنيئا لاهل الرحمة رحمتهم، والتعس لاهل النار والنار لهم. يا حبيش ! من سره أن يعلم أمحب لنا أم مبغض فليمتحن قلبه، فإن كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا، وإن كان يبغض وليا لنا فليس بمحب لنا. إن الله تعالى أخذ الميثاق لمحبينا بمودتنا وكتب في الذكر اسم مبغضنا، نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء. بحار الانوار: 27 / 53 - 54 - حديث (6) المجالس: 197

[10]

عن أبي محمد العسكري، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله ! أحبب في الله وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الايمان - وإن كثرت صلاته وصيامه - حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يعني عنهم من الله شيئا. فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عزوجل. ومن ولي الله عزوجل حتى أو إليه ؟ ومن عدوه حتى أعاديه ؟. فأشار [له] رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: أترى هذا ؟. فقال: بلى. قال: ولي هذا ولي الله، فواله. وعدو هذا عدو الله، فعاده، قال: وال ولي هذا ولو أنه قاتل ابيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك أو ولدك. تفسير العسكري (ع): 18 ومعاني الاخبار: 113 وعيون أخبار الرضا (ع): 161 وعلل الشرائع: 58 وبحار الانوار: 27 / 54 - 55 حديث 8

[11]

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد وبه ثقتي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فأخذ بنا إلى المنهاج والدليل الواضح والسبيل الناجح، ووفقنا للدين الحنيف وشريعة سيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة الابدية على أعدائهم وظالميهم وغاصبي حقوقهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم ومناوئي شيعتهم من الاولين والآخرين.. إلى قيام يوم الدين.. آمين يا رب العالمين. أما بعد: ما عساني أن أقول.. وما تراني أكتب.. وما تخط يميني.. عن بحر اللآلي، ومنبع الانوار (الجامع لدرر أخبار الائمة الاطهار) صلوات الله الملك العلام عليهم، ذاك الذي كان - ولا زال - مرجعا للاعلام، ومصدرا للانام، ومرغما للملاحدة اللئام، كما شاء له مؤلفه القمقام قدس الله روحه الطاهرة، وحشره وإيانا مع الائمة الكرام، عليهم أفضل التحية والسلام. نعم، لا يسعني - وأنى لي - أن أكتب عن كتاب أو كاتب - مع قصور الباع وقلة البضاعة - عن من قل من حاذاه فضلا عمن علاه، مع إجماع الكل

[12]

على جلالته وفضله، وإطباقهم على عظمته وعلمه، وهو - بحق - آية من آيات الرحمن في فنون شتى، وقمر في السماء بين النجوم والكواكب، إذ هو العلامة الفهامة، غواص بحار الانوار ببياناته، ومستخرج لآلي الاخبار بتتبعاته، وجامع كنوز الآثار باستقصاءاته، الذي قل له قرين في عصره - فضلا عن من كان قبله أو جاء بعده - إذ أفنى عمره في ترويج الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين، ودفع أباطيل المبطلين، وزيغ المنحرفين، وجهل الجاهلين، تصنيفا وتأليفا، وأمرا ونهيا، قامعا للمعتدين، ومزيفا للمبدعين، وداحضا للمعاندين، وهاديا للضالين، ومرشدا للغاوين، ورادا للمخالفين من أهل الاهواء والبدع والزيغ والضلال. ولنطوي عن ترجمته صفحا، فما في " الفيض القدسي " لشيخنا النوري، وما رصف في أول المجلد الاول من موسوعته، وما كتبه عنه كل من ترجم له وألف عنه - معاصرا كان أو متأخرا عنه - يغنينا عن التطويل، وإن كان معتقدنا أن ما ذكروه فيه وعنه نزر يسير، وأقل من القليل. * * * * * وبعد كل هذا نعود إلى كتابنا، فقد كان ولا زال - بحق - مصدرا لكل من طلب بابا من أبواب علوم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم، ومنبعا لكل من بحث عن الحق والحقيقة، إذ قد استعان به كل من جاء بعده، فكان عيالا عليه، وناهلا منه.. لا لكون أكثر منابع المصنف طاب ثراه تعد من الكتب المعتمدة والاصول المعتبرة - التي لم يتسن إلى يومنا هذا الحصول على بعضها - فحسب.. بل لما فيه من بيانات شافية، وتبويب رائع، وإحاطة واسعة، ومنهجية ممتازة، وهو - من ثم - يشبع الموضوع - إلى حد ما - تحقيقا وتدقيقا، وبيانا وتوضيحا، مع كل ما فيه من برمجة وتنسيق فريد في نوعه. فكل من وعى واطلع يعرف أن (البحار) موسوعة حديثية نادرة، ودرة

[13]

فاخرة للامة الاسلامية فضلا عن الطائفة المحقة الشيعية، لما حواه من فنون شتى، وعلوم غزيرة، وفوائد نفيسة، ومطالب فريدة، وغوالى لا يستغني عنها طالب، وتروي كل شارب.. ونعم ما قال شيخنا الطهراني في الذريعة: 3 / 16:.. هو الجامع الذي لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، لاشتماله - مع جمع الاخبار - على تحقيقات دقيقة، وبيانات وشروح لها غالبا لا توجد في غيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء... * * * * *.. ولنرجع إلى ما نبغيه من هذه الاسطر فنقول: طبع البحار في خمسة وعشرين مجلدا - كما قرره مصنفه رحمه الله له - ونحن نذكر تفصيل المجلد الثامن - الذي نحن بصدده - كما جاء في أول المجلد الاول منه [28 / 1 - 2] قال:.. وهو مشتمل على ما وقع من الجور والظلم والبغي والعدوان على أئمة الدين وأهل بيت سيد المرسلين بعد وفاته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وتوضيح كفر المنافقين والمرتدين الغاصبين للخلافة من أهلها، والنازعين لها من مقرها، وأعوانهم من الملحدين، وبيان كفر الناكثين والقاسطين والمارقين، الذين اقتدوا بمن كان قبلهم من الظالمين، وحاربوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى أولاده الطاهرين، وأنكروا حقه - مع وضوحه، على العالمين - وما جرى في تلك الغزوات وما لحقها.. إلى آخره. ونترك سرد أبواب المجلد الثامن ونقتصر على ما جاء في ما نخرجه هنا، وهي: الباب الخامس: باب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر وغيره في أمر البيعة.

[14]

الباب السادس: منازعة أمير المؤمنين عليه السلام والعباس في الميراث. باب (1): نوادر الاحتجاج على أبي بكر.. باب: احتجاج سلمان وأبي بن كعب وغيرهما على القوم. باب: ما كتب أبو بكر إلى جماعة يدعوهم إلى البيعة، وفيه بعض أحوال ابي قحافة. باب: إقرار أبي بكر بفضل أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته بعد الغصب. باب: نزول الآيات في أمر فدك وقصصه، وجوامع الاحتجاج فيه، وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين. باب: العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك. باب: علة قعوده عليه السلام عن قتال من تأخر عنه من الاولين وقيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين والقاسطين والمارقين، وعلة إمهال الله من تقدم عليه، وفيه علة قيام من قام من سائر الائمة عليهم السلام وقعود من قعد منهم. باب: العلة التي من أجلها ترك الناس عليا عليه السلام. باب: شكاية أمير المؤمنين عليه السلام عمن تقدمه من الغاصبين. باب: آخر، فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحا أو تلويحا. باب: احتجاج الحسين عليه السلام على عمر وهو على المنبر. باب: في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وغصب الخلافة وظهور جعل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام.


(1) هذه الابواب رقمت في طبعتنا هذه.

[15]

باب: ما أظهر عمر وأبو بكر من الندامة على غصب الخلافة عند الموت. باب: كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم وفضل التبري منهم ولعنهم. باب: آخر، فيه ذكر أهل التابوت في النار. باب: تفصيل مطاعن أبي بكر، والاحتجاج بها على المخالفين، بإيراد الاخبار من كتبهم. باب: تفصيل مثالب عمر، والاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الاخبار من كتبهم. باب: نسب عمر وولادته ووفاته وبعض نوادر أحواله، وما جرى بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام. باب: نادر. باب: تفصيل مثالب عثمان وبدعه والاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم وبعض أحواله. باب: الشورى، واحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على القوم في ذلك اليوم. باب: احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على جماعة من المهاجرين والانصار.. إلى آخره. باب: ما جرى بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين عثمان وولاته وأعوانه وبعض أحواله. باب: كيفية قتل عثمان وما احتج عليه القوم في ذلك. باب: تبري أمير المؤمنين عليه السلام من دم عثمان وعدم إنكاره أيضا.. إلى آخره. باب: ما ورد في لعن بني أمية وبني العباس وكفرهم. باب: ما ورد في جميع الغاصبين والمرتدين مجملا.

[16]

وقد تعرض لهذه الابواب شيخنا الطهراني في الذريعة: 3 / 19 - 20 أيضا. وقال المصنف طاب ثراه في اخر كلامه السالف:.. مقتصرا في جميع ذلك على نقل الاخبار وتوضيحها، والايماء إلى بعض الحجج من غير تعرض لبسط القول فيها وتنقيحها، وإيراد الشبه وتزييفها وتقبيحها، فإن ذلك مما يكبر به حجم الكتاب، ويورث إعراض الناس عنه وتعريضهم بالاطناب والاسهاب... أقول: هذا هو الذي تعرضنا له من المجلد الثامن من هذه الموسوعة العظيمة في الفتن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء، وما وقع في أيامهم من الفتوح وغيرها، وكيفية حرب الجمل وصفين والنهروان، وشرح أحوال معاوية في الشام وغاراته ومعاملته مع أهل العراق، وذكر أحوال بعض خواص أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، وشرح جملة من الاشعار المنسوبة إليه، وشرح بعض كتبه في اثنين وستين بابا، وفي واحد وستين ألف بيت - كما هو المصطلح عندهم - توجد له أكثر من نسخة خطية، منها، ما جاء في مكتبة سبهسالار في طهران - كما جاء في فهرستها: 1 / 239 برقم 5319، نسخت سنة 1109 ه‍ في 243 ورقة، وعندنا منها مصورة، وغيرها. ثم إنه طبع أولا في تبريز سنة 1275 ه‍، ثم جدد طبعه بعد ذلك في طهران سنة 1303 - 1315 ه‍، وأعيد طبع المجلد الثامن على الطبعة الاخيرة - بالاوفست - في قم حدود سنة 1400 ه‍. هذا وقد ترجم هذا المجلد إلى الفارسية المولى محمد نصير بن المولى عبد الله بن المولى محمد تقي المجلسي، والمولى عبد الله هو أخو العلامة شيخنا المصنف طاب ثراهما، وله ترجمة أخرى باسم: مجاري الانهار (في ترجمة المجلد الثامن من البحار) للمولى محمد مهدي بن محمد شفيع الاسترابادي المازندراني المتوفى سنة 1259 ه‍ فرغ منها سنة 1247 ه‍، كما أن له ترجمة أخرى لمترجم

[17]

مجهول توجد نسختها في مكتبة السيد الگلپايگاني كما ورد في فهرس المكتبة: 2 / 30 برقم 499. وقد اختصر البحار - ومنه هذا المجلد - أكثر من مرة، منها ما قام به الشيخ حسن الميانجي - وذكره شيخنا في الذريعة: 4 / 423 -، وآخر للميرزا إبراهيم الخوئي - كما في أعيان الشيعة: 7 / 30 -، وثالثة لميرزا محمد صادق الشيرازي، وغيرها. كما وقد استدرك عليه جمع من أعلامنا رضوان الله عليهم، منهم الميرزا محمد بن رجب علي الطهراني العسكري، كتب أولا: مصابيح الانوار في فهرس أبواب البحار، ثم اشتغل باستدراك كل باب باب، ولا ننس سفينة البحار لشيخنا الشيخ عباس القمي، ومستدركاتها للشيخ علي النمازي رحمهما الله.. وغير ذلك. ولسنا بصدد سرد أو جمع لكل ما هناك من تراجم وتعليقات وحواش ومستدركات أو نسخ خطية جاءت لهذه الموسوعة العظيمة ولمجلدنا بالخصوص، وما أوردناه غيض من فيض تعرض لبعضه كل من كتب عن البحار، وجاء جملة منه في مجلة مشكاة: 29، وغيرها. وكان أن خصص لهذا المجلد - في طبعته الجديدة - الاجزاء 28 - 34، ولكن بعد طبع المجلد الثامن والعشرين منه ترك بقية الاجزاء وشرع بطبع المجلد الخامس والثلاثين، مهملين بقية الاجزاء من هذا المجلد، وقد طبع أخيرا الاجزاء الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون والرابع والثلاثون بواسطة وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي في إيران بتحقيق الحاج الشيخ محمد باقر المحمودي، ولنا عليه عدة ملاحظات ومؤاخذات، مع ما قام فيه من تصرف أو حذف وتغيير و.. فما أجمل قول شيخنا الطهراني في ذريعته: 25 / 356 - 357 - عند حديثه في استدراكاته على طبع دورة البحار على الحروف في 110 مجلد -، قال: بعد إسقاط بعض أقسامه تحت ضغط التيار المتسنن الداعي إلى

[18]

الاتحاد من جهة واحدة ! !: ففي الوقت الذي ألفت فيه مئات المصنفات والمقالات - جاوزت الثمانمائة في العصر الحاضر - ضد الشيعة، وما من تهمة وفرية إلا وألصقوها بهم، وما من أكذوبة إلا وقذفوهم بها، وها هي تترى عليها اللكمات والصفعات من كل جانب، ونسبت إليهم عشرات الاتهامات والافتراءات، نجدها قد حكم عليها أن لا تقول كلمتها ولا تنبس ببنت شفة !. نعم، لقد تكالبت أيد مريضة طورا، وبسيطة أخرى، ومجرمة ثالثة.. مع ما كان للسلطة الحاكمة آنذاك من دور قذر، وجور مستمر، ومحاباة للظالمين و.. أن حرمت هذه المجلدات من أن ترى النور، وتظهر إلى الساحة.. إذ تجد دورة البحار - بأجزائها المائة وعشرة ويا للاسف - مبتزة عنها واسطة العقد، مسلوب من صدفها درها وجوهرها. * * * * * ثم إنه من دواعي نشري لهذه الفصول - وهي كثيرة جدا - ما أعتقده وأدين ربي به من أنه سبحانه وتعالى لا يقبل من عباده صرف الاقرار بتوحيده إلا بعد نفي كل إله وصنم يعبد من دونه، وبذا جاءت كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بل قدم النفي على الاثبات، كما أنه - عز إسمه - لم يقبل صرف الاقرار بنبوة نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد نفي كل مدعي النبوة كمسيلمة وسجاح والاسود العنسي وأشباههم، فكذا لا تقبل الامامة الخاصة لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلا بعد النفي والجحد والبراءة من كل من نصب نفسه للامة دونه. وبعبارة أخرى، إن التوحيد مركب من جزءين، إيجابي وسلبي، يجمعهما كلمة التوحيد، فمن ادعى الربوبية أو عبد غيره سبحانه استوجب البراءة منه، وكذلك النبوة لا تتم إلا بالقول بأن محمدا صلى الله عليه وآله هو الرسول، ومن

[19]

ادعاها غيره استوجب البراءة منه، فكذا القول بالامامة فإنها لا تتم إلا بالقول بأن أمير المؤمنين عليه السلام هو الامام حقا والبراءة ممن ادعاها نظير من ادعى الالوهية والرسالة كاذبا، وبذا يتم الايمان. وكما أن ربنا هو مرسل رسولنا، فهو الذي عين له وصيا وخليفة، ومن لم يقل بذلك فقد خالفنا في أصول ديننا فضلا عن أصول مذهبنا. * * * * * ويحلو لي أن أورد نتفا مما جاء في كتب السابقين مثل ما ذكره السيد المرتضى علم الهدى في كتابه " الفصول المختارة ": 1 / 21 عن قول بعض الشيعة لبعض الناصبة - في محاورته له في فضل آل محمد عليهم السلام -:.. أرأيت لو بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أين ترى كان يحط رحله وثقله ؟، فقال له الناصب: كان يحطه في أهله وولده. فقال له الشيعي: فإني قد حططت هواي حيث يحط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحله وثقله.. وجاء فيه أيضا [1 / 7 - 9] - وكم له من نظير - وإليك نص كلامه في أكثر من محاورة له طاب رمسه، قال: ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في إبطال إمامة أبي بكر من جهة الاجماع: سأله المعروف ب‍: الكتبي، فقال له: ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر ؟، فقال له: الادلة على ذلك كثيرة، وأنا أذكر لك منها دليلا يقرب إلى فهمك، وهو أن الامة مجمعة على أن الامام لا يحتاج إلى إمام، وقد أجمعت الامة على أن أبا بكر قال على المنبر: (وليتكم ولست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني وإن اعوججت فقوموني)، فاعترف بحاجته إلى رعيته، وفقره إليهم في تدبيره. ولا خلاف بين ذوي العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الامام أحوج، وإذا ثبت حاجة أبي بكر إلى الامام بطلت إمامته بالاجماع المنعقد على أن الامام لا يحتاج إلى

[20]

إمام، فلم يدر الكتبي بم يعترض، وكان بالحضرة رجل من المعتزلة يعرف ب‍: عرزالة، فقال: ما أنكرت على من قال لك إن الامة أيضا مجمعة على أن القاضي لا يحتاج إلى قاض، والامير لا يحتاج إلى أمير، فيجب على هذا الاصل أن توجب عصمة الامراء والقضاة أو يخرج عن الاجماع. فقال له الشيخ أدام الله عزه: إن سكوت الاول أحسن من كلامك هذا، وما كنت أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل، أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه، وذلك أنه لا إجماع فيما ذكرت، بل الاجماع في ضده، لان الامة متفقة على أن القاضي - الذي هو دون الامام - يحتاج إلى قاض هو الامام، والامير من قبل الامام يحتاج إلى أمير هو الامام، وذلك مسقط ما تعلقت به، اللهم إلا أن تكون أشرت بالامير والقاضي إلى نفس الامام فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدمه أو أمير عليه، وإنما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله، فأين موضع إلزامك عافاك الله ؟ ! فلم يأت بشئ. ومن كلام الشيخ أدام الله عزه - أيضا -: سأل رجل من المعتزلة يعرف ب‍: أبي عمرو الشطوي، فقال له: أليس قد أجمعت الامة على أن أبا بكر وعمر كان ظاهر هما الاسلام ؟. فقال له الشيخ: نعم، قد أجمعوا على أنهما قد كانا على ظاهر الاسلام زمانا، فأما أن يكونوا مجمعين على أنهما كانا في سائر أحوالهما على ظاهر الاسلام، فليس في هذا إجماع، للاتفاق على أنهما كانا على الشرك، ولوجود طائفة كثيرة العدد تقول: إنهما كانا بعد إظهار هما الاسلام على ظاهر كفر بجحد النص. وإنه كان يظهر منهما النفاق في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الشطوي [الشوطي]: قد بطل ما أردت أن أورده على هذا السؤال بما أوردت، وكنت أظن أنك [لا] تطلق القول على ما سألتك. فقال له الشيخ أدام الله عزه: قد سمعت ما عندي، وقد علمت ما الذي أردت، فلم أمكنك منه، ولكني أنا أضطرك إلى الوقوع فيما ظننت أنك

[21]

توقع خصمك فيه، أليس الامة مجمعة على أنه من اعترف بالشك في دين الله عزوجل والريب في نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد اعترف بالكفر وأقر به على نفسه ؟. فقال: بلى. فقال له الشيخ أدام الله عزه: فإن الامة مجمعة [مجتمعة] لا خلاف بينها على أن عمر بن الخطاب قال: ما شككت منذ يوم أسلمت إلا يوم قاضى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أهل مكة، فإني جئت إليه فقلت له: يا رسول الله ! ألست بنبي ؟ ! فقال: بلى، فقلت: ألسنا بالمؤمنين ؟ ! قال: بلى، فقلت [له]: فعلى م تعطي هذه الدنية من نفسك ؟ ! فقال: إنها ليست بدنية، ولكنها خير لك، فقلت له: أليس قد وعدتنا أن ندخل مكة ؟ ! قال: بلى، قلت: فما بالنا لا ندخلها ؟ !، قال: أو وعدتك أن تدخلها العام ؟ !، قلت: لا، قال: فسندخلها إن شاء الله تعالى، فاعترف بشكه في دين الله ونبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وذكر مواضع شكوكه وبين عن جهاتها، وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد حصل الاجماع على كفره بعد إظهار الايمان، واعترافه بموجب ذلك على نفسه، ثم ادعى خصومنا من الناصبة أنه تيقن بعد الشك ورجع إلى الايمان بعد الكفر، فأطرحنا قولهم لعدم البرهان [منهم] عليه واعتمدنا على الاجماع فيما ذكرناه، فلم يأت بشئ أكثر من أن قال: ما كنت أظن أحدا يدعي الاجماع على كفر عمر بن الخطاب حتى الآن. وأورده العلامة المجلسي في بحار الانوار: 10 / 413 - 414. * * * * * ثم إن قضية الوحدة بين المسلمين ما هي إلا مسألة عقلية قبل أن تكون نصية، وفريضة شرعية قبل أن تكون مسؤولية اجتماعية، وهي - على كل حال - لا يمكن التعامي والتغاضي عنها أو غض الطرف عنها بعد قوله سبحانه وتعالى: [وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا] (آل عمران: 99) بذا أمر

[22]

سبحانه - على أن يكون حبل الله هو علي عليه السلام وولده كما صرحت به نصوص العامة فضلا عن الخاصة، وقد سلفت في ديباجة الكتاب. وتوعد عز اسمه على التهاون بالوحدة وتضييعها بالعذاب العظيم، فقال تعالى: [ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم] (آل عمران: 105). فالوحدة بين المسلمين يجب أن تفهم على أنها قضية رسالية أساسية لا سياسية وقتية، وهي ذات أبعاد متشعبة فرط بها قوم وأفرط آخرون، مع كل ما لها من الاهمية، وفي لزوم حمايتها والحرص عليها، إلا أنه - ويا للاسف - قد خلط بين الوحدة السياسية والدينية، حتى جرأ البعض - ممن لا بصيرة له - فقال بوحدة الاديان بعد أن فرغ من وحدة المذاهب ! !. فليست الوحدة هي كون الباطل حقا ولا الحق باطلا " فما ذا بعد الحق إلا الضلال " و " جاء الحق وزهق الباطل "، بل المنهج التحقيقي والموضوعية العلمية تستدعي الباحث عن الحقيقة أن يفحص ويبحث.. ثم يستنتج من رسالة السماء ما هو واجبه وما تمليه عليه فريضته، لا أنه تحت شعار حفظ الوحدة يهمل كل الفروع والاصول التي يلقاها خلال بحثه وتفتيشه، بل ينسى - ويا للعار - الحقيقة والحق، بل يلتزم الضلالة والباطل متذرعا بهذه اللفظة.. وهذا ما وجدناه عند بعض ممن شاركنا باسم المذهب. إذ البحث العلمي يتوخى دوما الحقائق المجردة عن أية مواقف مسبقة، أو التزامات نسبية، أو شعائر وعادات موروثة، أو أية اعتبارات تصرفه عن مسيره العلمي. فهل - يا ترى - تجنب الفرقة والخلاف والتمسك بالوحدة والوفاق يلزم منه توافق الجميع حتى فيما اختلفوا فيه ؟ !. وهل معنى الوحدة هي حفظ جميع الخلافات وأسبابها ودواعيها وجذورها إلى الابد.. ؟ !.

[23]

وهل معنى الوحدة هو مجرد مجاملات وتملق وتزلف بعضنا لبعض.. ؟ !. وهل هذا إلا تجديد للنزاعات الطائفية وتعميق الفرقة وتصحيح الخلاف، وفوق ذلك قتل بعضنا البعض بحجة العمل بما سار عليه رجال السلف.. ؟ !. وهل هذا إلا إبقاء للخلافات وحفظا لجذوره حية طرية فينا ما حيينا، كما هو واقعنا اليوم ؟ !. ولب المقال، إنه متى كان التمسك بأسباب الشقاق والخلاف هو الجامع المحقق لدواعي الانسجام والوحدة.. ؟ !. وحرام علينا استغلال شعار " الوحدة الاسلامية " لقتل روح التفكير الحر والبحث العلمي والتصدي للمسؤولية الشرعية، وتحجير عقولنا، وإماتة الحقائق متذرعين بهذه الذريعة لقتل الموقف القائم عن بصيرة ووعي !. ومسعانا وعقيدتنا ومسؤوليتنا - لو كنا مسلمين - تتلخص في حفظ الدين الحنيف كما أرادته السماء لنا، وقام الدليل بالالتزام بالموقف الحق الثابت الذي لا غبار عليه، وحمايته بالغالي والرخيص، وطرح جميع الافكار على طاولة التشريح والدقة في الدليل، سواء وافق ميول الاشخاص وأهواء هم أم خالفها. وليس معنى هذا - والعياذ بالله - هو الافراط - تحت هذه الذريعة - لتعميق الخلافات المذهبية، وتغذية الروح الطائفية البغيضة. فلو أخذنا بنظر الاعتبار وحدة العقيدة والمبدأ، واتحاد مصادر التشريع، والاتفاق على جملة من فروع الدين، وفوق هذا وحدة المصير والهدف، والعدو المشترك و.. لامكن بها إزاحة الكثير من العقابت التي تحول دون تفاهمنا، وبذا يحفظ المسلم حقوق أخيه المسلم بما بينه الشارع المقدس في مئات النصوص.. من حرمة دمه وماله وعرضه.. هذا عدا ما هناك من أحكام أخلاقية وآداب إسلامية فرضها عليه، كحرمة سبه - وكونه فسوقا -، وقتاله - وكونه كفرا -، وغشه - وعده حراما -، والغدر به - وصيرورته غيلة -، و.. هذا مع ما أمر به الشارع من الوفاء بوعده،

[24]

وإفشاء السلام عليه، وعيادة مريضه، وتشييع جنازته، وإكرامه واحترامه و.. بل هما كأعضاء الجسد الواحد يشد بعضه بعضا.. ويجب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها.. * * * * * ثم إنه يلزمنا أن نطل على هذه الموسوعة من خلال عرض أبواب متفرقة تمت بشدة بموضوع بحثنا هذا، غايته أن هذه الاجزاء عدت بعض الروايات وحاولنا استدراك الباقي في خاتمة الكتاب مما جاء في أبواب متفرقة عن القوم، وهنا ندرج بعض العناوين العامة في أبواب متفرقة حول هذا الموضوع. فمثلا، باب: من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز، وذم التقليد والنهي عن متابعة غير المعصوم في كل ما يقول، ووجوب التمسك بعروة اتباعهم عليهم السلام وجواز الرجوع إلى رواة الاخبار والفقهاء الصالحين.. [2 / 81 - 105 باب 14]. باب: تأويل المؤمنين والايمان والمسلمين والاسلام بهم وبولايتهم عليهم السلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والاصنام بأعدائهم ومخالفيهم [23 / 354 - 393 باب 20]. باب: أنهم (عليهم السلام) الابرار والمتقون والسابقون والمقربون وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداؤهم الفجار والاشرار وأصحاب الشمال [24 / 1 - 9 باب 23]. باب: أنهم (عليهم السلام) السبيل والصراط، وهم وشيعتهم المستقيمون عليها [24 / 9 - 25 باب 24، وباب 25 من أن الاستقامة إنما هي على الولاية]. باب: أن ولايتهم الصدق، وأنهم الصادقون والصديقون والشهداء والصالحون [24 / 30 - 40 باب 26].

[25]

باب: أن الحسنة والحسنى الولاية، والسيئة عداوتهم (عليهم السلام) [24 / 41 - 48 باب 28]. باب: أنهم (عليهم السلام) النجوم والعلامات، وفيه بعض غرائب التأويل فيهم صلوات الله عليهم، وفي أعدائهم [24 / 67 - 82 باب 30]. باب: أنهم (عليهم السلام) الشجرة الطيبة في القرآن، وأعداؤهم الشجرة الخبيثة [24 / 136 - 143 باب 44]. باب: أنهم (عليهم السلام) وولايتهم. العدل والمعروف والاحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعداؤهم: الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي [24 / 187 - 191 باب 52]. باب: أنهم (عليهم السلام) الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن [24 / 286 - 304] باب 66، بل ننصح بمراجعة جميع المجلد 24 و 27 من البحار]. باب: عقاب من ادعى الامامة بغير حق، أو رفع رآية جور، أو أطاع إماما جائرا [25 / 110 - 115 باب 3]. باب: أن حبهم (عليهم السلام) علامة طيب الولادة وبغضهم علامة خبث الولادة [25 / 145 - 156 باب 5]. باب: ما يجب من حفظ حرمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم وعقاب من قاتلهم أو ظلمهم أو خذلهم ولم ينصرهم [27 / 202 - 207 باب 8]. باب: ذم مبغضهم، وأنه كافر حلال الدم، وثواب اللعن على أعدائهم [27 / 218 - 239 باب 10]. باب: عقاب من قتل نبيا أو إماما، وأنه لا يقتلهم إلا ولد زنا [27 / 239 - 241 باب 11]. باب: احتجاج الشيخ السديد المفيد (رحمه الله) على عمر في الرؤيا

[26]

[27 / 327 - 331 باب 1]. باب: افتراق الامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ثلاث وسبعين فرقة، وأنه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الامم وارتدادهم عن الدين [28 / 2 - 36 باب 1]. وله نظائر في أبواب مختلفة في الاتباع حذو القذة بالقذة كما في بحار الانوار: 13 / 180. باب: قوله تعالى: [من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم..] (المائدة: 54) [36 / 32 - 34 باب 30]. باب: كفر المخالفين والنصاب وما يناسب ذلك [72 / 131 - 156 باب 101]. باب: مدح الذرية الطيبة وثواب صلتهم [96 / 217 - 236 باب 27]. هذا عموما، وما جاء في خصوص أمير المؤمنين عليه السلام والزهراء البتول سلام الله عليها فندرج بعضها: باب: أنه (عليه السلام) المؤمن والايمان والدين والاسلام والسنة والسلام وخير البرية في القرآن، وأعداؤه الكفر والفسوق والعصيان [35 / 336 - 353 باب 13]. باب: أنه (عليه السلام) الصادق والمصدق والصديق في القرآن... [35 / 407 - آخر المجلد باب 21]. باب: كفر من آذاه (عليه السلام) أو حسده أو عانده وعقابهم [39 / 330 - 334 باب 89]. باب: قوله تعالى: [وقفوهم إنهم مسؤولون] [36 / 76 - وما بعدها باب 28]، وغيرها من الآيات الواردة في حقه (عليه السلام) في المجلد

[27]

السادس والثلاثين منه. باب: طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس [67 / 77 - 129 باب 3]. باب: ما وقع على الزهراء البتول سلام الله عليها من الظلم، وبكائها وحزنها وشكايتها في مرضها إلى شهادتها وغسلها ودفنها، وبيان العلة في إخفاء دفنها صلوات الله عليها، ولعنة الله على من ظلمها [43 / 155 - 218 باب 7]. * * * * * وإليك مسرد لجملة من الروايات (1) وكلمات بعض علمائنا الاعلام قدس سرهم في باب البراءة، ننقلها غالبا عن هذا الكتاب خاصة لانه موضوع البحث هربا من الاطالة والاسهاب: فمما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الاسراء:.. يا محمد ! لو أن عبدا عبدني حتى ينقطع ويصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدا لولايتهم ما أسكنته جنتي ولا أظللته تحت عرشي. [بحار الانوار: 8 / 357 نقلا عن المحاسن: 34] وعن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله، وتوالي ولي الله وتعادي عدو الله. [بحار الانوار: 27 / 56 و 57 حديث 13، عن المحاسن: 165] وهي كثيرة جدا لا نغالي لو قلنا بتواترها معنى، وقطعية صدورها ونصية


(1) ولعل الباب (19) باب اشتراط قبول الاعمال بولاية الائمة عليهم السلام واعتقاد إمامتهم، من أبواب المقدمات الواردة في الجزء الاول من كتاب جامع أحاديث الشيعة: 426 - 460، يغني عن كل ما سلف، فلاحظ.

[28]

دلالتها. وجاء في الخصال: [150 حجري، 2 / 153 - 154]، بإسناده عن الاعمش، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:... وحب أولياء الله واجب، والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة، ومن الذين ظلموا آل محمد صلى الله عليهم وهتكوا حجابهم، وأخذوا من فاطمة عليها السلام فدكا ومنعوها ميراثها وغصبوها وزوجها حقوقهما، وهموا بإحراق بيتها، وأسسوا الظلم، وغيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة، والبراءة من الانصاب والازلام أئمة الضلال، وقادة الجور كلهم - أولهم وآخرهم - واجبة، والبراءة من أشقى الاولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام واجبة، والبراءة من جميع قتلة أهل البيت عليهم السلام واجبة.. [وأورده في بحار الانوار: 10 / 226 - 227 حديث 1 و 27 / 52 حديث 3] وقريب منه ما جاء عن الامام الرضا عليه السلام [كما أورده في عيون أخبار الرضا (ع): 268 (2 / 121 - 127) باب 35 حديث 1]، بإسناده عن الفضل بن شاذان، قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا عليه السلام أن يكتب له محض الاسلام على الايجاز والاختصار، فكتب عليه السلام:.. والولاية لامير المؤمنين والذين مضوا على منهاج نبيهم ولم يغيروا ولم يبدلوا مثل... والولاية لاتباعهم وأشياعهم والمهتدين بهداهم، السالكين منهاجهم رضوان الله عليهم ورحمة... إلى آخره. [وأورده في بحار الانوار: 10 / 358 - 359 حديث 1] وجاء في اعتقادات الشيخ الصدوق: 112، قال: قال الصادق عليه السلام: من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر. [وانظر: بحار الانوار: 27 / 62] قال الصفواني: [كما في مستطرفات السرائر: 488 - حجري السرائر -

[29]

(تحقيق مدرسة الامام المهدي (ع): 149) وحكاه في بحار الانوار: 27 / 58 - 59 حديث 19]: واعلم - يا بني - إنه لا تتم الولاية ولا تخلص المحبة، ولا تثبت المودة لآل محمد صلوات الله عليهم إلا بالبراءة من عدوهم، قريبا كان منك أو بعيدا، فلا تأخذك به رأفة، فإن الله عزوجل يقول: [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانواء اباءهم أو أبناءهم] (المجادلة: 22). وللشيخ الصدوق محمد بن بابويه رحمه الله (المتوفى سنة 385 ه‍) مجلس واحد أملى فيه مجمل عقائد الشيعة الامامية [وجاء في كتابه المجالس: 379] وقال فيه:... وإن الدعائم التي بني الاسلام عليها خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وولاية النبي والائمة بعده صلوات الله عليهم... والاقرار بأنهم أولو الامر الذين أمر الله عزوجل بطاعتهم، فقال: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم] وأن طاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، ووليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله عزوجل.. إلى آخر كلامه أعلى الله مقامه. وقال العلامة المجلسي في بحاره: 10 / 393 - 405 - بعد سرده المجلس بكامله -: وإنما أوردناها - أي عقائده - لكونه من عظماء القدماء التابعين لآثار الائمة النجباء الذين لا يتبعون الآراء والاهواء، ولذا ينزل أكثر أصحابنا كلامه وكلام أبيه رضي الله عنهما منزلة النص المنقول والخبر المأثور.. وإليك كلام هذا العظيم في اعتقاداته: 111 - 114 [ونقله العلامة المجلسي في بحاره: 27 / 60 - 63 حديث 21 و 8 / 365 - 366 مجملا] نقلناه بطوله لما فيه من فوائد، قال طاب ثراه: اعتقادنا في الظالمين أنهم ملعونون والبراءة منهم واجبة، قال الله عز وجل: [ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول

[30]

الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة هم كافرون] (هود: 17 - 19). وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن سبيل الله عزوجل في هذا الموضع هو علي بن أبي طالب عليه السلام. والائمة في كتاب الله عزوجل إمامان: إمام هدى وإمام ضلالة، قال الله جل ثناؤه: [وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا] (السجدة: 24)، وقال الله عزوجل في أئمة الضلالة: [وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين] (القصص: 41 - 42). ولما نزلت هذه الآية: [وأتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة] (الانفال: 25) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الانبياء من قبلي، ومن تولى ظالما فهو ظالم، قال الله عزوجل: [يا أيها الذين ء امنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون] (التوبة: 23). وقال الله عزوجل: [يا أيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم] (الممتحنة: 13). وقال عزوجل: [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم] (المجادلة: 22). وقال عزوجل: [ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار] (هود: 113) والظلم هو وضع الشئ في غير موضعه. فمن ادعى الامامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الامامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من جحد عليا إمامته من بعدي فإنما جحد نبوتي ومن جحد نبوتي فقد جحد الله ربوبيته.

[31]

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا علي ! أنت المظلوم بعدي، من ظلمك فقد ظلمني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن جحدك فقد جحدني، ومن والاك فقد والاني، ومن عاداك فقد عاداني، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني. واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والائمة من بعده عليهم السلام بمنزلة من جحد نبوة الانبياء عليهم السلام. واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدا من بعده من الائمة عليهم السلام أنه بمنزلة من آمن بجميع الانبياء ثم أنكر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الصادق عليه السلام: المنكر لآخرنا كالمنكر لاولنا. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الائمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وآخر هم القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، من أنكر واحد منهم فقد أنكروني. وقال الصادق عليه السلام: من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ما زلت مظلوما منذ ولدتني أمي حتى أن عقيلا كان يصيبه رمد فقال: لا تذروني حتى تذروا عليا، فيذروني وما بي رمد. واعتقادنا فيمن قاتل عليا عليه السلام كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من قاتل عليا فقد قاتلني، وقوله: من حارب عليا فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله عزوجل. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم. وأما فاطمة صلوات الله عليها، فاعتقادنا أنها سيدة نساء العالمين من

[32]

الاولين والآخرين، وأن الله عزوجل يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، وأنها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالمها وغاصبها ومانعي إرثها. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن غاظها فقد غاظني، ومن سرها فقد سرني. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعة مني، وهي روحي التي بين جنبي، يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها. واعتقادنا في البراءة أنها واجبة من الاوثان الاربعة، والاناث الاربع، ومن جميع أشياعهم وأتباعهم، وأنهم شر خلق الله عزوجل، ولا يتم الاقرار بالله وبرسوله وبالائمة عليهم السلام إلا بالبراءة من أعدائهم. وقال شيخنا المفيد قدس الله سره في كتاب المسائل [كما أورده العلامة المجلسي في بحاره: 8 / 366 و 23 / 390]: اتفقت الامامية أن من أنكر إمامة أحد من الائمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار. وقال في موضع آخر منه: اتفقت الامامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار وأن على الامام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينة عليهم، فإن تابوا من بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الايمان، وأن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار. وللسيد المرتضى علم الهدى في كتابه الانتصار: 231 - 233 بحث جامع في المقام جاء فيه:.. والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأيضا فإن الامام عندنا يجب معرفته وتلزم طاعته كوجوب المعرفة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم طاعته كالمعرفة بالله تعالى، وكما أن جحد تلك المعارف والتشكيك فيها كفر، وكذلك هذه المعارف... إلى آخر كلامه علا مقامه. ولعل شيخنا المعظم الشهيد المحقق الكركي (المتوفى سنة 940 ه‍) في

[33]

كتابه (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت) قد أدى المطلب حقه، وأنجز وعده، وقد طبع كرارا. قال العلامة المجلسي في رسالته في الاعتقادات والسير والسلوك - المطبوعة سنة 1321 ه‍ ذيل كتاب التوحيد: 493 -: وأما إنكار ما علم ضرورة من مذهب الامامية فهو يلحق فاعله بالمخالفين ويخرجه عن التدين بدين الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، كإمامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام وفضلهم وعلمهم ووجوب طاعتهم وفضل زيارتهم.. إلى أن قال: وأما مودتهم وتعظيمهم في الجملة فمن ضروريات دين الاسلام ومنكره كافر.. وقال في بحاره: 72 / 108 - 109: اعلم أنه كما يطلق المؤمن والمسلم على معان - كما عرفت - فكذلك يطلق المنافق على معان، منها: أن يظهر الاسلام ويبطن الكفر، وهو المعنى المشهور، ومنها: الرياء، ومنها: أن يظهر الحب ويكون في الباطن عدوا، أو يظهر الصلاح ويكون في الباطن فاسقا، وقد يطلق على ما يدعي الايمان ولم يعمل بمقتضاه ولم يتصف بالصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن عليها، فكان باطنه مخالفا لظاهره.. إلى آخره. وقال في بحاره: 23 / 390 - كتاب الامامة تحت عنوان تذنيب -: اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والائمة من ولده عليهم السلام، وفضل عليهم غيرهم يدل على أنهم كفار مخلدون في النار.. أقول: هنا مباحث شريفة ودقيقة أعرضنا عنها واقتصرنا على ما أورده المصنف طاب ثراه في بحار الانوار: 8 / 363 - 374 [كتاب العدل والمعاد]، ونقلناه بنصه لما فيه من أهمية، قال: تذييل: اعلم أن الذي يقتضيه الجمع بين الآيات والاخبار أن الكافر المنكر لضروري من ضروريات دين الاسلام مخلد في النار، لا يخفف عنه

[34]

العذاب إلا المستضعف الناقص في عقله أو الذي لم يتم عليه الحجة ولم يقصر في الفحص والنظر، فإنه يحتمل أن يكون من المرجون لامر الله - كما سيأتي تحقيقه في كتاب الايمان والكفر -. وأما غير الشيعة الامامية من المخالفين وسائر فرق الشيعة ممن لم ينكر شيئا من ضروريات دين الاسلام فهم فرقتان: إحداهما المتعصبون المعاندون منهم ممن قد تمت عليهم الحجة فهم في النار خالدون، والاخرى المستضعفون منهم وهم الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات والبله وأمثالهم ومن لم يتم عليه الحجة ممن يموت في زمان الفترة، أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجة فهم المرجون لامر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار. وأما أصحاب الكبائر من الامامية فلا خلاف بين الامامية في أنهم لا يخلدون في النار، وأما أنهم هل يدخلون النار أم لا ؟ فالاخبار مختلفة فيهم اختلافا كثيرا، ومقتضى الجمع بينها أنه يحتمل دخولهم النار وأنهم غير داخلين في الاخبار التي وردت أن الشيعة والمؤمن لا يدخل النار، لانه قد ورد في أخبار أخر أن الشيعة من شايع عليا في أعماله، وأن الايمان مركب من القول والعمل، لكن الاخبار الكثيرة دلت على أن الشفاعة تلحقهم قبل دخول النار، وفي هذا التبهيم حكم لا يخفى بعضها على أولي الابصار، وسيأتي تمام القول في ذلك، والاخبار الدالة على تلك الاقسام وأحكامهم وأحوالهم وصفاتهم في كتاب الايمان والكفر. قال العلامة رحمه الله في شرحه على التجريد: أجمع المسلمون كافة على أن عذاب الكافر مؤبد لا ينقطع، واختلفوا في أصحاب الكبائر من المسلمين، فالوعيدية على أنه كذلك، وذهبت الامامية وطائفة كثيرة من المعتزلة والاشاعرة إلى أن عذابه منقطع، والحق أن عقابهم منقطع لوجهين: الاول: أنه يستحق الثواب بإيمانه، لقوله تعالى: [فمن يعمل مثقال

[35]

ذرة خيرا يره] (الزلزلة: 7) والايمان أعظم أفعال الخير، فإذا استحق العقاب بالمعصية فإما أن يقدم الثواب على العقاب وهو باطل بالاجماع، لان الثواب المستحق بالايمان دائم على ما تقدم، أو بالعكس وهو المراد، والجمع محال. الثاني: يلزم أن يكون من عبد الله تعالى مدة عمره بأنواع القربات إليه ثم عصى في آخر عمره معصية واحدة - مع بقاء إيمانه - مخلدا في النار، كمن أشرك بالله مدة عمرة، وذلك محال لقبحه عند العقلاء. ثم قال: المحارب لعلي عليه السلام كافر لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " حربك يا علي حربي " ولا شك في كفر من حارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما مخالفوه في الامامة، فقد اختلف قول علمائنا فيهم، فمنهم من حكم بكفرهم لانهم دفعوا ما علم ثبوته من ضرورة، وهو النص الجلي الدال على إمامته مع تواتره. وذهب آخرون إلى أنهم فسقه وهو الاقوى. ثم اختلف هؤلاء على أقوال ثلاثة: أحدها: أنهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة. الثاني: قال بعضهم: إنهم يخرجون من النار إلى الجنة. الثالث: ما ارتضاه ابن نوبخت وجماعة من علمائنا أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود، ولا يدخلون الجنة لعدم الايمان المقتضي لاستحقاق الثوب. انتهى. وقال رحمه الله في شرح الياقوت: أما دافعوا النص فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى تكفيرهم، ومن أصحابنا من يحكم بفسقهم خاصة، ثم اختلف أصحابنا في أحكامهم في الآخرة، فالاكثر قالوا بتخليدهم، وفيهم من قال بعدم الخلود، وذلك إما بأن ينقلوا إلى الجنة - وهو قول شاذ عنده -، أولا إليهما واستحسنه المصنف. انتهى.

[36]

أقول: القول بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبعهم للاخبار، والاحاديث الدالة على خلودهم متواترة أو قريبة منها، نعم الاحتمالان الاخيران آتيان في المستضعفين منهم كما ستعرف. والقول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل، نشأ بين المتأخرين الذين لا معرفة لهم بالاخبار ولا بأقوال القدماء الاخيار. ثم استشهد العلامة المجلسي بكلام شيخنا الصدوق طاب ثراه في اعتقاداته سالف الذكر، وكلام الشيخ المفيد في كتاب المسائل، ثم قال: وقال المحقق الطوسي - روح الله روحه القدوسي - في قواعد العقائد: أصول الايمان عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانية الله تعالى في ذاته، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الانبياء عليهم السلام، والتصديق بإمامة الائمة المعصومين من بعد الانبياء. وقال أهل السنة: الايمان هو التصديق بالله تعالى وبكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادقا، والتصديق بالاحكام التي نعلم يقينا أنه عليه السلام حكم بها دون ما فيه اختلاف أو اشتباه. والكفر يقابل الايمان، والذنب يقابل العمل الصالح وينقسم إلى كبائر وصغائر، ويستحق المؤمن بالاجماع الخلود في الجنة، ويستحق الكافر الخلود في العقاب. وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته في رسالة حقائق الايمان عند تحقيق معنى الايمان والاسلام: البحث الثاني في جواب إلزام يرد على القائلين من الامامية بعموم الاسلام مع القول بأن الكفر عدم الايمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا. أما الالزام فإنهم حكموا بإسلام من أقر بالشهادتين فقط غير عابث دون إيمانه، سواء علم منه عدم التصديق بإمامة الائمة عليهم السلام أم لا إلا من خرج بدليل خارج كالنواصب والخوارج، فالظاهر أن هذا الحكم مناف للحكم بأن الكفر عدم الايمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا. وأيضا قد عرفت مما تقدم أن التصديق بإمامة الائمة عليهم السلام من أصول الايمان عند الطائفة من

[37]

الامامية كما هو معلوم من مذهبهم ضرورة، وصرح بنقله المحقق الطوسي رحمه الله عنهم فيما تقدم، ولا ريب أن الشئ يعدم بعدم أصله الذي هو جزؤه كما نحن فيه، فيلزم الحكم بكفر من لم يتحقق له التصديق المذكور وإن أقر بالشهادتين، وأنه مناف أيضا للحكم بإسلام من لم يصدق بإمامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام وهذا الاخير لا خصوصية لوروده على القول بعموم الاسلام، بل هو وارد على القائلين بإسلام من لم يتحقق له التصديق المذكور مع قطع النظر عن كونهم قائلين بعموم الاسلام أو مساواته للايمان. وأما الجواب، فبالمنع من المنافاة بين الحكمين، وذلك لانا نحكم بأن من لم يتحقق له التصديق المذكور كافر في نفس الامر، والحكم بإسلامه إنما هو في الظاهر، فموضوع الحكمين مختلف فلا منافاة. ثم قال: المراد بالحكم بإسلامه ظاهرا صحة ترتب كثير من الاحكام الشرعية على ذلك، والحاصل أن الشارع جعل الاقرار بالشهادتين علامة على صحة إجراء أكثر الاحكام الشرعية على المقر كحل مناكحته والحكم بطهارته وحقن دمه وماله وغير ذلك من الاحكام المذكورة في كتب الفروع، وكأن الحكمة في ذلك هو التخفيف عن المؤمنين لمسيس الحاجة إلى مخالطتهم في أكثر الازمنة والامكنة، واستمالة الكافر إلى الاسلام، فإنه إذا اكتفي في إجراء أحكام المسلمين عليه ظاهرا بمجرد إقراره الظاهري ازداد ثباته ورغبته في الاسلام، ثم يترقى في ذلك إلى أن يتحقق له الاسلام باطنا أيضا. واعلم أن جمعا من علماء الامامية حكموا بكفر أهل الخلاف، والاكثر على الحكم بإسلامهم، فإن أرادوا بذلك كونهم كافرين في نفس الامر لا في الظاهر فالظاهر أن النزاع لفظي، إذ القائلون بإسلامهم يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر، لا أنهم مسلمون في نفس الامر، ولذا نقلوا الاجماع على دخولهم النار، وإن أرادوا بذلك كونهم كافرين ظاهرا وباطنا فهو ممنوع ولا دليل عليه، بل الدليل قائم على إسلامهم

[38]

ظاهرا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: امرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، انتهى كلامه رفع مقامه. وقال الشيخ الطوسي نور الله ضريحه في تلخيص الشافي: [4 / 131 وما بعدها وهو نقل بالمضمون] عندنا أن من حارب أمير المؤمنين كافر، والدليل على ذلك إجماع الفرقة المحقة الامامية على ذلك، وإجماعهم حجة، وأيضا فنحن نعلم أن من حاربه كان منكرا لامامته ودافعا لها، ودفع الامامة كفر كما أن دفع النبوة كفر، لان الجهل بهما على حد واحد.. ثم استدل رحمه الله بأخباره كثيرة على ذلك. فإذا عرفت ما ذكره القدماء والمتأخرون من أساطين العلماء والامامية ومحققيهم عرفت ضعف القول بخروجهم من النار، والاخبار الواردة في ذلك أكثر من أن يمكن جمعه في باب أو كتاب، وإذا كانوا في الدنيا والآخرة في حكم المسلمين فأي فرق بينهم وبين فساق الشيعة ؟ ! وأي فائدة فيما أجمع عليه الفرقة المحقة من كون الامامة من أصول الدين ردا على المخالفين القائلين بأنه من فروعه ؟ ! وقد روت العامة والخاصة متواترا: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وقد أوردت أخبارا كثيرة في أبواب الآيات النازلة فيهم عليهم السلام أنهم فسروا الشرك والكفر في الآيات بترك الولاية. وقد وردت أخبار متواترة أنه لا يقبل عمل من الاعمال إلا بالولاية. وقال الصدوق رحمه الله: الاسلام هو الاقرار بالشهادتين وهو الذي به تحقن الدماء والاموال، والثواب على الايمان، وقد ورد في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام: من أصبح من هذه الامة لا إمام له من الله عزوجل ظاهر عادل أصبح ضالا تائها، وإن من مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق. واعلم أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا وأضلوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد.

[39]

وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: [والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت] الآية [البقرة: 257]، قال عليه السلام: إنما عنى بذلك أنهم كانوا على نور الاسلام، فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إياه من نور الاسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار مع الكفار، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. وقد ورد في الناصب ما ورد في خلوده في النار، وقد روي بأسانيد كثيرة عنهم عليهم السلام: لو أن كل ملك خلقه الله عزوجل، وكل نبي بعثه الله، وكل صديق، وكل شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه الله عز وجل من النار ما أخرجه الله أبدا... وقد روى بأسانيد معتبرة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لانك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتتبرؤون من عدونا وأنكم من شيعتنا. ويظهر من بعض الاخبار بل من كثير منها أنهم في الدنيا أيضا في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة وهم يبتلون بمعاشرتهم، ولا يمكنهم الاجتناب عنهم وترك معاشرتهم ومخالطتهم ومناكحتهم أجرى الله عليهم حكم الاسلام توسعة، فإذا ظهر القائم عليه السلام يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الامور وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدا مع الكفار، وبه يجمع بين الاخبار كما أشار إليه المفيد والشهيد الثاني قدس الله روحهما. وأيضا يمكن أن يقال: لما كان في تلك الازمنة عليهم شبهة في الجملة يجري عليهم في الدنيا حكم الاسلام، فإذا ظهر في زمانه عليه السلام الحق الصريح بالبينات والمعجزات ولم تبق لهم شبهة وأنكروه التحقوا بسائر الكفار. ثم قال قدس سره: وأخبار هذا المطلب متفرقة في أبواب هذا الكتاب، وأرجو من الله أن يوفقني لتأليف كتاب مفرد في ذلك إن شاء الله تعالى، وبعض

[40]

الاخبار المشعرة بخلاف ما ذكرنا محمول على المستضعفين كما عرفت. وقال شارح المقاصد: اختلف أهل الاسلام فيمن ارتكب الكبيرة من المؤمنين ومات قبل التوبة، فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو ولا بالعقاب، بل كلاهما في مشية الله تعالى، لكن على تقدير التعذيب نقطع بأنه لا يخلد في النار بل يخرج البتة، لا بطريق الوجوب على الله تعالى بل بمتقضى ما سبق من الوعد وثبت بالدليل كتخليد أهل الجنة، وعند المعتزلة القطع بالعذاب الدائم من غير عفو ولا إخراج من النار، وما وقع في كلام البعض من أن صاحب الكبيرة عند المعتزلة ليس في الجنة ولا في النار فغلط نشأ من قولهم: إن له المنزلة بين المنزلتين، أي حالة غير الايمان والكفر، وأما ما ذهب إليه مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة من أن عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلا وإنما النار للكفار تمسكا بالآيات الدالة على اختصاص العذاب بالكفار مثل: [قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى] (طه: 48) [إن الخري اليوم والسوء على الكافرين] (النحل: 27)، فجوابه تخصيص ذلك العذاب بما يكون على سبيل الخلود، وأما تمسكهم بمثل قوله عليه السلام: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق " فضعيف، لانه إنما ينفي الخلود لا الدخول. لنا وجوه: الاول: وهو العمدة، الآيات والاحاديث الدالة على أن المؤمنين يدخلون الجنة البتة وليس ذلك قبل دخول النار وفاقا، فتعين أن يكون بعده، وهو مسألة انقطاع العذاب، أو بدونه وهو مسألة العفو التام، قال الله تعالى: [فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره] (الزلزال: 7) [ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة] (المؤمن: 40)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة "، وقال: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق ".

[41]

الثاني: النصوص المشعرة بالخروج من النار، كقوله تعالى: [النار مثويكم خالدين فيها إلا ما شاء الله] (الانعام: 128) (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز] (آل عمران: 185)، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يخرج من النار قوم بعدما امتحشوا وصاروا فحما وحمما، فينبتون كما ينبت الحبة في حميل السيل "، وخبر الواحد وإن لم يكن حجة في الاصول لكن يفيد التأييد والتأكيد بتعاضد النصوص. الثالث: وهو على قاعدة الاعتزال، أن من واظب على الايمان والعمل الصالح مائة سنة وصدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة - كشرب جرعة من الخمر - فلا يحسن من الحكيم أن يعذبه على ذلك أبد الآباد، ولو لم يكن هذا ظلما فلا ظلم، أو لم يستحق بهذا ذما فلا ذم. الرابع: أن المعصية متناهية زمانا - وهو ظاهر - وقدرا لما يوجد من معصية أشد منها، فجزاؤها يجب أن يكون متناهيا تحقيقا لقاعدة العدل، بخلاف الفكر فإنه لا بتناهي قدرا وإن تناهى زمانه. ثم سرد ما احتجت المعتزلة به من وجوه وأجاب عنها: ثم قال في بحث آخر: لا خلاف في أن من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنة بمنزلة من لا معصية له، ومن كفر - نعوذ بالله - بعد الايمان والعمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له، وإنما الكلام فيمن آمن وعمل صالحا وآخر سيئا واستمر على الطاعات والكبائر كما يشاهد من الناس فعندنا مآله إلى الجنة ولو بعد النار، واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط، والمشهور من مذهب المعتزلة أنه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة، فأشكل عليهم الامر في إيمانه وطاعاته وما يثبت من استحقاقاته أين طارت ؟ وكيف زالت ؟ فقالوا بحبوط الطاعات ومالوا إلى أن السيئات يذهبن الحسنات، حتى ذهب الجمهور منهم إلى أن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات، وفساده ظاهر، أما سمعا فللنصوص

[42]

الدالة على أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وعمل صالحا، وأما عقلا فللقطع بأنه لا يحسن من الحكيم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمر بتناول لقمة من الربا، أو جرعة من الخمر.. إلى آخر ما قال. ثم قال العلامة المجلسي: 8 / 374 بعد كل هذا: أقول: قد سبق القول في ذلك في باب الحبط والتكفير [أبواب المعاد: 5 / 331 و 71 / 197 و 6 / 236 و 76، 354] ولا أظنك يخفى عليك ما مهدناه أولا بعد الاحاطة بما أوردناه من الآيات والاخبار، وسيأتي عمدة الاخبار المتعلقة بتلك المباحث في كتاب الايمان والكفر 72 / 131 و 39 / 311 - 330 و 24 / 1 - 187. وخاتمة القول وختمه ما ذكره شيخ مشايخنا المرتضى الانصاري في مكاسبه: 41 - 42 (طبعة تبريز) قال: إن ظاهر الاخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن، فيجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنه. وتوهم عموم الآية - كبعض الروايات - لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الاسلام عليهم إلا قليلا مما يتوقف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه، مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، وحل ذبائحهم، ومناكحهم، وحرمة دمائهم - لحكمة دفع الفتنة - ونسائهم، لان لكل قوم نكاحا.. ونحو ذلك، مع أن التمثيل المذكور في الآية مختص بمن ثبتت أخوته فلا يعم من وجب التبري منه.. * * * * * هذا، ولا شك أن حب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه إيمان وبغضه كفر ونفاق، وأن ولايته ولاية الله ورسوله، وعداوته عداوتهما، وأن ولايته عليه السلام حصن من عذاب الجبار، بل لو اجتمع الناس على حبه ما

[43]

خلق الله النار، وغير ذلك مما وردت فيه روايات مستفيضة، بل في بعض الموارد متواترة، وعد منها في بحار الانوار: 39 / 246 - 310 (123 رواية) وهي غيض من فيض، كما أن أخبار الطينة والميثاق كثيرة جدا، منها ما جاء في الباب الثالث: طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس [67 / 77 - 129] وغيرها. فها هو - مثلا - ابن أبي الحديد في شرحه على النهج: 10 / 227 يقول:.. لو جرد - عليا عليه السلام - السيف كما جرده في آخر الامر لقلنا بفسق كل من خالفه على الاطلاق كائنا من كان، ولكنه رضي بالبيعة أخيرا ودخل في الطاعة ! !. فلو أثبتنا لم بايع.. ولم لم يجرد السيف.. وكيف دخل في الطاعة.. و.. و.. لكان هو معنا. والخطيب البغدادي في تاريخه: 6 / 344 و 9 / 229 يروي بإسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: من قال في ديننا برأيه فاقتلوه. ولا ريب أنهم قالوا، بل أبدعوا، بل فعلوا ما فعلوا.. وهذا ما نراه في كتابنا الحاضر بإقرار هم وتصحيح أصحابهم.. * * * * * ولعل كتابنا هذا محاولة جادة في طريق الوحدة لتصحيح وتبرير عمل طائفة من الشيعة ممن يلعن ويتبرأ من كل من ظلم وجحد، ولعلنا لا نختلف في الكبريات، ونحسب لو سلمنا هذه الصغريات التي أوردناها من كتب القوم، لوافقونا في عملنا، ولا أقل صححوا من يعمل بذلك، ولذا ترى المؤلف طاب ثراه لم يصحح كل ما أورده - كما هو ديدنه في كل بحاره - إلا أنه أعطى التبريرات والادلة الكافية لكل ما أورده وجاد به وأفاد، سواء بأدلة عقلية أو طرق شرعية، عامية كانت أو شيعية. ولا ريب أن النتيجة المنطقية تصبح ضرورية في القياسات المنطقية بعد

[44]

تسليم المقدمتين. وبعد كل هن وهن.. فما تراه اليوم أو تقرأه.. ما هو إلا شقشقة هدرت - على حد تعبير سيد الاوصياء سلام الله عليه - ونفثة مصدوع صدرت.. كان لها أن توضح أنه من العار - وحق الجبار - أن يشغل فراغ النبي الاكرم والناموس الالهي أناس هذا شأنهم علما وعملا، مع كل ما لهم من شطط وزيغ.. أمن العدل أن يسلط على رقاب الناس وأعراضهم وربقة المسلمين وأموالهم فضلا عن دينهم رجال هذا مبلغهم من العلم وذاك سيرهم العملي ؟ ! !. أمن الانصاف أن تفوض النواميس السماوية والاحكام الالهية وطقوس الامة وآدابها إلى يد خلائق هذه سيرتهم وتلك سريرتهم.. ؟ !. آه.. وربك يخلق ما يشاء ويختار وما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون.. وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون، فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم.. والعاقبة لاهل التقوى واليقين. * * * * * مجمل مسرد عملنا في الكتاب: 1 - حيث لم نحصل على نسخة خطية جيدة للكتاب لذا استعنا بطبعتي الكتاب: أ - طبعة دار الضرب بطهران المعروفة ب‍: طبعة كمباني، ورمزنا لها ب‍ (ك). وقد شرع الحاج محمد حسن الاصفهاني الملقب ب‍ (كمباني) في طبعها سنة 1303 ه‍، وانتهى منها في سنة 1315 ه‍. ب‍: طبعة تبريز سنة 1275 ه‍، وقد جدد تصوير المجلد الثامن منها بالاوفست حدود سنة 1400 ه‍، ورمزنا لها ب‍ (س).

[45]

2 - حاولنا ذكر أهم الفروق بين الطبعتين وغالب الاختلافات بين المتن والمصادر. 3 - عز زنا روايات الخاصة بمصادر من العامة قدر الامكان. 4 - لم نغير من نص الكتاب كلمة واحدة لا حذفا ولا تصحيفا إلا مع الاشارة مع مراعاة ذكر الاختلافات في التعليقة، مع ما هناك من ملاحظات كثيرة وتحريفات وإسقاط في المجلدات 28 و 32 و 33 و 34. 5 - عز زنا بيانات المصنف بمصادر لغوية أو كتب أمثال أو أمكنة، وذكرنا ما رأيناه من الوجوه والمعاني المناسبة في الحاشية. 6 - استدركنا على المصنف طاب ثراه كثيرا من الطعون على الخلفاء الثلاثة بمصادرها العامية، بعد أن قوينا المتن بما رأيناه مناسبا، مع المحاولة - قدر الامكان - من عدم الابتعاد عن صلب الموضوع. 7 - ذيلنا الكتاب باستدراك ما ورد في الخلفاء الثلاثة ومن تبعهم خلال هذه الموسوعة مما لم يتعرض له المصنف طاب ثراه في هذا المجلد غالبا، بعد أن سردنا لك جملة من الابواب التي يجدر ملاحظتها في المقدمة. 8 - قد نضع رمز التصلية (ص) أو التسليم (ع) حيث لم نجده في المتن ويقتضيه المقام، وقد نرمز عندما نجده في الاصل مفتوحا، ولا نرى له معنى مناسبا. 9 - ترقيم الابواب مشوش جدا، ولم نجده في الخطية وطبعة (ك) وجاء في حاشية (س) ولم ترقم بعض الابواب وقد رقمناها، وأشرنا إلى ذلك في الحاشية. 10 - لظروفنا الخاصة ترك تحقيق الكتاب أكثر من مرة، وضاعت بعض مسوداته وملاحظاتنا عليه، لذا قد يلاحظ بعض الاضطراب فيه، المرجو إرشادنا إليه أو غض النظر عنه. * * * * *

[46]

ولنا - في النهاية - رجاء أكيد، ومنا دعوة جادة إلى عدم الحكم المسبق على موضوع الكتاب وإخراجه وتحقيقه و.. إلا بعد سبره بشكل كامل من دون الاخذ ببعضه دون الآخر، إذ لنا فيه مشرب خاص، ولذكر جملة من التعليقات سبب معين، قد يعرف خلال جرد الكتاب والدقة فيه. وها أنا ذا اليوم - بعد هن وهن - إذ سنحت لي الفرصة، وحالفني الحظ أن أقدم هذا القسم المبتور من ذاك الجسد الطاهر، الذي يعد - بحق - قلب الكتاب وهدفه وجوهره ولبه.. مستعينا بالله العظيم، ومتوكلا على الرب الرحيم، محتسبا عملي إليه، راجيا عفوه ورضوانه، طالبا رضاه وغفرانه.. جاعلا ظلامة ساداتي وموالي أهل بيت العصمة والكرامة صلوات الله عليهم أجمعين ذريعتي له ووسيلتي إليه.. سائلا إياه سبحانه وتعالى أن يتقبل عملي خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعل عملي هذا ضياء لي في ظلمات القبر، ونورا في عرصات القيامة، لي ولمن آزرني وأعانني عليه خاصة أخي وعضدي وذخري شيخي أبي محمد حفظه الله، وسيدي وسندي أبي الحسن سلمه الله ويكون من مخاوف الفزع الاكبر لنا أمنا وسرورا، وفي يوم الحساب كرامة وحبورا لنا ولو الدينا وأهلينا وأساتذتنا وإخواننا وكل من أعانني فيه مقابلة وتحقيقا وطباعة وتصحيحا وإخراجا ونشرا.. فإنه المرجو لكل فضل ورحمة، وولي كل مسغبة ونعمة، وصاحب كل حسنة وكرامة. والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد وأهل بيته الغر الميامين النجباء الاكرمين من الآن إلى قيام يوم الدين.. آمين رب العالمين. عبد الزهراء العلوي 1412 ه‍

[47]

عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: من لم يعرف سوء ما أتي إلينا من ظلمنا، وذهاب حقنا، وما ركبنا [نكبنا] به، فهو شريك من أتى إلينا فيما ولينا به. ثواب الاعمال: 200 وبحار الانوار: 27 / 55 حديث 11

[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء التاسع والعشرون

[3]

5 - باب (1) احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر وغيره في أمر البيعة 1 - ل (2) القطان، عن محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن محمد بن حفص الخثعمي، عن الحسن بن عبد الواحد، عن احمد بن محمد الثعلبي، عن محمد بن عبد الحميد، عن حفص بن منصور، عن أبي سعيد (3) الوراق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده - عليهم السلام - قال: لما كان من أمر أبي بكر - وبيعة الناس له، وفعلهم بعلي بن أبي طالب عليه السلام - ما كان، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط ويرى منه انقباضا، فكبر


(1) الابواب لم ترقم في المتن، وجاء في حاشية (س): الباب الخامس، وكذا بقية الابواب جاء ترقيمها في حاشية (س). (2) الخصال: 548 - 553 حديث 30 باختلاف أشرنا إلى غالبه. ولا يخفى أن شيخنا المؤلف العلامة المجلسي قدس سره ذكر في أول بحاره بناؤه على اختزال واختصار بعض الاسانيد، أو تقطيع بعض المتون، من دون مساس بجوهر المعنى أو حاق الموضوع، فتدبر. (3) في المصدر: حدثنا احمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثنا احمد بن التغلبي، قال: حدثني احمد بن عبد الحميد، قال: حدثني حفص بن منصور العطار، قال: حدثنا أبو سعيد...

[4]

ذلك على أبي بكر، فأحب لقاءه واستخراج ما عنده، والمعذرة إليه مما (1) اجتمع الناس عليه، وتقليد هم إياه أمر الامة وقلة رغبته في ذلك وزهده فيه. أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة، وقال له: والله يا أبا الحسن ما كان هذا الامر مواطاة مني، ولا رغبة فيما وقعت فيه، ولا حرصا عليه، ولا ثقة بنفسي فيما تحتاج (2) إليه الامة، ولا وقة لي بمال (3)، ولا كثرة العشيرة، ولا استئثار به (4) دون غيري، فما لك تضمر علي ما لم أستحقه منك، وتظهر لي الكراهة فيما صرت إليه، وتنظر إلي بعين السامة مني ؟ ! قال: فقال له عليه السلام: فما حملك عليه إذ (5) لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به وبما يحتاج (6) منك فيه ؟ ! فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن الله لا يجمع أمتي على ضلال (7)، ولما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي - صلى الله عليه وآله - وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى، فأعطيتهم (8) قود الاجابة، ولو علمت أن أحدا يتخلف لا متنعت ! قال: فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من حديث النبي صلى الله عليه وآله: أن الله لا يجمع أمتي على ضلال، أفكنت من الامة أو لم أكن ؟ ! قال: بلى. قال: وكذلك العصابة المتنعة عليك من سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد


(1) في المصدر: لما. (2) خ. ل: يحتاج. (3) في المصدر: لمال. (4) خ. ل: ولا ابتزاز له، كذا في (ك) والمصدر. (5) في المصدر: إذا. (6) خ. ل: تحتاج. (7) جاء بطرق متعددة ومضامين مختلفة، أدرجها ومصادرها شيخنا الاميني في الغدير 10 / 349. وستأتي بعض مصادره قريبا. (8) في المصدر: وأعطيتهم.

[5]

وابن عبادة ومن معه من الانصار ؟ قال: كل من الامة. فقال علي عليه السلام: فكيف تحتج بحديث النبي صلى الله عليه وآله وأمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك، وليس للامة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول ونصيحته منهم تقصير ؟ ! قال: ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام الامر، وخفت إن دفعت عني الامر أن يتفاقم (1) إلى أن يرجع الناس مرتدين عن الدين، وكان ممارستكم إلى أن أجبتم أهون مؤنة على الدين وأبقى له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعوا كفارا، وعلمت أنك لست بدوني في الابقاء عليهم وعلى أديانهم !. قال علي عليه السلام: اجل، ولكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الامر، بما يستحقه ؟ فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة (2)، والمحاباة (3)، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعلم بالكتاب والسنة وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، وانصاف المظلوم من الظالم للقريب (4) والبعيد.. ثم سكت. فقال علي عليه السلام: والسابقة والقرابة ؟ ! فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة. قال (5): فقال علي عليه السلام: أنشدك بالله (6) يا أبا بكر أفي نفسك تجد


(1) في المصدر: يعظم. قال في القاموس 4 / 160: فقم الامر: لم يجر على استواء وعظم كفقم وتفاقم. (2) قال في القاموس 4 / 224: المداهنة: إظهار خلاف ما يضمر. (3) قال في القاموس 4 / 315: حاباه محاباة وحباء: نصره واختصه ومال إليه. وعليه تكون معطوفة على النصحية. (4) في المصدر: القريب. (5) من قوله: فقال علي عليه السلام: والسابقة.. إلى قوله: قال لا يوجد في المصدر المطبوع. (6) هذا هو الحديث المعروف بحديث المناشدة، وقد ورد بألفاظ مختلفة في مواطن كثيرة في كتب =

[6]

هذه الخصال، أو في ؟ ! قال أبو بكر (1): بل فيك يا أبا الحسن. قال: أنشدك بالله أنا المجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذكران المسلمين، أم أنت (2) ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا الاذان (3) لاهل الموسم ولجميع الامة بسورة براءة، أم انت (4) ؟ !


= الفريقين عن أكثر المعصومين سلام الله عليهم وعن جملة من الصحابة والتابعين. ومن الموارد مناشدته عليه السلام يوم الشورى، ذكرها الخوارزمي في المناقب: 207 عن عدة من الرواة، والحموينى في فرائد السمطين، وغيرهما. قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 2 / 61:.. نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدة أصحاب الشورى وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها عنهم وعن غيرهم، قد روى الناس ذلك فأكثروا.. إلى آخره. وانظر مناشدته عليه السلام أيام عثمان بن عفان ويوم الرحبة وغيرها من المواطن، جاء في الاصابة 2 / 408 و 4 / 80، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 362، والنسائي في الخصائص: 22، وغيرهم. وانظر: الغدير 1 / 159 و 163 و 213، واحقاق الحق 4 / 206، 5 / 24 - 50، 6 / 305 - 340 و 473، 15 / 263 و 679 - 687، 21 / 94 - 121. (1) لا يوجد في المصدر: أبو بكر. (2) ذكر هذا المضمون القندوزي الحنفي في ينابيع المودة: 482 في احتجاج الامام السبط عليه السلام، وجاء في كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية كما في مروج الذهب 2 / 59، وكتاب صفين: 132، وشرح ابن ابي الحديد 1 / 283، وجمهرة الرسائل 1 / 542، كما ذكره العلامة الاميني في الغدير 1 / 198، 10 / 158، فراجع. (3) قال في القاموس 4 / 105: الاذان والاذين والتأذين: النداء إلى الصلاة..، والاذين كأمير المؤذن. أقول: يحتمل أن يكون الاذان بمعنى المؤذن كالاذين، ويحتمل كونه مصدرا بمعنى الفاعل. (4) حديث بعث أمير المؤمنين عليه السلام بسورة البراءة حديث متضافر إن لم نقل بأنه متواتر عن العامة والخاصة، نذكر جملة من مصادره مستقلا أو ضمن حديث:

[7]

قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا وقيت رسول الله بنفسي يوم الغار، أم أنت (1) ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك (2) بالله ألي (3) الولاية من الله مع ولاية رسوله (4) في آية زكاة الخاتم، أم لك (5) ؟ = منها: ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 1 / 331 عن ابن عباس، مستدرك الحاكم 3 / 132 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد، مناقب الخوارزمي: 75، الطبري في الرياض 2 / 203، ذخائر العقبى: 87، البداية والنهاية 7 / 337، مجمع الزوائد: 9 / 108، الكفاية للكنجي: 115، الاصابة 2 / 509، خصائص النسائي: 8. (1) يعبر عنه ب‍: حديث الغار، أو حديث الوقاية، أو حديث الفراش، أو حديث ليلة المبيت. وقد حكى ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 3 / 270 عن استاذه أبي جعفر الاسكافي أنه قال: حديث الفراش قد ثبت بالتواتر فلا يحجده إلا مجنون أو غير مخالط لاهل الملة. وقد روى المفسرون كلهم أن قول الله تعالى [ومن الناس من يشرى] الآية، نزلت في علي عليه السلام ليلة المبيت على الفراش. وللثعلبي في تفسيره رواية مفصلة رواها أكثر من واحد: كالغزالي في إحياء العلوم 3 / 238، والكنجي في كفاية الطالب: 114، والصغوري في نزهة المجالس 2 / 209، وابن الصباغ في الفصول المهمة: 33، وابن الجوزي في التذكرة: 21، والشبلنجي في نور الابصار: 86. وانظر أيضا حديث ليلة المبيت في مسند أحمد: 1 / 348، وتاريخ الطبري: 2 / 99 - 101، طبقات ابن سعد 1 / 212، تاريخ اليعقوبي 2 / 29، سيرة ابن هشام 2 / 291، العقد الفريد 3 / 290، تاريخ بغداد 13 / 191، تاريخ ابن الاثير 2 / 42، تاريخ أبي الفدا 1 / 126، مناقب الخوارزمي: 75، تاريخ ابن كثير: 7 / 338، السيرة الحلبية 2 / 29، الامتاع للمقريزي: 39، وغيرهم كثير جدا. وانظره في الغدير 2 / 47 - 49، وغيره. (2) في المصدر: أنشدك. (3) تقرأ إلي بتشديد الياء، وألي، والثاني أظهر إن لم يكن ظاهرا. (4) في المصدر: رسول الله. (5) جاء ذلك في مناشدته صلوات الله عليه يوم صفين سنة 37 ه‍، كما حكاه سليم بن قيس في كتابه، ونقله الاميني في غديره 1 / 196 و 397 و 398، 2 / 52 و 58 و 59، 59، 3 / 156 - 162 وغيرها عن جملة مصادر.

[8]

قال: بل لك. قال: فأنشدك (1) بالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي صلى الله عليه وآل يوم الغدير (2)، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك (3) بالله ألي (4) الوزارة من رسول الله صلى الله عليه وآله والمثل من هارون وموسى (5)، أم لك (6) ؟ قال: بل لك. قال: فأنشدك بالله أبي برز رسول الله صلى الله عليه وآله وبأهل بيتي


(1) في المصدر: أنشدك. (2) أنظر: كتاب الغدير للعلامة الاميني 1 / 8 و 11 و 17 و 18 و 19 و 21 - 28 و 30 - 34 و 36 - 43 و 47 و 52 - 59 و 63 و 65 و 67 و 68 و 69 و 76 و 80 و 85 و 90 و 92 و 114 و 118 و 122 و 126 و 129 و 137 و 138 و 140 و 142 - 147 و 150 و 153 و 158 و 160 و 162 و 165 و 167 و 168 - 174 و 184 - 193 و 196 - 198 و 200 - 206 و 208 - 213 و 215 و 217 - 223 و 231 - 233 و 237 و 240 - 245 و 268 و 272 - 277 و 279 - 282 و 292 و 295 و 296 و 297 و 299 و 300 - 317 و 370 و 383 و 384 و 387 و 392 و 395، 2 / 245، 4 / 63، 5 / 363، 6 / 56، 10 / 49، وغيرها، عن مصادر عديدة جدا، نحن في غنى عن درجها. (3) في المصدر: أنشدك. (4) تقرأ إلي بتشديد الياء، وألي، والثاني أظهر إن لم يكن ظاهرا. (5) في المصدر: ومن موسى. (6) وردت أحاديث المنزلة - ويقال لها: الوزارة: في جملة من المجاميع الحديثية عند العامة. منها ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 331، والحاكم في المستدرك: 3 / 132، والنسائي في خصائصه: 32، والمسعودي في مروج الذهب: 2 / 61، وابن حجر في الاصابة: 2 / 509 وجملة من المصادر السالفة وذكره شيخنا الاميني في غديره في اكثر من موضع، وعد له اكثر من مصدر انظر منها: 1 / 51، 197، 198، 200، 201، 208 212، 213، 268، 275، 297، 338، 396، 397. 3 / 115، 116، 198 200، 201. 4 / 63، 65. 6 / 333، 335. 7 / 176، 10 / 258، 259 وغيرها.

[9]

وولدي في مباهلة المشركين من النصارى، أم بك وبأهلك وولدك (1) ؟ قال: بكم. قال: فأنشدك بالله ألي ولاهلي وولدي آية التطهير من الرجس (2)، أم لك ولاهل بيتك ؟ قال: بل لك ولاهل بيتك. قال: فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهلي وولدي يوم الكساء: اللهم هولاء أهلي إليك لا إلى النار (3)، أم أنت ؟ قال: بل أنت وأهلك وولدك. قال: فأنشدك بالله أنا صاحب الآية [يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا] (4)، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الفتى الذي نودي من السماء: لا سيف إلا ؟ ؟


(1) ستأتي مصادر حديث المباهلة قريبا. (2) أنظر الغدير 1 / 50. قال الاميني في الغدير 5 / 416: وقد تسالمت الامة الاسلامية على نزول آية التطهير في صاحب الرسالة الخاتمة ووصيه الطاهر وابنيهما الامامين وأمهما الصديقة الكبرى، وأخرج الحفاظ وأئمة الحديث فيها أحاديث صحيحة متواترة في الصحاح والمسانيد. وقد جمع العلامة البحراني في غاية المرام أكثر من مائة وعشرين حديثا في حصر أهل البيت عليهم السلام بهم دون نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثلثها تقريبا من طرق العامة. (3) لاحظ مسند أحمد بن حنبل 6 / 296، ومجمع الزوائد 9 / 166، وذخائر العقبى: 22، وقد ذكر جزءا من الحديث ابن حجر في الصواعق المحرقة: 221، وستأتيك مصادر اخرى، وانظر الغدير: 1 / 301. (4) الانسان: 7. وقد جاء في العقد الفريد 3 / 42 حديث احتجاج المأمون على الاربعين فقيها، وفي اكثر ؟ ؟ مصدر، كما في مناقب موفق بن أحمد في الفصل السادس عشر، ولا حظ الغدير 3 / 107 - ؟ ؟ ؟

[10]

الفقار ولا فتى إلا علي (1)، أم أنا ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي ردت له الشمس لوقت صلاته فصلاها ثم توارت (2)، أم أنا ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي حباك رسول الله صلى الله عليه وآله برايته يوم خيبر ففتح الله له (3)، أم أنا ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي نفست عن رسول الله صلى الله عليه وآله كربته


(1) كما أخرجه الطبري في تاريخه 3 / 17، وابن هشام في سيرته 3 / 52، وابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 9 وقال: إنه المشهور المروي، وفي 2 / 236 منه قال: إن رسول الله قال: " هذا صوت جبرئيل "، وأورده ابن ابي الحديد في 3 / 281 أيضا، ومناقب الخوارزمي: 104، وتذكرة سبط ابن الجوزي: 16. وعد له العلامة الاميني جمعا ممن رووه في غديره 2 / 60، فراجع. (2) حديث رد الشمس، أورده جمهرة المحدثين والحفاظ بطرق متواترة: بل أفرد بالتأليف وجمعت فيه طرق وأسانيد، عد منهم شيخنا الاميني رحمه الله في غديره 3 / 127 - 140 و 393 و 411. ثلاثة وأربعين حافظا ممن أفرده بالتصنيف وانظره شعرا في الغدير 2 / 293 و 3 / 29 و 57. (3) هذا حديث صحيح متواتر أخرجه أئمة الحديث بأسانيد رجال جلهم ثقات عندهم: كالبخاري في صحيحه 4 / 323 و 5 / 269 و 370 عن سلمة بن الاكوع، ومسلم في صحيحه 2 / 324، والترمذي في صحيحه 2 / 300، وأحمد في مسنده 1 / 99 و 5 / 353 و 358 وغيرها، وابن سعد في طبقاته 3 / 158، وابن هشام في السيرة 3 / 386، والطبري في تاريخه 2 / 93، والنسائي في خصائصه 4 - 8 و 16 و 33، والحاكم في مستدركه 3 / 116 و 190 وقال: هذا حديث دخل في حد التواتر..، وغيرهم من أعلامهم. وانظر غدير العلامة الاميني 1 / 50، 2 / 41، 3 / 22، 4 / 63، 5 / 363، 7 / 200 و 204، وغيرها.

[11]

وعن المسلمين بقتل عمرو بن عبدود (1)، أو (2) أنا ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي ائتمنك رسول الله صلى الله عليه وآله على رسالته إلى الجن فأجابت، أم أنا ؟ قال: بل أنت. قال: أنشدك بالله أنت الذي طهرك رسول الله صلى الله عليه وآله من السفاح من آدم إلى أبيك بقوله صلى الله عليه واله: أنا وأنت من نكاح لا من سفاح، من آدم إلى عبد المطلب أم أنا (3) ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا الذي اختارني رسول الله صلى الله عليه وآله وزوجني ابنته فاطمة عليها السلام وقال: الله زوجك (4)، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا والد الحسن والحسين ريحانتيه اللذين قال فيهما: هذان سيدا


(1) كما في مستدرك الحاكم 2 / 32، وكنز العمال 6 / 158، والسيرة الحلبية 2 / 349، وينابيع المودة في باب 23، وفيه عن ابن مسعود قال: لما برز علي إلى عمرو بن عبدود قال النبي (ص): برز الايمان كله إلى الشرك كله، فلما قتله قال له: أبشر يا علي فلو وزن عملك اليوم بعمل أمتي لرجح عملك بعملهم. وروى أيضا عن المناقب، عن حذيفة قال: قال النبي (ص): ضربة علي في يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة.. وغير ذلك. وانظر الغدير 7 / 206 و 212، وغيرها. (2) في المصدر: أم. (3) ام انا، زيادة من المصدر. (4) كما جاء في الغدير 2 / 317 عن جملة من مصادرهم. وما سلف من المناشدات جاءت في مصادر أحاديث المناشدة التي سلفت قريبا، وانظر فيها الغدير 1 / 159، وغيره.

[12]

شباب أهل الجنة (1) وأبوهما خير منهما، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أخوك المزين بجناحين في الجنة يطير بهما (2) مع الملائكة، أم أخي ؟ قال: بل أخوك. قال: فأنشدك بالله أنا ضمنت دين رسول الله صلى الله عليه وآله وناديت في المواسم (3) بانجار ؟ ؟ ؟، أم أنت ؟ ! قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله لطير عنده يريد أكله، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك بعدي (4)، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا الذي بشرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل (5) الناكثين والقاسطين والمارقين على تأويل القرآن (6)، أم أنت ؟


(1) إلى هنا جاء في الصواعق المحرقة لابن حجر: 114 مع اختلاف يسير، وحكاه في الغدير 7 / 125، وانظر كتاب الحسين والسنة للسيد عبد العزيز الطباطبائي. وقال في 10 / 121 من الغدير: وصح عنه صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة "، متفق على صحته. وانظر: مجمع الزوائد 9 / 174، سنن ابن ماجة 1 / 44 حديث 118، ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق 77 - 78 حديث 134 و 135، 81 - 82 حديث 140، وغيرها. (2) لا توجد: يطير بهما، في (س)، وجاءت في المصدر: ليطير بهما. (3) في المصدر: الموسم، وجعل ما في المتن نسخة بدل في (س). (4) حديث الطير المشوي صحيح مروي في الصحاح والمسانيد على حد تغيير العلامة الاميني في الغدير 3 / 21، وانظر 4 / 65، 9 / 395، بل قد يعد متواترا معنويا. لاحظ: مناقب الخوارزمي: 59 و 65، أسد الغابة 4 / 30، مستدرك الحاكم 3 / 130 - 132، سنن الترمذي 5 / 636 - 637 حديث 3721، وغيرها كثير. (5) في المصدر: بقتال. (6) جاءت رواياته بمضامين عديدة، منها: ما أورده الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8 / 340، =

[13]

قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ووليت غسله ودفنه، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنا الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم القضاء بقوله: " علي أقضاكم " (1)، أم أنت ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك (2) الله (3) أنا الذي أمر لي (4) رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه بالسلام علي (5) بالامرة في حياته (6)، أم أنت ؟


= تاريخ ابن كثير 7 / 304 و 305، الخصائص للسيوطي 2 / 138، مسند احمد بن حنبل 6 / 393، مجمع الزوائد 7 / 234، كنز العمال 6 / 37. وحكاه العلامة الاميني عن اكثر علماء الجمهور، كما في الغدير 1 / 336 - 338، 3 / 193 - 195، وغيرها. (1) ورد في بعض الروايات عن طريق العامة عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " أقضى أمتي علي "، كما في مناقب الخوارزمي: 50، وفتح الباري 8 / 136، وبغية الوعاة: 447، وغيرها. وفي بعضها الآخر عنه (ص): أقضاكم علي، كما في الاستيعاب 2 / 461 (بهامش الاصابة 3 / 38)، شرح ابن أبي الحديد 2 / 235، مطالب السؤول: 23، وغيرها. وفي بعضها عنه (ص): أعلمهم بالقضية، وفي لفظ: وأبصرهم بالقضية، كما في حلية الاولياء 1 / 66، كنز العمال 6 / 153، مطالب السؤول: 34. وجاءت جملة روايات في طبقات ابن سعد باسناده عن عمر 2 / 339 - 340. وما رواه الحنفي في الباب 14 عن الخوارزمي بسنده عن أبي سعيد وسلمان قالا: قال رسول الله (ص): " إن أقضى أمتي علي بن ابي طالب "، وغيرها. (2) خ. ل: أنشدك. (3) في المصدر: بالله. (4) لا توجد: لي، في المصدر. (5) في المصدر: عليه. (6) اخرجه الطبراني في كتاب الولاية عن زيد بن أرقم، وحكاه الاميني في الغدير 1 / 270 و 271 =

[14]

قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم أنا ؟. قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي حباك الله عزوجل بدينار عند حاجته (1)، وباعك جبرئيل عليه السلام، وأضفت محمدا صلى الله عليه وآله، وأضفت (2) ولده أم أنا (3) ؟ قال: فبكى أبو بكر ! [و] (4) قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله انت الذي حملك رسول الله صلى الله عليه وآله على كتفه (5) في طرح صنم الكعبة وكسره حتى لو شاء أن ينال أفق السماء لنالها (6)، أم أنا ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت صاحب لوائي في الدنيا والاخرة (7)، أم أنا ؟


= و 272 عن عدة مصادر نحن في غنى عن التطويل بذكرها. (1) خ. ل: حاجته إليه. (2) في المصدر: وأطعمت. (3) زيادة (ام انا) نسخة بدل. (4) زيادة من المصدر. (5) في المصدر: كتفيه. (6) أخرجها أمة من الحفاظ وأئمة الحديث والتاريخ، وأرسلت إرسال المسلمات من دون غمز في سندها. أنظر من باب المثال: مسند احمد بن حنبل 1 / 84 باسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على مسلكهم، الخصائص: 31، مستدرك الحاكم 2 / 367، تاريخ بغداد 13 / 302، مطالب السؤول: 12، وغيرها. وعد منهم شيخنا الاميني في غديره 7 / 9 - 13 أكثر من أربعين مصدرا. (7) كما ذكره في ذخائر العقبى: 75، ومودة القربى: السادسة، وفرائد السمطين: الجزء الثاني الباب الثامن، في حديث طويل وبألفاظ متعددة، فراجع.

[15]

قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بفتح بابه في مسجده حين أمر بسد جميع بابه - أبواب أصحابه وأهل بيته (1) - وأحل له فيه ما أحله الله له (2)، أم أنا ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي قدم بين يدي نجواه لرسول الله (3) صلى الله عليه وآله صدقة فناجاه، أم أنا - إذ عاتب الله عزوجل قوما فقال: [أء شفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات] (4) الآية (5) - ؟ قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله - لفاطمة:


(1) لفظ: أبواب أصحابه وأهل بيته، لم يرد في بعض النسخ، كما ولم يرد لفظ: بابه، في المصدر. (2) أخرج هذا الحديث بأسانيد جمة صحاح وحسان عن جمع من الصحابة تربو عدتهم على عدد ما يحصل به التواتر. فقد جاء الحديث في: مسند أحمد 4 / 369، الخصائص للنسائي: 13، مستدرك الصحيحين 3 / 125، مجمع الزوائد 9 / 114، فتح الباري 7 / 12، وغيرها كثير. وقد فصل الحديث شيخنا الاميني في حديث سد الابواب في موسوعته الغدير 3 / 202 - 210، فراجع. (3) في المصدر: نجوى رسول الله. (4) المجادلة: 13. (5) نقل الشيخ العلامة الاردبيلي قدس سره في حديقته 2 / 63: أن الثعلبي والواقدي والنيشابوري وغيرهم ذكروا في تفاسيرهم: أن آية النجوى لم يعمل بها غير علي عليه السلام، وذكره أيضا ابن المغازلي في مناقبه. ونقل في كشف الغمة أنه ذكر عن كتاب الجمع بين الصحاح الستة: أن عليا عليه السلام قال: إن في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري. وذكر الفخر الرازي في تفسيره توجيها لعدم عمل مثل أبي بكر وعمر بالآية. وهو اظهر مصداق لا سوئية العذر من الذنب. والنيشابوري قال في تفسيره: إن هذا التوجيه ليس له وجه إلا التعصب والعناد.

[16]

زوجك أول الناس إيمانا وأرجحهم إسلاما. في كلام له، أم انا ؟ (1). قال: بل أنت. قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: الحق مع علي وعلي مع الحق، لا يفترقان حتى يردا علي حوض (2)، أم أنا ؟ قال: بل أنت (3). قال:.. فلم يزل عليه السلام بعد عليه مناقبه التي جعل الله عزوجل له دونه ودون غيره. ويقول له أبو بكر: بل أنت. قال: فبهذا وشبهه يستحق القيام بأمور أمة محمد صلى الله عليه وآله. فقال له علي عليه السلام: فما الذي غرك عن الله وعن رسوله وعن دينه وأنت


(1) ورد بألفاظ عديدة، منها ما جاء هنا، كما في ينابيع المودة: 81. ومنها: " يا فاطمة إني زوجتك سيدا في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين "، كما أخرجه النسائي والخطيب في تاريخه 4 / 129، والكنجي في الكفاية: 165، وبهذا المضمون في أسد الغابة 1 / 206، وتاريخ بغداد 4 / 210، والصواعق المحرقة: 103. وفد رواه الخوارزمي في مناقبه في الفصل التاسع، وذكره في كنز العمال، وكفاية الطالب، وابن المغازلي، والحمويني، وجاء في ذخائر العقبى للطبري الشافعي، وقال في آخره: أخرجه الحافظ أبو العلاء الهمداني في الاحاديث الاربعين في المهدي عليه السلام، وغيرهم. (2) جاء الحديث في تاريخ بغداد 14 / 321، مجمع الزوائد 7 / 336 و 9 / 134، الامامة والسياسة 1 / 68. وجاء بلفظ: قوله صلى الله عليه وآله " رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار "، كما في جامع الترمذي 2 / 213، كنز العمال 6 / 157، مستدرك الحاكم 3 / 125، نزل الابرار: 24، وغيرها. وكذا بلفظ " علي مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض "، كما في مستدرك الحاكم 3 / 124 وقد صححه، الصواعق: 74 و 75، الجامع الصغير 2 / 140، وغيرها.. وانظر الغدير 3 / 9 - 177 مع تقديم وتأخير، وبعبارات مختلفة في 7 / 177 و 8 / 189 و 10 / 287، وموارد أخرى. (3) المناشذه الاخيرة غير موجودة في المصدر المطبوع من الخصال، وقد وضع عليها في الحجرية: خ. ص، أي: في نسخة صحيحة أو مصححة.

[17]

خلو مما يحتاج إليه أهل دينه ؟ قال: فبكى أبو بكر وقال: صدقت يا أبا الحسن، أنظرني يومي هذا فادبر ما أنا فيه وما سمعت منك. قال: فقال له علي عليه السلام: لك ذلك يا أبا بكر. فرجع من عنده وخلا بنفسه يومه ولم يأذن لاحد إلى الليل، وعمر يتردد في الناس لما بلغه من خلوته بعلي عليه السلام. فبات في ليلته، فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه ممثلا (1) له في مجلسه، فقام إليه أبو بكر ليسلم عليه، فولى وجهه، فصار (2) مقابل وجهه، فسلم عليه فولى عنه وجهه (3). فقال أبو بكر: يا رسول الله ! هل أمرت بامر فلم أفعل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرد السلام عليك وقد عاديت الله ورسوله وعاديت من والاه (4) الله ورسوله ! رد الحق إلى أهله. قال: فقلت: من أهله ؟ قال: من عاتبك عليه، وهو علي. قال: فقد رددت عليه يا رسول الله بأمرك. قال: فأصبح وبكى، وقال لعلي عليه السلام: ابسط يدك، فبايعه وسلم إليه الامر. وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فاخبر الناس بما رأيت في ليلتي وما جرى بيني وبينك، فاخرج نفسي من هذا الامر وأسلم عليك


(1) في المصدر: متمثلا. (2) كلمة فصار..، لا توجد في بعض النسخ، وقد وضع عليها في بعض النسخ رمز نسخة بدل، وفي بعض النسخ: فسلم عليه فولى عنه وجهه، بدون: فصار مقابل وجهه. (3) وجهه، لا توجد في بعض النسخ، وكذا في المصدر، وقد وضع عليها رمز نسخة بدل في نسخة مصححة. (4) في المصدر: والى.

[18]

بالامرة ؟ قال: فقال (1) علي عليه السلام: نعم. فخرج من عنده متغيرا لونه عاليا نفسه (2)، فصادفه عمر وهو في طلبه. فقال (3): ما حالك يا خليفة رسول الله.. ؟ فأخبره بما كان منه وما رأى وما جرى بينه وبين علي عليه السلام. فقال (4) عمر: أنشدك بالله (5) يا خليفة رسول الله ان تغتر بسحر بني هاشم ! فليس هذا بأول سحر منهم.. فما زال به حتى رده عن رأيه وصرفه عن عزمه، ورغبه (6) فيما هو فيه، وأمره بالثبات [عليه] (7) والقيام به. قال: فأتى علي عليه السلام المسجد للميعاد، فلم ير فيه منهم احدا، فأحس (8) بالشر منهم، فقعد إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فمر به عمر فقال: يا علي دون ما تروم خرط القتاد، فعلم بالامر وقام ورجع إلى بيته. 2 - ج (9): وروى مرسلا مثله. بيان: قوله: ولا ابتزاز.. الابتزاز: الاستلاب (10) والاخذ بالغلبة (11). وفي بعض النسخ: ولا استيثار به، يقال: استأثر فلان بالشئ: أي


(1) في المصدر: فقال له. (2) لا توجد: عاليا نفسه، في نسخة. (3) في المصدر: فقال له. (4) في المصدر: فقال له. (5) لا يوجد لفظ الجلالة في (ك). (6) في (ك): ورغبته. (7) زيادة من المصدر. (8) خ. ل: فحس. (9) الاحتجاج: 115 - 130 [1 / 157 - 185]. (10) كما في مجمع البحرين 4 / 8، الصحاح 3 / 865، لسان العرب 5 / 312، وغيرها. (11) أنظر: تاج العروس 4 / 8.

[19]

استبد به (1). قوله: بعين السآمة مني.. في الاحتجاج قوله: بعين الشتاءة (2) لي..، أي: العداوة. والقتاد: شجر له شوك كثير (3)، وخرطه: هو ان تمر يدك من أعلاه إلى أسفله حتى ينتشر شوكه (4)، وهذا مثل يضرب للامر الشاق (5). 3 - فس (6): أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن العباس بن الجريش (7)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد والناس مجتمعون - بصوت عال: [الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. أضل أعمالهم] (8).


(1) جاء في مجمع البحرين 3 / 199، الصحاح 2 / 575، تاج العروس 3 / 6، وغيرها. (2) الظاهر أن الشتاءة - بالتاء - اشتباه، والصحيح الشناءة - بالنون - فراجع، ولم نجد الشتاءة بمعنى العداوة في كتب اللغة التي كانت بأيدينا. وفي الاحتجاج - طبع النجف - الشنان، والشناءة في اللغة بمعنى البغض، والعداوة قريبة منه. راجع: مجمع البحرين 1 / 252، الصحاح 1 / 57، كتاب العين 8 / 287، تاج العروس 1 / 81، لسان العرب 1 / 101. (3) أنظر: الصحاح 2 / 521، لسان العرب 3 / 342. وفي مجمع البحرين 3 / 124: شجر صلب شوكه كالابر، وكذا في تاج العروس 2 / 458، ولم نجد توصيف الشوك بالكثرة. (4) كما في المستقصي في أمثال العرب 2 / 82، إلا أن فيه: ينثر بدل ينتشر، ونقل في هامشه: أن الثاني - أي: ينتشر - موجود في نسخة أخرى. ويرجع إليه معنى ما في مجمع البحرين 4 / 245، الصحاح 3 / 1122، تاج العروس 5 / 127، لسان العرب 7 / 284، وغيرها. (5) أنظر: المستقصى في أمثال العرب 2 / 82. وقال في مجمع الامثال 1 / 265: يضرب للامر دونه مانع، وكذا في فرائد اللآلي في مجمع. الامثال 1 / 216. (6) تفسير القمي 2 / 301. (7) في المصدر: الحريش. (8) سورة محمد: 1.

[20]

فقال (1) ابن عباس: يا أبا الحسن لم قلت ما قلت ؟ ! قال: قرأت شيئا من القرآن. قال: لقد قلته لامر ؟ قال: نعم، إن الله يقول في كتابه: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا] (2)، فتشهد (3) على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه استخلف أبا بكر (4) ؟ قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى إلا إليك. قال: فهلا بايعتني ؟ ! قال: اجتمع الناس على أبي بكر (5) فكنت منهم. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كما اجتمع أهل العجل على العجل، ها هنا فتنتم، ومثلكم [كمثل الذي استوفد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون] (6). 4 - ير (7): محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير وعلي بن الحكم، عن الحكم بن مسكين (8)، عن أبي عمارة (9)، عن أبي عبد الله عليه السلام.


(1) في المصدر: فقال له. (2) الحشر: 7. (3) في المصدر: أفتشهد. (4) في المصدر: فلانا. (5) في المصد ر: عليه، بدلا من: على أبي بكر. (6) البقرة: 17، 18. (7) بصائر الدرجات 1 / 294 حديث 2. (8) في المصدر: عن ابن مسكين. (9) في المصدر: ابن عمارة، وما في المتن هو الاظهر. والموجود في باب الكنى من تنقيح المقال 3 / 28 هو أبو عمارة، وليس في باب المصدر بابن، ابن عمارة، فراجع.

[21]

وعثمان بن عيسى، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام لقي أبا بكر، فاحتج عليه. ثم قال له: أما ترضى برسول الله صلى الله عليه وآله بيني وبينك ؟ ! قال: وكيف (1) لي به ؟ فأخذ بيده وأتى مسجد قبا، فإذا رسول الله (2) صلى الله عليه وآله فيه، فقضى على أبي بكر. فرجع أبو بكر مذعورا (3)، فلقي عمر فأخبره، فقال: مالك ؟ ! أما علمت سحر بني هاشم. 5 - يج (4): سعد، عن محمد بن عيسى، مثله. 6، 7 - ختص، ير (5): بعض (6) أصحابنا (7)، عن محمد بن حماد،


(1) في المصدر: فكيف. (2) في (ك): برسول الله. (3) قال في القاموس 2 / 34: الذعر بالضم: الخوف، ذعر كعني فهو مذعور، وبالفتح التخويف كالاذعار. (4) الخرائج: 211 [طبعة مؤسسة الامام المهدي (ع) 2 / 808، حديث 17]. وذكره العلامة المجلسي في بحاره أيضا 6 / 247 حديث 81، 22 / 551 حديث 5، 27 / 304 حديث 6. وجاء مضمونه بأسانيد مختلفة في جملة من كتب الاصحاب، كالاختصاص: 267، ومدينة المعاجز: 168، وغيرهما. (5) الاختصاص: 274، وفيه: احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن حماد. وبصائر الدرجات 1 / 296 حديث 7. وسند الحديث ومتنه مطابق للبصائر أكثر مما هو في الاختصاص. (6) في (ك): عن بعض. (7) في الاختصاص: وعنه، والمقصود عنه هو: احمد بن محمد بن عيسى.

[22]

عن أخيه احمد (1)، عن احمد بن موسى، عن زياد بن المنذر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لقي أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر (2) في بعض سكك المدينة. فقال (3): ظلمت وفعلت. فقال (4): ومن يعلم ذلك ؟ قال: يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: وكيف لي برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى يعلمني (5) ذلك ؟ لو أتاني في المنام فأخبرني لقبلت ذلك. قال علي عليه السلام (6): فأنا أدخلك على (7) رسول الله صلى الله عليه وآله، [فأدخله] (8) مسجد قبا، فإذا (9) برسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد قبا. فقال له رسول الله (10) صلى الله عليه وآله: اعتزل عن ظلم أمير المؤمنين - عليه السلام -. فخرج (11) من عنده، فلقيه عمر، فأخبره بذلك، فقال له (12): اسكت !


(1) في الاختصاص: عن أبي علي. (2) لا توجد: أبا بكر، في (س). (3) في الاختصاص والبصائر: فقال له. (4) في البصائر: فقال له. (5) في البصائر: يعلم، وفي نسخة: يعلم بي. (6) لا يوجد في الاختصاص: علي عليه السلام. (7) في الاختصاص: إلى، بدلا من على. (8) في طبعتي البحار: في، والمثبت من البصائر والاختصاص. (9) في الاختصاص: فإذا هو. (10) في الاختصاص كلمة: رسول الله، غير موجودة. (11) في الاختصاص: قال فخرج. (12) في الاختصاص لا توجد: له.

[23]

أما (1) عرفت (2) سحر بني عبد المطلب (3)... 8 - ير (4) الحجال، عن اللؤلؤي (5)، عن ابن سنان، عن البطايني (6)، عن عمران (7) الحلبي، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام لقي أبا بكر. فقال: يا أبا بكر ما (8) تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أمرك أن تسلم علي بإمرة المؤمنين، وأمرك باتباعي ؟ قال (9): فاقبل يتوهم عليه. فقال له: اجعل بيني وبينك حكما. قال: قد رضيت فاجعل من شئت. قال: اجعل بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فاغتنما الآخر وقال: قد رضيت. قال: فأخذ بيده فذهب إلى مسجد قبا. قال: فإذا رسول الله (10) صلى الله عليه وآله قاعد في موضع المحراب. فقال له: هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله - يا أبا بكر. فقال رسول الله: يا أبا بكر ! ألم آمرك بالتسليم لعلي واتباعه ؟ قال: بلى يا رسول الله - صلى الله عليه وآله -.


(1) في (ك): ما، بدل: أما. (2) في الاختصاص زيادة كلمة: قديما. (3) في الاختصاص: بني هاشم بن عبد المطلب، وفي نسخة: بني هاشم. (4) بصائر الدرجات 1 / 297 حديث 10. (5) في المصدر: عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي. (6) في المصدر: عن علي بن أبي حمزة. (7) في المصدر: عن عمران بن أبي شعبة. (8) في المصدر: أما. (9) والقائل هنا الامام الصادق عليه السلام. (10) في نسخة: برسول الله... كذا في (ك).

[24]

قال: فادفع (1) الامر إليه. قال: نعم يا رسول الله. فجاء وليس (2) همته إلا ذلك، وهو كثيب. قال: فلقي عمر، قال: ما لك يا أبا بكر ؟ قال: لقيت رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأمرني بدفع هذه الامور إلى علي. فقال: أما تعرف سحر بني هاشم ؟ هذا سحر. قال: فقلب (3) الامر على ما كان. 9 - يج (4): عن الصفار، مثله. بيان: يتوهم عليه.. أي: يلقي الشكوك ويدفع حججه عليه السلام بالاوهام (5)، وفي الخرائج: يتشكك عليه (6). 10 - ير (7): أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن القاسم بن محمد عن اسحاق بن ابراهيم، عن هارون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لابي بكر: هل أجعل (8) بيني وبينك رسول الله صلى


(1) في المصدر: فارفع. (2) في المصدر: فليس. (3) لا توجد: فقلب، في المصدر. (4) الخرائج: 210 [مطبعة مدرسة الامام المهدي عليه السلام 2 / 805 - 806 حديث 15] وبين المصدرين فرق كثير. وجاء الحديث بمضامين متقاربة في كل من مدينة المعاجز: 169، مناقب آل أبي طالب 2 / 85، الهداية الكبرى: 102، ارشاد القلوب: 264، وغيرها. (5) التوهم في اللغة بمعنى الظن، كما صرح به في القاموس 4 / 187، وغيره. واستفادته قدس سره من التوهم إلقاء الشكوك بملاحظة سياق الكلام والقرائن، فتدبر. (6) قال في القاموس 3 / 309: الشك خلاف اليقين.. وشك في الامر وتشكك، وشككه غيره. (7) بصائر الدرجات: 298، حديث 12. (8) في المصدر: اجمع، وكذا في نسخة جاءت في حاشية البحار.

[25]

الله عليه وآله ؟ فقال: نعم. فخرجا إلى مسجد قبا، فصلى أمير المؤمنين عليه السلام ركعتين، فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وآله. فقال (1): يا أبا بكر على هذا عاهدتك، فصرت به ؟ ! فرجع (2) وهو يقول: والله لا أجلس هذا (3) المجلس. فلقي عمر، فقال (4): ما لك (5) ؟ قال: قد والله ذهب بي فأراني رسول الله. فقال (6) عمر: أما تذكر يوما كنا معه، فأمر شجرتين (7) فالتقتا، فقضى حاجته خلفهما، ثم أمرهما فتفرقتا (8) ؟ قال أبو بكر: أما إذا قلت ذا، فإني دخلت أنا وهو في الغار فقال بيده فمسحها عليه فعاد ينسج العنكبوت كما كان، ثم قال: ألا أريك جعفرا (9) وأصحابه تعوم بهم (10) سفينتهم في البحر ؟ قلت: بلى، قال: فمسح يده على وجهي، فرأيت جعفرا وأصحابه تعوم بهم سفينتهم في البحر، فيومئذ عرفت أنه


(1) في المصدر لا توجد: فقال. (2) في المصدر: ثم رجع. (3) في المصدر: ذلك، وجاء في نسخة على حاشية البحار. (4) في المصدر: وقال. (5) في المصدر: ما لك كذا، وفي نسخة: ما قال ؟ (6) في المصدر: فقال له. (7) في المصدر: بشجرتين. (8) في المصدر: فتفرقا. (9) في المصدر: جعفر. (10) أي: تسير بهم، كما في الصحاح 5 / 993، وغيره.

[26]

ساحر، فرجع إلى مكانه. 11، 12 - ختص، ير (1): عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان (2)، عن أبيه سليمان، عن عيثم (3) بن أسلم، عن معاوية (4) الدهني (5) قال: دخل أبو بكر على علي (6) عليه السلام فقال له: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - ما تحدث (7) إلينا في أمرك حديثا (8) بعد يوم الولاية (9)، وأنا (10) أشهد أنك مولاي، مقر لك بذلك، وقد سلمت عليك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - بإمرة المؤمنين، وأخبرنا رسول الله: أنك وصيه ووارثه وخليفته في أهله ونسائه، ولم يحل بينك وبين ذلك، وصار ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله إليك وأمر نسائه (11)، ولم يخبرنا بأنك (12) خليفته من بعده، ولا جرم لنا (13) في ذلك فيما بيننا


(1) الاختصاص: 272 - 273، وسنده: سعد قال: حدثنا عباد عن سليمان... بصائر الدرجات: 298 - 299 حديث 14. والحديث سندا ومتنا يطابق البصائر أكثر من مطابقته للاختصاص. وهو موجود ايضا في مختصر البصائر: 109 - 110، ببعض السقط في السند، وببعض الاختلاف في ذيل الحديث، فليلاحظ. (2) في مختصر البصائر والبصائر لا يوجد: عن محمد بن سليمان. (3) خ. ل: عيثم، والصحيح ما في المتن. (4) في مختصر البصائر والبصائر: معاوية بن عمار. (5) في الاختصاص زيادة: عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) في مختصر البصائر: أمير المؤمنين. (7) في مختصر البصائر والاختصاص: لم يحدث. (8) في مختصر البصائر: شيئا، وفي الاختصاص: حدثا. (9) في مختصر البصائر: أيام الولاية بالغدير، وكذا في الخرائج. (10) في البصائر: واني. (11) في مختصر البصائر والخرائج: وانك وارثه، وميراثه قد صار اليك، بدلا من: ولم يحل بينك.. نسائه. (12) في مختصر البصائر: أنك. (13) في البصائر: لك.

[27]

وبينك (1)، ولا ذنب (2) بيننا وبينك (3) وبين الله تعالى (4). قال: فقال (5) علي عليه السلام: إن أريتك رسول الله - صلى الله عليه وآله - حتى يخبرك أني (6) أولى بالامر (7) الذي أنت فيه منك ومن غيرك وإن لم ترجع عما انت فيه فتكون كافرا. قال أبو بكر (8): إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (9)، حتى يخبرني ببعض هذا لاكتفيت به (10). قال: فوافني (11) إذا صليت المغرب (12). قال: فرجع إليه (13) بعد المغرب، فأخذ بيده وخرج به (14) إلى مسجد قبا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله (15) جالس في القبلة.


(1) في مختصر البصائر: ولا جرم لي فيما بيني وبينك. (2) في مختصر البصائر: ولا ذنب فيما بيننا. (3) في مختصر البصائر والاختصاص لا يوجد: وبينك، وجاء في بعض نسخ الكتاب. (4) في الاختصاص: عزوجل، ولا يوجد في البصائر: تعالى قال. (5) في الاختصاص والخرائج ومختصر البصائر: فقال له. (6) في الاختصاص والاحتجاج ومختصر البصائر: بأني. (7) في الاختصاص: بالمجلس، بدلا من: بالامر. (8) في الاختصاص: وانك إن لم تنح عنه كفرت، فما تقول ؟ فقال:.. بدلا من قوله: منك ومن غيرك، إلى: قال أبو بكر. (9) في مختصر البصائر: وانك إن لم تعتزل نفسك عنه فقد خالفت الله ورسوله - صلى الله عليه وآله - فقال إن اريتنيه.. بدلا من قوله: ومن غيرك... إلى هنا. (10) في الاختصاص ومختصر البصائر: اكتفيت به، وفي البصائر: لا كتفيته. (11) في مختصر البصائر: فقال عليه السلام فتلقاني. (12) في مختصر البصائر زيادة: حتى أريكه. (13) لا توجد في الاختصاص: إليه. (14) في الاختصاص ومختصر البصائر: واخرجه، في البصائر والخرائج: فخرج به. (15) في مختصر البصائر: هو برسول الله (ص).

[28]

فقال: يا عتيق (1) وثبت على علي (2) - عليه السلام - وجلست (3) مجلس النبوة، وقد تقدمت إليك في ذلك (4)، فانزع هذا السربال الذي تسربلته (5)، فخله لعلي وإلا فموعدك النار. قال: ثم أخذ بيديه (6) فأخرجه، فقام النبي صلى الله عليه وآله ومشى عنهما. قال فانطلق (7) أمير المؤمنين عليه السلام إلى سلمان فقال (8): يا سلمان أما علمت أنه كان من الامر (9) كذا وكذا. فقال: ليشهرن بك (10)، وليأتين (11) صاحبه (12)، وليخبرنه بالخبر. قال: فضحك أمير المؤمنين عليه السلام وقال: إما أن يخبر صاحبه


(1) في مختصر البصائر والخرائج: له يا فلان. (2) في مختصر البصائر والخرائج: مولاك علي عليه السلام. (3) في مختصر البصائر والخرائج: مجلسه وهو. (4) في مختصر البصائر: لا يستحقه غيره لانه وصيي وخليفتي فنبذت امري وخالفت ما قتله لك وتعرضت لسخط الله وسخطي، بدلا من قوله: وقد تقدمت إليك في ذلك، وقريب منه في الخرائج والجرائح. (5) في الخرائج ومختصر البصائر: انت تسربلته بغير حق، ولا انت من اهله. (6) في مختصر البصائر: فخرج مذعورا ليسلم الامر إليه وانطلق. (7) في الاختصاص: عنهما وانطلق، بدلا من: ومشى عنهما قال: فانطلق. (8) في مختصر البصائر: صلوات الله عليه فحدث سلمان بما كان وما جرى، فقال له سلمان.. بدلا من: عليه السلام إلى... من الامر. (9) في الاختصاص زيادة: فقال له. (10) في نسخة: ليشهدن علي. أقول: يحتمل أن يكون المعنى: ليشهرن وليظهر الحق البتة، فان الشهرة بمعنى الظهور كما في القاموس 2 / 95. (11) في الاختصاص: فقال سلمان ليشهرن بك ولبيدينه إلى..، وفي البصائر: قال الشهرة بك وليندبنه إلى.. (12) وضع على جملة: وليأتين صاحبه، نسخة بدل، وفي بعض النسخ وضع بدلا منها: وليبدينه.

[29]

فيفعل (1) ثم لا والله لا يذكر أبدا (2) إلى يوم القيامة، هما أنظر لانفسهما من ذلك. قال (3): فلقي أبو بكر عمر، فقال له: أراني علي (4).. كذا وكذا، وصنع كذا وكذا (5). فقال له عمر: ويلك ما اقل عقلك، فو الله ما أنت فيه الساعة ليس إلا من بعض سحر ابن أبي كبشة (6)، قد نسيت سحر بني هاشم، ومن أين يرجع محمد ؟ ولا يرجع من مات، إن ما أنت فيه أعظم من سحر بني هاشم، فتقلد هذا السر بال ومر فيه (7).


(1) في مختصر البصائر: ان سيخيره وليمنعه إن هم بأن يفعل. (2) في نسخة: لا يذكران ذلك أبدا حتى يموتا، وفي الاختصاص: يذكر أنه، وفي مختصر البصائر: يذكران ذلك. (3) لا توجد في الاختصاص: قال. (4) في الاختصاص: إن عليا أتى. (5) لا يوجد في البصائر: وصنع كذا وكذا، وفي الاختصاص: وقال لرسول الله كذا وكذا. (6) قال في مجمع البحرين 4 / 151: الكبش فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: الحمل إذا أثنى وإذا خرجت رباعيته. وانظر: لسان العرب 6 / 338، وقريب منه ما في تاج العروس 4 / 341. والمراد من ابن أبي كبشة هو: النبي الاعظم صلى الله عليه وآله. قال في تاج العروس 4 / 341: وكان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ابن أبي كبشة، وأبو كبشة كنيته. وفي حديث أبي سفيان وهرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، يعني: رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. قيل: شبهوه بأبي كبشة رجل من خزاعة ثم من بني غبشان، خالف قريشا في عبادة الاصنام، وعبد الشعرى الحبور، وإنما شبهوه به لخلافه إياهم إلى عبادة الله تعالى، كما خالفهم أبو كبشة إلى عبادة الشعرى، معناه: أنه خالفنا كما خالفنا أبي كبشة. ثم ذكر أقوالا أخر في إطلاق المشركين ذلك الاسم على النبي صلى الله عليه وآله، ولا نطيل بذكرها راجع: لسان العرب 6 / 338، مجمع البحرين 4 / 151، القاموس 2 / 285، وغيرها. (7) في مختصر البصائر: حتى يمونا، قال: فلقي صاحبه فحدثه بالحديث كله، فقال له: ما أضعف رأيك وأخور عقلك، أما تعلم أن ذلك من بعض سحر ابن أبي كبشة، أنسبت سحر بني هاشم، =

[30]

13 - يج (1): عن الصفار، مثله. 14 - ير (2): أحمد بن إسحاق، عن الحسن بن عباس بن جريش (3)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأل أبا عبد الله عليه السلام رجل من أهل بيته عن سورة [إنا أنزلناه في ليلة القدر]. فقال: ويلك ! سألت عن عظيم، إياك والسؤال عن مثل هذا، فقام الرجل. قال: فأتيته يوما، فأقبلت عليه فسألته، فقال: [إنا أنزلناه] نور عند الانبياء والاوصياء، لا يريدون حاجة من السماء ولا من الارض إلا ذكروها لذلك النور فأتاهم بها. وان (4) مما ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام له من الحوائج: أنه قال لابي بكر يوما [لا تحسبن الذين قلتوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم..] (5): فاشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات شهيدا، فإياك أن تقول: إنه ميت، والله ليأتينك، فاتق الله إذا جاءك الشيطان غير متمثل به. فعجب به أبو بكر فقال (6): إن جاءني والله أطعته وخرجت مما أنا فيه. قال: فذكر أمير المؤمنين لذلك النور، فعرج إلى أرواح النبيين، فإذا محمد


= فأقم على ما أنت عليه، بدلا من قوله: إلى يوم القيامة... إلى: ومر فيه. (1) الخرائج: 210 - 211، [الخرائج والجرائح - طبعة مؤسسة الامام المهدي (ع) 2 / 807 - 808 حديث 16] باختلاف ذكرنا غالبه. وقريب منه في: الايقاظ من الهجعة: 219 حديث 15، مدينة المعاجز: 168 حديث 472، اثبات الهداة 3 / 489، وكرر ذكره في البحار 41 / 228 حديث 38 عن الاختصاص والمختصر. (2) بصائر الدرجات: 300 حديث 15. (3) في المصدر: حريش. (4) في المصدر: فان. (5) آل عمران: / 169. (6) خ. ل: وقال. وفي المصدر: أو فقال.

[31]

صلى الله عليه وآله قد ألبس وجهه ذلك النور، وأتى وهو يقول: يا أبا بكر آمن بعلي وبأحد عشر من ولده، إنهم مثلي إلا النبوة، وتب إلى الله برد ما في يديك إليهم، فانه لا حق لك فيه. قال: ثم ذهب فلم ير. فقال أبو بكر: اجمع الناس فأخطبهم بما رأيت، وأبرأ إلى الله مما أنا فيه إليك يا علي، على أن تؤمنني ؟ قال: ما أنت بفاعل، ولولا أنك تنسى ما رأيت لفعلت. قال: فانطلق أبو بكر إلى عمر، ورجع نور [إنا أنزلناه] إلى علي، فقال له: قد اجتمع أبو بكر مع عمر. فقلت: أو علم النور ؟ قال (1): إن له لسانا ناطقا وبصرا نافذا (2) يتجسس الاخبار للاوصياء عليهم السلام، ويستمع الاسرار، ويأتيهم بتفسير كل أمر يكتتم به أعداؤهم. فلما أخبر أبو بكر الخبر عمر، قال: سحرك، وانها لفي بني هاشم لقديمة. قال: ثم قاما يخبران الناس، فما دريا ما يقولان. قلت: لما ذا ؟ قال: لانهما قد نسياه. وجاء النور فأخبر عليا عليه السلام خبرهما، فقال: بعدا لهما كما بعدت ثمود. بيان: لعل المراد بنور [إنا أنزلناه]: الروح المذكور في تلك السورة الكريمة. 15 - يج (3): روي عن سلمان: أن عليا عليه السلام بلغه عن عمر ذكر


(1) في نسخة: وقال. (2) في المصدر: ناقدا، وكذا في حاشية المطبوع من البحار بعنوان نسخة بدل. (3) الخرائج، الورقة رقم 62 من الخطية المصورة، [الخرائج والجرائح - طبعة مؤسسة الامام المهدي (ع) - 1 / 232 حديث 77].

[32]

شيعته (1)، فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة، وفي يد علي عليه السلام قوس عربية. فقال (2): يا عمر، بلغني عنك ذكرك لشيعتي (3). فقال: إربع على ظلعك. فقال (4) عليه السلام: إنك لههنا (5)، ثم رمى بالقوس على الارض (6) فإذا هي ثعبان كالبعير فاغر فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه. فصاح عمر: الله الله يا أبا الحسن، لا عدت بعدها في شئ، وجعل يتضرع إليه، فضرب (7) يده إلى الثعبان، فعادت القوس كما كانت، فمر (8) عمر إلى بيته مرعوبا. قال سلمان: فلما كان في الليل دعاني عليه السلام فقال: صر إلى عمر، فانه حمل إليه مال من ناحية المشرق ولم يعلم به أحد، وقد عزم أن يحتبسه، فقل له: يقول لك علي: أخرج (9) إليك مال من ناحية المشرق، فقرقه على من


= وقد كرر ذكره طاب ثراه في المجلد 41 / 256 حديث 17، وجاء في مدينة المعاجز: 200 حديث 551، وصفحة 79 حديث 198، وغيرها. (1) في المصدر: لشيعته. (2) في المصدر: فقال علي. (3) في المصدر: ذكر لشيعتي عنك. (4) في الخرائج: قال علي.. (5) اي انك لتكن ها هنا ولا تبرح. (6) في المصدر: إلى الارض. (7) في الخرائج: فضرب علي، وفي نسخة: بيده. (8) في طبعة الخرائج - لمدرسة الامام المهدي (ع) -: فمضى. (9) قال في القاموس 1 / 185: واخرج: أدى خراجه. وما في المتن يقرأ مبنيا للمفعول، من الخراج، ويحتمل أن يكون من الاخراج بتضمين معنى الحمل ويقوي الثاني ما في المصدر: اخرج ما حمل إليك من ناحية...

[33]

جعل لهم، ولا تحبسه فأفضحك. قال سلمان: فاديت إليه الرسالة. فقال: حيرني أمر صاحبك، من أين علم به (1) ؟ فقلت: وهل يخفى عليه مثل هذا ؟ فقال لسلمان: إقبل (2) مني أقول لك، ما علي إلا ساحر، وإني لمشفق عليك منه، والصواب أن تفارقه وتصير في جملتنا. قلت: بئس ما قلت، لكن عليا ورث من أسرار النبوة (3) ما قد رأيت منه وما هو أكبر منه. قال: ارجع إليه فقل له: السمع والطاعة لامرك. فرجعت إلى علي عليه السلام، فقال عليه السلام: أحدثك بما جرى بينكما ؟ فقلت: أنت أعلم به مني. فتكلم بكل ما جرى بيننا (4)، ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت. بيان: قال الجوهري: ربع الرجل يربع: إذا وقف وتحبس، ومنه قولهم إربع على نفسك واربع على ظلعك، أي: ارفق بنفسك وكف (5) ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق. 16 - قب (6): عبد الله بن سليمان وزياد بن المنذر والحسن بن العباس


(1) في المصدر: فمن أين علم هو به، قلت. (2) في المصدر: يا سلمان اقبل. (3) في المصدر: لكن عليا قد ورث من آثار النبوة. (4) خ. ل: به. (5) إلى هنا في الصحاح 3 / 1212، وانظر القاموس 3 / 24، تاج العروس 5 / 338، وغيرهما. (6) المناقب لابن شهر آشوب 2 / 248.

[34]

ابن جريش (1)، كلهم عن أبي جعفر عليه السلام. وأبان بن تغلب ومعاوية بن عمار وأبو سعيد المكاري، كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام لقي الاول فاحتج عليه. ثم قال: أترضى برسول الله صلى الله عليه وآله بيني وبينك ؟ فقال: وكيف لي بذلك ؟ فأخذ بيده فأتى به مسجد قبا، فإذا رسول الله فيه، فقضى له على الاول.. القصة. 17 - كشف (2): عن عبد خير، قال: اجتمع عند عمر جماعة من قريش، فيهم علي بن أبي طالب، فتذاكروا الشرف، وعلي عليه السلام ساكت، فقال عمر: ما لك يا أبا الحسن ساكتا ؟ وكان علي عليه السلام كره الكلام، فقال عمر: لتقولن يا أبا الحسن، فقال علي عليه السلام: الله أكرمنا بنصر نبيه * وبنا أعز شرائع الاسلام في كل معترك (3) تزيل سيوفنا * فيه الجماجم عن فراخ الهام ويزورنا جبريل في أبياتنا * بفرائض الاسلام والاحكام فنكون أول مستحل حله * ومحرم لله كل حرام نحن الخيار من البرية كلها * ونظامها وزمام كل زمام إنا لنمنع من أردنا منعه * ونقيم رأس الاصيد القمقام وترد عادية الخميس سيوفنا * فالحمد للرحمن ذي الانعام بيان: قال الفيروز آبادي: الفرخ: مقدم الدماغ (4).


(1) في المصدر: والعباس بن الحريش الراوي، لا الحسن بن العباس. (2) كشف الغمة 1 / 299. (3) قال في القاموس 3 / 213: والمعترك: موضع العراك، والمعاركة أي: القتال. (4) القاموس 1 / 266، وراجع: تاج العروس 2 / 271.

[35]

وقال الجوهري: وقول الفرزدق: ويوم جعلنا البيض فيه لعامر مصممة تفأى فراخ الجماجم يعنى به: الدماغ (1). والزمام ككتاب: ما يجعل في أنف البعير فينقاد به (2)، ولعل المراد: زمام كل ذي زمام. وقال الفيروز آبادي: الاصيد: الملك، ورافع رأسه كبرا (3). وقال: القمقام - ويضم -: السيد (4). والخميس: الجيش (5). 18 - إرشاد القلوب (6): روي عن الصادق عليه السلام: أن أبا بكر لقي أمير المؤمنين عليه السلام في سكة (7) بني النجار، فسلم عليه وصافحه وقال


(1) الصحاح 1 / 428، وراجع: تاج العروس 2 / 272 (2) قال في الصحاح 5 / 1944: الزمام: الخيط الذي ينشد في البرة أو في الخشاش، ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زماما. وفي تاج العروس 8 / 328: الزمام ككتاب ما يزم به، ونحوه في لسان العرب 12 / 272. وقال في القاموس 4 / 126: زمه فانزم: شده، وككتاب: ما يزم به... البعير: خطمه، وقال في صفحة: 108 خطمه بالخطام: جعله على أنفه.. والخطام ككتاب: كل ما وضع في أنف البعير ليقتاد به. أقول: كل ما ذكر للزمام من المعنى يرجع إلى معنى واحد، وإنما الاختلاف في مجرد التعبير. (3) القاموس 1 / 309، وراجع: تاج العروس 2 / 404. وقال في الصحاح 1 / 499: الصيد بالتحريك: مصد ر الاصيد، وهو الذي يرفع رأسه كبرا، ومنه قيل للملك: أصيد. ويقال: إنما قيل للملك أصيد، لانه لا يلتفت يميينا ولا شمالا، وكذلك الذي لا يستطيع الالتفات من داء. (4) القاموس 4 / 167، وراجع: تاج العروس 9 / 33. (5) القاموس 2 / 211، وراجع: تاج العروس 4 / 140، والصحاح 3 / 924. (6) ارشاد القلوب: 264 - 268 [2 / 57 - 61 بيروت]. (7) في المصدر: في سكة من سكك.

[36]

له: يا أبا الحسن ! أفي نفسك شئ من استخلاف الناس إياي، وما كان من يوم السقيفة، وكراهيتك البيعة (1) ؟ والله ما كان ذلك من إرادتي، إلا أن المسلمين اجتمعوا (2) على أمر لم يكن لي أن أخالف عليهم فيه (3)، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تجتمع أمتي على الضلال (4). فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر، أمته الذين اطاعوه في عهده من بعده (5)، وأخذوا بهداه، وأوفوا (6) بما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلوا ولم يغيروا (7). قال له أبو بكر: والله يا علي لو شهد عندي الساعة من أثق به أنك أحق بهذا الامر سلمته إليك، رضي من رضي وسخط من سخط. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر ! فهل تعلم أحدا أوثق (8) من رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أخذ بيعتي عليك في أربعة مواطن - وعلى جماعة معك فيهم (9): عمر وعثمان -: في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان تحت الشجرة، ويوم جلوسه في بيت أم سلمة، وفي يوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع ؟ فقلتم بأجمعكم: سمعنا وأطعنا الله ورسوله (10).


(1) في المصدر: للبيعة. (2) في المصدر: أجمعوا. (3) في المصدر: أخالفهم فيه. (4) كما قاله ابن رشد في مقدمة المدونة الكبرى: 8، وحكاه الاميني في الغدير 10 / 349 وناقشه في أكثر من مورد، وسنرجع للحديث عنه. (5) في المصدر: من بعده وفي عهده. (6) في المصدر: وافوا. (7) في المصدر: ولم يغيروا ولم يبدلوا. (8) في المصدر: هل تعلم أحدا أوثق. (9) في نسخة: وفيهم، وفي المصدر: منكم وفيهم (10) في المصدر: لله ولرسوله.

[37]

فقال لكم: الله ورسوله عليكم من الشاهدين. فقلتم بأجمعكم: الله ورسوله علينا من الشاهدين. فقال صلى الله عليه وآله (1): فليشهد بعضكم على بعض، وليبلغ شاهدكم غائبكم، ومن سمع منكم فليسمع من لم يسمع. فقلتم: نعم يا رسول الله، وقمتم بأجمعكم تهنون (2) رسول الله وتهنوني بكرامة الله لنا، فدنا عمر وضرب على كتفي وقال بحضرتكم: بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت مولانا (3) ومولى المؤمنين (4). فقال أبو بكر: لقد ذكرتني يا أمير المؤمنين أمرا (5)، لو يكون رسول الله صلى الله عليه وآله شاهدا فأسمعه منه. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: الله (6) ورسوله عليك من الشاهدين، يا أبا بكر إذا رأيت (7) رسول الله صلى الله عليه وآله حيا ويقول (8) لك إنك ظالم لي (9) في أخذ حقي الذي جعله الله لي ورسوله (10) دونك ودون المسلمين


(1) في المصدر زيادة: لكم. وهي موجودة على حاشية مطبوع البحار ولم يعلم على محلها. (2) كذا، ولعله: تهنؤون. قال في القاموس 1 / 34: هنأه بالامر وهنأه: قال له: ليهنئك. أقول: قالوا في الصرف: إن الهمزة قد تخفف إذا لم تقع في الاول، لانها حرف شديد من أقصى الحلق، وعليه فلا مانع من قراءة تهنون. (3) في المصدر: مولاي. (4) يقال لهذا: حديث التهنئة، ذكره العلامة الاميني في الغدير 1 / 271 - 283 عن عشرات من مصادر العامة. (5) في المصدر: لقد ذكرتني أمرا يا أبا الحسن. (6) لا يوجد في المصدر لفظ الجلالة. (7) في المصدر: إن رأيت. (8) في المصدر: يقول، بلا واو. (9) لا يوجد في المصدر: لي. (10) في المصدر: ورسوله لي.

[38]

أتسلم (1) هذا الامر الي وتخلع نفسك منه ؟. فقال أبو بكر: يا أبا الحسن ! وهذا يكون ؟ أرى (2) رسول الله حيا بعد موته ويقول (3) لي ذلك (4) ! فقال له (5) أمير المؤمنين عليه السلام: نعم يا أبا بكر. قال: فأرني ذلك إن كان حقا (6). فقال علي (7) عليه السلام: الله (8) ورسوله عليك من الشاهدين انك تفي بما قلت ؟ قال أبو بكر: نعم. فضرب أمير المؤمنين عليه السلام على يده وقال: تسعى معي نحو مسجد قبا، فلما ورداه (9) تقدم أمير المؤمنين عليه السلام فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه، فإذا (10) برسول الله صلى الله عليه وآله في قبلة المسجد (11)، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه. فناداه رسول الله صلى الله عليه وآله: إرفع رأسك أيها الضليل المفتون. فرفع أبو بكر رأسه وقال: لبيك يا رسول الله، أحياة بعد الموت يا رسول الله ؟


(1) في المصدر: أن تسلم. (2) في المصدر: أن أرى. (3) في المصدر: فيقول. (4) في المصدر: ذلك حقا، وفي بعض النسخ لا يوجد لفظ: ذلك. (5) لا يوجد: له، في بعض النسخ. (6) في المصدر: ذلك حقا. (7) في المصدر: فقال له أمير المؤمنين. (8) خ. ل: والله، وكذا في المصدر. (9) في المصدر: ورده. (10) في المصدر: فإذا هو. (11) في المصدر: جالس في قبلة المسجد.

[39]

فقال: ويلك يا أبا بكر [إن الذي أحياها لمحيى الموتى إنه على كل شئ قدير] (1). قال: فسكت أبو بكر وشخصت عيناه نحو رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال له: ويلك يا أبا بكر نسيت ما عاهدت (2) الله ورسوله عليك في المواطن الاربعة لعلي عليه السلام ؟ فقال: ما أنساها (3) يا رسول الله. فقال: ما بالك اليوم تناشد عليا - عليه السلام - عليها (4)، ويذكرك وتقول (5): نسيت.. ؟ ! وقص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ما جرى بينه وبين علي (6) عليه السلام.. إلى آخره، فما نقص منه كلمة ولا زاد (7) فيه كلمة. فقال أبو بكر: يا رسول الله فهل من توبة ؟ وهل يعفو الله عني إذا سلمت هذا الامر إلى أمير المؤمنين ؟ قال: نعم يا أبا بكر، وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت. قال: وغاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنهما، فتشبث (8) أبو بكر بأمير المؤمنين عليه السلام (9) وقال: الله الله في يا علي، صر (10) معي إلى منبر رسول الله


(1) فصلت (السجدة): 39. (2) في المصدر: أنسبت ما عهدت. (3) في المصدر: ما نسيتها. (4) في المصدر: فيها بدلا من عليها. (5) في المصدر: فتقول. (6) في المصدر: وبين علي بن أبي طالب. (7) في المصدر: وما زاد. (8) في المصدر: قال فتشبث. (9) في المصدر: بعلي. (10) في المصدر: سر.

[40]

حتى أعلو المنبر فأقص (1) على الناس ما شاهدت وما رأيت (2) من رسول الله (3) وما قال لي وما قلت له وما أمرني (4) به، وأخلع نفسي عن هذه (5) الامر وأسلمه إليك. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا معك إن تركك شيطانك. فقال أبو بكر: إن لم يتركني تركته وعصيته. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا تطيعه ولا تعصيه، وإنما رأيت ما رأيت لتأكيد الحجة عليك. وأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريد ان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبو بكر يتلون (6) ألوانا، والناس ينظرون إليه ولا يدرون ما الذي كان. حتى لقيه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله ما شأنك، وما الذي دهاك ؟ فقال أبو بكر: خل عني يا عمر، فو الله لا سمعت لك قولا. فقال له عمر: وأين (7) تريد يا خليفة رسول الله ؟ فقال أبو بكر: أريد المسجد والمنبر. فقال: هذا ليس (8) وقت صلاة ومنبر !. قال: خل عني ولا حاجة (9) لي في كلامك. فقال عمر: يا خليفة رسول الله (10) أفلا تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ


(1) في المصدر: وأقص. (2) في المصدر: ورأيت. (3) في المصدر: أمر رسول الله. (4) في المصدر: وامرني. (5) في المصدر: من هذا. (6) في المصدر: يخفق بعضه بعضا ويتلون. (7) في بعض النسخ: أين، بدون واو. (8) في المصدر: ليس هذا. (9) في المصدر: فقال خل عني فلا حاجة. (10) في المصدر: يا خليفة الله.

[41]

الوضوء ؟ قال: بلى، ثم التفت أبو بكر إلى علي عليه السلام وقال له: يا أبا الحسن تجلس إلى جانب المنبر حتى أخرج إليك. فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له: يا أبا بكر، قد قلت لك (1) إن شيطانك لا يدعك أو (2) يرديك، ومضى أمير المؤمنين عليه السلام وجلس (3) بجانب المنبر. فدخل (4) أبو بكر منزله، ومعه عمر، فقال (5): يا خليفة رسول الله لم لا تنبئني بأمرك (6)، وتحدثني بما دهاك به علي بن أبي طالب ؟ فقال (7) أبو بكر: ويحك يا عمر ! يرجع رسول الله بعد موته حيا فيخاطبني في ظلمي لعلي، برد (8) حقه عليه وخلع نفسي من هذا الامر. فقال (9) عمر: قص علي قصتك من أولها إلى آخرها. فقال لى أبو بكر: ويحك يا عمر ! قد قال (10) لي علي: إنك لا تدعني أخرج من هذه المظلمة، وإنك شيطاني، فدعني عنك (11)، فلم يزل يرقبه (12) إلى أن حدثه بحديثه كله.


(1) لا يوجد في المصدر: لك. (2) أو، هنا بمعنى حتى، كما في القاموس 4 / 301، وقد تجئ بمعنى إلى. (3) في المصدر: فجلس. (4) في المصدر: ودخل. (5) في المصد ر: وعمر معه فقال له. (6) في المصدر: أمرك. (7) في بعض النسخ: فقال له. (8) في المصدر: وبرد. (9) في المصدر: فقال له. (10) في المصدر: والله لقد قال. (11) لا يوجد: عنك، في المصدر. (12) قال في القاموس 1 / 75: رقبه.. انتظره، كترقبه وارتقبه، والشئ حرسه كراقبه.

[42]

فقال له: بالله عليك (1) يا أبا بكر، أنسيت شعرك [في] (2) أول شهر رمضان الذي فرض علينا (3) صيامه، حيث جاءك حذيفة بن اليمان وسهل بن حنيف ونعمان الازدي وخزيمة بن ثابت في يوم جمعة إلى (4) دارك ليقضين دينك (5) عليك، فلما انتهوا إلى باب الدار سمعوا لك صلصلة في الدار، فوقفوا بالباب ولم يستأذنوا عليك، فسمعوا أم بكر زوجتك تناشدك وتقول: قد عمل حر الشمس بين كتفيك، قم إلى داخل البيت وأبعد من الباب لا يسمعك بعض أصحاب محمد (6) فيهدروا دمك، فقد علمت أن محمدا أهدر (7) دم من أفطر يوما من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافا على الله وعلى محمد رسول الله (8). فقلت لها: هات - لا أم لك - فضل طعامي من الليل، واترعي (9) الكأس من الخمر، وحذيفة ومن معه بالباب يسمعون محاورتكما، فجاءت بصحفة (10) فيها طعام من الليل وقصب (11) مملوء خمرا، فأكلت من الصحفة وكرعت (12) الخمر،


(1) لا توجد: عليك، في المصدر. (2) في المطبوع من البحار: من، والمثبت من المصدر. (3) في المصدر: فرض الله علينا. (4) لا يوجد في المصدر: إلى. (5) في المصدر: ليتقاضونك دينا. (6) في المصدر: وأبعد عن الباب لئلا يسمعك أصحاب محمد. (7) في المصدر: قد هدر. (8) في المصدر: رسوله محمد. (9) قال في القاموس 3 / 9: أترعه: ملاه. (10) قال في القاموس 3 / 160: الصحفة معروف، وأعظم القصاع الجفنة ثم الصفحة. (11) خ. ل: قسعب، وفي أخرى: قصعب، وفي المصدر: وقعب. قال في القاموس 1 / 118: القعب: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصغر. اقول: ما في المطبوع من البحار قد يقرأ قعب ايضا، واما القصب والقسب فلا يناسب المقام. (12) قال في القاموس 3 / 78: كرع في الماء أو في الاناء - كمنع وسمع - كرعا وكروعا: تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء.

[43]

فاضحي النهار وقد قلت لزوجتك (1): ذريني اصطبح (2) يا أم بكر * فان الموت نفث عن هشام إلى أن انتهيت في قولك (3): يقول لنا ابن كبشة سوف نحيى * وكيف حياة اشلاء وهام ولكن باطلا قد قال هذا * وإفكا من زخاريف الكلام ألا هل مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام وتارك كل ما أوحى إلينا * محمد من أساطير الكلام فقل لله: يمنعني شرابي * وقل لله: يمنعني طعامي ولكن الحكيم رأى حميرا * فألجمها فتاهت (4) باللجام (5) فلما سمعك حذيفة ومن معه تهجو محمدا، قحموا (6) عليك في دارك، فوجدوك وقعب الخمر في يديك (7)، وأنت تكرعها، فقالوا لك: يا عدو الله خالفت الله ورسوله، وحملوك كهيئتك إلى مجمع الناس بباب رسول الله، وقصوا عليه قصتك، وأعادوا شعرك، فدنوت منك وساررتك (8) وقلت لك في ضجيج الناس: قل إني شربت الخمر ليلا، فثملت (9) فزال عقلي، فأتيت ما أتيته نهارا،


(1) في المصدر: وكرعت من الخمر في ضحى النهار وقلت لزوجتك هذا الشعر. (2) قال في القاموس 1 / 233: اصطبح: أسرج وشرب الصبوح. (3) في المصدر: شعرك، بدل: قولك. (4) قال في القاموس 4 / 282: التيه: الضلال. (5) في المصدر: في اللجام. (6) قال في القاموس 4 / 161: قحم في الامر - كنصر - قحوما: رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية. (7) في المصدر: في يدك. (8) في المصدر: وشاورتك، وفي نسخة: وساورتك. قال في القاموس 2 / 53: ساوره أخذ برأسه. (9) قال في القاموس 3 / 343: والثمل: السكر، ثمل - كفرح - فهو ثمل.

[44]

ولا علم لي بذلك، فعسى أن يدرأ عنك الحد. وخرج محمد ونظر (1) إليك، فقال: أيقظوه، فقلن (2): رأيناه وهو ثمل يا رسول الله لا يعقل، فقال: ويحكم (3) الخمر يزيل العقل، تعملون هذا من أنفسكم وأنتم (4) تشربونها ؟ فقلنا: يا رسول الله (5) وقد قال فيها امرؤ القيس شعرا: شربت الخمر حتى زال عقلي * كذاك [الخمر يفعل] (6) بالعقول ثم قال محمد: أنظروه إلى إفاقته من سكرته. فأمهلوك حتى أريتهم أنك قد صحوت، فساءلك محمد، فأخبرته بما أو عزته إليك: من شربك بها (7) بالليل. فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وبما جاء به، وهو عندنا ساحر كذاب. فقال: ويحك (8) يا أبا حفص ! لا شك عندي فيما قصصته علي، فاخرج إلى ابن أبي طالب فاصرفه عن المنبر. قال: فخرج عمر - وعلي عليه السلام (9) جالس تحت المنبر (10) - فقال: ما


(1) في المصدر: فنظر. (2) في المصد ر: استيقظوه، فقلت. (3) في المصدر: ويحك. (4) في المصدر: فأنتم. (5) في المصدر: نعم يا رسول الله. (6) في مطبوع البحار: الاثم يذهب، والمثبت من المصدر. (7) في المصدر: لها. (8) في المصدر: ويلك. (9) في المصدر: وأمير المؤمنين عليه السلام. (10) في المصدر: بجنب المنبر.

[45]

بالك يا علي ! قد تصديت (1) لها (2) ؟ هيهات هيهات، والله دون ما تروم (3) من علو هذا المنبر خرط القتاد. فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام حتى بدت نواجده (4)، ثم قال: ويلك منها والله يا عمر إذا أفضيت (5) إليك، والويل للامة من بلائك ! فقال عمر: هذه بشرى يا بن أبي طالب، صدقت ظنونك وحق قولك. وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى منزله، وكان هذا من دلائله عليه السلام: بيان: الصلصلة: الصوت (6). قوله: نفث عن هشام، لعل المعنى نفخ (7) عن جود النفس، قال الفيروز آبادي: الهشام ككتاب: الجود (8)، وفي بعض النسخ: نقب (9) بالقاف والباء الموحدة، فلعله جمع هشيم (10)، أي: يوضح عن العظام المتكسرة.


(1) خ. ل: تصيدت. قال في القاموس 10 / 309: صاده يصيده ويصاده: اصطاد وخرج يتصيد. وتصدى: تعرض، كما في القاموس 4 / 351. (2) لا توجد: لها، في المصدر. (3) في المصدر: دون الله ما تريد. (4) في المصدر: نواجذه وهو الظاهر ان لم يكن متعينا. (5) في المصدر: أفضت. (6) كما: في الصحاح 5 / 1745، لسان العرب 11 / 381، وغيرهما. (7) النفث هو كالنفخ، كما في القاموس 1 / 175. (8) القاموس 4 / 190، وقارن بتاج العروس 9 / 105. (9) قال في القاموس 1 / 134: نقب في البلاد: سار. وعليه تكون (عن) بمعنى (في)، أي: سار الموت في هشام. (10) قال في القاموس 4 / 190: الهشم: كسر الشئ اليابس، أو الاجوف، أو كسر العظام والرأس خاصة، أو الوجه والانف، أو كل شئ، هشمه يهشمه فهو مهشوم وهشيم. أقول: جمع هشيم يكون هشام على طبق القاعدة، ككريم وكرام، وهذا المعنى هو الظاهر كما لا يخفى. =

[46]

واشلاء الانسان: أعضاؤه بعد البلى والتفرق (1). وأوعزت إليه في كذا: أي تقدمت (2). أقول: أوردت هذا الخبر - ولا أعتمد عليه كل الاعتماد - لموافقته في بعض المضامين لسائر الآثار، والله أعلم بحقائق الاخبار. 19 - وروي أيضا في الارشاد (3): بحذف الاسناد، مرفوعا إلى جابر الجعفي (4) قال: قلد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلا من ثقيف يقال له: الاشجع (5) بن مزاحم الثقفي - وكان شجاعا، وكان له أخ قتله علي بن أبي طالب في وقعة هوازن وثقيف - فلما خرج الرجل عن المدينة (6) جعل أول قصده ضيعة من ضياع أهل البيت تعرف ب‍: بانقيا (7)، فجاء بغتة واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعلي عليه السلام، فتوكل (8) بها وتغطرس على أهلها، وكان الرجل زنديقا منافقا.


= ثم ان في العبارة تقديما وتأخيرا ظاهرا، وقوله: في بعض النسخ: نقب - بالقاف والباء الموحدة - مؤخر، فتدبر. (1) الصحاح 6 / 2395، لسان العرب 14 / 443، وانظر: القاموس 4 / 350 (2) كما في مجمع البحرين 4 / 39، القاموس 2 / 195، الصحاح 3 / 901، لسان العرب 5 / 430، وغيرها. (3) الارشاد: 384 - 391 وجاءت نسخة بدل على المطبوع: خ ل: ارشاد القلوب، وهو كذلك. (4) لا يوجد في المصدر: الجعفي. (5) في المصدر: أشجع. (6) في المصدر: من المدينة، وهو الظاهر. (7) قال في مراصد الاطلاع 1 / 158: بانقيا - بكسر النون - ناحية من نواحي الكوفة كانت على شاطئ الفرات. والظاهر من الرواية أن بانقيا هذه ناحية من نواحي المدينة، ولعلها متعددة. (8) في المصدر: فوكل. قال في النهاية 5 / 221: يقال توكل بالامر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه واعتمدته فيه عليه.

[47]

فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين عليه السلام برسول يعلمونه ما (1) فرط من الرجل. فدعا علي عليه السلام بدابة له تسمى السابح - وكان أهداه إليه ابن عم لسيف بن ذي يزن - وتعمم بعمامة سوداء، وتقلد بسيفين، واجنب دابته (2) المرتجز، واصحب معه الحسين عليه السلام وعمار بن ياسر والفضل بن العباس وعبد الله ابن جعفر وعبد الله بن العباس، حتى وافى القرية، فأنزله عظيم القرية (3) في مسجد يعرف بمسجد القضاء، ثم وجه أمير المؤمنين عليه السلام الحسين عليه السلام (4) يسأله المصير إليه (5). فصار إليه الحسين عليه السلام فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: ومن أمير المؤمنين ؟ فقال: علي بن أبي طالب (6). فقال: أمير المؤمنين أبو بكر خلفته بالمدينة. فقال له الحسين عليه السلام: أجب (7) علي بن أبي طالب. فقال (8): أنا سلطان وهو من العوام، والحاجة له، فليصر هو إلي.


(1) في المصدر: مما. (2) في المصدر: وأجلب إلى دابته. قال في النهاية 1 / 281: الجلب يكون في شيئين:... الثاني: أن يكون في السباق، وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجوه ويجلب ويصيح حثا له على الجري. وقال في صفحة 303: الجنب - بالتحريك - في السياق: أن يجنب فرسا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب. والاولى أن تكون العبارة: أجلب دابته، أو أجنب إلى دابته. (3) لا يوجد لفظ: القرية، في المصدر. (4) في المصدر: بالحسين عليه السلام. (5) في المصدر: المسير إليه. (6) لا يوجد في المصدر: ابن أبي طالب. (7) في المصدر: فقال الحسين: فأجب. (8) في المصدر: قال.

[48]

فقال له الحسين: ويلك ! أيكون مثل والدي من العوام، ومثلك يكون السلطان (1) ؟ ! فقال: أجل، لان والدك لم يدخل في بيعته أبي بكر إلا كراها، وبايعناه (2) طائعين، وكنا له غير كارهين، فشتان بيننا وبينه (3). فصار الحسين عليه السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمه ما كان من قول الرجل. فالتفت إلى عمار فقال (4): يا أبا اليقظان صر إليه (5) والطف له في القول، واسأله أن يصير إلينا، فانه لا يجب لوصي من الاوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة، فنحن (6) مثل بيت الله يؤتى ولا يأتي. فصار إليه عمار (7)، وقال (8): مرحبا يا أخا ثقيف، ما الذي أقدمك على (9) أمير المؤمنين في حيازته، وحملك على الدخول في مساءته، فصر إليه (10)، وأفصح عن حجتك. فانتهر عمارا (11)، وأفحش له في الكلام، وكان عمار شديد الغضب،


(1) في المصدر: سلطانا ؟ قال. (2) في المصدر: ونحن بايعناه. (3) لا يوجد: فشتان بيننا وبينه، في المصدر. (4) في المصدر: وقال. (5) في المصدر: سر إليه. (6) في المصدر: فانه من أهل الضلالة ونحن. (7) لا يوجد: عمار، في المصدر. (8) في المصدر: وقال له. (9) في المصدر: على مثل. (10) في المصدر: سر إليه. (11) في المصدر: فانتهره عمار.

[49]

فوضع حمائل سيفه في عنقه، فمد (1) يده إلى السيف. فقيل لامير المؤمنين عليه السلام: الحق عمارا، فالساعة (2) يقطعونه، فوجه أمير المؤمنين عليه السلام الجمع (3)، فقال لهم: لا تهابوه وصيروا به إلي. وكان مع الرجل ثلاثون فارسا (4) من خيار (5) قومه، فقالوا له: ويلك ! هذا علي بن أبي طالب قتلك وقتل (6) أصحابك عنده دون النطفة (7)، فسكت القوم جزعا (8) من أمير المؤمنين عليه السلام، فسحب الاشجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام على حر وجهه سحبا. فقال أمير المؤمنين عليه السلام (9): دعوه ولا تعجلوا، فان العجلة والطيش لا تقوم بها حجج الله (10) وبراهينه. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك ! بما استحللت ما أخذت من أموال (11) أهل البيت ؟ وما حجتك على ذلك (12) ؟ فقال له: وأنت فبم استحللت قتل هذا الخلق في كل حق وباطل، وأن مرضاة صاحبي لهي أحب الي من اتباع (13) موافقتك.


(1) في المصدر: ومد. (2) في المصدر: في الساعة. (3) خ. ل: بالجمع، وكذا في المصدر، وبعده: وقال. (4) في المصدر: رجلا. (5) في المصدر: جياد. (6) في المصدر: والله وقتل. (7) الظاهر: النطقة، وفي المصدر: النقطة. (8) في المصدر: خوفا. (9) في المصدر: فسحب الاشجع على وجهه سحبا إلى أمير المؤمنين، فقال عليه السلام: (10) في المصدر: فان في العجلة لا تقوم حجج الله. (11) في المصدر: ثم قال أمير المؤمنين للاشجع: ويلك فبم استحللت أخذ اموال.. (12) في المصدر: في ذلك. (13) في المصدر: من أن أتابع.

[50]

فقال علي (1) عليه السلام: أيها (2) عليك ! ما أعرف من نفسي (3) إليك ذنبا إلا قتل أخيك يوم هوازن، وليس بمثل هذا القتل (4) تطلب الثارات، فقبحك الله وترحك. فقال له الاشجع: بل قبحك الله (5) وبتر عمرك - أو قال: ترحك - فان حسدك للخلفاء (6) لا يزال بك حتى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك عليهم يقصر بك عن (7) مرادك. فغضب الفضل بن العباس من قوله، ثم تمطى عليه بسيفه فحل عنقه (8) ورماه عن جسده بساعده اليمنى، فاجتمع أصحابه على الفضل، فسل (9) أمير المؤمنين عليه السلام سيفه ذاالفقار، فلما نظر القوم (10) إلى بريق عيني الامام ولمعان ذي الفقار في كفه (11) رموا سلاحهم وقالوا: الطاعة الطاعة (12). فقال (13) أمير المؤمنين عليه السلام: أف لكم، انصرفوا برأس صاحبكم هذا الاصغر إلى صاحبكم الاكبر، فما بمثل قتلكم يطلب الثار، ولا تنقضي الاوتار


(1) في المصدر لا يوجد: علي. (2) قال في القاموس 4 / 296: هيهات.. وأيها... إحدى وخمسون لغة، ومعناها: البعد. (3) في المصدر: في نفسي. (4) في بعض النسخ: الفعل، وفي بعضها: العقل. (5) في المصدر لا يوجد لفظ الجلالة. (6) في المصدر: الخلفاء. (7) في المصدر: ويقصر عن. (8) في المصدر: عنه. (9) في المصدر: وسل. (10) في المصدر: نظروا. (11) في المصدر: في يده. (12) لا توجد (الطاعة) الثانية في المصدر. (13) في المصدر: فقال لهم.

[51]

فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم، حتى ألقوه بين يدي أبي بكر. فجمع المهاجرين والانصار، وقال: يا معاشر (1) الناس، إن أخاكم الثقفي أطاع الله ورسوله وأولي الامر منكم، فقلدته صدقات المدينة وما يليها، ففاقصه (2) ابن أبي طالب، فقتله أخبث (3) قتلة، ومثل به أخبث (4) مثلة، وقد خرج في نفر من أصحابه إلى قرى الحجاز، فليخرج إليه من شجعانكم وليردوه (5) عن سنته، واستعدوا له من الخيل (6) والسلاح وما يتهيأ لكم (7)، وهو من تعرفونه: الداء (8) الذي لا دواء له، والفارس الذي لا نظير له. قال: فسكت القوم مليا كأن الطير على رؤوسهم. فقال: أخرس أنتم أم ذوو ألسن ؟ ! فالتفت إليه رجل من الاعراب يقال له الحجاج بن الصخر، فقال (9) له: إن صرت (10) إليه سرنا معك، فأما لوسار (11) جيشك هذا لينحرنهم عن آخرهم كنحر البدن. ثم قام آخر فقال: أتعلم إلى من توجهنا ؟ ! إنك توجهنا إلى الجزار


(1) في المصدر: معاشر. - بلا حرف نداء - (2) كذا، ويحتمل أن تقرأ فغافصه كما يأتي في بيان المصنف، ولم نجد مدة مفاقصة فيمان بأيدينا من كتب اللغة. وفي المصدر: فاعترضه، وفي نسخة: فغاصه. (3) في المصدر: أشنع. (4) في المصدر: أعظم. (5) في المصدر: من يرده. (6) في المصدر: من رباط الخيل. (7) في المصدر: تهيأ لكم. (8) في المصدر: أنه الداء. (9) في المصدر: صخرة، وقال. (10) في نسخة: سرت، وفي المصدر: سرت أنت. (11) في المصدر: أما لو صار إليه.

[52]

الاعظم الذي يختطف (1) الارواح بسيفه خطفا، والله إن لقاء ملك الموت أسهل (2) علينا من لقاء علي بن أبي طالب. فقال ابن أبي قحافة: لا جزيتم من قوم عن إمامكم (3) خيرا، إذا ذكر لكم علي بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم، وأخذتكم سكرة الموت (4)، أهكذا يقال لمثلي ؟ ! قال: فالتفت إليه عمر بن الخطاب فقال: ليس له إلا خالد بن الوليد. فالتفت إليه أبو بكر فقال (5): يا أبا سليمان، انت اليوم سيف من سيوف الله، وركن من أركانه، وحتف الله على أعدائه، وقد شق علي بن أبي طالب عصا هذه الامة، وخرج (6) في نفر (7) من أصحابه إلى ضياع الحجاز، وقد قتل من شيعتنا ليثا صؤولا وكهفا منيعا، قصر إليه في كثيف من قومك وسله (8) أن يخدل الحضرة، فقد عفونا عنه، فان (9) نابذك الحرب فجئنا به أسيرا. فخرج خالد بن الوليد في خمسمائة (10) فارس من أبطال قومه، قد اشخنوا (11)


(1) في المصدر: يخطف. (2) في المصدر: أسهل وأهون. (3) في المصدر: إمامهم. (4) في المصدر: فأخذتكم سكرات الموت. (5) في المصدر: فالتفت عمر بن الخطاب إلى أبي بكر وقال له: ليس لعلي إلا خالد بن الوليد، فقال أبو بكر. (6) في المصدر: وأتى. (7) في نسخة: نفر، بدون في. (8) في المصدر: واسأله. (9) في المصدر: وإن. (10) في المصدر: خالد ومعه خمسمائة. (11) خ. ل: اشحنوا، وفي المصدر: وقد اثقلوا بالسلاح. أقول: الشحن: المل ء، قاله في القاموس 4 / 239 وشحن وشخن - بالمعجمة -: تهيأ للبكاء.

[53]

سلاحا، حتى قوموا على أمير المؤمنين عليه السلام. قال: فنظر الفضل بن العباس إلى غبرة الخيل، فقال (1): يا أمير المؤمنين ! قد وجه إليك ابن أبي قحافة (2) بقسطل يدقون الارض بحوافر الخيل دقا. فقال: يا ابن العباس ! هون عليك، فلو كان (3) صناديد قريش وقبائل حنين وفرسان هوازن لما استوحشت إلا من ضلالتهم. ثم قام أمير المؤمنين عليه السلام فشد محزم (4) الدابة، ثم استلقى على قفاه نائما (5) تهاونا بخالد، حتى وافاه (6)، فانتبه لصهيل الخيل. فقال: يا أبا سليمان ! ما الذي عدل (7) بك إلي ؟ فقال: عدل بي إليك من أنت (8) أعلم به مني. فقال: فأسمعنا الآن. فقال (9): يا أبا الحسن ! أنت فهم غير مفهم، وعالم غير معلم، فما هذه اللوثة التي بدرت منك، والنبوة التي قد ظهرت فيك، إن كنت (10) كرهت


= ويحتمل أن يكون اثخنوا، قال في النهاية 1 / 208 الاثخان في الشئ: المبالغة فيه والاكثار منه. (1) في المصدر: من بعد وقال. (2) في المصدر: ان ابن أبي قحافة قد وجه إليك. (3) في المصدر: فقال له: هون عليك يا بن العباس، والله لو كانوا. (4) قال في القاموس 4 / 95: حزم الفرس: شد حزامه، والمحزم - كمنبر -...: ما حزم به. (5) في المصدر: فشد على دابته واستلفى تهاونا حتى... (6) خ. ل: أتاه، وفي المصدر: وافوه وانتبه بصهيل. (7) في المصدر: أتى. (8) في المصدر: قال أتى بي ما أنت. (9) لا يوجد في المصدر: فقال: فأسمعنا الان، فقال: (10) لا يوجد في المصدر: كنت.

[54]

هذا الرجل فليس يكرهك، ولا تكون (1) ولايته ثقلا على كاهلك، ولا شجا في حلقك، فليس بعد الهجرة بينك وبينه خلاف، ودع (2) الناس وما تولوه، ضل من ضل، وهدى من هدى، ولا تفرق بين كلمة مجتمعة، ولا تضرم النار (3) بعد خمودها، فإنك إن فعلت ذلك وجدت غبة غير محمود. فقال (4) أمير المؤمنين عليه السلام: أتهددني يا خالد بنفسك (5) وبابن أبي قحافة ؟ ! فما بمثلك ومثله (6) تهديد، فدع عنك ترهاتك (7) التي أعرفها منك واقصد نحو ما وجهت (8) له. قال: فإنه قد تقدم إلي إن (9) رجعت عن سننك (10) كنت مخصوصا بالكرامة والحبو (11)، وإن أقمت على ما أنت عليه من خلاف (12) الحق حملتك إليه أسيرا.


(1) في المصدر: فلا تكن. (2) في المصدر: فدع. (3) في المصدر: نارا. (4) في المصدر: قال. (5) في المصدر: بنفسك يا خالد. (6) في المصدر: وبمثله. (7) بمعنى الاباطيل، كما في القاموس 4 / 282. (8) في المصدر: وجهك. (9) في المصدر: إنك ان. (10) في المصدر: سنتك. (11) خ. ل: الحبور، وكذا في المصدر، وفي (س): الحبود. ولم نجد لكلمة الحبود معنى في كتب اللغة، ولعلها تصحيف. قال في القاموس 4 / 314: حبا حبوا..: دنا.. وفلانا أعطاه بلا جزاء ولا من. وقال في 2 / 2: الحبر: السرور، كالحبور. (9) في المصدر: مخالفة.

[55]

فقال له (1) عليه السلام: يا بن اللخناء (2)، وأنت تعرف الحق (3) من الباطل، ومثلك يحمل (4) مثلي أسيرا، يا بن الرادة عن الاسلام، أتحسبني ويلك (5) مالك بن نويرة حيث قتلته (6) ونكحت امرأته، يا خالد جئتني برقة عقلك واكفهرار (7) وجهك وتشمخ (8) أنفك، والله لئن تمطيت بسيفي هذا عليك وعلى أو غارك (9) لاشبعن من لحومكم جوع (10) الضباع وطلس (11) الذئاب (12)، ولست ويلك ممن يقتلني (13) أنت ولا صاحبك، واني لاعرف


(1) في المصدر: قال علي. (2) قال في القاموس 4 / 266: اللخناء: هي التي لم تختن، وقال: اللخن: قبح ريح الفرج. (3) في المصدر: يا بن الخنا أتعرف الحق. (4) في المصدر: وهل مثلك من يحمل. (5) في المصدر: ويلك أتحسبني. (6) في المصدر: الذي قتلته. (7) قال في القاموس 2 / 128: المكفهر من الوجوه: القليل اللحم الغليظ الذي لا يستحي، أو الضارب لونه إلى الغبرة مع غلظ والمتعبس. (8) في المصدر: وشموخ. (9) بمعنى أصواتك، كما في القاموس 2 / 155، أي: الذين يصوتون معك. وفي المصدر: أو غادك، وهو جمع وغد، وهو الاحمق الضعيف الرذل الدني، أو الضعيف جسما كما في القاموس 1 / 341. (10) في نسخة: عرج، وكذا في المصدر. (11) قال في القاموس 2 / 226: الطلس: الذئب الامعط. فيكون من إضافة الصفة إلى الموصوف. وقال في مادة معط 2 / 386: معط الذئب: خبث، أو قل شعره، فهو أمعط. وذكر المؤلف في بيانه الآتي لمعنى (طلس) بأنه العدد الكثير، والظاهر أنه لا ينطبق على كلمة (طلس)، بل هو معنى كلمة (طيس). (12) خ. ل: الذباب. (13) في المصدر: ويلك لست ممن تقتلني.

[56]

قاتلي، واطلب منيتي صباحا ومساء، وما مثلك يحمل مثلي (1) أسيرا، ولو أردت ذلك لقتلتك في فناء هذا المسجد. فغضب خالد وقال: توعد وعيد (2) الاسد وتروغ روغان الثعالب (3)، ما أعداك في المقال، وما مثلك إلا من اتبع قوله بفعله. فقال (4) أمير المؤمنين عليه السلام (5): إذا كان هذا قولك فشأنك، وسل أمير المؤمنين عليه السلام على خالد ذا الفقار (6)، وخفق عليه (7). فلما نظر خالد إلى بريق عيني الامام، وبريق (8) ذي الفقار في يده، وتصممه عليه (9)، نظر إلى الموت عيانا (10)، وقال: يا أبا الحسن ! لم نرد هذا. فضربه أمير المؤمنين (11) عليه السلام بقفار رأس (12) ذي الفقار على ظهره (13)، فنكسه عن دابته، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام ليرد يده إذا رفعها، لئلا ينسب إلى الجبن.


(1) في المصدر: وما يحمل مثلك مثلي. (2) في المصدر: فغضب خالد وتوعد وعيد. (3) في المصدر: الثعلب وقال. (4) في المصدر: عند ذلك قال. (5) في المصدر زيادة: خالد. (6) في المصدر: وسل عليه سيفه ذا الفقار. (7) لا يوجد: وخفق عليه، في المصدر. (8) في المصدر: ولمعان. (9) لا يوجد: وتصممه عليه، في المصدر. (10) في المصدر زيادة: فاستخفى. (11) في المصدر: الامام، بدلا من أمير المؤمنين. (12) لا يوجد في المصدر: رأس. وقفار السيف: رأسه الذي لا حدة فيه. (13) في (ك): على رأسه.

[57]

فلحق (1) أصحاب خالد من فعل أمير المؤمنين عليه السلام هول عجيب وخوف عنيف. ثم قال (2) عليه السلام: ما لكم لا تكافحون (3) عن سيدكم ؟ والله لو كان أمركم إلي لتركت رؤوسكم، وهو أخف على يدي من جنى الهبيد على أيدي العبيد، وعلى هذا السبيل تقضمون (4) مال الفئ ؟ ! أف لكم. فقام إليه رجل من القوم يقال له المثنى بن الصياح (5) - وكان عاقلا - فقال: والله ما جئناك لعداوة بيننا وبينك، أو (6) عن غير معرفة بك، وإنا لنعرفك كبيرا وصغيرا، وأنت أسد الله في أرضه، وسيف نقمته على أعدائه، وما مثلنا من جهل مثلك، ونحن أتباع مأمورون، وجند موازرون (7)، وأطواع غير مخالفين، فتبا لمن وجه بنا (8) إليك ! أما كان له معرفة بيوم بدر وأحد وحنين ؟ فاستحى أمير المؤمنين عليه السلام من قول الرجل، وترك الجميع، وجعل أمير المؤمنين عليه السلام يمازح خالدا لما به (9) من ألم الضربة، وهو ساكت. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك (10) يا خالد ! ما أطوعك


(1) في المصدر: إليه الجبن ولحق. (2) كذا، وفي المصدر: هول عجيب ورعب عنيف فقال لهم. (3) قال في النهاية 4 / 185: المكافحة: المضاربة والمدافعة تلقاء الوجه. (4) في المصدر: تقضون. (5) في المصدر: المثنى بن الصباح. (6) في المصدر: ولا، بدلا من: أو. (7) لا يوجد في المصدر: وجند موازرون. (8) خ. ل: وجهنا، وكذا في المصدر. (9) في المصدر: يمازح خالدا الذي كان ساكتا لا ينطق بكلمة، لما به. (10) في المصدر: قائلا له: ويلك، بدلا من: وهو ساكت فقال له أمير المؤمنين عليه السلام ويلك.

[58]

للخائنين الناكثين ! أما كان لك بيوم الغدير مقنع إذ بدر إليك صاحبك في المسجد حتى كان منك ما كان، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو كان مما رمته أنت وصاحباك - ابن أبي قحافة وابن صهاك - شئ لكانا هما أول مقتولين بسيفي هذا، وأنت معهما، ويفعل الله ما يشاء. ولا يزال يحملك على إفساد حالتك عندي، فقد تركت الحق على معرفة وجئتني تجوب مفاوز (1) البسابس، لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيرا، بعد معرفتك أني قاتل عمرو بن عبدود ومرحب، وقالع باب خيبر، وأني لمستحيي منكم ومن قلة عقولكم. أو تزعم أنه قد خفي علي ما تقدم به إليك صاحبك حين أخرجك (2) إلي، وأنت تذكر (3) ما كان مني إلى عمرو بن معدي كرب وإلى اصيد (4) بن سلمة المخزومي، فقال لك ابن أبي قحافة (5): لا تزال تذكر له ذلك، إنما كان (6) ذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وآله، وقد ذهب ذلك كله، وهو الآن أقل من ذلك، أليس كذلك يا خالد ؟ ! فلولا ما تقدم به إلي رسول الله صلى الله عليه وآله كان مني إليهما (7) ما هما أعلم به منك. يا خالد ! أين كان ابن أبي قحافة وأنت تخوض معي المنايا في لجج الموت


(1) في المصدر: مفارز. والمفاوز هي جمع مفاز، والمفازة هي: البرية القفر، كما في النهاية 3 / 478. (2) في المصدر: استخرجك. (3) في المصدر: تذكرة. (4) في المصدر: أسيد. (5) في المصدر: ابن قحافة. (6) لا يوجد: كان، في المصدر. (7) في المصدر: لهما مني.

[59]

خوضا، وقومك بادون (1) في الانصراف كالنعجة القوداء والديك (2) النافش (3)، فاتق الله يا خالد، ولا تكن للخائنين خصميا (4)، ولا للظالمين ظهيرا. فقال خالد (5): يا أبا الحسن ! إني أعرف ما تقول، وما عدالت العرب والجماهير عنك إلا طلب ذحول (6) آبائهم قديما، وتنكل رؤوسهم قريبا، فراغت عنك كروغان الثعلب (7) فيما بين الفجاج والدكادك (8)، وصعوبة إخراج ملك (9) من يدك، وهربا من سيفك، وما دعاهم إلى بيعة أبي بكر إلا استلانة جانبه، ولين عريكته، وأمن جانبه (10)، وأخذهم الاموال فوق (11) استحقاقهم، ولقل اليوم من يميل إلى الحق، وأنت قد بعت الدنيا بالآخرة (12)، ولو اجتمعت أخلافهم إلى أخلاقك (7) لما خالفك خالد. فقال له (14) أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما أتى (15) خالد إلا من


(1) في نسخة: بادرون، وكذا في المصدر. (2) في المصدر: وكالديك. (3) قال في القاموس 2 / 291: النفش: تشعيث الشئ بأصابعك حتى ينتشر كالتنفيش.. وتنفشت الطائر: نقض ريشه، كأنه يخاف أو يرعد، وكذا في تاج العروس 4 / 358. (4) لا يوجد: خصميا في (س)، وفي المصدر: رفيقا، وهو الظاهر. (5) لا يوجد: خالد، في المصدر. (6) في المصدر: دخول. وما في المتن هو الظاهر، إذ الذحول: هو الوتر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح أو نحو ذلك. (7) في المصدر: روغان الثعالب. (8) الدكادك هي: الاراضي التي فيها غلط، كما في القاموس 3 / 302. (9) في المصدر: الملك. (10) لا يوجد: وأمن جانبه، في المصد ر. (11) في المصدر: من فوق. (12) في المصدر: الآخرة بالدنيا. (13) في المصدر: أخلاقك إلى أخلاقهم. (14) لا يوجد: له، في المصدر. (15) في المصدر: أوتي.

[60]

جهة (1) هذا الخؤون الظلوم المفتن ابن صهاك، فانه لا يزال يؤلب على القبائل ويفزعهم مني ويؤيسهم (2) من عطاياهم، ويذكرهم ما أنساهم الدهر، وسيعلم غب أمره إذا فاضت نفسه. فقال خالد: يا أبا الحسن ! بحق أخيك لما قطعت (3) هذا من نفسك، وصرت إلى منزلك مكرما، إذا كان القوم رضوا بالكفاف منك. فقال له أمير المؤمنين (4): لاجزاهم الله عن أنفسهم ولا عن المسلمين خيرا. قال: ثم دعا عليه السلام بدابته فاتبعه أصحابه، وخالد يحدثه ويضاحكه، حتى دخل المدينة، فبادر خالد إلى أبي بكر فحدثه بما كان منه. فصار أمير المؤمنين عليه السلام إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله، ثم صار إلى الروضة فصلى أربع ركعات ودعا، وقام يريد الانصراف إلى منزله، وكان أبو بكر جالسا في المسجد والعباس جالس إلى جنبه. فأقبل أبو بكر على العباس فقال: يا أبا الفضل ! ادع لي ابن أخيك عليا لاعاتبه على ما كان منه إلى الاشجع. فقال له العباس (5): أو ليس قد تقدم إليك صاحبك (6) بترك معاتبته ؟ وإني أخاف عليك منه إذا عاتبته أن لا تنتصر منه. فقال أبو بكر: إني أراك - يا أبا الفضل - تخوفني منه، دعني وإياه، فأما ما كلمني خالد بترك معاتبته فقد رأيته يكلمني بكلام خلاف الذي خرج به إليه، ولا أشك (7) إلا أنه قد كان منه إليه شئ أفزعه.


(1) في المصدر: قبل. (2) في المصدر: ويواسيهم. (3) خ. ل: أقطعت. (4) في المصدر: فقال أمير المؤمنين عليه السلام. (5) في المصدر: أبو الفضل بدلا من: له العباس. (6) في المصدر: صاحبك خالد. (7) في المصدر: شك.

[61]

فقال له (1) العباس: أنت وذاك يابن أبي قحافة. فدعاه العباس، فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فجلس إلى جنب العباس. فقال له العباس: إن أبا بكر استبطأك، وهو يريد أن يسألك بما جرى. فقال: يا عم، لو دعاني لما أتيته. فقال له أبو بكر: يا أبا الحسن ! ما أرضى لمثلك هذا الفعال (2). قال: وأي فعل ؟ قال: قتلك مسلما بغير حق، فما تمل من القتل قد جعلته شعارك ودثارك. فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أما عتابك علي في قتل مسلم فمعاذ الله أن أقتل مسلما بغير حق، لان من وجب عليه القتل رفع عنه اسم الاسلام. وأما قتلي الاشجع، فإن كان اسلامك كإسلامه فقد فزت فوزا عظيما ! ! أقول: وما عذري إلا من الله، وما قتلته (3) إلا عن بينة من ربي، وما أنت أعلم بالحلال والحرام مني، وما كان الرجل إلا زنديقا منافقا، وإن في منزله صنما من رخام (4) يتمسح به ثم يصير إليك، وما كان من عدل الله (5) أن يؤاخذني (6) بقتل عبدة الاوثان والزنادقة. وافتتح (7) أمير المؤمنين عليه السلام بالكلام، فحجز بينهما المغيرة بن شعبة


(1) لا توجد: له، في المصدر. (2) في المصدر: الفعل. (3) الواو محذوفة في (ك)، وفي المصدر: ما قلته. (4) من رخام، لا يوجد في بعض النسخ. (5) في المصدر: من الله تعالى. (6) في (ك): تواخذني، وهي نسخة. (7) في المصدر: فأفسح.

[62]

وعمار بن ياسر، وأقسموا على علي عليه السلام فسكت، وعلى أبي بكر فأمسك. ثم أقبل (1) أبو بكر على الفضل بن العباس وقال: لو قدتك (2) بالاشجع لما فعلت مثلها، ثم قال: كيف أقيدك بمثله وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وغاسله ؟ ! فالتفت إليه العباس فقال: دعونا ونحن حكماء أبلغ من شأنك، إنك تتعرض بولدي (3) وابن أخي، وأنت ابن أبي قحافة بن مرة ! ونحن بنو عبد المطلب ابن هاشم أهل بيت النبوة، وأولوا الخلافة، تسميتم (4) باسمائنا، ووثبتم علينا في سلطاننا (5)، وقطعتم أرحامنا، ومنعتم ميراثنا، ثم أنتم تزعمون أن لا إرث لنا، وأنتم (6) أحق وأولى بهذا الامر منا، فبعدا وسحقا لكم أنى تؤفكون. ثم انصرف القوم، وأخذ العباس بيد علي عليه السلام، وجعل علي يقول: أقسمت عليك يا عم لا تتكلم (7)، وإن تكلمت لا تتكلم إلا بما يسر (8)، وليس لهم عندي إلا الصبر، كما أمرني نبي الله صلى الله عليه وآله، دعهم وما (9) كان لهم يا عم بيوم الغدير مقنع، دعهم يستضعفونا جهدهم، فإن الله مولانا وهو خير الحاكمين. فقال له العباس: يا بن أخي، أليس قد كفيتك، وإن شئت أعود إليه (10)


(1) في المصدر: أقام. (2) في المصدر: فقال لو قيدتك. (3) في المصدر: لولدي. (4) في المصدر: قد تسميتم. (5) في المصدر: في سلطاتنا. (6) في المصدر: ولا أنتم. (7) في المصدر: أن لا تتكلم. (8) في المصدر: فلا تتكلم إلا بما يسره. (9) الواو، غير موجود في المصدر. (10) في المصدر: حتى أعود إليه.

[63]

فأعرفه مكانه، وأنزع عنه سلطانه. فأقسم عليه علي عليه السلام فأسكته (1). بيان: قال الجوهري: الغطريس: الظالم المتكبر، وقد تغطرس فهو متغطرس (2). وقال: ترحه تتريحا: أحزنه (3). وقال: التمطي: التبختر ومد اليدين في المشي (4). وقال: غافصت الرجل: أخذته على غرة (5). وقال الميداني: شق فلان عصا المسلمين: إذا فرق جمعهم، قال أبو عبيد: معناه فرق جماعتهم، قال: والاصل في العصا الاجتماع والائتلاف، وذلك أنها لا تدعى عصا حتى تكون جميعا، فإذا (6) انشقت لم تدع عصا، ومن ذلك قولهم للرجل إذا قام بالمكان وأطمأن به واجتمع له فيه امره: قد ألقى عصاه، قالوا: وأصل هذا أن الحاديين يكونان في رفقة، فإذا فرقهم الطريق شقت العصا التي معهما، فأخذ (7) هذا نصفها وذا نصفها، فضرب مثلا لكل فرقة (8). والقسطل: الغبار (9)، وهو كناية عن الجم الغفير.


(1) في المصدر: فأقسم علي صلوات الله عليه، فسكت. (2) الصحاح 3 / 956، وانظر: مجمع البحرين 4 / 90، تاج العروس 4 / 202، وغيرهما. (3) الصحاح 1 / 357 وفيه: أي حزنه، وفي لسان العرب 2 / 417، وتاج العروس 2 / 127 كما في المتن. (4) الصحاح 6 / 2494، وكذا في مجمع البحرين 1 / 395. (5) الصحاح 3 / 1047، وانظر: تاج العروس 4 / 412، لسان العرب 7 / 61. (6) في المصدر: فإن. (7) خ. ل: فأخذه. (8) مجمع الامثال للميداني 1 / 364 باختلاف يسير، وانظر: فرائد اللآلي في مجمع الامثال 1 / 311. (9) مجمع البحرين 5 / 453، الصحاح 5 / 1801، تاج العروس 8 / 80، لسان العرب 11 / 557.

[64]

واللوثة - بالضم -: الاسترخاء والبطء، ومس الجنون (1). ويقال: نبا الشئ عني ينبو أي: تجافى وتباعد، وأنبيته أنا أي: دفعته عن نفسي (2)، والنبوة: الرفعة (3). قوله: عرج الضبع، قال الفيروز آبادي: عرج وعراج معرفتين ممنوعتين: الضباع يجعلونها بمنزلة القبيلة، والعرجاء: الضبع (4). وفي بعض النسخ: جوع: جمع جائع كركع. والذباب في بعض النسخ بالهمزة، وفي بعضها بالباء الموحدة. وفي القاموس: الطلس: العدد الكثير، أو هو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام، أو كثرة كل شئ (5). وقال: خفق فلانا بالسيف: ضربه ضربة خفيفة، وأخفق الرجل بثوبه: لمع به (6). والهبيد: الحنظل أو حبه (7). والبسبس: القفر الخالي (8).


(1) الصحاح 1 / 291، لسان العرب 2 / 185 و 186. (2) كما جاء في الصحاح 6 / 2500، لسان العرب 15 / 302. (3) في المصادر المذكورة آنفا: النبوة ما ارتفع عن الارض، وفي لسان العرب: الارتفاع. (4) القاموس 1 / 199، وانظر: تاج العروس 2 / 73، لسان العرب 2 / 321. (5) لم نجد فيما بأيدينا من كتب اللغة معنى مناسبا لما ذكره قدس سره، نعم جاء في القاموس 2 / 227 - 228 في مادة الطيس ما تعرض له المصنف طاب ثراه، فراجع. وأما معنى الطلس فقد ذكر في تاج العروس في مادة الطلس: الصحيفة أو الممحوة والوسخ من الثياب، وجلد فخذ البعير إذا تساقط شعره، والذئب الامعط، والطلس: الطيلسان الاسود. (6) القاموس 3 / 228، وقارن بتاج العروس 6 / 334. (7) أنظر: القاموس 1 / 347، لسان العرب 3 / 431، تاج العروس 2 / 543. (8) كما في القاموس 2 / 201، تاج العروس 4 / 109، وغيرهما.

[65]

وبدا القوم: خرجوا إلى البادية (1). والقوداء: الطويل الظهر (2)، وفي بعض النسخ بالعين المهملة أي: المسنة (3). وقد مر تفسير النافش. والتأليب: التحريض (4). ولم نبالغ في تفسير هذا الحديث وشرحه، لعدم اعتمادنا عليه لما فيه مما يخالف السير وسائر الاخبار. 20 - ختص (5): محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم (6) بن مسكين، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام لقي أبا بكر (7) فقال له: أما أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تطيع لي (8) ؟ قال (9): لا، ولو أمرني لفعلت.


(1) جاء في القاموس 4 / 302، ولسان العرب 14 / 67، وتاج العروس 10 / 32. (2) ذكره في لسان العرب 3 / 370 بنصه، وقاله ايضا في تاج العروس 2 / 478. (3) قال في لسان العرب: 3 / 321: العود: الجمل المسن، والانثى عودة، ومثله في تاج العروس 2 / 436، والصحاح 2 / 514، والقاموس: 1 / 318. (4) نص عليه في: لسان العرب: 1 / 216، والصحاح 1 / 88. (5) الاختصاص: 273 - 274. ومثله بنفس السند والمتن في بصائر الدرجات: 296 - 297 حديث 9. وأيضا في بصائر الدرجات: 301 - 302 حديث 17، لكن في سنده: عن بكر، بدلا من: عن الحكم بن مسكين، فليلاحظ. (6) في البصائر: حدثني محمد بن الحسين، عن الحكم. (7) في المصدر: أتى أبا بكر. (8) في المصدر: أن تطيعني. (9) في المصدر والبصائر: فقال.

[66]

فقال: سبحان الله ! أما أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان تطيع لي ؟ فقال: لا، ولو أمرني لفعلت. قال: فامض بنا (1) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فانطلق به إلى مسجد قبا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، فلما انصرف قال له علي عليه السلام: يا رسول الله ! إني قلت لابي بكر: أما أمرك رسول الله (2) صلى الله عليه وآله أن تطيعني، فقال: لا. فقال رسول الله (3): قد أمرتك فأطعه. قال: فخرج ولقي (4) عمر، وهو ذعر، فقام عمر وقال له: ما لك (5) ؟ فقال له: قال رسول الله (6) كذا.. وكذا. فقال عمر: تبا لامة (7) ولوك أمرهم أما تعرف سحر بني هاشم (8).


(1) لا يوجد في البصائر من: فقال سبحان الله...، إلى هنا، والموجود: قال: فانطلق بنا... (2) في البصائر: أمرك الله ورسوله. (3) في البصائر: ان يطيعني فقال رسول الله. (4) في البصائر: فلقي. (5) في البصائر: فقال له، بدلا من: فقام عمر وقال له مالك. (6) في البصائر: فقال لي رسول الله. (7) في البصائر: فقال تبا لامته، وفي الاختصاص: فقال له عمر تبا لامة. (8) استدراكا لهذا الباب نشير إلى مصادر بعض الاحاديث التي لم ترد فيه. بصائر الدرجات: 297 حديث 11، اثبات الوصية: 124 من دون تصريح باسم أبي بكر وعمر، خصائص الائمة: 59 من دون تصريح باسميهما أيضا، الاحتجاج: 83 - 84، الكافي 1 / 448 حديث 13، وغيرها.

[67]

6 - باب منازعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه العباس في الميراث 1 - ج (1): عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن أبي رافع قال: قال (2)، إني لعند أبي بكر إذا طلع علي والعباس يتدافعان ويختصمان في ميراث النبي (ص). فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل، يعني بالقصير: عليا، وبالطويل: العباس. فقال العباس: أنا عم النبي ووراثه، وقد حال علي بيني وبين تركته. قال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبي بني عبد المطلب وأنت أحدهم، فقال: أيكم يوازرني ويكون وصيي وخليفتي في أهلي، ينجز عدتي، ويقضي ديني، فأحجمتم عنها إلا عليا (3)، فقال النبي (ص): أنت كذلك.


(1) الاحتجاج 1 / 88. [طبعة النجف: 1 / 116 - 117] ومثله عن أبي رافع أيضا في مناقب ابن شهر آشوب 3 / 49 باختلاف كثير، وقد نقله عن العقد الفريد: 2 / 412، فلاحظ. (2) لا يوجد: قال، في المصدر. (3) في المصدر: علي.

[68]

قال (1) العباس: فما أقعدك مجلسك (2) هذا ؟ تقدمته وتأمرت عليه. قال أبو بكر: أعذرونا (3) بني عبد المطلب (4). توضيح وتفضيح: لعله كان أغدرونا بني عبد المطلب - بتقديم المعجمة على المهملة - أي: أتنازعون وترفعون إلي للغدر (5)، وليس غرضكم التنازع (6). وظاهر أن منازعتهما كان لذلك، ولم يكن عباس ينازع أمير المؤمنين عليه السلام فيما أعطاه الرسول صلى الله عليه وآله بمحضره ومحضر غيره.


(1) في المصدر: فقال. (2) في المصدر: في مجلسك. (3) في المناقب: اغدرا، وفي المصدر: اعذروني يا بني. (4) هذه الرواية من الروايات المستفيضة عند العامة والخاصة، نص عليها الاعلام، أنظر: تاريخ الطبري 2 / 217، تفسير الطبري 19 / 74، الكامل لابن الاثير 2 / 24، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 254. وعد لها العلامة الاميني في الغدير 2 / 279 - 284 جملة من المصادر، وانظر الغدير أيضا 1 / 206 - 207، و 7 / 194. أقول: جاءت في كتب العامة في الحديث والسير منازعة أمير المؤمنين عليه السلام وعمه العباس - لو صحت -. انظر: صحيح البخاري 12 - 4 - 5 كتاب الفرائض باب قول النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: لا نورث ما تركناه صدقة، وكتاب الجهاد باب المحن.. وأبوابا اخر، وصحيح مسلم كتاب الجهاد حديث 1757 باب حكم الفئ، وسنن الترمذي كتاب السير حديث 1610 باب ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وسنن أبي داود برقم 2693 و 2964 و 2965 و 2967 بأسانيد صحيحة عندهم، وسنن النسائي 7 / 136 - 137 قسم الفئ، ومختصر المنذري حديث 2843 - 2847، وأوردها ابن الاثير في جامع الاصول 2 / 697 - 704 حديث 1202 وستأتي له مصادر اخر قريبا. (5) في (س): العدر، والظاهر سقوط النقطة عن العين، وهو المناسب، فالكلمة: للعذر، أو للغدر، فلاحظ. قال في القاموس 2 / 87: ضرب زيد فأعذر: أشرف به على الهلاك. (6) الظاهر: أن مراد أبي بكر: أنكم يا بني عبد المطلب أشرفتمونا على الهلاك بمنازعتكم على نحو التهديد والتحكم.

[69]

ويؤيده (1): ما روي أن يحيى بن خالد البرمكي سأل هشام بن الحكم بمحضر من الرشيد. فقال: أخبرني يا هشام، هل يكون الحق في جهتين مختلفين ؟ قال هشام: الظاهر لا. قال: فأخبرني عن رجلين اختصما في حكم في الدين، وتنازعا واختلفا، هل يخلو من أن يكونا محقين، أو مبطلين، أو أن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا ؟ فقال هشام: لا يخلو من ذلك. قال له يحيى بن خالد: فأخبرني عن علي والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث، أيهما كان المحق ومن المبطل ؟ إذ كنت لا تقول أنهما كانا محقين ولا مبطلين !. قال هشام: فنظرت فإذا انني إن قلت أن عليا عليه السلام كان مبطلا كفرت وخرجت من مذهبي، وإن قلت أن العباس كان مبطلا ضرب الرشيد عنقي، ووردت علي مسألة لم أكن سئلت عنها قبل ذلك الوقت، ولا أعددت لها جوابا، فذكرت قول أبي عبد الله عليه السلام: يا هشام، لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك، فعلمت أني لا أخذل، وعن لي الجواب في الحال. فقلت له: لم يكن لاحدهما خطأ حقيقة، وكانا جميعا محقين، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داود عليه السلام، يقول الله عزوجل: [وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب] (2) إلى قوله: [خصمان بغى بعضنا على


(1) ذكرت القصة في أكثر من مصدر، منه: ما جاء في العقد الفريد 2 / 251 - 252، باختصار، ولم يصرح باسمي يحيى بن خالد البرمكي والرشيد. ومنه ما ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه 3 / 49، إلا أنه لم يصرح باسم يحيى بن خالد البرمكي، وغيرهما. (2) سورة ص: 21.

[70]

بعض] (1)، فإي الملكين كان مخطئا وأيهما كان مصيبا ؟ أم تقول: أنهما كانا مخطئين، فجوابك في ذلك جوابي. فقال يحيى: لست أقول: إن الملكين أخطئا، بل أقول: إنهما أصابا، وذلك انهما لم يختصما في الحقيقة ولم يختلفا في الحكم، وإنما أظهرا ذلك لينبها داود عليه السلام في الخطيئة ويعرفاه الحكم ويوقفاه عليه. قال هشام: قلت له: كذلك علي عليه السلام والعباس، لم يختلفا في الحكم ولم يختصما في الحقيقة، وإنما أظهرا الاختلاف والخصمومة لينبها أبا بكر على خطئه، ويدلاه على أن لهما في الميراث حقا، ولم يكونا في ريب من أمرهما، وإنما كان ذلك منهما على حد ما كان من الملكين. فاستحسن الرشيد ذلك الجواب. ثم اعلم أن بعض الاصحاب (2) ذكر أبا بكر ناقض روايته التي رواها في الميراث، حيث دفع سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وبغلته وعمامته وغير ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام (3)، وقد نازعه العباس فيها، فحكم بها لامير المؤمنين عليه السلام. إما لان ابن العم إذا كان أبوه عم الميت من الاب والام أولى من العم الذي كان عم الميت من جانب الاب فقط (4)، لان المتقرب إلى الميت بسببين أولى من المتقرب إليه بسبب واحد. وإما لعدم توريث العم مع البنت، كما هو مذهب أهل البيت عليهم السلام.


(1) سورة ص: 22. (2) كما ذكره شيخ الطائفة في تلخيص الشافي 3 / 147 - 148. (3) كما في البداية والنهاية لابن الاثير 6 / 9، والرياض النضرة 2 / 17، ومناقب ابن شهر آشوب 1 / 129 [طبعة ايران]، والاحتجاج للطبرسي وغيرهم. (4) انظر روايات الباب في وسائل الشيعة 17 / 508.

[71]

وقد تنازعا عند عمر بن الخطاب فيما أفاء الله تعالى على رسوله وفي سهمه من خيبر وغيره، فدفعها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، أو دفعها إليهما وقال: اقتصلا (1) أنتما فيما بينكما، فأنتما أعرف بشأنكما (2). ثم إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله أرسلن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله (3)، وقد كان عثمان في زعمهم أحد الشهود على أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا نورث، ما تركناه صدقة (4)، كما سبق. وحكى قاضي القضاة، عن أبي علي أنه قال: لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك. إلى أمير المؤمنين عليه السلام على جهة الارث. قال: وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه ؟ وكيف يجوز لو كان وارثا (5) أن يخصه بذلك، ولا إرث له مع العم لانه عصبة، فان (6) كان وصل إلى فاطمة عليها السلام فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكا في ذلك وأزواج النبي صلى الله عليه وآله، ولو جب أن يكون ذلك ظاهرا مشهودا (7)، ليعرف أنهم أخذوا


(1) قال في القاموس 4 / 37: قصله يقصله: قطعه، كاقتصله. (2) كما جاء في صحيح مسلم 3 / 1377 - 1379 حديث 49 و 50، وسنن النسائي 7 / 136 - 137، وسنن أبي داود 3 / 139 - 140 حديث 2963، وأيضا سنن أبي داود 3 / 142 - 143 ضمن حديث 2970، وصحيح البخاري 4 / 96 - 98، و 7 / 81 - 83. (3) أنظر: صحيح مسلم 3 / 1379 حديث 51، وسنن أبي داود 3 / 144 - 145 حديث 2976 و 2977. (4) يمكن استنتاج ذلك من سياق مراجعة: مسند احمد 1 / 60، صحيح مسلم 3 / 1377 و 1379 حديث 49 / 51، وسنن أبي داود 3 / 139 - 140 حديث 2963، صحيح البخاري 4 / 97 و 7 / 82، وانظر: الغدير 6 / 190 عن عدة مصادر. (5) في المصدر: إرثا. (6) في المصدر: بالعصبة، وإن. (7) في المصدر: مشهورا.

[72]

نصيبهم من غير ذلك أو بدله، ولا يجب إذا لم يدفع إليه أبو بكر على جهة الارث أن لا (1) يحصل في يده، لانه قد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله نحله (2) ويجوز أيضا أن يكون أبو بكر (3) رأى الصلاح في ذلك أن يكون في يده (4)، لما فيه من تقوية الدين، وتصدق ببدله (5) بعد التقويم، لان للامام أن يفعل ذلك (6). قال: وأما البردة والقضيب فلا يمتنع أن يكون جعله عدة (7) في سبيل الله وتقوية على المشركين، فتداولته الائمة (8)، لما فيه من التقوية، ورأى أن ذلك أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنه عليه السلام لم يكن قد نحله غيره في حياته (9). ثم أجاب قاضي القضاة من طلب الازواج الميراث وتنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس بعد موت فاطمة: بأنه يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر وغيره للخبر. قال: وقد روي أن عائشة لما عرفتهن الخبر أمسكن، وقد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الارث ويعرفه من يتقلد الامر، كما يعرف العلماء والحكام من أحكام المواريث ما لا يعرفه أرباب الارث (10).


(1) في المصدر: ألا. (2) في المصدر: نحله إياه. (3) في المصدر: أبا بكر. (4) في المصدر: في أن يكون ذلك بيده. (5) في المصد ر: ببذله. (6) ثم قال في المصدر: وكل ذلك يبطل ما تعلقوا به. (7) في المصدر: عنده. (8) في المصدر: الامة. (9) المغني 20 / 332، القسم الاول، ينصرف يسير. (10) جاء في المصدر: من يتعلد الامر، كما يعرف العلماء والحكماء من أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن تخفى أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الارث. المغني 20 / 232، القسم الاول، بتصرف يسير.

[73]

وقال السيد الاجل المرتضى رضي الله عنه: أما قول أبو علي (1): وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه.. إلى آخره. فما نراه زاد على التعجب، ومما عجب (2) منه عجبنا !، ولم نثبت (3) عصمة أبي بكر فتنفى (4) عن أفعاله التناقض. وقوله: ويجوز أن يكون رأى الصلاح في أن يكون ذلك (5) في يده، لما فيه من تقوية الدين، أو أن يكون النبي صلى الله عليه وآله نحله (6). فكل ما ذكره جائز، إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها والحجة عليها، ولم يظهر شئ من ذلك (7) فنعرفه. ومن العجائب أن تدعي فاطمة عليها السلام فدك نحلة وتستشهد على قولها أمير المؤمنين عليه السلام وغيره، فلا يصغي إليها وإلى قولها، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين عليه السلام على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت ولا شهادة قامت، على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبين ذلك ويذكر وجهه بعينه أي شئ كان لما نازع العباس فيه، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت. والقول في البردة والقضيب إن كان نحلة أو على الوجه الاخر يجري مجرى


(1) كذا، والظاهر، قول أبي علي، إلا أن يكون على سبيل الحكاية. (2) في (س): بأعجب. (3) في (ك): لم تثبت، وفي المصدر: لم يثبت. (4) في المصدر: فننفي. وفي (ك): فينفي. (5) قوله: رأى الصلاح في أن يكون ذلك، لا توجد في المصدر، وحكاه هناك عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، 16 / 261. (6) في المصدر: وتصدق ببدله، بدل: أو ان يكون النبي (ص) نحله. (7) في المصدر: من ذلك شئ.

[74]

ما ذكرناه: في وجوب (1) الظهور والاستشهاد، ولسنا نرى أصحابنا (2) يطالبون نفوسهم في هذا الموضع بما يطالبونا بمثله إذا ادعينا وجوها واسبابا وعللا مجوزة، لانهم لا يقنعون منا بما يجوز ويمكن، بل يوجبون فيما ندعيه الظهور والاشتهار (3) وإذا كان ذلك عليهم نسوه أو تناسوه. فأما قوله: إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله إنما طلبن الميراث لانهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر، وكذلك إنما نازع العباس أمير المؤمنين عليه السلام بعد موت فاطمة عليها السلام في الميراث لهذا الوجه - فمن أقبح ما يقال في هذا الباب وأبعده من الصواب. وكيف لا يعرف أمير المؤمنين عليه السلام رواية أبي بكر وبها دفعت زوجته عن الميراث ؟ ! وهل مثل ذلك المقام الذي قامته (4) وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد، فضلا عمن هو في المدينة شاهدا حاضرا يعتني (5) بالاخبار ويراعيها ؟ ! إن هذا [لخروج] (6) في المكابرة عن الحد. وكيف يخفى على الازواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى، ويكون عثمان المترسل لهن، والمطالب عنهن ؟ وعثمان - على زعمهم - أحد من شهد أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث، وقد سمعن - على كل حال - أن بنت النبي صلى الله عليه وآله لم تورث ما له، ولا بد أن يكن قد سألن عن السبب في دفعها، فذكر


(1) في المصدر: من وجوب. (2) أي: المعتزلة، وكلامه قدس سره هنا من قبيل [قال له صاحبه وهو يحاوره] وان كانت العادة أن يقصد من كلمة: أصحابنا، أصحاب القائل في المذهب والاعتقاد، فتفطن. (3) في المصدر: والاستشهاد. (4) في (ك): قامته فاطمة عليها السلام. (5) في المصدر: حاضر شاهد يعنى. (6) في النسخة: الخروج، والمثبت من المصدر.

[75]

لهن الخبر، فكيف يقال: [إنهن] (1) لن يعرفنه ؟ والاكثار في هذا الموضع يوهم أنه موضع شبهة، وليس كذلك (2)، انتهى كلامه، رفع مقامه.


(1) في النسخة، انهم، والمثبت من المصدر. (2) الشافي 4 / 82 - 84.

[77]

7 - باب نوادر الاحتجاج على أبي بكر 1 - ج (1): روى رافع بن أبي رافع الطائي، عن أبي بكر - وقد صحبه في سفر - قال: قلت له: يا أبا بكر ! علمني شيئا ينفعني الله به. قال: كنت (2) فاعلا ولو لم تسألني: لا تشرك بالله شيئا، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان، وحج البيت، واعتمر، ولا تتأمرن (3) على اثنين من المسلمين. قال: قلت له: أما ما أمرتني به من الايمان والصلاة والحج والعمرة والزكاة (4) فأنا أفعله، وأما الامارة فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى والعز والمنزلة عند رسول الله إلا بها. قال: إنك استنصحتني فاجهدت نفسي لك.


(1) الاحتجاج: 89 [طبعة النجف: 1 / 117]. والقصة بأكملها مروية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 41 - 42 باسناد يصل إلى رافع بن أبي رافع الطائي. (2) في المصدر: قد كنت. (3) في المصدر: ولا تأمرن. (4) في المصدر: الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة.

[78]

فلما توفي رسول الله واستخلف [أبو] (1) بكر جئته وقلت له: يا أبا بكر ! ألم تنهني أن أتأمر على اثنين ؟ قال: بلى. قلت: فما لك (2) تأمرت على أمة محمد ؟ قال: اختلف الناس، وخفت عليهم الضلالة، ودعوني فلم أجد من ذلك بدا !


(1) في النسخة: أبا، والمثبت من المصدر. (2) في المصدر: فما بالك.

[79]

8 - باب احتجاج سلمان وأبي بن كعب وغيرهما على القوم 1 - ج (1): عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: خطب الناس سلمان الفارسي رحمة الله عليه - بعد أن دفن النبي عليه وآله السلام بثلاثة أيام - فقال فيها:.. ألا أيها الناس اسمعوا عني حديثي ثم اعقلوه عني، ألا اني (2) أوتيت علما كثيرا، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام [لقالت] (3) طائفة منكم: هو مجنون، [وقالت] (4) طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان. ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا، ألا وإن عند علي بن أبي طالب عليه السلام المنايا (5) والبلايا، وميراث الوصايا، وفصل الخطاب، وأصل الانساب على منهاج هارون بن عمران من موسى عليهما السلام، إذ يقول له رسول الله صلى الله عليه


(1) الاحتجاج: 110 - 112 [طبعة النجف 1 / 149 - 152]. (2) في المصدر: وأني. (3) في مطبوع البحار: لقال، والمثبت من المصدر. (4) في مطبوع البحار: وقال، والمثبت من المصدر. (5) في المصدر: ألا وإن عند علي عليه السلام علم المنايا.

[80]

وآله وسلم: أنت وصيي في أهلي (1) وخليفتي في أمتي (2) وبمنزلة (3) هارون من موسى (4). ولكنكم أخذتم سنة بني اسرائيل، فأخطأتم الحق، تعلمون فلا تعملون (5)، أما والله لتركبن طبقا عن طبق على سنة بني إسرائيل (6)، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة (7). أما والذي نفس سلمان بيده لو وليتموها عليا عليه السلام لاكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم (8)، ولو دعوتم الطير في جو السماء لاجابتكم، ولو دعوتم الحيتان من البحار لاتتكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش لكم سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله. ولكن أبيتم فوليتموها غيره، فابشروا بالبلاء (9)، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء.


(1) في المصدر: في أهل بيتي. (2) أنظر: الغدير 2 / 282 و 284، 5 / 345، مع اختلاف يسير عن مصادر جمة. وسنرجع له. (3) في المصدر: وأنت مني بمنزلة. (4) أنظر الغدير 1 / 197 و 297، 4 / 63 و 65، 5 / 295. وجاء الحديث بإضافة: إلا أنه لا نبي بعدي، أو: ولكن لا نبي بعدي في الغدير أيضا 1 / 39 و 189 و 208 و 212، 2 / 108، 3 / 200 و 201، 6 / 333. (5) في المصدر: ولكنكم وأخذتم... فأنتم تعلمون ولا تعملون. (6) لا يوجد في المصدر: على سنة بني إسرائيل (7) قال في مجمع الامثال للميداني 1 / 195: حذو القذة بالقذة، أي: مثلا بمثل، يضرب في التسوية بين الشيئين، ومثله: حذو النعل بالنعل. والقذة لعلها من القد، وهو القطع، يعنى به قطع الريشة المقذوذة على قدر صاحبها في التسوية، وهي فعلة بمعنى مفعولة كاللقمة والغرفة، والتقدير حذيا حذو، ومن رفع أرادهما حذو القذة. (8) في المصدر: أقدامكم. (9) في المصدر: بالبلايا.

[81]

عليكم بآل محمد عليهم السلام، فإنهم القادة إلى الجنة، والدعاة إليها يوم القيامة، عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فو الله لقد سلمنا عليه بالولاية وإمرة المؤمنين مرارا جمة مع نبينا، كل ذلك يأمرنا به ويؤكده علينا، فما بال القوم عرفوا فضله فحسدوه ؟ ! وقد حسد قابيل هابيل (1) فقتله، وكفارا قد ارتدت أمة موسى بن عمران عليهما السلام، فأمر هذه الامة [كأمر] (2) بني إسرائيل، فأين يذهب بكم أيها الناس ؟ ! ويحكم ما أنا (3) وأبو فلان وفلان ؟ ! أجهلتهم ام تجاهلتم، أم حسدتم (4) أم تحاسدتم ؟ والله لترتدن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة، ويشهد الشاهد على الكافر (5) بالنجاة. ألا واني أظهرت أمري، وسلمت لنبيي، وتبعت (6) مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة عليا أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وإمام الصديقين والشهداء والصالحين. بيان: عال: أي افتقر (7). وطاش السهم: أي زال ومال عن الهدف (8). وقال في النهاية: في حديث سلمان: وإن أبيتم نابذناكم على سواء، أي:


(1) في المصدر: هابيل قابيل. (2) في مطبوع البحار: كما أمر، والمثبت من المصدر. (3) في المصدر: ما لنا. (4) في (ك): أتجاهلتم ؟ أحسدتم ؟ (5) في مطبوع البحار: الكافرين. (6) في المصدر: واتبعت. (7) انظر: مجمع البحرين 5 / 432، الصحاح 5 / 1779، القاموس 4 / 22. (8) صرح بذلك في لسان العرب 6 / 313، وانظر: مجمع البحرين 4 / 140، الصحاح 3 / 1009.

[82]

كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستو (1) في العلم بالمنابذة منا ومنكم، بأن نظهر لهم العزم على قتالهم، ونخبرهم به إخبارا مكشوفا (2). وقوله: وكفارا، حال عن فاعل ارتدت. 2 - ج (3): عن محمد ويحيى ابني عبد الله بن الحسن، عن أبيهما، عن جدهما، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما خطب أبو بكر قام (4) أبي بن كعب، وكان يوم الجمعة أول يوم من شهر رمضان. فقال: يا معاشر (5) المهاجرين الذين اتبعوا مرضاة الله وأثنى الله عليهم في القرآن، ويا معاشر (6) الانصار الذين تبوءوا الدار والايمان وأثنى الله عليهم في القرآن، تناسيتم أم نسيتم، أم بدلتم أم غيرتم، أم خذلتم أم عجزتم ؟ !. ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فينا مقاما أقام فيه عليا، فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه (7) - يعني عليا - ومن كنت نبيه فهذا


(1) في المصدر: طريق مستقيم مستو. (2) النهاية 5 / 7، وانظر: مجمع البحرين 3 / 189، لسان العرب 3 / 512. (3) الاحتجاج 1 / 112 - 115 [طبعة النجف: 1 / 153 - 157]. (4) في الاحتجاج: قام إليه. (5) في المصدر: وقال يا معشر. (6) في المصدر: ويا معشر. (7) انظر مصادر الحديث عن طرق العامة مستوفيا في: احقاق الحق 2 / 426 - 465، 3 / 322 - 327، 4 / 408 - 410، 6 / 229 - 304، 16 / 559 - 588، 21 / 1 - 93. وانظر: الغدير 1 / 162 و 398، وغيرها. ومنه ما رواه في الينابيع باب 44 عن المناقب بسنده عن ابن عباس قال: قال النبي (ص) في حديث طويل، وجاء فيه: وأنت مولى من أنا مولاه، واني مولى كل مؤمن ومؤمنة. وجاء أيضا في باب 56 منه عن كتاب كنز الدقائق للشيخ عبد الرؤوف المناوي المصري، عن الديلمي بلفظه. وجاء عن احمد والترمذي بلفظ آخر. وعن أبي داود والطيالسي: يا علي أنت ولي كل مؤمن بعدي..، وغيرها.

[83]

أميره (1) ؟ !. ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، طاعتك واجبة على من بعدي كطاعتي في حياتي، إلا أنه (2) لا نبي بعدي (3) ؟ !. ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أوصيكم بأهل بيتي خيرا، فقدموهم ولا تتقدموهم (4)، وأمروهم ولا تتأمروا (5) عليهم ؟ !. ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أهل بيتي منار الهدى والدالون على الله ؟ !. ألستم (6) تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: أنت الهادي لمن ضل (7) ؟ !.


(1) رواه جمع، وجاء في الينابيع باب 56 عن كتاب مودة القربى، عن أبي هريرة، عن رسول الله (ص): أن الله سبحانه قال للارواح: أنا ربكم ومحمد نبيكم وعلي أميركم. (2) في المصدر: غير أنه. (3) جاءت مصادره في الغدير 1 / 297، وقد ذكرنا جملة منها سابقا باختلافات يسيرة. وانظر: ما رواه في ينابيع المودة باب 42 وباب 56 عن المناقب في حديث طويل، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، والحمويني في فرائد السمطين، والنسائي في خصائصه، واحمد بن حنبل في مسنده، والمغازلي في فضائله، والخوارزمي في مناقبه. وانظر الروايات الواردة في ذيل قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم] النساء: 59. (4) في المصدر: ولا تقدموهم. (5) في المصدر: ولا تأمروا. (6) في المصدر: أو لستم. (7) جاء في الغدير 4 / 65 مع حذف: لمن ضل. وانظر: مسند احمد ابن حنبل 6 / 126، تفسير الطبري 13 / 108، معجم شيوخ ابن الاعرابي: 2 / الورقة 183 و 203 و 234، المعجم الوسيط والصغير للطبراني 1 / 261، معرفة الصحابة لابي نعيم 1 / 21، تاريخ بغداد للخطيب 12 / 372، المناقب لابن المغازلي، ترجمة أمير المؤمنين من =

[84]

ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي المحيي لسنتي ومعلم أمتي، والقائم بحجتي، وخير من أخلف (1) من بعدي، وسيد أهل بيتي، أحب (2) الناس إلي، طاعته كطاعتي على أمتي ؟ !. ألستم تعلمون أنه لم يول على علي أحدا منكم، وولاه في كل غيبته عليكم ؟ !. ألستم تعلمون أنه كان منزلهما في أسفارهما واحدا، وارتحالهما وأمرهما (3) واحدا (3) ؟ !. ألستم تعلمون أنه قال: إذا غبت فخلفت فيكم (5) عليا فقد خلفت فيكم رجلا كنفسي ؟ !. ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته قد جمعنا في بيت ابنته فاطمة عليها السلام فقال لنا: إن الله اوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اتخذ أخامن أهلك فاجعله نبيا، واجعل أهله لك ولدا، أطهر هم من الآفات، وأخلصهم من الريب، فاتخذ موسى هارون أخا، وولده أئمة لبني إسرائيل من بعده، يحل (6) لهم في مساجدهم ما يحل لموسى.


= تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 415، زاد المسير لابن الجوزي 4 / 307، المناقب للخوارزمي: 145، تفسير الفخر الرازي 5 / 272، وغير هم كثير. (1) خ. ل: أخلفت. (2) في المصدر: وأحب. (3) ليس في المصدر: وأمرهما، وفي (ك): وارتحالهما واحدا وامرهما.. (4) هذه الفقرة جاءت في المصدر بعد فقرة: علي المحيي لسنتي... وانظر مصادر هذا الحديث في: احقاق الحق 4 / 205، 5 / 580، 16 / 370. (5) في الاحتجاج: عليكم، بدلا من: فيكم. (6) في المصدر: الذين يحل.

[85]

وإن الله (1) أوحى إلي أن أتخذ عليا أخا، كموسى (2) اتخذ هارون أخا، واتخذ ولده ولدا، فقد طهرتهم كما طهرت ولد هارون، إلا أني ختمت (3) بك النبيين فلا نبي بعدك، فهم الائمة الهادية ؟ !. أفما تبصرون ؟ ! أفما تفهمون ؟ ! أما (4) تسمعون ؟ ! ضربت (5) عليكم الشبهات. فكان مثلكم كمثل رجل في سفر، فأصابه عطش شديد حتى خشي أن يهلك، فلقي رجلا هاديا في الطريق فسأله عن الماء، فقال له: أمامك عينان: أحدها (6) مالحة والاخرى عذبة، فإن أصبت المالحة ضللت، وإن أصبت العذبة هديت ورويت. فهذا مثلكم أيتها الامة المهملة - كما زعمتم -، وأيم الله ما أهملتم، لقد نصب لكم علم يحل لكم الحلال ويحرم عليكم الحرام، لو أطعتموه ما اختلفتم، ولا تدابرتم، ولا تقاتلتم، ولا برئ بعضكم من بعض. فو الله ! إنكم بعده لمختلفون في أحكامكم، وإنكم بعده (7) لناقضوا (8) عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنكم على عترته لمختلفون. إن (9) سئل هذا عن غير من (10) يعلم أفتى برأيه، فقد أبعدتم وتجاريتم


(1) في المصدر: إن الله تعالى. (2) في المصدر: كما أن موسى. (3) في الاحتجاج: قد ختمت. (4) في المصدر: أفما. (5) في المصدر - طبعة ايران -: ضرب. (6) في المصدر: إحداهما. (7) لا يوجد في المصدر: لمختلفون في أحكامكم وإنكم بعده. (8) في المصدر: لناقضون. (9) في المصدر: وإن. (10) خ. ل: ما، وكذا في المصدر.

[86]

وزعمتم الاختلاف رحمة (1)، هيهات ! أبي الكتاب ذلك عليكم (2)، يقول الله تبارك وتعالى (3): [ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم] (4)، ثم أخبرنا باختلافكم فقال (5): [ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم] (6)، أي: للرحمة (7)، وهم: آل محمد. سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي ! أنت وشيعتك على الفطرة والناس [منها] (8) براء. فهلا قبلتم من نبيكم صلى الله عليه وآله ؟ ! كيف وهو [خبركم بانتكاصتكم] (9) عن وصيه عليه السلام (10) وأمينه ووزيره وأخيه ووليه دونكم أجمعين (11). أطهركم قلبا، وأعلمكم علما، وأقدمكم سلما (12)، وأعظمكم غناء عن رسول الله (13) صلى الله عليه وآله، أعطاه تراثه، وأوصاه بعداته، واستخلفه على


(1) في المصدر: وتخارستم وزعمتم أن الخلاف رحمة. (2) في (س): عليهم. (3) في المصدر: تعالى جده. (4) آل عمران: 105. (5) في المصدر: فقال سبحانه. (6) هود: 118 - 119. (7) في مطبوع البحار: الرحمة، والمثبت من المصدر. (8) في مطبوع البحار: منهم، والمثبت من المصدر. (9) في مطبوع البحار، خيركم بانتكاصكم، والمثبت من المصد ر، والانتكاص بمعنى الرجوع. (10) في المصدر: علي بن أبي طالب، بدلا من: عليه السلام. (11) وضعت في المطبوع على كلمة: دونكم أجمعين، علامة نسخة بدل. (12) في المصدر: واطهركم قلبا واقدمكم سلما. (13) في المصدر: وعبا من رسول الله.

[87]

أمته، وضع عنده سره (1)، فهو وليه دونكم أجمعين، وأحق به منكم على التعيين (2)، سيد الوصيين، وأفضل (3) المتقين، وأطوع الامة لرب العالمين، سلمتم عليه بخلافة المؤمنين (4) في حياة سيد النبيين وخاتم المرسلين (5). فقد أعذر من أنذر، وأدى النصيحة من وعظ، وبصر من عمى، فقد سمعتم كما سمعنا، ورأيتم كما رأينا، وشهدتم كما شهدنا. فقام (6) عبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالوا: يا أبي ! أصابك خبل أم بك جنة ؟ !.


(1) في المصدر: فاستخلفه أمته ووضع عنده سره. (2) في المصدر: منكم اكتعين. (3) في المصدر: ووصي خاتم المرسلين، أفضل. (4) في المصدر: بإمرة المؤمنين. (5) يعبر عنه بحديث التهنئة، جاء في عشرات المصادر من العامة كما نص عليها العلامة الاميني في الغدير 1 / 270 - 273، وغيره. وقد ذكره الطبري في كتاب الولاية، والدارقطني، كما أخرج عنه ابن حجر في الفصل الخامس من الباب الاول من صواعقه: 26، والحافظ أبو سعيد النيسابوري في كتابه شرف المصطفى وروضة الصفا 1 / 173، واحمد بن حنبل في مسنده 4 / 281، والطبري في تفسيره 3 / 428، وسر العالمين 9، والتفسير الكبير 3 / 636، والرياض النضرة 2 / 169، وفرائد السمطين في الباب 13، والبداية والنهاية 5 / 209، والخطط للمقريزي 2 / 223، والفصول المهمة 25، وكنز العمال 6 / 397، ووفاء الوفاء 2 / 173، وغيرها. قال الغزالي في سر العالمين: ولكن اسفرت الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته عليه السلام في يوم غدير خم باتفاق الجميع، وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهواء بحب الرئاسة، وحمل عود الخلافة، وعقود النبوة، وخفقات الهواء، في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الامصار، سقاهم كأس الهواء، فعادوا إلى الخلاف الاول، فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون. (6) في المصدر: فقام إليه.

[88]

فقال: بل الخبل فيكم، كنت (1) عند رسول الله صلى الله عليه وآله يوما، فألفيته يكلم رجلا أسمع كلامه ولا أرى وجهه (2). فقال فيما يخاطبه: ما أنصحه لك ولامتك، وأعلمه بسنتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفترى أمتي تنقاد له من بعدي ؟. قال: يا محمد ! تتبعه (3) من أمتك أبرارها، وتخالف (4) عليه من أمتك فجارها، وكذلك أوصياء النبيين من قبلك، يا محمد ! إن موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون - وكان أعلم بني إسرائيل وأخوفهم لله وأطوعهم له - وأمره (5) الله عزوجل أن يتخذه وصيا كما اتخذت عليا وصيا، وكما أمرت بذلك، فحسده بنو إسرائيل سبط موسى خاصة، فلعنوه وشتموه وعنفوه ووضعوا له (6)، فإن أخذت أمتك سنن بني إسرائيل كذبوا وصيك، وجحدوا أمره (7)، وابتزوا خلافته، وغالطوه في علمه. فقلت: يا رسول الله ! من هذا ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا ملك من ملائكة الله (8) ربي عز وجل، ينبئني أن أمتي تختلف (9) على وصيي علي بن أبي طالب عليه السلام. واني أوصيك يا أبي بوصية إن حفظتها لم تزل بخير، يا أبي عليك بعلي، فانه الهادي المهدي، الناصح لامتي، المحيي لسنتي، وهو إمامكم بعدي،


(1) في المصدر: والله كنت. (2) في المصدر: شخصه. (3) في المصدر: يتبعه. (4) في المصدر: ويخالف. (5) في المصدر: فأمره. (6) في (س): منه، بدلا من: له. (7) في المصدر: امرته. (8) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر. (9) في المصدر: تتخلف.

[89]

فمن رضي بذلك لقيني على ما فارقته عليه، يا أبي ومن غير وبدل (1) لقيني ناكثا لبيعتي، عاصيا أمري، جاحدا لنبوتي، لا أشفع له عند ربي، ولا أسقيه من حوضي. فقامت إليه رجال من الانصار فقالوا: أقعد - رحمك الله - يا أبي، فقد أديت ما سمعت (2) [و] (3) وفيت بعهدك. 3 - شف (4): الحسن بن محمد بن الفرزدق، عن (5) محمد بن أبي هارون، عن مخول (6) بن إبراهيم، عن عيسى بن عبد الله بن الحسن (7)، عن أبيه، عن جده (8).. مثله، مع اختصار. وقد أوردته في باب النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام (9). بيان: قال الجوهري: أغنيت عنك مغنى فلان.. أي (10): أجزأت عنك مجزأة، ويقال ما يغني عنك هذا.. أي: ما يجدي (11) عنك وما ينفعك..، والغناء


(1) في المصدر: أو بدل. (2) في المصدر: ما سمعت الذي معك. (3) زيادة من المصدر. (4) كشف اليقين (اليقين) لابي القاسم علي بن موسى بن طاووس: 170 - 172. (5) في المصدر: عن الفزاري قال حدثنا. (6) في المصدر: المقري العلاف قال حدثنا محول. (7) في المصدر: قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن الحسن. (8) في المصدر: من جده. (9) بحار الانوار 38 / 123 - 125 حديث 71. واستدراكا لهذا الباب راجع: الاحتجاج 1 / 76 - 79 و 84 - 86، كشف اليقين 74 - 76 و 94 - 95 و 108 - 113 و 172 - 173 و 83، مناقب ابن شهر آشوب 3 / 53 - 54، وغيرها. (10) في المصدر: إذا، بدلا من: أي. (11) في المصدر: يجزي، بدلا من: يجدي.

[90]

بالفتح.. النفع (1). قوله: وبصر - على بناء التفعيل - معطوف على وعظ. ويقال: وضع منه فلان أي: حط من درجته (2).


(1) الصحاح 6 / 2449، ولا حظ: لسان العرب 15 / 138، القاموس 4 / 371. (2) كما جاء في مجمع البحرين 4 / 405، والقاموس 3 / 94، وتاج العروس 6 / 543، وغيرها.

[91]

9 - باب ما كتب أبو بكر إلى جماعة يدعوهم إلى البيعة وفيه بعض أحوال أبي قحافة 1 - ج (1): روى عن الباقر عليه السلام - أن عمر بن الخطاب قال لابي بكر: اكتب إلى أسامة (2) يقدم عليك، فان في قدومه قطع الشنعة عنا (3). فكتب أبو بكر إليه: من أبي بكر خليفة رسول الله إلى أسامة بن زيد، أما بعد: فانظر إذا أتاك كتابي فأقبل إلي أنت ومن معك، فان المسلمين قد اجتمعوا [علي] (4) وولوني أمرهم، فلا تتخلفن فتعصي ويأتيك مني ما تكره، والسلام. قال: فكتب إليه أسامة (5) جواب كتابه: من أسامة بن زيد عامل رسول الله (ص) على غزوة الشام، أما بعد، فقد أتاني [منك] (6) كتاب ينقض أوله آخره


(1) الاحتجاج 1 / 87 [طبعة النجف: 1 / 114 - 115]. (2) في المصدر: أسامة بن زيد. (3) في المصدر: الشيعة عنا. (4) زيادة من المصدر. (5) في المصدر: فكتب أسامة إليه. (6) في مطبوع البحار: والمثبت من المصدر.

[92]

ذكرت في أوله أنك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أن المسلمين اجتمعوا (1) عليك فولوك أمورهم ورضوا بك (2). واعلم، أني ومن (3) معي من جماعة المسلمين والمهاجرين، فلا والله ما رضينا بك (4)، ولا وليناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله، وتخليهم وإياه، فإنهم أحق به منك. فقد علمت ما كان من قول رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام يوم غدير خم (5)، فما طال العهد فتنسي. أنظر بمركزك، ولا تخلف (6) فتعصي الله ورسوله وتعصي [من] (7) استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله عليك وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنك وصاحبك رجعتما وعصيتما، فأقمتما في المدينة بغير إذني (8). قال: فهم (9) أبو بكر أن يخلعها من عنقه، قال: فقال له عمر: لا تفعل قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم، ولكن ألح على أسامة بالكتب، ومر فلانا وفلانا وفلانا يكتبون إلى (10) أسامة أن لا يفرق جماعة المسلمين، وأن يدخل يده (11)


(1) في المصدر: قد اجتمعوا. (2) في المصدر: امرهم ورضوك. (3) في مطبوع البحار: واعلم أني أنا ومن. (4) في المصدر: ما رضيناك. (5) في المصدر: يوم الغدير. (6) في المصدر: انظر مركزك ولا تخالف. (7) في مطبوع البحار: ما، والمثبت من المصدر. (8) في المصدر: إذن. (9) في المصدر: فأراد، بدلا من: قال: فهم. (10) في المصدر: ولكن ألح عليه بالكتب والرسائل، ومر فلانا وفلانا أن يكتبوا إلى. (11) في المصدر: معهم، بدلا من: يده.

[93]

فيما صنعوا. قال: فكتب إليه أبو بكر، وكتب إليه أناس (1) من المنافقين: أن أرض بما اجتمعنا عليه، وإياك أن تشمل (2) المسلمين فتنة من قبلك، فإنهم حديثو عهد بالكفر. فلما (3) وردت الكتب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما رأى اجتماع الناس (4) على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب فقال (5): ما هذا ؟ فقال له (6) علي: هذا ما ترى ! قال له أسامة: فهل بايعته ؟ فقال: نعم. فقال له أسامة: طائعا أو كارها (7) ؟ قال: لا، بل كارها. قال: فانطلق أسامة فدخل على أبي بكر، فقال (8): السلام عليك يا خليفة المسلمين. قال: فرد (9) أبو بكر وقال: السلام عليك أيها الامير. بيان: أنظر بمركزك، أي: إلى مركزك ومحلك الذي أقامك فيه النبي صلى الله عليه وآله من عسكري، وأمرك أن تكون فيهم، أو من كونك رعية لامير


(1) في المصدر: الناس. (2) في المصدر: أن تشتمل. (3) في المصدر: قال فلما. (4) في المصدر: الخلق. (5) في الاحتجاج: فقال له. (6) في الاحتجاج: فقال له. (7) في المصدر: فقال نعم يا أسامة، فقال طائعا أو كرها. (8) في المصدر: وقال له. (9) في المصدر: فرد عليه.

[94]

المؤمنين عليه السلام، أو أنظر في أمرك، في مركزك ومقامك (1). 2 - جا (2): علي بن محمد البصري، عن (3) أحمد بن ابراهيم، عن (4) زكريا بن يحيى، عن (5) عبد الجبار، عن سفيان، عن الوليد بن كثير، عن ابن الصياد، عن سعيد بن المسيب قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتجت مكة بنعيه. فقال أبو قحافة: ما هذا ؟ قالوا: قبض رسول الله. قال: فمن ولي الناس بعده ؟ قالوا: ابنك. قال: فهل رضيت بنو عبد شمس وبنو المغيرة ؟ قالوا: نعم. قال: لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله، ما أعجب هذا الامر يتنازعون (6) النبوة ويسلمون (7) الخلافة، إن هذا لشئ يراد. بيان: أي: ما أعجب منازعة بني عبد شمس وبني المغيرة في النبوة الحقة وتسليمهم الخلافة الباطلة. إن هذا لشئ يراد، أي: هذا الامر لشئ من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد


(1) قال في لسان العرب 5 / 355: مركز الجند: الموضع الذي أمروا أن يلزموه وأمروا أن لا يبرحوه، ومركز الرجل: موضعه، يقال: أخل فلان بمركزه. ولا حظ أيضا: مجمع البحرين 4 / 21. (2) أمالي المفيد - المجالس -: 90 - 91. (3) في المصدر: قال أخبرني أبو الحسن علي بن محمد البصري البزاز، قال حدثنا أبو بشر. (4) في المصدر: قال حدثنا، وفي (ك) ورد لفظ: ابن، بدلا من لفظ: عن. (5) في المصدر: الساجي قال حدثنا. (6) خ. ل: تنازعون، وكذا في المصدر. (7) خ. ل: تسلمون، وكذا في المصدر.

[95]

له، أو إن تولي أمر الخلافة شئ يتمنى، أو يريده كل أحد، أو إن دينكم يطلب ليؤخذ منكم كما قيل في الآية (1)، والاخير هنا أبعد. 3 - ج (2): روي (3) أن أبا قحافة كان بالطائف لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وبويع لابي بكر، فكتب إلى أبيه (4) كتابا عنوانه: من خليفة رسول الله إلى أبي قحافة، أما بعد، فان الناس قد تراضوا بي، فأنا (5) اليوم خليفة الله، فلو قدمت علينا لكان أحسن بك. فلما (6) قرأ أبو قحافة الكتاب قال للرسول: ما منعهم (7) من علي ؟ قال الرسول (8): هو حدث السن، وقد أكثر القتل في قريش وغيرها، وأبو بكر أسن منه. قال أبو قحافة: إن كان الامر في ذلك بالسن فأنا أحمق من أبي بكر، لقد ظلموا عليا حقه، ولقد بايع (9) له النبي وأمرنا ببيعته. ثم كتب إليه: من أبي قحافة إلى أبي بكر (10) أما بعد، فقد أتاني كتابك، فوجدته كتاب أحمق ينقض بعضه بعضا، مرة تقول: خليفة الله، ومرة تقول: خليفة رسول الله، ومرة (11) تراضى بي الناس، وهو أمر ملتبس، فلا تدخلن


(1) سورة ص: 6 [إن هذا الشئ يراد]. (2) الاحتجاج 1 / 87 - 88 [طبعة النجف: 1 / 115] (3) في المصدر: وروي. (4) في المصدر: فكتب ابنه إليه. (5) في المصدر: فإني. (6) في المصدر: فلو قدمت علينا كان أقر لعينك، قال فلما. (7) في المصدر: ما منعكم. (8) لا يوجد في المصدر: الرسول. (9) في الاحتجاج: وقد بايع. (10) في المصدر: إلى ابنه أبي بكر. (11) في المصدر: خليفة رسول الله ومرة تقول خليفة الله ومرة تقول..

[96]

في أمر يصعب عليك الخروج منه غدأ، ويكون عقباك منه إلى الندامة (1)، وملامة النفس اللوامة، لدى الحساب يوم (2) القيامة، فإن للامور مداخل ومخارج، وأنت تعرف من هو أولى منك بها (3)، فراقب الله كأنك تراه، ولا تدعن صاحبها، فان تركها اليوم أخف عليك واسلم لك. 4 - شف (4): من كتاب البهار للحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن رئاب (5)، عن فضيل الرسان والحسن بن السكن (6)، عمن أخبره، عن أبي أمامة قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله كتب أبو بكر إلى أسامة بن زيد: من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله (7) إلى أسامة بن زيد، أما بعد، فان المسلمين اجتمعوا علي لما أن قبض رسول الله - صلى الله عليه وآله - فإذا أتاك كتابي هذا فأقبل. قال: كتب إليه (8) أسامة بن زيد: أما بعد، فإنه جاءني كتاب لك ينقض آخره أوله، كتبت إلي: من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيته، ثم أخبرتني أن المسلمين اجتمعوا عليك. قال: فلما قدم عليه قال له: يا أبا بكر ! أما تذكر رسول الله صلى الله


(1) في المصدر: إلى النار والندامة. (2) في المصدر: بيوم. (3) في المصدر: بها منك. (4) كشف اليقين - اليقين -: 95. (5) في المصدر: فيما نذكره عن الحسين بن سعيد عن كتابه - كتاب البهار في إنكار أسامة بن زيد لابي بكر، بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله لهم أن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين - نذكر ما نحتاج إليه لفظه المعتمد عليه ونترك ما لا ضرورة إليه، فنقول: عن رجال الحسين ما هذا لفظه: محمد ابن أبي عمير، عن علي بن الزيات. (6) في المصدر: سكن العرار. (7) في المصدر: صلى الله عليه وعلى أهل بيته. (8) لا يوجد في المصدر: إليه.

[97]

عليه وآله حين أمرنا أن (1) نسلم على علي بإمرة المؤمنين، فقلت: أمن الله ومن رسوله ؟ ! فقال لك: نعم، ثم قام عمر فقال: أمن الله ومن رسوله ؟ ! فقال: نعم، ثم قام (2) القوم فسلموا عليه، فكنت أصغركم سنا، فقمت فسلمت بإمرة المؤمنين ؟ ! فقال: إن الله لم يكن ليجمع (3) لهم النبوة والخلافة. * * *


(1) في المصدر: فلما قدم عليه وعلى أهل بيته حين أمرنا أن.. والظاهر وجود سقط في المصدر. (2) في (س): قال، بدلا من: قام. (3) في المصدر: يجمع.

[99]

10 - باب اقرار أبي بكر بفضل أمير المؤمنين وخلافته بعد الغصب 1 - ج (1): عن عامر الشعبي، عن عروة بن الزبير، عن الزبير (2) بن العوام قال: لما قال المنافقون: إن أبا بكر تقدم عليا وهو يقول: أنا أولى بالمكان منه. قام أبو بكر خطيبا فقال: صبرا على من ليس يؤول إلى دين، ولا يحتجب برعاية، ولا يرعوي (3) لولاية، أظهر الايمان ذلة، وأسر (4) النفاق علة (5)، هؤلاء عصبة الشيطان، وجمع الطغيان.. تزعمون (6) أني أقول: إني أفضل من علي، وكيف أقول ذلك ؟ ومالي سابقته ولا قرابته ولا خصوصيته، وحد الله وأنا ملحده، وعبده (7) قبل أن أعبده، ووالى


(1) الاحتجاج 1 / 88 [طبعة النجف: 1 / 115 - 116] (2) لا يوجد في المصدر: عن الزبير، وهو الظاهر. (3) أي: لا ينزجر عن القبيح. (4) خ. ل: أسس. (5) في المصدر: غلة. (6) احتجاج: يزعمون. (7) في المصدر: عبده علي.

[100]

الرسول وأنا عدوه، وسبقني بساعات لو تقطعت (1) لم ألحق ثناءه (2)، ولم أقطع غباره. إن (3) علي بن أبي طالب فاز - والله - من الله بمحبته (4)، ومن الرسول بقربة (5)، ومن الايمان برتبة، لو جهد الاولون والآخرون - إلا النبيين - لم يبلغوا درجته، ولم يسلكوا منهجه. بذل لله (6) مهجته، ولا بن عمه مودته، كاشف الكرب، ودافع (7) الريب، وقاطع السبب الاسبب الرشاد، وقامع الرشك، ومظهر ما تحت سويداء حبة النفاق، مجنة هذا (8) العالم، لحق قبل أن يلاحق، وبرز قبل أن يسابق، جمع العلم والحلم والفهم، فكأن جميع الخيرات كانت (9) لقلبه كنوزا، لا يدخر منها مثقال ذرة إلا أنفقه في بابه. فمن ذا يأمل (10) أن ينال درجته وقد جعله الله ورسوله للمؤمنين وليا، وللنبي


(1) في المصدر: انقطعت. (2) خ. ل: شاره، وفي نسخة: شأوه، وكذا في المصدر، وقد تعرض المصنف قدس سره إلى ذلك في بيانه. (3) في الاحتجاج: وإن. (4) في نسخة: محبة، وفي المصدر بمحبة. (5) في المصدر: بقرابة. (6) في المصدر: في الله. (7) خ. ل: دامغ، وكذا في المصدر. (8) في المصدر: محنة لهذا...: قال في الصحاح 5 / 2094: المجنة - أيضا -: الموضع الذي يستتر فيه انتهى. أقول: يكون المعنى ان امير المؤمنين عليه السلام مجنة هذا العالم، اي كل ما في العالم مستتر في نفس امير المؤمنين عليه السلام. (9) لا يوجد في المصدر: كانت. (10) في المصدر: يؤمل.

[101]

وصيا، وللخلافة واعيا (1)، وبالامامة قائما ؟ ! أفيغتر الجاهل بمقام قمته إذ أقامني وأطعته إذ أمرني ؟ سمعت رسول الله الله يقول: الحق مع علي وعلي الحق (2)، من أطاع عليا رشد، ومن عصى عليا فسد، ومن أحبه سعد، ومن أبغضه شقي. والله لو لم نحب (3) ابن أبي طالب إلا لاجل أنه لم يواقع الله (4) محرما، ولا عبد (5) من دونه صنما، ولحاجة الناس إليه بعد نبيهم، لكان في ذلك ما يجب. فكيف لاسباب أقلها موجب، وأهونها مرغب ! له الرحم (6) الماسة بالرسول، والعلم بالدقيق والجليل، والرضا بالصبر الجميل، والمواساة في الكثير والقليل، وخلال لا يبلغ عدها، ولا يدرك مجدها. ود المتمنون أن لو كانوا تراب (7) ابن أبي طالب، أليس هو صاحب لواء الحمد، والساقي يوم الورود (8)، وجامع كل كرم، وعالم كل علم، والوسيلة إلى الله وإلى رسوله ؟ ! بيان: قوله: لم ألحق ثناءه، كذا في بعض النسخ، أي: لا أطيق أن (1) في المصدر: راعيا. (2) مرت جملة من مصادر هذا الحديث، وجاء في الغدير 3 / 177 و 178 الحديث مع مصادره بهذا الشكل: علي مع الحق والحق مع علي. (3) في المصدر: يحب. (4) في (ك): الله، وكذا في نسخة من المصدر. (5) في البحار المطبوع: عبده. (6) في المصدر: للرحم - بلا ضمير -. (7) في الاحتجاج: تراب أقدام. (8) نص عليه جملة من محدثي العامة، وجاء في الغدير 2 / 321 و 322 عن عدة مصادر، وجاء في المناقب عن جابر الانصاري، وحكاه عن مسند احمد بن حنبل، وبلفظ آخر في حلية الاولياء عن أبي هريرة، وجاء في الغدير أيضا 10 / 121: أنه عليه السلام ساقي الحوض. ويعد هذا من ضروريات مذهب الخاصة.

[102]

أثني عليه كما هو أهله (1)، وفي بعضها: شأوه: وهو الغاية والامد والسبق، يقال: شأوت القوم شأوا، أي: سبقتهم (2)، وفي بعضها: شاره، ولعله من الشارة، وهي الهيئة الحسنة والحسن والحسن والجمال والزينة (3)، ولا يبعد أن يكون في الاصل: ناره، لاستقامة السجع وبلاغة المعنى. وأما قوله: ولم اقطع غباره، فهو مثل، يقال: فلان ما يشق غباره إذا سبق غيره في الفضل، أي: لا يلحق أحد غباره فيشقه (4)، كما هو المعروف في المثل بين العجم: أو ليس له غبار لسرعته، واختار الميداني الاخير، حيث قال: يريد (5): أنه لا غبار له فيشق، وذلك لسرعة عدوه وخفة وطئه، وقال: مواقع وطئه فلو انه * يجزي (6) برملة عالج لم يرهج وقال النابغة: أعلمت يوم عكاظ حين لقيتني تحت العجاج فما شققت غباري يضرب لمن لا يجارى، لان مجاريك يكون معك في الغبار، فكأنه قال (7):


(1) قوله: لو تقطعت لم ألحق ثناءه، أي: لو اجتهدت وصرت في طريق الثناء عليه قطعة قطعة لم ألحق بمرتبة من الثناء، وهذه كناية عن عدم القدرة على ثناء الشخص. (2) كما في الصحاح 6 / 2388، القاموس 4 / 346. (3) كما نص عليه في القاموس 2 / 65، وفيه: أن الشارة الهيئة، ومن دون تقييد لها بالحسنة، ولا حظ: الصحاح 2 / 705. (4) أنظر: المستقصى في أمثال العرب 1 / 333، ولسان العرب 5 / 5. (5) في المصدر: يراد. (6) في (س): يأتي. (7) لا يوجد: قال، في (س)، وهو موجود في (ك) والمصدر.

[103]

لا قرن له يجاريه (1). وقال الجوهري: سواد القلب وسويداؤه: حبته (2).


(1) مجمع الامثال للميداني 2 / 294، ولا حظ فرائد اللآل 2 / 258. (2) الصحاح 2 / 492، وقارن به: مجمع البحرين 3 / 73، القاموس 1 / 304. وقال في لسان العرب 3 / 227: السويدا: الاست. والظاهر أن المناسب لهذا المقام هو هذا المعنى، أعني: الاست بمعنى الاساس، فتدبر.

[105]

11 - باب نزول الآيات في أمر فدك (1) وقصصه وجوامع الاحتجاج به وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين 1 - ن (2): فيما احتج الرضا عليه السلام في فضل العترة الطاهرة. قال: والآية الخامسة: قال (3) الله عزوجل: [وآت ذالقربى حقه] (4) خصوصية خصهم العزيز (5) الجبار بها، واصطفاهم على الامة. فلما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ادعوا إلي فاطمة.


(1) فدك منصرف وغير منصرف، قاله في مجمع البحرين 5 / 283، وقد ورد على كلا الوجهين في الروايات. قال في معجم البلدان 4 / 238: فدك - بالتحريك وآخره كاف -: قرية بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة، أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم في سنة سبع صلحا ثم ذكر ما جرى عليها من الاختلاف الكثير بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولخصه في مراصد الاطلاع 3 / 1020. (2) عيون اخبار الرضا عليه السلام 1 / 233 ضمن حديث 1. (3) في المصدر: قول. (4) الاسراء: 26. (5) في المصدر: الله العزيز.

[106]

فدعيت له، فقال: يا فاطمة !. قالت: لبيك يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: فدك هي مما (1) لم يوجف عليه بخيل (2) ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، وقد جعلتها لك، لما أمرني الله (3) به، فخذيها لك ولولدك. بيان: نزول هذه (4) الآية في فدك رواه كثير من المفسرين (5)، ووردت به الاخبار من طرق الخاصة والعامة (6).


(1) في المصدر: هذه فدك مما هي. (2) في المصدر: بالخيل. (3) في المصدر: الله تعالى. (4) لا يوجد لفظ: هذه، في (س). (5) راجع: تفسير فرات الكوفي: 118 - 119 رواه بأربعة طرق، تفسير التبيان 6 / 468 و 8 / 253، شواهد التنزيل 1 / 338 - 341، الدر المنثور 5 / 273 - 274 نقلا عن البزاز وأبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه، مجمع البيان 4 / 306، تفسير العياشي 2 / 287 حديث 46 - 50. (6) الاخبار من طرق الخاصة وردت هاهنا في ضمن هذا الباب، وأما من طرق العامة، فمنها: مجمع الزوائد 7 / 49، كنز العمال 3 / 767 حديث 8696. وانظر عن فدك وشكوى فاطمة سلام الله عليها، غير ما ألفته الخاصة والعامة من كتب مستقلة في الباب - عد منها شيخنا الطهراني في الذريعة 16 / 129 عشرة كتب -: تاريخ الطبري 3 / 198، العقد الفريد 2 / 257، تاريخ أبي الفداء 1 / 165، شرح ابن أبي الحديد 2 / 19، اعلام النساء 3 / 1205، إرشاد الساري 2 / 390. وجاء في الامامة والسياسة 1 / 13، وكتاب الامام علي لعبد الفتاح عبد المقصود 1 / 225: وقد خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله، ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟ ! !. وعد العلامة الاميني رحمه الله عشرات المصادر في موسوعته الغدير 3 / 104 و 5 / 147 و 7 / 77، وغيرها. وانظر احقاق الحق 1 / 296، 3 / 549، 10 / 296 - 305 و 433، 14 / 575 - 577 و 618، 19 / 119 و 162، وغيرها.

[107]

قال الشيخ الطبرسي (1) رحمه الله. قيل: إن المراد قرابة الرسول. عن السدي قال: إن علي بن الحسين قال لرجل من أهل الشام - حين بعث به عبيدالله بن زياد إلى يزيد بن معاوية عليهما اللعنة -: أقرأت القرآن ؟ قال: نعم. قال: أما قرأت [وآت ذا القربى حقه] (2) ؟ قال: وإنكم ذو القربى الذي أمر الله أن يؤتى حقه ؟ قال: نعم. وهو الذي رواه أصحابنا رضي الله عنهم عن الصادقين عليهم السلام. وأخبرنا السيد مهدي بن نزار الحسني - باسناد ذكره - عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت قوله: [وآت ذا القربى حقه] (3) أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فدك. قال عبد الرحمن بن صالح: كتب المأمون إلى عبيدالله بن موسى يسأله عن قصة فدك، فكتب إليه عبيد الله بهذا الحديث، رواه عن الفضيل بن مرزوق عن عطية، فرد المأمون فدك على ولد فاطمة، انتهى. وروى العياشي (4) حديث عبد الرحمن بن صالح، إلى آخره. 2 - جا (5): الجعابي، عن محمد (6) بن جعفر الحسني، عن عيسى بن مهران، عن يونس، عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن زينب بنت علي بن أبي طالب - عليه السلام - قالت: لما اجتمع رأي


(1) مجمع البيان 3 / 411. (2 و 3) الاسراء: 26. (4) تفسير العياشي 2 / 287 - 288 حديث 51. (5) أمالي المفيد - المجالس -: 40 - 41 حديث 8. (6) في المصدر: قال: أخبرني أبو بكر محمد بن عمر الجعابي، قال: أخبرنا أبو عبد الله [جعفر بن] محمد.

[108]

أبي بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك والعوالي (1)، وآيست من إجابته لها، عدلت إلى قبر أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله، فألقت نفسها عليه، وشكت إليه ما فعله القوم بها، وبكت حتى بلت تربته صلى الله عليه وآله بدموعها عليها السلام، وندبته. ثم قالت في آخر ندبتها (2): قد كان بعدك أنباء وهنبثة (3) * لو كنت شاهدها لم يكبر (4) الخطب (5) إنا فقدناك فقد الارض وابلها (6) * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا (7) قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * فغبت عنا فكل الخير محتجب وكنت (8) بدرا ونورا يستضاء به * عليك تنزل من ذي العزة الكتب (9)


(1) قال في النهاية 3 / 295: وفيه ذكر العالية والعوالي في غير موضع من الحديث، وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة، والنسبة إليها علوي على غير قياس، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. (2) خ. ل: ندبه. (3) قال في النهاية 5 / 2707: إن فاطمة قالت بعد موت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم:.. الهنبثة واحدة الهنابث، وهي الامور الشداد المختلفة، والهنبثة: الاختلاط في القول، والنون زائدة. (4) في المصدر: لم تكثر. (5) قال في مجمع البحرين 2 / 51: الخطب: الامر الذي يقع فيه المخاطبة والشأن والحال. (6) قال في مجمع البحرين 5 / 490: الوابل: المطر الشديد. (7) أي: عدلوا ومالوا. (8) في المصدر: فكنت. (9) جاءت هذه الابيات في شرح نهج البلاغة هكذا. قد كان بعدك أنباء وهينمة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما قضيت وحالت دونك الكتب تجمتنا رجال واستخف بنا * إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب أقول: الهينمة: الصوت الخفي، وفي طبعة من شرح النهج: الكثب.

[109]

تجهمتنا رجال واستخف بنا * بعد النبي وكل الخير مغتصب سيعلم المتولي ظلم حامتنا * يوم القيامة أنى سوف ينقلب فقد لينا الذي لم يلقه أحد * من البرية لا عجم ولا عرب فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * لنا العيون بتهمال له سكب (1) بيان: الحامة: خاصة الرجل، والتخفيف لضرورة الشعر، قال في النهاية: في الحديث: اللهم إن (2) هؤلاء أهل بيتي وحاميتي (3) أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. حامة الانسان خاصته ومن يقرب منه، وهو الحميم أيضا (4)، انتهى. والتهمال من الهمل، وإن لم يرد في اللغة، قال الجوهري: هملت عينه تهمل وتهمل هملا وهملانا: أي فاضت، وانهملت مثله (5). وقال: سكبت الماء سكبا أي: صببته، وسكب الماء نفسه (6) سكوبا وتسكابا وانسكب بمعنى (7) وسيأتي شرح باقي الابيات في بيان خطبتها. 3 - فر (8): زيد بن محمد بن جعفر العلوي، عن محمد بن مروان، عن


(1) جاءت هذه الشكوى منها سلام الله عليها في جملة من كتب العامة واختلف في مقدار الابيات. انظر: بلاغات النساء لابن طيفور 12، شرح البلاغة لابن أبي الحديد 16 / 212 [4 / 93 ذات اربع مجلدات]، اعلام النساء 3 / 1208، وعد لها مصادر أخرى في إحقاق الحق 19 / 162. (2) لا يوجد في المصدر: إن. (3) في المصدر: حامتي. (4) النهاية 1 / 446، ولا حظ: مجمع البحرين 6 / 52، الصحاح 5 / 1907. (5) الصحاح 5 / 1854، وانظر: لسان الغرب 11 / 710، مجمع البحرين 5 / 501. (6) في الصحاح: بنفسه. (7) الصحاح 1 / 148، وانظر: القاموس 1 / 82، مجمع البحرين 2 / 83. (8) تفسير فرات الكوفي: 159.

[110]

عبيد بن يحيى، عن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام قال: لما (1) نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله، شد رسول الله صلى الله عليه وآله سلاحه وأسرج دابته، وشد علي عليه السلام سلاحه وأسرج دابته، ثم توجها في جوف الليل - وعلي عليه السلام لا يعلم حيث يريد رسول الله صلى الله عليه وآله - حتى [انتهيا] (2) إلى فدك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ! تحملني أو أحملك ؟. فقال علي عليه السلام: أحملك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ! بل أنا أحملك، لاني أطول بك (3) ولا تطول بي. فحمل عليا (4) عليه السلام على كتفيه، ثم قام به، فلم يزل يطول به (5) حتى علا علي (6) سور الحصن، فصعد علي عليه السلام على الحصن ومعه سيف رسول الله صلى الله عليه وآله، فأذن (7) على الحصن وكبر. فابتدر أهل الحصن إلى باب الحصن هرابا، حتى فتحوه وخرجوا منه، فاستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وآله بجمعهم، ونزل علي إليهم، فقتل علي عليه السلام ثمانية عشر من عظمائهم وكبرائهم، وأعطى الباقون بأيديهم، وساق رسول الله صلى الله عليه وآله ذراريهم ومن بقي منهم وغنائمهم يحملونها (8) على


(1) جاء في المصدر:.. يحيى قال سأل محمد بن الحسن رجل حضرنا فقلت جعلت فداك كان من أمر فدك دون المؤمنين على وجهه ففسرها لان، قال: نعم لما... (2) في مطبوع البحار: انتهى، والمثبت من المصدر. (3) أي: أقدر أن أحملك مع قيام صلبي، كذا لغة. انظر: القاموس المحيط 4 / 9. (4) في المصدر: فحمل رسول الله عليا. (5) لا يوجد في المصدر: به. (6) في المصدر: علا علي على. (7) في المصدر: وأذن. (8) في المصدر: يحملون.

[111]

رقابهم إلى المدينة (1). فلم يوجف فيها غير رسول الله صلى الله عليه وآله، فهي له (2) ولذريته خاصة دون المؤمنين. 4 - كنز (3): محمد بن العباس، عن علي بن العباس المقانعي، عن أبي كرب (4)، عن معاوية بن هشام، عن فضيل (5) بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت [فلت ذا القربى حقه] (6) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة - عليها السلام - وأعطاها فدكا. 5 - مد (7): باسناده إلى البخاري من صحيحه (8)، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل بن شهاب (9)، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله


(1) جاءت روايات فتح خبير بيد أمير المؤمنين عليه السلام في جملة من مصادر الفريقين، تجدها في احقاق الحق 3 / 403 و 404 و 410، وفتح فدك بعد خيبر، فراجع. (2) لا يوجد في المصد ر: فهي له. (3) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، لشرف الدين النجفي 1 / 435 حديث 5. (4) في المصدر: أبي كريب. (5) في المصدر: عن فضل. (6) الروم: 38. (7) العمدة: 390 حديث 776. (8) أخرجه البخاري في باب فرض الخمس 5 / 5 عن عائشة، وأخرجه مع ذيله في باب غزوة خيبر 6 / 196 عن عائشة أيضا، وتجده مفصلا في 5 / 177، وغيرها وفي غيره. (9) في المصدر: عن ابن شهاب.

[112]

عليه وآله، ولاعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (1) شيئا. فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي عليه السلام ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي عليه السلام (2). 6 - وروى (3) مثل ذلك من صحيح مسلم بسنده. 7 - مصباح الانوار (4): عن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام (5) قال: قالت فاطمة عليها السلام لعلي عليه السلام: إن لي إليك حاجة يا أبا الحسن. فقال: تقضى (6) يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالت: نشدتك (7) بالله وبحق محمد رسول الله أن لا يصلي علي أبو بكر ولا عمر، فإني لا كتمك (8) حديثا، فقالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه


(1) في المصدر: فاطمة عليها السلام منها. (2) جاءت القصة بطرق متعددة، نص عليها في الغدير 7 / 226 و 227 و 229 و 230، وغيرها مع اختلاف في العبارة. وقارن باحقاق الحق 10 / 296 - 305 عن عدة مصادر. (3) اي ابن بطريق في العمدة: 390 - 391 حديث 777، عن صحيح مسلم 3 / 1380 صدر حديث 52 [طبعة أخرى 2 / 72] كتاب الجهاد. وانظر: مسند احمد 1 / 6 و 9، تاريخ الطبري 3 / 202، سنن البيهقي 6 / 300، تاريخ الخميس 2 / 193، كفاية الطالب: 226، تاريخ ابن كثير 5 / 285، وقال ابن كثير 6 / 333: ولم تزل فاطمة تبغضه مدة حياتها، وسنن أبي داود برقم 2968 و 2969 كتاب الخراج والامارة ورقم 2973، وسنن النسائي 7 / 132 كتاب قسم الفئ، وجامع الاصول 9 / 637 - 638 حديث 7438، وسنن الترمذي 1607 في السير وغيرها. (4) مصباح الانوار: 259 - 260. (5) في المصدر: عليهم السلام. (6) في النسخة: نقضي، والمثبت من المصدر. (7) في المصدر: أنشدتك. (8) في المصدر: لا أكتمك.

[113]

وآله: يا فاطمة ! إنك أول من يلحق بي من أهل بيتي، فكنت أكره أن أسوءك. قال: فلما قبضت أتاه أبو بكر وعمر وقالا: لم لا تخرجها حتى نصلي عليها ؟ فقال: ما أرانا إلا سنصبح، ثم دفنها ليلا، ثم صور برجله حولها سبعة أقبر. قال: فلما أصبحوا أتوه فقالا (1): يا أبا الحسن ! ما حملك على أن تدفن بنت رسول الله (ص) ولم نحضرها ؟ قال: ذلك عهدها إلي. قال: فسكت أبو بكر، فقال عمر: هذا والله شئ في جوفك. فثار إليه أمير المؤمنين عليه السلام فأخذ بتلابيبه (2)، ثم جذبه فاسترخى في يده، ثم قال: والله لو لا كتاب سبق وقول من الله، والله لقد فررت يوم خيبر وفي مواطن، ثم لم ينزل الله لك توبة حتى الساعة. فأخذه أبو بكر وجذبه وقال: قد نهيتك عنه. 8 - فس (3): [وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل] (4) يعني: قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله، ونزلت (5) في فاطمة عليها السلام، فجعل لها فدك. والمسكين من ولد فاطمة، وابن السبيل من آل محمد وولد فاطمة. 9 - فس (6): [مناع للخير] (7)، قال: المناع: الثاني، والخير: ولاية


(1) في المصدر: فقالوا، وكذا في نسخة على هامش المطبوع من البحار. (2) أي: جعل ثيابه في عنقه وصدره ثم قبضه وجره. (3) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 18. (4) الاسراء: 26. (5) في المصدر: وانزلت. (6) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 326. (7) سورة ق: 25، القلم: 12.

[114]

أمير المؤمنين وحقوق آل محمد عليهم السلام. ولما كتب الاول كتاب فدك بردها (1) على فاطمة منعه (2) الثاني، فهو [معتد مريب] (3). 10 - يج (4): روي عن أبي عبد الله عليه السلام: أن (5) رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في غزاة، فلما انصرف راجعا نزل في بعض الطريق، فبينما (6) رسول الله صلى الله عليه وآله يطعم والناس معه إذ أتاه جبرئيل فقال: يا محمد ! قم فاركب. فقام النبي فركب وجبرئيل معه، فطويت له الارض كطي الثوب حتى انتهى إلى فدك. فلما سمع أهل فدك وقع الخيل ظنوا أن عدوهم قد جاءهم، فغلقوا أبواب المدينة ودفعوا المفاتيح إلى عجوز لهم في بيت لهم خارج من المدينة (7)، ولحقوا برؤوس الجبال. فأتى جبرئيل العجوز حتى أخذ المفاتيح، ثم فتح أبواب المدينة، ودار النبي صلى الله عليه وآله في بيوتها وقرأها. فقال جبرئيل: يا محمد ! هذا ما خصك الله به وأعطاكه (8) دون الناس، وهو قوله تعالى: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي


(1) في المصدر: يردها. (2) في المصدر: شقه. (3) سورة ق: 25، وفي مطبوع البحار: [معتد أثيم]، وهي آية 12 من سورة القلم، وليست هي مورد الشاهد في المصدر. (4) الخرائج: 25 [طبعة مدرسة الامام المهدي (ع) 1 / 3 - 112 حديث 187]. (5) في المصدر: أن ابا عبد الله عليه السلام قال: إن. (6) في المصدر: فبينا. (7) في المصدر: خارج المدينة. (8) في المصدر: أعطاك.

[115]

القربى] (1) [في] (2) قوله: [فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء] (3)، ولم يعرف المسلمون ولم يطؤوها، ولكن الله أفاءها على رسوله، وطوف به جبرئيل في دورها وحيطانها، وغلق الباب ودفع المفاتيح إليه. فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله في غلاف سيفه - وهو معلق بالرحل - ثم ركب، وطويت له الارض كطي الثوب، ثم أتاهم (4) رسول الله صلى الله عليه وآله وهم على مجالسهم ولم يتفرقوا ولم يبرحوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد (5) انتهيت إلى فدك، وإني قد أفاءها الله علي. فغمز المنافقون بعضهم بعضا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه مفاتيح فدك، ثم أخرج (6) من غلاف سيفه، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وركب معه الناس. فلما دخل المدينة دخل على فاطمة عليها السلام (7) فقال: يا بنية ! إن الله قد أفاء على أبيك بفدك واختصه بها، فهي له خاصة دون المسلمين (8) أفعل بها ما أشاء وانه قد كان لامك خديجة على أبيك مهر، وإن أباك قد جعلها لك (9)


(1) الحشر: 7. (2) في مطبوع البحار: وذلك، والمثبت من المصدر. (3) الحشر: 6. (4) في المصدر: فأتاهم. (5) في المصدر: للناس قد. (6) في المصدر: أخرجها، على بعض النسخ. (7) في المصدر: فلما دخل على فاطمة عليها السلام، كذا في طبعة مدرسة الامام المهدي (ع) (8) في (س): المؤمنين. (9) في (س): له.

[116]

بذلك، وأنحلتكها لك (1) ولو لدك بعدك. قال (2): فدعا بأديم (3)، ودعا علي بن أبي طالب، فقال: اكتب لفاطمة عليها السلام بفدك نحلة من رسول الله، فشهد (4) على ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام ومولى لرسول الله وأم أيمن، فقال رسول الله إن أم أيمن أمرأة من أهل الجنة. وجاء أهل فدك إلى النبي، فقاطعهم على أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة (5). بيان: آية الفئ في موضعين: احداهما: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل] (6). ثانيتهما: [وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير] (7). والفئ: الرجوع (8) أي ارجعه الله ورده على رسوله. والمشهور أن الضمير في [منهم] راجع إلى بني النضير. والايجاف: من الوجيف وهو السبر السريع (9).


(1) في المصدر: ونحلتكها تكون لك. (2) لا توجد: قال، في (س). (3) في المصدر: بأديم عكاظي. (4) في المصدر: وشهد. (5) وقد سبق من المصنف قدس سره في البحار 17 / 378 حديث 46، وذكره في اثبات الهداة 2 / 116 حديث 515. (6) الحشر: 7. (7) الحشر: 6. (8) كما في: مجمع البحرين 1 / 333، والنهاية 3 / 482، ولسان العرب 1 / 125. (9) أنظر: مجمع البحرين 5 / 127، والنهاية 5 / 157، ولسان العرب 9 / 352.

[117]

والركاب من الابل ما يركب، والواحدة راحلة (1). 11 - قب (2): نزل النبي صلى الله عليه وآله على فدك يحاربهم. ثم قال لهم: وما يأمنكم أن تكونوا آمنين في هذا الحصن وأمضي إلى حصونكم فأفتحها. فقالوا: إنها مقفلة، وعليها من (3) يمنع عنها، ومفاتيحها عندنا. فقال عليه السلام: إن مفاتيحها دفعت إلي، ثم أخرجها وأراها القوم. فاتهموا ديانهم (4) أنه صبا (5) إلى دين محمد، ودفع المفاتيح إليه. فحلف أن المفاتيح عنده، وأنها في سفط (6) في صندوق في بيت مقفل عليه، فلما فتش عنها ففقدت. فقال الديان: لقد أحرزتها وقرأت عليها من التوراة وخشيت من سحره، وأعلم الآن أنه ليس بساحر، وأن أمره لعظيم. فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: من أعطاكها ؟ قال: اعطاني الذي أعطى موسى الالواح: جبرئيل.


(1) كما صرح به في مجمع البحرين 2 / 74، والصحاح: 1 / 138، وقارن به القاموس 1 / 75، ولسان العرب 1 / 431. (2) المناقب لابن شهر اشوب 1 / 142. (3) في المصدر: ما. (4) كذا، ولعله: ديارهم. قال في القاموس 2 / 33: الدير: خان النصارى، جمعه أديار، وصاحبه ديار وديراني، ويقال لمن رأس أصحابه: رأس الدير. وقال في 4 / 225: الديان: القهار والقاضي والحاكم والسائس والحاسب والمجازي الذي لا يضيع عملا. (5) أي: مال. (6) قال في مجمع البحرين 4 / 253: السفط: يعبى فيه الطيب ونحوه، ويستعار للتابوت الصغير وفي (س): سقط.

[118]

فتشهد الديان، ثم فتحوا الباب وخرجوا إلى رسول الله، وأسلم من أسلم (1) منهم، فأقرهم في بيوتهم وأخذ منهم اخماسهم. فنزل: [وآت ذا القربى حقه] (2). قال: وما هو ؟ قال: أعط فاطمة فدكا، وهي من ميراثها من أمها خديجة، ومن أختها هند بنت أبي هالة، فحمل إليها النبي صلى الله عليه وآله ما أخذ منه، وأخيرها بالآية. فقالت: لست أحدث فيها حدثا وأنت حي، أنت أولى بي من نفسي ومالي لك. فقال: أكره أن يجعلوها عليك سبة فيمنعوك إياها من بعدي. فقالت: أنفذ فيها أمرك، فجمع الناس إلى منزلها وأخبرهم أن هذا المال لفاطمة عليها السلام، ففرقه فيهم، وكان كل سنة كذلك، ويأخذ منه قوتها، فلما دنا وفاته دفعه إليها. بيان: السبة - بالضم -: العار (3)، أي: يمنعونها منك فيكون عارا عليك (4). ويحتمل ان يكون شبهة، أو نحوها. 12 - شي (5): عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه،


(1) لا يوجد: من اسلم، في المصدر. (2) الاسراء: 26. (3) كما في الصحاح 1 / 145، والقاموس 1 / 80، وغيرهما. (4) اقول: لعل مراده قدس سره: أن القوم إذا علموا أني دفعت لك وملكتك إياها في حياتي فلا سبيل لهم لمنعك عنها بعد وفاتي، وإلا لكان عارا عليهم، هذا بخلاف ما إذا لم أدفعها لك، فإنهم سيقولون في توجيه منعهم إياك: إنها إن كانت لك فلم أمسكها رسول الله ؟ وتكون سببا لوجاهة دعواهم ظاهرا وردا لدعواك، وهذا عار عليك. (5) تفسير العياشي 1 / 225 حديث 49.

[119]

عن أحدهما قال: إن فاطمة صلوات الله عليها انطلقت إلى أبي بكر فطلبت ميراثها من نبي الله صلى الله عليه وآله. فقال: إن نبي الله لا يورث. فقالت: أكفرت بالله وكذبت بكتابه ؟ قال الله: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين] (1). 13 - شي (2): عن (3) محمد بن حفص بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أنزل الله تعالى: [فلت ذا القربى حقه والمسكين] (4) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل ! قد عرفت المسكين، فمن ذوو القربى (5) ؟ قال: هم أقاربك. فدعى حسنا وحسينا وفاطمة فقال: إن ربي أمرني أن أعطيكم ما (6) أفاء علي، قال: أعطيتكم فدك. 14 - شي (7): عن أبان بن تغلب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام:


(1) النساء: 11. (2) تفسير العياشي 2 / 287. واعلم: أن هنا خلطا بين حديثين على الظاهر، فان السند المذكور يعود إلى سند الحديث 45 والمتن المذكور يعود إلى متن الحديث 46. وإليك عبارة المصدر: عن محمد بن حفص بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت صلاة الاوابين خمسين صلاة كلها ب‍ [قل هو الله أحد]، عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أنزل الله... وبعبارة أو جز في المصدر: عبد الرحمن، بدلا من: محمد بن حفص بن عمر. (3) لا يوجد: عن، في (ك). (4) الروم: 38. (5) في المصدر: ذوي القربى. (6) في المصدر: مما. (7) تفسير العياشي 2 / 287 حديث 47.

[120]

كان (1) رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة عليها السلام فدكا ؟ قال: كان وقفها، فأنزل الله: [وآت ذا القربى حقه] (2) فأعطاها فدكا (3). 15 - شي (4): عن ابن تغلب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام. كان (5) رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة عليها السلام فدكا ؟ قال: كان لها من الله تعالى (6). 16 - شي (7): عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتت فاطمة أبا بكر تريد فدك. فقال (8): هاتي أسود أو أحمر يشهد بذلك. قال: فأتت بأم أيمن. فقال لها: بم تشهدين ؟ قالت: أشهد أن جبرئيل أتى محمدا فقال: إن الله تعالى (9) يقول [فلت ذا القربى حقه] (10)، فلم يدر محمد صلى الله عليه وآله من هم ؟ فقال: يا جبرئيل ! سل ربك من هم ؟ فقال: فاطمة ذو القربى، فأعطاها فدكا.


(1) في (س): أكان. (2) الاسراء: 26. (3) في المصدر: فأعطاها رسول الله حقها، قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاها ؟ قال بل الله أعطاها. (4) تفسير العياشي 2 / 287 حديث 48. (5) في (س): أكان. (6) لا يوجد في المصدر: تعالى. (7) تفسير العياشي 2 / 287 حديث 49. (8) في المصدر: قال. (9) لا يوجد في المصدر: تعالى. (10) الروم: 38.

[121]

فزعموا أن عمر محى الصحيفة وقد كان كتبها أبو بكر. 17 - شي (1): عن عطية العوفي قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر، وأفاء الله عليه فدك، وأنزل عليه: [وآت ذا القربى حقه] (2). قال: يا فاطمة ! لك فدك. 18 - شي (3): عن أبي الطفيل، عن علي عليه السلام قال: قال يوم الشورى: أفيكم أحد تم نوره من السماء حين قال: [وآت ذا القربى حقه والمسكين] (4) ؟ قالوا: لا. 19: فر (5): جعفر بن محمد بن سعيد الاحمسي، معنعنا عن أبي مريم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لما نزلت الآية (6): [وآت ذا القربى حقه] (7) أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فدكا. فقال أبان بن تغلب: رسول الله أعطاها ؟ ! قال: فغضب أبو جعفر عليه السلام، ثم قال: الله اعطاها (8). 20 - فر (9): فرات بن ابراهيم الكوفي، معنعنا عن أبي سعيد الخدري قال:


(1) تفسير العياشي 2 / 287 حديث 50. (2) الاسراء: 26. (3) تفسير العياشي 2 / 288 حديث 52. (4) الاسراء: 26. (5) تفسير فرات الكوفي: 85. (6) في المصدر: هذه الآية. (7) الاسراء: 26. (8) في طبعة (س): خط على (ها) من كلمة: اعطاها. (9) تفسير هرات: 118. ومثله في صفحة: 85، وقد ورد هكذا: فرات قال: حدثنا جعفر معنعنا، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: [وآت ذا القربى حقه] قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكا.

[122]

لما نزلت الآية ادعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة (1) عليها السلام فاعطاها فدكا. فقال: هذا لك ولعقبك بعدك (2) [فلت ذا القربى حقه] (3). 21 - فر (4): الحسين بن الحكم، معنعنا عن عطية قال: لما نزلت هذه الآية [فلت (5) ذا القربى حقه] (6) دعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكا. فكلما لم يوجف عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بخيل ولا ركاب فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله (7) يضعه حيث يشاء، [و] (8) فدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. 22 - فر (9): جعفر بن محمد الفزاري، معنعنا عن ابن عباس في قوله تعالى: [وآت ذا القربى حقه] (10)، وذلك (11) حين جعل رسول الله صلى الله عليه وآله سهم ذي القربى لقرابته، فكانوا يأخذونه على عهد النبي صلى الله عليه


(1) في المصدر: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله الآية [فلت ذا القربى حقه] قال: دعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة... (2) في المصدر: من بعدك. (3) الروم: 38، والآية لم ترد في المصدر. (4) تفسير فرات: 119، وفيه: عن الحسين بن سعيد معنعنا عن أبي سعيد. (5) في المصدر: [وآت] وعليه فتكون الآية: 26 من سورة الاسراء. (6) الروم: 38. (7) في (ك): خاصة. (8) زيادة من المصدر. (9) تفسير فرات: 119. (10) الاسراء: 26. (11) في المصدر: وذاك.

[123]

وآله (1) حتى توفي، ثم حجبوا (2) الخمس عن قرابته فلم يأخذوه. أقول: روى السيد ابن طاووس في كتاب سعد السعود (3) من تفسير محمد ابن العباس بن علي بن مروان، قال: روي حديث فدك في تفسير قوله تعالى: [وآت ذا القربى حقه] (4) عن عشرين طريقا. 23 - فمنها: ما رواه عن محمد بن محمد بن سليمان الاعبدي، وهيثم (5) ابن خلف الدوري، وعبد الله بن سليمان بن الاشعب، ومحمد بن القاسم بن زكريا، قالوا: حدثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا علي بن عابس. 24 -: وحدثنا جعفر بن محمد الحسيني، عن علي بن المنذر الطريقي، عن علي بن عابس، عن (6) فضل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: [وآت ذا القربى حقه] (7) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة وأعطاها فدكا. 25 -: وقال رحمه الله في كشف المحجة (8) فيما أوصى إلى ابنه: قد وهب جدك محمد صلى الله عليه وآله أمك فاطمة صلوات الله عليها فدكا والعوالي (9). وكان دخلها في رواية الشيخ عبد الله بن حماد الانصاري أربعة وعشرين الف دينار في كل سنة، وفي رواية غيره سبعين الف دينار.


(1) في المصدر: عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: حجب. (3) سعد السعود: 101 - 102. (4) الاسراء: 26. (5) في المصدر: ابراهيم، بدلا من: هيثم. (6) في المصدر: عن علي بن عباس قال حدثنا. (7) الاسراء: 26. (8) كشف المحجة: 124. (9) في المصدر: العوالي من جملة مواهبه.

[124]

26 - ع (1): أبي، عن علي (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما منع أبو بكر فاطمة عليها السلام فدكا (3) وأخرج وكيلها، جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد، وأبو بكر جالس وحوله المهاجرون والانصار. فقال: يا أبا بكر ! لم منعت فاطمة ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله لها ووكيلها فيه منذ سنين ؟ ! فقال أبو بكر: هذا فئ للمسلمين، فإن أتت بشهود عدول، وإلا فلا حق لها فيه. قال: يا ابا بكر ! تحكم فينا بخلاف ما تحكم في المسلمين ؟ ! قال: لا. قال: أخبرني لو كان في يد المسلمين شئ فادعيت أنا فيه، من (4) كنت تسأل البينة ؟ قال: إياك كنت أسال. قال: فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون، تسألني فيه البينة ؟ قال: فسكت أبو بكر، فقال عمر: هذا فئ للمسلمين، ولسنا من (5) خصومتك في شئ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام لابي بكر: يا أبا بكر ! تقر بالقرآن ؟ قال: بلى.


(1) علل الشرائع: 190 - 192 حديث 1. (2) في المصدر: أبي رحمه الله قال: حدثنا علي بن ابراهيم. (3) لا يوجد: فدكا، في مطبوع البحار، والمثبت من المصدر. (4) في المصدر: ممن. (5) في (س): في.

[125]

قال: أخبرني (1) عن قول الله عزوجل: [أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا] (2) فينا (3) أو في غيرنا نزلت ؟ قال: فيكم (4). قال: فأخبرني (5) لو أن شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمة عليها السلام بفاحشة ما كنت صانعا ؟ قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على نساء المسلمين ! ! ! قال: كنت إذا عند الله من الكافرين. قال: ولم ؟ قال: لانك كنت ترد شهادة الله وتقبل شهادة غيره، لان الله عزوجل قد شهد لها بالطهارة، فإذا رددت شهادة الله وقبلت شهادة غيره كنت عند الله من الكافرين. قال: فبكى الناس، وتفرقوا، ودمدموا. فلما رجع أبو بكر إلى منزله بعث إلى عمر فقال: ويحك يا بن الخطاب ! أما رأيت عليا وما (6) فعل بنا ؟ والله لئن قعد مقعدا آخر ليفسدن هذا الامر علينا


(1) في المصدر: فأخبرني. (2) الاحزاب: 33. (3) في المصدر: أفينا. (4) اطبق الفريقان على نزول هذه الآية الكريمة في بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم أجمعين. انظر: مسند احمد 1 / 331 عن ابن عباس، مستدرك الصحيحين 3 / 132 وقال عنه: هذا حديث صحيح الاسناد، المناقب للخوارزمي: 75، البداية والنهاية 7 / 337، الاصابة 2 / 509. وراجع الغدير 1 / 51، 3 / 196، 5 / 416. واحقاق الحق 2 / 501 - 562، 3 / 513 - 531، 9 / 1 - 69، 14 / 40 - 105، 18 / 359 - 383، عن مصادر جمة من طرق العامة. (5) في (س): أخبرني. (6) في (ك): ما، بدون واو.

[126]

ولا نتهنأ بشئ ما دام حيا. قال عمر: ما له إلا خالد بن الوليد. فبعثوا إليه، فقال له أبو بكر: نريد أن نحملك على أمر عظيم. قال: احملني على ما شئت ولو على قتل علي. قال: فهو قتل علي. قال: فصر بجنبه، فإذا أنا سلمت فاضرب عنقه. [فبعثت] (1) اسماء بنت عميس - وهي أم محمد بن أبي بكر - خادمتها فقالت: اذهبي إلى فاطمة فاقرئيها السلام، فإذا دخلت من الباب فقولي: [إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين] (2)، فان فهمتها وإلا فأعيديها مرة أخرى. فجاءت فدخلت، وقالت: إن مولاتي تقول يا بنت رسول الله كيف أنت (3) ثم قرأت هذه الآية: [إن يأتمرون بك ليقتلوك] (4)، فلما أرادت أن تخرج قرأتها. فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: اقرئيها (5) السلام وقولي لها: إن الله عزوجل يحول بينهم وبين ما يريدون إن شاء الله. فوقف خالد بن الوليد بجنبه، فلما أراد أن يسلم لم يسلم، [و] (6) قال: يا خالد ! لا تفعل ما أمرتك، السلام عليكم (7).


(1) في مطبوع البحار: فبعث، والمثبت من المصدر. (2) القصص: 20. (3) في المصدر: انتم، وهي نسخة بدل في مطبوع البحار. (4) القصص: 20، وفي المصدر ورد بعدها لفظ: الآية. (5) في المصدر: اقرئي مولاتك مني. (6) زيادة من المصدر. (7) في المصدر: ورحمة الله وبركاته.

[127]

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذا (1) الذي أمرك به ثم نهاك قبل أن يسلم ؟ قال: أمرني بضرب عنقك، وانما أمرني بعد التسليم. فقال: وكنت (2) فاعلا ؟ فقال: إي والله، لو لم ينهني لفعلت. قال: فقام أمير المؤمنين عليه السلام فأخذ بمجامع ثوب خالد، ثم ضرب به الحائط، وقال لعمر: يا بن الصهاك (3) ! والله لو لا عهد من رسول الله وكتاب من الله سبق لعلمت أينا أضعف جندا وأقل عددا. أقول: الدمدمة: الغضب، ودمدم عليه: كلمه مغضبا (4). 27 - ج (5): عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بويع أبو بكر واستقام له الامر على جميع المهاجرين والانصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله منها. فجاءت فاطمة عليها السلام (6) إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر ! لم (7) تمنعني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، واخرجت وكيلي من فدك ؟ ! وقد جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله تعالى. فقال: هاتي على ذلك بشهود. فجاءت بأم أيمن، فقالت (8): لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما


(1) في المصدر: ما هذا الامر. (2) في المصدر: أو كنت. (3) في المصدر: صهاك. (4) انظر: القاموس 4 / 114، لسان العرب 12 / 209، وغيرهما. (5) الاحتجاج 1 / 90 - 95 [طبعة النجف: 1 / 119 - 127]. (6) في المصدر: الزهراء عليها السلام. (7) في المصدر: ثم قالت لم. (8) في المصدر: فقالت له أم أيمن.

[128]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن (1) أم أيمن امرأة من أهل الجنة ؟ فقال: بلى. قالت: فأشهد أن الله عزوجل أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله [فلت ذا القربى حقه] (2) فجعل فدك لفاطمة بأمر الله. وجاء (3) علي فشهد بمثل ذلك. فكتب لها كتابا ودفعه إليها. فدخل عمر، فقال: ما هذا الكتاب ؟ فقال: إن فاطمة ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي فكتبته (4). فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزقه (5). فخرجت فاطمة عليها السلام تبكي. فلما كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر - وهو في المسجد وحوله المهاجرون والانصار - فقال: يا أبا بكر ! لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال أبو بكر: إن (6) هذا فئ للمسلمين، فأن أقامت شهودا أن رسول الله جعله لها، وإلا فلا حق لها فيه (7). فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله: يا أبا بكر ! تحكم فينا بخلاف


(1) لا يوجد في المصدر: إن. (2) الروم: 38. (3) في المصدر: فجعل فدكا لها طعمة بأمر الله فجاء. (4) في المصدر: فكتبته لها. (5) في المصدر: فتفل فيه ومزقه. (6) لا يوجد في المصدر: إن. (7) لا يوجد في (س): فيه.

[129]

حكم الله في المسلمين ؟ قال: لا. قال: فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ثم ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة ؟ قال: إياك كنت (1) أسال البينة. قال: فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده، ولم تسأل المسلمين البينة (2) على ما ادعوها شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟ ! فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا علي ! دعنا من كلامك، فإنا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فئ للمسلمين، لا حق لك ولا لفاطمة فيه. فقال علي عليه السلام: يا أبا بكر ! تقرأ كتاب الله ؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن قول الله عزوجل: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (3) فينا نزلت أو في غيرنا (4) ؟ ! قال: بل فيكم. قال: فلو أن شهودا شهدوا (5) على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بفاحشة ما كنت صانعا بها ؟ !


(1) لا يوجد في المصدر: كنت. (2) في المصدر: بينة. (3) الاحزاب: 33. (4) في نسخة جاءت الجملة هكذا: فيمن نزلت ؟ أفينا أم في غيرنا ؟، وكذا في المصدر إلا أن الهمزة الاستفهامية لا توجد فيه. (5) خ. ل: شاهدين شهدا.

[130]

قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر نساء العالمين (1) ! ! ! قال: كنت إذا عند الله (2) من الكافرين. قال: ولم ؟ قال: لانك رددت شهادة الله لها بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدك وقبضته (3) في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، واخذت منها فدكا، وزعمت أنه فئ للمسلمين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فرددت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه. قال: فدمدم الناس وأنكر بعضهم (4) وقالوا: صدق والله علي (5)، ورجع علي عليه السلام (6) إلى منزله. قال: ودخلت (7) فاطمة عليها السلام المسجد، وطافت على قبر (8) أبيها، وهي تقول: قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب


(1) في نسخة: المسلمين، وكذا في المصدر. (2) في المصدر: كما أقيمه على نساء المسلمين، قال إذن كنت عند الله. (3) في المصدر: فدكا قد قبضته. (4) في المصدر: وأنكروا ونظر بعضهم إلى بعض. (5) في المصدر: علي بن أبي طالب. (6) لا يوجد في المصدر: علي عليه السلام. (7) في المصدر: ثم دخلت. (8) في المصدر: بقبر.

[131]

إنا فقدناك فقد الارض وابلها واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا (1) قد كان جبريل بالآيات يونسنا فغاب عنا فكل الخير محتجب قد كنت (2) بدرا ونورا يستضاء به عليك تنزل (3) من ذي العزة الكتب تهجمتنا رجال واستخف بنا إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت منا العيون بتهمال لها سكب (4) قال: فرجع أبو بكر وعمر إلى منزلهما، وبعث أبو بكر إلى عمر ثم دعاه، فقال (5): أما رأيت مجلس علي منا في هذا اليوم ؟ والله لان قعد مقعدا مثله ليفسدن أمرنا (6)، فما الرأي ؟. قال (7) عمر: الرأي أن نأمر (8) بقتله. قال: فمن يقتله ؟


(1) في المصدر: ولا تغب. (2) في المصدر: وكنت. (3) في المصدر: ينزل. (4) قد مر توضيح بعض كلمات الشعر في صفحة: 109 ويأتي بعضها في صفحة: 247، فراجع. (5) في المصدر: فدعاه ثم قال له. (6) في المصدر: والله لان قعد مقعدا آخر مثله ليفسدن علينا أمرنا. (7) في المصدر: فقال. (8) في المصدر: تأمر.

[132]

قال: خالد بن الوليد، فبعثا (1) إلى خالد فأتاهم (2). فقالا له: نريد أن نحملك على أمر عظيم. فقال: إحملوني على ما شئتم (3)، ولو على قتل علي بن أبي طالب. قالا: فهو ذاك (4). قال خالد: متى أقتله ؟ قال أبو بكر: احضر المسجد وقم بجنبه في الصلاة، فإذا سلمت قم (5) إليه واضرب عنقه. قال: نعم. فسمعت أسماء بنت عميس - وكانت تحت أبي بكر - فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل علي وفاطمة عليهما السلام واقرئيهما السلام، وقولي لعلي: [إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين] (6). فجاءت الجارية إليهم فقالت لعلي: إن أسماء بنت عميس تقرأ عليك السلام وتقول: [إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين] (7). فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قولي (8) لها: إن الله يحول بينهم وبين ما يريدون.


(1) خ. ل: فبعثوا، وهو في طبعة النجف. (2) في المصدر: خالد بن الوليد فأتاهما. (3) في المصدر: قال احملاني على ما شئتما. (4) في المصدر: ذلك. (5) في المصدر: فقم. (6 و 7) القصص: 20. اقول: من قوله: الجارية إليهم.. إلى آخر هذه الآية الكريمة لا يوجد في المصدر المطبوع. والظاهر سقوطه. (8) لا يوجد لفظ: قولي، في (س).

[133]

ثم قام وتهيأ للصلاة، وحضر المسجد، وصلى لنفسه (1) خلف أبي بكر، وخالد بن الوليد بجنبه (2) ومعه السيف، فلما جلس أبو بكر للتشهد (3) ندم على ما قال وخاف الفتنة، وعرف شدة علي وبأسه، فلم يزل متفكرا لا يجسر أن يسلم، حتى ظن الناس أنه سها (4). ثم التفت إلى خالد وقال (5): يا خالد ! لا تفعلن ما أمرتك، السلام (6) عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا خالد ! ما الذي أمرك به ؟. قال (7): أمرني بضرب عنقك. قال: أو كنت فاعلا ؟. قال: اي والله لولا أنه قال لي: لا تفعله (8) قبل التسليم لقتلتك. قال: فأخذه علي فجلد (9) به الارض، فاجتمع الناس عليه. فقال عمر: يقتله ورب الكعبة. فقال الناس: يا أبا الحسن ! الله الله، بحق صاحب القبر. فخلى عنه، ثم التفت إلى عمر فأخذ بتلابيبه فقال (10): يا بن صهاك ! والله لولا عهد من رسول الله وكتاب من الله سبق لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا


(1) لا يوجد في المصدر: لنفسه. (2) في المصدر: يصلي بجنبه. (3) في المصدر: في التشهد. (4) في المصدر: قد سها. (5) في المصدر: فقال. (6) في المصدر: والسلام. (7) في المصدر: فقال. (8) في المصدر: لا تقتله. (9) خ. ل: فضرب. (10) في المصدر: وقال.

[134]

ودخل منزله. 28 - فس (1): أبي، عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام: مثله. وفيه: فأخذ عمر الكتاب من فاطمة عليها السلام فمزقه، وقال: هذا فئ المسلمين، وقال: أوس بن الحدثان وعائشة وحفصة يشهدون على رسول الله - صلى الله عليه وآله - بأنه قال: إنا معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة، وان (2) عليا زوجها يجر إلى نفسه، وأم أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه. فخرجت فاطمة صلوات الله عليها من عند هما باكية حزينة، فلما كان بعد هذا جاء علي. وفيه بعد قوله لها (3): نغتصب ك فكل أهل له قربى (4) ومنزلة عند إلاله على الادنين يقترب أبدت رجال لنا نجوى (5) صدورهم لما مضيت وحالت دونك الكتب (6) فقد رزينا بما لم يرزه (7) أحد من البرية لا عجم ولا عرب


(1) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 155 - 159. (2) في المصدر: فإن. (3) في (ك): بها، بدلا من: لها. (4) في المصدر: قرب. (5) في المصدر: فحوى. (6) في المصدر: الكثب. (7) في المصدر: يرزأه.

[135]

وقد رزينا به محضا خليقته صافي الضرائب والاعراق والنسب فأنت خير عباد الله كلهم وأصدق الناس حين الصدق والكذب وفيه بعد البيت الاخير: سيعلم المتولي ظلم حامتنا (1) يوم القيامة أنا كيف ننقلب (2) بيان: تجهمتنا، في بعض النسخ: تهضمتنا، يقال: تهضمه أي: ظلمه (3). وفي (فس) [تفسير علي بن ابراهيم] فغمصتنا، من غمصت الشئ احتقرته (4)، والتشديد للتكثير والمبالغة، ويقال: رزأه ماله كجعله وعمله رزءا - بالضم - أصاب منه شيئا. والرزيئة: المصيبة (5). والضريبة: الطبيعة (6). والعرق: أصل كل شئ، والجمع عروق وأعراق (7). وفي (فس) [تفسير علي بن ابراهيم] مكان قوله: بتهمال: بهمال كشداد. وفي بعض الروايات مكان العيون: الشؤون.


(1) في المصدر: خامتنا. (2) في المصدر: ينقلب. (3) انظر: القاموس 4 / 191، الصحاح 5 / 2059، مجمع البحرين 6 / 187. (4) انظر: مجمع البحرين 4 / 176، القاموس 2 / 310، لسان العرب 7 / 61، النهاية 3 / 386. (5) انظر: القاموس 1 / 16، مجمع البحرين 1 / 183، الصحاح 1 / 53. (6) انظر: لسان العرب 1 / 549، القاموس 1 / 95، الصحاح 1 / 169. (7) انظر: لسان العرب 10 / 241، القاموس 3 / 263، تاج العروس 7 / 8.

[136]

والتلبيب: ما في بعض اللبب من الثياب، واللبب موضع القلادة (1). 29 - ج (2): روي أن أبا بكر وعمر بعثا إلى خالد بن الوليد، فواعداه وفارقاه على قتل علي عليه السلام، فضمن (3) ذلك لهما. فسمعت أسماء (4) بنت عميس امرأة أبي بكر وهي (5) في خدرها، فأرسلت خادمة لها وقالت: ترددي في دار علي عليه السلام وقولي (6): [إن (7) الملا يأتمرون بك ليقتلوك] (8). ففعلت الجارية، وسمعها علي عليه السلام فقال: رحمها الله، قولي لمولاتك، فمن يقتل الناكثين والقاسطين والمارقين (9) ؟ ووقعت المواعدة لصلاة الفجر، إذ كان أخفى وأخوت للسدفة (10) والشبهة (11)، ولكن الله بالغ أمره، وكان أبو بكر قال لخالد بن الوليد: إذا انصرفت من الفجر (12) فاضرب عنق علي. فصلى إلى جنبه لاجل ذلك، وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب، فندم، فجلس في صلاته حتى كادت الشمس تطلع، يتعقب الآراء ويخاف الفتنة ولا يأمن على نفسه، فقال قبل أن يسلم في صلاته: يا خالد ! لا تفعل ما أمرتك


(1) انظر: القاموس 1 / 127، تاج العروس 1 / 466 - 467، لسان العرب 1 / 734. (2) الاحتجاج 1 / 89 - 90 [طبعة النجف: 1 / 117 - 118] (3) في المصدر: وضمن. (4) في المصدر: فسمعت ذلك الخبر اسماء. (5) لا يوجد في المصدر: وهي. (6) في المصدر: وقولي له. (7) لا يوجد في المصدر: إن. (8) القصص: 20. (9) في المصدر: الناكثين والمارقين والقاسطين. (10) خ. ل: واختيرت للسدفة، وكذا في المصدر، واشار إليه المصنف في بيانه. (11) في المصدر زيادة: فانهم كانوا يغسلون بالصلاة حتى لا تعرف المرأة من الرجل. (12) في المصدر: صلاة الفجر.

[137]

به، ثلاثا. وفي رواية أخرى: لا يفعلن خالد ما أمرته (1). فالتفت علي عليه السلام، فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه، فقال: يا خالد (2) ! أو كنت فاعلا ؟ ! فقال: إي والله، لولا أنه نهاني لوضعته في أكثرك شعرا. فقال له علي عليه السلام: كذبت لا أم لك، من يفعله أضيق حلقة است منك، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا ما سبق من القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا وأضعف جندا. وفي رواية أبي ذر (3) رحمه الله: أن أمير المؤمنين عليه السلام أخذ خالدا بإصبعيه - السبابة والوسطى - في ذلك الوقت، فعصره عصرا، فصاح خالد صيحة منكرة، ففزع الناس، وهمتهم أنفسهم، وأحدث خالد في ثيابه، وجعل يضرب برجليه (4) ولا يتكلم. فقال أبو بكر لعمر: هذه مشورتك المنكوسة، كأني كنت أنظر إلى هذا وأحمد الله على سلامتنا. وكلما دنا أحد ليخلصه من يده عليه السلام لحظه (5) لحظة تنحى عنه راجعا (6). فبعث أبو بكر عمر (7) إلى العباس، فجاء وتشفع إليه وأقسم عليه، فقال:


(1) في المصدر: لا يفعلن خالد ما أمر به. (2) في المصدر: يا خالد ما الذي أمرك به ؟ قال: بقتلك يا أمير المؤمنين، قال. (3) في المصدر: وفي رواية أخرى لابي ذر. (4) في المصدر: برجليه الارض. (5) لا يوجد في المصدر عليه السلام لحظه. (6) في المصدر: رعبا بدلا من: راجعا. (7) في المصدر: وعمر.

[138]

بحق (1) القبر ومن فيه، وبحق ولديه وأمهما إلا تركته. ففعل ذلك، وقبل العباس بين عينيه. بيان: وأخوت، قال الفيروز آبادي: خات الرجل ماله: تنقصه، والخوات - بالتشديد -: الرجل الجرئ، وخات الرجل: اختطف، واختات الذئب (2) الشاة: ختلها فسرقها، وخاوت طرفه دوني: سارقه (3). وفي اكثر النسخ: واختيرت السدفة - بالضم (4) -: الظلمة، أو اختلاط الضوء والظلمة معا لوقت ما بين طلوع الفجر إلى الاسفار (5). في أكثرك شعرا، أي: في رأسك، فإنه أكثر أجزاء البدن شعرا. والاست - بالكسر -: الدبر (6)، ويحتمل أن يكون ضيقه كناية عن الجرأة والشجاعة. ثم اعلم: أن هذه القصة من المشهورات بين الخاصة والعامة، وإن أنكره (7) بعض المخالفين. وقال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة (8): سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد (9) فقلت له: إني لاعجب من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدة


(1) في الاحتجاج: بحق هذا القبر. (2) لا يوجد في المصدر: الذئب. (3) القاموس 1 / 147، وانظر: تاج العروس 1 / 542 - 543، لسان العرب 2 / 32. (4) وتقرأ بالفتح أيضا. (5) انظر: القاموس 3 / 151، تاج العروس 6 / 136، لسان العرب 9 / 146. (6) قال في الصحاح 6 / 2233 والقاموس 4 / 285 ولسان العرب 2 / 495: الاست: العجز أو حلقة الدبر. (7) كذا. (8) شرح نهج البلاغة 3 / 301 - 302 باختلاف يسير. (9) في المصدر: زيد بن أبي زيد رحمه الله.

[139]

الطويلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! وكيف ما اغتيل وفتك به (1) في جوف منزله مع تلظي الاكباد عليه ؟ ! فقال: لولا أنه أرغم أنفه بالتراب، ووضع خده في حضيض الارض، لقتل، ولكنه أخمل نفسه، واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الاول وذلك الشعار، ونسي السيف، وصار كالفاتك (2) يتوب ويصير سائحا في الارض أو راهبا في الجبال، فلما (3) أطاع القوم الذين ولوا الامر وصار أذل لهم من الحذاء، تركوه وسكتوا عنه، ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي الامر، وباطن في السر منه، فلما لم يكن لولاة الامر باعث وداع إلى قتله وقع الامساك عنه، لولا ذلك لقتل، ثم الاجل (4) بعد معقل حصين. فقلت له: أحق ما يقال في حديث خالد ؟. فقال: إن قوما من العلوية يذكرون ذلك (5). وقد روي أن رجلا جاء إلى زفر بن الهذيل - صاحب أبي حنيفة - فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم نحو الكلام والفعل الكثير أو الحدث ؟. فقال: إنه جائز، قد قال أبو بكر في تشهده ما قال. فقال الرجل: وما الذي قاله أبو بكر ؟. قال: لا عليك. قال (6): فأعاد عليه السؤال ثانية وثالثة.


(1) أي: ما قتل وجرح غرة. (2) أي: كاللاج والمصر، وتكون بمعنى: الجرئ والشجاع. (3) في المصدر: ولما. (4) في المصدر: اجل. (5) في المصدر: ذلك ثم قال. (6) لا يوجد: قال، في المصدر.

[140]

فقال: أخرجوه أخرجوه، قد كنت أحدث أنه من أصحاب أبي الخطاب. قلت له: فما الذي تقوله أنت ؟. قال: أنا أستبعد ذلك، وانه (1) روته الامامية.. إلى آخر ما قال. 30 - ج (2): رسالة أمير المؤمنين عليه السلام (3) إلى أبي بكر، لما بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء عليها السلام فدك: شقوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازتم سفن النجاة، وحطوا تيجان أهل الفخر بجميع (4) أهل الغدر، واستضيؤوا (5) بنور الانوار، واقتسموا مواريث الطاهرات الابرار، واحتقبوا ثقل الاوزار، بغصبهم نحلة النبي المختار. فكأني بكم تترددون في العمى كما يتردد البعير في الطاحونة، أما والله لو أذن لي بما ليس لكم به علم لحصدت رؤوسكم عن أجسادكم كحب الحصيد بقواضب من حديد، ولقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به آماقكم، وأوحش به محالكم. فإني منذ عرفتموني (6) مردي العساكر، ومفني الجحافل، ومبيد خضرائكم، ومخمد ضوضائكم (7)، وجزار (8) الدوارين إذ أنتم في بيوتكم معتكفون، وإني لصاحبكم بالامس، لعمر أبي (9) لن تحبوا أن تكون (10) فينا الخلافة والنبوة وأنتم


(1) في المصدر: وان. (2) الاحتجاج 1 / 95 - 97 [طبعة النجف: 1 / 127 - 130]. (3) في المصدر: لامير المؤمنين عليه السلام. (4) خ. ل: بجمع. (5) في نسخة: واستضاؤوا، وكذا في المصدر. (6) في المصدر: مذ عرفت. (7) خ. ل: ضوضاتكم وفي الاحتجاج: طبعة النجف: ومخمل. (8) في المصد ر: وجرار. (9) في المصدر: أبي وأمي. (10) في الاحتجاج: ان يكون.

[141]

تذكرون أحقاد بدر وثارات أحد. أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحى، فان نطقت تقولون حسد (1)، وإن سكت فيقال جزع ابن أبي طالب (2) من الموت، هيهات هيهات. أنا (3) الساعة يقال لي هذا، وأنا الموت المميت، خواض المنيات (4) في جوف ليل خامد (5)، حامل السيفين الثقيلين، والرمحين الطويلين، ومكسر (6) الرايات في غطامط الغمرات، ومفرج الكربات عن وجه خيرة البريات (7)، ايهنوا (8) فوالله لابن أبي طالب انس بالموت من الطفل إلى محالب أمه، هبلتكم الهوابل !. لو بحت بما أنزل الله فيكم في كتابه (9) لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوي البعيدة، ولخرجتم من بيوتكم هاربين، وعلى وجوهكم هائمين، ولكني أهون وجدي حتى ألقى ربي بيد جذاء صفراء من لذاتكم، خلوا من طحناتكم. فما مثل دنياكم عندي إلا كمثل غيم علا فاستعلى، ثم استغلظ فاستوى، ثم تمزق فانجلى.


(1) في المصدر: يقولون حسدا. (2) في المصدر: فيقال ابن أبي طالب جزع. (3) لا يوجد في المصدر: أنا. (4) في المصد ر: المميت المائت وخواض المنايا. (5) في المصدر: ليل حالك، وكذا في نسخة على حاشية المطبوع من البحار. (6) في المصدر: ومنكس. (7) في المصدر: خير البريات. (8) هذه الكلمة فعل أمر من وهن يوهن كوجل يوجل: إذا ضعف في العمل أو الامر، أي: كونوا ضعفاء لانكم خفتم من الموت في سبيل الحق وصار الامر إلى ما رأيتم، ويأتي من المصنف قدس سره أنه جمع ايها إن لم يكن تصحيفا. (9) في المصدر: الله سبحانه في كتابه فيكم.

[142]

رويدا ! فعن قليل ينجلي لكم القسطل، فتجدون (1) ثمر فعلكم مرا أم (2) تحصدون غرس أيديكم ذعافا ممزقا (3)، وسما قاتلا. وكفى بالله حكما (4)، وبرسول الله خصيما (5)، وبالقيامة موقفا، ولا أبعد الله فيها سواكم، ولا أتعس فيها غيركم، والسلام على من اتبع الهدى. فلما أن قرأ أبو بكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا، وقال: يا سبحان الله ! ما اجرأه علي، وأنكله عن (6) غيري. معاشر المهاجرين والانصار ! تعلمون أني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول الله فقلتم: إن الانبياء لا يورثون، وإن هذه أموال يجب أن تضاف إلى مال الفئ، وتصرف في ثمن الكراع والسلاح وابواب الجهاد ومصالح الثغور، فأمضينا رأيكم ولم يمضه من يدعيه. وهو ذا يبرق وعيدا، ويرعد تهديدا، إيلاء بحق نبيه أن يمضخها (7) دما ذعافا. والله ! لقد استقلت منها فلم اقل، واستعزلتها عن نفسي فلم أعزل، كل ذلك احترازا من كراهية ابن أبي طالب (8)، وهربا من نزاعه، ومالي لابن (9) أبي


(1) في المصدر: وتجنون. (2) وفي نسخة: أو، وفي المصدر: واو بدلا من: ام. (3) في المصدر: ممقرا. (4) خ. ل: حكيما، وكذا في المصدر. (5) في نسخة: خصما. (6) خ. ل: على بدلا من: عن. (7) في المصدر: بحق محمد أن يمضحها. قال في القاموس 2 / 227: مضح عرضه كمنع يمضحه مضحا: شانه وعابه.. وعنه ذب ودفع.. والابل انتشرت. (8) في المصدر: كل ذلك كراهية مني لابن أبي طالب. (9) في المصدر: ما لي ولابن.

[143]

طالب ! هل (1) نازعه أحد ففلج عليه ؟ !. فقال له عمر: أبيت أن تقول إلا هكذا، فأنت ابن من لم يكن مقداما في الحروب، ولا سخيا في الجدوب، سبحان الله ! ما أهلع فؤادك، وأصغر نفسك [قد صفيت] (2) لك سجالا لتشربها، فأبيت إلا أن تظمأ كظمائك، وأنخت لك رقاب العرب، وثبت لك امارة (3) أهل الاشارة والتدبير، ولو لا ذلك لكان ابن أبي طالب قد صير عظامك رميما، فاحمد الله على ما قد وهب لك مني، واشكره على ذلك، فانه من رقى منبر رسول الله كان حقيقا عليه أن يحدث لله شكرا. وهذا علي بن أبي طالب الصخرة الصماء التي لا ينفجر ماؤها إلا بعد كسرها، والحية الرقشاء التي لا تجيب إلا بالرقى (4)، والشجرة المرة التي لو طليت بالعسل لم تنبت إلا مرا، قتل سادات قريش فأبادهم، وألزم آخرهم العار ففضحهم. فطب نفسا (5)، ولا تغرنك صواعقه، ولا تهولنك رواعده (6)، فإني أسد بابه قبل أن يسد بابك. فقال (7) أبو بكر: ناشدتك الله يا عمر لما تركتني (8) من أغاليطك وتر بيدك، فوالله لم هم (9) بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ما (10) ينجينا منه إلا (11) ثلاث


(1) في المصدر: أهل. (2) في مطبوع البحار: صفت، والمثبت من المصدر. (3) خ. ل: اشارة، ولم يرد في المصدر لفظ: امارة أهل. (4) في نسخة: لا تؤثر فيه الرقى. (5) خ. ل: من نفسك، وفي المصدر: عن نفسك نفسا. (6) في المصدر: رواعده وبوارقه. (7) في المصدر: فقال له. (8) في المصدر: أن تتركني. (9) في المصدر: لوهم ابن أبي طالب. (10) في المصدر: وما. (11) في المصدر: إلا إحدى.

[144]

خصال: إحداها: أنه واحد لا ناصر له (1). والثانية: أنه يتبع (2) فينا وصية رسول الله. والثالثة: فما (3) من هذه القبائل أحد إلا وهو يتخضمه كتخضم ثنية الابل أوان الربيع (4). فتعلم لو لا ذلك لرجع الامر إليه ولو (5) كنا له كارهين، أما إن هذه الدنيا أهون عليه من لقاء أحدنا الموت (6). أنسيت له يوم أحد وقد فررنا بأجمعنا وصعدنا الجبل، وقد أحاطت به ملوك القوم وصناديدهم، موقنين بقتله، لا يجد محيصا (7) للخروج من أوساطهم، فلما أن سدد القوم (8) رماحهم، نكس نفسه عن دابته حتى جاوزه طعان القوم، ثم قام قائما في ركابه (9) وقد طرق عن سرجه وهو يقول: يا الله يا الله ! يا جبريل يا جبريل ! يا محمد يا محمد ! النجاة النجاة !. ثم عهد (10) إلى رئيس القوم فضربه ضربة على رأسه (11) فبقي على فك (12) ولسان، ثم عمد إلى صاحب الراية العظمى فضربه ضربة على جمجمته ففلقها،


(1) في المصدر: أحدها أنه وحيد ولا ناصر له وفي مطبوع النجف: احداها. (2) في المصدر: ينتهج. (3) في المصدر: أنه ما. (4) في نسخة: ألا وقد خضمه خضمة الابل نبتة الربيع. وفي المصدر: الثنية. (5) في المصدر: رجع الامر إليه وإن. (6) في المصدر: اهون إليه من لقاء أحدنا للموت. (7) في مطبوع البحار: عنه محيصا. (8) في الاحتجاج: سدد عليه القوم. (9) في المصدر: ركابيه. (10) في المصدر: عمد. (11) في المصدر: أم رأسه. (12) في المصدر: فك واحد.

[145]

فمر (1) السيف يهوى في جسده فبراه ودابته نصفين. فلما (2) أن نظر القوم إلى ذلك انجفلوا (3) من بين يديه، فجعل يمسحهم بسيفه مسحا، حتى تركهم جراثيم خمودا (4) على تلعة من الارض يتمرغون في حسرات المنايا، ويتجرعون (5) كؤوس الموت، قد اختطف أرواحهم بسيفه، ونحن نتوقع منه أكثر من ذلك. ولم نكن نضبط أنفسنا (6) من مخافته، حتى ابتدأت أنت منك إليه، فكان منه (7) إليك ما تعلم. ولو لا أنه أنزل الله إليه آية (8) من كتاب الله لكنا من الهالكين، وهو قوله [تعالى]: [ولقد عفا عنكم] (9). فاترك هذا الرجل ما تركك، ولا يغرنك قول خالد انه يقتله، فإنه لا يجسر على ذلك، وإن رامه كان أول (10) مقتول بيده، فإنه من ولد عبد مناف، إذا هاجوا اهيبوا (11)، وإذا غضبوا أذموا (12)، ولا سيما علي بن أبي طالب، فإنه بابها الاكبر (13) وسنامها (14) الاطوال، وهماهها (15) الاعظم، والسلام على من اتبع الهدى.


(1) في المصدر: ومر. (2) في المصدر: بنصفين، ولما. (3) خ. ل: انحطوا. (4) في المصدر: جمودا. (5) في المصدر: يتجرعون، بدون واو. (6) في المصدر: من انفسنا. (7) في المصدر: حتى ابتدأت منك إليه التفاتة وكان منه. (8) في المصدر: ولولا أنه نزلت آية. (9) آل عمران: 152. (10) في المصدر: لو رام لكان أول. (11) في نسخة: أهبوا. وفي الاحتجاج: هيبوا. (12) في المصدر: ادموا. (13) في المصدر: ولا سيما علي بن أبي طالب نابها الاكبر. (14) خ. ل: سنامه. (15) في المصدر: وهامتها.

[146]

تبيين: قوله عليه السلام: شقوا. أقول: روى في نهج البلاغة (1) تلك الفقرات في موضع آخر يناسبها، حيث قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة، قال (2): أيها الناس ! شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، افلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح. وما هنا يحتمل أن يكون بصيغة الماضي، فيكون بيان حالهم أولا، أي: انهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ركبوا سفن النجاة وخرجوا من بين الفتن، فشبه الفتن بالامواج، لاشتراكهما في اضطراب النفس بهما، وكونهما سبب الهلاك. والحيازيم: جمع الحيزوم (3)، وهو: ما استدار بالظهر والبطن، أو ضلع الفؤاد، وما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر، والغليظ من الارض والمرتفع، ذكرها الفيروز آبادي (4)، ولعل المراد هنا صدر السفينة، فانه يشق الماء، ولا يبعد أن يكون تصحيف المجاذيف جمع المجذاف (5): الذي به تحرك السفينة (6). وكذا حط تيجان أهل الفخر كناية عن اتباع أهل الحق، وترك المفاخرة التي تدعو إلى ترك اتباع الحق. وجمع أهل الغدر: مجمعهم، أي: تركوا المفاخرة الواقعة في مجامع (7) أهل


(1) نهج البلاغة: 35، صدر خطبة رقم 4. (2) لا توجد: قال، في المصدر. (3) كما جاء في: مجمع البحرين 6 / 40، تاج العروس 8 / 245، لسان العرب 12 / 132. (4) القاموس 4 / 96، وأنظر: تاج العروس 8 / 245، لسان العرب 12 / 132. (5) كما في مجمع البحرين 5 / 32. (6) لاحظ: لسان العرب 9 / 23 - 24، تاج العروس 6 / 54 - 55، صحاح اللغة: 4 / 1336. (7) خ. ل: مجميع، والظاهر أنه مجتمع، فإنه لم يعهد مجميع، كما لا يوافق القواعد، ويحتمل قويا =

[147]

الغدر، وهو (1): ضد المتفرق، والجيش، والحي المجتمع، ذكرها الفيروز آبادي (2) والحاصل: أنهم كانوا في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ظاهرا على الحق وتابعين لاهله، وآل أمرهم بعده إلى أن اقتسموا مواريث العترة الطاهرة. ويحتمل أن يكون الجميع بصيغة الامر، كما أن في بعض النسخ: واستضيئوا، فيكون أولا أمرهم بمتابعة أهل الحق، ثم بين حالهم بقوله: واقتسموا، على سبيل الالتفات. ويحتمل على الاول أن يكون الجميع مسوقا للذم، فالمعنى: أنهم دخلوا في غمرات الفتنة وتشبثوا ظاهرا بما يوهم أنه من وسائل النجاة، وتركوا المفاخرة واستسلموا، بأن جمعوا أهل الغدر، واظهروا للناس النصح وترك الاغراض، ليتمشى لهم ما دبروا، فيكون قوله: واستضاؤوا.. واقتسموا..، بمنزلة فقرة واحدة، أي: تمسكوا في اقتسام مواريث الطاهرات بالاستقضاءة بنور الانوار، وبخبر وضعوه وافتروه على سيد الابرار. وكل من الوجوه لا يخلو من بعد، والظاهر أنه سقط شئ من الكلام أو زيد فيه، ولعل الابرار على التغليب. وقال الجوهري: الحقب - بالتحريك -: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير.. والحقيبة: واحدة الحقائب، واحتقبه واستحقبه بمعنى، أي: احتمله، ومنه قيل: احتقب فلان الاثم كأنه جمع واحتقبه من خلفه (3). وقال: سيف قاضب وقضيب أي: قطاع، والجمع قواضب وقضب (4).


= أن يكون بجميع بدلا من: مجامع، وقد يقرأ ما في المتن كذلك وما ذكره المصنف رحمه الله من المعاني فهو للفظ: جميع. (1) أي: الجميع. (2) القاموس 3 / 14، وانظر: تاج العروس 5 / 305، لسان العرب 8 / 54. (3) الصحاح 1 / 114، ولاحظ: القاموس 1 / 57، مجمع البحرين 2 / 45 - 46. (4) الصحاح 1 / 203، ولاحظ: لسان العرب 1 / 679، مجمع البحرين 2 / 145، القاموس 1 / 117.

[148]

وقال: الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ (1). وقال: مؤق العين: طرفها مما يلي الانف، والجمع آماق وأماق، مثل آبار وأبار (2). وأراده: أهلكه (3). وقال: والجحفل: الجيش، ورجل جحفل أي: عظيم القدر (4). قال: وقولهم: أباد الله خضراء هم، أي: سوادهم ومعظمهم، وأنكره الاصمعي وقال: إنما يقال: أباد الله خضراءهم (5) أي: خيرهم وغضارتهم (6). وفي النهاية: الضوضات (7): أصوات الناس وغلبتهم (8)، وفي أكثر النسخ بالمد، بدون التاء. قوله عليه السلام: وجزار الدوارين، لعل المراد بالدوارين: الدهور والازمنة على التخفيف (9)، قال الجوهري (10): الدواري: الدهر يدور بالانسان.


(1) الصحاح 5 / 1891، ولاحظ: مجمع البحرين 6 / 31، القاموس 4 / 92. (2) الصحاح 4 / 1553، وانظر: القاموس 3 / 281 - 282، لسان العرب 10 / 337. (3) جاء في لسان العرب 14 / 316، وتاج العروس 10 / 147، ولاحظ: الصحاح 6 / 2355، القاموس 4 / 333. (4) الصحاح 4 / 1652، ولاحظ: مجمع البحرين 5 / 334، القاموس 3 / 346. (5) في المصدر: غضراء هم. (6) الصحاح 2 / 647، وانظر: لسان العرب 4 / 244، تاج العروس 3 / 180. (7) في المصدر: الضوضاة، ولعل ما في المتن هو الصحيح، فإن تاء جمع المؤنث السالم تكتب مبسوطة. (8) النهاية 3 / 105، وانظر: مجمع البحرين 1 / 273، الصحاح 6 / 2410، إلا أن فيهما: جلبتهم، بدلا من: غلبتهم. (9) إن كان لفظ: الدوارين، جمع الدواري فهو على التخفيف، وأما إن كان جمع الدوار كما في القاموس - أي: الدهر - فليس فيه تخفيف محض، بل نوع من التخفيف. (10) الصحاح 2 / 660.

[149]

دهرا (1)، أو الشجعان (2)، أي: أنا قاتل الذين يدورون ويجولون في المعركة لطلب المبارزة، وفي بعض النسخ: وجرار الدوائر بالرائين المهملتين - أي: كنت أجر الدولة والغلبة للمسلمين على الكافرين، قال في النهاية فيه: فيجعل الدائرة عليهم، أي: الدولة بالغلبة والنصر (3). قوله عليه السلام: وإني لصاحبكم، أي: إمامكم الذي بايعتموني يوم الغدير. والثأر - بالهمزة - طلب الدم، يقال: ثأرت القتيل وبالقتيل ثأرا وثورة، أي: قتلت قاتله (4). قوله عليه السلام: ما سبق من الله فيكم، أي: من العذاب والنكال في الآخرة. قوله عليه السلام: خواض المنيات.. الخوض في الشئ: الدخول فيه، وخضت الغمرات: اقتحمتها (5)، والمنية: الموت (6)، أي: بادرت بالدخول فيما هو مظنة الموت، وفي بعض النسخ: خواض الغمرات، والغمرة: الكثيرة من الناس والماء، وغمرات الموت شدائده (7). قوله عليه السلام: ليل خامد، أي: ساكن نام الناس فيه فلا تسمع


(1) خ. ل: احوالا، وكذا في المصدر وكتب اللغة مثل: لسان العرب 4 / 295، والقاموس 2 / 32، وغيرهما. (2) عطف على قوله: الدهور والازمنة، والمقصود أن الدوارين إما جمع الدواري بمعنى: الدهر، وإما جمع الدوار بمعنى: كثير الدوران، وبملاحظة السياق يكون بمعنى: الذي يدور ويجول في المعركة. (3) النهاية 2 / 140، وراجع: لسان العرب 4 / 297. (4) كما في القاموس 1 / 381، وتاج العروس 3 / 71، والصحاح 2 / 603، ومجمع البحرين 3 / 234 - 235. (5) جاء في القاموس 2 / 330، ومجمع البحرين 4 / 204، والصحاح 3 / 1075. (6) صرح به في مجمع البحرين 1 / 402، والقاموس 4 / 391، والصحاح 6 / 2497. (7) انظر: القاموس 2 / 104، تاج العروس 3 / 452 - 455، لسان العرب 5 / 30.

[150]

أصواتهم، يقال: خمدت النار إذا سكن لهبها (1). وقال الجوهري: التغطمط: صوت معه بحح (2)، والغطامط - بالضم -: صوت غليان القدر وموج البحر (3)، ولا يخفى مناسبتهما للمقام. قوله عليه السلام: ايهنوا.. المذكور في كتب اللغة: أن إيه كلمة يراد بها الاستزادة، وهي مبنية على الكسر، فإذا وصلت نونت فقلت: إيه حدثنا (4)، وإذا قلت: إيها بالنصب فإنما تأمره بالكف والسكوت (5)، ولم أر فيها تجويز التثنية والجمع، ويظهر من الخبر جوازهما إن لم يكن فيه تصحيف (6). والمحالب: جمع المحلب - بالفتح - وهو موضع الحلب أي (7): الثدي أو رأسه. وهبلته أمه - بكسر الباء - أي: ثكلته (8). وباح بالشئ يبوح به أعلنه (9) وأظهره (10). والرشاء - بالكسر والمد -: الحبل، والجمع أرشية (11). والطوي: البئر المطوية (12)، وهو في الاصل صفة، ولذا يجمع على


(1) انظر: مجمع البحرين 3 / 45، القاموس 1 / 292، الصحاح 2 / 469. (2) في (س): يحج، ولا معنى لها. والبحح: الخشونة والغلظة. (3) الصحاح 3 / 1147، وانظر: لسان العرب 7 / 363، القاموس 2 / 376. (4) خ. ل: حديثا. (5) لاحظ: القاموس 4 / 280، الصحاح 6 / 2226، لسان العرب 13 / 474، ومجمع البحرين 6 / 342، وغيرها. (6) إيهنوا، فعل أمر من وهن يوهن، كوجل يوجل إيجل، وعليه يكون المعنى: كونوا ضعفاء لانكم جعلتم انفسكم كذلك بترك نصرة الحق واتباع الباطل، فتأمل. (7) انظر: مجمع البحرين 2 / 46، وغيره. (8) انظر: مجمع البحرين 5 / 497، القاموس 4 / 67، تاج العروس 8 / 162. (9) كما في النهاية 1 / 161. (10) انظر: مجمع البحرين 2 / 343، القاموس 1 / 216، الصحاح 1 / 357. (11) انظر: مجمع البحرين 1 / 184، القاموس 4 / 334، الصحاح 6 / 2357. (12) قاله في الصحاح 6 / 2416، ولسان العرب 15 / 19، والنهاية 3 / 146.

[151]

أطواء (1) كأشراف وأيتام، ثم نقل إلى الاسمية (2)، وتأنيث الصفة باعتبار البئر. وهام على وجهه يهيم هيما وهيمانا: ذهب من العشق وغيره (3). قوله عليه السلام: بيد جذاء، أي: مقطوعة (4) أو مكسورة (5). والصفر - بالكسر: الخالي (6) كالخلو بالكسر (7). والطحنات لعله جمع الطحنة أي: البر المطحونة وأشباهها. قوله عليه السلام: فاستعلى أي: إشتد علوه (8). والتمزق: التفرق (9). قوله عليه السلام: رويدا، أي: اصبروا وأمهلوا قليلا (10). فعن قليل، أي: بعد زمان قليل. والقسطل - بالسين والصاد -: الغبار (11).


(1) كما في لسان العرب 15 / 19. (2) كما قاله في النهاية 3 / 146. (3) جاء في مجمع البحرين 6 / 190، والصحاح 5 / 2063، ولسان العرب 12 / 627. (4) كما في النهاية 1 / 250، ومجمع البحرين 3 / 179، ولسان العرب 3 / 479. (5) قال في الصحاح 2 / 561: جذذت الشئ: كسرته وقطعته، ونحوه في لسان العرب 3 / 479 ومثله في: القاموس 1 / 351. وقال في تاج العروس 2 / 555 - 556: بيد جذاء أي: مقطوعة: وسن جذاء متهتمة أي منكسرة. (6) ذكره في مجمع البحرين 3 / 367، وانظر: النهاية 3 / 36، والصحاح 2 / 714، وتاج العروس 3 / 337. (7) صرح به في القاموس 4 / 325، ولسان العرب 14 / 239، وتاج العروس 10 / 118. (8) قال في الصحاح 6 / 2437: واستعلى الرجل أي: علا، وجاء فيه وفي القاموس 4 / 365: واستعلاه: علاه. (9) كما في تاج العروس 7 / 70، وقال في القاموس 3 / 282: مزقه يمزقه مزقا ومزقه ومزقة: خرقه، كمزقه فتمزق. (10) انظر: لسان العرب 3 / 190، مجمع البحرين 3 / 55، القاموس 1 / 296. (11) قاله في مجمع البحرين 5 / 453، وتاج العروس 8 / 80، والصحاح 5 / 1801.

[152]

وقال الجوهري: الذعاف: السم، وطعام مذعوف.. وموت ذعاف.. أي: سريع يعجل القتل (1)، وفي بعض النسخ بعده: ممزقا، أي: يفرق الاعضاء ويقطع الامعاء (2). ولا أبعد الله فيها، أي: في القيامة. وأتعسه الله، أي: أهلكه (3) قوله: يا سبحان (4) الله ! أي: يا قوم تعجبوا وسبحوا الله تعجبا. وقال الجوهري: نكل عن العدو وعن اليمين ينكل - بالضم - أي: جبن، والناكل: الجبان الضعيف (5)، وفي أكثر النسخ: على غيري، ولعله بتضمين معنى الشفقة ونحوها. و (6) قال في النهاية فيه: لا يحبسون الا الكراع والسلاح. والكراع - بالضم - اسم لجمع (7) الخيل (8). وقال الجوهري: أرعد الرجل وأبرق: إذا تهدد وأوعد (9). والايلاء: الحلف (10).


(1) الصحاح 4 / 1361، وانظر: مجمع البحرين 5 / 60، القاموس 3 / 142. (2) انظر: لسان العرب 10 / 343، تاج العروس 7 / 69. (3) جاء ذلك في الصحاح 3 / 910، والقاموس 2 / 203، ولسان العرب 6 / 33. (4) قال في الصحاح 1 / 372: والعرب تقول سبحان من كذا: إذا تعجبت منه، ونحوه في القاموس 1 / 226، وأضاف في تاج العروس 2 / 157: وقال الرضي: سبحان هنا للتعجب والاصل فيه أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. (5) الصحاح 5 / 1835، ولاحظ لسان العرب 11 / 677 - 678. (6) في (ك): قال، بدون واو. (7) في المصدر: لجميع. (8) النهاية 4 / 165، ولا حظ مجمع البحرين 4 / 385. (9) الصحاح 2 / 474، ولا حظ لسان العرب 3 / 180. (10) كما في مجمع البحرين 1 / 463.

[153]

قوله: أن يمضخها، يقال: مضخ - كمنع بالضاد والخاء المعجمتين - أي لطخ الجسد بالطيب (1)، وفي بعض النسخ بالصاد المهملة من المصخ، وهو: انتزاع الشئ وأخذه (2)، والاول أظهر. والفلج: الظفر والفوز (3). والمقدام - بالكسر -: الرجل الكثير الاقدام على العدو (4). والجدوب جمع الجدب: وهو نقيض الخصب (5). والهلع: أفحش الجزع (6). والسجال - بالكسر - جمع السجل بالفتح، وهو: الدلو إذا كان فيه ماء (7). والظمأ - بالتحريك -: العطش (8). وأنخت الجمل فاستناخ، أي: أبركته فبرك (9). والصماء: المصمتة الصلبة (10). ويقال: حية رقشاء: إذا كان فيها نقط سواد وبياض (11)، وفي بعض


(1) قاله في القاموس 1 / 270، وتاج العروس 2 / 280. (2) صرح به في القاموس 1 / 270، والصحاح 1 / 431، ولا حظ لسان العرب 3 / 56. (3) كما جاء في مجمع البحرين 2 / 323، وتاج العروس 2 / 86. (4) لاحظ تاج العروس 9 / 19، والقاموس 4 / 162 ولا يوجد فيه لفظ: على العدو. (5) قاله في القاموس 1 / 44، وتاج العروس 1 / 177، ولا حظ مجمع البحرين 2 / 21. (6) ذكره في القاموس 3 / 100، ومجمع البحرين 4 / 411، والصحاح 3 / 1308. (7) قاله في الصحاح 5 / 1725، ولا حظ مجمع البحرين 5 / 392، والقاموس 3 / 393. (8) صرح به في لسان العرب 1 / 116، ولاحظ مجمع البحرين 1 / 280، والقاموس 1 / 22 والصحاح 1 / 61. (9) قاله في مجمع البحرين 2 / 447، والصحاح 1 / 434، ولا حظ القاموس 1 / 272. (10) ذكر في القاموس 4 / 140، وتاج العروس 8 / 368: أن الصماء: صلبة مصمتة، وجاء في الاخير أيضا: الصخرة الصماء: التي ليس فيها صدع ولا خرق. (11) كما في الصحاح 3 / 1007، ولا حظ مجمع البحرين 4 / 138، والقاموس 2 / 275.

[154]

النسخ: الرقطاء، والرقطة: سواد يشوبه نقط بياض (1). والرقى بضم الراء جمع رقية بالضم (2)، وهي: التعويذات والطلسمات وأشباهها (3)، وفي أكثر النسخ: التي لا تجيب إلا بالرقى، وفي بعضها: التي لا تؤثر فيها الرقى. قوله: وتربيدك، في أكثر النسخ بالراء والدال المهملتين من ربد ربودا: أقام وحبس، وتربد: تغير (4)، ولعل الاصوب: تدبيرك، أو تدابيرك. وقال في النهاية - في حديث علي عليه السلام: يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع - الخضم: الاكل بأقصى الاضراس، والقضم: بأدناها، خضم يخضم خضما (5). قوله: وقد طرق عن سرجه، وفي بعض النسخ: أطرق، يقال: اطرق جناح الطائر - على افتعل -، أي: التف (6)، وطرق يطرق كنصر: أتى أهله ليلا، واطرق على بناء الافعال: سكت فلم يتكلم، أو أرخى عينيه ينظر إلى الارض (7)، ولعله تصحيف طال. قوله عليه السلام: يا الله ! في بعض النسخ بتثليث كل من الثلاثة،


(1) ذكره في مجمع البحرين 4 / 249، والقاموس 2 / 361، والصحاح 3 / 1128. (2) كذا جاء في الصحاح 6 / 2361، والقاموس 4 / 336، وتاج العروس 10 / 145. (3) قال في النهاية 2 / 254: الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة، كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات. واقتصر في القاموس 4 / 336، في معناها ب‍: العوذة، وانظر: مجمع البحرين 1 / 193، وتاج العروس 10 / 154. (4) كما في القاموس 1 / 293، ولا حظ مجمع البحرين 3 / 46 - 47، والصحاح 2 / 471 - 472. (5) النهاية 2 / 44، ولا حظ مجمع البحرين 6 / 59. (6) كما جاء في الصحاح 4 / 1514، ولسان العرب 10 / 218. (7) كما في مجمع البحرين 5 / 206، والصحاح 4 / 1515، وغيرهما.

[155]

وتقديم: - يا محمد على يا جبرئيل. والبري: النحت (1)، استعير هنا للشق والقطع. وانجفل القوم، أي: انقلعوا كلهم ومضوا، ذكره الجوهري (2). وقال: مسحه بالسيف: قطعه (3). وقال الفيروز آبادي: جرثومة الشئ - بالضم -: أصله، أو هي التراب المجتمع في أصول الشجر، والذي تسفيه الريح، وقرية النمل (4)، وقال الجزري في حديث ابن الزبير: كانت في المسجد جراثيم، أي: كان فيه أماكن مرتفعة عن الارض مجتمعة من تراب أو طين (5)، فالمعنى: أنه عليه السلام جعلهم كأصول الشجر المقطوعة بغير حياة، أو أحدث من القتل في الارض تلالا مرتفعة. والخمود - جمع الخامد - أي ميتين، يقال خمد المريض.. أي مات (6). والتلعة - بفتح التاء وسكون اللام - ما ارتفع من الارض (7). والتمرغ: التقلب في التراب (8). قوله تعالى: [ولقد عفا عنكم...] (9) هو ما ذكره تعالى في طي ما لام اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وغيرهم على وهنهم وانهزامهم في غزوة أحد، حيث قال: [ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه]، إلى قوله تعالى: [ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين] (10).


(1) كما في مجمع البحرين 1 / 52، والقاموس 4 / 303، ولسان العرب 14 / 70. (2) الصحاح 4 / 1657، ولا حظ القاموس 3 / 349. (3) الصحاح 1 / 404، ولاحظ مجمع البحرين 2 / 413، والقاموس 1 / 249. (4) القاموس 4 / 89، وانظر: مجمع البحرين 6 / 28 - 29، وتاج العروس 8 / 226. (5) النهاية 1 / 254. (6) انظر: مجمع البحرين 3 / 45، لسان العرب 3 / 165. (7) انظر: مجمع البحرين 4 / 309، الصحاح 3 / 1192، القاموس 3 / 10. (8) انظر: مجمع البحرين 5 / 16، النهاية 4 / 320، الصحاح 4 / 1325. (9 و 10) آل عمران: 152.

[156]

قوله: أهبوا، يقال: هب فلان، أي: غاب دهرا، وفي الحرب: انهزم (1)، والاظهر أنه أهموا - بالميم، وهو انسب بالفقرة التالية، يقال: أهمه الامر: إذا أقلقه وحزنه (2)، وفي أكثر النسخ، أهيبوا، ولا يمكن أن يكون على بناء المعلوم، لان ترك القلب نادر مسموع في مواضع معدودة، ولا على بناء المجهول إلا بالحذف والايصال (3). قوله أذموا، قال في القاموس: أذمه: وجده ذميما، وأذم: تهاون بهم وتركهم (4) مذمومين في الناس (5)، وفي بعض النسخ: دمروا، أي: أهلكوا (6). والهمام - بالضم -: الملك العظيم الهمة (7) والسيد الشجاع السخي (8). 31 - ب (9): عنهما، عن حنان (10) قال: سأل صدقة بن مسلم أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده، فقال: من الشاهد على فاطمة بأنها لا ترث أباها ؟ فقال (11): شهدت عليها عائشة وحفصة ورجل من العرب يقال له أوس بن الحدثان من بني نضر، شهدوا عند أبي بكر بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:


(1) كما في القاموس 1 / 138، وتاج العروس 1 / 510. (2) انظر: مجمع البحرين 6 / 189، والقاموس 4 / 192، والصحاح 5 / 2060. (3) المعلوم ان يكون: أهابوا، بقلب الياء الفا على القياس، وأما ترك القلب فنادر، وليس هذا من الموارد النادرة. وأما المجهول فيكون: اهيب منهم، فإن فرض على شكل أهيبوا، فلابد من فرض حذف حرف الجر وايصال الفعل إلى الضمير النائب عن الفاعل، وتبديل: هم بواو الجمع. (4) في المصدر: أذم بهم: تهاون أو تركهم. (5) القاموس 4 / 115، ولاحظ: الصحاح 5 / 1926. (6) كما في القاموس 2 / 30، وتاج العروس 3 / 210. (7) كما في القاموس 4 / 192، ومجمع البحرين 6 / 189، والصحاح 5 / 2062، وغيرها. (8) قاله في القاموس 4 / 192، وتاج العروس 9 / 109. (9) قرب الاسناد: 47 - 48. (10) في المصدر: وعنهما عن حنان بن سدير. (11) في المصدر: قال.

[157]

لا أورث، فمنعوا فاطمة عليها السلام ميراثها من أبيها صلى الله عليه وآله. 32 - مصباح الانوار (1): لبعض علمائنا الاخيار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخلت فاطمة عليها السلام بنت محمد صلى الله عليه وآله (2) على أبي بكر، فسألته فدكا، قال: النبي لا يورث، فقالت: قد قال الله تعالى [وورث سليمان داود] (3). فلما حاجته أمر أن يكتب لها، وشهد علي بن أبي طالب عليه السلام وأم أيمن. قال: فخرجت فاطمة عليها السلام، فاستقبلها عمر، فقال: من أين جئت يا بنت رسول الله ؟ قالت: من عند أبي بكر من شأن فدك، قد كتب لي بها. فقال عمر: هاتي الكتاب، فأعطته، فبصق فيه ومحاه، عجل الله جزاه. فاستقبلها علي عليه السلام فقال: ما لك يا بنت رسول الله غضبى (4) ؟ ! فذكرت له ما صنع عمر، فقال: ما ركبوا مني ومن أبيك أعظم من هذا. فمرضت فجاءا يعودانها فلم تأذن لهما، فجاءا ثانية من الغد، فأقسم عليها أمير المؤمنين عليه السلام فأذنت لهما، فدخلا عليها، فسلما، فردت ضعيفا. ثم قالت لهما: سألتكما (5) بالله الذي لا إله إلا هو أسمعتما يقول (6) رسول الله صلى الله عليه وآله في حقي: من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله. قالا: اللهم نعم، قالت: فاشهد أنكما قد آذيتماني (7).


(1) مصباح الانوار: 246 - 247. (2) لا يوجد في المصدر: بنت محمد صلى الله عليه وآله. (3) النمل: 16. (4) في المصدر: غضباء - بالمد -. (5) في المصدر: أسألكما. (6) اللفظة غير واضحة في المصدر، ولعلها: يقول. (7) جاءت الرواية بمضامين متعددة مجملة كهذه، ومفصلة كما سيأتي، تجد لها مصادر جمة في الغدير =

[158]

33 - و (1) عن اسماء بنت عميس قالت: طلب إلي أبو بكر أن استأذن له على فاطمة يترضاها، فسألتها ذلك، فأذنت له، فلما دخلت ولت وجهها الكريم إلى الحائط، فدخل وسلم عليها، فلم ترد، ثم أقبل يعتذر إليها ويقول: ارضي عني يا بنت رسول الله. فقالت: يا عتيق ! اتيتنا من ماتت (2) أو حملت الناس على رقابنا، اخرج فوالله ما كلمتك (3) أبدا حتى ألقى الله ورسوله فأشكوك إليهما. 34 - و (4) عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: بينما أبو بكر وعمر عند فاطمة عليها السلام يعودانها، فقالت لهما: أسألكما بالله الذي لا إله إلا هو هل (5) سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله (6) ؟ فقالا: اللهم نعم، قالت: فأشهد أنكما آذيتماني (7) 35 - و (8) عن زيد بن علي قال: قدمت مع أبي (9) مكة وفيها مولى لثقيف


= 7 / 229، واحقاق الحق 10 / 217، وغيرهما. (1) مصباح الانوار: 255. (2) قال في اللسان 2 / 88: الماتة: الحرمة والوسيلة. وكأن المراد هل راعيت لنا حرمتنا أو حملت الناس على رقابنا ؟ وفي المصدر: مأمنا وحملت. والظاهر: مأمننا. (3) في المصدر: لا كلمتك. (4) مصباح الانوار: 256. (5) لم يرد لفظ: هل، في (س). (6) لم يرد في المصدر قولها عليها السلام، ومن آذاني فقد آذى الله. وهذه الرواية من الروايات المستفيضة عن الفريقين ان لم تكن متواترة كما مر قريبا، انظر مصادرها في الاحقاق 10 / 206 - 209 و 236، 19 / 75 - 78. (7) في نسخة: آذيتموني. (8) مصباح الانوار: 258. (9) في المصدر: مع أبي عبد الله الحسين، والظاهر أنه سهو، فراجع.

[159]

من أهل الطائف، فكان (1) ينال من أبي بكر وعمر، فأوصاه أبي (2) بتقوى الله، فقال له: ناشدتك الله ورب هذا البيت (3) هل صليا على فاطمة عليها السلام ؟ فقال أبي: اللهم لا، قال: فلما افترقنا سببته (4)، فقال لي أبي: لا تفعل فوالله ما صليا على رسول الله صلى الله عليه وآله فضلا عن فاطمة عليها السلام، وذلك انه شغلهما ما كانا يبرمان (6). 36 - يج (7): روي أن عليا عليه السلام امتنع (8) من البيعة على أبي بكر فأمر أبو بكر خالد بن الوليد (9) أن يقتل عليا إذا (10) سلم من صلاة الفجر بالناس. فأتى خالد وجلس إلى جنب علي عليه السلام ومعه سيف، فتفكر أبو بكر في صلاته في عاقبته (11) ذلك، فخطر بباله أن بني هاشم (12) يقتلونني إن قتل علي عليه السلام، فلما فرغ من التشهد التفت إلى خالد قبل أن يسلم وقال: لا تفعل ما أمرتك به، ثم قال: السلام عليكم. فقال علي عليه السلام لخالد: أو كنت تريد أن تفعل ذلك ؟ قال: نعم، فمد يده إلى عنقه وخنقه بإصبعه وكادت (13) عيناه تسقطان، وناشده بالله أن


(1) في المصدر: وكان. (2) في المصدر: أبي عبد الله عليه السلام، والظاهر أنه سهو ايضا، فراجع. (3) في نسخة من البحار: ورب هذه البنية، وفي المصدر لعلها: وبرب هذه البنية. (4) في مطبوع البحار: سببه، والمثبت من المصدر. (5) في (س): إذ بدل: انه. (6) في (ك): ما كانا يبرمان من أمورهما. (7) الخرائج والجرائح - طبعة مدرسة الامام المهدي (ع) - 2 / 757، حديث 75 باختلاف كثير. (8) في المصدر: لما امتنع. (9) في المصدر: أمر خالد بن الوليد. (10) في المصدر: إذا ما، وفي (س): إذ. (11) في المصدر: فكان أبو بكر يتفكر في صلاته في عاقبة ذلك. (12) في المصدر: فخطر بباله أن عليا إن قتله خالد ثارت الفتنة وأن بني هاشم. فلعله هنا سقط. (13) في المصدر: وخنقه باصبعين كادت.

[160]

يتركه، وشفع إليه الناس، فخلاه (1). ثم كان خالد بعد ذلك يرصد الفرصة والفجأة لعله يقتل عليا عليه السلام غرة، فبعث بعد ذلك عسكرا (2) مع خالد إلى موضع، فلما خرجوا من المدينة - وكان خالد مدججا وحوله شجعان (3) قد أمروا أن يفعلوا كل ما أمرهم خالد - فرأى عليا عليه السلام يجئ من ضيعة له منفردا بلا سلاح، [فقال خالد في نفسه: الآن وقت ذلك] (4)، فلما دنا منه فكان في يد خالد عمود من حديد، فرفعه ليضربه على رأس علي، فانتزعه (5) عليه السلام من يده وجعله في عنقه وفتله كالقلادة. فرجع خالد إلى أبي بكر، واحتال القوم في كسره فلم يتهيأ لهم، فأحضروا جماعة من الحدادين، فقالوا: لا يمكن انتزاعه إلا بعد حله في النار، وفي ذلك هلاكه، ولما علموا بكيفية حاله، قالوا إن عليا عليه السلام هو الذي يخلصه من ذلك كما جعله في جيده (6)، وقد ألان الله له الحديد كما ألانه لداود، فشفع أبو بكر إلى علي عليه السلام، فأخذ العمود وفك بعضه من بعض بإصبعه (7). بيان: قال الجوهري: رجل مدجج ومدحج أي: شاك في السلاح، تقول منه تدحج في شكته أي: دخل في سلاحه كأنه تغطى بها (8).


(1) في المصدر: في تخليته، فخلاه. (2) في المصدر: وقد بعث أبو بكر ذات يوم عسكرا. (3) في المصدر: وكان على خالد السلاح التام وحواليه شجعان. (4) زيادة من المصدر يقتضيها السياق. (5) فوثب عليه السلام إليه فانتزعه، كذا في المصدر. (6) في المصدر: في رقبته. (7) في المصدر: باصبعين. (8) الصحاح 1 / 313، ولا حظ: لسان العرب 2 / 265.

[161]

37 - ارشاد القلوب (1): عن جابر بن عبد الله الانصاري وعبد الله بن العباس قالا: كنا جلوسا عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار، وإذا بخالد ابن الوليد المخزومي قد وافى (2) في جيش قام غباره وكثر صهيل أهل (3) خيله وإذا بقطب رحى ملوي في عنقه قد فتل فتلا. فأقبل حتى نزل عن جواده ودخل المسجد، ووقف بين يدي أبي بكر (4)، فرمقه الناس بأعينهم فهالهم منظره. ثم قال (5): أعدل يابن أبي قحافة حيث جعلك الناس في هذا (6) الموضع الذي ليس له أنت بأهل ؟ ! وما ارتفعت إلى هذا المكان إلا كما يرتفع الطافي من السمك على الماء، وإنما يطفو ويعلو حين (7) لا حراك به، ما لك وسياسة (8) الجيوش وتقديم العساكر، وأنت بحيث أنت، من لين (9) الحسب، ومنقوص (10) النسب، وضعف القوى، وقلة التحصيل، لا تحمي ذمارا، ولا تضرم نارا، فلا جزى الله أخا (11) ثقيف وولد صهاك خيرا. إني رجعت منكفئا من الطائف إلى جدة في طلب المرتدين، فرأيت علي بن


(1) ارشاد القلوب: 378 - 384. (2) في المصدر: وافانا. (3) في المصدر: صواهل، بدلا من: صهيل اهل، وقد وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل. (4) في المصدر: نزل عن فرسه بإزاء أبي بكر. (5) في المصدر: وهالهم منظره فقال. (6) لم يرد لفظ: هذا، في المصدر. (7) في المصدر: إنما يطفو حين. (8) في المصدر: ولسياسة. (9) في نسخة: من دناءة، وفي المصدر: من اليم. (10) في نسخة: رذالة ودناءة، جاءت على (س). (11) في المصدر: أخسأ بدل: اخا.

[162]

أبي طالب ومعه عتاة (1) من الدين حماليق، شزرات (2) أعينهم من حسدك بدرت حنقا (3) عليك، وقرحت آماقهم لمكانك. منهم (4) ابن ياسر، والمقداد، وابن جنادة اخو (5) غفار، وابن العوام، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه، وغلام أسمر لعله من ولد عقيل أخيه. فتبين لي المنكر في وجوههم، والحسد في احمرار أعينهم، وقد توشح علي بدرع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولبس رداءه السحاب، ولقد أسرج (6) له دابته العقاب، وقد نزل علي على عين ماء اسمها روية (7). فلما رآني اشمأز وبربر، وأطرق موحشا يقبض على لحيته. فبادرته بالسلام استكفاء واتقاء ووحشة، فاستغنمت سعة (8) المناخ وسهولة المنزلة (9)، فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتقاء عن مراوغته. فبدأني (10) ابن ياسر بقبيح لفظه ومحض عداوته، فقرعني هزوا بما تقدمت به إلي بسوء رأيك. فالتفت إلي الاصلع الرأس، وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الاسد أو (11) كقعقعة الرعد، فقال لي بغضب منه: أو كنت فاعلا يا أبا سليمان ؟ ! فقلت


(1) في المصدر: رهط عتاة. (2) في المصدر: من الذين شزرت حماليق. (3) في المصدر: وبدرت حقنا. (4) في المصدر: فيهم. (5) في (ك): واخو. (6) في المصدر: وقد اسرج. (7) في المصدر: روبة. (8) في المصدر: استكفاه شره واتقاه وحشته واستغنمت سعة. (9) في المصدر: المنزل. (10) في المصدر: فبدأ بي. (11) في المصدر: واو بدلا من: أو.

[163]

له: اي والله (1)، لو أقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك. فأغضبه قولي إذ صدقته (2)، وأخرجه إلي طبعه الذي أعرفه به (3) عند الغضب، فقال: يا بن اللخناء ! مثلك من يقدر على مثلي أن يجسر ؟ ! أو يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة ؟ ! ويلك إني لست من قتلاك ولا من قتلى صاحبك، وإني (4) لاعرف بمنيتي منك بنفسك. ثم ضرب بيده إلى ترقوتي (5) فنكسني عن فرسي، وجعل يسوقني، فدعا (6) إلى رحى للحارث بن كلدة الثقفي، فعمد إلى القطب الغليظ فمد عنقي بكلتا يديه وأداره في عنقي، ينفتل له كالعلك المستخن (7). وأصحابي هؤلاء وقوف، ما اغنوا عني سطوته، ولا كفوا عني شرته (8)، فلا جزاهم الله عني خيرا، فإنهم لما نظروا إليه كأنهم نظروا (9) إلى ملك موتهم. فوالذي (10) رفع السماء بلا أعماد (11)، لقد اجتمع على فك هذا القطب مائة (12) رجل أو يزيدون من أشد العرب فما قدروا على فكه، فدلني عجز الناس عن فتحه أنه سحر منه أو قوة ملك قد (13) ركبت فيه.


(1) في المصدر: وأيم الله بدل قوله له: أي والله. (2) في المصدر: صدقت. (3) في المصدر: له، بدلا من: به. (4) في المصدر: ولا قتلى اصحابك، ولاني. (5) في المصدر: ترقوة فرسي. (6) في مطبوع البحار: دعا، والمثبت من المصدر. (7) في المصدر: المسخن. (8) في المصدر: ولا كفوني شره، والشرة: الحرص والنشاط، كما جاء في بيان المصنف رحمه الله. (9) في المصدر: قد نظروا. (10) في المصدر: فهو الذي. (11) في مطبوع البحار: أعمادها، والمثبت من المصدر. (12) خ. ل: الف. (13) لم يرد في المصدر لفظ: قد.

[164]

ففكه الآن عني إن كنت فاكه، وخذ لي بحقي إن كنت آخذا، وإلا لحقت بدار عزي ومستقر مكرمتي، قد (1) ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرت به (2) ضحكة لاهل الديار. فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال: ما (3) ترى إلى ما يخرج من هذا الرجل ؟ ! كان ولايتي ثقل (4) على كاهله، وشجا (5) في صدره. فالتفت إليه عمر فقال (6): فيه دعابة لا تدعه (7) حتى تورده فلا تصدره، وجهل وحسد قد استحكما في خلده، فجريا منه (8) مجرى الدماء لا يدعانه حتى يهينا منزلة، ويورطاه ورطة الهلكة. ثم قال أبو بكر لمن بحضرته (9): ادعوا إلي قيس بن سعد بن عبادة الانصاري، فليس لفك هذا القطب غيره. قال: وكان قيس سياف النبي، وكان رجلا طويلا (10)، طوله ثمانية عشر شبرا في عرض خمسة أشبار، وكان أشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين عليه السلام. فحضر قيس فقال له: يا قيس ! إنك من شدة البدن بحيث أنت، ففك


(1) في المصدر: فقد. (2) لم يرد في المصدر لفظ: به. (3) في المصدر: ألا، بدلا من: ما. (4) في المصدر: والله ثقل. (5) في المصدر: أو شجا. (6) في المصدر: وقال. (7) في مطبوع البحار: لا تدعها، وفي المصدر: والله دعابة لا تدعه. (8) في المصدر: استحكما في صدره فجرى منه. (9) في المصدر: لمن حضر. (10) لم يرد في المصدر: سياف النبي وكان رجلا طويلا، كما لم نجد في بعض النسخ: سياف النبي وكان.

[165]

هذا القطب من عنق (1) أخيك خالد، فقال قيس: ولم لا يفكه (2) خالد عن عنقه ؟ ! قال: لا يقدر عليه، قال: فما لا (3) يقدر عيله أبو سليمان - وهو نجم عسكركم (4)، وسيفكم على اعدائكم - كيف أقدر عليه أنا (5) ؟. قال عمر: دعنا (6) من هزئك وهزلك وخذ فيما حضرت (7)، فقال: أحضرت لمسألة تسألونها (8) طوعا، أو كرها تجبروني عليه ؟ فقال له: إن (9) كان طوعا وإلا فكرها، قال قيس: يابن صهاك ! خذل الله من يكرهه مثلك، إن بطنك لعظيمة (10) وإن كرشك (11) لكبيرة (12)، فلو فعلت أنت ذلك ما كان منك [عجب، قال:] (13) فخجل عمر من قيس بن سعد (14)، وجعل ينكث أسنانه (15) بأنامله.


(1) لم يرد في المصدر لفظ: عنق. (2) في ارشاد القلوب: لا يفك - بلا ضمير -. (3) في المصدر: فإذا لم. (4) في المصدر: العسكر. (5) في المصدر: وسيفكم على عدوكم كيف أنا اقدر عليه. (6) في ارشاد القلوب: ادعنا.. ولا يستقيم المعنى بها. (7) في المصدر: أحضرت. (8) في المصدر: تسألوننيها. (9) في المصدر: قال عمر: فكه إن. (10) في المصدر: لعظيم. (11) الكرش لكل مجتر: بمنزلة المعدة للانسان، تؤنثها العرب، وفيهما لغتان: كرش، وكرش، قاله في لسان العرب 6 / 339. (12) في المصدر: لكبير. (13) زيادة من المصدر. (14) في المصدر: من كلام قيس. (15) في (ك): اسئانه، وهو سهو ظاهر.

[166]

فقال أبو بكر: وما بذلك (1) منه، اقصد لما سألت، فقال قيس: والله لو اقدر على ذلك لما فعلت، فدونكم وحدادي المدينة، فانهم أقدر على ذلك مني. فأتوا بجماعة من الحدادين، فقالوا: لا ينفتح (2) حتى نحميه بالنار. فالتفت أبو بكر إلى قيس مغضبا (3) فقال: والله ما بك من ضعف عن فكه، ولكنك لا تفعل فعلا (4) يعيب عليك فيه إمامك وحبيبك أبو الحسن، وليس هذا بأعجب من أن أباك وام (5) الخلافة ليبتغي الاسلام (6) عوجا فحصد (7) الله شوكته، وأذهب نخوته، وأعز الاسلام بوليه، وأقام دينه بأهل طاعته، وأنت الآن في حال كيد وشقاق. قال: فاستشاط قيس بن سعد (8) غضبا وامتلا غيظا، فقال: يابن أبي قحافة ! ان لك عندي (9) جوابا حميا، بلسان طلق، وقلب جري، ولولا (10) البيعة التي لك في عنقي لسمعته مني، والله لئن بايعتك يدي لم يبايعك قلبي ولا لساني، ولا حجة لي في علي بعد يوم الغدير، ولا كانت بيعتي لك إلا [كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا] (11)، أقول قولي هذا غير هائب منك (12) ولا خائف


(1) في المصدر: دع عنك ما بدا لك. بدلا من: وما بذلك. (2) في المصدر: لا تنفتح. (3) لم يرد لفظ: مغضبا، في المصدر. (4) في المصدر: لئلا، بدلا من: فعلا. (5) كذا، والظاهر أنه: رام، وفي المصدر: أتاك، بدلا من: اباك. (6) في المصدر: الاسلام والله. (7) في مطبوع البحار: فحسد، والمثبت من المصدر. (8) لم يرد في المصدر: ابن سعد. (9) لم يرد في (س) لفظ: عندي. (10) في المصدر: لولا، بدون واو. (11) النحل: 92. (12) لم يرد في المصدر لفظ: منك.

[167]

من معرتك (1)، ولو سمعت هذا القول منك بداة (2) لما فتح لك مني صلحا (3). إن كان أبي رام الخلافة فحقيق من (4) يرومها بعد من (5) ذكرته، لانه رجل لا يقعقع بالشنان، ولا يغمز (6) جانبه كغمز التينة، ضخم (7) صنديد، وسمك (8) منيف، وعز بازخ اشوس (9)، بخلافك والله (10) أيتها النعجة العرجاء، والديك النافش، لاعز (11) صميم، ولا حسب كريم، وأيم الله لئن عاودتني في أبي لا لجمنك بلجام من القول يمج فوك منه دما، دعنا (12) نخوض في عمايتك، ونتردى في غوايتك، على معرفة منا بترك الحق واتباع الباطل. وأما قولك ان عليا إمامي، ما أنكر (13) امامته ولا أعدل عن ولايته، وكيف أنقض وقد أعطيت الله عهدا بإمامته (14) وولايته، يسألني عنه ؟ ! فأنا إن ألقى الله بنقض بيعتك أحب إلى أن انقض (15) عهده وعهد رسوله وعهد وصيه وخليله، وما أنت إلا أمير قومك، إن شاؤوا تركوك وإن شاؤوا عزلوك.


(1) في طبعة (س): معر. (2) في المصدر: لو سمعت منك القول بدأت. (3) في (س): صالحا. (4) في نسخة: أن يرومها، وفي اخرى: من يرونها. (5) في المصدر: أن، وفي نسخة على مطبوع البحار: ما. (6) في المصدر: بالثنان ولا يلمز، وفي (س): بالسئان، وفي (ك): بالشنآن. (7) في المصدر: خضم. (8) في المصدر: سمك، بلا واو. (9) في المصدر: وعز باذخ اشوس فقام، وفي مطبوع البحار: اشوش، وهو غلط. (10) لم يرد لفظ الجلالة في المصدر. (11) في مطبوع البحار: لا عن، والمثبت من المصدر. (12) في المصدر: فدعنا. (13) في المصدر: فوالله ما انكر. (14) في المصدر: بإمارته. (15) في نسخة: من نقض، وكذا في المصدر.

[168]

فتب إلى الله مما (1) إجترمته، وتنصل (2) إليه مما ارتكبته، وسلم الامر إلى من هو أولى منك بنفسك، فقد ركبت عظيما بولايتك دونه، وجلوسك في موضعه، وتسميتك باسمه، وكأنك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب، وتعلم أي الفريقين شر (3) مكانا وأضعف جندا. وأما تعييرك إياي فأنه (4) مولاي، هو (5) والله مولاي ومولاك ومولى المؤمنين أجمعين، آه.. آه.. أنى لي بثبات قدم، أو تمكن وطئ (6) حتى ألفظك لفظ المنجنيق الحجرة، ولعل ذلك يكون قريبا، ونكتفي (7) بالعيان عن الخبر. ثم قام ونفض ثوبه ومضى، وندم (8) أبو بكر عما أسرع إليه من القول إلى قيس، وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه أياما (9). ثم أتى آت إلى أبي بكر فقال له: قد وافى علي بن أبي طالب الساعة من سفره، وقد عرق جبينه، واحمر وجهه، فأنفذ إليه أبو بكر الاقرع (10) بن سراقة الباهلي والاشوس بن الاشجع (11) الثقفي يسألانه المضي (12) إلى أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) في المصدر: ما. (2) الكلمة غير واضحة في (س)، والظاهر أنها تنصل - كما تعرض لها في البيان - يقال تنصل فلان من ذنبه: تبرأ، قاله في الصحاح 5 / 1831. (3) في المصدر: خير، بدلا من: شر. (4) في المصدر و (ك): بانه وهو الظاهر، لولا عدم وجود الفاء في هو. (5) في المصدر: فهو. (6) في المصدر: بثبات قدمه وتمكن وطأته. (7) في المصدر: ويكتفى. (8) في المصدر: فندم. (9) في المصدر: والطوق فيه اياما. (10) في المصدر: فأنفذوا إليه الاقرع. (11) في المصدر: اشجع - بلا الف ولام -. (12) خ. ل: أن يصير.

[169]

فأتياه فقالا: يا أبا الحسن ! إن أبا بكر يدعوك لامر قد أحزنه، وهو يسألك أن تصير (1) إليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يجبهما، فقالا: يا أبا الحسن ! ما ترد علينا فيما جئناك له ؟ (2) فقال: بئس والله الادب أدبكم، أليس (3) يجب على القادم أن لا يصير (4) إلى الناس في أجلبتهم (5) إلا بعد دخوله في منزله، فإن لكم حاجة فاطلعوني (6) عليها في منزلي حتى (7) أقضيها إن كانت ممكنة إن شاء الله تعالى. فصار (8) إلى أبي بكر فاعلماه بذلك، فقال أبو بكر: قوموا بنا إليه، ومضى الجمع (9) بأسرهم إلى منزله، فوجدوا الحسين عليه السلام على الباب يقلب سيفا ليبتاعه، قال (10) له أبو بكر: يا أبا عبد الله ! إن رأيت أن تستأذن (11) لنا على أبيك، فقال: نعم. ثم استأذن للجماعة (12) فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد، فبدأ به الجمع (13) بالسلام، فرد عليهم السلام (14) مثل ذلك، فلما نظر إلى خالد قال: نعمت


(1) في (س) قد تقرأ بالسين. (2) في المصدر: به، بدلا من: له. (3) في المصدر: وليس. (4) في المصدر: أن يصير. (5) في المصدر: في حوائجهم. (6) في المصدر: فاطلعاني. (7) لم يرد في المصدر: حتى. (8) في المصدر: فصارا. (9) في المصدر: فمضى الجميع. (10) في المصدر: ليتابعه فقال. (11) في المصدر: ليتابعه فقال. (12) في المصدر فقال: فاستاذن للجماعة.. (13) في المصدر: فبادر الجمع. (14) لم يرد لفظ: السلام، في المصدر.

[170]

صباحا يا أبا سليمان ! نعم (1) القلادة قلادتك. فقال: والله يا علي لا نجوت مني إن ساعدني الاجل. فقال له علي (2) عليه السلام: أف لك يا بن دميمة، إنك - والذي فلق الحبة وبرأ النسمة - عندي لاهون (3)، وما روحك في يدي لو أشاء إلا كذبابة وقعت على (4) ادام حار فطفقت (5) منه، فاغن عن نفسك غنائها، ودعنا بحالنا حكماء (6)، وإلا لا لحقنك (7) بمن أنت أحق بالقتل منه، ودع عنك يا أبا سليمان ما مضى، وخذ فيما بقي، والله لا تجرعت من الجرار (8) المختمة إلا علقمها، والله لقد رأيت منيتي ومنيتك وروحي وروحك، فروحي في الجنة وروحك في النار. قال: وحجز الجميع (9) بينهما وسألوه قطع الكلام. فقال (10) أبو بكر لعلي عليه السلام: إنا ما جئناك لما تناقض منه (11) أبا سليمان (12)، وإنما حضرنا لغيره، وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيما على خلافي


(1) في المصدر: نعمت. (2) لم يرد في المصدر لفظ: علي. (3) في المصدر: لاهون شئ. (4) جاءت كلمة (في) عليها رمز نسخة بدل في (ك). وهي كذلك في المصدر وجاءت نسخة اخرى في حاشية (ك): من. (5) في (س): فطفئت. (6) في المصدر: ودعنا حلماء. (7) في المصدر: ودعنا حلماء. (8) في المصد ر: جرار - بدون الف ولام -. (9) في المصدر: الجمع. (10) في المصدر: قال. (11) في المصدر: به بدلا من: فيه. (12) لم يرد لفظ: أبا سليمان، في بعض النسخ.

[171]

والاجتراء على اصحابي، وقد (1) تركناك فاتركنا، ولا تردنا فيرد عليك (2) منا ما يوحشك ويزيدك تنويما إلى تنويمك (3). فقال (4) علي عليه السلام: لقد أوحشني الله منك ومن جمعك، وآنس بي كل مستوحش، واما ابن الوليد (5) الخاسر، فإني أقص عليك نبأه، انه لما رأى تكاثف جنوده وكثرة (6) جمعه زها في نفسه، فأراد الوضع مني في موضع رفع ومحل (7) ذي جمع، ليصول بذلك عند أهل الجمع (8)، فوضعت عنه عند ما خطر بباله، وهم بي (9) وهو عارف بي حق معرفته، وما كان الله ليرضى بفعله. فقال له أبو بكر: فنضيف هذا إلى تقاعدك عن نصرة الاسلام، وقلة رغبتك في الجهاد، فبهذا أمرك الله ورسوله، أم عن نفسك تفعل هذا ؟ !. فقال (10) علي عليه السلام: يا أبا بكر ! وعلى (11) مثلي يتفقه الجاهلون ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمركم ببيعتي، وفرض عليكم طاعتي، وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتى ولا يأتي، فقال: يا علي ! ستغدر بك أمتي من بعدي كما غدرت الامم بعد مضي (12) الانبياء بأوصيائها إلا قليل، وسيكون لك ولهم


(1) في المصدر: فقد. (2) في المصدر: فيردك. بدلا من فيرد عليك. (3) جاء في (ك) نسختان هما: سئمة إلى سئمتك، وكذا: سوءة على سؤاتك، وفي المصدر: نبوة إلى نبوتك. (4) في المصدر: فقال له. (5) في المصدر: ابن العابد. (6) في (س): كثر. (7) في المصدر: ومحفل. (8) في المصدر: الجهل. (9) في المصدر وبعض النسخ: به، والمثبت من نسخة. (10) في المصدر: فقال له. (11) في (ك): ولا على مثلي. (12) في المصدر: من بعد ما مضى.

[172]

بعدي هناة وهناة، فاصبر، أنت كبيت الله: من دخله كان آمنا ومن رغب عنه كان كافرا، قال الله عزوجل: [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا] (1)، واني وأنت سواء إلا النبوة، فإني خاتم النبيين وأنت خاتم الوصيين، وأعلمني عن ربي سبحانه بأني لست أسل سيفا إلا في ثلاثة مواطن بعد وفاته، فقال: تقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين (2)، ولم (3) يقرب أوان ذلك بعد، فقلت: فما أفعل يا رسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقي ؟ قال: فاصبر (4) حتى تلقاني، وتستسلم لمحنتك حتى تلقى ناصرا عليهم. فقلت: أفتخاف علي منهم أن يقتلونني (5) ؟ ! فقال: تالله (6) لا أخاف عليك منهم قتلا ولا جراحا، وإني عارف بمنيتك وسببها، وقد اعلمني ربي، ولكني خشيت ان تفنيهم بسيفك فيبطل الدين، وهو حديث، فيرتد القوم عن التوحيد. ولولا أن ذلك كذلك، وقد سبق ما هو كائن، لكان لي فيما أنت فيه شأن من الشأن، ولرويت أسيافا، وقد (7) ظمئت إلى شرب الدماء، وعند قراءتك صحيفتك تعرف نبأ ما احتملت من وزري (8)، ونعم الخصم محمد والحكم الله. فقال أبو بكر: يا أبا الحسن ! إنا لم نرد هذا كله، ونحن نأمرك أن تفتح لنا الآن (9) عن عنق خالد هذه (10) الحديدة، فقد آلمه بثقله وأثر في حلقه بحمله، وقد


(1) البقرة: 125. (2) مرت وستأتي له جملة من المصادر، انظر: الغدير 1 / 337، 4 / 38. (3) في المصدر: ولن. (4) في المصدر: تصبر. (5) في المصدر: أن يقتلوني. (6) في المصدر: والله. (7) في المصدر: ولرأيت اسيافا قد. (8) في المصدر: نعرف ما احتملت من عروض. (9) في المصدر: أن تفك الآن. (10) في المصدر: هذا، والصحيح ما اثبتناه.

[173]

شفيت غلبل صدرك منه (1). فقال علي عليه السلام: لو أردت أن أشفي غليل صدري لكان السيف أشفى للداء وأقرب للفناء، ولو قتلته والله ما قدته برجل ممن قتلهم (2) يوم فتح مكة وفي كرته هذه، وما يخالجني (3) الشك في أن خالدا ما احتوى قلبه من الايمان على قدر جناح بعوضة، وأما (4) الحديد الذي في عنقه فلعلي لا أقدر على فكه، فيفكه خالد عن نفسه أو فكوه أنتم (5) عنه، فأنتم أولى به إن كان ما تدعونه صحيحا. فقام إليه بريدة الاسلمي وعامر بن الاشجع فقالا: يا أبا الحسن ! والله لا يفكه عن (6) عنقه إلا من حمل باب خيبر بفرد يد، ودحا به وراء ظهره (7)، وحمله وجعله (8) جسرا تعبر الناس عليه وهو فوق زنده، وقام (9) إليه عمار بن ياسر فخاطبه أيضا فيمن خاطبه، فلم يجب أحدا، إلى أن قال له (10) أبو بكر: سألتك بالله وبحق أخيك المصطفى رسول الله إلا ما رحمت خالدا (11) وفككته من عنقه (12). فلما سأله بذلك استحيى، وكان عليه السلام كثير الحياء، فجذب خالدا


(1) لم يرد في المصدر لفظ: منه. (2) في المصدر: قتلتهم. (3) في مطبوع البحار: تخالجني. (4) في المصدر: أما، بلا واو. (5) لم يرد في المصدر: أنتم. (6) في المصدر: من. (7) في نسخة: إلا من دحا باب خيبر وراء ظهره. (8) في المصدر: فجعله. (9) في المصدر: فوق يده فقام. (10) لم يرد في المصدر لفظ: له. (11) في المصدر: رحمته. (12) في (س): منه.

[174]

إليه، وجعل يخذف (1) من الطوق قطعة قطعة ويفتلها (2) في يده، فانفتل (3) كالشمع. ثم ضرب بالاولى رأس خالد، ثم الثانية، فقال: آه يا أمير المؤمنين، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قلتها (4) على كره منك، ولو لم تقلها لاخرجت الثالثة من أسفلك، ولم يزل يقطع الحديد جميعه إلى أن أزاله عن (5) عنقه. وجعل الجماعة يكبرون (6) ويهللون ويتعجبون من القوة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين عليه السلام، وانصرفت شاكرين (7). ايضاح: رأيت هذا الخبر في بعض الكتب القديمة بأدنى تغيير. والطافي: الحوت الميت الذي يعلو الماء ولا يرسب فيه، يقال: طفى الشئ فوق الماء: أي: علاه (8). ويقال: ما به حراك - بفتح الحاء - أي: حركة (9). وقال الجوهري: فلان حامي الذمار أي: إذا ذمر وغضب حمي، وفلان أمنع ذمارا من فلان، ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه وسمي ذمار لانه يجب على أهله التذمر له (10).


في (ك): يحذف، وفي المصدر: يجذب. (2) في المصدر: ويفتتها. (3) في المصدر: فينفتل. (4) في المصدر: فقال له قلتها. (5) في المصدر: من بدل: عن. (6) في المصدر: يكبرون لذلك. (7) في المصدر: وانصرفوا شاكرين لذلك. (8) كما في تاج العروس 10 / 225، ومجمع البحرين 1 / 277، وغيرهما. (9) كذا في مجمع البحرين 5 / 261، والقاموس 3 / 298، والصحاح 4 / 1579. (10) الصحاح 2 / 665، ولا حظ مجمع البحرين 3 / 313، والقاموس 2 / 36.

[175]

والضرام - بالكسر - اشتعال (1) النار، يقال: ما بها نافخ ضرمة أي أحد، وأضرمت النار: ألهبتها (2). والمراد بأخي ثقيف: المغيرة (3) بن شعبة، وقيل: أريد به عمر أيضا، كناية عن الخلل في نسبه، ويؤيده أن في الرواية الاخرى: فلا جزاك الله من ابن صهاك وأخي ثقيف، أجلسك مجلسا (4) لست له بأهل. والانكفاء (5) الرجوع (6). والحماليق: جمع الحملاق - بالكسر، وحملاق العين: باطن أجفانها الذي يسوده الكحل، أو ما غطته الاجفان من بياض المقلة (7). ويقال: نظر إليه شزرا، وهو: نظر الغضبان بمؤخر العين، وفي لحظه شزر بالتحريك، وتشازر القوم.. أي: نظر بعضهم إلى بعض شزرا (8) وفي بعض النسخ: معه (9) رهط عتاة من الذين شزرت حماليق أعينهم من حسدك وبدرت حنقا عليك. وقرح جلده كعلم: خرجت به القروح (10). وفي الرواية الاخرى مكان وغلام أسمر: وأخوه عقيل، وهو أظهر.


(1) في (س): اشتغال، والظاهر أنه سهو. (2) ذكره في الصحاح 5 / 1971، وفيه بدلا من: الهبتها: التهبتها، ولا حظ: مجمع البحرين 6 / 104، والقاموس 4 / 142. (3) في (ك): والمغيرة، وفي (س): ابن المغيرة، والظاهر ما أثبتناه. (4) لا توجد في (س): مجلسا. (5) في (س): الانفكاء، وهو غلط. (6) انظر: الصحاح 1 / 67، والقاموس 1 / 26. (7) صرح به في مجمع البحرين 5 / 152، وانظر: الصحاح 4 / 1465، والقاموس 3 / 224. (8) جاء في الصحاح 2 / 696، وانظر: مجمع البحرين 3 / 345، والقاموس 2 / 58. (9) في (ك): ومعه. (10) كما في تاج العروس 2 / 204، والصحاح 1 / 395، ومجمع البحرين 2 / 403.

[176]

وقال الفيروز آبادي: الروية كسمية: ماء (1). والبربرة: الصوت وكلام في غضب، تقول: بربر فهو بربار (2). وفي الرواية الاخرى: وأطرق موشحا (3) وقبض على (4) لحيته، فبدأته بالسلام لاستكفي شره وأنفي وحشته. وراغ إلى كذا: أي مال إليه سرا وحاد، وقوله تعالى: [فراغ عليهم ضربا باليمين] (5) أي: أقبل، وقيل: مال، والمراوغة - أيضا - المصارعة، قالها الجوهري (6). وبعد قوله: عند الغضب في الرواية الاخرى: ونفرت عيناه في أم رأسه وقام عرق الهاشمي بين عينيه ككراع البعير فعلمت أنه قد غرب عقله. ثم قال: ويقال لخن السقاء - بالكسر - أي: أنتن، ومنه قولهم - أمة لخناء، ويقال اللخناء (7) التي لم تختن (8). وقال: دععته أدعه (9) دعا أي: دفعته (10). وفي الرواية الاخرى: فمد عنقي بيد وأخذ القطب بيد أخرى.. إلى قوله: ما كفوني شره، فلا جزاهم الله خيرا، فإنهم لما نظروا إلى بريق عينيه استخذلوا فرقا، وسالت وجوههم عرقا، وخدمت أرواحهم فكأنهم نظروا إلى ملك موتهم.


(1) القاموس 4 / 337 - 338، وقارن به تاج العروس 10 / 159. (2) قاله في الصحاح 2 / 588، ولاحظ: لسان العرب 4 / 56. (3) في نسخة على (ك): موثقا. (4) في (س): وأخذ على. (5) الصافات: 93. (6) الصحاح 4 / 1320، وقارن ب‍: لسان العرب 8 / 430 - 431. (7) لا توجد: ويقال اللخناء، في (ك). (8) الصحاح 6 / 2194، ولاحظ: مجمع البحرين 6 / 308. (9) لا توجد في (ك): أدعه. (10) الصحاح 3 / 1206، وانظر: مجمع البحرين 4 / 325.

[177]

وفتلت الحبل: لويته (1). ويقال: ما أغنى فلان شيئا - بالعين والغين - أي: لم ينفع في معهم، ولم يكف مؤونة (2). وشرة الشباب - بكسر الشين وتشديد الراء -: حرصه ونشاطه (3)، والشرة أيضا مصدر الشر. قوله: أو قوة ملك - بالتحريك أو بالضم - والثاني أنسب بكفره. والشجا: ما ينشب في الحق من عظم وغيره (4) والهم والحزن. والدعابة - بالضم -: المزاح (5)، وفي بعض النسخ: زعامة، وهي بالفتح: السيادة (6). والخلد - بالخاء المعجمة محركة -: القلب (7)، وفي اكثر النسخ بالجيم، ولعله تصحيف. وفي الرواية الاخرى: فقال عمر: فيه دعابة لا يدعها حتى تهتك منزلته، وتورطه ورطة الهلكة، وتبعده عن الدنيا، فقال له أبو بكر: دعني من تمردك وحديثك هذا، فوالله لم هم بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ثم قال أبو بكر.. إلى قوله: وكان قيس سياف النبي وكان طوله سبعة أشبار في عرض ثلاثة اشبار. قوله: لمسألة تسألونها.. أي احضرتموني لتلتمسوا مني ذلك لافعله طوعا


(1) كما في القاموس 4 / 28، والصحاح 5 / 1788 وغيرهما. (2) كما في تاج العروس 10 / 270، ولا حظ: لسان العرب 15 / 137 - 138. (3) قاله في الصحاح 2 / 695، ولسان العرب 4 / 401، وانظر: القاموس 2 / 57. (4) صرح به في الصحاح 6 / 2389، وقال: الشجو: الهم والحزن، ومثله في: تاج العروس 9 / 193. (5) ذكره في مجمع البحرين 2 / 56، والصحاح 1 / 125 وغيرهما. (6) كما في الصحاح 5 / 1942، ولسان العرب 12 / 267 وغيرهما. (7) قاله في الصحاح 2 / 469، ومجمع البحرين 3 / 44، والقاموس 1 / 290.

[178]

أو تجبروني عليه كرها. قوله: ما كان منك.. أي: لا تقدر عليه، أو المعنى: لو جبرتني عليه كان من أعوانك وليس منك. وفي الرواية الاخرى: فقال له عمر: اقصد لما أمرت به يا قيس وإلا أكرهت، فقال قيس: يا بن صهاك ! خذل الله من يكره شرواك، إن بطنك لكبير، وإن كيدك لعظيم، فلو فعلت أنت ذلك ما كان بعجيب. وشروى الشئ: مثله (1). قوله: فاستشاط: أي احتدم والتهب في غضبه (2). قوله: حميا - على فعيل - أي: حاميا للحق. والمعرة: الاثم والاذذى (3). قوله: لا يقعقع بالشنان.. القعقعة: حكاية صوت السلاح (4)، والشنان - بالكسر - جمع الشن، وهو: القربة الخلق (5). قال الزمخشري (6) والميداني (7): إذا أرادوا حث الابل على السير يحركون القربة اليابسة لتفزع فتسرع. قال النابغة: كأنك من جمال بني أقيس (8) * يقعقع خلف رجليه بشن يضرب للرجل الشرس الصعب الذي لا يتفزع لما ينزل به من حوادث


(1) كما في الصحاح 6 / 2392، ومجمع البحرين 1 / 245. (2) قاله في الصحاح 3 / 1139، ومثله في لسان العرب 7 / 339. (3) كما في مجمع البحرين 3 / 400، والقاموس المحيط 2 / 87. (4) صرح به في مجمع البحرين 4 / 382، والقاموس 3 / 72. (5) قاله في الصحاح 5 / 2146، ومجمع البحرين 6 / 272. (6) في كتابه المستقصى في أمثال العرب 2 / 274. (7) في كتابه مجمع الامثال 2 / 261. (8) في المصدرين: بني اقيش.

[179]

الدهر، ولا يروعه ما لا حقيقة له. قال (1) الحجاج على منبر الكوفة: إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين. انتهى (2). وغمز التين: كناية عن سرعة الانقياد، ولين الجانب (3)، فانه إذا غمز في ظرف أو غيره انغمز سريعا. والضخم: الغليظ من كل شئ (4)، والمراد هنا شدته في الامور وفخامته عند الناس. والصنديد - بالكسر -: السيد الشجاع (5). وسمك البيت: سقفه (6). والمنيف: المشرف المرتفع (7). والباذخ: العالي (8). والشوس - بالتحريك -: النظر بمؤخر العين تكبرا وتغيظا، والرجل اشوس (9). قوله: والديك النافش.. في بعض النسخ بالقاف والشين المعجمة، والنقش (10): استخراج الشوك واستقصاؤك الكشف عن الشئ والجماع (11)، وفي


(1) من قوله: قال.. إلى كتغماز التين، لا توجد في مجمع الامثال. (2) أي انتهى ما نقله عن الزمخشري، وقد تعرض للمثل في فرائد اللآلي 2 / 225 أيضا، فلاحظ. (3) كما في لسان العرب 5 / 389، وتاج العروس 5 / 65. (4) قاله في مجمع البحرين 6 / 104، والصحاح 5 / 1971. (5) انظر: القاموس 1 / 309، ومجمع البحرين 3 / 89، والصحاح 2 / 499. (6) لاحظه في الصحاح 4 / 1594، والقاموس 3 / 307، ومجمع البحرين 5 / 271. (7) قاله في لسان العرب 9 / 342، وتاج العروس 6 / 263، وانظر: مجمع البحرين 5 / 126. (8) نص عليه في مجمع البحرين 2 / 429، والصحاح 1 / 418، ولسان العرب 3 / 7. (9) كما في الصحاح 3 / 941، ولسان العرب 6 / 115، ومجمع البحرين 8 / 80. (10) في (س): النفش - بالفاء - وهو سهو. (11) ذكره في القاموس 2 / 941، وتاج العروس 4 / 359 وغيرهما.

[180]

بعض النسخ بالفاء، وقال الفيروز آبادي: النفوش: الاقبال على الشئ تأكله.. وتنفش الطائر: نفض ريشه كأنه يخاف أو يرعد (1)، وفي بعض النسخ: النافر - بالفاء والراء المهملة، أو بالقاف والراء -. وصميم الشئ: خالصه، يقال هو في صميم قومه (2). ويقال: مج الرجل الشراب من فيه إذا رمى به (3). وتنصل فلان من ذنبه أي تبرا (4) واعتذر. قوله عليه السلام: يا بن دميمة.. الدميم: الحقير، والدمامة الاساءة (5). قوله عليه السلام: فطفقت.. يقال: طفق الموضع كفرح لزمه (6)، وهو هنا كناية عن الموت. وفي بعض النسخ فطفئت - بالمهزة - وهو أيضا كناية عن الموت. ويقال: اغنيت عنك مغنى فلان.. أي: اجزأت عنك مجزأة (7)، ويقال: ما يغني عنك هذا أي: ما يجدي عنك وما ينفعك (8). وفي الرواية الاخرى: فاعز نفسك عنا هباء (9) ودعنا عنك حلماء (10). ولعله من قولهم هبا: إذا فر أو مات (11).


(1) ذكره في القاموس 2 / 291، وتاج العروس 4 / 358. (2) قاله أهل اللغة كما في الصحاح 5 / 1968، وتاج العروس 8 / 369، ولسان العرب 12 / 347. (3) ذكره في الصحاح 1 / 340، وانظر: القاموس 1 / 206، ولسان العرب 3 / 361. (4) نص عليه في مجمع البحرين 5 / 438، والصحاح 5 / 1831، ولسان العرب 11 / 664. (5) قاله في القاموس 4 / 113، وتاج العروس 8 / 294، ولسان العرب 13 / 208. (6) كما في القاموس 3 / 258، وتاج العروس 6 / 423، وانظر: لسان العرب 1 / 225. (7) لاحظ: القاموس 4 / 371، والصحاح 6 / 2449، ولسان العرب 15 / 138. (8) ذكره في الصحاح 6 / 2449، ولسان العرب 15 / 137 وغيرهما. (9) الهباء من الناس.. الذين لا عقول لهم، قاله في لسان العرب 15 / 352، ولعل المعنى فاجعل نفسك في ارض شديدة مع الذين لا عقول لهم من خوفنا، أو المعنى فأعز نفسك لئلا تكون هباء وغبارا. (10) في (ك): حلئا. وفي الصحاح 1 / 45: الحلا والتحلي بمعنى العقبول والضرب. (11) ذكره في القاموس 4 / 402، ولسان العرب 15 / 350.

[181]

قوله عليه السلام: بمن أنت أحق.. أي بمن قتلهم من الكفار وأنت أحق بالقتل منهم. قوله عليه السلام: لا تجرعت.. أي لم أشرب من الكيزان (1) التي ختمت رؤسها ولم يعلم ما فيها إلا علقمها.. أي مرها، وأكل شئ مر علقم (2)، ولعله مثل (3)، والغرض اني لا أبالي بالشدائد والفتن، ولم يقدر لي في الدنيا من الامور إلا شدائدها. والزهو: التكبر والفخر (4). قوله عليه السلام: في موضع رفع.. أي من جهة الترفع علي (5)، وفي الرواية الاخرى: أراد الوضع مني ليسمو بذلك عند أهل الجهل، وهم بي وهو عارف بي. وقال الجوهري: يقال في فلان هنات أي خصلات شر (6). وقال الجزري: قيل واحدها هنة،.. وهو كناية عن كل اسم جنس، ومنه حديث سطيح " ثم تكون هنات وهنات " أي شدائد (7) وامور عظام (8). وفي الرواية الاخرى زيادة، وهي هذه: فانصرفت الجماعة شاكرين له وهم متعجبون من ذلك، فقال أبو بكر: لا تعجبوا من أبي الحسن، والله لقد كنت بجنب رسول الله صلى الله عليه [وآله] يوم قلع علي باب خيبر، فرأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد ضحك حتى بدت ثناياه، ثم بكى حتى اخضلت لحيته،


(1) الكوز جمعه كيزان، ومعناه واضح، قاله في القاموس 2 / 189. (2) كما في القاموس 4 / 154، وتاج العروس 8 / 480، ولسان العرب 12 / 422. (3) لم نجده فيما بأيدينا من كتب الامثال، فلاحظ. (4) قاله في مجمع البحرين 1 / 210، ولسان العرب 14 / 360، والقاموس 4 / 340. (5) لا توجد في (ك): علي. (6) ذكره الجوهري في الصحاح 6 / 2537، والطريحي في مجمع البحرين 1 / 480 وغيرهما. (7) جاءت نسخه على مطبوع البحار: شدايد، والمعنى واحد، ونظائر هذه النسخ هنا كثيرة نظير: وسايل وعباير ونحوهما. (8) النهاية 5 / 279.

[182]

فقلت: يا رسول الله ! أضحك وبكاء في ساعة واحدة ؟ !. قال: نعم، أما ضحكي ففرحت بقلع علي باب خيبر، وأما بكائي فلعلي عليه السلام، فإنه ما قلعه إلا وهو صائم مذ ثلاثة أيام على الماء القراح، ولو كان فاطرا على طعام لدحا به (1) من وراء السور. 38 - ما (2): هذا حديث وجدته بخط بعض المشايخ رحمهم الله، ذكر أنه وجده في كتاب لابي غانم الاعرج (3) - وكان مسكنه بباب الشعير - وجد بخطه على ظهر كتاب له حين مات، وهو: أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة عليها السلام فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنت وأمي ما الذي يبكيك ؟ فقالت لها: اسائلتي (4) عن هنة (5) حلق بها الطائر وحفي (6) بها السائر، ورفعت إلى السماء أثرا (7) ورزئت في الارض خبرا: إن قحيف تيم وأحيول عدي جاريا (8) أبا الحسن في السباق، حتى إذا تفريا (9) بالخناق أسرا له الشنان، وطوياه الاعلان، فلما خبا نور الدين وقبض النبي الامين نطقا بفورهما، ونفثا بسور هما، وأدلا بفدك، فيالها كم من ملك ملك (10)، إنها عطية الرب الاعلى للنجي الاوفى، ولقد نحلنيها للصبية السواغب من نجله ونسلي، وإنها لبعلم الله (11) وشهادة أمينه، فان انتزعا مني البلغة ومنعاني اللمظة


(1) أي: لرمي به، انظر: الصحاح 6 / 2334. (2) امالي الشيخ الطوسي 1 / 207، باختلاف يسير. (3) في المصدر: المعلم الاعرج. (4) في نسخة: أتسأليني. (5) خ. ل: هبة. (6) في نسخة: خفي. (7) في المصدر: ورفع إلى السماء أمرا. (8) في الامالي: ان تخيف تيم وأحيوك عدي جازيا. (9) في المصدر: تقربا. (10) في أمالي الشيخ: تلك، بدلا من: ملك. (11) في المصدر: ليعلم الله.

[183]

فاحتسبها (1) يوم الحشر زلفة، وليجدنها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم. توضيح: عن هنة، أي: شئ يسير قليل، أو قصته منكرة قبيحة (2). حلق بها الطائر.. تحليق الطائر: إرتفاعه في الهواء (3)، أي: انتشر خبرها، إذ كان الغالب في تلك الازمنة إرسال الاخبار مع الطيور. وحفي بها السائر.. أي: أسرع السائر في ايصال هذا الخبر حتى حفي وسقط خفه ونعله، أورق رجله أو رجل دابته، يقال: حفي - كعلم - إذا مشى بلا خف ولا نعل، أو رقت قدمه أو حافره، أو هو من الحفاوة وهي المبالغة في السؤال (4)، وفي بعض النسخ: وخفي بها السائر.. أي لم يبق ساتر لها ولم يقدر الساترون على اخفائها. ورفعت إلى السماء اثرا.. أي ظهرت آثارها في السماء عاجلا وآجلا من منع الخيرات وتقدير شدايد العقوبات لمن ارتكبها. ورزئت في الارض خبرا (5).. يقال: رزاه كجعله وعمله اصاب منه شيئا، ورزأه رزءا أو مرزئة اصاب منه خيرا، والشئ نقصه، والرزيئة المصيبة (6)، فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم.. أي أحدثت من جهة خبرها في الارض مصائب، أو


(1) في الامالي: واحتسبتها. (2) قال في النهاية 5 / 278: الهن والهن - بالتخفيف والتشديد - كناية عن الشئ لا تذكره باسمه، تقول: أتاني هن وهنة مخففا ومشددا. وقال في النهاية أيضا 5 / 279: وفيه أنه قام هنية، أي: قليلا من الزمان، وهو تصغير هنة. وفي الصحاح 6 / 2536: هن - على وزن أخ -: كلمة كناية، ومعناه: شئ،... وتقول للمرأة هنة وهنت. وقال في تاج العروس 10 / 413: هنة: تأنيث الهن، فهو كناية عن كل اسم جنس، ومثله في مجمع البحرين 1 / 479. (3) كما في الصحاح 4 / 1462، ولسان العرب 10 / 63 وغيرهما. (4) كما في كتب اللغة كالصحاح 6 / 2316، ولسان العرب 14 / 187 - 188، وغيرهما. (5) في (ك): خيرا. (6) قاله في القاموس 1 / 16، وتاج العروس 1 / 70، ولسان العرب 1 / 85 - 86.

[184]

المجهول بالاسناد المجازي، والاول أنسب معنى، والثاني لفظا، ويمكن أن يكون بتقديم المعجمة على المهملة، يقال: زرى عليه زريا: عابه وعاتبه (1) فلا يكون مهموزا. وفي بعض النسخ ربت - بالراء المهملة والباء الموحدة -: أي نمت (2) وكثرت. وفي بعضها: رنت.. من الرنين، وفي نسخة قديمة: ورويت - من الرواية -. ان قحيف تيم.. لعلها صلوات الله عليها أطلقت على أبي بكر قحيفا، لان أباه أبو قحافة، والقحف - بالكسر - العظم فوق الدماغ، والقحف - بالفتح - قطع القحف أو كسره، والقاحف: المطر يجئ فجأة فيقتحف كل شئ.. أي يذهب به، وسيل قحاف - كغراب - جزاف (3). والاحيول - تصغير - الاحول، وهو لو لم يكن أحول ظاهرا فكان أحول باطنا لشركه، بل أعمى، ويقال: - أيضا - ما احوله.. أي ما احيله (4). جاريا أبا الحسن عليه السلام في السباق.. يقال: جاراه أي جرى معه (5). والسباق: المسابقة (6)، أي كانا يريدان أن (7) يسبقاه في المكارم والفضائل في حياة النبي صلى الله عليه وآله.


(1) صرح به في لسان العرب 14 / 356، والقاموس 6 / 338، وتاج العروس 10 / 163. (2) قاله في لسان العرب 14 / 304، والقاموس 4 / 332. (3) كما في تاج العروس: 6 / 216 - 217، ولسان العرب 9 / 275 - 276، والقاموس 3 / 182 - 183. (4) صرح به في الصحاح 4 / 1681 وقال: قال الفراء: يقال: هو احول منك.. أي أكثر حيلة، وما احوله. ونحوه في لسان العرب 11 / 185. (5) نص عليه الطريحي في مجمع البحرين 1 / 83، والجوهري في الصحاح 6 / 2302. (6) كما ذكره في لسان العرب 10 / 152، ومجمع البحرين 5 / 182. (7) لا توجد: أن في (س).

[185]

حتى إذا تفريا بالخناق اسرا له الشنان.. يقال: تفرى أي انشق (1)، والخناق - ككتاب - الحبل يخنق به، وكغراب داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرية والقلب (2). وفي بعض النسخ بالحاء المهملة وهو بالكسر جمع الحنق - بالتحريك - وهو الغيظ أو شدته (3). والشنان: العداوة (4).. أي لما انشقا بما خنقهما من ظهور مناقبه وفضائله وعجزهما عن أن يدانياه في شئ منها، أو من شدة غيظه اكمنا له العداوة في قلبهما منتهضين للفرصة، وفي بعض النسخ: تعريا (5) - بالعين والراء المهملتين - فلعل المعنى بقيا مسبوقين في العراء وهو الفضاء (6) والصحراء متلبسين بالخناق والغيظ. وفي بعض النسخ: ثغرا (7).. أي توقرا وثقلا. وفي بعضها: تغرغرا.. من الغرغرة وهي تردد الروح في الحلق، ويقال: يتغرغر صوته في حلقه.. أي


(1) كذا صرح به في القاموس 4 / 374، والصحاح 6 / 2454 وغيرهما. (2) كما قاله في القاموس 3 / 229، ومجمع البحرين 5 / 159 - 160 وغيرهما. (3) كذا صرح به في لسان العرب 1 / 69 - 70، والقاموس 3 / 224. (4) قال في الصحاح 1 / 57: الشناءة مثال الشناعة: البغض، وقد شنأته شنئا وشنئا وشنئا ومشنا وشنانا - بالتحريك - وشنآنا - بالتسكين -.. قال أبو عبيدة: الشنان - بغير همز - مثل الشنان. ومثله في لسان العرب 1 / 101. (5) قال في لسان العرب 15 / 49 يقال: ما تعرى فلان من هذا الامر.. أي ما تخلص. والظاهر: منتهزين للفرصة. اقول: وعليه يمكن أن يكون المعنى أنهما تخلصا بالخناق دون السباق. (6) قاله في مجمع البحرين 1 / 288، والصحاح 6 / 2423، والقاموس 4 / 361. (7) قال في مجمع البحرين 3 / 236: الثغر: موضع المخافة الذي يخاف منه هجوم العدو، والثغر - أيضا - ما تقدم من الانسان [كذا، والظاهر: الاسنان]. وفي المصباح: الثغر: الميسم ثم اطلق على الثنايا، وإذا كثر ثغر الصبي، قيل: ثغر ثفورا - بالبناء للمجهول -. وفي القاموس 1 / 383: اثغر الغلام القى ثغرة ونبت ثغره ضد. ونحوه في الصحاح 2 / 605، وزاد فيها: ثغرته.. أي كسرت ثغره، والثغرة - بالضم - نقرة النحر التي بين الترقوتين، والثغرة - ايضا - الثلمة، يقال: ثغرناهم.. أي سددنا عليهم ثلم الجبل. وكل هذه المعاني قد تكون مرادة. اقول: جاء في (ك): تغرزا، وقد تقرأ في (س): تغررا، أو تعزرا.

[186]

يتردد (1)، وهو مناسب للخناق. وفي بعضها: تقررا.. أي ثبتا ولم يمكنهما الحركة (2)، وفي بعضها: تعزبا - بالمهملة ثم المعجمة - أي بعدا (3) ولم يمكنهما الوصول إليه، وكان يحتمل تقديم المعجمة أيضا (4)، والمعنى قريب من الاول. وفي بعضها تقربا - بالقاف والباء الموحدة - ويمكن توجيهه بوجه، وكان يحتمل النون، وهو اوجه فالخناق (5) - بالخاء المكسورة - أي اشتركا فيما يوجب عجزهما كأنهما اقترنا بحبل واحد في عنقهما، وفي بعضها تفردا - بالفاء والراء المهملة والدال - وهو أيضا لا يخلو من مناسبة. وطوياه الاعلان.. أي أضمرا أن يعلنا له العداوة عند الفرصة، وفي الكلام حذف وايصال.. أي طويا له أو عنه، يقال: طوى الحديث أي كتمه (6)، ويقال خبت النار أي سكنت وطفئت (7). نطقا بفورهما.. أي تكلما فورا، أي بسبب فورانهما، وفي بعض النسخ: نطفا - بالفاء - أي صبا ما في صدورهما فورا، أو بسبب غليان حقدهما وفوران حسدهما، ويحتمل أن تكون الباء زائدة، يقال نطف الماء أي صبه، وفلانا قذفه بفجور، أو لطخه بعيب (8). وفي الحديث: رأيت سقفا تنطف سمنا وعسلا.. أي


(1) كما في الصحاح 2 / 769، وتاج العروس 3 / 447، وغيرهما. (2) قال في القاموس 2 / 115، قر بالمكان يقر - بالكسر والفتح - قرارا وقرورا وقرا وتقره: ثبت وسكن كاستقر وتقار، ونحوه في تاج العروس 3 / 487. (3) قال في مجمع البحرين 2 / 120: يقال عزب الشئ - من باب قعد - بعد عني وغاب، وعزب - من بابي قتل وضرب - غاب وخفى. وقريب منه في لسان العرب 1 / 569. (4) قال الطريحي في مجمع البحرين 2 / 131: غرب الشخص - بالضم - غرابة: بعد عن وطنه فهو غريب. وقريب منه في لسان العرب 1 / 639. (5) كذا، والصحيح: بالخناق - بالباء دون الفاء - أي هذا اوجه بالخناق أي بملاحظته. (6) كما في القاموس 4 / 358، وتاج العروس 10 / 229، ولسان العرب 15 / 19. (7) جاء في تاج العروس 10 / 110، ولسان العرب 14 / 223، والقاموس 4 / 323. (8) قاله في لسان العرب 6 / 334 - 336، والقاموس 3 / 201، وتاج العروس 6 / 258.

[187]

تقطر، وفي قصة المسيح عليه السلام: ينطف رأسه ماء (1)، وفار القدر فورا وفورانا غلا وجاش (2)، وأتوا من فورهم.. أي من وجههم، أو قبل أن يسكنوا (3). ونفثا بسورهما.. نفثه - كضرب -: رمى به، والنفث: النفخ والبزق (4). وسورة الشئ: حدته وشدته، ومن السلطان: سطوته وإعتداؤه. وسار الشراب في رأسه سورا: دار و (5) ارتفع، والرجل إليك: وثب وثار (6). وادلا بفدك.. قال الجوهري: الدل: الغنج والشكل،.. وفلان يدل على اقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده، وهو يدل بفلان: أي يثق به (7)، والحاصل أنهما أخذا فدك بالجرأة من غير خوف، وفي بعض النسخ: وا ذلا بفدك - بالذال المعجمة - على الندبة، ولعله تصحيف. فيا لها كم من ملك ملك.. من قبيل يا للماء.. للتعجب، أي يا قوم تعجبوا لفدك. وقولها: كم من ملك بيان لوجه التعجب، وفي بعض النسخ: فيا لها لمن ملك تيك.. وفي بعضها: فيالها لمزة لك تيك. واللمزة - بضم اللام وفتح الميم -: العياب (8). وتيك: اسم إشارة (9)، والظاهر أن الجميع تصحيف. والنجي.. هو المناجي المخاطب للانسان (10) أي لمن خصه الله بنجواه


(1) قاله في النهاية 5 / 75، ولسان العرب 9 / 336 وغيرهما. (2) الكلمة مشوشة في (س). (3) كما في مجمع البحرين 3 / 445، وتاج العروس 3 / 476. (4) نص عليه في تاج العروس 1 / 650، والصباح المنير 2 / 324، إلا أن فيه بدل: النفخ، الالقاء والسحر. (5) في (س): أو بدلا من الواو. (6) قاله في القاموس 2 / 53، وتاج العروس 3 / 283، ولا حظ: لسان العرب 4 / 384 - 385. (7) جاء في الصحاح 4 / 1699، ولسان العرب 11 / 248 وغيرهما. (8) صرح به في لسان العرب 5 / 407، والصحاح 3 / 895، والقاموس المحيط 2 / 191. (9) كما في الصحاح 6 / 2548، ولسان العرب 15 / 445، والقاموس 4 / 409. (10) قاله في النهاية 5 / 25، وفي مجمع البحرين 1 / 408 باضافة الواو، أي المناجي والمخاطب للانسان.

[188]

وسره وكان أو في الخلق بعهده وأمره. والصبية - بالكسر -: جمع الصبي (1). والسغب: الجوع (2). والنجل: الولد (3). والبلغة - بالضم -: ما يتبلغ به من العيش (4). واللماظة - بالضم -: ما يبقى في الفم من الطعام. وقال الشاعر في وصف الدنيا: لماظة أيام كأحلام نائم.... ويقال: ما ذقت لماظا - بالفتح - أي شيئا،.. واللمظة - بالضم - كالنكتة من البياض (5)، واللماظة هنا انسب. والزلفة - بالضم - كالزلفى: القرب والمنزلة (6).. أي اعلم أنها سبب لقربي يوم الحشر، أو اصبر عليها ليكون سببا لقربي. قال في النهاية (7): فية من صام ايمانا واحتسابا.. أي طلبا لوجه الله وثوابه، والاحتساب (8) من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله إحتسبه، لان لا حينئذ ان يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به.. والاحتساب في الاعمال الصالحات وعند المكروهات هو البدار إلى


(1) ذكره في الصحاح 6 / 2398، ومجمع البحرين 1 / 260 وغيرهما. (2) نص عليه في القاموس 1 / 82، والصحاح 1 / 147، ومجمع البحرين 2 / 83. (3) جاء ذلك في لسان العرب 11 / 646، والقاموس 4 / 55، والنهاية 5 / 23. (4) كما في القاموس المحيط 3 / 103، والصحاح 4 / 1317 وغيرهما. (5) قاله في الصحاح 3 / 1180، ولسان العرب 7 / 462. (6) كذا في مجمع البحرين 5 / 67، والقاموس المحيط 3 / 149، والصحاح 4 / 1371. (7) النهاية 1 / 382، ولا حظ: لسان العرب 1 / 314 - 315. (8) في المصدر: فالاحتساب.

[189]

طلب الاجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها..، ومنه الحديث: من مات له ولد فاحتسبه.. أي احتسب الاجر بصبره على مصيبته. وسعر النار.. كمنع: اوقدها (1). والحميم: الماء الحار (2). واللظى - كفتى - النار أو لهبها، ولظى - معرفة - جهنم (3)، أو طبقة منها، أعاذنا الله تعالى منها ومن طبقاتها ودركاتها. 39 - ختص (4): عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وجلس أبو بكر مجلس، بعث إلى وكيل فاطمة صلوات الله عليها فأخرجه من فداك. فأتته فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر ! ادعيت أنك خليفة أبي وجلست مجلسه، وأنت (5) بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله صدق بها علي، وان لي بذلك شهودا. فقال (6): إن النبي (س) لا يورث. فرجعت إلى علي عليه السلام فأخبرته، فقال: ارجعي إليه وقولي له: زعمت أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث [وورث سليمان داود] (7)، وورث يحيى زكريا، وكيف لا أرث أنا أبي ؟ ! فقال عمر: أنت معلمة، قالت: وإن كنت معلمة فإنما علمني ابن عمي وبعلي.


(1) كما في مجمع البحرين 3 / 331، والقاموس المحيط 2 / 48. (2) صرح بذلك في الصحاح 5 / 1905، ومجمع البحرين 6 / 50، والقاموس 4 / 100. (3) قاله في القاموس 4 / 386، وتاج العروس 10 / 327، ولسان العرب 15 / 248. (4) الاختصاص 183 - 185، وفيه: أبو محمد عن عبد الله بن سنان.. إلى آخره. (5) في المصدر: وانك. (6) في الاختصاص: فقال لها. (7) النمل: 16.

[190]

فقال أبو بكر: فان عائشة تشهد وعمر أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: النبي (1) لا يورث. فقالت: هذا أول شهادة زور شهدا بها (2)، وان لي بذلك شهودا بها في الاسلام، ثم قالت: فان فدك إنما هي صدق بها علي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولي بذلك بينة. فقال لها: هلمي ببينتك. قال: فجاءت بأم أيمن وعلي عليه السلام، فقال أبو بكر: يا أم أيمن ! إنك سمعت من رسول الله (ص) يقول في فاطمة ؟ فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (3)، ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدعي ما ليس لها ؟ ! وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنت لاشهد بما لم أكن سمعت (4) من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأي شئ تشهدين ؟. فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة عليها السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس حتى نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمد ! قم فان الله تبارك وتعالى أمرني أن أخط لك فدكا بجناجي، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مع جبرئيل


(1) في المصدر: إن النبي. (2) في (س): به. (3) انظر: صحيح البخاري، باب مناقب فاطمة عليها السلام 5 / 29، وحكاه في العمدة لابن البطريق: 384. وقد ورد الحديث بمضامين مختلفة، منها: فاطمة سيدة نساء العالمين، كما في الصحيح البخاري كتاب الاستئذان، باب 43، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة حديث 98 و 99، وطبقات ابن سعد، القسم الثاني من 2 / 40 و 8 / 17، ومسند احمد 3 / 135. ومنها: فاطمة من أفضل نساء أهل الجنة، كما في سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب 30 و 60 و 63، ومسند احمد 1 / 293 و 3 / 64 و 80 و 135 و 5 / 391، ومسند الطيالسي حديث 1374. (4) في بعض النسخ والمصدر: ما كنت لاشهد إلا بما سمعت، وفي نسخة اخرى: فقالت سمعت، كما في (س).

[191]

عليه السلام، فما لبث أن رجع، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبة ! أين ذهبت ؟ فقال: خط جبرئيل عليه السلام لي فدكا بجناحه وحد لي حدودها، فقالت: يا أبة ! إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدق بها علي، فقال: هي صدقة عليك، فقبضتها، قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم أيمن ! اشهدي، ويا علي ! اشهد. فقال عمر: أنت امرأة ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، وأما علي فيجر إلى نفسه. قال: فقامت مغضبة وقالت: اللهم إنهما ظلما ابنة نبيك (1) حقها، فاشدد وطأتك عليهما، ثم خرجت وحملها علي على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين والانصار والحسن والحسين عليهما السلام معها، وهي تقول: يا معشر المهاجرين والانصار ! انصروا الله وابنة (2) نبيكم، وقد بايعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه انفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ببيعتكم، قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها. قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل ! إني قد جئتك مستنصرة، وقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله على أن تنصره وذريته وتمنع مما تمنع منه نفسك وذريتك، وإن أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها، قال: فمعي غيري ؟ قالت: لا، ما أجابني أحد، قال: فأين أبلغ أنا من نصرك ؟ (3) قال: فخرجت من عنده. ودخل ابنه، فقال: ما جاء بابنة محمد إليك ؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر فإنه أخذ منها فدكا، قال: فما أجبتها به ؟ قال: قلت: وما يبلغ من نصرتي أنا وحدي، قال: فأبيت أن تنصرها ؟


(1) في المصدر: ابنة محمد. (2) في الاختصاص: فإني ابنة. (3) في المصدر: من نصرتك.

[192]

قال: نعم، قال: فأي شئ قالت لك ؟ قال: قالت لي: والله لا نازعتك (1) الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فقال: أنا والله لا نازعتك (2) الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ لم تجب ابنة محمد. قال: وخرجت فاطمة صلوات الله عليها من عنده وهي تقول: والله لا أكلمك كلمة حتى أجتمع أنا وأنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم انصرفت. فقال علي عليه السلام لها: ائتي (3) أبا بكر وحده فإنه أرق من الآخر، وقولي له: ادعيت مجلس أبي وانك خليفته وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها علي، فلما أتته وقالت له ذلك، قال: صدقت، قال: فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك (4). فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ! ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلميه إلي، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله - وكانت عليها السلام حاملة بابن اسمه: المحسن - فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني (5) أنظر إلى قرط في أذنها حين نقف (6)، ثم أخذ الكتاب فخرقه. فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت. فلما حضرتها (7) الوفاة دعت عليا صلوات الله عليه فقالت: إما تضمن وإلا


(1) في الاختصاص: لانازعنك. (2) في المصدر: لانازعنك. (3) في المصدر: ائت، وهو سهو، وفي نسخة: ايتي، والمعنى واحد. (4) في الاختصاص: فدك فقال.. (5) في (ك): فإني، وعليه رمز نسخة. (6) في المصدر: نقفت، وهو الظاهر. (7) في الاختصاص: حضرته، وهكذا جاءت في نسخة بدل على حاشية مطبوع البحار، وهو سهو.

[193]

أوصيت إلى ابن الزبير، فقال علي عليه السلام: أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد، قالت: سألتك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنا مت أن لا يشهد اني ولا يصليا علي، قال: فلك ذلك (1). فلما قبضت صلوات الله عليها، دفنها ليلا في بيتها، وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، وأبو بكر وعمر كذلك، فخرج إليهما علي عليه السلام، فقالا له: ما فعلت بابنة محمد ؟ ! أخذت في جهازها يا أبا الحسن ؟ فقال علي عليه السلام: قد والله دفنتها، قالا: فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها ؟ قال: هي أمرتني. فقال عمر: والله لقد هممت بنبشها والصلاة عليها، فقال علي صلوات الله عليه: أما والله ما دام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي فإنك (2) لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم، فقال أبو بكر: اذهب، فإنه أحق بها منا، وانصرف الناس. بيان: قال في النهاية (3): الوطئ في الاصل: الدوس بالقدم، فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ على الشئ برجله فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، ومنه الحديث (4): اللهم اشدد وطأتك على مضر، أي: خذهم اخذا شديدا، انتهى. والخمل - بالتحريك -: هدب (5) القطيفة ونحوها (6).


(1) انظر الواقعة في: حلية الاولياء 2 / 43، المستدرك للحاكم 3 / 163، اسد الغابة 5 / 254، الاستيعاب 2 / 751، المقتل للخوارزمي 1 / 83، إرشاد الساري للقسطلاني 6 / 362، الاصابة 4 / 378 و 380، تاريخ الخميس 1 / 313 وغيرها، ولا حاجة إلى سردها، كفانا ما ذكره ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 14، واعلام النساء 3 / 1214، والجاحظ في رسائله: 300. (2) في المصدر: إنك. (3) النهاية 5 / 200، وانظر: لسان العرب 1 / 197 بتقديم وتأخير. (4) في المصدر: في هلاكه وإهانته، ومنه حديثه الآخر. (5) هدب الثوب: طرفه مما يلي طرته، وطرة الثوب علمه وحاشيته. (6) انظر: القاموس 3 / 371، تاج العروس 7 / 310، لسان العرب 11 / 221. =

[194]

قولها عليها السلام: لا نازعتك (1) الفصيح.. أي: لا أنازعك بما يفصح عن المراد، أي بكلمة من رأسه، فان محل الكلام في الرأس، أو المراد بالفصيح: اللسان. قوله: حين نقف - على بناء المجهول أي -.. كسر (2) من لطم اللعين. والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر، واحدتها جانحة (3). 40 - وروى العلامة في كشكوله - المنسوب إليه (4) - عن المفضل بن عمر قال: قال مولاي جعفر الصادق عليه السلام: لما ولي أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون (5) غيرها، فامنع عن علي وأهل بيته الخمس، والفئ، وفدكا، فان شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليا وأقبلوا إليك رغبة في الدنيا وإيثارا ومحاباة (6) عليها، ففعل أبو بكر ذلك وصرف عنهم جميع ذلك (7). فلما قام - أبو بكر بن أبي قحافة - مناديه (8): من كان له عند رسول الله (س) دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه، وأنجز لجابر بن عبد الله ولجرير بن عبد الله البجلي.


= والظاهر من هذه المصادر أن الخمل - بالفتح والسكون، لامحركة - بل صرح به في اللسان. (1) في (ك): لانازعنك. (2) كما جاء في الصحاح 4 / 1435، والقاموس 3 / 202. (3) كما ورد في القاموس 1 / 219، وتاج العروس 2 / 113، ولسان العرب 2 / 429. (4) الكشكول فيما جرى على آل الرسول: 203 - 205. والكشكول ليس للعلامة الحلي قطعا، لان مؤلفه قال في مقدمته ووسطه أنه ألف الكتاب في سنة 735 ه‍ والعلامة توفي في سنة 726 ه‍، والظاهر أنه تأليف السيد حيدر بن علي الحسيني، وذكر شيخنا الطهراني في الذريعة 18 / 12 نسبة الكشكول إلى العلامة من الشيخ الحر ونسبته إلى غيره من غيره فلاحظ. (5) في المصدر: لا يرون. (6) في مطبوع البحار: محاماة. (7) لا يوجد في المصدر: وصرف عنهم جميع ذلك. (8) في المصدر: أبو بكر أمر مناديه.

[195]

قال: [قال] (1) علي عليه السلام لفاطمة عليها السلام: صيري إلى أبي بكر وذكريه فدكا، فصارت فاطمة إليه وذكرت له فدكا (2) مع الخمس والفئ، فقال (3): هاتي بينة يا بنت رسول الله (4). فقالت: أما فدك، فإن الله عزوجل أنزل على نبيه قرآنا يأمر فيه بأن يؤتيني وولدي حقي (5)، قال الله تعالى: [فلت ذا القربى حقه] (6) فكنت أنا وولدي أقرب الخلائق إلى رسول الله (ص) فنحلني وولدي (7) فدكا، فلما تلا عليه جبرئيل عليه السلام: [و (8) المسكين وأبن السبيل] (9)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما حق المسكين وابن السبيل ؟ فأنزل الله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل] (10)، فقسم الخمس على خمسة أقسام، فقال: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (11) كي لا يكون دولة بين الاغنياء] (12) فما لله (13) فهو لرسوله، وما لرسول الله فهو لذي القربى، ونحن ذو القربى. قال الله تعالى:


(1) زيادة من المصدر يقتضيها السياق. (2) لا توجد في الكشكول: فصارت فاطمة إليه وذكرت له فدكا. (3) جاءت في المصدر: فقال لها. (4) في الكشكول: رسول الله صلى الله عليك وعلى أبيك. (5) الموجود في المصدر: يهبه لي ولولدي حتى.. (6) الروم: 38. (7) لا توجد في الكشكول: وولدي. (8) لا توجد الواو في (س). (9) الروم: 38. (10) الانفال: 41. (11) من قوله: فقسم الخمس.. إلى: ابن السبيل، لا يوجد في المصدر. (12) الحشر: 7. (13) في المصدر: منكم فما كان لله.

[196]

[قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى] (1). فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطاب (2) وقال: ما تقول ؟ فقال عمر: ومن (3) اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ؟ فقالت فاطمة (ع): اليتامى (4) الذين يأتمون (5) بالله وبرسوله وبذي القربى، والمساكين الذين أسكنوا معهم في الدنيا والآخرة، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم. قال عمر: فإذا الخمس والفئ كله لكم ولمواليكم وأشياعكم ؟ ! فقالت فاطمة عليها السلام: أما فدك فأوجبها الله لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا، وأما الخمس فقسمه الله لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ (6) في كتاب الله. قال عمر: فما لسائر المهاجرين والانصار والتابعين بإحسان (7) ؟ قالت فاطمة: إن كانوا موالينا ومن أشياعنا (8) فلهم الصدقات التي قسمها الله وأوجبها في كتابه، فقال الله عزوجل: [إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب] (9).. إلى آخر القصة، قال عمر: فدك لك خاصة والفئ لكم ولاوليائكم ؟ ما أحسب أصحاب محمد يرضون (10) بهذا ! ! قالت فاطمة: فإن الله عزوجل رضي بذلك، ورسوله رضي به (11)، وقسم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن خالفنا فقد خالف الله، ومن


(1) الشورى: 23. (2) من قوله: ابن أبي.. إلى الخطاب، لا يوجد في الكشكول. (3) في المصدر: من ذي القربى ومن.. (4) اليتامى، لا يوجد في الكشكول. (5) في المصدر: يؤمنون. (6) في الكشكول: تقرأ. (7) في المصدر: لهم بإحسان. (8) في الكشكول: من موالينا وأشياعنا. (9) التوبة: 60. (10) في المصدر: ان اصحاب رسول الله يرضون.. (11) في الكشكول: ورضى له.

[197]

خالف الله فقد استوجب من الله العذاب (1) الاليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة. فقال عمر: هاتي بينة يا بنت محمد على ما تدعين ؟ ! فقالت فاطمة (ع): قد صدقتم جابر بن عبد الله وجرير بن عبد الله ولم تسألوهما البينة ! وبينتي في كتاب الله، فقال عمر: إن جابرا وجريرا ذكرا أمرا هينا، وأنت تدعين أمرا عظيما يقع به الردة من المهاجرين والانصار !. فقالت عليها السلام: إن المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه، والانصار بالايمان بالله ورسوله (2) وبذي القربى أحسنوا، فلا هجرة إلا إلينا، ولا نصرة إلا لنا، ولا اتباع (3) بإحسان إلا بنا، ومن ارتد عنا فإلى الجاهلية. فقال لها (4) عمر: دعينا من أباطيلك، واحضرينا من يشهد لك بما تقولين ! !. فبعث إلى علي والحسن والحسين وأم أيمن وأسماء بنت عميس - وكانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة - فأقبلوا إلى أبي بكر (5) وشهدوا لها بجميع ما قالت وادعته. فقال (6): أما علي فزوجها، وأما الحسن والحسين ابناها (7)، وأما أم أيمن فمولاتها، وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر ابن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة، وكل هؤلاء يجرون إلى أنفسهم !. فقال علي (ع): أما فاطمة فبضعة من رسول الله (ص)، ومن آذاها فقد آذى رسول الله (ص) (8)، ومن كذبها فقد كذب رسول الله، وأما الحسن


(1) في المصدر: ومن خالفه فقد استوجب العذاب.. (2) في (ك): وبرسوله. (3) في المصدر: إتباعا. (4) لا توجد: لها، في الكشكول. (5) لا يوجد في المصدر من: ابن أبي.. إلى: ابي بكر. (6) في الكشكول: فقال عمر. (7) في المصدر: ابناؤهما. (8) إشارة إلى الحديث المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء بألفاظ متفاوتة، وقد عد له العلامة الاميني في غديره 7 / 231 أكثر من تسعة وخمسين مصدرا وحافظا، وانظر عنه أيضا مستدرك الحاكم 3 / 154 وقد صححه، وذخائر العقبى 39، وميزان الاعتدال 2 / 72، وكنز العمال 7 / 111، وينابيع المودة 173 - 174، ومجمع الزوائد 9 / 203، وتهذيب التهذيب =

[198]

والحسين فابنا رسول الله (س) وسيدا شباب أهل الجنة (1)، من كذبهما فقد كذب رسول الله (ص) إذ كان (2) أهل الجنة صادقين، وأما أنا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني وأنا منك (3)، وأنت أخي في الدنيا والآخرة (4)، والراد عليك هو الراد علي، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني (5)، وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة (6)، ودعا لاسماء بنت عميس وذريتها. قال عمر (7): أنتم كما وصفتم (8) أنفسكم، ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل. فقال علي عليه السلام: إذا كنا كما نحن كما تعرفون ولا


= 12 / 443 وغيرها كثير. (1) إن حديث: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة "، من الاحاديث المعروفة والمشهورة عند العامة والخاصة، وندرج هنا بعض مصادرة، فقد رواه الحمويني الشافعي في كتابه فرائد السمطين في المجلد الثاني، الباب الثامن في ضمن حديث طويل، وجاء في مسند احمد بن حنبل 3 / 3 و 62 - 82، حلية الاولياء 5 / 71، تاريخ بغداد 9 / 231 - 232، و 10 / 90، وينابيع المودة 166، والصواعق المحرقة 189، وسنن ابن ماجه باب فضائل اصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، والمستدرك 3 / 167، وكنز العمال 6 / 217، وغيرها. (2) في المصدر: إذا كانا من أهل.. (3) جاء الحديث بألفاظ مختلفة، منها ما ورد عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام: علي مني وأنا منه، أو: أنا منك وأنت مني، أو حديث بعثه صلى الله عليه وآله إياه سلام الله عليه بسورة براءة المجمع على صحته، وقد مر، وغيرها، انظر مثالا لذلك: مسند احمد بن حنبل 5 / 204 و 356، خصائص النسائي: 36 و 51، وغيرها، وأدرج جملة من مصادرها في الغدير 1 / 48 و 3 / 23 وغيرها. (4) حديث المؤاخاة من المتفق عليه أدى حقه العلامة الاميني في موسوعته 3 / 112 - 125، وحكاه عن أكثر من خمسين مصدرا، وتعرض له أيضا في 9 / 318، فراجع. (5) انظر مصادره في الغدير 7 / 177 و 10 / 278. (6) من مصادر حديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد شهد لام ايمن رضوان الله عليها بالجنة: الاصابة 4 / 415، تهذيب التهذيب 12 / 459، اعلام النساء 1 / 107، اسد الغابة 5 / 567 وغيرها. (7) في المصدر: فقال عمر، ولا توجد في (ك). (8) جاء في المصدر: وصفتم به، وفي (ك): وصفتكم به.

[199]

تنكرون (1)، وشهادتنا لانفسنا لا تقبل، وشهادة رسول الله لا تقبل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذا ادعينا لانفسنا تسألنا (2) البينة ؟ ! فما من معين يعين، وقد وثبتم على سلطان الله وسلطان رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة ولا حجة، [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (3). ثم قال لفاطمة: انصرفي حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. قال المفضل: قال مولاي جعفر (4) عليه السلام: كل ظلامة حدثت في الاسلام أو تحدث، وكل دم مسفوك حرام، ومنكر مشهور (5)، وأمر غير محمود، فوزره في أعناقهما وأعناق من شايعهما أو تابعهما (6) ورضى بولايتهما إلى يوم القيامة (7). بيان: يظهر من هذا الخبر أن لذي القربى حقين: حقا مختصا وحقا مشتركا، وأشار سبحانه مع الآية الاولى إليهما جميعا، فلما سألوا عن حق المسكين وابن السبيل أنزل آية الخمس لبيان أن اشتراكهما إنما هو في الخمس لا في سائر الفئ، فلا ينافي اختصاص فدك بهم عليهم السلام، وأما تفسيرها عليها السلام اليتامى بالذين يأتمون، فلعل المعنى أن المراد بهم يتامى الشيعة لا مطلق الايتام، فلا يكون الغرض بيان أن اليتيم مشتق من الائتمام، لاختلاف بناء الكلمتين، مع أنه يحتمل أن يكون مبنيا على الاشتقاق الكبير، ويحتمل أن يكون تأويلا لبطن الآية بأن المراد باليتيم من انقطع عن والديه الروحانيين - أي النبي والامام عليهما


(1) لا يوجد في المصدر: إذا كنا.. ولا تنكرون و.. (2) في المصدر: سئلنا. (3) الشعراء: 227، ولا توجد الآية في المصدر. (4) في المصدر زيادة: الصادق. (5) في المصدر: مشهود. (6) لا يوجد في المصدر: أو تابعهما. (7) في المصدر: إلى قيام الساعة.

[200]

السلام - من الشيعة موافقا للاخبار الكثيرة الواردة في ذلك (1)، وأما ما فسرت به المسكين فلا ينافي البناء، لان المسكين والمسكن والسكنى متساوقة في الاشتقاق، وهو على وزن مفعيل، يقال تمسكن كما يقال تمدرع وتمندل (2). وابن السبيل: أظهر، فانه فسرته بسبيل الحق والصراط المستقيم، ثم انه يدل ظاهرا على عدم اختصاص الخمس ببني هاشم - كما هو مذهب أكثر العامة - فيمكن أن يكون هذا على سبيل التنزل، أو يكون المراد أنه غير شامل لجميع بني هاشم بل مختص بمن كان منهم تابعا للحق. 41 - قب (3): في كتاب اخبار الخلفاء: أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ (4) فدكا حتى أردها إليك، فيأبى حتى ألح عليه، فقال عليه السلام: لا آخذها إلا بحدودها، قال: وما حدودها ؟ قال: إن حددتها لم تردها. قال: بحق جدك إلا فعلت. قال: أما الحد الاول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: إيها (5) !. قال: والحد الثاني سمرقند، فأربد (6) وجهه. قال: والحد الثالث افريقية، فاسود وجهه وقال: هنيه (7) !. قال: والرابع سيف البحر ما يلي


(1) كما جاء في الاحتجاج 1 / 16، وتأويل الآيات الظاهرة 1 / 74 حديث 48، وتفسير الامام العسكري عليه السلام 339 - 345 وغيرها. (2) كما في الصحاح 5 / 2137، ولسان العرب 13 / 217 وغيرهما. (3) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 320 - 321. (4) كذا، والظاهر: حد. (5) أي زد من الحديث والكلام. (6) أي أحمر احمرارا فيه سوادا عند الغضب. (7) كذا، والظاهر أنها: هيه، كما في المصدر، ولعل ما في (س) يقرأ كذلك، قال في النهاية 5 / 290: هيه بمعنى ايه، فأبدل من الهمزة هاء، وايه: اسم سمي به الفعل ومعناه الامر، فتقول للرجل: ايه - بغير تنوين - إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن نونت استزدته من حديث ما غير معهود، فإذا سكنته وكففته قلت: ايها - بالنصب - فالمعنى زدني. اقول: وأما هنيه - بالهاء المهملة - فلم أجد لها معنى، وبالتاء - أي هنية - فلها معنى لا يناسب المقام.

[201]

الخزر (1) وارمينية. قال الرشيد: فلم يبق لنا شئ، فتحول إلى مجلسي. قال موسى: قد أعلمتك (2) انني إن حددتها لم تردها، فعند ذلك عزم على قتله. وفي رواية ابن اسباط أنه قال: أما الحد الاول فعريش مصر، والثاني: دومة الجندل، والثالث: أحد، والرابع: سيف البحر، فقال: هذا كله هذه الدنيا !. فقال (ع): هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة فأفاءه الله ورسوله (3) بلا خيل ولا ركاب، فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة (ع). بيان: هذان التحديدان خلاف المشهور بين اللغويين، قال الفيروز آبادي (4): فدك - محركة - موضع بخيبر. وقال في مصباح اللغة: بلدة بينها وبين مدينة النبي (ص) يومان وبينهما وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله على رسوله وتنازعها (5) علي والعباس (6) في خلافة عمر، فقال علي (ع): جعلها النبي (ص) لفاطمة وولدها، وانكره العباس فسلمها عمر لهما (7). انتهى. ولعل مراده عليه السلام أن تلك كلها في حكم فدك، وكأن الدعوى على جميعها، وإنما ذكروا فدك على المثال أو تغليبا. 42 - كشف (8): روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين السادس (9): عن عمر عن أبي بكر المسند منه فقط، وهو: لا نورث ما تركنا صدقة لمسلم من


(1) في المصدر: مما يلي الجزر. (2) في (ك): علمتك، والظاهر ما في المتن. (3) في المصدر: على رسوله. (4) في القاموس 3 / 315. (5) في (س): تنازعا. (6) لا توجد: والعباس في (س). (7) المصباح المنير 2 / 136، وقد سلف أن ذكرنا عبارة معجم البلدان وغيره في أول الباب، فراجع. (8) كشف الغمة 1 / 474 - 478، ونص عليه العلامة الاميني في الغدير 7 / 194. (9) في المصدر: في الجزء السادس.

[202]

رواية جويرية بن أسماء عن مالك وعن عائشة بطوله: أن فاطمة (ع) سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها. وفي رواية أخرى: أن فاطمة (ع) والعباس أتيا أبا بكر.. يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه (1) من فدك وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: لا نورث ما تركنا صدقة (2)، إنما يأكل آل محمد من هذا المال وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصنعه فيه إلا صنعته. زاد في رواية صالح به كيسان: إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الامر، قال: فهما على ذلك اليوم. قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي عليه السلام ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، قال: وكان لعلي وجه من الناس حياة (3) فاطمة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام، ومكثت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] ستة أشهر ثم توفيت، فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي.


(1) في (س): فرضه. (2) قد سلف مصادر الحديث منا ومن المصنف طاب ثراه، وقد أدرج بعضها العلامة الاميني في غديره 7 / 226 و 230، وقد حكاه عن البخاي في صحيحه، باب فرض الخمس 5 / 5 عن عائشة، وباب غزوة خيبر 6 / 196، وكذا في صحيح مسلم 2 / 72، ومسند احمد 1 / 6، 9،.. وغيرها من المصادر. ولا علامنا طاب ثراهم مناقشات فيه سندا ودلالة. (3) في المصدر: في حياة..

[203]

في حديث عروة: فلما رأى علي عليه السلام انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى (1) أبي بكر: ائتينا (2) ولا تأتنا معك بأحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر. فقال عمر: لا تأتهم وحدك. فقال أبو بكر: والله لاتينهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي ؟ !. فانطلق أبو بكر فدخل على علي عليه السلام وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة (3) عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا، فاستبددتم علينا.. ثم ذكر قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وحقهم.. فلم يزل علي عليه السلام يذكر حتى بكى أبو بكر وصمت علي، وتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما لكأت (4) في هذه الاموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (ص) في (5) هذا المال، وإني والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله إلا صنعته إن شاء الله، وقال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس يعذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس على علي فقالوا: أصبت وأحسنت، وكان المسلمون إلى علي رضي الله عنه قريبا حين راجع الامر بالمعروف.. هذا آخر ما ذكره الحميدي.


(1) حذفت: إلى، في (ك). (2) في المصدر: اتينا، والظاهر: ايتنا - بتقديم الياء على التاء -. (3) أي بخلا وضنا ورغبة بخير يصلك. (4) في المصدر: ما ألوت، أي ما قصرت، وكذا لكأت، ويأتي في بيان المصنف رحمه الله. (5) في المصدر: من بدلا من: في.

[204]

وقد خطر لي عند نقلي لهذا الحديث كلام اذكره على مواضع منه، ثم بعد ذلك اورد ما نقله أصحابنا في المعنى، ملتزما بما اشترطه (1) من العدل في القول والفعل، وعلى الله قصد السبيل. قول أبي بكر - في أول الحديث وآخره -: وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصنعه فيه إلا صنعته.. وهو لم ير النبي صلى الله عليه وآله صنع فيها إلا أنه اصطفاها، وإنما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورث، كما روى، فكان حق الحديث أن يحكى ويقول وإني والله لا أدع أمرا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقوله (2) إلا عملت بمقتضى قوله، أو ما هذا معناه. وفيه: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس (3) فغلبه عليها علي. أقول: حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك وخيبر، فهلا منعهم الجميع كما فعل صاحبه إن كان العمل على ما رواه، أو صرفهم في الجميع إن كان الامر بضد ذلك، فأما تسليم البعض ومنع البعض فإنه ترجيح من غير مرجح، اللهم إلا أن يكونوا فعلوا (4) شيئا لم يصل إلينا في إمضاء ذلك. وفي قوله: فغلبه عليها علي.. دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الاعمام، فإن عليا عليه السلام لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العمومة، إذ كان العباس أقرب من علي (ع) في ذلك، وغلبه (5) إياه على سبيل الغلب والعنف مستحيل أن يقع من علي في حق العباس، ولم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة وبنيها عليهم السلام. وقول علي عليه السلام: كنا نرى ان لنا في هذا الامر حقا فاستبددتم


(1) في الكشف: اشترطته. (2) في (ك): يقول، وكذا في نسخة جاءت على (س). (3) في المصدر: والعباس. (4) في المصدر: نقلوا. (5) في المصدر: وغلبته.

[205]

علينا.. فتأمل معناه يضح (1) لك مغزاه، ولا حاجة (2) إلى كشف مغطاه. وروى أحمد بن حنبل.. في مسنده ما يقارب الفاظ ما رواه الحميدي، ولم يذكر حيث علي (ع) وأبي بكر ومجيئه إليه في هذا الحديث. روى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت: [فلت ذا القربى حقه] (3)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة ! لك فدك، وفي رواية أخرى عن أبي سعيد مثله. وعن عطية قال: لما نزلت: [فأت ذا القربى حقه] (4)، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك. وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) قال: اقطع رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فدك. وعن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: كان (5) رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة (ع) فدك ؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وقفها، فأنزل الله تبارك وتعالى: [فأت ذا القربى حقه] (6)، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله حقها. قلت: رسول الله (ص) أعطاها ؟ قال: بل الله تبارك وتعالى أعطاها. وقد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك، وثبت أن ذا القربى: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وعلى هذا فقد كان أبو بكر وعمر لما وليا


(1) في المصدر: يصح، وهو من صحي يصحى، وقع في جواب الامر فصار مجزوما بحذف قال في القاموس 4 / 351: الصحو: ذهاب الغيم، وهو كناية عن وضوح الامر. (2) في الكشف: ولا حاجة بنا.. (3 و 4) الروم: 38. (5) في المصدر: أكان.. (6) الروم: 38.

[206]

هذا الامر يرتبان في الاعمال والبلاد القريبة والنائية (1) من الصحابة والمهاجرين والانصار من لا يكاد يبلغ مرتبة علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ولا يقاربها، فلو اعتقداهم مثل بعض الولاة وسلما إليهم هذه الصدقة التي قامت النائرة في أخذها، وعرفاهم ما روياه وقالا لهم: أنتم أهل البيت وقد شهد الله لكم بالطهارة، وأذهب عنكم الرجس، وقد عرفناكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث (2)، وقد سلمناها إليكم، وشغلنا ذمكم بها، والله من وراء أفعالكم فيها، والله سبحانه بمرأى منكم (3) ومسمع، فاعملوا فيها بما يقربكم منه ويزلفكم عنده، فعلى هذا سلمناها إليكم وصرفناكم فيها، فإن فعلتم الواجب الذي أمرتم به وفعلتم فيها فعل رسول الله (ص) فقد أصبتم وأصبنا، وإن تعديتم الواجب وخالفتم ما حده رسول الله صلى الله عليه وآله فقد أخطأتم وأصبنا فإن الذي علينا الاجتهاد ولم نأل في اختياركم جهدا، وما علينا بعد بذل الجهد لائمة، وهذا الحديث من الانصاف كما يروى (4)، والله الموفق والمسدد. وروي أن فاطمة عليها السلام جاءت إلى أبي بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت (5): يا أبا برك ! من يرثك إذا مت ؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث رسول الله (ص) ؟. قال: يا بنت رسول الله ! إن النبي لا يورث، ولكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول الله، وأعطي ما كان يعطيه. قالت: والله لا أكلمك بكلمة ما حييت، فما كلمته حتى ماتت (6).


(1) في الكشف: النائبة، وهو غلط. (2) في المصدر زيادة: ما تركناه صدقة. (3) في الكشف: وهو سبحانه بمرأى، وجاء نسخة على (س). (4) في المصدر: كما ترى، وفي (ك): يرى، وقد ذكرها نسخة في (س). (5) في كشف الغمة: فقال: وما ذكر هنا هو الصحيح. (6) جاء ذيل الرواية بألفاظ مختلفة في روايات عديدة، ذكر جملة منها مع مصادرها في الغدير 7 / 229 - 230.

[207]

وقيل: جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: إن الانبياء لا تورث (1) ما تركوه فهو صدقة، فرجعت إلى علي عليه السلام فقال: ارجعي فقولي: ما شأن سليمان عليه السلام وورث داود عليه السلام، وقال زكريا: [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (2) ؟ !. فأبوا وأبي. وعن جابر بن عبد الله الانصاري عن أبي جعفر عليه السلام: أن أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام: النبي (ص) لا يورث، قالت: قد [ورث سليمان داود] (3)، وقال زكريا: [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (4)، فنحن أقرب إلى النبي من زكريا إلى يعقوب. وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي (ع) لفاطمة عليها السلام: انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فجاءت إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: النبي (ص) لا يورث، فقالت: ألم يرث سليمان داود ؟ ! فغضب وقال: النبي لا يورث، فقالت عليها السلام: ألم يقل زكريا [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (5) ؟. فقال: النبي لا يورث. فقالت عليها السلام: ألم يقل: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين] (6) ؟. فقال: النبي لا يورث. وعن أبي سعيد الخدري قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت فاطمة عليها السلام تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لاعلم - إن شاء الله - أنك (1) في المصدر: لا يورث. (2) مريم: 5 - 6. (3) النمل: 16. (4 و 5) مريم: 5 - 6. (6) النساء: 11.

[208]

لن تقولي إلا حقا، ولكن هاتي بينتك، فجاءت بعلي عليه السلام فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت، فقال: امرأة اخرى أو رجلا فكتبت لك بها (1). 43، 44 مصباح الانوار (2)، كشف (3): مثل الاحاديث الثلاثة الاخيرة. أقول: هذا (4) الحديث عجيب، فإن فاطمة عليها السلام كانت (5) مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود، فإن المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لم يعرف صحة نسبه واعتزائه إلى الدراج (6)، وما أظنهم شكوا في نسب فاطمة (7) عليها السلام، وكونها ابنة النبي صلى الله عليه وآله، وإن كانت تطلب فدكا وتدعي أن أباها (ص) نحلها (8) إياها احتاجت إلى إقامة البينة، ولم يبق لما رواه أبو بكر من قوله: (نحن معاشر الانبياء لا نورث) معنى، وهذا واضح جدا، فتدبر. وروى (9) مرفوعا: أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف قال: يا أيها الناس ! إني قد رددت عليكم مظالمكم، وأول ما أرد منها ما كان في يدي، قد رددت فدك على ولد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وولد علي بن أبي طالب (ع) فكان أول من ردها.


(1) كذا، والظاهر: لكتبت لك بها. (2) مصباح الانوار 245 - 246. (3) كشف الغمة 1 / 478. (4) يحتمل قويا أن يكون موضع الرمز " كشف " قبل " اقول هذا " فإن هذه العبارة إلى: فتدبر، موجودة في كشف الغمة، والاحاديث الثلاثة موجودة في مصباح الانوار. (5) في كشف الغمة: ان كانت. (6) أي لم يعرف انتسابه إلى الميت. قال في النهاية 3 / 233: التعزي: الانتماء والانتساب إلى القوم. وقال أيضا 2 / 111: درج، أي مات. (7) في كشف الغمة: نسبها، بدل: نسب فاطمة. (8) في كشف الغمة: تحلها، وهي غلط. (9) كشف الغمة: 1 / 494 - 496.

[209]

وروى أنه ردها بغلاتها منذ ولي، فقيل له: نقمت على أبي بكر وعمر فعلهما، وطعنت (1) عليهما، ونسبتهما إلى الظلم والغصب، وقد اجتمع عنده في ذلك قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء. فقال عمر بن عبد العزيز: قد صح عندي وعندكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ادعت فدك، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله مع شهادة علي وأم أيمن وأم سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدعي وإن لم تقم البينة، وهي سيدة نساء أهل الجنة، فأنا اليوم أرد على ورثتها أتقرب بذلك إلى رسول الله (ص) وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين (ع) يشفعون لي يوم (2) القيامة، ولو كنت بدل أبي بكر وادعت فاطمة كنت اصدقها على دعواها (3)، فسلمها إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام (4)، فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز. وروي أنه لما صارت الخلافة إلى عمر بن العزيز رد عليهم سهام الخمس: سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسهم ذي القربى، وهما من أربعة أسهم، رد على جميع بني هاشم، وسلم ذلك إلى محمد بن علي (5) وعبد الله بن الحسن، وقيل: أنه جعل من بيت ماله سبعين حملا من الورق والعين من مال الخمس، فرد عليهم ذلك، وكذلك كل ما كان لبني فاطمة وبني هاشم مما حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك رد عليهم، واستغنى بنو هاشم في تلك السنين (6) وحسنت أحوالهم، ورد عليهم المأمون والمعتصم والواثق، وقالا: كان المأمون أعلم منا به فنحن نمضي على ما مضى هو عليه، فلما ولي


(1) في المصدر: فطعنت. (2) في الكشف: في يوم. (3) في المصدر: دعواتها. (4) في كشف الغمة: الباقر عليهم السلام وعبد الله بن الحسن. (5) في المصدر زيادة: الباقر عليه السلام. (6) لا توجد الواو في المصدر.

[210]

المتوكل قبضها وأقطعها حرملة الحجام، وأقطعها بعده لفلان النازيار (1) من أهل طبرستان، وردها المعتضد، وحازها المكتفي، وقيل: ان المقتدر ردها عليهم. قال شريك: كان يجب على أبي بكر أن يعمل مع فاطمة بموجب الشرع، وأقل ما يجب عليه أن يستحلفها على دعواها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاها فدك في حياته، فإن عليا وأم أيمن شهدا لها، وبقي ربع الشهادة، فردها بعد الشاهدين لاوجه له، فإما أن يصدقها أو يستحلفها ويمضي الحكم لها، قال شريك: الله المستعان ! مثل هذا الامر يجهله أو يتعمده ؟ !. وقال الحسن بن علي الوشأ: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: هل خلف رسول الله (ص) غير فدك شيئا ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خلف حيطانا بالمدينة صدقة، وخلف ستة أفراس وثلاث نوق: العضباء والصهباء والديباج، وبغلتين: الشهباء والدلدل، وحماره: اليعفور، وشاتين حلوبتين، وأربعين ناقة حلوبا، وسيفه ذاالفقار، ودرعه ذات الفضول (2)، وعمامته السحاب، وحبرتين يمانيتين، وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، وفراشا من ليف، وعباءتين وقطوانيتين (3)، ومخادا من ادم صار ذلك إلى فاطمة عليها السلام ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه، فإنه جعله لامير المؤمنين عليه السلام (4). إيضاح: قال في النهاية في حديث أبي بكر..: أن أزيغ.. أي اجور واعدل عن الحق (5) وقال في حديث..: فدك لحقوق رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم


(1) في الكشف: البازيار. (2) في المصدر: ذات الفصول. (3) في الكشف: وعباءين قطوانيتين. (4) إلى هنا نقل عن كشف الغمة بما ذكرناه من الاختلاف. (5) النهاية 2 / 324، وانظر: لسان العرب 8 / 432 وغيره.

[211]

التي تعروه.. أي تغشاه وتنتابه (1). وقال: المنافسة: الرغبة في الشئ والانفراد به، وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه،.. ونفست به - بالكسر - أي بخلت، ونفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره له أهلا (2). قوله: لكأت.. قال الفيروز آبادي: لكأ - كفرح - اقام ولزم، وتلكأ عليه اعتل، وعنه ابطأ (3). قوله: يضح لك مغزاه.. أي يتبين لك معناه (4). والدارج: الميت (5). ويقال: نقمت عليه ومنه - من باب ضرب وعلم - إذا عابه وكرهه اشد الكراهة، وفي التنزيل: [وما تنقم منا] (6). وقال في النهاية (7): الحلوب أي ذات اللبن، يقال: ناقة حلوب أي هي مما يحلب، وقيل الحلوب والحلوبة سواء، وقيل الحلوب الاسم، والحلوبة الصفة، وقيل الواحدة والجماعة. وقال (8): القطوانية عباءة بيضاء قصيرة الخمل، والنون زائدة.


(1) النهاية 3 / 226، وقارن ب‍: لسان العرب 15 / 44 وغيره. (2) النهاية 5 / 95، وقارن ب‍: لسان العرب 6 / 238 وغيره. (3) كما في القاموس 1 / 27 - 28، وتاج العروس 1 / 116، ولا حظ: لسان العرب 1 / 153 - 154. (4) جاء في حاشيه (ك): ومغزى الكلام: مقصده، وعرفت ما يغزى هذا الكلام: أي ما يراد.. صحاح. انظر: صحاح اللغة 6 / 2446 وقارن ب‍: لسان العرب 15 / 123. (5) قاله في مجمع البحرين 9 / 299، والنهاية 2 / 111 وغيرهما. (6) ذكره في تاج العروس 9 / 84، ومجمع البحرين 6 / 180، والآية هي 126 من سورة الاعراف. (7) النهاية 1 / 422، وانظر: لسان العرب 1 / 328. (8) النهاية: 4 / 85، ولاحظ: لسان العرب 15 / 191.

[212]

أقول: روى السيد في الشافي (1) عن محمد بن زكريا الغلابي عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة (2) فرد فدك على ولد فاطمة عليها السلام، وكتب إلى واليه على المدينة: أبي بكر بن عمرو بن حزم (3) يأمره بذلك، فكتب إليه: ان فاطمة (ع) قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان، فكتب إليه: أما بعد، فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جماء أو قرناء ؟، أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها ؟ فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها بين ولد فاطمة عليها السلام من علي (ع) (4). قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه، وقالوا له: قبحت (5) فعل الشيخين، وخرج إليه عمرو بن عبيس (6) في جماعة من أهل الكوفة، فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، ان أبا بكر محمد (7) بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها، وإن فدك كانت صافية في عهد (8) أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مراون، فوهبها لابي عبد العزيز فورثتها أنا وإخوتي (9) فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها، ومنهم (10)


(1) الشافي في الامامة 4 / 102 - 104. (2) لا توجد: الخلافة، في المصدر. (3) كذا، والصحيح: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كما في الجرح والتعديل للرازي: 9 / 227. (4) جاء في المصدر زيادة: والسلام. (5) في المصدر: هجنت، والمعنى مقارب. (6) في المصدر: عمرو بن عبس، والظاهر: عمر بن قيس كما في نسخة من المصدر. انظر: لسان الميزان 4 / 374. (7) الصحيح - كما مر -: أبا بكر بن محمد.. (8) في الشافي: على عهد. (9) في المصدر: واخواني. (10) في الشافي: فمنهم، وهو الظاهر.

[213]

من باعني ومنهم من وهب لي حتى استجمعتها، فرأيت أن أردها على ولد فاطمة (ع). فقالوا: إن أبيت إلا هذا فامسك الاصل واقسم الغلة، ففعل. أقول: سيأتي في أبواب تاريخ أبي جعفر الباقر عليه السلام رد عمر بن عبد العزيز فدكا إليه عليه السلام (1).


(1) بحار الانوار 46 / 326 - 327 حديث 3، نقلا عن الخصال 104 - 105 حديث 64، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 207 - 208 حديث 4. وقد أورد العلامة المجلسي رحمه الله رواية الخصال أيضا في باب وصايا الباقر عليه السلام من كتاب الروضة من البحار: 78 / 181 - 182 حديث 6.

[215]

فصل نورد فيه: خطبة خطبتها (1) سيدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها احتج (2) بها على من غصب فدك منها. اعلم أن هذه الخطبة من الخطب المشهورة التي روتها الخاصة والعامة بأسانيد متضافرة. 1 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد (3) في شرح كتابه عليه السلام إلى عثمان ابن حنيف عند ذكر الاخبار الواردة في فدك، حيث قال: الفصل الاول فيما ورد من الاخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم. وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك - وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الادب ثقة


(1) في الاصل، المطبوع: خطبها. (2) كذا، والظاهر: احتجت. (3) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 210 - 213، بتصرف واختصار.

[216]

ورع أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته وغير مصنفاته (1) -. ثم قال: قال أبو بكر: حدثني محمد بن زكريا، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الحسن بن صالح قال: حدثني ابن خالات من بني هاشم (2) عن زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: وقال جعفر بن محمد بن عمارة: حدثني ابي، عن جعفر بن محمد (3) ابن علي بن الحسين، عن أبيه. قال أبو بكر: وحدثني عثمان بن عمران العجيفي، عن نائل بن نجيح، عن عمرو (4) بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام. قال أبو بكر: وحدثني أحمد بن محمد بن زيد (5)، عن عبد الله بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله (6) بن الحسن. قالوا جميعا: لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت (7) خمارها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها (8)، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر - وقد حشد الناس من المهاجرين والانصار - فضربت بينهم وبينها (9) ريطة بيضاء، وقال بعضهم:


(1) لا يوجد في المصدر: وغير مصنفاته. (2) جاء في شرح النهج: قال أبو بكر فحدثني محمد بن زكريا، قال: حدثني جعفر بن محمد بن عمارة الكندي، قال: حدثني أبي عن الحسين بن صالح بن حي، قال: حدثني رجلان من بني هاشم. (3) لا توجد في المصدر: ابن عمارة حدثني ابي عن جعفر بن محمد. (4) في شرح النهج: نجيح بن عمير. (5) في المصدر: يزيد بدلا من: زيد. (6) في المصدر زيادة: ابن حسين بعد عبد الله. (7) في (س): لاتت، وهو غلط. (8) في شرح النهج: في ذيولها. (9) في المصدر: فضرب بينها وبينهم.

[217]

قبطية، وقالوا: قبطية - بالكسر والضم -.. ثم أنت أنة أجهش (1) لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت: أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم.. وذكر خطبة طويلة جدا ثم قالت (2) في آخرها: فاتقوا الله حق تقاته وأطيعوه فيما أمركم به.. إلى آخر الخطبة، انتهى كلام ابن أبي الحديد (3). 2 - وقد أورد الخطبة علي بن عيسى الاربلي في كتاب كشف الغمة (4)، قال: نقلتها من كتاب السقيفة تأليف أحمد (5) بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة (6) مقروءة على مؤلفها المذكور، قرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، روى عن رجاله من عدة طرق: أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر.. إلى آخر الخطبة. وقد أشار إليها المسعودي في مروج الذهب (7). وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي (8)، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن عمران المرزباني، عن محمد بن أحمد (9) الكاتب، عن أحمد بن عبيدالله


(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: في حديث فاطمة عليها السلام: فأجهشت، ويروى: فجهشت، والمعنى واحد. والجهش: ان يفزع الانسان إلى غيره، وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى امه وقد تهيأ للبكاء. مجمع البحرين. انظر. المجمع 4 / 131. (2) في المصدر: طويلة جيدة، قالت.. (3) حكاه العلامة الاميني في غديره 7 / 192 وما بعدها، باختلاف يسير. (4) كشف الغمة: 1 / 480 - 492. (5) في المصدر: من كتاب السقيفة عن عمر بن شبه تأليف أبي بكر احمد.. (6) وضع في (ك): على كلمة: قديمة، رمز: خ، أي في نسخة. (7) مروج الذهب 2 / 304. (8) الشافي: 4 / 69 - 72، باختلاف يسير. (9) في (س): محمد بن أبي محمد، وهو غلط، إذ هو أبو ظاهر محمد بن احمد بن محمد الكاتب، من =

[218]

النحوي (1)، عن الزيادي، عن شرفي (2) بن قطامي، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عروة عن عائشة. قال المرزباني: وحدثني أحمد بن محمد المكي، عن محمد بن القاسم اليماني (3)، قال: حدثنا ابن عائشة قالوا: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبلت فاطمة عليها السلام في لمة من حفدتها إلى أبي بكر.. وفي الرواية الاولى: قالت عائشة: لما سمعت فاطمة (ع) إجماع أبي بكر على منعها فدك لاتت (4) خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها - ثم اتفقت الروايتان من هاهنا - ونساء قومها.. وساق الحديث نحو ما مر إلى قوله: افتتحت كلامها بالحمد لله عزوجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قالت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم... إلى آخرها. أقول: وسيأتي أسانيد اخرى سنوردها من كتاب أحمد بن أبي طاهر. 3 - وروى الصدوق رحمه الله بعض فقراتها المتعلقة بالعلل في علل الشرايع (5) عن ابن المتوكل عن السعد آبادي، عن البرقي عن إسماعيل بن مهران عن أحمد بن محمد بن جابر عن زينبب بنت علي عليه السلام. 4 - قال: وأخبرنا (6) علي بن حاتم عن محمد بن أسلم عن عبد الجليل


= شيوخ ابن مندة، كما ذكره ابن خلكان 6 / 196. (1) في المصدر: احمد بن عبيد بن ناصح النحوي. (2) في المصدر: الشرقي. (3) في المصدر: حدثنا أبو العينا محمد بن القاسم السيمامي. (4) كذا في مطبوع البحار، وفي نسخة على (ك) والمصدر: لائت، وهو الظاهر كما سيأتي في بيان المصنف رحمه الله. (5) علل الشرائع: 248 حديث 2. (6) علل الشرائع: 248 حديث 3، باختلاف يسير.

[219]

الباقطاني (1) عن الحسن بن موسى الخشاب عن عبد الله بن محمد العلوي عن رجال من أهل بيته عن زينب بنت علي عن فاطمة عليها السلام بمثله. 5 - وأخبرني (2) علي بن حاتم عن ابن أبي عمير (3) عن محمد بن عمارة عن محمد بن ابراهيم المصري عن هارون بن يحيى (4) عن عبيدالله بن موسى العبسي (5) عن حفص الاحمر عن زيد بن علي عن عمته زينب بن علي عن فاطمة عليها السلام، وزاد (6) بعضهم على بعض في اللفظ. أقول: قد أوردت ما رواه في المجلد الثالث (7)، وإنما أوردت الاسانيد هنا ليعلم أنه روى هذه الخطبة بأسانيد جمة. 6 - وروى الشيخ المفيد الابيات المذكورة فيها بالسند المذكور في أوائل الباب (8). 7 - وروى السيد ابن طاوس رضي الله عنه في كتاب الطرائف (9) موضع الشكوى والاحتجاج من هذه الخطبة عن الشيخ أسعد بن شفروة (10) في كتاب الفائق (11) عن الشيخ المعظم عندهم الحافظ الثقة بينهم أحمد بن موسى بن مردويه


(1) في المصدر: الباقلاني. (2) أي قاله في علل الشرائع: 248 حديث 4. (3) في المصدر: محمد بن أبي عمير. (4) في العلل زيادة: الناشب، بعد يحيى. (5) في العلل: عن عبيدالله بن موسى العمري. (6) في المصدر زيادة: بمثله، قبل وزاد. (7) أورد ذلك في بحار الانوار 6 / 107 - 108 حديث 1. (8) الظاهر أن المقصود هو الابيات الواردة في حديث 32 من الباب السابق الواردة في ضمن حديث امالي الشيخ المفيد. (9) الطوائف: 263 - 266 حديث 368. (10) في المصدر: سقروة. (11) في الطرائف زيادة: عن الاربعين.

[220]

الاصفهاني في كتاب المناقب قال: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن ابراهيم عن (1) شرفي بن قطامي عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة. 8 - ورواها الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (2) مرسلا، ونحن نوردها بلفظه، ثم نشير إلى موضع التخالف بين الروايات في أثناء شرحها إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه عليهم السلام: أنه لما أجمع أبو بكر (3) على منع فاطمة عليها السلام فدك، وبلغها ذلك لاتت (4) خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر - وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم - فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (5) (ص)، فعاد القوم في بكائهم فلما أمسكوا عادت في كلامها. فقالت عليها السلام: الحمد الله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن والاها (6)،


(1) في المصدر: قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي، قال: حدثنا الزيادي محمد بن زياد قال: حدثنا..، بدلا من: عن. (2) الاحتجاج 97 - 108 (طبعة النجف: 1 / 131 - 145). وذكر جملة من مصادر الخطبة شيخنا الاميني في غديره: 7 / 192. (3) في المصدر زيادة: وعمر. (4) في المصدر: لائت، وكذا في نسخة جاءت على حاشية المطبوع من البحار، وهي الظاهر لما سيذكره المصنف رحمه الله في بيانه. (5) في المصدر: رسوله. (6) في المصدر: أولاها، وهي التي ذكرها المصنف رحمه الله في بيانه الآتي.

[221]

جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الادراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق باجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفكرة (1) معقولها، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الالسن صفته، ومن الاوهام كيفيته، ابتدع الاشياء لا من شئ كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، وإظهارا لقدرته، و (2) تعبدا لبريته، وإعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادة (3) لعباده عن (4) نقمته وحياشة منه (5) إلى جنته، وأشهد أن أبي محمدا (ص) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه (6) قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتبله (7)، واصطفاه قبل ان ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الاهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علما من الله تعالى بمايل الامور (8)، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور (9)، ابتعثه الله تعالى (10) إتماما لامره، وعزيمة على إمضاء حكمه،


(1) في المصدر: في التفكر. (2) لا توجد الواو في المصدر. (3) في المصدر: ذيادة، وهو الظاهر لما سيأتي، وفي طبعة النجف من الاحتجاج كما في الاصل. (4) في المصدر: من بدلا من: عن. (5) في المصدر: وحياشته لهم، وفي طبعة النجف من الاحتجاج: وحياشة لهم. (6) لا توجد: انتجبه في المصدر. (7) في المصدر: اجتباه. وهي نسخة بدل على مطبوع البحار. (8) في طبعة النجف: بما يلي الامور. (9) في الاحتجاج: الامور، بدلا من: المقدور. (10) لا توجد: تعالى في المصدر.

[222]

وإنفاذا لمقادير حتمه (1)، فرأى الامم فرقا في أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لاوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بمحمد (2) صلى الله عليه وآله ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلى عن الابصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم (3) من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم، ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار بمحمد (4) صلى الله عليه وآله عن (5) تعب هذه الدار في راحة، قد حف بالملائكة الابرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه وأمينه على الوحي وصفيه (6) وخيرته من الخلق ورضيه (7)، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ثم التفت (8) إلى أهل المجلس، وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الامم، وزعمتم حق لكم لله (9) فيكم عهد (10) قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بينة بصائره،


(1) في نسخة من المصدر: رحمته. (2) في الاحتجاج: بأبي محمد (ص). (3) في المصدر: فأنقذهم. (4) في الاحتجاج: فمحمد، وفي نسخة على مطبوع البحار: محمد، وفي توضيح المصنف رحمه الله - الآتي -: بمحمد. (5) في الاحتجاج: من بدلا من: عن. (6) لا يوجد في المصدر: على الوحي وصفيه. (7) في الاحتجاج: وصفيه. (8) في (س): التفت، وهو غلط. (9) في الاحتجاج: زعيم حق له، بدلا من: زعمتم حق لكم لله. (10) في المصدر: وعهد.

[223]

منكشفة سرائره، متجلية (1) ظواهره، مغتبطة (2) به أشياعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤد إلى النجاة أسماعه (3)، به تنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، وبيناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، فجعل الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس، ونماء في الرزق، والصيام تثبيتا للاخلاص، والحج تشييدا للدين، والعدل تنسيقا للقلوب، وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أمانا من الفرقة (4)، والجهاد عزا للاسلام، والصبر معونة على استيجاب الاجر، والامر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الارحام منماة (5) للعدد، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، واجتناب القذف حجابا عن اللعنة، وترك السرقة إيجابا للعفة (6)، وحرم الله الشرك إخلاصا له بالربوبية، ف‍ [اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون] (7)، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فإنه [إنما يخشى الله من عباده العلماء] (8). ثم قالت: أيها الناس ! اعلموا أني فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله، أقول عودا وبدءا (9)، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا [لقد


(1) في طبعة النجف من الاحتجاج: مبخليه. (2) في (س): مغتبط. (3) في الاحتجاج: استماعه. (4) في الاحتجاج: للفرقة. (5) في المصدر: منساة في العمر ومنماة.. (6) في طبعة النجف من الاحتجاج: بالعفة. (7) آل عمران: 102. (8) فاطر: 28. (9) في المصدر: وبدوا.

[224]

جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم] (1)، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزي إليه صلى الله عليه وآله وسلم، فبلغ الرسالة، صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا ثبجهم، آخذا باكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر (2) الاصنام، وينكث الهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق (3)، اذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب [كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله] (4)، أو نجم قرن للشيطان (5)، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها (6) بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، و (7) مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيد أولياء الله (8)، مشمرا ناصحا، مجدا كادحا،


(1) التوبة: 128. (2) في المصدر: يجف. (3) في المصدر: القد. (4) المائدة: 64، ولا توجد في المصدر. (5) في المصدر: الشيطان. (6) في الاحتجاج: جناحها. (7) لا توجد الواو في المصدر. (8) في المصدر: سيدا في أولياء الله.

[225]

وأنتم (1) في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتريصون بنا الدوائر، وتتوكفون الاخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون عند (2) القتال، فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة (3) النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الاقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، واطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة (4) فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم (5) فألفاكم غضابا، فوسمتم غير ابلكم، وأوردتم غير شربكم (6)، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابتدارا زعمتم خوف الفتنة [ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين] (7)، فهيهات منكم ! وكيف بكم ؟ ! وأنى تؤفكون ؟ وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد (8) خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون (9).. ؟، أم بغيره تحكمون ؟ ! [بئس للظالمين بدلا] (10)، [ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين] (11)، ثم (12) لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها،


(1) في الاحتجاج زيادة: لا تأخذه في الله لومة لاثم، قبل كلمة: وأنتم. (2) في المصدر: من، بدلا من: عند. (3) في الاحتجاج: حسكة. (4) في المصدر: وللعزة. (5) في طبعة النجف من الاحتجاج: احشمكم، وما في المتن أظهر. (6) في المصدر: ووردتم غير مشربكم. (7) التوبة: 49. (8) في الاحتجاج: وقد. (9) في (ك) نسخة بدل: تدبرون. (10) الكهف: 50. (11) آل عمران: 85. (12) لا توجد ثم في (ك).

[226]

ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد (1) سنن النبي الصفي، تسرون حصوا (2) في ارتغاء، وتمشون لاهله وولده في الخمر (3) والضراء، ونصبر (4) منكم على مثل حز المدى، ووخز السنان في الحشا، وأنتم (5) تزعمون الا إرث لنا [افحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] (6) أفلا تعلمون ؟ ! بلى، تجلى (7) لكم كالشمس الضاحية أني ابنته أيها المسلمون، أأغلب على إرثيه (8) ؟ !. يا بن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ ! [لقد جئت شيئا فريا] (9) أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: [وورث سليمان داود] (10) ؟ ! وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا (ع) إذ قال: رب (11) [هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (12)، وقال: [وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (13)، وقال: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين] (14)، وقال: [إن ترك خيرا الوصية للوالدين


(1) في المصدر: إهمال. (2) في الاحتجاج: تشربون حسوا. (3) في المصدر: الخمرة. (4) في الاحتجاج: ويصير. (5) في المصدر زيادة: الآن. (6) المائدة: 50. (7) في طبعة النجف من الاحتجاج: قد تجلى. (8) في المصدر: ارثى. (9) سورة مريم: 27. (10) النمل: 16. (11) في طبعة النجف من الاحتجاج: فهب لي، بدلا من: رب هب. (12) مريم: 5. (13) الاحزاب: 60. (14) النساء: 11.

[227]

والاقربين بالمعروف حقا على المتقين] (1)، وزعمتم الا (2) حظوة لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي (3) (ص) ؟ ! أم هل تقولون أهل (4) ملتين لا يتوارثان ؟ !، أو لست (5) أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ ! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ! فدونكما (6) مخطومة (7) مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة ما تخسرون (8)، ولا ينفعكم إذ تندمون، و [لكل نبأ مستقر] (9) و [سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم] (10)... ثم رمت بطرفها نحو الانصار فقالت: يا معاشر الفتية (11) وأعضاد الملة، وأنصار الاسلام (12)، ما هذه الغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي، أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أبي يقول: المرء يحفظ في ولده، سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون


(1) البقرة: 180. (2) في المصدر: ان لا، والمعنى واحد. (3) في الاحتجاج: ابي (ص) منها. (4) في المصدر زيادة: ان قبل: أهل. (5) في مطبوع البحار: ولست. (6) الظاهر أنه: دونكها - بالهاء - كما في المصدر، حيث تعرض قدس سره لبيان مرجع الضمير في هذه الكلمة، ويؤيده الفعل الذي بعدها، أعني: تلقاك، ويحتمل صحة: دونكما، فيكون المخاطب بالتثنية: ابا بكر وعمر. (7) في (س): محظومة. (8) في المصدر: يخسر المبطلون، بدلا من: ما تخسرون. (9) الانعام: 67. (10) الزمر: 40. (11) في المصدر: النقيبة. (12) في الاحتجاج، وحضنة الاسلام، وفي طبعة النجف منه: حصنة الاسلام.

[228]

مات محمد صلى الله عليه وآله، فخطب جليل استوسع وهنه (1)، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، واظلمت الارض لغيبته، وكسفت (2) النجوم لمصيبته، واكدت الآمال، وخشعت الجبال، واضيع الحريم، وازيلت الحرمة (3) عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا (4) مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم في (5) ممساكم ومصبحكم، (6) هتافا (7) وصراخا، وتلاوة وألحانا، ولقبله ما حل (8) بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم: [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين] (9). إيها بني قيلة ! أأهضم تراث أبي (10) وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومبتد (11) ومجمع ؟، تلبسكم الذعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذا (12) العدد والعدة، والاداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنجبة التي


(1) كذا في المصدر، وقد تقرأ في المطبوع من البحار: وهيه، كما جاء في بيانه قدس سره، والوهي: الشق في الشئ، كما نص عليه في القاموس 4 / 402. (2) في المصدر زيادة: الشمس والقمر وانتثرت النجوم. (3) خ. ل: رحمه، جاءت على مطبوع البحار. (4) في (س): الا. (5) في المصدر: وفي. (6) في المصدر زيادة: يهتف في افنيتكم. (7) في طبعة النجف من الاحتجاج: يهتف في افنيتكم هتافا.. (8) في (س): حلت. (9) آل عمران: 144. (10) في (ك) وضع على: أبي رمز نسخة بدل. وفي (س): ابيه - بوصل هاء الوقف -. (11) في المصدر: منتدى. (12) في الاحتجاج: ذوو، وهو الصحيح.

[229]

انتجبت (1)، والخيرة التي اختيرت (2)، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الامم، وكافحتم البهم، فلا نبرح (3) أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الاسلام، ودر حلب الايام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الافك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنى حرتم (4) بعد البيان، وأسر رتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام، وأشركتم بعد الايمان [ألا تقاتلون قوما (5) نكثوا أيمانهم (6) وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين] (7) ألا قد (8) أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة (9)، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم، ف‍ [إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغني حميد] (10) ألا وقد قلت ما قلت (11) على معرفة مني بالخذلة (12) التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ،


(1) في المصدر: النخبة التي انتخبت. (2) في المصدر زيادة: لنا أهل البيت. (3) في الاحتجاج: لا نبرح، وتقرأ ما في (س): فلا تبرح، وما اثبتناه هو الظاهر. (4) لا توجد: حرتم في (س)، وفي (ك) نسخة بدل: جرتم، وقد تعرض لهمان المصنف (قدس سره) في ايضاحه. وفي المصدر: حزتم. (5) في الاحتجاج: بؤسا لقوم، بدلا من الا تقاتلون قوما، فلا تكون آية. (6) في المصدر: من بعد عهدهم، ولا تعد حينئذ من القرآن. (7) التوبة: 13. (8) في المصدر: الا وقد. (9) في المصدر: بالضيق من السعة. (10) ابراهيم: 8. (11) في المصدر زيادة: هذا. (12) في الاحتجاج: بالجذلة.

[230]

وخور القنا (1)، وبثة الصدر، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله (2) وشنار الابد، موصولة ب‍: [نار الله الموقدة * التي تطلع على الافئدة] (3) فبعين الله ما تفعلون [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (4). وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ف‍: [اعملوا... إنا عاملون] (5) [وانتظروا إنا منتظرون] (6). فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان فقال: يا بنة (7) رسول الله (ص) ! لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفا كريما، رؤوفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وعقابا عظيما، فإن (8) عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا لبعلك (9) دون الاخلاء (10)، آثره على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا كل (11) سعيد، ولا يغضكم إلا كل شقي (12)، فأنتم عترة رسول الله (ص) الطيبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا، والى الجنة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الانبياء صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا


(1) في المصدر: القناة. (2) في الاحتجاج: الجبار، بدلا من لفظ الجلالة. (3) الهمزة: 6 - 7. (4) الشعراء: 227. (5) هود: 121. (6) هود: 122. (7) في المصدر: وقال: يا بنت. (8) في الاحتجاج: إن. (9) خ. ل: إلفك، وهي كذلك في المصدر. (10) خ. ل: الاخاء، جاءت على (ك). (11) لا توجد في المصدر: كل. (12) في الاحتجاج: شقي بعيد، بدلا من: كل شقي.

[231]

مصدودة عن صدقك، و (1) والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عملت إلا بإذنه، وإن (2) الرايد لا يكذب أهله، وإني اشهد الله وكفى به شهيدا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن معاشر الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما نورث الكتب (3) والحكمة والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الامر بعدنا ان يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل به (4) المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة، ثم (5) الفجار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أتفرد به (6) وحدي، ولم أستبد بما كان الرأي فيه (7) عندي، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا نزوي (8) عنك ولا ندخر دونك، وأنت سيدة (9) أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا يدفع (10) مالك من فضلك، ولا يوضع من (11) فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين أن اخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله وسلم ؟ !. فقالت عليها السلام: سبحان الله ! ما كان (12) رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صارفا (13)، ولا لاحكامه مخالفا، بل كان يتبع أثره، ويقفو


(1) لا توجد الواو في المصدر. (2) لا توجد: إن، في الاحتجاج. (3) في المصدر: الكتاب، وكذا جاءت في نسخة على مطبوع البحار. (4) في المصدر: بها بدلا من: به. (5) لا توجد: ثم في المصدر. (6) في الاحتجاج: لم انفرد به. (7) لا توجد: فيه، في المصدر. (8) في المصدر: لا تزوي. (9) في الاحتجاج: وانك وانت سيدة. (10) في المصدر: لاندفع. (11) في الاحتجاج: في بدلا من: من. (12) في المصدر زيادة: أبي. (13) في الاحتجاج: صادفا، وهو الظاهر.

[232]

سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكما عدلا (1)، وناطقا فصلا، يقول: [يرثني ويرث من آل يعقوب] (2) (3) [وورث سليمان داود] (4) فبين (5) عزوجل فيما وزع عليه (6) من الاقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والاناث ما أزاح (7) علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين، كلا ! [بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون] (8). فقال أبو بكر: صدق الله وصدق (9) رسوله وصداقت ابنته، أنت (10) معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا ابعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر، وهم بذلك شهود. فالتفتت فاطمة عليها السلام الناس (11) وقالت: معاشر الناس ! المسرعة (12) إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها] (13)، كلا بل ران على قلوبكم، ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ


(1) في (ك): وعدلا. (2) مريم: 6. (3) في المصدر زيادة: ويقول، بعد: يعقوب. (4) النمل: 16. (5) في الاحتجاج: وبين. (6) لا توجد: عليه في المصدر. (7) في المصدر زيادة: به. (8) يوسف: 18، ولا توجد الآية في المصدر. (9) لا توجد: صدق في المصدر. (10) لا توجد: انت في بعض طبعات المصدر. (11) في (ك) وضع على: الناس، رمز نسخة بدل، وفي المصدر: إلى الناس، وهو الظاهر. (12) توجد نسخة بدل في (ك) هنا، وهي: المبتغية. (13) سورة محمد (ص): 24. وفي الاصل: أفلا تتدبرون، وعليه فلا تكون آية.

[233]

بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اعتضتم (1)، لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه (2) الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون [وخسر هنالك المبطلون] (3). ثم عطفت (4) على قبر النبي صلى الله عليه وآله وقالت: قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكبر (5) الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا (6) وكل أهل له قربى ومنزلة (7) * عند الاله على الادنين مقترب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الارض مغتصب وكنت بدرا ونسورا يستضاء به * عليك تنزل (8) من ذي العزة الكتب وكان جبريل بالآيات يؤنسنا * فقد فقدت فكل (9) الخير محتجب فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الكثب إنا رزينا بما لم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب (10)


(1) في المصدر: اغتصبتم. (2) في الاحتجاج: بادرائه. (3) غافر: 78. (4) في (ك): عطف، وهو غلط. (5) في المصدر: لم تكثر، وهو الظاهر. (6) في الاحتجاج: ولا تغب. (7) في (ك): ومنزلتي. (8) في طبعة النجف من الاحتجاج: ينزل. (9) في المصدر: وكل. (10) لا يوجد البيت الاخير في المصدر.

[234]

ثم انكفأت عليها السلام - وأمير المؤمنين عليه السلام يتوقع رجوعها إليه ويتطلع طلوعها عليه - فلما استقرت بها الدار، قالت لامير المؤمنين عليه السلام: يابن أبي طالب عليك السلام (1): اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الاجدل، فخانك ريش الاعزل، هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحيلة (2) أبي وبلغة (3) ابني، لقد أجهر (4) في خصامي، وألفيته ألد في كلامي، حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا أغنيت باطلا (5)، ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي (6)، ودون زلتي (7)، عذيري الله منك (8) عاديا، ومنك حاميا، ويلاي ! في كل شارق (9)، مات العمد، ووهت (10) العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم أنت أشد (11) قوة وحولا، واحد (12) بأسا وتنكيلا.


(1) لا يوجد: عليك السلام، في المصدر، وهو الظاهر. (2) في المصدر: نحلة. (3) خ. ل: بليغة، جاءت على مطبوع البحار. (4) في المصدر: اجهد. (5) في الاحتجاج: طائلا. (6) في (ك) نسخة بدل: هنتي. ولعله: هينتي، كما جاءت لغة، ويأتي من المصنف طاب ثراه ذكرها، وسلف منا بيانها. (7) في المصدر: ذلتي، وهو الظاهر. (8) في الاحتجاج: منه. (9) هنا سقط جاء في المصدر: ويلاي في كل غارب. (10) في المصدر: ووهن. (11) في الاحتجاج: انك أشد منهم. (12) في المصدر: واشد، بدلا من: وأحد.

[235]

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل عليك (1)، الويل لشانئك، نهنهي (2) عن وجدك يابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما اعد لك أفضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله. فقالت: حسبي الله.. وأمسكت. أقول: وجدت هذه الخطبة في كتاب بلاغات النساء لابي الفضل أحمد بن أبي طاهر (3)، فأحببت إيرادها لما فيه من الاختلاف، مع ما أوردنا سابقا. 9 - قال أبو الفضل: ذكرت لابي الحسين زيد بن علي بن الحسين (4) بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع، وأنه من كلام أبي العيناء - الخبر منسوق على (5) البلاغة على الكلام - فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلمونه أبناءهم، وقد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة (ع) على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء، وقد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله ابن الحسن يذكر (6) عن أبيه، ثم قال أبو الحسين: وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكر، وهم يروون (7) من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة، فيحققونه (8) لولا عداوتهم لنا أهل البيت.. ثم ذكر الحديث، قال:


(1) في الاحتجاج: لك بل، بدلا من: عليك. (2) في طبعة النجف: ثم نهنهني. (3) بلاغات النساء 14 - 20، باختلاف ذكرنا جله. (4) في (س): ابن زيد، بين الحسين وعلي، وهي لا توجد في المصدر، ولعل بن علي: عن علي، كما سيأتي، فراجع. (5) في (ك): وضع رمز (ز) زائد على كلمة على، ولا توجد في المصدر. (6) في المصدر: يذكره.. (7) في بلاغات النساء: فينكرونه وهم يرون.. (8) في المصدر: يتحققونه..

[236]

لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعليها فدك، وبلغ ذلك فاطمة (ع) لاثت (1) خمارها على رأسها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها (2) تطأ ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم شيئا حتى دخلت على أبي بكر - وهو في حشد من المهاجرين والانصار - فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، وارتج المجلس، وأمهلت حتى سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت: [لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم] (3) فإن تعزوه (4) تجدوه أبي دون نسائكم (5)، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ النذارة، صادعا بالرسالة، ماثلا على (6) مدرجة المشركين، ضاربا لثبجهم، آخذا بكظمهم، يجذ (7) الاصنام، وينكث (8) الهام، حتى هزم الجمع وولوا الدبر، وتفرى (9) الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين: [وكنتم على شفا حفرة من النار] (10) مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، اذلة


(1) في (س): لاتت. (2) لا يوجد في المصدر: ونساء قومها. (3) التوبة: 128. (4) في المصدر: تعرفوه. (5) في بلاغات النساء: دون آبائكم. (6) في المصدر: مائلا على، والظاهر فيهما أنه: عن بدلا من: على. (7) في البلاغات: يهشم. (8) في (س): ينكت. (9) في المصدر: تغرى. (10) آل عمران: 103.

[237]

خاشعين [تخافون أن يتخطفكم الناس] (1) من حولكم، فأنقدكم الله برسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد ما مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب (2)، كلما حشوا نارا للحرب (3) ونجم قرن للضلال، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف بأخيه في لهواتها، ولا ينكفي حتى يطأ سماخها (4) بأخمصه، ويحمد لهبها (5) بحده (6)، مكدودا في ذات الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله، وأنتم في بلهنية (7) وادعون آمنون، حتى إذا اختار الله لنبيه صلى الله عليه [وآله] دار أنبيائه، ظهرت حسيكة (8) النفاق، وسمل (9) جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبع خامل الاقلين (10)، وهدر فنيق المبطلين، يخطر (11) في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه (12) صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم (13) فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم، هذا والعهد قريب،


(1) الانفال: 26. (2) جاءت هنا زيادة في نسخة من بلاغات النساء: ومردة أهل الكتاب. (3) في المصدر زيادة: أطفأها. (4) في بلاغات النساء: صماخها - بالصاد -، وقد جاء في اللغة بالسين، كما في الصحاح 1 / 426. (5) في (س): ألهبها. (6) (ك): بجده. (7) جاء في حاشية (ك): وأنتم في بلهنية من العيش، أي سعة، صحاح. انظر: صحاح اللغة 5 / 2080. (8) في المصدر: خلة النفاق، وجاء في حاشية (ك): وقوله: في صدره عليك حسيكة.. أي ضغن وعداوة. صحاح. انظر: صحاح اللغة 4 / 1579، وفيه: علي بدلا من: عليك. (9) في (ك): شمل. (10) في المصدر: الآفلين. (11) في بلاغات النساء: فخطر. (12) في (س): معرزه. (13) في المصدر: واجمشكم.

[238]

والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، بدارا زعمتم (1) خوف الفتنة، [ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين] (2) فهيهات منكم وأنى يكم (3) وأنى تؤفكون، وهذا كتاب الله بين أظهركم، زواجر بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تدبرون، أم بغيره تحكمون [بئس للظالمين بدلا] (4) [ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين] (5)، ثم لم تريثوا أختها (6) إلا ريث أن تسكن نفرتها (7)، تسرون حسوا في ارتقاء (8)، ونصبر منكم على مثل حز المدى، وأنتم الآن (9) تزعمون أن لا إرث لنا، [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] (10)، ويها ! يا معشر المهاجرة ابتز (11) إرث أبيه ؟ !. أفي الكتاب أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ ! [لقد جئت شيئا فريا] (12) فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة [يخسر المبطلون] (13) و [لكل نبا مستقر وسوف


(1) في نسخة من بلاغات النساء: انما زعمتم. (2) التوبة: 49. (3) في (ك): وضع على: وأنى بكم.. رمز نسخة بدل. (4) الكهف: 50. (5) آل عمران: 85. (6) في (س): لم ترثبوا، وهي نسخة في (ك)، ولا معنى لها، ولا أثر لها في كتب اللغة التي بأيدينا. ولا توجد: اختها في المصدر. (7) في المصدر: نغزتها. (8) جاءت الجملة في المصدر هكذا: تشربون حسوا وتسرون في ارتغاء. (9) في مطبوع البحار: اللائي. (10) المائدة: 50. (11) في المصدر: وبها معشر المهاجرين أأبتز.. (12) مريم: 27. (13) الجاثية: 27.

[239]

تعلمون] (1). ثم انحرفت إلى قبر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وهي تقول: قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب قال: فما رأينا يوما كان أكثر باكيا ولا باكية من ذلك اليوم (2). ثم قال أحمد بن أبي طاهر (3): حدثني جعفر بن محمد - رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة (4) - قال: حدثني أبي قال: أخبرنا موسى بن عيسى قال: أخبرنا عبد الله بن يونس قال: أخبرنا جعفر الاحمر عن زيد بن علي رحمة الله عليه عن عمته زينب بنت الحسين عليهما السلام، قالت: لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت (5) خمارها وخرجت في حشدة نسائها ولمة من قومها، تجر أدراعها (6)، ما تخرم من مشية (7) رسول الله صلى الله عليه [وآله] شيئا، حتى وقفت على أبي بكر - وهو في حشد من المهاجرين والانصار - فأنت أنه أجهش لها القوم بالبكاء، فلما سكنت فورتهم قالت: أبدأ بحمد الله - ثم أسبلت بينها وبينهم سجفا (8) - ثم قالت: الحمد لله


(1) الانعام: 67. (2) أقول: قد وردت قطعة من خطبتها سلام الله عليها من قولها: أنتم الآن تزعمون.. إلى: يخسر المبطلون في الغدير 7 / 197 حاكيا إياها عن أكثر من مصدر. (3) بلاغات النساء 14 - 19. (4) الرافقة: بلد متصل البناء بالرقة.. وتسمى: الرقة. انظر: مراصد الاطلاع 2 / 595، ومعجم البلدان 3 / 15 - 16. (5) في (س): لاتت. (6) في المصدر: اذراعها. (7) في (س): مشيته. (8) السجف: الستر، قاله في القاموس 3 / 150 وغيره.

[240]

على ما أنعم، ولها (1) الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، وإحسان منن والاها (2)، جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن المجازاة أمدها، وتفاوت عن الادراك آمالها، واستثنى (3) الشكر بفضائلها، واستحمد إلى الخلائق باجزالها، وثنى بالندب إلى امثالها، وأشهد أن لا إله إلا الله، كلمة جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار (4) في الفكرة معقولها، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الاوهام الاحاطة به، ابتدع الاشياء لا من شئ قبله، واحتذاها بلا مثال لغير فايدة زادته، إلا إظهارا لقدرته، وتعبدا لبريته، وإعزازا لدعوته، ثم جعل (5) الثواب على طاعته، والعقاب (6) على معصيته، زيادة (7) لعباده عن نقمته، وحياشا لهم إلى (8) جنته، وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله، اختاره قبل أن يجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه (9)، وسماه قبل أن استنجبه، إذ الخلائق بالغيوب مكنونة، وبستر الاهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علما من الله عزوجل بمايل الامور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواضع المقدور، ابتعثه الله عزوجل (10) إتماما لامره (11) وعزيمة على إمضاء حكمه، فرأى الامم صلى الله عليه [وآله] فرقا في أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لاوثانها،


(1) كذا، والصحيح: وله، كما في المصدر. (2) خ. ل: اولاها، جاءت على مطبوع البحار. (3) في مطبوع البحار: واستثنى، ولا معنى لها. (4) في المصدر: وانى. (5) جاءت على (ك) نسخة بدل: حصل. (6) في (ك): ووضع العقاب. (7) كذا، والصحيح: ذيادة - بالذال المعجمة - وهي بمعنى الدفع والطرد والابعاد كما سيأتي في بيان المصنف قدس سره. (8) في (س): على، بدلا من: إلى، وفي المصدر: وجياشا لهم... (9) في (س): انبعثه، وما في المتن اظهر. (10) في المصدر: تعالى عزوجل. (11) لا توجد: لامره في مطبوع البحار.

[241]

منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله عزوجل بمحمد صلى الله عليه [وآله] ظلمها، وفرج عن القلوب بهمها، وجلا عن الابصار غممها، ثم قبض الله نبيه صلى الله عليه [وآله] قبض رأفة واختيار، رغبة بأبي صلى الله عليه [وآله] عن (1) هذه الدار، موضوع عنه العب ء والاوزار، محتف (2) بالملائكة الابرار، ومجاورة الملك الجبار، ورضوان الرب الغفار، صلى الله على محمد نبي الرحمة وأمينه على وحيه، وصفيه من الخلائق، ورضيه صلى الله عليه [وآله] وسلم ورحمة الله وبركاته. ثم أنتم عباد الله - تريد أهل المجلس - نصب أمر الله ونهيه، وحملة دينه و وحيه، وامناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الامم، زعمتم حق لكم (3) لله (4) فيكم عهد قدمه اليكم، ونحن (5) بقية استخلفنا عليكم، ومعنا كتاب الله، بينة بصائره، وآي (6) فينا منكشفة سرائره، وبرهان منجلية ظواهره، مديم للبرية (7) اسماعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤد إلى النجاة استماعه، فيه بيان (8) حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، وبيناته (9) الجالية، وجمله الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة (10)، وشرائعه المكتوبة، ففرض الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها عن الكبر، والصيام تثبيتا للاخلاص، والزكاة تزييدا في الرزق، والحج تسلية للدين، والعدل تنسكا (11) للقلوب، وطاعتنا


(1) في مطبوع البحار: عزت بدلا من: عن. (2) في مطبوع البحار: ومتحف. (3) في (س): ملكه، بدلا من لكم. (4) في المصدر: الله.. فتصبح جملة استفهامية مستقلة. (5) لا توجد في مطبوع البحار: نحن. (6) جمع آية. (7) في المصدر: البرية. (8) في حاشية مطبوع البحار: فيه تنال.. وقد وضع عليها في (ك) رمز النسخة المصححة (خ ص). (9) في المصدر: وتبيانه. (10) في (س): المرهوبة. (11) كذا، والظاهر: تنسيكا.. أي تطهيرا وتطييبا، كما في القاموس 3 / 321.

[242]

نظاما للملة (1)، وإمامتنا لما (2) من الفرقة، وحبنا عزا للاسلام، والصبر منجاة، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعرضا للمغفرة، وتوفية المكائيل والموازين تغييرا للبخسة (3)، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، وقذف المحصنات اجتنابا للعنة، وترك السرق ايجابا للعفة، وحرم الله عزوجل الشرك اخلاصا له بالربوبية ف‍: [اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون] (4) وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه [إنما يخشى الله من عباده العلماء] (5). ثم قالت: أيها الناس ! أنا فاطمة، وأبي محمد صلى الله عليه [وآله] أقولها بدأ على عودي (6) [لقد جاءكم رسول من أنفسكم..] (7).. ثم ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي عليه السلام في رواية أبيه. ثم قالت - في متصل كلامها -: أفعلى محمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول الله تبارك وتعالى: [وورث سليمان داود] (8)، وقال الله عز وجل - فيما قص (9) من خبر يحيى بن زكريا: [رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (10)، وقال عز ذكره: [وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (11)، وقال: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ


(1) لا توجد في المصدر: للملة. (2) في (ك): خط على كلمة: لما. وفي المصدر: امنا. (3) في المصدر: تعبيرا للنحسة. (4) آل عمران: 102. (5) فاطر: 28. (6) في المصدر: اقولها عودا على بدء. (7) التوبة: 128. (8) النمل: 16. (9) في مطبوع البحار: اقتص. (10) مريم: 5 - 6. (11) الاحزاب: 6.

[243]

الانثيين] (1)، وقال: [إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين] (2) وزعمتم ألا حظوة لي ولا إرث من أبي (3)، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج نبيه صلى الله عليه [وآله] منها ؟ ! أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون ؟ ! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم (4) لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبي صلى الله عليه [وآله] ؟ ! [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] (5) أأغلب على إرثي ظلما وجورا (6) ؟ ! [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (7). وذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر والمهاجرين عدلت إلى مجلس الانصار، فقالت: معشر البقية، وأعضاد الملة، وحصون الاسلام: ما هذه الغميرة في حقي والسنة عن ظلامتي ؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: المرء (8) يحفظ في ولده ؟ ! سرعان ما أجدبتم (9) فأكديتم، وعجلان ذا اهالة، أتقولون (10) مات رسول الله صلى الله عليه [وآله] فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وبعد وقته، واظلمت الارض لغيبته، واكتابت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبال، وأكدت الآمال، واضيع الحريم، وازيلت الحرمة عند مماته صلى الله عليه [وآله] ؟


(1) النساء: 11. (2) البقرة: 180. (3) في المصدر: ان لا حق لي ارث لي من ابي. (4) لا توجد في المصدر: ام. (5) المائدة: 50. وفي المصدر والمطبوع من البحار: تبغون، وعليه فلا تكون آية. (6) في المصدر: جورا وظلما. (7) الشعراء: 227. (8) في المصدر: اما قال رسول الله (ص): المرء. (9) في (س): اجديتم. (10) في بلاغات النساء: ذا اهانة تقولون..

[244]

وتلك نازلة علن بها (1) كتاب الله في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم، يهتف بها (2) في أسماعكم، ولقلبه ما حلت (3) بأنبياء الله عزوجل ورسله [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين] (4) إيها بني قيله ! أأهضم تراث ابيه وأنتم بمرأى منه ومسمع ؟ ! تلبسكم الدعوة، وتشملكم (5) الحيرة، وفيكم العدد والعدة، ولكم الدار، وعندكم الجنن، وأنتم الاولى يحبه الله (6) التي انتجب (7) لدينه وأنصار رسوله، وأهل الاسلام، والخيرة التي اختار لنا أهل البيت، فباديتم العرب، وناهضتم الامم، وكافحتم البهم، لا نبرح نأمركم وتأتمرون (8)، حتى دارت لكم بنا رحى (9) الاسلام، ودر حلب الانام، وخضعت نعرة الشرك، وباخت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق (10) نظام الدين، فأنى جرتم (11) بعد البيان، ونكصتم بعد الاقدام، وأسر رتم بعد الاعلان، لقوم نكثوا ايمانهم: [أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين] (12). ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدعة، فعجتم


(1) في المصدر: وتلك نازل علينا بها. (2) لا يوجد في مطبوع البحار: بها. (3) في المصدر: وقبله حلت. (4) آل عمران: 144. (5) في المصدر: وتثملكم. (6) في بلاغات النساء: وأنتم الآلي نخبة الله.. (7) في المصدر: انتخب. (8) في بلاغات النساء: تأمرون. (9) في مطبوع البحار: بنارها. (10) خ. ل: استوسق، جاءت على حاشية (ك)، وهي كذلك في المصدر. (11) في المصدر: حرتم. (12) التوبة: 13.

[245]

عن الدين، ومججتم (1) الذي وعيتم، ووسعتم (2) الذي سوغتم ف‍: [إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغني حميد] (3). ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خاصر صدوركم، واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وبثة الصدر، ومعذرة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناقبة الخف (4)، باقية العار، موسومة بشنار الابد، موصولة ب‍: [نار الله الموقدة * التي تطلع على الافئدة] (5). فبعين الله ما تفعلون: [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (6) ! وأنا ابنة نذير [لكم بين يدي عذاب شديد] (7)، ف‍ [اعملوا... إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون] (8). قال أبو الفضل: وقد ذكر قوم أن أبا العيناء ادعى هذا الكلام، وقد رواه قوم وصححوه وكتبناه على ما فيه. وحدثني عبد الله بن أحمد العبدي عن الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع أبا بكر يومئذ يقول لفاطمة عليها السلام: يا بنت رسول الله ! لقد كان صلى الله عليه [وآله] وسلم بالمؤمنين رحيما (9)، وعلى الكافرين عذابا أليما، وإذا عزوناه كان أباك دون النساء، وأخا ابن عمك دون الرجال، آثره على كل حميم، وساعده على الامر العظيم، لا يحبكم إلا العظيم السعادة، ولا يبغضكم إلا


(1) في المصدر: وبحجتم. (2) في بلاغات النساء: ودسعتم. (3) ابراهيم: 8. (4) في المصدر: ناكبة الحق. (5) الهمزة: 6 - 7. (6) الشعراء: 227. (7) سبأ: 46. (8) هود: 121 و 122. (9) في المصدر: رؤوفا رحيما.

[246]

الردي الولادة، وأنتم عترة الله الطيبون، وخيرة الله المنتجبون (1)، على الآخرة أدلتنا، وباب الجنة لسالكنا، وأما منعك ما سألت فلا ذلك لي، وأما فدك وما جعل أبوك لك (2)، فإن منعتك فأنا ظالم، وأما الميراث فقد تعلمين أنه صلى الله عليه [وآله] قال: لا نورث ما (3) أبقيناه صدقة. قالت: إن الله يقول عن نبي من أنبيائه: [يرثني ويرث من آل يعقوب] (4)، وقال: [وورث سليمان داود] (5)، فهذان (6) نبيان، وقد علمت أن النبوة لا تورث وإنما يورث ما دونها، فما لي أمنع إرث أبي ؟ ! أأنزل الله في الكتاب إلا فاطمة (ع) بنت محمد صلى الله عليه [وآله] فتدلني عليه فأقنع به ؟. فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] ! أنت عين الحجة، ومنطق الرسالة، لا يد لي بجوابك، ولا أدفعك عن صوابك، ولكن هذا أبو الحسن بيني وبينك هو الذي أخبرني بما تفقدت، وأنبأني بما أخذت وتركت. قالت: فإن يكن ذلك كذلك فصبر لمر الحق، والحمد لله إله الحق (7). وما وجدت هذا الحديث على التمام إلا عند أبي هفان (8). أقول: لا يخفى على ذي عينين أن ما ألحقوه في آخر الخبر لا يوافق شيئا من الروايات، ولا يلائم ما مر من الفقرات والتظلمات والشكايات، وسنوضح القول في ذلك إن شاء الله تعالى. ولنوضح تلك الخطبة الغراء الساطعة عن سيدة النساء صلوات الله عليها


(1) في المصدر: المنتخبون. (2) في بلاغات النساء: لك ابوك. (3) في (س): وما. (4) مريم: 6. (5) النمل: 16. (6) في (س): فهذا بدلا من: فهذان. (7) في المصدر: اله الخلق، قال أبو الفضل - أي صاحب بلاغات النساء -. (8) إلى هنا ما نقل عن بلاغات النساء.

[247]

التي تحير من العجب منها والاعجاب بها احلام الفصحاء والبلغاء، ونبني الشرح على رواية الاحتجاج ونشير أحيانا إلى الروايات الاخر. قوله: أجمع أبو بكر.. أي احكم النية والعزيمة عليه (1). لاثت خمارها على رأسها.. أي عصبته وجمعته (2)، يقال: لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا أي شدها وربطها. (3). والجلباب - بالكسر - يطلق على الملحفة (4) والرداء والازار (5) والثوب الواسع للمرأة دون الملحفة (6)، والثوب كالمقنعة تغطى بها المرأة رأسها وصدرها وظهرها (7)، والاول هنا أظهر. أقبلت في لمة من حفدتها.. اللمة - بضم اللام وتخفيف الميم - الجماعة (8)، قال في النهاية: في حديث فاطمة (ع) أنها خرجت في لمة من نسائها تتوطأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته.. أي في جماعة من نسائها، قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب. و (9) قال الجوهري: الهاء عوض من الهمزة لذاهبة من وسطة (10)، وهو مما


(1) قاله في لسان العرب 8 / 57، وقال في تاج العروس 5 / 307. الاجماع: العزم على الامر والاحكام عليه. (2) نص على المعنى الاول في الصحاح 1 / 291، ولسان العرب 2 / 186، وعلى الثاني في النهاية 4 / 275. (3) كما في لسان العرب 2 / 186، والنهاية 4 / 275، وتاج العروس 1 / 644. (4) قاله في مجمع البحرين 2 / 23، والصحاح 1 / 101، والنهاية 1 / 283.. (5) نص على الاخير في لسان العرب 1 / 273، وصرح بالجميع في النهاية لابن الاثير. (6) كما جاء في القاموس 1 / 47، وتاج العروس 1 / 186 وغيرهما. (7) انظر: النهاية 1 / 283، ولسان العرب 1 / 273. (8) قاله في مجمع البحرين 6 / 165، ولسان العرب 12 / 548. (9) لا توجد الواو في المصدر. (10) إلى هنا قاله الجوهري في الصحاح 5 / 2026.

[248]

اخذت عينه كسر (1) ومذ واصلها فعلة من الملاءمة، وهي الموافقة. انتهى (2). أقول: ويحتمل أن يكون بتشديد الميم. قال الفيروز آبادي (3): اللمة - بالضم - الصاحب والاصحاب في السفر والمونس للواحد والجمع (4). والحفدة - بالتحريك -: الاعوان والخدم (5). تطأ ذيولها.. أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها، وتضع عليها قدمها عند المشي، وجمع الذيل باعتبار الاجزاء أو تعدد الثياب. ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله.. وفي بعض النسخ: من مشي رسول الله صلى الله عليه وآله، والخرم: الترك (6)، والنقص والعدول (7)، والمشية - بالكسر - الاسم من مشى يمشي مشيا (8)، أي لم تنقص مشيها من مشيه صلى الله عليه وآله شيئا كأنه هو بعينه، قال في النهاية (9): فيه ما خرمت من صلاة رسول الله.. شيئا: أي ما تركت، ومنه الحديث: " لم اخرم منه حرفا " أي لم أدع. والحشد - بالفتح وقد يحرك -: الجماعة (10). وفي الكشف (11): إن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها ونساء قومها، تجر أدراعها، وتطأ في


(1) في المصدر: كسه. (2) أي انتهى كلام النهاية 4 / 273، وانظر: لسان العرب 12 / 548. (3) في القاموس 4 / 177. (4) وانظر: تاج العروس 9 / 63. (5) كما في مجمع البحرين 3 / 38، والصحاح 2 / 466. (6) قال في لسان العرب 12 / 170 - 171: الخارم: التارك، ونحوه في تاج العروس 8 / 272. (7) نص عليهما في الصحاح 5 / 1912، ولسان العرب 12 / 170 - 171. (8) كما في لسان العرب 15 / 281. (9) النهاية: 2 / 27. (10) كما في القاموس 1 / 288، ولسان العرب 3 / 150 وغيرهما. (11) كشف الغمة 2 / 40 - 41 بنصه.

[249]

ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله... حتى دخلت على أبي بكر - وقد حشد المهاجرين والانصار - فضرب بينهم بريطة بيضاء، وقيل قبطية... فأنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم...، ثم قالت (ع): أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم.. فنيطت دونها ملاءة.. الملاءة - بالضم والمد - الريطة (1) والازار، ونيطت بمعنى علقت (2) أي ضربوا بينها عليها السلام وبين القوم سترا وحجابا، والريطة - بالفتح - الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين (3)، أو هي كل ثوب لين رقيق (4). والقبطية - بالكسر -: ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر، وقد يضم لانهم يغيرون في النسبة (5). والجهش: ان يفزع الانسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد تهيأ للبكاء (6)، يقال: جهش إليه كمنع واجهش (7). والارتجاج: الاضطراب (8). قوله: هنيئة.. أي صبرت زمانا قليلا (9).


(1) نص عليه في الصحاح 1 / 73، والقاموس 1 / 29، وقال في لسان العرب 1 / 160: الملاء - بالضم والمد - جمع ملاءة، وهي الازار والريطة، ونحوه في النهاية 4 / 352. (2) كما في مجمع البحرين 4 / 277، والصحاح 3 / 1165 وغيرهما. (3) ذكره في لسان العرب 7 / 307، ومجمع البحرين 4 / 250، وقال في القاموس 2 / 362: الريطة: كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد وقطعة واحدة، أو كل ثوب لين رقيق. (4) النهاية 4 / 289، ولسان العرب 7 / 307. (5) كما في الصحاح 3 / 1151، ومثلها لسان العرب 7 / 373، الا أنه ضبطه بالضم. (6) قاله في مجمع البحرين 4 / 131، ولسان العرب 6 / 276، وتاج العروس 4 / 291. (7) جاء في القاموس 2 / 266، وتاج العروس 4 / 291، ولسان العرب 6 / 276. (7) انظر مجمع البحرين 2 / 303، والصحاح 1 / 317 وغيرهما. (9) صرح به في لسان العرب 1 / 366، ومجمع البحرين 1 / 479.

[250]

والنشيج: صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره (1). وهدأت - كمنعت -: أي سكنت (2). وفورة الشئ شدته، وفار القدر أي جاشت (3). قولها صلوات الله عليها: بما قدم.. أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقوها، ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم الايجاد والفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء، فيكون تأسيسا. والسبوغ: الكمال (4). والآلاء: النعماء جمع ألى - بالفتح والقصر وقد يكسر الهمزة (5) -. واسدى واولى واعطى بمعنى واحد (6). قولها: والاها.. أي تابعها (7)، باعطاء نعمة بعد اخرى بلا فصل. وجم الشئ أي كثر (8)، والجم: الكثير (9)، والتعدية بعن لتضمين معنى التعدي والتجاوز. قولها عليها السلام: ونأى (10) عن الجزاء أمدها.. الامد - بالتحريك -: الغاية المنتهى (11)، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها، فالمراد بالامد اما الامد المفروض، إذ لا أمد لها على الحقيقة، أو الامد الحقيقي لكل حد من حدودها


(1) ذكره في النهاية 5 / 53، ومجمع البحرين 2 / 332. (2) نص عليه في القاموس 1 / 33، ولسان العرب 1 / 180 وغيرهما. (3) ذكره في الصحاح 2 / 783، ولسان العرب 5 / 67. (4) نص عليه في المصباح المنير: 1 / 320، ولسان العرب 8 / 433. (5) كما في لسان العرب 14 / 43، ومجمع البحرين 1 / 29 وغيرهما. (6) قاله في النهاية 2 / 356، ولسان العرب 14 / 376، ومجمع البحرين 1 / 215. (7) كذا في مجمع البحرين 1 / 463، والصحاح 6 / 2530 وغيرهما. (8) في (س): كسر، وهو غلط. (9) كما في مجمع البحرين 6 / 30، والصحاح 5 / 1889، وغيرهما. (10) جاء في مجمع البحرين 1 / 404: النأي: البعد. (11) قاله في القاموس 1 / 275، والصحاح 2 / 442، ومجمع البحرين 3 / 8.

[251]

المفروضة، ويحتمل أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها، وقد مر في كثير من الخطب بهذا المعنى. وقال في النهاية في حديث الحجاج: " قال للحسن: ما امدك ؟ قال: سنتان من خلافة (1) عمر "، اراد أنه ولد لسنتين من خلافته، وللانسان امدان، مولده وموته. انتهى (2). وإذا حمل عليه يكون أبلغ، ويحتمل - على بعد - أن يقرأ بكسر الميم، قال الفيروز آبادي (3): الامد (4): المملو من خير وشر، والسفينة المشحونة (5). وتفاوت عن الادراك أبدها.. التفاوت: البعد (6)، والابد: الدهر والدايم (7) والقديم الازلي، وبعده عن الادراك لعدم الانتهاء. وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها.. يقال: ندبه للامر وإليه فانتدب.. أي دعاه فأجاب (8)، واللام في قولها: لا تصالها.. لتعليل الندب.. أي رغبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم، وجعل اللام الاولى للتعليل والثانية للصلة بعيد، وفي بعض النسخ: لافضالها، فيحتمل تعلقه بالشكر. واستحمد إلى الخلائق باجزالها.. أي طلب منهم الحمد بسبب اجزال النعم واكمالها عليهم، يقال: اجزلت له من العطاء.. أي اكثرت (9)، واجزاك


(1) في المصدر: لخلافة. (2) انتهى كلام صاحب النهاية 1 / 65. (3) في القاموس 1 / 275. (4) الظاهر من القاموس أن: الآمد ك‍: صاحب. (5) وانظر ما جاء في تاج العروس 2 / 291. (6) قال في لسان العرب 2 / 69، والصحاح 1 / 260 وغيرهما، تفاوت: تباعد. (7) كذا في مجمع البحرين 3 / 5، والصحاح 2 / 439، وغيرهما. (8) ذكره في لسان العرب 1 / 754، ومثله في مجمع البحرين 2 / 170، والصحاح 1 / 223، ولم ترد فيهما لفظة: وإليه. (9) كما جاء في مجمع البحرين 5 / 337، والصحاح 4 / 1655، وغيرهما.

[252]

النعم كأنه طلب الحمد أو طلب منهم الحمد حقيقة لاجزال النعم، وعلى التقديرين: التعدية بالى لتضمين معنى الانتهاء أو التوجه، وهذه التعدية في الحمد شايع بوجه آخر، يقال: احمد إليك الله، قيل: أي احمده معك، وقيل: أي احمد اليك نعمة الله بتحديثك إياها (1)، ويحتمل أن يكون استحمد بمعنى تحمد، يقال: فلان يتحمد علي.. أي يمتن (2)، فيكون إلى بمعنى على، وفيه بعد. وثنى بالندب إلى امثالها.. أي بعد أن أكمل لهم النعم الدنيوية ندبهم إلى تحصيل أمثالها من النعم الاخروية أو الاعم منها ومن مزيد النعم الدنيوية، ويحتمل أن يكون المراد بالندب إلى امثالها أمر العباد بالاحسان والمعروف، وهو انعام على المحسن إليه وعلى المحسن أيضا، لانه به يصير مستوجبا للاعوارض والمثوبات الدنيوية والاخروية. كلمة جعل الاخلاص تأويلها.. المراد بالاخلاص جعل الاعمال كلها خالصة لله تعالى، وعدم شوب الرياء والاغراض الفاسدة، وعدم التوسل بغيره تعالى في شئ من الامور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لان من أيقن بأنه الخالق والمدبر، وبأنه لا شريك له في الالهية فحق له أن لا يشرك في العبادة غيره، ولا يتوجه في شئ من الامور إلى غيره. وضمن القلوب موصولها.. هذه الفقرة تحتمل وجوها: الاول: ان الله تعالى ألزم وأوجب على القلوب ما تستلزمه هذه الكلمة من عدم تركبه تعالى، وعدم زيادة صفاته الكمالية الموجودة واشباه ذلك مما يؤول إلى التوحيد. الثاني: أن يكون المعنى جعل ما يصل إليه العقل من تلك الكلمة مدرجا


(1) كذا في لسان العرب 3 / 157، والنهاية 1 / 437، وغيرهما. (2) قاله في لسان العرب 3 / 157، وفي الصحاح 1 / 417 نحوه، إلا أنه قال: أي يمن.

[253]

في القلوب مما أراهم من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، أو بما فطرهم عليه من التوحيد. الثالث: أن يكون المعنى لم يكلف العقول الوصول إلى منتهى دقايق كلمة التوحيد وتأويلها، بل انما كلف عامة القلوب بالاذعان بظاهر معناها، وصريح مغزاها، وهو المراد بالموصول. الرابع: أن يكون الضمير في موصولها راجعات إلى القلوب، أي لم يلزم القلوب إلا ما يمكنها الوصول إليها من تأويل تلك الكلمة الطيبة، والدقايق المستنبطة منها أو مطلقها، ولولا التفكيك لكان أحسن الوجوه بعد الوجه الاول، بل مطلقا. وانار في الفكر معقولها.. أي اوضح (1) في الاذهان ما يتعلق من تلك الكلمة بالتفكر في الدلائل والبراهين، ويحتمل إرجاع الضمير إلى القلوب أو الفكر - بصيغة الجمع - أي أوضح بالتفكر ما يعقلها العقول، وهذا يؤيد الوجه الرابع من وجوه الفقرة السابقة. الممتنع من الابصار رؤيته.. يمكن (2) أن يقرأ الابصار - بصيغة الجمع والمصدر -، والمراد بالرؤية العلم الكامل والظهور التام. ومن الالسن صفته.. الظاهر أن الصفة هنا مصدر، ويحتمل المعنى المشهور بتقدير أي بيان صفته. لا من شئ.. أي مادة. بلا احتذاء أمثلة امتثلها.. احتدى مثاله اقتدى به (3) وامتثلها.. أي تبعها (4).


(1) كما جاء في لسان العرب 5 / 240، والنهاية 5 / 240، والنهاية 5 / 125، وغيرهما. (2) في (ك): ويمكن. (3) ذكره في القاموس: 4 / 316، ولسان العرب: 14 / 170، وغيرهما. (4) جاء في لسان العرب 11 / 614، والقاموس المحيط 4 / 49، وغيرهما.

[254]

ولم يتعد عنها.. أي لم يخلقها على وفق صنع غيره. وتنبيها على طاعته.. لان ذوي العقول يتنبهون بمشاهدة مصنوعاته بأن شكر خالقها والمنعم بها واجب، أو ان خالقها مستحق للعبادة، أو بأن من قدر عليها يقدر على الاعادة والانتقام. وتعبدا لبريته.. أي خلق البرية ليتعبدهم، أو خلق الاشياء ليتعبد البرايا بمعرفته والاستدلال بها عليه. وإعزازا لدعوته.. أي خلق الاشياء ليغلب ويظهر دعوة الانبياء إليه بالاستدلال بها. ذيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنته.. الذود والذياد - بالذال المعجمة -.. السوق والطرد والدفع (1) والابعاد. وحشت الصيد الصيد احوشه إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة (2). ولعل التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عما يوجب دخول الجنة. قبل أن اجتبله.. الجبل: الخلق، يقال: جبلهم الله.. أي خلقهم، وجبله على الشئ.. أي طبعه عليه (3)، ولعل المعنى أنه تعالى سماه لانبيائه قبل أن يخلقه، ولعل زيادة البناء للمبالغة تنبيها على أنه خلق عظيم، وفي بعض النسخ - بالحاء المهملة - يقال: احتبل الصيد.. أي اخذه بالحبالة (4)، فيكون المراد به الخلق أو البعث مجازا، وفي بعضها: قبل أن اجتباه.. أي اصطفاه (5) بالبعثة، وكل منها لا يخلو من تكلف.


(1) كما في لسان العرب 3 / 167، والقاموس 1 / 293، وغيرهما. (2) قاله في القاموس 2 / 270، ومثله في مجمع البحرين 4 / 135 إلا أنه قال: عن الحبالة، وهو غلط ظاهرا. (3) نص عليه في لسان العرب 11 / 98، ونحوه في القاموس 3 / 345، وليس فيه لفظة: عليه. (4) قاله في المصباح المنير 1 / 146، والصحاح 4 / 1665، إلا أنه بدل: (اخذه) في الاول، (صاده)، وفي الثاني: (اصطاده). (5) جاء في لسان العرب 14 / 130، والصحاح 6 / 2298، وغيرهما.

[255]

وبستر الاهاويل (1) مصونة.. لعل المراد بالستر ستر العدم أو حجب الاصلاب والارحام، ونسبته إلى الاهاويل لما يلحق الاشياء في تلك الاحوال من موانع الوجود وعوائقه، ويحتمل أن يكون المراد أنها كانت مصونة عن الاهاويل بستر العدم، إذ هي إنما تلحقها بعد الوجود، وقيل: التعبير من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظلمات. بمائل (2) الامور - على صيغة الجمع -.. أي عواقبها، وفي بعض النسخ بصيغة المفرد. ومعرفة بمواقع المقدور.. أي لمعرفته تعالى بما يصلح وينبغي من أزمنة الامور الممكنة المقدورة وأمكنتها، ويحتمل أن يكون المراد بالمقدور: المقدر، بل هو أظهر. اتماما لامره.. أي للحكمة التي خلق الاشياء لاجلها، والاضافة في مقادير حتمه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.. أي مقاديره المحتومة. وقولها عليها السلام: عكفا على نيرانها.. تفصيل وبيان للفرق بذكر بعضها، يقال: عكف على الشئ - كضرب ونصر - أي اقبل عليه مواظبا (3) ولازمه فهو عاكف، ويجمع على عكف - بضم العين وفتح الكاف المشددة - كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شهد وغيب. والنيران.. جمع نار، وهو قياس مطرد في جمع الاجوف، نحو: تيجان وجيران. منكرة لله مع عرفانها.. لكون معرفته تعالى فطرية، أو لقيام الدلائل


(1) الاهاويل: جمع الاهوال، وهو جمع الهول، وهو الخوف والامر الشديد، كما في النهاية 5 / 283. (2) قال في المصباح المنير 1 / 38: آل الشئ يؤول أولا ومآلا: رجع، والايال - ككتاب - اسم منه.. والموئل: المرجع وزنا ومعنى. (3) ذكره في القاموس 3 / 177، وتاج العروس 6 / 303، ولسان العرب 9 / 255، وزاد في الاخير: عكف يعكف ويعكف.. لزم المكان.

[256]

الواضحة الدالة على وجوده سبحانه، والضمير (في ظلمها) راجع إلى الامم، والضميران التاليان له يمكن ارجاعهما إليها والى القلوب والابصار. والظلم - بضم الظاء وفتح اللام - جمع ظلمة (1) استعيرت هنا للجهالة. والبهم جمع بهمة - بالضم - وهي مشكلات الامور (2). وجلوت الامر.. أو ضحته وكشفته (3). والغمم جمع غمة يقال امر غمة أي مبهم ملتبس (4)، قال الله تعالى: [ثم لا يكن أمركم عليكم غمة] (5)، قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق (6)، وتقول: غممت الشئ: إذا غطيته وسترته (7). والعماية: الغواية واللجاج، ذكره الفيروز آبادي (8). واختيار.. أي من الله له ما هو خير له، أو باختيار منه صلى الله عليه وآله ورضى وكذا الايثار، والاول أظهر فيهما. بمحمد صلى الله عليه وآله عن تعب هذه الدار.. لعل الظرف متعلق بالايثار بتضمين معنى الضنة أو نحوها، وفي بعض النسخ: محمد - بدون الباء - فتكون الجملة استينافية أو مؤكدة للفقرة السابقة، أو حالية بتقدير الواو، وفي بعض كتب المناقب القديمة: فمحمد صلى الله عليه وآله، وهو أظهر، وفي رواية كشف الغمة: رغبته بمحمد صلى الله عليه وآله عن تعب هذه الدار، وفي رواية


(1) كذا في مجمع البحرين 6 / 109، ولسان العرب 12 / 377. (2) انظر: لسان العرب 12 / 57، والنهاية 1 / 167، وغيرهما. (3) كما في النهاية 1 / 290، لسان العرب 14 / 150. (4) قاله في القاموس 4 / 157، والصحاح 5 / 1998، وغيرهما. وذكر جمعه في مجمع البحرين 6 / 128. (5) يونس: 71. (6) جاء في لسان العرب 12 / 442، والصحاح 6 / 128. (7) كما في النهاية 3 / 388، والصحاح 5 / 1998، ومجمع البحرين 6 / 128، وتاج العروس 5 / 8. (8) في القاموس 4 / 366، وقارن ب‍: لسان العرب 15 / 97.

[257]

احمد بن أبي طاهر: بأبي صلى الله عليه وآله عزت هذه الدار.. وهو أظهر، ولعل المراد بالدار: دار القرار، ولو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة، وعلى التقادير لا يخلو من تكلف. نصب أمره.. قال الفيروز آبادي (1): النصب - بالفتح -: العلم المنصوب ويحرك.. وهذا نصب عيني - بالضم والفتح -.. أي نصبكم الله لاوامره ونواهيه، وهو خبر الضمير، وعباد الله منصوب على النداء. وبلغاؤه إلى الامم.. أي تؤدون الاحكام إلى ساير الناس لانكم أدركتم صحبة الرسول صلى الله عليه وآله. زعمتم حق لكم.. أي زعمتم أن ما ذكر ثابت لكم، وتلك الاسماء صادقة عليكم بالاستحقاق، ويمكن أن يقرأ على الماضي المجهول، وفي ايراد لفظ الزعم اشعار بأنهم ليسوا متصفين بها حقيقة، وإنما يدعون ذلك كذبا، ويمكن أن يكون حق لكم.. جملة اخرى مستأنفة.. أي زعمتم أنكم كذلك وكان يحق لكم وينبغي أن تكونوا كذلك لكن قصرتم. وفي بعض النسخ: وزعمتم حق لكم (2) فيكم وعهد، وفي كتاب المناقب القديم: زعمتم أن لا حق لي فيكم عهدا قدمه اليكم.. فيكون عهدا منصوبا ب‍ (اذكروا ونحوه، وفي الكشف: إلى الامم خولكم (3) الله فيكم عهد. قولها عليها السلام: لله فيكم عهد وبقية.. العهد: الوصية (4)، وبقية الرجل ما يخلفه في أهله، والمراد بهما القرآن، أو بالاول ما أوصاهم به في أهل بيته وعترته، وبالثاني القرآن.


(1) القاموس 1 / 132 - 133، ونحوه في تاج العروس 1 / 486 - 487، ولسان العرب 1 / 759 - 760، وغيرهما. (2) في (ك): له، بدلا من: لكم. (3) في (ك): حولكم. (4) كما في مجمع البحرين 3 / 112، والصحاح: 2 / 515، وغيرهما.

[258]

وفي رواية احمد بن ابي طاهر: وبقية استخلفنا عليكم، ومعنا كتاب الله.. فالمراد بالبقية أهل البيت عليهم السلام، وبالعهد ما أوصاهم به فيهم. والبصائر - جمع بصيرة - وهي الحجة (1)، والمراد بانكشاف السرائر: وضوحها عند حملة القرآن وأهله. مغتبط به أشياعه.. الغبطة ان يتمنى ان يتمنى المرء مثل حال المغبوط من غير ان يريد زوالها منه، تقول: غبطته فاغتبط (2)، والباء للسببية.. أي أشياعه مغبوطون بسبب اتباعه، وتلك الفقرة غير موجودة في سائر الروايات. مؤد إلى النجاة أسماعه.. - على بناء الافعال -.. أي تلاوته، وفي بعض نسخ الاحتجاج وسائر الروايات: استماعه. والمراد بالعزائم: الفرائض، وبالفضائل: السنن، وبالرخص: المباحات، بل ما يشمل المكروهات، وبالشرائع: ما سوى ذلك من الاحكام كالحدود والديات أو الاعم (3)، وأما الحجج والبينات والبراهين فالظاهر أن بعضها مؤكدة لبعض، ويمكن تخصيص كل منها ببعض ما يتعلق باصول الدين لبعض المناسبات، وفي رواية ابن ابي طاهر: وبيناته الجالية، وجمله الكافية.. فالمراد بالبينات: المحكمات، وبالجمل: المتشابهات، ووصفها بالكافية لدفع توهم نقص فيها لاجمالها، فانها كافية فيما أريد منها، ويكفي معرفة الراسخين في العلم بالمقصود منها، فإنهم المفسرون لغيرهم، ويحتمل أن يكون المراد بالجمل العمومات التي يستنبط منها الاحكام الكثيرة. تزكية للنفس.. أي من دنس الذنوب، أو من رذيلة البخل، إشارة إلى قوله تعالى: [تطهرهم وتزكيهم بها] (4).


(1) كما في الصحاح 2 / 592، وتاج العروس 3 / 48، وغيرهما. (2) جاء في لسان العرب 7 / 359 - 360، والصحاح 3 / 1146، وانظر: مجمع البحرين 4 / 262. (3) في (ك): والاعم. (4) التوبة: 103.

[259]

ونماء في الرزق.. ايماء إلى قوله تعالى: [وماء اتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون] (1) على بعض التفاسير (2). تثبيتا للاخلاص.. أي لتشييد الاخلاص وإبقائه، أو لاثباته وبيانه، ويؤيد الاخير أن في بعض الروايات: تبيينا، وتخصيص الصوم بذلك لكونه أمرا عدميا لا يظهر لغيره تعالى، فهو أبعد من الرياء، وأقرب إلى الاخلاص، وهذا أحد الوجوه في تفسير الحديث المشهور: الصوم لي وأنا أجزي به، وقد شرحناه في حواشي الكافي (3)، وسيأتي في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى (4). تشييدا للدين.. إنما خص التشييد به لظهوره ووضوحه وتحمل المشاق فيه، وبذل النفس والمال له، فالاتيان به ادل دليل على ثبوت الدين، أو يوجب استقرار الدين في النفس لتلك العلل وغيرهما (5) مما لا نعرفه، ويحتمل أن يكون اشارة إلى ما ورد في الاخبار الكثيرة من أن علة الحج التشرف بخدمة الامام وعرض النصرة عليه، وتعلم شرائع الدين منه (6)، فالتشييد لا يحتاج إلى تكلف. وفي العلل ورواية ابن ابي طاهر: تسلية للدين، فلعل المعنى تسلية للنفس، بتحمل المشاق وبذل الاموال بسبب التقيد بالدين، أو المراد بالتسلية: الكشف (7) والايضاح، فإنها كشف الهم، أو المراد بالدين: أهل الدين، أو (8)


(1) الروم: 39. (2) كما في التبيان للشيخ الطوسي 8 / 255، ومجمع البيان للشيخ الطبرسي 4 / 306 وغيرهما. (3) للعلامة المجلسي حاشية على أصول الكافي، لا نعلم بطبعها، ذكرها مفصلا شيخنا الطهراني في الذريعة 6 / 181. (4) بحار الانوار - كتاب الصوم -: 93 / 255 حديث 31. وذكره في مرآة العقول 16 / 199 - 201 عند شرحه للحديث 6 من الباب الاول من كتاب الصيام. (5) في (ك): وغيرها. (6) كما في عيون الاخبار 2 / 262 حديث 28، 29، 30، وعلل الشرائع 459 حديث 1 و 2 و 4، وانظر: جامع أحاديث الشيعة 12 / 228 حديث 4284. (7) كما قاله في مجمع البحرين 1 / 223، ولسان العرب 14 / 394، وغيرهما. (8) الظاهر: و، بدلا من: أو.

[260]

أسند إليه مجازا، والظاهر أنه تصحيف: تسنية (1)، وكذا في الكشف. وفي بعض نسخ العلل أي يصير سببا لرفعة الدين وعلوه. والتنسيق: التنظيم (2). وفي العلل: مسكا للقلوب أي ما يمسكها، وفي القاموس: المسكة - بالضم -: ما يتمسك به وما يمسك الابذان من الغذاء والشراب،.. والجمع كصرد.. والمسك - محركة - الموضع يمسك الماء (3). وفي رواية ابن ابي طاهر والكشف: تنسكا للقلوب.. أي عبادة لها (4)، لان العدل أمر نفساني يظهر آثاره على الجوارح. والصبر معونة على استيجاب الاجر.. إذ به يتم فعل الطاعات وترك السيئات. وقاية من السخط.. أي سخطهما، أو سخط الله تعالى، والاول أظهر. منماة للعدد.. المنماة: اسم مكان أو مصدر ميمي.. أي يصير سببا لكثرة عدد الاولاد والعشائر كما أن قطعها يذر الديار بلاقع (5) من اهلها. تغييرا للبخس.. وفي سائر الروايات: للبخسة.. أي لئلا ينقص مال من ينقص المكيال والميزان، إذ التوفية موجبة للبركة وكثرة المال، أو لئلا ينقصوا أموال الناس فيكون المقصود أن هذا أمر يحكم العقل بقبحه. عن الرجس.. أي النجس (6)، أو ما يجب التنزه عنه عقلا، والاول أوضح


(1) يقال: سنت النار: علا ضوءها، وسناه.. أي فتحه وسهله. وانظر ما ذكره الجوهري في الصحاح 6 / 2384. (2) كما في لسان العرب 10 / 353، والصحاح 4 / 1558. (3) إلى هنا ما في القاموس 3 / 319، وقارن بتاج العروس 7 / 177. (4) ذكره في الصحاح 4 / 1612، ولسان العرب 10 / 498، وتاج العروس 7 / 187. (5) يقال: مكان بلقع: خال، وارض بلاقع، جمعوا لانهم جعلوا كل جزء منها بلقعا، قاله في لسان العرب 8 / 21. (6) كما في مجمع البحرين 4 / 74، ولسان العرب 6 / 95، وغيرهما.

[261]

في التعليل، فيمكن الاستدلال على نجاستها. حجابا عن اللعنة.. أي لعنة الله، أو لعنة المقذوف أو القاذف، فيرجع إلى الوجه الاخير في السابقة، والاول أظهر، اشارة إلى قوله تعالى: [لعنوا في الدنيا والآخرة] (1). ايجابا للعفة.. أي للعفة عن التصرف في أموال الناس مطلقا، أو يرجع إلى ما مر، وكذا الفقرة التالية. وفي الكشف - بعد قوله - للعفة: والتنزه عن اموال الايتام، والاستئثار بفيئهم اجارة من الظلم، والعدل في الاحكام إيناسا للرعية، والتبري من الشرك اخلاصا للربوبية. عودا وبدءا.. أي اولا واخرا (2)، وفي رواية ابن ابي الحديد وغيره: أقول عودا على بدء.. والمعنى واحد. والشطط - بالتحريك - البعد عن الحق (3)، ومجاوزة الحد في كل شئ (4). وفي الكشف: ما أقول ذلك سرفا ولا شططا من أنفسكم.. أي لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية بل عن نكاح طيب، كما روي عن الصادق عليه السلام (5)، وقيل: أي من جنسكم من البشر ثم من العرب ثم من بني اسماعيل (6).


(1) النور: 23. (2) كما نص عليه في القاموس 1 / 8، ولسان العرب 1 / 27. (3) جاء في مجمع البحرين 4 / 258، والنهاية 2 / 475، وغيرهما. (4) قال في الصحاح 3 / 1138: الشطط: مجاوزة القدر في كل شئ، ونحوه في تاج العروس 5 / 169، ولسان العرب 7 / 334. (5) بعد هذا من ضروريات المذهب ان لم يكن من ضروريات الدين، وما أجمل قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهجه 139 - صبحي صالح -: فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الاصلاب إلى مطهرات الارحام. وقد جاءت روايات بهذا المضمون تجد منها في اصول الكافي 1 / 441 حديث 9 و 10 [اسلامية 1 / 367 باب مولد النبي (ص)]، وتفسير فرات الكوفي: 207، وبحار الانوار 15 / 3، 6 و 7 و 12 وغيرها جملة من الروايات. (6) حكاه وما قبله في مجمع البيان 5 / 86 عن السدي وغيره.

[262]

عزيز عليه ما عنتم.. أي شديد (1) شاق عليه عنتكم (2)، وما يلحقكم من الضرر بترك الايمان أو مطلقا. حريص عليكم.. أي على ايمانكم وصلاح شأنكم. بالمؤمنين رؤوف رحيم.. أي رحيم بالمؤمنين منكم ومن غيركم، والرأفة: شدة الرحمة (3)، والتقديم لرعاية الفواصل. وقيل: رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين. وقيل: رؤوف بأقربائه رحيم بأوليائه. وقيل: رؤوف بمن رآه رحيم بمن لم يره، فالتقديم للاهتمام بالمتعلق. فإن تعزوه.. يقال: عزوته إلى ابيه.. أي نسبته إليه (4)، أي إن ذكرتم نسبه وعرفتموه تجدوه أبي وأخا ابن عمي، فالاخوة ذكرت استطرادا، ويمكن أن يكون الانتساب أعم من النسب، ومما طرأ أخيرا، ويمكن أن يقرأ: وآخى - بصيغة الماضي -، وفي بعض الروايات: فان تعزروه وتوقروه. صادعا بالنذارة.. الصدع: الاظهار، تقول: صدعت الشئ، أي اظهرته، وصدعت بالحق: إذا تكلمت به جهارا (5)، قال الله تعالى: [فاصدع بما تؤمر] (6). والنذارة - بالكسر - الانذار (7) وهو الاعلام على وجه التخويف (8).


(1) كذا جاء معنى: العزيز في مجمع البحرين 4 / 26، والصحاح 3 / 885. (2) قال في مجمع البحرين 2 / 211: العنت: الوقوع في الاثم، والعنت: الفجور والزنا، والعنت: الهلاك، واصله المشقة والصعوبة، والعنت: الوقوع في أمر شاق، والعنت: الخطأ - وهو مصدر من باب تعب -.. والعنت - أيضا - الضرر والفساد. (3) ذكره في الصحاح 4 / 1362، والقاموس 3 / 142، وفيها بدل شدة الرحمة: اشد الرحمة. (4) كذا في لسان العرب 15 / 52، والصحاح 6 / 2425 وغيرهما. (5) كما جاء في الصحاح 3 / 1242، ولسان العرب 8 / 196. (6) الحجر: 94. (7) كذا في القاموس 2 / 140، وتاج العروس 3 / 561، وغيرهما. (8) قاله في مجمع البحرين 3 / 491، وفي الصحاح 2 / 825: الانذار: الابلاغ، ولا يكون إلا في التخويف.

[263]

والمدرجة: المذهب والمسلك (1)، وفي الكشف: ناكبا (2) عن سنن مدرجة المشركين، وفي رواية ابن أبي ظاهر: ماثلا على مدرجة.. أي قائما للرد عليهم، وهو تصحيف (3). ضاربا ثبجهم آخذا بأكظامهم.. الثبج - بالتحريك - وسط الشئ ومعظمه (4)، والكظم - بالتحريك - مخرج النفس من الحلق (5).. أي كان صلى الله عليه وآله لا يبالي بكثرة المشركين واجتماعهم ولا يداريهم في الدعوة. داعيا إلى سبيل ربه.. كما أمره سبحانه: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن] (6). وقيل: المراد بالحكمة: البراهين القاطعة وهي للخواص، وبالموعظة الحسنة: الخطابات المقنعة والعبر النافعة، وهي للعوام، وبالمجادلة بالتي (7) هي أحسن.. الزام المعاندين والجاحدين بالمقدمات المشهورة والمسلمة، وأما المغالطات والشعريات فلا يناسب درجة أصحاب النبوات. يكسر الاصنام وينكث الهام.. النكث (8): إلقاء الرجل على رأسه (9)،


(1) نص عليه في الصحاح 1 / 314، ولسان العرب 2 / 267. (2) أي مائلا. (3) قال في لسان العرب 11 / 614: مثل الشئ: قام منتصبا. (4) صرح به في النهاية 1 / 206، والصحاح 1 / 301، والقاموس 1 / 180، وتاج العروس 2 / 13، ولسان العرب 2 / 219. (5) ذكره في مجمع البحرين 6 / 154، ولسان العرب 12 / 520، وغيرهما. (6) النحل: 125. (7) في (ك): التي. (8) قال في النهاية 5 / 114: في حديث علي: امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، النكث: نقض العهد، والاسم النكث - بالكسر - وقد نكث ينكث، وأراد بهم أهل وقعة الجمل لانهم بايعوه ثم نقضوا بيعته وقاتلوه، وأراد ب‍: القاسطين أهل الشام، وب‍: المارقين الخوارج، ونحوه في لسان العرب 2 / 196 - 197، وتاج العروس 1 / 651، 5 / 206، 7 / 67. (9) قال في الصحاح 3 / 986: نكست الشئ انكسه نكسا: قلبته على رأسه. وما ذكره المصنف رحمه =

[264]

يقال: طعنه فنكثه، والهام جمع الهامة - بالتخفيف فيهما - وهي الرأس (1)، والمراد قتل رؤساء المشركين وقمعهم وإذ لالهم، أو المشركين مطلقا، وقيل: أريد به القاء الاصنام على رؤوسها، ولا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى ما بعده، وفي بعض النسخ: ينكس الهام، وفي الكشف وغيره: يجذ الاصنام، من قولهم: جذذت الشئ.. أي كسرته (2)، ومنه قوله تعالى: [فجعلهم جذاذا] (3). حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه.. والواو مكان حتى - كما في رواية ابن ابي طاهر - اظهر، وتفرى الليل.. أي انشق (4) حتى ظهر ضوء الصباح، وأسفر الحق عن محضه وخالصه (5)، ويقال: اسفر الصبح.. أي أضاء (6). ونطق زعيم الدين.. زعيم القوم سيدهم والمتكلم عنهم، والزعيم - ايضا - الكفيل (7) والاضافة لامية، ويحتمل البيانية.. وخرست شقاشق الشياطين.. خرس - بالكسر الراء - والشقاشق جمع شقشقة - بالكسر - وهي شئ كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج، وإذا قالوا للخطيب ذو شقشقة، فإنما يشبه بالفحل (8)، واسناد الخرس إلى الشقاشق مجازي.


= الله هنا من المعنى لكلمة: نكث - بالثاء - يطابق نكس - بالسين - فتأمل، وسيأتي تعرض منه لها بالسين، وانظر ما ذكره في لسان العرب 6 / 341. (1) كذا في مجمع البحرين 6 / 190، والصحاح 5 / 2063، وغيرهما. (2) ذكره في مجمع البحرين 3 / 179، والصحاح 2 / 561، وغيرهما. (3) الانبياء: 58. (4) قاله في لسان العرب 15 / 153، والصحاح 6 / 2454. (5) توجد في (ك) عبارة هنا هي: أي كشف الغطاء عن محضه وخالصه. وقد خط عليها في (س). (6) كما جاء في القاموس 2 / 49، والصحاح 2 / 686 وغيرهما. (7) صرح به في لسان العرب 12 / 266، والقاموس 4 / 124 - 125. (8) نص عليه في الصحاح 4 / 1503، ولسان العرب 10 / 185، وغيرهما.

[265]

وطاح وشيظ النفاق.. يقال: طاح فلان يطوح إذا هلك أو اشرف على الهلاك وتاه في الارض وسقط (1)، والوشيظ - بالمعجمتين -: الرذل والسفلة من الناس، ومنه قولهم: اياكم والوشائظ (2)، وقال الجوهري (3): الوشيظ: لفيف من الناس ليس اصلهم واحدا، وبنو فلان وشيظة في قومهم.. أي هم حشو فيهم. والوسيط - بالمهملتين -: اشرف القوم نسبا وارفعهم محلا (4)، وكذا في بعض النسخ، وهو أيضا مناسب. وفهتم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماص.. يقال: فاه فلان بالكلام كقال.. أي لفظ به كتفوه (5). وكلمة الاخلاص: كلمة التوحيد، وفيه تعريض بأنه لم يكن ايمانهم عن قلوبهم، والبيض جمع ابيض وهو من الناس خلاف الاسود (6)، والخماص - بالكسر - جمع خميص، والخماصة تطلق على دقة البطن خلقة وعلى خلوه من الطعام، يقال: فلان خميص البطن من اموال الناس أي عفيف عنها، وفي الحديث: كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا (7). والمراد بالبيض الخماص: إما أهل البيت عليهم السلام - ويؤيده ما في كشف الغمة: في نفر من البيض الخماص، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (8) - ووصفهم بالبيض لبياض وجوههم، أو هو من قبيل وصف


(1) قاله في القاموس 1 / 238، وتاج العروس 2 / 193، ولسان العرب 2 / 535. (2) كما في النهاية 5 / 188، ولسان العرب 7 / 465، إلا أنه لم توجد فيهما: الرذل و. (3) صرح به في الصحاح 3 / 1181، وذكره في النهاية 5 / 188 عن الجوهري. (4) جاء في القاموس 2 / 391، والصحاح 3 / 1181 وغيرهما. (5) نص عليه في مجمع البحرين 6 / 357، والصحاح 6 / 2245. (6) ذكره في القاموس 2 / 325، ولسان العرب 7 / 122، وغيرهما. (7) جاء في لسان العرب 7 / 29 - 30، وتاج العروس 4 / 390، ولا حظ: النهاية 2 / 80. (8) اشارة إلى الآية 33 من سورة الاحزاب.

[266]

الرجل بالاغر، وبالخماص لكونهم ضامري البطون بالصوم وقلة الاكل، أو لعفتهم (1) عن أكل أموال الناس بالباطل، أو المراد بهم من آمن من العجم كسلمان رضي الله عنه وغيره، ويقال لاهل فارس: بيض، لغلبة البياض على ألوانهم وأموالهم، إذ الغالب في أموالهم الفضة، كما يقال لاهل الشام: حمر، لحمرة ألوانهم وغلبة الذهب في أموالهم، والاول اظهر. ويمكن اعتبار نوع تخصيص في المخاطبين، فيكون المراد بهم غير الراسخين الكاملين في الايمان، وبالبيض الخماص: الكمل منهم. [وكنتم على شفا حفرة من النار..] (2) شفا كل شئ طرفه (3) وشفيره.. أي كنتم على شفير جهنم مشرفين على دخولها لشرككم وكفركم. مذقة الشارب ونهزة الطامع.. مذقة الشارب: شربته (4)، والنهزة - بالضم - الفرصة (5).. أي محل نهزته.. أي كنتم قليلين أذلاء يتخطفكم الناس بسهولة، وكذا قولها عليها السلام: وقبسة العجلان وموطئ الاقدام.. والقبسة - بالضم - شعلة من نار يقتبس من معظمها (6)، والاضافة إلى العجلان لبيان القلة والحفارة، ووطئ الاقدام مثل مشهور في المغلوبية والمذلة. تشربون الطرق وتفتانون (7) الورق.. الطرق - بالفتح -: ماء السماء


(1) في (ك): ولعفتهم. (2) آل عمران: 103. (3) كما جاء في مجمع البحرين 6 / 247، والنهاية 2 / 489. (4) ذكره في لسان العرب 1 / 340، ومجمع البحرين 5 / 235، وغيرهما. (5) كما أورده في الصحاح 3 / 900، ومجمع البحرين 4 / 39. (6) قاله في تاج العروس 4 / 211، ولسان العرب 6 / 167، وهما قد ذكرا هذا المعنى في لفظة: القبس، لا: القبسة. (7) كذا، والظاهر: تقتاتون. وكذا ما يأتي قريبا.

[267]

الذي تبول فيه الابل وتبعر (1)، والورق - بالتحريك - ورق الشجر (2)، وفي بعض النسخ: وتفتاتون القد، وهو - بكسر القاف وتشديد الدال - سير يقد من جلد غير مدبوغ (3)، والمقصود وصفهم بخبائة المشرب وجشوبة (4) المأكل، لعدم اهتدائهم إلى ما يصلحهم في دنياهم، ولفقرهم وقلة ذات يدهم، وخوفهم من الاعادي. أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم.. الخاسئ: المبعد المطرود (5)، والتخطف: استلاب الشئ (6) وأخذه بسرعة، اقتبس من قوله تعالى: [واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآويكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون] (7). وفي نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن الخطاب في تلك الآية لقريش خاصة، والمراد بالناس سائر العرب أو الاعم. واللتيا.. بفتح اللام وتشديد الياء تصغير التي (8)، وجوز بعضهم فيه ضم اللام (9)، وهما كنايتان عن الداهية الصغيرة والكبيرة (10).


(1) جاء في لسان العرب 10 / 216، والصحاح 4 / 1513. (2) صرح به في مجمع البحرين 5 / 246، ولسان العرب 10 / 374، وغيرهما. (3) كذا في الصحاح 2 / 522، ولسان العرب 3 / 344. (4) طعام جشب ومجشوب.. أي غليظ خشن بين الجشوبة: إذا اسئ طحنه حتى يصير مفلقا، وقيل: هو الذي لا أدم له، قاله في لسان العرب 1 / 265. وقد تقرأ الكلمة في (س): خشونة، وهي غالبا في الملبس دون المأكل. (5) كما جاء في مجمع البحرين 1 / 121، والقاموس 1 / 13 وغيرهما. (6) جاء في القاموس 3 / 135، ومجمع البحرين 5 / 47. (7) الانفال: 26. (8) ذكره في الصحاح 6 / 2479، والقاموس 4 / 384، ومجمع البحرين 1 / 372. (9) كما نص عليه في تاج العروس 10 / 322، والقاموس 4 / 384، وغيرهما. (10) قال في مجمع الامثال 1 / 92، وفرائد اللآلي 1 / 76، معا: هما الداهية الكبيرة والصغيرة، وكنى عن الكبيرة بلفظ التصغير تشبيها بالحية، فإنها إذا كثر سمها صغرت، لان السم يأكل جسدها !.

[268]

وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب.. يقال: مني بكذا - على صيغة المجهول - أي ابتلي (1)، وبهم الرجال - كصرد - الشجعان منهم لانهم لشدة بأسهم لا يدرى من أين يؤتون (2)، وذوبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم (3) الذين لا مال لهم ولا اعتماد عليهم، والمردة: العتاة (4) المتكبرون المجاوزون للحد. أو نجم (5) قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها.. نجم الشئ - كنصر - نجوما: ظهر وطلع (6)، والمراد ب‍: القرن: القوة، وفسر قرن الشيطان ب‍: أمته ومتابعيه (7)، وفغر فاه.. أي فتحه، وفغرفوه.. أي انفتح - يتعدى ولا يتعدى - (8)، والفاغرة من المشركين: الطائفة العادية منهم تشبيها بالحية أو السبع، ويمكن تقدير الموصوف مذكرا على أن يكون التاء للمبالغة. والقذف: الرمي، ويستعمل في الحجارة كما ان الحذف يستعمل في الحصا، يقال هم بين حاذف وقاذف (9). واللهوات - بالتحريك - جمع لهاة، وهي اللحمة في اقصى سقف الفم (10)، وفي بعض الروايات: في مهواتها - بالضم - (11) وهي


(1) كما ورد في لسان العرب 15 / 293، والقاموس 4 / 391، وتاج العروس 10 / 348. (2) جاء في الصحاح 5 / 1875، والقاموس 4 / 82، وغيرهما. (3) لاحظ القاموس 1 / 67، وتاج العروس 1 / 248، ولسان العرب 1 / 377 - 378، والنهاية 2 / 171. (4) انظر: تاج العروس 2 / 499، والقاموس 1 / 337، ولسان العرب 3 / 400. (5) كذا، والظاهر: ونجم. (6) قاله في مجمع البحرين 6 / 173، والصحاح 5 / 2039، وغيرهما. (7) كما في القاموس 4 / 258، وتاج العروس 9 / 306. (8) صرح به في الصحاح 2 / 782، والقاموس 2 / 110. (9) جاء في لسان العرب 9 / 277، والصحاح 4 / 1414، وذكر في الاخير العصا بدلا من: الحصاء والظاهر ما أثبتناه. (10) أورده في النهاية 4 / 284، وقريب منه في مجمع البحرين 1 / 385، والقاموس 4 / 388، وتاج العروس 10 / 335، ولسان العرب 15 / 261 - 262. (11) الظاهر أنها بالفتح، كما في الصحاح ولسان العرب والنهاية.

[269]

بالتسكين: الحفرة (1) وما بين الجبلين ونحو ذلك (2). وعلى أي حال، المراد أنه صلى الله عليه وآله كلما أراده طائفة من المشركين أو عرضت له داهية عظيمة بعث عليا عليه السلام لدفعها وعرضه للمهالك. وفي رواية الكشف وابن ابي طاهر: كلما حشوا نارا للحرب، ونجم قرن للضلال. قال الجوهري (3): حششت النار.. أو قدتها. فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه.. إنكفأ - بالهمزة - أي رجع، من قوله: كفأت القوم كفأ: إذا ارادوا وجها فصرفتهم عنه إلى غيره فانكفؤوا.. أي رجعوا (4). والصماخ - بالكسرة - ثقب الاذن، والاذن نفسها، وبالسين - كما في بعض الروايات - لغة فيه (5). والاخمس: ما لا يصيب الارض من باطن القدم (6) عند المشئ، ووطئ الصماخ بالاخمص عبارة عن القهر والغلبة على أبلغ وجه، وكذا إخماد اللهب بماء السيف استعارة بليغة شائعة. مكدودا في ذات الله.. المكدود: من بلغه التعب (7) والاذى، وذات الله: أمره ودينه، وكلما يتعلق به سبحانه، وفي الكشف: مكدودا دؤوبا (8) في ذات الله. سيد أولياء الله.. - بالجر - صفة الرسول (ص) أو بالنصب عطفا على


(1) كما نص عليه ابن الاثير في النهاية 5 / 285. (2) ذكره في مجمع البحرين 1 / 484، والصحاح 6 / 2538، ولسان العرب 15 / 370. (3) صرح بذلك في الصحاح 3 / 1001، وقارن بما جاء في لسان العرب 6 / 285، وغيره. (4) نص عليه في لسان العرب 1 / 143، والصحاح 1 / 67. (5) قاله في الصحاح 1 / 426، ولسان العرب 3 / 34، وغيرهما. (6) أورده في مجمع البحرين 4 / 170، والقاموس 2 / 302. (7) كما جاء في الصحاح 2 / 530، والنهاية 4 / 155، ولسان العرب 3 / 378. (8) دأب في العمل: إذا جد وتعب، قاله في مجمع البحرين 2 / 54.

[270]

الاحوال السابقة، ويؤيد الاخير ما في رواية ابن ابي طاهر: سيدا في أولياء الله. والتشمير في الامر: الجد والاهتمام فيه (1). والكدح: العمل والسعي (2)، وقال الجوهري (3): الدعة: الخفض..، تقول: منه ودع الرجل.. فهو وديع أي ساكن ووداع أيضا،.. يقال: نال فلان المكارم وادعا من غير كلفة. وقال: الفكاهة - بالضم - المزاح،.. وبالفتح - مصدر - فكه الرجل - بالكسر - فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا، والفكه - أيضا - الاشرو (4) البطر، وقرئ: [ونعمة كانوا فيها فكهين] (5) أي اشرين، وفاكهين.. أي ناعمين، والمفاكهة: الممازحة (6). وفي رواية ابن ابي طاهر: وأنتم في بلهنية وادعون آمنون.. قال الجوهري (7): هو في بلهنية من العيش أي سعة ورفاهية، وهو ملحق بالخماسي بالف في آخره، وإنما صارت ياء لكسرة (8) ما قبلها، وفي الكشف: وأنتم في رفهنية.. وهي مثلها لفظا ومعنى (9). تتربصون بنا الدوائر.. الدوائر: صروف الزمان (10) وحوادث الايام


(1) كذا في مجمع البحرين 3 / 354، والنهاية 2 / 500، إلا أن فيهما: الاجتهاد بدلا من: الاهتمام، وأضاف في الاخير: الهم. (2) ذكره في القاموس 1 / 245، ومجمع البحرين 2 / 406. (3) جاء في الصحاح 3 / 1296، ولسان العرب 8 / 381، وغيرهما. (4) لا توجد الواو في المصدر. (5) الدخان: 27. (6) كما أورده في الصحاح 6 / 2243، ولسان العرب 13 / 523 - 524. (7) الصحاح 6 / 2080، وانظر: لسان العرب 13 / 58، والقاموس 4 / 281. (8) كذا جاء في لسان العرب، إلا أن في المصدر: لكثرة. (9) كما في القاموس: 4 / 228. (10) كذا جاء في مجمع البحرين 3 / 304، واضاف: التي تدور وتحيط بالانسان مرة بخير ومرة بشر، وتكون الدولة لكفار. وقال في لسان العرب 4 / 297: ودارت عليه الدوائر.. أي نزلت به =

[271]

والعواقب المذمومة، وأكثر ما تستعمل الدائرة في تحول النعمة إلى الشدة، أي كنتم تنتظرون نزول البلايا علينا وزوال النعمة والغلبة عنا. تتوكفون الاخبار.. التوكف: التوقع (1)، والمراد أخبار المصائب والفتن، وفي بعض النسخ: تتواكفون الاخيار، يقال: واكفه في الحرب أي واجهه (2). وتنكصون عند النزال.. النكوص: الاحجام والرجوع عن الشئ (3)، والنزال - بالكسر - ان ينزل القرنان عن إبلهما إلى خيلهما فيتضاربا (4)، والمقصود من تلك الفقرات أنهم لم يزالوا منافقين لم يؤمنوا قط. ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الاقلين، وهدر فنيق المبطلين.. الحسيكة: العداوة، قال الجوهري (5): الحسك: حسك السعدان، الواحدة حسكة،.. وقولهم في صدره علي حسيكة وحساكة.. أي ضغن وعداوة. وفي بعض الروايات: حسكة النفاق.. فهو على الاستعارة. وسمل الثوب - كنصر - صار خلقا (6). والجلباب - بالكسر - الملحفة (7)، وقيل: ثوب واسع للمرأة غير الملحفة (8).


= الدواهي، والدائرة: الهزيمة والسوء، يقال: عليهم دائرة السوء، وفي الحديث: فيجعل الدائرة عليهم.. أي الدولة بالغلبة والنصرة، وقوله عزوجل " ويتربص بكم الدوائر " قيل: الموت أو القتل. (1) كما في الصحاح 4 / 1441، ولسان العرب 9 / 364، وغيرهما. (2) كذا جاء في لسان العرب 9 / 364، والقاموس 3 / 206. (3) راجع مجمع البحرين 4 / 189، والصحاح 3 / 1060، وغيرهما. (4) قاله في القاموس 4 / 56، وتاج العروس 8 / 133، ولسان العرب 11 / 657. (5) الصحاح 4 / 1579، وقارن ب‍: مجمع البحرين 5 / 262. (6) جاء في لسان العرب 11 / 345، والصحاح 5 / 1732. (7) كما أورده في النهاية 1 / 283، ومجمع البحرين 2 / 23، والصحاح 1 / 101. (8) كذا قاله في تاج العروس 1 / 186، والقاموس 1 / 47، ولسان العرب 1 / 272.

[272]

وقيل: هو إزار ورداء. وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها (1). والكظوم: السكوت (2). ونبغ الشئ - كمنع ونصر - أي ظهر (3) ونبغ الرجل: إذا لم يكن في إرث الشعر، ثم قال واجاد (4). والخامل: من خفي ذكره وصوته وكان ساقطا لا نباهة له (5). والمراد ب‍: الاقلين: الاذلون، وفي بعض الروايات: الاولين. وفي الكشف: فنطق كاظم ونبغ خامل، وهدر فنيق الكفر، يخطر في عرصاتكم.. والهدر: ترديد البعير صوته في حنجرته (6). والفنيق: الفحل المكرم من الابل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته على أهله (7). فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزها هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين.. يقال: خطر البعير بذنبه يخطر - بالكسر - خطرا وخطرانا إذا رفعه مرة بعد مرة وضرب به فخذيه (8)، ومنه قول الحجاج - لما نصب المنجنيق على الكعبة -.. خطارة كالجمل الفنيق (9)....،


(1) قاله في النهاية 1 / 283. (2) نص عليه في الصحاح 5 / 2022، ولسان العرب 12 / 520. (3) لا توجد: أي ظهر، في (س)، وهي مثبتة في كتب اللغة. (4) صرح بذلك في الصحاح 4 / 1327، ولسان العرب 8 / 453، وانظر: القاموس 3 / 113، بمعنى أنه لم يكن الشاعر وارثا للشعر من آخر، بل قد قال الشعر وأجاد فيه. (5) ذكره في القاموس 3 / 371، وتاج العروس 7 / 310، ولسان العرب 11 / 221. (6) كما أورده في مجمع البحرين 3 / 518، والصحاح 2 / 853، ولسان العرب 5 / 285. (7) كذا جاء في النهاية 3 / 476، ولسان العرب 1 / 313، وغيرهما. (8) قاله الجوهري في الصحاح 2 / 648، وابن منظور في لسان العرب 4 / 250. (9) هذا عجز لبيت قد سقط في (س) وكتب في حاشية (ك)، وكتب عليه (عجز) ولم يكتب بعده =

[273]

شبه رميها بخطران الفنيق (1). ومغرز الرأس (2) - بالكسر -: ما يختفي فيه، وقيل: لعل في الكلام تشبيها للشيطان بالقنفذ، فإنه إنما يطلع رأسه عند زوال الخوف، أو بالرجل الحريص المقدم على أمر فإنه يمد عنقه إليه. والهتاف: الصياح (3). والفاكم.. أي وجدكم (4). والغرة - بالكسر - الاغترار (5) والانخداع (6)، والضمير المجرور راجع إلى الشيطان. وملاحظة الشئ: مراعاته، وأصله من اللحظ وهو النظر بمؤخر العين (7)، وهو إنما يكون عند تعلق القلب بشئ، أي وجدكم الشيطان لشدة قبولكم للانخداع كالذي كان مطمح نظره أن يغتر بأباطيله. ويحتمل أن يكون للعزة - بتقديم المهملة على المعجمة -. وفي الكشف: وللعزة ملاحظين.. أي وجدكم طالبين للعزة. ثم اسنهضكم فوجدكم خفاقا (8)، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير


= (صح)، وصدره هو: اعددتها للمسجد العتيق. (1) جاء في لسان العرب 4 / 250، والنهاية 2 / 46. (2) قال في تاج العروس 4 / 64: غرز الابرة في الشئ وغرزها: أدخلها. اقول: فعليه يحتمل أن يكون مغرز اسم مكان، ويكون المعنى: ان الشيطان حيث كان لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرسا وداخلا في مدخله، لذا فقد اغتنم الفرصة برحلته ووفاته صلى الله عليه وآله فخرج من مدخله وهتف بالناس فوجدهم لدعوته مستجيبين.. (3) كذا أورده في الصحاح 4 / 1442، والقاموس 3 / 206، وغيرهما. (4) ذكره في مجمع البحرين 1 / 377، والقاموس 4 / 386. (5) كما ورد في مجمع البحرين 3 / 422، والنهاية 3 / 355. (6) جاء في تاج العروس 3 / 443 - 445، ولسان العرب 5 / 12. (7) قاله في القاموس 2 / 398، والصحاح 3 / 1178، ومجمع البحرين 4 / 290. (8) كذا، والظاهر: خفافا، كما سيأتي.

[274]

إبلكم، وأوردتم غير شربكم.. النهوض: القيام، واستنهضه لامر.. أي أمره بالقيام إليه (1). فوجدكم خفافا.. أي مسرعين إليه. واحمشت الرجل: اغضبته، واحمشت النار الهبتها (2)، أي حملكم الشيطان على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه أو من عند أنفسكم، وفي المناقب القديم: عطافا - بالعين المهملة والفاء - من العطف بمعنى الميل والشفقة (3)، ولعله أظهر لفظا ومعنى. والوسم: اثر الكي، يقال وسمته - كوعدته - وسما (4). والورود: حضور الماء للشرب، والايراد: الاحضار (5). والشرب - بالكسر -: الحظ من الماء (6)، وهما كنايتان عن أخذ ما ليس لهم بحق من الخلافة والامامة وميراث النبوة. وفي كشف: وأوردتموها شربا ليس لكم. هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر.. الكلم: الجرح (7). والرحب - بالضم - السعة (8). والجرح - بالضم - الاسم، وبالفتح: المصدر (9)، ولما يندمل.. أي لم يصلح (10) بعد.


(1) أورده في الصحاح 3 / 1111، ومجمع البحرين 4 / 233، والقاموس 2 / 347 - 348. (2) كما جاء في النهاية 1 / 441، ولسان العرب 6 / 288، وغيرهما. (3) قاله في الصحاح 4 / 1405، والقاموس 3 / 176. (4) نص عليه في مجمع البحرين 6 / 183، والصحاح 5 / 2051. (5) كذا أورده في الصحاح 2 / 549، ولسان العرب 3 / 457، وغيرهما. (6) جاء في مجمع البحرين 2 / 87، والصحاح 1 / 153. (7) صرح به في الصحاح 5 / 2023، ومجمع البحرين 6 / 157. (8) أورده في مجمع البحرين 2 / 68، والصحاح 1 / 134. (9) ذكره في لسان العرب 2 / 422، والصحاح 1 / 358. (10) قاله في القاموس 3 / 377، ومجمع البحرين 5 / 372، وغيرهما.

[275]

وقبرته: دفنته (1). ابتدارا زعمتم خوف الفتنة [الا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين] (2).. ابتدارا مفعول له للافعال السابقة، ويحتمل المصدر بتقدير الفعل، وفي بعض الروايات: بدارا زعمتم خوف الفتنة.. أي ادعيتم واظهرتم للناس كذبا (3) وخديعة انا انما اجتمعنا في السقيفة دفعا للفتنة مع أن الغرض كان غصب الخلافة عن أهلها، وهو عين الفتنة. والالتفات في - سقطوا - لموافقة (4) الآية الكريمة. فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم..: هيهات للتبعيد (5) وفيه معنى التعجب كما صرح به الشيخ الرضي (6)، وكذلك كيف (7) وأنى تستعملان في التعجب (8). وافكه - كضربه -: صرفه عن الشئ وقلبه (9)، أي إلى اين يصرفكم الشيطان وأنفسكم والحال إن كتاب الله بينكم، وفلان بين اظهر قوم وبين ظهرانيهم.. أي مقيم بينهم محفوف من جانبيه أو من جوانبه بهم (10). والزاهر: المتلا لئ المشرق (11).


(1) كذا ورد في مجمع البحرين 3 / 446، والقاموس 2 / 113. (2) التوبة: 49. (3) قاله في المصباح المنير 1 / 307، وتاج العروس 8 / 324، وغيرهما. (4) في (س): الموافقة، وما أثبتناه هو الظاهر. (5) كما جاء في مجمع البحرين 6 / 368، والنهاية 5 / 290، ولسان العرب 13 / 553، والصحاح 6 / 2258. (6) في شرحه على الكافية 2 / 64. (7) وانظر: لسان العرب 9 / 312، والمصباح المنير 2 / 237، ومجمع البحرين 5 / 118. (8) وقد تستعمل انى فيه وفي الاستفهام معا، كما في قوله تعالى: [قال يا مريم أنى لك هذا..]. (9) صرح بذلك في القاموس 3 / 292، ولسان العرب 14 / 391، ومجمع البحرين 5 / 256. (10) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 392، ولسان العرب 4 / 523. (11) جاء في تاج العروس 3 / 249، وقال في مجمع البحرين 3 / 321: وزهر السراج والقمر والوجه - =

[276]

وفي الكشف: بين أظهركم قائمة فرائضه، واضحة دلائله، نيرة شرائعه، زواجره واضحة، وأوامره لائحة. أرغبة عنه، بئس للظالمين بدلا.. أي من الكتاب ما اختاروه من الحكم الباطل. ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي.. ريث - بالفتح - بمعنى قدر (1) وهي كلمة يستعملها اهل الحجاز كثيرا، وقد يستعمل مع ما يقال: لم يلبث إلا ريثما فعل كذا (2)، وفي الكشف هكذا: ثم لم تبرحوا ريثا، وقال بعضهم: هذا ولم تريثوا (3) إلا ريث. وفي رواية ابن ابي طاهر: ثم لم تريثوا (4).. اختها، وعلى التقديرين ضمير المؤنث راجع إلى فتنة وفاة الرسول صلى الله عليه وآله. وحت الورق من الغصن (5): نثرها.. أي لم تصبروا إلى ذهاب أثر تلك المصيبة. ونفرت (6) الدابة - بالفتح -: ذهابها (7) وعدم انقيادها.


= كمنع - زهورا: تلالا، ونحوه في القاموس 2 / 43، ولسان العرب 4 / 332. (1) لا توجد في (س): قدر. (2) كما أورده في النهاية 2 / 287، ولسان العرب 2 / 157 - 158، وغيرهما. (3) هنا كلمة في مطبوع البحار لا تقرأ، ولعلها: حتها. (4) أي لم يبطئوا، ولعل مراده أن كلمة: تريثوا اخت لم تبرحوا ريثا، في المعنى. (5) قال في مجمع البحرين 2 / 197: من باب قتل: ازاله، وفي القاموس 1 / 145: حته.. أي فركه وقشره. وفي لسان العرب 2 / 22: والحت والانحتات والتحات والتحتحت: سقوط الورق عن الغصن وغيره، وتحاتت الشئ.. أي تناثر. (6) الظاهر أنه: نفور، أو: نفار. (7) قال في مجمع البحرين 3 / 500: نفرت الدابة تنفر نفورا ونفارا: جزعت وتباعدت، ونحوه في القاموس 2 / 146، وفي لسان العرب 5 / 224: نفر الظبي وغيره: شرد.

[277]

والسلس - بكسر اللام -: السهل اللين المنقاد، ذكره الفيروز آبادي (1). وفي مصباح اللغة (2): سلس سلسا من باب تعب: سهل ولان. والقياد - بالكسر -: ما يقاد به الدابة من حبل (3) وغيره. وفي الصحاح (4): ورى الزند يري وريا: إذا خرجت ناره، وفيه لغة اخرى: وري الزند يري - بالكسر - فيهما واوريته انا وكذلك وريته تورية وفلان يستوري زناد الضلالة. ووقدة النار - بالفتح - وقودها (5)، ووقدها: لهبها (6)، الجمرة: المتوقد من الحطب (7)، فإذا برد فهو فحم، والجمر - بدون التاء - جمعها [كذا]. والهتاف - بالكسر - الصياح، وهتف به.. أي دعاه (8)، واهماد النار اطفاؤها (9) بالكلية. والحاصل، انكم انما صبرتم حتى استقرت الخلافة المغصوبة عليكم، ثم شرعتم في تهييج الشرور والفتن واتباع الشيطان، وإبداع البدع، وتغيير السنن. تسرون حسوا في ارتغاء، وتمشون لاهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر


(1) القاموس 2 / 222. (2) المصباح المنير 1 / 244. (3) كما جاء في القاموس 1 / 331، والصحاح 2 / 529، وغيرهما. (4) الصحاح 6 / 2522، ولاحظ: لسان العرب 15 / 388. (5) قال في الصحاح 2 / 553: الوقدة: اشد من الحر، ونحوه في القاموس 1 / 346 بحذف كلمة من، وزاد عليه في تاج العروس 2 / 539: ومن المجاز: طبختهم وقدة الصيف. (6) قال في الصحاح 2 / 553: وقدت النار.. ووقدا وقدة ووقدا ووقدانا: أي توقدت.. والاتقاد مثل التوقد. وقال في القاموس 1 / 346: الوقد - محركة -: النار، واتقادها كالوقد. (7) قال في مجمع البحرين 3 / 249: جمرة النار: القطعة الملتهبة، والجمع جمر. وقال في القاموس 1 / 393: الجمرة: النار المتقدة، والجمع: جمر. (8) كما أورده في النهاية 5 / 243، ونحوه في لسان العرب 9 / 344، إلا أنه ضبط: الهتاف بضم الهاء. (9) إلى هنا جاء في مجمع البحرين 3 / 168، وانظر: الصحاح 2 / 556 وغيره.

[278]

منكم على مثل حظ المدى، ووخز السنان في الحشا.. الاسرار ضد الاعلان (1). والحسو - بفتح الحاء وسكون السين المهملتين -: شرب المرق وغيره شيئا بعد شئ (2). والارتغاء: شرب الرغوة، وهو زبد اللبن، قال الجوهري (3): الرغوة - مثلثة -... زبد اللبن.. وارتغيت شربت الرغوة. وفي المثل - يسر حسوا في ارتغاء - يضرب لمن يظهر امرا ويريد غيره، قال الشعبي - لمن سأله عن رجل قبل أم امرأته - قال (4): يسرحسوا في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته. وقال الميداني: قال أبو زيد والاصمعي: اصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة ولا يريد غيرها فيشربها وهو في ذلك ينال من اللبن، يضرب لمن يريك أنه يعينك وإنما يجر النفع إلى نفسه (5). والخمر - بالتحريك -: ما واراك من شجر وغيره، يقال توارى الصيد عني في خمر الوادي، ومنه قولهم دخل فلان في خمار الناس - بالضم - أي ما يواريه ويستره منهم (6). والضراء - بالضاد المعجمة المفتوحة والراء المخففة -: الشجر الملتف في الوادي، ويقال لمن ختل صاحبه وخادعه: يدب له الضراء ويمشي له الخمر (7)، وقال الميداني: قال ابن الاعرابي: الضراء ما انخفض من الارض (8).


(1) قاله في مجمع البحرين 3 / 329، والمصباح المنير 1 / 330، والصحاح 2 / 683. (2) كذا جاء في القاموس 4 / 317، وتاج العروس 1 / 88، ولا حظ: لسان العرب 14 / 176. (3) الصحاح 6 / 2360. (4) لا توجد قال في المصدر. (5) مجمع الامثال 2 / 417، ولا حظ: فرائد اللآل 2 / 366، والمستقصى في أمثال العرب 2 / 412. (6) كذا أورده في الصحاح 2 / 650، ولسان العرب 4 / 256، وغيرهما. (7) قاله في مجمع الامثال 2 / 417، وفرائد اللآل 2 / 366، والصحاح 6 / 2409. (8) مجمع الامثال 2 / 417، ومثله في فرائد اللآل 2 / 366.

[279]

والحز - بفتح الحاء المهملة -: القطع، أو قطع الشئ من غير ابانة (1). والمدى - بالضم -: جمع مدية وهي السكين والشفرة (2) والوخز: الطعن بالرمح ونحوه لا يكون نافذا، يقال وخزه بالخنجر (3). وفي رواية ابن ابي طاهر: ويها معشر المهاجرة ! ابتز ارث أبيه ؟.. قال الجوهري (4): إذا اغريته بالشئ قلت ويها يا فلان وهو تحريض، انتهى (5). ولعل الانسب هنا التعجب. والهاء في (أبيه) في الموضعين. وإرثيه - بكسر الهمزة - بمعنى الميراث (6) للسكت، كما في سورة الحاقة: " كتابيه " و " حسابيه " و " ماليه " و " سلطانيه " (7)، تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقرئ بإثباتها في الوصل أيضا. وفي الكشف: ثم أنتم أولا تزعمون أن لا إرث ليه (8)... فهو أيضا كذلك. كالشمس الضاحية.. أي الظاهرة البينة، يقال: فعلت ذلك الامر ضاحية.. أي علانية (9).


(1) ذكره في النهاية 1 / 377، ولسان العرب 5 / 334، وغيرهما. (2) صرح به في مجمع البحرين 1 / 387، والنهاية 4 / 310. (3) كما جاء في الصحاح 3 / 901، ولسان العرب 5 / 428، وغيرهما. (4) الصحاح 6 / 2257، وفيه: إذا اغريت انسانا بشئ قلت:... (5) قال في الصحاح 6 / 2257: وبه: كلمة تقال في الاستحثاث، وأنشد ابن السكيت: وهو إذا قيل له ويها كل * فإنه مواشك مستعجل وهو إذا قيل له ويها فل * فإنه احر به أن ينكل وقال في القاموس 4 / 296: ويه - وتكسر الهاء، وويها: اغراء، ويكون للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. وفي لسان العرب 13 / 563 عين ما ذكره الماتن هنا. (6) كذا في مجمع البحرين 2 / 233، والصحاح 1 / 272. (7) الحاقة: 19، 20، 28، 29. (8) في (ك): إليه، وما في المتن اوفق سياقا لقوله: فهو أيضا كذلك. إلا أن تقرأ: إليه. (9) قاله في الصحاح 10 / 217، وتاج العروس 9 / 2407، وغيرهما.

[280]

شيئا فريا.. أي امرا عظيما (1) بديعا، وقيل: أي امرا منكرا قبيحا، وهو مأخوذ من الافتراء بمعنى الكذب (2). واعلم: أنه قد وردت الروايات المتضافرة - كما ستعرف - في أنها عليها السلام ادعت أن فدكا كانت نحلة لها من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلعل عدم تعرضها صلوات الله عليها في هذه الخطبة لتلك الدعوى ليأسها عن قبولهم إياها، إذ كانت الخطبة بعد ما رد أبو بكر شهادة أمير المؤمنين عليه السلام ومن شهد معه، وقد كانت (3) المنافقون الحاضرون معتقدين لصدقه، فتمسكت بحديث الميراث لكونه من ضروريات الدين. وزعمتم أن لا حظوة لي.. الحظوة - بكسر الحاء وضمها وسكون الضاء المعجمة -: المكانة والمنزلة (4)، ويقال: حظيت المرأة عند زوجها إذا دنت من قلبه (5). وفي الكشف: فزعمتم أن لا حظ لي ولا إرث لي من ابيه، أفحكم الله بآية أخر أبي منها ؟ ! أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان ؟ ! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي ؟ ! [افحكم الجاهلية..] (6) الآية. ايها معاشر المسلمة، أأبتز إرثيه ؟ الله ان ترث أباك ولا أرث ابيه [لقد جئت شيئا فريا] (7). فدونكها مخطومة مرحولة.. الضمير راجع إلى فدك المدلول عليها بالمقام،


(1) إلى هنا ما ذكره في مجمع البحرين 1 / 329، والصحاح 6 / 2454، والقاموس 4 / 374، وتاج العروس 10 / 279، ولسان العرب 15 / 154. (2) من قوله: أمرا عظيما، إلى قوله: الكذب، جاء بنصه في مجمع البيان 6 / 512. (3) كذا. (4) كما في القاموس 4 / 318، ونص عليه في لسان العرب 14 / 185، ومجمع البحرين 1 / 103. (5) ذكره في مجمع البحرين 1 / 130، والنهاية 1 / 405، وغيرهما. (6) المائدة: 50. (7) مريم: 27.

[281]

والامر بأخذها للتهديد. والخطام - بالكسر - كل ما يوضع (1) في أنف البعير ليقاد به (2). والرحل - بالفتح - للناقة كالسرج للفرس، ورحل البعير - كمنع - شد على ظهره الرحل (3). شبهتها عليها السلام في كونها مسلمة لا يعارضه في أخذها أحد بالناقة المنقادة المهيأة للركوب. والزعيم محمد (4) - في بعض الروايات - والغريم.. أي طالب الحق (5). وعند الساعة ما تخسرون (6).. كلمة (ما) مصدرية.. أي في القيامة يظهر خسرانكم. و: [لكل نبأ مستقر..] (7)، أي لكل خبر (8)، يريد نبأ (9) العذاب أو الايعاد به - وقت استقرار ووقوع. وسوف تعلمون - عند وقوعه - من يأتيه عذاب يخزيه.. الاقتباس من موضعين: احدهما: سورة الانعام، والآخر: في سورة هود في قصة نوح عليه السلام حيث قال: [إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم] (10)، فالعذاب الذي يخزيهم الغرق،


(1) في (س): يؤخذ بدلا من: يوضع. (2) كما في القاموس 4 / 108، وتاج العروس 8 / 282، ولسان العرب 12 / 187. (3) ذكره في مجمع البحرين 5 / 381، ولا حظ: الصحاح 4 / 1707، وتاج العروس 7 / 240. (4) كذا، ولعل هنا واو ساقطة قبل جملة في بعض الروايات. (5) قال في القاموس 4 / 156: الغريم: الداين والمديون، ضد. ونحوه في مجمع البحرين 6 / 126. (6) جاء في الغدير 7 / 192: وعند الساعة يخسر المبطلون. (7) الانعام: 67. (8) كما في القاموس: 1 / 29، والنهاية 3 / 5. (9) قد تقرأ الكلمة: بناء. (10) هود: 38، 39.

[282]

والعذاب المقيم عذاب النار. ثم رمت بطرفها.. الطرف - بالفتح - مصدر طرفت عين فلان: إذا نظرت (1) وهو ان ينظر ثم يغمض، والطرف - أيضا - العين (2). والمعشر: الجماعة (3). والفتية - بالكسر -: جمع فتى وهو الشاب والكريم السخي (4). وفي المناقب: يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحصنة الاسلام.. وفي الكشف: يا معشر البقية، ويا عماد الملة، وحصنة الاسلام.. والاعضاد: جمع عضد - بالفتح - الاعوان، يقال: عضدته كنصرته لفظا ومعنى (5). ما هذه الغميزة في حقي والسنة عن ظلامتي.. قال الجوهري (6): ليس في فلان غميزة أي مطعن، ونحوه ذكر الفيروز آبادي (7)، وهو لا يناسب المقام إلا بتكلف. وقال الجوهري (8): رجل غمز أي ضعيف. وقال الخليل في كتاب العين (9): الغميزة - بفتح الغين المعجمة والزاي - ضعفة في العمل وجهلة في العقل ويقال (10): سمعت كلمة فاغتمزتها في عقله أي علمت أنه احمق. وهذا المعنى أنسب.


(1) كما في المصباح المنبر 2 / 20، وتاج العروس 6 / 180، وغيرهما. (2) ذكره في مجمع البحرين 5 / 89، والقاموس 3 / 166، وتاج العروس 6 / 176. (3) قاله في القاموس 2 / 90، ومجمع البحرين 3 / 404. (4) جاء في الصحاح 6 / 2451 - 2452، وتاج العروس 10 / 275، ومجمع البحرين 1 / 325. (5) صرح به في القاموس 1 / 314، ومجمع البحرين 3 / 102، وتاج العروس 2 / 424. (6) الصحاح 3 / 889. (7) القاموس 2 / 185. (8) الصحاح 3 / 889. (9) كتاب العين: 4 / 384. (10) في المصدر: وتقول.

[283]

وفي الكشف: ما هذه الفترة - بالفاء المفتوحة وسكون التاء - وهو السكون (1)، وهو أيضا مناسب. وفي رواية ابن ابي طاهر بالراء المهملة، ولعله من قولهم غمر على اخيه.. أي حقد وضغن، أو من قولهم: غمر عليه.. أي أغمي عليه، أو من الغمر بمعنى الستر (2)، ولعله كان بالضاد المعجمة فصحف، فان استعمال إغماض العين - في مثل هذا المقام - شايع. والسنة - بالكسر - مصدر وسن يوسن - كعلم يعلم - وسنا وسنة، والسنة: أول النوم أو النوم الخفيف، والهاء عوض عن الواو (3). والظلامة - بالضم - كالمظلمة - بالكسر - ما اخذه الظالم منك فتطلبه عنده (4)، والغرض تهييج الانصار لنصرتها أو توبيخهم على عدمها. وفي الكشف - بعد ذلك -: أما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يحفظ.. ؟ !. سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة.. سرعان - مثلثة السين - وعجلان - بفتح العين - كلاهما من اسماء الافعال بمعنى سرع وعجل، وفيهما معنى التعجب أي ما اسرع واعجل (5). وفي رواية ابن ابي طاهر: سرعان ما أجدبتم فأكديتم، يقال: اجدب القوم


(1) قاله في النهاية 3 / 384، ولسان العرب 5 / 30 - 31. (2) ذكره في مجمع البحرين 3 / 433، والقاموس 2 / 107. (3) قاله في لسان العرب 13 / 449، ولا حظ: تاج العروس 9 / 361. (4) ذكره في مجمع البحرين 6 / 110، والصحاح 5 / 1977. (5) جاء في القاموس 3 / 37، ولم يذكر عجلان فيه وفي كتاب اللغة أنها اسم فعل. قال في الصحاح 4 / 1760: وعجلان: بين العجلة، وعجلان: اسم رجل، وام عجلان: طائر، وذكر في القاموس 4 / 12 أن لها معنيين: الاول: بمعنى العاجل، والثاني: الشعبان لسرعة مضيه ونفاده. وانظر أيضا: مجمع البحرين 4 / 345، والصحاح 3 / 1228.

[284]

أي اصابهم الجدب (1)، واكدى الرجل إذا قل خيره (2) والاهالة - بكسر الهمزة - الودك (3) وهو دسم اللحم (4)، وقال الفيروز آبادي (5): قولهم (6) سرعان ذا إهالة اصله (7) أن رجلا كانت له نعجة عجفاء وكانت (8) رعامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل (9) ؟ فقال: ودكها، فقال السائل: سرعان ذا إهالة (10)، ونصب إهالة على الحال، وذا اشارة إلى الرعام (11)، أو تمميز على تقدير نقل الفعل، كقولهم تصبب زيد عرقا، والتقدير سرعان اهالة هذه، وهو مثل (12) يضرب لمن يخبر بكينونة الشئ قبل وقته، انتهى. والرعام - بالضم -: ما يسيل من انف الشاة والخيل (13)، ولعل المثل كان بلفظ عجلان فاشتبه على الفيروز آبادي أو غيره، أو كان كل منهما مستعملا في هذا المثل، وغرضها صلوات الله عليها التعجب من تعجيل الانصار ومبادرتهم إلى إحداث البدع وترك السنن والاحكام، والتخاذل عن نصرة عترة سيد الانام مع قرب عهدهم به، وعدم نسيانهم ما أوصاهم به فيهم، وقدرتهم على نصرتها وأخذ حقها ممن ظلمها، ولا يبعد أن يكون المثل إخبارا مجملا بما يترتب على هذه البدعة


(1) كما في مجمع البحرين 2 / 22، والقاموس 1 / 44، وغيرهما. (2) كذا في الصحاح 6 / 2472، ومجمع البحرين 1 / 357. (3) صرح به في المصباح المنير 1 / 37، والصحاح 4 / 1629. (4) كما في الصحاح 4 / 1613، والمصباح المنير 2 / 372، وغيرهما. (5) القاموس 3 / 37. (6) في المصدر: اما سرعان، بدل: قولهم. (7) في المصدر: فأصله. (8) لا توجد: كانت في المصدر، وذكر رغامها - بالمعجمة -. (9) لا يوجد في المصدر: الذي يسيل. (10) في المصدر: ذلك بدلا من: سرعان ذا اهالة. (11) في القاموس: أي سرع هذا الرغام حال كونه اهالة، بدلا من: وذا اشارة إلى الرعام. (12) لا يوجد في المصدر: وهو مثل. (13) كذا في لسان العرب 12 / 245، والقاموس 4 / 121، وغيرهما.

[285]

من المفاسد الدينية وذهاب الآثار النبوية. فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، واظلمت الارض لغيبته، وكسفت النجوم لمصيبته..: الخطب - بالفتح -: الشأن والامر عظم أو صغر (1). والوهي - كالرمي -: الشق والخرق (2)، يقال: وهي الثوب إذا بلي وتخرق (3). واستوسع واستنهر - استفعل - من النهر - بالتحريك - بمعنى السعة (4) أي اتسع (5). والفتق: الشق (6) والرتق ضده (7)، وانفتق.. أي انشق، والضمائر المجرورات الثلاثة راجعة إلى الخطب بخلاف المجرورين بعدها فانهما راجعان إلى النبي صلى الله عليه وآله. وكسف النجوم: ذهاب نورها (8)، والفعل منه يكون متعديا ولازما، والفعل كضرب. وفي رواية ابن ابي طاهر مكان الفقرة الاخيرة: واكتأبت خيرة الله لمصيبته.. والاكتئاب - افتعال - من الكآبة بمعنى الحزن (9). وفي الكشف: واستنهر فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الارض واكتابت لخيرة الله.. إلى قولها:


(1) كذا في القاموس المحيط 1 / 62، وتاج العروس 1 / 237، ولسان العرب 1 / 360. (2) ذكره في لسان العرب 15 / 417، والقاموس 4 / 402، إلا أن فيهما: التخرق، بدلا من: الخرق. (3) قاله في النهاية 5 / 234. (4) كما في القاموس 2 / 150، ولسان العرب 5 / 237. (5) صرح به في لسان العرب 5 / 238، و 8 / 393، والصحاح 2 / 840، و 3 / 1298. (6) ذكره في مجمع البحرين 5 / 223، والصحاح 4 / 1539. (7) جاء به في الصحاح 4 / 1480، ومجمع البحرين 5 / 166، وغيرهما. (8) نص عليه في لسان العرب 9 / 298، ومجمع البحرين 5 / 111. (9) جاء في مجمع البحرين 2 / 150، والقاموس 1 / 120، وغيرهما.

[286]

واديلت الحرمة - من الادالة بمعنى الغلبة (1) - وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، واضيع الحريم، وازيلت الحرمة عند مماته..: يقال: اكدى فلان أي بخل أو قل خيرة (2)، وحريم الرجل ما يحميه ويقاتل عنه، والحرمة ما لا يحل انتهاكه (3)، وفي بعض النسخ: الرحمة مكان الحرمة. فتلك - والله - النازلة الكبرى والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم وفي ممساكم ومصبحكم هتافا وصراخا وتلاوة وألحانا..: النازلة: الشديدة (4). والبائقة: الداهية (5). وفناء الدار - ككساء -: العرصة المتسعة امامها (6). والممسي والمصبح - بضم الميم فيهما - مصدران وموضعان من الاصباح والامساء. والهتاف - بالكسر -: الصياح (7). والصراخ كغراب: الصوت أو الشديد منه (8). والتلاوة - بالكسر - القراءة (9). والالحان: الافهام، يقال: الحنه القول.. أي افهمه إياه (10)، ويحتمل أن


(1) ذكره في مجمع البحرين 5 / 374. (2) كذا في لسان العرب 15 / 216، والقاموس 4 / 382، وتاج العروس 10 / 210. (3) جاء في مجمع البحرين 6 / 38، والنهاية 1 / 373، والصحاح 5 / 1895. (4) قاله في مجمع البحرين 5 / 483. (5) كذا في مجمع البحرين 5 / 142. (6) ذكره في النهاية 3 / 477، والقاموس 4 / 375. (7) نص عليه في القاموس 3 / 206، والصحاح 4 / 1442، إلا أن الاول ضبطه بالضم، وهو الظاهر من الثاني. (8) جاء في القاموس 1 / 263، وتاج العروس 2 / 266. (9) ذكره في لسان العرب 14 / 104، والقاموس 4 / 306، وغيرهما. (10) قاله في الصحاح 6 / 2194، ولسان العرب 13 / 379، والقاموس 4 / 266.

[287]

يكون من اللحن بمعنى الغناء والطرب، قال الجوهري (1): اللحن واحد الالحان واللحون، ومنه الحديث: (إقرؤا القرآن بلحون العرب). وقد لحن في قراءته إذا طرب بها وغرد، وهو الحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء، انتهى. ويمكن أن يقرأ على هذا بصيغة الجمع أيضا، والاول أظهر. وفي الكشف: فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في قبلتكم، ممساكم ومصبحكم، هتافا هتافا، ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله.. حكم فصل وقضاء حتم [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين] (2)... الحكم الفصل: هو المقطوع به الذي لا ريب فيه ولا مرد له، وقد يكون بمعنى القاطع الفارق بين الحق والباطن (3). والحتم - في الاصل -: إحكام الامور (4). والقضاء الحتم: هو الذي لا يتطرق إليه التغيير. وخلت.. أي مضت (5). والانقلاب على العقب: الرجوع القهقرى، اريد به الارتداد بعد الايمان، والشاكرون المطيعون المعترفون بالنعم الحامدون عليها (6). قال بعض الاماثل: واعلم أن الشبهة العارضة للمخاطبين بموت النبي صلى الله عليه وآله اما عدم تحتم العمل بأوامره وحفظ حرمته في أهله لغيبته، فإن العقول الضعيفة مجبولة على رعاية الحاضر أكثر من الغائب، وانه إذا غاب عن أبصارهم ذهب كلامه عن أسماعهم، ووصاياه عن قلوبهم، فدفعها ما أشارت


(1) الصحاح 2 / 2193، وانظر: لسان العرب 13 / 379. (2) آل عمران: 144. (3) نص عليه في لسان العرب 11 / 521، ومجمع البحرين 5 / 440. (4) كذا في مجمع البحرين 6 / 32، والصحاح 5 / 1892. (5) كما ورد في الصحاح 6 / 2330، ومجمع البحرين 1 / 129، وغيرهما. (6) ذكره في مجمع البيان 2 / 514، وغيره من التفاسير.

[288]

إليه صلوات الله عليها من إعلان الله جل ثناؤه وإخباره بوقوع تلك الواقعة الهايلة قبل وقوعها، وإن الموت مما قد نزل بالماضين من أنبياء الله ورسله عليهم السلام تثبيتا للامة على الايمان، وإزالة لتلك الخصلة الذميمة عن نفوسهم. ويمكن أن يكون معنى الكلام أتقولون مات محمد صلى الله عليه وآله وبعد موته ليس لنا زاجر ولا مانع عما نريد، ولا نخاف أحدا في ترك الانقياد للاوامر وعدم الانزجار عن النواهي، ويكون الجواب ما يستفاد من حكاية قوله سبحانه: [أفإن مات أو قتل..] (1) الآية، لكن لا يكون حينئذ لحديث إعلان الله سبحانه وإخباره بموت الرسول مدخل في الجواب إلا بتكلف. ويحتمل أن يكون شبهتهم عدم تجويزهم الموت على النبي صلى الله عليه وآله كما أفصح عنه عمر بن الخطاب - وسيأتي في مطاعنه - فبعد تحقق موته عرض لهم شك في الايمان ووهن في الاعمال، فلذلك خذلوها وقعدوا عن نصرتها، وحينئذ مدخلية حديث الاعلان وما بعده في الجواب واضح. وعلى التقادير لا يكون قولها صلوات الله عليها: فخطب جليل.. داخلا في الجواب، ولا مقولا لقول المخاطبين على الاستفهام التوبيخي، بل هو كلام مستأنف لبث الحزن والشكوى، بل يكون الجواب بما بعد قولها: فتلك والله النازلة الكبرى.. ويحتمل أن يكون مقولا لقولهم، فيكون حاصل شبهتهم أن موته صلى الله عليه وآله الذي هو أعظم الدواهي قد وقع، فلا يبالى بما وقع بعده من المحظورات، فلذلك لم ينهضوا بنصرها والانصاف ممن ظلمها، ولما تضمن ما زعموه كون مماته (ص) أعظم المصائب سلمت عليها السلام أولا في مقام جواب (2) تلك المقدمة، لكونها محض الحق، ثم نبهت على خطئهم في أنها مستلزمة لقلة المبالاة بما وقع، والقعود عن نصرة الحق، وعدم اتباع أوامره صلى


(1) آل عمران: 144. (2) لا توجد في (ك) كلمة: جواب.

[289]

الله عليه وآله بقولها: أعلن بها كتاب الله.. إلى آخر الكلام، فيكون حاصل الجواب أن الله قد أعلمكم بها قبل الوقوع، وأخبركم بأنها سنة ماضية في السلف من أنبيائه، وحذركم الانقلاب على أعقابكم كي لا تتركوا العمل بلوازم الايمان بعد وقوعها، ولا تهنوا عن نصرة الحق وقمع الباطل، وفي تسليمها ما سلمته اولا دلالة على أن كونها أعظم المصائب مما يؤيد وجوب نصرتي، فإني أنا المصاب بها حقيقة، وإن شاركني فيها غيري، فمن نزلت به تلك النازلة الكبرى فهو بالرعاية أحق وأحرى. ويحتمل أن يكون قولها عليها السلام: فخطب جليل.. من أجزاء الجواب، فتكون شبهتهم بعض الوجوه المذكورة، أو المركب من بعضها مع بعض، وحاصل الجواب حينئذ أنه إذا نزل بي مثل تلك النازلة الكبرى - وقد كان الله عزوجل أخبركم بها وأمركم أن لا ترتدوا بعدها على أعقابكم - فكان الواجب عليكم دفع الضيم عني والقيام بنصرتي، ولعل الانسب بهذا الوجه ما في رواية ابن ابي طاهر من قولها: وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله.. بالواو دون الفاء، ويحتمل أن لا تكون الشبهة العارضة للمخاطبين مقصورة على أحد الوجوه المذكورة، بل تكون الشبهة لبعضهم بعضها وللآخر (1) اخرى، ويكون كل مقدمة من مقدمات الجواب إشارة إلى دفع واحدة منها. اقول: ويحتمل أن لا تكون هناك شبهة حقيقة، بل يكون الغرض أنه ليس لهم في ارتكاب تلك الامور الشنيعة حجة ومتمسك، إلا أن يتمسك أحد بأمثال تلك الامور الباطلة الواهية التي لا يخفى على أحد بطلانها، وهذا شائع في الاحتجاج. أيها بني قيلة ! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومبتدأ ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة.. أيها - بفتح الهمزة والتنوين - بمعنى


(1) في (س): للاخرى.

[290]

هيهات (1). وبنو قيلة: الاوس والخزرج - قبيلتا الانصار، - وقيلة - بالفتح - اسم ام لهم قديمة: وهي قيلة بنت كاهل (2). والهضم: الكسر، يقال: هضمت الشئ.. أي كسرته، وهضمه حقه واهتضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه (3). والتراث - بالضم - الميراث، واصل التاء فيه واو (4). وأنتم بمرأى مني ومسمع.. أي بحيث اراكم واسمعكم (5) كلامكم [كذا]. وفي رواية ابن ابي طاهر: منه - أي من الرسول صلى الله عليه وآله -، والمبتدأ في أكثر النسخ بالباء الموحدة مهموزا، فلعل المعنى أنكم في مكان يبتدأ منه الامور والاحكام، والاظهر أنه تصحيف المنتدى - بالنون غير مهموزة - بمعنى المجلس (6)، وكذا في المناقب القديم، فيكون المجمع كالتفسير له، والغرض الاحتجاج عليهم بالاجتماع (7) الذي هو من أسباب القدرة على دفع الظلم، واللفظان غير موجودين في (8) رواية ابن ابي طاهر. وتلبسكم - على بناء المجرد - أي تغطيكم وتحيط بكم. والدعوة: المرة من الدعاء أي النداء (9) كالخبرة - بالفتح - من الخبر - بالضم -


(1) كما في مجمع البحرين 6 / 342، والصحاح 6 / 2226، وغيرهما. (2) جاء في النهاية 4 / 134، ولسان العرب 11 / 580. (3) كما جاء في الصحاح 5 / 2056، وقريب منه في مجمع البحرين 6 / 186 - 187. (4) كذا في لسان العرب 2 / 201، وتاج العروس 1 / 653، وغيرهما. (5) انظر: مجمع البحرين 1 / 172، والقاموس 4 / 331، والصحاح 6 / 2349. (6) كذا ورد في الصحاح 6 / 2505، ولسان العرب 15 / 317. (7) في (ك): الاحتمال بدلا من الاجتماع. (8) في (س): وفي رواية، ولا معنى للواو هنا لتعلق الكلام بما قبله. (9) النهاية 2 / 121.

[291]

بمعنى العلم (1)، أو الخبرة - بالكسر - بمعناه (2)، والمراد بالدعوة: نداء المظلوم للنصرة، وبالخبرة علمهم بمظلوميتها صلوات الله عليها، والتعبير بالاحاطة والشمول للمبالغة، أو للتصريح بأن ذلك قد عمهم جميعا، وليس من قبيل الحكم على الجماعة بحكم البعض أو الاكثر. وفي رواية ابن ابي طاهر: الحيرة - بالحاء المهملة - ولعله تصحيف، ولا يخفى توجيهه. وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح والنجبة (3) التي اتنجبت، والخيرة التي اختيرت.. الكفاح: استقبال العدو في الحرب بلا ترس ولا جنة، ويقال (4): فلان يكافح الامور.. أي يباشرها بنفسه (5). والنجبة - كهمزة - النجيب الكريم (6)، وقيل: يحتمل أن يكون بفتح الخاء المعجمة أو سكونها بمعنى المنتخب المختار (7)، ويظهر من ابن الاثير أنها بالسكون تكون جمعا (8). والخيرة - كعنبة: المفضل من القوم المختار منهم (9).


(1) قاله في مجمع البحرين 3 / 382. (2) انظر: القاموس 2 / 17. (3) سقط في (س) لفظة: والنجبة. (4) لا توجد: يقال في (س). (5) كما جاء في مجمع البحرين 2 / 407 - 408، والصحاح 1 / 399. (6) كذا صرح في الصحاح 1 / 222، وتاج العروس 1 / 477، ولسان العرب 1 / 748. اقول: ولم نجد في المصادر السالفة ذكر معنى النجبة على نحو التقييد - كما صرح به المصنف رحمه الله - بل اشار بعضهم إلى أنها تأتي بمعنى النجيب مرة والكريم اخرى، فلاحظ. ثم أنه في حاشية (ك) صفحة: 122 من المجلد الثامن من البحار كلمة: نحب، وتحتها (صح) ولا يعلم محلها. (7) كما ورد في لسان العرب 1 / 752، والقاموس 1 / 130، وتاج العروس 1 / 479. (8) النهاية 5 / 31. (9) أشار إليه في مجمع البحرين 3 / 296، والصحاح 2 / 652، وتاج العروس 2 / 195.

[292]

قاتلهم العرب - في المناقب: لنا أهل البيت قاتلتم - وناطحتم الامم، وكافحتم إليهم، فلا نبرح أو تبرحون نأمركم فتأتمرون.. ناطحتم الامم.. أي حاربتم الخصوم ودافعتموهم بجد واهتمام كما يدافع الكبش قرنه بقرنه (1). والبهم: الشجعان (2) - كما مر (3) -. ومكافتحتها: التعرض لدفعها من غير توان وضعف. وقولها عليها السلام: أو تبرحون.. معطوف على مدخول النفي، فالمنفي أحد الامرين، ولا ينتفي إلا بانتفائهما معا، فالمعنى لانبرح ولا تبرحون نأمركم فتأتمرون.. أي كنا لم نزل آمرين وكنتم مطيعين لنا في أوامرنا. وفي كشف الغمة: وتبرحون - بالواو - فالعطف على مدخول النفي أيضا ويرجع إلى ما مر، وعطفه على النفي - إشعارا بأنه قد كان يقع منهم براح عن الاطاعة كما في غزوة احد وغيرها، بخلاف أهل البيت عليهم السلام إذ لم يعرض لهم كلال عن الدعوة والهداية - بعيد عن المقام، والاظهر ما في رواية ابن ابي طاهر من ترك المعطوف رأسا. لا نبرح نأمركم.. أي لم يزل عادتنا الامر وعادتكم الائتمار. وفي المناقب: لا نبرح ولا تبرحون نأمركم.. فيحتمل أن يكون أو في تلك النسخة أيضا بمعنى الواو.. أي لا نزال نأمركم ولا تزالون تأتمرون، ولعل ما في المناقب أظهر النسخ وأصوبها. حتى إذا دارت بنا رحى الاسلام، ودر حلب الايام، وخضعت نهرة الشرك، وسكنت فورة الافك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدين.. دوران الرحى كناية عن انتظام أمرها، والباء للسببية.


(1) نطحه - كمنعه وضربه - أصابه بقرنه، قاله في القاموس 1 / 254، وتاج العروس: 2 / 240. (2) قاله في القاموس 4 / 82، والصحاح 5 / 1875. (3) انظر صفحة: 256 من هذا المجلد، وهي مشكلات الامور.

[293]

ودر اللبن: جريانه وكثرته (1). والحلب - بالفتح - استخراج ما في الضرع من اللبن، وبالتحريك اللبن المحلوب (2)، والثاني أظهر للزوم ارتكاب تجوز في الاسناد وفي المسند إليه على الاول. والنعرة - بالنون والعين والراء المهملتين - مثال همزة: الخيشوم والخيلاء والكبر (3) أو بفتح النون من قولهم: نعر العرق بالدم.. أي فار (4)، فيكون الخضوع بمعنى السكون، أو بالغين المعجمة من نغرت القدر.. أي فارت (5). وقال الجوهري: نغر الرجل - بالكسر - أي اغتاض، قال الاصمعي: هو الذي يغلي جوفه من الغيظ. وقال (6) ابن السكيت: يقال: ظل فلان يتنغر على فلان.. أي يتذمر على (7)، وفي أكثر النسخ بالثاء المثلثة المضمومة والغين المعجمة، وهي نقرة النحر بين الترقوتين (8)، فخضوع ثغرة الشرك كناية عن محقه وسقوطه كالحيوان الساقط على الارض، نظيره قول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وآله: أنا وضعت كلكل العرب - أي صدورهم (9).


(1) كما في مجمع البحرين 3 / 310، وتاج العروس 3 / 203، وغيرهما. (2) قاله في القاموس 1 / 57، وتاج العروس 1 / 219، ولسان العرب 1 / 327 - 329. (3) ذكره في القاموس 2 / 145، ولسان العرب 5 / 220 و 222، وغيرهما. (4) كما ورد في القاموس 2 / 145. (5) قاله في لسان العرب 5 / 223، والقاموس 2 / 145. (6) ليس في المصدر: وقال. (7) الصحاح 2 / 833. وفي (س): يتدمر عليه، ولا معنى لها. (8) صرح به في مجمع البحرين 3 / 236، والقاموس 1 / 383. (9) جاء في القاموس 4 / 46، ومجمع البحرين 5 / 465، وغيرهما. وقال أمير المؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة: 300 - صبحي الصالح -، 2 / 156 - محمد عبده -: أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب.

[294]

والافك - بالكسر - الكذب (1)، وفورة الافك غليانه وهيجانه (2). وخمدت النار.. أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها (3)، ويقال: همدت - بالهاء - إذا طفئ جمرها (4)، وفيه اشعار بنفاق بعضهم وبقاء مادة الكفر في قلوبهم. وفي رواية ابن ابي طاهر: وباخت نيران الحرب.. قال الجوهري: باخ الحر والنار والغضب والحمى.. أي سكن وفتر (5)، وهدأت أي سكنت (6). والهرج: الفتنة والاختلاط (7)، وفي الحديث: الهرج: القتل (8). واستوسق.. أي اجتمع وانضم من الوسق - بالفتح - وهو ضم الشئ إلى الشئ، واتساق الشئ: انتظامه (9). وفي الكشف: فناويتم العرب وبادهتم الامور.. إلى قولها عليها السلام: حتى دارت لكم بنا رحى الاسلام، ودر حلب البلاد، وخبت نيران الحرب.. يقال: بدهه بامر.. أي استقبله به، وبادهه: فاجأه (10). فأنى حرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام وأشركتم بعد الايمان.. كلمة: أنى، ظرف مكان بمعنى اين، وقد يكون بمعنى كيف (1) أي من أين حرتم، وما كان منشأه.


(1) كما نص عليه في الصحاح 4 / 1573. وقال في مجمع البحرين 5 / 254 هو: أسوأ الكذب وأبلغه. (2) كذا في مجمع البحرين 3 / 445، وتاج العروس 3 / 476. (3) ذكره في القاموس 1 / 292، ومجمع البحرين 3 / 45. (4) كما صرح به في لسان العرب 3 / 437 - 439، ومجمع البحرين 3 / 45، فلاحظ. (5) الصحاح 1 / 419. (6) ورد في القاموس 1 / 33، والصحاح 1 / 82. (7) قاله في مجمع البحرين 2 / 336، والصحاح 1 / 350، وغيرهما. (8) جاء في الصحاح 1 / 350، ولسان العرب 2 / 389. (9) كما ورد في مجمع البحرين 5 / 246 - 247، ولسان العرب 10 / 380 - 381. (10) نص عليه في القاموس 4 / 280، والصحاح 6 / 2226. (11) كذا في الصحاح 6 / 2545، ولسان العرب 15 / 437.

[295]

وجرتم: اما - بالجيم - من الجور وهو الميل عن القصد (1) والعدول عن الطريق (2)، أي لما ذا تركتم سبيل الحق بعد ما تبين لكم ؟، أو بالحاء المهملة المضمومة من الحور بمعنى الرجوع أو النقصان (3)، يقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور.. أي من النقصان بعد الزيادة (4)، وأما بكسرها من الحيرة. والنكوص: الرجوع إلى خلف (5). [ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين] (6). نكث العهد - بالفتح - نقصه (7). والايمان - جمع اليمين - وهو القسم (8). والمشهور بين المفسرين أن الآية نزلت في اليهود الذين نقضوا عهودهم وخرجوا مع الاحزاب وهموا بإخراج الرسول من المدينة، وبدوأ بنقض العهد والقتال. وقيل (9): نزلت في مشركي قريش وأهل مكة حيث نقضوا أيمانهم التي عقدوها مع الرسول والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم أعداءهم، فعاونوا بني بكر على خزاعه، وقصدوا إخراج الرسول صلى الله عليه وآله من مكة حين تشاوروا بدار الندوة، وأتاهم ابليس بصورة شيخ نجدي.. إلى آخر ما مر من القصة (10)،


(1) ذكره في مجمع البحرين 3 / 251، والصحاح 2 / 617. وفي (س): من، بدلا من: عن. (2) ورد في لسان العرب 4 / 153 كما في المتن. (3) القاموس المحيط 2 / 15. (4) صرح به في النهاية 1 / 458، وانظر: مجمع البحرين 3 / 279. (5) نص عليه في لسان العرب 7 / 101، والنهاية 5 / 116. (6) التوبة: 13. (7) قاله في مجمع البحرين 2 / 266، والصحاح 1 / 295، وغيرهما. (8) ذكره في الصحاح 6 / 2221، ومجمع البحرين 2 / 332. (9) جاء في مجمع البيان 5 / 11 وغيره. (10) ذكرها مفصلا المصنف قدس سره في بحار الانوار 21 / 91 - 139، و 9 / 46 وما بعدها.

[296]

فهم بدؤوا بالمعاداة والمقاتلة في هذا الوقت، أو يوم بدر، أو بنقض العهد، والمراد بالقوم الذين نكثوا ايمانهم في كلامها صلوات الله عليها، أما الذين نزلت فيهم الآية فالغرض بيان وجوب قتال الغاصبين للامامة ولحقها، الناكثين لما عهد إليهم الرسول صلى الله عليه وآله في وصيه عليه السلام وذوي قرباه وأهل بيته، كما وجب بأمره سبحانه قتال من نزلت الآية فيهم، أو المراد بهم الغاصبون لحق أهل البيت عليهم السلام، فالمراد بنكثهم ايمانهم: نقض ما عهدوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله حين بايعوه من الانقياد له في أوامره والانتهاء عند نواهيه وأن لا يضمروا له العداوة، فنقضوه وناقضوا ما أمرهم به، والمراد بقصدهم إخراج الرسول صلى الله عليه وآله عزمهم على إخراج من هو كنفس الرسول صلى الله عليه وآله وقائم مقامه بأمر الله وأمره عن مقام الخلافة وعلى إبطال أوامره ووصاياه في أهل بيته النازل منزلة إخراجه من مستقره، وحينئذ يكون من قبيل الاقتباس. وفي بعض الروايات: لقوم نكثوا ايمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم (1).. فقوله: لقوم متعلق بقوله: تخشونهم. الا قد ارى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض وخلوتم بالدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم ف‍ [إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغني حميد] (2).. الرؤية هنا بمعنى العلم أو النظر بالعين (3). واخلد إليه: ركن ومال (4). والخفض - بالفتح -: سعة العيش (5).


(1) في (س): تخشونهم - بلا همزة -. (2) ابراهيم: 8. (3) كما في مجمع البحرين 1 / 162 - 163، والصحاح 6 / 2347. (4) قاله في النهاية 2 / 61، ومجمع البحرين 3 / 44، وغيرهما. (5) كذا أورده في لسان العرب 7 / 145، ومجمع البحرين 4 / 202.

[297]

والمراد بمن هو احق بالبسط والقبض أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وصيغة التفضيل مثلها في قوله تعالى: [قل أذلك خير أم جنة الخلد] (1). وخلوت بالشئ: انفردت به (2) واجتمعت معه في خلوة (3). والدعة: الراحة والسكون (4). ومج الشراب من فيه: رمى به (5). ووعيتم.. أي حفظتم (6). والدسع - كالمنع - الدفع والقئ (7)، وإخراج البعير جرته إلى فيه (8). وساغ الشراب يسوغ سوغا.. إذا سهل مدخله في الحلق (9)، وتسوغه: شربه بسهولة. وصيغة تكفروا في كلامهم عليها السلام اما من الكفران وترك الشكر - كما هو الظاهر من سياق الكلام المجيد حيث قال تعالى: [إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد * وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغني حميد] (10) -، أو من الكفر بالمعنى الاخص، والتغيير في المعنى لا ينافي الاقتباس، مع أن في الآية أيضا يحتمل هذا المعنى، والمراد إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا من الثقلين فلا يضر ذلك إلا أنفسكم فإنه


(1) الفرقان: 15. (2) كما جاء في مجمع البحرين 1 / 131، والنهاية 2 / 74. (3) ذكره في الصحاح 6 / 2330، ومجمع البحرين 1 / 129، وغيرهما. (4) نص عليه في مجمع البحرين 4 / 401، والصحاح 3 / 1295 - 1296. (5) كما أورده في الصحاح 1 / 340، ومجمع البحرين 2 / 329. (6) صرح به في مجمع البحرين 1 / 444، والصحاح 6 / 2535. (7) جاء في النهاية 2 / 117، والقاموس 3 / 21، وغيرهما. (8) قاله في الصحاح 3 / 1207، والنهاية 2 / 117. (9) ذكره في القاموس 3 / 108، ومجمع البحرين 5 / 12، والصحاح 4 / 1322، ولسان العرب 8 / 435. (10) ابراهيم: 7 - 8.

[298]

سبحانه غني عن شكركم وطاعتكم، مستحق للحمد في ذاته، أو محمود تحمده الملائكة بل جميع الموجودات بلسان الحال، وضرر الكفران عائد اليكم حيث حرمتم من فضله تعالى ومزيد إنعامه وإكرامه. والحاصل، انكم انما تركتم الامام بالحق وخلعتم بيعته من رقابكم ورضيتم ببيعة أبي بكر لعلمكم بأن أمير المؤمنين عليه السلام لا يتهاون ولا يداهن في دين الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويأمركم بارتكاب الشدائد في الجهاد وغيره، وترك ما تشتهون من زخارف الدنيا، ويقسم الفئ بينكم بالسوية، ولا يفضل الرؤساء والامراء، وإن أبا بكر رجل سلس القياد، مداهن في الدين لارضاء العباد، فلذا رفضتم الايمان، وخرجتم عن طاعته سبحانه إلى طاعة الشيطان، ولا يعود وباله إلا اليكم. وفي الكشف: ألا وقد أرى والله أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدعة، فمججتم الذي أوعيتم، ولفظتم الذي سوغتم. وفي رواية ابن ابي طاهر: فعجتم عن الدين.. يقال: ركن إليه - بفتح الكاف وقد يكسر - أي مال إليه وسكن (1). وقال الجوهري: عجت بالمكان أعوج.. أي اقمت به وعجت غيري.. يتعدى ولا يتعدى، وعجت البعير.. عطفت رأسه بالزمام.. والعائج: الواقف.. وذكر ابن الاعرابي: فلان ما يعوج من (2) شئ: أي ما يرجع عنه (3). ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وخور القنا، وبئة الصدر، وتقدمة الحجة.. الخذلة: ترك النصر (4).


(1) ذكره في مجمع البحرين 6 / 256، والنهاية 2 / 261. (2) في المصدر: عن، بدلا من: من، وهو الظاهر.. (3) صرح به في الصحاح 1 / 331، وقريب منه ما في لسان العرب 2 / 333. (4) قاله في القاموس 3 / 366، ولسان العرب 11 / 202، وتاج العروس 7 / 301، وفي كل واحد =

[299]

وخامرتكم.. أي خالطتكم (1). والغدر: ضد الوفاء (2). واستشعره (3): أي لبسه، والشعار: الثوب الملاصق للبدن (4). والفيض - في الاصل - كثرة الماء وسيلانه، يقال: فاض الخبر.. أي شاع، وفاض صدره بالسر.. أي باح به واظهره، ويقال: فاضت نفسه.. أي خرجت روحه (5)، والمراد به هنا اظهار المضمر في النفس لاستيلاء الهم وغلبة الحزن. والنفث بالفم شبيه بالنفخ (6)، وقد يكون للمغتاظ تنفس عال تسكينا لحر القلب وإطفاء لنائرة الغضب. والخور - بالفتح والتحريك -: الضعف (7). والقنا: جمع قناة وهي الرمح (8)، وقيل كل عصا مستوية أو معوجة قناة (9)، ولعل المراد بخور القنا ضعف النفس عن الصبر على الشدة وكتمان الضر، أو ضعف ما يعتمد عليه في النصر على العدو، والاول أنسب. والبث: النشر والاظهار (10)، والهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه.. أي يفرقه (11).


= منها بدون التاء، أي الخدل. (1) نص عليه في الصحاح 2 / 650، والقاموس 2 / 24. (2) كما جاء في لسان العرب 5 / 8، والقاموس 2 / 100. (3) استشعره: أي اضمره، وهذا المعنى أنسب هنا، فلاحظ. (4) أورده في القاموس 2 / 59، ولسان العرب 4 / 412 - 413. (5) جاء في الصحاح 3 / 1099، وانظر: القاموس 2 / 341، ومجمع البحرين 4 / 224. (6) قاله في مجمع البحرين 2 / 266، والصحاح 1 / 295، وغيرهما. (7) ذكره في القاموس 2 / 25، والصحاح 2 / 651. (8) كما ورد في مجمع البحرين 1 / 350، والقاموس 4 / 380، والصحاح 6 / 2478، ولسان العرب 15 / 203. (9) جاء في القاموس 4 / 380، ولسان العرب 15 / 203. (10) صرح به في مجمع البحرين 2 / 234، والصحاح 1 / 273، والقاموس 1 / 161. (11) وقريب منه ما ذكره في مجمع البحرين 2 / 234، والنهاية 1 / 95.

[300]

وتقدمة الحجة: إعلام الرجل قبل وقت الحاجة قطعا لاعتذاره بالغفلة. والحاصل، أن استنصاري منكم، وتظلمي لديكم، وإقامة الحجة عليكم، لم يكن رجاء للعون والمظاهرة بل تسلية للنفس، وتسكينا للغضب، وإتماما للحجة، لئلا تقولوا يوم القيامة: [إنا كنا عن هذا غافلين] (1). فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الابد، موصولة ب‍ [نار الله الموقدة * التي تطلع على الافئدة] (2)، فبعين الله ما تفعلون [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (3).. والحقب - بالتحريك - حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير، يقال: احقبت البعير.. أي شددته به (4)، وكل ما شد في مؤخر رحل أو قتب فقد احتقب، ومنه قيل: احتقب فلان الاثم كأنه جمعه واحتقبه من خلفه (5)، فظهر أن الانسب في هذا المقام احقبوها - بصيغة الافعال - أي شدوا عليها ذلك وهيئوها للركوب، لكن فيما وصل إلينا من الروايات على بناء الافتعال. والدبر - بالتحريك - الجرح في ظهر البعير، وقيل: جرح الدابة مطلقا (6). والنقب - بالتحريك -: رقة خف البعير (7). والعار الباقي: عيب لا يكون في معرض الزوال. ووسمته وسما وسمة: إذا اثرت فيه بسمة وكي (8).


(1) الاعراف: 172. (2) الهمزة: 6 و 7. (3) الشعراء: 227. (4) كما في الصحاح 1 / 114، وانظر: مجمع البحرين 2 / 45، والقاموس 1 / 57. (5) جاء في لسان العرب 1 / 325 - 326، ولاحظ: الصحاح 1 / 114، والقاموس 1 / 57. (6) ذكره في لسان العرب 4 / 274، والنهاية 2 / 197، ومجمع البحرين 3 / 299. (7) قاله في الصحاح 1 / 227، والقاموس 1 / 134، ومجمع البحرين 2 / 276. (8) كما في مجمع البحرين 6 / 183، والصحاح 5 / 2051.

[301]

والشنار: العيب والعار (1). ونار الله الموقدة.. المؤججة على الدوام. والاطلاع على الافئدة.. اشرافها على القلوب بحيث يبلغها ألمها كما يبلغ ظواهر البدن، وقيل معناه: ان هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر بخلاف نيران الدنيا. وفي الكشف: انها عليهم موصدة - والموصدة: المطبقة (2) -. وبعين الله ما تفعلون.. أي متلبس بعلم الله أعمالكم، ويطلع عليها كما يعلم أحدكم ما يراه ويبصره، وقيل في قوله تعالى: [تجري بأعيننا] (3) ان المعنى تجري بأعين أوليائنا من الملائكة والحفظة. والمنقلب: المرجع والمنصرف (1)، وأي منصوب على أنه صفة مصدر محذوف والعامل فيه ينقلبون، لان ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، وإنما يعمل فيه ما بعده، والتقدير سيعلم الذين ظلموا ينقلبون انقلابا أي انقلاب ؟. وأنا ابنة نذير لكم.. أي أنا ابنة من أنذركم بعذاب الله على ظلمكم، فقد تمت الحجة عليكم، والامر في اعملوا وانتظروا للتهديد. وأما قول الملعون: والرائد لا يكذب أهله.. فهو مثل (5) استشهد به في صدق الخبر الذي افتراه على النبي صلى الله عليه وآله، والرائد: من يتقدم القوم يبصر لهم الكلا ومساقط الغيث (6)، جعل نفسه - لاحتماله الخلافة التي هي الرئاسة العامة - بمنزلة


(1) قاله في الصحاح 2 / 704، ومجمع البحرين 3 / 354، وغيرهما. (2) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 161، والصحاح 2 / 550. (3) القمر: 14. (4) ذكره في لسان العرب 1 / 686، ومجمع البحرين 2 / 146 و 149. (5) كما أورده في مجمع الامثال 2 / 233، والمستقصى 2 / 274، وفرائد اللآل في الامثال 2 / 196. (6) ذكره في مجمع البحرين 3 / 56، ولسان العرب 3 / 187.

[302]

الرائد للامة الذي يجب عليه أن ينصحهم ويخبرهم بالصدق. والمجالدة: المضاربة بالسيوف (1). واستبد فلان بالرأي.. اي انفرد به (2) واستقل. ولا نزول عنك.. أي لا نقبض ولا نصرف (3). ولا نوضع من فرعك وأصلك.. أي لا نحط درجتك (4) ولا ننكر فضل اصولك وأجدادك وفروعك وأولادك. وترين - من الرأي - بمعنى الاعتقاد (5). وقولها صلوات الله عليها: سبحان الله ! ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صادفا، ولا لاحكامه مخالفا، بل كان يتبع أثره ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور.. ؟ !. الصادف عن الشئ: المعرض عنه (6). والاثر - بالتحريك وبالكسر -: اثر القدم (7). والقفو: الاتباع (8). والسور - بالضم - كل مرتفع عال، ومنه سور المدينة (9)، ويكون جمع سورة، وهي كل منزلة من البناء ومنه سورة القرآن، لانها منزلة بعد منزلة،


(1) أورده في القاموس 1 / 284، ومجمع البحرين 3 / 26، وغيرهما. (2) قاله في الصحاح 2 / 444، ومجمع البحرين 3 / 11. (3) نص عليه في مجمع البحين 1 / 209، والنهاية 2 / 320. (4) صرح به في الصحاح 3 / 1300، ومجمع البحرين 4 / 405. (5) جاء في القاموس 4 / 331، ولسان العرب 14 / 301. (6) أورده في مجمع البحرين 5 / 78، والقاموس 3 / 161. (7) قاله في النهاية 1 / 23، ولسان العرب 4 / 6، وغيرهما. (8) كذا جاء في الصحاح 6 / 2466، ولسان العرب 15 / 194. (9) ذكره في النهاية 2 / 421، وانظر: مجمع البحرين 3 / 338، ولسان العرب 4 / 376.

[303]

وتجمع (1) على: سور - بفتح الواو (2) -. وفي العبارة يحتملها (3)، والضمائر المجرورة تعود إلى الله تعالى أو إلى كتابه، والثاني أظهر. والاعتلال: ابداء العلة والاعتذار (4). والزور: الكذب (5). وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته.. البغي: الطلب (6). والغوائل: المهالك (7) والدوهي (8)، اشارت عليها السلام بذلك إلى ما دبروا - لعنهم الله - في إهلاك النبي صلى الله عليه وآله واستئصال أهل بيته عليهم السلام في العقبتين وغيرهما مما أوردناه في هذا الكتاب متفرقا (9). هذا كتاب الله حكما عدلا، وناطقا فصلا، يقول: [يرثني ويرث من آل يعقوب] (10) و [ورث سليمان داود] (11) فبين عزوجل فيما وزع عليه من


(1) في (س): ويجمع - بالياء -. (2) كما في الصحاح 5 / 690، ولسان العرب 4 / 376، وغيرهما. (3) كذا، والظاهر: احتمالها. (4) قال في القاموس 4 / 20: تعلل بالامر: تشاغل أو تجزأ كاعتل.. وبالمرأة تلهى.. عل يعل واعتل واعله الله تعالى فهو معل وعليل.. يقال لكل متعذر مقتدر، وقد اعتل، وهذه علته: سببه.. واعتله: اعتاقه عن امر أو تجنى عليه. وقال في الصحاح 5 / 1774: واعتل.. أي مرض فهو عليل.. واعتل عليه بعلة واعتله: إذا اعتاقه عن أمر، واعتله: تجنى عليه.. اقول: لا يخفى مناسبة اكثر المعاني المذكورة بالمقام، فلاحظ. (5) قاله في مجمع البحرين 3 / 319، ولسان العرب 4 / 336. (6) صرح به في القاموس 4 / 304، ومجمع البحرين 1 / 53. (7) نص عليه في لسان العرب 11 / 509، والنهاية 3 / 397، وغيرهما. (8) جاء في القاموس 4 / 27، والمصباح المنير 2 / 127. (9) انظر: بحار الانوار 18 / 187 - 188 و 209، 234 و 235، وغيرها، و 19 / 1 و 2 وما بعدهما، والبحار 28 / 99 - 110 وغيرها. (10) مريم: 6. (11) النمل: 16.

[304]

الاقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والاناث، ما أزاح علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين، كلا [بل سولت لكم انفسكم امرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون] (1). اقول: سيأتي الكلام في مواريث الانبياء في باب المطاعن - ان شاء الله تعالى -. والتوزيع: التقسيم (2). والقسط - بالكسر - الحصة والنصيب (3). والازاحة: الا ذهاب والابعاد (4). والتظني: إعمال الظن، واصله، التظنن (5). والغابر: الباقي (6). وقد يطلق على الماضي (7). والتسويل: تحسين ما ليس بحسن وتزيينه وتحبيبه إلى الانسان ليفعله أو يقوله (8)، وقيل: هو تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه. فصبر جميل.. أي فصبري جميل، أو الصبر الجميل أولى من الجزع الذي لا يغني شيئا، وقيل: إنما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه الله تعالى، وفعل للوجه الذي وجب، ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه (9)، وخطابك - في قول أبي


(1) يوسف: 18. (2) ذكره في مجمع البحرين 4 / 402، والقاموس 3 / 93، وغيرهما. (3) قاله في الصحاح 3 / 1152، والقاموس 2 / 379، وغيرهما. (4) كما جاء في مجمع البحرين 2 / 366، والقاموس 1 / 226. (5) نص عليه في الصحاح 6 / 2160، والقاموس 4 / 245، وغيرهما. (6) صرح به في مجمع البحرين 3 / 416، والصحاح 2 / 765. (7) كما في الصحاح 2 / 765، ولسان العرب 5 / 3. (8) ذكره في مجمع البحرين 5 / 399، والنهاية 2 / 425، ولسان العرب 11 / 350. (9) حكاه العلامة المجلسي رحمه الله عن مجمع البيان 5 / 218.

[305]

بكر - من المصدر المضاف إلى الفاعل - ومراده بما تقلدوا ما أخذ (1) فدك أو الخلافة.. أي أخذت الخلافة بقول المسلمين واتفاقهم فلزمني القيام بحدودها التي من جملتها أخذ فدك، للحديث المذكور. والمكابرة: المغالبة (2). والاستبداد: الاستئثار (3). والانفراد بالشئ (4). قولها صلوات الله عليها: معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، [أفلا يتدبرون (5) القرآن أم على قلوب أقفالها] (6). [كلا بل ران على قلوبهم] (7)، ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء به ما أشرتم، وشر ما منه اعتضتم... القيل: بمعنى القول وكذا القال (8). وقيل: القول في الخير، والقيل والقال في الشر. وقيل: القول مصدر والقيل والقال اسمان له (9). والاغضاء: إدناء الجفون (10)، واغضى على الشئ أي سكت (11) ورضى به، وروي عن الصادق والكاظم عليهما السلام في الآية أن المعنى [أفلا يتدبرون


(1) ما أخذ - هنا - أي اخذه، وما مصدرية. (2) كما ورد في المصباح المنير 2 / 209، والنهاية 4 / 142. (3) توجد واو قبل كلمة: الاستئثار، في (ك) وهو سهو. (4) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 199، و 3 / 11، ولسان العرب 3 / 81 و 3 / 4، والنهاية 1 / 105، و 1 / 22. (5) في (س): تتدبرون، وعليه فلا يكون استشهادا بالآية الكريمة. (6) سورة محمد (ص): 2. (7) المطففين: 14. (8) قاله في النهاية 4 / 122، ولسان العرب 11 / 573. (9) كما في القاموس 4 / 42، ولسان العرب 11 / 573. (10) ذكره في مجمع البحرين 1 / 318، والصحاح 6 / 2447، والقاموس 4 / 370. (11) قاله في القاموس 4 / 370، ولسان العرب 15 / 128.

[306]

القرآن] (1) فيقضوا بما عليهم من الحق (2). وتنكير القلوب لارادة قلوب هؤلاء ومن كان مثلهم من غيرهم. والرين: الطبع، والتغطية (3) واصله: الغلبة (4). والتأويل والتأويل: التصيير والارجاع ونقل الشئ عن موضعه، ومنه تأويل الالفاظ.. أي نقل اللفظ عن الظاهر (5). والاشارة: الامر باحسن الوجوه في امر (6). وشر - كفر - بمعنى ساء (7). والاعتياض: اخذ العوض (8) والرضا به، والمعنى ساء ما أخذتم منه عوضا عما تركتم. لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراءه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون.. المحمل - كمجلس - مصدر. والغب - بالكسر -: العاقبة (9). والوبال - في الاصل -: الثقل والمكروه، ويراد به في عرف الشرع: عذاب


(1) النساء: 82، وسورة محمد (ص): 24. (2) حكاه عن مجمع البيان 5 / 104، وعنه في تفسير الصافي 5 / 28، والميزان 18 / 245 وغيرهما. (3) نص عليه في النهاية 2 / 291، ولسان العرب 13 / 193، وغيرهما. (4) كما جاء في مجمع البحرين 6 / 259، والصحاح 5 / 2129، والقاموس 4 / 230. (5) أورده في لسان العرب 11 / 33، والنهاية 1 / 80، إلا أنه ليس فيهما: نقل الشئ عن موضعه، وقريب منهما ما في مجمع البحرين 5 / 312. (6) قال في مجمع البحرين 3 / 356: اشار علي بكذا.. أي أراني ما عنده فيه من المصلحة، ومثله في المصباح المنير 1 / 395. (7) حكاه عن مجمع البحرين 3 / 344، والمصباح المنير 1 / 372. (8) قاله في المصباح المنير 2 / 103، ومجمع البحرين 4 / 217، وغيرهما. (9) كما ذكره في الصحاح 1 / 190، ومجمع البحرين 2 / 130، وغيرهما.

[307]

الآخرة (1)، والعذاب الوبيل: الشديد (2). والضراء - بالفتح والتخفيف -: الشجر الملتف - كما مر (3) - يقال: توارى الصيد مني في ضراء (4). والوراء: يكون بمعنى قدام كما يكون بمعنى خلف (5) وبالاول فسر قوله تعالى: [وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا] (6) ويحتمل أن تكون الهاء (7) زيدت من النساخ أو الهمزة، فيكون على الاخير بتشديد الراء من قولهم: ورى الشئ تورية.. أي اخفاه (8)، وعلى التقادير فالمعنى: وظهر لكم ما ستره عنكم الضراء. وبذا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون..: أي ظهر لكم (9) من صنوف العذاب ما لم تكونوا تنتظرونه، ولا تظنونه واصلا اليكم، ولم يكن في حسبانكم. والمبطل: صاحب الباطل من ابطل الرجل إذا اتى بالباطل (10). قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا (11)


(1) قاله في النهاية 5 / 146، ولسان العرب 11 / 720. (2) أورده في مجمع البحرين 5 / 490، والصحاح 5 / 1840. (3) صرح به في مجمع البحرين 1 / 271، والصحاح 6 / 2409، والقاموس 4 / 355، ولسان العرب 14 / 473. (4) كما جاء في الصحاح 6 / 2409، ولسان العرب 14 / 483. (5) كذا ورد في القاموس 4 / 399، والصحاح 6 / 2523، وغيرهما. (6) الكهف: 89. (7) في قولها عليها السلام: وبان ما وراءه الضراء (8) قاله في القاموس 4 / 399، ولسان العرب 15 / 389. (9) جاء في مجمع البحرين 10 / 44، والصحاح 6 / 2278، وغيرهما. (10) كما جاء في مجمع البحرين 5 / 322، والمصباح المنير 1 / 66. (11) قد مرت مصادر الابيات عن بلاغات النساء: 12، وشرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 4 / 93، وأعلام النساء 3 / 1208 وغيرها، وفيها اختلاف يسير عن ما هنا، فلاحظ.

[308]

في الكشف: ثم التفتت إلى قبر أبيها متمثلة بقول هند ابنة اثاثة.. ثم ذكر الابيات. وقال في النهاية: الهنبثة واحدة الهنابث وهي الامور الشداد المختلفة، والهنبثة: الاختلاط في القول والنون زائدة (1)، وذكر فيه: أن فاطمة (ع) قالت بعد موت النبي صلى الله عليه [وآله]: قد كان بعدك انباء.. إلى آخر البيتين (2)، الا أنه قال: فاشهدهم ولا تغب (3). والشهود: الحظور (4). والخطب - بالفتح -: الامر الذي تقع فيه المخاطبة، والشأن والحال (5). والوبل: المطر الشديد (6). ونكب فلان عن الطريق كنصر - وفرح (7) - أي.. عدل ومال (8). وكل أهل له قربى ومنزلة * عند الاله على الادنين مقترب القربى - في الاصل - القرابة في الرحم (9). والمنزلة: المرتبة (10) والدرجة ولا تجمع (11).


(1) كذا ورد في النهاية 5 / 278، ومثله في لسان العرب 2 / 199. (2) وقال بدل: لم تكبر: لم يكثر، وبدل: واختل: فاختل. (3) صرح به في النهاية 5 / 277، ونحوه في لسان العرب 2 / 199. (4) ذكره في مجمع البحرين 3 / 77، والصحاح 2 / 494، وغيرهما. (5) قاله في النهاية 2 / 45، ومجمع البحرين 2 / 51. (6) نص عليه في الصحاح 5 / 1840، ومجمع البحرين 5 / 490. (7) نص عليه في القاموس: 1 / 134. (8) ذكره في مجمع البحرين 2 / 176، والمصباح المنير: 2 / 334. (9) قاله في المصباح المنير: 2 / 175، والصحاح 1 / 199، ولا توجد فيهما كلمة: في الاصل. (10) كما في الصحاح 5 / 1828، ومجمع البحرين 5 / 482. (11) كذا في القاموس 4 / 56، وانظر: الصحاح 5 / 1828.

[309]

والادنين: هم الاقربون (1)، واقترب أي تقارب (2). وقال في مجمع البيان (3): في اقترب زيادة مبالغة على قرب، كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر. ويمكن تصحيح تركيب البيت وتأويل معناه على وجوه: الاول: وهو الاظهر، أن جملة (له قربى) صفة لاهل، والتنوين في (منزلة) للتعظيم، والظرفان متعلقان بالمنزلة لما فيها من معنى الزيادة والرجحان، و (مقترب) خبر لكل، أي ذو القرب الحقيقي، أو عند ذي الاهل، كل أهل كانت له مزية وزيادة على غيره من الاقربين عند الله تعالى. والثاني: تعلق الظرفين بقولها: (مقترب)، أي كل أهل له قرب ومنزلة من ذي الاهل، فهو عند الله تعالى مقترب مفضل على سائر الادنين. والثالث: تعلق الظرف الاول ب‍ (المنزلة) والثاني ب‍ (المقترب)، أي كل أهل اتصف بالقربى بالرجل وبالمنزلة عند الله، فهو مفضل على من هو أبعد منه. والرابع: أن يكون جملة: (له قربى) خبرا للكل، (ومقترب) خبرا ثانيا، وفي الظرفين يجري الاحتمالات السابقة، والمعنى أن كل أهل نبي من الانبياء له قرب ومنزلة عند الله، ومفضل على سائر الاقارب عند الامة. أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترتب بدا الامر بدوا: ظهر، وابداه اظهره (4). والنجوى: الاسم من نجوته إذا ساورته (5)، ونجوى صدورهم: ما أضمروه في نفوسهم من العداوة ولم يتمكنوا من إظهاره في حياته صلى الله عليه


(1) نص عليه في لسان العرب 14 / 274، ومجمع البحرين 1 / 148. (2) جاء في الصحاح 1 / 199، ومجمع البحرين 2 / 140، وغيرهما. (3) مجمع البيان 9 / 185، في بيان مفردات سورة القمر. (4) كذا في الصحاح 6 / 2278، ولسان العرب 14 / 65. (5) قاله في القاموس 4 / 393، والصحاح 6 / 2503، وغيرهما.

[310]

وآله، وفي بعض النسخ: فحوى صدورهم، وفحوى القول: معناه (1)، والمال واحد. وقال الفيروز آبادي: الترب والتراب والتربة.. معروف، وجمع التراب: أتربة وتربان، ولم يسمع لسائرها (2) بجمع، انتهى (3). فيمكن أن يكون بصيغة المفرد، والتأنيث بتأويل الارض كما قيل، والاظهر أنه - بضم التاء وفتح الراء - جمع تربة، قال في مصباح اللغة: التربة: المقبرة، والجمع ترب مثل غرفة وغرف (4). وحال الشئ بيني وبينك.. أي منعني من الوصول اليك (5). ودون الشئ: قريب منه (6)، يقال: دون النهر جماعة.. أي قبل أن تصل إليه. والتهجم: الاستقبال بالوجه الكريه (7).


(1) جاء في مجمع البحرين 1 / 327، والقاموس 4 / 373. (2) في (س): سايرها، وفيها طمس، وفي المصدر: لسائرها. (3) القاموس 1 / 39. (4) المصباح المنير 1 / 91، ومثله في مجمع البحرين 2 / 13. (5) ذكره في النهاية 1 / 462، ولسان العرب 11 / 189، وغيرهما. (6) قال في مجمع البحرين 6 / 248: تقول هو دون ذلك.. أي أقرب منه، ومثله في القاموس 4 / 224، والصحاح 5 / 2115. (7) قال في القاموس 4 / 92 - في مادة الجهم - بتقديم الجيم على الهاء -: كمنعه وسمعه: استقبله بوجه كريه كتجهمه. اقول: لعله التبس عليه رحمه الله التهجم: بالتجهم، فتأمل. واما الهجم.. بتقديم الهاء لعى الجيم - فقد قال في المصباح المنير 2 / 347: هجمت عليه هجوما - من باب قعد - دخلت بغتة على غفلة منه، وهجمته على القوم: جعلته يهجم عليهم، يتعدى ولا يتعدى. وقال في الصحاح 5 / 2055:.. وهجم الشتاء: دخل.. وهجمت البيت هجما: هدمته. وقال في القاموس: 4 / 188:.. وهجم فلانا: طرده.. والهجوم: الريح الشديدة تقلع البيوت. اقول: المعنى المناسب هنا هو تشبيه دخول القوم بالريح الشديدة، فهي تقلع البيوت وتذري الاموال، كناية عن هتك الحرمات واباحة الاموال.

[311]

والمغتصب - على بناء المفعول - المغصوب (1). والمحتجب - على بناء الفاعل -. وصادفه: وجده ولقيه (2). والكثب - بضمتين -: جمع كثيب وهو التل من الرمل (3). والرزء - بالضم مهموزا: المصيبة بفقد الاعزة (4). ورزئنا - على بناء المجهول -. والشجن - بالتحريك -: الحزن (5). وفي القاموس: العجم - بالضم وبالتحريك - (6) خلاف العرب (7). قوله: ثم انكفأت.. أقول: وجدت في نسخة قديمة لكشف الغمة منقولة من خط المصنف مكتوبا على هامشها بعد ايراد خطبتها صلوات الله عليها ما هذا لفظه: وجد بخط السيد المرتضى علم الهدى الموسوي قدس الله روحه أنه لما خرجت فاطمة عليها السلام من عند أبي بكر - حين ردها عن فدك - استقبلها أمير المؤمنين عليه السلام فجعلت تعنفه، ثم قالت: اشتملت... إلى آخر كلامها عليها السلام. والانكفاء: الرجوع (8). وتوقعت الشئ واستوقعته.. أي انتظرت وقوعه (9).


(1) قال في القاموس 1 / 111، والصحاح 1 / 194: الغصب والاغتصاب بمعنى. (2) كما أورده في القاموس 3 / 161، واقتصر في الصحاح 4 / 1384 على المعنى الاول. (3) قاله في لسان العرب 1 / 702، والقاموس 1 / 122، وغيرهما. (4) نص عليه في مجمع البحرين 1 / 183، والنهاية 2 / 218. (5) كذا ورد في القاموس 4 / 239، ومجمع البحرين 6 / 271. (6) أي العجم. (7) القاموس 4 / 147، ونحوه في الصحاح 5 / 1980. (8) كذا في الصحاح 1 / 67، والقاموس 1 / 26. (9) نص عليه في القاموس 3 / 97، والصحاح 3 / 1303، وغيرهما.

[312]

وطلعت على القوم: اتيتهم (1)، وتطلع الطلوع: انتظاره. فلما استقرت بها الدار.. أي سكنت (2) كأنها اضطربت وتحركت بخروجها، أو على سبيل القلب، وهذا شائع، يقال: استقرت نوى القوم واستقرت بهم النوى.. أي اقاموا (3). اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين.. اشتمل بالثوب.. أي أداره على جسده كله، والشملة - بالفتح - كساء يشتمل به، والشملة - بالكسر - هيئة الاشتمال (4)، فالشملة اما مفعول مطلق من غير الباب كقوله تعالى: [نباتا] (5) أو في الكلام حذف وايصال. وفي رواية السيد: مشيمة الجنين.. وهي محل الولد في الرحم (6)، ولعله أظهر. والجنين: الولد ما دام في البطن (7). والحجرة - بالضم - حظيرة الابل، ومنه حجرة الدار (8). والظنين: المتهم (9)، والمعنى اختفيت عن الناس كالجنين، وقعدت عن طلب الحق، ونزلت منزلة الخائف المتهم. وفي رواية السيد: الحجزة - بالزاء المعجمة -، وفي بعض النسخ: قعدت


(1) قاله في الصحاح 3 / 1253، والقاموس 3 / 59، وزاد في الاول: وتطلعت إلى ورود كتابك، وفي الثاني: وتطلع إلى ورده: استشرف. (2) كما ذكره في مجمع البحرين 3 / 457، والقاموس 2 / 115. (3) نص عليه في لسان العرب 15 / 347، والصحاح 6 / 2517، إلا أنه ليس فيهما جملة: واستقرت بهم النوى. (4) ذكره في لسان العرب 11 / 368، والقاموس 3 / 403. (5) آل عمران: 37، نوح: 17. (6) كما جاء في مجمع البحرين 6 / 101، والقاموس 4 / 137، والمصباح المنير 1 / 399. (7) قاله في الصحاح 5 / 2094، ومثله في المعنى ما في مجمع البحرين 6 / 230، والقاموس 4 / 210. (8) نص عليه في لسان العرب 4 / 168، والصحاح 2 / 623، وغيرهما. (9) كذا جاء في مجمع البحرين 6 / 180، والصحاح 6 / 2160.

[313]

حجزة الظنين، وقال في النهاية (1): الحجزة: موضع شد الازار، ثم قيل للازار: حجزة للمجاورة، وفي القاموس (2): الحجزة - بالضم - معقد الازار.. ومن الفرس مركب مؤخر الصفاق بالحقو، وقال: شدة الحجزة: كناية عن الصبر. نقضت قادمة الاجدل فخانك ريش الاعزل. قوادم الطير: مقاديم ريشه وهي عشر في كل جناح (3)، واحدتها قادمة (4). والاجدل: الصقر (5). والاعزل: الذي لا سلاح معه (6). قيل: لعلها صلوات الله عليها شبهت الصقر الذي نقضت قوادمه بمن لا سلاح له، والمعنى تركت طلب الخلافة في أول الامر قبل أن يتمكنوا منها ويشيدوا أركانها، وظننت أن الناس لا يرون غيرك أهلا للخلافة، ولا يقدمون عليك أحدا، فكنت كمن يتوقع الطيران من صقر منقوضة القوادم. أقول: ويحتمل أن يكون المراد أنك نازلت الابطال، وخضت الاهوال، ولم تبال بكثرة الرجل حتى نقضت شوكتهم، واليوم غلبت من هؤلاء الضعفاء والارذال، وسلمت لهم الامر ولا تنازعهم، وعلى هذا، الاظهر أنه كان في الاصل: خاتك - بالتاء المثناة الفوقانية - فصحف، قال الجوهري: خات البازي واختات أي انقض.. (7) ليأخذه، وقال الشاعر (8): يخوتون اخرى القوم خوت الا جادل.....


(1) النهاية 1 / 344. (2) القاموس 2 / 171 - 172. (3) كما أورده في الصحاح 5 / 2007، ومجمع البحرين 6 / 136، وغيرهما. (4) نص عليه في لسان العرب 12 / 469، والصحاح 5 / 2007. (5) ذكره في مجمع البحرين 5 / 337، والصحاح 4 / 1653، وغيرهما. (6) كما جاء في الصحاح 5 / 1763، ومجمع البحرين 5 / 423. (7) في المصدر: انقض على الصيد.. (8) ليس في المصدر لفظة: شاعر.

[314]

والخائتة: العقاب إذا انقضت فسمعت صوت انقضاضها، والخوات.. دوي جناح العقاب.. والخوات - بالتشديد - الرجل الجري (1)، وفي رواية السيد: نفضت - بالفاء - وهو يؤيد المعنى الاول. هذا ابن أبي قحافة يتتزني نحيلة أبي، وبلغة ابني، لقد أجهر في خصامي، وألفيته ألد في كلامي... قحافة - بضم القاف وتخفيف المهملة (2) -. والابتزاز: الاستلاب (3)، واخذ الشئ بقهر (4) وغلبة من البز بمعنى السلب (5). والنحيلة - فعيلة بمعنى مفعول - من النحلة - بالكسر - بمعنى الهبة (6) والعطية عن طيبة نفس من غير مطالبة (7) أو من غير عوض (8). والبلغة - بالضم - ما يتبلغ به من العيش (9) ويكتفى به (10)، وفي أكثر النسخ: بليغة - بالتصغير - فالتصغير في النحيلة أيضا أنسب. وابني إما بتخفيف الياء فالمراد به الجنس، أو تشديدها على التثنية. وإظهار الشئ: اعلانه (11).


(1) كما جاء في الصحاح 1 / 248، ومثله في المعنى ما في لسان العرب 2 / 32. (2) نص عليه في القاموس 3 / 183، ولسان العرب 9 / 276، وغيرهما. (3) جاء في مجمع البحرين 4 / 8، والصحاح 3 / 865. (4) ذكره في القاموس 2 / 166. (5) أورده في مجمع البحرين 4 / 8، والصحاح 3 / 865. (6) كما جاء في لسان العرب 11 / 650، ومجمع البحرين 5 / 478. (7) قاله في الصحاح: 5 / 1826. (8) كما ذكره في مجمع البحرين 5 / 478، ولسان العرب 11 / 650. (9) قاله في القاموس 3 / 103، والمصباح المنير 1 / 77، والصحاح 4 / 1317. (10) كذا ورد في مجمع البحرين 5 / 8. (11) نص عليه في الصحاح 2 / 732، والقاموس 2 / 82.

[315]

والخصام - مصدر - كالمخاصمة، ويحتمل أن يكون جمع خصم (1) أي أجهر العداوة أو الكلام لي بين الخصام، والاول أظهر. وألفيته.. أي وجدته (2). والالد: شديد الخصومة (3)، وليس فعلا ماضيا، فان فعله على بناء المجرد، والاضافة في (كلامي) إما من قبيل الاضافة إلى المخاطب أو إلى المتكلم، وفي: للظرفية أو السببية. وفي رواية السيد: هذا بني (4) ابي قحافة.. إلى قوله (5): لقد أجهد في ظلامتي وألد في خصامتي. قال الجزري: يقال جهد الرجل في الامر: إذا جد وبالغ فيه (6)، واجهد دابته: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها (7). حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع.. قيلة - بالفتح - اسم ام قديمة لقبيلتي (8) الانصار (9)، والمراد: بنو قيلة. وفي رواية السيد: حين منعتني الانصار نصرها.. وموصوف المهاجرة: الطائفة أو نحوها، والمراد بوصلها: عونها. والطرف - بالفتح - العين (10).


(1) أورده في مجمع البحرين 6 / 58، والمصباح المنير 1 / 208. (2) ذكره في القاموس 4 / 386، ومجمع البحرين 1 / 377. (3) كما جاء في المصباح المنير 2 / 244، ومجمع البحرين 3 / 141، وغيرهما. (4) والظاهر أنه تصغير ابن للتحقير. (5) كذا، والظاهر: قولها. (6) في المصدر: أي جد فيه وبالغ. (7) النهاية 1 / 319 - 320. (8) جاء على حاشية (ك): من الاوس والخزرج. (9) قاله في النهاية 4 / 134، وقريب منه في الصحاح 5 / 1808، والقاموس 4 / 43. (10) كما جاء في مجمع البحرين 5 / 89، والصحاح 4 / 1393.

[316]

وغضه: خفظه (1). وفي رواية السيد - بعد قولها: ولا مانع -: ولا ناصر ولا شافع. خرجت كاظمة وعدت راغمة.. كظم الغيظ: تجرعه والصبر عليه (2). ورغم فلان - بالفتح - إذا ذل (3)، وعجز عن الانتصاف ممن ظلمه (4)، والظاهر من الخروج: الخروج من البيت وهو لا يناسب كاظمة، إلا أن يراد بها الامتلاء من الغيظ فإنه من لوازم الكظم، ويحتمل أن يكون المراد الخروج من المسجد المعبر عنه ثانيا بالعود، كما قيل. و (5) في رواية السيد مكان عدت: رجعت. أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب، وافترشت التراب.. ك ضرع الرجل - مثلثة (6) - خضع وذل واضرعه غيره (7)، واسناد الضراعة إلى الخذلان أظهر أفرادها وضع الخد على التراب، أو لان الذل يظهر في الوجه. واضاعة الشئ وتضييعه: اهماله واهلاكه (8). وحد الرجل - بالحاء المهملة -: بأسه (9) وبطشه، وفي بعض النسخ


(1) كذا في الصحاح 3 / 1095، ومجمع البحرين 4 / 218. والصحيح في املاء الكلمة: خفضه - بالضاد -. (2) نص عليه في لسان العرب 12 / 520، والنهاية 4 / 178، ومجمع البحرين 6 / 154. (3) صرح به في القاموس 4 / 121، ومجمع البحرين 6 / 73 - 74. (4) كما أورده في الصحاح 5 / 1935، ولسان العرب 12 / 246، وغيرهما. (5) لا توجد الواو في (ك). (6) كذا جاء في القاموس 3 / 56، وتاج العروس 5 / 430. (7) كما ورد في الصحاح 3 / 1249، ولسان العرب 8 / 221 - 222. (8) قاله في تاج العروس 5 / 437، والقاموس 3 / 58. (9) ذكره في الصحاح 1 / 463، والقاموس 1 / 286، وفيه: وما يعتريه من الغضب بعد ذكره: البأس.

[317]

بالجيم.. أي تركت اهتمامك وسعيك. وفي رواية السيد: فقد أضعت جدك يوم أصرعت خدك. وفرس الاسد فريسته - كضرب - وافترسها: دق عنقها، ويستعمل في كل قتل (1)، ويمكن أن يقرأ بصيغة الغائب، فالذئاب مرفوع، والمعنى: قعدت عن طلب الخلافة ولزمت الارض مع أنك أسد الله (2)، والخلافة كانت فريستك حتى افترسها وأخذها الذئب الغاصب لها، ويحتمل أن يكون بصيغة الخطاب.. أي كنت تفترس الذئاب واليوم افترشت التراب، وفي بعض النسخ: الذباب - بالباءين الموحدتين - جمع ذبابة (3)، فيتعين الاول، وفي بعضها: افترست الذئاب وافترستك الذئاب. وفي رواية السيد مكانهما: وتوسدت الوراء كالوزغ ومستك الهناة والنزغ.. والوراء بمعنى خلف (4). والهناء: الشدة والفتنة (5). والنزغ (6): الطعن والفساد (7). ما كففت قائلا، ولا أغنيت باطلا ولا خيار لي، ليتني مت قبل هينتي ودون


(1) نص عليه في لسان العرب 6 / 161، والصحاح 3 / 958. (2) في (س): اسد لله. (3) كما جاء في مجمع البحرين 2 / 57 وغيره. (4) قاله في مجمع البحرين 1 / 434. (5) قال في لسان العرب 15 / 366 - 367: تكون هنات هنات.. أي شرور وفساد.. وتكون هنات هنات.. أي شدايد وامور عظام.. هنات من قرظ.. أي قطع متفرقة. وقال في 15 / 379: والهناة: الداهية. وقال في الصحاح 6 / 2537: وفي فلان هنات.. أي خصلات شر، ولا يقال ذلك في الخير. اقول: كأنه قدس سره أورد لازم المعنى لا نفسه، فتدبر. (6) جاء في المتن بالعين المهملة، والصحيح بالمعجمة، لما مر منه سلفا، وعدم معنى مناسب على الاول. (7) ذكره في النهاية 5 / 42، والقاموس 3 / 114، والصحاح 3 / 1327.

[318]

زلتي. الكف: المنع (1). والاغناء: الصرف والكف، يقال: اغن عني شرك.. أي اصرفه وكفه (2)، وبه فسر قوله سبحانه: [إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا] (3). وفي رواية السيد: ولا أغنيت طائلا.. وهو أظهر، قال الجوهري: يقال: هذا أمر لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء ومزية (4). فالمراد بالغناء: النفع (5)، ويقال: ما يغني عنك هذا.. أي مان يجديك وما ينفعك (6). والهينة - بالفتح -: العادة في الرفق والسكون (7)، ويقال: امش على هينتك.. أي على رسلك (8)، أي ليتني مت قبل هذا اليوم الذي لا بد لي من الصبر على ظلمهم، ولا محيص لي عن الرفق. والزلة - بفتح الزاي - كما في النسخ: الاسم (9) من قولك: زللت في طين أو منطق: إذا زلقت (10)، ويكون بمعنى السقطة (11)، والمراد بها عدم القدرة على دفع الظلم، ولو كانت الكلمة بالذال المعجمة كان أظهر وأوضح، كما في رواية السيد،


(1) قاله في مجمع البحرين 5 / 113، والقاموس 3 / 191. (2) نص عليه في النهاية 3 / 392، ولسان العرب 15 / 138 - 139. (3) الجاثية: 19. (4) الصحاح: 5 / 1754 - 1755. (5) كذا في لسان العرب 15 / 138، والصحاح 6 / 2449، وغيرهما. (6) ذكره الطريحي في مجمع البحرين 1 / 320. (7) قاله في النهاية 5 / 290، ولسان العرب 13 / 440. (8) ذكره في الصحاح 6 / 2218، وفيه: على هينتك - بتقديم الياء على النون -، ونحوه في القاموس 4 / 278، ومجمع البحرين 6 / 331، والنهاية 5 / 290، ولسان العرب 13 / 440، والصحيح ما ذكرناه، لا ما أثبتناه. (9) كما جاء في مجمع البحرين 5 / 388، والقاموس 3 / 389، وغيرهما. (10) نص عليه في القاموس 3 / 389، ولسان العرب 11 / 306. (11) كذا أورده في تاج العروس 7 / 358، وغيره.

[319]

فإن فيها: والهفتاه ! (1) ليتني مت قبل ذلتي، ودون هينتي، عذيري الله منك عاديا، ومنك حاميا.. العذير: بمعنى العاذر (2) كالسميع، أو بمعنى العذر (3) كالاليم. وقولها: منك.. أي من أجل الاساءة إليك وإيذائك. وعذيري الله.. مرفوعان بالابتدائية والخبرية. وعاديا.. إما من قوله: عدوت فلانا عن الامر.. أي صرفته عنه (4)، أو من العدوان بمعنى تجاوز الحد (5)، وهو حال من ضمير المخاطب.. أي الله يقيم العذر من قبل في إساءتي إليك حال صرفك المكاره ودفعك الظلم عني، أو حال تجاوزك الحد في القعود عن نصري.. أي عذري في سوء الادب أنك قصرت في إعانتي والذب عني، والحماية عن الرجل: الدفع عنه (6)، ويحتمل أن يكون عذيري منصوبا - كما هو الشايع في هذه الكلمة -، و (الله) مجرورا بالقسم، يقال: عذيرك من فلان.. أي هات من يعذرك فيه، ومنه قول امير المؤمنين عليه السلام حين نظر إلى ابن ملجم لعنة الله: عذيرك من خليلك من مراد... (7)،


(1) لهف - كفرح -: حزن وتحسر.. ويا لهفه: كلمة يتحسر بها على فائت.. قاله في القاموس المحيط 3 / 197، ومثله في الصحاح 4 / 1428 - 1429. (2) كما في النهاية 3 / 197. (3) قاله في الصحاح 2 / 741. (4) نص عليه في مجمع البحرين 1 / 286، والقاموس 4 / 360. (5) كذا جاء في المصباح المنير 2 / 53، ومجمع البحرين 1 / 283، وغيرهما. (6) قاله في الصحاح 6 / 2319، ولسان العرب 14 / 198. (7) ذكره في النهاية 3 / 197، وتاج العروس 3 / 386 وغيرهما، وقد جاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة، ولعل محلها هنا وهي: قول الشاعر: اريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد يقول: أريد الاحسان إليه ويريده [كذا] ضده إلي، ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب، فقال: =

[320]

والاول أظهر. ويلاي في كل شارق، مات العمد، ووهت العضد، شكواي إلى أبي وعدواي إلى ربي، اللهم أنت أشد قوة وحولا، وأحد بأسا وتنكيلا.. قال الجوهري: ويل: كلمة مثل: ويح، الا أنها كلمة عذاب يقال: ويله وويلك وويلي، وفي الندبة ويلاه (1). ولعله جمع فيها بين الف الندبة وياء المتكلم، ويحتمل أن يكون بصيغة التثنية فيكون مبتدأ والظرف خبره، والمراد به تكرر الويل. وفي رواية السيد: ويلاه في كل شارق، ويلاه في كل غارب، ويلاه ! مات العمد وذل العضد.. إلى قولها عليها السلام: اللهم أنت أشد قوة وبطشا. والشارق: الشمس.. أي عند كل شروق وطلوع صباح كل يوم. قال الجوهري (2): الشرق: المشرق، والشرق: الشمس، يقال طلع الشرق ولا آتيك ما ذر شاق.. وشرقت الشمس تشرق شروقا وشرقا - أيضا - أي طلعت، واشرقت أي.. اضاءت. والعمد - بالتحريك وبضمتين -: جمع العمود (3)، ولعل المراد هنا ما يعتمد


= من يعذرك فيما تذم من خليلك الذي هو من مراد، وهو أبو قبيلة من اليمن، وهو مراد من مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وكان اسمه: حابر، فتمرد فيسمى: مراد !. مما أفاد الميداني في كتاب الهادي للشادي اقول: الابيات لعمر بن معدي كرب، كما قاله الزمخشري في اساس البلاغة: 295، وجاء البيت في الارشاد للشيخ المفيد: 6 هكذا: اريد حباءه ويريد قتلي.... إلى آخره. وحكاه عنه في بحار الانوار 42 / 193، وله بيان هناك صفحه: 194، وأورده في كشف الغمة 128 [1 / 581] إلا أنه عكس صدر البيت إلى ذيله. وجاء هكذا: عذيري من خليلي من مراد * اريد حباءه ويريد قتلي (1) الصحاح 5 / 1846. (2) الصحاح 4 / 1500 - 1501، وقريب منه في لسان العرب 10 / 174. (3) قاله في مجمع البحرين 3 / 107، والقاموس 1 / 317.

[321]

عليه في الامور. والشكوى: الاسم من قولك: شكوت فلانا شكاية (1). والعدوى: طلبك إلى وال لينتقم لك ممن ظلمك (2). والحول: القوة والحيلة والدفع والمنع (3)، والكل هنا محتمل. والبأس: العذاب (4). والتنكيل: العقوبة، وجعل الرجل نكالا (5) وعبرة لغيرة (6). الويل لشانئك.. أي العذاب، ولشر (7) لمبغضك، والشناءة: البغض (8). وفي رواية السيد: لمن أحزنك. ونهنهت الرجل عن الشئ فتنهنه.. أي كففته وزجرته فكف (9). والوجد: الغضب (10): أي امنع نفسك عن غضبك. وفي بعض النسخ: تنهنهي، وهو أظهر.


(1) ذكره في الصحاح 6 / 2394، ومجمع البحرين 1 / 252، وغيرهما. (2) كما أورده في الصحاح 6 / 2411، ومثله في المعنى في مجمع البحرين 1 / 287. (3) نص عليه في لسان العرب 11 / 185 و 189، ومجمع البحرين 5 / 359. (4) صرح به في مجمع البحرين 4 / 50، ولسان العرب 6 / 20، وغيرهما. (5) في (ك): انكالا، والظاهر أنه اشتباه. (6) أورده في النهاية 5 / 117، ولسان العرب 11 / 677. (7) قال في القاموس: 4 / 66: الويل: حلول الشر، وبهاء: الفضيحة، أو هو تفجيع.. وكلمة عذاب، وواد في جهنم، أو بئر، أو باب لها. وقال في النهاية 5 / 236 الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني ! ويا هلاكي ! ويا عذابي ! احضر فهذا وقتك وأوانك. (8) كذا في الصحاح 1 / 57، ولسان العرب 1 / 101 - 102، وغيرها. (9) ذكره في الصحاح 6 / 2254، ومثله في المعنى أورده الطريحي في مجمع البحرين 6 / 364. (10) كما جاء في مجمع البحرين 3 / 155، والقاموس 1 / 343.

[322]

والصفوة - مثلثة - (1) خلاصة الشئ وخياره (2). والونى - كفتى - الضعف والفتور والكلال، والفعل - كوقى يقي (3).. أي ما عجزت عن القيام بما أمرني به ربي وما تركت ما دخل تحت قدرتي. والبلغة - بالضم - ما يتبلغ (4) به من العيش (5). والضامن والكفيل للرزق هو الله تعالى، وما أعد لها هو ثواب الآخرة. والاحتساب: الاعتداد، ويقال لمن ينوي بعمله وجه الله تعالى: احتسبه (6).. أي اصبري وادخري ثوابه عند الله تعالى. وفي رواية السيد: فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك بل الويل لمن أحزنك، نهنهي عن وجدك يا بنية الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت عن حظك، ولا أخطأت فقد ترين مقدرتي (7)، فان ترزئي حقك فرزقك فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما عند الله خير لك مما قطع عنك. فرفعت يدها الكريمة فقالت: رضيت وسلمت. قال في القاموس: رزأه ماله كجعله وعمله رزأ - بالضم -: أصاب منه شيئا (8). أقول: روى الشيخ (9) كلامها الاخير مع جوابه قريبا مما رواه السيد،


(1) قاله في القاموس 4 / 352، والصحاح 6 / 2401، وغيرهما. (2) صرح به في النهاية 3 / 40، ولسان العرب 14 / 462. (3) كذا جاء في لسان العرب 15 / 415، والصحاح 6 / 2531. (4) في (ك): يبتلغ، وهو غلط. (5) كما أورده في القاموس 3 / 103، والصحاح 4 / 1317، وغيرهما. (6) لاحظ النهاية 1 / 382، ولسان العرب 1 / 315. (7) في (س): فقد مقدرتي ترى، ووضع على: مقدرتي، رمز (ظ. ل) أي الظاهر من نسخة، ولعله: فقد ترى مقدرتي. وفي (ك): مقدرتي فقد ترين.. ووضع ذلك الرمز على مقدرتي أيضا، فراجع. (8) القاموس 1 / 16، وقارن ب‍: لسان العرب 1 / 85. (9) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 295 - 296.

[323]

ولنذكره بسنده: 9 - قال: أخبرنا محمد (1) بن أحمد بن شاذان، عن (2) محمد بن علي بن المفضل (3)، عن محمد بن علي بن معمر (4)، عن محمد بن الحسين الزيات (5)، عن أحمد بن محمد، عن أبان بن عثمان (6)، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما انصرفت فاطمة عليها السلام من عند أبي بكر أقبلت على أمير المؤمنين عليه السلام. فقالت له (7): يا بن أبي طالب ! اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الاجدل، فخانك ريش الاعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي وبليغة ابني، والله لقد أجد في ظلامتي (8)، وألد في خصامي، حتى منعتني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت - والله - كاظمة، وعدت راغمة، وليتني لاخيار (9) لي، ليتني مت قبل ذلك (10) مت قبل ذلتي ! (11) وتوفيت قبل منيتي ! عذيري فيك الله حاميا، ومنك عاديا، ويلاه في كل شارق ! ويلاه ! مات المعتمد ووهن العضد ! شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي، اللهم أنت أشد قوة.


(1) في المصدر: أبو الحسن محمد. (2) في الامالي: قال حدثني أبو الحسين، بدلا من: عن. (3) في المصدر: المفضل بن همام الكوفي. (4) في الامالي: معمر الكوفي، وفي (ك): معر. (5) في المصدر: الزيات الكوفي. (6) لم يرد في الامالي لفظ: عن ابان بن عثمان. (7) لم يرد في المصدر: له. (8) خ. ل: ظلامي جاء على مطبوع البحار، وكذا في المصدر. (9) في المصدر: ولاخيار. (10) لم يرد في المصدر: ليتني مت قبل ذلك. (11) في الامالي: زلتي.

[324]

فأجابها أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك، بل الويل لشانئك، نهنهي من غربك (1) يا بنت الصفوة وبقية النبوة، فوالله ما ونيت في ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت ترزئين البلغة فرزقك مضمون، ولعيلتك مأمون، وما أعد لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي. فقالت: حسبي الله نعم الوكيل. ولندفع الاشكال الذي قلما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب والسؤال، وهو: أن اعتراض فاطمة عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في ترك التعرض للخلافة، وعدم نصرتها، وتخطئة فيهما - مع علمها بإمامته، ووجوب اتباعه وعصمته، وأنه لم يفعل شيئا إلا بأمره تعالى ووصية الرسول صلى الله عليه وآله - مما ينافي عمصتها وجلالتها. فأقول: يمكن أن يجاب عنه: بأن هذه الكلمات صدرت منها عليها السلام لبعض المصالح، ولم تكن واقعا منكرة لما فعله، بل كانت راضية، وإنما كان غرضها أن يتبين للناس قبح أعمالهم وشناعة أفعالهم، وأن سكوته عليه السلام ليس لرضاه بما أتوا به. ومثل هذا كثيرا ما يقع في العادات والمحاورات، كما أن ملكا يعاتب بعض خواصه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، وأنه مما استوجب به أخص الناس بالملك منه المعاتبة. ونظير ذلك ما فعله موسى عليه السلام - لما رجع إلى قومه غضبان اسفا - من إلقائه الالواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه - ولم يكن غرضه الانكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرف القوم عظم جنايتهم، وشدة جرمهم، كما مر الكلام فيه (2).


(1) في (ك): عزبك. (2) بحار الانوار 13 / 195 - 148.

[325]

وأما حمله على أن شدة الغضب والاسف حملتها على ذلك - مع علمها بحقية ما ارتكبه عليه السلام - فلا ينفع في دفع الفساد، وينافي عصمتها وجلالتها التي عجزت عن إرتكابها أحلام العباد. بقي هاهنا إشكال آخر، وهو: أن طلب الحق والمبالغة فيه وإن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها صلوات الله عليها، وتركها للدنيا، وعدم اعتدادها بنعيمها ولذاتها، وكمال عرفانها ويقينها بفناء الدنيا، وتوجه نفسها القدسية، وانصراف همتها العالية دائما إلى اللذات المعنوية والدرجات الاخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك، والخروج إلى مجمع الناس، والمنازعة مع المنافقين في تحصيله. والجواب عنه من وجهين: الاول: أن ذلك لم يكن حقا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة والمساهلة والمحاباة وعدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الائمة الاعلام والاشراف الكرام. نعم لو كان مختصا بها كان لها تركه والزهد فيه وعدم التأثر من فوته. الثاني (1): أن تلك الامور لم تكن لمحبة فدك وحب الدنيا، بل كان الغرض إظهر ظلمهم وجورهم وكفرهم ونفاقهم، وهذا كان من أهم أمور الدين وأعظم الحقوق على المسلمين. ويؤيده أنها صلوات الله عليها صرحت في آخر الكلام حيث قالت: قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة.. وكفى بهذه الخطبة بينة على كفرهم ونفاقهم. ونشيد ذلك بإيراد رواية بعض المخالفين في ذلك: 10 - روى ابن أبي الحديد (2) - في سياق أخبار فدك - عن أحمد بن


(1) في (ك): والثاني. (2) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 214 - 215، باختلاف كثير.

[326]

عبد العزيز الجوهري: أن أبا بكر لما سمع خطبة فاطمة عليها السلام في فدك شق عليه (1) مقالتها، فصعد المنبر فقال: أيها الناس ! ما هذه الرعة إلى كل قالة ! أين كانت هذه الاماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مرب بكل (2) فتنة، هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، تستعينون بالضعفة وتستنصرون (3) بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي. ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت، ولو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت. ثم التفت إلى الانصار فقال: قد بلغني يا معاشر (4) الانصار مقالة سفهائكم، وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا وإني لست باسطا يدا ولسانا (5) على من لم يستحق ذلك منا.. ثم نزل. فانصرفت فاطمة عليها السلام إلى منزلها. ثم قال ابن أبي الحديد (6): قرأت هذا الكلام على النقيب يحيى بن أبي زيد البصري. فقلت له (7): بمن يعرض ؟. فقال: بل يصرح. قلت: لو صرح لم أسألك ؟.


(1) جاء في المصدر: فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه. (2) في المصدر: لكل. (3) في شرح النهج: يستعينون.. يستنصرون. (4) في المصدر: يا معشر، وهي نسخة جاءت في (س). (5) في المصدر: ولا لسانا. (6) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 215 بتصرف. (7) في المصدر: على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له:...

[327]

فضحك وقال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام. قلت: أهذا الكلام كله لعلي عليه السلام ؟ !. قال (1): نعم إنه الملك يا بني !. قلت: فما مقالة الانصار ؟. قال: هتفوا بذكر علي فخاف من اضطراب الامر عليه (2) فنهاهم. فسألته عن غريبه. فقال: ما هذه الرعة (3) - بالتخفيف - أي: الاستماع والاصغاء (4). والقالة: القول (5). وثعالة: اسم للثعلب (6) علم غير مصروف، مثل ذؤالة للذئب. وشهيده ذنبه.. أي: لا شاهد على ما يدعي إلا بعضه وجزء منه، وأصله مثل، قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الاسد بالذئب، فقال: إنه أكل الشاة التي أعددتها لنفسك، قال (7): فمن يشهد لك بذلك ؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان


(1) في شرح النهج: لعلي يقوله. قال. (2) في المصدر: عليهم. (3) في المصدر: أما الرعة. (4) قال في النهاية 5 / 174: الورع في الاصل: الكف عن المحارم والتحرج منه، ثم قال: ثم استعير للكف عن المباح والحلال. وقال في القاموس 3 / 93: الورع - محركة -: التقوى، وقد ورع - كورث، ووجل، ووضع، وكرم - وراعة، وورعا ويحرك، ووروعا ويضم: تحرج: والاسم الرعة.. والرعة - بالكسر -: الهدى وحسن الهيئة أو سوءها - ضد - والشأن. اقول: يحتمل أن يكون المعنى ما هذه الهدي والطريقة منكم إلى كل قالة، وحيث كانت طريقتهم في هذا المورد الاستماع والاصغاء قيل: الرعة: الاستماع والاصغاء. (5) كما في النهاية 4 / 123، والقاموس 4 / 42، وغيرهما. (6) في شرح النهج: الثعلب. قال في القاموس 3 / 342: ثعالة كثمامة: انثى الثعالب. (7) في المصدر: أنه قد كل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك وكنت حاضرا، قال.

[328]

الاسد قد الشاة، فقبل شهادته وقتل الذئب. ومرب: ملازم، أرب: لازم (1) بالمكان. وكروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الاولى، يعني: الفتنة والهرج. وأم طحال: امرأة بغي في الجاهلية، فضرب بها المثل، يقال (2): أزنى من أم طحال، انتهى. أقول: الرعة - بالراء - كما في نسخ الشرح، بمعنى: الاستماع، لم نجده في كلام اللغويين (3)، ويمكن أن يكون بالدال المهملة بمعنى السكون (4)، ويكون الغلط من النساخ، ويكون تفسير النقيب بيانا لحاصل المعنى. 11 - وروى (5) أيضا عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: قالت فاطمة عليها السلام لابي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك. فقال لها: يا بنة رسول الله، والله ما خلق الله خلقا أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه أبيك، ولوددت أن السماء وقعت على الارض يوم مات أبوك، والله لان تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري، أتراني أعطي الاسود والاحمر (6) حقه وأظلمك حقك وأنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إن هذا المال لم يكن


(1) لا يوجد في المصدر: لازم. قال في النهاية 2 / 181: أو فقر مرب أو قال ملب.. أي لازم غير مفارق، من أرب بالمكان وألب: إذا قام به ولزمه. وقال في القاموس 1 / 70: رب: جمع وزاد ولزم وأقام، كأرب. (2) في المصدر: ويضرب بها المثل فيقال. (3) تقدم ما استظهرناه قريبا، فراجع. (4) كما في القاموس 3 / 92، والنهاية 5 / 166، وغيرهما. (5) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 / 214، باختلاف يسير. (6) في المصدر: الاحمر والابيض.

[329]

للنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان من (1) أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليته كما كان يليه. قالت: والله لا كلمتك أبدا. قال: والله لاهجرتك أبدا. قالت: والله لادعون الله عليك. قال: والله لادعون الله لك. فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي عليها، فدفنت ليلا، وصلى عليها العباس (2) بن عبد المطلب، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة. ومن رواياتهم الصحيحة الصريحة في أنها صلوات الله عليها استمرت على الغضب حتى ماتت: ما رواه مسلم (3) وأبو داود (4) في صحاحهما، وأورده في جامع الاصول (5) في الفصل الثالث من كتاب المواريث في حرف الفاء، عن عائشة قالت: إن فاطمة (ع) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (ص) مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر (6): إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركناه (7) صدقة.


(1) في شرح النهج: إنما كان مالا من. (2) في المصدر: عباس - بدون الف ولام -. (3) صحيح مسلم 3 / 1381 - 1382 حديث 54. (4) صحيح أبي داود 3 / 142 - 143 حديث 2970. (5) جامع الاصول 9 / 637 حديث 7438، وفي طبعة دار إحياء التراث العربي 10 / 386 حديث 7417، وقد تكرر ذكر مصادر هذه الروايات. (6) في (ك): أبو بكر الصديق. (7) في المصدر: ما تركنا.

[330]

فغضبت فاطمة فهجرته، فلم تزل بذلك حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر إلا ليالي. وكانت تسأله أن يقسم لها نصيبها مما أفاء الله على رسوله من خيبر وفدك (1)، ومن صدقته بالمدينة. فقال أبو بكر: لست بالذي اقسم من ذلك (2)، ولست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها إلا عملته، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. ثم فعل ذلك عمر، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس، وأمسك خيبر وفدك، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا لحقوقه (3) ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الامر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم. وقال في جامع الاصول: أخرجه مسلم، ولم يخرج منه (4) البخاري (5) إلا قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث، ما تركناه صدقة. ولقلة ما أخرج منه لم تعلم (6) له علامة، وأخرج أبو داود نحو مسلم، انتهى. تبيين (7): إعلم أن المخالفين في صحاحهم رووا أخبارا كثيرة: في أن من خالف الامام، وخرج من طاعته، وفارق الجماعة، ولم يعرف امام زمانه مات


(1) لا يوجد في المصدر: وفدك. (2) في المصدر: من ذلك شيئا. (3) في جامع الاصول: لحقوقه التي تعروه. (4) في المصدر: البخاري منه. (5) صحيح البخاري 8 / 185، جامع الاصول 9 / 637، وصحيح مسلم 1 / 6، وانظر جملة من مصادر الحديث في الغدير 7 / 228. (6) في المصدر: لم نعلم. (7) خ. ل: تنبيه، في (ك).

[331]

ميتة جاهلية (1). روى في جامع الاصول (2) من صحيح مسلم (3) والنسائي (4)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات (5) ميتة جاهلية. وروى البخاري (6) ومسلم (7) في صحيحهما، وروى في جامع الاصول (8) أيضا عنهما، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: من (9) كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من طاعة (10) السلطان شبرا مات ميتة جاهلية. وفي رواية اخرى (11): فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته (12) جاهلية.


(1) كما في كنز العمال، المجلد السادس، حديث 14862 و 14863 و 14866، وانظر الغدير 10 / 126 عن جملة مصادر. (2) جامع الاصول 4 / 70 حديث 2053، وفي طبعة دار احياء التراث العربي 9 / 456 حديث 2054. (3) صحيح مسلم 3 / 1476 - 1477 حديث 53 و 54. (4) صحيح النسائي 7 / 123. (5) لا يوجد في (ك) لفظ: مات. (6) صحيح البخاري 9 / 59. (7) صحيح مسلم 3 / 1478 حديث 56، ومثله بنفس السند 3 / 1477 حديث 55. (8) جامع الاصول 4 / 69 حديث 2052، وفي طبعة دار احياء التراث العربي 4 / 456 حديث 2053. (9) في جامع الاصول: ان رسول الله (ص) قال: من. (10) لا يوجد في المصدر: طاعة. (11) لا توجد في جامع الاصول كلمة: أخرى. (12) خ. ل: ميتته، كما في (ك).

[332]

وروى مسلم في صحيحه (1) وذكره في جمع الاصول (2) أيضا، عن نافع قال: لما خلعوا يزيد واجتمعوا على ابن مطيع أتاه ابن عمر، فقال عبد الله (3): اطرحوا لابي عبد الرحمن وسادة، فقال له عبد الله بن عمر: إني لم آتك لاجلس، أتيتك لاحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه (4) [وآله]، يقول: من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (5). وأما من طرق أصحابنا فالاخبار فيه أكثر من أن تحصى، وستأتي في مضانها (6). فنقول: لا أظنك ترتاب بعد ما أسلفناه من الروايات المنقولة من طريق المخالف والمؤالف في أن فاطمة صلوات الله عليها كانت ساخطة عليهم، حاكمة بكفرهم وضلالهم، غير مذعنة بإمامتهم ولا مطيعة لهم، وأنها قد استمرت على تلك الحالة حتى سبقت إلى كرامة الله ورضوانه. فمن قال بإمامة أبي بكر لا محيص له عن القول بأن سيدة نساء العالمين ومن طهرها الله في كتابه من كل رجس، وقال النبي صلى الله عليه وآله في فضلها ما قال، قد ماتت ميتة جاهلية ! وميتة كفر وضلال ونفاق !. ولا أظن ملحدا وزنديقا رضي بهذا القول الشنيع. ومن الغرائب أن المخالفين لما اضطروا وانسدت عليهم الطرق، لجأوا إلى


(1) صحيح مسلم 3 / 1478 حديث 58. (2) جامع الاصول 4 / 78 حديث 2064. (3) في جامع الاصول: عبد الله بن مطيع. (4) في جامع الاصول: سمعت رسول الله (ص). (5) جامع الاصول: 4 / 78 حديث 2064. (6) بحار الانوار 51 / 160، 52 / 142، وقد سلف في 8 / 362 و 10 / 353 و 361، وقد فصلها شيخنا الاميني رحمه الله في الغدير 10 / 358 - 362، فراجع.

[333]

منع دوام سخطها عليها السلام على أبي بكر، مع روايتهم (1) تلك الاخبار في كتبهم المعتبرة. وروايتهم (2): أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يبايع أبا بكر في حياة فاطمة عليها السلام، ولا بايعه أحد من بني هاشم إلا بعد موتها، وأنه كان لعلي عليه السلام وجه في الناس حياة فاطمة عليها السلام، فلما توفيت انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام، فلما رأى ذلك ضرع إلى مصالحة أبي بكر، روى ذلك مسلم في صحيحه (3)، وذكره (4) في جامع الاصول (5) في الباب الثاني من كتاب الخلافة في حرف الخاء. ولا يخفى وهن هذا القول بعد ملاحظة ما تقدم على ذي مسكة.


(1) في (س): رواياتهم. (2) في (س): ورواياتهم. (3) صحيح مسلم 3 / 1380، حديث 52. (4) في (ك): ذكره - بدون الواو -. (5) جامع الاصول 4 / 103 - 105، حديث 2078.

[335]

فصل في الكلام على ما يستفاد من أخبار الباب والتنبيه على ما ينتفع به طالب الحق والصواب وهو مشتمل على فوائد: الاولى: نقول: لا شك في عصمة فاطمة عليها السلام، أما عندنا فللاجماع القطعي المتواتر، والاخبار المتواترة الآتية في أبواب مناقبها عليها السلام (1)، وأما الحجة على المخالفين فبآية التطهير الدالة على عصمتها، وسيأتي إثبات نزول الآية في جماعة كانت داخلة فيهم، ودلالة الآية على العصمة في المجلد التاسع (2)، وبالاخبار المتواترة الدالة على أن إيذاء الرسول صلوات الله عليهما (3)، وأن


(1) بحار الانوار: 43 / 19 - 79. (2) بحار الانوار: 35 / 206 - 236. (3) سبق أن ذكرنا مصادر الحديث من كتب العامة، وانظر أيضا الغدير 9 / 387 و 7 / 228 و 236.

[336]

الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، وسيأتي في أبواب فضائلها صلوات الله عليها، ولنذكر هنا بعض ما رواه المخالفون في ذلك، فمنها: 1 - ما رواه البخاري في صحيحه (1) في باب مناقبها عليها السلام عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها (2) أغضبني. (2) - وروى أيضا (3) في أبواب النكاح عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وهو على المنبر -: إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني (4) في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم (5) إلا أن يريد علي بن أبي طالب (ع) (6) أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني من آذاها (7). 3 - وقد روى الخبرين مسلم في صحيحه (8)، وروى مسلم (9) والبخاري (10)


(1) صحيح البخاري 5 / 36، حديث 255، ومثله بنفس السند فيه 5 / 26 أيضا. وفي طبعة عالم الكتب 5 / 105، حديث 255، وأيضا 5 / 92، حديث 209. (2) وضع عليها في المطبوع: خ. ل. وجعل المتن في (س): ابغضها. (3) البخاري في صحيحه 7 / 48 [وفي طبعة عالم الكتب 7 / 65، حديث 159] وجاء أيضا في صحيح الترمذي 5 / 698، حديث 3867. (4) في المصدر: استأذنوا. (5) لا توجد: لهم، في المصدر. (6) في المصدر: ابن أبي طالب. (7) في المصدر: ما اذاها، وفي ذيل الخبر: هكذا قال. اقول: هذا حديث موضوع ولا أساس له البتة، اريد منه الحط من مقام مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقد فصل القول فيه في أكثر من مورد وكتاب في ما نسب إليه صلوات الله عليه من الرغبة من الزواج من بنت أبي جهل، فراجع. (8) صحيح مسلم 4 / 1902 - 1903، حديث 93. ولم نجد الحديث الاول في صحيح مسلم - لتحريف طبعاتهم الاخيرة ! - ولقد أخذه شيخنا طاب ثراه من جامع الاصول - كما مر -. (9) صحيح مسلم 4 / 1903 كتاب فضائل الصحابة، حديث 94. (10) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة: 12، 16، 29، وكتاب النكاح: 109، وجاء في =

[337]

أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها (1). 4 - وروى الترمذي في صحيحه (2) عن ابن الزبير، قال: إن عليا (ع) ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها. وقد ذكر الروايات المذكورة ابن الاثير في جامع الاصول، مع روايات اخرى تؤيدها (3). 5 - وروى في المشكاة (4) عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. قال: وفي رواية: يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها. ثم قال: متفق عليه. وروى ابن شهر آشوب في المناقب (5)، والسيد في الطرائف (6)، وابن بطريق في العمدة والمستدرك (7)، وعلي بن عيسى في كشف الغمة (8) وغيرهم أخبارا كثيرة في هذا المعنى من اصول المخالفين أوردتها في أبواب فضائلها. ووجه الاستدلال بها على عصمتها صلوات الله عليها أنه إذا كانت فاطمة عليها السلام ممن تقارف الذنوب وترتكبها لجاز إيذاؤها، بل إقامة الحد عليها لو


= سنن أبي داود كتاب النكاح، حديث 12، وابن ماجة كتاب النكاح 56 وغيرهم. (1) في طبعة (ك): من آذاها. (2) صحيح الترمذي 5 / 698 - 699 كتاب المناقب، حديث 3869، ومسند احمد بن حنبل 4 / 325 و 326. (3) جامع الاصول 9 / 125 - 132، الاحاديث رقم 6671 إلى 6677. (4) مشكاة المصابيح: 568. (5) مناقب آل أبي طالب 3 / 325 و 332 و 334. (6) الطرائف في معرفة مذهب أهل الطوائف: 75 - 247، فيما جرى على فاطمة عليها السلام من الاذى والظلم ومنعها من فدك. (7) العمدة لا بن بطريق في فصل مناقب سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام: 383 - 391 من حديث 755 - 777، وكتاب المستدرك لا زال مخطوطا حسب علمنا. (8) كشف الغمة في معرفة الائمة 2 / 5 - 32.

[338]

فعلت معصية أو (1) ارتكبت ما يوجب حدا، ولم يكن رضاها رضى الله (2) سبحانه إذا رضيت بالمعصية، ولا من سرها في معصية سار لله سبحانه (3) ومن أغضبها بمنعها عن ارتكابها مغضبا له جل شأنه. فإن قيل: لعل المراد من آذاها ظلما فقد آذاني، ومن سرها في طاعة الله فقد سرني.. وأمثال ذلك، لشيوع التخصيص في العمومات. قلنا: أولا: التخصيص خلاف الاصل، ولا يصار إليه إلا بدليل، فمن أراد التخصيص فعليه إقامة (4) الدليل. وثانيا: ان فاطمة صلوات الله عليها تكون حينئذ كسائر المسلمين لم تثبت لها خصوصية ومزية في تلك الاخبار، ولا كان فيها لها تشريف ومدحة، وذلك باطل بوجوه: الاول: أنه لا معنى حينئذ لتفريع كون إيذائها إيذاء الرسول على كونها بضعة منه، كما مر فيما صححه البخاري ومسلم من الروايات وغيرها. الثاني: ان كثيرا من الاخبار السالفة المتضمنة لانكاره صلى الله عليه وآله على بني هاشم (5) في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب عليه السلام أو إنكاح بنت أبي جهل ليس من المشتركات بين المسلمين، فإن ذلك النكاح كان مما أباحه الله سبحانه، بل مما رغب فيه وحث عليه لولا كونه إيذاء لسيدة النساء، وقد علل رسول الله صلى الله عليه وآله عدم الاذن كونها بضعة منه يؤذيه ما آذاها ويريبه ما يريبها، فظهر بطلان القول بعموم الحكم لكافة المسلمين. الثالث: ان القول بذلك يوجب إلقاء كلامه صلى الله عليه وآله وخلوه عن


(1) في (س): و. (2) في (ك): الله. (3) خط على: سبحانه، في (س). (4) في (ك): باقامة. (5) خ. ل: بني هشام.

[339]

الفائدة، إذ مدلوله حينئذ أن بضعته كسائر المسلمين، ولا يقول ذلك من اوتي حظا من الفهم والفطانة، أو اتصف بشئ من الانصاف والامانة، وقد أطبق محدثوهم على إيراد تلك الروايات في باب مناقبها صلوات الله عليها. فإن قيل: أقصى ما يدل عليه الاخبار هو أن إيذاءها إيذاء للرسول صلى الله عليه وآله، ومن جوز صدور الذنب عنه صلى الله عليه وآله لا يأبى عن إيذائه إذا فعل ما يستحق به الايذاء. قلنا: بعد ما مر من الدلائل على عصمة الانبياء عليهم السلام (1)، قال الله تعالى: [والذين يؤذن رسول الله لهم عذاب أليم] (2)، وقال سبحانه: [وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله] (3)، وقال تعالى: [إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدلهم عذابا مهينا] (4)، فالقول بجواز إيذائه صلى الله عليه وآله رد لصريح القرآن، ولا يرضى به أحد من أهل الايمان. فإن قيل: إنما دلت الاخبار على عدم جواز إيذائها، وهو إنما ينافي صدور ذنب عنها يمكن للناس الاطلاع عليه حتى يؤذيها نهيا عن المنكر، ولا ينافي صدور معصية عنها خفية فلا يدل على عصمتها مطلقا. قلنا: نتمسك في دفع هذا الاحتمال بالاجماع المركب على أن ما جرى في قصة فدك وصدر عنها من الانكار على أبي بكر، ومجاهرتها بالحكم بكفره وكفر طائفة من الصحابة وفسقهم تصريحا وتلويحا، وتظلمها وغضبها على أبي بكر وهجرتها وترك كلامها حتى ماتت لو كانت معصية لكانت من المعاصي الظاهرة التي قد أعلنت بها على رؤوس الاشهاد، وأي ذنب أظهر وأفحش من مثل هذا الرد والانكار على الخليفة المفترض الطاعة على العالمين بزعمهم، فلا محيص لهم عن


(1) بحار الانوار: 17 / 34 - 97. (2) التوبة: 61. (3) الاحزاب: 53. (4) الاحزاب: 57.

[340]

القول ببطلان خلافة خليفتهم العظمى تحرزا عن إسناد هذه المعصية الكبرى إلى سيدة النساء. ونحتج أيضا في عصمتها صلوات الله عليها بالاخبار الدالة على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم السلام، وعدم جواز التخلف عنهم، وما يقرب من هذا المعنى، ولا ريب في أن ذلك لا يكون ثابتا لاحد إلا إذا كان معصوما، إذ لو كان ممن يصدر عنه الذنوب لما جاز اتباعه عند ارتكابها، بل يجب ردعه ومنعه وإيذاؤه، وإقامة الحد عليه، وإنكاره بالقلب واللسان، وكل ذلك ينافي ما حث عليه الرسول صلى الله عليه وآله وأوصى به الامة في شأنهم، وسيأتي من الاخبار في ذلك ما يتجاوز حد التواتر، ولنذكر فيها قليلا مما أورده المخالفون في صحاحهم: 6 - روى في جامع الاصول (1) عن الترمذي مما رواه في صحيحه (2) عن جابر ابن عبد الله الانصاري (3) قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة - وهو على ناقته القصوا (4) - يخطب فسمعته يقول: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. 7 - وروى (5) - أيضا -، عن الترمذي (6)، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا (7)، أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض،


(1) جامع الاصول: 1 / 277، حديث 65، وفي طبعة دار احياء التراث العربي 1 / 187. (2) صحيح الترمذي 5 / 662، حديث 3786. (3) لا توجد: الانصاري، وفي المصدرين. (4) في المصدر: القضواء. (5) جامع الاصول: 1 / 278، حديث 66، وفي طبعة دار احياء التراث العربي 1 / 187. (6) صحيح الترمذي 5 / 663، حديث 3788، وحكاهما العلامة الاميني في غديره عن غيرهما. انظر: الغدير 10 / 278 و 7 / 176 وغيرهما. (7) في المصدرين: لن تضلوا بعدي.

[341]

وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما !. 8 - وروى في المشكاة (1) عن أبي ذر أنه قال - وهو آخذ بباب الكعبة -: سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] يقول: ألا ان مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك. 9 - وروى في جامع الاصول (2) والمشكاة (3) من صحيح الترمذي (4)، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم (5). 10 - وروى البخاري (6) ومسلم (7) في صحيحهما، وأحمد في مسنده (8) عن ابن عباس قال: لما نزل: [قل لا أسئلكم عليه اجرا إلا المودة في القربي] (9) قالوا: يا رسول الله ! من قرابتك الذين وجب علينا مودتهم ؟، قال: علي وفاطمة وابناهما... (10).


(1) مشكاة المصابيح: 573. (2) جامع الاصول، المجلد العاشر، حديث: 6694 [طبعة الارناووط: 9 / 157، حديث 6707]. (3) مشكاة المصابيح: 569. (4) صحيح الترمذي: 5 / 699، حديث 3870، وفي طبعة اخرى حديث 3869، باب مناقب فاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم. (5) وقد أخرجه الحاكم عن زيد في مستدركه 3 / 149، والكنجي في الكفاية: 189 من طريق الطبراني، والخوارزمي في المناقب: 90، والسيوطي في ترتيبه 6 / 216، والخطيب في تاريخه 7 / 137، وابن عساكر في تاريخه 4 / 316، وابن حجر في صواعقه: 112، وابن الصباغ المالكي في فصوله: 11، وعد مصادر اخرى وطرقا متعددة العلامة الاميني في غديره 1 / 336 وجاء بألفاظ مختلفة فراجع، وانظر منه المجلد العاشر: 49، والحادي عشر: 4، وموارد اخر. (6) صحيح البخاري في كتاب الوصايا باب: 11. (7) صحيح مسلم في كتاب الجهاد باب: 139 و 140. (8) مسند أحمد بن حنبل 1 / 248 و 294 و 320. (9) الشورى: 23. (10) جاء في أكثر من أربعين مصدرا عن طريق العامة بهذا اللفظ عدا ما أورده بألفاظ متعددة ومختلفة.

[342]

وسيأتي من الاخبار في ذلك ما يشبعك ويغنيك، وفيما ذكرنا كفاية للمنصف إن لم يكن يكفيك. الثانية: في بيان ما يدل على كونها صلوات الله عليها محقة في دعوى فدك، مع قطع النظر عن عصمتها، فنقول: لاريب على من (1) له أدنى تتبع في الآثار، وتنزل قليلا عن درجة التعصب والانكار في أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يرى فدكا حقا لفاطمة عليها السلام، وقد اعترف بذلك جل أهل الخلاف، ورووا أنه عليه السلام شهد لها، ولذلك تراهم يجيبون تارة بعدم قبول شهاة الزوج، وتارة بأن أبا بكر لم يمض شهادة علي عليه السلام وشهادة أم أيمن لقصورها عن نصاب الشهادة، وقد ثبت بالاخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا عليه السلام لا يفارق الحق والحق لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار، وقد اعترف ابن أبي الحديد بصحة هذا الخبر (2).


(1) = انظر من باب المثال: الفصول المهمة 12، الكفاية للكنجي: 31، الصواعق المحرقة: 101 و 135، نور الابصار: 112، والمجمع للحافظ الهيثمي: 168 و 169 وغيرها، وانظر: الغدير 2 / 304 - 311، و 3 / 171 - 175 وغيرها. (1) في (ك): لا ريب من.. (2) في شرحه على نهج البلاغة: 9 / 88، وانظر: مستدرك الحاكم 3 / 124 حيث صححه، وكذا أقر به الذهبي، وحسن سنده الطبراني في المعجم الوسيط، ولاحظ: الصواعق المحرقة: 74 و 75، والجامع الصغير للسيوطي: 2 / 140، وتاريخ الخلفاء له: 116، وفيض القدير: 4 / 358، وتاريخ بغداد للخطيب 14 / 321، ومجمع الزوائد 7 / 236، وقد فصل طرقه ومصادره شيخنا الاميني في غديره 3 / 80 - 175 تحت عنوان: نظرة في حديث علي مع الحق.

[343]

11 - وروى ابن بطريق (1) عن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة (2) بإسناده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: علي مع الحق والحق مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. 12 - وروى ابن شيرويه الديلمي في الفردوس (3)، بالاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار. وقد روى علي بن عيسى في كشف الغمة (4)، وابن شهر آشوب في المناقب (5)، وابن بطريق في المستدرك والعمدة (6)، والعلامة رحمه الله في كشف الحق (7).. وغيرهم في غيرها أخبارا كثيرة من كتب المخالفين في ذلك، وسنوردها بأسانيدها في المجلد التاسع (8). فهل يشك عاقل في حقية دعوى كان المدعي فيها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين باتفاق المخالفين والمؤالفين، والشاهد لها أمير المؤمنين الذي قال النبي صلى الله عليه وآله فيه: ان الحق لا يفارقه، وانه الفاروق بين الحق والباطل، وان من اتبعه اتبع ومن تركه ترك الحق (9) و.. غير ذلك مما سيأتي


(1) لم نجد الرواية في العمدة بعد بحث أكثر من مرة، وما وجدناه فيه: 285 قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أدر الحق مع علي حيث دار. ولعل ابن بطريق ذكره في المستدرك الذي لا نعلم بطبعه، نعم حكاه العلامة المجلسي عن مستدركه في بحار الانوار 38 / 39. (2) فضائل الصحابة للسمعاني. (3) الفردوس 2 / 390 ذيل حديث رقم 3050 (دار الكتاب العربي). (4) كشف الغمة 1 / 143 - 144. (5) المناقب 3 / 60 - 62. (6) العمدة لابن بطريق 383 - 391، والمستدرك لا نعلم بطبعه، وحكاه في البحار (الطبعة الحديثة) 38 / 31 و 32 و 39، فراجع. (7) كشف الحق: 88، ذيل رواية الغدير، وفيها.. وأدر الحق مع علي كيفما دار.. (8) بحار الانوار 38 / 26 - 40. (9) قد مرت مصادر الحديث، وانظر: الغدير 3 / 176 - 179.

[344]

في أبواب فضائله ومناقبه عليه السلام (1). وأما فضائل فاطمة عليها السلام فتأتي الاخبار المتواترة من الجانبين في المجلد التاسع والمجلد العاشر (2). 13 - وروى في جامع الاصول (3) من صحيح الترمذي (4)، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون. 14 - وروى البخاري (5) ومسلم (6) والترمذي (7) وأبو داود (8) في صحاحهم على ما رواه (9) في جامع الاصول (10) - في حديث طويل - قال في آخره: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليها السلام: يا فاطمة ! أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء الامة (11) ؟ !. وفي رواية اخرى رواها البخاري (12) ومسلم (13): أما ترضين أن تكوني


(1) بحار الانوار 35 / 206 - 429 و 36 / 162 - 163، والمجلد السابع والثلاثون طرا، و 38 / 26 - 40 و 125 إلى آخر المجلد، والمجلد التاسع والثلاثون كلا و 40 / 1 - 125. (2) بحار الانوار 35 / 206 - 225 و 237 - 255، 37 / 35 - 97، 43 / 19 - 79. (3) جامع الاصول 9 / 125، حديث 6670، وفي طبعة دار احياء التراث العربي 9 / 81، حديث 6658، وفي مسند أحمد 3 / 135، ومستدرك الحاكم 3 / 157 - 158. (4) صحيح الترمذي 5 / 703، حديث 3878. (5) صحيح البخاري 8 / 79. (6) صحيح مسلم 4 / 1904 - 1906، حديث 98 - 99. (7) صحيح الترمذي 5 / 700 / 701، حديث 3872 - 3873، باختلاف. (8) صحيح أبي داود 4 / 355، حديث 5217. (9) نسخة بدل: على ما حكاه، جاءت في طبعة (ك). (10) جامع الاصول 9 / 129 - 131، حديث 6677، وفي طبعة دار احياء التراث العربي 10 / 85 في ضمن حديث 6665. (11) في جامع الاصول: نساء هذه الامة. (12) صحيح البخاري 4 / 248، وفي طبعة عالم الكتاب 5 / 55 ضمن حديث 126. (13) صحيح مسلم 4 / 1904، حديث 97 باختلاف، ولم أعثر على حديث آخر أنسب منه.

[345]

سيدة نساء أهل الجنة ؟ (1) وأنك أول أهلي لحوقا بي. 15 - وروى ابن عبد البر في الاستيعاب (2) في ترجمة خديجة عليها السلام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم. 16 - وعن ابن عباس: إنهن أفضل نساء أهل الجنة. 17 - وعن أنس: إنهن خير نساء العالمين. 18 - وعن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الارض أربعة خطوط ثم قال: أتدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة (3) خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (ص)، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (4). 19 - وروى (5) في ترجمة فاطمة عليها السلام - بالاسناد - عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم: عاد فاطمة رضي الله عنها - وهي مريضة - فقال لها: كيف تجدينك يا بنية ؟ قالت: إني لوجعة، وإني (6) ليزيدني أني ما لي طعام آكله، قال: يا بنية ! ألا ترضين (7) أنك سيدة نساء العالمين ؟ فقالت: يا أبه ! فأين مريم بنت عمران ؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك،


(1) وفي صحيح البخاري: أو نساء المؤمنين، فضحككت لذلك، وإنك أول الناس لحوقا بي، وجاءت في حديث آخر. (2) الاستيعاب - المطبوع في هامش الاصابة - 4 / 284 - 285. (3) في المصدر زيادة: اربع، وهو الظاهر. (4) حكاها في الاستيعاب بأسانيدها، واختصرها شيخنا قدس سره هنا، وتجد هناك روايات بهذا المضمون، فلاحظ. (5) الاستيعاب - المطبوع في حاشية الاصابة - 4 / 375 - 376. (6) في المصدر: وإنه. (7) في الاستيعاب: أما ترضين.

[346]

أما والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة. 20 - وقال البخاري (1) في عنوان باب مناقب قرابة الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. 21 - وروى من طريق أصحابنا الكراجكي في كنز الفوائد (2)، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر (3)، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي ويغصبها حقها ويقتلها، ثم قال: يا فاطمة ! أبشري فلك عند الله مقام محمود تشفعين فيه لمحبيك وشيعتك فتشفعين، يا فاطمة ! لو أن كل نبي بعثه الله وكل ملك قربة شفعوا في كل مبغض لك غاصب لك ما أخرجه الله من النار أبدا. الثالثة: في أن فدكا كانت نحلة لفاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن أبا بكر ظلمها بمنعها. قال أصحابنا رضوان الله عليهم: كانت فدك مما أفاء الله على رسوله بعد فتح خيبر، فكانت خاصة له صلى الله عليه وآله إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وقد وهبها لفاطمة صلوات الله عليها وتصرف فيها وكلاؤها ونوابها، فلما


(1) صحيح البخاري 5 / 25 و 36 في باب مناقب فاطمة عليها السلام، وفي طبعة عالم الكتاب 5 / 91. (2) كنز الفوائد - طبعة دار الاضواء، بيروت - 1 / 150 قطعة من حديث. (3) جاء السند في الكنز هكذا: عن أبي الحسن بن شاذان قال: حدثني أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا ابن الوليد محمد بن الحسن، قال: حدثنا الصفار محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن مفضل بن عمر.

[347]

غصب أبو بكر الخلافة انتزعها، فجاءته فاطمة عليها السلام مستعدية فطالبها بالبينة فجاءت بعلي والحسنين صلوات الله عليهم وأم أيمن المشهود لها بالجنة (1)، فرد شهادة أهل البيت عليهم السلام بجر النفع، وشهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة، ثم ادعتها على وجه الميراث فرد عليها بما مر وسيأتي، فغضبت عليه وعلى عمر فهجرتهما، وأوصت بدفنها ليلا لئلا يصليا عليها، فأسخطا بذلك ربهما ورسوله واستحقا أليم النكال وشديد الوبال، ثم لما انتهت الامارة إلى عمر ابن عبد العزيز ردها على بني فاطمة عليها السلام، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك، ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهدي، ثم قبضها الهادي، ثم ردها المأمون (2) لما جاءه رسول بني فاطمة فنصب وكيلا من قبلهم وجلس محاكما فردها عليهم (3)، وفي ذلك يقول دعبل الخزاعي: أصبح وجه الزمان قد ضحكا * برد مأمون هاشما فدكا (4)


(1) جاءت القصة مفصلة في الغدير 7 / 191 وما بعدها عن عدة مصادر من العامة. (2) اقول: ردها المأمون على الفاطميين سنة 210 ه‍، وكتب بذلك إلى القثم بن جعفر - عامله في المدينة - كتابا، ولما استخلف المتوكل أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون، انظر: فتوح البلدان للبلاطي: 239 - 241، تاريخ اليعقوبي 3 / 48، العقد الفريد 2 / 323، معجم البلدان 6 / 344، تاريخ ابن كثير 9 / 200، شرح ابن أبي الحديد 4 / 103، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 154، جمهرة رسائل العرب 3 / 510، أعلام النساء 3 / 1211 وغيرها، بل الفت كتب كثيرة في الباب: ك‍ (فدك) للسيد محمد حسين الموسوي القزويني، و (فدك في التاريخ) للسيد محمد باقر الصدر، وغيرها. (3) انظر الآراء المتضاربة حول فدك في كتاب الغدير 7 / 194 - 197 وغيره. (4) ديوان دعيل الخزاعي: 247 - 248، وانظر: معجم البلدان 4 / 239، وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 81، أمالي السيد المرتضى 2 / 92، العقد الفريد 6 / 214 [5 / 375]، الاغاني 18 / 32، معجم الادباء 4 / 197، وفيات الاعيان 1 / 179 [2 / 36]، مرآة الجنان 2 / 146، شذرات الذهب 2 / 112، النجوم الزاهرة 2 / 323، تاريخ بغداد 8 / 384، طبقات الشعراء: 73، تاريخ دمشق 5 / 229، لسان الميزان 2 / 430... وعشرات المصادر الاخرى.

[348]

ولنبين خطأ أبي بكر في تلك القضية مع وضوحها بوجوه: أما أن فدكا كان لرسول الله صلى الله عليه وآله فمما لا نزاع فيه، وقد أوردنا من رواياتنا وأخبارنا لمخالفين (1) ما فيه كفاية، ونزيده وضوحا بما رواه في: 22 - جامع الاصول (2) مما أخرجه من صحيح أبي داود (3) عن عمر قال: ان أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجد المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه [وآله] خاصة قرى عرينة (4) وفدك وكذا وكذا.. ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، وتلا: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول... الآية] (5). 23 - وروى أيضا (6) عن مالك بن أوس قال: كان فيما احتج عمر أن قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه [وآله] ثلاث صفايا: بنو النضير وخيبر وفدك.. إلى آخر الخبر. 24 - وروى ابن أبي الحديد (7) في شرح كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عثمان بن حنيف، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثني أبو إسحاق عن الزهري قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل ذلك، فسمع أهل (8) فدك


(1) كذا، والظاهر: اخبار المخالفين، أو: اخبارا من المخالفين، أو: لمخالفينا. (2) جامع الاصول 2 / 707 ضمن حديث 1202، باختلاف. (3) سنن أبي داود 3 / 141، انظر حديثي 2965 - 2966، ولعله حدث خلط أو سقط عند النقل أو ما شابه هذا، فليلاحظ جيدا. (4) قال في القاموس 4 / 247: وعرينة - كجهينة -: قبيلة، وانظر: معجم البلدان 4 / 115، وقال فيه: وقيل قرئ بالمدينة.. إلى آخره. (5) الحشر: 7. (6) في جامع الاصول 2 / 706 ضمن حديث 1202، وسنن أبي داود 3 / 141، حديث 2967. (7) في شرح النهج 16 / 210، باختلاف يسير. (8) في المصدر: ففعل فسمع ذلك أهل..

[349]

فنزلوا على مثل ذلك، فكانت للنبي صلى الله عليه وآله خاصة، لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. قال (1): وقال أبو بكر: وروى محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يصالحونه (2) على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق أو بعدما قدم المدينة (3) فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة (4) لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. قال: وقد روي أنه صالحهم عليها كلها، والله أعلم أي الامرين كان، انتهى. وسيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع علي عليه السلام والعباس. وأما أنه وهبها لفاطمة عليها السلام، فلانه لا خلاف في أنها صلوات الله عليها ادعت النحلة مع عصمتها الثابتة بالادلة المتقدمة، وشهد له (5) من ثبتت عصمته بالادلة الماضية والآتية، والمعصوم لا يدعي إلا الحق، ولا يشهد إلا بالحق، ويدور الحق معه حيثما دار. وأما أنها كانت في يدها صلوات الله عليها فلانها ادعتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله على وجه الاستحقاق، وشهد المعصوم بذلك لها، فإن كانت الهبة قبل الموت تبطل بموت الواهب - كما هو المشهور - ثبت القبض، وإلا فلا حاجة إليه في إثبات المدعى، وقد مر من الاخبار الدالة على نحلتها، وأنها كانت في يدها عليها السلام ما يزيد على كفاية المنصف، بل يسد طريق إنكار


(1) في شرحه على النهج 16 / 210، باختلاف كثير. (2) في المصدر: فصالحوه. (3) في شرح النهج: أقام بالمدينة. (4) في المصدر: خالصة. (5) كذا، والظاهر: لها.

[350]

المتعسف. ويدل على أنها كانت في يدها صلوات الله عليها ما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى عثمان بن حنيف (1) حيث قال: بلى كانت في أيدينا فدك، من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين (2)، ونعم الحكم الله.. وأما أن أبا بكر وعمر أغضبا فاطمة عليها السلام، فقد اتضح بالاخبار المتقدمة. ثم اعلم أنا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، ولا أحدا من الاصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك، إلا ما تفطن به بعض الافاضل من الاشارف، مع أنه يظهر من كثير من أخبار المؤالف والمخالف ذلك، وقد تقدم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك عن أحمد ابن عبد العزيز الجوهري وغيرها من الاخبار، ولا يخفى أن ذلك يتضمن إنكار الآية وإجماع المسلمين، إذ القائل بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصرف شيئا من غلة فدك وغيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين لم يقل بأنها لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وآله، بل قال: بأنه فعل ذلك على وجه التفضل وابتغاء مرضاة الله تعالى، وظاهر الحال أنه أنكر ذلك دفعا لصحة النحلة، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادعائه أنها كانت من أموال المسلمين. واعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفه... الاول: منع عصمتها صلوات الله عليها، وقد تقدمت الدلائل المثبتة لها. الثاني: أنه (3) لو سلم عصمتها فليس للحاكم أن يحكم بمجرد دعواها وإن


(1) نهج البلاغة - محمد عبده، طبعة مصر، مطبعة الاستقامة - 2 / 79 ضمن الكتاب رقم 45، وفي طبعة الاعلمي 3 / 71، وفي طبعة الدكتور صبحي الصالح: 417 ضمن الكتاب المذكور. (2) في طبعة صبحي الصالح من النهج: نفوس قوم آخرين. (3) في (ك) وضع على: أنه، خ. ل. رمز نسخة بدل.

[351]

تيقن صدقها. وأجاب أصحابنا بالادلة الدالة على أن الحاكم يحكم بعلمه. وأيضا اتفقت الخاصة والعامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت وتسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبي (1) صلى الله عليه وآله بدعواه (2)، ولو كان المعصوم كغيره لما جاز للنبي صلى الله عليه وآله قبول شاهد واحد والحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره. وقد روى (3) أصحابنا أن أمير المؤمنين عليه السلام خطأ شريحا في طلب البينة منه (4)، وقال: إن إمام المسلمين يؤتمن من امورهم على ما هو أعظم من ذلك، وأخذ ما ادعاه من درع طلحة بغير حكم شريح، والمخالفون حرفوا هذا الخبر وجعلوه حجة لهم. واعتذروا بوجوه اخرى سخيفة لا يخفى على قال - بعدما أوردنا في تلك الفصول - ضعفها ووهنها، فلا نطيل الكلام بذكرها. الرابعة: في توضيح بطلان ما ادعاه أبو بكر من عدم توريث الانبياء عليهم السلام: استدل أصحابنا على بطلان ذلك بآي من القرآن:


(1) في (س): بالنبي. (2) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 4 / 378 - 381، تهذيب التهذيب لابن حجر 3 / 121 برقم 267، والدرجات الرفيعة للسيد علي خان الشيرازي: 310 - 314، والاختصاص للمفيد: 64، والكافي 7 / 400 - 401 حديث 1 وغيرها. (3) في المناقب لابن شهر آشوب 2 / 105 - 106، نقلا عن الاحكام الشرعية للخزاز القمي علي بن محمد، وفي: من لا يحضره الفقيه 7 / 63، حديث 213، وفي التهذيب 6 / 273 - 275، حديث 747، وفي الاستبصار 3 / 34، حديث 117، وفي الكافي 7 / 385، حديث 5. (4) لا توجد في (س): منه.

[352]

الاولى: قوله تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام (1): [وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا] (2). قوله تعالى: " وليا " أي ولدا يكون أولى بميراثي، وليس المراد بالولي من يقوم مقامه، ولدا كان أو غيره، لقوله تعالى حكاية عن زكريا: [رب هب لي من لدنك ذرية طيبة] (3). وقوله: [رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى] (4). والقرآن يفسر بعضه بعضا. واختلف المفسرون في أن المراد بالميراث العلم أو المال ؟. فقال ابن عباس والحسن والضحاك ان المراد به في قوله تعالى: " يرثني.. " وقوله سبحانه: [ويرث من آل يعقوب..] (5) ميراث المال (6)، وقال أبو صالح: المراد به في الموضعين ميراث النبوة (7). وقال السدي ومجاهد والشعبي: المراد به في الاول ميراث المال وفي الثاني ميراث النبوة، وحكي هذا القول عن ابن عباس والحسن والضحاك (8)، وحكي عن مجاهد أنه قال: المراد من الاول العلم ومن الثاني النبوة (9).


(1) استدل بهذه الآية الشيخ الطوسي في التبيان 7 / 106، والطبرسي في مجمع البيان 3 / 503، والسيد المرتضى في الشافي 4 / 60 - 65، وغيرهم في غيرها. (2) مريم: 6. (3) آل عمران: 38. (4) الانبياء: 89 - 90. (5) مريم: 6. (6) كما في تفسير الفخر الرازي 21 / 184. (7) جاء في تفسير الكبير 21 / 184، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 216، وتفسير الطبري 16 / 37 بتغيير في اللفظ. (8) حكى هذا القول عنهم في التفسير الكبير 21 / 184، وعن ابن عباس في أحكام القرآن للجصاص 3 / 216، وفي زاد المسير لابن الجوزي 5 / 209. (9) كما قاله في تفسير الفخر الرازي 21 / 184.

[353]

وأما وجه دلالة الآية على المراد، فهو أن لفظ الميراث في اللغة والشريعة والعرف إذا اطلق ولم يقيد لا يفهم منه إلا الاموال وما في معناها ولا يستعمل في غيرها إلا مجازا، وكذا لا يفهم من قول القائل لا وارث لفلان إلا من ينتقل إليه أمواله وما يضاهيها دون العلوم وما يشاكلها، ولا يجوز العدول عن ظاهر اللفظ وحقيقته إلا لدليل، فلو لم يكن في الكلام قرينة توجب حمل اللفظ على أحد المعنيين لكفى في مطلوبنا، كيف والقرائن الدالة على المقصود موجودة في اللفظ ؟ !. أما أولا: فلان زكريا عليه السلام اشترط في وارثه أن يكون رضيا، وإذا حمل الميراث على العلم والنبوة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغوا عبثا، لانه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم والنبوة فقد دخل في سؤاله الرضا وما هو أعظم منه فلا معنى لاشتراطه، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث الينا نبيا واجعله مكلفا عاقلا ؟ !. وأما ثانيا: فلان الخوف من بني العم ومن يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوة والعلم، وكيف يخاف مثل زكريا عليه السلام من أن يبعث الله تعالى إلى خلقه نبيا يقيمه مقام زكريا ولم يكن أهلا النبوة والعلم، سواء كان من موالي زكريا أو من غيرهم ؟، على أن زكريا عليه السلام كان إنما بعث لا ذاعة العلم ونشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الامر الذي هو الغرض في (1) بعثته. فإن قيل: كيف يجوز على مثل زكريا عليه السلام الخوف من أن يرث الموالي ماله ؟ وهل هذا إلا الضن والبخل ؟. قلنا: لما علم زكريا عليه السلام من حال الموالي أنهم من أهل الفساد، خاف أن ينفقوا أمواله في المعاصي ويصرفوه في غير الوجوه المحبوبة، مع أن في وراثتهم ماله كان يقوي فسادهم وفجورهم، فكان خوفه خوفا من قوة الفساق


(1) وجاءت في (ك) نسخة بدل: من.

[354]

وتمكنهم في سلوك الطرايق المذمومة، وانتهاك محارم الله عزوجل، وليس مثل ذلك من الشح والبخل. فإن قيل: كما جاز الخوف على المال من هذا الوجه (1) جاز الخوف على وراثتهم العلم لئلا يفسدوا به الناس ويضلوهم، ولا ريب في أن ظهور آثار العلم فيهم كان من دواعي اتباع الناس إياهم وانقيادهم لهم. قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي ذكرتموه من أن يكون هو كتبا علمية وصحفا حكمية، لان ذلك قد يسمى علما مجازا، أو يكون هو العلم الذي يملا القلوب وتعيه الصدور، فإن كان الاول، فقد رجع إلى معنى المال وصح أن الانبياء عليهم السلام يورثون الاموال، وكان حاصل خوف زكريا عليه السلام أنه خاف من أن ينتفعوا ببعض أمواله نوعا خاصا من الانتفاع، فسأل ربه أن يرزقه الولد حذرا من ذلك، وإن كان الثاني، فلا يخلو - أيضا - من أن يكون هو العلم الذي بعث النبي لنشره وأدائه إلى الخلق، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق لشريعة ولا يجب اطلاع الامة عليه كعلم العواقب وما يجري في مستقبل الاوقات.. ونحو ذلك. والقسم الاول: لا يجوز أن يخاف النبي من وصوله إلى بني عمه - وهم من جملة أمته المبعوث إليهم لان يهديهم ويعلمهم - وكان خوفه من ذلك خوفا من غرض البعثة. والقسم الثاني: لا معنى للخوف من أن يرثوه إذ كان أمره بيده، ويقدر على أن يلقيه إليهم، ولو صح الخوف على القسم الاول لجرى ذلك فيه أيضا، فتأمل. هذا خلاصة ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي عند تقرير هذا الدليل (2)، وما أورد عليه من تأخر عنه يندفع بنفس التقدير، كما لا يخفى على


(1) لا توجد في (س): من هذا الوجه. (2) الشافي 229 - الحجرية - [الطبعة الجديدة 4 / 63 - 66].

[355]

الناقد البصير، فلذا لا نسود بإيرادها الطوامير. الآية الثانية: قوله تعالى: [وورث سليمن داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين] (1). وجه الدلالة، هو أن المتبادر من قوله تعالى - ورثه -، أنه ورث ماله (2) كما سبق في الآية المتقدمة، فلا يعدل عنه إلا لدليل. وأجاب قاضي القضاة في المغني (3): بأن في الآية ما يدل على أن المراد وراثة العلم دون المال، وهو قوله تعالى: [وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير] (4) فإنه يدل على أن الذي ورث هو هذا (5) العلم وهذا الفضل، وإلا لم يكن لهذا تعلق بالاول. وقال الرازي في تفسيره: لو قال تعالى: ورث سليمان داود ماله، لم يكن لقوله تعالى: [وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير] (6) معنى، وإذا قلنا ورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك، لان علم منطق الطير يكون داخلا في جملة ما ورثه، وكذلك قوله: [وأوتينا من كل شئ] (7) لان وارث العلم يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه، وقوله: [إن هذا لهو الفضل المبين] (8) يليق أيضا بما ذكر دون المال الذي يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرنا، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لا يورث إلا المال، فأما إذا ورث المال والملك معا فهذا لا يبطل بالوجوه الذي ذكرنا، بل بظاهر قوله صلى الله عليه وآله: نحن معاشر الانبياء لا نورث (9).


(1) النمل: 16. (2) نقله عن الحسن في تفسير الفخر الرازي 24 / 186، وفي مجمع البيان 4 / 214. (3) المغني، الجزء الاول المتمم للعشرين: 330، بتصرف واختصار. (4) النمل: 16. (5) في المصدر: فنبه على أن الذي هو ورث هذا.. (6 و 7 و 8) النمل: 16. (9) كما جاء في تفسير الفخر الرازي 24 / 186.

[356]

ورد السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي (1) كلام المغني بأنه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة، ثم يقول مع ذلك: [إنا علمنا منطق الطير] (2)، ويشير ب‍ [الفضل المبين] (3) إلى العلم والمال جميعا، فله في الامرين جميعا فضل على من لم يكن كذلك، وقوله: [وأوتينا من كل شئ] (4) يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص لما ظنه، ولو سلم دلالة الكلام على العلم لما ذكره، فلا يمتنع أن يريد أنه ورث المال بالظاهر، والعلم بهذا النوع من الاستدلال فليس يجب إذا دلت الدلالة في بعض الالفاظ على المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة - التي هي الاصل - إذا لم يمنع من ذلك مانع. وقد ظهر بما ذكره السيد قدس سره بطلان قول الرازي أيضا (5)، وكان القاضي يزعم أن العطف لو لم يكن للتفسير لم يكن للمعطوف تعلق بما عطف عليه وانقطع نظام الكلام. وما اشتهر (6) من أن التأسيس أولى من التأكيد من الاغلاط المشهورة، وكأن الرازي يذهب إلى أنه لا معنى للعطف إلا إذا كان المعطوف داخلا في المعطوف عليه، فعلى أي شئ يعطف حينئذ قوله تعالى: [وأوتينا من كل شئ] (7) ؟ فتدبر. وأما قوله: ان المال يحصل للكامل والناقص، فلو حمل الميراث على المال لم يناسبه قوله: [إن هذا لهو الفضل المبين] (8). فيرد عليه أنه إنما يستقيم إذا كانت الاشارة إلى أول الكلام فقط - وهو وراثة المال - وبعده ظاهر، ولو كانت الاشارة إلى مجموع الكلام - كما هو الظاهر - أو إلى


(1) الشافي 232 - حجرية - [الطبعة الجديدة 2 / 79] بتصرف واختصار. (2 و 3 و 4) النمل: 16. (5) في تفسيره الكبير 24 / 186. (6) وما اشتهر عطف على اسم (ان) أعني العطف، ويكون المعنى: كان القاضي يزعم أن ما اشتهر.. (7 و 8) النمل: 16.

[357]

أقرب الفقرات - أعني قوله: [وأوتينا من كل شئ] (1) - لم يبق لهذا الكلام مجال، وكيف لا يليق دخول المال في جملة المشار إليه، وقد من الله تعالى على عباده في غير موضع من كلامه المجيد بما أعطاهم في الدنيا من صنوف الاموال، وأوجب على عباده الشكر عليه، فلا دلالة فيه على عدم إرادة وراثة المال سواء كان من كلام سليمان أو كلام الملك المنان. وقد ظهر بذلك بطلان قوله أخيرا: ان ما ذكره الله تعالى من جنود سليمان لا يليق إلا بما ذكرنا، بل الاظهر أن حشر الجنود من الجن والانس والطير قرينة على عدم إرادة الملك من قوله: [ورث سليمان داود] (2)، فإن تلك الجنود لم تكن لداود حتى يرثها سليمان، بل كانت عطية مبتدأة من اله تعالى لسليمان عليه السلام، وقد أجرى الله تعالى على لسانه أخيرا الاعتراف بأن ما ذكره لا يبطل قول من حمل الآية على وراثة الملك والمال معا، فإنه يكفينا في إثبات المدعى، وسيأتي الكلام في الحديث الذي تمسك به. الآية الثالثة: ما يدل على وراثة الاولاد والاقارب، كقوله تعالى: [للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا] (3)، وقوله تعالى: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين] (4)، وقد أجمعت الامة على عمومها (5) إلا من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسك بعمومها إلا إذا قامت دلالة قاطعة، وقد قال سبحانه


(1) النمل: 16. (2) النمل: 14. (3) النساء: 7. (4) النساء: 11. (5) كما صرح بذلك في تفسير الكشاف 1 / 502 و 505، وتفسير زاد المسافرين لابن الجوزي 2 / 18 و 25، وأحكام القرآن للزجاج 2 / 15 و 18، وتفسير الفخر الرازي 9 / 194 و 203، وتفسير الطبري 4 / 177 و 185، وتفسير القمي 1 / 131 - 132، والتبيان للشيخ الطوسي 3 / 120 و 128، ومجمع البيان 2 / 10 و 14 وغير ذلك.

[358]

عقيب آيات الميراث: [تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين] (1)، ولم يقم دليل على خروج النبي صلى الله عليه وآله عن حكم الآية، فمن تعدى حدود الله (2) في نبيه يدخله الله النار خالدا فيها وله العذاب المهين. وأجاب المخالفون بأن العمومات مخصصة بما رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة (3). قال صاحب المغني (4): لم يقتصر أبو بكر على رواية حتى استشهد عليه عمر (5) وعثمان وطلحة والزبير وسعد أو (6) عبد الرحمن بن عوف فشهدوا به، فكان لا يحل لابي بكر وقد صار الامر إليه أن يقسم التركة ميراثا، وقد أخبر الرسول (ص) بأنها صدقة وليس (7) بميراث، وأقل ما في الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد، فلو أن شاهدين شهدا في التركة أن فيها حقا أليس كان يجب أن يصرفه عن الارث ؟ فعلمه بما قال الرسول (ص) مع شهادة غيره أقوى، ولسنا نجعله مدعيا (8)، لانه لم يدع ذلك لنفسه، وإنما بين أنه ليس بميراث وأنه صدقة، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخص في العبد والقاتل وغيرهما. ويرد عليه أن الاعتماد في تخصيص الآيات إما على سماع أبي بكر ذلك الخبر من رسول الله صلى الله عليه وآله ويجب على الحاكم أن يحكم بعلمه، وإما على


(1) النساء: 13 - 14. (2) في (س): حد الله. (3) مرت مصادر الحديث كرارا، وانظر: الغدير 6 / 190 مثالا. (4) المغني، الجزء الاول المتمم للعشرين 328 - 329، باختلاف يسير. (5) في المصدر: لم يقتصر على روايته حتى استشهد أصحاب رسول الله، فشهد بصدقه عمر.. (6) في المغني: الواو بدلا من أو. (7) قد تقرأ الكلمة في (ك): ليست، وهو الظاهر. (8) في المصدر: بدعيا.

[359]

شهادة من زعموهم شهودا على الرواية، أو على مجموع الامرين، أو على سماعه من حيث الرواية مع انضمام الباقين إليه. فإن كان الاول فيرد عليه وجوه من الايراد: الاول: ما ذكره السيد رضي الله عنه في الشافي (1) من أن أبا بكر في حكم المدعي لنفسه والجار إليها نفعا في حكمه، لان أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل البيت عليهم السلام تحل لهم الصدقة، ويجوز أن يصيبوا منها، وهذه تهمة في الحكم والشهادة. ثم قال رحمه الله تعالى: وليس له أن يقول هذا يقتضي أن لا تقبل شهادة شاهدين في تركة فيها صدقة بمثل ما ذكرتم، وذلك لان الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظهما منها كحظ صاحب الميراث، بل سائر المسلمين، وليس كذلك حال تركة الرسول (2) (ص)، لان كونها صدقة يحرمها على ورثته ويبيحها لسائر المسلمين، انتهى. ولعل مراده رحمه الله أن لحرمان الورثة في خصوص تلك المادة شواهد على التهمة، بأن كان غرضهم إضعاف جانب أهل البيت عليهم السلام لئلا يتمكنوا من المنازعة في الخلافة ولا يميل الناس إليهم لنيل الزخارف الدنيوية، فيكثر أعوانهم وأنصارهم، ويظفروا بإخراج الخلافة والامارة من أيدي المتغلبين، إذ لا يشك أحد ممن نظر في أخبار العامة والخاصة في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في ذلك الوقت طالبا للخلافة مدعيا لاستحقاقه لها، وانه لم يكن انصراف الاعيان والاشراف عنه وميلهم إلى غيره إلا لعلمهم بأنه لا يفضل أحدا منهم على ضعفاء المسلمين، وانه يسوي بينهم في العطاء والتقريب، ولم يكن انصراف سائر الناس عنه إلا لقلة ذات يده، وكون المال والجاه مع غيره.


(1) الشافي: 230 - الحجرية - [الطبعة الجديدة 4 / 68] بتصرف واختصار. (2) كذا في المصدر، وفي (س): رسول الله.

[360]

والاولى أن يقال في الجواب، انه لم تكن التهمة لاجل أن له حصة (1) في التركة، بل لانه كان يريد أن يكون تحت يده، ويكون حاكما فيه يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء. ويؤيده قوله أبي بكر - فيما رواه في جامع الاصول (2) من سنن أبي داود (3) - عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها من أبيها، فقال لها: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة فهو للذي يقوم من بعده. ولا ريب في أن ذلك مما يتعلق به الاغراض، ويعد من جلب المنافع، ولذا لا تقبل شهادة الوكيل فيما هو وكيل فيه والوصي فيما هو وصي فيه. وقد ذهب قوم إلى عدم جواز الحكم بالعلم مطلقا، لانه مظنة التهمة، فكيف إذا قامت القرائن عليه من عداوة ومنازعة وإضعاف جانب و.. نحو ذلك ؟. والعجب أن بعضهم في باب النحلة منعوا - بعد تسليم عصمة فاطمة عليها السلام - جواز الحكم بمجرد الدعوى وعلم الحاكم بصدقها، وجوزوا الحكم بأن التركة صدقة للعلم بالخبر مع معارضته للقرآن، وقيام الدليل على كذبه. الثاني: أن الخبر معارض (4) للقرآن لدلالة الآية في شأن زكريا عليه السلام وداود عليه السلام على الوراثة، وليست الآية عامة حتى يخصص بالخبر، فيجب طرح الخبر. لا يقال: إذا كانت الآية خاصة فينبغي تخصيص الخبر بها، وحمله على غير


(1) في (ك): حضة، ولا معنى لها هنا. (2) جامع الاصول 9 / 639، حديث 7440. (3) سنن ابن داود 3 / 144، حديث 2973. (4) في حاشية (ك): خ. ل: مناقض، ولم يعلم عليها، ولعل محلها هنا.

[361]

زكريا وداود عليهما السلام. لانا نقول: الحكم بخروجهما عن حكم الانبياء مخالف لاجماع الامة، لانحصارها في الحكم (1) بالايراث مطلقا وعدمه مطلقا، فلا محيص عن الحكم بكذب الخبر وطرحه. الثالث: أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يرى الخبر موضوعا باطلا، وكان عليه السلام لا يرى إلا الحق والصدق، فلا بد من القول بأن من زعم أنه سمع الخبر كاذب. أما الاولى: فلما رواه مسلم في صحيحه (2) وأورده في جامع الاصول (3) أيضا عن مالك بن أوس - في رواية طويلة - قال: قال عمر لعلي عليه السلام والعباس.. قال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: لا نورث ما تركناه صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ؟ !، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبو بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ؟ !، والله يعلم أني لصادق بار (4) تابع للحق فوليتها. وعن البخاري في منازعة علي عليه السلام والعباس (5) فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وآله من بني النضير أنه قال عمر بن الخطاب: فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقبضها فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وأنتما حينئذ - وأقبل على علي عليه السلام والعباس - تزعمان أن أبا بكر فيها كذا، والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد تابع للحق، وكذلك زاد في حق


(1) لا توجد، في الحكم، في (ك). (2) صحيح مسلم 3 / 1377، حديث 49. (3) جامع الاصول 3 / ذيل حديث 1202 (طبعة الارناووط 2 / 702 - 703). (4) في المصدر: بار راشد. (5) كما في صحيح البخاري 4 / 178، حديث 3، ومرت منا جملة مصادر له.

[362]

نفسه قال: والله يعلم أني فيها صادق بار راشد تابع للحق.. إلى آخر الخبر (1). وقد روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2) من كتاب السقيفة عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مثله بأسانيد. وأما المقدمة الثانية (3)، فلما مر وسيأتي من الاخبار المتواترة في أن عليا عليه السلام لا يفارق الحق والحق لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار (4). ويؤيده روايات السفينة والثقلين وأضرابها (5). الرابع: أن فاطمة صلوات الله عليها أنكرت رواية أبي بكر وحكمت بكذبه فيها، ولا يجوز الكذب عليها، فوجب كذب الرواية وراويها. أما المقدمة الاولى، فلما مر في خطبتها وغيرها وسيأتي من شكايتها في مرضها وغيرها، وقد رووا في صحاحهم أنها صلوات الله عليها انصرفت من عند أبي بكر ساخطة، وماتت عليه واجدة (6)، وقد اعترف بذلك ابن أبي


(1) راجع صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فرض الخمس 5 / 3 - 10 تجد رواية منازعة علي عليه السلام والعباس، وانظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفئ، ويذكر هناك مقالة العباس لعمر.. يجل عنها العباس ويستحقها عمر. وحكاه عنهما في جامع الاصول 2 / 701 ذيل حديث 1202، وانظر: كتاب الاموال لابي عبيد: 11، حيث ذكر حديث البخاري وبتره، وسنن البيهقي 6 / 299، ومعجم البلدان 6 / 343، وتفسير ابن كثير 4 / 335، وتاريخ ابن كثير 5 / 288، وتاج العروس 7 / 166، كما في الغدير 7 / 194، ونحن نشك في أصل القصة وملابساتها إلا أن توجه بما ذكره الاصحاب. (2) شرح النهج 16 / 221 - 222. (3) يعني كون علي عليه السلام لا يرى إلا حقا وصدقا. (4) قد مر الحديث بطرقه ومصادره، وانظر: الغدير 3 / 176 - 180. (5) قد فصلنا طرقها سابقا، وانظر: الغدير 2 / 301، 3 / 65 - 80 و 297، 10 / 278. (6) هذا الحديث ورد بألفاظ مختلفة، انظر: صحيح مسلم 2 / 72، مسند أحمد 1 / 6 و 9، تاريخ الطبري 3 / 202، سنن البيهقي 6 / 300، كفاية الطالب: 226، تاريخ ابن كثير 5 / 285 و 6 / 333، مستدرك الحاكم 3 / 163، اسد الغابة 5 / 254، الاستيعاب 2 / 751، مقتل الخوارزمي 1 / 83، الاصابة 4 / 378 و 380، تاريخ الخميس 1 / 313، الامامة والسياسة =

[363]

الحديد (1). وأما الثانية، فلما مر وسيأتي من عصمتها وجلالتها. الخامس: أنه لو كانت تركة الرسول صلى الله عليه وآله صدقة، ولم يكن لها صلوات الله عليها حظ فيها لبين النبي صلى الله عليه وآله الحكم لها، إذ التكليف في تحريم أخذها يتعلق بها، ولو بينه لها لما طلبتها لعصمتها، ولا يرتاب عاقل في أنه لو كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل بيته عليهم السلام أن تركتي صدقة لا تحل لكم لما خرجت ابنته وبضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين والانصار، تعاتب إمام زمانها بزعمكم، وتنسبه إلى الجور والظلم في غصب تراثها، وتستنصر المهاجرة والانصار في الوثوب عليه وإثارة الفتنة بين المسلمين، وتهييج الشر، ولم تستقر بعد أمر الامارة والخلافة (2)، وقد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين أن الخليفة غاصب للخلافة ناصب لاهل الامامة، فصبوا عليه اللعن والطعن إلى نفخ الصور وقيام النشور، وكان ذلك من آكد الدواعي إلى شق عصا المسلمين، وافتراق كلمتهم، وتشتت الفتهم، وقد كانت تلك النيران تخمدها بيان الحكم لها صلوات الله عليها أو لامير المؤمنين عليه السلام، ولعله لا يجسر من اوتي حظا من الاسلام على القول بأن فاطمة صلوات الله عليها - مع علمها بأن ليس لها في التركة بأمر الله نصيب - كانت تقدم على مثل ذلك الصنيع، أو كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه مع علمه بحكم الله لم يزجرها عن التظلم والاستعداء، ولم يأمرها بالقعود في بيتها راضية بأمر الله فيها،


= 1 / 14، رسائل الجاحظ 300 - 301، أعلام النساء 3 / 1215، وغيرها كثير من المصادر، بل يعد هذا الحديث متواترا لفظيا عندهم، قطعيا ضروريا عندنا، وقد كفتنا الزهراء سلام الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها، وأنجتنا بمظلوميتها منهم، وأورثتنا البغض والعداء لكل من عادت، والتبري من كل من تبرأت، فلعن الله ظالميها وغاصبي حقها وحق بعلها وبنيها إلى يوم القيامة، وانظر: الغدير أيضا 7 / 77 و 174 و 226 و 227 وغيرها وفي غيره. (1) في شرحه على النهج 16 / 253. (2) كذا زعموا، ولا زالوا بذا يطبلون وله يدعون..

[364]

وكان ينازع العباس بعد موتها ويتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فليت شعري هل كان ذلك الترك والاهمال لعدم الاعتناء بشأن بضعته التي كانت يؤذيه (1) ما آذاها، ويريبه ما رابها ؟ ! أو بأمر زوجها وابن عمه وأخيه المساوي لنفسه ومواسيه بنفسه ؟ !، أو لقلة المبالاة بتبليغ أحكام الله وأمر امته ؟ ! وقد أرسله الله بالحق بشيرا ونذيرا للعالمين. السادس: انا مع قطع النظر عن جميع ما تقدم نحكم قطعا بأن مدلول هذا الخبر كاذب باطل، ومن أسند إليه هذا الخبر لا يجوز عليه الكذب، فلا بد من القول بكذب من رواه والقطع بأنه وضعه وافتراه. أما المقدمة الثانية، فغنية عن البيان. وأما الاولى، فبيانها أنه قد جرت عادة الناس قديما وحديثا بالاخبار عن كل ما جرى بخلاف المعهود بين كافة الناس وخرج عن سنن عاداتهم، سيما إذا وقع في كل عصر وزمان، وتوفرت الدواعي إلى نقله وروايته، ومن المعلوم لكل أحد أن جميع الامم - على اختلافهم في مذاهبهم - يهتمون بضبط أحوال الانبياء عليهم السلام وسيرتهم وأحوال أولادهم وما يجري عليهم بعد آبائهم، وضبط خصائصهم وما يتفردون به عن غيرهم، ومن المعلوم أيضا أن العادة قد جرت من يوم خلق الله الدنيا وأهلها إلى زمان انقضاء مدتها وفنائها بأن يرث الاقربون نم الاولاد وغيرهم أقاربهم وذوي أرحامهم، وينتفعوا بأموالهم وما خلفوه بعد موتهم، ولا شك لاحد في أن عامة الناس عالمهم وجاهلهم وغنيهم وفقيرهم وملوكهم ورعاياهم يرغبون إلى كل ما نسب إلى ذي شرف وفضيلة ويتبركون به، ويحرزه الملوك في خزائنهم، ويوصون به لاحب أهلهم، فكيف بسلاح الانبياء وثيابهم (2) وأمتعتهم ؟ ألا ترى إلى الاعمى إذا أبصر في مشهد من المشاهد المشرفة أو توهمت العامة أنه أبصر اقتطعوا ثيابه، وتبركوا بها، وجعلوها حرزا من كلا بلاء.


(1) في (س): تؤذيه. (2) في (ك): في ثيابهم.

[365]

إذا تمهدت المقدمات فنقول: لو كان ما تركه الانبياء من لدن آدم عليه السلام إلى الخاتم صلى الله عليه وآله صدقة، لقسمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء والاولاد وسائر الاقارب، ولا يخلو الحال إما أن يكون كل نبي يبين هذا الحكم لورثته بخلاف نبينا صلى الله عليه وآله أو يتركون البيان كما تركه صلى الله عليه وآله، فجرى على سنة الذين خلوا من قبله من أنبياء الله عليهم السلام، فإن كان الاول فمع أنه خلاف الظاهر كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل والاديان، ولم يسمعه أحد إلا أبو بكر ومن يحذو حذوه، ولم ينقل أحد أن عصا موسى عليه السلام انتقل على وجه الصدقة إلى فلان، وسيف سليمان عليه السلام صار إلى فلان، وكذا ثياب سائر الانبياء وأسلحتهم وأدواتهم فرقت بين الناس ولم يكن في ورثة أكثر من مائة ألف نبي قوم ينازعون في ذلك، وإن كان بخلاف حكم الله عزوجل وقد كان أولاد يعقوب عليهم السلام - مع علو قدرهم - يحسدون على أخيهم ويلقونه في الجب لما (1) رأوه أحبهم إليه أو وقعت تلك المنازعة كثيرا، ولم ينقلها أحد في الملل السابقة وأرباب السير - مع شدة اعتنائهم بضبط أحوال الانبياء وخصائصهم - وما جرى بعدهم كما تقدم. وإن كان الثاني، فكيف كانت حال ورثة الانبياء ؟ أكانوا يرضون بذلك ولا ينكرون ؟ فكيف صارت ورثة الانبياء جميعا يرضون بقول القائمين بالامر مقام الانبياء ولم يرض [كذا] به سيدة النساء، أو كانت سنة المنازعة جارية في جميع الامم ولم ينقلها أحد ممن تقدم ولا ذكر من انتقلت تركات الانبياء إليهم، إن هذا لشئ عجاب !. وأعجب من ذلك أنهم ينازعون في وجود النص على أمير المؤمنين عليه السلام مع كثرة الناقلين له من يوم السقيفة إلى الآن، ووجود الاخبار في


(1) في (س): على لما.. ولا معنى لها، إلا أن تكون نسخة بدل من اللام أي على ما رأوه..

[366]

صحاحهم، وادعاء الشيعة تواتر ذلك من أول الامر إلى الآن، ويستندون في ذلك إلى أنه لو كان حقا لما خفي ذلك لتوفر الدواعي إلى نقله وروايته. فانظر بعين الانصاف أن الدواعي لشهرة أمر خاص ليس الشاهد له إلا قوم مخصوصون من أهل قرن معين أكثر أم لشهرة أمر قل زمان من الازمنة من لدن آدم عليه السلام إلى الخاتم صلى الله عليه وآله عن وقوعه فيه، مع أنه ليس يدعو إلى كتمانه وإخفائه في الامم السالفة داع، ولم يذكره رجل في كتاب، ولم يسمعه أحد من أهل ملة. ولعمري لا أشك في أن من لزم الانصاف، وجانب المكابرة والاعتساف، وتأمل في مدلول الخبر، وأمعن النظر، يجزم قطعا بكذبه وبطلانه. وإن كان القسم الثاني - وهو أن يكون اعتماد أبي بكر في تخصيص الآيات بالخبر من حيث رواية الرواة له دون علمه بأنه من كلام الرسول صلى الله عليه وآله لسماعه بإذنه - فيرد عليه أيضا وجوه من النظر: الاول: أن ما ذكره قاضي القضاة (1) من أنه شهد بصدق الرواية في أيام أبي بكر: عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن باطل غير مذكور في سيرة ورواية من طرقهم وطرق أصحابنا، وإنما المذكور في رواية مالك بن أوس التي رووها في صحاحهم (2) أن عمر بن الخطاب لما تنازع عنده أمير المؤمنين عليه السلام والعباس استشهد نفرا فشهدوا بصدق الرواية، ولنذكر ألفاظ صحاحهم في رواية مالك بن أوس - على اختلافها - حتى يتضح حقيقة الحال. روى البخاري (3) ومسلم (4) وأخرجه الحميدي وحكاه في جامع الاصول (5)


(1) وقد سلف بيانه ومصدره. (2) كما أشار لها إجمالا صاحب الغدير: 7 / 194، وقد مرت منا مصادرها. (3) صحيح البخاري 12 / 4 و 5، كتاب الفرائض. (4) صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب حكم الفئ، حديث 1757. (5) جامع الاصول 2 / 697 - 698، حديث 1202، باختلاف أشرنا لغالبه، وقد حكاه عن =

[367]

في الفرع الرابع من كتاب الجهاد من حرف الجيم عن مالك أنه قال: أرسل إلي عمر فجئته حين تعالى النهار قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا على رماله (1) متكئا على وسادة من ادم، فقال لي: يا مال (2) ! إنه قد دف أهل أبيات قومك (3)، وقد أمرت فيهم برضخ فخذه، فاقسم (4) بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري. قال: خذه يا مال. قال: فجاء يرفاه (5)، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ فقال عمر: نعم، فأذن لهم، فدخلوا، ثم جاء، فقال: هل لك في عباس وعلي ؟ قال: نعم، فأذن لهما، فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ؟ فقال القوم: اجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وارحمهم (6). قال مالك بن أوس: فخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك، فقال عمر: إتئد (7) أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والارض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة ؟ ! قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والارض، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة ؟ قالا: نعم... إلى آخر الخبر.


= الحميدي. (1) في المصدر: إلى رماله. (2) أي: يا مالك، وهو ترخيم في المنادى. (3) في جامع الاصول:.. أبيات من قومك.. (4) في المصدر: فاقسمه. (5) جاء في المصدر: يرفا، وفي رواية البخاري: فجاء حاجبه يرفا، وفي سنن البيهقي - في باب الفئ -: اليرفا - بالالف واللام - وهو اسم حاجب عمر بن الخطاب. (6) في المصدر: وارحهم.. وهو الظاهر. (7) في جامع الاصول: اتئدوا..

[368]

ثم حكى في جامع الاصول (1) عن البخاري (2) ومسلم (3) أنه قال عمر لعلي عليه السلام: قال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا نورث ما تركناه صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا... وتزعمان أنه فيها كذا.. ؟ (4) كما نقلنا سابقا. وحكى في جامع الاصول (5) عن أبي داود (6) أنه قال أبو البختري: سمعت حديثا من رجل فأعجبني، فقلت: اكتبه لي، فاتى به مكتوبا مدبرا (7): دخل العباس وعلي على عمر - وعنده طلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد - وهما يختصمان، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل مال النبي صدقة إلا ما أطعمه أهله أو كساهم، إنا لا نورث ؟ ! قالوا: بلى... توضيح: قوله: مفضيا إلى رماله.. أي ملقيا نفسه على الرمال لا حاجز بينهما (8). ورمال السرير - بالكسر -: ما رمل أي نسج - جمع رمل - بمعنى مرمول


(1) جامع الاصول 2 / 701 - 703، وقد رواه هنا باختصار واختزال. (2) صحيح البخاري 12 / 4 و 5، كتاب الفرائض، باب قول النبي (ص): لا نورث.. إلى آخره، وذكره في كتاب الجهاد أيضا، وحكاه عن عدة مصادر في الغدير 7 / 226، فراجع. (3) صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب حكم الفئ، حديث 1757. (4) وانظر روايات الباب في كتاب السير من صحيح الترمذي، باب ما جاء في تركة رسول الله (ص) حديث 1610، وسنن أبي داود حديث 2963 و 2964 و 2965 و 2967، وكتاب الخراج والامارة منه، باب في صفايا رسول الله (ص) من الاموال، وسنن النسائي 7 / 136 - 137، باب الفئ، وغيرها، وفيه ما لا يخفى، وسيأتي بيان سنده ودلالته، فانتظر. (5) جامع الاصول 3 / 311 [تحقيق الارناووط 2 / 706 ذيل حديث 1202]. (6) سنن أبي داود، حديث 2975. (7) في المصدر: مذبرا، أي منقوطا سهل القراءة. (8) قال في القاموس 4 / 374: أفضى إلى الارض: مسها براحته في سجوده. وقال في النهاية 3 / 456: أفضى المكان: اتسع، والافضاء: جعل الشئ فضاء لا شئ فيه.

[369]

كالخلق بمعنى المخلوق، والمراد به أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير (1). والوسادة: المخدة (2). ودف اهل ابيات.. أي دخلوا المصر، يقال: دف دافة من العرب (3). والرضخ - بالضاد والخاء المعجمتين -: العطاء القليل (4). ويرفأ - بالراء الفاء والهمزة، على صيغة المضارع كيمنع - علم، مولى عمر ابن الخطاب (5). وإتئد: امر من التؤدة أي التأني والتثبت (6). ومدبرا أي مسندا (7)، وألفاظ باقي الاصول مذكورة في جامع الاصول. ولا يذهب على ذي فطنة أن شهادة الاربعة التي تضمنتها الرواية الاولى والثانية على اختلافهما لم يكن من حيث الرواية والسماع عن الرسول صلى الله عليه وآله، بل لثبوت الرواية عندهم بقول أبي بكر، بقرينة أن عمر ناشد عليا عليه السلام والعباس: أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (8): لا نورث مان تركناه صدقة ؟ فقالا (9): نعم، وذلك لانه لا يقدر أحد في ذلك الزمان على تكذيب


(1) ذكره في النهاية 2 / 265، إلا أنه لم يذكر ضبطه. وجعلوا الرمال - بالكسر - جمع رمل كما في القاموس 3 / 386، وقال: رمل السرير أو الحصير: زينه بالجوهر ونحوه، والسرير: رمل شريطا فجعله ظهرا له. (2) جاء في النهاية 5 / 182، والقاموس 1 / 345. (3) كما في النهاية 2 / 124، وانظر: القاموس 3 / 141 وغيرهما. (4) كما جاء في النهاية 2 / 228، والقاموس 1 / 260 وغيرهما. (5) قاله في القاموس 1 / 16، وجملة كتب التراجم والرجال. (6) كما ذكره في النهاية 1 / 178، وقارن بالقاموس 1 / 279 وغيره. (7) قال في القاموس 2 / 26: أدبر الحديث عنه: حدثه عنه بعد موته. وقال في النهاية 2 / 98: يدبره عن رسول الله (ص): أي يحدث به عنه. (8) قال، لا توجد في (س). (9) في (س): فقال.

[370]

تلك الرواية، وقد قال عمر في آخر الرواية: رأيتماه - يعني أبا بكر - كاذبا آثما غادرا خائنا.. وكذا في حق نفسه. والعجب أن القاضي لم يجعل عليا عليه السلام والعباس شاهدين على الرواية مع تصديقهما كما صدق الباقون، بل جميع الصحابة، لانهم يشهدون بصدقهما. وقال ابن أبي الحديد (1) - بعد حكاية كلام السيد رضي الله عنه - في أن الاستشهاد كان في خلافة عمر دون أبي بكر، وأن معول المخالفين على إمساك الامة عن النكير على أبي بكر دون الاستشهاد، ما هذا لفظه -: قلت: صدق المرتضى رحمه الله فيما قال، أما عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومطالبة فاطمة عليها السلام بالارث فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحده، وقيل إنه رواه معه مالك بن أوس بن (2) الحدثان، وأما المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة فقد شهدوا بالخبر في خلافة عمر، وقد تقدم ذكر ذلك. وقال (3) - في الموضع المتقدم الذي أشار إليه وهو الفصل الذي ذكر فيه روايات أبي البختري على ما رواه أحمد بن عبد العزيز الجوهري، بإسناده عنه - قال: جاء علي والعباس إلى عمر وهما يختصمان، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: انشدكم الله ! أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل مال نبي فهو صدقة إلا ما أطعمه أهله، إنا لا نورث ؟ ! فقالوا: نعم، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتصدق به ويقسم فضله، ثم توفي فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتما تقولان: إنه كان بذلك خاطئا ؟ وكان بذلك ظالما ؟ وما كان بذلك إلا راشدا، ثم وليته بعد


(1) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 245 بنصه. (2) سقطت: بن، في (ك). (3) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 16 / 227 بتصرف واختصار، ونظير هذه الرواية جاءت في نفس المجلد صفحة: 222 و 224 فراجع.

[371]

أبي بكر فقلت لكما: إن شئتما قبلتماه على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده الذي عهد فيه، فقلتما: نعم، وجئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي ! والله لا أقضي بينكما إلا بذلك. قال ابن أبي الحديد (1): قلت: هذا مشكل (2)، لان أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده، ذكر ذلك معظم (3) المحدثين، حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على (4) ذلك في احتجاجهم بالخبر برواية الصحابي الواحد. وقال شيخنا أبو علي: لا يقبل (5) في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة، فخالفه المتكلمون والفقهاء كلهم، واحتجوا عليه بقول الصحابة رواية أبي بكر وحده، قال: نحن معاشر الانبياء لا نورث، حتى أن بعض أصحاب أبي بكر تكلف لذلك جوابا، فقال: قد روي أن أبا بكر يوم حاج فاطمة عليها السلام، قال: انشد الله امرءا سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا شيئا ؟ فروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنه سمع (6) من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ينطق بأنه استشهد عمر طلحة والزبير و عبد الرحمن وسعدا، فقالوا: سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله، فأين كانت هذه الروايات أيام أبي بكر ؟ ! ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة فاطمة عليها السلام وأبي بكر روى من هذا شيئا، انتهى. فظهر أن قول هذا القاضي ليس إلا شهادة زور، ولو كان لما ذكره من


(1) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 227 - 228 بتصرف. (2) في المصدر: وهذا أيضا. (3) في شرح النهج: أعظم. (4) لا توجد: على، في (س). (5) في المصدر: لا تقبل. (6) في شرح النهج: سمعه.

[372]

استشهاد أبي بكر مستند لاشار إليه كما هو الدأب في مقام الاحتجاج. وأما هذه الرواية التي رواها ابن أبي الحديد، فمع أنها لا تدل على الاستشهاد في خلافة أبي بكر فلا تخلو من تحريف، لما عرفت من أن لفظ رواية أبي البختري - على ما رواه أبو داود، وحكاه في جامع الاصول -: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل مال النبي صدقة، لا: أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله - كما رواه الجوهري - على أنه لا يقوم فيما تفردوا به من الاخبار حجة علينا، وإنما الاحتجاج بالمتفق عليه، أو ما اعترف به الخصم، والاستشهاد على الرواية لم يثبت عندنا لا في أيام أبي بكر ولا في زمن عمر. ثم أورد السيد (1) رحمه الله على كلام صاحب المغني: بأنا لو سلمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجة، لان الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم، وهو في حكم أخبار الآحاد، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لان المعلوم لا يخص إلا بمعلوم.. قال: على أنه لو سلم لهم أن الخبر الواحد يعمل به في الشرع لا حتاجوا (2) إلى دليل مستأنف، على أنه يقبل في تخصيص القرآن، لان ما دل على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع، كما لا يتناول جواز النسخ به (3). وتحقيق هاتين المسألتين من وظيفة أصول الفقه. والثاني: ان رواة الخبر كانوا متهمين في الرواية بجلب النفع من حيث حل الصدقة عليهم - كما تقدم في القسم الاول - وما أجاب به شارح كشف الحق من الفرق بين الرواية والشهادة، وأن التهمة إنما تضر في الشهادة دون الرواية،


(1) الشافي: 230 - حجرية - [طبعة الجديدة 4 / 66] بتصرف يسير. (2) كذا في المصدر، وفي المتن المطبوع: لا احتاجوا.. ولا معنى له. (3) الشافي 4 / 67.

[373]

فسخيف جدا، ولم يقل أحد بهذا الفرق (1) غيره. الثالث والرابع: ما تقدم في الايراد الثالث والرابع من القسم الاول. و (2) الخامس: ما تقدم من وجوب البيان للورثة. السادس: ما تقدم في السادس. وأما القسم الثالث: وهو أن يكون مناط الحكم على علم أبي بكر مع شهادة النفر، وكذلك الرابع، وهو أن يكون الاعتماد على روايته معهم، فقد ظهر بطلانهما مما سبق، فإن المجموع وإن كان أقوى من كل واحد من الجزءين إلا أنه لا يدفع التهمة ولا مناقضة الآيات الخاصة ولا باقي الوجوه السابقة. وقد ظهر بما تقدم أن الجواب عن قول أبي علي: أتعلمون كذب أبي بكر أم تجوزون صدقه ؟ وقد علم أنه لا شئ يعلم به كذبه قطعا، فلا بد من تجويز كونه صادقا - كما حكاه في المغني -: هو إنا نعلم كذبه قطعا، والدليل عليه ما تقدم من الوجوه الستة المفصلة وإن تخصيص الآيات بهذا الخبر (3) ليس من قبيل تخصيصها في القاتل والعبد كما ذكره قاضي القضاة، إذ مناط الثاني روايات معلومة الصدق، والاول خبر معلوم الكذب، وقد سبق في خطبة فاطمة صلوات الله عليها استدلالها بقوله تعالى: [وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله] (4)، وبثلاث من الآيات السابقة، وهو يدل مجملا على بطلان ما فصلوه من الاجوبة. ثم إن بعض الاصحاب حمل الرواية على وجه لا يدل على ما فهم منها الجمهور، وهو أن يكون ما تركنا صدقة مفعولا ثانيا للفعل أعني نورث، سواء كان بفتح الراء على صيغة المجهول من قولهم: ورثت أبي شيئا، أو بكسرها من قولهم: أورثه الشئ أبوه، وأما بتشديد الراء، فالظاهر أنه لحن، فإن التواريث إدخال أحد


(1) خ. ل: بالفرق. جاء على مطبوع البحار. (2) لا توجد الواو في (ك). (3) في (ك): من هذا الخبر. (4) الانفال: 75، والاحزاب: 6.

[374]

في المال على الورثة - كما ذكره الجوهري (1) - وهو لا يناسب شيئا من المحامل، ويكون صدقة منصوبا على أن يكون مفعولا لتركنا، والاعراب لا تضبط في أكثر (2) الروايات، ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وقف على الصدقة فتوهم أبو بكر أنه بالرفع، وحينئذ يدل على أن ما جعلوه صدقة في حال حياتهم لا ينتقل بموتهم إلى الورثة، أي ما نووا فيه الصدقة من غير أن يخرجوه من أيديهم لا يناله الورثة حتى يكون للحكم اختصاص بالانبياء عليهم السلام، ولا يدل على حرمان الورثة مما تركوه مطلقا، والحق أنه لا يخلو عن بعد، ولا حاجة لنا إليه لما سبق، وأما الناصرون لابي بكر فلم يرضوا به وحكموا ببطلانه، وإن كان لهم فيه التخلص عن القول بكذب أبي بكر، فهو إصلاح لم يرض به أحد المتخاصمين، ولا يجري في بعض رواياتهم. واعلم: أن بعض المخالفين استدلوا على صحة الرواية وما حكم به أبو بكر بترك الامة النكير عليه، وقد ذكر السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي كلامهم ذلك على وجه السؤال وأجاب عنه بقوله (3): فإن قيل: إذا كان أبو بكر قد حكم بخطأ في دفع فاطمة عليها السلام من الميراث (4) واحتج بخبر لا حجة فيه فما بال الامة أقرته على هذا الحكم، ولم تنكر عليه ؟ ! وفي رضاها وإمساكها دليل على صوابه. قلنا: قد مضى أن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا، وبينا في الكلام على إمامة أبي بكر هذا الموضع بيانا شافيا.


(1) الصحاح 1 / 296. (2) في (س) هنا كلمة: الاوقات، وقد خط عليها في (ك)، إذ لا معنى لها. (3) الشافي: 233 - الحجرية - [4 / 84] بتصرف ذكرنا غالبه. (4) في المصدر: عن الميراث.

[375]

وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ (1) في كتاب العباسية (2) عن هذا السؤال جوابا جيد المعنى واللفظ، نحن نذكره على وجهه ليقابل بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها، قال: وقد زعم ناس أن الدليل على صدق خبرهما - يعني أبا بكر وعمر - في منع الميراث وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليهما، ثم قال: فيقال لهم (3): لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلمين منهما والمحتجبين عليهما والمطالبين لهما بدليل (4) دليلا على صدق دعواهم، واستحسان (5) مقالتهم، لا سيما وقد طالت المشاحات (6)، وكثرت المراجعة والملاحات (7)، وظهرت الشكيمة (8)، واشتدت الموجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمة عليها السلام حتى انها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، وقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها، ومحتجة برهطها (9): من يرثك يا أبا بكر إذا مت ؟ قال: أهلي وولدي. قالت: فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه [وآله] ؟ ! فلما منعها ميراثها، وبخسها حقها، واعتل


(1) لا توجد كلمة: الجاحظ في (س). (2) هذا كلام السيد المرتضى حكاه عن الجاحظ، وقد حكاه أيضا الشيخ عبد الحميد بن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 16 / 263 - 267، والعلامة الاميني في غديره 7 / 229 - 231 عن رسائل الجاحظ: 300 بتصرف واختلاف كثير تعرضنا له إجمالا. (3) كذا في المتن والمصدر، إلا أنه في شرح النهج: قد يقال، وفي الغدير عن رسائل الجاحظ: قد يقال لهم... (4) لا توجد في المصدر: بدليل. (5) في شرح النهج: لهما دليلا... أو استحسان.. (6) في شرح النهج والغدير عن رسائل الجاحظ: المناجاة، وفي بقية المصادر: المحاجات، وهو الظاهر. (7) كذا، والظاهر: الملاحاة. (8) وفي شرح النهج والمصادر: الشكية. قال في القاموس 4 / 136: والشكيمة: الانفة والانتصار من الظلم. (9) في شرح نهج البلاغة: لرهطها، وما هنا جاء في الشافي.

[376]

عليها، ولج (1) في أمرها، وعاينت التهضم، وأيست من النزوع (2)، ووجدت مس الضعف (3) وقلة الناصر، قالت، والله لادعون الله عليك. قال: والله لادعون الله لك. قالت: والله لا أكلمك أبدا. قال: والله لا أهجرك أبدا. فإن يكن ترك النكير علي (4) أبي بكر دليلا على صواب منعه (5)، إن في ترك النكير على فاطمة (ع) دليلا على صواب طلبها، وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ، ورفع قدرها عن البذاء، وأن تقول هجرا، أو تجور عادلا، أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الامور، واستوت الاسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم. وإن قالوا: كيف يظن (6) ظلمها والتعدي عليها ! وكلما ازدادت فاطمة عليها السلام عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول: والله لا أكلمك أبدا ! فيقول: والله لا أهجرك أبدا (7)، ثم تقول: والله لادعون الله عليك، فيقول: والله لادعون الله (8) لك. ثم يحتمل (9) هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش والصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والرفعة (10)، وما يجب لها نم


(1) كذا، وفي شرح نهج البلاغة: جلح، وجاءت في جملة من المصادر، وجلح في أمرها: أي جاهر به وكاشفها، ولعل الكلمة مشددة. (2) كذا في المتن والشافي، وفي شرح نهج البلاغة: التورع. (3) في شرح نهج البلاغة: ووجدت نشوة الضعف. (4) في الشافي: النكير منهم على.. (5) كذا في المتن والشافي، وفي بقية المصادر: منعها. (6) في شرح النهج وغيره: تظن به.. وفي الشافي: نظن بأبي بكر.. (7) في (س): والله أبدا، وخط عليها في (ك)، ولا توجد في المصادر التي بأيدينا. (8) لا يوجد لفظ الجلالة في (س)، وهو مثبت في المصادر. (9) في الغدير عن رسائل الجاحظ: ثم يتحمل منها، وهو الظاهر. (10) في المصادر: التنزيه، بدلا من: الرفعة.

[377]

التنويه (1) والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال - معتذرا أو متقربا، كلام المعظم لحقها، المكبر لقيامها (2)، والصائن لوجهها، والمتحنن عليها -: ما أحد أعز علي منك فقرا، ولا أحب إلي منك غنى، ولكن (3) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة !. قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم، والسلامة من الجور (4)، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريبا (5) وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم وذلة المنتصف (6)، وجدة الوامق (7)، ومقة المحق، وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة، ودلالة واضحة ؟ ! وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كان (8) على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله: متعة النساء ومتعة الحج، أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما (9)، فما وجدتم أحدا أنكر قوله، ولا استشنع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجب منه ولا استفهمه !.


(1) في شرح النهج والغدير: الرفعة، بدلا من: التنوية. (2) في الشافي وبقية المصادر: لمقامها، وهو الظاهر. (3) في شرح النهج: ولكني. (4) في الشافي: العمد، بدلا من: الجور. (5) في الشافي: اديبا. (6) قال في تاج العروس في مادة نصف: يقال انتصف منه: إذا استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء. (7) في المصادر: وحدب الوامق، قال في الصحاح 1 / 108: حدب عليه وتحدب عليه: تعطف عليه، وقال في القاموس 3 / 290: ومقه - كورثه - ومقا ومقة: أحبه فهو وامق. (8) في المصادر: كانتا، وهو الظاهر. (9) هذه من الروايات المستفيضة عند القوم إن لم نقل إنها متواترة إجمالا - لا معنى -، انظر عنها: البيان والتبيين للجاحظ 2 / 223، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 342 و 345، 2 / 184، تفسير القرطبي 2 / 370، تفسير الفخر الرازي 2 / 167 و 3 / 201 و 202، كنز العمال 8 / 293، وانظر: بألفاظ مقاربة في الدر المنثور 2 / 140 وغيره، وسنوافيك بمصادر اخر في محلها المناسب بإذن الله تعالى.

[378]

وكيف تقضون بترك (1) النكير ؟ وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش (2)، ثم قال في مكانه (3): لو كان سالم حيا ما يخالجني فيه شك (4)، حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى، وسالم عبد لامرأة من الانصار وهي أعتقته، وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قريش قوله (5) منكر ولا قابل إنسان بين قوليه (6)، ولا تعجب منه، وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وثواب (7) عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة، والامر والنهي، والقتل والاستحياء، والحبس والاطلاق، فليس بحجة تشفي، ولا دليل يغني (8). قال: وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما، وصواب عملهما، إمساك الصحابة عن خلعهما، والخروج عليهما، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من


(1) في الشافي: وتقضون في معناه بترك.. (2) أخرجه غير واحد من الحفاظ وصححه ابن حزم في الفصل 4 / 89، وقال: هذه الرواية جاءت مجئ التواتر، ورواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاوية و... غيرهم كما جاء في حاشية الغدير 7 / 231. (3) في شرح نهج البلاغة: شكاته بدل مكانه. وفي الغدير عن رسائل الجاحظ: في شكايته، وهو الظاهر. (4) كما جاء في الطبقات لابن سعد 3 / 248، والتمهيد للباقلاني: 204، والاستيعاب 2 / 561، واسد الغابة 2 / 246 و... مصادر عدة. (5) في (س): من قوله، وفي الشافي: لم ينكر ذلك من قوله منكر، ولا يوجد في الغدير: قريش، وبه يتم المعنى، كما لا يوجد في شرح النهج: من قريش. (6) في الغدير: من قوله، وفي الشافي: بين خبريه. (7) في شرح النهج والمصادر: صواب عمله، وهو الصواب. (8) في الشافي: فليس بحجة تقي ولا دلالة تضي. وقد وردت الجملة الاخيرة في كل المصادر التي بأيدينا، والى هنا نقل شيخنا الاميني في غديره 7 / 229 - 231 عن رسائل الجاحظ.

[379]

جحد التنزيل، ورد النصوص، ولو كانوا كما يقولون ويصفون (1) ما كان سبيل الامة فيهما إلا كسبيلهم فيه، وعثمان كان أعز نفرا، وأشرف رهطا، وأكثر عددا وثروة، وأقوى عدة. قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل، ولم ينكر (2) المنصوص، ولكنهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادعيا رواية، وتحدثا بحديث لم يكن محالا (3) كونه، ولا يمتنع (4) في حجج العقول مجيؤه، وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه، ولعل بعضهم كان يرى التصديق للرجل (5) إذا كان عدلا في رهطه، مأمونا في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة، ولا جرب عليه (6) غدرة، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن وتعديل الشاهد، ولانه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج، والذي يقطع بشهادته على الغيب، وكان ذلك شبهة على أكثرهم، فلذلك قل النكير، وتواكل الناس، واشتبه الامر، فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله، إلا العالم المتقدم، والمؤيد المرشد (7)، ولانه لم يكن لعثمان في صدور (8) العوام، وفي قلوب السفلة والطغام ما كان لهما من الهيبة والمحبة (9)، ولانهما كانا أقل استئثارا بالفئ، وأقل تفكها بمال الله (10) منه، ومن


(1) في شرح نهج البلاغة: ولو كان كما تقولون وما تصفون..، وفي الشافي،.. المنصوص، ولو كانا كما يقولون وما يصفون. (2) في (ك): انهما لم يجحد التنزيل ولم ينكر - بدون الف التثنية -. (3) في الشافي: بمحال. (4) في شرح النهج: ولا ممتنعا. (5) في شرح النهج: تصديق الرجل. (6) في الشافي وشرح النهج: جرت عليه. (7) في الشافي: المسترشد.. وهو الظاهر. (8) في (س): صدر. (9) في شرح النهج: المحبة والهيبة. (10) في شرح النهج: وتفضلا بمال الله.

[380]

شأن الناس إهمال (1) السلطان ما وفر عليهم أموالهم، ولا يستأثر (2) بخراجهم، ولم يعطل ثغورهم، ولان الذي صنع أبو بكر من منع العترة حظها (3)، والعمومة ميراثها، قد كان موافقا لجلة قريش، ولكبراء (4) العرب، ولان عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه، مستخفا بقدره، لا يمنع ضيما، ولا يقمع عدوا، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير (5)، لامور لو أتى عمر أضعافها، وبلغ أقصاها، لما اجترؤا على اغتيابه فضلا عن مبادأته (6)، والاغراء به ومواجهته، كما أغلظ عينية بن حصين (7) له، فقال له: أما إنه لو كان عمر لقمعك ومنعك ؟ فقال عيينة: إن عمر كان خيرا لي منك، أرهبني فأبقاني (8). ثم قال: والعجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب استنادا، وأوضح (9) رجالا، وأحسن اتصالا، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم نسخوا الكتاب، وخصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما رووه (10)، وأكذبوا ناقليه (11)، وذلك إن كل إنسان منهم إنما يجري إلى


(1) في (س): خ. ل: احتمال. (2) في شرح النهج والشافي: ولم يستأثر. (3) في شرح النهج: حقها. (4) في (ك): الكبراء، وهو غلط، وفي الشافي وشرح النهج: كبراء، وهو الظاهر. (5) لا توجد في (س): والنكير، وفي شرح النهج: التنكير. (6) جاء في حاشية (ك): وبادى فلانا بالعداوة.. أي جاهر بها. صحاح. انظر: صحاح اللغة: 6 / 2278. (7) في الشافي وشرح النهج: عيينة بن حصن، وهو الظاهر. (8) في شرح النهج: فاتقاني، وفي الشافي: وهبني فاتقاني. (9) في الشافي وشرح النهج: أقرب إسنادا وأصح.. (10) في شرح النهج: ردوه. (11) في شرح النهج: قائليه.

[381]

هواه، ويصدق ما وافق رضاه.. هذا آخر كلام الجاحظ (1). ثم قال السيد رضي الله عنه (2): فإن قيل: ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير، وقوله: كما لم ينكروا على أبي بكر، فلم ينكروا أيضا على فاطمة عليها السلام ولاغيرها من المطالبين (3) بالميراث كالازواج وغيرهن معارضة صحيحة، وذلك أن نكير أبي بكر لذلك ودفعه والاحتجاج عليه يكفيهم ويغنيهم عن تكلف نكير (4)، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره (5). قلنا: أول ما يبطل هذا السؤال أن أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها بالخبر من التظلم والتألم، والتعنيف والتبكيت (6)، وقولها - على ما روي -: والله لادعون الله عليك...، ولا كلمنك أبدا، و... ما جرى هذا المجرى، فقد كان يجب أن ينكره غيره، فمن المنكر الغضب على المنصف. وبعد، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعا أو مغنيا عن إنكار غيره من المسلمين، فإنكار فاطمة عليها السلام حكمه، ومقامها على التظلم منه يغني (7) عن نكير غيرها، وهذا واضح لمن أنصف من نفسه. انتهى كلامه رفع الله مقامه.


(1) وقد حكاه السيد المرتضى في الشافي 4 / 84 - 89 [وفي الطبعة الحجرية 233 - 234 وابن أبي الحديد في شرح النهج 16 / 263 - 267 كما سلف. (2) وحكاه ابن أبي الحديد أيضا في شرحه على النهج 16 / 267 - 268 باختلاف وتصرف. (3) في الشافي: ولا على غيرها من المطالبين، وفي شرح النهج: ولا غيرها من الطالبين. (4) في الشافي وشرح النهج: نكير آخر. (5) الشافي 4 / 89 - 90 [وفي الطبعة الحجرية: 234] بتصرف يسير. (6) في (ك): التكيت، وهو غلط. وقد جاء في حاشيتها ما نصه: التبكيت - كالتقريع والتوبيخ - كما يقال له: يا فاسق اما استحييت ؟، اما خفت الله.. قال الهروي: ويكون باليد والعصا، ويقال: بكته بالحجة: إذا غلبه، وقد يكون التبكيت بلفظ الخبر، كما في قول ابراهيم عليه السلام: " بل فعله كبيرهم هذا.. " فانه تبكيت وتوبيخ على عبادتهم الاصنام. مجمع. انظر: مجمع البحرين 2 / 192. (7) في شرح النهج لابن أبي الحديد: مغن.

[382]

الخامسة: قال ابن أبي الحديد (1): اعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة (ع) أبا بكر كان في أمرين: في الميراث والنحلة، وقد وجدت في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث، ومنعها أبو بكر إياه أيضا، وهو سهم ذي القربى. روى أحمد بن عبد العزيز الجوهري (2) عن أنس: أن فاطمة عليها السلام لما أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الذي حرم علينا (3) أهل البيت (ع) من الصدقات، وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى ! ثم قرأت عليه قوله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى] (4) الآية، فقال لها أبو بكر: بأبي أنت وأمي ووالد ولدك (5) السمع والطاعة لكتاب الله، ولحق رسوله (ص) وحق قرابته، وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرأين (6)، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس مسلم إليكم (7) كاملا ؟ قالت: أملك هو لك ولاقر بائك (8) ؟ ! قال: لا، بل أنفق عليكم منه وأصرف الباقي في مصالح المسلمين. قالت: ليس هذا بحكم الله تعالى ؟ ! فقال: هذا حكم الله، فإن كان رسول الله (ص) عهد إليك في هذا عهدا (9) صدقتك وسلمته كله إليك والى أهلك. قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يعهد إلي في


(1) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 230 - 231 باختلاف يسير. (2) في شرح النهج: أخبرني أبو زيد عمر بن شبه، قال: حدثني هارون بن عمير، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، قال: حدثنا صدقة أبو معاوية، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الرحمن أبي بكر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك.. (3) في شرح النهج: الذي ظلمتنا عليه. (4) الانفال: 41. (5) في (ك): خ. ل: وولدك ولدي. (6) في المصدر: تقرأين منه. (7) في شرح النهج: يسلم اليكم. (8) في المصدر: أفلك هو ولاقر بائك ؟. (9) في شرح النهج: أو أوجبه لكم حقا.

[383]

ذلك بشئ، إلا أني سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية: أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى (1) !. قال أبو بكر: لم يبلغ من (2) هذه الآية أن أسلم إليكم هذا السهم كله كاملا، ولكن لكم الغنى (3) الذي يغنيكم ويفضل عنكم، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما فاسأليهم عن ذلك وانظري هل يوافقك على ما طلبت أحد منهم ؟ فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لابي بكر، فقال لها مثل ما قال لها أبو بكر، فتعجبت (4) فاطمة عليها السلام من ذلك وتظنت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه. ثم قال: قال (5) أحمد بن عبد العزيز: حدثنا أبو زيد - بإسناده إلى عروة - قال: أرادت فاطمة عليها السلام أبا بكر على فدك وسهم ذي القربى، فأبى عليها وجعلهما في مال الله تعالى. ثم روى عن الحسن بن علي (6) عليهما السلام: أن أبا بكر منع فاطمة (ع) وبني هاشم سهم ذي القربى وجعلها (7) في سبيل الله في السلاح والكراع. ثم روى بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام قلت: أرأيت عليا (ع) حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس، كيف صنع في سهم ذي القربى ؟ قال: سلك بهم طريق أبي بكر وعمر. قلت: كيف ؟ ولم ؟ وأنتم تقولون ما تقولون ؟ قال: أما والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه. فقلت: فما منعه ؟ قال: يكره (8) أن يدعى عليه مخالفة أبي بكر وعمر. انتهى


(1) في (س): الفئ. (2) في المصدر: علمي من. (3) في (س): الفئ. (4) في شرح النهج: فعجبت. (5) لا توجد: قال، في طبعة (س). (6) في المصدر: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب. (7) في المصدر: وجعله. (8) في شرح النهج: كان يكره.

[384]

ما أخرجه ابن أبي الحديد من كتاب أحمد بن عبد العزيز (1). وروى في جامع الاصول (2) من سنن أبي داود (3) عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقسم (4) لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئا كما قسم لبني هاشم (5)، قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يكن يعطي منه قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منه. وروى مثله بسند آخر عن جبير بن مطعم. ثم قال: وفي اخرى له والنسائي (6): لما كان يوم خيبر وضع رسول الله صلى الله عليه [وآله] سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب. ثم قال: وأخرج النسائي (7) أيضا بنحو من هذه الروايات من طرق متعددة بتغيير بعض ألفاظها واتفاق المعنى (8). وروى أيضا (9) عن أبي داود (10) بإسناده عن يزيد بن هرمز أن ابن الزبير


(1) شرح نهج البلاغة 16 / 230 - 232. (2) جامع الاصول 3 / 295، [طبعة الارناووط 2 / 692 في ضمن حديث 1195]. (3) سنن أبي داود، كتاب الخرج والامارة والفئ، باب 19. (4) في (س): ليقسم. (5) زاد في المصدر: وبني المطلب. (6) سنن النسائي 7 / 130 - 131 في كتاب الفئ. (7) سنن النسائي 7 / 130 - 131 في كتاب الفئ. (8) جامع الاصول 3 / 296 - 297 [طبعة الارناووط 2 / 693 في ضمن حديث 1195]. (9) جامع الاصول 3 / 298 [طبعة الارناووط 2 / 695، حديث 1197]، وقد وقع فيه ليس، حيث جاءت الرواية هكذا: ان نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير، أرسل إلى ابن عباس يسأله.. إلى آخره. (10) سنن أبي داود برقم: 2978 و 2979 و 2980 كتاب الخراج والامارة، باب بيان مواقع قسم الخمس وسهم ذي القربى.

[385]

أرسل إلى ابن العباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن يراه ؟ فقال له: لقربي رسول الله صلى الله عليه [وآله]، قسمه رسول الله لهم وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا ورددناه عليه وأبينا أن نقبله (1). وروى مثله عن النسائي (2) أيضا، وقال: وفي اخرى له مثل أبي داود (3)، وفيه: وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم، ويقضي عن غارمهم، ويعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك (4). وروى العياشي في تفسيره (5) رواية ابن عباس ورويناه في موضع آخر. وروى أيضا (6) عن أبي جميلة عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام قال: قد فرض الله الخمس نصيبا (7) لآل محمد عليهم السلام فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم حسدا وعداوة، وقد قال الله: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون] (8). والاخبار من طريق أهل البيت عليهم السلام في ذلك أكثر من أن تحصى، وسيأتي بعضها في أبواب الخمس والانفال إن شاء الله تعالى (9). فإذا اطلعت على ما نقلناه من الاخبار من صحاحهم نقول: لا ريب في


(1) وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه بمعناه تحت رقم 1812 كتاب الجهاد، باب النساء الغازيات رضخ لهن ولا يسهم. (2) سنن النسائي 7 / 128 - 129 كتاب قسم الفئ. (3) سنن أبي داود تحت رقم: 2982 كتاب الخراج والامارة، باب بيان مواقع قسم الخمس وسهم ذي القربى. (4) جامع الاصول 3 / 299 [طبعة الارناووط 2 / 695 - 696 ذيل حديث 1197]. (5) تفسير العياشي 2 / 61، حديث 52. (6) تفسير العياشي 1 / 325، حديث 130. (7) لا توجد: نصيبا، في (س). (8) المائدة: 47. (9) بحار الانوار 96 / الباب الثالث والعشرون: 191، والباب الرابع والخامس والعشرون: 196 - 213.

[386]

دلالة الآية على اختصاص ذي القربى بسهم خاص سواء كان هو سدس الخمس - كما ذهب إليه أبو العالية وأصحابنا ورووه عن أئمتنا عليهم السلام -، وهو الظاهر من الآية - كما اعترف به البيضاوي (1) وغيره -، أو خمس الخمس لاتحاد سهم الله وسهم رسوله صلى الله عليه وآله، وذكر الله للتعظيم كما زعم ابن عباس وقتادة وعطاء (2)، أو ربع الخمس والارباع الثلاثة الباقية للثلاثة الاخيرة كما زعمه الشافعي (3)، وسواء كان المراد بذي القربى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله في حياته وبعده الامام من أهل البيت عليهم السلام - كما ذهب إليه أكثر أصحابنا (4) - أو جميع بني هاشم كما ذهب إليه بعضهم (5). وعلى ما ذهب إليه الاكثر بكون دعوى فاطمة عليها السلام نيابة عن أمير المؤمنين عليه السلام تقية، أو كان المراد بني هاشم وبني المطلب كما زعمه الشافعي (6)، أو آل علي وعقيل وآل عباس ووولد الحارث بن عبد المطلب كما قال أبو حنيفة (7). وعلى أي حال، فلا ريب أيضا في أن الظاهر من الآية تساوي الستة في السهم، ولم يختلف الفقهاء في أن إطلاق الوصية والاقوال لجماعة معدودين يقتضي التسوية لتساوي النسبة، ولم يشترط الله عزوجل في ذي القربى فقرا أو مسكنة بل


(1) تفسير البيضاوي 1 / 384. (2) كما نسبه إليهم الفخر الرازي في التفسير الكبير 15 / 165، وانظر: الدر المنثور للسيوطي 2 / 335 وما بعدها، والكشاف 2 / 221 وما يليها، ومجمع البيان 4 / 543 - 545 وغيرها. (3) المنقول عن الشافعي تقسيمه للخمس إلى خمسة أقسام، كما صرح بذلك في بداية المجتهد 1 / 407، ولا حظ: السراج الوهاج: 351، وجواهر الكلام 16 / 89. (4) كما صرح بذلك في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 2 / 78 - 82، وجامع المقاصد 3 / 53 - 55 والحدائق الناضرة 12 / 369 - 378، ومستمسك العروة الوثقى 9 / 567 - 596 وغيرها، ولا حظ روايات الباب في كتاب وسائل الشيعة 9 / أبواب قسمة الخمس. (5) كما نص عليه صاحب الجواهر في موسوعته 16 / 86 - 89 وغيره. (6) ونص عليه في السراج الوهاج: 351، وصاحب الجواهر 16 / 87 وغيرهما. (7) قاله في التفسير الكبير 15 / 166 وغيره.

[387]

قرنه بنفسه وبرسوله صلى الله عليه وآله للدلالة على عدم الاشتراط، وقد احتج بهذا الوجه الرضا عليه السلام على علماء العامة في حديث طويل (1) بين فيه فضل العترة الطاهرة، وسيأتي في محله (2). وأما التقييد اجتهادا فمع بطلان الاجتهاد الغير المستند (3) إلى حجة فعل النبي صلى الله عليه وآله يدفع التقييد، لدلالة خبر جبير وغيره على أنه لم يعطهم ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيهم، وقد قال أبو بكر في رواية أنس: لكم الغنى الذي يغنيكم ويفضل عنكم، فما زعمه أبو بكر من عدم دلالة الآية على أن السهم مسلم لذي القربى ووجوب صرف الفاضل من السهم عن حاجتهم في مصالح المسلمين مخالف للآية والاخبار المتفق على صحتها، وقد قال سبحانه في آخر الآية: [إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا..] (4). واعترف الفخر الرازي في تفسيره بأن من لم يحكم بهذه القسمة فقد خرج عن الايمان (5)، وقال تعالى: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] (6)، وقال: [هم الفاسقون] (7)، وقال: [هم الظالمون] (8)، فاستحق بما صنع ما يستحقه الراد على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله. السادسة: ما دلت عليه الروايات السالفة وما سيأتي في باب شهادة فاطمة عليها السلام من أنها أوصت أن تدفن سرا (9)، وأن لا يصلي عليها أبو بكر وعمر


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 / 233، وما قبلها وبعدها. (2) بحار الانوار 96 / الباب الرابع والعشرون: 198. (3) كذا، والصحيح: غير المستند، والمشهور غلطا: الغير مستند. (4) الانفال: 41. (5) تفسير الفخر الرازي 15 / 165. (6) المائدة: 44. (7) المائدة: 47. (8) المائدة: 45. (9) مما سيأتي بيانه في الاجزاء الآتية وتعرض له شيخنا المجلسي في بحاره 43 / 155 - 218.

[388]

لغضبها عليهما في منع فدك (1) وغيره من أعظم الطعون عليهما. وأجاب عنه قاضي القضاة في المغني (2) بأنه قد روي أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة عليها السلام وكبر اربعا، وهذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء (3) في التكبير على الميت، ولا يصح أنها دفنت ليلا، وإن صح ذلك فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا، وعمر دفن ليلا (4)، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل، فما في هذا مما (5) يطعن به، بل الاقرب في النساء أن دفنهن ليلا أستر وأولى بالسنة (6). ورد عليه السيد الاجل في الشافي (7): بأن ما ادعيت من أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة عليها السلام وكبر اربعا، وان كثيرا من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت فهو شئ ما سمع إلا منك، وإن كنت تلقيته عن غيرك فممن يجري مجراك في العصبية، وإلا فالروايات المشهورة وكتب الآثار والسير خالية من ذلك، ولم يختلف أهل النقل في أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى (8) على فاطمة عليها السلام إلا رواية شاذة نادرة وردت بأن العباس صلى عليها (9). روى الواقدي (10) بإسناده عن عكرمة قال: سألت ابن العباس: متى دفنت (11) فاطمة عليها السلام ؟ قال: دفناها بليل بعد هدأة. قال: قلت: فمن


(1) فصلها الشيخ الاميني في غديره في أكثر من مكان، انظر مثلا: 7 / 229. (2) المغني، الجزء العشرون، القسم الاول: 335، باختلاف أشرنا لبعضه. (3) في المغني: إن أبا بكر صلى على فاطمة (ع) وكبر عليها أربعا، هذا أحد ما يستدل به الفقهاء. (4) في المصدر: ودفن عمر ابنه ليلا. (5) جاء في طبعة كمباني: ما، بدلا من: مما. (6) جاء في المغني: فما في هذا من الطعن، بل الاقرب ان دفنهم ليلا أستر وأقرب إلى السنة. (7) الشافي: 239 - حجرية - [الطبعة الجديدة 4 / 113 - 115]، باختلاف يسير. (8) في المصدر: هو الذي صلى.. (9) كما ذكره سيدنا المرتضى علم الهدى في الشافي 4 / 113، وكذا كل الذي جاء بعد هذا. (10) لعله جاء في كتابه الجمل الذي لا نعلم بطبعه ولم نحصل على نسخته. (11) في الشافي: دفنتم.

[389]

صلى عليها ؟ قال: علي عليه السلام. وروى الطبري (1)، عن الحرث بن أبي اسامة، عن المدايني، عن أبي زكريا العجلاني أن فاطمة عليها السلام عمل لها نعش قبل وفاتها، فنظرت (2) وقالت: سترتموني ستركم الله، قال أبو جعفر محمد بن جرير: والثبت (3) في ذلك أنها (4) زينب، لان فاطمة عليها السلام (5) دفنت ليلا ولم يحضرها إلا العباس وعلي والمقداد والزبير. وروى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه (6) عن الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليه وعليها عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي عليه السلام ليلا، وصلى عليها علي بن أبي طالب عليه السلام. وذكر في كتابه هذا (7) أن أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام دفنوها ليلا وغيبوا قبرها. وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن الحسن بن محمد: أن فاطمة عليها السلام دفنت ليلا. وروى عبد الله بن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد العطار، عن معمر، عن الزهري مثل ذلك.


(1) لم نجد الرواية في تاريج الطبري 3 / 240 حوادث سنة 11 ه‍، ولعلها في غيره من كتبه، وقد أخذها العلامة المجلسي طاب ثراه من السيد المرتضى في الشافي. (2) في الشافي: فنظرت إليه. (3) في الشافي: وثابت. (4) لا توجد: انها، في (س). (5) في الشافي: لافاطمة عليها السلام. (6) تاريخ الشجري للقاضي أبو بكر احمد بن كامل. (7) تاريخ الشجري: ولم نحصل عليه.

[390]

وقال البلاذري في تاريخه (1) أن فاطمة عليها السلام لم تر متبسمة (2) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها. والامر في هذا أوضح وأظهر من أن يطنب في الاستشهاد عليه وذكر الروايات فيه. فأما قوله: ولا يصح أنها دفنت ليلا، وإن صح فقد دفن فلان وفلان ليلا.. فقد بينا أن دفنها ليلا في الصحة كالشمس الطالعة، وان منكر ذلك كدافع المشاهدات، ولم نجعل دفنها ليلا بمجرده هو (3) الحجة فيقال: فقد دفن فلان وفلان ليلا، بل مع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التي هي كالمتواتر أنها عليها السلام أوصت بأن تدفن ليلا حتى لا يصلي عليها الرجلان (4)، وصرحت بذلك، وعهدت فيه عهدا بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوادها، فأبت أن تأذن لهما، فلما طال عليهما المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في أن يستأذن لهما، وجعلاها حاجة إليه، فكلمها أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك وألح عليها فأذنت لهما في الدخول، ثم أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلمهما، فلما خرجا قالت لامير المؤمنين عليه السلام: قد صنعت (5) ما أردت ؟ قال: نعم. قالت: فهل أنت صانع ما آمرك ؟ قال: نعم. قالت: فإني أنشدك الله أن لا يصليا على جنازتي، ولا يقوما على قبري. وروي أنه عليه السلام عمى على قبرها ورش أربعين قبرا في البقيع ولم يرش على قبرها حتى لا يهتديا إليه، وأنهما عاتباه على (6) ترك إعلامهما بشأنها وإحضارهما


(1) تاريخ البلاذري: ولم نحصل عليه، ولم نجده في الانساب وغيره. (2) في الشافي: مبتسمة. (3) في (ك): وهو. (4) ذكرنا وسنذكر جملة من المصادر، وانظر كتاب سليم بن قيس: 255، وتفصيل المصادر في الغدير 7 / 327 وغيرهما. (5) في الشافي: أليس قد صنعت. (6) في المصدر: وإنما عاتبا على..

[391]

للصلاة عليها، فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلا، ولو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدم عليه وتأخر عنه لم يكن فيه حجة. انتهى كلامه رفع الله مقامه (1). ومما يدل من صحاح أخبارهم على دفنها ليلا، وأن أبا بكر لم يصل عليها، وعلى غضبها عليه وهجرتها إياه، ما رواه مسلم في صحيحه (2) وأورده في جامع الاصول (3) في الباب الثاني من كتاب الخلافة والامارة من حرف الخاء عن عائشة - في حديث طويل بعد ذكر مطالبة فاطمة عليها السلام أبا بكر في ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وفدك، وسهمه من خيبر - قالت: فهجرته فاطمة عليها السلام فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي (ع) ليلا (4) ولم يؤذن بها أبا بكر، قالت: فكانت لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة عليها السلام انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام، ومكثت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستة أشهر ثم توفيت. وروى ابن أبي الحديد (5) عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن هشام بن محمد عن أبيه قال: قالت فاطمة عليها السلام لابي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك. فقال: يا بنت (6) رسول الله ! والله ما خلق الله خلقا أحب إلي من رسول الله (ص) أبيك ولوددت أن السماء وقعت على الارض يوم مات أبوك، والله لئن تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري، أتراني


(1) الشافي: 239 [4 / 113 - 115] بتصرف كما سلف. (2) صحيح مسلم 5 / 154، باب حكم الفئ. (3) جامع الاصول 4 / 482، حديث 2079، وحكاه العلامة الاميني رحمه الله في غديره عن عدة مصادر، لاحظ: 7 / 227 وغيره. (4) لا توجد: ليلا، في (س). (5) في شرحه على نهج البلاغة 16 / 214، وقد مرت هذه الرواية عن نفس المصدر في صفحة 328 من هذا الكتاب، فراجع. (6) في المصدر: فقال لها يا بنية. وهي نسخة على مطبوع البحار.

[392]

أعطي الاسود والاحمر (1) حقه وأظلمك حقك وأنت بنت رسول الله (ص) ! إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم (2) وليته كما كان يليه ! قالت: والله لا كلمتك أبدا !. قال: والله لا هجرتك أبدا. قالت: والله لادعون الله عليك. قال: والله لادعون الله لك. فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي (3) عليها، فدفنت ليلا، وصلى عليها العباس بن عبد المطلب، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها صلى الله عليه وآله (4) اثنتان وسبعون ليلة (5). ومما يؤيد إخفاء دفنها جهالة قبرها والاختلاف فيه بين الناس إلى يومنا هذا، ولو كان بمحضر من الناس لما اشتبه على الخلق ولا اختلف فيه. السابعة: مما يرد من الطعون على أبي بكر في تلك الواقعة أنه مكن أزواج النبي صلى الله عليه وآله من التصرف في حجراتهن بغير خلاف، ولم يحكم فيها بأنها صدقة، وذلك يناقض ما منعه في أمر فدك وميراث الرسول صلى الله عليه وآله، فإن انتقالها إليهن إما على جهة الارث أو النحلة، والاول مناقض لروايته في الميراث، والثاني يحتاج إلى الثبوت ببينة ونحوها، ولم يطالبهن بشئ منها كما طالب فاطمة عليها السلام في دعواها، وهذا من أعظم الشواهد لمن له أدنى بصيرة، على أنه لم يفعل ما فعل إلا عداوة لاهل بيت الرسالة، ولم يقل ما قال إلا افتراء على الله وعلى رسوله. ولنكتف (6) بما ذكرنا، فإن بسط الكلام في تلك المباحث مما يوجب كثرة حجم الكتاب وتعسر تحصيله على الطلاب.


(1) في المصدر: الاحمر والابيض. (2) هنا سقط، وفي شرح النهج: وانما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجل وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. (3) في المصدر: ألا يصلي. (4) في المصدر: عليها بدلا من عليه وآله. (5) وذكره الخوارزمي في مقتله 1 / 83 باختلاف يسير. (6) في (س): ولتكتف..

[393]

فانظر أيها العاقل المنصف بعين البصيرة ! فيما اشتمل عليه تلك (1) الاخبار الكثيرة التي أوردوها في كتبهم المعتبرة عندهم من حكم سيدة النساء صلوات الله عليها - مع عصمتها وطهارتها - باغتصابهم للخلافة وأنهم أتباع الشيطان، وأنه ظهر فيهم حسيكة النفاق، وأنهم أرادوا إطفاء نور الدين، وإهماد سنن سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله أجمعين، وانهم آذوا أهل بيته وأضمروا لهم العداوة.. وغير ذلك مما اشتملت عليه الخطبة الجليلة.. (2) !. فهل يبقى بعد ذلك شك في بطلان خلافة أبي بكر ونفاقه ونفاق أتباعه ؟ !. ثم انها عليها السلام حكمت بظلم أبي بكر في منعها الميراث صريحا بقولها عليها السلام: لقد جئت شيئا فريا (3)، ودعت الانصار إلى قتاله، فثبت جواز قتله، ولو كان إماما لم يجز قتله. ثم انظر إلى هذا المنافق كيف شبه أمير المؤمنين وسيد الوصيين وأخا سيد المرسلين وزوجه الطاهرة: بثعالة شهيده ذنبه، وجعله مربا لكل فتنة، ثم إلى موت فاطمة صلوات الله عليها ساخطة على أبي بكر مغضبة عليه منكرة لامامته، والى إنكار أبي بكر كون فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله مع كونه مخالفا للآية والاجماع وأخبارهم، والى أنه انتزع فدك من يد وكلاء فاطمة وطلب منها الشهود، مع أنها لم تكن مدعية، فحكم بغير حكم الله وحكم الرسول صلى الله عليه وآله وصار بذلك من الكافرين بنص القرآن، والى طلب الشاهد من المعصومة ورد


(1) لا توجد: تلك، في (س). (2) مرت جملة من مصادرها ونزيد هاهنا: كفاية الاثر: 198، البحار 36 / 352، 43 / 148، 170، 197، والمناقب 2 / 50 طبعة النجف، الاحتجاج 1 / 107 [طبعة قم]، و 1 / 145 [طبعة النجف]، العوالم 11 / 226، وراجع خطبة الصديقة الطاهرة سلام الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها فقد أوردها المخالف والمؤالف وقد مرت، وانظر: بيت الاحزان: 115 [طبعة قم]، والسقيفة وفدك للجوهري: 137 [طبعة طهران]، والغدير 2 / 61، و 3 / 175 وما بعدها، ودلائل الامامة: 45، وكتاب سليم بن قيس الهلالي: 249 وغيرها. (3) ولعلها اقتباس مما جاء في سورة مريم: 27.

[394]

شهادة المعصومين الذين أنزل الله تعالى فيهم ما أنزل، وقال فيهم النبي صلى الله عليه وآله ما قال، ومنعها الميراث خلافا لحكم الكتاب، وافترائه على الرسول صلى الله عليه وآله بما شهد الكتاب والسنة بكذبه، فتبوأ مقعده من النار، وظلمه عليها صلوات الله عليها في منع سهم ذي القربى خلافا لله تعالى، ومناقضته لما رواه حيث مكن الازواج من التصرف في الحجر وغيرها (1) مما يستنبط من فحاوي ما ذكر من الاخبار (2)، ولا يخفى طريق استنباطها على أولي الابصار.


(1) في (س): وغيرهما. (2) صرح بأكثر من هذا في: الصراط المستقيم 2 / 282 - 299.

[395]

12 - باب (1) العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما ولي الناس 1 - ع (2): الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي (3)، عن علي ابن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لم لم يأخذ أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما ولي الناس ؟ ولاي علة تركها ؟ فقال له: لان الظالم والمظلومة قد كانا قدما (4) على الله عزوجل وأثاب الله المظلومة (5) وعاقب الظالم (6)، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب الله عليه غاصبه وأثاب عليه


(1) الترقيم لا يوجد في الاصل وجاء في حاشية (س). (2) علل الشرائع 1 / 154، باب 124، حديث 1. (3) في المصدر: حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق رحمه الله قال: حدثني محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد عن النوفلي... (4) في المصدر: فقال: لان الظالم والمظلومة كانا قدما. (5) في العلل: المظلوم. (6) في مطبوع البحار وضع على: قد كانا.. إلى الظالم رمز نسخة بدل، وعلى الواو من وأثاب رمز نسخة صحيحة.

[396]

المغصوبة (1). 2 - ع (2): ابن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن ابراهيم (3) الكرخي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له: لاي علة ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدكا (4) لما ولي الناس ؟ فقال: للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة وقد باع عقيل بن أبي طالب داره، فقيل له: يا رسول الله ! ألا ترجع إلى دارك ؟ فقال (ص): وهل ترك عقيل لنا دارا، إنا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما، فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولي. 3 - ن، ع (5): القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي (6) بن الحسن بن فضال (7)، عن أبيه، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن أمير المؤمنين عليه السلام لم لم يسترجع فدك لما ولي (8) الناس ؟ فقال: لانا أهل بيت ولينا الله عزوجل لا يأخذ لنا حقوقنا ممن يظلمنا إلا هو (9)، ونحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم ونأخذ (10) حقوقهم ممن يظلمهم (11)، ولا نأخذ لانفسنا.


(1) في المصدر: المغصوب. (2) علل الشرائع 1 / 155، باب 124، حديث 2، باختلاف يسير. (3) جاء في المصدر: حدثنا أحمد بن علي بن هاشم رحمه الله، قال: حدثنا أبي، عن أبيه ابراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن ابراهيم.. (4) في العلل: ترك علي بن أبي طالب عليه السلام فدكا. (5) علل الشرائع 1 / 155، باب 124، حديث 3، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2 / 86، حديث 31. (6) في العلل: حدثنا أحمد بن الحسين القطان، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا علي.. (7) في المصدرين: علي بن الحسن بن علي بن فضال. (8) في العيون: زيادة: أمر، قبل: الناس. (9) في العلل: لانا أهل بيت إذا ولانا الله عزوجل لا نأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو.. وكذا في العيون إلا أنه لا توجد: ولا نا الله عزوجل. (10) في العيون: ونأخذ لهم. (11) في المصدرين: ظلمهم.

[397]

تبيين: إعلم أن بعض المخالفين (1) تمسكوا في تصحيح ما زعموه في أمر الميراث وقصة فدك بإمضاء أمير المؤمنين عليه السلام ما فعلته الخلفاء لما صار الامر إليه، وقد استدل قاضي القضاة (2) بذلك على أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن شاهدا في قضية فدك، إذ لو كان هو الشاهد فيها لكان الاقرب أن يحكم بعلمه، وكذلك في ترك الحجر لنساء النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: وليس لهم (3) بعد ذلك إلا التعلق بالتقية التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، ولو علموا ما عليهم في ذلك لاشتد هربهم منه، لانه إن جاز للائمة التقية - وحالهم في العصمة ما يقولون - ليجوزن ذلك (4) من رسول الله، وتجويز ذلك فيه يوجب أن لا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام لتجويز التقية، ومتى قالوا يعلم بالمعجز (5) إمامته فقد أبطلوا كون النص طريقا للامامة، والكلام مع ذلك لازم لهم، بأن يقال: جوزوا مع ظهور المعجز أن يدعي الامامة تقية، وأن يفعل سائر ما يفعله تقية (6) ؟ وكيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول وعن الائمة ؟ ! وهلا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا بعد الرسول وترك ادعاء ذلك تقية وخوفا ؟ ! فإن الشبهة (7) في ذلك أوكد من النص، لان التعصب للنبي (8) في النبوة أعظم من التعصب لابي بكر وغيره في الامامة ! فإن عولوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في


(1) المراد به قاضي القضاة في كتابه المغني كما صرح بذلك السيد المرتضى رحمه الله في الشافي، وحكاه عنه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 16 / 270. (2) كما جاء في المغني، الجزء العشرين: 333. (3) في المصدر: وليس يمكنهم. (4) في (ك): ليجوزون، وفي المصدر: ذلك للرسول. (5) في المغني: نعلم بالمعجز.. (6) في المصدر: ما يفعله بفعله تقية ؟. (7) في المغني: بل الشبهة. (8) في المصدر: لرسول الله بدلا من النبي.

[398]

النص على الامامة قائمة، وإن (1) فزعوا في ذلك إلى الاجماع، فمن قولهم أنه لا يوثق به (2) ويلزمهم في الاجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقية لانه لا يكون أوكد من قول الرسول وقول الامام عندهم، وبعد، فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنه إله، فلا يصح على شروطهم أن يتعلقوا بذلك (3). وأجاب عنه السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي (4) بما هذا لفظه: أما قوله: إن جازت التقية للائمة - وحالهم في العصمة ما يدعون (5) - جازت على الرسول صلى الله عليه وآله، فالفرق بين الامرين واضح، لان الرسول صلى الله عليه وآله مبتدئ بالشرع، ومفتتح لتعريف الاحكام التي لا تعرف إلا من جهته وبيانه، فلو جازت عليه التقية لاخل ذلك بإزاحة علة المكلفين، ولفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعية، وقد بينا (6) أنها لا تعرف إلا من جهته، والامام بخلاف هذا الحكم، لانه مفيد (7) للشرائع التي قد علمت من غير جهته، وليس يقف العلم بها والحق فيها على قوله دون غيره، فمن اتقى في بعض الاحكام بسبب يوجب ذلك لم يخل تقيته بمعرفة الحق وإمكان الوصول إليه، والامام والرسول - وان (8) استويا في العصمة - فليس يجب أن يستويا في جواز التقية للفرق الذي ذكرناه، لا أن الامام لم يجز (9) التقية عليه لاجل العصمة، وليس للعصمة تأثير في جواز التقية ولا نفي جوازها.


(1) في (ك) هنا: كان، وجعل: وان، نسخة بدل، وفي المغني: على الامام قائمة وإن. (2) لا توجد: به، في المغني. (3) إلى هنا كلام قاضي القضاة في المغني 20 / 333 - 335، بتفاوت قليل. (4) الشافي - الحجرية -: 228 - 229 [الطبعة الجديدة 4 / 105 - 110] باختلاف يسير. (5) في المصدر: ما تدعون. (6) في المصدر: التي قد بينها.. (7) كذا، وفي الشافي: منفذ.. وهو الظاهر. (8) لا توجد: وإن، في (س). (9) في المصدر: لان الامام لم تجز.

[399]

فإن قيل: أليس من قولكم ان الامام حجة في الشرائع وقد يجوز عندكم أن ينتهي الامر إلى أن يكون الحق لا يعرف إلا من جهته ويقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلا من جهة من يقوم الحجة بقوله (1) وهذا يوجب مساواة الامام للرسول فيما فرقتم بينهما فيه ؟. قلنا: إذا كانت الحال في الامام ما صورتموه وتعينت الحجة في قوله، فإن التقية لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبي صلى الله عليه وآله. فإن قيل: فلو قدرنا أن النبي صلى الله عليه وآله قد بين جميع الشرائع والاحكام التي يلزمه بيانها حتى لم يبق شبهة في ذلك ولا ريب، لكان يجوز عليه - والحال هذه - التقية في بعض الاحكام. قلنا: ليس يمنع (2) عند قوة أسباب الخوف الموجبة للتقية أن يتقي إذا لم يكن (3) التقية مخلة بالوصول إلى الحق ولا منفرة عنه. ثم يقال له (4): أليست التقية عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها وعلى الامام والامير ؟ !. فإن قال: هي جائزة على المؤمنين وليست جائزة على الامام والامير. قلنا: وأي فرق بين ذلك ؟ والامام والامير عندك ليسا بحجة في شئ كما أن النبي (ص) حجة فيمنع (5) من ذلك لمكان الحجة بقولهما، فإن اعترف بجوازها عليهما قيل له فألا جاز على النبي (ص) قياسا على الامير والامام. فإن قال: لان قول النبي (ص) حجة، وليس الامام والامير كذلك.


(1) في الشافي: من لا تقوم الحجة بقوله. (2) في المصدر: يمتنع. (3) في الشافي: لم تكن. (4) في الشافي: ثم يقال لصاحب الكتاب. (5) في المصدر: فتمنع.

[400]

قيل له: وأي تأثير في الحجة (1) في ذلك إذا لم تكن التقية مانعة من إصابة الحق، ولا بمخلة بالطريق إليه. وخبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الاخبار حجة لو ظفر بهم جبار ظالم متفرقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم - وهم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنهم متى ذكروها على وجهها قتلهم وأباح حريمهم - أليست التقية جائزة على هؤلاء مع الحجة (2) في أقوالهم ؟ فإن منع من جواز التقية على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم. وقيل له: وأي فرق بين هذه الجماعة وبين من نقص عن عدتها في جواز التقية ؟ فلا يجد فرقا. فإن قال: إنما جوزنا التقية على من ذكرتم لظهور الاكراه والاسباب الملجئة إلى التقية ومنعناكم من مثل ذلك، لانكم تدعون تقية لم تظهر أسبابها ولا الامور الحاملة عليها من إكراه وغيره. قيل له: هذا اعتراف بما أردناه من جواز التقية عند وجود أسبابها، وصار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، ولسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أن الامام اتقى بغير سبب موجب لتقية، وحامل على فعله، والكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، وليس كل الاسباب التي توجب التقية تظهر لكل أحد، ويعملها جميع الخلق، بل ربما اختلفت الحال فيها، وعلى كل حال فلا بد أن تكون معلومة لمن وجب تقيته، ومعلومة أو مجوزة لغيره، ولهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيته عن أمر فيصدقه بعضهم في ذلك ولا يصدقه آخرون، ويستعملون ضربا من التورية، وليس ذلك إلا لان من صدق لم يخف على نفسه ومن جرى مجرى نفسه، ومن ورى فلانه خاف على نفسه وغلب في ظنه وقوع الضرر به متى صدق فيما (3) سئل عنه، وليس يجب أن يستوي حال الجميع، وأن يظهر لكل أحد


(1) في الشافي: للحجة. (2) في المصدر: مع أن الحجة. (3) في المصدر: عما، بدلا من: فيما.

[401]

السبب في تقية من اتقى ممن ذكرناه بعينه حتى يقع الاشارة إليه على سبيل التفصيل، وحتى يجري مجرى العرض على السيف في الملا من الناس، بل ربما كان ظاهرا كذلك، وربما كان خافيا (1). فإن قيل: مع تجويز التقية على الامام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه واعتقاده ؟ وكيف يتخلص (2) لنا ما يفتي به على سبيل التقية من غيره ؟. قلنا: أول ما نقوله في ذلك ان الامام لا يجوز أن يتقي فيما لا يعلم إلا من جهته، والطريق إليه إلا من ناحيته، وقوله (3) وإنما يجوز التقية عليه فيما قد بأن بالحجج والبينات ونصبت عليه الدلالات حتى لا يكون تقيته (4) فيه مزيلة لطريق إصابة الحق وموقعة للشبهة، ثم لا تبقى (5) في شئ إلا ويدل على خروجه منه خرج التقية، إما لما يصاحب كلامه أو يتقدمه أو يتأخر عنه، ومن اعتبر جميع ما روي عن أئمتنا عليهم السلام على سبيل التقية وجده لا يعرى مما ذكرناه. ثم إن التقية إنما تكون من العدو دون الولي، ومن المتهم دون الموثوق به، فيما يصدر منهم إلى أوليائهم وشيعتهم ونصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشك في أنه على غير جهة التقية، وما يفتون به العدو أو يمتحنون به في مجالس الجور (6) يجوز أن يكون على سبيل التقية كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم يقلب (7) هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقية عند الخوف الشديد وما يجري مجراه، فمن أين تعرف مذاهبهم واعتقادهم ؟ ! وكيف تفصل


(1) في الشافي: خاصا. (2) في المصدر: يخلص. (3) في الشافي: ولا طريق إليه إلا من ناحية قوله.. وهو الظاهر. (4) في المصدر: فتياه، بدلا من: تقيته. (5) في الشافي: لا يتفي.. وهو الظاهر، وفي حاشية مطبوع البحار نسخة بدل: يبقى. (6) في المصدر: مجالس الخوف. (7) في الشافي: ثم نقلب.

[402]

بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقية وبين ما يفتي به وهو مذهب له يعتقد بصحته ؟ ! فلا بد من (1) الرجوع إلى ما ذكرناه. فإن قال: اعرف مذهب غيري وإن أجزت عليه التقية بأن يضطرني إلى اعتقاده، وعند التقية لا يكون ذلك. قلنا: وما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عند، فأما ما تلا كلامه (2) الذي حكيناه عنه من الكلام في التقية، وقوله: إن ذلك يوجب أن لا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام، فإنما بناه على أن النبي صلى الله عليه وآله يجوز عليه التقية في كل حال، وقد بينا ما في ذلك واستقصيناه. وقوله: ألا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا، وعدل عن ادعاء ذلك تقية.. فيبطله ما ذكرنا من أن التقية لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام فيما لا يعلم (3) إلا من جهته، ويبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن وكل عاقل ضرورة من نفي (4) النبوة بعده على كل حال من دين الرسول صلى الله عليه وآله. وقوله: إن عولوا على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في النص على الامام قائمة، فمعاذ الله أن ندعي الضرورة في العلم بالنص على من غاب عنه فلم يسمعه، والذي نذهب إليه ان كل من لم يشهده لا يعلمه إلا باستدلال (5) وليس كذلك نفي النبوة، لانه معلوم من دينه صلى الله عليه وآله ضرورة، ولو لم يشهد بالفرق بين الامرين إلا اختلاف العقلاء في النص مع تصديقهم بالرسول


(1) في المصدر: فلا بد ضرورة من. (2) في الشافي: ما تلا صاحب الكتاب كلامه.. (3) في الشافي: لا يسلم.. (4) في المصدر: من أن نفي.. (5) في (ك): باستدلال.

[403]

صلى الله عليه وآله وأنهم لم يختلفوا في نفي النبوة لكفى (1)، ولا اعتبار بقوله في ذلك خلاف ما قد ذكر (2) كما ذكر في أنه عليه السلام إله، لانه (3) هذا الخلاف لا يعتد به، والمخالف فيه خارج عن الاسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقوله، كما لا يعتبر في إجماع المسلمين (4) بقول من خالف في أنه إله، على أن من خالف وادعى نبوته لا يكون مصدقا للرسول صلى الله عليه وآله ولا عالما بنبوته، ولا يدعي على الاضطرار في أنه لا نبي بعده وإنما يعلم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله نفي النبوة بعده من أقر بنبوته (5). فأما قوله: إن الاجماع لا يوثق به عندهم، فمعاذ الله أن نطعن في الاجماع وكونه حجة، فإن أراد أن الاجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجة فذلك ليس بإجماع عندنا وعندهم، وما ليس بإجماع فلا حجة فيه، وقد تقدم عند كلامنا في الاجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية. وقوله: يجوز أن (6) يقع الاجماع على طريق التقية لا يكون (7) أوكد من قول الرسول صلى الله عليه وآله أو قول الامام عليه السلام عندهم، باطل (8)، لانا قد بينا أن التقية لا تجوز على الرسول صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام على كل حال، وإنما تجوز على حال دون اخرى، على أن القول بأن الامة بأسرها مجتمع (9)


(1) لا توجد في المصدر: لكفى، ولا يتم المعنى إلا بها. (2) في المصدر: بقول صاحب الكتاب: إن في ذلك خلافا قد ذكر.. (3) في الشافي: لان، وجعلها في (س) نسخة بدل. (4) لا يوجد في المصدر: بقوله كما لا يتعبر في إجماع المسلمين. (5) لا يوجد في المصدر: من أقر بنبوته، وفيه: تدعي... نعلم.. (6) في المصدر: لتجوزن ان. (7) كذا، وفي المصدر: لانه لا يكون.. وفي (س): لانه يكون، والظاهر ما في المصدر لما مر من عبارة صاحب المغني. (8) باطل خبر لقوله. (9) كذا، وفي الشافي: تجمع.

[404]

على طريق التقية طريف (1)، لان التقية سببها الخوف من الضرر العظيم، وإنما يتقى بعض الامة من بعض لغلبته عليه وقهره له، وجميع الامة لا تقية عليها من أحد. فإن قيل: يتقي من مخالفيها في الشرائع. قلنا: الامر بالضد من ذلك، لان من خالطهم وصاحبهم من مخالفيهم في الحال (2) أقل عددا وأضعف بطشا منهم، فالتقية لمخالفيهم منهم أولى، وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى الاطالة والاستقصاء. انتهى كلامه رفع الله مقامه. ولنذكر بعض ما يدل على جواز التقية لكثرة تشنيع المخالفين في ذلك علينا مع كثرة الدلائل القاطعة عليها (3): فمنها: قوله تعالى: [من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان] (4). ومنها: قوله تعالى: [لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقية] (5). ومنها: ما رواه الفخر الرازي (6) وغيره من المفسرين (7) عن الحسن قال: أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله ؟


(1) في المصدر: طريق، ولا معنى لها. (2) في الشافي: في الملل. (3) وسيأتي من المصنف طاب ثراه في المجلد الخامس والسبعين 393 - 443 بحث حول التقية، فراجع. (4) النحل: 106. (5) آل عمران: 28. (6) تفسير الفخر الرازي 8 / 13. (7) كما جاء في مجمع البيان 2 / 430، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 10، وتفسير التبيان 2 / 435، وغوالي اللآلي 2 / 104، حديث 288.. وغيرها.

[405]

قال: نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد صلى الله عليه وآله رسول قريش، فتركه، ودعا الآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم نعم نعم ! قال: أفتشهد أني رسول الله ؟ قال: إني أصم.. ثلاثا. فقدمه وقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه. ومنها: ما رواه الخاصة والعامة أن اناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الاسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من اكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه مع أنه كان بقلبه مصرا على الايمان منهم عمار وأبواه: ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخباب وسالم عذبوا، وأما سمية فقد ربطت بين بعيرين (1) ووجئت (2) في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل ياسر، وهما أول قتيلين (3) في الاسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فقيل يا رسول الله ! إن عمارا كفر. فقال: كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه يقول: ما لك ! إن عادوا لك فعد لهم بما قلت (4).


(1) في (س): بعيري. (2) قال في القاموس 1 / 31: وجأه باليد والسكين - كوضعه - ضربه. (3) في (س): قتيلتين. (4) صرحت بذلك كل المصادر التي بأيدينا نذكر منها: حلية الاولياء 1 / 139، 143، 147، 151، تفسير الآلوسي 14 / 237، تفسير الطبري 3 / 152، 14 / 122، أحكام القرآن لابي بكر العربي 1 / 268، تفسير الفخر الرازي 20 / 121 - بنص ما ذكر هنا -، تفسير الدر المنثور للسيوطي 2 / 16 و 4 / 132، أحكام القرآن للجصاص 2 / 9 و 3 / 191 - 192، اسد الغابة 4 / 43 - 46، ومستدرك الحاكم 2 / 291 و 357. وقد ذكر العلامة الاميني في غديره 9 / 24 مصادر جمة أخرى، أما عند الخاصة فالمسألة مسلمة إن لم تكن ضرورية. انظر مثلا: قرب الاسناد: 8، غوالي اللآلي 2 / 104، حديث 285 و =

[406]

ومنهم: خبر (1) مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر ثم أسلم مولاه فأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا (2). وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (3) في ترجمة عمار: إن نزول الآية فيهم مما أجمع أهل التفسير عليه. ويدل عليها أيضا ما يدل على نفي الحرج نحو قوله تعالى: [ما جعل عليكم في الدين من حرج] (4) ولزوم الحرج في مواضع التقية - سيما إذا انتهت الحال إلى القتل وهتك العرض - واضح. ويدل عليها عموم قوله تعالى (5): [فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه] (6). وقد فسر مجاهد الاضطرار في آية الانعام (7) باضطرار الاكراه خاصة (8). ويدل عليه قوله تعالى: [ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] (9) على بعض


= 288، تفسير التبيان 6 / 428،.. وغيرها. (1) في مطبوع البحار: خير. (2) كما جاء في الاصابة 1 / 221 برقم 1069 حيث ذكره باسم " جبر " وفيها أيضا 2 / 249 رقم 4380 حيث ذكره باسم " حر " في ضمن ترجمة سيده " عامر بن الحضرمي ". والموضع الثاني من الاصابة هو الانسب لما في المتن هنا. (3) الاستيعاب - المطبوع في هامش الاصابة - 2 / 477. (4) الحج: 78. (5) لا توجد كلمة: تعالى، في (س). (6) البقرة: 173. (7) الانعام: 145، وهي قوله تعالى: [قل لا أجد في ما أوحي إلي... فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم]. (8) لم نجد النسبة إلى مجاهد في سورة الانعام من تفسير التبيان 4 / 275، ومجمع البيان 4 / 378 وغيرهما. نعم أحال الاخير تفسيرها إلى سورة البقرة: 173 في 2 / 257، وذكر هناك نص كلام مجاهد، وهناك أقوال اخر لاحظها هناك. (9) البقرة: 195.

[407]

التفاسير (1). ولا خلاف في شرعيتها مع الخوف على النفس من الكفار الغالبين. وقال الشافعي - من العامة - بأن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحال بين المسلمين والمشركين حلت التقية (2)، ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسير الآية الثانية، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال، يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلم: حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون ماله فهو شهيد، ولان الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا (3) ؟. وقال في تفسير الآية الاولى: اعلم أن للاكراه مراتب: أحدها (4): أن يجب فعل المكره عليه، مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الاكل، وذلك لان صون الروح عن الفوات واجب ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الاكل، وليس في هذا الاكل ضرر على حيوان ولا إهانة بحق الله (5)، فوجب أن يجب، لقوله تعالى: [ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] (6). المرتبة الثانية: أن يكون (7) ذلك الفعل مباحا ولا يصير واجبا، ومثاله ما إذا


(1) انظر: التبيان 2 / 152، ومجمع البيان 1 / 289 ذيل آية 195 من سورة البقرة، تفسير نور الثقلين 1 / 179، والبرهان 1 / 192، وانظر: تفسير الفخر الرازي 5 / 150، 20 / 122، والكشاف 1 / 237 وغيرها. (2) كما ذكره في كتابه: الام 3 / 236، 4 / 188 و 193 و 285 بهذا المضمون. (3) تفسير الفخر الرازي 8 / 13. (4) في المصدر: المرتبة الاولى، بدلا من: أحدها. (5) في تفسير الفخر الرازي: ولا فيه إهانة لحق الله تعالى. (6) البقرة: 195. (7) توجد في (ك) هنا نسخة بدل: ان يصير، وهي كذلك في المصدر.

[408]

أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر مباح له ذلك (1) ولكنه لا يجب (2). قال: وأجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: أحدها: إنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب وكان يقول: أحد.. أحد، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئسما صنعت، بل عظموه عليه (3)، فدل ذلك على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر. وثانيها: ما روي من قصة المسيلمة (4)، التي سبق ذكرها، قال: المرتبة الثالثة: أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الاصلية (5) انتهى. ولا خلاف ظاهرا في أنه متى أمكن التخلص من الكذب في صورة التقية بالتورية لم يجز ارتكاب الكذب، واختلفوا فيما لو ضيق المكره الامر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها ولا أراد إلا ذلك المعين، ولم يتفطن في تلك الحال بتورية يتخلص منه (6) فالخاصة (7) وأكثر


(1) في المصدر: فها هنا يباح له و.. (2) تفسير الفخر الرازي 20 / 122 - 123. (3) من المصدر: بل عظمه عليه. (4) تفسير الفخر الرازي 20 / 122، وذكر فيه قصة مسيلمة، والظاهر زيادة الالف واللام على العلم. (5) تفسير الفخر الرازي 20 / 123. (6) في (ك): به، بدلا من: منه. (7) نصت عليه جملة مصادر من الامامية كما جاءت رواية في كتب الحديث، انظر: الكافي 2 / 172 باب 97 كتاب الايمان، المحاسن 255 باب التقية، أمالي الشيخ الصدوق 531 حديث 5، معاني الاخبار 385 حديث 20، أمالي الشيخ الطوسي 1 / 287 و 299، وسائل الشيعة 1 / 313 حديث 3 و 4، 11 / 459 باب 24، و 467 باب 25 و 26 و 27 وما بعدها، و 18 / 5 حديث 7، بحار الانوار 75 / 393 - 443، ولا حظ أيضا اوائل المقالات للشيخ المفيد: 135 و 241، الهداية (لعلي بن بابويه): 9، والقواعد والفوائد 2 / 155، جامع الاخبار: 110 باب التقية، وراجع من =

[409]

العامة (1) ذهبوا إلى جواز الكذب حينئذ. وحكى الفخر الرازي عن القاضي أنه قال: يجب حينئذ تعريض النفس للقتل، لان الكذب إنما يقبح لكونه كذبا، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج من القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع (2) أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح، وحينئذ لا يبقى وثوق بعهد الله (3) ولا بوعيده، لا حتمال أنه فعل ذلك الكذب (4) لرعاية المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى (5). ويرد عليه: أن الكذب وإن كان قبيحا إلا أن جواز ارتكابه (6) في محل النزاع لانه أقل القبيحين، والتعريض للقتل - لو سلمنا عدم قبحه لذاته جاز أن يغلب المفسدة العرضية فيه على الذاتية في الكذب، ويلزمه تجويز تعريض نبي من الانبياء للقتل للتحرز عن الكذب في درهم، وبطلانه لا يخفى على أحد. وأما ما تمسك به من طرق الكذب إلى وعده الله سبحانه ووعيده، فيتوجه عليه:


= التفاسير: تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام: 175، وتفسير العياشي 1 / 166، 2 / 271 - 272، تفسير القمي: 1 / 100 و 390، تفسير ابن عباس: 45 و 231، وتفسير نور الثقلين 1 / 325 - 327 و 3 / 88، تفسير البرهان 1 / 275 و 2 / 385، وغيرها. (1) قد مرت جملة من مصادر العامة قريبا ونزيدها هنا: تفسير الفخر الرازي 8 / 11 - 14 و 20 / 120 و 123، وتفسير الطبري 14 / 121، تفسير البحر المحيط 2 / 423 و 5 / 537 - 541، تفسير الكشاف 1 / 422 و 2 / 430، تفسير زاد المسير 1 / 371 و 4 / 495، وتفسير القرآن العظيم 1 / 365 و 2 / 609، وأحكام القرآن للقرطبي 4 / 57 و 10 / 180، ولاحظ: صحيح البخاري 8 / 38 باب 82، و 9 / 25 باب 1. وراجع كتب التراجم والحديث من العامة في ما ذكروه في قصة عمار وصهيب وخباب وبلال ومسيلمة الكذاب وغيرها. (2) في تفسير الفخر الرازي: عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع.. (3) كذا، وفي المصدر: بوعد الله تعالى، جاءت نسخة بدل في (ك): بوعد الله. (4) في (س): الكذاب. (5) تفسير الفخر الرازي: 20 / 122. (6) كذا، والظاهر: إلا أنه يجوز ارتكابه..

[410]

أولا: أن العقل يجزم ببطلان الاحتمال المذكور، لان (1) سبحانه هو الذي بيده أزمة الامور، وهو القادر الذي لا يضاده في ملكه أحد، والعالم بالعواقب، فلا يجوز عليه نظم الامور على وجه لا يمكن فيه رعاية المصلحة إلا بالكذب. وثانيا: إن ذلك باطل بالضرورة من الدين وإجماع المليين - لا من حيث عدم جواز الكذب - لرعاية المصالح، وهو واضح. ثم إن الشهيد رحمه الله عرف التقية (2) في قواعده (3) بأنها: مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم، قال: وأشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام (4) وموردها الطاعة والمعصية غالبا، فمجاملة الظالم فيما يعتقده ظلما والفاسق المتظاهر بفسقه اتقاء شرهما من باب المداهنة الجائزة ولا تكاد تسمى تقية. وقسمها بانقسام الاحكام الخمسة (5)، وعد من الحرام التقية في قتل الغير، وقال: التقية تبيح كل شئ حتى إظهار كلمة الكفر ولو تركها حينئذ أثم، أما في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يأثم بتركها، بل صبره إما مباح أو مستحب، وخصوصا إذا كان ممن يقتدى به (6)، انتهى. وحكى الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان (7) عن الشيخ المفيد رضي


(1) جاءت في (ك): لانه، على أنها نسخة بدل. (2) في (س): ان التقية. (3) القواعد والفوائد 2 / 155 قاعدة 208، باختلاف يسير. (4) كما جاءت في مستدرك وسائل الشيعة 1 / 512 باب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 2 [الطبعة الجديدة 4 / 44 - 45] كما ورد بهذا المضمون عن الصادق عليه السلام كما جاء في المستدرك 2 / 378 باب 30 من أبواب الامر والنهي حديث 4 و 8 [الطبعة الجديدة 12 / 274 - 276]. (5) القواعد والفوائد 2 / 157 - 158. (6) القواعد والفوائد - التنبيه الثاني - 2 / 158 باختلاف يسير. (7) مجمع البيان 1 / 430 ذيل آية 28 من سورة آل عمران.

[411]

الله عنه أنه قال: التقية قد تجب أحيانا وتكون فرضا، وتجوز أحيانا من غير وجوب ويكون في وقت أفضل من تركها، وقد يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه، متفضلا عليه بترك اللوم عليها (1). وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الافصاح بالحق عنده (2). وأنت إذا وقفت على ما حكيناه ظهر لك أن القول بالتقية ليس من خصائص الخاصة حتى يعيروا به - كما يوهمه كلام قاضي القضاة والفخر الرازي وغيرهما - وأكثر أحكامها مما قال به جل العامة أو طائفة منهم. ثم إن ما جعله قاضي القضاة من مفاسد القول بجواز التقية على الامام - أعني لزوم جوازها على الرسول صلى الله عليه وآله - مما رووه في أخبارهم واتفقوا على صحته. روى البخاري في صحيحه في باب فضل مكة وبنيانها بأربعة أسانيد (3)، ومسلم في صحيحه (4)، ومالك في الموطأ (5)، والترمذي (6) والنسائي في صحيحهما (7)، وذكرهما في جامع الاصول في فضل الامكنة من حرف الفاء بألفاظ مختلفة (8).


(1) ذكر هذا شيخنا المفيد طاب ثراه في كتابه: أوائل المقالات: 135. (2) جاء في تفسير التبيان 2 / 435، والى هنا انتهى ما نقله صاحب مجمع البيان. (3) صحيح البخاري كتاب الحج 2 / 179، وكتاب بدء الخلق باب الانبياء 4 / 178، وكتاب تفسير سورة البقرة 6 / 24. (4) صحيح مسلم 2 / 969 حديث 399 باب 69 كتاب الحج. (5) موطأ مالك 1 / 363 باب 33 كتاب الحج حديث 104. (6) سنن الترمذي 3 / 224 باب 47 كتاب الحج حديث 875. (7) سنن النسائي 5 / 214 باب بناء الكعبة، وانظر: مسند احمد بن حنبل 6 / 113 و 117 و 247، وسنن البيهقي 5 / 89. (8) جامع الاصول 9 / 294 حديث 6907.

[412]

منها: وهو لفظ البخاري ومسلم والموطأ والنسائي - أن عبد الله بن محمد ابن أبي بكر أخبر عن (1) عبد الله بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لها: ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ فقلت: يا رسول الله ! ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت. قال عبد الله: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم (2). ومن لفظ البخاري ومسلم عن الاسود بن يزيد عن عائشة قالت (3): سألت النبي صلى الله عليه [وآله] عن الجدار، أمن (4) البيت هو ؟ قال: نعم. قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم (5) بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه بالارض (6). ومن لفظ البخاري، عن جرير، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه [وآله] قال لها: يا عائشة ! لولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية لامرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما اخرج منه، وألزقته بالارض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا وبابا غريبا، فبلغت به أساس إبراهيم فذلك الذي


(1) لا توجد كلمة: عن، في (س). (2) جاء في مصادر اخرى حكتها عنهم، وانظر: مسند احمد بن حنبل 6 / 57 وغيره. (3) في (س): قال، وجعل: قالت نسخة بدل. (4) في (ك): من. (5) جاءت في (ك): عهد، وعهدهم نسخة بدل. (6) صحيح البخاري 2 / 179 - 180، صحيح مسلم 2 / 973 باب 70 حديث 405، الفردوس 3 / 358 حديث 5081، سنن البيهقي 5 / 89، كنز العمال 12 / 221 - 222 حديث 34761 - 34765.

[413]

حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم عليه السلام حجارة كأسنمة الابل، قال جرير: فقلت له أين موضعه ؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان فقال: هاهنا. فخررت من الحجر ستة أذرع أو نحوها.. (1) وباقي ألفاظ الروايات مذكورة في جامع الاصول (2). ولا ريب في أن الظاهر أن تعليق الامضاء بحدثان عهد القوم وقريه من الكفر والجاهلية يستلزم خوفه صلى الله عليه وآله في ارتدادهم وخروجهم عن الاسلام أن يعود بذلك ضرر على نفسه (3) صلى الله عليه وآله أو إلى غيره، ويتطرق بذلك الوهن في الاسلام، وذلك هو الذي جعله قاضي القضاة مفزعا للشيعة عند لزوم الكلام. ثم إن هذه الروايات تدل دلالة ظاهرة على أن إيمان القوم لم يكن ثابتا مستقرا، وإلا لما كان الرسول صلى الله عليه وآله خائفا وجلا من تغيير ما أسسه أئمة القوم في الجاهلية والكفر، وإنهم ممن قال الله تعالى: [ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين] (4). بل الظاهر من الكلام لمن أنصف وراجع الوجدان الصحيح أن القوم لم يكونوا مذعنين لرسالته صلى الله عليه وآله إلا بألسنتهم، وإلا لما خاف ارتدادهم (5) لامر لا يعود بإبقائه إليهم نفع في آخرتهم ودنياهم، وكانوا يحبون بقاءه لكونه من قواعد الجاهلية وأساس الكفر، ولا ريب في أن توجيه الكلام إلى عائشة والتعبير عن القوم بلفظ يفيد نوعا من الاختصاص


(1) صحيح البخاري 2 / 180. (2) جامع الاصول 9 / 294 حديث 6907 - 6912. (3) في (ك): إلى نفسه. (4) الحج: 11. (5) في (ك) وفي نسخة: خاف من ارتدادهم..

[414]

بها يقتضي كون الحكم أخص وأقرب إلى من كان أقرب إليها وأخص بها، لكونه متبعا في القوم أو أشد عصبية منهم.. أو نحو ذلك، وليس في القوم أقرب إلى عائشة من أبيها. فإن قيل: تركه صلى الله عليه وآله لهدم ما أسسه القوم لم يكن لخوفه على نفسه أو غيره حتى يدخل في التقية، بل هو من قبيل رعاية المصالح في تأليف قلوب القوم وميلهم إلى الاسلام، وذلك من قبيل أمره سبحانه بمشاورة القوم والرفق بهم في قوله: [فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر] (1). قلنا: أولا: هذا بعيد من الظاهر، إذ الخوف من إنكار قلوب عامة القوم - كما يظهر من إضافة ما يفيد مفاد الجمع لحدثان عهدهم بالجاهلية والكفر مع الامن من لحوق الضرر ولو إلى أحد من المسلمين - مما لا معنى له عند الرجوع إلى فطرة سليمة. وثانيا: انه يجوز أن يكون المانع لامير المؤمنين عليه السلام من نقض أحكامهم مثل ذلك، ولم يكن أئمة الكفر والجاهلية في صدور قوم عائشة أمكن من أبي بكر وعمر في قلوب القوم الذين كانوا يبايعون أمير المؤمنين (ع) على سيرتهما واقتفاء أثرهما، وإذا لم يكن ذلك من التقية بطل قول قاضي القضاة، وليس لهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام. وثالثا: إذا جاز على الرسول صلى الله عليه وآله ترك الانكار على تغيير ما حرم الله خوفا من هذا النوع من الضعف في الاسلام الذي يؤول إلى خروج قوم منافقين أو متزلزلين في الاسلام عن الاسلام عن الاسلام من غير أن يعود به ضرر إلى المسلمين ولا إلى نفسه صلى الله عليه وآله، فبالاولى أن يجوز لامير المؤمنين إمضاء الباطل من أحكام القوم للخوف على نفسه أو غيره من المسلمين، لكون ذلك أضر في


(1) آل عمران: 159.

[415]

الاسلام، وكما لم تمنع (1) العصمة في النبي صلى الله عليه وآله عن تركه إنكار المنكر لم تمنع في أمير المؤمنين عليه السلام، ويتوجه على قول قاضي القضاة: جوزوا مع ظهور المعجز أن يدعي الامامة تقية.. أنه إن كان المراد تجويز ظهور المعجز بعد ادعاء الامامة مع كونه غير نبي ولا إمام فبطلانه واضح. وإن كان المراد تجويز ادعاء الامامة مع كونه نبيا حتى يكون ما بعده كالاعادة لهذا الكلام فيرد عليه: أنه إن كان ذلك الادعاء على وجه الكذب فامتناع ظهور المعجز على طبقه واضح. وإن كان على وجه التورية حتى يكون المراد من الامامة النبوة لكن لم يعرف ذلك أحد من الناس، وكانوا معتقدين لامامته متدينين بها لا بنبوته فهو أيضا باطل، إذ في ظهور المعجز - مع تلك الدعوى - إغراء للمكلفين بالباطل، وهو قبيح.


(1) توجد في (ك) نسخة بدل: وكما أنه تمنع..

[417]

13 - باب (1) علة قعودة عليه السلام عن قتال من تأمر عليه من الاولين، وقيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين والقاسطين والمارقين، وعلة إمهال الله من تقدم عليه، وفيه علة قيام من قام من سائر الائمة وقعود من قعد منهم عليهم السلام. 1 - ج (2): روي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا في بعض مجالسه بعد رجوعه عن النهروان (3) فجرى الكلام حتى قيل: لم (4) لاحاربت أبا بكر وعمر كما حاربت طلحة والزبير ومعاوية ؟. فقال عليه السلام: إني كنت لم أزل مظلوما مستأثرا على حقي، فقام إليه أشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين ! لم لم تضرب بسيفك وتطلب بحقك ؟ ! فقال: يا أشعث ! قد قلت قولا فاسمع الجواب وعه واستشعر الحجة، إن لي اسوة بستة من الانبياء صلوات الله عليهم أجمعين:


(1) الرقم جاء في حاشية (س) وليس من الاصل. (2) الاحتجاج: 1 / 189 - 190 طبعة مشهد [1 / 279 - 280 النجف الاشرف] باختلاف يسير. (3) في المصدر: من نهروان.. (4) قيل له لم.. كذا في المصدر، ونسخة جاءت على (ك).

[418]

أولهم: نوح عليه السلام حيث قال: [أني مغلوب فأنتصر] (1)، فإن قال قائل: إنه قال لغير (2) خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. وثانيهم: لوط عليه السلام حيث قال: [لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد] (3). فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. وثالثهم: ابراهيم خليل الله حيث قال: [وأعتزلكم وما تدعون من دون الله] (4). فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. ورابعهم: موسى عليه السلام حيث قال: [ففررت منكم لما خفتكم] (5). فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. وخامسهم: أخوه هارون عليه السلام حيث قال: [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] (6). فإن قال قائل: إنه قال هذا (7) لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. وسادسهم: أخي محمد سيد البشر (8) صلى الله عليه وآله حيث ذهب إلى الغار ونومني على فراشه، فإن قال قائل: إنه ذهب إلى الغار لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. فقام إليه الناس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ! قد علمنا أن القول قولك ونحن المذنبون التائبون، وقد عذرك الله !.


(1) القمر: 10، وفي المصدر: رب إني.. (2) في المصدر: قال هذا لغير.. (3) هود: 80. (4) مريم: 48. (5) الشعراء: 21. (6) الاعراف: 150، وفي المصدر: يابن ام.. (7) لا توجد: هذا، في (س). (8) في المصدر: خير البشر..

[419]

2 - ج (1): عن اسحاق بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه خطبة بالكوفة فلما كان في آخر كلامه قال: إني (2) لاولى الناس بالناس وما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام الاشعث بن قيس لعنه الله فقال (3): يا أمير المؤمنين ! لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلا وقلت: والله إني لاولى الناس بالناس، وما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! ولما ولي تيم وعدي، الا ضربت بسيفك دون ظلامتك ؟ ! فقال له أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: يا بن الخمارة ! قد قلت قولا فاستمع، والله ما منعني الجبن ولا كراهية الموت، ولا منعني ذلك (4) إلا عهد أخي رسول الله صلى الله عليه وآله، خبرني وقال (5): يا أبا الحسن ! إن الامة ستغدر بك وتنقض عهدي، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى. فقلت: يا رسول الله ! فما تعهد إلي إذا كان كذلك ؟ فقال: إن وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه، ثم آليت يمينا (6) أني لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، ففعلت (7)، ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين ثم درت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم (8) حقي ودعوتهم إلى نصري (9)، فما أجابني


(1) الاحتجاج: 1 / 190 - 191 مشهد [1 / 280 - 281 النجف الاشرف] باختلاف يسير. (2) في المصدر: ألا وإني.. (3) في المصدر: فقام إليه الاشعث بن قيس فقال. (4) لا توجد في المصدر: الجبن، ولا كراهية الموت، ولا منعني ذلك.. وفيه: ما منعني من ذلك.. (5) في المصدر: أخبرني، وقال لي.. (6) وفي نسخة على المطبوع من البحار: ألبث بيتا. (7) هنا سقط، وجاء في المصدر: ثم أخذته وجئت به فاعرضته عليهم، قالوا: لا حاجة لنا به. (8) في المصدر: فأنشدتهم. (9) في الاحتجاج: نصرتي.

[420]

منهم إلا أربعة رهط: سلمان وعمار والمقداد وأبو ذر، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين الله من أهل بيتي، وبقيت بين خفيرتين (1) قريبي العهد بجاهلية: عقيل والعباس. فقال له الاشعث: يا أمير المؤمنين ! كذلك كان عثمان لما لم يجد أعوانا كف يده حتى قتل مظلوما (2) ؟. فقال أمير المؤمنين: يا بن الخمارة ! ليس كما قست، إن عثمان لما جلس (3) جلس في غير مجلسه، وارتدى بغير ردائه، وصارع الحق فصرعه الحق، والذي بعث محمدا بالحق لو وجدت يوم بويع أخوتيم أربعين رهطا لجاهدتهم في الله إلى أن أبلي عذري. ثم أيها (4) الناس ! إن الاشعث لا يزن عند الله جناح بعوضة، وإنه أقل في دين الله من عفطة عنز. ايضاح: قوله عليه السلام، بين خفيرتين - بالخاء المعجمة والراء المهملة - أي طليقين معاهدين أخذا في الحرب وحقن دمهما بالامان والفداء، أو ناقضين للعهد، قال في القاموس: الخفير: المجاز والمجير.. وخفره: اخذ منه جعلا ليجيره، وبه خفرا وخفورا: نقض عهده وغدره كأخفره (5)، وفي بعض النسخ: بالحاء المهملة والزاي المعجمة من قولهم: حفزه.. أي دفعه من خلفه، وبالرمح: طعنه، وعن الامر: اعجله وازعجه، قاله الفيروز آبادي (6). وقال: ابلاه عذرا: أداه إليه فقبله (7).


(1) في المصدر: حفيرين، والظاهر أنه غلط وليس له معنى مناسب، كما لم يتعرض له العلامة المجلسي رحمه الله في بيانه. (2) لا يوجد في الاحتجاج: يا أمير المؤمنين.. مظلوما. (3) لا توجد في المصدر: لما جلس. (4) في المصدر: ثم قال: أيها..، وهو الظاهر. (5) القاموس 2 / 22، وقارن ب‍: النهاية 2 / 52. (6) في القاموس المحيط 2 / 173 وانظر: النهاية 1 / 407 وغيرها. (7) في القاموس المحيط 4 / 305، والنهاية لابن الاثير 1 / 155.

[421]

وعفطة العنز: ضرطته (1). 3 - ج (2): روي عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله أنها قالت: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله تسع نسوة، وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتيت الباب فقلت: أدخل يا رسول الله (ص) ؟ فقال: لا. قالت: فكبوت كبوة شديدة مخافة أن يكون ردني من سخطه، أو نزل في شئ من السماء، ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثانية فقلت: أدخل يا رسول الله ؟ فقال: لا. قالت: فكبوت كبوة أشد من الاولى، ثم لم ألبث حتى أتيت الباب ثالثة فقلت: أدخل (3) يا رسول الله ؟ فقال: ادخلي يا أم سلمة، فدخلت وعلي عليه السلام جاث بين يديه، وهو يقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله إذا كان.. كذا وكذا فما تأمرني ؟ قال: آمرك بالصبر.. ثم أعاد عليه القول ثانية فأمره بالصبر.. ثم أعاد عليه القول ثالثة، فقال له (4): يا علي ! يا أخي ! إذا كان ذلك (5) منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك واضرب قدما قدما حتى (6) تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم، ثم التفت إلي وقال: ما هذه الكآبة يا أم سلمة ؟ قلت: للذي كان نم ردك إياي يا رسول الله. فقال لي: والله ما رددت إلا لشئ خير من (7) الله ورسوله، ولكن أتيتني وجبرئيل عليه السلام يخبرني بالاحداث التي تكون بعدي، وأمرني أن اوصي بذلك عليا (ع)، يا أم سلمة ! اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب (ع) وزيري في الدنيا ووزيري في الآخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب (ع) وصيي وخليفتي من بعدي وقاضي عداتي


(1) القاموس 2 / 374، وذكره بنصه في النهاية 3 / 264. (2) الاحتجاج 1 / 194 - 195 مشهد [1 / 288 - 289 النجف] باختلاف يسير. (3) في (ك): أأدخل.. (4) هنا سقط، وفي المصدر: فأمره بالصبر، ثم أعاد عليه القول رابعة فقال له. (5) لا توجد: ذلك، في (س). (6) في المصدر: واضرب به قدما حتى.. (7) في المصدر: خبرت من..

[422]

والذائد عن حوضي، اسمعي (1) واشهدي هذا علي بن أبي طالب سيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. قلت: يا رسول الله ! من الناكثون ؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة ويقاتلونه بالبصرة (2). قلت: من القاسطون ؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام. قلت: من المارقون ؟ قال: أصحاب النهروان. 4 - لي (3): ابن الوليد، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الصيرفي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام مثله. 5 - ما (4) الغضائري، عن الصدوق مثله. بيان: كباكبوا: انكب على وجهه (5)، ويقال: مضى قدما - بضمتين - أي لم يعرج ولم ينثن (6). 6 - ج (7): روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في أثناء خطبة خطبها بعد فتح البصرة بأيام حاكيا عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: يا علي ! إنك باق بعدي ومبتلى (8) بأمتي، ومخاصم بين يدي الله، فأعد للخصوم جوابا. فقلت: بأبي أنت وأمي بين لي ما هذه الفتنة التي أبتلى بها ؟ وعلى ما أجاهد بعدك ؟ فقال لي:


(1) في (ك): يا أم سلمة اسمعي. (2) في المصدر: وينكثون بالبصرة. (3) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 38 - 40 مع زيادة، وانظر باقي روايات الباب. (4) أمالي الشيخ الصدوق: 311 باب 6، حديث 10 باختلاف كثير، وحكاه في معالم الزلفى: 164. (5) ذكره في القاموس 4 / 381، وانظر: مجمع البحرين 1 / 356. (6) قاله في النهاية 4 / 26، ومجمع البحرين 6 / 136 وغيرهما. (7) الاحتجاج 1 / 195 - 196 طبعة مشهد [1 / 289 - 290 النجف] باختلاف يسير. (8) كذا، والظاهر: مبتل.

[423]

إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة.. وحلاهم (1) وسماهم رجلا رجلا، وتجاهد من أمتي كل من خالف القرآن وسنتي ممن يعمل في الدين بالرأي، فلا رأي (2) في الدين، إنما هو أمر الرب ونهيه. فقلت يا رسول الله ! فأرشدني إلى الفلج (3) عند الخصومة يوم القيامة ؟. فقال: نعم، إذا كان ذلك (4) فاقتصر على الهدى إذا قومك عطفوا الهدى على الهوى، وعطفوا القرآن على الرأي فيتأولوه برأيهم بتتبع الحجج من القرآن بمشتبهات الاشياء (5) الطارئة عند الطمأنينة إلى الدنيا، فاعطف أنت الرأي على القرآن إذا قومك حرفوا الكلم عن مواضعه عند الاهواء الناهية (6) والآراء (7) الطامحة، والقادة الناكثة، والفرقة القاسطة، والاخرى المارقة أهل الافك المردي (8)، والهوى المطغي، والشبهة الحالقة (9)، فلا تنكلن عن فضل العاقبة، فإن العاقبة للمتقين. 7 - ج (10) عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت: [يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين..] (11) قال النبي صلى الله عليه وآله: لاجاهدن العمالقة - يعني الكفار والمنافقين - فأتاه جبرئيل فقال (12): أنت أو علي ؟.


(1) جاء في حاشية (ك): وحليت الرجل.. أي وصفت حليته، وحلية الرجل: صفته. صحاح. انظر: صحاح اللغة 6 / 3319 بتقديم وتأخير وتصرف. (2) في المصدر: ولا رأي.. (3) وفي طبعة النجف من الاحتجاج: الفلح. (4) في المصدر: ذلك كذلك.. (5) في الاحتجاج: لمشتهيات الاشياء. (6) في المصدر: عند الاهوال الساهية. وفي (ك): الاهواء الساهية. (7) في المصدر: الامراء، وفي طبعة (س): الاواء. (8) في (س): المروي. (9) في الاحتجاج: الخالفة. (10) الاحتجاج 1 / 196 طبعة مشهد [1 / 290 النجف]. (11) التوبة: 73، التحريم: 9. (12) في (س): وقال.

[424]

8 - ج (1): روى (2) جابر بن عبد الله الانصاري قال: إني كنت لادناهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بمنى فقال: لاعرفتكم (3) ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم لله لو فعلتموها لتعرفني في الكتيبة التي تضاربكم، ثم التفت إلى خلفه فقال: أو عليا.. ثلاثا، فرأينا أن جبرئيل عليه السلام غمزة، فأنزل الله تعالى (4): [فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون] (5) بعلي (6) [أو ترينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون] (7). بيان: لعله صلى الله عليه وآله لما أخبر بما نزل عليه من أنه يقاتل المنافقين المرتدين بعده، نزل جبرئيل عليه السلام فأخبره بالبداء فيه، وأنه إنما يقاتلهم علي عليه السلام، فقال: أو عليا.. أي أو لتعرفن عليا عليه السلام تبهيما عليهم، أو كلمة (أو) بمعنى بل. 9 - ج (8): عن ابن عباس أن عليا عليه السلام كان يقول - في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -: إن الله تعالى يقول (9): [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل آنقلبتم على أعقابكم] (10) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، لاني أخوه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني ؟.


(1) الاحتجاج 1 / 196 طبعة مشهد [1 / 290 - 291 النجف]. (2) في المصدر: وعن، بدلا من: روى. (3) في طبعة النجف من الاحتجاج: لاعرفتكم. وفي طبعة مشهد: لا عرفكم. (4) في المصدر: فقال: أو علي أو علي أو علي - ثلاث مرات - فرأينا على أثر ذلك أن جبرئيل عليه السلام غمزه فأنزل الله على أثر ذلك.. (5) الزخرف: 41. (6) لا توجد لفظة: بعلي، في المصدر. (7) الزخرف: 42. (8) الاحتجاج 1 / 196 طبعة مشهد [1 / 291 النجف]. (9) في المصدر: في حياة رسول الله أن الله يقول.. (10) الزخرف: 41.

[425]

10 - ج (1): عن أحمد بن همام قال: أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر فقلت: يا أبا عمارة ! كان (2) الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف ؟ فقال: يا أبا ثعلبة ! إذا سكتنا عنكم فاسكتوا ولا تبحثوا (3)، فوالله لعلي بن أبي طالب كان أحق بالخلافة من أبي بكر كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من أبي جهل قال: وأزيدك (4) إنا كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء علي (ع) وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل أبو بكر ثم دخل عمر ثم دخل علي (ع) على إثرهما فكأنما سفي على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله الرماد، ثم قال: يا علي ! أيتقدمانك هذان وقد أمرك الله عليهما ؟ ! قال (5) أبو بكر: نسيت يا رسول الله، وقال عمر: سهوت يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما نسيتما ولا سهوتما، وكأني بكما قد استلبتما (6) ملكه وتحاربتما عليه، وأعانكما على ذلك أعداء الله وأعداء رسوله، وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والانصار بعضهم يضرب (7) وجوه بعض بالسيف على الدنيا، ولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المتشتتون في أقطارها، وذلك لامر قد قضي.. ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سالت دموعه، ثم قال: يا علي ! الصبر.. الصبر.. حتى ينزل الامر ولا قوة (8) إلا بالله العلي العظيم، فإن لك من الاجر في كل يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الامر فالسيف السيف..


(1) الاحتجاج 1 / 196 - 197 طبعة مشهد [1 / 291 - 292 النجف] باختلاف يسير. (2) في المصدر: يا عبادة ! أكان.. (3) في الاحتجاج: ولا تبحثونا. (4) في المصدر: وأزيدكم. (5) في المصدر: فقال. (6) في الاحتجاج: قد سلبتماه.. (7) في المصدر: يضرب بعضهم.. (8) في الاحتجاج: ولا حول ولاقوة..

[426]

فالقتل القتل (1) حتى يفيؤوا إلى أمر الله وأمر رسوله، فإنك على الحق ومن ناواك على الباطل، وكذلك ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة. توضيح: سفت الريح التراب (2) تسفيه سفيا.. أي اذرته (3). 11 - فس (4): جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل فقال: يا علي ! على ما تقاتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ ! فقال علي عليه السلام: آية في كتاب الله أباحت لي قتالهم. فقال: وما هي ؟ قال: قوله: [تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات واتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد] (5)، فقال الرجل: كفر - والله - القوم. 12 - فس (6): الحسين بن محمد، عن المعلى (7)، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن سليمان الكاتب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: [يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين] (8) قال: هكذا نزلت، فجاهد رسول الله صلى الله عليه وآله الكفار وجاهد علي عليه السلام المنافقين، فجاهد علي (ع) جهاد رسول الله صلى الله عليه وآله. تبيين: أقول: قد أشكل على المفسرين ما ورد في الآية من الامر بجهاد


(1) في المصدر: القتل القتل. (2) لا توجد: التراب في (ك). (3) قال في القاموس 4 / 343: سفت الربح التراب تسفيه: ذرته، ومثله في مجمع البحرين 1 / 220. (4) تفسير القمي 1 / 84. (5) البقرة: 253. (6) تفسير القمي 2 / 377. (7) في المصدر: المعلى بن محمد. (8) التحريم: 9.

[427]

المنافقين. قال في مجمع البيان: اختلفوا في كيفية جهاد المنافقين. فقيل: إن جهادهم باللسان والوعظ (1). وقيل: جهادهم بإقامة الحدود عليهم، وكان ما يصيبهم من الحدود أكثر. وقيل بالانواع الثلاثة بحسب الامكان باليد ثم اللسان ثم القلب (2). وروي في قراءة أهل البيت عليهم السلام جاهد الكفار بالمنافقين، قالوا: لان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يقاتل المنافقين وإنما كان يتألفهم. انتهى (3). وهذه الآية كررت في القرآن في الموضعين (4): إحداهما في التوبة (5)، والاخرى في التحريم (6). وقال علي بن ابراهيم في الاولى: إنما نزلت بالمنافقين: لان النبي صلى الله عليه وآله لم يجاهد المنافقين بالسيف (7)، ثم روى عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاهد الكفار والمنافقين بإلزام الفرائض (8). وروى في الثانية هذه الرواية: وقوله عليه السلام: هكذا نزلت (9).. يدل على عدم صحة القراءة الشاذة، ويمكن الجمع بإن إحدى الآيتين كانت بالباء والاخرى بدونها، وفي توزيع علي بن ابراهيم رحمه الله النقل إشعار بذلك، وفيه


(1) في المصدر: والتخويف، عن الجبائي. (2) في مجمع البيان: فإن لم يقدر فليكفهر في وجوههم، عن ابن مسعود. (3) مجمع البيان 3 / 50، باختلاف واختصار. (4) كذا، والظاهر: في موضعين. (5) التوبة: 73. (6) التحريم: 9، وانظر: تفسير التبيان 5 / 259. (7) تفسير القمي، علي بن ابراهيم 1 / 301. (8) نفس الصفحة والمصدر. (9) تفسير القمي 2 / 377.

[428]

فائدة اخرى وهي عدم تكرار الآية بعينها. 13 - فس (1): أحمد بن علي، عن الحسين بن عبد الله السعدي، عن الخشاب (2)، عن عبد الله بن الحسين، عن بعض أصحابه، عن فلان الكرخي قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام: ألم يكن علي قويا في بدنه قويا في أمر الله ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: بلى. قال: فما منعه أن يدفع أو يمتنع ؟ قال: قد سألت فافهم الجواب: منع عليا من ذلك آية من كتاب الله. فقال: وأي آية ؟ قال: فقرأ: [لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما] (3)، إنه كان لله ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن علي صلوات الله عليه ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع، فلما خرجت ظهر على من ظهر وقتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى يخرج (4) ودائع الله فإذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله. تبيان: هذا التأويل الجليل لم يذكره المفسرون، وقالوا: أراد أنه لو تميز المؤمنون المستضعفون بمكة من الكافرين لعذبنا الذين كفروا منهم بالسيف والقتل بأيديكم، وما ورد في الخبر أنسب من جهة لفظ التنزيل المشتمل على المبالغة المناسبة لاخراج ما في الاصلاب، فتأمل. 14 - فس (5): أبي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (ع) قال: جاء العباس إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال (6): انطلق نبايع لك الناس. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أتراهم فاعلين (7) ؟ قال: نعم. قال: فأين قول الله


(1) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 316 - 317، باختلاف يسير. (2) في المصدر: الحسن بن موسى الخشاب. (3) الفتح: 25. (4) في المصدر: تخرج. (5) تفسير القمي 2 / 148، باختلاف يسير. (6) لا توجد: فقال، في (س). (7) في البحار: فاعلون.

[429]

تعالى: [ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم - أي اختبرناهم - فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين] (1). 15 - فس (2): قوله تعالى: [وإن نكثوا أيمانهم..] الآية (3) فإنها نزلت في أصحاب الجمل، وقال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل: والله ما قاتلت هذه الفئة الناكثة إلا بآية من كتاب الله، يقول الله: [وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون] (4). وقال أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة (5) الزهراء: والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله غير مرة ولا ثنتين ولا ثلاث ولا أربع، فقال: يا علي ! إنك ستقاتل من بعدي الناكثين والمارقين والقاسطين، أفاضيع ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وآله وأكفر بعد إسلامي ؟ !. بيان: قال في مجمع البيان (6): قال ابن عباس: أراد بأئمة الكفر رؤساء (7) قريش مثل الحارث بن هشام وأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد، وكان حذيفة بن اليمان يقول: لم يأت أهل هذه الآية بعد. وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم، وقرأ علي عليه السلام هذه الآية يوم البصرة، ثم قال: أما والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا علي ! ستقاتلن الفئة الناكثة والفئة الباغية والفئة المارقة. 16 - ما (8): المفيد، عن علي بن محمد الكاتب، عن الحسن (9) بن علي


(1) العنكبوت: 1 - 3، ولا حظ تتمة الرواية في تفسير القمي. (2) تفسير علي بن ابراهيم القمي 1 / 283. (3 و 4) التوبة: 12. (5) كذا، وفي المصدر: خطبته، وهو الظاهر. (6) مجمع البيان: 3 / 11، باختلاف يسير. (7) في المصدر: قال ابن عباس وقتادة: أراد به رؤساء.. (8) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 7 - 8 باختصار في السند، واختلاف يسير في المتن. (9) في المصدر: الحسين.

[430]

الزعفراني، عن ابراهيم بن محمد الثقفي، عن المسعودي، عن محمد بن كثير، عن يحيى بن حماد القطان، عن أبي محمد الحضرمي، عن أبي علي الهمداني: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ! إني سائلك لاخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، إلا تحدثنا عن أمرك هذا ؟ كان بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أو شئ رأيته ؟ فإنا قد أكثرنا فيك الاقاويل، وأوثقه عندنا ما نقلناه عنك وسمعناه من فيك، إنا كنا نقول لو رجعت إليكم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدري إذا سئلت ما أقول، أأزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك ؟ فإن قلت ذلك (1)، فعلام نصبك رسول الله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع فقال: أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ وإن كنت أولى منهم بما كانوا (2) فيه فعلام تتولاهم (3) ؟ !. فقال أمير المؤمين عليه السلام: يا عبد الرحمن ! إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وآله وأنا يوم قبضه أولى بالناس مني بقميصي هذا، وقد كان من نبي الله إلي عهد لو خزمتموني (4) بأنفي لاقررت سمعا لله وطاعة، وإنا أول ما انتقصنا (5) بعده إبطال حقنا في الخمس، فلما دق (6) أمرنا طمعت رعيان قريش فينا وقد كان لي (7) على الناس حق لو ردوه إلي عفوا قبلته وقمت به، وكان إلى أجل معلوم، وكنت كرجل له على الناس حق إلى أجل، فإن عجلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وإن أخروه أخذه غير محمودين، وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو


(1) العبارة مشوشة في طبعتي البحار، واثبتنا ما في المصدر. (2) في (س): مما كانوا. (3) في المصدر: نتولاهم، وهو الظاهر. (4) في المصدر: خرمتموني. (5) في (ك): انتقضنا. (6) في (ك): رق. (7) لا توجد: لي، في (ك).

[431]

عند الناس محزون (1)، وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس، فإذا سكت فاعفوني فإنه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفوا عني ما كففت عنكم. فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين ! فانت لعمرك كما قال الاول: لعمري لقد أيقظت من كان نائما * وأسمعت من كانت له اذنان توضيح: قوله: خزمتموني - بالمعجمتين - من خزم البعير: إذا جعل في جانب منخره الخزامة (2)، أو بإهمال الراء - من خرمه - أي شق وترة أنفه (3). والرعيان - بالضم وقد يكسر -: جمع الراعي (4). ويقال: اعطيته عفوا.. أي بغير مسألة (5). قوله: وهو عند الناس محزون (6)، لعل الاصوب حرون: وهو الشاة السيئة الخلق (7). ولما لم يمكنه عليه السلام في هذا الوقت التصريح بجوز (8) الغاصبين أفهم السائل بالكناية التي هي أبلغ.


(1) خ. ل: حزون، وهناك نسخة استظهر المصنف قدس سره فيما بعد اشير لها في حاشية المتن، وهي: حرون. (2) كما جاء في القاموس 4 / 105، وقارن ب‍: مجمع البحرين 6 / 57 وغيره. (3) ذكره في مجمع البحرين 6 / 56، والقاموس 4 / 104 وغيرهما. (4) قال في القاموس 4 / 335: والراعي: كل من ولي أمر قوم، جمعه: رعاة ورعيان ورعاء، ويكسر. أقول: الظاهر أن (يكسر) فعل، نائب فاعليه يرجع إلى رعاء لا إلى رعيان، فتأمل. (5) قاله في القاموس 4 / 364. (6) قال في النهاية: 1 / 380: الحزن: المكان الغليظ الخشن، والحزونة: الخشونة، ومنه حديث المغيرة: محزون اللهزمة.. أي خشنها. أقول: وهذا معنى مناسب في هذا المقام، كما لا يخفى. (7) قال في مجمع البحرين 6 / 231: الفرس الحرون: الذي لا ينقاد، وإذا اشتد به الجري وقف. (8) قد تقرأ ما في (س): بجوز، أو بجور، والثاني أنسب، والاول يكون تصريحا بجوزهم وعدولهم عن الحق، والثاني يجورهم وجنايتهم وظلمهم للحق، وكلاهما مناسب هنا.

[432]

17 - ما (1): المفيد، عن المظفر بن محمد البلخي، عن محمد بن احمد بن أبي الثلج، عن عيسى بن مهران، عن الحسن بن الحسين، عن الحسن (2) بن عبد الكريم، عن جعفر بن زياد الاحمر، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه جندب بن عبد الله قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام - وقد بويع لعثمان بن عفان - فوجدته مطرقا كئيبا، فقلت له: ما أصابك - جعلت فداك - من قومك ؟. فقال: صبر جميل. فقلت: سبحان الله ! والله (3) إنك لصبور. قال: فأصنع ماذا ؟ (4). قلت: تقوم في الناس وتدعوهم إلى نفسك وتحبرهم أنك أولى بالنبي صلى الله عليه وآله وبالفضل والسابقة، وتسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك (5)، فإن أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المائة، فإن دانوا لك كان ذلك ما أحببت، وإن أبوا قاتلهم، فإن ظهرت عليهم فهو سلطان الله الذي آتاه نبيه صلى الله عليه وآله وكنت أولى به منهم، وإن قتلت في طلبه قتلت إن شاء الله شهيدا، وكنت أولى بالعذر عند الله، لانك (6) أحق بميراث رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أتراه يا جندب كان (7) يبايعني عشرة من


(1) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 239، باختلاف يسير سندا ومتنا. (2) في المصدر: الحسين. (3) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر، وهو مثبت في الارشاد والمتن، وقد وضع عليه في (ك) رمز نسخة بدل. (4) في الامالي: فما أصنع ماذا. (5) كذا في الامالي، وجاء في حاشية المطبوع من البحار: المتمالين عليك (ش) أي كذا في الارشاد، وقد وضع بعدها في (س) رمز (صح). (6) في الارشاد: وكنت، بدلا من: لانك. (7) لا توجد: كان، في الارشاد، وهي مثبتة في الامالي، وضع عليها رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.

[433]

مائة ؟ فقلت: أرجو ذلك. فقال (1): لكني لا أرجو، ولا من كل مائة اثنان (2) وسأخبرك من أين ذلك، إنما ينظر الناس إلى قريش، وإن قريشا يقول (3) إن آل محمد يرون لهم (4) فضلا على سائر قريش، وإنهم أولياء هذا الامر دون غيرهم من قريش، وإنهم إن ولوه لم يخرج منهم هذا السلطان إلى أحد أبدا، ومتى كان في غيرهم تداولوه بينهم، ولا والله لا تدفع إلينا - هذا السلطان - قريش أبدا طائعين. فقلت له: أفلا (5) أرجع فأخبر الناس بمقالتك هذه، وأدعوهم إلى نصرك ؟ فقال: يا جندب ! ليس ذا زمان ذاك. قال جندب: فرجعت بعد ذلك إلى العراق، فكنت كلما ذكرت من فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شيئا زبروني ونهروني حتى رفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة، فبعث إلي فحبسني حتى كلم في فخلى سبيلي. 18 - شا (6): عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه مثله. بيان: قوله عليه السلام: على هؤلاء المتظاهرين.. في الارشاد: على هؤلاء المتمالين - بقلب الهمزة ثم حذف المقلوب -، قال الجوهري: مالاته على الامر ممالاة: ساعدته عليه (7) وشايعته. ابن السكيت: تمالوا على الامر: اجتمعوا عليه (8). قوله: كلما ذكرت من فضل أمير المؤمنين عليه السلام.. في الارشاد: كلما


(1) في (ك): فقال أمير المؤمنين عليه السلام. (2) في الارشاد: اثنين، وهو الظاهر. (3) في الارشاد: تقول، وهو الظاهر. (4) في (ك): يروون لهم، والمعنى مقارب. (5) في الامالي: قال: فقلت: افلا..، وفي الارشاد: قال: فقلت له: افلا.. وقد وضع في مطبوع البحار على: له رمز نسخة بدل. (6) الارشاد: 129 - منشورات مكتبة بصيرتي - باختلاف يسير. (7) لا توجد: عليه، في (س)، وهي مثبتة في المصدر. (8) الصحاح 1 / 73، وانظر: النهاية 4 / 353، والقاموس 4 / 29.

[434]

ذكرت للناس شيئا من فضائله ومناقبه وحقوقه زبروني. 19 - ل (1): محمد بن الفضل المذكر، عن أبي عبد الله البراوستاني (2)، عن علي بن مسلمة، عن محمد بن بشير، عن قطر بن بي خليفة (3)، عن حكيم بن جبير، عن ابراهيم قال: سمعت علقمة يقول: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. 20 - ن (4): بإسناد التميمي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. 21 - ن (5): بهذا الاسناد، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة ويغصب الامة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فإن الله عزوجل قد أذن في ذلك (6).


(1) الخصال 1 / 145 - باب الثلاثة - حديث 171، باختلاف في السند واتفاق في المتن. (2) نسبة إلى قرية من قرى قم، وفي المصدر: الرواساني، وفي بعض النسخ: الراوستاني. (3) في المصدر: علي بن سلمة، عن محمد بن بشر، عن فطر بن خليفة. (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 / 61 باب 31 حديث 241. أقول: قد استفاضت أخبار الفريقين بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وذكر المصنف قدس سره جملة من روايات الخاصة، وعد منها ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 66 طائفة اخرى، وندرج بعض مصادر العامة، حيث أخرج الحديث الحاكم في المستدرك 3 / 139 - 140، والكنجي في الكفاية 69 - طبعة النجف -، والخطيب في تاريخه 8 / 340 و 13 / 187، والحمويني في فرائد السمطين - الباب الثالث والخمسين -، وجمع الجوامع 6 / 391، والبيهقي في المحاسن والمساوي كما نص عليه الاميني في غديره 1 / 337 - 338 و 10 / 47 وذكر مصادر جمة هناك، كما وقد تعرض ابن الاثير في النهاية في موارد متعددة في بيانه للمارقين والقاسطين والناكثين، فراجع. (5) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 / 62، باب 31، حديث 254. (6) في المصدر: اذن ذلك.

[435]

22 - ع، ن (1): الطالقاني، عن الحسن (2) بن علي العدوي، عن الهيثم بن عبد الله الرماني قال: سألت الرضا عليه السلام فقلت له: يا بن رسول الله ! أخبرني عن علي عليه السلام لم لم يجاهد أعداءه خمسا وعشرين سنة بعد رسول الله ثم جاهد في أيام ولايته ؟ فقال: لانه اقتدى برسول الله صلى الله عليه وآله في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة تسعة عشر شهرا وذلك لقلة أعوانه عليهم، وكذلك علي عليه السلام ترك مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم، فلما لم تبطل نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهرا، كذلك لم تبطل إمامة علي عليه السلام مع تركه الجهاد خمسا وعشرين سنة، إذا كانت العلة المانعة لهما من الجهاد واحدة. 23 - ع (3): أبي، عن سعد، عن النهدي، عن أبي محبوب، عن ابن رئاب (4)، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما أشار (5) علي عليه السلام بالكف عن عدوه من أجعل شيعتنا، لانه كان يعلم أنه سيظهر عليهم بعده، فأحب أن يقتدي به من جاء بعده فيسير فيهم بسيرته، ويقتدي بالكف عنهم بعده. 24 - ك، ع (6): ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن أبي عمير،


(1) علل الشرائع 1 / 148، باب 122 حديث 5، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 / 81 باب 32 حديث 16 باختصار في السند واختلاف يسير فيهما. (2) في العيون: حدثنا أبو سعيد الحسين. (3) علل الشرائع 1 / 146 - 147 باب 122 حديث 1، باختلاف يسير. (4) جاء السند في المصدر هكذا: أبي رحمة الله قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب. (5) في العلل: انما صار.. (6) إكمال الدين واتمام النعمة 2 / 641 باب 54، باختلاف يسير، علل الشرائع 1 / 147 باب 122، حديث 2.

[436]

عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل فلانا وفلانا وفلانا ؟ (1). قال: لآية في كتاب الله عزوجل: [لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما] (2) قال: قلت: وما يعني بتزايلهم ؟ قال: ودائع مؤمنين (3) في أصلاب قوم كافرين، وكذلك القائم عليه السلام لن يظهر أبدا حتى تخرج (4) ودائع الله عزوجل، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله فقتلهم. 25 - ك، ع (5): المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن علي بن محمد، عن احمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابراهيم الكرخي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام - أو قال له رجل -: أصلحك الله ألم يكن علي عليه السلام قويا في دين الله عزوجل ؟ قال: بلى. قال: فكيف ظهر عليه القوم ؟ وكيف لم يدفعهم ؟ وما منعه من ذلك ؟ قال: آية في كتاب الله عزوجل منعته. قال: قلت: وأي آية ؟ قال: قوله: [لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما] (6) إنه كان لله عزوجل ودائع مؤمنين (7) في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع، فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تظهر (8) ودائع الله عزوجل، فإذا ظهرت ظهر على من ظهر فقتله.


(1) في إكمال الدين: لم يقاتل مخالفيه في أول. (2) الفتح: 25. (3) كذا، وفي المصدر: ودائع مؤمنون. (4) في (ك): حتى يخرج. (5) إكمال الدين واتمام النعمة 2 / 641 - 642 باب 54، باختصار في السند واختلاف غير مخل، علل الشرائع 1 / 147 باب 122 حديث 3، وهو مقارب لما هنا. (6) الفتح: 25. (7) كذا، وفي المصدر: ودائع مؤمنون. (8) في (ك): يظهر.

[437]

26 - ك، ع (1): المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن جبرئيل ابن احمد، عن (2) اليقطيني، عن يونس، عن ابن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال في قول الله عزوجل: [لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما] (3): لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا. 27 - ع (4): الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتلهم ؟ قال: للذي سبق في علم الله أن يكون، وما كان له أن يقاتلهم وليس معه إلا ثلاثة رهط من المؤمنين. 28 - غط (5): ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن محمد بن أبي القاسم، عن أبي سمينة، عن حماد بن عيسى، عن ابراهيم بن عمر، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته لامير المؤمنين عليه السلام: يا علي (6) ! إن قريشا ستظاهر عليك وتجتمع كلهم (7) على ظلمك وقهرك، فإن وجدت أعوانا فجاهدهم وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك، فإن الشهادة


(1) إكمال الدين واتمام النعمة 2 / 642 باب 54، علل الشرائع 1 / 147 - 148 باب 122 حديث 4. (2) وضع في (س) على: عن، رمز نسخة بدل. (3) الفتح: 25. (4) علل الشرائع 1 / 148 باب 122 حديث 6، بنفس النص واختزال في السند. (5) الغيبة - للشيخ الطوسي - 203، وفيه: وروى سليم بن قيس الهلالي، عن جابر بن عبد الله الانصاري وعبد الله بن عباس قالا: (6) في الغيبة: يا أخي.. (7) في المصدر: كلمتهم، وقد جعلها في (ك) نسخة بدل.

[438]

من ورائك، لعن الله قاتلك (1). 29 - ع (2): حمزة العلوي، عن ابن عقدة، عن الفضل بن حباب الجمحي (3)، عن محمد بن ابراهيم الحمصي، عن محمد بن احمد بن موسى الطائي، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: احتجوا في مسجد الكوفة فقالوا: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم ينازع الثلاثة كما نازع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ؟ فبلغ ذلك عليا عليه السلام فأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس ! إنه بلغني عنكم.. كذا وكذا ؟ قالوا: صدق أمير المؤمنين عليه السلام، قد قلنا ذلك. قال: فإن لي بستة (4) من الانبياء أسوة فيما فعلت. قال الله عزوجل في محكم كتابه: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] (5). قالوا: ومن هم يا أمير المؤمنين ؟. قال: أولهم ابراهيم عليه السلام إذ قال لقومه: [وأعتزلكم وما تدعون من دون الله] (6)، فإن قلتم إن ابراهيم عليه السلام اعتزل قومه لغير مكروه أصابه منهم فقد كفرتم، وإن قلتم اعتزلهم لمكروه منهم (7) فالوصي أعذر. ولي بابن خالته لوط اسوة إذ قال لقومه: [لو أن لي بكم قوة أوء اوي إلى ركن شديد] (8) فإن قلتم إن لوطا كانت له بهم قوة فقد كفرتم، وإن قلتم لم يكن


(1) قوله: لعن الله قاتلك، لا يوجد في المصدر. (2) علل الشرائع 1 / 148 - 149 باب 122 حديث 7، باختلاف يسير. (3) جاء السند في المصدر هكذا: حدثنا حمزة بن محمد العلوي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني الفضل بن خباب الجمحي.. إلى آخره. (4) في المصدر: بسنة.. (5) الاحزاب: 21. (6) مريم: 48. (7) في العلل: لمكروه رآه منهم. (8) هود: 80.

[439]

له بهم (1) قوة فالوصي أعذر. ولي بيوسف عليه السلام اسوة، إذ قال: [رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه] (2) فإن قلتم إن يوسف دعا ربه وسأله السجن بسخط ربه فقد كفرتم، وإن قلتم إنه أرا بذلك لئلا يسخط ربه عليه فاختار السجن (3)، فالوصي أعذر. ولي بموسى عليه السلام اسوة إذ قال: [ففررت منكم لما خفتكم] (4) فإن قلتم إن موسى عليه السلام فر من قومه بلا خوف كان له منهم فقد كفرتم، وإن قلتم إن موسى (ع) خاف منهم فالوصي أعذر. ولي بأخي هارون عليه السلام اسوة، إذ قال لاخيه ي‍: [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] (5) فإن قلتم لم يستضعفوه ولم يشرفوا على قتله فقد كفرتم، وإن قلتم استضعفوه وأشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم فالوصي أعذر. ولي بمحمد صلى الله عليه وآله اسوة حين فر من قومه ولحق بالغار من خوفهم وأنامني (6) على فراشه، فإن قلتم فر من قومه لغير خوف منهم فقد كفرتم، وإن قلتم خافهم (7) وأنامني (8) على فراشه ولحق هو بالغار من خوفهم فالوصي أعذر.


(1) لا توجد: بهم في المصدر. (2) يوسف: 33. (3) جاء على جملة: فاختار السجن رمز نسخة بدل في (ك). (4) الشعراء: 21. (5) الاعراف: 150. (6) في (ك): انامي، وهو غلط. (7) في (ك): اخافهم، وهو سهو. (8) في (ك): انامي، وهو غلط.

[440]

30 - ع (1): احمد بن حاتم (2)، عن احمد بن محمد موسى، عن محمد ابن احماد الشاشي، عن الحسين بن راشد، عن علي بن اسماعيل الميثمي، عن ربعي، عن زرارة قال: قلت (3): ما منع أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعو الناس إلى نفسه ؟. قال: خوفا أن يرتدوا. قال علي (4): - وأحسب في الحديث -: ولا يشهدوا أن محمدا رسول الله (ص). 31 - ع (5): احمد بن الحسين، عن أبيه، عن محمد بن أبي الصهبان، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا (6)، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم كف علي عليه السلام عن القوم ؟. قال: مخافة أن يرجعوا كفارا. 32 - ع (7): أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن حماد، عن (8) حريز، عن بريد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام لم يمنعه من أن يدعو (9) إلى نفسه إلا أنهم أن يكونوا ضلالا، لا يرجعون (10) عن الاسلام أحب إليه من أن يدعوهم فيأبوا عليه فيصيرون كفارا كلهم. 33 - ل (11): ما جيلويه وابن المتوكل والعطار جميعا، عن محمد العطار، عن ابن أبي الخطاب، عن النضر، عن خالد بن ماد (12)، عن جابر الجعفي، عن أبي


(1) علل الشرائع 1 / 149 باب 122 حديث 8، باختلاف يسير. (2) في المصدر: علي بن حاتم. (3) في العلل: قلت لابي عبد الله عليه السلام:... (4) المراد به علي بن حاتم، وهذا يشهد على غلط أول سند الحديث. (5) علل الشرائع 1 / 151 باب 122 حديث 11. (6) في المطبوع من البحار: خ. ل: أصحابه. (7) علل الشرائع 1 / 150 باب 122 حديث 10، باختصار شديد في السند. (8) لا توجد في (س): حماد عن. (9) في المصدر: أن يدعو الناس. (10) في (س): يرجعون - بدون لا - وقد يوجه لها معنى. (11) الخصال 2 / 650 حديث 48، مع اختصار في السند. (12) في (ك): مارد، وهو غلط.

[441]

جعفر الباقر عليه السلام قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام - وهو على منبره - فقال: يا أمير المؤمنين ! إئذن لي (1) أتكلم بما سمعت من عمار بن ياسر يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟. فقال: اتقوا الله ولا تقولوا على عمار إلا ما قاله.. حتى قال ذلك ثلاث مرآت، ثم قال: تكلم. قال: سمعت عمارا يقول: سمعت (2) رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا أقاتل على التنزيل وعلي يقاتل على التأويل. فقال (ع): صدق عمار ورب الكعبة، إن هذه عندي لفي ألف كلمة تتبع كل كلمة ألف كلمة. 34 - ما (3): المفيد، عن ابن قولويه، عن علي بن حاتم، عن الحسن بن عبيدالله، عن الحسن بن موسى، عن ابن أبي نجران، ومحمد بن عمر بن يزيد معا، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن الفضيل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لمن كان الامر حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: لنا أهل البيت. فقلت: كيف صار في تيم وعدي ؟ قال: إنك سألت فافهم الجواب ! إن الله تعالى لما كتب (4) أن يفسد في الارض وتنكح الفروج الحرام، ويحكم بغير ما أنزل الله، خلى (5) بين أعدائنا وبين مرادهم من الدنيا حتى دفعونا عن حقنا وجرى الظلم على أيديهم دوننا. بيان: لعل الكتابة مؤولة بالعلم، أو هي كتابة تبيين لا كتابة تقدير. 35 - ع (6) ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ربعي، عن


(1) في المصدر: أتأذن لي.. (2) لا توجد في (س): عمارا يقول سمعت. (3) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 230، باختصار في السند ونص في المتن. (4) في (س): قد كتب.. (5) في (س): خلق.. وهو غلط. (6) علل الشرائع 1 / 153 - 154 باب 122 حديث 14، وسنده هكذا: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل بن يسار.. وانظر بقية روايات الباب.

[442]

حماد، عن الفضيل بن يسار قال: قلت لابي جعفر أو لابي عبد الله عليهما السلام حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله: لمن كان الامر بعده ؟ فقال: لنا أهل البيت. قلت: فكيف صار في غيركم ؟ قال: إنك قد سألت فافهم الجواب ! إن الله عزوجل لما علم أن (1) يفسد في الارض، وتنكح الفروج الحرام، ويحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى أراد أن يلي ذلك غيرنا. 36 - قب (2): قال ضرار لهشام بن الحكم: ألا دعا علي الناس عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله إلى (3) الائتمام به إن كان وصيا ؟. قال: لم يكن واجبا عليه، لانه قد دعاهم إلى موالاته والائتمام به النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير ويوم تبوك وغيرهما فلم يقبلوا منه، ولو كان ذلك جائزا لجاز على آدم عليه السلام أن يدعو إبليس إلى السجود له بعد أن (4) دعاه ربه إلى ذلك، ثم أنه صبر كما صبر اولو العزم من الرسل. وسأل أبو حنيفة الطاقي (5) فقال له: لم لم يطلب علي بحقه بعد وفاة الرسول إن كان له حق ؟. قال: خاف أن يقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة ابن شعبة !. وقيل لعلي بن ميثم: لم قعد عن قتالهم ؟، قال: كما قعد هارون عن السامري وقد عبدوا العجل قبلا فكان ضعيفا (6). قال: كان كهارون حيث يقول: [إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] (7)، وكنوح عليه السلام إذ قال:


(1) في المصدر: انه. (2) مناقب ابن شهر آشوب 1 / 270 (فصل في مسائل وأجوبة) وانظر ما بعده من روايات بهذا المضمون. (3) لا توجد: إلى، في (ك). (4) في المصدر: إذ، بدلا من: ان. (5) المراد منه مؤمن الطاق أو صاحب الطاق: محمد بن النعمان رضوان الله عليه. (6) في المصدر: قيل فكان ضعيفا ؟ ولعلها. جملة سؤالية. (7) الاعراف: 150، وذيل الآية: وكادوا يقتلونني، لا يوجد في المصدر ولا في (س).

[443]

[أني مغلوب فانتصر] (1)، وكلوط إذ قال: [لو أن لي بكم قوة أوء اوي إلى ركن شديد] (2)، وكموسى وهارون إذ قال موسى: [رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي] (3). بيان: قال الجوهري: رأيته قبلا وقبلا - بالضم - أي مقابلة وعيانا، ورأيته قبلا - بكسر القاف -.. أي عيانا (4). 37 - قب (5): وفي الخصال في آداب الملوك أنه قال عليه السلام: ولي في موسى اسوة وفي خليلي قدوة، وفي كتاب الله عبرة، وفيما أودعني رسول الله صلى الله عليه وآله برهان، وفيما عرفت تبصرة، إن يكذبوني (6) فقد كذبوا الحق من قبلي، وإن ابتلى به فتلك سيرتي (7)، المحجة العظمى والسبيل المفضية لمن لزمها إلى النجاة (8) لم أزل عليها لا ناكلا ولا مبدلا، لن أضيع بين كتاب الله وعهد ابن عمي به.. في كلام له، ثم قال: لن أطلب العذر في قومي وقد جعلوا * فرض الكتاب ونالوا كل ما حرما حبل الامامة لي من بعد أحمدنا * الابيات (9).........


(1) القمر: 10. (2) هود: 80. (3) المائدة: 25. (4) الصحاح 5 / 1796، وانظر: مجمع البحرين 5 / 446. (5) مناقب ابن شهر آشوب 1 / 271 - 276. (6) في المصدر: ان تكذبوني.. (7) في المناقب: سربي.. أي طريقتي. (8) في المصدر: المقضية لمن لزمها من النجاة. (9) في حاشية (ك): جاءت الابيات كالآتي: أطلب العذر من قومي وقد جهلوا * فرض الكتاب ونالوا كل ما حرما حبل الامامة لي من بعد أحمدنا * كالدلو علفت التكريب والوذما لا في نبوته كانوا ذوي ورع * ولا رعوا بعده إلا ولا ذمما لو كان لي جايزا [كذا] سرحان أمرهم * خلفت قومي وكانوا أمة امما

[444]

ومن كلام له عليه السلام - رواه محمد بن سلام -: فنزل بي من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن (1) الجبال لو حملته لحملته، ورأيت أهل بيته بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام، وبين القول والاستماع. ثم قال: بعد كلام -: وحملت نفسي على الصبر عند وفاته، ولزمت الصمت والاخذ فيما أمرني به من تجيهزه.. الخبر. قوله تعالى: [فوكزه موسى فقضى عليه] (2) كان قتل واحدا على وجه الدفع [فأصبح في المدينة خائفا] (3) [فخرج منها خائفا] (4) [ففرت منكم لما خفتكم] (5) [رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف] (6) فكيف لا يخاف علي وقد وترهم بالنهب، وأفناهم بالحصد (7)، واستأسرهم فلم يدع قبيلة من أعلاها إلى أدناها إلا وقد قتل صناديدهم ؟ (8). قيل لامير المؤمنين عليه السلام في جلوسه عنهم ؟ قال: إني ذكرت قول النبي صلى الله عليه وآله: إني رأيت القوم (9) نقضوا أمرك، واستبدوا بها دونك، وعصوني فيك، فعليك بالصبر حتى ينزل الامر، فإنهم سيغدرون بك وأنت


(1) في المناقب: لم تكن. (2) القصص: 15. (3) القصص: 18. (4) القصص: 21. (5) الشعراء: 21. (6) القصص: 33، وفي المصدر: رب إني قتلت منهم، رب إني أخاف. (7) في المناقب: بالحصيد. (8) ثم ذكر ابن شهر آشوب رحمه الله هنا شعرا لمهيار الديلمي رحمه الله وهو: تركت أمرا ولو طالبته لدرت * معاطس راغمته كيف تجتدع صبرت تحفظ أمر الله ما اطرحوا * ذبا عن الدين فاستيقظت إذ هجعوا ليشرقن بحلو اليوم مر غد * إذا حصدت لهم في الحشر ما زرعوا (9) في المناقب: ان القوم.

[445]

تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه ستخضب من هذا.. زرارة (1)، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما منع أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعو الناس إلى نفسه، ويجرد في عدوه سيفه ؟. فقال: الخوف من أن يرتدوا فلا يشهدوا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله (2).. وسأل صدقة بن مسلم عمر بن قيس الماصر عن جلوس علي في الدار ؟. فقال: إن عليا في هذه الامة كان فريضة من فرائض الله، أداها نبي الله إلى قومه مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج وليس على الفرائض أن تدعوهم إلى شئ إنما عليهم أن يجيبوا الفرائض، وكان علي أعذر من هارون لما ذهب موسى إلى الميقات، فقال لهارون: [اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين] (3) فجعله رقيبا عليهم، وإن نبي الله نصب عليا (ع) لهذه الامة علما ودعاهم إليه، فعلي في عذر لما جلس (4) في بيته، وهم في حرج حتى يخرجوه فيضعوه في الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فاستحسن منه جعفر الصادق عليه السلام (5). ومن كلام لامير المؤمنين عليه السلام - وقد سئل عن أمرهما -: وكنت كرجل له على الناس حق، فإن عجلوا له ماله أخذه وحمدهم (6)، وإن أخره أخذه غير محمودين، وكنت كرجل يأخذ بالسهولة وهو عند الناس حزون (7)، وإنما يعرف


(1) هذا استمرار لكلام صاحب المناقب رحمه الله، وفيه: زرارة بن أعين قلت:.. وفي (س): زرادة.. ولا معنى لها. (2) ذكر في المناقب هنا شعرا للناشئ الصغير ثم أورد كلام صدقة بن مسلم.. (3) الاعراف: 142. (4) في المناقب: فعلي في غدرهما جلس.. (5) وذكر هنا ابن شهر آشوب شهرا للعوني ثم أورد كلامه صلوات الله عليه وآله. (6) في (س): وعهدهم. (7) في (ك) هنا نسخة بدل: مخدوع.

[446]

الهدى بقلة (1) من يأخذه من الناس، فإذا سكت فاعفوني. وقال عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف يوم الشورى: إن لنا حقا إن أعطيناه أخذناه، وإن منعناه ركبنا أعجاز الابل وإن طال بنا السرى. وسئل متكلم: لم لم يقاتل الاولين على (2) حقه وقاتل الآخرين (3) ؟ ! فقال: لم لم يقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله على إبلاغ الرسالة في حال الغار ومدة الشعب وقاتل بعدهما ؟ !... وقال بعض النواصب لشيطان الطاق (4) ؟ !: كان علي يسلم على الشيخين بإمرة المؤمنين، أفصدق أم كذب ؟ !. قال: أخبرني أنت عن الملكين اللذين دخلا على داود، فقال أحدهما: [إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة] (5)، كذب أم صدق ؟. فانقطع الناصبي. وسأل سليمان بن حريز هشام بن الحكم: أخبرني عن قول علي لابي بكر: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله أكان صادقا أم كاذبا ؟ ! فقال هشام: وما الدليل على أنه قال (6) ؟ ثم قال: وإن كان قاله فهو كقول ابراهيم: [إني سقيم] (7)، وكقوله: [بل فعله كبيرهم] (8)، وكقول يوسف: [أيتها العير إنكم لسارقون] (9)... وقيل لعلي بن ميثم: لم صلى علي خلف القوم ؟ قال: جعلهم بمنزلة


(1) في المناقب: مخون الهدى بقلة.. (2) لا توجد على في (س)، ووضع بعدها رمز (ع) في (ك). (3) في (س): الاخرى، ولا معنى لها. (4) في المناقب: لصاحب الطاق، وهو في الواقع مؤمن الطاق رضوان الله عليه. (5) سورة ص: 23. (6) في (ك): قاله. (7) الصافات: 89. (8) الانبياء: 63. (9) يوسف: 70.

[447]

السواري. قيل: فلم ضرب الوليد بن عقبة بين يدي عثمان ؟. قال: لان الحد له واليه، فإذا أمكنه إقامته بكل حيلة. قيل: فلم أشار على أبي بكر وعمر ؟. قال: طلبا منه أن يحيى أحكام القرآن وأن يكون دينه القيم كما أشار يوسف عليه السلام على ملك مصر نظرا منه للخلق، ولان الارض والحكم فيها إليه، فإذا أمكنه أن يظهر مصالح الخلق فعل، وإن لم يمكنه ذلك بنفسه توصل إليه على يدي من يمكنه طلبا منه لاحياء أمر الله. قيل: لم قعد في الشوري ؟. قال: اقتدارا منه على الحجة وعلما بأنهم إن ناظروه أو (1) أنصفوه كان هو الغالب، ومن كان له دعوى فدعي إلى (2) أن يناظر عليه فإن ثبتت له الحجة أعطيه (3)، فإن لم يفعل بطل حقه وأدخل بذلك الشبهة على الخلق، وقد قال عليه السلام يومئذ: اليوم أدخلت في باب إذا انصفت فيه وصلت إلى حقي، يعني أن الاول استبد بها يوم السقيفة ولم يشاوره، قيل: فلم زوج عمر ابنته ؟. قال: لاظهاره الشهادتين وإقراره بفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وإرادته استصلاحه وكفه عنه، وقد عرض نبي الله لوط عليه السلام بناته على قومه وهم كفار ليردهم عن ضلالتهم، فقال: [هؤلاء بناتي هن أطهر لكم] (4)، ووجدنا آسية بنت مزاحم تحت فرعون. وسئل الشيخ المفيد (5): لم أخذ عطاءهم، وصلى خلفهم، ونكح سبيهم، وحكم في مجالسهم ؟. فقال: أما أخذه العطاء فأخذ بعض حقه، وأما الصلاة خلفهم فهو الامام، من تقدم بين يديه فصلاته فاسدة، على أن كلا مؤد حقه، وأما نكاحه من سبيهم فمن طريق الممانعة، إن الشيعة روت (6) أن الحنيفة زوجها


(1) في المصدر: الواو بدلا من أو. (2) لا توجد: إلى، في (س). (3) في المناقب: اعطته. (4) هود: 78. (5) وبهذا المضمون جاء في الفصول المختارة من العيون والمحاسن، للشيخ المفيد: 273، ولعل نصه في غير كتابه هذا. (6) في المناقب: روته..

[448]

أمير المؤمنين عليه السلام محمد بن مسلم الحنفي، واستدلوا على ذلك بأن عمر بن الخطاب لما رد من كان أبو بكر سباه لم يرد الحنيفة، فلو كانت من السبي لردها، ومن طريق المتابعة أنه لو نكح من سبيهم لم يكن لكم ما أردتم، لان الذين سباهم أبو بكر كانوا عندكم قادحين في نبوة رسول الله كفارا، فنكاحهم حلال لكل أحد، ولو كان الذين سباهم يزيد وزياد، وإنما كان يسوغ لكم ما ذكرتموه إذا كان الذين سباهم قادحين في إمامته ثم نكح أمير المؤمنين عليه السلام، وأما حكمه في مجالسهم فإنه لو قدر أن لا يدعهم يحكمون حكما لفعل، إذا الحكم إليه وله دونهم. وفي كتاب الكر والفر: قالوا: وجدنا عليا عليه السلام يأخذ عطاء الاول و (1) لا يأخذ عطاء ظالم إلا ظالم ؟. قلنا: فقد وجدنا دانيال يأخذ عطاء بخت نصر. وقالوا: قد صح أن عليا عليه السلام لم يبايع ثم بايع، ففي أيهما أصاب و (2) أخطأ في الاخرى ؟. قلنا: وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله لم يدع في حال ودعا في حال، ولم يقاتل ثم قاتل. وقال رجل للمرتضى: أي خليفة قاتل ولم يسب ولم يغنم ؟. فقال: ارتد غلام (3) في أيام أبي بكر فقتلوه ولم يعرض أبو بكر لماله، وروي مثل ذلك في مرتد قتل في أيام عمر فلم يعرض لماله، وقتل علي عليه السلام مستورد (4) العجلي ولم يتعرض (5) لماله، فالقتل ليس بأمارة على تناول المال. وقال رجل لشريك: أليس قول علي لابنه الحسين يوم الجمل: يا بني ! يود


(1) الواو للحال، كذا في حاشية (ك). (2) لا توجد الواو في المصدر. (3) في المناقب: علاثة.. (4) في المناقب: مسورته.. (5) في المصدر: يعرض.

[449]

أبوك أنه مات قبل هذا اليوم بثلاثين سنة.. يدل على أن في الامر شيئا ؟. فقال شريك: ليس كل حق يشتهى أن يتعب فيه، وقد قالت مريم في حق لا يشك فيه: [يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا] (1). ولما قبل لامير المؤمنين عليه السلام في الحكمين: شككت ؟. قال عليه السلام: أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلى الله عليه وآله ؟ أو ما قال الله تعالى لرسوله: [قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين] (2). 38 - شئ (3): عن سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الناس لعلي عليه السلام إن كان له حق فما منعه أن يقوم به ؟. قال: فقال: إن الله لم يكلف هذا إلا إنسانا واحدا رسول الله صلى الله عليه وآله (4)، قال: [فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين] (5) فليس هذا إلا للرسول. وقال لغيره: [إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة] (6) فلم يكن يومئذ فئة يعينونه على أمره (7). بيان: لعل المعنى أنه إذا كان مع وجود الجيش يجوز الفرار للتحيز إلى فئة اخرى أقوى، فيجوز ترك الجهاد مع عدم الفئة أصلا بطريق أولى، وإن هذه الآية تدل على اشتراط الفئة التزاما. 39 - شي (8): عن حريز، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه


(1) مريم: 23. (2) القصص: 49. والى هنا نقل من المناقب لابن شهر آشوب 1 / 271 - 276 وقد تعرضنا لغالب الفروق وما أسقطه المصنف طاب ثراه. (3) تفسير العياشي 1 / 261 حديث 211. (4) في التفسير: لا يكلف هذا الانسان إلا واحدا إلا رسول الله (ص). (5) النساء: 84. (6) الانفال: 16. (7) وانظر البرهان 1 / 398 و 2 / 70، وبحار الانوار 16 / 340 حديث 29. (8) تفسير العياشي 1 / 303 برقم 68، باختلاف يسير.

[450]

السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم سنة بني اسرائيل (1)، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: [قال موسى لقومه... يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم] (2) فردوا عليه - وكانوا ستمائة ألف - فقالوا: [يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما] (3) أحدهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا (4)، قال: وهما ابن عمه (5) فقالا: [ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه..] إلى قوله: [إنا هاهنا قاعدون] (6) قال: فعصى ستمائة ألف (7)، وسلم هارون وابناه ويوشع بن نون وكالب بن يوفنا (8)، فسماهم الله فاسقين، فقال: [لا تأس على القوم الفاسقين] (9) فتاهوا أربعين سنة لانهم عصوا، فكان حذو النعل بالنعل، إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض لم يكن على أمر الله إلا علي والحسن والحسين وسلمان والمقداد وأبو ذر فمكثوا أربعين حتى قام علي فقاتل من خالفه (10).


(1) مرت روايات الخاصة عن جملة مصادر عدها شيخنا المجلسي قدس سره في بحاره 28 / 6 - 10 عن كمال الدين وتمام النعمة، ومعاني الاخبار، وتفسير القمي، وأمالي الشيخ المفيد وغيرها، وجاء عن طريق العامة كما في مسند احمد بن حنبل 4 / 125 وغيره. والكل في موضوع في متابعة اللاحق للسابق، فراجع. (2) المائدة: 20 - 22. (3) المائدة: 22 و 23. (4) في تفسير العياشي: ابن نون والآخر كالب بن يافنا.. (5) في المصدر: وهما ابنا عمه.. وهو الظاهر. (6) المائدة: 24. (7) في المصدر: فعصى أربعون الف.. (8) في التفسير: ابن يافنا، وفيه نسخة بدل: يوفتا. (9) المائدة: 26. (10) جاءت الرواية في تفسير البرهان 1 / 456، والصافي 1 / 433، وفي أكثر من مكان من البحار.

[451]

بيان: قوله: فمكثوا أربعين.. كذا في النسخة التي عندنا، وهو لا يوافق التاريخ، إذ هو عليه السلام قاتلهم بعد نحو من خمس وعشرين، ولعله من تحريف النساخ، وكون الاربعين من الهجرة وإنه اريد هنا انتهاء غزواته عليه السلام بعيد. ويحتمل أن يكون المراد نحوا من أربعين، أي مدة مديدة يقرب منها، ويكفي هذا للمشابهة. 40 - شي (1): عن ابن نباتة قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل، فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين ! كبر القوم وكبرنا، وهلل القوم وهللنا، وصلى القوم وصلينا، فعلام نقاتلهم ؟ ! فقال: على هذه الآية: [تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منها من كلم الله ورفع بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم] (2) فنحن الذين من بعدهم [من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد] (3) فنحن الذين آمنا وهم الذين كفروا، فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة، ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله (4). 41 - شي (5): عن أبي جعفر عليه السلام: ما شأن أمير المؤمنين عليه السلام حين ركب (6) منه ما ركب، لم يقاتل ؟. فقال: للذي سبق في علم الله أن يكون، ما كان لامير المؤمنين عليه السلام أن يقاتل وليس معه إلا ثلاثة رهط، فكيف يقاتل ؟ ألم تسمع قول الله عزوجل: [يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين


(1) تفسير العياشي 1 / 136 برقم 448، باختلاف يسير. (3 و 2) البقرة: 253. (4) وجاءت الرواية في تفسير البرهان 1 / 239، وتفسير الصافي 1 / 212 وغيرهما. (5) تفسير العياشي 2 / 51 برقم 30، باختلاف يسير. (6) خ. ل: حينما ركب، كذا في المصدر.

[452]

كفروا.. إلى قوله:.. وبئس المصير] (1) فكيف يقاتل أمير المؤمنين عليه السلام بعد هذا ؟. وإنما هو يومئذ ليس معه مؤمن غير ثلاثة رهط (2). 42 - شئ (3): عن زيد الشحام قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك ! إنهم يقولون ما منع عليا إن كان له حق أن يقوم بحقه ؟. فقال: إن الله لم يكلف هذا أحدا إلا نبيه عليه وآله السلام، قال له: [فقاتل في سبيل الله لا تكلف الا نفسك] (4)، وقال لغيره: [إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة] (5) فعلي لم يجد فئة، ولو وجد فئة لقاتل، ثم قال: لو كان جعفر وحمزة حيين، إنما بقي رجلان (6). بيان: قوله عليه السلام: لو كان.. كلمة لو للتمني أو الجزاء محذوف.. أي لم يترك القتال، أو يكون تفسير للفئة، والمراد بالرجلين: الضعيفان، عباس وعقيل، كما مر. 43 - شئ (7): عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: يا بن رسول الله ! زعم ولد الحسن عليه السلام أن القائم منهم وأنهم أصحاب الامر، ويزعم ولد ابن الحنيفة (8) مثل ذلك، فقال: رحم الله عمي الحسن (ع)، لقد عمد الحسن (9) أربعين ألف سيف حتى (10) اصيب أمير المؤمنين عليه السلام


(1) الانفال: 15. (2) وجاءت الرواية عن هذا المصدر في تفسير البرهان 2 / 69. (3) تفسير العياشي 2 / 51 برقم 31، باختلاف قليل. (4) النساء: 84. (5) الانفال: 16. (6) وجاءت الرواية كاملة في البرهان 2 / 70، وتفسير الصافي 1 / 653، وغيرهما. (7) تفسير العياشي 2 / 291 برقم 69. (8) جاءت نسخة بدل في (ك): ولدين ابن الحنيفة.. كذا. (9) في تفسير العياشي: غمد الحسن عليه السلام..، وفي تفسير البرهان: عمل، وذكر مان في العياشي نسخة. (10) في المصدر والبرهان: حين، وهو الظاهر.

[453]

وأسلمها إلى معاوية، ومحمد بن علي سبعين ألف سيف قاتله لو حظر عليهم حظيرة (1) ما خربوا منها حتى يموتوا جميعا، وخرج الحسين صلى الله عليه وآله فعرض نفسه على الله في سبعين رجلا، من أحق بدمه منا ؟ !، نحن والله أصحاب الامر وفينا القائم ومنا السفاح والمنصور، وقد قال الله: [ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لو ليه سلطانا] (2) نحن أولياء الحسين بن علي عليهما السلام وعلى دينه (3). 44 - قب (4): كتاب أبي عبد الله محمد بن السراج، عن النبي صلى الله عليه وآله في خبر: من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبوتي ونبوة من كان قبلي. عمران بن حصين - في خبر - أنه عاد النبي صلى الله عليه وآله عليا فقال عمر: يا رسول الله ! ما علي إلا لما به. فقال رسول الله: لا، والذي نفسي بيده - يا عمر - لا يموت علي حتى يملا غيظا، ويوسع غدرا (5) ويوجد من بعدي صابرا. تاريخ بغداد (6) وكتاب ابراهيم الثقفي (7): روى عمرو بن الوليد الكرابيسي بإسناده عن أبي إدريس عن علي عليه السلام قال: عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله أن الامة ستغدر بك. وفي حديث سلمان، قال صلى الله عليه وآله لعلي: إن الامة ستغدر بك، فاصبر لغدرها. الحارث بن الحصين، قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي ! إنك لاق بعدي كذا.. وكذا. فقال: يا رسول الله ! إن السيف لذو شفرتين وما أنا


(1) في تفسير العياشي: لو خطر عليهم خطر.. (2) الاسراء: 33. (3) ونقله في تفسير البرهان 2 / 419 مع اختلاف. (4) مناقب ابن شهر آشوب 3 / 216 فصل: في ظالميه ومقاتليه. (5) الكلمة مشوشة في مطبوع البحار، وأثبتنا ما في المناقب. (6) تاريخ بغداد 11 / 216 حديث 5928. (7) الغارات 2 / 486، وانظر كنز العمال 11 / 618 حديث 32997، ومستدرك الحاكم 3 / 142.

[454]

بالفشل (1) ولا الذليل. قال صلى الله عليه وآله: فاصبر يا علي. قال علي: أصبر يا رسول الله (2). 45 - قب (3): ابن شيرويه في الفردوس (4)، عن وهب بن صيفي (5)، وروى غيره، عن زيد بن أرقم قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا اقاتل على التنزيل وعلي يقاتل على التأويل.. ومما يمكن أن يستدل بالقرآن (6) قوله تعالى: [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحديهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله] (7)، والباغي من خرج على الامام، فافترض قتال أهل البغي كما افترض قتال المشركين، وأما اسم الايمان عليهم فكقوله: [يا أيها الذين ء امنوا ءامنوا بالله ورسوله] (8).. أي الذين أظهروا الايمان بألسنتهم آمنوا بقلوبكم. وقيل لزين العابدين عليه السلام: إن جدك كان يقول: إخواننا بغوا علينا. فقال: أما تقرأ كتاب الله: [وإلى عاد أخاهم هودا] (9) فهم مثلهم أنجاه الله والذين معه وأهلك عادا بالريح العقيم، وقد ثبت أنه نزل فيه: [يا أيها الذين ء امنوا من يرتد منكم عن دينه...] الآية (10).


(1) في المناقب: بالقتل. (2) إلى هنا بنصه في المناقب، وانظر: كنز العمال 11 / 613 حديث 32968 باب فضائل علي عليه السلام، وما بعده من الروايات. (3) المناقب لابن شهر آشوب 3 / 218 - 219، باختلاف يسير. (4) الفردوس 1 / 46 حديث 115 باب ذكر أخبار جاءت عن النبي (ص) في مناقبه [طبعة اخرى 1 / 79 حديث 118]. (5) في المناقب: ضيفي. (6) في المصدر: من القرآن، وذكرها في حاشية (ك) على أنه نسخة بدل. (7) الحجرات: 9. (8) النساء: 136. (9) الاعراف: 65. (10) المائدة: 54.

[455]

وفي حديث الاصبغ بن نباتة، قال رجل لامير المؤمنين عليه السلام هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة (1)، والحج واحد، فبم (2) نسميهم ؟. قال: سمهم بما سماهم الله في كتابه: [تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر] (3) فلما وقع الاختلاف كنا نحن (4) اولى بالله وبالنبي وبالكتاب وبالحق. الباقرين عليهما السلام في قوله: [فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون] (5) يا محمد ! من مكة إلى المدينة فإنا رادوك منها (6) ومنتقمون منهم بعلي.. أورده النطنزي (7) في الخصائص، والصفواني في الاحن والمحن عن السدي والكلبي وعطاء وابن عباس والاعمش وجابر بن عبد الله الانصاري أنها نزلت في علي عليه السلام. ابن جريح، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعن سلمة بن كهيل، عن عبد خير، وعن جابر بن عبد الله الانصاري أنهم رووا ذلك (8) على اتفاق واجتماع أن النبي صلى الله عليه وآله خطب في حجة الوداع فقال: لاقتلن العمالقة في كتيبة. فقال له جبرئيل عليه السلام: أو علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي رواية جابر وابن عباس: ألا لالفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب


(1) خط في (س) على كلمة: واحدة. (2) في (ك): فيم.. (3) البقرة: 253. (4) لا توجد: نحن في المصدر. (5) الزخرف: 41. (6) في طبعتي البحار: منا، وما أثبت جاء في المصدر. (7) في (س): النظيري، وفي (ك): النطيزي. (8) في المناقب: بل رووا ذلك، ولا توجد ذلك في (ك)، وهو الظاهر.

[456]

بعضكم رقاب بعض، أما والله لئن فعلتم ذلك لتعرفنني (1) في كتيبة فأضرب وجوهكم فيها بالسيف فكأنه (2) غمز من خلفه فالتفت ثم أقبل علينا فقال: أو علي، فنزل: [فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون] (3) بعلي بن أبي طالب عليه السلام، ثم نزل: [قل رب إما تريني ما يوعدون] (4).. إلى قوله: [هي أحسن] (5)، ثم نزل [فاستمسك بالذي أوحي إليك] (6) من أمر علي بن أبي طالب عليه السلام [إنك على صراط مستقيم] (7)، وإن عليا عليه السلام لعلم الساعة (8) [لك ولقومك وسوف تسئلون] (9) عن محبة علي عليه السلام. أبو حرب بن أبي الاسود الدؤلي، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لما نزلت: [فإما نذهبن بك فإنا منتقمون] (10) قال: أو بعلي (11) ابن أبي طالب، ثم قال: بذلك حدثني جبرئيل. بيان: قوله عليه السلام: وإن عليا لعلم الساعة في القرآن: [وإنه لذكر لك] (12) ولعله عليه السلام فسر الذكر بعلم الساعة، فإنه الدابة الذي هو من أشراط الساعة.


(1) في (ك): لتعرفني. (2) في (ك): فكأنها. (3) الزخرف: 41. (4) المؤمنون: 93. (5) المؤمنون: 96. (6) الزخرف: 43. (7) الزخرف: 44. (8) في (ك): للساعة، ولم يتعرض لها في بيانه قدس سره.. (9) الزخرف: 44. (10) الزخرف: 41. (11) جاءت نسخة استظهرها كاتبها على كلمة (بعلي) أي بعلي، في (ك). (12) الزخرف: 44.

[457]

46 - فض (1): الحسين بن احمد المدني، عن الحسين بن عبد الله البكري، عن عبد الله بن هشام، عن الكلبي، عن ميمون بن مصعب المكي (2) بمكة قال: كنا عند أبي العباس بن سابور المكي فأجرينا حديث أهل الردة، فذكرنا خولة الحنيفة ونكاح أمير المؤمنين عليه السلام لها فقال: أخبرني عبد الله بن الخير الحسيني (3)، قال: بلغني أن الباقر محمد بن علي عليهما السلام - قال -: كان (4) جالسا ذات يوم إذ جاءه رجلان، فقالا: يا أبا جعفر ! ألست القائل أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يرض بإمامة من تقدمه ؟. فقال: بلى. فقالا له: هذه خولة الحنيفة نكحها من سبيهم ولم يخالفهم على أمرهم مذ حياتهم (5) ؟ !. فقال الباقر عليه السلام: من فيكم يأتيني بجابر عن عبد الله ؟ - وكان محجوبا قد كف بصره - فحضر وسلم على الباقر عليه السلام فرد عليه (6) وأجلسه إلى جانبه، فقال له: يا جابر ! عندي رجلان ذكرا أن أمير المؤمنين رضي بإمامة من تقدم عليه، فاسألهما ما الحجة في ذلك ؟ فسألهما فذكرا له حديث خولة (7)، فبكى جابر حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: والله - يا مولاي - لقد خشيت أن أخرج من الدنيا ولا أسأل عن هذه المسألة، والله إني كنت جالسا إلى جنب أبي بكر - وقد سبى بني حنيفة مع مالك (8) بن نويرة من قبل خالد بن الوليد - وبينهم جارية مراهقة - فلما


(1) كتاب الفضائل لابي الفضل شاذان بن جبرئيل القمي، وعبر عنه العلامة المجلسي ب‍: الروضة: 99 - 101 باختلاف كثير أشرنا إلى غالبه. (2) جاء السند في المصدر هكذا: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن احمد المدايني قال: حدثني عبد الله بن هاشم، عن الكلبي، قال: أخبرني ميمون بن صعب المكي.. (3) في الفضائل: أبو الحسن عبد الله بن أبي الخير الحسيني. (4) في المصدر: لا توجد قال، وفي (ك): كنا، وهو غلط ظاهرا. (5) في المصدر: وقبل هديتهم ولم يخالفهم عن أمرهم مدة حياتهم. (6) لا توجد: فرد عليه، في المصدر. (7) في الفضائل: فسألهما الحجة في ذلك، فذكروا له خولة. (8) في المصدر: بعد قتل مالك.. وهو الصحيح.

[458]

دخلت المسجد قالت: أيها الناس ! ما فعل محمد صلى الله عليه وآله ؟ قالوا: قبض. قالت: هل له بنية فقصدها (1) ؟ قالوا: نعم هذه تربته وبنيته (2). فنادت وقالت: السلام عليك يا رسول الله - صلى الله عليه وآله - أشهد أنك تسمع صوتي (3) وتقدر على رد جوابي، وإننا (4) سبينا من بعدك، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمدا رسول الله.. ثم جلست فوثبت إليها رجلان نم المهاجرين أحدهما طلحة والآخر الزبير وطرحا عليها (5) ثوبيهما. فقالت: ما بالكم - يا معاشر الاعراب - تغيبون (6) حلائلكم وتهتكون حلائل غيركم ؟. فقيل لها: لانكم قلتم لا نصلي ولا نصوم ولا نزكي (7) ؟ فقال لها الرجلان اللذان طرحا ثوبيهما: إنا لغالون (8) في ثمنك. فقالت: أقسمت بالله وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله إنه لا يملكني ويأخذ رقبتي (9) إلا من يخبرني بما رأت أمي وهي حاملة بي ؟ وأي


(1) كذا، وفي المصدر: تقصد.. وهو الظاهر. (2) لا توجد: بنيته، في المصدر. (3) في الفضائل:.. اشهد ان لا إله إلا الله واشهد أنك عبده ورسوله، وانك تسمع كلامي.. (4) في (ك): وانا. (5) في مطبوع البحار: عليهما، وهو غلط، والعبارة في المصدر بتقديم وتأخير، ولعلها نقلت بالمعنى. (6) في المصدر: تصونون. (7) في الفضائل: فقالا لها: لمخالفتكم الله ورسوله حتى قلتم: إننا نزكي ولا نصلي، أو نصلي فلا نزكي، وهنا سقط جاء في المصدر: فقالت لهما: والله ما قالها أحد من بني حنيفة، وإنا نضرب صبياننا على الصلاة من التسع، وعلى الصيام من السبع، وإنا لنخرج الزكاة من حيث يبقى في جمادى الآخرة عشرة أيام، ويوصي مريضنا بها لوصيه، والله - يا قوم - ما نكثنا ولاغيرنا ولا بدلنا حتى تقتلوا رجالنا وتسبوا حريمنا، فإن كنت - يا أبا بكر - بحق فما بال علي لم يكن سبقك علينا، وإن كان راضيا بولايتك فلم لا ترسله الينا يقبض الزكاة منا ويسلمها اليك، والله ما رضي ولا يرضى، قتلت الرجال ونهبت الاموال وقطعت الارحام فلا نجتمع معك في الدنيا ولا في الآخرة، افعل ما أنت فاعله.. فضج الناس. (8) في المصدر: لمغالون. (9) في الفضائل: ويأخذني.

[459]

شئ قالت لي عند ولادتي ؟ وما العلامة التي بيني وبينها ؟ وإلا بقرت (1) بطني بيدي فيذهب ثمني ويطالب بدمي. فقالوا لها: اذكري رؤياك حتى نعبرها لك (2). فقالت: الذي يملكني هو أعلم بالرؤيا مني ؟.. فأخذ طلحة والزبير ثوبيهما وجلسوا، فدخل أمير المؤمنين عليه السلام وقال: ما هذا الرجف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! فقالوا: يا أمير المؤمنين امرأة حنفية حرمت ثمنها (3) على المسلمين وقالت: من أخبرني بالرؤيا التي رأت أمي وهي حاملة بي يملكني. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما ادعت باطلا، أخبروها تملكوها. فقالوا: يا أبا الحسن ! ما منا من يعلم (4)، أما علمت أن ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبض وأخبار السماء قد انقطعت من بعده. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرها بغير اعتراض منكم (5) ؟ قالوا: نعم. فقال عليه السلام: يا حنفية ! (6) أخبرك وأملكك ؟ فقالت: من أنت أيها المجتري دون أصحابه ؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب. فقالت: لعلك الرجل الذي نصبه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله في صبيحة يوم الجمعة بغدير خم علما للناس ؟. فقال: أنا ذلك الرجل. قالت: من أجلك نهبنا، ومن نحوك أتينا (7)، لان رجالنا قالوا لا نسلم صدقات أموالنا ولا طاعة نفوسنا إلا لمن نصبه محمد صلى الله عليه وآله فينا وفيكم علما. قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن أجركم غير ضائع، وإن الله يوفي كل نفس ما


(1) في المصدر: وإلا فإن ملكني أحد ولم يخبرني بذلك بقرت.. (2) في الفضائل: ابدي رؤياك التي رأت أمك وهي حامل بك حتى نبدي لك العبارة بالرؤيا.. (3) في المصدر: حرمت نفسها.. (4) في المصدر: ما فينا من يعلم الغيب. (5) في الفضائل: ما ادعت باطلا، أخبرها املكها بغير اعتراض.. ووضع رمز الزيادة في (س) على: منكم قالوا: نعم. (6) لا توجد في (س): يا حنفية، وفي المصدر: يا حنيفة. (7) في المصدر: من أجلك أصبنا ومن نحوك أوتينا.

[460]

عملت (1) من خير. ثم قال: يا حنفية ! ألم تحمل بك أمك في زمان قحط قد منعت السماء قطرها، والارضون نباتها، وغارت العيون والانهار حتى أن البهائم كانت ترد المرعى فلا تجد شيئا، وكانت امك تقول لك انك حمل مشوم في زمان غير مبارك، فلما كان بعد تسعة أشهر رأت في منامها كأن قد وضعت بك (2)، وأنها تقول: إنك حمل مشوم في زمان غير مبارك، وكأنك تقولين: يا امي لا تتطيرن بي فإني حمل مبارك أنشأ منشأ مباركا صالحا (3)، ويملكني سيد، وارزق منه ولدا يكون للحنفية (4) عزا، فقالت: صدقت. فقال عليه السلام: إنه كذلك وبه (5) أخبرني ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالت: ما العلامة التي بيني وبين امي ؟. فقال لها: لما وضعتك كتبت كلامك والرؤيا في لوح من نحاس وأودعته عتبة الباب، فلما كان بعد حولين عرضته عليك فأقررت به، فلما كان بعد ست سنين عرضته عليك (6) فأقررت به، ثم جمعت بينك وبين اللوح وقالت لك: يا بنية إذا نزل بساحتكم سافك لدمائكم، وناهب لاموالكم، وساب لذراريكم، وسبيت فيمن سبي، فخذي اللوح معك واجتهدي أن لا يملكك من الجماعة إلا من عبرك (7) بالرؤيا وبما في هذا اللوح. فقالت: صدقت... يا أمير المؤمنين (ع)، ثم قالت: فأين هذا اللوح ؟ فقال: هو في عقيصتك، فعند ذلك دفعت اللوح إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (8) فملكها


(1) في الفضائل: وإن الله تعالى يؤتي كل نفس ما أتت.. (2) في (س): رضعت بك، وفي المصدر: كأن وضعتك. (3) في الفضائل: نشوت نشوا صالحا.. (4) في المصدر: لبني حنيفة. (5) في المصدر: صدقت فإنه كذلك، فقال: وبه.. (6) في الفضائل: فلما كانت ثمان سنين عرضت عليك.. (7) في (ك) جاءت نسخة بدل: من يخبرك، كذا جاءت في المصدر. (8) هنا سقط جاء في الفضائل هكذا: ثم قالت: يا معاشر الناس ! اشهدوا أني قد جعلت نفسي له عبدة، فقال عليه السلام: بل قولي زوجة، فقالت: اشهدوا أن قد زوجت نفسي - كما أمرني - بعلي =

[461]

والله يا أبا جعفر بما ظهر من حجته وثبت من بينته (1)، فلعن الله من اتضح له الحق ثم جحد حقه وفضله، وجعل بينه وبين الحق سترا. بيان: الرجف: الزلزلة والاضطراب الشديد (2)، والعقيصة: الشعر المنسوج على الرأس عرضا (3). 47 - يل، فض (4): بالاسناد.. يرفعه إلى ابن عباس قال: ما حسدت عليا عليه السلام بشئ مما سبق من سوابقه بأفضل من شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: يا معاشر قريش ! أنتم كفرتم فرأيتموني في كتيبة أضرب بها وجوهكم، فأتى جبرئيل عليه السلام فغمزه وقال: يا محمد ! قل إن شاء الله أو علي بن أبي طالب، فقال محمد: إن شاء الله أو علي بن أبي طالب. 48 - يل، فض (5): بالاسناد.. يرفعه إلى أبي الاسود الدؤلي (6)، عن عمه، عن النبي صلى الله عليه وآله: قال: نزلت هذه الآية: [فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون] (7) بعلي بن أبي طالب، بذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام. 49 - يل، فض (8): بالاسناد.. يرفعه إلى سلمان الفارسي والمقداد وأبي ذر


= عليه السلام. فقال عليه السلام: قد قبلتك زوجة، فماج الناس، فقال جابر.. (1) في المصدر: والله يا أبا جعفر ملكها بما ظهر من حجة، وتبين من بينته.. وفي (س): عن حجته. (2) ذكره في القاموس 3 / 142، وانظر مجمع البحرين 5 / 61 - 62، والنهاية 2 / 203. (3) قال في القاموس 2 / 308: والعقيصة: الضفيرة، ونحوه في النهاية 3 / 276. وقال في مجمع البحرين 4 / 175: والعقيصة للمرأة: الشعر يلوى وتدخل أطرافه في اصوله. (4) قال العلامة المجلسي في بحاره 1 / 14: وكتاب الروضة في المعجزات، والفضائل لبعض علمائنا، ثم قال: وأخطأ من نسبه إلى الصدوق.. إلى آخره. ولقد وجدناهما لشاذان بن جبرئيل، انظر الروضة: 142 - خطي -، ولم نجده في كتاب الفضائل المطبوع (منشورات الرضي). (5) الروضة لشادان بن جبرئيل: 142 - من النسخة الخطية -، ولم نجده في الفضائل المطبوع. (6) في الروضة: الديلمي. (7) الزخرف: 41. (8) الفضائل لابن شاذان: 145 - 146 بزيادة واختلاف كثير، والروضة لشاذان بن جبرئيل: 142 - خطي -.

[462]

قالوا: إن رجلا فاخر عليا عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ! فاخر أهل الشرق والغرب والعرب والعجم فأنت أقربهم نسبا، وابن عمك (1) رسول الله صلى الله عليه وآله، وأكرمهم نفسا (2)، وأعلاهم رفعة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم أخا، وأكرمهم عما، وأعظمهم حلما، وأقدمهم سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم عزا في نفسك ومالك، وأنت أقرأهم لكتاب الله عزوجل وأعلاهم نسبا، وأشجعهم قلبا في لقاء الحرب، وأجودهم كفا، وأزهدهم في الدنيا، وأشدهم جهادا، وأحسنهم خلقا، وأصدقهم لسانا، وأحبهم إلى الله وإلي، وستبقي بعدي ثلاثين سنة تعبد الله وتصبر على ظلم قريش لك، ثم تجاهد في سبيل الله إذا وجدت أعوانا تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ثم تقتل شهيدا تخضب لحيتك من دم رأسك، قاتلك يعدل قاتل ناقة صالح في البغضاء لله والبعد من الله. يا علي ! إنك من بعدي مغلوب مغصوب تصبر على الاذى في الله وفي محتسبا (3) أجرك غير ضائع (4)، فجزاك الله عن الاسلام خيرا. 50 - فر (5): الحسين بن محمد بن مصعب - معنعنا - عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في حياة النبي صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يقول في كتابه: [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..] (6)، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه، ومن أولى به مني وأنا أخوه ووارثه وابن عمه عليه السلام.


(1) في الفضائل: فأنت أكرمهم وابن عم.. بدلا من: فأنت أقربهم نسبا وابن عمك.. (2) في الفضائل: بدلا من نفسا: زوجا وعما. (3) في المصدر: وفي رسوله محتسبا.. وهو الظاهر. (4) في الفضائل: غير ضايع عند الله. (5) تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي: 27، باختلاف يسير. (6) آل عمران: 144.

[463]

51 - فر (1): جعفر بن محمد الفرازي، عن محمد بن الحسين بن عمر (2)، عن محمد بن عبد الله بن مهران قال: أردت زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام مع أبي عبد الله عليه السلام فلما صرنا في الطريق إذا (3) شيخ قد عارضنا (4) عليه ثياب حسان. فقال: لم لم يقاتل أمير المؤمنين.. فلانا وفلانا ؟ (5) فقال له عليه السلام: لمكان آية في كتاب الله، قال: وما هي ؟ قال: قوله: [لو تزيلوا لعذبنا...] الآية (6) كان أمير المؤمنين عليه السلام قد علم أن في أصلاب المنافقين قوما من المؤمنين فعند ذلك لم يقتلهم ولم يستسبهم (7). قال: ثم التفت فلم أر أحدا. 52 - فر (8): عبيد بن كثير معنعنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ! كيف أنت إذا رأيت أزهد (9) الناس في الآخرة، ورغبوا في الدنيا، وأكلوا التراث أكلا لما، وأحبوا المال حبا جمعا واتخذوا دين الله دغلا (10)، ومال الله دولا ؟ قال: قلت: أتركهم وما اختاروا، وأختار الله ورسوله والدار الآخرة (11) وأصبر على مصائب الدنيا ولاواتها (12)


(1) تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي: 160 - 161 باختلاف يسير غير ما أشرنا له. (2) في المصدر: الفزاري، قال: حدثنا محمد يعني ابن الحسين بن عمر أبو لؤلؤة.. وفي (س): الفزاوي. (3) في التفسير: الحسين بن علي (ع) فلما صرت حال زائرك إذا.. ولا توجد: مع أبي عبد الله عليه السلام. (4) في المصدر: عارضني. (5) في التفسير: حسان فروى لي لم يقاتل فلانا وفلانا. (6) الفتح: 25. (7) في المصدر: ولا يستتبهم. (8) تفسير فرات الكوفي: 210. (9) في المصدر: إذا زهد. (10) قال في مجمع البحرين 5 / 372: دغل السريرة: خبثها ومكرها وخديعتها. وقال في القاموس 3 / 376: الدغل - محركة -: دخل في الامر مفسد، وفي المصدر: دخلا. (11) في (ك): ولدار الآخرة. (12) في المصدر: الدنيا وبلائها. قال في مجمع البحرين 1 / 369: اللاواء: الشدة وضيق المعيشة، =

[464]

حتى ألقاك إن شاء الله. قال: فقال: هديت، اللهم افعل به ذلك (1). 53 - وقال (2) أبو عبد الله عليه السلام نزلت الآية: [يا أيتها النفس المطمئنة..] (3) في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. 54 - نهج (4): من خطبة له عليه السلام: ولعمري ما علي من قتال من خالف الحق، وخابط الغي من إدهان ولا إيهان، فاتقوا الله عباد الله وفروا إلى الله من الله وامضوا في الذي نهجه لكم وقوموا بما عصبه بكم، فعلي ضامن لفلجكم (5) آجلا إن لم (6) تمنحوه عاجلا. بيان: قيل: إنما قال عليه السلام ذلك في رد قول من قال: إن مصانعته عليه السلام لمحاربيه ومخالفيه ومداهنتهم أولى من محاربتهم. قوله عليه السلام: وخابطا الغي.. ذكر المخابطة هنا للمبالغة لكونه من الجانبين. والادهان: المصانعة (7). ونهجه: اوضحه (8). قوله عليه السلام: عصبه بكم (9).. أي ناطه وربطه بكم، وجعله


= ومثله في النهاية 4 / 221. قال في لسان العرب 15 / 267: واللولاء: الشدة والضر كاللاواء، وعليه فلا يبعد كون الكلمة ممدودة. وفي المصدر: الدنيا وبلائها. (1) في التفسير جاء: فقال: هذه، هدايت، اللهم افعل به ذلك. (2) تفسير فرات الكوفي: 210 - بتصرف -، وفيه: فرات، قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعنا عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الفجر: 27. (4) نهج البلاغة: محمد عبده - 1 / 63، صبحي الصالح خطبة 24 صفحه 66 بتفاوت يسير. (5) الفلج: بالفتح فالسكون - الظفر والفوز، قاله في مجمع البحرين 2 / 323، والصحاح 1 / 335 وغيرهما. (6) في نهج البلاغة - محمد عبده -: وان لم.. (7) كما في مجمع البحرين 6 / 249، والصحاح 5 / 2116 وغيرهما. (8) جاء في مجمع البحرين 2 / 333، والصحاح 1 / 346. (9) قال في النهاية 3 / 244: ومنه حديث علي عليه السلام فروا إلى الله وقوموا بما عصبه بكم.. أي

[465]

كالعصابة التي تشد بها الرأس (1). والمنحة: العطية (2). 55 - كتاب سليم بن قيس الهلالي (3): قال: كنا جلوسا حول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وحوله جماعة من أصحابه فقال له قائل: يا أمير المؤمنين ! لو استنفرت الناس ؟. فقام وخطب فقال: أما إني قد استنفرتكم فلم تنفروا، ودعوتكم فلم تسمعوا، فأنتم شهود كغياب (4)، وأحياء كأموات، وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة وأعظكم بالموعظة الشافية الكافية، وأحثكم على جهاد أهل الجور، فما آتي على آخر كلامي حتى أراكم متفرقين حلقا شتى تتناشدون الاشعار، وتضربون الامثال، وتسألون عن سعر التمر واللبن، تبت أيديكم ! لقد دعوتكم إلى الحرب (5) والاستعداد لها وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالاباطيل والاضاليل، أغزوهم (6) قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، وأيم الله ما أظن أن تفعلوا حتى يفعلوا، ثم وددت أني قد رأيتهم فلقيت الله على بصيرتي ويقيني، واسترحت من مفاساتكم وممارستكم، فما أنتم إلا كإبل جمة ضل راعيها، فكلما ضمت من جانب انتشرت من جانب، كأني بكم والله فيما أرى لو قد حمس الوغى واحمر الموت (7) قد انفرجتم


= بما افترضه عليكم وقرنه بكم من أوامره ونواهيه. (1) قال في المصباح المنير 2 / 72: عصب القوم بالرجل عصبا - من باب ضرب - أحاطوا به لقتال أو حماية.. وعصب رأسه بالعصابة.. أي شدها. وقال في القاموس 1 / 105: العصب: الطي واللي والشد وضم ما تفرق من الشجر. (2) ذكره في مجمع البحرين 2 / 415، والصحاح 1 / 408، وغيرهما. (3) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 89 [طبعة بيروت: 125 - 132] باختلاف يسير أشرنا إلى غالبه. (4) في (س): كعياب.. وهو غلط. (5) في المصدر: لقد سئمتم الحرب.. (6) في كتاب سليم - بيروت -: ويحكم ! اغزوهم.. (7) في المصدر: واستحر الموت.

[466]

عن علي بن أبي طالب انفراج الرأس وانفراج المرأة عن قبلها لا تمنع عنها (1). قال الاشعث بن قيس: فهلا فعلت كما فعل ابن عفان ؟ !. فقال: أو كما (2) فعل ابن عفان رأيتموني فعلت ! أنا عائذ بالله من شر ما تقول، يا بن قيس ! والله إن التي فعل (3) ابن عفان لمخزاة لمن لا دين له ولا وثيقة معه (4)، فكيف أفعل ذلك وأنا على بينة من ربي، والحجة في يدي، والحق معي ؟ ! والله إن امرءا أمكن عدوه من نفسه يجز لحمه، ويفري جلده، ويهشم عظمه، ويسفك دمه، وهو يقدر على أن يمنعه لعظيم وزره، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، فكنت أنت (5) ذاك يابن قيس ! فأما أنا فوالله دون أن (6) أعطي بيدي ضرب (7) بالمشرفي (8) تطير له فراش الهام، وتطيع منه الاكف والمعاصم، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء (9)، ويلك - يا بن قيس - إن المؤمن يموت كل ميتة غير أنه لا يقتل نفسه، فمن قدر على حقن دمه ثم خلى عمن يقتله فهو قاتل نفسه، يابن قيس ! إن هذه الامة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، وشرها وأبغضاه (10) وأبعدها منه السامرة الذين يقولون لا قتال وكذبوا، قد أمر الله بقتال الباغين في كتابه وسنة نبيه، وكذلك المارقة. فقال ابن قيس - وغضب من قوله -: فما منعك يا بن أبي طالب حين بويع


(1) في طبعتي البحار وضع على: لا تمنع عنها.. رمز نسخة بدل، وفي المصدر: لا تمنع يد لامس. (2) كذا، ولعله: اوكلما.. (3) في (ك): افعل، ولا معنى لها. (4) لا توجد: ولا وثيقة معه، في المصدر. (5) في المصدر: فكن أنت. (6) في كتاب سليم:.. انا فدون والله ان..، وفي (ك) جاءت نسخة بدل: والله، بدلا من فوالله. (7) في (س): بيده، وفي بعض نسخ المصدر: بيدي ضربا. (8) قال في الصحاح 4 / 1380: والمشرفية: سيوف، قال أبو عبيدة: نسبت إلى مشارف وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال سيف مشرفي، ومثله في القاموس 3 / 158. (9) في المصدر: ويفعل بعد ما يشاء، ولا توجد: بعد ذلك في (س). (10) في المصدر: وابغضها إلى الله.

[467]

أبو بكر أخو بني تيم وأخو بني عدي بن كعب وأخو بني امية بعدهم أن تقاتل وتضرب بسيفك ؟ ! وأنت لم تخطبنا خطبة مذكنت (1) قدمت العراق إلا قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر: والله إني لاولى الناس بالناس، وما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله (2) صلى الله عليه وآله ! فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك ؟ !. قال عليه السلام: يا بن قيس ! اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهة للقاء ربي، وأن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لي من الدنيا والبقاء فيها، ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده إلي، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بما الامة صانعة بعده فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم به (3) ولا أشد استيقانا مني به قبل ذلك، بل أنا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله أشد يقينا مني بما عاينت وشهدت، فقلت: يا رسول الله ! فما تعهد إلي إذا كان ذلك ؟ قال: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا فكف يدك (4) واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعوانا، وأخبرني صلى الله عليه وآله وسلم أن الامة ستخذلني وتبايع غيري (5)، وأخبرني صلى الله عليه وآله وسلم أني منه بمنزلة هارون من موسى، وأن الامة سيصيرون بعده بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه، إذ قال له موسى: [يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي] (6) وإنما يعني أن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم


(1) في المصدر: لا تخطبنا خطبة منذ كنت.. (2) في كتاب سليم: منذ قبض محمد رسول الله. (3) لا توجد: به، في المصدر. (4) في المصدر: فاكفف يدك.. (5) في كتاب سليم زيادة: وتتبع غيري. (6) طه: 92 - 94.

[468]

وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم، وإني خشيت أن (1) يقول ذلك أخي رسول الله صلى الله عليه وآله: لم فرقت بين الامة ولم ترقب قولي ؟ وقد عهدت اليك أنك إن لم تجد أعوانا أن تكف يدك وتحقن دمك ودم أهلك وشيعتك، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه وأنا مشغول برسول الله صلى الله عليه وآله بغسله (2)، ثم شغلت بالقرآن فآليت يمينا بالقرآن (3) أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ففعلت، ثم حملت فاطمة عليها السلام وأخذت بيد الحسن والحسين، عليهما السلام فلم أدع أحدا من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والانصار إلا ناشدتهم الله وحقي (4) ودعوتهم إلى نصرتي، فلم يستجب من جميع الناس إلا أربعة رهط: الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم احد، وأما جعفر فقتل يوم مؤتة، ويقيت بين جلفين (5) خائفين (6) ذليلين حقيرين: العباس وعقيل، وكانا قريبي عهد بكفر، فأكرهوني وقهروني، فقلت كما قال هارون لاخيه: - [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] (7) فلي بهارون اسوة حسنة، ولي بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله حجة قوية. قال الاشعث: كذلك صنع عثمان: استغاث بالناس ودعاهم إلى نصرته فلم يجد أعوانا فكف يده حتى قتل مظلوما. قال: ويلك - يابن قيس - ! إن القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا


(1) لا توجد: ان، في (س). (2) في المصدر زيادة: ودفنه، وفي (س): نغسله.. (3) لا توجد: بالقرآن، في المصدر، ووضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (4) في (س): وحقي، وخط على الواو في (ك). (5) قال في الصحاح 4 / 1339: وقولهم اعرابي جلف.. أي جاف، وأصله من أجلاف الشاة: وهي المسلوخة بلا رأس ولا قوائم ولا بطن، وقال أبو عبيدة: أصل الجلف: الدن الفارغ، قال: والمسلوخ إذا أخرج بطنه جلف أيضا. (6) في المصدر: جلفين جافين.. (7) الاعراف: 150.

[469]

يقتلونني ولو قالوا لي: نقتلنك (1) البتة لا متنعت من قتلهم إياي، ولو لم أجد غير نفسي وحدي، ولكن قالوا: إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وقربناك وفضلناك، وإن لم تفعل قتلناك، فلما لم أجد أحدا بايعتهم، وبيعتي لهم لما لا حق لهم فيه لا يوجب لهم (2) حقا ولا يلزمني رضا، ولو أن عثمان لما قال له (3) الناس اخلعها ونكف عنك خلعها لم يقتلوه، ولكنه قال: لا أخلعها. قالوا: فإنا قاتلوك، فكف يده عنهم حتى قتلوه، ولعمري لخلعه إياها كان خيرا له، لانه أخذها بغير حق، ولم يكن له فيها نصيب، وادعى ما ليس له، وتناول حق غيره. ويلك - يابن قيس - ! إن عثمان لا يعدو أن يكون أحد رجلين، إما أن يكون دعا الناس إلى نصرته فلم ينصروه، وإما أن يكون القوم دعوه إلى أن ينصروه فنهاهم عن نصرته فلم يكن يحل له أن ينهى المسلمين عن أن ينصروا إماما هاديا مهتديا لم يحدث حدثا ولم يؤو محدثا، وبئس ما صنع حين نهاهم، وبئس ما صنعوا حين أطاعوه، فإما أن يكونوا لم يروه أهلا لنصرته لجوره وحكمه بخلاف الكتاب والسنة - وقد كان مع عثمان من أهل بيته ومواليه وأصحابه أكثر من أربعة آلاف رجل ولو شاء الله (4) أن يمتنع بهم لفعل - ولم ينههم عن (5) نصرته، ولو كنت وجدت يوم بويع أخوتيم أربعين (6) رجلا مطيعين لجاهدتهم، فأما يوم بويع عمر وعثمان فلا، لاني كنت بايعت ومثلي لا ينكث بيعته. ويلك - يابن قيس - ! كيف رأيتني صنعت حين قتل عثمان ووجدت أعوانا ؟ هل رأيت مني فشلا أو جبنا، أو تقصيرا في وقعتي يوم البصرة وهم حول جملهم الملعون من معه، الملعون من قتل حوله، الملعون من ركبه، الملعون من بقي


(1) في المصدر: لو قالوا لي: نقتلك.. (2) في المصدر: وبيعتي إياهم لا تحق لهم باطلا ولا توجب لهم.. (3) لا يوجد في المصدر: ولا يلزمني رضا، وفيه: فلو كان عثمان حين قال له.. (4) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر: وهو الظاهر. (5) في المصدر: فلم نهاهم.. وفي بعض النسخ: ينهاهم.. (6) في كتاب سليم: بويع أبو بكر اربعين..

[470]

بعده (1) لا تائبا ولا مستغفرا ؟ ! فإنهم قتلوا أنصاري، ونكثوا بيعتي، ومثلوا بعاملي، وبغوا علي، وسرت إليهم في اثني عشر الفا - وفي رواية اخرى: أقل من عشرة آلاف - وهم نيف على عشرين ومائة ألف - وفي رواية: زيادة على خمسين ألفا - فنصرني الله عليهم وقتلهم بأيدينا وشفى صدور قوم مؤمنين. وكيف رأيت - يابن قيس - وقعننا بصفين، وما (2) قتل الله منهم بأيدينا خمسين ألفا في صعيد واحد إلى النار - وفي رواية اخرى: زيادة على سبعين ألفا -، وكيف رأيتنا يوم النهروان إذ لقيت المارقين وهم مستبصرون متدينون ؟ ! قد: [ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا] (3) فقتلهم الله في صعيد واحد إلى النار لم يبق منهم عشرة ولم يقتلوا من المؤمنين عشرة. ويلك - يا بن قيس - هل رأيت لي لواء رد ؟ أو راية ردت ؟ إياي تعير يابن قيس ؟ !. وأنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع مواطنه ومشاهده، والمتقدم إلى الشدائد بين يديه، ولا أفر ولا ألوذ ولا أعتل ولا أنحاز (4) ولا أمنح اليهود (5) دبري، إنه لا ينبغي للنبي ولا للوصي إذا لبس لامته وقصد لعدوه أن يرجع أو ينثني حتى يقتل أو يفتح الله له. يا بن قيس ! هل سمعت لي بفرار قط أو نبوة ؟. يا بن قيس ! أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو وجدت يوم بويع أبو بكر - الذي عيرتني بدخولي في بيعته - أربعين (6) رجلا كلهم على مثل بصيرة الاربعة الذين وجدت لما كففت يدي، ولنا هضت القوم، ولكن لم أجد خامسا !. قال الاشعث: ومن الاربعة يا أمير المؤمنين عليه السلام ؟.


(1) في المصدر: من قتل حوله، الملعون من رجع بعده.. (2) في مطبوع البحار وضع على: وما، رمز نسخة بدل. (3) الكهف: 104. (4) انحاز عنه: عدل، قاله في مجمع البحرين 4 / 17 وغيره. (5) كذا، وفي المصدر ونسخة على البحار: العدو، وهو الظاهر. (6) لا توجد كلمة: أربعين في (س).

[471]

قال: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن صفية قبل نكثه بيعتي، فإنه بايعني مرتين، أما بيعته الاولى التي وفي بها فإنه لما بويع أبو بكر أتاني أربعون رجلا من المهاجرين والانصار فبايعوني وفيهم الزبير، فأمرتهم أن يصبحوا عند بابي محلقين رؤوسهم عليهم السلاح، فما وافى منهم (1) أحد ولا صبحني منهم غير أربعة: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، وأما بيعته الاخرى: فإنه أتاني هو وصاحبه طلحة بعد قتل عثمان فبايعاني طائعين غير مكرهين، ثم رجعا عن دينهما مرتدين ناكثين مكابرين معاندين حاسدين، فقتلهما الله إلى النار، وأما الثلاثة: سلمان وأبو ذر والمقداد فثبتوا على دين محمد صلى الله عليه وآله وملة ابراهيم (ع) حتى لقوا الله، يرحمهم الله. يابن قيس ! فوالله لو أن اولئك الاربعين الذين بايعوني وفوا لي وأصبحوا على بابي محلقين قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعة (2) لناهضته وحاكمته إلى لله عز وجل، ولو وجدت قبل بيعة عثمان (3) أعوانا لناهضتهم وحاكمتهم إلى الله، فإن ابن عوف جعلها لعثمان، واشترط عليه فيما بينه وبينه أن يردها عليه عند موته، فأما بعد بيعتي إياهم فليس إلى مجاهدتهم سبيل. فقال الاشعث: والله لئن كان الامر كما تقول لقد هلكت الامة غيرك وغير شيعتك ! فقال: إن الحق والله معي يابن قيس كما أقول، وما هلك من الامة إلا الناصبين والمكاثرين (4) والجاحدين والمعاندين، فأما من تمسك بالتوحيد والاقرار بمحمد والاسلام ولم يخرج من الملة، ولم يظاهر علينا الظلمة، ولم ينصب لنا العداوة، وشك في الخلافة، ولم يعرف أهلها وولاتها، ولم يعرف لنا ولاية، ولم ينصب لنا عداوة، فإن ذلك مسلم مستضعف يرجى له رحمة الله ويتخوف عليه ذنوبه.


(1) في المصدر: فما وفى منهم. (2) في المصدر: قبل أن نجب لعتيق في عنقي بيعته.. (3) في كتاب سليم: بيعة عمر.. بدلا من عثمان. (4) في المصدر: المكابرين.

[472]

قال أبان: قال سليم بن قيس: فلم يبق يومئذ من شيعة (1) علي عليه السلام أحد إلا تهلل وجهه وفرح بمقالته، إذ شرح أمير المؤمنين عليه السلام الامر وباح به، وكشف الغطاء، وترك التقية، ولم يبق أحد من القراء ممن كان يشك في الماضين ويكف عنهم ويدع البراءة منهم ورعا وتأثما إلا استيقن واستبصر وحسن وترك الشك والوقوف، ولم يبق أحد حوله أتى بيعته (2) على وجه ما بويع عثمان والماضون قبله إلا رئي ذلك في وجهه وضاق به أمره، وكره مقالته، ثم انهم استبصر عامتهم (3) وذهب شكهم. قال أبان، عن سليم: فما شهدت يوما قط على رؤوس العامة أقر لاعيننا من ذلك اليوم لما كشف للناس من الغطاء، وأظهر فيه من الحق وشرح فيه من الامر، والقي فيه التقية والكتمان (4)، وكثرت الشيعة بعد ذلك المجلس مذ ذلك اليوم، وتكلموا وقد كانوا أقل أهل عسكره، وصار الناس يقاتلون معه على علم بمكانه من الله ورسوله، وصارت الشيعة بعد ذلك المجلس أجل الناس وأعظمهم - وفي رواية اخرى: جل الناس وأعظمهم - وذلك بعد (5) وقعة النهروان، وهو يأمر بالتهيئة والمسير إلى معاوية، ثم لم يلبث أن قتل صلوات الله عليه، قتله ابن ملجم لعنه الله غيلة وفتكا (6)، وقد كان سيفه مسموما قبل ذلك (7).


(1) في (س): شيعته، وهو غلط، ولعله بدون علي عليه السلام. (2) في المصدر: ولم يبق حوله ممن أبى بيعته. (3) في كتاب سليم: ثم أنه استبصر عادتهم.. (4) لا يوجد في المصدر: والكتمان، وفيه: من التقية. (5) في (ك): وبعد ذلك. (6) قال في النهاية 3 / 409: الايمان قيد الفتك.. الفتك: ان يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله، والغيلة: ان يخدعه ثم يقتله في موضع خفي. (7) سمه قبل ذلك، كذا في المصدر. أقول: أورد هذه الخطبة الشيخ المفيد في المجالس: 145 - 149: المجلس الثامن عشر: 6، وجاءت في نهج البلاغة في آخر خطبة 34 صبحي الصالح: 78 - 79، محمد عبده: 1 / 82 - 84، وخطبة 97، صبحي الصالح: 141 - 143، محمد عبدة: 2 / 187 - 190، مع اختلاف

[473]

توضيح: قوله عليه السلام: تبت أيديكم.. التباب: الخسران والهلاك (1)، وفي بعض النسخ - كما في النهج - تربت، وهي كلمة يدعى على الانسان بها، أي لا أصبتم (2) خيرا واصل ترب: اصابه التراب، فكأنه يدعو عليه بأن يفتقر (3). قوله عليه السلام: حمس (4) الوغاء.. أي اشتد الحرب (5)، واصل الوغاء: الصوت والجلبة، سميت الحرب بها لما فيها من الاصوات والجلبة (6). قوله عليه السلام: واحمر الموت.. قال في النهاية: فيه.. الموت الاحمر يعني القتل لما فيه من حمرة الدم أو لشدته، يقال موت احمر: أي شديد (7). وفي النهج: واستحر الموت.. قال في النهاية: أي اشتد وكثر، وهو استفعل من الحر: الشدة، ومنه حديث علي عليه السلام: حمس الوغا واستحر الموت (8). وقيل: يحتمل أن يكون المراد شدته الشبيهة بالحرارة مجازا أو خلوصه وحضوره، فيكون اشتقاقه من الحرية. قوله عليه السلام: انفراج الرأس.. أي تتفرقون عني أشد تفرق، وهو مثل (9)، وقيل أول من تكلم به أكثم بن صيفي في وصيته: يا بني ! لا تتفرقوا في


= واختصار. وانظر: منهاج البراعة 1 / 234 - 244، وشرح ابن أبي الحديد للنهج 2 / 189 - 203، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم 2 / 80 - 82، وغيرها. (1) قاله في مجمع البحرين 2 / 12، والصحاح 1 / 90، وغيرها. (2) في (س): لاصبتم، وما أثبت هو الظاهر. (3) جاء في الصحاح 1 / 91، وقريب منه في مجمع البحرين 2 / 13. (4) في (ك): خمس، وهو غلط. (5) قال في النهاية 1 / 440: حديث على [عليه السلام] حمس الوغى واستحر الموت.. أي اشتد الحرب. ونحوه في لسان العرب 6 / 57. (6) ذكره في الصحاح 6 / 2526، ولسان العرب 15 / 398. (7) النهاية 1 / 438. (8) النهاية 1 / 364. (9) لم نجده فيما بأيدينا من كتب الامثال واللغة.

[474]

الشدائد انفراج الرأس، فإنكم بعد ذلك لا تجتمعون على عسر. وفي معناه أقوال: أحدها (1): ما ذكره ابن دريد، وهو أن المراد به انفراج الرأس عن البدن، فإنه لا يقبل الالتئام ولا يكون بعده اتصال. ثانيها: قال المفضل: الرأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام، يقال لها: بيت الرأس، وفيها يباع الخمر، قال حسان: كأن سبيئته من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء [كذا] وهذا الرجل كان قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد إليه، فضرب به المثل في المفارقة (2). ثالثها: قال بعضهم معناه أن الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض كان ذلك بعد الالتئام والعود إلى الصحة. رابعها: قال القطب الراوندي (3) رحمه الله: معناه: انفرجتم عني رأسا أي بالكلية (4). واعترض عليه ابن أبي الحديد (5) بأنه لا يعرف، وفيه نظر. خامسها: ما قاله الراوندي - أيضا - أي انفراج من أدلى (6) برأسه إلى غيره ثم حرف (7) رأسه عنه (8).


(1) في (ك): احداها. (2) كذا ذكره ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 80. (3) كما في منهاج البراعة 1 / 239. (4) في المصدر: أي قطعا، ثم قال: فلما أعاد الكلام عنه صار معرفا. (5) في شرحه على نهج البلاغة 2 / 191 قال: وعرفه - بالالف واللام - وهذا غير صحيح، لان (رأسا) لا يعرف. (6) في المصدر: من أدنى. (7) في منهاج البراعة: ثم انفرج. (8) هذا ثاني محتملات القطب رحمه الله، وثالثها ما ذكره بقوله: أن يريد بانفراج الرأس: انفراج من يريد أن ينجو برأسه. وقد حكى الثاني ابن ميثم في شرحه على النهج 1 / 80.

[475]

واعترض ابن أبي الحديد (1) بأنه لا خصوصية للرأس في ذلك، ولا يخفى ضعفه، فإن وجه التخصيص ظاهر، وهو مثل مشهور بين العرب والعجم. سادسها: إن معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنه يكون في غاية الشدة وتفرق الاتصال والانفراج (2). وأما انفراج المرأة عن قبلها، فقيل: انفراج المرأة البغية وتسليمها لقبلها. وقيل: اريد انفراجها وقت الولادة. وقيل: وقت الطعان، والاوسط أظهر. وعلى التقدير إنما شبه عليه السلام هذا التشبيه ليرجعوا إلى الانفة (3). قوله عليه السلام: يجز لحمه.. في النهج: يعرق لحمه، يقال: عرق اللحم: إذا لم يبق على العظم منه شيئا (4). والفري: القطع (5). والهشم: كسر (6) العظام (7).


(1) في شرح الخطبة (34) من نهج البلاغة 2 / 191 قال: وهذا أيضا غير صحيح، لانه لا خصوصية للرأس في ذلك، فإن اليد والرجل إذا أدنيتهما من شخص ثم حرفتهما عنه فقد انفرج ما بين ذلك العضو وبينه، فأي معنى لتخصيص الرأس بالذكر !. (2) كما ذكره ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 80. (3) في (س): الانفة. قال في الصحاح 4 / 1447: الانق: الفرح والسرور.. وشئ أنيق.. أي حسن معجب، ولا تكون للكلمة مناسبة مع المقام، نعم الانفة لها مدلول، قال في الصحاح - أيضا -: 4 / 1333: انف من الشئ يأنف انفا وانفة.. أي استنكف. (4) قال في الصحاح 4 / 1523: والعرق - بالفتح - مصدر قولك عرقت العظم اعرفه.. إذا أكلت ما عليه من اللحم.. وتعرقت العظم مثل عرقته. وقال في النهاية 3 / 220: يقال عرفت العظم واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بإسنانك. (5) في (س): والقطع. انظر: مجمع البحرين 1 / 329 - 330، والصحاح 6 / 2454 وغيرهما. (6) إلى هنا في كتب اللغة كما في مجمع البحرين 6 / 186، والصحاح 5 / 2058 وغيرهما. (7) لا توجد كلمة: العظام، في (س)، وهو الظاهر.

[476]

والجوانح: الاضلاع مما يلي الصدر، الواحد جانحة (1). وفراش الهام: العظام الرفيعة (2) على القحف (3)، وهو - بالكسر - العظم فوق الدماغ (4). وطاح يطوح ويطيح: هلك واشرف على الهلاك، وذهب وسقط وتاه في الارض (5). والمعاصم - جمع معصم - بالكسر - وهو موضع السوار (6) من الساعد (7). وفي النهج: تطيح السواعد والاقدام. ونابذه (8) الحرب: كاشفه (9). والنيف.. - ككيس، وقد يخفف -: الزيادة: بين (10) العددين (11). قوله: أو نبوة.. أي كلالا وتقصيرا، يقال نبأ السيف عن الضريبة.. أي كل، والسهم عن الهدف (12) أي قصر (13).


(1) كما جاء في القاموس 1 / 219، والصحاح 1 / 360. (2) في (ك): الرقيعة، وهو غلط ظاهرا. (3) نص عليه في مجمع البحرين 4 / 149، والصحاح 3 / 1015، وجاء في الاول: عظام رقيقة تلي..، وفي الثاني: عظام رقاق تلي. (4) قاله في مجمع البحرين 5 / 108، والصحاح 4 / 1412 وغيرهما. (5) كذا ورد في القاموس 1 / 238، وتاج العروس 2 / 193، وقريب منهما في لسان العرب 2 / 535. (6) في (س): السواد. (7) جاء في مجمع البحرين 6 / 117، ومثله في المصباح المنير 2 / 74 - بدون ذكر جمع المعصم -. (8) في (ك): نابدة. (9) قاله في مجمع البحرين 3 / 189، والصحاح 2 / 571 وغيرهما. (10) في (س): وبين.. وهو غلط. (11) صرح به في مجمع البحرين 5 / 127، والصحاح 4 / 1436 - 1437 وغيرهما. (12) في (س): الهدر، ولا معنى لها. (13) كذا جاء في القاموس 4 / 393، ولسان العرب 15 / 301 - 302، وفيهما:.. والسهم عن الهدف - لا الهدر -.

[477]

وفي بعض النسخ: أو سوأة.. أي قبيحا (1). أقول: أورده الديلمي في إرشاد القلوب (2) مع اختصار.


(1) صرح به في الصحاح 1 / 56، ولسان العرب: 1 / 96 وغيرهما. (2) ارشاد القلوب: 394 - 398 باختلاف يسير.

[479]

14 - باب العلة التي من أجلها ترك الناس عليا عليه السلام 1 - ع، لي (1): احمد بن يحيى المكتب، عن احمد بن محمد الوراق، عن محمد ابن الحسن بن دريد (2)، عن العباس بن الفرج الرياشي، عن أبي زيد النحوي قال: سألت الخليل بن احمد العروضي فقلت (3): لم هجر الناس عليا عليه السلام وقرباه من رسول الله صلى الله عليه وآله قرباه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناؤه في الاسلام عناؤه ؟ !. فقال: بهر - والله - نوره أنوارهم، وغلبهم على صفو كل منهم، والناس إلى أشكالهم أميل، أما سمعت الاول حيث يقول (4): وكل شكل لشكله ألف * أما ترى الفيل يألف الفيلا قال: وأنشدنا الرياشي في معناه عن العباس بن الاحنف:


(1) علل الشرائع 1 / 145 حديث 1، باختلاف واختصار في السند. أمالي الشيخ الصدوق: 190 حديث 14. وأوردها شيخنا ابن شهر آشوب في مناقبه 3 / 213 - 214. (2) في (س): رويد، وهو غلط ظاهرا. وفي العلل: دريد الازدي العماني، وفي الامالي: دريد الازدي المعاني. (3) لا توجد: فقلت، في (س)، وفي العلل: فقلت له:.. (4) في العلل: قول الاول يقول..

[480]

وقائل كيف تهاجرتما * فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي فهاجرته * والناس أشكال والاف بيان: القربى - بالضم: مصد ر - بمعنى القرابة (1). والعناء: التعب والنصب (2). وبهره بهرا: غلبه (3). والمنهل: عين ماء ترده الابل في المراعي (4)، أي أخذ منهم من كل منهل من مناهل الخيرات والسعادات صفوه وخالصه. والالف - بالكسر -: الاليف، والالاف - بالضم والتشديد -: جمع آلف، ككافر وكفار (5). 2 - ن، ع (6): الطالقاني، عن احمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال (7)، عن أبيه، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن أمير المؤمنين عليه السلام كيف مال الناس عنه إلى غيره، وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟. فقال: إنما مالوا عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله (8) لانه قد (9) كان قتل من (10) آبائهم وأجدادهم وإخوانهم (11) وأعمامهم وأخوالهم


(1) كما في القاموس 1 / 114، والصحاح 1 / 199، وغيرهما. (2) ذكره في مجمع البحرين 1 / 308، والصحاح 6 / 2440. (3) جاء في المصباح المنير 1 / 80، ولسان العرب 4 / 81، وغيرهما. (4) نص عليه في مجمع البحرين 5 / 488، والصحاح 5 / 1837. (5) صرح به في الصحاح 4 / 1332، ولسان العرب 9 / 11. (6) علل الشرائع 1 / 146 حديث 3، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 / 81 حديث 15. (7) جاء السند في المصدرين: حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال حدثنا احمد بن محمد بن سعيد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الحسن بن علي بن فضال. (8) لا توجد في العلل: وقد عرفوا فضله. (9) خط على: قد، في (س)، وهي مثبتة في العيون دون العلل، وكان العلامة المجلسي أخذ الرواية من العيون. (10) لا توجد: من، في العلل. (11) لا توجد في العلل: وإخوانهم.

[481]

وأقربائهم المحادين (1) لله ولرسوله عددا كثيرا، وكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم فلم يحبوا أن يتولى عليهم، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك، لانه لم يكن (2) له في الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ما كان (3)، فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى سواه (4). 3 - قب (5): سأل أبو زيد النحوي الخليل بن احمد: ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كأنهم بنو أم واحدة وعلي عليه السلام كأنه ابن علة ؟ !. قال: تقدمهم إسلاما، وبذهم (6) شرفا، وفاقهم علما، ورجحهم حلما، وكثرهم هدى، فحسدوه، والناس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل... وقيل لمسلمة بن نميل: ما لعلي عليه السلام رفضه العامة وله في كل خير ضرس قاطع ؟. فقال: لان ضوء عيونهم قصير (7) عن نوره، والناس إلى أشكالهم أميل... (8). قال الشعبي: ما ندري ما نصنع بعلي بن أبي طالب (ع)، إن أحببناه افتقرنا (9)، وإن أبغضناه كفرنا ؟ !. وقال النظام: علي بن أبي طالب محنة على المتكلم، إن وفي حقه غلا، وإن بخسه حقه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حادة الشاف (10)، صعب الترقي


(1) في (ك) نسخة بدل: المحاربين، وهي التي جاءت في العلل. (2) في (س): يكون. (3) في المصدرين: ما كان له. (4) في العلل: مالوا إلى غيره، وجاءت كلمة (غيره) نسخة بدل على مطبوع البحار. (5) المناقب لابن شهر آشوب 3 / 213 - 215، باختلاف يسير. (6) قال في مجمع البحرين 3 / 177: في الحديث: إذا قال بذ القائلين.. أي سبقهم وغلبهم. (7) في المناقب: قصر. (8) هنا أبيات وكلمات جاءت في المناقب 3 / 214 أسقطها شيخنا المجلسي طاب ثراه اختصارا. (9) في (ك): افتقرناه، وهو غلط. (10) توجد في حاشية (ك) نسخة بدل: الشأن، وهي التي جاءت في المناقب. قال في الصحاح 2 / 463: وحد كل شئ: شباته.. وحد الشراب: صلابته.. وقد حد =

[482]

إلا على الحاذق الدين. وقال أبو العيناء لعلي بن الجهم: إنما تبغض عليا عليه السلام لانه كان يقتل الفاعل والمفعول وأنت أحدهما. فقال له: يا مخنث ! فقال أبو العيناء: [وضرب لنا مثلا ونسي خلقه] (1). بيان: قال في النهاية: اولاد العلات: الذين امهاتهم مختلفة وابوهم واحد (2). 4 - قب (3): قال ابن عمر لعلي عليه السلام: كيف تحبك قريش وقد قتلت في يوم بدر واحد من ساداتهم سبعين سيدا تشرب انوفهم الماء قبل شفاههم ؟ !. فقال (4) أمير المؤمنين عليه السلام: ما تركت بدر لنا مذيقا * ولا لنا من خلفنا طريقا وسئل زين العابدين عليه السلام وابن عباس أيضا: لم أبغضت قريش عليا عليه السلام ؟. قال: لانه أورد أولهم النار وقلد آخرهم العار. معرفة الرجال، عن الشكي: أنه كانت عداوة احمد بن حنبل لامير المؤمنين عليه السلام أن جده ذا الثدية قتله أمير المؤمنين يوم النهروان (5). = السيف يحد حدة.. أي صارت حادا وحديدا. وقال في لسان العرب 9 / 168: الشأفة: الاصل. وقال فيه 9 / 184: شاف الشئ شوفا: جلاه، والشوف: الجلو، والمشوف: المجلو.. وتشوف الشئ وأشاف: ارتفع. وقال في هذا المجلد صفحة 168: شئفت من فلان شأفا - بالتسكين -: إذا أبغضته.. وشئفت يده شأفا: شعث ما حول أظفارها وتشقق.. ورجل شأفة: عزيز منيع، وشئف شأفا: فزع. (1) يس: 78. والى هنا نقله ابن شهر آشوب في المناقب. (2) النهاية 3 / 291. وقال في الصحاح 5 / 1773: بنو العلات: هم اولاد الرجل من نسوة شتى، سميت بذلك لان الذي تزوجها على أولى قد كانت قبلها ثم عل من هذه. (3) المناقب لابن شهر آشوب 3 / 220 - 221. (4) في المصدر: وقال. (5) جاءت علة عداوة احمد بن حنبل لامير المؤمنين عليه السلام في علل الشرائع 467 باب 222 حديث 23 أيضا.

[483]

كامل المبرد: أنه كان أصمع بن مظهر جد الاصمعي قطعه علي عليه السلام في السرقة (1)، فكان الاصمعي يبغضه، قيل له: من أشعر الناس ؟. قال: من قال: كأن أكفهم الهمام (2) تهوي * عن الاعناق تلعب بالكرينا فقالوا: السيد الحميري. فقال: هو الله أبغضهم إلي ! (3). بيان: شرب انوفهم الماء قبل شفاههم.. كناية عن طول انوفهم لبيان حسنهم، فإن العرب تمتدح بذلك، وقد روى نحوه في أوصاف النبي صلى الله عليه وآله، أو لبيان شرفهم وفخرهم فإنهما مما ينسب إلى الانف، والاول أظهر. والمذيق: اللبن الممزوج بالماء، وقد مذقت اللبن فهو ممذوق ومذيق، ورجل مماذق: غير مخلص في الود (4). وفي الديوان: صديقا، مكان: مذيقا (5). والكرين - بضم الكاف وكسرها - جمع كرة (6). 5 - ع، لي (7): الحسين بن عبد الله (8) العسكري، عن ابراهيم بن رعد العبشمي (9)، عن ثبيت بن محمد، عن أبي الاحوص المصري (10)، عن جماعة من


(1) في المصدر: قطع علي عليه السلام يده في السرقة. (2) قال في القاموس 4 / 192: والهمام - كغراب -: الملك العظيم الهمة، والسيد الشجاع السخي، خاص بالرجال كالهمام جمعه - ككتاب -. وقد تقرأ في البحار: الهام، وهو جمع الهامة، بمعنى رأس كل شئ. (3) إلى هنا جاء في المناقب 3 / 240 - 241. (4) نص عليه في الصحاح 4 / 1553، والقاموس 3 / 282 وجاء في غيرهما. (5) ديوان الامام علي عليه السلام: 54. (6) صرح به في القاموس 4 / 383، وغيره. (7) علل الشرائع 1 / 145 حديث 2، أمالي الشيخ الصدوق: 494 حديث 5، باختلاف كثير والمعنى مقارب. (8) في (س): عبيدالله، وهناك اختلاف في الاسم في المصدرين. (9) في (ك): العيشمي. (10) توجد في المطبوع هنا عبارة: عمن حدثه، عن آبائه، عن أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام، =

[484]

أهل العلم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: بينما (1) أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أصعب موقف بصفين إذ قام إليه رجل من بني دودان فقال: ما بال قومكم دفعوكم (2) عن هذا الامر، وأنتم الاعلون نسبا، وأشد نوطا بالرسول صلى الله عليه وآله، وفهما بالكتاب والسنة ؟ ! فقال: سألت يا أخا بني دودان ولك حق المسألة (3) وذمام الصهر، وإنك لقلق (4) الوضين ترسل عن ذي مسد، إنها امرأة (5) شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله، فدع عنك نهبا صيح في حجراته (6)، وهلم الخلط في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه (7). ولا غرو (8) إلا جارتي وسؤالها * ألا هل لنا (9) أهل سألت كذلك بئس القوم من خفضني وحاولوا الادهان في دين الله، فإن ترفع عنا محن


= كتب عليها: نسخه، وفي (س) وضع بعدها: صح. وادرجت في متن (ك). اقول: ولا يخفى عدم اجتماع السندين معا، فتدبر. (1) جاء السند في علل الشرائع هكذا: حدثنا ابو احمد الحسن بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن اسماعيل بن حكيم العسكري، قال: أخبرنا ابو اسحاق ابراهيم رعل العبشمي، قال: حدثنا ثبيت ابن محمد، قال: حدثني أبو الاحوص عمن حدثه، عن آبائه، عن أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام، قال: بينما.. والسند المذكور هنا جاء في أمالي الشيخ الصدوق، فتدبر. (2) في العلل: دفعكم. (3) جاءت نسخة بدل في المطبوع من البحار والمصدر: المسألة. (4) في (ك) نسخة: لفلق. (5) في نسخة من الامالي: امرة، وفي العلل: كانت امرة.. وهو الظاهر. وسيأتي قريبا. (6) هذا صدر بيت، وعجزه كما جاء في متن نهج البلاغة - صبحي الصالح -، وفي حاشية طبعة محمد عبدة: وهات حديثا ما حديث الرواحل.. (7) في الامالي: بعد بكائه.. ولا معنى له. (8) في الامالي: لا غرو - بدون الواو -، وفي (س) ولا اغرو، والظاهر زيادة الهمزة بعد: لا. وجاء في حاشية (ك): الغرو: العجب، وغروت: أي عجبت، ولا غرو أي ليس بعجب.. نهاية. انظر النهاية: 3 / 365. (9) في (ك): لاهل.

[485]

البلوى أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الاخرى فلا تأس على (1) القوم الفاسقين، اليك عني يا أخى بني سيدان (2). 6 - نهج (3): ومن كلام له (ع) لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فقال: يا أخا بني أسد ! إنك لقلق (4) الوضين ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم: أما (5) الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الاعلوان نسبا، والاشد (6) بالرسول صلى الله عليه وآله نوطا، فإنها كانت أثرة شحت (7) عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم الله، والمعود إليه القيامة (8)..: ودع عنك نهبا صيح في حجراته.. وهلم الخطب في ابن أبي سفيان فلقد (9) أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو والله، فيا له خطبا يستفرغ العجب ويكثر الاود ! حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه، وسد فواره من ينبوعه، وجدحوا بيني وبينهم شربا وبيئا، فإن يرتفع (10) عنا وعنهم محن البلوى، أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الاخرى، [فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليهم بما يصنعون] (11).


(1) في (س): عن، بدلا من: على. (2) كذا، وفي (ك) والمصدر نسخة: بني دودان، وهو الظاهر. (3) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 62، صبحي الصالح: 231 - 232 خطبة: 162. (4) توجد حاشية في (ك) غير معلمة، ومحلها هنا، وهي: القلق - بالتحريك -: الانزعاج، قلق قلقا - من باب تعب - اضطرب، واقلقه الهم وغيره: ازعجه.. مجمع. انظر: مجمع البحرين 5 / 231. (5) في (س): ان. (6) توجد نسخة في (ك): والاشدون، وفي النهج - بطبعتيه -: والاشدون برسول الله. (7) الكلمة في (س) مشوشة. (8) في (ك) نسخة: يوم القيامة. (9) في نسخة في حاشية (ك): ولقد. (10) في (ك) نسخة: ترتفع، وهي التي في طبعتي النهج. (11) فاطر: 8.

[486]

ولنوضح روايتي الصدوق والسيد رضي الله عنهما: قال الفيروز آبادي: دودان (1).. ابن اسد: أبو قبيلة (2) فلا ينافي ما في النهج أنه كان من بني أسد. وقال الجوهري: ناط الشئ ينوطه نوطا: علقه (3). قوله عليه السلام: ذمام الصهر.. الذمام - بالكسر - الحرمة (4)، وأما (5) كونه صهرا فقيل لان زينب بنت جحش زوجة النبي صلى الله عليه وآله كانت أسدية، ونقل الراوندي رحمه الله أنه كان متزوجا في بني أسد (6)، وأنكره ابن أبي الحديد (7). وقال في النهاية - في حديث علي (عليه السلام) - " انك لقلق الوضين ".. الوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعثر كالحزام للسرج، اراد به (8) انه سريع الحركة، يصفه بالخفة وقلة الثبات، كالحزام إذا كان رخوا (9). قوله عليه السلام: ترسل في غير سدد.. الارسال: الاطلاق والاهمال والتوجيه (10)، والسدد والسداد: الاستقامة والصواب (11).. أي تطلق عنان دابتك او تهملها وتوجهها في غير مواضعها، أي تتكلم في غير موضع الكلام، وتسأل مثل هذا الامر الذي لا يمكن التصريح بمخ الحق فيه في مجمع الناس.


(1) في (ك): دوران، وفي المصدر: دودان - بالدالين -. (2) القاموس 1 / 292، وقال في صحاح اللغة 2 / 471: ودودان. أبو قبيلة من أسد، وهو دودان بن أسد بن خزيمة.. (3) الصحاح 3 / 1165، وانظر: مجمع البحرين 4 / 277. (4) كما في مجمع البحرين 6 / 66، والصحاح 5 / 1926، وغيرهما. (5) في (س): فاما. (6) كما في منهاج البراعة 2 / 123. (7) في شرحه على النهج 9 / 242 خطبة 163. (8) لم يرد في المصدر لفظ: به، وكذا لم يأت في لسان العرب 13 / 450. (9) قاله في النهاية 5 / 199، وفي لسان العرب 13 / 450 عينه، وانظر: مجمع البحرين 6 / 326. (10) كذا في القاموس 3 / 384، ولسان العرب 11 / 283 و 285، وغيرهما. (11) جاء في الصحاح 2 / 485، والقاموس 1 / 300، وجملة من كتب اللغة.

[487]

وفي رواية الصدوق: عن ذي مسد.. والمسد: الحبل الممسود - أي المفتول - من نبات أو لحاء شجرة، وقيل: المسد: المرود (1) البكرة الذي تدور عليه - ذكرهما في النهاية (2) - فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم.. أي ترسل الكلام كما يرسل البكرة على المرود عند الاستقاء، أو المعنى تطلق حيوانا له مسد ربط به، كناية عن التكلم بما له مانع عن التكلم به، و (3) على المجهول.. أي تنطق بالكلام عن غير تأمل ثم (4) تصير معلقا بالحبل بين السماء والارض لا تدري الحيلة فيه، أو بتشديد الدال.. أي ترسل الماء عن مجرى له محل سد أو وسد (5)، والاظهر أنه تصحيف، وفيما سيأتي من رواية المفيد: من غير ذي مسد، وهو أظهر. والاستبداد بالشئ: التفرد به (6)، والضمير في قوله عليه السلام: فإنها.. راجعة إلى الخلافة أو الدنيا لظهورهما بقرينة المقام. وقيل: إلى الاثرة المفهومة من الاستبداد، وهو بعيد. وفي الامام: امرأة، وكأنه تصحيف امرة - بالكسر - أي امارة (7). قوله عليه السلام: شحت.. أي بخلت (8)، والنفوس الشاحة: نفوس أهل السقيفة.


(1) في المصدر: مرود - بدون الالف واللام -. (2) النهاية 4 / 329، وانظر: لسان العرب 3 / 403، وغيره. (3) في (ك): أو، بدل الواو. (4) لا توجد: ثم، في (س). (5) كذا، والظاهر أنها: مسد.. أي قتل وطوى كما مر بيانه من المصنف قدس سره، وأما كلمة: وسد، فقال في لسان العرب 3 / 459: وقد توسد وسده إياه فتوسد: إذا جعله تحت رأسه، وقال فيه 3 / 460: والتوسيد: أن تمد الثلام [كذا] طولا حيث تبلغه البقر. (6) قاله في القاموس 1 / 276، والنهاية 1 / 105. (7) صرح به في الصحاح 2 / 581، والمصباح المنير 1 / 29، وغيرهما. (8) كذا جاء في مجمع البحرين 2 / 379، والقاموس 1 / 230، والصحاح 1 / 378، وزاد في الاخير: الشح: البخل مع حرص.

[488]

قوله عليه السلام: والمعود إليه..: اسم مكان (1)، ويروى يوم (2) القيامة - بالنصب - على أن يكون ظرفا، والعامل فيه المعود على أن يكون مصدرا. قوله عليه السلام: دع عنك نهبا صيح في حجراته.. البيت لامرئ القيس وتمامه: ولكن حديثا ما حديث الرواحل (3)، وكان من قصة هذا الشعر أن امرأ القيس لما انتقل في أحياء العرب بعد قتل أبيه نزل على رجل من جديلة (4) طي يقال له: طريف، فأحسن جواره، فمدحه وأقام عنده، ثم أنه خاف أن لا يكون له منعة فتحول ونزل على خالد بن سدوس النبهاني فأغارت بنو جديلة (5) على امرئ القيس - وهو في جوار خالد - فذهبوا بإبله، فلما أتاه الخبر ذلك ذلك لجاره فقال له: اعطني رواحلك ألحق عليها القوم فأرد عليك (6) إبلك ففعل، فركب خالد في أثر القوم حتى أدركهم، فقال: يا بني جديلة (7): أغرتم على إبل جاري ؟. فقالوا: ما هو لك بجار ؟. قال: بلى والله وهذه (8) رواحله. قالوا: كذلك. قال: نعم. فرجعوا إليه وأنزلوه عنهن وذهبوا بهن وبالابل. وقيل: بل انطوى خالد على الابل فذهب بها، فقال امرؤ القيس:


(1) قال في النهاية 3 / 316: ومنه حديث علي [عليه السلام]: والحكم الله والمعود إليه يوم القيامة.. أي المعاد، هكذا جاء المعود على الاصل، وهو مفعل من عاد يعود، ومن حق أمثاله أن تقلب واوه الفا كالمقام والمراح، ولكنه استعمله على الاصل، ونحوه في لسان العرب 3 / 317. (2) خط في (س) على كلمة: يوم. (3) ديوان امرئ القيس: 146. (4) في (س): جذيلة، وجاء في حاشية (ك): والجديلة: القبيلة: والناحية. وجديلة: حي من طي، وهو اسم امهم، وهي جديلة بنت سبيع بن عمرو.. صحاح. انظر الصحاح 4 / 1654. (5) في (س): فأعادت بنو جذيلة، والظاهر ما أثبتناه. (6) لا توجد: عليك، في (س). (7) في (س): جذيلة. (8) في (س): هذا.

[489]

دع عنك.. إلى آخر القصيدة، والمعنى دع عنك نهبا.. أي اتركه (1). والنهب: الغنيمة (2). والحجرات: النواحي جمع حجرة كجمرة وجمرات (3). والصباح: صياح الغارة. والرواحل - جمع راحلة - وهي الناقة التي تصلح لان يشد الرحل على ظهرها (4)، وانتصب حديثا بإضمار فعل.. أي حدثني أو هات أو اسمع، ويروى بالرفع.. أي غرضي حديث فحذف المبتدأ، و (ما) هاهنا تحتمل أن تكون (5) إبهامية، هي التي إذا اقترنت بنكرة زادته إبهاما، أو صلة مؤكدة كما في قوله تعالى: [فبما نقضهم ميثقهم] (6). وأما حديث الثاني: فقد ينصب على البدل من الاول، وقد يرفع على أن يكون (ما) موصولة وصلتها الجملة.. أي الذي هو حديث الرواحل، ثم حذف صدرها كما حذف في: [تماما على الذي أحسن] (7)، أو على أن تكون استفهامية بمعنى أي. وقوله عليه السلام: وهلم الخطب.. يؤيد أنه عليه السلام لم يستشهد إلا بصدر البيت، فإنه قائم مقام قول امرئ القيس: ولكن حديثا (8) ما.


(1) جاء في مجمع البحرين 4 / 400 وغيره. (2) ذكر في مجمع البحرين 2 / 178. (3) صرح به في القاموس 2 / 4، وانظر: الصحاح 2 / 623. (4) قاله في مجمع البحرين 5 / 381، والصحاح 5 / 1707 وغيرهما. (5) في (س): ان يكون. (6) النساء: 155، المائدة: 13. (7) الانعام: 154. (8) توجد حاشية في (ك)، لعل محلها هنا وهي: هذا يقوي رواية من روى عنه عليه السلام: لم يستشهد إلا لصدر البيت، لانه قال: دع عنك ما مضى وهلم ما نحن الآن فيه من أمر معاوية.. قائما مقام قول امرئ القيس: ولكن حديثا ما حديث الرواحل.. ابن أبي الحديد.

[490]

وهلم يستعمل لازما ومتعديا، فاللازم بمعنى تعال، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة اهل الحجاز، واهل نجد يقولون: هلما وهلموا (1)، والمتعدي بمعنى هات، قال تعالى: [هلم شهداء كم] (2) وهنا يحتمل الوجهين، وإن كان الثاني أظهر، أي لا تسأل عن اللصوص الثلاثة الماضية، فإنهم نهبوا الخلافة وصاحوا في حجراته ومضوا، ولكن هات ما نحن فيه الآن من خطب (3) ابن أبي سفيان لنتكلم فيه ونشتغل بدفعه، فإنه أعجب وأغرب، والتعرض له أهم. والخطب: الحادث الجليل والامر العظيم (4). قوله عليه السلام: بعد إبكائه.. قيل: الا بكاء إشارة إلى ما كان عليه من الكآبة لتقدم الخلفاء، والضحك للتعجب من أن الدهر لم يقنع بذلك حتى جعل معاوية منازعا له في الخلافة، والاظهر أن كليهما في أمر معاوية، أو في أمره وأمر من تقدمه فإنها محل للحزن والتعجب معا. والغرو - بالغين المعجمة المفتوحة والراء المهملة الساكنة - العجب (5) أي لا عجب والله (6)، ثم فسره بما بعده فقال: يستفرغ العجب.. أي لم يبق منه ما


(1) جاء في مجمع البحرين 6 / 187، والصحاح 5 / 2060، ولكنهما اقتصرا على بيان المعنى اللازم له. (2) الانعام: 150. أقول: قال الشيخ الرضي في شرحه 2 / 68: ومما جاء متعديا ولازما: هلم بمعنى أقبل فيتعدى ب‍: إلى، قال تعالى: " هلم الينا "، وبمعنى أحضره، نحو قوله تعالى: " هلم شهداء كم "، فلم يتصرف فيه أهل الحجاز... وبنو تميم يصرفونه... وليست بالفصيحة نحو: هلما هلموا هلمي هلما هلممن. (3) في طبعتي البحار: خطيب. (4) هذا المعنى بملاحظة القرائن في الكلام، وأما معنى نفس الخطب فهو الامر الذي يقع فيه المخاطبة، والشأن، والحال، ذكرها علماء اللغة كما في مجمع البحرين 1 / 51، والنهاية 2 / 45. (5) جاء في مجمع البحرين 1 / 315، والنهاية 2 / 365، وغيرهما. (6) لا توجد: والله، في (س).

[491]

يطلق عليه لفظ التعجب، وهذا من المبالغة في المبالغة، أي هذا أمر يجل عن التعجب كقول ابن هاني المغربي (1): قد سرت في الميدان يوم طرادهم * فعجبت حتى كدت لا أتعجب (2) والاود: العوج (3)، ويحتمل أن يكون لاغرو، معناه: ان ما ورد علي ليس بعجب من تقلبات الدنيا وأحوالها، وقوة الباطل وغلبة أهله فيها، فيكون قوله عليه السلام: فياله.. استئنافا لا ستعظام الامر، أو المعنى: لا غرو في أن أضحكني وأبكاني لامر واحد. وأما رواية الصدوق، فلعل المعنى لاعجب إلا من جارتي، وسؤالها عني (4) لم لم تنتصر ممن ظلمك ؟ هل كان لي أهل يعينني فأسأل عن ذلك ؟ أي مع علمك بتفردي وتخذل الناس عني ما كنت تحتاج إلى السؤال عن علة الامر. وفوار الينبوع - بالفتح وتشديد الواو -: ثقب البئر، والفوار - بالضم والتخفيف -: ما يفور من حر القدر (5)، وقرى بهما، والاول أظهر. وجدحوا.. أي خلطوا (6) ومزجوا وأفسدوا. والوبي: ذو الوباء والمرض (7).


(1) لا توجد: المغربي في (س). (2) ديوان ابن هاني الاندلسي: 44، وفيه هكذا: فعجبت حتى كدت أن لا أعجبا. (3) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 9، والنهاية 1 / 79، وغيرهما. (4) في (س): أعني. (5) قال في القاموس 2 / 112: الفوارة..: منبع الماء. وفوارة القدر - بالضم والتخفيف -: ما يفور من حرها. وانظر: الصحاح 2 / 783، ولسان العرب 5 / 68. (6) نص إلى هنا في النهاية 1 / 243، ولسان العرب 5 / 421. (7) جاء في مجمع البحرين 1 / 429، وفي النهاية 5 / 144: الوبى - بالقصر والمد والهمزة -: الطاعون، والمرض العام، وقد أوبأت الارض فهي موبئة وبئت فهي وبيئة، ووبئت أيضا فهي موبوءة.

[492]

والشرب - بالكسر - الحظ من الماء (1)، والشرب الوبي هو الفتنة الحاصلة من عدم انقيادهم له عليه السلام كالشرب المخلوط بالسم. قوله عليه السلام: فإن يرتفع.. أي بأن يتبعوا أمري. 7 - قل (2): حكى أبو هلال العسكري في كتاب الاوائل (3) عند ذكر أبي الهيثم بن التيهان (4): انه أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وآله في ابتداء أمر نبوته. ثم قال - بإسناده -: إن أبا الهيثم قام خطيبا (5) بين يدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (6) فقال: ان حسد قريش إياك على وجهين: أما خيارهم، فتمنوا أن يكونوا مثلك منافسة (7) في الملا وارتفاع الدرجة، وأما شرارهم، فحسدوا (8) حسدا أثقل القلوب وأحبط الاعمال، وذلك أنهم رأوا (9) عليك نعمة قدمها (10) إليك الحظ (11) وأخرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا أن يلحقوا (12) حتى طلبوا أن يسبقوك،


(1) كما قاله في مجمع البحرين 2 / 87، والصحاح 1 / 153، وغيرهما. (2) اقبال الاعمال: 460. (3) كتاب الاول: 150. (4) لا توجد: ابن التيهان، في طبعة (س)، وفي الاقبال جعل: أبي الهيثم، نسخة والمتن: ابن الهيثم، وفي الاوائل: أبو الهيثم، وهو الظاهر. (5) في المصدر: بإسناده إلى الهيثم بن التيهان خطيبا [كذا].. (6) في طبعة (س): بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يوجد لفظ أمير المؤمنين في المصدر. (7) جعلها في المصدر نسخة، وأثبت كلمة: مناقشة. (8) في الاوائل: فحسدوك، وهو الظاهر. (9) في طبعة (ك): ولوا. وفي طبعة (س): دلوا. وما أوردناه جاء في المصدر. (10) في الاوائل: قدمك. (11) جاءت نسخة بدل في المصدر: الخبط. (12) في الاوائل: يلحقوك، وهو الظاهر.

[493]

فبعدت - والله - عليهم (1) الغاية، وقطعت المضمار (2)، فلما تقدمتهم (3) بالسبق وعجزوا عن اللحاق بلغوا منك ما رأيت، وكنت - والله - أحق قريش بشكر قريش، نصرت نبيهم حيا (4)، وقضيت عنه الحقوق ميتا، والله ما بغيهم إلا على أنفسهم، ولا نكثوا إلا بيعة الله، يد الله فوق أيديهم فيها، ونحن (5) معاشر الانصار أيدينا وألسنتنا معك (6)، فأيدينا على من شهد وألسنتنا على من غاب (7). أقول: روى ابن أبي الحديد في شرح النهج (8): عن علي بن محمد بن أبي سيف (9) المدائني، عن فضيل بن الجعد، قال: آكد الاسباب كان في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين عليه السلام أمر المال، فإنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف، ولا عربيا على عجمي، ولا يصانع الرؤساء وأمراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميل أحدا إلى نفسه، وكان معاوية بخلاف ذلك، فترك الناس عليا عليه السلام والتحقوا بمعاوية، فشكى علي عليه السلام إلى الاشتر تخاذل أصحابه وفرار بعضهم إلى معاوية، فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين ! إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة وأهل الكوفة ورأي الناس واحد، وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت (10) النية وقل العدد، وأنت تأخذهم بالعدل، وتعمل فيهم بالحق،


(1) جاءت العبارة في الاوائل للعسكري هكذا: فبعدت عليهم والله. (2) في المصدر والاوائل: اسقط المضمار، وقد تقرأ: اسفط. (3) في طبعة (س): تقدمهم. (4) لا توجد: حيا، في أوائل العكسري. (5) في الاوائل: فها نحن..، بدلا من: فيها ونحن.. وهو الظاهر. (6) في الاوائل: لك، بدلا من: معك. (7) نسخة جاءت في طبعة (ك): من عاب. (8) شرح نهج البلاغة 2 / 197 - 198 بتصرف. (9) في المصدر: أبي يوسف، وهو الظاهر. (10) العبارة في (ك) مشوشة، وعليها نسخة بدل، ضعفا أو ضعفت، وفي (س): وضعف، وما أثبت أخذناه من المصدر.

[494]

وتنصف للوضيع من الشريف، فليس للشريف عندك فضل منزلة (1)، فضجت طائفة ممن تبعك (2) من الحق إذ عموا به واغتموا (3) من الحق (4) إذ صاروا فيه، ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف، فتاقت (5) أنفس الناس إلى (6) الدنيا، وقل من ليس للدنيا (7)، وأكثرهم يجتوي (8) الحق ويشتري الباطل، ويؤثر الدنيا، فإن تبذل المال - يا أمير المؤمنين - تمل إليك أعناق الرجال وتصفو نصيحتهم، ويستخلص ودهم لك يا (9) أمير المؤمنين ! وكبت (10) أعدائك، وفض (11) جمعهم، وأوهن كيدهم، وشتت أمورهم، إنه بما يعملون خبير. فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من علمنا (12) وسيرتنا بالعدل، فإن الله عزوجل يقول: [من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام


(1) في شرح النهج: منزلة على الوضيع. (2) في شرح النهج: من معك. (3) قال في الصحاح 5 / 1997: الغم: واحد الغموم، تقوم منه غمه فاغتم. (4) في شرح النهج: من العدل، بدلا من: من الحق. (5) في (س): فتافت. أقول: قال في مجمع البحرين 5 / 143: تاقت نفسه إلى الشئ تتوق توقا وتوقانا: اشتاقت ونازعت إليه. قال في القاموس 3 / 121: تاق بصره يتوق: تاه. (6) لا توجد: الناس إلى، في (س). (7) في شرح النهج: للدنيا بصاحبها. (8) قال في مجمع البحرين 1 / 92: اجتويت البلد: كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. (9) في شرح النهج: صنع الله لك يا.. (10) قال في الصحاح 1 / 207: كبه الله لوجهه.. أي صرعه فأكب على وجهه، وهذا من النوادر أن يقال: افعلت أنا وفعلت غيري. وقال فيه 1 / 263: الكبت: الصرف والاذلال..، وكبته لوجهه.. أي صرعه. أقول: ولعل لفظ الجلالة قد سقط هنا من طبعتي البحار، لاقتضاء السياق إياه. (11) قال في مجمع البحرين 4 / 222: فضضت القوم فانقضوا.. أي فرقتهم فتفرقوا.. وأصل الفض: الكسر. (12) في شرح النهج: عملنا.

[495]

للعبيد] (1)، وأما (2) من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف. وأما ما ذكرت من أن الحق ثقيل عليهم ففارقوا بذلك (3)، فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ولا لجأوا إذ فارقونا إلى عدل، ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها، وليسألن يوم القيامة: أللدنيا أرادوا أم لله عملوا ؟. وأما ما ذكرت من بذل الاموال واصطناع الرجال، فإنه لا يسعنا أن نوتي امرءا من الفئ أكثر من حقه، وقد قال الله سبحانه (4) وقوله الحق: [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين] (5) وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وحده، وكثره بعد القلة، وأعز فئته بعد الذلة، وإن يرد الله أن يولينا هذا الامر يذلل لنا صعبه، ويسهل لنا حزنه، وأنا قابل من رأيك ما كان لله عز وجل رضى، وأنت من آمن الناس عندي، وأنصحهم لي، وأوثقهم في نفسي إن شاء الله. وروى أيضا في الكتاب المذكور (6)، عن هارون بن سعد (7) قال: قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين ! لو أمرت لي بمعونة أو نفقة ! فوالله ما لي نفقة إلا أن أبيع دابتي. فقال: لا والله، ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك يسرق (8) فيعطيك. 8 - ما (9): جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن العباس النحوي، عن


(1) فصلت: 46. (2) في شرح النهج: وانا. (3) في شرح النهج: ثقل عليهم فقارقونا لذلك. (4) في شرح النهج: سبحانه وتعالى. (5) البقرة: 249. (6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 200 بتصرف. (7) في المصدر: سعيد. (8) في شرح النهج: ان يسرق. (9) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 221.

[496]

الخليل بن أسد، عن محمد بن سلام، قال: حدثني يونس (1) بن حبيب النحوي - وكان عثمانيا - قال: قلت للخليل بن احمد: أريد أن أسألك عن مسألة فتكتمها علي ؟ قال: إن قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال، فتكتمه أنت أيضا ؟ قال: قلت: نعم أيام حياتك. قال: سل (2). قال: ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمهم كأنهم كلهم بنو أم واحدة وعلي بن أبي طالب عليه السلام من بينهم كأنه ابن علة ؟. قال: من أين لك هذا السؤال ؟. قال: قلت: قد وعدتني الجواب. قال: قد ضمنت لي الكتمان (3). قال: قلت أيام حياتك. فقال: إن عليا عليه السلام تقدمهم إسلاما وفاقهم علما، وبذهم (4) شرفا، ورجحهم زهدا، وطالهم جهادا، فحسدوه، والناس إلى أشكالهم وأشباههم أميل منهم إلى من بان منهم، فافهم.


(1) اختصر السند، وفي المصدر جاء هكذا: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: حدثنا محمد بن العباس بن اليزيدي النحوي أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو الأسود الخليل بن أسد التوشجاني، قال: حدثني محمد بن سلام الجمحي، قال: حدثني يونس.. إلى آخره. (2) خط في (س) على جملة: قال سل.. (3) في المصدر: وقد ضمنت الكتمان. (4) قال في مجمع البحرين 3 / 177: بذه يبذه بذاذا.. أي غلبه وفاقه.

[497]

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين 1 - مع، ع (1): ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: والله لقد تقمصها أخوتيم (3) وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني (4) السيل ولا يرقى إلي الطير (5)، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جزاء أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه (6)، فرأيت أن الصبر


(1) معاني الاخبار 243 - 244 باب معاني خطبة لامير المؤمنين عليه السلام. علل الشرائع 1 / 150 - 151 حديث 12، وذكرنا الاختلاف بينهما وبين المتن. (2) جاء السند في العلل: وحدثنا محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن احمد بن أبي عبد الله البرقي.. وذكر في معاني الاخبار هذا السند وسندا آخر سيأتي. (3) في العلل: ابن أبي قحافة أخو تيم. (4) في (س): علي، وفي معاني الاخبار: عنه. (5) في المعاني: ولا يرتقي إليه الطير.. (6) في المعاني: يلقى الله. وذكر: ربه نسخة بدل.

[498]

على هاتى (1) أحجى، فصبرت وفي القلب قذا (2)، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى إذا مضى الاول (3) لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده، عقدها لاخي (4) عدي بعده (5)، فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها الآخر بعد وفاته، فصيرها والله (6) في حوزة خشناء، يخشن مسها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار فيها (7) والاعتذار منها (8)، فصاحبها كراكب العصبة (9)، إن عنف بها حرن وإن أسلس (10) بها غسق، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس (11)، وتلون (12) واعتراض، وبلوى وهو (13) مع هن وهني، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني منهم (14)، فيالله (15) وللشورى ! متى اعترض الريب (16) في مع الاول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر (17) ؟


(1) في (ك) جاءت نسخة بدل: هاة، وكتبت في المصدرين: هاتا. (2) في المصدرين: وفي العين قذا.. وهو الظاهر. وهي قد ذكرت نسخة بدل في حاشية (ك). (3) لا توجد: الاول، في علل الشرائع. (4) لا توجد في معاني الاخبار: إلى فلان بعده عقدها.. وفي العلل: فأدلى بها لاخي عدي بعده. (5) خط على كلمة: بعده، في (ك). (6) لا توجد: والله، في (س) ولا في العلل. (7) لا توجد: فيها، في (س). (8) في معاني الاخبار: منها نسخة بدل. (9) في طبعة (س): الصعب. (10) في معاني الاخبار: سلس. (11) لا يوجد في المصدرين: لعمر الله بخبط وشماس و.. (12) في المصدرين: بتلون. (13) لا يوجد في العلل والمعاني: وهو. (14) جاءت نسخة بدل في (ك): أحدهم. (15) في معاني الاخبار: فيالله لهم.. (16) في (س): الرقيب. (17) في معاني الاخبار: بهذه النظائر.

[499]

فمال رجل بضعبه (1)، وأصغى آخر لصهره، وقام ثلث القوم نافجا حضنيه بين نشيله (2) ومعتلفه، وقاموا معه بني أبيه (3) يخضمون مال الله (4) خضم (5) الابل نبت (6) الربيع، حتى أجهز عليه عمله، وكسبت به مطيته (7)، فما راعني إلا والناس إلي كعرف الضبع قد انثالوا علي من كل جانب (8)، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، حتى إذا نهضت بالامر نكثت طائفة، وفسقت (9) اخرى، ومرق آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول: [تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فساد والعاقبة للمتقين] (10)، بلى والله لقد سمعوها ووعوها لكن احلولت (11) الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، والذي (12) فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر (13) وقيام الحجة بوجود الناصر (14)، وما أخذ الله (15) على العلماء أن لا يقروا (16) على كظة ظالم


(1) في علل الشرائع: لضغنه. (2) جاءت نسخة بدل في (ك): ثيله. (3) في المصدرين: وقام معه بنو امية. (4) في (ك): الله تعالى. (5) في نسخة جاءت هكذا: يهضمون مال الله هضم. (6) في معاني الاخبار، و (ك) من البحار: نبتة. (7) لا يوجد في معاني الاخبار: وكسبت به مطيته، وفي العلل: كبت به مطيته. (8) خ. ل: وجه، كذا جاء في حاشية (ك). (9) خ. ل: ومرقت، كذا جاء في حاشية (ك). (10) القصص: 83. (11) في معاني الاخبار: لقد سمعوا ولكن احلولت، وفي العلل:.. لكنهم احلولت. (12) في العلل: اما والذي.. (13) في معاني الاخبار: حضور الناصر. (14) لا توجد: بوجود الناصر.. في معاني الاخبار. (15) في معاني الاخبار: الله تعالى. (16) لا يقاروا.. نهج، كذا في حاشية (ك)، وجعل في معاني الاخبار على كلمة: على رمز النسخة.

[500]

ولا سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غارباه، ولسقيت آخرها بكأس أولها، و لالفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من خبقة (1) عنز.. وناوله (2) رجل من أهل السواد كتابا فقطع كلامه وتناول الكتاب، فقلت (3): يا أمير المؤمنين ! لو اطردت مقالتك إلى حيث بلغت ؟ ! فقال: هيهات هيهات (4) يابن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قدرت.. فما (5) أسفت على كلام قط كأسفي على كلام أمير المؤمنين عليه السلام إذ لم يبلغ (6) حيث أراد. قال الصدوق نور الله ضريحه (7): سألت الحسين (8) بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر ففسره لي قال (9): تفسير الخبر: قوله عليه السلام: لقد تقمصها.. أي لبسها مثل القميص، يقال تقمص الرجل وتدرع (10) وتردى وتمندل. وقوله: محل القطب من الرحى.. أي تدور علي كما تدور الرحى على قطبها. قوله (11) عليه السلام ينحدر عنه السيل ولا يرتقي إليه الطير.. يريد أنها


(1) في (س): حبقة، وكتب في حاشية (ك): عفطة. نهج. (2) في معاني الاخبار:.. دنياكم أزهد عندي من عفطة عنز قال: وناوله..، وفي العلل نفس العبارة إلا ان فيها: دنياكم هذه. (3) كتب في (ك) تحت كلمة فقلت: ابن عباس. (4) لا توجد: هيهات، الثانية في معاني الاخبار. (5) في العلل: قال ابن عباس فما، وفي (س): فلما. (6) في العلل: لم يبلغ به. (7) علل الصدوق 1 / 152، وفيه: قال مصنف هذا الكتاب، وكذا في معاني الاخبار: 344. (8) في المصدرين: الحسن. (9) في معاني الاخبار: وقال.. (10) في معاني الاخبار: أو تدرع.. (11) في المصدرين: وقوله.

[501]

ممتنعة على غيري ولا يتمكن منها ولا تصلح له (1). وقوله: فسدلت دونها ثوبا.. أي أعرضت عنها ولم أكشف وجوبها لي، والكشح: الجنب والخاصرة. فمعنى (2) قوله: طويت عنها كشحا (3).. أي أعرضت عنها، والكاشح الذي يوليك كشحه.. أي جنبه. وقوله: طفقت.. أي أقبلت وأخذت أرتأي.. أي أفكر وأستعمل الرأي وأنظر في أن أصول بيد جذاء - وهي المقطوعة - وأراد قلة الناصر. وقوله: أو أصبر على طخية.. فللطخية موضعان: فأحدهما (4) الظلمة، والآخر: الغم والحزن، يقال: أجد على قلبي طخاء (5).. أي حزنا وغما، وهو هاهنا يجمع الظلمة والغم والحزن. وقوله: يكدح مؤمن.. أي يدأب (6) ويكسب لنفسه ولا يعطى حقه. وقوله: أحجى.. أي أولى، يقال: هذا أحجي من هذا وأخلق وأحرى وأوجب كله قريب المعنى. وقوله: في حوزة.. أي في ناحية (7)، يقال: حزت الشئ أحوزه حوزا إذا جمعته، والحوزة ناحية الدار وغيرها. وقوله: كراكب الصعبة.. يعني الناقة التي لم ترض. إن عنف بها، العنف (8) ضد الرفق.


(1) في المصدرين: ولا يصلح لها. (2) في العلل: بمعنى، ويمكن تصحيح كلا اللفظين. (3) لا توجد: كشحا، في معاني الاخبار، وفي العلل: كشحها. (4) في معاني الاخبار: احدهما. (5) في معاني الاخبار: طخيا، وفي العلل: طنخيا.. (6) قال في الصحاح 1 / 123: دأب فلان في عمله.. أي جد وتعب. (7) في (س): ناحيته. (8) في المصدرين: والعنف.

[502]

وقوله: حرن.. أي وقف فلم (1) يمش، وإنما يستعمل الحران في الدواب، فأما في (2) الابل فيقال: خلات (3) الناقة وبها خلاء، وهو مثل حران الدواب، إلا أن العرب ربما (4) تستعيره في الابل. وقوله: وإن أسلس بها غسق (5).. أي أدخله في الظلمة. وقوله: مع هن وهني (6).. يعني الادنياء من الناس، تقول العرب فلان هني وهو تصغير هن.. أي هو (7) دون من الناس.. ويريدون بذلك تصغير اموره (8). وقوله: فمال رجل بضبعه.. ويروى بضلعه (9)، وهما قريب، وهو أن يميل بهواه ونفسه إلى الرجل (10) بعينه. وقوله: وأصغى آخر لصهره.. فالصغو (11): الميل، يقال: صغوك مع فلان أي.. ميلك معه. وقوله: نافجا حضينه (12).. يقال في الطعام والشراب وما أشبههما قد انتفج بطنه - بالجيم -، ويقال في كل داء يعتري الانسان: قد انتفخ بطنه - بالخاء -، والحضنان جانبا الصدر.


(1) في المصدرين: ولم: (2) لا توجد: في، في (س). (3) في معاني الاخبار: اخلت، وفي عيون الاخبار: خلت. (4) في العلل: انما. (5) في معاني الاخبار: ان سلس غسق، وفي العلل: اسلس بها غسق.. (6) في العلل: وهن.. (7) وضع في المطبوع من البحار على: هو رمز النسخة. (8) في معاني الاخبار: امره. (9) في العلل: لضغنه ويروى لضلعه. (10) في المصدرين: رجل.. (11) في معاني الاخبار: والصغو.. (12) في العلل: حضينه فيقال..، وفي معاني الاخبار: حصنيه. والظاهر: حضنيه.

[503]

وقوله: بين ثيله ومعتلفه.. فالثيل (1): قضيب الجمل وإنما استعاره للرجل (2) هاهنا، والمعتلف: الموضع الذي يعتلف فيه.. أي يأكل، ومعنى الكلام بين (3) مطعمه ومنكحه. وقوله: يخضمون.. أي يكثرون وينقضون، ومنه قوله: خضمني الطعام.. أي نقض (4). وقوله: أجهز (5).. أي أتى عليه وقتله، يقال: أجهزت على الجريح إذا كانت به جراحة فقتله (6). وقوله: كعرف الضبع.. شبههم به لكثرته، والعرف: الشعر الذي يكون على عنق الفرس، فاستعاره للضبع. وقوله: و (7) قد انثالوا.. أي انصبوا علي وكثروا، ويقال: انتثلت (8) ما في كنانتي من السهام إذا صببته (9). وقوله: وراقهم زبرجها.. أي أعجبهم حسنها، واصل الزبرج النقش، وهو هاهنا زهرة الدنيا وحسنها. وقوله: أن لا يقروا على كظة ظالم.. فالكظة: الامتلاء، يعني انهم لا


(1) في المصدرين: تثيله ومعتلفه.. فالنثيل. (2) في معاني الاخبار: الرجل. (3) في معاني الاخبار: انه بين. (4) جاءت العبارة في معاني الاخبار هكذا: وقوله: يهضمون.. أي يكسرون وينقضون، ومنه قولهم: هضمني الطعام.. أي نقضني، وفي العلل: أي نقض. (5) في معاني الاخبار: حتى أجهز. (6) في المصدرين: فقتلته. (7) لا توجد الواو في المصدرين. (8) في المصدرين: انثلت. (9) هنا سقط موجود في المصدرين وهو: وقوله: وشق عطافي.. يعني رداءه، والعرب تسمي الرداء: العطاف.

[504]

يصبرون (1) على امتلاء الظالم من المال الحرام ولا يقاروه على ظلمه. وقوله: ولا سغب مظلوم.. فالسغب: الجوع، ومعناه منعه من الحق الواجب له. وقوله: لالقيت حبلها على غاربها.. مثل (2) تقول العرب ألقيت حبل البعير على غاربه ليرعى كيف شاء. ومعنى قوله: ولسقيت آخرها بكأس أولها.. أي (3) لتركتهم في ضلالهم (4) وعماهم. وقوله: أزهد عندي.. فالزهيد: القليل. قوله (5): من حبقة عنز.. فالحبقة ما يخرج من دبر العنز من الريح، والعطفة ما يخرج من أنفها. وقوله: تلك شقشقة هدرت (6).. فالشقشقة: ما يخرجه البعير من جانب فيه (7) إذا هاج وسكر. 2 - مع، ع (8): الطالقاني، عن الجلودي، عن احمد بن عمار بن خالد، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عيسى بن راشد، عن علي بن حذيفة (9)، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. 3 - ما (10): الحفار، عن أبي القاسم الدعبلي، عن أبيه، عن أخي دعبل،


(1) وضع على: لا يصبرون، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل. (2) في المصدرين: هذا مثل.. وسيأتي مصدره. (3) لا توجد: أي في (س). (4) في المصدرين: في ضلالتهم. (5) في المصدرين: وقوله.. (6) لا توجد: هدرت.. في معاني الاخبار. (7) في معاني الاخبار: فمه. (8) معاني الاخبار: 343 حديث 1، علل الشرائع 1 / 153 حديث 13. (9) في معاني الاخبار: خزيمة. (10) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 382 بتصرف.

[505]

عن محمد بن سلامة الشامي، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، والباقر عليه السلام، عن ابن عباس (1) قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة.. وذكر نحوه بأدنى تغيير. 4 - شا (2): روى جماعة عن أهل النقل من طرق مختلفة، عن ابن عباس قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام بالرحبة فذكرت (3) الخلافة وتقديم (4) من تقدم عليه، فتنفس الصعداء ثم قال: أم والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة.. وساق الخبر إلى آخره. إيضاح: هذه الخطبة من مشهورات خطبه صلوات الله عليه روتها الخاصة والعامة في كتبهم وشرحوها وضبطوا كلماتها، كما عرفت رواية الشيخ الجليل المفيد وشيخ الطائفة والصدوق، ورواها السيد الرضي في نهج البلاغة (5) والطبرسي في الاحتجاج (6) قدس الله أرواحهم، وروى الشيخ قطب الدين الراوندي قدس سره في شرحه على نهج البلاغة (7) بهذا السند: أخبرني الشيخ أبو نصر الحسن بن محمد بن ابراهيم (8)، عن الحاجب أبي الوفا محمد بن بديع والحسين (9) بن احمد بن


(1) بتقديم وتأخير في الاسناد مع اختصار له. (2) الارشاد للشيخ المفيد: 152 - 153. (3) في (س): ذكر. (4) في المصدر: وتقدم.. (5) نهج البلاغة: - محمد عبده - 1 / 30، صبحي صالح: 48، خطبة 3. (6) الاحتجاج: 191 - 194. (7) نهج البلاغة 1 / 131 - 133. (8) في المصدر: ابراهيم بن اليونارتي. ويونارت: قرية على باب اصفهان، وهو من الحفاظ المكثرين، ولد آخر سنة 466 ه‍، وتوفى في شوال سنة 527 ه‍، انظر: تذكرة الحفاظ 4 / 1286، ومعجم البلدان 5 / 1044، وسنة وفاته هناك سهو قطعا. (9) في منهاج البراعة: وأبي الحسين احمد بن عبد الرحمن الذكواني عن الحافظ أبي بكر بن مردويه =

[506]

بديع والحسين بن احمد (1) بن عبد الرحمن، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الاصفهاني، عن سليمان بن احمد الطبراني، عن احمد بن علي الابار، عن اسحاق ابن سعيد أبي سلمة الدمشقي، عن خليد بن دعلج، عن عطان (2) بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: كنا مع علي عليه السلام بالرحبة فجرى ذكر الخلافة ومن تقدم عليه فيها، فقال: أما والله لقد تقمصها فلان.. إلى آخر الخطبة (3). ومن أهل الخلاف رواها ابن الجوزي في مناقبه (4)، وابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد (5)، وأبو علي الجبائي في كتابه (6)، وابن الخشاب في درسه (7) - على ما حكاه بعض الاصحاب - والحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب المواعظ والزواجر - على ما ذكره صاحب الطرائف (8) -، وفسر ابن الاثير في النهاية لفظ الشقشقة، ثم قال: ومنه حديث علي عليه السلام في خطبة له: تلك


= الاصبهاني. (1).. بن بديع والحسين بن احمد.. هذه العبارة لا توجد في (س). (2) في المصدر: عطا. (3) قال ابن ميثم في الشرح 1 / 251: اقول: إن هذه الخطبة وما في معناها مما يشتمل على شكايته عليه السلام وتظلمه في أمر الامامة، وهو محل بين الشيعة وجماعة من مخالفيهم.. (4) المناقب لابن الجوزي. أقول: والذي وجدناه لابي مظفر سبط ابن الجوزي (المتوفى سنة 654 ه‍) ما ذكره في تذكرته: 73 من طريق شيخه أبي القاسم النفيس الانباري بإسناده عن ابن عباس، فقال: تعرف بالشقشقية، ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخل بالبعض، وقد أتيت بها مستوفاة.. ثم ذكرها مع اختلاف ألفاظها. (5) العقد الفريد 4 / 71 - 72، وهي بمضمون الشقشقية لانفسها، فراجع. (6) كتب أبي علي الجبائي كلها مفقودة الاثر كما صرح في ترجمته. وهو شيخ المعتزلة، توفى سنة 303 ه‍ كما في الفرقة الناجية للشيخ ابراهيم القطيفي. (7) وقد حكاه عن مجلس درسه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 205، وهو أبو محمد عبد الله ابن احمد البغدادي المتوفى سنة 567 ه‍ ولا نعرف له كتابا مطبوعا. (8) الطرائف: 417 - 419.

[507]

شقشقة هدرت ثم قرت (1).. وشرح كثيرا من ألفاظها (2). وقال الفيروز آبادي في القاموس - عند تفسيرها -: الشقشقة - بالكسر - شئ - كالرئة - يخرجه البعير من فيه إذا هاج، والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس - لما قال (3): لو اطردت مقالتك من حيث افضيت -: يا بن عباس ! هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت (4). وقال عبد الحميد بن أبي الحديد (5) - ردا على من قال انها تأليف السيد الرضي -: قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي - إمام البغداديين من المعتزلة -، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق السيد الرضي بمدة طويلة، ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الامامية (6)، وكان من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي، ومات (7) قبل أن يكون الرضي موجودا.. ثم حكى (8) عن شيخه مصدق الواسطي انه قال: لما قرأت هذه الخطبة على


(1) النهاية 2 / 490. (2) وسنشير إلى مواضعها عند توضيح المصنف قدس سره لمفردات الخطبة. (3) في المصدر: قال له.. (4) القاموس 3 / 251. وقال ابن منظور الافريقي المصري (المتوفى سنة 711 ه‍) في مادة (شقشق) من كتابه لسان العرب 12 / 53:.. وفي حديث علي رضوان الله عليه في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثم قرت.. إلى آخره. وقال الميداني (المتوفى سنة 518 ه‍) في مجمع الامثال 383 [1 / 466]: ولامير المؤمنين علي رضي الله عنه خطبة تعرف بالشقشقية، لان ابن عباس رضي الله عنهما قال له حين قطع كلامه.. إلى آخره. (5) في شرحه على النهج 1 / 205 - 206، بتصرف يسير. (6) في المصدر: وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب " الانصاف "، وكان أبو جعفر هذا من.. (7) في شرح النهج: ومات في ذلك العصر. (8) ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 205 بتصرف.

[508]

الشيخ أبي محمد عبد الله بن احمد المعروف ب‍: ابن الخشاب، قلت له: أتقول إنها منحولة ؟ !. فقال: لا والله ! وإني لاعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق.. قال: فقلت له: إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضي. فقال لي: أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب ! قد وقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور.. ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب قد صنفت قبل أن يخلق الرضي بمئتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرف أنها خطوط من هي (1) من العلماء وأهل الادب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد (2) الرضي. وقال ابن ميثم البحراني قدس سره: وجدت هذه الخطبة بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة. انتهى (3). ومن الشواهد على بطلان تلك الدعوى الواهية الفاسدة أن القاضي عبد الجبار - الذي هو من متعصبي المعتزلة - قد تصدى في كتاب المغني (4) لتأويل بعض كلمات الخطبة، ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدم عليه، ولم ينكر استناد الخطبة إليه. وذكر السيد المرتضى رضي الله عنه كلامه في الشافي (5) وزيفه، وهو أكبر من أخيه الرضي قدس الله روحهما، وقاضي القضاة متقدم عليهما، ولو كان يجد للقدح في استناد الخطبة إليه عليه السلام مساغا لما تمسك بالتأويلات الركيكة في مقام الاعتذار، وقدح في صحتها كما فعل في كثير من الروايات المشهورة، وكفى


(1) في المصدر: اعرفها واعرف خطوط من هو.. (2) في نسخة جاءت في (ك): والدي. (3) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1 / 252 - 253 بتصرف. (4) المغني 20 / 295. (5) الشافي 3 / 267 - 268.

[509]

للمنصف وجودها في تصانيف الصدوق رحمه الله (1)، وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وكان مولد الرضي رضي الله عنه سنة تسع وخمسين وثلاثمائة (2). ولنشرح الخطبة ثانيا لمزيد الايضاح والتبيين، وللاشارة إلى ما ذكره في تفسيرها وشرحها بعض المحققين، ونبني الشرح على ما أورده السيد قدس سره في النهج، ليظهر مواضع الاختلاف بينه وبين ما سلف من الروايات، مستعينا بخالق البريات. 5 - قال السيد (3): ومن خطبته (4) له عليه السلام المعروفة ب‍: الشقشقية: أما والله لقد تقمصها فلان... أي اتخذها قميصا (5)، وفي التشبيه بالقميص الملاصق للبدن دون سائر الاثواب تنبيه على شدة حرصه عليها، والضمير راجع إلى الخلافة كما ظهر من سائر الروايات، وفلان كناية عن أبي بكر (6)، وكان في نسخة ابن أبي الحديد (7): ابن أبي قحافة - بضم القاف وتخفيف الحاء - كما في بعض الروايات الآخر، وفي بعضها أخوتيم، والظاهر أن التعبير بالكناية نوع تقية


(1) كذا، وهذه سنة وفاة ثقة الاسلام الكليني طاب ثراه، ووفاة الشيخ الصدوق سنة 381 ه‍. (2) قال العلامة الاميني - رحمه الله - في غديره 7 / 82 - 87:.. وقد كثر الكلام حولها، فأثبتها مهرة الفن من الفريقين، ورواها من خطب مولانا أمير المؤمنين الثابتة التي لا مغمز فيها، فلا يسمع اذن قول الجاهل بأنها من كلام الشريف الرضي، وقد رواها غير واحد في القرون الاولى قبل أن تنعقد للرضي نطفته، كما جاءت بإسناد معاصريه والمتأخرين عنه من غير طريقه.. ثم عد أكثر من ثمانية وعشرين مصدرا وشيخا، وانظر نصها في الغدير 9 / 380 - 381. (3) في نهج البلاغة - محمد عبده -: 1 / 30، صبحي صالح: 48 خطبة: 3. (4) كذا، والظاهر زيادة الضمير الغائب. (5) قال في مجمع البحرين 4 / 181: تقمص القميص: لبسه، وتقمص الخلافة.. أي لبسها كالقميص. وقال في القاموس 2 / 315: قمصه تقميصا: ألبسه قميصا فنقمص هو، ونحوه في المصباح المنير 2 / 200. (6) كما صرح بذلك كل الشراح للنهج ومن تعرض للخطبة أما جزما اووجها واحتمالا، كمحمد عبده في شرحه 1 / 31، وغيره. (7) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 151.

[510]

من السيد رحمه الله، والنسخة المقروءة عليه (1) كانت متعددة، فلعله عدل في بعضها عن الكناية لزوال الخوف، ويمكن أن تكون التقية من النسخ، ويدل على أن الكناية ليست من لفظه عليه السلام أن قاضي القضاة في المغني (2) تصدى لدفع دلالة تعبيره (3) عليه السلام عن أبي بكر بابن أبي قحافة دون الالقاب المادحة على استخفاف به، بأنه: قد كانت العادة في ذلك الزمان أن يسمي أحدهم صاحبه ويكنيه ويضيفه إلى أبيه، حتى كانوا ربما قالوا (4) لرسول الله صلى الله عليه [وآله]: يا محمد (5) ! فليس في ذلك استخفاف ولا دلالة على الوضع. فأجاب السيد رضي الله عنه بما في الشافي (6) عنه: بأنه ليس ذلك صنع من يريد التعظيم والتبجيل، وقد كانت لابي بكر عندهم من الالقاب الجميلة ما يقصد إليه من يريد تعظيمه، وقوله ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان (7) ينادى باسمه، فمعاذ الله، ماكان ينادي باسمه إلا شاك فيه، أو جاهل من طغام (8) الاعراب (9). وقوله: إن ذلك عادة العرب.. فلا شك أن ذلك عادتهم فيمن (10) لا يكون له من الالقاب أفخمها وأعظمها كالصديق.. ونحوه. وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى.. الواو للحال، وقطب


(1) في مطبوع البحار هنا نسخة بدل وهي: والنسخة المعروضة عليه.. وقد وضع بعدها في (ك) رمز: صح. (2) المغني - الجزء المتمم العشرين -: 295. (3) في (س): تغييره. (4) في المصدر: نادوا. (5) في المغني: باسمه. (6) الشافي: 215 حجرية [الطبعة الجديدة 3 / 268]. (7) لا توجد: كان، في المصدر. (8) قال في الصحاح 5 / 1975: الطغام: أوغاد الناس.. الواحد والجمع فيه سواء، والطغام أيضا: رذال الطير. وقال فيه 2 / 552: الوغد: الرجل الدنئ الذي يخدم بطعام بطنه. (9) جاء في المصدر هنا: الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الباب. (10) في المصدر: فلا شك في أن هذه عادة القوم فيمن..

[511]

الرحى: الحديدة المنصوبة في وسط السفلى من حجري الرحى التي تدور حولها العليا (1)، أي تقمص الخلافة مع علمه بأني مدار أمرها، ولا تنتظم إلا بي، ولا عوض لها عني، كما أن الرحى لا تدور إلا بالقطب ولا عوض لها عنه. وقال ابن أبي الحديد (2): عندي أنه أراد أمرا آخر، وهو أني من الخلافة في الصميم وفي وسطها وبحبوحتها (3)، كما أن القطب وسط دائرة الرحى. ولا يخفى نقصان التشبيه حينئذ. وقال في المغني (4): أراد أنه أهل لها وأنه أصلح منه للقيام بها، يبين (5) ذلك أن القطب من الرحى لا يستقل (6) بنفسه ولا بد في تمامه من الرحى، فنبه (7) بذلك على أنه أحق وإن كان قد تقمصها. ورده السيد رضي الله عنه (8) بأن هذا التأويل - مع أنه لا يرجي في غير هذا اللفظ من الالفاظ المروية عنه عليه السلام - فاسد، لان مفاد هذا الكلام ليس إلا التفرد في الاستحقاق، وأن غيره لا يقوم مقامه لا أنه أهل للامر وموضع له، وقوله: إن القطب لا يستقل بنفسه.. تأويل على عكس المراد، فإن المستفاد من هذا الكلام عند من يعرف اللغة عدم انتظام دوران الرحى بدون القطب، لاعدم استقلال القطب بدون الرحى (9).


(1) كما ذكره في النهاية 4 / 79، ولسان العرب 1 / 682. (2) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 153 بتصرف. (3) قال في مجمع البحرين 2 / 341: البحبوحة - بضم البائين الموحدتين وبالحائين المهملتين -: وسط الشئ. (4) المغني - الجزء المتمم للعشرين -: 295. (5) جاء في المصدر: فالمراد بها أنه أهل لذلك وأنه أصلح منه، يبين. (6) في المغني: لا يشتغل، بدلا من: لا يستقل. (7) في المصدر: فسسه، وفي الهامش عليه: فتشبه. (8) الشافي: 215 حجرية [الطبعة الجديدة 3 / 268] وقد ذكر مضمونه. (9) رأينا نقل نص عبارة السيد في الشافي ردا على صاحب المغني وهي: فأول ما فيه أنه تأول في اللغة، وتحمل الالفاظ ما لم توضع له، لان عرف أهل اللغة جاء باستعمال لفظ القطب في الموضع الذي =

[512]

ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير.. انحدار السيل لعله كناية عن إفاضة العلوم والكمالات وسائر النعم الدنيوية والاخروية على المواد القابلة. وقيل: المعنى اني فوق السيل بحيث لا يرتفع إلي، وهو كما ترى. ثم إنه عليه السلام ترقى في الوصف بالعلو بقوله: ولا يرقى إلي الطير، فإن مرقى الطير أعلى من منحدر السيل فكيف ما لا يرقى إليه ؟ والغرض إثبات أعلى مراتب الكمال للدلالة على بطلان خلافة من تقمصها، لقبح تفضيل المفضول. فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا.. يقال: سدل الثوب يسدله - بالضم - أي ارخاه وارسله (1)، ودون الشئ: امامه وقريب منه (2)، والمعنى: ضربت بيني وبينها حجابا وأعرضت عنها ويئست منها، والكشح: ما بين الخاصرة إلى اقصر الاضلاح (3)، ويقال: فلان طوى كشحه.. أي اعرض مهاجرا ومال عني. وقيل: أراد غير ذلك، وهو أن من أجاع نفسه فقد طوى كشحه كما أن من أكل وشبع فقد ملا كشحه. وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء.. يقال (4): طفق في كذا.. أي اخذ (5) وشرع، وأرتئي في الامر.. أي افكر في طلب


= ذكرناه، وعند ارادة أحدهم ان يخبر عن نهاية الاستحقاق والتفرد بالامر الذي لا يقع فيه مشاركة، فتأوله مع المعرفة بمرادهم في هذه اللفظة لا معنى له، على ان القطب أشد استقلالا بنفسه من باقي الرحى، لانه يمكن ان يتحرك ويدور من غير أن يتصل به شئ، وباقي الرحى لا يمكن ذلك فيه على سبيل الدور إلا بقطب. (1) كما جاء في مجمع البحرين 5 / 394، والقاموس 3 / 395، وغيرهما. (2) قاله في مجمع البحرين 6 / 248، وانظر: القاموس 4 / 223، والصحاح 5 / 2115، ذكر الاول في الاول والثاني في الثاني. (3) كذا جاء في مجمع البحرين 2 / 407، والقاموس 1 / 245، إلا أن فيهما: الضلع الخلف، بدلا من أقصر الاضلاع. وقالا فيهما: طوى فلان عني كشحه: إذا قطعك. (4) لا توجد: يقال، في (س). (5) كما في لسان العرب 10 / 225، والنهاية 3 / 129، وغيرهما.

[513]

الاصلح، وهو افتعل من رؤية القلب أو من الرأي (1)، والصولة: الحملة والوثبة (2)، والجذاء - بالجيم والذال المعجمة - المقطوعة والمكسورة أيضا - كما ذكره الجوهري (3) -، وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام (4): اصول بيد جذاء.. كنى به عن قصور اصحابه وتقاعدهم عن الغزو، فان الجند للامير كاليد (5)، ويروى بالحاء المهملة (6) وفسره في موضعه باليد القصيرة التي لا تمد (7) إلى ما يراد. قال: وكأنها بالجيم اشبه (8). والطخية - بالضم، كما صحح في أكثر النسخ - الظلمة أو الغيم، وفي بعضها بالفتح: في (9) القاموس: الطخية..: الظلمة، ويثلث (10)، ولم يذكر الجوهري سوى الضم، وفسره بالسحاب (11)، وفي النهاية: الطخية: الظلمة والغيم (12)، والعمياء: تأنيث الاعمى (13)، ووصف الطخية بها لان الرائي لا يبصر فيها شيئا. يقال: مفازة عمياء.. أي لا يهتدي فيها الدليل (14)، وهي مبالغة في وصف الظلمة بالشدة، وحاصل المعنى، إني لما رأيت الخلافة في يد من لم يكن


(1) كما جاء في لسان العرب 14 / 299، والنهاية 2 / 178. (2) قاله في النهاية 3 / 61، واقتصر في لسان العرب 11 / 387 على المعنى الثاني. (3) قال في الصحاح 2 / 561: جذذت الشئ: كسرته وقطعته.. يقال: رحم جذاء وحذاء - بالجيم والحاء - ممدودان، وذلك إذا لم توصل. (4) ذكر في المصدر الترضي بدلا من السلام. (5) في (ك): كالسيد، ولا معنى له. (6) النهاية 1 / 250. (7) في المصدر: لا تمتد إلى ما اريد. (8) النهاية 1 / 356. (9) كذا، والظاهر: وفي.. (10) القاموس 4 / 356. (11) الصحاح 6 / 2412. (12) النهاية 3 / 116. (13) نص عليه في مجمع البحرين 1 / 308، والنهاية 3 / 305، وغيرهما. (14) قال في لسان العرب 15 / 98: وارض عمياء وعامية، ومكان أعمى: لا يهتدى فيه.

[514]

أهلا لها كنت متفكرا مرددا بين قتالهم بلا أعوان وبين معاينة الخلق على جهالة وضلالة وشدة. يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه.. يقال: هرم - كفرح - أي بلغ اقصى الكبر (1)، والشيب - بالفتح - بياض الشعر (2)، والكدح: الكد والعمل والسعي (3)، والجمل الثلاثة أوصاف للطخية (4) العمياء، وايجابها لهرم الكبير وشيب الصغير إما لكثرة الشدائد فيها، فإنها مما يسرع بالهرم والشيب، أو لطول مدتها وتمادي أيامها ولياليها، أو للامرين جميعا، وعلى الوجهين الاولين فسر قوله تعالى: [يوما يجعل الولدن شيبا] (5). وكدح المؤمن يمكن أن يراد به لازمه أعني التعب ومقاساة الشدة في الوصول إلى حقه.. وقيل: يسعى فلا يصل إلى حقه، فالكدح بمعناه. وقيل: المراد به أن المؤمن المجتهد في الذب عن الحق والامر بالمعروف يسعى فيه ويكد ويقاسي الشدايد حتى يموت. وفي رواية الشيخ (6) والطبرسي (7): يرضع فيها الصغير ويدب فيها الكبير.. وهو كناية عن طول المدة - أيضا - أي يمتد إلى أن يدب كبيرا من كان يرضع صغيرا، يقال: دب يدب دبيبا: اي مشى على هنيئة (8). فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحق


(1) صرح بذلك في لسان العرب 12 / 607، والقاموس 4 / 189. (2) كما جاء في مجمع البحرين 2 / 95، والصحاح 1 / 159، وغيرهما. (3) كذا قال في مجمع البحرين 2 / 406، والصحاح 1 / 398. (4) في (ك): المطخية. (5) المزمل: 17. (6) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 382 وفيه: ضيع فيها الصغير و.. إلى آخره. (7) الاحتجاج: 191 [النجف 1 / 283] وفيه: يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير.. (8) قاله في القاموس 1 / 64، ولسان العرب 1 / 369. وفي (ك): هينته. أقول: الهنيئة: التؤدة والرفق، انظر: القاموس 4 / 278 و 3 / 384.

[515]

شجى أرى تراثي نهبا.. كلمة (ها) في هاتا للتنبيه، وتا للاشارة إلى المؤنث (1)، اشير بها إلى الطخية الموصوفة، واحجى.. أي اولى واجدر واحق، من قولهم: حجى بالمكان إذا اقام وثبت، ذكره في النهاية (2). وقيل: أي أليق وأقرب بالحجى وهو العقل (3). والقذي: جمع قذاة وهي ما يسقط في العين وفي الشراب أيضا من تبن أو تراب أو وسخ (4). والشجى: ما اعترض في الحلق ونشب من عظم ونحوه (5). والتراث: ما يخلفه الرجل لورثته، والتاء فيه بدل من الواو (6). والنهب: السلب والغارة (7) والغنيمة (8)، والجملة بيان لوجود القذى والشجى. وفي رواية الشيخين (9) والطبرسي (10): فرأيت الصبر.. وفي رواية الشيخ (11): تراث محمد صلى الله عليه وآله نهبا. وفي تلخيص الشافي: من أن أرى تراثي نهبا (12). والحاصل إني بعد التردد في القتال استقر رأيي على أن الصبر أجدر، وذلك


(1) كما جاء في القاموس 4 / 408 - 409، والصحاح 6 / 2547 - 2548. (2) النهاية 1 / 348، ومثله في لسان العرب 14 / 167. (3) كما صرح بذلك في القاموس 6 / 2309، والنهاية 1 / 348، وغيرهما. (4) نص عليه في النهاية 4 / 30، ولسان العرب 15 / 174. (5) كما في القاموس 4 / 347، والصحاح 6 / 2389، وليس فيهما: ونشب، وفي الصحاح: ينشب، بدلا من: اعترض. (6) ذكره في لسان العرب 2 / 201، ومجمع البحرين 2 / 267، وغيرهما. (7) جاء في النهاية 5 / 133، ولسان العرب 1 / 773. (8) كما في مجمع البحرين 2 / 178، والقاموس 1 / 135، والصحاح 1 / 229. (9) الارشاد للشيخ المفيد: 152، وأمالي الشيخ الطوسي 1 / 382. (10) الاحتجاج للطبرسي 1 / 283 [حجرية: 192] وفيه: فرأيت أن الصبر. (11) الامالي 1 / 382. (12) تلخيص الشافي 3 / 53 وفيه: أرى تراثي نهبا.. وفي نسخة في مكتبة السيد النجفي المرعشي برقم 24 رديف 8 / قسم 153 صفحة 393: من أرى تراثي.. إلى آخره.

[516]

لاداء القتال إلى استئصال آل الرسول صلى الله عليه وآله واضمحلال كلمة الاسلام لغلبة الاعداء. وقال بعض الشارحين (1): في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير (2): ولا يرقى إلي الطير فطفقت أرتئي بين كذا.. وكذا، فرأيت الصبر على هاتا أحجى فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا، وصبرت وفي العين قذى.. إلى آخر الفصل (3)، لانه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا ويطوي عنها كشحا، ثم يرتئي.. والتقديم والتأخير شائع في (4) لغة العرب، قال الله تعالى: [انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما] (5). انتهى (6). ويمكن أن يقال: سدل الثوب وطي الكشح لم يكن على وجه البت وتصميم العزم على الترك، بل المراد ترك العجلة والمبادرة إلى الطلب من غير تدبر في عاقبة الامر، ولعل الفقرتين بهذا المعنى أنسب. حتى مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده.. قيل: تقديره مضى على سبيله وادلى بها إلى فلان.. أي القاها إليه (7) ودفعها (8)، والتعبير بلفظ فلان كما مر، وفي نسخة ابن أبي الحديد بلفظ: ابن الخطاب (9)، وفي بعض الروايات: إلى عمر (10)، وإدلاؤه إليه بها نصبه للخلافة.


(1) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 155. (2) في شرح النهج: وتقديره. (3) في شرح النهج: ثم فصيرت وفي العين قذى.. إلى آخر القصة. (4) في شرح ابن أبي الحديد:.. والتأخير طريق لاحب، وسبيل مهيع في.. (5) الكهف: 1 و 2. (6) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 155 بتصرف واختصار. (7) كما جاء في مجمع البحرين 1 / 145، ولسان العرب 14 / 267، وغيرهما. (8) قاله في الصحاح 6 / 2340، والقاموس 4 / 328. (9) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 162. (10) كما في الاحتجاج 1 / 284، والارشاد: 153، وتلخيص الشافي 3 / 53، وغيرها.

[517]

وكان ابن الخطاب يسمي نفسه خليفة أبي بكر، ويكتب إلى عماله من خليفة أبي بكر حتى جاءه لبيد بن أبي (1) ربيعة وعدي بن حاتم فقالا لعمرو بن العاص: استأذن لنا على أمير المؤمنين.. فخاطبه عمرو بن العاص بأمير المؤمنين فجرى (2) ذلك في المكاتيب من يومئذ، ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستيعاب (3). ثم تمثل عليه السلام بقول الاعشى: شتان (4) بما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر (5) تمثل بالبيت: أنشده للمثل (6). والاعشى: ميمون بن جندل (7)، وشتان - اسم فعل - بمعنى بعد (8) وفيه معنى التعجب (9)، والكور - بالضم - رحل البعير بأداته (10)، والضمير راجع إلى الناقة، وحيان كان صاحب حصن باليمامة، وكان من سادات بني حنيفة، مطاعا في قومه يصله كسرى في كل سنة، وكان في رفاهية ونعمة مصونا من وعثاء السفر، لم يكن يسافر أبدا، وكان الاعشى ينادمه، وكان أخوه جابر أصغر سنا منه،


(1) لا توجد: أبي، في (س). (2) في (ك): وجرى. (3) الاستيعاب - المطبوع على هامش الاصابة - 2 / 466 باختصار. (4) خ. ل: شبان، جاءت في حاشية مطبوعه البحار. وفي المصادر وشروحه: شتان ما.. (5) ديوان الاعشى: 96. (6) كما جاء في القاموس 4 / 49، وغيره. (7) هو: ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف ب‍: أعشى قيس، أعشى بكر بن وائل، الاعشى الكبير، من أصحاب المعلقات في الجاهلية ة، توفي جاهلا في السنة السابعة من الهجرة، ترجم في المجاميع الادبية كما في الشعر والشعراء 79، الاغاني 9 / 108 - طبعة الدار -، آداب اللغة 1 / 109، خزانة الادب للبغدادي 1 / 48، وغيرها. (8) قاله في مجمع البحرين 2 / 207، والصحاح 1 / 255، وغيرهما. ولا توجد كلمة: بمعنى بعد، في (س). (9) كما ذكره الشيخ الرضي في شرحه على الكافية 2 / 69. (10) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 483، والصحاح 2 / 810، وغيرهما.

[518]

ويروى أن حيان عاتب الاعشى في نسبته إلى أخيه فاعتذر بأن الروي اضطرني إلى ذلك فلم يقبل عذره (1). ومعنى البيت - كما أفاده السيد المرتضى رضي الله عنه (2) - اظهار البعد بين يومه ويوم حيان لكونه في شدة من حر الهواجر (3)، وكون حيان في راحة وخفض، وكذا غرضه عليه السلام بيان البعد بين يومه صابرا على القذى والشجى وبين يومهم فائزين بما طلبوا من الدنيا، وهذا هو الظاهر المطابق للبيت التالي له، وهو مما تمثل به عليه السلام - على ما في بعض النسخ - وهو قوله: أرمي بها البيد إذا هجرت * وأنت بين القرو والعاصر (4) والبيد - بالكسر -: جمع البيداء وهي المفازة (5)، والتهجير: السير في الهاجرة، وهي نصف النهار عند شدة الحر (6)، والقرو: قدح من الخشب (7)، وقيل: إناء صغير أو إجانة للشرب (8)، والعاصر: الذي يعصر العنب للخمر (9).. أي أنا في شدة حر الشمس أسوق ناقتي في الفيافي (10) وأنت في عيش


(1) وقال له: والله لا نازعتك كأسا ابدا ما عشت، كما صرح بذلك ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 167. (2) رسائل الشريف المرتضى 2 / 110، وحكاه عنه ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 257. أقول: وقد شرح الخطبة الشقشقية السيد المرتضى كما جاء في رسائله 2 / 107 - 114، فراجع. (3) الهواجر: جمع الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، قاله في مجمع البحرين 3 / 516. (4) لم يرد هذا البيت في ديوان الاعشى. وجاء في اللسان 2 / 34، وروايته: ارمي بها البيداء إذا عرضت. (5) كما ذكره في القاموس 1 / 279، والصحاح 2 / 450. (6) قاله في الصحاح 2 / 851، والنهاية 5 / 446، وغيرهما. (7) صرح به في الصحاح 6 / 2460، والنهاية 4 / 57. (8) جاء في القاموس 4 / 377، وغيره. (9) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 406. (10) قال في النهاية 3 / 485: الفيافي: هي البراري الواسعة، جمع فيفاء. وقال في مجمع البحرين 5 / 107: الفيفاء: الصخرة الملساء والجمع فيافي - كصحاري -.

[519]

وشرب. وقال بعض الشارحين (1) المعنى: ما أبعد ما بين يومي على كور الناقة أدأب وأنصب وبين يومي (2) منادما حيان أخي جابر في خفض ودعة. فالغرض من التمثيل (3) اظهار البعد بين يومه عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله مقهورا ممنوعا عن حقه وبين يومه في صحبة النبي صلى الله عليه وآله (4). فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته.. اصل: يا عجبا: يا عجبي، قلبت الياء ألفا، كأن المتكلم ينادي عجبه ويقول له احضر فهذا أوان حضورك. وبينا: هي بين الظرفية اشبعت فتحتها فصارت الفا (5)، وتقع بعدها إذا الفجائية غالبا (6)، والاستقالة: طلب الاقالة وهو في البيع فسخه للندم، وتكون في البيعة والعهد (7) أيضا، واستقالته قوله بعدما بويع: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم. وقد روى خبر الاستقالة الطبري في تاريخه (8)، والبلاذري في أنساب


(1) المراد به هو ابن ميثم، قاله في شرحه على نهج البلاغة 1 / 257 بتصرف. (2) في المصدر: يومي - على كور المطية أدأب وأنصب في الهواجر، وبين يومي.. (3) في (س): فالغرض عن التمثيل. ومن هنا شرع كلام المصنف رحمه الله وقد انتهى كلام ابن ميثم رحمه الله. (4) وقال ابن أبي الحديد في شرحه: 1 / 168: يقول أمير المؤمنين عليه السلام: شتان بين يومي في الخلافة مع ما انتقض علي من الامر ومنيت به من انتشار الحبل واضطراب أركان الخلافة، وبين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهدة، وأركان ثابتة، وسكون شامل، فانتظم أمره، واطرد حاله، وسكنت أيامه. (5) كما صرح به في النهاية 1 / 176، ولسان العرب 13 / 66. (6) نص عليه في مجمع البحرين 6 / 220 وغيره. (7) جاء في النهاية 4 / 134، ولسان العرب 11 / 580. (8) تاريخ الطبري 2 / 450.

[520]

الاشراف (1)، والسمعاني في الفضائل (2)، وأبو عبيدة في بعض مصنفاته - على ما حكاه بعض أصحابنا (3) - ولم يقدح الفخر الرازي في نهاية العقول (4) في صحته، وإن أجاب عنه بوجوه ضعيفة، وكفى كلامه عليه السلام شاهدا على صحته، وكون العقد لآخر بين أوقات الاستقالة لتنزيل اشتراكهما في التحقيق والوجود منزلة اتحاد الزمان، أو لان الظاهر من حال المستقبل لعلمه بأن الخلافة حق لغيره بقاء ندمه وكونه متأسفا دائما خصوصا عند ظهور أمارة الموت. وقوله: بعد وفاته، ليس ظرفا لنفس العقد بل لترتب الآثار على المعقود بخلاف قوله: في حياته. والمشهور (5) أنه لما احتضر أحضر عثمان وأمره أن يكتب عهدا، وكان يمليه عليه، فلما بلغ قوله: أما بعد.. اغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلف عليكم عمر بن الخطاب.. فأفاق أبو بكر فقال: اقرأ، فقرأه فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ؟ ! قال: نعم. قال: جزاك الله


(1) أنساب الاشراف: ولم نحصل عليه فيما هو المطبوع منه. (2) الفضائل للسمعاني. (3) حديث الاستقالة تضافرت مصادره بل تواترت ألفاظه إجمالا، فقد ذكره الطبري في تاريخه 2 / 450 [4 / 52] وفيه: فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم..، وقاله ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 14 - 16 و 18، والمسعودي في مروج الذهب 1 / 414، وابن عبد البر في العقد الفريد 2 / 254، والتمهيد للباقلاني: 195، واليعقوبي في تاريخه 2 / 107، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 14، وجاء في أعلام النساء 3 / 1214، والرياض النظرة 1 / 251 - 252، والصواعق المحرقة: 51، والبداية والنهاية 6 / 305، وكنز العمال 5 / 590 و 601 و 607 و 631 و 636 و 656، حديث 14062 و 14073 و 14081 و 14118 و 14121، وبهذا المضمون في الروايات الواردة في قول أبي بكر في الثلاث اللاتي قال فيها وددت اني تركتهن... وددت اني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين - يريد بهما عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. (4) نهاية العقول: (5) كما في شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 165، وتاريخ الطبري 2 / 618 - 619، ومرت وستأتي مصادر اخرى.

[521]

خيرا عن الاسلام وأهله.. ثم أتم العهد وأمره أن يقرأه على الناس. وذهب إلى عذاب الله في ليلة الثلاثاء بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة على ما ذكره ابن أبي الحديد (1). وقال في الاستيعاب (2): قول الاكثر أنه توفي عشي يوم الثلاثاء المذكور، وقيل ليلته، وقيل عشي يوم الاثنين، قال: ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال أو سبع ليال، وقيل: أكثر من ذلك إلى عشرين يوما (3). والسبب - على ما حكاه عن الواقدي (4) - أنه اغتسل في يوم بارد، فحم (5) ومرض خمسة عشر يوما. وقيل: سل (6). وقيل سم (7)، وغسلته زوجته أسماء بنت عميس، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن ليلا في بيت عائشة (8). لشد ما تشطرا ضرعيها.. اللام جواب القسم المقدر، وشد.. أي صار شديدا، وكلمة ما مصدرية، والمصدر فاعل شد، ولا يستعمل هذا الفعل إلا في التعجب.


(1) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 166. (2) الاستيعاب - المطبوع بهامش الاصابة - 2 / 256 - 257. (3) ترجمته في جل كتب التاريخ والرجال والتراجم نذكر منها: طبقات ابن سعد 9 / 26 - 28، الاصابة ترجمة رقم: 4808، تاريخ ابن الاثير 2 / 160، تاريخ الطبري 4 / 46، تاريخ اليعقوبي 2 / 106، صفة الصفوة 1 / 88، حلية الاولياء 4 / 93، الرياض النظرة: 44 و 187، وتاريخ الاسلام - عهد الخلفاء الراشدين -: 5 - 41، وغيرها. وفي تاريخ الخميس 2 / 199: قيل: وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فغيره رسول الله. (4) الاستيعاب - المطبوع في هامش الاصابة - 2 / 256 - 257. (5) في (ك): فخم، وهو غلط. (6) قال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل.. وحكاه في الاستيعاب. (7) القاتل هو سلام بن أبي مطيع. (8) انظر: تاريخ الطبري 2 / 612، وتاريخ الخلفاء: 62.

[522]

وتشطرا: إما مأخوذ من الشطر - بالفتح - بمعنى النصف، يقال: فلان شطر ماله.. أي نصفه (1)، فالمعنى أخذ كل واحد منهما نصفا من ضرعي الخلافة، وأما منه بمعنى خلف الناقة - بالكسر - أي حلمة ضرعها (2)، يقال: شطر ناقته تشطيرا: إذا صر خلفين من اخلافها (3).. أي شد عليهما الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف لئلا يرضع منه الولد (4)، وللناقة اربعة اخلاف، خلفان قادمان - وهما اللذان يليان السرة -، وخلفان آخران (5). وسمى عليه السلام خلفين منها ضرعا لاشتراكهما في الحلب دفعة، ولم نجد التشطر على صيغة التفعل في كلام اللغويين. وفي رواية المفيد رحمه الله (6) وغيره (7): شاطرا - على صيغة المفاعلة - يقال: شاطرت ناقتي، إذا احتلبت شطرا وتركت الآخر (8)، وشاطرت فلانا مالي: إذا ناصفته (9). وفي كثير من روايات السقيفة أنه عليه السلام قال - لعمر بن الخطاب بعد يوم السقيفة -: احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم يرده عليك غدا (10).


(1) كما ذكره في القاموس 2 / 58، ولسان العرب 4 / 406. (2) نص عليه في لسان العرب 9 / 92، والصحاح 4 / 1355. (3) كما في صحاح اللغة 2 / 697، ولسان العرب 4 / 407. (4) كذا في الصحاح 2 / 711، واللسان 4 / 451، وغيرهما. (5) قال في الصحاح 4 / 1355: والخلف - بالكسر -: حلمة ضرع الناقة القادمان والآخران. (6) الارشاد 153، وفيه: تشطرا. (7) وجاء في الاحتجاج 1 / 191، وتلخيص الشافي 3 / 54 نظير ما ذكره في الارشاد، وفي الامالي: 1 / 383: شطر. (8) صرح به في الصحاح 2 / 697، وغيره. (9) كما في القاموس 2 / 58، والصحاح 2 / 697. (10) كما ذكره ابن قتيبة في الامامة والسياسة: 12 وغيره، وسيأتي نص كلامه. قال في مجمع الامثال 1 / 255 برقم 1029:.. يضرب في الحث على الطلب والمساواة في المطلوب.

[523]

وقد مهد عمر أمر البيعة لابي بكر يوم السقيفة، ثم نص أبو بكر عليه لما حضر أجله، وكان قد استقضاه في خلافته وجعله وزيرا في أمرها مساهما (1) في وزرها، فالمشاطرة تحتمل الوجهين. وفي رواية الشيخ (2) والطبرسي (3) ذكر التمثل في هذا الموضع بعد قوله: ضرعيها. فصيرها في حوزة خشناء يغلض كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها.. وليست (فيها) في كثير من النسخ (4). والحوزة - بالفتح -: الناحية والطبيعة (5). والغلظ: ضد الرقة (6)، والكلم - بالفتح - الجرح (7)، وفي الاسناد توسع، وخشونة المس: الايذاء والاضرار وهو (8) غير ما يستفاد من الخشناء، فإنها عبارة عن كون الحوزة بحيث لا ينال ما عندها ولا يفوز بالنجاح من قصدها، كذا قيل. وقال بعض الشراح: يمكن أن يكون (من) في " الاعتذار منها " للتعليل، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لاجل تلك الحوزة (9). وقال بعض الافاضل: الظاهر أن المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولي


(1) في (س): مساوما. (2) في أماليه: 1 / 383: قال ثم تمثل.. وذكر البيت الشيخ المفيد في الارشاد: 153، من دون قوله: تمثل. (3) الاحتجاج: 192 [النجف 1 / 284] قال: ثم تمثل بقول الاعشى.. وكذا ذكره الشيخ في تلخيص الشافي 3 / 54 أيضا. (4) كما في أمالي الشيخ 1 / 383، ومعاني الاخبار: 343، وغيرهما. (5) نص عليه في القاموس 2 / 174، وقريب منه ما في لسان العرب 5 / 342 - 343. (6) كما ذكره في القاموس 2 / 397، ولسان العرب 7 / 449. (7) جاء في مجمع البحرين 6 / 157، والصحاح 5 / 2023، وغيرهما. (8) جاءت نسخة بدل في حاشية المطبوع من البحار: وهي. (9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 171.

[524]

للخلافة بالارض الخشناء في ناحية الطريق المستوي، وتشبيه الخلافة بالراكب السائر فيها أو بالناقة.. أي أخرجها عن مسيرها المستوي وهو من يستحقها إلى تلك الناحية الحزنة، فيكثر عثارها، أو عثار مطيتها (1) فيها، فاحتاجت إلى الاعتذار من عثراتها الناشئة من خشونة الناحية، وهو في الحقيقة اعتذار من الناحية، فالعاثر والمعتذر حينئذ هي الخلافة توسعا، والضمير المجرور في (منها) راجع إلى الحوزة أو إلى العثرات المفهومة من كثرة العثار، ومن صلة للاعتذار أو للصفة المقدرة صفة (2) للاعتذار، أو حالا عن (يكثر).. أي الناشئ أو ناشئا منها، وعلى ما في كثير من النسخ يكون الظرف المتضمن لضمير الموصوف أعني فيها محذوفا، والعثار والاعتذار على النسختين إشارة إلى الخطأ في الاحكام وغيرها، والرجوع عنها كقصة الحاملة والمجنونة وميراث الجد.. وغيرها (3). وفي الاحتجاج (4): فصيرها والله (5) في ناحية خشناء، يجفو مسها، ويغلظ كلمها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها حزم (6)، وإن أسلس لها تقحم، يكثر فيها العثار، ويقل فيها الاعتذار (7)... فالمعنى انه كان يعثر كثيرا ولا يعتذر منها لعدم المبالاة، أو للجهل، أو لانه لم يكن لعثراته عذر حتى يعتذر، فالمراد بالاعتذار إبداء العذر ممن كان معذورا ولم يكن مقصرا.


(1) في (س): مطيها. (2) لا توجد: صفة، في (ك). (3) جاء بألفاظ متقاربة ذكرها ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 258 - 259. (4) الاحتجاج: 192 [النجف 1 / 284 - 285]. (5) لا يوجد لفظ الجلالة في الطبعتين من الاحتجاج، وجاء في الامالي للشيخ الطوسي 1 / 383، والارشاد للمفيد: 153.. وجملة من المصادر. (6) في المصدر: خرم. (7) في المصدر بتقديم جملة: ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، على قوله: فصاحبها كراكب.. إلى آخره.

[525]

وفي رواية الشيخ (1) رحمه الله: فعقدها والله في ناحية خشناء، يخشن مسها - وفي بعض النسخ: يخشى مسها -، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار والاعتذار فيها، صاحبها منها كراكب الصعبة إن شنق لها حزم، وإن أسلس لها عصفت به (2). فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم.. الصعبة من النوق: غير المنقادة (3)، واشنق بعيره.. أي جذب رأسها بالزمام، ويقال: اشنق البعير بنفسه: إذا رفع رأسه، يتعدى ولا يتعدى (4)، واللغة المشهورة: شنق كنصر متعديا بنفسه، ويستعملان باللام، كما صرح به في النهاية (5). قال السيد رحمه الله في النهج (6) - بعد إتمام الخطبة - قوله عليه السلام: في هذه الخطبة - كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم.. يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها، يقال: أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه وشنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق (7)، وإنما قال: أشنق لها ولم يقل أشنقها لانها جعله في مقابلة قوله: أسلس لها، فكأنه عليه


(1) أمالي الشيخ 1 / 383. (2) في الامالي: عسفت به - بالسين -. (3) قال في مجمع البحرين 2 / 100: والناقة الصعبة: خلاف الذلول. وقال في النهاية 3 / 29: من كان مصعبا.. أي من كان بعيره صعبا غير منقاد ولا ذلول. (4) كما في الصحاح 4 / 1504، ولسان العرب 10 / 187. (5) النهاية 2 / 506، ومثله في لسان العرب 10 / 187، وفيهما: وفي حديث على [عليه السلام]: ان أشنق لها خرم. (6) نهج البلاغة - محمد عبده -: 1 / 37 - 38، صبحي صالح: 50 ذيل خطبة 3. (7) اصلاح المنطق: 36.

[526]

السلام قال: إن رفع لها رأسها بالزمام (1) بمعنى أمسكه عليها (انتهى). فاللام (2) للازدواج، والخرم: الشق، يقال: خرم فلانا - كضرب -.. أي شق وترة أنفه، وهي ما بين منخريه فخرم هو كفرح (3)، والمفعول محذوف وهو ضمير الصعبة كما يظهر من كلام بعض اللغويين، أو أنفها كما يدل عليه كلام السيد وابن الاثير وبعض الشارحين، واسلس لها.. أي ارخى زمامها لها (4)، وتقحم.. أي رمى نفسه في مهلكة، وتقحم الانسان الامر.. أي رمى نفسه (5) فيها من غير روية (6). وذكروا في بيان المعنى وجوها: منها: ان الضمير في صاحبها يعود إلى الحوزة المكنى بها عن الخليفة أو أخلاقه (7)، والمراد بصاحبها من يصاحبها كالمستشار وغيره، والمعنى ان المصاحب للرجل المنعوت حاله في صعوبة الحال كراكب الناقة الصعبة، فلو تسرع إلى إنكار القبائح من أعماله أدى إلى الشقاق بينهما وفساد الحال، ولو سكت وخلاه وما يصنع أدى إلى خسران المال. ومنها: ان الضمير راجع إلى الخلافة أو إلى الحوزة، والمراد بصاحبها نفسه عليه السلام، والمعنى ان قيامي في طلب الامر يوجب مقاتلة ذلك الرجل وفساد أمر الخلافة رأسا، وتفرق نظام المسلمين، وسكوتي (8) عن يورث التقحم في موارد


(1) لا توجد: بالزمام، في طبعة محمد عبده، وفي طبعة صبحي صالح: امسكه عليها بالزمام. (2) يعني اللام في قوله: أشنق لها.. (3) كما في القاموس 4 / 104، وتاج العروس 8 / 271، وقريب منهما ما في لسان العرب 12 / 170. (4) قال في مجمع البحرين 4 / 78، والمصباح المنير 1 / 344: سلس سلسا - من باب تعب -: سهل ولان، وعليه فإن ما ذكره قدس سره لازم للمعنى لانفسه. (5) لا توجد: نفسه، في طبعة (س). (6) كما جاء في النهاية 4 / 18، ولسان العرب 12 / 462 - 463، وغيرها. (7) في (ك): اخلافه. (8) في (ك): سكوني.

[527]

الذل والصغار. ومنها: ان الضمير راجع إلى الخلافة، وصاحبها من تولى أمرها مراعيا للحق وما يجب عليه، والمعنى أن المتولي لامر الخلافة إن أفرط في إحقاق الحق وزجر الناس عما يريدونه بأهوائهم أوجب ذلك نفار طباعهم وتفرقهم عنه، لشدة الميل إلى الباطل، وإن فرط في المحافظة على شرائطها ألقاه التفريط في موارد الهلكة، وضعف هذا الوجه وبعده واضح. هذا ما قيل فيه (1) من الوجوه، ولعل الاول أظهر (2). ويمكن فيه تخصيص الصاحب به عليه السلام، فالغرض بيان مقاساته الشدائد في أيام تلك الحوزة الخشناء للمصاحبة، وقد كان يرجع إليه عليه السلام بعد ظهور الشناعة في العثرات، ويستشيره في الامور للاغراض. ويحتمل عندي وجها [كذا] آخر وهو: أن يكون المراد بالصاحب عمر، وبالحوزة سوء أخلاقه، ويحتمل إرجاع الضمير إلى الخلافة. والحاصل: انه كان لجهله بالامور، وعدم استحقاقه للخلافة، واشتباه الامور عليه كراكب الصعبة، فكان يقع في امور لا يمكنه التخلص منها أو لم يكن شئ من اموره خاليا عن المفسدة، فإذا استعمل الجرأة والجلادة (3) والغلظة كانت على خلاف الحق، وإن استعمل اللين كان للمداهنة في الدين. فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس وتلون واعتراض.. مني - على المجهول - أي ابتلي (4)، والعمر - بالضم والفتح -: مصدر عمر الرجل - بالكسر - إذا عاش زمانا طويلا (5)، ولا يستعمل في القسم الا العمر


(1) لا توجد: فيه، في (س). (2) ذكره هذه الوجوه مفصلا ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 259 - 260، فلاحظ. (3) الجلادة: الصلابة، كما في الصحاح 2 / 458 وغيره. (4) كما جاء في القاموس 4 / 391، ولسان العرب 15 / 293. (5) قاله في مجمع البحرين 3 / 413، والصحاح 2 / 756.

[528]

- بالفتح -، فإذا ادخلت عليه اللام رفعته بالابتداء، واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير لعمر الله قسمي، وان لم تأت باللام نصبته نصب المصادر، والمعنى على التقديرين (1) أحلف ببقاء الله ودوامه (2)، والخبط - بالفتح -: السير على غير معرفة وفي غير جادة (3)، والشماس - بالكسر - النغار (4) يقال: شمس الفرس شموسا وشماسا.. أي منع ظهره، فهو فرس شموس - بالفتح - وبه شماس (5)، والتلون في الانسان: ان لا يثبت على خلق واحد (6)، والاعتراض: السير على غير استقامة كأنه يسير عرضا (7). والغرض بيان شدة ابتلاء الناس في خلافته بالقضايا الباطلة لجهلة واستبداده برأيه مع تسرعه إلى الحكم وإيذائهم بحدته وبالخشونة في الاقوال والافعال الموجبة لنفارهم عنه، وبالنفار عن الناس كالفرس الشموس، والتلون في الآراء والاحكام لعدم ابتنائها على أساس قوي، وبالخروج عن الجادة المستقيمة التي شرعها الله لعباده، أو بالوقوع في الناس في مشهدهم ومغيبهم، أو بالحمل على الامور الصعبة، والتكاليف الشاقة. ويحتمل أن يكون الاربعة أوصافا للناس


(1) أي على تقدير دخول اللام وعدمها. (2) نص عليه في الصحاح 2 / 752، ولسان العرب 4 / 601 - 602. (3) قال في مجمع البحرين 4 / 244: والخبط: حركة على غير النحو الطبيعي وعلى غير اتساق، والخبط: المشي على غير الطريق. وقال في القاموس 2 / 356: خبط الليل: سار فيه على غير هدى. (4) قال في النهاية 2 / 501: شمس - جمع شموس - وهو النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته، وبنصه في لسان العرب 6 / 113. أقول: إن ملاحظة اللغة والسياق يقوي في النظر أن: النغار - بالغين المعجمة - صحيحها النفار - بالفاء -، ولعله يقرأ بالفاء في (ك). (5) ذكره في الصحاح 2 / 940، وقريب منه في مجمع البحرين 4 / 80. (6) كما في مجمع البحرين 6 / 316، والصحاح 6 / 2197، وغيرهما. (7) قال في القاموس 2 / 335: والاعتراض: المنع، والاصل فيه أن الطريق إذا اعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه مطاوع العرض. وقال في الصحاح 3 / 1084: واعترض الشئ: صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر.. واعترض الفرس في رسنه: لم يستقم لقائده.

[529]

في مدة خلافته، فإن خروج الوالي عن الجادة يستلزم خروج الرعية عنها أحيانا، وكذا تلونه واعتراضه يوجب تلونهم واعتراضهم على بعض الوجوه، وخشونته يستلزم نفارهم، وسيأتي تفاصيل تلك الامور في الابواب الآتية إن شاء الله تعالى. فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم.. وفي تلخيص الشافي: زعم أني سادسهم (1). والمحنة: البلية التي يمتحن بها الانسان (2). والزعم (3) - مثلثة - قريب من الظن (4). وقال ابن الاثير: انما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه (5). وقال الزمخشري: هي ما لا يوثق به من الاحاديث (6). وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: كل زعم في القرآن كذب (7). وكانت مدة غصبه للخلافة - على ما في الاستيعاب - عشر سنين وستة أشهر. وقال: قتل يوم الاربعاء لاربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقال الواقدي وغيره: لثلاث بقين منه، طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة (8).


(1) تلخيص الشافي 3 / 54. (2) كما جاء في الصحاح 6 / 2201، ولسان العرب 13 / 401، وغيرهما. (3) كررت كلمة: والزعم في (س)، وقد خط على الثانية في (ك)، وهو الظاهر. (4) قال في القاموس 4 / 124: الزعم - مثلثة - القول الحق والباطل والكذب، ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه، ونحوه جاء في لسان العرب 12 / 264. (5) صرح بذلك في النهاية 2 / 303، ونحوه في لسان العرب 12 / 267. (6) قال في لسان العرب 12 / 267: وقال الزمخشري: معناه انهما يتحادثان بالزعمات وهي.. إلى آخر ما في المتن. وقال في كتاب العين 1 / 364: " هذه لله بزعمهم " ويقرأ بزعمهم أي بقولهم الكذب. (7) قال في مجمع البحرين 6 / 79: وفي الحديث: كل زعم في القرآن كذب. (8) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 2 / 467.

[530]

واشتهر بين الشيعة أنه قتل في التاسع من ربيع الاول، وسيأتي فيه بعض الروايات. والجماعة الذين أشار عليه السلام إليهم أهل مجلس الشورى، وهم ستة - على المشهور -: علي عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف. وقال الطبري (1): لم يكن طلحة ممن ذكر في الشورى ولا كان يومئذ بالمدينة. وقال احمد بن أعثم (2): لم يكن بالمدينة. فقال عمر: انتظروا بطلحة ثلاثة أيام، فإن جاء وإلا فاختاروا رجلا من الخمسة. فيا لله وللشورى.. الشورى - كبشرى، مصدر - بمعنى المشورة (3)، واللام في فيا لله: مفتوحة لدخولها على المستغاث، ادخلت للدلالة على اختصاصها بالنداء للاستغاثة، وأما في: وللشورى فمكسورة دخلت على المستغاث له (4)، والواو زائدة أو عاطفة على محذوف مستغاث (5) له أيضا، قيل: كأنه قال: فيا لعمر وللشورى.. أو: لي وللشورى.. ونحوه، والاظهر فيا لله لما أصابني عنه، أو لنوائب الدهر عامة وللشورى خاصة، والاستغاثة للتألم من الاقتران بمن لا يدانيه في الفضائل، ولا يستأهل للخلافة، وسيأتي قصة الشورى في بابها. متى (6) اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه


(1) في تاريخه 3 / 292 باب قصة الشورى. (2) في الفتوح 2 / 327، وانظر تاريخ الاسلام للذهبي - عهد الخلفاء الراشدين -: 281، وطبقات ابن سعد 3 / 344 وغيرها. (3) نص عليه في الصحاح 2 / 705، ولسان العرب 4 / 437. (4) كما في مجمع البحرين 6 / 170، والصحاح 5 / 2035، وغيرهما. (5) هنا كلمة: ليس، وضعت في حاشية (ك) وارجعت إلى هنا وبعدها: صح. ولم نجد لها وجها مناسبا. (6) في (س): مع.

[531]

النظائر.. وفي رواية الشيخ (1) وغيره: فيا للشورى والله (2)، متى اعترض الريب (3) في مع الاولين، فأنا الآن اقرن.. وفي الاحتجاج (4): مع الاولين منهم حتى صرت الآن يقرن بي هذه (5) النظائر. ويقال (6): اعترض الشئ.. أي صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر (7)، والريب: الشك (8)، والمراد بالاول أبو بكر. وأقرن إليهم - على لفظ المجهول - أي اجعل قرينا لهم ويجمع بيني وبينهم. والنظائر الخمسة: أصحاب الشورى، وقيل: الاربعة كما سيأتي، والتعبير عنهم بالنظائر لان عمر جعلهم نظائر له عليه السلام، أو لكون كل منهم نظير الآخرين. لكني أسففت أن (9) أسفوا وطرت إذ طاروا.. وفي رواية الشيخ (10): و (11) لكني أسففت مع القوم حيث أسفوا وطرت مع القوم حيث طاروا.. قال في النهاية - في شرح هذه الفقرة -: اسف الطائر: إذا دنا من


(1) الامالي 1 / 383. (2) في المصدر: ولله. (3) لا توجد: الريب، في (س). (4) الاحتجاج: 193 [طبعة النجف 1 / 286]. (5) في المصدر: مع الاول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه.. (6) خط على الواو، في (ك). (7) صرح به في الصحاح 3 / 1083، ولسان العرب 7 / 168 وغيرهما. (8) نص عليه في مجمع البحرين 2 / 76، والصحاح 1 / 141. (9) في (ك): إذ. (10) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 383. (11) لا توجد الواو في (ك).

[532]

الارض، واسف الرجل للامر: إذا قاربه (1)، وطرت.. أي ارتفعت استعمالا للكلي في أكمل الافراد بقرينة المقابلة. وقال بعض الشارحين (2): أي لكني طلبت الامر إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة لانه حقي ولم أستنكف من طلبه. والاظهر ان المعنى اني جريت معهم على ماجروا، ودخلت في الشورى مع أنهم لم يكونوا نظراء لي، وتركت المنازعة للمصلحة أو الاعم من ذلك بأن تكلمت معهم في الاحتجاج أيضا بما يوافق رأيهم، وبينت الكلام على تسليم حقية ما مضى من الامور الباطلة، وأتممت الحجة عليهم على هذا الوجه. فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هن وهن. الصغي: الميل، ومنه اصغيت إليه: إذا ملت بمسعك نحوه (3). والضغن - بالكسر - الحقد والعداوة (4)، والصهر - بالكسر -: حرمة الختونة (5). وقال الخليل: الاصهار: اهل بيت المرأة، ومن العرب من يجعل الصهر من الاحماء والاختان (6) جميعا (7). وهن على وزن اخ: كلمة كناية ومعناه شئ واصله هنو (8). وقال الشيخ الرضي رضي الله عنه: الهن: الشئ المنكر الذي يستهجن


(1) النهاية 2 / 275، وانظر: لسان العرب 9 / 154. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 184 بتصرف في النقل. (3) كما في الصحاح 6 / 2401، وفي القاموس 4 / 352 نحوه، إلا أن كلمة نحوه لا توجد فيه. (4) ذكره في النهاية 3 / 91، وقريب منه ما في مجمع البحرين 6 / 275. (5) جاء في القاموس 2 / 74، ولسان العرب 4 / 471، وكتاب العين 3 / 411. (6) إلى هنا نقل في مجمع البحرين 3 / 370 عن الخليل. (7) وحكاه عنه في الصحاح 2 / 717 بنصه. وفي كتاب العين 3 / 411 نص بقوله: ولا يقال لاهل بيت الختن الا اختان، ولاهل بيت المرأة الاصهار، ومن العرب من يجعلهم [وفي نسخة مكتبة المتحف وفي نسخة الصدر وطهران: يجعله.] كلهم أصهارا. (8) صرح به في مجمع البحرين 1 / 479، والصحاح 6 / 2536.

[533]

ذكره من العورة والفعل القبيح أو غير ذلك (1)، والذي مال للضغن سعد بن أبي وقاص، لانه عليه السلام قتل أباه يوم بدر، وسعد أحد (2) من قعد عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام عند رجوع الامر إليه، كذا قال الراوندي رحمه الله (3). ورده ابن أبي الحديد (4) بأن أبا وقاص - واسمه مالك بن وهيب (5) - مات في الجاهلية حتف أنفه، وقال: المراد به طلحة، وضغنه لانه تيمي وابن عم أبي بكر، وكان في نفوس بني هاشم حقد (6) شديد من بني تيم لاجل الخلافة وبالعكس، والرواية التي جاءت بأن طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى - إن صحت - فذو الضغن هو سعد، لان امه حمنة (7) بنت سفيان بن امية بن عبد شمس، والضغنة التي كانت عنده من قبل أخواله الذين قتلهم علي عليه السلام، ولم يعرف أنه عليه السلام قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضغن إليه، والذي مال لصهره هو عبد الرحمن لان أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجة عبد الرحمن، وهي اخت عثمان من امه أروى (8) بنت كويز (9) بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. وفي بعض نسخ كتب الصدوق رحمه الله (10): فمال رجل بضبعه - بالضاد المعجمة والباء - وفي بعضها: باللام (11). وقال الجوهري: الضبع: العضد.. وضبعت الخيل.. مدت أضباعها في


(1) نص عليه في شرح الرضي 1 / 25. (2) في (ك): واحد، والظاهر أن الواو زائدة. (3) في شرحه على النهج، منهاج البراعة 1 / 127. (4) في شرح النهج 1 / 189، وجاء بهذا المضمون من نفس المجلد: 187 - 188، فراجع. (5) في المصدر: اهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. (6) في شرح النهج 1 / 188: حنق، وهي نسخة في مطبوع البحار. (7) الكلمة في (س) مشوشة. (8) في (س): ادوى. (9) في (ك) جاءت نسخة بدل: كريز.. وهي كذلك في شرح النهج. (10) كما في معاني الاخبار: 344. (11) علل الشرائع 1 / 151.

[534]

سيرها..، وقال الاصمعي: الضبع: ان يهوي بحافره إلى عضده، وكنا في ضبع فلان - بالضم - أي في كنفه وناحيته (1). وقال: يقال ضلعك مع فلان.. أي ميلك معه وهواك.. ويقال: خاصمت فلانا فكان ضلعك علي.. أي ميلك (2). وفي رواية الشيخ (3): فمال رجل لضغنه وأصغى آخر لصهره.. ولعل المراد بالكناية رجاؤه أن ينتقل الامر إليه بعد عثمان، وينتفع بخلافته والانتساب إليه باكتساب الاموال والاستطالة والترفع على الناس، أو نوع من الانحراف عنه عليه السلام، وقد عد من المنحرفين أو غير ذلك مما هو عليه السلام أعلم به، ويحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالمعطوف والمعطوف عليه كليهما، فالكناية تشتمل ذا الضغن أيضا. إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع. وفي رواية الشيخ (4): إلى أن قام الثالث نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه منها، وأسرع معه بنو أبيه في مال الله يخضمونه.. والحضن - بالكسر - ما دون الابط إلى الكشح (5)، والنفج - بالجيم -: الرفع (6) يقال: بعير منتفج الجنبين: إذا امتلا من الاكل فارتفع جنباه (7)، ورجل


(1) كما صرح بذلك في الصحاح 3 / 1247 (2) الصحاح 3 / 1251. (3) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 383. (4) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 383. (5) قاله في الصحاح 5 / 2101، والقاموس 4 / 215، وغيرهما. (6) كما في الصحاح 1 / 345، والقاموس 1 / 210. (7) قال في الصحاح 1 / 346: وانتفج جنبا البعير: ارتفعا. وقال في النهاية 5 / 89: إذا ارتفعا وعظما خلقة، ونفجت الشئ فانتفج.. أي رفعته وعظمته.

[535]

منتفج (1) الجنبين: إذا افتخر بما ليس فيه (2)، وظاهر المقام التشبيه بالبعير. وقال ابن الاثير: كنى به (3) عن التعاظم والخيلاء (4)، قال: ويروى نافخا - بالخاء المعجمة (5) - أي منتفخا مستعدا (6) لان يعمل عمله من الشر (7)، والظاهر على هذه الرواية أن المراد كثرة الاكل. والنثيل: الروث - بالفتح (8) -، والمعتلف - بالفتح - موضع الاعتلاف، وهو اكل الدابة العلف.. (9) أي كان همه الاكل والرجع كالبهائم، وقد مر تفسير ما في رواية الصدوق رحمه الله (10). قال في القاموس: النثيل - بالفتح والكسر (11) - وعاء قضيب البعير.. أو القضيب نفسه (12)، والخضم: الاكل بجميع الفم ويقابله القضم.. أي باطراف الاسنان (13). وقال في النهاية - في حديث علي عليه السلام (14) -: فقام معه بنو أبيه (15)


(1) في (س): منتفخ. (2) قال في القاموس 1 / 210: النفاج: المتكبر كالمنتفج.. وتنفج: افتخر بأكثر مما عنده. وقال في المصباح المنير 2 / 324: نفج الانسان - من باب قتل - فخر بما ليس عنده فهو نفاج. (3) أي بقوله عليه السلام: نافجا حضنيه. (4) النهاية 5 / 89. (5) لا توجد: بالخاء المعجمة، في المصدر. (6) في المصدر: منتفخ مستعد، وكلاهما بالرافع. (7) النهاية 5 / 90. (8) صرح به في مجمع البحرين 5 / 477، والصحاح 5 / 1825. (9) جاء في لسان العرب 9 / 256، وتاج العروس 6 / 205. (10) في صفحة: 503 من هذا المجلد. (11) في (س): بالكسر، فحسب. (12) القاموس 3 / 344، باختلاف يسير. (13) كما في مجمع البحرين 6 / 59، والصحاح 5 / 1913 و 2013. (14) في المصدر: الترضية، بدلا من: التسليم. (15) في النهاية: بنو أمية، بدلا من: بنو أبيه.

[536]

يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع..: الخضم: الاكل باقصى الاضراس، والقضم بادناها، ومنه حديث أبي ذر: تأكلون خضما ونأكل قضما (1)، وقيل: الخضم خاص بالشئ الرطب (2) والقضم باليابس، والفعل خضم - كعلم - على قول الجوهري (3) وابن الاثير (4). وفي القاموس: كسمع وضرب (5)، واعرب المضارع في النسخ على الوجهين جميعا. وقالوا: النبتة - بالكسر - ضرب من فعل النبات يقال: انه لحسن النبتة (6)، والكلام إشارة إلى تصرف عثمان وبني أمية في بيت مال المسلمين وإعطائه الجوايز وإقطاعه القطائع (7) كما سيأتي إن شاء الله. إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته.. وفي الاحتجاج (8): إلى أن كبت به (9) بطنته وأجهز عليه عمله.. والانكاث: الانتقاض، يقال: نكث فلان العهد والحبل فانتكث.. أي نقضه فانتقض (10). وفتل الحبل: برمه ولي شقيه (11). والاجهاز: اتمام قتل


(1) النهاية 2 / 44. (2) كما نص عليه في مجمع البحرين 6 / 59، والقاموس 4 / 107. (3) الصحاح 5 / 1913. (4) النهاية 2 / 44. (5) القاموس 4 / 107. (6) قال في لسان العرب 2 / 96: والنبتة: شكل النبات وحالته التي ينبت عليها، والنبتة: الواحدة من النبات، حكاه أبو حنيفة، فقال: العقيفاء: نبتة ورقها مثل ورق السذاب، وقال في موضع آخر: انما قدمناها لئلا يحتاج إلى تكرير ذلك عند ذكر كل نبت. أراد عند كل نوع من النبت. ونحوه في تاج العروس 1 / 590. (7) في (ك) نسخة بدل: القواطع. (8) الاحتجاج 1 / 287. (9) في المصدر: إلى أن انتكث عليه فتله وكبت به.. إلى آخره. (10) نص عليه في الصحاح 1 / 295، والمصباح المنير 2 / 335. (11) قال في لسان العرب 11 / 514: الفتل: لي الشئ كليك الحبل. وقال في القاموس 4 / 28: فتله يفتله: لواه.. والفتلة.. برمة العرفط. وقال فيه أيضا 4 / 78: وأبرم الحبل: جعله طاقين ثم =

[537]

الجريح واسراعه (1)، وقيل: فيه (2) ايماء إلى ما أصابه قبل القتل من طعن أسنة الالسنة وسقوطه عن أعين الناس. وكبا الفرس: سقط على وجهه (3)، وكبا به: أسقطه. والبطنة: الكظة، أي: الامتلاء من الطعام (4). والحاصل أنه استمرت أفعالهم المذكورة إلى أن رجع عليه حيله وتدابيره ولحقه وخامة العاقبة فوثبوا عليه وقتلوه، كما سيأتي بيانه. فما راعني إلا والناس ينثالون علي من كل جانب.. وفي الاحتجاج (5): الا والناس رسل الي كعرف الضبع يسألون أن ابايعهم وانثالوا على حقي (6).. وفي رواية الشيخ (7): فما راعني من الناس إلا وهم رسول كعرف الضبع يسألوني ابايعهم وأبى ذلك (8)، وانثالوا علي.. والروع - بالفتح - الفزع والخوف، يقال: رعت فلانا وروعته فارتاع.. أي افزعته ففزع، وراعني الشئ أي اعجبني (9)، والاول هنا أنسب.


= فتله. وقال في مجمع البحرين 6 / 16: الابرام - في الاصل - فتل الحبل، والنقض - بالضاد المعجمة: - نقيضه. (1) صرح بذلك في المصباح المنير 1 / 139، وقريب منه في لسان العرب 5 / 325. (2) لا توجد في (س): فيه. (3) كما في مجمع البحرين 1 / 356، ومثله في القاموس 4 / 381، قال: كبا كبوا وكبوا: انكب على وجهه.. وكبا الكوز: صب ما فيه. (4) جاء في الصحاح 5 / 2080، وزاد فيه: امتلاء شديدا، ونحوه في لسان العرب 13 / 52 - 53. (5) الاحتجاج 1 / 287. (6) في المصدر:.. الضبع ينثالون علي من كل جانب حتى.. (7) في أماليه 1 / 383. (8) كذا، والظاهر: وآبى ذلك. (9) نص عليه في الصحاح 3 / 1223، ولسان العرب 8 / 136.

[538]

والثول: صب ما في الاناء، وانثال: انصب (1). وفي بعض النسخ الصحيحة: والناس إلي كعرف الضبع ينثالون (2).. والعرف: الشعر الغليظ النابت (3) على عنق الدابة (4)، وعرف الضبع (5) مما يضرب به المثل في الازدحام. وفي القاموس: الرسل - محركة - القطيع من كل شئ.. والرسل - بالفتح -.. المترسل من الشعر، وقد رسل - كفرح - رسلا.. (6) أي ما أفزعني حالة إلا حالة ازدحام الناس للبيعة، وذلك لعلمهم بقبح العدول عنه عليه السلام إلى غيره. حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي... الوطئ: الدوس بالقدم (7)، والحسنان السبطان صلوات الله عليهما، ونقل عن السيد المرتضى رضي الله (8) عنه أنه قال: روى أبو عمر (9): وأنهم الابهامان، وأنشد للشفري (10):


(1) صرح به في النهاية 1 / 230، ولسان العرب 11 / 95. وفي (ك): وانصب. (2) كما في تلخيص الشافي للشيخ الطوسي 3 / 56 وغيره، وقريب منه في علل الشرائع للشيخ الصدوق 1 / 151. (3) في (ك): الثابت. (4) قاله في المصباح المنير 2 / 62، إلا أنه لم يصف الشعر بالغليظ، ومثله في القاموس 3 / 173، قال: والعرف: شعر عنق الدابة. (5) قال في لسان العرب 8 / 241: والضبع يقال لها: عرفاء، لطول عرفها وكثرة شعرها. (6) القاموس 3 / 384. (7) كما جاء في النهاية 5 / 200، ولسان العرب 1 / 197، وغيرهما. (8) كما حكاه ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 265. (9) هو ابو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم الباوردي (261 - 345 ه‍) المعروف ب‍: غلام ثعلب، من أئمة اللغة، له جمله مصنفات، انظر عنه: وفيات الاعيان 1 / 500، تاريخ بغداد 2 / 356، لسان الميزان 5 / 268، تذكرة الحفاظ 3 / 86، الوافي بالوفيات 4 / 72 وغيرها. (10) في شرح النهج: المشنفري، الظاهر: الشنفري.

[539]

مهضومة الكشحين حزماء (1) الحسن... وروى أنه صلوات الله عليه كان يومئذ جالسا محتبيا - وهي جلسة رسول الله صلى الله عليه وآله المسماة بالقرفصاء (2) - فاجتمعوا ليبايعوه زاحموا حتى وطؤوا إبهاميه، وشقوا ذيله، قال (3): ولم يعن الحسن والحسين عليهما السلام وهما رجلان كسائر الحاضرين. وعطفا الرجل - بالكسر - جانباه (4)، فالمراد شق جانبي قميصه عليه السلام أو ردائه عليه السلام لجلوس الناس أو وضع الاقدام وزحامهم حوله. وقيل (5): أراد خدش جانبيه عليه السلام لشدة الاصطكاك والزحام. وفي بعض النسخ الصحيحة: وشق عطافي، وهو - بالكسر - الرداء (6)، وهو أنسب. مجتمعين حولي كربيضة (7) الغنم.. الربيض والربيضة: الغنم المجتمعة في مربضها (8).. أي مأواها (9). وقيل: إشارة إلى بلادتهم ونقصان عقولهم، لان الغنم توصف بقلة الفطنة.


(1) في المصدر: خرماء. (2) القرفصاء: هي جمع الركبتين وجمع الذيل، تعد من السنن. قال في القاموس 2 / 312: والقرفصى - مثلثة القاف، والفاء مقصورة - والقرفصاء - بالضم -، والقرفصاء - بضم القاف والراء على الاتباع -: ان يجلس على اليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه، أو يجلس على ركبتيه منكبا ويلصق بطنه بفخذيه، ومثله في الصحاح 3 / 1051. (3) الكلام لا بن ميثم في شرحه على النهج 1 / 265، وهو مقول القول. (4) كما صرح به في مجمع البحرين 5 / 101، والصحاح 4 / 1405، وغيرهما. (5) ذكره في الصحاح 4 / 1405، ومجمع البحرين 5 / 101. (6) القائل هو ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 200. (7) قال في النهاية 2 / 185: الربيض: الغنم نفسها، والربض: موضعها الذي تربض فيه.. ومنه حديث علي [عليه السلام]: والناس حولي كربيضة الغنم.. أي كالغنم الربض. (8) قال في الصحاح 3 / 1076، والقاموس 2 / 331: الربيض: الغنم ورعاتها المجتمعة في مرابضها. (9) ذكره في لسان العرب 7 / 149، والمصباح المنير 1 / 261. وزاد في اللسان: الربضة: الجماعة من الغنم والناس.. والاصل للغنم.

[540]

فلما نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت اخرى، وفسق آخرون.. وفي رواية الشيخ (1) والاحتجاج (2): وقسط آخرون. نهض - كمنع - قام (3)، والنكث: النقص (4)، والمروق: الخروج (5)، وفسق الرجل - كنصر وضرب - فجر (6) واصله الخروج (7)، والقسط: العدل والجور (8)، والمراد به هنا الثاني. والمراد بالناكثة: أصحاب الجمل (9)، وقد روى (10) أنه عليه السلام كان يتلو وقت مبايعتهم: و [من نكث فإنما ينكث على نفسه] (11). وبالمارقة: أصحاب النهروان (12). وبالفاسقة أو القاسطة: أصحاب صفين (13) وسيأتي اخبار النبي صلى الله


(1) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 383. (2) الاحتجاج 1 / 288، وفيه: وفسق آخرون.. !. ولعل المصنف رحمه الله أراد إرشاد الشيخ المفيد: 153، أو شرح النهج لابن ميثم 1 / 251، أو تلخيص الشافي 3 / 56، أو غيرها، فتدبر. (3) نص عليه في مجمع البحرين 4 / 233، والقاموس 2 / 347، وغيرهما. (4) صرح به في الصحاح 1 / 295، ومجمع البحرين 2 / 266. (5) كما في القاموس 3 / 282، ومجمع البحرين 5 / 235. (6) جاء في القاموس 3 / 276، والصحاح 4 / 1543. (7) مجمع البحرين 5 / 228، والمصباح المنير 2 / 146 قالا: الفسق: الخروج على وجه الفساد. (8) ذكره في المصباح المنير 2 / 184، ومجمع البحرين 4 / 268. (9) قال في النهاية 5 / 114: في حديث علي [عليه السلام]: امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.. وأراد بهم أهل وقعة الجمل لانهم كانوا بايعوه ثم نقضوا بيعته وقاتلوه، وأراد بالقاسطين: أهل الشام، وبالمارقين: الخوارج، وعينه في لسان العرب 2 / 196 - 197. وفي تاج العروس 1 / 651: وفي حديث علي كرم الله وجهه: امرت بقتال الناكثين.. وذكر نظير كلام ابن الاثير في نهايته إلى قوله: وقاتلوه. (10) كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 201. (11) الفتح: 10. (12) قال في النهاية 4 / 230 - بعد ذكر حديث علي عليه السلام -: المارقين.. يعني الخوارج. وعينه في لسان العرب 10 / 341، وتاج العروس 7 / 68. (13) قال في النهاية 4 / 60 بعد ذكر حديث علي عليه السلام: والقاسطين أهل صفين، ومثله في لسان =

[541]

عليه وآله بهم وبقتاله عليه السلام معهم. كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: [تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين] (1). الظاهر رجوع ضمير الجمع (2) إلى الخلفاء الثلاثة لا إلى الطوائف - كما توهم (3) - إذا الغرض من الخطبة ذكر هم لا الطوائف، وهو المناسب لما بعد الآية، لا سيما ضمير الجمع في سمعوها ووعوها (4). والغرض تشبيههم في الاعراض عن الآخرة والاقبال على الدنيا وزخارفها للاغراض الفاسدة بمن أعرض عن نعيم الآخرة لعدم سماع الآية وشرائط الفوز بثوابها، والمشار إليها في الآية هي الجنة، والاشارة للتعظيم.. أي تلك الدار التي بلغك وصفها. والعلو: هو التكبر (5) على عباد الله والغلبة عليهم، والاستكبار عن العبادة. والفساد: الدعاء إلى عبادة غير الله، أو أخذ المال وقتل النفس بغير حق، أو العمل بالمعاصي والظلم على الناس، والآية لما كانت بعد قصة قارون وقبله قصة فرعون فقيل إن العلو إشارة إلى كفر فرعون، لقوله تعالى فيه (6): [علا في الارض] (7) والفساد إلى بغي قارون لقوله تعالى: [ولا تبغ الفساد في الارض] (8) ففي كلامه عليه السلام يحتمل كون الاول إشارة إلى


= العرب 7 / 378، وتاج العروس 5 / 206. (1) القصص: 83. (2) أي قوله عليه السلام: لم يسمعوا.. (3) قال ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1 / 26: تنبيه لاذهان الطوائف الثلاث المذكورة [أي الناكثين والقاسطين والمارقين] ومن عساه يتخيل أن الحق في سلوك مسالكهم.. إلى آخره. ونظيره في شرح ابن أبي الحديد. (4) في (ك): ودعوها، وهو غلط، لما سيأتي. (5) كما نصت عليه كتب اللغة. أنظر: مجمع البحرين 1 / 302، والصحاح 6 / 2435، وغيرهما. (6) لا توجد في (س): فيه. (7) القصص: 4. (8) القصص: 77.

[542]

الاولين، والثاني إلى الثالث، أو الجميع إليهم جميعا، أو إلى جميع من ذكر في الخطبة كما قيل. بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها. وفي رواية الشيخ (1): بلى والله لقد سمعوها ولكن راقتهم دنياهم وأعجبهم زبرجها.. وعى الحديث - كرمى -: فهمه وحفظه (2). وحلي فلان بعيني وفي عيني - بالكسر -: إذا اعجبك، وكذلك حلى - بالفتح - يحلو حلاوة (3). وراقني الشئ: اعجبني (4). والزبرج: الزينة من وشي (5) أو جوهر أو نحو ذلك (6)، قال الجوهري: ويقال الزبرج (7): الذهب (8) وفي النهاية: الزينة والذهب والسحاب (9). أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر.. وفي رواية الشيخ (10): لولا حضور الناصر ولزوم الحجة وما أخذ الله من


(1) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 383. (2) جاء في لسان العرب 15 / 396، والنهاية 5 / 207، وفيهما: حفظه وفهمه. (3) صرح به في الصحاح 6 / 2318، ولسان العرب 14 / 196، وغيرهما. (4) كما في مجمع البحرين 5 / 173، والصحاح 4 / 1486. (5) جاء في حاشية (ك): الوشي: نقش الثوب ويكون من كل لون. (ق). انظر: القاموس 4 / 400. (6) ذكره في القاموس 1 / 191، والصحاح 1 / 318. (7) لا توجد: الزبرج، في (س). (8) الصحاح 1 / 318، ومثله في القاموس 1 / 191. (9) النهاية 2 / 292، ومثله في القاموس 1 / 191. (10) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 383.

[543]

أولياء الامر.. الفلق: الشق (1)، وبرأ... أي خلق، وقيل: قلما يستعمل في غير الحيوان (2)، والنسمة - محركة - الانسان أو النفس والروح (3). والظاهر ان المراد بفلق الحبة شقها وإخراج النبات منها. وقيل: خلقها (4). وقيل: هو الشق الذي في الحب (5). وحضور الحاضر.. اما وجود من حضر للبيعة فما بعده كالتفسير له، أو تحقق البيعة - على ما قيل -، أو حضوره سبحانه وعلمه، أو حضور الوقت الذي وقته الرسول صلى الله عليه وآله للقيام بالامر. وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم.. كلمة ما مصدرية، والجملة (6) في محل النصب لكونها مفعولا لاخذ أو موصولة والعائد مقدر، والجملة بيان لما أخذه الله بتقدير حرف الجر أو بدل منه أو عطف بيان له. والعلماء: إما الائمة عليهم السلام أو الاعم، فيدل على وجوب الحكم بين الناس في زمان الغيبة لمن جمع الشرائط. وفي الاحتجاج (7): على أولياء الامر أن لا يقروا..


(1) نص عليه في مجمع البحرين 5 / 229، وغيره. (2) صرح به في مجمع البحرين 1 / 48، وغيره. (3) قال في النهاية 5 / 49: النسمة: النفس والروح... النسمة: النفس - بالتحريك -، وراجع: الصحاح 5 / 2040، والقاموس 4 / 180، والمصباح المنير 2 / 310. (4) نسب هذا القول إلى ابن عباس والضحاك قالا: فالق الحبة.. أي خالقه.. كما حكاه عنهما في شرح النهج لابن ميثم 1 / 267. (5) قال ابن ميثم في شرح النهج 1 / 267: وهو الذي عليه جمهور المفسرين. (6) أي جملة: أن لا يقاروا على.. (7) الاحتجاج 1 / 288.

[544]

والمقارة - على ما ذكره الجوهري -: ان تقر مع صاحبك وتسكن (1). وقيل: إقرار كل واحد صاحبه على الامر وتراضيهما به. والكظة: ما يعتري الانسان من الامتلاء من الطعام (2)، والسغب - بالتحريك - الجوع (3). لالقيت حبلها على غاربها (4) ولسقيت آخرها بكأس أولها.. الضمائر راجعة إلى الخلافة، والغارب: ما بين السنام والعنق (5) أو مقدم السنام (6)، وإلقاء الحبل ترشيح (7) لتشبيه الخلافة بالناقة التي يتركها راعيها لترعى حيث تشاء ولا يبالي من يأخذها وما يصيبها، وذكر الحبل تخييل (8). والكأس اناء فيه شراب أو مطلقا (9). وسقيها بكأس أولها تركها والاغراض عنها لعدم الناصر. وقال بعض الشارحين: التعبير بالكأس لوقوع الناس بذلك الترك في حيرة تشبه السكر (10).


(1) الصحاح 2 / 790، ومثله في لسان العرب 5 / 85. (2) كما جاء في مجمع البحرين 4 / 290، والصحاح 3 / 1178، وغيرهما. (3) نص عليه في مجمع البحرين 2 / 83، والصحاح 1 / 147. (4) هذا مثل، قال في مجمع الامثال 1 / 196: حبلك على غاربك.. الغارب: أعلى السنام، وهذا كناية عن الطلاق.. أي اذهبي حيث شئت، وأصله ان الناقة إذا رعت وعليها الخطام القي على غاربها لانها إذا رأت الخطام لم يهنئها شئ. ونحوه في فوائد اللآل 1 / 162، والمستقصى للزمخشري 2 / 56. (5) كما ذكره في مجمع البحرين 2 / 131، والقاموس 1 / 111. (6) صرح به في النهاية 3 / 350. (7) لانه عليه السلام استعار الناقة للخلافة ثم فرع عليها ما يلائم الناقة من الغارب. (8) أي تخييل أن الخلافة من جنس الناقة بذكر الحبل الذي كان يخص الناقة. (9) كما في مجمع البحرين 4 / 99، والنهاية 4 / 137، والقاموس 2 / 244. (10) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1 / 268، بتصرف.

[545]

ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي (1) عن عفطة عنز.. وفي الاحتجاج (2): ولالفوا دنياكم أهون عندي.. قوله عليه السلام: الفيتم.. أي وجدتم (3)، واضافة الدنيا إلى المخاطبين لتمكنها في ضمائرهم ورغبتهم فيها (4)، والاشارة للتحقير. والزهد: خلاف الرغبة، والزهيد: القليل (5)، وصيغة التفضيل على الاول على خلاف القياس كأشهر وأشغل. والعنز - بالفتح - انثى المعز (6)، وعفطتها: ما يخرج من انفها عند النثرة، وهي منها شبه العطسة (7)، كذا قال بعض الشارحين (8)، وأورد عليه أن المعروف في العنز النقطة - بالنون - وفي النعجة - العفطة - بالعين - صرح به الجوهري (9) والخليل في العين (10). وقال بعض الشارحين: العفطة من الشاة كالعطاس من الانسان، وهو غير معروف، وقال ابن الاثير: أي ضرطة عنز (11).


(1) لا توجد في (س): عندي. وفي النهج: عندي من.. وهو الانسب. (2) الاحتجاج 1 / 288، وفيه: ولالفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز.. وفي الارشاد للشيخ المفيد 153: ولالفوا دنياهم أزهد عندي.. ونظيره في الامالي للشيخ الطوسي 1 / 383. (3) كما في مجمع البحرين 1 / 377، والصحاح 6 / 2484. (4) لا توجد في (س): فيها. (5) جاء في مجمع البحرين 3 / 59، والصحاح 2 / 481، وغيرهما. (6) قاله في مجمع البحرين 4 / 27، والصحاح 3 / 887، وغيرهما. (7) قال في مجمع البحرين 4 / 261: العفطة: عطسة عنز. وقال في لسان العرب 7 / 352: قال الاصمعي: العافطة: الضائنة، والنافطة، الماعزة، وقال غير الاصمعي من الاعراب: العافطة: الماعزة إذا عطست.. وقيل: العفط والعفيط: عطاس المعز. (8) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 203: وعفطة عنز: ما تنثره من أنفها.. وأكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، فاما العنز فالمستعمل الاشهر فيها: النفطة... فإن صح أنه لا يقال في العطسة عفطة إلا للنعجة، قلنا: إنه استعمله في العنز مجازا. (9) في صحاحه 3 / 1143 و 1165. (10) كتاب العين 2 / 18. (11) النهاية 3 / 264، ونظيره في مجمع البحرين 4 / 261. اقول: انهما ذكرا ذلك المعنى بعد ذكر جملة =

[546]

قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا (1)، فأقبل ينظر فيه، فلما فرغ من قراءته، قال له ابن عباس رحمة الله


= من هذه الخطبة الشريفة.. أعني قوله عليه السلام: ولكانت دنياكم هذه أهون علي من عفطة عنز.. (1) قال ابن ميثم في شرحه على النهج 1 / 269 - 270: قال أبو الحسن الكيدري - رحمه الله - وجدت في الكتب القديمة أن الكتاب الذي دفعه الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام كان فيه عدة مسائل: أحدها: ما الحيوان الذي خرج من بطن حيوان آخر وليس بينهما نسب ؟. فأجاب عليه السلام: انه يونس بن متى عليه السلام خرج من بطن الحوت. الثانية: ما الشئ الذي قليله مباح وكثيره حرام ؟. فقال عليه السلام: هو نهر طالوت، لقوله تعالى: [إلا من اغترف غرفة بيده]. الثالثة: ما العبادة الذي [كذا] لو فعلها واحد استحق العقوبة وإن لم يفعلها استحق أيضا العقوبة ؟. فأجاب ب‍: أنها صلاة السكارى. الرابعة: ما الطائر الذي لا فرخ له ولا فرع ولا أصل ؟. فقال: هو طائر عيسى عليه السلام في قوله: [واذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني]. الخامسة: رجل عليه من الدين ألف درهم وله في كيسه ألف درهم فضمنه ضامن بألف درهم، فحال عليه الحول فالزكاة على أي المالين تجب ؟. فقال: إن ضمن الضامن بإجازة من عليه الدين فلا يكون عليه، وإن ضمنه من غير إذنه فالزكاة مفروضة في ماله. السادسة: حج جماعة ونزلوا في دار من دور مكة وأغلق واحد منهم باب الدار وفيها حمام فمتن من العطش قبل عودهم إلى الدار فالجزاء على أيهم يجب ؟. فقال عليه السلام: على الذي أغلق الباب ولم يخرجهن ولم يضع لهن ماءا. السابعة: شهد شهداء اربعة على محضر بالزنا فأمرهم الامام برجمه فرجمه واحد منهم دون الثلاثة الباقين، ووافقهم قوم أجانب في الرجم فرجع من رجمه عن شهادته والمرجوم لم يمت، ثم مات فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته، فعلى من يجب ديته ؟. فقال: يجب على من رجمه من الشهود ومن وافقه. الثامنة: شهد شاهدان من اليهود على يهودي أنه أسلم فهل تقبل شهادتهما أم لا ؟. فقال: لاتقبل شهادتهما لانهما يجوزان تغيير كلام الله وشهادة الزور. التاسعة: شهد شاهدان من النصارى على نصراني أو مجوسي أو يهودي أنه أسلم ؟. =

[547]

عليه: يا أمير المؤمنين عليه السلام ! لو اطردت (1) مقالتك من حيث أفضيت. فقال له (2): هيهات يابن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قرت. أهل السواد: ساكنو القرى (3)، وتسمى القرى سوادا لخضرتها بالزرع والاشجار، والعرب تسمي الاخضر: أسود. وناوله: أعطاه (4). ويحتمل أن يكون اطردت - على صيغة الخطاب من باب الافعال - ونصب المقالة على المفعولية أو على صيغة المؤنث الغائب من باب الافتعال، ورفع المقالة على الفاعلية، والجزاء محذوف.. أي كان حسنا، وكلمة لو للتمني، وقد مر (5)


= فقال: تقبل شهادتهما لقول الله سبحانه: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى.. " الآية، ومن لا يستكبر عن عبادة الله لا يشهد شهادة الزور. العاشر: قطع انسان يد آخر فحضر اربعة شهود عنه الامام وشهدوا على قطع يده، وأنه زنا وهو محصن، فأراد الامام أن يرجمه فمات قبل الرجم. فقال: على من قطع يده دية يد حسب، ولو شهدوا أنه سرق نصابا لم يجب دية يده على قاطعها. والله أعلم. (1) قال في الصحاح 2 / 502: واطرد الشئ: تبع بعضه بعضا وجرى. وقال - قبل ذلك -: وفلان أطرده السلطان.. أي أمره بإخراجه عن بلده. (2) لا توجد في (س): له. وقد وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (3) قال الجوهري في الصحاح 2 / 492: سواد الكوفة والبصرة: قراهما، وقال في القاموس 1 / 304: سواد البلدة: قراها. وقال ابن ميثم في شرحه على النهج 1 / 269:.. فأراد بأهل السواد سواد العراق. (4) كما جاء في الصحاح 5 / 1837، ومجمع البحرين 5 / 488، وغيرهما. (5) قد مر في صفحه: 504، قال في النهاية 2 / 489: الشقشقة: الجلدة الحمراء التي يخرجها الجمل العربي من جوفه ينفخ فياه فتظهر من شدقه [أي من جانب فمه] ولا تكون إلا للعربي.. ومنه حديث علي [عليه السلام] في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثم قرت. ومثله في مجمع البحرين 5 / 195. وقال في الصحاح 4 / 1503: والشقشقة - بالكسر -: شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج. ومثله في القاموس 3 / 251 وزاد فيه: والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس.. إلى آخره.

[548]

تفسير الشقشقة - بالكسر -. وهدير الجمل: ترديده الصوت في حنجرته (1) وإسناده إلى الشقشقة تجوز. وقرت.. أي سكنت (2). وقيل: في الكلام إشعار بقلة الاعتناء بمثل هذا الكلام إما لعدم التأثير في السامعين كما ينبغي، أو لقلة الاهتمام بأمر الخلافة من حيث إنها سلطنة، أو للاشعار بانقضا مدته عليه السلام، فإنها كانت في قرب شهادته عليه السلام، أو لنوع من التقية أو لغيرها. قال ابن عباس: فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على ذلك الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حديث أراد.. الاسف - بالتحريك -: اشد الحزن، والفعل كعلم (3)، وقط من الظروف الزمانية بمعنى ابدا (4). وحكى ابن أبي الحديد، عن ابن الخشاب (5) أنه قال: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه لتتأسف (6) ؟ ! والله ما رجع عن الاولين ولا عن الآخرين (7). أقول: إنما أطنبت الكلام في شرح تلك الخطبة الجليلة لكثرة جدواها وقوة الاحتجاج بها على المخالفين، وشهرتها بين جميع المسلمين، وإن لم نوف في كل فقرة حق شرحها حذرا من كثرة الاطناب، وتعويلا على ما بينته في سائر الابواب.


(1) كما في مجمع البحرين 3 / 518، والصحاح 2 / 853، وفيهما: البعير، بدلا من: الجمل. (2) جاء في مجمع البحرين 3 / 456، والقاموس 2 / 115، وغيرهما. (3) كما جاء في القاموس 3 / 117 وغيره. (4) قال في الصحاح 3 / 1153: وقط معناها: الزمان، يقال ما رأيته قط. وقال في المصباح المنير 2 / 191: ما فعلت ذلك قط.. أي في الزمان الماضي. (5) ابن الخشاب، وهو أبو محمد عبد الله بن احمد. (6) في المصدر: لم يبلغه في هذه الخطبة للتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد. (7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 205، وجاء في ذيل كلامه:.. ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. !.

[549]

6 - شف (1): من كتب احمد (2) بن محمد الطبري المعروف بالخليلي، عن احمد (3) بن محمد بن ثعلبة الخماني، عن مخول (4) بن ابراهيم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال ابن عباس: كنت أتتبع (5) غضب أمير المؤمنين عليه السلام إذا ذكر شيئا أو هاجه خبر، فلما كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام يذكر في كتابه أن معاوية وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان اجتمعوا عند معاوية فذكروا أمير المؤمنين فعابوه وألقوا في أفواه الناس أنه ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ويذكر كل واحد منهم ما هو أهله، وذلك لما أمر أصحابه (6) بالانتظار له بالنخيلة فدخلوا الكوفة فتركوه (7)، فغلظ ذلك عليه وجاء هذا الخبر فأتيته (8) بابه في الليل، فقلت: يا قنبر ! أي شئ خبر أمير المؤمنين ؟ قال: هو نائم، فسمع كلامي. فقال (ع): من هذا ؟ قال (9): ابن عباس يا أمير المؤمنين. قال: ادخل ! فدخلت، فإذا هو قاعد ناحية عن فراشه في ثوب جالس (10)


(1) كشف اليقين: 100 - 104، باختلاف في الاسناد والمتن نذكرهما. (2) في المصدر: فيما نذكره عن احمد.. (3) في كشف اليقين: بالخليلي المقدم ذكره من كتابه المشار إليه من تسمية مولانا علي عليه السلام أمير المؤمنين في حياة النبي (ص) وأمره بالتسليم عليه بذلك، فقال ما هذا لفظه: أخبرنا احمد بن محمد ابن الطبري المعروف ب‍: الخليلي قال: أخبرنا احمد.. (4) في المصدر: الحماني، قال: حدثنا محول.. أي كلا اللفظين بالحاء المهملة. (5) في كشف اليقين: اتبع. (6) في المصدر: اخوانه، بدلا من: أصحابه. (7) في المصدر ونسخة على (ك): وتركوه. (8) في كشف اليقين: فأتيت. (9) في المصدر: فقال. (10) في المصدر: جائس، وهو بمعنى الطالب كما في كتب اللغة مثل مجمع البحرين 4 / 60، والصحاح 3 / 915، وغيرهما.

[550]

كهيئة المهموم، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين الليلة ؟. فقال: ويحك يا بن عباس ! وكيف تنام عينا (1) قلب مشغول، يا بن عباس ! ملك جوارحك قلبك فإذا أرهبه (2) أمر طار النوم عنه، ها أنذا (3) كما ترى مذ أول (4) الليل اعتراني الفكر و (5) السهر لما تقدم من نقض عهد أول هذه الامة المقدر عليها نقض عهدها، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر من أمر من (6) أصحابه بالسلام علي في حياته بإمرة المؤمنين فكنت أوكد أن أكون كذلك بعد وفاته. يابن عباس ! أنا أولى الناس بالناس بعده ولكن امور اجتمعت على (7) رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها وصرف قلوب أهلها عني، وأصل ذلك ما قال الله تعالى في كتابه (8): [أم يحسدون الناس على ما آتهم الله من فضله فقد ءاتيناء ال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتينا هم ملكا عظيما] (9)، فلو لم يكن ثواب ولا عقاب لكان يتبليغ (10) الرسول صلى الله عليه وآله فرض على الناس اتباعه، والله عزوجل يقول: [ماءاتبكم الرسول فخذوه وما نهبكم عنه فانتهوا] (11)، أتراهم نهوا عني فأطاعوه (12) ! والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وغدا (13) بروح أبي القاسم صلى الله


(1) قوله: تنام عينا.. تنام فعل مبني للفاعل، وعينا فاعل مضاف، والقلب مضاف إليه. (2) في المصدر: أدهاه، بدلا من: أرهبه. (3) كذا، ولعله: أنا ذا - بألف بعد النون -. (4) في المصدر: من أول.. (5) لا توجد الواو في المصدر. (6) في المصدر: أمر أصحابه..، والظاهر سقوط كلمة: من، منه، ومن (ك). (7) كلمة: على هنا بمعنى: مع. (8) في المصدر: قال الله عزوجل في كتابه. (9) النساء: 54. (10) في كشف اليقين: لكان تبليغ. (11) الحشر: 7. (12) في المصدر: فأطاعوا - بلا ضمير -. (13) قال في مجمع البحرين 1 / 314: وغدا غدوا - من باب قعد -: ذهب غدوة، هذا أصله، ثم كثر =

[551]

عليه وآله إلى الجنة لقد قرنت (1) برسول الله صلى الله عليه وآله حيث يقول عز وجل: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (2)، ولقد طال - يا بن عباس - فكري وهمي وتجرعي غصة بعد غصة لامر (3) أو قوم على معاصي الله وحاجتهم (4) إلي في حكم الحلال والحرام حتى إذا أتاهم من الدنيا (5) أظهروا الغنى عني، كأن لم يسمعوا الله عزوجل يقول: [ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم] (6). ولقد علموا أنهم احتاجوا إلي ولقد غنيت عنهم [أم على قلوب أقفالها] (7) فمضى من مضى قال علي بضغن القلوب وأورثها (8) الحقد علي، وما ذاك (9) إلا من أجل طاعته في قتل الاقارب مشركين فامتلوا غيظا واعتراضا، ولو صبروا في ذات الله (10) لكان خيرا لهم (11)، قال الله عزوجل: [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله] (12) فابطنوا من ترك الرضا (13) بأمر الله، ما أورثهم النفاق !،


= حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان. (1) في (ك) نسخة: قربت. (2) الاحزاب: 33. ولم يذكر في المصدر ذيل الآية: " ويطهركم تطهيرا ". (3) في (ك): لاصر. (4) في المصدر: تقديم وتأخير واختلاف، والعبارة جاءت فيه هكذا: ورد قوم على معاصي الله وتجرعي غصة بعد غصة وحاجتهم.. (5) في كشف اليقين: أمن الدنيا. (6) النساء: 83. وفي المصدر بعد لفظ: منهم، توجد كلمة: الآية. (7) سورة محمد (س): 24. (8) في المصدر: واوريها. أقول: لعلها من وري الزند.. أي خرجت ناره، والمراد من قوله عليه السلام: أنه أوقد نار الحقد علي في القلوب. (9) في كشف اليقين: وما ذلك. (10) وضع في مطبوع البحار على: ذات الله، رمز نسخة بدل. (11) لا توجد: لكان خيرا لهم، في المصدر. (12) المجادلة: 22. وتوجد في المصدر اضافة كلمة الآية بعد: ورسوله. (13) في المصدر: الرضى. أقول: أي جعلوا من ترك الرضى بأمر الله بطانة، ما أورثهم النفاق ؟ !.

[552]

وألزمهم بقلة الرضا الشقاء (1) ! وقال الله عزوجل: [فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا] (2) فالآن - يا بن عباس - قرنت بابن آكلة الاكباد وعمرو وعتبة والوليد ومروان وأتباعهم (3)، فمتى اختلج في صدري والقي في روعي أن الامر ينقاد إلى دنيا (4) يكون هؤلاء فيها رؤساء (5) يطاعون فهم (6) في ذكر أولياء الرحمن يثلبونهم (7) ويرمونهم بعظائم الامور من أنك (8) مختلف (9)، وحقد قد سبق وقد علم المستحفظون (10) ممن بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ان عامة أعدائي ممن أجاب الشيطان (11) علي وزهد الناس في، وأطاع هواه فيما يضره (12) في آخرته وبالله عزوجل الغنى، وهو الموفق للرشاد والسداد. يابن عباس ! ويل لمن ظلمني، ودفع حقي، وأذهب عظيم منزلتي، اين كانوا اولئك وأنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا لم يكتب علي صلاة وهم عبدة الاوثان، وعصاة الرحمن، وبهم توقد (13) النيران ؟ ! فلما قرب إصعار الخدود، واتعاس الجدود (14)، أسلموا كرها، وأبطنوا غير ما أظهروا، طمعا في أن


(1) في (س) نسخة: الشقاق، وفي المصدر: الشفاق. (2) مريم: 84. (3) في المصدر زيادة: وصار معهم في الحديث. (4) في كشف اليقين: ان الانقياد إلى ربنا، بدلا من: ان الامر.. إلى آخره. (5) لا توجد: رؤساء، في المصدر. (6) في المصدر: فيهم. (7) في كشف اليقين: يسلبونهم. (8) كذا، والصحيح: إفك. (9) خ. ل: مختلق، كذا في المصدر. (10) في المصدر: من انك مختلق وعقد قد سبق ولقد علم المحفوظون. (11) في كشف اليقين: ومن حارب الشيطان. أقول: الظاهر زيادة الواو وكون الشيطان منصوبا بنزع الخافض.. أي من حارب للشيطان علي. (12) في المصدر: في نصرته. (13) في كشف اليقين: ولهم يوقد. (14) في كشف اليقين: واصغار الحدود.

[553]

يطفئوا نور الله (1) وتربصوا انقضاء أمر (2) الرسول وفناء مدته، لما أطمعوا أنفسهم في قتله، ومشورتهم في دار ندوتهم، قال الله عزوجل: [ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين] (3)، وقال (4): [يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره] (5) ولو كره المشركون. يابن عباس ! ندبهم (6) رسول الله صلى الله عليه وآله في (7) حياته بوحي من الله يأمرهم بموالاتي، فحمل القوم ما حملهم مما حقد على أبينا آدم من حسد (8) اللعين له، فخرج من روح الله ورضوانه، وألزم اللعنة لحسده (9) لولي الله، وما ذاك بضاري إن شاء الله شيئا. يا بن عباس ! أراد كل امرئ أن يكون رأسا مطاعا يميل (10) إليه الدنيا والى أقاربه فحمله هواه ولذة (11) دنياه واتباع الناس إليه أن يغصب (12) ما جعل لي (13)، ولولا اتقاي (14) على الثقل الاصغر أن ينبذ (15) فينقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل الله المتين، وحصنه الامين، ولد رسول رب العالمين لكان طلب الموت


(1) في المصدر: نور الله بأفواههم. (2) في المصدر: انقضاء عمر.. (3) آل عمران: 54. (4) لا توجد: قال، في المصدر. (5) سورة التوبة، آية: 32. (6) في كشف اليقين: هداهم. (7) لا توجد: في، في المصدر. (8) في المصدر: جسد - بالجيم - وهو اشتباه. (9) في (س): لجسده - بالجيم - وهو أيضا سهو. (10) في المصدر: تميل. (11) في كشف اليقين: ولدة. قال في القاموس 1 / 347: واللدة: الترب، وهو الذي ولد معك أو تربى معك. (12) في المصدر: ان نوزعت. (13) في (ك): ولي، والواو زائدة. (14) في المصدر: اتقائي، وهو الظاهر. (15) في كشف اليقين: ان يبيد.

[554]

والخروج إلى الله عزوجل الذ عندي من شربة ظمآن ونوم وسنان، ولكني صبرت وفي المصدر (1) بلابل (2)، وفي النفس وساوس، [فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون] (3)، ولقديما ظلم الانبياء، وقتل الاولياء قديما في الامم الماضية والقرون الخالية [فتربصوا حتى يأتي الله بأمره] (4)، وبالله أحلف - يابن عباس - انه كما فتح بنا يختم بنا، وما أقول لك إلا حقا. يابن عباس ! إن الظلم يتسق (5) لهذه الامة ويطول الظلم، ويظهر الفسق، وتعلو كلمة الظالمين، ولقد أخذ الله على أولياء الدين أن لا يقاروا أعداءه (6)، بذلك أمر الله في كتابه على لسان الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: [تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان] (7). يابن عباس ! ذهب الانبياء فلاترى نبيا، والاوصياء ورثتهم، عنهم أخذوا (8) علم الكتاب، وتحقيق الاسباب، قال الله عزوجل: [وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله] (9)، فلا يزال الرسول باقيا ما نفدت (10) أحكامه، وعمل بسنته، وداروا حول أمره (11) ونهيه، وبالله أحلف - يابن عباس - لقد نبذ الكتاب، وترك قول الرسول إلاما لا يطيقون تركه من حلال وحرام، ولم


(1) في المصدر: وفي الصدور. (2) ذكر في مجمع البحرين 5 / 325 ان البلابل بمعنى الهموم والاحزان. (3) يوسف: 18. (4) التوبة: 24. (5) الاتساق: الانتظام، كما نص عليه في الصحاح 4 / 1566 وغيرها. (6) قال في الصحاح 2 / 790: قاره: قر معه وسكن. (7) المائدة: 2. وفي المصدر زيادة: الآية، بعد كلمة: العدوان. (8) لا يوجد لفظ: أخذوا، في المصدر. (9) آل عمران: 101. ولم تذكر الواو في أول الآية، في المصدر. (10) كذا، ولعل الاظهر بالذال المعجمة. (11) في المصدر: ودار أحوال أمره.

[555]

يصبروا (1) على كل أمر (2) نبيهم (3): [وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون] (4) [افحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون] (5)، فبيننا وبينهم المرجع إلى الله: [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (6). يابن عباس ! عامل الله في سره وعلانيته (7) تكن من الفائزين، ودع من [اتبع هواه وكان امره فرطا] (8)، ويحسب معاوية ما عمل وما يعمل به من بعده، وليمده ابن العاص في غيه، فكأن عمره قد انقضى، وكيده قد هوى، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. وأذن المؤذن فقال: الصلاة ! يا بن عباس لا تفت، استغفر الله لي ولك وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال ابن عباس: فغمني انقطاع الليل وتلهفت (9) على ذهابه. بيان: ثلبه: تنقصه وصرح بعيبه (10). قوله عليه السلام: وبهم توقد النيران.. أي نيران الفتن والحروب. وفي القاموس: صعر خده تصعيرا وصاعره واصعره: اماله عن النظر إلى الناس تهاونا من كبر وربما يكون خلقة (11). وقال: التعس: الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد


(1) في كشف اليقين: ولم يصبر. (2) في (س): أمر كل. بتقديم وتأخير. (3) في المصدر: بينهم، بدلا من: نبيهم. (4) العنكبوت: 43. (5) المؤمنون: 115. (6) الشعراء: 227. (7) في المصدر: وعلانية - بدون ضمير -. (8) الكهف: 28. قال في مجمع البحرين 4 / 264: وامر فرط: مجاوز فيه الحد. (9) لهف يلهف لهفا: حزن وتحسر، وكذلك التلهف على الشئ، قاله في صحاح اللغة 4 / 1429، وغيره. (10) صرح به في الصحاح 1 / 94، ولسان العرب 1 / 241، وغيرهما. (11) القاموس 2 / 69، وانظر: لسان العرب 3 / 456، وغيرهما.

[556]

والانحطاط والفعل: كمنع وسمع، وتعسه الله واتعسه (1). انتهى. والجدود - جمع الجد بالفتح - وهو الحظ والبخت، أو بالكسر وهو الاجتهاد في الامور (2)، فيمكن أن يكون اصعار الخدود من المسلمين كناية عن غلبتهم، واتعاس الجدود للكافرين، أو كلاهما للكافرين.. أي اجتمع فيهم التكبر والاضطرار، ويكون المراد بالاصعار (3) صرف وجوههم عما قصدوه على وجه الاجبار، والاول أظهر. والوسنان عن غلبة النوم (4). قوله عليه السلام: فلا يزال الرسول.. يدل على عدم الختصاص الآية بزمن الرسول صلى الله عليه وآله. قوله: يحسب معاوية.. أي يكفيه، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة فتكون زائدة، قال في النهاية: في قوله صلى الله عليه [وآله]: يحسبك ان تصوم في (5) كل شهر ثلاثة أيام.. أي يكفيك، ولو روي (بحسبك ان تصوم].. أي كفايتك أو كافيك كقولهم بحسبك قول السوء، والباء زائدة لكان وجها (6) انتهى. والامر في قوله وليمده للتهد يد (7). 7 - شا (8): روى العباس بن عبد الله العبدي، عن عمرو بن شمر، عن رجاله قال: قالوا: سمعنا أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما رأيت منذ بعث الله


(1) القاموس 2 / 203، وقريب منه في لسان العرب 6 / 32. (2) ذكره في مجمع البحرين 3 / 21، والصحاح 2 / 452. (3) لا توجد: بالاصعار، في (س). (4) قال في القاموس 4 / 275: الوسن: شدة النوم، أو اوله، أو النعاس، ووسن - كفرح - فهو وسن ووسنان. وقال في لسان العرب 13 / 449 بعد ذكره ما في القاموس -: وسن فلان: إذا أخذته سنة النعاس. ووسن الرجل فهو وسن.. أي غشي عليه من نتن البئر مثل: أسن. (5) في المصدر: من، بدلا من: في. (6) النهاية 1 / 381، وانظر: لسان العرب 1 / 312. (7) يحتمل - قويا - أن يكون قوله: وليمده.. اخبارا لا إنشاء، وتكون اللام فيه لام الابتداء والتأكيد، أي والحال يمده في غيه. (8) ارشاد الشيخ المفيد: 151.

[557]

محمدا (1) صلى الله عليه وآله رخاءا، والحمد لله، والله لقد خفت صغيرا (2) وجاهدت كبيرا، أقاتل المشركين وأعادي المنافقين حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله فكانت الطامة (3) الكبرى فلم أزل حذرا رجلا أخاف (4) أن يكون ما لا يسعني معه المقام - فلم أر - بحمد الله - إلا خيرا، والله ما زلت أضرب بسيفي صبيا حتى صرت شيخا، وإنه ليصبرني على ما أنا فيه ان ذلك كله في الله (5)، وأنا أرجو أن يكون الروح عاجلا قريبا، فقد رأيت أسبابه. قالوا: فما بقي بعد هذه المقالة إلا يسيرا حتى أصيب عليه السلام. 8 - شا (6): روى عبد الله بن بكير الغنوي، عن حكيم بن جبير، قال: حدثنا من شهد عليا بالرحبة يخطب، فقال فيما قال: أيها الناس ! إنكم قد أبيتم إلا أن أقول ! أما ورب السماوات والارض لقد عهد إلي خليلي أن الامة ستغدر بك (7). 9 - شا (8): روى نقلة الآثار أن رجلا من بني أسد وقف على أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال (9): يا أمير المؤمنين (ع) ! العجب منكم (10) يا بني هاشم، كيف عدل هذا (11) الامر عنكم وأنتم الاعلون نسبا (12) ونوطا بالرسول صلى الله عليه


(1) في المصدر: محمد.. - بالرفع - وهو سهو. (2) في (ك): خفت الله صغيرا. (3) الطامة: الداهية، كما في مجمع البحرين 6 / 107، والقاموس 4 / 145. (4) في المصدر: وجلا اخاف، وهو أظهر. (5) في المصدر: في الله ورسوله. (6) ارشاد الشيخ المفيد: 151. (7) في المصدر: بك من بعدي. (8) ارشاد الشيخ المفيد: 156. (9) في المصدر: وقف على أمير المؤمنين عليه السلام فقال له.. (10) في الارشاد: العجب فيكم.. (11) في المصدر: عدل بهذا.. (12) في الارشاد: نسبا وسببا..

[558]

وآله، وفهما للكتاب ؟ !. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا بن دودان ! إنك لقلق الوضين، ضيق المخزم، ترسل من غير (1) ذي مسد، لك ذمامة (2) الصهر وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم، كانت اثرة سخت بها نفوس قوم وشحت عليها نفوس آخرين (فدع عنك نهبا صيح في حجراته) وهلم الخطب في أمر ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو، بئس (3) القوم - والله - من خفضني وهيني (4) وحاولوا الادهان في ذات الله، هيهات ذلك مني (5) ! فإن تنحسر عنا محن البلوى أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن (6) الاخرى [فلا تذهب نفسك عليهم حسرات] و [لا تأس على القوم الفاسقين] (7). 10 - د (8): في كتاب الارشاد لكيفية الطلب في أئمة العباد تصنيف محمد ابن الحسن الصفار، قال: وقد كفانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه المؤنة (9) في خطبة خطبها، أودعها من البيان والبرهان ما يجلي الغشاوة عن أبصار متأمليه، والعمى عن عيون متدبريه، وحلينا هذا الكتاب بها (10) ليزداد المسترشدون في هذا الامر بصيرة، وهي منه الله جل ثناؤه علينا وعليهم يجب شكرها.. خطب صلوات الله عليه فقال: ما لنا ولقريش ! وما تنكر منا قريش غير أنا أهل بيت شيد الله فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا الله عليهم، فنقموا على الله


(1) في المصدر: ضيق المخرم ترسل غير.. (2) في (س): زمانة.. (3) في المصدر: ويئس، بدلا من: بئس. (4) في المصدر: من حفضي ومنيتي. وفي (ك): من خفضي وهنيتي، وتقرأ ما في (ك): وهينتي. قال في القاموس 2 / 328: حفضه: ألقاه وطرحه من يديه.. والعود: حناه وعطفه. (5) في المصدر: وهيهات ذلك مني وقد جدحوا بيني وبينهم شربا وبيئا.. (6) في (ك): وإن لم تكن. (7) فاطر: 8، المائدة: 6، وفي المصدر: فلا تأس. (8) العدد القوية: 189 - 199، حديث 19. (9) في المصدر: المؤونة. والمعنى واحد. (10) في (ك) توجد تحت كلمة (بها) لفظة: خطبة. ولعلها لبيان مرجع الضمير.

[559]

أن اختارنا عليهم، وسخطوا ما رضي (1) الله، وأحبوا ما كره الله (2)، فلما اختارنا الله (3) عليهم شركناهم في حريمنا، وعرفناهم الكتاب والنبوة، وعلمنا هم الفرض والدين (4)، وحفظناهم الصحف والزبر، وديناهم الدين والاسلام، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقنا، والتونا أسباب أعمالنا وأعلامنا، اللهم فإني استعديك على قريش فخذ لي بحقي منها، ولا تدع مظلمتي لديها، وطالبهم - يا رب - بحقي، فإنك الحكم العدل، فإن قريشا صغرت عظيم أمري (5)، واستحلت المحارم مني، واستخفت بعرضي وعشيرتي، وقهرتني على ميراثي من ابن عمي (6) وأغروا بي (7) أعدائي، ووتروا بيني وبين العرب والعجم، وسلبوني ما مهدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وكدي (8)، ومنعوني ما خلفه أخي وجسمي (9) وشقيقي، وقالوا: إنك لحريص متهم ! أليس بنا اهتدوا من متاه (10) الكفر، ومن عمى الضلالة وعي (11) الظلماء (12)، أليس أنقذتهم (13) من الفتنة الصماء، والمحنة العمياء ؟ ويلهم (14) ! ألم أخلصهم من نيران الطغاة، وكرة العتاة،


(1) في المصدر: ما رضا. (2) لا يوجد لفظ الجلالة في (س). (3) لا يوجد لفظ الجلالة في (س). (4) في (ك): الفرائض والسنن والدين. (5) في (ك) نسخة: قدري. (6) في (س) نسخة: وأبي، وخط عليها في (ك)، وهو الظاهر. (7) في المصدر: واعزوا بي. وفي (س): واغزوا.. (8) في (س): ووكدي. (9) في نسخة في (ك): وحميمي. (10) جاء رمز نسخة بدل على كلمة: متاه. وتعرض المصنف رحمه الله لها في بيانه الآتي. (11) العي: التحير في الكلام، كما في مجمع البحرين 1 / 311. وقال في القاموس 4 / 368: عي بالامر: لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق أحكامه.. وعيي في المنطق عيا: حصر. (12) نسخة في (ك): الجهالة. (13) في (س) الكلمة مشوشة، ولعلها انقذتهم أيضا. (14) في المصدر: وبلهم. كذا.

[560]

وسيوف البغاة، ووطأة الاسد، ومقارعة الطماطمة، ومماحكة (1) القماقمة (2)، الذين كانوا عجم العرب، وغنم الحروب، وقطب الاقدام، وجبال القتال، وسهام الخطوب (3)، وسل السيوف، أليس بي (4) كان يقطع الدروع الدلاص، وتصطلم الرجال الحراص، وبي كان يفرى جماجم البهم، وهام الابطال، إذا فزعت (5) تيم إلى الفرار، وعدي إلى الانتكاص ؟ ! أما وإني لو أسلمت قريشا للمنايا والحتوف، وتركتها فحصدتها سيوف الغوانم، ووطأتها خيول (6) الاعاجم، وكرات الاعادي، وحملات الاعالي، وطحنتهم سنابك الصافنات، وحوافر الصاهلات، في مواقف الازل (7) والهزل في ظلال الاعنة (8) وبريق الاسنة، ما بقوا لهضمي، ولا عاشوا لظلمي، ولما قالوا: إنك لحريص متهم ! اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، فإني مهدت مهاد نبوة محمد صلى الله عليه وآله، ورفعت أعلام دينك، وأعلنت منار رسولك، فوثبوا علي وغالبوني ونالوني و واتروني.. فقام إليه أبو حازم الانصاري فقال: يا أمير المؤمنين (ع) ! أبو بكر وعمر ظلماك ؟ أحقك أخذا ؟ وعلى الباطل مضيا ؟ أعلى حق كانا ؟ أعلى صواب أقاما ؟ أم ميراثك غصبا ؟ أفهمنا لنعلم باطلهم من حقك ؟ أو نعلم حقهما من حقك ؟


(1) في (ك) نسخة: ومجادلة. (2) في المصدر: القمامة. (3) في المصدر: الخطاب. (4) هنا سقط جاء في المصدر: تسموا الشرف، وبي نالوا الحق والنصف. ألست آية نبوة محمد (ص) ودليل رسالته، وعلامة رضاه وسخطه ؟ أليس بي.. وفي (ك): أليس في. (5) في (س): فرغت. (6) لا توجد: خيول في المصدر. (7) في (س): الاراذل. (8) الاعنة - جمع العنان - للفرس كما في الصحاح 6 / 2166.

[561]

أبزاك أمرك ؟ أم غصباك إمامتك ؟ أم غالباك فيها عزا (1) ؟ أم سبقاك إليها عجلا فجرت الفتنة ولم تستطع منها استقلالا ؟ ! فإن المهاجرين والانصار يظنان أنهما كانا على حق وعلى الحجة الواضحة مضيا. فقال صلوات الله عليه: يا أخا اليمن ! لا بحق أخذا، ولا على إصابة أقاما، ولا على دين مضيا، ولا على فتنة خشيا، يرحمك الله، اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل ! أتعلمون - يا اخواني - ان بني يعقوب على حق ومحجة كانوا حين باعوا أخاهم، وعقوا اباهم، وخانوا خالقهم، وظلموا أنفسهم ؟ !. فقالوا: لا. فقال: رحمكم الله (2)، أيعلم اخوانك هؤلاء ان اين آدم - قاتل الاخ - كان على حق ومحجة وإصابة وأمره من رضى الله ؟. فقالوا: لا. فقال: أو ليس كل فعل بصاحبه ما فعل لحسده إياه وعدوانه وبغضائه (3) له ؟. فقالوا: نعم. قال: وكذلك فعلا بي ما فعلا حسدا، ثم إنه لم يتب على ولد يعقوب إل بعد استغفار وتوبة، وإقلاع وإنابة، وإقرار، ولو ان قريشا تابت إلي واعتذرت من فعلها لاستغفرت الله لها. ثم قال: إنما أنطق لكم العجماء ذات البيان، وأفصح الخرساء ذات


(1) قال في الصحاح 3 / 886: عز - أيضا - يعزه عزا: غلبه، وفي المثل: من عزبز.. أي من غلب سلب. (2) في المصدر: يرحمكم الله. (3) في المصدر: وبغضانه له.

[562]

البرهان، لاني فتحت الاسلام، ونصرت الدين، وعززت (1) الرسول، وثبت (2) أركان الاسلام، وبينت (3) أعلامه، وعليت (4) مناره، وأعلنت أسراره، وأظهرت آثاره وحاله، وصفيت الدولة، ووطئت للماشي والراكب، ثم قدتها صافية، على أني بها مستأثرا. ثم قال - بعد كلام -: ثم سبقتني إليه التيمي والعدوي كسباق الفرس احتيالا واغتيالا، وخدعة وغلبة. ثم قال - بعد كلام -: اليوم أنطق الخرساء ذات البرهان، وأفصح العجماء ذات البيان، فإنه شارطني رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله في كل موطن من مواطن الحروب، وصافقني على أن أحارب الله (5) وأحامي لله، وأنصر رسول الله صلى الله عليه وآله جهدي وطاقتي وكدحي، وكدي، وأحامي عن حريم الاسلام، وأرفع عن أطناب الدين (6)، وأعز الاسلام وأهله، على أن ما فتحت وبينت (7) عليه دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وقرأت فيه المصاحف، وعبد فيه الرحمن، وفهم به القرآن، فلي إمامته وحله وعقده، وإصداره وإيراده، ولفاطمة فدك ومما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله النصف، فسبقاني إلى جميع نهاية الميدان يوم الرهان، وما شككت في الحق منذ رأيته، هلك قوم أرجفوا عني (8) أنه لم يوجس موسى في


(1) قد تقرأ في (ك): عزوت، أو: غروت، وكلتاها لا تناسبان المقام. (2) في (س): ثبتت. (3) قد تقرأ في المطبوع: بنيت - بتقديم النون على الياء -. (4) في المصدر: واعليت. (5) في المصدر: احارب الله. وما في المتن هو الظاهر. ويوجه ما في المصدر يكون لفظة الجلالة منصوية بنزع الخافض.. أي احارب المشركين والكافرين لله.. أي لوجه الله. (6) مفعول (ارفع) محذوف والتقدير: ارفع عن اطناب الدين ما يقطعها أو يوهنها. (7) في المصدر: بنيت. (8) أي تزلزلوا واضطربوا واعرضوا عني، بتضمين معنى الاعراض في كلمة: ارجفوا.

[563]

نفسه خيفة ارتيابا ولا شكا فيما أتاه من عند الله، ولم أشكك (1) فيما أتاني من حق الله، ولا ارتبت في إمامتي وخلافة ابن عمي ووصية الرسول، وإنما أشفق أخو موسى (2) من غلبة الجهال، ودول الضلال، وغلبة الباطل على الحق، ولما أنزل الله عزوجل (3): [وآت ذا القربى حقه] (4) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فنحلها فدك (5) وأقامني للناس علما وإماما، وعقد لي وعهد إلي فأنزل الله عزوجل: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم] (6) فقالت حق القتال، وصبرت حق الصبر، على أنه اعز تيما وعديا (7) على دين أتت به تيم وعدي، أم على دين أتى به ابن عمي وصنوي (8) وجسمي، على أن أنصر تيما وعديا أم أنصر ابن عمي وحقي وديني وإمامتي ؟ وإنما قمت تلك المقامات، واحتملت تلك الشدائد، وتعرضت للحتوف على أن يصيبني (9) من الآخرة موفرا، وإني صاحب محمد وخليفته، وإمام أمته بعده، وصاحب رايته في الدنيا والآخرة. اليوم أكشف السريرة عن حقي، وأجلي القذى عن ظلامتي، حتى يظهر لاهل اللب والمعرفة إني مذلل مضطهد مظلوم مغصوب مقهور محقور، وانهم ابتزوا حقي، واستأثروا بميراثي !.


(1) في (س) نسخة: أشك. (2) في المصدر: أخي موسى. (3) في المصدر: عزوجل. (4) الاسراء: 26. (5) انظر: الغدير 7 / 191 حول فدك، وقد سلفت مصادره. (6) النساء: 59. (7) في المصدر: اعربتما وعربا.. (8) الصنوان: نخلتان وثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو، قاله في مجمع البحرين 1 / 269. (9) في المصدر: على أن نصيبي.

[564]

اليوم نتواقف (1) على حدود الحق والباطل (2)، من استودع خائنا فقد غش نفسه، من استرعى ذئبا فقد ظلم، من ولي غشوما فقد اضطهد، هذا (3) موقف صدق، ومقام أنطق فيه بحقي، وأكشف الستر والغمة عن ظلامتي ! يا معشر المجاهدين المهاجرين والانصار ! اين كانت سبقة تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة ؟ ! ألا كانت يوم الابواء (4) إذ تكانفت (5) الصفوف، وتكاثرت (6) الحتوف، وتقارعت السيوف ؟ أم هلا خشيا فتنة الاسلام يوم ابن عبدود وقد نفح بسيفه، وشمخ بأنفه، وطمح بطرفه ؟ ! ولم لم يشفقا على الدين وأهله يوم بواط (7) إذا اسود لون الافق، واعوج عظم العنق، وانحل سيل الغرق (8) ؟ ولم لم يشفقا يوم رضوى إذ السهام تطير، والمنايا تسير، والاسد تزأر ؟ وهلا بادرا يوم العشيرة إذا (9) الاسنان تصطك، والآذان تستك، والدروع تهتك ؟ وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر، إذ الارواح في الصعداء ترتقي، والجياد بالصناديد ترتدي، والارض من دماء (10) الابطال ترتوي ؟ ولم لم يشفقا على الدين يوم بدر


(1) في العدد القوية: نتوافق. (2) في المصدر زيادة هنا، وهي: من وثق بما لم يضم.. ولا معنى لها. (3) في المصدر: هذا هذا. (4) في العدد القوية: الايواء. وسيأتي بيانه، وأما الابواء - بفتح اوله وسكون ثانيه ومد آخره -: مكان بين الحرمين عن المدينة نحوا من ثلاثين ميلا، قاله في مجمع البحرين 1 / 18. (5) في (ك) نسخة: تكاثفت. (6) في (ك) نسخة: تكاتفت. (7) بواط - كغراب - جبال جهينة على أبراد من المدينة، منه غزوة بواط، اعترض فيها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لعير قريش، قاله في القاموس 2 / 352. (8) في العدد القوية: العرق - بالعين المهملة -. (9) في المصدر: إذ. (10) في (ك) نسخة: رماء.

[565]

الثانية، والرعابيب (1) ترعب، والاوداج تشخب، والصدور تخضب (2) ؟ أم هلا بادرا يوم ذات الليوث، وقد ابيح المتولب (3)، واصطلم الشوقب، وادلهم الكوكب ؟ ! ولم لا كانت شفقتهما على الاسلام يوم الكدر (4)، والعيون تدمع، والمنية تلمع، والصفائح تنزع.. ثم عدد وقائع النبي صلى الله عليه وآله كلها على هذا النسق، وقرعهما بأنهما في هذه المواقف كلها كانا مع النظارة والخوالف والقاعدين، فكيف بادرا الفتنة بزعمهما يوم السقيفة وقد توطأ الاسلام بسيفه، واستقر قراره، وزال حذاره (5). ثم قال - بعد ذلك كله (6) -: ما هذه الدهماء والدهياء التي وردت علينا من قريش ؟ ! أنا صاحب هذه المشاهد، وأبو هذه المواقف، وابن هذه الافعال. يا معشر المهاجرين والانصار ! إني على بصيرة من أمري، وعلى ثقة من ديني، اليوم انطقت الخرساء البيان، وفهمت العجماء الفصاحة، وأتيت العمياء بالبرهان، هذا [يوم ينفع الصادقين صدقهم] (7) قد توافقنا على حدود الحق والباطل، وأخرجتكم من الشبهة إلى الحق، ومن الشك إلى اليقين، فتبرأوا (8) - رحمكم الله - ممن نكث (9) البيعتين، وغلب الهوى به (10) فضل، وأبعدوا - رحمكم الله - ممن


(1) في المناقب: والدعاس. وفي (ك) نسخة: والدماس، وستأتي اشارة المصنف طاب ثراه لها. (2) في المصدر: تخصب. وكذا في (ك). (3) في (ك) والمصدر: التولب. (4) في المصدر: يوم الكد. وفي (ك) نسخة: الايكدر. (5) في (س): حذاده. (6) في المصدر: كلمة، بدل: كله. (7) المائدة: 119. (8) في المصدر: فتبرؤا. وليس بينهما فرق إلا في الكتابة. (9) في المصدر: نكثوا. (10) في (ك) نسخة: عليه، بدلا من: به.

[566]

أخفى الغدر (1) وطلب الحق من غير أهله فتاه، و (2) العنوا - رحمكم الله - من انهزم الهزيمتين إذ يقول الله: [إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله] (3)، وقال: [ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين] (4). واغضبوا (5) - رحمكم الله - على من غضب الله (6) عليهم، وتبرؤوا - رحمكم الله - ممن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: يرتفع (7) يوم القيامة ريح سوداء تختطف (8) من دوني قوما من أصحابي من عظماء المهاجرين، فأقول: أصيحابي. فيقال: يا محمد ! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وتبرؤوا رحمكم الله من النفس الضال من قبل أن يأتي: [يوم لا بيع فيه ولا خلال] (9) فيقولوا: [ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين] (10) ومن قبل أن يقولوا: [يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين] (11) أو يقولوا: [وما أضلنا إلا المجرمون] (12) أو يقولوا: [ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا


(1) في المصدر: العذر. (2) لا توجد: الواو في (س). (3) الانفال: 15 - 16. (4) التوبة: 25. (5) في المصدر: اغضبوا، بلا واو. (6) لا يوجد لفظ الجلالة في (س). (7) في المصدر: ترتفع. (8) في (ك): تخطف. (9) ابراهيم: 31. (10) فصلت: 29. (11) الزمر: 56. (12) الشعراء: 99. وفي المصدر: إلا المجرمين.

[567]

السبيلا] (1)، إن قريشا طلبت السعادة فشقيت (2)، وطلبت النجاة فهلكت، وطلبت الهداية فضلت. إن قريشا قد أضلت أهل دهرها ومن يأتي من بعدها من القرون، إن الله تبارك اسمه وضع إمامتي في قرآنه فقال: [والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما] (3) [والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما] (4)، وقال: [الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلواة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور] (5).. وهذه خطبة طويلة (6). وقد قال صلوات الله عليه في بعض مقاماته كلاما لو لم يقل غيره لكفى قوله صلوات الله عليه: أنا ولي هذا الامر دون قريش، لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الولاء لمن أعتق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق الرقاب من النار، وبعتقها من السيف، وهذان لما اجتمعا كانا أفضل من عتق الرقاب من الرق، فما كان لقريش على العرب برسول الله صلى الله عليه وآله كان لبني هاشم على قريش، وما كان لبني هاشم على قريش برسول الله صلى الله عليه وآله كان لي على بني هاشم، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".


(1) الاحزاب: 67. ولا توجد: إنا، في المصدر. (2) في المصدر: فسقيت. وما في المتن هو الظاهر. (3) الفرقان: 64. (4) الفرقان: 74. (5) الحج: 41. (6) قال في العدد القوية - بعد كلمة طويلة -: واعلم ان كل ما احتججنا به وسائر الشيعة إنما أصله من كلامه صلوات الله عليه هو الذي أعطاه الله من الفضل والقوة ما صلح به أن يصير أخا لرسول الله صلى الله عليه وآله: تلك المكارم لا قيعان من لبن * شيبا بماء، فعادوا بعد أبوالا

[568]

بيان: ديناهم - على بناء التفعيل -.. أي جعلنا الاسلام دينهم وقررناهم (1) عليه. قال الفيروز آبادي: دان (2) فلانا: حمله على ما يكره وأذله، ودينه تديينا (3): وكله إلى دينه (4). وفي المناقب (5): وعلمناهم الفرائض والسنن، وحفظنا هم الصدق واللين، وورثناهم الدين (6). قوله عليه السلام: والتونا.. أي نقصونا (7) ومنعونا ما هو من أسباب قوتنا واقتدارنا. واعلامنا - بالفتح -.. أي ما هو علامة لامامتنا ودولتنا، أو بالكسر.. أي ما هو سبب تعليمنا، كما قال تعالى: [وما ألتناهم من عملهم] (8). وفي المناقب (9): والتوونا.. من التوى عن الامر.. أي تثاقل (10). ولي الغريم معروف (11)، ويقال: استعديت على فلان الامير فاعداني..


(1) في (ك): قهرناهم. (2) في طبعتي البحار: وإن. ولا معنى لها. (3) في (س): بدنياه. (4) القاموس 4 / 225، ومثله في الصحاح 6 / 2118 - 2119. (5) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 201 - 203. (6) جاء في المناقب بدل الجملة الاخيرة: وديناهم الاسلام. (7) ذكره في مجمع البحرين 2 / 189، والصحاح 1 / 241، وزاد في الاخير: وآلته أيضا: حبه عن وجهه وصرفه. (8) الطور: 21. (9) المناقب 2 / 202. (10) قاله في لسان العرب 15 / 263، والقاموس 4 / 387، وتاج العروس 10 / 332. (11) قال في مجمع البحرين 1 / 381: وفي الخبر: لي الواجد يحل عقوبته وعرضه.. اللي: المطل. =

[569]

أي استعنت به عليه فاعانني عليه (1). قوله: ووتروا (2).. أي ألقوا الجنايات والدخول (3) بيني وبين العرب والعجم، فإنهم غصبوا خلافتي وأجروا الناس على الباطل، فصار ذلك سببا للحروب وسفك الدماء، والوتر - بالكسر -: الجناية، والموتور: الذي له قتيل فلم يدرك بذمه (4). والمتاه: اسم مكان، أو مصدر ميمي من التيه (5): وهو الحيرة والضلالة (6). وقال في النهاية (7): فيه.. " الفتنة الصماء العمياء ".. أي (8) التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في رهانها (9)، لان الاصم لا يسمع الاستغاثة ولا (10) يقلع عما يفعله، وقيل: هي كالحية الصماء التي لا تقبل الرقى. قوله عليه السلام: ووطأة الاسد.. قال الجزري: الوطئ - في الاصل -: الدوس بالقدم فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ على الشئ برجله فقد استقصى في هلاكه واهانته.. ومنه الحديث (11): " اللهم اشدد وطأتك على


= ولاحظ: القاموس 4 / 387، ولسان العرب 15 / 262، وغيرهما. (1) كما صرح به في مجمع البحرين 1 / 287، والصحاح 6 / 2421. اعني الثار. (2) قال في مجمع البحرين 3 / 508: الوتر - بالفتح -: الذحل.. ونص على ما في المتن في 3 / 509، ولاحظ ما ذكره الفيروز آبادي في القاموس المحيط 2 / 152. (3) كذا، والظاهر: الذحول - بالذال المعجمة -. (4) انظر: الصحاح 2 / 843، والنهاية 5 / 148. (5) في (س): المتيه. وهو غلط. (6) جاء في النهاية 1 / 203، ولسان العرب 13 / 482، وغيرهما. (7) النهاية 3 / 54، وانظر: لسان العرب 12 / 343. (8) في المصدر: هي، بدلا من: أي. (9) في (ك): زمانها. وفي المصدر: دهائها. وفي لسان العرب 12 / 343.. ذهابها. (10) في المصدر: فلا، بدلا من: ولا. وجاء في لسان العرب كما في المتن. (11) في المصدر: حديثه الآخر.

[570]

مضر ".. أي خذهم اخذا شديدا (1). والطمطام: معظم ماء البحر، وقد يستعار لمعظم النار (2)، واستعير هنا لعظماء أهل الشر والفساد. وقال الجوهري: المحك: اللجاج.. والمماحكة: الملاجة (3). والقمقام: البحر والامر الشديد والسيد والعدد الكثير (4). قوله عليه السلام: وعجم العرب.. أي كانوا من العرب بمنزلة الحيوانات العجم (5). قوله عليه السلام: وغنم الحرب.. أي أهل غنم الحرب الذين لهم غنائمها أو يغتنمونها، ويمكن أن يقرأ الحرب - بالتحريك - وهو سلب المال (6)، وفي بعض النسخ الحروب. قوله عليه السلام: وقطب الاقدام.. لعله بكسر الهمزة.. أي كانوا كالقطب للاقدام على الحروب، أو بالفتح أي بهم كانت الاقدام تستقر في الحروب، أو كانت أقدامهم بمنزلة القطب لرحا الحرب، والقطب أيضا: سيد


(1) النهاية 5 / 200، وقريب منه في لسان العرب 1 / 195 - 197. (2) نص عليه في النهاية 2 / 139، ومثله في لسان العرب 12 / 371. (3) في الصحاح 4 / 1607، ونحوه في لسان العرب 10 / 486. أقول: في طبعتي البحار: الملاحة - بالحاء المهملة -، وقد سقطت النقطة عن الجيم كما هو ظاهر. (4) ذكره في القاموس 4 / 167 - 168، ولسان العرب 12 / 494، إلا أن فيهما: والامر العظيم. (5) قال في مجمع البحرين 6 / 111: والحيوانات العجم - بالضم فالسكون -: جمع أعجم، وهو من لا يقدر على الكلام، ومنه: اتقوا الله في العجم من أموالكم، قيل: وما العجم ؟. قال: الشاة والبقرة والحمام.. وأشباه ذلك. وذكر في الصحاح 5 / 1980: والعجم - أيضا - صغار الابل نحو بنات اللبون إلى الجذع.. والعجماء: البهيمة.. وانما سميت عجماء: لانها لا تتكلم، فكل من لا يقدر على الكلام اصلا فهو أعجم ومستعجم. (6) نص عليه في مجمع البحرين 2 / 38، والصحاح 1 / 108.

[571]

القوم وملاك الشئ ومداره، ذكره الفيروز آبادي (1). قوله عليه السلام: وسل السيوف (2).. الحمل على المبالغة أي سلال السيوف، ولعله تصحيف، وفي بعض النسخ: سيل السيوف. والدلاص - بالكسر -: اللين (3) البراق، يقال: درع دلاص وادرع دلاص (4). قوله عليه السلام: يفري جماجم البهم.. وفي بعض النسخ: يبرئ - بالباء - الفري: الشق (5) والبري: النحت (6)، والبهم - كصرد -: جمع بهمة، وهو الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه (7)، والجمجمة - بالضم -: القحف أو العظم فيه الدماغ (8)، والهام - جمع هامة -: وهو رأس كل شئ (9)، والابطال: الشجعان (10)، والنكص: الاحجام عن الامر والرجوع عنه (11)، والحتوف - بالضم -: جمع الحتف - بالفتح - وهو الموت (12)، والغوانم: الجيوش الغانمة (13)، وفي بعض النسخ: العرازم: جمع عرزم وهو الشديد والاسد (14)، وفي


(1) القاموس 1 / 118، وقارن به لسان العرب 1 / 682. (2) قال في القاموس 3 / 397: السل: انتزاعك الشئ وإخراجه في رفق كالاستلال، وسيف سليل: مسلول. (3) في (س): اللبن. (4) ذكره في الصحاح 3 / 1040، ولسان العرب 7 / 37، وغيرهما. (5) جاء في الصحاح 6 / 2454، والقاموس 3 / 373. (6) كما في مجمع البحرين 1 / 52، والقاموس 3 / 303. وفي (ك): والنحت، بالواو وهي زائدة. (7) قاله في الصحاح 5 / 1875، وتاج العروس 8 / 207 وغيرهما. (8) صرح به في القاموس 4 / 92، وتاج العروس 8 / 233، ولسان العرب 12 / 110. (9) نص عليه في القاموس 4 / 193، ولسان العرب 12 / 624، وزاد في الاخير: من الروحانيين. (10) ذكره في القاموس 3 / 335، ولسان العرب 11 / 56. (11) قاله في مجمع البحرين 4 / 189، والصحاح 3 / 1060. (12) جاء في مجمع البحرين 5 / 34، والصحاح 4 / 1340، وغيرهما. (13) الغوانم: جمع غانمة، وهي صفة وموصوفها محذوف وهو: الجيوش. (14) ذكره في القاموس 4 / 149، إلا أنه لم يذكر أنه جمع عرزم بل جعله كالعرزم، ومثله في تاج =

[572]

بعضها: الغراة (1)، والسنبك - بالضم -: طرف الحافر (2)، وصفن الفرس: قام على ثلاثة قوائم وطرف حافر الرابعة (3)، والاذل: الضيق والشدة (4). قوله عليه السلام: والهزل.. لعل المراد أنهم لم يكونوا يثبتون في مقام الهزل فكيف في مقام الجد ؟، وفي بعض النسخ: والزلزال. قوله عليه السلام: في ظلال الاعنة وفي (5) بعض النسخ: في طلاب الاعنة.. أي مطالبتها، وفي بعضها: في إطلاق الاعنة، وهو أصوب. قوله عليه السلام: نتواقف.. أي وقفت على حد الحق ووقفتم على حد الباطل. قوله عليه السلام: ونالوني.. أي اصابوني (6) بالمكاره، وفي بعض النسخ: قالوني.. من القلاء: وهو البغض (7)، ويقال: بزه ثيابه وابتزه: إذا سلبه اياها (8). قوله عليه السلام: العجماء ذات البيان.. قيل: كنى عليه السلام بها عن العبر الواضحة وما حل بقوم فسقوا عن أمر ربهم، وعما هو واضح من كمال فضله عليه السلام، وعن حال الدين، ومقتضى أوامر الله تعالى، فإن هذه الامور عجماء لانطق لها.


= العروس 8 / 396. (1) في (ك): الغواة. الغراة - لعلها جمع الغري - وهو البناء الجيد. (2) كما في القاموس 3 / 307، ولسان العرب 10 / 444. (3) جاء في القاموس 4 / 242، ولسان العرب 13 / 248، وغيرها. (4) قاله في القاموس 3 / 328، والنهاية 1 / 46. أقول: ما ذكراه منطبق على كلمة: الازل - بالزاء المعجمة -، في (س): الاذل، وفي (ك): الازل. (5) لا توجد الواو في (س). (6) كما في لسان العرب 11 / 685، والنهاية 5 / 141، والقاموس 4 / 62. (7) ذكره في مجمع البحرين 1 / 349، والقاموس 4 / 380، وغيرهما. (8) نص عليه في النهاية 1 / 124، ولسان العرب 5 / 312.

[573]

بيانا.. ذات البيان حالا [كذا]، ولما بينهاا عليه السلام فكأنه أنطقها لهم. وقيل: العجماء صفة لمحذوف.. أي الكلمات العجماء، والمراد ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنها ذات بيان عند أولي الالباب. قوله عليه السلام: على أني بها مستأثر.. على بناء المفعول، والاستئثار: الاستبداد والانفراد بالشئ (1)، والكلام مسوق على المجاز.. أي ثم تصرفوا في الخلافة على وجه كأني فعلت جميع ذلك ليأخذوها مني مستبدين بها، ويحتمل الاستفهام الانكاري، ويمكن أن يقرأ على بناء اسم الفاعل. والكدح: العمل والسعي (2). والغشم: الظلم (3). واكتنفه: احاط به، وكانفه: عاونه (4). وقال الجوهري: نفحه (5) بالسيف: تناوله من بعيد (6). قوله عليه السلام: تزأر.. الزرء (7) والزئير: صوت الاسد من صدره، والفعل كضرب ومنع وسمع (8)، وفي بعض النسخ بالياء (9)، ولعله على التخفيف بالقلب لرعاية السجع. والاستكاك: الصمم (10).


(1) ذكره في مجمع البحرين 3 / 199، وانظر: الصحاح 2 / 575، والنهاية 1 / 22. (2) قاله في مجمع البحرين 2 / 406، والصحاح 1 / 391. (3) جاء في القاموس 4 / 156، والصحاح 5 / 1996، وغيرهما. (4) نص عليه في القاموس 3 / 192، والصحاح 4 / 1424. (5) في (ك): نفجه - بالجيم -. (6) الصحاح 1 / 412، ولسان العرب 2 / 624. (7) كذا، والصحيح: الزأر - بتقديم الهمزة على الراء -. (8) نص عليه في القاموس 2 / 36، ومثله في لسان العرب 4 / 314، إلا أنه لم يذكر مجيئه من باب سمع. (9) أي تزير، قلبت الهمزة ياء على التخفيف. (10) صرح به في القاموس 3 / 306، والصحاح 4 / 1590.

[574]

والصعدا: المشقة، أو هو بالمد: بمعنى ما يصعد عليه (1). قوله عليه السلام: ترتدي.. لعله عليه السلام شبه وقوعهم به القتل على أعناق الجياد بارتدائها (2) بهم، أو هو افتعال من الردى وهو الهلاك وإن لم يأت فيما عندنا من كتب اللغة (3)، وفي بعض النسخ: تردى، فالباء زائدة أو بمعنى مع، أو للتعدية إذا قرى على بناء المجرد، ويقال: ردى الفرس - كرمى -: إذا رجمت الارض بحوافرها، أو بين (4) العدو والمشي، والشئ: كسره، وفلانا: صدمه وردى ردى: هلك (5). قوله عليه السلام: والرعابيب ترعب.. قال الفيروز آبادي: الرعبوب: الضعيف الجبان، وجارية رعبوبة ورعبوب ورعبيب - بالكسر - شطبة تارة أو بيضاء حسنة رطبة حلوة أو ناعمة، ومن النوق طياشة (6). وفي المناقب: والدعاس ترعب.. من الدعس وهو الطعن، والمداعسة: المطاعنة (7). قوله عليه السلام: وقد ابيح التولب.. التولب: ولد الحمار (8)، وهو كناية


(1) قال في القاموس 1 / 307: والصعداء: المشقة كالصعدد، وكالبرحاء: تنفس طويل. وزاد في لسان العرب 3 / 251: والصعود: الطريق صاعدا.. والصعود والصعوداء: العقبة الشاقة.. والصعود: المشقة. هذا ولم نجد فيما بأيدينا من كتب اللغة (صعدا) - بالقصر - كما في (س). و (صعد) كما في (ك). (2) أي بلبسها الرداء بهم. (3) كذا، ومراده انه لم يأت فيها بمعنى الهلاك، واما ما ذكر له من المعنى فقد قال في الصحاح 6 / 2355: تردى وارتدى.. أي لبس الرداء، وقال في تاج العروس 10 / 148 - بعد نقل عبارة الصحاح -: وارتدى فلان: تقلد بالسيف وارتدت الجارية: رفعت رجلا ومشت على رجل تلعبه، نقله الازهري. (4) أي الردي هو بين.. (5) قاله في القاموس 4 / 333، وقارن به تاج العروس 10 / 147. (6) القاموس 1 / 74 بتقديم وتأخير، ومثله في لسان العرب 1 / 421 - 422. (7) صرح به في الصحاح 3 / 929، والقاموس 2 / 215. (8) نص عليه في الصحاح 1 / 91، والقاموس 1 / 40.

[575]

عن كثرة الغنائم أو الاسارى على الاستعارة. وفي المناقب (1): وقد أمج التولب.. أما بتشديد الجيم من امج الفرس: إذا بدأ بالجري قبل ان يضطرم، وامج الرجل: إذا ذهب في البلاد (2)، أو بالتخفيف من امج - كفرح - إذا سار شديدا (3)، ولعله على الوجهين كناية عن الفرار، والنسخة الاولى أظهر وأنسب. والاصطلام: الاستئصال (4). والشوقب (5): الرجل الطويل، والواسع من الحوافر. وخشبتا القتب اللتان تعلق فيهما الحبال (6). قوله عليه السلام: والصفائح تنزع.. في بعض النسخ: تربع.. من ربع الابل: إذا سرحت في المرعى واكلت حيث شاءت وشربت، وكذلك الرجل بالمكان (7). ثم إن غزوة الابواء وقعت بعد اثني عشر شهرا من الهجرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة يريد قريشا وبني ضمرة، قالوا: ثم رجع ولم يلق كيدا، وغزوة بواط كانت في السنة الثانية في ربيع الاول (8) وبعدها في جميدى (9) الآخرة كانت غزوة العشيرة، والرضوى: جبل بالمدينة (10)، ولا يبعد كونه إشارة إلى


(1) المناقب 2 / 203. (2) ذكره في القاموس 1 / 206، والصحاح 1 / 340، وغيرهما. (3) قاله في القاموس 1 / 177، ولسان العرب 2 / 208. (4) كما في مجمع البحرين 6 / 102، والصحاح 5 / 1967. (5) في (ك): الشوقب. (6) جاء في القاموس 1 / 89، ولسان العرب 1 / 506. (7) صرح به في القاموس 3 / 25، وتاج العروس 5 / 339. (8) وضع عليها رمز نسخة، في (ك). (9) كذا، والظاهر جمادى. (10) ذكره في مجمع البحرين 1 / 188، والقاموس 4 / 335، وغيرهما.

[576]

غزوة احد، وذات الليوث إلى غزوة حنين، والكدو (1) - وفي بعض النسخ: الاكيدر - إلى غزوة دومة الجندل، وقد مر تفصيلها في المجلد السادس (2). وفي القاموس: وطأه: هيأه ودمثه وسهله.. فاتطأ (3).. وواطأه على الامر: وافقه كتواطأه وتوطأه.. وايتطأ - كافتعل -: استقام وبلغ نهايته وتهيأ (4). والدهماء: الفتنة المظلمة (5)، والدهياء: الداهية الشديدة (6). أقول: أورد ابن شهر آشوب في المناقب (7): الخطبة الاولى إلى قوله: وأين هذه الافعال الحميدة.. مع اختصار في بعض المواضع. 11 - فس (8): قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس ! إن أول (9) من بغى على الله عزوجل على وجه الارض عناق بنت آدم عليه السلام، خلق الله لها عشرين إصبعا، في كل (10) إصبع منها ظفران طويلان كالمنجلين (11) العظيمين،


(1) قد مر في أصل الخطبة: الكدر. وهو الظاهر. (2) بحار الانوار 20 / 14 - 146 في غزوة أحد، ونفس المجلد: 283 - 295 في غزوة دومة الجندل، ومن صفحة: 146 إلى 168 في غزوة حنين. (3) وتقرأ في (ك): فايطأ، أيضا والكلمة مشوشة. (4) كما في القاموس 1 / 32، وتاج العروس 1 / 135، وقال فيه أيضا: هياه ودمثه وسهله الثلاثة بمعنى. وفي المصدر: إستطأ، بدلا من: ايتطأ، وجاءت نسخة في هامش القاموس: ايتطأ، كمتن البحار. (5) نص عليه في النهاية 2 / 146، وقارن به لسان العرب 12 / 211. (6) قال في مجمع البحرين 1 / 152: عن ابن سكيت: داهية دهياء ودهوا - أيضا - وهي توكيد لها، ومثله في الصحاح 6 / 2344. (7) المناقب 2 / 201 - 203. (8) تفسير القمي 2 / 134. (9) في المصدر: يا أيها الناس اول.. (10) في المصدر: لكل. (11) في المصدر: المخلبين. أقول: هنا حاشية جاءت في (ك) وهي: المنجل - بكسر الميم -: ما يحصد به الزرع. مجمع. انظر: مجمع البحرين 5 / 478.

[577]

وكان مجلسها في الارض موضع جريب، فلما بغت بعث الله لها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا كالحمار وكان ذلك في الخلق الاول، فسلطهم الله عليها فقتلوها، ألا وقد قتل الله فرعون وهامان وخسف بقارون (1)، وإنما هذا مثل لاعدائه الذين غصبوا حقه فأهلكم الله. ثم قال علي صلوات الله عليه - على إثر هذا المثل الذي ضربه -: وقد كان لي حق حازه دوني من لم يكن له، ولم أكن أشركه فيه، ولا توبة له إلا بكتاب منزل، أو برسول (2) مرسل، وأنى له بالرسالة بعد محمد (3) صلى الله عليه وآله، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، وأنى يتوب (4) وهم (5) في برزخ القيامة غرته الاماني وغره بالله الغرور، قد أشفى [على شفا جرف (6) هار فانهار به في نار (7) جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين] (8). 12 - ما (9): احمد بن محمد بن موسى بن الصلت، عن ابن عقدة (10)، عن احمد بن القاسم، عن عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك، عن أبيه، قال: صعد علي عليه السلام المنبر يوم الجمعة فقال: أنا عبد الله وأخو رسول


(1) في المصدر: خسف الله بقارون. (2) في التفسير: وبرسول.. (3) في المصدر: بعد رسول الله.. وفيه نسخة بدل: النبي محمد (ص). (4) وضع رمز نسخة بدل في (س): على يتوب. وذكر في (ك) نسخة بدل: فإني، بدلا من: واني، وكلتا الكلمتين لا توجدان في المصدر. ومن هنا إلى آخر الحديث ذكر في حاشية المصدر على أنه نسخة بدل. (5) في هامش المصدر: وهو. (6) في هامش التفسير: وقد اشرف على جوف. (7) ؟ ؟ ؟. (8) ؟ ؟ ؟. (9) ؟ ؟ ؟. (10) ؟ ؟ ؟.

[578]

الله (1) لا يقولها بعدي إلا كذاب، ما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين: طلحة والزبير، والقاسطين: معاوية وأهل الشام، والمارقين: وهم أهل النهروان، ولو أمرني بقتال الرابعة لقاتلتهم. 13 - قب (2): البخاري ومسلم بالاسناد، قال قيس بن سعد: قال علي (ع): إن (3) أول من يحثو (4) للحكومة بين يدي الله (5). 14 - جا (6): الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن المسعودي، عن الحسن بن حماد، عن أبيه، عن رزين (7) بياع الانماط، قال: سمعت زيد بن علي ابن الحسين عليهما السلام يقول: حدثني أبي، عن أبيه، قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب الناس قال (8) في خطبته: والله لقد بايع الناس أبا بكر وأنا أولى الناس بهم مني بقميصي هذا، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، وألصقت كلكلي بالارض، ثم إن أبا بكر هلك واستخلف عمر، وقد علم - والله - أني أولى الناس بهم مني بقميصي هذا، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، ثم إن عمر هلك وقد جعلها شورى، فجعلني سادس ستة،


(1) في الامالي: يوم جمعة.. وأخو رسوله. وفي (س) الكلمة مشوشة. (2) المناقب 3 / 204. (3) كذا، وفي المصدر وحاشية البحار: انا، وضع بعدها رمز: ظاهرا، وهو الصواب، إلا أن يكون متنا مبتورا بلا خبر. (4) في (س): يجثو. (5) صحيح البخاري، كتاب المغازي وتفسير سورة الحج (22) حديث 3 / 6 / 124) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أنا اول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. (6) أمالي الشيخ المفيد: 153 - 154، حديث 5. (7) هكذا جاء السند في المصدر: قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: أخبرني الحسن ابن علي الزعفراني، قال: حدثنا أبو إسحاق ابراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثني المسعودي، قال: حدثنا الحسن بن حماد، عن أبيه، قال: حدثني رزين.. (8) في المصدر: فقال.

[579]

كسهم الجدة وقال: اقتلوا الاقل وما أراد غيري، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، وألصقت كلكي بالارض، ثم كان من أمر القوم بعد بيعتهم لي ما كان، ثم لم أجد إلا قتالهم أو الكفر بالله. بيان: الكلكل: الصدر (1). 15 - جا (2): ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن احمد بن علوية، عن الثقفي، عن محمد (3) بن عمرو الرازي، عن الحسن بن المبارك، عن الحسن بن سلمة، قال: لما بلغ أمير المؤمنين صلوات الله عليه مسير طلحة والزبير وعائشة من مكة إلى البصرة نادى الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله قلنا: نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأولياؤه وأحق خلائق الله به، لا ننازع حقه وسلطانه، فبينما نحن إذ (4) نفر المنافقون فانتزعوا سلطان نبينا صلى الله عليه وآله منا وولوه غيرنا، فبكت لذلك - والله - العيون والقلوب منا جميعا، وخشنت - والله - الصدور، وأيم الله لولا مخافة الفرقة من المسلمين أن يعودوا (5) إلى الكفر، ويعود الدين (6)، لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا، وقد ولي ذلك ولاة ومضوا لسبيلهم ورد الله الامر إلي، وقد بايعاني وقد (7) نهضا إلى البصرة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم


(1) قاله في مجمع البحرين 5 / 465، والصحاح 5 / 1812، وغيرهما. (2) أمالي الشيخ المفيد: 154 - 156، حديث 6. (3) جاء السند في المصدر هكذا: قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه - رحمه الله -، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن علوية، عن ابراهيم بن محمد الثقفي، قال: أخبرنا محمد.. (4) في المصدر: نحن على ذلك إذ.. (5) في المصدر: مخافة الفرقة بين المسلمين وان يعودوا.. (6) في الامالي: ويعور الدين. وجاء في هامشه: في بعض نسخ الحديث: (وان يعود الكفر ويبور الدين) وفي بعضها: (يعود الدين).. أي ارتد إلى ماكان عليه في الجاهلية بعد ما كان اعرض عنها. (7) في الامالي زيادة وتغيير، وهي: وقد بايعني هذان الرجلان طلحة والزبير فيمن بايعني وقد..

[580]

بينكم، اللهم فخذهما لغشهما (1) لهذه الامة، وسوء نظر هما للعامة. فقام أبو الهيثم ابن التيهان رحمه الله فقال (2): يا أمير المؤمنين ! إن حسد قريش إياك على وجهين، أما خيارهم فحسدوك منافسة في الفضل وارتفاعا في الدرجة، وأما شرارهم (3) فحسدوك حسدا أحبط الله به أعمالهم وأثقل به أوزارهم، وما رضوا أن يساووك حتى أرادوا أن يتقدموك، فبعدك عليهم الغاية، وأسقطهم المضمار، وكنت أحق قريش بقريش، نصرت نبيهم حيا، وقضيت عنه الحقوق ميتا، والله ما بغيهم إلا على أنفسهم، ونحن أنصارك وأعوانك، فمرنا بأمرك، ثم أنشأ يقول: إن قوما بغوا عليك وكادوك * وعابوك بالامور القباح ليس من عيبها جناح بعوض * فيك حقا ولا كعشر جناح أبصروا نعمة عليك (4) من الله * وقوما (5) يدق قرن النطاح وإماما تأوي الامور إليه * ولجاما لمن (6) غرب (7) الجماع كلما (8) تجمع الامامة فيه * هاشميا لها عراض البطاح حسدا للذي أتاك من الله * وعادوا إلى قلوب قراح ونفوس هناك أوعية البغض * على الخير للشقاء شحاح من مسير يكنه حجب الغيب * ومن مظهر العداوة لاح يا وصي النبي نحن من الحق * على مثل بهجة الاصباح


(1) في المصدر: بغشهما، وفي (ك): لعنتهما. (2) في الامالي: وقال. (3) في المصدر: اشرارهم. (4) ؟ ؟ ؟. (5) ؟ ؟ ؟ ؟. (6) ؟ ؟ ؟ ؟. (7) ؟ ؟ ؟. (8) ؟ ؟ ؟.

[581]

فخذ الاوس والقبيل من الخزرج * بالطعن في الوغا والكفاح ليس منا من (1) لم يكن لك في الله * وليا على الهدى والفلاح فجزاه أمير المؤمنين عليه السلام خيرا، ثم قام الناس بعده فتكلم كل واحد بمثل مقاله. بيان: القرم: السيد (2). والنطاح - بالكسر -: الكباش الناطحة بالقرن (3)، استعيرت هذا للشجعان. وجماح الفرس: امتناعه من راكبه (4). قوله: قراح.. أي مقروحة بالحسد (5). قوله: على الخير متعلق بالشحاح كقوله (6) تعالى: [أشحة على الخير] (7)، واللاحي: اللائم، والملاحي: المنازع (8)، ويقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره (9).


(1) في (س): من أمن. (2) ذكره في الصحاح 5 / 2009، والقاموس 4 / 163، وغيرهما. (3) قال في لسان العرب 2 / 621: النطح للكباش ونحوها.. وكبش نطاح.. وكبش نطيح... فالناطح: الكبش. ونحوه في تاج العروس 2 / 240. والناطح: الكبش الذي ينطح بالقرن. (4) قال في القاموس 1 / 218، والصحاح 1 / 360: جماع الفرس: اعتزازه وغلبته من راكبه. (5) قال في الصحاح 1 / 395: وقرحه قرحا: جرحه فهو قريح. وقال في لسان العرب 2 / 558: قريح - فعيل بمعنى المفعول -، قرح البعير فهو مقروح وقريح. أقول: لعله - رحمه الله - جعل القراح جمع القريح - ككرام وكريم -. (6) في (ك): قوله. (7) الاحزاب: 19. (8) كما في مجمع البحرين 1 / 374، والصحاح 6 / 2481. (9) صرح به في مجمع البحرين 2 / 407، والصحاح 1 / 399.

[582]

16 - جا (1): الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن المسعودي، عن محمد (2) بن كثير، عن يحيى بن حماد القطان، عن أبي محمد الحضرمي، عن أبي علي الهمداني: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين ! إني سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدثنا عن أمرك هذا.. أكان بعهد رسول الله (3) صلى الله عليه وآله أو شئ رأيته ؟ فأما (4) قد أكثرنا فيك الاقاويل وأوثقه عندنا ما قبلناه عنك (5) وسمعناه من فيك، إنا كنا نقول لو رجعت إليكم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدري إذا سئلت ما أقول ؟ أزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك ؟ فإن قلت ذلك فعلام (6) نصبك رسول الله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع، فقال: أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ !. وإن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلام (7) نتولاهم ؟. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا عبد الرحمن ! إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأنا يوم قبضه أولى بالناس مني بقميصي هذا، وقد كان من نبي الله (ص) إلي عهد لو خزمتموني بأنفي لاقررت سمعا لله وطاعة، وإن أول ما انتقصناه (8) بعده إبطال حقنا في الخمس، فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم


(1) أمالي الشيخ المفيد: 223 - 224، حديث 2. (2) جاء السند في المصدر هكذا: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: حدثنا الحسن بن علي الزعفراني، قال: حدثنا أبو إسحاق ابراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا المسعودي، قال: حدثنا محمد.. (3) في نسخة من المصدر، وفي (س): كان بعهد من رسول الله. (4) في أمالي المفيد: فانا، وهو الظاهر. (5) خط في (س) على لفظة: عنك. (6) في المصدر: فعلى م. وليس الفرق إلا في الكتابة. (7) في الامالي: فعلى م. وليس الفرق إلا في الكتابة. (8) في المصدر: انتقصنا، وفيه نسخة: انتقصناه، وفي س (): انتقضا.

[583]

من قريش فينا، وقد كان لي على الناس حق لو ردوه إلي عفوا قبلته وقمت به، فكان (1) إلى أجل معلوم، وكنت كرجل له على الناس حق إلى أجل، فإن عجلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وإن أخروه أخذه غير محمود (2)، وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو عند الناس محزون، وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس، فإذا سكت فاعفوني، فإنه لو جاء أمر تحتاجون (3) فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفوا عني ما كففت عنكم. فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين ! فأنت - لعمرك - كما قال الاول: لعمري (4) لقد أيقظت من كان نائما * وأسمعت من كانت له اذنان بيان خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة انفه يشد فيها الزمام (5). قوله عليه السلام: رعيان البهم.. أي رعاة البهائم والانعام (6). وقال الجوهري: يقال: اعطيته عفو المال: يعني بغير مسألة (7). وقال في النهاية - في حديث المغيرة -: محزون اللهزمة.. أي خشنها.. ومنه الحديث (8): احزن بنا المنزل.. أي صار ذا حزونة (9).. ويجوز ان يكون من قولهم


(1) في الامالي: وكان. (2) في المصدر: محمودين، وكذلك في (ك). (3) جاءت في طبعتي البحار: خ. ل: تحتاجوني. (4) في المصدر: لعمرك. (5) ذكره في الصحاح 5 / 1911، ولسان العرب 12 / 175، وغيرهما. (6) قاله في الصحاح 6 / 2358، والقاموس 4 / 335. (7) كما في الصحاح 6 / 2432، والقاموس 4 / 364، وغيرهما. (8) في المصدر: ومنه حديث الشعبي. (9) في (ك): ذو حزونة، وهو سهو.

[584]

احزن الرجل واسهل: إذ ركب الحزن والسهل (1). 17 - كا (2): في الروضة، علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب ويعقوب السراج، عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كل منظر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، وحجة الله على العالمين، مصدقا للرسل الاولين، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله. أما بعد، أيها الناس ! فإن البغي يقود أصحابه إلى النار، وإن أول من بغى على الله جل ذكره عناق بنت آدم، وأول قتيل قتله الله عناق، وكان مجلسها جريبا من الارض (3) في جريب، وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين، فسلط الله عزوجل عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلوها، وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم، وآمن ما كانوا، وأمات هامان، وأهلك فرعون، وقد قتل عثمان، ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوطة القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون (4) كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم، ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل أهلها عليها (5)، وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا


(1) النهاية 1 / 380، وانظر: لسان العرب 13 / 113. (2) الكافي 8 / 67 - 68، حديث 23. (3) في المصدر: من الارض، نسخة بدل. (4) في (ك) نسخة: سباقون. (5) في المصدر: عليها اهلها، بتقديم وتأخير.

[585]

ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها، فأوردتهم الجنة، وفتحت لهم أبوابها، وجدوا ريحها وطيبها، وقيل لهم: [ادخلوها بسلام ءآمنين] (1)، ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم اشركه فيه، ومن لم أهبه له، ومن ليس له منه نوبة (2) إلا نبي (3) يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، أشرف منه [على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم] (4) حق وباطل، ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما ما (5) فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل، ولئن رد عليكم أمركم إنكم سعداء، وما علي إلا الجهد، وإني لاخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي، ولو أشاء لقلت: عفا الله عما سلف، سبق فيه الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه، ويله ! لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة والنار أمامه، ثلاثة واثنان، خمسة ليس لهم سادس، ملك يطير بجناحيه، ونبي أخذ الله بضبعيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها يأتي الكتاب (6) وآثار النبوة، هلك من ادعى، وخاب من افترى، إن الله أدب هذه الامة بالسيف والسوط وليس لاحد عند الامام فيهما هوادة، فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم، من أبدى (7) صفحته للحق هلك.


(1) الحجر: 46. (2) في بعض النسخ: توبة، وهي التي ستأتي في بيان المصنف قدس سره. (3) كذا، وفي (ك) نسخة: بنتي، وفي المصدر: إلا بنبي... (4) التوبة: 109. (5) لا توجد في المصدر: ما، ووضع عليها رمز نسخة بدل في مطبوع البحار. (6) في (س) هنا نسخة بدل: عليها ما في الكتاب، ذكرها في هامش مطبوع الروضة. (7) في (ك): ايدي، ولا معنى لها هنا ظاهرا.

[586]

بيان: قوله عليه السلام: علا فاستعلى.. الاستعلاء هنا مبالغة في العلو، أي علا عن رتبة المخلوقين فاستعلى عن التشبه بصفاتهم، أو كان عاليا بالذات والصفات فأظهر وبين علوه بالايجاد، أو طلب علوه من العباد بأن يخضعوا عنده ويعبدوه، وعلى الاخيرين يكون الاستفعال للطلب بتقدير أو تجوز. قوله عليه السلام: ودنا فتعالى.. أي دنا من كل شئ فتعالى أن يكون في مكان، إذ لا يمكن أن يكون للمكاني الدنو (1) من كل شئ، أو دنوه دنو علم وقدرة وايجاد وتربية، وهو عين علوه وشرافته ورفعته، فليس دنوه دنوا منافيا للعلو، بل مؤيد له، ويحتمل في الفقرتين أن يكون الفاء بمعنى الواو.. أي علا وكثر علاؤه، ودنا وتعالى أن يكون دنوه كدنو المخلوقين. قوله عليه السلام: وارتفع فوق كل منظر.. المنظر: النظر (2) والموضع المرتفع (3) وكل ما نظرت إليه فسرك أو ساءك (4)، فالمراد (5) أنه - تعالى - ارتفع عن كل محل يمكن أن ينظر إليه، أي ليس بمرثي ولا مكاني، أو ارتفع عن كل نظر فلا يمكن لبصر الخلق النظر إليه، أو ارتفع عن محال (6) النظر والفكر فلا يحصل في وهم ولا خيال ولا عقل، ويحتمل معنى دقيقا بأن يكون المراد بالارتفاع فوقه: الكون عليه والتمكن فيه مجازا.. أي ظهر لك في كل ما نظرت إليه بقدرته وصنعه وحكمته.


(1) في (ك) وضع على كلمة: الدنو، رمز نسخة بدل. (2) ذكره في القاموس 2 / 144، وتاج العروس 3 / 573، ولسان العرب 5 / 215. (3) قال في مجمع البحرين 3 / 498: المنظر: المرقب. وفي الصحاح 2 / 831: المنظرة: المرقبة. وذكر في لسان العرب 5 / 217 - 218: والمنظرة موضع في رأس جبل فيه رقيب ينظر العدو ويحرسه.. والمناظر: اشراف الارض لانه ينظر منها. (4) كما في القاموس 2 / 144، وتاج العروس 3 / 573، ولسان العرب 5 / 217. (5) في (ك): والمراد. (6) في نسخة على (ك): محل.

[587]

قوله عليه السلام: خاتم النبيين.. - بفتح التاء وكسرها (1) -... أي آخرهم (2). قوله عليه السلام: فان البغي.. أي الظلم والفساد والاستطالة (3). قوله عليه السلام: وإن أول من بغى.. كأنها كانت مقدمة على قابيل. قوله عليه السلام: وأول قتيل قتله الله.. أي بالعذاب. قوله عليه السلام: في جريب.. لعل المراد أنها كانت تملا مجموع الجريب بعرضها وثخنها. وفي تفسير علي بن ابراهيم: وكان مجلسها في الارض موضع جريب (4)، وفيما رواه ابن ميثم (5) - بتغيير ما -: كان مجلسها من الارض جريبا. قوله عليه السلام - مثل المنجلين.. المنجل - كمنبر - ما يحصد به (6). قوله عليه السلام: وأمات هامان.. أي عمر، وأهلك فرعون.. يعني أبا بكر، ويحتمل العكس، ويدل على أن المراد هذان الاشقيان: قوله عليه السلام: وقد قتل عثمان.. ويمكن أن يقرأ قتل - على بناء المعلوم والمجهول -، والاول أنسب بما تقدم. قوله عليه السلام: ألا وإن بليتكم.. أي ابتلاءكم وامتحانكم بالفتن (7). قوله عليه السلام: لتبلبلن بلبلة.. البلبلة: الاختلاط، وتبلبلت الالسن.. أي اختلطت (8).


(1) في (س): وكسر التاء. (2) صرح به في القاموس 4 / 102، وتاج العروس 8 / 267، ولسان العرب 12 / 164. (3) قاله في القاموس 4 / 304، وانظر: لسان العرب 14 / 78. (4) تفسير علي بن ابراهيم 2 / 134. (5) في شرحه على نهج البلاغة 1 / 297. (6) كما في مجمع البحرين 5 / 478، والصحاح 5 / 1826. (7) ذكره في مجمع البحرين 1 / 60، ونحوه في القاموس 4 / 305. (8) كما في لسان العرب 11 / 68، وانظر: القاموس 3 / 337، ومجمع البحرين 5 / 325.

[588]

وقال ابن ميثم: وكنى بها عما يوقع بهم بنو أمية وغيرهم من امراه الجور من الهموم المزعجة، وخلط بعضهم ببعض، ورفع أراذلهم، وحط أكابرهم عما يستحق كل من المراتب (1). وقال الجزري: فيه: دنت الزلازل، والبلابل: هي الهموم والاحزان، وبلبلة الصدور (2): وسواسه..، ومنه الحديث: " انما عذابها في الدنيا البلابل والفتن " يعني هذه الامة، ومنه خطبة علي (ع): " لتبلبلن بلبلة والتغربلن غربلة " (3) انتهى. والاظهر أن المراد اختلاطهم واختلاف أحوالهم ودرجاتهم في الدين بحسب ما يعرض لهم من الفتن. قوله عليه السلام: لتغربلن غربلة.. الظاهر أنها مأخوذة من الغربال الذي يغربل به الدقيق، ويجوز أن تكون من قولهم: غربلت اللحم.. أي قطعته (4)، فعلى الاول الظاهر أن المراد تمييز جيدهم من رديهم، ومؤمنهم من منافقهم، وصالحهم من طالحهم، بالفتن التي تعرض (5) لهم، كل أن في الغربال يتميز اللب من النخالة، وقيل: المراد خلطهم، لان غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض. وقال ابن ميثم: هو كناية عن التقاط آحادهم وقصدهم بالاذى والقتل، كما فعل بكثير من الصحابة والتابعين (6)، ولا يخفى ما فيه. وعلى الثاني، فلعل المراد تفريقهم وقطع بعضهم عن بعض. قوله عليه السلام: ولتساطن سوط القدر.. قال الجزري: ساط القدر


(1) شرح النهج لابن ميثم 1 / 300، خطبة 15. (2) في المصدر: الصدر. (3) النهاية 1 / 150، وقريب منه في لسان العرب 11 / 69. (4) قاله في مجمع البحرين 5 / 433، ومثله في الصحاح 5 / 1780. (5) في (س): يعرض. (6) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1 / 300، أورده بقوله: وكأنها.. بنحو الاحتمال.

[589]

بالمسوط والمسواط (1) بسوط، وهو خشبة يحرك بها ما فيها ليختلط، ومنه حديث علي (ع) (2): لتساطن سوط القدر (3). قوله عليه السلام: حتى يعود أسفلكم أعلاكم.. أي كفاركم مؤمنين، وفجاركم متقين، وبالعكس، أو ذليلكم عزيزا وعزيزكم ذليلا، موافقا لبعض الاحتمالات السابقة. قوله عليه السلام: وليسبقن سابقون كانوا قصروا.. يعني عليه السلام به قوما قصروا في أول الامر في نصرته ثم نصروه واتبعوه، أو قوما قصروا في نصرة الرسول صلى الله عليه وآله وأعانوه صلوات الله عليه. قوله عليه السلام: وليقصرن سابقون كانوا سبقوا.. يجري فيه الاحتمالان السابقان، والاول فيهما أظهر كطلحة والزبير وأضرابهما، حيث كانوا عند غصب الخلافة يدعون أنهم من أعوانه صلوات الله عليه، وعند البيعة أيضا ابتدوا بالبيعة وكان مطلوبهم الدنيا، فلما لم يتيسر لهم كانوا أول من خالفه وحاربه. قوله عليه السلام: والله ما كتمت وشمة.. أي كلمة (4) مما أخبرني به الرسول صلى الله عليه وآله في هذه الواقعة، أو مما أمرت باخباره مطلقا، ويمكن أن يقرأ على البناء للمجهول، أي لم يكتم عني رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، والاول أظهر. قال الجزري: في حديث علي (ع) (5): والله ما كتمت وشمة.. أي كلمة (6) انتهى. وفي بعض الروايات: وسمة - بالسين المهملة -، أي ما كتمت علامة (7)


(1) ؟ ؟ ؟. (2) ؟ ؟ ؟. (3) ؟ ؟ ؟. (4) ؟ ؟ ؟. (5) ؟ ؟ ؟. (6) ؟ ؟ ؟. (7) ؟ ؟.

[590]

تدل على سبيل الحق، ولكن عميتم عنها، ولا يخفى لطف ضم الكتم مع الوسمة، إذ الكتم - بالتحريك - نبت يخلط بالوسمة يختضب به (1). قوله عليه السلام: ولقد نبئت بهذا المقام.. أي أنبأني الرسول صلى الله عليه وآله بهذه البيعة وبنقض هؤلاء بيعتي. قوله عليه السلام: شمس.. هو بالضم: جمع شموس، وهي الدابة تمنع ظهرها ولا تطيع راكبها، وهو مقابل الذلول (2)، فشبه عليه السلام الخطايا بخيل صعاب إذا ركبها الناس لا يستطيعون منعها عن أن توردهم المهالك، والتقوى بمطايا زلل (3) مطيعة منقادة أزمتها بيد ركابها (4) يوجهونها حيث ما يريدون. وقوله عليه السلام: واعطوا أزمتها.. على البناء المفعول [كذا].. أي أعطاهم من أركبهم أزمتها، ويمكن أن يقرأ على البناء للفاعل.. أي أعطي الركاب أزمة المطايا إليها، فهن لكونهن ذللا لا يخرجن عن طريق الحق إلى أن يوصلن ركابهن إلى الجنة. والتقحم: الدخول في الشئ مبادرة من غير تأمل (5). قوله عليه السلام: بسلام.. أي سالمين من العذاب، أو مسلما عليكم،


= الواو. والوسمة - بكسر السين -،... والعظلم، يختضب به، وتسكينها لغة. ومثله في مجمع البحرين 6 / 183 - 184. أقول: إن الكلمة (وسمة) في المتن إما أصلها سمة والواو زائدة، وهي بمعنى العلامة، كما ذكره المصنف رحمه الله، أو هي - كما في المتن - وبمعنى النبت الذي بختضب بورقه، ولا يكون لها مناسبة في المقام. (1) ذكره في النهاية 4 / 150، ولسان العرب 12 / 508. (2) قاله في مجمع البحرين 4 / 80، وقريب منه في القاموس 3 / 379، والصحاح 4 / 1071، ولسان العرب 6 / 113. (3) كذا، والظاهر: ذلل. (4) في (ك) نسخة: راكبها، ثم كتب: ظاهرا. أقول: لا معنى للاستظهار كما يظهر من السياق. (5) كما ذكره في النهاية: 4 / 18، والقاموس 4 / 161، وغيرهما.

[591]

آمنين من الآفة والزوال. قوله عليه السلام: لم أشركه فيه.. أي في الخلافة، ولم أهب كله له، أو لم أهب جرم هذا الغصب له. قوله عليه السلام: ومن ليست له توبة إلا بنبي يبعث.. أي لا يعلم قبول توبة من فعل مثل (1) هذا الامر القبيح، وأضل هذه الجماعات الكثيرة إلا بنبي يبعث فيخبره بقبول توبته. وفي بعض النسخ: نوبة.. أي ليست له نوبة في الخلافة إلا بنبي يبعث فيخبر عن الله أن له حصة في الخلافة. وفي أكثر النسخ: إلا نبي - بدون الباء - فالمراد بالتوبة ما يوجب قبولها، أي ليس له سبب قبول توبة إلا بنبي (2)، ولعله من تصحيف النساخ. قوله عليه السلام: أشرف منه.. أي بسبب غصبه الخلافة. قوله عليه السلام: على شفا جرف.. قال الجوهري (3): شفا كل شئ: حرفه (4)، قال الله تعالى: [وكنتم على شفا حفرة] (5). و (6) قال: والجرف والجرف مثل عسر وعسر: ما تجرفته السيول واكلته من الارض، ومنه قوله تعالى: [على شفا جرف هار] (7). وقال: هار الجرف يهور هورا وهؤورا فهو هائر، ويقال - أيضا - جرف هار خفضوه في موضع الرفع وأرادوا هائر، وهو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما


(1) لا توجد: مثل في (س). (2) في (ك): نبي. (3) الصحاح 4 / 1336، وانظر: لسان العرب 9 / 25. (4) في (ك): جرفه. (5) آل عمران: 103، وقد ذكره الجوهري في الصحاح 6 / 2339، وانظر: لسان العرب 14 / 436. (6) لا توجد الواو في (ك). (7) التوبة: 109.

[592]

قلبوا شائك (1) السلاح إلى شاكي السلاح، وهورته فتهور: وانهار.. أي انهدم (2). قوله عليه السلام: حق وباطل.. أي في الدنيا، أو هنا، أو بين الناس حق وباطل. قوله عليه السلام: فلئن أمر الباطل.. أي كثر، قال الفيروز آبادي: امر - كفرح - امرا وامرة: كثر (3). قوله عليه السلام: فلقديما فعل.. أي فوالله لقد فعل الباطل ذلك في قديم الايام، أي ليس كثرة الباطل ببديع حتى تستغرب أو يستدل بها على حقية أهله. قوله عليه السلام: ولئن قل الحق فلربما.. أي فوالله كثيرا ما يكون الحق كذلك، ولعل، أي لا ينبغي أن يؤيس من الحق لقتله، فلعله يعود كثيرا بعد قلته، وعزيزا بعد ذلته. قوله عليه السلام: ولقلما أدبر شئ فأقبل.. لعل المراد إنه إذا أقبل الحق وأدبر الباطل فهو لا يرجع، إذ رجوع الباطل بعد إدباره قليل، أو المراد بيان أن رجوع الحق إلينا بعد الادبار أمر غريب يفعله الله بفضله ولطفه وحكمته، أو المراد بيان أنه لا يرجع عن قريب، بل إنما يكون في زمن القائم عليه السلام. قوله عليه السلام: ولئن رد اليكم أمركم.. أي في هذا الزمان. قوله عليه السلام: وما علي إلا الجهد.. أي بذل الطاقة، قال الجوهري: الجهد والجهد: الطاقة، وقرئ: [والذين لا يجدون إلا جهدهم] (4) و (جهدهم).


(1) ؟ ؟ ؟. (2) ؟ ؟ ؟. (3) ؟ ؟ ؟. (4) ؟ ؟ ؟.

[593]

قال الفراء: الجهد - بالضم -: الطاقة، والجهد - بالفتح - من قولك اجهد جهدك في هذا الامر.. أي ابلغ غايتك، ولا يقال: اجهد جهدك. والجهد: المشقة (1). قوله عليه السلام: أن تكونوا على فترة.. قال في النهاية: في حديث ابن مسعود: أنه مرض فبكى، فقال: انما ابكي لانه اصابني على حال فترة ولم يصبني في حال اجتهاد.. أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات، والفترة في غير هذا: ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة (2) انتهى، فالمعنى أخشى أن تكونوا على فترة وسكون وفتور عن نصرة الحق، أو أن تكونوا كأناس كانوا بين النبيين لا يظهر فيهم الحق ويشتبه عليهم الامور. قوله عليه السلام: ملتم عني ميلة.. أي في أول الامر بعد الرسول صلى الله عليه وآله. قوله عليه السلام: ولو أشاء لقلت.. أي بينت بطلان الرجلين اللذين اتبعتموهما وكفرهما، لكن لا تقتضيه مصلحة الحال. قوله عليه السلام: عفا الله عما سلف.. أي لمن تاب (3) في هذا الزمان. قوله عليه السلام: كان خيرا له، قص الجناحين.. كنايه عن منعه ورفع استيلائه وقبض يده عن أموال المسلمين ودمائهم وفروجهم، وقطع رأسه كناية عن قطع ما هو بمنزلة رأسه من الخلافة، أو المراد قتله ابتداء قبل ارتكاب هذه الامور. قوله عليه السلام: شغل.. أي بالدنيا عن تحصيل الجنة والحال أن النار


(1) الصحاح 2 / 460، ومثله في لسان العرب 3 / 31. (2) النهاية 3 / 408، ونحوها في لسان العرب 5 / 44 بتقديم وتأخير. (3) في (س): ناب، وهو غلط.

[594]

كانت أمامه، فكان ينبغي أن لا يشتغل مع هذا بشئ آخر سوى تحصيل الجنة والتخلص من النار. قوله عليه السلام: ثلاثة واثنان.. الحاصل أن أحوال المخلوقين المكلفين تدور على خمسة، وإنما فصل الثلاثة عن الاثنين لانهم من المقربين المعصومين الناجين من غير شك، فلم يخلطهم بمن سواهم. الاول: ملك أعطاه الله جناحين يطير بهما في درجات الكمال صورة ومعنى. والثاني: نبي أخذ الله بضبعيه.. الضبع - بسكون الباء -: وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الابط (1).. أي رفع الله بقدرته وعصمته من بين الخلق واختاره وقربه كأنه أخذ بعضده وقربه إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن رفع يده وأخذها عن المعاصي بعصمته، وأن يكون كناية عن تقويته، والاول أظهر. والثالث: ساع مجتهد في الطاعات غاية جهده.. والمراد إما الاوصياء عليهم السلام أو أتباعهم الخلص (2)، فالاوصياء داخلون في الثاني على سبيل التغليب، أو المراد بالثالث أعم منهما. والرابع: عابد طالب للآخرة بشئ من السعي مع (3) صحة إيمانه، وبذلك يرجو فضل ربه. والخامس: مقصر ضال عن الحق كافر، فهو في النار. قوله عليه السلام: اليمين والشمال مضلة.. أي كل ما خرج عن الحق فهو ضلال، أو المراد باليمين ما يكون بسبب الطاعات والبدع فيها، وباليسار ما يكون بسبب المعاصي. قوله عليه السلام: عليها يأتي الكتاب.. أي على هذه الجادة أتى كتاب


(1) قاله في النهاية 3 / 73، وانظر: لسان العرب 8 / 216. (2) نسخة في (ك): الخاص. (3) نسخة في (ك): اما مع. وزيادة (اما) ظاهرة.

[595]

الله وحث على سلوكها، وفي بعض النسخ: ما في الكتاب، وفي نسخ نهج البلاغة (1): باقي الكتاب، ولعل المراد ما بقي من الكتاب في أيدي الناس. قوله عليه السلام: هلك من ادعى.. أي من ادعى مرتبة ليس بأهل لها كالامامة. قوله عليه السلام: وليس لاحد عند الامام فيها هوادة.. قال الجزري فيه: " لا تأخذه في الله هوادة " أي لا يسكن عند وجوب حدود الله (2) ولا يخابي فيه (3) احدا، والهوادة: السكون والرخصة والمحاباة (4) انتهى. قوله عليه السلام: والتوبة من ورائكم.. قال ابن ميثم: تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية واقتفاء أثر الشيطان، وكونها وراء، لان الجواذب الالهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتى اعرض عنها والتفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من الندم على المصعية، والتوجه إلى القبلة الحقيقية، فإنه يصدق عليه إذن أن التوبة وراءه، أي وراء عقليا، وهو أولى من قول من قال من المفسرين: إن وراءكم بمعنى أمامكم (5). قوله عليه السلام: من أبدى صفحته للحق هلك.. قال في النهاية: صفحة (6) كل شئ: وجهه وناصيته (7). أقول: المراد ومواجهة الحق ومقابلته ومعارضته، فالمراد بالهلاك الهلاك في الدنيا والآخرة، أو المراد إبداء الوجه للخصوم ومعارضتهم لاظهار الحق في كل


(1) نهج البلاغة - محمد عبده - 1 / 50، وذكره صبحي صالح: 58، برقم 16. (2) في المصدر: حد الله تعالى. (3) في (س): فيها. (4) النهاية 5 / 281، وقريب منه في مجمع البحرين 3 / 170. (5) كما في شرح ابن ميثم على النهج 1 / 308 - 309، خطبة 15. (6) في المصدر: صفح. (7) النهاية 3 / 34، وقارن بتاج العروس 2 / 180.

[596]

مكان وموطن من غير تقية ورعاية مصلحة فيكون مذموما، والهلاك بالمعنى الذي سبق، ويؤيد هذا قوله عليه السلام: استتروا في بيوتكم.. أو المراد معارضته أهل الباطل على الوجه المأمور به، والمراد بالهلاك مقاساة المشاق والمفاسد والمضار من جهال الناس، ويؤيده ما في نسخ نهج البلاغة (1): هلك عند جهلة الناس. 18 - نهج (2): ومن خطبة له عليه السلام: لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان، ولا يصفه لسان، و (3) لا يعزب عنه عدد (4) قطر الماء، ولا نجوم السماء، ولا سوافي (5) الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا (6)، ولا مقيل الذر (7) في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الاوراق، وخفي طرف الاحداق (8)، وأشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به ولا مشكوك فيه ولا مكفور دينه، ولا مجحود (9) تكوينه، شهادة من صدقت نيته، وصفت دخلته، وخلص يقينه، وثقلت موازينه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المجتبى من خلائقه، والمعتام لشرح حقائقه، والمختص بعقائل كراماته، والمصطفى لكرائم (10)


(1) لم نجد الجملة ولا مقارباتها في ما هو مطبوع من نهج البلاغة. (2) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 97 - 99، صبحي صالح: 256 - 257، خطبة 178، باختلاف كثير. (3) لا توجد الواو في (ك). (4) لا توجد: عدد، في (س). ولا يعزب.. أي لا يخفى ولا يغيب، قاله في مجمع البحرين 2 / 120. (5) سوافي الريح، جمع سافية، من سفت الريح التراب: ذرته أو حملته، ذكره في القاموس 4 / 343. (6) الصفا - مقصورا جمع صفاة -: الحجر الصلد الضخم، كما في القاموس 4 / 352. والدبيب: السير اللين، نص عليه في مجمع البحرين 2 / 55. (7) الذر: صغار النمل، صرح به في القاموس 1 / 34. والمقيل: محل استراحتها ومبيتها، كما جاء في مجمع البحرين 5 / 459. (8) طرف الحدقة: تحركها، ذكره في مجمع البحرين 5 / 89، والحدقة: سواد العين الاعظم، كما في مجمع البحرين 5 / 144. (9) في حاشية (ك): محجوب، ووضع بعدها: نهج. (10) في (ك) نسخة: مكارم.

[597]

رسالاته، والموضحة به أشراط الهدى، والمجلو به غربيب العمى. أيها الناس ! إن الدنيا تغر المؤمل لها والمخلد إليها، ولا تنفس بمن نافس فيها، وتغلب من غلب عليها، وايم الله ما ان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها، لان الله تعالى (1) [ليس بظلام للعبيد] (2)، ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم، ووله من قلوبهم، لرد عليهم كل شارد، وأصلح لهم كل فاسد، وإني لاخشى عليكم أن تكونوا في فترة وقد كانت امور عندي (3) مضت، ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء، وما علي إلا الجهد، ولو أشاء أن أقول لقلت: [عفا الله عما سلف] (4). بيان: قد مر شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد (5). قوله عليه السلام: غير معدول به.. أي لا يعادل ويساوي به احد (6)، كما قال تعالى: [بربهم يعدلون] (7). والدخلة - بالكسر والضم -: باطن الامر (8). والمعتام: أي المختار، والتاء تاء الافتعال، ذكره في النهاية (9)، والعقائل - جمع عقيلة - وهي كريمة كل شئ (10).


(1) لا توجد لفظة: تعالى، في المصدر. (2) آل عمران: 182، الانفال: 51، الحج: 10. (3) وضع على: عندي، في (ك) نسخة، ولا توجد في طبعتي نهج البلاغة. (4) المائدة: 95. (5) بحار الانوار 4 / 313. (6) قال في الصحاح 5 / 1761، والقاموس 4 / 13: عدلت فلانا بفلان: إذا سويت بينهما. (7) الانعام: 150. (8) قاله في لسان العرب 11 / 240، وقريب منه في القاموس 3 / 375. وقال: دخلة الرجل - مثلثة -... نيته ومذهبه وجميع أمره وخلده وبطانته. (9) النهاية 3 / 331، ومثله في لسان العرب 12 / 433. (10) نص عليه في القاموس 4 / 19، والصحاح 5 / 1770، وفيهما: اكرم، بدلا من: كريمة.

[598]

والاشراط: العلامات جمع شرط - بالتحريك (1) -. والغربيب - بالكسر -: الاسود الشديد السواد (2).. أي المكشوف به ظلم الظلام (3). واخلد إليه: مال (4). قوله عليه السلام: ولا تنفس.. أي لا ترغب (5) إلى من يرغب إليها بل ترميه بالنوائب. قوله عليه السلام: من غلب عليها.. أي من غلب إليها وأخذها قهرا فسوف تغلب الدنيا عليه، أو المراد بمن غلب عليها من أراد الغلبة عليها. قوله عليه السلام: في غض نعمة.. أي في نعمة غضة: طرية (6). قوله عليه السلام: ليس بظلام.. أي لو فعله الله بقوم لفعله بالجميع، لان حكمه في الجميع واحد، فيكون ظلاما، أو المعنى إن ذلك ظلم شديد، ويقال: فزعت إليه فافزعني.. أي استغثت إليه فاغاثني (7). والوله: الحزن والحيرة والخوف وذهاب العقل حزنا (8). والشارد: النافر (9).


(1) كما في مجمع البحرين 4 / 257، والصحاح 3 / 1136، وغيرهما. (2) ذكر في مجمع البحرين 2 / 131، والصحاح 1 / 192: الغربيب: شديد السواد. (3) في (ك): الضلال، نسخة بدل، ووضع بعدها: ظاهرا. (4) نص عليه في مجمع البحرين 3 / 44، والقاموس 1 / 292. (5) جاء في الصحاح 3 / 985، والنهاية 5 / 95 - 96، وغيرهما، وقال الاول: وانفسني فلان في كذا.. أي رغبني فيه، ونفس به.. أي ضمن، ونافست في الشئ منافسة ونفاسا: إذا رغبت فيه على وجه المباراة في الكرم. (6) ذكره في مجمع البحرين 4 / 219، والمصباح المنير 2 / 117. (7) كما في النهاية 4 / 444، ولسان العرب 8 / 252، وغيرهما. (8) قاله في القاموس 4 / 295، ونحوه في لسان العرب 13 / 561. (9) جاء في مجمع البحرين 3 / 77، والصحاح 2 / 494.

[599]

قوله عليه السلام: في فترة.. الفترة: الانكسار والضعف وما بين الرسولين (1)، وكنى عليه السلام بها هنا عن أمر الجاهلية.. أي إني لاخشنى أن يكون أحوالكم في التعصبات الباطلة والاهواء المختلفة كأحوال أهل الجاهلية. قوله عليه السلام: ملتم فيها ميلة.. إشارة إلى ميلهم عنه عليه السلام إلى الخلفاء الثلاثة. وقول ابن أبي الحديد (2) - إشارة إلى اختيارهم عثمان يوم الشورى - يبطله قوله عليه السلام: امور وغير ذلك. قوله عليه السلام: ولئن رد عليكم.. أي أحوالكم التي كانت أيام رسول الله صلى الله عليه وآله. قوله عليه السلام: ولو أشاء.. أي لو أشاء أن أقول فيما ملتم عن الحق ونبذتم الآخرة وراء ظهوركم بلفظ صريح لقلت، لكني طويت عن ذكره وأعرضت عنه لعدم المصلحة فيه (3)، ولم اصرح بكفركم وما يكون إليه مصير أمركم وما أكننتم (4) وأخفيتم في ضمائركم لذلك. وقوله عليه السلام: عفا الله عما سلف... أي عفا عمن تاب وأناب ورجع، ويحتمل أن يكون من الدعاء الشائع في أواخر الخطب، كقوله عليه السلام: غفر الله لنا ولكم.. وأمثاله، وهذه الادعية مشروطة، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى لو أشاء أن أقول قولا يتضمن العفو عنكم لقلت، لكني لا أقول ذلك، إذ لا مجال للعفو هنا، ولا يخفى بعده.


(1) صرح به في مجمع البحرين 3 / 434، والصحاح 2 / 777، وغيرهما. (2) في شرحه على نهج البلاغة 10 / 62، خطبة 179. (3) وضع في (ك) على: فيه، ح، أي رمز نسخة بدل. (4) في (ك): اكتتم، وهي مشوشة في الطبعتين.

[600]

19 - نهج (1): قال عليه السلام: لنا حق فإن اعطيناه (2) وإلا ركبنا أعجاز الابل وإن طال السرى (3). وهذا القول (4) من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه إنا ان لم نعط حقنا كنا اذلاء، وذلك إن الرديف يركب عجز البعير، كالعبد والاسير ومن يجري مجراهما (5). 20 - نهج (6): ومن خطبة له عليه السلام: وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده، ويعرف غوره ونجده. داع دعا، وراع رعى، فاستجيبوا للداعي (7)، واتبعوا الراعي، قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن، وأرز المؤمنون، ونطق الضالون المكذبون، نحن الشعار والاصحاب (8)، والخزنة والابواب (9)، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا.


(1) نهج البلاغة - محمد عبده - 4 / 142، صبحي صالح: 472، الكلمة برقم: 22. (2) في (س): اعطينا. (3) إلى هنا كلامه عليه السلام، وما يأتي من السيد الرضي - رحمه الله -. (4) لا يوجد: القول، في المصدر. (5) جاء أيضا في مجمع البحرين 4 / 24، وقال في النهاية 3 / 185: ومنه حديث علي [عليه السلام]: لنا حق إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الابل وإن طال السرى.. الركوب على أعجاز الابل شاق.. أي إن منعنا حقنا ركبنا مركب المشقة صابرين عليها وإن طال الامد، وقيل: ضرب أعجاز الابل مثلا لتأخره عن حقه الذي كان يراه له وتقدم غيره عليه، وإنه يصبر على ذلك وإن طال أمده. (6) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 43 - 45، صبحي صالح: 215 - 216، خطبة 154. (7) في (ك): الداعي. (8) الشعار ما يلي شعر الجسد من اللباس. قاله في مجمع البحرين 3 / 349، والمراد بطانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (9) في طبعة صبحي صالح من النهج: والاصحاب.

[601]

منها: فيهم كرائم القرآن (1) وهم كنز (2) الرحمن، إن تطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا، فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، وليكن من ابناء الآخرة، فإنه منها قد وإليها ينقلب، فالناظر بالقلب العامل بالبصر يكون مبتدأ (3) عمله أن يعلم أعمله عليه أم له ؟ فإن كان له مضى فيه، وإن كان عليه وقف عنه، فإن العامل بغير علم كسائر على غير (4) طريق فلا يزيده بعده عن الطريق (5) إلا بعدا من حاجته، والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع ؟ واعلم أن لكل ظاهر باطنا على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه، وقد قال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله: إن الله يحب العبد ويبغض عمله، ويحب العمل ويبغض بدنه. واعلم أن كل عمل نبات (6)، وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة، فما طاب سقيه طاب غرسه، وحلت ثمرته، وما خبث سقيه خبث غرسه، وأمرت ثمرته. توضيح: قال الجوهري: الناظر من (7) المقلة: السواد الاصغر الذي فيه إنسان (8) العين (9).. أي أن قلب اللبيب له عين يبصر بها غايته التي تجري إليها ويعرف من أحواله المستقبلة ما كان مرتفعا شريفا أو منخفضا ساقطا.


(1) في نسخة جاءت في (ك): الايمان. (2) في النهج: كنوز. (3) في (ك) نسخة: مبدأ. (4) في (س): بغير، وكتب فوقها: على غير. (5) في النهج: عن الطريق الواضح. (6) في النهج: إن لكل عمل نباتا، وهو الظاهر. (7) في المصدر: في. وفي مجمع البحرين كما في المتن. (8) إنسان العين: المثال الذي يرى في السواد.. أي في سواد العين، قاله في الصحاح 3 / 904 و 905. (9) الصحاح 2 / 831، ومثله في مجمع البحرين 3 / 498.

[602]

والنجد: المرتفع من الارض (1)، ولعل المراد بالداعي الرسول صلى الله عليه وآله، وبالراعي نفسه عليه السلام. وقوله عليه السلام: قد خاضوا.. كلام منقطع عما قبله ومتصل بكلام أسقطه السيد رضي الله عنه تقية للتصريح بذم الخلفاء الثلاثة فيه. وارز - بالفتح والكسر -: انقبض (2). والمؤمنون: هو عليه السلام وشيعته، والضالون خلفاء الجور وأتباعهم. وقال ابن أبي الحديد (3) في قوله عليه السلام: والخزنة والابواب.. أي (4) خزنة العلم وأبوابه، أو خزنة الجنة وأبوابها. قال (5) رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ومن أراد الحكمة فليأت الباب. وقال فيه: خازن علمي. وتارة اخرى: عيبة علمي. وقال صلى الله عليه وآله في الخبر المستفيض (6) إنه: قسيم الجنة والنار (7)، يقول للنار هذا لي فدعيه، وهذا لك فخذيه. ثم ذكر (8) اربعة وعشرين حديثا من فضائله صلوات الله عليه من طرق


(1) قاله في مجمع البحرين 3 / 148، والصحاح 2 / 542، وغيرهما. (2) كما في القاموس 2 / 165، وقال في مجمع البحرين 4 / 5: أرز: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض، ومثله في الصحاح 3 / 864. (3) في شرحه على النهج 9 / 65. (4) في المصدر: يمكن أن يعني به، بدلا من: أي. (5) في شرح النهج: وأبواب العلم لقول.. (6) جاء في شرح النهج: ويمكن أن يريد خزنة الجنة وأبواب الجنة.. أي لا يدخل الجنة إلا من وافى بولايتنا، وقد جاء في حقه الخبر الشايع المستفيض. (7) سبق منا جملة من مصادر هذه الروايات، وانظر: الغدير 1 / 161، و 2 / 324، و 3 / 96 و 328، و 6 / 79 - 81 و 95 - 96، و 7 / 182 - 183 تجد جملة وافية من مصادرها. (8) أي ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 9 / 175 - 176.

[603]

المخالفين. قوله عليه السلام: فيهم كرائم القرآن.. ضمير الجمع راجع إلى آل محمد عليهم السلام الذين عناهم عليه السلام بقوله: نحن الشعار، والمراد بكرائم القرآن: مدائحهم التي ذكرها الله فيه، أو علومه المخزونة عندهم، وهم كنوز الرحمن.. أي خزائن علومه وحكمه وقربه. قوله عليه السلام: لم يسبقوا.. أي ليس صمتهم عن عي وعجز حتى يسبقهم أحد، بل لمحض الحكمة. قوله عليه السلام: فليصدق رائد أهله.. يحتمل أن يكون المراد بالرائد الانسان نفسه، فإنه كالرائد لنفسه في الدنيا يطلب فيه لآخرته ماء ومرعى.. أي لينصح نفسه ولا يغشها بالتسويف والتعليل، أو المعنى ليصدق كل منكم أهله وعشيرته ومن يعنيه أمره، وليبلغهم ما عرف من فضلنا وعلو درجتنا (1). قوله: فإنه منها قدم.. لخلق روحه قبل بدنه من عالم الملكوت، أو لخروج أبيهم من الجنة. وقيل: الآخرة: الحضرة الالهية التي منها مبدأ الخلق واليها معادهم. فالناظر بالقلب.. أي من لا يقتصر في نظره على ظواهر الامور. العامل بالبصر.. أي من يعمل بما يبصر بعين بصيرة.. أي إذا علم الحق لا يتعداه. ويروى: العالم بالبصر.. أي من كان إبصاره سببا لعلمه. قوله عليه السلام: واعلم أن لكل ظاهر باطنا. أقول: قد يتوهم التنافي بين هاتين الكلمتين وبين الخبر المروي ظاهرا، ويخطر بالبال دفعه بوجوه:


(1) أقول: لعله اشارة إلى المثل المعروف: لا يكذب الرائد أهله.. أي أنه وإن كان كاذبا فإنه لا يكذب أهله.

[604]

الاول: أن يكون الخبر في قوة الاستثناء لبيان أن المقدمتين ليستا كليتين، بل هما لبيان الغالب، وقد يتخلف كما ورد في الخبر. الثاني: أن يكون الخبر استشهادا للمقدمتين، وبيانه إن العمل ظاهرا وباطنا، وللشخص ظاهرا وباطنا، وظاهر الشخص مطابق لباطنه، ولذا يحب الله ظاهر الشخص لما يعلم من حسن باطنه وعاقبته، ويبغض ظاهر الشخص إذا علم سوء باطنه ورداءة عاقبته. الثالث: أن يكون المراد أنه لا يمكن أن لا يظهر سوء الباطن من الاخلاق الردية والاعتقادات الباطلة والطينات الفاسدة وإن كان في آخر العمر، ولا حسن الباطن من الاخلاق الحسنة والاعتقادات (1) الحقة والطينات الطيبة، فالذي يحبه الله ويبغض عمله ينقلب حاله في آخر العمر ويظهر منه حسن العقائد والاعمال، وكذا العكس، فظهر أن حسن الباطن والظاهر متطابقان (2)، وكذا سوؤهما، ولعل ما يذكر بعده يؤيد هذا الوجه في الجملة. الرابع: ما ذكره ابن أبي الحديد (3)، حيث قال: هو مشتق من قوله تعالى: [والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه] (4)، والمعنى إن لكلتا (5) حالتي الانسان الظاهرة أمرا باطنا يناسبها من أحواله، والحالتان الظاهرتان: ميله إلى العقل وميله إلى الهوى، فالمتبع لعقله (6) يرزق السعادة والفوز، فهذا هو الذي طاب ظاهره وطاب باطنه، والمتبع لمقتضى هواه.. يرزق الشقاوة والعطب، وهذا هو الذي خبث ظاهره وخبث باطنه.


(1) وضع في (ك) على كلمة: الاعتقادات رمز نسخة بدل. (2) قد تقرأ في (س): متطابقتان، ولا يستقيم المعنى. (3) في شرحه على النهج 9 / 178 - 179، باختلاف كثير وسقط. (4) الاعراف: 58. (5) في شرح نهج البلاغة: والذي خبث لا يخرج إلا نكدا.. ثم ذكر كلاما لم يورده المصنف رحمه الله، وقال: ويقول إن لكلتا..، وفي (س): لكائنا، بدلا من: لكلتا. (6) في المصدر: لمقتضى عقله.

[605]

الخامس: ما قيل: إن المراد بطيب الظاهر حسن الصورة والهيئة وبخبثه قبحهما، وقال: هما يدلان على حسن الباطن وقبحه، وحمل خبث العبد مع قبح الفعل على ما إذا كان مع حسن الصورة والآخر على ما إذا كان مع قبح الصورة. ولا يخفى بعد (1) ولعل (2) الاول أظهر الوجوه. وامرت.. أي صارت مرا (3). 21 - نهج (4): من كلام له عليه السلام وقد قال لي قائل (5): إنك على هذا الامر يا بن أبي طالب لحريص ! ! فقلت: بل أنتم والله احرص (6) وابعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلما قرعته بالحجة في الملا الحاضرين بهت لا يدري (7) ما يجيبني به. اللهم إني أستعديك (8) على قريش ومن أعانهم ! فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن ناخذه (9) وفي الحق أن تتركه.


(1) كذا، والظاهر: بعده - بالضمير -. (2) لا توجد: لعل، في (س). (3) كما في مجمع البحرين 3 / 481، وانظر: القاموس 2 / 132. (4) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 84 - 85، صبحي ؟ ؟ ؟: 246 - 247، خطبة 172. (5) لا توجد: لي، في النهج - طبعة صبحي ؟ ؟ ؟ -، وفي طبعة محمد عبده: وقال قائل. (6) في النهج: لاحرص. (7) في طبعة محمد عبده من النهج: هب لا يدري، وفي طبعة صبحي ؟ ؟ ؟: هب كأنه بهت لا يدري.. (8) في نهج البلاغة طبعة محمد عبده: أستعينك، بمعنى أستنصرك وأطلب منك المعونة. كما سيأتي في بيان المصنف رحمه الله. وفي (ك): أستعيدك. (9) في النهج: تأخذه.

[606]

بيان: قال ابن أبي الحديد (1): هذا الفصل من خطبة يذكر فيها أمر الشورى (2)، والذي قال له: إنك على هذا الامر لحريص ! هو سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) (3)، وهذا عجيب (4)، وقد رواه الناس كافة. وقالت الامامية: هذا الكلام كان يوم السقيفة، والقائل (5) أبو عبيدة بن الجراح. وقرعته بالحجة: صدمته بها (6). قوله عليه السلام: بهت.. في بعض النسخ: هب.. أي استيقظ (7). وقال الجوهري: العدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك.. أي ينتقم منه، يقال: استعديت على فلان الامير فأعداني: استعنت به (8) فاعانني عليه (9). فإنهم قطعوا رحمي.. لانهم لم يراعوا قربه عليه السلام من رسول الله صلى


(1) في شرحه على النهج 9 / 305 - 306، بتصرف. (2) في المصدر: هذا من خطبة يذكر فيها ما جرى يوم الشورى بعد مقتل عمر. (3) كما جاءت رواية سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم 7 / 120، وصحيح الترمذي 13 / 171، ومستدرك الحاكم 3 / 109، وتاريخ ابن كثير 8 / 77، ومروج الذهب 1 / 61، وتذكرة سبط ابن الجوزي 12 وغيرها. (4) في المصدر: وهذا عجب فقال لهم: بل أنتم والله أحرص وأبعد.. الكلام المذكور. (5) في شرح النهج: الذي قال له إنك على هذا الامر لحريص.. ثم قال: والرواية الاولى أظهر وأشهر. (6) قال في الصحاح 3 / 1261: وقرعت رأسه بالعصا قرعا: مثل فرعت، وقال فيه 3 / 1256: وفرعت رأسه بالعصا.. أي علوته، وبالقاف أيضا. وقال في القاموس 3 / 66: قرع - كمنع -: دقه، ورأسه بالعصاء: ضربه. (7) نص عليه في القاموس 1 / 138، ولسان العرب 1 / 778، وغيرهما. (8) في المصدر: أي استعنت عليه. (9) الصحاح 6 / 2421، ومثله في لسان العرب 15 / 39.

[607]

الله عليه وآله أو منهم، أو الاعم. الا ان في الحق أن (1) نأخذه - بالنون - وفي الحق ان تتركه - بالتاء -.. أي إنهم لم يقصروا على أخذ حقي ساكتين عن دعوى كونه حقا لهم، ولكنهم أخذوه مع دعواهم أن الحق لهم، وأنه يجب علي أن أترك المنازعة فيه، فليتهم أخذوا معترفين بأنه حق لي، فكانت المصيبة أهون. وروي بالنون فيهما (2)، فالمعنى إنا نتصرف فيه كما نشاء بالاخذ والترك دونك. وفي بعض النسخ فيهما بالتاء (3).. أي يعترفون أن الحق لي ثم يدعون أن الغاصب أيضا على الحق، أو يقولون لك الاختيار في الاخذ والترك، وكذا في الرواية الاخرى قرئ بالنون وبالتاء (4). وقال القطب الراوندي: إنها في خط الرضي رضي الله عنه بالتاء (5).. أي إن وليت كانت ولايتك حقا، وإن ولي غيرك كانت حقا على مذهب أهل الاجتهاد. 22 - نهج (6): ومن كلام له عليه السلام: اللهم إني أستعديك على قريش (7) فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت


(1) لا توجد: أن، في (س). (2) كما في منهاج البراعة 2 / 359، خطبة: 217. (3) كما قاله القطب الراوندي في شرحه للنهج: 2 / 152، قال: ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه. وانظر: منهاج البراعة 2 / 359. (4) في (ك): والتاء. (5) منهاج البراعة 2 / 359، خطبة 217: قال وبخط الرضي - رضي الله عنه - كان بالتاء، وروي بالنون. (6) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 202، صبحي صالح: 336 - 337، خطبة 217. (7) في طبعة صبحي صالح زيادة: ومن أعانهم، بعد قوله: على قريش.

[608]

أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن نأخذه (1) وفي الحق أن نمنعه (2)، فاصبر مغموما أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت (3) على القذى، وجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، والم للقلب من حز الشفار. بيان: قال الجوهري: كفأت الاناء: كببته وقلبته، فهو مكفوء. وزعم ابن الاعرابي ان اكفأته لغة (4)، ويروى: كفوا - بدون الهمزة - وهو أفصح. وقال الجوهري: رفدته ارفده رفدا:.. إذا اعنته..، والارفاد... الاعانة (5). وقال: الذب: الدفع والمنع (6). وقال: ضننت بالشئ..: بخلت به... وقال الفراء: ضننت - بالفتح -.. لغة فيه (7). والاغضاء: ادناء الجفون (8)، والقذى في العين: ما يسقط فيها فيؤذيها (9). والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم وغيره (10).


(1) في (ك): تأخذه. (2) في (ك): تمنعه. (3) في (ك) نسخة بدل: وأغضيت. (4) الصحاح 1 / 68، ومثله في تاج العروس 1 / 108. (5) الصحاح 2 / 475، ومثله في تاج العروس 2 / 355، وغيرهما. (6) الصحاح 1 / 126، ومثله في تاج العروس 1 / 249. (7) الصحاح 6 / 2159، ومثله في تاج العروس 9 / 266، وغيرهما. (8) كما في مجمع البحرين 1 / 318، والقاموس 4 / 370، وغيرهما. (9) نص عليه في مجع البحرين 1 / 243، وفي القاموس 4 / 376 قالا: القذى: ما يقع في العين. (10) ذكره في مجمع البحرين 1 / 243، وفي القاموس 4 / 347، وغيرهما.

[609]

والعلقم: شجر مر، ويقال للحنظل، وكل شئ مر: علقم (1). والحز: القطع، حزه واحتزه: قطعه (2). والشفرة - بالفتح - السكين العظيم، والجمع شفار (3). 23 - نهج (4): من كلامه عليه السلام: واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة (5) والقرابة ؟ !. قال السيد رضي الله عنه: وروي له عليه السلام شعر في هذا المعنى، وهو قوله: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب بيان: قوله عليه السلام: فكيف بهذا.. أي كيف تملكها بهذا. قوله عليه السلام: خصيمهم.. أي من كان خصما لك منهم في دعوى الخلافة. وقال ابن أبي الحديد (6): حديثه عليه السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر، أما النثر فموجه إلى عمر (7) لان أبا بكر لما (8) قال لعمر: امدد يدك.


(1) قاله في مجمع البحرين 6 / 124، والصحاح 5 / 1991، وجملة كتب اللغة. (2) صرح به في مجمع البحرين 4 / 15، وفي الصحاح 3 / 873، وغيرهما. (3) جاء في القاموس 2 / 61، ولسان العرب 4 / 420، وعدة مصادر. (4) نهج البلاغة - محمد عبده - 4 / 179، صبحي ؟ ؟ ؟: 502، برقم 190، بتصرف. (5) جاء كلامه عليه السلام بنصه في شرح النهج لابن أبي الحديد 18 / 416 برقم: 185، وفي الشرح للخوئي رحمه الله 21 / 262، وفي الشرح للفيض: 1163، برقم: 181، وتقدم في الحاشية السابقة عن طبعة محمد عبده أيضا، ولكن في طبعة صبحي ؟ ؟ من النهج لا توجد: ولا تكون بالصحابة، ولا يتم المعنى بدونها، ولعل الحذف نشأ من غرض أو مرض أو هما معا، فتدبر. (6) في شرحه على النهج 18 / 416 بتصرف. (7) في المصدر: فالى عمر توجيهه، بدلا من: فموجه.. (8) لا توجد: لما، في (س).

[610]

قال له عمر: أنت صاحب رسول الله (ص) في المواطن كلها شدتها ورخائها فامدد أنت يدك. فقال علي عليه السلام: إذا احتججت لاستحاقه الام بصحبته إياه في المواطن.. فهلا سلمت الامر إلى من قد شركه في ذلك، وقد زاد عليه بالقرابة ؟ !. وأما النظم: فموجه إلى أبي بكر، لانه (1) حاج الانصار في السقيفة فقال: نحن عترة رسول الله (ص) وبيضته التي تفقأت (2) عنه، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد، فقال علي عليه السلام: أما احتجاجك على الانصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن قومه فغيرك أقرب نسبا منك إليه، وأما احتجاجك بالاختيار ورضى الجماعة (3)، فقد كان قوم من أجلة (4) الصحابة غائبين لم يحضروا العقد، فكيف ثبت (5) ؟ !. 24 - نهج (6): قال عليه السلام: فوالله مان زلت مدفوعا عن حقي: مستأثرا علي، منذ قبض رسول الله (7) صلى الله عليه وآله إلى يوم (8) الناس هذا. 25 - نهج (9): من كلامه عليه السلام: فنظرت فإذا ليس معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم وعلى (10) أمر من طعم العلقم.


(1) في المصدر: لان أبا بكر.. (2) يقال: تفقأت السحابة عن مائها: تشققت، قاله في الصحاح 1 / 63. (3) في المصدر و (ك): الجماعة بك. (4) في المصدر: من جملة، بدلا من: من أجلة. (5) في شرح النهج: يثبت. (6) نهج البلاغة - محمد عبده - 1 / 41، صبحي صالح: 53، خطبة 6، باختلاف يسير. (7) في المصدر: قبض الله نبيه. (8) في النهج: حتى يوم. (9) نهج البلاغة - محمد عبده - 1 / 66، صبحي صالح: 68، خطبة 26. (10) لا توجد: وعلى، في (س).

[611]

26 - وقال رضي الله عنه في موضع آخر (1): قالوا: لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال عليه السلام: ما قالت الانصار ؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير. قال عليه السلام: فهلا احتججتم (2) عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم ؟. قال عليه السلام: لو كانت الامارة (3) فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش ؟ !: احتجت بأنها شجرة الرسول (ص). فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة !. بيان: - الكظم - بفتح الظاء - مخرج النفس (4). قوله عليه السلام: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.. المراد بالثمرة إما الرسول صلى الله عليه وآله والاضاعة عدم اتباع نصبه (5)، أو أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام تشبيها له صلى الله عليه وآله بالاغصان، أو اتباع الحق الموجب للتمسك به دون غيره كما قيل، والغرض إلزام قريش بما تمسكوا به من قرابته صلى الله عليه وآله، فإن تم فالحق لمن هو أقرب وأخص، وإلا فالانصار


(1) في نهج البلاغة - طبعة محمد عبده - 1 / 116، وفي طبعة صبحي صالح: 97 - 98، خطبة 67، وانظر: شرح النهج لابن أبي الحديد 6 / 3 - 4. (2) في طبعة محمد عبده من النهج: احتجتم، ولعله حذف احدى الجيمين تخفيفا. (3) في النهج - صبحي ؟ ؟ ؟ -: إمامة. (4) نص عليه في مجمع البحرين 6 / 154، والقاموس 4 / 172، ولم يصرح في الصحاح 5 / 2023 بفتح الظاء. (5) في (ك) نسخة بدل: نصه.

[612]

على دعواهم. 27 - نهج (1): من كلامه عليه السلام - لما عزموا على بيعة عثمان -: لقد علمتم أني أحق بها (2) من غيري، ووالله لاسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه (3). بيان: قوله عليه السلام: أني أحق بها.. أي بالخلافة والتفضيل، كما في قوله تعالى: [قل أذلك خير أم جنة الخلد] (4)، والجور عليه عليه السلام خاصة غصب حقه، وفيه دلالة على أن خلافة غيره جور مطلقا، والتسليم على التقدير المفروض - وهو سلامة (5) امور المسلمين - وإن لم يتحقق الفرض - لرعاية مصالح الاسلام والتقية. والتماسا مفعولا له للتسليم. والتنافس: الرغبة في النفيس المرغوب للانفراد به (6). والزخرف - بالضم -: الذهب وكمال حسن الشئ (7). والزبرج - بالكسر - الزينة (8). 28 - نهج (9): ومن خطبة له عليه السلام:.. بعث رسله بما خصهم به


(1) نهج البلاغة - محمد عبده - 1 / 124، صبحي صالح: 102، خطبة 74. (2) في النهج: أحق الناس بها. (3) هنا حاشية مفصلة على نهج البلاغة لمحمد عبده حرية بالملاحظة. (4) الفرقان: 15. أقول: مراده قدس سره إن كلمة (أحق) لم تستعمل في التفضيل. (5) في (س): سلالة. (6) قال في النهاية 5 / 95، ولسان العرب 6 / 238: التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشئ والانفراد به، وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه. (7) ذكره في القاموس 3 / 147، ولسان العرب 9 / 133، وغيرهما. (8) كما في مجمع البحرين 2 / 303، والقاموس 1 / 191. (9) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 27، صبحي صالح: 200 - 202، خطبة 144، باختلاف =

[613]

من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار إليهم، فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق، ألا إن الله قد كشف الحق (1) كشفة، لا أنه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فيكون الثواب جزاء، والعقاب بواء. أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ؟ ! أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى (2) العمى: إن الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم. منها: آثروا عاجلا، وأخروا آجلا، وتركوا صافيا، وشربوا آجنا، كأني أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه، وبسى به ووافقه حتى شابت عليه مفارقه، وصبغت به خلائقه، ثم أقبل مزبدا (3) كالتيار لا يبالي ما غرق، أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق، أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى، والابصار اللامحة إلى منار التقوى ؟ أين القلوب التي وهبت لله ! وعوقدت على طاعة الله ؟ ازدحموا على الحطام، وتشاحوا على الحرام، ورفع لهم علم الجنة والنار فصرفوا على الجنة وجوههم، وأقبلوا إلى النار بأعمالهم، دعاهم ربهم فنفروا وولوا، ودعاهم الشيطان فاستجابوا وأقبلوا !. ايضاح: الكشف.. اريد به هنا الابتلاء الذي هو سببه. وقال في النهاية: الجراحات بواء.. أي سواء في القصاص.. ومنه حديث علي عليه السلام (4)،


= كثير وتخالف بين الطبعتين. (1) في النهج: كشف الخلق.. وهو الظاهر، أي علم حالهم في جميع أطوارهم. (2) في (ك): وبنا يستجلى. (3) قال في الصحاح 2 / 480: بحر مزبد: مائج يقذف بالزيد. وفي (س): مزيدا، بدلا من: مزبدا. (4) ذكر الترضية في المصدر بدلا من التسليم.

[614]

والعقاب بواء، واصل البواء: اللزوم (1). أين الذين زعموا.. ؟ أي الخلفاء الجائرون المتقدمون. قوله عليه السلام: إن رفعنا الله.. تعليل لدعوتهم (2) الكاذبة.. أي كانت العلة الحاملة لهم على هذا الكذب أن الله رفع قدرنا في الدنيا والآخرة وأعطانا.. أي الملك والنبوة، وأدخلنا.. أي في دار قربه وعناياته الخاصة. وإن هاهنا للتعليل.. أي لان، فحذف اللام، ويحتمل أن يكون المعنى أين الذين زعموا عن أن يروا أن رفعنا الله وأورثنا الخلافة ووضعهم بأخذهم بأعمالهم السيئة. والبطن: ما دون القبيلة وفوق الفخذ (3). قوله عليه السلام: لا تصلح على سواهم.. أي لا يكون لها صلاح على يد غيرهم، ولا يكون الولاة (4) من غير صالحين. والاجن: الماء المتغير (5). قوله عليه السلام: كأني أنظر.. قال ابن أبي الحديد: هو اشارة إلى قوم يأتي من الخلف بعد السلف (6). قيل: والاظهر أن المراد بهم من تقدم ذكر هم من الخلفاء وغيرهم من ملاعين الصحابة، كما قال عليه السلام - في الفصل السابق -: أين الذين زعموا ؟ فيكون قوله عليه السلام: كأني أنظر.. اشارة إلى ظهور اتصافهم بالصفات حتى كأنه يراه عيانا.


(1) النهاية 1 / 160، وانظر: لسان العرب 1 / 38. (2) في (ك): لدعواهم. (3) ذكره في النهاية 1 / 137، وتاج العروس 9 / 141، وأضاف في الثاني: ومر عن الجوهري في الراء: أول العشيرة الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. (4) في (ك): الولادة، ولا معنى لها. (5) كما في مجمع البحرين 6 / 197، والصحاح 5 / 2067، وغيرهما. (6) في شرح النهج 9 / 89.

[615]

وقال في النهاية: بسأت - بفتح السين وكسرها -: أي اعتادت واستأنست (1). شابت عليه مفارقه.. أي ابيض شعره (2) وفنى عمره في صحبة المنكر. وصبغت به خلائقه.. أي صار المنكر عادته حتى تلونت خلائقه به (3). والتيار: موج البحر (4) ولجته. وكلمة ثم للترتيب الحقيقي أو الذكري، ولعل المراد بالفاسق: عمر. وقوله عليه السلام: لا يحفل.. أي لا يبالي (5)، واللامحة: الناظرة (6). 29 - نهج (7): من خطبة له عليه السلام في الملاحم: وأخذوا يمينا وشمالا ظعنا (8) في مسالك الغي، وتركا لمذاهب الرشد، فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد، ولا تستبطئوا ما يجئ به الغد، فكم من مستعجل بما إن أدركه ود أنه لم يدركه، وما أقرب اليوم من تباشير غد. يا قوم ! هذا إبان ورود (9) كل موعود،


(1) النهاية 1 / 126، وقارنه بلسان العرب 1 / 34. (2) كما في لسان العرب 1 / 513، والصحاح 1 / 159، وغيرهما. (3) قال في القاموس 3 / 109: صبغه بها - كمنعه وضربه ونصره - صبغا وصبغا - كعنب - لونه. وقريب منه ما في لسان العرب 8 / 438 قال:.. والصبغ - في كلام العرب - التغيير، ومنه صبغ الثوب: إذا غير لونه وازيل عن حاله إلى حال سواد أو حمرة أو صفرة. (4) صرح به في مجمع البحرين 3 / 234، والصحاح 2 / 602. (5) نص عليه في القاموس 3 / 358، والصحاح 4 / 1671، وغيرهما. (6) قال في القاموس 1 / 247: لمح إليه - كمنع -: اختلس النظر.. وهو لامح ولموح. ونحوه في لسان العرب 2 / 584. (7) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 35 - 36، صبحي ؟ ؟ ؟: 208 - 209، خطبة 150، مع اختلاف بينهما. (8) في نهج البلاغة - محمد عبده -: طعنا. قال في مجمع البحرين 6 / 278: يقال: ظعن ظعنا وظعنا - بالاسكان والتحريك من باب نفع -.. أي سار وارتحل. وقال فيه أيضا 6 / 277: طعن في المفازة: ذهب. (9) لا توجد في (س): ورود.

[616]

ودنو من (1) طلعة مالا تعرفون، ألا وإن (2) من أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذوا فيها على مثال الصالحين، ليحل فيها ربقا، ويعتق رقا (3)، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا، في سترة عن الناس، لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره، ثم ليشحذن فيها قوم شحد القين النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون (4) كاس الحكمة بعد الصبوح. منها: وطال الامد بهم ليستكملوا الخزي ويستوجب (5) الغير، حتى إذا اخلولق الاجل، واستراح قوم إلى الفتن، واشتالوا (6) عن لقاح حربهم، لم يمنوا على الله بالصبر، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق، حتى إذا (7) وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء، حملوا بصائرهم على أسيافهم، ودانوا لربهم يأمر واعظهم، حتى إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم رجع قوم على الاعقاب، وغالتهم (8) السبل، واتكلوا على الولائج (9)، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه (10) في غير


(1) في (س): ودومن.. ولعلها: ودنو من، سقطت نونها. (2) لا توجد: ان، في طبعة محمد عبده من النهج. (3) في طبعة صبحي صالح من النهج: ويعتق فيها رقا. (4) في (س) نسخة: تغبقون. (5) في المصدر: ويستوجبوا. وهو الذي يقتضيه السياق. (6) في المصدر: وأشالوا. (7) لا توجد: إذا، في (س). (8) في (س): عالتهم. (9) قال في مجمع البحرين 2 / 334: قوله تعالى: [ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة]، أي بطانة ودخلا من المشركين.. والوليجة: كل شئ أدخلته في شئ وليس منه، والرجل يكون في القوم وليس منهم. أقول: لعل الامام عليه السلام أشار إلى بعض مصاديق الآية. (10) لا توجد: فبنوه، في (س).

[617]

موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة (1). قد ماروا في الحيرة، وذهلوا عن (2) السكرة على سنة من آل فرعون من منقطع إلى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين. بيان: نصب (ظعنا) و (تركا) على المصدر والعامل فيها من غير لفظهما، أو مصدران قاما مقام الفاعل. قوله عليه السلام: مرصد.. على المفعول.. أي مترقب معد (3) لابد من كونه. وتباشير كل شئ: اوائله (4). وابان الشئ - بالكسر والتشديد -: وقته وزمانه (5)، ولعله اشارة إلى ظهور القائم عليه السلام. قوله عليه السلام: إن من أدركها منا.. أي قائم آل محمد صلى الله عليه وآله. وسرى - كضرب - واسري.. أي سار بالليل (6). والربق - بالفتح: شد الشاة بالربق وهو الخيط (7).


(1) قال في المجمع 3 / 428: الغمرة: الشدة، قوله تعالى: [فذرهم في غمرتهم].. أي في حيرتهم وجهلهم. (2) في طبعتي النهج وفي نسخة جاءت في (ك): في، بدلا من: عن. (3) ذكره في مجمع البحرين 3 / 52، والصحاح 2 / 474. (4) كما في مجمع البحرين 3 / 222، والصحاح 2 / 591، وغيرهما. (5) جاء في مجمع البحرين 6 / 197، والصحاح 5 / 2066. (6) نص عليه في القاموس 4 / 341، والصحاح 6 / 2376، وغيرهما. (7) قال في القاموس 3 / 234، الربق - بالكسر -: حبل فيه عدة عرى يشد به البهم، كل عروة ربقة - بالكسر -.. وربقه يربقه ويربقه: جعل رأسه في الربقة. وقال أيضا: الربق - ويكسر -: الشد. وقريب منه في الصحاح 4 / 1480.

[618]

والصدع: التفريق (1) والشق (2). والشعب: الجمع (3). قوله عليه السلام: في سترة.. أشار عليه السلام به إلى غيبة القائم عليه السلام. والقائف: الذي يتبع الآثار ويعرفها (4). وشحذت السكين: حدتته (5).. أي ليحرصن في تلك الملاحم قوم على الحرب، ويشحد عزائمهم في قتل أهل الضلال كما يشحذ القين - وهو الحداد (6) - النصل: كالسيف وغيره (7). ويجلى بالتنزيل:.. أي يكشف (8) الرين والغطاء عن قلوبهم بتلاوة القرآن والهامهم تفسيره ومعرفة أسراره، وكشف الغطاء عن مسامع قلوبهم. والغبوق: الشرب بالعشي، تقول منه (9) غبقت الرجل اغبقه - بالضم - فاغتبق هو (10).. أي تفاض عليهم المعارف صباحا ومساء، والقوم: أصحاب القائم عليه السلام. قوله عليه السلام: وطال الامد بهم.. هذا متصل بكلام قبله لم يذكره


(1) قال في كتاب العين 1 / 292: صدعتهم فتصدعوا.. أي فرقتهم فتفرقوا. ونحوه في الصحاح 3 / 1242. (2) كما في مجمع البحرين 4 / 358، والصحاح 3 / 1241، والقاموس 3 / 49. (3) صرح به في مجمع البحرين 2 / 90، والصحاح 1 / 156، وغيرهما. (4) قاله في النهاية 4 / 121، ولسان العرب 9 / 293. (5) ذكره في مجمع البحرين 3 / 182، والصحاح 2 / 565، وغيرهما. (6) جاء في الصحاح 6 / 2185، والقاموس 4 / 262. (7) صرح به في الصحاح 5 / 1830، وقال في مجمع البحرين 5 / 484: النصل: حديدة السهم والرمح والسكين والسيف ما لم يكن له مقبض. (8) صرح به في مجمع البحرين 1 / 90، وانظر: القاموس 4 / 313. (9) لا توجد: منه، في (س). (10) نص عليه في الصحاح 4 / 1535، وقريب منه في لسان العرب 10 / 281.

[619]

السيد رضي الله عنه، والامد: الغاية (1). والغير: اسم من قولك غيرت الشئ فتغير.. أي تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد (2). واخلولق الاجل.. أي قرب انقضاء امرهم (3)، من اخلولق السحاب.. أي استوى وصار خليقا بان يمطر، واخلولق الرسم: استوى بالارض (4). واستراح قوم.. أي مال قوم (5) من شيعتنا إلى هذه الفئة الضالة واتبعوها تقية أو لشبهة دخلت عليهم. واشتالوا.. أي رفعوا ايديهم (6) وسيوفهم، واستعار اللقاح - بفتح اللام (7) - لاثارة الحرب لشبهها بالناقة. وقوله عليه السلام: حتى (8) إذا قبض الله.. لعله منقطع عما قبله إلا أن يحمل (من طال الامد بهم) في الكلام المتقدم على من كان من أهل الضلال قبل الاسلام، ولا يخفى بعده. وبالجملة، الكلام صريح في شكايته عليه السلام عن [كذا] الذين غصبوا الخلافة منه.


(1) جاء في مجمع البحرين 3 / 8، والمصباح المنير 1 / 29، وغيرهما. (2) نص عليه في النهاية 3 / 401، وانظر: الصحاح 2 / 776، ومجمع البحرين 3 / 432. (3) قال في مجمع البحرين 5 / 158: واخلولق الاجل: إذا تقادم عهده. وقال في لسان العرب 10 / 91: اخلولقت السماء أن تمطر.. أي قاربت وشابهت. (4) كما في القاموس 3 / 229، والصحاح 4 / 1472، وغيرهما. (5) قال في القاموس 1 / 224، واستراح إليه: استنام. وقال في لسان العرب 2 / 461: والراحة: ضد التعب، واستراح الرجل من الراحة. أقول: استفادة الميل من هذه الكلمة بتضمين هذا المعنى فيه. (6) في الصحاح 5 / 1742، ولسان العرب 11 / 374: الشول والاشالة بمعنى الرفع. وأما الاشتيال من باب الافتعال ومشتقاته فلم نجده في كتب اللغة التي بأيدينا، فتأمل. (7) لا توجد: اللام، في (س). (8) في (س) لا توجد: حتى.

[620]

وغالتهم السبل.. أي اهلكتهم (1). ووصلوا غير الرحم.. أي غير رحم رسول الله صلى الله عليه وآله. والسبب الذي أمروا بمودته أهل البيت عليهم السلام كما قال النبي صلى الله عليه وآله: خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي حبلان ممدودان من السماء إلى الارض لمن يفترقا حتى يردا علي الحوض (2). كل ضارب في غمرة.. أي سائر في غمرة (3) الضلالة والجهالة. قد ماروا في الحيرة.. أي ترددوا واضطربوا فيها (4). والمنقطع إلى الدنيا: هو المنهمك في لذاتها (5) والمفارق للدين هو الزاهد الذي يترك الدنيا للدنيا، أو يعمل على الضلالة والردى، وسيأتي فيما سنورده من كتبه عليه السلام وغيرها ما صريح في الشكاية. 30 - منها (6): ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى معاوية: وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا (7) وهو قوله سبحانه (8): [وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (9)، وقوله تعالى: [إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه


(1) كما في القاموس 4 / 26، ولسان العرب 11 / 507، وغيرهما. (2) هذا الحديث قد مرت مصادره منا مجملا وجاء بألفاظ متعددة، وانظر أيضا: تفسير البرهان 1 / 9 - 14، والغدير 3 / 65، 80، 297، و 6 / 330 و 7 / 176، و 10 / 278 وغيرها. (3) كما في مجمع البحرين 2 / 104، والصحاح 1 / 168. (4) ذكره في القاموس 2 / 136، ولسان العرب 5 / 186، وغيرهما. (5) قال في مجمع البحرين 4 / 381: وفلان منقطع إلى فلان.. أي لم يأنس بغيره، وجاء في تاج العروس 5 / 476: وانقطع فلان إلى فلان: إذا انفرد بصحبته خاصة، وهو مجاز. (6) نهج البلاغة - محمد عبده - 3 / 32 - 34، وصبحي صالح: 387 - 388، ضمن كتاب رقم 28 باسقاط فقرة عند النقل. (7) جاء في مجمع البحرين 3 / 182 ما نصه: في الحديث: الشاذ عنك يا علي في النار.. أي المنفرد المعتزل عنك ولم يتبع أمرك وحكمك في النار، يقال: شذ عنه يشذ شذوذا: انفرد عنه. (8) في نهج البلاغة - صبحي صالح -: سبحانه وتعالى. (9) الانفال: 75.

[621]

وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولي المؤمنين] (1) فنحن مرة اولى بالقرابة وتارة بالطاعة، ولما احتج المهاجرون على الانصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به (2) فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالانصار على دعواهم (3). وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش (4) حتى ابايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فاقتضحت، وما على المسلم من غضاضة (5) في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه.. 31 - ومنها (6): ما كتب عليه السلام في جواب عقيل:.. فدع عنك قريشا وتركاضهم (7) في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه (8)، فإنهم قد اجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله (9) قبلي فجزت قريشا عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي.


(1) آل عمران: 68. (2) الفلج: الظفر والفوز، وقد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجا. نص عليه في الصحاح 1 / 335. (3) هنا سقط جاء في النهج: وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك......... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.. أقول: وصدر البيت هكذا: وعيرها الواشون أني احبها. وهذا البيت لابي ذؤيب. (4) قال في النهاية 4 / 119: قاد البعير واقتاده بمعنى: جره خلفه، وقال فيه 2 / 34: البعير المخشوش: هو الذي جعل في أنفه الخشاش، وقال في صفحة 33 من هذا المجلد: الخشاش: عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع لانقياده. (5) جاء في مجمع البحرين 4 / 218: غضاضة.. أي ذلة ومنقصة. (6) نهج البلاغة - محمد عبده - 3 / 61، وصبحي صالح: 409 ضمن كتاب برقم 36. (7) تركاض - تفعال من الركض - وهو تحريك الرجل، قاله في القاموس 2 / 332، ونحوه: التجوال. (8) قال في صحاح اللغة 1 / 360: جمع الفرس جموحا وجماحا: إذا اعتز فارسه وغلبه. وذكر في الصحاح 6 / 2229: تاه في الارض: ذهب متحيرا، يتيه تيها وتيهانا. (9) في طبعة صبحي صالح من النهج: وآله وسلم.

[622]

وفي كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة (1): فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب (2) رسول الله صلى الله عليه [وآله] (3) قبل اليوم. 32 - ومنها (4): ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى أهل مصر - وهم العمدة في قتل عثمان -: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه وضرب (5) الجور (6) سرادقه على البر والفاجر والمقيم والظاعن، فلا معروف يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه. 33 - ومنها (7): ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الانصاري:.. بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين (8)، ونعم الحكم الله.. 34 - ومنها (9): ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى أهل مصر:.. فلما مضى (10) تنازع المسلمون الامر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي (11) أن العرب تعرج (12) هذا الامر من بعده (ص) عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده..


(1) الامامة والسياسة: 55 - طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت -. (2) لا توجد: حرب، في المصدر. (3) في النهج لصبحي ؟ ؟ ؟: وآله وسلم. (4) نهج البلاغة - محمد عبده - 3 / 63، وصبحي صالح: 410 - 411، ضمن كتاب برقم 38. (5) في المصدر: فضرب. (6) في (ك) نسخة: الحذر. (7) نهج البلاغة - محمد عبده - 3 / 71، وصبحي صالح: 417 ضمن كتاب برقم 45. (8) في المصدر: نفوس قوم آخرين. (9) نهج البلاغة - محمد عبده - 3 / 118 - 119، وصبحي صالح: 451 ضمن كتاب برقم 62. (10) في المصدر: مضى عليه السلام. (11) في المصدر: ولا يخطر ببالي. (12) في النهج: تزعج.

[623]

35 - ثم كتب عليه السلام بعد ما ذكر بيعة الناس له (1):.. فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه (2).. 36 - ومنها: قوله عليه السلام (3): قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لائح، واعتدل مائل، واستبدل الله بقوم قوما وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر، وإنما الائمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه (4) على عباده، لا يدخل (5) الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من انكرهم وانكروه.. 37 - ومنها: قوله عليه السلام في البيعة (6):.. فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري. وقد مر في هذا الكتاب وسيأتي (7) من تظلمه عليه السلام منهم وشكايته عليه السلام عنهم، وقدحه فيهم، لا سيما ما أوردناه في باب غصب الخلافة (8)، وباب مثالب الثلاثة، وباب ما جرى بينه وبين عثمان، وما ذكره في الاحتجاج على من يطلب ثاره، وما ذكره لابي ذر عند إخراجه.. ما لو اعداناه لكان أكثر مما أوردنا بكثير، لكن الامر على الطالب يسير، والجرعة تدل على الغدير، والحبة على البيدر الكبير. وقد قال ابن أبي الحديد (9) في شرح قوله عليه السلام: اللهم إني أستعديك


(1) نهج البلاغة - محمد عبده - 3 / 119، وصبحي صالح: 451 ضمن كتاب برقم 62. (2) قال في القاموس 4 / 294: نهنهه عن الامر فتنهنه: كفه وزجره فكف. أراد عليه السلام أنه قد ثبت في موضعه. (3) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 40 - 41، وصبحي صالح: 212 ضمن خطبة 152. (4) في (ك) نسخة: عرفا. (5) في نهج صبحي صالح: ولا يدخل. (6) نهج البلاغة - محمد عبده - 1 / 89، وصبحي صالح: 81 ذيل خطبة 37. (7) بحار الانوار 8 / 651 و 669 وما بعدهما - طبعة كمباني - الحجرية - ويكون اول المجلد الرابع والثلاثين - الذي لم يطبع إلى هذا التاريخ.. (8) بحار الانوار 28 / 85 و 175. (9) في شرحه على النهج 11 / 111، بتصرف يسير.

[624]

على قريش. قد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم واستنجد (1) واستصرخ حتى سأموه الحضور والبيعة، وأنه قال - وهو يشير إلى القبر -: ي‍: [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] (2) وأنه قال: واجعفراه ! ولا جعفر لي اليوم، واحمزتاه ! ولا حمزة لي اليوم. وقال (3) في شرح قوله عليه السلام: وقد قال لي قائل: إنك على هذا الامر يابن أبي طالب لحريص، وهو قوله عليه السلام: إن لنا حقا، إن نعطه نأخذه وإلا نركب له أعجاز (4) الابل وإن طال السرى. وقد ذكره الهروي في الغريبين (5)، وفسره بوجهين (6). وقال الجزري في النهاية: منه حديث علي عليه السلام: لنا حق... وذكر الخبر ثم قال: الركوب على اعجاز الابل شاق.. أي منعنا (7) حقنا ركبنا مركب المشقة صابرين عليها وإن طال الامد.


(1) استنجدني فأنجدته: استعان به فأعنته، قاله في الصحاح 2 / 542. (2) الاعراف: 150. (3) في شرحه على نهج البلاغة 9 / 307، بتصرف. (4) في المصدر: وإن نمنعه نركب أعجاز.. (5) كتاب الغريبين - لم يطبع - ولا نعرف له نسخة صحيحة إلا قطعة منه في المكتبة الرضوية على صاحبها آلاف التحية في خراسان، ولعل شيخنا المجلسي أخذه عن شرح ابن أبي الحديد، وإن عده في المجلد الاول من جملة مصادره. أقول: الوجهان: أحدهما: إن راكب عجز البعير يلحقه مشقة وضرر، فأراد أنا إذا منعنا حقنا صبرنا على المشقة والمضرة كما يصبر راكب عجز البعير.. وهذا التفسير قريب مما فسره الرضي. والوجه الثاني: إن راكب عجز البعير إنما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير، وراكب ظهر البعير متقدم على راكب عجز البعير، فأراد أنا إذا منعنا حقنا تأخرنا وتقدم غيرنا علينا، فكنا كالراكب رديفا لغيره، وأكد المعنى على كلا التفسيرين بقوله: وإن طال السرى.. إلى آخره. (6) كما في شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 195. (7) في المصدر: أي ان منعنا، وهو الظاهر.

[625]

وقال (1): ضرب أعجاز الابل مثلا لتأخره عن حقه الذي كان يراه له، وتقدم غيره عليه، وأنه يصبر على ذلك وان طال امده.. أي ان قدمنا للامامة تقدمنا وان اخرنا صبرنا على الاثرة وان طالت الايام. وقيل: يجوز أن يريدوا ان تمنعه ببذل (2) الجهد في طلبه فعل من يضرب في طلبته (3) أكباد الابل ولا يبالي باحتمال طول السرى، والاولان اوجه، لانه سلم وصبر على التأخر ولم يقاتل، وانما قاتل بعد انعقاد الامامة له (4). انتهى. ورواه ابن قتيبة (5)، وقال: معناه ركبنا مركب الضيم والذل، لان راكب عجز البعير يجد مشقة، لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال، ويجوز أن يكون أراد نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا، لان راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره. وروى ابن أبي الحديد (6) أيضا أن فاطمة صلوات الله عليها حرضته يوما على النهوض والوثوب، فسمع صوت المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لها: أيسرك زوال هذا النداء من الارض ؟ ! قالت: لا. قال: فإنه ما أقول لك. وروى - أيضا (7) -، عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام: ما رأيت منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله


(1) في النهاية: وقيل: (2) في المصدر: ان يريد وان نمنعه نبذل.. وهو الظاهر. (3) في نهاية ابن الاثير: في ابتغاء طلبته. (4) النهاية 3 / 185 - 186. (5) راجعنا الامامة والسياسة أكثر من مرة، وكذا عيون الاخبار، وتأويل مختلف الحديث فلم نجد العبارة فيها، فلاحظ. (6) في شرحه على نهج البلاغة 11 / 113 بنصه. (7) ابن أبي الحديد في شرحه 4 / 108 بتصرف.

[626]

رخاء، لقد أخافتني قريش صغيرا وأنصبتني كبيرا حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت (1) الطامة الكبرى، [والله المستعان على ما تصفون] (2). وروى ابن قتيبة - وهو من أعاظم رواة المخالفين - في كتاب الامامة والسياسة (3) أن عليا عليه السلام أتي به أبو بكر (4) وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله ! فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم، و (5) لا أبايعكم وأنتم اولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار واحتججتم عليهم (6) بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله تأخذونه (7) منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للانصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لمكان (8) محمد (ص) منكم ؟ ! فأعطوكم المقادة (9)، وسلموا إليكم الامارة، فأنا (10) أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، نحن أولى برسول الله (ص) حيا وميتا فانصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم (11)، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع !. فقال له علي (ع): احلب حلبا لك شطره اشدده له اليوم (12)


(1) في المصدر: حتى قبض الله رسوله فكانت. (2) يوسف: 18. (3) في الامامة والسياسة: 11 / 12، بإجمال. (4) في المصدر: ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر.. (5) لا توجد الواو في المصدر. (6) في (س): عليه، بدلا من: عليهم. (7) في الامامة والسياسة: وتأخذونه. (8) في الامامة والسياسة: لما كان. (9) في (س): المفادة، ولم نجد له معنى مناسبا فيما بأيدينا من كتب اللغة، والمقادة بمعنى القيادة، فراجع القاموس 1 / 330، والصحاح 2 / 528. (10) في المصدر: وأنا. (11) في المصدر: تؤمنون، بدلا من: تخافون الله من أنفسكم. (12) في الامامة والسياسة: واشدد له اليوم أمره.

[627]

يردده (1) عليك غدا، ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك، ولا ابايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني فلا أكرهك. فقال علي عليه السلام: يا معشر المهاجرين ! الله.. الله لا (2) تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه وآله في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعوا أهله عن مقامه من الناس وحقه، فوالله - يا معشر المهاجرين - لنحن أهل البيت أحق بهذا الامر منكم، ما كان فيها القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال ابن قتيبة (3): وفي رواية أخرى: أخرجوا عليا عليه السلام فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع. فقال: إن أنا لم أفعل فمه ؟ !. فقالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. قال (4): إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله. فقال (5) عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسول الله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟. فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي عليه السلام بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله يصيح ويبكي وينادي ي‍: [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] (6).. ثم ذكر ابن قتيبة (7) انهما جاءا إلى فاطمة عليها السلام معتذرين، فقالت: نشدتكما بالله (8) ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رضا فاطمة من


(1) في (ك): يرده. (2) لا توجد: لا، في (س). (3) الامامة والسياسة: 13. (4) في (ك): فقال. (5) في المصدر: قال. (6) الاعراف: 150. (7) الامامة والسياسة: 13 - 14. (8) في المصدر: الله.

[628]

رضاي وسخط فاطمة ابنتي (1) من سخطي ؟. ومن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني (2)، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟. قالا: نعم، سمعناه (3). قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله لاشكونكما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة. ثم انتحب أبو بكر باكيا تكاد نفسه (4) أن تزهق، وهي تقول: والله لادعون الله عليك في كل صلاة، وأبو بكر يبكي ويقول: والله لادعون الله لك في كل صلاة (5) اصليها.. ثم خرج باكيا. 38 - وروى أيضا ابن قتيبة (6) أن عليا عليه السلام قال: فاجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي، وسلمت ذلك منها (7) لمن ليس في قرابتي وحقي في الاسلام، وسابقتني التي لا يدعي مثلها مدع إلا أن يدعي ما لا أعرفه (8)، ولا أظن الله يعرفه. 39 - وروى أيضا (9) أنه قال للحسن عليهما السلام: وأيم الله - يا بني - ما زلت مظلوما (10) مبغيا علي منذ هلك جدك صلى الله عليه وآله.


(1) لا توجد: ابنتي، في (س) ولا في المصدر. (2) في الامامة والسياسة زيادة: ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني. (3) في المصدر: قال: نعم، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. (4) في الامامة والسياسة: أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه. (5) قوله: صلاة، وأبو بكر يبكي ويقول: والله لادعون الله لك في كل.. لا توجد في المصدر. ولا يخفى أن طبعتي الامامة والسياسة في بيروت محرفة جدا واسقط الكثير من أمثال هذه المطالب منها، ويوجد بعضها في طبعة القاهرة، فراجع. (6) في الامامة والسياسة: 55 - 56 تحت عنوان: خروج علي من المدينة. (7) لا توجد: منها في المصدر، وهو الظاهر. (8) في الامامة والسياسة: ما لا أعرف. (9) الامامة والسياسة: 49. (10) لا توجد في المصدر: مظلوما.

[629]

40 - وروى ابن أبي الحديد (1) أن عليا عليه السلام قال: - وقد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم -، فقال: هلم فلنصرخ معا، فإني ما زلت مظلوما. 41 - وقال (2): قال علي عليه السلام: ما زلت مستأثرا علي مدفوعا عما أستحقه وأستوجبه. 42 - وقال عليه السلام: اللهم اجز قريشا فإنها منعتني حقي وغصبتني أمري (3). 43 - وروى (4) أيضا، عن جابر، عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقي، وأجمعوا على منازعتي أمرا كنت أولى به. 44 - و (5) عن الشعبي، عن شريح بن هاني، قال: قال علي عليه السلام: اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي ووضعوا (6) إنائي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي. 45 - وروى السيد ابن طاوس في كتاب الطرائف (7) من الصحيحين


(1) في شرحه على نهج البلاغة 9 / 307، وبهذا المضمون عدة روايات ذكرها ابن أبي الحديد في مواطن متعددة في شرحه على النهج، جملة منها في 4 / 106 وما بعدها نذكر واحدة منها مثلا، قال: وروى شيخنا أبو القاسم البلخي، عن سلمة بن كهيل، عن المسيب بن نجبة، قال: بينا علي عليه السلام يخطب إذ قام اعرابي فصاح: وا مظلمتاه ! فاستدناه علي عليه السلام، فلما دنا قال له: إنما لك مظلمة واحدة، وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر، قال: وفي رواية عباد بن يعقوب، إنه دعاه فقال له: ويحك ! وأنا والله مظلوم أيضا، هات فلندع على من ظلمنا. (2) ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 9 / 307. (3) كما في شرح ابن أبي الحديد 9 / 306 وفيه: أخز، بدلا من: اجز. (4) ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 4 / 104. (5) كما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 103 - 104. (6) في المصدر: وأصغوا. (7) الطوائف 1 / 270 حديث 369، باب ما جرى على فاطمة سلام الله عليها من الاذى والظلم ومنعها من فدك.

[630]

والجمع بينهما (1) للحميدي بإسنادهم عن مالك بن أوس قال: قال عمر للعباس وعلي عليه السلام ما هذا لفظه: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله.. فجئتما، أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها.. فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق ؟ ! ثم توفي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله ولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا (2) آثما غادرا خائنا ؟ ! والله يعلم أني لصادق بار تابع للحق ! فوليتها، ثم جئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما: ادفعها الينا. أقول: قد رأيت هذا الخبر في الصحيحين (3) وحكاه في جامع الاصول (4) عنهما (5) وعن الترمذي (6) والنسائي (7) وأبي داود (8)، عن الحميدي بألفاظ مختلفة.. من أراد الاطلاع عليه فليراجعه.


(1) الجمع بين الصحيحين، لا نعلم بطبعه، وقد بحثنا عنه. (2) لا توجد: كاذبا، في (س). (3) صحيح مسلم 3 / 1377 كتاب الجهاد باب 15 حكم الفئ حديث 49، وصحيح البخاري 8 / 185 كتاب الفرائض باب قول النبي (ص): لا نورث. (4) جامع الاصول 2 / 697 - 709 حديث 1202 باب الفئ، و 4 / 104 حديث 2078، و 4 / 636 و 637 و 639 حديث 7438 و 7439 و 7441. وانظر: صحيح مسلم 3 / 1377 كتاب الجهاد باب 15 حكم الفئ حديث 49، وصحيح البخاري 8 / 158 كتاب الفرائض، وسنن البيهقي 6 / 296 كتاب قسم الفئ والغنيمة. وقد مر الحديث بمصادره. (5) في (س): فيهما، وهو غلط. (6) صحيح الترمذي 4 / 158 كتاب السير باب 44 حديث 1610. (7) سنن النسائي 7 / 128 - 137 باب الفئ. (8) سنن أبي داود: 3 / 139 - 140 حديث 2963، وذكر القصة مفصلا، فراجع.

[631]

46 - وقال السيد المرتضى علم الهدى رضي الله عنه في الشافي (1): قد روى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين عليه السلام والعباس لما تنازعا في الميراث وتخاصما إلى عمر، قال عمر: من يعذرني من (2) هذين، ولي أبو بكر (3). فقالا: عق وظلم، والله يعلم أنه كان برا تقيا، ثم وليت فقالا: عق وظلم (4). وغير خاف عليهم وإنما كانوا يجاملونه ويجاملهم (5). 47 - وروى احمد بن أعثم الكوفي في تاريخه (6)، قال: كتب معاوية إلى علي عليه السلام: أما بعد، فإن الحسد عشرة أجزاء تسعة منها فيك وواحد منها في سائر الناس، وذلك إنه لم يل امور هذه الامة أحد بعد (7) النبي صلى الله عليه [وآله] إلا وله قد حسدت، وعليه تعديت (8)، وعرفنا ذلك منك في النظر الشزر (9)، وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش (10) حتى تبايع وأنت كاره، ثم إني لا أنسى فعلك بعثمان بن عفان على قلة الشرح والبيان، ووالله الذي لا إله هو لنطلبن قتلة


(1) الشافي 3 / 227 [الحجرية: 204]. (2) في (ك): في بدلا من: من. (3) كان في المتن والمغني: لابو بكر، وهو غلط، وما أثبتناه من المصدر. (4) هنا سقط جاء في المصدر وهو: وهذا الكلام من أوضح دليل على أن تظلمه (ع) من القوم كان ظاهرا لم. (5) وانظر: تلخيص الشافي 3 / 52. (6) الفتوح 2 / 578 - 579 باختلاف يسير. (7) في المصدر: لم تكن امور هذه الامة لاحد بعد.. والمعنى واحد. (8) في الفتوح: وعليه قد بغيت.. (9) في المصدر: في نظرك الشزر. قال في الصحاح 2 / 696: نظر إليه شزرا: وهو نظر الغضبان بمؤخر العين. (10) في المصدر: كما يقاد الجمل الشارد. قال في الصحاح 3 / 1004: الخشاش: الذي يدخل في عظم أنف البعير وهو من خشب. قال: والابل المخشوش: هي التي في أنفها الخشاش.

[632]

عثمان (1) في البر والبحر والجبال والرمال حتى نقتلهم أو لنلحقن أرواحنا بالله، والسلام. فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد، فإنه أتاني كتابك تذكر فيه حسدي للخلفاء، وإبطائي عليهم، والنكير لامرهم (2) فلست أعتذر من ذلك إليك ولا إلى غيرك، وذلك أنه لما قبض النبي صلى الله عليه [وآله] واختلف الامة، قالت قريش: منا الامير، وقالت الانصار: بل منا الامير، فقالت قريش: محمد صلى الله عليه [وآله] (3) منا، ونحن أحق بالامر منكم، فسلمت الانصار لقريش الولاية والسلطان، فإنما تستحقها قريش بمحمد صلى الله عليه [وآله] دون الانصار، فنحن أهل البيت أحق بهذا من غيرنا.. إلى قوله عليه السلام: وقد كان أبوك (4) أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايع الناس فيه أبا بكر، فقال لي: أنت أحق بهذا الامر من غيرك، وأنا يدك على من خالفك، وإن شئت لاملان المدينة خيلا ورجلا على ابن أبي قحافة، فلم أقبل ذلك، والله يعلم أن أباك قد فعل ذلك فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الاسلام، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه لي فقد أصبت رشدك، وإن أبيت فها أنا قاصد إليك، والسلام (5). 48 - وروى ابن أبي الحديد (6)، عن الكلبي قال: لما أراد علي عليه السلام


(1) كأن في المصدر سقط، إذ لا توجد فيه عبارة: على قلة الشرح والبيان، ووالله الذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان.. (2) في المصدر زيادة وتغيير: وابطائي عنهم، فأما الحسد فمعاذ الله أن يكون ذلك، وأما الابطاء عنهم والكره لامرهم.. (3) توجد هنا زيادة: دون الانصار، في (س). (4) في طبعة (س): اباك، ويمكن توجيه العبارة. (5) انظر: المستدرك للحاكم 3 / 78، والاستيعاب 4 / 87، وكنز العمال 3 / 141.. وغيرها. (6) في شرحه على النهج 1 / 308 [وفي طبعة اخرى: 1 / 102] بتصرف.

[633]

المسير إلى البصرة، قام فخظب الناس، فقال - بعد أن حمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله -:.. إن الله لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله استأثرت علينا قريش بالامر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالاسلام، والدين يمخض مخض (1) الوطب (2) يفسده أدنى وهن، ويعتكه (3) أقل خلف (4)، فولي الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، والله ولي تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم (5). 49 - وروى - أيضا (6) -، عن علي بن محمد المدائني، عن عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أول إمارة علي عليه السلام، فمررت بمكة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إذا (7) نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه، فشخصت الابصار نحوه، فحمد الله وصلى على رسوله صلى الله


(1) في (س): يمحض محض. (2) ورد في حاشية (ك) هنا ما يلي: وفيه: أنه أتي بوطب فيه لبن.. الوطب: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه، وجمع او طاب ووطاب، ومنه حديث أم زرع: خرج أبو زرع والاوطاب تمخض ليخرج زبدها. النهاية. انظر: النهاية 5 / 203. وسيأتي للمصنف قدس سره بيان فيها. (3) في حاشية (ك): وعتك اللبن والنبيذ: اشتدت حموضته. قاموس. انظر: القاموس 3 / 312. وسيأتي لها مزيد بيان: وقد تقرء في (س): يعكسه. وفي المصدر: يعكه. (4) في الغدير و (س): خلق. وورد في حاشية (ك): خلف فم الصائم خلوفا - من باب قعد -: تغيرت ريحه.. وخلفت الطعام خلوفا: تغيرت ريحه أو طعمه. مصباح المنير. انظر: المصباح المنير 1 / 216، وفيه: وخلف الطعام: تغيرت.. (5) انظر: الغدير 9 / 381 وقد حكاه عن شرح النهج. (6) في شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 307، بتصرف. (7) في المصدر: إذ.. وهو الظاهر.

[634]

عليه وآله، ثم قال: أما بعد، فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انتزى (1) لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الامرة لغيرنا، وصرنا سوقة (2) يطمع فينا الضعيف ويتغزر (3) علينا الذليل (4)، فبكت الاعين منا لذلك، وخشنت (5) الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الناس (6) ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني - أيها الناس - من بيتي فبايعتموني (7).. 50 - وقال السيد الجليل ابن طاوس في كتاب الطرائف (8): روى أبو بكر احمد بن مردويه (9) في كتابه - وهو من أعيان أئمتهم - ورواه أيضا المسمى عندهم صدر الائمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن احمد المكي ثم الخوارزمي في كتاب الاربعين، قال: عن الامام الطبراني (10)، عن سعيد الرازي، عن محمد بن حميد، عن زافر بن سليمان، عن الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل (11)، قال: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الاصوات بينهم، فسمعت عليا عليه


(1) في شرح النهج: إنبرى. قال في الصحاح 6 / 2280: البرى له: اعترض له. (2) السوقة: الرعية للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ذكره في القاموس 3 / 248. (3) في المصدر: يتعزز، وفي (ك): يتعرز. قال في الصحاح 2 / 744: التعزير: التعظيم والتوقير. ويتغزر - من الغزارة -.. أي الكثرة، كما في الصحاح 2 / 770. (4) في (س): الضعيف. (5) في المصدر: خشيت. (6) في المصدر: فولي الامر. (7) في شرح النهج: فبايعتموني على شين مني لامركم و.. إلى آخره. (8) الطرائف: 411. (9) في المصدر: احمد بن موسى بن مردويه. (10) في مطبوع البحار: البطراني، وهو غلط. (11) في الطرائف: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة.

[635]

السلام يقول: بايع الناس أبا بكر وأنا - والله - أولى بالامر منه وأحق به منه (1)، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع أبا بكر (2) لعمر وأنا أولى بالامر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع (3). 51 - وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه أيضا.. وساق قول علي بن أبي طالب عليه السلام عن مبايعتهم لابي بكر وعمر كما ذكره في الرواية المتقدمة سواء، إلا أنه قال في عثمان: ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع، إن عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لي فضلا في الصلاح ولا يعرفونه لي، كأنما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم لتكلمت ثم لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم ولا المعاهد منكم ولا المشرك رد خصلة منها، ثم قال: أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري ؟ ! قالوا: لا.. (4)، ثم ساق الحديث في ذكر مناقبه عليه السلام إلى آخر ما سيأتي في باب الشورى بأسانيد جمة وطرق مختلفة. ثم قال السيد رضي الله عنه: ومن طرائف ما نقلوه في كتبهم المعتبرة برواية رؤساتهم من إظهار علي بن أبي طالب عليه السلام الكراهية من (5) تقدم أبي بكر وعمر وعثمان في الخلافة، وأنه كان أحق بها منهم بمحضر الخلق الكثير على المنابر وعلى رؤس الاشهاد ما (6) ذكره جماعة من أهل التواريخ والعلماء (7).


(1) لا توجد: منه، في (س)، والمصدر كالمتن. (2) كذا، والظاهر: بايع أبو بكر أي أخذ البيعة لعمر. (3) الطرائف: 411 - 412. (4) الطرائف: 412. (5) في المصدر: للتألم من.. (6) في (ك): وما. (7) الطرائف: 416.

[636]

52 - وذكر ابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد (1)، وأبو هلال العسكري في كتاب الاوائل (2) في الخطبة التي خطب بها علي بن أبي طالب عليه السلام عقيب مبايعة الناس له - وهي أول خطبة خطبها - فقال، بعد إشارات ظاهرة وباطنة إلى التألم ممن تقدمه وممن وافقهم - ما هذا لفظه -: وقد كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كثيرا كنتم فيها غير محمودين. وقال ابن عبد ربه: لم تكونوا فيها محمودين، أما إني لو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف، سبق الرجلان وقام (3) الثالث كالغراب همته بطنه، ويله ! لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له، انظروا فإن أنكرتم فأنكروا وإن عرفتم فاعرفوا.. ثم يقول في آخرها ما هذا لفظه - على ما حكاه صاحب كتاب العقد -: ألا ان الابرار من (4) عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلمهم كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يرد تره (5) كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقهم، وبنا فتح، وبنا يختم (6). أقول: ومما يؤيد شكايته عليه السلام عنهم ما سيأتي من سوء معاشرتهم له عليه السلام وسعيهم في إطفاء نوره وإضمار ذكره.


(1) العقد الفريد 4 / 66، في وسط خطبة. (2) الاوائل - القسم الاول -: 290. (3) في العقد: ونام. (4) لا توجد: من، وفي المصدر. (5) قال في القاموس 2 / 152: الوتر - بالكسر ويفتح -: الذحل.. كالترة. وفي المصدر: بنا ترد ترة كل.. (6) العقد الفريد 4 / 66 - 67 باختلاف يسير [دار الكتب العلمية - بيروت: 4 / 157].

[637]

53 - وروى ابن أبي الحديد (1)، عن ابن عباس أنه قال: دخلت يوما على عمر، فقال لي: يا بن عباس ! لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلت (2) رياء. قلت: من هو ؟. قال عمر (3): الاجلح (4) - يعني عليا عليه السلام -. قلت: وما يقصد بالرياء يا أمير المؤمنين ؟. قال: يرشح (5) نفسه بين الناس للخلافة. قلت: وما يصنع بالترشيح ؟ ! قد رشحه لها رسول الله صلى الله عليه وآله فصرفت عنه. قال: إنه كان شابا حدثا فاستصغرت العرب سنه، وقد كمل الآن، ألم تعلم أن الله لم يبعث نبيا إلا بعد الاربعين ؟ !. قلت: يا أمير المؤمنين ! أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع الله منار الاسلام، ولكنهم يعدونه محروما محدودا (6). فقال (7): أما إنه سيليها بعد هياط ومياط، ثم تزل فيها قدمه، ولا يقضي


(1) في شرح النهج 12 / 80، بتصرف. (2) في المصدر: نحلته. (3) في المصدر: فقال: هذا ابن عمك. (4) الجلح: فوق النزع، وهو انحسار الشعر عن جانبي الرأس، أوله النزع، ثم الجلح، ثم الصلع، وقد جلح الرجل - بالكسر - فهو أجلح: بين الجلح، ذكره في الصحاح 1 / 359. ولا يوجد في المصدر: الاجلح. (5) قال في الصحاح 1 / 365: فلان يرشح للوازرة.. أي يربى ويؤهل لها. (6) في المصدر: مجدودا. أقول: جددت الشئ أجده - بالضم - جدا: قطعته، وثوب جديد، وهو في معنى مجدود، ويراد به حين جده الحائك.. أي قطعه، قاله في الصحاح 2 / 454. (7) في (ك): فقال له.

[638]

فيها (1) إربه (2)، ولتكونن شاهدا ذلك (3) يا عبد الله، ثم يتبين الصبح لذي عينين، ويعلم العرب صحة رأي المهاجرين الاولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء، فليتني أراكم بعدي - يا عبد الله - إن الحرص محرمة، وإن الدنيا (4) كظلك كما هممت به ازداد عنك بعدا. قال: ونقلت هذا الخبر من أمالي محمد بن حبيب (5). وروى - أيضا (6) - عن ابن عباس أنه قال: خرجت مع عمر إلى الشام (7) فانفرد يوما يسير على بعيره فاتبعته، فقال لي: يا بن عباس ! أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولا أزال أراه واجدا، فبما (8) تظن موجدته (9) ؟. قلت: يا أمير المؤمنين ! إنك لتعلم. قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة. قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد الامر له. فقال: يابن عباس ! وأراد رسول الله صلى الله عليه وآله (10) فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أمر (11) وأراد الله غيره، نفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسول الله، أو كلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: منها. (2) الارب: الحاجة، كما في الصحاح 1 / 87. (3) لا توجد: ذلك، في (س). (4) في المصدر: دنياك. (5) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 81، بتصرف. (6) شرح ابن أبي الحديد على النهج 12 / 78 - 79، بتصرف، وفيه: وروى ابن عباس قال:.. (7) في المصدر: في احدى خرجاته. (8) في المصدر: فيم.. (9) في مطبوع البحار: بوجدته. (10) في المصدر زيادة هنا: الامر له.. (11) كذا، وفي شرح النهج: أراد أمرا. وهو الصحيح.

[639]

كان ؟ ! إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله فلم يسلم !. 54 - قال (1): وقد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أن يذكره للامر في مرضه فصددته عنه (2) خوفا من الفتنة وانتشار (3) أمر الاسلام، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم. أقول: قد سبق وسيأتي في أخبار فدك وغيرها ما يؤيد ذلك. توضيح: قوله عليه السلام: وضعوا انائي.. الظاهر: أكفؤوا كما مر، وعلى تقديره لعل المعنى وضعوا عندهم للاكل أو ضيعوه وحقروه، والاصوب: أصغوا - كما في بعض النسخ -.. أي امالوه (4) لينصب ما فيه، وهذا مثل شايع. قال الجوهري: اصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه، واصغيت الاناء: أملته، يقال: فلان مصغى اناؤه: إذا نقص حقه (5). وقال في النهاية: الوطب: الزق الذي يكون (6) فيه السمن واللبن.. ومنه الحديث (7) والاوطاب تمخض ليخرج (8) زبدها (9).


(1) أي ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 12 / 79. (2) لا توجد: عنه، في (س). (3) في (ك): انتثار، وورد في حاشيتها ما يلي: نثرته نثرا - من باب قتل وضرب - رميت به متفرقا فانتثر. مصباح. انظر: المصباح المنير 2 / 295. (4) كما في مجمع البحرين 1 / 263، والمصباح المنير 1 / 466، وغيرها. (5) الصحاح 6 / 2401. (6) لا توجد: يكون، في (س). (7) في المصدر: حديث ام زرع. (8) لا توجد في (س): ليخرج. (9) النهاية 5 / 203، ومثله في لسان العرب 1 / 798.

[640]

وعتك: اللبن - كضرب -: اشتدت حموضته (1). والانتزاء: تسرع الانسان إلى الشر، افتعال من النزو، وهو الوثوب (2). والسوقة - بالضم -: الرعية، ومن دون الملك من الناس (3)، وما يظن أنهم أهل الاسواق فهو وهم. وقال الفيروز آبادي: ما زال في هياط ومياط - بكسر هما -: دنو وتباعد. وقال: تهايطوا: اجتمعوا واصلحوا امرهم (4). وقال: المياط - ككتاب -: الدفع والزجر والميل والادبار، واشد الشوق (5) في المصدر (6). تذييل: أقول: لا يخفى على المنصف - بعد ما أوردناه من الاخبار - بطلان خلافة الغاصبين زائدا على ما قدمناه، ولنوضح ذلك بوجوه: الاول: إن الجمهور تمسكوا في ذلك بما ادعوه من الاجماع واعترفوا بعدم النص، فإذا ثبت تألمه وتظلمه عليه السلام قبل البيعة وبعدها ثبت عدم انعقاد الاجماع على خلافة أبي بكر، وكيف يدعي عاقل - بعد الاطلاع على تظلماته عليه السلام وإنكاره لخلافتهم قبل البيعة وبعدها - كونها على وجه الرضا دون الاجبار والاكراه ؟ !. الثاني: إن إجباره صلوات الله عليه وآله على البيعة على الوجه الشنيع الذي رويناه من طريق المؤالف والمخالف وتهديده بالقتل، وتشبيهه عليه السلام بثعلب يشهد له ذنبه، وبأم طحال، وإسناد ملازمة كل فتنة إليه على رؤس الاشهاد و..


(1) جاء في القاموس 3 / 312، ونظيره في لسان العرب 10 / 464. (2) ذكره في مجمع البحرين 1 / 413، والقاموس 4 / 395، وغيرهما. (3) صرح به في النهاية 2 / 424، ولسان العرب 10 / 170. (4) القاموس 2 / 393، ونحوه في لسان العرب 7 / 424. (5) في (ك): السوق. (6) القاموس 2 / 378، ومثله في لسان العرب 7 / 409 - 410.

[641]

غير ذلك من غصب حق فاطمة عليها السلام وما جرى من المشاجرات بينه عليه السلام وبينهم كما مر وسيأتي، وأشباه ذلك إيذاء له عليه السلام وإعلان لبغضه وعداوته وشتم له. وسيأتي (1) أخبار متواترة من طرق الخاص والعام تدل على كفر من سبه ونفاق من أبغضه وعاداه، وأنه عدو الله وعدو رسوله صلى الله عليه وآله، ولا ريب أن لهم بدفع أحد عن (2) مقامه اللائق به وحطه عن درجته وإتيان ما ينافي احترامه من أشنع المعاداة، مع أنه قال عمر: إذن نضرب عنقك، وكذبه عليه السلام في دعوى المؤاخاة.. ولا يريب ذو مسكة من العقل في أن الكافر والمنافق ومن يحذو حذوهما لا يصلحان لخلافة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله. 55 - وقد روى في المشكاة (3) - الذي هو من أصولهم المتداولة اليوم - عن زر بن حبيش (4) قال: قال لي (5) علي رضي الله عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد إلي النبي الامي صلى الله عليه وآله (6) أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق (7). 56 - وروى - أيضا (8) - بأسانيد، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يجب عليا عليه السلام منافق ولا يبغضه مؤمن.


(1) كذا، وانظر: بحار الانوار 39 / 246 - 332. (2) في (س): من، بدلا من: عن. (3) مشكاة المصابيح 3 / 242 حديث 6079 [الاولى: 563]، وانظر لمزيد الاطلاع: الغدير 3 / 183. (4) في (ك): زرين جيش، وهو سهو. (5) لا توجد: لي، في المشكاة. (6) في المشكاة:.. لعهد النبي (ص) إلي - بتقديم وتأخير -. (7) جاء في (ك): منافق، بدلا من: كافر، على أنه نسخة. (8) في المشكاة 3 / 245 حديث 6091 [الاولى: 564]، وانظر: الغدير 3 / 185.

[642]

قال: رواه أحمد (1) والترمذي (2) عنها (3) رضي الله عنها أيضا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سب عليا عليه السلام فقد سبني (4)، قال: رواه أحمد (5). 57 - وروى ابن شيرويه الديلمي - وهو من مشاهير محدثيهم - في كتاب الفردوس (6) في باب الميم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سب عليا عليه السلام فقد سبني ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله نار جهنم، وله عذاب عظيم. 58 - وعن سلمان (7)، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي ! محبك محبي ومبغضك مبغضي. 59 - وعن علي عليه السلام (8)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ! ما يبغضك من الرجال إلا منافق ومن حملته أمه وهي حائض. 60 - وروى أيضا (9) في باب الثاء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث من كن فيه فليس مني ولا أنا منه: من أبغض عليا


(1) مسند احمد بن حنبل 6 / 292. (2) سنن الترمذي 5 / 643 باب 21، كتاب المناقب، حديث 3736. (3) أي عن أم سلمة أم المؤمنين. (4) الرواية جاءت بمضامين مختلفة وأسانيد متظافرة، انظرها في الغدير 10 / 371 وما بعدها، وغيرها. (5) مسند احمد بن حنبل 6 / 323. (6) الفردوس 5 / 410 حديث 8319 [5 / 319، حديث 8313] ولاحظ ذيل الحديث وما يتلوه، وقد حكاه في الغدير 2 / 300، و 10 / 279 باختلاف وجملة أسانيد، فلاحظ. وراجع مستدرك الحاكم 3 / 121، والجامع الصغير للسيوطي 2 / 608، حديث 8736. (7) الفردوس 3 / 542، حديث 5689 [ولم نجده في الطبعة الاخرى للفردوس]، وانظر ذيل 542 حيث ذكر له مصادر جمة. (8) كما في الفردوس 5 / 316، حديث 8304 [طبعة اخرى: 5 / 408، حديث 8313]. (9) في الفردوس 2 / 85، حديث 2459 [طبعة اخرى 2 / 134، حديث 2278]، وانظر: كنز العمال 11 / 623، حديث 33031، وما يتلوه من الاحاديث كلها في هذا الباب.

[643]

ونصب لاهل بيتي، ومن قال: الايمان كلام. 61 - وروى في جامع الاصول (1)، عن أبي سلمة (2)، قال: إنا (3) كنا لنعرف المنافقين - نحن معاشر الانصار - ببغضهم علي بن أبي طالب [عليه السلام]، قال: أخرجه الترمذي (4). 62 - وعن (5) أبي سعيد، قال (6): قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يحب عليا [عليه السلام] منافق ولا يبغضه مؤمن، قال: أخرجه الترمذي (7). وعن زر بن حبيش (8)، قال: سمعت عليا [عليه السلام] يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الامي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق (9). قال: أخرجه مسلم (10) والترمذي (11) والنسائي (12).


(1) جامع الاصول 8 / 656، حديث 6499. (2) كذا، والصحيح: ام سلمة، كما في المصدر، وهي راوية للرواية التالية التي رواها المصنف - طاب ثراه - عن أبي سعيد، وقد وقع هنا خلط بين السندين، فراجع. (3) في المصدر: ان، بدلا من: انا. (4) صحيح الترمذي في كتاب المناقب منه 5 / 635، حديث 3718 باب 21، وقد ذكر له العلامة الاميني - رحمه الله - في الغدير 3 / 182 جملة مصادر. (5) جامع الاصول 8 / 656، حديث 6498، وانظر بقية روايات الباب، وهناك جملة من المصادر جاءت في الغدير 9 / 267. (6) في المصدر: ام سلمة - رضي الله عنها - قالت.. كما مر في تعليقة رقم (2). (7) صحيح الترمذي 5 / 635، حديث 3719، باب 21، كتاب المناقب، وانظر ما سبقها وما يحلقها من الروايات. (8) في جامع الاصول: زر بن حبيس - بالسين المهملة -. (9) جامع الاصول 8 / 656، حديث 6500. (10) صحيح مسلم 1 / 86، حديث 78 و 131، كتاب الايمان، باب 33. (11) صحيح الترمذي 5 / 643، حديث 3737، من كتاب المناقب. (12) سنن النسائي 8 / 117، كتاب الايمان، باب علامة المنافق، وذكرها وغيرها العلامة الاميني في غديره 3 / 183 وغيره.

[644]

63 - وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (1) - وهو من كتبهم المعتبرة المتداولة التي عليها اعتمادهم - روت طائفة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي عليه السلام (2): لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (3). 64 - قال (4): وكان علي عليه السلام يقول: والله إنه لعهد النبي الامي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق (5). 65 - وقال (6): قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (7). 66 - وقال (8): روى عمار الدهني، عن الزبير (9)، عن جابر، قال: ما كنا نعرف المنافين إلا ببغض علي بن أبي طالب (10)، ثم قال - بعد ذكر أخبار كثيرة


(1) الاستيعاب المطبوع بهامش الاصابة 3 / 37. (2) في المصدر: الترضية، بدلا من التسليم. (3) جاء في مصادر جمة، كما في كنز العمال 11 / 598، حديث 32878، وصفحة: 622 من ذلك المجلد، حديث 33028، وصحيح الترمذي 5 / 643، حديث 3736، ولاحظ بقية روايات الباب، ومجمع الزوائد 9 / 133، وما سبقها ويلحقها من روايات، وحلية الاولياء 1 / 98 و 4 / 95 و 7 / 195 في فضائل علي عليه السلام، وانظر مصادر اخرى في الغدير 10 / 278 وغيره. (4) ابن عبد البر في الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 3 / 37. (5) وانظر: صحيح البخاري 5 / 22، باب مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام، وصحيح مسلم 4 / 1870، حديث 2404، وكتاب 44، باب 4، حديث 30 وما بعده، وصحيح الترمذي 5 / 632، حديث 3712 وما يليه، وسنن سعيد بن منصور 2 / 178، حديث 2472. (6) الاستيعاب المطبوع بهامش الاصابة 3 / 46. (7) وجاء بهذا المضمون في الجامع الصغير للسيوطي 2 / 554، حديث 8319، وذكر له في الغدير 3 / 35 مصادر اخر. (8) في الاستيعاب 3 / 46 المطبوع على هامش الاصابة. (9) في المصدر: روى عمار الذهبي، عن ابن الزبير. (10) وصرح به في مجمع الزوائد 9 / 132، ومستدرك الحاكم 3 / 129، ولا حظ ما بعده من الروايات، وفصلها ومصادرها في الغدير 3 / 183.

[645]

أخرى في فضائله عليه السلام -: ولهذه الاخبار طرق صحاح قد ذكرناها في موضعها (1). 67 - وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج (2)، عن شيخه أبي القاسم البلخي، أنه قال: قد اتفقت الاخبار الصحيحة التي لا ريب عند المحدثين فيها أن (3) النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام (4): لا يبغضك إلا منافق ولا يحبك إلا مؤمن (5). أقول: سنورد في المجلد التاسع في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه (6) تلك الاخبار وغيرها مما يدل على ما نحن بصدده من طريق الخاصة والعامة، وإنما أوردت هاهنا قليلا منها من كتبهم المعتبرة المتداولة لئلا يحتاج الناظر في هذا المجلد إلى الرجوع إلى غيره، وكفى في ذلك مما (7) ذكروه متواترا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوم غدير خم: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (8). الثالث: إنه عليه السلام صرح في كثير من الروايات السالفة بأن الخلافة


(1) قال في الاستيعاب المطبوع بهامش الاصابة 3 / 51:.. وفضائله لا يحبط بها كتاب، وقد أكثر الناس في جمعها، وقال قبل ذلك: 48:.. وخطبه ومواعظه ووصاياه لعماله - إذا كان يخرجهم إلى أعماله - كثيرة مشهورة لم أر التعرض لذكرها لئلا يطول الكتاب.. وهي حسان كلها.. إلى آخره. (2) شرح النهج 4 / 83 بتصرف. (3) في المصدر: لا ريب فيها عند المحدثين على أن.. (4) لا توجد: لعلي عليه السلام، في شرح النهج، ولكن السياق دال عليه. (5) انظر: الغدير 10 / 278، وقال في النهاية 1 / 161: وفيه: ان داود سأل سليمان عليهما السلام ويبتار علمه.. أي يختبره ويمتحنه، ومنه الحيث: كنا نبور أولادنا بحب علي رضي الله عنه. (6) بحار الانوار 37 / 290 - إلى آخر المجلد -، والمجلد الثامن والثلاثون طرا. (7) إن مادة الكفاية تستعمل بالباء كقوله تعالى: " كفى بالله شهيدا "، وتستعمل ب‍: من، كقولهم: كفاك من رجل.. أي حسبك، لاحظ القاموس 4 / 383. (8) وانظر كنز العمال 13 / 104، حديث 36340 وما يتلوه من احاديث، وقد مرت مصادر حديث الغدير مفصلا، وذكر بعضها العلامة الاميني في الغدير 1 / 186، 193، 204، و 3 / 25، فراجع.

[646]

كانت حقا له، وإنه كان مظلوما فيها، فلو كان عليه السلام يرى إمامتهم حقا وخلافتهم صحيحة ومع ذلك يتألم ويتظلم ويقول إنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، ويصرح بأنه لو كان له أعوان لقاتلهم ولم يقعد عن طلب حقه، لزمه إنكار الحق والرد على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، والحسد (1) عليهم بما آتاهم الله من فضله، والجمهور - مع علو درجتهم في النصب - لا يمكنهم التزام ذلك، فبعد ثبوت التألم والتظلم لا تبقى لاحد شبهة في أنه عليه السلام كان معتقدا لبطلان خلافتهم، وقد تواترت الاخبار بيننا وبينهم في أنه عليه السلام لم يفارق الحق ولم يفارقه - كما سيأتي في أبواب فضائله عليه السلام (2) - وقد اعترف ابن أبي الحديد (3) وغيره بصحة هذا الخبر بل تواتره. وقال الشهرستاني (4) في جواب استدلال العلامة رحمه الله بقوله صلى الله عليه وآله: اللهم أدر الحق معه حيث ما دار (5).. وغيره مما سبق ما هذا لفظه: إن هذا شئ لا يرتاب فيه حتى يحتاج إلى دليل. وحديث الثقلين أيضا متواتر كما ستعرف في بابه (6)، وهو كاف في هذا الباب. وهل كان غصبهم الخلافة وصرفها عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله


(1) لعلها تقرء في (س): الحقد. (2) بحار الانوار 38 / 26 - 40. (3) في شرحه على نهج البلاغة 2 / 297. (4) شرح كشف الحق: (5) نهج الحق وكشف الصدق 1 / 224، وعد له مصادر في الغدير 10 / 48. وقال الشهرستاني في الملل والنحل: 27:.. وبالجملة كان علي رضي الله عنه مع الحق والحق معه. وانظر: اسد الغابة 4 / 20، السيرة النبوية لابن هشام 2 / 100، تاريخ الطبري 2 / 197، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 561 و 3 / 236، الفصول المهمة: 38، وغيرها. (6) بحار الانوار 23 / 104 - 166، و 5 / 68، وانظر: إحقاق الحق 4 / 436 - 443، 6 / 341 - 344، و 7 / 472، و 9 / 309 - 375، وغيرها.

[647]

قبل دفنه، وهمهم بإحراق بيتهم، وسوقه لامير المؤمنين عليه السلام بأعنف العنف إلى البيعة، وتكذيبه في شهادته، ودعوى الموآخاة، وتهديده بالقتل وايذاءه في جميع المواطن، وغصب حق فاطمة عليها السلام وتكذيبها وقتل ولدها، وقتل الحسن والحسين صلوات الله عليهما.. من مقتضيات وصية نبيهم صلى الله عليه وآله فيهم ؟ ! !. ولعمري ما أظن عاقلا يرتاب بعد التأمل فيما جرى في ذلك الزمان في أن القول بخلافتهم وخلافته عليه السلام متناقضان، وكيف يرضى عاقل بإمامة إمامين بحكم كل منهما بضلال الآخر ؟ !. وقد روى محمد بن جرير الطبري في تاريخه (1): أن عمر بن الخطاب كان يقول يوم السقيفة: أيها الناس ! بايعوا خليفة الله، فإن من بات ليلة بغير إمام كان عاصيا، ولا ريب في تخلفه عليه السلام عن بيعتهم مدة طويلة كما عرفت. حكاية ظريفة تناسب المقام: روى في كتاب الصراط المستقيم (2) وغيره أن ابن الجوزي قال يوما على منبره: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عما روي أن عليا عليه السلام سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع ؟ فقال: روي ذلك، قالت: فعثمان ثم (3) ثلاثة أيام منبوذا في المزابل (4) وعلي عليه السلام حاضر ؟. قال: نعم. قالت: فقد لزم الخطأ لاحدهما. فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك (5) فعليك لعنة الله، وإلا فعليه. فقالت: خرجت عائشة إلى حرب علي عليه السلام بإذن النبي


(1) بحثنا في تاريخ الطبري أكثر من مرة وفي غالب الموارد المحتملة وفي عدة طبعات فلم نجدها، فلاحظ. (2) الصراط المستقيم 1 / 218، الباب السابع، الفصل التاسع عشر. (3) في المصدر: تم، والمعنى واحد. (4) في الصراط المستقيم: مزابل البقيع. (5) في المصدر: بعلك، بدلا من: زوجك.

[648]

صلى الله عليه وآله أو لا ؟ فانقطع ولم يحر جوابا. حكاية أخرى: قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (1): حدثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن عالية (2)، قال: كنت حاضرا عند إسماعيل بن علي الحنبلي الفقيه - وكان مقدم الحنابلة ببغداد (3) - إذ دخل رجل من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة، فانحدر إليه يطالبه فيه (4)، واتفق أن حضر يوم زيارة الغدير (5) - والحنبلي المذكور بالكوفة (6) - ويجتمع بمشهد أمير المؤمنين عليه السلام من الخلائق جموع عظيمة تتجاوز حد الاحصاء. قال ابن عالية: فجعل الشيخ إسماعيل يسائل ذلك الرجل ما فعلت.. ؟ ما رأيت.. ؟ هل وصل مالك اليك.. ؟ هل بقي (7) منه بقية عند غريمك.. ؟ وذلك الرجل يجاوبه، حتى قال له: يا سيدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير، وما يجري عند قبر علي بن أبي طالب من الفضائح والاقوال الشنيعة، وسب الصحابة جهارا (8) من غير مراقبة ولا خيفة. فقال له اسماعيل: أي ذنب لهم، والله ما جرأهم (9) على ذلك ولا فتح لهم هذا الباب إلا صاحب ذلك القبر. فقال ذلك الرجل: ومن هو صاحب القبر ؟.


(1) في شرح النهج 9 / 307 - 309، باختصار واختلاف. (2) في المصدر زيادة: من ساكن قطفتا بالجانب الغربي من بغداد، وأحد الشهود المعدلين بها. (3) في شرح النهج: المعروف بغلام بن المنى، وكان الفخر اسماعيل بن علي مقدم الحنابلة ببغداد في الفقه والخلاف.. وهناك سقط كثير. (4) في المصدر: يطالبه به، وهي نسخة على (ك). (5) في المصدر: ان حضرت زيارة يوم الغدير. (6) في النهج زيادة: وهذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة. (7) لا توجد: بقي: في (س). وفي المصدر: هل بقي لك منه. (8) في المصدر: جهارا بأصوات مرتفعة. (9) في (ك): جزاهم، ولا معنى لها.

[649]

قال: علي بن أبي طالب. قال: يا سيدي ! هو الذي سن لهم ذلك وعلمهم إياه وطرقهم إليه ؟ !. قال: نعم والله. قال: يا سيدي ! فإن كان محقا فما لنا نتولى فلانا وفلانا، وإن كان مبطلا فما لنا نتولاه ! ينبغي أن نبرأ إما منه أو منهما. قال ابن عالية: فقام إسماعيل مسرعا فلبس نعليه وقال: لعن الله إسماعيل الفاعل بن الفاعل (1) إن كان يعرف جواب هذه المسألة، ودخل دار حرمه، وقمنا نحن فانصرفنا. الرابع: أن ايذاءه وغصب حقه عليه السلام على الوجه الذي يكشف تظلماته عنه لا ريب في أنه تخلف عن أهل البيت الذين أذهب الله (2) عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والروايات من الجانبين متواطئة على أن المتخلف عنهم هالك (3)، وأنهم سفينة النجاة (4)، وسيأتي في بابه نقلا من كتبهم المعتبرة كالمشكاة وفضائل السمعاني وغيرهما. 68 - وقال العلامة قدس سره في كشف الحق (5): روى الزمخشري (6) - وكان من أشد الناس عنادا لاهل البيت (ع) وهو الثقة المأمون عند الجمهور - بإسناده قال (7): قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: فاطمة مهجة قلبي وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والائمة من ولدها أمناء ربي، وحبل ممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى (8).


(1) لا توجد في شرح النهج: بن الفاعل. (2) لا يوجد لفظ الجلالة في (س). (3) بحار الانوار 10 / 101 و 104، و 23 / 104 - 166 باب 7. (4) بحار الانوار 77 / 276، وقد تقدم في المجلد الثالث والعشرين باب 7: 104 - 106. (5) نهج الحق وكشف الصدق: 227. (6) في مناقبه: 213، وهو مخطوط. (7) في المصدر: قال بإسناده - بتقديم وتأخير -. (8) نقل الحديث عن جملة مصادر من عدة من أئمتهم في إحقاق الحق 4 / 288 و 9 / 198، وجاء في ينابيع المودة: 82، ومقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 59، وغيرها.

[650]

تتميم: ينبغي أن يعلم أن من أقوى الحجج على ضلال خلفائهم الثلاثة إنكار أئمتنا عليهم السلام لهم، وقولهم فيهم بأنهم على الباطل، لاعتراف جمهور علماء أهل الخلاف بفضلهم وعلو درجتهم، ولو وجدوا سبيلا إلى القدح فيهم والطعن عليهم لسارعوا إلى ذلك مكافاة الطعن (1) الشيعة في أئمتهم ولعنهم إياهم، وذلك من فضل الله تعالى على أئمتنا صلوات الله عليهم، حيث أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، حتى أن الناصب المعاند اللغوي الشهرستاني قال في مفتتح شرح كتاب كشف الحق (2) - بعد ما بالغ في ذم المصنف قدس الله روحه -: ومن الغرائب أن ذلك الرجل وأمثاله ينسبون مذهبهم إلى الائمة الاثنى عشر رضوان الله عليهم أجمعين وهم صدور ايوان الاصطفاء، وبدور سماء الاجتباء، ومفاتيح أبواب الكرم، ومجاريع (3) هو اطل (4) النعم، وليوث غياض (5) البسالة، وغيوث رياض الايالة (6)، وسباق مضامير السماحة، وخزان نفوذ (7) الرجاحة، والاعلام الشوامخ في الارشاد والهداية، والجبال الرواسخ في الفهم والدراية..


(1) كذا، والظاهر: لطعن.. (2) كما حكاه في إحقاق الحق 1 / 27 - 28، ثم أجابه قدس سره بما لا مزيد عليه. (3) في الاحقاق: مجاديع. أقول: المجاديح.. جمع المجداح، ومجاديح السماء: أنواؤها، كما في القاموس 1 / 217، وفي الصحاح 1 / 358: والمجدح - أيضا - نجم يقال له الدبران، لانه يطلع آخرا، ويسمى: حادي النجوم، وانظر: القاموس مادة (جدح) 6 / 335 - دار الهداية - فقد فصل في معناه والاول أولى. (4) الهطل: تتابع المطر كما في القاموس 4 / 69، والصحاح 5 / 1850، وجمعه: الهواطل. (5) قال في مجمع البحرين 4 / 220: الغيضة: الاجمة، وهي مغيض ماء يجتمع فيه الشجر، والجمع: غياض وأغياض. (6) الايالة: السياسة، كما في مجمع البحرين 5 / 315. (7) في (ك): نقود.

[651]

ثم ذكر (1) أبياتا أنشدها في مدحهم، ثم ذكر أن الائمة عليهم السلام كانوا يثنون على الصحابة، واستشهد برواية نقلها من كتاب كشف الغمة، وزعم أن الباقر عليه السلام سمى فيها أبا بكر: صديقا (2). 69 - وقال صاحب إحقاق الحق رحمه الله تعالى: إن الحكاية عن كشف الغمة افتراء على صاحبه، وليس فيه من الرواية عين ولا أثر.. (3). ثم نقل عن الكتاب المذكور قول الصادق عليه السلام: ولدني أبو بكر مرتين (4)، وزاد فيه لفظا: الصديق.


(1) شرح كتاب كشف الحق. ونقله عنه في إحقاق الحق 1 / 27 - 29، والابيات هي: شم المعاطس من أولاد فاطمة * علوا رواسي طود العز والشرف فاقوا العرانين في نشر الندى كرما * بسمح كف خلا من هجنة السرف تلقاهم في غداة الروح إذ رجفت * أكتاف أكفائهم من رهبة التلف مثل الليوث إلى الاهوال سارعة * حماسة النفس لا ميلا على الصلف بنو علي وصي المصطفى حقا * أخلاف صدق نموا من أشرف السلف ولا نطيل بشرح الابيات، فراجعها في مظانها. (2) هو ما ذكره في كشف الغمة 2 / 360، عن ابن الجوزي، والرواية عامية، وقد رويت عن عروة ابن عبد الله - وهو مهمل رجاليا - قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: فتقول الصديق ؟ ! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة ! !. وهي كما ترى قاصرة سندا ودلالة وإسنادا، ولا نعلم كيف أنكرها صاحب إحقاق الحق، ولعله افتراء في النسبة إلى صاحب كشف الغمة. وانظر إحقاق الحق 1 / 27 - 29. (3) قال في إحقاق الحق 1 / 64 ما نصه: وأما ما ذكر - من أن ما ذكر صاحب كتاب كشف الغمة فيه إنما ذكره نقلا عن كتب الشيعة لا عن كتب السنة - فهو أول أكاذبيه الصريحة، ومفترياته الفضيحة التي حاول بها ترويج مذهبه الفاسد، وتصحيح مطلبه الكاسد: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ". (4) قال في كشف الغمة 2 / 378 نقلا عن الحافظ عبد العزيز بن الاخضر الجنابذي - وهو من أعلام العامة - قال في ترجمة الامام الصادق عليه السلام:.. وأمه أم فروة، واسمها: قريبة بنت القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولذلك قال =

[652]

ولا يرتاب عاقل في أن القول بأن أئمتنا سلام الله عليهم كانوا يرون العامة - قال في ترجمة الامام الصادق عليه السلام:.. وأمه أم فروة، واسمها: قريبة بنت القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولذلك قال =

[652]

ولا يرتاب عاقل في أن القول بأن أئمتنا سلام الله عليهم كانوا يرون خلافتهم حقا من الخرافات الواهية التي لا يقبلها ولا يصغي إليها من له أدنى حظ من العقل والانصاف، ولو أمكن القول بذلك لامكن إنكار جميع المتواترات والضروريات، ولجاز لليهودي أن يدعي أن عيسى عليه السلام لم يدع النبوة بل كان يأمر الناس بالتهود، وللنصراني أن يقول مثل ذلك في نبينا صلى الله عليه وآله، وبعد ثبوت كون أهل البيت عليهم السلام ذاهبين إلى بطلان خلافتهم، والى أنهم كانوا ضالين مضلين، ثبت بطلان خلافتهم بالاجماع منا ومن الجمهور، إذ لم يقل أحد من الفريقين بضلال أهل البيت عليهم السلام سيما في مسألة الامامة، وإذا ثبت بطلانهم ثبت خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بالاجماع أيضا منا ومنهم، بل باتفاق جميع المسلمين. وأما ما حكي من القول بخلافة العباس فقد صرح جماعة من أهل السير بأنه مما وضعه الجاحظ تقربا إلى العباسيين ولم يقل به أحد قبل زمامنهم، ومع ذلك فقد انقرض القائلون به ولم يبق منهم أحد، فتحقق الاجماع على ما ادعيناه بعدهم. ويدل على بطلانه - أيضا - ما وعده الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله من بقاء الحق إلى يوم الدين (1)، كما هو المسلم بيننا وبين المخالفين.


= جعفر عليه السلام: ولقد ولدني أبو بكر مرتين. وانظر: إحقاق الحق 1 / 64 و 66 - 67. فلفظ الصديق من الحافظ لا الصادق عليه السلام. (1) في قوله عز اسمه: [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] الحجر: 9.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية